صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: الفكر والدعوة
------------------------------------------
العنوان: لقاءات في الفكر والدعوة
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
أعده ورتبه: فهد بن علي بن هاشل السعدي
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/713
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 09 رمضان 1446ه/ 09 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والتنوين الدرقية
لقاءات في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
مع سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
أعده ورتبه
فهد بن علي بن هاشل السعدي (1/1)
صفحة 2
لقاءات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
مع سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخاليايي
المَفْتِي العَامِ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ (1/2)
صفحة 3
[صفحة فارغة] (1/3)
صفحة 4
سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
لقاءات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
مع سماحة الشيخ
أحمد بن محمد الخليالي
المفتي العَامِ لِسَلْطَنَةِ عُمَانَ
أَعدَهُ وَرَتَّبَهُ
فهد بن علي بن هاشيل السعدي (1/4)
صفحة 5
C
وهوم
دق الدالعظيم
سورة الحديد - الآية 4
4 (1/5)
صفحة 6
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين، وعلى الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد
آله
وصحبه
فإن هذا الكتاب يتناول لقاءات ومقابلات أُجريت مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، أحد كبار علماء هذه الأمة، وهو الحريص على سلامتها، الباذل نفسه وماله ووقته لإرشادها وتعليمها، وتعتبر هذه اللقاءات إحدى قنوات عطائه، وغيضاً من فيض علمه وخبرته بأحوال عصره، وهي مختلفة في موضوعاتها ومناسباتها وأوقاتها، تعالج العديد من القضايا، وتطرح العلاج لكثير من المشكلات، وهي مشبعة علماً وفكراً، وإيماناً ويقيناً، وصلاحاً، وإرشاداً تبيّن الطريق الصحيح إلى مرضاة ربّ العالمين.
وإن المتأمل في مجموع لقاءات سماحته يجد أنها لا تكاد تحصر لكثرتها، وبعضها يرجع لأكثر من ثلاثين عاماً من الآن، ولكن كثيراً منها - مع الأسف ـ لم يُحفظ، وجلّ الذي حصلت عليه إنما هو من مطلع القرن الجديد (القرن الحادي والعشرين)، وهو مع ذلك بالمئات، فكيف بما قبل ذلك؟!! عندما كان سماحته أفرغ مما هو عليه الآن (1). ومهما يكن فإنّ هذا الكتاب يحاول لَمْلَمَة ما تبقى من هذه اللقاءات، وكانت خطة العمل فيه كالآتي:
مع
سماحته
(1) سافرتُ مع سماحتِهِ لأكثر من مؤتمرٍ، ورأيتُ كيفَ أنَّ الكثيرين كانوا يتمنون تسجيل لقاءٍ لمدة دقائق فقط، ولكنه كان يعتذر لضيق الوقت وكثرة العمل، وقد سجّل في مؤتمر واحدٍ ـ مع ضغط جدول أعماله صباحاً ومساءً - ما يزيد على عشرة لقاءات تلفزيونية وإذاعية وصحفية. (1/6)
صفحة 7
جمع
اللقاءات من مصادرها المختلفة، سواء كانت في صحيفة أو مجلّة، في تسجيل صوتي أو مرئي، ولعلّ البرنامج الرائع «سؤال أهل الذكر» الأسبوعي في الفضائية العُمانية من أهمّ المصادر لمجموع هذه اللقاءات، حيث إنّ عدداً من حلقاته تتميز بالوحدة الموضوعية.
2 - فرز اللقاءات حسب موضوعاتها الفكر والدعوة، والفقه، والأُسرة والتربية ... إلخ؛ بحيث يختص كلّ موضوع بمجلّد أو مجلدات تبعاً لحجمها.
صياغة بعض العبارات صياغة كتابية؛ بنقلها من أسلوب الإلقاء إلى أسلوب التحرير، وكم كنت أتمنى أن يكون ذلك بقلم الشيخ نفسه لولا كثرة أعماله (1)، إذ أُوتي سماحته مقدرة بيانية بليغة في اللسانين معاً.
وإنما كانت الصياغة في حذف المتكرّر، وإصلاح ما عساه أن يكون سبق لسان، وتعديل العبارات التي تفيد الإلقاء إلى أسلوبها الكتابي، وقد ساهم د. سلطان بن محمد الحراصي في ذلك بجهد يُشكر عليه.
4 - تخريج الآيات والأحاديث، وبيان معاني بعض الكلمات، وتوثيق المراجع والمصادر بقدر الإمكان، ومحاولة استيفاء بيانات كلّ لقاء من اللقاءات من حيث مجرى اللقاء
وموضوعه وتأريخه ومناسبته إن كانت ثمّت، مناسبة كلّ ذلك على حسب المتاح.
وفي الختام أبتهل إلى الله تعالى أن يحفظ لنا شيخنا العلّامة أحمد بن حمد الخليلي بمديد من العمر والصحة، ومزيد من النتاج والعطاء، والحمد لله ربّ العالمين.
فهد بن علي بن هاشل السعدي
ہ رمضان 1429 هـ / 6 سبتمبر 2008 م
صلالة الجديدة - سلطنة عُمان
(1) تفضّل سماحته بمراجعة الكتاب، فأجرى العديد من التعديلات، فجزاه الله خيراً، والشكر موصول إلى أخي/ أحمد الذهلي على ما قام به من دور في مراجعة الكتاب مع سماحة الشيخ. (1/7)
صفحة 8
يرفع الله الذين امنو لكن
وَالَّذِينَ أُوتُوا
دَرَجا
سورة المجادلة - - الآية 11 (1/8)
صفحة 9
b.o
لقاء خاص يتناول سيرة الشيخ العلمية (*)
المحاور: برنامج (واحة المستمعين)، إذاعة سلطنة عمان الموضوع: سماحة الشيخ العلامة الخليلي (نشأته ـ حياته ـ فكره)
التأريخ: 21 جمادى الآخرة 1421 هـ / 19 سبتمبر 2000 م
(*) آثرت أن يكون هذا اللقاء في مطلع جموع النداءات حواه من ريف بسيارة الشيخ العلمية، وإن كان مثله لا يحتاج إلى تعريف
لقاءات
? (1/9)
صفحة 10
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور (المذيع): إنّ حياة شيخنا الجليل العلّامة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة حياة ثرية بمختلف العلوم، وقد جمع من العلوم طول حياته ما أَثْرَى عُمان وطلاب العلم في عُمان، فبارك الله لنا في علمه وبارك لنا فيه، ونفعنا الله بعطائه الخير، وجعل الله لنا هذا العلم اتّباعاً لمنهجه؛ لأنه اتباع لمنهج الحبيب محمد.
نتعرف في هذه الدقائق الطيبة المباركة - التي أتحفنا بها سماحة شيخنا العلّامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - على هذه الحياة الزاخرة بالعلم، المباركة من الله بإذنه تعالى، فيسرنا ويشرفنا أن نرحب به في إذاعة سلطنة عُمان.
سماحة الشيخ الخليلي: أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم، وبارك الله فيكم.
المحاور: سماحة الشيخ أنتم من العلماء الموسوعيين، فلم تقتصروا على علم دون آخر، وهذا فضل من الله الا الله ونعمة عليكم، لا شك أن هذا العلم لم يأتِ هبة بغير جهد، ولا عطاء بغير تضحيات كيف بدأ سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي منذ نعومة أظفاره مع كتاب الله؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
فإني أحييكم بتحية الإسلام الخالدة فأقول لكم جميعاً: السلام عليكم ورحمة
=
الله
بعد:
وبركاته.
هذا وإني لسعيد أن تتاح لي هذه الفرصة، فرصة هذا اللقاء الميمون، من أجل بعض الاستذكار حتى نكون جميعاً مستذكرين لماضينا ومتداركين لما قد يحصل لأي إنسان من الأخطاء في حياته، حتى يسدّ الخلل، ويحرص على إصلاح ما تقدم.
قبل كل شيء أريد أن أقول: بأنّ النّاس يحسنون بي الظن كثيراً، وأنا أَعْرَفُ بنفسي منهم، فأنا لست في المستوى الذي يرفعونني إليه، ولا أعد نفسي من العلماء، وإنما أعد نفسي من صغار الطلبة ولي الشرف أن أكون طالب علم، وأسأل الله الله أن يُبقِيَني طالب علم، وأن يميتني طالب علم، إنه - تبارك وتعالى ـ على كل شيء قدير. (1/10)
صفحة 11
سيرة الشيخ العلمية
أما بالنسبة إلى بداية دراستي فقد كانت على يَدَيْ أَبَوَيَّ، تعلمت منهما القرآن الكريم، ثمّ بعد ذلك انتقلت إلى أحد الشيوخ المجاورين وأخذت منه بعض المبادئ التي تتعلق باللغة العربية، ودرست عليه بعض كتب الفقه والعقيدة، فتعلّمت منه بادئ الأمر (كتاب تلقين الصبيان) (1) فيما يتعلق ببعض المسائل البسيطة في العقيدة وفي الفقه، ثمّ تعلّمت (النحو الواضح)، وحضرت دروسه التي كان يلقنها طلابه شرحاً لبعض الكتب النحوية، من بينها (متن الآجرومية) مع بعض التعليقات المبسّطة، وكذلك (شرح السيد أحمد زيني دحلان) على هذا المتن و شرح العلّامة (الكفراوي) على هذا المتن أيضاً. ودرست عليه أيضاً (ملحة الإعراب) بشرح بحرق عليها، ودرست أيضاً عليه (شرح قطر الندى) و (شرح شذور الذهب) للعلامة ابن هشام، و (جامع أركان الإسلام) (2) الكتب الأخرى.
مع بعض
ثم واصلت المطالعة في الكتب النحوية الأخرى ككتاب ألفية ابن مالك) مع بعض الشروح، وفي مقدمتها (شرح ابن عقيل) مع (حاشية الخضري) و (شرح الأشموني) مع (حاشية الصبان)، وطالعت بعض المطالعات في (شرح ابن النظام)، وهكذا. وكذلك كتاب (مغني اللبيب) للعلامة ابن هشام الذي يعتبر من أهم كتب الإعراب التي تمكن الإنسان من فهم القرآن الكريم، كانت لي عناية به في الماضي، وكذلك بالنسبة لعلم الصّرف درست على هذا الشيخ نفسه (متن البناء) مع بعض التعليقات، ثم (لامية الأفعال للعلّامة ابن مالك، العلّامة بحرق على هذا المتن، ثم كذلك طالعتُ (شرح مع بنفسي بعض الكتب، ومن بينها (مقاليد التصريف الذي هو ألفية في علم الصرف للمحقق الخليلي مع شرحه عليها.
وهكذا تدرّجت بعد ذلك في مطالعة الكتب الفقهية وكتب أصول الفقه بقدر المستطاع، واعتنيت بكتب الحديث، من بينها (صحيح الإمام الربيع وشرحه للبدر أبي ستة ونور الدين السالمي) و (صحيح الإمام (البخاري مع شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني عليه إلى غير ذلك بقدر المستطاع.
(1) للإمام نور الدين السالمي رحمة الله عليه.
(2) للشيخ سيف بن ناصر الخروصي (ت: 1341 هـ 1923 م). (1/11)
صفحة 12
12
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
المحاور: ما شاء الله أعلم يقيناً أن سماحتكم لا يرغب بل يتحرج في الحديث عن سيرة حياته، ولكن هذه الحياة الطيبة المباركة ليست خاصة بسماحتكم، فقد أعطيتمونا من العلم الكثير، وحياتكم أيضاً وهذه السيرة الطيبة هي علم وقدوة لنا وللأجيال القادمة - إن شاء الله -، ولا شك بأنّ الإنسان بذاته هو أقوى دارس وأقوى ملقن لنفسه، يعني اعتمدتم سماحتكم كثيراً على قراءتكم وعلى دراستكم للكثير من الكتب والمؤلفات وأمهات الكتب، هل هذا كان في معزل عن بعض العلماء في حين من فترات حياتكم؟
طبعاً من كان الوقت متاحاً في كل ظرف من الظروف للجلوس إلى أهل العلم، ولذلك كنتُ أعتمد المطالعة على الجهد الذاتي في أغلب الأحيان، فاعتمدتُ
في
على المطالعة الفردية في كتب التفاسير والحديث والفقه وأصوله وغير ذلك.
المحاور: نعم، مدرسة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ليست مدرسة واحدة، لا في الفقه ولا في التفسير، هل - سماحتكم - كما نتابع من قراءتنا لمؤلفاتكم ومشاهدتنا لمحاضراتكم أيضاً موسوعيون، تقرؤون جوانب مختلفة في الفقه الإسلامي، وفي التفسير، لمدارس فكرية عديدة، وتأخذون من كل بستان زهرة، هل هذه مدرسة متفردة لسماحتكم، أو ينبغي للعلماء أن يكونوا هكذا؟
الإنسان لا بد له إن أراد الاطلاع، وأراد التمكن في أي فن من الفنون أن لا يكون متقوقعاً في مدرسة من مدارس ذلك الفن دون المدارس الأخرى، فقد يجد في هذه المدرسة ما لا يجده في تلك، فلذلك أنا بنفسي أرغب في أن تكون قراءتي قراءة مقارنة، وقراءة نقاش وحوار ما بين المدارس المتعددة المتعلقة بذلك الفن الذي أطالع فيه، وهكذا أوصي، فإن الإنسان من خلال هذا التوسع ومن خلال هذا الاحتكاك، ومن خلال الاطلاع على الأدلة التي تكون عند أصحاب هذه المدرسة أو تلك يمكن أن يأتي بحصيلة أوسع، ويمكن أن يجد بغيته التي ينشدها في مدرسة ما، بينما لو كان منحصراً في مدرسة من المدارس لما أمكن له التوصل إلى هذه
البغية. (1/12)
صفحة 13
سيرة الشيخ العلمية
فلذلك أحثٌ طلاب العلم على أن يكونوا حريصين على التوسّع في المطالعات بقدر المستطاع، وأن يأخذوا المسائل بأصولها، بحيث يبنون الفروع على الأصول، ويعتمدون في كلّ ما يقولونه أو يكتبونه على الدليل الشرعي.
المحاور: نعم، أصبح هناك شتات بين الأمة الإسلامية بعد وجود هذه المدارس الفكرية الإسلامية، سواء القديمة أو الحديثة، وأصبح أعداء الإسلام ينبشون في هذه المدارس ليوقعوا العداوة والبغضاء بين جماعة المسلمين، وأنتم من كبار العلماء الذين شاركتم في الكثير من الملتقيات الفكرية الإسلامية التي تريد لَمَّ الشمل، وجمع الكلمة، والخروج برأي صواب لخير هذه الأمة.
ما الوسائل التي تتخذونها في الدعوة الفكرية الشمولية للأُمة الإسلامية؟ أهم ما ينبغي أن يحمله الإنسان من الهمّ همّ الأمّة، فإنَّ الأُمة إن ضعفت ضعف الدين، إذ الدين يتمثل في الأمة، الأمة فعندما تقوى يقوى الدين، وعندما تضعف الأمة يضعف، ويؤسفنا كثيراً أن نجد في أوساط هذه الأمة الواحدة - الأمة المؤمنة التي جعلها الله ـ تبارك وتعالى ـ ذات كتاب واحد، ورسالة واحدة، ومعتقد واحد، وتؤم جميعاً قبلةً واحدةً ـ من يحاول تشتيت الشّمل، وتمزيق الجمع، وإيجاد أسباب العداوات فيما
بينها.
الناس كثيراً ما يتحدثون عن الأمور الخلافية بين الأمة، ولَيْتَهُم بقدر ما يتحدثون عن هذه القضايا الخلافية يتحدثون عن الجامع الذي يجمع هذا الشتات كم من قضية تجمع الشتات، كم من مبدأ يجمع الشتات لو أُحْسِنَ استغلاله.
أولاً: أركان الإسلام لا خلاف فيها بين الأمة، فشهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً،، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، أمور لا
رسول الله، خلاف فيها.
ثانياً القبلة التى يؤمها المسلمون جميعاً يتجهون إليها في صلاتهم ويقصدونها في حجهم هي قبلة واحدة، تجمع الشتات وتوحد الصف، وبجانب هذا أيضاً الكتاب العزيز الذي هو
13 (1/13)
صفحة 14
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الدستور الخالد لهذه الأمة هو كتاب واحد وهو القرآن الكريم، ولا خلاف فيه من بدايته إلى نهايته، أو مِنْ أَلِفِهِ إلى يَائِه، أو من فاتحته إلى خاتمته، هو لا خلاف فيه بين الأُمة.
مع
ثالثاً: الكلُّ مُجْمعُون على وجوب الأخذ بالسُّنَّة والإجماع عندما تكون دلائل الإجماع واضحة، وإنما الخلاف في أشياء قد يمكن أن نفسرها أنها اشياء جزئية، فلماذا الاتحاد في الكليات لا نتحدّث فيما اتحدنا فيه وفيما اتفقنا عليه، وفيما هذا الشتات الأُمة؟! شتات هذه
يجمع
ظنّه
فهذه الأمور يجب أن تثار، ومع هذا نحن لا نمنع أن يكون هناك حوار في هذه الأمور الجزئية التي ربما وقع فيها خلاف بين الأمة، مع حسن الظن، بحيث يُحسن كل فريق بالفريق الآخر، على أن يكون هذا الحوار هادئاً وهادفاً، لا أن يكون لأجل التشهير أو لأجل غلبة فريق على فريق، بل عندما تكون النوايا صافية ويكون الهدف واضحاً، وتكون الغاية هي جمع الكلمة، لا ريب أن الحوار بهذه الطريقة يؤتي ثماره، ويؤدي إلى نتائج إيجابية بمشيئة الله الله، ونصل إلى الغاية التي ننشدها منذ قديم الزمان.
وتعالى
14 (1/14)
صفحة 15
اللقاء الأول
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: آداب السؤال والاختلاف
التأريخ: 9 و 16 جمادى الثانية 1423 هـ / 18 و 25 أغسطس 2002 م
لقاءات (1/15)
صفحة 16
كُنتُم
سورة الأنبياء - الآية 7 (1/16)
صفحة 17
آداب السؤال والاختلاف
المحاور: في بداية اللقاء سماحة الشيخ نحن بحاجة إلى أن نتعرف على أهمية
السؤال؟
بسم
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن الإنسان مطالب بأن يكون على بينة من أمره وبصيرة من دينه؛ بحيث لا يتقدم خطوة في شيء جاء فيه شرع الله - تبارك وتعالى - إلا وهو على بينة من كون تلك الخطوة التي يخطوها صواباً، ذلك لأن الإنسان لم يخلق هملاً ولم يترك سدى، يقول الله الأَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] فالإنسان خُلق ليضطلع بأمانة كبرى، يقوم بواجباتها ويؤديها حق الأداء إلا إذا كان على معرفة وبصيرة.
لا يستطيع أن وإذا كان النظام الذي ينشئه مخلوق في هذه الأرض لا بد من دراسته حتى يكون دارسه على بينة من أمره لئلا يقع في خطأ في شيء منه، فإن النظام الرباني هو أولى بالدراسة وأجدر لأن يعكف عليه الإنسان حياته كلها، ذلك لأن الحياة تتجدد وأطوارها تتقلب، وهذه الأطوار مع كل تجدد لا تخرج عن إطار حكم الله الا الله، فحكمه يتناول الكليات والجزئيات والدقائق والجلائل من أعمال الإنسان، وقد فرض الله الا الله السؤال في قوله: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43 والأنبياء: 7]، وعندما أقدم قوم على أمر خالفوا فيه الشرع وبخهم النبي، ثم أتبع ذلك قوله: «هلا سألوا فإن شفاء العي السؤال» (رواه أبو داود وابن ماجه)، فالإنسان مأمور بأن يسأل، وأن لا يتقدّم خطوة إلا وهو على بينة من أمره.
لله
هذا ولا ريب أن الإنسان خُلق بطبعه جاهلاً، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم منْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]، ولكن هذا الجهل يتبدد بالسؤال وطلب المعرفة، وقد أجاد الشاعر عندما قال: إذا أنت لم تدر ولم تك بالذي يسائل من يدري فكيف إذن تدري
السؤال هو على قدرٍ من الأهمية، وبقدر اختلاف حكم المسؤول عنه يكون الاختلاف في قدر السؤال، فإن كان واجباً فعله أو واجباً اتقاؤه وقد كان ذلك أمراً حاضراً فهو من الفرائض اللازمة أو الواجبات على حسب اختلاف العلماء هل الفرض هو الواجب أو الواجب أعم من
17 (1/17)
صفحة 18
18
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الفرض؟ وذلك بأن يكون الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب أعم منه بحيث يشمل ما ثبت بالدليل الظني، وإن كان من الأمور التي هي أوسع من كونها واجباً فعلها أو واجباً اتقاؤها فذلك من الأمر المندوب إليه إن كان أيضاً مما يتعلق بجانب الدين، والله تعالى أعلم.
المحاور: سماحة الشيخ أنتم الآن بيّنتم أهمية السؤال وأن الإنسان المسلم مطالب بأن يسأل في أمر دينه، كيف نوفق بين هذه الأهمية وبين ما ورد في بعض الأحاديث من التحذير من كثرة السؤال؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث آخر مبيناً أن هلاك بعض الأمم إنما كان بسبب كثرة سؤالهم (رواه البخاري ومسلم)،
كيف نوفق بين هذا وذاك؟
علينا أن نعرف معنى السؤال لغة وشرعاً، فإن الشرع كثيراً ما الألفاظ يستخدم في أصولها اللغوية وذلك كالصلاة مثلاً، فالصلاة نقلت في الشرع إلى معنى أخص من المعنى اللغوي، ولكن مع ذلك قد تستعمل شرعاً بالمعنى اللغوي كما في قول
الله - تبارك وتعالى -: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] فالمقصود بالصلاة هنا الدعاء، وهذا الأصل في الصلاة كما يدل على ذلك قول الشاعر: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
لأن ذلك مترتب على قوله من قبل: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا ونجد كثيراً في الشرع استعمال الألفاظ التي لها وضع آخر في الشرع أي غير الوضع اللغوي أو وضع أخص من الوضع اللغوي في المعنى اللغوي كما في قول الله تعالى حكاية عن مريم: وإِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26].
والسؤال من حيث اللغة هو الطلب، يقال سأل بمعنى طلب، ولذلك نجد في القرآن الكريم الأمر بإعطاء السائلين، وجعل ذلك من جملة ما شرعه الله الا الله من البرِّ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ عَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، فإن السؤال هنا بمعنى الطلب. (1/18)
صفحة 19
آداب السؤال والاختلاف
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال» (رواه البخاري ومسلم)، يحتمل أن يحمل على هذا المعنى كما حمله على ذلك بعض الشرّاح، ومن المحتمل أن يكون المراد بذلك السؤال الذي فيه تنطع كما كان من بني إسرائيل عندما أُمروا أن يذبحوا بقرة، قيل لهم اذبحوا بقرة، لكنهم أخذوا يتنطعون بالسؤال بحيث يدققون تدقيقاً عجيباً فضُيِّق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، ولو أنهم عندما قيل لهم اذبحوا بقرة تناولوا أي بقرة كانت لكان ذلك مجزياً وكافياً، ولكنهم أخذوا يدققون ويتنطعون، فسألوا موسى الا عندما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، قالوا: {أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يبين لَنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضُ وَلَا بِكْرُ عَوَانُ بَيْنَ ذَلِكَ فَأَفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة: 68]، ولم يكتفوا بها {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاهُ فَاقِعُ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ} [البقرة: 69]، ولم يكتفوا بهذا بل قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبِّكَ يُبَين لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة:]، هكذا ضيق عليهم بقدر ما ضيقوا على أنفسهم، وهكذا كان النبي الله يكره مثل هذه الأمور كسؤال بعض الناس عندما سأله: الحج واجب علينا في كل عام؟ لذلك اشتد النبي صلى الله عليه وسلم وغضب حتى احمر وجهه لأنه لو قال نعم لكان ذلك واجباً وهم لا يقدرون على أن يفعلوا ذلك (رواه الربيع ومسلم).
المحاور: سماحة الشيخ، قد يقول البعض: أصبح الآن معرفة الأحكام أمراً متاحاً لكل أحد من خلال الرجوع للقرآن والسُّنَّة ما داما المصدرين الشرعيين لاستنباط الأحكام، لماذا لا يتاح لأي مسلم إشغال عقله واستثمار هذه المصادر المتاحة أمامه الآن ليستنبط الحكم منه؟
ليس كل أحد قادراً على الاستنباط، فالاستنباط يتوقف على فنون شتى، فمن المعلوم أن الله - تبارك وتعالى - أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واللغة العربية هي أوسع اللغات، فلذلك هيأها الله - تعالى - لتكون وعاء لكلامه، فأنزل بها كتابه، وجاءت ثُنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - بلسان عربي مبين أيضاً، ولكن اللغة العربية دخلها الكثير من العجمة بسبب دخول أمم في دين الله، فلذلك احتاجت اللغة إلى فنون شتى، وقد تسابق الناس إلى خدمتها، وكان العجم أكثر من العرب عناية
19 (1/19)
صفحة 20
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بها، فنحن نجد أن الذين اعتنوا باللغة العربية، ودرسوا فنونها، وبحثوا اشتقاقاتها، ووضعوا اصطلاحاتها معظمهم من العجم، وهذا راجع إلى رغبتهم في معرفة القرآن الكريم، ثم بجانب ذلك هناك طرق للاستنباط، وهذه الطرق قد تكون صعبة إلا على من يسر الله - تبارك وتعالى ـ ذلك له؛ بحيث تمكّن من الوسائل التي تُسهل له هذه المهمة.
والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - لسلامة، فطرهم، ولأنهم صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وعايشوا نزول القرآن الكريم على قلبه - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وعرفوا كيف كانت الآيات تتنزل، ولأي مناسبة كانت تأتي أحكامها، وعرفوا كيف السُّنَّة النبوية ترد؛ كانوا أقدر الناس على الاستنباط، وهم وإن تفاوتوا من حيث الفقه إلا أن ثُمَّ قدراً مشتركاً بينهم في الفقه،، فكلهم فقهاء، وكلهم قادرون على استنباط الأحكام من أدلتها، ثم جاءت طبقة التابعين، وكانوا أقل من الصحابة في ذلك، فلذلك كانوا بحاجة إلى أن يرجعوا إلى الصحابة، وأن يمارسوا هذا الأمر، ثم جاءت طبقة من بعدهم، واحتاج الناس إلى وضع المصطلحات، من أجل أن يفهموا اللغة فهماً دقيقاً، فأخذ الناس يدرسون فنون هذه اللغة بعدما وضعها المصطلحون، ثم احتاج الاستنباط أيضاً إلى دراسة الطرق والوسائل، فإن الأدلة الشرعية منها ما هو مجمل، ومنها ما هو مبين ومنها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، ومنها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد، ومنها ما هو متشابه، ومنها ما هو محكم، ومنها ما هو ناسخ، ومنها ما هو منسوخ، فلذلك كان دراسة الفن الذي يمكّن من ذلك أمراً ضرورياً، فنحن نجد أن العلماء بعد تلك الفترة وضعوا فن أصول الفقه، والصحابة - رضوان الله عليهم - وإن لم يصطلحوا على تسمية هذا خاصاً وهذا عاماً، وتسمية هذا وهذا مقيداً، وتسمية هذا مجملاً وهذا مفصلاً؛ إلا أنهم كانوا على قدر من الذكاء والفطنة، فلذلك كانت الأحكام تجري على ألسنتهم وفق مراد الله - تبارك وتعالى - من غير وجود هذه المصطلحات.
مطلقاً
ولكن أنّى للإنسان الآن وهو يرى الدليل العام أن يأخذ به على أي حال من الأحوال، ولو كان ثُمَّ مخصصات خصصت هذا الدليل، فكم من مخصص خصص العموم، حتى أن العلماء قالوا إنه ما من عام إلا وقد خصص ما عدا بعض العمومات التي لا يجوز تخصيصها، وهي لا تتعلق إلا بجانب العقيدة، أي لا تتعلق بجانب العمل، وكذلك نجد أن (1/20)
صفحة 21
آداب السؤال والاختلاف
المطلقات قيدت، وأن المجملات بينت، وأن هناك منسوخاً وثَمَّ ناسخاً، فلا بد من فهم ذلك، ولا بد من فهم كيفية التخصيص للعمومات، وكيفية التقييد للمطلقات، وكيفية البيان للمجملات، هذه أمور لا يتمكن منها إلا الحاذقون الفاهمون الذين درسوا هذا الفن، وهو فن أصول الفقه.
فاني للعامي أن يأتي إلى القرآن الكريم وهو يجد في تضاعيف كتاب الله - تبارك وتعالى - أحكاماً شتى، هذه الأحكام جاءت عامةً، ولكنها خصصت بمخصصات متعددة، مثال ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: (سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَتِ بَيِّنَتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 1، 2]، جاء حكم الزاني والزانية في كتاب الله أنه الجلد، ولم يفرق القرآن بين محصن وغير محصن، ولكن السُّنَّة النبوية التي أُجمع على صحتها وأخذت بها الأُمة جميعاً خصصت هذا العموم، ودلّت على أن هذا الحكم إنما هو خاص بالبكر، وأما المحصن فلا بد من رجمه، كذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى - في تعداد المحرمات من النساء قال بعد ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) [النساء: 24]، إلا أن السُّنَّة النبوية بيّنت أن ثُمَّ محارم لم يذكرها القرآن الكريم، فلا بد من تخصيص عموم القرآن في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بتلكم المخصصات التي وردت عليه، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها، لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى» (رواه أبو داود والترمذي). كذلك القرآن الكريم عندما تعرّض للمحارم من قبل الرضاع إنما ذكر الأُمهات والأخوات فقط، ولكن السنة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - بيّنت أن المحارم تتعدى ما ذكر القرآن إلى كل ما يحرم من قبل النسب، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (رواه الربيع والبخاري، وثبت عنه: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» (رواه البخاري ومسلم)، وثبت عنه - عليه الصلاة والسلام -:
«إنما الرضاع مثل النسب (رواه الربيع)، إلى غير ذلك، فكان في هذا تخصيص للعموم.
كذلك نحن نجد في القرآن الكريم قوله: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله به} [الأنعام: 145]، فالله - تبارك وتعالى - ذكر هنا أربعة أصناف من المحرمات، وأمر
21 (1/21)
صفحة 22
22
لقاعات
في الفكر و الدعوة
نبيه أن يقول بأنه لا يجد فيما أوحي إليه محرماً إلا ما ذكر هنا، ولكن جاءت مخصصات تخصص هذا العموم بعضها من القرآن نفسه، وبعضها من السُّنَّة النبوية. فمن المخصصات ما جاء في القرآن الكريم، وذلك أن الله - تبارك وتعالى ـ حرّم الخمر وهي من جملة المطعومات، فهذا تخصيص لهذا العموم، كذلك حرّم الحق الله الصيد على المحرم، وهذا من جملة المخصصات، كذلك جاءت السُّنَّة فخصصت هذا العموم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الحمر الأهلية (رواه الربيع والبخاري)، وقال أيضاً: «أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام» (رواه الربيع، فدل ذلك على أن هذه الآية خُصص
عمومها بمخصصات متعددة.
فلو أخذ الإنسان بالعموم الذي يجده في القرآن لوقع في أمر مريج، ولقي من الإشكال أمراً لا يكاد يتصور، ولكن لا بد من النظر في المخصصات والمقيدات والمطلقات، وأسباب النزول، فكل ذلك مما يضطر الإنسان إلى أن يدرس فن أصول الفقه فضلاً عن حاجة الإنسان إلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسُّنَّة، ومعرفة مقاصد الشريعة الإسلامية ليُنزل كل شيء منزله، وليعطي كل شيء حكمه، فمن هنا كان التقول على الله - تبارك وتعالى - بغير علم من أكبر المحرمات، فالله - تبارك وتعالى - قرن ذلك بالإشراك عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
واللغة العربية لا بد من أن يكون الدارس للفقه متمكناً منها حتى ينظر في دلالات الألفاظ من حيث فنون اللغة فنجد أن المجتهد هو بحاجة إلى النحو، وبحاجة إلى الصرف، وبحاجة إلى البلاغة، وبحاجة إلى أصول الفقه، وبحاجة إلى علوم الحديث، وبحاجة إلى فنون مختلفة ليتمكن من الاجتهاد، ونجد كثيراً من الاختلاف بين الفقهاء يُبنى على النظر في بعض الحروف في العربية، وهذا الاختلاف إنما مرجعه إلى النظر في شيء قد يراه الإنسان أمراً بسيطاً، ولكنه في الحقيقة ليس ببسيط، مثال ذلك أن العلماء اختلفوا في التيمم بغير التراب هل التيمم مقيد بالتراب أو يمكن أن يكون بغير التراب من أجزاء الأرض؟ فالذين قالوا بأنه يتيمم بأي شيء كان بالتراب وغير التراب قالوا بأن (من) التي في (منه) في قول الله - تبارك وتعالى -: {فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ فَأَمَسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]، هي (1/22)
صفحة 23
آداب السؤال والاختلاف
لابتداء الغاية، والذين قالوا لا بد من أن يكون تيمماً بتراب يلتصق بالكفين عند ضربهما عليه قالوا بأن (من) هنا للتبعيض. وكذلك الواو في قوله - تعالى -: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: 121]، اختلفوا فيها هل هي للحال أو هي للعطف؟ وبناءً على هذا الاختلاف وقع الاختلاف في حكم أكل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، والله تعالى أعلم.
المحاور: هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء ليحرم» (رواه البخاري ومسلم) نريد إطلالة مختصرة حول ماهية السؤال، ومعنى هذا الحديث.
هذا يرجع إلى ما ذكرناه من التنطع المذموم شرعاً، وذلك أن يأخذ الإنسان في السؤال عن شيء لم يأت به حكم من الله - تبارك وتعالى - سواء كان نصاً في القرآن أو على لسان رسوله، يأخذ في السؤال عنه وهو لم يحرم، فيترتب على هذا السؤال أن يرد شرع بتحريمه، فإن هذا من التنطع، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إشفاقا على أُمته يأمرهم أن يتركوه ما تركهم (1)؛ بحيث لا يسألون عن أشياء لم يرد فيها حكم بتحريمها، فالأصل فيما خلقه الله - تبارك وتعالى وجعل فيه منافع للعباد؛ أن تلك المنافع مباحة لهم، إلا إن دلَّ الدليل الشرعي على رفع هذه الإباحة بتحريم، ثم من ناحية أخرى أن الأمور التي حُرمت في الإسلام هي غالباً أمور محدودة، أمور مقيدة معدودة؛ بخلاف الحل، فإن الحل هو الأصل، ولذلك كان الحل لا ينضبط ولا يتقيد بقيد، والحرمة هي التي تتقيد وتنضبط.
-
فالله - تبارك وتعالى - عندما ذكر المطعومات استثنى أربعة أنواع من حكم الحل في المطعومات، ثم جاءت نصوص أخرى في القرآن الكريم كما ذكرنا تدلُّ على تحريم بعضها، وجاءت أيضاً نصوص قليلة من السُّنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - تدل على تحريم، بعضها وإلا فالأصل أن كل مطعوم نافع، هو حلال ولا يحرم، ثم كذلك نأتي إلى المنكوحات من النساء، فالله - تبارك وتعالى - بين ما يحرم نكاحه من النساء، ثم قال: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، إلا ما جاءت السُّنَّة مبينة أنه
(1) من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسْؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِم عَلَى أَنْبِيائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (رواه البخاري).
23 (1/23)
صفحة 24
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فذلك مخصص لهذا العموم. كذلك أيضاً أنواع اللباس أباح الله - تبارك وتعالى - يحرم، الانتفاع بما خلقه في هذه الأرض {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ومن بين ذلك الملبوسات، بل جاءت نصوص في إباحة أنواع الألبسة الساترة كقوله تعالى: يَنبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 21]، وقوله: {يَنبَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عليكم لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، وإنما جاء تحريم الذهب والحرير على الرجل وتحريم لبسة الخيلاء، وهكذا، فإذن المحرمات هي معدودة، والأصل في الحل الإطلاق بخلاف الحرمة فالأصل فيها أن تكون مقيدة غير مطلقة، فلذلك يمنع الإنسان وهو يرى هذه الأدلة التي تدل على إطلاق الحل وتقييد الحرمة أن يأتي ويأخذ في التنقير والبحث حتى يترتب على سؤاله أنه يرد نص شرعي بتحريم ما لم يكن حراماً من قبل، فهذا هو الممنوع، والله تعالى أعلم.
المحاور: إذا كانت فتوى المفتي تحمل عدة أقوال بدون أن يرجح رأياً من الآراء، فهل يجوز للمستفتي أن يعمل بأيها شاء؟
علينا أن ندرك التفرقة بين مسائل الرأي ومسائل الدين، فمسائل الرأي مجال الاختلاف فيها واسع، ذلك لأنه من المعلوم أن كل واحد من القائلين يتشبث بدليل ولو اختلفوا، ومسائل الرأي إنما هي فيما لم يرد فيه نص قطعي الدلالة وقطعي المتن، قطعية المتن إنما تكون بتواتر النصّ، ومعنى كونه متواتراً أن يتلقاه عدد كبير لا يمكن أن يتواطأ مثلهم على الكذب عادة يتلقونه عن مثلهم فعن مثلهم هكذا حتى ينتهي تلقي هذا النص إلى المعصوم، فمثل هذا النص هو قطعي المتن، ولكن إن كانت دلالته دلالة ظاهرة، وليست دلالة نصيّة كالعام؛ فإنه يكون ظني الدلالة، ولذلك يقولون في العام مثلاً (العام ظني الدلالة ولو كان قطعي المتن)، فإن كان قطعياً من حيث الدلالة ومن حيث المتن؛ ففي هذه الحالة لا يجوز أن يخالف هذا النصّ القطعي من حيث الدلالة ومن حيث المتن، فلا يؤخذ بأي دليل آخر يخالفه نظراً إلى أن الأدلة الظنية لا تقاوم القطعية، وذلك كتحريم الربا مثلاً، أو تحريم الخمر أو تحريم أي شيء من هذا القبيل، فإن هذا الأمر أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يجوز الاجتهاد في ذلك، أي لا يسوغ أن يقول قائل مقالاً يخالف النصّ الشرعي القطعي من حيث الدلالة ومن حيث
?
الأدلة
34
24 (1/24)
صفحة 25
آداب السؤال والاختلاف
المتن، وأما ما عدا ذلك فإن المجال واسع للاختلاف، إذ الأدلة تتعارض أحياناً، فبعضهم يأخذ بهذا الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه، وبعضهم يأخذ بذلك الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه وهكذا، فلذلك تتعدد الآراء في النظر إلى مخصصات العمومات وفي النظر إلى تقييد المطلقات وفي النظر إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية نظراً إلى أن هذه الأدلة أدلة غير نصيّة، فلذلك يقع الاختلاف بين العلماء في المسائل التي تدل عليها.
والمسائل التي هي معدودة من مسائل الرأي، وهي التي يستدلُّ لها بأدلة ظنية، لا يقطع فيها عذر المخالف، ولكن مع هذا كله فإنه من الواجب على الإنسان إن وجد عالماً مجتهداً قادراً على الترجيح أن يرجع إليه، ذلك لأن العالم شأنه كشأن الطبيب، فالطبيب قد يعطي لهذا جرعة، ويعطي لآخر جرعة أخرى مع أن علتهما واحدة إلا أنه ينظر في كثير من الأحوال في الطبائع، فطبائع الناس تختلف هذا طبعه حار يابس، وذلك طبعه حار رطب، وآخر طبعه بارد رطب، وغيره طبعه بارد يابس، فيكون علاج هذا يضر ذلك، وبجانب ذلك أيضاً ينظر الطبيب أحياناً إلى الفصول، وينظر إلى المناخات، وذلك أن المناخ الاستوائي غير المناخ البارد، وهكذا، فلذلك يحتاج الطبيب إلى النظر في طبائع الناس، وفي طبائع المناخات، وفي طبائع الفصول والأزمنة، فيكون العلاج بمقدار ذلك، وهكذا شأن العالم أيضاً، مثال ذلك أن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - جاء إليه رجل، وسأله عن تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم، فأباح له ذلك، وجاءه رجل آخر وسأله نفس السؤال فمنعه من ذلك، وقد لاحظوا أن الرجل الذي أباح له أن يقبل امرأته وهو صائم كان شيخاً؛ أي رجلاً متقدماً في السن، ومن المعلوم أن الشيخوخة مظنّة ضعف الشهوة، والآخر الذي منعه من ذلك كان شاباً، والشاب إنما هو مظنة فوران الشهوة، فلذلك منعه لئلا يجره التقبيل إلى ما هو أعظم منه، وهكذا.
ثم مع ذلك قد تختلف الظروف، وتختلف الأحوال، فنجد الدليل الشرعي يشرع لمصلحة يعلمها الله - تبارك وتعالى ـ، ولا يستطيع أن يطّلع على تلك المصلحة إلا الربانيون من العلماء، ولذلك كان عمر - رضي الله تعالى عنه ـ ينظر في بعض الأحوال، فيحكم بأحكام قد يتبادر أنها مخالفة للتي حُكم بها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر له، مثال ذلك أنه منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر
25 (1/25)
صفحة 26
26
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
وسهم المؤلفة قلوبهم منصوص عليه في القرآن الكريم، على أن اجتهاد عمر إنما كان في تطبيق حكم القرآن لا في أصله فهو له امله لم يقصد المخالفة القرآن، ولم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقصد مخالفة ما أجمع عليه المسلمون في عهد أبي بكر له، ولكن رأى أن سبب ذلك الحكم في القرآن مراعاة غاية لا بد منها، فكانت ضرورة ملاحظتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر له، ولكن بعد ذلك أصبحت امراً لا داعي إليه؛ لأن الزمن تبدل، فسهم المؤلفة قلوبهم إنما شرع من أجل كف شر هؤلاء المؤلفة لما لهم من مكانة اجتماعية عند قومهم فشرع إعطاؤهم من أجل استدرار خيرهم وكف شرهم، والإسلام بعدما قوي وأصبح يغزو الروم والفرس في عقر دارهما لم تكن هناك حاجة إلى أن يعطي هؤلاء مما كانوا يعطونه من قبل، فلذلك منعهم، وقال: (إن ذلك لما كان الإسلام ابن لبون، وأما الآن فقد بزل)؛ أي صار قوياً ليس هو بحاجة إليهم، فهكذا كان اجتهاده مبنياً على أصل أصيل في الحق، فأين هؤلاء الذين يستطيعون أن يفرّقوا بين هذه الدقائق؟ ريب أن ذلك أمر لا يقدر عليه كل أحد، وإنما يقدر عليه العلماء الربانيون المتمكنون من العلوم، القادرون على النظر في الأحكام الشرعية وإنزال كل شيء منزله، ولأجل هذا كانت الضرورة داعية إلى أن يتقيد الإنسان برأي العالم المجتهد في عصره إن وجد العالم المجتهد القادر على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، والله تعالى أعلم.
لا
المحاور: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (رواه البخاري ومسلم من المعلوم سماحة الشيخ أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن المسلمين يأخذون منهم أحكام الدين، فهل ما سكت عنه العالم يسع المسلمين السكوت عنه، فلا ينبغي السؤال عنه مثلاً، على سبيل المثال إذا نزلنا إلى بعض فتاواكم سماحة الشيخ السؤال عن لبس المرأة الجوارب في الصلاة، هذه المسألة لم تكن مثارة من قبل بالشكل الواسع، وكنتم سماحة الشيخ لا تذكرونها بالصورة اللافتة لكن عندما وجه إليكم السؤال عن هذا الموضوع أفتيتم بالفتوى المعروفة، والتي انتشرت بشكل واسع، هل هذه المسألة وغيرها تنطبق على الكلام الذي قلناه من أن ما سكت عنه العالم لا ينبغي السؤال عنه؟ (1/26)
صفحة 27
آداب السؤال والاختلاف
لا، ثم إنني أنا لست بشارع، إنما الشارع وهو الرسول ل ل ل له بأمر الله، وإنما أنا فقط أخذته من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الإسبال وشدّد فيه، وقال: «إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه»، سألته أم سلمة لها عن المرأة؟ فقال: «ترخي شبراً»، قالت له: إذن ينكشف عن قدميها، فقال: «ترخي ذراعاً» (رواه أبو داود والنسائي ورواه الربيع بمعناه)، لذلك أخذنا من هذا الحديث وجوب ستر المرأة لقدميها؛ إذ لو لم يكن ثُمَّ محذور من انكشاف قدمي المرأة لما أمر النبي الله المرأة أن ترخي ذراعاً بعدما أذن لها أولاً أن ترخي شبراً فقط، فإن هذا دليل على هذا الحكم، وهذا لا يدخل في النوع الذي يُنهى عن السؤال عنه، فالمسألة المشكلة يُسأل عنها.
لكن مثال نوع الاسئلة التي يُنهى عنها أن يعطي العالم أو العلماء جواباً عاماً، تندرج تحته أنواع الخصوصات المتعددة، ومع ذلك يأخذ أحد من الناس يدقق ويسأل عن كل خصوص بعينه، هل كذا كذا حكمه؟ هل كذا كذا حكمه؟ ... ، فمثل هذا هو من باب التكلف، ومن باب التنطع الذي لا ينبغي أن يكون.
المحاور: أنتم ذكرتم أن العالم الرباني الذي لديه العلم الواسع هو يفتي للناس، لكن نعود مرة أخرى، هذا العالم الرباني في بعض الأحيان عندما يُستفتى يسرد في أقواله عدة آراء لا يرجح شيئاً منها، هل يصح للمستفتي أن يأخذ بأيها شاء؟ في هذه الحالة ينبغي له أن يسأله - إن كان يعرفه قادراً على الترجيح - ما هو القول الراجح من هذه الأقوال، فإنه مأمور أن لا يأخذ بأي رأي كان حتى يتبيّن
رجحانه إن وجد سبيلاً إلى ذلك، فعليه أن يسأله ما هو القول الراجح عنده بالدليل؟
المحاور: بعض الناس لا يراعون أوقات العلماء، فيتصلون في وقت متأخر من الليل أو في وقت القيلولة أو في أوقات مزعجة يكون العالم فيها منفرداً بنفسه، هل هناك ضوابط لهذه المسائل بحيث ينال العلماء راحتهم فيها؟
لا ريب أن كل أحد يرتاح ويتعب والإنسان - كيفما كان ـ معرض للتعب، وهو بطبعه يحب الراحة في بعض الوقت، فلا بد من مراعاة ذلك، وإنما هذا يمكن
27 (1/27)
صفحة 28
28
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أن يراعى فيه ترتيب وقت معين يكون للسؤال مع إمكان أن يرتب هؤلاء المشايخ العلماء أوقاتهم لتكون منتظمة باستمرار، وهذا لا يمكن إلا أن يكون للمتفرغين لأعمال خاصة تتعلق بالعلم، وهم أولئك الذي يقسمون أوقاتهم بين تدريس وتأليف وإجابة على الأسئلة، فهم الذين يخصصون لهم أوقاتاً خاصة، أما إن كانوا مشغولين بالدهماء ـ أي بجماهير الناس - في قضايا هي بعيدة عن الفقه والدين وغير ذلك فكثيراً ما يكون من العسير أن تنتظم أوقاتهم.
المحاور: سماحة الشيخ، في بعض الأحيان يسأل الإنسان عالماً معيناً في مسألة من المسائل فيفتيه بالرأي الراجح عنده، لكنه ربما لا يقتنع بذلك فيذهب ليسأل عالماً آخر، كالطلاق مثلاً ربما أفتاه عالم بأن الطلاق هنا غير واقع، وأفتاه آخر بأن الطلاق واقع في هذه الحالة، فهل يصح له أن يسأل مرة هذا
ومرة هذا؟
ولماذا هو يفعل ذلك؟! إن كان يلتمس الرخصة فلا ينبغي له ذلك؛ لأنه يبحث عن الرخصة بأي سبيل ولو كانت بزلة لسان (1).
المحاور: بيّن لنا باختصار آداب السؤال؟
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن المسائل إنما يطلب ممن يجيبه على سؤاله أن يوضح له حقيقة ما غمض على فهمه، وهذا يعني أنه يطلب بسؤاله هذا أن يمنحه المجيب علماً في القضية التي يسأل عنها، لذلك كان الواجب أولاً أن يكون سؤاله ينم عن تواضعه ويدل على حرصه على الاستفادة، حتى لا يكون سؤاله سؤال متعالم، ولذلك فإن أحد سلفنا الصالح، وهو الإمام أبو علي
(1) هنا تنتهي الحلقة الأولى من سؤال أهل الذكر في موضوع آداب السؤال، وتبدأ بعدها مباشرة الحلقة الثانية من نفس الموضوع. (1/28)
صفحة 29
آداب السؤال والاختلاف
4
موسى بن علي رحمه الله، قال: إن العالم ليسأل سؤال الجاهل، ويفهم فهم العاقل؛ أي من أدب السؤال ولو كان السائل من أهل العلم إذا سأل من هو أعلم منه أن يكون سؤاله كسؤال الجاهل الذي لا يعرف شيئاً في تلك المسألة، لا أن يكون سؤال متعالم، سؤال تقعر وتنطع، وقد نظم هذا المعنى الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - في قوله: من أدب السـ ـؤال للعفيف
أن يسأل العالم كالضعيف
فالعفيف أي العاقل الكيس الفطن من شأنه أن يسأل وهو عالم كأنما هو جاهل لا يعرف شيئاً.
ثم إن هناك أشياء لا بد من أن يتفاداها السائل، وذلك ألا يكون سؤاله بأسلوب فيه شيء مما يجعل السؤال ساقطاً، والسؤال يسقط بالعديد من الأسباب منها:
أن يكون سؤال تناقض، وذلك أن يكون آخر السؤال ينقض ما جاء في أوله؛ فيسأل مثلاً ما الدليل على أن صار هذا الأمر كذا، مع أن الحقيقة بخلاف ذلك؛ كأن يسأل عن الدليل على أن صار العرض جرماً، وصار الجسم حركة، فإن هذا سؤال فيه تناقض، فالأمر بخلاف ذلك؛ إذ العرض ليس هو من الأجرام؛ لأنه لا يستقل بنفسه، وكذلك الحركة فإنها من الأعراض.
أن يكون هذا السؤال مضطرباً، وذلك أن يدخل الأعم في الأخص، أو أن يكون هذا السؤال فيه إثبات شيء ينفيه المجيب؛ كأن يسأل عن الحجة في إثبات قدم العالم، ومن المعلوم أن المجيب المؤمن لا يقول بقدم العالم.
يجمع سؤالين
أن معاً؛ كأن يقول مثلاً ما الدليل الذي صار من أجله العرض عرضاً وصار من أجله الجسم جسماً؛ بحيث يجمع السؤالين ويطلب لهما إجابة واحدة، فهذا مما يؤدي إلى سقوط السؤال.
إذا كان هذا السؤال سؤال تعنت؛ بحيث لا يريد السائل إلا أن يقول المجيب بأنه لا يعرف تلك المسألة ليكون شامتاً بهذه الإجابة، فمثل هذه الأسئلة لا إجابة عليها، والله تعالى أعلم.
29 (1/29)
صفحة 30
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
المحاور: الرخصة موجودة في الكثير من الأحكام الفقهية وهي تتناسق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا» (رواه البخاري ومسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم ما خُيْرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً رواه البخاري ومسلم)، لكن العلماء لا يظهرون هذه الرخصة بل ينفرون من تتبعها ويزجرون من يسأل عنها، ألا يتناقض هذا مع الحديث الداعي إلى اليسر؟
ما
هي الرخصة في عرف الفقهاء؟ إنما الرخصة هي القول العاري من الدليل، والقول العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يعتد به، إذا لا يعدل طال بالحق عن الدليل إلى غيره، قد نجد من الفقهاء من يقول ورُخّص، ولكن في مصطلحهم أن هذه الرخصة هي قول لم يقم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنسان متعبد باتباع الدليل مع وجوده، فإن كان الدليل قطعياً فتعبده به أمر قطعي، وإن كان ظنيّاً فتعبده به أيضاً أمر ظني، وهو وإن كان لا يُقطع عذره إن خالف الدليل الظني إلا أنه إن كان ذلك تبعاً أنه لا يجوز له اتباع الهوى؛ إذ ليس للإنسان أن يعرض عن الدليل مع قيام
لهواه فلا ريب
الحجة به.
ولا
أنه مع وجود الدليل الشرعي من كتاب الله أو من سُنَّة رسوله سواء كان هذا ريب الدليل نصياً أو كان ظاهراً؛ لا يجوز للإنسان أن يعدل عنه؛ لأن الله - تعالى - يقول: فَإِن تَنَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأْوِيلًا} [النساء: 59]، ويقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، ويقول الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، فليس للإنسان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في سُنَّة رسوله سواء كانت هذه الحجة نصية أو كانت ظاهرة أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قول يخالف الدليل الشرعي أو يسلس قياده لمن أتى بقول من عنده بغير دليل.
كما أن الأدلة أيضاً تتعارض، وقد يكون الدليل الذي استدل به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف؛ لأنه مطالب أن يقارن بين الأدلة، وينظر المرجحات ما بينها فقد يكون هنالك دليل ولكن هنالك ما يدلّ على أنه (1/30)
صفحة 31
آداب السؤال والاختلاف
منسوخ، أي نسخه دليل آخر، فلا تكون الحجة في المنسوخ وإنما هي في الناسخ، كذلك إن كان دليل الرخصة عموماً ودليل العالم الذي لا يترخص خصوصاً، فإن الخصوص يقدّم على العموم، كذلك إن استدلَّ أحد بالإطلاق مع وجود ما يقيد فإنه لا يعدل إلى المطلق مع وجود المقيد؛ إذ المطلق يجب أن يحمل على المقيد، كما أن العام يحمل على الخاص، وهكذا، فهذه الاعتبارات لا بد من النظر فيها، وقد يكون الدليلان متكافئين من حيث قوتهما، ولكن مع ذلك فإن أحد الدليلين يتفق مع مقاصد الشرع فيترجح بذلك، والآخر قد يكون لا يتفق مع مقصد الشارع، فلا بد من مراعاة ذلك، فلذلك من الواجب على الإنسان أن يتفطن لهذه الدقائق، وهي طبعاً لا يدركها العوام.
على أن الذين يأخذون بالرخص هم يريدون التلفيق ما بين آراء أهل العلم؛ ليخرجوا برأي لم يقله أحد من أهل العلم قط؛ بحيث يأخذون من هذا العالم الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من قول الثاني الترخيص في مسألة ثانية، ويأخذون من العالم الثالث الترخيص في مسألة ثالثة، وإذا بما يأتونه خليط من الآراء لم يقله أحد من أهل العلم قط، وفي هذا ما يؤدي إلى فساد الدين، وإلى الميوعة، وهذه أمور لا يرضاها الإسلام قط، والله تعالى أعلم.
المحاور: هناك عدد من الأمور تعد عند علماء معينين في بلد معين من السنن الواجبة التي لا بد من الالتزام بها كالذي يتعلق باللباس أو المظهر أو غيره، بينما تعدّ عند غيرهم سُننا مستحبة، وذلك يحدث حتى في المذهب الواحد، فيتبع أهل كل بلد قول عالمهم، وهذا الواقع موجود، ولك تتفرع عليه مسائل، فهل يمكن أن يقع الخلاف بالفعل في مثل تلك المسائل بحيث تكون عند فريق مستحبة وعند آخرين واجبة؟
العالم مطالب بأن يرجع إلى الدليل، لا أن يتخبط بدون حجة؛ وعليه فلعل من قال بالوجوب وجد الدليل الدال على ذلك، ومن قال بالاستحباب كانت عنده قرينة تصرف ذلك الدليل عن الوجوب إلى الندبية مثلاً؛ لأن الندب يأتي حتى في كلام الله تعالى، فإن هنالك توجيهات ربانية لا تتجاوز أن تكون من باب الندب؛ ذلك كأمره الله
31 (1/31)
صفحة 32
32
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بمكاتبة الأرقاء إن علم مالكوهم فيهم خيراً وذلك في قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم. وَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى عَاتَنكُمْ} [النور: 33]، فإن هذا الأمر هنا إنما هو للندب؛ إذ لا يفرض على الإنسان أن يكاتب رقيقه، ولكن هذا من باب الحث على السبق إلى الفضائل إلى غير ذلك مما جاء حضاً على الخير، مع أن الأصل في كلام الله ـ تعالى ـ وكلام رسوله إن جاء أمراً أن يحمل على الوجوب إلا إن كانت هنالك قرينة تصرفه إلى الندب أو إلى غير ذلك من الوجوه التي يحمل عليها الأمر.
وقد يرى أحد العلماء في شيء قرينة تصرف الأمر مثلاً عن الوجوب إلى الندب، ولا يراها الآخر كذلك، بل يرى أن الأمر هو على أصل وجوبه، فلذلك يحمله على محمله، فيجعله من
الواجب.
المحاور: لكن أليست هذه القرائن شيئاً اصطلح عليه علماء الأصول بحيث
على كل عالم أن يعرفه؟
تختلف وجهات نظر العلماء في القرائن؛ فكثيراً ما نرى مسائل حدثت حتى في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - كاختلاف الصحابة في توريث الجد، من أولئك بنى رأيه على أصل المسألة، كما في المسألة المعروفة عند الفرضيين بمسألة الأكدرية، فقد اختلف فيها الفقهاء إلى نحو ستة آراء من عهد الصحابة ـ رضوان
فإن
كلاً
الله تعالى عليهم
المحاور: إذا التزم أهل كل بلد قولاً معيناً في مثل هذه المسائل التي ذكرتموها قبل قليل؛ نجد في واقع طلبة العلم من يخطئ الطرف الآخر، ولربما يتكلم عليهم، ولربما لا يتولاهم أيضاً، هل يصح له ذلك؟
لا، فالمسائل الفرعية لا يؤدي الاختلاف فيها إلى البراءة، ولا يؤدي الأمر فيها إلى التقاطع، ولا يؤدي إلى قطع العذر؛ فإن ذلك كله مما يتنافى مع دلالة الدليل على الحكم بطريق الظن.
وعلى الناس أن يدركوا أن هنالك مسائل قطعية والمسائل القطعية لا يجوز الاختلاف فيها، (1/32)
صفحة 33
آداب السؤال والاختلاف
فلا يجوز لأي أحد أن يجتهد فيدّعي أن الزنا مباح في حال من الأحوال، أو أن يدعي أن الخمر محللة، أو أن الربا محلل، وليس لأحد أن يجتهد فيدّعي أن قتل النفس التي حرم الله بغير حق محلل، وليس لأحد أن يجتهد فيدعي أن أكل مال الغير غنماً محلل، كل ذلك لا يحل، لأن على الناس جميعاً أن يدركوا أن هذه الأشياء محرمة بالنص وبالإجماع، فلا يجوز الاجتهاد فيها، ولكن هناك مسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وكل ذي رأي من هذه الآراء إنما بني رأيه على ما فهمه من الدليل الشرعي، فنحن نرى مثلاً أن العلماء اختلفوا في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، هل هي حرام أو هي حلال؟ منهم من قال بأنها حرام؛ لأن حديث النبي الله الثابت يقول: «أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام» (رواه الربيع)، ومنهم من يقول لا بل هي محلّلة؛ أخذاً بعموم قوله تعالى: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيَزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، وهؤلاء قالوا وإن كان الحديث يخصص عموم القرآن الكريم إلا أن كلمة حرام قد تطلق أحياناً على معنى التغليظ في الكراهة في اصطلاح بعض أهل العلم، ولربما حمل بعض الناس الحديث على ذلك، وبما أن الحديث أحادي، والأحادي وإن كان يخصص عموم القرآن الكريم إلا أنه قد يتردد بعض الناس في إثبات أصل الحديث وعدم إثباته، لذلك لم يجز لمن أخذ بهذا الحديث، وجعله مخصصاً لعموم القرآن أن يقطع في هذه المسألة عذر مخالفه؛ لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى الشقاق الذي لا يرضاه الله - تعالى - مع أن المسألة كما قلت مسألة رأي.
المحاور: البعض يقرؤون كتباً معينة، فيحسّون أنهم حازوا من العلم ما يناطحون به العلماء، ويثيرون بذلك بلبلة في أوساط أهل العلم، فما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
يجب على طالب العلم أن يتواضع، ويعرف قدره، وأن يقف عند حده، وقد أجاد
الشاعر عندما قال:
لم يقف عند انتهاء قدره
تقاصرت عنه فسيحات الخطا
،
والتواضع إنما هي صفة المؤمن، فالمؤمن لا يتعالى ولا يتكبر والتكبر إنما هو من صفات الكفار والمنافقين، ومع هذا فإن الذي يحذر عقاب الله - تعالى - وسخطه عليه لا بد من
33 (1/33)
صفحة 34
34
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
أن يمنع لسانه، فلا يطلقها حتى تلغ في حرمات الناس وفي أعراضهم، وإذا كانت للناس حرمات عامة وللمسلمين حرمات خاصة؛ فإن للعلماء حرمات أخص، فيجب أن تراعى هذه الحرمات، وأن لا يتطاول عليهم السفهاء والأوغاد، إذ لا يتطاول على العلماء العاملين إلا وغد سفيه كما يقول الشاعر:
ومنزلة الفقيه من
سفيه
فهذا زاهـ ــد في قرب هذا إذا غلب الشقاء على سفيه
كمنزلة السفيه من الفقيه
وهذا منه
د منه فيه
تنطع في م مالفة الفقيه
وقد أجاد الإمام نور الدين السالمي. رحمه الله تعالى ـ إذ نظم معنى البيت الأخير فقال: أبدى تنطعاً على الفقيه
إن غلب الشقاء على سفيه
وعليهم أن يدركوا أن العاقل يتجنب الفتيا بقدر استطاعته إن وجد من يكفيه إياها ولو بلغ ما بلغ من مقامات أهل العلم ومنازلهم، فإنه يتمنى أن يجد الكفاية من قبل غيره، ولا يجرؤ على أن يفتي برأيه ومن تلقاء نفسه، ثم إن الإنسان مأمور بأن لا يقدم على أي أمر كان إلا ببينة وبصيرة، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوَلَيْكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، وقد قرن الله - تبارك وتعالى - التقول عليه بغير علم بالإشراك به عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وقد جاء في الحديث عن النبي الله أنه قال: «من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض، فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق» (رواه الربيع). وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم مع علو أقدارهم، وعظم شأنهم، واشتراكهم جميعاً في الفقه؛ كانوا يتدافعون الفتيا خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم، فكيف بأمثالنا؟! ولكننا لم نجد بداً من أن نجلس في هذا المجلس، ونجيب على الاسئلة، وإلا فكم نتمنى أن يكفينا هذا الأمر العلماء الربانيون الراسخون في العلم الذين هم أولى به منا.
وطلبة العلم واجب عليهم أن يرعوا أقدر العلماء، وألا يتطاولوا عليهم، وأن يقفوا عند على أن طالب العلم عليه أن يدرك أنه طالب، فلا يتطاول على العالم فضلاً عن تطاوله على حكم الله - تعالى - وحكم رسوله الله، فكأين رأينا من أحد يتطاول على
حدودهم، (1/34)
صفحة 35
آداب السؤال والاختلاف
أحكام الله وأحكام رسوله، ثم إذا به من بعد ينقلب على عقبيه، ويصبح في عداد الملاحدة الكفرة، ثم يقضي الله - تبارك وتعالى - عليهم بما هم له أهل من نقمه، وكفى عبرة أنني بنفسي حضرتُ أحد المؤتمرات، وقد تطاول متطاول، كثيراً ما كان يلبس على الناس من خلال بعض المقالات التي ينشرها، ومن بعض التمويهات التي يحاول أن يبلبل بها عقولهم، وقد سمعته يتطاول وهو على منصة ذلك المؤتمر على حكم الرجم للمحصن، ويقول بأن الرجم فرية، وأن أي أحد لا يمكن أن يؤخذ قوله ما دام هنالك دليل من القرآن يدلُّ على خلاف قوله، وهي كلمة حق أراد بها ترسيخ الباطل، إذ مغزاه إنما كان إنكار السُّنَّة النبوية وجحد تأثيرها في تخصيص عمومات القرآن، على أن هذا مما وقع انعقاد الإجماع عليه، وقال في مجادلاته الباطلة: هذا الذي يقوله القرآن: {سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَتِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَأَجَلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 1، 2]، ثم أتبع ذلك قوله: وهل يبقى إسلام لأحد يقول في أمر قال الله - تبارك وتعالى ـ فيه بأنه مبين، وأنه مفروض، وأنه أنزل فيه آيات بينات؟! ثم يأتي هو يقول بأنه مع ذلك يحتاج إلى بيان من جهة أخرى؟! يريد بهذا إنكار السُّنَّة النبوية على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام - وتخصيصها لعموم الآية.
ولكن كانت عاقبة ذلك الرجل أنه بعد مدة ليست بالطويلة كشف عن حقيقة أمره وخبيئة طويته وأسقط قناعه عندما نشر رسالة بثها في الآفاق مدعياً أنه رسول الله، وأنه هو الذي يشير إليه القرآن الكريم في قوله - تبارك وتعالى -: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا اتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ) [آل عمران: 81]، وقال بأن هذه الآية تعنيه هو، وأنه الرسول الذي يأتي بعد النبيين مصدقاً لما معهم، وحاول أن يلبس على الناس من خلال بحوثه التي قدّمها من قبل زاعماً أنه اكتشف أسلوباً أساليب إعجاز القرآن الكريم وهو ما سماه بالإعجاز الرقمي الذي زعم أنه لم يسبق إليه وأنه معجزة رسالته، ولكن الله - تبارك وتعالى ـ قطع دابره، فبعد مدة الله - تعالى. - شأنه على يد من هيأه من عباده لتكون منيته على يديه، وهكذا شأن أولئك الذين يتطاولون على الله، وعلى أحكامه ويريدون أن يبدعوا في دين الله - تبارك وتعالى - ما لم يأذن به الله والله - تعالى - المستعان.
قضى
من
35 (1/35)
صفحة 36
36
{
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: إذا وجدنا رجلاً قرأ كتاباً ثم أخذ يثير البلبلة في أوساط العلماء، ألا نحكم مباشرة على أنه رجل ليست لديه نية صافية في العلم؟
الله - تبارك وتعالى - جعل الظاهر عنواناً على الباطن واللسان كشافاً عن طوايا النفوس، وقد أجاد الشاعر الذي يقول:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وأجاد الشاعر التهامي عندما قال: ثوب الرياء يشف عما تحته
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ف إذا الا تحف صفت به فإنك عار
فمن كان على هذا النحو فهو من أول الأمر ساقط الاعتبار ولا زنة له حسب معايير الحق، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات» (رواه الربيع).
المحاور في المسائل المعاصرة كأطفال الأنابيب والتشريح والتبرع بالأعضاء
وغيرها عادة ما تجتمع المجامع الفقهية، فتصدر فيها فتاوى موحدة بعد مناقشتها، إلا أن كل عالم بعد ذلك يفتي فيها باجتهاده بما يخالف ما اتفق عليه في مجمع الفقه، ومن هنا أيضاً ينبثق سؤال: أليس ما اتفق عليه العلماء في الفقه يعد إجماعاً، فيأخذ أحكام الإجماع الذي يعد المصدر الثالث للتشريع؟
مجمع
لا ريب أن رأي الاثنين من العلماء أقوى من رأي الواحد، ورأي الثلاثة أقوى من رأي الاثنين، وكلما كثر العدد كان ذلك أبعد من مظنة الخطأ والغفلة والوقوع في الزلل، ولكن مع ذلك فإن الإجماع الذي اعتبر حجة وكان يعتبر المصدر الثالث من مصادر التشريع له أوصاف معينة، وذلك أن يُجمع أهل العصر جميعاً، حتى أن بعض العلماء شدّد في ذلك وقال أن يجمع أهل العصر برّهم وفاجرهم، عالمهم وجاهلهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم على حكم معيّن، فهذا هو الإجماع القطعي الذي لا يجوز خلافه مع تواتر ذلك وثبوته وعدم سبق الخلاف فيه، إذ لا بد من أن يكون الإجماع الذي هو حجة غير مسبوق بخلاف في المسألة المجمع عليها، أما إن كان مسبوقاً بخلاف فلا يعد ذلك (1/36)
صفحة 37
آداب السؤال والاختلاف
إجماعاً، ومن المعلوم أن المجامع الفقهية تعتني عناية بالغة بتتبع آراء العلماء الكبار، ولكن لا يعني ذلك أن جميع علماء العصر مشاركون في ذلك المجمع، بل هناك خارج المجمع كثير من العلماء، ثم إنه مع ذلك قد يقع الخلاف في المسألة الواحدة بين العلماء في نفس المجمع، ثم تُعرض الآراء للتصويت، فأي رأي كان نصيبه في الأصوات أكثر من الآراء الأخرى كان هو الذي يؤخذ ويعتد به والإجماع بطبيعة الحال ليس كذلك.
المحاور: إذا اتفق العلماء في مجمع الفقه على مسألة من المسائل، وأصدروا فيها فتوى، ثم اجتهد العالم في أي بلد من البلدان في تلك المسألة، وأفتى بفتوى تخالفهم، هل يجوز للناس في هذه الحالة أن يأخذوا بالرأي الذي أجمع عليه العلماء في المجمع الفقهي أو عليهم لزاماً أن يأخذوا برأي عالمهم؟
الدليل هو الفيصل في هذا، فالذين اتفقوا على رأي في مجمع الفقه لم يقولوا ما قالوه إلا عن دليل، ولكن هذا الدليل قد يكون أحياناً دليلاً وقتياً؛ لأنه كما سبق في الحلقة الماضية (1) قد يقع الاختلاف في مراعاة الظروف بين عصر وآخر؛ إذ لكل عصر ظروفه التي تجب مراعاة خصائصها في الاجتهاد، كما أن الأمكنة أيضاً لها اعتبارات في هذا، فقد تتفاوت ظروف الأمكنة كما تتفاوت ظروف الأزمنة، ومن أجل هذا وقع ما وقع من الاختلاف في التطبيق بين عهد الخلفاء الراشدين وعهد النبوة كما ذكرنا عن موقف عمر - رضي الله تعالى عنه - من بعض القضايا التي كان فيها حكم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل نزل فيها حكم في القرآن، ولكن رأى عمر له له له تطبيق ذلك الحكم في عصره حسب مقتضيات ظروف العصر من حيث إن الحكم شُرع في القرآن وفي السُّنَّة لأجل مراعاة بعض الجوانب التي لا بد من مراعاتها، كحق المؤلفة قلوبهم في الزكاة، فإنه أسقط هذا الحق لا إسقاطاً لحكم الله، ولكنه رأى أنه لا داعي إليه؛ لأنه شُرع من أجل كفاف شر أولئك، ومن أجل اجتلاب ما يمكن أن يجتلب من خيرهم، وذلك في إبان
(1) هذه الحلقة هي ضمن برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عُمان -؛ بتاريخ 9 من جمادى الثانية 1423 هـ، 2002/ 8/18 م؛ وموضوع الحلقة: آداب السؤال. وقد دمجناها مع حلقة هذا اللقاء لكونهما في نفس الموضوع، وفي أسبوعين متتاليين.
37 (1/37)
صفحة 38
38
لقاعات
في الفكر والدعوة
كون الدولة الإسلامية ضعيفة، أما بعدما قوي الإسلام، وأصبح يهد عروش الروم والفرس؛ فإنه لم يعد بحاجة إلى تأليف قلوب أولئك المؤلفة بشيء من المال يعطونه.
فهذه الأمور كلها لا بد من اعتبارها، فالعالم الذي هو في بلده ربما اعتبر أن الأحوال في بلده تختلف عن الأحوال التي راعاها العلماء الذين نظروا ذلك النظر وأفتوا به في المجمع واتفقوا عليه، ويكون هو عدو له عن ذلك الرأي لسبب من هذه الأسباب، والسبب يختلف، فلذلك أنا لا أقول بأنه يلام من أخذ بالرأي الذي قاله العالم بحسب ما رأى من ظروف بلده، ولا يلام أيضاً من أخذ بالرأي الذي ذهب إليه الكثيرون في المجمع؛ لأن هذه المسائل التي يختلف فيها إنما هي مسائل فرعية، وليست من المسائل القطعية، والله - تعالى - أعلم.
المحاور: بعض الناس يتصيدون الرخص، ولربما لهم نية أخرى، فيسألون عالماً من العلماء عن مسألة من المسائل ويعملون بها حيناً من الزمن، ثم يسألون عنها عالماً فيتركون ذلك الحكم ليأخذوا بالحكم الجديد، فهل يصح لهم ذلك؟
ما هو الداعي لتكرار السؤال؟ وما هو الباعث على ذلك؟! هل هذا كله من أجل محاولة التماس الرخص؟ ومحاولة التهرب من الدليل الشرعي؛ أي الانفكاك مما دلّ عليه الدليل الشرعي؟! أو أن المحاولة هي محاولة استفادة علم ومعرفة؟ أما إذا كان ذلك العالم أفتى برأي واحد وفي المسألة آراء متعددة، وهم يريدون الاستفادة من الآراء المتعددة، أو لأنه وقع في نفوسهم أنه ربما كان ذلك العالم عندما أفتى غير حاضر الذهن، فأرادوا التأكد من كونه أفتى بالصواب، إلى غير ذلك من الأسباب التي مشجعة على هذا التصرف، فلا ملام عليهم في ذلك، وأما إن كان المقصود من هذا أن يتصيدوا الرخص، أو أن يوقعوا بين أهل العلم شيئاً من الاختلاف والشقاق، فذلك أمر غير جائز، وعليهم أن يكفوا عنه، والله - تعالى - يعلم سرائرهم.
تعد
المحاور: يحدث خلاف بين العلماء ونحن لا نسميه خلافاً، وإنما نسميه تعدد آراء، لكن بعض الذين يأخذون برأي عالم من العلماء عندما يرون الآخرين قد (1/38)
صفحة 39
آداب السؤال والاختلاف
و
أخذوا برأي عالم آخر يقرعونهم، ويدعون أنهم هم الأفضل وعلى ذلك أن يترك الرأي الذي أخذه، ما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
إن كان الطرف الثاني عوّل على رأي عالم بلغ رتبة من العلم تمكنه من النظر في الأدلة الشرعية وإعطاء الحكم الشرعي بناءً على نظره؛ فليس لهم أن يقرعوه، وليس لهم أن يوبخوه، ولا أن ينالوا منه قط، وإن كان إنما حاول أن يخالف ذلك العالم لهوى في نفسه ورغبة في المخالفة لا غير ذلك فهذه مسألة أخرى، والله يعلم
السرائر.
والمسائل الفرعية يسع فيها الاختلاف، ولا يجوز فيها قطع العذر، ومن قطع عذر أحد فيها قطع عذره لأنها مسائل فرعية، وكل واحد من العلماء يقول بلسان حاله أو مقاله: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، هذا هو قول كثير من العلماء حسبما قرأنا عنهم.
المحاور: الذي يتردد أن الاختلاف بين العلماء رحمة هل هذا الاختلاف في المسائل الفقهية أو أيضاً يشمل المسائل العقائدية؟
الاختلاف في المسائل الفقهية هو اختلاف رحمة، وإذا كانت المسائل العقدية
لا تصل إلى القطع؛ بحيث لم يكن هنالك دليل قطعي لقول أحد من الناس، وإنما كان يترجح رأي من الآراء عند أحد بسبب ما يراه من القرائن التي تؤيد رأيه؛ فالقضية أيضاً لا تتعدى أن تكون قضية رأي، ويجوز فيها الاختلاف.
وأما إن كان الأمر بخلاف ذلك؛ بحيث يردّ أحد دليلاً قطعياً ثابتاً في كتاب الله ـ تعالى ـ أو في سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة، وكانت دلالته نصية، ولم تكن دلالته ظاهرة فحسب؛ فإن هذا هو الاختلاف المذموم الذي لا يجوز، ويكون الاختلاف فيه نقمة بدلاً من أن يكون رحمةً، وأيضاً حتى المسائل الفقهية، لو رد أحد من الناس حكماً فقهياً منصوصاً عليه في كتاب الله ـ تعالى ـ أو في السُّنَّة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يعتبر ذلك الاختلاف رحمة، فالاختلاف الذي هو رحمة إنما هو الاختلاف في فهم
39 (1/39)
صفحة 40
40
لقاعات
في الفكر والدعوة
الأدلة إذا كانت هذه الأدلة ليست نصّية، ويكون أيضاً في ترجيح دليل على دليل إذا كانت هذه الأدلة في نفسها ظنية بحيث كانت ظنية المتن، وذلك كالأحاديث، والله - تعالى - أعلم.
رضي
المحاور: المرأة إذا بلغت مبلغاً من العلم، وتأهلت للفتيا إذا ما تصادم قولها مع قول عالم من الرجال، فبرأي من يؤخذ؟ إذ المعروف بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل.
يؤخذ بالراي الذي يترجح بالدليل، والنساء قد يبلغن في العلم مبلغاً لا يقل عن مبلغ الرجال، فأمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهن ـ عندما كان الصحابة الله تعالى عنهم - يختلفون في الكثير من المسائل لا سيما المسائل التي تتعلق بالنساء أو المسائل التي اطلعت أُمهات المؤمنين على موقف للرسول صلى الله عليه وسلم فيها؛ فإن أولئك الصحابة كانوا يأخذون بعد الاختلاف بينهم بما يصلهم من قبل أُمهات المؤمنين من آراء وروايات، فكم من مسألة وقع فيها الاختلاف بين الصحابة، ولما رفعوا الأمر إلى أمهات المؤمنين فسألوهن أبدين لهم ما كان غامضاً عليهم، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يرجع إلى أُمهات المؤمنين في الكثير من المسائل، بل ربما رجع إليهن حتى في الأمور التي لم يكن فيها نص عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، مثال ذلك أنه مرّ بامرأة في الليل وهي تقول:
ألا طال هذا الليل واسود جانبه إلى آخر الأبيات ...
وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فطلب المرأة، وسأل عن شأنها، فإذا بزوجها فى الغزو وهي بحاجة إلى معاشرته، فسأل ابنته السيدة حفصة ـ رضي الله تعالى عنها ـ عن الزمن الذي يمكن أن تصبر فيه المرأة عن زوجها؟ فقالت له: إنها ينتهي صبرها بمضي أربعة أشهر، فأمر أن لا يبقى غاز في غزوته أكثر من أربعة أشهر إن كانت له امرأة. (1/40)
صفحة 41
آداب السؤال والاختلاف
وكذلك عندما وقع الخلاف بين ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ وأبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو من التابعين وليس من الصحابة، ولكن وقع بينهما خلاف في المعتدة إن كانت حاملاً ووضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشر؛ أي إن كانت مميتة، فقال ابن عباس لا تعتد بأبعد الأجلين، وقال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: بل بوضعها حملها تنتهي عدتها، فجاء أبو هريرة فعرضا عليه الأمر، فقال: أنا مع ابن أخي؛ أي مع
أبي سلمة ابن عبد الرحمن، فأرسلوا رسولاً إلى أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها فأجابتهم بأن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد موت زوجها بليال، وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح من شاءت رواه الربيع والبخاري)؛ إذ اعتبر عدتها قد انتهت هذا مما يدلّ على أن الصحابة كانوا يرجعون إلى أُمهات المؤمنين.
فإن نبغت امرأة وكانت من الفطنة والذكاء والإدراك، والقدرة على الاستنباط والقدرة على فهم الأدلة والترجيح ما بين هذه الأدلة في مكانة لم يصلها عالم من علماء زمانها من الرجال؛ فلا ريب أن قولها يقدّم على قول علماء الرجال.
41 (1/41)
صفحة 42
مزينة الدار اطلاع
يَشْرَحْ صَدَرَهُ لِلإِسلام
سورة الانعام - الآية 125 (1/42)
صفحة 43
اللقاء الثاني
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: العقيدة الإسلامية
التأريخ: 13 محرم 1424 هـ / 16 مارس 2003 م
لقاءات (1/43)
صفحة 44
44
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: ما الذي جعل العقيدة الإسلامية تتقبل ما يأتي به الآخرون الذين دخلوا في الإسلام وحملوا أفكاراً مختلفة من عقائدهم السابقة؟! هل يعني ذلك أن العقيدة الإسلامية فيها فراغات وفيها هوامش لم يملأها المسلمون جيداً، أم ماذا يعني ذلك؟
الله
العقيدة الإسلامية لم تكن هي مستوحاة من المسلمين، وإنما هي وحي - تعالى -، والله - تعالى - ما فرَّط في الكتاب من شيء، ولكن بدأت الأمور بتفسيرات دخلية لنصوص الكتاب من حيث إن الكتاب - العزيز - تحدّث عن كثير من
أخبار الأمم السابقة، وتحدّث عن كثير من أحوال الكون، وهناك من دخل في الإسلام وعنده بعض القصص عن بعض الأمم السابقة، وبعض التصوّرات عن نظام هذا الكون، فأدخل ذلك في تفسير القرآن، وبدا الغزو يدبّ في هذه الأمة من هذه الناحية شيئاً فشيئاً، بل هذا الغزو متصادم مع الكتاب العزيز ومع السُّنَّة النبوية الصحيحة الثابتة التي
يحوم حولها أي ريب.
ولكن مع (
فعلى
ذلك عجبنا كيف وُجِد مَن يروِّج لمثل هذا الفكر حتى راج في أوساط الأمة، سبيل المثال نجد من التحريفات الموجودة في التوراة المحرفة وصف الأنبياء بأقبح الصفات، كوصفهم بأنهم قساة، وقتلة وشهوانيون ... إلى آخره هذه الصفات موجودة في التوراة، وصف لوط بأنه سكر وزنى بابنتيه وحملتا منه (نعوذ بالله وحاشاه عن ذلك)، ووصف يعقوب الا وغيره من الأنبياء بأنهم حسدة وقتلة ... إلى آخره.
ونجد مع
،
الأسف الشديد أن هذه الأفكار انتقلت إلى تفسير كتاب الله، مثلاً فنجد في كتاب الله ـ تبارك وتعالى ـ آيات هي بحاجة إلى ما يبينها وبيانها واضح من نفس الكتاب، ومن الروايات الصحيحة، ومن المقارنة والنظر في الأدلة، ولكن مع ذلك أسلس الناسُ القياد للروايات الباطلة الضعيفة التي دسّها من دسّها، كما نجد ذلك في قصة يوسف علم، فيوسف لال برّأه الله تعالى من أن يكون قد حام حول الفاحشة، وهذا واضح في قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، وقد حكى الله - تبارك وتعالى - عنه قوله: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَنْوَاءٌ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: (23]، وقوله: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33]، (1/44)
صفحة 45
العقيدة الإسلامية
إلى غير ذلك الأدلة من
التي على براءته عالم، لكن وجدنا من المفسرين من
المسلمين من يقول بأن يوسف السلام عندما دعته امرأة العزيز إلى نفسها وعرضت عليه
لله
الوقوع في الفحشاء اء استجاب لها حتى جلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته، وحلّ سراويله، فرأى بعد ذلك آية تردعه عن مقارفة ما دعته إليه، جاء في بعض الروايات أنه رأى كفاً مكتوباً عليها كيف تصنع فعل السفهاء وأنت معدود في الأنبياء؟! ومنهم من قال: إنه رأى يعقوب عاضاً على يده!! إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الروايات، وهي روايات باطلة لا تصح.
وقد أجاد الفخر الرازي في هذا عندما قال: بأن من قال مثل هذا الكلام كذَّب الله - تعالى -، وكذب يوسف، وكذب امرأة العزيز، وكذَّب النسوة، وكذب إبليس، أما تكذيبه الله - تعالى - فإن الله - تعالى - قال: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، وأما تكذيبه ليوسف لا فإنّ يوسف حكى الله - تعالى - عنه أنه قال: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَنْوَاى إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّلِمُونَ} [يوسف: 23] وقال: {رَبِّ السَجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33]، وأما تكذيبه لامرأة العزيز فإنها قالت: {وَلَقَدْ رَوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ فَأَسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32]، ومعنى استعصم امتنع، وأما تكذيبه للنسوة فإن الله - تعالى - حكى عنهن أنهن قلن: حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ [يوسف: 51]، وأما تكذيبه لإبليس فإن إبليس قال: لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83]، ويوسف بشهادة الله - تعالى - هو من عباد الله
المخلصين، فأنت تصل إليه هذه الغواية!!!
وما قيل من أن المراد بقول الله - تعالى -: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24] أنه هم بفعل الفاحشة؛ هو غير صحيح، فإن الهمّ هنا أمرٌ غير هذا، فهي لما عرضت عليه ما عرضت من ارتكاب الفاحشة امتنع امتناعاً قاطعاً عن الاستجابة لها، ولما أصر على الامتناع كبر عليها ذلك لأنه لا يعدو أن يكون غلاماً مملوكاً، وقد جاء به سيده إليها، وجعله تحت تصرفها، وهي تعرض عليه أن تقضي منه وطرها وليس في ذلك ما يشق عليه من حيث الطبيعة البشرية التواقة إلى التفاعل مع مثل هذا الطلب ولكن هو يأبى ذلك، فرأت أن تعاقبه، فهمت به؛ أي همّت أن تضربه وهمّ بها؛ أي هم أن يردّ عليها هذا الضرب لولا أن رأى برهان ربه أي رأى من البرهان ما يدلّ على أنه لو فعل ذلك لظهر
45 (1/45)
صفحة 46
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
عليها أثر الضرب وكان ذلك مما يقوّي حجتها عليه، فلذلك ولى هارباً، فاجتذبته من قميصه فقدت قميصه من دبر، فكان ذلك حجة له عليها.
هذا هو التفسير الصحيح الذي يتلاءم مع الأدلة، وهو أيضاً يتلاءم مع كلمة الهم؛ لأنّ المرأة لا تهم بالمجامعة، إذ هي مفعول بها وليست فاعلة فهي لا تفعل بالرجال، وإنما غاية ما تفعله أن تمكن الرجل من نفسها، وأما الرجل فهو الذي يفعل، فإذا همّها به إنما همها بضربه بعدما امتنع عن الاستجابة لطلبها، وهمّ أن يردّ عليها ذلك؛ أي أن يضربها كما تريد أن تفعل، ولكن رأى من برهان الله - تبارك وتعالى - ما ألقى في روعه وألهمه أنه لو فعل ذلك لانقلبت الحجّة عليه فأولى له أن يفر هارباً.
المحاور: هناك عدد من المفاهيم يقول البعض بأن دعاة المسلمين يوضحونها بصورة تخالف الواقع الذي يعيشه الناس اليوم من بين ذلك يقولون بأن هنالك عداوة مستحكمة بين العقيدة الإسلامية وعقيدة أهل الكتاب حيث إن الصورة المدفوع بها هو أن أصحاب هذه العقيدة لا يحملون شيئاً من الخير للأمة المسلمة، ولكن الذي يشاهده الناس الآن هو أن أصحاب هذه العقيدة يندفعون الآن بأعداد كبيرة للدفاع عن شعوب مسلمة في حين لا يرى شيء من ذلك عند المسلمين بالطرق السلمية نفسها، فهل هذا يشكك في عقيدة المسلم؟
عقيدة المسلم عقيدة واضحة لا غبار عليها، ويجب أن نعلم أن العقيدة الصحيحة التي جاء بها الكتاب المنزّل قبل القرآن الكريم لا تتصادم مع عقيدة القرآن ولا تختلف معها، ولم يكن نسخ في المعتقدات أبداً، وإنما حصل ما حصل من التحريف، وجاء القرآن الكريم ليصوّب هذا الذي حصل؛ ويردّ الناس إلى الجادة التي كان عليها الأنبياء المتقدمون.
ونحن نجد القرآن الكريم ينصف أهل الكتاب فلا يعمم الحكم عليهم بالانحراف جميعاً؛ لأن بعض أهل الكتاب في عصر النبوة أدركوا الحقيقة واتبعوا الحق، بل كانوا على الحق من قبل أن يُنزّل، القرآن فالله - تبارك وتعالى - يقول في هؤلاء: {الَّذِينَ آنَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن (1/46)
صفحة 47
العقيدة الإسلامية
قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبَّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَيْكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَهِلِينَ} [القصص: 52 - 55]، هكذا يصف الله - تعالى - طائفة من أهل الكتاب أنهم اتبعوا الحق، وآمنوا به وارتضوه ولم يفرِّطوا فيه، ويقول الله - تعالى - أيضاً: {لَيْسُوا سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَايَمَةٌ يَتْلُونَ ايت الله وَانَاءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَيكَ مِنَ الصَّلِحِينَ} [آل عمران: 113، 114]، ويقول وَعَلَ: وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ} [المائدة: 82، 83]، إلى آخر ما وصفهم
الله تعالى به.
فهذا ثناء من الله - تبارك وتعالى - على طائفة من أهل الكتاب أنزل فيهم الحق تعالى قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها، وهو مما يدلُّ على إنصاف من كان منصفاً متبعاً للحق حريصاً عليه.
ونحن لا نشك أن كثيراً من الناس على الفطرة، فكثير من الناس لو تبينوا الحقيقة لقبلوها، ولو تبينوا الحق لاتبعوه، ولكن هنالك ضباب حال ما بينهم وبين معرفة الحق، فبما أنهم على الفطرة ينساقون إلى الخير وينساقون إلى الإنصاف.
ونحن نرجو أن يكون هنالك عرض حسن للإسلام من قبل المسلمين، وهذا يتوقف على الأمة أن تصوغ نفسها أولاً صياغة جديدة صياغة تكون مستمدة من القرآن ومن السُّنَّة الثابتة على صاحبها - أفضل الصلاة والسلام. عندئذ تكون هذه الأمة حقيقة بأن تعرض الإسلام الحق، أما وهي على ما هي عليه من الانحراف في الفكر، ومن الاختلاف في المناهج والمسالك، ومن التفرق ذات اليمين وذات الشمال، وإيثار الهوى على الهدى؛
فإن ذلك مما يجعل ظهور الإسلام عند الأمم الأخرى ظهوراً مكتنفاً بضباب كثيف يحجب صورته وملامحه، فلذلك من المهم أن يُقشع هذا الضباب، وأن تسطع شمس الحقيقة حتى يتبين الناس حقيقة الإسلام دين الله - تعالى - الحق.
47 (1/47)
صفحة 48
48
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: هناك كلمات يظهر أنها كلمات كفر، وقد جاءت نتيجة عدم فهم المسلمين لعقيدتهم الإسلامية، فمثلاً البعض يقول لا حول الله، ولا يكملها، والبعض يسمي الشبشب وهي النعل المعروفة ببعض الصفات، يسميها زنوبة، ويقول البعض: إن هذا اسم يهودي، والبعض يقول راعي السباق، فراعنا التي وردت في القرآن الكريم ربما ينطبق عليها هذا الكلام، فهل من نصيحة تقدمونها لهؤلاء؟
على الناس أن يتقوا الله - تعالى - في عباراتهم، فلا يتحدثوا عن الله إلا بما فيه تعظيم الله وتقديس وتنزيه له بحسب ما أذن به الله الله من غير أن ينحرفوا عن ذلك، وليلزموا ما أمروا أن يقولوه، فهم عليهم أن يقولوا لا إله إلا الله، لا أن يقولوا لا إله؛ لأن كلمة لا إله هي كلمة إلحاد تعني نفي الألوهية - تعالى الله عن ذلك ـ، وكذلك عليهم أن يقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله، لا أن يقولوا لا حول ويسكتوا، أو يقولوا الله، ومثل هذه الكلمات كفر وأي كفر، وكذلك سائر الكلمات الكفرية التي لا يعذر قائلها وإن كان جاهلاً، فعليهم أن يتقوا الله.
لا حول
وكذلك الحال في الكلمات التي ربما تثير شكوكاً في معانيها أو يترتب عليها شيء من المفاسد، فعلى المسلمين جميعاً أن يتقوا الله وألا يقولوها، فإن سد الذرائع باب من أبواب الشريعة الإسلامية جاء به القرآن الكريم، وجاءت به السنة النبوية على صاحبها
- أفضل الصلاة والسلام -، والله - تعالى - المستعان. (1/48)
صفحة 49
اللقاء الثالث
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: القربة لغير الله
التأريخ: غرة رمضان 1424 هـ / 27 أكتوبر 2003 م
لقاءات (1/49)
صفحة 50
ايا الحيوي
سورة الفاتحة - الآية 5 (1/50)
صفحة 51
القربة لغير الله
المحاور: هل يندرج النذر للأشجار أو عيون المياه أو مثل ذلك من النذور في دائرة الشرك الذي لا يُغفر كما جاء في قول الله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48]؟
بسم
سيدنا ونبينا محمد وعلى
آله
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصحبه أجمعين، أما
رب العالمين، والصلاة والسلام على
بعد:
فلا
ريب
أن الله - تبارك وتعالى - هو الإله الواحد الذي يُقصد في الملمات، ويُطلب لقضاء الحاجات، إذ هو القادر على كل شيء، المصرّف لهذا الوجود، المدبر لهذا الكون، ولذلك علمنا الله أن نفرده بالاستعانة كما نفرده بالعبادة عندما قال عزّ من قائل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، تعليماً لعباده كيف يوجهون الخطاب إليه ـ سبحانه - ويفردونه في توجيه العبادة إليه وفي استعانتهم به في جميع أمورهم، ومعنى ذلك أن الإنسان كما لا يجوز له أن يعبد غير الله كذلك أيضاً لا يجوز له أن يستعين بغيره.
مع
وجاءت الآيات الكثيرة في كتاب الله - سبحانه - ناعية على المشركين الذين كانوا يتخذون الله آلهة أخرى، فيتقربون إليها بالقرابين والنذور وغيرها، ويشركونها في عبادة الله، ويعتقدونها وسائط بينهم وبينه، فالله الله يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَه الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ) [الرعد: 16]، ويقول الله: (وَلَين سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللهُ قُلْ أَفَرَهَيْتُم ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
ويقول تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكِ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظهير) [سبأ: 22]، ويقول: {قُلْ أَرَهَيْتُمْ شُرَكَاءَ كُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَفُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ أَتَيْنَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتِ مِنْهُ بَلْ إن يَعِدُ الظَّلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} [فاطر: 40]، ثم يتبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]،
ج
-
51 (1/51)
صفحة 52
52
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وفي هذا تنبيه للعقول الغافلة وإيقاظ للمشاعر النائمة بأن الذي يمسك السموات والأرض ويعجز كل من سواه عن إمساكهما تأبى الفطر السليمة أن تجعل له شريكاً في ملكه أو منازعاً له في ربوبيته وألوهيته، فهو الإله الحق وكل ما يعبد من دونه أو يدعى ليس له من الأمر شيء، ويتكرر ذلك في قوله تعالى: {قُلْ أَرَعَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِي السَّمَوَاتِ اثْنُونِي بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صدقين) [الأحقاف: 4]، ثم ينادي على هؤلاء بالضلال ويبيّن أنهم أعمق الناس في الغفلة، وأبلغهم في الحيرة عندما يقول على أثر ذلك: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ} [الأحقاف: 5]، ويتبع ذلك بيان خسرانهم لهذه العبادة إذ لا تجديهم عند المعبودين شيئاً، وإنما تنشأ عنها عداوتهم لهم وكفرهم بعبادتهم وذلك في قوله: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ)
[الأحقاف: 6].
ويبين مثل أولئك الذين يتخذون من دون الله أولياء يدعونهم ويتقربون إليهم، وذلك في قوله: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى انْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
م رو ج روز
وكم تجد في القرآن ما يدلك على أن الله الا الله هو الذي يرفع الضراء، وهو الذي يبتلي من يشاء بما يشاء، فقد قال - سبحانه -: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51] وقال: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَها وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2]، وهكذا تتوالى الآيات لأجل أن تبلور العقيدة الصحيحة والفكر السليم الذي يصل بين العبد وربه الله من غير أن تكون بينهما واسطة، وهذا يعني ضلال أن يتقرب الإنسان بنذر أو قربان أو أي شيء مما كان إلى غيره ـ تعالى ـ، كأن ينذر لعين أو لشجرة أو لحجرة أو لأي شيء يعظمه في نفسه ويرجوه لقضاء حاجته فإنه لا شريك لله في خلقه ولا في أمره.
ونجد من العلماء من بني حكمه على أن ذلك شرك بالله الا الله عندما قال بأن من فعل ذلك وعنده امرأة مسلمة تصبح حراماً عليه؛ لأنّه في حكم المرتد عن الإسلام، ومعنى (1/52)
صفحة 53
القربة لغير الله
ذلك أنها تخرج من عصمته بمجرد صدور ذلك عنه إذ لا يحلّ مشرك لمؤمنة ولا العكس إلا إن تاب ورجع إلى عقيدة الإسلام، وتبرّأ من هذه العقيدة الزائفة التي يعتقدها في الأشجار والأحجار وأخلص لله عبادته ودعاءه.
وأنا أعجب كيف لا يفكّر الإنسان في أنّ هذه الكائنات بأسرها لا تملك منفعة ولا دفع مضرة عن نفسها، فكيف تستطيع أن تحقق ذلك لغيرها!! ولا يختلف اثنان من العقلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل مخلوقات الله يا الله، ومع ذلك فإنّ الله - تبارك وتعالى - يقول له: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، هذا مع أنه عندما أُمر بأن يقول ذلك كان في عنفوان حياته وملء ثيابه، فكيف بغيره؟!! بل كيف بالأموات في القبور؟! وكيف بالأشجار والأحجار وغيرها من الجمادات التي لا تعي ولا تسمع؟! فهذه القضية في منتهى
به
-
الجلاء والظهور.
هذا؛ ومن المعلوم أيضاً أنّ علينا أن نعتقد بأن قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، لا يعني تسويغ ما دون الإشراك، فلا يعني ذلك تسويغ المعصية وأن المعصية التي هي دون الإشراك مغفورة بغير توبة، فإنّ الله تبارك وتعالى - قد قطع دابر هذه الأماني عندما قال: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبٍ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، وهو القائل ناعياً على أهل الكتاب هذا المعتقد الخاطئ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف: 169].
وقد تكررت هذه الآية في سورة النساء مرتين، والسياق هو الذي يدلّ على معناها ويشخصه، فإنها مسبوقة في أحد الموضعين بقول الله الا الله يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ امِنُوا بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] ثمّ تبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وفي الموضع الآخر هي مسبوقة بقوله الله في نفس السورة: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
53 (1/53)
صفحة 54
لقاعات
في الفكر و الدعوة
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ثم ولي ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 115، 116]، فمعنى ذلك أن هذه دعوة إلى الدخول في الإسلام، فالله - تبارك وتعالى ـ لا يغفر الشرك ولو تاب المشرك من أيّ معصية من معاصيه الأخرى، وإنما تغفر المعاصي كلها إذا تاب من شركه، فالإسلام جَبُّ لما قبله. فهي إذاً دعوة للدخول في الإسلام، مع تبشير الذين يستجيبون لهذه الدعوة بأنّ ما سلف منهم من المعاصي إنما يُغفَر بدخولهم في دين الله - الإسلام - كما يقول له: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38]، وهذا يعني كما قلت أن هؤلاء الذين يتوبون من شركهم هم الذين شاء الله - تعالى - أن يغفر لهم ما سلف مما هو دون الشرك بدون توبة؛ لأنّ الإسلام وحده كاف لأن يجب ما قبله.
وبهذا يُجمع ما بين هذا النصّ والنصوص الأخرى التي تؤكّد الوعيد الشديد على الكبائر، وتؤكّد أن المغفور إنما هو الصغائر مع اجتناب الكبائر وعدم الإصرار عليها، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {إِن تَجتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: (31]، والله تعالى المستعان.
54
334
المحاور: الزوجة عندما تعلم أنّ زوجها قدّم قرابين للأشجار أو للمساجد، عندما تعلم بهذه الحرمة واستمرت معه دون ان تنفصل عنه؛ هل معنى ذلك أنها مكثت مع رجل حرام عليها؟
نعم، إذا كان هو يعتقد هذا المعتقد الضالّ الباطل، بحيث يتصور النفع والضر من قبل الشجرة أو الحجرة التي يتقرب إليها، أو من قبل العين التي يقرّب إليها النذور، أو من قبل القبر أو صاحب القبر الميت، أو من قبل الجني الذي يتعلّق به لقضاء حاجته، فالله ـ تعالى ـ يقول: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: 6]، ومثل هذا ما يصنعه جهلة الناس وعوامهم عندما يُصابون بشيء؛ بحيث يأتون ببخور يتقربون به إلى الجن ويقولون لهم إن كان هذا لكم فخذوه، وإن كان لغيركم فادفعوه إليهم أو فأبلغوهم إياه. (1/54)
صفحة 55
القربة لغير الله
المحاور: كيف تكون توبة هذا الإنسان؟
توبة هذا الإنسان بالرجوع إلى عقيدة الإسلام الصحيحة، والتنصل من هذا الأمر، والتبرؤ من هذا المعتقد الباطل، واعتقاد أنّ غير الله تعالى لا يجدي نفعاً
ولا يدفع ضراً.
المحاور: وهل ينطق بالشهادتين مرة أخرى؟
نعم، مع استحضار معنى الشهادتين الصحيح الذي يتنافى مع الإتيان بهذه
الترهات.
المحاور: وهل ترجع الزوجة إليه بدون عقد؟
نعم، ترجع إليه برجوعه إلى عقيدة التوحيد كحكم المرتد، وهنالك من العلماء من قال بأن المرتد يُجدّد له عقد النكاح، والله أعلم.
المحاور: الإمام الذي يصلي بالناس إذا ثبت عنه أنه أتى عرّافاً هل تصح الصلاة خلفه، وقد ورد أنه لا تقبل منه الصلاة أربعين يوماً؟
جاء في الحديث عن النبي: من أتى عرّافاً فصدقه كفر بما أُنزل على محمد (1)، ذلك لأن الله - تعالى - أنزل على عبده ورسوله قوله: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 95]، فالإنسان أياً كان لا يمكن أن يعلم الغيب اللهم إلا أن يُوحى إليه من قبل الله، ولذلك استثنى الله - تعالى - رسله، وبيّن أن ذلك بطريق الوحي لا لأنهم بأنفسهم يعلمون الغيب، فإن الرسل هم كغيرهم من الناس لا يعلمون الغيب إلا بوحي يوحيه الله إليهم، ولذلك قال الله - تعالى -: {عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
(1) سبق تخريجه.
55 (1/55)
صفحة 56
لقاعات
في الفكر و الدعوة
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا} [الجن: 26، 27]، فالرسول إنما يوحي إليه الله ـ تعالى ـ وحياً ينبئه بالغيب، ولا يعلم الغيب بنفسه، كيف والنبي الله الذي هو أفضل الرسل جميعاً، والذي وصفه الله - تعالى - بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107] أمره الله - تعالى - أن يعلن أنه لا يعلم من الغيب شيئاً، فقد قال الله - تعالى - له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا ففَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، فالآية الكريمة هي نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب، وإذا كان هو كذلك فسائر الرسل أيضاً لم يكونوا يعلمون الغيب إلا ما
مَسَّنِيَ
أطلعهم الله عليه بوحيه والله أعلم.
10 (1/56)
صفحة 57
اللقاء الرابع
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الشعوذة والخرافات
التأريخ: 16 و 22 رمضان 1425 هـ / 31 أكتوبر و 6 نوفمبر 2004 م
لقاءات (1/57)
صفحة 58
?
ما لا يغار من في
الـ
?
سورة النمل - الآية 65 (1/58)
صفحة 59
الشعوذة والخرافات
ملك
المحاور الكثير من هذه العلاجات التي يدعيها بعض الناس أو يقولونها مبنيةً على أفكار وحقائق لديهم، أول هذه الأفكار حقيقة تلبس الجن بالإنس كما يسمونها، هذه المسألة دار حولها جدل كثير، بعضهم ينفيها وبعضهم يثبتها، حتى أن بعضهم يعيب على المسلمين انهم يؤمنون بهذه الفكرة على الرغم من أن العالم الآخر الذي يحيط بهم لا يوجد لديه شيء من هذا، فلماذا الجن تأتي إلى المسلمين فقط فتتلبس بهم ولا تأتي إلى غيرهم!! فما حقيقة هذا الموضوع؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن من الواجب على المسلم أن يكون في قرارة عقيدته وملء نفسه أن الكون كله إنما هو لله، فالإنس والجن إنما هم مخلوقون، ومُصرّفون من قبل الله، لا يملك أحدهم أن ينفع أحداً أو أن يضره إلا بأمر الله، ولا يملك أحدهم أن يدفع عن أحد ضراء أيضاً إلا بأمر الله سبحانه وتعالى -، فالتعلق بالجن إنما هو تعلّق بوهم من الأوهام، إذ الله - تبارك وتعالى - يقول: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا} [الجن: 6]، فقد كانت نتيجة الذين كانوا يعوذون برجال من الجنّ من دون الله أن زادوهم رهقاً.
ولعل كثرة اشتغال الإنسان بهذا الجانب، والتعلّق بهؤلاء الذين يعتقد أنهم يصرفون الأمور ويقدمون ويؤخرون ويكونون سبباً للبلاء وسبباً للعافية؛ مما يؤدي إلى هذا الرهق الذي أصاب الكثير من الناس.
هذا؛ ولا بد أن نكون واقعيين لا أن نكون مغالين لا في هذا الاتجاه ولا في ذلك، فنحن لا يمكن أن ننكر أن يكون هناك ضرر من قبل بعض الجن يلحق ببعض الإنس، فهذا مما يدلّ عليه القرآن الكريم، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول حكاية عن عبده أيوب: أَنِي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، فقد يكون الشيطان سبباً لهذا النصب والمشقة والبلاء، ولكن ذلك إنما هو بتسليط من الله، إما ابتلاء بمن يريد أن يبتليه، وإما عقوبة ونكالاً لمن كان حائداً عن طريق الحق كما يقول الله - تبارك وتعالى -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيْطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَنَّا} [مريم: 83].
59 (1/59)
صفحة 60
60
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وهذا لا يقتصر على المسلمين فقط، بل حتى في العالم الغربي، وقد ذكر لي بعض الناس أنه اطلع على فيلم جاء من العالم الغربي خصّيصاً لكشف هذه الناحية التي وجدت عندهم، فلا يقال بأن هذه الأفكار ليست إلا نتيجة شيوع الخرافة عند المسلمين فقط، كما يحلو ذلك لمن يكابر الحقائق بل هي موجودة حتى عند غير المسلمين، ولها شواهد.
إذًا، نحن لا ننكر أن يكون هنالك شيء من التأثير، ولكن ما نوع هذا التأثير؟ ترى طائفة من أهل العلم أنه يتم بدخول الجني في جسم الإنسي؟ وهناك من يرى أن للجان قوة روحية، ومن خلال هذه القوة الروحية يمكن أن يكون تأثيرهم على نفوس الإنس الضعاف أو المبتلاة؛ فيؤدي ذلك إلى أن ينجذب الإنسان انجذاباً لما يمليه عليه هذا الجان فيردده بلسانه، وهذا هو أوضح، فإن الحديث الذي هو خارج عن المألوف قد يصدر عن الشخص المبتلى في أمور بعيدة عن المحيط الذي هو فيه، وقد يتحدّث بلغة غير اللغة التي ألفها كأن يتحدث الأعجمي بالعربية مع أنه ما تحدث في حال صحوة بالعربية قط، أو أن يتحدث العربي بالأعجمية مع أنه ما كان يعرفها ولربما كان لا يختلط بأصحاب تلك اللغة وهذا مما يحصل؛ فمثل هذا إنما الأقرب أن يكون بإيحاء؛ لأن تأثير الجني على الإنسي، أو الشيطان على الإنسان إنما هو تأثير روحاني، فللجان طاقة روحانية هائلة. فمن خلال هذه الطاقة التي جعلها الله - تبارك وتعالى - في الشياطين يمكن أن يكون هذا الإيحاء، وهذا أمر لا يستغرب، لأن الطاقة الروحانية تفعل العجب العجاب حتى ما بين الإنسي والإنسي، فلربما كانت روح أحد من الناس أقوى، فيكون له تأثير غريب على شخص آخر تكون روحه أضعف، ومن هذا الباب التنويم المغناطيسي، فإنه ربما ينام الإنسان بمجرد نظرة من إنسان آخر يفتح عليه عينيه، وأنا قرأتُ في بعض الصحف أن التنويم المغناطيسي قد يكون حتى من خلال الاتصال بالهاتف، وهذا لا يمكن أن يكون مجرد طاقة كلامية عادية، وإنما هي طاقة روحانية مؤثرة، وهو ما لا يمكن أن ننكره.
إلا ان الناس أفرطوا وتجاوزا الحدود، فصاروا كأنهم خلقوا بريئين من كل الأمراض، لا يصاب أحدهم بعلة قطّ ولا يبتلى بأي مرض إلا أن يكون ذلك من طريق الجان، مع أن المرض أمر معهود في البشر، فالإنسان يتقلب في حياته بين الصحة والمرض، وبين البؤس والنعيم، وبين الراحة والتعب، وبين الحزن والفرح، فالإفراط الذي يؤدي بالناس (1/60)
صفحة 61
الشعوذة والخرافات
،
إلى أن يعتقدوا أن كل ما يصيبهم إنما هو من تأثير الجنّ أمر مرفوض، فلو أن أحداً أصيب بوجع في رأسه أو ضرسه، أو أذنه، أو أنفه، أو رجله، أو أي نوع من أنواع الأوجاع؛ قال بأن ذلك من تأثير الجان، ولا ريب أن هذا كلام خارج عن المعقول، فالله - تبارك وتعالى - يبتلي من يشاء بما يشاء، وقد ابتلى الله - تبارك وتعالى ـ النبيين بما أصابهم من الأمراض وبما أصابهم من البلاء وبما أصابهم من الحزن، فيعقوب ابتلي بالحزن بسبب فقده ولده يوسف عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وكذلك ابتلاء أيوب وإن كان هو بنفسه قال: (أَنّ مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) [ص: 41]، ولكن مع ذلك فإنه من الله - تبارك وتعالى -، وإبراهيم ل قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، ونحن نرى هذه العبارة كيف جاءت بما يدلّ على القطع بوقوع المرض، فإنه لم يقل (وإن مرضت، فإنّ (إنّ) تفيد التردد أو الشك بين الوقوع وعدمه، بينما (إذا) تفيد اليقين بالوقوع، فلذا قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، ومعنى ذلك أن المرض أمر معهود في النبيين الصالحين، فكيف بغيرهم؟! فالإنسان من طبعه أن يُبتلى بالأمراض وغيرها من البلاوي المتنوعة من غير أن يتسبب لمرضه أو بلائه إنسي أو جني.
والناس الآن عزبت عنهم هذه الحقيقة فصاروا يعتقدون أن كل ما يصيبهم إنما هو بسحر ساحر، أو بأثر من تلبّس بالجانّ، وهذا خطأ كبير، ونجد الكثير من الناس تركوا العلاج بالوسائل الطبيعية والأدوية المعودة لعلاج أسقامهم، مع أنه لا بد من هذا العلاج، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي وقال: «تداووا عباد الله، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء» (رواه أبو داود والترمذي)، وقال: «لكل داء دواء إلا الموت» (1)، فلكل داء دواء علم الناس ذلك أو جهلوه، وهو موجود في هذا الكون ويمكننا البحث عنه في العالم الذي نعيش فيه؛ حتى الأمراض التي لم يكتشف لها دواء إلى الآن كأنواع من السرطان مثلاً فإنه لا بد من أن يكون لها دواء، إلا الموت فإنّه لا دواء له، وهذا ما دلّ عليه الحديث الشريف عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
(1) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدته بألفاظ أخرى، منها ما رواه أحمد في مسنده: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ»، وما رواه الطبراني في المعجم الكبير: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقْ دَاءَ إِلا خَلَقَ لَهُ شِفَاءَ إِلا السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ.
61 (1/61)
صفحة 62
62
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فالناس مأمورون أن يأخذوا بالوسائل، وقد روي أن داود ا ابتلي بمرض فدعا الله تعالى أن يعافيه، فأمره الله أن يأخذ بالأسباب وأن يتداوى، وهذا لئلا تتعطل سنن الوجود ونواميس
الكون، وإلا فإن الله تعالى قادر على شفائه من غير أن يكون هنالك أي علاج آخر.
ومما يذكره العلّامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» أن شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده كان أصيب بإسهال، واستعصى إسهاله على العلاج، فرأى في منامه أحداً يقول له: اشرب من عين كذا، فشرب منها فعوفي وانقطع الإسهال الذي كان به، فاكتشفوا من بعد أن تلك العين تجري عند نبعها على عروق، وفي تلك العروق علاج للإسهال. فالله - تبارك وتعالى ـ الذي أوجد هذه الأسباب قادر على أن يكشف لعباده من خلال رؤى منامية يرونها ما يدلّ على خيرهم وسلامتهم ويدلّ على علاج أمراضهم، وهو قادر أن يجعل من الشيء البسيط الذي لم يعتد أن يتداوى به الناس علاجاً وشفاء لبعض الناس، فالله - تبارك وتعالى - على كل شيء قدير.
وإنما ركون الناس إلى مثل هذه الأفكار الخاطئة والتعلق بهذه الأوهام هو ناتج عن جهلهم أولاً بالعقيدة الصحيحة، فإن العقيدة الصحيحة تقتضي أن يكون الإنسان واثقاً بربه، متوكلاً عليه، منيباً إليه، معتقداً أنه وحده بيده النفع والضر، وأنه لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن بشيء لم يكتبه الله تعالى له لم يستطيعوا نفعه، ولو اجتمعوا على أن يضروه
ينفعوا أحداً.
بشيء لم يكتبه الله عليه لم يستطيعوا ضره، وهذا الذي دلَّ عليه القرآن، فإن الله تعالى يقول: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) [الأنعام: 17]، ويقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]، ويقول عل: {قُل
لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
فالإنسان المسلم الذي يتعلق بهذه العقيدة الصحيحة، ويثق بمضمونها، يثق أنّ الله - تبارك وتعالى - وحده هو الذي بيده النفع والضر، ويأخذ مع ذلك بالأسباب المادية لئلا يعطل نظام الأسباب والمسببات فلا يهمل العلاج المادي المعروف، ويجعل من جملة الأخذ بالأسباب عياذه بالله تعالى ليعيذه ويكفيه ما يشكوه فإن الإنسان قد يتعرّض لأهوال وأزمات نفسية، ولكن عندما يعوذ بالله الا الله يكشف الضراء عنه، فإن الله عل يقول: (1/62)
صفحة 63
الشعوذة والخرافات
و ألَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات بجانب ما يقرأه من الأوراد والأذكار والآيات والسور الأخرى (رواه البخاري وأبو داود)، وعندما جاءه بعض الصحابة وشكا إليه الأهوال التي يراها في منامه أمره أن يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون» (1).
فالمسلم عليه أن يعوذ بالله، ويستمسك بأمره، ويخلص نيته له، والله تعالى هو الذي يدفع عنه كل ضراء، هذا مع الأخذ بالأسباب الطبيعية المعودة كما ذكرنا.
المحاور: سماحة الشيخ أنتم ذكرتم الآن أن التأثير الذي يكون من الجن في الإنس إنما هو تأثير روحي، كيف يكون هذا التأثير؟ هل يسلب عقل الإنسان؟ هل يجعله مثلاً يتكلم بكلام غريب جداً بعيد عن الحقيقة؟
قد يتكلم بكلام لا يشعر به، فتأثير الشيطان تأثير غريب كتأثير الملك، إذ منح الله تعالى الملائكة طاقة روحانية، فالجانب الروحاني غالب عليهم، فهم نفوس روحانية طيبة، بينما الشياطين نفوس روحانية خبيثة، لذلك كانت الملائكة عندهم طاقة روحانية طيبة والشياطين عندهم طاقة روحانية خبيثة، فهم يتصرفون بموجب هذه الطاقة، ومن ذلك التأثير تأثير الوسوسة فيوسوس الشيطان للإنسان، ويملي عليه حتى يصده عن الحق، ويزين له الباطل ويغريه بالفحشاء والمنكر، وبالجرائم المتنوعة، إذ يكون ذلك بما جعله الله الا الله في الشياطين من طاقة روحانية خبيثة، وجاء في الحديث
وتعالى
عن النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام -: إن للملك لمة بابن آدم، وإن للشيطان للمة» (رواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير وغيرهما)، يعني أن
(1) روى ذلك مالك في الموطأ عن خالد بن الوليد، وأحمد في مسنده، وغيرهما، وجاء في مسند أحمد وغيره على إثر الحديث: «فكان عبد الله بن عمرو يعلمها. من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ومن كان منهم صغيراً لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه».
63 (1/63)
صفحة 64
?
لقاعات
في الفكر و الدعوة
كل واحد من الملك والشيطان له لمة بابن آدم فالشيطان يتوعد الإنسان بالشر ويأمره بالفحشاء، والملك بخلاف ذلك يأمره بالحق وفعل الخير ويعده بالخير. فالتأثير إنما هو تأثير روحاني، أما دخول الجسم في الجسم فهذا مما يستبعد.
المحاور: البعض يقول أن هذه الأمور كلها لم تكن موجودة في العصر الذهبي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الراشدين، وإنما جاءت فيما بعد، هل يعني ذلك أن الناس تنازلوا عن بعض الأمور الشرعية؟
لا نستطيع أن نقول بأنها لم تكن موجودة قط، فالنبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يعوذ بالله من الشيطان، وبعض الصحابة كان تأتيه أهوال في منامه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى ما أرشد إليه (1) كما روى ذلك الإمام مالك في الموطأ، وكذلك المرأة التي كانت تُصرع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت تسأله - عليه الصلاة والسلام - أن يدعو لها فرحب بذلك وقال لها: «إن صبرت على البلاء فلك الجنة» (رواه أحمد وابن أبي شيبة). فرأت أن تصبر على البلاء، ولكن شكت إليه ما يلم بها من التعري عندما يأتيها الصرع، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يبيّن شيء من جسدها.
المحاور: الآن بعدما بيّنتم سماحة الشيخ أن التأثير إنما يكون تأثيراً روحانيا، ما رأيكم في دخول الجني في الإنسي؟
ذلك مستبعد، ولا نقطع عذر من قال به، ولا نخطئه.
المحاور: الآن بعض المعالجين يحكمون - ولا أدري ما أداة حكمهم ومن أين استفادوا ذلك - على المصاب مثلاً بأن فيه جنيّاً أو جنية أو ما شابه ذلك، ويبدؤون في القراءة بصوت عال ويهددون بحرق الجني، فما رأيكم في هذا التصرف؟ ينبغي للمعالج أن يكون عارفاً بعلاج المريض، فقد يكون المريض عنده أزمة نفسية، ولا ينبغي له أن يتسرّع ويقول هذا المرض من الجان.
(1) سبق تخريجه. (1/64)
صفحة 65
الشعوذة والخرافات
ينبغي أن يعالج الأطباء الروحانيون المرضى علاجاً صحيحاً سليماً، فأوّلاً عليهم أن يعالجوا عقولهم بحيث يجردونها من هذه الأوهام، ويعرفونهم بأن الأمر كله بيد الله، وأن من سُنن الله - تبارك وتعالى - في خلقه أن يُبتلى الإنسان وأن يُصاب بأنواع من الأمراض والأسقام والبلاوي والمحن، ولا يعني هذا أن كل ما يصيبه إنما هو من قبل الجان كما يعتقدون، ثم من أين للإنسان أن يحكم بأن هذه العلة هي من الجن؟! فقد يقول أحد من هؤلاء لشخص ما: أصبت في المكان الفلاني في وقت كذا، ومن أين له علم ذلك؟! فإن الله - تبارك وتعالى - وحده هو الذي يعلم الغيب، يقول سبحانه: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65]، فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه، ويقول تعالى: {عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 26، 27] أي أن الرسول من خلال وحي الله تعالى الذي ينزل عليه يتوصل إلى معرفة الغيب، وإلا فما له من قدرة على معرفة بالغيب قط، وكذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى - يقول لنبيه: قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوهُ} [الأعراف: 188]، فالنبي الله على علو قدره ومع كونه يوحى إليه لم يكن يعلم الغيب بذاته، وإنما يأتيه ما يأتيه من علم الغيب من قبل الله الا الله في وحيه إليه فيكشف له ما كان خفياً عليه، ولا يطلع بنفسه له على الغيب، ولا يستطيع أن يحقق لنفسه من تلقاء نفسه منفعة ولا أن يدفع عنها مضرة إلا أن يكون ذلك بأمر الله الله و من عنده عل.
المحاور: ذكرتم الآن سماحة الشيخ أن المعالج لا يجوز له أن يقطع بأن جنياً معيناً أو لبساً معيناً قد حصل لهذا الإنسان وهذا ما يحصل كثيراً ...
نعم، هذا من ادعاء الغيب، وأشد من ذلك أن يقول بأن هذا من سحر ساحر، وأن الساحر فعل كذا كذا، فلا ريب أن هذا من تعاطي الغيب، فمن أين له أن يعلم ان أحداً هذا المصاب حتى أصيب بأثر ذلك السحر؟! وكيف توصل إلى هذه سحر الحقيقة الغيبية؟! مع أن الغيب لا يعلمه إلا الله ولربّما أغرى بعض الناس ببعض من خلال هذا الكلام فلربما أغرى القريب بقريبه، وأشد من ذلك ما بلغني أن أحداً من هؤلاء قصده أحد من الناس وعنده ابنه الصغير يشكو إليه ما يعتريه من أمراض تصيبه ومن بلاوي تأتيه، فقال له بأنه أصيب من خلال سحر سحرته امرأة عجوز في بيتكم،
65 (1/65)
صفحة 66
F
??
لقاعات
في الفكر و الدعوة
حتى
فوجد هذه الصفات أقرب إلى أن تنطبق على أم الرجل، وعندما عاد إلى بيته استقبلته الأم بحنانها وكانت متلهفة إلى ان تسأله عن ابنه لتطمئن على صحته، فدفعها أوقعها في الأرض لما وقر في يقينه من أنها هي وراء مرض ابنه بسبب كلام ذلك الدجال الذي أضل عقله وأغراه بأمه.
فالأمر إذا يؤدي إلى أن تكون قطيعة ما بين الوالد وولده وما بين القريب وقريبه بل يؤدي إلى أشنع العقوق وأقساه، وهذا من الخطورة بمكان، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن لا يقولوا هذا الزور الذي يؤدي إلى الفساد في الأرض، وإلى القطيعة ما بين الأقربين، بل إلى عقوق الأبناء والبنات لآبائهم وأمهاتهم ومعاملتهم بأقسى ما يمكن أن يتصور.
المحاور: قد يؤتى بصبي مريض إلى بعض من هؤلاء المعالجين فيقول إن فيه أم الصبيان، ويظل يعالج ويقرأ عليه وربما يموت ذلك الطفل (أم الصبيان التي يذكرها بعض المعالجين إنما هي تشنّج يصيب الطفل بسبب الحمى ويتعالج رعة)، فإذا توفي ذلك الطفل ما ذنب هذا المعالج الذي ادعى أن فيه أم الصبيان؟ أما إذا كان حال بينه وبين العلاج الصحيح حتى أدى إلى وفاته فهو متسبّب في قتله، وعليه الوزر والضمان.
بسر
المحاور: إحدى الأخوات تقول إن لها أخاً يعاني من مرض في أذنيه ولم يجدوا له علاجاً في المستشفيات، فهل يصح ذهابهم إلى العرافين من أجل معرفة مرضه؟ أما العرّافون فلا، «من أتى عرّافاً فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمد (1)، والقرآن الكريم قطع دابر ذلك عندما قال: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] (2).
(1) رواه أحمد والحاكم، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بلفظ مختلف: «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».
(2) هنا تنتهي الحلقة الأولى من سؤال أهل الذكر في موضوع الشعوذة والخرافات، وتبدأ بعدها مباشرة الحلقة الثانية من نفس الموضوع. (1/66)
صفحة 67
الشعوذة والخرافات
المحاور: كيف يمكن للمسلم أن يعرف المشعوذ والساحر من الذي له علم السر
كما يقال؟
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
وون
هي
أحلك
من
فإن الحق واضحة معالمه نيرة مسالكه سليمة أهدافه، حجته تبهر الأبصار والبصائر بسطوع نورها وإشراق سناها، فهي أظهر من الشمس في رابعة النهار، والباطل مظلمة مسالکه موحشة مرابعة محيّرة معالمه شبهه تذهب بالبصائر والأبصار، سواد الظلام في جوف الليلة الظلماء، ليس له قرار، والحق هو الذي يصرعه كما قال - تعالى -: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقال سبحانه: {لِيُحِقَ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8]، فالله سبحانه أنزل موازين القسط وبيّن الهدى من غيره، وصراطه واضح لا غبار عليه، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطَى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، فكلّ من حاد عن صراط الله الله الذي جعله منهجاً لعباده يصلهم برضوانه عمل هو معدود من الباطل، فالذي يدّعي علم الغيب مردود عليه؛ لأن هذه هي عين الشعوذة، والشعوذة هي مردودة لا يمكن أن تصدق.
كذلك إذا طالب أحد أحداً بشيء يتنافى مع تعاليم الإسلام كأن يطلبه أن يذبح لغير الله؛ كأن يذبح لقبر أو شجرة أو نهر، أو يذبح من أجل التقرب إلى الجن أو إلى غير ذلك مما يتقرب إليه من دون الله الله، فذلك بَيِّن أنه من الشعوذة؛ لأن الذبح لا يكون إلا لله، فإن الله سبحانه يقول: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر} [الكوثر: 2]، فقد قرن سبحانه ما بين الصلاة التي هي أقدس عبادة وما بين النحر، كما قرن تعالى أيضاً بين الصلاة والنسك عندما قال: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، كذلك إذا ادعى مدّع بأنه يستطيع أن يوصل أحداً إلى مراده من شفاء أو غيره بطريق الذبح لغير الله الله فهذا من الشعوذة.
-
أما ما قيل من معرفة السر فإن ذلك أمر بين العبد وبين ربه، فالله - تبارك وتعالى - يختص من يشاء من عباده بما يشاء من ألطافه، من ذلك ما حكاه الله الله في كتابه من
67 (1/67)
صفحة 68
68
لقاعات
في الفكر و الدعوة
قصة الذي كان عنده علم من الكتاب فقد استطاع أن يحضر عرش بلقيس من مكانه إلى حيث كان سليمان (1)، فلا ريب أن هذا أمر غريب، يختلف مع السنن المعهودة والأسباب المعلومة، فكيف انتقل ذلك العرش في لحظه عين من مكانه الذي كان فيه إلى مكانه الذي انتقل إليه؟! إن هذا من سرّ الله - تبارك وتعالى - في خلقه، وهو الله الذي يختص به من يشاء من عباده.
المحاور: هناك بعض ما يثيره الناس حول هذه المواضيع أو حول علم الأسرار أو حول امتلاك الجنّ عن طريق كتب معينة تنسب إلى علماء مشهورين، وهذه الكتب يدعي من يقول عنها أنه من يقرؤها سيصاب بلوثة في عقله أو سيصاب بشيء إن لم يمتلك القوة الروحية الكافية لقراءتها؛ كالكتاب الذي ينسب إلى الغزالي مثلاً وغيره، ما حقيقة هذه الكتب؟
هذا الشيء نحن لم ندخل فيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فلا يستطيع الإنسان أن يحكم على الشيء ببطلان ولا بصحة، ولا بقبول ولا برفض إلا بعدما يكون متصوّراً له؛ لأنّ الحكم على الشيء فرع تصوره، ونحن لم نتصوّر ذلك؛ لأننا لم نمارس هذا الشيء حتى نكون على خبرة به.
ولا ريب أننا نوقن أنّ الله - تبارك وتعالى - له ألطاف يختص بها من شاء من عباده، وقد قال الله وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، أمرنا أن ندعوه بأسمائه الحسنى، والدعاء الذي يكون من المسلم - عندما يدعو ربه باسم من أسمائه على سواء كان ذلك باسم الجلالة أو ببقية الأسماء الحسنى - لا ريب أنّ له تأثيراً، ولا ريب أن خلوص النية وصفاء الطوية والصلة القوية بالله ولالالالالاله لها أثر أيضاً في عالم الإمكان، وذلك يؤذن به الحديث القدسي الرباني فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» (رواه البخاري
))
(1) يقول الله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ أَنَا عَانِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَوَاهُ مُسْتَقِرا عِندَهُ, قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِى أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
[سورة النمل: 40] (1/68)
صفحة 69
الشعوذة والخرافات
الألطاف
والبيهقي في السنن الكبرى معنى ذلك أن الله تعالى يهيئ له ما يهيئه من تكون له خارجة عن المألوف، وذلك من فضل الله - تبارك وتعالى - على عباده.
-
التي
المحاور: وماذا عمّا يقول البعض من أن الأجرام السماوية والكواكب لها علاقة في بعض الأحداث والوقائع التي تحصل فيوقتون لحدوث أمر معين بناء على معرفتهم بهذه الأجرام والكواكب، هل هذا صحيح؟
:-
"
هذا أمر مردود، وهذا فيما يظهر لي أنه دخل إلى المسلمين من احتكاكهم بالذين أسلموا من المجوس، وقد كانت عندهم بقية من معتقداتهم السابقة ومن مألوفاتهم القديمة، فلذلك نقلوا هذه الأوهام إلى المسلمين وألصقوها بالإسلام وإلا فالأصل أن المسلم يعتقد أن الأجرام السماوية هي مسخرة بأمر الله، تجري في مداراتها بحكم الله - تبارك وتعالى ـ وإرادته وقهره ليست لها أي تأثير على هذه الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن الله ـ تعالى ـ يقول على أثر سماء ـ أي على أثر مطر نزل بالأرض -: «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي وكافر بالكواكب، ومن قال مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكواكب وكافر بالله» رواه الربيع والبخاري)، فلا يصح نفس ربط الأحداث التي تحصل في هذه الأرض، وهي أحداث طبيعية، بالأجرام الفلكية ولو كانت تلكم الأجرام الفلكية أيضاً في وضعها الطبيعي من حيث إنها تظهر أحياناً وتختفي أحياناً ظهورها تحدث بعض الأمور، إذ من المعلوم أن الله - تبارك وتعالى - جعل مواسم للغيث الذي ينزل على عباده، وهذه المواسم ربما كانت تظهر مع ظهور بعض الأجرام الفلكية، ولكن مع ذلك لا يصح ان يقول الإنسان بأننا سُقينا بنوء كذا، بحيث يربط السقيا بالنوء؛ لأن الأنواء إنما هي مخلوقة وهي مسخّرة وموجّهة، والله الله هو الذي يدبرها، فالسقي إنما هو بحكمته وبفضله وبلطفه، وليس للإنسان أن يخرج عن هذا الحد الذي رسمه الدين لنا.
وعند
المحاور: انتشر في أوساط العامة في هذا الزمان أمر قد يعتبر ضرباً من ضروب الشعوذة أو نوعاً من أنواع التكهن وهو الاهتمام بقراءة الأبراج في الصحف والمجلات، وقد قرأتُ في بعض الكتب أن من يقرا هذه الأبراج يعتبر مشركاً حتى ولو قصده التسلية، فهل هذا صحيح؟
69 (1/69)
صفحة 70
V.
لقاعات
في الفكر و الدعوة
التسرع في الحكم على الإنسان بالإشراك أمر فيه صعوبة كما قال المحقق الخليلي رحمه الله: إياك ثم إياك أن تحكم على أهل القبلة بالإشراك قبل المعرفة بعلم ذلك، فإنه موضع الهلاك والإهلاك». فالإنسان ليس له أن يحكم على من قال لا إله إلا الله بالإشراك إلا إذا نقض مفهوم لا إله إلا الله، وذلك بأن ينكر مَا عُلم من الدين بالضرورة من غير تأويل، ففي هذه الحالة يكون مرتداً عن الإسلام.
فلذلك لا نستطيع أن نقول بأن من قرأ لأجل الاطلاع، ومن أجل الفهم ومن أجل التسلي أنه مشرك، لكن يُخشى على الإنسان أن ينزلق عندما يقرأ هذه الكتب، فلربما يحصل الوهم عنده، وينمو حتى يسيطر عليه، فإنه بقراءته دائماً بأن البرج الفلاني له تأثير في كذا، وأنه هو يرتبط بالبرج الفلاني، وأنّ عليه أن ينشد حظه من موافقته لحركات فلكية معينة، قد تؤثر عليه تلك الأوهام وتزيغ به عن سواء الصراط، حتى يعتقد اعتقاداً جازماً أن لهذه الأفلاك تأثيراً في حياة الإنسان وموته، وسعده ونحسه، ورقيه وانحطاطه، وغناه وفقره، وصحته ومرضه فيكون قد خرج عن معتقد الإسلام،
والله أعلم.
المحاور: تزوج رجل بعاهر بعد أن سحرته، وبعد مدة طلقها إلا أنه بقي على
6 -
علاقة جنسية بها ـ أي يزني بها وبعد أن عالج ما أصابه من سحر اعترف لزوجته بما حدث وأقر لها بأنه كان يفعل ذلك دون أن يشعر بفعل تأثير السحر فيه، فلما شُفي طردها من بيته الذي كانت تتردّد عليه واقتلع فعلته، ما مصير عقد الزواج الذي يربطه بزوجته التي صرّح لها بالزنا؟
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم بئس ما فعل، وقد كان حرياً أن يستر سوأته، وأن يواري خطيئته، وأن لا يجاهر بها، وأن يتوب بينه وبين ربه من غير أن يكشف ذلك لامرأته.
وبما أنه ادعى أنه لم يفعل ذلك باختياره، وأنه كان مغلوباً على أمره، وأنه لم يقدم على ذلك وفي نفسه قصد هذا الإقدام فهذه شبهة تمنع من التفريق ما بينه وبين امرأته، وإلا (1/70)
صفحة 71
الشعوذة والخرافات
-
فالأصل أن تكون العفيفة زوجة لعفيف، وأن يكون العفيف زوجاً لعفيفة؛ لأن الله - تعالى - قال: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ} [النور: 3]، ويقول الله - تبارك وتعالى -: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ مَّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] أي العفائف، فيؤمر الإنسان العفيف أن لا يتزوج إلا العفيفة، وكذلك بالنسبة إلى المرأة العفيفة تُؤمر أن لا تتزوج إلا العفيف، ولكن بما أنه زعم أن ما صدر منه إنما كان بتأثير هذه اللوثة فهذه شبهة تمنع سريان هذا الحكم، والله أعلم.
المحاور: ما يقع بين الزوجين من الطلاق تحت تأثير السحر، بمعنى أنه قد يطلق الرجل زوجته بالثلاث مثلاً ثم بعد فترة يُكتشف أنه عُمل لهم عمل، فهل ذلك الطلاق يكون نافذاً؟
وما يدرينا بأنّ ذلك العمل كان له تأثير من أجل التفريق بين الزوجين؟! هل كان هو عندما صدر الطلاق غير واع؟ أو كان في حالة لا يملك فيها إلا أن يتلفظ بلسانه بما لم يقصده في نفسه؟!
هذا من أمر الغيب، فلا نستطيع أن نحكم إلا بحكم الظاهر، ولو فتح هذا الباب لأدى ذلك إلى ادعاء الكثير بأنهم عندما طلّقوا كانوا تحت تأثير السحر، وقد أصبح وازع التقوى ضعيفاً في نفوس الناس لذلك يؤخذون بما ظهر من تصرفاتهم ويحكم عليهم بموجبها، والله أعلم.
المحاور: رجل تحدث في بيته أمور غريبة كأن يكون التلفاز مشغلاً فيزداد صوته دون سبب، أو أن الأواني تسقط من خزانة المطبخ أو تنكسر دون سبب، وأمور كثيرة تحدث لهم في المنزل، ذهب هذا الرجل إلى بعض الذين يقولون بأن لهم علم الحكمة، فأمره أحدهم أن يأتي بشاة ويضع فيها بعض الأمور بعد ذبحها ثم يدفنها في بستان متصل بالبيت، ففعل ذلك وذهب ما كانوا يجدونه في البيت من العجائب، فما حكم ذلك؟
71 (1/71)
صفحة 72
72
لقاعات
في الفكر و الدعوة
لغير
هذا من التقرّب إلى غير الله الله، ولا يجوز للإنسان أن يذبح لغير الله؛ لأن الذبح الله سبحانه كالصلاة لغير الله، إذ الذبح عبادة كالصلاة فقد قرن الله بينهما في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، ولذلك أُمر بذكر اسم الله الله على الذبح لأجل الإيذان بأنّه يقدم على هذا الشيء بحكم من الله سبحانه الذي هو مالك هذا الحيوان وهو الذي أباح ذبحه من أجل الانتفاع به بهذه الطريقة.
أما أن يُذبح الحيوان ويُحمل إلى قبر ليدفن حول ذلك القبر، أو إلى بستان ليدفن في ذلك البستان؛ من أجل ميت أو جني أو شيطان أو من أجل أيّ شيء من هذا النوع؛ فذلك من التقرب إلى غير الله.
وما حصل إنما هو من الإملاء الذي يحصل للإنسان وهو يجانب طريق الحق، فقد يُملى لمن يجانب طريق الحق ويُستدرج؛ بحيث تحصل له أشياء قد تعدّ خوارق للعادات، وهذه لا تعد كرامة وإنما هي استدراج، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] و [القلم: 44]، والاستدراج متنوّع، فقد يكون بأن يُمهل للإنسان في حياته وهو على الخطأ، وقد يكون بتكثير رزقه وهو على انهماك في الخطايا، وهكذا يكون الاستدراج بمثل هذه الأمور التي تجعل الإنسان يطمئن فيها إلى خطئه، ويركن إلى ضلاله، ويتمادى في غيّه.
صلے
وقد كان هؤلاء أحرياء ان يلجأوا إلى الله - تبارك وتعالى - بقراءة كتابه الكريم وبدعائه بأسمائه الحسنى، فإنّ الله تعالى يقول: {و وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، فكان عليهم أن يلجأوا إلى الله تعالى، وأن يتلوا كتابه، كأن يتلوا آية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص، وكذلك جاء في بعض الروايات عن السلف عن ابن عمر ا وعن غيره تلاوة عشر آيات من سورة البقرة في مثل هذه الأحوال أربع آيات من أول السورة إلى قوله تعالى الْمُفْلِحُونَ، وثلاث آيات هي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله تعالى خَلِدُونَ، والثلاث الأخرى هي آخر السورة من قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ .... إلى نهاية السورة، فينبغي للإنسان أن يستمسك بهذا، ويدع عنه هذه الأوهام. (1/72)
صفحة 73
الشعوذة والخرافات
المحاور: يقول البعض إن الأحجار الكريمة فيها أسرار معينة، وتعمل على التأليف بين القلوب، ويستخدمها البعض أيضاً لتخفيف حرارة الإنسان إذا ما أصيب بالحمى، ما هي حقيقة الأحجار الكريمة؟
الأحجار الكريمة هي جمادات لا تعي ولا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، ولا حراك ولا
"
تأثير لها، وإن كان الله - تبارك وتعالى - جعل في طبيعتها ما يخفّض حرارة الحمى مثلاً فذلك كاستعمال الدواء، فلعلها عندما تلامس الجلد يؤدي ذلك إلى تخفيض درجة حرارته، وأنا لا أعرفه إذ الحكم على الشيء إنما هو بعد تصوره، والتجربة هي أصدق برهان، فإن كان هذا صحيحاً فهذا مثل استعمال العلاج الطبيعي ولا يخرج عن ذلك.
أما أن تكون هذه الأحجار سبباً للألفة بين الزوجين أو الألفة بين الأصدقاء أو سبباً لزيادة الهيبة أو نحو ذلك فهذه من الأمور التي لا يمكن أن تقبل عقلاً ولا علماً، فهي مرفوضة عقلاً وعلماً، ومن أراد الألفة بينه وبين امرأته فليحسن معاشرتها، وليسأل الله - تبارك وتعالى ـ أن يجمع بين قلبيهما وأن يؤلّف بينهما على خير، لا أن يعوّل على حجر كريم، وكذلك بالنسبة إلى بقية الأشياء الجمادية لا تملك شيئاً، فأني للجماد أن يملك دفع مضرة أو تحقيق منفعة!! نعم الدواء نفسه الذي يستعمله الإنسان شرباً أو أكلاً أو دهناً لجسده إنما هو أيضاً، جماد، ولكن الله جعل فيه هذه الخاصية، فإن ثبتت هذه الخاصية في الأحجار الكريمة فهو من هذا القبيل لا من قبيل الأسرار، والله أعلم.
المحاور والخواتم التي بها فصوص هل تدخل ضمن هذا الكلام؟
نعم.
المحاور: هل هذا يدخل ضمن التمائم؟
أما إذا كان قصد الإنسان باستعمال الخاتم أن يدفع به عن نفسه مضرة أو يحقق له بذلك منفعة فهذا من باب التميمة إذ لا فرق بينه وبينها، والله أعلم.
73 (1/73)
صفحة 74
74
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
المحاور: البعض يقول إنه يستطيع أن يكشف المفقودات أين هي، فإذا ذهبت عن بعضهم غنمة أو فقد شيئاً معيناً يذهب إلى أحد الناس ويكشف له مكانها، ما حقيقة هذا الأمر؟
قال تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقال: عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولِ} [الجن: 26، 27]، فلا يمكن للإنسان أن يطلّع على الغيب، نعم قد يكون للإنسان حدس يتصور به ما يخفى على غيره بسبب تجربة أو خبرة أو ممارسة لبعض ما يمكنه من الاطلاع على الحقائق الخفية كمعرفته بالقيافة، وهذا من باب العلم وليس من باب ادّعاء الغيب، كما روي في التاريخ القديم بأن نزار بن معد بن عدنان عندما حضرته الوفاة أوصى أولاده وهم إياد ومضر وربيعة، وأنمار أوصاهم عندما يختلفون أن يذهبوا إلى رجل من الحكام من جرهم اسمه الأفعى، وأن يعرضوا عليه قضيتهم، وأن يسألوه حل مشكلتهم ويطلبوا منه الصلح بينهم، وعندما نجم بينهم شقاق وخلاف ذهبوا - بناء على وصية والدهم - إلى هذا الملك الذي كان معروفاً بدهائه وحنكته وملكاته التي تمكنه من حسم الخلاف الذي ينجم بين الناس، وفي طريقهم إليه وجدوا رجلاً ينشد ضالة له، فسألهم عن بعيره الذي فقده، فقال له أحدهم أهو أزور؟ (1) قال له: نعم، قال له الآخر: أهو أعور؟ قال له: نعم، قال له الآخر: أهو أبتر؟ قال له: نعم، قال له الرابع: أهو نفور؟ قال له: نعم، قالوا: ما وجدناه، فقال: عجباً تصفون بعيري كأنكم ترونه أمامكم ثم تدعون أنكم
لم تروه قط.
فقدم الشكوى إلى الملك الجديد فور وصولهم إلى ضيافته، وكانوا قد وجدوا الملك السابق (الأفعى) قد توفي، فكانت لهم مع الملك قصة طويلة، واكتشف الملك من أمرهم عجباً، وسألهم عن قصة البعير الذي ينشده صاحبه وقد وصفوه بأدق أوصافه، فقالوا: نعم، عرفناه بآثاره، أما الذي قال له أهو أزور فإنه رأى أن آثار مناسمه في الأرض متفاوتة،
(1) جاء في لسان العرب (مادة زور) والمُزَوَّرُ من الإِبل الذي يَسُلُّه المُزَمَّرُ من بطن أُمه فَيَعْوَجُ صدره فيغمزه ليقيمه فيبقى فيه من غَمزه أثر يعلم أنه مُزَوَّرٌ ... قال الأزهري: سمعت العرب تقول للبعير المائل السَّنَام هذا البعير زَوْرٌ»
ا. هـ. (1/74)
صفحة 75
الشعوذة والخرافات
يرعى
وهذا دليل على زوره، وأما الذي قال: بأنه أعور فإنه عرف ذلك منه لأنه جانبا من الشجرة، بينما الجانب الآخر لا يرعاه، والذي قال له أهو أبتر قال رأيت بعره يجتمع فعرفت أنه أبتر؛ لأن من عادة البعير أن ذنبه يفرّق بعره، والذي قال له أهو نفور قال عرفت ذلك من رعيه أيضاً لأنه يرعى من الشجرة، فلا يلبث أن يتحول عنها إلى شجرة بعيدة، فهذا دليل على أنه نفور.
فهذه خبرة تكون عند الناس بسبب ممارستهم، وليس ذلك من ادّعاء علم الغيب، فمن ادعى شيئاً من ذلك ورده إلى الممارسة فيمكن أن يكون ما يقوله صحيحاً، أما إن ادعى أن ذلك يعود إلى معرفته بالغيوب فهو كاذب بلا ريب، ولا يجوز تصديقه، والله أعلم.
المحاور: لكن هذا - سماحة الشيخ - فما يتعلق بالبهائم والحيوانات، فماذا يقال فيما يتعلق بالأموال مثلاً؟ يقول له إن مالك سرقه فلان أو سُرق في المكان الفلاني.
هذا ادعاء لعلم الغيب، ولا يمكن أن يكون ذلك صحيحاً قط، اللهم إلا إن كان عرف ذلك السارق بأنّ من عادته أن يسرق، وكان قد درس أحواله من كل جوانبه، فذلك يرجع - كما قلت - إلى خبرته بذلك السارق وخبرته بعادته فيما يتبعه من الوسائل ويأخذ به من الأسباب عندما يسرق.
المُحاور: بخصوص اكتشاف المياه، هنالك من إذا أرادوا حفر بئر ذهبوا إلى رجل فيقول احفروا في المكان الفلاني فستجدون ماءً ويأخذ على ذلك مبلغاً من المال، فهل هذا من ادعاء الغيب؟
إن كان يستدلّ لذلك بأشياء طبيعية كأن يرى في ذلك المكان شجراً يدلّ على أعماقه، أو أن يرى آثار الحجارة في ذلك المكان تدلّ على وجود الماء، أو أن يعتمد في هذا على أي شيء من الأمور الطبيعية فذلك محتمل، أما ادّعاء
وجود
الماء في
علم الغيب فإنه مرفوض وغير سائغ تصديقه.
Vo (1/75)
صفحة 76
76
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: البحث عن اسم للولد عن طريق التنجيم، ما حكمه؟
التنجيم كما قلنا مردود، والذي يظهر لي أن التنجيم دخل في أُمة الإسلام من قبيل المجوس الذين كانوا يقدسون الأجرام السماوية، وينوطون بها ما يقع في هذه الأرض من الأحداث، ويؤلهونها من دون الله الله، إذا بقيت عندهم هذه المعتقدات حتى بعد دخولهم في الإسلام وقد نقلوها إلى المسلمين وألصقوها بهذا الدين وهو منها براء، والله أعلم.
المحاور بعض طلبة العلم ينصرفون عن طلب العلوم الشرعية وعن التفقه والتعمق فيها إلى دراسة هذه العلوم وهذه الأسرار كعلم الرمل، ويقومون بعد ذلك بمعالجة الناس وكشف ما بهم، فما هي نصيحتكم لهم؟
ننصحهم بالاشتغال بتصفية نفوسهم، والاعتماد على الله - تبارك وتعالى - وحده، وتصحيح المعتقد بأنه لا نافع ولا ضارّ إلا الله، وأنه لا يعلم أحد ممن في
السماوات والأرض الغيب إلا هو وحده، وكل من عداه فهو لا يعلم من الغيب شيئاً.
وندعوهم إلى التفقه في دين الله والحرص على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (رواه الربيع والبخاري)، وندعوهم إلى الاستمساك بالكتاب العزيز والسنة النبوية الطاهرة، والإعراض عن كل محدثات الأمور التي لا تتفق مع ما جاء به الكتاب وما جاءت به السُّنَّة، والله أعلم.
المحاور: الآيات القرآنية التي إذا قرأها الإنسان يكون بإذن الله تعالى في حرز وفي مأمن من الشياطين وغيرهم من الجن المردة، هل هناك آيات معينة
تنصحون بها؟
نحن ذكرنا بأن من الصحابة و من ذكر عشر آيات من سورة البقرة، وهذا مروي عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما، وهي أربع آيات من أول السورة إلى قوله {الْمُفْلِحُونَ، وثلاث آيات وهي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله تعالى (1/76)
صفحة 77
الشعوذة والخرافات
خَلِدُونَ}، والثلاث الآيات الأخيرة من السورة من قوله تعالى {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... إلى نهاية السورة، كذلك قراءة المعوذتين والفاتحة، فالفاتحة هي مجمع الخير كله لأنها أم القرآن فيها تقديس لله سبحانه وتنزيه له، وفيها وصل ما بين العبد وربه ووصل ما بين الدنيا والآخرة، فجدير بالإنسان أن يقرأ الفاتحة الشريفة، وأن يسأل الله تعالى بركتها.
كذلك أي شيء من القرآن يقرؤه فإنه خير وبركة، ولكن السور التي فيها التنزيه لله تعالى بركتها أظهر، ومثلها الآيات الخاصة بذلك كخواتم سورة الحشر وخواتم سورة البقرة، هذه كلها فيها خير وبركة إن شاء الله تعالى.
المحاور: ما صحة التداوي بأسماء الله الحسنى؟
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَيهِ} [الأعراف: 180]،
فالإنسان يدعو
الله بأسمائه الحسنى ويسأل الله تعالى الشفاء، ويسأله الرحمة،
ورفع البلاء، وكشف الضراء.
المحاور: هناك من يتحدث عن بدعة لبس الحجاب الذي تكتب فيه الآيات على اعتبار أنه أيضاً له علاقة بما يسمى بالطلاسم وما شابه ذلك، فما رأيكم؟
أما القرآن الكريم فهو يختلف تمام الاختلاف عن الطلاسم الله فإنه كلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن نختار أن يكون العلاج
سنت بالطريقة التي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التلاوة مع النفث في الكفين ومسح الجسد بهما (رواه البخاري وأبو داود)، فإن هذه الطريقة المأثورة عن النبي، أما الكتابة فلم يأت في السُّنَّة ما يدلّ على إثباتها ولا ما يدلّ على ردها، ولذلك اختلف العلماء فيها، منهم من توسع فيها نظراً إلى أنه لا مانع أن نتبرك بكتابته وحمله كمثل ما نتبرك بتلاوته، ومنهم من رفض ذلك نظراً إلى أن هذه الطريقة محدثة، وهذا الذي مال إليه الإمام السالمي - رحمه الله تعالى ـ في جوهره عندما قال:
VV (1/77)
صفحة 78
78
ثم الكتابة التي قد ظهرت حادثة في جمعنا المعهود والله قد أغنى العباد عنها
لقاعات
في الفكر و الدعوة
لا أعرف الوجه لها لو شهرت وأصلها قد كان في اليهود بأدعيات يستجاب منها
وتعجب الإمام السالمي ممن يلجأ إلى هذه الكتابة ويحترس بها، وقال بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعتنون بهذه الكتابة وما كانوا يحترزون بها، وإنما كانوا يدعون الله - تبارك وتعالى - ويعوّلون عليه سبحانه.
المحاور: المشعوذ رجل يأتي المنكر عندما يأتي الغيب، ما هو واجب المسلمين
تجاهه؟
الواجب ردعه بقدر المستطاع، أما أولياء الأمر فإنهم يردعونه بما يرونه من الوجوه الشرعية الرادعة لمثله، وأما عامة المسلمين وخاصتهم الذين لا يملكون من الأمر شيئاً فعليهم أن يقاطعوه وأن يحاولوا منع الناس من الاتصال به، والله أعلم. (1/78)
صفحة 79
اللقاء الخامس
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: السحر
لقاءات (1/79)
صفحة 80
Kir
++
سورة الإسراء - الآية 85
PMPY
fox (1/80)
صفحة 81
السحر
المحاور: ما حقيقة السحر؟ وما مدى تأثيره على الناس؟ وهل سُحِرَ النبي صلى الله عليه وسلم
أو لا؟
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
"
بعد:
فيجب علينا أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً أن هذا الكون بأسره سماءه وأرضه، علويه وسفليه، ملكه وملكوته ظاهره وباطنه، روحيَّه وماديَّه هو ملك لله الله، وأن كل ما فيه إنما هو مملوك لله، فلا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضراً، إذ لا يستطيع أحد مهما كان أن يحقق مصلحة لنفسه، أو أن يدفع مضرة عن نفسه إلا بإذن الله سبحانه.
وإذ كان الحق - تبارك وتعالى ـ يخاطب خيرة رسله وصفوته من خلقه سيدنا
محمداً
عليه
وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام بقوله قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءِ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، فكيف بمن عداه؟ وكيف يتصور الإنسان أن الخلق يملك بعضهم لبعض تحقيق منفعة لم يُرِدّها الله - تبارك وتعالى ـ، أو دفع مضرة شاء
الله تعالى وقوعها.
والآيات القرآنية تصل الإنسان بالله الله، وتعرّفه أن الكون هو ملك لله، وأن الإنسان هو أيضاً مملوك لله، فما عليه إلا أن يتجه بروحه وجسمه بعقله وقلبه، بضميره وغزائزه، بحواسه ومشاعره إلى الخالق العظيم الله يقول: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَأَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ الْقَهَّرُ) [الرعد: 16]، ويقول الله: {وَلَين سَأَلْتَهُم مِّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ الله قُلْ أَفَرَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَل هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ} [الزمر: 38]، ويقول تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم) [فاطر: 2]، ويقول سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن
ج
81 (1/81)
صفحة 82
82
لقاعات
في الفكر و الدعوة
يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17]، ويقول - تبارك وتعالى -: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
كل ذلك من أجل أن تصفو عقيدة الإنسان، ويخلص إيمانه، ويتوجه بيقينه إلى ربه الله، جازماً أن الخلق أجمعين لا يملكون شيئاً من تحقيق المنافع ولا دفع المضار، فلا يتعلق بالجن، ولا بالشياطين ولا بالسحرة ولا بأي شيء، إنما يتعلق بالله، فإذا سأل فإنه يسأل ربه سبحانه، وإذا دعا فإنه يتجه بدعائه إلى الله - تعالى - وهكذا علّم النبي صلى الله عليه وسلم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ما إذ قال له: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، واعلم أن أهل السماوات والأرض لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك» (رواه الترمذي وأحمد).
ولكن مع هذا فإن الله تعالى يبتلي بعض عباده ببعض، كما يتبلي ما يشاء من مخلوقاته بما يشاء من البلاوى لحكمة يعلمها الله الا الله، فهو يسلط من يشاء على من يشاء، وبقي من يشاء شر من يشاء، كل ذلك لأنه الا الله مدبر هذا الوجود ومصرّفه، ويفعل في خلقه ما يريد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته، وذلك لابتلاء العباد عندما يصابون بمثل
هذه المواقف هل يصبرون أم يجزعون؟ فإن الإنسان مجزي بصبره خيراً عظيماً، وقد بشّر الله الصابرين في آيات كثيرة، منها قوله الله: {وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ} [البقرة: 155]، ويقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَانٍ} [الزمر: 10]، وهذا لأجل أن يوطن الإنسان نفسه لجميع الشدائد التي يلقاها، والمحن التي يكابدها والأعنات التي يواجهها؛ حتى لا يجزع عند وقوع شيء من ذلك، بل يكون أشد صلة بالله وأشد إيماناً به الله.
والسحر الذي ذُكر في القرآن الكريم إنما هو نوعان:
معهود،
فأنا
1 - سحر تخييل، بحيث يخيّل الإنسان لغيره ما ليس بواقع أنه واقع، وهذا أمر شاهدته بنفسي، عندما كنت في الصين، ورأيت كيف يتصرف الساحر، فيخيل للناس أشياء غريبة، رأيت أحداً منهم جاء بورقة ولواها، ثم أخذ يصب فيها حليبا، وبعد حين نفض هذه الورقة، وإذا بها يسقط منها منديل ولا يرى اثر للحليب، ثم بعد ذلك غطّى (1/82)
صفحة 83
السحر
على المنديل بشيء، ثم كشف الغطاء فإذا ببطة - تسمى عندهم بطة بكين - تطير من تحت ذلك الغطاء، وهذا كله من السحر وليس هو من الحقيقة في شيء، والله الله ذكر في قصة موسى مع فرعون عندما قال: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، فالخيال الذي يخيلونه لا جدال في وقوعه، وهو مشاهد، وكثير من الناس تحدث به.
ذلك
2 - والنوع الآخر الذي تحدث عنه القرآن الكريم هو السحر الذي يكون بإلقاء العداوات والكره في النفوس؛ بحيث تكره نفس نفساً أخرى، وهذا أيضاً يقع، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، ولكن مع هذا يقول: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقَ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، فهم لا يملكون أن يُوقعوا المضرة إلا عندما
إليهم
أنفسهم.
يريد
الله
- تبارك وتعالى - وقوعها ابتلاء منه سبحانه. فالسحر لا ينفعل بنفسه، وإنما ينفعل بأمر الله تعالى، فهذان النوعان من السحر هما الثابتان لأنهما مذكوران في القرآن أما ما شاع وذاع في أوساط الكثير من الناس من أن السحرة يأكلون لحوم البشر، وأنهم يخفون البشر ويظهرون للناس أنهم موتى وما هم بموتى، حتى يشيع أن فلاناً ميت وليس هو بميت، وإنما أخفي من قبل الساحر، ويُخيَّلُ أنه يُغسل غسل الموتى والذي يُغسّل في الحقيقة هو جماد وليس ذلك الشخص الذي يخيل إليهم أنه مات، فكلُّ ذلك من الأوهام التي يروج لها بين الناس في المحيط الذي تشيع فيه الخرافة، وتتمكن من ألباب الناس حتى تصبح في تصورهم حقيقة دامغة لا يُرتاب فيها، وترفض فيه عقول الناس لأنها الحقيقة كأنما هي الوهم والإفك، وحسبك أنك لا تجد ما يدل على ذلك من دليل في كتاب الله ولا في سُنَّة رسوله، ولا تجد عند التتبع أي شاهد يشهد بصدق ما يشاع من ذلك وهذا لا يعدو أن يكون من الأوهام والأساطير التي تعشش في الأدمغة المريضة، والتي يُروّج لها في المجتمعات الساقطة، التي شاع فيها الجهل وانحسر عنها العلم.
وأنا بنفسي تتبعت فصول قضيتين اثنتين البستا من نسيج الوهم حللا مهلهلة أكسبتهما
شهرة وذيوعا بين الناس.
83 (1/83)
صفحة 84
لقاعات
في الفكر و الدعوة
إحداهما: كانت في عام 1397 هـ وذلك أنني سمعتُ كغيري من الناس اصواتاً تردد أن شاباً عُمانياً مات في بلد خليجي آخر ودفن هنالك، وكان أبوه اصطحبه إلى ذلك البلد فكان ممن شارك في تجهيزه ومواراته في التراب، ثم بعد عودة أبيه إلى وطنه عمان ومرور عقود من السنين ظهر ذلك الشاب بصورته وشخصه مع بروز ملامحه جميع وسماته، وشاع ذلك في أوساط الناس حتى وجدت أحد مشايخ العلم - مع الأسف الشديد - دوّن هذه القصة بقلمه معتبراً أنها أعجوبة العصر، وما لبثت بعدها أن جاءني أبو الشاب وأُمه، وذكرا لي أنهما وجدا، ابنهما، وأن كل العلامات التي كانا يعهدانها فيه وجداها بعينها فازدادا يقيناً أنه هو عينه، وأن قصة موته ودفنه ما كانت إلا خدعة ساحر وهو الذي انتزعه من كنف أبيه هناك وجاء به إلى هنا ليسترقه مع غيره من المسحورين الذين سلبهم آباءهم وأُمهاتهم فتكلوهم وهم أحياء، وصاروا عندهم في عداد الموتى، قالا بأن هذا الساحر سيطر على عقل ولدهما المسحور، فأصبح لا يعترف إلا بأبوة ذلك الساحر له ولا يرتبط إلا بنسبه، وقد استبدل باسمه الذي سماه به أبواه اسماً آخر وأنهما تقدما بقضيتهما هذه إلى الشرطة، وكان مجيء أبي الشاب المفقود وأُمه إليَّ بعد الظهر، وبعد عصر ذلك اليوم نفسه أممت مجلساً للعزاء لمواساة أرباب المصيبة ففوجئت بذلك الشاب نفسه، وعُرضت عليّ قضيته؛ لأنه طلق امرأته وهو في حالة من الاضطراب النفسي يرثى لها فقد مُني بفقدانه الوعي والنباهة، فسألت عنه أهو الذي يقال بأنه مسحور؟ فقيل لي: نعم، وقد وصل الأمر إلى أن بعض الجهات الرسمية التي رفعت إليها قضيته صدقت بهذه الشهرة، حتى سمحت للرجل والمرأة الذين يدعيانه أنه ابنهما الميت أن يستحوذا عليه وأن ينتزعاه من أبيه الذي هو في كنفه، وذلك بسبب اطلاع تلك الجهة على السمات الخفية التي ذكر الرجل والمرأة اللذان يدعيانه أنها سمات ابنهما، وقد وجدت فيه كما قالا، ولكن كان ثُمَّ جماعة من الناس يشهدون ببطلان هذه الدعوى، وأنهم يعرفون ذلك الشاب أنه ابن لذلك يدعى أنه سحره، وأن معرفتهم بذلك ليست هي ناشئة عن شهرة حادثة أو دعوى مزوره، وإنما يعرفونه منذ ولادته ونشأته، وكان من حسن الحظ أن ابن خالة ذلك الشاب شخصية بارزة لها مكانة اجتماعية وسياسية في الدولة والمجتمع، فتدخل لإحقاق الحق وترك ذلك الولد لأبيه الحقيقي الذي يزعم أبواه الوهميان سحره فكان ذلك سبباً للحيلولة دون هذا التصرف الأهوج، والقرار الهزيل.
أنه
84 (1/84)
صفحة 85
السحر
وأما القضية الثانية: فقد كانت في عام 1401 هـ حيث أُشيع عن رجل بأنه ظهر بعدما تواري شبحه مدة طويلة، إذ خيّل لأبويه وأسرته ومجتمعه أنه مات، فجهز ووري في قبره، وما لبث إلا عقداً من السنين حتى عاد إلى المجتمع الذي كان يعيش فيه ليحكي قصته الوهمية التي هي أشبه بالقصص السندبادية في جزر الواق واق، فتلقفتها الألسن والأقلام لتروج لها بين الناس فترسخ في العقول وتوقن بها إيقانها ببزوغ الشمس في رابعة النهار، وقد وجدت منها بعض الصحف المحلية مادة مثيرة تستهوي القراء فسودت بها صفحاتها مع صورة بطلها الشاب الميت الذي عاد إلى الحياة لتسعد به أُمه التي رزئت بمصابه وظلت تندبه وتبكيه ردحاً من الزمن، وقد صدقت تلك المسكينة هذه الفرية ورأت أن القدر السعيد جاء ليعيد إليها السعادة بعد الشقاء والراحة بعد المعاناة إذ أعاد إليها فلذة كبدها وقرة عينها بعدما ثكلته، وقد حرصت المسكينة أن تبحث عن كل الملامح التي كانت تعهدها في ابنها الذي فقدته، فوجدتها - كما قيل - بجسم هذا الطالع السعيد، الذي جاء ليبدد همومها وأحزانها فيبدلها بها انشراحاً وسروراً.
ولكن الباطل وإن شُيد بناؤه وزخرف للناظرين لا يلبث أن يتهاوى، عندما تعصف به عاصفة من الحقيقة فتدعثر ما شيد به وتشتته أي مشتت حتى تتطاير ذراته في الفضاء، فما كان لهذا الثوب المحبوك من خيوط الزور أن يستمر طويلاً في مواراة الحقيقة، وإن أتقن حبكه وزيّن بأعلام تبهر الناظرين، إذ لا تلبث الحقيقة أن تدفع عنها كل ما يواريها عن الأبصار، وقد شاءت الأقدار أن يرحل الشاب بمن غرر بها وأوهمها أنه ابنها الذي فقدته إلى زيارة خاصتها للذين يسميهم أخواله، في مسقط رأسها ومرتع طفولتها ومسرح خيالاتها، وهناك تعرف على بغي علقها، وعلقته، وتوطدت العلاقة بينهما بما اكتسحهما جميعاً من غرور الشيطان، فانغمسا في الرذيلة وطابت لهما الفحشاء واستطاباها، وقد أترع لهما الشيطان كؤوس الهوى حتى ثملا بحمياها، ولم تقف وسوسته لهما عند حد معين بل أخذ في استدراجهما إليه بما يزينه لهما من كبائر الإثم، وكان مما زينه أن يتخلصا من شبح زوج المرأة الأهوج الديوث على رغم كونه ما كان يوماً ما في طريق شهواتهما الجامحة، إذ كانت المرأة صريحة معه في شأن علاقتها الآثمة بالشاب، ولكن القدر كان يخبئ في خباياه جزاء كل واحد من أولئك الثلاثة الفاسقين
جزاءه العادل.
حجر عثرة
?? (1/85)
صفحة 86
86
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
وما هي إلا برهة من الزمن حتى اختمرت في ذهن المرأة وخدينها فكرة التخلص من شبح ذلك الأرعن الهزيل الذي يسمى زوجها، لتصفو لهما الحياة من دون وجود شريك
(1)
ينغص عليهما اشتيار) لذاتهما، وفي ساعة من هزيع الليل المظلم اجتمعا على قتله بعدما تولت سقيه منوّماً ليغيب في سبات عميق بحيث لا يشعر بما بيتاه له، وبعد تنفيذ جريمتهما أخذه الشاب على كتفيه ومشى به مسافة في عرض البحر فرماه بين أمواجه، وقامت المرأة بعد يومين بإبلاغ الجهات المختصة أنها فقدته إذ خرج ولم يعد، وأعلن في وسائل الإعلام خبر غيابه، وبعد خمسة وعشرين يوما لفظه البحر في شاطئ قريب من مسرح الجريمة، وعند ذلك بحثت الشرطة عن خيوط القضية حتى تمكنت من قبض طرفها وتمكنت من وصولها إلى الحقيقة الغامضة، فأخذت القضية مجراها في المؤسسات العدلية وصدر عليهما حكم بالإعدام، ثم عرضت على اللجنة الشرعية الخاصة بقضايا إعدام المجرمين، وكنت أحد أعضائها، ووجدتُ في ملف القضية أن الرجل كان التحقيق معه والتخاطب في شأنه باسمه المزور الذي هم اسم للشاب الميت الذي تقمص شخصيته، وعندما أردت تحرير رأي اللجنة الشرعية في الحكم حرت ماذا أكتب، إذ إنني على اطلاع من خلال شهرة حديث الناس وما بثته وسائل الإعلام أن الرجل يتقمص شخصية ميتة، فسألته بلهجة فيها شيء من الفضاضة: من أنت؟ وما اسمك الحقيقي؟ فاستجاب على الفور وأخبرنا بقصته بتفاصيلها، وذكر هويته ونسبه ومن هو أبوه ومن هي أُمه، فاندهشت تلك العاهر من كلامه وقالت له: ألست تقول بأن تلك هي أُمك؟! فقال: بأُمي، ولكنني ابتليت بها فَرَددتُ عليه لست المبتلى بها وإنما هي المبتلاة بك، وسألته عمّن أوحى إليه بأخبار الشاب الميت الغامضة التي خدع بها الناس واتخذها شراكاً لاقتناص عقولهم، فأجاب بأنه وأخو الميت من أبيه اجتمع به في الغربة فلقنه جميع تفاصيل قصص ذلك الميت وأحواله، وهنا أدركت أن وراء الأكمة ما وراءها، إذ لا بد من أنهما كانا يبيتان مكيدة يستهدفان بها بريئاً، فأوعزت إلى الضابط الذي تولى تحقيق قضيتهما أن يحقق مع أخي الميت، الذي يزعم أنه الذي علمه ما غرر به العقول وخدع به النبهاء فضلاً عن الأغبياء، غير أنه لم يقم بهذا الواجب وقد طويت صفحة القضية بإعدام المجرمين.
(1) جاء في القاموس المحيط: «شار العسل شوراً وشِياراً وشِيارةً ومشاراً ومَشارةً: استخرجه من الوَقْبَة» اهـ. (1/86)
صفحة 87
السحر
ومن خلال هاتين القصتين تتضح حقائق الأساطير التى تشاع بين الناس من أن أشخاصاً أخذوا بالموت ثم عادوا إلى أهليهم أو ظهروا في مجتمعات أخرى، فما هي إلا خيالات تنسجها عقول مريضة لا يسكن هياجها إلا هذه الأباطيل، التي ترددها ألسنة لا تبالي بما يصدر عنها من قول الزور.
أما قصة سحر النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ فقد وردت في الصحيحين، وتلقاها - مع الأسف الشديد - كثير من الناس بالقبول، وراجت في الكتب، ولكن عندما نرجع إلى التحقيق نجد أنه ليس كل ما ثبت سنده من الروايات مقبولاً متنه، فالروايات يجب أن تنقد من حيث المتون كما يجب أن تنقد من حيث الأسانيد، فكم من رواية علتها في متنها لا في سندها.
ومما هو معلوم قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من كل ما يفقده الصواب في الفكر أو النطق، والسحر الذي ذكر عنه لا يمكن أن يصيب النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - بحيث يُخيَّل إليه انه يفعل الشيء وهو لا يفعله، حتى يخيل إليه أنه يأتي نساءه وهو لا يفعل ذلك، فإن هذه حالة تنافي العصمة التي هي ضرورية لسلامة الوحي وأمانة التبليغ، فلو قيل بهذا لوجد المجرمون والملحدون سبيلاً إلى الطعن في الوحي؛ إذ بناءً على هذا يكون غير مأمون أن يصاب بالتحريف والتبديل، ومن أمثلة ذلك الترويج لقصة الغرانيق التي نالت حظاً وافراً من الترويج والإشاعة حتى اغتر بها من لا يفرق بين لطاته وقطاته، فسودت بها صحائف المدونات وما هي من الحقيقة في شيء، وإنما هي من ضروب الخيال الذي أمرض العقول فأفقدها سلامة التفكير، وإن صورت في صورة مزوّقة تغري النفوس بقبولها، فعلينا أن نوقن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من قبل الله، وأن كل ما ينطق به إنما هو وحي من عند الله تعالى، فلا يمكن أن يؤثر عليه سحر الساحرين، كما لا يمكن أن تتدخل الشياطين في الوحي الموحى إليه من رب العالمين؛ حتى يخيل للناس ما يمليه أولئك الشياطين أنه من جملة الوحي، والله
تعالى المستعان.
87 (1/87)
صفحة 88
88
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
المحاور: هل يستطيع الساحر أن يخفي إنساناً عن الأنظار من دون أن يميته؟
يمر
قد يُخفي الساحر نفسه، إذ يمكن للساحر بسبب ما يُخيل للناس من سحره أن يخيل لهم أنه حيوان كما يمر الحيوان بين أيديهم، ويمكنه أن يُخيّل للناس غير الواقع أنه واقع يشاهدونه بأبصارهم، ويخفي عنهم الواقع فيُخيَّل إليهم أنه ليس بواقع، وذلك مجرد خيال، يخفي الحقائق عن الأبصار، أما أن يتصرف في الأجسام فينقل أحداً من مكان إلى مكان، ويخفيه عن الأنظار، ويأتي بخشبة مثلاً فيصورها في صورته، ويخيل إلى الناس أنه ميت يغسل ويجهز ويقبر فهذا أمر مستبعد لا يكاد يُصدق،
والله أعلم.
المحاور: بعض الناس يعتقدون أن الشيطان يتمثل في صورة ابن آدم أربعين يوماً،
فهل في هذا حقيقة؟
كثير من القضايا إنما هي من وحي الشياطين، حتى ما يسمى الآن بتحضير الأرواح إنما هو من وحي الشياطين، وليس ذلك من الحقيقة في شيء، وأنا أخبرني أحد من الناس قبل ما يقارب ثلاثين عاماً من الآن؛ عندما كنت أتابع هذه القضية وأسأل عنها من أتوسم فيهم المعرفة والخبرة، وذلك لما أشيع عند الناس من أن هنالك من يحضر الأرواح، مع أن القرآن الكريم يدلّ على أن تحضير الأرواح من المستحيل؛ فإن الله تعالى يقول: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، ويقول سبحانه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا) [مريم: 98] ويقول وكل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [الزمر: 42] فإذا كانت الروح التي ماتت
أمسكها الله فمن الذي يستطيع أن يطلقها من يد الله تعالى لتعود وتتحدث إلى الناس.
تابعت هذه القضية، وسألت بعض المشايخ الذين جربوا هذا الأمر، فذكروا بأن رجلاً من الناس كان يزعم أنه يحضّر أرواحاً بطريقة معينة، والناس يلتفون من حوله، فهذا يقول له حضّر روح فلان، وذلك يقول له حضّر روح فلان، قال محدثي: فقلت له: إنني أرغب أن أسمع من روحي بعض الحديث، فحضّر روحي وأنا فلان بن فلان، وكانت طريقة (1/88)
صفحة 89
السحر
(1) ,
التحضير أن يحضر «زنبيل» (1) وعندما تحضّر الروح - حسبما يزعمون - يتحرك ذلك الزنبيل، فتحرك كالمعتاد، فسُئل: من أنت؟ فقال: فلان؛ باسم الرجل الذي طلب تحضير روحه، قال: فطرحت عليه أسئلة عن أشياء لا يعلمها غيري فأجابني كما هي، فعجبت من هذا الأمر، ولكن سألته عن بعض ما يخصني؛ كحفظ القرآن وسائر خصائصي فإذا به ليس على صفتي التي أعلمها من نفسي، فقلت له: من أنت؟ واصدقني فيما تقول، فقال لي: أنا قرينك؛ يعني أنه هو القرين المقارن للإنسان من الجن وهو الذي يتحدث باسم الإنسان ليضلل الناس، فإذاً هؤلاء إنما يحضرون الشياطين الذين يضلون الناس بما يلبسونهم عليهم من الحقائق، ولهؤلاء الذين يزعمون أنهم يحضرون الأرواح صلة بهؤلاء الشياطين وذلك من خلال اشتراكهم في خبث النفوس؛ لان الشياطين تألف النفوس الخبيثة كما تألف الملائكة الأرواح الطيبة، والله أعلم.
المحاور أنا امرأة ولله الحمد ملتزمة بديني من فروض وتطوع، وأعتني ببيتي وأولادي، وقبل فترة من الزمن تزوج زوجي عليّ زوجة أخرى، وكانت على خلق ودين، ولكن طرحت عليّ إحدى القريبات مني فكرة (عمل): أي تفريق بين زوجي وزجته، فقمت بهذا العمل وتمّ التفريق بين زوجي وزوجته وزوجي في الحقيقة لا يؤمن بهذا، ولا يشك في أبداً، فماذا عليّ؟
من تعامل مع السحرة فقد كفر، وعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن ترجع إلى حظيرة الحق التي خرجت منها وان تطلب من زوجها العفو عمّا أجرمته في حقه، وأن تطلب من تلك المرأة التي تسببت في الفراق بينها وبين زوجها أن تسامحها، وعليها أن تصلح ما أفسدته بقدر المستطاع، بحيث إن كانت دفنت شيئاً من هذا العمل الخبيث في مكان فإن عليها أن تنتزعه وتتلفه بمشيئة الله تعالى، وأن تطلب من الله سبحانه أن يقضي على أثر هذا السحر الخبيث، وبهذا تكون ذمتها بريئة وتوبتها مقبولة، والله تعالى المستعان.
(1) الزِّنْبِيل الجراب وقيل الوعاء يُحمل فيه، ويجمع على زَنابيل، وقيل الزِّنْبِيل خطأ وإنما هو زَبِيل وجمعه زبل وزُبُلان ابن منظور، لسان العرب؛ مادة زبل).
89 (1/89)
صفحة 90
90
عسى
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المُحاور: ألا يجب عليها أيضاً أن تخبر عن ذلك الرجل الذي عمل لها ذلك
التفريق حتى تتبعه السلطات ويلحق به العقاب؟
إن كان بحيثُ يمكن أن تناله السلطات فنعم، ولكن إن كان في مكان قاص بعيد بحيث لا يمكن أن تمتد إليه يد العدالة، وذلك أن يكون في دولة أخرى فماذا أن يقال في مثله؟!
المحاور: هنالك من يعالج بالقرآن الكريم، وهو حسب الظاهر من الثقات، وهذا المعالج يخبر المريض بأنه مسحور، أو أن أحداً من الناس وضع له عملاً، فكيف استدل المعالج على ذلك؟ وما الحكمة من سؤال المعالج عن اسم أم المريض؟ أما السؤال عن اسم أم المريض فذلك مما يدخل في التنجيم، والتنجيم باطل وهو حرام حرام حرام، لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله، ولا يجوز لأحد من الناس أن يأتي من يفعله، فإن التنجيم إنما هو من بقية المعتقدات الضالة، معتقدات الذين يعتقدون أن لهذه النجوم تأثيراً في حياة الناس، فيجب على الناس أن لا يصدقوا هذا الذي يدعي علم الغيب؛ لأن القرآن صريح في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فالله تعالى يقول: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65] فلا يجوز لأحد أن يصدق قط أن هنالك من خلق الله تعالى من يعلم الغيب في السماء ولا في الأرض، هذا ما يجب أن يكون في قرارة نفوسنا جميعاً فإن معرفة البشر بالغيب من غير وحي يوحى إليهم أمر مستحيل، ومن كان في قرارة نفسه خلاف ذلك فقد كفر بما أُنزل على محمد، لأنه كفر بصريح هذه الآية الكريمة.
ونحن نطلب من أولئك الذين يتورطون ويذهبون إلى هؤلاء العرّافين أن يعودوا قبل كل شيء إلى عقيدة الإسلام، وأن يستلهموا الحقائق من القرآن الكريم، وأن لا يقعوا أسارى لأولئك الذين يروّجون بينهم هذه الأوهام، فإنهم بهذا تعمى عليهم السبل، ولا يجدون الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة، فليتقوا الله تعالى وليرجعوا إلى رشدهم، وحديث النبي الله يقول: «من أتى عرافاً فسأله فقد كفر بما أُنزل على محمد» (رواه أحمد والبيهقي في السنن الكبرى، والله تعالى المستعان. (1/90)
صفحة 91
السحر
المُحاور: ما مدى صحة استخدام المعالج للإخوة المسلمين من الجن في إبطال الأعمال والأمراض من الجسم؟
الجن لا يعلمون الغيب، فالله - تبارك وتعالى - يقول وهو أصدق القائلين: فَلَمَّا خَرَ تَبَيَّنَتِ الحِنُّ أَن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14]، ثم إن الله الله بين في سورة الجن أن تشبث الإنس بالجن وتعلقهم بهم من أجل دفع الضرر أو من أجل تحقيق المنافع أمر لا يزيد هؤلاء المتشبثين إلا رهقاً فقد قال: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، فالتعلق بالجن من أجل دفع شيء من هذه المضار أو تحقيق شيء من تلك المكاسب لا يعدو أن يكون من الأمور التي هي وليدة الأوهام والجهل والخرافة، فلا يجوز لأحد أن يصدقها.
وأنا أتعجب من تصديق هذه الأشياء من قِبَلِ أحد يتلو كتاب الله تعالى ويصلي وفي صلاته يقرأ سورة الفاتحة الشريفة، وهذه السورة فيها ما يبيّن أن الاستعانة لا تكون إلا بالله كما أن العبادة لا تكون إلا له، فالله تعالى يعلمنا كيف نستعين وكيف نعبد؛ بحيث لا نستعين إلا به ولا نعبد إلا إياه، فيقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون إلا لله فالاستعانة أيضاً يجب أن لا تكون إلا بالله الا الله ولا يملك المخلوق إلا العلاج الذي هو سبب للشفاء، هذا في الأمور التي لم يجعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ونواميس الوجود، أما الأمور التي جعل الله تعالى التعاون فيها بين الناس من سنن الحياة ومن نواميس الوجود فلا مانع من استعانة أحد بأحد فيها؛ فللإنسان أن يأتي إلى غيره من الناس ليقول له أعني بإقراض مبلغ من المال، ولكن ليس له أن يقول له أعني فاجعلني من الأغنياء، وله أن يقول له: أعني بعلاجي من هذا المرض، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بشفائي من هذا المرض؛ فإن الشافي إنما هو الله الله وللإنسان أيضاً أن يقول لغيره: أعني بأن تحمل معي هذا الحمل، أو تحمل عني هذا الحمل، ولكن ليس له أن يقول له: أعني بجعلي قوياً قادراً على حمل هذا الحمل، فإن ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله.
ولما كان ذلك من مقدور الله تعالى وحده فليس لأحد أن يستعين عليه بأحد غيره، فليس له أن يستعين بإنسي أو بجني على ما لم يكن مقدوراً عليه إلا من الله، فالإنس والجن
91 (1/91)
صفحة 92
92
لقاعات
في الفكر و الدعوة
جميعاً لا يملكون دفع ضرر ولا يملكون تحقيق منفعة إلا بأمر الله تعالى، والله - تبارك وتعالى ـ يعلمنا من خلال ما يحكيه عن إبراهيم العلم أن الشفاء إنما هو بيده وذلك في قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، ولكن بما أن الله تعالى جعل لكل داء دواء فالطبيب المعالج إنما يستعمل الدواء النافع سواءً كان هذا الدواء حقنة أو شراباً أو كان العلاج بعملية يجريها ويستأصل بها العلة، أما أن يكون ذلك الطبيب هو نفسه يملك بأن يشفي أحداً فلا، وإلا لكان الطبيب قادراً على أن يدفع الموت عن الناس، وكم من أحد يعالجه الطبيب وهو يتماثل للشفاء وإذا به يموت وهو على تلك الحالة، فالله - تبارك وتعالى - وحده هو الشافي، وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.
المحاور: قال الله تعالى: {وَجَاه و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، ما المقصود بسحر عظيم؟ جاءوا بسحر عظيم؛ لأنهم خيلوا لموسى أنه من أرسخ الناس عقلاً، مع وأحياهم نفساً، وأكثرهم بصيرة - أنها تسعى وما هي بساعية، فهذا سحر عظيم.
المحاور: الناس يلصقون بمن يتهمونه بالسحر بعض الصفات، فيقولون بأن الساحر لا يمكن أن يقرب مسجداً، ولا يمكن أن يذهب إلى الحج، فإذا وجدوا شخصية من هذا النوع اتهموه بالسحر، فهل هذا صحيح؟
لا، فإن الساحر قد يأتي المسجد وهو في حقيقته ساحر وقد يحج أيضاً ساحر، والله أعلم.
وهو
المحاور: هل يُعد الساحر كافراً؟
نعم، هو كافر لأنه يستمد من وحي الشياطين، وليس هو من الإيمان في شيء، ولذلك أمر النبي الله بقتله في قوله: «اقتلوا الساحر والساحرة
(1)
(1) لم أجد له تخريجاً، وإنما له شواهد منها حديث: «حد الساحر ضربة بالسيف» (رواه الترمذي والبيهقي في السنن الكبرى). (1/92)
صفحة 93
السحر
المحاور: ما هي عقوبة الساحر في الآخرة؟
عقوبته في الآخرة عذاب جهنم خالداً فيها مخلداً.
المحاور: الإنسان الذي لا يعتني بنظافته ولا يكون نظيفاً في ملابسه وفي مظهره، هل يكون معرم معرضاً للسحر؟
الشياطين تألف الخبيث، فإن كان لا يتقي النجاسات فلربما كان ذلك سبباً لقرب الشياطين منه بسبب عدم اتقائه هذه النجاسات، وقد يكون أيضاً الخبث المعنوي سبباً لأنّ الشياطين لهم كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَنَّا} [مريم: 83]، فقد يكون الخبث المعنوي - وهو أن يكون هذا الإنسان خبيث النفس عاصيا الله الا الله مجانباً لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والحج وسائر العبادات وسائر الأعمال بعيداً عن ذكر الله - مما يؤدي أيضاً إلى أن تتلبس به الشياطين، والله تعالى أعلم.
93 (1/93)
صفحة 94
مكنون
بر الأسود
سورة الناس - الآيات 4/ 1 (1/94)
صفحة 95
اللقاء السادس
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الوسواس
التأريخ: 30 ربيع الأول 1424 هـ / 1 يونيو 2003 م
لقاءات (1/95)
صفحة 96
96
المحاور: ما حقيقة الوسواس؟
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم
رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فالوسواس والوسواس بالفتح والكسر مصدر وَسْوَس يُوسْوِسُ، كما يقال زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ زَلزالاً وزلزالاً، وهكذا كل ما كان على هذا الوزن فإنه يأتي الفتح والكسر في فاء كلمته.
ووسوسة الإنسان هو أن يفكّر تفكيراً يؤدي به إلى أن يفقد الاتزان في التفكير؛ بحيث ينعدم ضبط هذا الفكر عنده إلى أن يتصور تصورات باطلة، ويصل به الأمر إلى أن يعتقد الحق باطلاً أو الباطل حقاً، أو أن يشكّ في أمر لا يقتضي الشك، فكل ذلك من الوسواس الذي يجب على الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى منه.
على أن الوسواس قد يطلق أيضاً نفسه على الشيطان الذي يوسوس للإنسان والعياذ بالله؛ لأنه مصدر هذه الوسوسة، فالإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله - تبارك وتعالى - من شرّ هذه الوسوسة التي تكون من الشيطان بتنزيين الباطل له وتحبيبه إليه، وتقبيح الحق في عينه وإبغاضه إليه، وقد أمر الله - تبارك وتعالى - بالاستعاذة منه في قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]، ويقول الله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 36]، وقد أنزل الله تعالى سورة بأسرها، تدلُّ على ضرورة التعلّق بالله - تبارك وتعالى - واللجوء إليه فراراً من هذا الذي يزينه الشيطان في نفس الإنسان أو يثيره في نفسه من الشكوك والأوهام حتى يكون أسير وهمه، فقد أنزل الله - تبارك وتعالى - سورة تنبئ الإنسان بضرورة اللجوء إلى الله فراراً من هذه المكائد الشيطانية، وذلك حيث قال: الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6]، فعلى الإنسان دائماً أن يكون ملتجئاً إلى الله - تبارك وتعالى ..
بسم
أما بالنسبة إلى الشعور بالتقصير في أداء الطاعات والقيام بالواجبات فهذا مما
يجب (1/96)
صفحة 97
الوسواس
الله
أن يكون في خلد الإنسان دائماً، إذ الإنسان مهما قام بالحقوق الواجبة عليه، واضطلع بالأمانة الملقاة على عاتقه فإن التقصير ديدنه، إذ لا يستطيع إنسان قط أن يوفي - تبارك وتعالى - حقه، ولذلك نجد في كتاب الله و ما يدلّ على أن المؤمنين الصالحين يفعلون ما يفعلون من خير، ويسارعون إلى الطاعات ويتجنبون المعاصي، ولكن مع ذلك تبقى نفوسهم في خوف من الله - تبارك وتعالى -، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ} [المؤمنون: 60، 61]، فهؤلاء مع كونهم يعملون الصالحات، ويُؤتون ما أتوا من أموالهم طيبة بذلك نفوسهم، فإن قلوبهم تظلّ وجلة من خشية الله، شاعرة بالمنقلب إليه الله، وهم بهذا الوجل والخوف من الله الله يزدادون قرباً إليه، ومسارعة إلى طاعاته، وابتعاداً عن معاصيه، ولذلك كانوا دائماً يسارعون في الخيرات كما قال سبحانه: أُولَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ} [المؤمنون: 61].
هذا؛ ومن المعلوم أن الإنسان ضعيف أمام عواصف الأفكار المختلفة التي تلم به، وأمام التحديات المتنوعة التي يواجهها، وأمام تقلبات الأحوال من حوله بحيث قد يكون في نعمة فينقلب إلى ضدها، وقد يكون في أمر يحبه فإذا هو يصادف ما يكره، وهكذا تحديات الزمن وصروف الدهر، فالإنسان إذاً عرضة لهذه التقلبات، ولكن مع ذلك فإن المؤمن الواثق بالله يلجأ إلى الله في أحواله كلها ويتوكل عليه.
والله - تبارك وتعالى ـ لم يكلف الناس عسيراً، إنما كلّفهم يسيراً، ووعدهم خيراً كثيراً وأجراً كبيراً، وهو الله ما جعل عليهم في الدين من حرج، فقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، وقد بين الله أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، حيث قال: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، فطبيعة الإنسان أن تكون نفسه عرضة للكثير من التقلبات، ولكن المؤمن مهما واجه من هذه الظروف والأحوال والتقلبات، ومهما كان من طبيعة نفسه بسبب ما يلقاه من شدة أو عكسها إلا أنه دائماً يكون موصولاً بربه كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]، فلذلك مهما ألمت بهم الوساوس فإنهم
97 (1/97)
صفحة 98
98
لقاعات
في الفكر و الدعوة
يقاومون هذه الوسوسة، ويستعيذون بالله - تبارك وتعالى - من الشيطان الرجيم، ويستعيذون بالله الله مما يلم بهم، فتصبح الصورة واضحة، والحقيقة بينة، ويتغلبون على هذه العوارض كلها.
المحاور: هل للوسواس أنواع؟ وما هي أعراض كلِّ منها؟
يضمر
لا نستطيع أن نحصي جميع أنواعه، فالوساوس تختلف باختلاف أحوال الناس، من الناس من يشكّ في الناس بحيث يظن أن كل الناس يضمرون له الشر، فإذا أبصر اثنين يتحدثان وقع في نفسه أنهما يريدان الوقيعة به، وإذا خطا أحدهم خطوة تصوّر أن تلك الخطوة هي ضده،. وإذا كلّمه أحد كلاماً حسناً جميلاً تصوّر أنه خلافه، وهذه طبيعة توجد في كثير من الناس، وهي سوء الظن، وهي من الوسوسة الشيطانية التي تدعو إلى سوء الظن ونظر السوء إلى الناس، وهو مما دعا القرآن الكريم إلى تجنّبه، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنَ إِنَّهُ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12]، ونجد أن الحديث الشريف يقول: «إياك والظن فإن الظن أكذب الحديث رواه البخاري ومسلم)؛ أي سوء الظن أكذب ما يصدقه الإنسان، فقد يظنّ الظنون بغيره ويفضي به سوء الظن إلى أمور لا تحمد عقباها
كما يقول الشاعر:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وعادي محبيه بقول عداته
وصدق ما يعتاده من توهم وأصبح في ليل من الشك مُظلم
ينشأ
فالإنسان كثيراً ما يوقعه سوء ظنه في ضروب من المحن وأنواع من الفساد، وهو وسوسة الشيطان؛ لأنّه يخيّل إليه أنّ كلّ أحد يضمر له الشرّ، والحقيقة خلاف ذلك.
عن
وقد تكون هذه الوسوسة فيما يتعلّق بأداء الواجبات، فكثيراً ما تكون الوسوسة في الطهارة بحيث يشك الإنسان في طهارته، ويتصوّر - مهما فعل - أنه لم يقم بالواجب في تطهير نفسه، قد تكون هذه الوسوسة في الطهارة من النجاسات، وذلك بأن يتصوّر دائماً أنه متلبس بالنجاسات، فيحرص على أن يغسل جسده وثيابه وفراشه، وأن يغسل كلّ شيء من حوله، فالإسلام قطع دابر ذلك إذ جعل الأمور محمولة على أصلها، (1/98)
صفحة 99
الوسواس
يسمى
والأصل في الأشياء الطهارة، وقد تكون الوسوسة في الطهارة من الأحداث بحيث يرى أنه لو قام بما قام لم يوف الطهارة حقها، فيتوضأ المرات الكثيرة، ويغتسل الغسل الواجب المرة بعد الأخرى وهو يرى أنه لم يوف الطهارة حقها، وهذا أيضاً مما قطع الإسلام دابره، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لبدء الوضوء شيطاناً الولهان، يولع الناس بالإسراف في استعمال الماء (رواه الربيع والترمذي)، وقد يتصور الإنسان في كل حين أنه أحدث، وأنّ وضوءه انتقض، وما هذه إلا وسوسة، وقد دلّ الحديث الشريف على معالجة ذلك بحمل الشيء على أصله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن أن ينفلت الإنسان من صلاته إذا شكّ في الحدث حتى يسمع صوتاً أو يشمّ ريحاً (رواه الربيع والترمذي)، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، فإن الإسلام الحنيف جعل له علاجاً.
أن جاوز
وقد تكون الوسوسة أيضاً في صلاة الإنسان بحيث يشكّ المصلّي في صحة صلاته، أو في استيفاء عمل من أعمالها، وهذا أمر قطع دابره بعدم العودة إلى الركن بعد المصلّي محلّه، فإذا تجاوز حداً من حدود الصلاة، ثمّ شكّ هل فعل ذلك الشيء أم لم يفعله؛ فإنّه لا يعود إليه بعدما جاوزه بحد، وهكذا كلّ ما كان من هذا القبيل، فالشك يُقطع دابره باليقين، وذلك باستصحاب الأصل، وعدم الالتفات إلى هذه الشكوك بعد مجاوزة العمل المشكوك في أدائه بحد، والله تعالى أعلم.
المحاور: امرأة تعيد الصلاة أكثر من مرة وحاولت التخلص من ذلك، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة تقرؤها أكثر من مرة، وعندما تسمع صوتاً وهي في الصلاة توسوس وتعيد الصلاة مرة أخرى، فما هو علاجها؟
عليها أولاً أن تتفقه في الدين بحيث تعرف أنّ العمل إذا دخله الإنسان ليس له أن يبطله؛ لأنّ إبطال العمل منهي عنه بنص القرآن الكريم، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33]، ولذلك كان الخروج من الصلاة بعد الدخول فيها من غير موجب للخروج أمراً محرماً، فلا يجوز للإنسان أن يُقدم عليه لما في ذلك من التشديد في حكم الله الله
-
99 (1/99)
صفحة 100
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومن ناحية ثانية فإن تكرار الفاتحة الشريفة أمر غير جائز، بل تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة مبطل للصلاة؛ لأنّ الفاتحة ركن، والركن إنما يقتصر الإنسان في حال تأديته على التأدية المشروعة من غير أن يزيد شيئاً عليها، فلا يجوز للإنسان أن يزيد شيئاً على الركن المشروع بتكراره ولا تكرار شيء منه، فكما لا يجوز له أن يكرر الركوع في الركعة الواحدة بحيث يركع مرتين أو ثلاث مرات، وإنما يقتصر على القدر المشروع وهو مرّة واحدة؛ فكذلك الفاتحة لا يجوز أن يكرّرها بحيث يقرؤها المرّة تلو المرّة في الركعة الواحدة، فإن هذا أمر مؤد إلى بطلان الصلاة.
فعليها أن تتغلب على هذه الوساوس، وأن تستعين بالله وأن تكثر من ذكر الله الله، وقبل قيامها إلى الصلاة تقرا آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين، ولتستعذ بالله الله من الشيطان الرجيم، ولتقرأ هاتين الآيتين من آخر سورة الأعراف: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201].
ولتقبل على الصلاة بإرادة وبصمود بحيث لا تزعزعها الأحداث، ثم بجانب هذا عليها أن لا تبالي بالأصوات التي تسمعها، فإنها لا يعنيها من تلك الأصوات شيء، فلو أنها سمعت صوت طفل أو صوت صغير أو صوت كبير فلا يشغلنها ذلك عن الصلاة، ولو حصل أن اشتغلت فعليها أن تتجاوز ذلك حتى تعتاد عدم الاشتغال به؛ لأنها لو أبطلت الصلاة كلما سمعت صوتاً فإن ذلك يتسارع في صلاتها حتى لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الصلاة قبل أن تبطلها، وإنما عليها أن تستمر مهما كانت هذه الأصوات، وبهذا تتغلب إن شاء الله على هذه العادة الخطرة، والله تعالى الموفق.
المحاور: الوسواس هل هو مرض عضوي أم هو فقط مجرد وسوسة شيطانية؟
هو ضعف في النفس يستغله الشيطان والعياذ بالله، فيُملي على أصحاب هذه النفوس ما يشاء من اللبس والأوهام، ولا ريب أن ذلك مرض، يستغله الشيطان،
ولذلك يُزيّن الشيطان لأصحاب هذه الأمراض الاسترسال في هذه الحالة إلى أن الإنسان أسير هذه العادة السيئة، والله المستعان.
يصبح (1/100)
صفحة 101
الوسواس
المحاور: امرأة مصابة بالوسواس القهري، وهذا الوسواس يجعلها تشك في الصلاة وتوسوس ولا تدري هل صلت أم لم تصل، وقال لها من قال بأنَّ لها أن تجمع الصلاة؛ لأنها لا تستطيع حتى الخروج من البيت لأنها تخشى أن تفوتها الصلاة، فهل لها أن تجمع الصلاتين؟
كل ما كان مُحرجاً للإنسان يسوّغ له أن يجمع بسببه الصلاتين، والمرض من جملة الإحراج، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الصحيح صلّى الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولا مطر (رواه الربيع
والبخاري ومسلم). وقد جاء في رواية الشيخين وغيرهما لهذا الحديث أن راويه ابن عباس ما سُئل: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعنى ذلك أن أوقات الحرج يسوغ فيها للإنسان أن يجمع الصلاتين دفعاً لهذا الحرج، ولا ريب أن مثل هذا المرض - مرض الوسوسة - حرج كبير، فما على هذه المرأة من حرج أن تصلي بمشيئة الله الظهر والعصر معاً، وأن تجمع أيضاً بين المغرب والعشاء معاً، جمعاً من غير قصر، إلا إذا كانت في حال السفر فلتقصر، والله تعالى يتقبل منها.
المحاور رجل عنده وسواس شديد عندما يصلّي في المسجد مع الجماعة يأتيه الشيطان فيوسوس له بأنه سيموت الآن، أو سيصاب بالجنون، وهذا الأمر لا يجعله في الصلاة، وربما يدفعه في بعض الأحيان إلى أن يخرج من الصلاة، وعندما يصلّي في البيت لا يحدث له هذا الأمر، فما هو العلاج؟
خاشعاً
نسأل الله - تبارك وتعالى - له العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، ومع ذلك نرجو منه أولاً أن يكابر هذه الأوهام والشكوك، وأن يتغلب عليها بتقوية إرادته، فإن هذه الشكوك إنما تقوى على الإنسان عندما تضعف إرادته، ثم بجانب ذلك عليه أن يلجا إلى الله، وأن يكثر من ذكر الله الله في الصلاة وخارج الصلاة، فالله تعالى يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فبذكر الله يطمئن قلبه، وقبل أن يقوم إلى الصلاة ليذكر الله - تبارك وتعالى وليستعذ به من الشيطان الرجيم، وليتلُ ما أمكنه من الآيات المعوذة كسورة الفاتحة الشريفة وآية الكرسي وسورة الإخلاص (1/101)
صفحة 102
102
لقاعات
في الفكر و الدعوة
والمعوذتين، وليكثر من قول لا إله إلا الله فإنها كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص تدفع الوسوسة، وهكذا كل ما كان من هذا القبيل، فليكثر من ذكر الله لينزل السكينة على قلبه، وليكثر من الدعاء بإخلاص مع اليقين بالإجابة، فإنّ الله - تبارك وتعالى - يقول: ه وإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
المحاور: هل الذي يوسوس هو الشيطان أم النفس؟
القرآن الكريم يدلّ على أنّ الشيطان له أثر إلا أن النفس بسبب ضعفها يتمكن الشيطان من السيطرة عليها، فالنفس تضعف، وهذا الضعف قد يكون بسبب تأثيرات من الشيطان نفسه؛ لأنه يخيّل للإنسان خيالات تزلزل أركان نفسه، وتزعزعها عن الثبات فتضعف شيئاً فشيئاً، وهو يستغل هذا الضعف، والله - تبارك وتعالى - أمر عبده بأن يلجأ إليه بالعياذ به فراراً من وساوس الشيطان، وذلك حيث يقول: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]، وقد دلّ القرآن الكريم أيضاً على أن الوسوسة تكون من الشيطان، قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ * في صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6]، فالإنسان مطالب بأن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وفي هذه الاستعاذة ما يدفع هذه الوسوسة إن شاء الله.
المحاور: ما هو واجب الأسرة والمجتمع في مساعدة المريض بالوسواس؟ الأسرة والمجتمع لهما أثر كبير في إعطاء المريض دفعة إيمانية؛ بحيث يقال له بأن شخصيته شخصية قوية، ولا ينبغي أن يضعف أمام هذه العاصفة من الوسوسة، بل يجب عليه أن يصمد ويقوى ويدفع ما يطرأ لنفسه من أسباب الضعف. (1/102)
صفحة 103
الوسواس
فإن المرض النفسي يعالج بمثل هذا العلاج النفسي، وقد يقوى الإنسان على مقاومة هذه الوساوس عندما يتقن علاجها بطريقة تعيد إليه الثقة بنفسه، وقد يكون علاج الوهم بوهم يزيله أحياناً، فقد سمعت أن رجلاً كان دائماً يُخيّل إليه أن في رأسه مسماراً من الحديد، وكان دائم الصراخ والعويل، وهو يحسّ بوجع شديد بسبب توهمه هذا، ويذهب باستمرار إلى الأطباء، ويطلب منهم أن يعرضوه على الأشعة ليكتشفوا داءه الذي هو موقن به، وكانوا يردّون عليه بأنّه سليم مما يتصور، وأن الأشعة تؤكد خلوه من كل ما ينغص عليه صحته من الأسقام العضوية فضلاً عن وجود مسمار أو غيره، ولكن مع ذلك كانت هذه الوسوسة تؤرق ليله وتزعج نهاره فلم يهنأ عيشاً ولم يحس براحة، لأنها كانت داءً مكيناً سيطر على عقله وفكره فما كان يصدق أبداً مقالة طبيب، ويتصور أن الأطباء جميعاً لا يعرفون شيئاً من سقمه، إذ لم يحسوا بإحساسه إلى أن تولى أمره طبيب عرف مكمن دائه وطريق دوائه، فأكد له صحة قوله، ووعده أن ينزع المسمار من رأسه، فخدره حتى إذا فقد إحساسه قام فشطبه قليلاً ثم ضمّده، وذبح ديكاً، فطلى بدمه مسماراً أراه إياه بعد إفاقته، فاطمأنت نفسه إلى صدقه وخبرته وسكنت أوجاعه، وزال عنه كلّ ما يشكو، فاصبح في عداد الأصحاء ولكن بعد حين أتاه من أفسد على الطبيب علاجه له، إذ أخبره بما خفي عليه من قصة الطبيب معه فعاد إلى ما كان عليه، فأخذ يصرخ كما كان مردداً شكواه من بقاء المسمار في رأسه، واستمرار أذاه له، فإذا المجتمع عليه أن يكون حكيماً في معالجة مثل هذه الأمراض، وكذلك الأسرة، والله تعالى الموفق.
103 (1/103)
صفحة 104
وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عليهين بالمعروف
سورة البقرة - الآية 228 (1/104)
صفحة 105
اللقاء السابع
المحاور: مجلة «الراية» الكويتية / العدد 12) أجرى اللقاء: أحمد سيدو)
الموضوع: الفتوى والمرأة
التأريخ: يوليو 2001 م
الإسلام
لقاءات (1/105)
صفحة 106
1.7
لقاعات
في الفكر والدعوة
أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان أن المرأة أصبحت في عصرنا الحالي سلعة تباع وتشترى، استُغلَّتْ للاسم من أجل الترويج لكافة البضائع. وقال: إن الإسلام أعطى المرأة حقوقاً لم تُعْطِهَا إيَّاها أيُّ ملة أو فلسفة أو نظام آخر، وأضاف سماحته في حديث خاص لمجلة «الراية»: إننا نعالج المشكلات العصرية باستنباط الأحكام من الأدلة والرجوع إلى القواعد.
وقال: إن ما يعاني منه الناس من مشكلات وهموم ناجمة عن بعد الناس عن أخلاق وآداب الدين الإسلامي الحنيف. وأضاف قائلاً: إن الرجل يجب أن يتعامل مع زوجته بأسلوب نابع من الحب والتفاهم.
وقال: أنا إنسان لا أكتم مشاعري أمام زوجتي في أي وقت ودون تقييد، ونوه بأنه يطالع البرامج العلمية والدينية في القنوات الفضائية.
وفيما يلي نص الحوار:
المُحاور: هل لنا ان نُعَرِّفَ القُرَّاء سيرتك الذاتية؟
هذا أصعب سؤال - قال بتواضع؛ لأني لا أجد لنفسي السيرة التي تستحق أن
تُذكر، هذا مجمل الجواب.
وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، من ناحية الدراسة فأنا لا أحمل شهادة دراسية حتى الشهادة الابتدائية، أما شهادتاي فهما: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأسأل الله تعالى اللطف والعون وبقدر المستطاع حاولنا أن نقدّم ما يمكن أن نقدمه في خدمة دينه، ونسأل الله التوفيق.
المحاور: هل كنت تعد نفسك لهذا المنصب؟
هذا المنصب لا أرى أنه تشريف بقدر ما هو تكليف، وهو مسؤولية كبرى أمام الله تعالى قبل أن تكون أمام الناس؛ لأن الله هو الذي يحاسب الإنسان على ما (1/106)
صفحة 107
الفتوى والمرأة في الإسلام
يقوله، وقد قرن الله تعالى التقوّل عليه بغير علم بالشرك به عندما قال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. وجاء في الحديث: من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن خَرَّ من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه وافق الحق» (رواه الإمام الربيع)، فلذلك أرى هذه المسؤولية صعبة، وأراها تكليفاً وأتمنى أن أجد من يتحمل تبعاتها عني لأحطها من رأسي إلى رأسه.
المحاور: كم سنة أمضيت في هذا المنصب؟
ربع قرن تقريباً.
المحاور: في عصرنا الحالي أنماط جديدة من الاستفسارات والفتاوى. كيف تبينها بما لا يتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف؟
الله - تبارك وتعالى ـ جعل الإسلام دين البشرية جميعاً، وجعله رسالته إلى الإنسانية منذ وجدت في هذه الأرض، يقول - سبحانه -: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وإنما جاءت شرائع الله حسب ملابسات الظروف التي اكتنفت الرسالات التي بُعِثَ بها النبيون، لذلك تعددت الشرائع حسب اختلاف البيئات والأزمنة، ثم جاءت الشريعة الخاتمة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون شريعة خالدة، بعدما وصلت الإنسانية إلى حيث ما وصلت إليه من مكانة في المعرفة والانفتاح وقد علم الله ما يستجد في هذه الظروف.
على أنه لا بد من إدراك مقصد الشارع؛ إذ معرفة مقصد الشارع أمر ضروري بالنسبة إلى الذي يعطي الحلول للمشكلات المستجدة، حتى يحمل الشيء على نظيره، وعندما تكون لدى الإنسان الآلة التي يتمكن من خلالها أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بحيث يكون قادراً على فهم القرآن الكريم - وهذا أمر يتوقف على معرفة
107 (1/107)
صفحة 108
108
لقاعات
في الفكر و الدعوة
اللغه العربية التي هي وعاء القرآن الكريم ومعرفة أصول الفقه التي من خلالها يمكن أن يجمع بين النصوص التي تتراءى للإنسان أنها مختلفة، بحيث يحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، والمجمل على المبين والمنسوخ على الناسخ -، وتكون له قاعدة في معرفة السُّنَّة النبوية الشريفة، وعنده مع هذا معرفة بإجماع السلف وكيفية استنباطهم للأحكام من الأدلة الشرعية عندما يتيسر له ذلك كله؛ فإنه يتمكن من إعطاء الحلول للمشكلات المستجدة، وهذا أمر - بمشيئة الله ـ، وصدق الله تعالى عندما يقول:
ميسر
مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38].
جميع
المحاور: ما قولك فيمن ينادي بحقوق المرأة؟
المرأة أُعطيت من الحقوق في الإسلام ما لم تُقطَه في أية ملة من الملل، ولا في أي فلسفة من الفلسفات ولا في أي نظام من الأنظمة.
فالمرأة تبوأت المكانة اللائقة بها في الإسلام، ونجد كيف كرّم الإسلام المرأة في أطوارها منذ وفودها على هذه الدنيا، فالله الا الله أمتن بالإناث قبل أن يمتن بالذكور عندما قال: {يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشَا [الشورى: 49، 50]، وهذا يدلُّ على أن الأنثى يجب أن تستقبل بما يستقبل به الذكر من الابتهاج والسرور، لا أن تكون سبباً للامتعاض والاستياء، فإن ذلك قد نعاه الله تعالى على أهل الجاهلية حيث قال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيْمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
[النحل: 58، 59].
ثم إن المرأة كُرّمت في ظل الإسلام الحنيف وهي ناشئة بين أبويها، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من رزق الإناث ورباهن وأحسن تربيتهن وزوجهن كُنَّ له حجاباً من النار» (رواه الترمذي وابن ماجه، ومع هذا كُرّمت في اختيار شريك حياتها، ولذلك لا تجبر على أن يُرْبَطَ مصيرها بمصير من تكره، بل لها حق الاختيار، ثم جاءت الأحاديث مبينة ومفصلة لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (رواه الربيع ومسلم). (1/108)
صفحة 109
الفتوى والمرأة في الإسلام
وفي كل ذلك مراعاة للفطرة وتمكين من الحق، وكرّمت المرأة وهي زوجة، فالإسلام لم يجعل الزواج استعلاءً من الرجل على المرأة وتسلطاً، وإنما جعله تكاملاً بين الزوجين، ولا أدلّ على هذا من أنّ الله تعالى جعل الرجل والمرأة معاً يمثلان حقيقة واحدة، ويشكلان كياناً واحداً كل منهما بعض من هذا الكيان، فإن الله تعالى قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]، ولم يقل أفضيتم إليهن، ومعنى ذلك أن الرجل هو بعض من هذا الكيان والمرأة هي البعض الآخر، وعندما يفضي إليها يكون قد أفضى بعض الكيان إلى بعضه الآخر وتسمية كل واحد منهما زوجاً هو دليل على ذلك.
كما نجد المساواة ما بين الزوجين في جميع الحقوق فيما عدا القوامة التي فيها أيضاً تكريم للمرأة، فإن الله له الا الله يقول: {وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] فما للرجل على المرأة من حق فللمرأة مثله، وللرجل درجة القوامة من أجل مراعاة طبيعة ذلك المرأة، ومع القرآن. يوحي بوجوب مراعاة المرأة في جميع الأحوال والظروف، حيث يقول تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كثيرا} [النساء: 19]، ويتبع ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجِ وَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًا غَلِيظًا} [النساء: 20، 21].
فالقرآن يؤكد أن الرجل لو أعطى المرأة قنطاراً من الذهب صداقاً لها فليس له أن يسترد شيئاً منه قط، وإنما يدع ذلك إليها، إذ أصبح ذلك حقاً لها.
والميثاق الغليظ هو الميثاق الفطري مع الميثاق الشرعي الذي تضمنه القرآن؛ لأن الرجل يخطب المرأة وقد تكون أجنبية منه، أو من بلد بعيد بحيث لم يتعرف عليها ولم تتعرف عليه من قبل، ولكن استجابة منها لداعي الفطرة، وتلبية لمطلب الغريزة تستجيب لهذه الدعوة، وتخرج من كنف أبويها - وهما أرأم وأرحم وألطف وأبر - رغبة في الارتباط بالرجل، فإذن هذه فطرة وهذا ميثاق بينه وبينها، فعليه أن يراعي هذا الجانب، وأن يقدر هذه الأحاسيس بحيث لا يقابل هذه الرغبة من قِبَلِها في الارتباط به بعكسها، وإنما عليه أن يكون باراً رحيماً لطيفاً بها.
1.9 (1/109)
صفحة 110
لقاعات
في الفكر والدعوة
كما كرّم الإسلام الأم تكريماً لم تَرْقَ إليه في ظل أي نظام أو فلسفة أو دين، فعندما وصى الله الا الله بالوالدين قال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهَا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، فلم يذكر تضحيات الأب، بل ذكر تضحيات الأم تنبيهاً على عظم حقها.
المحاور: كيف ترى من يطالب بوضع العصمة
بيد المرأة؟
الإسلام يراعي الجانب العاطفي في المرأة، ولا ريب أن الإنسان أياً كان يتأثر بالعاطفة، ولكن الرجل يستطيع أن يتحكم في عاطفته أكثر من المرأة، فالرجل
كثيراً ما يُحَكِّمُ عقله، وهذا الكلام لم نَقُله نحن فحسب، ولكن قاله كذلك آخرون.
وكثيراً ما نرى أن المرأة تطلب الطلاق لأتفه الأسباب، وتلح في هذا الطلب، وعندما يقع الطلاق تكون أسرع ندماً وأكثر تأثراً، وهي التي تلجأ من بعد لطلب حلّ مشكلتها.
المحاور: كيف ترى استغلال المرأة في الوقت الحالي؟
للأسف أن المرأة في عصرنا اسْتُغلَّت الاستغلال السيئ الذي لا ينقلب على أية أُمة من الأمم إلا بالدمار، فالتاريخ يثبت أن كلاً من الرومان واليونان بدأت
نظرتهم إلى المرأة نظرة تقزز واشمئزاز، بحيث كانوا يعتبرونها من عمل الشيطان، ويقيسون فضل الرجل ببعده عنها، وأحسن ما قالوا فيها أنها: شر لا
بد منه.
ثم أخذت تتطور هذه النظرة شيئاً فشيئاً، ولكنهم ما استطاعوا الوقوف عند حد الاعتدال، بل جنحوا إلى الجانب الآخر، فأصبحت في سياسة أباطرة الرومان: المرأة المومس هي التي لها السلطان والتأثير، وهكذا كان هذا سبباً لاضمحلال هذه الحضارة وقد قال بعض المفكرين: ما الحضارة الغربية المعاصرة من ذلك ببعيد.
فإن المرأة أصبحت الآن كأنها سلعة تباع وتشترى فاستغلت من أجل الترويج للبضائع كالصابون والمكيفات. (1/110)
صفحة 111
الفتوى والمرأة في الإسلام
سبحان الله ... !! أهذا هو تكريم المرأة؟ كيف سُلِخَتْ من إنسانيتها وجُرِّدَتْ من قِيَمهَا؟ هل
هذه مكانة المرأة؟ هل هذا قدر الأم والأخت والبنت؟!
المحاور: فتحت لنا المجال - فضيلة الشيخ - الأسئلة كثيرة ..
لقد جَنَيْتُ على نفسي إذن ـ يضحك
المحاور: الرجل العربي يتحرج عادة من قول كلمة الحب لزوجته أو الكلمة
الحلوة ..
قاطعني
قائلاً: نرجع إلى أشعار العرب قديماً، ماذا قالوا في المرأة؟ لعلهم كانوا أسبق الناس في التعبير عن مشاعر الحب والحنان للمرأة، فهذا الكلام موجود.
المحاور: هل تطبق سماحة المفتي هذا الشيء؟
أنا إنسان لا أكتم مشاعري، وما دمت إنساناً لا بد ان أعبّر عن مشاعري، في أي وقت، ودون تقييد - يضحك.
l-
فقه الحب في الإسلام
نعم، لا بد أن أعبر عن مشاعري، أنا لست صخرة ـ يضحك أصيل، وكتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي مما يدلُّ على ذلك.
وقاطعني أيضاً بقوله باسماً وقبل هذا وذاك لو جئنا إلى هدي الرسول صلى الله عليه وسلم كيف كان يعامل نساءه؟ ولنا فيه أسوة حسنة، فإنه كان يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وابن ماجه، وقال: «استوصوا بالنساء خيراً» (رواه البخاري ومسلم)، ومما رُوي لنا الحادثة التالية:
ذهب أحد المشايخ في رحلة إلى مكان، ونظم قصيدة بمناسبة هذه الرحلة، سجّل فيها وقائعها، وهو عالم وقائد حرب - أي كان من الصلابة في طبعه بمكان ـ، وكانت شخصيته (1/111)
صفحة 112
112
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بارزة، إضافة إلى أنه عالم وفقيه، فبدأ قصيدته بما يجسّد فيها مشاعره، وعبّر فيها عن شوقه إلى امرأته من غير أن يذكر اسمها، لأن نَسَبَهَا ينتمي إلى قبيلة من القبائل
هو
المنحدرة من سلالة سامة بن لؤي بن غالب، وهي من قبائل عُمان، وسامة هذا أخو كعب بن لؤي بن غالب، الذي هو جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قد انتقل إلى عمان، لذلك تجد كثيراً من القبائل الموجودة في عُمان تسمى قبائل سامية، نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب، فماذا قال الشيخ في بداية قصيدته؟!
قال:
أغالب فيه الشوق والشوق غالبي
غزال ولكن من لؤي بن غالب
المحاور: ما أغرب الفتاوى التي عُرضت على سماحتك؟
هناك العديد من المسائل الغريبة والعجيبة وبصفتي مبتلى بهذا الأمر تأتيني اتصالات كثيرة، تدلّ على أن الناس بقدر ما يبعدون عن أخلاق الإسلام وآدابه، تكون معاناة البيوت والأسر والمشكلات، ولهذا لا يمكن التسامح في الأخلاق والآداب التي
فرضها الإسلام. (1/112)
صفحة 113
اللقاء الثامن
المحاور: مجلة جبرين
الموضوع: الصحوة الإسلامية
المناسبة: على إثر زيارة سماحته لنادي الطلبة العمانيين المملكة الأردنية الهاشمية
لقاءات (1/113)
صفحة 114
سورة المؤمنون - الآية 52
w (1/114)
صفحة 115
الصحوة الإسلامية
سماحة العلامة الكبير الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان، شخصية فذة غنيّة عن التعريف، فقد أذعنت لبلاغته جهابذة النقد والبلاغة، وسلّم لفصاحته أهل الحل والعقد، نادرة الذكاء، وجوهرة العلماء والأدباء.
ولقاؤنا مع سماحته حديثٌ شائق ومهم وشامل، يتناول مواضيع شتى تهم المسلمين بإسلوبه الرائع البديع، مسلّطاً الأضواء بعمق النظر ورحابة الصدر وبصراحة ووضوح، كما عهدناه دائماً وأبداً، بأسلوب فنّ ولطيف، فصيح وظريف، تتخلله الرّقة والانسجام، يجد فيه القارئ الكريم تحقيقاً يروي ظمأه، ويشبع رغباته.
ولقاء هذا العدد من مجلة «رسالة المسجد» نقلاً عن «مجلة جبرين»، والذي نشرته على صفحاتها إثر زيارة سماحة المفتي العام لسطنة عُمان لنادي الطلبة العُمانيين في المملكة الأردنية الهاشمية، حيث التقى بالشباب هناك وألقى عليهم محاضرة قيمة، وقد انتهزت المجلة وجوده فأجرت معه لقاءً شائقاً تناول جوانب مختلفة. وفيما يلي نص اللقاء:
المحاور: يعيش العالم الإسلام مي صحوة إسلامية تتمثل في عودة الشباب والشابات إلى الإسلام والالتزام به ما الدور الذي يمكن أن يقوم به هؤلاء على وجه العموم والشابات على وجه الخصوص؟
معروف لدى الجميع أنّ الشباب هم أمل الغد وعدة المستقبل وقوة الأمم، وأنهم
الأمة مقياس رقي وانحطاطها وتقدّمها، وتأخرها، فإذا ما استقام الشباب على الحق واتبع منهج الرشد، كان لذلك الأثر الإيجابي الكبير في حياة الأُمة، وإذا انحرف الشباب كان ذلك مؤشراً خطيراً ينذر بدمار الأمة إن لم تتدارك هذه المشكلة بالعلاج.
والشباب دائماً مستهدفون من قِبَلِ دعاة الخير ودعاة الشر؛ لأنهم أقدر على تحمّل الأمرين جميعاً؛ فلذلك كل أحد يريد أن يجرّ الشباب إلى صَفّه، فدعاة الخير يريدون جرّهم إلى
صفوفهم، وكذلك دعاة الشر.
115 (1/115)
صفحة 116
117
لقاعات
في الفكر و الدعوة
والمستقبل يُنظر إليه بمنظار الشباب، فإذا كان الشباب على استقامة على الحق وعلى
طموح إلى الخير كان الأمل في مستقبل الأمة أملاً واعداً، وإذا كان الشباب على عكس ذلك كان الأمل في انطلاق الأُمة أملاً ضعيفاً.
ودور الشباب في حمل أمانة الدعوة إلى الله في هذا العصر الحديث، وفي هذه المرحلة التي تجددت فيها قوة الإسلام لا يختلف عن دورهم عندما سطعت شمس الإسلام أول مرة في مكة المكرمة، ثم أشرقت بعد ذلك في ربوع المدينة المنورة، ومنها شع نورها على الآفاق وبدد ظلمات الكفر، وقد كان الشباب عاملاً مهماً في انتشار هذا النور في أرجاء الأرض.
وعلى الشباب الذي يتجرّدون للدعوة إلى الله الا الله أن تكون أعمالهم مصداقاً للالتزام بتعاليم الإسلام، وأن تكون نواياهم خالصة لوجه الله، وأن يكونوا أحرص على التأثير بأفعالهم وأخلاقهم من التأثير بأقوالهم وكتاباتهم.
تكون
كي
والشابات لهنّ دورٌ كبيرٌ في بنات جنسهن وفي الرجال أيضاً، فإن الفتاة الصالحة تُعدّ أُمّاً صالحةً تربي أولادها على التقوى والاستقامة والخير، فإذا استقامت الأم استقام الأولاد، فالأولاد أول ما يتلقون معارفهم من أُمهاتهم، وأول ما يتلقون تربيتهم من أُمهاتهم، ثم إن الفتاة بسبب احتكاكها ببنات جنسها في المدينة أو الجامعة أو في البيوت يمكن أن يكون لها أثرٌ جيد في الدعوة إلى الله.
المحاور: من النقاط التي طالما تجول بالخاطر، وتثير التساؤل في الأذهان ما يوجد في بعض كتب الإباضية القديمة من ذكر قضايا تتعلق بالخليفتين الراشدين عثمان وعلي، وهذا يخلق نوعاً من التضارب في الأذهان بين ما عُرف عن عثمان وعلي، وبين ما نسمع من رأي الإباضية في هذا الموضوع. إنني أعتقد أن لأصحاب رسول الله الا الله منزلة كبرى، فقد أثنى الله الله عليهم
في كتابه في قوله: {تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَبِّهُمْ
رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]، وأثنى عليهم الحق في قوله تعالى: (1/116)
صفحة 117
الصحوة الإسلامية
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وفي قوله سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَهُوَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9].
وإنني لحريصٌ جداً على دخولي في الذين قال الله تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وإنني أعتقد أن أحداً لو أنفق مثل أُحدٍ ذهباً لما ساوى مدّ أحدهم أو نصيفه (رواه البخاري ومسلم) كما أخبر بذلك رسول الله، وإنني لحريص جداً على طي صفحة الفتنة التي كانت بينهم، ولم أكن أريد أن يتحدّث لساني أو أن يكتب قلمي شيئاً عن تلك الفتن عملاً بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134]، وهذا المبدأ هو الذي أعْلَنَهُ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لله إذ قال: «تلك دماء طهر الله منها أسنتنا، أفلا نُطَهِّرُ منها ألسنتنا؟!» وهو نفسه الذي قاله الإمام نور الدين السالمي: فما مضى قَبْلَكَ لو بساعة
فدعه ليس البحث عنه طاعة
وإذا كنتُ أكره شيئاً من التأريخ، فإني أكره ذلك التأريخ تأريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله، وأدت إلى تفرّق هذه الأُمة إلى أشلاء ممزقة، حتى طمع فيها عدوّها، ولو كان بالإمكان محو هذه الدمغات السوداء من صحائف التأريخ ومن أذهان الناس لَفَعَلْتُ، لِتَعُودَ الوحدة بين الأُمة، ولكن أنَّى لي أن أعمل ذلك، فالقدر قد كتب ما كتب والله لا راد لِحُكْمه، ولا معقب لأمره، وكل ما يحدث في هذا الوجود إنما هو
بقضاء وقدر منه
ولست هنا بصدد الحكم فيما يتعلق بأحداث تلك الفتنة العمياء، على أي أحدٍ ممّن خاض في تلك الفتنة، أو من أُصيب بشيء من شررها، وإنما كل ما أريده الآن هو دفع الاتهامات
117 (1/117)
صفحة 118
118
لقاعات
في الفكر و الدعوة
التي تُوَجَّهُ إلى الإباضية بأنهم يُعادون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينالون من كرامتهم، والذي أُريد أن أقوله أنّ الإباضية قد تحرّوا الحقيقة فحرصوا على إنزال الأحكام الشرعية على الواقع عندما اتخذ الناس من تلك الأحداث وسيلة لقلب الحقائق، فرأى الإباضية ضرورة القول فيها بما يجلي، واقعها، وعندما رجوا أن يمسك الآخرون كانوا أسرع الناس إلى الإمساك وترك الخوض فيها، ومع ذلك فهم ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فكثير من الناس تحدّثوا عن تلك الفتنة وبيّنوا ما كان فيها، وقد كان موقف الإباضية كموقف غيرهم من الذين تحروا الحقيقة.
ولا ريب أن الخلافة الإسلامية قد ولج إليها ما ولج بعدما كَبُرَ الخليفة الثالث واستولى الرجال على أمره كما أثبت ذلك المؤرخون، وكان على رأس هؤلاء الذين أوقدوا هذه الفتنة العمياء مروان بن الحكم ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحن إذا جئنا نتدبّر ما قاله القائلون وما كتبه الكاتبون، وجدنا أن الناس كانوا غير راضين عن تلك الفتنة، فلنسمع إلى أحد الخطباء يلقي خطبة أمام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز له بعدما ولي الخلافة، وقد وفد مع الوافدين إلى الخليفة العادل، وهو عبد الله بن الأهتم، ولم يُرع الخليفة إلا وعبد الله يخطب بدون استئذان منه، فحمد الله وأثنى عليه ثم صلّى على نبيه، ثم ذكر جانباً من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما واجهه من تحديات من قبل قومه، ثم ذكر الخليفة الأول، ثم الثاني وأثنى عليهما، ثم قال بعد ذلك: (ثم إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج ... ) (1)، وكلامه يعني انتقاد الأوضاع بعد الخليفتين أبي بكر وعمر.
وكذلك جاء في كثيرٍ من الكتب ذكر بعض الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث بعدما بلغ من الكِبَرِ عِتِيّاً، وتدخل مروان بن الحكم في أمر المسلمين، فقد جاء في كتاب «الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة وذكروا أنه اجتمع أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكتبوا كتاباً ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَّة
(1) لمراجعة الخطبة ينظر: كتاب العقد الفريد» لابن عبد ربه 94/ 4، وكتاب (البيان والتبيين» للجاحظ، ج 2/ 80 - 82، قدّم للكتاب وبوبه وشرحه د. علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1988 م. (1/118)
صفحة 119
الصحوة الإسلامية
صاحبيه، وما كان من هبته خمس إفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدّوا سبعة دور بناها في المدينة، ودار لنائلة ودار لعائشة وغيرهما من بناته وأهله، وبنيان مروان القصور بذي خشب، وعمارته للأموال من الخمس الواجب لله ورسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أُمية أحداث غِلْمَة، لا صحبة لهم للرسول، ولا تجربة لهم بالأمور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة - وهو أميرٌ عليها - إذ صلّى بهم الصبح وهو سكران أربع ركعات، ثم قال: إن شئتم زدتكم ثلاثاً، وتعطيله إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء، ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدارة القصائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليس لهم صحبة بالنبي، ثم لا يغدون ولا يَذُبُّون، وما كان مجاوزته الخيزران إلى السوط وأنّه أوّل من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين بالدرة والخيزران
ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة، فلما خرجوا والكتاب بيد عمّار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان، فاستأذن عليه فأذن له في يوم شاتٍ، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنتَ كتبت هذا الكتاب؟ فقال: نعم، فقال: ومن كان معك؟ فقال: كان معي نفر تفرّقوا فَرَقاً منك. قال: من هم؟ قال: لا أخبرك بهم؟ قال: فَلِمَ افتريت عليّ من بينهم؟ قال مروان: يا أمير المؤمنين إنّ هذا العبد الأسود - يعني عماراً - قد جرّأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، فقال عثمان اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه،
فأغشي عليه، فجروه حتى تركوه على باب الدار، فَأَمَرَتْ به أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأُدخل منزلها، وغضبت فيه بنو المغيرة - وكان حليفهم - فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد فقال له: أما والله لئن مات عمّار من ضربه لأقتلن به رجلاً عظيماً من أُمية، فقال عثمان: لست هناك ... إلخ). كلّ هذا موجود في كتاب الإمامة والسياسة بني
(1) ابن قتيبة الإمامة والسياسة»، ما أنكر الناس على عثمان، 35/ 1 - 36.
119 (1/119)
صفحة 120
120
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المنسوب إلى ابن قتيبة، وهو ليس من مؤلفات الإباضية، ومع غضّ النظر عما احتواه هذا النقل أهو كله صحيح أو أن فيه بعض المبالغات، فإنني أردت بإيراد هذا الكلام أن أثبت أن من غير الإباضية من تعرض لهذه الأحداث بأكثر مما تعرض له الإباضية.
وإذا جئنا إلى أعلام الفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر، نجد كثيراً منهم تناولوا هذه الفتنة، وتحدّثوا عما جرى فيها بكل جرأة، ومن هؤلاء شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» فقد قال:
وهذا التصوّر لحقيقة الحكم قد تغيّر شيئاً ما - دون شك - على عهد عثمان، وإن بقي في سياج الإسلام، لقد أدركَتْ الخلافة عثمان وهو شيخ كبيرٌ، ومن ورائه مروان بن الحكم يُصرف الأمر بكثير من الانحراف عن الإسلام، كما أنّ طبيعة عثمان الرخية، وحدبه الشديد على أهله، قد ساهم كلاهما في صدور تصرفات أنكرها الكثيرون من الصحابة
من حوله، وكانت لها معقبات كثيرة، وآثار في الفتنة التي عانى الإسلام منها كثيراً. منح عثمان من بيت المال زوج ابنته الحارث بن الحكم يوم عرسه مائتي ألف درهم، فلما أصبح الصباح جاءه زيد بن أرقم خازن مال المسلمين، وقد بدا في وجه الحزن، وترقرقت في عينيه الدموع، فسأله أن يعفيه من عمله، ولما علم منه السبب وعرف أنه عطيته لصهره من مال المسلمين، قال مستغرباً: أتبكي يا ابن أرقم أن وصلت رحمي؟ فرد الرجل الذي يستشعر روح الإسلام المرهف لا يا أمير المؤمنين، ولكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو أعطيته مائة درهم لكان كثيراً، فغضب عثمان على الرجل الذي لا يطيق ضميره هذه التوسعة من مال المسلمين على أقارب خليفة المسلمين، وقال له: ألقِ يا ابن أرقم، فإنا سنجد غيرك).
والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات، فقد منح الزبير ذات تسعمائة يوم، ومنح طلحة مائتي ألف، ونفق مروان بن الحكم ثلاث خراج إفريقية، ولقد عاتبه
ألف
في ذلك ناس من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب الله فأجاب: إنّ لي قرابةً ورحماً، فأنكروا عليه وسألوه: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحماً؟! فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي، فقاموا عنه غاضبين يقولون: فَهُدَاهُمَا والله أحبُّ إلينا من هذا. (1/120)
صفحة 121
الصحوة الإسلامية
وغير المال، كانت الولايات تُنْدَقُ على الولاة من قرابة عثمان، وفيهم معاوية الذي وسّع عليه في الملك فضم إليه فلسطين وحمص، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، ومهد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة علي، وقد جمع المال والأجناد، وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله الله الذي آواه، عثمان، وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرف، وفيهم عبد بن سعد بن أبي السّرح أخوه من الرضاعة.
الله
ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات خطيرة العواقب فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة، والخليفة في كبرته لا يملك أمره من مروان، وإنه لمن الصعب أن نتّهم روح الإسلام في نفس، عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيه الخطأ الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة في كبرة عثمان.
من
ولقد اجتمع الناس فكلّفوا علي بن أبي طالب الله أن يدخل إلى عثمان فيكلمه، فدخل إليه فقال: الناس ورائي وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك؟ وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فتخبرك عنه ولا خلونا بشيء فَتُبَلِّغكَه، ولا خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلت صهره، وما ابن قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحماً، ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك، فإنه والله ما تُبصَّرُ من عمى،، ولا تعلم من جهل، وإنّ الطريق لواضح بين، وإن أعلام
الدين لقائمة.
تعلم يا عثمان إن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدِي وهَدَى، فأقام سنةً معلومة، وأمات بدعة متروكة، فوالله إنّ كلا، لبيّن وإنّ السِّنن لقائمة لها أعلام، وإن شرّ الناس عند الله إمام جائر ضَلّ وضُلّ به فأمات سُنَّةً معلومة، وأحيا بدعةً متروكة، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر
فيُلقى في جهنم»
(1) لم أجد له تخريجاً.
121 (1/121)
صفحة 122
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فقال عثمان: قد والله علمت ليقولُنَّ الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما عنّفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، وما جئتُ مُنكِراً أن وصلت رحماً، وسددت خلةً، وآويت ضائعاً، ووليت شبيهاً بمن كان عمر يولي، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال: أتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم، قال: فَلِمَ تلومونني إن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟! قال علي: سأخبرك، إنّ عمر كان كلّ من ولّى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل، ضعفت ورققت على أقاربك، قال عثمان وأقربائك أيضاً، قال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم، قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولّى معاوية خلافته كلها، فقد وليته، قال علي: أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر نعم، قال علي: فإن معاوية يقطع الأمور دونك، وأنت لا تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغيّر على معاوية» (1).
منه؟ قال:
ثم يقول الأستاذ شهيد الإسلام بعد ذلك: «وأخيراً ثارت الثائرة على عثمان واختلظ فيها الحق بالباطل والخير بالشر، ولكن لا بد لمن ينظر في الأمور بعين الإسلام، ويستشعر الأمور بروح الإسلام أن يقرّر أن تلك الثورة في عمومها كانت ثورة من روح الإسلام، وذلك دون إغفال لما كان وراءها من كيد لليهودي عبد الله سبا (2). بن
وكثير من الكاتبين تناولوا هذا الموضوع بالنقد والتحليل ومن بينهم العلّامة الأستاذ المودودي في كتابه «الخلافة والملك»، وكذلك في كتابه «التجديد لهذا الدين»، وقد علّل ما حدث في كتابه «التجديد لهذا الدين بأنّ الخليفة الثالث جاءته الخلافة وقد بلغ من الكبر عتيّاً، وكان لم يُمنح المواهب التي مُنح إياها العظيمان اللذان تقدماه.
فهل الإباضية وحدهم الذين يتحدثون أو يكتبون عن مثل هذه الأشياء؟! وهل نستطيع القول بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مجتمعين على كراهة ما حدث لعثمان؟! مع أنّ عثمان لم يُقتل غيلة، وإنما قتل بعد حصار دام شهراً، فهل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين
(1) سيد قطب؛ العدالة الإجتماعية في الإسلام، ص 159 - 160، دار الشروق. (2) سيد قطب، المرجع السابق، ص 160 - 161، للاستزادة ومعرفة التفاصيل يراجع: الكتاب المذكور من صفحة (159) إلى صفحة (181).
122 (1/122)
صفحة 123
الصحوة الإسلامية
افتتحوا مدائن كسرى، وهزموا قيصر واستطاعوا أن يطؤوا بأقدامهم على عرشيهما كانوا عاجزين عن فكّ الحصار على عثمان الذي استغرق مدة شهر وهم في عاصمة الإسلام على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟!
وعبد
جاء أيضاً في كتاب «الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة أيضاً في وصف حادثة دفن عثمان ما نصه: وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر قال: لم أكن دخلت في شيءٍ من أمر عثمان لا عليه ولا له، فإنّي لجالس بفناء داري ليلاً بعدما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير فقال: إنّ أخي يدعوك، فقمتُ إليه، فقال: إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك؟ فقلت: والله ما دخلتُ في شيءٍ من شأنه، وما أريد من ذلك، ثم انصرف فاتبعته، فإذا هم في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبو الجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، الله ابن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، فاحتملوه على الباب، وإنه رأسه ليقول: طق، طق، فوضعوه في موضع الجنائز، فقام إليهم رجالٌ من الأنصار فقالوا لهم: لا والله لا تُصِلُّونَ عليه، فقال أبو الجهم: ألا تَدَعُونا نصلي عليه؟! فقد صلّى عليه الله تعالى وملائكته، فقال له رجلٌ منهم: إن كنت فأدخلك الله مدخله فقال: حشرني الله معه، فقال: إنّ الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منا، فقال القوم لأبي الجهم: اسكت عنهم وكُفَّ فَكَفَّ، فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين، وإنّي أسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع، فأتاه جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا نترككم تصلّون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا فإن لم نصل عليه فإنّ الله قد صلّى عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في «حق» حتى إذا أتوا به «حش كوكب حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلّون عليه، وأمهم جبير بن مطعم، ثم أدلوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال: والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عيناك، فدفنوه ولم يلحدوه باللبن، وحتّوا عليه التراب» (1).
فما نقل في هذا الكتاب - وهو من غير مؤلفات الإباضية قطعاً - يدلّ على موقف جماعة من الأنصار من هذه الفتنة، فهل يمكن بعد ذلك أن تحكم بأن الذين قتلوه هم رعاع النّاس، جاءوا شذاذاً من الآفاق إلى المدينة المنورة، فاستطاعوا أن يحققوا مقصدهم،
(1) ابن قتيبة؛ الإمامة والسياسة: 46/ 1.
123 (1/123)
صفحة 124
124
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وأن يصلوا إلى غايتهم، وأن يصدعوا الإسلام بقتل خليفته، مع عجز المهاجرين والأنصار عن الكفّ عنه، إن ذلك مما لا يقبله المنطق السليم، وإنني مع ذلك كله لا أريد أن أُعلّق بشيء على ما قاله المؤرّخون، وأقول: إنّ العهدة عليهم بأنفسهم، ولستُ أستطيع أن أحكم بشيء في تلك الأحداث العظيمة، وإنّما أقول ما قلته من قبل: بأن السلامة في العمل بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134]، وما أردتُ بما ذكرته هنا إلا تبرئة الإباضية من التهمة التي ألصقت فهم ليسوا وحدهم الذين يتحدثون عن الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث، وإنما كثير من المؤرخين والكاتبين من المتقدمين والمتأخرين تحدّثوا عنها، فكيف يُنْحَى باللوم في ذلك على الإباضية وحدهم وينسى الآخرون الذين كانوا في ذلك أشدّ منهم؟!! إن ذلك لأمر عجب يدلّ على عدم التجرد من التعصُّب من هؤلاء الذين ينحون باللائمة على الإباضية، ولا يتعرضون لغيرهم من الذين خاضوا في هذه الأحداث.
بهم،
وأما بالنسبة للخليفة الرابع علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - فإنّ الإباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث في عهده، ولا ينالون من شخصه وهم أكثر الناس تقديراً له واحتراماً لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم و قرابته منه، ويدركون كلّ الإدراك أنّه من أفقه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم اطلاعاً على سيرته - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وأكثرهم علماً بكتاب الله، ولذلك كثيراً ما يأخذون بآرائه في الفقه كما هو واضح في كتبهم الفقهية فيما لا يأخذ فيه الجمهور بآرائه.
وإنما يتعرضون لقضيّة التحكيم، تحكيم الحكمين الذي أُكره عليه الإمام علي، ولم يكن راضياً عنه، وقد نصحه كثير من أصحاب العقول الراجحة والأفكار النيرة والبصائر الراشدة عن قبوله له، ولكن الظروف أجبرته على قبوله، ثم بعد ذلك انقلب أولئك الذين ارغموه على التحكيم إلى أولئك الذين رفضوا التحكيم بعد ظهور آثاره السلبية، فكان هذا الانقلاب سبباً لقتلهم وإبادة جم غفير منهم، وتجد الأُمة كلّها تقف موقف غير المنصف في هذه القضية، فنجد أولئك الذين ناصروا الإمام عليّاً، ووقفوا بجانبه وعضدوه، وحرصوا أن لا تنال الخدعة منه ولا تزلزل شيئاً من أمره، نصيبهم أن يُرْمَو من قبل الكتاب بتهمة المروق من الدين، فكم كان حظ أهل النهروان أن يعرّضوا للقدح والتكفير من قبل كثير (1/124)
صفحة 125
الصحوة الإسلامية
من الكتاب، مع أن هؤلاء الكتاب أنفسهم يعذرون الذين قاموا على الإمام علي بقصد القضاء على الخلافة الإسلامية، وتحويلها إلى ملك عضوض، فتجدهم يعذرون معاوية بن أبي سفيان وأصحابه أهل الشام، الذين نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنهم بغاة يدعون إلى النار فقد تواتر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: «ويحَ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار إذ جاء هذا الحديث من رواية ثلاثين صحابياً عن النبي الله منهم عثمان بن عفان وأم سلمة وأبو هريرة وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وأبو اليسر وعمار نفسه، وكم برر شراح الحديث موقف معاوية وأهل الشام وحربهم للخليفة الشرعي وشقهم العصى وسفكهم الدم الحرام بدعوى أنهم كانوا مجتهدين، وليت شعري؛ أيكون الاجتهاد في أمر ينص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القائم به داع إلى النار؟!! فإن الدعوة إلى النار لا تكون إلا بمخالفة القواطع النصّية، والخروج عن سُنن الحق، والتنكر للحقيقة، وإنما مجال الاجتهاد في الأمور الظنية التي لا يقطع فيها العذر، وهل ثم قطع عذر أبلغ من القول، بأن المخالف داع إلى النار والعياذ بالله تعالى.
وإذا كان معاوية مجتهداً فلم لا يُسوّغ الاجتهاد لأهل النهروان مع أنهم لم يخرج اجتهادهم عن إنكار ما يؤدي إلى تصدع الدولة الإسلامية، وطي الخلافة الراشدة، وتحويلها إلى ملك عضوض ترسخ فيه مبادئ الاستبداد؟!! وإذا كانوا يعللون هذا بأن معاوية كان من صحابة رسول الله، ففي مقابل هذا نجد كثيراً من أهل النهروان أيضاً من صحابة رسول الله، ومنهم حرقوص بن زهير السعدي، الذي نسجوا حوله الأساطير التي تنافي مبادئهم التي عوّلوا عليها في شأن الصحابة، وثم آخرون أيضاً من الصحابة كانوا في أهل النهروان، بل منهم من شهد بدراً وحضر بيعة الرضوان فكيف ينفى عنهم وصف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكال لهم بمكيال آخر غير الذي كيل به لمعاوية؟!!
الله
أما ما كتبه الإباضية فيما يتعلق بأمر الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب - كرّم وجهه ـ فهو يتسم في غالبه بالأدب والتوقير وتعظيم مقام ذلك الإمام واحترام قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم حتى في مقام العتاب، فهذا العلّامة أبو مسلم يقول في قصيدته الرائية المشهورة «براية المحكمة»:
125 (1/125)
صفحة 126
126
لقاعات
في الفكر و الدعوة
على أنْ عَلَتْ فوق الرماح مصاحف ونادوا إلى حكم الكتاب نصير
مكيدة عمروحيث رفت حباله
أبا حسن ذرها حكومة فاسق حسن أقدم فانت على هدى
وكادت بحور القاسطين تغورُ
جراحات بدر في حشاه تفور وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن لا تُعطين دنية وأنت بسلطان القدير قدير أبا حسن لا تنسَ أُحداً وخندقاً وماجر عير قبلها ونفير با حسن أين السوابق غودرت وأنت أخوه والغدير غدير أبا حسن إن تُعْطِهَا اليوم لم تزل يحل عراها فاجر وكفور أبا حسن أطلقتها لطليقها وأنت بقد الأشعري أسير أتحبس خيل الله عن خيل خصمه وسبعون ألفاً فوقهن هصور أثرها رعالا تنسف الشام نسفةً بثارات عمار لهن زفير وصُكَ ثغور القاسطين بفيلقٍ دد من ربه ونصير
فلم يبق إلا غلوة أو تحسّهم
بكي ابن صخر قبة وسرير
فما لك والتحكيم والحكم ظاهر وأنت علي والشآم تمور أفي الدين شكٍّ أم هوادة عاجز تجوزتها أم ذو الفقار كسير
(1)
(1)
وأنت ترى ما في هذا الكلام من تقدير الإمام علي - كرّم الله وجهه ـ وترقيق لغة عتابه ما ليس بعده، وإنما يحمل في طياته حسرة وأسفاً على أن وقع في الخديعة، وانطلت عليه حيلة أهل المكر، الذين سحبوا البساط من تحت أقدامه، وأبعدوه عن سدة الأمر ليستبدوا به دونه.
وإذا قارنا بين موقف الإباضية هذا وموقف أهل الشام من الإمام علي - كرّم الله وجهه - رأينا البون الساحق بين ما يقوله هؤلاء وهؤلاء ناهيك أن أهل الشام عبدوا الله تعالى بلعنه على المنابر في خطبة الجمعة المباركة، وجعلوا ذلك سُنَّة ينشأ عليها الصغير ويشيب عليها الكبير، وقد كان للإباضية دور بارز في إماتة هذه البدعة، فعندما ولي الأمر
(1) أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني، ديوان أبي مسلم، ص: 29، دار المختار، تحقيق عبد الرحمن
الخزندار، 1986 م. (1/126)
صفحة 127
الصحوة الإسلامية
الإمام العادل والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه ـ وفد إليه وفد من الإباضية على رأسهم أبو الحر علي بن الحصين وسالم الهلالي وحتات بن كاتب وحيان الأعرج وجعفر بن السماك العبدي، ففاوضوه في أمور ومن بينها منع لعن الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب على منابر الجمعة، فاستجاب لهم الإمام وأمر بدلاً من ذلك بتلاوة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَايِ ذِي الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، فاتبع الناس هذا ولكن
بقيت كراهة الإمام علي راسخة في نفوس الحاقدين المتعصبين لمعاوية وحزبه، وإن اختفت هذه النزعة على جمهور الناس.
وحسبك
شاهداً
على ذلك هذه القصة التي أوردها ابن عساكر في «تاريخ دمشق» حيث قال: «أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي وأبو السعود أحمد بن علي بن محمد بن المجلي قالا: حدثنا أبو الله محمد عبد بن محمد الصريفيني حدثنا أبو القاسم الصيدلاني حدثنا علي بن محمد الكاتب حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين الطويل حدثني أحمد بن محمد السكري حدثني ابن عمي أبو يحيى السكري قال: دخلت مسجد دمشق فرأيت في مسجدها خلقاً فقلت: هذا بلد قد دخله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم وملت إلى حلقة في المسجد في صدرها شيخ جالس فجلست إليه فسأله رجل ممن بين يديه فقال: يا أبا المهلب من علي بن أبي طالب؟ قال: خناق كان بالعراق اجتمعت إليه جميعة فقصد أمير المؤمنين يحاربه فينصره الله عليه، قال: فاستعظمتُ ذلك وقمت فرأيتُ في جانب المسجد شيخاً يصلي إلى سارية حسن السمت والصلاة والهيئة فقعدت إليه فقلتُ له: يا شيخ أنا رجل من أهل العراق جلستُ إلى تلك الحلقة وقصصتُ عليه القصة فقال لي: في هذا المسجد عجائب بلغني أن بعضهم يطعن على أبي محمد حجاج بن يوسف فعلي بن أبي طالب من هو؟». اهـ (1).
فأنت ترى ما في هذا النصّ من غلواء أهل الشام حتى أنهم جعلوا الحجاج بن يوسف سفاك الدماء ـ الذي لم يسلم من سيفه الجائر حتى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن خيار التابعين - أفضل من علي بن أبي طالب حتى لا يرون مقارنته به.
(1) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر علي بن الحسن ابن هبة الله 1995، ج 1، ص 365.
الله
بن عبد الشافعي، دار الفكر، بيروت،
127 (1/127)
صفحة 128
128
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ورغم تطاول العهود بعد تلك القرون الأولى التي شبّ فيها ضرام الفتنة وتحولت فيها الخلافة إلى ملك عضوض كابدت الأُمة لأواءه وعانت من غصته، فإن عبارات الذين ساروا على نهج أهل الشام في هذه الفتنة كانت تطغى عليها هذه النزعة الحاقدة على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب، حتى كادت تسيل كراهية وحقداً، ولم يوارها ما يحرصون على إظهاره مما يخالف ما يبطنون في نفوسهم تجاهه، ناهيك أن ابن تيمية شبهه في أكثر من موضع بفرعون ومن ذلك قوله: «ثم يقال لهؤلاء الرافضة لو قالت لكم النواصب علي قد استحلّ دماء المسلمين وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته وقد قال النبي: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وقال: «ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فيكون علي كافراً لذلك لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة وأيضاً فيقولون قتل النفوس فساد فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد وهذا حال فرعون والله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة». اهـ (1).
وقال أيضاً: «وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية له بأنه كان باغياً ظالماً قال له الناصبي وعلي أيضاً كان باغياً ظالماً لما قاتل المسلمين على إمارته وبدأهم بالقتال وصال عليهم مة بغير فائدة لهم لا في دينهم ولا في دنياهم وكان السيف في خلافته
وسفك دماء الأمة
مسلولاً على أهل الملة مكفوفاً عن الكفار». اهـ (2).
وقال في نقده: فلا رأي أعظم ذمّاً من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم بل نقص الخير عما كان وزاد الشرّ على ما كان». اهـ (3).
وقال أيضاً: وعلي الله الله كان عاجزاً عن قهر الظلمة من العسكرين ولم تكن أعوانه يوافقونه
(1) منهاج السُّنَّة النبوية، ج 4، ص 499 - 500.
(2) المصدر السابق، ج 4، ص 389. (3) المصدر السابق، ج 6، ص 112 - 113. (1/128)
صفحة 129
الصحوة الإسلامية
على ما يأمر به وأعوان معاوية يوافقونه وكان يرى أن القتال يحصل به المطلوب فما حصل به إلا ضد المطلوب». اهـ (1).
وقال أيضاً: «أن الله قد أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات وداً وهذا وعد
منه صادق ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودّة في قلب كل مسلم لا سيما الخلفاء لا سيما أبو بكر وعمر فإن عامة الصحابة والتابعين كانوا يودونهما وكانوا خير القرون ولم يكن كذلك علي فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه».
(2)
وحكى الحافظ ابن حجر عن ابن تيمية بأنه قال في علي: «إنه كان مخذولاً حيث ما توجه وإنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل للرئاسة لا للديانة، وإنه كان يحب الرئاسة كما أن عثمان يحب المال وإن أبا بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول وعلي أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قول». اهـ (3).
قدماً
وأنت ترى ما في هذا الكلام من التشكيك حتى في صحة إسلام علي، فأين هذا مما يقوله فيه أهل الاستقامة من أنه كان على منصة الحق، وما كانوا يطالبونه به من المضي في سبيل نصرة الحق وقمع الباطل، الذي نجم بثورة أهل الشام المشؤومة؟ والنصوص في هذا أكثر من أن نستوعبها، وبإمكان المستفيد أن يبحث عنها من مظانها، على أن مثل هذه الكبوات لم تكن من ديدن ابن تيمية وحده، فتمّ عدد من الناس نهجوا
نهجه ونزعوا منزعه.
الأمة، وعدم نبش الماضي
ومهما يكن فإنني أدعو إلى طي صفحات الخلاف والشقاق بين فإن عجلة الزمان لا تعود إلى الخلف، وحسبنا أن نصلح ما نحن فيه وعليه:
وإنا لم نوق النقص حتى
نطالب بالكمال الأولينا
(1) المصدر السابق، ج 4، ص 383 - 384.
(2) المصدر السابق، ج 7، ص 137 - 138.
(3) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند،
سنة 1392 هـ / 1972 م، ج 1، ص 181.
129 (1/129)
صفحة 130
130
لقاعات
في الفكر و الدعوة
هذا؛ ولسنا مع المغالي الخارج عن حدود الاعتدال في النقد، حتى ولو كان من أئمة المذهب عندنا فإننا والحمد لله نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، فلا نبرر صنيع أي أحد جاوز حدود الحق إلى ضده ولو كان قصده الدفاع عن الحق، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، ونعوذ بالله من الفجور في الخصومة، وقد شدّد إمام المسلمين الله محمد بن عبد الخليلي رحم الله حتى في قراءة ما قاله المغالون في ذلك فضلاً عن اعتماده والقول به، وهذا هو النهج السليم الذي عوّل عليه أبناء المذهب جميعاً في وقتنا هذا، ولسنا نبغي به بدلاً.
ومع
هذا فإنني أقول: بأنّ جميع الإباضية هم على أتم الاستعداد لأن يطووا صحائف تلك الفتن التي حدثت في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبسوا فيها ببنت شفة، ولا يخطّوا فيها حرفاً واحداً، ولكن لا بد من احترام أهل النهروان أيضاً، وعدم النيل منهم، فيجب على المسلمين جميعاً أن يتساعدوا على الكف عن الخوض في تلك الفتن حتى تعود للمسلمين وحدتهم، ولا يُثيروا ما يشتت شمل الأُمة من القول في أحداث وقعت قبل أربعة عشر قرناً هم في ألف غنى عن إثارتها في هذا العصر، الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى ما يجمع الشمل ويؤلف القلوب.
وتلك دماء طهر الله منها أسنتنا ونرجو ونحرص أن نظهر منها ألسنتنا: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُنتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134].
المحاور: هناك من يرى أن بعض كتب الإباضية تتضمن تعصباً واضحاً للمذهب الإباضي، وهجوماً وتشنيعاً على بقيّة العلماء والمذاهب، وغيرها من النقاط غير المفهومة بالنسبة للأكثر منهم!!
لستُ أدري ماذا تعني بهذه النقاط غير المفهومة؟! كما أنني لا أدري ماذا تقصد بالتعصب الواضح في المذهب الإباضي؟! ونحن إذا جئنا إلى استقراء ما دوّن في المذهب واستقراء طريقة أهل المذهب، نجد المذهب أبعد ما يكون عن التعصب، وأكثر ما يكون التزاماً بالإنصاف الواجب على المسلم للمسلم، وبحسبنا أن أحد قادة (1/130)
صفحة 131
الصحوة الإسلامية
المذهب ـ وهو أبو حمزة الشاري ـ قال في موقف حرج تتأجج فيه غالباً العواطف، ويتحكم فيه الانفعال، ويفقد فيه - عادة - الانضباط والاعتدال، غير أن ذلك القائد كان حريصاً على إرضاء العقل دون العاطفة، واتباع الحق لا العصبية، ففي مواجهة الذين تحدوه وقاتلوه قال وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام -: النّاس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً».
وهل يرى المنصف في هذا الكلام إلا الإنصاف؟! وهل يشمّ منه شيئا من روائح التعصب؟! كلا، إنّ هذا الكلام وغيره مما هو على شاكلته أبعد ما يكون عن التعصب، وأكثر ما يكون التزاماً بما يجب على المسلم للمسلم من الإنصاف.
وكذلك يقول الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله تعالى ـ، وهو من علماء المذهب المحققين، في أرجوزته «كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة:
ونحن لا نطالب العبادا فمن أتى بالجملتين قلنا إلا إذا ما أظهروا ضلالا قمنا نبين الصواب لهم فما رأيته من التحرير حل مسائـ ل ورد شبـ
ـه
فوق شهادتيهم اعتقادا إخواننا وبالحقوق قمنا واعتقدوا في دينهم محالا ــسبن ذلـ ك من حقهم
في كتب التوحيد والتقرير جاء بها من ضلّ للمنتبه قمنا نردّها ونبدي الحقا بجهدنا كي لا يُضِلَّ الخلقا ونكتفي منهم بأن يُسلموا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهمُ
ونجد في فقه المذهب - منذ أن انقسم المسلمون إلى مذاهب ـ نقل آراء الآخرين واحترامها، ووضعها مع آراء علماء المذهب على المحك العلمي في النقد من غير تحيز
إلا لما رجحه الدليل، ولو ذكرت الأمثلة على ذلك لاستغرقت الإجابة وقتاً طويلاً.
ولكن في المقابل نجد أنّ الصّاوي - في حاشيته على تفسير الجلالين في تفسير سورة الكهف - يقول: ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث
131 (1/131)
صفحة 132
132
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدّاه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصول الكفر» (1)،، ولو قارنت بين هذا الكلام وما قاله علماء الإباضية لوجدت بين الوجهتين بوناً شاسعاً، إذ لم يقل أحد من علماء الإباضية بأنّ على النّاس أن يقلدوا أئمة الإباضية ولو خالفوا ظواهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة؟! فاسمع إلى ما يقوله الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله تعالى -: نقدم الحديث مهما جاء
:-
على قياسن ولا مـ
ـراء
ويقول:
حسبك أن تتبع المختارا
وإن يقولوا
ف الآثارا
ويقول:
لأنني أقفو الدليل فاعلما فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا
لم أقتصر على مقال العلما من الدليل وعليه عرجوا
فهم رجال وسواهم رَجُلُ والحق ممن كان حتماً يُقْبَلُ
ويقول:
ونحن حيث أم
لقرآن
لا حيث ما قال نا فلان
حج بيت
ويقول أيضاً الإمام أبو نبهان ـ رحمه الله تعالى ـ: «إياك أن تلتفت إلى من قال، بل إلى ما قال»، وقد حكى هذا الإمام عن الإمام الوارجلاني - رحمه الله تعالى ـ أنه لمّا الله الحرام وتشرف بزيارة مسجد رسول الله الله والتسليم على روحه الطاهرة، قال. مشيراً إلى قبره الشريف -: «لا تقليد إلا لصاحب هذا القبر، وأما الصحابة فهم أولى بالاتباع لعهدهم برسول الله الا الله وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال».
وهذا هو منهج جميع علماء المذهب، فلا تراهم يقدّمون آراء أئمتهم على ما جاء في كتاب الله، أو ما جاء سنة في رسول الله، أو على ما جاء وثبت عن صحابته ـ رضوان
الله عليهم.
(1) حاشية الصاوي، تفسير الجلالين، 10/ 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. (1/132)
صفحة 133
الصحوة الإسلامية
وقد شدد علماؤنا منذ عصور بعيدة في التنظير بين ما جاء في كتاب الله أو ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما يقوله علماء الأمة أياً كانوا، وقد نظم ذلك الإمام السالمي في
قوله:
ولا تناظر بكتاب الله
معناه لا تجعل له نظيرا
وقال في منظومته أنوار العقول:
ولا كلام المصطف ولو يكون عالـ
الأواه بيرا
والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سُنّة المختار وهالك من كان فيها مبدعا
والاجتهاد عند هذي مُنعا
ضد
فليت شعري أترى في هذا الكلام تعصباً حتى تعزو إلى الإباضية تعصباً ظاهراً. غيرهم؟! على أنك عندما تقارن بين موقف الإباضية من غيرهم وموقف غيرهم منهم تجد التباين واضحاً بين الموقفين.
محنها،
الأستاذ، وهو
عمر
فكيف يقال مع ذلك إنّ أئمة الإباضية متعصبون، وإنّ الآخرين منصفون؟! ونحن إذا تدبّرنا ما يقوله الآخرون عن الإباضية إلى وقتنا هذا، نجد كثيراً منهم يجانبون الحق ويعاكسون الحقيقة، ناهيك أن يكون من بين هؤلاء من هو على رأس جماعة تكن لها الإباضية كل تقدير واحترام وتتعاطف معها في قضاياها، وتشاركها مشاعر الألم في التلمساني الذي كثيراً ما تألم الإباضية عندما نكب في محنته الأخيرة، وما كاد يخرج من مشكلته ويتجاوز المحنة حتى كان الإباضية هم المستهدفين بتصريحه الذي أدلى به في حوار أُجري معه في «الهدى» وهو ملحق ديني لصحيفة الاتحاد التي تصدر بمدينة أبو ظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة، فعندما قال له محاوره: البعض يرى أن كل الجماعات الإسلامية من جماعة الجهاد، وجماعة المسلمين (جماعة التكفير والهجرة وما إلى ذلك قد خرجت من جماعة الإخوان المسلمين، ونتيجة لما لحق الإخوان من أذى، فما رأيكم، ردّ عليه بقوله: وهل لنا حيلة فيما يراه الذين يحاولون كل جهدهم تلفيق التهم بالإخوان المسلمين مهما كانت المواقف واضحة والوقائع تتكلم؟ وهل يعيب المسلمين ما تفعله القرامطة والإباضية وأمثالهم؟ وقد كانوا
جميعا مسلمين».
133 (1/133)
صفحة 134
134
لقاعات
في الفكر و الدعوة
تتساوى
فأنت تراه يلز بالإباضية مع القرامطة في قرن ويلصق بهم من التهم ما يجعل أعمالهم مع أعمال القرامطة، فما الذي جعل الأستاذ عمر التلمساني يجمع بين الإباضية والقرامطة؟! مع أنّ القرامطة خارجون على الإسلام مرتدّون عنه، وقد اقتلعوا الحجر الأسود، وظلّ عندهم عشرين عاماً، وبنوا كميةً في الأحساء، وحاولوا صرف النّاس إليها، فهل يقاس هؤلاء بالإباضية أو يقاس الإباضية بهم؟! مع أنّ الإباضية أكثر النّاس التزاماً بكتاب الله وسُنَّة رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام، وأكثرهم تحرّياً للحق ونصرة له وعوناً لمن نصره وهم أشد الناس غيرة على حرمات الدين، وأشجعهم على الدفاع عنها، أليسوا هم الذين انتدبوا للدفاع عن بيت الله الحرام عندما انبرى بنو أُمية لهتك حرمة الكعبة المشرفة بقصفها بالمجانيق في عهد عبد الملك بن مروان، فقاتل الإباضية من أجل ذلك تحت راية ابن الزبير؟ فكيف يلز بهم في قرن مع الذين انتهكوا حرمة الكعبة وأرادوا أن يصرفوا الناس عن الاتجاه إليها ليتجهوا إلى كعبة باطلة بنوها
بأنفسهم؟!!
وليت شعري؛ إن لم يكن هذا التصريح عصبية مقيتة ضد هذه الفئة، وظلماً صراحاً لها، كيف يفسر؟!
وعندما طبعت دولة قطر الشقيقة كتاب «إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان» قام أحد المغرضين بالتعليق عليه، وعندما جاء ذكر قبيلة بني سليمة وأن من أعلام هذه القبيلة أبا حمزة الشاري، الذي عرفه الإمام مالك، علّق ذلك المغرض على كلام مصنف الكتاب هذا بقوله: «نعم لقد عرف الإمام مالك أبا حمزة باغياً ضالاً عن سبيل المؤمنين حين هاجم الحرمين الشريفين خارجاً على الدولة الإسلامية وما أعجب هذا الكلام! فمن أين أتى هذا القائل المأفون بهذا الكلام الذي يشبه قائله في أفنه، فمتى هاجم أبو حمزة الحرمين الشريفين؟ ألم يكن أحرص الناس على إغماد السيف وصون الدم في الحرمين الشريفين؟ فهو لم يقاتل إلا من قاتله بعد قيام الحجة والإعذار. وما كان خروجه إلا
إنكاراً للمنكر المتفشي ونصرة للحق وحرصاً على العدل في الرعية والقسمة بالسوية.
أما الدولة التي يعتبرها المعلّق إسلامية فهي التي انتهكت الحرم وسفكت الدم الحرام وأخذت الحكم عنوة واستباحت محارم الله، ناهيك بما كان منها من انتهاك حرمة حرم (1/134)
صفحة 135
الصحوة الإسلامية
رسول
الله الأمن والإقدام على قصف الكعبة المشرفة بالمنجنيق، ولم يستطع بقايا أصحاب الله صلى الله عليه وسلم تثني قواد الجيش عن انتهاك هذه المحارم مع ما أبلغوهم إياه من تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة مكة وعدم جواز القتال فيها ففي صحيح البخاري ما نصه: «حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم للغد من يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرّمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة فإن أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له إن الله أذن لرسوله الله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرّمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة».
ترخص
فانظر كيف كانوا يتصاممون عن النذر ويتجافون النصح ويصرّون على الهوى مع البون الشاسع بين ما أقدم عليه رسول الله له عند فتحه مكة وما أقدم عليه هؤلاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم جند الأجناد وقدم إلى مكة وافتتحها في الساعة التي أذن الله له بأن يقاتل فيها، من أجل رفع راية التوحيد وتطهير البيت الحرام من رجس الأوثان وتحطيم يافوخ الجاهلية وشدخ كبريائها وإقامة موازين القسط.
أما هؤلاء فقد استباحوا القتال في حرم الله في الزمن الذي حرّم الله فيه القتال، وانتهكوا حرمة البيت الحرام إذ قصفوه بالمجانيق واعتدوا على حرمات الدين، فنشروا الفجور وأتوا المحارم ولم يرعووا لنصح ناصح أو عذل عاذل وارتكبوا من الهوى شيئاً إدا.
ولم يسلم أيضاً من شرهم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناهيك بما كان في واقعة الحرة التي سفك فيها الدم الحرام، وأزهقت فيها الأرواح البريئة، وارتكبت فيها المحارم حتى قيل إن ثلاثمائة بكر بالمدينة المنورة حملت من اغتصاب المهاجمين، وقتل فيها أكثر من عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فلم يبق بعدها بدري، فأي إسلام هذا الذي يعزى إلى دولة هذا صنيعها؟!
135 (1/135)
صفحة 136
136
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ولم يخف هؤلاء المعتدون ما في نفوسهم من مشاعر الحقد على الإسلام والحرص على النيل من أصحاب النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - أخذاً بثأر طواغيت الجاهلية الذين قتلوا في وقعة بدر ومن بينهم أجداد طاغوت الدولة المعتدية، فقد قال شاعر تلك
الدولة
ليت أشياخي ببدر شَهِدُوا جَزَعَ الخزرج من وَقَع الأَسَلْ جينَ حَكَّتْ بِقُباء بَرْكَها واستحرَّ القَثل في عبد الأشل
على أن هذه الدولة نفسها استباحت دم الحسين بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حاول أن يغير فسادها فقتلته شر قتلة ومثلت به شرّ تمثيل، إذ جزّ رأسه وحمل هدية إلى طاغوت تلك الدولة المتربع على عرشها ببلاد الشام.
وإذا أراد المنصف أن يقارن بين هذه الوحشية البالغة والهمجية الرعناء من بني أُمية ورجالهم، وبين صنيع أبي حمزة الشاري وأصحابه، رأى البون الشاسع والخلاف الذي لا يقاس بحد إذ لا يقرن حق بباطل ولا هدى بضلال ولا علم بجهل ولا حلم بطيش، {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ [ص: 28].
فإن أبا حمزة لم يقاتل أحداً في الحرمين الشريفين، وإنما قاتل في قديد مضطراً لما اعترضه أهل المدينة وحاول أن يُقنعهم بأن ينثنوا عن قتاله، ولكنّهم أبوا إلا الإصرار عليه، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم ولا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم»، فما كان من أهل المدينة إلا أن رشقوا جند أبي حمزة بسهامهم، فأصيب أحد رجاله، فقال لأصحابه: «دونكم الآن فقد حلّ قتالهم».
(1)
وقد كان تاريخه كله مثالاً للاستقامة والنزاهة والبعد عن المؤشّرات النفسية والعصبية، فلم يمل إلى الانتقام لنفسه أو لأصحابه كما شهد التاريخ بذلك، وحسبك من ذلك ما تجده في كتاب البلاذري «فتوحات البلدان»، وكتاب «الأغاني» (1) لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب «مختارات الأغاني لابن منظور، وهذه الكتب كلّها ليست من كتب الإباضية وإنما غلب عليها ذكر الحقيقة كما هي فأبرزت ما يحاول الحاقدون ستره من مناقب هذه الفئة.
(1) يُراجع الجزء الثالث والعشرون من كتاب الأغاني. (1/136)
صفحة 137
الصحوة الإسلامية
الفقر وفي
أشد
وكفى دليلاً على سلامة منهج الإباضية وحرصهم على العدل والإنصاف حتى في المواقف حساسية أنّهم لما خرجوا بقيادة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي من حضرموت إلى صنعاء، وكان معه قائده أبو حمزة المختار بن عوف، وكانوا في منتهى أشد الحاجة، حيث يصفهم أبو حمزة بقوله: «النفر الكثير منهم يتعاقبون على بعير واحد ويتعاورون لحافاً واحداً»، ولكنهم لما فتحوا صنعاء وأخرجوا منها العامل الأموي القاسم بن عمر الثقفي، وجدوا خزائن الأموال مكدّسةً، فأبى الإمام طالب الحق الله تعالى - أن يأخذ شيئاً من تلك الأموال لنفسه ولا لأصحابه ـ مع أنهم كسروا طوق الظلم المحيط بصنعاء واليمن -، وإنّما فرّقوا تلك الأموال بين أهل صنعاء من غير تفرقة بين أصحاب مذهب وآخر، ذلك أنّهم رأوا أن هذه الأموال جبيت بغير حقٌّ من أهل صنعاء، فيجب أن تردّ عليهم، وفي هذا يقول نور الدين السالمي الله:
رحمه
وطالب الحق بصنعاحَكَمًا
لم يأخذن عند مضيق يومه تعففاً منهم ومن كمثلهم كانوا يموتون على ما أبصروا
بجعلها في أهلها واحتشما
لنفسه ولا لقومه
أكرم بهم من عصبة أكرم بهم من الهدى ما بدلوا وغيروا
وكم سجل التأريخ من سيرهم ما هو مثال في الاستقامة والورع والاحتياط، فعندما جاء ابن عطية قائد الجيش الأموي من بلاد الشام إلى الحجاز ليقاتل أبا حمزة الشاري منع أبو حمزة أصحابه أن يناوشوهم القتال حتى يقيموا عليهم الحجة وحسبك هذا النص الذي أورده أبو الفرج الأصفهاني - وهو أموي نسباً - في كتابه «الأغاني» حيث قال:
وقال هارون في خبره أخبرني عبد الملك بن الماجشون قال: لما التقى أبو حمزة وابن عطية قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم، فصاح بهم: تقولون في القرآن والعمل به؟ فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله ونفجر بأمه، ثم أجاب في أشياء بلغني أنه سأله عنها فلما سمعوا كلامهم قاتلوهم حتى أمسوا فصاحت الشراة ويحك يا ابن عطية إن الله وعمل قد جعل الليل سكناً فاسكن ونسكن فأبى وقاتلهم حتى قتلهم جميعاً (1).
(1) الإغاني، لأبي الفرج الأصفاني، ج 23، ص 262، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان.
137 (1/137)
صفحة 138
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فبالله عليكم أي الفريقين أقوم قيلاً وأهدى سبيلاً؟ أأولئك الذين يقاتلون من أجل التسلط على اليتيم بأكل ماله والفجور بأمه ويرمون كتاب الله في جوف الجوالق، أم هم الذين يقاتلون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإقامة موازين القسط وطي صفحة الظلم، حتى ينال اليتيم والمسكين وابن السبيل وغيرهم من المستضعفين راحة وطمأنينة، وتعود إليهم حقوقهم المسلوبة، ويعيشوا كراماً أعزة في كنف دولة تتقي الله وتخشاه؟! ليت شعري، أيقال: إن أولئك الجورة الظالمين هم أسعد بالحق وأرضى الله تعالى بأعمالهم، وإن هؤلاء الذين تَجِفُ قلوبهم وتئز صدورهم بما تزاحم فيها من خوف الله ورجائه، وما شغلها من ذكر عقابه وثوابه، هم المارقون الضالون المضلون؟!! أليس هذا من انقلاب الموازين واختلال المعايير عند هؤلاء الناس؟! أليست رزية الأُمة التي نكبت بها منشؤها هذه العقول التي لا تفكر إلا بروح العصبية المقيتة التي تجني على الإسلام حتى تجعل أرباب دولته هم الذين يرمون بالقرآن في الجوالق، ويسعون في الأرض فساداً فلا يسلم منهم يتيم أن يأكلوا ماله ويفجروا بأمه؟! ليت شعري أبهذا بعث رسول الإسلام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام؟! أم على هذا بايعه المهاجرون والأنصار فقاتلوا من أجله واستشهدوا في
سبيله؟!
قارن بين سلوك هؤلاء وسلوك أولئك الشباب الذين قادهم أبو حمزة الشاري إلى هذه المعارك فلم ينسوا - وهم يصلون سعيرها المضطرم ويكابدون لأواءها وقسوتها - أن تسيح أرواحهم في ملكوت الله فكان كلال ليلهم من التهجد والقيام وكلال نهارهم من الجهاد والصيام، وقد وصفهم قائدهم المختار على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاباً عنهم استخفاف المستهزئين، فقد قال في خطبته الطويلة التي بيّن فيها مبررات ثورته وقيامه بعد أن قارن بين الحال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما آل إليه الأمر في عهد بني أُمية:
«يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي تزعمون أنّهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً، نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضةً عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح، سهر موصول كلالهم بكلالهم (1)، وقيام ليلهم
(1) أي: كلال الليل بكلال النهار (راجع الجاحظ، البيان والتبيين، 159/ 1).
138 (1/138)
صفحة 139
الصحوة الإسلامية
بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل، منحنيةً أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنّة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآيةٍ فيها ذكر النار شهق شهقة كأنّ زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فُوقَتْ، ورماحه قد أُشرعت، رعت، وسيوفه قد انتضيت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنّة وشائك السّهام وحدّ السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هناك قُدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فَخَرَّ صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، أُبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق قد فُلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان».
وكم من يد
فبالله عليكم ألم تكن هذه الصفات انعكاساً لما كان يتصف به المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؟ فبأي برهان يفصل هؤلاء عن أولئك حتى لا يعدوا امتدادًا لهم وأثراً لدعوتهم وثمرة لجهادهم؟
هذا؛ وإن شئت معرفة المتسامح من المتشدد فقارن بين ما جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب، الذي روى عن النبي الله أنه قال: «الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة فمن تركها فقد كفر (1) أي كفر نعمة وهو المسمى عند أهل الحديث بـ «كفر دون كفر»، وبين ما جاء في «المدونة الكبرى» للإمام مالك ونصه: «(قلت) أرأيت قتلى الخوارج أيصلي عليهم أم لا (قال) قال مالك في القدرية والإباضية لا يصلي على موتاهم ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم فإذا قتلوا فذلك أحرى أن لا يصلى عليهم» (2)، وذكر هذا ابن قدامة في «المغني»
(1) مسند الربيع، ص "
297
(2) المدونة الكبرى، ج 1، ص 182، وانظر: ج 3، ص 48.
(3) المغني لابن قدامة، د 9، ص 11.
139 (1/139)
صفحة 140
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وجاء في «المدونة» أيضاً: (قلت) أرأيت قتال الخوارج ما قول مالك فيهم (قال) قال مالك في الإباضية والحرورية وأهل الأهواء كلهم أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا (1)
وقد طبق ذلك المعز بن باديس عندما تسلط على الإباضية بالشمال الإفريقي، عندما آلت إليه الدولة وخلص له الأمر بتخلصه من سلطة الفاطميين واعتنق المذهب المالكي بعد أن كان على مذهب سادته الفاطميين، فإنه أخذ يتتبع علماء الإباضية عالماً عالماً ويعمل في رقابهم السيف ليقضي على دعوتهم وكان يختلق المبررات لذلك، وقد عد ذلك بعض الكتابين من مفاخره ومناقبه، ولو أخذ أحد يقيس بين هذا الصنيع وبين ما كان عليه الإباضية عندما كانت الدولة لهم في عهد الأئمة الرستميين لوجد بين الصنيعين بعد المشرقين، وهذا ما اعترف به المؤرخ ابن الصغير الذي عايش أواخر الدولة الرستمية، رغم ما كان يحمله في نفسه من كره شديد لهم، فقد قال ما نصه: «وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم
(2)
ثم ذكر كيف اطمأن الناس في كنفهم وانبسطوا من عدلهم حيث قال: «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته حتى لا ترى داراً إلا قيل: هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان المصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين»
ونجد من علماء المالكية ومفكريهم في عصرنا هذا من ضرب المثل في إنصاف الإباضية ووصفهم بما كانوا عليه من العدل والاستقامة وحسن معاملة مخالفيهم وهو الشيخ الأستاذ عبد العزيز المجدوب حيث قال: «وأبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين،
(1) المدونة الكبرى، ج 3، ص 47.
(2) أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير، ص 31 تحقيق وتعليق د. محمد ناصر، أ. إبراهيم بحاز، دار
الغرب الإسلامي.
(3) المرجع السابق، ص 36.
140 (1/140)
صفحة 141
الصحوة الإسلامية
بأداء فروضه وتجنب نواهيه - إلى حد الغلو - وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينياً، ومجداً سياسياً، خلد ذكرهما في التاريخ (1).
وقال بعد ذلك: «حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته البررة في سلوكهم وأمور، معاشهم، ولا اقترف ولاتهم إثماً، ولا مارسوا في قيادتهم ظلماً، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم.
بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلاً، لا لكونهم، معصومين، بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه، وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم التي سار عليها الخلفاء الراشدون، وعليها حافظوا ودونها نافحوا، فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يُقبل على اتباعه الناس ببلاد المغرب ليجدوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أُمية وبني العباس» اهـ (2).
وناهيك مثالاً حياً على التزام الإباضية العدل والإنصاف في معاملة خصومهم في ميادين المعركة أن الإمام أبا الخطاب المعافري لحم الله عندما دخل القيروان وقاتل قبيلة وارفجومة التي كانت على المذهب الصفري، وكانت متسلطة في تلك المدينة، منع حمد لله جيشه عن أخذ أي شيء من أسلاب جيش عدوه، وحكى ذلك البدر الشماخي الله فذكر صنيع الإمام فقال: «فتفقد رحم الله القتلى فوجد واحداً منهم مسلوباً، فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئاً فليرده، فلما أيس دعا الله ربه - وكان مستجاب الدعاء ـ أن يفضحه على رؤوس الخلائق، فركبوا خيلهم ليجروها وانقطع حزام جميل السدراتي وسقط وظهر السلب تحت سرجه فأخذه الإمام وأدبه وكان الله أحسن السيرة فيهم حين هزمهم لم يجهز على جريح ولم يتبع مدبراً فقال له خالد اللواتي: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا.
(1) الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزبيرية، ص 104، الدار التونسية للنشر.
(2) المرجع السابق، ص 104 - 105.
141 (1/141)
صفحة 142
لقاعات
في الفكر و الدعوة
قال أبو الخطاب: حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَتَهُمْ لِأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَكَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفُ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38]. اهـ (1).
فانظر كيف هذا الاحتراز والتورع والتزام أحكام الشرع في جميع الأوقات حتى في معاملة من لا يلتزم ذلك من الناس.
هذا؛ وإذا قارنا بين موقف الإباضية من سائر المذاهب الإسلامية ومواقف تلك المذاهب بعضها من بعض وجدنا من المرونة والتسامح من الإباضية في حق تلك المذاهب ما لا نجده من بعضها لبعض، وإن اجتمعت مجموعة منها تحت شعار واحد كالمذاهب التي تنتمي إلى أهل السُّنَّة والجماعة، فتجد مثلاً من تشدد الأشاعرة ضد الحشوية ما لا نجده من الإباضية على رغم الخلاف وبعد الشقة بين موقف الإباضية وموقف الحشوية فيما يتعلق بالآيات المتشابهة، فنجد أن الإباضية لم يخرجوها من ملة الإسلام، بل عاملوهم معاملة أهل الملة كما هو واضح في جواب الإمامين الربيع بن حبيب وأبي غسان مخلد بن العمُرُّد - رحمهما الله ـ الذي حرَّراه بمكة المكرمة لأهل المغرب من أصحاب المذهب، فإنهما أبيا أن يوافقا شعيبا المصري ومن معه الذين أفتوا بخروجهم من ملة الإسلام بسبب تشبيههم الخالق بخلقه، وكان مما نص عليه الربيع وأبو غسان أن هذا الموقف هو الذي عليه سلف الإباضية الأولون، فقد قالا في جوابهما ما نصه: «وقد كان هذا يذكر عن بعض قومنا قبل أن يولد شعيب وصاحباه وآباؤهم، سمع ذلك أشياخ المسلمين قبلهم ممن يروي عنهم، فلم يسموهم بذلك مشركين، ولا حكموا عليهم بحكم المشركين، ولم يكن ذلك من رأي أحدٍ من المسلمين في دار تقيتهم، ولا ممن خرج منهم مجاهداً مظهراً لأمره كان منه ما يقول هؤلاء النفر» اهـ (2).
وقد
وكذلك الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل الذي رفض بشدة ما أفتى به هارون اليماني بأنهم خارجون من حكم الإسلام بسبب التشبيه، وقد وجه بذلك رسالتين مشهورتين
(1) كتاب السير، ص 129 وانظر طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1، ص 31، أحمد بن سعيد الدرجيني، تحقيق إبراهيم طلاي.
(2) الرسالة الحجة للإمام الربيع بن حبيب وجماعة المسلمين دراسة وتحقيق الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، ص 56 - 57، ط 1، 1430 هـ / 2009 م.
142 (1/142)
صفحة 143
الصحوة الإسلامية
إحداهما إلى إباضية عُمان وثانيتهما إلى إباضية حضرموت، وقد أخذ الإباضية في المشرق والمغرب بهذا القول، وسئل المحقق الخليلي - رحمه الله تعالى - عن حكم هؤلاء المشبهة فكان من جوابه لسائله: «إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله، فإنه موضع الهلاك والإهلاك» (1).
أما الأشاعرة والماتريدية فإن أكثرهم حكموا بكفر المشبهة وخروجهم من ملة الإسلام كما هو واضح في كتاب السبكي المسمى بـ «السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل» ومثل ذلك في كتاب «تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم للكوثري الحنفي وهو آخر مفت للدولة العثمانية، ونحوه ما في كتاب «البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة» للقضاعي الشافعي، ودونك نصَّ القرطبي صاحب «المفهم فيهم: «فالصحيح القول بتكفيرهم - أي المشبهة -، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإنَّ تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد» (2).
أما الحشوية فحدث ولا حرج عن أحكامهم القاسية في الأشاعرة بحيث عدوهم أكفر من
المشركين كما قال ابن القيم: والمشركون أخف في كفرانهم
إن المعطل بالعداوة قائم
وكلاهما من شيعة الشيطان
في قالب التنزيه للرحمن
وهو يعني بالتعطيل تنزيه الله تعالى عن الحلول في الأمكنة وعن مشابهة خلقه، بحمل الآيات المتشابهات على المحكمات كما نصَّ على ذلك شارح النونية حيث قال:
وذلك
حاصل كلام الناظم في هذا الفصل أنه ضرب مثلاً للمشرك والمعطل فلسان حال المعطل في إلهه سبحانه إنك لست فينا ذا سلطان لأنك لم تستو على سرير الملك ولم تدبر أمر الملك والسلطان ولم تكلم ولست بفاعل فعلاً حقيقة بل فعلك هو المفعول بل حالك قبل الفعل ومعه وبعده سواء ولست داخلاً في العالم ولا خارجاً منه بل أنت خيال
(1) تمهيد قواعد الإيمان، ج 1، ص 224، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة. (2) المفهم ج 6، ص 697، كتاب العلم باب كيفية التفقه في كتاب الله، وانظر تفسير القرطبي، ج 4،
ص 14.
143 (1/143)
صفحة 144
لك
لقاعات
في الفكر و الدعوة
في الأذهان فبأي شيء كنت فينا مالكاً تعالى الله عما تقول المعطلة علواً كبيراً قوله هذا وثان إلخ، هذا هو المشرك أي إن المشرك قال رب أنت مليكنا وخالقنا والمتصرف فينا وقد حزت أوصاف الكمال جميعها وقد استويت على سرير الملك واستويت على المخلوقات والأكوان ولكن بابك لا يغشى إلا بالشفعاء ولا بد مع ذلك من الذل للبواب والحجاب والشفعاء المقربين أفيستوي هذان عندكم حاشا وكلا بل المشركون أخف في كفرانهم والكل من شيعة الشيطان ولكن المعطل يزيد على الشرك بأنه قائم بالعداوة في قالب التنزيه». اهـ (1).
وشدد ابن تيمية القول فيهم حتى عدّهم ملاحدة بسبب أنهم يقولون بأن القرآن هو الكلام النفسي فقال: «وفروخ» اللفظية المثبتة الذين يقولون إن القرآن ليس إلا الحروف والصوت: تحكي عن منازعيها: أن القرآن ليس محفوظاً في القلوب ولا متلوا بالألسن ولا مكتوباً في المصاحف وهذا أيضاً ليس قولاً لأولئك؛ بل هم متفقون على أن القرآن محفوظ في القلوب متلو بالألسنة مكتوب في المصاحف لكن جهالهم وغاليتهم إذا تدبروا حقيقة قول مقتصديهم - إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنه ليس إلا معنى واحد قائم بالذات وأصوات العباد ومداد المصحف يدلّ على ذلك المعنى وأنه ليس لله في الأرض كلام في الحقيقة وليس في الأرض إلا ما هو دال على كلام الله ولم يقل إلا ما هو دال على كلام عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبّر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبّر عنه بالسريانية كان إنجيلاً وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتكلم الرب بمشيئته وقدرته؛ إلى أمثال ذلك من حقائق قول المقتصدين - أسقطوا حرمة المصحف وربما داسوه ووطئوه وربما كتبوه بالعذرة أو غيرها. وهؤلاء أشد كفراً ونفاقاً ممن يقول الجلد والورق كلام الله؛ فإن أولئك آمنوا بالحق وبزيادة من الباطل وهؤلاء كذبوا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله فسوف يعلمون؛ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون».
الله،
وكلام
الله
إن
ثم قال: «وأما أهل العلم بالمقالة وأهل الإيمان بالشريعة فيعظمون المصحف ويعرفون حرمته ويوجبون له ما أوجبته الشريعة من الأحكام فإنه كان في قولهم نوع من الخطأ والبدعة وفي
(1) شرح قصيدة ابن القيم، أحمد بن إبراهيم بن عيسى، ج 2، ص 458، دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - 1406، الطبعة الثالثة.
144 (1/144)
صفحة 145
الصحوة الإسلامية
مذهبهم من التجهم والضلال ما أنكروا به بعض صفات الله وبعض صفات كلامه ورسله وجحدوا بعض ما أنزل الله على رسله وصاروا مخانيث للجهمية الذكور المنكرين لجميع الصفات لكنهم مع ذلك متأولون قاصدون الحق. وهم مع تجمهم هذا يقولون: إن القرآن مكتوب في المصحف مثل ما أن الله مكتوب في المصحف وإنه متلو بالألسن مثل ما أن الله مذكور بالألسن ومحفوظ في القلوب مثل ما ان الله معلوم بالقلوب وهذا القول فيه نوع من الضلال والنفاق والجهل بحدود ما أنزل الله على رسوله ما فيه، وهو الذي أوقع الجهال في الاستخفاف بحرمة آيات الله وأسمائه حتى ألحدوا في أسمائه وآياته». اهـ (1).
(2)
ونجد كيف أفرط الحشوية في الحكم على مخالفيهم بالكفر والشرك حتى أن من الأئمة الأربعة من لم يسلم من الحكم عليه بالشرك الصريح، ففي التاريخ الكبير» للبخاري: «قال لي ضرار بن صرد حدثنا سليم سمع سفيان قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه، قال: وكان يقول القرآن مخلوق اهـ (2). وفي «الإبانة» ما نصه: «وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم عن سليمان بن عيسى القارئ عن سفيان الثوري الله قال: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا حنيفة المشرك أني منه بريء، قال سليمان: ثم قال سفيان لأنه كان يقول: القرآن مخلوق». ا. هـ (3).
وذكره ابن القيم في الصواعق المرسلة عن البخاري إلا أنه قال: «أبلغ أبا فلان المشرك» (4).
وذكره أيضاً المعلمي في كتابه المسمى «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل». فانظر كيف حكموا على أبي حنيفة - وهو أحد الأئمة الأربعة الذين هم رموز العلم والإمامة عند فقهاء المذاهب المنتسبة إلى السُّنَّة - بالشرك الصريح، وأي غلو وإفراط أبلغ من هذا؟ وقد جاء التصريح بتكفير أبي حنيفة في الكتاب المسمى بـ «السنّة» لعبد الله
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية، ج 12، ص 381 - 383، دار الوفاء، الطبعة الثالثة، 1426 هـ.
(2) التاريخ الكبير، ج 4، ص 127.
(3) الإبانة في أصول الديانة، ص 90 - 91.
(4) الصواعق المرسلة، ج 4، ص 1395 - 1396.
بن
145 (1/145)
صفحة 146
146
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أحمد ودونكه بنصه: «حدثني عبد الله بن عون بن الخراز أبو محمد وكان ثقة، حدثنا شيخ من أهل الكوفة قيل لعبد الله بن عون هو أبو الجهم فكأنه أقر أنه قال: سمعت سفيان الثوري يقول قال لي حماد بن أبي سليمان اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة فقل له إن كنت تقول أن القرآن مخلوق فلا تقربنا» (1).
وفيه أيضاً: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني محمد بن كثير الصنعاني عن الأوزاعي أنه ذكر أبا حنيفة فقال لا أعلمه إلا قال ينقض عرى الإسلام» (2).
وقال أيضاً:
«حدثني أبو معمر الهذلي قال حدثت عن حماد بن زيد قال سمعت أيوب يقول لقد ترك أبو حنيفة هذا الدين وهو أرق من ثوب سابري». اهـ
(3)
كما نجد أن من أئمة الحديث من لم يسلم من هذا الحكم الجائر نفسه وهو الترمذي، الذي نقموا عليه أنه أنكر الأثر المروي عن مجاهد أن الله سبحانه يقعد النبي صلى الله عليه وسلم فوق العرش إلى جانبه، ولا يخفى بطلان هذا الأثر لمناقضته النصوص القاطعة الدالة على استحالة مشابهة الله تعالى لخلقه ومصادمته براهين العقل القاضية باستحالة هذه الترهات، على أن ذلك الأثر إنما هو مروي عن تابعي لا تنهض بقوله حجة في الأمور الفرعية، فكيف بالقضايا القطعية؟ وهو أيضاً باطل من حيث إسناده لأن راويه عن مجاهد ليث بن أبي سليم وقد تركه علماء الحديث وضعفوا رواياته، وقد روى ذلك عبد أحمد عن أبيه فضلاً عما قاله فيه يحيى بن معين وغيره، ولكن بما أن روايته وافقت هواهم في تشبيه الله بخلقه جعلوا مخالفتها بدعة وضلالة، بل زعموا أن ردها كفر وزندقة، وحكموا على من أنكرها بالقتل وقد حذروا من مجالسة الترمذي لا لشيء إلا أنه رد هذه الرواية، وإليك ما ذكره الخلال في كتابه المسمى بـ «السُّنَّة» في هذا فقد قال:
"
الله
بن
«أخبرنا يحيى بن أبي طالب قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] قال: يقعده معه
(1) السُّنَّة لعبد الله
بن
أحمد، ص
(2) المرجع السابق، ص 186.
184
(3) المرجع السابق، ص 189 (1/146)
صفحة 147
الصحوة الإسلامية
على العرش، قال أبو بكر بن أبي طالب من رده فقد رد على الله عل ومن كذب بفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالله العظيم إسناد قول أبي طالب صحيح.
وأخبرني أحمد بن أصرم المزني بهذا الحديث وقال: من ردَّ هذا فهو متهم على الله ورسوله وهو عندنا كافر وزعم أن من قال بهذا فهو ثنوي فقد زعم أن العلماء والتابعين ثنويه ومن قال بهذا فهو زنديق يقتل. إسناده صحيح.
(1)
ولا يعزز هذه الرواية أن عطاء بن السائب وجابر بن يزيد روياها عن مجاهد فإنهما أيضاً ليسا بحجة فيما رَوَيا، وقد بسطت ذلك في غير هذا الموضع، وارجع إن شئت إلى ما قاله الألباني في مختصر كتاب العلو (2).
كما لا يعززها أنها جاءت من رواية عبد الله بن سلام، لأن الراوي عنه هو سيف السدوسي، وقد ذكر البخاري في «تأريخه» أنه لا يعرف له سماع من ابن سلام (3)، فضلاً عن كونه مجهولاً كما صرح به الألباني في ظلال الجنة» (4).
ثم ذكر مأساة الترمذي التي كانت بسبب إنكاره هذه الرواية فقال: «قال أبو بكر الخلال قرأت كتاب السُّنَّة بطرسوس مرات في المسجد الجامع وغيره سنين فلما كان في سنة اثنتين وتسعين قرأته في مسجد الجامع وقرأت فيه ذكر المقام المحمود فبلغني أن قوماً ممن طرد إلى طرسوس من أصحاب الترمذي المبتدع أنكروه وردوا فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهروا رده فشهد عليهم الثقات بذلك فهجرناهم وبيّنا أمرهم وكتبتُ إلى شيوخنا ببغداد فكتبوا إلينا هذا الكتاب فقرأته بطرسوس على أصحابنا مرات ونسخه الناس وسر الله - تبارك وتعالى - وزادهم سروراً على ما عندهم من صحته وقبولهم وهذه نسخته: الرحمن الرحيم سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وا وأما فإن كتابكم ورد علينا بشرح ما حدث ببلدكم وكتبنا إليكم بما تقفون عليه وبالله نستعين
أهل السنة
الله بسم
(1) السُّنَّة للخلال، ج 1، ص 221.
(2) مختصر العلو، للألباني، ص 15، المكتب الإسلامي، بيروت، 1412 هـ، ط 2. (3) التاريخ الكبير، ج 4، ص 158، دار الفكر، بيروت.
(4) ظلال الجنة، ج 2، ص 60، المكتب الإسلامي، بيروت، 1412 هـ ـ 1992 م، ط 3.
بعد:
147 (1/147)
صفحة 148
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وعليه نتوكل في جميع مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وتقوى الله - تبارك وتعالى ـ بها يرزق العباد من حيث لا يحتسبون وبها يوجب الله تعالى الجنة لأهلها وبها تحل داره وبها ينظر إلى وجهه وبها تنال ولاية الله ولا وهي غاية الكرامة ومنزلة الشرف ومنهاج الرشد وجوامع الخير ومنتهى الإيمان فأسعدكم الله بطاعته سعادة من رضي عمله وتولاكم بحفظه وحياطته وشملكم بستره وعصمكم بتوفيقه وأيدكم بما أيّد به المتقين وأوصلكم أفضل ميراث الصالحين وجعلكم لأنعمه من الشاكرين واستخلصكم بأشرف عبادة العابدين آمين رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المتقين وعلى أصحاب محمد أجمعين.
الأمور وبعد: فتوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وعمل والإحسان فإن الله
السنة
كتابنا أسعدكم الله سعادة من رضي عمله وشكر سعيه، سعادة لا شقاء بعدها أهل جميع والجماعة فالحمد لله الذي جعلكم أهلاً لذلك وأكرمكم بما يستوجب به ثوابه ويؤمن من عقابه والحمد لله في أول كلامنا وآخره.
كذلك
روي عن أبي صالح قال: الحمد لله أول الكلام وآخره ونبتدي بعد حمد الله - تبارك
الله
عن
وتعالى - بالصلاة على محمد نبيه لله ورسوله وصفيه كذلك روى جابر بن عبد النبي صلى الله عليه وسلم لا تجعلوني كقدح الراكب اجعلوني في أول الدعاء ووسط الدعاء وآخر الدعاء هو أهله ومستحقه وصلى على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيراً.
فالحمد لله كما
أما
الله
بعد: فإنه بلغنا ما حدث ببلدكم من نابغ نبغ بالزيغ وقيل الباطل فأحدث عندكم بدعة
اخترعها وشرع في الدين ما لم يأذن به الله ففرّق جماعتكم بخبيث قوله وسوء لفظه فلولا ما أمر الله ل به رسوله صلى الله عليه من النصح لعامة المسلمين وخاصتهم وحض عليه في ذلك لوسعنا السكوت ولكن الله و أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه وذلك بما روي عن تميم الداري يبلغ به النبي الله قال: الدين النصيحة قالوا: لمن قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولجماعتهم، فاعلموا وفقنا الله وإياكم للسداد والرشاد والصواب في المقال بصدق الضمير وصحة العزم بحسن النية فإنا ارتضينا لكم من اتباع السُّنَّة والقول بها ما نرتضيه لأنفسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توقيفي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فاتقى رجل ربه ونظر لنفسه فأحسن لها الاختيار إذ كانت أعزّ النفوس عليه وأولاه منه بذلك بلزوم الاتباع لصالح
148 (1/148)
صفحة 149
الصحوة الإسلامية
سلفه من أهل العلم والدين والورع فاقتدى بفعالهم وجعلهم حجة بينه وبين الله وعل وقلدهم من دينه ما تحملوا له من ذلك وحذر امرئ أن يبتدع ويخترع بالميل إلى الهوى والقول بالخطأ فيوبق نفسه ويولغ دينه فيعمه في طغيانه ويضل في عماية جهله فبينا هو كذلك لا يستنصح مرشداً ولا يطيع مسدداً أذهبهم عليه أجله وهو كذلك فنعوذ بالله من ذلك وقد قال الله - تبارك وتعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُجدِلُونَ فِي عَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56] والذي حمل هذا العدو لله المسلوب أن رد هذا الحديث وخالف الأئمة وأهل العلم وانسلخ من الدين اللجاج والكبركي يقال فلان فنعوذ بالله من الكبر والنفاق والغلو في الدين والذي حملنا أكرمكم الله على الكتاب إليكم ما حدث ببلدكم من ردّ حديث مجاهد رحم الله ومخالفتهم من قد شهد له رسول الله قوله: «خيركم قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم» فمال أولو الزيغ والنفاق إلى قول الملحدين وبدعة المضلين فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما سبيل هؤلاء إلا النفي عن البلد الذي هم فيه كما أن صاحبهم المبتدع منفي عن الجامع مطروداً منه (1) ليس إلى دخوله سبيل وذلك بتوفيق الله ومنه ومنع السلطان أيده الله إياه عن ذلك معمماً أنه مسلوب عقله ملزوم بيته يصيح به الصبيان في كل وقت، وهذا قليل لأهل البدع والأهواء والضلال في جنب الله و أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن وسلمنا وإياكم من الأهواء المضلة بمنه وقدرته وثبتنا وإياكم على السنة والجماعة واتباع الشيخ أبي عبد الله - رحمة الله عليه ورضوانه - فقد كان اضمحل ذكر هذا الترمذي واندرس، وإنما هذا ضرب من التعريض والخوض بالباطل فانتهوا حيث انتهى بكم وأمسكوا عما لم تكلفوا النظر فيه وضعوا عن أنفسكم ما وضعه الله عنكم ولا تتخذوا آيات الله هزواً فمن تكلم في شيء من هذا فإنما يتحكك بدينه ويتولع بنفسه ويتكلف ما لم يتعبده الله به، وقد أدب الله وعمل الخلق فأحسن تأديبهم وأرشدهم فأنعم إرشادهم فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوةٌ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَالِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، فاتقوا الله عباد الله واقبلوا وصيته وأمسكوا عن الكلام في هذا فإن الخوض فيها بدعة وضلالة ما سبقكم بها سابق ولا نطق فيها قبلكم ناطق فتظنون إنكم اهتديتم لما ضل عنه من كان قبلكم هيهات هيهات وليس
(1) كذا بالأصل والصواب مطرود.
الله
149 (1/149)
صفحة 150
150
لقاعات
في الفكر و الدعوة
يجيبوه وي
ينبغي لأهل العلم والمعرفة بالله أن يكونوا كلما تكلم جاهل بجهله أن ويحاجوه ويناظروه فيشركوه في مأثمه ويخوضوا معه في بحر خطاياه ولو شاء عمر بن الخطاب أن
(1):
يناظر صبيغ ويجمع له أصحاب رسول الله الله حتى يناظروه ويحاجوه ويبينوا عليه لفعل ولكنه قمع جهله وأوجع ضربه ونفاه في جلده وتركه يتغصص بريقه وينقطع قلبه حسرة بين ظهراني الناس مطروداً منفياً مشرداً لا يكلم ولا يجالس ولا يشفى بالحجة والنظر بل تركه يختنق على حسرته ولم يبلعه ريقه ومنع الناس من كلامه ومجالسته فهكذا حكم كل من شرع في دين الله بما لم يأذن به الله أن يخبر أنه على بدعة وضلالة فيحذر منه وينهى عن كلامه ومجالسته فاستر شدوا العلم واستحضوا العلماء واقبلوا نصحهم.
واعلموا أنه لن يزال الجاهل بخير ما وجد عالماً يقمع جهله ويرده إلى صواب القول والعمل إن منّ الله عليه بالقبول فإذا تكلم الجاهل بجهله وعدم الناس العالم أن يرد عليه بعلمه فقد تودع من الخلق وربنا الرحمن المستعان على ما يصفون فالله الله ثم الله الله يا إخوتاه من أهل السُّنَّة والجماعة والمحبة للسلامة والعافية في أنفسكم وأديانكم فإنما هي لحومكم ودماؤكم لا تعرضون لما نهى الله عنه من الجدل والخوض في آيات الله وأكد ذلك رسول الله الهلال والحذر منه وكذلك أئمة الهدى من بعده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ارتضاهم لصحبة نبيه واختاره لهم.
(2).
وكذلك التابعين بإحسان في كل عصر وزمان ينهون عن الجدل والخصومات في الدين
الله
ويحذرون من ذلك أشد التحذير حتى كان آخرهم في ذلك أبو. عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - رضي عنه وأرضاه ـ فكان أشد أهل زمانه في ذلك قولاً وأوكده فيه رأياً وآخذ به على الخلق وأنصحه لهم صبر في ذلك على البلاء من فتنته الضراء والسراء والشدة والرخاء والضرب الشديد بعد طول الحبس في ضنك الحديد فبذل الله مهجة نفسه وجاد بالحياة لأهلها وآثر الموت على أصعب العقوبات يرضى منه على بلوغ ما أوجب الله وعل على العلماء من القيام بأمره ورحمة منه على الخلق وشفقة عليهم فأصبر لعظيم جهد بلاء الدنيا نفسه واحتمل في ذات الله كلما عجز الخلق أجمعون عن احتمال مثله أو بعضه أخذ
(1) كذا بالأصل والصواب صبيغاً. (2) كذا بالأصل والصواب التابعون. (1/150)
صفحة 151
الصحوة الإسلامية
بعنان الحق صابراً على وعر الطريق وخشونة المسلك منفرداً بالوحدة عاضاً على لجام الصواب جواداً لمحبوب العافية لأهلها إذ كانوا لا يصلون إليها إلا بفراق السُّنَّة فحالف الوحشة وأنس بالوحدة فمضى على سنّته على معانقة الحق غير عنه معرج رضي بالحق صاحباً وقريناً ومؤنساً لا يثنيه عن ذلك خلاف من خالفه ولا عداوة من عاداه لا تأخذه في الله لومة لائم لا يزعجه هلع ولا يستميله طمع ولا يزيغه فزع حتى قمع باطل الخلق بما صبره عليه من الأخذ بعنان الحق لا يستكثر الله الكثير ولا يرضى له من نفسه بالقليل معانقاً صابراً محتسباً غير مدبر لعلم الهدى غير تارك له حتى أورى زناد الحق فاستضاء به أهل السُّنَّة فاتبعوه وكشف عورات البدع وحذر من أهلها فلم يختلف عليه أحد من أهل العلم حتى رجعوا إلى قوله طوعاً وكرها فدخلوا في الباب الذي خرجوا منه وعادوا للحق الذي رغبوا عنه واعترفوا له بفضل ما فضله الله به عليهم فأقروا له بالإذعان وسمعوا له وأطاعوا إذ كان أتقاهم الله وأنظرهم لخلقه وأدلّهم على سبل النجاة وأمنعهم لمواقع الهلكة فبينا الخلق بضيائه مستترون يحصي لهم الحق وينفي عنهم الباطل كما ينفي الكير خبث الحديد إذ أتاه أمر من الله و ما أتى من كان قبله من أولياء الله وأهل طاعته واستأثر الله به ونقله إلى ما عنده فتحيرت من بعده الأدلاء وتاه الجاهلون في سكرات الخطأ فكان خلفه رحمة الله عليه من أقام نفسه من بعده ذلك المقام منتصباً لمذاهبه ذاباً أهل السُّنَّة متشدداً على أهل البدع في حقائق الأمور لا ينعرج عن مذاهبه ولا يدنسه طمع طامع مؤنس بالوحشة منفرد بالوحدة صابراً محتسباً مبيناً على أهل البدع مشفقاً على أهل السنة لا يفزعه ميل من مال إلى غيره لم يدعه طمع إلى أحد صبر على الخير والشر واثق بمواهب الله له من لزوم أصحابه إياه قامع لأهل البدع محب لأهل الورع.
ولک
عن
فرحمة الله على أبي بكر المروذي ومغفرته ورضوانه فقد كان وفياً لصاحبه مشفقاً على أصحابه لم تر مثله العيون فجزاه الله من صاحب وأستاذ خيراً فألزموا من الأمر ما توفى الله عل أبا عبد الله رحمة الله عليه وأبا بكر المروذي فإنه الدين الواضح وكل ما أحدث هؤلاء فبدعة وضلالة فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم وعليكم بلزوم السُّنَّة وترك البدع وأهلها فقد كان أحدث هذا الترمذي المبتدع ببلدنا ما اتصل بنا أنه حدث ببلدكم وهذا أمر قد كان اضمحل وأخمله الله وأخمل أهله وقائله وليس بموجود في الناس قد سلب عقله أخزاه الله وأخزى أشياعه وقد كان الشيوخ سئلوا
151 (1/151)
صفحة 152
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الدوري
عنه في حياة أبي بكر لا الله ومحدثي بغداد والكوفة وغير ذلك فلم يكن منهم أحد إلا أنكره وكره من أمره ما كتبنا به إليكم لتقفوا عليه فأما ما قال العباس بن محمد عند سؤالهم إياه عنه وردّه حديث مجاهد ذكر أن هذا الترمذي الذي رد حديث مجاهد ما رآه قط عند محدث ولا يعرفه بالطلب وأنّ هذا الحديث لا ينكره إلا مبتدع جهمي فنحن نسأل الله العافية من بدعته وضلالته فما أعظم ما جاء به هذا من الضلالة والبدع عمد إلى حديث فيه فضيلة للنبي الله فأراد أن يزيله ويتكلم فيمن رواه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أُمتي على الحق لا يضرهم من ناوأهم ونحن نحذر عن هذا الرجل أن تستمعوا منه وممن قال بقوله أو تصدقوهم في شيء فإن السُّنَّة عندنا إحياء ذكر هذا الحديث وما أشبهه مما تردّه الجهمية». اهـ (1).
فأعجب لهؤلاء كيف يتشددون هذا التشدد في رواية أثر يؤثر عن أحد التابعين وهو لم يثبت عنه، ويحكمون على مخالفه بالكفر والزندقة واستحلال، دمه، وهم لا يتورعون في الإعراض عن نصوص القرآن - كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ عندما تصادم هذه الآثار الباطلة، بل يتهمون المعرض عن الآثار المستمسك بكتاب الله بالزندقة فهذا البربهاري - وهو أحد أئمتهم الذين يعتبرونهم رموز أهل السُّنَّة والجماعة - نجده في كتابه شرح السُّنَّة يقول: «إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه». اهـ (2). عجبي. إلا من رجل ينتمي إلى الإسلام وهو لا يرى في الإعراض عن القرآن والصد عنه حرجاً، بل يعتبر ذلك من صميم الإيمان، وإنما الزندقة عنده أن يرد أثراً كاذباً يعزى إلى من كلامه ليس بحجة، لأنه ليس بمعصوم، وقد رواه عنه من لا يحتج عنه بروايته ولكنه لموافقته هواه يجعل مخالفته كفراً بواحاً يستوجب القتل.
فما
وهؤلاء كأنما لم يطرق مسامعهم قول الله تعالى في وصف القرآن: {هُدًى لِلْمُلَقِينَ) [البقرة: 2]، وقوله: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 183]، وقوله: وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]، وقوله: {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]،
(1) المرجع السابق، ص.
224 - 232
(2) شرح السُّنَّة، الحسن بن علي بن خلف البربهاري، ج 1، ص 54، دار ابن القيم، الدمام، 1408 هـ، ط 1.
152 (1/152)
صفحة 153
الصحوة الإسلامية
وقوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ هُمُ الَّذِى اَخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]، وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقوله: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102]، وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ} [الإسراء: 9]، وقوله: {وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] وقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) [النساء: 174]، وقوله: {وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، وقوله: يَتَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ تَكُم مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57]، وقوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، وقوله: {وَقَدْ عَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا * خَلِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ هَمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمَلًا} [طه: 99. 101]، وقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنَتَكَ ايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 124 - 126]، وقوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضُ لَهُ شَيْطَنًا فَهُوَ لَهُ, قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37].
أما ما تذرعوا به إلى هذا من أن في رد هذه الرواية إنكاراً لفضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من عجيب ما يقال، لأنه مما يعجب منه حتى الحمقى والمجانين، فإن فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست في تشبيه الله تعالى بخلقه وتصويره وعمل في صورة إنسان ليجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانبه على عرشه، وحسبه صلى الله عليه وسلم فضيلةً وشرفاً ثناء الله عليه في كتابه وإبلاغ الخلق أنه رحمة للعالمين، وإيجاب طاعته على الناس مقرونة بطاعته وعل، وقد كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس غضباً لله يأبى كل الإباء أن يشبه الله بخلقه، على أن هذه الفرية فيها محاكاة لأهل الكتاب، فقد زعم النصارى أنه سبحانه يجلس المسيح إلى جانبه في العرش، وقد سبق اليهود إلى مثل هذا أيضاً، وهو مما نص عليه في التوراة والإنجيل المحرفين، وفي هذا يكفي دليلاً على أن هؤلاء يسيرون على نهجهم تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». فما أشبه الليلة بالبارحة.
153 (1/153)
صفحة 154
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وإن مما يعجب منه الإنسان أن يستمسك هؤلاء القوم برواية ضعيفة السند تروى عن أحد التابعين لم تستند إلى دليل من الشرع ولا برهان من العقل بل هي مصادمة لهما، ويحكموا على من خالفها بالزندقة والكفر مع أنهم يشنعون على من أخذ في الفضائل بالأحاديث الضعيفة المروية عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وهي لا تتعارض مع أي دليل أو برهان ولتلك الفضائل التي تدعوا إليها أصل أصيل في الإسلام، فما أعجب هذه المفارقة في الاستدلال وهذا النهج في الموازنة بين القضايا.
هذا؛ وعندما وجد هؤلاء سبيلاً إلى إعمال السيف في رقاب الأُمة لم يغمدوه حتى سفكوا دماء الأمة ونهبوا أموالها بدعوى أنهم مشركون يحل منهم الدم والمال، ومن أراد الاطلاع على هذا فليقرأ الكتاب المسمى بـ «عنوان المجد في تاريخ نجد» لعثمان بن بشر الحنبلي النجدي، فكم فاخر في هذا الكتاب بسفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم وجعل ذلك محامد وأمجاداً يسجلها التأريخ، وكذلك الكتاب المسمى بـ «الدرر السنية في الأجوبة النجدية فإن فيه من هذا ما تطير منه الألباب، فقد حكموا على الدولة العثمانية وعلى أشراف مكة بالشرك الصريح واستباحوا منهم وممن كان تحت لوائهم سفك دمائهم ونهب أموالهم وصرحوا بأنهم مشركون، ناهيك بهذا النص الذي جاء في رسالة عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى حمد بن عتيق الذي يقول فيه:
«وبعد ذلك: أتانا النبأ الفادح الجليل، والخطب الموجع العظيم الذي طمس أعلام الإسلام؛ ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام، في تلك البلاد التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك، واستيلائهم على الأحساء والقطيف، يقدمهم طاغيتهم «داود بن جرجيس داعيا إلى الشرك بالله وعبادة إبليس. فانقادت لهم تلك البلاد، وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال ولا نزاع، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك برب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين)
" (1)
وسُئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكافة علماء العارض، عن
(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية علماء نجد الأعلام، ج 8، ص 393، 1417 هـ 1996 م، ط 6.
154 (1/154)
صفحة 155
الصحوة الإسلامية
العجمان، والدويش، ومن تبعهم، حيث خرجوا من بلدان المسلمين، يدعون أنهم مقتدون بجعفر بن أبي طالب وأصحابه حيث خرجوا من مكة مهاجرين إلى الحبشة؟
فأجابوا: هؤلاء الذين ذكرهم السائل، وهم العجمان والدويش ومن تبعهم، لا شك في كفرهم وردتهم، لأنهم انحازوا إلى أعداء الله ورسوله وطلبوا الدخول تحت ولايتهم، واستعانوا بهم، فجمعوا بين الخروج من ديار المسلمين واللحوق بأعداء الملة والدين، وتكفيرهم لأهل الإسلام واستحلال دمائهم وأموالهم.
إلى أن قال: وأما قول السائل: إنهم يدعون أنهم رعية الأتراك، ومن الأتراك السابقين، وأنهم لم يدخلوا تحت أمر ابن سعود وطاعته، إلا مغصوبين، فهذا أيضاً من أعظم الأدلة على ردتهم، وكفرهم (1).
وجاء في كلامهم أيضاً: وأما الدهينة، والخضري، وولد فيصل بن حميد، وأتباعهم، الذين قدموا من عند ولد الشريف، يدعون إلى ولايته، فهؤلاء لا شك في ردتهم والحال ما ذكر، لأنهم دعاة إلى الدخول تحت ولاية المشركين، فيجب على جميع المسلمين جهادهم وقتالهم، وكذلك من أواهم ونصرهم، فحكمه حكمهم اهـ
وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق فإنه أصرح ما يكون في إطلاق حكم الشرك على أشراف مكة ومن كان يجنح إلى ولايتهم، وهذا لا يعدو قطرات من ودق منهمر مما اشتمل عليه ذلك الكتاب فيا ترى ألا ترى كيف هذه الجرأة على التكفير والتشريك لهذه الأُمة، ألا هذا تشدداً، فكيف يتجاهل هذا كله وتكال التهم للإباضية بأنهم متشددون على من
خالفهم؟!
يعد
وتجد ابن حزم الظاهري - وهو ينتسب إلى مذهب أهل السُّنَّة أيضاً - يشتد على الحشوية والأشاعرة القائلين بأن الله عالم بعلم وقادر بقدرة حيث يقول في قولهم هذا: «هذا قول لا يحتاج في رده إلى أكثر من أنه شرك مجرد وإبطال للتوحيد لأنه إذا كان مع شيء غيره لم يزل معه فقد بطل أن يكون الله تعالى كان وحده بل قد صار له شريك في
(1) المصدر السابق، ج 9، ص 209 - 210.
الله تعالى
(2) المصدر السابق، ج 9، ص 214.
155 (1/155)
صفحة 156
156
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أنه لم يزل وهذا كفر مجرد ونصرانية محضة أنها ساقطة بلا دليل أصلاً، وما
مع
دعوى
قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاثمائة عام، فهو
الله
خروج عن الإسلام وترك للإجماع المتيقن وقد قلت لبعضهم إذ قلتم أنه لم يزل مع تعالى شيء آخر هو غيره وخلافه ولم يزل معه فلماذا أنكرتم على النصارى في قولها أن الله ثالث ثلاثة؟ فقال لي: مصرحاً ما أنكرنا على النصارى إلا اقتصارهم على الثلاثة فقط ولم يجعلوا معه تعالى أكثر من ذلك، فأمسكت عنه أن صرح بأن قولهم أدخل في الشرك من قول النصارى وقولهم هذا رد لقول الله: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ فلو كان مع الله غير الله لم يكن الله أحد.
ثم قال: وما كنا نصدق أن من ينتمي إلى الإسلام يأتي بهذا أنا شاهدناهم وناظر ناهم ورأينا ذلك صراحاً في كتبهم ككتاب السمناني قاضي الموصل في عصرنا هذا وهو من أكابرهم وفي كتاب المجالس للأشعري وفي كتب لهم
(1)
ونحن وإن كنا نعتقد أن الله تعالى عليم بذاته وقدير بذاته كما يقول ابن حزم لا نوافقه في هذا الحكم الذي حكم به على من خالف في هذه المسألة، كما نعتبر أن ما نسبه إليهم من الجرأة في قول ما يكفر لا يعدو أن يكون من لدده في الخصومة.
ونجد الأشعرية والماتريدية مع توافقهم في قضايا العقيدة - ما عدا جزئيات بسيطة ـ لم يسلموا من تشدد بعضهم على بعض، فقد اشتدَّ كثير من غلاة الماتريدية الحنفية على الشافعية الأشاعرة بسبب استثنائهم في أمر الإيمان حيث يقول قائلهم: «أنا مؤمن إن شاء الله» فعدّوا ذلك شكاً منه في إيمانهم، فمنعوا مزاوجتهم وبعضهم ترخص فأباح التزوج منهم دون تزويجهم لأنهم أنزلوهم منزلة أهل الكتاب، وقد نصّ على هذا في كثير من كتبهم ففي «البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ما نصه: «فَذَهَبَ طَائِفَةٌ من الْحَنَفِيَّة إِلَى تَكْفِير من قال أنا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ ولم يُقَيِّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ شَاكاً في إيمَانِهِ وَمِنْهُمُ الإِتقاني في «غَايَةِ الْبَيَانِ».
وَصَرَّحَ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ» بِأَنْ قَوْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ يَرْفَعُ إِيمَانَهُ فَيَبْقَى بِلَا إِيمَانٍ فَلَا يَجُوزُ
الاقتداء به.
(1) الفصل في الملل والنحل، ج 2، ص 105، دار النشر: مكتبة الخانجي، القاهرة. (1/156)
صفحة 157
الصحوة الإسلامية
وَذَكَرَ في «الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ» من الْمَوَاعِظِ أَنَّ مُعَاذَ بن جَبَلٍ سُئِلَ عَمَّنْ يَسْتَثْنى في الْإِيمَانِ فقال: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِع: أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4]، وقال في مَوْضِع آخَرَ: {أُوَلَيْكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا [النساء: 151]، وقال في مَوْضِعِ آخَرَ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاء [النساء: 143]، فَمَنْ قال بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ فَهُوَ من جُمْلَةِ الْمُذَبِّذَبِينَ. اهـ.
وفي الْخُلاصَةِ وَالْبزَّازِيَّةِ من كِتَابِ النِّكَاح عن الْإِمَام أبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الْفَضْلِ مِن قال أنا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ مِعَهُ.
قال الشيخ أبو حَفْصٍ في فَوَائِدِهِ: لَا يَنْبَغِي لِلْحَنَفِيٌّ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ مِن رَجُلٍ شَفْعَوِيِّ الْمَذْهَبِ. وَهَكَذَا قَال بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَلَكِنْ يَتَزَوَّجُ بِنْتَهِمْ.
زَادَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ تَنْزِيلاً لهم مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ).
وقال أيضاً: وقال الْفَضْلُ لَا يَجُوزُ بين من قال أنا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَمُقْتَضَاهُ مَنْعُ مُنَاكَحَةِ الشَّافِعِيَّة وَاخْتُلِفَ فيها هَكَذَا قِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ يَتَزَوَّجُ بِنْتَهِمْ وَلَا يُزَوِّجُهُمْ بِنْتَه» اهـ (2).
(2)
وقال الكمال ابن الهمام: «وقال الرستغفني: لا تجوز المناكحة بين أهل السُّنَّة والاعتزال والفضلي ولا من قال أنا مؤمن إن شاء الله لأنه كافر ومقتضاه منع مناكحة الشافعية واختلف فيها هكذا قيل يجوز وقيل يتزوج بنتهم ولا يزوجهم بنته». اهـ (3).
وفي «الدر المختار» ما نصه: «قيل لا تجوز كمناكحة من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لأنه كافر». اهـ (4).
وفي «حاشية ابن عابدين» ما نصه: «لا تجوز مناكحة من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله لأنه كافر». اهـ (5).
(1) البحر الرائق، ج 2، ص 49.
(2) المصدر السابق، ج 3، ص 110.
(3) فتح القدير، ج 3، ص 231.
(4) حاشية الدر المختار، ج 3، ص 246، دار الفكر، بيروت، 1423 هـ /2000 م.
(5) حاشية ابن عابدين، ج 9، ص 312.
157 (1/157)
صفحة 158
158
لقاعات
في الفكر و الدعوة
مع أن القول بالاستثناء محكي عن كثير من الصحابة والتابعين فضلاً عن العلماء الذين جاؤوا من بعدهم، فلم ينفرد به الشافعية دون غيرهم، وممن روي عنه ذلك: «عمر بن الخطاب ـ في بعض الروايات - وعلي بن أبي طالب وابن مسعود - في إحدى الروايتين عنه وعائشة أم المؤمنين من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ، كما روي عن الحسن وابن سيرين وطاوس وإبراهيم النخعي وأبي وائل ومنصور ومغيرة وابن مقسم وا والأعمش وليث بن أبي أسلم وعطاء بن السائب وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وابن شبرمة وسفيان الثوري وحمزة الزيات وعلقمة وإسحاق بن راهويه وابن عيينة وحماد بن زيد والنضر بن شميل ويزيد بن زريع والشافعي وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان وأبي يحيى صاحب الحسن والآجري وأبي البحتري سعيد بن فيروز والضحاك ويزيد بن أبي زياد ومحل بن خليفة ومعمر وجرير بن عبد الحميد وابن المبارك ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن مهدي وأبي ثور وأبي سعيد بن الأعرابي» (1).
بحسب ما ظهر لكل
ومهما يكن فإن الخلاف في هذه المسألة لا أن يكون اعتبارياً يعدو فريق، فلا داعي إلى إصدار مثل هذه الأحكام الجائرة القاسية من بعض الأمة على بعض،
يعدو
وقد حررت هذا الخلاف في بعض مؤلفاتي التي لم تنشر، وقلت هنالك: «هذا وعند التحقيق يبدو أن الخلاف في هذه المسألة بين الطائفتين لا أن يكون اختلافاً اعتبارياً، فالذين لم يروا الاستثناء نظروا إلى منافاة الشك لأصل الإيمان، على أن قول القائل: أنا مؤمن لا يعدو أن يكون إعراباً عما يكنّه في نفسه، وما رسخ في اعتقاده من الجزم بالحقيقة التي آمن بها، إذ لا يختلف قوله: أنا مؤمن عن قوله، آمنت، لأنهما مشتقان من مصدر واحد، ولأن قوله مؤمن متصرف من آمنت، وقد حكى الله هذه المقولة عن عباده المتقين فأقرها، ولم ينكرها عليهم بل أثنى عليهم بسببها مع أنها لم تكن موصولة باستثناء، وذلك كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16]، وحكايته عن أولي الألباب قولهم: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْ وَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَامَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَعَائِنَا مَا وَعَدتَنَا عَلَى
(1) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، ج 2، ص 415، وانظر كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ج 5، ص 250 - 251. (1/158)
صفحة 159
الصحوة الإسلامية
رُسُلِكَ وَلَا تُخزَنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الميعاد} [آل عمران 193 - 194]، وهذا لأن وعد الله على رسله إنما هو لعباده المؤمنين، ونحوه ما حكاه عن مؤمني أهل الكتاب من قولهم: رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ} [المائدة: 83]، وقوله فيهم: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 53]، فهؤلاء جميعاً نسبوا إلى أنفسهم الإيمان بغير استثناء، وما هو إلا إذعان منهم للحق واستجابة لداعي
الله تعالى.
وهذا كما نسب إلى المؤمنين قولهم: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] إذ هو لا يعبر إلا عن انقيادهم، وقبولهم للحق، ورغبتهم فيما عند الله، ولا يعني ذلك بحال أنهم بهذا مبرئون لأنفسهم من المعاصي، فالممنوع إنما هو تزكية النفس بأي قول كان، وما كان من القول دالا على الإذعان والطاعة فهو مطلوب ومحمود.
والذين ذهبوا إلى ضرورة الاستثناء إنما نظروا إلى أن الإيمان إذ اتصف به على حقيقته أحد من الناس كان جديراً برضوان الله تعالى وتبوئه الدرجات العلى في الجنة، وهذا مقام لا يوصل إليه بالادعاء والتمني، ولكن بالاجتهاد في العمل، وإخلاصه لله تعالى والاستمرار على ذلك إلى يوم لقاء الله، وأنّى لأحد أن يجزم لنفسه بهذا، وهو أمر لا يصل إليه العبد بطاقته وعزيمته ما لم يصحبهما توفيق من الله سبحانه؟ وبأي طريق يستطيع الوصول إلى إحراز ذلك؟ فإن طريق الحياة محفوفة بالمخاطر لما ينتاب الإنسان فيها من رغبات النفس الجامحة وشهواتها المردية، وفي كل مرحلة من مراحلها يواجه فيها عقبات كأداء ليس من اليسير اجتيازها إلا إن يسر الله له ذلك، فقصارى ما يمكن أن يقوله العبد عن نفسه، وهو يجتاز هذا المسلك الوعر أن يخبر عن نفسه بأنه في بداية الطريق الموصل إلى تلكم الغاية التي ينوط بها رجاءه مع خشيته من العثرة والانحراف، ورد كل شيء إلى من بيده الأمر كله الذي يصرف الأمور كلها كما يشاء.
ولست إخال أن الذين لم يروا الاستثناء يقولون بجواز القطع ببلوغ المدى، وأن للعبد أن يزكي نفسه بما يخبر به من إيمانه ولكن عندما يقول ما يدلّ على إيمانه إنما يعلن عن إذعانه وانقياده وعدم استكباره على الحق الذي أمر باتباعه، كما أنني لا إخال أن أحداً من أصحاب الرأي الآخر يمنع من التعبير عن هذا الإذعان بمثل هذا القول، وبهذا يتبين أن الخلاف في أصله لم يكن إلا اعتباريا.
159 (1/159)
صفحة 160
17.
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ولكن العصبية المذهبية الضيقة نقلته في عهود الانحطاط والانغلاق التي مرت بها الأُمة إلى خلاف حقيقي عميق أدى إلى تكفير الأُمة بعضها بعضاً من أجل هذه المسألة
البسيطة ... إلخ».
ومما يجب الاعتراف به أن من علماء الحنفية من نظر إلى هذه المسألة بروية، واستبعد القول بالتكفير فيها واستهجنه وإن كان أثره في كتابه نقلاً عمن سبقه، وكان الأسبق إلى الإقدام إلى درء حكم الكفر عمن استثنى في إيمانه منهم - حسبما رأيت ـ هو الكمال بن الهمام، فبعد حكايته لما قاله المتشددون أتبع ذلك قوله: ولا يخفى أن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى فإنما يريد إيمان الموافاة، صرحوا به يعنون الذي يقبض عليه العبد لأنه إخبار عن نفسه بفعل في المستقبل أو استصحابه إليه، فيتعلق به قوله تعالى: وَلَا نَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلُ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ} [الكهف: 23 - 24]، وعلى هذا فيكون قوله: {إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ) شرطاً لا كما يقال إنه لمجرد التبرك، وكيف كان لا ذلك كفره غير أنه عندنا خلاف الأولى؛ لأن تعويد النفس بالجزم في مثله ليصير ملكة خير من إدخال أداة التردد في أنه هل يكون مؤمناً عند الموافاة أو لا؟.
يقتضي
اهـ
(1)
وتابعه على ذلك ابن نجيم وابن عابدين وغيرهما، بل ذهب ابن نجيم إلى أنه غلط من قال بتكفير من استثنى، ونص كلامه «وقد قدّمنا في باب الوتر والنوافل إيضاح هذه المسألة، وأن القول بتكفير من قال: أنا مؤمن إن شاء الله غلط، ويجب حمل كلامهم على
من يقول ذلك شاكاً
في إيمانه، والشافعية لا يقولون به، فتجوز المناكحة بين الحنفية
والشافعية بلا شبهة». اهـ
(2)
ولا شك أن هذه خطوة إيجابية في
الأُمة
رأب صدع جدار ويشكر الذين أقدموا عليها.
هذا؛ ولربما حصل تسرع من بعض الأشاعرة إلى إطلاق حكم الكفر في أشياء لا تعد عندنا من باب الدين، وإنما هي داخلة في المسائل الخلافية التي للرأي فيها مجال واسع، ووقع فيها الخلاف بين أتباع العقيدة الأشعرية أنفسهم، ولكن ربما شدد من لا
(1) فتح القدير لابن الهمام، ج 6، ص 396. (2) البحر الرائق، ح 2، ص 48، (49)، ج 3، ص 110، حاشية ابن عابدين رد المختار، ج 26، ص 499. (1/160)
صفحة 161
الصحوة الإسلامية
يرى جوازها حتى حكم بأنها كفر وذلك كالاقتباس من القرآن الكريم في النظم، فإن كثيراً من علماء الأمة أباحوا ذلك، ومنعه آخرون، ومن بين الذين لا يرون جوازه المالكية، وقد شددوا على من أخذ بجوازه من الشافعية في ذلك، كما يحكيه السيوطي في قوله: «فأما المالكية فإنهم يبالغون في تحريمه ويشددون النكير على فاعله حتى أني أنشدت شيخنا قاضي القضاة الدين بن أبي القاسم الأنصاري عالم الحجاز قول
شيخنا الشهاب الحجازي
محيي
مات ابن موسى وهو بحر كامل يأتيكم التابوت فيه سكينة
فهناكم جمع الملائك مشترك
من ربكم وبقية مما ترك
وقلت له: ما تقول في هذا؟ فقال لي: هذا كفر عندنا». اهـ (1).
فتراه يطلق حكم الكفر على من خالفه هذه المسألة في البسيطة مع أن الخلاف فيها لا يصطدم بنص شرعي قطعي الدلالة والثبوت، وإنما هو مبني على وجهات نظر مقبولة عند الجميع، وقد اختلف فيها الشافعية والمالكية، وكلا الطائفتين من أتباع المذهب الأشعري
في العقيدة.
ولا ريب أن الإباضية يرون منع الاقتباس في الشعر إن كان لنص كامل من القرآن كالآية، يعدون هذه المسألة مسألة رأي، فلا يحكمون على المخالف فيها بالفسق
ذلك ولكنهم مع فضلا عن الكفر.
المحاور: كذلك موضوع الكبائر والخلود في النّار، هنالك أدلة من القرآن الكريم على ما قرأته في كتبنا إلا أننا نجد بعض الآيات توضح أن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، وهناك حديث في صحيح البخاري عن الشخص الذي دخل النار وخرج منها، فالرجاء توضيح هذه الأمور حتى نكون على بينة من الأمر؟
(1) شرح عقود الجمان في علم المعاني والبيان، جلال الدين السيوطي، ص 168، طبع بمكتبة دار إحياء الكتب العربية لأصحابها عيسى البابي الحلبي وشركاه،
مصر.
161 (1/161)
صفحة 162
162
لقاعات
في الفكر و الدعوة
هذا السؤال ذو شقين: الشق الأوّل يتعلق بغفران الخطايا ما عدا الشرك، والشّق الثاني يتعلق بالخروج من النار، وأريد أن أفيد السائل وغيره بأن القرآن ينص في آيات كثيرة على أنّ كلَّ مَنْ عَمِلَ صالحاً جُوزي بما عمل، ومن عمل سيئاً جُوزي بما عمل، من ذلك قوله تعالى: مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، وقوله: {وَمَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَرَعَ يَوْمَدٍ عَامِنُونَ * ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 89 - 90]، وقوله: و من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، وقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: (281]، وقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْتَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25]، وحذر الله الله هذه الأمة الاغترار بالأماني، فقد قال عز من قائل: {لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].
من
وفي ذكر أماني أهل الكتاب مع أماني هذه الأُمة إشارة إلى أن بعض أفراد هذه الأُمة سوف يفترون كما اغترَّ أهل الكتاب، وسوف يتعلّقون بالأماني راجين من الله له أن يغفر لهم ذنوبهم بمجرد انتمائهم إلى هذا الدين الحنيف، وتصديقهم بالنبي.
وفي
الأمة
هذا تحذير لهذه لها عن مسلك أهل الكتاب الذين غرّتهم الأماني وحكى الله سبحانه ما كانت تحدثهم به أنفسهم في العديد من الآيات منها قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169]، وقد تكرر هذا التحذير في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْتَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ أَوْلَيكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِيَ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَابِرُونَ} [الحشر: 18 - 20]، وقوله: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ. وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَّفَ (1/162)
صفحة 163
الصحوة الإسلامية
وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 9 - 11]، فإنه لا يشك عاقل أن هذا التحذير كله إنما هو موجه إلى هذه الأمة ليأخذ كلّ أحد حذره وليعمل جهده في طاعة الله الله غير مغتر بالأماني، ولا متشبث بالأوهام ولا معول على شفاعات الشافعين، ووساطات المتوسطين، فإنه لا شفاعة يومئذ إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، وقد أخبر الله أنه لا يرضى عن الفاسقين في قوله: {فَإِن تَرْضَوا فإنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96].
عنهم
وفي هذا ما يؤذن بأن الفسوق هو السبب في عدم رضى الله تعالى عن هؤلاء القوم، ولا شك في أن كل مرتكب لكبيرة فاسق، إذ لا مرية في فسوق شارب الخمر والزاني وقاتل النفس المحرمة بغير حق وآكل الربا والعاق لوالديه وقاطع الرحم ومانع الحق وتارك الصلاة ومانع الزكاة ومن تعمد الفطر في رمضان بغير عذر شرعي وغيرهم من الظالمين فإن الفسوق هو الخروج كما قال الشاعر: يذهبن في نجد وغوراً غائراً
فواسقا عن قصدها جوائرا
ومن فعل شيئاً مما تقدم فهو خارج عن طاعة الله، فلذلك استحق اسم الفسوق، وهذا حكم من الله سبحانه، وقد قال الأصوليون إن الحكم على المشتق يؤذن بأن أصل ذلك الاشتقاق علة لذلك الحكم، فالفسوق إذاً هو علة لحكمه تعالى عليهم بعدم الرضى عنهم.
ولا
أن ريب عدم تساوي البررة والفجرة في الجزاء عند الله تعالى هو من مسلمات العقول، لأن العدل الإلهي يستحيل أن يتساوى في موازينه البررة الذين يخشون الله ويتقونه فيحرصون على التوبة من كل ما قارفوه من السيئات وارتكبوه من المناهي، مع الفجرة الذين لا يبالون بأوامر الله ونواهيه ولا بوعده ووعيده فيعطون أنفسهم مناها من الشهوات ويرتكبون كل ما تسوله لهم، وجاءت النصوص القرآنية مؤكدة هذه المسلمات العقلية فقد قال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ} [ص: 28]، وقال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].
وقد بين الله أنه يغفر ذنوب التائبين لا ذنوب المصرين، فقد قال عزّ من قائل في سورة
163 (1/163)
صفحة 164
164
لقاعات
في الفكر و الدعوة
طه: {وَإِنِّي لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]، وقال: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] وهو يفيد حصر مغفرته في الأوابين وهم التوابون؛ الذين يؤوبون إلى الله تعالى بالتوبة النصوح كلما قارفوا إثماً، وحذر سبحانه الذين أسرفوا على أنفسهم من التمادي في غيهم وتسويف التوبة من حال إلى حال وذلك في معرض دعوتهم إلى التوبة وتبشيرهم بقبولها إن صدقوا الله فيها فقد قال تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسُ بحسركَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ عَايَتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَفِرِينَ} [الزمر: 53 - 59]، وليس في ذكر التكذيب بالآيات والاستكبار والكفر ما يدلّ على أن هذه هذا الوعيد إن أصرت على كبائر الإثم، ذلك لأن الكبائر متنوعة، فمنها ما يكون بواحاً، ومنها ما يكون إخلاداً إلى هوى النفس اتباعاً للشهوات، وليس ذكر شيء في مقام الوعيد دليلاً على أن ما عداه لا يشمله الوعيد.
الأمة
سالمة من
كفراً
وقد بين الله أنه يغفر سيئات الذين يجتنبون الكبائر، أي يغفر صغائرهم دون كبائرهم بشرطين، عدم إصرارهم على الصغيرة مع اجتنابهم للكبيرة، وذلك لقوله سبحانه: إن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا)
[النساء: 31].
وفي الصغائر والكبائر جدل كبير بين أهل العلم على اختلاف مذاهبهم الفكرية والعقدية، كما أن في هذا الاجتناب المشترك لتكفير الصغيرة خلافاً واسعاً، وقد أصاب المحز في بيان ذلك الإمام أبو حامد الغزالي فقد قال في إحياء علوم الدين» ما نصه: «اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر أو لمس فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيراً في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره فإن (1/164)
صفحة 165
الصحوة الإسلامية
كان عنيناً أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادراً ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلاً وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي مقدماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية ويجوز أن يبقى بعضها في محل الشك وتكون من المتشابهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص ولم يرد النص بعد ولا حد جامع بل ورد بألفاظ مختلفات فقد روى أبو هريرة له أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث إشراك بالله وترك السُّنَّة ونكث الصفقة»، الحديث أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وقال: صحيح الإسناد. قيل: ما ترك السُّنَّة؟ قيل: الخروج عن الجماعة ونكث الصفقة أن يبايع رجلاً ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله فهذا وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله ولا يدل على حد جامع فيبقى لا محالة مبهماً» اهـ (1).
وحاصل ما ذكره هنا أن كل معصية كبيرة تسبقها مقدّمات، فإذا ألم بالإنسان داع من الشيطان إلى ارتكاب شيء منها وشرع في مقدماتها فقد غشي محارم الله ورعى حول حماه المحرم، فإن أدركته عناية الله وأفاق من سكرته بحيث ألم به من وازع الخوف من الله ما يباعد بينه وبين مقارفة تلك الكبيرة نفسها كانت هذه المقدّمات التي أتاها صغائر معفوة باجتنابه الكبيرة التي تفضي إليها، ذلك لأن الادكار الذي حال بينه وبينها إنما هو من وازع التقوى كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم [الأعراف: 201]، أما إن حُرِمَ من هذه العناية الربانية فلم يفز بهذا الادكار حتى غشي تلك الكبيرة لم تكن مقدّماتها صغائر معفوة باجتنابه تلك الكبيرة بل تغدو كبائر يؤاخذه الله بها، لأنه لم يرعو عن تعدي حدود الله، وقد قال تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14].
مُّبْصِرُونَ
فمن زيّن له الشيطان الزنا - والعياذ بالله - يأتي بين يدي هذه الفاحشة مقدّمات متعددة إذ لا بد من أن تسبقه نظرة محرمة ثم تتبعها مراودة ثم تليها أفعال متعددة كاللمس
(1) إحياء علوم الدين أبو حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت، ج 4، ص 22.
165 (1/165)
صفحة 166
166
لقاعات
في الفكر و الدعوة
والتقبيل والعناق، فإن ادّكر وأقلع عن غيه وثاب إلى رشده كانت هذه مقدمات معفوة باجتناب كبيرة الزنا، وإن استرسل في غفلته وتتابعت عنده المقدّمات حتى ركب الفاحشة كانت كلها كبائر يؤاخذ بها لأنه لم يلو على أمر الله ونهيه ولم يزدجر من خشيته ولم ينثن عن غيه.
ومثل ذلك ما إذا حبب إليه الشيطان قتل نفس محرمة بغير حق، فإنه يسبق إقدامه إلى ذلك إصراره على فعله وإتيانه لمقدماته من إعداد السلاح الفاتك والترصد للمقتول فإن هو انثنى عن هذا بما ينقدح في نفسه من خشية ربه كانت هذه المقدّمات صغائر معفواً عنها بتركه الإقدام على ما تؤدي إليه.
وكذلك إن زينت له نفسه الأمارة بالسوء شرب الخمر، فإنه يخطو خطوات إلى ارتكابه هذا الأمر المحظور الذي يستحق به لعنة الله تعالى وسخطه، فيذهب أولاً إلى الحانة ويأخذ في الأسباب فإن أقلع لما يغشاه من خوف الله الله كان ذلك سبباً للعفو عن تلك التي أتاها، لأن حاجز التقوى حال بينه وبين إتيان ما يشتهيه، وإن أصرّ وركب
المقدمات
المحظور كان مؤاخذاً بكل ما كان بين يدي هذه الكبيرة.
وما من ريب أن الأسباب والمسببات كلها منهي عنها وإنما تتفاوت درجاتها، فإن استرسل في الاستخفاف بالنهي حتى وصل إلى حدها الأقصى كانت كلها كبائر، لأنه لم يثنه عنها داعي الخشية والمهابة من الله، وإن ندم وأقلع كان ذلك رجوعاً منه إلى الله تعالى، ولذلك قال تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مدْخَلا كَرِيمًا} [النساء: 31]، فالكبيرة تكون في كل منهي عنه وما دونها صغير إن امتنع من مقارفة الكبيرة لما أدركه من الادكار الناشيء من خشية الله تعالى ورجائه. ومصداق ذلك في قول النبي: العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج» (1).
(1) أخرجه الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس له رقم (635)، ورواه أحمد عن ابن مسعود رقم (3717)، وعن أبي هريرة رقم (8183)، ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بلفظ «العين تزني»، والطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود أو يعلى الموصلي عن عبد الله وأبي هريرة، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة، وهو عند البخاري من طريق ابن عباس ها وفيه «فزني العين النظر»، وعند مسلم من طريق أبي هريرة بلفظ: «فالعينان زناهما النظر». (1/166)
صفحة 167
الصحوة الإسلامية
فإن فعل العينين واليدين والرجلين يكون صغيراً معفواً إذا ندم المرء وأقلع ولم يرتكب الله، أما إن استرسل فكل ذلك يكون كبائر مهلكة والعياذ بالله.
بفرجه
هذا؛
ما حرمه
ويجب
ومن أدرك ذلك فهم معنى قوله ب: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، فهو يغفر لمن يشاء إمّا بالتوبة والإقلاع عن الكبائر والرجوع إلى الله الله، وإما باجتناب الكبائر مع صدور بعض الصغائر من غير قصد إصرار عليها ومن غير استمرار على ارتكابها، هذا هو المقصود بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، فقد بيّن سبحانه في آيات أخرى من يشاء لهم المغفرة، وهم الذين يجتنبون الكبائر ولا يصرّون على الصغائر، وجاء في بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (1). أن يكون فهم الآيات القرآنية في ظل سياقها، فإن بترها عن السياق يذهب بها بعيدة عمّا هو مقصود بها، وأنت تدري أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] جاء مسوقاً في القرآن في سورة النساء في سياقين متحدين من حيث إنهما جميعاً كانا في معرض الدعوة إلى الإسلام والتحذير من الشرك، ففي أولهما كان السابق على ذلك النصّ قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وُجُوهَا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47]، ثم تبع ذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ. وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وهذا يوضح أن المراد به أن من بقي على شركه ولم ينقلب إلى التوحيد لا يغفر له ولو تاب من سائر آثامه، فإن توبة المشرك مرهونة بإسلامه، أما إن أسلم وتاب من شركه فإنه توبته هذه تجب كل ما سبق من وزره، فلا يؤاخذ بما قارفه سواء كان ذلك في حق ربه أو في حق العباد، كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وهذا مما لا خلاف فيه.
وثانيهما: سبق بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وهو دليل
(1) أخرجه ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وقال: أخرجه ابن المنذر في تقييده عن ابن عباس موقوفاً، والديلمي عن ابن عباس موقوفاً، وعن أنس موقوفاً.
167 (1/167)
صفحة 168
168
لقاعات
في الفكر والدعوة
على ما يراد من قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116]، فإنما هذه المغفرة لمن شاء الله هدايته فرجع إلى الفطرة وأسلم الله تعالى وجهه، فإنه لا يؤاخذ بما فعله في جاهليته لأنه بإسلامه يغدو كأنما وُلد من جديد على الفطرة مبرأ من كل
معصية.
=
وقد علمت مما تقدّم أن التشبث بأماني الشفاعات مع الإصرار على الإثم لا شيئاً، يجدي فقد حذر الله الا الله جميع الأمم من الاغترار بهذه الأماني، وبين حقيقة ذلك اليوم فيما أنزله في كتابه، فقد كانت هذه الأماني معششة في أدمغة بني إسرائيل الذين كانوا يقولون عندما يأتون شيئاً من مناهي الله: {سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169]، وقد خيب الله تعالى أمانيهم وحذرهم من هذا الاغترار حيث قال لهم: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48]، وأكده مرة أخرى في قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: 123]، وهذا وصف لذلك اليوم، والناس جميعاً مطالبون بأن يعوا حقيقته هذه، فلا يفتر أحد بما توسوسه له نفسه من أماني الشفاعات، إذ لا فرق في هذا الحكم بين أُمة وأخرى، لأنهم جميعاً مخاطبون بالتكاليف الشرعية ومأمورون بالطاعة ومنهيون عن المعصية، فهذا الخطاب وإن كان لبني إسرائيل هو صادق على هذه الأُمة لأن الله عل يعدل بين عباده ولا يحابي أحداً منهم بسبب نسبه أو انتمائه.
ولئلا تغتر هذه الأمة بهذه الأماني الكاذبة خصت بخطاب فيه هذا التحذير البين، فقد قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254]، وقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس حتى أنه حذر أخص خاصته وأقرب قرابته وأحب الناس إليه من الاغترار بهذه الأماني، فقد أنذر فيمن أنذر فلذة كبده وقرة عينه وثمرة فؤاده وبهجة قلبه ابنته العزيزة السيدة فاطمة - رضي الله تعالى عنها وأرضاها -، كما أنذر عمته السيدة الصالحة صفية بنت عبد المطلب وعمه العباس بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنهما - وسائر قرابته بقوله: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا (1/168)
صفحة 169
الصحوة الإسلامية
صفية بنت عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً (1).
وفي رواية أخرى: «يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم واعلموا أن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون وإن تكونوا أنتم مع قرابتكم فذلك لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على أعناقكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا ثم تقولون يا محمد فأقول هكذا أعرض بوجهي عنكم فيقولون يا محمد أنا فلان بن فلان فأقول أما النسب فأعرف وأما العمل فلا أعرف نبذتم الكتاب فارجعوا فلا قرابة بيني وبينكم» (2).
أما تشبث المتشبثين برواية: «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي»، فهو لا يغني فتيلاً لأنها رواية أحادية فضلاً عن كونها لا تخلو من نقد في إسنادها فلا تقوى على معارضة هذه النصوص القاطعة من كتاب الله والثابت الصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أنها لو سلمت من النقد وثبتت بالقطع عن رسول الله، و جواب حملها على المحمل الصحيح الذي يتفق مع القواطع ولا يختلف وهو أن شفاعته لأهل الكبائر التائبين، فإن الله تعالى وإن وعد التائبين بغفران خطاياهم - قد يجعل من أسباب قبول توبتهم شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم لهم لبيان منزلته - عليه أفضل الصلاة والسلام -، ولتكون له يد بيضاء عليهم فهم لا يستغنون بتوبتهم عن شفاعته ولذلك أمرنا بأن نسارع بالتوبة إلى الله عل مع سؤالنا أن ننال شفاعته - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وهذا كما أن حملة العرش يستغفرون للذين تابوا كما أخبر الله الا اللهم عن ذلك في قوله: االَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَهُمْ
(1) صحيح البخاري رقم: 2602، 4493، وصحيح مسلم رقم: 204، 205، 206، وصحيح ابن حبان رقم: 12428، 12429، وسنن النسائي الكبرى رقم: 6471، 6472، 6473، 6474، 6475.
(2) رواه بهذا اللفظ الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول من طريق أبي هريرة، ج 3، 67، دار الجيل، بيروت.
ص
169 (1/169)
صفحة 170
170
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآبِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَبِذٍ فَقَدْ رَحْمَتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [غافر: 7 - 9].
وأما مسألة الخلود في النار أو الخروج منها، فهي مسألة يجب أن تستوضح بالأدلة الثابتة وهى الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المجمع على صحتها عن الرسول، فالآيات القرآنية صريحة في أن أصحاب الكبائر يخلّدون في النار بارتكابهم الكبائر إن ماتوا مصرين عليها، ولم يتوبوا منها، فالله والله يقول في محكم كتابه: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ * لَا يُفَتَرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَمْلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّكِثُونَ} [الزخرف: 7774]، وهل من قائل يقول: إن الزاني الذي مات وهو مصر على الزنا، أو شارب الخمر، أو قاتل النفس المحرمة بغير الحق، أو أكل الربا، أو المصرّ على ارتكاب أي كبيرة من الكبائر، ليس من المجرمين؟! من الذي يقول إن هؤلاء ليسوا مجرمين؟!
ويقول لا إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِي جَحِيمِ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَايِبِينَ} [الانفطار: 13 - 16]، فقد بيّن الله تعالى في هذه الآيات أنّ الناس ينقسمون إلى طائفتين: أبرار وفُجَّار، وبيّن أن الأبرار في النعيم وأن الفجار في الجحيم، وأنهم لا يغيبون عنها، وليت شعري؛ هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن الزنا من البر؟! وإن قتل النفس المحرّمة من البر؟! وإن من فعل ذلك أو شيئاً منه هو من الأبرار؟! وهل ينكر أحد من المؤمنين بالله واليوم الآخر أن هذه المعاصي هي من الفجور وأن فاعلها من الفجار؟!
على أن الله سبحانه بين ما هو البر في كتابه الكريم حيث قال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى [البقرة: 189]، فلا بر إلا بالتقوى، والتقوى لا تتحقق إلا بالإيمان والعمل الصالح والازدجار عن معاصي الله تعالى فقد قال تعالى في وصف المتقين: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 3 - 4]، كما بين وصفهم في آية البر التي أكد فيها أن البررة هم الأتقياء وأن الأتقياء هم البررة، وذلك في قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَآلَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي (1/170)
صفحة 171
الصحوة الإسلامية
الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأَوْلَتَبَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، وفي قوله: قُلْ أَؤُنَيْتُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 15]، إلى قوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الضبرينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 16 - 17]، وقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 - 135].
ويقول الله: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأَوْلَتَبكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]، فقد نص الله الله في هذه الآيات أنّ من قتل النفس المحرّمة بغير حق، ومن زنى، لهما حكم المشرك في الخلود في النار، ولعل قائلاً يقول: إن الوعيد مُنْصَبٌ على من جمع هذه الصفات جميعاً، أي من أشرك مع الله إلها آخر وقتل النفس المحرّمة بغير الحق، وزني.
والجواب: أنّه يلزم هذا القائل أن يقول بأنه لا يخلد أحدٌ في النار بسبب الشرك حتى يضم إلى الشرك قتل النفس المحرمة بغير الحق والزنى، أما إن أشرك ولم يقتل النفس المحرمة بغير الحق ولم يَزِّنِ فلا يكون من الخالدين في النار.
ويقول الله في آكل الربا: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولَيكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 275]، فهذا نص صريح في أن أكل الربا من أصحاب النار الذين يخلّدون فيها.
ويقول الله - تعالى -: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، فقد بين له أن قاتل النفس المؤمنة بغير حق جزاؤه جهنم وسوف يخلد فيها، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة
171 (1/171)
صفحة 172
لقاعات
في الفكر و الدعوة
النّاصة على الخلود في النار، وهذه الآيات كلها تدل على خطورة عقيدة من يعتقد الخروج من النار أو العفو عن أهل الكبائر لما تجرّه من التهاون بأوامر الله والجرأة على معاصيه.
صلے
وقد دلّ القرآن الكريم أنّ هذه العقيدة قد تلبّس بها اليهود، وأنها هي التي جَرَّأَتُهُمْ على الإعراض عما أنزل الله الله من أوامر في كتابه، فقد قال عزّ من قائل: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]، ثم ردّ عليهم بقوله: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأَوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 81]، ويقول الله - تعالى - مبيناً أن هذه العقيدة هي سبب ترك اليهود لما أُمروا به: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 23 - 25]. بهذا يتبيّن أنّ هذه العقيدة يهوديّة الأصل، وإنما سَرَتْ إلى المسلمين بسبب احتكاك كثير منهم باليهود، وتأثُرهم بما يقولون من أباطيل، ولست وحدي أزعم أن هذه العقيدة منشؤها اليهود، فإنّ كثيراً من المنصفين قد صرحوا بذلك، والقرآن الكريم أقوى حجة في ذلك، وممن صرّح بذلك الإمام العلّامة السيد محمد رشيد رضا صاحب تفسير «المنار»، مع ينتمي إلى مذهب يدين بالخروج من النار، ولكنّه اجتهد ورأى الحق ولم يتعام عنه، ففي تفسير «المنار» في مقدّمة تفسير سورة البقرة يقول:
أنه
«القاعدة السادسة: أن الجزاء على الإيمان والعمل معاً؛ لأنّ الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن من ينتمي إلى نبي من الأنبياء أن ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم بدينهم وما ردّ به عليهم حتى لا نتبع سنتهم وهو: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]، وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعاً من قولهم: ووَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: (111]، ولكننا قد أتبعنا سُنّتهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع مصداقاً لما ورد في الحديث الصحيح، وإنّما نمتاز عليهم بأن المتبعين لهم بعض
قلے
الأمة
172 (1/172)
صفحة 173
الصحوة الإسلامية
لا كلها وبحفظ نص كتابنا كله، وضبط سُنَّة نبينا في بيانه، وبأن حجة أهل العلم والهدى منا قائمة إلى يوم القيامة» ق (1) انتهى كلامه.
صلے
وصرّح بأكثر من ذلك في تفسير آية الربا في أواخر سورة البقرة، إذ يقول: «أباح أكل ما سلف قبل التحريم، وأبهم جزاء أكله شيئاً بعد النهي فقال: {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 275]، أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرّم بعد التحريم فأولئك البعداء من الاتعاظ بموعظة ربهم، الذي لا ينهاهم إلا عما يضرّ بهم في أفرادهم أو جميعهم هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها» (2).
ثم قال بعد ذلك: «وقد أوّل المفسّرون الخلود لتتفق الآية مع المقرّر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا تُوجِبُ الخلود في النار، فقال أكثرهم إن المراد من عاد إلى أكل الربا واستباحته اعتقاداً، وردّه بعضهم بأن الكلام في أكل الربا، وما ذكر عنه من جعله كالبيع، هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم فهو ليس بمعنى استباحة المحرّم، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد فحسب فلا يكون هناك وعيد على أكل بالفعل.
والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في قتل العمد، وليست هناك حجة في اللفظ على إرادة الاستحلال ومن العجب أن يجعل الرازي
الآية هنا حجةً على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار انتصار لأصحابه الأشاعرة»
ثم قال بعد ذلك: «وخيرٌ من هذا التأويل تأويل بعضهم للخلود بطول المكث»، ثم قال: «أما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود في النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نُسب إليه، أو مجاراة أهله
(1) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 98/ 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى،
1420 هـ / 1999 م.
(2) المرجع السابق، 82/ 3 - 83.
(3) المرجع السابق: 83/ 3.
173 (1/173)
صفحة 174
174
لقاعات
في الفكر و الدعوة
?
ولو بعدم معارضتهم ما هم عليه، وإيمان هو عبارةٌ عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان، متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرةٍ في النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرّفة للجوارح في الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها في كل حال، إلا ما لا يخلو منه الإنسان من غلبة غفلة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تُنسى أو تغلب النفس عليها خلسة الجهالة أو الطيش، كالحدّة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها هنا في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه - بإذن الله - من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على ارتكاب الإثم والفواحش عمداً، إيثاراً لحب المال واللذة على حب الله. أمّا الإيمان الأول فهو الإيمان الصوري فقط فلا قيمة له عند الله - تعالى -؛ لأنه الله لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه كثيرة جداً، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون اتِّباع السُّنَّة حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناءً على أن مدار السعادة الاعتراف بالدين، وإن لم يعمل حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الاعتراف بأنّها من كبائر ما حرّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إنني لا أنكر أني أكل الربا ولكنني مسلمٌ أعترف بأنه حرام، وقد فاته أن يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل الوعيد، وبأنه يرضى بأن يكون محاوراً لله ولرسوله، وظالماً لنفسه وللناس كما سيأتي في آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم أو ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟! نعوذ بالله من الخذلان». اهـ
والسيد محمد رشيد رضا قد سبقه
(1)
أستاذه الكبير العلّامة الإمام محمد عبده إلى مثل هذا القول، حيث قال في تفسير قوله تعالى: فَأُولَيكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 275]، ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها، فلم يُؤوِّلُها بالشرك ولكنّهم أوّلوا جزاءها فقالوا: إن المراد بالخلود طول مدة المكث؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته، فهم أوّلوا هذا التأويل هروباً من قول المعتزلة: إنّ أصحاب الكبائر يُخلّدون في النار، وتأييداً لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يُرْشِدُ إلى
(1) المرجع السابق، 84/ 3. (1/174)
صفحة 175
الصحوة الإسلامية
أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمناً» اهـ (1)، وقد علق على هذا الكلام محمد رشيد رضا بما يؤيّد ما قاله أستاذه من الخلود في النار.
ومن المعلوم أن أصحاب النبي لو كانوا يتحرّزون أشدّ التحرّز من قبول رواية أي أحد كان
الله
بن
إذا كان في روايته ما يخالف مدلول القرآن الكريم، ففي الصحيحين عن عبد الله عبيد بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان الله الله بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس لله وإني لجالس بينهما أو قال: جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر ا لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» فقال ابن عباس الله قد كان عمر له يقول بعض ذلك، ثم حدث قال: صدرت مع عمر الله من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب، قال: فنظرتُ، فإذا صهيب فأخبرته، فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه فقال عمر ه: يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه»، قال ابن عباس: فلما مات ه ذكرت ذلك لعائشة فقالت: الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن
رحم
عمر
الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله الله قال: «إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه»، وقالت: حسبكم القرآن وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
فإنه من المعلوم أن عائشة لا ما كانت تكذب ابن عمر ولا عمر؟ ولكنها شکت في روايتهما لاحتمال التباس الأمر عليهما وقد ردَّت روايتهما بسبب مخالفتها قوله سبحانه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164].
وقد ردّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الله الله أيضاً حديثاً لفاطمة بنت قيس وهو في الأمور العملية لا في القواعد الاعتقادية بسبب ما رآه من مخالفته عموم قوله الله: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنَتُم مِّن وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، وقال: «لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري ذكرت أم نسيت»، وفي رواية أخرى: «أصدقت أم كذبت» (رواه مسلم والترمذي)، مع
(1) المرجع السابق، 297/ 1.
175 (1/175)
صفحة 176
176
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أن فاطمة هي من الصحابيات - رضوان الله تعالى عليهن -، ولكنه نه ترك روايتها لأجل ما رآه من مخالفتها القرآن الكريم، وإذا كانت الروايات تُردّ في عهود الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم - لأجل مخالفتها شيئاً من القرآن حتى في الأمور العملية مع وجود الاحتمال بأنها مخصصة لعموماته، فكيف وبيننا وبين رسول الله أربعة عشرة قرنا قد اختلط فيها الحابل بالنابل في كثير من الروايات؟!
وقد أجاد العلّامة السيد محمد رشيد رضا حيث قال في تفسيره «المنار»: «وإذا كان من
علل الحديث المانعة من وصفه بالصّحة مخالفة راويه لغيره من الثقات، فمخالفة القطعي من القرآن أولى بسلب وصف الصحة عنه (1).
والآيات القرآنية في هذا واضحةٌ، على أن هناك الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة عن الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - دالة على خلود أهل الكبائر في النار، وعلى عدم دخولهم الجنة، منها ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم عليه الجنة وأوجب له النار»، وقد رواه الإمام مالك في الموطأ ومسلم والنسائي وأبو داود وآخرون.
وأما الحديث الذي رواه البخاري وغيره في الخروج من النار فهو حديث أحادي، ومن المعلوم أن من القواعد المتبعة عند المحققين أن الحديث الأحادي يوجب العمل ولا يفيد العلم، أي يُعمل به ولا يعتمد عليه في الاعتقاد؛ لأنه ظني والاعتقاد يقوم على الحجج القطعية، هذا إذا لم يخالف ما هو أقوى منه، فكيف وقد خالف الصريح من القرآن
الكريم؟!
وقد أخرج أهل الحديث طائفة من الروايات الناصة على خلود مرتكب الكبائر في النار، منها ما رواه أحمد والبزار والحاكم والنسائي عن ابن عمر ا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر وفي رواية: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن خمر، والعاق لوالديه والديوث وهو الذي يقر السوء في أهله»، وفي رواية للشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة» وهو كناية
(1)
محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 85/ 1 - 86. (1/176)
صفحة 177
الصحوة الإسلامية
عن حرمانه من دخول الجنة؛ لأن أهل الجنة موعودون بكل ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، ومنها ما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة، ومنها ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً».
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، وروى الشيخان عن حذيفة بن اليمان له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة نمام» وفي رواية «قتات»، وثبت أيضاً في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام». والأحاديث في هذا أكثر من أن تحصى.
وإذا كانت الأحاديث في هذا متعارضة فهل الأولى أن يؤخذ بما تعارض مع آيات الكتاب الكريم، أو يؤخذ بما اتفق مع آيات القرآن الكريم؟! لا أظن أحداً. في قلبه إيمان بما أنزل الله على محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول غير ما نقول، مِنْ أَنْ الأولى الأخذ بالأحاديث الصحيحة المتفقة مع آيات القرآن الكريم؛ لأنّ القرآن هو الأصل ويجب الرجوع إليه، والأحاديث قد كثر فيها الخبط واللبط (1) من قبل الرواة الذين لم يكن يتورعون عن الزيادة والنقصان، ولعل بعض أئمة الحديث قد اغتر ببعض هؤلاء الرواة كما يظهر ذلك واضحاً في روايات البخاري وغيره.
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم اللقاء
-
بحمد من الله وتوفيقه.
(1) نفس الخبط معنى ووزناً.
177 (1/177)
صفحة 178
أن المنايا الى ان المو الا اول مالي الأمين
سورة النحل - الآية 125 (1/178)
صفحة 179
اللقاء التاسع
المحاور: طلاب مركز الإمام الخليلي بولاية بهلا
الموضوع: الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية التأريخ: 7 جمادى الأولى 1423 هـ / 18 يونيو 2002 م
لقاءات (1/179)
صفحة 180
180
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور: أولاً: تعلمون سماحتكم ما للعقيدة الصحيحة من أهمية عظمى في تسيير هذه الحياة نحو مقصد أسمى، فالعقيدة هي صلب فكر الإنسان، بل هي كل فكره؛ لأنها ذلك المحرك الدفاق لسلوك الإنسان الإيجابي وتصرفاته الفعالة في حياته. وما فتئ المصلحون من هذه الأمة يذودون عن حماها ويبذلون الغالي والنفيس لدحض الاعتقادات الفاسدة، ومن هؤلاء أصحابنا - رضوان الله تعالى عنهم، ولقد بذلوا في ذلك زخماً هائلاً من الجهد، ومن فرسانهم في هذا الزمان سماحة شيخنا العلّامة الخليلي فنرجو من سماحتكم تسليط الضوء على هذا الدور الإصلاحي من جانب علماء المذهب.
بسم
الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة
،
من
الله وبركاته، وإني أعتذر إليكم مما قيل فيَّ وهو بعيد عني ولستُ بأهل له، فأنا لستُ فرسان هذا الأمر، ولستُ منه في قبيل ولا دبير، ولكن لعلها عين الرضى كما يقول الشاعر: فعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تُبدي المساويا وأسأل الله العفو والصفح والمغفرة، وأن يتجاوز عن خطايانا جميعاً، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه من صالح العمل وصادق القول وخالص النية لوجه الله - تبارك وتعالى -. ولا ريب أن المعتقد الصحيح هو المعتقد الذي يتفق مع صحيح النقل وسليم العقل، فإن الله - تبارك وتعالى ـ وهب الإنسان نوراً يميز به بين الحقيقة والوهم وبين النافع والضار في كثير من الأمور، ويستطيع به أن يفهم المقاصد وأن يدرك الأبعاد للألفاظ التي يخاطب ا، وهو نور العقل الهادي إلى مهيع الرشد، وعزز ذلك بما أنزل على النبيين من كتب تتلى من أجل هداية الخلق، وقد أنزل على نبينا هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه
بها،
الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو في منتهى الفصاحة وفي ذروة البلاغة، لا تحوم حوله شبهة، وفي القرآن آيات محكمات هنّ أُم الكتاب وفيه آيات متشابهات، فأما الآيات المحكمات فهي المرجع بحيث يجب أن ترد إليها المتشابهات؛ لأن الذي يتبع المتشابه هو زائغ عن طريق الحق، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا نَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، وقد يتوصل الإنسان إلى التمييز بين
ے (1/180)
صفحة 181
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
المتشابه والمحكم من عقله الذي منحه الله الا الله، بحيث يستطيع أن يصرف بموجب نوره الألفاظ التي جاءت من عند الله، فيتبيّن ما هو المقصود بها وما هي الغاية المرجوة مما يعرض منها من المعاني على هذه الأذهان، فنجد أن القرآن الكريم جاء بالعبارات الكثيرة التي لا بد من النظر فيها من أجل المقارنة بين معانيها ليتوصل الإنسان إلى حقيقتها وأبعادها، لا لِيَتية في متاهات تبعد به كل البعد عن هدايتها ونورها، فلو جئنا مثلاً إلى قول الله - تبارك وتعالى - خطابا لنبيه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: 17]، نجد أن في أول هذا الخطاب نفي الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي وسطه إسناده إليه، وفي آخره إسناده إلى الله الله، فما المراد بقوله (وَمَا رَمَيْتَ؟ حيث نُفِيَ الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {إِذْ رَميتَ فأثبت الرمي له - صلوات الله وسلامه عليه ـ، وقال في آخره: وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) فاسند الرمي إلى الله بأداة القصر التي تفيد أنه هو وحده الذي رمى دون غيره، فما المراد بهذا كله؟
وتعالى
إذا أمعنا النظر واستر شدنا بالعقل نستطيع أن نتبيّن الحقيقة وأن المراد بقوله: {وَمَا رميت ما سددت الرمي، فالإنسان يفعل ما يفعل ولكن لا يستطيع أن يسدد فعله فإن الله - تعالى - هو وحده الذي يسدد أفعال العباد: على العبد أن يسعى ويبذل جهده
ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
فإذن معنى قوله: {إِذْ رَمَيْتَ: إذ وقع منك الرمي حقيقة، فقد وقع منه، ولكن لم يقع منه التسديد، ومعنى قوله: {وَلَكر اللَّهَ رَمَى أنه هو الذي سدد رميه عليه الصلاة والسلام، فإذن نتبيّن من طريق الفهم الصحيح الذي جاء من العقل السليم أن الإنسان لو فعل ما فعل لا يستطيع أن يسدد فعله حتى يؤتي ثماره المرجوة، وإنما الله الله هو الذي وغاية ما يقدر عليه الإنسان أن يعدّ العدّة ويأخذ بالأسباب ويتوكل مع الله تعالى ليقضي في أمره ما يريد؛ لأنه يصرف الوجود كله بحسب إرادته ومشيئته.
يسدده
ذلك على
ثم إننا نجد في كتاب الله له كثيراً من العبارات التي ظاهرها بحسب معاني كلماتها تدلّ على أمور بعيدة لا تتفق مع براهين العقل ولا نصوص الشرع، ولكن يستطيع الإنسان من خلال القرائن المختلفة - من بينها دلالة العقل - أن يتبيّن ما هو القصد منها، مثال ذلك: أن الله - تبارك وتعالى - يقول في المسيح: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ} [النساء: 171]، 171]،
:
181 (1/181)
صفحة 182
182
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فإنه من المعلوم أن المسيح ليس كلمة مركبة من حروف ملفوظة أو مكتوبة وإنما هو إنسان كسائر البشر خُلق وحَمَلَتْهُ أمه ووضعته، وفيه طباع البشر والأعضاء البشرية المعهودة في أجساد البشر جميعاً، وإنما المراد بكونه كلمة وأنه روح من الله هو أنه خُلق بكلمة «كن» ولم يخلق بحسب النواميس الطبيعية التي جعل الله تعالى سُنَّة الخلق قائمة عليها، فهو لم يولد بتلاقح حيوان منوي من ذكر وبيضة من أنثى، وإنما كان خلقه بكلمة كن وبنفخة من جبريل أرسله الله الا الله إلى مريم فكان بذلك سرًّا من أسرار غيب الله - تعالى -، والسر يُعَبَّرُ عنه بالروح، فهذا هو المقصود من وصفه بأنه كلمة من الله منه. وروح
الذي
وار رو وو دو
وقد وجد من المسلمين من تسكّع في الضلالة وهام في أوديتها السحيقة وبعد كل البعد عن الحقيقة، إذ استمسك بالقشور وأعرض عن اللباب، وأخذ بالظواهر وترك الحقائق، فأولئك لا يختلفون عن النصارى الذين احتجوا بقوله الا الله في المسيح: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَيْهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ} [النساء: 171]، لإثبات ما يزعمون فيه من الإفك، ولذلك جاءوا إلى النبي الله ليناظروه في المسيح وطبيعته محتجين بما وصف به في القرآن. فما أشبه الليلة بالبارحة فإن الذين أخذوا بالظواهر فيما جاء من وصف الله تعالى في القرآن والسُّنَّة لا يختلفون عن هؤلاء؛ فكم في كتاب الله الا الله وفي سُنَّة نبيه كلمات متشابهة لو حملت على ظاهرها - كما يحرص أولئك الذين يأخذون القشور ويتركون اللباب - لأدّى ذلك إلى تناقض معانيه واضطراب مفاهيمه حتى لا يكون بينها اي انسجام، فانظر مثلاً إلى قول الله - تعالى -: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فإن حمل الآية على ظاهرها وترك تأويلها يؤدي إلى معنى ينقض التوحيد من أساسه، وهو أن يكون الله الله يفنى كغيره من الأشياء ويبقى وجهه وحده، وإنما ذلك حسبما يتصورن من أنه - تبارك وتعالى - مجزأ، وأنه يتكون من أعضاء، فهو على ذلك يكون فانياً أجزائه بجميع التي أثبتوها له من اليدين والرجلين والجنب وغير ذلك مما قالوه فيه، وإنما يبقى الوجه وحده، وهذا أمرٌ يؤدي إلى نقض عقيدة التوحيد من أساسها بما يقتضيه من كون الله - تبارك وتعالى - يهلك مع الهالكين ولا يبقى إلا وجهه تعالى الله عن ذلك. وكذلك قوله: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115]، فإن حمله على ظاهره وترك تأوله بحسب براهين العقل ونصوص الشرع يؤدي إلى أن يكون وجه الله - تعالى الله - (1/182)
صفحة 183
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
متدلياً من عرشه؛ لأنهم يحصرون الذات العلية في العرش فيكون كالخرطوم النازل إلى الأرض حتى لو ولى الإنسان إلى أي جهة من جهات الأرض لوجد هذا الوجه هنالك، هذا ما يؤدي إليه الانحباس في مضايق الألفاظ وعدم تسريح الأفكار لتجول في فضاء المعاني
حتى تستقر على حقيقة ما يراد.
ونحو ذلك ما لو حمل على ظاهره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إذ لا يعدو ظاهره أن يكون معناه أن المتنفل المحبوب عند الله يتحول سمعه وبصره ويده ورجله إلى حقيقة الذات الإلهية فيكون عابداً لأعضائه.
ومثله ما يحكيه عليه الصلاة والسلام عن ربه و أنه قال: «من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت إليه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ... إلخ، فإنه لا يخفى على عاقل أن ظاهره مستحيل فيستحيل أن يكون هو المراد منه، ويتبيّن من هذا بأن هذا ونحوه لا يعدو أن يكون تمثيلاً لتقرب العبد إلى الله بالأعمال وتقريب الله تعالى له بالقبول ورفع الدرجات.
ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء يعولون على الروايات الأحادية في القضايا العقدية، وهذه الروايات منها الصحيح ومنها غير الصحيح، والرواية الأحادية وإن صحت من حيث السند فإنها ظنية من حيث الثبوت؛ لأن ثبوتها ظني، ذلك لأن صحتها لا تعدو أن تكون ظنّاً وليست يقيناً لما يعروها من احتمالات متعددة ولو جاءت من طرق الثقات فإن الثقة يعروه النسيان والذهول والوهم، فما لم يكن ثابتاً بالتواتر القطعي لا تعدو أن تكون صحته ظنّية ولذلك كانت دلالته أيضاً دلالة ظنية، ولذلك رد بعض الصحابة روايات جاءت من طرق صحابة ثقات من غير أن يتهموهم بكذب قط، وإنما نظروا إلى احتمال اللبس والوهم والذهول والنسيان، ومع هذا فإن هؤلاء يأخذون بهذه الروايات الأحادية ويجعلونها عين الدين ويقطعون بها في أمر الاعتقاد مع عدم حملها على المحمل الصحيح الذي يتفق مع براهين العقل ونصوص الشرع القاضية باستحالة مشابهة الله تعالى لخلقه، فتراهم يعولون على الظواهر ولا يكلفون أنفسهم مؤونة النظر في المعنى المراد.
183 (1/183)
صفحة 184
184
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومن ذلك أنهم أثبتوا لله تعالى الحركة والانتقال من مكان إلى آخر فقالوا بأنه ينزل بذاته آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً تعويلاً على ما جاء في الروايات عنه أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».
مع أن حمل هذا الكلام على ظاهره وإثبات نزول حقيقي لذات الله سبحانه آخر كل ليلة منذ بداية الثلث الأخير منه إلى سماء الدنيا لا يؤدي إلى التناقض مع العقل والشرع من حيث دلالتهما على تنزيهه تعالى عن الحد والحيز والحركة والانتقال فحسب بل يؤدي مع ذلك إلى التناقض مع حقائق الوجود ونظام الكون التي أصبحت من البدهيات المسلمة عند الجميع، فإن الثلث الأخير من الليل في الأرض ليس هو جزءًا بعينه من الوقت لا يتقدم ولا يتأخر في أي جزء من الأرض، وإنما الليل والنهار يلفان الكرة الأرضية ويتعاقبان على كل جزء من الأرض، فهذا الوقت الذي نحن فيه هو من الثلث الأول من الليل، وهو بالنسبة إلى قوم الثلث الأخير من الليل، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الأول من النهار، وبالنسبة إلى آخرين هو الثلث الوسط من النهار، وبالنسبة إلى غيرهم هو الثلث الأخير من النهار، فإن أي جزء من الليل أو النهار لا تخلو جميع الأرض، إذ جميع أجزائهما تتعاقب عليها فيكون لكل جزء من الأرض جزء منها بحسب موقعه ثم ينتقل عنه إلى ما بعده، فإن حمل الحديث على ظاهره، فهل معنى ذلك أنه يبقى الا الله باستمرار متحركاً بين سماء الدنيا والعرش؟! بحيث لا يبقى في العرش إلا وهو ينزل فيها إلى سماء الدنيا لأنه وصل الثلث الأخير من الليل عند قوم؟!
منه
لحظة
إن العقل السليم والفهم الواعي لا يمكنهما تقبل مثل هذا الأمر؛ لأنه يؤدي إلى التصادم مع الواقع، ويؤدي إلى تكذيب الدين وَرَدِّهِ إن بنيت عقيدته على ذلك كما وقع ذلك للنصارى، فإنهم عندما أوجدوا ما يسمى عندهم بالجغرافيا المسيحية، وفسّروا الكون بحسب مضامينها، وجاء اكتشاف الحقائق الكونية من خلال الدراسات العلمية؛ وقع التصادم بين العلم والمعتقد الكنسي، وأدى ذلك إلى أن تنصب المشانق للعلماء، وأن تسفك دماؤهم، وأن يُحَرَّقَ بعضهم بالنار، فقد أُحرق كثير منهم لأنهم قالوا بأن الأرض كروية، وأدى ذلك إلى نفور الناس عن الدين؛ لأنهم وجدوا أن الدين لا يتفق مع الحقيقة التي وصل الناس إليها. (1/184)
صفحة 185
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
كما أدى ذلك إلى الآن يُفَسَّرُ الدين في أوروبا بأنه الشيء الذي لا يتفق مع العلم والعقل، بينما الذي نجده من الحقائق في القرآن الكريم يدلّ على أن الدين هو الأمر الذي يتفق مع دلائل العقل ودلائل العلم، فالنصوص القرآنية كلها دالّة على ذلك، سواء ما يتعلق بالذات الإلهية أو الحقائق الكونية أو المنقلب في اليوم الآخر، فنجد مثلاً عندما يقرر القرآن حقيقة هي أعظم الحقائق وأجلها، وأقدسها وهي وحدانية الله - تبارك وتعالى - في قوله عل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، يَتْبَعُ ذلك ما يدلّ على أن الكائنات بأسرها من فكّر فيها وأمعن نظره في انسجامها وترابطها ونظامها البديع الذي يجمع بين أجزائها أدّى به فكره إلى الإقرار بهذه الحقيقة وإدراكها كما دلّ عليها القرآن الكريم، فالله يقول بعد هذه الآية: إنّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]. كذلك يقول - تعالى -: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وسلم عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَوِ لَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَولَاهُ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 59 - 64].
ومعنى هذا أن الله الله عندما يبين هذه الحقيقة العظمى يرشد عباده إلى أن يستدلوا عليها بالعقل، ونجد في كتاب الله الله ما يدل على أن العقل له شأن، وأن على الإنسان أن يستهدي به، وأن لا يُلْغِيَهُ كما ألغاه أصحاب العقائد الضالة ومن بينها اصحاب العقائد النصرانية، ولذلك عندما يناقشون في معتقداتهم الباطلة يقولون بأن هذا أمر لا يمكن أن يتوصل إليه الإنسان بعقله، فالعقل أعجز من أن يصل إلى الحقائق.
185 (1/185)
صفحة 186
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وهكذا شأن الذين أهملوا جانب العقل من المسلمين هم مثل هؤلاء عندما يناقشون بحسب مقتضى العقل يقولون هذه بدعة، وأنتم أهل البدعة تحاولون أن تردّوا النصوص بعقولكم المريضة، ويقال لهؤلاء بأن هذا ليس ردّاً للنصوص، وإنما هو حملٌ لها على المعنى الصحيح الذي يتفق مع العقل السليم ويتفق مع سائر النصوص الشرعية، فلا يكون بينها تناقض ولا اضطراب.
-
وأصحابنا - بحمد الله - لم - لم يُهملوا أياً من هذين الأصلين فهم لم يفرّطوا في النص، إذ لم يعولوا على العقل وحده ويهملوا جانب الشرع بحيث إذا بدا بادئ ذي بدء اختلاف بين العقل والشرع تطاولوا على الشرع بالرد والنقض، كلا وأيضاً هم لم يُهملوا جانب العقل، بل استهدوا بنوره في فهم معاني النصوص، ولذلك حملوا المتشابه على المعنى الصحيح الذي يتفق مع النقل الصحيح والعقل السليم.
الله
ومن ذلك أنهم جعلوا محكمات الآيات هي الأصل في فهم المتشابهات كما دلّ عليه القرآن في قوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) [آل عمران: 7]، إذ ليست أُمومتها كالأمومة المعهودة بحيث تكون أمومة ولادة، وإنما هي أُمومة أصالة، بحيث تُردّ الآيات المتشابهات إليها؛ لأن الآيات المحكمات هي الأصل لهذه الآيات المتشابهات، فيجب أن يُؤخذ بالآيات المحكمات وأن تفسر الآيات المتشابهات بما يتفق معها، فلذلك كان موقف الأصحاب - رحمهم تعالى - موقفاً سليماً، وذلك لم ينحصر فيما اصطلح عليه الجميع بأنه متشابه أو أنه محكم، فهناك أشياء وقع فيها الخلاف ما هو المحكم منها وما هو المتشابه؟ وإنما استهدى أصحابنا - رحمهم الله - بالأدلة القطعية من النصوص وأدلة العقل على ما تمسكوا به من تنزيه الله تعالى كقضية الرؤية، فإن الأدلة التي تدلّ على استحالة رؤية الله تعالى أدلة في منتهى الوضوح والجلاء، ولكن ماحك فيها كثير من الناس وأخذوا يجادلون فيها مجادلات باطلة وتعلقوا بالمتشابهات، كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ) القيامة: 22، 23]، أن النظر هنا ليس بمعنى الرؤية، إذ النظر لا يُفَسَّرُ في كل موقف بالرؤية، يُقال: نظرتُ الهلال ولم أرَه، ولا يجوز أن يقول قائل: رأيت الهلال ولم أره؛ لأن في ذلك من التناقض ما لا يخفى، والنظر له معانٍ، فهو يأتي بمعنى الرؤية أحياناً، ويأتي بمعنى الانتظار، ويأتي بمعنى محاولة الرؤية كما هو معهود، ويأتي بمعنى الرحمة كقوله
مع
186 (1/186)
صفحة 187
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
هنا
تعالى: {وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77]، أي لا يرحمهم يوم القيامة، فلو كان النظر هنا بمعنى الرؤية لا بمعنى آخر للزم أن يكون الله الا الله لا يرى أولئك الذين توعدهم يوم القيامة تعالى الله عن ذلك، وهو في قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بمعنى منتظرة لرحمته ودخول جنته، وهذا ما دلّت عليه القرائن، إذ السياق قاض بذلك، والأصل فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ) [الأنعام: 103]، فالإدراك لا يمكن ان يُفسَّرَ أنه بمعنى الإحاطة في كل موقف، وإنما إدراك كل شيء بحسبه، والحواس تُدرك بحسب ما أوتيت من الطبع، فإدراك الذوق إنما هو بمعنى التمييز بين المذاقات، وإدراك اللمس إنما هو التمييز ما بين الملموسات وإدراك العين إنما هو بمعنى وقوع بصرها على الشيء المرئي، وإدراك الأذن بمعنى سماعها، وهكذا كل شيء إدراكه إنما هو بحسبه. ومن العجيب أن نجد كبار العلماء المحققين من هؤلاء قد يصل الأمر إلى المجادلة التي يحار منها العقل، مثال ذلك ما نجده للفخر الرازي في تفسير قول الله - تبارك وتعالى -: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ} [الأنعام: 103]، حيث حاول أن يجعل من الآية دليلاً قطعياً على أن رؤية الله - تبارك وتعالى - سَتَقَعُ بلا شك، فقال بأن هذه الآية هي قطعية الدلالة على ثبوت رؤية الله، تبارك وتعالى. ولننظر أولاً في تأصيلات الفخر فيما يتعلق بالألفاظ، فإن من تأصيلاته: أن دلالة الألفاظ كيفما هي دلالة ظنية، فليس هناك لفظ دلالته قطعية، لأن فهم مقاصد الألفاظ يتوقف على النقول، وهي أحادية ولذلك كانت دلالتها ظنية، وما توقف على الظني فهو ظني مثله - هكذا يقول - في حين أنه يقول: بأن قول الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ هو تمدح منه - تبارك وتعالى - بنفي الإدراك والرؤية عنه.
بهم
كانت
وإذا كان ذلك تمدحاً منه عمل بنفيهما عنه فعلينا أن ندرك بأن الله تعالى لا يتمدح بشيء
عدمي،
ود
وإنما يتمدح بأمر واقع، وعلى هذا فإن هذا التمدح منه - تعالى - بهذا النفي دليل على إمكان ما تمدح به، وإذا كان ذلك ممكناً فلننظر إلى قول الناس في قضية رؤيته تعالى نجدهم بين من يقول بإمكان الرؤية ووقوعها، ومن يقول باستحالتها وعدم وقوعها، ولم يوجد فريق ثالث يقول بإمكانها وعدم وقوعها، ولما كان الأمر كذلك فعلينا أن نقطع بأن الرؤية ممكنة، وإذا كانت ممكنة قطعاً فهي واقعة قطعاً؛ لأنه لم يُوجد أحد يقول بإمكانها وعدم وقوعها.
187 (1/187)
صفحة 188
188
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ويعجب الإنسان أن يصدر مثل هذا الجدل العقيم من الفخر الرازي مع رسوخ قدمه في
ووو
ردو
العلم وعمق إدراكه في الفهم فإنه يقتضي أن يكون قول الله - تعالى -: {وَلَا تَأْخُذُهُ ة سنة
حسب
وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] قطعي الدلالة بأن الله تعالى تأخذه سنة ونوم، وأن تكون دلالته على انتفاء السِنَة والنوم دلالة ظنّية التأصيل الذي أصله، وكذلك قول الله - تبارك وتعالى -: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4] يلزم {منه أن يكون قطعي الدلالة على أن الله تعالى يلد ويولد وأن له كفؤا، وأن تكون دلالة هذه الآيات على انتفاء الولد والوالد عنه وانتفاء الكفء عنه دلالة ظنية، وهكذا.
: _
ومثل ذلك يقال في قوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وفي قول الله - سبحانه مَا اتَّخَذَ صَحِبَةُ وَلَا وَلَدًا} [الجن:] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ونحن نجد الأصحاب - والحمد لله - أخذوا بالأصل السليم، ومن تجرد وأمعن فيه فكره وجده أنه هو الذي يتفق مع صريح العقل وصحيح النقل، والله تعالى أعلم.
المحاور: إن الفقه في دين الله تعالى من أسمى المطالب وأغلى المكاسب؛ لأن إحسان العبادة مرهون به، وسلامة الدنيا والآخرة معقودة عليه، وقد أولى الراسخون في العلم هذا الجانب من العلوم معظم عنايتهم، وقد كان القدح المعلى في هذا العلم الجليل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابته الكرام - رضوان الله تعالى عليهم.، وقد كانوا مهيئين لأن يكونوا حملة الرسالة إلى أُمتهم، فاستطاعوا قيادة العالم إلى طريق الحق، وأن يحكموه بما عندهم من الفقه الواسع حكماً ربانياً. ومع توالي الأيام والسنين أخذت دائرة الفقه تتسع باتساع القضايا التي يفرضها احتكاك الناس بعضهم ببعض، وتسارع حركة الحياة نحو التطور والنمو، إذ استجدت الكثير من القضايا التي تواجه المجتمع المسلم، فكان الفقه في هذه القضايا مُهمّاً جداً وخاصة في هذا العصر، فلو تبينون لنا سماحتكم أهمية الفقه في حياة المسلم المعاصر؟
الفقه في الدين ضرورة من ضرورات الحياة؛ لأن هذه الحياة هي منحة من الله - تبارك وتعالى -، وهي ليست حياة جزاء، وإنما هي حياة امتحان، فالإنسان في هذه الحياة، وهو في هذه الأرض خليفة استخلفه الله الله فيها لينظر ماذا (1/188)
صفحة 189
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
يعمل. ومعنى ذلك أن منهاج هذا الإنسان يجب أن يكون مقيّداً بشرعة الله تعالى، وأن لا يتصادم قط مع شيء من أوامر الله الله، والحياة البشرية حياة متطورة كما هو معهود، سُنَّة الحياة هكذا منذ وجدت فهي تجري وسفينة التطور تعبر محيطها إلى الأمام، ولم تَرْسُ أبداً في وقت من الأوقات، ولن ترسو إلى أن يصل ميقات رسوها عندما يرث الله - تبارك وتعالى - الأرض وما عليها.
فإن
وإذا كانت هذه التطورات كانت تسير عبر القرون السابقة سيراً يتلاءم مع وضعية تلكم القرون، فإنها في عصرنا هذا تسير سيراً حثيثاً، فإذا كانت تقاس في الأيام الماضية بالحركة المعهودة عند البشر، وهي حركة الانتقال على الأقدام أو حركة ركوب الدواب والسير عليها أو الركوب على أرماث البحر والانتقال بها من مكان إلى مكان، فإنها في وقتنا هذا تقاس بسرعة الضوء، فنحن نجد أن الرسالة عبر القرون الخالية كانت تتلقفها الأيدي، وتسير بها الركبان حتى تصل إلى غايتها بعد آماد طويلة، ولكن الرسالة اليوم عبر ما يسمى بالبريد الإلكتروني تصل في نفس اللحظة من شتى بقاع الأرض إلى حيث يُرَادُ لها أن تصل في أي بقعة من بقاعها، فهي تصل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أقصى الغرب إلى أقصى
الشرق بهذه السرعة المذهلة وهكذا سُنَّة الحياة أصبحت تتطور الآن هذا التطور المذهل.
الأمة
والمسلمون إن لم يصاحبوا هذا التطور بالتنافس في ميدانه حتى يحوزوا فيه قصبات السبق، ويتقدّموا الأمم، ويأخذوا بزمام قافلتها، ويكونوا هم الربان الماهر لسفينة هذه الأمم؛ فإنهم سيصبحون متخلفين، وكذلك عندما يكونون غير قادرين على استيعاب هذه التطورات من حيث إعطاء الحلول لمشكلاتها المستجدة؛ فإن أُمتهم ستكون مفتقرة إلى الحلول الأخرى التي تفرزها تلكم العقول المظلمة الخاوية من الروح ومن القيم الدينية، وهذا يعني انتكاسة خطيرة في عالم هذه الإسلامية كما وقعت هذه الانتكاسة الخطيرة في عالم الأمم المتحضرة بسبب فقدانها الحل الصحيح الذي هو من عند الله الله، لذلك كانت ضرورة توفير القدرة على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية من أجل أن يُنزل كل شيء منزله، ومن أجل أن يُبوّأ كل ما يحدث مبوّأه من الحكم الصحيح. فالله - تعالى - أنزل كتابه فيه تبيان كل شيء، لكن لا عن طريق النص على كل حادثة، وإنما ذلك عن طريق الأصول والقواعد التي يمكن أن يرجع إليها، وجاءت السُّنَّة النبوية
189 (1/189)
صفحة 190
190
لقاعات
في الفكر و الدعوة
- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - مُفَصَّلَةً للكثير الكثير من مجملات الكتاب العزيز، وجاءت أيضاً بالكثير من القواعد التي يمكن أن ترد إليها جزئيات القضايا التي لم ينص عليها، فمن هنا كانت ضرورة الفهم الصحيح للكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية؛ حتى تكون هذه الحلول نابعة من هذه الأصول والقواعد التي اشتمل عليها الكتاب واشتملت عليها السنة ليستهدي الناس بهدي الكتاب العزيز وبنور السُّنَّة النبوية.
إن على شباب المسلمين المعنيين بدراسة العلوم الشرعية أن يكونوا حريصين على فهم عصرهم، واستيعاب مشكلاته، ومسايرة الركب الحضاري من حيث الفهم الدقيق لمعطيات هذه الحضارة، ولا أعني بهذه المسايرة أن يسلسوا القياد لكل ما تفرزه هذه الحضارة، فإن ذلك غير مطلوب، وإنما المطلوب أن يكونوا ممسكين بزمام الحضارة، يسايرونها في تقدمها السريع مع كونهم هم الذين يصرفونها إلى الخير، وذلك بإعطائهم الحلول الموافقة لشرع الله - تبارك وتعالى ـ في كل قضية من القضايا المستجدة بتأثير الإفراز الحضاري والله تعالى الموفق.
المحاور: كانت المدرسة الإباضية وعلى رأسها الإمام جابر بن زيد وتلميذه من بعد الإمام أبو عبيدة متميزة بجمعها بين الرواية والدراية فلم تُفْرِطُ في جانب على حساب الجانب الآخر، وكان كل من الإمامين يجمع بين اجتهاد الفقيه الراسخ في العلم وسياسة القائد المحنك مما كان لهما أثر كبير في تصحيح اتجاه الأمة، نرجو سماحتكم أن تحدثونا عن دور هذين الإمامين في تصحيح مسير الأمة.
-
إن الإمام أبا الشعثاء رحمه الله عنه ـ ولد في عهد الخلافة الراشدة، ورضي ولكنه بعدما بلغ مبلغ العطاء العلمي كانت الخلافة قد انتهى أمدها وحلّ بالأُمة نظام ملك عضوض، فيه حرص على أن تكون الحياة كلها تدور حول شخص واحد هو قطب رحاها، وهو من يسمى عندهم بالخليفة، فقد فُقدت قيمة الإنسان التي جاء بها القرآن وجاءت بها السُّنَّة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ من أجل الارتفاع بهذا الإنسان من الدركات الهابطة إلى الذرى الرفيعة ليكون عبداً خاضعاً الله الله، وبين الناس إنساناً صالحاً، وفيما بين الكائنات سيداً مُطاعاً، سُلِبَ هذا الإنسان حقه هذا، (1/190)
صفحة 191
الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
وأصبح لا يملك من الحق شيئاً إلا أن يقول سمعنا وأطعنا، فوضعت الروايات الكثيرة من قبل أولئك الذين يتزلفون إلى المتحكمين في أمور الناس حتى تكون الشرعية مضفاة على كل ما يأتونه، فقالوا: بأنه تجب الطاعة والامتثال لمن تسلّط ولو أكل مالك وضرب ظهرك. وكان كثير من الناس الذين حملوا الفقه رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواق دعاية لذلك النظام المتسلط آنذاك في مقابل أن يعيشوا على فتات العيش المتساقط من أيدي أولئك
الظلمة.
ولكن الله - تعالى - يهيئ في كل وقت من يسوس الناس بسياسة الإسلام ويبين لهم معالم الحقيقة؛ لئلا تضل عقول جميع الناس، وكان من بين هؤلاء في ذلك العصر الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد مع وجود كثير من الناس الذين كانوا متنورين حقاً وكانوا يقفون في وجوه الظلمة من أمثال الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهم من الذين وقفوا في وجوه الظلمة وقالوا لهم كلمة «لا»، وإنما تميز الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بأنه على تكوين جماعة تحمل هذا الفكر، وتسير في هذا النهج، وتجمع ما بين الجانب الديني والجانب السياسي، كانت هذه الجماعة هي جماعة أهل الحق والاستقامة.
حرص
وقد خلفه فيما بعد في قيادة هذه الجماعة تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه -، فكان نعم القائد المحنك الذي جمع بين الفقه في الدين والبعد السياسي والنظام الدقيق الذي نشأ عنه تخطيط عميق لسير هذه الدعوة في وسط تلكم الأعاصير الهوجاء، ومع ما أصيب به من إيداعه السجن والتنكيل به خرج من ذلك السجن بعزيمة الرجل المؤمن الموصول بالله - تبارك وتعالى ـ، فحمل الراية بصدق وأمانة، وبقوة وجدارة وكان يقظاً يتابع ما يجري في هذا العالم، ويرسل الدعاة إلى أرجاء الأرض مع الاستفادة من الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالمجتمعات التي يحاول إصلاحها، وبذلك شاء الله - تعالى - أن يكتب له النجاح.
مع
ونحن علينا أن نتعلم من هذا القائد المحنك حرصه على تتبع ما يجري في آفاق الأرض. م أن العصر في ذلك الوقت - كما تعلمون - لم يكن بحسب ما نشاهد ونعايش في هذا العصر من توفر الوسائل - وسائل الاتصال ووسائل النقل - بحيث يمكن للإنسان أن يطلع على ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، وإنما كانت الأخبار تتناقلها الركبان، ولكن مع
191 (1/191)
صفحة 192
192
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ذلك كان يحرص على جمع المعلومات وتحليلها ودراستها ووضع الخطط التي تناسب الأوضاع التي فَهِمَها من تلكم، الدراسات، فلذلك كتب الله - تبارك وتعالى - له النجاح.
والآن نحن تيسّر لنا فهم ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، والكلمة يمكن أن تصل في لحظة خروجها من لسان أحدنا إلى أقاصي الأرض، فعلى هذه الأمة أن تدرك واجبها تجاه هذا الأمر، وأن تحرص على نشر هذا الفكر الصحيح، فكر أهل الحق والاستقامة الذي يمثل حقيقة الإسلام وجوهره، من أجل انتشال الأمة من الضياع الذي سببته تراكمات الأفكار المنحرفة عن جادة الحق، ومن أجل انتشال هذه الإنسانية الضائعة وإرشادها إلى الطريق القويم لتبني حضارتها على أسس سليمة من الفهم الصحيح لكتاب الله - تعالى - وسُنَّة نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، والله تعالى الموفق.
المحاور: لقد تطرقتم سماحتكم في محاضرة إعادة صياغة الأُمة إلى المدرسة السلفية، فماذا تقصدون بها؟ وما تأثيرها على الأمة؟ وهل هي المدرسة الأثرية؟
هم
واقعون
هذا مصطلح انتشر بين الناس، وأصله أن أصحاب هذه المدرسة أطلقوا على أنفسهم اسم السلفيين ليوهموا الناس على أنهم على نهج السلف الصالح، وإنما أرادوا بهذه الدعاية - في فترة انتشار دعوتهم وظهور سلطانهم وقوة آلتهم لنشر فكرهم - أن يضفوا على أنفسهم هذا الوصف البراق حتى يبعدوا أنفسهم عن تهمة ما فيه، ويبعدوا الناس عن تصور حقيقة أمرهم، وإلا فهم سُمُّوا من أول الأمر بالحَشَوية، والحشوية نسبة إلى الحشا؛ لأن الحسن البصري عندما أبعدهم من مجلسه قال: أخرجوهم إلى حشا المجلس، أو لأنهم لا يأخذون إلا بالحشو ويدعون الحقيقة، فهذه المدرسة بعيدة عن الفهم الصحيح للقرآن، لأنها تأخذ بالمتشابه وتدع المحكم، أما إن قيل بأن هنالك مدرسة سلفية صحيحة فهي مدرسة أهل الحق التي استفادت حقاً من السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و من التابعين لهم بإحسان، واستمسكت تمام الاستمساك بكتاب الله وبسُنَّة رسوله.
ولكن نحن لا نريد أن نسمي أنفسنا بذلك حتى لا يلتبس الأمر ويظن الناس أننا أتباع لأولئك الحشوية، والله تعالى الموفق. (1/192)
صفحة 193
اللقاء العاشر
المحاور: صحيفة الوسط (العدد الرابع)
الموضوع: بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
التأريخ: جمادى الأولى 1418 هـ
لقاءات (1/193)
صفحة 194
واعصموا
بحبل الله
سورة آل عمران - ا عمران - الآية 103 (1/194)
صفحة 195
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
عنوان اللقاء:
ضمن لقاءات الوسط مع كبار علماء العالم الإسلامي)
مفتي سلطنة عُمان الشيخ الخليلي:
سلامة القلوب ووجود الاحتكاك وترك التعصب أهم وسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية.
التعصب المذهبي والظروف السياسية هي وراء الجهل بالمذهب الإباضي.
مقدمة المذهب الإباضي أحد المذاهب الإسلامية الثمانية المعتبرة، وهو من المذاهب التي لها شخصيتها وأصولها وأئمتها كسائر المذاهب الأخرى، على أن من المثقفين المسلمين من يجهل به ويكتفي بمجرد السماع بوجوده، فلهذا وغيره تعريفاً بالمذهب الإباضي، وتقريباً لوجهات النظر بين المذاهب الإسلامية، واستثماراً لوجود أحد كبار علماء الإباضية بيننا، رأت الوسط الالتقاء بفضيلة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عُمان، فكان هذا اللقاء.
الخليلي،
تعريف بالشيخ أحمد الخليلي: هو الشيخ العلّامة أحمد بن حمد بن سليمان ب، ولد في زنجبار عام 1942 م، وطلب العلم على كبار علماء عُمان، وقد عُيِّن مدرساً للفقه واللغة لمدة سبع سنوات في مسجد الخور في مسقط، ثم عُيّن مديراً للشؤون الإسلامية بوزارة العدل العُمانية، ثم عين مفتياً لعُمان وما يزال، وهو عصامي تعلم على كبار العلماء، ولم يتحصل على أية شهادة أكاديمية، وله مؤلفات عديدة، منها: جواهر التفسير، صدر منه ثلاثة أجزاء، والحق الدامغ في العقيدة، وسلسلة كتب في العقيدة وعوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية والعبادة وأثرها في حياة المسلم، هذا إضافة
إلى أنه - حفظه الله - خطيب بليغ، وموسوعي الاطلاع، وذو حافظة نادرة.
195 (1/195)
صفحة 196
196
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: الوسط: هل لكم أن تعطونا نبذة عن المذهب الإباضي، وعوامل نشأته،
وبعض أفكاره؟
الله
بسم
الرحمن الرحيم،
الحمد لله
رب العالمين، وصلى
الله
وسلم على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإنني أعتقد اعتقاداً ـ وأرجو أن أكون
-
فيه مصيباً - وهو أن هذه الأمة لا نزاع في الأصول التي تعول عليها ما دامت تؤمن بالقرآن وبعصمة نبيها ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - وتستمد منهما عقائدها وعباداتها وشرائعها؛ لأن القرآن الكريم بيّن لنا ذلك ودعانا إليه، ثم إلى جانب ذلك علينا أن نفهم أن الدين الإسلامي الواسع جاءنا بعقائد مبسطة، وجاءنا أيضاً بشريعة سمحة.
وقد جعل الإسلام الاختلاف في بعض الجزئيات التي تتعلق بالنواحي الشرعية من محاسن هذا الدين الحنيف، فإن الله الله في كتابه الكريم أخبرنا بما يُطمئن قلوبنا من أن الاختلاف عندما يكون اجتهاداً خالصاً لوجهه يؤجر عليه الجميع، وذلك عندما قال سبحانه: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5]، وكذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر المسلمين أن يصلوا العصر في بني قريظة، وبينما كان الصحابة في الطريق أدركتهم صلاة العصر، فانقسموا إلى قسمين، منهم من أخذ بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا حرج علينا في تأخير الصلاة عن ميقاتها، لأنه أمر من النبي - عليه الصلاة والسلام -، ومنهم من قال: لا، بل المراد بذلك أن نتعجل السير وعلينا أن نصلّي الصلاة في ميقاتها.
وقد أقرّ النبي - عليه الصلاة والسلام - هؤلاء وهؤلاء على اجتهادهم، وهكذا كانت هذه الأُمة في بداية أمرها، أُمة متسامحة مهما وقع الاختلاف بين علمائها، ثم نجمت مشكلة في هذه الأمة، مشكلة الخلافة، وحصل ما حصل بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ من الاختلاف، منذ نقل الله سبحانه رسوله إلى جواره الكريم - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم -، ولكن أذعن الجميع فيما بعد للطريقة التي اتفق عليها
المسلمون.
هي
والخلفاء الراشدون الذين أمرنا الرسول الله بأن نسير على هديهم، وأن نستن بسنتهم، كانت طريقة اختيار كل واحد منهم هي الطريقة المثلى التي تجمع ولا تشتت وتؤلف ولا (1/196)
صفحة 197
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
تنفر، وهي الشورى الجماعية بين المسلمين، كما أرشدنا الله - تبارك وتعالى - إلى ذلك في قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، ثم حصل ما حصل من خروج بعض المسلمين على الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب - كرّم الله وجهه ـ، ثم كانت قضية التحكيم، وقد كان لأسلاف الإباضية موقف من هذا الحدث الخطير، وذلك أنهم رأوه تنازلاً من خليفة شرعي عن حق شرعي، فلم يسوغوه.
وعندما آل الأمر إلى الدولة الأموية انقلبت الأوضاع عما كانت عليه من قبل بحيث صار الخليفة هو الذي يعيّن من يحكم من بعده، وكان كل واحد يعيّن أقرب الناس إليه، فاعتبر كثير من الناس ومن بينهم (الإباضية) أن هذا الأمر هو خروج عن المنهج الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نتبعه، ورأوا أن أمر الخلافة هو أكبر وأعظم وأجلّ من أن يفقد أهم أركانه وهو الشورى؛ لأنه أمر يعني الأمة بأسرها، والأمة بأسرها مطالبة بأن تحافظ على حرمات الله، وأن تقوم بشريعة الله، وأن تقيم موازين القسط في هذه الأرض، وهي مسؤولة كلها عن ذلك، فلو عادت الخلافة إلى فرد يتحكم فيها أو إلى أسرة تتحكم فيها بحسب ما تريد؛ فإن ذلك يؤدي إلى نقض عرى هذا الدين عروة عروة، وفعلاً حصل ما حصل حتى قال أحد الخلفاء: «من قال برأسه هكذا قلنا له بالسيف هكذا، وفي هذا إسكات للألسن أن تقول كلمة الحق، بخلاف ما كان الأمر عليه في عهد الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الله تعالى عنه ـ قال على الملأ: «أيها الناس إذا رأيتم في أعوجاجاً فقوموه». فقال له أحد الناس: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا»، ولم يكن هذا الردّ داعياً إلى أن يتبرم أمير المؤمنين ممن صدر منه، أو أن يتأذى منه، أو أن يعدّه تعدياً على السلطة، أو تمرداً عليها، وإنما عدَّ ذلك من محامد الأمة حتى حمد الله أن جعل في هذه
الخطاب - رضي
الأمة
من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه.
على
وهذا دليل على أن المنهج الذي اجتمع عليه الخلفاء الراشدون - رضوان الله عليهم - كان منهجاً واضحاً لا غبار عليه، ومستقيماً لا اعوجاج فيه، وأن الأمور ساءت فيما بعد، وكانت هذه الفترة بما فيها من أحداث مخاضاً لأفكار متعددة في الأمة حتى تبلور الفكر الذي سمي فيما بعد بالمذهب الإباضي، وذلك في الحركة التي قام بها بعض الناس الذين كان لهم اتصال بالمحكمة الأولى، ومن بين هؤلاء: عبد الله بن إباض الذي تولى مسؤولية الدفاع عن المستمسكين بالمنهج الذي كان عليه الخلفاء الراشدون وكانوا امتداداً للمحكمة
197 (1/197)
صفحة 198
198
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فلذلك
الأولى، ومع هذا لا يعدّ هذا القائد الإباضيون إماماً لهم يعول على آرائه في الشريعة كما هو شأن سائر أئمة المذاهب الإسلامية، الذين كان لهم فقه مدوّن، وكانت لهم آراء محفوظة، واجتهادات معلومة، وإنما كان عبد ناطقاً الله بن إباض باسم هذه الجماعة نسبت إليه، فاشتهرت فيما بعد بلقب الإباضية، ولهذا لا تجد في كتب الفقه مسألة واحدة تنسب إليه قط، لا في فقه الإباضية ولا فقه غيرهم، وإنما كان هو الواجهة، وكان متكلماً باسم الجماعة، والممثل لها لدى السلطة، ولبروز هذا الرجل نَسَبَ الناسُ هذه الجماعة - وهي الإباضية - إليه وإلا فإن المنظر الحقيقي لهذا المذهب هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، وهو من أكبر تلامذة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ما.
وقد كان الإمام جابر يعالج القضايا بسرية وتكتم، ويهيئ الجماعة التي تقوم بهذا الأمر، وكان له في ذلك أعوان، ومن هؤلاء الأعوان من هو معدود من الصحابة، مثل: صحار بن عباس العبدي، فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن له رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جاء دور الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وهو تميمي بالولاء، وكان ذا أهلية للقيادة، وقد اجتمعت فيه المؤهلات القيادية التي تفوّق بها على أقرانه، وقد - كان مع فقره وضعفه وكونه فَقَدَ بَصَرَهُ - مؤمناً قويّاً يدير هذا الأمر في سرداب في أرض البصرة، ويفتح بصيرته على ما يجري في العالم، وكان يرسل الرسل إلى أصقاع الأرض دعاة إلى الحق، وفي ذلك الوقت كانت الفتوحات تتوالى ولكن كما ذكر صاحب (المُغْرِب في تاريخ المَغْرِب) من أن أُمية استغلوا الفرصة لإشباع شهواتهم من وراء ذلك، فكانوا يأكلون أموال الناس، ويبحثون عن الجواري، وكان قطيع من الغنم يذهب سدى تقتيلاً من أجل البحث عن جلد على لون العسل في الأجنة التي في أرحام أماتها، وعندما بلغت أبا عبيدة هذه الأخبار أرسل أحد أصحابه
وهو
بني
أنحاء
سلمة بن سعد إلى بلاد المغرب، فكان لسلمة دور كبير في نشر هذا المذهب في كثيرة من بلاد المغرب، وهو الذي قال عند وداعه لأستاذه وقائده أبي عبيدة: «وددت لو ظهر هذا الأمر يوماً واحداً في بلاد المغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي».
هكذا كان للإمام أبي عبيدة دور كبير في نشر هذا الفكر النيّر والفقه الواسع اللذين تبلورا في هذا المذهب سواء في بلاد المغرب أو في بلاد المشرق، وقد وصل أصحابه إلى خراسان، ومنهم من كان في أرض العراق، ومنهم من كان في أرض اليمن، ومنهم من كان في عُمان، ومنهم من وصل إلى مصر، ومنهم من وصل إلى المغرب بعد ريادة (1/198)
صفحة 199
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
سلمة بن سعد لهم فيه، وتكونت المجموعة المعروفة بـ حملة) العلم إلى المغرب) من مدرسة أبي عبيدة بالبصرة.
مكة
وفي أيام أبي عبيدة عُقِدَتْ ثلاثُ إمامات، فقد عُقدت الإمامة أولاً في بلاد المشرق للإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، الذي أوفد إلى الحجاز أبا حمزة الشاري المشهور، وكانت بيعة طالب الحق في اليمن، ووصل جيشه إلى الحجاز، وتمكن أبو حمزة من دخول بهم وقاتل، وقوتل في أرض قديد وانتصر، ثم بعد ذلك قوتل فكانت الكرة عليه. ولعلنا إن رجعنا إلى التأريخ عرفنا المنهج الذي سارت عليه هذه الجماعة المعروفة بالإباضية، فعندما دخل طالب الحق بلاد صنعاء - وكان هو وأصحابه على فقر مدقع، حتى وصفهم أبو حمزة بأن النفر الكثير منهم كانوا يتعاقبون على بعير واحد ـ، وجدوا الأموال التي جباها القاسم الثقفي عامل بني أُمية من أهل صنعاء عنوةً، وكانوا قد تمكنوا من الاستفادة بها في مصالحهم غير أن الإمام طالب الحق لم يَسْتَبِحْ أن يأخذ منها شيئاً لنفسه ولا لأصحابه، بل وزعها بين أهل صنعاء لأنها أُخِذَتْ منهم بغير حق، فرأى أن
يردها عليهم، وهكذا كانت معاملة الإباضية لكل جماعة من جماعات المسلمين، ولو كانت باغية عليهم فإنهم لا يستبيحون شيئاً من أموالهم، وإنما يدفعون بغيهم بقتال من قاتل منهم من غير إجهاز على جريحهم ولا اتباع لمدبرهم إلا إن كان لهم ردء يرجعون إليه. وكذلك الإمام أبو الخطاب ـ وهو أول إمام بويع في المغرب ـ بعدما رجعت البعثة العلمية التي درست على يدي أبي عبيدة بالبصرة إلى بلاد المغرب، فقد استنجدت به امرأة من أرض القيروان تعرضت لظلم فادح من قبيلة ورفجومة الصفرية المذهب التي كانت تسيطر على بلاد القيروان، فذهب لإنجادها بجيش، وخَطَبَ في ذلك الجيش قائلاً: «إن هؤلاء لم يخرجوا عن ملة التوحيد، ولا نستبيح أن نأخذ من أموالهم شيئاً قط». وعندما وقعت المعركة وخرج الناس على أثرها من ديارهم ظنوا أنهم سيجدون المتاجر مسلوبة والمزارع متلفة لكنهم وجدوا عكس ذلك، وعندما مرّت امرأة بأرض المعركة ووجدت كل جندي قتيل فيها بسلبه لم تؤخذ أسلابهم قالت: «كأنهم رقود». فَسُمِّيَ ذلك المكان «رقادة» ولا تزال هذه التسمية إلى الآن.
وكذلك لم يكن الإباضية يجرؤون على قتل أحد أو قتاله إلا بعد أن يُقيموا عليه الحجة،
199 (1/199)
صفحة 200
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وعندما جرت مواجهة بين جند أبي حمزة الشاري وأهل المدينة في «قديد»، قال أبو حمزة لأصحابه: «لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم»، ثم بدأهم أهل المدينة بالقتال، وأصيب أحد جنود أبي حمزة فقال لهم: «دونكم الآن فقد حل القتال». فقتالهم كان قتال دفاع وليس هو هجوماً على تلك الطائفة، وإن كانت هي التي بدأت الحرب.
وأيضاً عندما قيل للإمام أبي الخطاب رحم الله: «نأكل أموالهم كما يأكلون أموالنا»، قال لهم: إذن حق على الله أن يكبّنا معهم في النار، ونكون كما قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا} [الأعراف: 38]»، لذلك نجد في تاريخ هذه الجماعة تلك المواقف التي فيها المحافظة على هذه الأمة، وعلى أعراضها وعلى دمائها، وهنا أذكر قصة وقعت في هذا العصر الأخير قبل أقل من قرن من الزمن عام 1331 هـ، ومفادها أن في ذلك العام عقدت فيه الإمامة بعمان على الإمام سالم بن راشد الخروصي، وكان من بين السكان الذين يسكنون (مدينة سمائل) إبّان ذلك رجل شيعي جاء إليها للتجارة فاعتدي على متجره من قبل رجال غير ملتزمين من إحدى القبائل الإباضية التي كانت مستقرة هنالك، فسُرق منه بعض ما كان به من متاع، فطلب الإمام سالم حمدالله تسعة نفر من وجهاء رجال القبائل الساكنين بتلك المنطقة، وأودعهم السجن حتى اعترفوا له بالشخص الذي سرق المتاع فقبض على يده وعاقبه حتى ردّ جميع المتاع الذي سرقه كاملاً غير منقوص، وكان ذلك عن رأي قائد تلك النهضة الموفق ورائدها الملهم الإمام نور الدين السالمي له وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على تسامح الإباضية مع غيرهم من المذاهب الإسلامية مهما كان الخلاف بينهم، وحرصهم على المحافظة على أموال إخوانهم من المسلمين وأعراضهم وأنفسهم.
المحاور: جريدة الوسط من خلال كلامكم نلاحظ أمرين: الأول أن الإباضية صادرون عن المحكمة الأوائل وهم الخوارج، والثاني أن منهج الإباضية يخالف منهج الخوارج، فما حقيقة العلاقة بين الإباضية والخوارج؟
علينا أن ننظر في مفهوم كلمة الخوارج، فقد ذكر الخروج في القرآن الكريم في معرض ذكر الجهاد وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةٌ) [التوبة: 46]، فإن كان معنى الخوارج الخروج عن الإمام عندما يجتهد المجتهدون، ويرون أن (1/200)
صفحة 201
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
قضية ما منه تتنافى ـ بحسب اجتهادهم - مع أصول الشريعة التي ينبغي أن يسار عليها، أو تتنافي مع السياسة الشرعية، فالإباضية من هذا المنطلق خوارج، أما إن كان المراد بالخروج هو الخروج على الأمة أو عنها أو القيام على حاكم شرعي بغير وجه شرعي، فالإباضية حَالَئِذ ليسوا خوارج؛ لأنهم لا يوافقون على هذا، والإباضية لا يحكمون على مرتكب الكبيرة بالخروج عن الإسلام خلافاً للخوارج في هذا، فعندهم ـ أي الإباضية - مرتكب الكبيرة يرث ويورث، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويُصلّى عليه، ويعامل معاملة المسلمين.
نعم عندهم مصطلح كفر النعمة - وهو كما في مصطلح المحدثين كفر دون كفر - فمرتكب الكبيرة المصر على كبيرته عندهم كافر كفر نعمة لا كفر ملة أو شرك، بدون فرق بين أن يكون هذا المصر على كبيرته إباضياً أو غير إباضي، وكونه إباضياً لا يشفع له، ولذلك نجد الإباضية يتشددون على من يكفر مرتكب الكبيرة كفر ملة أو شرك، وهم الخوارج، فهذا الإمام السالمي من الإباضية يقول:
خوارج ضلت فـ صارت مارقة وأمة المختار ضَلَّلَتْهُموا
صفرية نجدية أزارقة
وفَسَّقَتْهُموا وبَدَّعَتْهُموا
وأيضاً نجد عند الإباضية التسامح الذي بينهم وبين إخوانهم من المسلمين الآخرين، على الرغم أن هنالك مواقف متشددة من قبل بعض المذاهب الأخرى تجاه الإباضية، ولا أقول من قبل الجميع بل من قبل بعضهم فقط، ويدل على هذا التسامح عند الإباضية تجاه المذاهب الأخرى أن أبا حمزة الشاري عندما خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله أو كافراً من أهل الكتاب أو إماماً جائراً». وليس معنى كون الإمام الجائر ليس منا أنه كافر خارج من الملة، ولكن بما أنه رَمُزُ التعدي على الله حيث إن فساده يترتب عليه فساد غيره؛ كان ملحقاً بالكافر من أهل الكتاب
حدود
وبعابد الوثن في البراءة منه، لا في فصله عن
أُمة
الإسلام.
المحاور: الوسط نجد في أواسط المثقفين جهلاً بالمذهب الإباضي رغم أنه يشكل غالبية في عُمان، ويوجد في شمال أفريقيا كالجزائر وليبيا، وتونس فما أسباب الجهل به عند بعض المثقفين برأيكم؟
201 (1/201)
صفحة 202
202
لقاعات
في الفكر والدعوة
هنالك عدة عوامل، ومن ضمن هذه العوامل الظروف السياسية؛ لأن لها تأثيراً في إظهار الشيء بمظهره الصحيح أو إظهاره بعكس ذلك، وهذا أمر ملاحظ إلى وقتنا هذا، فنرى مع تقلبات الأوضاع السياسية أن الأمور تختلف وتنقلب رأساً على عقب، وبطبيعة الحال فإن الحكام الذين توصلوا إلى الحكم بطريق غير شرعي - بحسب المقاييس المتبعة عند الإباضية - تسؤوهم فكرة هذا المذهب، لا سيما وقد كان الحكام على مقدرة بأن يؤثروا في كثير من الرعايا حتى العلماء - إلا من رحم ربك - من ناحية الفقه السياسي؛ حتى صار من المسلمات عند الكل أن الحاكم تجب طاعته بَرَّ أو فجر، عدل أو جار، بغض النظر عن تصرفاته وأعماله، فهو ما دام يقول: «لا إله إلا الله علينا أن نخضع له وأن نطيعه، وأن ننقاد لأمره مهما كان، والإباضية لا يسلمون لهذا؛ لأن الآية في بدايتها يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهو خطاب موجه للمؤمنين أي المؤمنين حقاً ثم ولي هذه الجملة قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، أي من معشر الذين آمنوا، فمن نكث عهد الله وخرج عن الطريق الصحيح الذي أمر الله الله بأن يسير الحاكم عليه؛ فقد خرج عن دائرة الذين آمنوا الإيمان الصحيح، وإن كان لم يخرج من الملة، بل عن هذا الإطار الصحيح فقط، ونحن أمرنا بطاعة أولئك الذين يطيعون الله، ويتقونه، ويرعونه في أنفسهم باستقامتهم، وفي رعاياهم بإقامة موازين القسط فيما بينهم، فبسبب ذلك الفكر أشيع عن الإباضية بأنهم طائفة إرهابية، وأنهم جماعة خارجة عن المسلمين ومتمردة عليهم؛ وذلك لحرص أولئك الحكام على توطيد سلطانهم، ومن ناحية أخرى فقد تغلغلت التعصبات المذهبية في نفوس دهماء الناس وسرى تأثيرها حتى تحكم في نفوس كثير من العلماء وهي بدورها أدت إلى محاولة ضرب الحصار على كل من كان خارج إطار المذهب المتبع عندهم، بحيث يعتبر منبوذاً وبعيداً عن الملة وعن الحق.
ونحن نأسف أن نجد في علماء المسلمين من يجري في مثل هذا التيار فتجد في كلامهم وأحكامهم فظائع تقشعر لها الأبدان، فتجد مثلاً في (حاشية الصاوي على الجلالين هذا الكلام العجيب الذي يحار منه العقل ويطير منه اللب، حيث قال ما نصه: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج (1/202)
صفحة 203
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدّاه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصل الكفر (1).
ولم يكن هذا الكلام وشبهه أمراً نادراً فقد كان معهوداً شائعاً كثير من الناس فتجد اللقاني صاحب الجوهرة يقول:
جب تقليد حبر منهمُ
في
الأوساط العلمية عند
كما روى القوم بلفظ يفهمُ
أي لا بد من تقليد واحد من الأئمة الأربعة وإلا خرج عن هذه الجماعة، فكيف يُنظر في وسط تراكمات هذه الأفكار إلى الإباضية؟! فمن البدهي أن تكون النظرة إليهم نظرة زائغة عن الإنصاف إلا عند من رحم الله.
على أننا لا ننكر أن كثيراً من الناس قالوا فيهم كلمة الحق، وأنصفوهم وعاملوهم بالحسنى، فعلى سبيل المثال في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي عومل الإباضية أحسن معاملة في مصر، إذ كانوا أحراراً في أوقافهم ورد قضاؤهم في قضاياهم إلى أنفسهم، وكانت لهم حلقات علمية في جامع ابن طولون في عهد ذلك السلطان المجاهد، فكان عهداً متميزاً بحسن النظرة إليهم، وقد حفظ الإباضية لصلاح الدين الأيوبي تلك
عهده
اليد البيضاء وشكروه عليها.
والإباضية في كل وقت وفي كل عصر كانوا يحرصون على أن يكونوا مع الجماعة المسلمة، وأن يكونوا في المقدمة عندما يواجه المسلمون تحديات من قبل الآخرين، فعندما غُزِيَتْ الجزائر في أيام الدولة العثمانية من قبل الدولة الإسبانية، جاء الإباضية من موطنهم وادي ميزاب الذي يبعد عن عاصمة الجزائر أكثر من ستمائة كيلومتر وقاوموا الغزاة الإسبان، وخلّصوا العاصمة الجزائرية منهم، ولهذا كان للإباضية عند العثمانيين ميزة منذ ذلك الوقت، فكانوا هم الذين يشرفون على التذكية في الجزائر إبان حكم العثمانيين لأجل الثقة بهم في دينهم وأمانتهم حتى تكون التذكية شرعية
ليس فيها ريب.
(1) حاشية الصاوي تفسير الجلالين، 103، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
203 (1/203)
صفحة 204
204
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور الوسط: هل ترون أن الفروق بين الإباضية وأهل السُّنَّة قليلة، وهل هي سبب كاف لتسويغ الافتراق بيننا؟
مع التسامح الذي يجب أن يكون بين الأمة لا نجعلها فروقاً تؤدي إلى القطيعة، وإنما هي اجتهادات، ومهما كان الأمر فكل منا أراد أن يوافق الحق، وكل منا أراد الحرص على الصواب، ولكننا إلى جانب ذلك ندعو دائماً إلى أن تُنْتَزَعَ من القلوب العصبية، وأن تكون النظرة نظرة سليمة، وأن يكون الاحتكام إلى النصوص الصريحة
الواضحة من القرآن والسُّنَّة، وقد قال في هذا الإمام السالمي من الإباضية رام الله:
ونحن لا نطالب العبادا
فوق شهادتيهم اعتقادا فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما أظهروا ضلالا
قمنا نبين الـ صواب لهم
فما رأيته من التحرير ــل مسائل ورد شُبَهِ قمنا نردها ونبدي الحقا لو سكتوا عنا سكتنا عنهمُ
واعتقدوا في دينهم محالا حسبن ذلك من حقهمُ
و
ي كتب التوحيد والتقرير جاء بها من ضل للمنتبه بجهدنا كي لا يضلوا الخلقا ونكتفي منهم بأن يسلموا
ولكن قد تكون هنالك ردة فعل عند بعض الإباضية بسبب بعض التصرفات المثيرة من قبل غيرهم من قبل؛ وذلك عندما يواجهون - رغم حرصهم على إنصاف إخوانهم أصحاب المذاهب الأخرى - مواقف بعيدة عن الإنصاف، إذ من المعلوم أن الإباضية - كغيرهم من البشر - تؤثر عليهم التصرفات التي تستفزهم وتهيج عواطفهم.
فعلى سبيل المثال وقعت قصة قبل حوالى أربع سنوات من الآن (1)، وذلك أن رجلاً إباضياً من أهل عُمان، أصيب بحادث سير أودى بحياته في إحدى البلاد الإسلامية، وقد عُرضت قضيته على القضاء الشرعي فتشدد القاضي في الحكم على الجاني ولكنه عندما رأى جواز سفر المجني عليه (وهو الإباضي) علم أنه من عُمان فسأل ورثته: هل هو إباضي:
(1) أي سنة 1414 هـ. (1/204)
صفحة 205
بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
ويد
قالوا: نعم: فغيّر الحكم، وقال للجاني: «ليس عليك أن تُكَفِّرَ أي كفارة القتل)، وقال لورثة
ذلك الإباضي: «لولا ما سبق لما استحققتم من الدية شيئا».
هدراً
أنه
مع لو عامله معاملة الذمي أو المعاهد لحكم له
فهذا القاضي اعتبر دم الإباضي هدا بالدية؛ لأن المعاهد تجب الديّة له، وتجب الكفارة بقتله خطأ كما هو واضح في القرآن.
المحاور: الوسط بنظركم ما وسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية؟
نسأل الله - سبحانه - أن يؤيد هذا الدين بما يجمع الشمل ويوحد الكلمة، والوسيلة الأولى هي سلامة القلوب، فعندما تكون القلوب سليمة يأتي الله بالخير؛ لأن كل واحد من أصحابها ينشد الحق ويتجرد من العصبية التي كثيراً ما تحول بين الناس وبين إبصار الحق. فالوسيلة الكبرى هي سلامة القلوب، وهو مع الانفتاح واطلاع كل واحد على ما عند الآخر يؤتي ثماره بإذن الله.
المحاور: الوسط: تختلف وجهات النظر في تحديد أسباب قلة نتاج الصحوة الإسلامية، فما أسباب ذلك بنظركم؟
الناس الآن كثيراً ما نجدهم يتحاملون على الجماعات الإسلامية بأنها جماعات إرهابية متطرفة، وقد سُئِلْتُ أكثر من مرة من قبل الصحفيين وغيرهم عن شأنهم، وهم يريدونني أن أقول ما يرضيهم، غير أنني بحكم ما أؤمن به من إنصاف كل أحد قد أخالف كثيراً من الناس في مواقفهم السلبية من هذه الجماعات، فهناك تصرفات وأعمال تصدر من هذه الجماعات وهي مخالفة للمنطق السليم بل هي مخالفة للإسلام، ولكنها ردة فعل لهذه الفجوة العميقة ما بين الواقع الذي نعيش فيه وبين ما يجب علينا أن نؤمن به ونتبعه، فالمبادئ التي نؤمن بها في جانب والواقع في جانب آخر، فماذا عسى أن يكون من شاب طموح إلى الإسلام، يرغب في ان يُحكَّم الإسلام، وأن يحيا هو حياة الإسلام، ويجد ـ مع ذلك - الواقع كله بعكس ما يتطلع إليه، وقليلاً ما يكون الشباب عندهم حصيلة كافية من الفقه بدين الله تقيهم الآثار السلبية لردود الأفعال التي تنشأ
205 (1/205)
صفحة 206
206
لقاعات
في الفكر و الدعوة
في نفوسهم وتحفظهم من الانزلاق في مهاوي الانحراف الفكري والسلوكي بحيث لا يخرج عن حدود الاعتدال، فماذا عساه أن يفعل - وهو بهذا الحال - عندما يرى السياسة على غير نهج الإسلام؟! ويرى الإعلام على غير نهج الإسلام؟ ومناهج التربية غير إسلامية؟! وكذلك المناهج الاقتصادية، والسلوك الاجتماعي؟! مع المؤثرات الكثيرة التي تدفعه إلى أن ينفجر وأن يتصرف تصرفاً غير لائق.
وإن أعداء الإسلام أيضاً من حيث ندري ولا ندري هم دائماً وراء هذه التصرفات العشوائية، وهم الذين يدفعون بهؤلاء الضحايا إلى ارتكاب تلك الحماقات، فوقوف أعداء الإسلام بين الشباب المسلم وما يطمحون إليه من الخير ومحاولتهم الدائمة للدفع بالشباب إلى هاوية التطرف - كما يقولون -، مع عدم وجود القيادات المؤثرة التي تستطيع التأثير في سلوك هؤلاء، وفي إبراز مفاهيم الإسلام الصحيحة، وإقناع الشباب بحقيقة الإسلام، كل هذا هو سبب في حصول ما يحصل، فالأمة الإسلامية بحاجة إلى قادة واعين مطبقين للإسلام بحذافيره، وعليهم أن يكونوا هم القدوة في هذا التطبيق بحيث يتأثر بهم الأتباع من الشباب المسلم ويتفاعلون معهم. (1/206)
صفحة 207
اللقاء الحادي عشر
المحاور: العالم الإسلامي (أجرى الحوار: محمود بيومي) الموضوع: وحدة الأمة الإسلامية ودورها العالمي
لقاءات (1/207)
صفحة 208
نَّ هَذِهِا
سورة الأنبياء - الآية 92 (1/208)
صفحة 209
وحدة الأمة الإسلامية ودورها العالمي وحدة الأمة
الأمة.
المحاور: مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي لـ «العالم الإسلامي»: الحفاظ على السلام في المجتمعات من أهم ركائز الوحدة الإسلامية. - نصرة الأقليات المسلمة من الحقوق الواجبة على مؤثرات المدافعين عن الإسلام ما زالت ضعيفة لدى الرأي العام العالمي. على المسلمين طرح النظريات الإسلامية لحل جميع المشكلات العالمية.
أكد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان، أن الأمة الإسلامية تملك العديد من الإمكانيات، التي تؤهلها لشغل مقعد الريادة، والمسؤولية في الحفاظ على أمن المجتمعات البشرية؛ لما يمتاز به الدين الإسلامي الحنيف من مرونة ومصداقية في ظل المشكلات الدولية، وإن على المسلمين إجادة تقديم تعاليم دينهم إلى الرأي العام العالمي؛ لأن الإعلامَ الْمُعَادِيَ قد أسهم في تشويه معاني الإسلام، وتشويه صورة المسلمين لدى دوائر الرأي العام العالمي.
-
وأوضح الخليلي في حواره مع «العالم الإسلامي» - خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة - أن الأحقاد التاريخية الموروثة ضد الإسلام والمسلمين، قد شكلت العديد من السلبيات في مواجهة المشكلات التي يتعرض لها المسلمون في بعض مناطق العالم، وإن العالم الإسلامي قد قصر في مواجهة هذه السلبيات وإن الدبلوماسية الإسلامية قد نشطت في الآونة الأخيرة في مجال العلاقات العامة الدولية، حتى أصبحت قضية الأحقاد التاريخية ضد المسلمين من القضايا الهامشية لدى الغالبية التي تشكل اتجاهات الرأي العام العالمي
المعاصر.
وأشار إلى أن الروابط التي تربط شعوب الأمة الإسلامية روابط لا مثيل لها في تاريخ العلاقات بين الشعوب وأمم العالم؛ لأن الروابط الإسلامية ترتكز على القيم الفاضلة، بينما تستند روابط الغرب وحلفائه على الماديات، التي نسجت العلاقات والمصالح المشتركة بين هذه الدول. كما تناول الحوار العديد من القضايا التي تهم الأمة
الإسلامية.
209 (1/209)
صفحة 210
210
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور: ثراء الإمكانيات؛ حول أهم ركائز الوحدة الإسلامية وموقف المسلمين من صياغة وحدتهم ومدى تقبل المجتمع الدولي لهذه الوحدة، يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان:
لا شك أن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة يضمان أكبر مجموعة من ركائز الوحدة الإسلامية المرجوة، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، وهذه الأخوّة الإيمانية هي ركيزة الوحدة الإسلامية، التي تؤكد الروابط الاجتماعية والإنسانية بين المسلمين فيتلاشى الظلم ويعيش المسلمون في مجتمعاتهم إخوة متضامنين، لا شحناء ولا بغضاء بينهم، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (رواه مسلم وأحمد)، فهذه الأخوّة الإسلامية تعمّ جميع المجتمعات الإسلامية، ويراد بها الأخوة العقائدية، وأخوة العمل، وأخوة، الإقامة، يقول تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13]، وهنا يتأصل المعنى العام للأخوة.
وأضاف مفتي سلطنة عُمان: ومن أهم ركائز الوحدة الإسلامية الحفاظ على السلام في المجتمعات، يقول له: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام» (رواه ابن ماجه وأحمد)، كما حثّ الإسلام على مشروعية إجابة الدعوة لتوطيد العلاقات الطيبة بين المسلمين، وحثّ على عون الضعيف، ونصرة المظلوم، حيث اعتبر الإسلام نصرة المظلوم حقاً من الحقوق الواجبة على المسلمين، حتى يعيش المسلمون في حماية من ظلم الناس وبطشهم، يقول تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا لدُنكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]، ولعل أولى الناس بنصرتنا في هذه الأيام إخوة الإسلام، حيث يوجد في مواقع متعددة من العالم إخوة لنا يعانون من الظلم والعدوان.
من
وأضاف: هذه بعض من ركائز الوحدة الإسلامية التي تتجلى فيها القيم الفاضلة، وهناك ركائز اقتصادية تحقق الاكتفاء الذاتي للمسلمين، وهي جديرة لأَنْ تُجَسِّدَ الوحدة (1/210)
صفحة 211
وحدة الأمة الإسلامية ودورها العالمي وحدة الأمة
الاقتصادية، وتَقِيَ العالم الإسلامي من مفاسد التبعية، كما أن هناك في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية ما يؤكد أصالة الهوية الإسلامية في المجال السياسي والتربوي والتعليمي والإعلامي، وكثير من المجالات التي يشملها قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، فإذا قامت الوحدة الإسلامية فلن تستطيع أُمة من الأُمم أن تلحق الأذى بالمسلمين؛ لأننا بهذه الوحدة ننصر دين الله فينصرنا في جميع قضايانا، يقول الله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخذُ لَكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].
المحاور: إيجابيات إسلامية، وحول موقف المسلمين من التصدي لمحاولات خصوم الإسلام المستمرة لتشويه صورة الإسلام، وتشويه صورة المسلمين، يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
الأمة لقد تعرّضت الإسلامية بعد انكسار وحدتها لحملة معادية شرسة، استهدفت طعن الإسلام، وتشويه صورة المسلمين لدى الرأي العام العالمي، فقامت المؤسسات المعادية بالتأثير على الرأي العام العالمي بكل المؤثرات ليتخذ مواقف سلبية ضد القضايا التي تهم المسلمين وهذا ما نراه واضحاً في هذه الأيام، حين تقوم وسائل الإعلام المعادية بعرض قضايا الأمة بطريقة مناقضة للواقع ومشوهة للأحداث.
وبالرغم من أن للإسلام من يذود عنه ويحميه من هذه الجملات المعادية، إلا أن مؤثراتها لدى الرأي العام العالمي ما زالت ضعيفة إذا ما قارنا وسائل الإعلام الغربية - مثلاً - بوسائل إعلام المسلمين، ومن هنا نشأ المفهوم الخاطئ عن الإسلام والمسلمين والمطلوب أن يحذو الإعلام حذو الدبلوماسية الإسلامية في تصحيح الأخطاء، حيث حققت الدبلوماسية الإسلامية كثيراً من الانتصارات لصالح قضايا الإسلام والمسلمين، والتي نتج عنها تقليل نسبة الزج بالإسلام في المشكلات، حتى أصبحت الأحقاد الدولية التاريخية ضد الإسلام والمسلمين من القضايا الهامشية في المناخ الدبلوماسي الدولي، وكل اتهام بلا دليل محكوم عليه بالبطلان، والمطلوب أن تنهض الأمة بواجب تصحيح ما علق في
عقول الناس من آثار سلبية ضد الإسلام والمسلمين.
211 (1/211)
صفحة 212
212
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: المعيار التكنولوجي وعن الوضع الاقتصادي للأمة الإسلامية وما يراه مناسباً لتأصيل اقتصاديات المسلمين، يقول مفتي سلطنة عُمان:
لا شكّ أن أغلب دول العالم الإسلامي ما زالت في دائرة الاقتصاد التابع أو الاقتصاد المتخلف، وليس السبب في ذلك عدم وفرة الإمكانيات، وإنما عدم إجادة استغلالها وتوزيعها بين سائر القطاعات الإسلامية، ومع ذلك فإننا نجد غالبية الدول الإسلامية تسعى لإيجاد وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، كحل أساسي للأوضاع الاقتصادية المختلفة في ديار المسلمين.
وأضاف: ولكن الرؤية الصحيحة لاقتصاد إسلامي قوي، يجب أن تراعي الحفاظ على الأُمة الإسلامية، إلى جانب تحديد التنمية الاقتصادية بشكل يتحقق معه التوازن
أمن
بين حجم السكان في كل دولة ومساحتها الجغرافية، ومواردها الطبيعية، ومراعاة التنسيق بين التنمية المحلية والتنمية في الإطار الإسلامي العام، بدرجة تمكّن من زيادة الترابط الاقتصادي والتشابك التجاري بين الدول الإسلامية، ومراعاة التنوع الاقتصادي، ووفرة أو قلة الطاقة البشرية الإسلامية، ومع ترجيح كفة المشروعات التي تعتمد التكنولوجيا المحلية في ديار الإسلام في مجالات التنمية، على أن يتم ذلك كله من خلال نظرتنا إلى حجم المكاسب الاجتماعية لا المادية فحسب؛ لأن تطويع الاقتصاد لقيم الدين الإسلامي الحنيف أمر ضروري في هذا المجال، فإن أهم ما يميز الأُمة الإسلامية هو ارتكازها على القيم الفاضلة، في حين أن الغرب يخضع جميع للقيم المادية قبل أي شيء آخر.
اقتصاده
المحاور: القرض والربا وعن موقف الإسلام من القرض والربا: يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
إن الإسلام لم يحرّم القرض أو الإقراض، ولكن الإسلام له موقف واضح إذا ارتبط القرض بشبهة الربا، فالقرض بدون فائدة حلال، أما إذا نتج عنه فائدة فهو حرام، وقد قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (رواه الترمذي وابن ماجه، ذلك لمساوئه ومشكلاته وآثاره السلبية، إذا كان القرض لغير حاجة، (1/212)
صفحة 213
213
وحدة الأمة الإسلامية ودورها العالمي وحدة الأمة
لذا يحذر رسول الله له بقوله: «من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه بها كربة من
كرب يوم القيامة» (رواه مسلم وأبو داود).
وأضاف: فالربا حرّمه الله تحريماً قاطعاً في قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا) [البقرة: 275]، وقد عدّ الرسول لل الربا من السبع الموبقات رواه البخاري ومسلم)، فالشرع لا يُحِل إلا الطيبات، ولا يحرّم إلا الخبائث.
والمعروف أن الربا عمل غير إنتاجي، ولا يزيد من ثروة المجتمع، كما يؤدي الربا إلى ظهور طبقة تعيش على الربا، وتفسد المجتمع؛ لأنها تعيش عالة عليه، لذا فقد حرّمت جميع الشرائع السماوية الربا وحاربته.
وأضاف مفتي عُمان وبالرغم من ذلك وجدنا من يحاول تبرير التعامل بالربا، وإقناع الناس بقبوله، حيث يحرّمون الربا الفاحش بحجة أن فيه ظلماً، وقد قال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]، كما
يحرّمون القرض الاستهلاكي، ويحللون القرض الإنتاجي، وهم لم يفهموا معنى كلمة «الربا» التي تعني الزيادة على أصل القرض بصرف النظر عما إذا كان استهلاكيّاً أو إنتاجياً، سواء كان تغيير اسم الربا إلى فائدة أو ربح أو تأمين أو غيرها، فإن ذلك لن يحلل الربا أو معناه فالربا حرام واضح لا لبس ولا غموض فيه.
الإسلامية هي
الأمة
التي
وعاء الخيرات: وأضاف الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: فالأمة اختارها الله تعالى لنشر معاني الخير في الأسرة الإنسانية كلها، ومهما حاول خصوم الدين الحنيف إلصاق التهم الباطلة به، فهو الدين الذي اختاره الله له ليكون دين البشر، حيث يكتمل النضج الإنساني، وكما حافظت الأمة على ذاتيتها العقائدية؛ فإنها قادرة على تحقيق وحدتها في كل مجالات الحياة، لتصبح خير أُمة أخرجت للناس، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس} [البقرة: 143]، فعلى المسلمين طرح النظريات الإسلامية لحلّ جميع المشكلات العالمية. (1/213)
صفحة 214
Kfx
++
ازالده من العار و الان
وَإِيتَاءِ
وتاه ذى القنديلي ذِي
سور
رة النحل - الآية 90
fox (1/214)
صفحة 215
اللقاء الثاني عشر
المحاور: جريدة الأهرام العربي (أجرى الحوار: عادل أبو طالب)
الموضوع: التسامح الحضارة الإسلامية
التأريخ: أجري الحوار على هامش المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشؤون
الإسلامية
المدة من: 8 - 11 ربيع الأول 1424 هـ / 28 أبريل - 1 مايو 2004 م،
ونشر بجريدة الأهرام يوم السبت 1 جمادى الأولى 1424 هـ / 19 يونيو 2004 م
لقاءات (1/215)
صفحة 216
216
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
يقف الإسلام اليوم على أعتاب مرحلة فاصلة، يسودها هجوم ضار بلا هوادة من قِبَلِ دوائر عدة عليه واتهامه بالرجعية ومعاداة الحداثة، وحقوق الإنسان. فيما تثار من جهة أخرى الأفكار الخاصة بإصلاح المجتمعات الإسلامية، ونشر الديمقراطية بها.
وليس خفياً على أحد أن الحملة الضارية التي يتعرض لها الإسلام، وراءها نوايا ليست حسنة، وأهداف غير نبيلة، ذلك أن الإسلام هو الدين الحنيف الذي ارتضاه الله وعل للبشرية، وهو زاخر بالجوانب المشرقة المضيئة، سواء من حيث احترام الحرية وحقوق الإنسان، أو التسامح مع الآخر، وهي القضايا التي ناقشها بالقاهرة أخيراً المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
الأهرام العربي الْتَقَتْ مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - مفتي عام سلطنة عُمان، على هامش أعمال المؤتمر، حيث تحدث عن أبعاد الحملة الراهنة على الإسلام، والقضايا المثارة في هذه المرحلة.
المحاور المؤتمر يتحدث عن التسامح، في توقيت مهم يتعرض فيه المسلمون لهجمة شرسة في الخارج والداخل، أليس من الصعوبة بمكان أن نطالب المسلمين في هذا التوقيت بذلك؟
التسامح يجب أن يكون مع من يتسامح، والمسلمون دائماً هم متسامحون؛ لأنهم وسعوا الآخرين بصدورهم، وحسن معاملتهم، ورغم ذلك فإن الآخرين قتلوا هذا التسامح بالتنكر، وواجهوا هذه المعاملة اللطيفة بالتشدد.
ولا ريب أن المسلمين إنما يُؤمرون بأن يُعِدُّوا لكل أمر عدته، إلا أن الأمة يجب أن تتسامح من منطلق القوة، لا من منطلق الضعف، بحيث تكون في مركز القوة؛ لأنها إن ظلت تتسامح وهي ضعيفة هزيلة، فلا ريب أن ذلك يؤدي بها إلى أن يحتقرها الأعداء، بحيث يَعدُّون هذا التسامح ضعفاً منها، لا لطفاً يحسبونه في المعاملة، وحبّاً للخير، ويزدادون في التنمر ضد هذه الأمة، لذلك يجب مع ما تؤمر به الأمة من التسامح، أن تكون قوية يهابها
عدوها حتى لا يجترئ عليها. (1/216)
صفحة 217
التسامح في الحضارة الإسلامية
المحاور وما رأي سماحتكم في الجهاد؟
الجهاد ليس لأحد فيه رأي، فالله - تبارك وتعالى - فرضه في كتابه حيث قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10 - 11]، لكن مع هذا، فالجهاد يؤمر به بشرط أن يكون في حدود درء العدوان من غير زيادة، فالله الله يقول: {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].
المحاور: وهل ما يحدث من مقاومة في العراق هو من قبيل الجهاد؟
لا نستطيع أن نقول بأن هذه المقاومة خارجة عن الجهاد، ما دام هؤلاء يدافعون عن أموالهم، وعن أعراضهم، وعن كرامتهم، وعن بلدهم.
المحاور: وماذا تقول في اختلاف بعض العلماء حول هذه المسألة، فالبعض يرى أنها ليست جهاداً؟
ما دام المسلمون يدافعون عن أنفسهم فهم مجاهدون.
المحاور: الهجمة الحالية على الإسلام تزداد شراسة يوماً بعد يوم، مَنْ المسؤول عن تصحيح صورة الإسلام، ومواجهة هذه الهجمة الشرسة؟
المسؤولية تقع على عاتق كل مسلم، وقبل ذلك كله يجب على المسلمين جميعاً أن يحرصوا على تجسيد الإسلام، وقيمه وفضائله ومُثْلِهِ، ثم مع ذلك عليهم أيضاً أن يكون إعلامهم إعلاماً مُجَسّداً لحقيقة الإسلام، مبيناً لمحاسنه، موضحاً لجوهر هذا الدين الحنيف، صاداً هذه الهجمة الشرسة، بإقامة الحجة وبيان
الدليل.
217 (1/217)
صفحة 218
218
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
المحاور: وبماذا تردون فضيلتكم على من يدعون أن الإسلام دين رجعي؟
إن من أراد أن يطعن في شيء أو في أحد فإنه لا يعجزه ذلك: قُلْتُ هذا الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء!
وَهَبْنِي
فالناس من طبعهم عندما يكرهون شيئاً يصورونه بغير حقيقته، ويكيلون له التهم، وبطبعهم أيضاً عندما يحبون شيئاً يحمدونه ويثنون عليه.
في فترة من الفترات، كنا نسمع هديراً راً في هذا العالم، بأن الشيوعية هي المنقذ لهذه البشرية وهي الفردوس المنشود، فظلت كذلك في أذهان كثير من الناس، حتى تكشفت عوراتها، وتساقطت من داخلها والآن الرأسمالية في طريقها إلى أن تتساقط كما تساقطت الشيوعية، والشيوعية ما كانت في يوم من الأيام إلا ردة فعل للظلم الرأسمالي، والشواهد على ذلك قائمة، فهي الآن تحاول أن تستجدي الحل من الرأسمالية ولكن أنّى لها ذلك، مع أن الرأسمالية هي مصدر البلاء وسبب المشكلة.
فهؤلاء الذين يُرَوِّجُون بأن الإسلام دين رجعي أنّى لهم أن يجدوا مثل الإسلام، فالإسلام وضع كل شيء، موضعه، وعالج كل مشكلة من مشكلات الحياة الإنسانية، سواء أكانت هذه المشكلة فكرية أم، اجتماعية أم سياسية، أم اقتصادية، أم أي نوع من أنواع المشكلات.
فنحن نجد آية في كتاب الله فيها الحلول لمشكلات الإنسانية بأسرها، ولو عمل ببعض هذه الآية الكريمة لأغنت عن كل الحلول الاقتصادية، بل وكل الحلول الأخرى، فالله الله يقول في كتابه العزيز: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَالَّى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
[البقرة: 177].
فمعنى هذه الآية الكريمة أن ما ذكره الله أولاً من إيتاء المال إنما هي حقوق في مال المسلم من غير الزكاة، فيجب عليه أن يُؤْتِي المالَ - مع حبه له - إلى الذين ذكرتهم الآية الكريمة، ثم مع ذلك هناك حق آخر هو حق الزكاة الواجب شرعاً. (1/218)
صفحة 219
التسامح في الحضارة الإسلامية
المحاور: هناك حديث حالياً حول مشاريع الإصلاح الغربية، وما يسمى الإسلام الليبرالي، هل يعني هذا أنهم يفهمون الإسلام نظرية وتطبيقاً أكثر منا، أو أن وراء هذا الحديث أهدافاً أخرى؟
هم لا يميلون إلى تطبيق الإسلام، وإنما يهدفون إلى تنفيذ مخططهم، والوصول إلى أغراضهم، أما الإسلام من ناحية العدالة، فهو منقطع النظير.
العدالة التي في الإسلام لا توجد في أي دين آخر، فالله - تبارك وتعالى - يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
والإسلام يفرض على الناس جميعاً أن يتعاملوا على أساس الوحدة في الحقوق من غير التفات إلى عنصرية، يقول - جل شأنه - في محكم التنزيل: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
المحاور: ولكن ما رأي فضيلتكم في حديث الغرب عن الإسلام الليبرالي أو
ترويض الإسلام؟
الإسلام ليس بحاجة إلى أن يُنظر من قبل غير المسلمين، وهو لا يحتاج إلى ترويض، فما يتحدثون عنه ليس بالإسلام، وإنما هو علمانية، فالإسلام الصحيح يكون مسيطراً على حياة الأمة، حاكماً على الفرد والمجتمع والدولة.
المحاور: كيف تُقْرَأُ الحرية في الإسلام؟
أعطى الناس، الحرية، ولكن مع ذلك جعل هذه الحرية مقيدة في حدود
ينتهك
الإسلام الأخلاق، لم يُعْطِ الإنسان حرية أن يمشي عارياً في الطرق، أو يكون لصاً. حقوق الآخرين المالية، ولم يعط أحداً الحرية في أن يعتدي على حرمات الآخرين، فهذه حرية لا وجود لها في الإسلام
219 (1/219)
صفحة 220
220
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور وما رأيكم في الدعاة الشباب الذين يظهرون على الفضائيات؟ هل تعتقد أن لديهم لغة خطاب إسلامي قوية؟
الناس يتفاوتون، فهم ليسوا طبقة واحدة، فيهم من عنده قدرة على التعبير عن محاسن الإسلام، وفيهم من لا يملك القدرة.
المحاور: لكن هناك من انتقد هذه الظاهرة بحجة أنها قد تؤدي إلى تحول مفاجئ في شخصية المتلقي خلال يوم وليلة من دون اقتناع قوي؟
التحول في يوم وليلة إلى الاستقامة والخير لا يُنكر، فعندما جاء الإسلام إلى العرب حوّلهم في أسرع ما يمكن، وحوّل طباعهم، فالاستجابة لداعي الله الله ليس مستبعداً أن تكون سريعة؛ لأنها استجابة لداعي الفطرة، إذ الإسلام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، يقول تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30].
ولكن يجب أن تكون هناك مقومات للداعية، وأن يدعو على بصيرة {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].
ثم مع هذا على الداعي أن يكون فقيهاً في دين الله؛ لأن الله - تعالى - يقول: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَةُ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا
[التوبة: 122].
المحاور: هل تشاهد الفضائيات؟
ربما صدفة.
المحاور: وهل تستمع إلى الموسيقى؟ (1/220)
صفحة 221
التسامح في الحضارة الإسلامية
المحاور: وما رأي فضيلتكم في مسألة الزواج عبر الإنترنت؟
الزواج هو ربط مصير بمصير، فلا بد أن يكون بدراسة وافية من كل جانب للجانب الآخر؛ لكي لا تكون عاقبته عاقبة مرة، لذلك أرى أن التعارف عبر الإنترنت لا يكفي لإتمام زواج، والله أعلم.
المحاور: وهل الحجاب دلالة حقيقية على التدين؟
الحجاب فرضه الله، وليس لأحد اختيار فيما فرضه - جل شأنه ـ، فالله - تعالى - يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ هُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وكل استجابة لداعي هي دلالة على التدين.
الله
المحاور: وماذا عن النقاب؟
ذلك من
وما المانع من النقاب؟ النقاب - على كلّ حال - اختلف فيه العلماء منذ الصحابة إلى وقتنا هذا هل هو واجب أو هو مندوب إليه؟ ولكن مع قال: بأنه مندوب إليه، قال: مع خوف الفتنة
يجب.
المحاور: أعود إلى دعاوى تحرير المراة التي انتشرت في الدول العربية ما رأي فضيلتكم في هذه الدعاوى؟
تتحرر من أي شيء؟! الإنسان سواء كان رجلاً أم امرأة، يجب أن يكون متقيداً بقيود الأخلاق والفضيلة، أما أن يتحرر بأن يحطم قيود الأخلاق والفضيلة فهذا لا يسلم لا للرجل ولا للمرأة.
221 (1/221)
صفحة 222
222
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: وماذا عن قضايا الزواج مثل الزواج العرفي والمسيار؟
الزواج الشرعي لا بد فيه من أربعة أشياء، هي: رضا المرأة، وموافقة وليها، وصداق، وشهادة على هذا الزواج، فإذا استوفى هذه الشروط فهو زواج صحيح،
وإن لم يستوف فهو زواج غير صحيح، فالزواج ربط مصير بمصير ولذلك لا بد أن يؤطر في إطار صحيح لصونه عن كل ما عسى أن يكدر صفوه، والله أعلم. (1/222)
صفحة 223
اللقاء الثالث عشر
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر ـ تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: التقريب بين المذاهب الإسلامية
التأريخ: 22 ربيع الأول 1426 هـ / 1 مايو 2005 م
لقاءات (1/223)
صفحة 224
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتقوا الله حويقة
لأموتُنَّ الأوان
سورة آل عمران - الآية 102 (1/224)
صفحة 225
التقريب بين المذاهب الإسلامية
المحاور: من خلال مشاركتكم في المؤتمرات التي تدعو إلى التقارب بين المذاهب الإسلامية هل تؤذن مثل هذه اللقاءات بتوحيد بين الأمة المسلمة؟
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإنني أعتقد أن كل مسلم - يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبكتاب الله تبارك وتعالى منهجاً يسير عليه، ويرتبط بهذه الأمة مسيراً ومصيراً، آمالاً وآلاماً ـ يحن أيما حنين إلى الوحدة ما بين الأمة الإسلامية، إذ في التفكك ما بين طوائف أشتاتاً تمزيق لهذه الأمة، وإضعاف لها، وإذهاب لريحها، بينما هي إذا
الأمة
أُمة.
اتحدت كانت قوية.
على أن هذا الاتحاد ليس هو مصلحة دنيوية فحسب، بل هو مطلب ديني عقدي؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قرن ما بين الدعوة إلى اتحاد الأمة، والدعوة إلى توحيده، وحسبكم ذلك دليلاً على عظم شأن الاتحاد، كيف وقد قرن بأقدس المقدسات في عقيدة الإسلام، وهو توحيد الله - تبارك وتعالى - الذي تقوم عليه المفاهيم الإسلامية بأسرها، ومنه تكون الانطلاقة في مجالات العبادات والأعمال على اختلاف أنواعها، فالله الا الله يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103] نلاحظ أن الله - تبارك وتعالى - ربط بين الدعوة إلى تقوى الله الله حق تقاته إلا على الإسلام دين التوحيد، وبيّن وجوب الوحدة ما بين الأُمة وعدم التفرق.
وعدم
الموت
وهو تعالى القائل: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، والقائل: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وهو القائل أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَتِتُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [الأنعام: 159]، وهو كل الذي حذر من مغبة الفرقة والاختلاف عندما قال: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
على
أننا
الأمة، فنحن نرى قواسم مشتركة الأمة تؤمن بكتاب الله، أنه
يجب علينا أن نفكر فيما ما بين هذه يجمع تجمع ما بين الأُمة جميعاً، منها وحدة المصدر، فإن جميع
هو
225 (1/225)
صفحة 226
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المصدر الأول لفكرها وفقهها ومنهجها في حياتها، وتؤمن أيضاً بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة.
ومع هذا قبلتها، واحدة فإنها تجتمع على التوجه إلى بيت الله الحرام، الذي يحجه المسلمون جميعاً على اختلاف طوائفهم، وعلى اختلاف مذاهبهم الفقهية والفكرية. وهناك اتحاد في أصول كثيرة، أهمها أركان الإسلام الخمسة، فإن أركان الإسلام الخمسة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في تفسير جزئياتها، إذ لم تختلف الأُمة في وجوب أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله تختلف ولم في وجوب إقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله تعالى الحرام.
اعتقاد
كما أن أركان الإيمان الستة لم تختلف الأُمة في خمسة منها، فقد اتفقت جميعاً على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإنما وقع الاختلاف في الإيمان بقضاء الله وقدره، بناءً على تفسير كل طائفة لها موقف من هذه القضية، وبالنسبة إلى الأركان الخمسة من حيث الكليات الكل متفقون عليها، وإنما الاختلاف في الجزئيات
كما قلت.
وقد كان الواجب على الأُمة أن تراعي هذا الجانب، وتدرك أن هذه الخصائص المشتركة فيما بينها يجب أن تكون مؤلفة لقلوبها ومقرّبة لوجهات نظرها، على أن الاختلاف في التفسير والتأويل والجزئيات التي ترجع إلى هذه الكليات يمكن أن يُناقش بأسلوب هادئ هادف لا يؤدي إلا إلى التآلف والتقارب.
وأنا أعلم أن بعد الشُّقَّة في العهود الماضية كان له أثر في إساءة الظنون، وفي عدم تصور كل طائفة ما عند الطائفة الأخرى، فلربما ظنّ هذا أن غيره يعتقد معتقدات هو في الحقيقة منها براء، كم سمعنا بأن طائفة كذا تعتقد كذا وكذا، مما يخرجها عن ملة الإسلام، كم نُسب إلينا نحن مما لا نقره ولا نرضاه من أي أحد (1).
(1) تجد -
الأسف الشديد
مع
- بعض الكتاب قديماً وحديثاً ينبزون الإباضية بما لا يقول به أحد يؤمن بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، والإباضية بريئون منها لمعرفة شيء من ذلك: راجع كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية للشيخ علي يحيى معمر).
226 (1/226)
صفحة 227
التقريب بين المذاهب الإسلامية
وهذا يعني أن الشُّقة أَدَّتْ إلى أن يوسوس الشيطان للناس ويزين لهم سوء الظن ويقبح صور الآخرين في أنظارهم، ولكن مع هذا القرب الآن بحيث أصبحت الدنيا كأنما زويت من أطرافها، وفي نفس الوقت أصبحت وسائل الاتصال مُقرّبة للبعيد، فالكتاب أصبح في متناول اليد، يمكن لأي أحد أن يقرأ كتاب أي طائفة من هذه الطوائف ليطلع على حقيقة أمرها، فالمطابع سهلت وصول الكتاب إلى يد أي أحد، وليس ذلك فحسب، بل هناك وسائل أخرى، فشبكة المعلومات العالمية تقرّب البعيد بحيث إن الإنسان يمكنه من خلالها أن يطلع على ما عند الآخرين مما لم يكن يتصوره من قبل، كذلك أصبحت المجلدات الكثيرة تختزل اختزالاً في أقراص صغيرة، ويمكن من خلالها الاطلاع، بحيث يمكن أن تختزل مكتبات بأسرها في قرص أو قرصين، أو في أقراص يسيرة، وأن يطلع الناس من خلالها على الكثير الكثير ما لم يكونوا يتصورونه من قبل، فلا عذر اليوم مع هذا كله عن محاولة اطلاع كل فئة على ما عند الفئات الأخرى، وعن إحسان الظن بقدر المستطاع، وأن لا يُقطع عذر أحد ما دام متشبثاً بدليل شرعي، ولو كان هو في نظر الفريق الآخر دليلاً ضعيفاً، ولكن بشرط ألا يكون الدليل يصطدم مع دليل قطعي، فإن كان كذلك عذر صاحبه ولا يُعنّف من أخذ
نعم على الإنسان في خاصة نفسه، أن يعمل بالدليل الأقوى، وأن لا يأخذ بالدليل الأضعف، ولكن ربما كان في نظر الآخر هذا الدليل الذي هو أضعف في نظره هو الدليل الأقوى.
أما بالنسبة إلى القضايا المنصوص عليها، فلا ريب أن كل أحد يتعمد أن يصادم نصاً قطعياً ويعدل عنه إلا بتأويل، غير أنه قد يكون التأويل لا يسوغ شرعاً، ولكن مع وجود التأويل - ولو كان أوهى من نسج العنكبوت - لا يؤدي إلى إخراج من تمسك به من ولو صادم نصاً قطعياً.
الملة
نعم الذي ينكر ما عُلم من الدين بالضرورة مما كان نصاً قطعياً لا يحتمل التأويل بحال من الأحوال، فإنه لا يتسامح معه، وإن رده بغير تأويل يكون راداً لنص قطعي، فيكون خارجاً من ملة الإسلام، ولكننا ننزه المسلمين عن اتِّباع هذه الطريقة، ونرى أنه لا بد للمسلم أن يلتزم بالدليل ما دام آمن بالقرآن الكريم، نعم ربما تصوّر بعض الناس شيئاً من القرآن أنه منسوخ، أو خُصص عمومه أو قيّد إطلاقه أو نحو ذلك، وقضايا تخصيص العمومات وإطلاق المقيَّدات مما يسوغ النظر فيها، فليس لأحد أن يقطع عذر غيره بسبب أنه ركن إلى دليل
227 (1/227)
صفحة 228
228
لقاعات
في الفكر و الدعوة
يُخصص الدليل العام، أو يُقيّد الدليل المطلق، ولو كان في نظر الطرف الآخر أن ذلك المخصص لا يسوغ التخصيص به، أو لا يسوغ التقييد به، على أن هناك مخصصات أُجمع عليها، وهناك مخصصات اختلف فيها، والعلماء لهم مجال واسع في النظر في هذه الأمور.
المحاور: هل يمكن أن تتحمل الخلافات المذهبية بين أفراد الأمة مسؤولية التأخر العالمي الذي تشهده سباقات الصناعة والتجارة وسائر جوانب الحياة المادية باعتبار ذلك سبيلاً من سبل الضعف؟
جميع
في
نحن لا نحارب الخلافات، فلا نحارب الخلاف عندما يكون خلافاً فهم دليل شرعي، أو خلافاً في تأويل دليل شرعي تأويلاً يحتمله المعنى، ولا نحارب الاختلاف في الأمور التي هي مجال للاجتهاد عند العلماء، فإن الأمة يتسع أمرها عندما تكون لها آراء متعددة في القضايا التي يسوغ فيها الاختلاف، فمن السلف الصالح من قال: لا أود أن أصحاب رسول الله الله لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لكان كل شيء مما له حكم في الإسلام لا يخرج عن قول واحدٍ فحسب، وهذا فيه تضييق على الناس، بينما الاختلاف إلى أقوال متعددة وآراء مختلفة مما يؤدي إلى التوسعة، لربما ضاق الناس بقول ما، وتوسعوا بقول آخر، ولربما كان قول من الأقوال مناسباً لعصر من العصور، ويأتي عصر آخر بظروف ومستلزمات أخرى، فيضيق الأخذ بذلك القول الذي كان مأخوذاً به من قبل، وينبغي العدول عنه إلى قول آخر، وهكذا الاجتهاد، قد يكون نابعاً من البيئة التي يعيش فيها العلماء، وقد يكون نابعاً من ملابسات أخرى أدّت إلى اختلاف آراء العلماء، فهذا مما يجب أن يؤخذ به في الاعتبار.
المحاور: كيف تنظرون إلى المذاهب الإسلامية من حيث قربها وبعدها عن المنهج الإسلامي الصحيح باعتباركم من أهل المذهب الإباضي؟
نحن دائماً نميل إلى ما يجمع الشمل، ويرأب الصدع، ويؤلف القلوب، ويوحد الكلمة، وهذا مما أُدرك في كلام أسلافنا، فتجد مثلاً الإمام أبا حمزة الشاري
وهو على منبر رسول الله الله في وقت يواجه فيه حروباً مع قوى الظلم، وتحديات عاتية، (1/228)
صفحة 229
التقريب بين المذاهب الإسلامية
لم تذهب به الانفعالات إلى أن يعلن القطيعة مع الآخرين، بل قال: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً»، وهذا موقف الإمام السالمي رحم الله أيضاً عندما قال:
ونحن لا نطالب العبادا فمن أتى بالجملتين قلنا إلا إذا ما أظـ روا ضلالا قمنا نبين الصواب لهم فما رأيته من التحرير مسائل ورد شبه
حل
فوق شهادتيهم اعتقادا إخواننا وبالحقوق قمنا واعتقدوا في دينهم محالا حسبن ذلـ ك من حقهم
في كتب التوحيد والتقرير جاء بها من ضلّ للمنتبه
قمنا نردّها ونبدي الحقا بجهدنا كي لا يُضل الخلقا ونكتفي منهم بأن يُسَلِّموا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهمُ
فلا ينبغي أن يكون الإنسان متقوقعاً على نفسه، يُصرّ على أن ما يقوله هو وحده الحق، فالحق يُعرف بالرجوع إلى الأصول من الكتاب والسُّنَّة النبوية الثابتة الصحيحة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ـ، لا بمجرد الدعاوى.
ثم مع هذا أيضاً نجد أن علماءنا السابقين، كانوا حريصين كل الحرص على ما يوحد الصف، ويرأب الصدع، ويجمع الكلمة، بل نجد القيادات السياسية، والقيادات العلمية جميعاً تشترك في هذه الناحية، نحن نضرب مثلاً لذلك عندما شب ضرام الحرب بين الدولة السعودية وأشراف مكة في عهد الملك عبد العزيز والشريف حسين، شغل ذلك القيادات الإباضية سواء القيادات السياسية أو القيادات العلمية، فنجد مثلاً السلطان تيمور بن فيصل يوجه رسالة إلى الفئتين المتحاربتين، ويسند القيام بالصلح في هذه القضية إلى الشيخ سليمان باشا الباروني، الذي كان في ذلك الوقت في الحجاز، ويقول للطائفتين بأن هذا من علماء مذهبنا ونحن وكلنا إليه أمر الإصلاح ما بين المتحاربين حفاظاً على الوحدة الإسلامية، وحفاظاً على حرمة الحرم الشريف الذي نخشى أن يكون
مهدداً أمنه وأن يفضي ذلك إلى تهديد عُماره.
وبجانب ذلك وُجِّهت رسالة من قِبَلِ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى الشيخ سليمان
229 (1/229)
صفحة 230
230
لقاعات
في الفكر و الدعوة
باشا الباروني نفسه، يطلب فيها أن يمثله في القيام بالصلح ما بين الفئتين المتحاربتين حفاظاً على الإخاء الإسلامي، وحفاظاً على حرمات الحرم الشريف، وصوناً له مما يؤدي إلى تكدير صفو الأمن فيه.
والرسالتان الموجهتان في هذه القضية من القيادتين القيادة السياسية عند السلطان تيمور، والقيادة الدينية والسياسية عند الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، موجودتان جميعاً في كتاب الشيخ أبي اليقظان الذي ألفه عن تاريخ الشيخ سليمان الباروني بعنوان «سليمان باشا الباروني في أطوار حياته».
المحاور: بم تفسرون المساعي التي يقوم بها أهل العلم والدين للحفاظ على مذاهبهم في الوقت نفسه الذي ينادي به هؤلاء أنفسهم بأهمية التوحد ونبذ الفرقة والخلاف؟
لا نقول بأن التقارب ما بين المذاهب الإسلامية يعني أن يتخلى أحد عن مذهبه، ولا ندعو إلى ذلك، فنحن لا ندعو أحداً إلى أن يتخلى عن مذهبه، سواءً من الناحية الفكرية، أو من الناحية الفقهية.
أما الناحية الفكرية فهي نتيجة اقتناع، وليست نتيجة طلب، وإلزام، وأما الناحية الفقهية، فإن الإنسان إما أن يكون فيها مجتهداً بنفسه، وإما أن يكون مقلداً لمن كان أهلاً للاجتهاد من العلماء، فالمجتهد لا يُفْرَضُ عليه رأي، وإنما عليه أن ينظر في الأدلة الشرعية ويأخذ بالدليل الذي يراه أرجح، وإن كان مقلداً لغيره، فإنه لا يفرض عليه أن يقلد من لم يرض تقليده من الأئمة بل هو يختار الإمام الذي يقلده.
وكما قلنا المسائل الفرعية الفقهية فيها مجال واسع للاجتهاد عند العلماء، ولربما كان الخلاف الذي بين المذاهب المتعددة في هذه المسائل كالخلاف الذي يحصل بين أئمة المذهب الواحد، إذ لا يلزم أن يكون المذهب الواحد لا يوجد فيه أكثر من قول في المسألة، فقد تكون هناك أقوال تتجاوز العشرة في المسألة الواحدة وفي
مذهب واحد. (1/230)
صفحة 231
التقريب بين المذاهب الإسلامية
فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يتفطن المسلمون إلى أن الوحدة المطلوبة بين الأمة لا يلزم منها أن ينصهر المسلمون كلهم في مذهب واحد، وإنما لكل أحد استقلاليته في الرأي والنظر، واعتماده على ما يراه أرجح أو ما يراه أصوب، فإن ذلك موكول إلى كل أحد، وهو مما يُتعبد به بينه وبين ربه الله سواء كان من المجتهدين، أو كان من المقلدين، فإنه يختار من يرى تقليده أسلم له من تقليد غيره.
هذا، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي أن يؤدي الأمر إلى التنابز بالألقاب، وإلى التراشق بالتهم، وإلى محاولة كل فئة أن تحط من قدر الفئة الأخرى، وأن تنال من عرضها ومن شرفها ومن إسلامها وإيمانها، فإن هذا هو الذي يؤدي إلى التنازع والفرقة والاختلاف، وكما قلت إن الصحابة اختلفوا في مسائل فقهية كثيرة، ولربما أدى الأمر أيضاً إلى الاختلاف بينهم حتى في بعض جزئيات مسائل النظر والاعتقاد، ولكن لم يؤد ذلك إلى أن يتراشقوا بالتهم، وأن يتقاطعوا، وأن يعلن كل فريق منهم الحرب على الفريق الآخر، وإنما كانوا متسالمين وكانوا متحدين في مواجهة العدو المشترك. والأُمة الإسلامية اليوم تمر بمنعطف خطير، منعطف يستوجب أن تتحد فيه جميع فئاتها من أجل مواجهة تحدياته، فهي إما أن تأخذ بأسباب القوة وأسباب العصمة، وإما أن تظل تتسكع في هذه التخبطات حتى يؤدي الأمر إلى مزيد إضعافها، وإلى مزيد النكاية بها من قبل أعدائها. الأمة الإسلامية لا ينتشلها من هذا الضياع الذي وقعت فيه إلا أن يضع بعضها يده في يد البعض الآخر، ويتفق الجميع على النهوض بجميع الأمة والسير بها قدماً، والتقدم في شتى المجالات، سواء المجالات العلمية والصناعية أو المجالات الدعوية والأدبية، لتكون هذه الأمة أُمة عزيزة - بمشيئة الله سبحانه ..
إن
المحاور: ما رأيكم في الانتصارات الفكرية التي تحققها وحققتها الأمة المسلمة في سائر مذاهبها؟ فلم تكن المذهبية عائقاً في وجهها، فالملاحظ انتشار الإسلام بما يحمل من منطلقات الكتاب والسُّنَّة في سائر المذاهب في بلاد غير الإسلام مع ما يلاقي من التحجيم أو التشويه ولكن أين المذهبية هنا لا نجد لها أي أثر في هذا الانتشار؟
231 (1/231)
صفحة 232
232
لقاعات
في الفكر و الدعوة
هنالك فارق ما بين أن يكون الإنسان متقيداً بمذهب معين، وبين كونه متعصباً لذلك المذهب، بحيث يقول: إن هذا هو الحق مهما كان، بل وصل الأمر ببعض الناس أن قال: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصول الكفر» (1).
وهذا كلام في منتهى الخطورة، إذ هو الذي فرّق الأمة، وقعد بها عن النهوض، وأدى بها إلى التمزق، وهذه العصبية التي تكون عند طائفة من الناس تقابل بعصبية عند طائفة أخرى، ويؤدي ذلك إلى أن تنسى الأُمة حقيقة دينها، وتبقى تدور في فلك المذهبية الضيقة، وتنسى فسيح الإسلام الواسع الذي يجمّع ولا يفرّق، ويؤلّف ولا ينفّر، ويقرّب ولا يبعد، ويوحد ولا يشتت.
المحاور: لفت النبي صلى الله عليه وسلم انتباه الأمة حين قَتَلَ أحد الصحابة رجلاً في إحدى المعارك بعد أن تلفظ بكلمة التوحيد، فكيف يمكن أن يستفاد من هذه الحادثة للتوحيد والتقريب بين المذاهب الإسلامية؟
هذه الحادثة تدلّ على أن لكلمة «لا إله إلا الله» شأناً عند الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم دمه وماله إلا إن انتهك حرمة من حرم الإسلام، كما جاء في الحديث: من قال: «لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله إلا بحق الإسلام»، وكيف يكون حق الإسلام في سفك دم من قال لا إله إلا الله ورفع العصمة عنه؟ إنما ذلك كما جاء في الحديث: «زنا بعد إحصان، أو ارتداد عن الإسلام، أو قتل النفس المحرمة بغير حق» (رواه أبو داود والترمذي)، فلا يستباح دم من قال: «لا إله إلا الله» إلا بإحدى هذه الثلاث: إما بزنا بعد إحصانه، أو بارتداده عن إسلامه، أو بقتله النفس المحرمة بغير حق، فإن لم يكن منه شيء من ذلك فدمه معصوم كما أن ماله لا يجوز أخذ معصوم، شيء من ماله، ولا يجوز سفك دمه.
(1) حاشية الصاوي تفسير الجلالين، 10/ 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. (1/232)
صفحة 233
التقريب بين المذاهب الإسلامية
ثم مع هذا أيضاً كلمة «لا إله إلا الله» تجمع وتوحد، إذ معناها إخلاص العبودية لله تعالى، فالإنسان عليه أن يلتزم ما تدلّ عليه من إخلاص العبودية لله، وإذا ما أخلص قائلها يحس بقرب من سائر الذين أخلصوا أيضاً هذه العبودية لله
عبوديته
لله، فلا
ريب أن
- تبارك وتعالى ـ، ولم يشركوا مع الله أحداً.
فالحديث يلفت النظر إلى ما يجب أن يكون عليه المسلمون من مراعاة حق كلمة لا إله إلا الله، وما تؤدي إليه من الترابط والألفة والاتحاد فيما بينهم.
المحاور: هناك أمر ربما يتفاجأ به بعضُ حديثي الإسلام حين يرون مثل هذه المدارس الإسلامية، ممثلة في مذاهب الإسلام المختلفة، كيف يتصرف الدعاة ليجاوزوا بهؤلاء المسلمين هذا المنعطف؟
يجب على الدعاة أن يبصروا أولئك بجوهر الإسلام، فالاختلاف إنما هو في أمور شكلية لا في جوهر الإسلام، فإذا أبصر أولئك جوهر الإسلام، وفهموا أن الإسلام يعني: أن يوحد الإنسان المسلم ربه - تبارك وتعالى ـ في الاعتقاد وفي العبادة، بحيث لا يعتقد الله شريكاً، وأن يعترف برسالات الله، وأن يعترف بأن ما جاء به الرسول الأعظم حق، مع الإيمان بجميع النبيين والإيمان بجميع الكتب، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالمبدأ، وبالمعاد والإيمان بأن الله - تبارك وتعالى - خالق هذا الوجود، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، والإيمان بأن المصدر والأصل هو كتاب الله، والثابت من سنة رسول الله، فإن هذا كله مما يجمع ويؤلف، ويدرك حديثو الإسلام من خلاله أن الاختلافات الجزئية لا تضير شيئاً، مع وحدة هذا المعتقد، ومع وحدة هذا المنهج الذي يسير عليه المسلم، فلا يؤدي ذلك إلى اصطدامهم بمشيئة الله.
المحاور: كل مذهب يشكو من شواذ في أتباعه يمثلون الجانب المتعصب، فمن
وجهة نظركم لماذا تفرز المذاهب مثل هذه العناصر التي توسع الهوة؟
233 (1/233)
صفحة 234
234
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ذلك إنما يعود إلى عدم الفهم الدقيق للإسلام، نحن لا ننكر على أي مذهب أن يدافع عن نفسه، ويبين للناس ما عنده من الحق، ويدرأ عن نفسه التهم التي تُلْصَقُ به، ولكن ننكر أن يهاجم مذهب مذهباً آخر مهاجمة غير مبنية على علم ومعرفة، بل بمجرد أن يكون أحد منتميا إلى ذلك المذهب يعامل بالشدة والعنف والتعصب من الطرف الآخر.
ونحن نحمد الله - تبارك وتعالى - بأنه الآن مع هذا التوجه لدى جميع المذاهب الإسلامية على اختلافها إلى التقريب فيما بينها، وجدنا تجاوباً كبيراً من أئمة المذاهب على اختلافها، حتى من كنا نعتبرهم في الأيام السابقة أشد تعصباً، وأشد تحجّراً، وأشد إصراراً على مواقفهم أصبح منهم الآن من ينادي بالتقارب، وينادي بالوحدة بين الأمة، وهذه فاتحة خير.
وقد قامت مؤسسات التقريب بين المذاهب الإسلامية على أيدي المخلصين من أواسط القرن المنصرم، فقد قامت مؤسسة للتقريب قبل نصف قرن من الزمن تقريباً في القاهرة، وقامت مؤسسة أخرى للتقريب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ ما يقارب ربع قرن من الزمن، وهذا مما يبشر بخير كبير، فمؤسسات ومجامع التقريب ما بين الأُمة الإسلامية لا بد من أن تعطي ثمارها بمشيئة الله سبحانه، وقد نادى بالتقريب قبل هذا من علمائنا من نادى، فنجد الشيخ سليمان باشا الباروني كتب رسالة بذلك إلى الإمام السالمي قبل قرن من الزمن (1)، عَرَضَ عليه هذه الفكرة، ولَقِيَتْ ترحاباً من الإمام السالمي، وتمنى أن تجد هذه الفكرة تجاوباً عند جميع المسلمين، حتى يُصهر ما بين هذه وتذوب هذه الفوارق التي تشتت شملها، وتقف حاجزاً فيما بين فئاتها لئلا يلتحم
الأمة،
بعضها مع بعض.
(1) كان ذلك في عام 1326 هـ. (1/234)
صفحة 235
اللقاء الرابع عشر
المحاور: (غير معروف)
الموضوع: الوحدة الإسلامية
لقاءات (1/235)
صفحة 236
?
ولاتنازعوا فتفشلوا
وناهد يحكم
سورة الأنفال ـ الآية 46 (1/236)
صفحة 237
الوحدة الإسلامية
المحاور: السؤال: لماذا يختلف المسلمون وهم يقدّمون للعالم أرقى القواعد في فقه الاختلاف؟ هل هناك نواح أخرى تتدخل في مسائلهم؟
بسم
الله الرحمن الرحيم سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله
الحمد لله
رب العالمين، والصلاة والسلام على
وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا ريب أن كل من رضي بالله تعالى ربا، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن هادياً ودليلاً، وبمحمد وقائداً ورسولاً، ينزع منزع الوحدة ما بين الأمة؛ لأن الوحدة تصبح بالنسبة إليه الهمّ الذي يؤرقه، والشاغل الذي يستولي على باله، والهدف الذي يسعى إليه في حياته. فعندما ينطلق الناس من عقيدة الإسلام تكون نفوسهم مخلصة لله - تبارك وتعالى - ونواياهم طيبة، ويسعون إلى لَم الشعث، ورأب الصدع، وتوحيد الكلمة، وتأليف النافر، وتقريب البعيد.
-
وقبل أن أخوض في هذا أريد أن أقول: إن كل ما في دين الإسلام، إنما يؤدي إلى الوحدة من عبادات وأخلاق ومثل، فهذه الصلاة جعلها الله - تبارك وتعالى - سبباً للوحدة عندما تُؤَدَّى على الوجه المشروع، ويكفي ما نشاهده من مظهرها، بحيث إن القوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير والعربي والأعجمي لا يفترقون في شيء، بل يقفون في
صف واحد.
فالصلاة تقضي على جميع الحواجز التي تفصل بين الإنسان والإنسان، فهي تحطم السدود، وتجتث النعرات، وتنتزع السخائم والأحقاد عندما يجتمع المسلمون رَاكِعَيْنِ سَاجِدَيْنِ، وَاقِفَيِّنِ بين يدي الله تعالى.
كذلك بالنسبة إلى الصيام والزكاة والحج كل من ذلك يؤدي إلى هذه الغاية التي ينشدها الإسلام في أبنائه.
ومن فضل الله - تبارك وتعالى - على عباده، أنه لم يتركهم لأهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم، بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن
بينة.
237 (1/237)
صفحة 238
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وقد أتم سلام الله عليهم نعمته، وأكمل لهم الدين، بأن بعث فيهم عبده ورسوله محمداً، الذي جاء إلى هذا الوجودِ والناس متفرقة مسالكهم، متنوعة نزعاتهم ونزغاتهم، متباينة أهواؤهم ورغباتهم، كل يدعي أنه على الصواب فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله هذا الشتات، وألّف الله تعالى به بين هذه القلوب المتنافرة، وجمع به هذه الفئات المتدابرة، فإذا بالشقاق، وفاق، وبالنزاع وئام وبالاختلاف ائتلاف، جمع الله - تبارك وتعالى - به بين الذين ورثوا العداوات، وورّثوها أولادهم، فظلوا يتطاحنون في حروب دامية أكلت الأخضر واليابس، وأتت على الطارف والتليد وأهلكت الحرث والنسل، فإذا بهؤلاء يتفقون جميعاً ويجتمعون في ظل العبودية لله تعالى عندما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق من عند الله.
والله سبحانه يذكّر هؤلاء العباد هذه النعمة العظيمة التي أسبغها عليهم، بأن أخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشقاق إلى الوفاق، ومن الاختلاف إلى الائتلاف، ومن التدابر إلى الاجتماع والتعاون فيما بينهم، يقول - سبحانه -: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: 103].
وقد قبض الله تعالى عبده ورسوله محمداً بعدما كانت هذه النعمة سابغة على هذه الأمة شاملة لجميع أفرادها، إذ تألفت قلوبهم برباط الإيمان، الذي يوحد ولا يشتت، ويجمع ولا يفرق، ثم بعد ذلك ولي الأمر خلفاؤه الراشدون - رضي الله تعالى عنهم -، وهم الذين ساروا على نهجه، واتبعوا هديه إلى أن لقوا الله - تبارك وتعالى -
11
ثم تحوّل الأمر إلى سياسة غاشمة، كانت تأتي توجهاتها حسب أهواء الأفراد الذين تربعوا على سدة الحكم، فكان الأمر بخلاف ما كان عليه من قبل، إذ أخذت العرى تُنقَضُ عروة
ود. و
عروة، ووقع الخلاف، وكل من كان في ركب تلك السياسة كان مرضيّاً عنه، وكان معدوداً من الصالحين، ومعدوداً من الموافقين، ومن كان بخلاف ذلك كان على العكس من ذلك.
ونجد البون الشاسع، والفرقة البعيدة والشقة المتنائية، ما بين الوضع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، والوضع في تلكم السياسة التي قامت من بعد، ففي عهد الخلفاء
238 (1/238)
صفحة 239
الوحدة الإسلامية
أُمة
الراشدين - رضي الله تعالى عنهم - يقول أحد الخلفاء على مسمع وم ومرأى من الناس: «أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني»، فيقوم له أحد من عامة الناس ويقول له: «والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا»، فما يكون منه إلا أن يحمد الله على أن جعل في محمد صلى الله عليه وسلم من يقوّم اعوجاجه بسيفه. بينما الأمر بعد ذلك انقلب رأساً على عقب وناهيك بهذه القصة التي ذكرها أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن قال: وكان عبد الملك أول من قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صعد المنبر فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا بالخليفة المصانع يعني معاوية وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في أنفسكم والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه» (1).
أما
بعد:
وقال الصفدي: قال ابن جريج عن أبيه خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزبير في العام الذي حج فيه سنة خمس وسبعين فقال بعد حمد الله والثناء عليه: فلست بالخليفة المستضعف ولا الخليفة المداهن ولا الخليفة المأفون ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ألا وأني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون أعمالهم فلن تزدادوا إلا اجتراحاً ولا تزدادوا إلا عقوبة حتى حكم السيف بيننا وبينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا وإنا نحتمل كل شيء إلا وثوباً على منبر أو نصب راية ألا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه ثم لا تخرج نفس إلا صعداً. وزاد غيره والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل فركب ناقة وأخذ بزمامها وقال: (2)
فصحت ولا شلت وضرت عدوها
يمين هراقت مهجة ابن سعيد (2)
(1) أحكام القرآن، ج 1، ص 88، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405 هـ. (2) الوافي بالوفيات، ج 19، ص 141 ـ 142، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 21، ص 171 ـ 172، وانظر الكامل في التاريخ، ج 4، ص 150، وص 241، وفوات الوفيات، ج 2، ص 27، وتاريخ الخلفاء، ج 1،
ص 220.
239 (1/239)
صفحة 240
240
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومع
ذلك كله كم وجدنا في دواوين الكتب والمقالات من يزعم بأن هذا الجبار الذي انتزع الأمر بالقوة والجبروت، هو حاكم شرعي بأمر الله فهو ظله في الأرض وحجته بين الناس، وأصبحت طاعته واجبة على الرعية.
وقد كان العلماء الرسميون هم المروجين لهذه السياسة الغاشمة المزينين للطغاة الإغراق في الظلم والإفراط في الاستبداد بل وصل بهم الأمر إلى أن يقفوا في سبيل تراجعهم عن الطغيان ويدفعوا بهم دفعاً إلى ارتكاب المظالم ويفتوهم بأنهم غير مسؤولين عن شيء من ذلك أمام الله تعالى، وحسبك من ذلك ما ذكره الذهبي في السير وابن كثير في «البداية والنهاية عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد قال: «لما توفي عمر بن عبد العزيز قال يزيد: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخاً شهدوا أن الخلفاء ما عليهم حساب ولا عذاب (1).
وقال ابن العماد في «شذرات الذهب»: «قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما استخلف - أي يزيد بن عبد الملك - قال: سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز فأتوه بأربعين شيخاً شهدوا له أن الخلفاء لا حساب عليهم ولا عذاب فأقبل على الظلم وإتلاف المال والشرب والانهماك على سماع الغناء والخلوة بالقيان
()
فانظر كيف استباح علماء السلطة الظلم والفجور، وأباحوهما للمتسلطين في الأرض، بل زينوهما لهم وشجعوهم عليهما متناسين عهد الله إليهم أن يقولوا الحق وأن يبينوا ما أودعه في كتابه من الأمر بالعدل والإنصاف والإحسان ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي، وقد انتزعوا من نفوسهم خوف الله تعالى إذ صوروا لهم أن الله غير سائلهم عن شيء، كأنما قوارع النذر في القرآن الكريم لم تقرع مسامعهم بشيء من وعيد الله تعالى للذين ظلموا ومن ركن إليهم، ناهيك أن الله سبحانه جعل نفس الركون إلى الذين ظلموا سبباً لاستحقاق عذاب النار حيث قال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم
(1) سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 151، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ، الطبعة: التاسعة. وانظر البداية والنهاية، ج 9، ص 232، مكتبة المعارف، بيروت. وينظر أيضاً: العبر في خبر من غبر للذهبي، ج 1،
ص 129، ومرآة الجنان، ج 1، ص 224.
(2) شذرات الذهب، ج 1، ص 129. (1/240)
صفحة 241
الوحدة الإسلامية
مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [هود: 113]، وقد تجاهلوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» (رواه البخاري)، وقوله: «ما من أحد استرعى رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا لم يجد ريح الجنة، أو قال: من أهل النار (المعجم الكبير للطبراني).
ولعمر الحق ليس هذا الاندفاع إلى الباطل من قبل علماء السلطة الظالمة ومواكبتهم للظالمين إلا تصديقاً لقول النبي: لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، فمثل هذا ذكره الله عن أهل الكتاب الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به، وقال فيهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] على أن عقيدة الإرجاء التي شاركوا فيها أهل الكتاب هونت عليهم هذا الأمر وجرأتهم على هذا الصنيع، كيف وقد أتبع الله سبحانه ما ذكره في الآية السالفة الذكر - من تحريف أهل الكتاب لما أنزل إليهم واشترائهم به ثمناً
قليلا - قوله فيهم: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا ?? ? فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ بِهِ
خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} [البقرة: 80 - 81]، وبين سبحانه أن هذا المعتقد هو الذي جعل أهل الكتاب يهملون ما أنزل إليهم من الكتاب ويأبون التحاكم إليه حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 23 - 24]، فما أشبه الليلة بالبارحة.
هم
صلے
وأنت ترى كيف شنّ هؤلاء غارة شعواء على أهل الحق والاستقامة الذين أبوا الظلم وحرصوا على كف أيدي الظالمين عنه، فكم روجوا فيهم الأباطيل ونسبوا إليهم من الإفك ما منه براء، ووضعوا الأحاديث الكثيرة في أسلافهم المحكمة الأولى الذين أدركوا ببصائرهم ما يتبع التحكيم من طي الخلافة الراشدة وإحلال الملك العضوض محلها، فهل يبقى شك في أن تلك الروايات - التي لزت بهم - ما هي إلا من صنع أبواق السياسة الغاشمة التي قامت على أنقاض حكم الله تعالى في عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم
وعهد
241 (1/241)
صفحة 242
242
لقاعات
في الفكر والدعوة
خلفائه الراشدين، إذ كل من دعا بدعوة الحق أصبح في نظر هؤلاء القوم شبحاً مخيفاً وخطراً رهيباً، فلذلك يبتكرون كل الحيل من أجل تنفير الناس عنهم وتشويه صورتهم في
أعينهم.
ولا يزال الذين يسيرون على نهج أولئك المضللين إلى يومنا هذا يفوهون بما تكتظ به صدورهم من الحقد على الحق ودعاته، فهم يرددون ضلالات المضللين فيما تنطق به ألسنتهم أو تخطه أقلامهم، ولا هم لهم إلا ترديد ما سبق من القدح وكيل التهم الباطلة لأهل الحق والدفاع عن الظلمة ومن كان في ركابهم، فالله المستعان.
ولا تعجب أن يعقب هذا الظلم حرص على التخلص منه من قبل المنكوبين به، وقد كان ما كان من الاختلاف والتفرق في وسائل الخلاص من هذا الشر، فمن الناس من سلك في معارضة هذا الحكم الغاشم مسلكاً معتدلاً، لم يخرج به إلى الشطط والانحراف، بل هذا كله يحافظ دائماً على مثل الإسلام، وأخلاقه، وقيمه، وتعاليمه. ومن الناس من أثّرت فيه الأحداث القائمة فكان لها ردة فعل، أدت به إلى الشطط والبعد عن المنهج السوي والغلو والإفراط وهذا هو الذي أدى بالناس إلى التفرق والاختلاف.
ظل
مع
على أن تلك الأحداث التي جاءت بعد عهد الرسالة، وعهد الخلافة الراشدة، أدت إلى ما أدت إليه وهي التي أوجدت هذا الشرخ في الأمة.
هي
التي
ومهما كانت مرارة تلك الأحداث فإنها انقَضَتْ عصورها، ولا ينبغي أن تُلاك بالألسن دائماً. وتجترها الأفواه، وإن كان كثير من الناس الآن يحرص على السير في ذلكم الاتجاه المنحرف، الذي قلب الموازين رأساً على عقب، بحيث جعل الْمُحِقَّ مُبْطِلاً والْمُبْطِلَ مُحقاً،
فكم يردد الذين في قلوبهم مرض أصداء دعايات المبطلين التي تكيل التهم للحق وأهله فنحن نرى أن طيّ تلك الصفحة، وإصلاح الأُمة، وبناءها على أسس من الفكر السليم، والسلوك المستقيم من هدي القرآن الكريم، والثابت الصحيح من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الذي سيؤدي بها إلى الوفاق والتألف من جديد - بمشيئة الله ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، فالأمة بحاجة إلى صياغة تكون امتداداً لتلك الصياغة التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد خلفائه الراشدين، والله تعالى الموفق.
6 - (1/242)
صفحة 243
الوحدة الإسلامية
المحاور: من خلال كلامكم رأيتم أن الخلاف هذا كان بسبب تأثير سياسي، عندما غاب النصح عن أولئك الذين تربعوا على عروشهم، لكن لماذا استجاب العلماء لهذا الاتجاه، وبدأت هناك تصنيفات ومذاهب متفرقة، وفهم الموضوع على أنه قضية علماء ومذاهب لا دخل له في الأمور السياسية؟
ينبغي أن نفرق بين اختلاف المذاهب في القضايا الفرعية التي لا تشتت الأُمة ولا توزعها، فإن هذه لا نعد الاختلاف فيها بلاءً، ونقمة، وإنما نعد الاختلاف فيها
رحمة ونعمة.
أما الاختلاف الذي يؤدي إلى التفرق، والتنابز بالألقاب، وقذف كل طائفة طائفة أخرى بالباطل، ومحاولة وصفها بما يشينها في عين الآخرين، فهو الذي يُعاب، وهو الذي لا يُقَرُّ أبداً.
المحاور: أنتم رأيتم أن الاختلاف في بعض الأحيان يكون رحمة، فكيف تكون الموازنة في هذه الحالة بين الانتماء المذهبي وبين الدعوة إلى الوحدة الإسلامية؟ هل تعني الدعوة إلى الوحدة الإسلامية أن يتخلى الإنسان عن طريقته التي سلكها، وعن مذهبه الذي اقتنع بقواعده؟
،
ليست هنالك دعوة إلى أن يتخلى أحد عن مذهبه أو أن يتخلى عن قناعاته، ولكن هناك دعوة إلى أن يكون هذا الاختلاف اختلاف تكامل لا اختلاف تنافر، الأمة تكامل ووفاق، وتراحم وتلاحم، هذا الذي ندعو إليه.
وأن يكون بين
المحاور: هل تلاحظون أن هناك تحميلاً للأجيال الجديدة ما كتبه الأقدمون؟
لا
ريب
أنه أن يجب يوضع كل شيء على المحك العادل الذي يفرق ويباين بين ما هو صحيح، وما هو زائف، ولا بد من أن تكون هنالك معايير صحيحة، يوزن بها كل ما قيل وكل ما كتب، سواءً ما كتبه الأقدمون، أو ما كتبه من جاء من بعدهم، إذ ليست هذه الكتابات وحياً يوحى، وإنما كانت بإيحاء من مواقف وسياسات وأغراض معينة أدت بالأمة إلى هذا التفرق والاختلاف والتشرذم.
243 (1/243)
صفحة 244
244
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور في واقع المسلمين الآن يلاحظ أنهم سمحوا لوسائل الإعلام أن تصنفهم إلى فرق بمسميات مختلفة، لا تكاد تحدث في بلد إسلامي مشكلة، إلا سارعت وسائل الإعلام إلى تصنيفهم هذه التصنيفات عندما يسمعها المسلم تترسخ في نفسه، وعندما يسمعها غير المسلم يتوهم الفرق الكبير، السماح لوسائل الإعلام بهذه الكيفية ما قولكم فيها؟
إن الله - تبارك وتعالى - أدبنا بأدب الإسلام، ومن هذا الأدب أنه نهانا عن الكثير من الأمور، نهانا عن السخرية، وعن التنابز بالألقاب، وعن إساءة الظنون، وعن الاغتياب، كل ذلك من أجل أن تكون هنالك وحدة متكاملة بين الأمة، فالله الله يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْةٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَابٌ رَّحِيمٌ * يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 11 - 13].
هذه الآيات لو نحن عملنا بها، وتأدبنا بأدبها، وتخلقنا بأخلاقها، لكانت كفيلة لأن تقضي على عنصر الخلاف بين الأُمة، وأن توحد هذا الشتات، وترأب هذا الصدع، وتأتي على هذا الشقاق والاختلاف ما بين الأمة فإن الله تبارك وتعالى - ينهي هذه الأمة أن يسخر بعضها من بعض، ومن هذه السخرية ما يكون من وصف هذه الطائفة بأنها كذا، ووصف تلك الطائفة بأنها كذا، وخلع الألقاب المستهجنة على الأُمة الإسلامية وعلى جماعاتها؛ بحيث يكون ما بين هذه الجماعات شبه حرب إعلامية، هذه تصف تلك بما تصفها به من الباطل، وتلك تصف هذه بما تصفها به أيضاً، وهذا مما لا يجوز شرعاً.
وكذلك ينهانا الله عن اللمز، وعندما نهانا عن ذلك لم يقل: (ولا يلمز بعضكم بعضاً)، بل قال: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، ومعنى ذلك أن هذا اللمز عندما يصدر من أحد فإنما هو واقع على نفسه، ولو كان في حق أخيه، إذ بلمزه أخاه إنما يلمز نفسه، فهو يطعن نفسه بما يطعنها به من القول البذيء والوصف القبيح وذلك من منطلق الوحدة الشعورية التي تجعل أفراد هذه الأمة كالفرد الواحد. (1/244)
صفحة 245
الوحدة الإسلامية
كذلك ينهانا الله - تبارك وتعالى - عن التنابز بالألقاب؛ أي الألقاب الشائنة القبيحة التي ينبز بها بعضنا البعض، لما في هذه الألقاب من تقبيح الحسن وتشويه الصورة، ثم مع ذلك يأمرنا الله باجتناب كثير من الظن؛ لأن بعض الظن إثم، وهو الظن الذي يخالف الحق أو لا يبنى على أصول ثابتة يعول عليها، وهو إثم لأنه يجر إلى الاسترسال فيه حتى يعتقد الإنسان بالمظنون به ما ليس منه في شيء، وينهانا عن التجسس مطلقاً، ولم يقيد ذلك بالتجسس على مسلم ولا غيره؛ لأن العورات يجب أن تُسْتَرَ، ثم ينهانا الله - تبارك وتعالى - أن يغتاب بعضنا البعض، ويصور هذه الغيبة في صورة من ينهش لحم أخيه وهو ميت.
ثم يُتَّبِعُ ذلك البيان أن الناس جميعاً - مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم وعناصرهم وأصولهم النسبية -، يرجعون إلى أصل واحد، ذلك لأنهم ينتمون إلى أب واحد، وإلى أم واحدة، قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13]، فلا عبرة بالأحساب والأنساب، وإنما العبرة بالتقوى، فهي ميزان التفاضل، فلا فضل لهذا على ذاك بسبب عنصره وأصله، إذ ليس أحد من الناس ينتسب إلى الله - تبارك وتعالى -، فإن الله عَل منزّه عن الولد، وليس له جنس - تعالى الله عن ذلك فليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وليس بينه وبين أحد من خلقه
سبب
إلا ما يكون من التقوى، لذلك كان التفاضل بين الناس جميعاً بتقوى الله
وحدها.
فمن كان مستمسكاً بحبل التقوى، كان موصولاً بالله، ومن كان مفرطاً في ذلك كان بعيداً الله، فلذلك كانت منازل الناس متفاوتة بقدر استمساكهم بهذا الحبل المتين.
عن
المحاور: هل توجّهون الآن من خلال هذا البرنامج دعوة لوسائل الإعلام الإسلامية التي تملك زمام نفسها، أن تتجنب هذه الألقاب في المرحلة القادمة؟
نعم لا بد من ذلك، فنحن نرى كيف أدبنا القرآن بهذا الأدب الرباني فالله - تبارك وتعالى - عندما خاطب هذه الأمة قال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وعندما خاطبهم مع غيرهم من الأمم الأخرى قال: {يَأَيُّهَا النَّاسُ، فلم يخاطب أحداً في القرآن الكريم بعبارة بذيئة، أو بعبارة تؤدي إلى شيء من الحرج في النفس، بل حتى عندما يخاطب الكفرة يدرجهم مع سائر الناس كما في قوله: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
245 (1/245)
صفحة 246
246
لقاعات
في الفكر والدعوة
إِن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٍ عَظِيمٌ} [الحج: (1]، {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]، {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: (21]، ولا يخاطبهم خطاباً فيه شيء من اللمز أو الطعن أو التحقير.
أمة، فعلينا جميعاً أن
وإذا كان هذا هو الأدب الذي أدب الله - تبارك وتعالى ـ به هذه الأُمة ندرك ذلك ونتأدب به.
المحاور في عالم تتسابق فيه الدول المختلفة إلى الاجتماع وتوحيد الكلمة، وتتعدى ذلك إلى توحيد عملتها وهي رمز الاقتصاد، تدور بذهن المسلم أينما كان أسئلة مختلفة لماذا لا يتم ذلك بين المسلمين؟
لم يكن لدى تلك الشعوب نصوص ربانية تسوقها إلى الوحدة، وليس بينها وبين بعضها قواسم مشتركة، وروابط عرقية أو دينية أو لغوية، وصفحات معظمها مصبوغة بدماء الحروب الطاحنة التي دارت بينها من قبل، لكنها ما إن سمعت صوت المؤذن بالتجمع والاتحاد، حتى أصغت إليه باهتمام، وتنادت في المشارق والمغارب أن هلم، فاجتماعنا على قول مرجوح خير من تفرقنا على قول راجح.
والمسلمون - واأسفاه - يمتلكون المقومات اللازمة لهذه الوحدة، ويضمون إلى ذلك رصيداً ضخماً من القواسم والروابط المشتركة، وفوق هذا وذاك هم مأمورون شرعاً بهذا الاتحاد، لكنهم لا تزال تتدفق من أفواههم كلمات تزحم الأوراق، ومجاملات تخرج من جيب التقية أحياناً، ومن ملفات تحسين الصورة أحياناً أخرى.
المحاور: فما العلاج؟ وما الحل؟
لا ريب أن الأمم التي أخذت تتجمع وتتحد، أدركت مصالحها، وأدركت أن الفرقة عذاب وأن الوحدة رحمة، وأن الشقاق ضعف والوفاق قوة، وأن العداوة تعب والألفة راحة، فلذلك سارعت إلى ما فيه مصلحتها، بينما أُمة الإسلام قبل أن تكون (1/246)
صفحة 247
الوحدة الإسلامية
الوحدة عندها استجابة لمصالحها، هي استجابة لداعي الله - تبارك وتعالى ـ، فإن الله الله فرض عليها الوحدة كما فرض عليها التوحيد، يقول الله وعل: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 102، 103]، ويحذر الله عباده من التفرق والاختلاف عندما يقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُ} [آل عمران (105]، والله سبحانه يبيّن أن الفرقة تؤدي إلى الضعف والتشتت، وتؤدي إلى انهيار القوة، حيث يقول: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
وهكذا نجد دعوة القرآن دعوةً تدوّي في هذا الوجود، حاضة هذه الأمة على الاتحاد والتآلف، على أن الله تعالى يؤكد لنا في كتابه أن هذه الأُمة - أُمةَ التوحيد - هي أمة واحدة حيث يقول: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، ويقول تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52].
فهذه الأمة إنما تجتمع وتتألف في ظلال العبودية لله، وفي ظلال تقوى الله، لأن عبادة الله تعالى هي جامعة غير مفرقة، فكل عبادة من العبادات المشروعة في الإسلام تَنْتَزِعُ من صدور العباد السخائم والأحقاد، وتفيض فيها شعوراً بواجب الوحدة الإيمانية الرابطة ما بين عباد الله تعالى المؤمنين، وكل عبادة من العبادات تحطّم الحواجز المصطنعة ما بين العابدين، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم ليترفعوا فوق أهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم، متوجهين إلى الله تعالى المعبود الواحد الذي فرض بينهم هذه العبادة وفرض عليهم عبوديتهم له.
والإسلام هو داع إلى هذه الوحدة، كما أنّ دواعي الاتحاد بين الأُمة كثيرة، فالرب المعبود واحد: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، فما دام المعبود هو الله تعالى فهذا من دواعي الائتلاف، وبجانب هذا كيفية العبادة أيضاً واحدة؛ لأن الصلوات التي تؤديها الأُمة قد اتفقت عليها جميع طوائفها، فما من قائل بأن المفروض أربع صلوات أو صلاتان أو ثلاث أو ست أو عشر، وإنما الكل يقطع بأن الفروض التي تتكرر في اليوم والليلة وهي خمسة، ليست أكثر من ذلك ولا أقل. كذلك هذه الأمة متفقة على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى وجوب تزكية المال، وعلى وجوب حج بيت الله
الحرام، وهو
247 (1/247)
صفحة 248
248
لقاعات
في الفكر و الدعوة
لقاء عام بين عباد الله تعالى المؤمنين. كما أن هذه الأمة أيضاً قبلتها واحدة، وكتابها الذي ترجع إليه وتعتمد عليه كتاب واحد، ونبيها الذي تأتم به وتهتدي بهديه هو نبي واحد.
كثيرة ومتنوعة،
كل ذلك مما يدعو إلى الألفة والاجتماع، فإذاً أسباب اجتماع هذه الأمة فالأُمة لو أنها رجعت إلى أسباب الوحدة فما عندها من الرصيد الديني والرصيد الفكري والأخلاقي والتاريخي والأدبي كاف لأن يؤلف بينها ويجمع شتاتها.
المحاور: قال الله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ)
فَنَسَسُوا
[المائدة: 14]. هل لهذه الآية علاقة بغياب الوحدة الإسلامية؟
هذه الآية لا هذه الأمة، تعني
وإنما هي في النصارى الذين احتدم الشقاق بينهم وأدى إلى مجازر وحروب طاحنة بسبب الاختلاف في بعض الأشياء اللاهوتية
التي ليست من الحقيقة في شيء، ولا تداني الحقيقة، وإنما كانت ضلالات سرت إليهم بتأثير العقائد الرومانية الوثنية عندما تنصر قسطنطين إمبراطور الروم فألقى بأوزار عقيدته السابقة إلى الدين الذي انتقل إليه، وقد أدى ذلك إلى التنازع والشقاق في بعض التصورات التي نشأت عن هذا المعتقد الجديد، فقد اختلفت طائفتان من النصارى الملكانية والمنفوسية في طبيعة المسيح، هل هي طبيعة لاهوتية محضة، أو طبيعة مزدوجة تجمع ما بين اللاهوتية والناسوتية؟ وأدى هذا إلى حروب طاحنة ما بين الجانبين وعداوة مستحكمة فرقت بينهما، وهذا لا يعني أن هذه الأمة مبرأة من هذه التبعة، ومصونة عن تلكم الغاية عندما تنهج نهج أولئك، ولا تترفع عما وقعوا فيه من الشقاق.
المحاور: أنتم ذكرتم في محاضرة من محاضراتكم أن الوحدة العربية تمتلك من المقومات ما لا تمتلكه الأمة الإسلامية من غير العربية، فما هذه المقومات؟
العرب - إن استقاموا واستمسكوا بحبل الله تعالى المتين، واتبعوا نوره المبين - هم محط أنظار الأُمة الإسلامية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها؛ لأن الله تعالى (1/248)
صفحة 249
الوحدة الإسلامية
أكرم العرب بأن بعث فيهم عبده ورسوله محمداً، وهو منهم أي من جنسهم؛ لأنه ينحدر من أصولهم، وهو أيضاً مبعوث بلسانهم، فالقرآن الكريم الكتاب المعجز نزل بهذا اللسان العربي المبين، فكان ذلك داعياً إلى توقير العرب وتقديرهم من قبل سائر شعوب الأُمة.
ولا ريب أن اللسان رباط يشد الناس بعضهم إلى بعض، فاللغة رباط بين الناطقين بها، كما أن الفكر، رباط، وهذا ما وجدنا المستعمرين يعولون عليه في ربط الشعوب التي يستعمرونها بهم، فإن المستعمر في أي بلد ينزل به يحرص أن يفرض على أهل البلد لغته، حتى تكون هي لغة الثقافة لتكون جسراً تعبر أفكاره عليه إلى تلك الشعوب.
فإذن لغة القرآن لغة رابطة بين الأمة الإسلامية عندما تكون لغة التفاهم بينها، وبما أن العرب يُتقنون هذه اللغة فهم - بلا ريب - قادرون على فهم القرآن أكثر من غيرهم، وقادرون على التوصل إلى أحاديث الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ أكثر من غيرهم، فهناك ما يدعو هؤلاء إلى أن يكونوا أكثر تألفاً وتقارباً وتراحماً وتلاحماً، وهذا لا يعني أن يفصلوا بقية الأمة أي الشعوب الأخرى عنهم، بل الوحدة الإسلامية تجمع بين العربي والأعجمي، وبين الأبيض والأسود، وبين القريب والبعيد، ولا عبرة بالأنساب والأحساب، وإنما العبرة بالإيمان، فكل من كان مؤمناً بالله واليوم الآخر فهو أخونا، ولكن بما أن العرب وُجِدَتْ فيهم هذه المؤهلات لقيادة الأُمة، فإنهم إن استمسكوا بهذه المؤهلات وأخذوا بحجزتها؛ كان لذلك أثر كبير في نفوس الأمة، والأمة بأسرها تقدّرهم، ونحن نجد ذلك فيما يقوله المفكرون والكاتبون من أمة الإسلام، فالكل يقدّر العرب، ويتمنى لهم أن يكونوا على وحدة ووئام وعلى ألفة ووفاق، حتى أن بعضهم قال بأن تضحية شباب العرب هي قنطرة عودة أمجاد هذه الأمة يعني عندما يكون العرب مستمسكين بدين الله الله، فإن ذلك مما يؤدي بهذه أن تتماسك، وأن تتعاون وتتآزر وتتناصر. كما أن العرب مكانهم مكان وسط في هذه الأمة يكفي أنهم جيران بيت الله تعالى الحرام، فهم بجوار الله - تبارك وتعالى -، ويكفي أن بقية بلادهم تلتف حول بيت الله تعالى الحرام، وهذا مما يزيدهم مكانة وشرفاً، وبلاد العرب مقصودة من جميع وهذا كله مما يعزز أهلية العرب لجمع شتات هذه الأمة والتأليف بينها.
إليها،
الأُمة إلى
أمة الإسلام،
249 (1/249)
صفحة 250
250
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: مع زحمة المجامع الفقهية والمؤتمرات الإسلامية والروابط الإسلامية هل تشعرون أن علماء المسلمين لا يزالون بحاجة إلى اتحادات أخرى لتوحيد
الأمة
وعلمائها واجتماعها؟
الأمة الإسلامية تحس من أعماق نفسها بأنها هي بحاجة إلى الوحدة، ولا ريب أن الأزمات التي تمر بها، والمحن التي تلاحقها، والصعاب التي تكابدها، كل ذلك مما يحدوها إلى الاتحاد، ومما يفجر في نفسها مشاعر هذه الأمنية العظيمة، فيجعلها تسعى إلى اتحادها وتألفها وترابطها.
ونحن نحس الآن بأن الوحدة أصبحت هاجس كل مسلم، فكل مسلم يتمنى أن يتحقق الاتحاد، والمخلصون من فئات هذه الأمة جميعاً يحسون بالسأم من هذا التفرق والاختلاف والتنازع والتشتت والتشرذم، فلذلك يطمعون في هذه الوحدة، ويطمحون إليها، وهو مما يحفز الهمم إلى الأخذ بأسباب الوحدة.
ولكن
الأمة
بحاجة ـ كما قلت أكثر من مرة - فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي إلى تخطيط سليم وتنفيذ أمين، وهذا ليس خاصاً بالجانب الاقتصادي فحسب، وإنما هو محور النجاح في جميع الجوانب، سواء في ذلك الجانب الاجتماعي، والجانب الثقافي والإعلامي، وكل الأُمة الجوانب، فإن الإسلامية تفتقر إلى هذين العنصرين فهي بحاجة إلى تخطيط سليم، وتنفيذ أمين لتحقيق نجاحها في كل المجالات.
ولا ريب أن الأُمة الإسلامية مقومات اتحادها كثيرة، وهي قائمة بمشيئة الله الله وإنما غلبة العصبيات والجهل، أججت الأحقاد في نفوسها وهي عوامل مدمرة لاتحادها منذ قديم الزمان والموروثات الفكرية الخاطئة أدّت بالأمة إلى الاختلاف والتنازع والتشتت، وقد تعمّقت هذه المؤثرات في نفوسهم إلى أن أصبحت كل طائفة منهم تحرص على أن تستمسك بمواريثها مهما كان خطؤها وبعدها عن هدي الإسلام، ولا تحاول قط أن تعرض هذه المواريث على الأصول التي يجب أن يُرْجَعَ إليها، وهي كتاب الله تعالى أولاً، ثم الثابت الذي لا خلاف فيه من السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/250)
صفحة 251
الوحدة الإسلامية
المحاور: ذهبتم قبل أيام إلى بريطانيا لحضور اجتماع اتحاد علماء المسلمين، هل ذلك الاتحاد رأيتم أنه أضاف شيئاً جديداً فوق تلك الاجتماعات أو المؤتمرات التي كنتم تحضرونها فيما مضى؟
الاجتماع بمشيئة الله تعالى تمّ في ظروف ما كان يحسب فيها أن يتم مثل هذا الاجتماع، إذ حضر من بقاع الأرض نحو مائتين، يحدوهم الحب الذي في
نفوسهم للألفة والوحدة والترابط برباط العقيدة السمحة التي تجمع ولا تفرّق.
والاجتماع كان نواة لخطة نرجو أن تكون - بمشيئة الله - سليمة، ونرجو أن يعقبها التنفيذ الأمين. كما نرجو أن تكون هذه الخطة محكمة ومدروسة، وأن تتضافر الجهود الله تعالى ـ من أجل نجاحها، حتى تكون صالحة لاستيعاب هذه الأمة وتوحيدها، وتحقيق التسامح فيما بينها - بمشيئة الله سبحانه - فهذه إضافة جديدة بجانب الجهود المبذولة فيما تقدّم.
بعون
-
المُحاور: عُمان في القديم والحديث ما إسهامات علمائها في توحيد الأُمة
الإسلامية؟
عُمان منذ أمد بعيد حرصت على الوحدة والألفة وحرصت على الإنصاف والعدل بين كل الناس، ولذلك نجد في كنف أهل عُمان تعيش فئات الأُمة جميعاً
على اختلافها وتباين مذاهبها، وهي تجتمع في كنف الوحدة والتعاون فيما بينها. وهذا ما كان معروفاً عند العُمانيين سواءً هنا أو خارج أرض عُمان، حتى أنه قبل خمس سنوات تقريباً كنت في اجتماع لافتتاح مسجد لجماعة عُمانية في الجزيرة الخضراء، وكان ذلك تحت رعاية نائب الرئيس التنزاني السابق - وهو الدكتور عمر علي جمعة ـ وقد ألقى خطاباً على الجمهور في هذه المناسبة، وكان مما قاله في هذا الخطاب: «ليس بيننا وبين الإباضية أية مشكلة هؤلاء القوم كانوا حكّامنا في وقت من الأوقات فقد حكموا بلادنا، ولو شاؤوا لحولونا جميعاً إلى مذهبهم، ولكن لم يقف تسامحهم عند حد أنهم تركونا وحرياتنا في اختيار المذهب الذي نريده، بل كانوا بجانب ذلك أيضاً يبنون المساجد
251 (1/251)
صفحة 252
252
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ويسلمونها إلينا لنمارس فيها شعائرنا الدينية وفق مقتضيات تعاليم مذهبنا وهذا مثال في التسامح يجب أن يُحْتَذَى، فعلى المذاهب الأخرى أن تتعلم من هذا كيف تتسامح عند
الآخر».
وقد بُثَّ خطابه هذا عبر وسائل الإعلام هنالك، وتمنيت في ذلك الوقت أن لو ترجم إلى العربية ونشرته وسائل الإعلام هنا في عُمان.
وقتهم
فإذن العُمانيون ضربوا أروع الأمثال فيما يجب أن يكون عليه المسلمون من التسامح، وهذا لا ير يرجع إلى العمانيين فحسب، بل إخوانهم من أهل شمال أفريقيا ضربوا هذه الأمثال الرائعة، وسجل هذا كله ابن الصغير في كتابه الذي أرّخ فيه لأئمة الرستميين، ذكر بأن الأئمة الرستميين كانوا مثالاً في التسامح، مع أنه لم يكتم ما كان يدور ويعتمل بين حنايا نفسه بحيث قال: «وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرتهم كارهين ولكن مع ذلك يصفهم بالعدل والتسامح، ويقول بأن الشعوب كانت تلقى مأمناً في كنفهم، فكانت تيهرت) عاصمتهم في مأمناً للشعوب، ولذلك يقول كنت تجد في تيهرت الديار المختلفة، يقال لك هذه دار فلان العراقي، وهذه دار فلان الشامي، وهذه دار فلان المصري، يعني أن الشعوب كانت تأرز إلى ذلك المكان لما يجدون فيه من التسامح والعدل الذي هو مئنة الاستقرار. ولا ريب أن أهل عُمان نظراً إلى المبدأ الذي آمنوا به، والطريق الذي نهجوه يحرصون دائماً ـ كما قلت ـ في كل مكان على هذه الوحدة مع إخوانهم المسلمين، ولا يقيمون للخلافات المذهبية وزناً فلا تحول تلك الخلافات بين مسلم وآخر إلى حجب أحد عن حقه، حتى لو كان غير مسلم فالكل ينعم بجميع الحقوق المشتركة التي فرضها الله - تبارك وتعالى - بين الناس.
-
ومما هو واضح في هذا ما كان من طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي. رحمه الله تعالى ـ عندما ولي الأمر في صنعاء، وقد كان خرج إليها من أرض حضرموت، أي من جنوب اليمن إلى شماله، خرج إليها في لفيف من أصحابه، وكانوا من الفقر بحيث إن أبا حمزة يصفهم بأن النفر الكثير منهم يتعاورون لحافاً واحداً، ويتعاقبون على بعير واحد، ولكن عندما فتح صنعاء، وظفر بالأموال الكثيرة - التي جباها القاسم بن عمر الثقفي أُمية عامل بني الذي كان حريصاً على جمع الأموال كعادتهم - ما استباح طالب الحق هذه (1/252)
صفحة 253
الوحدة الإسلامية
الأموال لنفسه ولا أثر بها أصحابه، وإنما قال: «هذه أموال جُبيت من أهل صنعاء بغير حق، فيجب أن تردّ إليهم جميعاً»، ولم يفرق بين صاحب مذهب وآخر في ذلك، بل حَرَمَ أصحابه الذين جاءوا معه كما حرم نفسه منها ومن الانتفاع بها، وهذا مما سجّله كُتَّابُ التاريخ على اختلاف اتجاهاتهم المذهبية، وفي هذا يقول الإمام السالمي رحم الله:
وطالب الحق بصنعاحَكَما
لم يأخذن عند مضيق يومه تعففاًمنهم ومن كمثلهم كانوا يموتون على ما أبصروا
بجعلها في أهلها واحتشما شيئاً لنفسه ولا لقومه
أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
من الهدى ما بدلوا وغيروا
نعم؛ هكذا كانوا يموتون على الهدى الذي أبصروه من غير أن يرضوا لأنفسهم بأن تتدخل العواطف الرعناء في تصرفاتهم وفي أعمالهم، بل كانوا يعزلون العواطف جانباً، وإنما نُصب أعينهم كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وطالب الحق هو الذي بعث بقائده أبي حمزة إلى أرض الحرمين، ولما دخل أرض مكة دخلها مُحرماً من غير أن يُشهر سلاحاً، ومن غير أن يفعل شيئاً يؤدي إلى إزعاج الحجيج.
يجعلون
وبعض الناس أرادوا أن يؤلبوا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك عليه وقالوا: «احمل عليهم الحجاج ولن يكونوا إلا أكلة رأس، وكم ترى هنا من فرق كبير بين تصرّف وتصرف، بين تصرف أبي حمزة الشاري، وبين تصرف هؤلاء الذين يريدون أن ينبري حجاج بيت الله الحرام من أجل سفك دمائهم، فأرادوا أن يحمل عليهم الحُجَّاج ليكون ذلك أسرع في إبادتهم، ولم يبالوا بحرمات البيت الحرام والشهر الحرام، وكونهم في حالة إحرام متلبسين بعبادة مقدسة
وأراد عبد الواحد أن ينفذ هذه الخطة فيهم، فأرسل رسله إلى أبي حمزة لإعلان ذلك، ولكن أبا حمزة أصر على رفض خوضه الحرب، وقال: نحن لم نَجِنُّ لسفك دم أو إشهار سلاح، ونحن أضنُّ بحجنا.
فأبو حمزة وجنده كانوا مراعين لحرمات البيت الحرام حراصاً على عدم تلويث عراصه الطاهرة بسفك الدماء، بينما الطرف الآخر يحرص على إراقة دمائهم، وهذا الموقف
253 (1/253)
صفحة 254
254
لقاعات
في الفكر و الدعوة
النبيل الذي وقفه أبو حمزة كان له تأثير بالغ في نفس عامل بني أُمية عبد الواحد بن سليمان أدى به إلى أن ينسحب من مكة ويخليها لهم، وقد علق على موقفه هذا المعلقون، ومهما يكن من هدف له في صنيعه هذا فإنه أدى ذلك إلى سلامة الناس من أن تُسفك دماء محرمة في حَرَمِ الله تعالى الآمن. وأقام أبو حمزة بمكة وخطب خُطَباً اشتهرت بين الناس أوضح فيها معالم دعوته وما ينقمه على خصومه بمكة، وأقام موازين القسط هنالك، وحرص أن يرد الناس إلى هدي القرآن، وهدي الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة السلام ..
ثم خرج إلى المدينة المنورة بأصحابه، ولقيتهم بقديد جموع أهل المدينة، الذي أُججت فيهم الأحقاد وكانوا قد ألفوا في أيام بني أُمية نمطاً من أنماط الحياة غير ما كان عليه آباؤهم من المهاجرين والأنصار، إذ ركنوا إلى اللهو والمجون.
وقد أدركوا أن أبا حمزة ما كان ليقرهم على ما ألفوه من اللهو والمجون والانحلال، لأنه جاء ليعيد موازين القسط إلى هذه الأرض بعد افتقادها في ظل الدكتاتورية الأموية، وليعيد الناس إلى ما كانوا عليه في عهد الرسول الله وفي عهد الخلافة الراشدة، فشق عليهم ما كان يدعوهم إليه لذلك آثروا مناجزته، بينما حرص أبو حمزة على حوارهم ولكن الحوار لم يؤد إلى تفاهم، بل ظلّ أهل المدينة - مع ما وضح لهم من سواء المحجة ومن قوة الحجة عند أبي حمزة - مصرّين على موقفهم النابذ له، غير أن أبا حمزة قال لأصحابه: «إياكم أن تبدؤوهم بالقتال»، حرصاً منه على جمع الشمل وعلى حسن التفاهم، ولكن أهل المدينة اندفعوا إلى الفتنة فرشقوا أصحاب أبي حمزة بالسهام، فأصيب أحد أصحابه فقال: «دونكم الآن فقد حلّ قتالهم»، فكانت وقعة قديد الشهيرة التي كانت الكرة فيها لأبي حمزة وأصحابه.
ثم دخل أبو حمزة المدينة، وجلجل في جنباتها صوته الهادر من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الحق ومحذراً من اتباع الهوى، وكاشفاً نقاط الاختلاف والافتراق بين ما كان عليه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين، وما آل إليه الأمر من تبديل وتضييع لتعاليم الإسلام وانتهاك لحرمات الدين عندما آل الأمر إلى الذين يؤثرون هوى أنفسهم فينغمسون في شهواتها ويعادون كل من كان على خلاف هواهم، وجاء إلى منبر (1/254)
صفحة 255
الوحدة الإسلامية
رسول الله الله فبكى طويلاً، ووضع وجهه حيثما كان الرسول الله يضع قدميه وقال: آه، كم
قدم عاصية الله منتهكة لحرماته حاكمة بغير ما أنزل، وطئت موضع قدمي النبي بأبي هو وأمي. وبعد أن خضب لحيته بالدموع خطب بعدما رقى درجة واحدة في المنبر تواضعاً لمقام النبوة، واستعرض في خطبته سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وما حصل من بعدهم من تبديل لثوابت الدين وطمس لمعالم الحق، ثم دافع عن أصحابه
قائلاً:
«يا أهل المدينة، تعيرونني بأصحابي تزعمون أنهم، شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرضُ جباههم وأيديهم ورُكَبَهم من طول السجود، مصفر ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت؛ استهانوا وعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنة وشائك السهام وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قُدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، فخر صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أُبِينَتُ عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله وكم من خد عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان».
و
هذه هي سيرتهم التي ساروها، ومن الذي يشكّ في أن هديهم هذا مستمد من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه الراشدين، ولكن هل سلموا من ألسنة الناس التي تقذف لا تخط أحقاد صدورهم، وأقلامهم التي على صفحاتها إلا بمداد تلك الأحقاد، فكم تجد في وقتنا هذا من الذين في قلوبهم مرض من يقول بأن هؤلاء لم تُغْنِ عنهم عبادتهم من الله شيئاً، وكأني بهؤلاء يرون أن الله تعالى وكل إليهم قبول عبادة من أرادوا
بحمم من
255 (1/255)
صفحة 256
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ورفض عبادة من شاؤوا، كأنهم تبوأوا مقام البابوية في الإسلام فجعلوا لأنفسهم الحق في إصدار صكوك الغفران وقرارات الحرمان! ومما يؤسف له أن يصدر هذا التصريح ممن يعد ركيزة من ركائز الدعوة الإسلامية في هذا العصر.
ونحن ما أردنا نقاش هذه القضايا وإنما ذكرناها عرضاً لنقول إن أبا حمزة الشاري كان من إعلانه في المدينة المنورة قولته المشهورة: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً».
وهي
كلمات نابعة من صميم الإيمان قائمة على أصول ثابتة من شرع الله تعالى وهدي رسوله، ولكنها كانت شجى في حلاقيم أهل الباطل وقذى في أبصارهم فألبوا على قائلها ومن استشهد بها، وأجلبوا عليهما بخيلهم ورجلهم زاعمين أن ذكره الإمام الجائر في مقام البراءة والانفصال دليل على المغالاة والانحراف في الفكر، لأن الإمام الجائر - في موازنيهم - كالإمام العادل في وجوب موالاتهما ومحبتهما، وقد تصامم هؤلاء عن نداء القرآن وهدي الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، فإن الله تعالى يقول: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، فإذا كان مجرد الركون إلى أي سبباً لمس النار فما بالك بمن يود الظالم ويؤيده على ظلمه ويدفع في صدر من قاوم ظلمه أو عاداه على ظلمه.
ظالم
وفي قصة نوح مع ابنه الذي عصى أمره عبرة لمن كان له قلب، إذ لم يشفع له أن أباه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، وما لقيه في سبيل ذلك من العنت والعناء، فإنه بمجرد رفضه أن يركب السفينة مع أبيه، وإيوائه إلى الجبل كانت المفاصلة واجبة بينه وبين أبيه، وعندما قال نوح: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45]، جاء الجواب القاطع من قبل الله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]، وهل معنى ذلك أنك عليك أن تُوَالِيه وتحبه؟ لا، وإنما ذلك يعني البراءة منه ولم يعلل ذلك بأنه كفر بدعوة أبيه وإنما كان التعليل واضحاً في قوله: {إِنَّهُ عَمَل غَيْرُ صَلِح} [هود: 46]، أي العمل الذي عمله كان
غير صالح، فاستحق لحكم الله تعالى أن تُقطع صلته بأبيه، وأن لا يعتبر من أهله. وكم تجد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينص على هذا الحكم ودونك طائفة منها: روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن
256 (1/256)
صفحة 257
الوحدة الإسلامية
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ومن غشنا فليس منا ومن لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا»، وقد أخرج الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة له أن النبي صلى الله عليه وسلم مر طعاماً فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: «من غشنا فليس منا» وفي رواية
برجل يبيع لمسلم «من غشّ فليس مني».
وإذا كان النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - يعلن أن من غشّ أي غشّ كان فهو بريء منه، فما بالك بمن غش الأمة كلها، إذ تسلط على رقابها بغير حق وسلبها حقوقها المشروعة وأنفذ فيها هواه، وحال بينها وبين حكم الله، أليس هو أولى بالبراءة والقطيعة
من جميع
الأمة.
هذا؛ وأخرج الشيخان والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية».
وروى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة الله قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» وحمل التغني هنا على الاستغناء كما نص عليه الجوهري والهروي من اللغويين وأطال في الانتصار له القرطبي في تفسيره، ذلك لأن تفعل واستفعل يترادفان، كتكبر واستكبر. وروى أبو داود عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده».
وروى مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا: أغمي على أبي، وأقبلت امرأته أم الله عبد تصيح برنة قالا: ثم أفاق، قال: ألم تعلمي - وكان يحدثها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق».
موسى
ورواه مسلم أيضاً عن عياض الأشعري عن امرأة أبي موسى عن أبي موسى، وعن صفوان بن محرز عن أبي موسى، وعن ربعي بن خراش عن أبي موسى، غير أن في حديث عياض «ليس منا» ولم يقل «بريء» ومؤدى اللفظين واحد.
ورواه أبو داود عن يزيد بن أوس قال: دخلت على أبي موسى وهو ثقيل، فذهبت امرأته لتبكي أو تهم به فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بلى،
257 (1/257)
صفحة 258
258
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فسكتت فلما مات أبو موسى قال يزيد: لقيت المرأة فقلت لها: ما قول أبي لك: أما موسى سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سكت؟ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق وهذا هو لفظ عياض الأشعري عند مسلم.
وروى
أحمد قال: حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا».
وروى مسلم عن أياس بن سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سل علينا السيف فليس منا وأخرجه من طريق أبي موسى بلفظ من حمل علينا السلاح فليس منا ومن طريق أبي هريرة بلفظ: «من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا».
وأخرج الطبراني في كبيره عن ابن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من حمل علينا
السلاح.
وروى البيهقي في الآداب عن جبير بن مطعم أن رسول الله الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية». وأخرج الطبراني في كبيره عن عمران بن حصين له قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له - أظنه قال - أو سحر أو سحر
له».
وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من انتهب أو سلب أو أشار بالسلب» قال: وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
وروى الطبراني في كبيره عن ابن عباس قال: شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم العزوبة فقال: ألا أختصي؟ فقال: «لا، ليس منا من خصى أو اختصى ولكن صم ووفر شعر جسدك».
وروى أبو يعلى من طريق ابن عباس الله قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من أجلب على الخيل يوم الرهان وليس منا من خبب عبداً على سيده، وليس منا من أفسد امرأة على زوجها». (1/258)
صفحة 259
الوحدة الإسلامية
وفي مسند الشهاب للقضاعي بإسناده إلى عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله وهم يرون ريح القتار من الجيران ويرونهم
يکسون ولا يكسون».
وروى
أحمد
في
مسنده عن عبد
الله
بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» وفي إسناده رجل مجهول ولكن متنه صحيح لاعتضاده بالأدلة الصحيحة.
وروى الترمذي من طريق أنس الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا
ويوقر كبيرنا».
أيضاً وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف وهو وإن أعل بابن لهيعة وما قيل في روايات عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فإن معناه صحيح لاعتضاده بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة.
على أن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم - كما جاء في حديث صحيحي البخاري ومسلم - من حديث معقل بن يسار: «ما من عبد يسترعيه الله رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة». كذلك أيضاً نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما جاء أيضاً في حديث كعب بن عجرة عند الترمذي والنسائي - قال: «سيكون أمراء، فمن دخل عليهم وصدقهم
في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه وليس وارداً علي الحوض».
(وليس مني) تعني البراءة ممن أعان ظالماً على ظلمه، وإذا كان هذا الحكم فيمن أعان الظالم فما بالك بالظالم نفسه؟! كيف يُقال بأنه لا يتبرأ منه؟! وقد ثبتت براءة ال رسول صلى الله عليه وسلم ممن أعان ظالماً على ظلمه، وهو يدلّ على أن موقف أبي حمزة وموقف من نهج نهجه إنما يجسّد العدالة والحق، بل يجسد حقيقة الإسلام فإن الله تعالى إنما أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ورفع الظلم عن عباده، فليس من المعقول أن تكون في شرع الله سبحانه مداهنة للظلمة ومحاباة على ما يرتكبون من مظالم
259 (1/259)
صفحة 260
260
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الله
وإنما كانت أول انتكاسة في الفكر عند المسلمين، وغبش في تصور الدين، وتبديل لحكم الذي أنزله، إقرار ظلم الظلمة ومساندتهم عليه، والتنديد والتشهير بمن وقف في وجوههم للقبض على أيديهم حتى لا يبطشوا بها في عباد الله، ويحولوا بقوتها بينهم وبين ما لهم من حقوق فيما استولوا عليه من أموالهم، فجعلوها بينهم دولاً يستأثرون بها دون من يستحقها بشرع الله من اليتامى والأرامل والمساكين، بل أخذوا يستصنعون بها المتملقين المنافقين الذين يروجون لباطلهم ويقاومون بهم أهل الحق الذين لا ينشدون إلا الحق، لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً.
فإنه ـ مع
حتى غدت
الأسف الشديد - روج لهذا الفكر المنحط السافل في جماهير الأُمة، تصفق لظلم الظالم وبطش الجبَّار، وتبرر ذلك حتى تجعل طاعته من طاعة الله سبحانه، وتجعلها حلقة لا تنفك في سلسلة الطاعة الواجبة لله ورسوله، بل راج بين هذه الجماهير - التي رزئت في فكرها وعقيدتها بهذه التصور الباطل - أن نفس إضمار الكراهية والبغضاء للظالم منكر يجب تغييره، وباطل بد من استئصاله؛ لتظل القلوب والعقول في أسر الظلم والظلمة، لا تفكر قط في الخلاص منه أو منهم، فمهما ارتكب الظلمة من بطش أو فساد كان على الناس أن يكونوا لهم أداة طبعة تتحرك وفق هواهم بمجرد ضغطهم على أزرار تحريكها.
وبما أن أصحابنا - أهل الحق والاستقامة - تشربوا روح القرآن فأشرقت عليهم أنواره، واهتدوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا أبعد ما يكونون عن إقرار هذا التصور والموافقة عليه، لذلك كانوا منابذين لأهل الظلم، لا مكان لموالاتهم في اعتقادهم، فكانوا عرضة لحقد الحاقدين الذين لا يريدون بالظلم بديلا، فصبوا عليهم قوارع الإنكار، وسفهوا أحلامهم، ونسبوهم إلى الزيغ؛ لأنهم اتبعوا نهج القرآن واهتدوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام في عدم إقرار الظلم والميل إلى الظلمة والرضى بفعلهم، وكانت جماهير الأمة. بسبب الانحراف الفكري والبعد عن التصور الصحيح لمنهج الإسلام وعدم تدبرها القرآن واتباعها هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته - ضاعت عندها الموازين، وفقدت المعايير التي تميز بين الحق والباطل، فوقعت في أمر مريج من الفتنة، إذ أخذت تنصر ظلم على العدل، والباطل على الحق، غير أن الفطرة السليمة هدت طائفة من الناس بعدما نشأت وترعرعت على ما نشأت عليه الجماهير، فأنقذتها فطرتها من هذا الوحل
الظلـ (1/260)
صفحة 261
الوحدة الإسلامية
وهدتها إلى مهيع الصواب في هذا الأمر، فرفعت عقيرتها بين الأُمة تنادي بضرورة الإصلاح في الفكر والعمل من أجل رجوع الناس إلى الجادة ومباينتهم الانحراف.
اهـ (1)
وكان من بين هؤلاء المفكر المصلح عبد الرحمن الكواكبي المتوفى في عام 1320 هـ، الذي ألف كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ففند هذه الأفكار المأفونة ودعا إلى التحرر من أسرها، وكان مما قاله فيما نحن بصدده: «وقد عدد الفقهاء من لا تُقبَل شهادتهم لسقوط عدالتهم، فذكروا حتّى من يأكل ماشياً في الأسواق؛ ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يُفسِّقوا الأمراء الظالمين فيردوا شهادتهم». وقال أيضاً: «وكلُّ هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك السم القاتل، الذي يحوّل الأذهان عن التماس معره رفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدّين، ويلقيها على عاتق القضاء والقدر، بل على عاتق الأسراء المساكين أنفسهم. وأعني بهذا السم، فهم العوام، وبله الخواص، لما ورد في التوراة من نحو: اخضعوا للسلطان ولا سلطة إلا من الله»، و «الحاكم لا يتقلد السيف جزافاً، إنه مقام للانتقام من أهل الشر»، وقد صاغ وعاظ المسلمين ومحدثوهم من ذلك قولهم: «السلطان ظل الله في الأرض»، و «الظالم سيف الله ينتقم. ثم ينتقم منه»، و «الملوك ملهمون». هذا وكلّ ما ورد في هذا المعنى إن صح فهو مقيد بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل، وبما ينطبق على حكم الآية الكريمة التي فيها فصل الخطاب، وهي: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ}، وآية {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (2).
به،
وقال أيضاً: «أيها المسلمون: إني نشأت وشبت وأنا أفكر في شأننا الاجتماعي، عسى أهتدي لتشخيص دائنا فكنتُ أتقصى السبب بعد السبب، حتى إذا وقعت على ما أظنُّه عاماً، أقول: لعلَّ هذا هو جرثومة الدّاء، فأتعمَّق فيه تمحيصاً وأحلله تحليلاً، فينكشف التحقيق عن أنَّ ما قام في الفكر هو سبب من جملة الأسباب، أو هو سبب فرعي لا أصلي، فأخيب وأعود إلى البحث والتنقيب، وطالما أمسيتُ وأصبحتُ أجهد الفكر في الاستقصاء، وكثيراً ما سعيت وسافرت لأستطلع آراء ذوي الآراء، عسى أهتدي إلى ما يشفي صدري من آلام بحث أتعبني به ربِّي وآخر ما استقرت عليه سفينة فكري هو:
(1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 36، تحقيق وتقديم د. محمد عمارة، دار الشروق.
(2) المرجع السابق، ص 94.
261 (1/261)
صفحة 262
262
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أن جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة أنا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البدع والتشديد دين الإجهاد. وقد دبّ فينا هذا المرض منذ ألف عام، فتمكَّن فينا وأثر في كلِّ شؤوننا، حتى بلغ فينا استحكام الخلل في الفكر والعمل أننا لا نرى في الخالق - جلَّ شأنه - نظاماً فيما اتَّصف، نظاماً فيما قضى، نظاماً فيما أمر، ولا نطالب أنفسنا فضلاً عن أمرنا أو مأمورنا بنظام وترتيب واطراد ومثابرة.
وهكذا أصبحنا واعتقادنا مشوّش، وفكرنا مشوّش، وسياستنا، مشوشة، ومعيشتنا مشوشة. فأين منا والحالة هذه الحياة الفكرية الحياة العملية الحياة العائلية، الحياة الاجتماعية، الحياة السياسية؟!».
علماً
يا قومُ: قد ضيع دينكم ودنياك ساستكم الأولون وعلماؤكم المنافقون، وإنِّي أرشدكم إلى عمل إفرادي لا حرج فيه ولا عملاً: أليس بين جنبي كلِّ فردٍ منكم وجدان يميز الخير من الشر، والمعروف من المنكر ولو تمييزاً إجمالياً؟ أما بلغكم قول معلم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: لتأمر بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلِّطنَّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم»، وقوله: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»؟! وأنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كلها على أنَّ أنكر المنكرات بعد الكفر هو الظُّلم الذي فشا فيكم، ثمَّ قتل النَّفس، ثمَّ، وثم .... وقد أوضح العلماء أن تغيير المنكر بالقلب هو بغض المتلبس فيه بغضاً في الله. بناءً عليه؛ فمن يعامل الظالم أو الفاسق غير مضطر، أو يجامله ولو بالسلام، يكون قد خسر أضعف الإيمان والعياذ بالله».
،
ولا أظنّكم تجهلون أنَّ كلمة الشهادة والصوم والصلاة والحج والزكاة، كلّها لا تغني شيئاً مع فقد الإيمان، إنما يكون القيام حينئذ بهذه الشّعائر، قياماً بعادات وتقليدات وهوسات تضيع بها الأموال والأوقات.
«بناءً عليه؛ فالدين يكلفكم إن كنتم مسلمين، والحكمة تُلزمكم إن كنتم عاقلين: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقل في هذا الباب من إبطانكم البغضاء (1/262)
صفحة 263
الوحدة الإسلامية
للظالمين والفاسقين، وأظنّكم إذا تأمَّلتم قليلاً ترون هذا الدواء السهل المقدور لكل إنسان منكم، يكفي لإنقاذكم مما تشكون. والقيام بهذا الواجب متعيّن على كلِّ فرد منكم بنفسه، ولو أهمله كافة المسلمين. ولو أنَّ أجدادكم الأولين قاموا به لما وصلتم إلى ما أنتم عليه من الهوان. فهذا دينكم والدين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع، والدين يقين وعمل، لا علمٌ وحفظٌ في الأذهان. أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ما عليه غير منتظر غيره؟!».
«فأناشدكم الله يا مسلمين: أن لا يغرَّكم دين لا تعملون به وإن كان خير دين، ولا تغرنّكم أنفسكم بأنَّكم أُمّة خير أو خير أُمّة، وأنتم المتواكلون المقتصرون على شعار: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونِعْمَ الشَّعار شعار المؤمنين، ولكن؛ أين هم؟ إني لا أرى أمامي أُمَّةً تعرف حقاً معنى لا إله إلا الله، بل أرى أُمَّةً خبلتها عبادة
الظالمين». اهـ
(1)
وهو كلام يدلّ على إحساس بالمرارة والألم من الواقع الذي غرق فيه الناس وإن كان لا يخلو من مبالغة خارجة عن حدود الاعتدال، حيث منع حتى السلام على الظلمة مع أن السلام حق مشروع تشترك فيه الأُمة بأسرها سواء منها البر أو الفاجر، وما كان هذا الإفراط إلا ردة فعل للتفريط الذي وقعت فيه الأمة، وقد أرسل كلماته هذه صيحات مدوية في أرجاء العالم الإسلامي ولكنها ما كانت أكثر من صيحة في وادٍ، حيث لا سامع ولا مجيب، وذلك لما تراكم على عقول الناس عبر القرون الخالية من التصورات الباطلة التي طمستها فأفسدتها، فلم تعد صالحة لتقبل الفكر الصحيح النير.
على أن العدالة والإنصاف والتعفف كانت تتمثل في سلوك السلف الصالح، الذين كانوا على هذا النهج الصحيح الذي درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، وسار عليه طالب الحق وأبو حمزة الشاري وسائر أئمة أهل الاستقامة، فقد كانوا حراصاً على أن لا يخرجوا عنه في تعاملهم مع القريب والبعيد والبغيض والحبيب، ومهما لقوا من سائر إخوانهم من المسلمين من اضطهاد وظلم ما كانوا يقابلون الإساءة إلا بالإحسان.
(1) المرجع السابق، ص 112، 114.
263 (1/263)
صفحة 264
264
لقاعات
في الفكر و الدعوة
،
فهذا الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني - رحمة الله تعالى عليه - بويع بالإمامة في طرابلس الغرب في عام مائة وأربعين للهجرة في أوائل عهد بني العباس، وكان يُشَدِّدُ جدًّا ـ عندما يخرج لأي حرب يكفكف فيها بغي البغاة - أن لا يؤخذ من أموال البغاة أي شيء، فقال له أحد من أصحابه نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا أي نجازيهم بمثل ما يصنعون فردّ عليه الإمام أبو الخطاب إذن حقٌّ على الله أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا} [الأعراف: 38]، وعندما خرج إلى قتال ورفجومة بالقيروان - عندما نما إليه استصراخ امرأة من أرض القيروان رزئت بجور قبيلة ورفجومة الصفرية، فخرج لإنقاذ تلك المرأة وإنقاذ أهل القيروان من الظلم - حذر أصحابه أن يأخذوا أي شيء من أسلاب مقاتليهم، وعندما مرّت امرأة بالقتلى من فريق البغاة وكانت معهم أسلابهم لم يؤخذ منها شيء قالت: كأنهم رقود، فسمي المكان رقادة، ولا يزال يسمى هذا الاسم إلى وقتنا هذا. فهذه نماذج مما كان عليه سلفنا الصالح من الحرص على ردع النفس عن كل ما يشين صفحتهم من الظلم أو التشفي من العدو، وهنالك كثير من هذه النماذج الحية والصور المشرقة التي تمثل حقيقة الإسلام وجوهره مما كان من أئمتنا المتقدمين والمتأخرين.
المحاور: هناك تهمة توجه للزحف الذي قام به أبو حمزة والموقف الذي وقفه العُمانيون من بني أمية بأنهم رفضوا الانضمام إلى الجماعة الإسلامية العامة وشقوا عصا الطاعة، فكانوا سبباً من أسباب تفريق الأمة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى التهمة التي توجه إلى أبي حمزة الشاري من أنه كان من الخوارج. فما الصلة بين هذا الفكر وبين ما يقال عن الخوارج؟
وهدي
علينا أن ننظر إلى التاريخ نظرةً فاحصة فلا نخضع لتأثير العواطف ولا للدعايات، وإنما نضع كل شيء على المحك العادل من كتاب الله رسوله، بهذا يمكننا أن نفحص هذا التاريخ فحصاً دقيقاً ونحكم له أو عليه، فالحق فوق كل اعتبار، وكتاب الله وهدي رسول صلى الله عليه وسلم فوق كل نزعات الناس ونزغاتهم.
فإن الناس من شأنهم أن يكونوا مع الغالب، وهذا ما لمسناه ليس في التاريخ الغابر فحسب، بل حتى في وقتنا الحاضر، فقد كانت في الأيام القريبة شخصية علمية إسلامية لها وزنها (1/264)
صفحة 265
الوحدة الإسلامية
بعمر بن
واعتبارها وكان هذا الرجل على صلة بأحد القادة فكان يمثله بعمر بن الخطاب أو عبد العزيز وما كاد يتحول مجرى السياسة عن ذلك القائد حتى قلب رأس المجن له، وسُئل في حوار صحفي عنه - وقد عرف أنه كان يمجده ويجعله في مصاف الخلفاء الراشدين ـ وعن الشعار الذي يرفعه ذلك القائد في حربه مع الآخرين وهو الدفاع عن أرض الإسلام ومقدساته ومواجهة المحتل بالجهاد الشرعي، فما كان من ذلك العالم الذي كان يمجده إلا أن قال: «متى كان هذا القائد إسلاميّاً حتى يُعنى بالإسلام والدفاع عنه!
وهكذا شأن دهماء الناس دائماً يمشون في ركاب الغالب، وقد عايشنا تطورات شتى في أفكار الناس المعاصرة الحديثة وتقلبات عجيبة في المواقف بين لحظة وأخرى، ولم يسلم من ذلك حتى كبار علماء الأمة المرموقين إلا من رحم الله، فيوم كانت الثورات الاشتراكية تلقي بأوزارها على صدر هذه الأمة كان كثير من علمائها أبواق دعاية لها وكانوا يصورون أولئك الطغاة الذين كانوا يسومون الناس الخسف والهوان في صورة المنقذ للإنسانية، حتى أن افتتاحية عدد من مجلة ناطقة باسم أكبر مؤسسة دينية في العالم مجدت الطاغية ورفعت قدره حتى جعلته أعلى من رسول الله له شأناً، وأنجح منه فيما جاء به من حلّ مشكلات البشر!!
أوتعجب بعد هذا إن انطلقت حناجر المروجين للباطل الذين ساءهم قيام الحق فكالت التهم لأبي حمزة وأصحابه، وصورتهم في صورة المارقين الخارجين عن حدود الله وكالت الثناء جزافا لبني أُمية ومن في حزبهم؟؟! فإن هؤلاء الذين هم الذين روجوا دعايات الباطل وزيّنوا الظلم لأولئك الظلمة، ناهيك ما كان من ثنيهم يزيد بن عبد الملك عن السير على نهج عمر بن عبد العزيز الله وشهادتهم له بأن الخليفة ليس عليه حساب ولا عذاب!!
وحسبنا أن ننظر في أمر دولة بني أمية إلى أمرين اثنين: أولهما: ما صنعه بنو أمية في مكة المكرمة في حرم الله الأمن وبلده الأمين ألم يقصفوا الكعبة بالمنجنيق؟! وانتهكوا حرمة بيت الله تعالى المحرم، الذي من أراده بإلحاد بظلم يُشْر بعذاب أليم؟
ثانيهما: أن هؤلاء هم الذين انتهكوا حرمة حَرَم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوا المهاجرين والأنصار في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقتلوهم قتلاً ذريعاً، واستباحوا المدينة لمدة ثلاثة أيام،
265 (1/265)
صفحة 266
266
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أطلقوا فيها أيدي الغوغاء فارتكبوا ما تقشعر منها الجلود، وتطير منه الألباب ووصل الأمر إلى أن تحمل ثلاثمائة بكر من نساء أهل المدينة من جراء ذلك، بماذا يُفَسَّرُ هذا؟! أَيُقَالُ بأن هؤلاء هم الذين يجب أن يُنْضَوَى إليهم وأن يُسار في ركابهم؟! مع أن أحد هؤلاء قال على مسمع ومرأى عندما وُلِّيَ الأمر: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان - ولا بالخليفة المصانع - يعني معاوية - وإنكم تأمروننا بأشياء تنسونها في أنفسكم والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه»، بماذا يُفسَّر ذلك؟!
وعندما جاء قائدهم ابن عطية بجيش عرمرم من بلاد الشام إلى المدينة المنورة لحرب أبي حمزة ومن معه، ماذا صنع أبو حمزة؟ وماذا كان من أولئك؟ قال أبو حمزة لأصحابه: لا تبدؤوهم بالقتال، حتى تقيموا عليهم الحجة، فنادى أبو حمزة نفسه في ابن عطية وجيشه: ماذا تصنعون بكتاب الله؟ قال: نضعه في الجوالق، ثم سأله ماذا تصنعون باليتيم؟ قالوا: نأكل ماله ونفجر بأمه. ومع ذلك يقال بأن من قام على أولئك إنما قام على الدولة الإسلامية، أهذا هو الإسلام الذي جاء به الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ، والذي كان في عهد الخلفاء الراشدين؟؟! أهكذا جاء القرآن؟! ألهذا دعت السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؟ أين معايير الناس وموازينهم، وأين الضوابط التي تضبط أعمالهم وتصرفاتهم؟؟! ماذا صنعوا فيما بعد بأبي حمزة وأصحابه لما تمكنوا منهم؟! ما كان منهم إلا أن صلبوهم بعد قتلهم، مع أن المثلة نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين فضلا عن المسلمين، وانظر هل كان الرسول الله عندما يقتل المشركين يمثل بهم؟! هل كان يصلبهم في الجذوع؟ هل نصب النبي الله الجذوع للذين آذوه وأرهقوه بمكة المكرمة من قريش بعدما ظفر بهم وقتلوا وخَرُّوا مجندلين صرعى في غزوة بدر؟! هل أمر بصلب أبي جهل؟! هل أمر بصلب عتبة بن ربيعة؟ هل أمر بصلب الوليد بن عتبة؟! هل أمر بصلب شيبة بن ربيعة؟! هل أمر بصلب أحد من أولئك؟ لا ما كان ذلك منه وما كان يرضى به، وإنما هؤلاء كانوا بخلاف ذلك، هؤلاء كانوا يصلبون ويأتون ما يأتون من العظائم في حق كل من أراد أن يغيّر باطلهم، فماذا فعلوا في آل بيت رسول الله؟! ونحن نجد كيف أن الفقهاء حاولوا أن يسخّروا الأحكام الشرعية لتتلاءم والواقع، فعندما قام سبط الرسول صلى الله عليه وسلم على الدولة الأموية، وقتل في من قتل، وحُمل رأسه إلى يزيد بن معاوية، ماذا قال فقهاء الأمة؟ من الفقهاء من قال: قُتل بسيف جده، ومعنى ذلك أنه قتل بحكم جده؛ (1/266)
صفحة 267
الوحدة الإسلامية
لأنه قام على إمام شرعي في نظرهم هكذا كان انقلاب الموازين عند هؤلاء، فقد انقلبت انقلاباً عجيباً حتى كان الحق عندهم باطلاً والباطل حقاً، والعدل جوراً والجور عدلاً.
لذلك نحن نقول: إن الأمة يجب عليها أن تزحزح عن تصورها هذا الركام من الأفكار المأفونة - التي تراكمت عليها عبر هذه القرون فحجبتها عن الحق وتصوره ـ، حتى يعود الفكر صافياً خالصاً نقياً من الشوائب الدخيلة عليه، وبهذا يمكن للأُمة أن تستعيد أمجادها، أما مع بقاء هذه الأفكار فالأُمة ستظل متقهقرة مقهورة، إذ لا تبقى لها بصيرة تستهدي بها وتقوم في أمرها على نور منها، وإنما يبقى الحق عندها ملتبساً بالباطل والهدى بالضلال والرشد بالغي.
أما نهج الخوارج في استباحة دماء الأمة بغير برهان من الله، واستباحة أموالهم وأعراضهم فإن أبا حمزة ومن كان على نهجه كانوا أشد الناس معارضة لهم ومباينة لنهجهم، فالخوارج إنما كانوا يستبيحون أموال أهل التوحيد، وسفك دمائهم، ويستبيحون أعراضهم، لأنهم يعاملونهم معاملة المشركين فيسبون النساء ويستبيحون منهن ما يستباح من السبايا من المشركات، واسألوا التأريخ هل كان هذا من أبي حمزة ومن سار على هديه في أي وقت من الأوقات؟! يجبكم بأنهم كانوا أعف الناس عن ذلك وأبعدهم عن أن يرزأوا أحداً من الأمة في ماله أو عرضه أو يجترئوا على سفك دمه بغير بينة من الحق، بل عندما قيل له ـ في الذين قاتلوهم في قديد بعدما تمكنوا منهم -: اقتل هؤلاء الأسرى، لأن هؤلاء لهم ردءً يرجعون إليه - أي لهم مأوى وهم أهل الشام - ولئن جاء أهل الشام ليكونن أنكى علينا من أهل الشام أبى ذلك، وقال: لا أخالف سيرة أسلافنا.
ومعنى ذلك أن أبا حمزة يسير على هدي سلف كان حريصاً على اتباع هذه الخطوات التي لا تخرج عن هدي الرسول الله وهدي خلفائه الراشدين:
ما زايلت خطوة المختار خطوتهم ولا ثنى نفسهم عزم وشيطان
وإلى موقف الإمام أبي حمزة السابق يشير الإمام السالمي بقوله:
حث على القتل مع الإدبار
ولأبـ
الحر مع المختار يوم قديد إذ لهم جبار
ردء ومـ
ساعفه المختار
وكان فيها لأبي الحر النظر
ــه مارسهـ ـم وقد نظر
267 (1/267)
صفحة 268
268
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ولكن مع ذلك قال أبو حمزة لا أخالف طريقة أسلافنا فالبون شاسع بين هذا النهج وذلك النهج.
ولا ريب أن جمهور الناس - كما قلنا - يتبعون الغالب، وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر ما الذي كان منهم عندما دانت الدولة لبني العباس واستطاعوا سحق بني أمية، فإن هؤلاء انقلبوا فوراً إلى صف بني العباس وانضموا إلى ركبهم طمعاً في رفدهم وحرصاً على مشاركتهم في دنياهم، وقد انتقم العباسيون من بني أمية انتقاماً عنيفاً، حتى أنهم نبشوا قبورهم، وأشعلوا النيران فيما وجدوه من هياكلهم وعظامهم، وجلدوا جثث الموتى، وبعد الانتصار بسطت الفرش لهم على أشلاء القتلى، ومنهم من كان لم يفارق الحياة بل كان يئن أنيناً من غير أن يؤثر ذلك شعوراً بالرحمة في نفوس بني العباس وجنودهم، بل استلذوا أكل الطعام فوق جثثهم.
ومع
ذلك كله انقلب الذين كانوا بالأمس عند بني أمية يستميتون في الدفاع عنهم وتبرير مظالمهم إلى نفس هذا الأسلوب، ولكن مع قوم آخرين هم الحكام الجدد من بني العباس، فاعتبروا دولتهم دولة إسلامية تمثل الإسلام، فكيف يكون الإسلام بعضه عدواً لبعض ويكون المبيد والمباد من أبنائه كلاهما على حق؟!! فالله المستعان.
المحاور: جاء في رسالة الإمام السالمي إلى الشيخ الباروني قوله: «وجمع الأمة ممكن عقلاً مستحيل عادة»، فنرجو بيان معنى هذه العبارة، وهل يمكن أن تكون هذه الرسالة محور بحث أو مشروعاً يطرح في المؤتمرات الإسلامية التي تعقد هنا وهناك؟
بالنسبة إلى ما يتعلق بقول الشيخ: «الاتحاد ممكن عقلاً مستحيل عادة» إنما هو ناشئ عن نظرته إلى الواقع الذي كان يعايشه.
من
فبالنظر إلى الواقع وما كان من التعصب البالغ في الناس حتى صاروا يجعلون موروثاتهم الفكرية - ولو لم يقم عليها دليل قط من كتاب الله ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم قضايا مسلّمة، بحيث يُحَوِّرُ القرآن ويخضع حتى يتفق معها، كان (1/268)
صفحة 269
الوحدة الإسلامية
اجتماعهم مستحيلاً، إذ لا يدعهم الشيطان يقترب بعضهم من بعض حتى يسلموا لحجة الحق ويؤثروه على مواريثهم الفكرية التي تأصلت في نفوسهم، ولكن ذلك ممكن عقلاً، إذ لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، فالله تعالى على كل شيء قدير، ولم يأتِ نص في كتاب الله تعالى يدلّ على أن الله تعالى قضى أن تتفرّق هذه الأمة وأن لا تتحد، وإنما العادة ترجع إلى ما يألفه الإنسان مما يبصره بعينيه، ويسمعه بأذنيه، ويعايشه في حياته.
أما بالنسبة إلى السؤال الآخر المتعلق بالرسالة هل يمكن أن تكون محور بحث؟ نعم، فهناك مراسلات كانت بين العُمانيين وبين غيرهم فيما يتعلق بالوحدة الإسلامية، منها رسائل صدرت من الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى الملك سعود بن عبد العزيز فيها دعوة إلى السعي لتوحيد الشمل، ورأب الصدع، ولم كلمة الأُمة.
كذلك عندما شبّت نار الفتنة في الحجاز، وقامت الحرب على ساقها بين أشراف مكة والملك عبد العزيز، كان من عناية العمانيين أيضاً بذلك أن صدرت من هنا رسالتان: رسالة من الإمام محمد بن عبد الله الخليلي للشيخ سليمان الباروني فيها دعوة إلى المسارعة باسم العُمانيين إلى الصلح ما بين الطائفتين المتحاربتين وفقاً لما أرشد إليه القرآن في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ولا سيما أن ذلك يمس الأُمة جميعاً بسبب أن الحرب تدور حول بيت الله الحرام.
ورسالة أخرى صدرت من السلطان تيمور بن فيصل إلى الطائفتين، وفيها تخويل أيضاً للشيخ سليمان الباروني أن يقوم باسم العُمانيين جميعاً من أجل رأب الصدع، ورتق الفتق،
ولم الشعث، وتوحيد الكلمة.
فهذا مما يدلُّ على عناية جميع العُمانيين بما فيه شمل جمع الأمة وهذه الرسائل بحثت في بعض المؤتمرات، فقد شارك أحد العُمانيين ببحث في مؤتمر انعقد في المملكة المغربية تحت إشراف الإيسسكو - المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -، تناول فيه هذه الرسائل بالعرض والتحليل، ولا ريب أن تحليل هذه الرسائل يحتاج إلى أكثر من بحث.
269 (1/269)
صفحة 270
270
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: إن الحضور العُماني في مضمار الوحدة بارز ومتميز في سائر طبقات مجتمعه، وأنا أود أن أسوق بعض النصوص التي نصت عليها الكتب العُمانية عن شخصياتها وهي تصب في مجال الوحدة:
-
رسالة الإمام العُماني راشد بن سعيد اليحمدي إلى إخوانه بالمنصورة من بلاد السند: «فاستقيموا الله على السبيل الذي دعاكم إليه، وحثكم عليه، ولا تتفرقوا فإن الدين واحد والحق واحد».
كتاب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إلى حضرة الملك سعود بن عبد العزيز. كانت تلك هي وسيلة ذلك العصر لتوحيد الأمة، ولا شك أن لهذا العصر متطلباته، ونحن نرى أن القيادات السابقة كانت تلك بصماتها، فما الدور المرجو من قيادات العالم الإسلامي في هذا العصر بما يناسب متطلباته في خضم التنصل الذي تقوم به الشعوب باعتبار أن المسؤول الأول هم القادة وأولياء الأمور؟
الأمة الإسلامية يجب على قياداتها أن تسعى إلى اتحادها فيما بينها، فاتحاد القيادات وتعاونها وتآزرها فيما بينها، مما يريح الأمة حتى لا يكون هنالك خلاف أو تفرّق أو تشتت أو ضياع في صفوف الأُمة؛ لأن الأتباع يضيعون في خضم النزاعات التي تكون بين القادة.
فهاجس الوحدة وإن كان يؤرقهم ويشغلهم، فإن الأحداث تكون معاكسة لهم، ومباينة للمسلك الذي يحرصون على السير فيه، وهو مسلك الوحدة، لذلك كان القادة مطالبين بأن يلموا شعثهم ويوحدوا كلمتهم، ونحن نرجو أن يرتفع صوت الأُمة من خلال اتحاد علماء المسلمين إلى قادة المسلمين، ومن خلال المؤتمرات الكثيرة التي تنعقد هنا وهناك
نرجو أن يصل إلى قادة المسلمين هَم الأمة،، فيسعوا دائماً إلى رص الصف، وتوحيد
الكلمة، والقضاء على أسباب الخلاف.
وقبل نحو شهر أو أقل من شهر كنا في مؤتمر في اليمن يعنى بشأن الوحدة، وكان مما اقترحناه في جلسة خاصة استغلال ثمرات هذا المؤتمر بتشكيل وفد يخرج إلى قادة الأمة الإسلامية في جميع أصقاع الأرض من أجل تنفيذ بنوده ليتم الترابط ما بين والتوحد والتآزر في قضاياها.
الأمة، (1/270)
صفحة 271
الوحدة الإسلامية
المحاور: ما مدى قدرة الفكر العُماني المتمثل في المدرسة الإباضية في استيعاب المدارس المتنوعة في العالم الإسلامي، وما الأسس والمبادئ التي انطلقوا منها؟
يجب علينا أن نحرص دائماً على الكلمة السواء التي تلمّ هذا الشعث، وترأب صدع جدار الأمة، وتعيد إلى الأمة الوحدة والألفة، ونحن نرى أن هذا الفكر هو فكر تسامح، ويستند إلى الدليل ويجعله فوق كل الاعتبارات، فاسمع إلى قول الإمام السالمي - رحمه الله تعالى -:
ولا تُنَاظِر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأواه ولو يكون عالماً خبيرا
معناه لا تجعل له نظيرا
يتفق
مع
تجد في كلامه ما يدعو إلى نبذ التعصب والاحتكام إلى الله ورسوله مع الاختلاف والتنازع، وعدم منح كلام أي أحد من الناس هذه الخصوصية، في حين نجد عند الآخرين ما لا هذا المنهج، فقد وجدنا من الناس من يقول: ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدّاه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصول الكفر (1)، وهذا كلام لا يؤدي إلا إلى التشتيت والتمزق وتأصيل العصبية حتى تكون هي محور التفاف كل طائفة حول نفسها، ونحن نربأ بأي أحد من أُمة الإسلام أن يرضى ذلك لأُمته.
هي
التي
وقد وجدنا التسامح عند علمائنا بحيث رضوا أن تكون الأصول المتفق عليها الأمة شتات وهي كافية لأن تمد جسور الأخوة بين جميع أُمة الإسلام، فهذا الإمام
تجمع السالمي - رحمه الله تعالى - يقول: ونحن لا نطالب العبادا فمن أتى الجملتين قلنا إلا إذا ما أظهروا ضلالا قمنا نبيّن الـ صواب لهم فما رأيته من التحرير
فوق شهادتيهم اعتقادا إخواننا وبالحقوق قمنا واعتقدوا في دينهم محالا ونحسبن ذلك من حقهمُ في كتب التوحيد والتقرير
(1) حاشية الصاوي تفسير الجلالين، 10/ 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
271 (1/271)
صفحة 272
272
ــــل
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ــل ورد شبـ
ـه
جاء بها من ضلّ للمنتبه
قمنا نردّها ونبدي الحقا بجهدنا كي لا يُضِلَّ الخلقا
لو سكتوا عنّا سكتنا عنهمُ
ونكتفي منهم بأن يُسَلِّموا
وحسبك من دعوة تكتفي بالتقاء الأمة على جملتي التوحيد لأن تكون دعوة وفاق وألفة
ووئام.
فمن أتى بالجملتين قلنا
إخواننا وبالحقوق قمنا
فحسب الإنسان أن يأتي بهاتين الجملتين لأن يكون أخاً مسلماً له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ما لم ينقضهما بتكذيب وردّ ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو تفسيرهما العقدي كالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو يعاكسهما بأفعاله كما لو تنكر لشرع الله فيما فرضه عليه أو منعه منه، فإن لم يكن شيء من هذا منه فإن نفس الإتيان بهذه الجملة مما يمد جسور الأخوة بينه وبين المسلمين.
ويجب على كل طرف أن يحترم الطرف الآخر، وأن يقدِّر له ويعينه ويناصره، ويشد من أزره، وأن لا يخذله بحال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يخذله ولا يحقره، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه رواه مسلم والترمذي). (1/272)
صفحة 273
اللقاء الخامس عشر
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: وحدة الأمة
التأريخ: 15 ذي الحجة 1423 هـ / 16 فبراير 2003 م
لقاءات (1/273)
صفحة 274
سورة آل عمران - الآية 105 (1/274)
صفحة 275
وحدة الأمة
المحاور: كيف يمكن أن تكون مصائب الأمة
كلمتها؟
المسلمة سبيلا لتوحيدها وجمع
الأُمة المسلمة مطالبة بأن تكون أمة واحدة لا تختلف ولا تتنازع؛ لأن دينها دين وحدة كما أنه دين توحيد، فالله - تبارك وتعالى ـ كما دعاها إلى أن توحده وأن تفرده بالعبادة، كذلك دعاها إلى أن تتوحد فيما بينها، فقد قال تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103].
الأُمة.
وحدّر الله تعالى هذه من التفرّق والتنازع كما تفرّقت الأمم من قبل وتنازعت، قال الله وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأُوْلَبِكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وبيّن أن التفرّق من وصفات المشركين وذلك في قوله: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32] وكذلك بيّن أن النبي الله بريء من أولئك المفرقين المختلفين الذين فرقوا أمر دينهم، فقد قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام: 159].
وحدِّر الله الله هذه الأمة من التنازع، والتفرّق، وبيّن أن ذلك سبب لذهاب الريح، فقد قال الله وَلَا تَتَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
كلّ ذلك مما يدعو هذه الأمة إلى أن تتوحد، فضلاً عن كون جميع التعاليم التي جاء بها دينها تقتضي الوحدة فيما بينها، ففي جانب العبادات نجد أن كل عبادة تؤدي إلى الوحدة، فالصلاة مؤدية إلى الوحدة، إذ كلّ كلمة من كلماتها التي ينطق بها المصلّي في صلاته كلمة حية تنبض بمعاني إيمانية تدعو المسلم إلى المسلم ليتوحدا في ظل العبودية لله، كما أن هذه الصلاة - في جمعها للمصلين وانتظام صفوفهم وحركاتهم جميعاً وراء الإمام بحيث يركعون معاً ويسجدون معاً ويرفعون من الركوع والسجود معاً داعية إلى أن تتوحد الأمة في ظلال العبودية لله تعالى؛ لأن توحد حركاتها وانضباطها
إنما هي
هي
يقتضي توحّد مشاعرها وأحاسيها، فما هذا التوحد في الحركات إلا مظهر للوحدة الإيمانية
275 (1/275)
صفحة 276
لقاعات
في الفكر و الدعوة
التي هي مطلوبة من هذه الأمة على أن هذا الاجتماع الذي يجمع شتيتاً من المصلين هو مظهر للوحدة بين أنواع صنوف البشر، فالغني يقف إلى جانب الفقير، والقوي إلى جانب الضعيف، والحاكم إلى جانب المحكوم، والعربي إلى جانب الأعجمي، والأبيض إلى جانب الأسود، لا فارق بين هذا وذاك، إلا ما يتميز به بعضهم على بعض من عمق روح التقوى في نفسه وكل ذلك يعمّق روح الأخوة في نفوسهم جميعاً ويبعثهم على التنافس في مضمار
التقوى.
والزكاة تردم الهوة وتقضي على الفروق بين طائفتي الأغنياء والفقراء فهي من ناحية تفجر مشاعر الرحمة في نفوس الأغنياء الذين يسخون بمالهم تجاه إخوانهم الفقراء والمساكين ومن ناحية أخرى تدعو هؤلاء إلى أن يشعروا تجاه إخوانهم الأغنياء بمشاعر الحب والولاء، فينصهروا جميعاً في بوتقة مودة تجمعهم جميعاً في ظل العبودية لله.
وفي الصيام أكثر من أمر يبعث على الوحدة ما بين عباد الله تعالى الصائمين، كالانتظام في تناول الطعام بحيث لا يكون أحد أسبق إلى تناوله من الآخر، وإنما يتناولونه جميعاً في وقت واحد، يفطرون جميعاً من صيامهم في لحظة واحدة، كما يكفّون عن تناوله، ويشرعون في صيامهم في لحظة واحدة، كل ذلك مما يوحد الأمة، فضلاً عما فيه من التربية على الأخلاق التي يدلّ عليها قول النبي: إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم» (رواه الربيع والبخاري)، فإنّ هذا أحسن خُلق وأسماه يربي عليه النبي الله هذه الأمة من خلال هذه العبادة المقدسة، فالصائم ليس مطلوباً منه أن يكفَّ أذاه عن الغير فحسب، بل أن يتحمّل أذى الغير أيضاً، وألا يقابل الإساءة بمثلها، فإذا تعامل المؤمنون بمثل هذه الأخلاق كان ذلك داعيا إلى الاتحاد وزوال الشحناء من صدورهم، وتوريثهم المودة والحنان والشفقة والوئام.
والحج يجمع شتيت الأمة، ممثلة في الوفود التي تأتي من كل صوب وحدب، من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ليلتقوا جميعاً في صعيد واحد لا يفرق بينهم شيء، إذ الكل يظهر في مظهر واحد لا فرق بين القوي والضعيف، ولا بين الغني والفقير، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين القاصي والداني كل واحد يتجرد في ثوبي إحرامه ويرددون جميعا بلسان واحد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك
276 (1/276)
صفحة 277
وحدة الأمة
والملك لا شريك لك، وهذا مما يعمّق في نفوسهم وحدة المشاعر والأحاسيس والمبادئ والغايات والمساعي والأماني، ويدعو إلى إزالة الفوارق بينهم وكسر الحواجز التي تفصل
بعضهم عن بعض.
وهكذا المعاملات بأسرها إنما هي مبنية على الأخلاق، فإن المعاملات في الإسلام داعية إلى شد الأواصر وتمكين الروابط بين جميع أطرافها، فنحن نجد كيف شُرعت الحقوق في الإسلام، شُرِع حق الوالدين وحق الأولاد وحق الأرحام وحق الجوار وحق المسلم على المسلم، وكلّ ذلك من أقوى الأسباب لعطف الناس بعضهم على بعض وتآزرهم على الخير وتعاونهم على البر والتقوى والتوحد.
عندما
وهكذا المعاملات المالية والعلاقات الاجتماعية وغيرها مبنية على الأخلاق، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يساوم المسلم على سوم أخيه، أو يخطب على خطبته، وهذا مما يدعو إلى التآلف بينهم، ويجسد النبي الله هذه المشاعر الإيمانية التي تجمع شتيت الأمة يقول: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (رواه البخاري ومسلم).
ولما كان ذلك هو دين الإسلام وهذه هي قيمه التي يدعو إليها، وهذه هي الحلية التي يجب أن تتحلى بها هذه الأمة، فإذا هي مطالبة بأن تكون أمة واحدة بجميع الاعتبارات، وإذا كانت المصائب تنزل بهم فإن ذلك أحرى أن تكون باعثة إلى الاتحاد وقاضية على أسباب التفرق والخلاف، فالمسلم عليه أن يشعر بمشاعر الألم عندما يتألم أي مسلم، فلو تألّم أحد من المسلمين في مشارق الأرض كان على من في مغاربها منهم أن يتألم لألمه، وكذا العكس، والمسلم يشعر أيضاً بالفرحة بفرح المسلم، فانتصار المؤمنين مما يجعل كلّ مؤمن في الأرض يشعر بالفرحة الغامرة التي تغمر القلوب بسبب هذا الانتصار، وكذلك عندما يصاب المسلمون بنكبة تنعكس آثارها عليهم جميعاً. وكون هذه الأُمة مستهدفة في عقيدتها، وفي سياستها، وفي أخلاقها وآدابها، وفي ثقافتها وقيمها، وفي قوّتها وحريتها؛ كلّ ذلك مما يدعوها إلى الاتحاد فيما بينها، وأن يعطف بعضها على بعض، وأن يكون الكلّ متحابين في الله، ساعين بإخلاص إلى الرابطة المقدسة
التي تربط بينهم.
277 (1/277)
صفحة 278
278
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الله
تعالى،
على أن هذا الحبّ في الله لا يتم إلا في إطار تقوى الله - تبارك وتعالى - وطاعته والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ونحن نرى ذلك واضحاً فيما وصف به الحق الله المؤمنين والمؤمنات حيث يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71]، ومعنى ذلك أن هذه أسباب الموالاة بين المؤمنين والمؤمنات، فهي أواصر تشدّ بعضهم إلى بعض، وتربط على قلوبهم وتوحد فكرهم ووجدانهم، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمان للوفاء بجميع الحقوق الدينية والاجتماعية فيما بينهم وحاجز لهم عن الوقوع في محارم والصلاة التي يقيمونها من أهم العوامل في استقامتهم على البر والتقوى، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهير لنفوسهم وتربية لها على التضحية بالمال في سبيل الحق، وطاعة الله ورسوله الله جماع كل خير ومجمع كل فضيلة، فعندما يلتزم المؤمنون والمؤمنات ذلك كله بحيث يكونون آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومقيمين للصلاة ومؤتين للزكاة ومطيعين لله ورسوله في اتباع ما أمرا به وفي الازدجار عما نهيا عنه؛ فإنّ ذلك أقوى داعٍ إلى الوحدة فيما بينهم فتمتد بينهم حبال الموالاة تشدّ بعضهم إلى بعض؛ بحيث يتأخون في مشاعرهم وفي أحاسيسهم، فلا يكون بينهم شيء ما يدعو إلى التفرق.
المحاور: كيف يكون اختلاف علماء المسلمين رحمة للأمة مة الإسلامية؟ اختلاف علماء المسلمين هو رحمة بالأُمة الإسلامية فيما إذا كان في الفروع؛ أي لم يصادم نصاً قطعي الدلالة والمتن، أما إن صادم نصاً قطعي الدلالة والمتن فإنه يصبح سبباً للنقمة؛ لأنه لا يجوز لأحد أيّاً كان أن يخالف أمر الله، أو أمر رسوله، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقد أمر الله الله عباده بأن يطيعوه، وأن يطيعوا الرسول له الا الله، ثم أن يطيعوا أولياء أمورهم، ذلك ولكن مع أكد عند الاختلاف على وجوب أن يردّ الأمر كله إلى الله وإلى رسوله، فقد قال الله: تَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] (1/278)
صفحة 279
وحدة الأمة
يعصى،
وهو معصوم من
فأمر الله تعالى إنما هو أمر ربِّ السموات والأرض خالق الكون مصرف الوجود الذي أسبغ على العباد نعمه ظاهرة وباطنة، ومنه مبدؤهم وإليه، منتهاهم، فهو جديرٌ أن يطاع ولا، وأمر رسوله تجاب له طاعته لأنه المبلغ عن الله الخطأ والزلل فقد وصفه الله - تبارك وتعالى - بقوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وقد جعل الله طاعته صلى الله عليه وسلم من طاعته وعمل، حيث قال سبحانه: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].
بحسب
فلا يجوز أن يردّ أحد أياً كان حكماً جاء عن الله - تبارك وتعالى ـ أو جاء عن رسوله مع ثبوت ذلك الحكم وصحته، وهذا عندما يكون النصُّ قطعي الدلالة والمتن، أما عندما يكون غير قطعي الدلالة كأن يكون عاماً يسوغ تخصيصه فقد يختلف العلماء في تخصيصه ما يثبت من المخصصات التي يراها بعضهم ولا يراها آخرون، فقد يكون المخصص معتبراً عند بعضهم دون غيره، وقد يثبت عند بعضهم ولا يثبت عند آخرين، فتختلف الآراء بين إبقاء العام على عمومه أو الأخذ بمخصصه، ولكثرة ورود المخصصات على العمومات قيل: «ما من عموم إلا وقد خُصِّص» ما عدا العمومات التي لا يعتريها التخصيص؛ وهي التي يمتنع عقلاً أن يعتريها التخصيص، ولهذا تكون قطعية الدلالة بحيث تكون دلالاتها على كل فرد من أفراد مدلولاتها بمثابة النص، وذلك كقول الله - تبارك وتعالى -: {وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبَّنَا مَا اتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3]، فلا يجوز أن يُخصص هذا العموم، ولا أن تعد دلالته ظنية، فإن النفي فيه شامل قطعاً كل صاحبة وكل ولد، وكقوله سبحانه: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص 3]، فلا يجوز أن يعتري هذا العموم خصوص، وأن يدعى أن الله تعالى ولد أحداً أو ولده أحد - تعالى الله عن ذلك ـ، وكذلك قوله تعالى: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، وقوله عل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ)
[الشورى: 11]، إلى غير ذلك من الآيات التي يقتضي العقل استحالة تخصيصها.
وقد يمتنع التخصيص لمانع نصّي، وذلك عندما يجمع الكل على شمول حكم العام لجميع أفراد مدلولاته، بحيث لا يخرج شيء منها عن حكمه، وذلك نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ علَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَا بِكُمْ وَرَبِّيبُكُمُ
279 (1/279)
صفحة 280
280
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَابِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [النساء: 23]، فإن حكم الآية شامل لجميع أفراد الأصناف المذكورة من النساء فيها، فلا يحل نكاح أي واحدة من أي صنف منها للإجماع على صدق حكم الآية الكريمة على جميع أفراد هذه الأجناس، فلا يعتري عموم الآية تخصيص بحال ودلالتها على حرمتهن نص قاطع لا مجال للاجتهاد فيه.
أما العمومات التي تتعلق بأغلب الأحكام الشرعية فإنها عرضة للتخصيص حتى قيل ما من عموم إلا وقد خُصِّص.
ونجد في القرآن الكريم التخصيص لكثير مما جاء من عموماته، فالقرآن يخصص القرآن، كما يخصصه ما ثبت - ولو بطريق الآحاد - عن النبي؛ لأن دلالة العام دلالة ظنية وإن كان متنه قطعياً، وقد يختلف العلماء في بعض المخصصات، وذلك بأن ينظر بعضهم إلى سببه الخاص الذي سيق من أجله ولا يلتفت آخرون إلى ذلك، ومن أبرز الآيات التي وردتها مخصصات شتى قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِيْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، فإن هذا نص عام وهو يدلّ بعمومه على شمول حكمه - وهو التحليل - لكل مطعوم إلا ما استثني فيها، والاستثناء هو نفسه أحد المخصصات المتصلة، ومعنى ذلك فإن الآية الكريمة خصص عموم حكمها بإيراد الاستثناء عليه، فقد ورد عليه التخصيص من القرآن نفسه، كتحريم الصيد على المُحرم، فهو مخصص لهذا العموم، وتحريم الخمر؛ لأنَّ الخمر من ضمن المطعومات، فهو أيضاً مخصص لهذا
العموم.
وهناك مخصصات اختلف العلماء في الأخذ بها وتقديمها على عموم الآية أو تقديم عمومها عليها؛ كتخصيصها بتحريم الحمر الأهلية رواه الربيع والبخاري)؛ لأن ورد النهي عنها، ولكنّ كثيراً منهم حمل هذا النهي على مراعاة حاجة الناس إليها لحمل أمتعتهم، فنظراً إلى هذا الاعتبار اختلف العلماء في حكمها، ولا يُعنّف أحد ممن يقول برأي في مثل هذه المسألة لأنها مسألة رأي، وكذلك تخصيص عمومها بتحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير (رواه الربيع والبخاري). (1/280)
صفحة 281
وحدة الأمة
ومثل هذه المخصصات أيضاً ما ورد من التخصيص على قول الله - تبارك وتعالى -: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَالِعـ[النساء: 24] بعد أن ذكر من يحرم نكاحهن من النساء فبعض المخصصات مجمع عليه لا يجوز الخلاف فيه كتخصيص هذا العموم بتحريم كل ما هو شبيه بمحارم النسب إذا كان بسبب الرضاع بحيث يُلحق الرضاع بالنسب، فقد جاءت أحاديث تدلّ على ذلك (1) وانعقد الإجماع على سريان هذا الحكم على جميع أنساب المرأة المرضعة من الذكور والإناث، فلا يحلّ الزواج بينهم وبين من أرضعت إن كان ما يشبه هذه العلاقة النسبية محرماً للزواج مع من ولدت، وكذلك درج جمهور الأمة على تحريم ذلك على أنساب زوجها صاحب اللبن باعتباره أباً للذي رضع منها، وإنما وقع خلاف شاذ في ذلك من بعض من تقدّم ثم انطوى بانطواء عصر الاختلاف، فأصبح يذكر ولا يعتد به ولا ريب أن ما أخذ به الجمهور هو الذي يتعزز بنصوص الروايات المخصصة لعموم الآية الكريمة، وإن كانت أحادية الإسناد، فلا ينبغي لأحد أن يفتح باب الخلاف في هذا بعدما أغلق.
وثم بعض المخصصات الأخرى التي تدخل في مجال النظر لأنها مبنية على سد أبواب ذرائع الفساد كاختلافهم في خطبة المرأة في عدتها هل تحرمها على الخاطب أو لا؟ إلى غير ذلك، والاجتهاد في هذا إنما هو راجع إلى أدلة ظنية، وما كان من هذا النوع من الاختلاف فإنه لا يسوغ التفسيق فيه، وهو الذي يعد رحمة بالعباد، أما أن يخالف أحد نصاً قطعيّاً في كتاب الله أو في المتواتر من سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك مما لا يسوغ أبداً، والله تعالى أعلم.
المحاور: هناك من يتمسك بهذه المقولة وهي أن اختلاف العلماء رحمة، ثم يردف هذه المقولة بمقولة أخرى من أخذ بقول من أقوال المسلمين فهو سالم، ألا ترون سماحة الشيخ أن هذه المقولة مع تلك تؤدي إلى نوع من التسيب في
سلوك المسلم؟
(1) روت ذلك كتب السُّنَّة كصحيح الربيع والبخاري.
281 (1/281)
صفحة 282
282
لقاعات
في الفكر والدعوة
لا ريب أن اختلاف العلماء رحمة، ولكن لا يعني هذا أن تتسيّب الأمة بحيث تتبع الرخص، فيأخذ المسلم بهذا الرأي أو ذاك مما فيه رخصة حتى يركب من
عمله مجموعة من آراء لا تعود إلى قول أحد من علماء الأمة، فهذا مما لا يسوغ.
ولذلك ضبط كثير من العلماء مثل هذه الأحوال بوجوب أن يرجع العامي الجاهل الذي لا يستطيع أن يرجح رأياً على رأي إلى رأي العالم المعاصر القادر على الترجيح والنظر والاستدلال؛ حتى يوجهه إلى الأخذ بالدليل الراجح، فيكون بذلك قد أخذ بالدليل متابعة لذلك العالم الذي بين له الدليل.
أما أن يُترك الحبل على الغارب ويُفسح المجال لأي أحد يأخذ بما شاء من الآراء ويدع ما يشاء؛ فقد يُفضي ذلك إلى أن يجمع شتيتاً من الآراء التي تمثل جانب ما ترخّص فيه أولئك العلماء مع تركه تشدّداتهم، فيجمع مزيجاً غريباً ونسيجاً عجيباً من الآراء الشاذة التي لا ينبغي لأحد أن يعوّل عليها، فإن كان هذا العامي مقلّداً لعالم فليأخذ بقوله في المسائل الفرعية من غير أن يخرج عن رأيه، والله تعالى أعلم. (1/282)
صفحة 283
اللقاء السادس عشر
المحاور: عبد الله بن عامر العيسري
الموضوع: المسلمون الأقصى (واقع واستشراف)
المناسبة: الانتفاضة الثانية
الأقصى
لقاءات (1/283)
صفحة 284
وَكَانَ
سورة الروم - الآية 47 (1/284)
صفحة 285
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
فيشرفنا غاية، التشريف، والأمة تعيش هذه الأحداث الجسام أن نلتقي مع سماحة شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان في حديث عام، نستشف منه ونقتبس جذوةً من تحليلاته العلمية القيّمة القائمة على أسس من فهم عميق لكتاب الله ولسُنَّة رسول الله، واستشرافاً لآفاق المستقبل العظيم الذي تنتظره الأمة الإسلامية - بإذن الله
المحاور: سماحة الشيخ أولاً نود منكم كلمة عامةً أو تعليقاً عاما حول الأحداث التي يعيشها المسلمون في رحاب الطهر والقداسة في المسجد الأقصى؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين، سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فلا ريب
مع
أن هذه الأيام أيام فيها الكثير الكثير من التفاعلات النفسية هذه الأحداث الجسام التي طوّقت بقعةً من أقدس بقاع الأرض، ارتبطت بتاريخ النبوات منذ عهود قديمة، وشرفها الله له بأن جعلها مسرى لنبيه له، وقبلة للمسلمين في حقبة من التاريخ، ولا ريب أن الأُمة المسلمة عندما تمرّ بها أحداتٌ لها صلة بهذا المكان المقدس العظيم ـ الذي يعتبر تخليصه مما أحاط به دَيناً في رقاب الأُمة جميعاً ـ تتفاعل نفوسهم مع تلكم الأحداث، ويشدّهم إلى ذلك ما لتلك البقعة من مكانة، وما لها من تاريخ عظيم.
إن الله الله ذكر ذلكم المكان المقدس في أكثر من موضع في كتابه العزيز، من ذلك أن الله الله أمر موسى ل ومن معه من بني إسرائيل أن يدخلوا تلكم الأرض المقدسة لا لأجل الإفساد والتسلّط والبغي ولكن لأجل الإصلاح ورفع الظلم، فكان ما كان من بني إسرائيل من التلوّن والانحراف حتى كتب عليهم اللّيه أربعين سنة. ثم شاء الله الله أن يقوم جيل جديد، جيلُ طُهرٍ ونزاهة، فكان الدخول في تلكم الأرض على يد ذلك الجيل
285 (1/285)
صفحة 286
286
لقاعات
في الفكر والدعوة
المؤمن الطاهر، وتعاقبت أحداث التاريخ، فكان ما كان من التبديل، وحق ما حق من كلمة الله الله على بني إسرائيل، فكانت نكبتهم على أيدي البابليين ثم على يد الروم.
ثم إن الله يا الله بعدما شرّف تلك البقعة بأن جعلها مسرى لنبيه صلى الله عليه وسلم وقبلة للمسلمين، انطلقت كتائب الله سلالالاله لأجل إعلاء كلمة الله في الأرض، فكان الفتح المبين الذي تحقق به فتح تلك الأرض على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الله لتكون في حيز الدولة الإسلامية، ولتكون المحافظة عليها أمراً من أقدس الفروض التي يجب على الأمة ألا تفرّط فيها.
وما وقع الآن من تسلّط تلكم الشراذم التي كتب الله عليها الذلّة، وبوأها مبوّأ الهوان في هذه الدنيا بسبب أعمالها التي ارتكبتها في طوال تاريخها ـ وهي أعمال تدنّست بالخيانة واللؤم ـ هو أمر يستدعي محاسبة النفس ومراجعة هذه الأُمة لسجل أعمالها، فما تَسَلُّط هذه الشراذم على هذه الأرض الطاهرة إلا بسبب ما كان من المسلمين من انحراف عن الحق، وخروج عن الصراط، وزيغ عن الهدى، فالله يبتلي عباده بما يبتليهم به بسبب ما كسبت أيديهم. وهذا بطبيعة الحال أمر يقتضي أن تقف الأمة وقفة محاسبة للنفس ورجوع إلى الله الله واستمساك بكتابه، واتباع لهدي رسوله.
المحاور: سماحة الشيخ اعذرني على المقاطعة، ما الذي ينبغي أن تفعله الأمة الإسلامية سيأتي في سؤال آخر. لكن من خلال حديثك الآن نفهم أنّ بني إسرائيل إذن دخلوا الأرض المقدّسة أكثر من مرة قبل مدّة ليست باليسيرة - تزيد على عشر سنوات تقريباً - اطلعت على كتيب صغير عنوانه العرب تحت وطأة الإفساد الأول لبني إسرائيل من خلال قوله الله في سورة الإسراء: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُنُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِتَبِرُوا مَا عَلَوْا تَثْبِيرًا} [الإسراء: 7]، قبل ان نتطرق إلى بقية الأحداث هل الأمة الإسلامية الآن تحت وطأة الإفساد الأول أو أن هذا الإفساد الثاني لبني إسرائيل؟ (1/286)
صفحة 287
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
تاريخ بني إسرائيل من أوله إلى آخره كله فساد في الأرض، والله الله وصفهم أدق وصف وأبلغه عندما قال: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 64]، فشأنهم الإفساد في الأرض والعتو والاستكبار فيها وعدم المبالاة بحرمات الله وحقوق البشر، ودخولهم المسجد الأقصى في وقتنا هذا عتاة مستكبرين إنما يعد هو الدخول الأخير، ومعنى ذلك أنه وصل وعد الآخرة الذي يشير إليه القرآن الكريم عندما قال: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِتْنَا بِكُم لفيفا} [الإسراء: 104] فالله الله جاء بهم من آفاق الأرض، وجمعهم في هذا المكان لينفذ فيهم أمره وليمكن
من رقابهم عباده وذلك هو وعده وهو النصر عليهم وتمكينهم منهم - بمشيئة الله فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُّ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6.4].
المحاور: إذن يسوؤوا وجوهكم الضمير هنا عائد إلى اليهود، يعني المؤمنون هم
الذين يسوؤون وجوه اليهود؟
الله
هذه هي المرة الثانية التي أفسد بنو إسرائيل فيها فسلط عليهم قوماً ساموهم سوء العذاب كما سلط عليهم أول مرة، وكان التسليط عليهم في
هذه المرة من قبل الله تعالى سلط عليهم الروم بقيادة عاهلهم أنطونيوس الذي سامهم سوء العذاب وشتتهم كل مشتت كما تشتتوا أول مرة على أيدي البابليين، وذلك كله راجع إلى فسادهم في الأرض وهم لا ينفكون عن دأبهم في الفساد، ونحن نرى أن الله سبحانه توعدهم على كل فساد بالعقاب في هذا السياق عندما قال: وعَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا) [الإسراء: 8]، وهذا يزيدنا ثقة الله سبحانه أنه لا بوعد الله أن تدور عليهم الكرة مرة أخرى، ويكفي بد تعالى عباده شرهم وكيدهم بما ينزله بهم من أمره، ومن خلال هذا يتبين أن الروم
هم الذين ساؤوا وجوههم.
287 (1/287)
صفحة 288
288
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور: بالنسبة للحديث النبوي الشريف: لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود وحتى يقول الشجر والحجر هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله إلا الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (رواه مسلم وأحمد)، بالنسبة لهذا الحديث النبوي الشريف ما طبيعة الحديث الذي يتحدث به الشجر والحجر هنا؟ هل هذا على سبيل المثال أو إنها حقيقة أو ما هو تفسير الحديث؟
كلام النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بحسب ما عهد في الكلام العربي من الأساليب، فيكون تارة حقيقة وأخرى مجازاً، وليس ببعيد أن يكون المراد بذلك أن الشجر يأبى أن يواري اليهود فيتكشّف عنهم، وكأنّما هو يدعو المسلم إلى اليهودي ليقتله، وكذلك الحجر فليس ذلك ببعيد عنه، وهذا الذي نميل إليه، والله ـ تعالى ـ أعلم بحقيقة الأمر.
المحاور: طيب استثناء الغرقد هذا ...
استثناء الغرقد لحكمة يعلمها الله الا الله وحسب ما أخبرت من قبل بعض الإخوة في المملكة الأردنية الشقيقة علمت أنّ اليهود الآن جاءوا بالغرقد ولم يكن موجوداً من قبل في أرض فلسطين، ولكن جاءوا به وصاروا يطوقون به بيوتهم تحسباً لهذا
الوعد الإلهي
المحاور: هل يعني هذا أن اليهود على علم بالنّص النبوي الشريف؟
هذا أمر واضح، وأنا سمعت بأنّ إحدى إذاعات البلاد العربية ذكرت الحديث الشريف في حديث ألقي في الإذاعة، وكان في حديثهم تحريف بحيث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بأن الشجر ينادي العرب يا عربي هذا يهودي تعال فاقتله، فعقب على هذا اليهود أنفسهم في إذاعتهم وقالوا بأن الإذاعة الفلانية تحرّف الحديث المروي عن نبيهم، فالحديث لم يقل يا عربي وإنما قال يا مسلم. (1/288)
صفحة 289
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
المحاور: سماحة الشيخ ذكرت بأن الأمة ينبغي لها في هذا الوقت بالذات أن تعود إلى الله الله في أحداث التاريخ الإسلامي هل حدثت حالات استنفار من أجل التوبة في ظل مثل هذه الظروف؟
الأمثلة على ذلك ..
الله
نجد أن المسلمين المؤمنين الصادقين في أي عصر من العصور يدعون الناس إلى التسلّح بالإيمان والتقوى وناهيكم تلك الوصية البالغة، وصية الفاروق - رضي تعالى عنه - عندما قال مخاطباً سعد بن أبي وقاص الذي كان على رأس جند المسلمين في القادسية، ومخاطباً الجند من خلاله: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوّهم وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإنّ عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا تنتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.
واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدوّنا شرٌّ منا فلن يسلط علينا، فربّ قوم سُلِّطَ عليهم من هو شرٌّ منهم، كما سُلِّطَ على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله ذلك لي ولكم».
ففي هذا الكلام البليغ من أمير المؤمنين عمر - رضي الله تعالى عنه ـ دعوة إلى التوبة، وإن كانت غير صريحة فإنها ضمنية، فقد أوصى أولاً بتقوى الله على كل حال، وإن تقوى الله تقتضي التوبة من كل معصية، إذ الإنسان غير مبراً من المعاصي، ثم كذلك قوله: وأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، هذه أيضاً دعوة إلى التوبة، فإن الإنسان بما أنه لا يمكن أن يبرأ من المعصية، فالاحتراس من المعصية يعني الرجوع إلى الله، والتطهر من درنها بالتوبة النصوح التي بأن يكون العبد وفق منهج الله في كل دقيقة وجليلة من تصرفاته وأعماله، ثم
289 (1/289)
صفحة 290
لقاعات
في الفكر و الدعوة
كذلك قوله: واعلموا أنّ في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، هو دعوة إلى التوبة النصوح ... إلخ، وهذا يعني أن كل ما في هذه الوصية دعوة إلى التوبة.
ونحن عندما ننظر في تاريخ المسلمين عموماً وتاريخ أهل الاستقامة في الدين خصوصاً نجد أنهم كانوا حِرَاصاً على التوبة في جميع الأحوال، ولكن عندما تنزل نازلة كهذه يستنفر أهل الصلاح الناس جميعاً للتوبة، ومن أمثلة ذلك ما وقع في بداية القرن العاشر الهجري،
عندما داهمت قوات النصارى الإسبان جزيرة جربة التونسية الإباضية، وقد تفجرت براكين الحقد من أولئك النّصارى بعدما غليت به صدورهم منذ اجتاحوا الأندلس، فأخذوا يتتبعون فلول المسلمين النازحين من الأندلس ويخططون لاجتياح بلادهم حيثما يتسنى لهم، فكانت سفنهم تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، وتترصد لقوارب المسلمين من أجل أسرهم وأخذهم إلى بلاد الغرب لبيعهم أو استخدامهم تحت وطأة الذل والهوان، وبدخول القرن العاشر الهجري بدأوا يحتلون الموانئ الإسلامية ميناء بعد ميناء من بجاية إلى طرابلس.
وكانت جربة جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الأربع، وظل أهلها في خوف أن يصيبهم ما أصاب غيرهم من اجتياح الأعداء، لذلك اهتم أميرهم - وكان يُدعى أبا زكريا يحيى السمومني - فأخذ يخطط لحماية الجزيرة وأهلها من هذا الشر المرتقب، فرأى أن يشاور رئيس مجلس العزابة - والعزابة هي هيئة دينية تقوم بشؤون الدين وتطبيق تعاليمه، وتتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس - ومن كان على رأس مجلس العزابة يتعين أن يكون من أعلم الناس وأفضلهم وأعقلهم، وكان على رأس مجلس عزابة جربة يومئذ الشيخ أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي، فأتاه الشيخ أبو زكريا يحيى السمومني من أجل التشاور في هذه القضية العظيمة فأجابه: إنكم بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن تستسلموا للأمر الواقع بحيث تسلّمون الجزيرة للغزاة، وإما أن تقاوموهم، وأنتم عندما تقاومون هؤلاء الغزاة الماردين فاعلموا أنكم تقاومون قوة شرسة، ولا تستندون في مقاومتكم إلى أي قوة بشرية، وإنما تعولون على لطف الله - تبارك وتعالى ـ وعنايته فحسب، فأنتم في جزيرة يحيط بها البحر من كل الجهات، ثم إن إخوانكم لا يتمكنون من مناصرتكم بسبب الظروف الطبيعية والظروف الطارئة التي حلت بهم، وإنما علينا أن
290 (1/290)
صفحة 291
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
نستهدي بكتاب الله، فإنه عندما تلتبس الأمور كالليل المظلم يجب الرجوع إلى القرآن الكريم، ففيه الشفاء والنور، وهذا الذي أرشد إليه الرسول الله في التخلص من المحن.
ليگ
ونحن نجد في كتاب الله قول الله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ويقول عز من قائل: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، ويقول سبحانه: {وَلَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزُ} [الحج: 40]،
ويقول جَل: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ) [غافر: 51] ويقول تبارك وتعالى: {وَإِنَّ جُندَنَا هُمُ الْغَلِبُونَ} [الصافات: 173]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبشّر بالنصر للفئة المؤمنة الموصولة بالله التي تعمل بأمره، وتزدجر عن نهيه، وتقف عند حدوده ولا تقدم على انتهاك شيء من حرماته.
وبناءً على هذا فإن على أهل الجزيرة جميعاً أن يحاسب كل واحد منهم نفسه منذ بلغ الحلم إلى زمانه هذا، وأن يتخلّص من التبعات جميعاً، وأن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن يقلب صفحة عمره من الشر إلى الخير، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الفساد إلى الصلاح؛ لتكون هذه القلوب بأسرها موصولة بالله الله، ولتنخرط هذه النفوس في سلك الإيمان الصادق.
،
وقد أخذ الناس بهذه الوصية وكان أيضاً من وصيته لهم بأن تُعنى كل حلقة من حلقاتهم التي اعتادوا أن يقيموها - بالإكثار من تلاوة كتاب الله الله بحيث تختم كل حلقة القرآن في أقل من أسبوع، ثم بعد نهاية قراءة القرآن تتوجه كل حلقة إلى الله الله بالدعاء من أجل أن ينصر هذه الفئة المؤمنة، ويتّبتها بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وعمل الناس بهذه الوصية وحاسبوا أنفسهم وتخلّصوا من التبعات وتحاللوا فيما بينهم وصاروا كنفس واحدة وقلوبهم كقلب رجل واحد.
وإذا بهم في شهر ربيع الأول من عام 910 هـ يصل إليهم أسطول من أساطيل هؤلاء الغزاة النصارى، وكان يتشكل من عشرين سفينة، وعلى رأس هذا الأسطول قائد يسمى «وردونفارو»، وأرسل القائد رسولاً إلى شيخ الجزيرة برسالة من عنده يقول له فيها إما أن تسلّموا الجزيرة وإما أن تستعدوا للقتال، فأجابه الشيخ أبو زكريا يحيى السمومني بقوله: «إن الجزيرة لن تسلّم نفسها حتى يكون أهلها جثثاً هامدة».
291 (1/291)
صفحة 292
292
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فشق هذا الجواب على القائد المتكبر الذي شمخ بأنفه وامتلأ يافوخه كبراً، وكان يتصور بأن هذه الجزيرة ليست إلا لقمة سائغة تزدرد بأسرع وقت. وظل بين عاطفته الجامحة التي تدفعه للانتقام وبين عقله الذي يحول بينه وبين ذلك، نظراً إلى أن هذا الجواب إنما ينم عن قوة إن لم تكن قوةً ماديةً فهي قوة معنوية.
وتردد بين الأمرين ورأى أخيراً أن يقدّم منطق العقل الكابح على منطق العاطفة الجامح، فرجع إلى طرابلس ليزداد من العتاد والقوة ما يواجه به كبرياء هذه الجزيرة العاتية التي شمخت فوق كبريائه، فأعد أسطولاً يتكون من مائة وعشرين سفينة تحمل عشرين ألفاً المقاتلين الذين زُوّدوا بأحدث ما كانت العقول البشرية ابتكرته من أنواع الأسلحة ووسائل
الدمار.
من
وعاد أدراجه إلى الجزيرة مرة أخرى بعدته وعتاده وقضه وقضيضه، وهو يتصور أن ازدراد الجزيرة سيكون أسهل عليه من إساغة جرعة الماء البارد في نهار الصيف الظامئ، وعلم أهل الجزيرة بإقبال الكفر في خيلائه وكبريائه وشموخه وجبروته ممثلا في هذه الفئة العاتية، التي لا تقيم للحق وزناً ولا تعرف للإنسانية معنى، إذ لم تعرف الرحمة إلى قلوبها سبيلاً.
=
ونزلت في أطراف الجزيرة جحافل الغزاة الهائجة كالكلاب المسعورة لا همّ لها إلا أن تفري أديم ضحاياها وتمزع أشلاءهم، وبدأوا أول ما وصولوا بإرهاب أهل الجزيرة بكل الوسائل التي تثير الرعب وتطير بالألباب، كإطلاق المدافع وإنشاد الأناشيد الحربية المصحوبة بالآلات الموسيقية المزعجة، ولكن ما كان ذلك ليهول أهل الجزيرة الذين كانوا مطمئنين بذكر الله سبحانه واللجوء إليه والرغبة فيما لديه، وكان البون لا يتصور شسوعه بين مسلكي الطائفتين، فأولئك الغزاة قضوا ليلتهم في عربدتهم وقد امتلكهم الغرور واستبدت بهم نشوته التي أسكرتهم، فما كانوا يفكرون في صروف الدهر وعوادي الزمن، وإنما كانوا يرون الدهر طوع أمرهم والزمن خاضعاً لهواهم، أما أهل الجزيرة فقد باتوا بين راكع وساجد، وما كان همهم إلا في تبييض صفحات أعمالهم وتطهير قلوبهم من رجس المعاصي وتصفيتها من أكدار الهوى، فأشرقت عليها أنوار الحضرة القدسية وحلقت في أجواء ملكوت الله سبحانه، غير عابئة بقوى العدو وعدته وعتاده لأنها ترى قوة الله تعالى الغالبة وقهره النافذ في ملكه وملكوته، وكانت تلك الليلة ليلة جمعة. (1/292)
صفحة 293
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
وفي صباحها ظل أهل الجزيرة ينتظرون تحرك هؤلاء الجنود نحوهم وهم في شغف إلى لقائهم ليفوزوا بإحدى الحسنيين، إما النصر العتيد الذي يعقبه الأمن والأمان في ظل العبودية لله الا الله وحده، أو الشهادة في سبيله وما يتبعها من جواره تعالى في جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، ولما حان وقت الصلاة صلّى بالناس الشيخ أبو النجاة
الشهادة
هي
يجب
يونس بن سعيد التعاريتي وخطب فيهم خطبة شوّقهم فيها إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ورغبهم فيما عند الله، وأخبرهم بأنه مما أن يكون في خلد كل أحد منهم أن أحب إليه من النصر، لأنها طريق فوزه بلقاء الله وتبوئه الدرجات العلى في جنته، فهي الحسنى الكبرى التي يجب على المسلم أن يحرص عليها، والأمر الآخر الذي يجب أن يكون في قرارة نفوس الجميع أن التسليم لهؤلاء الغزاة يستحيل على أي واحد من أفراد جيش المسلمين، فلا بد أن يقاتل كل أحد جهده حتى يلقى الله الله، وعلى كل واحد منهم أن يحرص أن يقتل على الأقل اثنين من الكفرة قبل أن يلقى ربه الله شهيداً.
وكان عدد المقاتلين من أهل الجزيرة حسب إحصائيات الغربيين أنفسهم لا تتجاوز ثلاثة آلاف، وهؤلاء لا يملكون سلاحاً إلا الأسلحة البدائية، العادية، كالسيوف القديمة والرماح المألوفة وبنادق الصيد البسيطة، وكانوا يواجهون بهذا جيشاً منظماً قوامه عشرون ألف مقاتل مدجج بالسلاح مدرب على صنوف القتال، مزود بكل ما يمكنه به أن يرهب عدوه.
وما هي إلا لحظات بعد الصلاة حتى زحف ذلك الجيش العرمرم، وتقدم نحوه الجيش الإسلامي واصطف المسلمون صفاً واحداً في مواجهة صفوف متراصة من قبل العدو، وكان من خطة العدو أنّ كل صف من صفوفهم يأخذ نصيبه من الراحة بعد القتال، فعندما يقاتل الصف الأمامي إذا أحس بالتعب رجع أدراجه إلى الخلف، وتقدم الصف الذي يليه، وأخذ هو قسطاً من الراحة بحيث لو تمكّن المسلمون من دحر هذه الصفوف بعد صف لكان ذلك الصف الذي قاتل أولاً قد أخذ من الراحة والاستجمام ما يمكنه من استعادة نشاطه وقوته، وفي مواجهة هذه الصفوف ما كان المسلمون يملكون إلا ذلك الصف الواحد فقط، ونادى شيخ الجزيرة في الجيش الإسلامي ليؤكّد لهم ما قاله الشيخ أبو النجاة من أنّ التسليم أمر مستحيل، فيجب على كل أحدٍ أن يقاتل إلى أن يلقى الله الله شهيداً، ولا يجوز أن يدور في بال أي أحد أنه يستسلم أو يُسلِّم.
صفاً
293 (1/293)
صفحة 294
294
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وبدأت المعركة فواجه الصف الإسلامي الصف الأول من صفوف الغزاة، ثم لم يلبث المسلمون - بمشيئة الله سبحانه - أن دحروا ذلك الصف، وعاد أدراجه إلى الخلف وتقدم الذي يليه ليحل محله، ورأى ابن شيخ الجزيرة - ويدعى أبا الربيع سليمان بن أبي زكريا السمومني - أن هذا الصف من استشهد منه يظل مكانه فارغاً لا يجد من يملؤه بينما جيش العدو بخلاف ذلك لكثرة المقاتلين فيهم، فرأى أن إحداث بلبلة في قلب جيش العدو هو السبب الأنجح والسبيل الأيسر في تحقيق النصر - بمشيئة الله فخرج بطائفة من المسلمين إلى الخلف، وكان المقاتلون الأولون الذين كانوا في الصف الأول يتحدثون إلى أصحابهم عن بطولات المسلمين، وما كانوا يلقونه منهم بحيث كاد الموت ينطلق إليهم ليرديهم من غير سلاح وهو تتقاذف إليهم حممه من ذلك الصف الإسلامي المرصوص الثابت، فبينما هم يتحدثون بهذا إذا بالأمر الذي يتحدثون عنه يفاجئهم في مكانهم ذلك، فأخذ المسلمون يقتلون ويأسرون، وحدثت بلبلة أرجفت الأرض تحت أقدام الكفرة الغزاة وأوجفت قلوبهم فكادت تنخلع من أقفاص صدورهم، وحاول الضّبّاط والقواد أن ينظموا جيشهم الذي شتته الاضطراب ولكن لم يكن لينتظم بعد أن رأى كل من أفراده الموت الزؤام فاغراً فاه ليبتلعه فيمن ابتلع من إخوانه فكانوا اينما ولوا وجوههم وجدوا الموت يترصدهم، والمسلمون يحيطون بهم إحاطة القيد بالساق والغل بالعنق والطوفان بالغريق، فإن تقدّموا وجدوهم أمامهم، وإن تأخروا وجدوهم خلفهم، وإن أيمنوا وجدوهم على الميمنة، وإن أشأموا وجدوهم على المشأمة، فكان لسان حال كل منهم يخاطب المسلم بما قاله نابغة ذبيان للنعمان: فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتآى عنك واسع
ولا تعجب من ذلك فإن لله جنود السموات والأرض وهو ينصر عباده المؤمنين بالرعب الذي يخذل به أعداءه الكافرين.
وفي وسط هذه البلبلة والاضطراب ما كان لأولئك الغزاة من مناص إلا الفرار فأخذوا يزحفون إلى جهة السفن كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة والمسلمون وراءهم يقتلون ويأسرون حتى وصلوا إلى البحر وقد أعياهم التعب وامتلكهم الخوف، فاستسلموا للمضاجع، وعاد المسلمون بعددٍ من الأسرى يتراوح بين (6000 - 7000) أسير، بينما القتلى يتجاوزن الـ (3000) قتيل - أي أكثر من المقاتلين من أهل الجزيرة .. (1/294)
صفحة 295
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
وهنا شاء الله أن يخبئ قدره النفاذ لأولئك الغزاة ما لم يكن بحسبانهم مما يزيدهم دماراً وخساراً ويجعلهم عبرة لخلقه، فبينما هم يغطّون في نومهم، إذا بأحدهم تُصوّر له الأحلام المزعجة أن المسلمين أحاطوا بهم في مكانهم ذلك، فاستنجد واستصرخ، فإذا بهم يقتل بعضهم البعض، ولم يروا ملاذاً إلا أن يعودوا إلى السفن، فألقوا بأنفسهم في البحر، الذي كان لهم بمرصد ليدفع بجثثهم الهامدة إلى حيتانه الجائعة فكان البحر يلتهمهم الواحد تلو الآخر، وما عاد إلا القليل منهم إلى السفن، ثم إن الله الله أرسل عليهم بعد ذلك ريحاً عقيماً دمّرت كثيراً من سفنهم، وعادوا أدراجهم إلى طرابلس وهم يجرون وراءهم أذيال الخيبة، ويبوؤن بالخزي والهوان وهكذا كان نصر الله الله للمؤمنين الذين صدقوه فصدقهم.
ثم حاول الغزاة أن يُعيدوا الكرة بعد عشر سنوات، ولكن الله الا الله مكن للمسلمين منهم فد حروهم مرة أخرى وأعادوهم على أعقابهم صاغرين.
هم
جميعاً
وهكذا شأن الإيمان الراسخ والعزيمة الصادقة الموصولة بالله - تعالى ـ، وما هذا إلا أثر لوعد الله - تعالى - للمؤمنين بالنصر والتمكين، فلذلك نقول بأن المسلمين في وقتنا هذا أحوج ما يكونون إلى اتباع هذه الأمثلة الحيّة في تاريخ الإسلام لأنهم جميعاً على خط النار، فكل مسلم عليه أن يتصور بأنه على ثغرة من ثغرات الإسلام يخشى أن يؤتى الإسلام من قِبَلِه، لذلك كان على كل مسلم أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن يحاسب نفسه على ما قدّم، وأخر، وأن يطهر نفسه تطهيراً من الغل والحسد، ومن كل أهواء النفوس، لتكون هذه النفوس مترابطة متوائمة، يشدها الإيمان ويربطها التقوى ليتحقق نصر الله الله لهم.
المحاور: سماحة المفتي نحن نرجو أن تَلْقَى هذه الدعوة استجابة من كل مسلم يستمع إليك ـ بإذن الله ـ تعالى ـ، بالإضافة إلى هذا نحن نعلم أن الأوضاع الاقتصادية حالياً هي في يد أعدائنا، فاليهود سواء جاءت بضائعهم بمسميات إسرائيلية، أو جاءت بمسميات أخرى، لا سيما الدول التي تعينهم عوناً كثيراً، تنتشر بضائعهم ويشتريها المسلمون وبذلك تقوى شوكتهم، كيف يستطيع الفرد
295 (1/295)
صفحة 296
296
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المسلم، بعيداً عن الحكومات والانظمة أن يضعضع اقتصاد اليهود الغاصبين حتى يمهد بذلك الطريق لتقريب المدّة التي يرتكسون فيها إلى القرار الأسفل - بإذن الله - تعالى.؟
عنها
نعم، المسلم عليه أن يُسهم بكل ما استطاع في هذا الأمر، ومعنى ذلك أن كل بضاعة يعرف أنها صناعة يهودية عليه أن يتفادى شراءها، وأن يستغني بغيرها، وأن يحرص دائماً على أن يكون تعامله ما يرد من البلاد الإسلامية إن أمكن، مع وإن لم يمكن ذلك فما يرد من الدول الأخرى التي لا تُظهر حقداً وعداءً للمسلمين، ولا تتحيّز إلى جانب اليهود الغاصبين.
المحاور: يعني أن تكون أقل اقتراباً من اليهود؟
نعم أقل اقتراباً.
المحاور هذه المقاطعة هل يكتفي المسلم بأن يطبقها بنفسه أو أنه تتأكد الدعوة إليها؟ وماذا يكون شأن الدعوة إلى هذه المقاطعة؟
بقدر المستطاع من استطاع أن يدعو فعليه أن يدعو بقدر استطاعته.
المحاور: سماحة الشيخ من خلال كلامك ابتداءً علمنا بأن اليهود هم العدو الأول للمؤمنين، فماذا بالنسبة لتربية الأجيال المؤمنة على بغض اليهود؟ كيف يستطيع الأب المسلم أن يربي أبناءه ويغرس فيهم بغض اليهود؟
ذلك إنما هو من خلال تعليمهم القرآن الكريم، وتفهيمهم مقاصده ومعانيه، حَسْبُه أن يتلو عليهم قول الله - تبارك وتعالى -: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، فالله سبحانه ذكرهم في التنصيص على عداوتهم قبل المشركين، وأن يقص عليهم ما كان من أخبار كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، (1/296)
صفحة 297
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
وتأمرهم على دولة الإسلام عندما نشأت مع ما لقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من حسن المعاملة، والرفق بهم في جميع أحوالهم، لكن أبت نفوسهم التي طبعت على الحقد إلا أن يواجهوا الإحسان بالإساءة، والرفق من المسلمين بالكيد والتآمر عليهم، فمن أجل ذلك تم إجلاؤهم - بمشيئة الله الله.
ثم مع هذا عليه أن ينبه أبناءه على سلسلة تأمرهم على هذه الأمة في تاريخهم المظلم، فهم الذين دسوا في الإسلام الدسائس، وكادوا للمسلمين بشتى الوسائل من أجل تدمير
الأمة كما هو معهود.
وتعالى
المحاور: سماحة الشيخ، الآن الأحداث كما نشاهد ونسمع فيها كثير من المشاهد الدامئة ابتداء من قتل الطفل المسلم محمد جمال الدرة، الذي جعل الله الله يقظة كثير من المسلمين بسبب الصور التي نشرت لهذا الطفل وغيره من الأطفال الذين قتلوا والنساء والمشاهد المتكررة كل يوم. هذه الأحداث في حقيقتها هل تدعو المسلم إلى اليأس أو أن تحليلكم لها أنها تبشّر بيوم النصر
الموعود؟
أمّا أنا فإني لا أتشاءم قط، وإنما أنا - والحمد لله - متفائل، ولا ريب أنني أرى أن يقظة المسلمين اليوم هي خيرٌ منها بالأمس، فمهما كان حماسهم سابقاً، غير أن قتالهم إنما كان من أجل التراب ولم يكن من أجل العقيدة، وكان من أجل العنصرية ولم يكن من أجل الإسلام وقضاياه، فلذلك انحدرت الأُمة إلى حيث انحدرت من دركات الذل والهوان. أما اليوم - والحمد لله - فإن شعار الإسلام يتردد على الأفواه، ويدوي في طبقات الأثير وأصبح الكل يعلم أنّ سبيل النصر هو الإسلام، لا القوميات الضيّقة التي مزّقت الأمة كل ممزق، ولا العصبية للأرض والتراب، ولكن الغيرة على مقدسات الإسلام، وعلى دين الله - تعالى -، وعقيدة الحق، والعمل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وهذا مما يبشر بخير، فهذه الصحوة الإسلامية إنّما هي تباشير صباح مقبل - بمشيئة الله ـ، وإننا لننتظر إشراقه عما قريب.
297 (1/297)
صفحة 298
298
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: سماحة المفتي من خلال الاطلاع على سورة التوبة بالأخص في القرآن الكريم نجد كثيراً من الربط بين قضية الجهاد وبين قضية الإنفاق، فتجد مجموعة آيات في الجهاد تعقبها آيات في الإنفاق، وهكذا تظل السورة في ترابط أو ربط مستمر بين هذين العنصرين هل هناك رابط كبير بين قضية الإنفاق وبين الجهاد؟
وهل يقوم الجهاد إلا بإنفاق المال، إن شحّت أيدي الأغنياء عن الإنفاق هل يمكن أن يكون هنالك جهاد؟ إنَّ الله الله جعل لكل شيء سبباً، وجعل المال قوام الحال، وجعل المصالح تُقضَى بالمال، ومن بين هذه المصالح الجهاد في سبيل الله، ولذلك عندما أمر الله لالالالهة بالإنفاق أطّر هذا الإنفاق المأمور به في إطار سبيله فهو الله يقول: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 262، 263]، فالإنفاق المأمور به إنما هو الله، وإن كان سبيل الله وعاءً عاماً يشمل كل برّ، حتى أن نفقة الإنسان على أهله
سبيل
- عندما تكون بنيّةٍ خالصة - تكون في سبيل الله، لكن من المعلوم أن الجهاد على رأس الأمور التي يجب أن ينفق المال من أجلها، فالنفقة من أجل الجهاد إنما نفقة هي مقربة إلى الله عل، وهي سبيل إلى الفوز برضوانه والانقلاب إلى جنته فالله تعالى يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تحيها الأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأَخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13]، فأنتم ترون أن الله تعالى جعل في هذه الآيات الجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس، وجعلهما معاً تجارة رابحة عاقبتها غفران الذنوب ودخول جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة، مع ما يترتب على ذلك أيضاً من نصر الله تعالى وفتحه القريب، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازياً كان كمن غزا»
(رواه البخاري ومسلم).
ج (1/298)
صفحة 299
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
المحاور: سماحة المفتي، هنا سؤال متصل بهذا الموضوع وقد يكون جانبياً بعض الشيء، حينما تقام حملات التبرّعات من أجل نصرة المجاهدين الذين يجاهدون بأنفسهم تجد النفوس تتفاعل، حتى نفوس الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ينفعلون ويأتون إلينا بأموالهم التي لا تشح بها النفوس عادة من مثل مبلغ المائة بيسة أو النصف ريال، مع أنهم ليسوا أهلاً للمعاوضات المالية كما يقول الفقهاء، لكن من باب تربيتهم على الإنفاق في سبيل الله، ومن باب تربيتهم على أن يكونوا مجاهدين كإخوانهم أولئك الذين يجاهدون بأنفسهم. هل الأَوْلَى أن تُؤخذ منهم هذه الأموال أو لا؟
الأولى أن تُؤخذ منهم مع معرفة أوليائهم بذلك وأن يُشجّعوا على هذا، لأجل تربية روح التسامح عندهم وروح حب التضحية.
المحاور: السؤال الأخير: جيل النصر لا بد له من مقوّمات ومن شروط، هل تعتبرون أن الجيل الحالي هو جيل النصر الموعود؟
أنا قلتُ بأن الأمور اختلفت ما بين الأمس واليوم، فاليوم خيرٌ من الأمس، وأرجو أن يكون الغد خيراً من اليوم - إن شاء الله ـ، فاليقظة التي في نفوس الناس وإيابها إلى الله الله ولو لم يتحقق جميع الإياب المطلوب - جعل النفوس تدرك أن النصر لا يكون إلا من عند الله، لا من العتاد العسكري ولا من أي شيء آخر، مع أنه لا بد من إعداد العدة المادية أيضاً عملاً بقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، ولكن على ألا يكون المعوّل على الأسباب المادية، وإنما يجب أن يكون المعوّل على الله - تبارك وتعالى - وحده الذي هو مسبب الأسباب والموفق لأن تفضي إلى مسبباتها، وعلى أن يكون هذا الإعداد امتثالاً لأمر الله لالالالاله الذي أمر به، ورجاء النصر منه الا الله وحده، فهذه النفوس إذا توجهت إلى الله أدركت أن النصر من عند الله، ونحن نرجو أن يتحول هذا الشعار ـ الذي يتردد على الأفواه ـ إلى واقع حي ملموس حتى نرى الإسلام يطبق تطبيقاً تاماً في جزئيات حياة الأُمة فضلاً عن كلياتها، وبهذا يكون هذا الجيل نفسه هو جيل النصر بعون الله
وتوفيقه.
299 (1/299)
صفحة 300
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: الجلوس معكم لا يُمَلّ، وإن كنتُ قلتُ بأن هذا هو السؤال الأخير لكن هنالك سؤال آخر أرجو أن يكون هو السؤال الأخير. بعيداً عن التعصب المذهبي الضيق المقيت، نحن نعلم أن المسجد الأقصى له مكانة في نفوس كل المسلمين أياً كانت مذاهبهم وهم يسهمون جميعاً - بإذن الله - في تخليصه من أرجاس اليهود، حينما قاد صلاح الدين الأيوبي الجيوش الفاتحة التي طهرت أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من أرجاس اليهود، هل كان هنالك دور للإباضية، نسألكم باعتباركم ممثلاً للمذهب الإباضي وعلى رأس قائمة علمائه الآن، هل كان للإباضية أي دور في ذلك التحرير؟
لا ريب أن دور الإباضية كان دوراً إيجابياً ليس في عهد صلاح الدين الأيوبي فقط، بل في عهودٍ كثيرة كما هو معلوم، ومن أجل هذا كان صلاح الدين يرعاهم في مصر رعاية خاصة حتى إن مسجد ابن طولون كان في أيديهم، وكانوا يقيمون فيه حلقاتهم العلمية، وقد كان ذلك من صلاح الدين الأيوبي عرفاناً بجميلهم ومكافأة لهم على مواقفهم النبيلة.
المحاور: في نهاية هذا اللقاء لا يسعنا إلا أن نتوجه إليكم سماحة الشيخ بجزيل الشكر، ونسأل الله الله أن يمتعنا وإياكم بالصلاة في رحاب الطهر والقداسة. آمين آمين (1)
المحاور: سماحة الشيخ، إلى ماذا يعود السبب في الانتفاضة التي تشهدها كل الساحات العربية والإسلامية للقضية الراهنة بينما لم تصدر ردّة فعل تذكر لمجازر سابقة وإبادات جماعية وانتهاك للأعراض كما هو الحال في قضية البوسنة والهرسك وقضية، الشيشان، والقضية الأفغانية قبل ذلك؟ هل ترون
سماحتكم للقومية العربية مدخلا في ذلك؟
(1) هنا انتهى الجزء الأول من لقاء الطريق إلى الأقصى» مع سماحته، ويبدأ الجزء الثاني مباشرة. (1/300)
صفحة 301
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
=
بسم
وحده
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين مُعزّ المؤمنين ومذل الكافرين، - سبحانه - هو الذي خلق فسوّى، وقدر فهدى، وله الحمد في الآخرة والأولى، أحمده حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، لا شريك له، من يطع الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله مبينا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً الله عبد ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين، أما فالسلام عليكم أيها المؤمنون ورحمة الله
وبركاته.
بعد
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة، وأحمد الله على هذا اللقاء الطيب في هذا المسجد الشريف وفي هذه الليلة المباركة من أجل قضية تشغل بال كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وهي قضية المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين -، ومن المعلوم أن القضايا التي ينبغي أن تؤرق المسلمين، وأن تقض مضاجعهم، قضايا جمّة في هذا الوقت، فانتهاك حرم المسلمين في كل مكان، وكم حصل من عدوان على الأمة الإسلامية اليوم ممثلة في شعوبها التي يتآمر عليها أعداؤها، ومن الواجب على المسلمين جميعاً في مثل هذه المواقف أن يكون إحساسهم واحداً؛ لأنه الأمر الذي يفرضه عليهم دينهم الحنيف، فإن الله والله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] والنبي صلى الله عليه وسلم يبين كيف تكون هذه الأخوّة، وكيف تتجسد في الحياة الفكرية والعملية، عندما يقول - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (رواه البخاري ومسلم، ومن المعلوم أن المسلم يحس بجرح دام في قلبه عندما يجد مشاعر المؤمنين نائمة والأمة تمرّ بمثل هذه المحن، تُبتلى هنا وهناك، تداس الكرامة، وتُنتهك الأعراض، وتسفك الدماء، وتُزهق الأرواح، وتُيتّم الأطفال، وترمل النساء، وتتكل الأُمهات، ومع ذلك تظل مشاعر هذه ذلك تظل مشاعر هذه الأمة نائمة، فإن هذا أمرٌ يأْسَفُ له كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن قد يتضاعف البلاء عندما يكون هذا الأمر يمس المقدسات بجانب كونه يمس كرامة الأُمة ومن أجل ذلك يكون التفاوت في الإحساس، فنحن نرى أن الأُمة أحسّت الآن بعظم الأمر، عندما أخذ اليهود - أعداء الله سبحانه - يدوسون مقدسات الإسلام،
:_
301 (1/301)
صفحة 302
302
لقاعات
في الفكر و الدعوة
غير مبالين بحرماتها فقد أخذوا يلطّخون طهر تلك المقدسات بأفعالهم الدنيئة الخسيسة، فمن أجل ذلك ثارت مشاعر هذه الأُمة وتفجرت غيرتها بما عبّرت به عن غضبها على العدو الغاشم الذي داس بكبريائه وغطرسته على جميع حقوقها وكان ما كان مما يُعَدُّ ردّة فعل في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.
الأمة
وهذا إن دل على شيء فإنما يدلّ على ما للقدس من مكانة في نفوس هذه الأمة الإسلامية، وإنها لحرية بذلك، فكيف لا تحس بهذه المكانة العظيمة في أعماقها لبيت الله المقدس وتحس بألم بالغ عندما تداس حرماته؟ فإن المسجد الأقصى إنما هو أمانة في أعناق جميعاً، كيف لا؟! والله الله أورث هذه الأمة مقدسات النبوات السابقة، فهو تبارك وتعالى - يقول امتناناً على هذه الأمة وعلى نبيها - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام -: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَنَيْنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
هذه
- توجيه رباني للمحافظة
يجمع لهذه
الأمة
جميع
فقد اختار الله لالالاله المسرى رسوله له مسجدين عظيمين مقدسين في تاريخ النبوات السابقة، وهما المسجد الحرام والمسجد الأقصى فكانت بداية الإسراء من المسجد الحرام ونهايته إلى المسجد الأقصى، لينال النبي صلى الله عليه وسلم شرف إمامة النبيين، ثم شَرَفَ الاطلاع على شؤون الملكوت الأعلى عندما من الله الا الله عليه من هناك بالعروج إلى السموات العلى ليُريه من آياته الكبرى، وفي طي هذا التشريف العظيم - الذي ناله رسول الله الله والذي جاء القرآن الكريم ممتناً به على هذه صلى الله عليه وسلم الأمة. على مكانة ذينك المسجدين جميعاً، ذلك أن الله الله أراد أن المقدسات، لذلك كان التوجيه لهذه الأمة إلى المسجد الأقصى في أداء أعظم عبادة تتقرب بها إلى الله الله هو وهي عبادة الصلاة، فقد وجهت بأمر الله إلى المسجد الأقصى في صلاتها منذ هجرة النبي الله إلى المدينة المنورة حتى أنزل الله الله ما أنزل من الأمر بتحويل الاتجاه إلى القبلة الإبراهيمية ليجمع الله الله كلتا الحسنين لهذه الأمة شرّفها الله الله بأعظم رسالة. فإذن المسجد الأقصى هو صنو المسجد الحرام، وكل شيء يمس كرامة ذلكم المسجد إنما يعد إهانة كبيرة لكرامة الأمة بأسرها، فحرمته مرتبطة بعقيدة الأمة، لأجل هذا كان
التي (1/302)
صفحة 303
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
التحرك العالمي للتعبير عن مشاعر الغيرة والغضب من أجل ما أصاب الأقصى الشريف، وكان هذا التوجه النبيل من شعوب الأُمة الذي حمدنا الله - تبارك وتعالى ـ عليه، وهو مما يدلّ على أن هذه الأمة لا يزال فيها الخير - بإذن الله -، ونرجو مع هذه الدفعة الحيوية التي كانت لهذه الأُمة إبان هذا الانتهاك لحرمة المسجد الأقصى أن تظل سارية الأثر في حياتها دائماً، ونرجو أن تكون - بتأثير هذه الدفعة الحيوية وهذه الروح العالية ـ مهتمة أيضاً بجميع قضاياها في العالم الإسلامي بأسره من أقصاه بحيث تعتبر تطهير أي جزء دُنّس من أرض الإسلام بأي إجرام أمراً واجباً عليها جميعاً، وتعتبر تخليص أي شبر من أرض الإسلام تسلط عليه أعداء الإسلام أمراً لا بد منه يظل دينا في رقابها حتى يمنّ الله - تبارك وتعالى - عليها بالتوفيق لأدائه.
أنا لا أنكر أن هذه الأمة أصيبت بنكسة ارتدادية من تأثير مخططات أعداء الإسلام، وهي نكسة التحزّب للقوميات الضيقة بدلاً من الانتماء إلى العقيدة الإسلامية التي تجمع شتات الأمة على تعدد شعوبها واختلاف أعراقها وتباين ألسنتها، ومن خلال مطالعتنا للتاريخ أدركنا أن هذه النكسة خُطَّطَ لها من قِبَلِ جميع اعداء الإسلام؛ لتكون ممزقة لشمل هذه الأمة، وكان ميلادها - على اختلاف توجهاتها وفي شتى بقاعها ـ في وقت واحد، فالقومية العربية ولدت في الكلية البروتستانتية بلبنان على أيدي نصارى العرب بعدما خطط لها الغرب، في عام (1263 هـ ـ 1847 م)، ووُلدت القومية الطورانية في تركيا على أيدي يهود الدونما بعد ذلك بعام واحد، وهو يدل على أن التخطيط لميلاد القوميتين جميعاً كان واحداً.
في
وكان لدعوات هذه القوميات أثر سلبي في حياة الأمة، فقد مرت بالمسلمين حقبة التأريخ - أدركناها - كانوا تناسوا فيها العقيدة وضرورة الانتماء إليها والارتباط بها في قضاياها المصيرية، ولذلك صاروا ينتمون إلى هذه القوميات الضيقة التي جعلت الأُمة مقطعة الأوصال ممزعة الأشلاء كما أراد لها أعداء الإسلام، ولكن ـ بحمد الله ـ ثبت فشل دعوات هذه القوميات، وتبخرت تلك النعرات التي كانت تنادي بها وثبت أن مناط الاجتماع ومعقد الوفاق بين الأمة إنما هو العقيدة الإسلامية وحدها، وبهذا أصبحت الأُمة الآن تعيش ـ بحمد الله في صحوة بعدما غفت برهة من الدهر وتلاشى الانتماء إلى تلكم القوميات الجاهلية كما يتبدد الضباب بإشراق شمس الظهيرة.
303 (1/303)
صفحة 304
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ولا أزال في ذُكْرِ مما كان عليه العرب في فترة من الفترات حيث كان كثير منهم يقولون: إن النبي كان عربياً قبل أن يكون مسلماً، ويرددون أن العربي وإن كان وثنياً أو ملحداً أو كان على أي دين ضال هو أفضل من غير العرب ولو كان في مستوى الصحابة الكرام في ورعه وفضله، وهذه الفكرة الضالة امْتَحَت الآن من أدمغة شباب العرب، فلم يعد المحرك لهم القومية العربية وإنما أصبح المحرك هو عقيدة الإسلام، وأصبحوا ينظرون إلى القدس الشريف أنه رمز من رموز الإسلام.
المحاور: سماحة المفتي بالنسبة لقضية الهيكل التي ينافح من أجلها اليهود حتى قال ابن يورين لا معنى للقدس بدون الهيكل، ما هذا الهيكل؟ وما قضيته؟
هذه دعوى لتبرير ما يرونه من السيطرة على ذلك المكان المقدس ليتوصلوا بعد ذلك إلى السيطرة على العالم؛ لأن هذه مخططات اليهود وفق مؤتمرهم الأول الذي عقدوه في مدينة بال بسويسرا عام: (1314 هـ - 1897 م) من أجل التخطيط للاستيلاء على العالم، وأسفر مؤتمرهم يومئذ عن البروتوكلات التي سُميت بـ «بروتوكلات حكماء صهيون»، وهي تهدف إلى إثارة الفتن والقلاقل بين شعوب العالم بأسرها وتذويب القيم والفضائل وإغراق الناس في الشهوات والرذائل والقضاء على جميع المعنويات التي تعتضد بها الأمم وتقوى بها في مواجهة الغزوات العسكرية والفكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ذلك من أجل أن تميع الإنسانية بأسرها فتكون لهم عجينة لينة يصرفونها
كيف شاؤوا.
وهم لا يزالون يسيرون في مؤامراتهم على الأمة وعلى الإنسانية جميعاً وفق ذلك المخطط الرهيب، وقد شكلوا لجنة دائمة لتنفيذ هذه المخططات حتى أنه عندما يموت أحد من اء تلكم اللجنة يعوض مكانه بشخص آخر، وهي مستمرة في متابعة تنفيذ تلكم المخططات منذ ذلك التأريخ إلى وقتنا هذا.
أعضاء
وقد كانوا يتصورون أنه في خلال قرن من الزمن يصلون إلى حكم العالم بأسره، ولكن الله - تبارك وتعالى - خيب آمالهم وكتب عليهم الخزي فلم يصلوا إلى ذلك، ومهما يكن من أمر فإن مؤامراتهم خطيرة، وهم ادعوا أن في مكان الأقصى المبارك هيكلاً يسمونه
304 (1/304)
صفحة 305
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
هيكل سليمان ومن ضلال معتقدهم أنهم جعلوا سليمان و داود عسل ملكين من غير أن يصطفيا بنبوة أكرمهما الله - تبارك وتعالى - بها، ولذلك عندما ينزعون هذا المنزع، منزع الاستيلاء على العالم، يزعمون أنهم يريدون أن يُحيُوا مملكة داود وسليمان، وإعادة تاج داود في هذه الأرض، ومن المعلوم أن داود وسليمان بريئان من اليهود ومن مؤامراتهم وأعمالهم، فإن الله - تبارك وتعالى - أثنى عليهما في كتابه وذكر اصطفاءهما وحَسْبُهُمَا ذلك، وهذا مما يدلّ على أن الأُمة الإسلامية هي أولى بداود وبسليمان وأولى بسائر أنبياء بني إسرائيل - الذين طهرهم الله الله من رجس معتقدات اليهود ومن أدناس أعمالهم وأخلاقهم - من بني إسرائيل أنفسهم وإن انتسبوا إليهم لأنهم بانحرافهم العقدي والفكري والخلقي والسياسي لا يعدّون من أولئك الأنبياء الكرام في شيء، ودعواهم بوجود الهيكل في مكان المسجد الأقصى لا دليل عليها، والله سماه مسجداً وبارك حوله بما جعل فيه من خير كثير، فإن الله أكرم الإنسانية بما تنزل هنالك من رسالاته، كما اختار ذلك المكان الطاهر لأن يكون مسرى خاتم النبيين، فهذه الأمة هي أولى بأن تحافظ على طهر ذلك المكان وقداسته، وأن تنافح عنه بكل ما أوتيت من قوة.
المحاور: سماحة الشيخ بالنسبة للمجسد الأقصى ما حدوده؟ فالبعض يقصره على المسجد نفسه، والبعض يتوسع ليدخل ضمنه كل ما بالسور، فيضم المسجد وقبة الصخرة والمصلى المرواني وغيرها، في حين أنه قد علق في الأذهان من خلال الصور التي تنشر أن قبة الصخرة هي المسجد الأقصى.
المسجد هو كل ما حواه السور وكل ما تبعه من حرم شرعي، فلجميع تلك البقعة حرمات المسجد الأقصى، وهو مما يجب على الأمة أن تحافظ عليه، ولو قلنا بأن المسجد الأقصى محصور في قبة الصخرة فقط للزِمَنَا أيضاً أن نقول أن المسجد الحرام إنما هو مقصور على الكعبة المشرفة فحسب، أو الكعبة وما حولها من المطاف دون سائر المسجد، وليس هذا بشيء؛ إذ المسجد الحرام لو وسع وشمل الحرم بأسره فإن له جميعاً حرمات المسجد الحرام وفضله، وتكون الصلاة في أي جزء منه بمائة ألف صلاة، ولو كانت في أطرافه ما دام هو مسجداً غير مستقل عن البناء المحيط بالكعبة المشرفة، وكذلك لو قلنا إن قبة الصخرة هي وحدها المسجد الأقصى للزم أن يكون
305 (1/305)
صفحة 306
306
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المسجد النبوي الشريف ينحصر في الروضة المطهرة أو فيها وفي سائر المسجد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن عمر بن الخطاب الله يقول: لو زيد في مسجد الله الله حتى بلغ صنعاء لكان الكل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ..
رسول
وبهذا يتبيّن أنه لا معنى لحصر المسجد الأقصى في قبة الصخرة فقط، فإن قبة الصخرة وحدها ضيّقة لا تسع جموع المصلين، كذلك فناء الكعبة لا يتسع لجموع المصلين، ولذلك يزاد في المسجد الحرام في كل عصر بقدر ما يتسع لزيادة أفواج الحجيج والمعتمرين وتكاثر أعداهم، والأمة بأسرها مطالبة بأن تطهر تلك الأرض جميعاً لأنها أرض مقدسات، فالله الله جعل مكة كلها حرماً للكعبة كما هو معلوم، وكذلك أرض فلسطين جعلها الله يا الله أرض طهر، إذ باركها الله الله كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في المسجد الأقصى: الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، والمراد بحول المسجد الأقصى أرض فلسطين بأسرها، ولما كانت أرضاً مباركة فإن لها حرمة متميزة على غيرها من الأرض، ومن هنا كانت على أي شبر منها أمراً لا محيص عنه فهو دين في رقاب الأُمة
المحافظة من قبل
الأمة
حتى يُقْضَى - بمشيئة الله
المحاور: شيخنا العلامة، يقول الله تعالى عن اليهود: {لَا يُقَتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرَى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14].
السؤال: هل هذا الوصف خاص بطبيعة اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أو أنه وصف عام لكل اليهود على اختلاف الأزمنة وتباين الأمكنة؟ فإن كان هذا الوصف لليهود عامة فما معنى قوله تعالى: لَا يُقَيلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرَى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُيم. وهل يُقْبَلُ تفسير ابن عاشور عندما قال في تفسير هذه الآية: ويجوز أن يكون بمعنى مُجْتَمِعِين أي لا يقاتلونكم جيوشاً كشأن جيوش المتحالفين، فإن ذلك قتال من لا يقبعون في قراهم، فيكون النفي منصباً إلى هذا القيد، أي: لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش، أي لا يهاجمونكم (1/306)
صفحة 307
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
(1)
ولكن يقاتلونكم قتال دفاع في قراهم، والملاحظ أن اليهود في هذا الزمن يقاتلون في جيوش منظمة، ويهاجمون المسلمين ولا يقتصرون على مجرد الدفاع، هذه قضية.
القضية الثانية في الشطر الثاني من الآية يقول الله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، والملاحظ أن اليهود في كل أنحاء العالم يقفون جَنْباً إلى جنب، ويؤكد هذا الكلام أنهم استطاعوا أن يحتلوا دولة فلسطين بعد تخطيط كما ذكرت سماحتك، ويكفي أن يعلم أن يهود الولايات المتحدة فقط ينفقون سنوياً لبني جلدتهم في فلسطين أكثر من مائتي مليون دولار، فكيف نفرق بين ظاهر الآية والأحداث الراهنة؟
هذا وصفٌ وَصَفَ به الله الله اليهود وهو أعلم بأحوالهم وطبائعهم ودخائل أنفسهم من أنفسهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، فنحن
نؤمن بذلك، ولا نحصر هذه الأوصاف في اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، فالآية الكريمة تدلّ على أن اليهود طبيعتهم الجبن والخور، وهذا أمرٌ معهود لا يُنكر حتى في وقتنا هذا، فقد قيل لي بأن رجلاً فلسطينياً هاجمه اثنان مُدَجَّجان بالسلاح، فأشهر في وجههما سكيناً، فإذا بهما يهربان عنه وهذا مما يدلّ على أن الجبنَ طَبْعُهم، إلا أن لله حكمة اقتضت تسليطهم على هذه الأمة لتفيق من سكرتها، وتثوب إلى رشدها، وتضطلع بأمانتها، فإن المسلمين أضاعوا ما ائتمنهم الله وبدلوا وغيروا وهذه هي سُنَّة الله في عباده حتى يعودوا إلى دينهم ويطيعوا ربهم وجلالة، ويعتصموا بحبله المتين، ويتبعوا نهجه المستقيم، فإن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11] وإلا فإن طبع اليهود لا يتغير، فعزائمهم لا تزال خائرة، ولكنهم إنما يعتضدون بمن يشد أزرهم ويحمي ظهورهم، وأنتم تعرفون أنّ وراء اليهود نظاماً إعلامياً عالمياً يروج لهم لمواراة فسادهم واستدرار رحمة الناس بهم وتأليبهم على ضدهم، وتقف وراء هذا الإعلام المزور قوى سياسية كبرى تخطط لمصلحتهم وتكيد لخصومهم، وتغدق الأموال والسلاح عليهم، وتعضدهم في المحافل الدولية.
(1) يراجع: تفسير الآية من التحرير والتنوير لابن عاشور.
307 (1/307)
صفحة 308
ومع
هي
،
لقاعات
في الفكر و الدعوة
هذا فإن الضياع الذي ألمّ بأمة الإسلام كان سبباً لما وصلت إليه من الهوان، ونزلت إليه من الحضيض، وانتهت إليه من التفكك والتشتت وذهاب الريح، وهو الذي أطمع فيها العدو وتمكن به من رقابها، فالأمة مطالبة أن تستمسك بحبل الله، وأن ترتبط بالوحدة الجامعة لشتاتها، المنظمة لأمرها المصلحة لما بينها، كما أنها مأمورة أن ترتبط بتوحيد الله إذ هذه الأمة أُمة وحدة في العقيدة والمبادئ والعبادة والأعمال والغايات والأهداف والآلام والآمال، كما أنها أُمه لله، فقد توحيد جمع الله بين أمرها بالتوحد فيما بينها وأمرها بتوحيده، حيث يقول سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، فقد أمرهم الله أن يتقوه حق تقاته وذلك من ثمرات توحيدهم إياه وحذرهم أن لا يموتوا إلا مسلمين، وفي نفس السياق أمرهم الله الا الله أن يعتصموا بحبله جميعاً وأن لا يتفرقوا وهذه الأُمة مُنِيَتْ بالافتراق الذي كان سبباً للتشتت والضياع حتى طمع فيها أراذل الناس،
وحاق بها ما حاق بها من العذاب.
هذه
بهم حين يعود
فإذن ما نظنه في اليهود من قوة إنما هو أمرُ لنا يبدو بسبب أن الله الله ينفذ في الأُمة ما كتبه عليها، وينفذ في اليهود أيضاً ما كتبه عليهم، فإن اجتماعهم في بلد واحد بعدما ظلوا قروناً أشتاتاً موزعين إنما هو لأمر الله مر يريده المؤمنون إلى دينهم الحق ويستمسكون بعروة الإسلام الوثقى التي لا انفصام لها، ويتحولون عن غيَّهم إلى الرشد وعن ضلالهم إلى الهدى ومن تشتتهم إلى الوحدة فعندئذ تنفذ إرادة الله ـ تعالى ـ في اليهود ويقاتلهم المسلمون جميعاً حتى يتوارى اليهودي وراء الشجرة فتخبر عنه كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مهما كان هذا الإخبار ولو كان بلغة المجاز. أما ما وصفهم الله الا الله به من اختلاف الأهواء، فهو أمر لا نشكّ فيه أيضاً، لكن مع هذا الاختلاف هم يتعاونون من أجل قضية تجمعهم، فهم يُضمرون الحقد للإنسانية بأسرها ويكيدون لها كيداً، وهذا يعد قاسماً مشتركاً بين اليهود كلهم، فجميع اليهود مشتركون في العداوة لجميع البشر، والحقد على كل أحد مهما كان دينه أو جنسيته أو أصله ما دام خارجاً عن منظومتهم، فهم يعتقدون في أنفسهم أنهم شعب الله المختار وأن سائر البشر لا تختلف أوضاعهم عن أوضاع الحيوانات، ولا ترتفع قيمتهم عن قيمتها. (1/308)
صفحة 309
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
أما هذه
الأمة فهم الدينية التي آلت إليها ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تحقق على يديه من جمع شتاتها، ورفع ذكرها، وهذا لأن اليهود على رغم ما كان منهم من تقتيل النبيين ومؤامرات عليهم حتى أنهم عندما أنقذهم الله - تبارك وتعالى ـ على يد موسى ما كادوا يتجاوزون البحر الذي شقه الله لهم بضربة من عصى موسى حتى تنكّروا لموسى وقالوا له: اجعل لنا إلها كما لهم إله، وكانوا يكيدون له المكايد باستمرار إلا أنهم مع ذلك بقيت فيهم النعرة القومية والعصبية للعنصرية الإسرائيلية، ونظراً أن أولئك الأنبياء كانوا من بني إسرائيل ولو كانوا على غير هديهم ومسلك غير مسلكهم - يرون أن هذه الأمة بظفرها هدي بالنبوة الخاتمة قد انتزعت منهم أعز ما كان يعتزون به، فقد كانوا يستشرفون بزوغ شمس النبوة الخاتمة في أفقهم لينعموا بالعز والتمكين بعد الذل والهوان، ولينقذوا على يديه من بطش الجبارين، الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، كما أنقذوا من قبل على يدي موسى علا من بطش فرعون وآله وعندما فوجئوا بتحول النبوة إلى نسل إسماعيل كَبُرَ ذلك عليهم، فاضطرم حقدهم على هذه الأمة وكذَّبوا بالنبي الذي جاء لإنقاذ البشرية حسداً من عند أنفسهم، وهذا من أهم العوامل التي جمعت شتاتهم لينالوا من هذه الأمة مناهم من إضلالها وإفساد ذات بينها، وإنزال صنوف الشرّ بها، ولكن مع لهم أهواء، وبينهم خلاف ولهم منازع، والعنصرية متأصلة فيهم إلى وقتنا هذا، ومما يدل على ذلك: أن يهود الحبشة عندما هاجروا إلى أرض فلسطين عُوملوا معاملة تختلف عن معاملة سائر اليهود لا سيما الذين جاءوا من أوروبا، فهم يفرّقون بين اليهود أنفسهم، وهذا مما يدلّ على أن لهم أهواء مختلفة، وأنهم مشتتون من حيث نزعاتهم، ولكن تجمعهم هذه العداوة: عداوة الأُمة خاصة، وعداوة الإنسانية عامة.
أشدّ عداوة لها لأنهم يرون أنها انتزعت منهم أعظم شيء، وهو القيادة
جمعاء
ذلك
هم
المحاور: شيخنا جاء حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة
شهر» (رواه البخاري والنسائي).
أولاً: ما المقصود بالرعب في الحديث الشريف؟
ثانياً: هل هو خاص به صلى الله عليه وسلم أو هو عام لأمته؟ وإن كان عاماً فهل هناك أمثلة من التاريخ الإسلامي في النصر على الأعداء بالرعب؟ (1/309)
صفحة 310
310
لقاعات
في الفكر و الدعوة
النبي صلى الله عليه وسلم من الله - تبارك وتعالى - عليه بالهيبة، فكان الرعب يتقدمه ويتقدّم جيشه، ومن أمثلة ذلك: ما كان من تأثير كتابه - عليه أفضل الصلاة والسلام - على نفسية هرقل، فعندما وصل إليه كتابه صلى الله عليه وسلم سأل أبا سفيان ـ وكان بالشام - عن صفاته صلى الله عليه وسلم وكان يجيبه بأمانة مع ما كان في نفسه من العداء لشخص النبي - عليه الله وسلامه ـ، ثم إنه قُرِئَ عليه بعد ذلك كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الموجه إليه، ونصَّ
صلوات
الكتاب:
«بسم
الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم.
السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ
يؤتِكَ الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَب تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
فتصبب جبين هرقل عرقاً مما راعه من خطابه عندما قُرِئَ عليه، وخرج من عنده أبو سفيان وهو يقول: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فهذا مثال من تأثير الرعب الذي نُصر به الرسول صلى الله عليه وسلم على أعدائه، ولا ريب أن تأثير هذا الرعب امتد إلى عهد خلفائه من بعده، وظل يؤثر على الناس تأثيراً بالغاً، ولذلك تحقق لهم النصر المبين.
ومن أمثلة ذلك أن عمر بن الخطاب الي الله عندما جنّد الأجناد لمحاربة إمبراطورية فارس التي كانت ـ حسب دراسات بعض العلماء المعاصرين - هي الإمبراطورية الأولى في العالم بأسره في ذلك الوقت وذلك بعدما انشقت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: غربي وشرقي؛ هال إمبراطور فارس ما نزل به من هذا الأمر وما زعزع جنده وزلزل عرشه من هذا الغزو فكتب كتاباً إلى إمبراطور الصين يستنجده على المسلمين، وأرسل به رسولاً حكيماً خبيراً بمداخل الأمور ومخارجها وفنون الخطاب، وأساليبه، فذهب بكتاب يزدجر إلى إمبراطور الصين، ولعل إمبراطور الصين هذا هو المعاصر للرسول، بحيث امتد زمان حكمه من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد عمر له؛ لأنني قرأت أن إمبراطور الصين المعاصر لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلاً (1/310)
صفحة 311
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
عاقلاً حكيماً يسمى «ته تسونج»، يدلّ على هذا كيف كان تعامله مع رسول إمبراطور فارس إليه، ولما سلّم الرسول إليه الكتاب جلس إليه جلسة واستمع منه وسأله عما علق بذهنه من التساؤلات فيما يتعلق بهذه الفئة التي خرجت عليهم، وأول ما سأله عنه: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عدداً أو أقل عدداً؟ فأجابه بأنهم أقل عدداً، قال له: هل هم أكثر عدة
عليكم هم أكثر منكم أو أقل عدة؟ فأجابه: إنهم أقل عدة، قال له: أخبرني عن حالهم، فقال له: إنهم رهبان بالليل، وفرسان بالنهار، قال له: أخبرني عن طعامهم، قال له: يأكلون بقدر ما يعيشون، قال له: أخبرني عن لباسهم، قال له: يلبسون بقدر ما يستترون، ويقولون (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، قال له: أخبرني عن حالهم فيما بينهم، قال له: قلوبهم كقلب رجل واحد.
فرد عليه قائلاً: لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم، ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس جاء فيها: «قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو - أي خراسان - وآخره بالصين، إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء، فلو وَقَفَت الجبال في سبيلهم لدكدكوها، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم».
فإن هذا - ولا ريب - من النصر بالرعب، فانظر كيف راع هذا الإمبراطور الكبير الذي هو في أعماق أرض الصين، وهي محصنة بأسوارها وحصونها وقلاعها ورجالها، وبينها وبين البلاد الإسلامية في ذلك الوقت ما لا يحصى من المفاوز والقفار والبحور والجبال وغير ذلك، ناهيك بكثرتهم الكاثرة في عددهم وعدتهم بحيث يمكنه إن يرسل جيشاً أوله بمرو - أي خراسان - وآخره بالصين، ومع ذلك يهوله أمر المسلمين حتى يشعر بأنهم قادرون على إزالته من مكانه لو شاؤوا ذلك، فإن ذلك دليل على أن هذه الأمة منصورة بالرعب، لكن متى يكون ذلك؟! إنما ذلك عندما تحاسب نفسها حساباً دقيقاً حتى تكون جميع أعمالها ترجمة لما في كتاب الله ولما في سُنَّة رسول الله، فإن عمر له زوّد أولئك الجند تلكم الوصية البالغة، التي كانت القوة الفاعلة التي لانت بين أيديها جميع القوى، لانت بين أيديها قوى العتاد وقوى البشر، ولم تقف أمامها أي قوة لصدها، وكان من جملة ما وصاهم به قوله: « ... وأوصيك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإنّ ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم».
311 (1/311)
صفحة 312
312
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فالمسلمون إنما ينصرون بالرعب عندما يكونون أشد احتراساً من المعاصي منهم من عدوهم. وهذه الأمة نرجو أن يكون هذا النصر لها أيضاً، ولكن متى ذلك؟ إنما هو عندما تكون مستمسكة بكتاب الله وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاضة بالنواجذ على تعاليمهما من غير تفريط في جزئية أو كلية، فعندئذ تكون منصورة بالرعب إن شاء الله.
المحاور: سماحة الشيخ يسأل السائل عمّا يسمى بالأعمال الفدائية، كأن يأتي
رجل من المسلمين يتسلح بالمتفجرات، ثم يدخل بتلك المتفجرات وسط العدو اليهودي على سبيل المثال، ثم يفجرها ويموت هو مع أولئك الأعداء، فهل يجيز الإسلام هذا الفعل أو يُعتبر ذلك انتحاراً محرماً؟ ومثال آخر من يقود طائرة حربية وهو من المسلمين ثم يهوي بتلك الطائرة على موضع حساس ليحدث بالعدو بذلك خسارة كبيرة، فهل يجوز هذا الفعل؟ وهل يمكن أن يقاس على ما فعله البراء بن مالك في حديقة الموت؟
ألا
المسلم منهي عن أن يقتل نفسه ومأمور بأن يقاتل عدوه، فهو عليه مهما فعل ينوي قتل نفسه؛ لأنه منهي عن قتل نفسه، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 20]، - وإنما يُؤمر وهو يفعل هذا الفعل أن ينوي به النكاية بالعدو لا أن ينوي به قتل نفسه، بحيث إذا وَجَدَ لنفسه المخرج أنقذ حياته، والله - تبارك وتعالى - على كل شيء قدير.
المحاور: لكن بمعنى أنه إذا لم يكن هناك بد إلا مثل هذا التصرف؟
نعم، لكن لا ينوي أن يقتل نفسه، وإنما ينوي النكاية بالعدو.
المحاور: سماحة الشيخ هل يمكن أن نعتبر ثورة الأمة المسلمة الآن هي بداية النهاية لليهود؟ وهل قتال اليهود مرتبط بقيام الساعة؟ (1/312)
صفحة 313
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
نحن واثقون بنصر الله - تبارك وتعالى - لعباده المؤمنين، فإن الله - تعالى - صادق في وعده لا تبديل لكلماته، ولا إخلاف لميعاده، وعد فأنجز، ولا بد من أن ينجز فيما يأتي كما أنجز فيما مضى، وعد عباده المؤمنين النصر والتمكين في آيات شتى من كتابه العزيز، فالله الا الله يقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزُ * الَّذِينَ إِن مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَوَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40، 41]، ويقول سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 55]، ويقول تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]، ويقول: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تحرَةٍ تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحِيهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13].
نعم أنجز الله ـ تعالى ـ هذا الوعد، فاستخلف المؤمنين مع قلتهم وكثرة عدوهم، ومع ما كانوا فيه من ضعف مادي بجانب القوة المادية التي كانت عند عدوهم بحيث لا يمكن أبداً المقارنة بينها وبين ما كان بأيدي هؤلاء المسلمين من قوة.
بسبب
كان ذلك التمكين بفضل الله ـ سبحانه ـ، ثم كان ما كان من انهزام هذه الأُمة؛ نكوصها عن أمر ربها - سبحانه - وانحرافها عن منهج دين الله - تعالى ـ، ولكن مهما كان فنحن واثقون - مع هذه الصحوة المباركة والتوجه إلى الإسلام، ومع إدراك أن الحلّ الإسلامي هو الحل الوحيد الذي سينقل هذه الإنسانية بأسرها في مشارق الأرض ومغاربها إلى الخير - أن وعد الله تعالى بالنصر آت فلا بد من أن ينجزه الله ويستخلف هذه الأُمة كما استخلفها من قبل، ويُمَكِّن لها دينها الذي ارتضاه لها، وهذا مما يجري ذكره كثيراً على ألسنة المسلمين الذين كانوا من أول الأمر على الإسلام وعلى ألسنة المسلمين الجدد الذين دخلوا في الإسلام بعدما كانوا على ملة أخرى، فكم تردد على ألسنتهم من التفاؤل بأن يُظهر الله - تعالى - دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وبجانب هؤلاء وهؤلاء
313 (1/313)
صفحة 314
314
لقاعات
في الفكر و الدعوة
نجد العقلاء من غير المسلمين - حتى الحاقدين منهم - يتطلعون إلى عهد إسلامي مشرق يقضي على ما في العالم من فتنة ويجلل العالم بالخير والرخاء والوئام والصلاح. ونحن نجد فوارق بين الماضي والحاضر وذلك أن كثيراً من أبناء المسلمين أو المحسوبين على الإسلام بمجرد الاسم أو الانتماء إلى آباء مسلمين أو أُمهات مسلمات، مرّت عليهم فترة من الزمن كانوا يرون فيها أن الحل الذي يجب على الكل أن يعتمد عليه هو الحل الاشتراكي أو الحل الشيوعي، وكان الناس يلهجون بهذا، فكم سمعت بنفسي من كان يدعو للاتحاد السوفيتي ويقول: بأن نصر العرب مرهون بالارتباط بالاتحاد السوفيتي. وكانت القومية العربية يومئذ هي معقد الارتباط بين العرب، وشاء الله - تعالى - أن تنهار هذه الأفكار وتتلاشى هذه المبادئ وأن يتطلع الناس الآن إلى الحل الإسلامي.
هذا بالنظر إلى المسلمين، وأما غير المسلمين فكم صرَّح قادة الفكر السياسي وغيرهم بأن لا حل إلا ما جاء به الإسلام، فقد سُئل قبل فترة (غورباتشوف) ـ وهو آخر رئيس للنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي - عن استمرار النظام الشيوعي في فيتنام وفي الصين، فأجاب: كلا، لا يمكن للميت أن يستمر، فقيل له: ما البديل؟ فقال: لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية وإنما هو في نظام آخر، فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة.
فما النظام الآخر؟! هل هو نظام عبدة البقر؟ أو عبدة النار؟ أو عبدة الغيلان والضفادع؟ أو أن هذا النظام إنما هو النظام الإسلامي الذي فيه حلّ لكل مشكلة وعلاج لكل ما أصيبت به الأمة؟
وكان هذا التصريح منه على أثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وما هي إلا بضع سنوات حتى صرح الشيوعي المتعصب (كاسترو) بقوله: «ما بقي أمام الإنسانية إلا المنهج القرآني»،
وهذه شهادة من رجل أفنى حياته مستميتاً في ترسيخ الشيوعية ودعمها.
أما إذا جئنا إلى المسلمين الجدد ففي شهر ذي الحجة من عام 1415 هـ ألقى أحدهم محاضرة في مجمع أبي النور بدمشق - وهو رجل أمريكي مسلم كان يسمى قبل إسلامه (روبرت كرين) وصار اسمه بعد أن أسلم فاروق عبد الحق - وكانت محاضرته بعنوان: «القيادة (1/314)
صفحة 315
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
الإسلامية في القرن الحادي والعشرين»، وقد وضع فيها المقصل على المفصل والنقاط على الحروف، وبيّن بيانا شافياً كافياً أن العالم إنما يمرّ الآن بمرحلة احتضار، ولا ينقذه مما هو فيه من أسباب الهلكة إلا الإسلام، ومعنى ذلك أن هذه الحضارة ما هي إلا حضارة محتضرة غشيتها سكرات الموت، وليس لها من مُنْقِذ إلا الإسلام، وركّز على الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، فبيّن أمراضها المتفشية وأدواءها المستعصية وكيف تتغلغل فيها العلل القاتلة، على أن الرجل ليس هو من الناس العاديين، وإنما هو ذو خبرة سياسية واسعة، فقد تقلد مناصب عدة، من بينها أنه كان في عهد الرئيس نيكسون كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، وهذا يعني أن الرجل حنكته التجارب ووسعت آفاقه خبراته في مجالات الحياة.
وهو لم يكتف بنتائج تجاربه وعصارة خبراته بل استشهد بكثير مما قاله غير المسلمين من أولي المناصب القيادية هنالك كـ (بريجنسكي) الذي كان مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس، كارتر، وهو يهودي الأصل، وقد تحدث عن الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية في تصريح أدلى به لإحدى الصحف السيارة واسمها (New Perspectives Quarterly) وفي إصدار خاص لهذه الصحيفة قدّم بريجنسكي ما يسمى بـ «عقيدة بريجنسكي» والتي تؤمن بأن المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسن قانوناً أخلاقياً للعالم وأن أي حضارة لا تستطيع أن تقدّم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى».
وقد قام المحرر لهذه الصحيفة ناثان جارولز» بتقديم لهذا الإصدار الخاص بمقال افتتاحي تحت عنوان «روح النظام العالمي يوحي فيه أن روح الإسلام قد تصبح قريباً روح القرن الواحد والعشرين وقد تكون العلاج الوحيد للمشاكل المستعصية والتي سببتها علمانية الحضارة الغربية وكتب قائلا: وربما ساعد الصدام مع الدين الإسلامي على إيجاد عصر ما بعد العلم في الغرب والذي يفسح المجال ثانية للوجود الروحي بعد ما حذف من القائمة وربما أدى الانهماك بسبب السعي المجنون وراء مستقبل أجوف إلى نظرة فورية ثانية إلى قيم الإسلام في التوازن والاعتدال والتبصر».
فإذن هذه الصحوة بمشيئة الله - سبحانه - تعدّ باكورة العمل الإسلامي العالمي أو الحلّ الإسلامي العالمي الذي سيسود هذا العالم بمشيئة الله الله، ومن المعلوم أنه إذا قام قائم
الإسلام فلن تبقى عجرفة اليهود وإنما تأتي ساعتهم التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
315 (1/315)
صفحة 316
316
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: سماحة الشيخ، بالنسبة لسلاح المقاطعة الذي يدعو إليه كثير من الناس، بمقاطعة المستوى الاقتصادي على مستوى الأفراد بحيث يقاطع المسلم البضائع التي تأتي من اليهود أو الدول التي تناصر اليهود بدءاً من الأمور الصغيرة كإبر الخياطة والمشروبات الغازية وانتهاء بما يمكن أن يتملكه الفرد المسلم من السيارات ونحوها، فما رأيكم؟ وما حكم الشرع الشريف في الاعتماد على سلاح المقاطعة؟
من المعلوم أن السلاح الذي يستخدم في الحرب مع العدو سلاح متنوع، وكل ما يمكن أن يؤدي إلى زعزعة صف العدوّ وإيهان جانبه، وإضعاف قوته، فعلى المسلم - أيّاً كان - أن يعتمد عليه في جهاده، ومن المعلوم أن القضية الاقتصادية الآن هي قضية مهمة، بل هي من الأهمية بمكان، ومما يُؤْسَفُ له أن المسلمين لم ينتبهوا لهذا وما ذلك إلا نتيجة تفرّق كلمتهم، وعدم اجتماع شملهم، وهذا الذي أذهب ربح هذه الأُمة وقد حذرها الله الله من ذلك عندما قال: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].
فالمسلمون لم ينتبهوا لخطورة القضية الاقتصادية - مع ما آتاهم الله الله من ثروات، وما جعل في طبيعة أرضهم من التكامل - فلو أمعنوا النظر في هذا الخير الذي أتاهم الله إياه وأحسنوا استخدامه كان بإمكانهم أن يتكافلوا بأنفسهم، وأن لا يحتاجوا إلى غيرهم في أدنى شيء، هذا مع أن دينهم الإسلام نبه على ضرورة الاستعداد التام لمواجهة العدو فقد قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ومن بين القوى التي يجب إعدادها القوة الاقتصادية، فلا بد من إعدادها إعداداً تاماً الأُمة حتى تكون المسلمة في هذا الجانب أمة متكافلة لا تحتاج إلى غيرها، ومهما يكن فإن استخدام هذا السلاح أمر يجب أن لا يعزب عن ذهن أي مسلم.
المحاور: سماحة الشيخ، أَشَرْتُمْ إلى القضية الاقتصادية، وهو ما يشير إليه بعض
المسلمين بالمعصية الاقتصادية للعالم الإسلامي بحيث لم يتنبه إلى تكثير ثرواته واستغلال ثروات الأرض، الفرد المسلم بغض النظر عن الشركات الكبرى والدول والمنظمات والحكومات ماذا يمكنه أن يفعل في سبيل زيادة دخل المسلمين وتبعئتهم اقتصادياً حتى يتخلصوا من التَّبَعيَّة لأعدائهم؟ (1/316)
صفحة 317
المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
يقال: المرء قليل بنفسه كثير بأخيه، فالفرد المسلم عليه أن يضع يده في يد الآخر، وأن يكون هنالك تكامل، فقد مَنَّ الله الا الله على بعض الناس بالمال، ومن على آخرين بالخبرة، ومن على آخرين أيضاً بالمادة التي يمكن أن تُصنع، وهكذا، فلا بدّ
من التكامل ما بين هذه الفئات بأسرها حتى يكون هذا التكامل - بمشيئة الله - حركة اقتصادية مؤثرة في حياة هذه
الأُمة
بحيث تنقلها من الضعف إلى القوة.
المحاور: سؤال ذكرناه سابقاً ونكرره لأهميته، كيف يربي المسلم أبناءه خصوصاً وأبناء أُمته عموماً على بُغْض اليهود والحذر منهم؟
نعم، التربية على القرآن الكريم وتعاليم النبي الله هي التي تجعل نفوس المؤمنين واعية تميز بين عدوها وصديقها وتشعر بما يجب عليها من كره أعدائها الذين يكيدون لها وفي مقدمتهم اليهود، فالله - تبارك وتعالى - يقول في محكم كتابه العزيز: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، فانظر كيف بدأ بذكر اليهود ناصاً على عداوتهم لهذه الأمة ثم عطف عليهم المشركين وهو مما يدلّ على خطورة اليهود وكيدهم لهذه الأمة خاصة وللإنسانية عامة، كيف وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين كانوا يحرّكون جموع المشركين ويؤلبونهم على النبي - صلوات الله وسلامه عليه ـ، ثم بجانب ذلك نجد أن القرآن الكريم يوصي المؤمنين بأن يكونوا حذرين من أعدائهم غير متأثرين بموالاتهم، وهذا ظاهر في آيات كثيرة كقوله: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51]، ثم قال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخَشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ} [المائدة: 52].
وهذا يدلّ على أن هذه الموالاة ناتجة عن أمراض نفسانية، فمن كان سليماً من الأمراض لا يمكن أن يوالي أعداء الإسلام قط، ونجد أن الله - سبحانه - في هذا السياق نفسه في معرض التحذير من موالاتهم يبين عاقبة الردّة - والعياذ بالله - حيث يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَا بِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]،
317 (1/317)
صفحة 318
318
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وفي هذا من التحذير ما هو جدير بأن يكون على بال كل مسلم، إذ هو دليل على أن هذه الموالاة لا تقف عند حد عندما يسترسل المسلم فيها حتى يقع في الارتداد، فإِنْ مَنْ تقهقر خطوة تقهقر، خطوات، ومن استخف بالقليل من مخالفة الشرع هانت عليه مخالفة الكثير منه.
ثم يبين الالالالالة وجوب الموالاة بين المؤمنين حتى يكونوا كنفس واحدة في مشاعرهم وأحاسيسهم ومبادئهم وغاياتهم وسلمهم وحربهم وذلك بعد أن يمحضوا ولاءهم الله تعالى ولرسوله عليه أفضل الصلاة والسلام فإن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ وَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 00]، وهذا ما يجب أن يربي عليه الوالد أولاده، بحيث يعودهم أن يحصروا ولاء هم الله ونبيه والمؤمنين، ثم يبين - تعالى - عاقبة هذه الموالاة بين المؤمنين بعد ولائهم لله تعالى ولرسوله حيث يقول: وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ} [المائدة: 56].
ومن المعلوم أن الموالاة لا تنحصر في مجرد ما يظهر على الإنسان من الحب والتعظيم لمن يواليه والدفاع عنه؛ لأن الموالاة تتجاوز ذلك إلى أن تتجسد في أمور قد يحسبها الإنسان من توافه الأمور وهي التبعية، فإن التبعية في أي شيء هي رمز الموالاة، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تربية أُمته على نزعة الاستقلال، حتى لا تنزع منزع التبعية لأعدائها في أي شيء ولو كان ذلك في أمر عادي، ومن هنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: «خالفوا اليهود»، أو خالفوا اليهود والنصارى، أو خالفوا أهل الكتاب أو خالفوا المجوس، في كثيرٍ من أوامره ونواهيه، فينوط أمره ونهيه بمخالفة اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا.
وكان من أدقّ المواقف التي تدلّ على حساسية النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الناحية أنه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام - كان في حال دفن ميت وكان واقفاً وأصحابه وقوفاً معه فمرّ بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لمسلك اليهود. فإذن هذا المسلك هو الذي يجب أن نربي عليه أولادنا لئلا يتأثروا بأي شيء من مسلك أعدائهم، بل كل ما كان من سلوك أعدائهم يجب أن يكون محتقراً عندهم، وأن يعتزوا بالإسلام وقيمه وبالتراث الإسلامي وتاريخ الأمة الإسلامية وأمجادها الخالدة. (1/318)
صفحة 319
اللقاء السابع عشر
المحاور: وكالة الأنباء العمانية (نشر جريدة عمان، العدد: 7713)
الموضوع: رؤى فكرية
التأريخ: الاثنين 4 جمادى الأولى 1423 هـ / 14 يوليو 2002 م
لقاءات (1/319)
صفحة 320
سوره
ة
النساء - الآية 135 (1/320)
صفحة 321
رؤى فكرية
أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة أنّ نعمة الأمن والاستقرار التي أنعم بها الله لالالالالاله على السلطنة هي بفضل من الله العلي القدير ثم بفضل القيادة الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - يحفظه الله ويرعاه - الذي وطّد كافة الوسائل الممكنة لإرساء دعائم الأمن والرخاء لهذا الوطن العزيز ولأبنائه
الأوفياء.
وقال سماحته: إننا نحمد الله تعالى على نعمة الأمن والاستقرار، ونسأله أن يرزقنا التوفيق لشكرها، ومِن شكرها أن نحرص على حق الله أولاً ثم على حق القائد والمجتمع؛ لأن من أدى معروفاً فحقه أن يشكر، ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» (رواه الترمذي وأحمد)، فنحن علينا أن نحرص على هذه النعمة، مشيراً إلى أن هذه النعمة راجعة بعد توفيق الله إلى النظرة البعيدة والحنكة وحسن القيادة لدى عاهل البلاد المفدى داعياً الله سبحانه أن يحفظ جلالته ويرعاه ويوفقه دائماً في كل خطوة يخطوها.
كما أكّد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أنّ المجتمع العُماني ولله الحمد - مسلمٌ محافظ على أصالته، ويأخذ بالمستجدات على مرّ العصور كلّها، وقد شرف الله الله هذا المجتمع إذ تلقى رسالة الإسلام في صدر تاريخها، وكان قبوله لها عن طواعية لا عن إكراه، فدخل هذا الشعب في دين الله - سبحانه ـ وهو راغب من تلقاء نفسه لا بسبب رهبة من جيش سُلّط على أرضه أو قوة كانت تهدده.
في
وأضاف سماحته لذلك جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على إكبار هذه الصفة هذا الشعب، ففي صحيح مسلم من طريق أبي برزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسولاً إلى قوم فسبّوه وضربوه فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «لو أن أهل عُمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك»، فهذه شهادةٌ من أصدق البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعتز بها.
وأكد سماحته أنّه عندما تسلّم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - يحفظه الله ويرعاه - مقاليد الحكم في البلاد حرص كل الحرص على أن يستمسك هذا الشعب بهذه الأصالة، وأن يحافظ على هذه المقوّمات، وأن يتحلّى بحلية هذا الدين
321 (1/321)
صفحة 322
322
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ود
الحنيف كما كان عليه من قبل، لذلك أنشأ المؤسسات الدينية المختلفة، وكان في ذلك ربط ما بين الحاضر والماضي، وضمّ لطارف مجد هذا الشعب إلى تليده، وكان في ذلك استغلال لذلك الرصيد في العهود الماضية ليكون في هذا العصر الجديد ذا ثمرة متواصلة
لمصلحة هذا الشعب الدينية والروحية
الاهتمام بالمساجد:
وحول الاهتمام السامي بالمساجد والدور الحيوي الذي يقوم به المسجد في حياة المجتمع قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: إن الجهود التي تبذل في هذا الجانب هي أن تكون رسالة المسجد رسالة أشمل من الرسالة التقليدية، وهي إقامة الشعائر الدينية بين جنباته، فالمسجد دائماً هو مركز إشعاع ومنبر دعوة ومنارة. خيرٍ وإرشاد وتذكير، وهذا الدور هو الذي يقوم به المسجد - بمشيئة الله تعالى - في السلطنة في ظل التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - يحفظه الله ويرعاه ـ، فالمسجد يؤدي دوره في تنشئة الأجيال تنشئة صالحة، وفي ربط الحياة بالقيم الدينية، فالوعّاظ والمرشدون يؤدون دورهم على منابر المساجد، وحلقات العلم تقام بين جنبات المساجد، والمسيرة تتواصل على هذا النحو بفضل الله تعالى ثم بفضل التوجيهات السامية.
وأشار سماحته إلى أنّه إلى جانب وجود وزارة تعنى بالمساجد وهي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم - حفظه الله ـ فإنّ هناك جهداً خاصاً من قبل جلالته في إنشاء بيوت الله الله، واختيار خيرة الأئمة والخطباء فيها، وإيلائها عناية خاصة من حيث الإدارة والصيانة، ومن حيث القيام بواجب الدعوة فيها، كل ذلك مما يدلّ على ما عند جلالته من حرص على استمرار رسالة المسجد وأدائها.
ولا شي في أن القيام بمثل هذا العمل الخير فيه ما فيه من الثواب الجزيل والأجر العظيم من الله - تعالى ـ، وهذا ـ إن شاء الله - سيكون في ميزان حسنات جلالته.
وحول الجهود التي تبذلها الحكومة في تسخير إمكانياتها من أجل خدمة الدين الإسلامي الحنيف، وإرساء روح التسامح بين المسلمين، وتطوير قدرات العلماء العُمانيين في أصول الدين والفقه، أكد سماحة مفتي عام السلطنة أنّ هذا الشعب شعبٌ مسلم مستمسك (1/322)
صفحة 323
رؤى فكرية
بالتسامح الذي جاء به الإسلام دين الله الحق، وحريص على أن يعايش إخوانه المسلمين من غير تفرقة ومن غير تمييز بين الحقوق والواجبات، فهذه النظرة هي نظرة هذا الشعب العُماني، هذه النظرة مستمدة من فكره الذي يحمله وهو ذلك الفكر الذي يتبلور فيما قاله علماؤنا سلفاً، وخلفاً، فمما قاله علماء السلف تلكم الكلمات التي رنّت على مسامع الدهر من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من لسان رجل يُعتبر من قادة السلف الصالح وهو أبو حمزة الشاري حمله عندما قال: «الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً بالله عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً»، وأما ما قاله علماء الخلف فإنما يتجسد فيما قاله الإمام نور الدين السالمي رحمه الله في أرجوزته «كشف الحقيقة»:
ونحن لا نطالب العبادا فمن أتى بالجملتين قلنا
فوق شهادتيهم اعتقادا إخواننا وبالحقوق قمنا
وقال سماحته: إنّ التسامح بين فئات الأُمة الإسلامية الواحدة هو واجب ديني، وفرضٌ وطني واجتماعي، فالأمة هي أمةٌ واحدةٌ مهما اختلفت في التصورات والاجتهادات، ولأجل ذلك كان الحرص من قبل القمة والقاعدة في هذا المجتمع العُماني بأن يكون المجتمع مجتمعاً مترابطاً ومتسامحاً ومتعاوناً ليس بينه تمييز من أي ناحية من النواحي، وهذا أمرٌ درج عليه السلف وسار عليه الخلف، فهو مُتَوَارَتٌ كابراً عن كابر، وبسبب ذلك نحن لن نسمح لأي أحدٍ يريد أن يصدع أي صدع في هذا الجدار جدار الوحدة الوطنية الدينية التي تشمل جميع فئات الأُمة الإسلامية في هذا البلد العريق.
وأضاف: إنّ تطوير قدرات العلماء العُمانيين لهو أمرٌ واضح في إنشاء المؤسسات العلمية الدينية ككلية الشريعة والقانون ومعهد العلوم الشرعية ومركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية والمعاهد التابعة له وإرسال البعثات التخصصية في المجالات العلمية الشرعية والأصولية والفقهية والعقدية إلى الخارج، فإن ذلك كله يجسد هذه الجهود لتطوير قدرات علماء هذا الشعب.
وبين سماحته: أن طلبة العلم الديني في السلطنة لهم عناية خاصة، فقد هيئت لهم الوسائل للتشبع بالعلوم الدينية هنا في الوطن وخارج الوطن، فهم يتلقون معارفهم أولاً هنا في المرحلة الجامعية والمعاهد التي تتقدمها، ثم بعد ذلك تتاح لهم الفرصة للسفر إلى الخارج
323 (1/323)
صفحة 324
324
لقاعات
في الفكر و الدعوة
لمواصلة السير في هذا الدرب في التخصصات العلمية الدينية المختلفة ليعودوا فقهاء متمكنين، كما تُمنح لهم الفرصة أيضاً هنا أثناء تلقيهم العلم من أجل تهيئتهم لأن يكونوا قادرين على الإنتاج العملي، فيُهيّؤون من حيث البحوث والمحاضرات ليكونوا قادرين على أداء الواجب الرسالي، فبحوث طلبة العلم حازت إعجاب الكثير ممن اطلعوا عليها، ومحاضراتهم ودخولهم في مجال الدعوة جاء بما يعجب الكثيرين ممن اطلعوا على ذلك.
وحول التعاون بين السلطنة والدول العربية والإسلامية الأخرى في مجالات الشؤون الدينية أكد سماحة مفتي عام السلطنة أنّ السلطنة لم تقصر تعاونها في هذا المجال، فهناك تعاون مع المؤسسات العلمية خارج السلطنة، ودعم لكثير من هذه المؤسسات من قبل السلطنة والنهوض بها، وهذا يجسّد الوحدة الإيمانية التي تشدّ المسلم إلى المسلم. وأضاف سماحته إنّنا نحمد الله سبحانه على أنّ هذا التعاون فتح آفاقاً، وقرّب وجهات النظر، ومدّ الجسور ما بيننا وبين إخواننا في مختلف البلاد الإسلامية العربية وغير العربية، فحيثما توجد المؤسسات الإسلامية فالجسور، مُدّت، والعلاقات توطّدت، والتعارف حصل، وتبع ذلك التعاون.
المذاهب الإسلامية
وعن التقريب بين المذاهب الإسلامية أكد سماحته أن القضية أوّلاً هي قضية تعارف باطلاع كل فريق على ما عند الفريق الآخر، وإزالة الحواجز النفسية والاجتماعية التي الأمة فصلت بعضها عن بعض ردحاً من الزمن، وأوجدت الوحشة، فإنّ إزالة هذه الحواجز يُبدِّل هذه الأمة بالوحشة والنفور ألفةً، وتقارباً، وهذا الذي حصل فعلاً، مشيراً إلى أن هناك مؤسسات عديدة تعمل من أجل مدّ الجسور بين فئات الأُمة ليتم التعاون بينها بعد التعارف والتفاهم فيما بينها، ومن بين هذه المؤسسات مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية في طهران، الذي تبنته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وللكثير من علماء الأُمة عضوية في هذه المؤسسة، ونحن لنا أيضاً مشاركة فيها، وكذلك قام الأزهر بدور مشكور في هذه الناحية، وكذلك مؤسسة آل البيت للثقافة الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة لها أيضاً دور مهم واسع، وبحمد الله فإنّ مشاركة السلطنة في جميع هذه المؤسسات مشاركة بنّاءة. (1/324)
صفحة 325
رؤى فكرية
حصانة
قوة الإسلام: وحول التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات الإسلامية أشار سماحته إلى أنّه علينا أن لا نخشى التحديات إنّ قوّينا الجبهة الداخلية؛ لأنّ الإسلام قوي وقادر على التأثير، وقادر على حماية أبنائه من التأثر بسبب قوة أصوله ومرونة فروعه، فالإسلام في منتهى القوة، هذا إن اسْتُمْسِكَ بالإسلام الحق، فإذا وُسِّعَ مجال الثقافة الإسلامية لدى القاعدة بحيث يكون هناك تأكيد في شتى وسائل الإعلام على أسس الإسلام ومقومات الأمة المسلمة والفكر الإسلامي الناصع الصحيح، عندما يتم ذلك كله تكون الأمة الإسلامية - بمشيئة الله ـ في وتكون مؤثرة؛ لأننا نحن واثقون كل الثقة أن الإنسانية بأسرها هي بحاجة إلى هذا الإسلام وحضارته؛ لأنّها الحضارة التي تُعطي، والحضارة التي تبني، والحضارة التي تمد الإنسانية بمقومات الحياة، فإذا كانت المشكلة الكبرى مشكلة الفكر ومشكلة الاقتصاد لدى العالم فإنّ تينك المشكلتين محلولتان في الإسلام، فمشكلة الفكر محلولةٌ بربط عالم الشهادة بعالم الغيب، ووصل المخلوق بالخالق والربط ما بين الدنيا والآخرة، وما بين الحياة والممات، وما بين الفناء والخلود، وبهذا تنحلّ المشكلة الفكرية التصورية، أمّا مشكلة الاقتصاد فحسبنا ان نري جزء آيةٍ من كتاب الله - تبارك وتعالى - يحلّ مشكلةً تتعلق بهذا الجانب، وذلك عندما يقول الله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، ثم يقول سبحانه: {وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، فهذه حقوق واجبةٌ في أموال الأثرياء من غير حق الزكاة بدليل أن الله - تعالى - قال من بعد وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177].
الدعوة الإسلامية
وعن رؤية سماحته لتطوير الدعوة الإسلامية أكد أنّ المهم في الدعوة الإسلامية أن يكون هناك التصور الصحيح للإسلام؛ لأن الكثير من الدعاة أصبحوا لا يتصورون الإسلام تصوّراً صحيحاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك الكثير مما تراكم على أذهان هذه الأُمة من التصورات الخاطئة عبر القرون، ومن أجل ذلك كانت الضرورة داعية إلى إعادة صياغة الشخصية الإسلامية وتصورها الصحيح حتى يكون هذا التصور تصوراً، قرآنياً، تصوراً مبنياً على الأدلة اليقينية لا على الأوهام والأفكار الخاطئة، وأن تكون هذه الأمة قادرة على اكتشاف هويتها وشخصيتها، وأنها أُمة. يجب أن تكون مَتِّبُوعَةً لا تابعة، وقائدة لا منقادة، ومؤثرة لا متأثرة.
325 (1/325)
صفحة 326
-
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ودعا سماحته إلى أن يكون هؤلاء الدعاة قادرين على فهم العصر الذي هم فيه وتحدياته ومعطياته ليضعوا الحلول السليمة ويواجهوا كل تحدٍّ بما ينبغي أن يواجه به، فالحلول موجودةً بحمد الله - في كنوز الكتاب والسُّنَّة؛ لأن كنوز الكتاب لا تفنى، وإنما اجتهادات العلماء هي التي كانت محدودة بحسب قصورهم، فلا بد أن يكون أبناء هذا العصر على مقدرة للعودة إلى المنابع الأصليّة من أجل استخراج الحلول لهذه التحديات والمشكلات المختلفة.
مفتي
الاعتدال والوسطية وحول موقف الإسلام من التطرف والعنف والإرهاب قال سماحة عام السلطنة: إن الإسلام دين اعتدال، دين الوسطية لا إفراط فيه ولا تفريط، دين لا يرضى بالذل والهوان والاستجداء والركوع أمام الآخرين، ولا يغمط الآخرين حقوقهم، وحسبنا أن نرى أن القرآن الكريم يدعو إلى العدل حتى مع أعدى الأعداء، فالله الله يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقال سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، لم يكن هذا مجرد نظرية جاء بها الإسلام من غير أن يكون لها تطبيق في عالم الواقع، وإنما كان هذا منهجاً سار عليه الإسلام، وحسبنا أن ننظر في كتاب الله الله الذي ساوى ما بين قتل المسلم خطأ وقتل غير المسلم خطأ، أيضاً في وجوب الدية والكفارة على القاتل، فبعد أن ذكر قتل المسلم في قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، بعد هذا جاء بحكم المعاهد عندما قال: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92].
وفيما يتعلق بالقتل العمد للمسلم وغير المسلم أوضح سماحته أنّ قتل النفس سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة لا يجوز إلا لمسوغ شرعي، بل هو في الإسلام كقتل الناس جميعاً، فالله - تعالى - يقول: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
وقال سماحته: إننا نجد أن القرآن الكريم نزلت فيه آيات بينات من أجل تبرئة ساحة يهودي اتُّهِمَ من قِبَلِ بعض الناس بأنه سرق، ولم يكن السارق هو، وإنما كانت السرقة
326 (1/326)
صفحة 327
رؤى فكرية
من قبل غيره، فألقى السارق السارقة في بيت يهودي عندما خشي أن تكتشف، وألقى باللائمة على اليهودي، وأنّه هو الذي سرق، فالله أنزل قرآناً يُتلى في الصلوات وفي غيرها تبرئةً لساحة ذلك اليهودي، وذلك عندما قال الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ يُحِيطَاً * هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مبينا * وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، هَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تكن تعلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 105 - 113].
و
ج
وبين سماحته أن هذا كله نزل من أجل تبرئة ساحة يهودي مما اتهم به، وهذه منتهى العدالة وقمة الإنصاف، ولكن هؤلاء الذين ينادون الآن بحقوق الإنسان ويشعلون الحرب في مشارق الأرض ومغاربها بدعوى المحافظة على الحرية أو المحافظة على حقوق الإنسان، هل هم يطبقون هذا المبدأ؟ نرى أن حق النقض يُستخدم من أجل تبرير الإجرام ضد المسلمين وغيرهم في فلسطين وفي غيرها، تدمّر على الناس بيوتهم ويخرجون منها في العراء، ويُقتل الرجال والنساء والأطفال على مسمع ومرأى من أولئك الذين يدعون المحافظة على حقوق الإنسان ويدعون مكافحة الإرهاب، ولا يرون شيئاً من هذا إرهاباً، وليس ذلك فحسب بل يستخدمون حق النقض من أجل أن تكون لجنودهم حصانة بحيث لو ارتكبوا ما ارتكبوا لا يحاسبون
وتساءل سماحته أين هذه العدالة التي يدّعونها؟ وأين هذه المحافظة على حقوق الإنسان؟ وأين هذه المكافحة للإرهاب؟
327 (1/327)
صفحة 328
328
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وقال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي إن الإسلام لا يأخذ البريء بجريمة المتهم أو المجرم مستشهداً لذلك بالآية الكريمة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
وتعالى
هدف العولمة وحول العولمة وتأثيراتها قال سماحته العولمة أُريد بها أن يكون هذا العالم تابعاً لقيادة موحدة، وهي التي تؤثر على بقية القيادات، وهي التي تأمر فيُمْتَثَل لأمرها، وتدعو فيُسْتَجاب لدعائها، وتخطط فتنفذ مخططاتها، سواء من حيث الثقافة والفكر أو من حيث السياسة والاقتصاد، هذا هو الذي يُراد من العولمة، ولكن ذلك مع كله نحن نقول: إن الإسلام بما جعل الله الا الله فيه من قوة التأثير - إن تحلّى به المسلمون وكشفوا خباياه وعرفوا أسراره وأدركوا مضامينه واستطاعوا التكيف معه - كانت العولمة في هذا سبباً للخير؛ لأن الحواجز ما بين المسلمين والآخرين تتحطّم، وفي تحطم هذه الحواجز يكون التأثير على الآخرين بما جعل الله له الا الله في طبيعة الإسلام من قوة على التأثير، وإنما ذلك يجب أن يكون بخطط مدروسة ومناهج متبعة، وأن يكون المسلم قادراً على التأثير، حذراً من التأثر قدر المستطاع.
وأكد سماحته أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تسعى دائماً لمواجهة ذلك بالوسيلة المثلى والاستفادة من العولمة، وقال: نحن علينا أن نسعى والله - تبارك وتعالى ـ هو
الموفق.
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ويقضي إله الخلق ما كان قاضياً فالله سبحانه يبارك هذه الجهود ولن يضيع أجر من أحسن عملاً.
وفي ختام حديثه لوكالة الأنباء العُمانية سأل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة الله الله بأن يأخذ بيد عاهل البلاد المفدى وجميع ولاة أمور المسلمين الأمة إلى ما فيه الخير والعزة والسعادة، وأن يجمع شمل الأُمة على ما يحبه وجميع
ويرضاه. (1/328)
صفحة 329
اللقاء الثامن عشر
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: حوار الحضارات
التأريخ: 14 جمادى الثانية 1425 هـ / 1 أغسطس 2004 م
لقاءات (1/329)
صفحة 330
سورة آل عمران - الآية 64
بره
نه (1/330)
صفحة 331
حوار الحضارات
المحاور: كثر الحديث خصوصاً في السنوات الأخيرة عن حوار الحضارات، وأعدت فيه الكثير من الدراسات والأطروحات، وعقدت الكثير من المؤتمرات، وهو موضوع يمكن بحثه من جوانب مختلفة، قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، ونحن في هذا اللقاء نريد أن ننظر إلى حوار الحضارات من خلال رؤية شرعية مستمدة من هذه الشريعة الغراء باعتبار أننا أُمة تستمد تصوراتها وأفكارها وتهتدي في سلوكياتها وتصرفاتها بهدي الكتاب العزيز، فهل هناك من نصوص أو إشارات في كتاب الله أو في سنة الرسول الله يمكن أن نستلهم منها مشروعية الدخول في حوار الحضارات؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى
آله
وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنّ الله - تبارك وتعالى - بعث عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم كما بعث إخوانه من الرسل من قبل برسالة الحق، رسالة الهدى، المنقذة للإنسانية، التي تصل بين الدنيا والآخرة، وبين المخلوق وخالقه - تبارك وتعالى، وتصل الإنسان المستخلف في هذه الأرض ببني جنسه، وتصله بعد ذلك بهذا الكون بأسره؛ لأن الإنسان مستخلف في جزء منه وهو الأرض، وممكن له من الانتفاع بجميع أجزاء هذا الكون.
فلذلك كانت هذه الرسالة رسالة عقل، والله - سبحانه وتعالى - شرف الإنسان بالعقل، وميزه به على غيره، وجعله مناط تكليفه وسبب هدايته، ونحن نجد في كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما يدلّ على تكريم العقل ورفع قدره، فالله تعالى يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، ويقول: (لَآيَتِ لِأُولِي الْأَلْبَبِ، و لِقَوْمٍ يَذَكَرُونَ} و لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، و (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، مما يدلّ على أن العقل عندما يستخدم استخداماً سوياً يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يهتدي بفضل الله - تبارك وتعالى ـ وتوفيقه، ولما كان مناط تكريم الإنسان والإسلام جاء بهذه الرسالة مبنية على أسس من العقل
العقل هو
-
السليم والشرع الصحيح؛ فإنّ خطابه للعقلاء من الأمم مبني على هذا الأساس.
ولذلك نجد في كتاب الله تعالى حواراً لجميع الفئات من البشر، وللضالين من مختلف الفئات، فالله - تبارك وتعالى - يأمر نبيه بمحاورة المشركين الذين اتخذوا مع الله
331 (1/331)
صفحة 332
332
لقاعات
في الفكر و الدعوة
آلهة أخرى، ويبين له من خلال النظرة العقلية الفاحصة لهذا الكون وسننه ونواميسه التي طبعه الله - تبارك وتعالى - عليها ما يدلّ على وحدانية الله سبحانه، فالله تعالى يقول: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَأَتَخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّرُ} [الرعد: 16].
ويوجه ـ سبحانه وتعالى - أيضاً عبده ورسوله محمداً لله إلى محاورة أولئك الذين ضلّت عقولهم، وانحرفوا عن سواء الصراط، واتخذوا مع الله آلهة أخرى، وعوّلوا على مخلوقات لا تنفع ولا تضر في طلب قضاء الحاجات وفي التوصل إلى الرغائب، وبلوغ المقاصد، فالله تبارك وتعالى - يقول: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِي وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا أَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا
ملے
نَذَكَرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَن يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ} [النمل: 59 - 64]، فهذا كله حوار مع الإنسان على أسس العقل، فإنّ القرآن الكريم يفتح مدارك هذا العقل، ويبيّن لهذا الإنسان أن حقائق الوجود كلها تنبئ بلسان حالها أنها مفتقرة إلى واجب الوجود لذاته، وأنها لا يمكن أن تقوم بنفسها، كما يقول أحد علمائنا: إنّ كل ذرة من ذرات الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بوجوده سبحانه، وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة.
فالقرآن الكريم جاء بخطاب العقل، جاء بتوجيه الإنسان إلى الخير، جاء بمحاورة هذا الإنسان الذي آتاه الله - تبارك وتعالى - ما آتاه من عقل، ولكن طمس هذا العقل بضلاله وبانحرافه، وتأثره بمخلّفات أسلافه التي جعلها مقدّمة على العقل، ورأى أن سلامته في
أن يغمض عينيه ويسدّ أذنيه، ولا يعوّل إلا على ذلك الموروث الذي ورثه هدى كان أو ضلالاً، حقاً كان أو باطلاً. (1/332)
صفحة 333
حوار الحضارات
وكما أنه يحاور المشركين من العرب هذا الحوار؛ بحيث إنّه يوقفهم على الحقيقة التي يجب أن يسلّموا لها إن كانوا عقلاء، وهي وحدانية الله، فإنه يحاور أيضاً أهل الكتاب، ويبين لهم أنّ الحق يقتضي أن يفردوا الله - تبارك وتعالى - بالعبادة، وأن لا يشركوا معه غيره، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ} [آل عمران 64]، هذا هو منطق العقل، فالله لا يدعو
إلى الاجتماع على كلمة سواء بين المؤمنين وبين أهل الكتاب، وهذه الكلمة السواء هي لا يشركوا بالله ما لم يأذن به، وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً، وأن لا يدعوا مع
إلهاً آخر.
أساسه.
أن
الله
هذا كله حوار جاء به الإسلام دين الله تعالى الحق، فالإسلام يفتح مجالاً واسعاً للحوار مع أي أحد، ولكن لا يعني ذلك التشكيك في أي قضية من قضايا الإسلام، فالإسلام جاء من عند الله، وليس لأحد فيه دخل، فلا يعني الحوار أن ينزل المسلم عن شيء من قضايا الإسلام لا عقيدته ولا شريعته ولا أي شيء مما جاء في كتاب الله أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يمكن أن يكون لأي أحد في ذلك دخل، ولا يملك أي أحد أن ينزل عن أي شيء من ذلك، وكلّ من ردّ شيئاً من ذلك فهو ناقض للإسلام من وإنما هذا الحوار من أجل أن هذه الرسالة - رسالة الإسلام - هي رسالة عالمية، رسالة لا تقف عند حدود الزمان والمكان، جاءت لتكون هدى للناس، وهدى للعالمين كما قال تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، جاءت هذه الرسالة من أجل إخراج هذا العالم بأسره من فساده وانحرافه وباطله إلى الصلاح والحق والاستقامة على سواء الصراط، والله - تبارك وتعالى - أخبر فيما أنزله في مكة المكرمة في الآيات المكية أنّ هذا الإسلام هو رحمة للعالمين، يقول الله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرُ لِلْعَالَمِينَ} [يوسف: 104]، ويقول (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]، جاء ذلك كما نرى في سورة يوسف وهي سورة مكية، وفي سورة ص والقلم، والتكوير، وهذه كلها سور مكية.
وكثير من الناس الذين كَبُر عليهم أن تكون دعوة الإسلام دعوة عالمية حاولوا أن يكابروا ويزعموا بأن عالمية الإسلام ما كانت مذكورة في الدعوة المكية، وإنما أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
333 (1/333)
صفحة 334
334
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أو نادى بها بعدما انتقل إلى المدينة المنورة، ولاحت له علائم النصر، فرجا أن تكون دعوته دعوة عالمية، وهذا كذب وافتراء على الله وعلى رسوله، وإلا فالآيات المكية تدلّ على إعلان عالمية هذه الدعوة منذ بداية عهدها، وقد قامت الدعوة الإسلامية من أول الأمر على أساس ذلك.
المحاور: لعل الهاجس المؤرق لكثير من العلماء والمفكرين عند تطرقهم لقضية حوار الحضارات هو التخوف من المساس بالهوية، والرغبة في الحفاظ على الخصوصية العربية والإسلامية برأيكم سماحة الشيخ كيف يمكن الدخول في
حوار الحضارات مع المحافظة على الهوية والخصوصية؟
أُمة
واحدة لذلك
أنا لا أقرّ تجزئة الأُمة إلى عرب وغيرهم، فإن الأُمة الإسلامية أعلق على كلمة العربية والإسلامية بأن الإسلام ليس ديناً عنصرياً، ولا يقر تفرقة الأمة إلى أحزاب متعارضة منشؤها القوميات الضيقة، والقومية العربية وغيرها إنما هي ردود أفعال لمواقف معينة، وقد ولدت في محاضن غير إسلامية، والإسلام إنما جاء بدعوة إسلامية عالمية شاملة من غير تفرقة بين عربي وأعجمي، ونحن لا ننكر أنّ الله - تبارك وتعالى - جعل اللسان العربي وعاء للإسلام، إذ أنزل به القرآن الذي هدى به من الضلالة وعلّم به من الجهل وبصَّر به من العمى وأنقذ به من الردى، لذلك أصبح لساناً عربياً عالمياً مرتبطاً بالدين والعقيدة وعلى كل مسلم أن يشعر بالاعتزاز عندما يتكلم بهذا اللسان الذي خاطبه الله تعالى به في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ليحرره من العبودية لغير الله سبحانه، لذلك نعتز بعروبتنا التي هي وعاء الإسلام، ونأنف من عروبة الجاهلية الممقوتة كما نأنف من أي عنصرية مشتتة، وقد سمعت من أحد العلماء المفكرين كلمة حرية أن تكتب بماء الذهب، وهي قوله: «إنّ كل عروبة فارغة من مضمون الإسلام لا تساوي إلا صفراً».
ولا ريب أن العرب لم يكن لهم شأن يذكر قبل الإسلام، حسبك أن ملكهم النعمان بن المنذر كان عندما يذكر أمام كسرى يقال له: عبدك نعمان، فقد كانوا أذلة ولكن الله تعالى أعزّهم بالإسلام، فالمجد كلّه يكمن في الإسلام الحنيف، والعرب شرفهم الله بأن (1/334)
صفحة 335
حوار الحضارات
جعلهم طليعة هذا الفتح الإسلامي الذي جعله الله رحمةً للعالم كله، فنحن علينا أن نعتزّ بإسلامنا لا، بعنصرنا أما لو اعتززنا بعنصرنا فإن في تاريخ الأمم الأخرى من غير العرب من الأمجاد المادية الدنيوية ما تتضاءل معه أمجاد العرب، فقد بنوا امبراطوريات، وفتحوا الدنيا، واستذلّوا الناس، وقهروا الأمم، وإنما الإسلام هو الذي رفع من شأن العرب، ورفع أيضاً من شأن الأمم الأخرى، إذ أخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الضيق إلى السعة، ومن الجور إلى العدل، وسوّى
ما بين الجميع.
يستسلم
هذا؛ والهوية الإسلامية لا يمكن المساس بها، فلا تستبدل بها هوية أخرى إلا عند من أعمى الله بصيرته، وطمس فطرته، وسلبه عقله، والمسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا عندما لله - تبارك وتعالى - في ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ويسره وعسره، وسلمه وحربه، ورضاه وسخطه، فالله ما بين ماهية الإسلام حيث قال: {قُلْ إِنَّنِي هَدَنِي رَبِّ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 - 163]، فالمسلم من أسلم ظاهره وباطنه، روحه وجسمه، قلبه وعقله، ضميره وغرائزه لله تعالى؛ إذ الإسلام هو الاستسلام لا للمخلوق، ولكن لرب المخلوقين، لمن خلق السماوات والأرض، وصرف هذا الوجود، وتجلّى كبرياؤه في كل جزء من مملكته، من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة إلى ما هو أوسع من ذلك مما لم نصل إليه بحس ولا فكر، الذي يتجلى في كلّ موجود وجوده، ويغمر كل مشهود شهوده، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِعَهْدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، وفي هذا الاستسلام تحرير للرقاب من أن تخضع لغيره الله، و للنفوس من أن تتطامن إلا لجلاله وكبريائه.
هذا
هو الإسلام الذي ينقذ الإنسانية الحائرة التعيسة من هلاكها، ويخرجها من حيرتها، وينزل عليها السكينة فتهدأ بعد الاضطراب، وتصحو بعد السكرة، وتستبصر بعد العمى، وهو الذي يحرّر الإنسان من أن يكون عبداً لشهواته، أو لرغباته، أو لبيئته، أو لموروثاته الفكرية ويخلص عبوديته لله وحده، الذي خلق السموات والأرض وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
335 (1/335)
صفحة 336
336
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ونحن إذا جئنا إلى الآية السابقة وجدنا فيها إشارات ظاهرة إلى شمول الإسلام لجميع الجوانب الروحية والمادية في حياة الإنسان، فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي} يشير إلى الصلاة، وهي رمز العبادات، وقوله سبحانه: {وَنُكي * يشير للنسك وهو الذبح، وهو إن كان عبادة من العبادات لكن فيه قضاء منافع دنيوية، وقوله وعل: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) يعني أن يكون المحيا لله، وأن يكون الممات الله الله، وبهذا يكون الإنسان مسلماً حقاً، أما إن لم يكن متصفاً بذلك فإن إسلامه مجرد دعوى تردها البينات وتنقضها الشواهد {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
المحاور: من المعروف في القواعد الفقهية أنّ الأمور بمقاصدها، ويمكن القول أيضاً إنّ الأمور بنتائجها ومآلاتها، وبما أن حوار الحضارات أصبح أمراً حتمياً، هل يمكن أن ندخل هذا الحوار ونعود منه محققين أكبر قدر من المكاسب؟
هذا يعود إلى عقلية المحاور ومؤهلاته الفكرية ورسوخ العقيدة في نفسه؛ لأنّ المسلم الحق الذي رسخت في نفسه عقيدة الإسلام لا يمكن أن يتزعزع لأي مؤثر؛ فإن أي زعزعة ولو كانت قيد شعرة تؤدي به إلى التقهقر، ومن رضي لنفسه أن يتقهقر خطوة واحدة فإنه سيتقهقر اضطراراً، خطوات، فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون هذا المحاور متمكِّناً في عقيدته قادراً على استلهام الحقائق وعرضها على الأسس الثابتة المسلمة، وهي كتاب الله وهدي رسوله - عليه وعلى آله وصحبه أفضل
الصلاة والسلام -
الانقياد لحكمه لا ريب
التيارات
وعندما يسلم الناس تسليماً تاماً لأمر الله الا الله بحيث لا يبقى في نفوسهم أي تردد في أن الإسلام الذي يؤمنون به سوف يتغلب على جميع بقوته التي لا تقف عند حد،،، فالإسلام قويّ وإن ضعف أهله، وما نراه من ضعف ليس هو في الإسلام، وإنما هو في الذين حُمّلوه فلم يحملوه بجدارة، فإنما مشكلة الإسلام إنما هي من أبنائه أكثر من كونها من قبل أعدائه، ولو أنّ الإسلام رسخ في أبنائه رسوخاً حقاً فتمكن من ألبابهم وترجمته أفعالهم وأخلاقهم فإنه لا يمكن أن تقف أمامه (1/336)
صفحة 337
حوار الحضارات
أي قوة من القوى؛ لأنه يستمد قوته من حقيقته، وحقيقته جاءت من عند الله، إذ ليس بشرياً، وإنما هو نظام رباني اصطفاه الله لخلقه وأنزله بعلمه وهدى إليه
نظاماً هو خيرته من عباده.
ثم إنّ الإسلام فيه الكثير من المزايا الكفيلة بدعمه وترسيخه وجعله لا يتزعزع ولا يتضعضع ولو أحاطت به التيارات واكتنفته الأخطار، منها أنه جمع ما بين الجانب الروحي والجانب المادي في نظامه، فهو - مع كونه عقيدة راسخة في النفس - نظام حياة يشمل كل جانب من جوانب الحياة البشرية، وهو صلة بين العبد وربه، ورباط بين العبد وبين مخلوقات الله - تبارك وتعالى ووصال بين المسلم وإخوانه المسلمين، وعلاقة حميمة بين الجنس البشري بأسره، بل هو نظام يصل بين الإنسان المسلم وبين الكون المترامي
الأطراف الواسع الأرجاء الذي تسبح ذراته بحمد الله، وتسجد خاضعة لجلال الله.
فالإسلام لا يخشى عليه من ناحيته، وإنما يخشى عليه من الهزيمة النفسية التي مني بها أتباعه فأصبحت أمته متداعياً بناؤها ممزعة، أشلاؤها، وهذا بسبب أنها حُمّلت رسالة
الإسلام ولم تحملها بجدارة، فصدق عليها ما قاله الله - تبارك وتعالى ـ في من حُمّل التوراة {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وإذا كان الله تعالى يخاطب أهل الكتاب بقوله: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَنَةَ وَالإنجيل} [المائدة: 68]؛ فإنّ أُمة القرآن ليست على شيء حتى تقيم القرآن ومعنى إقامتها للقرآن أن تأخذ بالقرآن الكريم فى كل جزئية من جزئيات حياتها بحيث لا تفرّط أبداً في تعاليمه فهي مطالبة بأن تقيم القرآن في حياتها عقيدة ومنهجاً، وسلوكاً وأخلاقاً.
المحاور: هل سماحتكم ترون أن النتاج الفقهي عبر خمسة عشرة قرناً من الزمان والنتاج الفقهي المعاصر يدعم الحوار؟
يجب علينا أن نفرق بين الفقه الذي هو بمعنى الشريعة المنزّلة من قبل الله الله، وبين الفقه الذي هو بمعنى الوعي البشري لهذه الشريعة، أما الشريعة المنزّلة من عند الله الله فإنها شريعة صالحة لكل عصر من العصور، تستوعب
337 (1/337)
صفحة 338
338
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
مشكلات الإنسانية بأسرها فيها ما يشفي غلّة كلّ صاد، وما يقضي على كل مشكلة في هذه الحياة؛ لأنها جاءت من عند الله الذي هو الخبير بمصالح العباد، وبطوايا فطرهم، ودخائل نفوسهم، وبالطبيعة التي تربطهم بهذا الكون من حولهم، فالله الله يعلم كل ما دق ولطف من هذا كلّه، ولذلك جاءت شريعته منسجمة مع نواميس الكون وسنن الوجود أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
وأما إذا جئنا إلى الفقه بمعنى فهم العباد، فإن الأفهام تتباين في إدراك مضامين خطاب الله تعالى، ففيها القاصر العاجز عن إدراك أسرار الله في تشريعه وحكمه في أحكامه، وفيها الموفي القادر على اكتناه هذه الحقائق، ولكن هذه التوفية هي في حدود القدرات البشرية المحدودة؛ لأن الطاقات البشرية هي بأسرها محدودة، ولذلك يتجدد الاجتهاد باختلاف العصور واختلاف الأحوال، وقد نجد المجتهد الواحد يكون له اجتهاد في مرحلة من عمره،، ثم تأتي من بعد مرحلة تفرز فيها خبرته وتجاربه اجتهاداً آخر يختلف مع سابقه كما كان ذلك للإمام الشافعي ما بين قديمه وجديده في فقهه الواسع، وهكذا بقية الأئمة والعلماء الآخرين، وهذا لا يعني أن هنالك تصادماً ما بين هذا الاجتهاد وذلك، ولكن يعني هذا أن فهم الإنسان يتجدد، والبيئة تختلف، والظروف تتنوّع.
يعني
أنه
ونحن نجد في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - تنوع اجتهادهم واختلافهم بين ظرف وآخر نتيجة انفتاحهم على العالم عندما توسعت الفتوحات الإسلامية، بل نجد أنّ عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - مع قربه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع قربه من عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - كانت له اجتهادات قد تكون نوعاً ما تبدو مختلفة عن الذي درج عليه الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، ولكن هذا لا مصادم لما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان في عهد أبي بكر، وإنما كان ذلك نتيجة ظروف مختلفة أملت في كل مرحلة من مراحلها نظرة جديدة وجب اعتبارها والأخذ بها في الاجتهاد، بل نجد أن عمر اجتهد في فهم النص اجتهاداً راعى فيه مقصد الشارع، فطبق النص تطبيقاً يتلاءم مع الظروف التي كانت تكتنف حياة الأمة الإسلامية في عهده، وذلك في سهم المؤلفة قلوبهم، فهو لم يلغ النص قطّ، ولم يردّ حكم الله تعالى، وإنما (1/338)
صفحة 339
حوار الحضارات
طبق النص تطبيقاً يتواءم مع مقصد الشارع الحكيم، فإعطاء المؤلفة قلوبهم هذا السهم إنما هو لأجل كفاف شرّهم واستدرار خيرهم في وقت كانت الأُمة تحتاج إليهم، فلما قويت شوكة الأمة وأصبحت يحسب لها كل حساب - إذ صارت تهز عروش الأكاسرة والقياصرة بفتوحاتها العظيمة - لم يعد هنالك احتياج إلى أن تتألّف قلوب هؤلاء، بل صاروا مغمورين بهذه الكثرة المؤمنة وبهذا المد الإسلامي الواسع، فلم تعد هنالك حاجة إليهم، وإنما كانت مصارف الزكاة الأخرى هي أحوج إلى هذا السهم.
فعمر بن الخطاب لم يلغ النصّ، ولا نقول بأنّ النصّ ملغى، بل هو إلى الآن يطبق عندما تكون هنالك حاجة من الأمة إلى إعطاء المؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة، أما عندما تكون مستغنية بحيث يكون أبناء الأمة الأوفياء هم بمقدرة على أن يسوسوا أمرهم ويدفعوا عن أمتهم ما يلم بها من غير احتياج إلى أولئك؛ فإنه يستغنى عنهم، ويصرف هذا السهم للمصارف الأخرى التي هي بحاجة إليه.
فإذن فقه الأمة لا بد من أن يكون متجدّداً، ونحن نرى فقهاءنا توسّع فقههم بحسب توسّع الزمن الذي عاشوا فيه، فبقدر ما يكون الزمن الذي يعيشون فيه زمناً واسعاً تتجدد اجتهاداتهم نظراً إلى القضايا المستجدة.
ولا ريب أن طبيعة البشر طبيعة متطورة، فالإنسان لم يخلق ليظلّ جامداً كما كان من قبل، وإنما خُلق متطوّراً، فلذلك تتطوّر البيئة من حوله بتطوّر فكره، فهو يؤثر على هذه البيئة إيجاباً وسلباً من حيث النهج الذي يسير عليه، وبحسب العقلية التي يكون عليها.
وإذا كان هذا التطور سنة من سنن الله في جميع القرون المتتالية؛ فإنه في قرننا هذا شهد طفرة عجيبة، فإذا كان تطوّر البشرية يقاس فيما مضى بالمقاييس البسيطة القريبة في العصور السابقة؛ فإنه في عصرنا هذا يكاد يقاس بسرعة الضوء، لذلك كان عصرنا بحاجة إلى تجديد الاجتهاد مع هذه التطورات المذهلة، ومع المشكلات التي تفرزها، فالفقه بحاجة إلى أن يوسع، ونظرة الفقهاء بحاجة إلى أن تكون واسعة سواءً في المجالات الاقتصادية، أو في المجالات الطبية، أو في العلاقات الدولية، أو في أي مجال من مجالات
هذه الحياة.
339 (1/339)
صفحة 340
340
لقاءات
في الفكر والدعوة
وو
ريب
المحاور: يقول الله تعالى: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، ألا ترى سماحة الشيخ أنّ هذه الآية تلخ كثيراً على فكرة القواسم المشتركة التي هي أمر ضروري قبل أي حوار؟ أن أهل الكتاب بما بقي عندهم من علم الكتاب يدركون ما لا يدركه غيرهم، ولذلك كان الحوار معهم على أساس هذه البقية التي بقيت عندهم من علم الكتاب، فهم يدركون أنّ الله - تبارك وتعالى - لا يمكن أن يكون له شريك في ملكه وإن ذهبوا إلى تأليه المسيح، أو القول بأنه ابن الله، أو غير ذلك مما قالوه، فإنهم يدركون أن العقل السليم لا يمكن أن يتقبل مثل هذه التصورات المجانبة لمقتضياته. ونحن نجد في العصر الجديد أناساً منهم وصلوا إلى الحقيقة القاطعة، وكادوا يدخلون في دين الله ولكن الله - تعالى - غالب على أمره، فقبل أقلّ من ثلاثين سنة من الآن، وبالضبط في عام (1397 هـ / 1977 م) كتب الشاعر سليم الخوري الذي يعرف بالشاعر القروي - وهو رجل له مكانة كهنوتية في الديانة النصرانية؛ كما يوحي به لقبه «الخوري» - كتب وصيته التي جاء فيها: ... لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح لي كان يعبد الله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، واستمر على ذلك أتباعه إلى القرن الثالث الميلادي عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم، فأدخل في النصرانية بدعة التثليث، ومالأه على ذلك بعض الأساقفة، وعلى رأسهم مكاريوس الذي لقب نفسه (أرثوذكس)؛ أي مستقيم الرأي، وعارضه آخرون وعلى رأسهم، آريوس، وعقدت بين الطائفتين مجامع للحوار فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين، ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان، فأسكتت صوت الحق، وظلّ الحق يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً»، ثم يقول: « ... وكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريركاً بطلاً ينفي عن ديننا وصمة ألحقها به غرباء غربيون، وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني والسياسي معاً»، ثم بعد ذلك قال: وإيماناً مني بصدق نبوة نبينا العربي، وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله، ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيراً من الانتقال عنه (1/340)
صفحة 341
حوار الحضارات
إلى دين جديد، وكخطوة أولى في هذا السبيل أعلن عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسية إلى أرثوذكسيتي الآريوسية ... » إلى آخر ما جاء في وصيته هذه، وكان هذا بعدما انقضت تسعة عقود من سني عمره، وهو قد صدع في وصيته هذه بالحقيقة التي يفرضها العقل، وتستجيب لها الفطرة.
فالحوار مع هؤلاء يمكن على هذه الأسس والمبادئ وما بقي من علم الكتاب وما في العهدين القديم والحديث؛ أي الأناجيل الأربعة والتوراة من تبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم وبيان رسالته، على أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن كما أرشد القرآن.
المحاور: ألا يمكن أن يكون المسلم العادي طرفاً في معادلة الحوار؛ بحكم احتكاكه بالمنتمين إلى الثقافات الأخرى، وإسهامه بشكل مباشر في عملية التواصل الحضاري والثقافي؟
المسلم العادي إنما يتأثر بالمؤثر العام؛ فإن كان المؤثر العام هو الوعي والإدراك، والاستقامة والرشد والصلاح وتطبيق قيم الإسلام؛ فإنه بطبيعة الحال يسهم إسهاماً فعّالاً، وهذا الذي كان عند الرعيل الأول، فقد كان الرجل العادي يخرج إلى أي مكان في هذه الأرض، فتتجاوب الأُمم معه بسبب ما يرونه من صلاحه واستقامته ورشده، أما عندما يكون الجو السائد مخالفاً لذلك؛ بحيث لا تكون حقيقة الدين بارزة إلا مع قلة قليلة من الناس؛ فلا ريب أنّ تأثير المسلم العادي الذي لا إدراك عنده لقيم الدين، ولا تصور لديه لحقيقته يكون تأثيراً سلبياً في هذه الحالة.
على أن الحوار هو دعوة والدعوة لا يمكن أن تكون إلا على بصيرة، فالله الله يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108]، ولذلك نحن نرى في كتاب الله ـ تعالى ـ أن الدعوة نيطت بالفقه في دين الله - تعالى -، فالله ربط ما بين الإنذار والفقه عندما قال: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، فالتفقه في الدين هو سبيل هذا الإنذار؛ أي أنه وسيلة الدعوة إلى الله الله
341 (1/341)
صفحة 342
342
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: للشيخ علي يحيى معمر نظرية في تقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية وهي تقوم على ثلاثة مرتكزات المعرفة والتعارف والاعتراف. هل يمكن أن تلقوا الضوء على هذه المرتكزات الثلاثة؟
الأمة الإسلامية بينها روابط وقواسم مشتركة، ومما يؤسف له أن نراها شُغلت بما اختلفت فيه، ولم تشغل بما اتفقت عليه، وهذا ناتج عن جهل بعضهم بما
عند البعض الآخر.
فنحن لو جئنا إلى أركان الإيمان الستة لوجدنا أنّ خمسة منها ليس بين الأمة. خلاف في أصولها، وإنما الخلاف في جزئيات منها، فالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين لا يمكن أن تختلف الأُمة في أصوله، فليس هنالك من ينفي وجود الله - تبارك وتعالى - مثلاً، أو من يزعم أن مع الله إلهاً آخر، أو من يقول بأن الله - تعالى - غير موصوف بالكمالات، أو من يقول بأنّ الله - تعالى - حادث، أو بأنّ الله فان سبحانه عن ذلك وتعالى علوّاً كبيراً، ليس من هذه الأمة من يزعم ذلك أو يدعيه.
وكذلك بالنسبة إلى الإيمان باليوم الآخر ليس من الأمة من يشكك في البعث أو في الحساب أو في المجازاة بالثواب أو العقاب، وإن وقع اختلافهم في جزئيات تعود إلى الإيمان بهذا الركن كالخلود في النار أو الخروج منها، ومهما يكن من أثر لهذا الاختلاف في العمل والسلوك إلا أن الحقيقة الكبرى تظل محل وفاق بين الأمة وهي الإيمان باليوم
الآخر.
وهكذا بالنسبة إلى الملائكة، وإلى الكتب المنزّلة، وإلى النبيين ليس بين الأُمة اختلاف في الإيمان بشيء من ذلك، وإن كان ثمّت اختلاف في وجهات النظر في بعض القضايا؛ فإنّ الأصول تبقى مشتركة.
وأما الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بقضاء الله وقدره، فمن الأُمة من يقول بأن في هذا الأمر، نظراً، وأنّ الله - تعالى - لم يكتب المعصية على العباد، ولكن مع ذلك كله فإنّ الكل يثبت أن الله - تعالى - هو الذي يصرّف الكون، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء كما أخبر لالالالالاله بذلك، فإذن هناك ما الأُمة. هذه
يجمع (1/342)
صفحة 343
حوار الحضارات
كذلك إذا جئنا إلى أركان الإسلام، ليس في هذه الأركان خلاف فيها، فلم تختلف الأُمة في الشهادتين، ولا في إقام الصاة، ولا في إيتاء الزكاة، ولا في صيام رمضان، ولا في حجّ الحرام، فالأمة مجمعة على هذه الأركان كلها.
الله بيت
كذلك بالنسبة إلى الكتاب العزيز الأمة مجمعة على أنه هو الذي يجب أن يُهتدى به، ويُعوّل عليه، وهو الحكم، وهكذا بالنسبة إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقت هذه الأمة على ثبوته لا خلاف في أنه حجة على الجميع، وكذلك بالنسبة إلى الاستقبال، فإنّ الأُمة
بأسرها إنما تتجه إلى قبلة واحدة، وتحجّ نحو هذه الكعبة المشرفة التي تتجه إليها.
يردم
فالأمة عندها ما يجمع شتاتها، وما يؤلف بين فئاتها، وما يوحد صفها، وعندما يدرك أفراد هذه الأمة بأننا متفقون على هذه الأصول، ولا نختلف فيها؛ فإنّ ذلك مما الهوّة ويقرب المسافة بينها، فالمعرفة هي الأساس، ثم التعارف؛ بحيث إنّ كل فريق يبدي ماعنده للفريق الآخر، ثم بعد ذلك يتم الانسجام ما بين الجميع، فالأُمة بحاجة إلى أن تأخذ بهذه الوسائل للتوصل بمشيئة الله إلى الوحدة العامة الشاملة التي تجمع فئاتها وتجمع شتاتها، والله تعالى الموفّق.
343 (1/343)
صفحة 344
سورة البقرة - الآية 190 (1/344)
صفحة 345
اللقاء التاسع عشر
المحاور: جريدة اللواء الإسلامي اللبنانية (العدد: 11548)
الموضوع: موقف الإسلام من العنف والعولمة
التأريخ: الثلاثاء 27 شوال 1426 هـ / 29 نوفمبر 2005 م
المناسبة: المؤتمر الرابع للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المنعقد بـ «لبنان»
لقاءات (1/345)
صفحة 346
346
لقاءات
في الفكر والدعوة
مفتي سلطنة عُمان الشيخ الخليلي لـ «اللواء الإسلامي»:
- العنف وممارسته تصرفات شاذة ناتجة عن عواطف رعناء وضيق أفق وعدم معرفة
بالإسلام الصحيح.
منطقتنا نالت الاهتمام الأكبر من علماء المسلمين؛ لكونها منطقة تماس. نطلب من الشباب المسلم التصرف بحكمة ونتمنى من القادة تقدير مشاعرهم.
شارك سماحة مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي قبل أيام في المؤتمر الرابع للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فكان أن التقيناه قبل مغادرة لبنان عائداً إلى مسقط، في حوار حول الإسلام والعنف والعولمة والممارسات التي تدفع العالم إلى اتهام أهله بالإرهاب زوراً. وقد أكد سماحته أن العنف وممارسته تصرفات شاذة، ناتجة عن عواطف رعناء، وضيق أفق، وعدم معرفة بالإسلام الصحيح، وأن أعمال العنف التي تؤدي إلى قتل من لم يقاتل المسلمين غير جائزة، وأن سفك الدماء بغير وجه شرعي حرام، داعياً الشباب المسلم إلى التصرف بحكمة ورفق ولطف، وداعياً القيادات الإسلامية إلى تقدير مشاعر الشباب
وإدراك مطالبهم.
وفيما يلي نص الحوار:
الإسلام والفرقة
المحاور: كيف تنظرون إلى ازدياد الفرقة بين المسلمين في الوقت الذي تتكاثر
فيه الدعوات إلى الوحدة؟
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم
رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
سبباً يقرب منه،
وقد
فإن الله الله جعل لكل شيء سبيلا يفضي إليه، وجعل لكل مسبب أمر البارئ بالاتحاد وحذر عباده من التفرّق، وأوجد من أسباب الاتحاد ما يضمن لهذه وحدتها، ويكفل لها تضامنها وتعاونها وتصافي قلوبها واجتماع كلمتها.
الأمة (1/346)
صفحة 347
موقف الإسلام من العنف والعولمة
الله الا الله لم يجعل الإسلام أمراً نظريًّا يعيش في عالم المثال، وإنما جعله أمراً واقعياً يعيش في عالم التطبيق، فالإسلام ليس مجرد ادعاء أو انتماء، وإنما هو منهج حياة، فالإسلام يعني أن يكون الإنسان لله، بحيث يُسلم روحه وجسمه وعقله وقلبه وفكره ووجدانه وكل شيء منه الله، فتكون حياته لله، ويكون مماته لله، والإسلام بهذا المعنى إنما يحتاج إلى أن تتضافر هذه الجهود، من أجل تربية هذه الأمة لتعود إلى إسلامها
هذا.
وأضاف: فأُمة
محمد صلى الله عليه وسلم عندما بعثه الله الا الله بالحق، اجتمعت وتألفت، وتوحدت على أساس التوجه إلى الله، والاستعلاء على كل نزعات النفس ونزغاتها، وتجريد النفوس من أهوائها، فتلاقى في محيط هذا الدين الحنيف العربي والأعجمي، والصغير والكبير والقوي والضعيف، وكانت الوجهة كلها إلى الله، فتصافت النفوس حتى استلت السخائم والأحقاد التي كانت تتأجج بين جنباتها، وتوحدت الكلمة، حتى صارت قلوب المؤمنين
كقلب رجل واحد.
هنا
ولكن مع تقادم العهد، وتغلب الأهواء، ووجود النزاعات والنزغات المختلفة، سلكت هذه الأمة طرائق قدداً، وأصبح الخلاف بينها مستحكماً في نفوسها، متحكّماً في منهجها، فمن هذا وجد التشرذم وهذا الشقاق، ولكن مع ذلك نحن نتفاءل، ونقول: بأن رجوع الأمة إلى أصولها الثابتة، ومنهجها الصحيح، وصراطها المستقيم، ليس أمراً متعثراً ولا متعسراً ولا متعذراً، بل إن الله يسّر هذا المنهج للناس، ولم يجعله معقداً، بل هو منهج مبسط، يمكن للناس ان يفيئوا إليه في كل وقت من الأوقات، وإنما في موقف تحتاج معه إلى صياغة جديدة من حيث فكرها وأخلاقها، فعندما تكون الفكرة واضحة، والأخلاق مبنية على هذا الفكر الواضح النابع من صميم إيمان هذه الأمة، فلا ريب أن هذه الأُمة
ستجتمع بعد فرقتها، وتتوحد بعد تشرذمها وشقاقها.
الأمة
وهذا كله يكون بالرجوع إلى مصادر الإسلام الأصلية، إلى الكتاب العزيز، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحكيم هذين الأصلين، واعتبارهما المرجع مهما كانت هناك من آراء للرجال، فآراء الرجال إنما تُحَاكَمُ إلى هذين الأصلين، ولا يحاكم أي أصل من هذين إلى رأي أي أحد من الناس.
347 (1/347)
صفحة 348
348
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وتابع قائلاً: على أن الإسلام كما قلت جاء بمنهج يوحد الأُمة، فإن كل ما شُرع لهذه الأمة من العبادات، ومن الأحكام المتعلقة بالمعاملات، وغير ذلك، داعية إلى توحدها واجتماعها، فهذه العبادات وإن كانت صلة بين العباد وبين ربهم لا لا لا اله إلا أن لها أثراً نفسيا واجتماعيا بين الناس، فكل عبادة من العبادات تؤدي إلى الغاية المطلوبة وهي تجريد النفوس من أهوائها، وجعلها تستشعر عظمة الله وقدرته ونعمته وخوفه ورجاءه، حتى تسير هذه الأُمة
في درب التقوى، وهذه هي الغاية من العبادات المشروعة، فكل عبادة تؤدي إلى التقوى، وعندما يتقي الإنسان ربه، لا أنه أُمته، سيرعى حق إخوانه ومجتمعه وبني جنسه وبني ريب فمن اتقى الله راعى هذه الحقوق وحرص على أدائها.
موجات الصراع
المحاور وما رأيكم بموجات العنف والتطرف بين المسلمين والتي تظهر وكأنها ردات فعل على هذا الواقع السيّئ؟ المطلوب من المسلم أن ينهج النهج الصحيح، بغض النظر عما يؤدي إلى ردود الأفعال من تصرفات شتى تزخر بها هذه الحياة المعاصرة، فالمسلم لا يكون صدى لردة فعل، بل يحرص على أن يستمد من الأصول الثابتة قوته وموقفه. وأضاف: فالعنف ردّة فعل، وأسبابه شتى، بعضها يعود إلى واقع الأمة المسلمة، وبعضها يعود إلى كيد أعدائها لها، والأمة المسلمة بسبب هذا الضعف والتفكك والبعد عن الإسلام الصحيح في حياتها؛ أصبحت بعيدة عن الاستمساك بهدي الله وسنة نبيه، فعندما يتجه الشاب المسلم المتحمس لإسلامه نحو الإسلام، فلا يجده في عالم السياسة، ولا في عالم الاقتصاد، ولا في الإعلام، ولا التربية، ولا الثقافة، إذ يجدها جميعاً بعيدة عن الإسلام، وهو ينشد الإسلام، لا أن هذا الشاب إذا لم يؤخذ بيده ستكون لديه ردة فعل، هذا في الداخل. وبالنظر إلى الخارج فإن أعداء الإسلام يكيدون له كيداً، ويكيلون بمكاييل متعددة، فهم يحاسبون هذه الأمة على مطالبتها بحقها، ودفاعها عن مقدساتها، وحرصها على حريتها، فيجعلون أي تصرف يعود إلى هذه المطالب ضرباً من ضروب الإرهاب، ونمطاً أنماط من
ريب (1/348)
صفحة 349
موقف الإسلام من العنف والعولمة
الأمة
العنف، بينما العنف يمارس ضد هذه في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان حيث تنتهك حرمات الأمة، وتستباح منها المحرمات، ولكن مع ذلك يقولون إن ذلك من تطبيق الحرية، فتقتل الحرية باسم الحرية، وتمارس جميع صنوف الإرهاب تحت شعار مكافحة الإرهاب، ولا ريب أن هذا يؤدي إلى فجوات ما بين القاعدة والقمة، ونحن دائماً ندعو إلى أن يكون هناك تلاحم بين القيادة والقاعدة، بحيث لا يكون هناك شعور بأن هذه القاعدة مهمّشة، أو أن الشعب مبعد عن الساحة، عليه أن ينقاد إذا قيد، وأن يأتمر إذا أمر، فإن هذا غير صحيح، فهناك منهج يجب أن تسير عليه هذه الأمة، كما سار عليه الرسول والخلفاء الراشدون - رضي الله تعالى عنهم -
وهنا نذكر كيف أن أحدهم جاء إلى عمر ه وقال له أمام الملأ: اتق الله يا أمير المؤمنين. فَكَبُرَتْ هذه الكلمة على بعض الناس، فاستنكر عمر استنكار الناس لها، وقال: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها». وقال أيضاً: «أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموني»، فقال له أحدهم: «والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا». فحمد الله على أن جعل في أمة محمد الا الله من يُقَوِّمُ اعوجاجه حتى بالسيف إذا اقتضى الأمر ذلك، وهو الذي نتمنى أن تكون عليه أمة الإسلام وقادتها.
وأنا أطالب الشباب بأن يتصرف بحكمة، وأن يعلم أنه يدرك بالرفق ما لا يُدركه بالشدة، ويتوصل باللطف إلى ما لا يتوصل إليه بالعنف، فنحن نريده أن يتصرف تصرفاً حكيماً، كما نرجو من الآخرين أن يقدروا مشاعر هؤلاء الشباب، وأن يدركوا ما يريدونه، فهم لا يريدون إلا أن تكون صورة الإسلام ظاهرة واضحة تتجلى في السياسة، وفي الاجتماع، وفي الاقتصاد والإعلام والتربية وفي كل شؤون هذه الحياة.
المحاور: لماذا تنحصر المواقف من أعمال العنف ضد الأشخاص والمساجد بالاستنكارات ولا تصدر فتاوى التحريم القطعي لها؟
لا يوجد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يقول: بأن أي عمل لم يكن مضبوطاً بضوابط الشريعة الإسلامية: غير محرم أو غير حرام، فكل مسلم يعلم أن
349 (1/349)
صفحة 350
350
لقاعات
في الفكر و الدعوة
سفك دم أي إنسان مسلماً كان أو غير مسلم بغير وجه شرعي حرام، فمن قتل نفساً بغير نفس وفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنه أحيى الناس جميعاً، والله حرّم علينا قتل النفس إلا بالحق، كما في القصاص من أجل الاعتداء على الحياة الإنسانية، أو تجاوز الحدود، حيث أذن الله الله بذلك، أما بدون ذلك فهذا
لا يجوز.
وقال ونحن نرى أن الله الا الله حتى في الجهاد يأمر بضبط النفس في هذا المقام الذي يشتد فيه الحماس وتتهيج العواطف، فيقول: {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، ومعنى ذلك أنَّ مَن لم يقاتل لا يجوز قتاله ويعتبر قتاله عدواناً، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، حيث كانوا يوصون بأن لا تقتل امرأة ولا شيخ ولا راهب ومن لم يقاتل، وإنما يقاتل من قاتل فحسب.
والله تعالى يقول أيضاً: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَتُ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَعُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم معَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]، فالله - سبحانه - لم يقدِّر صداماً بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية وبين الكفرة؛ لأنه يوجد بين هؤلاء الكفرة مؤمنات ومؤمنون كانوا مضطرين إلى البقاء بين الكافرين في ذلك الوقت، فمنع الله الله الصدام بين الجانبين حفاظاً على أرواح أولئك وسلامتهم من العنت الذي ينشأ عن الصدام.
هذا كله يدلّ على أن حرمة النفس البشرية عند الله عظيمة، ولا يجوز انتهاكها، فلا يجوز قتل أحد لم يعتد، ولا قتل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر ما دام هو لم يرتكب موجباً للقتل، كقتل الناس في المساجد بل وقتل الناس في الكنائس، أو في الأنفاق أو الشركات، وهم لم يرتكبوا شيئاً مما يبيح قتالهم، فهذا كله لا يجوز، وهذا تجن على الإسلام وتشويه
لصورته.
فإن الصورة الصحيحة للإسلام إنما تتمثل في ممارسات السلف الصالح، وليس في مثل هذه التصرفات الشاذة الناتجة من العواطف الرعناء، وضيق الأفق وعدم معرفة الإسلام
الصحيح. (1/350)
صفحة 351
موقف الإسلام من العنف والعولمة
الله
المحاور: لماذا نلحظ اهتمام العلماء في مؤتمراتهم - وخاصة الاتحاد العالمي لهم - بمناطق الحدث في بلاد الشام، في حين أن المسلمين موجودون من الصين إلى أوروبا؟
الله
الإسلام يمتد في جميع بقاع الأرض من المحيط إلى المحيط، فيغطي - بحمد - الكرة الأرضية في كل مكان، فلا بقعة في الأرض إلا وفيها من يقول لا إله إلا محمد رسول الله من المؤمنين بالله واليوم الآخر، ومشاعر المؤمنين جميعاً يجب أن تكون واحدة، فالإسلام لم يُقم وزناً للفوارق العنصرية ولا لغيرها، فنحن نرى أن القرآن عندما جاء لم يخاطب العرب، وإنما قال: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أو {يَأَيُّهَا النَّاسُ فهو ذكر للعالمين ورحمة لهم، ومنذ نزول الآيات المكية جاء فيها ما يدلّ على عالمية هذا الدين وأنه دين الإنسانية جميعاً، وقد ربى الإسلام هذه الأمة منذ نشأتها على الاهتمام بما يجري في العالم كله، وعدم حصر الاهتمام بالمحيط الضيق الذي كانت تعيش فيه الأُمة أو أفراد منها، فعندما كانت هذه الأُمة لا تزال أفراداً قلائل في المجتمع المكي في العام الخامس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، كان هناك صدام مسلح بين الفرس والروم، وانتهى إلى انتصار الفرس على الروم، فنزل قرآن ليبيّن للمؤمنين ما وصل إليه هذا الصدام، وما سيؤول إليه من انقلاب في المقاييس والموازين رأساً على عقب، وإنما كان ذلك لإخراج هذه الأمة من التقوقع، والانطلاق بها في آفاق الأرض، ومن أجل بيان أن هذه الأُمة أن تكون أُمة عالمية، وإذا كان هذا فيما يتعلق بغير المسلمين، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالمسلمين أنفسهم، الذين يجب أن يكونوا مرتكز اهتمام كل واحد من المسلمين سواء كان هؤلاء المسلمون من العرب أو من غير العرب، فالمؤمنون إخوة، والله أوجب على المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضاً، لذلك فإن الاهتمام بقضية أي مسلم في الأرض ونصرته واجبة. وأكد: أنه بسبب كون هذه المنطقة تمرّ الآن بمرحلة حساسة نالت حظا وافراً من ببحث قضاياها؛ لأنها منطقة تماس، ولهذا كان التركيز من قبل القوى الكبرى لإيجاد كيان عازل فيها بين أبناء هذه الأمة ليفصل بعضها عن بعض، وليكون مصدراً للتآمر عليها، ولذلك تَرَكَّز الاهتمام عليها من قبل العلماء بصورة أكبر، وإن كان الواجب أن لا ننسى معاناة الأمة في المواضع الأخرى من العالم.
يجب
الاعتناء
351 (1/351)
صفحة 352
352
لقاعات
في الفكر والدعوة
الإسلام هو الحل
المحاور: هل يمكن الحديث الآن في عصر العولمة وآلياتها عن إسلام حديث وإسلام تراثي قديم؟
الإسلام هو الإسلام، يظل كما هو، لا يخضع لظروف الزمان والمكان، ولكن الإسلام يستوعب قضايا وحياة الناس في مختلف ظروفهم وأحوالهم، أما أن نحاول أن نطوّر الإسلام؛ حتى يتلاءم مع سياسة قائمة أو متطلبات عصر من العصور، فهذا هو التجني على الإسلام، والإسلام فيه الحل لمشكلات الإنسانية بأسرها، وهذا ما تبين من تجارب البشر، لقد كابد الناس من النظام الرأسمالي في مطلع الثورة الصناعية في أوروبا، فظنوا أن الحل فيما طرحه ماركس، وطبقه «لينين» في الثورة البلشفية، فكانت النتيجة أن هذا النظام فشل، وأن الرأسمالية أيضاً فشلت في إيجاد الحلول لمشكلات الناس، واليوم مع انفراد الرأسمالية المتوحشة - التي طأطأت التجربة الماركسية اللينينية الرأس لها - بالبروز تزداد المشكلات، ولا حل إلا بالإسلام الذي يعطي كل ذي حق حقه، فالله تعالى يقول: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، وهذا في العقيدة، ثم قال بعد ذلك في نفس هذه الآية: {وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)، وهذه غير الزكاة؛ لأنه تعالى قال بعد ذلك: {وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177]، فعطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على هذه الحقوق للذين استحقوها، فلو طبق هذا النظام لما بقي فقير في العالم، فكم يُحرق في هذا العالم من أطنان القمح والحبوب من أجل المحافظة على أسعارها!!! وكم يراق من الألبان للمحافظة على سعر الألبان والحليب!! فهذه لو وجهت للجياع، فهل كان يبقى على ظهر الأرض جائع؟!
وهذا السباق المحموم والمجنون في التسلح كم يُنفق عليه من أموال؟! فهذه لو أنفقت في الأرض، واستخراج خيراتها، وتعميم الخير على البشرية هل كان يبقى في
استصلاح الأرض جائع؟!
فالبشرية بحاجة إلى نظام الإسلام، وهذا ما أدركه فلاسفة وقادة الشيوعية، وأدركه
الغربيون
أيضاً
وإن كانوا يكابرون، فجورباتشوف بعد سقوط الاتحاد السوفيتي قال لفضائية (1/352)
صفحة 353
موقف الإسلام من العنف والعولمة
بريطانية: «لا يمكن أن تستمر الشيوعية في الصين وفيتنام، ولا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية أو الاشتراكية أو الديمقراطية، وإنما في نظام آخر»، فأشار مجرد إشارة إلى الإسلام من غير أن يُسَمِّيَهُ، ولكن جاء من بعده الشيوعي الراديكالي «كاسترو» وقال: «لم يبق أمام العالم إلا المنهج القرآني، ونشرت ذلك الصحف، والرئيس نيكسون قبل وفاته صرّح بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي بحاجة إلى أخلاق الإسلام، وبريجنسكي اليهودي منظر السياسة الأمريكية المعاصرة قال في إحدى مقالاته: «إن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى أخلاق الإسلام وإن الشعب الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسن للعالم قانوناً أخلاقياً»، كما أن المحلل الصحافي ناثان غارولز قال: «إن المستقبل للإسلام»، وهذا يدلّ على أن الإسلام يمكن أن يستوعب مشكلات الإنسانية، ويقدم لها الحلول.
353 (1/353)
صفحة 354
سورة الحجرات - الآية.
10 (1/354)
صفحة 355
اللقاء العشرون
المحاور: جريدة الوطن العمانية (أجرى الحوار: مصطفى أحمد) الموضوع: واقع الأمة العربية والإسلامية
لقاءات (1/355)
صفحة 356
356
لقاعات
في الفكر والدعوة
في لجة من الأحداث المأساوية التي تعيشها الأمة الإسلامية في أصقاع الأرض طولها وعرضها خاصةً ما يجري حالياً من قتل وتدمير وخراب وتنكيل من قبل جيش الغزاة اليهود ضد الشعب الفلسطيني الأمن في أرضه ووطنه، جاشت هذه الأحداث في صدر سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في حوار مباشر لـ (الوطن)، تحدّث فيه عمّا يعصف بالأمة الإسلامية من تشرذم وتفرقة داعيا سماحته إلى الوحدة والتآلف ونصرة المسلمين في فلسطين، كما تحدث سماحته عن مشاركته في ملتقى التفاهم بين المذاهب الإسلامية الذي عُقد مؤخّراً بالجزائر.
في بداية الحديث قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة: الحمد العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
لله
رب
أما بعد:
فقد أتيحت لنا فرصة الاجتماع في ملتقى التفاهم بين المذاهب الإسلامية في الجزائر الشقيقة بدعوة من المجلس الإسلامي الأعلى التابع لرئاسة الجمهورية، وكان الاجتماع قد ضمّ لفيفاً من علماء الأمة من مختلف المذاهب الإسلامية، والكل - بحمد الله - ينشد الوحدة، وحدة الأمة، وهذا أمر تحكمه أولاً العقيدة؛ لأن الله - تبارك وتعالى ـ فرض أُمة متحدة، كما فرض عليها أن تكون موحدة له، إذ جمع
أُمة
على هذه الأُمة أن تكون الله تعالى بين أمر عباده بتوحيده وأمرهم أن يتحدوا فيما بينهم وأن يعتصموا بحبله حيث قال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102 103]، فكما أنه من الواجب على الإنسان أن يحرص على الإسلام، وأن لا يموت إلا على الإسلام، فإنّه من الواجب عليه أن يحرص على وحدته مع إخوانه المسلمين، وأن لا يشدّ عنهم، وأن لا ينابذهم، وأن يعتصم بحبل الله المتين، ومعظم ما سمعته من الكلمات كانت تصب في هذا المصب، وتدور على هذا المحور، وهذا مما يبشّر بمستقبل سعيد؛ إذ التفاهم ما بين فئات الأُمة داع إلى تعارفها وتآلفها وتلاحمها وتراحمها كما يؤذن بذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: 10]، وقول النبي: ترى المؤمنين في توادهم
(1) ,
(1) أي في ملتقى التفاهم بين المذاهب الإسلامية في الجزائر. (1/356)
صفحة 357
واقع الأمة العربية والإسلامية
وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» رواه البخاري ومسلم).
وقال سماحته نحن دائماً نركّز على وحدة الأمة وعدم تفرّقها، واجتماع كلمتها والتقائها على ما تلتقي عليه من العقيدة الواحدة، فهنالك قواسم مشتركة ما بين الأمة جميعاً، فالأُمة من حيث كلّيّة العقيدة لم تختلف فيها، فالكل يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والركن السادس - وهو الإيمان بقضاء الله وقدره ـ يؤمن به جمهور الأمة، ومن الناس من له موقف آخر تجاه هذا الأمر، ولكن مع ذلك يشترك مع بقية المسلمين في الإيمان بالكليات الخمس السابقة، وإذا كان هنالك اختلاف فإنه لم يكن هذا الاختلاف في نفس هذه الكليات، وإنما كان اختلافاً في الجزئيات، ومع ذلك كله أيضاً فإن مصادر عند الأُمة واحدة، فهي كتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم واجماع السلف الصالح، كذلك
التشريع
،
تتحد الأمة من حيث الإيمان بالكتاب الواحد والقبلة التي يتوجه إليها المسلمون هي قبلةٌ، واحدةٌ والنبي الذي تتبعه هو نبي واحد، وأعظم من ذلك كله أنّ الإله الذي تعبده هو إله واحد، وهذه الأسباب كلها دواع للوحدة والتآلف بين الأُمة وعدم التقاطع فيما بينها، فعليها أن تأخذ بهذه الدواعي، ونحن نركز دائماً على ذلك.
وقال سماحته: إن السلطنة تقدمت بورقة عملٍ عُمانية حول هذا المحور نفسه مشيراً إلى أن الأمل موجود في تكرار هذا اللقاء، وإن كان لم يُبَثَّ في هذا الاجتماع حول الاجتماع القادم.
وحول الواقع الذي تعيشه
الأُمة العربية والإسلامية في وقتنا الحاضر قال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في الحقيقة إن هذا الأمر يدعو إلى الحسرة والأسى والألم، فإن الأمة لو أنها أخذت بالاعتصام بحبل الله المتين واتبعت نوره المبين وسلكت صراطه المستقيم لكان لها شأن غير هذا الشأن، فإن أسباب القوة موجودة في وكما قال بأنها أُمةٌ واحدةٌ من حيث إنها تجمعها عقيدة واحدة، وكتاب
الأمة،
واحد، وتقتدي بنبي، واحد، وقبل هذا وذاك تعبد إلهاً واحداً، ولهذه الأسباب كلها يجب عليها أن تجتمع ولا تتفرق، وأن تأتلف ولا تختلف، وأن تتوحد ولا تتشتت، والإيمان يفرض على المؤمنين جميعاً أن يحسّوا بالآلام الواحدة، كما أنهم يشعرون بآمال واحدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد
357 (1/357)
صفحة 358
358
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (رواه البخاري
الأمة
ومسلم)، فعندما تكون على هذا النحو وتسير على هذا النهج تكون كلمتها عالية، وتكون شوكتها قوية، ويكون جانبها مهيباً، ولكن مع وقوع التشتت والتشرذم والخلاف وإيثار كل أحدٍ هواه يؤدي الأمر إلى الضياع، وإلى زوال الريح - أي القوة ـ، والله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]، وعوامل الوحدة ما بين المسلمين متوافرة لا سيّما العرب، فمن أجل ذلك كان المفروض على العرب وقد أكرمهم الله تعالى بالإسلام وشرفهم بدعوة نبيهم محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، إذ كانوا أول من حمل لواءها وقام بنشر صيتها في الآفاق؛ أن يكونوا أحرص الناس على الاستمساك بالهدي النبوي واتباع هذا المنهج الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليه
الخلفاء الراشدون
على أن السلف الصالح عندما فتحوا الأمصار ونشروا هذا النور في أصقاع الأرض إنما كانوا قلّة، ولكنهم كانوا يشكّلون قوةً بإيمانهم لا بعتادهم وبعزيمتهم لا بعددهم، فلذلك هيّأ الله تعالى لهم الأسباب، وآتاهم ما آتاهم من الخير، لقد افتتحوا هذا العالم الواسع، وواجهوا دولتين كانتا تمثلان قوّتين كبريين في العالم آنذاك، وكانت مواجهتهم لهما في وقت واحد، لم يسندوا ظهورهم إلى إحدى الدولتين ليواجهوا الدولة الأخرى، وإنما واجهوا الدولتين في وقتٍ واحدٍ، لم يتفرغوا لمواجهة إحداهما مع مسالمتهم للأخرى، ومع ذلك فتح الله تعالى لهم آفاق الأرض، وهذا إنما يؤول إلى معرفتهم برسالتهم التي يحملونها، وبواجبهم الذي يهدفون إلى تحقيقه، وغايتهم التي يسعون إليها، فهم كانوا يحبون الشهادة في سبيل الله، ويؤثرونها على حياتهم، فقد حرصوا على الموت، فوهب الله تعالى لهم الحياة، وكانوا يرون عدتهم تقوى الله، وبقدر ما يتزوّدون من زاد التقوى تكون شوكتهم مضاءةً، وتكون هيبتهم ظاهرة في نفوس أعدائهم، فكانوا يتواصون بذلك، فأمير المؤمنين عمر الله عندما جنّد الأجناد لمحاربة إمبراطورية فارس زوّد جنده ممثلين في قائدهم وصيّةً جاء فيها:
«أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا (1/358)
صفحة 359
واقع الأمة العربية والإسلامية
أشد احترازاً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنْصَرُ المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أنّ في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يسلط علينا، فربّ قوم سُلّط عليهم من هو شر منهم، كما سُلطَ على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسال الله ذلك لي ولكم».
وقال سماحته هذه الوصية البالغة الجامعة المانعة كانت هي القوة الفاعلة، وكانت هي المنهاج الذي سار عليه ذلك الجند، والنور الذي استبصروا به، ولذلك كتب الله لهم النصر والتأييد.
(1)
وحَوْلَ فتح باب الجهاد في سبيل الله في هذه الأوقات بالذات قال سماحته: ما تَركَ الجهاد قوم إلا ذلوا، وتَرْكُ الجهاد والميل إلى الدعة والراحة ورغبتهم في الاستخذاء (1 والذل هو الذي جعل طغيان عدوهم يتزايد باستمرار، وجعلوا استخفاف العدو بهم يبلغ
الأمة
هذا المبلغ. وقال سماحته: إن أعظم دعم هو اتحاد معهم بحيث يجاهد الجميع معهم، وتفتح الحدود للجهاد، ويسارع الناس في تقديم العون بالنفس، ونسأل الله تعالى أن يهدي القلوب حتى تدرك الواجب الذي عليها.
وقال سماحته: نحن واثقون من أن اليهود - إن شاء الله - إلى زوال، وهذا وعد من الله عل، وإنما علينا أن نكيّف أنفسنا مع المنهج الصحيح الذي يؤدي إلى الحق، فتقوى الله تعالى هي التي تفتح الأبواب المغلقة، وتعبّد الطرق الوعرة، وتيسّر الأسباب
الصعبة.
(1) أي الانقياد والاستسلام.
359 (1/359)
صفحة 360
360
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وحول العمليات الاستشهادية التي يقوم بها المجاهدون في فلسطين، وفي ظل اختلاف علماء المسلمين في هذا الأمر قال سماحته: إن الانتحار هو أن يتبرّم الإنسان من الحياة، ويُؤثر أن يقتل نفسه، وهؤلاء المجاهدون في فلسطين ما تبرّموا من الحياة، ولم يؤثروا قتل أنفسهم، وإنما أرادوا النكاية بعدوهم.
وفي الختام فإننا ندعو الأُمة
الله
لهم
الأبواب المغلقة، ويسر لهم ما كان عسيراً، وسهل لهم ما كان صعباً،
إلى تقوى الله، والعمل بطاعته واتباع سبيله، فإن تيسّر ذلك
ومع
فتح
هذا كله ندعو الأُمة إلى الرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، والمضي قدماً لإعلاء كلمة
الله تعالى. (1/360)
صفحة 361
اللقاء الحادي والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الإرهاب
التأريخ: 22 رجب 1423 هـ / 29 سبتمبر 2002 م
لقاءات (1/361)
صفحة 362
وتعاونوا علاال و الدقى
وَلَا
V??
تكونوا على الشر والعدوان
سورة المائدة - الآية 2 (1/362)
صفحة 363
الإرهاب
المحاور: أخت جزائرية تحكي مأساتها الفكرية، تقول إنها كانت غير ملتزمة بالأصول والقواعد والآداب والأخلاق؛ لأنها كانت بعيدة نوعاً ما عن النصح والإرشاد وتخرجت من الجامعة، وحصلت على شهادة الليسانس في الحقوق، وبعد فترة من الزمن (في الثمانينات سمعت بالمبادئ والقيم والأخلاق التي تدعو إليها الجماعات الإسلامية في الجزائر، فاعتنقت مبادئهم، والتزمت ولبست الحجاب، وسمّت تلك المرحلة بالمرحلة الذهبية؛ لأنها شعرت فيها بحلاوة الإيمان، وأحست أنها مؤمنة حقاً.
في بداية التسعينيات حدث عندها تغير فكري، عندما سمعت وعلمت أن هذه الجماعات الإسلامية التي تأثرت بها ورأت فيها القدوة الممتازة بدأت تقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وبدأت تستخدم وسائل مفزعة ومرهبة في إرعاب الناس، فهذا الأمر جعلها تشك في عقيدتها، بل تشكّ حتى في التوحيد، تشك في إيمانها بالله جل وعلا، فمثلت هذه المرحلة عندها مرحلة مقلقة جداً أدّت بها في نهاية المطاف إلى خلع الحجاب، بل إلى الشكّ في القيم والمبادئ والأخلاق الإسلامية وتحسب أنها في هذا الوضع تعاليم ميتة، وأنها لا تصلح للحياة إذا كان هؤلاء الذين يدعون إليها يرتكبون مثل هذه الأعمال المنكرة، وتقول: فكيف لمن كان يدعو للجنة والخير والمحبة والأخوة وكل الخير للناس أن يذبح ويمزق أشلاء كل الناس بدون تمييز بين صبي وأنثى، وبين رضيع وغيره.
تقول: أريد معرفة حكم الإسلام في أفعالي؛ لأنها عندما تحولت فكرياً، وبدأت تتخلى عن الحجاب؛ تخلت أيضاً عن الصلاة والصيام والعجيب أنها خلعت الحجاب في السابع والعشرين من رمضان عام 1996 م.
ثم بعد ذلك شعرت بألم في بطنها، وذهبت إلى الأطباء، لكن التحاليل لم تثبت شيئاً من الأمراض العضوية عندها، ثم ذهبت إلى الرقية ويبدو أنه لا يزال لديها بصيص من الأمل في الإسلام والقرآن الكريم، فقال لها الراقي أن جنّياً دخل في جسدك، ويتحدث بلسانك، ويسيء إلى الإسلام، ويسيء إلى النبي.
363 (1/363)
صفحة 364
364
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بقيت المرأة الآن في حالة اضطراب نفسي، وانتابها تغير فكري، ولم تدر ما حقيقة ما شاهدته من أفعال مرعبة وإرهابية، هل هو من قبل الذين يدعون إلى المبادئ والأخلاق الإسلامية أم هو من قبيل فعل الجن والسحر كما سمته هي بسحر التكليف.
تريد هي منك أن تبسط القول في هذه المسألة وتقول: لا أريد أن أكون من الخاسرين، فلقد فطرت على حب الخير وحب الأنبياء وأولياء الله الصالحين، ولقد واجهت مشاكل عويصة في حياتي، وكنت والحمد الله من الصابرين، أريد أن تقنعني؛ لأنني شعرت أنه لا يوجد في هذا العالم رجل سواكم يمكن أن يحل
مشكلتي. فتريد منك أن تهديها إلى طريق السواء، وأن توضح لها الحقيقة التي غابت عنها؟
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فمما يؤسف له أن نجد قوماً محسوبين على الإسلام يدمّرون الإسلام من الداخل أكثر مما يدمّره أعداؤه من الخارج، ووجدت حالات عديدة فيها الكثير من المفارقات والتناقضات التي تدعو كل ذي لب إلى أن يقف عندها ليتدبر وينظر أسباب مآسيها، وما هي الدواعي والبواعث إلى ارتكاب هذه الأمور التي تؤدي إلى الاضطراب، وإلى المفارقات والتناقضات، مع أن دين الإسلام دين سمح دين أصيل، جاء من عند الله، بعيداً عن المفارقات
والتناقضات.
ولقد وقفت مع نفسي كثيراً، وتساءلت حول هذه القضايا التي أصبحت تدعو إلى الأسى، وقلت في أكثر من موقف بأنه يجب أن تصاغ هذه الأُمة صياغة جديدة من حيث الفكر ومن حيث الأخلاق والاجتماع، على أن تكون هذه الصياغة قرآنية نابعة من صميم عقيدة القرآن ونابعة من أسس هذا الدين الحنيف الذي جاء به المرسلون، وأكمله الله سبحانه، وأتم به النعمة على يد عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.، الأُمة كما قلت بحاجة إلى صياغة فكرية؛ ذلك لأن كل هذه المآسي (1/364)
صفحة 365
الإرهاب
الأمة
التي أصابت هذه والتي جرتها عليها انحرافاتها إنما هي بسبب فقدان التصور الصحيح، فأولئك الذين ارتكبوا المآسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات، فقتلوا الأطفال، وقتلوا النساء، وشردوا الآمنين، ارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام والإسلام براء من كل ذلك؛ فإن الإسلام دين المرحمة، يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كل النهي وأشده عن العدوان، حتى عندما يقابل المسلمون العدوان إنما عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده، وألا يتعدوا على غيره، فالله الله يقول في كتابه: وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190]، وإذا كان الإسلام يأمر بالبر والإنصاف حتى مع غير المسلمين الذين لم يجاهروا المسلمين بالعداوة حيث يقول عز من قائل: (لَا يَنهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين بل أهل بلدته وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟! ويتنكر لمبادئ الإنسانية حتى يكون سبعاً ضارياً لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف؟!
إن هذه الحالة هي حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وعن قيم الإسلام، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يُلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يجب أن يُبرّأ الدين منها. ونحن نأسف لذلك، وقد سبق أن قمت بالإجابة على أسئلة طُرحت في ندوة عن صياغة هذه الأمة، وقلت بأن هذه الأخطاء ليست وليدة اليوم والأمس، وإنما هي وليدة تراكمات تاريخية حجبت عن الناس الصورة الصحيحة للإسلام، فلا بد إذن من أن يبني كل مسلم فكره على أساس التصور الإسلامي الصحيح حتى يعرف كيف يتصرف في هذه الحياة.
أما بالنسبة إلى ما وقع لهذه المسكينة التي أُصيبت بما أُصيبت به ورزئت بهذه الأرزاء، بحيث رزئت في عقيدتها وفكرها، ودينها بالنسبة إلى مأساتها فإن من الواجب عليها ألا تفهم الإسلام من خلال هذه التصرفات الشائنة التي تصدر من أقوام لا معرفة لهم بالدين، ولا دراية لهم بأصوله ولا بفروعه، ولا أساس عندهم من تعاليمه وفكره، وإنما عليها أن ترجع إلى الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
365 (1/365)
صفحة 366
366
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فتستوحي تعاليم الإسلام منه، وعليها أن تراجع نفسها، وأن تنظر إلى هذا الكون كله فإنها تجد أن الكون مصاحف هداية لهذه الإنسانية؛ إذ كل ذرّة من ذرّات هذا الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بافتقارها إليه سلام الله، وتناسق هذا الكون العجيب دليل واضح على وحدانية مكونه الا الله، ولذلك نجد أن في الكتاب الكريم إحالة الإنسان على النظر في دلائل هذا الكون التي تدلّ على توحيد الله سبحانه في مقام الدعوة إلى توحيده، فالله تعالى يقول: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، ثم يتبع الله الله ذلك قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى في الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].
إن في ذلك كله آيات بينات؛ لأن خلق السموات والأرض يدلّ دلالة واضحة على وحدانية المكون العظيم الله، ذلك لأن كل ما في هذا الكون من سمائه وأرضه وعلوه وسفله، كل ذلك هو متناسق مع بقية أجزاء الكون تناسقاً عجيباً، وذلك دليل على أن صدور ذلك إنما هو عن مكون واحد، إذ لو كان ذلك صادراً عن أكثر من مكون واحد لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة عن إرادة غيره، وهذا مما يجعل كل واحد من أولئك يستقل بمراده، وهنا يكون التعارض والاختلاف والشقاق، وذلك يؤدي إلى الفساد كما قال سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]، فلأجل هذا نجد اقتران ذكر التوحيد في كتاب الله تعالى بذكر هذه العلامات الكونية الدالة على وحدانيته وعل، فالله الله يقول: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامُ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُون أَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمُ يَعْدِلُونَ * أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِرًا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَعِلَاهُ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَعِلَهُ مَعَ اللهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [النمل: 59 - 63]، فعليها أن تفكر في وجودها بنفسها وفي وجود هذه الكائنات كلها من حولها،
ملے
فإنها دلائل شاهدة صادقة على وحدانية الله الله (1/366)
صفحة 367
الإرهاب
وأما ما اعتمل في نفسها من أفكار ووساوس فإنما هو نتيجة حتمية لانحراف الإنسان عن الحق، فإن الإنسان عندما ينحرف عن منهج الحق يصاب بهذه الأزمات النفسية، وتكون نفسه فريسة للشيطان الرجيم، فالله سبحانه يقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيْطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَذًا} [مريم: 83]، ويقول ما في وصف الذين اتقوا الذين هم بعيدون عن هذا: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201]. فهنالك فارق بين المتقي وغيره، لذلك ندعوها إلى أن تكون في زمرة المتقين ومن حزب عباد الله المصلحين، أولئك الذين يتذكرون كلما مسهم مسّ من الشيطان، وألم بهم شيء من وساوسه ونزغاته، ولا ريب أن الشيطان عندما يوسوس للإنسان وينصرف الإنسان عن منهج الحق؛ يكون عرضة بعد ذلك لمثل هذه الأزمات العقلية ولمثل هذه الأمراض العصبية والنفسية والذهنية التي تخيل إليه خيالات شتى.
فلذلك نحن ندعوها أولاً إلى أن تكثر من ذكر الله الله، فإن ذكر الله تطمئن به القلوب، يقول الله يا الله أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وعليها أن تكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأنصحها بأن تتلو في كل يوم ما يتيسر من كتاب الله الله مع التزامها بدين الله، وأن تكثر من تلاوة المعوذات، وذلك بأن تقرأ الإخلاص والمعوذتين مع النفث في يديها والمسح وينبغي أن تقول في حال مسح جسدها: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالواحد الصمد من شرّ كل ذي حسد، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شرّ عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر؛ فإن الله سبحانه يدفع عنها هذه الوساوس وهذا القلق وهذه الأمراض والبلاوى والمصائب التي ألمت بها، ومع هذا كله فإن مما ينبغي أن تلازمه قراءة عشر آيات من سورة البقرة في كل صباح وفي كل مساء وذلك بأن تقرأ أربع آيات من أول سورة البقرة إلى قول الله - تبارك وتعالى -: {وَأَوَلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ثم ثلاث آيات هي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله يا الله خَلِدُونَ}، ثم قوله سبحانه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ... إلى آخر السورة، فمع ملازمتها لذلك وإخلاصها الله الله فإنني أرجو كل الرجاء أن تنقشع أمام نظرها هذه الغيوم التي تلبدت حتى حجبت الحقيقة عن قلبها وعقلها، وأرجو بمشيئة الله أن تتلاشى هذه الوساوس، وأن تتلاشى هذه الأمراض، وأن تعود إلى سيرتها الأولى، والله
- تبارك وتعالى - ولي التوفيق.
367 (1/367)
صفحة 368
368
لقاعات
في الفكر والدعوة
حجج
المحاور: بما يتعلق بهذه الأفعال التي يرتكبها من يدعي الإسلام، هناك ربما تطايرت إلى أسماع الناس، وتعاطف معها الكثير أيضاً ظانين أنها صحيحة، من هذه الحجج يقول من يقوم بمثل هذه الأعمال: إن الآخرين يقتلون أبناءه ونساءه وأطفاله فلا بد أن يواجههم أيضاً بالمثل، وبعضهم خصص ذلك بالنسبة للكافرين، فما دام الكفار يفعلون مع أبنائه وأطفاله نفس تلك الأفعال، فلا بد أن يواجهوا بالمثل، هل هذه الحجة صحيحة؟
لا، وألف، لا، فإن المسلم الذي هو صحيح الإسلام من شأنه الرفق، ومن شأنه الرحمة، فهو لا يعتدي على من لم يعتد عليه، وما ذنب هذا الطفل الذي ولد على الفطرة؟! فإن كل مولود يُولد على الفطرة كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يُولد على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (رواه البخاري ومسلم).
فما ذنب هذا المولود الذي ولد على الفطرة، ولم يبلغ الحلم، ولم يرتكب شيئاً من المنكرات، ولم يقارف شيئاً من الأوزار، ولم يعتد على حرمة أحد من الناس حتى تنتهك حرمة حياته ويودى بها؟ ما الداعي إلى ذلك؟! ما ارتكبه غيره من حماقات لا ينعكس أثره عليه؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15]. ثم مع هذا كله هب أن أولئك تنكروا لإنسانيتهم، وفعلوا ما فعلوا من هذه الأعمال الوحشية بالمسلمين، فهل المسلمون في مثل هذه الحالة يتنكرون لإنسانيتهم أيضاً ويتجردون من معاني هذه الإنسانية؟! لا، وألف لا.
وأذكر هنا كلمة قالها الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني - رحمه الله تعالى ورضي عنه الذي نُصب إماماً لأهل الحق والاستقامة في بلاد المغرب، وكان مثالاً في العدل والاستقامة والنزاهة وتطبيق سيرة النبي الله وسيرة الخلفاء الراشدين، فإنه شدد على جيشه أن يأخذوا شيئاً من أموال أهل البغي، مع أن أولئك البغاة يقاتلونهم، ويأخذون أموالهم، فقال له بعض أصحابه: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا، قال: إذن حق على الله أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا} [الأعراف: 38]. هكذا التورع، وهكذا النزاهة وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون في ورعهم وفي نزاهتهم وفي تطبيقهم لمبادئ الإيمان ومبادئ الإسلام ومبادئ الرحمة التي جاء بها القرآن الكريم. (1/368)
صفحة 369
الإرهاب
المحاور: البعض يقولون بأن هذا الذي ينسب إلى الجماعات الإسلامية من قتل وتشريد وإرهاب إنما هو كيد إعلامي، ليس له أساس من الواقع، ويراد به تشويه المسلمين وتشويه الإسلام من خلال هذه التغطية الإعلامية التي يراد منها إبعاد المسلمين عن حقيقة الإسلام.
حقيقة الأمر أن من يرتكب هذه الحماقات وهذه الأعمال لا يعد من الجماعات الإسلامية، ولا يعد تصرفه من تصرف المسلمين، وإنما يعد من عملاء أعداء الدين، ينفذ ما ينفذ من الأعمال الرهيبة في أُمة الإسلام لأجل النكاية بالإسلام، ولأجل النكاية بالمسلمين خدمة لأعداء الدين، ونحن لا نحمل على جماعة معينة ونحملها تبعة الأمر، وإنما نقول من فعل ذلك، ولا نقول بأن هذا ثابت على جماعة معينة، فإن الأصل في المتهم أنه بريء حتى يثبت ما اتهم به، فما يدرينا لعل هؤلاء قوم دسوا في وسط هذه الجماعات من أجل تشويه صورتها ومن أجل الكيد لها، فإن هذا أمر محتمل.
المحاور: لكنكم أشرتم إلى أن التراكمات التاريخية التي كانت ترزأ بها أُمة دفعت مثل هذه الجماعات إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال؟
الإسلام
نعم، عدم وضوح صورة الإسلام عند بعض الناس ربما دفعهم وراء العاطفة، ولم ينظروا إلى الأمور بمنظار العقل ومنظار الوحي الرباني، وإنما نظروا إلى أدت بهم إلى
كل شيء بمنظار العاطفة، ولم تقف بهم عاطفتهم عند حد معين حتى ارتكاب هذه الحماقات.
المحاور: بعض الذين يلتزمون بتعاليم الإسلام يتميزون بالفضاضة والغلظة في تعاملهم مع الناس، ولم يستحضروا في أثناء تعاملهم هذا قول الله الله وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: (159]، نريد نصيحة لهؤلاء؟
الإسلام دين أخلاق، والله - تبارك وتعالى - عندما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم وصفه بالخلق، وذلك دليل على أن الخلق أسمى ما يتصف به الإنسان، فالله - تعالى -
عندما وصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
369 (1/369)
صفحة 370
370
لقاعات
في الفكر والدعوة
=
?
ونحن نرى أن الله الا الله بهذا الوصف يرفع من قدر الخلق حتى يجعله أعظم ما يتصف به عباد الله الصالحون، ولذلك وصف به خيرة خلقه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين، وسراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، فلو كان هنالك وصف أعظم من الخُلُق لوصفه به، وقد يظن الإنسان أن العلم هو الدرجة العليا التي يرقى إليها الإنسان، ولكن الله تعالى لم يصف النبي صلى الله عليه وسلم بقول: وإنك لعلى علم غزير، أو: وإنك لعلى علم عظيم، وإنما وصفه بالخُلق فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، أما العلم فقد خاطبه مع غيره من بني البشر بقوله: وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، ومعنى ذلك أن علم الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم سائر البشر بجانب علم الله - تعالى - لا يعدّ إلا شيئاً قليلاً ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم البشر أجمعين، إلا أن هذا العلم لا يوازي شيئا بجانب علم الله الذي أحاط بكل شيء، فلذلك وصف الله ـ تعالى ـ عبده ورسوله بالخلق، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
وهذا يعني أن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أن يتحلوا بالأخلاق الحميدة الفاضلة الدمثة التي تقرب ولا تبعد، وتؤلّف ولا تنفر، وتجمّع ولا تفرّق، هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان صحابته؛ لأن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم انعكست عليهم، فتجسدت في أخلاقهم، وخُلق النبي صلى الله عليه وسلم هو تجسيد لخُلق القرآن كما قالت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله تعالى عنها - عندما سُئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)، ونجد أن هذا الخُلق الذي تحلّى به - صلوات الله وسلامه عليه - كان يتجسد في رحمته بالعباد، وحبه الخير لهم، فالله تعالى يقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ) [التوبة: 128]. كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، كان بالناس رؤوفاً؛ لأنه يريد أن ينتشل الناس جميعاً من الضياع، يريد أن ينقذ الناس جميعاً من النار، فهو يأخذ بحجزهم عن النار لأنه يدعوهم إلى الله، وكان حريصاً على إيمانهم حتى ينقذوا أنفسهم من الهلكة، ولذلك يقول الله - تعالى - مخاطباً إياه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى اثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، ويقول: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، ومعنى باخع نفسك مهلك نفسك، فهو من شدة الهم الذي يحمله بسبب عدم إيمان الناس حتى ينقذوا أنفسهم من النار، من شدة هذا الهم الذي يحمله كاد يودي به هذا الهمّ لولا لطف الله - تبارك وتعالى ـ به، وذلك يعود إلى خُلقه العظيم إلى اتصافه بالرحمة، واتصافه بالخير.
?
وو (1/370)
صفحة 371
الإرهاب
بهم
والله تعالى يبيّن بأنه الله لو كان فظا غليظ القلب لانفض خير القرون من حوله، أي لانفض صحابته من حوله مع أن صحابته أثنى الله عليهم في كتابه بما أثنى عليهم به، فقد خلد ذكرهم بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9]، ويقول في وصفه ووصفهم: {تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَدَةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ گزرعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ، فَتَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، ومع هذا يقول لنبيه: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (159] أي لانفض صحابته من حوله مع ما له من حق الطاعة عليهم، فكيف بسائر الناس؟ كيف بالرجل العادي الذي يريد أن يكون داعية إلى الخير وأن يكون أمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر يقابل الناس بالفظاظة والشدة؟! مع أنه ليس في مستوى النبي. أين هو من النبي؟! بعده عن الرسول كبعد الثرى عن الثريا، وكبعد الضريح عن الضراح، وأولئك الناس أيضاً الذين هم من حوله ويريد أن يدعوهم إلى الخير؛ أين هم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله تعالى عليهم في كتابه؟ والذين لو كان النبي صلى الله عليه وسلم فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله، فكيف بهؤلاء لا ينفضّون من حوله، وقد اتصف بهذه الفظاظة، وعاملهم بهذه
الغلظة؟!
ريب
أن دماثة الأخلاق تقرّب البعيد، وتؤلف النافر، وتدعو كل أحد إلى التفاعل مع الذي اتصف بها، فعلى جميع المتدينين أن يكونوا مثالاً في حسن الخلق، ونحن نجد أن الله - تعالى - يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وهذا الخطاب وإن كان هو موجها من حيث لفظه إلى بني إسرائيل إلا أن إنزاله في القرآن الكريم دليل على أن هذه الأُمة مطالبة بأن تتحلى بهذه الصفة، وذلك بأن تقول للناس حسناً، ولم يقل وقولوا للمؤمنين حسناً، وإنما قال {وَقُولُوا لِلنَّاسِ * ليكون ذلك داعياً لجميع الناس إلى الإيمان واتباع الحق، والله تعالى المستعان
371 (1/371)
صفحة 372
بَلْ أَحْيَاءُ
درَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
سورة آل عمران - الآية 169 (1/372)
صفحة 373
اللقاء الثاني والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الأحداث الراهنة
التأريخ: الثلاثاء 27 شوال 1426 هـ / 29 نوفمبر 2005 م
لقاءات (1/373)
صفحة 374
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (رواه البخاري ومسلم)، هنالك الكثير من المسلمين يفهمون هذا على أنه خوض معركة مع أعدائهم، لكن يحصل من الأطراف الأخرى في بعض الأحيان أن يدفعوا هذا المسلم إلى الشهادة من غير أن يكون بينه وبينهم مواجهة كاغتياله مثلاً، فهذا التصرف مع المسلم ودفعه إلى الشهادة بهذه الطريقة ما هو حكمه؟ وماذا تقولون فيه؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن الله - تبارك وتعالى - قد كتب على عباده جميعاً أن يموتوا، وهو وحده المتفرد بالبقاء: كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، وحث الله ـ تبارك وتعالى ـ عباده على الجهاد في سبيله، وجعله من أعظم القربات إليه، ووعد على ذلك خير
الدنيا والآخرة، فالله - تعالى - يقول: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي مِن تَحِيهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13]، في هذه الآيات الكريمة يحض الله - تبارك وتعالى - عباده أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله، ويعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يعدهم بمغفرة الذنوب ودخول جنة أعدها الله - تبارك وتعالى ـ لعباده المؤمنين المتقين ومساكن طيبة في جنات عدن، ومع ذلك يعدهم بخير الدنيا وهو أن يمكّن لهم في أرضه، وأن يمن عليهم بفتح من لدنه ونصر قريب، ذلك كلّه مما يدلّ على فضل الجهاد.
وحضّ - سبحانه وتعالى - عباده على الرغبة في الاستشهاد في سبيله إذ ذكر ما يشوّقهم إلى ذلك في قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بمَا آتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171]، هكذا تأتي الآيات الكريمة لتدلّ على فضل الشهادة في سبيل الله.
374 (1/374)
صفحة 375
الأحداث الراهنة
والشهادة في سبيل الله لا تعني فقط أن يكون الإنسان أمام عدو يواجهه وجهاً لوجه، بل لو كان أحد نذر حياته جهاداً في سبيل الله، واغتاله العدوّ من خلفه؛ فإنّ ذلك مما يعدّ
مخلصاً لله تعالى نيّته قاصداً بعمله وجهاده وجهه، مبتغياً
شهادة في سبيل الله ما دام رضوانه، لأن تكون كلمة الله يسعى
هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
والإنسان لا يتحسّر لمواكب الشهداء التي تتوافد إلى الله - سبحانه وتعالى - موكباً إثر موكب أو شهيداً إثر شهيد وإنّما الحسرة على ما وصلت إليه هذه الأمة من كونها أصبحت مستخذية (1) ذليلة مهينة لا تملك لنفسها أن تتصرف أي تصرف يرتفع بها من كبوتها هذه وينهض بها من عثارها، فلذلك يجب على الأمة أمام هذا العدوان الغاشم ممن يريد بها السوء ويريد بها الشرّ أن تحاسب نفسها، وأن تعرف واجبها، وأن تعمل من أجل ما فيه عزّها وما فيه شرفها في الدنيا والآخرة.
المحاور مع ما جاء في الحديث: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (2) نجد في حديث آخر: «من قاتل دون عرضه وماله فهو شهيد» (رواه أبو داود والترمذي)، فهل هذا الحديث استثناء من هذه القاعدة أم هو
تفسير لها؟
لتكون كلمة الله
هي
ليس في ذلك استثناء؛ لأن الإنسان الذي يقاتل دون ماله ودون عرضه إنما يقاتل العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، إذ الله - تبارك وتعالى - لا يرضيه أن تُنتهك حرمات الأعراض، أو الأموال، أو أيّ حرمة من حرمات عباده، وقد جعل الله - تبارك وتعالى ـ لكلّ أحد حرمة، وجعل لكلّ شيء حرمة، فمن قاتل لأجل الذبّ عن حرمة من هذه الحرم فهو مقاتل في سبيل الله، ومقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
(1) أي خاضعة منقادة انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة «خذأ» و «خذا».
(2) مرّ تخريجه قبل قليل.
375 (1/375)
صفحة 376
376
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور: ذكرتم سماحة الشيخ الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، فهل الشهيد في هذه الحالة ينتقل مباشرة إلى الجنة بجسده وروحه وتبقى صورته فقط؟
هم
علينا أن ندرك أن حياة البرزخ هي حياة غيبية، وعلينا أن نؤمن بعالم الغيب بقدر السنة ما وصلنا إليه من الفهم من خلال نصوص الكتاب ومن خلال نصوص الثابتة الصحيحة، فالآية الكريمة أخبرتنا بأن الذين استشهدوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله، فنحن علينا أن نؤمن بذلك، أما الزيادة على ذلك فلسنا مكلّفين بها، مع أنّ هنالك أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تمرح في الجنة، وتأكل من ثمار الجنة (رواه مسلم وأبو داود)، فلعل هذا هو الرزق الذي يشير إليه القرآن الكريم عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، وهذه
الأحاديث وإن لم تبلغ التواتر فإنها مما تطمئن النفس إلى الأخذ به في هذا الجانب.
ولا. أن ريب جسد الشهيد لا ينتقل فوراً إلى الجنة، بل يبقى مدفونا، ولذلك عندما يموت الشهيد لا بد من أن يدفن جسده، ولا بد من أن تؤدى له حقوق الموتى، فهو لو كان ينتقل فور استشهاده إلى الجنة لما بقيت جثته بين الناس، ولكن مهما كان فإن هنالك حياة للشهيد تختلف عن حياة غيره.
المحاور: الدفاع عن النفس أصبح لغة يحتج بها كلّ من ينكأ في عدوه، ويقدّم صوراً مؤلمة تبيح له الردّ والدفاع، والصور المتزاحمة عبر وسائل الإعلام شديدة التأثير من حيث بشاعتها، ما حقيقة الدفاع عن النفس في الشريعة الإسلامية؟ أما الدفاع عن النفس فإنما أن يدفع المظلوم عن نفسه أي يدفع ظالمه، ولا يعني هذا أن يعتدي أحد على غيره في أرضه أو بيته أو ماله أو عرضه أو أي شيء من هذا القبيل، أما أولئك الذين يسوّلون لأنفسهم ويسوّغون لها قتل الأبرياء، وانتهاك الأعراض، وأخذ الأموال، وإخراج الناس من بيوتهم، وهدم بيوتهم عليهم؛ فلا ريب أنهم هم المعتدون الظالمون وليسوا من الدفاع عن النفس في شيء، وإنما هذا من قلب المفاهيم واللعب بالألفاظ ومن السخرية بعقول الناس، إذ كل أحد يدرك بعقله أن هذا لا يُعد دفاعاً عن النفس، وإنما يُعدّ غشماً وظلماً وعدواناً.
، (1/376)
صفحة 377
الأحداث الراهنة
مداخلة الشيخ عبد الله بن عامر العيسري: السلام عليكم، أعلنتم من قبل أن موضوع اليوم سيكون عن الدجل والشعوذة، وهذا في الحقيقة موضوع مهم، ولكن هناك نوع آخر من أنواع الدجل، يتحاشى الإعلام العربي أن يتحدث عنه في ظلّ ظروفنا الخاصة.
وقبل أن أكمل سؤالي، أوّلاً أهنئ الشيخ الشهيد عبد العزيز الرنتيسي بتحقيق أمنيته، وأعزي سماحة الشيخ أبقاه الله والمخلصين من أبناء الأمة مة في فقد هذا
الرمز العظيم من رموز الجهاد.
وأقول بأن الإعلام العربي يتحاشى أن يتحدث عن الدجل الإعلامي في ظروفنا الحرجة، فقبل أسابيع استشهد الشيخ أحمد ياسين، تلاه بعد ذلك بالأمس الشيخ عبد العزيز الرنتيسي، ولكن مع ذلك بعض قنواتنا استمرّت في ممارسة تخدير المشاعر ببث مواد لا تعبر عن نبض الشارع، ولا تعبر عن غليان القلوب، ولا تعبر عن أصرة التواصل بين المسلمين الذين هم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
والمنطق السامي من صاحب الجلالة - يحفظه الله - وأمد الله في عمره ووفقه، واضح وضوح الشمس في رابعة النهار حينما قال: «نحن لن نسمح لأحد بمصادرة الفكر»، لكن البعض في الحقيقة يبدو بأنه ما زال مصراً على مصادرة الفكر.
فسؤالي لسماحة الشيخ أولاً ما هو دور الإعلام الحرّ والكلمة الحرة في نهضة الأمة المسلمة وانتشالها من حالة الذل والهوان التي أشار إليها سماحته في بداية
البرنامج؟
كذلك نريد من سماحة الشيخ أن يوجه كلمة لهؤلاء القوم، لا سيما وأن صاحب الجلالة - يحفظه الله ـ كما ذكرت بشرنا بأنه لن يسمح بمصادرة الفكر أبداً، هذه هي الشعوذة التي ينبغي أن تهتم الأمة المسلمة اليوم بمقاومتها، وشكراً جزيلاً.
بكل رضى وتسليم لأمر الله نقبل هذه التعازي التي قدّمها، ونسأل الله - تبارك
وتعالى ـ أن يجبر مصاب الأمة الإسلامية، وأن يتقبل جميع الشهداء الأبرار.
377 (1/377)
صفحة 378
378
لقاعات
في الفكر والدعوة
ومن ناحية أخرى إنّ الكلمة وأمانتها هي أمر عظيم، ولذلك كان من أهمّ ما منّ الله تبارك وتعالى - به على عباده البيان؛ لما فيه من إبلاغ الحقيقة، وإفهامها للناس، وكشفها وإيضاحها لهم، فالكلمة أمانتها أمانة عظيمة، ويجب على جميع الأُمة المسلمة ممثلة في مؤسساتها الإعلامية أن تكون كلمتها كلمة واضحة أمام العالم بأسره، فالأُمة المسلمة إنما هي شهيدة على الناس {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، ولن تكون شهيدة على الناس إلا إذا كانت مع أمانة الكلمة، وكانت تضع كل شيء موضعه، فلا يجوز أن يلبس الحق لبوس الباطل، وأن يُلبس الباطل لبوس، الحق، وأن يلبس الصدق لبوس الكذب، وأن يلبس الكذب لبوس الصدق، وأن يلبس الظلم لبوس العدل، وأن يلبس العدل لبوس الظلم، إنما يجب أن يُوضَع كلّ شيء موضعه، وكما قلت إنه ليست هنالك حسرة على الأمة أن تقدّم مواكب من الشهداء، فإن ذلك أمر لا بد منه، وهذه هي ضريبة التمكين والاستخلاف في الأرض الذي وعد الله - تبارك وتعالى - به هذه الأمة، وقد دفع هذه الضريبة السلف الصالح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين - الله تعالى عنهم، فمكّن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها كما وعدهم بقوله: و وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى هُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55]، ولكن يأسف الإنسان للصمت الرهيب، صمت هذه الأمة أمام هذه المآسي التي تُنهكها إنهاكاً، وأمام هذا الزحف الذي يزحف عليها من كل جانب للانتقاص منها ومن عزّها ومن استقلالها ومن شرفها ومن مكانتها، فالأُمة عليها أن تراجع نفسها في هذا، وعليها أن تصوغ حياتها صياغة قرآنية، وهذا ما ننادي به كثيراً أن الأمة بحاجة إلى أن تصاغ صياغة جديدة، صياغة قرآنية بحيث تكون ربانية المصدر والمورد، لا تُقدم على شيء إلا ببينة من ربها الله ولا تحجم عن شيء إلا بحكم من الله - تعالى -، تضع الموازين القسط بين يديها لتحكم على أي شيء بموجبها، هكذا يجب عليها، ومن ذلك أن تكون كلمتها كلمة واضحة، وأن تحترم أمانة هذه الكلمة، وأن تحرص على بلوغها إلى الناس من غير مواربة ومن غير أيّ شيء يلبس أمرها، أو ينتقض من دلالتها.
ضي (1/378)
صفحة 379
الأحداث الراهنة
وهذه
المحاور: بالنسبة للخطاب الإسلامي في هذه العصور: هناك من يرى أن الخطاب الإسلامي لم يصل إلى رغبات الجماهير المسلمة، ولم يتقدم بحيث يكون ملبياً لكل حاجياتهم، فكيف تكون عملية تطوير الخطاب الإسلامي وتعديله في ظل هذه
الأوضاع؟
الخطاب الإسلامي لا يمكن أن يعدل، ولا يمكن أن يُطوّر حتى يكون وفق متطلبات الحياة المعاصرة إلا عندما تُطوّر عقلية المسلم الداعية إلى الله - تبارك وتعالى -، فإن المسلم يجب عليه أن يكون ابن عصره، يعرف ما يدور في هذا العالم، ويعرف المشكلات مشكلةً مشكلةً، ويعرف حلول هذه المشكلات، ويعطي لكلّ مشكلة حلّها، فالإنسان يجب عليه أن يكون دارياً بعصره. الأُمة أرادها الله - تبارك وتعالى - أن تكون أُمة عالمية، وأن تكون كما قلنا شهيدة على غيرها من الأمم، ولذلك نجد كيف رُبِّيت في القرآن الكريم، ربّيت لتكون أمة متابعة يجري في العالم منذ نشأتها الأولى، بل قبل أن توجد الأمة، عندما كان هنالك أفراد يعدون نواة هذه الأُمة الأولى، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأوائل الذين أسلموا في مرحلة مبكرة وكانت ضغوط الجاهلية تضغط عليهم من كل جانب، وصوت الجاهلية الهادر يحاول أن يسكت همس دعوتهم، وأن يقضي على هذه الدعوة في مهدها قبل أن تشب وتترعرع، ففي ذلك الوقت عندما نشب صراع دموي بين دولتين كبريين، بين الروم والفرس؛ ولم يكن عدد المسلمين إلا أفراداً قليلين مغمورين بالكثرة الكاثرة من أهل الجاهلية، ولم يكونوا واقعين تحت سلطة إحدى الدولتين حتى يعنيهم أمر هذا الصدام الواقع ما بينهما، وإنما كانوا في معزل عن هذا الصدام، ولكن مع ذلك نزل القرآن الكريم ليخبر بما وصل إليه
لما
:-
ذلك الصدام المسلح في ذلك الوقت، وليخبر بما سيؤول إليه فيما بعد، قال الله - تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم المَ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 1 - 5]، فإن هذا ما كان إلا لأجل الأمة تربية عالمية بحيث تكون متابعة لما يجري في العالم، حريصة على وضع كل شيء موضعه، وإلا فما الداعي لأن ينزل القرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها ليخبر هؤلاء الأفراد القليلين من المسلمين بما وصل إليه الصدام المسلح ما بين أمتين كبيرتين
بِنَصْرِ
تربية هذه
379 (1/379)
صفحة 380
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ليستا من الإسلام في شيء، ومع ذلك لم يكن هؤلاء المسلمون واقعين في حوزة أي واحدة من الدولتين، إنما ذلك لأجل أن تخرج هذه الأمة من التقوقع، وأن لا تكون أُمة جامدة، بل أمة منطلقة بفكرها وعملها تهتم بالإعلام وبالعالم وقضاياه وأحداثه.
فالداعية المسلم اليوم هو بحاجة إلى أن يكون على بينة من الأمر، وذلك بأن يكون على دراية بما يجري في العالم من المشكلات، سواء كانت هذه المشكلات سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية أو اجتماعية أو أدبية وفكرية فعندئذ يمكنه أن يوجه الخطاب الإسلامي إلى العالم بأسلوب مؤثر فعال لأنه على معرفة بما يجري في هذا العالم وما يدور في أطرافه من مشكلات تنوء بها الشعوب والدول وكيف يكون علاجها.
ونحن نرى اليوم كيف تتهاوى الأنظمة البشرية، نرى كيف تهاوت الشيوعية، فالمسلمون عليهم أن يقدموا الحل لهذه الإنسانية بعد أن أدركوا أن الشيوعية التي كان كثير من الناس يحلمون بعطائها المدرار ويظنونها الفردوس المنشود أصبحت ليست بشيء، وأنها تحوّلت إلى جحيم لا يطاق، والشيوعية تركع الآن أمام عدوتها الرأسمالية لأجل استجداء الحلّ، وأنّى لها أن تجد الحل مع أنّ الشيوعية نفسها ما كانت إلا ردة فعل للظلم
الرأسمالي.
فالحل إنما هو في الإسلام دين الله - تعالى - الحق، فعلى المسلمين أن يقدموا هذا الحلّ الإسلامي، وأن يوضّحوا الخطاب الإسلامي، وأن يبيّنوا عدالة الإسلام، والإنسانية اليوم تنشد العدل، ومتى وُجد العدل إلا في ظل الإسلام الحنيف؟ الذي جسد العدل تمام التجسيد عندما كان الخليفة المسلم يقف أمامه ذميٌّ ليحاكمه، وعندما تكون البينة غير متوفرة عند الخليفة يُحكَم لصالح الذميّ على الخليفة مع أنّ الذمي في الحقيقة كان غير محق في دعواه، ولكن العدالة الإسلامية لا فرق فيها بين هذا وذاك، فالله ـ تبارك وتعالى - ينزّل في كتابه الكريم ما يفرض العدالة من غير تفرقة بين عدوّ وصديق، وما بين حبيب وبغيض، وذلك حيث يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135]، ويقول - سبحانه -: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. (1/380)
صفحة 381
الأحداث الراهنة
ونرى من عدالة الإسلام التي تتجسّد في القرآن الكريم أنه سُرقت درع على أحد من الناس في عهد النبي، وعندما خاف الذين تعصّبوا للسارق أن ينكشف أمره رموا الدرع في بيت يهودي حتى يبرئوا ساحة السارق، ويلصقوا هذه التهمة برجل بعيد عن الإسلام، فما كان إلا أن نزل قرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها فيه تبرئة لساحة اليهودي المتهم، وتشديد على أولئك الذين تأمروا، والله - تبارك وتعالى - إنما أراد أن يؤصل العدالة في قيم هذا الدين فأنزل عدداً من الآيات في كتابه العزيز من أجل هذه القضية وهي قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 105 - 108] إلى قوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ هَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله علَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: 113]، هذه الآيات كلها نزلت من أجل تبرئة ساحة يهودي مما رُمي به، وهذا يدلّ على عدل الإسلام، وأين توجد هذه العدالة إلا في الإسلام دين الله - تعالى ـ الحق الذي نعمت الإنسانية بكرامتها في ظله، وأدركت أنها تعيش عيشة فيها المساواة ما بين جميع أفرادها، لا فرق بين أحد وآخر، فالكل ينعم بالحرية والراحة والطمأنينة، والأمان والعدل؟
المحاور: ذكرتم أن الداعية المسلم يجب عليه أن يكون مطلعاً على العصر وقضاياه ومشكلاته وأخباره وكلّ تقلباته، قد يطلع الداعية على هذه الأمور كلها ولكنه لا يحسن التعاطي معها أو تختلف وجهات نظر الدعاة في التعاطي مع مثل هذه المشكلات، فما الزاوية التي ينظر من خلالها المسلم إلى هذه القضايا، وكيف يتعاطى معها؟
الدعوة إنما يجب أن تكون وفق ما وجّه القرآن الكريم، فالدعوة لا تكون عشوائية وإنما تكون بالحكمة، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ
381 (1/381)
صفحة 382
382
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، والحكمة هي وضع الشيء موضعه، ولا يمكن للإنسان أن يضع الشيء موضعه إلا عندما يكون على بصيرة من أمره بحيث إنه لملكته ومهارته في الأمور يتقن إحكام كل أمر فيضعه في موضعه، فإنه إن لم يكن خبيراً بذلك تعسّف في ترتيب الأولويات، والدليل على ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، فلا بد من أن يكون الداعية إلى الله على بصيرة، ومن البصيرة أن يكون عارفاً بما يدعو إليه، وعارفاً بالقضايا التي يتناولها بحيث يراعي أولوياتها فيقدم الأهم على المهم، ويقدِّم المفروض على المندوب، ويقدّم الأشد على الشديد، وهكذا يراعي أولويات القضايا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن يكون خبيراً أيضاً بأسلوب المخاطبة مع القوم الذين يخاطبهم، وهذه هي الحكمة، فلا بد أن يكون خبيراً بما يؤثر عليهم ويجتذبهم ويخلصهم مما هم فيه وعليه من الضلال والغي والفساد، فإن هذا كله لا بد من أن يراعى لأجل ضمان نجاح الدعوة، فلربما كان التأثير على بعض الناس بالترهيب، وكان التأثير على آخرين بالترغيب، ولربما كان التأثير على مجموعة أخرى بإثارة النخوات في نفوسهم، ونحن نرى أن القرآن الكريم تناول هذه الجوانب كلّها، فجاء بالترغيب، وجاء بالترهيب، وجاء بإثارة النخوات في النفوس بتذكيرهم بأمجاد آبائهم وأسلافهم كما قوله سبحانه وتعالى: {يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 47]، وبعد ذلك قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48]، أولاً ذكرهم بآبائهم، وأنهم فضّلوا على العالمين عندما كانوا على استقامة وعلى صلاح ورشد، وكان فيهم النبيون، وكانوا على استجابة لأوامر النبيين، ففي ذلك الوقت كانوا مُفضّلين بطبيعة الحال، ولكن انقلبوا إلى عكس ذلك، ومع ما يعلمه الله - تبارك وتعالى - من خسة حالهم ومن دسائسهم وانحراف فطرهم أتى بهذا الأسلوب ليكون في ذلك تعليم للعباد كيف يوجهون الخطاب إلى الناس، فإن هذا علاج نفساني، وكم تجد في الخطاب القرآني من مراعاة لأحوال نفسية؛ لأن الإنسان دائماً يعتز بأمجاد ماضية، ويعتبرها رصيداً له، فلذلك ذُكِّروا هذا التذكير.
وكذلك نجد هذا الخطاب ذاته فيما يحكيه الله - تبارك وتعالى ـ عن عبده موسى في خطابه لبني إسرائيل، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُلُوكًا وَآتَنكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]، فالله (1/382)
صفحة 383
الأحداث الراهنة
- تبارك وتعالى - يذكّر من خلال هذه الدعوة، ويعلّم عباده كيف يدعون الناس، فلا بد من اتخاذ الأساليب الناجحة، والداعية إن لم يكن خبيراً بمثل هذه الأساليب فعليه أن يتعلّمها، وعليه أن يمارسها، ثمّ لا بد من أن يكون هنالك تكامل ما بين الدعاة، فإن كان هذا يتقن هذا الجانب فالآخر ربما يتقن الجانب الآخر، وهكذا، وإنما يكون بيهم التكامل والتنسيق بين أعمالهم.
المحاور: مسألة انتهاج السلم واللاعنف، هذه القضية يتعامل معها الدعاة من منطلقات مختلفة، ولذلك هذا أعطى للآخرين الفرصة في أن يصنفوا المسلمين تصنيفات متعدّدة، فهناك الإسلام، المتطرّف، والمعتدل، فما رأيكم في ذلك؟
علينا أن ندرك أن الإسلام مع دعوته إلى السلم وإلى إنصاف الآخرين ومع دعوته إلى عدم العدوان، لا يرضى أيضاً لأتباعه الذل والمهانة، ففي الوقت الذي ينهى الله - تبارك وتعالى - فيه المسلمين عن العدوان بقوله: {وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، أمر الله الله بالمقاتلة، ولكن لمن؟ لمن يقاتل المسلمين، ثم مع ذلك نهى عن العدوان وقال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَبِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِرِينَ} [النحل: 126]، فالله - سبحانه - ينهى عن العدوان حتى في العقوبة بحيث لا يتعدى الإنسان عندما يعاقب خصمه ما فعله الخصم به، وإنما يفعل في خصمه بقدر ما فعل الخصم، وهذا من باب الجزاء بالمثل، ولكن مع ذلك ينهى عن العدوان {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} من غير زيادة {وَلَن صَبَرْتُمْ}؛ أي احتملتم ذلك، وذلك عندما يقتضي الأمر الصبر فهو خير للصابرين.
وكذلك نجد أن الله - تبارك وتعالى - يدعو عباده إلى أن يأخذوا الحزم في الأمور، وأن لا يفلتوا الحزم، حيث يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَأَنفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ أَنفِرُوا جَمِيعًا) [النساء: 71]، ويقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ 71]، بهِ عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، هذا كله من أجل أن تكون الأُمة المسلمة عزيزة منيعة الجانب لا يطمع عدوها في الانة قناتها وطأطأة رأسها.
383 (1/383)
صفحة 384
384
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ثمّ إنّ موازين الحياة لا تستقر إلا مع عزّة الإسلام؛ لأنّ الأمة المسلمة عندما تكون مسترشدة برشد ربها، وتكون مهتدية بهداه فإنها في هذه الحالة تأخذ بموازينه، وتضبط الأمور كلّها بأحكامه، فلا يشد شيء عن طريق العدالة، ولا يخرج أمر عن قبضة الحق، بل كل شيء يكون في موضعه الصحيح، وفي هذه الحالة تستقرّ الأمور وتهدأ، أما عندما يكون المؤمنون عجزة كسالى أتباعاً للغير فعندئذ يتحكّم الغير بحسب هواه، والمسلمون هم مطالبون بأن يضبطوا الأمور بضوابط الحق، وأن يزنوها بموازينه، وأن لا يتدخل الهوى في أي شيء كان، وهذا معنى قوله - تعالى -: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى * [المائدة:]، أما الآخرون الذين لا يحتكمون إلى شرعة الله فإنّ الهوى هو الذي يقودهم إلى أن يكيلوا بمكيالين، ويزنوا بميزانين، ولذلك قد يسمى المظلوم عندهم ظالماً، وقد يسمى الظالم مظلوماً.
المحاور: هناك أسماء أنبياء استخدمت كمناطق أو دول كإسرائيل، والناس أحياناً يسبون الأسماء المجردة، فيقولون مثلاً أخزى الله إسرائيل، فهل هذا يصح؟
ينبغي في هذا أن لا يقول الإنسان أخزى الله إسرائيل، وإنما يقول أخزى الله الصهاينة أو اليهود. (1/384)
صفحة 385
اللقاء الثالث والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الكوارث والزلازل
التأريخ: 20 ذي القعدة 1425 هـ / 2 يناير 2005 م
لقاءات (1/385)
صفحة 386
22
سورة يونس ـ الآية 24 (1/386)
صفحة 387
الكوارث والزلازل
المحاور: رأى العالم وسمع ما دار من أحداث ونكبات بجنوب شرق آسيا، فما هو الأمة المسلمة تجاه هذه الكوارث الطبيعية التي حلت بهذه البلدان؟
واجب
بسم
الحمد لله
الله الرحمن الرحيم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن للمؤمن في كل موقف من المواقف مُعتبراً، وله في كل حادثة مدكراً، ذلك لأن المؤمن يرى يد الله - تبارك وتعالى - تصرّف هذا الوجود من خلال ما يجري في هذا الكون، فالكون كله إنما هو واقع تحت قبضة الله - سبحانه،، يصرّفه كيفما يشاء، هو الذي يحيي
ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويرفع ويخفض، وهو الذي يأتي بالسراء والضراء. وأمر الله الله نافذ نفوذاً لا يمكن أن يتصوّر قدره عقل بشر قط كما يقول الله: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، فإنّ الله ـ تعالى ـ الذي خلق هذا الوجود المترامي الأطراف، الذي لا يمكن أن يُحدّ بحسب مقاييس البشر، ويصرّفه هذا التصريف العجيب بحيث لا تخرج ذرة من ذراته عن إرادته الله، فلا يفوته سبحانه شيء في هذا الكون جميعاً، هو على كل شيء قدير، وهو الله بكل شيء عليم، ومدبّر وقاهر لكل شيء.
والله - سبحانه ـ أنذر عباده سوء العواقب عندما يخرجون عن الخط السوي، فالله - سبحانه - ناط المُسبَّبات بأسبابها، وقد جعل للطاعة والمعصية أثراً في استقرار الأحوال واضطرابها، والمعصية ليست منحصرة في هؤلاء الذين أصيبوا بما أصيبوا به، ولكنّ الله يبتلي من يشاء بما يشاء، ويفعل ما يشاء في من يشاء، فهو - سبحانه - يجعل بعض عباده عبرا لبعض.
وقد حذر الله - سبحانه - عباده مُذكّراً إياهم بعواقب الأمم الغابرة، ففي مصارع القوم الظالمين عبر للمعتبرين وذكرى للمذكرين إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى [النازعات: 26]، فقد قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السماءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}
[الأنعام: 6].
387 (1/387)
صفحة 388
لقاعات
في الفكر و الدعوة
هناك أُمم استخلفت في هذه الأرض ومُكّن لها فيها، وقد تمكنوا أكثر مما تمكن من بعدهم كما يقول الله الله في وصف أولئك: {وَأَتَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا. [الروم: 9]، أي أكثر مما عمرها من بعدهم، وهذه آثارهم باقية إلى وقتنا هذا تدلّ على قوة تلك الأُمم التي مُكِّن لها في الأرض وعمرتها، فالأهرامات هي دليل القوة، ومن الذي يستطيع الآن أن يبني مثل بنائها!! كذلك ما يُشاهد من معالم حضارية بقيت في هذا العالم إنما هي دلائل قوة وتمكين في هذه الأرض.
وهناك ما يدلّ ـ في بعض الحفريات السابقة - على طول التمكين، فقبل عقود من السنين اكتشف أحد الأمريكان مملكة كانت قائمة في بلاد ما وراء النهر، كانت تسمى مملكة (كيش الأولى)، تعاقب على حكمها ثلاثة وعشرون ملكاً لمدة أربعة وعشرين ألف عام، ومعنى ذلك أن نصيب كل واحد من الملوك الثلاثة والعشرين من الحكم في هذه المدة كان أكثر من ألف عام إن قسمت هذه المدة بينهم بالسوية، فهؤلاء كم عُمّروا؟! وكم تمتعوا بخيرات هذه الأرض؟! وكم التهموا ملذاتها؟! ولكن مع ذلك بادوا حتى أنه لم يبق
لهم أثر، ولم يبق لهم ذكر إلا من خلال هذه الاكتشافات الأثرية تحت أنقاض الأرض. كذلك عقبتها مملكة تُسمى مملكة (أوروك الأولى) تعاقب على حكمها أحد عشر ملكاً لمدة ألفين وأربعمائة عام، ومعنى ذلك أن حصة كل واحد من هؤلاء كانت أكثر من مئتي عام إن وزعت هذه المدة بينهم بالسوية، هذا مما يدلّ على أن هناك أمماً تمتعت بما تمتعت به من السلطة والنفوذ والأثرة والاستبداد ثم طواها الزمن مع الغابرين.
كذلك قص الله - سبحانه - علينا في القرآن الكريم أنباء عاد وثمود، وفرعون وقومه، وقوم لوط وغيرهم ممن أصيبوا بالغرور فعميت بصائرهم حتى أهلكهم الله، فالمؤمن يدكر ويخشى الله - تعالى - ويتقيه {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَسَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى} [الأعلى: 10 - 11]، المؤمن يدكر لأنه يخشى الله - تعالى -، ولأنه لا ينظر إلى الشكل الظاهر مع الغفلة عن المضمون والجوهر، بل يحرص على أن ينفذ ببصيرته إلى ما وراء هذه المظاهر ليتعمق بفكره، فيرى أن الله الله إنما فعل ذلك لحكمة، ذلك لأجل تذكير عباده وإنذارهم بطشه إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِي وَيُعِيدُ} [البروج: 12 - 13]، فبطش الله - تبارك وتعالى - بطش شديد، وأمره أمر سريع كما أخبر بنفسه عندما قال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50].
388 (1/388)
صفحة 389
الكوارث والزلازل
ومثل ذلك وقع هذا الزلزال بهذه السرعة، الغريبة، وإذا بآثاره تمتد على بعد آلاف الأميال، وتهلك أمم في أصقاع من الأرض مترامية الأطراف بعيدة عن مركز هذا الزلزال، وهذا مما يذكر العباد ببطش الله الله، فعلى المسلمين أن يعتبروا ويعودوا إلى ربهم، ويحاسبوا أنفسهم، فإنّ أمر الله و إنما هو بين الكاف والنون.
والله لا كما بيّن أن هؤلاء الذين عوقبوا في الأمم الماضية، وأصيبوا بما أصيبوا به، وطوتهم تلك القرون الخالية إنما أصيبوا من جراء ذنوبهم كما قال تعالى: (فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ) [الأنعام: 6]؛ فكذلك الله الا الله يبيّن أن خلاف ذلك سبب للاستقرار والطمأنينة والراحة إذ يقول تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَاءً غَدَقًا * لِنَفْسِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16 - 17]، ويقول لا الاله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى وَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96].
فعلى المؤمنين أن يعتبروا بمثل هذه الأحداث، وأن يراجعوا أنفسهم، وأن يدركوا أنهم أيضاً عرضة لمثل هذا البلاء، ولا يدفع هذا البلاء إلا الله الا الله، فلعل الذين أصيبوا بهذا الدمار ليسوا أولى بأن يصابوا به من السالمين، ولكن حكمة الله - تعالى - اقتضت ذلك، وأراد أن يكونوا عبرة وإلا فمن الذين أصيبوا به أطفال رُضّع وبهائم رُتّع.
والله - سبحانه ـ عندما أنذر القوم الكافرين عاقبة الأمم السابقة بعد أن ذكر أحوال تلك الأُمم قال: {أَكْفَارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوَلَيكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 43]، فليست لأحد براءة عند الله الله، إنما على الإنسان أن يُحسن الصلة بربه بإصلاحه العمل وحسن أوبته إلى الله، ثم مع ذلك عليه أن يُحسّ بالرحمة والشفقة على المنكوبين المصابين، فهناك إما أن تكون أخوّة دينية، وهي أخوّة تفوق أخوّة النسب؛ لأنها علاقة ربانية تشدّ المؤمن إلى المؤمن، وإما أن تكون أخوّة إنسانية عامة يشترك فيها البشر، وكلّ من ذلك مما يدعو إلى الرحمة والشفقة والتعاون والتآزر.
المحاور: تنتشر عن طريق البريد الإلكتروني وعن طريق الرسائل القصيرة في الهواتف النقالة أن ما حدث من نكبات أو كوارث في جنوب شرق آسيا هو بداية اضطرابات هذه الأرض، وأن هذه الاضطرابات آخذة في الاستمرار حتى تصل
389 (1/389)
صفحة 390
390
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بالأرض إلى أن تدور دوراناً عكسياً يقتضي طلوع الشمس من مغربها، وأن مثل هذا يؤذن باقتراب الساعة، ما تعليقكم سماحة الشيخ على مثل هذه الرسائل؟
لا نستطيع أن نقول في أمر ما بغير بيّنة من الله - تبارك وتعالى ـ، فإن الإنسان ليس له أن يتقول على الله بغير علم، فإن الله الله يقول: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فقد قرن ما التقول عليه بغير علم بالإشراك به، وهو مما يدل على خطورة ذلك.
نعم، قد ينقدح في ذهن أحد من الناس معنى من المعاني، ويريد أن يبوح بما في قرارة نفسه فلا يُمنع من ذلك، ويقول هذا الذي انقدح في ذهني وهذا تصوري وإلا فالأمر لله. ونحن ندرك أن الساعة آتية لا ريب فيها، والإنسان مأمور بأن ينتظر الساعة وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى: 18]، فالذين آمنوا دائماً على إشفاق من قيام الساعة، وهم مدركون أنها لا بد من أن تقوم، على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر للساعة علامات، فعندما سُئل - كما في حديث جبريل - عن علامات الساعة قال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: وأن ترى الأعراب الجفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (رواه البخاري ومسلم)، هذه من علامات الساعة، وهي أن يكون الناس الذين ما كانوا يحفلون بمظاهر المدنية والرقي، وما كانوا آخذين بحظ من عمارة هذه الأرض حريصين على التطاول في البنيان، ومَن الذي ينكر الآن التطاول في البنيان؟! هذه الأبراج الشامخة التي يُعبّر عنها بناطحات السحاب أليست هي من مظاهر التطاول في البنيان؟! وهذا مما وقع حتى عند أولئك الذين وصفوا في الحديث الشريف بما وصفوا به أنهم كانوا من قبل على حالة بدائية، فهذا مما يؤذن بقيام الساعة.
على أننا نستطيع القول بأن القرآن الكريم في بعض آياته يشير إلى ذلك، وإن كان المفسرون لم يحملوه في هذا الموضع بالذات على هذا المحمل، ولكن لا أستبعد أن تكون في ذلك إشارة إلى هذا، وهذا مما قاله أحد العلماء قبل سنين وهو الشيخ إبراهيم عبد الباقي في كتاب له يُسمى (الدين والعلم الحديث، فقد أشار إلى ذلك، وذلك أن الله - تبارك وتعالى - قال: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ
به (1/390)
صفحة 391
الكوارث والزلازل
نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24].
هذه الآية أطبق المفسرون على أنها إنما أراد الله الا الله أن يضرب فيها مثلاً لهذه الحياة الدنيا في زهرتها ونضرتها واختلابها القلوب وميل الناس إليها ثم كيف تنقلب بعد ذلك، ضرب لها هذا المثل بأنها إنما هي كماء ينزل من السماء، فيختلط به نبات الأرض، وتزدهر به الأرض، ثم يأتيها أمر من الله كإعصار مدمّر أو بركان مُحرق أو شيء من نحو هذا ليلاً أو نهاراً فتصبح يباباً بعدما كانت روضاً نضيراً، هذا هو قول المفسرين فيما أطلعت عليه، ولم اطّلع على غير ذلك من أقوالهم.
ولكن الشيخ إبراهيم عبد الباقي كما ذكرت قال بأن الآية تشير إلى أن بين يدي الساعة، يكون ازدهار وعمران، وتطور عجيب في الحياة ومرافقها ووسائلها فينشأ عن ذلك غرور يتحكم في عقول الناس حتى يخيل إليهم أنهم سيطروا على هذه الأرض وتمكنوا فيها تمكناً جعلهم قادرين على كل ما يريدون، وهذا ما يتصوّره الكثير من الناس من خلال هذه الآلات المستجدة، والقوى التي بأيديهم، فإنهم يتصورون أنهم أحاطوا بالأرض من قطريها وسيطروا عليها من كل جانب، وهذا هو منشأ الغرور، فهنا يأتي أمر الله الله ليلاً
أو نهاراً، وقال بأن (أو) هنا لا تدلّ على الشك - تعالى الله تبارك وتعالى عن الشك وإنما هي للدلالة على تنوع الوقت باختلاف جهات الأرض، فإن الساعة عندما تقوم تقوم لحظة واحدة كما قال الله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، فالساعة تقوم في نفس اللحظة، وهي ليل عند قوم ونهار عند آخرين لأن الأرض كرة يدور عليها الليل والنهار فلا ينعدم أحدهما منها جميعاً، وهذا من المحتمل في تفسير الآية، ومن المحتمل أيضاً أن تكون العبارة تتناول الأمرين فهي صالحة لأن يراد بها وصف المشبه ووصف المشبه به؛ لأن من أسلوب القرآن البليغ الذي يتميز به على كل كلام أن لعباراته من الاحتمالات ما يتسع للعديد من المعاني لأجل أن تُستذكر تلك المعاني كلها؛ فمن قرأ الآية استحضر لها أكثر من معنى، ويراد التذكير بكل معنى من تلكم المعاني؛ فلا يبعد أن يكون قوله - سبحانه - {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنها أَمرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} [يونس: 24]، إنما هو تذكير بحال الدنيا، تنتهي بهذا
391 (1/391)
صفحة 392
392
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
المصير الذي وصفه القرآن هنا، ويمكن أن يكون ذلك داخلاً في المثل؛ فيكون من تتمة المثل الذي ضربه الله الله للدنيا.
فالآية بناءً على ما ذكرناه لا يبعد أن تكون مومية إلى هذا الذي حصل من الازدهار والعمران والتقدّم العلمي والتقدم التقني وغير ذلك مما ظن الناس بسببه أنهم متمكنون، فهم يتحدثون عما يحدث من الأعاصير والزلازل وعمّا يكون من الأمطار والرياح وغير ذلك قبل وقوع ذلك، ولكن مع ذلك هل استطاعوا أن يمنعوا شيئاً يحذرونه من أمر الله؟! هذا الزلزال نفسه ما استطاعوا أن يتصوروه قبل وقوعه بهذه القوة المهلكة، بل ولم يتصوروا قط أن كارثة تحل بهذه السرعة، فهذا يعني أنه مهما تقدّم الإنسان ومهما أوتي من وسائل التمكين والاستخلاف في هذه الأرض يبقى قاصراً، وقدرة الله - تبارك وتعالى - هي التي تحيط بكلّ شيء، وإرادته هي التي تدبر كلّ شيء، فما على العبد إلا أن يكون الله - سبحانه -، حريصاً على طاعته، مسارعاً إلى مرضاته،
عبداً خاضعا ذليلاً بين يدي متحرياً لامتثال أمره، لا يخرج عن طاعته فيما أمر به أو فيما نهى عنه.
المحاور في حين أن هناك من الناس من ينظر إلى هذه الكوارث على أنها عقوبة من الله وكل نجد فريقاً آخر يرى أن في هذا التأويل نوعاً من المسارعة في غض الطرف عن التفسيرات العلمية، فهو يرى أن مثل هذا يُفسر الفلانية والشيء الفلاني، ولذلك نجم ما نجم، ولا يرى أن العقوبة مرتبطة دائماً بمثل هذه الأمور؟
الحادثة بسبب
مهما كان هناك من تفسير للظواهر الكونية بالنظريات أو بالحقائق العلمية؛ فإن ذلك مما يقتضي أن لا يعزب عن بالنا أنّ وراء هذه الظواهر كلها أمر الله
- تبارك وتعالى ـ، فالله ـ سبحانه ـ هو الذي يأتي بالليل والنهار، وهو الذي يُصرّف هذا الكون، ومن المعلوم أن الليل إنما يكون بسبب دوران هذه الأرض بجانب حركة الأجرام الفلكية جميعاً التي تتحرك وفق حكمة الله - تبارك وتعالى - ووفق أمره، ولكن هل يعني ذلك أن هذه الحالة حالة طبيعية بدون أن يكون أحد صرّف هذا الكون وصرف الليل والنهار؟! لا، على أن الليل والنهار يتعاقبان باستمرار بدون اختلال في مواعيدهما بخلاف (1/392)
صفحة 393
الكوارث والزلازل
-
مثل هذه الكوارث الطبيعية، فلماذا تقع هذه الكارثة في وقت كذا؟! ولماذا تقع في موقع كذا؟! إنما ذلك بتدبير من الله - سبحانه. فالله هو الذي يُدبِّر مثل هذه الأمور، ويُصرِّف مخلوقاته كيفما يشاء، فليس للإنسان أن يغض الطرف عن جانب التدبير الإلهي لمجريات هذه الأحداث ووقوع مثل هذه الكوارث، إنما كلّ ذلك بقضاء وقدر من الله.
على أن القرآن الكريم كثيراً ما يردنا إلى الله الله من خلال النظر في مثل هذه الحوادث، ولذلك نحن نرى أن الرسول الله عندما يقع أمر من الظواهر الطبيعية المألوفة المعروفة يأمر بالرجوع إلى الله، يقول - عليه الصلاة والسلام -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله» (رواه الربيع والبخاري)، فهو يردنا إلى ذكر الله، وقد صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف (1) كما هو معلوم لأجل وصل هذه النفوس ببارئها الا الله، فكيف عند وقوع مثل هذه الأمور التي هي خارجة عن
وتعالى
المألوف يغضّ الإنسان نظره عن الالتفات إلى جانب القدرة الإلهية والتصريف الإلهي؟
المحاور: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش تغيّر الأحوال الطبيعية كتغير المناخ والرياح والأمطار ونحو ذلك؟
النبي صلى الله عليه وسلم كان شديد الحساسية من هذه الناحية كان إذا هبت الريح يدعو الله الله ويتضرع إليه ويدخل ويخرج رواه مسلم)، وإذا رأى أيضاً سحابة يبقى في خوف وفي قلق حتى يأتي الله - تبارك وتعالى - بالغيث، وعندئذ يشكر الله الله على نعمته، وعندما تسأله أم المؤمنين السيدة عائشة لا عن سبب تغيّر لونه ودخوله وخروجه وتأثره يقول: «وما يؤمنني أن يكون ذلك كما قال الله سبحانه في قوم عاد {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضُ تُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]» (رواه البخاري ومسلم).
فهو شديد الحساسية من هذه الناحية؛ لأنه يستحضر العقوبات التي أصابت الأمم، ومن أجل ذلك كان صلى الله عليه وسلم يدعو دائماً إلى الاستمساك بأمر الله والنظر في عواقب الأمور بوزن التصرفات كلها بموازين الله الا الله مع الادكار بما يحدث من أمثال هذه القضايا،
(1) ورد تفصيل ذلك في كتب السُّنَّة كالربيع والبخاري وغيرهما.
393 (1/393)
صفحة 394
394
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وكان أمر ـ عليه الصلاة والسلام - بالرجوع إلى الله، فلما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه من كثرة هول الموقف حتى صلى بهم وأطال الصلاة (1) كما هو معروف من هديه صلى الله عليه وسلم مع أن كسوف الشمس كما هو معلوم إنما هو ظاهرة طبيعية مألوفة.
فما كان صلى الله عليه وسلم يشغله شيء عن النظر في جانب القدر الإلهي والقدرة الإلهية الربانية التي تُصرّف هذا الوجود.
المحاور: ما قولكم في المبهور بالعلم الحديث ويجعله في المقام الأول دون ما جاء في القرآن الكريم؟
ريب أن العلم الحديث كشف عن كثير من الأمور التي كانت غامضة بالنسبة إلى الناس، ونحن لسنا مع الجامدين الذين يريدون أن يغمضوا أبصارهم عن معطيات العلم الحديث، بل نؤيد الانتفاع بهذا العلم دينياً ودنيوياً، ولكن مع ذلك كله لا نأخذ من هذا العلم الحديث قشوره وندع لبابه، فالعلم الحديث هو وسيلة لتعميق الإيمان في النفوس، فالله الله عندما يخاطب عباده بترسيخ عقيدة التوحيد في نفوسهم يأخذ ببصائرهم وأبصارهم ليطوف بها في هذا العالم الفسيح مُعرِّفاً الإنسان بأن وراء هذا العالم تدبيراً وتقديراً من لدن عزيز حكيم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فقد قال الله وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163]، ثم أتبع ذلك قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، هذه الآيات إنما توصل الإنسان بالكون لتعميق مفهوم الاعتقاد الحق، اعتقاد وحدانية الله؛ لأن الكون كله وحدة متكاملة نظامه واحد يجمع ما بين أطرافه المترامية، وهو يدل على أن مكونه واحد، إذ لو كان له أكثر من مُكوِّن لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة عن إرادة الآخر، وذلك مما يؤدي إلى الاختلاف في المراد كما يؤذن به قوله يا الله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]، وهكذا في غيرها من الآيات.
(1) سبق تخريجه. (1/394)
صفحة 395
الكوارث والزلازل
كذلك نجد أن الله والله يعد عباده بأن يكشف لهم حقائق الوجود ليتبين لهم من خلال هذا الكشف ـ سواء كان لآياته في الأنفس أو آياته في الآفاق - أن القرآن حق من عنده وذلك في قوله: {قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 52 - 53].
فنحن نؤيد التقدم في مجالات العلم مع الاستمساك بالعقيدة وترسيخها من خلال النظر في آيات الله - تعالى - في الأنفس وفي الآفاق حتى لا نكون نعلم ظاهراً من الحياة ونحن عن الآخرة غافلون، بل علينا أن نتوصل بهذا العلم إلى تعميق إيماننا بالله الله وإيماننا باليوم الآخر.
أما بالنسبة إلى هذه الظواهر الكونية فمهما كانت مرتبطة كما قلت بأسباب إلا أن تلكم الأسباب لا تُفضي إلى مُسَبَّباتها بنفسها، وإنما تُفضي إليها بتأثير قدرة مُسَبَّب الأسباب ال الذي هو على كل شيء قدير.
وفي
هذا المقام ننتهز هذه الفرصة لنوجه نداءنا إلى العالم بأسره أن يستبصر ويدكر، فإن هذه آية (1) لجميع الناس نحن ندعو المؤمنين وغير المؤمنين إلى التبصر، ندعو المؤمنين إلى مزيد من الإيمان وإلى الاستمساك بحبل الإيمان من ناحية العمل والتطبيق، بحيث لا يكون إيمانهم نظرياً فحسب مع الغفلة عن العمل والتطبيق، بل يجب أن يكون إيماناً حقاً يتجسد في الأعمال والتصرفات فتكون جميعاً مستوحاة من عند الله الله، وندعو غير المؤمنين إلى أن يراجعوا حساباتهم، وأن يفكروا في المنقلب، فهذه آية تُصوّر لهم مشاهد القيامة، وتُصوِّر لهم ما أخبر الله الا الله به عند قيام الساعة من اختلال نظام هذا الكون وتهاوي الأجرام ووقوع بعضها على بعض حتى تُدكّ هذه الأرض دكّاً دكّاً، وتُسيّر جبالها تسياراً. بسبب هذه الأندكاك الذي يقع فيها، فنحن ندعو هؤلاء إلى أن يستبصروا، وأن يراجعوا وأن ينظروا في ما وصلوا إليه من الحقائق العلمية مع ما جاء في كتاب الله - تعالى - المُعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مما يدل دلالة قاطعة على أنه حق من عند الله الله، فعليهم أن لا يُفوّتوا هذه الفرصة، وأن يلبوا داعي ويدخلوا في دينه وينقادوا لأمره والله - تعالى - المستعان.
(1) يشير سماحته إلى حادثة تسونامي التي ضربت جنوب شرق آسيا.
الله
395 (1/395)
صفحة 396
396
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فعلى
المحاور: ما الدور المرتقب من أُمة الإسلام في تمثيل صورة الإسلام الصحيحة أمام تنافس الأمم في إبراز كل أُمة محاسنها في خضم هذه الأحداث؟ الإسلام أُمة جعلها الله - تبارك وتعالى - أُمة رحمة وخير، هذا إن استمسكت
أُمة
بإسلامها، وحافظت على إيمانها وطبقت شريعة ربها.
الأُمة أن تعتبر وتدكر، وتراجع حساباتها، وتحرص على أن تستمسك بإسلامها من غير تفريط فيه، وعليها كذلك أن تبادر إلى المعروف والخير والمواساة، ولأم هذا الجرح الذي أصاب المنكوبين، وإلى بذل كل غال وثمين في سبيل الخير.
المحاور: هل يصح الخروج من تلك البلدان بعداً عن الكوارث؟
الإنسان لا يُلزم أن يبقى مكانه حيث المشقة والتعب، وحيث المحنة والخطر، بل
يؤمر أن يتفادى وأن يخرج، أما إذا نظرنا إلى حديث الوباء الذي أُخبر
الله
-
به
عمر بن الخطاب - رضي تعالى عنه - بأنه إذا نزل هذا الوباء بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا عنها، وإذا سمعتم به في أرض فلا تسافروا إليها رواه الربيع والبخاري)، فإن هذا لأجل حكمة، لأجل أن لا يكون الإنسان حاملاً - كما يقال الآن بلغة العصر - فيروساً من هذا الوباء وينشره عند الآخرين، وأيضاً لا ينتقل إلى هناك لئلا تصيبه العدوى من الوباء، فلذلك كان نهي النبي وهذا النهي نفسه يتطابق مع معطيات العلم الحديث. وأما إن كانت كوارث أو زلازل أو أعاصير أو براكين أو أي شيء من هذا القبيل فلا مانع من أن يخرج الإنسان مغادراً هذا الخطر وتاركاً له.
المحاور: يذكر بعض العلماء صلاة، الزلزلة، فما هي كيفيتها؟ ومتى تُشرع؟ هذه الصلاة إنما هي لأجل ذكر الله، فهذه المقامات تقتضي أن يذكر الإنسان ربه، وأن يلجأ إليه، وأن يحسّ بأن نفسه تطمئن إلى ذكر الله، من ثم استحبَّ أهل العلم في مثل هذه الأحوال أن يصلّي ويدعو الله - تعالى - ويبتهل إليه، ويسأله العافية من البلاء، ويسأله رفع البلاء عن عباده. (1/396)
صفحة 397
الكوارث والزلازل
المحاور: من يرى أن هذه الكوارث هي من نسج الطبيعة منفصلة، هل يؤثر مثل هذا على عقيدته وإسلامه؟
نعم، فالذي لا يؤمن بأن هذا الكون مُدَبَّر من قبل الله الله فإن إسلامه يتلاشى مع هذا المعتقد، إذ الله - تعالى - وحده هو الذي يُدبِّر الكون، ونحن نرى القرآن الكريم يصل جميع الظواهر الكونية بأمر الله؛ فالله تعالى يقول: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى اللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَن جَعَلَ الْأَرْضَ فَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَرا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَوَلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَوِلَهُ مَّعَ اللهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ * أَمَن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَى رَحْمَتِهِ أَعِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَن يَبْدَوُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعِلَهُ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقينَ} [النمل: 59 - 64].
//
ملے
فالذي يتعامى عن هذه الحقائق، ويصل ما يجري في هذا الكون بأمور طبيعية مفصولة عن إرادة الله - تبارك وتعالى - وتقديره وتدبيره؛ فإنه جعل بذلك مع الله شريكاً في تدبير هذا الكون، أو أنه جحد وجود الله، وجعل غير الله - تبارك وتعالى ـ هو الذي يُدبِّر هذا
الكون.
المحاور: بماذا يُفسّر في نظركم ما لوحظ من سلامة بعض الحيوانات والرضع من الأطفال من هذه الكارثة؟
هذا يدلّ بأنّ الأسباب لا تُفضي إلى مُسَبَّباتها إلا بتقدير من مُسبب الأسباب، الله
فإن السبب وحده لا يمكن بنفسه أن يكون مؤثراً في المُسَبَّب إلا بإرادة من الذي هو مُسَبِّب الأسباب، وعندما يريد واسال الله أن لا يفضي السبب إلى المُسَبَّب فإن السبب يعجز عن التأثير في المُسَبَّب كما كان من قصة إبراهيم عندما أُلقي في النار مع
397 (1/397)
صفحة 398
398
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أنه من المعتاد أن النار محرقة وأنها تأكل الأجساد، ولكن الله - تبارك وتعالى - أراد أن لا تكون هذه النار آكلة لجسد إبراهيم عالم، فقد كانت محرمة على جسده الشريف ولم تؤثر فيه شيئاً.
وكذلك قصة الذي أماته الله - تعالى - مائة عام ثم بعثه، وقصة أصحاب الكهف، وغير ذلك من القصص العجيبة التي في كتاب الله، كلّ ذلك دليل على أن الأسباب لا تُفضي إلى مُسَبَّباتها إلا بتقدير من الله الله، وعندما يريد الله - تعالى - أن لا يؤثر السبب في المُسَبَّب فإن ذلك واقع لا محالة. (1/398)
صفحة 399
اللقاء الرابع والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التأريخ: 15 شوال 1425 هـ / 8 نوفمبر 2004 م
لقاءات (1/399)
صفحة 400
يَهُونَ عَن الكَ
سورة آل عمران - الآية 104 (1/400)
صفحة 401
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المحاور: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم، فما هو
المقصود بالمعروف وما هو المقصود بالمنكر؟
بسم
الحمد لله الله الرحمن الرحيم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله الله الخالق الإنسان خلقاً سوياً، وشرّفه وفضّله على غيره تفضيلاً، وكرمه تكريماً إذ مَنْ عليه بما لم يمن به على غيره، وجعله الله - سبحانه - مناط تكليفه.
وقد شُرّف هذا الإنسان بهذه التكاليف الربانية التي ينوء بأوزارها ويتحمل تبعاتها، فإن هو قام بواجبها كان ذلك سببا لسعادته، وإن كان بخلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فالله - تعالى - يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].
إن حمل هذه الأمانة أمرٌ ليس هو بالأمر الهين، والإنسان بطبعه ميّال إلى راحة نفسه ولو كان ذلك على حساب راحته في مستقبله، وهو ميال إلى إيتاء نفسه رغباتها ولو كان ذلك على حساب سعادته، لذلك كان بحاجة إلى أن يأمر بالمعروف ويأتمر به، أي هو بحاجة إلى أن يُؤمر به ويَأمر به، وأن ينهى عن المنكر وأن يُنهى عنه ومعنى ذلك أن يكون ناهياً عن المنكر ومنتهياً عنه أي متلقياً النهي من غيره حتى يكون منتهياً عنه.
فلذلك نحن نجد في كتاب الله - سبحانه ـ أن الله - سبحانه - بين صفات أولئك الذين استثناهم من الخسران الذي حكم به على الجنس البشري عندما قال سبحانه: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1 - 3]، فالتواصي بالحق مما يشد المؤمن إلى المؤمن، فالمؤمنون والمؤمنات لا بد من أن يكون بينهم، رباط، ولا بد من أن يكون بينهم تواصل، وهذا التواصل لا يتم إلا من خلال هذا التواصي بالحق الذي هو أمر بالمعروف ونهى عن المنكر كما نجد ذلك واضحاً في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ
الله
401 (1/401)
صفحة 402
402
لقاعات
في الفكر و الدعوة
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، ويقول الله الله وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وليس معنى هذا أن المطالب بهذا بعض الناس دون بعض، وإنما الكل مطالبون بذلك، فالمؤمنون والمؤمنات جميعاً مطالبون بأن يكونوا هذا شأنهم، وذلك بأن يكونوا يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
والمعروف معروف، والمنكر منكر، فالمعروف معروف لأنه تطمئن إليه النفس، ويسكن إليه القلب، فهو ما وافق حكم الله - تعالى - المُنزّل، وما وافق سُنَّة نبيه المرسل. فإنما قيل له معروف نظراً إلى هذه الطمأنينة التي تحصل بفعله وتنسجم معه فطرة الإنسان السوية ويطمئن عندما يرى غيره يمارسه، فإن هذه الممارسة تفيض الطمأنينة على الجميع. بينما المنكر تأباه الفطر السليمة، وتنكره الطبائع المستقيمة، فلذلك كان منكراً هذا النكران له من قبل الفطر والطبائع، فجدير به أن يُنكر على الناس، وأن لا يُقر فلذلك
سمي
منكراً.
بسبب
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للسلامة في الدنيا والسعادة في العقبى، والله - تعالى - المستعان.
المحاور: إذا كان الأمر بالمعروف واجباً والنهي عن المنكر كذلك، فهل هما واجبان على الشخص التقي بحيث لا يصح للمرابي أن ينهى عن الربا وكذلك للزاني أن ينهى عن الزنا وكذلك لتارك الصلاة أن يأمر بالصلاة؟
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الكل، سواء كان الإنسان فاعلاً لما به يأمر وتاركاً لما عنه ينهى أو كان بعكس ذلك، إذ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات، ولكن مع هذا كله فإن الإنسان يطالب بأن يكون هو بنفسه من أهل المعروف، فكيف يأمر بالمعروف من لم يكن من أهل المعروف؟! وكيف ينهى عن المنكر من كان متلبساً
بالمنكر؟! (1/402)
صفحة 403
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لذلك نجد في كتاب الله الله النعي على أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فأمرهم إياهم بالبرِّ إنما هو نصيحة، ولكن من أولى بالنصيحة، إنما أولى بالنصيحة نفس الإنسان، فمن لم ينصح نفسه كيف ينصح غيره، لذلك قال الله خطاباً لبني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَب أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وهذا التقريع ليس هو على الأمر بالبر وإنما هو على ترك الائتمار به أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}، إنما التقريع بسبب هذا النسيان، نسيان الإنسان نفسه مما يأمر به
غيره من الخير.
ومن المعلوم أن فعل الإنسان للخير مدعاة لائتمار الناس بما يأمرهم به عندما يأمرهم بالخير، وكذلك تركه للشرّ هو مدعاة لأن يترك الناس الشرّ عندما ينهاهم عنه، أما عندما يكون بخلاف ذلك فإن الواقع يكون عكس هذا، فأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إنما يجرون التهم لا إلى أنفسهم فحسب وإنما إلى نفس الأوامر التي يأمرون بها والنواهي التي ينهون عنها بل إلى نفس المبادئ التي ترتبط بها هذه الأوامر والنواهي كما يقول بعض عمالقة الفكر الإسلامي: إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يكون الإنسان مؤمناً بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة؛ لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها، وجمالها من حقيقتها لا من بريقها».
ونحن نرى أن السلف الصالح استطاعوا أن يتغلبوا على الصعاب، وأن يتحدوا جميع المشكلات، وأن يتجاوزوا جميع العقبات عندما كانوا على هذا النحو، فإن السلف الصالح عندما دعوا إلى الحق وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لم تكن لهم وسائل إعلام كالوسائل المتوفرة في وقتنا هذا، إذ لم تكن عندهم وسيلة بث مباشر أو غير مباشر، ولم تكن عندهم وسيلة اتصال - عبر هاتف أو عبر شبكات المعلومات أو غيرها - بالناس، وإنما كانت الكلمة وحدها تخرج من أعماق القلوب فتتغلغل في أعماق القلوب، ولا تقف حتى تحوّل الناس من واقع إلى واقع آخر بسبب عمق تأثيرها؛ لأن الذي قالها هو بنفسه تأثر بها، فعندما يقول الإنسان الحق ويعمل به يكون عمله أكثر دعوة إلى الحق من قوله،
403 (1/403)
صفحة 404
404
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ويكون لعمله تأثير أبلغ من التأثير الذي يكون لقوله، فلذلك كان جديراً بمن تحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون هو مثالاً في الائتمار بما به يأمر وفي الانتهاء
عما عنه ينهى.
هذا مع أن الذي يرتكب المنكرات ويترك العمل بالمعروف غير معذور بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أنه غير معذور بفعله المنكر وتركه المعروف، بل هو مطالب بالفرضين جميعاً، مطالب بفرض أن يأتمر بالمعروف وأن يأمر به، ومطالب بفرض أن ينتهي عن المنكر وأن ينهى عنه، فهو مطالب بكلا الأمرين بالأمر والائتمار، والنهي والانتهاء، والله تعالى أعلم.
المحاور: قد يكون هناك غموض عند البعض في تحديد مفهوم المنكر خاصة في المسائل الظنية أو في المسائل التي يكون فيها خلاف بين العلماء، فبعض العلماء يعدها منكراً والبعض يعدها أمراً مباحاً كاستخدام آلات اللهو أو الفنون في بعض الأحيان أو تغطية المرأة وجهها أو حتى قيادتها للسيارة، فهناك من يقوم بإنكار هذا المنكر بحيث يعتبره منكراً صارخاً، وهناك من لا يقوم بهذا، ففي هذه الحالة كيف يتصرف المسلم؟
يجب على الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرتب الأولويات، فيُقدّم أولاً المجمع عليه قبل المختلف فيه، ويُقدّم ما كانت مفسدته أكبر عما كانت مفسدته
أصغر، ويُقدّم ما كانت مفسدته أعم مما كانت مفسدته أخص.
فلا
ريب
أن الإنسان مطالب أن ينهى عن كل المنكرات، ولكن المنكرات تتفاوت، كذلك أيضاً المعروف يتفاوت، فالإنسان عندما يأتي إلى قوم ليست لهم عقيدة، لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يميزون بين الخرافة والحقيقة؛ يجب أولاً أن يصحح المفاهيم عندهم؛ لأن تصحيح المفاهيم هو الذي يؤدي إلى زوال غبش التصور، ويؤدي أيضاً إلى الاستقامة على الحق بعد فهم مفاهيمه، ولذلك كانت دعوات المرسلين جميعاً إنما هي إلى توحيد الله الله قبل كل شيء، فما من رسول من رسل الله ولا إلا كان داعياً إلى توحيد الله كما يقول - سبحانه -: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُونَ} [النحل: 36] (1/404)
صفحة 405
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فما من نبي أرسله الله إلا كان داعياً إلى عبادة الله - تعالى - واجتناب الطاغوت قبل كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دعا قبل كل شيء إلى العقيدة، فلما تبلورت العقيدة وبرزت معالمها للناس وتمكنت من ألبابهم فاقتنعوا بها أخذ شيئاً فشيئاً يدعوهم إلى إقامة الدين واجتناب الأعمال التي تتنافى مع الأخلاق وتتنافى مع الفطرة ة السليمة، وهكذا تدرج في مدارج الخير، فالداعية كالطبيب يعالج كليات الأمراض ليأتي على جزئياتها.
ثم إنه لا ريب أن المسائل التي يُختلف فيها أيضاً تتفاوت؛ لأن الأقوال تتفاوت قوة وضعفاً
مما
ورجحاناً وخفة، فبعض الأقوال تدعمها أدلة واضحة قوية، فما كان مدعوماً بالدليل هو ينبغي أن يُعول عليه أكثر مما كان غير مدعوم بالدليل، إذ الأقوال وإن جلت منزلة قائلها لا تتعدى أن تكون دعاوى فاقدة للبينات التي تعضدها، إلا إذا عززتها أدلة يعتمد عليها، فهكذا يجب أن يكون التركيز على ما دلّ عليه الدليل قبل أن يكون التركيز على أشياء جانبية لم يأت دليلها. ثم الأدلّة أيضاً تتفاوت، فما كان دليله قطعياً يختلف عما كان دليله ظنياً، إذ ما كان دليله قطعياً ليس هو مكاناً للخلاف، فلا يجوز الاختلاف فيه، وكيف يختلف فيما دلّ عليه دليل قطعي.
فمثل هذه الأشياء يجب أن يكون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر متفطنين لها وواضعين كل شيء منها في موضعه.
المحاور: هل تذهبون من خلال هذا إلى وجوب العلم والفقه لدى الأمر بالمعروف
والناهي عن المنكر؟
إذ لا ريب
لا
ريب
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصحان مع الجهل، حتى وإن كان الجاهل غير معذور عنهما فإن عليه أن يسأل عما أشكل عليه من حكمهما أن العامي يطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما لا يجهل حكمه، فإن العامي يعلم مثلاً أن الخمر حرام، ولما كان عالماً بحرمة الخمر فهو في ذلك بمنزلة العالم الرباني الفقيه المتضلع المحقق لأنه قامت عليه حجة الله بأن الخمر حرام، وكذلك يعلم أن الزنا حرام، ويعلم أن السرقة حرام، ويعلم أن قتل النفس المحرمة بغير حق
405 (1/405)
صفحة 406
لقاعات
في الفكر و الدعوة
حرام، فلما كانت الحجة قائمة عليه بحرمة هذه الأشياء كان هو مطالباً بأن ينكر على من مارسها، وأن يأمره بالحق فيها وهكذا، ولكن لا يعني هذا أن يقتحم الجاهل لجة هذا الأمر بغير علم فيقدم على جهل به بحيث يقول بأن هذا حلال وهذا حرام، فإن ذلك غير جائز، فالله - تبارك وتعالى - شدد في هذا تشديداً بالغاً حيث قال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وبين الله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد من أن يكونا على بصيرة {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأشار سول الله إلى ضرورة التفقه في دين الله بالنسبة إلى من يقوم بالأمر المعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وذلك في قوله ـ سبحانه ـ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، فترى أن الله ناط الإنذار هنا بالتفقه في دين الله، والإنذار هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الدعوة إلى الله عل.
المحاور: سماحة الشيخ هنالك ضبابية في فهم حقيقة البدعة، فالبدعة مثلاً يعتبرها البعض منكراً صارخاً فيسارع إلى إنكارها سواء كانت في الصلاة أو في غيرها من الأعمال، وصار هناك زج بالكثير من الأعمال والأفعال التي لم تكن موجودة أيام النبي الله إلى خانة البدعة، لذلك صار هناك إنكار على البدع أكثر من الإنكار على الأشياء الظاهرية المحرمة التي يفهمها العامي كما تفضلتم، فما هو تحديد مفهوم البدعة؟
كلمة بدعة تحتمل أكثر من معنى؛ لأن بدعة من بدع الشيء بمعنى جاء بشيء لم يُسبق إليه، وهي فعلة بمعنى مفعولة أي بمعنى مبدوعة، فالبدعة قد تكون محرمة، وهذه هي التي يشير إليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول - عليه أفضل الصلاة والسلام -: «إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (رواه النسائي وأحمد).
406 (1/406)
صفحة 407
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فهنا نرى أنه يقول بأن كل محدثة بدعة، ولكن في أي شيء هذه المحدثات؟ إنما هي محدثات الدين، فمحدثات الدين هي بدع؛ أي من أحدث شيئاً يتنافى مع أصل الدين فقد ابتدع، أما إن كان ما أحدثه له أصل في الدين بحيث يكون هو مرغباً فيه بالنظر إلى كليات الدين وأصوله؛ فذلك مما يدخل في البدعة الحسنة التي عناها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «من سَنْ سُنَّةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فترون أنه قال: «سَنْ سُنَّة حسنةً»، أي طريقة حسنة. وفي المقابل يقول: «من سَنْ سُنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (رواه الترمذي وابن ماجه)، هذا له أجر تلك السُّنَّة وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وفي المقابل الآخر عليه وزرها؛ أي السنة التي سنها، ووزر من عمل بتلك السُّنَّة إلى يوم القيامة، ذلك لأن الذي سَنَّ سُنَّة حسنةً سُنّته غير خارجة عن أصل الدين، وهذا الذي سَنّ السُّنَّة السيئة سُنّته عكس ذلك.
وزر
ونحن نرى في عهد الصحابة أحدثت أشياء لم تكن معهودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعتبروها بدعة ضلالة، أو بدعة سيئة بل اعتبروها بدعة حسنة، من ذلك ما يتعلق بتنظيم أمور الناس في حياتهم الاجتماعية وحياتهم السياسية، فقد كانت أمور لم يكن مفتقراً إليها، إذ لم يكن المسلمون بحاجة إليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن مع تطور الأمور واتساع الفتوح واتساع الرقعة الإسلامية وتطور حياة الأمة كانت الأمة بحاجة إليها، من ذلك إحداث التاريخ، فما كان التاريخ معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أُحدث في عهد عمر، واجتمع المسلمون على أن يكون تاريخ الأمة بدايته في هجرة الرسول - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وهذه تعد بدعة حسنة؛ لأنها لا تتصادم مع الدين، وليس فيها أي مضرّة بل فيها مصلحة، والدين إنما هو قائم على مراعاة مصالح العباد، فلذلك عدوها بدعة حسنة.
ومن ذلك أيضاً أن بيت المال لم يكن معهوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان الفيء يقسم ما بين الناس، فلما كان عمر - رضي الله تعالى عنه ـ حبس الفيء، وصار يقسّم على الناس منافعه دون أصله لحاجة المسلمين إلى أصل يرجعون إليه يكون قواماً لدولتهم، وهذا مما لم يُعد بدعة سيئة، كذلك جمع الناس على مصحف واحد في عهد الخليفة الثالث إنما كان ذلك باتفاق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم ـ؛ لأجل ما في اختلاف
407 (1/407)
صفحة 408
408
لقاعات
في الفكر و الدعوة
القراءات من الشقاق والخلاف بين المسلمين، كذلك جمع القرآن في عهد الخليفة الأول وبمشورة الخليفة الثاني كل ذلك إنما كان من الأعمال الحادثة التي لم تكن الحاجة داعية إليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله مما يدخل في البدع الحسنة.
كذلك
جمع الناس على إمام واحد في صلاة قيام رمضان بعدما كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم متفرقين، يصلّي الثلاثة النفر والشخصان والأربعة كل يصلّون بإمامهم، فجمعهم عمر - رضي الله تعالى عنه ـ على إمام واحد، وكان في ذلك مصلحة كبيرة. كذلك أيضاً بالنسبة إلى الأذان الأول للجمعة إنما أحدث لأجل مراعاة الضرورة الداعية إلى ذلك؛ لأجل تنبيه الناس إلى الجمعة، وهذه الأمور كلها مما يدخل في البدعة الحسنة.
أما البدعة السيئة فهي التي تتنافى مع الدين، فالبدعة السيئة أن يبتدع الناس من أمر الدين ما لم يأذن به الله، من أمثلة ذلك أن يأتي الناس إلى المقابر ليقدموا القرابين والنذور، وليطلبوا من أصحاب القبور قضاء حاجاتهم، فإن هذه من البدع السيئة؛ لأن الإسلام جاء هادماً لمثل هذه المعتقدات، جاء ليقرر في نفوس المؤمنين جميعاً بأن الله - تبارك وتعالى - يجب أن يفرد بالاستعانة كما يجب أن يفرد بالعبادة كما يدلّ عليه قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة لا يجوز أن تكون لغيره الا الله وكذلك الاستعانة في مثل هذه الأشياء لا تكون بغيره؛ لا سيما أولئك الأموات في قبورهم أنّى يتمكنون في قضاء حاجة أحد وهم موتى؟!، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم قدره وعلو شأنه وما له من منزلة عند الله الا الله يقول له الله - تبارك وتعالى -: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]، ويقول له: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوهُ} [الأعراف: 188] فكيف بغيره؟! بل كيف بالموتى في قبورهم؟! فمثل هذه البدع بدع سيئة، وكذلك كل بدعة جاء الإسلام بما يناقضها، فهي بدعة سيئة لا يجوز أن تقرّ أبداً. (1/408)
صفحة 409
اللقاء الخامس والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الأخلاق الإسلامية
التأريخ: 9 ربيع الأول 1424 هـ / 11 مايو 2003 م
لقاءات (1/409)
صفحة 410
? ?
لعلى خلق
4
سورة القلم - الآية 4 (1/410)
صفحة 411
الأخلاق الإسلامية
المحاور: الذي أوتي علماً غزيراً كيف يتعامل مع الآخرين؟
رب العالمين، والصلاة والسلام على
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله بسم سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإنّ الله - تبارك وتعالى - خلق الإنسان خلقاً، سويّاً، ومن عليه بنعمة العقل، ورفع درجته، وأعلى شأنه إذ كرّمه بما آتاه من مواهب، وبوّأه منصب الخلافة في هذه الأرض، وجعله سيداً في هذا الكون، يقول - تبارك وتعالى -: {وَلَقَدْ كَرَمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم من الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الأسراء: 70]، وهذا التكريم لا يعود إلى جسم الإنسان وأصله، وإنما يعود إلى النفخة الربانية التي نفخها الله في هذا الجسم فتحوّل إلى خلق آخر، فلو كان الأمر يعود إلى الجسم لربما كان جسم الحيوان أحسن من جسم الإنسان من حيث إن جسم الحيوان قد يكون أقوى بكثير من جسم الإنسان، وقد يكون أقدر على مقاومة التحديات المختلفة والطبايع المتنوعة، ولكن الله - تبارك وتعالى ـ جعل تلكم النفخة الربانية هي التي رفعت من شأن الإنسان، وإذا كان الإنسان رفع بهذه النفخة الربانية فعليه أن يعلم أن الحق الا الله جعله عبداً متحملاً لأمانته، وأنّ فضله ومنزلته بقدر ما يصدق في تحمل هذه الأمانة لا أن يتعالى بسبب أي شيء أوتيه في هذه الحياة الدنيا، إذ لا قيمة للعلم وحده من غير أن يكون العبد متخلقاً بالخلق الكريم، فالله الله قد اختار عبده ورسوله محمداً، وشرفه فوق الخلائق كلها، وأعلى منزلته، وجعل رسالته رحمة للعالمين، فقد قال الله مخاطباً عبده ورسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ولكن عندما أثنى الله عليه بماذا وصفه؟ هل وصفه بالعلم الغزير؟ لا، وإنما وصفه بالخُلُق العظيم، فقد قال - تعالى - مخاطباً إياه ـ صلوات الله وسلامه عليه -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، ولم يقل له وإنك لعلى علم غزير، بل قال الله مخاطباً له ولغيره: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
وتعالى
وو
وتعالى
فإذا الإنسان لا يكون سموّه في هذه الحياة بمنصبه ولا بجاهه ولا بعلمه إن كان مجرّداً من الأخلاق، فالأخلاق هي ميزان التفاضل بين الناس، ذلك لأن الخُلق الرفيع يؤدي إلى أن يكون الإنسان أولاً راعياً لحقِّ الله - سبحانه - الذي خلقه فسوّاه، إذ غروره قد يجعله أنه وصل إلى ما وصل إليه باستحقاق، وأن الله - تبارك وتعالى ـ لا فضل له عليه،
يرى
411 (1/411)
صفحة 412
412
لقاعات
في الفِكْرِ وَالدَّعْوَةِ
وهذا أمر فيه من الخطورة ما لا يمكن أن يتصوّره متصوّر، فإنّ الغرور هو الذي يُردي صاحبه، ما اغتر مغتر إلا وكان غروره سبباً لما يصل إليه من إذلال الله - تعالى - له ومن إهانته إياه، ففرعون اغترّ حتى وصل به الأمر إلى أن يقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إله غيري} [القصص: 38]، وقال: {وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحتى} [الزخرف: 51]، فأهلكه الله الله بما كان مغتراً، به إذ أهلكه بالماء فأغرقه فيه، فكان عبرة للمعتبرين إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى} [النازعات: 26]، وكذلك غيره.
التي
والله - تبارك وتعالى ـ يبين لنا في كتابه أنه أهلك من أهلك من الأُمم من قبلنا، تلكم الأُمم أُوتيت ما أُوتيت من الهبات الإلهية، ولكنها لم تضعها في موضعها، فإنه لا يقول: ألم يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْلِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا وَآخَرِينَ} [الأنعام: 1].
وإذا كان الغرور هو مصدر هلاك الإنسان؛ فإنّ غروره بالعلم أيضاً قد يكون مصدر هلاكه، إذ الله - تبارك وتعالى ـ قال عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78]، وقد كان ذلك سبباً لهلاكه، فهكذا يجب أن يعتبر المعتبرون. والإنسان يجب عليه كلما زادت نعمة الله - تبارك وتعالى - عليه أن يكون أحسن خُلُقاً، وأطيب معاملةً، وأصفى سريرةً، ليس للإنسان أن يتعالى بأن أوتي علماً، أو أوتي منصباً، أو أوتي مالاً، بل يجب أن تجعله هذه المواهب الربانية يتطامن ويطأطئ رأسه، ويعامل الآخرين معاملة رقيقة
حسنة.
به
على أن هذه الدعوة التي بعث بها النبي الله ما كان من أسباب انتشارها إلا ما كان متصفاً - عليه أفضل الصلاة والسلام - من الصفات الحميدة والسجايا الحسنة التي مهدت لهذه الدعوة حتى وصلت إلى حيث وصلت. ونجد أن الله - تعالى - يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق، وهو بين جيل هو أشرف الأجيال وأطهرها جميعاً جيل المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله - تعالى - عليهم في كتابه عندما قال: {تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَبَّهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَيةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِبَغِيظُ بِهِمُ الكفار وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، نرى أن الله (1/412)
صفحة 413
الأخلاق الإسلامية
- تعالى - يخاطب النبي الله وهو أشرف الخلق، وهو بين ذلك الجيل العظيم القدر العليّ المنزلة فيقول له: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، فلو كان صلى الله عليه وسلم قاسي المعاملة خشن الأخلاق لانفضّ أولئك الذين هم خير القرون من حوله، ولاستحالت الصلة بينه وبينهم إلى قطيعة، فكيف بغيره؟؟ وكيف بمن يعامل جيلاً آخر غير ذلك الجيل؟!
هِيَ
على أن الله - تعالى - أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون دمث الأخلاق في دعوته، حسن المعاملة للناس جميعاً إذ يقول له: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، كذلك نجد أنه يقول في مقام توجيهه في أمر الدعوة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، وهذا يدلُّ على تأثير الأخلاق في تعامل الإنسان مع بني جنسه.
ونجد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أنّ الأخلاق هي التي تقرب العبد إلى الله، هي التي تقرّبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيكون قريب المنزلة منه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون» (رواه الترمذي وأحمد)، فالإنسان إنما يُحمد بأخلاقه، ويُوزن بأخلاقه، إذ الإنسان نسبه ما يكون متحلياً به من أخلاق فاضلة وعمل صالح يقربه إلى الله - تعالى - زلفى.
ونجد في حديث آخر أن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - يقول للسيدة أم المؤمنين الله تعالى عنها -: «يا أم سلمة، ذهب حسن الخُلُق بخير الدنيا والآخرة»
:_
وو
أم سلمة - رضي (رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط وعبد بن حميد في مسنده)، ومعنى ذهاب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة أن حسن الخُلُق لم يدع لغيره من خير الدنيا والآخرة شيئاً، بل احتوى خير الدنيا والآخرة، معاً، فالإنسان بقدر ما يكون عليه من خُلُق فاضل في هذه الحياة الدنيا يكون له الخير الكثير فيها إذ تكون محبة الناس له تفعم قلوبهم، وكذلك بالنسبة إلى الدار الآخرة، فإن منزلته عند الله إنما تكون بقدر ما يكون عليه من أخلاق. فلذلك على الإنسان أن يحرص دائماً على أن يُحسِن خُلُقه، وأن يعامل الناس بما يجب أن يعاملوه به، لا أن يعاملهم بالقسوة والخشونة ولو كان يغير منكراً عليهم عليه أن يأتيهم
413 (1/413)
صفحة 414
414
لقاعات
في الفكر والدعوة
بالرفق واللطف، إذ ما دخل الرفق شيئا إلا زانه، وما دخل العنف شيئا إلا شانه فيجب أن تكون أخلاق المؤمنين جذابة، تدعو إلى الحق وإلى الإسلام أكثر مما تدعو إليهما ألسنتهم، والله - تعالى - ولي التوفيق.
المحاور حول قضية الأخلاق الموروثة، البعض عندما يريد أن يسمَ إنساناً بالأخلاق السيئة يقول هذا نشأ في ظل أبوين قاسيين غليظين، لذلك فهذه هي طبيعته ورثها عن أبويه، فهل تستطيع الأخلاق الإسلامية أن تغيّر هذه الطبائع، فتحوّل ما نشأ عليه هذا الإنسان إلى طبائع أخرى؟
الإيمان يحول الإنسان من طبع إلى طبع، ومن مسلك إلى آخر، ومن جيلة إلى جبلة أخرى، فالإيمان هو الذي يجعل الإنسان يستعلي على ما كان متصفا به من قبل إيمانه، وهذا ما نشاهده في القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم يتحدث عن سحرة فرعون ويحكي عنهم كيف كان طمعهم ونظرتهم إلى الحياة المادية، وكيف كان طموحهم إلى أن ينالوا المكاسب التي كانوا يسعون إليها من وراء سحرهم، فهم الذين قالوا لفرعون كما حكى الله عنهم أَنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْعَلِمِينَ} [الشعراء: 41]، ما كانوا ينظرون إلا إلى حطام هذه الحياة الدنيا، ولكنهم بالإيمان تحوّلوا فجأة إلى طبائع غير طباعهم، وإلى أخلاق غير أخلاقهم، وإلى مقاييس غير، مقاييسهم فهم الذين قالوا لفرعون نفسه بعد أن تهددهم: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِي هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].
وكذلك بالنسبة إلى المهاجرين والأنصار، فالعرب كانوا معروفين بقسوة القلوب وبغلظة الأكباد نتيجة الحروب الطاحنة التي كانت تأكل الأخضر واليابس عندهم، والأحقاد التي يتوارثها الجميع، يرثها الأولاد والحفدة عن الآباء والأجداد، إلا أن الإسلام رقق طباعهم، وهذب أخلاقهم، وغيّر مشاعرهم وأحاسيسهم، فكانوا يختلفون تمام الاختلاف، يكفي ما كان يُحكى عن أمير المؤمنين عمر الله مما كان عليه في جاهليته من الغلظة والشدة، كيف تحوّلت طبيعته إلى طبيعة أخرى عندما أكرمه الله الله بالإسلام، فكان رقيق الحاشية، لطيف المعاملة، مهذَّب الأخلاق مع ما كان فيه من الشدة، إلا أن الشدة التي كان متصفاً بها إنما كانت غيرةً على حرمات الله، ولم تكن هذه الشدة من أجل (1/414)
صفحة 415
الأخلاق الإسلامية
نفسه أبداً، بل كان يحرص على أن يتواضع ويخضع حتى أنه عندما أعلن أمام الملأ قائلاً: أيها الناس إذا رأيتم في اعوجاجاً فقوموه، فقال له أحد الحاضرين: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا ما كان منه أن أنف وتكبر وتعالى وادعى أن منزلته لا تتلاءم مع هذا الجواب، بل حمد الله على أن أكرمه بأن وجد في رعيته من يقوم اعوجاجه بسيفه.
وكذلك عندما كان حوار بينه وبين امرأة ظفرت فيه المرأة بالحجة قال: كلّ الناس أفقه من عمر حتى النساء، هكذا كان لطيف المعاملة رقيق الحاشية، وذلك كله إنما يعود إلى خُلق الإيمان والإسلام، فإن الإسلام هو الذي جَبَلَه على هذه الأخلاق الحسنة بعدما كان في جاهليته مجبولاً على غيرها، فإن الروح الإيمانية لها أثر على الإنسان.
وو
ولا ريب أنّ للتربية أثراً كبيراً على نفس الإنسان عندما يتعمّق الفهم الإسلامي في نفسه، وتتبين له الرؤى، ويميّز بين الباطل والحقّ، وبين الضلال والهدى، وبين الغي والرشد، فإنه بطبيعة الحال يتجاوب مع هذا التصوّر الصحيح، وتكون أخلاقه انعكاساً له، ولذلك يكون المسلم الحق دائماً رقيق الحاشية حسن المعاملة، والله - تعالى - المستعان.
المحاور: هل هذا يصدق على البيئة التي يعيش فيها الإنسان؟ لأنّ علماء الاجتماع كابن خلدون صنّف الناس بحسب المناطق التي يسكنون فيها، فالذين يسكنون في المناطق الباردة يقول بأن أخلاقهم هادئة ودمثة، وأما الذين يسكنون في المناطق الصحراوية القاسية فطبائعهم تكون غليظة، فالبيئة هذه هل لها أثر أيضاً على
إخلاق الإنسان؟
أنا لا أنكر أن يكون للبيئة أثر على طبيعة الإنسان، ونحن نجد المناخات تختلف أخلاق أهلها باختلافها، فقد يكون مجتمع من المجتمعات شديد المعاملة، بينما مجتمع آخر يكون بخلاف ذلك، هذا مما نجده في الناس، ولكن مع هذا كله فإنّ الإسلام يهذب هذه الأخلاق عندما يكون الإنسان حقاً مسلماً متمسكاً بإسلامه عاضاً بالنواجذ على تعاليم دين الله الحق.
415 (1/415)
صفحة 416
416
لقاعات
في الفكر و الدعوة
الإسلام يهذب الأخلاق ويجعل الإنسان كما ذكرنا لطيف المعاملة رقيق الحاشية، يستقبل إخوانه بشوشاً مبتسماً، ويعدّ ذلك من الصدقات التي يتصدّق بها لأجل أن يكرمه الله بالأجور كما دلّ على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم وابتسامك في وجه أخيك صدقة» (رواه الترمذي والطبراني في المعجم الأوسط)، فالإنسان المسلم إنمات يلقى إخوانه بوجه طلق، كلّه بشِّرٌ، وكلّه فأل حسن وانبساط، لا يلقاهم بوجه عبوس مكفهر.
وهذا لا ينحصر في معاملة الإنسان المسلم للناس الآخرين غير أهل بيته، بل حتى في بيته عليه أن يكون لطيف المعاملة، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي وابن ماجه، فالنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان ألطف الناس في معاملة أهله، عندما يدخل بيته يكون وديعاً لطيف المعشر إلى أقصى الحدود؛ لأن الإيمان هو الذي جعل خلقه من هذا النوع العالي السامي، كيف وقد هيأه الله
- تعالى - لحمل رسالة الإيمان إلى العالمين، وجعل هذه الرسالة رحمة للعالمين. فالمسلم لا يدخل بيته مقطّب الجبين مكفهر الوجه، لا ينظر إلا شَزَراً، ولا يردّ جواباً إلا بغلظة وبقسوة، فإن هذه الحالة غير مألوفة في الإسلام، فقد دخل صبي من صبيان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عليه وهو في مجلسه، وكان في مجلسه رجل جاء ليبعثه إلى ولاية من الولايات؛ أي ليوليه منطقة من مناطق الأمة الإسلامية، فلما دخل الصبي استقبله عمر به وبش له وقبله، فقال له: حتى أنت تقبل أولادك، والله إنّ لي من الولد كذا، وما قبلت أحداً منهم قط، فقال عمر له على الفور: إذاً لا أوليك أمر المسلمين، إن كنت قاسيا في معاملتك لأولادك فكيف تكون معاملتك للآخرين؟! وأبى أن يوليه.
=
وهكذا كل السلف الصالح الذين كانوا تشرّبوا روح الرسلام إنما كانت معاملتهم معاملة لطيفة، وهذه المعاملة هي التي جرّت الناس إلى الحق، وأقنعت به الأُمم، فتسارع الناس إلى الدخول في دين الله أفواجاً، لأنهم لم تكن معاملتهم معاملة قاسية منفرة.
المحاور: الذي يحافظ على الصلوات في جماعة، ويصوم النهار، ويقوم الليل، ويؤدي جملة كبيرة من العبادات والطاعات والنوافل، ولكنه يسيء أخلاقه مع الناس، فكيف ينظر إليه الإسلام؟ (1/416)
صفحة 417
الأخلاق الإسلامية
جاء في رواية لا أعلم ما مدى صحة سندها، ولكن على أي حال هي تدلّ على خطورة سوء المعاملة، جاء فيها أنّ النبي الا الله سُئل عن امرأة تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها، فقال: «هي في النار» (رواه أحمد والحاكم، وأذية الجار من سوء الخُلُق، فلا يكون الإنسان مؤذياً لجيرانه إلا بسبب شراسة خلقه وسوء معاملته، وهكذا ينبه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة سوء الأخلاق، فهذه المرأة استحقت النار؛ لأنها تسيء معاملة جيرانها.
وو
فيجب على الإنسان ألا يجعل صيامه وقيامه وتحنّثه مقياساً لفضله، بل عليه أن يستقلّ ذلك في جنب الله ـ سبحانه ـ، فمهما عمل الإنسان من عمل نحو صلاة وصيام وصدقة، وغير ذلك، فإن ذلك قليل في جنب الله - سبحانه -؛ لأن حق الله أعظم من كلّ حق، ومع هذا عليه أن يشعر أنه أقل من غيره، وأن غيره يفضله، وبهذا يعامل الآخرين المعاملة الطيبة الحسنة؛ لأنه يشعر أن ذلك الآخر هو خير منه، ولا يشعر بأنه هو خير من ذلك الآخر، وليدرك كلُّ إنسان أنه بقدر ما يقسو على الآخرين يكون بعيداً عن مرضاة الله - سبحانه -، ويكون منحطّ المنزلة عند الله وعند الناس.
المحاور: البعض يتساهل في العبادة بحجة أنها ليست هي المقياس في صلاح الإنسان، وإنما الأخلاق هي المقياس، فكيف يجاب على هذا؟
العبادة المفروضة لا بدّ من الوفاء بها، فلا بد للإنسان أن يوفي بالعبادات المفروضة، ومن قصر في العبادات المفروضة ولم يقم بحقها؛ فإنه مهما حسنت أخلاقه، ومهما حسنت معاملته لا يجديه ذلك مع هذا التقصير في الواجبات المفروضة عليه، فعلى الإنسان أن يطيع ربه - سبحانه - في كل ما أمره به، وفي كل ما نهاه عنه، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].
والعبادات هي مورّثة للأخلاق الفاضلة، فإن كل عبادة من العبادات مؤثرة في نفس صاحبها، فالصلاة مثلاً هي مؤثرة في نفس صاحبها، يقول - تعالى -: {وَأَقِمِ الصَّلَوةُ إن الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، ويقول - سبحانه ـ أيضاً في الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِى} [طه: 14]، ويقول وعمل: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ} [المعارج: 19 - 23]،
417 (1/417)
صفحة 418
418
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فمعنى هذا أن الصلاة مؤثرة في نفس الإنسان بحيث تأتي على ما فيها من الأخلاق السيئة المذمومة، وكذلك الزكاة، فالله - تعالى - يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّهِم ها} [التوبة: 103]، وكذلك الصيام والحجّ، هذا مما يدلّ على أن العبادات جميعاً مؤثرة في نفس الإنسان تتولّد منها الأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بعبادة الله بأيّ حال من الأحوال، والله - تعالى - أعلم.
المحاور: كيف يعامل المسلم الكافر؟
لا يستوي الذين آمنوا والذين كفروا من حيث إن المؤمن مع المؤمنين لا بد من أن يكون ألطف معاملة وأحسن معاشرة، إلا أن ذلك لا يعني أن يقابل الكفار بما ينفرهم، إنما يقابلهم بحسن المعاملة وبلطف الأخلاق ليكون ذلك أدعى إلى قبولهم الدعوة، دعوة الحق والإسلام والإيمان، وتلك هي الفطرة الزكية التي فطر الله ـ تعالى ـ الناس عليها، ومن أجل هذا نجد أن الله الله يقول للنبي: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، ويقول: (وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبون: 46]، ويقول تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
[البقرة: 83]، لم يقل: (وقولوا للذين آمنوا (حسنا وإنما قال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا .. فالإنسان المسلم عليه أن يستقبل الناس جميعاً بوجه طلق وبحسن البشاشة؛ لأنه مبلغ رسالة، ولما كان مبلّغ رسالة فإنّ هذه الرسالة لا بد من أن يكون تبليغها إلى الغير بالحكمة واللطف والرفق ليكون ذاك أدعى إلى القبول، إذ الدعوة إن كانت بأسلوب قاس شديد عنيف كان ذلك منفّراً عن قبولها، فالله الله يقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، ثم بعد ذلك قال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّتْهَا إِلَّا ذُو حَظِّ عَظِيمٍ) [فصلت: 34 - 35]، هكذا يأمرنا الله أن نعامل الذين ندعوهم إلى الخير باللطف والرفق وحسن المعاشرة، وهذا هو الذي يؤدي إلى اجتذاب القلوب وتألّف النفوس حتى تنصاع للحق وتستجيب للهدى. (1/418)
صفحة 419
الأخلاق الإسلامية
المحاور: استقرَّ في أفهام الناس أنه إذا ألقى على المسلم السلام رجل غير مسلم لا يردّ عليه، وقد فهم بعض غير المسلمين الآن أننا لا نرد عليهم السلام، فصاروا ينظرون إلينا نظرة ليست جيدة، فهل نردّ عليهم السلام؟
يقال لغير المسلم وعليكم، وهذا كان له سبب، وهو أن اليهود عندما كانوا يلقون السلام على النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: السام عليكم؛ أي الموت فأمر النبي الله أن يُردّ عليهم بقول (وعليكم) (رواه البخاري ومسلم)؛ أي وعليكم
ما تقولون، فكلمة (وعليكم) تفيد أن عليكم ما تقولون سواء قلتم خيراً أو قلتم
شراً.
المُحاور: امرأة طبيعتها عصبية، ويصدر منها صراخ شديد، ويصدر منها إزعاج شديد لأطفالها وغضب كيف تستطيع أن تغيّر هذا الطبع؟
يحرص
على أن يقاوم طبعه، فمقاومة الطبع السيئ مما
على الإنسان دائماً أن يؤمر به المسلم، فعندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني، وأقلل عليّ لعلي أعيه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»، ثم رجع إليه وسأله مرة، فقال له: «لا تغضب وسأله مرة أخرى فقال له: «لا تغضب» (رواه البخاري ومسلم)، فمعنى ذلك أن الإنسان إن كان من طبعه الغضب والانفعال يؤمر أن يقاوم هذا الطبع، ويؤمر أن يحرص على الترفّق والتلطّف، ومهما كانت صعوبة ذلك عليه فإنه بترويض نفسه على ذلك يستطيع أن يتغلب على هذا الطبع.
وجاء أيضاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب» (رواه البخاري ومسلم)، ومعنى ذلك أن يقاوم طبع الغضب، وأن لا ينساق وراء هذا الطبع فإذا ما غضب العبد عليه أن يتذكر غضب الله - تعالى - حتى يتفادى الوقوع فيما يؤدي إلى غضب الله، فالله - تبارك وتعالى - هو أقدر من كلّ قادر، هو العزيز القادر المصرّف لكلّ شيء، فنعوذ بالله - تعالى - من غضبه، ونسأله - تعالى - رضاه، والإنسان عندما يغضب عليه أن يتذكر خطورة غضب الله - تعالى - عليه ليبرد
ذلك من غضبه.
419 (1/419)
صفحة 420
420
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بأمور من أجل مقاومة الغضب، أمر من اشتدَّ به الغضب إن كان واقفاً أن يقعد، وإن كان قاعداً أن يضطجع (رواه أبو داود وأحمد)، وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء عندما يشتد على الإنسان غضبه) رواه أبو داود وأحمد، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم رواه أبو داود والترمذي)، كلّ ذلك مما يباعد الإنسان عن غضبه، فتوصي هذه الأخت بأن تحرص دائماً على أن تتبع هذه التوجيهات النبوية وأن لا
تخالفها.
المحاور: طفل عمره عشر سنوات يحافظ على الصلاة، ولكن المشكلة عنده أنه لا يعترف بالخطأ، فيكذب من أجل أن يبرر ما يصنع، كيف يعالج؟
يجب
أن يكون الأبوان أسوة لولدهما وقدوة له؛ بحيث يتفاديان الكذب حتى يشعر الطفل من أول الأمر أن الكذب أمر فيه خطورة بالغة، وعليهما أن يُذكِّراه بهذا الخطر، ويقولا له بأن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار والعياذ بالله كما جاء في الحديث (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم ليتخوّف عاقبة الكذب حتى ينشأ على جبلة الصدق، والله - تبارك وتعالى - هو المسئول بأن يهديه وأن يصلح من أمره.
المحاور: هناك من يؤم الناس، ولكن أخلاقه ليست جيدة، فهو لا يصل رحمه، ولا يتعامل مع الناس بالحسنى على الرغم من أنه إمام يصلي بالناس الصلوات، فما هي نصيحتكم لهذا؟
نصيحتي له أن
يتقي
الله، وأن يبر رحمه وأن يصلهم، وأن يصل جيرانه ويعطف
عليهم، ويقول كلمة الحسنى للناس جميعاً، وعليه أن يحذر عقاب الله، فإن عقاب
الله شديد، والله - تعالى - أعلم.
(1) رواه البخاري ومسلم، ونصّ الحديث: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البرِّ يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب
حتى يكتب عند الله كذاباً». (1/420)
صفحة 421
الأخلاق الإسلامية
المحاور: هل للباس علاقة بالأخلاق؟ فلبس الفتاة مثلاً لملابس شفافة أو لملابس غير لائقة، وكذلك لبس الرجل لملابس غير لائقة؛ هل لذلك علاقة بالأخلاق؟
? ?
اللباس غير المحتشم اللائق هو مما يتنافى مع الأخلاق الفاضلة، فالخُلق لا ينحصر
? ?
في لطف المعاملة فحسب، بل يعم كل جانب من جوانب حياة الإنسان، فمن الخلق الحياء، وإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بلباسها هو مما يخدش الحياء، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن الإيمان قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (رواه البخاري ومسلم)، فإبداء المرأة مفاتنها وعدم المبالاة بما تكون عليه من اللباس كلّ ذلك مما يتنافى مع الإيمان، بل مما يتنافى مع الفطرة الزكية، وكذلك أن يظهر الرجل بمظهر لا يتلاءم مع إيمانه وإسلامه ومع كرامته، فهذا أيضاً مما يخدش الحياء، فلا ينبغي له أن يكون بهذه الحالة.
المحاور: البعض عندما يوجه نصيحة للناس يقول: عاداتنا وتقاليدنا تفرض علينا ذلك، فهل الأخلاق تخضع لقانون العادات والتقاليد؟
حكم
الله،
الدين فوق العادات والتقاليد الدين هو استسلام الإنسان لأمر الله وتجاوبه مع وانقياده لشرعه، وإذعانه لطاعته، هذا هو الدين، ونحن إنما تعبدنا بما تعبدنا به سواء اتفق ذلك مع عاداتنا أو لم يتفق، فعلينا أن نراعي جانب الدين، إذ الدين هو الأصل، أما ما كان موروثاً عن الآباء والأجداد فإنه يُعرَض على الدين، فإن اتفق
مع الدين فبها ونعمت وبذلك يؤخذ، وإلا فالدين هو الحكم، وما خالفه فهو مرفوض.
المحاور: هل الأخلاق الإسلامية أخلاق نسبية، أو أنها تتسم بالثبات ولا تتغير بتغير الزمان والمكان؟
الأخلاق الإسلامية أخلاق ثابتة؛ لأنها نابعة من الفطرة، والإسلام هو دين الفطرة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
421 (1/421)
صفحة 422
422
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: كيف يمارس المسلم الدعوة إلى الله بالأخلاق؟
الداعية يجب أن يكون أدمث الناس خلقاً، وأحسنهم معاشرةً، وألطفهم قولاً، وأصدقهم حديثاً، فالداعية إلى الله - تعالى - إنما يمثل الدعوة بمعاملته وبخلقه، فلذلك كان جديراً بأن تتجسّد الدعوة من خلال أخلاقه، وأن تكون أخلاقه جذابة للذين يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لا أن يكون قاسي المعاملة مكفهر الوجه مقطب الجبين لا يلقى الناس إلا بوجه منقبض، ولا ينظر إليهم إلا شزراً، فهذا مما يتنافى مع الدعوة التي يدعو إليها المؤمن، فالله - تبارك وتعالى - قال لنبيه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وقال: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأَنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، وقال أيضاً: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 33 - 34]، فالأخلاق الحسنة مطلوبة من الداعية، فهو لا يمكن أن يؤثر على الناس من خلال دعوته إلا بحسن معاملته وبطيب معشره، فلذلك نحن ننبه جميع إخواننا الدعاة بأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في دعوتهم، وأن يحرصوا على الملاطفة الحسنة والمعاشرة الطيبة.
المحاور: ظاهرة الكذب عند الأطفال ألا يمكن أن يكون تعلمها من الوالدين بطريقة غير مباشرة؟
عليه، إذ الطفل من أول نشأته
ألا
من المحتمل أن يكون الولد قد اعتاد على الكذب لأنه وجد والديه يكذبان يجب يجرب على أبويه إلا الصدق، فإنّ الطفل عندما يرى أن أبويه يكذبان عليه يتعمّد هو الكذب؛ لأنه يعتبر أن الكذب شطارة ومهارة، وأنه خلق حميد، فلذلك يحاول أن يبتكر أنواع الكذب بقدر ما يغرّر (1/422)
صفحة 423
الأخلاق الإسلامية
بأبويه كما أنهما يغرّران به، ونرى ذلك واضحاً في حديث عبد الله بن عامر الله عندما روى بأنّ أمه نادته والنبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتهم، فقالت له: تعال أعطيك، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تريدين أن تعطيه؟ فقالت: أريد أن أعطيه تمراً. قال: «أما أنك لو لم تعطه شيئاً لكتبت عليك كذبة» (رواه أبو داود وأحمد). فالطفل لا يقال له خذ ثم لا يُعطى شيئاً، لا يقال له سوف أعطيك كذا ثم لا ينال شيئاً، وإنما يُعوَّد الصدق في المعاملة ليتعود على الصدق هو أيضاً في معاملة أبويه وفي معاملة الناس
جميعاً وهكذا.
423 (1/423)
صفحة 424
تَقُوا الله
يأيها الذين امنوا ات
سورة التوبة - الآية 119 (1/424)
صفحة 425
اللقاء السادس والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: الكذب
التأريخ: 14 صفر 1425 هـ / 4 إبريل 2004 م
لقاءات (1/425)
صفحة 426
426
لقاعات
في الفكر والدعوة
المحاور: ورد في بعض الأحاديث أن المسلم قد يكون بخيلاً وقد يكون جبانا لكنه لا يمكن أن يكون كذاباً، لماذا استثنيت هاتان الصفتان ولم تستثن صفة الكذب؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما
بعد
فإن الله - تبارك وتعالى - ائتمن الإنسان على كل جارحة من جوارحه ليسخّرها في رضى الله - تعالى - أوّلاً، ثمّ لما فيه مصلحة بني جنسه ثانياً، ومن بين هذه الجوارح اللسان، واللسان أخطر الجوارح جميعاً؛ لأنّ اللسان قد يؤثر أثراً بالغاً، فباللسان يمكن للإنسان أن يُضلّ أو يهدي غيره، ويمكنه باللسان أن يموّه الحقيقة ويجعل من الحق باطلاً، ومن الباطل حقاً، ومن الغي رشداً، ومن الرشد غيّاً، ومن الفساد صلاحاً، ومن الصلاح فساداً، الانحطاط رقيّاً، ومن الرقي انحطاطاً، فاللسان عندما يتسلّط على شيء ما، ولم يكن صاحبه متحرياً في استعمال ما يرضي الله - تبارك وتعالى - بحيث لم يكن مراقباً لله في تصرفاته وفي أعماله لا ريب أنه يؤدي إلى خطر كبير.
ومن
وهل كان ضلال الضُّلال، وانحراف المنحرفين، وفساد الفاسدين إلا بتأثير من الألسنة الخبيثة التي انحرفت فحرّفت، وضلّت فأضلّت لأجل هذا جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التنبيه على خطورة ما يأتي به الإنسان من خلال نطقه، فقد قال في نصيحته لمعاذ ـ رضي الله تعالى عنه -: ألا أدلك على ملاك ذلك كله، احفظ هذا»، وأشار إلى لسانه، فقال: يا رسول الله أئنا مؤاخذون بما نقول؟ قال له: «ثكلتك أمّك، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم» (رواه الترمذي وابن ماجه). وجاء في الحديث الشريف: «إنّ الرجل يتكلم بالكلمة ما يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (سبق تخريجه)، وجاء في الحديث: «إنّ الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله لا يحسبها تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظنها أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» (سبق تخريجه).
فهذا كلّه يدلّ على خطورة الحديث، ولا ريب أن الإنسان مأمور أن يحفظ لسانه بحيث (1/426)
صفحة 427
الكذب
فلا يدعه يلغ في أعراض الناس، ويقول الهجر من المقال، ولا يأتي بالفاسد من الحديث؛ فإنّه من باب أولى أنه مأمور بأن يحفظ لسانه حتى لا يقول إلا الصدق، ولا يُعبّر إلا عن الصدق بالصدق، ذلك لأن الكذب يؤدّي إلى انقلاب الموازين، وتغيّر الأحوال والفساد في الأرض، فمن أجل هذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مايدلّ على أنّ المؤمن ليس من شأنه أن يكذب، فقد جاء عنه: «يطبع المؤمن على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب» (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)، وجاء أيضاً عنه عندما سئل أيكون المؤمن جباناً قال: «نعم»، قيل: أيكون بخيلاً؟ قال: «نعم» - وذلك بطبيعة الحال مع مكابرته هذا الطبع وإنفاقه مما فرض الله تعالى عليه الإنفاق منه ـ، ولكن عندما قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: «لا» (رواه مالك في الموطأ، والبيهقي في شعب الإيمان)، فلا يمكن أن يبقى إنسان مؤمناً كذبه، كيف والله مع - تبارك وتعالى - يقول: {إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ} [النحل: 105]، فالذي يفتري إنما هو الذي لا يؤمن بآيات الله، إذ الله - تبارك وتعالى ـ يأمر بالصدق والكون مع الصادقين، ومفهوم ذلك هو التحذير حتى لا يكون مع الكاذبين، فالله سما الله يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ) [التوبة: 119]، يأمر عباده المؤمنين بأن يتقوه، وأن يكونوا مع الصادقين
وذلك بأن بلتزموا الصدق في كلّ حديثهم حتى لا تنفلت ألسنتهم بقول الكذب.
ومن المعلوم أنّ في الكذب خطورة بالغة فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الصدق، ويبين فضله وميزته وأثره الحسن على حياة الإنسان، ويحذِّر من الكذب، ويبيّن كذلك خطورته ونذالته وأثره السيئ على حياة الإنسان، وذلك في قوله: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذي يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً سبق تخريجه، فمعنى هذا أنّ الإنسان بتعوّده الصدق وتحرّيه إياه والتزامه به وعدم خروجه عنه يستمرّ على الصدق دائماً، فيكون الصدق سجية من سجاياه، بينما هو إذا انفلت لسانه بالكذب وتعوّده فإنه يتحول الكذب إلى أن يكون سجية من سجاياه، فلذلك شدّد تشديداً بالغاً في هذا الأمر، وأمر الإنسان أن يحرص على أن لا يعثر على الصدق في كلامه.
427 (1/427)
صفحة 428
428
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ونحن نرى أن أهل الجاهلية وهم في جاهليتهم كانوا يربؤون بأنفسهم عن أن يُسجل عليهم الكذب سواء الوثنيون أو غيرهم، فنجد أهل الوثنية - على ضلالهم - يحرصون على أن لا يُعثر على كذب منهم، فمثلاً عندما كان هرقل يسأل أبا سفيان عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو سفيان مشركاً، وكان شديد العداوة للنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، ولكن مع ذلك كان يجيبه بصدق وأمانة، وترك هرقل وراء أبي سفيان أصحابه، وقال لهم: إن كذبني فكذَّبوه، لكن أبو سفيان قال بأنه لم يخش أن يكذِّبوه، وإنما خشي أن يعثروا على كذب منه، فيتحدث الناس عنه بأنه قد كذب مع أنه كان سيداً شريفاً في قومه، فكان يحذر أن يُوصم بهذه الوصمة، هذا مع جاهليته ومع كونه لا يؤمن بثواب على الصدق، ولا يؤمن بعقاب على الكذب عند الله - تبارك وتعالى، ولكن يخشى سوء الأحدوثة بأن يتحدث الناس عنه بأنه قد كذب.
وكذلك نجد السموأل يصف نفسه بالأنفة من الكذب وهو يهودي، ولكنه كان عربياً، وبطبيعته العربية كان حذراً من أن يتحدث عنه الحديث السيئ، فهو يقول:
لله
إِنَّا وإن مالت دواعي الهوى لا نجعل الباطل حقاً ولا نخاف أن تسفّه أحلامنا
وأنـ
ـصت الـ
تلظ دون الحق بالباطل
ع للقائل
فنخمل الدهر مع الخامل
فهو لا يخاف عقاباً من الله، ولكنه يخاف أن يُسفّه حلمه، وأن يخمل في طيات الدهر مع الخاملين بحيث لا يذكر إلا بهذه الحالة النذلة الخسيسة، وهكذا.
ومن المعلوم أن الإنسان إذ صدق وتحرى الصدق ولم يعثر على كذب منه اطمأن الناس إلى قوله، ووثقوا بحديثه، وكان موضع الثقة حتى في أمانته؛ لأن الصدق يدعوه إلى الوفاء بالأمانة، أما إن كان كذاباً فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، ومعنى هذا أنه مع وجود الكذابين في المجتمع يصبح الناس في قلق من أمرهم لا يثقون بأحد، وقد يتحدّث الإنسان وهو صادق ولكن لا يُوَثَق به لأجل أنهم اعتادوا الكذب منه.
من أجل ذلك عندما سأل هرقل أبا سفيان عن خصال النبي صلى الله عليه وسلم كان مما سأله عنه: هل كنتم تتهمونه بكذب قط؟ قال له: لا، ولما أخذ هرقل يحلّل الموقف من بعد قال: لم يكن (1/428)
صفحة 429
الكذب
ومع
ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله؛ أي لا يمكن أن يكون قد ترك الكذب على الناس، ذلك يكذب على الله - تبارك وتعالى -، فهذا مما يدل على أن الصدق ركيزة يلتفّ حولها الذين يربؤون بأنفسهم عن النذالات، وهي ركيزة الطمأنينة والثقة في المجتمع بخلاف الكذب، فلذلك يؤمر الإنسان أن يكون متحرّياً للصدق في جميع حديثه، وأن يكون متجنّباً للكذب كله، والله - تعالى - المستعان.
المحاور: سماحة الشيخ ذكرتم في كتاب التحذير من كذبة أبريل) عندما تحدثتم عن كذبة أبريل أن هذه الكذبة انتشرت في أوساط بعض المسلمين نتيجة الضعف الفكري والثقافي، والإيماني، ونتيجة الانحطاط الحضاري، وذكرتم في الوقت نفسه أن هذه الكذبة أصلها كان بسبب سقوط غرناطة، ماذا يعني هذا بالنسبة للمسلمين؟
المسلم يطلب منه أن يكون مؤثّراً لا متأثراً، وقائداً لا منقاداً، وأن يكون بإسلامه يجتذب الناس إلى محاسن الإسلام، وهذا الذي كان في العهود الإسلامية المشرقة عندما كانت شمس الإسلام تتألّق في سماء العالم، وكان الناس ينظرون إلى المسلمين نظرة إكبار وإجلال، في ذلك الوقت أثر الإسلام تأثيراً بالغاً حتى في أعماق أوروبا، وحصل ما حصل من التغير في المفاهيم، وفي الأخلاق، وفي العادات، وفي الأفكار، بل قالوا بأن حركة لوثر الإصلاحية ما كانت إلا أثراً من آثار الإسلام الحنيف، وكذلك وجد في أوروبا من كان ينهى عن تعظيم التماثيل وتقديسها بل واتخاذها، وعدوا ذلك وثنية، وصدرت مراسيم بهذا وكان ذلك بتأثير الإسلام، بل قالوا بأن من بين الأساقفة الذين كانوا يحاربون التماثيل كولوديوس أسقف تورين، وقالوا بأنه نشأ وتربى وترعرع في الأندلس عندما كانت مسلمة عربية فكان ذلك سبباً لاقتباسه من المسلمين هذا الكره للتماثيل نتيجة ما كان عليه المسلمون من الالتزام بدينهم الحنيف، وهكذا.
وأنا أذكر هنا كلمات قلتها مراراً، وقلت بأن هذه الكلمات من المفروض على المسلمين أن يعوها وأن يفهموها وأن يدركوها، وهي لبلاغتها ولقوة تأثيرها حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهذه الكلمات لم يقلها رجل تعلّم أو عاش حياته في البلاد الإسلامية، بل قالها
429 (1/429)
صفحة 430
430
لقاعات
في الفكر و الدعوة
رجل درس وقضى جانبا من حياته في أوروبا، ولكن مع ذلك كان كما قال هو عن نفسه: اكتحلت بإثمد المدينة، فلذلك لم يعشُ بريق الحضارة الأوروبية بصري، وهو الشاعر محمد إقبال، وقد بيّن في هذه الكلمات المنهج الذي يجب أن يكون عليه المسلم، يقول:
«إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته؛ لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إنّ مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكّر له الزمان، وعصاه المجتمع، وانحرف عن الجادة؛ لم يكن له أن يخضع، ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظلّ في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره إنّ الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يردّ».
ومعنى ذلك أن المسلم مطالب بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحرص على تحويل الناس من الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشد، ومن الانحطاط إلى الرقيّ، وذلك ما لا يتمّ أبداً إلا إذا كان هو صورة إيجابية تمثل الإسلام وتجسّده كما كان ذلك عند السلف الصالح، ثم لا يكون ذلك أبداً إلا مع التزامه بقيم الإسلام ومواريثه وأفكاره واعتزازه بتاريخه وتراثه، فإن ذلك مما يجعله مؤثراً لا متأثراً، وقائداً لا منقاداً، أما مع كونه الإنسان يتزلزل ويتزعزع ويستجيب لكل داع، ويتأثر بكلّ مؤثر، ويستفزّه كلّ ما يلوح له؛ فإنّ ذلك بطبيعة الحال يدعو الناس إلى عدم به حتى ولو دعا هو إلى مكرمة أو نادى بخير وصلاح وإصلاح ما دام هو نفسه بهذه الحالة.
الأمة
الثقة
ونحن نرى أن الرسول الله ربّى هذه الأُمة على الاعتزاز بمواريثها وبأفكارها وبتاريخها وبكل قيمها وفضائلها، ربّاها على إعتزازها بصلتها بالله - تبارك وتعالى ـ، فلذلك كان يحذر هذه من التأثر بأي شيء مهما كان حتى في الأمور العادية، وهو نفسه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التزام ذلك ـ كما جاء ذلك عنه فقد كان من شأنه عندما يدفن ميتاً أن يقوم ويظل قائماً، ولكن بينما كان قائماً له، وكان أصحابه قياماً، مرّ بهم أحد أحبار اليهود وقال: هكذا نصنع،
-- (1/430)
صفحة 431
الكذب
فقعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه بالقعود وقال: «خالفوهم خالفوهم» (رواه أبو داود والترمذي)، هذا لئلا يتأثر المسلم في سلوكه؛ لأنّ التأثّر في السلوك يؤدي إلى التأثر في العبادات، ويؤدي إلى التأثر في العقيدة، ويؤدي إلى التأثر في الشخصية الإسلامية بحيث تصبح شخصية مضطربة متزعزعة، ومن تقهقر خطوة واحدة تقهقر بعدها خطوات، لذلك كان المسلم مأموراً أن لا يتقهقر أبداً أمام أي تيار من التيارات، وأن يظل صامداً متمسكاً بإيمانه حريصاً على عبادته لربه، وحريصاً على تميزه في أعماله وأقواله، وفي عقيدته وتصوراته، وفي عاداته وعباداته، وفي سلوكه وأخلاقه، وفي مظهره، ومخبره، لئلا يكون المسلم إمعة يقاد فينقاد، ويُدعى فيستجيب، وإنما يُؤمر أن يكون هو المؤثر على الآخرين، وهكذا يجب أن يكون المسلمون جميعاً.
المحاور: هنالك من الناس من يمارس الكذب دون أن يشعر، أو قد يشعر بذلك ولكن يلتمس لنفسه عدداً من الأعذار من هذه الصور منسقو المدراء، فالمنسّق دائماً ما يأمره المدير بأن يردّ على المتصلين بقوله لهم؛ إنّ المدير ليس موجوداً يقول أنا في حيرة، إذا رفضت كلام المدير سأتعرّض لمشكلة، وإذا قلت للناس كما أمرني أكون قد كذبت، فما الحكم؟
إذا كان يحجب الناس عن مصالحهم؛ فذلك غير جائز؛ لأن المدير وغيره مسؤول عن قضاء حاجات الناس التي كلف بقضائها في حدود مقدرته.
ويد
غير موجود
أمامه
في
أما إذا كان هذا المدير يطالبه الناس بما ليس في وسعه، وبما لم يكن قادراً عليه بحيث يطالبونه بالخروج عن صلاحياته وتعديها إلى صلاحيات غيره مثلاً، وكان في إخبارهم بأنه موجود إحراج؛ فبإمكانه أن يقول هو غير موجود، ويعني أنه مكتبه الذي هو فيه؛ لأن المدير يكون في مكتبه الخاص، وكذلك منسقه يكون في مكتبه، فبإمكانه أن يورّي إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب رواه ابن أبي شيبه والبيهقي في السنن الكبرى)؛ أي يستعمل هذه المندوحة بهذا القصد من غير أن يقصد بذلك الكذب على الناس، وهذا إذا لم يكن في ذلك مساعدة لهذا المدير على مماطلته للناس وعدم قضائه مطالبهم ومصالحهم التي نيطت به، فإن كان يُطالب بما لم ينط به ـ كما ذكرنا ـ فللمنسّق أن يتعاون معه بهذا الأسلوب مع هذه النية الصادقة.
431 (1/431)
صفحة 432
432
لقاءات
في الفكر و الدعوة
المحاور: هل للمعاريض ضوابط معينة؟
المعاريض أن يكون الكلام محتملاً لمعنى صحيح مع قصد ذلك المعنى الصحيح الذي لم يخرج إلى الكذب، كما يقال إن رجلاً أبصر رجلاً، فقال له أحد الناس: أتعرف هذا؟ قال له: نعم، إنّ له قدماً وبيتاً، يريد بقدمه القدم الذي يطأ به، ويريد
بالبيت البيت الذي يسكنه.
المحاور: بعض الموظفين يتعرضون لإحراجات ربما تؤدي إلى فصلهم أو معاقبتهم أو خصم رواتبهم، فيضطرون - كما يقولون - إلى الكذب تلافياً لهذه المشكلة، فهل
يجوز ذلك؟
أنا لا أعرف ما هي هذه الإحراجات، هل هم أساءوا، فإن كانوا أساءوا وخرجوا عن طريق الحق وغشّوا الجهة التي يشتغلون فيها ويعملون بها؛ فذلك غير جائز؛ لأن على المسلم أن لا يكون غشاشاً، بل عليه أن يكون أميناً في أقواله وفي أعماله، أما إذا كان ذلك بخلاف هذا فإنّ للإنسان فيما هو حق له أن يستعمل الأسلوب الذي يُرضي به الناس، وفي نفس الوقت لا يسخط الله - تبارك وتعالى -
المحاور: الناس يرغبون في أن يسلوا عن أنفسهم وفي أن يخوضوا مع رفاقهم فرصاً للتسلية، ويستخدمون المزاح ليكون فيه تسلية، فهل يجوز الكذب في المزاح؟
هذا من أخطر الخطر، فإنّ الحديث عن النبي الله يقول: «ويل للذي يتحدث إلى الناس ليضحكهم فيكذب ويل له ويل له» (رواه أبو داود والترمذي)؛ أي يريد أن يثير الضحك، وأن يسبب شيئاً مما يعدونه تسلّياً، ويدفعه ذلك إلى أن يكذب، توعده النبي صلى الله عليه وسلم بالويل، والوعيد الذي يأتي على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو وعيد الله، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى وليس الكذب في المزاح من شأن المسلم المؤمن الذي يخشى الله - تبارك وتعالى - ويتقيه؛ لأنّ المسلم جاد ولا يميل إلى الهزل، وإن أتى بالنكتة أو الفكاهة في كلامه فذلك في حدود الصدق، ولا يتجاوز إلى غيره، ولا يكون كذاباً بحال من الأحوال. (1/432)
صفحة 433
الكذب
المحاور: البعض يأتي بنكتة وينسبها إلى شخصية معروفة كجحا أو أبي نواس، ومن المعلوم أنه لم يقل تلك النكتة، وإنما ينسبها إليه، ثم يتبادلها مع زملائه،
فما الحكم؟
كل ذلك من الكذب المحرّم، وهو غير جائز.
المحاور: الآباء يمارسون الكذب مع أطفالهم تخلصاً من إزعاجاتهم أو غيره، فهل
يجوز ذلك؟
نقشت،
الكذب على الطفل أخطر من الكذب على الكبير؛ لأنّ الطفل هو كالمرآة التي تعكس كلّ ما يقابلها، وهو كاللوحة الصافية التي لم تُنقش فتنتقش كيفما فخُلُق الوالد له تأثير على الطفل، وخُلُق الأمّ له تأثير على الطفل، ولذلك عندما كانت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تدعو ولدها فقالت له: تعال أعطيك، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا تريدين أن تعطيه؟ فقالت: أريد أن أعطيه تمراً، قال: «أما أنك لو لم تعطه شيئاً لكتبت عليك كذبة» (رواه أبو داود وأحمد)، هذا لأنّ الطفل يتأثر، فهو أحرى بأن يربى تربية لا يحس فيها بأي شيء من مخالفة الأوامر الشرعية.
أُمه
أما لو كان الطفل يفتح عينيه، ويجد أباه يكذب عليه، ويجد تكذب عليه؛ فإنه يعدّ الكذب شطارة ومهارة، ويحرص أن يكذب عليهما كما يكذبان عليه، ويحرص أيضاً أن يكذب على زملائه كما يُكذب عليه، ويحرص على أن يبرع في الكذب ليزداد بذلك شطارة ومهارة حتى يفوق الآخرين في ذلك، وهذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى أن يعتاد ذلك حتى يكون سجية من سجاياه، وخلقاً من أخلاقه، وهذا هو عين الانحراف عن الحق، والإنسان مسؤول عن أولاده كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (سبق تخريجه)، فكذلك هما اللذان يعودانه مساوئ الأخلاق ورذائل الأقوال والأعمال بحيث يجد فيهما القدوة السيئة التي تعوده ذلك، والله
- تعالى - المستعان.
433 (1/433)
صفحة 434
434
لقاعات
في الفِكْرِ وَ الدَّعْوَةِ
بأن فلاناً
المُحاور: ما هي ضوابط الكذب في الإصلاح بين المتخاصمين؟ في الإصلاح بين المتخاصمين يجوز للإنسان أن يأتي بالكذب، إن وجد مندوحة فليستعمل المندوحة، وإن لم يجد مندوحة فلا بأس بأن يقول لأحد الخصمين الذي هو خصمه يذكرك في غيبتك بخير، ولا يقول عنك إلا الخير الجميل، وهو يقدرك، وهو يحترمك ... إلخ، مما يؤدي إلى أن يستلّ منه السخائم والأحقاد؛ لأن هذا الكذب ليس فيه مفسدة، وإنّما فيه مصلحة، ولما كان لمصلحة فلا مانع منه؛ لأنه لا يعتبر غشاً، ولا يقود إلا إلى التصالح والتراضي بين المتخاصمين، فلذلك أبيح في الإسلام.
المحاور: نرجو توضيح التورية: معناها، وحدود استعمالها، وهل هي المعاريض نفسها؟
التورية أيضاً
هي من المعاريض، فالتورية في الأصل أن يكون للكلام معنيان: معنى قريب، ومعنى بعيد، ويقصد المورّي المعنى البعيد، وهي تنقسم إلى تورية مرشحة، وتورية مجردة، وتورية مبينة كما قال ذلك علماء البلاغة، ومن أمثلة التورية المرشحة قول الشاعر:
لولا التطيّر بالخلاف وأنه
قالوا مريض لا يعود مريضا لقضيت نخباً في جنابك خدمة لأكون مندوباً قضى مفروضا
فإننا نجد في الشطر الثاني من البيت الثاني تورية مرشحة، إذ الأصل أن المندوب معناه القريب المفهوم عند الناس هو ما يقابل المفروض مما يُؤمر به؛ أي ما يكون بمعنى المأمور به أمراً لا يترتب على تركه عقاب، وإنما يترتب على فعله الثواب، هذا هو المندوب المعروف، فعلماء الأصول والفقهاء قالوا بأنّ الواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وقالوا في المندوب بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، ولكن الشاعر لم بقصد هذا المعنى مع كونه قرنه بالمفروض، وفي قرنه بالمفروض ترشيح لهذه التورية حيث ذكر معه ما يناسب المعنى القريب الذي وري به ولم يأت بالمعنى الذي وري عنه، فذكره المندوب مع المفروض كأنما يُوحي بأنّ قصده أنه مندوب شرعاً؛ مع أنه قصد لأكون ميتاً مندوباً يندبه أهله بعد موته، وقد أدى فرضاً عليه حيث قام بخدمتك حتى لقي حمامه في القيام بهذه الخدمة، هذه هي التورية المرشحة وهي قسم من أقسام التورية. (1/434)
صفحة 435
الكذب
المحاور: هل يجوز الكذب في سبيل الحب حينما يريد الواحد أن يستعطف إنساناً، وأن يكسب حبّه، فيقدّم نفسه أمامه بأنه يمتلك كذا، وأنه يحوز على كذا حتى يبادله ذلك الشخص شيئاً من الاحترام والمشاعر؟
هذا من التدليس على الناس على أنّه ليس مقياس الفضل أن يملك الإنسان شيئاً أو لا يملك، وإنما مقياس الفضل ما يتحلّى به من أخلاق، وما يكون عليه من استقامة، وما يكون عليه من هدى وبصيرة في أمر دينه.
ليس مقياس الفضل أن يحرز الإنسان الدنيا يحذافيرها وإلا لكان قارون أولى بالفضل، وهذا من الأمور التي فتن بها الناس والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المتشبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور» (رواه البخاري ومسلم)، والمقصود أنّ الذي يتشبع أي يدعي الشبع وهو في حالة جوع؛ أي يدعي الغنى وهو في حالة فقر؛ كمثل لابس ثوبي زور.
يملك
وهب أنّ الغير اغترّ به إلى وقت، فماذا عسى أن تكون النتيجة؟! النتيجة هي أن ينكشف أمره، ويسقط من أعين الناس فيما بعد؛ لأنه كذب وادّعى زوراً بأنه يملك ويملك وهو لا شيئاً، ا، وهذا مما يؤدى إلى قلى الناس له، وإلى سخطهم عليه، وإلى عدم اعتبارهم إياه شيئاً، ونحن نرى كثيراً من الناس الآن يقعون في هذا الأمر، يريدون أن يتظاهروا بمظهر العظمة، يريد أحدهم أن يتظاهر بأنه عالم مثلاً، أو يريد أن يتظاهر بأنه غنيّ، أو يريد أن يتظاهر بأنه صاحب جاه أو صاحب منزلة عند الناس، ويريد أن يتظاهر بكذا وكذا مما ليس منه في قبيل ولا دبير، ولكن هؤلاء الذين يصنعون ذلك لا يزدادون عند الناس إلا سقوطاً، وهم بقدر ما يفعلون هذه الأمور يسقطون من أعين الناس عندما تنكشف حقيقتهم، وتتبيّن دخائلهم، وهكذا، فقد يدعي الإنسان أنه على علم واسع؛ كهؤلاء الذين يحملون شهادات الزور ومع ذلك يحاولون التدليس على الناس؛ كل ذلك مما يؤدي إلى سقوطهم في النهاية من أعين الناس.
المحاور: وعدت صديقتي أن أزورها في يوم معين، فلما جاء ذلك اليوم شغلتني بعض الشواغل العائلية، فلم أقم بزيارتها الموعودة، فلما قابلتها استحييتُ منها، فاعتذرتُ بأن ضيوفاً قدموا عليّ فجأة، فلم اتمكن من مغادرة المنزل، فهل هذا
435 (1/435)
صفحة 436
436
لقاعات
في الفكر و الدعوة
اللون من الكذب حرام؟ مع أنه لا يضر صاحبتي ولا يضرني، وإنما خلصني من مأزق حرج بلطف، ولهذا يسمونه الكذب الأبيض.
ليس هنالك كذب أبيض، بل كلّ الكذب هو كذب أسود، والإنسان عليه أن يتحرّى الصدق، وهي السائلة كان واجباً عليها بما أنها وعدت صديقتها، وقد حصل لها ما حصل مما ثبّطها عن الذهاب إليها أن تعتذر إليها في ذلك الوقت حتى لا تعطّل أعمالها وتدعها تنتظرها كان هذا هو الواجب عليها، وما أحلى الصدق! وما أمر الكذب كيفما كانا!!
المحاور: كيف تكفّر عن كذبها؟
عليها أن تصلح كلّ ما أفسدته بكذبها، فبذلك تكون قد كفّرت عن كذبها.
المحاور: في بعض الأحيان يجد الإنسان أنه لو نقل الخبر كاملاً لشخص معين قد يؤثّر على صحته أو قد يصدمه، فيضطر إلى أن يورّي، أو إلى أن يقول له بأنّ الرجل لم يمت مثلاً، وإنما هو مريض أو لا زال بخير وما شابه ذلك، فهل هذا
من الكذب؟
ينبغي في مثل هذا الموقف أن يستعمل الحكمة بقدر المستطاع، وأن يتدرّج في إخباره، فأولاً يخبره بأنه أصيب بوعكة، ولا ريب أنه في حياته أصيب بوعكة؛ إذ
لا يمكن لأحد في حياته أن تمرّ حياته جميعاً من غير أن يصاب بوعكة، ثم بعد ذلك يتدرّج، بحيث يقول له: إنه أصيب بمرض ثقيل، وهكذا شيئاً فشيئاً حتى يهيئه لتلقي الخبر، فهذا لا يعد كذباً، ولكن لا يقول له بأنه حي، وإنما يقول له: أصيب بمرض ونرجو له الخير؛ أي يُرجى له الخير عند الله لعله مات على توبة نصوح فيفوز بمغفرة الله تعالى ورحمته.
المحاور الطالب في المدرسة ربما سيتعرض لو لم يكذب إلى ضرب من المدرس، أو إلى عقاب يستهدف الإنقاص من درجاته فيكذب، فهل يصح له ذلك؟ (1/436)
صفحة 437
الكذب
هو لماذا يقصر في الواجب عليه، بل ينبغي أن يُشجّع الطلاب جميعاً على الحرص على أداء الواجبات المدرسية من غير تفريط فيها، وإن كان هناك قصور بسبب الإهمال فهم أحقاء بالعقوبة، أما إذا كان الأمر بخلاف ذلك بحيث إنّ الطالب لم يقصر في شيء قط؛ ففي هذه الحالة يجوز له أن يستعمل شيئاً من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، والله - تعالى - أعلم.
المحاور: لي ابنة صغيرة تكذب، ومشكلتها أنها تأخذ حاجيات أخواتها دون علمهم، وتنكر أنها أخذتها إلا بعد محاولات كثيرة، وكلّ هذا ولا أريد أن أضربها، فكيف أستطيع التعامل معها؟
ينبغي أن تُحذَّر من الكذب، وأن يُبيّن لها أن الكذب يؤدي إلى سخط الله، وأنّ سخط الله يؤدي إلى عقابه، ويبيّن لها أنّ التزام الصدق يؤدي إلى رضا الله،
وأنّ رضا الله يؤدي إلى ثوابه، ويبين لها خطر العقاب وعظم الثواب حتى تتشوّق نفسها إلى ثواب الله وتخشى من عقابه، ويجب أن تغرس فيها خشية الله - تعالى - منذ صغرها.
المحاور: ما الأبعاد الخطيرة لكذبة أبريل؟
كذبة
أبريل
هي
هي
تقليد لغير المسلمين، فقد نشأت في الغرب عند الأسبان عندما سقطت الأندلس، وذلك باحتلال معقل من معاقل المسلمين فيها وهو غرناطة فقد سقطت في أيديهم كما قيل في أول يوم من شهر أبريل، وكان ذلك نتيجة خديعة المسلمين التي خدعهم بها أعداؤهم؛ بحيث حبّبوا إليهم الشهوات، واستطاعوا أن ينحرفوا بهم عن معالي الأمور، فغرقوا في حبّ الشهوات، وأخذوا يعاقرون الخمر، ووصل الأمر إلى ما وصل إليه، فاستطاعوا أن ينقضوا عليهم كانقضاض السبع على فريسته، وأدى الأمر إلى سقوط هذا المعقل - وهو غرناطة - في أيديهم، وهو آخر معاقل المسلمين هنالك، فكان نتيجة ذلك أن احتفى الغربيون في هذا اليوم وخصوصاً الإسبان، وكانت بداية ذلك عند الكاثوليك خاصة، ثم انتقلت هذه العادة إلى غيرهم كانوا يحتفلون بذلك اليوم، يلقون كلمة يسمونها خدعة أبريل، ثم تطوّرت بعد ذلك إلى كذبة أبريل.
437 (1/437)
صفحة 438
438
لقاعات
في الفكر و الدعوة
والمسلمون بسبب ضعفهم، وهزيمتهم النفسية واغترارهم بما يشاهدون عليه الغرب الآن من مظاهر التقدّم والمدنيّة إلى آخره؛ انجرفوا وراء هذه العادات وملكت عليهم ألبابهم واستحسنوها أيما استحسان، وظنّوا أنهم بذلك يرقون إلى درجات الكمال، ويصعدون إلى معالي الأمور، وأنهم بهذا يشاركون الغرب في تقدّمهم هم استطاعوا أن يقلدوهم في هذه السفاسف، ولم يقلدوهم في معالي الأمور فلم يحاكوهم في الابتكارات أو النظام أو الإدارة، مع أن النظام يعود إلى الإسلام، وأولئك اقتبسوا منه،، وكلّ ما كان عندهم من مظاهر الحضارة والمدنية إنّما استمدوه من الإسلام، وهذا باعترافهم بألسنتهم، ومع ذلك نجد المسلمين ما استطاعوا أن يحاكوهم في مثل هذه الأعمال، وإنما اكتفوا أن يحاكوهم في الرذائل، فكانت هذه الانتكاسة الخطيرة.
ثم إن كذبة أبريل تؤثر أثراً خطيراً قد يصدم الإنسان أخاه أو قريبه أو أي أحد عندما يخبره كذباً بأن فاجعة ألمت به، وقد يسبّب ذلك فاجعة تقع فعلاً، فقد يُخبر الإنسان بموت قريبه أو نحو ذلك، وليس ذلك من الحقيقة في شيء، ويُفجع ويُصدَم صدمة عنيفة قد تؤثر على قلبه، وقد تؤثّر على عقله، وقد تؤثّر أيضاً عليه عندما يسوق سيارة مثلاً قاصداً مكان الحادث المزعوم بدون وعي فيصطدم نتيجة عدم تركيزه في القيادة وعدم استجماع فكره وعقله وهكذا تنتج المصائب وتتولد الفواجع من شؤم هذا الكذب الخطير في هذا اليوم، والله تعالى المستعان.
وقد قرأنا العام الماضي بأن هناك جماعة في فرنسا سمت نفسها الفكاهيين التائبين، بدأت بمائة رجل، ثم أخذت بعد ذلك تنمو حتى وصلت في العام الماضي إلى ستمائة شخص، وقعوا جميعاً على وثيقة بأنهم يترفّعون عن الكذب في هذا اليوم؛ أي في أول يوم من أبريل، ويجعلون الكذب في ذلك اليوم من الأمور التي تنحرف بأصحابها عن النهج السليم، وأنه يجب توقّي هذا الكذب على كلّ أحد، هكذا اهتدى أولئك إلى فضيلة الترفع عن هذه الرذيلة فاستقبحوها، فإن كان هؤلاء المبهورين بهذه السفاسف يحرصون على تقليد الغربيين ويرونهم سادة الموقف وأنهم أجدر بالتقليد والاتباع وكان لا بد من اتباعهم فليتبعوهم في هذا الأمر وهو تركهم لهذه الرذيلة، والله - تعالى - المستعان. (1/438)
صفحة 439
اللقاء السابع والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: التفاؤل
التأريخ: 3 ربيع الثاني 1425 هـ / 23 مايو 2004 م
لقاءات (1/439)
صفحة 440
?
?
\_/
D
%)
سورة الشرح - الآية 0 (1/440)
صفحة 441
التفاؤل
المحاور: التفاؤل له دور كبير في دفع الإنسان إلى الإمام، وهو كذلك الدافع الرئيسي لتحقيق الأهداف لكن البعض تنقص عنده هذه الصفة أو تنعدم، وسرعان ما تنطلق من لسانه بعض ألفاظ التشاؤم، وتنعكس على حركاته وسلوكه وكأنه ينظر إلى المستقبل على أنه عقبة كؤود، أو أن بينه وبين المستقبل خرط القتاد، وأنتم سماحة الشيخ عُرف عنكم كثرة التفاؤل، فكيف يُربّي الإنسان نفسه على التفاؤل؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإنّ المؤمن من يصل كل شيء بالله - تبارك وتعالى ـ الذي خلق هذا الوجود وصرفه، والذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجع الأمر كله - سبحانه ـ له الخلق والأمر، وله الحكم والقهر إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [يوسف: 40].
وعقيدة التوحيد تدعو الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأمور كلّها بمنظار الإيمان بالله يا الله ومن خلال ذلك يرى يد الله لا تصرّف الأشياء، فتأتي بما لم يكن في الحسبان، فالله الله قد يمن باليسر بعد العسر، وبالفرج بعد الشدة، وبالسعة بعد الضيق، وهكذا تنقلب الأحوال من حال إلى حال، ودوام الحال من المحال.
كان يمضي
قدماً
والنبي له وهو إمام المؤمنين جميعاً علمنا كيف نتفاءل حتى في حالات الشدة، فالرسول - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام - كان كثير التفاؤل، وكان لا يتشاءم أبداً وإن أحلولكت الدنيا أمام ناظريه، وتضاعفت الشدائد وأحاطت به إحاطة القيد بالساق، فقد مع ما يواجهه من التحديات وما يلقاه من الصعاب، وقد هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعدما أظلمت الدنيا في وجهه، وتنكّر له المجتمع وبعد عنه القريب، ونفاه الحميم، وفي حال الهجرة - وهو يخرج من بلد فيه مرتع طفولته، أحلامه، وسجّل ذكرياته لينتقل إلى بلد آخر بينه وبينه نحو خمسمائة كيلومتر أو نحو ذلك، وكان الرصد من أمامه والتبع من خلفه إذ كان أعداؤه يريدون به صلى الله عليه وسلم كل شر، ويضمرون له كلّ كيد - تعرّض له سراقة طمعاً من أن ينال الجائزة التي وعدت قريش بها من يردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم حياً أو ميتاً، وهي مائة ناقة، فكانت تلك الآية الكبرى من آيات الله - تبارك وتعالى - بحيث ساخت قوائم فرسه في الأرض الصلبة، ورأى من آيات
ومسرح
441 (1/441)
صفحة 442
442
لقاعات
في الفكر و الدعوة
:
الله ما رأى، وطلب الأمان من النبي - عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام - ما كان من رسول الله الله بعدما منحه الأمان إلا إن قال له: كيف بك إذا لبست سواري کسرى» (رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار).
فقد كان في هذا الموقف الصعب ينظر إلى مستقبل هذه الأمة، فيتطلع إلى
- تبارك وتعالى - لهذه
وعد
الله
الله
ـ تعالى ـ الآتي بلا ريب، كان ينظر إلى اليوم الذي يعزّ الله - تبارك وتعالى ـ فيه المؤمنين، ويذلّ فيه الكافرين اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الباطل، والذي ينزل فيه الجبّارون في عليائهم بحيث إنّ أحداً من عامة الناس يلبس سواري كسرى وتاجه ليتحقق وعد الأمة بالنصر والتمكين، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة ذلك، وقد تحقق هذا الوعد إذ أنجز الله - تعالى - لنبيه وعده، ونصر عبده، الأحزاب وحده، فجاء اليوم الذي خرج فيه كسرى طريداً شريداً من ملكه، وقد خلّف وراءه كل ما كان يملك، وإذا بخزائنه يُؤتى بها إلى الفاروق - رضي الله تعالي عنه ـ، فيدعو سراقة، ويلبسه تاج كسرى وسواريه كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأعزّ جنده، وهزم
ومثل ذلك كان في غزوة الأحزاب عندما جاء المشركون بقضّهم وقضيضهم، وعدهم وعديدهم لينسفوا هذه الأمة عندما غزوها في عقر دارها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحفر الخندق ومعه أصحابه فاعترضتهم صخرة، فما استطاعوا أن يفتتوها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المطرقة من أيديهم، وطرقها طرقة شعّ منها شعاع فقال: «الله أكبر، فُتحت لأمتي ممالك كسرى كأني أنظر إلى قصور المدائن»، وطرقها طرقة ثانية، فشع منها شعاع فقال: «الله أكبر، فتحت لأمتي ممالك الروم كأني أنظر إلى قصور الشام» (رواه أحمد وابن أبي شيبة)، وهكذا، وقد تحقق ذلك فعلاً، فهكذا يجب على المؤمن أن يكون كثير التفاؤل، وأن لا يدخل التشاؤم قلبه، ولولا الفأل الحسن لما بقي للإنسان أمل وهو يواجه تحديات الدهر ومشكلاته وصعابه.
المحاور: ما يدور في هذا العالم وخاصة في العالم الإسلامي يفهمه البعض على أنه القدر الأخير، وعلى أنه نفق ستكون نهايته يوم القيامة، فيندبون حظوظهم، ويبرمجون عقولهم على هذا الأساس وكأنهم آمنوا بنظرية فوكوياما (نهاية التاريخ)، هل لهذا أثر
في جمود العقل المسلم وتوقفه عن النشاط والعطاء، وهل لاحظتم أنتم ذلك؟ (1/442)
صفحة 443
التفاؤل
عندما يكون المسلم متشائماً لا يبقى عنده شيء من الأمل فيدع العمل، بل يتواكل استسلاماً لما يتصوره أنه القدر المحتوم، وهذا الذي وقع فيه كثير من
الأسف الشديد.
الناس مع نعم، نحن متفائلون أيما تفاؤل لأن تنقلب الأمور من الشرّ إلى الخير، ومن الضيق إلى السعة، ومن العسر إلى اليسر فقد قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُرا [الشرح: 5، 6]، وقال: «لن يغلب عسر يسرين»، فالله - تعالى ـ ذكر العسر هنا بصيغة التعريف، وذكر اليسر بصيغة التنكير، والمعرّف إذا كُرّر كان الثاني هو الأول، والمنكر إذا كُرّر كان الثاني غير الأول، فمعنى ذلك أن هناك يسرين يكتنفان عسراً
واحداً.
المحاور: أنتم سماحة الشيخ مثال حي لهذا التفاؤل، فهل يمكن أن تقدموا لنا صورة واحدة فقط من الصور التي كنتم متفائلين فيها وكان غيركم متشائما؟
كثير من الناس في فترة من الفترات كانوا ينظرون إلى أن الدين قد مات، وأن الساعة قد أزفت وهي لا تقوم إلا على شرار الناس لا تقوم إلا على من لا يقول الله الله، فكانوا ينظرون إلى المستقبل أنه مستقبل مظلم، وأنّ الناس كفروا بما آمنوا به من قبل، وأن الإسلام سينقلب من ضيق إلى أضيق، ومن شدّة إلى أشدّ، ومن غربة إلى غربة أوحش، هكذا كانوا يقولون ويردّدون ما روي عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، أنه قال: «بدأ هذا الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ» (رواه مسلم والترمذي)، فكانوا ينظرون هذه النظرة إلى الأحوال، وبحمد الله - تبارك وتعالى ـ انقلبت الأحوال إلى خلاف ما كانوا يتصوّرون.
،
وكنا نأمل بأن تؤتي الدعوة ثمارها وأن يرجع الناس إلى دينهم، وأن يفيقوا من سكرتهم، وأن يعودوا إلى رشدهم وصوابهم، وبحمد الله حصل ذلك فعلاً، فكثير من الناس بعدما غرقوا في سكرة الهوى، وكانوا لا يلتفتون إلى هذا الدين انقلبوا إلى خلاف ذلك، فكم من أحد كان شيوعي المبدأ ملحداً في تصوره وعقيدته وفكره، لا يؤمن بالله ـ تبارك وتعالى -
443 (1/443)
صفحة 444
444
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ووجوده فضلاً عن أن يؤمن بالرسول أو يؤمن بالقرآن أو يؤمن بأحد من رسل الله، وإذا بالأمر ينقلب إلى خلاف ذلك، فقد أتى على هؤلاء يوم أفاقوا فيه من هذه السكرة التي غرقوا فيها وعادوا إلى رشدهم كم أدركنا من أناس من هذا النوع.
وأذكر في يوم من الأيام كان أحد من الناس يتحدث عن انهيار الشيوعية، ـ كان ذلك قبل أكثر من ثلاثين عاماً من الآن - ويؤكد أنها ستنهار بلا شك، وإذا بأحد الحاضرين هناك ممن أُعجب بما كان عليه وضع الناس في ذلك الوقت من الضلال والانحراف يسخر من هذا، ويشيع هذا الكلام الذي سمعه لأجل السخرية منه والتندّر بقائله، فلم يلبث الزمن إلا قليلاً حتى تهاوت الشيوعية، وإذا بجورباتشوف نفسه يعلن في إحدى الفضائيات في بريطانيا - عندما سُئِل هل يمكن أن تستمرّ الشيوعية في فيتنام وفي الصين؟ - أنها لا يمكن أن تبقى، إذ قال: كلا، فقيل له: وما البدليل؟ فقال: لا أعتقد أنّ البديل يكمن في الرأسمالية، ولا في الاشتراكية، ولا في الديمقراطية، وإنما هو في نظام آخر، فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة.
ما
هي الحضارة الجديدة؟ لا ريب أنها حضارة الإسلام، فإن هذا أمر مقطوع به، وإلا فأيّ حضارة يمكن أن تقدّم لهذه الإنسانية التعيسة حلا لمشكلتها، ورفعاً لمعضلتها، إنما الحضارة التي يعنيها هي حضارة الإسلام بلا ريب، وهذا ما صرّح به فيما بعد كاسترو مع ما عُرف به من كونه ملحداً شديد التمسك بإلحاده، شيوعياً متعصباً لشيوعيته، فقد صرّح بأنه لم يبق أمام العالم إلا النموذج القرآني أو المنهج القرآني ومعنى ذلك أن المستقبل لهذا الدين، وهو تصديق لقول الله - تبارك وتعالى -: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].
المحاور: هل هناك تفاؤل مذموم؟
أما إذا كان الإنسان يتفاءل بأنه سيتمكّن من هذه الأرض، ويعيث فيها فساداً الخلق،، ويجور في البشر؛ إن كان تفاؤله من هذا القبيل فنعم، وإلا فالتفاؤل بالخير هو محمود على أي حال، لكن لا يعني هذا أن يتواكل الإنسان ولا يعمل،
ويظلم
بل عليه بالجد مع تفاؤله، وأن يكون التفاؤل مبعثاً لعمله لا مبعثاً لأمله فحسب. (1/444)
صفحة 445
التفاؤل
المحاور: من يقول حينما يرى شخصاً معيناً أنا أتفاءل بك أو أنا أتشاءم منك هل
يصح هذا؟
أما التشاؤم فلا يسوغ؛ لقوله لا له: إذا تطيرتم فلا ترجعوا»، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك آية ما بين المؤمن والمنافق، فمن جملة ما يميّز المؤمن عن المنافق أنّ المؤمن إذا تشاءم لا يرجع.
أما التفاؤل فهو مطلوب، فالإنسان يتفاءل بالفأل الحسن، فقد يتفاءل بالشخص لأجل استقامته بنفسه، أو يتفاءل بالاسم الحسن منه كأن يكون اسمه محموداً، أو سعيداً، أو فائزاً، أو فلاحاً، أو أن تكون امرأة اسمها سعاد، أو سلامة، أو مثل هذه الأسماء التي تدعو إلى التفاؤل، فالإنسان يتفاءل بمثل هذه الأسماء الطيبة، أما الأسماء غير الطيبة فلا يتشاءم بها، وكذلك يتفاءل بالأشخاص الطيبين، ولا يتشاءم بالأشخاص غير الطيبين.
المحاور: هل للإنسان أن يتفاءل في مصيره الأخروي كأن يتفاءل بدخوله الجنة أم أن التفاؤل فقط متعلق بالدنيا؟
الإنسان يُطلب منه أن يكون خائفاً راجياً، إذ لا بدّ من الجمع بين الخوف والرجاء، فلا يجوز له أن يأمن مكر الله، فإنّ الله - تعالى - يقول: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ} [الأعراف: 99]، ولا يجوز له أن ييأس من روح الله، فالله - تعالى - يقول: {وَلَا تَأْيْتَسُوا مِن زَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَيْنَسُ مِن زَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ} [يوسف: 87]، فهو دائماً مطلوب منه أن يكون خائفاً راجياً، ومهما عمل من الصالحات فإن عليه أن يستقل ذلك في جنب الله ـ تعالى ـ، فالله - تبارك وتعالى ـ حقه عظيم، وعلى الإنسان أن يشعر بالتقصير دائماً، وإن شعر يأنه مطمئن إلى عمله فذلك غرور منه، إذ لا يغتر العامل بعمله ولو كان صالحاً، وإذا كان النبي الله يقول عن نفسه بأنه لا يدخله عمله الجنة إلا أن يتغمده الله بواسع رحمته (رواه الربيع والبخاري)، فكيف بغيره عليه - أفضل الصلاة والسلام ـ؟ والعمل مهما كان له محبطات من بين هذه المحبطات الرياء، فإنه إذا رآءى في عمله فعمله، لا يكون خالصاً لوجه الله، وكلّ أحد عليه أن يخشى من الرياء، كما أن عليه أن يخشى من النفاق، وإذا كان الفاروق - رضي الله تعالى عنه يستحلف بالله حذيفة ولي العهد
4 -
445 (1/445)
صفحة 446
446
لقاعات
في الفكر و الدعوة
صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبره النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ببعض المنافقين؛ يستحلفه عمر هل هو منهم أو لا؟ أي يخشى أن يكون منافقاً، فكيف بغيره؟! كيف بنا نحن؟ ما لنا وللثقة بأنفسنا بأننا مبرأون من هذه الأوصاف القبيحة، إنما علينا ذلك علينا أن نرجو رحمة الله، فالعبد يتعلّق برحمة الله، ومع
أن نكون خائفين من الله، لا بعمله، وإنما مع تعلقه برحمة الله يجب حرصه على إصلاح العمل.
والخشية من الله ـ تعالى ـ هي سبب الخير، فإنها سبب الحرص على العمل الصالح، فالحق ناط الدعوة والتذكير بالخشية، فقد قال: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرِ كَرِيمٍ} [يس: (11]، ويقول له: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14]، ويقول - تعالى -: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ منيب) [ق: 33]، ويقول عَ: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الأعلى: 10 - 11]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» (رواه الترمذي والحاكم).
فلا بد من الخوف من الله مع رجاء رحمته، والرجاء لرحمة الله لا يعني الأمن من مكره، كما أن الخوف من الله لا يعني اليأس من رحمته.
المحاور: ما معنى قول الله - تعالى - في الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي
بي، فإن ظنّ بي خيراً وجد خيراً» (رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير)؟ أي يظن بالله - تعالى - خيراً مع عمله الخير ومع خشيته من
الله.
المحاور: هناك نظرة تشاؤمية تنظر بها بعض المجتمعات التي ليس لديها علم كاف إلى المرأة المعتدة، وتنظر المرأة المعتدّة أيضاً إلى نفسها بنظرة تشاؤمية، فينعكس ذلك على تصرفه معها وتصرفها مع نفسها، هل يجوز للمرأة المعتدة أن تزور أحداً في المستشفى؟
نعم، فالمرأة المعتدة عدة الوفاة لا تختلف عن غيرها من النساء إلا في ثلاث حالات، فهي مأمورة أن لا تتطيّب، وأن لا تتزيّن، وأن لا تبيت خارج بيتها. (1/446)
صفحة 447
اللقاء الثامن والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: القرآن الكريم والصيف
التأريخ: 17 ربيع الثاني 1425 هـ / 6 يونيو 2004 م
لقاءات (1/447)
صفحة 448
r
قاها لستة الدرعان
وَالذِينَ لَا يَت آمون
???
سورة الز - الآية 9 (1/448)
صفحة 449
القرآن الكريم والصيف
المحاور: ما مفهوم وقت الفراغ في حياة المسلم؟ وكيف يمكن أن يعمر هذا الفراغ
بحيث يعود عليه بالصالح المفيد؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن المسلم لا يترك جزءاً من وقته يمرّ سدى؛ لأنّه يشعر بأنه مسؤول عن وقته، فإنّ الله
مقدمة
- تبارك وتعالى - جعل الحياة هي النعمة الكبرى التي منحها هذا الإنسان وتترتب بقية النعم عليها، وقد جاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدلّ على أن العمر هو في ما يُسئل عنه العبد؛ لأنّ كلّ شيء إنما يترتب عليه، فتكاليف الحياة إنما هي تترتب على العمر، والنعم الكبرى التي يسبح في خضمها الإنسان إنما جعلها الله - تبارك وتعالى - مؤطرة في إطار العمر، وكلّ ما يتعلق بالإنسان إنما هو يدور في فلك عمره، فلذلك كان مسؤولاً عنه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم»، فيسأل الإنسان عن العمر، هذا العمر الذي هو هبة الله - تبارك وتعالى - الكبرى للإنسان يسأل عنه فيم أفناه؟ لأن كل لحظة من لحظات العمر إنما هي على حسابه، فما من لحظة تمرّ إلا وقد خسرها الإنسان إن لم يربح فيها عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله - تبارك وتعالى ـ زلفي، وأنفاس الإنسان إنما هي خطواته التي يسير بها إلى لقاء الله - تبارك وتعالى ـ، فما من نَفَس يتنفسه يمكن أن يعوّض؛ لأنّ كلّ نَفَس إنما ينقص من العمر.
وبالجملة فإنّ جميع أوقات الإنسان إنما هي مطيته الدؤوب التي يقطع بها رحلة هذا العمر، فالليل والنهار بدورانهما المستمر يطويان شريط العمر، وقد أجاد من قال:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة
وقال غيره:
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
ولن يلبث العصران يوم وليلة
إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
فالليل والنهار إنما يتقاضيان الإنسان ليصلا به إلى الغاية المحتومة، التي ينقلب من
449 (1/449)
صفحة 450
450
لقاعات
في الفكر و الدعوة
بعدها إلى وضع آخر؛ بحيث ينقلب بعد هذه الغاية إلى حياة أخرى عندما يأذن الله - تبارك وتعالى - بعودة الحياة إليه ليلقى جزاء ما قدّم من خير وشر، لذلك كان الإنسان مسؤولاً عن عمره، فعليه أن يحرص كل الحرص على انتهاز فرص هذا العمر.
العمر
كله
لذلك كان فراغ المسلم عندما يكون متمسكاً بإسلامه لا بد أن يشغله بشيء، وإذا كان بهذا القدر من القيمة الثمينة إذ إنه جوهرة غالية إن أضاعها الإنسان لا يعوّضها شيء؛ فإن مرحلة الشباب بصفة خاصة هي مرحلة متميّزة، فلذلك كان عنه سؤال خاص كما جاء في الحديث وعن شبابه فيم أبلاه؛ لأنه هو المرحلة الذهبية في هذا العمر، فالشباب هو تاج العمر وزينته وبهجته وثروته؛ لأنّه المرحلة التي تنضح بالفتوة وتتميز بالقوة، وهو المرحلة التي يمكن للإنسان فيها ما لا يمكنه فيما بعدها، وسرعان ما ينقضي إذ الشباب هو أشبه ما يكون بحلم يحلمه الإنسان، ولا يلبث أن يستيقظ وقد فاته حلمه وانتهى ما يعلق عليه من أمله هذا هو شأن الشباب، وقد أجاد من قال:
شيئان ينقشعان أوّل وهلة
ظل الشباب وخلة الأشرار لا حبّذا الشيب الوفي وحبذا غصن الشباب الخائن الغدار وَطَري من الدنيا الشباب وروقه فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
فالإنسان وهو في مرحلة شبابه عليه أن ينتهز هذه الفرصة المواتية ليطمح إلى معالي الأمور ويمضي قدماً في طاعة الله تعالى غير لاو على ما يوسوس به الشيطان وتدعوه إليه النفس الأمارة بالسوء من إضاعة شبابه في اللعب واللهو والمرح والانهماك في الملذات والشهوات، وإنما عليه أن يجعل من شبابه فرصة ثمينة لإنجاز ما تطمح إليه همم الرجال وتنكص دونه عزائم أقزامهم.
عظماء
ولا ريب أن كل عمل صالح وكلّ ما يمكن أن يُصلح الإنسان في دنياه هذه أو في آخرته إنما ينبني على العلم، ولذلك كانت هذه الرسالة رسالة علم، والله - تبارك وتعالى - أوّل ما خاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم قال له أقرأ} [العلق: 1] لم يقل أي كلمة أخرى، فلم يخاطبه بالعبادة أولاً، لم يقل له اعبد، أو أطع، أو انقد، أو أذعن أو نحو ذلك، وإنما قال له اقرأ، خاطبه بهذه الكلمة ذات المدلول الواسع التي لا يمكن أن يفي بمعناها أي لفظ آخر، فإنه لو قيل بدلاً هذه الكلمة، اعلم أو تبيّن أو أدرك، أو افهم، أو تفهم، أو نحو ذلك لم تف كلمة من هذه
من (1/450)
صفحة 451
القرآن الكريم والصيف
الكلمات بما تدلّ عليه كلمة أقراً من أبعاد واسعة، بحيث إنها تدعو إلى القراءة، والقراءة إنما هي قراءة للمكتوب، والمكتوب إنما قراءته تحصيل للعلم بطرقه الكسبية، فهذا العلم المطلوب إنما يتوصل إليه بالجد والتعب وبالكتابة والقراءة بتخليده في الطروس، ونقله من مكان إلى مكان، ولا أدل على ذلك من أنّ الله - تبارك وتعالى - ذكر في فاتحة هذه السورة العظيمة أهم وسيلة من وسائل العلم، وهو القلم الذي يخلّد به العلم، وينقل به من مكان إلى مكان، ويتوارث به عبر الأجيال المتسلسلة والقرون المتعاقبة، فإنّ الله - تعالى - قال: {أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5].
هذا
وأنا أعجب من أمة هذه فاتحة كتابها؛ أي هي أوّل ما نزل من الوحي على نبيها، ونتلو نحن هذه الآيات المباركة العزيزة الكريمة ليل نهار ولا نعتبر بها، أنا أعجب أُمة من كتابها، كيف تكون أُمة في مؤخّرة الأمم من نواحي متعددة مع أننا نجد في هذا الكتاب العزيز ما لا نجده في غيره؟! أولاً من حيث الربط ما بين العلم والعمل والإشادة بمكانة أهل العلم حيث يقول تعالى فيه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، ثم بجانب ذلك أيضاً نجد وصل هذا العلم بشئون هذه الحياة الدنيا؛ لتنمو الدنيا عند المسلم في حظيرة دينه حتى يستطيع أن ينظم شؤون حياته هذه، وأن يستغلها في الخير، وأن يصل ما بينها وبين الدار الآخرة بحيث يربط ما بين الحياة والموت، والدنيا والآخرة، والعمل والجزاء، والمسير والمصير، فكيف مع ذلك تكون هذه الأمة متخلفة؟!!
?
بل نجد في هذا الكتاب العزيز ما يربط ما بين العمل لمصلحة هذه الحياة الدنيا بالعبادة التي تقرّب إلى الله زلفى، بل بأهم العبادات، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: 10]، ونجد في هذا الكتاب العزيز أنّ الله - تبارك وتعالى - يمتنّ علينا بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً وذلك في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، ويقول - سبحانه -: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجائية: 13]، فكيف مع ذلك سبقتنا الأمم إلى هذا الخير العظيم؟! أنا عجبت حقيقة من هذا الأمر عجباً ملك على لبّي، ذلك أنني وجدت الأمم الأخرى سبقت هذه الأمة بمراحل ومراحل، وهذا مما يدلّ على أنّ هذه الأمة قرأت كتاب ربها ولم تفهمه أو فهمته ولم تطبقه، وتلك هي مصيبة هذه
الأمة.
قبل فترة غير طويلة زارني رجل يمثّل حكومته في الجانب التجاري والجانب الثقافي في
451 (1/451)
صفحة 452
452
لقاعات
في الفكر و الدعوة
السلطنة، وهو رئيس مكتب تجاري وثقافي لتايوان، وعجبت مما حدثني به، فما كنت أحسب تايوان بهذا القدر، حدثني عنها بأنها لا تزيد مساحتها عن ستة وثلاثين ألف كيلومتر مربع، يعني ذلك أنها أقل من تسع مساحة سلطنة عُمان، وشعبها اثنان وعشرون مليوناً، والبلد ليست فيه موارد طبيعية ولا فيه أي شيء من هذا القبيل، ومع ذلك فإن دخله القومي هو ثلاثمائة وخمسون ملياراً، والصادرات هي ثلاثمائة مليار والاحتياطي الموجود في الخارج هو مئتان وعشرون ملياراً، فهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن هؤلاء الناس عنوا بالعقل البشري، فجعلوه مصدر ثروتهم ومنطلق نهضتهم، فلذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه، مع أنّ دينهم لا يدعوهم إلى ذلك فكيف ونحن ديننا يدعونا إلى هذا كله؟!
أنا أعجب عندما أرى بأنّ اليابان التي نُكبت في الحرب العالمية الثانية بما لم ينكب به غيرها أصبحت عملاقة، حتى أن اقتصادها الآن هو عشرة أضعاف اقتصاد الأُمة الإسلامية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها، بينما مساحتها مساحة صغيرة محدودة، وشعبها شعب كبير، وبلادها ليست فيها موارد طبيعية، ولكن هذا يعني أن العقل البشري هو الثروة الأولى للأمم قبل أي الأمة أُمة أهم ثروة، وبقدر ما تكون شيء، فالثروة البشرية هي واعية متفتحة فإنها تكون متقدّمة على غيرها من الأمم، وهذا يعني أن فرص هذه الأوقات التي تعتبر فراغاً يجب أن تستغل في الخير، في خير الدين والدنيا معاً، بحيث يُوصل ما بين الدنيا والآخرة، وما بين الدين والدنيا، وتسخّر الدنيا لمصلحة الدين، هذا الذي يدعونا إليه ديننا الحنيف.
المحاور: ذكرتم سماحة الشيخ سببين لقصور المسلمين، وهي أنهم لم يفهموا كتاب ربهم ولم يستوعبوه، أو أنهم فهموه ولم يطبقوه، هل ترون أن هذين السببين فقط هما بحاجة إلى إعادة صياغتهما من جديد أم أن هناك أسباباً أخرى؟
القرآن الكريم اتخذ الأسف الشديد وسيلة للتسلي، فالأمة الإسلامية الآن مع تقرأ القرآن كما تقرأ الشعر من أجل أن تتسلى به، وهذا أمر فيه خطورة كبرى، فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] فالأمة الإسلامية بما أنها أمة القرآن هي مطالبة بأن تتدبر القرآن؛ بحيث تحرص على تأمله آية آية، وجملة جملة، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، فعندما يتدبّر الإنسان القرآن الكريم تتفتح له آفاق واسعة، آفاق معرفية آفاق في الدنيا وفي الآخرة، آفاق في عالم الروح وفي (1/452)
صفحة 453
القرآن الكريم والصيف
عالم الجسم، في العالم المعنوي وفي العالم المادي، وهذا كله إنما يكون بتأمل الإنسان لكتاب الله - تبارك وتعالى - الذي أنزله الله - تعالى - هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ويتدبره، فمعنى هذا عندما يقرأه الإنسان لا يقرؤه لأجل أن يتسلى بقراءته، وإنما يقرؤه لأجل أن يتدبّر ما فيه، ويمعن النظر في أوامره وتوجيهاته، ونصائحه وإرشاداته.
فإن الإنسان طاقة عظيمة، والله - تبارك وتعالى ـ اختزل فيه مع صغر حجمه العالم بأسره، فهو العالم الأصغر.
وتزعم أنك
صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
فالعالم الأكبر منطو في هذا العالم الأصغر، أي في حقيقة هذا الإنسان، ولكن الإنسان هذه الطاقات العظيمة التي منحها، والقرآن الكريم جاء من أجل تفجير هذه الطاقات العظيمة، جاء من أجل وصل هذا الإنسان بهذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف.
يهدر
والله - تبارك وتعالى - يمتنّ على الإنسان بنعم جُلّى في كتابه الكريم، يقول الله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: (29]، ومعنى ذلك أنّ كلّ ما في الأرض إنما هو مخلوق للإنسان، وهذا واضح من خلال التسخير، ففي هذا الكون الأرضي حيوانات تشارك الإنسان الحياة والوجود في هذه الأرض، وهي تفوق الإنسان بكثير، بعضها أعظم حجماً من الإنسان بأضعاف مضاعفة، وبعضها أقوى قوة من الإنسان بكثرة كاثرة، وبعضها أشدّ إقداماً من الإنسان، ولكن مع ذلك سُخّرت هذه الحيوانات للإنسانية، فإننا نجد أنّ الإنسان استطاع أن يستخرج الحيوانات من عمق البحار، واستطاع أن يأتي بها من موحشات القفار، جاء بالأسد والفيل، وجاء بغيرهما من الحيوانات، وسخّرها له، بينما هذه الحيوانات كلّها لم تأخذ الإنسان إليها لتسخّره لمنافعها وتستخدمه في مصالحها، بل هي قاصرة وعاجزة عن ذلك، وهذا دليل على أن الإنسان أوتي طاقات، وأنّ ما في الكون إنما هو مسخّر له.
ومع هذا يمتنّ الله - تبارك وتعالى - علينا بأنه سخّر لما ما في الكون بأسره في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13]، فإذا استطاع الإنسان أن يتصرّف في أيّ شيء مما يوجد في هذا الكون لمصلحته فليتصرّف؛ لأن الكون كله مسخّر له.
453 (1/453)
صفحة 454
454
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ومع هذا نجد أيضاً أنّ القرآن الكريم يأخذ بالعقل البشري ليطوف به في آفاق هذا الكون وأرجائه، ويربط ذلك بالعقيدة عقيدة التوحيد، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَإِلَهُكُمْ إلهُ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163 - 164]، وكم من آية جاء فيها أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) [يوسف: 109]، كم من آية جاء فيها دعوة الإنسان إلى السير في الأرض، وأخذ العبر والدروس المتعلقة بأحوال الأمم السابقة، في نهضتها، وعثرتها، في حياتها وموتها، في بقائها واضمحلالها، كلٌّ من ذلك فيه عبر لأُولي الألباب من أجل أن يستفيد الإنسان؛ ذلك لأن حياة البشر حياة اجتماعية والإنسان كائن اجتماعي، وسنن الله - تبارك وتعالى - في هذه الحياة البشرية لا تتبدّل كما قال تعالى: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]، فسنّة الله لا تتحوّل، جعلها الله - تبارك وتعالى - الأمم المتعاقبة، فعلى الإنسان أن يعتبر بأسباب النهوض والكبوة، والنجاح والفشل،
في
28
والتقدم والتأخر، والرقي والانحطاط، إذ كلّ من ذلك على الإنسان أن يعتبر به.
ثمّ أن القرآن الكريم كذلك يكشف للإنسان أغوار وجوده بنفسه، فهو يكشف أغوار طبعه التي لم يكن الإنسان على دراية بها، ويكشف له أبعاد هذا الكون من خلال ما يخبر به عن نظام الكائنات، وكل ذلك مما يدعو إلى الاعتبار، فما لهذه الأمة قد تأخرت؟ ما هذا إلا دليل على أنها لم تأخذ بالقرآن الكريم على أنه كتاب هداية، وإنما اكتفت على أن يكون كتاب تسلية، وإلا لكان وضع الأمة غير هذا الوضع الذي نراها عليه اليوم.
المحاور: ما هي طريقة تدريس القرآن الكريم وحفظه وتعويد الأبناء على تطبيقه وعلى اكتشاف كنوزه على النحو الذي ذكرتموه قبل قليل؟
كتاب الله - تبارك وتعالى - حفظه أمر مهم، ولكن على أن لا يكون مجرد حفظ، وإنما أن يكون حفظه مع الفهم والإدراك لمضامينه والسلف الصالح - رضي
الله
تعالى عنهم - كانوا يحرصون على تعلم القرآن، ولكنهم بقدر ما يحرصون على تعلمه يحرصون (1/454)
صفحة 455
القرآن الكريم والصيف
على تطبيقه والعمل به كما جاء في حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه ـ عندما أخبر عن مسلك أصحاب النبي الله في تعلم القرآن أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات عشر آيات من كتاب الله لا يغادرونها إلى ما بعدها إلا بعد أن يتقنوا ما فيها من العلم والعمل (رواه أحمد والحاكم)؛ أي يحرص أحدهم على أن يتعلم عشر آيات، ولكنه لا يغادرها إلى ما بعدها إلا بعدما يتقن حفظها، ويعلم ما فيها، ويعمل بها، ويطبقها في حياته، هكذا كانوا يحرصون على تطبيق القرآن الكريم أيما حرص سواءً في مجال العبادات، أو في مجال المعاملات، أو في مجال الأخلاق أو في أي مجال من المجالات الاجتماعية والحيوية بأسرها من غير أن يفرطوا في شيء، ولو تعلّم الناس القرآن على هذا النهج، وحرصوا على أن يدركوا رسالة القرآن ومسؤولية الإنسان الذي تحمّل أمانة هذا القرآن لكان لهم شأن آخر.
نحن أمة أكرمنا الله - تبارك وتعالى - بأن جعلنا ورثة للأُمم السابقة في هداياتها وفي خيرها جعلنا ورثة لمواريث النبوات المتقدمة بأسرها، فلذلك علينا أن ندرك مسئوليتنا، إنما نحن أمة مطالبة بأن تقوم بمسئولية الرسل السابقين جميعاً، فالله - تبارك وتعالى. يقول: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، وترون هنا كيف أن الله - تبارك وتعالى - بيّن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتقديمهما حتى على الإيمان بالله، مع أنه لا يمكن أن يكون الأمر بالمعروف أمراً بالمعروف حقاً، ولا يمكن أن يكون النهي عن المنكر نهياً عن المنكر حقاً حتى يتقدمهما الإيمان، ولكن تقديمها عليه إنما هو لأجل التأكيد على أهميتهما، ولأجل حفز الهمم للاستباق إليهما، ولأجل التنبيه على أن التفريط فيهما تفريط في أهم ما يميز هذه الأُمة عن غيرها من الأُمم.
فلذلك على كلّ من تعلم القرآن أن يدرك ذلك، وذلك لا يمكن إلا عندما يحرص أولاً على أن يأمر نفسه وينهاها، بحيث يكيف حياته كلها وفق تعاليم القرآن فلا يخرج في عباداته، ولا في معاملاته، ولا في أعماله الدنيوية، ولا في علاقاته بالناس عن هداية القرآن وإرشاده، بهذا نكون قد أحرزنا الخير الكثير، وبهذا نكون قد هيّأنا جيلاً للقيام بمسؤولية الدعوة إلى الله كما فرض الله - تعالى - علينا عندما قال: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
455 (1/455)
صفحة 456
456
لقاعات
في الفكر و الدعوة
إنما هذا يتوقف كما قلت على الحرص على التكيف وفق مقتضيات القرآن الكريم مع الدقة في فهمه، فلا بد من تفجير هذه الطاقات التي أوجدها الله - تبارك وتعالى ـ في
عقول البشر.
المحاور: مما يُعرف عن الكثير من الطلبة أنهم يكرهون المدارس نظراً لارتباطها بالعقاب والمحاسبة والاختبارات والخشية من الإخفاق وغيرها من الأمور، فهذه الأشياء تجعلهم يكرهون المدرسة ولا يحبّونها، وشيئاً من هذا يطبق في بعض مدارس القرآن الكريم في الفترة الصيفية مثلاً، فيدفع ذلك الطالب إلى أن يكره تعلم القرآن الكريم، ما هي الطريقة المثلى التي تنصحون بها المدرسين لأجل تحبيب الأبناء إلى القرآن الكريم؟
المحاسبة أمر مطلوب، فبالمحاسبة يحسّ هذا الناشئ بأنه لا يمكن أن يستوي المستقيم والمنحرف ولا يمكن أن يستوي الجاد واللاعب، ولا يمكن أن تتعادل كفّة الناجح والفاشل، فكلّ واحد يُنزل منزله ويعطى حقه، هذا الذي نجح يجب أن يحسّ بأنه قُدّر لنجاحه واجتهاده، وقدّر لحرصه وسباقه في مجال الطلب والتحصيل، والذي فشل أيضاً ينبغي أن يحسّ بأنه إنما فشل وأخفق بسبب كسله وعدم اجتهاده، فلكل نصيب وإن كانت الحظوظ مقسومة، ولكن الحظوظ أيضاً مرتبطة بالجد كما يقول الشاعر: بجد لا
من
وهل جد بلا جد بمجد
الجد وهو الحظ لا يجدي إلا بالجد أي الاجتهاد، فلا بد من أن يكون مع الجد جد؛ لأنه إن لم يكن هنالك جد فإن الجَدِّ يُخفق.
فلذلك أنا أؤيد المحاسبة بطريقة الترغيب والترهيب معاً، فلا بد أن يتبين للناس كيف يتفاوتون في الغايات بقدر ما يتفاوتون في السبق، فالذي يحرص على أن يكون أسبق فيحرز قصبات السبق يصل إلى الغايات التي لا يصل إليها أولئك الكسالى الذين يأتون
أواخر الناس في مجال السبق. (1/456)
صفحة 457
القرآن الكريم والصيف
المحاور: هناك بعض الناس لديهم رغبتان رغبة في أن يتعلم الأمور العلمية كالحاسوب وغيرها من البرامج العلمية، ورغبة في أن يتعلم اللغة العربية وشيئاً من العلوم الإسلامية، فكيف ينظم وقته بحيث يقدّم الأولى فالأولى؟ نؤيد العناية بالدنيا بجانب الدين. فالدنيا تأتي تبعاً للدين، وليست هي القائدة للدين، ولا بدّ من تشجيع التخصصات وجميع الاتجاهات، سواء كان ذلك في الحاسوب، أو في الفلك، أو في الرياضيات، أو في أي مجال من مجالات العلم، فليتقدم فيه، ولكن على أن يكون الدين هو المحور، وذلك أن يكون الفقه في دين الله - تبارك وتعالى ـ هو القطب الذي تدور حوله هذه العلوم.
ومن المعلوم أن وعاء الدين اللغة العربية؛ لأنه إن لم يتقنها الإنسان لا يستطيع أن يفهم القرآن، ولا يستطيع أن يفهم الحديث الصحيح على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، إذ يستطيع أن يعرف ما تضمنته الأحاديث وأبعادها ومقاصدها، فلذلك من الضرورة بمكان أن يركّز على اللغة العربية.
وأنا أعجب كيف أهملت العربية حتى لم تعد لغة علم، فمما يؤسف له أن الناس يتعلمون العلوم المختلفة باللغات الأخرى، وهذه الشعوب تحرص على أن تكون لغاتهم هي لغات علم، حتى اللغات الميتة أحييت وأصبحت لغات علم، ومع ذلك نجد اللغة التي اختارها الله ـ تعالى ـ لأن تكون وعاءً لكلامه وينبوعاً لهداية خلقه أُهملت وأصبح أصحابها يتعلمون العلوم باللغات الأخرى، وهذا أمر فيه إخفاق في المحافظة على هذه اللغة التي وسعت كلام الله - تبارك وتعالى - الذي أنزله لهداية خلقه، كيف لا تسع جميع العلوم المختلفة مع أن هذه اللغة يجب على المسلمين جميعاً أن يحرصوا عليها، إذ ليست هي لغة قومية، فبعد أن نزل بها القرآن واختارها الله - تبارك وتعالى - لأن تكون وعاءً لكلامه وخاطب بها عباده، وأمرهم أن يخاطبوه بها في عباداتهم وغيرها لم تعد لغة قومية، وإنما هي لغة عالمية لغة يطالب كل مسلم أن يحرص عليها، وأن يتقنها وأن يتعلّمها، وأن يسابق إليها، وهذا مما يجب أن يكون في وجداننا.
ولا مانع مع ذلك من أن تكون هنالك خبرات في جميع اللغات الأخرى، ومعنى ذلك أن يحرص جماعة من المسلمين على التخصص في اللغات الأخرى ودراستها بجانب اللغة العربية لأجل التوصل إلى الدعوة بها، وإقناع الناس بالإسلام، وتفهيمهم بقيم الإسلام
457 (1/457)
صفحة 458
458
لقاعات
في الفكر و الدعوة
صلے
وفضائله، فإنّ التوصل إلى إفهام الناس من خلال لغاتهم مطلب شرعي، وهذا يدلّ عليه قول الله - تعالى - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ هُمْ} [إبراهيم: 4]، فالله الا الله يخاطب الأمم بلغاتهم، حيث أرسل إليهم رسلاً من أنفسهم حتى يفهموا. وإنما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم - وهو النبي العربي - باللسان العربي مع كون رسالته صلى الله عليه وسلم رسالة عالمية لا تنحصر في العرب وحدهم؛ لأن هذا اللسان هيئ لئن يكون وعاء لكلام الله الله، وتهيأت الأُمم بفطرها لأن تتعلّم هذا اللسان، ولذلك كان العجم أكثر حرصاً على هذا اللسان من العرب؛ بحيث إنهم درسوا فنون هذا اللسان، ونظروا إلى أبعاده، وتعمّقوا في أسراره، واستطاعوا أن يستخرجوا من كنوزه ما لم يستخرجه العرب، كلّ ذلك بسبب المحافظة على القرآن الكريم.
فنحن نرجو بمشيئة الله أن يحرص المسلمون على إتقان اللسان العربي؛ خصوصاً في هذا الوقت الذي نجد فيه الكثير من الأخطاء التي يقعون فيها عندما يتحدثون بهذا اللسان، ولذلك حتى هداية القرآن أصبح عليها ضباب بسبب هذه الأخطاء الفاحشة المنتشرة على السن الناس اليوم.
المحاور: ذكرتم سماحة الشيخ أن حفظ القرآن الكريم لا بد أن يقترن بالفهم، وأن يكون فهماً عميقاً يصحبه التطبيق، هل تؤيّدون إذاً في هذه الحالة أن يعتني المدرس بتحفيظ قدر معين من القرآن الكريم، ثم يعمل جاهداً على ترجمته واقعياً في حياة هذا الطالب وتطبيقه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تحفيظ قدر آخر؟ هذا المسلك كما قلنا كان عليه أصحاب النبي الله، ومسلكهم هو خير المسالك لا ريب، إذ إنهم كرعوا من بحار النبوة، واقتبسوا من أنوارها، فهم أولى الناس بالاتباع، ولكن يتفاوت الناس منهم من يكون الحفظ أسهل عنده، ومنهم من يكون الفهم هو الأسهل عنده، فلا بد من مراعاة هذا التفاوت ما بين الناس، فمن كان أقدر على الحفظ والفهم لا يحتاج معه إلى وقت طويل يراعى فيه هذا الجانب، وهكذا إذا كان بعض الناس بإمكانهم أن تتفتح مداركهم لمعاني القرآن الكريم أكثر فأكثر؛ فهؤلاء أيضاً يراعى جانبهم، وهذا لا يعني إهمال المنهج الذي يمكن أن تراعى فيه هذه
الجوانب كلها. (1/458)
صفحة 459
القرآن الكريم والصيف
المحاور: هنالك لوم يقع على بعض المدرسين في المدارس الصيفية من أنهم لا يمتلكون القدر الكافي من الالتزام والجدية ربما لقصور فيهم، فما هي نصيحتكم لمن يقوم ويمارس عملية التدريس؟
نصيحتي لجميع المدرسين ولجميع المدرسات بأن يتقوا الله - تبارك وتعالى وأن يكونوا قدوة لتلامذتهم في الالتزام بالقول الصادق والعمل الصالح، ومراقبة اللسان والحذر من سقطاته، والحرص على محاسبة النفس على كل كلمة تصدر منهم، فإن الإنسان مأخوذ بما يقول، وبجانب هذا أيضاً عليهم الالتزام بالتطبيق والعمل، وأن يحرصوا على أن يعلموا هؤلاء الطلبة الأخلاق، ويعودوهم حسن المعاملة وصدق الحديث والأمانة وغير ذلك مما يتميز به المسلم حتى تظهر إيجابية الإسلام، وتظهر محاسن هذا الدين لجميع الناس بمشيئة الله.
المحاور: بعض الأسر تأخذ أبناءها إلى الأماكن العامة والمنتزهات المختلطة، فنطلب منكم نصيحة لهذه الأسر؛ بحيث تجعل لنفسها خطة معينة في هذه الفترة الصيفية وفي هذه الإجازات؛ لأنّ بعض الآباء يدفعون بأبنائهم ليتسمروا أمام القنوات الفضائية ويشاهدوا ما هبّ ودبّ؟
هذا السؤال له شقان، الشق الأول: أخذ الأولاد إلى الحدائق العامة، لا يمكن للإنسان أن يحرم أولاده من أن يمتعوا أبصارهم بمحاسن الطبيعة وجمال ما ابتكره الإنسان أيضاً من تجميل لهذه الطبيعة، على ألا يكون ذلك في الأماكن المشبوهة أو الخطيرة، وعلى ألا يكون ذلك هو الغاية، بحيث يبذلون جميع أوقاتهم في ذلك، وإنما يجعلون لذلك وقتاً، وتنظيم الوقت هو الذي يمكن للإنسان من خلاله أن لا يفرط في جزء من الوقت.
وأما بالنسبة إلى قضاء الأوقات أمام التلفزة، فينبغي أن تنتقى البرامج التي يراها هؤلاء الأولاد، على أن يكون ذلك في أوقات مخصوصة لا في جميع الأوقات، وأن تكون هذه البرامج التي يتابعونها برامج بنّاءة، وليست برامج هدّامة، وأن يكون ذلك ليس على حساب تعلّمهم واستفادتهم، وإنما يكون ذلك جزءاً من هذا التعلم الذي يحرصون عليه؛ بحيث يكون ذلك في برنامج التعلم والتثقف ليجمعوا ما بين أطراف العلم المختلفة.
داخلاً
459 (1/459)
صفحة 460
سبحان الذي اني بعد الملا
سورة الإسراء - الآية 1 (1/460)
صفحة 461
اللقاء التاسع والعشرون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر ـ تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: حادثة الإسراء والمعراج
التأريخ: 27 رجب 1425 هـ / 12 سبتمبر 2004 م
لقاءات (1/461)
صفحة 462
462
لقاءات
في الفكر و الدعوة
المحاور: عند الحديث عن حادثة الإسراء والمعراج فإنه - كأي حدث تاريخي ـ لا يمكن ابتتارها أو إخراجها من سياقها التاريخي الذي مضت به الدعوة في مكة المكرمة. هل يمكن أن تضعوا لنا سماحة الشيخ هذه الحادثة في سياقها التاريخي وتؤطرونها بإطارها الزمني؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن حادثة الإسراء والمعراج مما لا يُختلف فيه، ذلك لأن الإسراء جاء منصوصاً عليه نصاً صريحاً في بداية السورة التي سميت بهذا الاسم، وهي قول الله ال سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]. أما حادثة المعراج فقد نُوّه وأشير إليها في سورة النجم في قوله - تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى *** عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السَدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13 - 18]، فهذه الإشارات إنما تعني حادثة المعراج
التي تلت حادثة الإسراء.
هذا، ولا ريب أنه أن نحدد الزمن الذي وقع فيه هذا الحدث تحديداً مع هذا الاتفاق يعسر دقيقاً، ذلك لأن هذه الحادثة لم يأت نصّ صريح يدلّ على ميقاتها الزمني لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الثابتة الصحيحة التي يمكن أن يعتمد عليها في ذلك، ولذلك وقع الخلاف كثيراً بين أهل العلم في وقتها، منهم من قال بأن حادثة الإسراء كان قبل الهجرة، وهذا هو المشهور، وهو الذي تؤذن به أيضاً الدلائل؛ لأن ذكر المسجد الحرام بأنه بداية لرحلة الإسراء دليل على أن ذلك كان قبل الهجرة، وقلة قالوا بأن ذلك كان بعد الهجرة.
كما اختلفوا أيضاً في الشهر الذي حصلت فيه هذه الحادثة، فمنهم من قال بأن ذلك كان في شهر رمضان، ومنهم من قال بأن ذلك كان في شهر ربيع الأول، ومنهم من قال بأن ذلك كان في شهر رجب، ومنهم من قال غير ذلك.
واختلفوا أيضاً بالنسبة إلى اليوم الذي كانت فيه هذه الحادثة، وإن كان المشهور عند أكثر الناس بأن ذلك كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب. (1/462)
صفحة 463
حادثة الإسراء والمعراج
ونحن لا نستطيع أن نحدد الزمن تحديداً دقيقاً لهذه الحادثة، والدلائل تشير بأن ذلك إنما كان بعدما توفي عم النبي الله أبو طالب الذي وقف أمام أعداء النبي ـ عليه الصلاة والسلام - حاجزاً دون النيل من شخصه بالإيذاء، وبعد وفاة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى - رضي الله تعالى عنها - التي كانت تغمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - بحنانها وعطفها وبرّها، وكانت تنسيه المشكلات والمصائب عندما يأوي إلى كنفها لما يجد منها من حسن الرعاية واللطف في المعاملة، فكانت المصيبة كبيرة على شخص النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هاتين الرزيتين الكبيرتين، ولذلك سمي ذلك العام عام الحزن.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما وجد المضايقة الشديدة في مكة المكرمة والتحدي عن أن تصل هذه الدعوة إلى الناس؛ رغب أن يجد لها متنفساً، فذهب إلى الطائف وإذا بالأمر يضيق به أكثر فأكثر، فقد اشتدت أذية أهل الطائف ومعارضتهم له صلى الله عليه وسلم أكثر مما عهده في مكة المكرمة، وهذا ما جعل صدر النبي يضيق من هذه المعاملة القاسية حتى دعا بدعائه المشهور: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت رب كل شيء، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي عضبك أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (1). فغمرته ألطاف الله الله، ولقي من اللطف الرحماني ما أنساه هذه الصعاب التي واجهها والمشكلات التي كان ينوء بها، ففتح الله - تبارك وتعالى - له الآفاق، فآمن به عند رجوعه نفر من الجنّ، وذلك الذي يشير إليه قول الله الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف (29]، فكان ذلك إيذاناً بأن الإنس إن كانوا ضاقوا ذرعاً بهذه الدعوة التي تدعو إليها فإن الجنّ هم الذين يتقبلونها. ثم مع ذلك كانت تلكم الرحلة التي كان فيها إيذان بأن الله - تبارك وتعالى - فتح الكون
(1)
(1) مجمع الزوائد الهيثمي، دار الفكر، ج 6، ص 37. وانظر كنز العمال المتقي الهندي، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 237 والدعاء للطبراني، ج 5، ص 315.
463 (1/463)
صفحة 464
لقاعات
في الفكر و الدعوة
لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن ضاقت به جهة من الأرض فإن أرجاء الكون لن تضيق به، هذا مع ما أكرمه الله الله به من الاطلاع على آياته الكبرى في تلكم الرحلة العظيمة التي رحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملكوت الأعلى.
هذه دلائل تدلّ على أن الإسراء كان قبل هجرته، وكما قلنا من خلال الأدلة والقرائن ندرك أن ذلك إنما كان بعد مأساته بما أصابه من الحزن العميق بسبب فقده شخصين كانا محببين إلى قلبه وهما عمه أبو طالب لما كان منه من إحسان إلى شخصه وصده مؤامرات المشركين والسيدة خديجة - رضي الله تعالى عنها - مع ما كانت تغمره به من الحنان واللطف فذلك كان لطفاً من الله الالله ليشعره الله أنه منه ومرأى وأنه ما ودعه ولا قلاه، وأنه يغمره بألطافه مهما ضاقت به الشدائد، فهذا هو الذي نستطيع أن نقوله بالنسبة إلى هذه الجزئية من هذا الحدث
على مسمع
التاريخي العظيم.
المحاور: قلتم بأن الإسراء ثبت بنص الكتاب العزيز، وأن المعراج ثبت بإشارة القرآن الكريم، ما هو البعد العقائدي لحادثة الإسراء والمعراج؟ بمعنى هل يقع حادثا الإسراء والمعراج ضمن دائرة المعلوم من الدين بالضرورة؟
نعم، أما بالنسبة إلى الإسراء فلأجل النصّ القطعي في سورة الإسراء، وأما المعراج فمن حيث الإشارة إلى ذلك، تلك الإشارة التي تكاد تكون صريحة في سورة النجم، مع الأحاديث المستفيضة، ولذلك قالوا بأن من أنكر الإسراء فهو كافر كفر شرك؛ لأنه رد نصاً صريحاً لا يقبل الجدل، ومن أنكر المعراج فهو فاسق.
المحاور: يتعامل البعض مع هذه الحادثة من خلال الحسابات الفلكية، والبعض الآخر من خلال الرجوع إلى القوانين الفيزيائية بغرض إثبات صحتها، الأمر الذي يرى فيه البعض خروجاً عن موضوع المعجزة أو الكرامة وهو الأمر الخارق للعادة، إذ كيف يمكن أن يكون أمراً خارقاً للعادة إذا استطعنا تنزيله وفق الحسابات البشرية ووفق النواميس الكونية ما هو رأيكم سماحة الشيخ؟ (1/464)
صفحة 465
حادثة الإسراء والمعراج
ينبغي أن نحدد ما يقصد بالمعجزة، فلا ريب أن الله - تبارك وتعالى - يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، ونحن علينا أن نؤمن بأن الله الا الله وإن أوجد للكون نظماً وسُنناً ونواميس إلا أنه عندما يريد خرق هذه النواميس وتبديل هذه السنن لا بد من أن يقع ذلك، قد تكون هنالك جزئيات تحدث فيها حوادث من هذا النوع وإن كان النظام العام إنما يسير وفق تلك النواميس والسنن التي طبع الله - تبارك وتعالى ـ عليها الوجود، ولذلك شواهد من القرآن الكريم، منها قصة أصحاب الكهف، إذ لا يعقل حسب نواميس الوجود وسنن الحياة أن يبقى أناس على قيد الحياة لمدة ثلاثمائة وتسع سنوات مع أنهم لم يتغذوا بشيء في خلال هذه المدة، فإن هذا أمر غير مألوف بحسب عوائد البشر التي اعتادوها.
وكذلك قصة الرجل الذي أماته الله - تعالى - مائة عام ثم أحياه، وقد نص على ذلك القرآن، وكذلك بالنسبة إلى نقل صرح ملكة سبأ إلى سليمان، كل ذلك مما لا يدخل في مقاييس البشر، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تبارك وتعالى - على كل شيء قدير، يصرّف هذا الوجود كما يشاء، ويقدّم ويؤخّر في هذا الوجود كما يريد.
ومعجزات الأنبياء إنما هي من هذا النوع، إنما هي أمور خارقة للعادة، غير مقدور للبشر أن يأتوا بمثلها، وهذا مما يجب علينا أن نؤمن به، وعلينا أن نؤمن بجانب هذه المعجزات بأن هؤلاء الأنبياء قد يكرمهم الله الا الله بأمور تكون خارجة عن سُنن هذه الحياة، فبالنسبة إلى هذه الحادثة هي خارجة عن سُنن الحياة، ولكن هل نقول بأنها معجزة؟ هذه نقطة يجب أن نقف عندها.
نحن نؤمن بأن رسل الله - تبارك وتعالى - قرن الله كل دعواتهم بمعجزات خارقة للعادات، بمعنى أنها خارجة عن مألوف البشر، وعن السنن التي عهدوها في هذه الحياة، إلا أن ذلك إنما يكون في مقام التحدي، ففي مقام التحدي كانت معجزة في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وهكذا كانت في مقام التحدي معجزة موسى عليه، وهي العصا التي لقفت كل ما جاء به سحرة فرعون، وفي مقام التحدي كانت معجزة إبراهيم الليل إذ لم تؤثر النار عليه احتراقاً، وهكذا كل ما كان من معجزة للرسل إنما كان في مقام التحدي.
عيسى (1/465)
صفحة 466
??
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أما بالنسبة إلى النبي الله فإن الله - تبارك وتعالى - أراد أن تكون معجزته معجزة أبدية باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن رسالته لم تكن رسالة موقوتة كرسالات المرسلين من قبل، فلذلك كانت معجزته هي من ضمن رسالته، بل هي وعاء رسالته؛ لأن رسالته اشتمل عليها القرآن الكريم، فإذا هذا القرآن معجز معجز لجميع طبقات الناس، فهو معجز بالنسبة إلى العرب الذين نزل بين ظهرانيهم، وهم في ذلك الوقت قد بلغوا شأواً بعيداً في البلاغة والفصاحة بحيث كانوا لا يشق لهم غبار في الكلام نظمه ونثره وسجعه ومرسله، وهو معجز أيضاً للأُمم الأخرى، فهو معجز لأهل الكتاب بما كشف من أحوالهم، وبما عراه من دخائلهم التي كانوا يكتمونها، وهو معجز للأمم الأخرى إلى قيام الساعة لما فيه من أنباء بمغيبات لم تكن تدور ببال أحد، وإذا بالواقع يأتي طبق ما دلّ عليه القرآن، وكذلك هو معجز بالنسبة إلى التشريع المتقن الدقيق، وهو معجز بالنسبة إلى الكشف عن مخبّات هذا العالم التي كانت لا تدور بحسبان أحد، فمن كل هذه النواحي القرآن الكريم هو معجز.
وفي مقام التحدي نجد أن الناس عندما كانوا يطلبون الآيات يُردّون إلى القرآن الكريم، فالله الا الله: يقول: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِشَايَةٍ مِّن رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [طه: 133]، ويقول تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]، ويقول سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِالْآيَتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59].
6
الأمة
امتداد،
فالله ما أراد أن يستأصل هذه الأمة. بسبب تكذيبها، وإنما أراد أن يكون لهذه وأن تستمر، وأن يكون لها عقب صالح يؤمن بالله ويحمل رسالة الإسلام، فلذلك جعل هذه المعجزة معجزة لا تستأصل الناس، بل معجزة تبقى يكون بها التحدي في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي معجزة متنوعة في تحديها للخلق بحسب تنوع ثقافاتهم وتنوع وعيهم وتطور إدراكهم، فهي معجزة خالدة بمطلق معنى هذه الكلمة. وهناك أمور كانت خارقة للعادات وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم، ونحن لا ننكر ذلك ولكن هذه لم تكن في مقام التحدي، فقضية الإسراء والمعراج هي خارقة للعادة، فلم تكن من مألوف البشر، ولكن إنما كان فيها تكريم الشخص النبي، وترويح لنفسه التي كانت تحمل هموماً مما أصاب هذه الدعوة من الجمود كما ذكرنا، وفيها إعظام لمقام النبي صلى الله عليه وسلم وتعريف بقدره، وفيها أيضاً تنبيه على أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - جاء ليورّث هذه الأمة مواريث (1/466)
صفحة 467
حادثة الإسراء والمعراج
النبوات السابقة، وليورثها مقدسات الأمم السابقة، فكان الإسراء به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من أجل التنبيه بأن هذه الأمة وريثة الأمم في مقدساتها، فعليها أن تحافظ على هذه المقدسات من غير أن تفرط في أي شيء منها.
والإسراء والمعراج لم يكن في مقام التحدي، ولو كان في مقام التحدي لطلب من قريش ومن معهم ومن كانوا في صفّهم أن يكتبوا مثلاً إلى أهل القدس الشريف أو أن يذهب وفد منهم إلى هناك ليجد هل النبي صلى الله عليه وسلم انتقل فعلاً إلى القدس؟ وليس الأمر كذلك، فهذه الحادثة حدثت في غيبة منهم، بحيث لم يكونوا على اطلاع على ذلك قط، وإنما كان اطلاعهم بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لا غير، فبهذا يتبيّن أن الإسراء والمعراج مما لا يدخل في ضمن الإعجاز، وإن كان هو مما يدخل في ضمن خوارق العادات.
المحاور: ما حكم صوم يوم الإسراء والمعراج؟
هو يوم كسائر الأيام، لم يأت دليل بمسنونية، صومه، ولم يأت دليل أيضاً بمنع صومه، فمن أراد أن يصوم هذا اليوم على أنه صيام عادي كسائر الأيام، فلا حرج في صومه؛ وإنما يصومه كما يصوم أي يوم يريد أن يصومه تقرباً إلى الله - تبارك وتعالى ـ؛ أي هو صيام لم تدلّ عليه بذاته سُنَّة ثابتة؛ فلا حرج عليه في صيامه ولا في عدم صيامه؛ لأن الحديث الذي روي باستحباب صومه هو حديث ضعيف، ولكن مع لم يأت أي دليل يمنع من صومه. وأما اعتقاد بأن ذلك سُنَّة فهذا مما يتوقف على ثبوت مسنونية صيام هذا اليوم، وذلك
ذلك
مما لم يثبت.
المحاور: ما هي الدروس والعبر التي يمكن أن يستفيدها المسلم من خلال هذه
المناسبة؟
المسلم يستفيد الكثير؛ لأن المسلم دائماً يكون موصولاً بربه الله، فإن واجهته شدة علم أن وراء هذه الشدة خيراً له، إذ لا يُضيّق عليه إلا لخير يريده الله
V (1/467)
صفحة 468
لقاعات
في الفكر و الدعوة
- تعالى - به أو بسبب معصية اقترفها وأراد الله أن يعجِّل عليه العقوبة، فهو يحاسب نفسه إن كان هنالك ضيق عليه، مع كونه يعوّل على ربه - سبحانه - راجياً من الله - تعالى - أن يفرج كربته وينفّسها عنه، فهذا شأن المسلم.
ومن جملة العبر أيضاً ما يؤذن بأن الشدائد وإن ضاقت فإن انتظار الفرج عبادة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضاقت به الشدائد، وهو كغيره من الرسل الذين تمرّ بهم أزمة شديدة بسبب ما يلقونه من التحدي، والله لا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنباء الرسل لثبت بذلك فؤاده كما قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، وعندما أمره الله أن
يخبر عن سبيله بل وسبيل أتباعه - وهو الدعوة إلى الله ـ أتبع ذلك ما يثبت عزيمته مما قصه من شأن من قبله من الرسل، فقد قال - تعالى -: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ثم أتبع ذلك قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيَ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُحِيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 109 - 111]، فهكذا كان شأن المرسلين مع أقوامهم، عندما تضيق بهم الأزمات حتى يشارفوا اليأس بسبب هول الموقف الله يأتيهم فرج - تبارك وتعالى .. والمؤمن هكذا يتطلع إلى الفرج، ويتطلع إلى النصر، وإلى اللطف الإلهي، وإلى الرحمات الربانية التي تغمره في كل موقف من المواقف.
وبجانب هذا أيضاً فإن المسلم يشعر دائماً أن الله - تعالى - على كل شي قدير، وأنه الله أحاط بكل شيء علماً، فهو - سبحانه - سنّ سُنناً لهذا الكون، ولكن عندما يريد خرق هذه السنن فهو تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو على كل شيء قدير، يصرف الكون كما يشاء، يقول للشيء كن فيكون.
المحاور: ما هي أوصاف دابة البراق؟ وهل صحيح أنها طلبت من الرسول الله
الشفاعة؟
468 (1/468)
صفحة 469
حادثة الإسراء والمعراج
هذه الأوصاف إنما تتوقف على الأدلة الصحيحة الثابتة، وهذه أمور هي من
و لك
الغيبيات التي نحن لم نكلّف تفاصيلها، فلا داعي إلى التساؤل عنها أو الخوض فيها، إذ الإنسان في هذه الأمور الغيبية ليس له أن يتحدث إلا بدليل قاطع يُعتمد عليه، أما الأدلة الضعيفة بل حتى الأدلة الصحيحة التي هي غير قطعية فإنه لا يعوّل عليها في مثل هذه القضايا، إنما يُعوّل على الأدلة القطعية؛ لإنها أمور غيبية.
المحاور: هل كانت رحلته بالروح أو بالروح والجسد؟
أما الإسراء فهو بالجسد والروح، فلو كان بمجرد الروح لما كان هنالك داع لتعجب قريش وإنكارهم، وضجيجهم، ولكان ذلك مثل الرؤيا المنامية التي يمكن أن يراها كل أحد، ولكن هذا الضجيج الذي أثاروه بسبب أنه أخبرهم بأنه انتقل، وانتقاله يعني بنفسه وجسده، وهذا ما يؤذن به قوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1]، فالعبد يشمل الجسد والروح معاً، ولا يكون خاصاً بالروح دون الجسد.
أما بالنسبة إلى المعراج فمن المحتمل أن تكون هذه الرحلة روحانية فحسب، ومن المحتمل أيضاً أن تكون روحانية جسدية، فالله - تعالى - على كل شيء قدير، ولا ريب أن في مثل هذه الحالات - عندما يكون العروج بالجسم والروح - تكون الشفافية للروح، ويغلب الجانب الروحاني على الجانب الجسماني حتى يكاد يتلاشى الجانب الجسماني في الجانب الروحاني، فيخفّ الجسم ويعرج إلى حيث يريد الله - تعالى - عروجه.
المُحاور: البعض يستدل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] أن نبينا محمداً لله رأى ربه ليلة المعراج، فما قولكم؟
ثبت في رواية الإمام الربيع وفي رواية الشيخين البخاري ومسلم ورواية غيرهم من أئمة الحديث عن مسروق أنه سمع أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها ـ تقول: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال مسروق: متكئاً فجلست، وقلت يا أم المؤمنين أمهليني ولا تعجليني ألم يقل الله - تعالى -:
وكنت
469 (1/469)
صفحة 470
470
لقاعات
في الفكر و الدعوة
وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى} [النجم: 13]، {وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض» (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وغيرهم).
فهذا نص صريح على أن المرئي إنما هو جبريل، وأن ذلك من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المبلغ.
وإن قال من قال بأن هذا مجرد كلام من عائشة ـ رضي الله تعالى عنها فليس الأمر كما قال، بل هي تروي ذلك عن النبي البصريح العبارة، على أنها استدلت لهذا النفي بقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، كما ثبت ذلك في رواية هؤلاء الأئمة، والله - تعالى - أعلم.
،
المحاور: من الكتب التي يستقي بعض المسلمين تصوراتهم منها عن ليلة الإسراء والمعراج وما حدث فيها من أحداث والمشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم كتاب (المعراج) لابن عباس، وهو كتاب مليء بالقصص الخرافية مما وضعه القصاص بقصد جذب انتباه السامعين بالقصص الغريبة والأحاديث العجيبة هل من كلمة تودون قولها حول هذا الكتاب؟ وهل تصح نسبته إلى ابن عباس؟ نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس او لا تصح، ولا يمكن لابن عباس أن يقول مثل ذلك الكلام السخيف، فابن عباس هو ترجمان القرآن، وحبر الأمة الذي دعا له النبي ها به الا الله أن يعلمه التأويل وأن يفقهه في الدين (رواه أحمد وابن أبي شيبة)، فليس من المعقول أن ينحدر ابن عباس وهو بهذا القدر العظيم عند ربه الله وعند رسوله إلى هذا المستوى السخيف حتى يقص من الأنباء ما هو في مستوى الجهلة العوام الذين لا يفرقون بين الذئب والحمل، ولا بين التمر والجمر، بل ابن عباس هو أسمى من ذلك بكثير.
ثم مع ذلك الأمور يجب أن تعرض على الأدلة، والأدلة متنوّعة منها ما هو عقلي، ومنها ما (1/470)
صفحة 471
حادثة الإسراء والمعراج
هو نقلي، والله - تبارك وتعالى - منح عباده عقولاً يمكنهم بها أن يميّزوا الكثير مما يقال، بين صحيحه وفاسده، وثابته وغير الثابت، ذلك لأن الله الا الله جعل العقل هادياً إلى كثير من الحقائق، أنا لا أقول بأن العقل هو كل شيء وأنه يعتمد عليه في كل شيء؛ لأن العقل طاقة محدودة، ولكن بقدر ما أعطى الله - تعالى - عباده هذه الطاقة وجعلها محدودة؛ جعل فيها من القدرة على اكتناه كثير من الحقائق، ولذلك نجد أن الله الله يبيّن أن هذه الآيات إنما هي لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون، فيُطلب من الإنسان أن يستعمل فكره، وأن يستعمل عقله في كثير من القضايا.
هو
أما لو تصادم العقل مع الدليل القطعي من الكتاب أو السُّنَّة المتواترة فلا مجال هنا لجعل العقل يرد النص القطعي لأن هذا كلام لا يُقبل ففي هذا المقام يُتهم العقل، ولكن بالنسبة إلى الروايات التي تأتي من الناس من غير أن تثبت فإن العقل يُرجع إليه فيها.
وأما لو جئنا إلى النقل الذي هو كتاب الله وسُنَّة رسوله فإننا نجد أن هذه الروايات تتعارض تمام التعارض مع ما جاء في كتاب الله ومع ما ثبت في سنة رسول الله فكيف يُعوّل عليها؟!
على أنه كما يقول بعض العلماء المحققين: إذا كان من أسباب الحكم على الحديث بالضعف وحطّه من مرتبة الصحيح معارضته لما هو أقوى منه من الروايات، فكيف إذا عارض الحديث النصّ القطعي من القرآن أو الحديث المتواتر، كيف يمكن لهذه الرواية أن يحكم بصحتها؟! وهكذا بالنسبة إلى ما يروى عن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أو يروى عن غيرهم من التابعين وغيرهم مهما كانت منزلة من يروى عنه ذلك. ثم إنه ليس كلّ ما يُروى عن أحد بثابت عنه فضلاً عن كون المروي عنه ـ إن كان غير معصوم - عرضة للنسيان وغيره، فهذا مما يجب أن يُتفطّن له.
والناس مطالبون بأن يعتبروا بالقصص التي في القرآن وأن يعتبروا بالقصص الثابتة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ، لا أن يُعولوا على الخرافات، فإن بناء الدين على الخرافة يؤدي إلى عدم إيمان الناس بهذا الدين عندما تنكشف هذه الخرافة على حقيقتها.
471 (1/471)
صفحة 472
472
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: البعض يشكك في الروايات التي حول حادثة المعراج ويقول إنها بعيدة عن التصديق من خلال تحليل متون تلك الروايات، فما حكم من أنكر المعراج استناداً إلى مثل تلك التحليلات؟
نحن كما ـ قلنا سابقاً ـ نعوّل على قول من قال بأن من أنكر المعراج يُفسق؛ لأن الإشارة إليه واضحة في القرآن الكريم ومن أنكر الإسراء يُشرك.
أما بالنسبة إلى الروايات فليست متونها كلها متساوية، فقد يكون في بعض المتون ما يدعو إلى النظر ويدعو إلى التأمل، ولكن هي في مجموعها قوية وتدلّ على ثبوت ما جاءت دالة عليه بمجموعها، فيعوّل على مثل هذه الرواية مع استفاضة هذه الروايات وشد بعضها أزر بعض.
المحاور: يرى بعض العلماء أن المعراج حدث مرتين، ويستدلون على ذلك بقول الله الله وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} [النجم: 13، 14]، فما هو رأيكم
سماحة الشيخ؟
هذا كلام من لم يطّلع على الحديث أو من تجاهل الحديث؛ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول بأن ذلك جبريل لم أره في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض» (رواه مسلم والترمذي).
فالمرة الأولى التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل كهيئته التي خلقه الله ـ تعالى ـ عليها إنما كانت في بداية الوحي عندما ناداه من السماء فرفع بصره إليه فرآه في السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فرجع النبي الله وهو ترجف بوادره (1) مما ألم به من الخوف الطبيعي الذي ينتاب كل أحد عندما يرى أمراً كهذا الأمر الذي هو خارج عن المألوف، فهذا بطبيعة الحال روّع النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله وقال: «زملوني زملوني» (رواه البخاري ومسلم) كما ثبت ذلك، وأنزل الله - تعالى - فيه: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ [المدثر: 1]، و يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: 1] إلى آخره.
(1) البوادر جمع بادرة، والبادرة من الإنسان وغيره اللحمة التي بين المنكب والعنق. (ابن منظور، لسان العرب، مادة بدر). (1/472)
صفحة 473
حادثة الإسراء والمعراج
والمرة الثانية هي هذه المرة التي وقع فيها هذا الحدث كما أخبر الله - تعالى - فيها بقوله: {وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السَدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبَرَى) [النجم: 13 - 18]. فهذا مما دلّ عليه القرآن والسُّنَّة جاءت موضحة لما أجمله القرآن الكريم، فيعوّل على ذلك.
أما أن يقال بأن الحدث تكرر مرتين فالمرة الثانية متى كانت؟؟ هل بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة؟! أو عندما سار في عمرة القضية بعدما صُدَّ عن الحديبية؟! لا، فإن كان هذا الحدث قد وقع قبل الهجرة فليس هنالك دليل على وقوعه مرة أخرى، فالقرآن لم يذكر ذلك إلا مرة واحدة، في سورة النجم التي هي سورة مكية، وفي سورة الإسراء التي هي أيضاً سورة مكية، فكيف يقال بأن هذا الحدث وقع مرة بالمدينة ومرة بمكة؟! ليس هنالك من دليل على هذا قط.
المحاور: هل صلى النبي لا بالأنبياء إماماً؟ وهل معنى ذلك أنهم أُحيوا؟
ورد ذلك في بعض الروايات، وإن كانت هذه الروايات لم تبلغ مبلغ التواتر، ولذلك لا يُقطع بهذا الأمر، ولكن مهما يكن فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم على ردّ ذلك، فمن المحتمل أن يكون الله - تبارك وتعالى - مثل له أرواحهم، والأنبياء لا بد أن يعتقد الإنسان أن منزلتهم فوق منزل الشهداء، والله الا الله يقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، فمنزلة النبيين أكبر من هذه المنزلة، ولا ريب أنهم ماتوا بطبيعة الحال كما قال الله - تعالى - لنبيه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: 30]، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ} [الأنبياء: 34]، لكن هذا لا يمنع أن يكون لهم إحساس، وأن يكون لهم شيء من الطبيعة التي هي تتميز عن طبيعة غيرهم، فالله - تعالى - قادر على كل شيء، كما أخبر - سبحانه ـ أنه أحيا الذي أماته مائة عام، أوليس ذلك قادراً على أن يحيي هؤلاء، وأن يجمعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو أن تتمثل له أرواحهم وهم يصلون وراءه الله فإن الله على كل شيء قدير، والقدرة الإلهية قدرة مطلقة لا يحدّها شيء، وصفات الله - تعالى - صفات مطلقة، فكما أن علم الله - تعالى - مطلق أحاط بكل شيء فإن قدرته لالالالاله القدرة مطلقة أحاطت بكل شيء، فهو على كل شيء قدير، كما أنه الله بكل شيء عليم.
473 (1/473)
صفحة 474
474
لقاعات
في الفكر و الدعوة
فليس هنالك ما يمنع من هذا، ولا يجوز لأحد أن يردّ مثل هذه الأخبار لمجرد خيال في نفسه بأن هذا يتصادم مع الواقع أو يتصادم مع المألوف عن الموتى، فالله أخبر عن المسيح لي أنه من معجزته أنه كان يحيي الموتى، وهذا مما نص عليه القرآن الكريم، وأمر الله - تعالى - أعظم شأناً، وما كان على يدي المسيح إنما هو من باب رفع قدره وإعلاء شأنه والدلالة على صدق قوله فيما يبلغه عن ربه، فكيف بالقدرة المطلقة الله؟!
وتعالى
المحاور: ما هو المعراج؟
المعراج يقصد به العروج إلى المقامات العلى، وأصل مِعراج مِفْعال، ومِفْعال يُطلق على الآلة، ولكن يراد به هنا العروج.
المحاور: ما هي وسيلة المعراج؟
نحن نعلم أن الله - تعالى - يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد، فالله - تبارك وتعالى -
يدبر هذا الكون كما يريده، ينقل الشمس من مكان إلى مكان، وكما يقول العلماء الآن بأنها تقطع في الثانية الواحدة اثني عشر ميلاً، والشمس هي أكبر من الأرض بمليون
ضعف
،
ذلك تقطع هذه المسافة، فما هي الوسيلة؟ إنما هي قدرة الله ـ تعالى ـ التي ومع أحاطت بكل شيء، فضلاً عن الأجرام الفلكية الأخرى التي هي أكبر من الشمس بكثير، أسرع من الشمس أيضاً بكثير، كل ذلك مما يدلّ على أن الله على كل شيء قدير.
وهي
فهل الله الا الله يعجزه أن يعرج بعبده ورسوله من غير وسيلة؟! وهل هو بحاجة إلى الوسيلة؟! إنما علينا أن نسلّم الأمر لله - تبارك وتعالى - وأن لا نخوض في ذلك.
المحاور: ما حكم من أنكر المعراج؟
من أنكر الإسراء فإنكاره للإسراء يعتبر ردّة عن الإسلام، أما من أنكر المعراج فإنكاره للمعراج إنما يعتبر فسوقاً، ولكن مع هذا كله نقول إن تأوّل المعراج بأنه
عروج بالروح فإنه لا يفضي به الأمر إلى أن يقال بأنه فاسق. (1/474)
صفحة 475
حادثة الإسراء والمعراج
المحاور: قلتم بأنه ينبغي ردّ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دلالات الكتاب العزيز، بالنسبة للحديث الوارد عن النبي: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار (رواه البخاري ومسلم). ما مدى صحة هذا الحديث؟ خصوصاً إذا ما رُدّ إلى آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكسينَ [النساء: 32]، وقوله: (مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] فكيف يمكن الجمع بين الحديث وهذه الآيات؟
مهما بلغ هذا الحديث فهو حديث أحادي والله - تبارك وتعالى - وعد المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، وإنما يؤخذ منه ومن غيره من الروايات ومن الأدلة الخاصة والعامة الدعوة إلى التصدق والإنفاق في سبيل الله، والدعوة إلى عمل الخير. فالمرأة مطالبة أن لا تنساق وراء رغباتها، والرجل مطالب أن لا ينساق وراء رغباته، ومن غلب عقله شهوته ورغباته فإنه ترجى له السلامة والسعادة ويرجى له الخير، أما من غلبت شهواته ورغباته عقله فهو - والعياذ بالله - ممن هوى إلى دركات الهوان.
فعلى كل أن يكون متوكلاً على الله، معتمداً عليه، راجياً، ثوابه، مشفقاً من عقابه، إذ الله - تبارك وتعالى - لا يجامل أحداً لأجل جنسه ولا لأجل نوعه، فلا يجامل الرجل لأجل أنه رجل، ولا المرأة من أجل أنها، أمرأة فالكل عباد الله (مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
صلے
475 (1/475)
صفحة 476
سورة العلق - الآية 1 (1/476)
صفحة 477
اللقاء الثلاثون
المحاور: برنامج سؤال أهل الذكر - تلفزيون سلطنة عمان
الموضوع: وسائل الاتصالات والإنترنت
التأريخ: 20 شعبان 1423 هـ / 27 أكتوبر 2002 م
لقاءات (1/477)
صفحة 478
478
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: كيف يوظف المسلم وسائل الاتصالات في الدعوة إلى الله الله؟
بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله - تبارك وتعالى - كرّم الإنسان تكريماً، ورفع منزلته وفضله على غيره تفضيلاً، وهذا يتجلى فيما أوتيه من ملكات العقل والقدرات المختلفة التي من خلالها يمكنه أن الكائنات الموجودة في هذه الأرض، بل وأن يمتد تعامله إلى الكائنات التي
يتعامل مع جميع
هي خارج إطار هذه الأرض، ولا ريب أن هذه الكائنات سخرت تسخيراً للإنسان، وأعطي الإنسان من الملكات والقدرات من أجل استخدامها في مصلحته ما يبين بكل وضوح أن وجود الإنسان في هذه الأرض يختلف تمام الاختلاف عن وجود غيره من الكائنات، فإن الإنسان لم يؤت هذه المواهب المختلفة من أجل هذه الحياة القصيرة التي ينشرها الميلاد ويطويها الموت، وإنما أُوتي هذه الملكات من أجل أن يعمل عملاً صالحاً يمتد أثره في أعقابه، ويمتد أثره فيما بعد بحيث يجني ثمرته في الدار الآخرة، تلك الدار التي تختلف عن هذه الدار، لأن حياتها حياة لا تنصرم، والناس يجنون فيها ما غرسوا في هذه الدنيا خيراً كان ذلك أو شراً، فيمن غرس خيراً لقي خيراً، ومن غرس شراً فلا يلومن إلا نفسه: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، فكل إنسان إنما يجني على نفسه فحسب.
هذا ولا ريب أن الله الا الله إنما أتى الإنسان هذه المواهب المختلفة لأجل أنه مستخلف في هذه الأرض، ومعنى هذا الاستخلاف أن يكون قائماً بواجب عمارتها على النحو الذي يرضي الله - تبارك وتعالى ـ، وأن لا يشذ عن منهج الله فإن المستخلف إنما يجب أن يكون عمله فيما استخلف فيه في إطار توجيهات من استخلفه، وإذا كان الله - تبارك وتعالى ـ هو المستخلف لهذا الإنسان وهو مالك الملك رب السموات والأرض، الذي منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى فإنه يجدر بهذا الإنسان أن لا يخرج في كل تصرفاته وفي كل أعماله عن الحدود التي رسمها له مستخلفه الله بحيث تكون أعماله وتصرفاته وفق أمر الله - سبحانه -
ولا ريب أن الله الله جعل هذا الإنسان كائناً اجتماعياً، ومن أجل هذا كله هو بحاجة إلى التواصل مع بني جنسه، وهذا الأمر لا يقف في حدود القطر الواحد أو المجتمع الواحد، (1/478)
صفحة 479
وسائل الاتصالات والإنترنت
بل ولا يقف في حدود الجيل الواحد، وإنما هو يمتد عبر الأجيال المتسلسلة، ومن أجل هذا هيا الله الله الوسائل المختلفة من أجل نقل المعلومات من جيل إلى جيل، كما أنها تنقل المعلومات أيضاً من قطر إلى قطر، فنطق الإنسان الطبيعي بلسانه لا يمتد إلا إلى مسافة محدودة، ولكن يمكن أن يمتد ما يشبه النطق وهو التسجيل بالقلم حتى يكون مفهوماً عبر الأجيال المتسلسلة، فالقارئ يقرأ ما كتبه من سبقه بقرون وكأنه يعايشه؛ بحيث يطلع من خلال ذلك على ما كانت عليه رغباته ونزعاته وعلى مشاعره وأحاسيسه وأفكاره كأنما هو ينادمه لا يفصل بينهما شيء. كذلك شاء الله الله أن تكون حياة هذا الإنسان حياة تطور، تطور لا يقف عند حد، ولا ريب أن هذا التطور يسير سيراً حثيثاً، وإذا كان هو عبر القرون السابقة بمقدار وسائل النقل في ذلك الوقت؛ بحيث كان التطور لا يعدو أن يكون في سرعة من يمشي أو يركض؛ فإن التطور في وقتنا هذا يكاد يصل إلى حد سرعة الضوء، فإن المسافات تطوى بسرعة، ومن بين هذه التطورات التي حصلت وجود هذه الوسائل التي تنقل الأفكار والمعلومات، بل وتنقل المشاهد من أماكن إلى أماكن بعيدة عنها؛ حتى أصبح العالم بأسره بترامي أطرافه كأنما هو غرفة واحدة يطلع الإنسان على ما يجري فيها، وهذا كله مما يدعو الإنسان إلى أن يتفكر في هذه الموهبة العظيمة التي منحها، وما هي إلا ابتلاء من الله لهذا الإنسان أيشكر أم يكفر، فالشكر إنما هو استخدام هذه النعمة فيما خلقت من أجله، والكفر إنما هو صرف هذه النعمة باستخدامها فيما لا يرضي المنعم بها تبارك وتعالى.
ومن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن يحرص الإنسان الذي يدرك ذلك ـ وهو المسلم - على أن يستخدم هذه النعمة في هداية القطعان البشرية الحائرة الضالة، فإن الإنسان المسلم صاحب رسالة، فهو مسؤول عن تبليغ هذه الرسالة إلى آفاق الأرض كلها، ذلك أن الله - تبارك وتعالى - أورث المسلم مواريث النبوة، والأنبياء إنما جاءوا من أجل هداية الخلق، أرسلهم الله الا الله مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن الله الله ما تفرق في رسالاتهم في الرسالة الخاتمة الجامعة التي بعث بها عبده ورسوله محمداً. عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ـ، فهي منطوية على أُمة أخرجت للناس، ولكن متى تكون هذه الخيرية؟ إنما تكون الخيرية
بينة، وقد جمع
خير
-
كل خير، وأُمته عندما تكون هذه الأمة ملتزمة الحق تعمل بأمر الله، وتحرص على اتباع هدي رسوله،
479 (1/479)
صفحة 480
480
لقاعات
في الفكر و الدعوة
أُمة
وذلك بأن تتحمل هذه الرسالة لتبلغها إلى الناس أجمعين ومن هنا وجدنا أن الحق ال يبين ميزة هذه الأمة إذ يقول: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، فهي خيّرة، وخيريّتها إنما تكون عندما تلتزم بهذا الأمر، وذلك بأن تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تبني ذلك كله على الإيمان بالله وقد فرض الله - تعالى - عليها أن تكون أُمة هذا شأنها عندما قال الله وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
ولا ريب أن السلف الصالح أدركوا هذه المسؤولية، فلذلك قاموا بنشر هذا الحق، فانطلقوا في أرجاء الأرض وكأنما كل واحد منهم رسول إلى أمة يتلو عليها كتاب ربها، ويأمرها
بالمعروف وينهاها عن المنكر، ويقيم عليها الحجة، ويبيّن لها المحجة، ويرسم لها الطريق الصحيح الذي إن سارت فيه وصلت إلى البغية وأدركت المنى، وخرجت من هذه الدنيا برشاد وهداية وفوز عظيم وفتح مبين، وذلك لأنها تنتقل إلى - رضوان الله الله، أما إن سارت سيراً آخر فإنما تنقلب - والعياذ بالله - إلى عاقبة لا تعدو أن تكون خسراً، وشاء الله الله أن تمتد هذه الهداية لتصل إلى آفاق الأرض وتنتشر مـ أن الوسائل ما كانت مع متوفرة عندهم، إذ كانت الوسائل وسائل بدائية، كانت وسائل النقل إما ركوباً على أرمات البحر أو على ظهور الدواب أو سعياً على الأقدام من أجل نشر دعوة الحق، والآن يستطيع الإنسان وهو في غرفته أن يخاطب العالم، إذ يستطيع أن يوجه الخطاب إلى أصقاع الأرض ماثلة أمام ناظريه، فما أجدر المسلم وهو يملك هذه الوسيلة أن يبصر العالم الحائر بطريق سلامته وهدايته من أجل إنقاذه من ورطته، وانشاله من الضياع، والنهوض به من عثرته، والله - تعالى - ولي التوفيق.
كأنما هـ
هي
هذا
المحاور: الذي يستخدم شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) في الدعوة إلى الله الله هل لا بد أن تتوفر فيه شروط معينة حتى لا يضر بالإسلام؟
الدعوة يجب أن تكون مهمة كل مسلم؛ لأن الله - تبارك وتعالى - بيّن أن ميزة هذه الأمة إنما هي في الدعوة إلى الله، إذ قال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (1/480)
صفحة 481
وسائل الاتصالات والإنترنت
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ومن المعلوم أن (من) هنا في قوله (منكم) ليست للتبعيض، وإنما هي للبيان، فهي على حد قولهم وجدت من فلان أسداً، وجعل الله له من أولاده أنصاراً، وهكذا، فإن المراد بمثل هذا أن (من) لبيان، الجنس، وليست هي للتبعيض، ومعنى (ولتكن منكم)؛ أي كونوا أُمة هذا شأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.
فإذا اضطلعت الأمة
بهذه الأمانة أدّت واجبها، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان فيما يقوله على بينة من أمره وبصيرة من دينه وسداد من مسلكه حتى لا يتورط فمن ذلك لا بد من أن يكون عارفاً بما يدعو إليه، ولذلك قيل بأن الإنسان لا يكون أمراً بالمعروف، ولا ناهياً عن المنكر حتى تجتمع فيه خصال: أن يكون عالماً بما به يأمر، وعالماً بما عنه ينهى، وأن يكون عدلاً فيما به يأمر، وعدلاً فيما عنه ينهى، وأن يكون مؤتمراً بما به يأمر، ومنتهياً عما عنه ينهى، لا بد من أن تتوفر في الداعية هذه الخصال، أما العلم فإنه أساس العمل وأساس الهداية، ولذلك كانت الهداية منوطة بالعلم، والله الا الله عندما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم خاطبه أول ما خاطبه بكلمة اقرأ: {اَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعلَم} [العلق: 1 - 5]؛ لأن الله بعثه برسالة العلم، والله لا عندما امتن به على عباده المؤمنين إنما امتن به لأنه جاء معلماً لهم ومزكياً لهم، فقد قال ـ سبحانه ـ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقال امتناناً على عباده الأميين وهم العرب: {هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِي الْأُمِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ايَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2]، وقد حذر الله - سبحانه - من التقول عليه بغير علم عندما قال عز من قائل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ما ظهر منْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فالتقول على الله بغير علم أمر غير جائز.
ولكن الدعوة تختلف بين أمر وآخر، فهناك أمور من الضرورة أن يعرف الإنسان حكمها، إذ من اللازم أن يعرف أن الخمر مثلاً حرام، وأن الزنا والغيبة حرام، فالإنسان عندما
481 (1/481)
صفحة 482
482
لقاعات
في الفكر والدعوة
يغير مثل هذا المنكر لا يحتاج إلى كثير، علم، إذ الناس جميعاً مشتركون في معرفة ذلك، وكذلك عندما أحداً يجد التصرف في أمر من الأمور، وهو يحسن التصرف؛ يسيء فإن عليه أن يدعوه إلى الخير، وأن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، وبهذا يكون قد
أدى ما عليه.
وكذلك من هذا الباب تربية الإنسان لأولاده على طاعة الله، وعلى البر والإحسان، وعلى اجتناب سفاسف الأمور، وعلى التحلي بمكارم الأخلاق، فإن ذلك كله يدخل في باب الدعوة إلى الله ا الله، وهكذا تتوسع الدعوة شيئاً فشيئاً ويشترك فيها الناس بقدر قدراتهم، وأما العدل فهو أن لا يحابي أحداً على حساب أحد آخر، لا يحابي قريباً على حساب بعيد، ولا حبيباً على حساب بغيض، ولا صالحاً على حساب طالح، فإن الناس متساوون في هذه الناحية، لا بد من أن تكون كلمة الحق التي يقولها منبعثة من أعماق نفسه من أجل هداية الناس، لا من أجل الحيف على أحد، أو محاباة أحد على حساب أحد، فالله - تعالى - يقول: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا} [النساء: 135]، ويقول الله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا تَعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
وأما الائتمار بما به يأمر والانتهاء عما عنه ينهى؛ فإنه من ضرورات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذلك لأن هذه الدعوة إن لم تكن مترجمة بالعمل ومصدقة بالفعل فإنها ولا ريب تكون متعثرة في طريقها، والحق والله يقول في تقريعه لليهود: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَب أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وليس التقريع هنا على الأمر والنهي على أمر الناس بالبر، وإنما التقريع على نسيانهم أنفسهم، فهم وإن أحسنوا من حيث دعوة الناس إلى الخير، ولكنهم أساءوا من حيث إنهم تركوا الائتمار بهذا الذي يأمرون به والانتهاء عن هذا الذي ينهون عنه.
ونجد أن السلف الصالح إنما استطاع أن يقتحم السدود، وأن يذلل العقبات، وأن يصل إلى غايته في هذه الدعوة بالتطبيق الدقيق لكل ما يدعو إليه، فالسلف الصالح كانت أعمالهم أدعى إلى الحق من أقوالهم، ولذلك تفاعل الناس تفاعلاً تاماً مع هذه الدعوة، فاتبعوا (1/482)
صفحة 483
وسائل الاتصالات والإنترنت
الله دين ودخلوا فيه أفواجاً، وهذا كما قلنا مع عدم وجود الوسائل في ذلك الوقت، ولكن عزيمتهم كانت متوقدة، وأعمالهم كانت صالحة، وسيرتهم كانت زكية، ولذلك تفاعل الناس مع دعوتهم، فتسارعوا إلى الاستجابة لها.
المحاور: كما تعلمون فإن وسائل الاتصال منتشرة بشكل كبير اليوم والله الحمد والمنة، ويعد برنامج (البالتوك) نوعاً من أنواع الاتصالات، ومن بين غرف هذا البرنامج غرفة الأرقم حيث تجري في هذه الغرفة مناقشة بعض القضايا مثل قضية تعدد الزوجات؛ حيث تتم المناقشة إما بالكتابة أو بواسطة لاقط الصوت بين الأشخاص.
ماذا ترون في مشاركة المرأة في مثل هذه المناقشات وبالذات بواسطة لاقط الصوت؟ وهل صوتها يعتبر عورة بالنسبة للرجال؟ علماً بأن الغرفة يدخلها الجنسان؟
القضية تحتاج إلى شيء من الدقة في الإجابة عليه، فنحن نشجع المرأة أن تكون داعية إلى الله آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وأن تسخّر هذه الوسائل من أجل القيام بهذه المسؤولية، والاضطلاع بهذه المهمة، والله ما يقول في وصف المؤمنين والمؤمنات: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71] فالله الا الله وصفهم بهذا الوصف وهو وصف يدلّ على اشتراك الجنسين جميعاً في الاضطلاع بهذه المهمة، ولكن مع هذا لا بد من مراعاة الآداب والأخلاق والتقيد بالحشمة والوقار، فحديث الرجل إلى المرأة يجب أن لا يكون حديثا مشوبا بعاطفة، ولربما غرّر الرجل بالمرأة من خلال إذكائه عاطفتها وهو يتحدث إليها حديثاً عاطفياً يجذبها إلى أمور لا تحمد.
فمن هنا نحن نوصي أولئك الدعاة أن يتخلقوا بأخلاق الدعاة، وأن يحرصوا على الإصلاح بحيث لا يجعلون الدعوة وسيلة لتهييج العواطف، فإن ذلك أمر يؤدي إلى التخريب لا إلى التعمير، وهذا أمر معروف بطبيعة الحال، كما أن المرأة يجب أن تتعامل مع الرجل بحذر وأي حذر، ولا سيما إن أراد أن يفاتحها في قضية زواج أو نحوه؛ فإن الاسترسال في هذا
483 (1/483)
صفحة 484
484
لقاعات
في الفكر و الدعوة
ربما أدى بها إلى ما لا تحمد عاقبته، وليس كل الرجال رجالاً، فالناس يتفاوتون، وقد يغرّها بمظهره وسمته ووقاره، وبتحليه بصفات الصالحين حسبما يظهر، ولكنه ينطوي على حقيقة مضادة لهذه المظاهر، وهذا أمر يجب أن ينتبه له الجميع. ومن المعلوم أن المرأة سرعان ما تتهيج عاطفتها؛ لأن عاطفة المرأة - كما تقول باحثة اجتماعية فرنسية - تشغل كلا جانبي دماغها عندما تثور، بخلاف عاطفة الرجل فإنها تشغل جانباً واحداً، وتترك الجانب الآخر صالحاً للتفكير، فالمرأة كثيراً ما تتأثر، ولذلك يجب الرفق بالمرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفقاً بالقوارير» (رواه البخاري ومسلم)، فيجب الرفق بالمرأة، ويجب على الرجل أن يتعامل مع المرأة على أنها أخته، وعلى أنها أُمه وعلى أنها ابنته، فكما أنه لا يرضى ه ولا يرضى لابنته ولا يرضى لأخته أي عار يلحقها؛ كذلك عليه ألا يرضى ذلك لأي امرأة أخرى؛ لأنها قبل كل شيء أخته في الإنسانية، وأخته في الإسلام، ثم قد تكون أخته في المجتمع أيضاً بحيث يجمعهما جميعاً مجتمع واحد، فعليه أن يتقي الله - تبارك وتعالى - في ذلك، وأن يحرص على تجنب جميع الإثارات.
وأنا بنفسي وصلتني شكاوى من بعض النساء الداعيات بأن بعض الفتيات أصبحن يتعرضن للإثارات من قبل بعض الناس الذين يتظاهرون بمظهر الصلاح والاستقامة وذلك عبر هذه الوسيلة، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله وأن لا يستعملوا هذه الوسيلة إلا في البناء لا في
الهدم.
ويمكن أن يلتقيا (الداعي والداعية) من خلال الحديث، ولكن ذلك يجب أن يكون مع حديثاً وقوراً، أنا لا أقول بأن صوت المرأة عورة على أي حال، وإنما على المرأة إن تحدثت مع الرجل أن تتجنب التغنج وأن تتجنب جميع المثيرات، وأن لا يكون حديثهما عاطفياً كما قلت، ولكن يجب أن يكون حديثاً جدياً ليس يتعلق إلَّا بهذا الجانب، وبهذا يمكن أن يتعاون الجنسان، وأن لا أقول بمنع التحدث إلى المرأة فيما يتعلق بأمور الزواج؛ أي مفاتحة الرجل للمرأة في هذا، ولكن ذلك في حدود الحشمة والوقار مع اطلاع أُسرتها على ذلك، ومن بينهم ولي أمرها.
وهنا تعجبني قصيدة فيها الكثير من النصح والتوجيه للمرأة، ومن بينها ما يتعلق بهذا الجانب؛ أي بجانب تغرير المرأة من أجل الزواج أو نحوه قالها أحد كبار الدعاة قبل (1/484)
صفحة 485
وسائل الاتصالات والإنترنت
سنين كثيرة عندما خرجت المرأة متبرجة تبرج الجاهلية، ونسيت حشمتها ووقارها، وما يجب أن تكون عليه، فوجّه إلى المرأة هذه النصيحة ضمن هذه القصيدة، وأنا أذكر هذه القصيدة وإن كانت هي لا تتعلق جميعاً بهذا الجانب الذي كنا نتحدث فيه، وإنما تتعلق بما وصلت إليه المرأة من فتح الباب على مصراعيه للشهوانيين، يقول:
قصرت أكماماً وشلت ذيولا هلا رحمت إهابك المصقولا
أسئمت من برد الشتاء سجونه
فطلبت تحرير المصيف عجولا
وخطرت تحت غلالة شفافة
في فتنة تدعُ الحليم جهولا
محبوكة لصقت بجسم مشرق
دفعته فورتُه فبان فصولا
هل قصر الخدان في صرعاهما أو كان طرفك في الطعان كسولا
حتى استعنت على القلوب بمعْمَدٍ
وجعلت جسمك كله مسلولا
ألححت في عرض الجمال وغرك ال أغرار لما أسمعوك فضولا
ومن انتهرت قسا فكان عذولا
من نال منك رضا فأنت مَلاحه صوني أن تبتغي بعد الهويّ حُلولا قداسة ما وُهبت وحاذري واسمي بعرضك فالمُضلل فورة وإن اهتدى عبثاً يضل وصولا
ثم عرج على ما نعنيه فقال:
شاهدتُ ضليلاً يطارد غادة فنهرتُه حَنقاً فقال خجولا
أبغي البناء بها فقلت مداعبا
نا ولم يرها فجُنّ وقال لي
هل كان باب وليها مقفولا؟ أبعثت فينا يا غيور رسولا لم يبق لي أرب فما يضطرني حتى أكون مكلفاً مسؤولا قل للفتاة الغر هذا حبه إن بان ملتاعاً وذاب ميولا يلقاك كالحَمَلِ الوديع مُضللاً فإذا تمكن منك أمسى غولا
فهكذا نحن نحذر المرأة من أن تقع فريسة لمثل هؤلاء الناس، كما نحذر الرجل أن يقع هو أيضاً فريسة الشيطان من خلال إغوائه بطريق، المرأة، وعلى الجانبين أن يتقيا الله - تبارك وتعالى -.
??? (1/485)
صفحة 486
486
لقاعات
في الفكر و الدعوة
المحاور: المتساقطون على طريق الدعوة ليسوا بقليل في العالم الإسلامي، هل ترى سماحتكم أن بعضهم أخفق في سبيلها؟ إن كان كذلك فإلى أي الزوايا مرد ذلك الإخفاق؟ أهو فساد معتقد أم انحطاط فكر؟
هناك أسباب متعددة، فقد يكون الغبش في التصور سبباً من أسباب هذا التساقط، وقد يكون أيضاً غلبة النزوة والشهوة سبباً من هذه الأسباب، ولا أعني بالشهوة شهوة معينة هنالك شهوات مختلفة تغري الإنسان، وتدفعه دفعاً إلى ارتكاب الموبقات، من بينها شهوة حب الظهور، ومن بينها شهوة المال، ومن بينها أن أن يتبوأ مكاناً عالياً بين الناس إلى غير ذلك من الأمور التي تردي الإنسان، ولا ريب أن هذه كلها مهلكات فإن الله - تبارك وتعالى - يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، ونحن نرى كيف أن الله - تبارك وتعالى - بدأ بالعلو هناك قبل الفساد؛ لأن حب العلو في الأرض هو الذي يدفع بصاحبه إلى الفساد دفعاً، ومن هنا كان ضرورة تنقية النفس من جميع
يحب
الشوائب.
هذه
ولا ريب أن المتساقطين كثر، فما أكثر أولئك الذين ظهروا للناس أولاً بمظهر الدعاة المخلصين الراغبين في إنقاذ المجتمع وإنقاذ الإنسانية كلها من الورطات، وإذا بهم يقعون فيما كانوا عنه ينهون، ويترامون إلى ما كانوا منه يحذرون، وهذا كله إنما يعود إلى ضعف هذه النفوس أمام المغريات المختلفة والمؤثرات المتباينة، فلذلك على كل أحد أن يحرص بأن يكون موصولاً بربه ـ سبحانه ـ، وأن لا يأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ووصل الأمر ببعض أولئك الذين كانوا يتظاهرون بذلك المستوى العالي أن انحدروا إلى دركات الإلحاد وإلى حضيض أنواع الفساد، فما أجدر الإنسان أن يحرص كل الحرص على أن يتقي الله - تبارك وتعالى -، وأن يحاسب النفس باستمرار محاسبة دقيقة، وأن يكون كما قال شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَنكُمْ عَنْهُ} [هودك 88]، فكيف يحذِّر الإنسان من أمر ثم يقع فيه بنفسه؟!
وهنا تعجبني كلمات قالها بعض الدعاة، يقول: (إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج من قلب مؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول (1/486)
صفحة 487
وسائل الاتصالات والإنترنت
حتى يستحيل هو ترجمة حيّة لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة حياة؛ لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها وجمالها من حقيقتها لا من بريقها)، والله - تعالى - المستعان.
المحاور: بعض الشباب هداهم الله يستغلون شبكة الإنترنت فيما حرم الله من تصفح المواقع الإباحية ويضيعون أوقاتهم وأموالهم، فما هي النصيحة التي تقدمونها شيخنا لهؤلاء الشباب؟
نصيحتي لهم أن يتقوا الله - تعالى - في حياتهم، وأن يتقوا الله في شبابهم، فالإنسان مسؤول عن عمره كله، ومسؤول عن شبابه كله، لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟» (رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان)، يُسأل الإنسان عن ذلك كله، يُسأل عن العمر لأنه الموهبة الكبرى.
وهؤلاء الذين يقضون أوقاتهم في مطالعة هذه المواقع الإباحية إنما يضيعون أعظم شيء في حياتهم؛ لأنهم يضيعون الحياة نفسها، والحياة هي أعظم شيء؛ لأن نعم الله - تبارك وتعالى ـ تنبني على هذه النعمة الكبرى فلولا نعمة الحياة لما أحسّ الإنسان بنعمة قط من نعم الله الله، على أن هذه الحياة وهبت له لا لأجل أن يتهالك فيها على ملذاتها، وإنما وهبت له من أجل أن يعمل فيها لحياة أفضل، لحياة الخلود والبقاء والجزاء، لحياة لا يعقبها، موت، وكل ما فيها من خير لا يهدده، شر، فصحتها لا تكدر بمرض، وغناها لا
يهدده فقر، وشبابها لا يكدره هرم، وإنما تلكم حياة أبدية لمن آمن وعمل صالحاً ثم
اهتدى؛ بحيث سلك الطريقة القويمة التي تسعده في الدار الآخرة عند ربه - سبحانه
فعلى هؤلاء أن يتقوا الله، وأن يعرفوا نعمة شبابهم، فالشباب ليس فرصة للتهالك على هذه الموبقات، وإنما هو فرصة للعمل الصالح، وللطموح إلى معالي الأمور، فالأمم تُقاس بشبابها رقياً وانحطاطاً وتقدماً وتأخراً، فبقدر ما تكون شبيبتها على صلاح واستقامة وبر لله ـ تعالى ـ وخشية منه تكون الأُمة عزيزة كريمة ذات شأن عظيم، وبقدر ما يتهالك شبابها على موبقات الأمور تكون أُمة ساقطة لا قيمة لها، فمن هنا كانت الضرورة
ووفاء وحب
487 (1/487)
صفحة 488
488
لقاعات
في الفكر والدعوة
إلى تربية هؤلاء الشباب على الصلاح والاستقامة والبر والإحسان والطموح إلى معالي الأمور والترفع عن سفاسفها.
هؤلاء نصيحتي لهم أن يعرفوا قيمة شبابهم، وأن يعرفوا قيمة عمرهم، على أن الإنسان قد يكون في غضارة (1) الشباب، وفي ميعة الفتوة فإذا به يأتيه ريب المنون ليقطع دابره فجأة واحدة فيتحول إلى جثة هامدة، ثم يتحول بعد ذلك إلى عظام نخرة، ولا يدري الإنسان متى يفجؤه ريب المنون، فالناس جميعاً مثلهم في هذه الحياة كمثل سجناء حكم عليهم جميعاً بالإعدام، ولكن لا يدري أحد ساعة تنفيذ الحكم فيه، وأي حكم أبلغ من حكم الله ـ تعالى ـ الذي يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاذْ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، فجدير بالإنسان أن يتقي الله، وأن ينهنه نفسه عن هذه السفاسف، وأن يربأ بنفسه عن الانحدار إلى هذه الدركات، وعن الرعي في هذه المراعي الوبيئة، هذه نصيحتي لهم، والله المستعان.
هي
المحاور: هل قضاء الأوقات الطوال أمام شاشة الحاسب الآلي في تصفح الأخبار مثلاً تعد أيضاً من ضمن التضييع والهدر للأوقات؟
كل شيء بمقدار، وكل ما خرج عن حده انقلب إلى ضده، ولا ينبغي للإنسان أن يفوت الفرص، وإنما عليه أن يزن الأمور بمعايير دقيقة، فالأخبار يعطيها الإنسان فرصة، لا أقول أنا بأنه يعيش في منأى عمّا يدور في العالم؛ لأن المسلم مطالب بأن يكون خبيراً بما يدور في العالم، ولا أدل على ذلك من أن الله الله أنزل في كتابه أنباء الأُمم السابقة من أجل أن تتبصر هذه الأمة، وتتربى على كونها أمة عالمية تحمل إلى الإنسانية رسالة عالمية، بل أنزل الله ـ تعالى ـ قرآناً يتلى في الصلوات وفي غيرها إلى قيام الساعة يُحدث المسلمين بأحداث زمنهم وكانوا يومئذ فئة قليلة، كانوا افراداً قليلين لا يكادون يصلون إلى العشرات كانوا مغمورين بالكثرة
(1) أي بهجته. (1/488)
صفحة 489
وسائل الاتصالات والإنترنت
الكاثرة من أهل الجاهلية، فقد أنزل الله - تعالى - قرآناً يتلى ينبئهم بما وصل إليه الصدام المسلح بين دوليتن كبيرتين كانتا تتقاسمان معظم العالم المتحضر، مع أن أولئك المؤمنين في ذلك الوقت لم يكونوا حسب الظاهر يعنيهم من هذا شيء، إذ كانوا مشغولين بأنفسهم، وكانوا في معزل عن معترك هاتين الدولتين، إذ لم يكن يمتد إليهم نفوذ أي واحدة منهما، ولكن مع ذلك أنبأهم الله الا الله بما وصل إليه الأمر وما سينقلب إليه فيما بعد عندما قال: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 2 - 5]
ولكن لا أن يكون ذلك على حساب طلب العلم، وعلى حساب ضرورات الحياة، وعلى حساب العبادة، وعلى حساب الأوراد والأذكار والتقرب إلى الله تعالى بصنوف الطاعات، وإنما ذلك بقدر ما يأخذ الإنسان العظة والعبرة والدرس، ويتزود من أجل الدعوة إلى الله الله
المحاور: من المواضيع الحساسة حول شبكة الإنترنت الساحات التي يتم فيها الحوار بين مختلف الثقافات وبين مختلف طوائف المسلمين ومذاهبهم، لكن المؤسف جداً أن الساحات الدينية بالذات يحدث فيها سباب وتراشق بالاتهامات، بل حتى في المذهب الواحد يصطرع أتباعه على أمور لا تخدم الدعوة الإسلامية، ولا تقدّم للإسلام شيئاً، فهل يصح استخدام هذه الساحات في هذا التراشق
والاختلاف؟
هذه جميعاً نعم الله - تبارك وتعالى - ويجب شكرها، ومن شكرها عدم استخدامها فيما لا يرضى الله الا الله، وما ذكرتموه من التراشق بالتهم والترامي بألقاب السوء والفساد كل ذلك مما يتنافى مع الدين الصحيح، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والإنسان مسؤول عمّا يقول، وكذلك هو مسؤول عمّا يكتب، ولعل المسؤولية على الكتابة أعظم من المسؤولية التي تترتب على القول؛ لأن القول يكون لحظة وينتهي أثره، ولكن الكتابة يمتد أثرها عند كل قارئ يقرؤها؛ وخصوصاً عندما تكون الكتابة في مثل هذه الآلات التي تنشر المكتوب، وقد تنشر الصوت أيضاً،
،
489 (1/489)
صفحة 490
490
لقاعات
في الفكر و الدعوة
تعالى
فذلك مما يضاعف على الإنسان الوزر إن استخدم هذه الآلات فيما لا الله يرضي - تبارك وتعالى ـ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبينها تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (رواه البخاري ومسلم)، ويقول أيضاً: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» (رواه الربيع والترمذي). فعلى الإنسان أن يتقي الله فيما يقوله، وأن يتقي الله فيما يكتبه، وقد أجاد الشاعر الذي قال:
لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن على أن هذا ليس من مصلحة الأمة، وإنما هو مما يضاعف الشرخ الذي فيها والصدع الذي في جدارها، ويؤدي إلى تمزقها كل ممزق، وذلك مما لا يرضي الله الله، فنسأل الله - تعالى - العافية.
المحاور: إذا نظرنا إلى هذه الساحات معظم الأشخاص الذين يشاركون فيها يستخدمون أسماء مبهمة وألقاباً مختلفة، نحن نعلم سماحة الشيخ أن المعلومات في ديننا الإسلامي في الأحاديث وفي المعلومات التاريخية وغيرها موثقة من خلال السند، فإذا كان في السند رجل مجهول لا يقبل الآن المعلومات في أمور الدين وغيرها أيضاً من القضايا المذهبية معظمها تأتي من أسماء مجهولة، فهل تأخذ هذه نفس الحكم؟
هذه المعلومات توزن بموازين الحق فما وافق الحق قبل، وما خالفه رفض، وإن
من خير ما قرأناه لعلمائنا كلاماً قاله الإمام أبو نبهان ـ رحمه الله تعالى -: «إياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال»، فالالتفات إلى حقيقة القول الذي يقوله القائل لا إلى القائل نفسه، فلا عبرة بكون القائل حبيباً أو بغيضاً، وإنما العبرة بما يقوله حقاً أو باطلاً. (1/490)
صفحة 491
وسائل الاتصالات والإنترنت
المحاور: بسبب التطور الكبير للإعلام الحديث هناك شبكات للدعوة النصرانية، فهل هناك من ضير في محاورة هؤلاء لمعرفة ما عندهم لعله يجد باباً لدعوتهم
إلى الإسلام؟
باب الحوار مفتوح في الإسلام، فالله - تبارك وتعالى - يقول: {وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46]، فمحاورة أولئك بطريقة فيها إقناع بالحجة الواضحة والحق اليقين سبب لاهتداء من كتب الله - تبارك وتعالى ـ له الهداية، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان متمكناً حتى لا يكون حواره حوار جاهل يؤدي إلى نتائج سلبية، وإنا يجب أن يكون هذا الحوار حوار ملم بأبعاد الموضوع الذي يحاور فيه حتى يؤدي بمشيئة الله إلى نتائج إيجابية.
المحاور: من الملاحظ أن الإنسان يقضي الساعات الطويلة في عمل الخير كالدعوة، ولكنه يتقاعس عن الأعمال الأخرى كزيارة الأقارب والمرضى والأعمال الخيرية في بلده، ما رأي الشرع في هذا العمل، وما نصيحتكم لهذا الإنسان؟
كل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده ولو كان نافعاً، فإنه عندما يخرج عن حده ينقلب إلى الضرر، فالجرعة من الدواء إن لم يأخذها الإنسان بقدر ما تنفعه فإنها تنقلب إلى مضرته، ومن هنا كان على الإنسان أن يعطي هذه الآلات من الوقت بقدر ما ينفع ولا يضر؛ بحيث لا يكون كما قلت على حساب الدين والواجبات، ومن بين هذه الواجبات صلة الأرحام وزيارة المرضى وتشييع الموتى والقيام بالواجبات الاجتماعية المتنوعة؛ فإن ذلك كله مما يجب أن لا يفرط فيه، والله - تعالى - أعلم.
491 (1/491)
صفحة 492
[صفحة فارغة] (1/492)
صفحة 493
الفهرس
مقدمة
لقاء خاص: سماحة الشيخ العلّامة الخليلي (نشأته ـ حياته ـ فكره)
اللقاء الأول: آداب السؤال والاختلاف
اللقاء الثاني: العقيدة الإسلامية
اللقاء الثالث: القربة لغير الله
اللقاء الرابع: الشعوذة والخرافات
اللقاء الخامس: السحر
اللقاء السادس: الوسواس
اللقاء السابع: الفتوى والمرأة في الإسلام
اللقاء الثامن: الصحوة الإسلامية
اللقاء التاسع: الدور الإصلاحي لعلماء الإباضية
اللقاء العاشر: بيان حقيقة الإباضية ووسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية
اللقاء الحادي عشر: وحدة الأُمة الإسلامية ودورتها العالمي
اللقاء الثاني عشر: التسامح في الحضارة الإسلامية
اللقاء الثالث عشر التقريب بين المذاهب الإسلامية
: (1/493)
صفحة 494
اللقاء الرابع عشر: الوحدة الإسلامية
اللقاء الخامس عشر: وحدة الأُمة
اللقاء السادس عشر: المسلمون في الأقصى (واقع واستشراف)
اللقاء السابع عشر: الموضوع: رؤى فكرية
اللقاء الثامن عشر حوار الحضارات
اللقاء التاسع عشر: موقف الإسلام من العنف والعولمة اللقاء العشرون: واقع الأمة العربية والإسلامية
اللقاء الحادي والعشرون: الإرهاب
اللقاء الثاني والعشرون: الأحداث الراهنة
اللقاء الثالث والعشرون الكوارث والزلازل
اللقاء الرابع والعشرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللقاء الخامس والعشرون: الأخلاق الإسلامية
اللقاء السادس والعشرون: الكذب
اللقاء السابع والعشرون: التفاؤل
اللقاء الثامن والعشرون: القرآن الكريم والصيف اللقاء التاسع والعشرون: حادثة الإسراء والمعراج
اللقاء الثلاثون وسائل الاتصالات والإنترنت (1/494)