صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات فكرية - سير وتراجم - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: ملامح التصوف الإباضي المغاربي تأثير "إحياء علوم الدين" على "قناطر الخيرات" لإسماعيل الجيطالي
المؤلف: يحيى الأطرش
الناشر: دار التنوير
مكان النشر: الجزائر
تاريخ النشر: 2017م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
ردمك: 978-9947-56-075-4
الإيداع القانوني: السداسي الأول
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6012&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/916
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 27 شعبان 1446ه/ 26 - شهر 02 - 2025م. ملامح التصوف الإباضي المغاربي
تأثير "إحياء علوم الدين" على "قناطر الخيرات" لإسماعيل الجيطالي
يحيى الأطرش
دار التنوير - الجزائر
أسسها المرحوم بإذن الله تعالى عبد الحفيظ بن محمد صحراوي (1/1)
صفحة 2
ملامح
التصوف الإباضي المغاربي
تأثير إحياء علوم الدين على قناطر الخيرات الإسماعيل الجيطالي (1/2)
صفحة 3
العنوان:
ملامح التصوف الإباضي - تأثير إحياء علوم الدين على قناطر الخيرات» لإسماعيل الجيطالي
المؤلف:
يحيى الأطرش
حجم الكتاب:
21/ 14
عدد الصفحات:
سنة النشر:
155
2017
الطبعة:
الأولى
الناشر:
دار التنوير / الجزائر
ردمك:
978 - 9947 - 56 - 075 - 4 السداسي الأول
يتحمل الكاتب وحده المسؤولية
الجنائية والأدبية والعلمية كاملة
كل الحقوق محفوظة عن كل الآراء والأفكار الواردة في هذا دار التنوير / الجزائر الكتاب تجاه كل ما من شأنه أن يُلحق
هاتف/ فاكس:
+213 23 78 13 27 www.dartanouir-dz.com
E.mail:
dartanouir@hotmail.com
ضررا بحق قائم.
الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الدار
يسمح بطبع هذا الكتاب أو جزء منه أو نقله بأي شكل أو واسطة
من وسائط نقل المعلومات بما في ذلك التصوير أو النسخ أو التسجيل أو التخزين دون إذن خطي من الناشر. (1/3)
صفحة 4
ال الرحم الرجيم (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)
سورة يوسف
فاعلم أنه من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله»
«إحياء علوم الدين / أبو حامد الغزالي
امتثالا لقوله عليه الصلاة والسّلام: اقبل الحق ممن جاءك به حبيبا كان أو بغيضا وردّ الباطل على من جاءك به حبيبا كان أو بغيضا)؛ استخرجتُ العلم النافع من كلّ كتاب، ولم أهتبل بمؤلّف على خطا كان أو صواب، ونقلتُ الحق المفهوم من بين الشوك والسموم، إذ حجّة الله على الإنسان فهم الحق وعلمه من أي لغة سمعها ولسان»
قناطر الخيرات / أبو طاهر الجيطالي»
5 (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
إهداء
إلى من بذلا الغالي والنفيس في سبيل تعليمي وتأديبي؛ قرة عيني أُمي وأبي رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» إلى زوجتي أم مريم وأسماء؛ سَنَدي ورمز الوفاء والطيبة إلى أفراد عائلتي العزيزة؛ مصدر إلهامي وطموحي إلى روح العالم العامل والباحث المحقق؛ عمرو خليفة النامي
إلى روح رائد المعرفة والتعارف والاعتراف؛ علي يحيى معمّر إلى الشيوخ الفضلاء من خريجي البعثات العلمية المزابية بجامع الزيتونة إلى بقية السلف الصالح؛ مشايخي أحمد الخليلي وفرحات الجعبيري
وباحمد ارفيس
إلى كل من ينشد السّلام في العالم، ويدعو إلى قيم الخير والحق والحبّ إلى كل من له يد بيضاء في مسيرتي العلمية وترك بصمته في هذا البحث إلى الأستاذ الفاضل محرّر التقديم، وإلى الرسام الملهم صاحب صورة
الكتاب
أهدي هذا العمل المتواضع؛ وفاءً وعرفاناً بكرمكم، وأملاً في بركات دعواتكم.
7
يحيى (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وسلام على من اتبع هداه ورشد. اقتضت حكمة الله عزَّ وجل أن يحيا الإنسانُ الابتلاء في حياته، و أن يعيش التدافع بين الحق والباطل، وأن تفترق الأمة الإسلامية، وتدعي كل طائفة أنها الحق .. تلك إرادة الله .. بما كسبت أيدي الناس .. ولكن أن تبقى الأمور على تلك الحال، وأن يتحول الاختلافُ إلى تنازع وتكفير وهجران وتدابر، وأن تكون الأمة لقمة سائغة بيد أعدائها، فهذا مال لا يصح أن يبقى ذو مسكة من عقل أو ذرّة من إيمان لا يناهضه، ولا أن يقبل بازدياد الكل تشتتا والمجموع تشرذما. فالاختلاف سنة تقصد منها مولانا التعارف والتكامل، لا التناكر والتعايب.
ولن نتوصل إلى التكامل ما لم نتعارف، ولن نتعارف ما لم نأخذ بمناهج المعرفة والعلم، فبالعلم نكشف المجهول، ونصوب التصورات، ونتعرّف على الإيجابيات والسلبيات، ونتجاوز الأخطاء، بل ندرك سُبل الخروج من الأزمات التي نعيشها، بيننا نحن المسلمين، ومع الإنسانية جمعاء. وكل من رام غير هذا المدخل
9 (1/9)
صفحة 10
فلن يصل إلى شيء ذي بال، ألم يفتتح الله عزَّ وجلَّ قرآنه بكلمة (إقرأ»،
قبل أن يقول: توحد واعتصم وصل وصم، واعدل وأحسن!!
ومن هنا يظهر ما للدراسات العلمية من آثار طيبة في تعارف المسلمين ومعرفة مشكلاتهم وسُبل حلها، هذا على سبيل العموم، وبخاصة ما لتلك الدراسات المنهجية في الاستفادة من تراثنا الإسلامي، وذلك بالتكشيف والتحليل والتتبع التاريخي لتطور الأفكار وتلاقحها، والمقارنة والنقد والتقويم، وكل ذلك حقيق بالظفر بجوانب الإبداع والرقي، ناهيك عن إبراز جوانب الإفادة من النافع من الحضارات الأخرى والتلاقح بين الأمم.
وهذا ما مضى عليه كثير من الباحثين، فأثمرت جهودهم معرفة حقيقية بتراثنا وإسهامات أعلامه، وتجاوزنا الكثير من الأحكام المُسبقة التي أطلقها بعضُهم على تلك الفرقة أو المذهب أو المجموعة بل على كثير من أعلام الأمة .. دراسات جعلتنا نعيد النظر في الكثير من المسلمات التي ألفتها عقولنا لكثرة تردادها، ولعمر الحق إن ذلك لهو السبيل لفتح الأبصار ورفع الغشاوة عنها، وبل لانشراح صدور بعض المسلمين لبعض.
ولعل من المجالات التي تستحق مزيد الكشف والتحليل، والرَّصد والتتبع والتقويم ما يُعرَفُ في تراثنا بالتصوف، أو ما
10 (1/10)
صفحة 11
يسمى بعلم المُجاهدة والتزكية، فقد شابه الكثير من الأحكام: بين طرفين؛ طرف يسمه بالانحراف والتخريف بل بالجهالة والشرك، وطرف يراه زبدة الإبداع العلمي الرصين لأئمة المسلمين، لذلك كان أحوج إلى المقاربات العلمية، وتوظيف ما للمسلم المعاصر من آلات ومناهج ليقارب الصواب في
ذلك.
دون أن ننسى الإشارة إلى أثره الميداني، فهو لصيق بالإنسان، وإنسان العصر أحوج إلى ما يزكِّي قلبه منه إلى ما يحشو عقله بالمعارف، نظرا لما أفرزته وسائل الحضارة من طوفان معرفي، جعل الكثير من البشر مغرورين بما عندهم من معلومات، دون أن تكون مؤسَّسَةً بمناهج ولا مؤطَّرَةً بضوابط، بله أن تتحول إلى
واقع عملي تجعل من الإنسان إنسانا، بزكاة نفسه وحياة قلبه. وفي هذا المسار تأتي دراسة الباحث يحيى بن عيسى الأطرش، حول التصوف الإباضي، دراسة منهجية، تحاول تناول المجال الوجداني التزكوي بضوابط العلم والمنهج من خلال دراسة للتراث تكشف عن التثاقف وجوانب التأثير والتأثر، بين علمين بارزين أحدهما هو الغزالي الأشعري، وثانيهما هو الجيطالي الإباضي.
وتكمن أهمية العلمين في أن أحدهما أسس لإحياء علوم الدين، فقربها إلى الناس باعتبار مجالات حياتهم وجوانبها
11 (1/11)
صفحة 12
لا بالتقريب الفقهي المتتبع للفنون عبادات ومعاملات، ولا بالتقريب الصوفي المتتبع لآداب المريد والأوراد ومراحل السير. والآخر علم إباضي قرب ذلك الاجتهاد إلى الوسط الإباضي مازجا ذلك بما أثر عن أعلام الإباضية من لمسات دقيقة، إضافة
إلى التقويم و التعقب لما يراه غير منسجم ومبادئه ومنطقه. وكأن الباحث قد استجاب لرغبة علي يحيى معمر حين تحدث عن كتاب الجيطالي القناطر فقال: «والجيطالي، وإن كان متأخرا عن الغزالي، إلا أن مقارنة بينهما قد تكون من المباحث الممتعة التي تحتاجها المكتبة الإسلامية» (1)، وقد اطلعت عليه واستمتعت فعلا بما أورده الأخ يحيى، ووقفت على ميزات تميز
بها الباحث أبرزها:
- إظهار البعد العملي الواقعي في نظرة الجيطالي في كتابه، وهو ما ميّز الساحة الإباضية في التعاطي مع التصوف فكان أقرب إلى التعبد والالتزام بالشريعة منه إلى الإيغال في الروحانيات والفلسفة العرفانية.
الوعي بتاريخ المنطقة وفكرها وأعلامها، ما جعل الباحث يقارن بين الواقع والمثال، ويلحظ جوانب التأثر والتأثير في الحياة العملية والجانب التنظيري، مثلما قارن بين نظام العزابة وكتابات الجيطالي، مستشفًا أبعاد التصوف الإسلامي المعتدل.
(1) معمر، علي يحيى الإباضية بين الفرق الإسلامية غرداية: المطبعة العربية، د. ط، 1987، ص 108.
122 (1/12)
صفحة 13
-
الكشف عن مدى استفادة الجيطالي من الغزالي مع بيان أدب الجيطالي في التعامل مع علماء الأمة، وخاصة من خالفه في المذهب، حيث كان الجيطالي مثال الانفتاح في الأخذ من الجميع، وحسن الأدب في النقد، والتواضع في الأخذ، والعلم في الإفادة.
- تنوع مصادر الدراسة: فقد اعتمد على مصادر الجيطالي من أدب الدنيا والدين، وصفة الصفوة، وتبيين أفعال العباد، وغيرها، كما استفاد من كتب الإباضية المتأخرين كشرح النيل والإباضية بين الفرق الإسلامية، وغيرها، إضافة إلى كتابات بعض المستشرقين المهتمين بالدراسات الإباضية. وهذا ما يعطي عمقا في تناول الموضوع.
-
تناول مجالات عديدة في الدراسة فذكر العقائد واستخبر التاريخ، وأبحر في الفكر، وتزود بالتزكية، وتأدب بالشعر والأدب، وهو أمر جميل في مثل هذه الدراسات المتعددة المجالات، مما يقتضيه الموضوع.
- أسلوب سلس في التحليل وإيراد أقوال العلماء ومحاورتهم، مع أدب جم وخلق في التعامل طيب.
والمعروف عن صاحب البحث صراحته في إبداء رأيه، واعتزازه بما توصل إليه، مع محاورة ونقد دون قبول مباشر وهو ما يُحسَبُ له غالبا، فالباحث يترقى في مجال البحث والعلم، فيزداد تجذرا في قناعاته، وتماسكا في بنائه المعرفي والمنهجي، إلا
13 (1/13)
صفحة 14
أن لكل فكر نقائص، ولكل جواد كبوة، ففي البحث أفكار ناضجة وأخرى تنتظر، وفي بعض محطات البحث عمق في التناول وأخرى تحتاج إلى مزيد نظر، وهذه سمة البشر فحاشا من لا يخطئ ولا يغفل.
ولعلّ من المفيد للباحث في دراساته المستقبلية أن يجري مقارنات ويحفر في كتب سير العلماء بالمغرب، كسير الوسياني والبغطوري، وطبقات الدرجيني والشماخي، وملحق أبي اليقظان، فقد كانت تلك المصادر ثرى بالأخلاق والقيم الدينية مصبوغة بقالب عملي، ولا شكّ أن الجيطالي قد استفاد كثيرا مما سبقه منها، فيحسن أن يتواصل البحث في الكشف عن معالم التصوف الإسلامي المعتدل عند الإباضية، بإعادة إخراج تلك النفحات واللطائف والمواقف والسلوكيات في قالب واحد منهجي أخلاقي تزكوي يكون زادا للباحث في العلم، ومددا للمسلم في تحقيق دينه في واقع الحياة.
وفق الله الباحث إلى بحوث أخرى، وهيأه إلى الرقي بفكره وجهده ومزيد العمق والاستيعاب لمناهج المعرفة وفنون العلم الشرعي، ونفع به الأمة، والحمد لله رب العالمين.
د. محمد بن داود تمزغين
أستاذ محاضر
كلية العلوم الإسلامية. جامعة الجزائر 1 العاصمة يوم 27 جمادى الأولى 1438 هـ
الموافق 25 فيفري 2017 م
14 (1/14)
صفحة 15
المقدمة
يزخَرُ التراث الإسلامي بأمهات الكتب التي تُعتبر الأساس لمختلف علوم الشريعة، وكلّها تنطلق من مورد واحد وهو الوحي تنزيلا وبيانا أي الكتاب والسُّنَّة، وقد زاد الاهتمام بالبحث في روح الشريعة وجوانب التزكية التي ميزت دين الإسلام، وهو مجال حري بالبحث والمراكمة؛ لما له من أصل أصيل في كتاب الله، حيث يقول الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، ويقول عليه الصلاة والسّلام: «مَا آمَنَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ [مسند الربيع، رقم: 775]. فقد وضع الله عزّ وجلَّ على عاتق نبينا الكريم عليه السّلام القيام بمهمة تزكية النفوس؛ والتي تُعتبر الحلقة الواصلة بين تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة، نظرا لأهمية تطهير النفس والجوارح قبل تلقي الوحي وأثناءه وبعده، فتكون بذلك عملية ملازمة للمسلم إلى حين لقاء ربه.
15 (1/15)
صفحة 16
ولقد كان الاهتمام بالتزكية متضمنا في فكر وممارسات الرعيل الأول، حتى إذا وقع تدوين العلوم وتقسيمها برز علم يُعنى بالأحوال والسلوك والأخلاق سُمّي بعلم التصوّف، و صُنفت فيه مؤلّفات تبحث أسراره وتضبط توجهه وتُبحِر في خباياه، فنما هذا العلم وتشعب وصارت له مدارس وطرق في المشرق والمغرب، ينضوي تحتها مريدون من مختلف المذاهب الكلامية والفقهية.
وقد شهد مسار التصوّف منعرجا كبيرا إثر ظهور كتاب إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي، الذي كان له الأثر الكبير أيضا على الفضاء الإباضي مع ظهور كتاب «قناطر الخيرات بعده بحوالي ثلاثة قرون. ويُعد البحث في مميزات التصوف الإباضي المغاربي من الأهمية بمكان نظرا لندرة الدراسات المتخصصة في هذا المجال.
يبدو أن طبيعة البحوث التي ستكشف عن تلك المميزات لا بد أن تكون من قبيل البحوث المقارنة التي تدرس مدى التأثر والتأثير بين المدارس الصوفية الموجودة آنذاك، من هذه الزاوية يأتي هذا البحث ليدرس بعض مميزات التصوف الإباضي، و مدى تأثره بالتصوّف الغزالي الذي ساد في المغرب الإسلامي في فترة متقدمة.
كما يمكن أن نلاحظ أن أعلام الإباضية شرعوا في الانفتاح على الآخر في وقت مبكر، وقد نظر علي يحيى معمّر (ت: 1400 هـ
16 (1/16)
صفحة 17
/ 1980 م) لهذا الانفتاح بمقولته المشهورة في كتابه «الإباضية بين الفرق الإسلامية حيث يقول: «المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطّم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون، فإنّ هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب، وقوة رد الفعل؛ وإنما تتحطّم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف». ويعزّز هذا التوجه الرشيد ما ذَكَرَه عمر و خليفة النامي (غيب في 1406 هـ / 1986 م) في مقدّمة تحقيقه لكتاب قناطر الخيرات»: «والحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها أن المسلمين في حاجة إلى التعارف الكامل في هذا العصر الذي تيسرت فيه وسائل اللقاء، وفي حاجة إلى أن يطلعوا جميعا على الحق الذي حمل كل فرقة جانبا منه». هذه هي الأسس الفكرية التي انطلق منها الإباضية للتعايش بين المدارس الإسلامية على اختلاف مشاربها.
دوافع البحث:
يأتي هذا البحث في سياق محاولة استكشاف التثاقف الإباضي - الأشعري) في المغرب الإسلامي في حقبة مبكرة من التاريخ. وأشير على سبيل المثال إلى اهتمام بعض الباحثين الإباضيين بالدراسات المُقارنة، فقد سلّط «مصطفى باجو» الضّوء في مجال أصول الفقه في بحث الماجستير الموسوم بالآراء الأصولية للوارجلاني من كتاب «العدل والإنصاف» مقارنة بكتاب المستصفى» للغزالي، وذكر الباحث سبب اختياره
17 (1/17)
صفحة 18
للكتابين «العدل والإنصاف» و «المستصفى» للمقارنة بين آراء أبي يعقوب وآراء أبي حامد الأصولية؛ لما للمكانة التي حضي بها الغزالي وكتابه في مجال الأصول فهو العمدة والمصدر الأساس لكثير من المؤلّفات التي أعقبته، ولكون الوارجلاني والغزالي اتفقا على السعي للحد من استشراء الفكر الباطني وخطره على البناء العقدي والسلوكي، مما دعاهما إلى ربط قضايا الأصول بالواقع
المعيش.
أما في مجال الفلسفة وعلم الكلام فنجد عمر آل حكيم يذكر في بحث الماجستير الموسوم بـ «الإمام عبد العزيز الثّميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين أنه مع بداية القرن السادس هجري / الثاني عشر ميلادي؛ بدأ التطور في التأليف الإباضية فكان التلاقي مع مؤلفات الأشاعرة التي بسطت نفوذها في العالم الإسلامي، وتناول الباحث بالدراسة کتاب «المعالم» للثّميني؛ كونه من عيون كتب علم الكلام حسب طريقة الحكماء التي ظهرت بوادرها مع أبي حامد الغزالي وأرسى قواعدها الفخر الرازي، فالمقارنة في الكتاب كانت ظاهرة بين ما يذهب إليه الإباضية والمعتزلة والأشاعرة، وقد توصل الباحث إلى أن كتاب «المعالم» كان متأثرا بمؤلفات الأشاعرة «المواقف» للإيجي و «الطوالع» للبيضاوي.
المثال الأخير كان في مجال السياسة الشرعية، فقد درس بكير واعلي في بحث الماجستير موضوع «الإمامة عند
18 (1/18)
صفحة 19
الإباضية بين النظرية والتطبيق مقارنة بأهل السنة والجماعة وتناول فيه شروط الإمامة وأحكامها، وآلية تولية الحكام وعزلهم، والتداول على السلطة، وإمامة المرأة .. وبين ما تتميز
به المدرسة الإباضية في السياسة عن غيرها من المدارس. أما في هذا البحث فسأجتهد وأواصل مسيرة هذه الدراسات المقارنة، بتسليط الضوء على جوانب التزكية والتصوّف في كتاب قناطر الخيرات الإسماعيل الجيطالي؛ مقارنة بكتاب «إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي.
ما دفعني إلى خوض غمار هذا البحث هو التطلُّع إلى اكتشاف تعامل الإباضية مع علم التصوف والصوفية عبر مختلف مراحل التاريخ، ومحاولة الاستفادة من منهجهم لعلاج بعض النزعات الصوفية التي بات يُروّج لها على نطاق واسع، سيما مع تطوّر التقنيات الحديثة في وصل المجتمعات الصغيرة بالعوالم الكبيرة، فكان لزاما على الباحث أن يتمكن من فهم الضّوابط التي أرساها علماء المذهب انطلاقا من أصوله، في كيفية التعاطي مع الأفكار الوافدة بعلم وحكمة. ومما أثار فضولي هو ما وجدته عبر صفحات التاريخ؛ من نزوع إلى مسلك التصوف الإسلامي، فالباحثون يؤكدون أن التصوّف قد أسهم في تقليل حدة الخلاف بين الفرق الإسلامية لأنه يركز على النهايات، ويربط علاقة الإنسان بالله، ويسعى إلى قطع العلائق بغيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ
19 (1/19)
صفحة 20
العصر الحديث شاهد على أنّ الكثير ممن أسلموا في الغرب كانوا يتوقون لإشباع جوع أرواحهم التي أنهكها الطغيان المادي، فوجدوا ضالتهم في التصوّف.
إشكالية البحث:
أهدف من خلال بحثي الموسوم بـ: تأثير إحياء علوم الدين على الفكر الإباضي المغاربي، من خلال كتاب قناطر الخيرات لإسماعيل الجيطالي (القسم الأوّل منه: قنطرة العلم وقنطرة
الإيمان)، إلى مقاربة الإجابة عن:
- مدى تأثر كتاب قناطر الخيرات» بكتاب إحياء علوم الدين»، وطبيعة هذا التأثر، وأوجه الاستفادة والإضافة، ودوافع اختيار الخط الصوفي الغزالي دون غيره.
- أسعى للتحقق من صحة مقولة المحققين لكتاب القناطر في المقدمة سيّد كسروي «حسن» و «خلاف محمود عبد السميع»: كما أخذ الكتابُ عديدا من فصول وأبواب كتاب الإمام الغزالي إحياء علوم الدين» بالنّص ولم يتصرف فيها المؤلف إلا في أحيان قليلة». فهذه المقولة ربّما تدفع بالقارئ إلى الظن بأن الجيطالي ما كان إلا ناقلا ومكرّرا لما أورده الغزالي في كتابه.
ويُعد كتاب قناطر الخيرات من ركائز الكتب في الوعظ والخطابة والتدريس في الأوساط الإباضية المغاربية، نظرا لقيمته العلمية ومنهجه التعليمي وأسلوبه السهل:
20 (1/20)
صفحة 21
- فهل لهذا الاعتبار دوره في تقرير أن للإباضية تيار تربوي
سلوكي يعتني بتزكية النفس، ويُسهم بشكل إيجابي في الحياة، وبهذا نكون قد حصرنا التصوّف في زاوية الأخلاق والتزكية؟ أم أنه توجد نماذج أو على الأقل بذور تبشر بتشكل تيار صوفي شأنه شأن التيارات الصوفية المعروفة؟
المصادر والمراجع:
وقد استعنت في هذا البحث بجملة من المصادر والمراجع لعل أهمها:
الإباضية في موكب التاريخ» لعلي يحي معمّر، استفدت منه في ترجمة شخصية الجيطالي وأحوال بيئته الإباضية. أما كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية» للمؤلف نفسه، فسأستعين به في تحليل نتائج مقارناته العقدية بين الأشاعرة
والإباضية.
- مجموعة من دراسات المستشرقين على المذهب الإباضي مثل: كتاب «العزابة لروبيرتو روبيناتشي، و «مقالات مختارة لفاليري هوفمان، سأستعين بها في تحليل النصوص الإباضية الأولى في التصوّف.
- التصوّف في عُمان»، وهو كتاب أصله حوار أجراه خميس العدوي» مع «أحمد بن سعود السيابي». في هذا الكتاب يتناول الباحث بالحوار علم التصوّف ومقارنة
21 (1/21)
صفحة 22
مظاهره و ممارساته بين إباضية المشرق والمغرب، ومدى تقبل الأوساط الإباضية للمدارس الصوفية، غير أن تركيز الكتاب كان على أعلام التصوّف في المشرق، وسأستفيد منه بخصوص ما ذكره من مميزات للتصوّف المغاربي وأقارنها بما ورد في قناطر الخيرات».
كتاب: «الفيلسوف الغزالي، إعادة تقويم لمنحنى تطوّره الروحي العبد الأمير الأعم، سأستفيد منه في إضاءة الجوانب
الروحية من حياة الإمام الغزالي ومختلف تحوّلاتها.
کتاب: «فلسفة الحضارة الإسلامية الرؤية الغزالية لمشهد العلاف، تناول فيه المؤلّف تأثير التصوّف الغزالي على الحضارة الإسلامية، وهذا يُسهم في بحثي من خلال تسليط الضوء على بعض الجوانب الحضارية للتصوّف في عصرنا
هذا.
كما أنني قد استعنتُ أيضا في بحثي هذا بجملة من الدراسات الأكاديمية منها:
الجوانب التربوية في كتاب قناطر الخيرات للباحثة فاطمة القنوبية، وهي رسالة ماجستير نوقشت سنة 2004 م بجامعة الزيتونة. تتناول فيها إسهامات إسماعيل الجيطالي في بيان المنهج التربوي بين المعلم والمتعلّم، وما يتخلله من آداب ومبادئ، وهو ما سأتطرق إليه في البحث وأناقشه في باب التزكية والتطهر النفسي الذي يسبق عملية التعلم. وتتمثل الإضافة في دراسة العلاقة بين عمليتي التعلم والتزكية، وأهميتهما في بناء شخصية المسلم.
22 (1/22)
صفحة 23
إسماعيل الجيطالي وآراؤه الكلامية» للباحث خضير بابا واعمر، وهي رسالة ماجستير نوقشت سنة 2001 م بجامعة
الجزائر.
علم الكلام عند إسماعيل الجيطالي» للباحثة سناء الباروني، وهو بحث قدّم لنيل شهادة الدراسات المعمّقة سنة 2003 م بجامعة منوبة بتونس.
تشترك الدراستان في تناول الفكر العقدي لإسماعيل الجيطالي وآرائه التي تبناها والتي انفرد بها، وهذا ما سيكون ضمن بحثي عن مميزات المدرسة الإباضية في العقيدة من خلال قنطرة الإيمان. أما ما تميّزت به دراسة سناء الباروني فهو كونها بسطت الحديث في أحد المباحث عن كتاب «قناطر الخيرات» وأوردت ملاحظاتها عن طبيعة تصوّف الجيطالي، وسأسعى للتحقق من هذه الملاحظات، وأعرّج على ضرورة ربط العقيدة بالتزكية لما لها من أثر بالغ في سلوك الإنسان، بحيث أن الاعتقاد المجرد الجاف لا يكفي وحده لاستثارة الجوارح نحو العمل الصالح والمداومة
عليه.
منهج البحث:
اقتضَتْ مني طبيعة الموضوع استخدام منهجين علميين، وهما: - المنهج التاريخي الذي كان عمدة الفصل الأوّل والفصل الثاني، حيث قُمْتُ بتعريف المدرسة الإباضية، وكذا ملامح
23 (1/23)
صفحة 24
عن مسيرة التصوّف وتطوّرها عند الإباضية عموما، وبشكل أخص عند إباضية المغرب. وبهذا المنهج سأدرس أيضا تاريخ
الشخصيتين «الغزالي» و «الجيطالي»، والظروف التي ظهر فيها «الإحياء» و «القناطر».
- المنهج التحليلي المقارن: وهو عمدة الفصل الثالث من البحث، وسأستخدمه في تحليل الآراء الصوفية والعقدية التي بنها الجيطالي في كتابه، كما أنني سأقارنُ المسائل التي تخص العلم والإيمان من كتاب «القناطر» مع كتاب «الإحياء»، ثم أدرس مدى التأثير، وحجم التلخيص والاقتباس، ومنهجية عرض المعلومة،
وعناصر الإضافة.
خطة البحث:
وقد قسمت بحثي إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، على النحو
الآتي:
المقدمة: وفيها تناولت أسباب اختياري للموضوع وأهميته والإشكالية المطروحة فيه، وذكرتُ أهم المصادر والمراجع المعتمدة، وبعض الصعوبات التي واجهتني، مع ذكر المنهج المتبع في البحث.
الفصل الأول: وفيه ثلاثة مباحث خصصتها للتعريف بالإباضية، ومدلول التصوّف عندهم، واجتهدت في عرض
ملامح عن طبيعة الحياة الرّوحيّة عبر مراحل وفترات.
24 (1/24)
صفحة 25
الفصل الثاني: وفيه مبحثان للتعريف بشخصية أبي حامد الغزالي وكتابه «إحياء علوم الدين»، وشخصية أبي طاهر الجيطالي وكتابه قناطر الخيرات».
الفصل الثالث: خصصته للمقارنة بين كتابي «القناطر» و «الإحياء»، وفيه مبحثان لمقارنة بعض المسائل الواردة في «قنطرة العلم مع ما ورد في كتاب «الإحياء»، وكذا المسائل الواردة في قنطرة الإيمان ومقارنتها بما ورد في مبحث «قواعد العقائد» عند
«الإحياء».
الخاتمة: ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال
فصول البحث.
صعوبات البحث:
وعن الصعوبات التي واجهتني خلال البحث؛ بحمد الله وتوفيقه لم تكن صعوبات مُعرقلة، بل حفزتني لأتعلم الحفر المعرفي في مجال التصوّف عند الإباضية وأتتبَّعَ إشاراته المبثوثة هنا وهناك. أذكر من هذه الصعوبات:
- قلة الدراسات المتخصصة في التصوف الإباضي؛ نشوءا وتطوّرا، باستثناء بعض الملاحظات والإشارات المتناثرة في الكتب ولا يزال مجال هذه الدراسات خصبا.
- عدم حصولي على بعض الدراسات الحديثة للاستعانة بها في بحثي، بسبب ظروف خاصة، وأذكر على سبيل المثال: أطروحة دكتوراه «البعد الصُّوفي في الفكر الإباضي» لسلطان الحراصي.
25 (1/25)
صفحة 26
- الخوف من استعجال النتائج وسوء التأويل، سيّما. سيما وأنني مبتدئ في دراسة علم التصوّف، وبحث الماجستير لا يتيح لي التبحر في المقارنة بين الأجزاء المتبقية من «الإحياء» و «القناطر»، للوصول إلى صورة متكاملة عن عملية التأثير الحاصلة.
بعد هذه المقدمة لا بد من إرجاع الفضل الله سبحانه في تيسير تحرير هذا البحث، ثم إنّي أشكر شكرا جزيلا مشرفي على البحث؛ فضيلة الدكتور علي الصولي، على صبره الجميل وعنايته بفصول البحث توجيها ونقدا، كما أتوجه بشكر خاص للجنة المناقشة؛ ممثلة في الدكتور علي العشي والدكتور منير رويس، على ما تفضلا به من ملاحظات وتصويبات تزيد من قيمة البحث. وفي الأخير لابد من
شكر القائمين على المكتبات التي تتفانى في خدمة الباحثين. للتنويه: عنوان الكتاب، في الأصل هو رسالة جامعية بعنوان: تأثير «إحياء علوم الدين على الفكر الإباضي المغاربي: كتاب «قناطر الخيرات» لإسماعيل الجيطالي (قنطرة العلم والإيمان أنموذجا). تقدمت بهالنيل شهادة الماجستير في اختصاص الحضارة الإسلامية وحوار الثقافات، بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة بدولة تونس نوقشت و أجيزت بتاريخ: 24/ 10 / 2016 م.
يحيى بن عيسى الأطرش
:بريان جمادى الآخرة 1438 هـ /
مارس 2017 م
Ly 8547@hotmail.com
26
26 (1/26)
صفحة 27
الرموز المستعملة:
إحياء علوم الدين: الإحياء.
قناطر الخيرات القناطر.
أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: الغزالي.
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: الجيطالي.
دون طبعة: د. ط
دون تاريخ: د. ت
ترجمة: تر
تحقيق: تح
جزء: ج
27
22 (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
الفصل الأول
في التعريف بالإباضية وسيرورة حياتهم
الروحية
المبحث الأول: التعريف بالإباضية
المبحث الثاني: مدلول التصوّف عند الإباضية
المبحث الثالث: ملامح عن طبيعة الحياة الروحية في الوسط
الإباضي (1/29)
صفحة 30
[صفحة فارغة] (1/30)
صفحة 31
الفصل الأول
في التعريف بالإباضية وسيرورة حياتهم الرّوحيّة
المبحث الأول: التعريف بالإباضية
المطلب الأول: النشأة والتطوّر
غير خاف على الباحثين بعد أربعة عشر قرنا هجريا؛ أنّ الإباضية فرقة من الفرق الإسلامية التي نشأت في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، حيث يعدّها جل المؤرّخين كونها تنتسب إلى فرق الخوارج، غير أن كل مؤرّخيها يتبرؤون من هذه النسبة» (1). وسبب هذا النفور من وصمهم بالخارجيّة أو الخوارج؛ هو كونهم كيانا له كامل الحق في اختيار ما يتسمّى به وفقا لما يحمله فكرهم من منهج وأصول. فالإباضية «لا يريدون أن ينتسبوا إلى الخوارج ولا يحسبون أنفسهم كذلك ولا يعتزون بالخارجيّة لسبب بسيط، لأنهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين ولا ينفذون فيهم
(1) فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، تونس، د. ط، 1985، ص 18.
31 (1/31)
صفحة 32
تلك الأحكام (1)، فهذا تبرؤ صريح وواضح ممّـ كان يقوم به الخوارج (2) من الأزارقة والنجدات في حق إخوانهم من أهل القبلة من تكفير واستحلال لدمائهم بمجرد أن خالفوهم في حادثة التحكيم المشهورة (3)، أو خالفوهم في اعتقادهم
وقعدوا عن نصرتهم.
ثم بمرور الزمن تبلور الفكر الإباضي، بوصفه مذهبا له أئمته وآراؤه الخاصة، لكن بقي إشكال التسمّي بالإباضية مطروحا، فهل هو اسم ارتضوه أم هو واقع فرض نفسه عليهم؟ هنا نجد أن المصادر الإباضيّة تنسب إلى «عبد الله بن إباض» (4)
(1) علي يحيى معمّر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، المطبعة العربية، غرداية، د. ط، 1987، ص 474.
(2) على ذكر مدلول كلمة الخوارج، نجد أن علي يحيى معمر يعرفها تعريفا شاملا فيقول: الآن وقد انقرض أولئك الذين كانوا يستحلون دماء مخالفيهم عقيدة ويرفعون هذا المبدأ شعارا علنيا لهم يعملون تحته في صدق وصراحة، بقي الذين يستحلون دماء مخالفيهم بالعمل، وهم يحملون شعار صيانة دماء المسلمين بكلمة التوحيد ولكنهم يُريقونها بأتفه الأسباب، وهؤلاء الخوارج موجودون ضمن جميع هذه الفرق». الإباضية بين الفرق الإسلامية، مرجع سابق، ص 478.
(3) رفض فريق من جيش الإمام علي قبوله للتحكيم واعتبروا ذلك خدعة من معاوية لتحويل زمام القيادة إليه، فاعتزلوا القتال، واختاروا لأنفسهم إما ما هو عبد الله بن وهب الراسبي. ينظر: عوض محمد خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، وزارة التراث، سلطنة عمان، د. ط، د. ت، ص 05 وما بعدها.
(4) عبد الله بن إباض من قبيلة تميم التي كان لها دور مهم في الأحداث السياسية في صدر الدولة الأموية، إليه تنسب الإباضية نسبة قياسية، كان يناظر الخوارج ويبين فساد مذهبهم، وكان يراسل عبد الملك ابن مروان ينصحه ويبين حقيقة مذهبه، توفي سنة 86 هـ. إبراهيم بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ج 03، جمعية التراث بالقرارة، ط 1: 1999، ص 551
32 (1/32)
صفحة 33
دورا ثانويا، بالمقارنة مع جابر بن زيد الأزدي (1) الذي تعتبره المصادر إمام الإباضية ومؤسس فقههم ومذهبهم (2). في بداية الأمر تسموا بأهل الدّعوة، والمسلمون، وجماعة المسلمين (3) ثم استقرّت التسمية على الإباضية، لأن «ابن إباض تفرّغ لبيان موقف المذهب ومبادئه في القضايا الآتية:
عنه.
1 - الخلاف مع الإمام علي في قبول التحكيم، ثم التحوّل
3
2 - مخالفة حكم الدولة الأموية وجورها على الرعية. انفصاله عن الخوارج الغلاة وإظهار العداوة لهم. قام عبد الله بن إباض بهذه المهام أحسن قيام؛ ما جعل جابر بن زيد يتفرّغ لتفقيه أتباع المذهب) (4) إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وهي السنة التي ولد فيها إمام دار الهجرة
(1) هو التابعي جابر بن زيد اليحمدي الأزدي البصري، يكنى بأبي الشعثاء، ولد سنة 18 هـ، نشأ في عائلة علم ودراسة، انتقل إلى البصرة واتخذها دار مقام ومدرسة علم، كان يتنقل بينها وبين الحجاز، روى الحديث عن ثلة من الصحابة: منهم أمنا عائشة، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود وابن عبّاس عرف بالزهد والورع، ورفض منصب القضاء الذي عرضه عليه الحجاج. كان إمام الإباضية وفقيههم، وترك ديوانا علميا ضخما لكنه ضاع، وبقيت أقواله المبثوثة بين تلامذته، ومراسلاته وأجوبته، وكتابان في الصلاة والنكاح. توفي سنة 93 هـ. قال فيه أنس بن مالك: مات أعلم من على ظهر الأرض. محمد ناصر وسلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، دار الغرب الإسلامي، بيروت،
ط 1: 2006،
ص
79
(2) عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، د. ط، 1978، ص 79.
(3) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، مرجع سابق، ص 12
(4) عمر صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، د. ط، د. ت، ص 34، 35.
33 (1/33)
صفحة 34
مالك بن أنس». وبهذا يكون مذهبهم قد نشأ وبرز ما يقرب من مائة سنة من نشوء المذاهب الأربعة (1).
المطلب الثاني: انتقال المذهب الإباضي إلى المغرب
الإسلامي
بعد انتشار المذهب الإباضي في كُلّ من اليمن ومكة والمدينة والبصرة وعُمان، ثم انحساره بفعل القمع الأموي لكل حركة معارضة للحكم آنذاك، ومع نهاية القرن الأول هجري وبداية القرن الثاني نجد أن «سلمة بن سعد» (2) ارتحل ليبشر بالمذهب الإباضي في بلاد المغرب الإسلامي، حيث وجد له بيئة خصبة في شمال افريقيا لسببين هما:
- «اضطهاد الأمويين للإباضية في المشرق. - اضطهاد أمراء بني أمية للبربر في المغرب» (3). فاغتنم تلك الأجواء ودعا النّاس إلى المبادئ العادلة التي أتى بها الإسلام، فاستجاب له أهل جبل نفوسة في البداية
(1) دراسة في الفكر الإباضي، المرجع نفسه، ص 29 ذكر ذلك: دونالد هولي في كتابه عُمان ونهضتها الحديثة). (2) هو سلمة بن سعد بن علي الحضرمي اليمني، كان حيا في 135 هـ من تابعي التابعين، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب، نجحت بعثاته العلمية لطلبة من ليبيا وسدراته والقيروان إلى البصرة ليتعلموا على يد أبي عبيدة، عُرفوا فيما بعد بحملة العلم إلى المغرب. محمد ناصر وسلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، مرجع سابق، ص 205.
(3) نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، مرجع سابق، ص 18.
34 (1/34)
صفحة 35
- وكانوا معقلا رئيسا لإباضية المغرب في الثلث الأول من القرن الثاني -هجري - حيث أرسل سلمة بن سعد» إلى البصرة ثلة من الشباب منهم: «أبو عبد الله الجناوني» (1) ثم أردف بأربعة آخرين سُمُّوا بعد عودتهم بحملة العلم الخمسة، وتذكر المصادر تاريخ رجوعهم سنة 140 هـ / 757 م بعدما قضوا خمس سنوات في التكوين والإعداد، ليعودوا إلى قبائلهم بزادٍ وفير (2)
من العلم والحكمة وفنون السّياسة الرشيدة برؤية إباضية. يذكر زاهر الحجري أنه بعد العودة إلى الديار باشر حملة العلم العمل على إحياء إمامة عادلة تحفظ للناس حرّيتهم وتحررهم من الأسر الملكي باسم الإسلام، فبويع في تلك السنة «أبو الخطاب» (3)
809
(1) هو محمد بن عبد الحميد ابن مغطير الجناوني، من قرية إيجناون بنفوسة ليبيا، أول من ارتحل إلى البصرة لطلب العلم عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثم عاد إلى نفوسة ليقوم بمهمة الإفتاء عايش قيام ثلاث دول إباضية في المغرب الإسلامي وكان لا يزال حيا حين قامت الدولة الرستمية سنة 160 هـ. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، مرجع سابق، ج 4، ص (2) حملة العلم الخمسة هم: أبو درار إسماعيل بن درار الغدامسي من غدامس جنوب طرابلس، عبد الرحمن بن رستم الفارسي القيرواني، عاصم السدراتي من سدراته غربي الأوراس، أبو داود القبلي النفزاوي من جنوب تونس، وانضم إليهم من البصرة أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني. ينظر: زاهر الحجري، الإباضية في
الغرب الإسلامي، مكتبة الجيل الواعد عُمان، ط 1: 2012، ص 124 (3) هو عبد الأعلى بن السمح المعافري من علماء اليمن في القرن 2 هـ، أخذ العلم عن شيخه أبي عبيدة مسلم وأوصاه أن يقيم الإمامة بمجرد وصوله إلى بلاد المغرب الإسلامي، فصادف الاضطراب الحاصل بسبب قيام ثورة الصفرية فأعلن إمامته وبايعه الناس، وسار بهم إلى تطهير القيروان من فساد قبيلة وفرجومة. دام حكمه الراشد أربع سنوات ثم أرسل إليه جعفر المنصور؛ ابن الأشعث الخزاعي فقضى عليه
35 (1/35)
صفحة 36
إماما على طرابلس، ثم سقطت إمامته بعد أربع سنوات على يد العباسيين. لكن لم تلبث أن انتفضت ثورة أخرى ضد العباسيين معلنة قيام الإمامة من جديد سنة 154 هـ / 770 م على يد أبي حاتم الملزوزي (1) في طرابلس بعد انتصارات على سيطرة العباسيين ومواطن نفوذهم في القيروان إلا أن الإمامة سقطت هي الأخرى بعد سنة أو سنتين من نشوئها.
وهكذا نرى أن الاحتكاك يزداد قوة مع السلطة المركزية آنذاك (أي الدولة العباسية فكلّما قرر الإباضية أن يُنشئوا کيانا مستقلاً يحفظ لهم مذهبهم واستقلالهم بحياتهم الطموحة إلى العدل والاستقرار بعيدا عن التسلّط على رقاب الناس، إلا ونجد أن الصراع يشتد ويزداد ضراوة عن سابقه، ثم كانت
المحاولة الثالثة والأخيرة لإقامة دولة إباضية عادلة.
بعد انهيار صرح الإباضية في طرابلس والقيروان انزاح عبد الرحمن بن رستم (2) الذي كان واليا على القيروان قبل
في معركة تاورغا سنة 144 هـ. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، مرجع سابق،
ص 261.
(1) هو يعقوب بن لبيد (أو حبيب من بني كندة بالولاء، أخذ العلم عن حملة العلم، وبويع بالإمامة في طرابلس سرا سنة 145 هـ، وجهر بإمامة الدفاع سنة 154 هـ فاستطاع أن ينتصر على جيش ولاة بني العباس مرات عديدة، إلى أن باء بالهزيمة أمام جيش بقيادة والي مصر بعثه الخليفة المنصور في معركة مغمداس سنة 155 هـ. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، مرجع سابق، ج 4، ص 997
(2) هو عبد الرحمن بن رستم ابن بهرام بن،کسري حاكم الدولة الرستمية ما بين 160 هـ إلى 171 هـ، ولد بالعراق في العقد الأول من القرن 2 هـ، ويرجع نسبه إلى
36 (1/36)
صفحة 37
سقوط الإمامة الأولى؛ انزاح نحو المغرب الأوسط، وبعد سقوط الإمامة الثانية اجتمع الإباضية حوله في تاهرت (1) التي اختاروها لبناء مدينة حصينة منيعة، فشيّدوها وصارت مزدهرة في عصرها وقد أشاد في وصفها الكتاب والرحالة، وتحوّلت من غابة كثيفة تأوي السباع إلى عمران أنيق، وقبلة التجارة والاقتصاد. كما أنهم استقروا بالأندلس وكونوا بها علاقات اقتصادية قوية وأقاموا دويلات بالجنوب الشرقي)
(2)
كانت الدولة الرستمية ملتقى العلماء، ومقصد الناس من شتى الفرق والمذاهب والأديان، كما اشتهرت بالرخاء والأمن، واستطاعت منافسة الأدارسة والأغالبة (الجارتان القويّتان لها) لمدة تزيد عن القرن وربع القرن (من 160 هـ إلى 296 هـ)، ثم انهارت بفعل عاملين: عامل الاقتتال الداخلي، وعامل المد
الأكاسرة ملوك الفرس والبعض يرجعه إلى اللذارقة ملوك الأندلس، توفي أبوه بالحجاز فتزوجت أمه من مغربي أخذها وابنها اليتيم إلى القيروان، وهناك نشأ وتعلم. انتقل مع حملة العلم إلى المشرق، ثم عاد وتمكن من سياسة قطاع كبير من بلاد المغرب بعدله وورعه وحنكته له تفسير كتاب الله العزيز، لكن لم يصلنا. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، مرجع سابق، ج 3، ص 515
(1) من تلمسان إلى مدينة تاهرت أربع مراحل .. كانت فيها سلف من الزمان مدينتين كبيرتين إحداهما قديمة والأخرى محدثة والقديمة من هاتين المدينتين ذات سور وهي على قمة جبل قليل العلو، وبها ناس وجمل من البرابر ولهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة وضياع جمة .. ومياه متدفقة وعيون جارية .. وبالجملة إنها بقعة حسنة. الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، المجلد الأول، الإقليم الثالث، مكتبة
الثقافة الدينية، مصر، د. ط، د. ت، ص 256.
(2) ينظر: الإباضية في الغرب الإسلامي، مرجع سابق، ص 148، 149.
37 (1/37)
صفحة 38
الشيعي بقيادة أبي عبد الله الفاطمي الذي نسف تلك الحضارة وأحرق تراثها وأبادها نهائيا» (1).
وبعد سقوط الدولة الرستمية؛ «رجع الإباضية إلى أنفسهم، واستمرت حياتهم على طريقتهم المعروفة، عمل دائم لله ومحاسبة للنفس، ومجاهدة للشيطان والهوى، وإحياء السيرة المرضية، لا يأبهون للدنيا ولا يقيمون لها أي وزن» (2). وبذلك تُطوى صفحة من التاريخ الإباضي المغاربي الذي كان يتسم بالحراك السياسي والعسكري، والمواجهة المستميتة لحماية المذهب الإباضي، لتبدأ صفحة جديدة فيما يسمى بمرحلة الكتمان وتنظيم المجتمعات الصغيرة للإباضية بأنظمة تحفظ لها كيانها بما لا يمثل خطرا على الدول الكبرى التي تعاقبت على الشمال الإفريقي، وهذا النظام الذي سنتحدث عنه يعود له الفضل بعد الله في استمرار سلسلة المذهب ترق ولا تنقطع، منذ سقوط الدولة الرستمية إلى يومنا هذا؛ إنّه نظام العزابة. لكن سنؤجل الحديث عنه إلى المباحث اللاحقة، حتى نأتي على ذكر مميزات المذهب الإباضي في ظل التحولات التي شهدها عبر العصور.
المطلب الثالث: مميزات المذهب الإباضي
قبل الحديث عن مميزات هذا المذهب بعد أن أتينا على ذكر نشأته التاريخيّة، لا بأس بأن نتطرّق في عجالة إلى جملة المسائل (1) ينظر: الإباضية في الغرب الإسلامي، مرجع سابق، ص 127. للتوسع يمكن الرجوع إلى كتاب: الدولة الرستمية، إبراهيم بحاز.
(2) علي يحيى معمّر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1: 1964، ص 76.
38 (1/38)
صفحة 39
العقدية التي نافح عنها الإباضية منذ البدايات، وقد أوجز محمد نعيم ساعي ذكر بعض منها:
- قولهم في مرتكب الكبيرة فهو ليس مشركا ولا كافرا، بل هو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين حيا وميتا. كما أنه ليس مؤمنا باعتبار أن الإيمان عندهم قول وعمل ووفاء. أما حاله في الآخرة إن لم يتب وبقي مصرا على كبائره، أنه يُخلّد في النار والعياذ بالله، ويتفقون بذلك مع المعتزلة. - قولهم في القرآن أنه مخلوق وهو قول المعتزلة أيضا، إلاّ أنهم يفصلون في المسألة؛ فكلام الله النفسي هو صفة ذاته القديمة الأزليّة، أما ما أنزَله مما يُقرأ على ألسنة البشر ويُكتب في المصاحف، فهو مخلوق مُحدّث، وبهذا المنطق لا يختلفون مع
أهل المقالات. - قولهم في رؤية الله في الآخرة هو المنع، فما يجوز في حق المرئيات من جسم وحيّز ولون هو ممنوع في حقه تعالى، وما يأتي في النصوص بلفظ الرؤية والنظر فماله التأويل بما يتوافق مع
قطعيات القرآن الكريم، ومذهبهم في هذا يتفق مع المعتزلة. - قولهم في الخروج على السلاطين، هو عدم الجواز إلا بشرطين اثنين، وهما: أن يكون الحاكم ظالما جائرا، وألا يترتب على الخروج عليه مفاسد أكثر من المصالح، فإذا كان الخروج عليه في غالب الظن موقظا للفتن وفيه سفك للدماء واستحلال للأعراض وتطميع للأعداء، لم يجز الخروج عليه قولا واحدا (1).
(1) ينظر: محمد نعيم ساعي، القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، دار السلام، مصر، ط 1: 2007، ص 366 وما بعدها.
39 (1/39)
صفحة 40
- وفي الفقه نجد أن باب الاجتهاد ظل مفتوحا عندهم منذ القرون الأولى، وينفتحون على المذاهب الفقهية انفتاحا لافتا، كما أن لهم موسوعات مطوّلة منها: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة في واحد وتسعين جزءا للعلامة جميل السعدي (في المشرق)، وشرح النيل وشفاء العليل في سبعة عشر جزءا للعلامة امحمد اطفيش (في المغرب)، وقد اقتبست القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم كما يذكر ذلك، العلامة محمد أبو زهرة» (1).
من خلال ما سبق ذكره يمكن أن تجمل ما تميز به المذهب الإباضي؛ كما يذكر محمود قمبر في معرض حديثه عن التربية عند الإباضيّة أنّ المذهب يمر بفترة تمحيص للمبادئ التي اعتنقها ودعا إليها منذ قضية التحكيم، ومما ذكره
كذلك:
كانت العقيدة فوق القبيلة، فالإباضية لم تقم كغيرها من الدعوات أو السلطات على مبدأ العصبية القبلية الذي أشار إليه ابن خلدون، مستدلاً بحركة التاريخ في قيام وانهيار الأمم (من مبادئ الإباضية: أن الإمامة ليست بالضرورة مقترنة بشرط القرشيّة، والأفضلية للتقوى والعدالة). - كان مجتمعُ الإباضية ممثلا للأمة الإسلامية التي تذوب فيها النعرات العرقية، ففي دولة تاهرت (عاصمة الدولة
(1) محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية، الجزء الأول في السياسة والعقائد، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ط، د. ت، ص 85.
40 (1/40)
صفحة 41
الرستمية) نجد التجانس الديني يؤلّف بين العرب والفرس والبربر والروم، وبين الأحرار والموالي، وبين الكبراء والبسطاء بشكل إنساني متعاطف.
- كان لهم قبول حسن في أوساط الأفارقة السود الذين دخلوا بفضل دعوتهم إلى الإسلام، في مالي وغانا وغيرها من
البلدان.
- المجتمع الإباضي كان في معظم أطوار حياته، مجتمعا دائم التشكل، عاش حياة تتهدّدها الأخطار على نحو متواصل، ولم يُعْطِه التاريخ حياة الدّعة والاستقرار أو فرص الحياة المعمرة والمستقرة التي تصل إلى شيخوخة طبيعية وتجد لتربيتها فائضا أو تقعد الحاجة إليها (1).
وبهذا نكون أمام مجتمع لم يكتف بالتنظير والتحليق في عالم المثل، بل سعى جهده في كل ظرف من الظروف ليقيم العدل، ويكفل الحريّة، ويضبط الحاكم والمحكوم بموازين الشرع قدر الاستطاعة، وهذا ما جعله يحافظ على كيانه بكلّ وسيلة مشروعة، مادّيّة وروحيّة، مما سنلاحظه لاحقا عند الحديث عن الحياة الروحية لدى العامة والشيوخ، حيث إن تقوية روابط العلائق بين الفرد والجماعة تغدو نتيجة لتمتين العلاقة بالله واستمطار المدد الغيبي منه سبحانه.
(1) ينظر: محمد ناصر مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، الجزائر، ط 4،2015 م، ص 148 وما بعدها.
41 (1/41)
صفحة 42
المبحث الثاني: مدلول التصوّف عند الإباضية
نصوص القرآن الكريم طافحة بالحثّ على تزكية النفس وتطهيرها، ولا أدل على ذلك من ربط فلاح الإنسان بتزكية نفسه وخسرانه بدسها، في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خاتٍ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 09، 10]، وفي قوله سبحانه: {فَلا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: 32]. لابد قبل التطرق لمعرفة دلالة التزكية والتصوّف عند الإباضية؛ أن نعرفهما لغة واصطلاحا.
المطلب الأول: التعريف بمصطلحي التزكية والتصوّف لغويا زكاة المال معروفة، وزكَّى ماله تزكية أي أدّى. زكاته، وزكّى نفسه أيضا مدحها. وقوله تعالى: {وَتُزَكِّيهِمْ بها} [التوبة: 103]، قالوا: تطهرهم بها. وزكا الزرع، يزكو زكاء (بالفتح والمد) أي نما (1).
اصطلاحا: تزكية النفس تكون باعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرار مع تقارب الزمان حدث منها هيئة للنفس راسخة، تقتضي تلك الأفعال وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع فيخفّ عليه ما كان يستثقله من الخير (2).
(1) زين الدين الرازي مختار الصحاح تح يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية بيروت، ط 5: 1999 م، ص 136.
(2) رفيق العجم، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون لبنان، ط 1: 1999، ص 173.
42 (1/42)
صفحة 43
وغير بعيد عن تعريف التزكية اصطلاحا، نجد مدلول التصوّف يعمق معاني التزكية، حيث يعرف أهل التصوّف علم التصوّف بأنه: «الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق وتجنّب سفسافها. وهو أيضا: الكون مع الله بلا علاقة، أو هو الجلوس مع الله بلا هم. وعن الجنيد: هو ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع. وقد قيل: إن اشتقاق التصوّف من الصوف أو من الصفاء، أو من أهل الصُّفة أصحاب رسول الله
(1)
وحين طرأ التصوّف فيما بعد على الإسلام ارتفع أمام النفس البشرية مثل أعلى أكثر سموّا، حيث إن كمال الإنسان وسعادته رهن بالجهد الذي يبذله لمحاكاة صفات الله ولفهم الجوهر الحقيقي لهذه الصفات» (2). فالتصوّف على هذا شعور بالقداسة وسمو لأرفع حالات الإنسان، وغايته في هذه الحياة أن ييسر للروح النّجاة، وأن يسمو بها على المادة ويخلّصها من سجنها ويحرّرها حتى تتصل بالله. أما قبل أن يُشاع لفظ «التصوّف» فالمعروف عن الذين تكون كذلك حاله أنه «الزاهد» و «الورع» (3).
(1) موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مرجع سابق، ص 182. (2) لورا فيشيا فاغليري، دفاع عن الإسلام تر منير البعلبكي، دار العلم للملايين،،لبنان، ط 4: 1979، ص 85.
(3) جواد المرابط، التصوف والأمير عبد القادر الحسيني الجزائري، دار اليقظة العربية، دمشق، 1966، ص 59.
43 (1/43)
صفحة 44
المطلب الثاني: مدلول التصوّف عند الإباضية للاطلاع على ما اختاره علماء الإباضية بخصوص معنى التصوف، لابد أن نورد آراءهم التي ضمنوها في كتاباتهم لنستشف منها المدلول بوضوح
- النص الأوّل: فمن ادعى محبّة الله تعالى وخالف كتابه أو سنة رسوله الواجبة، فهو كاذب. وليس من حبّه الطرب والصفق باليد عند ذكره، أو اهتزاز الرّأس، أو الرقص، والحق ما قاله الجنيد، أنّ التصوّف اتباع ما عليه السنة، وحقيق بالعبد أن يحبّ الله بأن لا يخالفه، وبأن يعظمه ويكره سخطه. ولذلك فسّرت المحبة بإرادة الطاعة، وذلك أن كل موجب من حسن
وكمال في نفس الإنسان أو غيره فهو من الله» (1).
- النص الثاني: «عندما تحوّل التصوّف من علم يُعنى بتربية الضمير وتهذيب النفس والتزهيد في الدنيا والترغيب فيما عند الله إلى علم أشبه بالفلسفات العقيمة التي لا تحل مشكلة ولا تصلح فسادا في النفس، وقد اختلط التصوّف بالآراء الباطنية كما يظهر أثر ذلك واضحا في التفسير الذي ينسب إلى محيي الدين بن عربي، وذكر العلامة السّيّد محمّد رشيد رضا أن نسبته الصحيحة إلى القاشاني الباطني الكبير) (2).
(1) امحمد اطفيش هميان الزاد إلى دار المعاد تح محفوظ شلبي، وزارة التراث سلطنة عمان، 1983، ج 4، ص 65.
(2) أحمد الخليلي، جواهر التفسير مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ط 1: 1984، ج 1، ص 37.
44 (1/44)
صفحة 45
- النص الثالث: «فالّذي يقصد إلى ممارسة فلسفة الزهد وتزكية النفس ينبغي له أن يتعلم الكيفية الصحيحة خوف الوقوع في المزالق والشطحات، يقول ناصر بن جاعد الخروصي: ليس التصوّف السياحة في الفيافي والقفار، وإنما التصوّف التجريدي بأن يتجرد من كل صفة يحبّ الله له أن يتجرّد منها، ويتقرب إليه بذلك، زلفى، وأن يعمل بما يحبّه له أن يعمله شرعا» (1). النص الرابع: «التصوّف الذي يقوم على الزهد واعتزال الدنيا والرهبنة لم يكن مقبولا في الفكر الإباضي، ومع ذلك فقد تأثر بعض الإباضية بفكر التصوّف لكن دون إغراق في الزهد الساذج، ولا تفريط في مبدأ السعي والعمل وطلب العلم من
مظانه» (2)
من خلال هذه النصوص الأربعة تتضح لنا الصورة جليّة عن مقصودهم من التصوّف الصحيح، ومن خلالها يمكننا أن نستشف مدلول التصوّف عند المغاربة والمشارقة (3): فهو شدّة القرب من الله بالتزام ما يحب وفق ما يحبّ، دونما فلسفات
(1) أحمد النوفلي، البعد الغائب من مفهوم العمل الصالح، مكتبة الغبيراء، عُمان،
ط 1: 2009، ص 63.
(2) الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ مكتبة الغبيراء، عُمان، د. ط، 2005، ص 55. (3) هم إباضية المشرق، ابتداء من مصر فاليمن وعُمان والعراق وحضرموت وزنجبار و خراسان وما والاها ويطلق عليهم كذلك أهل المشرق. وتطلق هذه المصطلحات في مقابلة مصطلح المغاربة أو أهل المغرب الذي يعني إباضية ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى والأندلس. مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضية، وزارة الأوقاف سلطنة عمان، ط 1: 2008، ج 1، ص 541.
45 (1/45)
صفحة 46
الخلق
عقيمة أو ابتداع في الدين بما لا يوافق روح الشريعة، وهو ليس رهبنة واعتز الا لدنيا الناس، بل غايته التفاعل مع بما يرضي الخالق، وتحقيق الاتصال بالحي القيوم من خلال الانخراط في المجموع.
وبهذا التعريف نتفق مع من يرى أن «تغيير النفس معناه إقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف، وليس هذا من شأن (علم الكلام) بل هو من شأن منهاج (التصوف)، أو بعبارة أدق، هو من شأن علم لم يوضع له اسم بعد، ويمكن أن نسميه تجديد الصّلة بالله). والتصوّف الذي قاد إلى دروشة المرابطين وشعوذتهم، لا يمكن أن يقدّم لنا الأساس الضروري للإصلاح عندما نحت جهودنا إلى النّهضة، فهو لا يستهدف سوى تطهير بعض الأنفس من الخطايا، على حين يهدف الإصلاح إلى توفير الدافع الداخلي لدى جماهير الشعب، تلك الجماهير المتعطشة إلى انتفاضة قلب) كيما تنتصر على ما أصابها من خمود» (1).
وهكذا نجد أن مدلول التصوّف الصحيح لابد أن يكون حالة إصلاح ولملمة لشمل النفس الإنسانية؛ من أجل أن تقوم بدورها في الأرض كخليفة عليها من المسؤوليات والواجبات ما يجعل اعتزال الدنيا وهجران العمران لا يفي بالغاية من خلق الإنسان ومخاطبته بإعمار الأرض، يقول ربّ العزة هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
(1) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، د. ط، 2002،
ص 54.
46 (1/46)
صفحة 47
وإذا قمنا بإسقاط هذا المدلول على الواقع الإباضي نجد علي يحيى معمّر يذكر أن اشتقاق كلمة (العزابة) من العزوب أو العزابة، وهي تعني العزلة، والغربة، والتصوّف، والتهجد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في الاستعمال؛ الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والإعراض عن حظوظ النفس، والبعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإنّ العزابي لا يعطي لهؤلاء من جهده ووقته إلا القليل، أما أعظم طاقاته فيجب أن يصرفها الله في خدمة المسلمين دون مقابل يتقاضاه على عمله أو أجر يرجوه منهم، لأن أجره وحسابه على الله. حلقة العزابة أخذت كلمة الحلقة من التحليق والاستدارة، هكذا يجلسون في اجتماعاتهم الرّسميّة وهو أنسب وضع لتبادل الآراء (1).
المبحث الثالث: ملامح عن طبيعة الحياة الروحية في الوسط
الإباضي
انتهينا فيما سبق إلى مقاربة مدلول التصوف كما ارتضاه علماء الإباضية، وهو مدلول نلمس فيه تجسيدا لقيمهم العقدية والفقهية، وصبغة خاصة بالصرامة التي تبدو في منهجهم، فهم كما يصفهم محمد الطالبي بأنهم يجمعون إلى العلم ما هو أثمن منه، حياة روحية ثرية، وإخلاصا لا يتزحزح للمبادئ» (2).
(1) ينظر: الإباضية في مركب التاريخ، الحلقة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1:
1964، ص 97، 98.
(2) مقدمة كتاب نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، مرجع سابق، ص 08.
47 (1/47)
صفحة 48
حاولت أن أبحث فيما تناثر من إشارات في المصنفات الإباضية القديمة والحديثة عساني أخلص إلى مراحل تطوّر هذه الحياة الروحيّة، فتوصلت بعد الاستقراء إلى تصنيفها إلى
ثلاث مراحل:
المطلب الأول: مرحلة الرفض والتحفّظ
من
وتتجلّى فيما قاله العلامة محمد بن محبوب الرحيل (1) أوائل الإباضيين الذين تحدثوا عن الصوفية بقوله: «عرفنا أنّ هنالك أناسا في بلادكم يتعبّدون بلباس الصوف في الصيف ويتشككون في قتال أهل البغي بالسيف» (2). وهذا النص مقتبس من سيرته إلى إباضية حضرموت في القرن الثالث هجري، ونلاحظ فيها مقدار التوجّس المبكر من تيار الصوفية السلبية، ولهذا التوجس مبرراته التي تكتنزها العبارة السابقة في أن الرّضوخ لأهل البغي والقعود عن قتالهم باسم الزهد والتصوّف؛ أمر غير مقبول عند الإباضية كما يعلق «عمرو النامي» النامي بقوله: «إنّ الإباضية فهموا أن الدين وحدة واحدة في نواحيه السّياسيّة، والرّوحيّة، والفقهية، يجب تنفيذها في الحياة في وقت واحد. وحين يُصار إلى تعطيل
(1) هو محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي، يكنى بأبي عبد الله، وتحتل آراؤه مكانة رفيعة في التراث الإباضي مشرقا ومغربا، ولي القضاء بصحار من 249 ه إلى 260 سنة وفاته له سيّر كثيرة منها سيرته إلى أهل المغرب، وسيرة أحمد بن سليمان إمام
حضرموت. معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، مرجع سابق، ص 425. (2) عمرو خليفة النامي دراسات عن الإباضية، تر ميخائيل خوري، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط 1: 2001، ص 293
،
48 (1/48)
صفحة 49
إحدى هذه النواحي في مرحلة معينة من المجتمع الإباضي، فليس ذلك عن إهمال، ولكن كعمل مقصود تتطلبه المرحلة الحالية التي يمر فيها المجتمع؛ تشبّها بحياة النبي العملية وهي التي يجب أن تؤدّي إلى الخطوة التالية في تنفيذ جميع تعاليم الدين في ظروف مناسبة (1).
وربما لهذا السبب نجد بيار لوري» (2) يلاحظ أن: «الفرقة الإباضية لم ينشأ عنها تيار صوفي مما يمكننا من المقارنة وتعميق النقاش». (3)
ويمكن أن نجد في هذا الصدد أنموذجا متقدما في التأليف يزكّي ما تقدّم ذكره من أن التصوّف لم يتبلور في تيار معين، بل كان اهتمامهم كبيرا بعلاج أمراض القلوب والجوارح، حيث برز علم إباضي في القرن السادس هجري، وهو أبو العباس الفرسطائي (4) (1) عمرو خليفة النامي دراسات عن الإباضية، تر ميخائيل خوري، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط 1: 2001، ص.
(2) Pierre Lory est directeur d'études à l'Ecole pratique des hautes études (France), détenteur de la chaire de Mystique musulmane de la Ve section Sciences religieuses.
(3) «Cependant, comme l'a remarqué P. Lory, la secte ibadite n'a pas donné naissance à un courant mystique qui aurait permis de comparer et d'approfondir le débat >> : Compte rendu de la thèse «La théologie ibadite omanaise du le / VIle siècle au VIIe / XIIIe siècle «< (Ecole Pratique des Hautes Etudes, Paris) soutenue publiquement par monsieur Ahmed al-Ismaili, le 17 avril 2012. Visitez le lien : https: / / maghribadite.hypotheses.org / page / 3.
(4) هو أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي، وهو ابن مؤسس حلقة العزابة، عالم فذ من علماء وارجلان، له تأليف جليلة منها القسمة وأصول الأرضين، وكتاب في التوحيد، وآخر في الديات، توفّي سنة 504 هـ / 1111 م. معجم أعلام الإباضية،
49 (1/49)
صفحة 50
فقد صنف كتابا مستقلاً) في علم الأخلاق الإسلامية عند الإباضية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلماء السابقين لعهده كانوا يضمون مباحث في مؤلّفاتهم تتناول جوانب التزكية والسلوك؛ بوصفها مطلبا شرعيا يلازم مباحث العقيدة والفقه والسّيّر. سمّى أبو العباس كتابه «تبيين أفعال العباد» (2) وقد ذكر محقق الجزء الأول منه، أهم ما تميز
به
فهو أوّل كتاب في باب علم الأخلاق عند المغاربة، يناقش
فيه الكاتب القضايا الأخلاقية من منطلق فقهي وعقدي. - الكتاب غير محشو بالنقل والاستشهاد، كما عند أدب الدنيا والدين» للماوردي أو «الإحياء» للغزالي، فشخصية الكاتب ظهرت بوضوح في الكتاب.
قسم المغرب، مرجع سابق، ج 2، ص 95. يلاحظ سنة وفاته 504 هـ، أي قبل عام من وفاة الغزالي 505 هـ).
(1) يُذكر أن أبا الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471 هـ) له: كتاب السير (جمع سيرة أي سلوك) أودع فيه مائتين وثمانية عشر مقولة رواها عن أشياخه وفي مقدمتهم شيخه أبو زكريا فصيل بن أبي مسور، وتتنوع هذه المقولات بين عظات إيمانية وإرشادات تربوية في إصلاح النفس وتزكيتها، وأخلاقيات طلب العلم والتحذير من آفاته، وبيان فساد آخر الزمن وضياع السنن وتهالك العلماء على المجد والشهرة. ينظر: كتاب السير، أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، تح حاج سعيد مسعود، ط 1: 1991 م. (مقدمة المحقق) (2) أبو العباس الفرسطائي، تبيين أفعال العباد، ج 1، تح: باحمد خلفاوي رابح، في إطار مذكرة التخرج لسنوات التدرّج في الشريعة الإسلامية، معهد الحياة، القرارة، الجزائر، 2002.
50 (1/50)
صفحة 51
استشهد المؤلّف ببعض الأقوال كما تلقاها من أفواه مشايخه، أما الاستشهاد بما في كتاب الإحياء للغزالي مثلا، فهذا غير موجود كما ذكر المحقق.
- مواضيع الجزء الأول تتوزّع على: أفعال العباد وبيان مصدرها، تبيين الذنوب ومصدرها، ثم تحدث عن الرياء، حبّ المحمدة، حبّ الشهرة، التزيين والتظاهر بالزهد، حبّ الشرف والرئاسة، الحمية والعصبية، أركان الكفر .. ومواضيع أخرى (1). أورد هنا مثالين من متن الكتاب لبيان صياغة العبارة في كتاب تبيين أفعال العباد»:
- ونهى عن التزيين بترك التزيين، ومعنى ذلك: أن يظهر ترك التزيين عند الناس ليقولوا: إنّه زاهد، وكذلك إن زهد في الدنيا ليقول الناس: إنّه زاهد فيها وإنّه عابد. كما لا يجوز له أن يُحبّ أن يقال: إنّه صائم وليس بصائم، أو مُصَلّ وليس بمُصلّ، أو زاهد وليس بزاهد (2).
حرام على المسلم أن يدنّس نفسه، ومعناه: أن يفعل فعلا ينقصه ويدنسه، ومن ذلك: فعل ما نهى الله عنه. وكذلك إن فعل ما لا ينبغي له ولا يليق به وذلك مثل: صحبة من لا ينبغي له أن يصحبه، والقعود في المواضع التي لا ينبغي القعود فيها، وكذلك الأكل في المواضع التي لا ينبغي الأكل فيها (3).
(1) ينظر: مقدمة تحقيق كتاب تبيين أفعال العباد، مصدر سابق.
(2) تبيين أفعال العباد، مصدر سابق، ص 68.
(3) المصدر نفسه، ص 90.
51 (1/51)
صفحة 52
وإذا أتينا إلى النصوص التي توضح أسباب موقف التوجس من التصوّف؛ نقرأ في كتاب مقدّمة التوحيد»: «وليس منا من زعم أن علم الديانة يُدرك بغير تعلّم له»، يقول الشارح: وأقرب ما يكون أن يكون هذا القول لجمع كبير من أئمة العلم من سائر المذاهب، فإنهم يُسمون ذلك بعلم الإلهام، ويقولون: إنّ مرآة العقل إذا صفت بالانقطاع إلى الله وخلصت من شوائب المعاصي؛ حصل لصاحبها قوة الإلهام وانكشاف الحقائق ودقائق المسائل، ومنهم من يعبر بالفيوضات الحكمية، وكل هذا لا يخرج عن استكشافات وحقائق صحيحة غالبا لأهل الرياضة العقلية، لكنّها ليست في العلوم الشرعية لأنها مستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله، وقد يفيض العرفان على قلب العلماء العاملين فهما وتحقيقا، وإدراكا لعويصات المسائل لأدنى تأمل، وهذا والحمد لله واقع كثيرا، أفاض الله علينا من عوارفه اللدنية إنه وهّاب كريم (1).
هكذا يتبيّن لنا أن سبب التوجّس الشديد هو الخوف من التأثير السلبي للتيارات الصوفية على البيئة الإباضية، وهي سمة تبدو بارزة حتى أثناء حديثنا اللاحق عن مرحلتي اللقاء
والانخراط.
(1) يُنظر: أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد، شرح أبو سليمان التلاتي تصحيح وتعليق إبراهيم اطفيش، د. ط، د. ت، ص 113، 114.
52 (1/52)
صفحة 53
المطلب الثاني: مرحلة اللقاء والمحاكاة
يتساءل روبيناتشي (1): هل المؤسسة التصوّفية الإباضية موجودة بالفعل في المشرق، أم أنها ظهرت في الشمال الإفريقي في أعقاب تطور النظام الدراسي للحلقة، وهل كان ظهورها تلقائيا أم لمحاكاة بعض المؤسسات التصوّفية عند أهل السنة؟ منطلقه في هذا الانشغال التاريخي الدقيق يكمن في أنه لاحظ تشابه مظاهر التصوّف والرهبنة التي عند الإباضية بالتي عند الصوفية، من مثل: شيخ، الحلقة، الطلبة والمريدون، الانعزال، البعد عن الأهل تفضيل الاختلاء في غار بعيدا عن المدينة، توحيد نوعية الرداء، لون الرداء، التخلي عن شعر الرأس، التمسك بنظام أخلاقي صارم، والمتابعة الدقيقة لتفاصيل حياة المنضمين الجدد إلى الحلقة لإظهار مدى قدرتهم على الصبر والتحمل .. وما إلى ذلك من عناصر الالتقاء.
ثم يجيب بأنه نظرا للظروف التاريخية الصعبة التي مر بها التعايش الإباضي السنّي العلاقة المتوترة بين الرستميين والأغالبة، وصداماتهم مع الأدارسة) فإنه يصعب الاعتقاد بأن الإباضيّة استمدوا فكرة حلقتهم من مؤسسات تصوّفية مماثلة قامت على أيدي السنّة، ولكنّه لا يستبعد فرضيّة التبادل
(1) Rubinacci Roberto، أستاذ العربية في جامعة نابولي إيطاليا. من آثاره في حوليات المعهد الشرقي بنابولي: المخطوطات الإباضية التي نشرها المعهد الشرقي بنابولي (1949)، كتاب الجواهر للبرادي (1952)، والخليفة عبد الملك بن مروان والعبادة الإباضية (1953)، التطهر شرط من شروط العبادة (1954). ينظر: نجيب العقيقي، المستشرقون، ج 1، دار المعارف، القاهرة، ط 3: 1964، ص 400، 401.
53 (1/53)
صفحة 54
الديني الثقافي بين الإباضية والسنة، سيما وأنه في مرحلة لاحقة قد درس مؤسّس نظام حلقة العزابة؛ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (1) علم النحو واللغة في القيروان (2).
وربما تتحقق هذه الفرضية حين نقرأ عن سيرة مجلس العزابة (3) في النصف الأوّل من القرن السادس هجري، وأوصاف العزابي
كما وضعها أبو عمار عبد الكافي (4)، حيث:
(1) هو محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي، ولد سنة 345 هـ / 956 م، أحد أقطاب الإباضية المصلحين في المغرب، أخذ مبادئ العلوم بمسقط رأسه فرسطاء ثم تنقل بين عدة مدن للاستزادة من الفنون على يد أكابر العلماء في القيروان وجربة والحامة. أسس نظام العزابة وشرع في تطبيق مبادئه في غار (تين يسلي) بالقرب من مدينة تقرت جنوب شرق الجزائر سنة 409 هـ، لم يترك أثرا مكتوبا إلا ما جمعه تلميذه أبو الربيع سليمان المزاتي من آراء الشيخ وعلمه، ضمها في كتاب بعنوان (التحف المخزونة)، توفي سنة 440 هـ / 1049 م. ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم، المغرب، مرجع سابق، ج 4، ص
772
(2) ينظر: روبيرتو روبيناتشي، العزابة، منشورات بيت الغشام، عمان، ط 1: 2014،
ص 30 وما بعدها.
(3) العزابة هيئة محدودة العدد، تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحا، وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي؛ الشؤون الدينية والشؤون التعليمية والشؤون الاجتماعية والشؤون السياسية، تتكون من الشيخ واثني عشر عضوا الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، مرجع سابق،
ص 97.
(4) عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني، عالم شهير من علماء الازدهار العلمي بوارجلان أتم دراسته في مسقط رأسه ثم توجه إلى تونس لاستكمال معارفه في تلك الحقبة من حكم الموحدين من آثاره کتاب الموجز، شرح الجهالات للملشوطي، توفي قبل سنة 570 هـ / 1174 م. معجم أعلام الإباضية، قسم، المغرب، مرجع سابق، ج 3، ص 539.
54 (1/54)
صفحة 55
خلوة.
يتعين على العزابة الابتعاد عن أسرهم والعيش الدائم في
- يتعين عليهم الصلاة بالجبال ليلا، وعدم ارتداء سوى ألبسة صوفية.
- يتعيّن عليهم أيضا حفظ القرآن عن ظهر قلب، وأخذ
أمكنتهم في الحلقة من دون إطلاق أدنى همسة.
- على العزابي أن يرغب في تحصيل العلوم، والدفاع بلا ملل
ولا كلل عن الضعفاء، والحفاظ على نظام المدينة.
وعلى الشيخ أن يتحلى بالذكاء وأن يكون لبقا ومعتدلا (1). ما نلمحه من خلال هذه الأوصاف أنها من قبيل ضرورة توفر بيئة تتصافي فيها القلوب والأرواح قبل مباشرة العمل الإصلاحي في المجتمع، تماما كما فعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فليس الاختلاء في الجبال والصحاري أمرا دائما وشغلا شاغلا،
بل هو مرحلة وخطوة تقتضيها مهمة الدعوة والإصلاح. وإذا وجدنا من الباحثين من يؤكد أنه «في وقت لاحق قد التحق الإباضية بحركة التصوّف العامة، والتي أصبحت موجودة في روحانياتهم، من خلال سلاسل نقل عقيدتهم، التي تشبه نظيرتها الصوفية ( ... ) لكي ينتهي بها الأمر بأن تقبل
(1) تا دابوش ليفنسكي، مقالات مختارة (جزء (03)، منشورات بيت الغشام، عُمان، ط 1:
2014، ص 16.
55 (1/55)
صفحة 56
بشكل كامل (متكامل) على قناطر الخيرات للجيطالي، لنتائج التأملات الأصلية للغزالي التي كانت تهدف لإدخال روح التقشف والتصوّف في كل مجالات الحياة الدينية (1)». نجد أيضا في المقابل من يرى ضرورة إبعاد «القناطر» وصاحب القناطر عن دائرة التصوّف والمتصوّفين، بالنظر إلى وجود حدود للمتصوّف وحدود لدور الفقيه، وأن انصهار «الإحياء» في «القناطر» هو انصهار ناجم عن انفتاح الجيطالي على فكر الغزالي انفتاحا ينأى عن التوجّه الصوفي وإن ألمح إلى رواسب من ذلك الفكر، ويقف على تمييز دقيق بين النزعة الوجدانية والنزعة الصوفية في الفكر الإسلامي» (2). ويؤكد هذا الرأي؛ ما ذكره أحمد السيابي من أن الجيطالي الذي ألف قناطر الخيرات كان تاجرا ولم يكن منعزلا ومنزويا في الحياة، وإنّما ألف كتابه هذا للتلطيف، ربّما لما رأى أبناء عصره يمارسون الحياة نسبيا بشكل أوسع مما ينبغي، وهو يكاد الكتاب الإباضي المغربي الأوّل به مسحة صوفية واستفاد كثيرا من كتاب إحياء علوم الدين) (3). ولذلك يفضّل السيابي استعمال مصطلح «السّلوك» في مقابل مصطلح «التصوّف».
(1) العزابة، مرجع سابق، ص 4241
(2) سناء الباروني، علم الكلام عند إسماعيل الجيطالي، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة، جامعة منوبة 2003، ص
227
(3) ينظر: خميس بن راشد العدوي التصوّف في عُمان، مدارسة مع الشيخ أحمد سعود السيابي، مكتبة الغبيراء، عُمان، ط 1: 2016، ص 42،41
56 (1/56)
صفحة 57
ما نخلص إليه هنا أن الاطلاع عن كثب بما عند الآخر، سواء بالاحتكاك به أو التفتح على كتبه، قد منح للإباضية نوعا من الأمان اتجاه علم التصوّف، ووضع مخرجاته على طاولة النقاش
والتداول، كما سيأتي بيانه.
المطلب الثالث: مرحلة الانخراط في التيار الصوفي
قبل الحديث عن بعض مميزات تصوّف إباضية المغرب، لا بأس من الالتفات إلى الخط الصوفي الذي تجاذبه الصوفية والفقهاء ردحا من الزمن، فهذا ابن خلدون بموقفه من التصوّف الذي كان على مذهب الغزالي؛ قد أثر تأثيرا غاية الوضوح فيمن بعده من الفقهاء، حيث نرى «الشيخ أحمد زروق (1) يصف ابن خلدون (2) أنه على حق في موقفه وقرأ له
(1) أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، أبو العباس، زروق: فقيه محدث صوفي. ولد سنة 846 ه بفاس بالمغرب وتفقه في بلده ثم قرأ بمصر والمدينة، وغلب عليه التصوّف فتجرد وساح له تصانيف كثيرة يميل فيها إلى الاختصار مع التحرير، وانفرد بجودة التصنيف في التصوّف من كتبه شرح مختصر خليل في فقه المالكية، وقواعد التصوّف، توفي سنة 899 هـ / 1493 م.
الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، لبنان، ط 15: 2002، ج 1، ص 91. (2) عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون أبو زيد، الفيلسوف المؤرخ، العالم الاجتماعي البحاثة أصله من إشبيلية، ومولده ومنشؤه بتونس سنة 732 ه، رحل إلى فاس وغرناطة وتلمسان والأندلس، وفي مصر ولي قضاء المالكية، اشتهر بكتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر في سبع مجلدات، أولها: «المقدمة». توفي سنة 808 هـ / 1406 م. الزركلي،
الأعلام، مرجع سابق، ج 3، ص 330.
57 (1/57)
صفحة 58
كتابه «شفاء السائل لتهذيب المسائل». وجعل الفقه مقدّمة ضرورية للتصوّف لا العكس، واتّخذ لنفسه معايير فقهيّة للحكم على التصوّف في مؤلّفاته المختلفة وخاصة «قواعد التصوف»، وهو أهم كتاب يبين فيه أنّ التصوّف والفقه أخوان في الدلالة على أحكام الله. فلا تصوّف إلا بفقه، ويصح إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه والفقه يغني عن التصوّف ولا يغني التصوّف عن الفقه. كما حذر ممّن يتعلّق بالمقامات والأحوال والشطحات ويدعو إلى ترك العلم والعمل» (1). وحين شرح الغزالي قول الجنيد في التصوّف قال: «من حصل الحديث والعلم ثم تصوّف أفلح، ومن تصوّف قبل العلم خاطر بنفسه» (2).
من أوائل الإباضية الذين تأثروا بالغزالي، نجد أبا يعقوب الوارجلاني (3) فقد كان يميل كثيرا إلى التصوّف ومسالكه في تدريب النفس على طاعة الله، حتى تصل إلى درجة الشفافية وكشف الغطاء والحجاب عن القلب في جميع ما
(1) ينظر: التصوف عند ابن خلدون، د / عمار الطالبي، مجلة الخطاب الصوفي، مخبر الخطاب الصوفي، جامعة الجزائر العدد:1: 2007 م، ص 88 وما بعدها.
(2) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين دار المعرفة، بيروت، 1982، ج 1، ص 22. (3) هو يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني، من أشهر أعلام إباضية المغرب، أخذ مبادئ العلوم في مسقط رأسه بوار جلان، ثم ارتحل إلى الأندلس وكان نابغة نادرة حتى لقبه الأندلسيون بالجاحظ، ثم عاد وتوجّه إلى السودان ودخل مجاهيل افريقيا حتى وصل خط الاستواء جمع بين العلوم العقلية والنقلية، ومن آثاره الدليل، والبرهان العدل والإنصاف مرج البحرين. توفي سنة 570 هـ/ 1175 م إبراهيم بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، مرجع سابق، ج 4، ص 1010.
58 (1/58)
صفحة 59
أراد الله تعالى أن يحدثه في خلقه، ونستنتج من خلال كلامه بأنه كان معجبا كثيرا بالغزالي، شأنه في ذلك شأن كثير من علماء الإباضيّة فيقول: قال الغزالي في بعض علوم المكاشفة ويقول أيضا: قال الغزالي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد» (1). ولعل تفسير تأثر الوراجلاني بالغزالي يعود إلى احتكاكه بالبيئة الأندلسية حين كان طالباً هناك.
كذلك نجد امحمد اطفيش (2) صاحب كتاب شرح النيل وشفاء العليل (3) قد استشهد في أكثر من موضع بأقوال الإمام الغزالي في الفقه والتزكية، وقد أفرد لأمراض القلوب ونوازع النفس وطرق تطهيرها؛ جزأين السادس عشر والسابع عشر، وفيه نقولات كثيرة عن الغزالي. كما أنه زاد على ذلك بأن ختم موسوعته الفقهية بقوله: «خاتمة في مبادئ التصوّف وشيء من علم الكلام وفيه ذكر تعريفات التصوّف، والمقامات، وأعلام المتصوّفة كالجنيد والقشيري والسهروردي.
(1) دليلة خبزي، الآراء الكلامية لأبي يعقوب الوارجلاني، مكتبة مسقط، عُمان، ط 1: 2009، ص 121، 122.
(2) هو امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش الملقب بقطب الأيمة، أشهر عالم إياضي في العصر الحديث، أخذ مبادئ العلم عن أشياخه بمسقط رأسه بن يزجن بغرداية الجزائر، نشأ عصاميا، وجلس للتدريس والتأليف في عمر السادسة عشر من آثاره: تيسير التفسير، داعي العمل ليوم الأمل، شامل الأصل والفرع، توفي سنة 1914 م. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، مرجع سابق، ج 4، ص 835.
(3) إن شرح كتاب النيل يوازي الأمهات الفقهية الكبرى، بحيث أعطى دفعة جديدة للمذهب الإباضي خاصة، والفقه الإسلامي في عصرنا هذا. رحلة القطب، تح: يحيى حاج امحمد المطبعة العالمية غرداية، د. ط، 2007،
ص 31.
59 (1/59)
صفحة 60
ألا نتساءل بخصوص ما قام به اطفيش من إفراد خاتمة للتصوّف؛ بأنه قد صار علما قائما بذاته عند الإباضية ولو لم تكن حركة التأليف فيه ظاهرة؟
يقول امحمد اطفيش في كتابه «الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»: «وقد كنتُ ممارسا لعلم التصوّف ولا يخفى علي مقاصدهم، والحمد لله تعالى، وأجيب عما أشكل وكرهته لأنه يوهم تفسير القرآن بما هو خطأ وكذا تفسير الحديث، والحق علم الظاهر مع مراعاة العمل ( ... ) ومع ذلك أذكر أقوالا لأهل التصوف في تفسير الأسماء الحسنى إيناسا للطلبة ولنفسي ( ... ) ومن علم التصوّف الجائز تدرّجوا إلى علمه المشوب، ثم إلى الكفر، حتى زعموا أن ولي الله هو المجنون، ويسمونه المجذوب؛ صدقوا لكنه مجذوب عن الهدى، وكلّما كثر هذيانه واستقذرت النفوس السليمة أحواله كانت ولايته أكمل وتصرفه في ملك الله أعظم، وبعض يطلق الولي عليه وعلى من ترك الأحكام الشرعية ومرق من دين الله ( ... ) وزعموا أن من أجهد نفسه في العبادة مغبون، و من تمسك بالشريعة محجوب، وأن هناك باطنا يخالف الظاهر إذا عرفه كمل وانحل عنه التكليف، ويسمونه مرشدا؛ صدقوا ولكن مرشد إلى النار» (1). وفي ثنايا حديثه يستشهد بمحاربة الغزالي لهؤلاء الغلاة. كما أنه ناقش في كتابه مسائل مثل: النداء بـ «يا هو، يا أنت وعلم الجدول (2)، ومعاني أسماء الله الحسنى وإحصائها،
41 - 39
(1) امحمد بن يوسف اطفيش، الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، نسخة من مخطوط بمكتبة المسجد العتيق بالعاصمة، د. ت، ص (2) هو علم يدخل في نطاق الروحانيات التي تستنزل بكتابات وترقيمات على نسق
60 (1/60)
صفحة 61
وكتابة حروفها وأرقامها في الجداول لتتخذ حروزا، كما يروي قصصا لكبراء الصوفية، مبديا رأيه الفقهي والعقدي فيها. من علامات التفتح على الآخر والانخراط في التيار الصوفي العام، ما ورد في كتاب رحلة القطب»: فقد كان امحمد اطفيش (الملقب بـ قطب الأيمة سائرًا إلى الحج حوالي سنة 1873 م، ومكث في مكة سنة كاملة، ودرّس كتاب «السنوسية في عقائد المالكية وذلك في عهد الشيوخ الشافعيين أحمد زيني دحلان و محمد حسب الله، والشيوخ الحنفيين عربا وعجما. ويذكر القطب أنه التقى به الشيخ إبراهيم حقي العالم التركي، وطلب منه أن يعطيه حكمة في علم الجدول (1).
ويذكر فتحي بوعجيلة أن امحمد اطفيش تكلّم أيضا عن كرامة الأولياء»، وامتيازاتهم الخارقة للعادة، وقرب كثيرا بين الأولياء وبين الأنبياء والرسل. أما علاقته بالتراث الصوفي، فقد بانت في ارتضائه منهج الجنيد وإيراده بعض مقالاته وتأويلاته للقرآن، وفي نقله عن التستري وفي مدحه محيي الدين بن عربي وكذلك الجيلاني والبلخي، وفي إقراره عبادة المتصوّفة من خلال كلامه عن رابعة. ولئن وقف أحيانا من التأويل الصوفية مواقف محايدة نسبيا، فإنّه لم يتردّد في ذمّ الصوفية ومنهجهم، وتبيان مخالفة ذلك للشرع. فهو يمنع أن يُفسّر
معلوم، وقد عرفه الغزالي بل سمّي أحد أنواعه بجدول الغزالي، ولعل هذا هو ما زاد في حدة انتقاد أبي حامد الغزالي .. وعلم الجدول يستعمل للكشف عن المغيبات. عبد العزيز بنعبد الله معلمة التصوّف المغربي، دار نشر المعرفة، المغرب، ط 1: 2001، ج 1 0، ص 198.
(1) ينظر: رحلة القطب مرجع سابق، ص 40 وما بعدها.
61 (1/61)
صفحة 62
القرآن بما يسمى بالفيوضات الإلهية، وتأويل الظاهر منه بمعان «إشراقيّة» أو «باطنية» تما يراه هو بعيدا عن المعنى الصحيح. ويؤيد هذا الموقف من تفسير القرآن تفسيرا صوفيا، ما ذكره في تفسيره «هميان الزاد إلى دار المعاد فهو يحارب بضراوة تفسير غُلاة المتصوفة، ويشترط في التفسير الصوفي «أن لا يخالف ظاهر القرآن وأن لا يكون متكلّفا، ولا يخالف أسلوب اللغة العربية. فإذا لم تتحقق هذه الشروط فإنه لا يُقبل منه شيء، ولا يعذر من يفسّر به،
ولا تقبل شهادته، ويتقرب إلى الله ببغضه والبراءة منه» (2).
أما بخصوص ظاهرة التصوّف في عُمان (3) وزنجبار، فإن ما يميزها كون التصوّف ليس فقط توجها دينيا معتمدا على التعاطف أو الانفتاح على مجال متنوع من الانتصارات السلوكيّة، فتاريخ التصوّف مملوء بأمثلة تقول العكس، فهناك
(1) يُنظر: الذات والآخر في تيسير التفسير، د / فتحي بوعجيلة، كتاب الملتقى الدولي الثاني حول العلامة المحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، إسهاماته المعرفية وامتداداته في الجزائر والعالم كلية الآداب واللغات بجامعة غرداية، نوفمبر 2014، ج 2، ص 53، 54.
(2) العلامة اطفيش وموقفه من المذاهب السنية والفرق الإسلامية، أ / محمد ناجم وهيبي، كتاب الملتقى الدولي الثاني حول العلامة امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، مرجع سابق، ص 183.
(3) من أقطاب الصوفية في عُمان: أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت: 1237 هـ)، وابنه ناصر بن جاعد الخروصي (ت: 1263 هـ)، والمحقق سعيد بن خلفان الخليلي (ت: 1287 هـ)، وأبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني (ت: 1339 هـ). يُذكر أن ناصر بن جاعد الخروصي له كتاب بعنوان: إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك، شرح فيه ما يقرب من ثمانمائة بيت شعر لابن الفارض (أحد أشهر شعراء الصوفية).
62 (1/62)
صفحة 63
العديد من المتصوّفة الذين دعوا إلى التطبيق الصارم للشريعة، وهناك أيضا متصوّفة قادوا حركات نضالية سياسية. كما أن هناك عديد من الكتابات النثرية الإباضية حول التصوّف، ولكن هناك أشعار إباضيّة بكمّية أوفر ولا يوجد التصوّف في المجموعات
والزوايا التي وجدناها في العالم الإسلامي السني) () () (). ولعلّ ما يفسّر غياب الطُّرقية والزوايا في الفضاء الإباضي هو الاحتراز من الوقوع في خوارم، التوحيد، والإيغال في الغيبيات، وتقديس العباد وغيرها من المآخذ (2).
أختم هذا المبحث بعرض موجز لمظاهر الحياة الروحية في أوساط الإباضية بوادي مزاب (3)، حيث يذكر بالحاج قشار في كتابه أن كثيرا ممن تحدّث من المؤرّخين والكتاب عن أنظمة مزاب، ذكروا أنّ هذه الأنظمة وضعت لتكوين الفرد الصالح والمجتمع النظيف المترابط، وذلك بتربية الوازع الديني كما سنبينه من خلال سرد لبعض الأوراد والأذكار والأعمال اليومية والأسبوعية والموسمية:
(1) فاليري هوفمان، مقالات مختارة منشورات بيت الغشام، مسقط، ط 1: 2014،
ص 57، 58.
(2) لعل ما يدعم هذا التفسير؛ ما ألفه الإباضي بلقاسم بن سليمان الشماخي البراهين القطعية الفارقة بين ديانة الإسلام وديانة مشايخ الطرق الصوفية (لا يزال مخطوطا). معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، مرجع سابق، ج 2، ص 199.
(3) اقتصرت على إباضية وادي مزاب نظرا لأنّ نظام العزابة هو الذي يتولى تسيير الشأن الديني في المجتمع؛ وهذا النظام لم يعد قائما إلا في مزاب، ومع ذلك فإن بعض مظاهر الحياة الروحية لا تزال موجودة في جربة ونفوسة.
63 (1/63)
صفحة 64
- دعاء السّلام بعد صلاة الصبح في المسجد، ويتلى جماعة،
وهو عبارة عن آيات معينة تحمل معاني الحفظ الإلهي والافتقار
إلى الرزاق الوهاب، مع تلاوة لقصار السور وبعض الأدعية.
- الدعاء بعد الصلاة: حيث يدعو الإمام جهرا دبر كل صلاة، ويؤمن خلفه المصلون.
- ما بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقبل
أذان الفجر؛ تُعقد مجالس تلاوة القرآن جماعيا في المساجد. مجلس الوعظ والإرشاد: يقوم الشيخ بإلقاء درس يومي أو أسبوعي لتوعية الناس وتبصيرهم في أمور دينهم ودنياهم، أو لتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.
- منجيات القرآن عبارة عن آيات مختارة، تُقرأ التماسا لبركتها، ولما فيها من توحيد وتذكير. أوقات قراءتها هي ليلة مولد النبي عليه السلام، وصبيحة يوم العيد، وصبيحة يوم الجمعة من كل أسبوع.
- ختمة رفع البلاء: حين يشتدّ البلاء أو يتخوّف الناس من وقوع أمر عصيب، يتم تفريق القرآن أثمانا على المصلين في
المساجد، ثم تُنظم ختمة عامة، مرفوقة بتوزيع الصدقات. - عيد الزيارة (1): في فصل الربيع من كل سنة، يجتمع الناس
(1) تحت عنوان: زيارة مشايخ سدراته، نجد جبل العباد الذي كان يتعبد فيه مشايخ سدراته بمدينة وارجلان: ورقلة حاليا)، ويبعد عن المسجد بنحو سبعة كيلومترات.
64 (1/64)
صفحة 65
صغارا وكبارا في مكان فسيح خارج البلدة، ثم يقصدون الأماكن التي هي مظنة إجابة الدعاء، سيرا على الأقدام ذاكرين الله جماعيا، ليحفظ الله البلدة وغلالها من الآفات، حيث يقفون عند قبور من اشتهر من المشايخ بالصلاح والكرامات والتضحيات، فيذكرون تاريخه وسيرته للأجيال من باب العبرة، ثم يقسمون
الصدقات (1) على الحاضرين.
- إحياء ليلة المولد النبوي (2): وقبل موعد تلك الليلة بأسبوع، تنطلق المساجد - الواحد تلو الآخر - صادحة بالمدائح النبوية وذكر سيرته العطرة، أمّا في ليلة المولد فيوقد الأطفال الشموع - كرمز للنور المعنوي الذي جاء به المصطفى عليه السلام - ويطوفون بها في شوارع المدينة منشدين (3).
فيدعون الله هناك، وبعد ذلك يسيرون ولهجتهم التحميد والتسبيح إلى أن يصلوا أسفل الجبل، فيتركون دوابهم مقيدة هناك، ثم يصعدونه بكل مشقة؛ لأنه في غاية المنعة وصعب الارتقاء، ويقرؤون هناك نواوير القرآن، ويوزعون شيئا من الصدقة، ويدعون الله ويبتهلون إليه، وتقرأ بعض السير .. ومن هناك يقصدون إلى غار كان يتعبد فيه المشايخ، وعدد محاريبها أربعمائة وثمانون محرابا، معلّمة بالأحجار. إبراهيم بابا حمو أعزام، غصن البان في تاريخ وارجلان تح: إبراهيم بحاز وسليمان بو معقل العالمية غرداية، ط 1: 2013، ص 276. (1) جرى العرف في قرى وادي مزاب بتخصيص أوقاف (وهي قدر معين من تمر أو خبز أو طعام) تُفرَّق على الحاضرين من الطلبة وغيرهم في المقبرة لقراءة القرآن والذكر، ويتم ذلك في مواسم وأوقات معينة. ينظر: موسى بن الحاج إبراهيم قزريض، الأوقاف بوادي مزاب تنوباوين نموذجا مشروعيتها وكيفية أدائها، ط 2: 2016. (2) يُذكر أن إحياء حفلات المولد النبوي يعتبر تقليدا حديث العهد عند إباضية المغرب، ولعله من مظاهر التأثر بالممارسات الصوفية الأشعرية في المنطقة.
(3) ينظر: بالحاج قشار عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، ط 2: 2007.
65 (1/65)
صفحة 66
– مؤتمر «لا إله إلا الله»: يذكر صالح اسماوي أنّ هذا المؤتمر لقاء سنوي لنساء قُرى وادي مزاب، ينعقد في فصل الربيع هوا ويدوم يوما كاملا يفتتح المؤتمر ويختتم بترديد جملة التوحيد «لا إله إلا الله»، وتلاوة القرآن، والمواعظ، وتوزيع الصدقات والدعاء. أما سبب ترديد «لا إله إلا الله» فكان استلهاما من قصة تُروى عن امرأة من المنطقة في زمن غابر؛ ساءها ما تسمع من مولودها من ترديد دعوات السوء على والديه، فاستفسرت من شيخ المسجد فنصحها بتأليه الله سبعين ألف مرة، فذكر الله كل ولي من أولياء المولود ألف مرّة فسكت المولود ودعا لوالديه بالجنة. وهذا المؤتمر النسوي مناسبة اجتماعية مهمة حيث يقمن فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات والبدع، والإرشاد إلى ما يخص أمور النساء وتربية الأولاد، كما أنهن يُصدرن القرارات ويناقشن النوازل (1).
إذا أخضعنا هذه الممارسات الصوفية لمعايير الشريعة فإننا نجدها موافقة لروح الإسلام، ومن بين هذه المعايير نذكر ما
يأتي:
كل سلوك في التصوّف من قول أو فعل، يتوافق مع أصول الإسلام ومبادئه المقررة الثابتة، ويسندها أو يعمق من
مفاهيمها فكريًا أو روحيا ويثريها، فهو إيجابي.
(1) ينظر: صالح بن عمر اسماوي، العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب الحلقة الثانية، جمعية التراث القرارة، ط 1: 2005 ص
497 - 495
66 (1/66)
صفحة 67
كل سلوك في التصوّف من قول أو فعل، يترتب عليه مصلحة محققة، أي منفعة عامة لأكبر قدر من الناس في المجتمع - وليس لفئة خاصة أو أفراد قلائل فيه - ويتفق مع مقاصد الشريعة فهو إيجابي» (1). «ليس أنفع في صقل الأرواح من الإكثار من العمل الصالح الروحي التطوّعي بعد أداء الفرائض والواجبات، على أن القيام بذلك لا يكون على حساب الواجبات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والعمرانية، وعلى ألا يكون القيام بذلك بطريقة
عشوائية تخبطية بلا وعي ولا تفهم للممارسة الصحيحة) (2). «تحديد ما لم يرد في الشرع تحديده ابتداع في الدين، ولا أشارت النصوص الشرعية بأمر لا يمكن تركه ما حدد منه، ولا سيّما إن عارض أصلا شرعيا» (3). هذا المعيار على أهميته في ضبط الشطط الذي تقع فيه بعض الممارسات الصوفية، إلا أنّ الحديث الشريف قد نصّ على: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَةٌ حَسَنَةٌ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةٌ سَيِّئَةٌ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ
(1) عزمي طه مدخل إلى دراسة التصوّف الإسلامي، عالم الكتب الحديث، الأردن
،2015:1
، ص
105
(2) البعد الغائب من مفهوم العمل الصالح، مرجع سابق، ص 55.
(3) أحمد زروق، قواعد التصوف، تح: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، لبنان،
67
702005:2 b (1/67)
صفحة 68
(1) وفي هذا رفع للحرج وضبط للابتداع بضوابط الحسن والقبح وفق مقاصد الشريعة وروحها. ولمعترض أن يعترض بكون الابتداع المحمود لابد أن يُحصر في أمور الدنيا فقط! لكن المتأمل في متن الحديث يجد قوله صلى الله عليه وسلم: «من سنّ
في الإسلام» (2).
(1) أخرجه مسلم في كتاب العلم، بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ أَوْ سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلَى
هُدًى أَوْ ضَلَالَةٍ، رقم 1017.
(2) استحدث داود بن إبراهيم بوسنان من وادي مزاب بالجزائر؛ برنامجا دعويا تزكويا، يتفرغ فيه جمع من الناس لبضع أيام، يركّز الداعية على التذكير بالميسر من القرآن لا المفسر، ويتناول الجوانب الثلاث: الذكر والتسبيح، وسنن الهداية والضلال والمكافآت والعقوبات، وكذا بيان ما اتفق عليه المسلمون جميعا من سنن عملية لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كسُنّته المتعلقة بفريضة الزكاة. وقد لقي هذا
النشاط الروحي استحسانا لافتا داخل الجزائر وخارجها.
889
68 (1/68)
صفحة 69
الفصل الثاني
ترجمة المؤلّفين «الغزالي» و «الجيطالي» وكتابيهما
المبحث الأول: التعريف بكتاب إحياء علوم الدين» وصاحبه المبحث الثاني: التعريف بكتاب قناطر الخيرات» وصاحبه (1/69)
صفحة 70
[صفحة فارغة] (1/70)
صفحة 71
الفصل الثاني
ترجمة المؤلّفين «الغزالي» و «الجيطالي»
وكتابيهما
المبحث الأول: التعريف بكتاب إحياء علوم الدين
وصاحبه
المطلب الأول: التعريف بشخصية أبي حامد الغزالي
1 - نسبه كما تذكر المصادر هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، الملقب بحجة الإسلام، وأعجوبة الزمان، زين الدين الإمام البحر. شافعي المذهب، أشعري العقيدة، فيلسوف ومتصوّف ولقبه «الغزالي» بتشديد الزاي نسبة إلى صناعة الغزل، أو «الغزالي» بتخفيف الزاي نسبة إلى غزالة قرية من طوس)، ولد سنة خمسين وأربعمائة 450 هـ / 1058 م بالطابران (قصبة طوس بخراسان)، كان له
ذكاء متقد فاق به أقرانه وتأليف جليلة في مختلف الفنون. كان والده يغزل الصوف ويبيعه ويقتات من كسب يده ويحضر مجالس المتفقهة في زمانه، ويبكي حاله ويأمل في ولديه أن يكونا أحسن حالا منه في العلم والفقه. فلما حضرته الوفاة عهد بولديه
71 (1/71)
صفحة 72
محمد وأحمد إلى صوفي كي يعهد بمواصلة تربيتهما إلى أن يشبّا، وأوصاه أن ينفذ مالها في تعليمها، فلما نفذ مالهما وكان الصوفي فقيرا معسرا؛ أخبرهما بذلك وأرشدهما ليدخلا مدرسة كطلبة
علم حتى يحصلا على قوت يعينهما على مواصلة التحصيل. تزوّج الغزالي ولم يعقب إلا البنات، وكان له إرث وكسب يكفيه، كما أنه قد عُرضت عليه أموال فلم يقبلها. وقد عدّه «ابن قاضي شهبة من علماء الطبقة الثالثة عشر، وقال عنه السبكي: لا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي ولا مقدار علم الغزالي إلا بمقدار علمه، أما ابن خلكان فيذكر أنه: «لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله». توفّي في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة 505 هـ / 1111 م بطوس (1).
2 - شخصيّته العلميّة: أخذ الفقه في صباه على يد الإمام أحمد الراذكاني الطوسي (2)، ثم انتقل إلى نيسابور وجلس إلى إمام الحرمين أبي المعالي الجويني (3)، وكان جادا في طلب العلم حتى
(1) يُنظر: تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، دار هجر، ط 2: 1413 هـ، ج 6، ص 164. وابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية عالم الكتب، لبنان، ط 1: 1407 هـ ج 1، ص 293 وابن خلكان وفيات الأعيان، دار صادر، لبنان، ط 1: 1971، ج 4، ص 216. والذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، دمشق، ط 3: 1405 هـ، ج 19، ص 323. والزركلي، الأعلام، مرجع سابق، ج 7، ص 21. (2) هو أحد شيوخ الغزالي في الفقه قبل ارتحاله لأخذ العلم عن الإمام الجويني. تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، مرجع سابق، ج 4، ص 91.
(3) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، الملقب بإمام الحرمين: أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. ولد في جوين من نواحي نيسابور
72 (1/72)
صفحة 73
تخرج في مدة وجيزة، وصار ممن يُشار إليه بالبنان، واشتغل بالإقراء والتدريس في حضرة الإمام ولازمه حتى وفاته، وقد فاق أستاذه في قوة الطبع وسرعة العبارة حتى قال عنه: «لقد دفنتني وأنا حي، ملا صبرت حتى أموت»، وأضاف: «الغزالي بحر مغدق» (1). وتذكر المصادر أنه سافر إلى العراق فذاع صيته واشتهر فيها علما ومناظرة حتى أكرمه الوزير نظام الملك بأن عهد إليه بالتدريس في المدرسة النظامية، فصار إمام العراق في الأصول وفقه الخلاف. ثم ترك العراق بعد أربع سنوات قضاها هناك، وقفل قاصدا إلى الحج، وبعدها إلى دمشق حيث اشتغل بالزهد والتصوّف وألف فيها كتاب إحياء علوم الدين، ثم سار إلى البيت المقدس واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد، ثم توجه صوب الإسكندرية، وانتهى به المطاف إلى أن رجع إلى طوس ليقضي بها ما تبقى من أيامه في حلقات التدريس والاشتغال بالحديث الشريف، كما أنه قد بني بجوار منزله خانقاه (2) للصوفية ومدرسة للطلبة.
سنة 419 هـ ورحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور أربع سنين. وذهب إلى المدينة فأفتى و درس جامعا طرق المذاهب، ودرس في المدرسة النظامية. له مصنفات كثيرة، منها: غياث الأمم والتياث الظلم. توفي سنة 478 هـ. الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، ج 4، ص 160.
(1) مشهد، العلاف فلسفة الحضارة الإسلامية الرؤية الغزالية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2013، ص 51.
(2) خانقاه الزاوية، هي مكان لإقامة شعائر الدين الحنيف بالصلاة والصوم والتهجد، والتأمل والذكر والفكر والاستغراق، وتلاوة الأوراد ... وتسمى ربطا، وخانقاه، وتكيّة، وغير ذلك من الأسماء المعروفة. موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مرجع سابق، ص 318.
73 (1/73)
صفحة 74
وحين كان بدمشق صحب الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي وبعد أن علا شأنه وأحسّ من نفسه الاستعلاء على الخلق انزوى وتعرّى من الاشتغال بالتبحر في العلوم وتذكر عاقبة أمره ففضّل صحبة أبي علي الفارمذي (صاحب الطريقة الحسنة في تربية المريدين والأصحاب) وامتثل ما كان يأمره به من العبادات والنوافل والأذكار، وكل ذلك على سبيل الاجتهاد في طلب النجاة، وقد كان له خصوم كُثر نقدوا عليه بعض ما ضمنه من ألفاظ ومسائل في مؤلّفاته (1).
3 - آثاره العلمية: يُشهد لأبي حامد الغزالي بغزارة إنتاجه وكثرة مؤلّفاته، فرغم فترة حياته القصيرة إلا أنها كانت حافلة بالتحولات المفصلية في مساره الروحي، وثرية بالتأليف التي تنوعت بين عقيدة وفقه وتصوّف، فقد بلغت تآليفه نحوا من مائتي مصنف نذكر بعضا منها: ففي الفلسفة ألف كتاب: تهافت الفلاسفة، المعارف العقليّة محكّ النظر. وفي العقيدة الاقتصاد في الاعتقاد، إلجام العوام عن علم الكلام. أما في أصول الفقه: المستصفى من علم الأصول، والمنخول من الأصول. وفي الفقه: البسيط، الوسيط، الوجيز، والخلاصة. أما في التفسير: جواهر القرآن، ياقوت التأويل في تفسير التنزيل. وفي التصوّف: إحياء علوم الدين في أربع مجلدات، بداية الهداية، منهاج العابدين ..
وغيرها كثير. كما يذكر المؤرخون أنّ له كتبا باللّغة الفارسية (2).
(1) ينظر: وفيات الأعيان، مرجع سابق، ج 4، ص 217 طبقات الشافعية، مرجع سابق، ج 1، ص 293. سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ج 19، ص 324 وما بعدها. (2) الأعلام، مرجع سابق، ج 7، ص 22.
74 (1/74)
صفحة 75
المطلب الثاني: التعريف بكتاب إحياء علوم الدين 1 - وصف كتاب الإحياء: يصفه ابن خلكان بأنه من أنفس الكتب وأجمعها (1)، وهو «أسرع مؤلفات الصوفية انتشارا وأعلاها اشتهارا»، وهو «الأعجوبة عظيم الشأن» (2). طبع طبعات عديدة، منها الطبعة التي هي محل البحث وتقع في أربع أجزاء مجموع صفحاتها خمسمائة وسبع وأربعون صفحة من طبعة دار المعرفة ببيروت، سنة 1982 م.
قسم الغزالي مؤلّفه إلى أربعة أرباع كما ذكر ذلك في مقدمة الكتاب، وهي كالتالي ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات.
ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب: كتاب العلم، وكتاب قواعد العقائد، وكتاب أسرار الطهارة، وكتاب أسرار الصلاة، وكتاب أسرار الزكاة، وكتاب أسرار الصيام وكتاب أسرار الحج، وكتاب آداب تلاوة القرآن وكتاب الأذكار والدعوات، وکتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.
وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب آداب الأكل، وكتاب آداب النكاح، وكتاب أحكام الكسب، وكتاب الحلال والحرام، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق، وكتاب العزلة، وكتاب آداب السفر، وكتاب السماع والوجد، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب
(1) وفيات الأعيان، مرجع سابق، ج 4، ص 217. (2) طبقات الشافعية، مرجع سابق، ج 1، ص 294
75 (1/75)
صفحة 76
آداب المعيشة وأخلاق النبوة. وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس، وكتاب آفات الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج، وكتاب آفات اللسان، وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد، وكتاب ذم الدنيا، وكتاب ذم المال والبخل، وكتاب ذم الجاه
والرياء، وكتاب ذم الكبر والعجب، وكتاب ذم الغرور.
وأما ربع المنجيات فيشتمل على عشر كتب: كتاب التوبة، وكتاب الصبر والشكر، وكتاب الخوف والرجاء، وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرّضا، وكتاب النية والصدق والإخلاص، وكتاب
المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكر، وكتاب ذكر الموت. 2 - دواعي تأليف الإحياء يذكر الغزالي في مقدمة كتابه الإحياء أن هدفه الأكبر هو تحقيق العلة من تعلم العلم والتقرب بالعبادة؛ ويعني بذلك سعيه للكشف عن العلم النافع الذي تعبدنا الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وسيثبت ميل أهل عصره عن شاكلة الصواب وانخداعهم بلامع الشراب واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب، ويقصد بهم الفقهاء الذين لم يطلعوا على علوم الآخرة وشغلهم الاهتمام بفن الفقهيات، حتى أضحى علم طريق الآخرة من بين الخلق مطويا، وصار نسيا منسيا (1).
(1) يُنظر: أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د. ط، 1982،
ص 2.
76 (1/76)
صفحة 77
ونحن نقرأ مقدّمة الكتاب نشعر بلوعة الغزالي وتحرقه على حال الأمة وما أصابها جراء شغور الزمان من العلماء الربانيين الذين هم ورثة الأنبياء، حيث لم يبق إلا المترسمون الذين شغلتهم الأهواء والحظوظ، واستحوذ على أكثرهم الشيطان، فخيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام أو جدل يتدرّع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام» (1).
وما يُحسب على الغزالي أننا إذا نظرنا إلى «الكثرة من الفقهاء بدلاً من أن يشغلوا أنفسهم بالمسائل اللاهوتية؛ أنفقوا وقتهم كله في دراسة ما اعتبروه في المحل الأوّل من الأهمية، أعني الشرع الإسلامي في مختلف تطبيقاته العملية، ولكنهم وقد ابتعدت أبصارهم عن المفاهيم الروحية السليمة؛ أضاعوا أنفسهم في مناقشات بائسة تهدف إلى الإفتاء في موضوعات ليس أكثر منها إمعانا في الخيال والسراب ومن حسن الطالع أن عبقريا عظيما و مجددا ضخما هو الغزالي ( ... ) دعا إلى حياة صوفية مبنية على مبادئ السنة القويمة وعلى التأسي بالمثل الصالح الذي ضربه أصحاب رسول الله؛ أضفت على الإسلام جمالا جديدا وبعثت
حيويته القديمة» (2).
(1) الغزالي، الإحياء، المصدر نفسه، ص 2.
(2) لورا فيشيا فاغليري، دفاع عن الإسلام، مرجع سابق، ص 118، 119.
77 (1/77)
صفحة 78
- تلقي الناس لكتاب الإحياء: قبل الحديث عن ردود الأفعال على كتاب الإحياء، لا بأس من تقييم سريع المسيرة الغزالي، حيث يذكر عبد الأمير الأعم أن الغزالي لم يكد ينتهي من حربه مع الفلاسفة حتى ولج حربا أخرى مع الباطنية، وكان لا يتورّع من الدخول إلى صميم مشاكل لم يجرؤ أحد من قبله أن يدخلها. مثلما فعل في تبرئة يزيد بن معاوية من قتل الحسين بن علي، وقد ردّ عليه ابن الجوزي ما في الفتوى من تطرّف خطير. ورغم تصعيد المعارضة على كتاب «الإحياء» إلا أن الغزالي
ألف ردّا على معارضيه سماه الإملاء على إشكالات الإحياء وذلك حين قامت جماعة من فقهاء الأندلس وقاضي قرطبة وزملائه بإصدار فتوى اتهموا فيها الغزالي بالابتداع والهرطقة، فأحرق كتاب الإحياء على مشهد من جماهير الشعب، وفرضت عقوبة القتل على كل من يقرأه. وفي بلاد المغرب أحرقت بأمر من علي بن يوسف بن تاشفين باعتبار أن الكتاب ينتقص الفقهاء ومنهم أتباع مالك. كما اعتبر ابن الجوزي الغزالي حاطب ليل لما
حشا به كتابه الإحياء من أحاديث موضوعة ولا تصح (1).
وقد ذكر شوقي أبو خليل أن كثيرا ممن يقتصر على مطالعة الإحياء أو يكثر من قراءته ويشغف به، ينشأ عنده غلوّ في الزهد والتقشف، ومخالفة النفس في المباحات، والكراهة للحياة،
(1) ينظر: عبد الأمير الأعم، الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحنى تطوّره الروحي، دار الأندلس، بيروت، ط 2: 1981، ص 81 وما بعدها.
78 (1/78)
صفحة 79
والإكثار من الرّياضات والمجاهدات. وقد يكون مرجع ذلك أن الغزالي عند تصنيفه الإحياء كان في حالة غلبت عليه الخوف والهيبة، وكان متأثرا شديد التأثر فجاء كلامه صورة صادقة لنفسه المتأثرة. وعلى ما فيه من أحاديث ضعيفة، وغلوّ صوفي، وهضم للنفس وترك المباحات، إلى غير ذلك من مآخذ تعقبها ابن الجوزي وابن تيمية مع اعترافهما بفضل الكتاب؛ فهو في مقدمة الكتب الإسلامية التي انتفع بها خلائق لا تحصى في كل عصر وجيل.
انتقد الغزالي أهل الفقه الذين تكلّموا وأطالوا بطهور الجسد والثياب والمكان ونسوا طهور القلب والنفس والروح، فكم من طاهر الثياب والجسد، وروحه غارقة في إنتانات حبّ الشهوات والغدر والخيانة. كما انتقد غلاة المتصوفة الذين صرفوا الناس عن العلوم الدنيوية، انتقدهم انتقادا صحيحا لأنهم زهدوا الناس بالدنيا، فنَعِم بها الكافر، وخلقها الله للمؤمن، فالزهد عمل من أعمال القلب وليس التخلّي عن واجب الخلافة في الأرض (1).
بالرغم مما قيل في الغزالي إلا أنّه أوّل من نقد التصوّف نقدا منهجيا موسوعيّا منظما، فلم تكن الحضارة الإسلامية تعرف نقدا فقهيّا صوفيا للتصوّف حتى مجيء الغزالي، فنقدهم عن خبرة ودراية بعد معايشة لهم ومدارسة ( ... ) وهو أوّل من جعل
(1) ينظر: شوقي أبو خليل، من ضيّع، القرآن دار الفکر، دمشق، ط 2: 1982، ص 192 وما بعدها.
79 (1/79)
صفحة 80
المتصوفة فرقة من الفرق الباحثة عن الحقيقة ضمن كتابه «المنقذ من الضلال» (1).
وإنّ من الجهل أن يُنسب إلى الغزالي أن تصوّفه هو تصوّف الاتكاليين الساكنين الذين لا يتحركون، ثم يقولون نحن نتوكل على الله، فقد ردّ عليهم بفتوى في كتابه الإحياء ختمها بقوله: (كيف يُنال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين! بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنّما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده). فالإسلام دين الفاعلية والتأثير والبناء ولا رهبنة في الإسلام، وعملية تحريك الأمة
الإسلامية مما ركّز عليه الإمام الغزالي في كتاباته وفتاويه» (2). وقد لخص عبد السلام غرميني ردود أفعال علماء المغرب على كتاب الإحياء في ثلاث مواقف موقف العداء الصريح والأمر بالإحراق، وموقف انتقاد بعض مواضعه والتحفّظ من بعض آرائه ثم موقف التأييد والمناصرة والترويج. ويرى البعض في تعليل تلك الحملة الشرسة على كتاب الإحياء؛ أن كتاب الإحياء هو نتاج شافعي اقتحم ساحة مالكيّة خالصة، وقد يكون لهذا الرأي وجاهته حين نرى إلى ضخامة الفصول الفقهيّة في الكتاب، وحرفية الفقهاء التقليديين
وكذا بالنظر إلى تبني السلطة آنذاك للمذهب المالكي رسميا (3).
(1) مشهد، العلاف، فلسفة الحضارة الإسلامية الرؤية الغزالية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2013، ص 111 ط 1:
(2) فلسفة الحضارة الإسلامية الرؤية الغزالية، مرجع سابق، ص 125.
(3) ينظر: عبد السلام غرميني، المدارس الصوفية المغربية والأندلسية في القرن السادس هجري، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ط 1: 2000، ص 418 وما بعدها.
80 (1/80)
صفحة 81
4 - أثر الإحياء على الواقع الإباضي: لقي كتاب الإحياء
صدى كبيرا عند الإباضية مشرقا ومغربا، فنجد مثلاً امحمد اطفيش يورد في شرح النيل قوله فيه: «يقول الشيخ عمرو الثلاتي الغزالي مرضيٌّ عندنا. قلتُ: يعني لأنه قد رجع عن إثبات الرؤية (رؤية الله، ولم تعرف منه براءة المسلمين مع صحة ديانته واعتقاده والذي عندي أنه لم يصح عنه الرجوع عما فيه من تخطئة أصحابنا رحمهم الله، ولو صح عنه الرجوع عن الرؤية» (1). فمن خلال هذا الرأي نجد أن امحمد اطفيش قد نظر إلى الغزالي من زاويته المذهبية، لكن ذلك لم يمنعه من الاستشهاد بأقواله وتبني بعض آرائه.
أما في المشرق فتذكر المصادر أن سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي (2) من مؤلفاته: «تعقيب وتعليق على كتاب إحياء علوم
الدين».
و قبل استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي، كان الوعاظ في مساجد وادي مزاب (3) يستقون مادتهم من المؤلفات الإباضية
(1) امحمد اطفيش شرح النيل وشفاء العليل، ج 16، مكتبة الإرشاد، جدة، ط 3
1985، ص 468. (2) من العلماء الربانيين، نشأ بمدينة نزوى، مِن بين من تخرج على يديه: الشيخ جاعد بن خميس، له تفسير مشهور يسمى التفسير الميسر، توفي سنة 1206 هـ. معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، مرجع سابق، ص 181.
(3) وادي مزاب يقع بولاية غرداية في شمال الصحراء الكبرى للجزائر، بناحية تسمى الشبكة، تتخللها أودية، وتبعد عن العاصمة بـ 600 كلم ويعتبر وادي مزاب من معاقل الإباضية في شمال افريقيا.
81 (1/81)
صفحة 82
مثل «وفاء الضّمانة» و «الذهب الخالص» للقطب، و «قواعد الإسلام للجيطالي، ونادرا ما يعتمدون كتب غيرهم، ولا يزيدون على كتب الرقائق كرياض الصالحين» للنووي، و «إحياء علوم الدين للغزالي. كما نلاحظ أن الدروس المسجدية تتميز بالبساطة في الأسلوب، والخلو من عناصر التشويق والإثارة غالبا، لكن أثر هذه الدروس كانت تظهر جليا على أرض الواقع في الاستجابة لأوامر المسجد، والانتهاء عما نُهوا عنه، فأسهم في تماسك المجتمع وقوته، وتطبيق ما يلقى عليه دون ارتياب ولا تردّد» (1).
وسنرى في المبحث الثاني أثرا جليا من آثار الاهتمام بكتاب الإحياء، يتمثل في كتاب قناطر الخيرات وأثره على البيئة
الإباضية.
المبحث الثاني: التعريف بكتاب قناطر الخيرات» وصاحبه المطلب الأول: التعريف بـ «أبي طاهر إسماعيل الجيطالي» 1 - نسبه: كما تذكر المصادر هو إسماعيل بن موسى أبو طاهر الجيطالي النفوسي، نسبة لبلدة جيطال بجبل نفوسة (2)، وتقع جيطال بين بلدتي أمسين وإينر على ربوتين متقابلتين تحيط
(1) مصطفي ابن ادريسو، محاضرة «ظاهرة تعدد المنابر في وادي مزاب، الملتقى الثاني للداعيات في وادي مزاب، 26 ديسمبر 2006 م.
(2) تقع على مسيرة ثلاثة أيام من المشي في الجنوب الغربي لطرابلس، حيث تتواجد هضبة عليا لجهة طرابلس، تنتصب على الأراضي المنخفضة للجفارة في سلسلة جبلية شامخة، يبدأ جزء السفح المسمّى جبل نفوسة من يفرن وينتهي عند وزان وهو آخر قصر من قصور نفوسة روبيرتو روبيناتشي وإبراهيم الشماخي، قصور وطرق جبل نفوسة، منشورات بيت الغشام مسقط، ط 1: 2015، ص 16.
82 (1/82)
صفحة 83
بها من جميع جهاتها غابات كثيفة من شجر التين والزيتون. لم تبلغنا سنة ولادته في كتب السير الإباضية، إلا أن البعض يرجح ولادته سنة 695 هـ / 1294 م، كما أنه لا يوجد ذكر لما عقب من أولاد، وما ترجّح حسب وصيّته أنه لم يعقب ولدا أو عقب ولم يعمر طويلا، حيث أنه جعل خليفته ووكيله على وصيّته أخاه أبا بكر (1). لقب بفيلسوف الإسلام صنو أبي حامد الغزالي، اشتهر بحافظته القوية وذكائه الشديد، وعُرف بصرامته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. توفّي سنة 750 هـ/ 1349 م، ودفن في مقبرة الجامع الكبير بالحشان بجربة (2).
بخصوص وفاته فقد ذكر محمد قوجة محقق كتاب رسائل الشيخ سليمان الحيلاتي»، نقلا عن كتاب «مؤنس الأحبة في أخبار جربة» لمحمد أبو راس الجربي (3) أن إسماعيل الجيطالي توفي سنة 737 هـ / 1336 - 1337 م، في حين نجد أن أغلب المصادر والمراجع (4) اتفقت على وفاته سنة 750 هـ / 1349 م، وهذا ما جعلني أتساءل عن سر هذا الاختلاف في تاريخ وفاته، مما دفع بي
(1) إسماعيل الجيطالي، قناطر الخيرات قنطرة الصلاة، تح: هيئة طلبة الشريعة بمعهد عمي سعيد، المطبعة العربية، غرداية، ط 1: 1998، حرف الزاي والهاء. (2) سالم بن يعقوب، آثار جزيرة جربة بيت الغشام، مسقط، ط 1: 2014،
ص
107
(3) علماء جربة (رسائل الشيخ سليمان الحيلاتي)، تح: محمد قوجة، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط 1: 1998، ص 75
(4) ينظر قائمة المصادر والمراجع في معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، مرجع سابق، ج 02، ص 115.
83
333 (1/83)
صفحة 84
إلى الرجوع إلى المصدر الأوّل كتاب السير» للشماخي) القراءة ما أورده المصنف بخصوص وفاة الجيطالي، فوجدت: «وذكر أنه سافر نحو جربة وكانوا يومئذ لا يدخلون إليها إلا بالسفن قبل بناء القنطرة، لأنّ القنطرة إنّما بنيت في أيام عبد العزيز أبي فارس سلطان افريقية، وتوفي عام سبعة وثلاثين وسبعمائة [737 هـ]، فأقام عمنا إسماعيل ومن معه ينتظرون سفينة فنفذ زادهم .. » (1) ثم بعد صفحتين تقريبا يذكر عن الشيخ أنه: «مات بجربة عام خمسين، وأخباره وفضائله كثيرة» (2).
من هذين الموضعين نفهم مكمن الخلل الذي وقع فيه صاحب کتاب «مؤنس الأحبّة»، وتابعه على ذلك؛ محمد قوجة في تحقيقه لرسائل الشيخ سليمان الحيلاتي، في تحديد سنة وفاة إسماعيل الجيطالي، فقد التبس عليه الأمر وظن أن سنة وفاة السلطان عبد العزيز هي نفسها سنة وفاة الجيطالي، ويبدو أنه اكتفى بقراءة تلك الفقرة، ولم ينته إلى حيث الصفحة التي اكتملت به سيرته واختتمت بالقول أن وفاته كانت عام خمسين؛ أي في 750 هـ. ويُذكر أن الجيطالي اشتغل بالبيع والشراء وأتقن المعاملات التجارية، ويبدو أنه لم يستقر على حرفة بعينها نظرا لكثرة انشغالاته العلميّة والاجتماعية والناظر إلى وصيّته يدرك أنه
(1) أحمد بن سعيد الشماخي، السير، تح: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث،
عمان، ط 2: 1992، ص 196.
(2) السير، المصدر نفسه، ص 198.
84 (1/84)
صفحة 85
كان ميسور الحال من الناحية المادية» (1)، وكان رحمه الله «ظاهر الكرامات مستجاب الدعوة» (2).
2 - شخصيّته العلمية وآثاره: ذكر على يحيى معمّر أن الجيطالي أخذ العلم عن أبي موسى الطرميسي (3) في مدرسته وصاحب أبا
عزيز (4) زمانا، وكان يحفظ ديوان الدعائم لابن النضر العُماني، و مقامات «الحريري» و «الأشعار الستة»، ويحفظ كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني في ثلاثة أجزاء، و «جُمل الزجاج» في النحو. اشتغل بتدريس الفقه والشعر والآداب بمدرسة أبي يزيد المزغورتي، ودرّس تسع سنوات كاملة في فرسطا بنفوسة. بلغ الجيطالي في العلوم الرياضية المعروفة في ذلك الحين مبلغا يقصر عنه الأقران، وألف في الحساب والهندسة (5).
(1) قناطر الخيرات قنطرة الصلاة، مصدر سابق، حرف النون. (2) إسماعيل الجيطالي، قناطر الخيرات قنطرتي العلم والإيمان، تح: عمرو النامي د. ط، د. ت، ص 13.
(3) عيسى بن عيسى أبو موسى الطرميسي من علماء جبل نفوسة، لم يتزوج لاشتغاله بالعلم والتعليم، لقب بشيخ الإسلام وكان أستاذ ثلاثة أقطاب: أبو طاهر الجيطالي، أبو ساكن الشماخي وأبو غالي أبو عزيز، تعتبر مدرسته من أعظم المدارس التي اهتمت بتوجيه الطلبة إلى التأليف. توفي سنة 722 هـ / 1322 م. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، مرجع سابق، ج 3، ص 691.
(4) هو أبو عزيز بن إبراهيم الباروني، من علماء جبل نفوسة، أخذ العلم عن الشيخ عيسى الباروني وكان معاصرا للشيخ إسماعيل الجيطالي والشيخ عامر الشماخي، توفي سنة 746 هـ / 1345 - 1346 م. علماء جربة (رسائل الشيخ سليمان الحيلاتي)، مرجع سابق، ص 58.
(5) ينظر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، مرجع سابق، ص 107 وما
بعدها.
85 (1/85)
صفحة 86
قدم إلى جربة (1) ونزل بالجامع الكبير وتلقاه علماء جربة أحسن لقاء واجتمعت عليه الطلبة فكان يُقرئ ويصنف في المجلس الواحد، واستوطن جربة إلى آخر حياته، وتخرج من مدرسته علماء أجلاء منهم: أيوب الجيطالي (2)، وترك تأليف أحيى بها المذهب، منها: قواعد الإسلام، شرح النونية في أصول الدين قناطر الخيرات كتاب الحج والمناسك، كتاب في الفرائض والحساب، ومجموعة فتاوى، ومجموعة قصائد (3) ووصيّته التي سماها تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان».
3 - ظروف بيئته وجهاده في الإصلاح
يمكن أن نطلع على أوضاع البيئة المحيطة بالجيطالي في عصره بما أورده فرحات الجعبيري (4): كان العطاء العلمي في
(1) تحدّ جزيرة جربة من الجنوب بخلجان تاربلة والقنطرة، وبحر آمن، ومن الشرق ببحر قوي متصل بالساحل الليبي وجزر مالطة، ومن الشمال كذلك ببحر متصل بخليج قابس وبصفاقس وقرقنة، ومن الغرب ببحر آجيم وخليج بوغراوة وبحيرة قلالة، تعاقبت عليها الحضارات الإيجية والفينيقية والرومانية، سكانها أمازيغ، دخلها الإسلام سنة 23 هـ. سالم
بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة دار، الجويني، تونس، د. ط، 1986، ص 114. (2) عالم في الشريعة والكلام، سكن شُروس بجبل نفوسة، وأخذ العلم ابتداء عن الشيخ إسماعيل الجيطالي ولما سافر إلى جربة التحق بحلقة الشيخ عامر الشماخي. أخذ عنه العلم عدد غير يسير من بينهم العالم أبو زكريا الفرسطائي. معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، مرجع سابق، ج 02، ص 127.
(3) آثار جزيرة جربة، مرجع سابق، ص 108. (4) فرحات بن علي الجعبيري من علماء تونس المعاصرين، ولد بجزيرة جربة في تونس سنة 1945 م من مؤلفاته: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، التجربة السياسة عند الإباضية.
86 (1/86)
صفحة 87
القرن السادس هجري في أوجه، ثم بدأ في التراجع وبوضوح في القرن السابع، ولا نجد من تراثهم إلا منظومتين تعليميتين لأبي نصر فتح بن نوح المَلُّوشائي) في العقيدة (2) والصّلاة، مع ترجمة عقيدة العزابة من البربرية إلى العربية مع عمرو بن جميع وكتاب طبقات الدرجيني. وتجدر بنا الإشارة إلى: ما عرفه المدّ المالكي من سعي إلى السيادة وتحويل المناطق الإباضية إلى المالكية (كما هو الشأن في قرى جبل نفوسة) في أطراف بلاد المغرب. وقد تزامن ذلك مع محاولات النصارى المستمرة للسيطرة على افريقية وطرابلس وغيرهما. وحين حلّ الجيطالي بجربة وجد الصراع بين الوهبية والنكار (3) مشتدّا، وكذا الصراع مع النصارى المحتلين.
(1) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي النفوسي، ولد في النصف الأول من القرن 7 هـ، ونشأ بين القريتين (طمزين وتملوشايت)، تتلمذ على يد العلامة أبي زكريا بن إبراهيم، له ديوان فيه 11 منظومة، وألف في فن المقامات، قال عنه الشماخي: عالم فائق وواعظ صادق. أبو نصر فتح الملوشائي، متن النونية، تح: عمر بازين، د. ط، 1996، (من مقدمة المحقق).
(2) نذكر على سبيل المثال بيتين من منظومة النونية للملوشائي حيث يصف فيها
زمانه
نظرت إلى قرائنا فوجدتهم بفقه المعاش مولعين بألسن. تناسوا أصول الدين من أجل أنها صعاب وما فيها ثمار لمن يجني.
المرجع نفسه، ص 36.
(3) جماعة انشقت زمن الدولة الرستمية لإنكارها إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم سنة 171 هـ، زعيمها يزيد بن فندين لها آراء مستقلة في الفقه والعقيدة والحديث والسياسة، ولا يزال بعض أتباعها في جزيرة جربة وهم قلة. معجم مصطلحات الإباضية، مرجع سابق، ج 02، ص 1027.
87 (1/87)
صفحة 88
مر الجيطالي في حياته بمرحلتين: مرحلة الحركية العمليّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جبل نفوسة، ثم مرحلة التفرغ للتأليف والتدريس في جزيرة جربة (1).
وبشيء من التفصيل يمكن القول أن الجيطالي ونظرا لصرامته الدينية ونهيه المستمر عن المنكر وأمره بالمعروف وشهرته العلمية، فإنّه لم يسلم من مكائد الحساد والمناوئين حكاما ومحكومين، فقد تعرّض مرة لمحاولة اغتيال، وزُج به في السجن من طرف قاضي مدينة طرابلس وأميرها، في قضية جادلوه فيها فعجزوا عن الوصول إلى شأوه، وتحداهم بقوله: «هل عندكم من علم فتخرجوه لنا». فحقد عليه القوم ولم يزالوا بالأمير حتى سلبه ماله وسجنه، وبقي في السجن حتى شفع فيه «ابن مكي» أمير قابس بعد أن توسط أبناء الشيخ أبي زكريا فصيل بن أبي مسور الحربي، وتحملوا معه مالاً في سبيل الله، فأطلق الأمير سراحه بعد أن مدحه الجيطالي بشعر، لكنه لورعه سرعان ما راسل الأمير معتذرا إليه ومخبرا إياه أنه لا يستحق كل ذلك المدح. وكان يمشي في الأسواق ويبيّن الحلال من الحرام حتى قال فيه بعض العابثين: «إنّ أبا طاهر قد علم التجار جميع وسائل الغش»، يعنون بذلك أنه: ينهاهم عنها فتعلّموها منه (2).
(1) يُنظر: فرحات الجعبيري، شخصيات إباضية، مكتبة الضامري، عُمان، ط 1:
2010، ص 212 وما بعدها.
(2) يُنظر: إسماعيل الجيطالي قناطر الخيرات قنطرة الصلاة، مصدر سابق، حرف اللام. وعلي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، مرجع سابق، ص 110.
888 (1/88)
صفحة 89
يذكر علي يحيى معمّر أنّ الجيطالي طيلة إقامته بفرسطا (حوالي
تسع سنوات) كان يدرس ويقوم بالحسبة، سمع يوما بأن خمرا عند أحد الناس، فخرج إليه في جمع من الفقهاء وأهل الصلاح ليطلبوا من المنتهك أن يكفّ عن معصيته ويتوب، لكن أهل العاصي غلبتهم قوة القرابة عن الإذعان لأمر الله، فعزم على الارتحال ولما تعلق به الناس يمنعونه عن الرّحيل، قال لهم: «لا أقيم ببلد لا يُقام فيه الحق، ويُمنع المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، مما دفع بأهل المدينة ليتبرؤوا من العاصي ويقطعوا علائقهم به، فضاقت الأرض بالعاصي وأهله، حتى أعلنوا توبتهم)، وهذا ما يسمى بنظام الولاية والبراءة وقد حفظ للإباضية وجودهم عبر
التاريخ. بعد ذلك انتقل إلى جربة في أواخر حياته واستقر بها، فجلس للتدريس بالجامع الكبير فكان يُقرئ ويصنّف في المجلس الواحد (2) وكان من تصانيفه ما ذكرناه آنفا، وبذلك يكون قد أبدع في الأسلوب والمضمون؛ كما يشهد له بذلك من جاء بعده من
العلماء.
بمقارنة بسيطة يمكن القول أن الجيطالي مر بظروف صعبة، ومشابهة بعض الشيء لظروف الغزالي، ربّما كانت سببا في أن يجد سلواه وإلهامه في اختيار طريق الغزالي للعودة إلى الاهتمام بالقلب
(1) يُنظر: الإباضية في موكب التاريخ، مرجع سابق، ص 110. (2) من مقدمة تحقيق كتاب قنطرة الصلاة، تح: طلبة الشريعة بمعهد عمي سعيد مصدر سابق، حرف السين.
89 (1/89)
صفحة 90
وصقل الروح، وتطعيم الفقه بعلم الآخرة، والقيام بمهمة الحسبة انطلاقا من إصلاح البواطن قبل الظواهر. وقد وجد ضالته في كتاب إحياء علوم الدين، فقد قام باستيعاب مادته الثرية ثم حررها في أسلوب أنيق يتوافق مع البيئة والتوجّه الإباضي العام، وسمّى كتابه ا ب قناطر الخيرات»، وسنتناوله بالدراسة فيما يستقبلنا.
المطلب الثاني: التعريف بكتاب قناطر الخيرات 1 - وصف كتاب القناطر: يصفه علي يحيى معمّر أنّه: «في ثلاثة أجزاء ضخمة، والجيطالي وإن كان متأخرا عن الغزالي إلّا أنّ مقارنة بينهما قد تكون من المباحث الممتعة التي تحتاجها المكتبة الإسلامية، والجيطالي لو لم يقدّم إلا هذا الكتاب لكان فيه الكفاية» (1). ويقول عنه عمرو خليفة النامي في مقدمة تحقيقه للكتاب أن القناطر قد نال شهرة كبيرة في المكتبة الإباضية، ذلك أنّه يبدو فريدا في منهجه وطريقة تأليفه واتجاه مؤلّفه إلى رسم مخطط متكامل لحياة الإنسان المسلم كما يحدّدها التصوّر الإسلامي، وهو كتاب شامل يجمع إلى بيان أسرار العبادات ومهمات مسائلها؛ نظرات قيمة في التربية والأخلاق، ولمحات بارعة في فلسفة التشريع الإسلامي (2). طبع عمرو النامي تحقيق قنطرتي العلم والإيمان سنة 1965 بالقاهرة ثم صُوّر وطبع بعد ذلك في الجزائر، وفي سنة 1983
(1) الإباضية في موكب التاريخ، مرجع سابق، ص 108
(2) قناطر الخيرات، قنطرتي العلم والإيمان، مصدر سابق، ص 15.
90 (1/90)
صفحة 91
طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان كاملا غير محقق. في سنة 1998 طبعت المطبعة العربية بغرداية بالجزائر قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات، بتحقيق هيئة طلبة
الشريعة بمعهد عمّي سعيد. ثم في سنة 2001 طبعت دار الكتب العلميّة بلبنان الطبعة الأولى من كتاب قناطر الخيرات كاملا وبتحقيق المحققين سيّد كسروي حسن وخلاف محمود عبد السميع، ويقع في ثلاث مجلدات مجموع صفحاتها 1368
صفحة.
يعتبر الجيطالي أن «الطريق إلى الله يكون بإخلاص، وتحقيق النجاة في الآخرة يكون باجتهاد، وبما أن هذه الطريق محفوفة بالمشقة والمخافة وكثرة العوائق والمفازات الشاسعة، فإنه رتب عليها قناطر يمكن للسالكين عليها العبور، حتى تقضي بهم إلى درجات السّرور. ولذلك نجده يستعين في مقدمة كتابه بالأمثال ليوضّح المقصود بأسهل عبارة يفهمها أصناف الناس، فالدنيا وكأنها مفازة مظلمة (صحراء مقفرة) وبها حيوانات مؤذية، فلا يصح سلوك المفازة الظلماء إلا بمصباح نور يكون للإنسان دليلا يعرفه بما يأتيه وما يتقيه» (1).
وقد قسم كتابه «قناطر الخيرات» إلى: القنطرة الأولى وهي قنطرة العلم بخالقه، فقنطرة الإيمان بهذا الصانع، ثم قنطرة الصلاة، وقنطرة الصوم، وقنطرة الزّكاة، وكذا قنطرة الحج وهي القنطرة (1) إسماعيل الجيطالي، قناطر الخيرات الجزء الأول، تح: سيد كسروي حسن وخلاف محمود عبد السميع دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2001، ص 08.
91 (1/91)
صفحة 92
السادسة. تليها القنطرة السابعة وهي قنطرة التوبة، ثم قنطرة العوائق وتحوي أربع قناطر الدّنيا، الخلق، الشيطان، النفس. بعد ذلك قنطرة العوارض، وتشمل أربع قناطر الرّزق، الأخطار، الشدائد والمصاعب القضاء. ثم قنطرة البواعث، والعبادة، والقوادح، وقنطرة الحمد والشكر، فقنطرة خوف الخاتمة، وفي الأخير قنطرة الموت لتكتمل بذلك سبعة عشر قنطرة.
2 - دواعي تأليف الجيطالي للقناطر ومنهجه
يقول الجيطالي في مقدمة كتابه: «اعلموا رحمكم الله تعالى أني تفكرت في أحوال أسلافنا فوجدتهم أهل بصائر ومعرفة بالدين، وأهل تواضع وخشية في قوّة يقين، مع ما منحهم الله من سلامة للصدور من كل غائلة واجتهاد في العبادة» وبعدما عدد أوصافهم يواصل قائلا: فخلف من بعدهم خلف رضوا بالدنيا عوضا عن الآخرة، عليها يتكالبون وبها يتواصلون، ومن أجلها يتوالون ويتعادون، استعبدتهم الدنيا ( ... ) فصار المنكر من أجل ذلك عندهم معروفا» (1).
لهذه الأسباب عكف الجيطالي في تأليف كتاب يشرح فيه شرائع الدين ويبين فيه بعض مناحيه، تذكرة لنفسه ولمن بعده. يصبغه بصبغة علم الآخرة من خلال كتاب الله وسنة نبيه وما عليه السلف الصالح، بغية إرشاد المسلم إلى الظفر بمقام القلّة المرضي عنها لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
درج
(1) قناطر الخيرات، الجزء الأول، مصدر سابق، ص 22، 23.
92 (1/92)
صفحة 93
الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24]، وقوله تعالى: {وَابْتَغ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنَ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، وامتثالا لقوله سبحانه: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120].
يصف عمرو النامي عصر الجيطالي بأنه عصر تحكمت فيه النظرة المذهبية الضيقة، وكثرت الممالك وتعدّد الحكام وتفرقت الأمة، فكان الجيطالي فيما يكتب رائدا من روّاد الأخوة الإسلامية الصحيحة، والتي هي نتيجة الحق الواحد الذي يسع المسلمين الصادقين مهما تناءت بهم الديار. فكان في جميع ما يكتب داعي ألفة ومحبة وسفير قرب ومودة، بحيث نلتقي في كتبه بأئمة الإسلام وفقهائه، يرحب بهم في فهم ووعي كالغزالي والماوردي والمحاسبي والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، وهو في ذلك الحامل الأمين لمذهبه يعرض أقواله إلى جانب أقوال المذاهب الأخرى، يورد تلك الآراء فيما يعرض له من مباحث في دقة وأمانة، فإذا رأى خلافا أبان عن أصله وأوضح أسبابه، ثم اختار ما يبلغ عقله من الحق في ذلك (1).
أما في استشهاده بالأحاديث الضعيفة وغيرها، فمعظمها تما نقله عن الغزالي في كتابه الإحياء، ويشير في بعض الأحيان
(1) قناطر الخيرات، قنطرتي العلم والإيمان، تح: عمرو خليفة النامي، مصدر سابق،
ص 15، 16.
93 (1/93)
صفحة 94
بالقول: ذكره الغزالي في كتابه وروى الغزالي. ويعلّل هذا المسلك بقوله في نهاية قنطرة الصّوم وما سنورده من الفضائل إن شاء الله وإن كان أكثرها غير مستفيض عند أصحابنا ولا موثوق بصحتها، فإنّي إنّما فعلت ذلك لحديث رأيته في آثار أصحابنا عن ابن عباس أنه قال: من بلغه حديث في الرغائب والفضائل في العمل فاجتهد فيه، قال: فإن كان الحديث على نحو ما بلغه كان له أجران أجر حفظه الحديث وطاعته فيه وأجر عمله به، وإن كان الحديث على غير ما بلغه كان له أجره على نحو ما بلغه، لأنّ الله لا يضيع أجر المحسنين، فلا يذهب أجر اجتهاده الله ونصيحته لربّه ما لم يكن اجتهاده. بدعة).
و في آخر صفحة من أجزاء كتاب «قناطر الخيرات»، يبين الجيطالي منهجه، فيقول: وإنّما ألفناه من كتب شتى وأكثره من كتب قومنا امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: اقبل الحق ممن جاءك به حبيبا كان أو بغيضا وردّ الباطل على من جاءك به حبيبا كان أو بغيضا» (2) فاستخرجت العلم النافع من كل كتاب، ولم أهتبل بمؤلّف على خطأ كان أو صواب، ونقلت الحق المفهوم
(1) المصدر نفسه، ص 17. (والأثر المنسوب إلى ابن عباس نجده في مسائل أبي عبيدة وهو كتاب مخطوط، كما ذكر: أحمد بن يحي الكندي، تقسيمات الحديث عند القطب اطفيش، ص 107).
(2) أخرجه المتقي الهندي من طريق الديلمي عن ابن عباس، بلفظ: «اقبل الحق ممن أتاك به صغير أو كبير وإن كان بغيضا، واردد الباطل على من جاء به من صغير أو كبير وإن كان حبيبا» علاء الدين المتقي الهندي كنز العمال، ج 15، مؤسسة الرسالة، دمشق، ط 5: 1981 م، ص 794.
94 (1/94)
صفحة 95
من بين الشوك والسموم، إذ حجة الله على الإنسان فهم الحق وعلمه من أي لغة سمعها ولسان.
3 - تأثير كتاب القناطر على البيئة الإباضية:
يشهد التاريخ أنّ «الحركة العلمية لإباضية المغرب (جبل نفوسة، وجربة، ووادي مزاب كانت في ازدهار حيث يتواصل العلماء ويتم تداول كتبهم في الأوساط، فلا يخفت الحراك العلمي في منطقة ما إلا وساندها علماء المنطقة المزدهرة وهكذا دواليك، وقد شهد جبل نفوسة حوالي القرنين الثامن والتاسع الهجرتين نهضة في مجال العقائد والفقه الإباضيين، فقد سافرت الكتب المتألّقة التي ألّفها الجيطالي وغيره في تلك الحقبة إلى بلاد المزاب، وأعادت الحياة إلى الدراسات التي خبت جذوتها منذ زمان» (1).
لعظيم قدر كتاب الجيطالي فقد عُرف عند إباضية المشرق فهذا صاحب كتاب إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تأليف سعيد بن خلفان الخليلي، وفيه إحالات كثيرة على قناطر الخيرات ومنه إلى إحياء علوم الدين. أما كتاب «قواعد الإسلام» للجيطالي، فهو مشهور لدى جمع غفير من علماء عُمان؛ استفادة وتأثرا، شرحا ومقارنة. وفي سلطنة عُمان جامع معروف باسم الجيطالي.
(1) ينظر تادابوش ليفنسكي، مقالات مختارة (جزء (03)، مرجع سابق، ص 19.
95 (1/95)
صفحة 96
وقد كان لقناطر الخيرات الأثر الكبير في الأوساط العلمية
في القرون المتأخرة، فعلى سبيل المثال نجد بخصوص أهميته عند طبقة العلماء، ما وصفه عبد العزيز بن الحاج إبراهيم الثميني» في كتابه «عقد الجواهر المأخوذ من كتاب القناطر» (لا يزال مخطوطا بمكتبة الاستقامة بآت يزجن): إنّ الكتاب الذي صنّفه أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي المسمّى بالقناطر؛ کتاب جامع لعلوم الدين والدنيا والآخرة، ومهذبا للخواطر، دالة على علوّ درجة مؤلّفه في العلوم، سالما من الطعن فيه بأدنى خدش أو كلوم، شاهدا له بالفوز بالحظ الوافر من علم اليقين والكشف كما نطق به فحوى كلامه، وذكر به من مناقبه من الوصف ولا أظن أن من علمائنا المغاربة ناسجا على منواله في هذا الشّأن» (1).
كما نجد امحمد اطفيش قد وضع حاشية على قناطر الخيرات ولا تزال مخطوطة بمكتبة القطب بآت يزجن بوادي مزاب، وكذلك صالح بن عمر لعلي وضع تعاليق وشروحا على القناطر، ولا تزال مخطوطة في مكتبة المؤلف.
هذا على صعيد التأليف العلمية، أما أثره في أوساط الناس من خلال شرح الكتاب وتبسيطه في دروس يومية نجد أنّ الحركة الإصلاحية في بداية عهدها بوادي مزاب على يد إبراهيم بن عمر بيوض (2)، كما يذكر محمد علي دبوز: قد أولت اهتماما
(1) عمر إسماعيل آل حكيم، عبد العزيز الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين جمعية التراث القرارة، الجزائر، ط 1: 2007 م، ص 88. (2) العلّامة إبراهيم بن عمر بيوض ولد بمدينة القرارة سنة 1899، حفظ القرآن الكريم وأخذ مبادئ العلم على يد شيخه الحاج عمر ابن يحي، نشأ عصاميا، وفي
96 (1/96)
صفحة 97
بالغا بتزكية النفوس وتصفية شوائبها بخطاب وعظي يناسب القدرات الذهنية للعامة آنذاك، فما إن ولي إبراهيم بيوض مشيخة المسجد في القرارة بوادي مزاب حتى وقع اختياره على کتاب قناطر الخيرات، فدرّسه کاملا في مدة أربع عشرة سنة وعشرة أشهر من أوّل صيف 1923 إلى ربيع عام 1938، ووقع احتفال عظيم يوم ختم، تدريسه، وغص المسجد بالرّجال والنساء من وراء حجاب، حيث عرفهم الشيخ بفضل صاحب
كتاب القناطر، وحمد الله على توفيقه لإتمام تدريس كتابه. من الجدير بالذكر أن تدريس كتاب القناطر قد ظهرت آثاره على مجتمع القرارة بوادي مزاب، وكان بلسما شافيا لكثير من البدع الدينية والجمود الفكري، وتعلّم الناس من خلال تلك الدروس العربية الفصحى وصاروا يسحرون بها، سيما وأن كتاب القناطر
إلى جانب كونه كتابا دينيا تربويا إلا أنه كتاب أدب كذلك. وقد ذكر إبراهيم بيوض أنّ أكبر سبب لتركيز فكرة الإصلاح في القرارة، وتكوين الضمير الديني اليقظ في النفوس، ورفع المستوى العلمي لعامة الناس وجعلهم يلتفون حول الشيخ و مشاريعه بذلا وعطاء بالنفس والنفيس؛ كان الفضل في ذلك
سنة 1921 تولى رئاسة الحركة العلمية والنهضة الإصلاحية، وعيّن سنة 1940 رئيسا لمجلس العزابة، أسس معهد الشباب وجمعية الحياة وكانت له مشاركة فعّالة ضد المحتل الفرنسي أبرزها وقوفه ضد فصل الصحراء عن شمال الجزائر، له تفسير مسجّل للقرآن الكريم كوّن رجالا وترك مئات الأشرطة لدروس قيمة ومقالات وفتاوى، توفي يوم 14 جانفي 1981 معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، مرجع سابق، ج 2، ص 36.
97 (1/97)
صفحة 98
يعود بعد الله سبحانه لتدريس كتاب القناطر الذي يزخر بأبواب في الأمر بالمعروف، والتزام أحكام الشرع في أركان الدين والتحلي بكريم الأخلاق، والنهي عن المنكرات في المساجد والشوارع وفي الضيافة وبين الجيران، وأبواب في حقوق الوالدين والأولاد والأزواج والأصحاب، ولا ننسى الركن الركين وهو تصفية القلوب من أمراضها وعللها: من بخل وغيبة ونميمة وسوء الظن والكذب، والتمسح بالقباب والأضرحة والتوسل بالأولياء .. كل ذلك في أسلوب وعظي مشوّق يرتكز على التخلية والتحلية، وسرد الآيات والأحاديث، وضرب الأمثال بما يرسخ
الإيمان في القلوب، ويعكسه عملا صالحا في السلوك (1).
وفي فتاوى إبراهيم بيوض نجد سائلا يسأل عن: كتاب تفيد مطالعته في دينه وسيرته، ويجد فيه شرح أعمال البر والأدعية التي يتوجه بها إلى خالقه لتفريج همومه ومغفرة ذنوبه، فأجابه: عليك بكتاب قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي رحمه الله فإنّك تجد فيه خيرا كثيرا مما يفيدك لدنياك وأُخراك» (2). هكذا نرى اهتمام المغاربة بقناطر الخيرات؛ شرحا
وتعليقا وتدريسا، لما فيه من استثمار للجوانب الروحية والنفسية
لإصلاح حياة الفرد والمجتمع المسلم.
(1) ينظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3 0، مطبعة البعث، قسنطينة، ط 1: 1978، ص 108 – 115.
(2) بكير الشيخ بالحاج فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم، ج 02، المطبعة العربية، غرداية، د. ط، 1988، ص 731.
98 (1/98)
صفحة 99
الفصل الثالث
دراسة مقارنة بين «الإحياء» و «القناطر»
المبحث الأول: دراسة محتوى قنطرة العلم ومقارنته بما في كتاب
الإحياء
المبحث الثاني: دراسة محتوى قنطرة الإيمان ومقارنته بما في كتاب
الإحياء (1/99)
صفحة 100
[صفحة فارغة] (1/100)
صفحة 101
الفصل الثالث
دراسة مقارنة بين «الإحياء» و «القناطر
تكمن أهمية الدراسات المقارنة في العلوم التراثية في أنها تُجلّي لنا مواطن اللقاء والاختلاف بين الأفكار ومنطلقاتها، ولهذا كان اهتمامنا بمقارنة الآراء الواردة في كتابي «القناطر» و «الإحياء» حتى نقف على أوجه الاتفاق والتباين، ومدى التأثير والتأثر.
المبحث الأول: دراسة محتوى قنطرة العلم ومقارنته بما في
كتاب الإحياء
تطرّق الجيطالي قبل حديثه عن قنطرة العلم وما تحويه من أبواب، إلى مقدّمة في بيان العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه، وبرّر ذلك بقوله: «لأنّ العقل آلة لدرك العلوم، وأس الفضائل وينبوع للآداب وأصل للتكليف، وعماد للدنيا، فالعلم يجري منه مجرى الثّمر من الشجر، والنور من الشمس، والرؤية من العين» (1).
(1) قناطر الخيرات الجزء الأول، مصدر سابق، ص 23
101 (1/101)
صفحة 102
المطلب الأول: العقل حقيقته وأقسامه
أوّل ما بدأ به الجيطالي في كتابه هو تحوير الترتيب الذي انتهجه الغزالي، ففي كتاب الإحياء نجد ترتيب مبحث العقل يقع في آخر كتاب العلم وقبل الحديث عن قواعد العقائد، لكن في كتاب القناطر فالجيطالي يفتتح بالحديث عن العقل ويبسط فيه القول، ثم تأتي بعد ذلك قنطرة العلم فقنطرة الإيمان، ولعلّ ذلك لأن العقل كما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: لكلِّ شَيْء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عِبَادَته أما سَمِعْتُمْ قَول الفَاجِر عِند ندامته يَقُول: «لَو كُنَّا نسمع أو نعقل»» (1)، ولأن العقل مناط التكليف.
- تعريف العقل:
والعقل في اللغة مِن عَقَلَ العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مُطَّرد، يدلّ عظمه على حُبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل، وجمعه عقول ورجل عاقل وقوم عقلاء» (2). ينقل الجيطالي تعريف العقل اصطلاحا من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي (3) مضيفا إليه من كتاب «الإحياء» حتى تكتمل
(1) أبو شجاع الهمذاني، الفردوس بمأثور الخطاب، الجزء الثالث، باب اللام، رقم 4999، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 1986، ص 333.
:1
(2) احمد بن فارس معجم مقاييس اللغة، ج 04، دار الفکر، بيروت، د. ط،
1979، ص 69.
(3) أبو الحسن الماوردي (ت: 450 هـ / 1058 م)، الملقب بأقضى القضاة، وهو صاحب کتاب نصيحة الملوك، قوانين الوزارة وسياسة الملك، والذي فاق شهرة هو كتابه: الأحكام السلطانية. الزركلي، الأعلام، ج 14، ص 327.
102 (1/102)
صفحة 103
الصورة حول موضوع العقل وأقسامه، فهو يذكر جملة تعريفات منها قوله: «بالعقل تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات
والسيئات، وهو ينقسم [إلى] قسمين غريزي ومكتسب (1): 1 - فالغريزي هو العقل الحقيقي، وهو المقصود بالتكليف، وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان، فإذا تم في الإنسان سُمّي
عاقلا» (2).
ويستدلّ الجيطالي على ذلك بما روي عن الضحاك في تفسير قوله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّا} [يس: 70] أي من كان عاقلا. ثم يذكر اختلاف الناس فيه وفي صفته، فمن قائل يقول: هو جوهر لطيف يفصل بين حقائق المعلومات، واختلف من قال بهذا في محلّه، فقالت طائفة: محله الدماغ، لأنّ الدّماغ محل الحس، وقال آخرون: محله القلب، لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس (3). وفي هذا يستشهد بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ هُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46] فدلّت هذه الآية على أمرين: أحدهما أنّ العقل علم، والثاني أن محله القلب (4). ثم ينقل عن الحارث المحاسبي قوله: العقل غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية، فكأنه
(1) قناطر الخيرات الجزء الأول، مصدر سابق، ج 1، ص 25
(2) المصدر نفسه، ص 26.
(3) قناطر الخيرات، الجزء الأول، مصدر سابق، ج 1، ص 26.
(4) المصدر نفسه، ص 28.
103 (1/103)
صفحة 104
أشار إلى أنّ العقل نور يقذف في القلب، به يستعد لإدراك
الأشياء (1).
2 - العقل المكتسب: هو نتيجة العقل الغريزي، علومه تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال، فإن من حكمته التجارب يقال: إنّه عاقل في العادة، ومن لا يتصف به يقال إنّه غمر جاهل، وهذا العقل ينمّي إن استعمل، وينقص إن أهمل، لأنه من قوّة ثقابة المعرفة وإصابة الفكرة، ما لم يمنعه مانع من هوى، ولا صاد من شهوة، لأنه يحصل ذلك بكثرة التجارب وممارسة الأمور» (2).
والجيطالي قد قام بإعادة صياغة هذا التعريف للعقل المكتسب من خلال تعريف الماوردي الذي يقول فيه: «وأمّا العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة وصحة السياسة، وإصابة الفكرة. وليس لهذا حد؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل. ونماؤه يكون بأحد وجهين: إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صاد من شهوة» (3). و من تعريف الغزالي الذي يرى أنه: «علوم تستفاد من التجارب (1) ينظر: قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص.27. إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 85. أبو الفرج ابن الجوزي، ذم الهوى، دار الكتب الإسلامية، مصر، ط 1:
1962، ص 5.
(2) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 28. (3) أبو الحسن الماوردي، أدب الدنيا والدين دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ط،
1986، ص 20.
104 (1/104)
صفحة 105
بمجاري الأحوال فإنّ من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال: إنّه عاقل في العادة، ومن لا يتصف بهذه الصفة فيقال: إنّه غبي غمر جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمّى عقلاً» (1).
بتركيز الجيطالي على الحديث عن العقل في بداية كتابه القناطر يبدو واضحا اهتمام الجيطالي بالعقل، ودعوته إلى إيلائه المنزلة اللائقة فيوجهنا إلى نتيجة حتمية، وهي دعوته إلى حضور العقل في العمليّة التّربويّة» (2) عوض الاهتمام بالحفظ فقط. ويدعم هذا التوجّه كون منهج الجيطالي في القناطر يتميز بأنه منهج تعليمي يبني الفرد المسلم بناء متينا، ويعده للسعي في الحياة على بصيرة العقل وهدى الوحي.
المطلب الثاني: في آداب المتعلم والمعلم
- بيان فضل العلم:
قبل مباشرة الحديث عن آداب المتعلم والمعلم، نجد أن الجيطالي يقتدي بالغزالي ويبدأ في الباب الأول ببيان فضل العلم، ويستغرق منه ذلك حوالي خمس عشرة صفحة في مقابل خمس صفحات في الإحياء، وقد بدأها بالقول: فأما بيان فضله فعلى خمسة أقسام من الكتاب والسُّنّة، والآثار، والمعاني، والحس.
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 86.
(2) فاطمة القنوبية، الجوانب التربوية في كتاب قناطر الخيرات من خلال قنطرة العلم، بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير المعهد العالي لأصول الدين، جامعة الزيتونة 2004، ص 33.
105 (1/105)
صفحة 106
أما الآيات فقد أورد ما يربو عن العشرين آية، وفي تفسير بعضها نجده ينقل عن الغزالي الذي ينتهج التفسير الرمزي، بعيدا عما يجري به التفسير من الأخذ بالمعنى اللغوي الظاهر، ولنأخذ على سبيل المثال الآية الكريمة: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التّقوى} [الأعراف: 26]. يقول: لباسا يعني العلم، وريسا يعني اليقين، ولباس التقوى يعني الحياء (1).
و في ذكر الأحاديث نجده يبدأ بالرّوايات التي يرويها الإباضية ثم ينقل بكثرة عن الإحياء دون أن يذكر درجة الحديث، وربّما يعود ذلك إلى ثقته في رواية الغزالي للأحاديث. نذكر روايتين: عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: طلب العلم عند الله أفضل من الصلاة والصيام والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله (2). وقال: يبعث الله سبحانه العباد يوم القيامة، ثم يبعث العلماء، ثمّ يقول: يا معشر العلماء إنّي لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم» (3) (1) ينظر قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 41. إحياء علوم الدين، مصدر سابق،
ص 05.
(2) لم أجد نص الحديث في مسند الربيع بن حبيب، وفي كتب الأحاديث المشهورة، إلا رواية عند الزيدية بلفظ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مَنِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ النَّافِلَةَ، وَالْحَجّ، ???. وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ». يحيى بن الحسين الشجري، ترتيب الأمالي الخميسية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2001، ج 1، ص 80.
(3) قال العراقي في ذيل نص الإحياء حديث يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يبعث العلماء، الحديث رواه الطبراني من حديث أبي موسى بسند ضعيف. إحياء علوم الدين
مصدر سابق، ص 07.
106 (1/106)
صفحة 107
ثم يعقب الجيطالي: رواه الغزالي في كتابه (1)، وربما قال ذلك من باب أن العهدة على الراوي، وأن هذا الحديث ربما لم تستسغه خلفيته المذهبية، سيما إن لاحظنا أنّ الأحاديث الأخرى التي نقلها عن الغزالي لم يرفقها الجيطالي بهذا التنبيه.
وأما الآثار الواردة في فضل العلم نجد الجيطالي ينقل نصا مطوّلا من صفة الصفوة لابن الجوزي زيادة على ما أورده الغزالي في الإحياء بشكل مختصر، وفيه: قال كميل بن زياد، أخذ بيدي علي بن أبي طالب فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال لي: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أو عاها للخير يا كميل احفظ مني ما أقول: لك الناس ثلاثة؛ عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق .. (2) ثم يضيف من كتاب أدب الدنيا والدين، ما قاله يحيى بن خالد لابنه: يا بني عليك بكل نوع من العلم فإنّ المرء عدوّ ما جهل، وأنا أكره أن تكون عدوّ الشيء من العلم، وأنشد: تفنّن وخذ من كل عالم فإنّما يفوق امرؤ في كل فنّ له علم فأنت عدة للذي أنت جاهل و به ولعلم أنت تتقنه سلم (3)
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 47.
(2) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 49 50 إحياء علوم الدين، مصدر سابق ص 71. ابن الجوزي صفة الصفوة، دار الحديث القاهرة، 2000، ج 1، ص 123. (3) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 51. أدب الدنيا والدين، مصدر سابق، ص 41. وقد وقع خطأ في عجز البيت الثاني كما هو وارد في القناطر به وبالعلم أنت ...
107 (1/107)
صفحة 108
أما من جهة المعاني المحسوسة، فيضرب الجيطالي مثلاً يستقيه من الإحياء لكنّ الغزالي قد أورده في مسألة فقهية، وهي ورع الصالحين من تناول صيد الكلب المعلم ليبين ضرورة أن تكون العبادة صحيحة لابد من شرط العلم، فيقول: «إن الكلب المعلم قتله للصيد ذكاة له وإباحة لأكله، وغير المعلم يجيف الصيد ويفسده فيحرم أكله، وكذلك العالم العامل إنما تصح عبادته بعلمه، والجاهل لا تصح عبادته لأنه عمل بالجهل» (1). ما يلفت الانتباه أن الجيطالي لم ينقل القول الذي ختم به الغزالي هذا الباب في الإحياء: وقال الزهري رحمه الله: العلم ذكر ولا تحبه إلا ذكر ان الرجال» (2)، ولعلّ مبرر الجيطالي في ذلك أن لا فصل في الإسلام بين ذكر وأنثى في تحصيل العلم وحبّه، وفي جبل نفوسة (مسقط رأسه) عالمات جليلات؛ كان الرّجال يرجعون إليهن في الفتوى وعند شدائد الأمور.
ارتأى الجيطالي أن يقوم بتفكيك نص الإحياء وإعادة إنتاجه مبوبا ومرتبا حسبما تقتضيه الطريقة التي انتهجها، حيث نجده إضافة إلى التبويب والترتيب المحكم؛ يطعم القناطر بأشعار و حكم انتقاها من كتب التزكية الأخرى، ويضيف أقوال وحكم علماء المذهب الإباضي.
قمت بتصويبه من أدب الدنيا والدين كما هو ظاهر أعلاه.
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 54.
(2) إحياء علوم الدين مصدر سابق، ص 08. صفة الصفوة، ج 1، مصدر سابق،
ص 377.
108 (1/108)
صفحة 109
إذا أخذنا لذلك مثلا ما ورد في الباب السابع من القناطر
آداب المتعلم والمعلّم» فقد قسمه إلى فصلين: الأول في آداب المتعلّم وقسمه إلى عشرة أقسام، والثاني في وظائف ما على العالم المعلم المرشد من الآداب وقسمه إلى عشر وظائف. أمّا في الإحياء فنجد الباب الخامس تم تخصيصه «في آداب المتعلم والمعلّم وبخصوص المتعلّم وآدابه ووظائفه ففيه عشر وظائف أما في بيان وظائف المرشد المعلّم ففيه ثمان وظائف، كما ستبينه
المقارنة في الجدولين:
109 (1/109)
صفحة 110
جدول مقارنة بين الإحياء والقناطر: في ترتيب ما على المتعلم من آداب
الإحياء (الغزالي)
في آداب المتعلم
القناطر (الجيطالي)
الوظيفة الأولى: تقديم طهارة النفس عن القسم الأول: المبادرة إلى التعلم في أوّل رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف .. وقت الإمكان ..
الوظيفة الثانية: أن يقلل علائقه من القسم الثاني: أن يكون قصده في التعلم الأشغال بالدنيا ويبعد عن الأهل
والوطن.
إرادة وجه الله واتقاء الجهل عن نفسه ...
الوظيفة الثالثة: أن لا يتكبر على العلم وأن القسم الثالث: ينبغي لطالب العلم لا يتآمر على معلم بل عليه أن يلقي إليه أن يقدم أولا طهارة النفس من دناءة زمام أموره .... الأخلاق ومذموم الأوصاف ... الوظيفة الرابعة: أن يحترز الخائض في القسم الرابع: أن يقلل طالب العلم العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى علائقه من أشغال الدنيا ولا يسوف اختلاف الناس ... الوظيفة الخامسة: أن لا يدع طالب العلم القسم الخامس: أن لا يتكبر على العلم فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من وأن لا يتأمر على المعلم ....
نفسه ..
الأنواع إلا وينظر فيه الوظيفة السادسة: أن لا يخوض في فنّ القسم السادس: أن لا يدع طالب العلم من فنون العلم دفعة واحدة بل يراعي فنا من العلوم المحمودة إلا وينظر فيه .... الترتيب ويبتدئ بالأهم ... الوظيفة السابعة: أن لا يخوض في فنّ حتى القسم السابع: ينبغي على المتعلم أن يحترز يستوفي الفن الذي قبله. من مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف
الناس.
على من يعلمه ...
الوظيفة الثامنة: أن يعرف السبب الذي به القسم الثامن: أن يحذر المتعلم الإذلال يدرك أشرف الأمور. الوظيفة التاسعة: أن يكون قصد المتعلم في القسم التاسع: ينبغي لطالب العلم ألا الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة وفي يقصر في طلبه وينتهز الفرصة. المال القرب من الله سبحانه. الوظيفة العاشرة: أن يعلم نسبة العلوم إلى القسم العاشر: الشروط التي يتوفر بها
المقصد كما يؤثر المهم على غيره ..
طالب العلم وهي بالجملة عشرة.
110 (1/110)
صفحة 111
جدول مقارنة بين الإحياء والقناطر: في ترتيب ما على العالم
المعلم المرشد من آداب
الإحياء (الغزالي)
في آداب المعلم
القناطر (الجيطالي)
الوظيفة الأولى: الشفقة على المتعلمين الوظيفة الأولى: أن يكون المعلم عاملا
بعلمه أولا
وأن يجريهم مجرى بنيه الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الوظيفة الثانية: الشفقة على المتعلمين الشرع (ص) فلا يطلب على إفادة العلم ومنه أن يجريهم مجرى بنيه في التعهد أجرا ولا جزاء ولا شكورا الوظيفة الثالثة: أن لا يدع من نصح الوظيفة الثالثة: أن يقصد بتعليمه وجه المتعلم شيئاً الله، ويقتدي بصاحب الشرع (ص) ... الوظيفة الرابعة: أن يزجر المتعلّم عن الوظيفة الرابعة: النصيحة للمتعلمين سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن | والرفق بهم
ولا يصرح .. الوظيفة الخامسة: المتكفّل ببعض العلوم الوظيفة الخامسة: ينبغي للعالم أن يكون ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم له فراسة يتوسم بها أحوال تلامذته التي وراءه فيعطي كل واحد منهم مبلغ طاقته ... الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلّم على الوظيفة السادسة: ينبغي للعالم أن لا قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله يعنف متعلم ولا يحقر ناشنا ولا يستصغر
مبتدئا ..
فينقره الوظيفة السابعة: أن المتعلّم القاصر الوظيفة السابعة: أن لا يبخل بتعليم ما ينبغي أن أن يلقى إليه الجلي اللائق به يحسن ولا يمنع من إفادة ما يعلم ... الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملاً الوظيفة الثامنة: ينبغي للعالم إذا سأله بعلمه فلا يكذب قوله فعله السائل متعلما أن يجيبه وإن عاوده
مستفهما أن لا يضجر
الوظيفة التاسعة: ينبغي للعالم أن يكون أوسع صدرا وأكثرهم صبرا وأجملهم
لقاء ..
الوظيفة العاشرة: ينبغي للعالم إذا سئل أن لا يعجل بالجواب وإن كان له حافظا
111 (1/111)
صفحة 112
بعد أن أتينا على مقارنة ترتيب هذه الوظائف بين الإحياء والقناطر، يمكن أن نذكر بعض الملاحظات التي نلمحها من
خلال هذين الجدولين.
عن
قراءة الجدولين ومحتوياتهما من خلال «القناطر» و «الإحياء»: - يبدو أن الجيطالي تأثر ببديع أسلوب الغزالي في عرض وظائف المتعلم، ولأهميتها فقد أعاد ذكرها في القناطر وأبان اتفاقه معه، أمّا في وظائف المعلم فإنّه أضاف وظيفتين، وهما من الأهمية بمكان، وربما مردّ ذلك كله إلى استيعابه للعملية التربوية عن طريق ممارسته فقد كان لتجربة الجيطالي التعليمية والاجتماعية أكبر أثر في فهم الظواهر التربوية وعلاجها بمنهج علمي دقيق» (1).
- نلاحظ في الجدولين إعادة ترتيب واضحة للوظائف التي على المتعلم والمعلّم، وكذا في استبداله للفظة «الوظيفة» بـ «القسم» كما في الجدول الأول.
- في آداب المتعلّم نلاحظ جليا أن الجيطالي يحاكي منهج الفقهاء في تزكية نفس الطالب فيبدأ بتحرّي وقت الطلب، فإخلاص النية في طلب العلم، ثم التخلية والتحلية. تماما كما في شروط أداء الصلاة: أوّل الوقت، وعقد النيّة، والإخلاص .. وهنا يظهر تطعيم التصوّف بالفقه، وهي سمة بارزة في التصوّف المغاربي.
(1) الجوانب التربوية في كتاب قناطر الخيرات من خلال قنطرة العلم، مرجع سابق،
ص
95
112 (1/112)
صفحة 113
- أما في آداب المعلم، فإن الجيطالي يتحرى كون المعلم قدوة قبل كل شيء، لأنّ المتعلم أوّل ما يتعلّمه في معلمه هو ما يراه بعينه، وإذا خالف فعل العالم قوله سقطت حكمته، وامتنع الناس من قبولها، لأنّ الحكمة والعلم إنما يدركان بالبصائر، والعمل والقول يدركان بالأبصار أكثر (1).
- الملاحظ أيضا أنّ نصّ الإحياء فيما يخص تلك الوظائف أقصر من نص القناطر، وأقرب إلى الاختصار في العبارة والاقتصار في الدليل، أما في القناطر فنجد مزيدا من التفصيل والاستشهاد بما تيسر من الأدلة الشرعية والأشعار والحكم والقصص. کما نجد إضافات الجيطالي من أقوال من سبقه من الإباضية حتى يدعم أو يعارض رأيا أو مقولة في الإحياء، ومثال المعارضة ما ذكره الغزالي في الشروط التي يتوفّر بها طالب العلم، شرط الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلفة الطلب، فيعقب الجيطالي: «وقال بعض مشايخنا رحمهم الله بعكس هذا فقال إنما يتعلّم العلم مثل أبي عبيدة البغطوري الذي يبل الشعير، ويصره في طرفه، ثم يفطر عليه وعلى الخبيز وهو صائم، ولا يأكل العيش المطبوخ إلا من ليلة الجمعة إلى ليلة الجمعة الأخرى، والله أعلم» (2). ولعلّ هذا التوجيه منه إلى طالب العلم كي لا ينتظر حتى يكفي مؤونته ليشرع في طلب العلم، بل من العلماء الأفذاذ من كان يعاني الجوع وقلة ذات اليد، ومع ذلك فهو يجد
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 110. (2) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 107.
113 (1/113)
صفحة 114
ويجتهد أما فيما يورده الجيطالي ليدعم به قول الغزالي، فهو ما ذكره في ضرورة ظفر المتعلم بعالم سمح بعلمه صادق في كل كلامه، نجد الجيطالي يستشهد بقول أبي عبيدة مسلم رحمه الله (الذي يُعتبر المعلم الثاني عند الإباضية) قال: «لا يؤخذ العلم عن أربعة؛ رجل كذاب وإن كان يصدق في فتواه، ورجل مبتدع في الدين، ورجل سفيه
مشهور السفه ورجل لا يفرز مذهبه من مذهب غيره (1).
- نلاحظ من خلال وظائف المتعلم والمعلم المرشد أنّ الجيطالي كان يهتم كثيرا في القناطر بالعلاقة الأبوية الخاصة بين المعلم والمتعلّم، بل تتجاوزها إلى الصداقة القوية والمرافقة بعناية حتى تؤتي العملية التربوية أكلها، ولعلّ سرّ هذا الاهتمام يرجع إلى كون الفلسفة التربوية عند الإباضية على مر العصور تنبني على العناية بالعملية التعليمية، وفي هذا يقول محمود قنبر: «التربية اتصال وتفاعل، ويتمثل الاتصال الفيزيقي من نوعين: اتصال المتعلّمين بالمعلم واتصال المتعلمين ببعضهم البعض، كان مثل ذلك الاتصال متجسّدا في تعليم الغار، حيث تحوّل إلى بيت كبير تسكنه أسرة كبيرة، الشيخ وتلاميذه في حياة علم وتعبّد وراحة وأكل، وتقسم أوقات النهار بين تلقي الدروس والصلاة في مواقيتها، وأداء الختمة وقراءة الدول (وهي مطالعات بالنوبة أو دروس في التفسير بعد العشاء)» (2)،
(1) المصدر نفسه، ص 108.
(2) مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية، مرجع سابق، ص 161.
114 (1/114)
صفحة 115
وكما أسلفنا الذكر في سيرة الجيطالي أنه حين نزل بجربة، كان يعلم ويؤلف في المجلس الواحد، وفي هذا دلالته العميقة، فهو ينقل لنا في القناطر خبرات عملية كان يعايشها لحظة بلحظة مع تلامذته، لذلك تبدو آراؤه فيما يخص فهم ومراعاة حاجيات المتعلّم ونفسيّة المعلم؛ أكثر عقلانية وإنسانية.
المطلب الثالث: أصناف العلوم والعلماء
1 - أصناف العلوم
ينطلق الجيطالي من مسلّمة مفادها: «قد يتعلق بالدين علوم، كل علم منها فضيلة، ينبغي للمتعلم التطرف من كل علم منها مثل: علم التفسير والحديث والقراءات، وتواريخ الأخبار، و علم الغريب وأشباه ذلك. وقد يقال علوم الشريعة عشرة أنواع مزدوجات لا تصح معرفة أحدها إلا بالآخر، وإلا كان واهيا ضعيفا، وهي الكلام واللغة والنحو والقرآن، والفقه والسنة، والفرائض والضرب، وطبائع الإنسان وطبائع الأغذية من علم الطب. فمن لم يعلم ذلك ويجمع المقصود منه والمطلوب، كل عمله وقل فهمه واختل حكمه» (1)، هذه المقدمة التي بدأ بها الجيطالي مهمة جدا لبيان فكره الذي يتميز بالشمولية ووضع كل علم في سياقه و مكانته، بحيث لا تعارض بين العلوم، بل هي ضرورية للمتعلم، وإلا فعلمه كل وحكمته مختلة كما ذكر ذلك آنفا. وما نقله الجيطالي
من كتاب الإحياء عن الغزالي سيتمم هذه الرؤية.
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 131.
115 (1/115)
صفحة 116
يتفق الجيطالي مع الغزالي في تقسيم العلوم: إلى علم مفروض على الإنسان فرض عين) وينقسم إلى ثلاثة أقسام: اعتقاد وفعل وترك.
- أما علم الاعتقاد فهو علم التوحيد، ومعرفة فرائض القلب من الإخلاص والنية والتوبة وإزالة مذموم أحوال القلب. ويقابل
هذا العلم عند الإباضية علمٌ لا يَسَعُ جهله طرفة عين. - الفعل: يعني به الفرائض البدنية كالطهارة والصلاة وسائر
الشعائر. والترك: يعني به ترك المعاصي جميعها ظاهرا وباطنا. - وعند الإباضية: علم يسع جعله إلى الورود، مثل الفرائض الموسومات الأوقات. وعلم ما يسع جهله أبدا ما لم يقارف أو يتقوّل كقسمة المواريث وغير ذلك (1).
كما أن الجيطالي تأثر بالغزالي في تقسيم علم طريق الآخرة إلى
قسمين:
أحدهما علم معاملة: وهو علم بأحوال القلب، فمحموده كالصبر والخشوع والصدق وحسن الظن، ومذمومه كخوف الفقر وسخط المقدور وطلب العلوّ وحبّ الثناء.
- الثاني علم مكاشفة: وهو علم الصدّيقين والمقربين، وهو نوريظهر في القلب عند تزكيته فيرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق، ومعرفة حقيقة ذات الله وصفاته وحكمته (2).
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص 82 وما بعدها.
(2) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 131.
116 (1/116)
صفحة 117
يقول الجيطالي: في كتاب الغزالي قال اعلم أن العلم لا يذم العينه وإنّما يذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة:
- أن يكون مؤديا إلى ضرر إما بصاحبه، وإما بغيره كما يذم علم السحر والطلسمات (!).
- أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر، وذلك كعلم النجوم، فإنّه في نفسه غير مذموم لذاته (2).
- الخوض في علم لا يستقل الخائض فيه به، فإنّه مذموم في حقه كتعلّم دقيق العلوم قبل جليها وكالبحث عن أسرار الإلهية التي لا
يستقل بالوقوف على طريق بعضها إلّا الأنبياء والأولياء (3). ويعتمد الجيطالي مقولة الغزالي: «لا تكن بحاثاً عن علوم ذمّها عنهم
الشرع وزجر عنها، ولازم الاقتداء بالصّحابة رضي الله. واقتصر على اتباع السُّنّة، فالسلامة في الاتباع والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال والابتداع ( ... ) وقال عيسى عليه: السلام ما أكثر الشَّجر وليس كلّها بمثمر، وليس كلّها بطيب وما أكثر العلوم وليس كلّها بنافع» (4). ثم يورد ما ذكره الغزالي من أنّ «منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية هو تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها بالأغراض الفاسدة، إلى معانٍ غير
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص.184.
(2) المصدر نفسه، ص
188
(3) المصدر نفسه، ص 190.
(4) المصدر نفسه، ص 191. إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 31.
117 (1/117)
صفحة 118
ما كان عليه السلف الصالح والقرن الأول، وهي خمسة ألفاظ: الفقه، والعلم، والتوحيد، والتذكير، والحكمة» (1).
ونرى الجيطالي يتابع الغزالي في عتابه وتقريعه للفقهاء الذين تصرّفوا فيه لفظة الفقه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذْ خصّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى» (2)، فيتجرّدون لتفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة وأشباه ذلك من الفروع وهذا لا يحصل به إنذار ولا تخويف، بل التجرّد له على الدوام يقسي القلب وينزع منه الخشية ( ... ) كما قال الله عز وجل: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، وأراد به معاني الإيمان دون (الفتاوى (3).
وهكذا قد فعل الغزالي والجيطالي مع الألفاظ الأخرى، وقادًا حركة تصحيحية لتصفية التراث الإسلامي مما علق به من رواسب على مر القرون أفقدت وهج المعاني الدقيقة والعميقة
المصطلحات الإسلام كما كانت متداولة في العصر الأول.
ويحكي الجيطالي قصة يعضد بها معنى ما سبق؛ يقول: لما كان يحتضر إمام المذهب جابر بن زيد» دخل عليه الحسن البصري، فقال: قل لا إله إلا الله». فسكت، فأعاد عليه، فقال جابر: أنا من أهلها، ولكن نعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار. ثم قال: يا أبا سعيد: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا
(1) قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 192. (2) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 32. (3) قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 192.
118 (1/118)
صفحة 119
إيمَانُهَا} [الأنعام: 158]. فقال الحسن: ما أفقهه ولو عند الموت (1)
خلاصة الموضوع أن تلك الألفاظ والأسماء محمودة، لكن من حمل تلك الألقاب أساء إليها من حيث لم يشعر؛ باشتغالهم بمناصب ومكاسب الدنيا والانخراط في جدالات، والزهد عن المجاهدة القلبية وتزكية النفس، ولقد أجمل القول صاحب الإحياء في حق أولئك: «ففرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها واشتغلوا بها، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغاً لا يعذب الله مثلهم، بل يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله، وهم مغرورون؛ فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أنّ العلم علمان علم معاملة وعلم مكاشفة وهو العلم بالله وبصفاته المسمّى بالعادة علم المعرفة» (2). يقودنا هذا الحديث إلى ذكر أصناف العلماء عند الجيطالي والغزالي.
2 - أصناف العلماء: يستدلّ الجيطالي بوصف الله سبحانه لعلماء السوء بأكل الدنيا بالعلم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ليبينَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]، وقال في علماء الآخرة: {وَإِنَّ
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 193.
(2) إحياء علوم الدين، ج 3، ص 388.
119 (1/119)
صفحة 120
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ اللَّهَ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهُ ثَمَنًا قَلِيلا} [آل عمران: 199]. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إنّ الذي بطأنا عن علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا، ولو عملنا بما علمنا لورّث الله تعالى قلوبنا علما لا يقوم به أمثالنا. ولهذا قال بعض السلف: العلم كله دنيا،
والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص (1).
الحديث عن العلامات المميّزة بتعبير الجيطالي) أو معرفة العلامات الفارقة بتعبير الغزالي) بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، ليس ترفا بل هو من المهمات العظيمة» (2)، لذلك تابع الجيطالي الغزالي في هذا المبحث، بل توسع فيه بما يفتح عيون المعلمين والمتعلمين على حدّ سواء، ليصدقوا النية ويخلصوا في طلب العلم وتعليم العلم. فيما يأتي بيان الفرق بين الصنفين ومميزات كل منهما: - علماء الدنيا: هم علماء السوء، وهم الذين قصدهم من
العلم التنعم بالدّنيا، والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها. - علماء الآخرة: العلماء بالله سبحانه العاملين له، فهم الفائزون المقربون يوم القيامة، ولهم علامات منها: أن لا يطلب بعلمه الدنيا، فإنّ أقل درجات العلم النافع أن يدرك حقارة الدنيا وخستها. ويدرك عِظَم الآخرة ودوامها وبقاء نعيمها (3)
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 148.
(2) إحياء علوم الدين، ج 1، ص 58
(3) ينظر: قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 148.
120 (1/120)
صفحة 121
ومن علاماتهم أن يكون اهتمامهم بتعلم علم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه بقوة المراقبة وشدّة
المجاهدة ( ... ) فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف). ثم يستفيض في ذكر الآيات والأحاديث والأشعار والحكم التي تصف علماء الآخرة وتذمّ علماء الدنيا. نكتفي بهذا الشاهد، يقول الجيطالي: «اعلم أن مثل العالم مثل القاضي، وقد قال: القضاة ثلاثة قاضي قضى بالحق وهو يعلم فذلك في الجنة، وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو لا يعلم فهو في النار، وقاض قضى بغير ما أمر الله به فهو في النّار} (2).
ما يضيفه الجيطالي هنا، قول علم إباضي هو أبو سفيان محبوب في رسالة له يذكر فيها صفات أولياء الله: «أولئك الذين لا تعتريهم سامة، ولا تخترقهم رغبة، ولا ينظرون إلى الناس بعين بغية، ولا يعتقدون لها مودّة، ولا يعرجون فيها على زينة، بل ضربوا في السهم الأوفر، ولزموا الطريق الأقصد، وسلكوا الطّريق الأرشد، وهم أئمة التقى ونجوم الهدى، وأعلام الدين، ومنار الإسلام. كلامهم حكمة، وسكوتهم حجة، ومباينتهم، حسرة، ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس حياة، والاقتداء بهم نجاة. فعليك أيها الزائغ عن طريقهم، الراغب عن سبيلهم بالاتباع، فإنّه ليس الاتباع
بهم.
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 158.
(2) قال العراقي في ذيل نص الإحياء حديث القضاة ثلاثة» أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة وهو صحيح إحياء علوم الدين، ج 1، مصدر سابق، ص 64.
121 (1/121)
صفحة 122
كالابتداع، فعليك بطريق من كان بالله أعلم، وبحلاله وحرامه
منك» (1).
ثم يختم الجيطالي هذه النقول في هذا المبحث بقوله: «جمعتها من كتب علماء السلف وأكثرها من كتاب الغزالي، لأنها موافقة للقرآن، ولما مضى عليه السلف الصالح من مشايخ المسلمين رحمهم الله» (2). وفي هذا المنهج التعليمي الرباني ما فيه من إنصاف وسل سخائم الصدور بين أتباع المذاهب. وحين تقرأ الأجيال أمثال هذه العبارات التي تجسّد أرقى صور التثاقف والاستفادة العقلانية؛ فإنّ ذلك كفيل بالقضاء على النعرات الطائفية، وغلق منافذ الشيطان التي يوقع بها العداوة والبغضاء بين أبناء الدين الواحد.
مسألة في الشّطح الصوفي وفي مبحث شطحات (3) الصوفية يورد الجيطالي أكثر كلامه من كتاب الإحياء ويختم بالقول: كتبتُ أكثر هذا الباب من كتاب الغزالي، لأنه اتبع فيه فضائح علماء السوء منهم، فأحببت أن تقفوا عليها إذ كان ما ذكره موافقا للحق غير خارج عن الشّرع، وبالله التوفيق (4).
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 178 – 179.
183
(2) المصدر نفسه، ص (3) الشطح تعبير عما تشعر به النفس حينما تصبح لأول مرة في حضرة الألوهية، ويقوم إذن على عتبة الاتحاد، ويأتي نتيجة وُجد عنيف لا يستطيع صاحبه كتمانه .. فيتحدث على لسان الحق لأنه صار والحق شيئا واحدا. رفيق العجم، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مرجع سابق، ص 497.
(4) قناطر الخيرات، الجزء الأول، مصدر سابق، ص 202.
122 (1/122)
صفحة 123
لعل من المهم التأكيد على أن المحيط الذي يوجد فيه الجيطالي محيط إباضي من النادر أن نجد فيه ما كان في بيئات أخرى من هذه المستويات من التصوّف، لذلك اكتفى الجيطالي بالنقل الحرفي من كتاب الإحياء، ربما ليُحدث نوعًا من المناعة في عقول العوام وطلبة العلم إن صادف والتقوا بمثل تلك الأفكار الباطنية.
و من اللافت كذلك أن نجد الجيطالي يتورع عن ذكر «أبي يزيد البسطامي كاستثناء من جملة من حذر الغزالي من شطحاتهم؛ ولعلّ ذلك لعدم علمه بحال البسطامي، وربما أيضا لعلمه بحاله مهما يكن من أمر، فإن عدم تزكية الجيطالي للبسطامي و عدم ذكره في القناطر، هو نوع من التوقف المحمود (فالمؤمن وقاف). بإطلالة سريعة على كتاب «شطحات الصوفية» لعبد الرحمن بدوي، الذي يتحدّث عن أبي يزيد البسطامي ومقولاته في السطح، يمكن القول أن احتراز الجيطالي كان في محلّه، وحَرِيٌّ بتلك المقولات أن لا يُروّج لها في بيئة لها خصوصية التصوّف السُّنّي.
المبحث الثاني: دراسة محتوى قنطرة الإيمان ومقارنته بما في الإحياء بعد أن طفنا على عددٍ من المباحث التي تناولها الجيطالي في قنطرة العلم وقارناها بما قرّره الغزالي في الإحياء، نواصل عرض بعض المسائل العقدية ونقارن بين المدرستين الإباضية
123 (1/123)
صفحة 124
والأشعرية، من خلال قنطرة الإيمان ومبحث «قواعد العقائد». بعض الباحثين يرون أن «الجيطالي وهو يطعم قناطر الخيرات) بنفحات في علم الكلام [نجده يقوم بـ] تبني الموروث، وتقديم الإضافة، ولا غرو أن تتميز تلك الإضافة بقدر من الخصوصية احتوتها صورة المسائل الكلامية (1) وهذا ما سنكشف عنه خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: ما يوهم التشبيه في بعض صفات الله ومسلك
التأويل:
بداية، نلاحظ أن الجيطالي ينحو منحى الغزالي في المسائل المتفق فيها من التوحيد، فيعمد إلى الإيجاز كما ذكر: الفصل الأوّل يحتوي على ترجمة العقيدة، والاستدلال على وجود الله سبحانه بألفاظ وجيزة» (2)، ثم في مواطن تستدعي زة» (2)، أن يستدلّ لمذهبه في مسائل العقيدة نجده يتوسع فيما يدعم معتقده، ولهذا مبرّره كما يبدو، فصاحب القناطر مذهبه إباضي وكتابه موجّه بالدّرجة الأولى إلى أتباع المذهب، لكن ما سنلاحظه في منهج عرض معتقده هو المستوى الأخلاقي الراقي أثناء التداول المعرفي، بعيدا عن عبارات الإقصاء أو الكذب على المخالف، بل غايته تحقيق نقاش علمي
هادئ.
(1) علم الكلام عند إسماعيل الجيطالي، مرجع سابق، ص 210.
(2) قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 209
124 (1/124)
صفحة 125
ما نلاحظه كذلك في تقديم قنطرة الإيمان أن الجيطالي لم يذكر أنه سيتحدّث عن عقيدة الإباضية، في المقابل ذكر الغزالي
في الإحياء الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السُّنّة (1). يبدأ الجيطالي بذكر صفات الله سبحانه: فالله تعالى أوجب على كل عاقل سلم عقله من الآفات، أن يعتقد أن الله سبحانه إله واحد لا شريك له، قديم لا أوّل له، مستمر الوجود لا آخر له، ليس بجسم مصوّر، ولا بجوهر مقدر، ولا يماثل الأجسام ولا يتجزأ بالانقسام، منزّه عن التغيّر والانتقال، مقدّس عن الزوال، حي قادر جبار، قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا (2). ثم ينتقل إلى بيان بعض المسائل الكلامية على النحو الآتي:
نوم
- الاستواء على العرش حين نتحدّث عن وصفه تعالى بالاستواء على العرش، نقارن
بين العبارتين:
الغزالي يقول: «وأنه مُستَوِ على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده استواء منزّهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال» (3).
- الجيطالي يقول: «العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 89.
(2) ينظر: قناطر الخيرات مصدر سابق، ص 209 وما بعدها.
(3) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 90.
125 (1/125)
صفحة 126
الكبرياء ولا تتطرق إليه سمات الحدث والفناء، وهو استواء القهر والغلبة والاستيلاء» (1).
الملاحظ هنا هو الإضافة التي ذكرها الجيطالي زيادة على ما قال الغزالي: «وهو استواء القهر والغلبة والاستيلاء» والتي تفصح بجلاء عن مذهب التأويل الذي يتبناه الإباضية، ولعلنا نستفيد من توجيه فرحات الجعبيري في هذا المقام فهو يقول: والمصادر الإباضية تعارض بشدّة ما ذهب إليه المشبهة من فهم آية الاستواء حسب الظاهر اللغوي وهو الاستقرار كما أنها لا تتوقف كما فعل مالك (ومن نهج نهجه مثل أبي الحسن الأشعري)، وهو القائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة (2). فواضح إذن أن المصادر الإباضية تلتقي مع المعتزلة ومع المتأخرين من الأشاعرة (مثل أبي حامد الغزالي)
في تأويل الاستواء (3).
- رؤية الله في الآخرة: أما في مسألة رؤية الله في الآخرة، فنورد هذين النصين لنقارن: - يقول الجيطالي: «العلم بأنه تعالى منزّه عن الرؤية والإدراك بالأبصار، إذ هو مقدّس عن الجهات والأقطار، لقوله تعالى:
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 215.
(2) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، ط 2: 2004، ص 285. مع التنبيه إلى أن المقولة التي تنسب للإمام مالك؛ قد اختلف
في صحة رواية ألفاظها كما وردت أعلاه.
(3) المرجع نفسه، ص 292
126 (1/126)
صفحة 127
ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير [الأنعام: 103] فهو مدحة امتدح تعالى بها عن الإدراك بالبصر كما امتدح بقوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] عن الغفلة وحلول الآفة به من النوم والسنة. فإن قال قائل: لا تدركه الأبصار يعني في الدنيا. قيل له: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ في الدنيا، فإن حاول بينهما فرقا، لم يجد إلى ذلك سبيلا. وقد استقصينا شرح هذه الفصول والحجج عليها في كتاب: شرح قصيدة الشيخ أبي نصر رحمه الله (!).
- يقول الغزالي: العلم بأنه تعالى مع كونه منزّهاً عن الصورة والمقدار، مقدّساً عن الجهات والأقطار، مرئيّ بالأعين
والأبصار في الدار الآخرة دار القرار، لقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] ولا يرى في الدنيا تصديقاً لقوله عز وجل: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام: لَنْ تراني [الأعراف: 143]، وليت شعري كيف عرف المعتزل من صفات ربّ الأرباب ما جهله موسى عليه السلام، وكيف سأل موسى عليه السلام الرّؤية مع كونها محالاً؟ ولعلّ الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء؛ أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم. وأمّا وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال، فإن الرؤية نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم وأوضح من العلم. فإذا جاز تعلّق العلم به
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 216.
127 (1/127)
صفحة 128
وليس في جهة جاز تعلّق الرؤية به وليس بجهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم، جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن
يرى كذلك (1).
من خلال هذين النصين، نستشف في أوّل ملاحظة: النظرة إلى الآخر المختلف وكيفية مناقشة رأيه! لا نقف عند هذه
?
النقطة طويلا، فالفرق واضح بين منهج كل منهما. ما يهمنا هو سعيهما إلى التنزيه، وكلّ منهما ينطلق من مخزونه العقدي و مستوى تشبعه بمذهب التأويل، فإذا كان فرحات الجعبيري يرى عدم جواز مقارنة العلم بالرؤية، لأن السالمي يعتبر أنّ الخلاف حقيقي وليس خلافا في اللفظ كما يرى الشماخي، وأن صريح عبارة الغزالي (مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دالة على إرادة العلم بحقيقة ذاته لا بصفاته فقط، كما حمل الشّمّاخي كلام الغزالي على حسن ظن به، وأنه أراد بالرؤية زيادة علم بصفاته (2). فإن علي يحيى معمّر يعتقد أنه: إذا كانت هنالك حالة لا تؤدّي إلى التحديد أو التشبيه، وإنما هي شيء يشبه ما يقوله بعضهم من حصول كمال العلم فلا مانع من ذلك ( ... ) إنّ الإمام الغزالي يميل في أغلب كتبه إلى نفس الرؤية مطلقا، ومنطلق الجميع في الواقع هو الفرار من
التشبيه» (3).
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 108.
(2) ينظر: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مرجع سابق، ص 307.
(3) الإباضية بين الفرق الإسلامية، مرجع سابق، ص 284.
128 (1/128)
صفحة 129
المطلب الثاني: المسائل الأخروية كالميزان والصراط: نجد أن الجيطالي يعمد إلى التوسع في بعض مباحث الإحياء، فإذا كان الغزالي يمر على ذكرها مرورا سريعا في جملة أو جملتين، فإنّ الجيطالي يفصل المسألة ويورد قول الإباضية فيها إلى جانب قول الغزالي، مشفوعا بالأدلّة ومناقشتها. كما نجد الجيطالي كما يذكر الباحثون يميل أحيانا إما إلى التوفيق بين الآراء العقدية المختلفة، أو ينتهج مسلك عرض الآراء دون تخطئة أو تصويب، وسأضرب مثالين لذلك، أولهما:
1 - الصراط: يقول فيه الجيطالي: وقد ورد به القرآن فقال أصحابنا: الصراط هو طريق الإسلام، ودليله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [الشورى: 52]، واستدلوا بقول الشاعر (وقيل هو جرير):
أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم ثم يضيف: فقال مخالفونا؛ الصراط هو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر، وأحد من السيف تزل عليه أقدام الكافرين فيهوي بهم في النّار، وتثبت عليه أقدام المسلمين فيعبرون عليه على تفاوت درجاتهم، منهم من يمر كالريح وكالبرق .. (1). ولعله يشير إلى الحديث المروي عن حذيفة وفيه: «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ. قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 232.
129 (1/129)
صفحة 130
و كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرُ الرِّيح، ثُمَّ كَمَرُ الطَّيْرِ، وَشَدَّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بهِمْ أَعْمَاكُتُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلَّمْ سَلَّمْ).
(1) (
هنا يمكن أن نلحظ ملحظا مهما وهو أن الإباضية الأوائل
لتحفّظهم الشديد على الأخذ بالرّوايات الآحادية في الاعتقاد، نجدهم لا يوردون أي رواية عن الصراط في مسند «الربيع بن حبيب»، في حين نجد أن الجيطالي يبدي رأيه في المسألة قائلا: والذي عندي والله أعلم، أنّ الصّراط المذكور في القرآن على وجهين: أحدهما طريق الإسلام كما قدمنا. والثاني أنه الجسر الموضوع على متن جهنّم المرتب عليه القناطر السبع التي هي مراصد و مجالس للعباد حتى يسألوا عن السبع السؤالات المشهورة؛ هذا مشهور في كتب أصحابنا ويدلّ على هذا قوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} [الصافات: 23، 24] إذ يستحيل حمل الصّراط المذكور هاهنا على طريق الاسلام والله أعلم. فهذا ممكن في العقل لأنه ليس فيه ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله، فإنّ القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على
أن يسير الإنسان على الصراط، والله أعلم بكيفيته» (2).
ما يلاحظ في هذه الفقرة هو أنّ مسلك التوفيق قد يحلّ مشكلة الاختلاف أحيانا، سيّما إن كان التوفيق ممكنا ولا يوجد (1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم 329. (2) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 232، 233.
130 (1/130)
صفحة 131
ما يعارضه أو ينقضه. كما يبدو كذلك أنه يتورع عن الدخول في تفاصيل كيفية الصراط، مكتفيا بالإيمان به.
2 - الميزان ويورد فيه الجيطالي قوله سبحانه: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102، 103]. ثم يقول: «فقال أصحابنا ومن وافقهم: ميزان الأعمال تمييزها وتفضيلها ووزن النّيات المعتقدة لها، ودليله: {وَالْوَزْنُ وْمَئِذٍ الحَقُّ} [الأعراف: 08] فيثقل الحق يوم القيامة لصاحبه فينجو به كما ثقل على نفسه في الدنيا فتحمله، ويخف الباطل عند الوزن لصاحبه فيهلك به كما خف على نفسه في الدنيا فارتكبه، ولأن الأعمال أعراض لا تظهر للعيان فتوزن بالميزان. ويستدل بقول الشاعر:
وزن الكلام إذا نطقت وإنّما يُبدي عيوب ذوي العقول المنطق ثم يأتي على ذكر الرأي الآخر، فيقول: وقال مخالفهم، إنه ميزان على الحقيقة ذو كفتين ولسان عظمه مثل طباق السماوات والأرض، توزن فيه الأعمال» (1). ويورد قول الغزالي في الإحياء: «إنّ الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد، حتى يظهر لهم العدل في العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب» (2).
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 231.
(2) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 114 115. مع ملاحظة تنقيح الجيطالي للتركيب - المختل في الجملة أعلاه على النحو الآتي: «يحدث في صحائف الأعمال
وزناً بحسب درجاتها عند الله فتصير مقادير الأعمال معلومة للعباد».
131 (1/131)
صفحة 132
يمكن أن نخلص إلى ملاحظة مفادها أن: «الجيطالي قد
اكتفى في مسألة الميزان بذكر رأيه، والإشارة إلى رأي من خالفه دون أن يناقش الأدلة التي استدلوا بها، أو أوّلوها، أو يصدر حكما فيها، ولعلّ سكوته في هذا الموقف دلالة واضحة على عدم جواز التخطئة في هذه المسألة» (1).
المطلب الثالث ما يتعلّق بعلاقة العمل بالجزاء كالشفاعة
والخلود:
1 - الخلود في النار:
ناقش المسلمون ولا يزالون، مسألة تعلّق عمل الإنسان بالجزاء في الآخرة، هل الجزاء من جنس العمل؟ أو يخضع لمعايير غير التي نعرفها في الدنيا؟ وما مدى الإيمان بحقيقة إنفاذ الوعيد في مقابل الوفاء بالوعد؟ وهل عمومات القرآن القطعية في مسألة الجزاء، يمكن أن تخصص بمرويات حديثية، واجتهادات عقلية؟
هذه الانشغالات نجدها مبثوثة في القناطر من خلال إبراز الجيطالي لعقيدته في مقابل ما أورده الغزالي في الإحياء، ومدار الحديث حول ما يترتب على مبحث الأسماء والأحكام (الكافر، المؤمن المسلم الفاسق، الموحد)، ولنقارن بين
المقولتين:
(1) خضير بابا، واعمر الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي، جمعية التراث القرارة، ط 1: 2009، ص 358.
132 (1/132)
صفحة 133
- يقول الغزالي: الإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي، أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد، كما في حديث: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (1)، وقد اختلفوا أن هذا الحكم على ماذا يترتب وعبروا عنه بأن الإيمان، ماذا هو؟ فمن قائل: إنه مجرد العقد، ومن قائل يقول: إنّه عقد بالقلب وشهادة باللسان، ومن قائل يزيد ثالثاً وهو العمل بالأركان (2). ثم
يناقش قول المرجئة والمعتزلة ويعرض قول الأشاعرة كذلك. - أما الجيطالي فإضافة إلى سرد الأقوال التي ناقشها الغزالي بأدلتها، نجده يضيف معتقد الإباضية في الموحد الذي ارتكب كبيرة، ومات مصرا عليها، فيقول: «وقالت الإباضية ومَن وافقها هو منافق كافر كفر نعمة لا كفر شرك، وهو مخلّد في:
النار. والاحتجاج في هذا يطول، تركته طلبا للاختصار» (3). نلاحظ بأن الجيطالي مع نقله للسجال الدائر في المسألة، إلاّ حسم القول فيها ولم يستطرد
أنه
2 - مسألة الشفاعة:
و هذه المسألة تتعلّق بسابقتها، وفيها يقول الجيطالي: «الشفاعة وهي حق، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن، وهي المقام المحمود
(1) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في الكبر، من رواية أبي سعدي الخدري، رقم 1999. أبو عيسى الترمذي، سنن الترمذي، ج 4، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط 2، 1975، ص 361.
(2) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، ص 117.
(3) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 264.
133 (1/133)
صفحة 134
( ... ) والشفاعة إنّما هي للمسلمين الذين ماتوا على الطاعة ( ... ) وقال تعالى مخبرا عن أهل النار: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ تميم} [الشعراء: 100، 101] في أمثالها وكان «جابر بن زيد» رحمه الله يحلف ما لأهل الكبائر من شفاعة، وكان يقول: والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا للتائبين، وكان يقول: ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط، والشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى القواب، ولكن الشفاعة زيادة لهم في الثواب وتشريف في المنازل» (1).
وبهذه العقيدة كان الجيطالي فيما يبدو يردّ على ما ذهب إليه الغزالي في الإحياء؛ فقد أفرد في خاتمة أجزاء الكتاب؛ بابا يورد فيه كل المرويات التي تثبت الشفاعة للعصاة وترجو لهم النجاة، ويرى أن ذلك سيقع بفضل من الله في تشفيع الأنبياء والأولياء والأقارب ليخرج من النار من حق عليه العذاب. لعلّ مبرّر الجيطالي فيما ذهب إليه إضافة إلى عرض قول الإباضية في المسألة، هو سعيه للحفاظ على سلامة معتقد المسلم من التناقض، وصيانة هذا البناء الضخم الذي اجتهد الغزالي في إتقان بنائه ليُحيي به علوم الدين، وكأنّي بالجيطالي لم يستسغ أن يختم الغزالي كتابه بما
ينقض به غزله، وبما يجرى العصاة ويمنحهم الأمان.
يمكن أن نخلص بعد هذه البسطة إلى أن: «مواقف الجيطالي حول كبريات قضايا علم الكلام كالصفات ورؤية الله وخلق
(1) قناطر الخيرات، مصدر سابق، ص 264.
134 (1/134)
صفحة 135
القرآن امتداد لمكاسب سابقيه أكثر مما تعكس تجديدا في طرح تلك القضايا وتبدو الاستعارة من قاموس المصطلحات الفنية لتصوّف الغزالي ( ... ) ولا شك أن تأثير الغزالي يظهر أكثر في
کتابه قناطر الخيرات» (1).
ومن الجدير بالذكر أيضا أن نجد الجيطالي قد صفّى قنطرة الإيمان تما قد يشوبها من عقائد السياسة ومواقفها، وتصنيف المسلمين حسب تلك المواقف؛ حيث إنّ الغزالي تناول مسألة الخلافة بعد رسول الله، ومدى أحقية الإمام عليّ في الوصيّة، وما جرى بين علي ومعاوية، واشتراط القرشيّة في الإمامة، وعدالة الصحابة وغيرها من المسائل السياسية، ثم وضح مذهب أهل السُّنَّة فيها ووصم مخالفيهم بالبدعة ومختلف الألقاب المتداولة في كتب الملل والنحل، وهو ما لم ينقله الجيطالي
من الإحياء.
(1) بيير كوبرلي، مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها، تر عمار الجلاصي دار الفرقد، سوريا، ط 1: 2011 م، ص 206.
135 (1/135)
صفحة 136
[صفحة فارغة] (1/136)
صفحة 137
الخاتمة
في ختام هذا البحث، أعترف بأني لم أوف للموضوع حقه ومستحقه، فعملي كان مقتصرا على أجزاء من قنطرتي العلم والإيمان، وتبقى خمسة عشر قنطرة لمقارنتها بأبواب «إحياء علوم الدين، حتى نحصل على صورة متكاملة عن أوجه التأثير وعناصر الإضافة في كتاب «قناطر الخيرات».
سأعرض النتائج التي توصلت إليها عبر فصول البحث: - كان لكتاب إحياء علوم الدين الأثر الكبير في إضفاء اللمسة الروحية على علوم الدين بعد أن كانت مجرد تفريعات فقهية ومجادلات كلامية وتدقيقات لغوية؛ خاوية من دفقة الرّوح التي تلامس شغاف القلوب وتُحقق الصلة بالله وتدفع إلى المسارعة
في الخيرات.
- ما يتبادر إلى ذهن القارئ حين يقرأ عنوان كتاب قناطر الخيرات أنه يحوي طرق تكثير الحسنات حتى تصير قناطير مقنطرة، لكن العكس هو المقصود؛ فعُمق كلمة «قناطر» ودلالتها تكتنز معنى الانتقاء الواعي لقنطرة العبور نحو السعادة الدنيوية والنجاة في الآخرة.
137 (1/137)
صفحة 138
- خلص البحث إلى وضع كرونولوجيا للتصوف الإباضي المغاربي، حيث تتحدّد ملامحه مع أبي العباس الفرسطائي (ت: 504 هـ) في كتابه: «تبيين أفعال العباد» فقد أبدع في التصنيف بناءً على تراكم التراث الإباضي في علم الأخلاق، ثمّ يأتي أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ) وانتشار كتابه «إحياء علوم الدين» الذي أثر في الأوساط المغاربية، ويبدو ذلك جليا مع أبي يعقوب الوارجلاني (ت: 570 هـ) الذي درس في الأندلس وتأثر بالمدرسة الغزالية هناك، وكتبه تشهد على التأثر بأفكاره. ثم يأتي إسماعيل الجيطالي (ت: 750 هـ) ليقوم بإعادة إنتاج كتاب الإحياء، مضيفا إليه ما انتخبه من كتب التزكية المشهورة، وأثراه بآراء علماء المذهب الإباضي؛ حتى يقدّمه للفكر الإسلامي بصورة لا تخضع لضغط
توجه مذهبي معين أو الحواجز وهمية تمنع من الاستفادة.
في هذا البحث لم نتمكن من عقد مقارنة مطوّلة بين الكتابين القناطر والإحياء لأن ذلك يستغرق دراسة نظرية، بل بحثنا عن تأثير التصوّف الغزالي في كتاب القناطر، ولو لم يكن من فضل للجيطالي الافضل احتضان الإحياء وإعادة تحريره بأسلوبه؛ لكان حسنةٌ تُحسب له وللإباضية الذين لم يُعهد عنهم إحراق
كتب المخالفين وإتلافها أو منع تداولها.
- ما قام به الجيطالي هو ديدن المنصفين الذين يطلعون ويستفيدون من كلّ إنتاج علمي يُتاح بين أيديهم، دونما تحيّز أو إقصاء، ولو قام بذلك روّاد المذاهب والجماعات مع كتب مخالفيهم مثلما فعل الجيطالي لكان ذلك سُنَّة حسنة، ومنهج صدقٍ
138 (1/138)
صفحة 139
في الوقوف أمام موجة تكفير وتضليل الآخر، وفتحا لمجال الحوا والتعايش بين المسلمين.
- من الضروري أن نثمن ما قام به المحققان «سيد كسروي حسن» و «خلاف محمود عبد السميع» في مقدمة تحقيق كتاب قناطر الخيرات»، فلم يذكرا فيه نسبة الجيطالي إلى الإباضية، بل ذكر وه كعالم من علماء الأمة وأشادوا بمجهوده في القناطر، وبذلك قد قدما هذا العمل الجليل للساحة الإسلامية دون أي غشاوة أو خلفية مذهبية معيّنة.
- اختار الجيطالي أن يستأنس في القناطر بالأحاديث النبوية المروية في كتاب الإحياء للغزالي، وأحيانا يتحفظ من بعضها ولا ينقلها. واستأنس أيضا بالمرويات والأشعار وحكمة البلغاء وكلام الفقهاء من كتب التزكية المشهورة كأدب الدنيا والدين للماوردي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وذم الهوى لابن الجوزي. وإلى جانب ما سبق نلمس الحضور الإباضي من خلال إيراده لأحاديث من مصنفات الإباضية وما اشتهر من آرائهم وسيرهم وحكمتهم.
- مما يؤخذ أحيانا على منهج النقل الحرفي لصاحب القناطر عن الإحياء؛ هو عدم تمييز كلام الجيطالي عن كلام الغزالي، وكمثال على ذلك نجد أحد الكتاب ينقل مقولة: «فاعلم أنه من عرف الحق بالرّجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق أهله، وينسبها إلى الجيطالي، لكن عند التحقيق نجد أنّ
تعرف
قائلها هو الغزالي.
139 (1/139)
صفحة 140
- تأثر الجيطالي بالغزالي كان واضحا في الحديث عن بعض المصطلحات الصوفية التي تداولها الغزالي في الإحياء مثل:
المكاشفة، السّطح، وتقسيمات العلوم، ومقامات الأولياء. - في مسائل العقيدة نلحظ انتصار الجيطالي لمذهبه الإباضي، تماما كما انتصر الغزالي لمذهبه الأشعري، لكن البديع في الأمر أننا نلحظ عدم نقله لعبارات التجريح والتبديع، ولا طرقا للفتن السياسية وتصنيف الناس تبعا لمواقفهم منها. كما نلحظه في بعض المسائل العقدية يسلك مسلك التوفيق بين الآراء حينا،
ويكتفي حينا آخر بعرض الآراء دون تصويب أو تخطئة. أما ما يمكن ذكره بخصوص مميزات التصوف الإباضي المغاربي ما يأتي:
- التصوّف عند الإباضية هو وسيلة للقرب من الله عزّ وجل وإصلاح النفس ونفع المجتمع، فليس التصوّف مقصودا بحدّ ذاته، ولعلّ هذا ما يفسّر غياب الطَّرُقية في الأوساط الإباضية،
وعدم تميزهم بتيار صوفي معين.
- لدى الإباضية تجربة أخلاقية وروحية تتمثل في التأليف المركز غير المكثر كما في كتاب تبيين أفعال العباد» لأبي العباس الفرسطائي، ونُضج في الممارسات الصوفية كما تدلّ عليها وثيقة نظام العزابة لأبي عمار عبد الكافي، مع ملاحظة التأثر ببعض الممارسات الصوفية الأشعرية حسب المناطق التي يوجد بها الإباضية.
140 (1/140)
صفحة 141
- التركيز على الصّياغة الفقهية في الكتابات الأخلاقية، لأنّ النفوس في البيئة الإباضية جبلت على الانصياع للفقهاء الذين يعلمونهم أمور دينهم ودنياهم، ولعلّ فائدة تلك القواعد الأخلاقية المركزة أنها عمليّة، ويسهل حفظها والاستدلال بها. ما نلمسه في مصنفات الإباضية؛ أولوية الجانب العقدي وتصحيح التصورات والاكتفاء بما هو وارد في الشرع دون الانسياق مع ما قد يمليه هيجان العواطف من غموض ورمزية في الأقوال وإثارة للشبهات في العقيدة. من ثم نجد في كتب العقائد والفقه والسِّير؛ مباحث في أمراض القلوب ومداخل الشيطان وتقويم السلوك والأخلاق.
- نجد من علماء الإباضية من اختار مصطلحي السير والسلوك للدّلالة على ما يتعلق بالتصوّف.
لعل طريقة تناول مبحث أفعال العباد في القرن السادس هجري مع أبي العباس الفرسطائي؛ هو من باب تحويل اهتمام عامة الناس، من الانشغال بخلق أفعال العباد والمسائل الكلامية، إلى الاهتمام بما يصلح أعمال الإنسان ويأخذ بصاحبه إلى الجنان، فيكون بذلك كتاب تبيين أفعال العباد هو محاولة لإضفاء البعد الرّوحي على المسائل الكلامية.
- الملاحظ في الكتابات المتقدّمة أنها كانت تلتزم صياغة العبارة عقديا وفقهيا في تأصيل الأخلاق، ثم وقع الانفتاح على موروث الأحاديث التي ترويها كتب السنن والتصوف،
141 (1/141)
صفحة 142
فتوسعت التقول وتشعبت المباحث كما في كتاب قناطر الخيرات»، ثمّ في مرحلة لاحقة نلحظ عند امحمد اطفيش انخراطه في تيار التصوف المشرقي، مع محاولته لضبط هذا التصوّف بضوابط العقيدة والفقه.
- ندرة التصنيف في مجال التصوّف عند إباضية المغرب، دليل آخر يثبت أنّ الأخلاق والتصوّف عند المغاربة ينحو منحى سلوكيا عمليا وليس تنظيريا فلسفيا، ما يجعلنا نرى مثل تلك المؤلّفات على قلتها إلا أنها لا تزال تُعتبر مصادر لا يُستغنى عنها في كل بيت ومكتبة، بل إنّ المشايخ يدرسونها في المساجد، ويتخذونها منهجا دراسيا لطلبة العلم إلى يومنا هذا.
في الختام أعتبر هذا الجهد المتواضع خطوة أولى نحو استكشاف ملامح التجربة الرّوحية ومنهج التزكية وفق الرؤية الإباضية المغاربية، فهذا المجال لا يزال خصبا، والله من وراء
القصد.
142 (1/142)
صفحة 143
قائمة المصادر والمراجع
(1) القرآن الكريم، رواية حفص عن عاصم. (2) الأزدي (الربيع بن حبيب)، الجامع الصحيح. (3) النيسابوري (مسلم بن الحجاج)، المسند الصحيح. (4) الترمذي (أبو عيسى)، سنن الترمذي، ج 4، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط 2: 1975 م. (5) الشجري (يحيى بن الحسين)، ترتيب الأمالي الخميسية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2001.
6) الهمذاني (أبو شجاع)، الفردوس بمأثور الخطاب، ج 3، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 1986. 7) المتقي الهندي علاء الدين كنز العمال، ج 15، مؤسسة الرسالة، دمشق، ط 5: 1981 م.
(أ)
8) أبو زهرة (محمد)، تاريخ المذاهب الإسلامية، الجزء الأول في
السياسة والعقائد، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ط، د. ت. 9) أبو حفص عمرو بن جميع)، مقدمة التوحيد، شرح: أبو سليمان
التلاتي، تصحيح وتعليق: إبراهيم اطفيش، د. ط، د. ت. 10 أعزام (إبراهيم بابا حمو)، غصن البان في تاريخ وارجلان تح: إبراهيم بحاز وسليمان، بومعقل العالمية، غرداية، ط 1: 2013.
143 (1/143)
صفحة 144
(11) ابن خلكان (شمس الدين أحمد بن محمد)، وفيات الأعيان ج 4، دار صادر، لبنان، ط 1: 1971.
12) ابن الجوزي (أبو الفرج)، ذم الهوى، دار الكتب الإسلامية، مصر، ط 1: 1962.
13) ابن الجوزي (أبو الفرج) صفة الصفوة، دار الحديث، القاهرة، د. ط، 2000.
14 ابن فارس (أحمد)، معجم مقاييس اللغة، ج 04، دار الفكر، بيروت، د. ط، 1979.
15) أبو خليل (شوقي)، من ضيّع القرآن، دار الفکر، دمشق،
1982:2
16) اطفيش امحمد بن يوسف)، الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، نسخة من المخطوط الأصلي بمكتبة المسجد العتيق، د. ت،
العاصمة، الجزائر. 17) اطفيش (امحمد بن يوسف) هميان الزاد إلى دار المعاد، ج 4،
تح محفوظ شلبي، وزارة التراث، سلطنة عمان، د. ط، 1983. 18) اطفيش امحمد بن يوسف)، رحلة القطب، دراسة وتحقيق
يحيى حاج امحمد المطبعة العالمية، غرداية، د. ط، 2007. 19) اطفيش (امحمد بن يوسف)، شرح النيل وشفاء العليل، ج 16، مكتبة الإرشاد، جدة، ط 3: 1985. 20) الأعم (عبد الأمير)، الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحنى تطوّره الروحي، دار الأندلس، بيروت، ط 2: 1981.
21) الإدريسي (الشريف) نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، المجلد الأول، الإقليم الثالث، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، د. ط، د. ت.
144 (1/144)
صفحة 145
(ب)
22) با (عمر صالح) دراسة في الفكر الإباضي، د. ط، د. ت. (23) بحاز (إبراهيم) وآخرون، معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ج 03، جمعية التراث، القرارة، ط 1: 1999.
(24) بن نبي (
د. ط، 2002.
(مالك)، وجهة العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق،
25) بنعبد الله (عبد العزيز)، معلمة التصوف المغربي، ج 01، دار نشر المعرفة، المغرب، ط 1: 2001.
26) بن يعقوب (سالم)، آثار جزيرة جربة، بيت الغشام، مسقط،
2014:1 b
27) بن يعقوب (سالم)، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس، د. ط، 1986.
(ج)
28) الجعبيري فرحات بن علي، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة المطبعة العصرية، تونس، د. ط، 1985. 29) الجعبيري فرحات بن علي البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مكتبة الاستقامة، مسقط، ط 2: 2004
30) الجعبيري فرحات بن علي، شخصيات إباضية، مكتبة الضامري، عمان، ط 1: 2010.
31) الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى)، قناطر الخيرات، قنطرة الصلاة، تح: هيئة طلبة الشريعة بمعهد عمي سعيد، المطبعة العربية غرداية، ط 1: 1998.
32) الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى)، قناطر الخيرات قنطرتي العلم والإيمان، تح: عمرو النامي، د. ط، د. ت.
145 (1/145)
صفحة 146
33) الجيطالي (أبو طاهر إسماعيل بن موسى)، قناطر الخيرات، ج 1، تح: سيد كسروي حسن و خلاف محمود عبد السميع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2001.
(ح)
(34) الحجري (زاهر)، الإباضية في الغرب الإسلامي، مكتبة الجيل الواعد، عُمان، ط 1: 2012.
35) الحيلاتي (سليمان)، علماء جربة (رسائل الشيخ سليمان الحيلاتي)، تح محمد قوجة، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط 1: 1998.
(خ)
36) خليفات (عوض محمد)، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية وزارة التراث، سلطنة عمان، د. ط، د. ت.
37) خليفات (عوض محمد)، نشأة الحركة الإباضية، د. ط، 1978. 38) الخليلي (أحمد بن حمد)، جواهر التفسير، ج 1، مكتبة الاستقامة،
سلطنة عمان، ط 1: 1984.
(د)
39) دبوز محمد علي، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3 0، مطبعة البعث، قسنطينة، ط 1: 1978.
(ذ)
40) الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد)، سير أعلام النبلاء، ج 19، مؤسسة الرسالة، دمشق، ط 3: 1405 هـ.
(ر)
(41) الرازي زين الدين)، مختار الصحاح، تح: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، بيروت، ط 5: 1999 م.
42) روبيناتشي (روبيرتو)، العزابة، منشورات بيت الغشام، مسقط،
146
2014:1 b (1/146)
صفحة 147
43) روبيناتشي (روبيرتو) وإبراهيم الشماخي، قصور وطرق جبل نفوسة، منشورات بيت الغشام، مسقط، ط 1: 2015.
(ز)
44) زروق (أحمد)، قواعد التصوف، تح: عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط 2: 2005.
(45) الزركلي (خير الدين بن محمود)، الأعلام، ج 7، دار العلم للملايين، لبنان، ط 15: 2002.
(س)
46) ساعي (محمد نعيم)، القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، دار السلام، مصر، ط 1: 2007.
47) السبكي (تقي الدين)، طبقات الشافعية الكبرى، ج 6، دار هجر، مصر، ط 2: 1413 هـ.
48) اسماوي صالح بن عمر)، العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، الحلقة الثانية، جمعية التراث القرارة، ط 1: 2005.
(ش)
49) شهبة ابن قاضي)، طبقات الشافعية، ج 1، عالم الكتب، القاهرة، ط 1: 1407 هـ.
50) الشماخي (أحمد بن سعيد) السير، تح: أحمد بن سعود
السيابي، وزارة التراث، سلطنة عُمان، ط 2: 1992. 51) الشيخ بالحاج (بكير)، فتاوى الإمام الشيخ بيوض إبراهيم، ج 2، المطبعة العربية، غرداية، د. ط، 1988.
(b)
(52) طه (عزمي)، مدخل إلى دراسة التصوف الإسلامي، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط 1: 2015.
147 (1/147)
صفحة 148
(ع)
53) العجم (رفيق)، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي مكتبة لبنان ناشرون، ط 1: 1999.
54) العقيقي (نجيب) المستشرقون، دار المعارف، القاهرة،
1964:3 b
55) العلاف (مشهد) فلسفة الحضارة الإسلامية الرؤية الغزالية،
دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1: 2013 56 العدوي (خميس بن راشد)، التصوّف في عُمان، مدارسة مع الشيخ أحمد سعود السيابي، مكتبة الغبيراء، عُمان، ط 1: 2016.
(غ)
57) الغزالي (أبو حامد محمد بن محمد)، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، د. ط، 1982. 58) غرميني (عبد السلام)، المدارس الصوفية المغربية والأندلسية في القرن السادس هجري، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، ط 1:
2000
(ف)
59) فاغليري (لورا فيشيا)، دفاع عن الإسلام، تر: منير البعلبكي دار العلم للملايين، بيروت، ط 4: 1979.
(ق)
60) قشار (بالحاج)، عوائد ميزاب سنن لا تقاليد، ط 2: 2007. 61) قزريض (موسى بن الحاج إبراهيم)، الأوقاف بوادي مزاب تنوباوين نموذجا مشروعيتها وكيفية أدائها، ط 2: 2016
(ك)
(62) كوبرلي (بيير)، مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها، تر: عمار الجلاصي دار الفرقد، سوريا، ط 1: 2011 م.
148 (1/148)
صفحة 149
(ل)
63 ليفنسكي (تادابوش) مقالات مختارة (جزء 03)، منشورات بيت الغشام، مسقط، ط 1: 2014.
(م)
(64) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف)، كتاب السير، تح: حاج سعيد مسعود، ط 1: 1991 م.
65) معمّر (علي يحيى)، الإباضية بين الفرق الإسلامية، المطبعة العربية، غرداية، د. ط، 1987.
66) معمر (علي يحيى)، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1: 1964.
(67) الماوردي (أبو الحسن)، أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ط، 1986.
68) الملوشائي (أبو نصر فتح بن نوح)، متن النونية، تح: عمر بازين، د. ط، 1996.
(69) المرابط (جواد)، التصوف والأمير عبد القادر الحسيني
الجزائري، دار اليقظة العربية، دمشق، د. ط، 1966. 70) المحرمي (زكريا)، الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ، مكتبة الغبيراء، عُمان، د. ط، 2005. (71) مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضية وزارة الأوقاف، سلطنة عُمان، ط 1: 2008.
72) معمر (علي يحيى)، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 1: 1964.
(ن)
73) النامي (عمرو خليفة)، دراسات عن الإباضية، تر: ميخائيل خوري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1: 2001.
149 (1/149)
صفحة 150
74) ناصر (محمد)، مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، الجزائر، ط 4: 2015 م. (75) ناصر (محمد) وسلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية قسم
المشرق، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1: 2006. 76) النوفلي (أحمد)، البعد الغائب من مفهوم العمل الصالح مكتبة الغبيراء، عُمان، ط 1: 2009.
(هـ)
77) هوفمان (فاليري)، مقالات مختارة، منشورات بيت الغشام
مسقط، ط 1: 2014.
الرسائل الجامعية غير المطبوعة:
78) الباروني (سناء)، علم الكلام عند إسماعيل الجيطالي، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة، جامعة منوبة، تونس، 2003. 79) الفرسطائي (أبو العباس)، تبيين أفعال العباد، ج 1، تح: باحمد خلفاوي رابح، في إطار مذكرة التخرج لسنوات التدرّج في الشريعة الإسلامية، معهد الحياة القرارة، الجزائر، 2002.
80) القنوبية (فاطمة)، الجوانب التربوية في كتاب قناطر الخيرات من خلال قنطرة العلم، بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير، المعهد العالي لأصول الدين جامعة الزيتونة، تونس، 2004.
الرسائل الجامعية المطبوعة:
81) آل حكيم (عمر إسماعيل)، عبد العزيز الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين جمعية التراث، القرارة، ط 1: 2007 م. 82) بابا واعمر خضير بن بكير)، الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي، جمعية التراث القرارة، ط 1: 2009.
150 (1/150)
صفحة 151
83) خبزي (دليلة)، الآراء الكلامية لأبي يعقوب الوارجلاني،
مكتبة مسقط، عُمان، ط 1: 2009.
المجلات العلمية المحكمة:
84 مجلة الخطاب الصوفي، مخبر الخطاب الصوفي، جامعة الجزائر، العدد 1: 2007 م.
85) كتاب الملتقى الدولي الثاني حول: العلامة امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، إسهاماته المعرفية وامتداداته في الجزائر والعالم، ج 2، كلية الآداب واللغات بجامعة غرداية، الجزائر، نوفمبر
2014 م.
مراجع أخرى:
86) Compte rendu de la thèse «La théologie ibadite omanaise du Ie/ VIIe siècle au VIIe/XIIIe siècle» (Ecole Pratique des Hautes Etudes, Paris) soutenue publiquement par monsieur Ahmed al-Ismaili, le 17 / 04/2012: https: / /maghribadite.hypotheses.org / page / 3
87) مصطفى ابن ادريسو، محاضرة ظاهرة تعدد المنابر في وادي مزاب»، الملتقى الثاني للداعيات في وادي مزاب، 26 ديسمبر
2006 م.
151 (1/151)
صفحة 152
[صفحة فارغة] (1/152)
صفحة 153
فهرس الموضوعات
إهداء.
تقديم بقلم د. محمد تمزغين ..
المقدمة.
الفصل الأول: في التعريف بالإباضية وسيرورة حياتهم الروحية.
المبحث الأول: التعريف بالإباضية.
المطلب الأول: النشأة والتطور.
المطلب الثاني: انتقال المذهب الإباضي إلى المغرب الإسلامي المطلب الثالث: مميزات المذهب الإباضي. المبحث الثاني: مدلول التصوف عند الإباضية
المطلب الأول: التعريف بمصطلحي التزكية والتصوف ............... 42
المطلب الثاني: مدلول التصوف عند الإباضية .....
المبحث الثالث: ملامح عن طبيعة الحياة الروحية في الوسط الإباضي. 47
المطلب الأول: مرحلة الرفض والتحفّظ
المطلب الثاني: مرحلة اللقاء والمحاكاة.
المطلب الثالث: مرحلة الانخراط في التيار الصوفي .......
الفصل الثاني: ترجمة المؤلفين «الغزالي» و «الجيطالي» وكتابيها ........... 69 المبحث الأول: التعريف بكتاب إحياء علوم الدين» وصاحبه ........ 71 المطلب الأول: التعريف بشخصية أبي حامد الغزالي
153 (1/153)
صفحة 154
نسبه.
شخصيته العلمية ..
آثاره العلمية ...
المطلب الثاني: التعريف بكتاب إحياء علوم الدين:
وصف كتاب الإحياء دواعي تأليف الإحياء.
تلقي الناس لكتاب الإحياء ..
أثر الإحياء على الواقع الإباضي
المبحث الثاني: التعريف بكتاب قناطر الخيرات» وصاحبه ........... 82
المطلب الأول: التعريف بأبي طاهر إسماعيل الجيطالي
نسبه
شخصيته العلمية وآثاره.
ظروف بيئته وجهاده في الإصلاح
المطلب الثاني: التعريف بكتاب قناطر الخيرات
وصف كتاب القناطر ..
دواعي تأليف الجيطالي للقناطر ومنهجه ..
تأثير كتاب القناطر على البيئة الإباضية
الفصل الثالث: دراسة مقارنة بين «الإحياء» و «القناطر»
المبحث الأول: دراسة محتوى قنطرة العلم ومقارنته بما في كتاب الإحياء 101
المطلب الأول: العقل حقيقته وأقسامه
تعريف العقل
العقل الغريزي .....
العقل المكتسب
المطلب الثاني: في آداب المتعلم والمعلم. (1/154)
صفحة 155
بيان فضل العلم.
جدول مقارنة في ترتيب ما على المتعلّم من آداب
جدول مقارنة في ترتيب ما على المعلم من آداب
قراءة الجدولين ومحتوياتهما من خلال القناطر» و «الإحياء» ......... 112
المطلب الثالث: أصناف العلوم والعلماء.
أصناف العلوم.
أصناف العلماء
مسألة في الشطح الصوفي.
المبحث الثاني: دراسة محتوى قنطرة الإيمان ومقارنته بما في كتاب الإحياء. 123 المطلب الأول: ما يوهم التشبيه في بعض صفات الله ومسلك التأويل 124
الاستواء على العرش .... رؤية الله في الآخرة
المطلب الثاني: المسائل الأخروية كالميزان والصراط.
الصراط.
الميزان ........
المطلب الثالث: ما يتعلّق بعلاقة العمل بالجزاء كالشفاعة والخلود ... 132
الخلود في النار ...
مسألة الشفاعة.
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع. (1/155)
صفحة 156
مطبعة كدراتان
الجزائر - 2017
imprimeriecadratin@yahoo.fr (1/156)