صفحة 1
الكتاب: آثار الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في علم مصطلح الحديث
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] آثار الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش في علم مصطلح الحديث وبعض آرائه في السّنّة
من خلال كتابيه (جامع الشمل ووفاء الضمانة)
د/ قاسم حاج امحمد
قسم الحقوق
المركز الجامعي غرداية
تمهيد
يعدّ العلامة امحمد بن يوسف اطفيش من علماء الإباضية القلائل الذين تركوا آثارا ومؤلفات في السنة النبوية وعلومها، سواء في المشرق أو المغرب، والغالب فيما دونه في هذا الفن إما شرح لمصنفات السنة كحاشيته على مسند الربيع بن حبيب، وترتيبه وتعليقه على مدونة أبي غانم الخراساني، أو تجميع للأحاديث المروية في أبواب معينة، وهو ما يمكن أن نسميه الحديث الموضوعي، ومن ذلك كتابه في الرغائب والفضائل: "أجور الشهور"، الذي جمع فيه ما ورد من أحاديث وآثار في فضائل الأيام والليالي، و"السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة"، وهو كتاب في الشمائل، وكذا كتابيه اللذين نحن بصدد دراستهما وهما "جامع الشمل في حديث خاتم الرسل" و"وفاء الضمانة بأداء الأمانة"، حيث أورد فيهما ما استطاع من أحاديث من مختلف مصادر السنة في عموم أبواب الفقه والعقيدة والأخلاق، وقد خصص في كلا الكتابين حيزا أورد فيه نبذا عن مصطلح الحديث كما هو مشهور في كتب المصطلح مع بعض الإضافة لما اختص به الإباضية من آراء.
وأحاول في هذه المداخلة تقديم وصف للكتابين وعرض لموضوعاتهما، وبيان لبعض آراء الشيخ في علوم الحديث من خلال ما ورد فيهما. وفق الخطة الآتية:
- أولاً: تحقيق نسبة الكتابين إلى المؤلف.
- ثانياً: وصف النسخ المخطوطة للكتابين.
- ثالثا: وصف مضمون قسم المصطلح في الكتابين. (1/239)
صفحة 2
- رابعاَ: آراء الشيخ اطفيش في السنة من خلال الكتابين.
أولاً: تحقيق نسبة الكتابين إلى المؤلف.
لا يختلف اثنان في أنٌ صحٌة نسبة الكتابين إلى المؤلٌف ثابتة لأمرين:
- عدم وجود نسخة خطٌية أو مطبوعة تثبت خلاف ذلك، مع ما تؤكٌده الدراسات الموجودة حول الشيخ المؤلٌف التي تنسب الكتابين إليه ضمن مؤلٌفاته.
- تصريح الشيخ المؤلٌف نفسه بنسبتهما إليه، وذكرهما خلال بعض تآليفه، وأذكر موضعاً منها على سبيل المثال في تيسير التٌفسير، عند تفسير سورة الأحزاب:
قال: "وكانت كتب الحديث غير موجودة في مضاب، ورأى مالكيٌ عالم من أهل مكٌة ينسخ شرح النٌيل (للمؤلٌف) في مكٌة، ولم يجد فيه الحديث كثيراً، فأعطاني البخاري ومسلماً والترمذي وابن ماجة والنٌسائي وأبا داود، وغير ذلك، وأنا حاضر في مكٌة، فانتفعت بتلك الكتب، كما انتفعت بصحيح الربيع بن حبيب، فجمعت منها وفاء الضّمانة وجامع الشمل في حديث خير الرسل، وما خالفونا فيه أوٌلته، وإن كان هو الحقّ أبقيته وصحّحته". (1)
وعليه فالنٌسبة واضحة، وعنوان الكتابين كذلك:" جامع الشمل في حديث خاتم الرسل"، و" ووفاء الضٌمانة بأداء الأمانة".
هذا، وتوجد في مواضع من تآليفه إشارة منه إلى كتاب الجامع أو الوفاء باسم "الصحيح"، ومن ذلك قوله: "وصحّح الحاكم حديث «والذي نفسي بيده إِنه لمكتوب عند الله تبارك وتعالى في السماء السابعة: حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله»، لكن تعقب، وورد من طرق أنّ الملائكة غسلته، وصححه الحاكم، لكن تعقب، ورويت بفضل الله ورحمته في صحيحي الذي منَّ الله بِهِ عليّ مع قِلة عِلمي الذي جعلته تماماً لترتيب مسند الربيع بن حبيب وما ألحق به، ما يدل على أن تعديد فضائل حمزة عند موته جائز وأنهُ مختص بذلك عن غيره". (2)
ثانياً: وصف النسخ المخطوطة للكتابين.
لا بأس أن أورد هنا وصفا للنسخ المتوفرة للكتابين ببعض مكتبات وادي ميزاب، وإن كان جامع الشمل قد طبع طبعة معاصرة، وقد قام بتحقيقه وتخريج أحاديثه الأستاذ محمد عبد القادر عطا، وصدر الكتاب في مجلٌدين، من دار الكتاب العلمية ببيروت سنة 1887، ولكنٌه نقل قسم المصطلح دون تحقيق، وكان اعتماده على الطبعة الحجريٌة للمطبعة البارونية بالقاهرة.
كما حققه أ. عبد الرحمان عميرة وطبع في مجلد واحد، ولم يقم هو أيضا بتحقيق قسم
__________
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيٌش، تيسير التفسير، (طبعة حجريٌة). ت. ط: 1325ه.
(2) 2 - هميان الزاد إلى دار المعاد: 7/ 207. (نسخة رقمية من المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الأول). (1/240)
صفحة 3
المصطلح بطريقة وافية، وإنٌما اكتفى بالتٌرجمة لبعض الأعلام الواردة، معتمداً هو أيضاً على (1/241)
صفحة 4
الطبعة الحجريٌة.
وأما وفاء الضمانة فقد طبع طبعة حجرية في المطبعة البارونية، وطبع في سلطنة عمان طبعة عصرية، في ثمانية أجزاء.
فأما كتاب جامع الشمل، فالطبعة الحجرية المتوفرة له، والتي اعتمدها محققا الكتاب، توجد منها نسخة في مكتبة "دار إروان" بمدينة العطف، مصنٌفة ضمن الكتب الشرعيٌة، في مجلد واحد من 426 صفحة من الحجم المتوسٌط، تتضمٌن الصفحة الواحدة 25 سطراً، ويشمل قسم المصطلح 30 صفحة تقريباً (406/ 436)،
في آخر الكتاب قصيدة موجزة أشاد فيها الشيخ المؤلٌف بمعلٌمه في الفنٌ أخوه إبراهيم بن يوسف اطفيٌش، وفي أوٌل الكتاب البدء بسرد الفهرس، وفي أعلى الصٌفحة مكتوب بالصٌمغ "محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي علي"، وفي الصفحة الموالية: (هذا كتاب يسمٌى جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، تأليف الإمام العلاٌمة الشيخ محمد بن الحاج يوسف اطفيٌش نفعنا الله بعلومه والمسلمين. آمين)
وفي آخر الكتاب: (قد تمٌ طبع هذا الكتاب بإعانة الملك الوهٌاب في غرٌة شهر الله المبارك ذي الحجٌة الحرام، سنة ألف وثلاثمئة وأربعة، على ذمٌة المطبعة البارونيٌة، جعلها الله عامرة بجاه خير البريٌة, تمٌ).
ويبدو أنٌ النٌسخة المعتمدة في الطٌبعة ليست من نسخة الشيخ المؤلٌف بخطٌ يده، ذلك أنٌنا نجد في البداية: (بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام العلم العلاٌمة الحبر البحر الفهٌامة، وحيد دهره وفريد عصره الشيخ محمد بن يوسف اطفيٌش المغربي رضي الله عنه ونفعنا به آمين: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ) فلم يأت الخطاب بضمير المتكلٌم، مع ما فيه من الإطناب.
وأما "وفاء الضمانة" فله نسخة مخطوطة، أفادني بصورة طبق الأصل لها الأستاذ الفاضل أحمد بن حمٌو كرٌوم من مكتبة " آل يدٌر "ببني يزقن، والملاحظ أنٌ قسم المصطلح ورد في أوٌل الكتاب عكس كتاب الجامع، ويشمل 17 صفحة تقريباً، برقم فهرس (65)، عدد الأوراق 62، مخروم الآخر، مكتوب بخط مغربي واضح، برتقالي وبني، الأول ضمن مجموع به 314ورقة من 1 وإلى 62ظ** في وجه الجلدة الثانية: وهذه كتب زرقون محمد بن الحاج اسماعيل بن الحاج ابراهيم*** أخذ اسم " نا"، (الناسخ)، و تاريخ النسخ من الكتاب الثاني في المجموع من 173"ظ" (ظهر الورقة).
وأما الطبعة الحجرية، فتقع في ثلاثة أجزاء، والجزء الأوٌل يتضمٌن قسم المصطلح، ويشمل 25 صفحة تقريباً، وفي أوٌل الكتاب -بعد الفهرست والعنوان: (1/242)
صفحة 5
( ... فهذا كتاب في أحاديث ترويها الصحابة رضي الله عنهم، ممٌا له سند عند العلماء، ووصلنا من لدنهم، وسمٌيته وفاء الضٌمانة بأداء الأمانة)، وفي آخره: (قد تمٌ هذا الكتاب المستطاب بإعانة الملك الوهٌاب بالمطبعة البارونيٌة الكائنة بمصر المحميٌة، سنة ألف وثلاثمئة وستٌة هجريٌة على صاحبها أفضل السٌلام وأزكى التٌحيٌة، صلٌى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلٌم تسليماً كثيراً).
ويبدو أنٌ النٌسخة المعتمدة هي من خطٌ المؤلٌف لورود ( .. وسمٌيته ... )، بضمير المتكلٌم، خلافاً لمخطوطة "آل يدٌر"التي لم يرد فيها ذلك.
ثالثا: وصف مضمون قسم المصطلح في الكتابين.
لا بأس أن أسرد هنا مباحث المصطلح في كلا الكتابين للمقارنة بينهما:
1 - مباحث المصطلح في جامع الشمل:
ذكر الحديث المرسل، المنقطع والمعضل، المقطوع، الصحيح، المسلسل، الحسن، الصالح، المضعٌف، الموصول، الضعيف، المسند، المرفوع، الموقوف، الشاذ، المنكر، الغريب، المعلٌل، المعلول، الموضوع، الشاهد، المتروك، السٌماع، المستفيض، المشهور، العزيز، الفرد، المقلوب، المزوٌر، التدليس، المهمل، المعنعن، المؤنٌن، والمعلٌق، المتٌفق، المفترق، المؤتلف، المختلف، والإبهام، الاعتبار، النازل، العالي، الأثر، الخبر، المضطرب، المتواتر، النازل، المدبٌج، المصحٌف، الناسخ والمنسوخ.
2 - مباحث المصطلح في وفاء الضمانة:
الحديث الصحيح، الصالح، الضعيف، المتواتر، المضعٌف، المسند، المرفوع، الموقوف، الموصول، المرسول، المقطوع، المنقطع، المعضل، المعنعن، المؤنٌن، المعلٌق، المفرد، الشاذ، المنكر، المضطرب، الموضوع، المقلوب، المركب، المنقلب، المدبٌج، المصحٌف، الناسخ والمنسوخ، المختلف، الغريب، المعلٌل، المدلٌس، المدرج، المشهور، العالي، النازل، المسلسل.
- نلاحظ أنٌ الكتابين اشتركا في 34 عنواناً من 54 عنواناً، اختص الوفاء بـ07 عناوين من 41 عنواناً، واختصٌ الجامع بـ13 عنواناً من 46 عنواناً.
- عدم التوافق في الترتيب، ولا يظهر إن كان الشيخ المؤلٌف قد اعتمد تقسيما واضحاً للمباحث.
- لم أتمكٌن من التٌوصٌل إلى معرفة السٌابق من اللاٌحق بين الكتابين (غير تاريخ الطبع)، (1/243)
صفحة 6
ولو قلنا من باب كون الوفاء أكبر وأوسع أنٌه جاء بعد الجامع، لم يسعفنا ذلك، لأنٌا نجد في الجامع عناوين غير موجودة في الوفاء، وربٌما يفصٌل ويذكر أقوالاً في الجامع لا يذكرها في الوفاء، وكان المفروض ـإن كان الوفاء لاحقاًـ أن يكون مستوعباً لما جاء في الجامع، وهذا لم يكن. (1/244)
صفحة 7
وقد قال لي الأستاذ أحمد بن حمو كرٌوم: "في الطٌباعة: الجامع طُبِع سنة 1304، فهو أسبق من الوفاء الذي طُبِع سنة 1306/ 1889م، ... في نظري الجامع أسبق لآنٌه يعتبر تبويب الجامع الصغير للسٌيوطي، الذي أُلٌف على شكل معجم، لأنٌه هو الكتاب الوحيد الذي كان يعتمده الأصحاب (من ميزاب) أكثر، ويولون له الاهتمام، إذ وجدته في عدد من مكتبات المخطوط في وادي ميزاب، وهو يشير فيه في الأخير إلى معلٌمه لهذا الفنٌ، وهو شقيقه ح إبراهيم بن يوسف، وهذا كان في الصٌغر". (1)
لكن يبدو أنٌ هذه القرائن لا تكفي، لأنٌه لا سنة الطٌبع، ولا اعتماد كتاب قديم يدلاٌن بالقطع على قدم المخطوط في حالة المقارنة كهذه، والذي ترآى لي -والله أعلم- أنٌ الكتابين قد أُلٌفا في زمن واحد، أو على الأكثر في زمن متقارب، يقدّر بالسّنة أو السّنتين، وجمعه بالعطف بين الكتابين في نصّ التّيسير السّابق ذكره يؤيّد هذا، وتبقى سنة الطٌبع دليلاً محتملاً لأسبقيّة الجامع، والله أعلم.
- نلاحظ أنٌ المرجع الأساس للشٌيخ المؤلٌف في تدوين قسم المصطلح في كلا الكتابين، هو "إرشاد السٌاري في شرح صحيح البخاري" للقسطلاني، إذ نجد تطابقاً في مواضع منهما، يقوم الشيخ المؤلٌف بعده بالتٌعليق والتوضيح، أو إضافة قول آخر عليه، ويحرص على إبداء رأي الإباضية، وذكر بعض العلماء كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم والربيع بن حبيب وابن بركة ... إلخ.
كما اعتمد على جمع الجوامع للمحلٌى، ومقدمة ابن الصٌلاح، ومعرفة علوم الحديث للحاكم، والإرشاد للخليلي، ومقدمة شرح مسلم للنٌووي، مع التٌقريب له أيضاً. وكتب الحديث طبعاً.
رابعاَ: بعض آراء الشيخ اطفيش في السنّة من خلال الكتابين.
أورد هنا بعضا من آراء الشيخ اطفيش في علوم الحديث ومنهجه في نقد السنّة، والتي ضمّنها في كلامه عن مباحث المصطلح، وأركز فقط على ما قد يختلف فيه الإباضية عن غيرهم دون المباحث المشهورة والمتفق عليها.
1 - يجعل الشّيخ اطفيّش القرآن الكريم مقياساً لقبول وردّ الروايات، فما وافق القرآن منها فهو مقبول، وما خالفه فهو مكذوب به، يقول: "والحديث الموافق للقرآن مقبول، وكذا المُجمع عليه، ويُردّ ما خالفه؛ لأنّه مكذوب فيه عنه - صلى الله عليه وسلم -، وبعض الأحاديث بعض صحّتها تحتمل التّأويل". (2)
وعمدة الشيخ في ذلك هو حديث العرض على كتاب الله، وهو ليس موضوعاً عند
__________
(1) 3 - أستاذ مادة علوم الحديث بقسم التخصص في الشريعة، معهد عمي سعيد، غردابة.
(2) 4 - شامل الأصل والفرع، المطبعة العربية، غرداية: 1/ 09. (1/245)
صفحة 8
الإباضيّة كما يرى بعض نقاد الحديث، لوروده في مسند الرٌبيع بن حبيب مسنداً، ولأنٌ معناه هو ردٌ ما ناقض القرآن، وليس ردّ كلّ حديث ليس معناه في القرآن، (وهو الفهم الذي بسببه ردّ من ردّ هذا الحديث)، فنظرٌية العرض على كتاب الله أصل هامٌ من أصول النٌقد الحديثي لدى الإباضيٌة.
قال في وفاء الضٌمانة: "حديث «إذا روي عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله»، ليس موضوعاً كما قيل، فإنٌه جاء بسند صحيح رجاله ثقات، إلاّ أنّه من مرسل ابن عبّاس، ومرسله كالموصول: الرّبيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعنّي وما خالفه فليس عنّي» ". (1)
ثمٌ ضرب أمثلة تبيٌن ضعف بعض الأحاديث التي تخالف ما ورد في القرآن، ولم يقل المحقٌقون بوضعها، وردّ هذا الزّعم بوضع الحديث السابق ومخالفته القرآن كما في كلامه، والله أعلم.
2 - الخبر المتواتر قطعي الدلالة لقطعيٌة ثبوته، وخبر الآحاد بجميع أنواعه ظنٌي الدلالة لظنٌيٌة ثبوته، غير أنٌ الشُيخ المؤلٌف ذكر أنٌه مفيد للعلم مع القرائن، قال في الجامع: "وخبر الآحاد ما لم يستكمل عدد التٌواتر على الخلاف السٌابق فيه، وهو مظنٌة الصٌدق، أفاد العلم بالقرائن المتٌصلة أو لا، ولا يفيد إلاٌ بقرينة كنداء المنادي تحويل القبلة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ... ، والمتواتر مجزومه، ومفيد للعلم بلا قرينة متٌصلة". (2)
3 - يختلف الإباضيٌة عن المذاهب الأخرى في اعتبار أعلى الكتب صحٌة، فهم يقدٌمون مسند الإمام الرٌبيع بن حبيب على صحيحي البخاري ومسلم، لثقة رواة أحاديثه وتمام المعرفة بهم، قال في وفاء الضمانة: "وأصحٌ الأحاديث ما رواه الرٌبيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصٌحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمزيد ورع هذا السٌند.
وأمٌا كتب قومنا: فأصحها في الحديث كتاب البخاري، ثم كتاب مسلم، وقالوا أنٌهما أصحٌ من موطٌأ مالك، وقالوا: إنٌما قال الشٌافعي: ما أعلم شيئاً بعد كتاب الله أصحٌ من موطٌأ مالك، قبل وجودهما". (3)
وقال في الجامع: "أصحٌ أسانيد ابن عبٌاس - رضي الله عنه -: الرٌبيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبٌاس". (4)
وقال في مبحث علو الإسناد: "العالي خمسة (أي خمسة أنواع): المطلق: وهو القرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدد قليل بالنٌسبة إلى سند آخر يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعدد كثير، أو بالنٌسبة لمطلق الأسانيد كرواية الرٌبيع بن حبيب بالنٌسبة إلى رواية البخاري ومسلم، فإنٌها أقرب إلى رسول
__________
(1) 5 - رواه الربيع بن حبيب في المسند، رقم 40، وهو عنده في المقاطيع عن جابر بلفظ آخر: «ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان من قبلي، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني، وما خالفه فليس عني»، رقم 945.
(2) 6 - جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، المطبعة الشرقية، مطرح، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1421ه/1992م: ص 435.
(3) 7 - وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، مطبعة عمان، مسقط، نشر وزارة التراث، 1409ه/1988م: 1/ 07.
(4) 8 - جامع الشمل: ص 412. (1/246)
صفحة 9
الله منها. (1/247)
صفحة 10
والقرب من إمام من أئمة الحديث ذي صفة عالية كالحفظ والضٌبط، كالرٌبيع بن حبيب، وأبي عبيدة مسلم منٌا، وكمالك والشٌافعي من غيرنا.
والقرب بالنٌسبة لرواية أصحاب كتب الحديث المعتبرة، كالقرب من مسند الرٌبيع، ومسند البخاري ومسلم". (1)
4 - تعتبر كتب السنة كلها مصدرا لأخذ الأحاديث، إذا ما ثبتت صحتها حسب قواعد نقد الأسانيد والمتون، ولا يكتفي الشيخ اطفيش كغيره من فقهاء الإباضية بمسند الربيع وحده كمصدر للسنة، وفي ذلك يقول: "من له قوّة على الاجتهاد فلا يأخذ باجتهاد غيره، ويأخذ من كتب النّاس ما يُعتمد عليه في الاجتهاد كالحديث والآية، وهو في أخذه كواجد مسألة من كتاب". (2)
5 - أحاديث مسند الربيع تُقبل مطلقاً، أمٌا أحاديث كتب الصٌحاح والسٌنن، فإنٌه يعتبر فيها صحٌة الإسناد والمتن، وإذا وقع حديث بسند صحيح، وفي المتن ما يخالف رأي الإباضيّة (في العقائد خاصة)، فإنٌه يُؤوّل تأويلاً صادقاً إلى ما يوافق القرآن، إن كان ظاهره غير القرآن.
يقول في وفاء الضمانة: "وإذا روى قومنا حديثاً صحيحاً أثبتناه وأوّلناه تأويلاً صادقاً إلى ما يوافق القرآن إن كان ظاهره غير القرآن". (3) 11)
ومن تطبيقات ذلك توجيهه للحديث الدال على رؤية الله تعالى يوم القيامة بأن معناها تأكيد حقيقة لقاء الله تعالى لا الرؤية الحقيقية، لمخالفة هذا المعنى لمقتضى الآيات القرآنية النافية لها، ومقتضيات العقول.
قال في هميان الزاد: "دعوى جواز رؤيته يدل على جواز النقص عليه، لأن المرئي لون وجسم وحال في مكان، وله عرض، لأن لكل جسم عرضاً، وتركيباً وجهات ست، وحاجة وجريان زمان عليه، وحدوث وعجز بما بعد عنه، واحتجاب عن من لا يحضره، فللزوم ذلك يجب تأويل حديث: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر»، بمعنى أنكم ستحققون وجوده ووعده ووعيده، وتزيدون يقيناً كما تكشفون البدر، وهذا كما تعلم أشياء وتجزم بوجودها وبصفاتها ولم ترها ولم تحسها، وإذا رأيتها فلا بد أن تصفه بالمكان والجهة وتكيفه بأمر، فبطل ما يقال إنه كما نعلمه بلا مكان ولا حد ولا كيف. كذلك يبصره بلا حد ولا مكان ولا كيف، لأن الرؤية لابد فيها من تكييف وحد ومكان". (4)
وقال معلقا على حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» المروي في الصحاح والسنن: "وإِن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأَهل الكبائر، فهو والله ما أعنى القتل، والزنى،
__________
(1) 9 - جامع الشمل: ص 429.
(2) 10 - شامل الأصل والفرع: 1/ 12.
(3) 11 - وفاء الضمانة.
(4) 12 - هميان الزاد: 5/ 106. (1/248)
صفحة 11
والسحر، وما أوعد الله عليه النار". (1)
__________
(1) 13 - المصدر نفسه: 7/ 365. (1/249)
صفحة 12
ذلك أن الإباضية يعتقدون بأن الشفاعة لا يستحقها مرتكب الكبيرة المصر ولو كان مسلما، ولهم في ذلك أدلة من القرآن والسّنّة.
6 - مجال التٌصحيح والتّضعيف باق غير منقطع، لمن تأهٌل لذلك وتمرٌس، وإطلاق الحكم بالصّحّة أو الضّعف على الحديث، و الثّقة أو الوهن على الراوي أمر نسبيّ غير مجزوم ولا مطلق.
قال في الجامع والوفاء معلقا على تعريف الحديث الصحيح: "ومعنى كونه صحيحاً، أي إسناده صحيح، لا أنّه مقطوع به في نفس الأمر، لجواز خطأ الضّابط ونسيانه، نعم يُقطع به إذا تواتر". (1)
7 - الخبر المرسل مقبول بشرط أن يرويه كبار التّابعين، والأرجح لدى الشّيخ ردّ الاحتجاج بالمرسل، إن لم يوجد معه عاضد، للجهل بعدالة السّاقط.
قال في الجامع: "مرسل العدول المشهورين بالرّواية عن الثّقات أمثال سعيد بن المسيّب وجابر بن زيد، في حكم المسند، وأمّا مرسل صغار التّابعين فمردود بإطلاق، ولو مع وجود العاضد".
قال: "والصّحيح ردّ الاحتجاج بالمرسل إن لم يوجد معه عاضد، وعليه الأكثر، منهم الشّافعي، والقاضي، وأبو بكر الباقلاني، وظاهر كلام مسلم في صدر صحيحه أنّه مذهب أهل العلم بالأحاديث، وذلك للجهل بعدالة السّاقط، وإن كان صحابيا لاحتمال أن يكون ممّن طرأ له قادح، وهذا مبني على أنّ الصّحابة كغيرهم يُبحث عن حالهم وعدالتهم، وقد قيل: إنّهم عدول لا يُبحث عن حالهم".
وسبب قبول مراسيل كبار التابعين كون غالبهم لا يروي إلا عن الثقات، فإذا أسقطوا راويا فالغالب في الظن أنه ثقة مقبول الراوية، قال في الجامع: "فإن كان المرسِل لا يروِي إلاّ عن عدل، كمن عُرِف ذلك من عادته كابن المسيب، فإنّه لا يروي إلاّ عن أبي هريرة، وهو صهر أبي عبيدة، قُبِل مرسَلُه لانتفاء الجهل بعدالة السّاقط، وهو حينئذ مسند حكماً، لأنّ إسقاط العدل كذكره، فإن عُضّد بمرسل كبار التّابعين كقيس بن أبي حازم، وأبي رجاء العطاردي ... ، كان مجموع المرسل والعاضد حُجّةً عند الشافعي.
والمراد بكبار التّابعين من أكثرُ روايتهم عن الصحابة، والمراد بصغار التابعين من أكثر روايتهم عن التابعين، وأمّا مرسل صغار التّابعين فلا يُحتجّ به ولو عوضد لشدّة ضعفه كالزٌهري". (2)
__________
(1) 14 - جامع الشمل: ص 413 - 414.
(2) 15 - جامع الشمل: ص 407 - 408، وفاء الضمانة: 1/ 15. (1/250)
صفحة 13
8 - الصّحابة كلّهم عدول حتّى زمن وقوع الفتنة الكبرى، فأمّا بعدها، فإنّه يجب التّمييز، والبحث في أحوالهم لاحتمال طروء القدح فيهم، وقد صرح بذلك في الجامع قال: "الصحابة (1/251)
صفحة 14
كلهم في الولاية، لأنهم تحت الإمام العدل، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتحت الصديق والفاروق، إلا من حضر الفتن، وزل فيها ولم يتب". (1)
9 - يرى الشيخ اطفيش قبول زيادة الثقة مطلقا بناء على العدالة والضبط الظاهرين، خلافا لمذاهب بعض المحدثين، قال: "المتّصل مقدّم على المرسل والحكم به إذا استوى السّند، وكذا الرفع بالنّسبة للوقف، فزيادة الثّقة على هذا الاعتبار مقبولة مطلقاً". (2)
10 - يرى الشّيخ اطفيّش جواز رواية الحديث الضعيف والعمل به في باب الفضائل مع تحديث النٌاس بها.
قال في وفاء الضمانة: "وتساهل قوم في رواية الحديث الضّعيف في المواعظ والترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال من قراءة وصلاة وغيرهما بلا بيان لضعفه، إلاّ في صفات الله تعالى، وأحكام الحلال والحرام، كما كان النسائي يخرّج كلّ ما لم يجتمع على تركه، وكذلك أبو داود إذا لم يجد في الباب غيره، ويرجّحه على رأي الرّجال، و عن الشّعبي: (ما حدّثك عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحشّ) يعني الكنيف، وقال: (الرّأي بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلتها) ". (3)
وأضاف في الجامع: "الموضوع هو المكذوب به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويُسمّى المختلق، وتحرم روايته مع العلم به إلاّ مبيّناً، والعمل به مطلقاً، وسببه نسيان أو افتراء أو نحوه". (4)
غير أنه يرد على الشيخ بعض تآليفه التي أورد فيها أحاديث ليس لها أصل، ولكنه استجاز ذكرها لتعلقها بالنوافل، قال في وفاء الضمانة: "والوضّاعون للحديث أصناف، وأعظمهم ضرراً من انتسب إلى الزّهد فوضع احتساباً؛ ووضعت الزٌنادقة جملاً ثمّ نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحوها، والحمد لله، فذهبت الكرّاميّة والمبتدعة إلى جواز وضع الحديث في التّرغيب والتّرهيب، ومن ذلك أحاديث صلوات الأيّام واللّيالي في رمضان، وضعها بعض البغداديين لما رأوا النّاس في رمضان بلا شُغل، إذ كانوا يتركون القراءة للعلم والإقراء، ومع العلم بذلك، لا يكاد يتركها تارك والحمد لله، طمعاً في الثّواب". (5)
والشيخ يشير هنا ضمناً إلى مؤلّفه "أجور الشهور على مرّ الدّهور"، أورد فيه فضائل اللّيالي وشهور السنة الهجرية، والصلوات والأوراد المذكورة في اللّيالي من خلال أحاديث وآثار كثيرة، وتُتلى هذه النٌوافل على الناس في بعض المساجد ليقوم النّاس بأدائها، وقد ذُكر أنّ الشيخ نفسه قد تراجع عن ذلك الكتاب في بعض ما كتب، والله أعلم.
خاتمة
__________
(1) 16 - وفاء الضمانة: 3/ 406.
(2) 17 - جامع الشمل: ص 410.
(3) 18 - وفاء الضمانة: 1/ 11.
(4) 19 - جامع الشمل: ص 420.
(5) 20 - وفاء الضمانة: 1/ 11. (1/252)
صفحة 15
يمكن القول -في ختام هذا المقال- أن الشيخ اطفيش رحمه الله قد قام من خلال كتابيه (1/253)
صفحة 16
"الجامع" و"الوفاء" بجهد تأصيلي لقضية السنة ومنهج التعامل معها عند الإباضية.
وقد حاول بذلك سد الفراغ الذي لاحظه في تراثهم من هذه الناحية، إذ بيّن أن لهم منهجا وقواعد قد تتفق أو تختلف مع غيرهم في نقد السنة النبوية، إلا أن الأهم هو أن لها مكانة في التشريع والعقيدة عندهم، وأن المذهب الإباضي ليس مذهب رأي وقياس صرف كما يتبادر لأول نظرة.
والدعوة ملحة لمواصلة مثل هذا الجهد في تأصيل عقيدة وفقه الإباضية من الناحية الحديثية، ونقد ما اعتمدوه من السنة بكل إنصاف وموضوعية، وبيان وقاعد تعاملهم معها، لاسيما من حيث المتون، وفي ذلك خدمة جليلة تسدى للمذهب وللفكر الإسلامي بصفة عامة، وهو جهد يتساوق مع الاتجاه المعاصر الذي يدعو إلى ضرورة إعادة بناء قواعد نقد السنة بالنظر إلى المتن بالدرجة الأولى، وعدم الاعتماد والاعتداد فقط بالإسناد، وهو الجانب الذي كان لفقهاء وعلماء الإباضية حظ وافر منه، والله أعلم. (1/254)
صفحة 17
الهوامش: (1/256)