صفحة 1
الكتاب: آثار الشيخ محمد اطفيش في أصول الفقه
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] آثار الشيخ محمد اطفيش في أصول الفقه
أ/ زهير مسعود بابا واسماعيل
باحث-غرداية
تمهيد
غزارة النتاج الفكري للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش:
يعتبر الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش من الأعلام المجدّدين في الفقه الإباضي خلال القرنين الماضيين, كما يعتبر في عهده مرجعا للفتوى والاجتهاد عند الإباضية، حيث تعتبر آراؤه الأصولية واجتهاداته الفقهية عمدة المجتهدين من بعده، ومرجعا للدارسين للفكر الإباضي.
وقد عُرف القطب بتآليفه وإنتاجه الفكري الغزير، أمد المكتبة الإسلامية بأكثر من مائة وخمسة وثلاثين أثر. (1) إلاّ أنّ هذا لا يعد التحديد الدقيق لآثاره، إذ يمكن أن تكون أكثر من ذلك؛ بالنظر إلى كون أغلب مؤلفاته لا يزال مخطوطا، إضافة إلى أنّه كان يبعث بمؤلفاته إلى أقرانه لنسخها، فإما أن تبقى في تلك الديار، أو أن تضيع في الطريق. (2)
وأما عن المجالات التي ألف فيها القطب فهي تزيد عن خمسة وعشرين نوعا، غير أن مجال أصول الفقه يعدّ من أقل المجالات تأليفا عند القطب، حيث أنه لم يؤلف كتابا كاملا في هذا الفن سوى "فتح الله"، إضافة إلى بعض المباحث الأصولية التي بثها في ثنايا كتبه الفقهية والعقدية مثل: "شامل الأصل والفرع"، و"حاشية على رفع التراخي للتلاتي". أو التي كان يبعثها إلى بعض العلماء في شكل أجوبة عن بعض القضايا والمسائل الأصولية.
وسنحاول من خلال هذا العمل أن نعرف ببعض من هذه التآليف، وأهم المحاور التي تناولتها، وبيان منهجه في التأليف الأصولي.
وسنركّز الحديث عن مؤلفه الوحيد الذي صنفه خالصا في أصول الفقه، وهو كتاب "فتح الله"، إضافة إلى كتاب شامل الأصل والفرع الذي حوت أبوابه على بعض المباحث الأصولية، وكذا بعض الأجوبة الأصولية التي كانت ردا لأسئلة ترد عليه من أقرانه.
أولا: كتاب فتح الله: شرح مختصر العدل والإنصاف.
1 - التعريف بكتاب "فتح الله" من خلال عنوانه:
__________
(1) - ونتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، 1996م، ص480 - 497.
(2) - القطب: كشف الكرب، 1985م. 1/ 6 - 7. (1/336)
صفحة 2
من خلال عنوان كتاب "فتح الله"، نجد بأن عمل القطب كان على ثلاث كتب أصولية وهي:
أ العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف لأبي يعقوب الوارجلاني (500 - 570ه):
هو أول كتاب إباضي متكامل في أصول الفقه، ألفه صاحبه بعد عودته من الأندلس لملء الفراغ الموجود عند الإباضية في هذا الفن. سلك فيه الوارجلاني منهج المتكلمين، وكان أسلوب الكتاب أدبيا راقيا تفنن فيه المؤلّف بألفاظ قوية، وقد بالغ أحيانا في استعمال ألفاظ غريبة، وتراكيب معقدة، (1) جعلت من كتابه سفرا صعب المنال، وحملت كل من البرادي (حي في: 810ه)، والشماخي (تـ: 928ه). على وضع شرح عليه يبسطه.
ب كتاب مختصر العدل والإنصاف لأبي العباس الشماخي:
لما رأى الشماخي ضخامة كتاب العدل والإنصاف وعدم تناهي مسائله، وبطلب من بعض إخوانه، (2) حاول اختصاره فأبعد عنه المسائل الكلامية والمنطقية، وجعله خالصا في أصول الفقه، وأضاف إليه مسائل أصولية من مصنفات أخرى. فكان مختصره في عشرة أبواب مع مقدمة، وخاتمة. وقد ظهر أثر المنهج الكلامي في مختصر الشماخي من ترتيبه للمسائل ترتيبا منطقيا، إضافة إلى اهتمامه بالتعاريف، وتحديد المصطلحات. (3)
ج شرح مختصر العدل والإنصاف لأبي العباس الشماخي:
لما فرغ الشماخي من تأليف مختصر العدل والإنصاف، شعر بأن مختصره جاء مخلا، عجزت عباراته القليلة عن استيعاب معاني أصول الفقه الكثيرة، فوضع شرحا عليه يبين لفظه ومعناه ويتمم فائدته. (4) وقد حاول الإعراض عن التفصيل في المسائل الكلامية والمنطقية، بالاقتصار فيها على الشرح اللفظي، والعناية بالقضايا الأصولية الواردة في العدل والإنصاف. (5)
وبعده جاء القطب فوضع شرحا موسعا لشرح المختصر سماه "فتح الله".
2 - دواعي تأليف الكتاب:
إن الدافع الأول لتأليف القطب لهذا السفر-كغيره من المؤلفات- هو رغبته في تحمل واجب التأليف عن غيره، واعتباره عبادة، إضافة إلى دواعي أخرى يمكن إجمالها فيما يلي:
1. استجابة لطلب علماء عمان، الذين بعثوا إليه يلتمسون منه أن يؤلف لهم كتابا جامعا في أصول الفقه. (6)
__________
(1) - التواجيني: تحقيق شرح مختصر العدل، 1990م، (القسم الدراسي)، ص74.
(2) - الشماخي: شرح مختصر العدل والإنصاف، (مخ)، 1ظ.
(3) - باجو: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي، 1995م، ص160.
(4) - الشماخي: شرح مختصر العدل، (مخ)، 1ظ.
(5) - باجو: المرجع السابق، ص162.
(6) - القطب: مجموع رسائل للقطب، مكتبة القطب، أز:9/ 2، 30. (1/337)
صفحة 3
2. حاجته إلى مرجع في أصول الفقه لتدريس تلاميذه، على غرار الفنون العلمية الأخرى، فاختار القطب شرح مختصر الشماخي، وعمد إلى وضع شرح مبسط عليه يليق بتدريس المبتدئين. (1)
3 - الصورة النهائية للكتاب:
إن المتوفر حاليا من كتاب "فتح الله" هو ثلاثة أجزاء، في ثلاث نسخ، نسختين منها في مكتبة القطب في ثلاث مجلّدات متداخلة، والثالثة بمكتبة عشيرة آل خالد.
وقد تعرض القطب في هذه الأجزاء إلى شرح ستة أبواب من شرح مختصر العدل، وهي: باب المجمل والمبين، وباب الأمر والنهي، وباب الظاهر والمحكم، وباب الخاص والعام، وباب: المنطوق والمفهوم، وباب الخبر. وبقيت أربعة أبواب وهي: النسخ، والإجماع، والاجتهاد، والقياس. إضافة إلى خاتمة التعارض والترجيح.
وقد ذكر أبو إسحاق اطفيش. (1305 - 1385ه) أن الكتاب يقع في ستة أجزاء متوسطة الحجم. (2) وهو ما يعني أن النسخ المتوفرة حاليا تمثل نصف الحجم الكلي للكتاب، والباقي لا يزال مفقودا.
ومن المؤكد بأن القطب قد أكمل شرح شرح مختصر العدل، ويدل على ذلك مايلي:
1. إن القطب قال في "شرح النيل" عند حديثه عن معنى الترخيص: «وبسطت الكلام على ذلك في شرحي على شرح مختصر العدل، وهو قدر النيل أربع مرات أو أكثر». (3) فهذا تصريح من القطب عن إتمامه لهذا الكتاب، ببيان حجمه.
2. إن أبا اليقظان (1306 - 1393هـ)، في ترجمته لتلميذ القطب سليمان الباروني (1287 - 1359هـ)، ذكر بأنّ عبد الله الباروني (1236 - 1332هـ) كتب تقريظا على كتاب "فتح الله" لما أفرغ القطب من تأليفه. (4)
3. إن القطب قد أحال في أجزائه الأولى من "فتح الله"، وفي كتب أخرى إلى مباحث تقع في آخر الكتاب، أي في الأبواب المفقودة من الكتاب، وفي ذلك دلالة على أنه قد أتم الكتاب. (5)
4 - منهج القطب في ترتيب موضوعات الكتاب:
1) منهجه في شرحه لمتن الشماخي:
لقد سار القطب في شرحه وفق التقسيم والتبويب العام الذي وضعه الشماخي، فقام بتتبع
__________
(1) - دبوز: نهضة الجزائر، 1965م، ج1/ص373.
(2) - القطب: الذهب الخالص، 1998م، (مقدمة أبي إسحاق)، ص11.
(3) - القطب: شرح النيل، (مط)، 1973م، ج1/ص64.
(4) - أبو اليقظان: سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، 1956م، ج1/ص37.
(5) - القطب: فتح الله، (مخ)، 1/ 23 و، 2/ 2ظ، القنوان الدانية، 1314هـ، ص8. (1/338)
صفحة 4
الأبواب بالشرح والتفصيل، وإثرائها بالعديد من المسائل التي لم يفصّل فيها الشماخي، حتى صارت عبارات متن الشماخي عناوين لمسائل كتاب القطب. (1/339)
صفحة 5
وقد اتبع القطب في تناوله لمتن شرح المختصر المنهج التالي:
1. يورد عبارة متن الشماخي ثم يشرحها شرحا لغويا، مستفيضا في بيان الأوجه اللغوية والبيانية إن وجدت. (1) كما يقوم بتوجيه عبارة الشماخي إلى المعنى الذي أراده، ببيان وجه الإعراب الصحيح، والذي يتفق مع مقصوده. (2)
2. يضبط أقوال وآراء العلماء الواردة في متن الشرح، ويحقق في نسبتها إلى أصحابها من مظانها، وقد يصحح ما أخطأ الشماخي في نسبته. (3)
3. يعتني بتخريج الأحاديث الواردة في المتن من كتب التخريج، وذكر روايات الحديث من طرق أخرى، مع بيان درجتها، وأقوال علماء الحديث فيها.
4. يثري المسألة بإضافة تعاريف أو أقوال أو أدلة وحجج، أو غير ذلك، وقد يعمد إلى نقل نص من كتاب قد أشار الشماخي إلى أن المسألة مبسوطة فيه. (4)
5. يدرج مسائل فرعية تطرق إليها الأصوليون في مؤلفاتهم، ولم يوردها الشماخي، وذلك في آخر الفصل أو الباب، على شكل فصول، أو تنبيهات، أو فوائد، أو خاتمة، أو استدراك. (5)
6. يورد مسائل وقضايا تتعلق بالفنون العلمية الأخرى، كعلم المنطق، وعلم الكلام، واللغة، وعلم الفلك والرياضيات والطب ... ، (6) مستطردا في بيانها وشرحها، جاعلا من كتابه موسوعة علمية شاملة.
7. يحيل القارئ إلى كتبه التي ألّفها في مختلف الفنون كلّما سنحت له الفرصة. مخافة الإطالة، وبغية تعريف القارئ بكتبه وتشهيرها.
2) خصائص منهج القطب في كتابه:
أ. مآخذ منهج القطب في كتابه:
كان كتاب "فتح الله" من بواكير تآليف القطب، التي تميزت بالجمع والتدوين، وإكثار المسائل، على حساب المنهجية العلمية. (7)
لذا فقد غاب التحقيق العلميُّ في ترتيب أغلب مسائل الكتاب وعباراته، وقد تجلى ذلك فيما يلي:
1. الإطالة والاستطراد في تحليل المسائل، وإيراد الأدلة ومناقشتها، وقد يفصل في مسائل غير أصولية، ولو لم تكن لها علاقة مباشرة بالموضوع، كما هو شأن العديد من المسائل اللغوية، والكلامية للكتاب. (8)
__________
(1) - القطب: فتح الله، (مخ) 2/ 85و، 104و.
(2) - المصدر نفسه، (مخ) 1/ 90و.
(3) - المصدر نفسه، (مخ)، 1/ 92و.
(4) - المصدر نفسه، (مخ)، 1/ 35و-35ظ.
(5) - المصدر نفسه، (مخ)، 2/ 82و-83ظ، 3/ 98ظ-101ظ، 119ظ-120و.
(6) - المصدر نفسه، (مخ)، 1/ 8ظ-9ظ، 1/ 6ظ-8ظ، 27و، 39و-44و، 84و-84ظ، 2/ 53ظ-62ظ. 2/ 72و-82و.
(7) - القطب: كشف الكرب، 1985م، ج1/ص12.
(8) - من ذلك: المقولات العشر، 1/ 24ظ-26ظ، مسألة ثبوت اللغة بالقياس، 1/ 91ظ-98ظ، خطاب المعدوم، 2/ 25ظ-27و، التحسين والتقبيح العقليين، 2/ 53ظ-83ظ، عصمة الأنبياء قبل بعثتهم، 2/ 92ظ-97و، أنواع الاستفهام، 3/ 105و-108ظ. (1/340)
صفحة 6
ولعل غرضه من ذلك أن يكفي طلبته مؤونة البحث، خاصة وأن الكتاب كان مرجع (1/341)
صفحة 7
طلبته في تدريس أصول الفقه في معهده. (1)
2. تكرار المسائل، إذ نجده يتطرق إلى مسائل ومواضيع ضمن مباحث لا تشملها، وعلى غير الترتيب المعهود به عند الأصوليين، وعندما يصل إلى حيث يجب ذكرها يتعرض لها ثانية مفصلة، أو يكتفي بإيراد ما ذكره سابقا، ويشير إلى تقدم مباحث المسألة. (2)
3. كثرة النقل، والاقتباس من غيره، مع إغفال نسبة بعض الأقوال إلى أصحابها، إذ كان همه جمع ما حوته الكتب التي توفرت لديه في عصره.
وهذه سمة التأليف الأصولي المتعارف عليها عند علماء عصره، بل وحتى المتقدمين منهم، ونادرا ما تجد من يلتزم منهم بما يعرف حاليا بالمنهجية العلمية.
4. التداخل بين الموضوعات، حيث أدرج في كتابه العديد من المواضيع المتعلقة بفنون العلم التي ألف فيها، ولو لم تكن لها علاقة مباشرة بالباب أو المسألة الأصولية، وهذه هي السمة الغالبة على أكثر تآليفه، (3) ويعود ذلك إلى أنه كان يؤلف مجموعة من الكتب في آن واحد. (4)
ب. مزايا منهج القطب في كتابه:
إن ما ذكرناه آنفا من مآخذ على منهج مؤلف كتاب "فتح الله"، لا يمكن أن يحجب عنا تلك المزايا التي اتسم بها، ومن بين هذه المزايا التي وجدناها ونحن نتتبع مباحث ومسائل الكتاب نذكر ما يلي:
1. الحرص على تبسيط المسائل وتحليلها، بتحرير محل النزاع، وعرض أقوال العلماء فيها، مقرونة بأدلتها، وذكر الاعتراضات التي وجهت إليها، والمقارنة بينها، ثم ترجيح الصحيح منها بالدليل. ملتزما في ذلك الدقة والوضوح، بعيدا عن الأساليب المعقدة، تيسيرا على القارئ، خاصة طلبته المبتدئين. (5)
2. رغم النزعة الكلامية لديه، إلا أنه لم يجمد على منهج المتكلمين في عرض المسائل، بل إننا نجده يحرص على إسقاط القواعد الأصولية على المسائل الفقهية، محيلا إلى مظانها في كتبه الفقهية. (6)
3. يعرض جميع آراء المذاهب دون استثناء، محاولا توجيه أقوالهم، وحملها على أحسن وجوهها، أو التوفيق بينها إن أمكن، موظفا في ذلك عبارات لطيفة ومتسامحة، ليس فيها جرح أو تنقيص بعالم.
__________
(1) - دبوز: نهضة الجزائر، 1965م، ج1/ص373.
(2) - القطب: فتح الله، (مخ)، 2/ 9ظ، 2/ 127ظ، 3/ 104و، 3/ 104ظ، 3/ 160و.
(3) - بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في تفسير القرآن، 1989م، ص63.
(4) - أبو اليقظان: ملحق السير، ج2/ص157.
(5) - وقد يستعمل بعض الأشكال والرسوم لمزيد توضيح وبيان، ينظر: القطب: فتح الله، (مخ)، 1/ 45و-45 ظ، 79ظ، 84 ظ.
(6) - القطب: المصدر السابق، (مخ)، 2/ 106و، 134ظ، 143ظ، 3/ 147ظ. (1/342)
صفحة 8
4. له استقلالية في الرأي، فيختار ويرجح الأقوى دليلا، ولو خالف في ذلك آراء علماء مذهبه، فكثيرا ما يناقش الشماخي في تعاريفه وأسلوبه، كما يخالفه في آرائه في بعض المسائل الأصولية والكلامية. (1)
5. استطاع إدراج النصوص التي ينقلها ضمن مباحثها ومسائلها الواردة فيها، والتلفيق بينها، بحيث لا يشعر القارئ بأنها من نسج غيره، إلا بعد التحقيق والتمحيص.
ثانيا: كتاب شامل الأصل والفرع:
1 - التعريف بالكتاب وأقسامه:
هو كتاب أصولي فقهي كما يدلّ عليه العنوان، ألّفه القطب على طريقة المتقدّمين، ووضعه في متناول المبتدئين، فكانت عباراته سهلة، وأدلته واضحة. (2)
والكتاب يقع في جزأين ويشتمل على أربعة أقسام أطلق عليها لفظ الكتاب، ثلاثة منها حواها الجزء الأول، حيث خصص الكتاب الأول منه للحديث عن فضل العلم وأصناف العلماء، إضافة إلى بيان أصوله التي اعتمد عليها في الوصول إلى الأحكام الفقهية العملية، كما اشتمل على العديد من المسائل الكلامية والآراء العقدية للإباضية. أما الكتاب الثاني فقد تطرق في أبوابه الأولى إلى مسائل عقدية، ليخصص الأبواب الأخرى للحديث عن سنن الفطرة وبعض الآداب العامة. وأما الكتاب الثالث فقد كان في الطهارات وما يتصل بها كمسائل الحيض والجنائز.
أما الجزء الثاني من الكتاب فقد أفرده للكتاب الرابع الخاص بمسائل الصلاة، والذي تضمّن عشرين بابا؛ خاتمة هذه الأبواب كان حول مسألة القصر واتخاذ الوطن، وفيها توقف تأليف القطب.
والكتاب توجد منه نسخ مخطوطة بمكتبات وادي مزاب، وقد قام حفيد أخيه الأكبر أبو إسحاق بطبعه في جزأين.
2 - أهمية الكتاب:
تتجلّى أهمّية الكتاب في كون القطب ألّفه في آخر حياته بعد أن بلغ درجة الاجتهاد المطلق كما صرحّ بذلك في الكتاب بقوله: « ... وقد كنت أجتهد بالقياس على أصل إمامي، ولا أكاد أصيب إلاّ قولا يوافق ما قلت والحمد لله، ثمّ انتقلت عن هذه الدرجة إلى ما فوقها والحمد لله .. » (3) وهذا يدل على أنّ آراؤه الأصولية في كتاب شامل الأصل والفرع هي آخر ما استقرّ عليه اجتهاده الأصولي.
__________
(1) - المصدر نفسه، (مخ)، 1/ 23و-23ظ، 2/ 63ظ، 139و، 3/ 136و.
(2) - ينظر: القطب: شامل الأصل والفرع، 2006م ج1/ص2.
(3) - القطب: شامل الأصل والفرع، 2006م، ج1/ص13. (1/343)
صفحة 9
3 - المباحث الأصولية في الكتاب: (1/344)
صفحة 10
احتلت القضايا الأصولية الباب الخامس والسادس والسابع والثالث عشر والرابع عشر من الكتاب الأول.
وقد عنون الباب الخامس منه بأصول الدين ويقصد به مصادر التشريع الأصلية من قرآن وسنة وإجماع وقياس، فتحدث عن السنة كمصدر تشريعي أصلي جاحده مشرك، يقبل من أحاديثها ما وافق القرآن، وكذا ما أجمع عليه. (1)
كما بين رأيه في بعض المباحث المتعلقة بأصل الإجماع، من ذلك أنه لا يرى اعتبار العوام في انعقاد الإجماع، ولا يشترط انقراض عصر المجتهدين لانعقاده. كما صحّح حجّية الإجماع السكوتي. (2)
أما القياس فلم يقطع عذر المخالف فيه، (3) وصحح القول بحجيته، واستدل على حجيته بالقرآن والسنة وبعمل الصحابة، كما حمل الآثار الواردة عن الصحابة في إنكار القياس على القائس عند ورود النص. (4)
أما الباب السادس منه فقد خصصه لمسائل الاجتهاد والفتيا، من ذلك أنه يرى أن الحجة مع الواحد إذا كان الحق معه، وأن من بلغ درجة الاجتهاد لا يجوز له تقليد غيره، وأما غير المجتهد فلا يجوز له أن يقيس مسألة على أخرى ولو تشابهتا لأنه لا يأمن الخطأ. (5)
كما يرى أنه لا يجب الأخذ بالرخص إلا ما كان مجمعا عليه أو متعينا؛ كأكل ميتة أو لحم خنزير لاضطرار بمخمصة. (6)
وبعدها تطرق إلى مسائل حول علاقة المفتي بالمستفتي وما يجوز له إتباعه فيه، كما بين الحالات التي يقطع فيها عذر المستفتي فيما تبع فيه المفتي، وقد شدد في الأخذ بقول المخالف، (7) خلافا لما سيأتي ذكره في بعض أجوبته، وربما يعود ذلك إلى أن هذا الكتاب وجهه أساسا للمبتدئين –كما صرح بذلك-خلافا للأجوبة التي كان يراسل بها فطاحل العلماء. واختتم الباب ببيان بعض آداب المفتي. (8)
وأما الباب السابع فقد بين فيه بعض مسائل التقليد. فاعتبر قبول القول بدليل منزلة بين التقليد والاجتهاد سماها: "تقييدا". (9)
وأما الباب الثالث عشر فقد خصصه لذكر اختلاف الأصوليين في حد المحكم والمتشابه، مع التمثيل لكل منهما. ثم بين فائدة ورود المتشابه في القرآن الكريم. (10)
وفي الباب الرابع عشر تطرق إلى ذكر القواعد المتعلقة بالأمر والنهي، فذكر أن الأمر إذا
__________
(1) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص9
(2) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص9 - 10
(3) - ينظر: المصدر نفسه ج1/ص9.
(4) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص10.
(5) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص14.
(6) - ينظر: المصدر نفسه، م. ن.
(7) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص15 - 16.
(8) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص17 - 18.
(9) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص18.
(10) - ينظر: القطب: شامل الأصل والفرع، ج1/ص48 - 51. (1/345)
صفحة 11
تجرد عن قرينة فهو عنده للوجوب وللفور، وأن النهي المجرد عن القرينة للتحريم. (1)
__________
(1) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص51 - 52. (1/346)
صفحة 12
4 - منهجه في ترتيب مواضيع الكتاب:
- لم يخرج القطب عن المناهج والأساليب القديمة في هذا الكتاب على غرار أكثر تآليفه، غير أن الملاحظ في منهجه في هذا الكتاب أنه قد تطور مقارنة بكتابه شرح النيل؛ إذ تميز بالاختصار والوضوح بعد أن كان يعتمد على الجمع والتدوين. (1)
- إلى جانب تمكّنه في المذهب الإباضي، نجد القطب من خلال كتابه أنه كان مطّلعا على تراث المذاهب الأخرى اطلاعا واسعا، وكان لا يرى بأسا من الأخذ من كتب غير الإباضية، فيعرض أقوالهم بكل أمانة، وقد يرجح مذهبهم على مذهب أصحابه، فإنّه يرى أن في كل مذهب راجحا ومرجوحا. (2)
ثالثا: رسائل وأجوبة أصولية:
وتتمثل في مجموعة من الرسائل التي كانت ترد إليه من علماء ومشائخ الإباضية في ربوع العالم الإسلامي، وبخاصة منهم علماء عمان؛ إلى جانب بعض الأجوبة لعلماء أهل زوارة بليبيا. (3)
وكان لا يتوانى في الإجابة عن أي مسألة ترد إليه، لأنه يرى في ذلك تحملا لواجب الاجتهاد الكفائي عن الأمة، رغم ما كان يعاني منه من شظف العيش وارتفاع تكاليف النسخ. (4)
وقد عكف الإخوة في مؤسسة الشخ عمي سعيد مؤخرا على جمع شتات هذه الأجوبة وتحقيقها وترتيبها في سفر لتكون في متناول أيدي الباحثين والدارسين.
وفي هذا الكم الهائل من المراسلات أخذ علم الأصول نصيبه الوافر من خلال أجوبة عن بعض القضايا الأصولية والقواعد العامة، أو بعض المسائل الجزئية في دلالات الألفاظ، إضافة إلى مسائل تتعلق بأصول الاجتهاد وشروطه.
1 - أجوبة في الاجتهاد والفتوى وشروطهما:
فبين من خلال مجموعة من الرسائل شروط بلوغ درجة الاجتهاد وأنه لا يجوز لمن لم يبلغ هذه الدرجة أن يقول برأيه. كما تطرق إلى الخلاف في حكم من قال في المسألة برأيه من دون اجتهاد ووافق الحق، ورجح هلاكه مستدلا لما ذهب إليه بأدلة من القرآن والسنة والمعقول.
وفي رسالة أخرى بعثها إلى السالمي أجاز فيها لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد إن كان ممن قرأ الكتب على شيخ أن يفتي بما نص في الكتب. (5)
ويظهر لنا من خلال جواب له عما يتعيّن على المجتهد طلبه من فنون العلم عباراته
__________
(1) - أعوشت: قطب الأئمة، 1989م، ص161.
(2) - القطب: كشف الكرب، 1985م، ج1/ص93
(3) - ينظر: المصدر نفسه، 1985م، ج1/ص161 - 170، 220 - 222، 229، ج2/ص10.
(4) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص6، 8
(5) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص81 - 82، 86. (1/347)
صفحة 13
المتسامحة مع مذهب المخالف حيث يقول لسائله: «فإنه يجوز تقليد من عرف بالعلم ولم يعلم منه خيانة في العلم ولو مخالف ... » (1)
__________
(1) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص88. (1/348)
صفحة 14
وفي سؤال ورد له في حكم الأخذ بروايات قومنا وقبول الفتوى عنهم ونقل العلم من كتبهم أجاب بما يدل على سعة اطلاعة وعدم جموده على رأي مذهبه، مبينا منهجه في النقل عن الغير، فقال: « .. ولا أذكر من كلام القوم إلا ما لا بأس به ولو وجد في مذهبنا ما يخالفه، إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلف فيه، وربما رجحته على ما في المذهب لقوته بأدلة وجدتها؛ لأن القول بالحق واجب مع الحبيب والبغيض ... ». (1)
بل يرى أن يذكر ما ترجّح من أقوال الغير على أقوال المذهب ولو من دون نسبة لأصحابها حتى لا يرتاب القارئ بذكر اسم العالم، حيث يقول: «إذا كانت المسألة راجحة من مذهبهم ولو لم تذكر في مذهبنا هي حق، فذكرها بلا نسبة إليهم أولى؛ إذ تراب بذكرهم وليست باطلة. وفي القرآن {الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ} (2) وما بعد الحق إلا الضلال، والحق يقبل من كل من جاء به ولو مشركا ... » (3) ويقول: «ومن العجيب أن تكون المسألة حقا فتترك لأنها جاءت من مخالف هذا غلو واذكروا قوله تعالى في غير أهل القبلة: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} (4)». (5)
2 - في الحكم الشرعي، ودلالات الألفاظ:
ثمة أجوبة أخرى عن مسائل أصولية نذكرها من غير تفصيل منها: (6)
- في جواب له لأهل زوارة تحدث عن الواجب فيما لا يتم الواجب إلا به هل يدخل في الواجب لفظا أم التزاما، مستعرضا أقوال الأصوليين في المسألة، ومستشهدا ببعض الفروع الفقهية المخرّجة على القاعدة. (7)
- وفي جواب له عن تعريف الدليل والشرط بين فيه للسائل الفرق بين السبب والعلة، وذكر أمثلة توضيحية في فقه الأحوال الشخصية. (8)
- وفي جواب لعلماء أهل زوارة فيما ذهبوا إليه من أن النوافل مأمور بها، بين حقيقة الأمر، وساق مختلف آراء علماء الأصول في دلالة الأمر المطلق. (9)
- كما أشار في أحد أجوبته إلى حجية خبر الآحاد وتقديمه على المفاهيم عند التعارض، وأنه لا حجة لمفهوم اللقب. (10)
__________
(1) - ينظر: كشف الكرب، ج1/ص90.
(2) - يونس35
(3) - ينظر: القطب: المصدر نفسه، 1985م، ج1/ص91.
(4) - المائدة8.
(5) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص95.
(6) - ينظر غيرها في: المصدر نفسه، ج1/ص231، 235، 241.
(7) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص225 - 226.
(8) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص250 - 251.
(9) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص229 - 230.
(10) - ينظر: المصدر نفسه، ج1/ص231. (1/349)
صفحة 15
الخاتمة:
ينتمي القطب إلى المدرسة الإباضية، التي تأخر علماؤها في التدوين، إذ لم يهتموا به في القرون الأولى، وإنما وجهوا جهودهم إلى التفريع. وقد أثرى القطب المكتبة الإسلامية بكتبه النفيسة في فنون العلم المختلفة، فشكل بذلك حلقة مهمة في التجديد الفكري الإباضي، بمنهجه المتميز في التأليف، الذي واكب فيه التطور الذي شهده التأليف.
ورغم أن أصول الفقه لم يحظى بالنصيب الأوفر في هذا النتاج، إلا أن قيمة ما صنف فيه تحمل الدارسين والباحثين على توجيه جهودهم لسبر أغواره واستخراج كنوزه، خاصة إذا علمنا أن أغلب مؤلفاته لا يزال مخطوطا، مرتعا للأرضة، يترقّب اللحظة التي يخرج فيها، فيرى النور على أيدي الغيورين. (1/351)
صفحة 16
الهوامش: (1/352)