صفحة 1
الكتاب: أدب الرحلة عند القطب أطفيش
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] أدب الرحلة عند القطب أطفيَّش،
قراءة في قصيدته الحجازية أنموذجًا
أ/ يحي بن بهون حاج امحمد
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي غرداية
1 - رحلاته وأسفاره:
لما ذاع صيتُ القُطب امحمد بن يوسف أطفيَّش (و: 1236هـ/ 1820م – ت: السبت 23 ربيع الثاني 1332هـ/مارس 1914م) وبرز في المنقول والمعقول، تهافت الطلبة عليه من كل مكان، وطلب الملوك والأمراء لقائه كذلك، فأرسل إليه الكثير منهم يطلبون تشريفه بزيارة بلدانهم.
إلاَّ أنَّ اشتغاله المستمر والمتواصل بالتربية والتعليم أخذا جُلَّ وقته، فاستعاض عن الرحلات إلى الأمصار البعيدة بالمراسلات المختلفة إلى أولئك الملوك والوجهاء والأعيان، فمن خارج الجزائر راسل شخصيات من البحرين والحجاز، وعُمان ومصر وتونس وجبل نفوسة، والقُسطنطينية وبعض العواصم الأوربية، ولو جمعت تلك المراسلات لكونت مجلدات ضخمة فيها من أنواع المعارف والأخبار التاريخية فوائد كثيرة مهمة.
ومع ذلك فهو يزور مدن وادي مزاب باستمرار لإلقاء الدروس والفتوى، مثل عادة زيارته لمدينة بريان والتي غالبًا ما تكون مرَّتين في السنة في فصلي الربيع والخريف، وبسبب التضييق والحصار الذي فرضه المستعمر الفرنسي على الشيخ ومنعه من التنقل فقد اهتدى أهل بريان لاقتناء بستان باسمه، وجعل يطلب رخصة السفر إليه في الربيع لأشغال التأبير وتلقيح عراجين التمر، وفي الخريف لجني التمور وقطع العراجين، وما كان الهدف الأسمى هو لقاء أهالي بريان وإلقاء الدروس والوعظ والإفتاء لهم .. ، كما زار مدينة القرارة مرارًا.
وقد زار القطب أيضًا وارجلان (ور?لة) سنة 1320 هـ/ 1902م، فتلقاه أهلها من خارج المدينة بطلقات البارود احتفاءً بوصوله إليهم، ومكث بها أسبوعين (1).
ويعود سبب قلة رحلات القُطب كما أسلفت إلى أوضاعه الشخصية، كاشتغاله منذ سنٍّ مبكرة بالتدريس الذي تطور من حلقات إلى طبقات، وما يتطلبه ذلك من التفرُّغ والتحضير
__________
(1) - ينظر: إبراهيم بابزيز، كلمة ألقاها بمناسبة مهرجان القطب، حول رحلة هذا الأخير إلى وارجلان، أعمال المهرجان، مكتبة الحاج سعيد محمد، جمعية الشيخ أبي إسحاق لخدمة التراث غرداية، الجزائر. (1/33)
صفحة 2
الجيِّد، أضف إلى ذلك سياسة التضييق الممارسة عليه من طرف المستعمر الفرنسي وأذنابه والتي عانى من ويلاتها القُطب وطلبته الكثير، ولعل من أحقرها إجبارية طلب رخص التنقل بين قرى مزاب وخارجها وتعسف الحكام العسكريين لمزاب بمنحها.
2 - رحلاته الحجازية:
تُجمع كل المصادر التي بين أيدينا اليوم على أن القُطب أطفيَّش قد حجَّ مرَّتين في حياته أمَّا الأولى، فقد كانت حوالي سنة 1290هـ/1873م وهي التي تردد ذكرها كثيرًا في مؤلفاته، وقد مكث في مكة مُجاورًا (1) سنة كاملة، درَّس خلال وجوده هناك كتاب: "السنوسية في عقائد المالكية"، وإن كان شرح هذا الكتاب من طرف القُطب لم يصل إلينا بعد (2)، وقد دَوَّنَ عن تلك الرحلة معظم ملاحظاته ولقاءاته مع الشخصيات والعلماء، وألَّف فيها كتابه الشهير في المنطق وهو: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق" (3)، وقد كتب القُطب على وجه الورقة الأولى ما يأتي: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق، ألَّفتُهُ في مكة، ولعلماء مكة تطاول إليه، وذلك في عهد الشيوخ الشافعيين دَحلاَن ومحمد حَسِبيَ الله ورَحمَة (4)، والشيوخ الحنفيين عجمًا وعربًا، فمن العجم التركيين الشيخ محمد حقي بن علي بن إبراهيم (5) مؤلف "حزب الأبرار وحصن الأخيار" وغير ذلك، وكلهم محبُّون لي ولأموري"، وقد أعار القُطب هذا الكتاب لملك زنجبار سعيد بن علي الصقري وهذا بعد عودته من الحج ليقوم بطبعه على نفقته الخاصة، وهو ما ورد في عبارة صغيرة على جانب الورقة الأولى نفسها بخط القُطب نفسه وهي: "إلى الشيخ سعيد بن علي الصقري يطبعه ويردّه إلى مؤلفه امحمد بن الحاج يوسف مع نُسخة من مطبعة، لأنه لما يُنسخ".
أما رحلته الحجازية الثانية فقد كانت سنة 1303هـ/1886م والتي أرخ لها بأن كتب فيها "قصيدته الحجازية" وذكر فيها مسلك رحلته تلك إلى الحجاز ذهابًا وإيابًا، وأهم المدن التي نزل بها، والناس الذين اجتمع بهم في كلِّ مرحلة، وقد عاد منها مع بداية سنة 1304هـ.
أمَّا عن تاريخ الرحلة الحجازية الأولى _نقلاً من ثنايا بعض مؤلفاته_ فيقول: " .. وكتابة العلوم بالقالب (6) فإنه أحدثت سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف (1138هـ) فتشاور علماء اسطنبول بينهم مرارًا واتفقت آرائهم على جوازها، وأفتى به قاضي القضاة عبد الله أفندي وأراده السلطان أحمد الغازي، ذكره الشيخ محمد حقِّي بن علي بن إبراهيم التركي الحنفي في "منبع الحقائق" والتقيت معه في مكة عام ألف ومائتين وتسعين تقريبًا (1290هـ/1873م) وكان يُحبني ويقبّل يدي في المسجد الحرام بحضرة الناس، حتى قام عليه الناس ونبَّهوه أنَّني لست من الأشعرية، فترك ذلك خوفًا منهم مع بقاء رغبته فِيَّ .. " (7).
كما أشار إليها أيضًا في جوابه للعُقبي وهو الرّد الشهير بـ"إن لم تعرف الإباضية" إذ فيه
__________
(1) - عادة ما يلقّب الحاج الماكث في الحجاز بالمجاور لبيت الله ومن هؤولاء تلقب الزمخشري صاحب الكشّاف بهذا فيقال له "جار الله الزمخشري".
(2) - يوجد متن السنوسية نظمًا في بعض الكتب الحجرية، أمَّا شرحه من طرف القُطب فلم يصل إلينا بَعد ..
لقاء مع الحافظ الحاج سليمان بكاي، قيّم مكتبة الاستقامة، ببني يسجن، بتاريخ: 17/ 07/2007.
(3) - ويوجد هذا الكتاب مخطوطًا بمكتبة الاستقامة ببني يسجن، رقمه في الخزانة (1): 18، وفي الفهرس: 212، ويقع في 239 صفحة، قياس 27×19سم، كامل، وهو بخط القُطب أطفيَّش _رحمه الله_.
(4) - أحمد بن زِيني دحلان: (1232_1304هـ/1817 - 1886م)، فقيه مكي مؤرخ تولى الإفتاء والتدريس بمكة، وفي أيامه أنشئت أول مطبعة بمكة فطبع فيها بعض كتبه ومات بالمدينة، من تصانيفه: "الفتوحات الإسلامية". ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط11، 1995، ج1، ص130.
- ... محمد حسب الله بن سليمان المكي الشافعي فهو: (1244_1335هـ/1828_1917م)، فقيه أصولي، من آثاره: "الرياضة البديعة في أصول الدين وبعض فروع الشريعة"، وحاشية على مناسك الحج للخطيب الشربيني. ينظر: نفسه، ج6، ص152.
- ... رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الحنفي: (ت: 1303هـ/1888م)، نزيل الحرمين، باحث، عالم بالدين والمناظرة، جاور بمكة وتوفي بها، له كتب منها: "إظهار الحق"، جزآن، وهو من أفضل الكتب في موضوعه. ينظر: نفسه، ج3، ص18.
(5) - محمد حقي بن علي بن إبراهيم النازلي: (1301هـ/1884م)، فاضل متصوف من علماء "آيدين" توفي بمكة، له مؤلفات عديدة منها: "السنوحات المكية" و"تفهيم الإخوان تجويد القرآن". ينظر: السابق، ج6، ص108.
(6) - يعني بداية العمل بالطباعة الحجرية.
(7) - ينظر: القُطب أطفيَّش، الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، طح، ص240. (1/34)
صفحة 3
يقول: " .. وإن لم تعرف الإباضية فقد عرفهم الشيخ إبراهيم حقِّي العالم التُّركي المؤلف إذ خدمني في المسجد الحرام حتى حسدني أهل مكة وقد عرف أنِّي إِبَاضِيٌّ وطلب أن أعطيه حكمة في علم الجدول" (1).
إلى أن يصل إلى القول: " .. وإن لم تعرف الإباضية فقد عرفهم دَحلاَن وحَسِبي الله الشَّافِعَيان، الحاضر أحدهما في إقرائي في المسجد الحرام تأليف السنوسي في التوحيد بحواشيه وأبحاثه وشروحه لجماعة في أُبَّهةٍ عظيمة من أهل عُمان ومُضاب وأهل الجبل جبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب .. " (2).
ويقول في كتاب تعليم الرَّسم: "أمَّا المصاحف الكبار فلا تغير عن الإمام وهي كتب كبار بخط غليظ جدا متفاسح السطور والحروف، لا تحتمل الحمل إلى المحاضر والكتاب، تجعل على محامل وقد شاهدتها في المدن الكبار بتلك الصفة ككتب السلطان في مصر وفي وكالة الجاموس للإباضية قرب مسجد ابن طولون في مصر جزء منها ولم يكن في رواقهم الذي في الجامع الأزهر وهو رواق لهم عند رواق المالكية في الجامع الأزهر قريبًا من رواق السعد التفتازاني وهو مالكي لا شافعي، ولذلك تراه يشرح كتب المالكية ويحشِّي عليها كما حشَّى على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه .. " (3).
وقد وقفت بعد ذلك على وثيقة تاريخية مهمَّة وشهادة من ابن الشيخ حمزة الرِّفاعِي إمام المدينة نقلها عن والده مباشرة لبعض إخواننا المزابيين من الحُجاج عندما زاروا المدينة المنورة وأرادوا التعرف على المزيد من أخبار القُطب حينما زار البقاع المقدسة والتقى بعلماء الحجاز، فقلت لابد من نقلها للأمانة التاريخية ليحصل بعض الفائدة العلمية لمن أراد الإطلاع عليها، وليطمئن الشَّاك ويتحقق من صحة المعلومات التي ذكرها القُطب من إكرام أهل الحجاز له ولمن كان معه.
يقول كاتب الرسالة أحمد بن حمزة الرِّفاعي:
1/" .. وبعد، لقد طلب مني بعض الأفاضل الإباضية أن أكتب لهم نبذة عن زيارة العلاَّمة الجليل الإمام الحاج الشيخ محمد بن يوسف الطفيش (4) الإباضي المزابي الجزائري حينما قدِم إلى المدينة المنورة سنة 1298هـ _على ما أذكر_ لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلبَّيتُ طلبهم بما سمعته من والدي المرحوم الشيخ حمزة الرفاعي المديني وطنًا الشافعي مذهبًا، الذي ترجم عنه في رحلته الحجازية المطبوعة سنة 1333هـ فضيلة العلم يدَّر الحاج أحمد (5) قاضي الإباضية في بلاد معسكر إيالة الجزائر عمالة وهران _رحمه الله_ ..
احترام وتقدير
__________
(1) - ينظر: القُطب أطفيَّش، إن لم تعرف الإباضية، طح، ص10 و11.
(2) - ينظر: نفسه، ص11 و12.
(3) - ينظر: القُطب أطفيَّش، كتاب تعليم الرسم، طح، ص10 و11.
(4) - هو القُطب أطفيَّش امحمد بن يوسف، والرجل إن لم يعرف اسمه كاملاً فلأنه لم يدركه ولم يتصل به.
(5) - من أعيان بني يسجن بميزاب، تولَّى القضاء بها ردحاً من الزمن، شغل بعد ذلك نفس المنصب في القضاء بالمذهب الإباضي بمدينة معسكر الواقعة بالغرب الجزائري، كان له اهتمام كبير بالعلوم الشرعية واللغة العربية، وبجمع المخطوطات والنفيس من الكتب، اشترى بعضها واستنسخ الآخر، حتى كون مكتبة ثرية في مختلف الفنون، جعلها بعد ذلك حبوساً في سبيل الله، سجل رفقة صديقه الحاج بكير بن داود بزملال والحاج عيسى بن موسى كتاباً فيه تفاصيل رحلتهم إلى الحج بعنوان "التحفة البهية في الرحلة الشرقية"، تم طبعها طبعة حجرية في رجب 1332هـ/1914م، تقع في 134 صفحة، يذكر أنه توفي في الأربعينات من القرن 14هـ وفي العشرينات من القرن 20م .. معجم أعلام الإباضية، ج2، ص 80، 81. (1/35)
صفحة 4
4/ قد كان العلامة الجليل الشيخ الحاج محمد بن يوسف الطفيش _رحمه الله_ مدَّة إقامته نزيلاً ضيفًا عزيزًا مُحاطًا بحفاوة وإكرام ومن معه من الطلبة لدى والدي الراحل في دارنا بباب المجيدي لقربها من المسجد النبوي الشريف الذي كانت قديمًا نُزلاً لجميع حجاج الإباضية من ميزاب وذلك قبل أن تكون لهم دار وقف لسكناهم بالمدينة المنورة على سكانها أفضل الصلاة وأتم السلام.
* ملحوظة *
قد طلب الشيخ الحاج محمد بن يوسف الطفيش من والدي أن يُلقي درسًا تبرُّكًا من تفسير القرآن العظيم في المسجد النبوي الشريف، وبما أن القاعدة الجارية المتبعة في عهد حكومة الدولة العثمانية هو أنه لا يسوغ لأي عالم يَقدُم من الخارج أن يلقي درسًا في المسجد النبوي الشريف إلاَّ بعد صدور الإذن له من مُفتي المدينة المنورة حينذاك، فذهب والدي منفردًا لفضيلة مُفتي المدينة المنورة العلامة الجليل الشيخ محمد بالي المدني الحنفي _رحمه الله_ لطلب الإذن لضيفه الشيخ محمد بن يوسف الطفيش السالف الذكر، فكان سؤال الشيخ المفتي لوالدي ما هو مذهب ضيفكم؟ فكان جواب والدي: مذهبه إباضي، فأجاب الشيخ المفتي لوالدي: لا يسوغ لأي عالم يأتي من الخارج مذهبه خارجًا عن المذاهب الأربعة أن يدرِّس في المسجد النبوي الشريف كما هو الجاري والمعتاد.
فأجاب والدي _رحمه الله_ للشيخ المفتي: عندي ملحوظة وهي إذا استحسن نظر فضيلتكم عيِّنوا خلف درسه عُلماء، فإذا ظهر منه في درسه ما يخالف الكتاب والسنة، يَمنعوه حالاً، فوافق المفتي على طلب والدي وأذِنَ للشيخ الطفيش المذكور بالتدريس في المسجد النبوي الشريف، فابتدأ الشيخ الطفيش بتفسير آخر بتفسير آخر سورة البقرة الشريفة، "لله ما في السماوات والأرض" إلى آخر السورة فابتدأ ساعة واحدة في اليوم الأول وساعة واحدة في اليوم الثاني وساعة واحدة في اليوم الثالث وختمها بالدعاء للإسلام والمسلمين، ولم يعترض عليه أحد من العلماء لمنعه، وكان موضوع درسه بالقرب من الموضع الذي يصعد إليه المؤذن ليبلغ إقامة الصلاة للمسلمين".
هذا ما سمعته من والدي -رحمه الله- يقول محرره: ما أسعدها من رحلة من حرم إلى حرم، بقلم أحمد بن حمزة الرِّفاعي المدني وطنًا الشافعي مذهبًا، خادم خدام الحرم النبوي الشريف ومنبره -عفى الله عنه-" (1)، تمت الرسالة.
هذا فيما يتعلق بالرحلة الأولى، ونلاحظ تنوع أحداثها العلمية خاصة وانتشارها في عديد
__________
(1) - رسالة من الشيخ أحمد بن حمزة الرفاعي إلى قاضي الجماعة الإباضية في أيالة مُعسكر عمالة وهران، 3 صفحات، نسخة مصورة بحوزة الباحث. (1/36)
صفحة 5
الكتب، أمَّا الثانية فقد كثر الحديث عنها حتى تضارب بعضه، خاصة فيما يتعلق بالأسباب الداعية إليها والوفد المرافق له وتفاصيل الرحلة وغيرها .. ، ذلك لأن القُطب _رحمه الله_ لم يفصل كثيرًا (1/37)
صفحة 6
في قصيدته ولم يترك آثارًا نثرية تدل عليها مثلما فعل في الأولى، ولعل ملاحظاته النثرية عنها قد ضاعت مع عوادي الزمن، إلاَّ أنَّ المميز لرحلته الثانية تلك هو ما سجله من الملاحظات التي وردت في ثنايا قصيدته الحجازية المتطاولة، وهو أصدق تعبير وأدق دليل يمكن أن نعلق عليه فنتثبت بذلك صحته.3 - رحلته الثانية من خلال "قصيدته الحجازية":
تذكر معظم المصادر الشفوية المعتمدة أن من أهم بواعث رحلة القطب الثانية إلى الحجاز هو: تصحيحه للمفهوم الخاطئ الذي ساد مزاب ردحًا من الزمن، والذي كان يقضي بعدم السماح للمرأة بالسفر خارج مزاب إلاَّ لضرورة قُصوى مُلحة كالعلاج مثلاً، أمَّا ما سوى ذلك فلا، حتى أُسقِطَ بسبب ذلك الركن الخامس في الإسلام وهو الحج، طيلة عقود من الزمن.
وللإشارة فإن هذه الظاهرة لم تكن بعيدة عن زمن القطب فقد ذكر قبله بعقود قليلة الشيخ إبراهيم بن بِحمان الثميني اليَسجني (1) هذه الظاهرة التي عرفها عصره بمزاب وما حولها، وقد أرجعها إلى تشبُّث الناس بعَرَضِ الحياة الدنيا ونقص الوازع الديني عندهم، فاضحًا تحجُّجَهم وتستُّرهم بانعدام الأمن في الطريق، قائلاً: " .. هذا وإن الناس قد استخفوا بحق الله في الحج في هذا الزمان، فصار عندهم كأنه تطوعٌ وفضيلة، وأسقطوا فرضه وطرحوه بزاوية الهجران، وتقوَّلوا فيه بعض الأقاويل الكاذبة، وتعلَّلوا بالعلل الواهية الساقطة، فقالوا: إن طُرقه مشحونة بالآفات، مسدودة بالمخافات من كل الجهات، أولاَ ينظرون إلى الناس في كل عام يرجعون من زيارة البيت والمقام سالمين الأجساد والأبدان، في كل سبيل وبلد من طوائف الدهر ونوائب الزمان؟! ... فلو قيل لهؤلاء إنكم قد ورثتم بمكة أو أقصى بلد منها مثلاً ألف درهم أو مائة دينار، لقطعوا إليها سَهل المفاوز وَوَعرَها آناء الليل وأطراف النهار، وخلعوا عن أنفسهم حينئذ ثياب العجز والكسل، وأسرعوا إليها المشي حُفاة الرؤوس والأرجل، وبلغوا إليها فرحين بلا مهملة وتوانٍ مستبشرين .. " (2).
لعل القارئ يستدل من كلام الشيخ ابن بِحمان على أن الناس بالفعل قد استخفوا بفريضة الحج بسبب الجهل ونقص الوازع الديني، وهو ما بقي عالقًا في اعتقادات الناس إلى زمن القُطب، إلاَّ أنني لا أستبعد كذلك العامل الأمني فهو أحد الأسباب الفعلية المباشرة والقوية لتراجع قوافل الحجاج إلى بيت الله الحرام طيلة عقود من الزمن، فقد كانت بالفعل وفود الحجاج إلى الحجاز تعقد قبل انطلاقها في الرحلة أحلافًا وتجمع إليها ما أمكنها من القبائل في قوافل كبيرة يردون بها وحشية اللصوص والمغيرين الذين لا يرحمون صغيرا ولا كبيرًا، والذين لا يتورعون عن إزهاق الأرواح في سبيل سرقة كلِّ ما خَفَّ وَغَلَى من متاع الحجاج المسافرين.
__________
(1) - إبراهيم بن بِحمان: (ت: 1832هـ/1817م)، عالم جليل عاصر الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، له مؤلفات عديدة ومراسلات تاريخية مهمة مع داي الجزائر حسن باشا الدُّولاتلي بخصوص قضية صالح باي، وله رحلة حجازية أيضا ... ينظر: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص22.
(2) - إبراهيم بن بِحمان الثميني، مختصر المناسك ومهذب المسالك، مكتبة القُطب، بني يسجن، مخ، ص4، 5. (1/38)
صفحة 7
لقد اصطحب القُطب أطفيَّش في رحلته هذه بعض تلاميذه النجباء المخلصين، كما أخذ معه زَوجَهُ مريامة فرطاس (1)، بعد أن استعان ببعض فَادِيهِ ممن هيَّأ له بغلاً يحمل هودج زوجِهِ، ولعل من أبرز أنصاره وأقربهم إليه في هذه الرحلة الشيخ عمر بن حمو بكلي العطفي وفي رواية مع والده الشيخ حمو بن باحمد بكلي العطفي، غير أني لم أجد ما يثبت ذلك، وقد تكفَّلوا بتوفير معظم ظروف الرحلة ومنها الزاد والسلاح والحماية .. ، غير أن "ساعد القُطب الأيمن" الشيخ عمر بن حمو بكلي كما جاء ذكره ومدح خصاله في بداية القصيدة الحجازية (2)، قد كان له دور أساسي وفعال في نجاح هذه الرحلة الطويلة والشاقة، ولا شك أنَّ سبب اعتماد القُطب على هذا الرجل راجع لما يتمتَّع به هذا الأخير من ذكاء وحصافة في الرأي مع البسالة والإقدام التي ورثها عن أبيه البطل الشيخ حمو بن باحمد بكلّي، وهذا مطلع القصيدة:
01 ... هَجَرنَا مَسَاقِطَ الرُّؤُوسِ وَمَا نَرَى ... سِوَى الحَجِّ إِنَّ الحَجَّ (3) قَد حَانَ أَنْ يُرَى
02 ... وَغَيرَ اعتِمَارٍ وَالزِّيَارَةِ لِلنَّبِي ... عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ زَهَا التَّرَى
03 ... فَلِلَّهِ حَمدٌ حَمدُ فَانٍ لِذِي البَقَا ... وَحَمدُ فَقِيرٍ لِلغَنيِّ عَنِ الوَرَى
04 ... خَرَجنَا بِضَحوَةِ الخَمِيسِ بِمِثلِ مِا ... خَمِيسٍ، وَنَحنُ فِي خَلاَءٍ عَنِ المِرَا
05 ... وَفِينَا فَتىَ الفِتيَانِ أَشجَعُ مَن أَرَى ... وَأَصدَقُهُم حُبًّا وَأَيقظُ مَن سَرَى (4)
06 ... وَأَثقَبُهُم ذِهنًا وَأَطوَلُهُم يَدًا ... وَمَجرَى أَبِيهِ (5) فِي شَمَائِلِهِ جَرَى
07 ... أَلاَ إِنَّهُ ابنُ السَّيدِ المُنتَخَى عُمَر (6) ... تَعَبدَلَ مَرَّتَينِ لِلخَيرِ مَصدَرَا
08 ... فَيَا لَيتَهُ فِي صُحبَتِي كُلَّ رِحلَةٍ ... إِلى مَكَّةَ الغَرَّاءَ فَاتِحَةِ القُرَى (7)
ولا ندري كم رافق وفد القُطب من أهل بلدته يسجن، إلاَّ أنه يكون قد اختار لموعد رحلته أقربهم إليه وأوثقهم صلة به، لأن الكثير من المعارضين لهذه الرحلة قد وقفوا له بالمرصاد خاصة في مسألة سفر الزوجة خارج مزاب حتى قيل إنَّ هناك من استعد لإيقافه ومنعه من أخذ زوجه معه وإن اضطر في ذلك إلى استعمال قوة السلاح (8).
لقد ضَرَب القُطب لمرافقيه موعدًا هو ضحى يوم الخميس للخروج من يسجن ثم من مُزاب، وقد اختار وقت الضحى لاشتغال الناس بأعمالهم وبساتينهم، كما أنه من عادة الفلاحين
__________
(1) - هي زوجة القُطب الثالثة، من عائلة فرطاس من بني يسجن، لقاء مع الحاج سليمان بكاي، 17/ 07/2007.
(2) - لقد مدحه القُطب كما مدح أهل قريته العطف، الأبيات من 5 إلى 10، ينظر: القصيدة الحجازية.
(3) - إيذان من الشاعر بانطلاق موسم الحج، وبالتالي الرحلة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام.
(4) - السَّرى: كالهُدَى: سَيْرُ عامَّةِ اللَّيْلِ. وفي قول القُطب "وأصدقهم حُبًّا .. " تأكيد على مكانة الشيخ عمر بن حمو في قلب شيخه وأستاذه، وتذكر مختلف الروايات أنه كان يناديه بـ"أمين السِرِّ".
(5) - هو القائد المغوار حمو بن باحمد العطفي، آخر من تولى إمامة للدفاع بمزاب لما أراد بشوشة الزحف على ميزاب قادمًا من وارجلان بعد تخريبها في 1871م. ينظر بتفصيل: دور المزابيين في تاريخ الجزائر، حمو عيسى النوري، دار البعث قسنطينة، ط1، 1970، ج1، ص295 وما بعدها.
(6) - ورد شرح على الهامش هذا نصه: [الحاج عمر بن حمو العطفاوي]، قلت هو ابن الشيح حمو بن باحمد العطفاوي، وقد مر ذكره في التقديم.
(7) - يريد كونها أم القرى كما جاء وصفها بذلك في القرآن الكريم.
(8) - هَمَّ بذلك أفراد من أقاربها، ذكر لي ذلك الحاج سليمان بكاي، في نفس اللقاء بتاريخ: 17/ 07/2007. (1/39)
صفحة 8
الخروج مبكرًا لخدمة الأرض وسقي المزروعات .. ، ومعظم أهل بلدته آنذاك يسترزقون بالفلاحة (1/40)
صفحة 9
في بساتينهم الموجودة في الجهة الغربية من البلدة، في حين أن باب الخروج الشيخ وزوجه إلى الشمال أي من الباب الشرقي، وبهذا انشغل عنه معارضوه عند انصرافه من بلدته، وتلقاه أصحابه مع زوجه خارج سور بني يسجن فحملوها في هودج على بغل كانوا قد أعدوه لذلك، وقد جاء ذكر صاحب الهودج والبغل في آخر القصيدة الحجازية وهو عيسى بن صالح (1)، وقد دعا له الشيخ بالخير والبركة .. ، وفي هذه الأبيات ما يؤكد إلزامية الحج على الرجل والمرأة كما أشار إليها القطب:
12 ... فَتَا الله، إِنَّ الحَجَّ فَرضٌ وَلَو عَلَى النِّـ ... ـسَاءِ _إِن استَطَعنَ_ حَقًّا بِلا افتِرَا
13 ... مَعَ الزَّوجِ أَو مَعَ مَحرَمٍ أَو جَمَاعَةٍ ... ثِقَاتٍ وَأَقوِيَاءَ فِي حَدَثٍ عَرَا
14 ... وَحَجُّ امرِئٍ بِالزَّوجِ سَبعُونَ حَجَّةً ... وَوَاحِدَةً وَالحُكمُ مِن أَثَرٍ طَرَا
15 ... فَقَد جَاءَ أَنَّ فِعلَ ذِي الزَّوجِ مُضَعَّفٌ ... بِسَبعِينَ وَالدَّاعِي كَفَاعِلٍ مَا احتَرَا
انطلق الركب في سِرّية تامة وتحت حراسة مشددة من مرافقي القُطب باتجاه بلدة بريان التي تبعد عن مزاب بـ40كم إلى الشمال، ونجحت بذلك الخطة المُسطرة، وحُجِبَ القُطب -بحفظ الله- عن عيون حرّاس أسوار المدينة ومن كل من يكيد له العَداء، ليصل إلى بريان في صباح يوم الجمعة.
وقد لاقى استقبالا مميزا من أهلها وكرما حاتميا منهم، إن لم يتعرض له في القصيدة إلا أنه اكتفى بنمط من الوصف سيسبغه على كل الأماكن التي ترد في القصيدة والتي ينزل بها بأن يشرح أصل تسميتها بداية من بريان، ومثال ذلك في رحلة الذهاب إلى الحج اسمي بريان والأغواط في هذه الأبيات:
21 ... فَرَيَّانَ هُو اسمٌ لِحَافِرِهَا وَقَد ... أُضِيفَ إِلِيهِ البِيرُ تُطوَى وَتُبتَرَى
22 ... وَقُل إِن تَشَأ مَعنَاهُ: بَرٌّ قَد ارتَوَى ... بِوَصفٍ وِمَوصُوفٍ وَتَركِيبُه اجتَرَى
23 ... وَمِن بَعدِهِ الأَغوَاطُ (2)، أَغوَاطُ مَن حَضَر ... وَشَرقٍ، وَقَدمًا كَانَ مِن أَهلِهَا القِرَى
24 ... تُسَمَّى لأَنَّ أَرضَهُ بَعضُهَا سَفَل ... وَبعضٌ عَلاَ، وَاللهُ مَا يَشَا بَرَا (3)
لم يكد يوم الخميس ينتهي ببلدة يسجن حتى كان خبر سفر القُطب مع زوجه إلى الحج قد بلغ أقاصي المدينة، فسارع المعارضون إلى جمع شتاتهم من أجل اللحاق بركب المسافرين قبل
__________
(1) - لعله من آل عشُّو من بني يسجن، ذكر لي ذلك الحاج سليمان بكاي، في نفس اللقاء بتاريخ: 17/ 07/2007.
(2) - الأغواط: مدينة حاضرة عامرة، تبعد عن وادي مزاب بـ 200كم إلى الشمال الشرقي.
(3) - ينظر: القصيدة الحجازية، القُطب أطفيَّش، البيتين 21، 22. (1/41)
صفحة 10
وصولهم إلى بلدة بريان، في تلك الأثناء كان القُطب ومرافقوه ينعمون بالراحة التامة استعدادًا لمواصلة الرحلة في تلك الليلة، وهم متيقّنون من أنَّ المناوئين لاشك سيلحقون بهم، وفعلاً صار الأمر كذلك ووقع المحذور، حيث وصلت إلى بريان مساء الجمعة جماعة من الخيَّالة تطلب لقاء القُطب وتُلحُّ في الطلب.
استسمحهم وجيه القوم أو قائد البلدة قائلاً بأن القُطب ضيف بريَّان وهو متعبٌ الآن وسيرى في أمرهم في صباح اليوم الموالي، وفي رواية أخرى قال لهم بأن القُطب جالس يُفتي لأهل بريان في مسائل قدَّموها إليه، ولن يستقبل أحدًا من غير سكان بريان حتى يأتوا بجميع ما عندهم من المسائل، وقد جرت العادة أن يسافر القُطب إلى بريان مرتين في السنة من أجل إلقاء الدروس والإفتاء، ومن ثمَّ فإن حظهم من نصيب الشيخ قد حضر ولن يشاركهم فيه أحد من أهالي مزاب، فاقتنع الخيالة بذلك وجلسوا ينتظرون طلوع الشمس.
في تلك الأثناء كان القُطب ومن معه قد جددوا الرحلة إلى الشمال بعد أن حضَّر لهم أعيان البلدة الزاد والدليل الذي يفتح لهم الطريق باتجاه مدينة الأغواط التي وصلوها بعد مسيرة يوم وليلة.
مرَّ يومان على انتظار الخيَّالة القادمين من مزاب لدورِهِم في مقابلة القُطب، حتى جاءهم الخبر بأن القُطب قد جدد الرحلة منذ يومين وهو الآن على مشارف مدينة الجلفة التي تبعد عن بريان بحوالي 270كم إلى الشمال، عندئذ سُقط في أيدي أولئك الخيالة ما دبَّروا وخطَّطوا، ولما علموا بأنه قد أحيط بهم استسلموا عائدين إلى مزاب وهم أذلة خانعين، لأن بُعد المسافة وقلَّة الزاد والرفيق سيُجبرهم حتمًا على العودة من حيث أتوا؛ وبهذا طويت صفحة المعارضين لرحلة القُطب مع زوجه إلى الحجاز، ليُكمل بذلك ركب الحُجَّاج بقية الرحلة بسلام.
لقد تلقى القُطب والركب المرافق له في كل محطة يصلون إليها كرمًا حاتميا، وحفاوة في الاستقبال والتوديع منقطعة النظير، وهو دون شك اعترافٌ صريح بمكانته العلمية ومركزه الديني والاجتماعي المرموق، فحين دخل مدينة الأغواط استقبله أهلها بحفاوة كبيرة، ثم ما لبث أن التفَّت به الجموع للتحية والسلام، واغتنم بعض الحاضرين فرصة وجوده لإلقاء بعض الأسئلة والاستفسارات في حضرته، فأجابهم القُطب مستبشرًا كعادته، مرتاحًا لسؤال الناس عن شؤون دينهم وتحيرهم عليه كحيرتهم على شؤون دُنياهُم.
أما عن اسم الأغواط فيقول القُطب: "تسمى كذلك لأنَّ أرضها بعضه منخفض وبعضها الآخر عالٍ .. " (1).
بعد مسيرة يوم وليلة دخل ركب القُطب مدينة الجلفة العامرة، فحضي وفده باستقبال كبير
__________
(1) - ينظر: القصيدة الحجازية، القُطب أطفيَّش، البيت 24. (1/42)
صفحة 11
من سكانها لاسيما منهم جموع بني مزاب من التجار، فهم متواجدون بها بكثرة منذ قديم الزمان وخاصة منهم تجَّار بلدة العطف (تجنينت)، الذين انصهروا في المجتمع "النَّايلي" وكوَّنوا علاقات حميمة مع سكان المدينة تماما كما توطدت علاقاتهم مع البدو الذين يقصدون محلات المزابيين بكثرة لشُهرتهم بالصدق والأمانة.
نزل القطب ومرافقوه ضيوفًا عند المدعو باحمد بن صالح السماوي (1) وهو من التجار المزابيين المرموقين بالجلفة، وقد استدعى هذا الأخير للضيافة أيضًا عنده _بمناسبة حضور القُطب_ بعض أعيان المدينة وأشرافها ومنهم أشراف عرش أولاد نايل (2) وأشراف بن لحسن (3)، وأحد الكرماء الأسخياء ويدعى بلقاسم من أولاد بلَّحرش (4) ومن غيرهم أيضا، وقد أمضى القُطب معهم ساعات طيبة، كما مدحهم طويلاً وذكر مناقبهم الجليلة.
وعن تسمية الجلفة يقول القُطب: "تسمى كذلك لأنَّ أهلها من طبيعتهم القُلف في السخاء والكرم، والقِلف من العَيْشِ: الرغدُ الناعِمُ، ومنها سَنَةٌ قَلْفاءُ: أي مُخْصِبَةٌ وعامٌ أقْلَفُ مُخصب كذلك .. " (5).
بعد يوم أو يومين جدد الركب الرحلة إلى الشمال باتجاه مدينة المدية، وفي طريقه إليها ذكر الشيخ بعض ما شاهده من طبائع الأقوام المنافية للشرع الحنيف، ومنها حلق اللِّحية والاستطالة في الشوارب، وقد بين وجه الدين في ذلك، وذكر ما يلزم صاحبها من أداء الكفَّارات مع التوبة والإنابة.
وغير بعيد عن المديَّة جاءه الخبر بأنَّ الأوربيين يتحدثون عن كروية الأرض ويتمارون في ذلك فحاججهم بقوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم" سورة يس، آية 38. وهو الدليل الواضح على كروية الأرض وعدم استقرارها، وبدورانها حول نفسها وحول الشمس.
ولما دخل المديَّةَ صادف ردَّ الفرنسيين مسجدًا للمسلمين كانوا قد احتلوه أو احتله أغياظ اليهود، فوقف فيه مخاطبًا المسلمين مهنِّئًا لهم على استرجاعهم له (6).
بعد مسيرة يوم وصل مدينة البليدة وفيها تلقى ترحيبًا جماهيريًا كبيرًا من سكانها ومن التجار المزابيين بها كذلك، وقد اغتنم بعض الطلبة الفرصة للسؤال وطلب الفتوى فكان القُطب يجيبهم مستبشرًا من دون تردد.
سار الأمر مع القُطب والوفد المرافق له تمامًا كما عهد في كل مرحلة فعندما دخلوا مدينة الجزائر التي تُعرف قديمًا بجزائر بني مزغنَّة، تسارعت إليه الوفود بأنواع الاحتفال ومجالس الأنس والذكر وطلب الفتوى.
__________
(1) - باحمد بن صالح: من آل السماوي من العطف، من تجار مدينة الجلفة المرموقين على عهده، وقد ورد على هامش النسختين (ع) و (ب): [هو جد حمو السماوي]، وهو ما أكده لي بعض آل سماوي. وهو سليل عائلة مرموقة، شارك معظم أبنائها في الثورة التحريرية المظفرة، ولا زال لبعضهم تجارة وعقارات بالجلفة ومسعد. لقاء مع الأستاذ المحامي: سماوي عمر بن عيسى، بمكتبه بغرداية، بتاريخ: 15/ 07/2007.
(2) - أولاد نايل: من أكبر القبائل في تنحدر من أصول عربية، تنسب هذه القبيلة إلى محمد بن عبد الله بن الأمير مؤسس دولة "الأدارسة"بالمغرب الأقصى هو عبد الله الكامل بن الحسن المتن بن الحسن السبط من ذرية "الإمام علي بن أبي طالب" و"فاطمة الزهراء" بنت رسول الله.
(3) - أولاد بن لحسن: نسبة إلى السبط الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو عرش شهير بالجلفة إلى اليوم.
(4) - أولاد بن لحرش: من أعرق العروش في مدينة الجلفة وأشهرها، ينحدر منها آل بن شريف المعروفين.
(5) - ينظر: القصيدة الحجازية، القُطب أطفيَّش، البيت 24.
(6) - هذا المسجد هو المسجد الحنفي بمدينة المدية، وهو من أعرق المساجد بها، وقد ذكر لي الباحث الشيخ المختار اسكندر بأن المسجد الحنفي كان قد اغتصب من طرف الفرنسيين ثم ردّ للمسلمين في 1886 وهي السنة التي حج فيها القُطب، لقاء مع المختار اسكندر بمنزله بحي المصلى بالمدية في ديسمبر 2007. (1/43)
صفحة 12
أيامًا بعد ذلك اكترى وفد الحجاج سفينة إسبانية أصحابها من سكان جبل طارق، لتُقلَّهم عبر البحر المتوسط إلى الحجاز، وقد مرت السفينة بجزر صقلية وسردينيا التي تقابل تونس في البحر، كما وصفها بذلك.
وصلت السفينة التي تقلُّ وفد الحجيج إلى ميناء الإسكندرية بعد أيام قليلة، فرست هناك بعض اليوم ثم شقت طريقها باتجاه بحر القُلزم أو البحر الأحمر عبر قناة السويس، وقد وصف الشيخ أطفيَّش كيف شُقت الجبال الراسيات وصار بها معبر كبير للسفن المتنوعة.
مسيرة أيام حتى حل الركب في ميناء جدة وهم فرحين مستبشرين بوصولهم سالمين غانمين إلى أرض الحجاز، فساروا إلى البيت الحرام وكلهم شوق إلى رؤيته وتقبيل الحجر الأسود، فصادف دخولهم إليه نزول أسراب الحمام إليهم واقترابها منهم وكأنها جاءت تسلم عليهم، كما التفت بهم وفود الحجيج من مختلف الأصقاع ولاسيما الموافقون (1)، وقد كانت فرصة مواتية للتعارف والتواصل بين مختلف المشايخ والعلماء، ومن بعض ما طرح من المسائل على سبيل المثال: قضية جرِّ اليد على البيت الحرام حين الطواف به، وأول من بدأ النطق بلغة العرب، وقصة وضع التشكيل والنقط على آيات القرآن الكريم، ومسألة الإشارة إلى الحجر الأسود حين الزحام هل تُجزي عن اللمس أم لا؟ .. وغيرها من المسائل الفقهية المتعلقة بأداء مناسك الحج، ومنها قوله:
87 ... دَنَونَا فَدَانَانَا الحَمَامُ كَمَن أَتَى ... يُسَلِّمُ وَهُو آمِنٌ إِثرَ (2) استَرَا
88 ... وَقَد أَكثَرَ السُّؤَالَ في مَكَّةَ المُوَا ... فِقُونَ وَأَصحَابُ المَذَاهِبِ وَاحتَرَا (3)
89 ... فَعَن جَرِّ بَعضِ الطَّائِفِينَ يَدًا عَلَى ... جِدَارِ الحَطِيمِ قُلتُ: جُورٌ بِحَرفِ رَا
90 ... لأَّنَ الطَّوَافَ عِندَ ذَاكَ بِبَعضِهِ ... عَلَى بَعضِ بَيتِ اللهِ فاَلفَرضُ قَد حَرَى
91 ... سِوَى مَا نَشَاءُ وَقَولِ أَربَعِ أَذرُعٍ ... وَسَبعُ ثَلاَثٍ أَو سِوَاهُ فَبِالمِرَا
92 ... وَنَاوِي المقَامَ (4) قِبلَةً لاَ صَلاَةَ لَهُ ... وَلاَ لَبسُ ثَوبٍ وَاصِفٍ مِثلَ مَن سَرَى
وقد عرف علماء مكة مكانة القُطب العلمية فتسارعوا إلى الجلوس إليه مباشرة عقب انتهاءه من أداء جميع المناسك، حتى قرّبوه إليهم وقدموه للدرس في حضرة الناس بالمسجد الحرام.
تناقش الشيخ أطفيَّش مع علماء مكة أمثال رحمة الله الهندي وزيني دحلان ومحمد حسبي الله الكثير من القضايا الفقهية، فتبين له الموافقة والتقارب في أغلبها، كما كانت فرصة للاستزادة
__________
(1) - الموافقون: عبارة يرددها القُطب أطفيَّش ويقصد بها أصحاب المذاهب الإسلامية السنية وهي توافق مذهبه الإباضي.
(2) - في ن (ب): أبرَّ.
(3) - إن كثرة السائلين عن الدين من حول القُطب لدليل واضح على مكانته العلمية كما مرَّ في التقديم.
(4) - المقام: مقام إبراهيم - عليه السلام -، يريد أن من أراده قبلة لصلاته فلا صلاة له لأن الأصل استقبال الكعبة. (1/44)
صفحة 13
من معارفهم وتنقيح الكثير من الأفكار، وقد تلقى القُطب وتلاميذه في كل ذلك إحسانًا كبيرًا من (1/45)
صفحة 14
أهل مكة ومن مختلف العلماء الأعلام، وافترقوا بعد ذلك وقلوبهم متعلقة بتلك الأماكن الجليلة وعيونهم تسيل من فراق البيت الحرام
140 ... وَلَمَّا اعتَرَفنَا وَامتَنَينَا (1) وَوَادَعُوا ... مَعِي البَيتَ بَيتَ رَبِّنَا افتَرَقُوا افتِرَا
141 ... وَأَبكَى فِرَاقُ البَيتِ عَينِي وَأَحرَقَا ... بِهِ القَلبَ إِذ وَادَعتُهُ أَيَّمَا احتِرَا
اتجه ركب الحجاج قاصدًا المدينة المنورة مرورًا بجُعرانة وعُسفان، وفي هذه الأخيرة التقى القُطب ببعض الأشاعرة الذين بادروا بطرح بعض الأسئلة عليه فلم يكن من الشيخ إلاَّ أن يجيبهم بما علم في الموضوع، ومنها إلى صُفرى وبها قوم من الصفرية أو أتباع زياد بن الأصفر، ثم منها إلى عيون بدر ثم وادي حُنين فالطائف، وصولاً إلى طيبة أو المدينة المنورة.
نزل الحجاج ومعهم القطب أطفيَّش ضيوفًا على المدينة المنورة وزاروا قبر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وما كانوا ليخرجوا منها لولا موعد الرحلة، فقد تعلقت أرواحهم بها فصاروا كطامع في وصل ما انفصل، وخرجوا منها ودموعهم تسيل إلى وجهة ينبُع أو الينبوع وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر تقابل المدينة المنورة في نفس الخط بينهما مسيرة ليلة.
ركب وفد الحجاج السفينة التي أقلَّتهم من ميناء ينبُع مرورًا بقناة السويس فميناء الإسكندرية نزولاً بميناء تونس الخضراء.
نزل وفد الحجاج من السفينة بأرض تونس وساروا فيها أيامًا، زاروا خلالها الجامع الكبير أو جامع الزيتونة، كما انعطفوا عند بعض المزابيين المقيمين بتونس ومنهم طلاب العلم والتجار الذين فرحوا كثيرًا بلقائهم، ومن بين من ضفر بضيافة القُطب عنده إبراهيم بن عمر وهو أحد أعيان المزابيين بتونس، وقد أحسن إكرام القُطب وأنزله منازل الخلفاء، وفعل كذلك مع جماعة الطلبة الذين معه، فأحبَّ القُطب لقائه حتى إنه عندما جدد للرحلة صعب عليه كثيرًا فراقه.
بعد مسيرة أيام دخل القُطب أطفيَّش مدينة بُونة وهي المعروفة اليوم بعنابة إحدى عواصم الشرق الجزائري الساحلية، فتلقوا ترحابًا وإكرامًا من الناس في كامل طريقهم، وقد نزل القُطب ضيفًا على المدعو يحي بن صالح وهو حفيد الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وأحد أعيان بني مزاب البارزين في مدينة عنابة، وفيها أيضًا الأجودان عيسى بن صالح وعيسى بن الحاج، وهما كذلك من تجار بني يسجن المرموقين بعنابة.
ذكر القُطب بعد ذلك أن الركب سار يريد الخروج من عنابة فتلقاهم عساكر الاحتلال قصد تفتيشهم، ففتشوا الجميع إلا القُطب وزوجه فإنهم لم يقتربوا منهم بتاتًا، وذلك بحفظ الله ورعايته سبحانه.
__________
(1) - يريد: وقفنا بعرفات ودخلنا مِنًى، وهما مشعران من مناسك الحج شهيران. (1/46)
صفحة 15
بعد مسيرة أيام وصل الوفد مدينة قسنطينة، وهي إحدى عواصم البلاد الشرقية الداخلية، ومنها إلى ?المة فباتنة ثم جَيبُ الأمير فبسكرة، وكلها مدن داخلية في الجهة الشرقية من الجزائر، وصولاً إلى شط الجريد حيث البوابير التي تعمل على استخراج الملح وتجفيفه ونقله، ومنها قوله:
213 ... أَقَمنَا وَسِرنَا وَالأَنَامُ بِمَنظَرٍ ... إِلَينَا عَلَى الِإحسَانِ حَتىَّ النُّصَيرَى
214 ... بِقَسَنطِينَةَ (1) وَالأَصلُ قَسَنطِينُ وَهُو مَن ... بَنَاهَا وَزِيدَ التَّا جَلَّتهُ العَبَوتَرَى
215 ... وَ?َالمَةُ (2) وَأَصلُهَا قَلَّ مَاؤُهَا ... أَو قَطَعَت أَصلَ العِدَا بِالحَبَيكَرَى
216 ... وَبَتنَا (3) وَأَصلُهُ بَقِينَا مَبَاتَنَا ... فَحُرِّفَ وَأُكِّدَ رَاسِمُهَا أَيَّمَا كَدرَا
217 ... بِجَيبِ الأَمِيرِ الجُندِ: إِنَّ مَبَاتَنَا ... مَبَاتٌ بِأَمسِنَا الَّذِي اختَرَم اختِرَا
218 ... وَذَاكَ زَمَانُ فَتحِ مِصرَ هَتَاكَ في ... يَسَارِ الَّذِي يَمضِي لِبِسكَرَةَ اقتَرَا
219 ... بِفَتحٍ وَكَسرِ البَاءِ وَاللَّفظُ مِن كَربِ ... جَرِيدٍ يَمَامٌ فَوقَهُ وَالحُبَيرَا
ولم يفصل القُطب بعد ذلك في المراحل التي تلي هذه المرحلة، ولا ندري لماذا؟ غير أنه من الممكن أن يكون قد سلك نفس طريق الذهاب أي دخل الجلفة ثم الأغواط فبريان فمزاب، أو أنه سلك طريق الجنوب أي من بسكرة باتجاه تو?رت وصولاً إلى القرارة فبريان فوادي مزاب.
دخل القُطب مدينته بني يسجن مطمئنًا وسط احتفال جماهري حاشد محتفٍ بعودة عالمهم سالمًا غانمًا، فأثنى القُطب طويلاً على كل من ساهم في إنجاح رحلته التاريخية تلك، ولاسيما يوسف بن عيسى بن صالح صاحب الهودج والبغل الذي نقل زوج الشيخ إلى الحجاز ذهابًا وإيابًا، وهذا آخر القصيدة:
221 ... فَعَوَّضَنِي رَبِّي كَرِيمًا لَهُ أَبٌ ... كَرِيمٌ وَأَجدَادٌ كِرَامٌ لَهَا اندَرَى
222 ... جَوَادٌ تَلاَهُ الجُودُ مِن سِتَّةٍ وَقَد ... فََدَتهُ نُفُوسُ حَاسِدِيهِ عَلَى اعتِرَا
223 ... إِذَا هَمَّ أَمضَى هَمَّهُ فَيُصِيبُ مَا ... يَرُوقُ العُقُولَ فَهِيَ فِيهِ بِغَيرَا
224 ... كَهَودَجِهِ الَّذِي عَلَى بَغلِهِ رَسَا ... كَقَبضَةِ جِصٍّ أُحكِمَت فَوقَ قَنصَرَى (4)
225 ... فَزَوجِي فِيهِ مِثلُهَا فِي أَرِيكَةٍ ... فَلَم تَخشَ وَقصًا (5) أَو سُقُوطًا بِزَيغَرَى
__________
(1) - قسنطينة: هي سيرتَا، من أشهر مدن الشرق الجزائري، حافلة بآثارها الإسلامية وعلمائها المرموقين.
ينظر: أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، المطبعة العربية بالجزائر، ط1، 1350هـ، ص231 وما بعدها.
(2) - ?المة: مدينة ابتناها البربر والفينيقيون، شهيرة بحمَّاتها المعدنية، ينظر: نفسه، ص230.
(3) - باتنة: اسمها القديم رأس العيون، وفي سنة 1849 صارت رسميا باتنة. ينظر: نفسه، ص195.
(4) - شبه مظهر الهودج على البغل، كقبضة جِصٍّ وهي مادة للبناء والطلاء صلبة، أحكمت فوقه بشدة.
(5) - وقَصَ عُنُقَه: كَسَرها، يريد: أن زوجه لم تخش السقوط من بغلها فينكسر عنقها وتموت .. (1/47)
صفحة 16
226 ... إِلى أَن وَصَلنَا بَلدَةَ الشِّيخِ قَاسِمٍ ... وَأَشيَاعِهِ في الدِّينِ في لَيلَةِ البَرَا
227 ... هُنَاكَ تَلَقَّانَا بِوَجهٍ مُقَسَّمٍ ... يُنَوِّرُ بِالتَّقوَى الدُّجَى وَالغَمَيدَرَا
228 ... فَمَا لَبِتثُ أَن شَاهَدتُ دَارَ يُوسُفَ ... بنَ عِيسَى بنَ صَالحٍ (1) بِيَسجَنَ ذَا احتِرَى
229 ... جَزَى الله عِيسَى ذَا الكِرَامِ وَهوَدَجٍ ... وَبَغلٍ وَأَبقَى فِي وَلاَيِدِهِ (2) كَرَا
230 ... غِنىً وَاعتِزَارًا جَامِعًا وَكَرَامَةً ... وَسِترًا وَحِفظًا لَيسَ يَأسَى وَلاَ سَرَا
231 ... أُولَئِكَ أَحبَابِي نَأَوا فَأَصِيدهُم ... بِأَشرَاكِ أَحلاَمٍ فَبِاليَقظَةِ انخَرَا
232 ... فَوَاهًا وَلَكِن تَسَتَّرَتِ السَّمَا ... فَأَطمَاعُنَا في اللهِ إِذ نُورُهُ وَرَى
تمت في 232 بيتًا
4 - من فوائد الرحلة:
لقد أولى الكثير من السلف _رحمهم الله_ عناية كبيرة لتدوين الرحلات، فصنفوا لها وسجلوا دقائقها، ومنهم من بدل جهدًا لا يستهان به فنظم رحلته شعرًا حتى تنال مكانها في عقول وقلوب السامعين، وحاول تسجيل تفاصيل الأحداث بكثير من التحري والصدق في عرض الوقائع، وتفقد أوضاع البلاد الإسلامية تعبيرًا عن تواصل المسلمين مع بعضهم البعض، فحتى وإن تباعدت الأمصار وطالت المسافات، إلاَّ أن معظمهم استطاع التواصل مع كل من تعرف عليهم في رحلته، فطور فرصة اللقاء في الحج إلى مراسلات أدبية وعلمية متنوعة وإلى تبادل الكتب وغيرها ..
وأعني بمثل هذه النماذج الخالدة الشيخ امحمد بن يوسف أطفيَّش الذي سجل لنا تاريخه الماجد استثمارا مميزا لرحلته في توطيد العلاقات التي كونت أجواء مفعمة بالنشاط ووطدت العلاقات بينه وبين علماء المشرق من معاصريه، ولم يكتفي وأقرانه بالتواصل فيما بينهم بل نقلوا ذلك إلى طلابهم ومورديهم كذلك، وفتحوا مجالات جديدة من صيد العلوم بإنشائهم فضاءات أرحب أو ما عرف بعد ذلك بنظام "البعثات العلمية"، فقامت بعض التنظيمات والمؤسسات بإشارة من علمائها بفتح معاهد تقوم برعاية شؤون الطلبة الوافدين إليها للانتهال من معين علمائها، ومن تلك البلدان التي أقام بها الطلبة الجزائريون على سبيل التمثيل مصر حيث جامع الأزهر، وتونس حيث جامع الزيتونة، والحجاز حيث الحرم المكي والمدني.
__________
(1) - يوسف بن عيسى بن صالح: الأرجح أنه من آل أطفيَّش. نفس اللقاء مع الحاج سليمان بكاي.
(2) - يريد: في أولاده وذريته. (1/48)
صفحة 17
لقد مكث القُطب في مكة مجاورًا سنة كاملة، ودرَّس خلالها كتاب: "السنوسية في عقائد المالكية"، ولو أن درس هذا الكتاب وشرحه من طرف القُطب أطفيَّش لم يصل إلينا، كما دَوَّنَ في تلك الرحلة أيضًا معظم ملاحظاته ولقاءاته مع الشخصيات والعلماء، وألَّف فيها إلى جانب ذلك كتابه الشهير في المنطق وهو: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق"، وقد زار مصر بعدها وجلس إلى علماء الأزهر فيها وإلى الطلبة المغاربة المتمدرسين هناك من الإباضية والذين كانوا يقيمون بوكالة الجاموس قرب مسجد ابن طولون، كما اقتنى من رحلته تلك ما استطاع من الكتب، وبعث ببعضها إلى سلطان زنجبار ليطبعها ويعيد نشرها .. ، إذ كان الشيخ أطفيَّش مهتمًا أشد ما يكون بنشر العلم في كل البلاد الإسلامية ..
كما أنَّ من أهم ما يمكن التعليق عليه والوقوف عنده من الفوائد العديدة لرحلة القطب هو لقائه بالعلماء الأعلام وتدريسه الناس بالحرم المكي والمدني، والتفاف الطلبة على اختلاف مشاربهم من حوله، من أجل اقتناص الفوائد العلمية المتنوعة، ولم يكن القُطب في منهجه متعصبًا لفكرة ما أو اتجاه مذهبي معين بل كان متفتحًا على الجميع يسمع كل الآراء ويهتم بشؤون المسلمين في كامل البلاد الإسلامية، وأكثر من ذلك فقد انبرى مهاجمًا الاستعمار الفرنسي فاضحًا لكل دسائسه في استعباد الشعوب، ومبصِّرًا في ذلك المسلمين في مختلف الأقطار التي زارها أو راسل علمائها، تماما كما وطد علاقاته مع علماء الجزائر في مجابهة الاستعمار الفرنسي، إذ اجتمع مع مجموعة من علماء الجزائر في منطقة "برّيش" التابعة لمنطقة مسعد بالجلفة، دعا إليه الشيخ عبد الرحمن طاهري في مطلع سنة 1914 بعنوان "ثلاث ليال في الصحراء"، وقد كرّس الملتقى لتوحيد صفوف الجزائريين ودعوتهم لانتفاضة عارمة يقودها المغاربة والجزائريون والليبيون ضد الاستعمار الفرنسي والإيطالي، وأوفد سفيرا هو الشيخ المبروك الأخضري للزعيمين الليبيين الشيخ السنوسي وعمر المختار ودعاهم للتعبئة العامة، لكن المستعمر اعتقله في حدود توقّرت وأعدم بعد ذلك في العاصمة (1)، والشيخ أطفيَّش قضى مسمومًا في مارس من نفس السنة ..
ومن فوائد رحلة القطب الجليلة أيضًا إنهاءه لمرحلة تاريخية عصيبة وتصحيحه لمفهوم خاطئ ساد مزاب وما حولها ردحًا من الزمن، والذي كان يقضي بعدم السماح للمرأة بالسفر إلاَّ لضرورة قُصوى مُلحة كالعلاج مثلاً، أمَّا ما سوى ذلك فلا، وقد كانت حجتهم في ذلك انعدام الأمن في الطريق، ولم يكن الداعي إلى التمسك بمثل هذه الأفكار إلاَّ تشبُّث الناس بعَرَضِ الحياة الدنيا ونقص الوازع الديني واستشراء الجهل ومظاهر التخلف.
__________
(1) - ينظر: تحفة السائل بباقة من تاريخ سيدي نايل، تخريج عامر بن المبروك المحفوظي، ط1، 2002، ص25. (1/49)
صفحة 18
12 ... فَتَا الله، إِنَّ الحَجَّ فَرضٌ وَلَو عَلَى النِّـ ... ـسَاءِ -إِن استَطَعنَ- حَقًّا بِلا افتِرَا
13 ... مَعَ الزَّوجِ أَو مَعَ مَحرَمٍ أَو جَمَاعَةٍ ... ثِقَاتٍ وَأَقوِيَاءَ فِي حَدَثٍ عَرَا
5 - الخلاصة:
يمكن القول إنّ ما أثبته القُطب أطفيَّش في رحلته من ملاحظات وما أورده من معلومات وما وضعه من تعاليق يتّصف بمميّزات يمكن أن تُحدّد القيمة التّاريخية والاجتماعية والأدبية لهذه الرحلة، كما يمكن أن تحدد ملامح "الموسوعية" التي اشتهر بها القطب وتميز .. ولعل من فوائد رحلته ما يأتي:
إن أسلوب القُطب في كتابة رحلته وخاصة في نظمها شعرًا -على ما في شعره من جوازات- ما يشبهها بمقصورة ابن دريد، وهو ما يبرز رقيَّ أدبه في عصر تخلّفت فيه علوم العربية بسبب توالي النكبات على الجزائر فمن هيمنة تركية أعجمية دامت قاربت خمس قرون انتهت باحتلال فرنسي بغيض .. وهو ما تسبب في تدني المستوى الثقافي عموما، وجعل كثيرا من الرحّالة يدونون رحلاتهم ممزوجة بكثير من الألفاظ العامّية أو شاب أدب الحشو والإطناب الشبيه بأدب فترة عصور الضعف والانحطاط، غير أن القِلّة ومنهم القُطب التزم في نظمه باللغة العربية الراقية، مع التفنن والإبداع فيها، لذلك فإنه يمكن اعتبار رحلته من المصادر الأساسية في التعرف على أوضاع اللغة العربية في تلك الفترة، والجو العلمي والفقهي في ذلك العهد وفي مختلف الأمصار ..
كما كانت رحلتيه الحجازيتين فرصة سانحة وموفقة بعثت أجواء التواصل الهادف بين المشرق الإسلامي ومغربه، خاصة لما كانت بيد العلماء الأعلام، ومن هنا فإنه يمكن اختصار آثار رحلة القُطب في بعث التواصل بين المشرق والمغرب فيما يأتي:
1 - التأريخ لتراث الجزائر خصوصًا والعالم الإسلامي عمومًا.
2 - التواصل بين العلماء والأعلام عند التقائهم في الحجاز ومصر وتونس وغيرها.
3 - تفقد أوضاع المسلمين في الجزائر ومعظم أقطار العالم الإسلامي.
4 - عرض العلماء لجديد القضايا والتعرف والاعتراف بجهود بعضهم البعض.
5 - استعراض أهم وقائع المسلمين في كل فترة تاريخية ومحاولة تصحيح بعضها.
6 - التعرف على مختلف الجوانب الحياتية وبخاصة الأدبية والسياسية والاقتصادية .. في مختلف الأمصار. (1/50)
صفحة 19
7 - التعريف بمؤلفات العلماء وما اشتهر منها وذاع صيته في كل فترة تاريخية.
8 - خلق أجواء من التواصل الفعال من خلال المراسلات المختلفة وتبادل الكتب وغيرها ..
9 - التفاف الطلبة بشيخهم ونصرتهم له بمساعدته والوفاء له في أداء رسالته العلمية النبيلة.
هذه بعض أهم الملاحظات التي وقفت عليها من خلال قراءتي المتأنية لرحلة القُطب الحجازية، ولاشك أن هناك غيرها من الآثار الكثير، قد يتوصل المتأمل والقارئ لـ"رحلة القطب" لاستخراجها والتعليق عليها بما يثري.
لنقل أخيرا وليس آخرًا إنَّ "رحلة القُطب" الحجازية قد ضربت لنا مثالاً آخر في التواصل بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وعكست جوانب فاضلة من أخلاق العلماء، ونقلت لنا صورًا حية عن طبائع المسلمين في تلك الحقبة التاريخية المهمة، وإن كان معظمها ما يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة والتحقيق.
الهوامش: (1/51)