صفحة 1
الكتاب: الإمام القطب محمد بن إبراهيم اطفيش ومنهجه الاستدلالي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الإمام القطب محمد بن إبراهيم اطفيش ومنهجه الاستدلالي
د/ التواتي بن التواتي
جامعة عمار الثليجي-الأغواط
الحمد لله الذي أنزل الأحكام لإمضاء علمِه القديم, وأجزل الإنعام لشاكر فضله العميم, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له البر الرحيم, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالدين القويم, المنعوت بالخلق العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أفضل الصلاة والتسليم (وَبَعْدُ):
أيها العلماء الأجلاء والأستاذة الأفاضل، أيها الحضور الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: اسمحوا لي أن أقدم لكم عناصر المداخلة حتى أُمَكِّنَكم من متابعتِها، فأقول-سائلا الله تعالى التوفيق-: لمّا كان هذا اللقاء خاصة بذكر مآثر الشيخ الإمام القطب محمد بن يوسف اطفيش، فكان موضوع مداخلتي "الإمام اطفيش ومنهجه الاستدلالي"
إنّ الحديث عن سيرة حياة الشيخ العلامة القطب محمد بن إبراهيم اطفيش –قدس الله سره-يؤول بنا إلى ذكر المؤلفات التي تناولته بالدرس، وأسهبت في سرد أخباره وسلوكاته ومواقفه، مثل:
- و" نهضة الجزائر الحديثة " لمحمد علي دبوز.
- و" قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف أطفيَّش "لبكير بن سعيد أعوشت.
- و" الشيخ محمد بن يوسف اطفيَّش ومذهبه في تفسير القرآن" ليحيى صالح بوتردين.
- و"آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيَّش العقدية" لمصطفى بن الناصر وينتن، وغيرها من الكتب التي تفيد القارئ وتجعله يحيط بجوانب كثيرة من حياة هذا العلامة الفذ، الذي كان يعي بشاعة الاستعمار، وكان يجدّ بكلّ ما أوتي من قوّة وبأس للمحافظة على الشخصية العربية الإسلامية التي حاول الاستعمار الفرنسي طمسها، تشويهها.
أولا- الإمام محمد بن يوسف اطفيش (1236 – 1332 الموافق 1914م): معنى لفظ "أطفيش" قيل: إن أحد أسلافه لقبه به مناداته صديقا له يدعوه إلى الطعام، فلفظ "اطفيش" لفظ
أمزيغي مركب تركيبا مزجيا من ثلاث كلمات:
الأولى: "أطف"بفتح الهمزة وتشديد الطاء المفتوحة وسكون الفاء، ومعناها في بعض لغات الأمازيغ "أمسك"
الثانية: "أيَّا" بفتح الهمزة وشديد الياء ومعناها: "أقبل، تعال".
الثالثة: "أَشْ" ومعناها "كل". ومجموع الجملة: "أطف، أيا، أش" ومعناها: "أمسك، تعال، كل"
ولد في مدينة بني يزجن بوادي ميزاب أخذ العلم عن أخيه إبراهيم أطفيش وظهر نبوغه في العلم مبكراً - واشتهر بقطب الأئمة لغزارة علمه ومؤلفاته، واشتهر بالإصلاح والتجديد، وكان إماماً في علوم شتى أي: إمام عصره في العلم، تفرغ لتدريس أخر عمره وأخذ عنه: أبو إسحاق اطفيش، وإبراهيم أبو اليقظان. ومؤلفاته تربو عن ثلاثمائة مؤلف في شتى العلوم.
البيئة التي نشأ فيها: وأحب هنا أن أقف عند دور المرأة العظيمة نموذجين من النساء لهما دور ومشاركة في العلم بل لها فضل على المذهبين المالكي والإباضي معا.
إنّ والدة الإمام مالك (هي التي كانت توجهه وتختار له المشائخ الذين يأخذ عنهم، ولها كلّ الثقة في تكوينهم ابنها، ومن رجع إلى سيرته أدرك ذلك وعلمه، وإن السيدة (ماما ستّي) -رحمها الله تعالى- والدة الشيخ اطفيش-رحمه الله تعالى- هذه الأم الكريمة من الأمهات اللاتي بذلن مجهوداً مضنياً في سبيل العلم الصحيح وتأصيل المعرفة الإسلامية العلمية، فمن هذه الأمة القدوة؟ واسمها ماما ستّي وهي ابنة الحاج سعيد بن عدون، ورثت من أسرتها الذكاء والعلم والفضل، فكان جدها وعمها وأخوها من العلماء الأفذاذ الذين نبغوا في عصرهم، اتصفت ماما ستي بالورع والتمسك بالدين، ونشأت محبة للعلم والعلماء، تعرف فضل العلماء ومكانتهم وقدرهم، وأن العلم أنفس شيء في الوجود، تزوجت من السيد الصالح الحاج يوسف، وكان ذا أثر بليغ فيها، فقد رسخ فيها ما ورثته من أسرتها من حب العلم والدين والحماس للنهضة الحديثة وقوّاه، ولقد رزق الله هذا الزوج نعمة الذهاب إلى حج بيت الله الحرام، وبعد طوافه نام فرأى رسول الله (في منامه يدنو منه باسماً متهللاً، ويكتب شيئاً في ظهره فاستفاق الحاج يوسف، وقلبه يغمره الانشراح، فلما رجع إلى وطنه استقبلته زوجته ماما ستي في حبها وحنانها وأشواقها فحدثها بالرؤيا، فاستبشرت، ثم حملت بعد مدة قصيرة بالولد السعيد، وبعد ولادته كان كما تمنيانه غلاماً جميلاً قوي البنية تبدو على نظراته وسيماء وجهه آيات الذكاء والنبوغ وعلامات الصلاح والنجاح، وأسمياه محمداً تيمناً وتبركاً بالرسول (، وتمنيا من الله أن يكون ولدهما في مصاف العلماء.
وكان لا يرى الطفل محمد أباه بعد رجوعه من العمل أو المسجد إلا بين كتبه يقرؤها، فنشأ الطفل الصغير محباً للكتب تواقاً للمعرفة، وما يكاد يبلغ محمد الخامسة من عمره حتى يرى والده
محمولاً على الأعناق إلى المقبرة، فارتاع وسفح الدمع الغزير، ولكن أمه ماما ستي أخذت تحنو عليه وتبالغ في الحنو وتكفكف دمعه، وتعوضه برعايتها وحسن تربيتها وتوجيهها ما فقده من حنان أبيه ورعايته.
وكانت الأم ترقب تصرفات ولدها، فترى حبه للعلم منذ نعومة أظافره لدرجة أنه لا يكاد يجد ورقة مكتوبة في الشارع أو في الدار، إلا ويأخذها ويراها أعز ممتلكاته، وكان في ألعابه يقلد أصوات القراءة متلذذاً بها، فأيقنت الأم نجاحه لا يكون إلا في العلم وأن الله قد حقق آمالها وآمال أبيه فوهبها هذا الولد الذكي، وأورثه الشغف بالعلم والقراءة منذ صباه، وآلت أن تصارع الدهر والحاجة وتترك ابنها يتعلم حتى ينبغ.
كانت ماما ستي حصيفة العقل، قوية الشخصية، عالمة نشيطة، تثبت في وجه الحياة المكشرة العابسة، فقد كان زوجها المتوفى مع حبه للعلم وأهله، تاجراً إلا أنه لم يتفرغ للتجارة وبالتالي لم يحقق ثراءً يذكر، فعندما توفي لم يترك لابنه وزوجته سوى دار يسكنانها، وثلاث نخلات، ومال يسير سرعان نفد، ولكنها بحسن تدبيرها اعتمدت على منسجها، وبراعتها في النسج، فعالت نفسها وابنها ولولاها لاتجه ابنها اتجاها ماديا يودي بنبوغه كما أودى الفقر والجهل بنبوغ كثير من اليتامى وأبناء الأمهات الجاهلات، وقد عهدت بولدها إلى أحد المؤدبين فحفظ القرآن، وختمه وأتقن حفظه وهو ابن ثمان سنوات، وقتها انتشت الوالدة باستظهار ولدها للقرآن الكريم، وكان ذلك اليوم أعظم عرس لها في الحياة، وقد أولمت له، وامتلأت دارها بالمهنئات، وأسرع إليها أقاربها يباركون للطفل ويهنئونها، وأسرع الطفل بعد ذلك إلى دور العلم يزاحم بالركب زملاءه في حقل العلم، وأظهر ميلاً قوياً لحضور مجالس العلماء حتى إنه حين وصل العشرين من عمره كان يعد من أكابر العلماء، فقام بدور رائد في إحداث نهضة علمية في بلده وتخرج على يديه كثير من طلبة العلم، كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر وتصدى للبدع في عصره، ثم لقب بقطب الأئمة عن جدارة، فحقق به وصف الشيخ الخليلي حين يقول: (كان رحمه الله أمة في فرد وفرداً في أمة فقد جمع بين العلم والعمل)، فهنيئاً لماما ستي التي كانت هي السبب بعد توفيق الله عز وجل في اتجاه القطب إلى العلم، فقد دلت ابنها على طريق الفوز والنجاة ورتبة الشرف في الدارين: الدنيا والآخرة، ولها من الأجر-إن شاء الله-بعدد ما قدم الشيخ من حسنات وأعمال صالحة. (1)
مواقفه النبيلة الخالدة: وهنا تحضرني واقعة رائعة –ذكر لي الشيخ الفاضل الحاج صالح البليدي مما تعطينا صورة عن الشيخ أطفيش-قدس الله سره- ومدى تمسكه بدينه فقد وقف موقفا مخالفا لمن عقد الصلح مع الاستعمار، وقيل: له إن الاستعمار دخل الأغواط، وهو على مقربة منّا، وإذا دخل الأغواط فقد دخل غرداية، فبقي متمسكا برأيه-رحمه الله تعالى-، وهنا وقعت حكاية
طريفة تبيّن لنا شخصية الشيخ أطفيش الإسلامية، وعقيدته المتينة التي تؤكل من الأطراف: حدث أن زاره أحد الحكام الفرنسيين في بيته فأمر بإحضار كرسيا لهذا الضيف، وجلس هو بأعلى الدرج، فلما جاء هذا الحاكم أن يخلع نعله، له لا تفعل وتستطيع أن تمشي بنعليك، فلما سئل عن ذلك بعد انصراف الضيف، أجاب-رحمه الله تعالى-
-أما جلوسي بأعلى درج فذلك؛ لأني أحمل القرآن الكريم في صدري والقرآن كلام الله لا ينبغي أن أجلس في مستوى هذا الكافر، أما تركه يمشي على الفراش بحذائه فإن حذاءه أطهر من جسده.
وقيل: لما أراد الحاكم الفرنسي أن يضع نيشا على صدره قال: ضعه في أسفل برنوسي، وهي واقعة اشترك فيها عالم إباضي مع عالم مالكي، إذ أراد أحد القادة العسكريين الفرنسيين أن يضع نيشا على صدر شيخ الزاوية العثمانية، (والد عبد القادر العثماني) فقال له: ضعه في أسفل برنوسي، وذلك لأني أحمل القرآن الكريم على صدري.
آثار الشيخ: من تصانفيه التي ربت عن 300كتاب منها:
- تيسير التفسير وهنا أحدثكم عما قال لي لما فتح لي قلبه كتابا: أما بعد، فإنّه لمّا تقاصرت الهمم عن أن هيْم بـ"هميان الزاد إلى دار المعاد"، الذي ألّفته في صغر السن، وتكاسلوا عن تفسيري "داعي العمل ليوم الأمل" أنشطت همّتي على تفسير يغتبط ولا يملّ. وهو هذا التفسير الموسوم يسير التفسير، وهذا الأخير من المصادر التي اعتمدتها في تفسيري الموسوم بـ"الدر الثمين في تفسير الكتاب المبين".
أما التصنيف الذي صاحبت فيه الشيخ القطب-قدس الله سره- زمانا غير يسبر فهو كتابه "شرح النيل وشفاء العليل" هذا المصنف، الذي كان الشيخ فاتحا قلبه لي كتابا كلما عدت إليه، فدلّ على أنّ الشيخ، عالم فقه
وأصول وعالم تفسير ولا يتأتى له ذلك إلاّ إذا بحرا لا تكدره الدلاء في علوم اللغة.
فقد قرأت هذا الكتاب أكثر من عشرين مرّة، أي: الكتاب في جملته، أما عن النصوص فقد أقرأها مرات كثيرة متأملا متدبرا مقارنا، ولعلكم تتساءلون لما كلّ هذه العناية، فقد وجدت الشيخ-رحمه الله تعالى- بلغ درجة الاجتهاد، فهو بحر زاخر في العلوم فهو عالم فقه، عالم نحو ولغة، وعالم تفسير، عالم أصول.
ومن مصنفاته اللغوية:
- نظم المغني وهو عبارة عن أرجوزة في نحو خمسة آلاف بيت: أذكر هنا أنّ الشيخ قام
بنظم المغني اللبيب في قصيدة رائعة، حسب ما قيل لي إذ لم يسعفني الحظ الإطلاع عليها، ويستهلها-رحمه الله تعالى-:
مغني اللبيب جنة (أبواها ثَمانية
ألا تراها وهي لا (يسمع فيها لاغية
- تلخيص المعاني من ربقة جهل المثاني في البلاغة.
- بيان البيان في علم البيان.
- ربيع البديع في علم البديع.
- إيضاح الدليل إلى علم الخليل في علم العروض.
ولازلت ألحّ عند أصدقائي وإخواني من العلماء الإباضية بوافاتي بهذه المخطوط قصد قراءاته ما دمت أعدّ من فقهاء المذهبين الأخوين: المالكي والإباضي، وكتابي في الفقه المقارن "دراسة تقابلية بين المذهب المالكي والإباضي" خير دليل على ذلك إذ أصبح مرجعا لدى لجنة الفتوى في الفقه الإباضي، وهذا ما يدلّ على سعة الصدر والتسامح لدى أهل الفقه؛ لأنّ كلّ منا من مشكاة النبوة يقتبس ويلتمس.
ومما يزيدنا يقينا بتضلع الشيخ القطب-قدس الله سره-في علم النحو كيفية تحليله في تفسيره للمسائل النحوية، ولعلّ ما نورده هاهنا يعطينا صورة عن مكانته في علم النحو: من خلال تفسيريه تيسير التفسير و"هميان الزاد إلى دار المعاد"، وتيسير التفسير.
1 - وفي هميان الزاد: - قوله تعالى: (عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (وجه الاستدلال بهذه الآية أن الأسماء كلها إما أن يراد بها نفس الأسماء أو صفات المسيمات ومنافعها، وعلى كلا التقديرين المسميات موجودة في ذلك الوقت، للإشارة إليها في قوله: {هؤلاء}
والمراد بأسماء الألفاظ الدالة على مسميات سواء كانت أسماء نحوية، وهى ما قابل الأفعال والحروف، أو كانت أفعالا، أو كانت حروفا، وإطلاق الاسم على ذلك كله، وعلى كل ما يدل على الشيء ويدفعه إلى الذهن، ولو بلا تلفظ. وهو ما ذهب إليه القرطجني في كتابه
واشتهر لفظ الاسم عرفاً في كل لفظ دل على مسمى، في مقابل الحرف والفعل وقل في الحرف والفعل، ثم خص في النحو بمقابل الفعل والحرف.
فإن الله -تعالى- علم آدم الأسماء ومعانيها، والأفعال ومعانيها، والحروف ومعانيها، ووجه تعميم ذلك كله بلفظ الاسم أن اللفظ يرفع المعنى إلى الذهن، ويكون عليه علامة فقام علامة على معناه، وبه يرتفع معناه إلى الذهن.
وكذا (إن وما) أشبههما من الأفعال والحروف والمراد في الآية: المعنى الذي ذكرت أنه أصل اللغة، أو المعنى الثانى العرفي، وهو يستلزم الأول؛ لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني، وقيل علمه
الألفاظ فقط-وهو ضعيف-لخلوه من عِظَم الفائدة.
واستدل مكي بن أبي طالب القيسي بالآية على الاسم هو المسمى، ولا دليل في ذلك، في كون الاسم هو المسمى، بل الحق أن الاسم فيها هو اللفظ ولا ننكر إطلاق الاسم على اللفظ في سائر الكلام.
2 - في تيسير التفسير: قوله تعالى: (عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (ألقاها في قلبه مرة، لا بتعليم ملك كما
قيل {كُلَّهَا} من جميع اللغات، وهى الحروف، والأفعال، والأسماء، وواضع اللغة الله؛ فالمراد بالأسماء الألفاظ الدوال، على المعانى، فشملت الحرف والفعل إقراءً وتركيباً، حقيقة ومجازا، ودخلت أسماء الله كلها، بل قيل: أراد أيضاً ما يدل بلا لفظ كالنصب، والإشارة بالجارحة، وحال الشيء، والمراد الأنواع كالإنسان، والفرس والجبل، والنخلة.
وذكر الأسماء مرادا بها الدوال، ورد الضمير إليها مرادا به المدلول على الاستخدام، وضمير الذكور العقلاء تغليب على الإناث وغير العقلاء (عَلَى الملائكة (القائلين أتجعل فيها (فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ (بألفاظ (هَؤُلاَءِ (الأنواع المعروضة، أحضر كل نوع، فقال: ما اسم هذا، جسما أو عرضا، مثل أن يلهمهم في قلوبهم الفرح ما اسمه، والنفل ما اسمه، كما يقول لهم، ما اسم هذا مشيراً للحجر، وقد عرفوا بعض الأسماء والأفعال والحروف بلغة من اللغات، كما هو نص الآية، وإنما خص آدم بجمعه ما لم يعلموا إلى ما علموا، أو ذلك تعجيز لهم، لا تكليف بما لا يطاق (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (في دعوى أنكم أحق بالخلافة، والاقتصار عليكم عما يفسد ويفسك، وأنكم أعلم، وقد قالوا لن يخلق الله تعالى خلقا أعلم منا ولا أكرم.
(قَالُوا سُبْحَنَكَ (عن أن نكون في قولنا أتجعل الآية معترضين (لاَ عِلْمَ لَنَا (بتلك المسميات وغيرها (إِلاَّ مَا (أي: إلا علم ما (عَلَّمْتَنَا (إياه، أو لا معلوم لنا إلا ما عَلَّمْتَنَاهُ، هذا اعتراف بالعجز، وشكر على إظهار الحكمة في الخليفة لهم (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ (بكل شيء (الْحَكِيمُ (في جميع ما فعل وما قال، وما يقول، وما يفعل، لا يكون منه سفه، أو لا يخرج الأمر عما أراد، يقال أراد فلان إحكام شيء، أي إتقانه فأتقنه، أي لم يخرج عما أراد.
وقدم العلم على الحكمة؛ لأن المقام له ولقوله: وعلم، وقوله: لا علم، ولأن الحكمة تنشأ عن علم وأثر له، ولا حكمة بلا علم؛ لأن العلم لا يكون إلا صفة ذات، والحكمة تكون صفة
ذات، بمعنى أنه أهل لأن لا يكون منه إلا الصواب وإلا الإتقان، وتكون فلا بمعنى إتقان الأمر والإتيان به صوابا.
وإذا تأملنا قوله في التفسيرين نجد أنّ ما قاله في "تيسير التفسير" تكملة لما قاله في "هميان الزاد"، وأنّه لم يخرج عن منهج المفسرين، في توظيف اللغة والنحو، وأنّ ما ورد في تفسيريه كان أكثر عمقا وفائدة، وأقرب إلى ما يدعو إليه البحث اللغوي النحوي الحديث وذهب إليه اللسانيون في زماننا.
- وقوله تعالى: (إلاَّ تنْصُروهُ (إلا هي: إن الشرطية ولا النافية، لكن أبدلت النون لاما وأدغمت في لام لا، ولذلك حذفت النون في تنصروه، وابن مالك على جلالته في النحو والتصريف كغيرهما من الحديث والتفسير، والفقه واللغة، والعروض، ذكر (إلا) هذه في شرح التسهيل من أقسام إلا، وإنما ذلك منه على جهة الغفلة، أو زلة القلم، وجواب إن محذوف تقديره فسينصره الله وقوله تعالى: (فَقَد نَصرهُ اللهُ إذْ أخْرجَهُ الَّذينَ كفَرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ (كالدليل عليه القائم مقامه، وذلك أن نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد يتضمن أنه ينصره، وقد كان معه آلاف رجل، وهذا باعتبار شأن الإنسان في النظر إلى الوسائط، وإلا فالقلة والكثرة عند الله سبحانه سواء، أو الآية مشيرة إلى أن وجودكم وعدمه سواء، ألا ترون أنه نصره إذ لم تكونوا معه، ولم يكن معه إلا واحد، وأجاز جار الله كون قوله تعالى: (فَقَد نَصرهُ اللهُ (جوابا على أن المعنى فقد أوجب الله له النصر المطلق في ذلك الوقت الذي
كان فيه ثاني اثنين، فنصره فيه، وينصره في غيره انتهى بإيضاح.
مسألة لغوية أخرى: الله اسم مشتق من السمو وهو الارتفاع عند البصريين، فالله جل وعلا لم يزل مسمى وموصوفا قبل وجود المخلوقات وبعد وجودها وبعد فنائها لا تأثير لهم في أسمائه وصفاته، وذلك معتقدنا ومعتقد الأشعرية، أو مشتق من السمة وهي العلامة عند الكوفيين، قالت الكفار والمعتزلة: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة، وهذا خطأ فاحش، ولا يخفى أن الاسم إذا أريد به اللفظ غير المسمى، وإذا أريد به المعنى فهو غير المسمى، وهذا في قولك اسم بالهمزة والسين والميم في سائر الأسماء كزيد وعمرو، وإذا أطلق لفظ عمرو ولفظ زيد على الحروف الملفوظة بها كقولك عمرو وزيد ثلاثيا، أو مبتدأ أو خبر أو فاعل أو نحو ذلك فمجاز من تسمية الدال باسم المدلول أو على المسمى، فحقيقة عكس قولك اسم وأصل الله آلاه؛ أي عال حذفت همزته وعرض عنها أل، وليس حذفها قياسا لأنها متحرك، وبدليل وجود التعويض وإدغام الدال في لام الله، ولو كان قياسا لما وجب التعويض والإدغام لأن المحذوف قياسا في حكم الثابت.
وهو الاسم الأعظم إذ لا يشاركه فيه أحد وتسند إليه الصفات مثل: الله حافظا، الله مغيث،
الله قدير، الله ودود، الله حي، الله عليم، الله مريد، الله متكلم، الله سميع، الله بصير.
ولذلك قيل: الله اسم تبنى عليه الصفات فهو وضعا واستكمالا لا غلبة فيه ولا اشتقاقا، وقيل: اسم لمن يستحق العبادة إلا هو، وهو قول القائلين بالأقوال السابقة من الاشتقاق لا قولان أصله في السريانية. (2)
وقد ذهب الإمام القطب ـ رحمه الله ـ كما نقل عنه إلى ترجيح "تيهرت" بالياء بدلا من "تاهرت" بالألف
حيث قال -رحمه الله تعالى-: وتيهرت بكسر التاء وإسكان الياء بعدها إسكانا ميتا، وبفتحها وإسكان الياء بعدها حيا والفتح أول، وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء مجرورة في السطر لا على صورة هاء؛ لأنها تاء تأنيث في لغة البربر ويقال: تاهرت بالألف وهو ضعيف. (3)
رأيه في كيفية تلاوة قرآن الكريم: عن أبي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (: «إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَرَتِّلْهُ تَرْتِيلاً وَلاَ تَغَنَّوْا بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْمَلاَئِكَةُ لِذِكْرِهِ». مسند الربيع بن حبيب.
رأيه في قوله: «فرتِّله ترتيلاً»: أي: اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من سماعها وفهمها، وترتيل القراءة: الترسُّل فيها والتبيين بغير مجاوزة للحدِّ. وقيل: الترتيل رعاية مخارج الحروف وحفظ الوقوف.
وقيل: هو خفض الصوت والتحزين بالقراءة، وفي حديث حفصة عند المصنِّف وغيره أنَّه (كان يقرأ السورة فيرتِّلها حتَّى تكون أطول من أطول منها.
وقال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبيء (فقال: كان يمدُّ مدًّا، والأمر بالترتيل للاستحباب عند أكثر العلماء، وفائدته تدبُّر القارئ وتفهُّم معانيه.
وفصَّل الإمام مالك فقال: من الناس من إذا هذَّ كان أخفَّ عليه، وإذا رتَّل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن، قال: والناس في هذا على قدر درجاتهم، وما يخفُّ عليهم وكلٌّ واسع. وقد روي عن جماعة من السلف أنَّهم كانوا يختمون القرآن في ركعة وهذا لا يتأتَّى إِلاَّ بالهذِّ.
قوله (: «ولا تغنُّوا بِهِ»: أي: لا تمدُّوا الصوت بالقراءة مدًّا يشبه الغناء، وَهُوَ الإفراط في الترسُّل فيشمل
الترجيع والتضريب، والترجيع عبارة عن ترديد الصوت في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، والتضريب: عبارة عن مدِّ الصوت وتحسينه.
والحاصل أنَّه (أمر بالترتيل ونهى عن التغنِّي، وعلَّل بقوله (: «إِنَّ الله يحبُّ أن تسمع
الملائكة لذكره»، وهذا
يفيد أنَّ الملائكة تستمع للترتيل دون التغنِّي، فإنَّهم ينفرون عنه، وذلك يقتضي المنع، فإنَّ حضورهم مطلوب، وعلى المنع أكثر العلماء، وخالف أبو حنيفة والشافعي واحتجُّوا بحديث فيه: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم»، وآخر فيه: «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا». إنَّ تزيين الصوت لا ينحصر في التغنِّي بل يكون في الترتيل أيضًا، وأمَّا قوله (: «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منَّا»، فمعناه أنَّ من لم يستغن به عن غيره من كتب اليهود والنصارى وأضرابهم يقال: تغنَّيت وتغانيت واستغنيت، وقيل: أراد من لم يجهر بالقراءة فليس منَّا، وقد جاء مفسَّرًا في حديث آخر: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر بِه». قيل: إنَّ قوله: «يجهر بِهِ» تفسير لقوله: «يتغنَّى بِهِ».
قال ابن الأعرابيِّ: كانت العرب تتغنَّى بالركبان إذا ركبت، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلمَّا
نزل القرآن أحبَّ النبيء (أن تكون هجِّيراهم بالقرآن مكان التغنِّي بالركبان، ومعناه: اجعلوا مكانَ غنائكم تلاوة القرآن، وَأَوَّل من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عنه عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال: قراءة العمري، وأخذ عنه ذلك سعيد بن العلاف، وسمع سعيد بن المسيب عمر بن عبد العزيز يؤمُّ الناس فضرَّب في قراءته، فأرسل إليه سعيد: أصلحك الله، إنَّ الأئمَّة لا تقرأ هكذا! فترك عمر التضريب بعد ذلك.
وقرأ رجلٌ في المسجد النبويِّ فضرَّب، فأنكر ذلك القاسم بن محمَّد وقال: يقول الله عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت/42 وقال مالك: إِنَّمَا هو غناء يتغنَّون بِهِ ليأخذوا عليه الدراهم. (4)
منهج الاستدلال عند الشيخ اطفيَّش:
يقول أحد الدارسين النابهين: إن المناهج العلمية بوجه عام لا تستلزم معرفتها القدرة على البحث، لكنّها تنمي ما لدى الإنسان من استعدادات موجودة بالفعل، هي كالماء الفرات الذي يسقي الأرض الجالحة للزرع فتخرج حبا ونبتا وجنات ألافا فما لم يكن الباحث أو الفقيه مؤهلا بالفطرة للبحث والاجتهاد، فإن دراسته للمناهج لا تجدي فتيلا.
والإمام الشيخ اطفيش من الذين رزقوا استعدادات فطرية ساعدت على الغوص وراء الحقائق العلمية، وشهد له بحدة الذكاء حتى لقّب بالذكي مما مكنه من الإطلاع على منهج من سبقه من فقهاء الإسلام في التأصيل والتفريع وكان في عرضه للمسائل الفقهية يذكر كل أقوال الفقهاء بدون تقيد بمذهب، وكان في كتابه الموسوعي شرح النيل وشفاء الغليل شاهد على ذلك إذ كان كثيرا ما يرجح أقوال مالك على غيره من الفقهاء ولم يمنعه ذلك من مخالفته لبعض أقوال
الإمام وترجيح ما ذهب إليه غيره من الأئمة.
وأشير إلى أنّه من العسير تتبع منهج الشيخ العلامة اطفيش في كلّ ما كتب في العلوم الشرعية، وذلك أنّ بعض ما ألّف مازال مخطوطا أو لم يكن باستطاعتنا الوصول لما صنّف، إلاّ أشير إلى أن الشيخ قدس الله سره-يعتمد على المنهج النقلي: ونقصد به هنا الاستدلال بالقرآن والسنَّة:
فقد كان الإمام اطفيش يعتمد على عنصرين أساسيين هما: الأثر والنظر وهما ضروريان لكلّ عمل فقهي، فلا
يمكن لأيّ عمل من الأعمال الفقهية أن يستقل فيه الأثر على النظر استقلالا تامّا بحيث لا يكون للنّظر مدخل بحال في العمل الفقهي الذي هو استنتاج، ولا يمكن أن يستقلّ النظر بحيث لا يكون للأثر أيّ اتّصال بذلك الاستنتاجيّ؛ لأنّ الاستنتاج حينئذ يخرج عن حقيقة الاجتهاد إلى حقيقة الهوى.
ولذلك كان العنصران ضروريين لكلّ عمل فقهيّ وذلك أنّ أصول الفقه أو مدارك الأحكام الشرعية كما تسمى إنّما هي قولية مأخوذة من القرآن المؤدى بطريق الوحي، أو بطريق السنة الشريفة، وهي النصوص القولية هي التي تعتبر الأدلّة الإجمالية للأحكام التفصيلية، بحيث إنّها التي تعتبر أصول الفقه، فإذا كانت أصول الفقه مدارك قولية فإنّ الفقه لا يمكن أن ينشأ إلاّ بأصوله.
ولما كان هذان العنصران الأثر والنظر هما عمدة الإمام القطب في الاستنباط الفقهي على طريقة إمامه المقتدى به سيدنا جابر بن زيد (، ولم يخرج عن مبادئه، وذلك بالنظر إلى ما استنبطه الإمام من الكتاب الكريم والسنة النبوية، فكان القطب يعدّ مجددا بحكم بلوغه درجة مجتهد مذهب.
وكان الإمام القطب يرتب أدلته بحسب درجاتها في الاستدلال الشرعي، وهي تنقسم-كما ذكرنا-إلى قسمين: الأثر والنظر.
فالقسم الأول: الأدلة الأثرية وهي القرآن الكريم وقراءاته والسنة النبوية وكان فيها بصيرا، وآثار الصحابة، والإجماع.
القسم الثاني: أدلة النظر وهي القياس والمصلحة المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع.
وهذا المنهج الذي سار عليه مقتفيا أثر من سبقه من الفقهاء حتى غدا مثالا يحتذى، فقد استفاد من منهجه الفقهي هذا فحول الفقه وأئمته اعتمدوا كثيرا على ما حرره القطب الإمام اطفيش، وعلى ضوء ما ذكرنا فيمكن أن نلخص ما يمتاز به.
ولعلّه من المفيد أن نورد مثالين كتحقيق لما نسبناه للشيخ اطفيش وذلكم من خلال كتابه "شرح النيل وشفاء الغليل"، وتفسيريه "هميان الزاد إلى دار المعاد"، ويسير التفسير".
أولا: أما من تفسيريه فنورد آية من القرآن الكريم هي محلّ خلاف في فهم دلالتها بين القوم، لقد تناقلت المصادر الإباضية نصوصا عن الإمام جابر بن زيد يرفعها إلى رسول الله (وتتمثل في ما يلي: روي عن جابر بن زيد-رحمه الله- أن رجلا قال: يا أبا الشعثاء، أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ (الآية فقال له جابر: أو أنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال: وأين أنبأني يا أبا الشعثاء، قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (النساء/31.
وذكر جابر أن رسول الله (قال: «هلك المصرون» ثلاثا فقال رجل: يا رسول الله فأين قوله تعالى: (ِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ (فقال رسول الله (: «أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب: أنا يا رسول الله فقال: اقرأ (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (طه/82
فقال رسول الله (: «لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا»، وكان جابر يذكر أن النبي (يقول: «من أطمع في الجنة من آيسه الله منها جمع الله بينهما في النار».
هذه نصوص نقلية لا نجد لها أثر عند غير الإباضية يتناقلها الإباضية عن إمامهم جابر بن زيد مسندة إلى رسول الله (تتظافر في ما بينها فتفسر قوله تعالى: (يَغْفِر لِمَنْ يَشَاءُ (تفسيرا واضحا لا تترك المشيئة مطلقة بل
تربطها بضرورة التوبة، وعلة ذلك إقرار حكمة الله تعالى إذ ليس من الحكمة أن يسوى بين التائب والمصر.
وَهُنَا أَذْكُرُ مَا يَكُونُ دَلِيلًا لِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَةِ أَوْ مُنَاسِبًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْأَثَرِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ هُوَ مُقَلِّدٌ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ وَالْإِقْرَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَثَرِ رَاسِخَةٌ فِي الْقُلُوبِ لِصِحَّتِهَا وَشُهْرَتِهَا، فَكَانَتْ الْقُلُوبُ تَأْبَى عَنْ الِاجْتِزَاءِ بِالْأَمَارَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي الدِّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ (، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيمَا حَالٌ تَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ حَتَّى أَنْ لَوْ رَأَيْنَا مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ زُنَّارٌ أَوْ هُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ وَهُوَ كَبِيرٌ لَا نَدْفِنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدَّمُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، وَكَذَا مِمَّا يُشْبِهُهُ فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ، بَلْ نُسِبَ لِلْأَكْثَرِ، وَإِنْ وُجِدَ بِزُنَّارٍ وَهُوَ مَخْتُونٌ فَقِيلَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ يَخْتَتِنُونَ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (، وَلَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِهِ إلَى يَعْقُوبَ فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَالَ: مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا
يَخْرِقُ قَمِيصَهُ، أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةً فَقَرَنَ اللَّهُ هَذِهِ الْعَلَامَةَ بِعَلَامَةٍ تُكَذِّبُهَا وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنْ التَّمْزِيقِ، قِيلَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ (} إلَى قَوْلِهِ: (إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (، وَكَانَ بَعْضُ قَوْمِنَا يَرَى الْحُكْمَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا لَا تَحْضُرُهُ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ لَا تَلْزَمُنَا مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا كَلَامُ غَيْرِ اللَّهِ حَكَاهُ اللَّهُ، قُلْت: إنَّ كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا إنَّمَا يُنْزِلُهُ لِفَائِدَةٍ فِيهِ وَمَنْفَعَةٍ لَنَا، وَالْأَصْلُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حَتَّى يَصْرِفَهُ دَلِيلٌ.
قَال الله تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ (فَآيَةُ يُوسُفَ (مُقْتَدًى بِهَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ الْمَذْكُورُ فِيهَا رَجُلًا عَاقِلًا وَزِيرًا يَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِ الْعَزِيزِ أَوْ طِفْلًا، فَانْظُرْ تَفْسِيرَنَا: "هِمْيَانُ الزَّادِ" لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طِفْلًا فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ مِنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَرْشَدْنَا عَلَى لِسَانِهِ إلَى التَّفَطُّنِ وَالتَّيَقُّظِ إلَى الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ الَّتِي نَعْلَمُ بِهَا صِدْقَ الْمُحِقِّ، وَبُطْلَانَ الْمُبْطَلِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فَوْرَ التَّنُّورِ عَلَامَةً لِنُوحٍ (عَلَى حُلُولِ الْغَرَقِ بِقَوْمِهِ، وَجَعَلَ فَقْدَ الْحُوتِ عَلَامَةً لِمُوسَى (عَلَى لِقَاءِ الْخَضِر (، وَجَعَلَ مَنْعَ زَكَرِيَّاءَ الْكَلَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا عَلَامَةً لَهُ عَلَى هِبَةِ الْوَلَدِ، وَوَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَوَاضِعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْهَا مَا رُوِيَ {أَنَّه ُ (حَكَمَ بِوُجُوبِ اللَّوْثِ فِي الْقَسَامَةِ}، وَقَدْ بَيَّنْته فِي هِمْيَانُ الزَّادِ " وَهُوَ مِنْ كَلَامِ قَوْمِنَا.
وجاء في "هميان الزاد": قال مالك وأحمد: فإن لم يكن ثم لوث فالقول قول لما هي عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته من القتل، وهل يحلف يميناً واحدة كما فى سائر الدعاوى، والثانى يحلف خمسين يميناً تغليظاً لأمر القتل، وعند أبى حنيفة ألا حكم للوث ولا يبدأ بيمين المدعى، بل إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلا، فإن حلفوا وإلا أخذوا الدية من سكانها، والدليل على أن البداءة بيمين المدعى عند وجود اللوث، ما روى عن سهل بن أبى حثمة.
ونثبت قصة حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ التي أشار إليه الشيخ أطفيش: عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بن سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي بَشِيرُ بن يَسَارٍ، أَنَّهُ: سَمِعَ سَهْلَ بن أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ: وَجَدَ عَبْدُ اللَّهِ بن سَهْلٍ قَتِيلا فِي فَقِيرٍ أَوْ قَلِيبٍ مِنْ فُقُرِ، أَوْ قُلُبِ خَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ (أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن سَهْلٍ، وَعَمَّاهُ حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، ابْنَا مَسْعُودٍ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ِ (:"الْكُبُرَ الْكُبُرَ"، فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَذَكَرَ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بن سَهْلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ بن سَهْلٍ قَتِيلا، وَإِنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ كُفْرٍ وغَدْرٍ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (:"فَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ أَوْ دَمَ صَاحِبِكُمْ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَحْلِفُ عَلَى مَا لَمْ نَحْضُرْ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ:"فَتَبْرَأُ إِلَيْكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا"، قَالُوا:
كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ؟ فَوَدِيَ رَسُولُ اللَّهِ (مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي بَكْرَةٌ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ.
ومعنى اللوث: اللَّوْثُ بِأَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا فَشَهَادَةُ السَّمَاعِ لَوْثٌ.
وعرفه آخرون: بأنه العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، لنحو ما كان بين الأنصار ويهود خيبر، وما يكون بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله، فإن لم تكن عداوة ظاهرة بين المتهم والمقتول ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو في زحام أو شهد نساء وصبيان وفساق أو عدل فليس لوثاً. وإن ادعى شخص القتل من غير وجود عداوة، فلا بد من تعيين المدعى عليه. وإذا رفعت الدعوى على عدد غير معين لم تسمع الدعوى، كما قال الشافعية ..
قَالَ مَالِك: الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْمُدَّعِينَ يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَة، وَلِأَنَّ جَنَبَة الْمُدَّعِي صَارَتْ قَوِيَّة بِاللَّوْثِ.
قال في شرح النيل: وَجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُسْتَحَقُّ دَمُ الْقَتِيلِ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ، وَاللَّوْثُ دَلِيلٌ عَلَى الْقَتْلِ، وَلَا نَشْتَرِطُ اللَّوْثَ مَعْشَرَ الْإِبَاضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قِصَّةِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ إلَّا أَنْ قَالُوا: إنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ ذِكْرُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ قُتِلَ فِي بَلَدِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْيَهُودُ وَاسْتَظْهَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ الْقَرَائِنَ تَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ فَيَكُونُ قَدْ قَامَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوهُ وَجَهِلُوا عَيْنَ الْقَاتِلِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبْعُدُ إثْبَاتُهُ.
التأويل وعدم الاكتفاء بالظاهر أي الاستدلال بالعقل والتأويل:
ومما تحتج به المرجئة ولا نعلم لهم في كتاب الله حجة أوثق في أنفسهم منها قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (فقالوا: إن الكبائر التي هي دون الشرك فإن الله يغفرها بلا توبة.
قال لهم: أخبرونا عن هذه الآية أتحملونها على ظاهرها أو تحتها معنى؟ فإن قالوا: ليس تحتها معنى وحملوها على ظاهرها فإنما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (فهو إذن لا يغفر الشرك لمن تاب، وإن كان تحت الآية معنى غير ظاهرها فينبغي أن يكون إنما يغفر لمن تاب من الكبائر، ويغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر؛ لأن ذلك كله دون الشرك، ولو حمل القرآن على
ظاهره لتناقض، ألا ترى أنه قال في هذا الموضع لا يغفر الشرك، فلو حمل القرآن على ظاهره لم يغفر الشرك به لمن تاب منه.
وقال في موضع آخر (إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (فدخل في الجميع الشرك وغيره من الذنوب فلو حملت الآية على ظاهرها لكان الشرك مغفورا بلا توبة؛ لأنه قال: (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (.
ونلمس من هذه التأويلات أنها لم تنتهج نهج الجدل العقلي في تحميل النصوص مالا تحتمل وإنما سلكت مسلكا مقارنا حصل منه تعزيز للقول بإنفاذ الوعيد في أهل الكبائر.
وواضح أنها نصوص متكاملة تأخذ من بعضها البعض لتصل إلى نفس النتيجة والمدار في كل ذلك أنه كما يخرج المشركون والمنافقون وأهل الكتاب من عموم الآية ينبغي أن يخرج أهل الكبائر المصرون وتبقى المشيئة مرتبطة بأهل الصغائر والمتأمل مليا يتبين أن هذه التخريجات ليست إلا صياغة كلامية لما نقله جابر بن زيد عن رسول الله (وسيبقى في هذا المحيط ما عبر عنه بالخصوص والعموم. (5)
ثانيا: أما من كتابه الموسوعي "شرح النيل وشفاء الغليل" في معرض حديثه عن استطاعة القيام بفرض الحج فيقول: عن عبد الله بن عمر سأل رجل رسول الله (ما الحج؟ قال: الشعث والثفل، فقام آخر فقال: يا رسول الله أي الحج أفضل؟ قال: الحج والثج فقام آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة، وعلى هذا فيجب على من وجدهما ولو كان غير صحيح البدن غير آمن الطريق وغير واجد للمرافقة، فيجب عليه من حين وجدهما إلى أن يصح ويأمن الطريق ويجد المرافقة فيحج أو يوصي به أو يستأجر من يحج له حين كان مريضا أو غير آمن أو غير واجد للمرافقة وأيس من ذلك أو من الصحة بحسب الظاهر، وإن قدر على المشي بلا ركوب لزمه إن كان الزاد، ويدل على أن الحج يجب بالمال قوله (للتي قالت له: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضية عليه فقالت: نعم، فقال (: «فذا كذلك» حيث قالت: إن فريضة الحج أدركت أبي وهو شيخ، أي: نزلت آية وجوب الحج فشمله وجوبه فأقرها (على قولها إن فريضة الحج أدركته ولم ينهها عن قولها ذلك، فظهر أنه لزمه الحج ولو كان شيخا لا يثبت على الراحلة، وما لزمه الحج مع ذلك إلا لكونه ذا مال فليوص به أو يحج أحدا أو يقضيه عنه أحد.
وأيضا شبه حجها عنه بقضاء الدين فظهر أن الحج في ذمته كالدين، يقضى كما يقضى الدين، لكن يحتمل أن تريد بإدراك فريضة الحج نزول وجوبه على من استطاع، فأرادت الحج عنه ولو لم يجب عليه، فأجابها بأنه يصح قضاء الدين فكيف لا يصح أن تحجي عنه نفلا مثلا، ثم إنه لا
يخفى أن (هل)؟ لطلب التصديق، وإذا أتي لها بمعادل كانت لطلب التصور، إلا إن تلاها فعلان متغايران مثل: هل قعد زيد أم قام؟ وسواء في ذلك (أم) و (أو) ونص بعض على جواز أو بعدها، والقاعدة تقضي بالتسوية ...
أما قوله عن الحكم الشرعي للعمرة: فيعرض أقوال الفقهاء المذاهب عن حكم الشرعي للعمرة فيقول: والأكثر على أن العمرة فرض كالحج وهو مذهبنا وقول ابن عباس، وقال النخعي والشعبي ومالك: سنة حسنة مرغب فيها، وعبارة بعض عن أبي حنيفة وأصحابه أنها تطوع، ولعلهم قالوا: إنها سنة لم تبلغ مبلغ السنة المرغب فيها المتأكدة، وقيل عن أبي حنيفة: إنها سنة كمالك، فلعله يقول سنة غير متأكدة كما قال مالك: إنها متأكدة، فيجتمعان في أنها سنة ويختلفان في التأكد، ولا تكرر في السنة عند جابر بن زيد.
وقيل: تكرر إلا في أشهر الحج فلا توقع فيها إلا عمرة الحج، وهو قول باقي أصحابنا، وقيل: تكرر في السنة كلها متى شاء، ويدل لهذا أنه لو دخل بعمرة مثلا في أشهر الحج ثم خرج لزمه الدخول بإحرام إما بها، أو بحج، أو بهما، وبها فقط قبل أشهر الحج.
التحليل البلاغي والنحوي: يورد الشيخ اطفيش كلام الزمخشري في التفسيرين حيث يقول: "فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك إلا بالتوبة فما وجه قوله تعالى: (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ (قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى- لمن يشاء- كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله".
وقد زاد محمد اطفيش القضية تحليلا في ما بعد: فالإباضية حينئذ استفادوا هذا الدليل من المعتزلة وتبنوه، ومهما يكن من أمر فإن هذا التخريج البلاغي ليس من التعسف في شيء كما ذهب إلى ذلك علي بن محمد الجرجاني في حاشيته على الكشاف حيث يختم انتقاده بقوله: "وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي نعوذ بالله من ذلك" ما دامت اللغة العربية تتحمل ذلك، والزمخشري لا يشق له غبار في هذا الباب وهو من أئمة اللغة قبل كل شيء، فلا ضير إن أخذنا برأيه البلاغي النحوي.
والعزف على وتر البلاغة والإعراب فهذا طبيعي في فهم النصوص ففي قوله تعالى: (وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (
غافر/ حيث يقول الزمخشري وينقل عنه محمد اطفيش:" المطاع مجاز في المشفع؛ لأن
__________
(1) - السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية، 1/ 81
(2) - الجامع الصغير للقطب اطفيش، 1/ 18 - 21
(3) - الرد على العقبي، محمد اطفيش، ص:70
(4) - شرح الجامع الصحيح لنور الدين السالمي، 4/ 483
(5) - البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري، 2/ 18 (1/302)
صفحة 2
حقيقة (1/326)
صفحة 3
الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك، فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: (وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (؟ قلت: يحتمل أن يتناول نفي الشفاعة والطاعة معا وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة كما تقول: ما عندي كتاب يباع فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عندك كتابا إلا إنك لا تبيعه ونفيها جميعا وألا كتاب عندك ولا كونه مبيعا ونحو ما قالته العرب:"ولا ترى الضب بها ينجحر" يريد نفي الضبّ وانجحاره". والحقيقة أن القضية البلاغية هنا تعلقت بنفي الشفيع أو إثباته ولم تتعلق بالمشفوع له حيث رجع الأمر إلى التخصيص والتعميم. (1)
فتوى فقهية: طعام أهل الكتب: وموضوع طعام أهل الكتاب، فيه مباحث طويلة بين علماء الأمة وفقهائها، وعندما يتحدَّث الفقهاء عن طعام أهل الكتاب فهم يقصدون الذبائح بالدرجة الأولى، لا يختلفون في أنَّ طعام أهل الكتاب حلال للمسلمين عندما يكون أهل الكتاب تحت الذمة، أي: تحت الحكم الإسلامي، خاضعين لرقابته، ولا يختلف الإبَاضِية عن غيرهم من المسلمين في هذا الحكم للنص القرآني الكريم:
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (5) (المائدة/.
ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية يخالف النص، ويقول بتحريم أهل الكتاب هكذا على الإطلاق -كما ادعى ابن حزم- ولكن منهم من يشترط لحلية ذبائح أهل الكتاب أن يكونوا تحت الذمَّة أي: تحت إشراف الدولة المسلمة ورقابتها. فإذا كانوا كذلك حل طعامهم ونكاح الحرائر من نسائهم أمَّا إذا خرجوا عن الذمَّة، بأن لم يكن بينهم وبين المسلمين صلة ولا علاقة أو كانوا محاربين لله ورسوله، أو كانوا مؤيدين لمن يحارب الله ورسوله، مساعدين له، فإنَّه لا يحل طعامهم أي: ذبائحهم، ولا نكاح الحرائر من نسائهم كما هو الحال في وقتنا الحاضر لمن لم يكن تحت الحكم الإسلامي، ومن علماء الإبَاضِية من يعمل بعموم الآية فيجيز ذلك على جميع الأحوال.
ولا شكَّ أنَّ المسألة مسألة فرعيَّة اجتهاديَّة تحدَّث عنها علماء الإبَاضِية وغير الإبَاضِية بإسهاب وتطويل واختلفت فيها آراؤهم ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية لا في القديم ولا في الحديث يحرم طعام أهل الكتاب إذا كانوا تحت الذمَّة أو تحت رقابة الأمة المسلمة في أي عهد من العهود.
ويفتى بتحريم ذبائح أهل الكتاب في الوقت الحاضر؛ لأنَّهم ليسوا تحت الذمَّة، وقد أعلن
__________
(1) - البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري، 2/ 15 (1/327)
صفحة 4
ذلك بفتاوى عدَّة مرَّات، ومما قاله من أفتى بذلك: إنَّ المسلم لا يمكن أن يرفض الميتة؛ لأنَّها جاءته (1/328)
صفحة 5
عن يد مسلم ثُمَّ يتقبلها من يد مشرك بدعوى أنَّه من أهل الكتاب فذبائح أهل الكتاب عنده في هذه الحالة في حكم الميتة، وهذا المفتي مالكي المذهب متمسِّك بمذهبه إلى حدّ التعصب مع احترامه للمذاهب الأخرى وأئمَّتها.
شروط تولي القضاء: وهناك مسألة هامة وهي شروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتولى منصب القضاء:
قال الشيخ أطفيش: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ وَعِيَاضٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْجَزَائِرِ وَالْمَازِرِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ تُونُسَ: إنَّ الْعِلْمَ مِنْ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ وَلَا يَنْعَقِدُ الْقَضَاءُ لِلْجَاهِلِ مُطْلَقًا وَلَا لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الِاجْتِهَادَ إنْ وُجِدَ مَنْ بَلَغَهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مَعَ وُجُودِ بَالِغِهِ إنْ كَانَ ذَا عِلْمٍ وَنَبَاهَةٍ وَفَهْمٍ بِمَا يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَزَعَمَ قَوْمٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِي الْمُقَلِّدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ بَلْ إنْ كَانَ لَهُ طَرَفُ تَرْجِيحٍ فَلْيُرَجِّحْ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ وَقِيلَ لَزِمَهُ وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقَضَاءُ إلَّا لِلْمُجْتَهِدِ مُطْلَقًا الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ وَمِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ الْفِقْهُ، جَمَعَ الْفِقْهَ وَالْحَدِيثَ كَمَا قَالَ الْعَاصِمِيُّ لِيَتَهَيَّأَ لَهُ النَّظَرُ فِي النَّوَازِلِ.
وَالْبَحْثُ عَنْ الدَّلَائِلِ وَالتَّرْجِيحُ عَنْ وُقُوعِ الْخِلَافِ وَالِاخْتِيَارِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَقْوَالِ، وَمِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ كَوْنُهُ غَنِيًّا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ بَلَدِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لَا يُبَالِي لَوْمَةَ لَائِمٍ سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ لِأَنَّ الْفَقِيرَ وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ يَتَذَلَّلَانِ لِلْغَنِيِّ وَمَنْ لَهُ الدَّيْنُ وَيَتَهَوَّنُ بِهِمَا وَيَحْتَاجَانِ إلَى غَيْرِهِمَا وَالْبَلَدِيُّ يَعْرِفُ الشُّهُودَ وَالنَّاسَ الْمَقْبُولِينَ وَقَدْ يُرَجَّحُ غَيْرُ الْبَلَدِيِّ لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ وَلَا يَرْكَنُ وَلِئَلَّا تُوجَدَ الْمُنَافَسَةُ وَلَكِنْ قَدْ تُوجَدُ بِهِ الْمُنَافَسَةُ فَيَقُولُونَ كَيْفَ يَتَوَلَّى عَلَيْنَا مَنْ لَيْسَ مِنَّا وَلَكِنْ يَنْظُرُ الْإِمَامُ أَوْ نَحْوُهُ مَنْ يَصْلُحُ.
دعوته حفظ حقوق المسلم:
قال: الشيخ الإمام أطفيش: ومن حقوق المسلمين الإصلاح بينهم وهو أفضل الصدقات، وألا يقبل فيهم ما يسمع من النمام والحساد، ولا يسيء الظن بهم، ولا يحل النظر لمسلم بعين الاستصغار، ولا الدنيوي بعين التعظيم، وليس حقاً لهم كف الأذى عنهم فقط بل كفه ونفعهم، فأهل القبور قد كفوا أذاهم، وإنما شرح الله أخوة الإسلام ليستفيد بعضهم من بعض، ومن ذب عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار.
وحق المسلم أوجب من حق الأب غير المسلم، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً، ولا خير فيمن لا منفعة للمسلمين فيه، وإن لله عباداً خصهم الله بنعمه لمنافع خلقه، يقرها فيهم ما بذلوها، وإن ضيعوها حولها إلى غيرهم، وإن لله وجوها خلقهم لحوائج خلقه يرغبون في الحمد، (1/329)
صفحة 6
وأن الله يحب مكارم الأخلاق، وأن أفضل الناس ثواباً غداً أنفعهم للناس اليوم، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعلمه في قضاء حوائج الناس، وهذا لعامة الناس، فكيف فيمن فعل الخير في المسلم، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد، ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر، ولا يغير المسلم ولا يضره ضراً ما، ولا يغشه ولا يخذله ...
وأخيرا: أحب أن أختم إن كلامنا هذا من الفضول الأدبي المقبول، على أن ما جاء به وتركه لنا الشيخ الإمام القطب علم العلماء وكهف الفقهاء محمد بن يوسف اطفيش من علم غزير أودعه في يقرب عن 300 مجلد تكفينا عن مؤونة الوثبة القلمية إذ قلم الشيخ كان طوع بنانه (وبارك لنا في حياته بما ترك من علم غزير، ورحمه الله تعالى مع العلماء العاملين والأئمة المخلصين أمثال مالك بن أنس والمازري والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ إبراهيم بيوض، والشيخ المرحوم عبد الرحمن بكلي. والشيخ الناصر بن محمد المرموري رحمهم الله تعالى جميعا آمين يا رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الهوامش: (1/330)