صفحة 1
الكتاب: الشيخ أطفيش القطب مفسرا
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الشيخ أطفيَّش القطب مفسّرا
د/ يحيى بوتردين
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي غرداية
مقدمة
لقد كنت منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن قد أنجزت بحثا أكاديميا عن منهج الشيخ اطفيَّش في التفسير، من خلال كتابه تيسير التفسير محاولا استكشاف مواقفه وأدواته في التفسير (1)، فألفيته كتابا في حاجة إلى أكثر من دراسة، باعتباره عَلَما من أعلام التفسير في الجزائر والمدرسة الإباضية في ذات الوقت. و من هذا المنطلق وددت التعريف به لمن لا يعرفه من الطلبة والباحثين. ومنهجي في ذلك يقوم على جملة من العناصر الخادمة للموضوع، تكون على النحو الآتي.
ففي الفقرة الأولى التي جعلتها بعنوان الدراسات السابقة عرض ومناقشة، حاولت التمهيد للموضوع من خلال ما من شأنه أن يظهر الغاية من الحديث عن منهج الشيخ في التفسير وصلته بما كتب في الموضوع من قبل الباحثين الآخرين. ليكون الحديث بعد ذلك عن أبرز السِّمات التي تطبع منهج الشيخ في التفسير عامة وفي كتابه تيسير التفسير خاصة، وهو صلب الموضوع، إذ جعلته بعنوان مميزات منهج الشيخ اطفيَّش في التفسير (نماذج نصية)،حيث أتعرّض فيه إلى بعض أدواته ومصادره التفسيرية، وكذا موقفه من بعض قضايا التفسير والتأويل ... إلخ. وكان لابد في آخر المطاف أن أنهي هذه الجولة في عالم الشيخ اطفيش التفسيري بخلاصة تجمل أهم مشمولات البحث.
ومن حيث المادة المصدرية فقد كانت عمدتي إضافة إلى المصحف الشريف برواية ورش، كتاب تيسير التفسير (2) كمصدر أساس في البحث، دون إغفال كتابه التفسيري الآخر هميان الزاد إلى دار المعاد. وأمّا بالنسبة للمراجع، فيأتي في مقدمتها كتاب التفسير والمفسّرون للدكتور محمد حسين الذهبي، الذي أفادني إلى حد كبير، خاصة وأنّه قد تفرّد وكان سبّاقا إلى التعرّض لمنهج الشيخ اطفيَّش القطب في التفسير منذ منتصف القرن الماضي (3)، وإن كنت قد ناقشت بعض مواقفه وأحكامه التي بدت لي خاطئة منهجا
__________
(1) _ كان ذلك في سنة 1989, في بحث تقدمت به إلى جامعة عين شمس بالقاهرة لنيل درجة الماجستير في الآداب.
(2) _ للأمانة فقد آثرنا الالتزام في الإحالات بالطبعة المعتمدة في بحثنا المذكور، وهي الطبعة الحجرية، مع الاستئناس بالطبعة العمانية.
(3) _ الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه تقدّم بها صاحبها إلى جامعة الأزهر عام 1948م. (1/210)
صفحة 2
وموضوعا، على الرغم من جهد الباحث واجتهاده الذي لا ينكر. على أنّي لا أنسى في جانب البحوث والوثائق العلمية المختصرة محاضرة الأستاذ بالحاج عدون شريفي حول "التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية"، والتي ألقاها في الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي بالجزائر العاصمة سنة 1980م، إضافة إلى مجموعة من المحاضرات والشهادات الشفوية والمكتوبة التي تعرّضت مباشرة أو بطريق غير مباشر إلى تفاسير القطب، مما تجمع لدَيّ سواء من أرشيف مهرجان القطب اطفيَّش (1)، أو بالحوار المباشر مع بعض الشخصيات العلمية التي لها صلة بالموضوع.
الدراسات السابقة عرض ومناقشة
إنّ المتتبع للخزانة الإباضية يلاحظ أن ما فيها من كتب التفسير قليل جدا إذا ما قيس إلى رصيدها من كتب العقيدة والفقه على سبيل المثال (2). وقد اتخذ البعض (3) هذه الظاهرة سببا للقول إنّ الإباضية لا يملكون كبقية المذاهب أدوات منهجية يوظّفونها في تفسير القرآن الكريم. وإن وُجد لديهم شيء من التفسير فإنّه يكون تفسيراً بالرأي أو الرأي المذموم (4)، ذلك لأنّ هؤلاء الدارسين لم يتكبّدوا مشقّة الاطلاع الفعلي على تفاسير الإباضية على قلّة عددها، فقد كان أغلبهم (5) يعوّلون على ما انتهى إليه الدكتور محمد حسين الذهبي من انطباعات وأحكام جريئة وجارحة في حق الإباضية والشيخ اطفيَّش القطب خاصة، مردّدين ما قاله دون أدنى فحص أو تمحيص.
وإذا كان محمد حسين الذهبي ـ وهو أوّل باحث مسلم يرجع إليه فضل السبق في دراسة منهج الشيخ اطفيَّش في التفسير ضمن جهود المدرسة الإباضية ـ قد تَمكّن من الاطلاع على تفاسيره بمساعدة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش (6)، فإنّنا نعده قد جانب الصواب لمّا أراد أن ينتصر بتعصّب لمذهبه ـ أهل السنة ـ على حساب كل من خالفهم من شيعة وخوارج وغيرهم. مما استدعى منا التعرّض لآرائه بالتحليل والنقد قبل أي استعراض لمنهج القطب في التفسير، لأنّ ما صدر من الذهبي من أحكام في حق الشيخ ومذهبه –وهي مجانبة للصواب برأينا- إنما كانت ولا تزال مصدر مغالطة وتضليل للدارسين غير المتمرسين وسائر القرّاء، وهو الأمر الذي تهدف المداخلة إلى تصحيحه.
على أنه خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وبعد مناقشة رسالتي للماجستير، نوقشت رسائل أخرى في ذات الموضوع، أولاها للأستاذ محمد عكي علواني (7) بجامعة
__________
(1) _ المهرجان (الملتقى) من تنظيم جمعية البلابل الرستمية بمدينة غرداية (ميزاب) جنوب الجزائر عام 1981م.
(2) _ ينظر: شريفي بلحاج عدون، التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية، بحث ألقي في الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي، الجزائر، 1980، ص 1.
(3) _ وبخاصة الذين اهتموا بتصنيف المفسرين بحسب انتماءاتهم المذهبية، وهو تصنيف اعتمده المستشرقون وقلّدهم بعض الباحثين المسلمين، ينظر مثلا: جولد تسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون. وسائر من نقل عن الذهبي.
(4) _ وهو ما حاول أن يقرّره الدكتور محمد حسين الذهبي الذي كان مقلّدا لآراء أصحاب المقالات في موقفهم من الإباضية الذين يعدّونهم من الخوارج، ينظر: محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ص288 وما بعدها.
(5) _ ينظر على سبيل المثال: محسن عبد الحميد، دراسات في أصول تفسير القرآن الكريم، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 1984، ص12. بكري شيخ أمين، التعبير الفني في القرآن، دار الشروق، بيروت، ط2، 1986، ص120 وما بعدها. صبري المتولي، منهج أهل السنة في تفسير القرآن الكريم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1986، ص210 وما بعدها.
(6) _ محمد حسين الذهبي؛ التفسير والمفسّرون، ج2 ص302, 303.
(7) _ محمد عكّي علواني، مفتّش اللغة العربية في الطور الثانوي، متقاعد، وهو من إباضية الجزائر ومن مواليد قصر مليكة بميزاب، وبحثه جاد أفرده لـ: تيسير التفسير هو الآخر، لا شك أنّه سيثري المكتبة الجزائرية والإباضية في الموضوع. (1/211)
صفحة 3
الجزائر (المعهد الوطني العالي لأصول الدين)، عنوانها: محمد بن يوسف اطفيَّش ومنهجيته في (1/212)
صفحة 4
تفسيره التيسير. ثانيها للطالب محمد مصطفى الخواجا (1) بالجامعة الأردنية سنة 1994م، عنوانها: منهج محمد بن اطفيَّش في تفسيره تيسير التفسير. كما أطلعتنا الأنباء الواردة من عُمان والمشرق العربي بوجود من أعد بحوثاً أكاديمية حول التفسير عند الإباضية (2).
وفي ظلّ عدم تمكّننا من الاطلاع المباشر والمتأني على هذه البحوث لمعرفة ما يجمعها أو يميّزها عن بعضها، وهو أمر لا تهدف إليه هذه المداخلة، فإنّنا آثرنا أن نكتفي بنقد دراسة الذهبي للسبب المذكور آنفا، ولاعتبارها الدراسة السابقة الوحيدة بالنسبة لبحثنا. فما الذي جاء في دراسة الذهبي إذن؟
إنّ الباحث الدكتور محمد حسين الذهبي قد بنى مقاربته للموضوع على مبدأ مغلوط أساسا، ألا وهو حشره الإباضية في زمرة الخوارج، الأمر الذي جعله يطلق أحكاما مسبقة تجريحية فيما يتعلّق بموضوع تفسير الخوارج ويلبسها الإباضية. وعليه فقد استنتج خطأ أن الإباضية لا يملكون تفسيرا للقرآن مثل باقي المذاهب الإسلامية بل إنّهم إذا نظروا في القرآن كانت نظرتهم سطحية لا تتعدّى حرفية ألفاظه، كما أنّهم يهملون الأحاديث النبوية المفسرة للقرآن. وهذا يعني بوضوح أنّ الإباضية –برأيه- لا يعرفون علوم القرآن أو أصول الفقه أو علوم اللغة ... إلخ مما يساعد على فهم وتفسير القرآن الكريم.
وعليه فإنّ الذهبي، ومع فضله الذي لا يُنكره أحد في خدمة علم التفسير والبحث في مناهج المفسرين، قد جانب الصواب في الحكم على تفسير الإباضية والشيخ اطفيَّش. ونكاد نقول إنّه لو ميّز بين الإباضية والخوارج، لما تحامل بذلك الشكل ضد الإباضية، ولَنَظَر إلى تفسيرهم بنفس المنظار الذي نظر به إلى تفاسير أهل السنة. على أنّه وعلى الرغم من هذا وذاك يبقى –برأينا- صاحب الفضل في كونه أثار مشكل التفسير لدى الإباضية، وجعلنا نوليه الاهتمام اللاّزم إثراء وتصويبا (3).
أما وأنّ الذي يهمنا هو التعريف بهذا العالم المجاهد الشيخ اطفيش القطب باعتباره مفسّرا، فأنّنا سنحاول الوقوف عند أهم ما يمكن السؤال عنه عند الحديث عن مناهج التفسير، لمعرفة مدى ما للشيخ منها، وخاصة من خلال كتابه " تيسير التفسير" الذي يعد آخر ما ألّفه، وذلك في الفقرة الموالية.
بعض ملامح منهج الشيخ اطفيَّش في التفسير
__________
(1) _ محمد مصطفى الخواجا، لا نعرف عنه شيء، كل ما في الأمر أنّنا اطلعنا عليه ضمن قائمة للرسائل المناقشة في موضوع منهج التفسير في شبكة الإنترنت.
(2) _ أذكر على سبيل المثال وليد الطبطبائي الذي راسلني من الكويت بداية التسعينيات، مستعلما عن بعض المسائل المتعلّقة بالموضوع، إلاّ أنّي لم أجد له خبرا بعد ذاك، وأحسب أنّه لن يهمل دراسة منهج الشيخ ضمن جهود المفسّرين الآخرين.
(3) _ لقد أفردنا في رسالتنا للماجستير فصلا كاملا لتصويب ما أخطأ فيه الذهبي الحكم بشأن تفسير الإباضية والشيخ اطفيَّش خاصة، ينظر الفصل الثاني من القسم الثاني من الرسالة بعنوان: موقف الإباضية من تفسير القرآن الكريم. (1/213)
صفحة 5
إنّ الحديث عن مناهج التفسير يقتضي التعرض إلى جملة من المسائل التي تُمكّن للقارئ من الحكم على هذا التفسير بالمشروعية والعلمية أو بغير ذلك، وهو ما سنتتبعه من (1/214)
صفحة 6
خلال الفقرات الآتية، إذ نعرض إجمالا لطريقة الشيخ في التفسير في سائر تفاسيره وكيف يتعامل مع الآية الواحدة ليفهمها أو يبسّط معناها للناس، ثم ننتقل إلى تتبع أدواته التفسيرية التي يحدّدها الأصوليون وعلماء القرآن.
طريقة الشيخ اطفيَّش في التفسير
ربما اختلفت طريقة الشيخ اطفيَّش القطب في تعامله مع آي القرآن الكريم من تفسير لآخر، كما هو شأن سائر المفسّرين، وربّما اختلفت طريقته أيضا في التفسير الواحد من سورة لأخرى، أو من آية لأخرى. فالغرض الذي يبدأ به عمله في تفسير آية ما، قد يجعله في الدرجة الثانية أو في الدرجة الثالثة عند شرحه لمعاني آية أخرى. وما كان الأول في هذه يصبح الأخير في تلك، والعكس صحيح.
إلاّ أن هناك طابعا يكاد يكون السمة الغالبة في تفاسير الشيخ اطفيَّش عموما، ذلك أنّه يسوق الآية أو الآيتين أو أكثر، فيستهل عمله بشرح موجز يكون عادة معبّرا عن المعنى الراجح للآية عنده، ثم يربط تلك الآية بما سبقها من الآيات لكي يحقق الوحدة الموضوعية بين الآيات، وبين السورة إذا كانت هناك صلة بينها، وينتقل بعد ذلك إلى بيان الوجوه الإعرابية للآية، وذلك بتتبع كلماتها واحدة تلو الأخرى جاعلا هدفه استجلاء المعنى وتوضيحه، وهذا في أغلب الأحيان، وربّما استرسل وراء الوجوه الإعرابية والصرفية والبلاغية، بما يبدو للقارئ العادي، أنّه مما لا طائل وراءه، وربّما إذا تتبع تلكم الوجوه المختلفة ضاع المعنى منه، ويبدو أنّ انسياق الشيخ اطفيَّش رحمه الله وراء التفسير اللغوي المتعمّق جاء من فرط حبه للغة العربية وولعه الشديد بها، فقد علمنا من خلال تتبع مراحل حياته أنّه كان شديد الاهتمام بالدرس النحوي خاصة.
وإذا هو يقلب الآية على وجوه اللغة المحتملة، نراه يستعين بما يجده من أثر وروايات في تفسيرها، فهو يستفيد من القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيرها من الأدوات التفسيرية، كلّما وجد إلى ذلك سبيلا، في حين يكتفي بالشرح اللغوي إذا لم يجد نقلا أو كان ذلك النقل ضعيفا. فنراه ينقد بعض الروايات أحيانا، ويرد بعض التفسيرات التي قرأها عند المفسرين المتقدّمين، ويرجع إلى أساليب اللغة العربية والشعر القديم فيبحث فيها عن المعنى الصحيح للآية المراد تفسيرها.
ولا يكتفي الشيخ اطفيَّش القطب بتفسير معاني الآيات أو الألفاظ القرآنية شرحا وتوضيحا فقط، بل تنكشف لنا ألوان شتى من شخصيته العلمية، التي تَنمّ عن موسوعية ثقافية يتمتع بها رحمه الله، فهو يتوقّف أحيانا عند آيات الأحكام، فيبيّن المسائل الفقهية التي تتعلق بهذه الآية أو تلك، كما يتوقف أيضا عند الآيات التي تتعلّق بقضايا العقيدة فيشرحها باستفاضة، وربما استوقفته (1/215)
صفحة 7
بعض (1/216)
صفحة 8
الآيات التي يُثار حولها خلاف فكري، فيبيّن رأي مذهبه في تفسيرها، كما يحاول أن يستعرض آراء المذاهب المختلفة ويقارن بينها وبين رأي مذهبه، فيردّ على بعضهم ممن يرى قصورا أو ضعفا في دليلهم، ثم يبيّن الدليل الذي يعتقده أقوى وأصح، وهكذا ..
ويلاحظ القارئ في"تيسير التفسير" أن موقفه من المفسرين الذين يأخذون بمجرد الرأي والهوى، يتسم بالشدة والعنف أحيانا، وذلك مثلما يفعل مع الخوارج (1). أما عند تناوله الآيات التي تحمل القصص القرآني، فهو يتأرجح بين موقفين مختلفين: أحيانا يظهر بصورة الناقل الأمين الذي يبدو من فرط أمانته في النقل وكأنه حاطب ليل لا يترك شاردة ولا واردة نطق بها أهل الأخبار إلاّ وساقها، وإن كانت مخالفة للعقل، وأحيانا يظهر في صورة الناقد المتمرّس الدقيق، إذ لا يثق في بعض الأخبار والآثار الواردة إليه في ذلك. وخاصة إذا شاهد فيها تعارضا صارخا مع العلم والعقل. ولذلك نراه يشك في صحتها وربما يناقشها، وإن لم يجد فإنّه يذيِّل تلك القصة أو تلك الآثار بعد أن يورد تفاصيلها بقوله: "والله أعلم بصحتها"، أو نحو ذلك.
هذه بعض الخطوط العريضة لطريقة الشيخ اطفيَّش في التفسير عامة ومن خلاله كتابه "تيسير التفسير" خاصة، وإذا أردنا أن نفصّل القول في ذلك فإننا نحاول تتبع مصادره التفسيرية التي اعتمد عليها، وذلك بحسب ما هو متعارف عليه بين أهل الاختصاص.
فقد يطالع البعض تفاسير الشيخ اطفيَّش الثلاثة، ويظهر له من أول نظرة أنه يحكّم العقل فيسلكه ضمن قائمة المفسرين الذين يأخذون باتجاه العقل في التفسير (2). وقد يذهب البعض الآخر إلى غير ذلك، فيصنفونه ضمن الاتجاه التوفيقي الذي يأخذ بالنقل والعقل معا (3). إلاّ أنّ الرأي النهائي في هذا الشأن لا يتأتّى إلا بالنظر الفاحص المتعمق في هذا التفسير الأخير " تيسير التفسير"، باعتباره زبدة التآليف التي تركها في هذا الفن، ولعلّنا نحاول من خلال قراءة متأنية لهذا التفسير أن نركّز على المصادر التي استعان بها في تفسيره لتتضح لنا الرؤية بجلاء، وهو ما ستكشف عنه الفقرات الآتية من البحث.
نماذج من اعتماده النقل في التفسير
يعد النقل أو الرواية من المصادر الأساسية في تفسير القرآن الكريم، ويدخل في هذا المجال تفسير القرآن بالقرآن وتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - المنقول عنه بالتواتر، وتفسير الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم (4). والشيخ اطفيَّش القطب، وإن كان مولعا باللغة وبالتفسير اللغوي، فإنّه لا يُهمل النقل فيما ورد من التفسير المأثور، فقد فسّر القرآن بالقرآن، كما فسّره بالسنة، وقد استعان أيضا بآراء الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين وكبار أعلام المفسرين بعدهم ناقلا عنهم بعض آرائهم بحيث يلتزمها أحيانا، ويناقشها أو يختار غيرها أحيانا أخرى. وهذا ما ستكشف عنه
__________
(1) _ ينظر موقفه في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة، آية 44. يراجع: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج2، ص 93.
(2) _ الذهبي، التفسير والمفسرون، ج2، ص 306 وما بعدها.
(3) _ شريفي بلحاج عدون، التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية، ص 12. – طلاي إبراهيم، نظرة في تفاسير القطب، ص6.
(4) _ ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ص 39. – السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 174. (1/217)
صفحة 9
الفقرات الموالية.
- المصدر القرآني في تفسير الشيخ اطفيَّش
ومن ذلك مثلا حمله المجمل على المبين، وهو أن يلتمس له الدليل الذي يبيّن معناه، وإن وُجد في القرآن فهو تفسيره (1). وأمثلته كثيرة في القرآن الكريم. منها قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} (البقرة؛ 36)، حيث تفسّرها آية أخرى من سورة الأعراف، هي قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}} (الأعراف؛23). وقد فسّرها الشيخ اطفيَّش كذلك، إلاّ أنّه لا يذكر أن الأولى من المجمل، والثانية من المبيّن، بل يفسّرها مباشرة بلفظ الثانية. والسياق هو الذي يدلّنا على ذلك. يقول: « .. {فَتَلَقَّى آدَمُ} وحواء، لقوله {قَالاَ رَبَّنَا .. } إلخ، {مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} دعَوَا بهنّ {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف؛23)». (2)
ومن أمثلته أيضا، تفسير قوله تعالى من سورة المائدة: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الاَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} (المائدة؛02) (3) .. حيث جاءت هذه الآية عامة ومجملة، ثم فسرتها آية سورة المائدة، وهي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ .. } (المائدة، 03)، بتخصيص المحرم من قوله تعالى: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}. يقول الشيخ اطفيَّش: « ... {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الاَنْعَامِ} تفصيل للعقود، والبهيمة كل حي لا يميّز ولو قملة أو دودة ... وإضافة البهيمة للبيان إضافة عام لخاصّ، والأنعام الذَكر والأنثى من الضأن والمعز والبقر والإبل، فهي ثمانية وأُلحِق بهن الظباء وبقر الوحش ونحوهما، مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب .. وذكر البهيمة لفائدة الإجمال ثم التفصيل {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} بعد هذه السورة، وهو قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ... } (4).
والملاحظ هنا هو إشارته رحمه الله إلى كون الآية الأولى جاءت على سبيل الإجمال حيث ذُكرت البهيمة من الأنعام، ثم جاءت الآيات بعدها لتفصيل الحكم وتخصيص الحل والحرمة في أنواع البهائم والأنعام، وهذا على عكس المثال السابق حيث لا يذكر مثل هذه المصطلحات العلمية.
والذي يمكن أن نستخلصه فيما يتعلق بهذا المصدر التفسيري هو أن الشيخ اطفيَّش كان ملمًّا بأدوات التفسير بالقرآن الكريم علما وعملا. وإن كان في بعض الأحيان يهمل
__________
(1) _ السالمي، عبد الله بن حميد، شرح طلعة الشمس، ج1، ص 183.
(2) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 48.
(3) _ سورة المائدة، آية 2.
(4) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج2، ص 2/ 3. (1/218)
صفحة 10
ذكر المصطلحات المتعلقة بذلك. ولهذا كان من الضروري على قارئ تفسيره أن يُلمّ بعلوم القرآن، إذا أراد أن يدرك نوع تلك العلاقات التي كان يقيمها الشيخ بين مختلف ألفاظ القرآن الكريم. ولعل رغبة هذا المفسر في الإيجاز من جهة، واستهدافه المعنى بأبسط الطرق والأساليب من جهة أخرى -وهما سمة هذا التفسير- يكونان سببا في ذلك.
- المصدر النبوي في تفسير الشيخ اطفيَّش
وتأتي السنة لتفسّر آيات القرآن الكريم عندما لا يوجد تفسير لها من القرآن. لقوله تعالى في محكم تنزيله مخاطبا رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل؛44). ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَه معَهُ» (1)، يعني بذلك السنة، إلاّ أنّ الآثار التي رويت عن رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - في التفسير تعدّ قليلة جدا، ولكن إذا رأينا إلى سائر أحاديثه فإنّنا نجدها كثيرة جدا. حتى أن بعضهم اختص في هذا الجانب من التفسير، ولم يكلّف نفسه التفسير بالرأي أو العقل (2). إلاّ أن العلماء يحذرون من زيف بعض المرويات لوقوع الوضع والكذب على الرسول. - صلى الله عليه وسلم - (3).
وسنحاول هنا أن نبيّن مكانة السنة في تفسير الشيخ اطفيَّش وقيمة ما يرويه من أحاديث، وربما اقتصرنا على مثال أو مثالين، كمثل تفسيره لقول الباري - عز وجل - من سورة الكهف: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} (الكهف؛90). حيث يقول: «قال رسول الله. - صلى الله عليه وسلم -: سترا بناءً، لم يُبنَ فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا سربالهم حتى نزول الشمس. رواه الحسن عن سمرة بن جندب. وعنه عن سمرة بن جندب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أرضهم لا تحمل البناء. فإذا طلعت الشمس تَغوَّروا في المياه، وإذا غابت خرجوا يتراعون كما تراعى البهائم .. » (4). وهذه الرواية نجدها عند ابن كثير، الذي عُرف بتحري كثير من صحيح النقل (5).
وكما ينقل رحمه الله تفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه يحتج بأحاديث وإن لم تكن تفسيرا مباشرا للقرآن الكريم، ويكثر ذلك عند تفسير آيات الأحكام خاصة، والتي ترد في غالبها مجملة، فالسنة هي التي تبيّنها، وأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في العبادات والمعاملات وتقريراته وأقواله كلها مفسّرة لما جاء في القرآن الكريم مجملا.
والشيخ اطفيَّش بوصفه فقيها، نراه يحتج كثيرا بالحديث الشريف عند تعرضه للمسائل الفقهية. ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَى بِالاُنثَى} (البقرة؛177). (6)، حيث يردّ على الحنفية قولهم بجواز تساوي العبد بالحر في القصاص
__________
(1) _ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 174.
(2) _ لقد ألّف جلال الدين السيوطي كتابا ضخما في هذا النوع من التفسير، بعنوان "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، جمع فيه بضعة عشر ألف حديث. ينظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 214 وما بعدها. – الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 243 وما بعدها.
(3) _ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص 212. – وينظر: الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 49 وما بعدها.
(4) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج3، ص 103/ 104.
(5) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار المنار، القاهرة، د. ت. ج3، ص104.
(6) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 228. (1/219)
صفحة 11
استنادا إلى حديث "المسلمون تتكافؤ دماؤهم" (1). ويستدل عليهم بحديث آخر يبيّن الاستثناء، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يُقتل حرٌّ بعبد» (2)، إلا أنه رحمه الله لا يهتم بذكر درجة صحة هذا الحديث أو ذاك. فكأن طلب المعنى عنده، قد طغى على منهجه إلى الحديث جعله يهمل ما سواه من القضايا الشكلية التي تعدّ هامة هي الأخرى.
هذا بخلاف تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} (البقرة؛36)، فإنّه ينقل حديثا بتخريجه، على عكس المثال الأول، يقول: « .. وأخرج الحاكم في المستدرك (3) عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس أنّه قال: ياربّ، ألم تخلقني بيدك؟ .. » (4).
وهكذا فالشيخ اطفيَّش لا يُهمل توثيق الحديث دائما، بل يعتني وبشدة أحيانا بهذه المسألة، إذ نراه يخرّج الأحاديث ويذكر درجة صحتها، أو ينسبها إلى مصادرها التي وردت فيها، وهذا جانب أصيل في منهجه التفسيري. ومن بين هذه المصادر التي يعتمد عليها، نذكر: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، ومسند الإمام أحمد، والدر المنثور للسيوطي .. وغيرها (5).
ومع هذا فإنّنا نلاحظ أنّه رحمه الله قد يورد هذه الأحاديث في بعض الأحيان مجردة من السند، وربّما يكتفي بالتعليق عليها سواء بالتصحيح أو التضعيف بالإسناد إلى مصدر من المصادر المذكورة.
ومن ميزات منهجه في مجال الاستعانة بالحديث النبوي الشريف أنّه يورد أحيانا أحاديث على ضعفها ويذكر ذلك، ونجد هذا مثلا عند تفسيره قول الله تعالى من سورة النساء: {وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا} (النساء؛40)، حيث يقول: « .. وروى أبو داوود (6) عنه - صلى الله عليه وسلم - "من دخل السوق وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة". وفي سنده ضعف» (7).
وإذا أشار في هذه الفقرة بصراحة إلى ضعف الحديث، فإنّه أحيانا لا يكون متيقِّنا من صحة الحديث أو ضعفه. ولكنّه مع ذلك يورده لاحتمال صحته فيكون قد فسّر بالأثر دون الرأي. إلاّ أنّه يعلّق عليه بقوله مثلا: "لا أعرف أنه صحيح، أو الله أعلم بصحته .. " مع ذكر مصدره الذي استفاد منه. ومثال ذلك تفسيره قوله تعالى من سورة يوسف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف؛55) (8).
__________
(1) _ أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الديات، باب 31، حديث رقم 2683، ج2، ص895.
(2) _ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الديات، باب 7، حديث رقم 4517، ج4، ص 654
(3) _ ينظر: المستدرك للحاكم، ج2، ص545.
(4) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 48.
(5) _ ينظر على سبيل المثال: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج3، ص 800. ج6، ص640/ 644.
(6) _ أخرجه أبوداود، ك. الأدب، باب 10، (من يقول إذا أصبح) ح رقم 5077، ج5، ص317، (بلفظ غيره).
(7) _ اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 731/ 733.
(8) _ ينظر: تيسير التفسير، ج2، ص 356. (1/220)
صفحة 12
وربما وقف رحمه الله موقف الناقد من هذه الأحاديث، وخاصة إذا تعلق الأمر بآية من (1/221)
صفحة 13
آيات الأحكام أو العقيدة، فنراه يخرجها، وربّما حكم عليها بالضعف أو الغرابة، استنادا إلى مصادر علمية في الموضوع. ومن أمثلة ذلك، نذكر تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} (البقرة؛177). حيث أشار إلى وجوب النفقة في غير الزكاة، بأدلة من السنة والإجماع، استعرضها ثم أتى إلى حديث يعارض هذا الحكم فأهمله ولم يلتفت إليه (1).
أما إذا جئنا إلى الآيات التي تعالج مسائل العقيدة نجده أشدّ لهجة من الأوّل في نقده الأحاديث وتضعيفها، مثال ذلك نقرأه عند تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ .. } (القلم؛42). حيث يستعرض الوجوه المختلفة لمعنى الساق، حتى ينتهي إلى أن الآية كناية عن شدة الأمر في ذلك اليوم وفزعه. ويستشهد لذلك من الشعر العربي، ثم يرد على من يفسر الآية بالمعنى الظاهر للساق، استنادا إلى الحديث، ويعتبر أن هذا الحديث مكذوب أو موضوع على رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - ولو ورد في الصحيحين (2).
ومن هنا يتّضح لنا سرّ اختلاط الأمر لديه في كتابه الأول هميان الزاد الذي أورد فيه كثيرا من المرويات الصحيحة وغير الصحيحة على سواء، خاصة منها أحاديث فضائل القرآن، التي لا يورد منها أصحاب المسانيد إلا النزر القليل، مما جعل الدارسين يعتبرون أكثرها موضوعا. والشيخ اطفيَّش حين جاء إلى كتابه تيسير التفسير جعله مجردا من هذه الموضوعات أو يكاد (3).
وخلاصة القول مما يمكن أن نلاحظه على منهج الشيخ اطفيَّشْ في التفسير بالسنة، أنّه رحمه الله لم يهمل هذا المصدر بل حاول أن يستفيد منه كغيره من المفسرين. وقد سلك فيه منهج الناقد المتمرس الذي لا يقبل أي خبر يجده في طريقه بل يختار الصحيح منها ويناقش الباقي، فإمّا يرُدّها أو يؤوِّلها. إلاّ أنّه مع ذلك لا يلتزم دائما بتخريج الأحاديث المعتمدة من قبله. وهذا مما يضطر القارئ إلى البحث عن سندها ودرجتها من الصحة.
مصدر التفسير بأقوال الصحابة والتابعين
لقد عُرف الشيخ اطفيَّش في استعانته بتفسير الصحابة رضوان الله عليهم، باحترامه لآراء الصحابة وإجماعهم، إذ لا يتعدى ذلك إلى رأيه واجتهاده. وهذا المبدأ يعدّ أساسيا في مناهج التفسير وأصول الفقه لدى الإباضية (4). كما هو لدى المسلمين كافة. ومثال ذلك نجده عند تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَى بِالاُنثَى} (البقرة؛178). متمسكا بعمل الصحابة رضوان الله عليهم في كون الحر لا يُقتل بعبد. وهذا بإجماع منهم. فرد على القائلين بغير ذلك مضعّفا دليلهم (5).
ولعل الميزة الأساسية التي يمتاز بها الشيخ اطفيَّش في تعامله مع المأثورات التفسيرية
__________
(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 224/ 225.
(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 312/ 313.
(3) _ جاء في كتاب "هميان الزاد" كثير من هذه الأحاديث. ولعل الشيخ اطفيَّشْ يوردها، بغرض الترغيب في القرآن الكريم والاعتناء به. ولمّا تفطن لذلك حاول أن يصرفها عن تفسيره "تيسير التفسير". ينظر: هيمان الزاد، ج1، ص164. – ج3، ص471/ 472. – تيسير التفسير، نهاية السور، مع التخريج. ج1، ص 477 (طبعة عمان). – ويراجع بوجه خاص تفسيره لأول سورة يس، حيث ينقل أحاديث ثم ينقدها.: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج4، ص 986/ 987.
(4) _ السالمي عبد الله بن حميد، شرح طلعة الشمس على الألفية، ج2، ص 78/ 79.
(5) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 228. (1/222)
صفحة 14
والتي (1/223)
صفحة 15
يمكن أن تؤكدها أكثر من مرة هي تلك الروح النقدية الفاحصة، إذ يميل كثيرا إلى تحقيق الآثار و المقارنة بينها قبل اعتمادها.
لأنّه إذا جاء تفسير عن الصحابي الواحد دون إجماع من غيره عليه، فإنّه يناقشه ولا يرتضيه لمجرد كونه تفسير صحابي. وخاصة إذا وجد ما هو أقوى منه، ذلك ما نلاحظه عند تفسيره لقوله تعالى من سورة الإنسان: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً () عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} (الإنسان؛17 - 18) (1). والذي نلاحظه في هذه الفقرة هو أنّه يقدم أحيانا قول التابعين أمثال قتادة ومقاتل بن سليمان، إذا كان تفسيرهم مما أجمع عليه المسلمون، ويرد ما أُثر عن الصحابي ولو كان لمثل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذلك لعدم اشتهاره لدى غيره عن طريق هذا وكان الشيخ اطفَيَّشْ رحمه الله يعتمد رواية التفسير عن الصحابة والتابعين إلى حدّ كبير، حتى تسربت إليه الإسرائيليات (2)، فغمرت تفسيره تماما، مثلما وقع بالنسبة لكثير من المفسرين عبر العصور. والذي يلاحظه القارئ هو أنّه رحمه الله بالرغم من اعتماده على النقد –وهي ميزة في تفسيره لآيات الأحكام وآيات الاعتقاد- فإنّه لم يكن يتحرج من إيراد تلك الإسرائليات الخرافية التي ربما ينقدها أحيانا أو يناقشها. الإجماع، لأنّ الإجماع يعد شرطا لحجية تفسير الصحابة والتابعين.
ومن هنا يتضح لنا أن أحاديث أهل الكتاب تعدّ مصدرا لا يستهان به في عملية التفسير، ولكن اعتمادها يكون من أجل الاستشهاد لا الاعتقاد (3)، تبعا لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعدم تصديقهم ولا تكذيبهم. ولهذا نجد العلماء (4) يقسّمون هذه الأخبار إلى عدة أقسام: منها ما هو واجب قبول روايته، وهو الصنف الثاني الذي تتأكد صحته بموافقته الكتاب والسنة، ومنها ما يجب رفضه وتركه، وذلك إذا تبيّن بطلانه، وصنف ثالث لم تثبت صحته ولا تأكد بطلانه، فلا هو يتفق مع روح الكتاب والسنة، ولا هو معارض لهما، فهذا الصنف سيان فيه أن يُروَى أو يُترك، وهو داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم» وقوله كذلك: «حدّثوا عنهم ولا حرج». وقد يضيف بعضهم (5) شرطا آخر وهو أن لا تكون هذه المرويات متعارضة مع العلم الحديث، لأنه قد اتضح في هذا العصر بطلان كثير من الإسرائيليات لذات السبب، والتي عَجّت بها كثير من كتب التفسير القديمة على وجه الخصوص.
ولكي يتضح لنا موقفه هذه المرويات بالنسبة لـ " تيسير التفسير" الذي اعتبرناه منذ البداية عمدة هذه الدراسة. يجدر بنا أن نتتبع بعض تفسيراته لآيات القصص التي اتصلت بهذا المصدر التفسيري.
__________
(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج7، ص 444.
(2) _ الإسرائيليات في عرف العلماء تعني ما داخل التفسير من ثقافات أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وإنما سمّيت بالإسرائيليات تغليبا للجانب الأكبر والأعم من الثقافتين. ينظر: الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، ص 166. – دائرة المعارف الإسلامية، مادة تفسير، طبعة دار الشعب، مجلد9، ص414.
(3) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 5.
(4) _ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 5. – ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير، ص 42.
(5) _ أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، ص 32. (1/224)
صفحة 16
ففي تعرضه لقصة هاروت وماروت، التي في قوله تعالى من سورة البقرة: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (البقرة؛101). نجده رحمه الله يورد أخبارا عن الملكين، ويسندها إلى مصادر تفسيرية على سبيل التوثيق حتى يتنصّل أمام القارئ من أية مسؤولية في الموضوع، كما يعلّق على هذه الأخبار بالصحة أو عدمها بما يراه دليلا، وهذا بخلاف ما فعله في كتاب " هميان الزاد " (1). وتبعا لهذه المنهج، نجد الشيخ أحيانا يرفض بعض الخرافات التي لا تستقيم علميا كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى من سورة المائدة: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} (المائدة؛56) (2).
وكخلاصة عن هذا المصدر التفسيري، نقول إنّ الإسرائيليات في " تيسير التفسير" تظهر للقارئ بكل وضوح على أنّها أخبار غير متيقّن من صحتها، وذلك بفضل منهج الشيخ اطفَيَّشْ في نقدها أو التعليق عليها، ولو بعبارة موجزة تفيد الشك في صحتها، مما يجعلنا نؤكد القول بأن الشيخ اطفَيَّشْ مفسر ناقد وواعٍ بمهمته العلمية، وخاصة في تيسير التفسير.
3 - نماذج من اعتماده اللغة في التفسير
لقد كان طبيعيا أن ينطبع تفسير الشيخ اطفيَّشْ بشيء من لوازم ثقافته، فكانت اللغة وعلومها المختلفة من نحو وصرف وبلاغة، ظاهرةً في منهجه التفسيري. والمتتبع لتفسيره يجد مباحث لغوية عديدة حاول الشيخ أن يسبر من خلالها أغوار الألفاظ والتعابير القرآنية، مستعينا بآراء كبار علماء اللغة المشهورين، أمثال أبي عبيدة، والفراء، والزجاج، وغيرهم (3). وكان يهتم كثيرا بالجانب الإعرابي في القرآن الكريم، انطلاقا من كون الإعراب أداة مساعدة على استجلاء المعنى وتوضيحه (4). ولما كان رحمه الله، يقرر درس التفسير على طلابه كمادة علمية، فإنّه كان حريصا على هذا الجانب، وربما اهتم بتبسيط أسلوبه في "تيسير التفسير" ليكون في متناول كل قارئ من جهة، ولكن دون أن يفقد الكتاب طابعه التعليمي من جهة أخرى (5).
- الجانب الإعرابي
إنّ أول ما تقع عليه عين القارئ وهو يطالع صفحات تيسير التفسير هو الجانب الإعرابي، أو بعبارة أخرى، الجانب النحوي، ومع ذلك فالشيخ محمد بن يوسف اطفيَّشْ لم يكن يسلك في هذا الكتاب نفس الطريقة التي كان يسلكها في كتابيه السابقين، بالنسبة لهذا الجانب. فهو لا يسترسل مطوّلاً وراء التفريعات النحوية إلا نادرًا، بل قد جعل همّه الأساسي هو استجلاء المعاني وتوضيحها عن طريق فك الرموز النحوية للجملة القرآنية، وبيان الموقع الإعرابي
__________
(1) _ ينظر: هميان الزاد، ج2، ص203 وما بعدها. تيسير التفسير، ج1، ص 125/ 126. بخلاف.
(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج، ص 56/ 57.
(3) _ ينظر على سبيل المثال لا الحصر: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 128/ 188/710. – ج2، ص838. – ج3، ص902/ 905 .. وغيرها.
(4) _ ينظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 260. – سميح عاطف الزين، الإعراب في القرآن الكريم، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985، ص7 وما بعدها.
(5) _ القارئ في "تيسير التفسير" يجد أدلة واضحة على أنه تفسير موجّه أساسا للتعليم، وليس لعامة الناس، من بين ذلك، بعض العبارات التي يستعملها الشيخ اطفيَّشْ وهي توحي بأنه قالها من أجل غاية التعليم. فهو بعد أن يقرر قاعدة لغوية، أو تفسيرا معيّنا، فإنه يوقف الكلام بعبارة (ولا أعيده)، وكأنه يحث طلابه على الاهتمام.
ينظر: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 128. (1/225)
صفحة 17
للكلمات، وإن كان مع هذا كلّه لا يُهمل الجانب التعليمي الذي يقصد به إفادة تلاميذه. (1/226)
صفحة 18
فلو أخذنا تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {فَاتُوا بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ} (البقرة؛23). وجدناه يورد احتمالين في إعراب الضمير "هاء" من كلمة "مثله"، إذ الإعراب هنا وجه من وجوه التفسير، وهذا يدلنا على اهتمامه بالنسق المعنويى للآية القرآنية (1). فالضمير "هاء" في "مثله" كما هو واضح هو مفتاح المعنى في هذه الآية، إما أن يعود إلى القرآن، أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وذلك كما في الآية التي تسبق هذه والتي يقول فيها - عز وجل -: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (البقرة؛22).
وإذا كان الشيخ اطفيَّشْ يهدف بإيراد مختلف الوجوه الإعرابية المحتملة، إعطاء القارئ أكثر قدر ممكن من الأدلة على ما تُفسَّر به الآية، فإنه يفعل ذلك أيضا من أجل غاية تعليمية إلى حدّ أننا نجده أحيانا يتقمص شخصية معلم اللغة العربية لا المفسر. من ذلك مثلا، تفسيره للآية الكريمة من سورة النساء، وهي قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} (النساء 26) (2).
- الجانب الصرفي
ويمتد اهتمام الشيخ اطفيَّشْ بالناحية اللغوية إلى مسائل تتعلق بعلم الصرف أحيانا. ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى من سورة المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنَ اَشْيَاءَ اِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (3). حيث يقف بنا مطوّلا عند لفظ أشياء ويفصّل بناءه الصرفي تفصيلا تعليميا، ربّما كانت الآية في غير حاجة إليه (4). وقد يصرف القارئ العادي عن فحوى الآية الكريمة وهدايتها، ولهذا كان من العلماء من رفض أن يتعلّق المفسرون بمثل هذه التطبيقات اللغوية في كتب التفسير (5).
ومن أمثلة ذلك أيضا تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (البقرة؛172). إذ يتوقف عند كلمة اضطر ليفصّل القول في المعنى الذي اكتسبته الكلمة وهي على هذه الصيغة (6).
ولعل من المفيد هنا أن نذكر أنّ الشيخ اطفيَّشْ حين يورد تلك المعارف اللغوية، فإنّه لا يوردها عبثا، بل ربما كان يهدف إلى إقناع القارئ بكثرة الأدلة والتفريعات العلمية. إلا أنّه لا يخفى تأثره بوظيفته كمعلم، مما جعله يستطرد في إجراء التطبيقات اللغوية بدون حدود أحيانا. وذلك حين وجد أن النص القرآني يعد مجالا خصبا لذلك. وربّما كانت هذه التطبيقات اللغوية مفيدة للقارئ الجزائري في فترة ما من فترات –عصر الاستعمار خاصة- لأنها تساعده على إرساء وترسيخ قواعد اللغة العربية في ذهنه.
__________
(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 26/ 27.
(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 715.
(3) - سورة المائدة، آية 101.
(4) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج2، ص 174/ 175.
(5) - لقد اعتبر الإمام محمد عبده هذا الجانب من حلّ الألفاظ وإعراب الجمل، مما يجعل التفسير جافا مبعدا عن المقصود. ينظر: أمين الخولي، التفسير، نشأته تدرجه وتطوره، ص70.
(6) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 218. (1/227)
صفحة 19
- الجانب البلاغي
إنّ الشيخ اطفيَّش يولي اهتماما كبيرا لدلالة اللفظ حالة وقوعه للحقيقة أو المجاز. ويبيّن أثر ذلك في السياق. ففي قوله تعالى من سورة البقرة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة؛178)، يعلق على لفظ (كُتِبَ) الذي انتقل من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، ثم أصبحت هذه الدلالة المجازية له حقيقية بالعرف، (1).
وفيما يتعلّق بوقوع المجاز في التعبير القرآني نجد الشيخ اطفيَّشْ في تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُومِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} (البقرة؛8 - 9). يحاول أن يجد تفسيرا مجازيا للفظ (يخادعون) حيث إن مخادعة الله هنا ليست على الحقيقة، لتنزهه تعالى عن ذلك، فلا يُتصور أن يخادع المخلوق خالقه (2).
ونجد الكتاب مليئا بالصور البلاغية القائمة على المجاز بأنواعه المختلفة، مع تحليلات مفيدة لبيان المعنى وتوضيحه، ومن أمثلة هذه الصورة نذكر ما يلي:
ففي تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: {فَاتُوا حَرْثَكُمُ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة؛221). يفيدنا المفسر بأن "الحرث" هنا كلمة مستعارة على سبيل التشبيه البليغ، أو الاستعارة التصريحية، أو التمثيلية (3). وقد نجده أحيانا لا يحدّد نوع الصورة البلاغية للآية القرآنية بتاتا، إذ يكتفي بشرحها من أجل بيان معناها فقط. ومثال ذلك نقرأه في تفسير قوله تعالى من سورة النبإ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} (النبأ؛10) (4). فكون الشيخ اطفيَّشْ يهدف إلى بيان معنى الآية جعله لا يُولِي اهتماما كبيرا للتحليل البلاغي للآية الكريمة، كما رأينا في المثال السابق، وهذا يدلّ على أنّه رحمه الله، لم يكن يهتم بالجانب البلاغي بمثل اهتمامه بالجانب النحوي الإعرابي، من حيث التعمق في التحليل وذكر المصطلحات العلمية الخاصة بهما.
- استشهاده بالشعر
ومن المباحث الهامة في تفسير القرآن الكريم باللغة، أن يبحث المفسر في ديوان العرب لعله يجد فيه ما يفسر الغريب والمشكل من ألفاظ القرآن الكريم، باعتبار أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليبهم. وذلك أسوة بما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، فقد قال عبد الله بن عباس فيما رواه عنه السيوطي: «الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآ، الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه .. » (5).
__________
(1) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 226.
(2) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 11.
(3) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 312/ 313.
(4) - ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 462.
(5) - السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 55. (1/228)
صفحة 20
إلاّ أن الشيخ اطفيَّشْ لم يتسغل ثراء ديوان العرب في تفسيره كما استغل ثراءهم النحوي والبلاغي، فهو قد استشهد بجملة متواضعة من الأشعار جاءت مبثوثة في مواطن مختلفة (1/229)
صفحة 21
من تفسيره، يتركز أكثرها في الجزأين الخامس والسادس منه خاصة. وكان يقصد من إيرادها إلى أكثر من هدف. فهو عادة يستشهد بها على سبيل الاستئناس خدمة للمعنى من حيث بيانه وتوضيحه، وأحيانا أخرى يأتي بها من أجل الاحتجاج في المسائل اللغوية أو البلاغية أو غيرها.
ولعل من أهم الأمثلة التي استوقفتنا فيما يتعلق بهذا المصدر التفسيري، تلك التي تبيّن اهتمام الشيخ اطفيَّشْ بقواعد الاستشهاد بالشعر، وإن كانت هذه الأمثلة تعدّ نادرة بالنسبة لغيرها. فهو يبدو فيها حريصا على تأصيل المعنى وتأكيده من خلال استعراض نموذج من أشعار العرب، وربّما لا يذكر اسم الشاعر وهو الغالب ولكن الأبيات التي يوردها لا تخرج عن المراد.
نذكر من ذلك استشهاده ببيت شعر على لغة طي، نسبة لشاعر منهم لم يذكر اسمه، وقد جاء به من أجل بيان معنى الزمهرير، في قوله تعالى: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا} (الإنسان؛13) (1)، وهذا البيت يقول:
ولَيْلَةٍ ظلامُها قدِ اعتكَرْ **** قطعْتُها والزمهريرُ ما زهَرْ
وقد يستشهد الشيخ اطفيش أيضا بأشعار لعلماء اللغة من أجل تأكيد قاعدة لغوية تعرّض لها من خلال تفسيره لآية ما، ومثال ذلك نجده عند تفسيره لأول سورة غافر وهو قوله تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (غافر؛01)، حيث تعرّض لصيغة الجمع في لفظ "حم" وقال إنه « .. جمع على القياس على فواعيل، بإبدال ألف (حا) واوا، وهو عربي .. » (2)، وأورد أشعارا لأبي عبيدة اللغوي، يقول فيها:
حلفت بالسبع التي تطوّلت *** ويمين بعدها قد أمنيت
وبثمان تُليَت وكُرّرت *** وبالطواسين التي قد تُليت
وبالحواميم اللواتي سُبّعت *** وبالمفصّل التي قد فُصّلت
وكما أنه رحمه الله لا يهتم بالاستشهاد بشعر الشعراء عند تقرير قاعدة لغوية، فإنه قد لا يعير اهتمامه أيضا لصحة الأشعار المستشهد بها أو ضعفها، وربما كانت مصنوعة أو منتحلة، فهو يتجوّز في الاستشهاد بأشعار المجهولين (3)، لمجرد موافقتها لقواعد اللغة (4).
وإلى جانب اهتمامه بالقضايا اللغوية المحضة، أو الصناعة النحوية بالخصوص، فإنّه رحمه الله قد استشهد بأشعار فحول الأقدمين أمثال الخنساء وزهير وامرئ القيس، وبأشعار المتأخرين، مثل الكميت وجرير والمتنبي وغيرهم. وكثيرا ما يستشهد بأشعار لا يذكر أصحابها، وربما استأنس أيضا ببعض أشعاره الخاصة.
__________
(1) - ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 443.
(2) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج5، ص 97.
(3) - لقد ذهب فريق من النحاة إلى جواز الاستشهاد بأشعارٍ أصحابها مجهولون. فقد استشهد سيبويه في كتابه بنحو خمسين بيتا مجهولة المصدر. يراجع: محمود زلط، منهج القرطبي في التفسير، دار الأنصار، القاهرة، (د. ت) ص286.
(4) - ينظر: تيسير التفسير، ج5، ص 511. (1/230)
صفحة 22
4 - موقف الشيخ اطفيَّشْ من التأويل (1/231)
صفحة 23
إنّ الشيخ اطفيَّشْ في تفسيره الآية الكريمة: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} (آل عمران؛07)، فإنّه جعل لفظ متشابه في الآية محتملا لتفسيرين، أحدهما أنه لا يعلمه إلا الله، وذلك لشدة غموضه وإبهامه، وعليه فلا يجوز تأويله، وهو مذهب جماعة من السلف، كأُبيّ بن كعب وعائشة رضي الله عنهما (1). والآخر أنّه مما يعلمه العلماء، وذلك بمزيد تأمّل وإمعان (2). وعليه، فإنّ التأويل يكون جائزا في حقه، وقد نُسب هذا المذهب إلى ابن عباس فيما نقله عنه مجاهد، أنه قال: «أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله» (3). وابن عباس قد خصّه رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء المشهور الذي قاله في حقه: «اللهم فقِّهْه في الدين وعلِّمْه التأويل».
وانطلاقا من هذا، فإن الشيخ اطفيَّشْ قد أطلق العنان لنفسه في تأويل المتشابه وطلب معناه، والغريب أنه لم يقتصر في ذلك على النوع الذي يكون حكمه ردّه إلى المحكم، ولكنه حاول أن يجاري بعض المتقدمين (4). في تأويل بعض الآيات المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله، مثل الحروف المقطّعة. وهذا بالرغم من أنه قد أعلن بنفسه وفي أكثر من مناسبة، أنها مما استأثر الله بعلمه، ومع ذلك فقد حاول أن يفك رموز هذه الحروف معتدًّا بنفسه أحيانًا (5).
وبالرجوع إلى تفسير الشيخ نجده لا يتوانى في طلب معنى المتشابه من آيات الصفات، وخاصة منها ما يوهم ظاهره التشبيه في حق الباري - عز وجل - المتصف بالوحدانية المطلقة، والمنزّه عن كل نقص (6). في حين نجده لا يؤوّل أحيانا، ومثال ذلك عندما أثبت الجسمية للعرش، في تفسير قوله تعالى من سورة طه: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه؛05) (7).
وعلى كل حال يمكن القول إن الشيخ اطفيَّشْ قد تعامل مع نصوص القرآن الكريم بعلم، مستعملا جميع مصادر التفسير المتعارف عليها بين العلماء، وقد كان موقفه من التأويل دليلا ساطعا، يبيّن لنا كيفية إعماله للعقل، والحدود التي تضبط هذا العقل، فإذا كانت اللغة والبلاغة أو المجاز على وجه التحديد، قد فتحا له مجالا واسعا في تأويل بعض الآيات المشكلة أو الغريب لفظها، فإن العقل هو أيضا وعن طريق مبدأ التنزيه المطلق الذي يتمسك به الإباضية في مفهومهم لعقيدة التوحيد، قد فتح له المجال لسبر أغوار المتشابه الغامض، وخاصة منه آيات الصفات الخبرية التي يفيد ظاهرها التشبيه والتجسيم والتحيّز .. وغيرها من المعاني التي لا تتفق ومعنى آية
__________
(1) - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972، ج3، ص138.
(2) - اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج1، ص 442.
(3) - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 348/ 349.
(4) - لقد خاض في مثل هذا كثير من المفسرين، على الرغم من إجماع العلماء على أنها من المتشابه المبهم. ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 36 وما بعدها. – السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج3، ص 334 وما بعدها.
(5) - ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص437/ 438.
(6) - ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 390. ج2، ص 123. ج5، ص 37/ 38. ج5، ص 610.
(7) - ينظر: تيسير التفسير، ج4، ص 87/ 88. (1/232)
صفحة 24
التنزيه، وهي قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى؛11). (1/233)
صفحة 25
الخاتمة
وفي الأخير يمكن القول إنّ القطب اطفيَّش لم يكن بدعا من الأمر في عالم التفسير، لا باعتباره إباضيا ولا باعتبار آخر، وإنّما كان يصيب ويخطئ كما هو الحال بالنسبة لسائر المفسرين، وإن غلب عليه المنهج التقليدي العام القائم على تحليل آي القرآن الكريم. باعتماد شتى الأدوات التفسيرية المتعارف عليها، سواء من طريق النقل أم من طريق العقل.
ولعلّنا في النهاية نكون قد أسهمنا ولو بالقليل في تصحيح الرؤية من خلال نقد دراسة الذهبي وإعادة الأمور إلى نصابها، باعتماد المنهج القائم على ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية ونبذ العصبية المذهبية المقيتة.
الهوامش: (1/234)