صفحة 1
الكتاب: الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الشيخ اطفيش القطب حياته، وآثاره، وفكره
أ/ عمر نسيل، قسم الحقوق
المركز الجامعي غرداية
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لاشك أن شريعة المولى تبارك وتعالى كتابًا وسنّةً، هي خير نظامٍ يصلح لبني البشر، ذلك أنها شريعة نزلت من لدن حكيم خبيرٍ، تنزَّهت عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وكمالها من كمال منشئها، لا تحُولُ ولا تَزُول، ولا تتأثر بتغير الزمان والمكان، والإسلام باعتباره دينًا، ومنهاجًا للحياة، أشْبَهَ ما يكون بالخطِّ المستقيم الذي يكشف اعوجاج الخطوط الأخرى، التي لا تتَّصِفُ بصفاته، ولا تختَصُّ بخصائصه، وقد أولى الفقه الإسلامي عناية فائقة بقانون الحرب، أو ما بات يعرف اليوم بالقانون الدولي الإنساني، والذي يعني احترام الكرامة الإنسانية أثناء القيام بالأعمال الحربية.
الأصلُ في الحُروب إذا نَشِبَت، أن يُغيَّبَ فيها نداءُ العقل، وتَطْغَى فيها نزواتُ الشرِّ، وتُهَيمِنَ الرَّغبَةُ في الانتِقامِ، وقَهرِ الآخر، وإذلالِه، بكلِّ الوَسَائِلِ المتَاحَةِ، ولما كان هذا دَيدَنُ الحرُوب، لم يُؤمن في الغالب الأعمِّ أن يَستَعِرَ بنار الحرب، من ليس له علاقة بها لاعتبارات بَدنيَّةِ، أو نَفسِيَّة، أو غير هذا، وذاك ممن استَثْنَتهُ الشَّرَائِعُ، والأعراف، والقوانين، وأمام التَّطَوُّرِ الهائل الذي شَهِدَهُ عَصرُنَا في وسائل التَّخريب، وأسلحة الدَّمَار، أصبح مِنَ البَدِيهيِّ دُخُول هذه الفِئَات في عِدَادِ الضَّحَايَا، بل إنَّ المُخِيفَ أن أكثر الضَّحَايَا، هُم ممن نهت الشَّرَائِع، والقَوَانِين عن استهدافِهِم بالعَمَلِيَّات الحربية.
والإسلام بطبعه هذّب فكرة الحرب، وحَدَّدَ مَقَاصِدَهَا، فالحربُ الإسلامية لا تُثِيرُهَا الأطماع السِّيَاسية، ولا التَنَازُعُ على المصَالح الدولية، وإنما هي الحرب من أجل الإنسان، وتحرِيرِهِ من عُبُودِيَّةِ المخلُوقِ إلى عُبُودِيَّةِ الخَالِقِ، ومن ثم فقد استثنى فقهُنَا الإسلاميُّ طائِفَةً كبِيرَةً من فِئَاتِ المجتَمَعِ، وحَرَّم قَصدَهُم بالعمليَّاتِ الحربِيَّةِ. ولاشك أن تراث العلامة القطب محمد بن يوسف اطفيش (رحمه الله)، يعد جهدا من الجهود التي تصب في هذا المجال. (1/487)
صفحة 2
ولما تشرفت مع زميلي بالإطلاع على مؤلفات القطب، ذات الصلة بمجال قانون الحرب والنزاع المسلح، وما يلزم الجندي المسلم من أخلاق أثناء تأديته للمهام الحربية، وجدت الرجل قد بث في موسوعته أصول قانون الحرب، أو كليات القانون الإنساني، على نحو يبعث على الإعجاب من دقة الرجل وكثرة تفريعاته، وتفصيلاته، وقد سبقت كتاباته بوادر ظهور هذا القانون، والمؤتمرات التي كانت وراء تأسيسه.
لذلك ارتأيت أن تكون بحثي موسومًا بـ:"ملامح القانون الدولي الإنساني في مؤلفات العلامة محمد بن يوسف اطفيش" راجيا أن تسهم هذه المحاولة العلمية في إبراز جهود الشيخ العلامة محمد بن يوسف اطفيش، من خلال آثاره، وآرائه في إثراء الفقه الإسلامي.
وقد ضمنت هذه المداخلة محورين، بينت في الأول ماهية القانون الدولي الإنساني، وظروف نشأته، وبينت في الثاني أصول هذا القانون عند الإمام العلامة محمد بن يوسف اطفيش.
أولا: ماهية القانون الدولي الإنساني:
كانت الحرب، ولا تزال أداة لتسوية الخلافات منذ وجود الإنسان، وتشير الإحصاءات إلى أن أربعة عشر ألف حربٍ، قد نَشِبت خلال خمسة آلاف سنة من التاريخ، وبلغت الخسائر بالأرواح، نحو خمسة مليارات من بني البشر، ولم يعرف العالم خلال ثلاثة آلاف، وأربعمائة سنة الأخيرة، سوى مئتين، وخمسين عاما من السَّلام، وبحلول الحرب العالمية الأولى، بلغت خسائرها بالأرواح نحو واحد وثلاثين مليون نسمة، وبلغت في الحرب العالمية الثانية نحو أربعين مليون نسمة، نِصفُهم من المدنيين (1)، ولعل التَّطور الذي تشهَدُه وسائل الحرب في عصرنا يمكن أن يفاقم الوضع إلى أسوء مما شهدنا في القرن الماضي.
من أجل ذلك كان لا بُدَّ من السَّعي لإيجاد حلولٍ ممكِنَة تخفِّفُ من ويلاتِ هذه الحروب قدر الإمكان، ولا شك أن القانون الدولي الإنساني أعظم هذه الحلول.
1 - تعريف القانون الدولي الإنساني:
للقانون الدولي الإنساني، تعاريف كثيرة، فقد عُرِّف بأنه: "مجموعة المبادئ، والأحكام المنظمة للوسائل، والطرق الخاصة بالحرب بالإضافة إلى الحماية للسكان المدنيين، والمرضى، والمصابين من المقاتلين أسرى الحرب". (2)
كما عرَّفه البعض بأنه:" مجموعة القواعد الدولية الموضوعية بمقتضى اتفاقيات، وأعراف دولية مخصَّصَة بالتحديد لحل المشاكل ذات الصفة الإنسانية الناجمة مباشرة عن المنازعات (1/488)
صفحة 3
المسلحة الدولية، أو غير الدولية، والتي تحدُّ – لاعتبارات إنسانية - من حقِّ أطراف النزاع في اللجوء إلى ما يختارونه من أساليب، أو وسائل للقتال، وتحمي الأشخاص، والممتلكات التي (1/489)
صفحة 4
تتضرر من جراء النزاع" (3).
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فقد عرَّفت القانون الدولي الإنساني بأنه:" مجموعة القواعد الدولية المستمدة من الاتفاقيات، والأعراف، التي تهدف بشكل خاص، إلى تسوية المشكلات الإنسانية الناجمة بصورة مباشرة، عن النزاعات المسلحة الدولية، أو غير الدولية، والتي تقيد –لأسباب إنسانية- حق أطراف النزاع في استخدام أساليب الحرب، وطرقها التي تروق لها، أو تحمي الأشخاص، والأملاك المعرضين، أو يمكن أن يتعرضوا لأخطار النزاع" (4).
وقد عرفه بعضهم بتعبير آخر على أنه: " مجموعة المبادئ، والقواعد المتفق عليها دوليا، والتي تهدف إلى الحد من استخدام العنف في وقت النزاعات المسلحة عن طريق حماية الأفراد المشتركين في العمليات الحربية، أو الذين توقفوا عن المشاركة فيها، والجرحى، والمصابين، والأسرى والمدنيين، وكذلك عن طريق جعل العنف في المعارك العسكرية مقتصرا على تلك الأعمال الضرورية لتحقيق الهدف العسكري" (5).
وقد جرى استخدام مصطلح "قانون الحرب" في الفقه التقليدي، ثم استخدام اصطلاح قانون النزاعات المسلحة، ومن ثم شاع اصطلاح القانون الدولي الإنساني (6)،وقد لوحظ إقرار هذا المصطلح في المؤلفات الحديثة ذات الصلة، ويلاحظ ذلك بالخصوص في منشورات الهيئات الدولية المتخصصة، ولئن ظلت بعض المؤلفات تستعمل عبارتي "قانون الحرب"، و"قانون النزاعات المسلحة" فإن الرأي العام يسير نحو اصطلاح "القانون الدولي الإنساني". (7)
وقد استخدام مصطلح القانون الدولي الإنساني لأول مرة، من طرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر حينما تقدمت بوثائقها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين للاجتهاد في إنماء، وتطوير القوانين، والأعراف المتبعة في النزاعات المسلحة، –والتي عقدت دورتها الأولى في جنيف في الفترة الواقعة بين (24) مايو، و (12) يونيو (1971م)، وبينت اللجنة أن استخدام الاصطلاح الجديد يعكس الرغبة في إبراز الطابع الإنساني الخالص لقانون النزاعات المسلحة، لأن الغاية من هذا القانون أساسا حماية ضحايا الكائن البشري، وما يتبعه من أموال وممتلكات، كما أكدت اللجنة أن هذا الاصطلاح الجديد لا يقتصر في دلالته على اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحرب فحسب، وإنما يتجاوزها ليشمل تلك القواعد العرفية، أو الاتفاقية التي تضع القيود على سير العمليات الحربية، أو استخدام الأسلحة وغيرها من القواعد التي تخدم الأبعاد الإنسانية. (8)
ومما سبق يمكننا القول أن القانون الدولي الإنساني، عبارة عن مجموعة من القواعد الدولية، التي تهدف إلى حماية شيئين أساسيين الأول هو حماية الإنسان، وهو من أهم الغايات (1/490)
صفحة 5
الأساسية لهذا القانون، والثاني هو حماية الأعيان، والممتلكات الذي تخص هذا الإنسان، غير أن الإنسان (1/491)
صفحة 6
المشمول بهذه العناية بحسب الاتفاقيات هو الإنسان غير المشترك في الحرب، والإنسان غير القادر على مواصلة الاشتراك في الحرب، والمقصود بالمثال الأول المدنيون الذين يعتزلون الحرب، ولا يشتركون فيها، والمقصود بالمثال الثاني الأسرى، والجرحى من المحاربين (9)، وأما الأعيان، والممتلكات المحمية بموجب الاتفاقيات فهي الأعيان المدنية، والمراد منها كافة الأهداف التي لا تعتبر عسكرية بالمفهوم العسكري، ويعتبر الهدف عسكريا إذا كان يخدم هدفًا عسكريًّا، أو محميًّا عسكريًّا (10).
2 - تطور القانون الدولي الإنساني:
وبحلول القرن الثامن عشر، بدأ الاهتمام بمصير الأشخاص أثناء المعارك، وبدا ذلك واضحا من آراء فلاسفة التنوير، حيث عارض (مونتسكيو)، و (روسو) فكرة إباحة الرق، وجعلاَ الحرب سببًا من أسبابه، أو مُبررًا من مبرِّراته، وفرَّق الاثنان بين المقاتلين، وغير المقاتلين، واعتبر (مونتسكيو)، أن قانون الشعوب يقوم على المبدأ القائل: إن على مُختلف الأمم أن تُغَلب جانبًا كبيرًا من الخير أثناء السلم، وتحجم عن الشر قدر الإمكان أثناء الحرب،
بينما اعتبر (روسو)، أن الحرب علاقة دولة بدولة، والمقاتلون فيها مجرد وسيلة قتال، تنتهي صفة العدو منهم بمجرد انتهاء المعارك (11).
ولم تحظ المبادئ العرفية للقانون الدولي الإنساني رغم ذلك بالاحترام الكافي خلال النزاعات التي نشبت في تلك العصور، حتى سنة (1859م)، حيث دارت رحى معركة ضروس على أرض سولفرينو، بمقاطعة لومبارديا، بإيطاليا، اصطدم فيها النمساويون مع الفرنسيين، والإيطاليين، وكانت موقعة (سلفرينو) واحدة من أكثر المعارك دموية في التاريخ.
وكان ممن شهد الموقعة شاب سويسري، هو (هنري دونان)، الذي أفزعته المجازر الرهيبة ومشهد الجرحى المكدسين وهم يموتون متأثرين بآلاَمٍ رهيبة، وأمام هول الأحداث، ألَّفَ (هنري دونان) (12) كتابا أسماه " تذكار سلفرينو "، يروي هذه المشاهد المروعة، وقد تملكته رغبة في عدم تكرارها، وتَمَنَّى أن تنشأ في كل بلد جمعية تطوعية، تعد نفسها في زمن السلم لتقديم الخدمات الصحية للجيش في وقت الحرب، وأن تُصادق الدُّول على مبدأ اتِّفاقيٍّ، ومُقَدَّسٍ يؤمِّنُ الحماية القانونية للمستشفيات العسكرية، وأفراد الخدمات الطبية (13).
وسرعان ما بدأت هذه الأمنية تأخد مكانا لها على أرض الواقع، حيث تم إنشاء مؤسسة الصليب الأحمر الدولي، وبعد ذلك بزمن يسير تمَّ عَقدُ أول اتفاقية ذات طابع إنساني هي اتفاقية جنيف لسنة (1864م)، بعد جهود دَفعت الحكومة السويسرية إلى عقد مؤتمر دولي حضرته ستة عشر دولة، أين أُبرمت هذه الاتفاقية الدولية المكوَّنة من عشرة مواد بسيطة، (1/492)
صفحة 7
"لتحسين (1/493)
صفحة 8
حال العسكريين الجرحى في الجيوش الميدانية"، وكانت هذه الاتفاقية نقطة انطلاق للقانون الدولي الإنساني (14).
ومنذ العام (1864م)، وهو تاريخ أول اتفاقية تعقد في ظل القانون الدولي الإنساني وحتى العام (1977م)، وهو تاريخ البروتوكولين الإضافيين، مرَّ القانون الدَّولي الإنساني بعدَّةِ مراحِلَ يمكن عَرضُها فيما يلي بإيجاز (15):
- اتفاقية جنيف، المؤرخة في (22/ 08/1864م)، والمتعلقة بتحسن حال العسكريين الجرحى في الميدان.
- اتفاقية لاهاي، بشان تعديل مبادئ اتفاقية جنيف (1864م)، لملائمة النزاع المسلح في البحار.
- اتفاقية جنيف، لعام (1906م)، الخاصة بتحسين حال الجرحى، والمرضى العسكريين في الميدان.
- اتفاقية لاهاي لعام (1907م)، بشأن تعديل وتطوير اتفاقية (1899م)، الخاصة بالنزاع في البحار.
- اتفاقيات جنيف لعام (1929م).
وكانت نِتاجًا لوحشية الحرب العالمية الأولى، حيث سبق إبرامَها، انعقاد مؤتمر دبلوماسي في جنيف عام (1929م)، أسفر عن اتفاقيتين هما:
أ- الاتفاقية الأولى المتعلقة بتحسين حال الجرحى، والمرضى العسكريين في الميدان.
ب- الاتفاقية الثانية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب.
- اتفاقيات جنيف الأربع لعام (1949م):
- البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف، المؤرخان عام (1977م):
ثانيا: أصول القانون الدولي الإنساني عند القطب محمد بن يوسف اطفيش:
لا شك أن المستقرئ لهذا القانون الذي اتضحت معالمه في نهاية هذا القرن، يستطيع أن يحدد بوضوح مبادئه التي تهدف إلى جعل الحروب أكثر إنسانية، والتي يمكن اقتضابها إجمالا فيما يلي:
- منع أي ضرر جسيم يلحق بالبيئة، ومنع التدمير التعسفي للمباني والممتلكات.
- تقييد حرية الأطراف المتحاربة في استخدام الأسلحة، ووسائل الدمار. (1/494)
صفحة 9
- تجنيب الأشخاص غير المنخرطين في النزاع المسلح (الأطفال، النساء، والشيوخ .. ) (1/495)
صفحة 10
ويلات القتال.
- ضرورة تدريب القادة العسكريين.
غير الأمر الملفت للانتباه في كتابات القطب (رحمه الله)، هو الإلمام بشكل عام بهذه المبادئ والأهداف، حيثُ ذَكَرَهَا متناثرة في مؤلفاته يحسن بنا استقراؤها على نحو تتضح به أصول هذا القانون عند القطب، والذي سبق –قطعًا- ما انتهى إليه القانون الدولي الإنساني من قواعد وأحكام.
1. قاعدة عدم جواز التدمير التعسفي للمباني والممتلكات، ومنع أي ضرر جسيم يلحق بالبيئة:
قال القطب (رحمه الله): ((وفي الأثر يجب على الإمام أن يتقدم على جنده ويعرفه ما يجوز لهم وما يحل لهم وينهاهم فمن ركب بعد النهي ضمن في ماله وينبغي إذا أراد أن يرسل سرية أو جيشا أن يشاور العلماء والذين يخافون الله فإذا عزم على ذلك أمر عليهم أميرا مرضيا وكتب لهم عهدا يعرفهم فيه ما يأتون وما يتقون ويشترط عليهم ألا يعتدوا أمره وما عمي عليهم فليكاتبوه في جناية الجاني على نفسه لا على الإمام وإذا أرسل سرية أو جيشا فنهبوا الأموال واحرقوا المنازل وسفكوا الدماء ولم يأمرهم بذلك فانه يأخذ بذلك من أحدثه واظهر بغي محدثه والإنكار عليه وعقابه ... )) (16) إن القطب رحمه الله يؤكد على مبدأ من أهم المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، هو مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف غير العسكرية، الذي يؤكد على ضرورة التمييز بين نوعين من الأشخاص، ونوعين من الأعيان، ويُقصد بالأشخاص المحاربين وغير المحاربين، ويقصد بالأعيان العسكرية، غير العسكرية فالممتلكات غير العسكرية شأنها شأن الأشخاص لا يمكن مهاجمتها ما دامت غير محصنة بوسائل الدفاع، ولا تشارك في المجهود الحربي وقد نصت المادة 48 من البروتوكول الأول على مايلي: "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجيه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين وأعيان المدينة (17). ومما يؤكد وضوح مبدأ التمييز بين المقاتلين وغيرهم قوله رحمه الله: (فإن الظاهر أنه حيث لا يعرف الذي لا يحل قتله، الكف عن القتال، لقوله تعالى: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير إثم)) سورة الفتح، الآية 24.
2. تقييد حرية الأطراف المتحاربة في استخدام الأسلحة، ووسائل الدمار:
ويقول القطب رحمه الله في هذا المجال: ((ويقتل الرجل قاتل وليه بما أمكنه إلا النار والدخان والماء والاختناق وهكذا في القتال وقيل يجوز ذلك في القتال إلا بالنار)) (18). (1/496)
صفحة 11
انه تأكيد واضح على عدم جواز استخدام الأسلحة التي تسبب معاناة لا مبرر لها (1/497)
صفحة 12
فكأن القطب يشير إلى الأسلحة الكيمائية والبيولوجية والنووية وسائر الأسلحة السامة في زماننا وقد ورد في القانون الدولي الإنساني ما يشير إلى أن استخدام هذه الأسلحة يؤدي إلى تعرُّضِ أشخاصٍ بعيدين عن جبهة القتال لآثارها (19)، وقد منع بيان مؤتمر بروكسل لعام (1874م)، صراحة استخدام الأسلحة السّامة، أو المسمومة، (20).
وانعقد مؤتمر لاهاي، ونصت اتفاقيته الرابعة المؤرخة في (29) جويلية (1899م) على حظر الغازات الخانقة، وعدم استخدام المقذوفات التي هدفها الوحيد قذف غازات خانقة، (21).
ثم نصّت بعد ذلك معاهدة فرساي في (28) جوان (1919م)، في المادة (171) على حظر استعمال الغازات الخانقة، والسّامة، وما شابهها، بعد انهزام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، أمام الحلفاء، وحدث الأمر ذاته أيضا في معاهدة سانت جيرمان في ديسمبر (1919م)، بين النَّمسا، والحلفاء في المادة (135)، كما نصت معاهدة نوييي في (27) نوفمبر (1919م) بين بلغاريا، والحلفاء في المادة (82)، على نفس الحظر، وكذلك معاهدة تريانون في جوان (1920م) بين المجر، والحلفاء في المادة (119) (22).
ويعد بروتوكول جنيف (23)، المبرم في (17) يونيو، حزيران (1925م)، أهم إطار قانوني يحظر الأسلحة الكيميائية بشكل صريح، ومباشر، بعد الاستخدام المكثف للأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى، وقد نص البروتوكول على أنّ:" استخدام الغازات الخانقة، أو السّامة، أو غيرها من الغازات، وما يشبهها من السوائل، أو أدوات قد تمت أدانته من جانب الرأي العام بالعالم المتحضر
أما عن تحديد السلاح البيولوجي فهو يستند، على عدة نصوص دولية تناولت حظر أسلحة معيّنة في الحرب، كإعلان سان بيترسبورغ، لعام (1968م)، إذ تحظر فقرة منه استخدام نمط من الأسلحة قابلة للانفجار، أو محملة بمواد صاعقة، أو قابلة للالتهاب، وإعلان لاهاي الثاني المرفق باتفاقيات لاهاي، لعام (1899م)، والذي يحظر استخدام المقذوفات التي تهدف إلى نشر الغازات الخانقة، والمتلفة، ونصت المادة (23/أ)، من لائحة الحرب البرية الملحقة باتفاقيات، لاهاي لعامي (1899م)، و (1907م)، على هذا الحظر أيضا حينما قضت بتحريم استعمال السمِّ، والأسلحة المسمومة، غير أن أهم مرجع إزاء حظر هذه الأسلحة، هو بروتوكول جنيف المنعقد في (17) يونيو، حزيران (1925م)، الذي تضمن مبدأ عدم استخدام هذا النوع من الأسلحة في النزاعات المسلحة، أضف إلى ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2454 - أ-)، (د-23)، لعام (1968م)، الذي حظر لأول مرة استعمال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية في الحرب (24). وتعتبر معاهدة حظر، وتطوير، وإنتاج، وتخزين الأسلحة البيولوجية، والسَّامة، في عام (1/498)
صفحة 13
(1972م)، والتي دخلت حيّز التنفيذ في عام (1975م) (25). أهم مستند قانوني يعتمد عليه قانون الدولي الإنساني في (1/499)
صفحة 14
تحريم هذه الأسلحة والأمر نفسه ينطبق على الأسلحة النووية في معاهدة الحد من الانتشار النووي.
3. تجنيب الأشخاص غير المنخرطين في النزاع المسلح (الأطفال، النساء، والشيوخ .. ) ويلات القتال:
قال القطب رحمه الله: ولا يُقتل غير البالغ، ولا المرأة إلا التي قاتلت أو ارتدت، ومنع النكار قتلها مطلقا، ولا الشيخ الهرم إلا إن كان مُدَبِّر أمر الحرب، وان قاتل الصبي دُفِعَ وان أدى دفعه إلى قتل فلا بأس (26)،وهذا المبدأ أيضا من المبادئ الجوهرية التي قام عليها القانون الدولي الإنساني حيث جاء في المادة 48 من البروتوكول الأول على مايلي: " تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجيه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين وأعيان المدينة، ولا شك أن السكان المدنيين في زماننا هم من لا يقاتلون في العادة في وقد أشار القطب في كلامه إلى أن العلة من الاستهداف هي القتال بالفعل أو بالرأي.
4. ضرورة تدريب القادة العسكريين:
قال القطب رحمه الله في شرح ما قاله الإمام الثميني: (ولا يؤم وان لدفاع ذو كبيرة ولا عبد أو طفل أو امرأة ... أي لا يجعل إماما لأنه يؤمن على دين الله عز وجل وآيات وجوب طاعة أولي الأمر وأحاديثه أدلة على أنه لا يجعل ذو كبيرة إماما) (27) ثم يستدل رحمه الله بقول الشاعر الأفوه الأودي:
تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإن تولت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وهو بهذا يحاول تأكيد فكرة أن القيادة خصوصا في أمور الحرب لا توكل الا لمن يعرفون حكم الله لأنهم أجدر وأقدر على تطبيق شرعه أثناء النزاع المسلح، وقد جاء في البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 ما يشير إلى ضرورة تدريب القادة وإعداد العاملين المؤهلين بغية تسهيل تطبيق اتفاقيات القانون الدولي الإنساني.
الخاتمة
إن الناظر في كتابات القطب يلمس موسوعيته وإلمامه في مجالات عديدة ولاشك أن القانون الدولي الإنساني هو أحد هذه المجالات التي بدا فيها فكر القطب واضح المعالم، حيث تطابقت أفكاره وآراؤه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تبلورت على مدى قرن من الزمن، (1/500)
صفحة 15
على (1/501)
صفحة 16
نحو يبعث على العجب فجل المبادئ التي وردت في قانون لاهاي للحرب البرية، وفي اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، اختصرها القطب رحمه الله فيما ذكرنا من المبادئ والقواعد وإني أهيب بالسادة الباحثين العمق أكثر في تراث القطب خصوصا ما تعلق منها بقواعد الحرب والاشتباك المسلح، لأنها تصلح أن تكون أطروحة تبين موسوعية القطب في هذا المجال.
الهوامش:
(1) د. اسماعيل عبد الرحمان، الأسس الأولية للقانون الإنساني الدولي، من كتاب القانون الدولي الإنساني، دار المستقبل العربي القاهرة، الطبعة الأولى، 2003م، ص 15.
(2) انظر:
Ramesh Thakur, Global norms and int. Humanitarian law , int, Review of red cross, I r c c, Geneva , 2000, Vol. 83, No. 841, P 19.
(3) د. فيصل شنطاوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، دار حامد، عمان، 2001م، ص 190.
(4) نقلا عن د. محمد المجذوب، القانون الدولي العام، منشورات الحلبي الحقوقية، طبعة 2005م، ص 762.
(5) د. محمد نور فرحات، تاريخ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، من كتاب دراسات في القانون الدولي الإنساني، دار المستقبل العربي القاهرة، الطبعة الأولى، 2000م ص 84.
(6) د. صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1976م، ص 89، وما بعدها.
(7) د. عامر الزمالي، القانون الدولي الإنساني، تطوره ومحتواه وتحديات النزاعات المعاصرة، بحث مقدم للندوة التعليمية حول: القانون الدولي الإنساني والرقابة على التسلح في الصراعات المسلحة، المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، سيراكوزا، إيطاليا 27 يونيو، 3 يوليو 1998م، ص 210.
(8) د. صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، مرجع سابق، ص 100.
(9) راجع المادة: 50، من بروتوكول جنيف الأول، لعام 1977م.
(10) راجع المادة: 52، من بروتوكول جنيف الأول، لعام 1977م.
(11) د. عامر الزمالي، القانون الدولي الإنساني تطوره ومحتواه ... ، المرجع السابق، ص 213.
(12) يعد كل من (هنري دونان)، و (فرانسيس ليبير)، أصحاب الفكرة الأساسية التي انطلق منها مفهوم، ومحتوى القانون الدولي الانساني، لمزيد من التفصيل انظر:
- Gasser, hang-peter ; « International Humanitarian law », in « Introduction to International Humanitarian law »,International al committee of the Red Cross Region al Delegation New Delhi, First impression 1997, P4.
(13)Singh, Gurdip ; « Development of International Humanitarian law », in « Introduction To International Humanitarian Law », ICRC-Regional Delegation,
New Delhi First impression 1997, P 114 – 115.
(14)Iyer, Krishna V.R ; « Humanitarian law – A halting History of Global Evolutio » in « Introduction to International Humanitarian law », ICRC- Regional Delegation new Delhi, First impression, 1997, P 87. (1/502)
صفحة 17
(15) لتفصيل أكثر عن هذه المراحل، راجع: د. صلاح الدين عامر، مقدمة الدراسة القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 2003م، ص 959، وما بعدها.
(16) راجع أحكام المادة 48 من البروتوكول الأول اتفاقية جنيف 1949.
(17) محمد بن يوسف طفيش, شرح كتاب النيل، ط3، مكتبة الإرشاد، جدة، 1985م، ج14/ص390.
(18) محمد بن يوسف طفيش, شرح كتاب النيل، مرجع سابق، ج14/ص489.
(19) د. محمود شريف بسيوني، مدخل في القانون الإنساني الدولي، والرقابة الدولية على استخدام الأسلحة، بدون ناشر 1999م، ص 986.
(20) المرجع نفسه، ص، 876.
(21) عبد العزيز علي جميع، قانون الحرب، المكتبة الأنجلو مصرية، بدون طبعة، مصر 1952م، ص 169.
(22) محمد خيري بنّونة، القانون الدولي للطاقة النووية، المرجع السابق، ص 192.
(23) بروتوكول جنيف، حول حظر استخدام الغازات السامة، أو الخانقة، أو غير ذلك من الغازات، والوسائل البيكتريولوجية في الحروب، 17 يونيو 1925م، دخل حيّز التنفيذ، في 08 فبراير 1928م، وكانت الوثيقة أساسا بروتوكولا لاتفاقية 1925م، للإشراف على التجارة الدولية في الأسلحة، والذخائر، وأدوات الحروب انظر: د. محمود شريف بسيوني، المرجع السابق، ص 876.
(24) د. عمر سعد الله، المرجع السابق، ص261،262.
(25) د. محمود الشريف بسيوني، المرجع السابق، ص 1024 - 1025.
(26) محمد بن يوسف طفيش, الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، ط2، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، 1998م، ص89.
(27) محمد بن يوسف طفيش , شرح كتاب النيل، ط3، مكتبة الإرشاد، جدة، 1985م، ج14/ص329. (1/503)