صفحة 1
الكتاب: الشيخ اطفيش القطب وعلوم البلاغة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الشيخ اطفيش القطب وعلوم البلاغة
(مقاربة في الموضوع والمنهج)
د/ محمد السعيد بن سعد
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي غرداية
إنّه لمن الواجب والاعتراف بالجميل، أن نتذاكر علماءنا الأفذاذ الذين أعطوا فأجزلوا العطاء، وجاهدوا في سبيل تنوير عقول الأمة، في الجزائر عامة، والصحراء منها بخاصة، نذكر منهم: العلامة ابن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الشيخ بيوض، عمر بن عيسى بلعيد (بريان) المقري أبو العباس، بن الوقاد التلمساني، سعيد قدورة، عبد الكريم الفكون، وأبو القاسم بن يحي بن أبي القاسم بن محمد الغرداوي المصعبي، وابنه حمو والحاج، والشيخ محمد بن الكبير، الشيخ باي بلعالم، وغيرهم كثر.
آثارنا أن نقارب شخصية جليلة منهم ألا وهو: الشيخ قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش، في كتابه الموسوم: "تخليص العاني من ربقة جهل المعاني". [فك العاني من ربقة جهل المعاني] (1)، فمن هو الشيخ اطفيش: هو الشيخ امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن اسماعيل اطفيش من مواليد 1238هـ/1821م على خلاف في ذلك (1236 و 1237، 1238) (2) بغرداية.
تلقب أسرته "اطفيّش" وهي في لغة ميزاب: "خذ تعال كل، من ثلاث مقاطع بهذا الترتيب"، يقول الباحث: "ربما هو كناية عن الكرم والجود" (3)
أمّا وصفه "بالقطب" فليس رتبة من رتب التصوف ولكنه يدل على مكانته في مجتمعه وعلى كونه مرجعًا للإباضية في وقته ولا يزال (4)، يقول د. أبو القاسم سعد الله في ذلك: "حظي بلقب القطب دلالة على المكانة السامية التي وصلها بين معاصريه، بحيث أطلقه عليه أحد العلماء فلصق به، وحبذه تلاميذه وأنصاره، فأصبح اسمه لا يذكر ولا يعرف إلا بذلك اللقب.
__________
(1) ينظر، بكير بن سعيد أعوشت، 1989، ص: 121.
(2) ينظر مصطفى وينتن، 1417هـ/1996م، ص: 24 - 25. ينظر، بكير بن سعيد أعوشت، سابق، ص: 21.
(3) نفسه، ص: 24
(4) نفسه، ص: 24 وينظر، محمد علي دبوز، ص: 1/ 290، أ. يحيي صالح بوتردين، د. ت، ص: 36. (1/389)
صفحة 2
عاش الشيخ اطفيش يَتيمًا تحت رعاية أمه وإخوته وكفالتهم، عانى ويلات الفقر حتى لم يكن يجد ما يستنسخ به كتبه لكن سرعان ما تحسّنت أحواله، اشتغل بالتدريس، وتولى القضاء، سجّل رحلتيه إلى الحجاز ذاكرًا من التقى بهم من علماء، وذكر أهم المدن التي مرّ بها، وما اقتنى من كتب حينها.
وعرف الشيخ بجهوده في الإصلاح كمحاربة البدع، وإصلاح اعتقاد الناس وإبعاده عن الاعتقادات الفاسدة، والشعوذة والركون إلى الكسل وانتظار الخوارق (1).
وقد ضيّق عليه الاحتلال الفرنسي وقيّد من حركته، حتى أصبح لا ينتقل إلاّ برخصة من القائد العسكري (2).
توفي الشيخ محمد بن يوسف اطفيش يوم السبت 23 ربيع الثاني سنة 1332هـ/1914م. مخلفًا آثارًا عديدة فاقت المائة (100) مؤلف في مختلف الفنون (3)، وقيل أكثر (4).
من مؤلفاته في بشكل عام نذكر:
1 - نظم المعاني (أول تأليف له) مخطوط.
2 - شرح لامية الأفعال ... مخطوط طبع في سلطنة عمان.
3 - شرح شواهد القزويني مخطوط.
4 - شرح شواهد قواعد الإعراب مخطوط.
5 - حاشية شرح الأجرومية للداوي مخطوط.
6 - إيضاح الدليل إلى علم الخليل في العروض مخطوط.
7 - كتاب الرسم في تعليم الخط مخطوط ... طبع 3 مرات.
أما مؤلفاته البلاغية موضوعنا الرئيس، فنشير إلى:
1 - تخليص العاني من ربقة المعاني، تحقيق د. محمد زمري (جامعة تلمسان 2009)، والذي نركز عليه بخاصة.
2 - ربيع البديع في علم البديع مخطوط.
__________
(1) ينظر، بكير بن سعيد أعوشت، سابق، ص: 32 - 33.
(2) نفسه، ص: 28.
(3) نفسه، ص: 121.
(4) ينظر، صالح بن داود يوسف بافولولو، 2009، ص: 112. (1/390)
صفحة 3
3 - بيان البيان في علم البيان ... مخطوط. (1/391)
صفحة 4
4 - الانشراح في بيان شواهد اللخيص والمفتاح ... مخطوط.
5 - شرح الاستعارات ... مخطوط.
وبعضهم أورد له تلخيص العاني وربيع البديع فقط، والظاهر من خلال هذه الكتب الثلاثة الأولى أن القطب تناول بالدراسة علوم البلاغة الثلاثة: علم المعاني، علم البيان، وعلم البديع.
(ظهر) عرض اللوحة الأولى: باب فصاحة المفردات، واللوحة السابعة: باب فصاحة المتكلم ثم اللوحة الثالثة والتسعون (وجه): في الشرط والجواب. وأخيرًا اللوحة الأخيرة (والصلاة والسلام على خاتم النبيين وجميعهم وآله وصحبه، وختم الله لي ولوالدي ولأمتنا ولجميع المسلمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، مع العلم أن بدأ بتنزيه الله عن الشريك، وبعدها تخليص العاني من ربقة جهل المعاني، تقبله الله مني وجعله محوًا للذنوب عني)، وهذا دأبه في جل كتاباته.
عوامل نبوغ الشيخ اطفيش: من عوامل نبوغه نذكر (1):
- النشأة العصامية، أي أنه نشأ نشأة علمية اعتمد فيها على نفسه.
- الوراثة والبيئة:
* بحيث إن أخاه إبراهيم كون فيه الرغبة المتأججة في كل المعارف ووجهه التوجيه السليم.
* كما درس عليه العلوم الشرعية والعقلية والعلمية والتاريخ الإسلامي.
*وأعطاه كل كتبه التي اقتناها من المشرق العربي، [فدرسها دراسة مستفيضة، معتمدا على نفسه دون أستاذ، وتمكن فيها كل التمكن، بحيث فهم مسائلها: لغة ونحوًا وفقهًا ومنطقًا].
- الذكاء الوقاد وسرعة الفهم، لعمري إنهما ما توفرا في طالب إلا بز الآخرين.
- الفاعلية الإسلامية والاجتماعية التي طبعت سلوكه العام.
- حفظ القرآن وهو ابن ثمان، فكيف لا يغمره الفتح الرباني.
- اقتناء الكتب واستنساخها، (يجتهد في طلبها وشرائها) تزوج امرأة لأنها تملك مكتبة خزانة الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني.
__________
(1) ينظر، معجم أعلام الإباضية، ص: 52 (1/392)
صفحة 5
- نشأ يتيمًا، فقيرًا، ذلك مما يعد حافزا التفوق عادة. (1/393)
صفحة 6
- المسارعة إلى دروس العلماء.
- جلس للتدريس في 16 من عمر. (أصبح عالمُ وادي مزاب وهو ابن العشرين (20 سنة).
ولنقف بدية مع كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني.
1 - من حيث الموضوعات: إن العنوان يدل دلالة واضحة على نهج القطب في الإصلاح، فالتخليص (1) من معانيه: التصفية والتنقية، الإخراج، النجاة، البلوغ.
والرّبقة (2): من دلالاتها: الرباط، العقد، القيد، الكربة، فهي من أسباب التخليص. ذلك أن الشيخ على وعي كبير بمجتمعه وما يعاني منه.
والمعاني: من علوم البلاغة ولعل هو الأساس في علم البلاغة والمحور، ونقطة التقاطع بين البلاغة والنحو.
والعاني (3): تعني: التعب، الاهتمام، المشقة، التعب، كلها تتطلب تخليصًا.
وجهل المعاني: تقتضي: التركيب والإنشاء، ضعف في اللغة من حيث الفصاحة وقوانينها والبلاغة ودقائقها، بل بالنحو أي السلامة اللغوية، بخاصة إذا كان الكاتب ممن يأخذون بنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني، فبلاغة الكلام تتطلب أولا السلامة اللغوية (4). ناهيك عن أن بعض الناس يخلط بين النحو وعلم المعاني (5).
ضم المؤَلَّف 139 بابًا، بدءًا من باب فصاحة المفردات، وانتهاءًا بباب الإطناب بالاعتراض. ومن ذلك باب فصاحة الكلام، باب الإسناد الخبري، باب المجاز العقلي، باب العطف بالحروف على المسند إليه، باب الخروج عن مقتضى الظاهر بالقلب، باب كون المسند فعلا أو اسم فعل، باب حذف المفعول لاستهجان ذكره، باب قصر القلب، باب الاستفهام بهل، باب الإطناب بالإيغال، ومما يمكن أن يلاحظ على هذه الموضوعات:
1. كثرة التفريعات: بحيث كان حريًّا بالمؤلف أن يقسم الأبواب إلى مباحث أو عناصر، إذ إن بعضها لا ينبغي أن يعالج في باب كامل، ومن أمثلة ذلك:
* باب الخبر: يتفرع إلى
__________
(1) المعجم العربي الأساسي، مادة، خ. ل. ص، ص: 415
(2) نفسه، مادة، ر. ب. ق، ص:205
(3) نفسه، مادة، ع. ن ي ص: 873
(4) ينظر، الجرجاني عبد القاهر، 1402/ 1981، ص: 44 - 45.
(5) ينظر، عبد الفتاح لاشين، 1980. (1/394)
صفحة 7
- باب الصدق والخبر.
- باب النسبة. (1/395)
صفحة 8
- باب الإسناد الخبري.
- باب فائدة الخبر
- باب لازم الفائدة
- باب خالي الذهن من الحكم
- باب خطاب المتردد في الحكم أو لازمه
- باب خطاب المنكر للحكم أو لازمه.
من المستحسن أن يضع كل هذه المباحث أو العناصر تحت باب الخبر: مفهوما وأغراضا وأضربا، ولذلك نقول إنه في إمكاننا تقليص هذه الأبواب إلى: اثني عشر بابا (12) مثلا:
1 - باب الفصاحة.
2 - باب البلاغة.
3 - باب الخبر.
4 - باب الحقيقة والمجاز.
5 - باب المسند إليه.
6 - باب الخروج عن مقتضى الظاهر.
7 - باب المسند.
8 - باب المفعول به.
9 - باب القصر.
10 - باب الإنشاء.
11 - باب الفصل و الوصل.
12 - باب المساواة والإيجاز والإطناب.
2. ومن أمثلة ذلك: (1/396)
صفحة 9
- الخروج عما تعارف عليه البلاغيون بخاصة السكاني: كجعل المفعول به مبحثا أو بابًا من (1/397)
صفحة 10
أبواب علم المعاني، والحال أنه باب من أبواب النحو، إلا اللهم إن كان من باب الحذف أو التقديم، وكل هذا له باب خاص في البلاغة.
- باب الحقيقة والمجاز (مبحث في علم البيان)، تناوله الشيخ في مباحث علم المعاني، على أننا نحسب أن علم المعاني هو محور علوم البلاغة.
- باب الخروج عن مقتضى الظاهر (مبحث أساسا في علم البيان)، ومنه الانزياح و العدول، السكاني لمح إليه في علم البديع (مخالفة مقتضى الظاهر) ثم حصره في الالتفات، وهي نظرة توسعية، يقول عنه ابن قتيبة "مخالفة ظاهر اللف ومعناه، قدامة يجعله من نعوت المعاني وتوسع فيه ابن فارس، وابن جني، وهو عند الزمخشري: (الانتقال من أسلوب إلى أسلوب)، يقول رجاء في كتابه فلسفة البلاغة بين التقييد والتطور: "إنّ الالتفات وإنّ أدرجه كثيرون تحت مباحث علم البديع، خليق بعلم المعاني، لأنه نسق ... خاص ببناء الجملة، يتصل بالتركيب نفسه وليس إضافة تحسينية له. وهذا يعزز ما ذهب إليه القطب.
- الفصل بين أبواب يفترض أن تكون متتابعة (الخبر والإنشاء مثلا)، بل إن بعضهم يرى أن الإنشاء فرع عن الخبر.
- الاقتصار في المجاز على المجاز العقلي، لست أدري لم أغفل الجاز اللغوي والمجاز المرسل، هل لأنه يعتبر المجاز العقلي مبحثا من مباحث علم المعاني أصالة.
- المخالفة في المصطلح (باب القصر بالسلب والاستثناء ... )، أي طريق القصر بالنفي والاستثناء.
هذا ما يمكن القوف معه في الموضوعات، على أننا لم نعط الموضوع حقه من الدراسة، ولنلج التو المنهج.
2 - من حيث المنهج: فالمنهج منهجان: منهج على مستوى الدرس، وآخر على مستوى التنظير.
أ- منهج الشيخ على مستوى الدرس البلاغي: ورد في معجم أعلام الإباضية ما يشير إلى هذا المنهج من ذلك (1):
- التركيز على التلقين، إذ لم ينج من قبضة المنهج العربي القديم؛ درسا وتأليفا.
__________
(1) ينظر، موسى باباعمي، ابراهيم بن بكير بحاز، مصطفى بن صالح باجو، مصطفى بن محمد شريفي، 1421/ 2000، ص: 02/ 400. (1/398)
صفحة 11
- استعمال اللسان البربري المحلي (عند الاقتضاء). هذا لعمري حرص منه إلى إيصال المعلومة واضحة إلى كل المتلقين.
- الحرص على استغلال الوقت، يدرس في سائر أيام الأسبوع - ما عدا الجمعة- من الضحى إلى الزوال، ثم يضيف دروسا في العشية بعد العصر.
- العناية بأسئلة التلاميذ إلى درجة أنه يكتبها ويحقق مسائلها بالرجوع إلى المصادر ولوأثناء الدرس.
- كان يروح على التلاميذ إذا ما رأى تعبا، لدفعهم إلى النشاط والتركيز.
- إن القطب غزير المادة، طويل النفس، متفانيا في العلم.
- لا يحاسب تلاميذه على الغياب أو الإبطاء.
ب- منهج الشيخ من حيث التأليف (التنظير): منهج تعليمي في عمومه، ومما يدل على ذلك إكثاره من لفظ "اعلم"، على أنه لا يخلو من غموض، نتيجة للاستطرادات من حين للآخر، القصد منها شرح الفكرة والتعمق في دقائقها بل ومزجها بالسمت العقدي لم يفارق الشيخ، ومن ذلك:
1 - يعرض الشيخ الموضوع ويقلبه ظهرًا لبطن ويحيط بمعرفته، ثم يجزئ قضاياه ويفصلها، هذا شائع من أول الكتاب إلى آخره، فهو يمضي شارحا وباسطا ومستطردا بآرائه وآراء العلماء: من النحاة والفقهاء والمذاهب الكلامية وغيرهم. (1)
2 - عرض آراء من سبقوه من العلماء وأصحاب المذاهب، مدعما ذلك بالحجة، يقول في باب الخبر: " ... وصدق الخبر: موافقة معناه لما في نفس الأمر، وكذبه عدم موافقة معناه لما في نفس الأمر، هذا مذهب الجمهور وهو صحيح؛ فينقسم الكذب إلى ما يؤاخذ عليه، وهو ما يتعمد فيه عدم الموافقة ... وإذا قيل: الخبر صدق أو كذب، فمعناه: ذو صدق أو ذو كذب أو صادق أو كاذب، قال النظام: -من المعتزلة- صدقه موافقته لاعتقاد المخبر (بكسر الباء) صوابا أو خطأ، وكذبه عدم موافقته لاعتقاد المخبر (بكسرها) ولو كان خطأ، وهو مذهب سخيف، لأنه يوجب أن يكون قول اليهودي: الإسلام باطل صدقا، أو أن يكون قوله: الإسلام حق كذبا، وذلك
__________
(1) ينظر، الشيخ أطفيش، ص: 374 و 144 - 145 - 366 - 369 - 374 - 375 وغيرها كثير. (1/399)
صفحة 12
لموافقة خبره لمعتقده ... " (1).
__________
(1) نفسه، ص: 39. (1/400)
صفحة 13
3 - يتناول المباحث من جوانب عديدة: من حيث اللغة، النمو، الاعتقاد، النقد والبلاغة، وأحيانًا يغوص في الفكر والمنطق مستند إلى كلام وآراء المعتزلة والأشاعرة والظاهريين، وأحيانًا يبدي رأيه وفق مذهبه الإباضي: "ونحن معشر الإباضية والوهابية"، ومستخدمًا عبارة: وعندي، وعندنا، والظاهر أو ورأي، مذهبنا، هذا ما ظهر لي، الحق قلته، وأقول ... ، يقول في باب المخالطات للفعل أو ما ذكر معه المناسبات في الجاز العقلي عند شرحه لقوول الشاعر الفضل بن قدامة العجلي (أبو النجم) كشاهد: " ... "وقيل الله"، قول الله أي إرادته، أي تعلق قضائه الأزلي بوجوب مااقتضاه، "واطلعي"مفعول القيلعلى أنه باق على المصدرية، إن كان بمعنى اسم المفعول "فأطلعي"بدل أو بيان والخطاب بلفظ "كن" في إيجاد الأشياء يصح في مذهبنا ... " (1).وفي موطن آخر يقول -باب الإسناد-: " ... فإنه ليس المراد بقولهم الإسناد إلى المكان أو الزمان مجاز عقلي ... هذا ما ظهر لي ... " (2) وفي باب الإبدال من المسند إليه، يقول:" ... لأن مذهبي: أن بدل الاشتمال هو الذي بينه وبين المبدل منه ملابسة بغير الجزئية أو الكلية ... وتبقى النفس"، ويقول: " ... بحث تبقى النفس عند ذكر المبدل منه متشوفة إلى ذكره منتظرة له، وعندي: تنتظره بعينه وذاته ... " (3)، ويضيف: " ... فقد ظهر لك أن الحق ما قلته لا ما قاله البصريون وأقره الرضي ... " (4)، وجاء عنده أيضا في باب الحال الشبيهة بالوصل، قوله:
" ... وهي بعد ذلك في قبضة القدر؛ إن شاء المولى أبقاها وإن شاء أعدمها. ومذهبنا معشر الإباضية الوهابية وسائر المحققين هو القول الأول أن العرض لا يبقى أكثر من حال (5).
4 - مراعاة الصفة التراتيبية للشاهد النصي: القرآن الكريم، الحديث الشريف، كلام العرب، ورد في باب الاستفهام بهل: " ... وقد تكون هل بمعنى قد بلا استفهام كقوله تعالى:"هل أتى على الإنسان ... "، ومن الحديث قوله: " ... وأجازه ابن مالك، لقوله صلى الله عليه وسلم: "هل تزوجت بكرا أم ثيبا" (6). ومن كلام العرب، يقول: " ... واعلم أن هل تخص المضارع للاستقبال بعد أن صلح للحال ... وقوله في الحماسة (من الطويل).
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا (7)
5 - السمت الرباني الأخلاقي: " .. والله أعلم" (8). "والله أعلم وأحكم" (9). تردد ذلك
__________
(1) نفسه، ص: 65 - 70.
(2) ينظر، الشيخ أطفيش، المصدر السابق، ص: 71.
(3) نفسه، ص: 142.
(4) نفسه، ص: 145.
(5) نفسه، ص: 175.
(6) نفسه، ص: 303.
(7) نفسه، ص: 305 - 306.
(8) نفسه، ص: 245. 249.248
(9) نفسه، ص: 71 (1/401)
صفحة 14
بشكل لافت، وهذا مما يدل على تواضع الشيخ.
6 - اعتماد الأمثلة، يقول في باب البدلية: " ... ولا يخفى أن نحو "قتل الأمير سيافه" و"بنى (1/402)
صفحة 15
الأمير عماله" بدل اشتمال عندي لا عند الجمهور ... " (1). ويقول: " ... وإلى أنه لا يشترط أن لا يصح الإسناد إلى المبدل منه ظاهرا شرطه بعض مثل: "ركبت عمرا حماره، فإن الركوب لا يسند تحقيقا لعمر بل للحمار إسنادا إيقاعيا ... " (2)، وللإشارة أن العندية تشكل ظاهرة أسلوبية عند القطب.
7 - عدم التزامه الترتيب – أحيانا- المعهود في أبواب البلاغة كما أشرنا في حديثنا عن الموضوعات، ويعال لذلك الدكتور اجلايلي قائلا:" وهذا لايعني أن أطفيش غير مدرك لأهمية الترتيب في التأليف، فكيف يصح ذلك وهو الذي قام بإعادة ترتيب كثير من المسائل حسب أبوابه، ولكن الذي دعاه إلى عذم الترتيب هو حضور الفكرة، كما صرح به، لأن المسائل المدروسة لا تحتاج إلى أهمية الترتيب، إضافة إلى هذا إن أطفيش في مؤلفاته معلم فهو الذي يختار ماذا يقدم وماذا يؤخر، بحسب حاجة المتعلم تيسيرا للفهم في تلقي المعارف 11.
الخاتمة:
حسبنا ما قال المحقق لمخطوط تلخيص العاني: "ويتبدى مما ورد في كتابه الموسوم: تخليص العاني من ربقة جهل المعاني، أن آراءه ومواقفه ترسم شخصيته، وتبعث فينا مشاهد عديدة من سمات العلماء والأدباء، ففيه: صرامة ابن الأثير، وتواضع القاضي الجرجاني، ونباهة الجاحظ، وقوة عبد القاهر الإقناعية، وقدرة ابن رشد الاستدلالية، وسعة معرفة السكاني وصفي الدين الحلي، وجرأة ابن حماد، فهو بحق أحد المراجع الأساس في الفكر الإباضي، وأحد رواد الإصلاح الذي أغمض حقه.
نقول:
- إن مؤلفاته البلاغية حوت مادة غزيرة ومتنوعة حري بنا وبطلبتنا الوقوف عليها واستقراء لطائفها ودررها.
- كما يعد قدوة حسنة في كثير من عوامل منهجه على مستوى الدرس بخاصة، قمين بالمعلمين الاقتداء بها.
- مادته تتطلب القراءة والقراءة ثم التركيز فهو ليس مروحة للكسالى النائمين.
وعلى العموم فإننا نقول إن الشيخ اطفيش على مستوى الموضوع البلاغي فقد طرق جميع
__________
(1) نفسه، ص: 144.
(2) ينظر، نفسه، ص: 144. (1/403)
صفحة 16
أبواب علوم البلاغة في كتبه الثلاثة، وأضاف بعض الشروح كتخصيصه مؤلفا في شرح الاستعارات (ينظر مكتبة القطب ببني يزقن).
أما على مستوى المنهج فمن خصائصه تعزيزا لما ذكرنا، فإننا نلاحظ:
- ظاهرة التكرار، بحيث ألفيناه يوظف بعض الألفاظ والعبارات ويعتمد تكرارها ابتغاء لليسير، وهي لاتخرج عن منهجه التعليمي، كما نقف من خلالها على تواضع الشيخ وورعه وحرصه على تبليغ المعلومة وبيانها، كيف لا وهو من أساطين البلاغة، ومن ذلك: اعلم، الله أعلم، افهم أفهمك الرحمن الرحيم، احفظ ذلك، وغيرها.
- اعتماده الحواروهي ظاهرة بيداغوجية ترتكز عليها النظريات التعليمية والتربوية الحديثة.
- وأهم ما كان ينبئ إلى منهجه البيداغوجي، الاستراحة والترويح على التلاميذ.
ليسعنا أمام هذه الشخصية الموسوعية إلا أن نقول: إن من يعش لفكرة، لغيره، لا يموت إن مات الجسد وغاب عن الأعين، ولكنه يبقى حيا في تلايذه، في مؤلفاته، في موقفه، في سلكاته، وهكذا كان الشيخ أطفيش القطب. (1/404)
صفحة 17
الهوامش: (1/406)