صفحة 1
الكتاب: الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الشيخ اطفيش – القطب - ودوره في التواصل الحضاري بين الجزائر وعُمان
أ/ محمد جهلان
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي غرداية
مدخل: مشروعية البحث ومرجعيته
إنَّ البحث في العلائق الوطيدة التي تربط أقطار البلاد الإسلامية وشعوبها قد يعد من تحصيل الحاصل، غير أن افتراق الشعوب العربية والإسلامية في العصر الحديث وظهور بوادر الشقاق والخلاف والصراع التي زرع بذورها الاستعمار البغيض لمدة تزيد عن قرن من الزمان تقتضي من المؤرخين والباحثين إعادة النظر في هذه العلائق وأصولها، وإزالة غبار النسيان والجهل عن صفحات نيِّرة من التاريخ تؤكد التواصل والوحدة والتآخي بين شعوب البلاد الإسلامية مهما نأت بهم الديار وبعدت بينهم الشقة، فإن رابط الأخوة الإسلامية قد جمع قلوبهم على كلمة الله امتثالا لقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء. 92]، وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران. 103]. من هذا المنطلق يؤسس البحث مرجعيته ويحقق مشروعيته، فالعلاقة بين الجزائر وعمان هي في الأساس علاقة الانتماء المشترك إلى الإسلام، وهذه هي أوثق عرى التواصل بين البلدين، وإن تعددت تحت مظلتها وبفضلها أنواع العلاقات؛ فكانت سياسية أو ثقافية أو اقتصاية أو إدارية ... وإن شئنا تحرِّي الدقة فإننا نقول بأن علاقة الجزائر بعمان هي في أمتن أنواعها علاقة إسلامية مذهبية (1)، إذ يجد الباحث أن الجغرافيين والمؤرخين يتفقون على أن أهل عُمان وأهل بعض مواطن المغرب العربي كجبل نفوسة بليبيا، وجزيرة جربة بتونس، وقسطيلية من بلاد الجريد بتونس، وتاهرت ووارجلان ووادي ميزاب بالجزائر، كلهم يجمعهم مذهب واحد باختلاف تسميات المؤرخين لهذا المذهب بين "إباضية" و"وهبية" و"خوارج" و"شراة" و"نكَّار" ... (2)
__________
(1) - ينظر: الجعبيري، فرحات: «العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعمان، من القرن الأول إلى القرن الحادي عشر الهجري / 8 - 17 م». سراس ( Cérès) للنشر. تونس، 2005. ص: 10
(2) - ينظر: الحموي، ياقوت: «معجم البلدان». دار صادر، بيروت 1977. ج4، ص: 296. الإدريسي: «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» تح/ مجموعة من المستشرقين. نابولي. د. ت. ن، ج2، ص: 93 (1/52)
صفحة 2
إن هذه العلاقة الإسلامية الوطيدة بين إباضية المشرق والمغرب الإسلاميين وبين إباضية عمان والجزائر بشكل خاص، يمكن أن يلحظه الدارس في الأصول التي تربط شعبي البلدين، من حيث نشأة المذهب وتطور أفكاره وحركتها مشرقا ومغربا، ومن خلال الشعور العاطفي بالارتباط الإيماني والمذهبي، فهذه العلاقة كما قال الدكتور الجعبيري «انطلقت من منطلق عقدي واحد، ازداد تعمُّقا عبر الزمن» (1).
كما يسجل الدارس اعتراف إباضية المغرب العربي بفضل عُمان في رعايتهم والعناية بهم، والاستعانة بهم في تأصيل الفكر الإباضي وإرساء قواعده في بلاد المغرب، من خلال طلب الدعم العلمي والمادي والمعنوي لحل مشاكلهم السياسية والمادية والمذهبية؛ فعُمان هي الموطن الأم للإباضية في العالم الإسلامي (2)، وبالمقابل فإن الدارس يلاحظ استمداد عُمان الدعم الروحي والمعنوي والتأييد من المغرب في فترات الفتن والخطوب التي مر بها المذهب في عمان، فكانت هذه العلاقة تواصلا روحيا وماديا، أخذا وعطاء، رعاية ونصحا، سببا في تشكل نظرة حب واحترام وتقدير بين إباضية الجزائر وعُمان، وفي هذا الصدد تقول الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف: «ولاشك أن الدين الإسلامي ورباط الإسلام كان أعظم أسباب حفظ الوحدة بين المشرق والمغرب، وجعل العالم الإسلامي جسما واحدا متراص الصفوف والبنيان.
ويبين تاريخ الإباضية في بلاد المغرب بوضوح صلة المغرب العربي الإسلامي بالمشرق العربي الإسلامي. وكان إباضية عُمان وعلماؤها يقودون هذه الصلة دائما ويحرصون عليها، وأصبحت [بلاد] المغرب بفضل هذه الصلة القوية أصيلة في العروبة والإسلام» (3).
في الصفحات الآتية سنحاول عرض نموذج من نماذج العلاقة والتواصل الحضاري بين عُمان والجزائر، هذه العلاقة المتجذرة في التاريخ والتي امتدت إلى القرون الأولى للهجرة، وما زالت تشهد استمراريتها إلى اليوم، سوف نرى كيف توطدت أكثر وأكثر بفضل أحد أعلام المذهب وأقطابه؛ إنه الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (قطب الأئمة)، إذ نعتقد أنَّ علاقة الشيخ بعمان وأثره في توطيد التواصل الحضاري يعد أمرا مجهولا إلى حد كبير رغم شهرة الشيخ وسيطه الذي ذاع مشرقا ومغربا، فلم تسلط على هذا الجانب بالذات أضواء البحث والمساءلة، إلا ما نذر، خاصة وأنَّ الشيخ لم يزر عُمان في حياته، فكيف أسهم في هذا التواصل وما الأثر الذي تركه في علاقة الجزائر بعمان في عصره ومن بعد وفاته؟
__________
(1) - الجعبيري، فرحات: «علاقة عُمان بشمال إفريقيا». ط1. المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان. د. ت. ن. ص: 55
(2) - ناصر بوحجام، محمد: «التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر». ط1. نشر مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان. 1423هـ / 2003م. ص: 6
(3) - كاشف، سيدة إسماعيل: «حصاد ندوة الدراسات العُمانية». (البحوث والدراسات التي قدمت في الندوة ذو الحجة 1400هـ / نوفمبر 1980م). ط2. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1406هـ / 1986م. مج3، ص: 265 (1/53)
صفحة 3
أولا: السياق التاريخي للتواصل بين الجزائر وعُمان:
أ) من البصرة وعمان إلى بلاد المغرب ... جذور التواصل
لقد اختار الإباضية عند نشأتهم تسمية معبرة عن الروح التي يتأسس عليها مذهبهم، وهي «أهل الدعوة» (1) شعورا منهم بضرورة الدعوة إلى الحق الذي يحملونه، ومعلوم أن صاحب الدعوة لا يمكن أن يقرَّ له قرار حتى يبذل ما بالإمكان لنشر دعوته في كل الأصقاع. بل إن الدعوة إلى دين الله في الفكر الإباضي واجبة إن تحققت الاستطاعة، يقول أبو المؤثر الصلت بن خميس (ت: 278هـ) (2): «فإن استطاعوا أن يتعدَّوا مصرهم إلى غيرهم وجب ذلك عليهم كلما قدروا عليه، فليدعوا الناس إلى الدخول إلى دين الله والتسليم للعدل» (3). على أن الإباضية قد مروا بظروف عصيبة فقد اضطهدوا وشردوا، وصودرت آراؤهم، وشوهت صورتهم عند بعض كتاب المقالات، فاضطروا إلى العمل بسرية وكتمان، وساروا في الأرض وارتحلوا من مكان إلى مكان، لنشر أفكارهم والدعوة لمذهبهم.
كان مركز الدعوة الإباضية ومنطلقها في البصرة بالعراق على يد مؤسس المذهب وإمامه جابر بن زيد الأزدي العماني (و: 18هـ / 639م - ت: 93م/ 711م) إذ اتخذ من البصرة مقرا له ينشر فيها العلم، فلقد كان منبت إمام المذهب في عُمان، ولقد كانت البصرة آنذاك عمانية لكثرة طلبة العلم العمانيين فيها، وكان لهذا الرعيل الأول فضل تأسيس أول إمامة إباضية في عُمان، لذلك تعد عُمان هي موطن الإباضية الأول، وما زالت إلى اليوم. وشعورا بهذه المكانة فإن بعض العمانيين يعبر عنها بقوله: «باض الدين بمكة، وفرخ بالمدينة، وطار إلى البصرة، ونهض إلى عُمان» (4).
كان لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (القفَّاف) (ت ~: 145هـ / 762م) أمام الإباضية الثاني بعد جابر بن زيد، أكبر فضل في نشر أفكار أهل الدعوة في الآفاق، ففي مدرسته بسرداب بالبصرة تخرج على يده أشهر أئمة الإباضية ودعاتها، فكان من المشارقة: الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي الفراهيديِّ العُماني (ت: 170هـ)، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف (ت: 2هـ)، وأبي يزيد الخوارزميِّ (ت: 2هـ)، وأبي حمزة المختار بن عوف الشاري (ت:130هـ)، وعبد الله بن يحيى الكندي طالب الحقِّ (ت: 130)، والجلندَى بن مسعود بن جيفر (ت: 134هـ)، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمنيِّ (ت: 144هـ)، وسلمة بن سعد الحضرمي (حي في 135هـ) وهو أول من جاء من البصرة بمذهب الإباضية ليدعوا إليه في بلاد المغرب الإسلامي، ولَعَلَّ توجُّه محمَّد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي
__________
(1) - ظهرت التسمية وانتشرت منذ القرن الثاني للهجرة، "أهل الدعوة" أو "أهل الدعوة والاستقامة"، أما تسمية الإباضية فقد أطلقت عليهم نسبة إلى عبد الله بن إباض المري التميمي (ت 86هـ) لمواقفه السياسية المعلنة ضد مخالفي الإباضية، ولم تظهر هذه التسمية في مؤلفات أهل الدعوة إلا في نهاية القرن الثالث الهجري، ولكنَّهم رضوا بهذه النسبة بعد ذلك. راجع مزيدا من التفصيل في: مجموعة من الباحثين: «معجم مصطلحات الإباضية». نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. سلطنة عمان. ط1. 1429هـ / 2008م. ج1. ص: 2 - 8، 80، 81.
(2) - عالم فقيه من قرية بهلا بعمان، من علماء الأزد الخروصيين البارزين في القرن الثالث الهجري، ترك عدة مؤلفات وجوابات. تنظر ترجمته في، جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية» (قرص مدمج) (ترجمة لأكثر من 2500 علم من أعلام المغرب والمشرق وخراسان) نشر جمعية التراث 2005. رقم الترجمة: 717
(3) - مجهول: «السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان». تح/ سيدة إسماعيل كاشف. نشر وزارة التراث القومي والثقافة. ط2. 1410هـ/ 1989م. ص: 14.
(4) - سالم بن حمد الحارثي: «العقود الفضية في الأصول الإباضية». نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. 1403هـ/ 1983م. ص: 148. ولقد سمعت العبارة عدة مرات من أستاذي المرحوم الشيخ الناصر بن محمد المرموري (ت: 16/ 05/2011) بتحوير مقصود لآخرها: (ونهض إلى الآفاق) بدل (ونهض إلى عُمان). (1/54)
صفحة 4
(حي بعد 160هـ) إلى البصرة من آثار دعوته؛ ثمَّ تلاه فوج آخر بعد عودة ابن مغطير يتكوَّن من أربعة مغاربة، وهم: أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي من ليبيا (حي في 212هـ)، وأبو داود القبلي النفزاوي (حي في 140هـ)، وعبد الرحمن بن رستم من القيروان (ت: 171هـ)، وعاصم (1/55)
صفحة 5
السدراتي (ت: 141هـ) (1).
توجَّهوا إلى البصرة سنة 135هـ/752م، واستقرُّوا بها إلى سنة 140هـ/757م، لتلقِّي العلم من منبعه على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة؛ ثمَّ عادوا إلى بلاد المغرب ومعهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، عُرفوا في المصادر وكتب التاريخ «بحَمَلة العلم إلى المغرب».
وقد نجحت جهود سلمة بن سعد في الدعوة الإباضية، وكان يقول مع نفسه قبل ذلك: «وددت أن لو ظهر هذا الأمر من أوَّل النهار إلى آخره فلا أبالي إن متُّ بعد ذلك». وكلُّ ذلك حرصاً في الدعوة، وإيماناً بالمذهب وصواب نهجه؛ فانتشرت الإباضية في بلاد المغرب الإسلامي منذ ذلك اليوم.
كما عرفت الإباضيَّة تحت إمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لأوَّل مَرَّة في تاريخها نشأة دولها في المشرق والمغرب، كدولة طالب الحقِّ باليمن والحجاز، ودولة الجلندَى بن مسعود في عُمان، ودولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في إِفرِيقيَّة.
ولما قامت دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح في طرابلس سنة 140هـ حرص إباضية المغرب على توطيد علاقتهم بإمام المذهب الثاني أبي عبيدة وبإخوانهم في المشرق، فمما تحفظه كتب التاريخ أن إباضية المغرب وجهوا رسالة إلى أبي عبيدة يخبرونه فيها بقيام الدولة واستقرار شؤونها ويسألونه فيها بعض مسائل، فأجاب أبا الخطاب الخطاب المعافري برسالة جاء فيها: «أتانا كتابكم تذكرون فيه ما منَّ الله به عليكم من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم.
( ... ) فلعمري سرَّني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخْفَ عنَّا، غير أننا لم نظنَّ الذي كتبتم به إليَّ، والله سيتمُّ لكم الخير كلَّه بعونه وتوفيقه» (2).
إن هذه الرسالة تكشف عن مدى توطد العلاقة الروحية بين إباضية المشرق والمغرب، وكيف أن عُمان قد أخذت مركز القيادة والإشراف بالنسبة للإباضية مشرقا ومغربا، فإمام المذهب عماني كما رأينا، وعلماؤه الأوائل من أصول عمانية، وحتى انتشاره في البصرة كان بين عمانيين أو ينحدرون من أصول عمانية، ولقد رأينا قبل حين أن كل من قام بالتعليم والإعداد وإرسال حملة العلم من البصرة إلى المشرق والمغرب كانوا كلهم عمانيين.
__________
(1) - تفاديا للاستطراد، فإنا اقتصرنا على ذكر تاريخ وفاة هؤلاء الأعلام، ولمزيد من التفاصيل حول تراجم الأعلام الواردة في هذا القسم يرجى مراجعة «معجم أعلام الإباضية» (قرص مدمج) (ترجمة لأكثر من 2500 علم من أعلام المغرب والمشرق وخراسان) نشر جمعية التراث 2005.
(2) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: «رسالة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري». سلسلة "تراثنا". عدد: 34. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. سنة 1982. ص: 3. (1/56)
صفحة 6
ب) صور من رعاية إباضية عُمان والمشرق لأهل المغرب:
إن صور تعلق المغاربة بإباضية عمان والمشرق كثيرة، ومن بين هذه الصور أن إمام (1/57)
صفحة 7
الدولة الرستمية الثاني عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت: 208هـ) (حكم: 171 - 208هـ/ 787 - 823م) عاصر الربيع بن حبيب إمام الإباضيَّة بالبصرة بعد أبي عبيدة وجابر بن زيد. ولما كان شغوفا بالعلم تواقا للتفقه في الدين أرسل إلى إباضية البصرة ألف دينار ليشتروا له بها كتبا، فابتاعو له ورقا ونسخوا له وقر أربعين بعيرًا كتبا، فلمَّا وصلته قرأها كلها (1). هذا دليل واضح على تأثر الفكر المغربي بتآليف المشارقة، بل إن الإمام عبد الوهاب كان في كثير من الأمور يستشير علماء المشرق، ومنها استفتاء الإمام الربيع بن حبيب في شأن أدائه لفريضة الحج إذ اعترض عليه علماؤه المغاربة بسبب الفتن وانعدام الأمن في الطريق، فأجابه الربيع بن حبيب قائلا: «من كان مثلك في العناء بأمور المسلمين وحمل أمانتهم، وخاف على نفسه من المسودة، أن يبعث بحجَّة وهو حي» فلما قدمت عليه رسله أخذ بقول الربيع فأرسل رجلا من أهل "تمزدا" يحجُّ عنه (2).
كان علماء المغرب وأئمتهم المتعاقبون يلحُّون على الطلبة وعامة الناس في دراسة كتب إخوانهم العمانيين والمشارقة، فهم يرونها جديرة بأن تكونهم وتعلمهم، وأن تقوي ارتباطهم بمذهبهم، ومن صور هذا الإلحاح نجد دعوة الإمام أفلح بن عبد الوهاب ثالث الأئمة الرستميين (ت 258هـ) (حكَم بين: 208 - 258هـ / 823 - 871م) إلى دراسة كتب المشارقة، فقال: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة ولا سيما كتاب أبي سفيان» (3). ولقد خصص الإمام سيرة أبي سفيان محبوب بن الرحيل لرغبته الملحة في اطلاع المغاربة على المنابع الأولى والأصول الصحيحة للمذهب، فهو من الرعيل الأول الذي أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعن الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني. من هنا يبدو فضل علماء عمان على أهل المغرب وأئمتهم جليا واضحا، واستفادتهم من علمهم وسيرهم ما تقوى به أواصر المحبة والانتماء على بعد الديار واختلاف الأزمان.
ويمكن أن نضيف صورة ثالثة من صور تعلق المغاربة بالمدد العلمي والفكري المشرقي، وحرصهم على التكون على أيديهم وعلى كتبهم، ما أورده صاحب الطبقات عن أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504هـ) أنه قال: «كنت أقرأ على الشيخ سعدون فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال في أكلها قولان فلم ينسبها، فدخلت إلى الديوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة، فلازمت الدرس أربعة أشهر لا أنام إلا فيما بين أذان الصبح إلى صلاة الفجر، فتأملت ما فيه من تآليف أهل المشرق فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء كلها لأهل المذهب فتخيَّرتُ أكثرها فائدة فقرأته» (4).
__________
(1) - ينظر: الدرجيني، أحمد بن سعيد أبو العباس: «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح/ إبراهيم طلاي، دار البعث قسنطينة، ط1، ج1، ص: 56، 57. وينظر: يحيى بن أبي بكر أبو زكريا: «السيرة وأخبار الأئمة» تح/ عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس 1986. ص: 89، 128. وينظر: معمر، علي يحيى: «الإباضية في موكب التاريخ» (الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر). صححه أحمد أوبكة، المطبعة العربية، غرداية، 1986م. القسم الأول، ص: 65 - 68.
(2) - الشماخي، أحمد بن سعيد بدر الدين أبو العباس: «كتاب السير»، نشر وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان. ط2. 1407هـ/ 1987م. ج1، ص: 158
(3) - الدرجيني: «طبقات المشايخ بالمغرب»، ج2، ص: 82
(4) - الشماخي: «كتاب السير»، ج2، ص: 445 (1/58)
صفحة 8
هذه الرواية تدل دلالة واضحة على اعتماد لإباضية المغرب على تآليف المشارقة في تكوينهم وترسيخ مذهبهم، وهذا يؤكد فضل عمان على أهل المغرب بوجود هذا العدد الهائل من المؤلفات في المنطقة، فعدد ثلاثة وثلاثين ألف جزء عدد عظيم جدًّا تتقاصر عنه كبرى المكتبات الحديثة! بينما سعى المغاربة لجمع هذه المؤلفات المشرقية إقرارًا بفضل أصحابها وتمكنهم في شتى العلوم.
ج) إمامة عُمان ودعمها للدولة الرستمية:
استعرضنا صورا من أشكال تأثير إباضية المشرق ورعايتهم لإخوانهم المغاربة، ويمكن أن نعتبر قيام الدولة الرستمية في تاهرت (تيارت بالجزائر حاليا) كان سببا وعاملا قويا لتوطيد هذه العلاقة، فقد رأينا كيف كان الإمام الثاني للدولة عبد الوهاب يستشير علماء المشرق في شؤون الحكم والدين، وكيف حث الإمام الثالث أفلح بن عبد الوهاب على مطالعة كتب المشارقة وفقههم وسير أعلامهم وكان قدوة لرعيته في الوفاء والولاء لأئمة المشرق وعلمائهم .. وإذا عدنا إلى سيرة الإمام الأول للدولة الرستمية ومؤسسها عبد الرحمن بن رستم، الذي كان من بين حملة العلم من المشرق إلى المغرب، فإننا نجد تأسيسه لهذه الدولة إنما هو من ثمار رعاية المشارقة إذ مكَّنه شيخه الإمام أبو عبيدة مسلم بأن يفتي بما سمع منه وبما لم يسمع (1)، فأجاز له ما لم يجزه لأقرانه الآخرين من حملة العلم لمزيد ذكائه وسعة علمه.
وما إن استقامت إمامة عبد الرحمن بن رستم في المغرب حتى تلقت الدعم الكامل والتأييد المادي والمعنوي من إباضية عُمان والمشرق، فرغب أهل عمان في إمامته واعتبروها فرضا عليهم، حتى قال بعضهم: «لا أعلم من يُخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا غير عبد الرحمن ابن رستم بالمغرب» (2) يعني لا تقدم على سفك الدماء إلا بفتيا ابن رستم في بلاد المغرب لغزارة علمه وورعه وتحفظه.
وتوالى دعم المشارقة للدولة الرستمية ربطا للصلة وتوثيقا لعرى التواصل بين المشرق والمغرب، ونال عبد الرحمن بن رستم عندهم حظوة خاصة لما أظهره من كفاءة في إمامة المسلمين، ولما وجدوا في إمامته من عوض لما فاتهم من سقوط إمامة الجلندى بن مسعود سنة 134هـ، فكانوا يعقدون آمالا عريضة على الدولة الرستمية بالمغرب في النهوض بالمذهب وانتشاره، أو على الأقل ضمان بقائه.
ومن طريف الأخبار التي تؤكد صلة أهل عمان بالدولة الرستمية واعترافهم بإمامته على
__________
(1) - م ن، ج1، ص: 145
(2) - م ن، ج1، ص: 161 (1/59)
صفحة 9
إباضية المشرق والمغرب على السواء، ما أورده ابن الصغير في أخبار الأئمة الرستميين، ونقله (1/60)
صفحة 10
عنه الشماخي في سيره أنه لما اشتهر عدل ابن رستم واتصلت أخباره بذلك وتواترت أخباره بالمشرق والمغرب بعث له أهل المشرق بثلاثة أحمال فلما بلغت الرسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يطينُها فنزل إليهم وغسل الطين واستقبلهم وأكرمهم قبل أن يعرفهم، فلما ثبت لديهم حسن سيرته وعلموا أنه على مسلك الخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين وافوه بما جاؤوا به مما يقوِّي به أمر الدولة، فقبله منهم بعد استشارة ذوي الرأي والفقه فأشاروا عليه أن يفرقه في ذوي الحاجات ففعل وذلك بمحضر الرسل، فلما رجعوا إلى المشرق أخبروا علماءهم بما رأوا وشاهدوا من عدله فأرسلوا إليه بما يقرب من عشرة أحمال أو يزيد فما كان من ابن رستم إلا أن قال: «أرجعوا بمالكم فإن أربابه أحوج إليه منّا لأنا في أرض قد استولى عليها العدل وهم في بلد غلب عليهم الجور يدارون به على أنفسهم ومالهم ودينهم» (1).
زاد هذا الموقف أهل المشرق إكبارا للإمام عبد الرحمن بن رستم، فتعجبوا من زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة، واعترف كل إباضي بإمامته، ووصلوه بكتبهم ووصاياهم (2).
ويكفي نص الشماخي في تبيان الصلة الراسخة بين المشرق والمغرب، ولا شك أن صدى إمامة عبد الرحمن بن رستم قد دوَّى في عُمان، فكان له الأثر الطيب في تقوية الصلات بتبادل الرحلات والزيارات، وتوارد الرسائل بين المغرب وعمان والبصرة، لتفقد الأحوال، وتقديم العون والدعم والفتوى.
إنَّ ما قدمه المشارقة العمانيون لإباضية المغرب من دعم مادي ومعنوي شجَّع أهل المغرب على تمتين الروابط بإخوانهم في المشرق، وحفَّزهم على بذل مزيد من الجهد لإيجاد الوسائل الكفيلة بتدعيم تلك الصلة، كما كان المشارقة يفكرون التفكير نفسه. ولم تنقطع هذه الصلة على مرور الزمن بل تعمقت أكثر وأكثر بواسطة اللقاءات والزيارات والرحلات العلمية وتبادل الكتب والرسائل والأخبار ... (3)
الباب الثاني: التواصل بين الجزائر وعمان قبيل عصرالقطب
أ) تواصل مشايخ القطب مع أهل عُمان:
قدَّمنا أن من أهم وسائل اللقاء والتواصل بين إباضية المغرب والمشرق الرحلات والزيارات، وكان موسم الحج من المناسبات التي اتخذها الإباضية وسيلة من وسائل اللقاء، وسببا مهما لانتشار المذهب الإباضي عن طريق إلقاء الدروس والمواعظ، وتبادل الأخبار والمؤلفات، وشهود حلقات العلم والمناظرة. وقد كان المغاربة أشد حرصا على اللقاء في هذه المناسبة، يؤكد ذلك مقرين بن محمد البغطوري النفوسي (حيٌّ في: 599هـ / 1203م) في كتابه سير مشايخ نفوسة بأن أهل المشرق يزورون أهل المغرب، ويزورهم أهل المغرب،
__________
(1) - م ن، ج1، ص: 142، وينظر: الدرجيني «طبقات»، ج1، ص: 47.
(2) - الجعبيري: «العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعُمان»، ص: 83.
(3) - لمزيد من التفاصيل حول وسائل التواصل الثقافي بين عمان والجزائر ينظر ناصر بوحجام: «التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر»، ص: 32 - 64. (1/61)
صفحة 11
وكانوا إذا رجع حجاج المغرب من البقاع المقدسة لا يفترقون حتى يتفقوا في مكان يسمى "تمصروة" على موعد المسير إلى الحج في الموسم القادم. وبعد سقوط تاهرت أصبح حجاج إفريقيا وطرابلس وجربة يجتمعون في موضع يسمى "أَمَّاسن" للاتفاق على موعد المسير للحج في الموسم القادم، يقول البغطوري: ولقد بلغنا أنهم يجتمعون في نحو ألف رجل، أو أقل أو أكثر، لا يكون الكلام بينهم في المجلس إلا بالترجمان» (1). ممَّا سبق ندرك أن حرص المغاربة على أداء مناسك الحج مرات عديدة رغم بعد المسافة بين المغرب والحجاز، إنما كان نابعا من الشعور الديني القوي بالتقرب إلى الله بالنوافل من جهة، ومن الرغبة في الاستزادة من العلم ولقاء العلماء والأئمة وتبادل الأخبار والفتاوى والتفقه في الدين من جهة ثانية، فكان موسم الحج أحسن فرصة لتحقيق هذه الغاية. ولقد شكلت الزيارت المتبادلة والرحلات بين المشرق والمغرب وسيلة أخرى مهمة من وسائل توطيد العلاقات بين الشعبين، وأمثلة هذه الزيارات والرحلات يتعذر حصرها، إذ نجد فيها رحلات طلب العلم أو تدريسه، وزيارات تفقد الأحوال، واستطلاع الأخبار، وكتب السير والطبقات تفيدنا بكثير من الأخبار عن هذه الرحلات والزيارات.
ومن مشايخ الجزائر الذين ارتحلوا إلى عمان قبيل ظهور القطب، ونهلوا من العلوم فيها، وكانت رحلتهم إلى هذه البلاد سببا في انتقال كثير من المصنفات والكتب العمانية إلى مكتبات وادي ميزاب، واطلاع طلاب العلم على فكر المشرقيين وفقههم نجد عددا لا بأس به يمكن أن نذكر منهم اثنين كان لهما أثرا واضحا في تكوين القطب اطفيش شخصية هذا البحث، وفي مسار التواصل بين الجزائر وعمان بشكل عام:
1 - محمد بن عيسى ابن عبد الله، "اَزْبَارْ" وصلته بأهل عُمان
من علماء بني يسجن بميزاب، توفي في العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري (كان حيَّا في: 1301هـ / 1883م) (2) تتلمذ على يد علماء عصره بمسقط رأسه ومنهم الشيخ عبد العزيز الثميني، ثمَّ هاجر إلى المشرق للاستزادة من علوم النقل والعقل وربط أواصر التواصل مع أهل عمان، رفقة الشيخ إبراهيم بن يوسف اطفيش الشقيق الأكبر لقطب الأيمة.
استقرَّ بعمان مدَّة طويلة ينهل من معين فقهائها وكبار علمائها، ثمَّ عاد إلى وطنه، فعيِّن شيخا على مسجد بني يسجن، ثمَّ تولَّى منصب مشيخة وادي ميزاب.
كانت رحلته إلى عمان خيرا عميما على ميزاب فقد جلب معه من عمان نفائس الكتب، وأنفق في سبيلها أموالا طائلة؛ وتعد خزانته اليوم من أهم خزائن الكتب في ميزاب،
__________
(1) - البغطوري، مقرين بن محمد: «سيرة مشايخ نفوسة»، تح/ توفيق عياد الشقروني. نشر مؤسسة تاوالت الثقافية. 2009. (نسخة رقمية مصورة من الكتاب) ص:31.
(2) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية». (مدخل إلى التاريخ والفكر الإباضي من خلال تراجم لأكثر من ألف علم من أعلام المغرب الإسلامي، منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر). نشر جمعية التراث. القرارة، غرداية، الجزائر. 1420هـ/ 1999م. مج4. رقم الترجمة: 847. ذكر الدكتور باباعمي محمد بأنه توفي سنة 1296هـ / 1872م، ينظر باباعمي، محمد: «المخطوطات العمانية في مكتبات وادي ميزاب، قراءة في الشكل والمحتوى» (مارس 2001/ نسخة مرقونة بحوزتنا)، ص:09. وذكر غيره بأنه توفي يوم 15 شوال 1307هـ / 04 جوان 1890م، ولم يتسنى لنا التأكد من تاريخ الوفاة من مصدر دقيق. (1/62)
صفحة 12
وهي أغنى مكتبة في ميزاب بالتراث العُماني، فهو الوحيد الذي ملك موسوعة بيان الشرع في 72 مجلدا، وكتاب الضياء، وفيها نسخة من كتاب: «كشف الغمة الكاشف لأخبار الأمة» بخط مؤلفه سرحان بن سعيد الأزكوي العُماني. وقد ذكر محمد علي دبوز أنه أهدي إليه من عُمان وقر بعير من نفائس الكتب (1).
كانت للشيخ ازبار صلة وثيقة بعلماء عُمان حتى بعد عودته إلى ميزاب، فكان يستنسخ الكتب من العمانيين ويراسل مشايخهم، وكانت صلته وثيقة بالشيخين: سعيد بن علي بن عيسى بن علي الصقري (2)، ومحمد بن سليم بن سالم الغاربي (3)، إذ كانا يتكفلان بإعداد الكتب وإرسالها إلى ميزاب، وكان ذلك بين سنة 1289هـ و1292هـ (4).
تتلمذ على يد الشيخ ازبار جملة من أعلام ميزاب، منهم الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي، وقطب الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش. ولقد صارت خزانة المخطوطات إلى الشيخ اطفيش بعد وفاة معلمه، فانتفع بها انتفاعا كبيرا.
2 - إبراهيم بن يوسف بن عيسى اطفيش ورحلته إلى عُمان:
هو إبراهيم بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى اطفيش (ت: 1303هـ/ 1886م) (5) من علماء بني يسجن بميزاب، هو أخو القطب امحمد بن يوسف اطفيش وهو أكبر منه عمرا، وجدُّ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش.
تتلمذ على الشيخ عبد العزيز الثميني ببني يسجن بميزاب، ثم رحل عُمان، فأقام فيها مدَّة يتعمَّق في علوم الشريعة واللغة العربية على علمائها الأجلاء. ثم رحل إلى مصر فأقام بها أربع سنين يأخذ العلم في جامع المؤيد، يدرس علم الفلسفة والكيمياء.
زار الحجاز وتونس للتعلُّم، واستقر بالمغربُ الأقصى بضع سنوات حيث اشتغل مدرِّساً بإحدى مدارسها، وعند وفاة والده عاد إلى ميزاب محمَّلا بالكتب التي اشتراها أو نسخها في مختلف المعارف كالشريعة والفلسفة والمنطق والرياضيات والعلوم، وبها درَّس ووعظ في مسجد بني يسجن. عالمٌ بالكيمياء، مهتمٌّ بجمع ونسخ الكتب النفيسة، ويُعتبر من علماء النهضة وممن حارب الجهل والفساد في ميزاب.
كان أخوه امحمد بن يوسف اطفيش قطب الأيمَّة من أبرز تلامذته، إذ احتضنه أخوه تعليما وتثقيفاً، فوجد فيه بحراً زاخراً، عذباً يروي غلته من العلم والمعرفة، فأخذ حظه منه في سائر العلوم. وعلى ضوء هذا فإن إبراهيم قد كون في القطب الرغبة الخالصة في المعرفة مع التوجيه السليم؛ حيث درس عليه العلوم الشرعية كالعقيدة والفقه، وعلوم القرآن والمنطق والتاريخ. ثم أن أخاه الكريم قد منح له كلَّ كتبه التي جاء بها من المشرق العربي، فدرسها
__________
(1) - دبوز، محمد علي: «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة». المطبعة التعاونية، ط1، 1358هـ/ 1965م، ج1. ص: 284.
(2) - لم نعثر على "الصوى" في ألقاب العُمانيين في أي مصدر من المصادر العمانية، ونرجح بأنه قد وقع تصحيف في المخطوط الذي نقل منه الدكتور باباعمي في بحثه (المخطوطات العمانية) فقرأ "سعيد بن علي الصوى" بدل "سعيد بن علي الصقري"، فسعيد بن علي بن عيسى الصقري المتوفى سنة 1301هـ من علماء الشرقية، قال عنه السالمي: «كان رجلا فاضلا يؤوي الأخيار ويحب العلماء وبينه وبين علماء المغرب مكاتبة وله عندهم خصوصية» وقد كانت مراسلات وعلاقة وطيدة مع القطب أيضا، يقول السالمي: «رأيت له مكاتبات مع شيخنا قطب الأئمة وكان يرسل إليه بعض تآليفه ليبرزها إلى عالم المطبوعات منها كتبه الثلاثة في البلاغة، كتب على كل منها بخط القطب: يرسل إلى الشيخ سعيد الصقري ليطبعه ثم يرده» فليتأمل (السالمي: تحفة الأعيان، ج2، 277).
(3) - يبدو أن الشيخ الذي كان يراسل الشيخ ازبار من عمان لم يكن اسمه "سليم" كما أورد باباعمي في بحثه (المخطوطات العمانية) بل هو العالم محمد بن سليم بن سالم الغاربي الذي توفي سنة 1301هـ من علماء الباطنة، وقبره في الخبة بالباطنة، أدرك إمامة عزَّان بن قيس. وله مراسلات مع القطب أيضا (السالمي: تحفة الأعيان، ج2، 278). ولقد وجدنا ناسخ الجزء 60 من بيان الشرع الذي أُرسل إلى الشيخ ازبار كتب في آخر الجزء: «قد أجَّرني على نسخ هذا الجزء الشيخ العالم الورع النزيه الزاهد، وحيد عصره وفريد دهره محمد بن سليم بن سالم الغاربي ( ... ) في مسجد من مساجد قرية المنده من الباطنة». والله أعلم.
(4) - باباعمي، محمد: «المخطوطات العمانية في مكتبات وادي ميزاب ... » ص:11
(5) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية». مج1. رقم الترجمة: 057. (1/63)
صفحة 13
دراسة علمية.
وكان القطب عصامياً في تعلمه بدون أستاذ حتى تمكن فيها كل التمكُّن، ففقه مسائلها وأدرك أسرارها. ولقد استفاد القطب أيما إفادة من الكتب التي حملها أخوه معه من رحلاته، وبخاصة كتب أعلام المذهب في عُمان فكانت هي الأخرى مُعلما آخر نهل منه القطب معارفه بعد وفاة أخيه إبراهيم، وكانت وسيلة اطلع من خلالها القطب على الفكر المشرقي، ورسمت المعالم الأولى لعلاقة متجذِّرة بين القطب وأهل عُمان ظلت راسخة حتى وفاته.
وقد كان من بين الرحالة إلى عمان من وادي ميزاب، والمترددين عليها كثيرا في عصر القطب اطفيش أحمد بن الحاج أحمد بن عمر النوري الإباضي (ق: 13هـ / 19م)، من أعيان بنورة بميزاب. متضلِّع في مسائل الخلاف من علم الكلام والفقه. رحل إلى عُمان، ومكث بها عامين يطلب العلم. ثم عاد إلى مسقط رأسه، وتولَّى مشيخة عزَّابتها أربعين عاما.
كان كما قدَّمنا كثير التردُّد على عُمان، فكان وسيطا في مراسلات قطب الأيمة الشيخ اطفيش مع أهل عمان وعلمائها، ولكثرة ما حمل من رسائل وكتب إلى ميزاب أو منه إلى عمان فإنه كان يلقَّب بـ «صاحب عُمان» (1).
من خلال تتبعنا لعلاقة بعض مشايخ القطب ومعاصريه مع أهل عُمان، فإننا بإمكاننا أن نجيب عن سؤال محوري في هذه الدراسة: ما الذي حال دون القطب ودون زيارته لعمان طلبا للعلم، واتصالا بالأئمة هناك؟
إن الجو العلمي أو الوعاء الحضاري الذي وجد القطب نفسه ترتع فيه، والرعاية التي أولاها إياه أخوه الأكبر إبراهيم، وخزائن الكتب الثمينة التي انفتحت بين يديه من آثار المغاربة والمشارقة وتحفهم، لهي عوامل قوية أقعدت القطب عن الترحال مشرقا ومغربا، فكان منشغلا بما بين يديه، وبما يصله من مؤلفات المشارقة وأجوبتهم، وكان يعوِّل كثيرا على مراسلة العمانيين خاصة؛ يمدهم بمؤلفاته ويطلب منهم ما عندهم من المصادر، وكان الحجَّاج الميزابيون واسطة بينه وبين العمانيين وأهل زنجبار، وكانت رحلتاه إلى الحجاز فرصتين مهمتين اقتنى فيهما عددا لا بأس به من الكتب من مكة والمدينة ومصر وغيرها من الحواضر (2).
على أن القطب وقبل أن يشتد عوده قد استساغ حلاوة العلم، فشمر عن ساعديه واعتمد على نفسه في طلبه، فأقبل على هذه الرياض المشرقية والمغربية يلتهم المعرفة من بطونها، فكان لا يسمع بخزانة حافلة إلا ويتخذ كل الوسائل للاطلاع عليها فيستعير
__________
(1) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية». مج1. رقم الترجمة: 068. وانظر بوحجام: «التواصل الثقافي»، ص:44.
(2) - وينتن، مصطفى بن الناصر: «آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية». نشر جمعية التراث. القرارة، الجزائر. ط1، 1417هـ / 1996م، ص:48. (1/64)
صفحة 14
نفائسها ليدرسها. وإذا تعذَّرت الاستعارة بذل أكبر الأجور لمن ينسخها له من أهل البلدة. ومن حسن حظه أن دعاه نجل الشيخ عبد العزيز الثميني ليقدم له خزانة والده قائلا له: هذه كتب والدي ومؤلفاته تحت تصرفك فخذ منها ما شئت وفي أي وقت شئت (1).
وهكذا وجد الشيخ نفسه أمام عدد من خزائن الكتب الثرية، فلم تتق نفسه إلى الرحيل خارج الوطن طلبا للعلم، واكتفى بما لديه وما حوله وما يأتيه من مصادر العلم والمعرفة.
الباب الثالث: الشيخ اطفيش القطب وعلاقته بأهل عُمان: ترجمة موجزة للشيخ اطفيش "القطب" (2):
هو: امحَمَّد بن يوسف بن عيسى ابن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى ابن إسماعيل بن محمَّد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي، اطفيَّش. الشهير بقطب الأيمة.
ولد بغرداية سنة 1237هـ / 1821م (3)، وتوفي ببني يسجن - عن عمر يناهز 96عاما- يوم السبت 25 ربيع الثاني 1332هـ / 1914م. من عائلة شهيرة بالعلماء من بني يسجن، من عشيرة آل بامحمَّد، وينتهي نسبه إلى أبي حفص عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - (4).
عاش القطب طفولته الأولى بغرداية إذ انتقل إليها والده، وتوفِّي عنه والده وهو في الرابعة. حفظ القرآن وَهو ابن ثمانِ سنوات، وأخذ مبادئ النحو والفقه عن أخيه الأكبر: إبراهيم بن يوسف الذي عاد من عُمان ومصر حيث كان يتلقى العلم. كما تلقَّى مبادئ المنطق عن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن (ت ~:1296هـ/ 1872م)، وكان يحضر حلقة الشيخ عمر ابن سليمان نوح (ت: 1292هـ / 1875م) مع أخيه إبراهيم، وحلقة الشيخ الحاج سليمان بن عيسى اليزجني آل الشيخ (حي بين: 1230 - 1265هـ / 1814 - 1848م) في دار التلاميذ اليسجنيين، كما كان يحضر دروس الشيخ بابا بن يونس (ت: 1280هـ / 1863م) في مسجد غرداية.
بعد أخذه لِهذه المبادئ، اعتمد على نفسه في توسيع مداركه، وتحصيل مختلف العلوم، فنشأ عصاميا، إذ لم يسافر قط للدراسة خارج موطنه، وجعل دأبه الحرصَ على اقتناء الكتب واستنساخها، يجتهد في طلبها واشترائها من كُلِّ البلدان، رغم قِلَّة ذات اليد، وعسر الاتصَال.
فتجمَّعت لديه بمرور الزمن مكتبة غنية، تعتبر فريدة عصرها بالنظر إلى ظروف صاحبها، وبُعده عن مراكز العلوم والعمران.
وَمِمَّا ساعده على التحصيل: اقتناؤه لبعض خزائن العلماء، منها خزانة الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني. وزواجه من عائشة بنت معلمه الذي تقدم ذكره عمر بن سليمان نوح (ت: 1357/ 1938م) وكانت امرأة علِمَ تملك مكتبة ثرية ورثتها عن أبيها. كما أنه تزوج
__________
(1) - دبوز، محمد علي: «نهضة الجزائر الحديثة ... ». ج1. ص: 303، 304.
(2) - اعتمدنا في ترجمة القطب اطفيش بشكل كبير على ما ورد في «معجم أعلام الإباضية». مج 4. رقم الترجمة: 864. فمجال البحث لا يسمح بالتطويل في سرد حياة القطب التي تملأ بطون عدد من الكتب. وعلى الراغب في الاستزادة مراجعة المصادر المذكورة في آخر الترجمة في معجم أعلام الإباضية.
(3) - ينظر اختلاف الكتاب في مولد القطب بين 1236 و1237، و1238هـ وينتن: «آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية». ص:24، 25.
(4) - حفار، إبراهيم بن بكير: السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية. إخراج: محمد بن الحاج محمد بن الشيخ امحمد اطفيش. نشر مكتبة القطب. بني يسجن. 2007. ص: 33، 34. وانظر: حمدي أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى: ملحق السير. (مخ) ج2، ص:153. (1/65)
صفحة 15
كريمة معلمه الشيخ محمد بن عيسى ازبار بعد وفاته إكراما لشيخه وإكبارًا، ولربط الصلات الحسنة الوثيقة بأسرته، وليطلع على خزانة صهره الحافلة وينتفع بها (1).
وما كاد يبلغ السادسة عشرة، حَتى جلس للتدريس والتأليف، وَلَما بلغ العشرين أصبح عالِمَ وادي ميزاب، ثمَّ بلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كِتَابه: «شامل الأصل والفرع».
أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، فكان يدرس بالنهار والمساء ويخصِّص اللَّيل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه؛ وكان غزير المادَّة، طويل النفَس، متفانيا في العلم، يدرِّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم الواحد.
تخرَّج على يد القطب علماء ومصلحون ومجاهدون، انبثُّوا في أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ، وبلغ عدد تلاميذه العشرات، من أشهرهم: إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم اطفيَّش، أبو إسحاق: نزيل القاهرة العالم المحقِّق (و:1305هـ/1886م-ت:1385هـ/1965م). وإبراهيم بن عيسى الأبريكي (و:1273هـ/1857م-ت:1329هـ/1911م)، وإبراهيم بن عيسى أبو اليقظان: رائد الصحافة العَرَبِيَّة في الجزائر (و:1306 هـ/1888م-ت:1393 هـ/1973م)، وصالح بن عمر بن داود لعلي (و:1287هـ/1870م-ت:1347هـ/1928م). وصالح بن يحيى بن سليمان آل الشيخ (ت:1367هـ/1948م) الوطني الغيور ومن المؤسسين للحزب الدستوري التونسي، والمجاهد الليبي سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني باشا (و:1287هـ/1870م-ت:1359هـ/1940م)، والمؤرخ التونسي سعيد بن علي الصدغياني الجربي، ابن تعاريت (و:1289هـ/1872م-ت:1355هـ/1936م)، أحمد الرفاعي من المدينة المنورة ... وغيرهم كثير ممن بلغ المشيخة.
إن من أهمِّ آثار الشيخ اطفيَّش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كما ونوعا، فقد عدَّها بَعضهم وقال: إِنهَا تبلغ الثلاثمائة مؤلَّف، ما بين كِتَاب ورسالة، لا يتسع المجال لعدها أو حصرها. واتسع له العمر، ليترك هذا التراث الجليل، فقد عمِّر سِتَّة وتسعين عاما، وكان حريصا على الكِتَابة، لا يتركها في حضر ولا سفر، وصفه تلميذه أبو اليقظان بِأنَّهُ «لا يُعرف إِلاَّ في تدريس علم، أو تأليف كتب»، فألَّف في بني يسجن، والقرارة، ووارجلان، وبريان، والحجاز، وَفي السفينة قاصدا الحجَّ.
ولم يقصر الشيخ جهوده في مجال التعليم والتأليف فحسب، بل اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعيِّ، ومحاربة الجهل والبدع، وَتولَّى رئاسة مجلس العَزَّابة ببني يسجن. كما تولَّى منصب
__________
(1) - دبوز: «نهضة الجزائر الحديثة». ج1. ص: 305. (1/66)
صفحة 16
القضاء، ثمَّ اعتزله لَما بسط الاستعمار الفرنسيُّ نفوذه على منطقة ميزاب سنة 1882م.
كان القطب عدوًّا عنيدا لفرنسا، وَمِمن وقف بقوَّةٍ في وجه الاحتلال، ودعا إلى مقاطعة المستعمر وعدم التعامل معه، ويذكر أنَّهُ نصب خيمة في حومة الدبدابة بين غرداية
وبني يسجن، احتجاجا على دخول فرنسا المنطقة. وكان حريصا على وحدة المسلمين، يعصره الألم على ما آل إليه أمرهم، من فرقة وهوان، وذلٍّ واستعمار، يدعو للنصر للمجاهدين في كُلِّ بلاد العالم الإسلاميِّ. وكان مؤيدًا للخلافة العثمانية على ما داخل نظامها من انحراف لأنَّهَا كانت تمثل وحدة المسلمين.
له مراسلات مع السلطان عبد الحميد الثاني، وغيره كسلطان زنجبار، وإمام عُمان. وسنقف عند بعض هذه المراسلات مع علماء عمان في الصفحات القادمة من البحث.
شهد له بالرسوخ في العلم علماء كثيرون: منهم رائد النهضة الإصلاحية في المشرق الشيخ محمَّد عبده وَبَعض علماء الحجاز. ولقَّبه مجدِّدُ العلم بعُمان الإمام نور الدين السالمي (و: 1286هـ/ ت: 1332هـ) (1) بـ «قطب الأيمَّة».
أطال الله في عمر القطب فقضى قرابة قرن من الزمان في الجهاد العلميِّ، والإصلاح الاجتماعيِّ إلى أن توفي سنة 1332هـ / 1914م.
تواصل القطب اطفيش مع أهل عمان:
رأينا فيما سبق كيف كانت لذخائر الكتب العمانية دورا في تكوين شخصية القطب وتفتيق مواهبه، وكيف تشكلت عصاميته على هدي مكتبتي معلمه الشيخ ازبار وأخيه إبراهيم، وكان كلاهما قد نهل من معين العلم والفقه في عمان ... فجاز أن نقول بأن القطب كان يدين للعمانيين بالفضل والرعاية الفكرية، فإن للشيخ القطب امحمد بن يوسف اطفيش بزغ نجمه وبزَّ في باب العلم والإصلاح أقرانه، نال العمانيين فضله، ووصلهم عطاؤه، فكانت له أيادي بيضاء على العُمانيين ونهضتهم العلمية والسياسية، فأهل عمان يعدُّونه أب النهضة العُمانية في الجانب العلمي، وعلى يديه تكوَّن صديقه الشيخ نورالدين السالمي الذي أشرنا إليه قبل حين، وغيره من المشائخ العمانيين على كثرتهم كما تشير المراسلات الكثيرة الموجودة بين أيدينا وسوف نفرد لها حيزا من البحث بعد حين. فللعمانيين كتاب «كشف الكرب بأجوبة القطب»، وللمغاربة مجموعة مراسلات القطب التي حفظها تلميذ القطب ونسَّاخه الشيخ حمو بن باحمد بابا اوموسى (ت: 1376هـ /1957م) (2)، وغيرها من المجموعات المتنوعة التي لم تر النور بعد، وتعد في أغلبها
__________
(1) - ينظر: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية» (قرص مدمج) (ترجمة لأكثر من 2500 علم من أعلام المغرب والمشرق وخراسان). رقم الترجمة: 789.
(2) - جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المغرب). مج1. رقم الترجمة: 270. (1/67)
صفحة 17
أجوبة للقطب وجهها إلى علماء عُمان وأئمتهم وعامتهم.
1 - التعاون في التأليف والردود بين القطب اطفيش وعلماء عُمان:
ألف القطب كتبا وشرح أخرى نزولا عند رغبة العُمانيين، الذين أقر بحبهم وإجلال علمائهم، وقد ذكر ذلك ذكرا صريحا في الجزء الثاني من موسوعته شرح النيل وقال: (1/68)
صفحة 18
«أَخَذْتُ هَذِهِ الْجَامِعَةَ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَلِشِدَّةِ حُبِّي لأَهْلِ عُمَانَ وَأَهْلِ زِنْجِبَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُمْ أَصْحَابُ الْعُلُومِ حَدِيثًا وَقَدِيمًا وَلِتَمَسُّكِهِمْ بِالْمَذْهَبِ، وَشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُخَالِفِينَ، وَلِنَفْعِهِمْ إيَّايَ بِإِرْسَالِ الْكُتُبِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْرِ الْبَعِيرِ، وَلإِهْدَائِهِمْ إلَيَّ أَشْيَاءَ جَلِيلَةً، وَلاتِّبَاعِهِمْ إيَّايَ فِي أَقْوَالِي وَتَرْجِيحَاتِي، وَمَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، فَبِبَرَكَةِ اسْمِكَ الأَعْظَمِ يَا رَبِّ زِدْهُمْ عِلْمًا وَمَالا وَجَاهًا وَاجْمَعْنَا مَعًا فِي الْخَيْرِ» (1).
هذا إقرار من القطب بتعلقه بأهل عمان في موسوعته الفقهية «شرح كتاب النيل»، هذا السفر العظيم الذي كان وما يزال من أعظم كتب الإباضية مغربا ومشرقا وهو المعتمد والأساس في المغرب اليوم، لأنه استوعب ما كتبه من تقدمه من فقهاء المغرب وزاد عليه، ومع ذلك فإننا نجد الحضور المشرقي العماني فيه واضحا، و «لا بدَّ أن تكون الموسوعات المشرقية المتوفرة في مكتبته، وفي مكتبة الحاج عيسى ازبار، قد ألقت بثقلها عليه، وأغرته باختصارها، أو وضع الحواشي عليها ... لكنه، كان واضح المنهج، وباختصار: يريد الاستقلال بمؤلف أصيل وجديد. إلاَّ أنَّ هذه الموسوعات لا ولن تغيب من مؤلفه هذا، بل إنها من المواد التي استوعبها، ووعى ما فيها، فاتخذها مصادر أساسية لكتابه، وهذا ما يفسِّر استشهاده بها في كثير من الأحوال» (2).
كما نسجل حضورًا قويا لآراء العُمانيين في مؤلفات القطب الفقهية بشكل عام، إذ اعطى هذا الحضور صبغة واضحة ميَّزت منهجه المقارن في التأليف، وإن المتتبِّع لتوظيف القطب لآراء المشارقة في شرح النيل وحده يسجل: ذكر اسم ابن بركة (3) صاحب كتاب «الجامع» أكثر من ستين مرة، وذكر أبي المنذر العوتبي (4) صاحب كتاب «الضياء» أكثر من 20 مرة، كما استفاد القطب من «بيان الشرع» لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي، ومختصره «منهاج الطالبين» لخميس بن سعيد الشقصي، و «قاموس الشريعة» لجميل بن خميس السعدي، وغيرها مما وصلت إليه يد القطب من الموسوعات المشرقية المطولة أو المختصرة.
وبالمقابل فقد وجد العمانيون في مؤلفات القطب معينا علميا لا ينظب، إذ استطاع القطب بفكره الموسوعي أن يجمع فقه المغاربة المتقدمين، وكفى بذلك المشارقة مؤونة التنقيب وراء مؤلفات المغاربة، بل كان في شرح النيل كما رأينا يجمع بين اجتهادات المغاربة وأقوال المشارقة، ما حدى بالشيخ محمد بن شامس البطَّاشي العُماني (ت: 1420هـ) نظم كتاب القطب شرح النيل في عدة مجلدات ضمت 124 ألف بيت، وسَمَّاه: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب».وجاء فيه:
وَبَعدُ فاعلَم أنَّ سِفْرَ النّْيلِ وَشَرْحَهُ لِقُطبِنَا الجَلِيلِ
__________
(1) - اطفيش، محمد بن يوسف، القطب: «شرح النيل وشفاء العليل» (باب زكاة الفطر). ج6، ص: 456. (قرص: المكتبة الإباضية الشاملة). نشر جمعية التراث. الإصدار الثاني. 2010.
(2) - باباعمي، محمد: «الحضور المشرقي في فقه المغاربة، قراءة في المنهج (شرح النيل نموذجا)» بحث مقدم لملتقى التأليف الموسوعي والفقه المقارن في عُمان (يومي 25 - 27 محرّم 1426هـ/ 6 - 8 مارس 2005م). ص:04. (قرص: ندوات تطور العلوم الفقهية في عُمان. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية. سلطنة عُمان). (د. ت. ن).
(3) - أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، الشهير بابن بركة، من كبار علماء القرن الرابع الهجري في عُمان. ينظر: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المشرق). رقم الترجمة: 833.
(4) - سلمة بن مسلم العوتبي أبو منذر، عاش في عُمان بين القرن الخامس والسادس الهجري. اشتهر بموسوعته الفقهية «الضياء» في أربعة وعشرين جزءا. ينظر: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المشرق). رقم الترجمة: 569. (1/69)
صفحة 19
أنفَعُ مَا صُنِّفَ فِي ذَا المَذْهَبْ مِنْ كُتْبِ الشَّرْقِ مَعًا وَالمَغْرِبْ (1)
هذا غيض من فيض تأثر القطب بالعمانيين وتأثر العمانيين بالقطب في مجال التأليف، والكلام يطول على هذه العلاقة التي استفاد منها العمانييون كثيرا وكانت سببا في إقامة صلاة الجمعة بعمان، بل وفي إقامة الإمامة من جديد.
اهتم القطب بكتب المشارقة العمانيين فشرح بعضها ولخص بعضها الآخر، ومن بين مؤلفات العمانيين التي اعتنى بها الشيخ، وكثير منها ما يزال مخطوطا نذكر ما يلي على سبيل التمثيل:
*- شرح الدعائم: وهو شرح لمنظومة ابن النظر العماني (2) في العقيدة والفقه المسماة: "الدعائم" مطبوع.
*- شرح الدعائم الموسع: مخطوط مكتبة القطب. بني يسجن. رقم (أ و2)
*- شرح لامية ابن النظر: شرح اللامية في الحج والمناسك مخطوط في مكتبة القطب. بني يسجن. رقم (أ. ث:1)
*- إيضاح الدليل إلى علم الخليل: في علم العروض الذي وضع أسسه الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني. مخطوط في مكتبة القطب. بني يسجن. رقم (أ. م:4)
ومن حب العمانيين وإجلالهم للقطب وجهوده الموسوعية في التأليف فإنهم كانوا - على بعد المسافة وصعوبة وسائل التواصل - يستفتونه في كثير من النوازل والأحكام، وكانوا يطلبون منه التأليف في مواضيع محددة، فقد طلب منه فيصل بن حمود بن عزَّان (ت: 1328) شرح قصيدة «العبيرية» في وصف الجنة للشيخ محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي (ت: 508هـ)، فأجابه لذلك الطلب وألف كتاب: «الجُنَّة في وصف الجَنَّة»، يقول القطب في مقدمة الكتاب: «وبعد فقد دعاني الشيخ الرئيس الأصيل الفصيح البليغ الكاتب الجليل فيصل بن حمود العزَّاني الإباضي الوهبي العُماني أن أشرح العبيرية ( ... ) ودعا لي دعاء كاملا يعمُّ الدنيا والآخرة، فأجبته إلى ما دعا رجاء الانتفاع بموافقة الأخ في الدين، وسألت الله أن لا يعاقبنا بذنب، وأن يتقبل كل ما فيه من الخير سعينا» (3).
عاصر القطب شيخين عمانيين بارزين وهما: الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الشيخ المحقق (ت: 1287هـ)، وبعد وفاته، في كهولة القطب توطدت علاقته بالشيخ عبد الله بن حميد السالمي «نورالدين» (ت: 1332هـ) (4) مع صغر سنه، وبمشايخ آخرين كالشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي (حي 1920)، والشاعر الشيخ محمد بن شيخان بن خلف السالمي (ت: 1346هـ) الذي لقبه القطب بـ «شيخ البيان»، وغيرهم مممن
__________
(1) - البطاشي، محمد بن شامس: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب». نشر وزارة التراث القومي والثقافة. عمان. (د. ت. ن) ج1، ص: 10
(2) - أبو بكر أحمد بن النظر السمؤلي العُماني (ق 5هـ / 11م)
(3) - اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب): «الجُنَّة في وصف الجنَّة». نشر وزارة التراث القومي والثقافة. سلطنة عمان. 1405هـ/ 1985م. ص:2.
(4) - لتوطد علاقته الشيخ اطفيش به فإنه أطلق عليه لقب نورالدين واشتهر به عند المغاربة والمشارقة، كما أنَّ الإمام السالمي هو من أطلق على الشيخ اطفيش لقب «القطب». ينظر (معجم أعلام الإباضية) قسم المشرق. ترجمة السالمي رقم: 789. وللأستاذ الباحث مصطفى شريفي رأي مخالف في الموضوع، ينظر كتابه: «الشيخ نورالدين السالمي مجدد أمة ومحيي إمامة». نشر جمعية التراث. القرارة. ودار الخلدونية. الجزائر. ط1. 1432هـ/ 2011م. ص: 84 - 86. (1/70)
صفحة 20
سوف نتحدث بعد حين عن مراسلات معهم.
2) مراسلات القطب اطفيش مع علماء عُمان وعامَّتهم:
قد لا نكون مبالغين إن قلنا بأن المراسلات بين المشرق والمغرب كانت من أهم وسائل التواصل وتوطيد العلاقات، وأن مراسلات القطب مع أهل عُمان هي من القيمة والأهمية بمكان يجعلها تستحق دراسة مستقلة مستفيضة لا يمكن لهذه الدراسة أن تقوم مقامها، فعمل من هذا القبيل يستلزم أولا وقبل كل شيء تتبع هذه المراسلات، وجردها في مكتبات وادي ميزاب وفي مكتبات وخزائن المخطوطات في عُمان، عند المرسلين أو المرسل إليهم، بل إن بعضا من مراسلات القطب مع العُمانيين قد تمت من وإلى خارج عمان، فينبغي تحصيلها في زنجبار ومصر وغيرهما من أماكن تواجد الإباضية، ثم إن هذه المهمة تستلزم عملا آخر لا يقل أهمية وهو تصنيفها موضوعيا ووضعها في إطارها الزمني - خاصة وأن ما طُبع منها أكثره غير مؤرَّخ - حتى تتم الاستفادة العلمية منها (1).
وحسبي من هذا الدراسة أن أثير الموضوع للبحث وأن أوضح مدى حرص القطب على توطيد عرى التواصل مع إخوانه العُمانيين، ولقد توصلنا إلى عدد من مجموعات الرسائل والجوابات في مكتبات وادي ميزاب دون مكتبات عمان، وهي كالاتي حسب المكتبات:
أ- في مكتبة القطب ببني يسجن:
منها ما هو بخط القطب نفسه، ومنها ما هو بخط الناسخ إبراهيم اشقبقب، الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني (ت: 1417هـ/1996م):
*- مجموع الرسائل: مخطوط في مكتبة القطب رقم (أ. ز6). (بخط الشيخ اشقبقب وغيره)
*- مجموع قصائد وأجوبة: مخطوط في مكتبة القطب رقم (أ. ز7).
*- مجموع أجوبة للقطب: مخطوط في مكتبة القطب رقم (أ. ز10). (بخط الشيخ اشقبقب)
ب- في مكتبة الاستقامة ببني يسجن:
*- أجوبة لأهل عمان: مخطوط في مكتبة الاستقامة. بني يسجن. رقم (ج: 27)
ج- في مكتبة الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد بغرداية:
وأغلبها مراسلات بخط تلميذ القطب، الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى (و: 1280 /ت: 1376هـ):
__________
(1) - هناك جهود قيمة يبذلها بعض الباحثين لجمع مراسلات القطب ودراستها نرى من الأمانة الإشارة إليها، منها جهود الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى وفريق العمل الذي يشرف عليه في مؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية، لجمع أجوبة القطب تحقيقها، ونأمل أن يصدر العمل في وقت قريب، ومنها جهود فريق العمل بجمعية أبي إسحاق لخدمة التراث بغرداية لتصوير جوابات الشيخ ورسائله في مكتبات وادي ميزاب، ومنها بعض الجهود الفردية لباحثين وأساتذة كالباحث باحمد بن باسعيد الحاج سعيد "النشاشبي" المهتم بالتراث ومساعد امحمد بن الحاج محمد اطفيش (الحفيد) قيم مكتبة القطب على إخراج بعض آثار الشيخ، ومنها كذلك جهود الأستاذ الباحث مصطفى بن محمد شريفي الذي أعد دراسة مطولة مهمة تعد الأولى من نوعها، بعنوان: قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان. وقد أفدنا منها إفادة عميقة في هذا البحث. (1/71)
صفحة 21
*- جواب إلى محمد بن عبد الله الخليلي: مخطوط في مكتبة محمد الحاج سعيد، غرداية رقم (141)
*- حاشية على جواب ابن خلفان [الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي] مخطوط ضمن مجموع في مكتبة الحاج سعيد محمد. غرداية. رقم (38).
د- أما مؤسسة الشيخ عمي سعيد فقد قام الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى (1) مع فريق عمل برقن عدد كبير من مراسلات القطب بعد جمعها من عدة مكتبات داخل الوطن وخارجه (سلطنة عمان)، وهم بصدد تحقيقها.
هـ - كما أن كثيرا من مراسلات القطب مع العمانيين تم جمعها في كتاب: «كشف الكَرْب في أجوبة القُطب»: يقع في جزأين، رتب مسائله أبو الوليد سعود بن حميد بن خُليْفين المضيربي العماني (ت: 1373هـ)، وحقَّق الجزء الثاني منها: محَمَّد علي الصليبي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة. عمان. 1406هـ / 1986م.
ولا شك أن كثيرا من المراسلات في هذا الكتاب في أخذها أبو الوليد من عند الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي (و:1290هـ /ت:1365هـ)؛ لأنه راسل القطبَ في عدَّة مناسبات، وهو الذي طلب من الشيخ أبي الوليد سعود أن يقوم بترتيبها (2).
1 - قائمة بأسماء العمانيين الذين راسلهم القطب (مرتبة ترتيبا ألفبائيا) (3):
اسم العلم (الذي راسله القطب) ... مصدر الرسالة (مطبوع أو مخطوط)
أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي السمائلي [ت: 1354هـ] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، (مكتبة القطب)
راشد بن عزيز بن خلفان الخصيبي، أبو الرشيد ... كشف الكرب ج1 وج2 ... [و:1263هـ / ت:1347هـ]
سالم بن محمد بن سالم الرواحي [مراسل القطب من زنجبار. حي في 1355هـ] ... كشف الكرب ج2
سعيد بن خميس بن حويسن الهنائي [ت: 1351هـ] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف،
__________
(1) - بشير بن موسى الحاج موسى: عضو في حلقة العزابة، باحث، محقق بمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية.
(2) - ينظر: اطفيش، امحمد بن يوسف (القطب): «كشف الكرب»، ترتيب أبو الوليد سعود بن حميد المضيربي، تح/ محَمَّد علي الصليبي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة. عُمان. 1406ه/1986م. ج2، ص: 380.
(3) - استعنا في وضع هذا الجدول بشكل كبير على بحث الأستاذ مصطفى بن محمد شريفي: «قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان» الحلقة الأولى مجلة الحياة. دورية فكرية يصدرها معهد الحياة وجمعية التراث. القرارة، غرداية. الجزائر. العدد 14. سنة 1431هـ / 2010م. ص: 30 - 45. (1/72)
صفحة 22
(مكتبة القطب)
سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي ... كشف الكرب ج1 ... [و: 1298هـ/ ت: 1337هـ]
سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي [ت: 1341هـ] ... كشف الكرب ج1
الشيخ سالم بن سلطان ... مجموع رسائل وأجوبة، ... (مكتبة القطب)
عامر بن خميس بن مسعود المالكي [و: 1280هـ / ت: 1346هـ] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج2
عبد الله بن حميد السالمي، نور الدين [و: 1286هـ/ ت: 1332هـ] ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، (مكتبة القطب) ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج1 وج2 ... المادة رقم 71 مكتبة عمي سعيد ... المادة رقم 72 مكتبة عمي سعيد
عبد الله بن راشد [قاضي الإمام محمد بن عبد الله الخليلي] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج2
علي بن خميس بن راشد [؟؟] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج2
عيسى بن صالح [بن علي] الحارثي [و: 1290هـ (1/73)
صفحة 23
/ ت: 1365م] ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، (مكتبة القطب) ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج1 وج2 ... المادة رقم 71 مكتبة عمي سعيد ... المادة رقم 72 مكتبة عمي سعيد
فيصل بن تركي بن سعيد البوسعيدي (سلطان عمان) ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... [ت: 1331هـ/ 1912م] ... كشف الكرب ج2
محمد بن شيخان بن خلف السالمي [ت: 1346هـ] ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، (مكتبة القطب) ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد) ... كشف الكرب ج1 وج2
محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي، أبو عبد الله ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، (مكتبة القطب) ... [و: 1299هـ/ ت: 1337هـ] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد)
محمد بن مسعود البوسعيدي [ت: 1320هـ] ... كشف الكرب ج2
ناصر بن مسعود [؟؟] ... كشف الكرب ج1
نبهان بن سيف بن سعيد البكري العماني [ت: 1368هـ] ... مجموع رسائل وأجوبة، (مخ) (مك. الحاج سعيد)
2 - قائمة بأسماء العمانيين الذين راسلوا القطب (مرتبة ترتيبا ألفبائيا)
اسم العلم (الذي تلقى القطب رسالة منه) ... مصدر الرسالة (مطبوع أو مخطوط)
راشد بن عزيز بن خلفان الخصيبي، أبو الرشيد ... وثيقة بدون رقم، (مكتبة القطب) (1/74)
صفحة 24
[و:1263هـ / ت:1347هـ]
سالم بن سلطان بن قاسم بن ناصر الريامي [؟؟] ... وثيقة بدون رقم، (مكتبة القطب)
سيف بن بشير الحبشي رسول شيخه نورالدين عبد الله السالمي [؟؟] ... وثيقة بدون رقم، (مكتبة القطب)
عبد الله بن حميد السالمي، نور الدين [و: 1286هـ/ ت: 1332هـ] ... ظهر الجلدة الأولى من مخطوط رقم: غ5 (مكتبة القطب)
محمد بن سلطان بن قاسم بن ناصر الريامي [؟؟] ... بطاقة بريدية دون رقم ... (مكتبة القطب)
محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي، أبو عبد الله ... وثيقة بدون رقم، (مكتبة القطب)
[و: 1299هـ/ ت: 1337هـ] ... كشف الكرب ج1
3 - مراسلات القطب تأكيد للتواصل الحضاري بين الجزائر وعُمان:
تكتسي مراسلات القطب مع العمانيين أهمية بالغة في سياق توطيد علاقات التواصل بين إباضية الجزائر وعمان، ليس في جانبها الفقهي أو العقدي فحسب - وإن كان هو المحور الأساس الذي تدور حوله أغلب المراسلات- وإنما تكمن كذلك في الجانب التاريخي والسياسي والحضاري بشكل عام، فمن خلال تأملنا للرسائل المتبادلة بين القطب والعمانيين لا نجد الفتوى أو الجواب الفقهي مفصولا عن تفقد الأحوال، وتبادل الأخبار، واستحضار التاريخ، ورفع المعنويات، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ... فهذه المراسلات تقدم للباحث معلومات مهمة قد لا يجدها في المصادر المكتوبة المطولة، خاصة إن كانت سرية أو تحمل حساسية سياسية أو دينية أو اجتماعية، فهي مراسلات بين أئمة المغرب والمشرق، وبين قمم العلم والفتوى والسياسية الشرعية والإصلاح الاجتماعي والتربوي في البلدين.
كما أنَّ المراسلات بين العلماء «غالبا ما تكون عفوية وغير متكلفة؛ لأن صاحبها ربما لم يكن يفكر في نشرها إبان كتابتها، فيودعها عواطفه وأحاسيسه، وأشجانه وأحزانه، دون تكلف. بخلاف المؤلفات الموجهة للنشر، فغالبا ما يراعي فيها المؤلف قارئه، ويتوقع ردودَ أفعاله، ويستحضر الآثار المترتبة عما ينشره» (1).
__________
(1) - شريفي: «قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان». (الحلقة الأولى)، ص: 24. (1/75)
صفحة 25
إن مراسلات القطب مع العُمانيين من أفضل الوسائط التي تمكننا من رصد "حرارة" التواصل بين الجزائر وعمان في بواكير عصر النهضة، فإن دراسة هذه المراسلات - أو ما بقي منها - من شأنه أن يسلط الضوء على فترة بقيت إلى عهد قريب خارج دائرة اهتمام الباحثين، قبل أن تتوفر وسائل الإتصال والتواصل الحديثة عناء الترحال ولمعرفة الأحوال ...
ومن طريف ما نقرأ في مراسلات القطب مع العمانيين أننا نجد القطب مهتما أيما اهتمام بإبقاء الروابط بين الطرفين والحرص على عدم انقطاعها، فنجده يقول "لشيخ البيان" محمد بن شيخان: «كيف أحوالك وأحوال من معك، وأنا توحَّشت من انقطاع كتبكم عني بعد ترادفها وتواليها، فأخبروني ما السبب في ذلك» (1)، وقال لصاحبيه نورالدين السالمي وعيسى بن صالح الحارثي: «وصلني كتابكما، وفرحت به لبقاء المحبة والاتصال في أمر الدين» (2)، وقال: «اعلما أنه وصلني كتابكما وفرحت به فرحا كبيرا لطول الفترة، وضيقي بعدم وصول الكتابين إليكما في ظني، والحمد لله إذ وصلا» (3).
لطالما مثل العمانيون للقطب مرآة لنهجه الفكري ودعما معنويا قويا لآرائه الإصلاحية التي قوبلت بالرفض في وطنه، كما أسلفنا في أول هذا البحث، فقد عبر عن حبه الصريح للعمانيين في شرح النيل: وَلِشِدَّةِ حُبِّي لأَهْلِ عُمَانَ وَأَهْلِ زِنْجِبَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا، ( ... ) وَلِنَفْعِهِمْ إيَّايَ بِإِرْسَالِ الْكُتُبِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْرِ الْبَعِيرِ، وَلإِهْدَائِهِمْ إلَيَّ أَشْيَاءَ جَلِيلَةً، وَلاتِّبَاعِهِمْ إيَّايَ فِي أَقْوَالِي وَتَرْجِيحَاتِي ... » (4).
ولذلك كان القطب يشعر بالأريحية مع العمانيين وبخاصة مع الإمام نورالدين السالمي، ومع الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، ومع الشاعر ابن شيخان السالمي. فهو يبثهم شكواه من الظروف الاجتماعية العصيبة التي يعيش فيها القطب، من سياسة تجهيل استعمارية، ورفض اجتماعي لأفكاره الإصلاحية، وهذا كله مقترن بحالة مادية مزرية ... ففي بعض رسائله لابن شيخان يقول: « .. فليس تأخير الجواب تفريطا مني، ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني» (5). وقال للإمام السالمي: «واعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخُّر، وما ذلك إلاَّ لأهوال عظام عليَّ من النصارى وأهل بلدي» (6)، وقال للإمام محمد بن عبد الله الخليلي شيئا قريبا من ذلك: «وافاني سؤالك في حال اضطراب أهل البلد عليَّ وعدم الانقياد للحق، أعانني الله عليهم وعلى أهل الشرك» (7).
ويمكن أن نستنتج من كلام القطب المتقدم في شرح النيل أنه قد وجد في العمانيين بعض الدعم المادي إضافة إلى الدعم المعنوي، فلم يكن القطب يخفيهم ظروفه المادية
__________
(1) - اطفيش، «كشف الكرب». ج1. ص: 9.
(2) - م ن. ج1. ص: 5.
(3) - م ن. ج1. ص: 45.
(4) - اطفيش: «شرح النيل» (باب زكاة الفطر). ج6، ص: 456. (قرص: المكتبة الإباضية الشاملة).
(5) - اطفيش: «كشف الكرب». ج1. ص: 86.
(6) - اطفيش: «كشف الكرب». ج2. ص: 55.
(7) - اطفيش: وثيقة بعنوان: «جواب القطب للشيخ محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه والشيخ أحمد بن سعيد، والأخ علي (؟) والأصحاب من عُمان وزنجبار، في مسائل نحوية وبيانية ولغوية». بدون تاريخ. ص14. مكتبة القطب. بني يسجن. (1/76)
صفحة 26
الصعبة، وكان في كثير من الأحيان يستجديهم لينسخ لهم مؤلفاته، يقول في بعض رسائله: (1/77)
صفحة 27
«لو وجدتُ مالا لأسرعتُ في حاجتك، وأنت تظنُّ بي أن الناس يعينونني! والله إني لأطلب في الإعانة عشرين ريالا فلا أجد من يُعطي خمسا ( ... ) وإني أستحي من الطلب، والله إني أطلبُ فلا أُعطى، وقد أيست منهم، والله إني راغب في نشر كتبي نفعا لكم ( ... ) وطلبا لثواب الله جل وعلا، فأمهل لعلِّي أجد شيئا فشيئا من مالي أو مما عند الله المستعان ... » (1).
ولقد وصل الوضع المادي المزري بالقطب أن يرفض زيارة العمانيين له واستضافتهم في بلده، رغم حبه لهم، وإجلاله لشأنهم، وما ذلك إلاَّ تحرجا من عدم المقدرة على إكرامهم، وإعراض قومه عن رعاية الضيف وإعطائه حقه ... يقول في إحدى رسائله: «وإما أن تزورني أنت أو غيرك من أهل عُمان فلا، رحمكم الله، فأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ لأني في قوم لا يقومون بي، والإباضية في المغرب أشحَّاء إلاَّ ما شاء الله، وإن كنتم تقبلون ضيافتي فمرحبا بكم ألفا، ولست أبخل بالموجود».
إنها الصراحة التي لا حدَّ بعدها! ونحن نفهم من هذه الرسالة أمرين؛ أولهما ظروف القطب الاجتماعية الصعبة مع قومه وتحرجه من عدم إكرام ضيوفه، وثانيهما اتساع قلب القطب ليحدث مراسله من عمان بكل صراحة وإخلاص، ومن المؤكد أن الشيخ لم يصل إلى هذه المرحلة من المكاشفة مع إخوانه العمانيين إلا بعد نسجت بينهم خيوط المحبة والتواصل ومدت جسور الإخاء والود.
إن تحليل مراسلات القطب مع العمانيين معهم يحتاج إلى دراسة مستقلة، دراسة تستخلص العبر من بين ثنيا الفقه والعقيدة والفتوى، تستخلص التاريخ والوضع الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي في ميزاب وفي عمان كذلك (2)، فكما أن القطب قد كشف للعمانيين كثيرا من معاناة وظروف إباضية الجزائر، فإن مراسلاته تعطينا صورا عديدة من مشاكل العمانيين الاجتماعية والسياسية؛ كالفتن، الصراع القبلي، ووالخلافات السياسية والنزاع على السلطة، والخلافات الفكرية بين العلماء، التي حفظتها المراسلات بصدق وأمانة قد لا تتحقق في الكتب والمؤلفات.
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث الذي لا نشك بقصوره وعدم إحاطته بجزئيات الموضوع، إذ أنه لم يصل بعد إلى غايته التي من أجلها تأسس .. فإننا نستخلص بأن التواصل الحضاري بين الجزائر وعمان، قبل عصر القطب وفي عصره وحتى اليوم أمر ذو أهمية بالغة في مسيرة الفكر الإباضي والعلاقات الأخوية الطيبة بين البلدين، وقد ساعد على وجود هذه
__________
(1) - اطفيش: «كشف الكرب». ج1. ص: 10.
(2) - شريفي: «قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عمان» (الحلقة الثانية) مجلة الحياة. دورية فكرية يصدرها معهد الحياة وجمعية التراث. القرارة، غرداية. الجزائر. العدد 15. سنة 1432هـ / 2011م. ص: 252 - 265. (1/78)
صفحة 28
العلاقة تشكُّل فكر "أهل الدعوة والاستقامة" الذي انبثق من البصرة ووصل شعاعه عُمان (1/79)
صفحة 29
والمغرب والآفاق رغم المضايقات، ومحاولات التشويه والمحاصرة. وقد توصلت دراستنا من خلال تأمل الفترة التي عاش فيها قطب الأئمة وعلاقته وعلاقة مشايخه بأهل عُمان إلى استخلاص النتائج التالية:
1 - لقد كان التواصل بين عُمان والجزائر امتدادا للعلاقة الوطيدة التي ربطت إباضية المغرب والمشرق منذ القرن الثاني للهجرة، وشعورُ المغاربة بالولاء والارتباط بمنبع الفكر الدعوي الإباضي جعلهم حريصين على إبقاء عرى التواصل والمحافظة عليها، وكان ذلك سببا رئيسيًّا مهمًّا للمحافظة على كيان المذهب الإباضي وبلورة آرائه وتفاعل أفكاره مشرقا ومغربا.
2 - رعاية عُمان للجزائر ولبلاد المغرب متجذرة في التاريخ ولا ينكرها إلاَّ جاحد، فحملة العلم إلى المغرب، وقيام الدولة الرستمية، ودعم شوكتها ماديا وأدبيا، كلها عوامل شدَّت أهل المغرب ليبقوا في اتصال تام مع أهل المشرق: بالاستفاء، والاستشارة، والتكوين، والرعاية والشعور الأخوي الإسلامي المتبادل.
3 - إن من أهم أسباب اتصال الشيخ اطفيش "القطب" بعُمان وبعلمائها وبالفكر المشرقي بشكل عام، تلك المكتبات الغنية بالكنوز المشرقية العُمانية التي حُظي بها، وتفتحت بين يديه من شيخه عبد العزيز الثميني، وكذا من مُعلِّمَيه الشيخ ازبار وأخيه الأكبر إبراهيم، اللذين نهلا من العلم في عُمان، وخلَّفا بين يدي القطب ذخائر ما جلباه من مؤلفات العُمانيين، فكانت سببا في انفتاح القطب على الفكر المشرقي واحتوائه. فتواصلُ القطب مع عُمان ليس طفرة في الزمن، وإنما هو ثمرة لجهود سابقيه، وبناء فكري متجذِّر بين المشرق والمغرب، قد يضعف أحيانا وقوى أخرى، ولكنه لم ينقطع أبدا.
4 - بعد أن تمثل القطب الفكر المشرقي والمغربي معا وألف أعماله الموسوعية الشهيرة كهميان الزاد، وشرح النيل، وتيسير التفسير، فإنَّ العمانيين استقبلوا تلك الأعمال بحفاوة كبيرة وإجلال منقطع النظير، فكان حضور الشيخ اطفيش القطب قويا في الفكر العماني منذ ذلك الوقت؛ أي منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، ولقيت تآليفه صدى كبيرا في عُمان وزنجبار والمشرق فأقبل العلماء عليها شارح واختصارا ونظما، وكان العمانيون يرون في القطب عالم المشرق والمغرب، عالم الإباضية جميعًا، فكانوا يستفتونه ويستكتبونه، وكان القطب يجيبهم إلى ما يدعونه إليه من تأليف، ويردُّ على أسئلتهم، ويتكبد نسخ مؤلفاته وإرسالها إليهم، حبًّا لهم وإكراما، وحفاظا حبل التواصل، رغم الظروف المادية والأدبية العصيبة التي كان يعيشها القطب والجزائر تحت نير الاستعمار والجهل والفقر والفتن. (1/80)
صفحة 30
5 - إن تراث القطب الكبير من الرسائل والجوابات المبثوثة في خزائن ميزاب وعُمان، وغيرها من البلدان، والتي لم ير أغلبها نور المطابع والتحقيق والدراسة، تحتاج إلى عناية خاصة قبل ضياعها، ومن المهمِّ بمكان النظر إليها على أنها وثائق شاهدة على عصر عصيب مرَّت به البلاد العربية، فمن المهم استخلاص العبر من بين ثنيا الفقه والعقيدة والفتوى في هذه المراسلات، واستخلاص عبر التاريخ من الوضع الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي في ميزاب وفي عمان آنذاك، فمن يعرف تاريخه ويفهم مجراه ومُحرِّك أحداثه، فإنه سيتحكَّم في حاضره، ويبني على تجارب الأجداد وأخطائهم مستقبله.
لقد كان للشيخ اطفيش أثرًا عميقا في الثقافة العُمانية، ولا نكون مبالغين إن قلنا بأنه كان أكثر الجزائريين حظوة بالاهتمام والدراسة والحبِّ والإجلال من قبل العُمانيين في فترة حياته وبعد وفاته. وكان لتلاميذ القطب دورًا كبيرًا في توطيد علاقة الجزائر بعمان، ولعل سيرة الشيخ المجاهد سليمان الباروني باشا، والشيخ أبي إسحاق اطفيش، والشيخ إبراهيم أبي اليقظان، خير دليل وشاهد على ذلك ... كما أن فضل القطب على المشرق والمغرب قد امتد بعد وفاته، من خلال تلاميذه ومؤلفاته التي أبقت العلاقة بين عُمان والجزائر متألقة قوية متجدِّدة. ونحن نرى أنَّ مواصلة البحث في مؤثرات استمرار هذه العلاقة حتى عصرنا الراهن أمرا بالغ الأهمية، ونأمل أن تنصب جهود الباحثين لدراسة هذه العلاقة في جوانبها المختلفة أدبيا وفقهيا وسياسيا واجتماعيا. والله الموفق للصواب.
الهوامش: (1/81)