صفحة 1
الكتاب: الشيخ العلامة قطب الأئمة أطفيش عالما ومجاهدا
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الشيخ العلامة قطب الأئمة أطفيش عالما ومجاهدا
أ/ إبراهيم حاج محمد
باحث غرداية
عاصر الشيخ العلامة قطب الأئمة اطفيش فترة الاستعمار الفرنسي البلاد الجزائرية والجنوب الكبير، ووقف في وجهه وقفة العالم العابد الذي يأبى الخضوع والخنوع للعدو المشرك؛ فكان يدعوا ويحرض على مواجهة الاستعمار مند دخوله البلاد الإسلامية وكان يراسل السلطان العثماني في شأن وحدة المسلمين؛ وكما دعا إلى مجابهة فرنسا، عند الإلحاق العسكري لمزاب 1882م، بالقوة ومقاطعتها ماديا وتجاريا؛ معتبرا إلحاق مزاب خرقا لاتفاقية 1853.
وقد قام الجنرال قائد الحملة على مزاب بسجنه، عند دخوله مزاب، لإرهاب بقية المزابيين؛ لكن ذلك لم يثن من عزيمة الشيخ على معارضة فرنسا وفي كونه الجبهة الصلبة ضدها. وله في مقاومته مواقف وعبر كثيرة، يمكن أن نتعرض لها من خلال تطرقنا إليها في المحاور التالية:
° الإلحاق العسكري لمزاب 1882.
° الشيخ اطفيش يواجه الحملة.
° مقاومة العلامة اطفيش للتوغل والتغلغل الفرنسي:
- الإستشراق.
- التبشير.
° قيادة الشيخ لجيل النهضة الجزائرية الحديثة.
وعزاءنا أن يكون هذا البحث لبنة في التشييد لصرح القطب اطفيش وجيله الجديد، واستذكارا للتضحيات التي قدمها من سبق من أجل أن ننعم، نحن، بالاستقلال.
الإلحاق العسكري لمزاب:
أول اتصال رسمي من الفرنسيين مع مسئولي منطقة مزاب كان في 1852 بعد الدخول العدواني منهم على الأغواط ورفع العلم على مئذنة مسجدها، وكذا فرض حصار اقتصادي على (1/80)
صفحة 2
مزاب بسبب مساعدتهم للشريف محمد بن عبد الله للهروب من الأغواط إلى وارجلان. فكر الجنرال راندون في استغلال فرصة رعب أهل الصحراء من هذة الفاجعة وهذه الطريقة "البطولية" (1) التي دخل بها جنود الجنرال بيليسيي المدينة وكذا فرصة الصراع الداخلي بين المزابيين، فأرسل تهديدا يجبرهم على قبول معاهدة استسلام أو المواجهة فلم يجد المزابيين مع اخلافهم أيضا حول هذه النقطة أيضا حيث إما يقبلون بالمعاهدة أو يواجهون فرنسا. فكانت الإكثرية مع المعاهدة في حين رفض الطلبة والخواص هده المعاهدة وكان على رأسهم الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش.
ولكن المعاهدة تم تفعيلها مع ذلك، في أفريل 1835، ولقد أفادت كثيرا في أنها أخرت استعمار الجنوب لمدة ثلاثين سنة أخرى فقد كانت فرنسا التي ربطت مزاب وربطت نفسها بهذه المعاهدة قد تركت بذلك المجال مفتوحا لنصرة الثورات الشعبية مثل ما كانت تفعل دوما مزاب قبل المعاهدة حيث لم يكلف المزابيون عناء أنفسهم للتقيد بهذه الاتفاقية بل كانوا يمونون الثورات ها وهناك بالتغدية والأسلحة والذخيرة مما جعل فرنسا تحاول مراجعة هذه الاتفاقية في كل مرة ولكنها لم ترد ذلك لأن لا تفتح جبهة جديدة في وجهها.
ولما جاء الحاكم العام تريمان Tirman (2) ذو المشروعات الاستعمارية والاستيطانية التوسعية بدأ يدرس مشروع ضم مزاب وإلحاقها نهائيا بفرنسا وغلق مخزن الذخيرة والتموين في وجه من كان يسميهم هو "المتمردين". وقد واتته الفرصة وأبرق إلى الجنرال Latour D’Auvengne في أكتوبر 1882 لتحضير محلة استعمارية والانطلاق بها إلى مزاب وإخضاعها نهائيا إلى فرنسا وضمت هذه المحلة 1157 جندي وضابط ومعهم 500 فرس و1851 بعير يحمل مئونة شهر. فوصلت الأخيرة مزاب في 17 نوفمبر وأعلنت عن الالحاق الرسمي في الثلاثين من ذات الشهر (3).
وبهذا أصبحت فرنسا تراقب عن كثب ما يجري في مزاب ومن يدخل مزاب ويخرج للتزود، وهذا ما أدى إلى غلق أهم أسواق التموين في الجنوب، فأضعف المقاومة الشعبية في الجنوب فكانت 15 سنة كافية لاستكمال احتلال كل شمال الصحراء والامتداد إلى غاية توات في الجنوب الغربي وإلى أعتاب الهقار في الجنوب الشرقي.
الشيخ اطفيش في مواجهة الحملة الفرنسية على مزاب:
إن الشيخ اطفيش رحمه الله يمثل الجبهة الصلبة المعارضة لفرنسا عند وصولها إلى وادي مزاب، وكان يدع إلى الجهاد وعدم التعامل معها مادياً وعسكرياً، وحتى تجارياً، وهكذا فإن الجنرال الفرنسي "لاتور" ( De Latour D’Avengne) قد سجنه في نوفمبر 1882م عند وصوله
__________
(1) - يمكن مراجعة هذه الحوادث من خلال مذكرات في كتاب Mme Elisa Fornk,.
(2) - مقالات سياسته في الجزائر بجريدة Le Temps 12 & 22/ 11/1882 ..
(3) - Le Commandant Robin, Le mzab, p 75. (1/81)
صفحة 3
إلى وادي مزاب بأمر من الوالي العام الجزائري ليقنع العزابة بعدم جدوى وفاعلية مقاومتهم لإلحاق (1/82)
صفحة 4
مزاب بالاحتلال الفرنسي، ناسين أو متناسين أن القُطب يعتقد جازمًا أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، مردِّدًا هذه العبارة الأخيرة في كلِّ مرة معتزًّا بالإسلام أيما اعتزاز.
وكان يستدعى مرَّات إلى التحقيق بسبب تجرئه المستمر على السلطات الاستعمارية في بلدته وسائر قرى مزاب، حتى إنه فُتِّش وسُئل مرَّات عن وضعه الطابع البريدي مقلوبًا إلى الأسفل على ظروف البريد، وقد يبدُ للبعض بأن هذا السلوك الأخير تصرف ساذج، إلاَّ أنه في حقيقة الأمر شكل من أشكال الرفض الصريح والمتواصل لكل أشكال تواجد المستعمر. فلما اشتد غضب الفرنسيين على تصرفات القطب الجريئة قرروا إيقافه عند حده فحاولوا استقدامه إلى فرنسا لمحاكمته لكنهم عدلوا عن ذلك حين قال أحدهم: من العار على فرنسا أن تستدعى رجلا إما أن يحاججها فتكون أضحوكة أمام الدول وإما أن تحاججه وهو أعزل ليس له إلا علمه فخير لكم أن تتركوا الرجل. فتناسوه (1).
ومن طريف ما يروى عن القُطب أن وفداً فرنسيًّا زاره في الدار التي يدرس فيها وذلك قصد تسليمه وسام الاستحقاق عن حله لُغز الماء الذي حيَّر العلماء، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام الفرنسي في الجزائر ومجموعة من الضباط الفرنسيين والقساوسة، وحينما دخلوا عليه الدار وجدوه جالساً يدرّس طلاَّبه، ولما وقفوا أمامه قام القُطب واعتلى بعض الدُّرُج، فطلب منه حاكم التراب أن ينزل ليسلمه رئيس الوفد النَّيشان، فأجابه القُطب قائلاً: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، وعندما دنا منه أحد الجنود ليعلق له الوسام على صدره أرخى له القطب طرف بُرنُسِهِ من الأسفل وقال له علِّقه هنا (2).
سلك القطب -رحمه الله- نهج الصالحين العاملين في جهاده الإسلامي، إلا أن الوصول إلى هذا الطريق الإصلاحي ليس بالأمر الهين، نظراً إلى سعي معارضيه الذين حاربوه وضايقوه في جهاده، فطالما استفزوه في إصلاحه ليلاً ونهارا، فشعر بأن دائرة السوء تسعى بكل قواها كي تحطمه وتنهي نهضته الإصلاحية في مهدها، كما بين ذلك في رسالة بعثها إلى بعض إخوانه العُمانيين قائلا: (فسلامٌ على الشيخ العالم عبد الله بن حميد والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الفارسي من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف، أعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا لأهوال عظام من النصارى ومن أهل بلدي .. ) (3).
لاشك أن المجتمعات البشرية لا ولن تخلو من الصراع بين رجال الفضيلة ورجال الرذيلة وبين أهل الحق وأهل الباطل، إلاَّ أن عزيمة الصادقين هي من يكون لها الغلبة في النهاية لأن الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة.
من هنا يتبين لنا من خلال استعراض المسار التاريخي للأحداث التي واكب القُطب اطفيّش
__________
(1) - جهلان، الفكر السياسي، ص: 111.
(2) - اطفيش: الرحلة، ص: 38.
(3) - المصدر نفسه، ص: 38. (1/83)
صفحة 5
معظمها، أن هذا الأخير قد خاض معركة الكفاح الاجتماعي والسياسي لعدة سنوات مبيناً المنهج الإسلامي الصحيح، رافضا كل مظاهر الجمود الفكري والتعصب المذهبي والخضوع للسيطرة الأجنبية، فكان داعياً إلى العلم النافع وتطهير النفوس من أدناس الجهل والتخلف، مجابهًا في جهاده مختلف الأعداء، حتى من اشترى الاستعمار ضمائرهم من ضعاف النفوس، ممن سخَّرهم هذا الأخير لمجابهة القُطب في جهاده الإصلاحي.
للشيخ اطفيش أثر بالغ في قضتّهِ الأولى، وهو تحرير الجزائر، وهو ما يدل على وطنية صحيحة (1)، كيف لا وقد ربّى جيلا كاملا من المصلحين وقد أنشأ أول مدرسة إصلاحية بالجزائر.
مقاومة العلامة اطفيش للتوغل وللتغلغل الفرنسي:
أ/ في مقاومة الأفكار الاستشراقية:
من أهم وسائل الاحتلال والاستعمار الذي يستعمله الاستعمار الحديث والذي استعملته أيضا فرنسا أيضا هو الاستشراق أو دراسة المجتمعات المشرقية بعيون غربية ومحاولة الدخول إلى دواخلها وفهم ما يحتويه وعلى ما هي مبنية عليه ليتمكن من بعدها المستعمر من التصرف في تلك الميكانيزمات المجتمعية وتفكيكه وإعادة بنائه وفق ما يتماشى معه وهويته الجديدة بعيدا عن هويته الأصلية.
وعلى هذه الشاكلة جاء مع الحملة الفرنسية على الجزائر في عام 1830 إضافة إلى الجنود المسلحين مجموعة من المترجمين والعلماء والأدباء فلما تم توقيع معاهدة الاستسلام شرع كل في المهمة التي جاء من أجلها؛ وكذلك فتحت هذه المجموعة من المستشرقين الطريق تمهيدا لاحتلال النهائي لمزاب فقد كانت أهم زيارة لهؤلاء المستشرقين زيارة "إميل ماسكوري"، Emile Masquery في سنة 1296هـ/ 1878م محاولا الحصول على بعض الكتابات التي تفيده في معرفة هذه المنطقة وتحصل منها بعد عناء على سير أبي زكرياء الذي ترجمه إلى الفرنسية ولم يجد فيه ما يفيد في التعريف بهذه المنطقة وقد قدم للترجمة بمقدمة طويلة شرح فيها الظروف والملابسات التي اعترضت سبيله وجفاء الشيوخ اتجاهه؛ وكان من ابرز من التقى بهم خلال زيارته إلى هناك الشيخ اطفيش وقد طلب منه بعض المعلومات عن المنطقة وتاريخها فكتب له رسالة سماها (رسالة مختصرة) (2) سلم له ما حضر عنده من مجموع المعلومات، يظهر فيها أن الشيخ –رحمه الله- كان يكتب وكله إدراك بذهنية من يكتب له وخلفيته فجاءت معلوماته مرتبة على نحو يتماشى مع ما كان يريده.
ويقع مؤلفه المسمى "رسالة مختصرة" في بعض تواريخ مزاب في خمسة عشرة بابا، عبارة عن مجموعة من المعلومات والحوادث التاريخية، تناولت حقبا زمنية متنوعة وأماكن مختلفة، تفتقد
__________
(1) - كحالة: معجم المؤلفين. ص: 786.
(2) - Pierre Cuperly, Aperçus sur l’histoire de l’Ibadisme au m’zab, Al-risala i-safiya fi ba’d tawarkh ahl wadi mizab de Med atfayyas. (1/84)
صفحة 6
إلى التنسيق والترتيب، وهي لمحة مختصرة تناولت مواضيع مختلفة في مساحة ضيقة؛ هذا راجع إلى أسلوب الشيخ اطفيّش الذي لا يُلزم نفسه التقيد بالموضوع، ويعمد بدلا من ذلك إلى إضافة (1/85)
صفحة 7
المعلومات والاستفاضة في الشروح واستعمال كل ما من شأنه أن يوصل الفكرة إلى قارئه؛ إضافة إلى تدوين كل ما يطرأ على دهنه في لحظة تقييده للمعلومات، وذات علاقة ولو هامشية بالموضوع كتشابه في الوقائع أو الرابط الزمني الواحد إلى غير ذلك. وذلك منهج بعض المؤلفين قديما من عدم التقيد بالموضوع والنزوع إلى الاستطرادات وملاحقة الفوائد وتحقيق المسائل (1) ونلمس ذلك عند أصحاب الموسوعات الثقافية، والشيخ رحمه الله من أعلامها. وفي ما يلي يمكن أن نلاحظ من خلال محتوى الرسالة طريقة تطرق الشيخ إلى الأحداث، وانتباهه إلى:
في الباب الأول: برهن الشيخ اطفيش من خلال ما جاء في التوراة والإنجيل على صدق رسالة خاتم الرسل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم استخرج من أسفار أهل الكتاب المقدسة عندهم ما يفيد تحريم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير؛ معتمدا في هذا الباب، الذي يعد تكملة أو استدراكا لمؤلّفٍ له كتبه قبلا وهو كتاب ردّ الشّرود إلى الحوضِ المورُودِ (2) –أنظر العنوان الموالي- الذي يعتبر التحفة في علم الديانات المقارنة مخصص فقط لذات الموضوع، كما اعتمد أيضا على ما قام به ابن الحجري شهاب الدين أحمد بن قاسم الأندلسي (3) من مناظرات مع علماء النصارى جمع ذلك كله في مؤلف عنونه بناصر الدين على القوم الكافرين (4) مختصرا من كتابه رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب، ولا أدري إن اعتمد الشيخ اطفيش على نسخة كاملة من هذا المؤلف أم استقاها من طريق غير مباشرة، لأنه ذكر ابن الحجري لكنه لم يشر إلى مرجع محدد. كما تصفح الشيخ اطفيش العهدين القديم والجديد (5) ونقل منهما فقرات تفيد الموضوع يتخللها تعقيبات للنص على سبيل التفسير والشرح ثم إعطاء نتيجة مُحصلة للمقارنة والاستنتاج.
ولا أدرى ما الداعي إلى وجود هذا الباب في هذه الرسالة وتقديمه على غيره من الأبواب سوى:
- وجود شيء مستجد عما لم يذكره في كتاب رد الشرود.
- أو أن الذي طلب منه الرسالة وهو إميل ماسكوري (6) – نعرف به لاحقا- صدر منه ما لم يعجب الشيخ اطفيّش، فضرب عصفورين بحجر ومرر إليه رسالة الإسلام: حيث أنه نصراني، وأنه قال في الرسالة: "لِمَا دخلت الدار يا ماسكري من دون سلام أم أن ديانتكم أمرتكم بذلك".
في الباب الثاني: وأعتقد أنه الجزء الأهم من الرسالة، فالرسالة معرّفَة "رسالة في بعض تواريخ مزاب" وهذا الباب يتوافق مع العنوان، حيث يتعرّض إلى تاريخ وادي مزاب وتاريخ عمرانه، وعن أجداد بني مزاب وعن قصورهم التي كانت في ما مضي دار سكنى أو تلك التي لا تزال إلى اليوم وعن أصل تسمياتها. وهي محاولة شخصية للشيخ لجمع الروايات الشفهية وتصويبها وذلك بطرح عدة أفكار انطلاقا من التسمية ذاتها وتمريرها على الميزان اللغوي على شاكلة علم أسماء الأمكنة ( Toponymie): من أصل الكلمة واشتقاقها في اللغة ودون الاعتبار
__________
(1) _ مقدمة طبعة مختصر تيسير التفسير للمؤلف الشيخ امحمد بن يوسف اطفيّش؛ تحقيق الشيخ إبراهيم طلاي.
(2) - رد الشَّرُود إلى الحوض المورود حجرية بتاريخ 1320هـ.
(3) - ابن الحجري (ت بعد 1048هـ/1638م):باحث، مترجم عن الإسبانية. كتابا في مناظراته مع علماء النصارى واليهود سماه (ناصر الدين علي القوم الكافرين)، كما ترجم وهو في تونس كتاب (العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع). الزركلى، معجم الأعلام، ج1، ص: 198.
(4) - المخطوط موجود بخزانة جامع الأزهر للمخطوطات، لدي نسخة على وعاء رقمي منه، مشار فيها أنه وقف لله لرواق المغاربة بجامع الزهر. رقم النسخة في الخزانة: 307014.
(5) - يشكلان قسما الكتاب المقدس عندهم ( La Bible)؛ محصلة لمزج بين ديانتين سالفتين لرسالة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، اليهودية والمسيحية، judéo-chrétienne .
(6) - EMILE MASQUERAY. (1/86)
صفحة 8
لخلفية تاريخية؛ ولا ندري هنا لما استعملت الكلمات ذات اللغة البربرية على المقياس العربي.
والباب على ثمانية فصول:
1 - بعد التقديم لهذا الباب، بدأ المحاولة ببلدته الأم "قصر (1) آتْ اِسْجَنْ"؛ وأعطى تعريفا لاسمها، وعناصر السكان الذين كانوا في القرى المتاخمة لها، ثم انتقالهم إلى حيث البلدة اليوم؛ والهجرات المتعددة إليه من غير وادي مزاب.
2 - عن تَغَرْدَيْتْ (غرداية) القصر الحالي، أصل تسميتها أول من نزلها وفي بدء عمرانها.
3 - تحدث فيه عن قصر آت مْلِِشَتْ (مليكة) بقصريه السفلي والعلوى، وسبب الانتقال من القصر السفلي إلى العلوي.
4 - بلدة آت بنّورْ (بنورة) ذات القصرين المتقابلين، عمرانهما وسبب هجر أحدهما، والسكان الوافدون عليها ونسبهم.
5 - تَجْنِنْتْ (العطف) أولى القرى التي حط بها البربر من الإباضية رحالهم عند وفودهم مزاب، تسميتها وسكانها قبل الإباضية.
6 - يعود الفصل إلى الحديث عن القرى المندثرة، والتي لم يبق منها إلا الأطلال، وعن مذهب قاطنيها، والغالب أنهم كانوا على المذهب المعتزلي، أي لم يجاوز بها فترة ما قبل الإسلام، فغاية ما يعرف من تاريخ المنطقة يعود للفترة الإسلامية، وهو قليل جدًا.
7 - يخصص هذا الفصل للكلام عن الوافدين من الإباضية على مزاب من غير قاطنيها الأولين، من نفوسه وجربة خاصة؛ وما كان الداعي لنزوحهم إلى مزاب. ثم يضمّن الفصل بعضا من نسب العائلات والبطون، وبيان شرفها وذلك بإلحاق الكثير منها إلى آل البيت، من الفاطميين.
8 - يتمم الشيخ اطفيش في هذا الفصل ما ختم به سابقه، في نسب بعض الأعلام والمشايخ، ثم يتحدث عن بعض الأحداث التى مرت على مزاب منها حملة يحي بن إسحاق الميورقي (2).
يتخلل كل ذلك شوارد هامة واستطرادات خارجة عن سياق الموضوع.
في الباب الثالث: يتطرق هذا الباب إلى الجانب المذهبي بمزاب، مند نشأة المذهب الإباضي فيه، ويبين الفروق بين المذهب الإباضي والمذاهب الأخرى في بعض الآراء والمسائل الفرعية. وقد فصّل الباب في نقطتين هما؛ الأولى تمس الجانب العقائدي وتتمثل في مسألة الرؤيا: رؤية الله عز وجل بالعين المجردة من عدمها. أما الثانية تتناول الجانب التاريخي وهو الفتنة الكبرى: من قتل الإمام علي - رضي الله عنه -، وما يقول جمهور الإباضية في الإمام علي، كما يبين الشيخ اطفيّش مكانة الإمام جابر بن زيد - رضي الله عنه -، إمام المذهب، لدى الرواة وغيرهم من الثقاة.
في الباب الرابع: يواصل هذا في الجانب التاريخي للطائفة الإباضية من حين وصول
__________
(1) - القصر بالبربرية أَغَرْمْ وهي مجموعة سكنية تتوفر على المرافق العامة من المسجد والسوق كُتّاب التعليم، ومن المرافق الخاصة من ديار. وهو الجانب العمراني من قرى مزاب، وموقعها الهضبة الصخرية غير الصالحة للزراعة؛ ويقابله مساحة للاستغلال الفلاحي ممثلا في بساتين يملكها سكان ذات البلدة وتقع في الأسفل عند الوادي، أين يمكن استصلاح قطعة أرض لفلحها، واستفادتها من مياه مجرى الوادي وقت جريانه؛ لخلق ما يعرف اليوم بالتوازن البيئي.
(2) - آخر أمراء بني غانية الذين كانت لهم ميورقة، كانت نهاية دولة بني غانية في عهده. الزكلى، ج8، ص: 138. (1/87)
صفحة 9
المذهب الإباضي إلى بلاد المغرب الإسلامي حتى إقامته لإمامة ظهور بتاهرت، التي أقامها عبد الرحمن بن (1/88)
صفحة 10
رستم الفارسي، ومن هنا ينطلق المبحث إذ يذّكر ببعض فضائل الفرس وفضائل البربر.
1 - الفصل الأول عن نسبة الإباضية إلى عبد الله بن إباض، رحمه الله؛ ثم التعريف بهذه الشخصية. مع البحث في نسبة الوهبية من الإباضية أإلى عبد الله بن وهب الراسبي أم إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي.
2 - يتحدث الفصل عن أولى التصدّعات التي كادت تعصف بأتباع الإباضية لأسباب سياسية؛ وقد نعتها تجوّزًا بـ[فرق الإباضية الضالة]، أولها: النكارية، نسبتها وسببها وما كان منها.
3 - ثاني الفرق: الخلفية، صاحب المشكل وما دعاه إلى شق عصا الطاعة وما كان منه.
4 - النفاثية: نسبتها، وقصة اعتراف صاحبها بضلاله.
5 - الفرثية: صاحبها وما كان منها.
6 - طائفة السكاكية وما صدر منها وكيف انتهت.
في الباب الخامس: يعود الشيخ اطفيّش في هذا الباب إلى وادي مزاب، أين يحاول أيضا أن يعطي تفسيرا لكلمة مزاب وأصلها، كما في الباب الثاني على المقياس العربي لها، فيذكر أنها من ميزاب الكعبة. وقصة الشهرة عنها ما وقع للإمام لأبى بلال مرداس بن حدير (1)، رحمه الله.
كذلك عن سبب تسمية أهل مزاب ببني مصعب أو أهل وغلانة (2)
كما أشار الشيخ اطفيّش أين كان المذهب منتشرا، وأقصى توسع له.
في الباب السادس: خصص هذا الباب لتتبع مسيرة الإباضية ببلاد المغرب منذ افتتاح الدعوة حتى سقوط الدولة الرستمية الإباضية عند اكتساح العبيديين لبلاد المغرب وملاحقة البقايا الإباضية الذين تشتتوا بأرض المغرب، حتى معاودة اجتماعهم ببلاد مزاب.
بدأ الباب بتعداد حملة العلم إلى المشرق والمغرب ودخول المذهب إلى بلاد المغرب. ثم ما تبقى في فصول على النحو الآتي:
1 - سيرة الإمام أبى الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري.
2 - سيرة أبى حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي.
3 - نبذة عن الإمام عبد الرحمن الرستمي الفارسي.
4 - فصل طويل عن أفريقية ومعناها، وعن البربر وأصلهم، وسبب تسميتهم بربرًا من خلال المصادر والروايات.
5 - تولي الإمام عبد الرحمن بن رستم للإمامة بالمغرب الأوسط وقصة بنائه لتاهرت عاصمة الدولة الرستمية.
6 - تسمية تاهُرت وتَ?ْدَمْتْ ومعناهما ووصف لعاصمة الرستميين في أيامهم.
7 - تولي الإمام عبد الوهاب للإمامة بعد الإمام عبد الرحمن عندما ترك أمر الخلافة شورى
__________
(1) - أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ص: 67.
(2) - تنطق بالبربرية آت وَاغْلَان. (1/89)
صفحة 11
بين سبعة نفر، ثم تولى الإمامة أفلح بن عبد الوهاب ثم تولى الإمامة محمد بن أفلح.
8 - تولي الإمامة يوسف بن محمد بن أفلح؛ كما تناول ذات الفصل نفسه فضل جبل نفوسة في دعم الإمامة الرستمية ودولتها؛ كما عاد إلى زمن إمامة عبد الرحمن حيث أرسل إليه أهل الدعوة والاستقامة (1) بالمشرق لمساعدات مالية لتدعيم أركان دولته فتفاجئوا برجوع مساعدتهم والداعي لإرجاعها أن الدولة قد تقوت، في وقت قصير، ولم تعد بحاجة إليها.
9 - عن وقعة مانو سنة 283هـ، التي كان لها الأثر البالغ في انهيار إمامة الرستميين حتى هجوم العبيديين على تاهرت عام 296هـ.
10 - هجوم عبيد الله الشيعي على تاهرت وسقوط الدولة الرستمية، وملاحقة العائلة الرستمية وهرب الإباضية نحو جنوب بلاد المغرب.
11 - فصلٌ عَنِيَ فيه بذكر أسماء السلاطين المتداولة في العالم القديم في شتي ممالك الدنيا، وقد أشار إلى أنه سيتطرق إلى الموضوع عند ذكره إمام عمان، الجلندى بن مسعود، زمن الإمام عبد الوهاب.
الباب السابع: حدد الشيخ اطفيش في هذا الباب الأطر المكانية التي كان ممتدا فيها المذهب الإباضي، أين كان ذائع الشهرة والصيت، لكنه انحسر في وقت ما إلى حيث هو اليوم، حيث عدّد له أسباب الانتشار التي تعود إلى حملة العلم، أين كان له امتداد زمن الدولة الرستمية من المغرب الأوسط حتى مصر؛ كما انتشر في بلاد السودان –إفريقية جنوب الصحراء- وذلك بفضل التجار والدعاة. كما قد عدد الشيخ اطفيّش عوامل انكماشه.
1 - سلسلة نسب الدين التي جرى عليها المذهب والعلم واحدا عن واحد حتى منبعه؛ وهنا ذكر السلسلة المغربية التي تنقسم بدورها إلى فروع.
2 - إفاضات حول معلومات تاريخية وجغرافية ونحوية في تسمية بعض الأمكنة، حول الأندلس وجزيرة مالطة.
3 - يروى هذا الفصل قصة من تراث الحضارة المصرية، حيث يبين الفرعون لرعيته مَنْ مِنَ الشعوب أسبق في الوجود.
في الباب الثامن: هاجم الشيخ اطفيّش، بنقد لاذع، الفرنسيين فضح فيه مساوئهم ونواياهم التبشيرية، والطرق التي يستعملونها قصد جلب الناس إلى ديانتهم، وذلك باستهداف المحتاجين والجوعى برغيف الخبز في يد وصليبهم في اليد الأخرى. وكانت هذه الحادثة بعد إجابته عن سر "لغز الماء" _هو لغز طرح بعض المشارقة مقابل وسام استحقاق فوجد حله الشيخ القطب اطفيش، وتنازل عنه للفرنسيين بعد أن اشترط عليهم تحسين ظروف المسلمين بالجزائر مقابل منحهم الجواب، ولكن الفرنسيين لم يوفوا بعهودهم_ وكانت هذه الاحتجاجات والرسائل
__________
(1) - هكذا اشتهر الإباضية واصطلحوه على أنفسهم، من قبل أن يقبلوا بنسبتهم إلى ابن إباض أو بعده وهو اسمهم الأول؛ وهو وارد وكثير التداول في جل المصادر الفقهية والتاريخية وغيرها لأهل المذهب. أنظر: أوعوشت، حركة أهل الدعوة والاستقامة. (1/90)
صفحة 12
الفاضحة (1/91)
صفحة 13
للفرنسيين القطرة التي أفاضت الكأس للفرنسيين فكانوا يهددونه بالتصفية عبر بعض عملائهم؛ حتى أن وفاته الغامضة في سنة 1914م تعزى إلى أنها مدبرة بالسم.
الباب التاسع: عبارة عن قصة طويلة تحكي عن صور الأنبياء والرسل المشهورين والتي كانت في قصر مدينة هرقلة البيزنطية، حيث أرسل الخليفة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الصحابي هشام بن العاصي إلى ملكها، وليتحقق الملك من صدق نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيرى هل سيتعرف هذا الصحابي على صورة صاحبه محمد - صلى الله عليه وسلم -. ويروى أن الصور هذه كان قد جسدها النبي دانيال عليه السلام بواسطة وصف جبريل عليه السلام للأنبياء، وقد وردت أيضا في كتاب الشيخ اطفيش الآتي ذكرها "ردّ الشّرُود إلى الحوض الموْرُود"، والمغزى منه الرد على المستعمر الفرنسي الصليبي وأهل الأهواء والبدع.
في الباب العاشر: لم يبتعد هذا الباب عن موضوع البابين السابقين، حيث انتقد فيه المستعمر ورجاله حيث يعتبر الاستعمار استمرارا للحروب الصليبية وصراعا بين الحق والباطل.
كما جاء في هذا الباب سبب كتابته لهذه الرسالة، في أنه طلبها منه المستشرق الفرنسي إميل ماسكوري أن يكتب له أشياء عن تاريخ المنطقة وساكنيها، فاستجاب له ويظهر أنه كانت فرصة مناسبة وجدها بعد أن كان طلب منه بعض المزابيين ذلك قبل -بحسب تقديم الرسالة-، وكذلك لم يفوت عدم فرصة توجيه الرسائل المباشرة إلى المستعمر؛ ولم يترك بعد هذا تأويلا آخر لأن البعض بدأ يكتب كلما سمع فحرفت الكثير من الحقائق واستغلها المستعمر لينمي بها سياسة.
في الباب الحادي عشر: يذكر الباب معلومات عامة، حول حقيقة يأجوج ومأجوج، ومعلومات أخرى جغرافية وعن القارة الأمريكية وهل وصلها الإسلام قبل أن يصلها الأوروبيين، ثم وصف سكانها ومتى كان عمرانها.
في الباب الثاني عشر: يحاول الشيخ اطفيش في هذا الباب استنطاق الفتنة الكبرى واستنتاج آراء ووجهات نظر من خلال ما كتبته المصادر خاصة الكامل للمبرد؛ وكان تركيزه في ظل تلك الأزمة العارمة متوقفا على تتبع أصحاب الدعوة والاستقامة أهل المذهب وما كان رد فعلهم أثناء الأحداث لتبيان سلامة الأساس والمبدأ.
في الباب الثالث عشر: في الإمامة، وأفضل الأئمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الباب اختص بذكر من تولى أمر المسلمين بعد رسول الله، أولهم الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم سادتنا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبى طالب. ثم تولى الإمامة سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنه -؛ وبعده يذهب كل فرقة بإمامهم ومن تمّ لأهل الدعوة أئمتهم أيضا، الدين كانوا من زعماء الحرورية (1) قبل أن تنشق الحرورية نفسها إلى فرق
__________
(1) - مشهورون بمصطلح سياسي أطلقه عليهم الأمويون: وهو الخوارج، لخروجهم عن طاعتهم، وإن كان تسموا به لأنهم خرجوا عن علي (ض)؛ فالأمويون كانوا ضد علي من أول يوم ولي فيه أمر المسلمين. (1/92)
صفحة 14
اختلفت في ما بينها في الجملة والتفصيل، وجل ما ورد في ذكر هذه الأحداث ينصب على المرحلة الأولى (1/93)
صفحة 15
من تاريخ السياسية لما بعد مقتل الإمام علي - رضي الله عنه -. فعند أهل الدعوة: فبعد الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما يعقبهما في خلافة أمر المسلمين:
1 - الإمام عبد الله بن وهب الراسبي.
2 - الإمام أبو بلال مرداس بن حدير.
3 - عمران بن حطان ثم إياس بن معاوية
4 - الإمام عبد الله بن يحي، طالب الحق، حيث تنتهي به إمامة الشراء (1).
الباب الرابع عشر: يصنف الباب طبقات المشايخ من ذوي الصيت الذائع ممن نترحم عليهم عند ذكرهم لعظم فضلهم ومنزلتهم؛ وقد ذكر ثماني عشرة طبقة الأولى منذ عهد النبي صلى الله عليه سلم وآله وأصحابه.
أكثر الأئمة الذين ذكروا كانوا من بلاد المغرب، لأنه ربما اطلع على الكتب التي أتت على ذكر سيرهم في حين تعذر عليه الحصول على المصادر التي أتت على سير أهل المشرق بالتفصيل.
الباب الأخير من الرسالة: يروى بعض كرامات المتقين، أولياء الله المخبتين له، تدل على جزاء ورعهم وتقواهم. ويخص الباب بذكر الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي رحمه الله، صاحب نظام العزّابة.
من خلال هذه الرسالة يظهر أن الشيخ إضافة للمعلومة أراد أن يفيد صاحبه بأن الإسلام يوصي بالعلم والمعرفة وكذلك بأن الشيوخ هم على مستوى من الثقافة والعلم وليس كما يتصور بأنهم جهلاء ليست لديهم معارف أو معلوماتهم بسيطة. ومن جهة أخرى أراد أن يُفهم الفرنسي بأن هذا المجتمع حتى وإن رآى فيه ما يوحي بصراع داخلي فإنه مع ذلك نسيج واحد في أصله ودينه يتصل مع غيره وإخوته في الدين وهذا ما جعله يستطرد في بابين الأسباب الذي أدت إلى اختلاف المسلمين ويفيد بأنه لا طائل من الخلاف في وجود عدو مشترك متربص بالمسلمين، وقد افتتح الرسالة بباب مطول يدخل فيه في جدال، أو بالأحرى حوار، لاهوتي بين الديانة المسيحية المحرفة التي يدين بها الفرنسيين والديانة الإسلامية التي تفضح شرك المسيحيين؛ كذلك ذكر المرسل إليه بأن من عقيدتهم أيضا خيانة العهود والتنكر للجميل، كما أن الطريق المنوغرافية _الدراسة الشاملة_ لا تدع فرصة لإيجاد ثغرات وهفوات تاريخية يمكن للمستشرق استغلالها.
ب/ مقاومته للتبشير والمبشرين:
الأمة الجزائرية أمة مسلمة والأوربيون أمة مشركة كافرة. واستعمار الفرنسيين الجزائر يعني قهر المسلمين ومحاربة الاسلام. من هذا المنطق يرفض ش. أطفيش تواجد الكفار على أرض الاسلام
__________
(1) - هناك أربعة مسالك الدفاع والشراء والظهور والكثمان وتسمى بمسالك الدين: راجع عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية. (1/94)
صفحة 16
وبالتالي يمقت ظاهرة الاستعمار في أي شكل من أشكاله، ويعز عليه أن يهضم شعب إسلامي وسلب حريته أو يناله أدنى ضيم، ولذلك قارع المستعمر بكل ما أوتي من حيلة حتى أنه دخل في حرب (1/95)
صفحة 17
ديبلوماسية مع الفرنسيين حين ساروا لاح تلال منطقة ميزاب سنة 1882م، فقام القطب وأنصاره يعارضون الاحتلال واحتج القطب لدى قائد الحملة بكل جرأة وأنكر عليه نقض المعاهدة، وأفهمه ان ميزاب في غنى عنه وعن خدمات دولته وأنهم لا يرضون، فخاف القائد أن يثير عليه ميزاب والصحراء فاعتقله حتى احتل غرداية وشحنها بالجند وأمن على نفسه من الثورة فأطلق سراحه، لكن القطب لم يهدأ ولم يستسلم للواقع فراح يحرك الشعب، ويستنهض الهمم ويثير الرأي العام كلما سنحت له الفرصة لذلك. وكان يغرس في تلاميذه كره الفرنسيين واحتقار المستعمرين المتجبرين.
ومما وقع عقب الإلحاق التحاق عناصر الكاردنال لافيجري (1) ( Cardinale Lavigerie) الذين بقوا مدة في متليلي يتحينون الفرصة لدخول مزاب بعد ما كان أمرا محضورا عليهم -من قبل سكان مزاب- قبل الإلحاق العسكري، ولكن تحت حماية العلم الفرنسي دخلوا مزاب، واكترى لهم الجنرال دوسونيس دارا في بني يزقن لكن الشيخ اطفيش وقف لهم بالمرصاد ووقف في وجه الجنرال؛ فأمر الشيخ بأن بسد بابها بباء جدار أمامها إن هم باتوا فيها.
وقد اهتم الشيخ اطفيش بكتابة مؤلف في هدا الغرض أسماه رد الشرود إلى الحوض المورود وهو عبارة عن مؤلف يتناول فيه زيغ عقيدة النصارى المحرفة وذلك من خلال كتبهم المقدسة. وقد ألفه القطب بعد أن رأى الجهل منتشرا حتى خاف أن يَضل ضعفاء الإيمان؛ وهي رسالة في إثبات رسالة الرسول الكريم من الكتب السماوية القديمة، ومن الكرامات التي وقعت في حياته، ومن القرآن الكريم، وأيضا تلفت الانتباه إلى خواء العقيدة الأوروبية النصرانية ودعواها الحضرية المزيفة. يقع الكتاب في 12 بابا، وهو موجود كمخطوط –مكتبة القطب اطفيّش ببن يسجن. ويقع هذا المؤلَّف في 12 بابا فيها الكثير عن المقارنات بين أسفار العهد القديم وتناقضها في ما بينها وأيضا بين رسائل العهد الجديد؛ إضافة إلى ذلك فقد استعان القطب اطفيش ببعض الكتب التاريخية من كتب السير وغيرها التي تروي عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزاته.
أما الرسالة الثانية من بين رسائله في هذا الشأن رسالة له في الرد على إنجليزي يطعن في الدين الإسلامي، ويشكك المسلمين بتونس في دينهم، وقد بلغ خبره عند الشيخ القطب اطفيش في مزاب وذلك ربما عن طريق التجار المزابيين بتونس، وقد استشاط غضبا وعز عليه أن ينكر هذا الإنجليزي رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ويدعي هذا الإنجليزي أنه يثب أن محمد لا وجود له من خلال القرآن نفسه. وكان رد الشيخ مفحما وأيضا أرسل إليه بدعوة ليحضر إلى مزاب ليناظره (2) وتحده أيضا فيها إن كان متيقنا فليأتي إلى مزاب وإلا فكلامه فارغ استغل جهل الكثير من الناس لينشر سمومه هنالك. وقد سمى هذه الرسالة "قذى العين على
__________
(1) - أنشأ هذا الكاردنال عبر مجاعات 1868 ملاجئ لضحايا المجاعة من الأطفال الذين شردوا على أمل نصيرهم وأسس جمعية مبشري إفريقيا، المعروفة بالآباء البيض، للتبشير والتنصير في الدواخل الجزائرية.
(2) - بحسب الرسالة نفسها فقد أرسلها فعلا له بتاريخ ذي القعدة 1320هـ، أي فيفري 1903م. (1/96)
صفحة 18
أهل القيْن" وكانت على نفس منوال رد الشرود إلا أنها مختصرة وهي تلميحات فقط لأن موضوع الرد (1/97)
صفحة 19
كان حول شخص الرسول صلى عليه وسلم نفسه وإثبات وجوده ورسالته من خلال رسائل المسيحية وكتبها.
قيادة الشيخ لجيل النهضة الجزائرية الحديثة:
أنشأ القُطب عام 1253هـ/1837م معهدًا للتدريس في بني يسجن هي في الأصل داره، ثم دخل حلقة العزابة، وقد تعرض للنفي من بلدته إلى بلدة بنورة (آت بونور) ومكث بها حوالي عشر سنوات ألف فيها كتبا كثيرة ولم يتوقف عن تنشئة الأجيال، وتخرج عليه في الفقه بها كثير من الطلبة، ولما عاد إلى بلدته خلف الشيخ الحاج محمد بن عيسى ازبار في مشيخة المسجد في: 25 ديسمبر 1878م/1296هـ.
تخرج على يديه عشرات من التلاميذ، أصبحوا فيما بعد من أبرز العلماء وأجل الشخصيات المجاهدة والداعية، وقد انتشروا في معظم أقطار المغرب والعالم الإسلامي، من مْزاب وجربة ونفوسة وعُمان، أشهرهم: سليمان باشا الباروني النفوسي (1)، وسعيد بن تعاريت الجربي (2)، وإبراهيم أبو اليقظان (3)، وأبو إسحاق إبراهيم أطفيش الجزائري (4)، وبابكر بن الحاج مسعود (5)، وصالح بن عمر لعلي (6)، وصالح بن يحيى بن الحاج سليمان آل الشيخ (7)، وأحمد بن الحاج إبراهيم حميد أوجانة، والحاج عمر بن حمو بكلي (8)، والحاج ناصر بن إبراهيم الداغور، ويحي بن صالح باعمارة (9)، والحاج عمر بن يحيى ورّرو (10).
ومحمد بن صالح بن يحي الثميني (11)، وإبراهيم بن بنوح مطياز (12)، وصالح بن الحاج محمد الداودي، وغيرهم.
لقد أفرغ القُطب من خلال معهده كل جهده في إصلاح سلوك المجتمع ومحاربة الآفات الاجتماعية دون كلل في كل لحظة، وكان هدفه الأول هو خدمة الإسلام قولاً وعملاً، فالإسلام في نظره هو منهج للحياة التي أوجدها الله في طبيعتها الفطرية، إذ يقول الله عز وجل: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (13).
يقول الشيخ اطفيش:
ولولا ثلاث هن: تعليم جاهل ... وإرضاء ربي، والجهاد لذي الكفر
لما كنت أخشى الموت، والموت ... لازم؛ وإلا فما الحياة والمرأ في قهر
يسترسل الشيخ اطفيش في كتابه تيسير التفسير بعد شرحه للنص القرآني {فتفشلوا وتذهب ريحكم}، (14) ناقدا لأوضاع المسلمين في زمانه: "والنزاع الآن فشا في أهل التوحيد،
__________
(1) - سليمان باشا الباروني: من زعماء النهضة العربية الإسلامية الحديثة بليبيا، عالم وزعيم مجاهد وأديب، (1870م/1940م)، انظر بتفصيل أكثر: م. أ. إب. قسم المغرب، ج3 ص426 وما بعدها.
(2) - سعيد، ابن تعاريت: من شيوخ جزيرة جربة البارزين، صاحب "رسالة في تراجم علماء الجزيرة" و" المسلك المحمود في معرفة الردود" (ت: 1289هـ/1872م)، نفسه، ج3، ص: 375.
(3) - إبراهيم أبو اليقظان: (1888م/1973م) من أعلام الجزائر في العصر الحديث، يعتبر شيخ الصحافة الجزائرية المجاهدة، ترأس أول بعثة علمية جزائرية إلى تونس1914 عضو جمعية العلماء المسلمين، له ما يقارب 60 مؤلفا، أصدر ثماني جرائد وطنية إسلامية باللغة العربية بين 1926 و1938م. نفسه، ج2 ص52 وما بعدها.
(4) - أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الجزائري: (1886/ 1965م)، من أعلام الجزائر والعالم الإسلامي، عالم وسياسي ومجاهد، وهو شيخ المحققين، من مؤسسي حزب الدستور التونسي، ومؤسس مجلة "المنهاج" بمصر، له تآليف وتحقيقات لكتب عديدة، نفسه، ج2 ص44 وما بعدها.
(5) - بابكر بن الحاج مسعود: (ت: 1325هـ/1907م) قاضي بالمحكمة الإباضية بغرداية، يعد من بين تلاميذ القُطب النابغين. م. أ. إب. قسم المغرب، ج2 ص133.
(6) - صالح بن عمر لعلي: (1870/ 1928م)، من أجلة علماء بني يسجن ومزاب، من أبرز تلاميذ القُطب وقد خلفه في ميدان الإصلاح والنهضة العلمية الحديثة، نفسه، ج3 ص475 وما بعدها.
(7) - صالح بن يحي آل الشيخ: (ت: 1948م)، من رجال بني يسجن الثوريين والوطنيين البارزين، العضد الأيمن للشيخ عبد العزيز الثعالبي وأحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري التونسي، ممن كان له السبب في نجاح مهمة الحزب خاصة في جمع التبرعات. انظر: نفسه، ج3 ص487 وما بعدها.
(8) - عمر بن حمو بكلي: (1837/ 1922م)، من أعلام بلدة العطف البارزين، ومن خيرة طلبة القُطب، وهو صاحب آثار ومواقف تاريخية مشهودة. م. أ. إب، قسم المغرب، ج3 ص632 وما بعدها.
(9) - يحي بن صالح: (1867/ 1938م)، من مدينة مليكة بمزاب، وهو قاضيها المفوض بتعيين من شيخه القُطب، استقر في منصبه مدة 36 سنة ولم يُنقَض له فيها أيُّ حُكم. نفسه، ج4 ص964.
(10) - الحاج عمر بن يحي ورّرو: (1858/ 1921م)، من أعلام القرارة ومزاب، ومن بين أنجب تلاميذ القُطب، يعتبر "معهد الحياة" امتداد لمعهده الإصلاحي. نفسه، ج3 ص654 وما بعدها.
(11) - محمد بن صالح بن يحي الثميني: (1897/ 1970م)، أحد أفذاذ بني يسجن ورجالها المخلصين، ومن الوطنيين البارزين، عضو اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري التونسي، ومبعوث الحكومة المؤقتة الجزائرية إلى أمريكا والمغرب. نفسه، ج4 ص803 وما بعدها.
(12) - إبراهيم بن بنوح مطياز: (1885/ 1981م) من علماء بني يسجن النابغين، من أنصار نادي الترقي التابع لجمعية العلماء، وله كتاب "تاريخ وادي ميزاب" مخ. نفسه، ج2 ص19 وما بعدها.
(13) - الآية (الروم، 30).
(14) - الآية (الأنفال، 46)؛ قال الله تعالى: "وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا، إن الله مع الصابرين". (1/98)
صفحة 20
فملكهم أهل الشرك؛ ولو رجعوا إلى مذهبنا في الأصول وغضوا عن مسائل الخلاف، كأن لم تكن، وكانوا يدًا واحدة لغلبوا على أهل الشرك. وأهل الشرك الآن مشتغلون بالاحتيال فيما يملكون به غيرهم؛ وأهل التوحيد بعضهم معين لهؤلاء، وبعضهم بطّال معرض، وبعضهم يعبد الله ولا يشتغل بالدعاء عليهم، وبعضهم مكب على التأليف ولا يحسن التأليف، إلا ما كان على طريق الشيخ عبده، والشيخ مصطفى بن اسماعيل، والشيخ قاسم بن سعيد (1) ولذلك قلتُ أكبّ على التأليف إذ لم نجد لنا غازيا يوما، ولا من بهم يغزو" (2).
وكانت تلك غاياته، رحمه الله، إرضاء الله وتعلم العلم وتعليمه وجهاد الكفر؛ وتأسف في بعض كتاباته أنه حقق الثانية ويدعوا الله أن يكون قد حقق الأولى ولكنه لم يحقق الثالثة. فلم يسمح له الظرف بالجهاد ولكنه ومحاربة الاستعمار بالسلاح رغم أنه حاربهم بالقلم والمواقف الجريئة (3).
فقد عدد الشيخ اطفيش من وسائل كفاحه ضد الاستعمار ووسائله، تارة بالأسلوب المباشر وفي كثير من الأحيان بتحضير جيل جديد يكون قادرا على مقاومة الاستعمار وتخليص بلاد المسلمين منه خاصة بعد أنْ رأى أنّ هذا الغزو كان تحصيل حاصل بضعف المسلمين، فهو كان يؤمن برسالته مع الجيل القادم الذي يولد في رحم الأزمة ليقود الأمة.
الهوامش:
__________
(1) - قاسم بن سعيد الشماخي (ت: 1916) كان من أبرز من أنجبتهم يفرن بجبل نفوسة، في أواخر العهد التركي. نزل بمصر، فصاحب الأديب الصحفيَّ: مصطفى بن إسماعيل المصري، حيث كان سببًا في اعتناقه المذهب الإباضيَّ. وكافح الاثنان الأباطيل والخرافات والبدع، وساندا الإمام محمَّد عبده في حركته الفكريّة. له عدة مؤلفات منها: "الحكمة في شرح رأس الحكمة" و"القول المتين في الرد على المخالفين" و"سرد الحجة على أهل الفصلة" و"مسائل البراءة وتولية والصحابة". م. أع. إب، قسم المغرب، ج3، ص 447.
(2) - القطب امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، تح ابراهيم طلاي، ج5، ص ص 339 - 340.
(3) - محمد موسى بابا عمي، حدد غايتك، مكتب الدراسات العلمية، 2005. (1/99)