صفحة 1
الكتاب: الصناعة الحديثية لدى الشيخ اطفيش
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] الصناعة الحديثية لدى الشيخ اطفيش من خلال كتابه: وفاء الضمانة
د/ صالح البوسعيدي
باحث-عمان
مقدمة
الحمد لله العزيز الحكيم، بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أحسن الناس سيرة وأصفاهم سريرة، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد سلك الإمام القطب -رحمه الله تعالى- في كتابه (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) مسلكاً فريداً لم يسبق إليه –فيما أعلم-، حيث آلى على نفسه أن يجمع أربعين حديثاً نبوياً في كل باب من أبواب العلم، ورغم قلة الوسائل المساعدة له في إنجاز هذا العمل الضخم إلا أن همته تخطت جميع الصعاب فاستطاع أن يجمع في كتابه (5880) حديثاً في مائة وسبعة وأربعين باباً من أبواب العلم.
وجمع هذا العدد الضخم من الأحاديث وانتقاؤها وتبويبها يحتاج بلا شك إلى منهجية واضحة، حيث اتهم الإمام القطب بأنه - ولأجل الوصول لأربعين حديثاً في كل باب – كان مضطراً لإيراد الضعيف والموضوع من الأحاديث في كتابه، فما هي المنهجية التي سار عليها القطب – رحمه الله – في كتابه من حيث كتب الحديث التي اعتمد عليها ونوعية الأحاديث التي ذكرها من حيث قيمتها الحديثية صحة وضعفاً ورفعاً ووقفاً وغيرها من الأمور المرتبطة بالصناعة الحديثية كذكر السند والحكم عليه وتكرار الحديث وشرح غريبه واستخراج الأحكام الفقهية منه.
كما أن الإمام القطب قدم لكتابه بمقدمة في غاية الأهمية عن مصطلح الحديث كونها تبحث في مصطلح الحديث وهو من المباحث القليلة التي تناولها علماء الإباضية بالبحث والدراسة
سنحاول في هذا البحث تسليط الضوء على كل ذلك ولو بشيء من الاختصار.
فإن وفقنا الله عز وجل فله المنة والفضل وحده، وإن كانت الأخرى فنسأله سبحانه أن يغفر خطايانا وييسر لنا أمورنا. (1/230)
صفحة 2
المبحث الأول: حديث الأربعينات
أولاً: روايات الحديث:
روي حديث الأربعينات بعدد من الروايات أشهرها:
1 - "مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا "
2 - "مَنْ حَفِظُ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فَهُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ"
3 - مَنْ حَفِظَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
4 - مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَحْفَظُ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا لِيُعَلِّمَهُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إِلا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا "
5 - " مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بُعِثَ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدًا وَشَفِيعًا "
6 - " مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبِعِينَ حَدِيثًا , مِنْ أَمْرِ دِينِهَا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا"
وقد روي هذا الحديث من طريق عدد من الصحابة هم: عبدالله بن عباس وأبو الدرداء عويمر بن مالك وأبو هريرة ومعاذ بن جبل وأنس بن مالك وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر
ثانياً: منزلة الحديث عند العلماء:
رغم كثرة روايات هذا الحديث إلا أن عدداً من العلماء حكموا بضعفه أو حتى بوضعه، فقد قال عنه ابن حجر العسقلاني في (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: "رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، بِطُرُقٍ كَثِيرَاتٍ بِرِوَايَاتٍ مُتَنَوِّعَاتٍ، وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ" (1).
وقال عنه الشوكاني: "رواه ابن عبد البر وضعفه، وقال في الذيل: هو من أباطيل إسحاق الملطي، وقال في المقاصد: طرقه في جزء، ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة، وقال البيهقي: هو متن مشهور، وليس له إسناد صحيح" (2)
وقد فصل الكلام فيه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) حيث تتبع طرقه طريقاً طريقاً فلم تخل طريق منها من علة قادحة، ثم نقل عن الدارقطني قول: "كُلُّ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ ضِعَافٌ وَلا
__________
(1) وفاء الضمانة 1؟ 33
(2) الشوكاني، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (1/231)
صفحة 3
يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ" (1)
__________
(1) ابن الجوزي، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/232)
صفحة 4
ثالثاً: تعليل القطب لعمله بهذا الحديث:
لم بكن الإمام القطب غافلاً عما قيل في هذا الحديث وطرقه حيث يقول: "واتفق الحفاظ على على أن الحديث برواياته وكثرة طرقه ضعيف إذ لا يخلو طريق منها أن يكون فيها مجهول أو معروف بالضعف ... " (1)، ومع ذلك فأنه لم ير بأساً في العمل به، وقد تدرج في تعليله للعمل به.
فأولاً: لم يسلم بأن هذا الحديث موضوع بل ولا هو ضعيف شديد الضعف وإنما هو - بسبب كثرة طرقه وليس كل طرقه فيها كذاب أو متهم بالكذب - ضعيف خفيف الضعف.
وثانياً: رجح القطب رحمه الله جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إذا لم يترتب على العمل به مفسدة أو تحليل أو تحريم أو تضييع لحق الغير.
وأخيراً: فإنه ذهب إلى أن جمعه لهذه الأربعينات لم يكن عن اعتماد على هذا الحديث وحده وإنما هو داخل تحت عموم الأحاديث الحاثة على تبليغ الحديث ونقله.
وفي ذلك يقول: "وكما لا يعمل بالموضوع فكيف عمل به أئمة فخرجوا الأربعينيات اعتمادا عليه؟ ويجاب بأنه لا نسلم أنه شديد الضعف لأنه (أي الحديث شديد الضعف) لا يخلو طريق من طرقه عن كذاب أو متهم بالكذب وليس هذا الحديث كذلك، واتفقوا على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لأنه لا يترتب عليها تحليل أو تحريم أو تضييع حق الغير، وفي حديث ضعيف عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته"، واعترض بعض بأن الفضائل تتلقى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اختراع عبادة وشرع في الدين بما لم يأذن به الله، رد هذا الاعتراض أن الإجماع لكونه قطعياً تارة وظنيا ظنا قوياً أخرى لا يرد بمثل ذلك لو لم يكن عنه جواب فكيف وقد اتضح الجواب بأنه ليس من باب الاختراع والشرع المذكورين وإنما هو ابتغاء فضيلة ورجاءها بإمارة ضعيفة من غير ترتيب مفسدة، ولئن سلمنا ذلك لنقولن: العمدة في الأربعينات هي ما ورد من الأحاديث في إحياء الحديث مثل قول - صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرءا ... " الحديث، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بلغوا عني ولو آية" أي فكيف بحديث وذلك أن القرآن والحمد أكثر شهادة وحفظاً في زمانه - صلى الله عليه وسلم - عما بعده، فبالغ بالآية، والله أعلم" (2)
المبحث الثاني: مقدمة مصطلح الحديث
أولاً: أهمية المقدمة:
__________
(1) وفاء الضمانة 1/ 34
(2) وفاء الضمانة 1/ 34 - 35 (1/233)
صفحة 5
صدر الإمام القطب رحمه الله كتابه (وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث) بمقدمة مهمة عن مصطلح الحديث، وتنبع أهمية تلك المقدمة من كون مؤلفات الإباضية في مصطلح الحديث خاصة قليلة جداً، ولذا فإن هذه المقدمة تكتسب أهمية خاصة من كونها توضح القواعد التي (1/234)
صفحة 6
اعتمدها الإباضية في تعاملهم مع الأحاديث المروية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حيث قبولهم أو ردهم لها، ورغم ما قد يبدو على المقدمة من نقل للتعريفات والتفريعات والأمثلة والأحكام من كتب أهل الحديث من المذاهب الأخرى إلا أن هذا لا يعني التبعية بقدر ما يدل على التوافق في القواعد العامة، على أنه لا ضرر في التوافق في التعريفات خاصة وذلك لأن التعريفات والتقسيمات تعنى بالأنواع المختلفة للأحاديث، ولكن يمكن أن ينفرد كل مذهب بأحكامه الخاصة على تلك الأنواع، كما إن الاختلاف قد يظهر بشكل أوضح في تطبيق تلك القواعد.
ثانياً: وصف المقدمة:
جاءت المقدمة (في مصطلح الحديث) في خمس وعشرين صفحة تقريباً، وقد اشتملت على الكلام عن أغلب أنواع الحديث، فقد تحدث المؤلف فيها عن أقسام الحديث عند العلماء من حيث القبول والرد (الصحيح والحسن والضعيف والموضوع) وأقسامه من حيث قائله (القدسي والمرفوع والموقوف والمقطوع) وأقسامه من اتصال السند وانقطاعه (المتصل والمسند والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق) وأقسامه من حيث عدد رواته (المتواتر والآحاد بأقسامه: المشهور والعزيز والغريب).
كما اشتملت المقدمة على الكلام عن أنواع الحديث الضعيف مثل المعل والمضطرب والمدرج والمدلس والشاذ والمنكر والمقلوب وغيرها، وكذلك على الكلام عن بعض الأنواع المشتركة بين الصحيح والحسن والضعيف كالحديث المعنعن والمؤنن والمدبج والمسلسل وغيرها، وكذلك تكلم المؤلف عن الإسناد العالي والنازل والناسخ والمنسوخ ومختلف الحديث والمتابع والشاهد ومسائل أخرى تتعلق بمصطلح الحديث.
وطريقة المؤلف في كل قسم من هذه الأقسام أنه يذكر تعريفه واختلاف العلماء في ذلك إن وجد، ثم يذكر حكمه وما قيل فيه، ثم يختم بمثال له أو أكثر بحيث يأخذ القاريء فكرة واضحة عن كل نوع من أنواع الحديث.
وفي بعض الأحيان تبدو بصمة المؤلف واضحة حين يصرح برأيه في المسألة، أو حين يورد مثالاً من عنده لم يذكر في الكتب السابقة، ومن ذلك قوله في الحديث الموقوف الذي يعطى حكم المرفوع: "وقول أنس: ما رأيت أشبه صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عمر بن عبدالعزيز، فذلك رفع بأنه - صلى الله عليه وسلم - يصلي كما رأيتم عمر بن عبدالعزيز يصلي، هذا ما ظهر لي" (1)، ومن ذلك أيضاً قوله: "وقد يستعمل (أي الموقوف) في غير الصحابي مقيداً نحو وقفه أبو عبيدة على جابر بن زيد ونحو وقفه أبو عبيدة على ضمام" (2)، ويقول في مكان آخر عند الكلام عن أنواع الحديث العالي: " ... والقرب من إمام من أئمة ذي صفة عالية كالحفظ والضبط كالربيع بن حبيب وأبي عبيدة منا
__________
(1) وفاء الضمانة 1/ 13
(2) وفاء الضمانة 1/ 12 (1/235)
صفحة 7
وكمالك والشافعي من غيرنا، والقرب بالنسبة لرواية أصحاب كتب الحديث المعتبرة كالقرب من مسند الربيع ... " (1)
كما أن المؤلف قد يذكر بعض الاحترازات التي يتخذها الإباضية في تعاملهم مع أحاديث غيرهم حيث يقول: "وإذا روى قومنا حديثاً صحيحاً أثبتناه وأولناه تأويلاً صادقاً إلى ما يوافق القرآن إن كان ظاهره غير القرآن" (2)، ويوضح في مكان آخر أن الإباضية يعتبرون أحاديث الربيع أصح من غيرها فيقول: "وأصح الأحاديث ما رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمزيد ورع هذا السند وضبطه، وأما كتب قومنا فأصحها في الحديث كتاب البخاري ثم كتاب مسلم" (3)
المبحث الثالث: منهج القطب في الأحاديث
أولاً: مصادره الحديثية:
أشار الإمام القطب إلى بعض الكتب التي سينقل منها وإن لم يصرح بذلك حيث قال في الفصل الذي خصصه لمصطلح الحديث: "وأصح الأحاديث ما رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمزيد ورع هذا السند وضبطه، وأما كتب قومنا فأصحها في الحديث كتاب البخاري ثم كتاب مسلم، وقالوا أنهما أصح من موطأ مالك ... " (4).
فالكتب التي ينقل منها الإمام القطب أحاديث كتابه غالباً هي:
1. الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب: حيث اعتمد القطب عليه كثيراً خاصة في باب توحيد الله عز وجل، وربما صدر به أحاديث الباب (5)، والجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (6).، والجامع الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (7)، والجامع الصحيح للإمام الترمذي (8)، وسنن ابن ماجه القزويني (9)، والمصنف لابن أبي شيبة (10)، وسنن النسائي (11)، ومسند الإمام أحمد بن حنبل (12)، وسنن أبي داود (13)، وسنن الدارقطني (14)، وسنن البيهقي (15).
وهناك كتب أخرى كتفسير أبي الليث (16)، وكتاب ابن أبي حاتم (17)، وتفسير ابن جرير الطبري (18)، وصحيح ابن خزيمة (19) وصحيح البزار (20)، وكتاب أبي نعيم (21)، ومسند أبي داود الطيالسي (22)، وسنن البغوي (23) ونحن لا نستطيع الجزم فيما إذا كان قد نقل تلك الأحاديث من مصدرها الأصلي أم أنه قد استعان بواسطة نقل منها تلك الأحاديث.
ثانياً: منهجه في نوعية الأحاديث من حيث القائل:
__________
(1) وفاء الضمانة 1/ 30
(2) وفاء الضمانة 1/ 9
(3) وفاء الضمانة 1/ 7
(4) وفاء الضمانة 1/ 7
(5) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 1/ 154، 5/ 133
(6) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 171 - 192 حيث كانت كل أحاديث هذا الباب تقريبا من صحيح البخاري.
(7) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 95
(8) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 119
(9) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 138
(10) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 121
(11) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 95
(12) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 95
(13) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 87 - 91
(14) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 5/ 72
(15) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 1/ 72
(16) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 63، 5/ 135 - 137
(17) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 193
(18) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 193
(19) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 270
(20) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 71
(21) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 193
(22) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 57
(23) انظر على سبيل المثال: وفاء الضمانة 6/ 57 (1/236)
صفحة 8
حرص الإمام القطب رحمه الله تعالى أن تكون كل الأحاديث الأربعين في الباب من (1/237)
صفحة 9
الأحاديث المرفوعة إلى الرسول سواء منها القولية أو الفعلية أو التقريرية ولكنه لا يمانع في بعض الأحيان من ذكر أحاديث موقوفة على الصحابة، وذلك ربما لأنه يعتبر تلك الأحاديث من نوعية الأحاديث التي يصفها المحدثون بأنها موقوفة تعطى حكم المرفوع لأنها ليست مما يقولها أو يفعلها الصحابي من تلقاء نفسه وإنما لا بد أنه قد اطلع على ما يؤيد قوله أو فعله من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، على أنه قد أشار إلى أنه قد يكمل الأربعين بالموقوف على الصحابة حيث قال في المقدمة "فهذا كتاب في أحاديث ترويها الصحابة رضي الله عنهم مما له سند عند العلماء، ووصلنا من لدنهم وسميته (وفاء الضمانة بأداء الأمانة)، يشتمل على مقدمة وأرعين حديثاً في كل فن، وقد تتم بالموقوف الذي كالمتصل المألوف" (1).
ومن أمثلة ذلك انه ذكر آثاراً عديدة في حد شرب الخمر عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وسلمان الفارسي، وذلك لأن تلك الآثار مستندة إلى ما فهمه أولئك الصحابة من سنة رسول الله في الحدود عامة وفي حد شارب الخمر على وجه الخصوص (2).
ومن ذلك أنه ذكر في باب الديات عدد من الآثار المروية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) لأن موضوع الديات ليس مما يقال بالرأي وإنما هو مما حفظه أو فهمه عمر من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثاً: منهجه في ذكر الأسانيد:
التزم الإمام القطب عند ذكره للحديث على ذكر مصدره والصحابي الراوي للحديث أو من دون الصحابي إذا كان الحديث عبارة عن حدث أو قصة يرويها الراوي، ويقوم الإمام بحذف سلسلة الرواة التي تقع بين صاحب الكتاب والراوي المباشر للحديث، فجاءت أغلب الأحاديث بهذه الصيغة مثلاً (قال البخاري إلى عبدالله بن عمر) (قال ابن ماجه إلى أنس) وهكذا، غير أنه قد يخرج عن هذا النهج في بعض الأحيان فيذكر السند كاملاً إذا كان السند قصيراً خاصة مع أحاديث الإمام الربيع بن حبيب، وقد يذكر السند مع أنه طويل في حالات نادرة، ومن ذلك قوله: "قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبدالله بن العلاء، حدثني أبو زياد عبيدالله بن زياد الكندي عن بلال أنه حدثه أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليؤذنه بصلاة الغداة ... " (4)
أما إذا كان الحديث مروياً في أكثر من مصدر وأراد أن يعزو إلى تلك المصادر جميعاً فإنه بجمع بينها فيقول مثلاً (قال ابن ماجه وعثمان ابن أبي شيبة إلى حذيفة رضي الله عنه) (5).
وقد يقوم بدمج الروايات المختلفة وهي طريقة متبعة لدى المحدثين، فعوضاً عن ذكر كل رواية على حدة يقومون بدمجها غذا كانت متقاربة في الألفاظ، وقد اتبع الإمام القطب هذه
__________
(1) وفاء الضمانة 1/ 5
(2) وفاء الضمانة 5/ 26 - 30
(3) وفاء الضمانة 5/ 77 - 79
(4) وفاء الضمانة16/ 232، وانظر أمثلة أخرى 1/ 246، 1/ 247
(5) وفاء الضمانة 6/ 106 (1/238)
صفحة 10
الطريقة ومن أمثلة ذلك قوله: "قال الربيع بن حبيب بسنده وعبدالرزاق عن معمر عن الحسن، ومالك وسفيان عن الزهري، عن أبي سلمة: يدخل حديث بعض في بعض، عن أبي هريرة وغيره: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة .... " (1)
رابعاً: منهجه في الأحاديث من حيث القبول والرد:
اعتمد الإمام القطب في مصادره الحديث بشكل أساسي على الكتب المشهورة كمسند الإمام الربيع وصحيح البخاري ومسلم والسنن الأربع وغيرها من أمهات الكتب، ولكنه فيما يبدو لم يلتزم بإيراد الأحاديث المقبولة، بل إنه قد يورد أحاديث ضعيفة بل موضوعة، وقد حكم هو بنفسه على بعض تلك الأحاديث بالوضع، ومن ذلك أنه أورد حديث كعب الأخبار: "احتلم آدم فخلقوا من نطفته والتراب" ثم قال: "لا يصح هذا لأن الأنبياء لا يحتلمون" (2)
وقليلاً ما يتكلم المؤلف على منزلة الحديث من حيث القبول والضعف، ومن أمثلة ذلك قوله: "قال أحمد وأبوداود يإسناد ضعيف" (3).
كما إنه أورد بعض الأحاديث في أمور لا يؤمن بها الإباضية كأحاديث المهدي مثلاً (4).
خامساً: منهجه في التعليق على الأحاديث:
لم يرد الإمام القطب رحمه الله تعالى لكتابه أن يكون كتاباً حديثياً بحتاً ولذا فقد ضمنه الكثير من الفوائد اللغوية والعلمية، فقد أكثر من توضيحه لغريب ألفاظ الحديث، كما أكثر من التعليق على الحديث من حيث استخراج الأحكام الفقهية منه وذكر أقوال العلماء فيها، ولذا فإن القاريء يجد نفسه أمام عالم فقيه وليس أمام محدث يجمع الأحاديث فحسب، والأمثلة على ما ذكر كثيرة يمكن أن يجدها القاريء في أي صفحة من صفحات الكتاب.
الخاتمة
هذا ما وفقني الله لكتابته حول هذا الموضوع، وأخيراً فإنني أوصي بطباعة كتاب (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) طبعة جديدة محققة تحقيقاً علمياً، فإن من شأن ذلك أن يجعل الفائدة من الكتاب فائدة عظيمة، حيث يمكن الاستفادة من الكتاب حيث إن الكتاب مفيد جداً لمن يريد أن يعرف ما ورد من الأحاديث في باب ما من أبواب العلم.
غير أن ما يصعب الاستفادة من الكتاب عدم تبيين مرتبة كل حديث من حيث القبول والرد بشكل دقيق بحيث يجد القاريء طمأنينة حين يستدل بالحديث، ولذا فإن أهم ما يحتاجه الكتاب أن تدرس أحاديثه وتخرج تخريجاً علمياً يبين مرتبة كل حديث.
__________
(1) وفاء الضمانة 1/ 233
(2) وفاء الضمانة 6/ 27
(3) وفاء الضمانة 5/ 132
(4) وفاء الضمانة 6/ 9 - 11 (1/239)
صفحة 11
الهوامش: (1/241)