صفحة 1
الكتاب: القطب اطفيش والمدونة الكبرى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] القطب اطفيش والمدونة الكبرى
أ. د/ مصطفى باجو
جامعة الأمير عبد القادر-قسنطينة
المبحث الأول: القطب اطفيش والفقه الإباضي
- معالم شخصية القطب
أجمعت كلمة الدارسين الذين تناولوا شخصية العلامة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (و/ت1332هـ 1914م) أنه كان شخصية موسوعية، استطاع أن يستوعب الثقافة الإسلامية بمختلف فروعها، ويتخطى الفهم التقليدي الذي يحصر العلم في علوم الشريعة إلى دائرة أوسع، فكتب في الطب والفلك والزراعة والتاريخ، فضلا عن علوم اللغة التي برع فيها وأبدع، واختار في قضاياها آراء شخصية تجعله في مصاف المبرزين في علوم اللسان.
أما علوم الشريعة المحضة من الفقه والأصول والتوحيد والتفسير فقد ضرب فيها بسهم وافر، وأثبت جدارة وتضلعا، ورسوخ قدم تشهد به المؤلفات التي دونها في مختلف هذه العلوم.
ولست بصدد إحصاء ما كتبت يمينه من هذه المؤلفات، إذ كفاني المؤونة باحثون مقتدرون استفرغوا جهودا طيبة في إحصائها وتصنيفها، بين المؤلفات الذاتية والحواشي والشروح، والرسائل المختصرة، والموسوعات البسيطة، والردود والتعاليق (1).
وقد أغنى نتاجُ القطب المكتبةَ الإسلامية، وتلقّى العلماء والطلبة هذا النتاج بالقبول منذ صدوره مخطوطا ومطبوعا طبعا حجرا، ثم جاء عصر الطباعة الحديثة فانتشر في مكتبات العالم، وعرف الباحثون من خلالها قيمة هذا العالِم الموسوعي، واطلعوا أيضا على جانب من التراث الإباضي الذي ظل مغمورا ومجهولا لدى معظم المسلمين، خاصتِّهم وعامتِّهم، لظروف تاريخية واجتماعية ليس هذا مقام تفصيلها.
وتأكد من خلال قائمة نتاج القطب العلمي أن مجال الفقه نال نصيب الأسد من اهتمامه، مقارنة بغيره من العلوم.
- مركزية الفقه في نتاج القطب
لقد بلغت مؤلفات القطب الفقهية عددا معتبرا، ويمكننا حصر هذه المؤلفات في هذه القائمة:
1 - «شرح كِتَاب النيل وشفاء العليل»: وهو موسوعة فِقهِيَّة جامعة لآراء المذاهب الإِسلاَمِيَّة، يقارن فيها بين الأقوال بروح متفتِّحة، ويرجِّح ما يراه بِالحُجَّةِ والدليل، وأصبح هذا الكِتَاب معتمد الإباضيَّة في الفقه. طُبع مرارا، وبواسطته تعرَّف العالم الإسلاميُّ على الفقه الإِبَاضِيِّ، واعتمدته لجان موسوعات الفقه الإسلاميِّ في مصر والكويت.
2 - نَظَمَهُ الشيخ البطَّاشي العُماني في 124 ألف بيت، سَمَّاه: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب» وصدر في عشر مجلدات.
3 - كما أنجزت له جمعيَّة التراث فهارس فنية شاملة صدرت في مجلد واحد، وينتظر إعداد فهرس موضوعي للمسائل الفقهية التفصيلية للكتاب.
4 - «إطالة الأجور وإزالة الفجور»، حققه الأستاذ عمر بازين، وهو مطبوع.
5 - «الذهب الخالص المنوَّه بالعلم القالص»، حققه الشيخ أبو إسحاق اطفيش، وطبع عدة مرات.
6 - «ترتيب تحفة الأديب وتخصيب القلب الجديب»، (مخ). وهو ترتيب كتاب لعمرو بن رمضان التلاتي.
7 - «ترتيب كتاب اللقط للشيخ عمرو بن رمضان التلاتي»، (مخ).
8 - «ترتيب كتاب المعلقات»، لمؤلف مجهول، (مط).
9 - «ترتيب المدوَّنة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني»، مطبوع، وسنفرده بالحديث لاحقًا.
10 - «ترتيب نوازل نفوسة»، (مخ)، وهي مجموعة أجوبة ورسائل لبعض أَيمَّة الإباضيَّة.
11 - «تفقيه الغامر بترتيب لقط موسى بن عامر»، (مط).
12 - «جامع الوضع والحاشية»، الوضع لأبي زكرياء الجناوني، وحاشيته لمحمد بن عمر أبي سِتَّة المحشِّي، (مط).
13 - «حاشية أبي مسألة»، لأبي العَبَّاس أحمد (مخ).
14 - «حاشية القناطر»، لإسماعيل الجيطالي، (مخ).
15 - «حاشية على جواب ابن خلفان»، (مخ).
16 - «حاشية على شرح الرائية»، (مخ).
17 - «حكم الدخان والسعوط»، مطبوع. وقد حقَّقها ودرسها الأستاذ بكير بن يحيى الشيخ بالحاج، في إطار رسالة الماجستير بمعهد أصول الدين بالجزائر.
18 - «حيَّ على الفلاح: وهي حاشية على كِتَاب الإيضاح» للشيخ عامر بن علي الشَّمَّاخِي، مخطوط.
19 - «شامل الأصل والفرع»، ذكر فيه أنَّهُ كتبه بعد أن بلغ درجة الاجتهاد. حققه وطبعه الشيخ إبو إسحاق اطفيش.
20 - «شرح الدعائم»: شرح بَعض منظومات فقهية من ديوان ابن النظر العماني المسمَّاة: الدعائم، (مط).
21 - «شرح الدعائم الموسَّع»، (مخ).
22 - «القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية»، مطبوع.
23 - «كِتَاب التحفة والتوأم»، في علم المواريث، مطبوع.
24 - «كشف الكرب»: ترتيب أبي الوليد، تحقيق: محَمَّد علي الصليبي، (مط).
25 - «مختصر في عمارة الأَرض»، اختصار لكتاب أصول الأرَضِين، في علم العمارة. حققه د. محمد ناصر والشيخ بكير باشعادل، وهو مطبوع.
وتجلي هذه القائمة أن كتبه الفقهية تجاوزت عشرين عنوانا، يتصدرها من حيث الحجم كتاب "شرح النيل وشفاء العليل" وهو شرح لكتاب "النيل" للشيخ عبد العزيز الثميني. وطبع عدة مرات، وانتشر في مكتبات العالم المختلفة (2).
ودخل القطب الفقيه عالم النشر من أوسع أبوابه، وتعرف عليه العالم بنتاجه ورقيا وإلكترونيا.
ولكنه لم يعرف إلا من خلال شرح النيل، وظلت الكتب الفقهية الأخرى على أهميتها محدودة التداول، تكاد تنحصر في الدائرة الإباضية.
والمهم أن مجموع نتاج القطب الفقهي يمثل الرصيد الأوفر من مؤلفاته، وتلك دلالة واضحة، تكشف عن قناعة راسخة لدى القطب بأن الفقه محور البناء المعرفي للفرد المسلم، ودليل الالتزام الواقعي بالدين في الحياة. ولذلك أولاه اهتماما يناسب مقامه وخطره في حياة الفرد والأمة على حد سواء.
- مجال العمل الفقهي لدى القطب: التأليف، الحواشي، الشروح، التدريس، الإفتاء.
من خلال قائمة منتجات القطب الفقهية يتجلى لدى تعدد الاهتمام الفقهي لديه، إذ تناول الدرس الفقهي تدوينا بصور عديدة، من المؤلفات المستقلة إلى الشروح والحواشي، إلى التجميع والاختصارات، إلى الفتاوى والمراسلات.
ولكن فتاوى القطب لا يزال أغلبها مخطوطا، ومنها مراسلاته مع علماء المشرق في كتابه "كشف الكرب".
واللافت لاهتمام الدارس أن الشيخ اطفيش لم يكن قابعا في مكتبه متفرغا للتأليف، معزولا عن واقع الحياة، بل كان له معهد للتدريس، ومنبر للإرشاد في المسجد. فكانت جهوده موزعة بين الكتاب والطلاب والمنبر.
لقد آمن القطب بضرورة هذه المواقع لتفقيه الناس بأحكام دينهم، فظل مرابطا مع العامة في النشاط المسجدي، ومع الطلبة في برنامج تكوين تربوي اضطلع به في معهده، لتكوين الخلائف التي تحمل أمانة الفقه والاجتهاد.
وقد نجح القطب في كل هذه المساعي بحفظ الموروث الفقهي المتقدم، ونشره مشروحا ومختصرا، ومحشى، وبثّ الوعي الفقهي لدى العامة بدروس الإفتاء، وتكوين الكفاءات الفقهية المتمثلة في تلاميذ معهده، الذين وفدوا إليه من مختلف الأرجاء.
- القطب ونتاج المدرسة الإباضية الفقهي:
من خلال العرض السابق يتجلى للدارس أن القطب قد انكب على الفقه الإباضي تأليفا وشرحا وتفقيها وتدريسا، وربما يظن أنه ظل منحصرا في إطار مدرسته الفقهية لا صلة له بغيرها من نتاج علماء الإسلام.
بيد أن الاطلاع على مضامين نتاج القطب الفقهي يُشْدَهُ لما يراه من موسوعية في الاطلاع على آراء علماء الإسلام، منذ الصدر الأول إلى العصر الحاضر.
ويتملكه الإعجاب لما يتسم به من قدرة على العرض والتحليل، والاستدلال والتأصيل، ثم ما يتسم به من موضوعية في النقد والترجيح.
وليس غريبا بعد ذلك أن يراه الدارس لكتبه يرجح رأي المالكية أو الحنفية أو الشافعية أو ما سواها من آراء المذاهب الإسلامية، يقينا منه أن ذلك كله سائغ محمود، إذ المقصود التوصل إلى الرأي السديد، مشفوعا بأدلة الشرع وقواعد الاجتهاد.
وكتبه "شرح كتاب النيل" و"الذهب الخالص" و"شامل الأصل والفرع" شواهد صادقة على هذه المميزات، كاشفة عن هذه السمات.
ونجتزئ بهذه الملاحظات عن القطب فقيها، ومجتهدا. ونعرج إلى الشق الثاني من هذه الورقة، وهي الحديث عن القطب وكتاب المدونة الكبرى، نستجلي ما فيها من معالم وخصائص، ونستعرض بعض ما بذل فيها من جهد، وننبه إلى ما ينتظر الباحثين من سعي وعمل علمي رصين.
المبحث الثاني: القطب اطفيش والمدونة الكبرى.
- المدونة الكبرى، قصة ومسار.
مدونة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، كتاب ينسب إلى الإمام الحافظ الفقيه أبي غانم بشر بن غانم الخراساني (3).
ويضم آراء كبار فقهاء الإباضية الأوائل من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، تلميذ الإمام جابر بن زيد، إذ حفظ أبو غانم فتاويهم التي سمعها منهم مباشرة، أو بواسطة من أخبره بها، فدوّنها في كتابه هذا، وهي فتاوى متفاوتة في الحجم وَفرةً وكثرة، كما سيتجلى في تفصيل معالم هذه المدونة.
وتعتبر هذه المدونة صورة لفقه المدرسة الإباضية في أصوله ومعالمه، وفي منهجه وخصائصه.
قدِم أبو غانم إلى البصرة لتلقّي العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، لكنه لم يحظ بمعاصرته إلا زمنا يسيرا، فما لبث أن توفي أبو عبيدة سنة 150 للهجرة، ولمّا يقض أبو غانم نهمته من العلم، فكان له في تلاميذ أبي عبيدة عوض عما حُرِمه من التعلم على يديه.
ولا تمدّنا المصادر بتفاصيل عن حياة أبي غانم، ولا تشير إلا إلى محطات معدودة من مسيرته، لا تكاد تشفي الغليل، إذ تذكر أنه لبث في البصرة زمن التعلم، حيث كانت مزدهرة بتلاميذ أبي عبيدة، وحين خفت الإشعاع العلمي بها إثر وفاة الإمام الربيع بن حبيب (توفي حوالي 170هـ)، أحد أبرز تلاميذ أبي عبيدة؛ الذي خلفه في الرئاسة العلمية بالبصرة، حينها توجه أبو غانم إلى بلاد المغرب في رحلة علمية قاصدا الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (توفي سنة 208هـ)، في تاهرت؛ عاصمة الرستميين (4).
وفي طريق رحلة أبي غانم مرّ بمصر، وفيها لقي ابن عبّاد المصري، أحد فقهاء الإباضية بمصر، فأفاد من لقائه آراء علمية فقهية ضمّنها مدوّنته. ثم اجتاز على جبل نفوسة (ليبيا حاليا)، ولقي بها عمروس بن فتح المَسَاكِني، (توفي سنة 283هـ)، واستودعه نسخة من المدونة، ثم أكمل مسيره إلى تاهرت، حيث لقي الإمام عبد الوهاب.
وذكر معجم أعلام الإباضية أن أبا غانم عرض على الإمام مدونته، فكانت تلك النسخة من نصيب مكتبة المعصومة بتاهرت. بيد أن الدرجيني لم يشر إلى نسخة ثانية للكتاب غير التي
استودعها عند عمروس في جبل نفوسة (5).
ولما رجع أبو غانم إلى نفوسة طلب من عمروس وديعته، فردّها إليه بعد أن نسخ منها نسخة لنفسه. وواصل أبو غانم طريقه صوب المشرق (6).
- الجانب العلمي في المدونة:
تعدّ مدونة أبي غانم الخراساني أهمّ وأقدمَ مصدر بعد مسند الربيع بن حبيب، حَفِظ لنا آراء الإمام جابر بن زيد وتلاميذه، إذ رواها أبو غانم عن سبعة من تلاميذ أبي عبيدة مسلم عن جابر.
والمدونة كتاب فقه وحديث، شمل كل أبواب الفقه الإسلامي التي عالجها فقهاء الإباضية آنذاك. وتقدم لنا صورة واضحة لنتاج هؤلاء الفقهاء، كما تتضمن معالم اجتهادهم وقواعدهم في استنباط الأحكام.
كان هدف أبي غانم من تدوين كتابه رصد آراء فقهاء سلفه وحفظها للأجيال، ضمانًا لاستمرار نفعها، وتبصير الناس بأحكام دينها. وكان موقعه موقع التلميذ الحافظ، والسائل المتفقه، والراوي الأمين، لا يتجاوز حدوده تلك، إلا فيما ندر، فلا نجد له آراء خاصة في الكتاب، بل طابع الكتاب العام كان أسئلة من التلميذ وأجوبة من المشايخ والفقهاء، ومن مجموع ذلك كانت المدونة.
ولعل انشغال أبي غانم بالرصد والتقييد حال دون اهتمامه بالترتيب والتنسيق لما جمعه وقيّده، فجاء الكتاب غير متناسق في ترتيب أبوابه ومسائله. ويحتمل بعض الباحثين أن أبا غانم كان قد وضع لكل بابا كراسا مستقلا، ثم جُمعت تلك الكراريس بعد ذلك من قِبل تلامذته، أو يكون أبو غانم قد قام بضم بعضها إلى بعض بنفسه (7).
ويفتقر هذا الرأي إلى دليل مقنع واضح، فإن نسخ المدونة التي بين أيدينا -ونعني المدونة الصغرى تحديدا-، تكشف عن تداخل الأبواب وتناثر المسائل. فبرغم وجود تصنيف عام للأبواب بأسمائها المعروفة في كتب الفقه، بيد أن توزيع المسائل عليها كان مشوشا إلى حد كبير، إذ قد نجد مسألة في الصلاة في باب المعاملات، ومسألة في النكاح في باب الجنايات.
وظل الكتاب بحاجة إلى استدراك لضم المتناسب وتفريق المتباين، وهو العمل الذي قام به القطب اطفيش مؤخرا.
الجانب الفقهي والأصولي في المدونة:
وأيًّا ما كان، فإن الكتاب بما احتواه من مسائل وآراء في غاية الأهمية، فهما لنصوص الشارع، واستدلالا للآراء، واعتمادا على الحوار العلمي القائم على الحجة والبرهان، قاعدته
الذهبية "إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيًا فالدليل".
هذا الجو الفكري كان سيد الحياة العلمية في الصدر الأول للمجتمع المسلم، إذ عرف الفقهاء حوارات مفتوحة، ونقاشا علميا رصينا حول قضايا التشريع: قواعد وأدوات، ومسائل ومشكلات.
وقد عرضت المدونة بوضوح آراء الإِبَاضِيَّة وآراء غيرهم أيضا حول قضايا الساعة التي عرفها المجتمع المسلم آنذاك، وأوردت وجهات نظر هؤلاء العلماء، واختلافهم والحجج التي ساقها كُلِّ فريق لتأييد رأيه. كما تضمَّنت المدوّنة بواكير القواعد الأصولية، وأصول الاستنباط عند الإِبَاضِيَّة.
ففي أحضان المدونة نجد المصطلحات الأصولية، ومفاهيمها لدى أئمة الإباضية الأوائل، وتحديدهم لمصطلح السنة وحجيتها، وكيفية الترتيب بين الأدلة، وطريقة إزالة التعارض بينها إذا وقع، فضلا عن القياس والرأي وإجماع الصحابة والاختلاف، وغيرها مما يعدّ بدايات التدوين في موضوعات علم الأصول، ثم تواصل مساره، واكتمل بناؤه على أيدي اللاحقين من العلماء، أمثال ابن بركة والعَوْتَبي وأبي يعقوب الوارجلاني.
فقد تمازج الفقه وأصوله في ثنايا المدونة، بما عرضت من مسائل واجتهادات، كشفت عن عناية بالتأصيل واعتماد الدليل، إذ نجد في المدونة توظيفا لقواعد الاجتهاد، وضبطًا لأسسه، وترتيب أدلته عند التعارض، فضلا عن العناية بمقاصد الشريعة، واعتبار مآلات الأفعال عند تنزيل الاجتهاد على أرض الواقع. وهو ما تفيده حوارات تلاميذ أبي عبيدة حول عديد من القضايا.
وتسعفنا المدونة بصورة جلية لهذا التفاعل الحي بين العقل والوحي، والمراوحة بين النص والواقع، في رحاب الفقه الإسلامي الأصيل. وتستوقفنا فيها عديد من المشاهد الحية للحوار العلمي، سواء بين الفقهاء أنفسهم، أم بينهم وبين تلاميذهم، بعيدا عن فرض الرأي عاريا عن البرهان، أو إلزام المرء به دون قناعة وبيان.
وبهذا كشفت المدونة عن أصالة الفكر الاجتهادي لدى المدرسة الإباضية، ورسوخ النظرة النقدية الفاحصة لدى فقهائها، إذ لم يأسروا أنفسهم في حدود اجتهاد رجل بعينه، مهما علا قدره ورسخ قدمه، لأن معتمدهم الدليل لا أقوال الرجال، ومرجعهم نصوص الكتاب وسنة المصطفى عليه السلام. وأبو غانم في مدونته لم يكن حبيس آراء الإباضية لا يعدوها، بل تضمنت المدونة آراء فقهاء المسلمين، كإبراهيم النخعي وشريح القاضي والحسن البصري، وربيعة الرأي، وأبي حنيفة النعمان، ومحمد بن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى. على تفاوت في ما نقل من آراء هؤلاء العلماء (8).
وقد ورد ذكر إبراهيم النخعي زهاء أربعين مرة، وكان ابن عبد العزيز معجبا بآرائه، لقوة استدلالاته، ويعلن ذلك لتلميذ أبي غانم غير مرّة، ويصرح له بذلك دون مواربة، ويبيّن له أنه يتبع الدليل ولا يظل أسير أقوال الرجال.
وكثيرا ما يسأل أبو غانم ابن عبد العزيز عن سبب اختياره قول إبراهيم وعدوله عن آراء فقهاء مذهبه، فيجيبه قائلا: «وقول إبراهيم عندي أعدل، وبه نأخذ». «قلت لابن عبد العزيز: سبحان الله، أتأخذ بقول إبراهيم وتدع قول جابر وأبي عبيدة؟ قال لي: أنت رجل مقلد، وما لي لا آخذ بقول من أرى قوله عدلاً، نافيًا لريبة نفسي، ومُبعِدًا عن مقارفة الخطإ. والأخذُ بالثقة قول إبراهيم، فاعتمِد عليه» (9).
وفي هذا الحوار صورة حية للتلميذ الحريص على الالتزام بفقه مدرسته، وجواب الشيخ المنصف الذي يتخذ الحق وجهته وغايته، لا يعنيه أن يصدر عن إمام المذهب أو أحد تلامذته، أو عن غيره، ما دام يعضده الدليل. وحين ساد أفق الحوار العلمي المفتوح، عرفت الآراء طريقها إلى الظهور، ثم التدوين والإثراء، مما صبغ فقه المدرسة بصبغة المرونة وتعدد الآراء، والاستفادة من مختلف الرؤى والاجتهادات، وكان ذلك مصدر ثراء وحيوية أمدّ حلولا واقعية لمشاكل الناس على اختلاف مستوياتهم وظروف معاشهم.
ومن الإنصاف القول إن مدونات الفقه الإباضية كانت أنموذجا للفقه المقارن منذ الصدر الأول، فيها تأصل منهجه، وطبقت قواعده، ونما غرسه عبر القرون، فرأينا موسوعات فقهية مقارنة متقدمة، مثل "كتاب الجامع" لابن بركة البهلوي، في القرن الرابع الهجري، و"الضياء" لسلمة بن سعيد العوتبي، في عشرين مجلدا في القرن الرابع كذلك. و"المصنف" لأبي عبد الله أحمد بن عبد الله الكندي في اثنين وأربعين مجلدا، و"بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي في ثلاثة وسبعين مجلدا، ختاما بكتاب "قاموس الشريعة" لخلفان بن جميل السعدي، في تسعين مجلدا، و"شرح كتاب النيل" لامحمد اطفيش في سبعة عشر مجلدا. وكلها مؤلفات تؤكد نهج المقارنة الذي اختطته المدونة، وظل فقهاء مدرستها أوفياء له إلى العصر الحديث.
ومما ميز اجتهاد هؤلاء النظرةُ الواقعية، وربط الاجتهاد بمشاكل الناس اليومية وقضاياهم المُلِحّة، وتلك سمة غلبت على الفقه في عصوره الأولى، فكان فقها واقعيا لا افتراضيا، وكان الفقهاء مشغولين بتلبية حاجة الناس لمعرفة أحكام الدين، ولم يكن لهم متسع لافتراض مسائل نادرة لم تقع، والتحليق في عالم "أرأيت إن وقع"، وإعنات العقل بالبحث عن حلول لنوادر المسائل، ووهميّ المشاكل.
والطريف أن نجد في المدونة معالجة لقضايا نحسبها من إفرازات عصرنا، فإذا بها نتاج تلك
الفترة، قد عرفها الناس من قديم، وذلك مثل قضية زواج المسيار، الذي تتنازل فيه الزوجة عن حقوقها في النفقة والسكنى. نظرا لضغوط الواقع، وشيوع ظاهرة العنوسة في المجتمعات المعاصرة، نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية قاسية، فكان في زواج المسيار بعض حلولها.
وقد أورد أبو غانم في "باب الشرط" حوار الفقهاء حول هذه القضية وأشباهها؛ فقال: «قلت لابن عبد العزيز: المرأة تتزوج الرجل وتشترط أن الصداق عليها، والطلاق والجماع بيدها؟ قال: بَلَغَنا عن ابن عباس أنه كان لا يرى شرطها عليه شيئا. ويقول: إن فعل ذلك وأعطاها شرطها، فالصداق عليه واجب، والطلاق والجماع بيده» (10). وعلق الشيخ اطفيش على المسألة بقوله: «وإن شرَطَتْ طلاقها بيدها مطلقا، أو لا يمسها، أو شَرَط أن لا ينفقها، أو تنفقه، أو تُسكِنَه، أو تكسوه، لم يصح ذلك. وصح النكاح. وإنما بطل مع أنه شرط ليس فيه معصية، لأنه مناقض لما اختار الله لهما من أن الطلاق بيده، والنفقة عليه، لا له» (11).
ولئن تضمنت المدونة آراء فقهاء الإباضية الأوائل، سواء إمام المدرسة جابر بن زيد، أم خليفته أبا عبيدة مسلم، أم تلاميذه فإن ثمةَ تفاوتًا في حجم تلك الآراء بين مُقلٍّ ومُكثِر، والسبب يرجع إلى ملازمة أبي غانم لبعضهم أكثر من بعض، فكان نصيب الأسد لآراء ابن عبد العزيز وأبي المؤرج، والربيع بن حبيب، وإن كانت روايته عن الربيع في الغالب بواسطة محبوب ووائل.
كما نشير إلى أن آراء ابن عبد العزيز وآراء الربيع جاءت متطابقة في أغلب مظانها في المدونة، رغم اختلاف المنهج بين الرجلين، إذ كان ابن عبد العزيز ميالا إلى الرأي والقياس، والربيع ميالا إلى التزام الآثار، والتحرج من الاجتهاد عند فقدان النص.
هذا عن الجانب الفقهي والأصولي أما الجانب الحديثي ففيه حديث يطول.
الجانب الحديثي في المدونة:
تعتبر المدونة مصدرا غنيا للرواية الحديثية، بما حوته من أحاديث مرفوعة إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم -، وآثار موقوفة، وأقوال للصحابة في مختلف أبواب الفقه. ولكن الملاحظة البارزة عدم اهتمام أبي غانم في رواياته بالسند كثيرا، اكتفاء بثقته بمن يروي عنهم، فكانت كثير منها في صورة مراسيل ومقاطيع وبلاغات.
- وقد اعتمد الباحث صالح البوسعيدي على المدونة الصغرى فأحصى فيها 140 حديثا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و245 قولا للصحابة، و1907 قولا لفقهاء الإباضية، و40 قولا لفقهاء المذاهب الأخرى (12).
واعتمادنا هذا الإحصاء لتقريب الصورة ليس إلا، فقد تضمنت المدونة التي نحن بصددها
حجما أكبر من الآثار والأقوال، نظرا لاستقلالها بأبواب إضافية غير موجودة في المدونة الصغرى. وأحاديث المدونة مروية عن عدد كبير من الصحابة، يمكن ترتيبهم حسب وفرة مروياتهم كالآتي: ابن عباس، عائشة، ابن مسعود، عمر بن الخطاب، أنس بن مالك، أبو هريرة، معاذ بن جبل، البراء بن عازب، عمار بن ياسر، أبي بن كعب، جابر بن عبد الله، حذيفة بن اليمان، عمرو بن خارجة، علي بن أبي طالب، أسامة بن زيد، أبو عبيدة عامر بن الجراح (13).
وطريق رواية الأحاديث في المدونة كانت عبر فقهاء الإباضية أساسا، كما نجد عددا لا بأس به من رواة غيرهم، كالحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة السدوسي، وسعيد بن المسيب، وربيعة الرأي، وهؤلاء تابعون أئمة للمسلمين جميعا. وأفادنا تصنيف البوسعيدي للأحاديث النبوية إلى: 21 حديثا متصلا، و18 حديثا مرسلا، و16 حديثا منقطعا، و66 حديثا معضلا، و19 حديثا معلقا. بمجموع 140 حديثا.
وهو إحصاء يكشف عن عدم اهتمام أبي غانم بالصناعة الحديثية في كتابه، لأن غايته كانت مجال الفقه دون الأخبار، وتبين نصوص المدونة أن أبا غانم كان مطمئنا إلى رواتها غالبا، أو إلى شهرة تلك الأحاديث إن كانت في محل الاحتجاج. وأحيانا يوردها على سبيل النقد وعدم الثقة بها فيحكم بضعفها، أو يدع المجال مفتوحا لمن أراد أن يستوثق. وفي كل الحالات كان أمينا في الرواية، فما بلغه متصل السند ذكره بسنده، وما بلغه مرسلا أو منقطعا أو معضلا ذكره كذلك.
وبالمقارنة وجدنا أغلب هذه الروايات موصولة الإسناد في كتب السنة المشهورة، من الصحاح والسنن، وإن كانت في أحيان عديدة بألفاظ متقاربة، وهو ما يزكي أمانة الناقلين الذين اعتمد عليهم أبو غانم، أو من رووا عنه تلك الأخبار. بيد أن هذه السمة لم نجدها في الفصول المدرجة في المدونة مما كان وليد عصر متأخر، وبخاصة في كتاب الصلاة المضاف الذي تضمن عددا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، نظرا لاختلاف العصر، وظهور أثر الوضع في كتب الأعصر التالية، وبخاصة زمن الركود الفقهي والعلمي في العالم الإسلامي.
ورغم هذه المآخذ فلا ينكر فضل المدونة في حفظ هذه الروايات، سواء منها أحاديث المصطفى عليه السلام، أم أقوال الصحابة والتابعين الكرام، وأئمة الصدر الأول للإسلام.
- الأعمال العلمية حول المدونة.
من اهتمام الإباضية بالمدونة أن نقلوا نصوصها واعتمدوها في مؤلفاتهم، ونجد في أجوبة ابن خلفون نماذج لاقتباسات عديدة من المدونة، وهو أمر سارت عليه مؤلفات الإباضية مشرقا ومغربا. ومن صور هذا الاهتمام أيضا وضع حواش عليها، فقد ذكر النامي أن لها حاشية لأبي القاسم بن ناصر، دون أن يقدم لنا تفصيلا عن هذه الحاشية التي لم نتوصل إليها بعد.
ثم وضع القطب اطفيش حاشيته على المدونة ورتبها، وحُفظت هذه التعاليق وانتشرت، وسوف نفرها بمزيد توضيح بعد حين. كما قام الشيخ يحي بن عبد الله النبهاني والأستاذ إبراهيم بن محمد لعساكر بتحقيق المدونة الصغرى، ومقابلتها على نسخ متعددة، وطبعت سنة 2006م
ترجمة المدونة:
ذكر الشيخ أبو إسحاق اطفيش في مقدمة كتاب الوضع أنه رأى نسخة من مدونة أبي غانم بشر بن غانم مترجمة إلى البربرية (14). ولم يقدم معلومات أخرى عنه. وسعى بعض الباحثين المعاصرين للحصول عليها، ويذكر الأستاذ محمد أومادي الليبي أنه توصل إلى هذه النسخة بعد جهود خارقة من البحث والمعاناة، وعثر عليه في مركز الدراسات الآسيوية في مدينة شوزان لوروا بضواحي باريس (15).
وأوضح بأن المخطوط شرح للنص العربي، وليس ترجمة كاملة له كما ذكر الشيخ أبو إسحاق، وأن ناسخه مسعود بن الحاج صالح، أكمل نسخه في 20 رجب 1208هـ[21 فبراير 1794م] وقدم صورًا منه مع إعادة شرح ألفاظها البربرية باللغة العربية، عودًا بالنص إلى أصله الأول، ومقارنة الشرح بنص المدونة العربي.
- عمل القطب في المدونة: الترتيب والحاشية.
شاع بين المتعاملين مع التراث الإباضي مؤخرا وجود كتابين للمدونة، أحدهما يُعرف بالمدونة الصغرى، والثاني: بالمدونة الكبرى، وكلاهما لأبي غانم الخراساني. ثم تداول هؤلاء خبرَ العثور مؤخرًا على مدونة أكبر، تضم اثني عشر كتابا، هي أوسع مما بين يدي الناس اليوم.
والخبر في أصله مذكور في طبقات الدرجيني، أن المدونة تقع في اثني عشر جزءا (16). بيد أن الرواية الأخيرة أفادت أن المدونة تقع في اثني عشر كتابا، كل كتاب جزء قائم بذاته. وكان الخبر مثار حيرة، وباعثا على البحث والتقصي، وبدأت رحلة السؤال فهداني البحث إلى الشيخ يحي بن عبد الله النبهاني العماني، إذ أطلعني على نسخته الأكبر للمدونة، وكانت المفاجأة أنها نسخة دار الكتب المصرية التي وصفها الدكتور النامي، وسماها بالديوان المعروض.
وهي في حجمها لا تشكل اثني عشر كتابا، بل تبلغ صفحاتها أربعا وعشرين وثلاثمائة صحيفة. (مرقمة بالصفحات) من القطع الكبير، كتبت بخط مغربي دقيق.
أما قصة الاثني عشر كتابا فأحسبها تعني موضوعات المخطوط، وهي مقسمة إلى كتب، على عادة الفقهاء في تصانيفهم، وقد حدد النامي هذه الأبواب في وصف المدونة بقوله: «والمدونة تتكوَّن من اثني عشر كتابًا، وكل كتاب منها يحتوي عَلَى عدد من الأبواب، وذكرها بأسمائها.
والذي يعكر على هذا التصنيف عدم تطابقه مع النسخ المتوفرة للمدونة سواء الصغرى منها أم الكبرى، إذ تذكر أحيانا اسم الكتاب وأحيانا اسم الباب، فأبواب الصلاة لم تذكر تحت اسم كتاب الصلاة، وكذلك الزكاة والحج، وإن كانت هذه الموضوعات موجودة بكاملها في المدونة، مع تفاوت في الترتيب بين الصغرى والكبرى. فضلا عن تضمنها كتبًا أخرى لم يذكرها النامي مثل: كتاب الشفعة، وكتاب الإعتاق (17).
ولئن تبدد سراب الحديث عن مدونة أكبر، فإن التذبذب ظل قائما بخصوص المدونة الصغرى والمدونة الكبرى، وبخاصة عند طبعهما بهذين العنوانين، وانتشارهما بين الناس. فقد طبعت المدونة الكبرى سنة 1974م، في مجلدين اثنين، ونشرتها دار اليقظة بلبنان، برعاية وتقديم الشيخ سالم بن حمد الحارثي. ثم أعادت طبعها وزارة التراث القومي والثقافة بعمان سنة 1984م. كما طبعت الوزارة مشكورة المدونة الصغرى في العام نفسه في مجلدين أيضا، بحجم يقارب حجم المدونة الكبرى.
ودفعَت حاجة البحث العلمي ببعض الدارسين إلى عقد مقارنات بين الكبرى والصغرى، وخلصوا إلى أن ثمةَ تطابقا كبيرا بينهما في مواطن كثيرة، واختلافا في مواطن أخرى (18). وكنا نحسب الأمر كذلك إلى عهد قريب (19). وكان هذا التشابه أحد الدوافع لاستقصاء الحقيقة بحثا عن جواب شاف حول حقيقة المدونتين، وتبين لنا بعد المقابلة الدقيقة بينهما أنها مدونة واحدة لا اثنتان. ويظل السؤال قائما: من أين جاء تسمية المدونة الكبرى، والمدونة الصغرى؟
لم تذكر المصادر القديمة هذين الاسمين، ولم تورد إلا اسم المدونة، أو مدونة أبي غانم، أو الغانمية. ثم ظهر هذا التمييز في النسخ الحديثة، بعد ترتيب القطب للمدونة. وقد نسب بعضهم التسمية إلى القطب نفسه، إذ جعل المدونة الأصلية صغرى، وأما التي رتبها وأضاف إليها تعليقاته فسماها المدونة الكبرى.
وعزا النامي هذا إلى رأي العالم العُماني الشيبة محمَّد بن عبد الله السالمي (20). وأكد معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) نسبة هذا القول للسالمي نقلا عن المستشرق الألماني شاخت (21).
وهذا توجيه معقول، ولكن يعكر عليه أن القطب اطفيش نفسه، قال في أول ترتيبه المدونة: «أما بعد، فهذا ترتيب المدونة الكبرى بألفاظها رجاء لثواب الله وبركة الأوائل». فقد قصر عمله على ترتيب المسائل، وإضافة التعاليق التي كان أمينا فيها، إذ يستهلها بعبارة: قال المرتب، ويختمها بعبارة: انتهى. ثم يعود إلى نص المدونة. وأضاف القطب في آخر المدونة فصلا عَنْوَنَه بقوله: "تكملة خارجة عن المدونة"، ضمّنها ترجمة لرجال المدونة. وفي شرح النيل للشيخ اطفيش ورد ذكر
المدونة الكبرى مرة واحدة (22)، بينما ورد ذكر "المدونة" هكذا دون وصف، مرات عديدة (23)، وأحيانا يذكر "مدونة أبي غانم" (24).
علما بأنه يذكر أحيانا لفظ المدونة ويقصد به مدونة المالكية، وأحيانا يوضحها باسم "مدونة مالك"، و"مدونة ابن القاسم"، ومدونة المالكية" (25). وهذه ليست محل اهتمامنا الآن.
ولكن الإشكال يظل قائما، لأن القطب نفسه نص على تسمية "المدونة الكبرى" ولم يشر إلى أنه وضع هذا الاسم من عنده، ثم نفى كل احتمال حين قال: "بألفاظها"، فهل يكون القطب موهما أو ناسيا لذلك؟ لا نظنه كذلك. ثم إني اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسخة بخط الشيخ الشيبة محمد بن عبد الله السالمي، كَتَب في أولها "المدونة الكبرى" وقال إنها مقابلة مع النسخة التي أرسلها القطب إلى والده الإمام نور الدين السالمي.
فالتسمية إذن حادثة، ولا نملك الجزم بأن القطب هو الذي سمّاها، وإن ذهب إلى ذلك بعض الباحثين. كما ذهب البعض إلى أن وزارة التراث وضعت التسمية عند طبع الكتاب، تمييزا بين التي بها تعاليق القطب وبين أختها (26). ولكن الصواب وجود التسمية قبل طبع الوزارة كما تؤكده المخطوطات المعتمدة، والنصوص التي أوردناها للقطب وغيره.
وأيا ما كان فإن الكتاب في أصله واحد، وقد تأكد لدينا يقينا بالمقابلة الدقيقة الشاملة بواسطة الحاسوب، كما تبين لنا موقع وحجم الاختلاف بين الكبرى والصغرى، وأنها تتعلق بعدة فصول اختصت بها الصغرى دون الكبرى، وببضعة أبواب أضيفت إلى الكبرى وليست في الصغرى. منها أبواب عديدة في كتاب الصلاة، وفي كتاب الصوم، إضافة إلى كتاب القسمة كاملا. وهي أبواب تختلف في صياغتها ومضمونها عن أسلوب ونهج المدونة الأصلية، وبخاصة منها أبواب الصلاة، إن نجد عليها سمات التدوين في الأعصر اللاحقة للمدونة، وينعدم فيها أسلوب الحوار بين التلميذ وشيوخه، كما سادها أسلوب الخطاب المباشر الموجه إلى الجماعة، بلهجة وعظية متكلَّفة، لم تُعهد في كتب الصدر الأول، مع عناية بالغة بتفاصيل الأحكام، في باب الاستنجاء والطهارات، والتمييز بين الرجل والمرأة في ذلك.
وقد اعتمد القطب هذه الأبواب ووضع عليه تعليقات كثيرة، ولا ندري من الذي أدرجها في المدونة، وبوسع القارئ اكتشاف هذا التباين الواضح بين الفصول والأبواب المضافة، وبين أصل المدونة. وقد تركناها للأمانة، مع التنبيه إلى ذلك في مواضعه من الكتاب. ويؤكد هذا الإدراج ما في أبواب الصلاة المزيدة من أحاديث عديدة ضعيفة أو موضوعة، خلافا لأحاديث المدونة الأصل، إذ نجدها متطابقة مع ما جاء في كتب الصحاح والسنن، وإن عريت عن الإسناد
في أغلب الأحيان.
ويطرح السؤال الجديد: من الذي أضاف هذه الأبواب إلى المدونة؟ وفي أي عصر أضيفت؟ يرى بعض الدارسين أن القطب هو الذي قام بهذه العملية ضمن ترتيبه وتعليقه على المدونة، إذ أضاف هذه الفصول من مصادر أخرى، وصارت بها المدونة كبرى. وقد صرح لي بعض الإخوة بذلك (27)، ولكني لم أستسغ هذا التفسير وقوفا عند صريح عبارة القطب "هذا ترتيب المدونة بألفاظها".
فهل يقبل أن يكون القطب موهما في عبارته أو قاصدا التعمية على القارئ؟ أو يجرؤ أحد على تهمته بالتدليس فيما كتب؟ رغبة في صبغ الكتاب بهالة من الثقة بكل ما حواه، لأنه من نتاج القرون الأولى؟ لا أحسب أن هذا يدور بخلد القطب بحال. فأمانته وورعه يحولان دون تصديق هذا التفسير، وما يضيره أن يذكر ذلك، وقد حشّى على كتب كثيرة، ورتب وشرح كتبا عديدة، وأوضح للناس تفاصيل ما أنجز وعمل. فالأمانة العلمية تقضي بعدم إلقاء التبعة على القطب اطفيش، ما دام قد صرح بأن عمله منحصر في الترتيب والتعليق، وعبارته واضحة لا لبس فيها ولا غموض. فهو لم يسمّها بالكبرى، ولم يُدرج فيها ألفاظا من غيرها، وهو العالم المحقق، والمسلم الورع الأمين. ويظل السؤال قائما، بلا جواب مقنع، لمعرفة صاحب هذا الإدراج؟
لكننا عثرنا على مصادر الإدراج، وهي أبواب مستقاة من كتب مختلفة، بعضها من الديوان المعروض، وهي أبواب الصيام وكتاب القسمة، أما أبواب الصلاة فمن كتاب مستقل بعنوان "كتاب الصلاة" يقع في ثلاثة أجزاء صغيرة، لم يسجل عليها اسم صاحب الكتاب. أمدّنا به الفاضل يحي بوراس من مكتبة الاستقامة ببني يسجن. وقد وصفناه ضمن المخطوطات المعتمدة في التحقيق. وأمكننا بتلوين النص بالحاسوب تغطية هذه الفصول المضافة، حسب مصادرها، وكشفت المقارنة أن حجمها معتبر بالنظر إلى أصل المدونة، وهي تزيد عن نصف الجزء الأول، إذ غطت معظم أبواب الصلاة، وأبواب الصيام.
وبما أن المدونة الكبرى قد خلت من فصول تضمنتها الصغرى، ثم حوت من جهة ثانية فصولا إضافية أخرى ليست في الصغرى، فقد جاء الكتابان متقاربين في الحجم. وعملنا على ضم الناقص إلى الكبرى مما انفردت به الصغرى، فجاءت الكبرى وافية بما فيهما جميعا.
وبناء على هذه الاعتبارات آثرنا الإبقاء على تسميتها "المدونة الكبرى" حفاظا على اختيار القطب في ترتيبه، لأنه ترتيب منهجي يفضل ما كانت عليه المدونة في أصلها "الصغرى"، وإن قصُر عن الدقة المطلوبة، إذ ظلت كثير من المسائل في غير موضعها الصحيح، كما نتج عن إعادة الترتيب تكرار بعض المسائل والفصول، ولولا استعمال الحاسوب لكان الكشف عنها في غاية العسر، إلا
__________
(1) – ينظر كتاب الدكتور مصطفى وينتن، الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، وآراؤه العقدية، فهو مرجع موثوق شامل في حصر نتاج القطب العلمي وتصنيفه، نشر جمعية التراث. القرارة، غرداية.
(2) _ وقد طبع طبعة حجرية في زنجبار، لم تكتمل ثم أتمها الشيخ أبو إسحاق اطفيش ابن أخ القطب، في مصر، فجاءت في عشر مجلدات، وظلت معتمدة وكثر الطلب عليها، فأصبحت نادرة، ثم أعادت طبعها ونشرها دار الفتح في لبنان، ودار الإرشاد بجدة سنة 1972، وجاءت في سبع عشرة مجلدا، وظلت معتمدة إلى اليوم، إذ صورت عنها طبعة ثالثة سنة 1985، واعتمدت في النشر الإلكتروني لمختلف الجهات، وأهمها برنامج "جامع الفقه الإسلامي" الذي أصدرته شركة حرف لتقنية المعلومات برعاية أمانة الأوقاف بالكويت.
(3) – ولم تذكر المصادر عن اسمه أكثر من هذا.
ونسبته إلى خراسان موطنه الأصلي، إذ كانت من البلاد التي انتشر فيها الإباضية، ونشأ فيها عدد من علمائها، منهم أبو غانم هذا، وأبو عيسى الخراساني.
أبو العباس أحمد الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1974م، ج2، ص313.
(4) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص323؛ أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، ج1، ص194.
(5) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص323.
(6) _ فلا إشكال إذن أن يكون لقاء أبي غانم بعمروس في بدايات القرن الثالث، أو قبلها بقليل، ويكون تقدير النامي لسنة وفاته عام 205هـ معقولا، وإن كنا لا نملك دليلا حاسما على سنة محددة لوفاته.
ولا تفيدنا المصادر عن وجهته ولا منتهى رحلته، ولا تذكر شيئا عن تفاصيل حياته إثر عودته من بلاد المغرب.
كما لا تسعفنا أيضا بتاريخ محدد لوفاته، وإن ذكر بعض الباحثين المعاصرين أن وفاته كانت سنة 200 للهجرة.
ينظر: صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص98، نقلا عن مشهور حسن حمود وآخرين، موسوعة العالم الإسلامي، ص132.
(7) – صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص103.
(8) – للمقارنة ينظر فهرس الأعلام ضمن فهارس الكتاب.
(9) – أبو غانم، المدونة الكبرى، ج3، كتاب الوصايا، ص78.
(10) – أبو غانم، المدونة الكبرى، ج2، باب الشرط، ص247.
(11) – المصدر نفسه.
(12) – صالح البوسعيدي، رواية الحديث، ص111.
(13) – البوسعيدي، رواية الحديث، ص122.
(14) – أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، مقدمة اطفيش، ص10.
(15) – قدم الباحث هذه الدراسة ضمن "سلسلة دراسات نفوسية" (3)، وعرض ست صفحات منها في موقع "تاوالت" " tawalt. في الأنترنت. مع صورة لآخر المخطوط، وأسطر معدودة من داخله.
(16) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص323.
(17) – ينظر فهارس مخطوطات المدونة في الملحق الخاص بها في هذا الكتاب.
(18) – البوسعيدي، رواية الحديث، 99.
(19) – مصطفى باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص32.
(20) – د. النامي، دراسات عن الإباضية، ص136.
(21) – معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) ترجمة أبي غانم. وقد تناول شاخت المخطوطات الإباضية ومكتباتها في شمال افريقيا في بحث مطول بالمجلة الإفريقية، عدد 100.
(22) – اطفيش، شرح النيل، ج10، ص402.
(23) – اطفيش، شرح النيل، ج2، ص67، 159، ج10، ص40، 401، ج12، ص107، ج13، ص253، 513، 515.
(24) – اطفيش، شرح النيل، ج10، ص399.
(25) – اطفيش، شرح النيل، ج1، ص178، 237، ج7، ص93، 446، ج8، ص25، 41، ج13، ص287. وغيرها.
(26) – البوسعيدي، رواية الحديث، ص99.
(27) – كان هذا رأي الزميل مصطفى بن محمد ابن دريسو في رسالة بعث بها إليّ في الموضوع جاء فيها قوله: «وخلاصة كلامي أن القطب أدرك أن المدونة الصغرى هي جزء من كتاب ضائع، ومتشتت، لذلك عمد إلى ما بين دفتي الصغرى، مضيفا إليه مسائل من الديوان المعروض الذي ذكره النامي، ومن بعض كتب النكار التي لم ندركها بعد، وغير مستبعد أن تكون هي المخطوطة التي في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، تحت رقم: ف 27، والتي اعتمدتها في البحث، وبها نسختان من كتاب القدر للفزاري، وأجزاء من كتب في الصلاة أوردت مسائلها بنفس أسلوب المدونة والديوان» تاريخ الرسالة: 1مارس2005 أرسلها بالأنترنت. (1/284)
صفحة 2
بفصل مسائله في قصاصات أوراق مستقلة، وهو عمل يستغرق من الزمن ما لا يقدر بثمن.
ويتجلى جهد القطب بالمقارنة مع وضع المدونة الأصلي، إذ كان ترتيبها مشوشا غاية التشويش، حيت تتناثر المسائل وتتباين كثيرا، رغم ما بينها من وشائج وحدة الموضوع، مما يجعل استيعابها أو الوصول إلى المبتغى منها أمرا عسيرا، لا ينال إلا بزاد من الصبر الجميل والنفس الطويل. والذي يرجح الإبقاء على ترتيب القطب أيضا، ما حلّى به الكتاب من هوامش مفيدة، وتعليقات علمية قيمة، تنبيها أو توضيحا، أو استدراكا وتصحيحا، أو ردًّا لرأي فطير أو اجتهاد غير سديد. وقد نالت الأبواب الأولى من الكتاب نصيبا موفورا من هذه التعاليق، ثم بدأت تتناقص في عددها وفي حجمها تدريجيا، حتى كادت تنعدم مع أواخر الكتاب، إلا أن تكون شرحا للفظة أو ما شابه ذلك.
ولا يعني هذا أن ترتيب القطب كان نموذجا كاملا لما ينبغي أن يكون، فإن الكتاب لا يزال بحاجة إلى إعادة ترتيب دقيق، أو على الأقل وضع فهرس موضوعي لمسائله، تيسيرا للوصول إليها بأقصر سبيل، وأيسر مجهود.
- مساهمة الباحث في تحقيق المدونة.
ساقت الأقدار إلينا كتاب المدونة، فاشتغلنا به زمنا، وكانت سنوات شاقة وشائقة، في مقابلة متأنية بين نسخ المدونة الصغرى والمدونة الكبرى، وبتوفيق الله اطمأننا إلى نص الكتاب الكامل، فصدر مضبوطا مخرّجا، بما أمكن من التوثيق والتوضيح لما تضمنه من نصوص حديثية وأعلام ومصطلحات. تَمثّل عملنا في تحقيق الكتاب في الخطوات الآتية:
1. نسخ الكتاب كاملا من مخطوطة الأصل إلى الكمبيوتر.
2. فصل تعليقات القطب عن نص المدونة، ووضعها في الهامش، والإشارة إلى هذه التعاليق بأرقام ونجمة؛ هكذا: (- 1)، تمييزا لها عن أرقام الهوامش العادية. وفي الهامش وضعنا تعاليق القطب مصدرة بهذه الصيغة: " (- 1) – قال المرتّب: ... ". ولم نر ضرورة لوضع كلمة "انتهى"، ما دام التعليق مفصولا عن صلب المدونة.
3. حافظنا على ترتيب الكتاب كما وضعه القطب، وهو مختلف تمام الاختلاف عن ترتيب المدونة الأصلية الصغرى، ولكنه أفضل منه بكثير.
4. وكانت المقابلة بين نسخ عديدة من المدونة الكبرى والصغرى. ونظرا لاختلاف الترتيب بينهما وبين الأصل، استعنا بالحاسوب، وكان العمل شاقا، إذ قد تجد مسألة في أول الأصل، وأخرى في وسطه أو آخره، فخلص لنا في النهاية المنطقة التي تتطابق فيها الكبرى (1/308)
صفحة 3
والصغرى، وما تستقل به كل منهما عن الأخرى. وثمة أبواب عديدة ناقصة من الصغرى، وأخرى ناقصة من الكبرى، أشرنا إلى ذلك بالتفصيل في ثنايا التحقيق.
5. واقتضى العمل أيضا ضبط النص وتخريج الآيات والأحاديث، سواء ما كان في أصل المدونة أو في تعاليق القطب، وهي كثيرة جدا. فضلا عن التعريف بالأعلام والبلدان وشرح المصطلحات.
6. كما ألحقنا فصولا من مخطوط الديوان المعروض لم تكن في المدونة، وهي مطابقة لنصوصها وأسلوبها، وروحها، وجعلناها ملحقا بالكتاب، وتتناول قضايا بالغة الأهمية في السياسة الشرعية.
7. والملاحظ أن "باب الحج" من أقصر أبواب المدونة، إذ لا يتجاوز نصف صحيفة يتيمة، وردت فيه مسألتان، الأولى في إشعار الهدي، والثانية في فساد العمرة وكيفية قضائها. ولا يعقل أن يُغفِل أبو غانم تفصيل أحكام هذا الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد كان لأئمة الإباضية عناية خاصة بالحج، واشتهر عنهم الإكثار منه، وتذكر المصادر أن الإمام جابرا حجّ أربعين حجة، وضروري أن يتكلموا في مسائله باستفاضة وتفصيل، وغالب الظن ضياع هذا الجزء من الكتاب.
8. وقد قام الشيخ الفاضل خميس بن راشد العدوي برصد آراء فقهاء المدونة وشيوخهم حول باب الحج، استقاها من مصادر عدة، فكان بابا وافيا اقترح علينا إضافته إلى هذا العمل، فجعلناه ضمن ملاحق الكتاب، لتكتمل الصورة ويتدارك النقص، لعل الله ييسر يومًا سبيل العثور على هذا الباب الضائع، ولكل أجل كتاب.
9. وتيسيرا لمن أراد المقارنة بين أصول المدونة وضعنا ملحقا بفهارس موضوعات المخطوطات المعتمدة. وهي على ثلاثة أنواع: فهارس المدونة الكبرى، وفهارس المدونة الصغرى، وفهارس الديوان المعروض.
إلى جانب أعمال تفصيلية أخرى لا يتسع لها هذا المقام (1).
كما ينتظر كتابَ المدونة أعمال علمية جادة ومتكاملة، تتناول جوانبه المتعددة، وهي في غاية الأهمية والثراء، فالكتاب ينظر أيادي متخصصة تنخله، حديثيا، وفقهيا وأصوليا، وتاريخيا، وتستخرج مكنوناته، وتستثمر مخزونه المتنوع. وقد انطلقت مشاريع علمية هنا وهناك تتعامل مع الكتاب وتستفيد منه، وإن ظل بحاجة إلى مزيد جهود تتضافر، ويتم بينها
__________
(1) - ينظر تفاصيل هذا العمل في مقدمة تحقيقنا لكتاب المدونة الكبرى. طبع وزارة التراث، سلطنة عمان، 2007م. (1/309)
صفحة 4
التعاون والتنسيق، سعيا لمواصلة بناء أمتنا الحضاري، وتشييد صرحها العلمي، الذي أقامه علماء الإسلام. والحمد لله في البدء والختام. (1/310)
صفحة 5
الهوامش: (1/311)