صفحة 1
الكتاب: اللقاء الإباضي الأشعري
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] اللقاء الإباضي الأشعري
في تراث الشيخ أطفيش
د/ مصطفى وينتن
قسم العلوم الإسلامية
المركز الجامعي غرداية
1 - مقدمة
يعتبر البحث العقدي والدرس العقدي من أهم المجالات العلمية ألتي أنتج فيها الشيخ اطفيش امحمد بن يوسف، وكتب وترك تراثا ثريا، حري بالدارسين الاهتمام به ونقده، من أجل الاستفادة منه، واستثماره.
ومادام الشيخ ينتمي إلى إحدى المدارس الإسلامية، فقد تعرض لما تعرض له سابقوه من علماء الأمة، وناقش مسائل الفكر والعقيدة والكلام مثلهم، وشكلت بذلك آثاره مساحة واسعة للقاء المذهبي، وللحوار بين المسلمين فيما بينهم، وبينهم وبين غيرهم من الأديان الأخرى.
والحوار المذهبي بالنسبة إلى الشيخ اطفيش محمد بن يوسف كاد يتخصص في اللقاء الإباضي الأشعري، إذ نجد في تراثه الكثير من المناقشات العلمية للمسائل والقضايا العقدية والكلامية، يقارن فيها بين المذهبين، ويدرس النصوص المحتج بها في كل منهما، إضافة إلى مذاهب أخرى كانت أقل حضورا من المدرسة الأشعرية.
وهذا اللقاء والحوار المذهبي الخاص بين الإباضية والأشاعرة جدير أن يكون موضوع بحث متميز من الجانب العلمي، لما له من نتائج محتملة على المستوى العلمي والمنهجي، والحضاري أيضا، وهو ما تحاول هذه الورقة البحثية أن تسهم به، في إطار مثل هذه الدراسات، بغية الوصول إلى الإجابة على أسئلة متعددة، منها:
1 - على مستوى الأعمال العلمية التي قدمها الشيخ اطفيش: ماذا يمثل النقاش المذهبي، وحضور الحوار العقدي الإباضي الأشعري في تراثه؟
2 - وما هي الطرق المتبعة عند الشيخ اطفيش في تجسيد اللقاء؟ من حيث أشكال المناقشات وأوعيتها، من الرسائل، أو الردود، أو الكتب ... (1/320)
صفحة 2
3 - ما هي الأسباب الموضوعية العلمية، والاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى اللقاء الإباضي الأشعري في تراث الشيخ اطفيش؟
4 - ما هو المنهج العلمي المتبع في تناول القضايا الخلافية بين المذهبين، ودرجة قبول القول الآخر أو رفضه، بين الشدة والحدة والهجوم، أو التوفيق ومحاولة التقريب، ...
5 - ما مدى أهمية مثل هذه المواقف؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذه التجربة في البحوث العلمية العقدية المعاصرة؟
هذه التساؤلات من شأنها أن تفتح مجالا واسعا في البحث العلمي، وتنير الطريق في سبيل معرفة أهمية اللقاء المذهبي، والحوار العلمي بين المسلمين، وأدبياته، وأخلاقه، ومعرفة تعامل العلماء المسلمين عند اختلافهم فيما بينهم.
ومن خلال البحث في الموضوع نتعرف على المرجعية العلمية التي تشكلت في الجزائر خاصة، وكيف أن اختلاف الرأي فيها على مر الزمن لم يكن سببا في الإقصاء أو الإلغاء.
وهذا ما نرجو من هذه المداخلة أن تصل إليه، لنقدم بها جانبا من التراث الإسلامي الجزائري في فترة متأخرة، كان لها أثرها الواضح في مسيرة الأحداث في الجزائر بعد الشيخ اطفيش، من خلال أعمال تلاميذه.
2 - اللقاء المذهبي في التراث الإسلامي:
واللقاء المذهبي على مستوى الأعمال العلمية بالنسبة إلى التراث الإسلامي ليس جديدا فقد شهدت العلوم الإسلامية نشأة علم المناظرة والاستدلال والمناقشات وأخلاقها، وأنتجت فيها أعمال تنظيرية وأخرى تطبيقية وهي الأكثر، وهو ما جسده التراث الإسلامي وتاريخ المسلمين عبر الزمن، ولنا في بيئة الدولة الرستمية نموذج واقعي وهو قريب فكريا من بيئة موضوعنا؛ فهي شاهد على اللقاء المذهبي كما شهد لها من عاشها، وقيل فيها إن العاصمة تيهرت كانت ملتقى الأفكار والمدارس الإسلامية في عصرها من المعتزلة والإباضية خاصة وغيرهما كما قال المالكي ابن الصغير: «من أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوم وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك» (1).
واستمر هذا اللقاء في المغرب الإسلامي، وإن شهد فترات ذهبية من التعايش والحوار العلمي، وفترات أخرى من الصدام والصراع المذهبي، شكل كل ذلك ذاكرة تاريخية وماضيا ينبغي النظر إليه بموضوعية، ومن غير تحمُّل ولا تحميل للمسؤولية فيه بالضرورة، كما يقول الله تعالى
__________
(1) ابن الصغير، السير، ص 57، نقلا عن إبراهيم بكير بحاز، الدولة الرستمية (160 - 296هـ /777 - 909م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، منشورات ألفا، ط3، الجزائر 1431هـ/2010م. (1/321)
صفحة 3
ويعلمنا: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة، 134]، لأن من الإشكالات التي تزال تعاني منها الأمة عدم الالتزام بمبدأ {وَلَا (1/322)
صفحة 4
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام 164].
ويهمنا أن نرى من التراث ما كان سلفا للشيخ اطفيش في البحث العقدي المقارن، وهنا نستحضر أعمال الإباضية أمثال:
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (500 - 570هـ/1105 - 1175م) في كتابه "الدليل والبرهان".
وأبو عمار عبد الكافي (ت 570هـ/1174م) في الموجز الذي يعتبر موسوعة في التراث الكلامي، تتبع فيه المؤلف أقوال المسلمين وغيرهم في الوجود وقضايا العقيدة والمنطق.
وإسماعيل بن موسى الجيطالي (ت750ه/1349م).
وأبو يعقوب يوسف بن خلفون (النصف الثاني من القرن السادس الهجري).
ثم في العصر العثماني نجد الثميني عبد العزيز (1130 - 1223ه/1718 - 1808م)، وغيرهم كثير، ويستمر الحال عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، ولا ينتهي عنده.
هذا العالم الذي اتبع خطى من سبقه، وكانت ميزته الموسوعية واشتغاله بالعلوم الشرعية وإنتاجه الغزير فيها، وكان البحث العقدي والكلامي أهم أعماله وأكثر ما ألف فيه (1).
في هذه الأعمال نجد الحضور المذهبي بشكل واضح بل مكثف أيضا، فلا نجانب الصواب والحقيقة إذا قلنا إن الحوار المذهبي ظل موجودا وحاضرا في مؤلفات القطب من أوائلها إلى آخرها، وتفاوت هذا الحضور في كيفياته ومظاهره ودرجاته.
3 - الحوار المذهبي في تراث الشيخ اطفيش وأشكاله:
تشكل اللقاء المذهبي عند الشيخ اطفيش في مظاهر أساسية منها:
- اللقاء الفعلي بالمعاصرة والاجتماع بينه وبين من التقى بهم في مناسبات الرحلات
- المراسلات التي كانت بينه وبين جهات متعددة وشخصيات معروفة أو بقيت مجهولة.
- المناقشات العلمية والمقارنات التي كان يجريها فيما ألفه من كتب.
أولا- اللقاء الإباضي الأشعري في الواقع
لقد تعرف الشيخ على شخصيات متعددة في عصره من الأشاعرة، جمعته بهم مجالس في رحلاته، وكانت مناسبة للتعارف وتبادل الرأي والخبرات أيضا، وشعر بأهمية هذا اللقاء وسجله على شكل ذكريات متفرقات في ثنايا كتبه حسب السياق الذي كان يناقش فيه
__________
(1) وينتن مصطفى، آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1417ه/1996م، ص69. (1/323)
صفحة 5
القضايا العلمية من مختلف المواضيع، وكانت هذه مدونات في تاريخ حياته، تشكل مصدرا مهما لها.
ومن بين هذه اللقاءات نذكر لقاءه بالعلماء الآتية أسماؤهم (1):
الشيخ أحمد زيني دحلان (2)،
ومحمد سليمان حسب الله (3)،
ومحمد حقّي بن علي بن إبراهيم (4)،
وعُليش محمد بن أحمد (5).
ورحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (6).
هذه العلاقات التي كانت بين الشيخ وغيره لم يكن لها من سبب سوى المجهود العلميّ الذي قدّمه، والعمل الإصلاحيّ الذي قام به، والحضور الفعلي من خلال زيارته للحرمين المدني والمكي.
ويذكر في أول مخطوطة كتابه "إيضاح المنطق في بلاد المشرق" هذه العلاقة التي نشأت بينه وبين علماء مكة، وقال: «إيضاح المنطق في بلاد المشرق ألفته في مكة ولعلماء مكة تطاول إليه؛ وذلك في عهود الشيوخ الشافعيين، دحلان ومحمد حسبي الله ورحمة، والشيوخ الحنفيين عجما وعربا؛ فمن العجم التركيين الشيخ محمد حقي بن علي بن إبراهيم، مؤلف "حزب الأبرار وحصن الأخيار"، وغير ذلك، وكلهم محبون لي ولأموري» (7).
وقد استطاع الشيخ اطفيَّش بعلاقته مع مثل هذه الشخصيات من العالم الإسلاميِّ ومن الوسط الأشعري بخاصة أن يربط هذه المنطقة النائيَّة من الجنوب الجزائريِّ بجملة من عواصم العلم في الشرق؛ مما جعل الجزائر بهذا تساهم مباشرة في نهضة العالم الإسلاميّ منذ نهاية القرن الثامن عشر رغم الوضع الاستعماريّ الذي عاشته (8).
وضمن هذا الحضور نسجل مشاركة الشيخ في التدريس بمسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حين تمكن مضيفه من استصدار رخصة له بذلك، والذي يدل على اهتمام الشيخ باللقاء المذهبي في فكره وبالمذهب الأشعري خصوصا أنه اختار أن يشرح متن العقيدة السنوسية في هذه الحلقات التي أقامها في المسجد النبوي، وقال إنه درس السنوسية بالمنطق: «درس السنوسية بالمنطق» (9).
ثانيا- اللقاء الإباضي الأشعري على مستوى المراسلات:
وهذا جانب من عمل الشيخ اطفيش، يشكل جزءا كبيرا من تراثه، وفيه أيضا يتجلى اللقاء الإباضي الأشعري، وهو أهم لأنه عبارة عن إجابات لأسئلة يوجهها إليه أحيانا الإباضية وأخرى
__________
(1) انظر في ذلك مثلا: القصيدة الحجازية، مخطوط مكتبة القطب (أ. ز، 07)، ص 90، 91؛ - شرح لامية ابن النظر، مخطوط في مكتبة القطب (أ، ث، 1)، ج1، ص 934؛ -إيضاح المنطق في بلاد المشرق، (مخطوط) مكتبة الاستقامة (65)، 1؛- الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، طبع قديم دم 1326 هـ، ص 240، - الرد على العقبي: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ، ص 10،11؛ شرح عقيدة التوحيد، تحقيق مصطفى وينتن، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1421هـ/2001م، ص 70؛ - تيسير التفسير، تحقيق الشيخ إبراهيم بن محمد طلاي، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1423هـ/2003م، ج9 ص34؛ - جواب مشايخ مكة، ط2 الجزائر 1301هـ، ص 10،11؛ - خطبتا العيدين: مخطوط في مكتبة القطب رقم (أ. ز، 03)، ص11، 12؛- إزهاق الباطل بالعلم الهاطل، طبع قديم 1317م، ص 22 - 24.
(2) أحمد زيني، (1232 - 1304هـ / 1817 - 1886م)، الزركلي، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والعرب والمستعمرين والمستشرقين، دار العلم للملايين ط7 بيروت 1986م، ج 1، ص129.
(3) محمَّد سليمان حسب الله، (1244 - 1335هـ / 1828 - 1917م)، المرجع نفسه، ج 6، ص125.
(4) محمَّد حقي بن علي بن إبراهيم (1301هـ/1884م) المرجع نفسه، ج 6، ص108.
(5) محمَد بن أحمد بن محمَّد عليش، فقيه مالكي من أصل مغربي، توفي في السجن لَمَّا قامت الثورة العربية (1217 - 1299هـ / 1802 - 1882م)، المرجع نفسه، ج 6، ص19.
(6) رحمة الله بن خليل الرحمان الهندي، (-1306هـ/1888م)، المرجع نفسه، ج 3، ص18.
(7) اطفيش، إيضاح المنطق في بلاد المشرق، مخطوط، مكتبة الاستقامة ببني يزقن، رقم (65)، 1 ظ.
(8) عبد القادر جغلول، الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر، ترجمة سليم قسطون دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت دت، ص14.
(9) اطفيش، شرح كتاب النيل، ط3، دار الفتح، بيروت ومكتبة الإرشاد جدَّة، 1985م، ج 1، ص47، ينظر: وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 96. (1/324)
صفحة 6
الأشاعرة في المغرب، وخاصة من المالكية، والفرق بينها وبين المؤلفات أن هذه (1/325)
صفحة 7
المراسلات تحكي الواقع، وهي من قبيل النوازل، وتظهر أهميتها في أنها تمثل جانبا مهما من التعايش المذهبي ووضعيته في حياة الشيخ، وفي فترة من أصعب المراحل التي عاشها المجتمع المسلم والجزائري بخاصة، فترة الاستعمار وما اكتنفها من عوامل متعددة حكمت منطق التعامل وطبيعة العلاقات الاجتماعية في وقتها.
من المراسلات نتبين جوانب متعددة يهمنا الوقوف عند بعضها:
1 - إنها تثبت أن اللقاء كان موجودا بين الطرفين وباستمرار بغض النظر عن طبيعته؛ فالمراسلات تأتي من إباضية زوارة بليبيا عن أسئلة كانت نتيجة حوار كان بينهم وبين إخوانهم المالكية، فيه أسئلة واستشكالات حول قضايا خلافية رجوا من الشيخ اطفيش أن يتولى الإجابة عنها.
2 - إن هذا اللقاء لم يقتصر على الحوار المذهبي في شكل الجدل والمناظرات بل اتسع إلى الاستفسار عن قضايا مستجدة مثل: حكم صلاة البلاد التي يقصر فيها الليل أو النهار كثيرا، كما نجد في "جواب أهل البلغار"، أو جواب مشائخ مكة، في مسألة حكم بلل أهل الكتاب والمشركين، والقول في العلاقة بين الإنس والجن، كما جاء في "البرهان الجلي في رؤية الجني"، وحكم الدخان والسعوط، في رسالة: "حكم الدخان والسعوط"، فهي مراسلات في مسائل عقدية وفقهية، دلت على تبادل البحث والدراسة بين الإباضية وغيرهم سواء في الجزائر أو خارجها، مما دل على أهمية المرجعية الدينية في الجزائر في هذا العهد رغم الظرف التي كانت تعيشه.
فقد ورد في أول "جواب علماء المالكية" قول الشيخ: «أما بعد فقد سألني بعض علماء المالكية سؤال استفادة عن بلل أهل الكتاب وغيرهم من أهل الشرك، وقال إني أرضى وأكتفي بما تقول وأترك منازعة بني مضاب في ذلك، وقال إن كلامك حكم بيننا» (1)، ثم أجاب بما في الموضوع عند الإباضية والمالكية وغيرهما من المذاهب.
ومن ذلك أيضا السؤال المتعلق بالدخان والسعوط، فقد جاء في مقدمته وقد طبع في حياة الشيخ سنة 1326هـ قوله: «وبعد فهذه رسالة المؤلفها [كذا] شيخنا العلامة سيدي الحاج امحمد بن الحاج يوسف اطفيش رضي الله عنه في حكم الدخان والسعوط المسمى بالشمة إذ سأله عن ذلك بعض علماء فاس وتلمسان من المالكية، فقال مستعينا بالله عز وجل: «اعلم أن كل أدلة تحريم الخمر من القرآن والحديث أدلة لتحريم ما يغير العقل من الدخان وغيره؛ ويأتي تفصيل إن شاء الله، وأما اتخاذ الخمر خلا بالاحتيال لما يبطل إسكارها ويزيله فمنعه أصحابنا الإباضية، واختلف فيه الشافعية وأنتم معشر المالكية، أحله بعض الشافعية وبعض المالكية، ومنعه بعض الشافعية وبعض المالكية»» (2).
__________
(1) اطفيش، جواب حكم بلل أهل الكتاب، طبع قديم، مع رسالة "حكم الدخان والسعوط" الجزائر 1326ه، ص73.
(2) المصدر السابق، ص 02. (1/326)
صفحة 8
ولم يعدم هذا اللقاء على مستوى المراسلات الجانب الجدلي والانتصار للمواقف، وإن كان أمرا غير جديد في تاريخ اللقاء المذهبي الإسلامي، وظهر في شكل حركة الأجوبة وردود الأفعال على المواقف، وفي تراث الشيخ اطفيش نصيب من هذا النوع، منه الرسائل الآتية:
- "الردّ على حمى الطاهر"، أو "إزهاق الباطل بالعلم الهاطل".
– "الردّ على الصفريّة والأزارقة".
– "الرد على العقبي".
وهي ردود في أغلبها أجوبة لبعض الأشاعرة في مواقفهم من الإباضية على عصر الشيخ، أو حتى من غيرهم كما هو الشأن في "الرد على الصفرية".
فالمتبادر عن هذه الشخصيات أنها لم تكن من أهل العلم في أغلبها، فلم يعرف أصحابها، أو ربما عرفت مستقبلا بمزيد البحث، مثل شخصية العقبي في "الرد على العقبي"، أو شخصية حمى الطاهر؛ ولكن الشيخ قد استجاب لطلب الجواب، ويبدو أنه تأثر بمحتوى الإشكالات؛ وقد تكون استفزازات أيضا، كانت من خارج المذهب، كما يمكن أن يكون لكل عالم معارضون من أهل مذهبه، أو من غيرهم.
أظهر الشيخ في هذا النوع من الأجوبة شدة وتحيزا إلى مذهبه، وانتصارا لمواقفه، لإظهار مكانته عبر الزمن، وصلاحية ما فيه، ولكن ينبغي أن يقال إنه رغم ذلك لم يكن يتهجم على الآخر إلا قليلا، بالمقارنة إلى أسباب التأليف والأقوال التي تصله، ونحن لا نستبعد فيها اليد الاستعمارية، لما فيها من أفكار التفرقة والتمييز، وإثارة النعرات، والخصومات.
ثالثا- اللقاء الإباضي الأشعري على مستوى المصنفات:
إن المظهر الأخير للقاء الإباضي الأشعري في مؤلفات الشيخ يختلف من حيث إنه كان أثرا من علمه وأصالة منه، إذ أفسح في مؤلفاته للقاء الإباضي الأشعري، واستجاب لحاجة علمية، مثل غيره من علماء الإسلام، فناقش الآراء المذهبية، وحاورها، من زاوية العمل العلمي، واهتم بهذا الحوار المذهبي في نموذج المقارنات بين الآراء المذهبية والمواقف في القضايا العقدية والفقهية أيضا.
وبتتبع تراثه وجدنا من أعماله ما كان خاصا خالصا في المناظرات والجدل المذهبي، وجاء على شكل رسائل ذات موضوع واحد، أو متعدد، وما كان كتبا في علم من علوم الشريعة، وخاصة (1/327)
صفحة 9
منها العقيدة وعلم الكلام والفقه.
فمن النوع الأول الرسائل ذات الموضوع الواحد نجد: (1/328)
صفحة 10
1 - رسالة: "عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية" (1).
2 - "إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض".
فعلى مستوى العناوين نلحظ أنها كانت بلفظ يدل على شدة وجدل، يرجع سببهما إما إلى أنها من مؤلفات الشيخ في بداية عهده بالتأليف، أو أنها كانت ردود أفعال، خاصة ما كان منها أجوبة مثل رسالة "الرد على العقبي" أو "إزالة الاعتراض"، ورسالة "نفي الرؤية"، لأن هذه الروح ما فتئت أن اختفت من المؤلفات الأخرى.
وفي المؤلفات نجد هذه القائمة:
1– "تلقين التالي لآيات المتعالي، وهو: شرح جامع حرف ورش" في رواية ورش عن نافع.
2– "الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى".
3– "شامل الأصل والفرع".
4– "وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث".
5 - "الذهب الخالص المنوّه بالعلم القالص"؛ أو جامع القواعد والحاشية: كتاب “قواعد الإسلام” للشيخ اسماعيل الجيطالي، و“الحاشية” لأبي عبد الله بن أبي ستة.
6– "تيسير التفسير"تفسير القرآن الكريم.
7– "الجَنَّة في وصف الجَنَّة"، شرح القصيدة العبيريّة في أوصاف الجَنَّة، للشيخ أبي عبد الله محَمَّد بن ابراهيم بن سليمان الكندي (2)
8– "داعي العمل ليوم الأمل"، تفسير القرآن الكريم.
9– "شرح أصول الدين"، وهو شرح كتاب “أصول الدين” للشيخ تيبغورين بن عيسى الملشوطي.
10– "شرح الدعائم المختصر"؛ وهو ثاني شرح للشيخ اطْفِيَّشْ على ديوان ابن النضر العماني، كامل ومختصر.
11 – "شرح عقيدة التوحيد"، متن العقيدة لأبي حفص عمرو بن جميع.
12– "شرح كتاب النيل وشفاء العليل".
13– "شرح لامية ابن النضر العماني"؛ في الولاية والبراءة.
14– "فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والإنصاف".
__________
(1) اطفيش، مجموع الرسائل، (مخطوط بمكتبة القطب، رقم أ. ز، 6)، ص 25 - 28.
(2) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي، عالم عمانيّ من الموسوعيين، له كتاب "بيان الشرع" توفي سنة 557؛ انظر، سالم ابن حمد الحارثي، العقود الفضية في أصول الإباضية، نشر وزارة التراث، عمان، 1403/ 1983، ص 277. (1/329)
صفحة 11
15– "هميان الزاد إلى دار المعاد"، تفسير القرآن الكريم. (1/330)
صفحة 12
16– "حاشية على شرح النونيّة": النونيّة منظومة لأبي نصر فتح بن نوح في العقيدة، والشرح للشيخ عمر بن رمضان التلا تي.
17– "حاشية الموجز": كتاب “الموجز” للشيخ أبي عمار عبد الكافي.
وتبدو المؤلفات بعناوينها العلمية، أقل حدة، بل تختفي منها، لأنها بحوث علمية تقوم على إيراد الرأي ودليله ومناقشة الرأي المخالف، وهذا كثير في مؤلفات القطب سواء منها العقدية أو الفقهية.
والذي نلحظه هو أن هذا التراث العلمي الذي تركه الشيخ كان ما يقرب من ربعه في المقارنات واللقاء المذهبي، وإن لم يخصص كتابا في الموضوع، لكن يمكن استخلاص طريقة تعامله في مناقشة الأقوال وموقفه في القضية المذهبية.
وللوقوف على هذا نختار المؤلفات العلمية التي أنتجها الشيخ اطفيش، فحضور النقاش المذهبي في الرسائل أمر بدهي باعتبارها ردودا تنبني على مواقف متخالفة. وإن كانت دراستها كذلك تمكننا من الحصول على نتائج مهمة في اللقاء المذهبي.
ومن أهم المؤلفات كتاب "شرح كتاب أصول الدين"، أصله كتاب للشيخ تبغورين بن عيسى من علماء أجلو بتقرت في القرن السادس الهجري، وقد ألفه خصيصا في بيان الأصول المميزة للمذهب الإباضي عن غيره، وتناوله الشيخ اطفيش بالشرح والبيان، وهو في التراث الكلامي المذهبي، أجرى الشيخ اطفيش ضمنه مقارنات بين الآراء الإباضية وآراء غيرهم، ويهمنا أن نتعرف على منهج تعامله في مثل هذه الأعمال مع الرأي الآخر.
فالدراسة التي أمكن لنا إجراؤها عليه وتحقيق الجزء الأول منه كفيلة بأن تعطي ضوءا على الموضوع وتعتبر مدخلا إليه.
لقد وجدنا أن الشيخ يكثر من ذكر الأشاعرة أو المالكية -وهو المذهب الأشعري السائد في المغرب-، وهذا بتسمية الأشاعرة أو غيرها من الأسماء، أو بذكر أعلامهم وأئمة المذاهب بخاصة، فقد أكثر من الاستشهاد ونسبة الأقوال والآراء عند بيان المواقف المتعددة، ونقتصر هنا على الأعلام الذين رجع إليهم الشيخ في مؤلفاتهم، فنجد حوالي أربعين شخصية منهم:
أئمة المذاهب: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، وابن حزم.
والأعلام أمثال: أبو بكر بن العربي ومحيي الدين ابن عربي، وابن القاسم، وابن الماجشون، والإسفراييني، والإيجي عضد الدين، والتفتازاني مسعود بن عمر، وابن فورك، والآمدي والباقلاني، (1/331)
صفحة 13
والجرجاني والجويني، والرازي ... (1/332)
صفحة 14
يضاف إلى هذه القائمة أعلام الإباضية وأعمالهم، وتبعا لهذا فقد تشكلت المصادر الأساسية التي استقى منها الشيخ اطفيش مادة كتابه من كتب متعددة إباضية وأشعرية، ومن الثانية خاصة كتاب "المواقف" للإيجي، وشرحه للجرجاني، و"شرح المقاصد" للتفتازاني، وكذا "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي، و"الفتوحات" لابن عربي الصوفي، و"المدونة" للإمام مالك وغيره.
ولذا كثرت أيضا المباحث التي يجتمع فيها الشيخ اطفيش مع الأشاعرة، ويرد اللقاء الإباضي الأشعري في أهم المباحث العقدية والكلامية، وبل في غالبها. كما يثبته واقع مؤلفاته.
ومن بين القضايا التي يهمنا أن نرى فيها نتيجة اللقاء المذهبي، والسمة التي طبعت هذا اللقاء، قضية إثبات الرؤية أو نفيها، ومسألة أفعال العباد.
أولا- مسألة الرؤية:
لقد ناقشها الشيخ اطفيش وبين فيها موقف الإباضية، وبين آراء غيرهم وخاصة الأشاعرة، الذين ذكرهم في جملة من ذكر ونسب إليهم القول بالرؤية بغير كيفية، وبعد بحثه الموضوع، نجده يناقش أقوالا تقرِّب بين الآراء، ومنها القول بالرؤية القلبية، وهو منسوب إلى الإمام الغزالي أبي حامد، الذي عبر عن الرؤية القلبية بأنها إدراك القلب للحقيقة مثل رؤية العين، وإن كان الشيخ اطفيش لم يرض أن يصل العبد إلى إدراك حقيقة ربه إدراكا كاملا بشيء من جوارحه، وقال إن المحظور أن يقال بإدراك المخلوق للخالق، وهو منفي عنه، وأما أن يصل إلى معرفة يقينية به يقينا يزيل كل شك، دون حقيقة الإدراك؛ فهو في نظره ممكن، ولا محظور منه، وقال هذا تعديلا لموقف الإمام الغزالي ومحاولة للجمع بين الأقوال، وقال في شأنه: «وأمّا الرؤية بالقلب بمعنى الإيقان به وازدياد اليقين بازدياد الدلائل فكلّنُا يقول به» (1).
وهذا من شأنه أن يقرب البحث من تنزيل مثل هذه القضية الفرعية في الآراء العقدية منزلتها، ولا يضخم من شأنها كما هو الحال في الجدل المذهبي الذي ما يزال سائدا بين المسلمين، خاصة بين الإباضية والأشاعرة والحنابلة.
فالشيخ بقوله قرب بين أطراف الأقوال التي كانت تبدو متباعدة عند تناولها من منهج الاستدلال المقتصر على الرأي والرأي المخالف له، ومناقشة الأدلة دون الوقوف على حقيقة توجيه المسألة.
ثانيا- قضية فعل الإنسان ومسؤوليته عليه:
وهي أيضا من القضايا المهمة لدى المتكلمين ولا تزال؛ لأنهم لم يصلوا فيها إلى حل
__________
(1) اطفيش، حاشية القناطر: مخطوط في مكتبة القطب (ا. و: 5)، ج 2، و: 15؛ انظر: اطفيش، هميان الزاد إلى دار الميعاد: ط1 المطبعة السلطانية زنجبار 1305هـ، ج 14، ص 490؛ - الذخر الأسنى، مصدر سابق، ص 132؛ التيسير، مصدر سابق، ج1، ص 81؛ ج3، ص 410؛ وفاء الضمانة وأداء الأمانة: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان: 1982م، ج 6، ص 285؛ إزالة الاعتراض: ط2 المطبعة الشرقية ومكتبتها نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان 1982م، ص 03. (1/333)
صفحة 15
الإشكال الأساسي، من حيث فك أجزاء معادلة تبدو مستعصية على الإدراك البشري؛ كيف يكون الإنسان حرا ولا يستطيع أن يفعل إلا شيئا قد علمه الله وكتبه في الأزل ... ؟ (1/334)
صفحة 16
لذا نجد الشيخ اطفيش يجتهد في الوصول إلى حل في الموضوع وقد جاء متأخرا، وناقش المسألة من وجوهها، واطلع على مواقف من سبقوه سواء من الإباضية، أو الأشاعرة أو المعتزلة، وقد بين كل مذهب وأنه لا يشفي الغليل في الموضوع، حتى انتهى إلى الاتفاق مع القاضي عبد الجبار والشيخ ابن تيمية في أن الصواب هو التسليم، والوقوف كما قال الله تعالى عن نفسه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء، 23] (1).
وفي بحثه المسألة يذكر الاتفاق الإباضي الأشعري في نظرية الكسب، التي أخذ بها الإباضية باعتبارها حلا وسطا بين جبر المجبرة، وجبل أهل الجبل، واختيار أهل الاعتزال.
درس هذا الموضوع في شرحه الأصل الثاني من أصول الدين وهو أصل القدر، وقد كان من أهم مصادره التي أخذ عنها ونقل كتاب "المواقف" للإيجي، وشرح الجرجاني عليه، و"شرح المقاصد" للتفتازاني، كما استفاد من أعمال الآمدي.
وقرر اتفاق الإباضية مع الأشاعرة في نفي توارد قدرتين على مقدور واحد وقال:
«واتفقنا نحن والأشعريَّة ومن نحا نحونا على امتناع قدرتين كاسبتين على مقدور، لأنَّ الكسب تعلُّق فعل بالقدرة الحادثة، والقدرة الحادثة لا تتعلَّق بفعل خارج عن محلِّ تلك القدرة الحادثة؛ فلا يقدر زيد على عين فعل عمرو، ولا يتصوَّر اثنان هما محلُّ فعل واحد، بل يكون كلُّ واحد من الاثنين محلاًّ لفعل مغاير لفعل الآخر» (2).
وناقش أيضا إشكال الاختلاف في نسبة الفعل إلى العبد ونسبته إلى الله تعالى، وقال مشيرا إلى أقوال متعددة منها قول الأشعرية في خصوص بعض علمائهم مثل الإسفراييني والباقلاني، ثم في عمومهم:
«وقال الأستاذ بمجموع قدرة الله - عز وجل - وقدرة العبد متعلِّقتين بالفعل نفسه، إجازة لمؤثِرين على أثر واحد.
وقال الباقلانيُّ: تعلَّقت قدرة الله بأصل الفعل، وقدرة العبد بكونه طاعة أو معصية، ورغبة ورهبة وإجلالا، وطمعا وخوفا ورجاء، وغير ذلك ممَّا لا يوصف الله - عز وجل - به، كلطم العبد تأديبا وإيذاء، فاللطم واقع بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأوَّل ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره عنده.
وقالت الحكماء وإمام الحرمين: واقعة على سبيل الوجوب وامتناع التخلُّف، بقدرة يخلقها الله في العبد، إذا قارنت حصول الشرائط وامتناع الموانع.
__________
(1) اطفيش، شرح الدعائم (شرح بعض منظومات ابن النظر العماني المسماة الدعائم): طبعة قديمة 1325هـ، ج1 ص 167؛ حاشية القناطر، مصدر سابق، ج2، و، ظ 04؛ انظر: مصطفى وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 380، 381.
(2) اطفيش، شرح كتاب أصول الدين، تحقيق مصطفى وينتن، أطروحة دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، سنة 2007، ص 397. (1/335)
صفحة 17
وضابط الأقوال أنَّ المؤثر إمَّا قدرة الله كمذهبنا ومذهب الأشعريَّة، أو قدرة العبد كمذهب جمهور المعتزلة، أو هما مع اتِّحاد المتعلَّقين كمذهب الأستاذ والنجار (1) من المعتزلة، أو دون الاتِّحاد مع كون قدرة العبد متعلِّقة لقدرة الله صادرة عنها بلا عكس لاستحالة تأثير الحادث في القديم، كما هو مذهب إمام الحرمين والحكماء، أو بدون تعلُّق إحداهما للأخرى، كما هو مذهب الباقلاني (2)» (3).
وفي الأخذ بالكسب الأشعري يظهر تأثر الإباضية المتأخرين بالأشاعرة، إذ اعتبر بالنسبة إليهم وسطا بين الجبر والاختيار، رغم أن البعض يرى أنهم كانوا على مذهب الكسب مفهوما قبل أن يكون مصطلحا، والواقع أنهم كانوا على التفويض في هذه القضية، حتى تأثروا برأي الأشاعرة فأخذوا به، ولذلك حاول إباضية جبل نفوسة الحفاظ على الأصل بالقول بنظرية الجبل عوض الجبر، وهكذا نجد الشيخ اطفيش يبرر الأخذ بالكسب ما اعتقد فيه من التوسط بين الأطراف المختلفة، فقال مدافعا عن المذهبين الإباضي والأشعري:
«والملجئ لنا وللأشعرية إلى التوسط بين مذهبي الجبر والاعتزال لزوم المحذور على كل منهما» (4).
والواقع أننا عندما ندرس القضية عند الشيخ اطفيش لا نجد خلافا ذا شأن في الموضوع، وهو يشير أنه خلاف لفظي، ويقول: «ومشهور الأشعرية أن له قدرة غير مؤثرة أي لا تؤثر بذاتها فالخلاف لفظي، أو لم يسموا ما للعبد تأثيرا» (5).
والذي يهمنا في الموضوع هو اهتمام الشيخ بالمقارنة وإظهار التوافق بين المذهبين، وتتبع القول بالكسب عند الأشاعرة، من الأشعري إلى الجويني، ويقول بمثل قول الأشاعرة بعد الأشعري الذي قال إن للإنسان قدرة لكن غير مؤثرة (6)، بينما ذهب إلى القول إلى قول غير بعيد عن هذا وهو تأثير قدرة العبد لكنها متوقفة على إرادة الله تعالى وإذنه، ورأى أن هذا موافق لأتباع الأشعري من بعده، حتى قال إن أتباعه خالفوه، والواقع تطور نظرية الكسب التي انتهت إلى مثل قول القطب عند الجويني. (7)
فهذان نموذجان من اللقاء الإباضي الأشعري عند الشيخ اطفيش، يضافان إلى الأعمال الأخرى التي حوت فضاء هذا اللقاء، وله خصوصيته من حيث أسبابه ونتائجه.
4 - أسباب اللقاء الإباضي الأشعري عند الشيخ اطفيش
__________
(1) الحسين بن محمد بن عبد الله النجار (نحو 220ه-ص835م) رئيس الفرقة النجارية المعتزلية. ينظر: الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، ج2 ص253.
(2) ينظر: الجرجاني علي بن محمد، شرح المواقف، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، لبنان، 1417هـ، ج3 ص 215.
(3) اطفيش، شرح كتاب أصول الدين، مصدر سابق، ص 399.
(4) اطفيش، شرح النيل، مصدر سابق، ج17، ص 728، 729، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 372.
(5) اطفيش، التيسير، مصدر سابق، ج4، ص 328، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 375.
(6) الأشعري أبو الحسن، الإبانة عن أصول الديانة: دار العلم للطباعة والنشر جدة، د. ت، ص 54.
(7) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة: تحقيق عبد الكريم عثمان نشر مكتبة وهبة مصر، 1384هـ/1965، ينظر هامش رقم 1، ص 364، وينتن، آراء الشيخ اطفيش، مرجع سابق، ص 375. (1/336)
صفحة 18
تجتمع عدة أسباب وراء هذا اللقاء المذهبي، منها الموضوعية والعلمية، والاجتماعية والتاريخية، كل هذه العوامل حفزت بل أنتجت ضرورة اللقاء المذهبي، على مستواياته المتعددة وأشكاله المختلفة؛ نذكر بعضا منها:
ا- طبيعة المادة العلمية:
فإن الفكر الإسلامي على مر تاريخه الطويل كان مجالا خصبا للمقارنات، واختلاف وجهات النظر، مما استدعى البحث في أي مسألة الاستقصاء للوصول إلى القول الفصل إن أمكن، فقد كانت المادة التي شكلت سبب اللقاء ذات سمة تراثية جدلية، فالشيخ اطفيش كان سائرا على خطى سابقيه في هذا الموضوع، وكان مخلصا لنهجهم، وكانت العقيدة والتراث الكلامي بخاصة ميدانا فسيحا للقاء الإباضي الأشعري عنده.
ب- كثرة الآراء واختلافها:
ولكثرة الأقوال واختلاف الرؤى أهميته في هذا اللقاء، فإن المسألة الواحدة يمكن أن تحتمل الأقوال المختلفة مما شكل ثراء الفكر الإسلامي، وساعد على ضرورة الاستقصاء في الأقوال، خاصة عند العلماء المدققين وكان هذا سببا في تتبع أقوال المذاهب والعلماء في الموضوع الواحد، وأحيانا لا يكون في المذهب الواحد قول واحد، كما كان الشأن لمسألة فعل الإنسان وغيرها.
ج- الجوار الإباضي الأشعري شرقا وغربا جغرافيا
وهو من بين أهم الأسباب التي أدت إلى اللقاء الإباضي الأشعري، وخاصة بالمغرب، إذ تجاور هذان المذهبان على مر التاريخ منذ وجودهما، وكان المذهب الإباضي بتجربته في الدولة الرستمية وما سبقها قد عاش الجوار مع غيره، واستمر مع قدوم الأشاعرة بعد هذه الدولة، ولمدة طويلة -وما تزال تجاور المذهبان، وكان هذا سببا كافيا للتعارف والتعرف بينهما.
وإن كانت طبيعة التعرف ودرجة الميل إليه تختلف من عالم إلى آخر، ومن وقت إلى آخر، نحسب أنها بلغت ذروتها في فترة متأخرة، وبخاصة من الجانب الإباضي. وقد يكون ذلك بحكم موازين القلة والكثرة، والانحسار الإباضي عبر الزمن من حيز جغرافي إلى آخر، وبحكم التجاور الذي لم يكن بحساب مدن أو حواضر متجاورة بل تطور وتوسع إلى الجوار السكني والحي الواحد. (1/337)
صفحة 19
د- القرب المنهجي بين الإباضية والأشاعرة (1/338)
صفحة 20
ونقصد بهذا القرب المنهجي، تقارب طريقة الاستدلال ومصادره، بين الإباضية والأشاعرة، فقد كان المذهب الإباضي يشكل واسطة بين العقل الاعتزالي ونصية المحدثين المقابلة له، ولما ظهر الفكر الأشعري بمحاولة أبي الحسن التوسط، أصبح أقرب إلى منهج المذهب الإباضي في بعض قضايا الصفات، أو في الأخذ بالتأويل، مما جعل الشيخ اطفيش باعتبار انتمائه يجد لدى الأشاعرة نقاط تلاق متعددة، وإن لم تصل في بعضها إلى حد التطابق، فقد كان الإباضية في منهجهم أميل إلى النص القرآني والتعامل معه بمنطق التأويل والعقل، بينما كان الخط المنهجي الأشعري أميل إلى النص الحديثي وأقرب إلى التسليم بظاهر النص، وظهر هذا جليا في قضايا الخلاف بين المذهبين. وتجسد بشكل واضح في أن هذه القضايا الخلافية يتفق فيها الإباضية مع المعتزلة، ويتفق فيها الأشاعرة مع المحدثين.
وكان هذا الوضع سببا كافيا ليناقش الشيخ اطفيش ويلتقي مع الأشاعرة في تراثه بشكل واسع مظهرا مدى الاتفاق ومواطن الاختلاف.
ه- الوجود الاستعماري الفرنسي بالجزائر
وهذا عامل آخر لا يمكن إهماله، حيث كان للاستعمار يد في إثارة النقاش الإباضي الأشعري، والمالكي بالخصوص في الجزائر، وهو ما ترجمته مراسلات الشيخ اطفيش، حين يجيب على أسئلة حول المذهب تثار من عوام الناس، أو من خاصتهم، فيها للجوار أثر، وللاستعمار أيضا نصيبه.
4 - أهمية اللقاء الإباضي الأشعري في تراث الشيخ
لقد جسد الشيخ في تراثه اللقاء والحوار، وتعددت مواقفه فيه، فهو يختلف بين الانتصار إلى المواقف والانتماء أحيانا، ولكن لم يمنعه ذلك من الميل إلى تخفيف شدة الخلاف ومحاولة التوفيق بين المذهبين، وأتباع المنهج العلمي الرصين في تناول القضايا الخلافية بين المذهبين، وتجلى هذا خاصة في المؤلفات التي شكلت القدر الأكبر من عمله العلمي، وينبغي القول إنه كان يتسم بخلق أهل العلم في إيراد أقوال المذاهب، كما دلت أعماله على سعة اطلاعه وأخذه الآراء والأقوال من مصادرها رغم صعوبة حصوله عليها.
وهذا ما يدلنا على أهمية دراسة هذا الجانب في أعمال الشيخ اطفيش وتراثه، واستخلاص نتائج لها صلة وثيقة بعصرنا وواقعنا. (1/339)
صفحة 21
وهذا الجانب من التراث الإسلامي جدير بالاهتمام في عصرنا ووقتنا أكثر من أي وقت مضى، فقد كان لفكر الشيخ اطفيش، ولموقفه من الآخر امتداده الواضح في أعمال تلاميذه الذين جاؤوا من بعده، ولنا في أمثال الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش خير نموذج (1/340)
صفحة 22
على الاهتمام بالآخر، واللقاء معه، وكذا في أعمال الشيخ أبي اليقظان، وجهاده بالقلم من بعد الشيخ.
وقد تبلورت آثار هذا المنهج في ما بعد في شخصية الشيخين علي يحيى معمر وثلاثيته: "التعارف والمعرفة والاعتراف"، وفي جهود الشيخ إبراهيم بيوض.
فقد استطاع الشيخ اطفيش باهتمامه برأي الآخر والموقف منه أن يسهم في الحوار المذهبي في الجزائر، والعالم الإسلامي، من خلال مراسلاته وعلاقاته ومؤلفاته، وأن يفلح في تربية جيل من تلاميذه استمروا على نهجه، واستجابوا لداعي الوحدة.
والذي يمكن استخلاصه من هذه المحاولة هو أن سنة الله تعالى في الاختلاف لا يمكن إنكارها، وأن قوة كل أمة في تعاملها مع اختلاف المواقف، وتعدد الرؤى، والدين أوسع بكثير من أن يسعه فكر رجل أو مجموعة دون أخرى، والله تعالى يقول: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف،109]، فقد جسد السابقون اللقاء بينهم من خلال أعمالهم ومؤلفاتهم، بأشكال مختلفة، وبدرجات تتفاوت في قبول الآخر أو رفضه وأحيانا إلغائه.
وما يحيط بالأمة والوطن في عصرنا أكثر إلحاحا علينا بالاهتمام، وإن العهدة على أهل العلم أولا في تجسيد قيم التلاقي والحوار والدعوة إليها، وتربية الإنسان عليها من خلال منظومة التعليم في أطوارها المتعددة. (1/341)
صفحة 23
الهوامش: (1/342)