صفحة 1
الكتاب: المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)
أ/ محمد حدبون
قسم العلوم الإسلامية
المركز الجامعي غرداية
توطئة
من أعراض النكوص الحضاريِّ للمسلمين نشوءُ فجوةٍ مفتعلة بين المؤرخِّين وعلومٍ هي أساسيَّةٌ في صناعة الحياة وبناءِ الحضارة، وترسيخِ العقيدة، وبسط الشريعة؛ تلكم التي اهتمت بالفلك والطبِّ والعمران، ولعلَّ الورقات المعدودة في فهارس العديد من المكتبات لشاهد على هذا الجفاء. ورغبةً في إعادة التوازن لمفهوم العلم الصحيح، الذي لم يفرِّق بين الدنيا والآخرة، ولم يرتِّب العلومَ من حيث الشرف إلاّ من نظرة قاصرة، نلجُ إلى جانبٍ مهمٍّ من اهتمامات القطب، هو "المسألة الفلكية عند قطب الأيمة".
وتتبوأ جهودُ القطب في تقريب المسألة الفلكيَّة وترسيخ مبادئ هذا الفنِّ لعامة الناس دورا بارزا في حركة التأليف، من خلال ما أفرده القطب من تأليف مستقل متخصِّص، أو الإشارات والنكت التي حوتها كتبُ التفسير والعقيدة والفقه، والتي يمكن تجميعها وتنسيقها؛ ولو أحصينا ما ورد من مصطلح فلكيٍّ فيما كتبه القطب، لخرجنا بقاموس فلكي معتبَر، ما بين أسماء للنجوم والكواكب، والظواهر والأحداث الفلكية، والأعلام والمناطق.
وتهدف الورقة إلى إلقاء الضوء على الجوانب الخفية لاهتمامات القطب بعلم الفلك، تمهيدا لدرس المادة الخام وتحليلها وكشف معالم منهجها، وذلك ما سيكشف لا محالة عن مستوى لم يقدَّر حق قدره، لعلوم هُجرت أو عدَّت من الدرجة الثانية؛ وتلك نظرة قاصرة وآفة مفتعلة، نأى عنه القطب، وتحمل عن منطقته وزمنه عبء تذليل هذه العلم إقامة للدين وما به قوام الحياة.
ويَعترفُ المتابِعُ المتفحِّصُ لمؤلَّفات قطبِ الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش بالموسوعيَّةِ في التأليف، والتبحُّرِ في صنوف العلوم؛ فقد تعدَّدت مجالاتُ تأليفِهِ وتنوعَّت، واتسعت ميادينُ اهتمامه وتشعَّبت، حتى استحق القطبُ لقبَ مجدِّدَ المذهب الإباضيِّ بجدارةٍ، وبات "مرجِعا أساسيًّا من مراجع الفكر الإباضيِّ، تُعرِب أعمالُه عن حقيقة مبادئِ هذا المذهب"؛ (1)
__________
(1) ينظر: مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية؛ نشر جمعية التراث، ط1، 1996، ص:08. (1/461)
صفحة 2
فكان علاَّمةَ عصره في (1/462)
صفحة 3
علوم كثيرة، له الكعب المعلَّى تأليفًا وشرحًا وتعقيبًا وتصويبًا .. بذلك كلِّه استطاع احتواءَ مادة علميَّة غزيرة، تمكَّن من إعادة تقديمها وصياغتها في مستوًى يناسب عصرَه.
وإن تصدَّر شرحُ النيلِ والتيسيرُ وغيرُهما مؤلفاتِ القطب، وربَّما حازاَ فضلَ العلَميَّة عليه، فثمَّةَ فنونٌ اهتم بها القطب، وأظهر فيها تمكُّنا وقدرةً لا تقلُّ شأنا عمَّا اشتُهِر به في الدين وأصوله، والفقه وفروعه، والقرآن وعلومه، والحديث وفنونه .. ومن ذلك علمُ الفلك، والحساب، والمنطق، واللغة، والطب.
1. تأصيل النظر الفلكي عند القطب.
يؤسِّس القطبُ لمسألة النظر في ملكوت الله تعالى (الكون)، ويوجهه الوجهةَ التي ينبغي أن تكون عليه، فالنظر عنده هو ذلك الذي يثمر إيمانا، "وَالْمُرَادُ نَظَرُ اعْتِبَارٍ لَا نَظَرُ الْعَيْنِ"، (1) ولا بأس بنظر مجرَّد، غيرِ مستحضِرٍ للعظمة، "لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِفْتَاحًا لِنَظَرِ الِاعْتِبَارِ بِالْقَلْبِ". والنظر الوارد في قوله تعالى {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} (2) قال: "والنظر بمعنى العلم"؛ ويرى أنَّ للوسائل حكم المقاصد، بمعنى أن الأخذ بما يحقق هذا النظر من آلات واجهزة أمر مطلوب شرعا لتحقيق هذا الأمر.
وتركُ النظر كان سببًا لضعف المسلمين حتى اعتدى عليهم الكفار، تلك هي نظرته الشهيرة في أسباب استعمار العالم الإسلاميِّ. لذلك وغيرِه كان يدعو إلى التفكر في ملكوت الله تعالى، ويقول في هذا الصدد: "وَانْظُر فِي السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي غَيْرِهِنَّ فَقَدْ فَاتَهُ النَّظَرُ، فَالْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالْهَوَاءُ وَكُلُّ جِسْمٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّمَاوَاتِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ وَأَصْغَرَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ". (3)
وقال ناصحا "وَاعْتَبِرْ دَوَامَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ بِلَا فُتُورٍ فِي مَطَالِعَ وَغُرُوبِهَا فِي مَغَارِبَ مُتَفَاوِتَةٍ وَسَيْرِهَا سَيْرًا مُقَدَّرًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَبَعْضُ نُجُومِهَا عَلَى صُورَةِ الْعَقْرَبِ وَالْحُوتِ وَالْحَمَلِ وَالثَّوْرِ وَالْأَسَدِ وَالْإِنْسَانِ، وَلَا صُورَةَ فِي الْأَرْضِ إلَّا لَهَا مِثَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَانْظُرْ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَزَمَانِ الِاعْتِدَالِ". (4)
كلُّ ذلك "دليلٌ على وحدانية الله تعالى في السموات؛ من نجوم وذوات أذناب وغيرها وتغير أَحوالها، والقطب الشمالي ودوران النجوم عليه والقطب الجنوبي .. والمجرة وفيها نجوم كبار تدور معها وسط السماءِ ومطلعها ومغربها، وإِذا استقبلت جهة تقوست إِليها، وبنات النعش الصغرى والكبرى، وإِضاءَة ما قابل الشمس من القمر، وخلو ما لم يقابلها منه وغير ذلك". (5)
هذا ومَّما يؤكد مستوى تحكُّمِ القطب في علم الفلك، والتمكُّن من ناصيته، ذكرُه للمئات
__________
(1) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 10/ 246.
(2) سورة ق: آية 06.
(3) ينظر: امحمد بن يوسف أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 16/ 299.
(4) المصدر والصفحة نفسه.
(5) المصدر نفسه: 4/ 395. (1/463)
صفحة 4
من المصطلحات الخاصة بهذا الفنِّ، وعلى أدق وجه واستعمال؛ ولو أحصينا ما ورد من مصطلح فلكيٍّ فيما كتبه القطب، لخرجنا بقاموس فلكي معتبَر، ما بين أسماء للنجوم والكواكب، والظواهر والأحداث الفلكية، والأعلام والمناطق.
2. المسألةُ الفلكيَّة في مؤلفات الشيخ:
تبرز اهتماماتُ الشيخِ بالجانب الفلكيِّ في نظرنا في صورتين:
أوَّلا: التأليف المستقِلُّ، المصنَّف أساسًا ضمن فنِّ علمِ الفَلكِ، ونعني بذلك مؤلَّفَه الذي أشار إليه في مقدمته لكتابه "شرح كتاب النيل وشفاء العليل"؛ نوَّه به قائلا "فَانْظُرْ كِتَابِي فِي فَنِّ الْفُلْكِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ "مَطْلَعُ الْمُلْكِ فِي فَنِّ الْفُلْكِ". (1)
وصفُ المؤلَّف: الكتاب مخطوطٌ، رقمه في مكتبة القطب (أ-ض 1)، يُشتهر بعنوان "مسلَكُ الفلك" اختصارا، وله اسم آخر ذكره القطب في مقدمة المخطوط "وسميتُه الرسالة الفتحيَّة في الأعمال الجيبية". وأصله شرح لرسالة "الرُّبُعُ المجيَّبُ" (2) لعالم الفلك والرياضيات سبط المارديني، كما يصرِّح بذلك في مقدمته للكتاب "فهذه رسالة في الرُّبُع المجيَّب .. ". (3)
والمخطوط في حالة جيِّدة، يضمُّ مائةً وثمانية وعشرين صفحة (الوجه والظهر)، غير مخروم الحواشي، بخط واضح مقروء، وبلونين (أسود، وأحمر للعناوين)، بحواشيه تعليقاتٌ وإضافاتٌ، مُشفَّعٌ بجداول ورسومات توضيحيَّة. ويبدو أنَّ الناسخ لم يفرغ من نسخه، أو أنَّ القطب لم يكمل شرحه، ما يرجح الاحتمال أن النسخة الموجودة هي من خط القطب نفسه؛ وفي الكتاب تصريح بتضمن الكتاب لعشرين بابا مع مقدمة، لكن المخطوط انتهى عند الباب التاسع عشر، في ذكره لفوائدََ، ويؤكد السياق هذا الانقطاع "الفائدة الخامسة عشر ... (فراغ) ".
وقد ذكر الأستاذ مصطفى وينتن في بحثه القيّم عن القطب "آراء الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش العقدية" تشكيك الأستاذ عدون جهلان نسبة هذا الكتاب إلى القطب؛ ثم فنَّد ذلك وصحَّح نسبة الكتاب إليه، بأدلة كافية تثبت ذلك، لعلَّ أقواها تنويهُ المؤلِّف بكتابه هذا في شرحه للنيل –كما أسلفنا-، ووجوده ضمن فهرس مؤلفات الشيخ.
ومن عناوين الأبواب التي حواها الكتاب نذكر: باب معرفة الارتفاع، معرفة الجيب من القوس وعكسه، معرفة الظل المجهول من الارتفاع المعلوم وعكسه، معرفة الميل الأول المجهول من درجة الشمس، معرفة عرض الميل، معرفة الماضي ومعرفة الباقي من النهار، معرفة سعة المشرق والمغرب، معرفة الارتفاع الذي لا سمت له، معرفة مقدار السمت، معرفة مقدار سمت القبلة، معرفة استخراج الجهات الأربع، معرفة بعد الكوكب، معرفة حال الكوكب في وقت
__________
(1) ينظر: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 1/ 36.
(2) كذا ضبطه المؤلف في حاشية المخطوط "بضم الراء والباء، أو بضمِّها وإسكان الباء". ينظر المخطوط ظ:1.
(3) الرُّبْع المجيَّب sine quadrant واحد من أنواع أرباع الدائرة، وهو في الأصل من الأسطُرلاب ينقش على ظهره. وهو آلة بسيطة أساسها ربع دائرة، مكونة من قوس مقسم إلى 90 درجة، ترسم عليها خطوط متنوعة، تستخدم عادة لقياس ميل منطقة البروج، وأكثر الأعمال التي يقوم بها الاسطرلاب.
ومع هذه الآلة توجد آلات أخر مقاربة منها آلة الربع التام perfect quadrant وآلة الربع الدائري أو الربعيّة، كلُّها آلات فلكية تراثية قديمة كانت تستعمل لحساب المواقيت. ينظر: عبد الأمير مؤمن: قاموس دار العلم الفلكي، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 2006؛ ص: 218 - 219. (1/464)
صفحة 5
مفروض. (1/465)
صفحة 6
ومن الجدير التنبيه إلى أن القطب قد دعّم هذه المباحث برسومات توضيحية، وأشكال، تسهل الجانب التطبيقي لمن رام أن يجسد المعلومات المقدمة عمليا، فهو كتاب يجمع بين النظر والتطبيق. (ينظر ملحق الرسومات التوضيحية، ص07).
ثانيا: الآراء الفلكية للقطب من ثنايا تآليفه: وهي اجتهاداتٌ وتوضيحاتٌ في مسائل فلكيَّة بثَّ فيها القطب، لكنَّها مبثوثة في مؤلَّفات خارج تخصص فن الفلك، وبخاصة تفسيره "تيسير التفسير"، هذا الذي ينطوي على علم غزير بالجانب الفلكي، اقتضته آيات الكون في القرآن الكريم، فسَّرها القطبُ من أفق معرفيٍّ لعالِمٍ بالفلك. ولو قُدِّر لباحث تتبُّع تلك الآراء بمسح شامل لكلِّ مؤلفات الشيخ لخرج بمؤلَّف مستقل آخر، يُعنى بإبراز المسألة الفلكية عند القطب، على أكمل وجه، وأعمق تصوُّر. ولعلَّ فيما ننقله من النزر اليسير من خلال التيسير، الخطوةٌ أولى، والنواةٌ لهذا المشروع.
وما من شك أنَّ الاهتمام بهذا الجانب لأمر يستحق العناية والعناء من الباحثين، وسيكشف لا محالة عن مستوى اهتمام الشيخ بهذا العلم ومتابعته للجديد فيه، كذكره لعالم الفلك الشهير "هرتشل"، وما ظفر به من معرفة للكواكب السيارة فوق المعروفة. يقول في تفسيره للآية 54 من سورة الأعراف "وزاد بعضٌ الآن سناوز ونوا وبالاس وسرس أَو أَرنوس، ويُسمَّى هرشل وهو اسم المنجِّم الذي ظفر برصده"؛ (1) أو ما أضاف إليه انطلاقا من منطقته بمزابَ، نحو اجتهاده تحديد خطوط الطول والعرض لبلاد مزاب في كتابه "مسلك الفلك". وكيف وظَّفه خدمةً لأداء العبادات، ويظهر ذلك من حرصه الشديد على معرفة ضبط الأوقات، لضبط مسألة أداء العبادات. وللقطب مزولة شمسية لضبط الوقت بدقة متناهية، قام بإنجازها.
وفي السياق نفسه نجد له اهتماما بمسألة بالغة الأهمية في جغرافيا الأرض، وهي خطوط الطول والعرض حيث يقول واصفا شكل الكرة الأرضية إجمالا "ثم إني قد أخبرتُك أنَّ الأرض ليست تامة التكوير، بل بُسطت عند القطبين، ومنتفخة عند خط الاستواء، وذلك من قياس خط نصف النهار، وهو الدائرة العظيمة المارة بالقطبين التي تقسم الأرض إلى نصفي كرة، أحدهما شرقي، والآخر غربي. وقياس خط الاستواء وهو الدائرة العظيمة التي تقسمها إلى نصفى كرة، أحدهما شمالي، والآخر جنوبي، فوجد أن خط الاستواء يزيد على طول نصف النهار بنحو سبعين ألف متر، وكذا قطره، ويزيد عن قطر خط نصف النهار بنحو عشرين ألف متر، فعلى فرض تكوير الأرض ليس تكويرها تاما". (2)
__________
(1) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 03/ 144.
(2) المصدر نفسه 12/ 13 - 14. (1/466)
صفحة 7
3. مباحث من الفلك القديم لم يستدركها القطب:
ككلِّ عالم له مأخوذ ومتروك، وصحيح ومهجور، فقد وردت للقطب آراءَ نقلها في مسائل كوسمولوجية، (1) لا يمكن للعقل المعاصر أن يقبلَها، وعذره فيها أنه لم يدركه العلم الصحيح فيها بل كان ابن عصره وما استقر إليه علم ذلك الزمن؛ وخلاصة ما فيها خلط بين مفهوم السماء المادي والغيبي. (2) ونورد لذلك نماذج وردت عند القدامى من غير تصحيح ولا تمحيص:
- حديثُه عن مادة خلق السماوات، بما ينافيه العلم الحديث المعاصر، كقوله "فالأولى: من زبد الماء متجمداً، والثانية: من رخام أبيض، والثالثة: من حديد، والرابعة: من نحاس، والخامسة: من فضة، والسادسة: من ذهب، والسابعة: من ياقوت أحمر"، (3) ومفهوم السماوات اليوم أعقد ما يكون، يلتبس فيه المفهوم المادي بالغيبي، وإن كان يقصد بالسموات الكون المرئي فإن فروع الفلك الحديث لا تقول بذلك مطلقا.
- إيرادُه للمسافات بين السماوات بالمقاييس القديمة، نقلها من غير تعليق، أو لنقل هي نسبية غير واضحة، كقوله "وبين كلِّ سماء وأخرى، وأرض وأخرى، والأرض والسماء خمسمائة عام". (4) وعلم الفلك الرصدي اليوم يميز بين المجرات وعناقيد المجرات، وفيه تنضوي الكواكب بأبعادها، والزمن معلم، لكن بدلالة أيةِ حركة.
- اعتباره "السموات والأرض ساكنات، والكواكب والشمس والقمر متحركات في أفلاك غير السموات، أو في غير أفلاك". (5). وقد حسمت مسألة امتداد الكون وتوسعة الأبحاث المعاصرة، ابتداء من إدوين هبل بما لا يدع مجالا للشك. أما سكون الكون تصوُّر يوناني قديم، لا أساس له في العلم الفلك الحديث.
- أخذه بالنظام الجيومركزي الذي يجعل من الأرض مركز الكون، وأنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض، ومن المعلوم أن نيكولاي كوبيرنيكوس قد قلب هذه المسلمة، رأسا على عقب، وبها يؤرخ للعلم الفلك الحديث؛ ما يجعلنا نعتقد أنَّ ذلك لم يبلغ القطب. ونلمس منه هذا الرأي في حديثه عن الليل والنهار إذ يقول: "يتحقق الاختلاف بدوران الشمس على الأرض" (6) وقال في تفسيره لآية في سورة الرحمن "ويستدل بجريان الشمس بدليل الآية {وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} ثم يقول "وهو الظاهر ولا يلتفت إِلى زعمِ من زعم أن المتحرك هو الأَرض". (7)
__________
(1) الكوسولوجيا علم تاريخ الكون، وهو فرع من علم الفلك العام، الذي يهتم بدراسة نشأة الكون وتطوره ومصيره، موظفا في ذلك تفرعات أخرى كالفيزياء الفلكية، والأرصاد.
(2) ينظر: نضال قسوم، جمال ميموني: قصة الكون من التصورات البدائية إلى الانفجار العظيم، ص:35 وما بعد.
(3) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 01/ 332.
(4) المصدر والصفحة نفسه.
(5) المصدر نفسه: 03/ 105.
(6) المصدر نفسه: 03/ 106.
(7) المصدر نفسه: 14/ 214. (1/467)
صفحة 8
- في ظلِّ غياب وسائل الرصد لديه، بقيَ الشيخُ متمسكا باعتبار الأرض مركز الكون وذات حجم لا يضاهى، يقول "وليست –النجوم المنكدرة- كبيرة كما في علم الهيئة بل هي كما ترى أو أكبر بقليل وهذا هو الصواب ألا ترى إِلى تقاربهم وإِدراك العين لما لا يحصيه إِلا الله عز (1/468)
صفحة 9
وجل ويجمعها مقدار من الأَرض تحيط به العين". (1) ويقول في الموضوع ذاته "والنجم على ما زعموا أعظم من الأَرض". (2) ومقتضى الزعم كما أوردته يعني استبعاد الامر والقول بالعكس.
- ومع تقدُّم أبحاث الضوء، وتطوُّر الفيزياء الفلكيَّة، فقد ردّ القطبُ بعضًا من نتائج هذه التخصصات الفلكية الدقيقة والتي لم تصل إليه أمام الحصار الذي فرض المستعمر في تنقلاته، وأمام قلة الوسائل والإمكانات العلميَّة المتاحة لديه لم يصل إلى إدراك بعض الحقائق العلمية الثابتة في زمنه. يقول "وزعم الفلاسفة قبَّحهم الله عز وجل أنَّ من النجوم ما لا يصل إِلينا شعاعه إِلا في عدة سنين، وأنَّ شعاع الشمس يصل إِلينا في ثماني دقائق وثلاث عشرة ثانية، وأن بيننا وبينها أربعة وثلاثين مليونا من الفراسخ، والمليون ألف ألف والمليار في هذه اللغة ألف مليون". (3)
4. مسائل كوسمولوجية صحَّحها القطب وردَّها:
وأمَّا ما تبين له فيه وجه الحق والصواب، فقد صححه وردَّ المغلوط منه، ومن الأمثلة نذكر:
- ردُّه للاعتقاد الميثيولوجي الهندي القديم في اعتبار الأرض على ظهور بعض الحيوانات تحملها. قال مهاجما هذه الأفكار البالية التي سماها تخاليط "وقيل سبع أرضين متماسة يحملهن ثور على صخرة إِلى آخر التخاليط". (4) ثم قدم النظرة الصحيحة فقال "والأرض أنزلها الله تعالى في الفراغ لا ترتكز على شيء كما ظنه اليهود أنها ارتكزت على قرن ثور، أو ظهره، وأنَّ الثور على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت في بحر، والبحر على الظلمة، ونحو ذلك من الأقوال الباطلة، وهل ترى الظلمة جسما يحمل شيئا، ولزم التسلسل، فدع السلسلة إلى قدرة الباري الماسك لها بالتكوين دون مركز، ولعلَّ بعض الفراعنة الذين يعبدون البقر وضع ذلك عمدا أو تعمد أن الثور المعبود هو الواسطة في حرثها وغرسها ومنفعها". (5)
- اعتبارُه الظلمةَ أصل في الكون والضياء حادث، وقد تناول أولبرز ذلك في مفارقته. قال "وقدَّم الليل، لأنَّه أصل بتقدم الظلمة والنور حادث". (6)
- تمييزه بين النجوم ذات النور والإشعاع الذاتي، والكواكب التي تكتسب ضوءها من غيرها من النجوم، قال "ونور الشمس والنجوم مخلوق فيهن .. ونور الكواكب من نور الشمس". (7)
- اعتباره الفرق الكبير الشاسع بين الشمس والقمر، بما لا يصح المجال للمقارنة حتى مثله بأحسن مثال للفرق فقال "وقد قيل إِن القمر إِلى الشمس كالبعوضة إِلى الفيل". (8)
- مناقشته لمسألة النسبية في الزمن، خاصة في آيات الخلق، قال في معرض تفسيره لآية الخلق في سورة ق "والآية ردٌّ على اليهود لعنهم الله، أو نزلت فيهم إذ قالوا عن التوارة كذبا، إن
__________
(1) المصدر نفسه: 16/ 75.
(2) المصدر نفسه: 15/ 190.
(3) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 11/ 259.
(4) المصدر نفسه: 11/ 234.
(5) المصدر نفسه:12/ 14 - 15.
(6) المصدر نفسه:12/ 446.
(7) المصدر نفسه 12/ 77.
(8) المصدر نفسه 12/ 25. (1/469)
صفحة 10
الله تعالى بدأ خلق العالم في يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى عن العرش سبحانه عن ذلك وأمثاله، أو كان شيء من ذلك في التوراة ولم يفهموه" ثم يبين حقيقة الزمن إذ يقول مصححا "والأحد والإثنين وغيرهما أزمنة، فإذا كان ابتداء خلق السموات والأرض في يوم الأحد لزم تقدم الزمان على الأجسام، والزمان لا ينفك عن الأجسام، وقبل خلق السموات والأرض لم يكن شمس لا قمر".
5. مصادر المعلومة الفلكية عند القطب.
بعد عَرضٍ مقتضَب لنماذجَ من آراء القطب الفلكيَّة، لسائل أن يسأل عن مصادر المعلومة الفلكية لديه ومنهجه فيها؛ ويبدو السؤال أكثر إلحاحا، إن نحن استحضرنا ما أشرنا إليه سابقا من شحِّ المصادر الثقافة والمعرفة لدى القطب.
وفي تقديري –والله أعلم- أنَّ مصادر المعلومة الفلكية لدى القطب تتلخص في يلي:
1. التكوينُ الذاتيُّ والاعتمادُ على النفس في تحصيل العلوم: وهو السمة الغالبة على جلِّ العلوم التي اكتسبها القطب، فكما أسلفنا فقد "عُرِف القطبُ باعتماده شبهِ الكلِّيِّ على نفسه في تعلُّمه؛ فالإنتاج العلميُّ الذي تركه لا يعادل المحيطَ الذي عاش فيه، والظروفَ التي عرفها من نقص في المشايخ والكتب .. بل كان يتحيَّن الفرص للتعلُّم، ويترقب مجيء أهلِ العلمِ من المشرق ليأخذ عندهم؛ هذا ما جعله يعتقد أنَّ الاجتماع بشيخ إنما يحدث في بداية تعلُّم كلِّ فنٍّ، والطالب بعد ذلك يستطيع أن يواصل ما بقي من الفنِّ بالمطالعة". (1) وهذا الذي جعله يخطئ التقدير في بعض المباحث الفلكية كما مرَّ بنا آنفا. ويقرِّر الباحث مصطفى وينتن أنَّ القطب قرَّر هذه القاعدة على نفسه، وكانت له المخرج في تعلُّمه في بيئة فقيرة من أسباب العلم. وربَّما ساعده في ذلك ذاكرتُه القوية في الحفظ، وموهبتُه في الفهم السريع، ليلتقي كلُّ ذلك مع رغبته الشديدة في التلقي والتعلُّم، وقد أثمرت هذه العصامية نتاجا علميا معتبراً.
2. الاهتمام بالمتابعة والتجريب والتحقيق الميداني: وذلك من صميم المنهج التجريبي الذي كان سمة المنهج العلمي الحديث، وأحدَ أسباب التطور العلميِّ في شتى الأصعدة ومنه علم الفلك. يقول القطب مبيِّنًا هذا المسلك من التحقيق والتجريب، وهو بصدد رصد الهلال "ويستتر القمر ليلتين إِن كان الشهر ثلاثين، وليلة إِن كان تسعة وعشرين، هذا غالبٌ، وتحققت مرتين أَنه رؤِى بعد الفجر". فالوصول إلى الحكم بالتغليب كان مبنيا على التحقيق والمتابعة.
3. متابعتُه للأخبار والمستجدات في الموضوع: ويبدو أنَّ القطب كان مولعًا بالجديد في الموضوع ما أمكنه الأمرُ، مشتغلاً بالمستجدات فيه، وإن لم نستطع تحديد مصدر أخباره
__________
(1) المرجع السابق، ص 47 - 48. (1/470)
صفحة 11
الجديدة (جرائد أم مجلات أم أخبار تصله ويسأل عنها)، وممَّا يدلُّ على متابعتِه لأحدث الأرصاد وهو (1/471)
صفحة 12
يسمي النجوم، قوله "وزاد بعضٌ الآن سناوز ونوا وبالاس وسِرِسْ أَو أُرَنُوس، ويُسمَّى هرشل وهو اسم المنجِّم الذي ظفر برصده". (1)
4. متابعته للأخبار ممَّن يُظَنُّ أنه أهلٌ لذلك، وإفادتُه للعلم بالسماع والمشافهة؛ يقول وهو في صدد الحديث عن كروية الأرض "نعم أخبرني رجل أنها –أي الشمس- تقطع المحيط كله" (2)
هذا ما منَّ الله به، من توضيح لاهتمام القطب بالمسألة الفلكية، وفي الحسبان القريب إن شاء الله تعالى أن يوفقنا الله تعالى لتحصيل الآراء الفلكية من كلِّ ما كتب، ويكتمل الصرح الفلكي للقطب بتحقيق رائعته "مطلع الفلك في مسلك الفلك". والحمد لله أوَّلا وآخرا.
ملحق:
نماذج لأشكال بيانية توضحيَّة لبعض المسائل الفلكية اعتمدها القطب في كتابه "مسلك الفلك"
الشكل رقم 01
يوضح كيفية معرفة ارتفاع جرم ما عن الأفق
__________
(1) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 03/ 144.
(2) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 10/ 247. (1/472)
صفحة 13
الشكل رقم 02: يوضح تقسيم خارطة السماء إلى جهاتها الرئيسة الأربع ورصد حركة كوكب ما، مع اعتبار الأرض مركز العالم.
الهوامش: (1/473)