صفحة 1
الكتاب: حوار الاباضية مع الآخر في الخطاب الإصلاحي الحديث
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] حوار الاباضية مع الآخر في الخطاب الإصلاحي الحديث.
المصلح محمد بن يوسف أطفيش
1236ه - 1332ه / 1821م- 1914م
د/ عبد الحكيم أورغي
جامعة فرانكفورت-ألمانيا
لم يُعر علماء الإباضية (1) وأئمتها -على عكس أهل السنة والشيعة- أي اهتمام لسيريهم الذاتية (2)، وانحصر مجال انشغالهم الأساسي بمواضع تراجم وسير طبقات مؤسسي المذهب الإباضي وعلمائهم البارزين، لما كان لهم من دور بارز وعطاء علمي حيث ساهموا في تأسيس الخطاب الديني والسياسي لهذه الفرقة الإسلامية، وربما يرجع السبب الرئيسي لهذا الاهتمام المعرفي إلى محاولة تشكيل وعي تاريخي للهوية الإباضية من أجل تمسك أفراد المذهب الإباضي بها. إن عدم اهتمامهم بالسير الذاتية يرجع إلى اجتهادهم التاريخي لتوثيق صلتهم مع بعضهم البعض عن طريق تشبثهم المتواصل بمواضيع العقيدة والمسائل الفقهية من أجل ضمان استمراريتهم الوجودية والتاريخية كأقلية دينية تعيش في ظل أغلبية سنية، فلهذا يمكن القول أن حفاظهم على هويتهم الدينية والاجتماعية كان نتيجة خلق استراتيجية دفاعية من أجل ضمان صيرورة بقائهم مع أهل الخلاف أو ما يمكننا تسميته بالآخر.
كما يبدو ذلك جليا عند العلامة محمد بن يوسف أطفيش (3)، أحد أقطاب الفكر الإباضي ورواد الحركة الإصلاحية في التاريخ الإسلامي، فهو لم يكتب سيرة ذاتية حول مشواره الديني والفكري، لكن باستطاعة المتصفح لكتبه ومؤلفاتة أن يجد بعض الإشارات المختصرة حول سيرته الذاتية وواقعه التاريخي، رغم أنها لا تمت بأية صلة مع المواضيع التي كان يعالجها. ويمكن إتمام هذه المعلومات وصياغتها بطريقة أكثر وضوحا اعتمادا على تحريات معرفية لمفكرين إسلاميين وأوروبيين. خاصة في بعض أشعاره كان فيها حول أمنيته الشخصية في أن يكون مجددا لدين الله وسنة رسوله المصطفى الكريم. وكان قطب الأئمة يعتبر جلال الدين السيوطي (ت.911 هـ
/1505م) مثله الأعلى والأسمى في مشرروعه الإصلاحي إذ كان يسعى إلى تََتَبُع خطاه الإصلاحية عن رضى وطواعية. (4)
وتطرق أطفيش في قصيدتين شعريتين والمشهورتين بالقصيدة الحجازية إلى سفره الأول في سنة 1873 إلى بلاد الحجاز من أجل أداء فريضة الحج وسفره الثاني في سنة 1882، كما كان يشير عدة مرات لرحلتين إلى بلاد الحجاز في العديد من كتبه ولا يُخفِي افتخاره بهذا الحدث التاريخي، حيث تسنى له أن يتعرف على الكثير من علماء أهل السنة، فضلا عن التعريف بمذهبه الإباضي كخطاب ديني وفكري لا يمكن عزله عن الأمة الإسلامية بسبب الاختلاف في بعض المسائل الفقهية الفرعية. (5)
ويشير أطفيش في بعض رسائله لبعض علماء عمان دون أي تفصيل حول معاناته اليومية مع التيار المحافظ في المجتمع الميزابي وإحساسه بالغربة بعد إخراجه من بلدته بني يزقن بعد إصدار حكم البراءة ضده. (6) فتاريخ الأفكار المؤسس للذاكرة المعرفية في الخطاب الإباضي سجل فعلا الموقف السلبي لعلماء دين إباضين من وادي ميزاب إزاء حركته الإصلاحية خوفا من تشتت الوحدة الدينية والاجتماعية لجماعة الإباضيين. لا يتسع المقام هنا لأن نعرض كل المراحل الحياتية والمعرفية لقطب الأئمة من خلال مؤلفاته، لأن هدفنا ليس كتابة ترجمته التاريخية، بل توضيح المعالم المهمة في سيرة هذا المجدّد الإباضي وحواره مع الآخر.
وتجدر الإشارة إلى تجربته المتمثلة في لقائه مع شخصين معاصرين له واللذان لعبا دورا مهما في التعريف بالمذهب الإباضي في العالم الغربي إبان القرن الماضي. أثناء فصل صيف سنة 1901م أتى كاهن فرنسي شاب اسمه "لويس دافيد " (تـ 1965م) إلى وادي ميزاب حيث كان يقطن الآباء البيض الكاثوليك منذ سنة 1872 مدينة غرداية حتى يومنا هذا. كان هذا الكاهن من المهتمين بتاريخ وادي ميزاب وبالمذهب الإباضي مما أتاح له معرفة أن هناك عالم إباضي ومصلح ديني يسكن قصر بني يزقن اسمه محمد بن يوسف أطفيش، والذي كان يتمتع باحترام كبير من قِبل أهالي وادي ميزاب وبعض علماء أهل السنة. يخبرنا الكاهن دافيد أنه لما دخل مدرسة قطب الأئمة في بني يزقن وجد شيخا يبلغ حوالي الثمانين سنة، حيث سلم عليه، ودون أن يرد أطفيش التحية سأل الكاهن ماذا يريد، وطلب منه مرتين أن ينطق الشهادة. رفض الكاهن دافيد ذلك بسبب ديانته المسيحية، كما حدثنا أن أطفيش بدأ يقرأ له من كتاب باللغة العربية، وطلب منه مرة أخرى أن ينطق الشهادة مشيرا إلى أن كل من دخل عليه وقرأ من هذا الكتاب إلا وأسلم، لكن الكاهن دافيد تشبث برفضه نطق الشهادة، وبعد ذلك خرج من مدرسة أطفيش مخيبا الآمال وعلّق على هذا اللقاء بالجملة التالية في أحد مؤلفاته: «يمكن لهذا الإنسان أن يكون أحد فطاحل كبار العلماء
المسلمين، لكنه في نفس الوقت هو رجل دين متعصب». (7)
فعلا لم يكن الكاهن دافيد مسرورا أبدا بهذا اللقاء العابر وما نتج عنه، ورأى أن أطفيش لم يحترم شعوره الديني محاولا إرغامه على اعتناق الإسلام، ولم يمنع هذا الموقف الكاهن دافيد من دراسة المذهب الإباضي الذي أوقف عليه كل حياته والتعريف به على مستوى الفكر الغربي، مع العلم أن الخطاب الديني والمعرفي لأطفيش كان موضوع اهتمامه الرئيسي.
وينبغي الإشارة هنا أن أطفيش لم يكن عالما يعيش على هامش واقعه الحاضر، ويوحي تصرفه مع الكاهن دافيد بأنه كان على علم بما يحدث حوله في مجتمعه، ويبدو أنه كان حذرا مع الآباء البيض الكاثوليك، إذ إن الأحداث التاريخية تثبت أن هؤلاء كانوا أولا يتعاملون مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية من أجل خدمة مصالحها، وثانيا كانوا يمتهنون علنا وسرّا التبشير بالدين المسيحي في المجتمع الجزائري بأكمله. (8)
ونذكر لقاء لأطفيش مع عالم آخر من المدرسة الفرنسية اسمه "إميل مسكري" (1843 - 1894)، الذي كان متخصصا في الدراسات الإسلامية (9)، الذي يثبت أن قطب الأئمة لم يكن عالما متعصبا وأن حواره الفكري مع هذا الباحث كان برهانا صريحا لتواصل حضاري خصب ما بين ثقافتين متميزتي المعالم. في سنة 1878 يشير مسكري - في مقدمة تحقيقه لمخطوطة السيرة وأخبار الأئمة التي ألفها "أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني" (ت. 474هـ/1081م) - إلى أنه تحصل على معلومات قيمة من قطب الأئمة حول نشأة المذهب الإباضي وتطوره التاريخي وحول مبادئه الدينية. (10) يصرح قطب الأئمة في الفصل العاشر من كتابه الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب بأنه ألف هذا الكتاب بطلب من هذا العالم الفرنسي، ومع إلحاح بعض سكان القصور الخمسة لوادي ميزاب، إذ يؤكد أن هدف هذه الرسالة التاريخية هي أولا وقبل كل شيء خدمة لمصلحة الإسلام، لأنه لا يمكن مقارنة بعض العلماء الفرنسيين المخلصين لإرادة العلم مع حكامهم السياسين الذين لا يريدون إلاّ الهيمنة الاستعمارية على البلاد والعباد. (11)
ورغم أن قطب الأئمة كان عدوا لدودا وصارما مع كل ما هو فرنسي في الجزائر، فلم يدّخر جهدا في التواصل المعرفي مع الآخر غير المسلم، ويمكن القول أن أطفيش كان يبحث عن اعتراف الآخر بسلطته الدينية وجهوده في مجال الإصلاح، هذا من جهة حين كان بعض علماء الدين من ممثلي التيار الإباضي المحافظ يحاربون مشروعه التجديدي للمذهب الإباضي، ومن جهة أخرى كان يحاول التعريف بتاريخ ومبادئ المذهب الإباضي لدى الآخر من كونه المذهب الثاني إلي جانب أهل السنة للدين الإسلامي في الجزائر.
في سياق هذه المساهمة المعرفية هناك أسئلة تطرح نفسها وهي كالآتي: ما هو موقف أطفيش
من أهل الخلاف؟ بتعبير آخر: هل يمكن التحدث عن محاولة التقريب ما بين الإباضي والسني الآخر في نسق خطابه الإصلاحي؟ وهل وفق فعلا في ذلك؟ ألم يكن الهدف الرئيسي لقطب الأئمة هو التعريف بالإباضية محاولا من خلال مشروعه الإصلاحي كسب الاعتراف به كمذهب ديني أقاويله أقرب من أقاويل أهل السنة؟ وهل كللت مجهوداته الإصلاحية بالنجاح بفضل محاولاته تحرير الإباضية من إطار قوقعة الكتمان الذي فرض عليها في القرون الماضية من علماء الإباضية السابقين أنفسهم الذين كان هاجسهم الأساسي هو الخوف من الاندثار الوجودي في خضم الأغلبية الساحقة لأهل السنة في شمال إفريقيا.
ومِن ثم يسعى صاحب البحث اعتمادا على المنهج التاريخي التحليلي والنقدي أن يلقي الضوء على بعض المحاور الرئيسية في الخطاب ا?صلاحي لهذا العلامة المصلح مستفيدا من النسق القرآني والسنة النبوية الشريفة، لأن قطب الأئمة حاول أن يقدم نموذجا فكريا من أجل تجديد الفكر ا?سلامي أثناء الحقبة التاريخية التي كان يعيشها، فقد ارتأى الكاتب أن يرافق أطفيش فكريا من أجل الكشف عن بعض مبادئ خطابه ا?صلاحي، الذي جعل من مفهوم النصيحة للآخر محورا أساسيا في نسقه الفكري، كما يريد الباحث إمعان النظر في بعض نمادج القطب من نصائحه للآخر السني.
1. الوضع الفكري والثقافي لوادي ميزاب:
إن بداية تجسيد المشروع الإصلاحي الإباضي في وادي ميزاب ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي أدت إلى زعزعة حقيقية للوقائع والتصورات الدينية والاجتماعية التقليدية التي كانت مهيمنة على ذهنية الفرد في المجتمع الإباضي، كمثال على ذلك الإدعاء المنتشر في ذلك الوقت أن الإباضية هي الفرقة الوحيدة المحقة بين المسلمين كلهم، لأنها تستمد جذور مبادئها الدينية من إسلام الساعة الأولى في القرن الهجري الأول.
وبدأت الحركة التجديدية مراجعة المذهب الإباضي لِمَا تسرب إليه من بدع محرمة عديدة بين أفراده، ويشير أطفيش في أحد كتبه أن الدين الإسلامي بدأ بالأفول حيث تضاءل تأثيره على عقول وقلوب الناس من جراء فهمهم الخاطئ له. (12) كتب أطفيش في سنة 1899م إلى عالم عماني اسمه "عيسى بن صالح بن الحارثي" ويخبره أن الله بعثه لهم مجددا ومصلحا لهذا الدين (13). إن هذه مقولة تترك للقارئ مجالات عديدة للتأويل، نذكر منها ما يلي:
أولا: يبرهن من خلال مقولته هذه على أمنيته المثلى أن يكون مصلح قرنه، حيث أن هدفه الأسمى هو العودة بالمسلمين إلى طريق الإسلام الصحيح وصراطه المستقيم.
ثانيا: يوحي هذا القول أن أطفيش يعتمد على الحديث النبوي الشريف المتضمن لقول
الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها. (14)
إن الوضع الديني والاجتماعي والسياسي في وادي ميزاب كان في تلك الحقبة التاريخية لا يختلف جذريا عن باقي المدن الجزائرية الأخرى، فحسب رأي بعض المفكرين الإباضيين المعاصرين كان وادي ميزاب يعيش حالة من الركود والتخلف الفكري والاجتماعي. يرى "بوتردين" مثلا أن شعاع المعرفة والثقافة الإسلامية قبل وأثناء المرحلة الإستعمارية كان شبه منعدم في الجزائربأكملها، أمّا وادي ميزاب كان يعاني ما بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر ميلادي من حالة فتور فكري وفراغ ثقافي. (15) إلا أن بعض المؤرخين الإباضيين حاولوا بكل ما في وسعهم تصوير الوضع –وقتئذ- بطريقة إيجابية، فمثلا يرى "دبوز" (1919 - 1981) أن وادي ميزاب لم يكن في أي وقت من الأوقات خاليا من العلماء، فهم الذين كانوا يتولون مهمة الشؤون الدينية ويقومون بوعظ وإرشاد العامة والخاصة، فحسب رأيه كان المجتمع الإباضي في كل العهود التاريخية متمسكا بالدين غيورا عليه ومحافظا على نظامه الإسلامي ومبادئه، حيث كان لا يرضى أن يضعف أو يضمحل، لكن سرعان ما يناقض "دبوز" نفسه في الصفحة التالية، إذ يشير أن وادي ميزاب تخللته بعض الخرافات والبدع وساده الجهل وقلة العلماء.
كما يؤكد المؤرخ "دبوز" أن "حلقة العزابة" ضعفت بسبب العصبية والجاهلية التي فرقت وحدة صفوف أعضائها. (16) وما من شك في أن وادي ميزاب كان ناقصا في الجانب العددي من أهل العلم لطغيان سلطة غير العلماء على الأمور وأحيانا اضطهادهم، لكن ينبغي الإشارة إلى أن الكثير من هؤلاء العلماء كانوا يمتهنون حرفة التجارة والفلاحة من أجل كسب قوة يومهم بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي كانت تسود وادي ميزاب في ذلك الوقت. فلم يبق لهؤلاء العلماء إلا الوقت القليل للاهتمام بالتعليم وتربية الأجيال وتأليف الكتب، ومما زاد الطين بلة أن الكثير من طلبة العلم فرضت عليهم الظروف الفكرية والاقتصادية الصعبة مغادرة مدارس طلب العلم والالتحاق بميادين العمل لمساعدة أسرهم على سد رمق العيش.
وتجدر الإشارة إلى رأي مخالف للطرح التاريخي لبعض مفكري الإباضية المعاصرين الذي يؤكد على وجود قلة قليلة من علماء الدين في وادي ميزاب أثناء بعض المراحل التاريخية، فمثلا كانت مدينة بني يزقن ما بين سنة 1682 وسنة 1696 خالية من علماء الدين، لهذا السبب فرض هذا الوضع على الإباضيين جلب بعض العلماء من خارج وادي ميزاب، لكن لم يكن لهؤلاء إلمام بالذهنية المزابية وخبرة ميدانية في معالجة المشاكل اليومية التي كانت تواجههم مع سكان المنطقة. (17)
كما ينبغي التأكيد أنه ليس باستطاعة أي أحد إنكار الدور الفعال، الذي قام به هؤلاء علماء
الإباضيون والمتعلق بالحفاظ على وحدة المجتمع الإباضي في وادي ميزاب عبر التاريخ وحماية أسسه المذهبية الدينية، لكن هذا لا يعني أن الإسلام الإباضي في تلك الحقبة التاريخية لم يكن له نفس مصير الإسلام السني فكلاهما كان يعاني من باتولوجية التخلف والجمود على كل المستويات (18). وخير دليل على ذلك هو قيام حركة إصلاحية وتجديدية حاولت كل ما في وسعها من أجل إنعاش الوضع الديني والفكري والثقافي.
من مميزات الخطاب الإصلاحي لأطفيش هو صراحته الخالصة أثناء وصفه للوضع الفكري والثقافي لمجتمعه الإباضي في تلك المرحلة التاريخية، ففي إحدى فتاويه حول القضاء وشروط القاضي المتأهل لذلك، يشير إلى أن المتعارف عليه عند إباضية المغرب أنه لا بد للقاضي أو المفتي أن يكون عالما بالنحو والتصريف واللغة مع الفقه إلى غير ذلك من العلوم الأخرى، ويؤكد أن من يتصدر هاتين الوظيفتين في وقته سوى الجهال وهم دون ما ذكره، ولا يمكن بأية طريقة عذرهم على ذلك. (19) في إحدى مخطوطاته يترجم قطب الأئمة كذلك واقع عصره بطريقة لغوية رائعة تفوق كل وصف حيث يقول: «وإنما أطنب في هذا المقام لأحرك أذهانا ألفت الجمود وأهيج أفهاما طالما مالت نيرانها إلى الخمود». (20)
ولعل أحسن صورة للحالة الدينية والفكرية في تلك الحقبة التاريخية هي التي يرسم معالمها أحد الباحثين الجزائريين واسمه "محمد عكي علواني" حين رأى أن الجهل طغى على المجتمع الميزابي وسادت فيه عادات وتقاليد لا تعطي أية أهمية وتقدير للقيم الدينية، فاعتبر مثلا إفشاء السلام بدعة وتوريث المرأة ضلالة وتزويج المرأة بطالب العلم إلقاء بها إلى التهلكة، وكل عالم حاد عن طريق أهواء الناس أعلنت عليه المعارضة جهرا من أجل عزله من وظيفته، كما أنه يطارد أو يخرج من دياره عن طريق حكم البراءة. وليس من النادر أن يلقى مصرعه قتلا من جراء الحكم عليه بالتكفير أو الزندقة (21)، وخوفا على حياتهم أتقن الكثير من علماء الدين قدرة التكيف مع الأوضاع القائمة وممارسة الصمت المقنن، لهذا السبب اقتصرت وظيفتهم الدينية على شرح الفرائض والواجبات الدينية.
ويشير "أعوشت"، أحد مؤرخي الفكر الإباضي، إلى تمسك الإباضيين في ذلك الوقت بالحديث النيوي الموضوع: «إن أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور». (22) إن انتشار هذا الحديث بين إباضيي وادي ميزاب يؤكد على أهمية تقليدهم الأعمى لأسلافهم، كما أنه يوحي إلى التشبث بظاهرة التقديس لكل ما هو قديم دون مراعاة روح العصر ودون طرح السؤال، إذا ما كانت أفكار وآراء القدماء صحيحة أم لا؟ إذن بدأ الفكر الإسلامي يعيش على هامش المجتمع، وأضحت اللغة العربية المعبرة عنه وأداة تواصله تبتعد شيئا فشيئا عن حاضر أفراد المجتمع الإباضي
وواقعه؛ وكانت النتيجة المحزنة هي استقالة الدين عن دوره القيادي في مسايرة التطور الزمني.
أخيرا ينبغي الإشارة إلى أن الطرق الصوفية والزوايا لم تعرف رواجا في وادي ميزاب لأسباب ترجع للمذهب الإباضي نفسه، لكن رغم هذا انتشر بين إباضيي وادي ميزاب تقديس بعض الأماكن والأضرحة التي كانوا يعتقدون فيها البركة والأسرار الباطنة، فالكثير منهم كانوا يترددون عليها لاعتقادهم أنها تجلب لهم البركة وطمأنينة النفس. كام أنه كان لكل بلدة أضرحتها المقدسة الخاصة بها، ونذكر على سبيل المثال: " مقام سيدي عيسى في غرداية، ضريح الشيخ أبي محمد في بني يزقن، وضريح الشيخ زكريا في العطف وهناك الكثير منها". (23)
"أبوالقاسم سعد الله"، أحد المؤرخين البارزين للخطاب الثقافي في الجزائر لا يميز بين الوضع التربوي للعلوم الشرعية في الجزائر بصفة عامة وبين وادي ميزاب بصفة خاصة، إذ يؤكد أن التقليد الأعمى والتكرار الغير ممل والحفظ عن ظهر قلب كانوا أهم السمات المميزة لتلقينه في المدارس الدينية. لهذا السبب كثر انتشار الرواية وسرد المعلومات دون استخدام منهج التمحيص والترجيح، فقلما وجد علماء دين وفقهاء اجتهدوا بآرائهم أو استقلوا عن رؤى مذاهبهم الفقهية، وكل من انحرف عن هذا المنهج أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها. (24)
ولعل ظاهرة الاقتفاء المطلق لآثار السلف هي التي كانت مسؤولة على ندرة الإنتاج المبدع في مجال العلوم الشرعية لقلة الثقافة الشاسعة وضيق الرؤى المعرفية، لهذا السبب كان مجمل الإبداعات يقتصر على مجال الحواشي والمختصرات والحواشي المغيبة لكل استقلال عقلي وتفكير نقدي. ويوضح "علواني" بأن سيطرة هذه الخصوصيات في العلوم الشرعية التي كانت كذلك سائدة في المذهب الإباضي، انعكست آثارها في مناهج التدريس المتبعة في المدارس الخاصة من طرف الشيوخ، فكان الاعتماد على الحفظ عن ظهر قلب الذي صادر التفكير النقدي والاقتصار على الشرح اللغوي الذي أدى إلى إلغاء التفسير والفهم المساير لروح العصر السائدة. (25)
ونوميء إلى عنصر مهم هنا رغم ما به من سلبيات وهو الذي أسرع بحركية الخطاب الإصلاحي في وادي ميزاب، ونقصد به التقاء إباضيي الجزائر مع الثقاقة الغربية التي فرضت عليهم لاإراديا عن طريق وجود الاستعمار الفرنسي ابتداءً من سنة 1853م في قرى وادي ميزاب، وكانت نتيجته شعورهم بنقص رهيب اتجاه هذا التطور الحضاري لهذا الآخر الأروبي. من دون أي شك كان الوجود الاستعماري قوة متطورة في كل الميادين، وهو أحد الأسباب الرئيسية لاستفهامات عديدة طُرحتْ، نذكر منها على سبيل المثال: لماذا تأخر المسلمون مقارنة مع هذا الآخر؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الركود الحضاري؟ وهذا ليس فقط في وادي ميزاب، وإنما في رحاب العالم الإسلامي كله.
يمكن اعتبار هذه الأسئلة مجرد رد فعل على السيطرة الاستعمارية، لكن السبب الحقيقي في ذلك يمكن إرجاعه إلى الفهم الخاطئ للدين الإسلامي الحنيف والانحراف عن طريقه، إذ يردّ مصلحوا المذهب الإباضي - ككل المصلحين في التاريخ الإسلامي- سبب تخلف المسلمين وركودهم الحضاري إلى ابتعادهم عن القرآن الكريم ووإهمالهم للسنة النبوية الشريفة. فانطلاقا من هذه الرؤيا يتفق كل المصلحين الإسلاميين - بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية- حول المهمة الأساسية للمصلح المسلم ألا وهي ضرورة تجديد مبادئ الإسلام الحنيف والعودة به إلى ساعاته الأولى إبان القرن الأول الهجري. فليس من الغريب أن يتهم الفكر الإصلاحي في تاريخ الإسلام من طرف الفكر الليبرالي المسلم والمدرسة الاستشراقية بنزعة الرجوع إلى الماضي دون مراعات وقائع العصر ومعطياته المعاشة.
فمن خلال الحركة الإصلاحية أخذ التطور الديني والفكري والاجتماعي لوادي ميزاب منحى تاريخيا جديدا، ففي البداية تمركزت هذه الحركة التجديدية في بلدة بني يزقن التي كانت مركز إشعاع روحي وعقلي للمشروع التجديدي، وبعدها انتشرت بسرعة في المدن الأخرى بوادي ميزاب. كما أن هذه الحركة لقيت صدى كبيرا بين الإباضيين المتواجدين -لأسباب اقتصادية- في المدن الجزائرية الأخرى. وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن مشروع أطفيش التجديدي تأثر بعالمين إباضيين، حملا لواء الحركة الإصلاحية قبله، وهَيَآ له الأرضية المعرفية الخصبة من أجل إنجاز وتجسيد مشروع الخطاب الإصلاحي، وكان أولهما: "أبو زكرياء يحي بن صالح الأفضلي" (1714/ 1788) الذي كان أصله من بلدة بني يزقن. (26) ثم غادر الأفضلي في مرحلة شبابه مسقط رأسه طالبا للعلم حيث تتلمذ في جزيرة جربة على يد "يوسف بن محمد المصعبي المالكي" (ت. 1207هـ/1792م).
لكن أهم معلومة حول مشواره العلمي تحتفظ لنا بها ذاكرة التاريخ الإباضي وتعدّ نقطة تحول جذري في انفتاح طلبة العلم على أهل الخلاف، وهي تواجده بمدرسة الأزهر واغترافه من منابع علم أهل السنة لبضع سنوات، فحتما احتك هذا العالم بأفكار الآخر. في سنة (1157هـ/1744م) عاد إلى بني يزقن وأسس "مدرسة التلاميذ"، ولم يغمط أطفيش حق الأفضلي في الثناء على مجهوداته الإصلاحية في موسوعة شرح النيل، معتبرا إياه من العلماء الذين أحيوا العلم في وادي ميزاب وأناروا شعلة التجديد. (27)
أمّا ثانيهما: اسمه "عبد العزيز بن إبراهيم الثميني" (1718/ 1808) الذي كان كذلك من مدينة بني يزقن، وكان من تلاميذ الأفضلي النجباء، وقد تأثر بأستاذه تأثرا قويا، ظهرت بصماته في تكوينه العلمي وتوجهه الإصلاحي. (28) وفي مدخل كتابه النيل وشفاء العليل يقدم لنا هذا العالم
صورة حية وشهادة مخلصة عن واقع العلم والعلماء الذين كانوا معاصرين له حيث يقول: «ومن العلم قد أدبرت أيامه وانطمست أعلامه وسدت مصادره ومنعت موارده». يكشف لنا مضمون هذا القول نظرة الثميني الموضوعية لواقع عصره. يرى أطفيش أثناء تفسيره لهذا القول أن أيام العلم قد إنتهت وتبعتها أيام الجهل، أمّا العلماء فقد فقدوا، فلا هادي للناس من بعدهم لبلوغ مقاصد الدين. (29) من المعلوم أن الثميني كان أول عالما إباضيا انتقد بشجاعة السلف الإباضي، حيث دعى إلى مسايرة روح فكر الخلف لأن عباراتهم أكثر وضوحا من عبارات السلف. (30) كما أنه أسس مدرسة خاصة في بني يزقن تعرف اليوم باسم "مكتبة الاستقامة" التي أصبحت قبلة طلاب العلم في وادي ميزاب أين كانت تنشر أفكار الإصلاح. وابتداءً من سنة 1786م مارس وظيفة شيخ العزابة في بني يزقن جاعلا من منبر المسجد مكانا لمحاربة البدع علنا، مما جلب له الأذى من التيارالمحافظ، حيث تمت محاربة أفكاره والثورة ضد شخصه (31). وفي السنوات الأخيرة من حياته اعتزل الناس ظنا منه أن اجتهاداته الإصلاحية لم تكلل بالنجاح، واشتغل بالتأليف ووضع الشروح لأمهات كتب الإباضية. (32)
تأتي أهمية هذه العجالة في إبراز جهود هذين العالمين لمحاولة تحديد المراحل التاريخية التي مر بها الخطاب الإصلاحي في العصر الحديث والمعاصر. فالمرحلة الأولى من الخطاب الإصلاحي تمثلت في جهود الأفضلي والثميني وسبقت هذه المرحلة الحقبة الاستعمارية ولم يكن فيها أي اتصال بالحضارة الغربية أو تأثير خارجي ماعدا الانفتاح على أفكار الآخر السني. وأهم سمات هذه الحركة أنها كانت نتاجا فكريا للمعطيات التاريخية ووليدة محيطها الواقعي والجغرافي في وادي ميزاب، فسعت جاهدة للثورة على أوضاع الركود والتخلف هادفة لتغييرها نحو الأحسن، ومن الصفات الأخرى التي ميزتها أنها كانت حركة دينية محضة تعتمد على الكتاب والسنة النبوية الشريفة عملت كل ما في وسعها من أجل إحياء علوم الدين ونشره عند الخاصة والعامة، وتضمن مجال عملها الإصلاحي تأسيس المدارس الحرة المنافسة للمدارس الرسمية التابعة للمساجد وتعليم الطلبة اعتمادا على كتب أهل الخلاف والوعظ والإرشاد لمحاربة البدع.
أمّا المرحلة الثانية وهي التي سنتحدث عن أهم محاورها في هذا المقال إذ حمل لواؤها قطب الأئمة، والحق يقال أن أطفيش استفاد كثيرا من رؤى المرحلة التي سبقته، فلم يتبن أفكارها فقط، وإنما طبق مجالات عملها في أرض الواقع مما أدى إلى نجاحها على الصعيد العملي، حيث لقيت صدى كبيرا بين الكثير من أفراد الإباضية في العالم الإسلامي.
أما في المرحلة الثالثة تتضح الانطلاقة في سنة 1912، أي سنتين قبل وفاة المصلح العلامة محمد بن يوسف أطفيش، ففي هذه السنة تم إرسال أول بعثة طلابية إلى جامع الزيتونة في تونس
يرأسها "إبراهيم أبو اليقظان" (1888/ 1973) ومن بين أفرادها "أبو إسحاق إبراهيم أطفيش" (1886/ 1965). إنه التوجه الفكري والانفتاح الواعي اتجاه السني الآخر خارج الحدود الجغرافية للجزائر من دون أي خوف من تلاشي الهوية الإباضية، إنها مرحلة ميلاد الإباضية كمذهب ديني يعتبر نفسه جزء لا يتجزأ من تاريخ الأفكار في العالم الإسلامي الذي يرفض أن يكون وجوده على هامش الفكر الإسلامي. وما تزال آثار طلبة أطفيش في منهجهم الإصلاحي وحركتهم التجديدية ترسم بوضوح معالم صيرورة الفكر الإباضي المعاصر إلى يومنا هذا.
2. مفهوم الإصلاح في خطاب أطفيش الفكري:
تعني دلالة لفظ "الإصلاح" في الاستعمال اللغوي الشائع اليوم التقدم والتجديد، أما في الخطاب الفكري للديانات الإلهية فإن مفهوم الإصلاح ليس محدود المعنى الدلالي والتوظيف المعرفي، فهو يتضمن المحاولا ت الفردية والجماعية لبني الإنسان الشاملة لمبادئ الدين من أجل فهم الوضع القائم ومعطيات حركيته. فالإصلاح كإختيار معرفي وعملي هو نهج خطوات واعية نحو الأمام من أجل تغيير الواقع المعاش وتحقيق مستقبل أفضل وأمثل لضمان سعادة الأفراد في دار الدنيا. (33) فاعتمادا على اجتهادات بعض العلماء كقوى إبداعية خلاقة يدعوا هؤلاء إلى إصلاح القيم الدينية وتجديد الاعتقاد، خاصة لما يسيطر الشعور بالنقص اتجاه الأوضاع القائمة وهيمنة الإحباط الجماعي على ذهنية الناس.
يتخذ الدين الإسلامي الحنيف من الإصلاح منهجا فكريا وعمليا من أجل تجديد الأسس الدينية والقيم الأخلاقية، لهذا كان للإصلاح الديني ومبادئه الفكرية أهمية كبرى عبر التاريخ الإسلامي باعتباره تصورا ومنهجا حياتيا للمسلم، كما ينبغي التأكيد على كون نسق النص القرآني والسنة النبوية الشريفة يدعوا إلى الإصلاح حينما يعمّ الأرض الفساد ويزاغ عن طريق الإستقامة (34)، ويؤيد تجديد الفهم الصحيح للدين بسبب عامل الإهمال لمبادئه. وبإمكاننا أن نعرّف الإصلاح في الخطاب الإسلامي بطريقة أكثر دقة: إن الإصلاح في المفهوم الإسلامي هو الرجوع إلى الحقيقة الدينية ومحاولة تحريرها من ضلال الفهم الخاطئ لمبادئها، الذي تسرب إليها مع الوقت بطريقة واعية أو لاواعية. إن الإصلاح كمشروع أخلاقي هو الإقصاء الفكري لكل البدع المحرمة والاستئصال العملي للاعتقادات الباطلة التي تسبب في نشرها الجهل.
أما بالنسبة لمفهوم "التجديد" كمرادف لغوي للإصلاح، فهو فهم مبادئ الإسلام القائم على الشرح والتوضيح ومحاولة إرجاعها إلى منابعها الثمتلة في النص القرآني والسنة النبوية الشريفة ونهج الصحابة، ومن هنا يمكن القول أن كل من الإصلاح والتجديد هما الصياغة الجديدة للإسلام عن طريق التفسير المساير لروح العصر للأسس الثلاثة السالفة الذكر. إذن، كيف عرّف
أطفيش مفهوم الإصلاح؟ وكيف حدد معالمه الدلالية والمعرفية؟
إن المتأمل لتاريخ الخطاب الإصلاحي عند الإباضية قبل القرن التاسع عشر لا يجد استعمال كلمة الإصلاح كمفهوم مستقل بذاته أو الإشارة إليه كدلالة معرفية، كما أن مصادرهم الدينية لا تكاد تشير إلى أي عالم ديني وظف هذا المفهوم قبل هذه الحقبة الزمنية. فليس هناك أي برهان تاريخي يدل على أن رواد الفكر الإصلاحي أمثال أبو زكرياء يحي الأفضلي وعبد العزيز الثميني استعملوا هذا المفهوم في نطاق مجهوداتهم التجديدية، لكن هذا لا يعني أن أفكارهم لم تكن تمت بأية صلة إلى الفكر الإصلاحي الإباضي.
يرجع الفضل الكبير إلى محمد بن يوسف أطفيش الذي يعتبر أول عالم إباضي يوظف مصطلح الإصلاح معرفيا ويدخله في نطاق خطابه التجديدي بالمغرب العربي. (35) يشبه أطفيش مفهوم الإصلاح بعملية "جب رعظام الجسد" بعد انكسارها، كأن قطب الإئمة يقارن أوضاع المجتمع مع عظام جسد الإنسان، التي إذا انكسر أحدها أثر على وظائف سائر الأعضاء الأخرى وحيويتها. فدلالة الإصلاح حسب رأيه هو جبر الانحرفات الغير العادية في كل المجالات من أجل تأمين صيرورة المبادئ المتعارف عليها من طرف الجميع، أما الفساد هو الضد المعاكس للإصلاح، ففعل "أصلح" هو النقيض الصريح لفعل أفسد. إن المصلح حسب رايه إذا أصلح بين من أفسدهما النزاع والكره، مثل صلة الرحم بين المتخاصمين القريبين في النسب حصل الصلح وتجسّد عمليا ضد الفساد، فلهذا السبب يكون تصرف المصلح بمعنى الإصلاح كاسم مصدر أصلح، ومصدر أصلح هو الإصلاح؛ أي "أصلح بينهما صلحا أي إصلاحا"، فالصلح هو إحدى وجوه الإصلاح الذي يحاول عن طريقه رفع الفساد، وانطلاقا من هذا الفهم القياسي يعتبر قطب الأئمة الصلح إصلاحا كونه يجعل شرعا وعن رضى نهاية للنزاع القائم بين المتخاصمين، إذن فالصلح حسب تعريفه هو سيد الأحكام، إذ إنه كفكرة وعمل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. (36)
يظهر للقارئ من الوهلة الأولى أن أطفيش لا يميز بين مفهومي "الإصلاح" و"الصلح"، ويخلط بين معنى الألفاظ ومعنى المعاني إلا أن الرأي الموضوعي لا يتوخى إنصاف قطب الأئمة، لأنه لا يريد من وراء ذلك غير تبسيط المفاهيم من خلال سياق أمثلة من أرض الواقع حتى يتسنى فهم المقصود، كما أن فكرته توحي أن الصلح ما هو إلا ضرب آخر من ضروب الإصلاح المتعددة، فسياق الأمثلة من واقع أطفيش المعاش هي خاصية أساسية أخرى يميز بها خطابه الإصلاحي، إذ يحاول إخراجه من نطاقه النظري إلى النطاق العملي من أجل استيعاب الآخر لأفكاره وتقبلها.
ففي تفسيره للقرآن الكريم المسمى "بتيسير التفسير" الذي يشمل تصوراته التجديدية يضرب مثالا آخرا من أجل التأكيد على التكامل المعرفي لمفهومي "الإصلاح" و"الصلح" معتمدا
تفسير الآية: {وَإِنْ ِامْرَأَةٌ خَافَتْ مِنَ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّلَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ}: (سورة النساء: آية 128)، فكل من يحاول الصلح بين الزوج والزوجة أثناء حدوث مشاكل بينهما هو إصلاح من أجل خلق المودة والرحمة بينهما، إذ أن الصلح بينهما كإصلاح خيري هو أفضل من الفرقة وسوء العشرة والخصام، أو بتعبير آخر الصلح كإصلاح هو منفعة ومصلحة مشتركة، أما الخصام والعداوة كفساد مَضَرّ ة تعكر جو الحياة الزوجية. (37)
ثم يوظف قطب الأئمة مفهوما قرآنيا آخر ألا وهو "الصلاح"، بحيث لا يمكن فصله عن مفهوم الإصلاح، إن الصلاح هو المرتبة العليا للإصلاح، الذي يبلغ غايته المصلح عن طريق الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وبتعبير أكثر دقة، عن طريق النصيحة والإنذار للآخر سواء كان إباضي أو من أهل الخلاف. فأثناء تفسيره للآية الكريمة: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ}: (سورة آل عمران: آية 46)، يؤكد أن إدراك الصلاح بعد الإصلاح كأعلى درجة من درجات المؤمنين لا يكون كذلك إلا إذا شمل جميع الأوامر والنواهي مواظبا على المنهج الأصلح، إذ إن الصلاح كدرجة عليا بعد اجتهاد الإصلاح ينبغي أن يشمل الاعتقاد والقول والعمل (38). نريد كذلك أن نحدد مفهوم "الفساد" كنقيض أطروحة الصلاح كإصلاح، يقول قطب الأئمة في في كتاب شرح القصيدة الحائية: «الصلاح: هو ضد الفساد، والصالح هو الفاعل لما فيه صلاح من الأعمال الدنيوية ويراها وصار حقيقة شرعية صادقة على الفاعل لجميع الواجبات وبعض المندوبات، والتارك لجميع المحرمات والمنهيات، فلذلك قالوا الصالح هو المحافظ على حقوق الله وحقوق العباد». (39)
لا يشير أطفيش إلى من هم هؤلاء العلماء رغم تدعيم رأيه بحججهم، لكن يمكن القول أن الصلاح حسب تصوره هو الهدف الأسمى لكل مؤمن، الذي يمكن تحقيقه عمليا عندما يقضي الإصلاح على الفساد في كل الميادين الشاملة لحياة الأفراد. إن وظيفة المصلح هي تحديد مواضع الفساد ومحاولة جعل نهاية لها من خلال توعية الآخر، وهذا من أجل الحفاظ على حقوق المعبود وحقوق العابد اعتمادا على القرآن الكريم وسنة نبيه المصطفى ونهج الصحابة.
مثلما أشرنا سابقا يعتبر قطب الأئمة الإصلاح نقيضا للفساد لكونه محاولة العالم المصلح القضاء على الفساد ومظاهره، فالمصلح إذا باشر مهمة الإصلاح يُظهر للأفراد علنا مظاهر الفساد المنتشرة في مجتمعه من خلال تحديد معالمها وطريقة تجلياتها على المستوى العملي. فحسب رأي أطفيش ليس هناك أعظم إفساد مثل إفساد من خالف أفضل الكتب وأفضل الرسل لأن المفسد أولا هو من يضل نفسه، وثانيا من يضل الآخرين (40)، رغم إشارة قطب الأئمة لكتب الله ورسله الآخرين بطريقة غير مباشرة، يلح على مبدأ أفضلية القرآن الكريم وخاتم الأنبياء، ومن دون شك
فنشر الفساد في الأرض يقوم على مخالفة أمر ونهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
كما أنه يمكننا ملاحظة التمييز الموضوعي لقطب الأئمة بين فساد الفرد وفساد الغير، فالعثاء فساداً في الأرض يبدأ أولا على المستوى الفردي للشخص الذي بدوره يفسد ذاته، ويضل الغير ثانيا من خلال تعامله معه، ومن هنا يكون تأثير فساد الفرد أكثر فعالية من خلال نشره بين أفراد الجماعة. إن فساد الجماعة يكون أكثر خطورة على المجتمع، انطلاقا من هذه القاعدة المعرفية يقدم لنا أطفيش تصورا آخرا مكملا لتعريفه الأول وأكثر توضيحا له؛ الفساد هو الاختلاف والشقاق المؤدي إلى تعطل المصالح الجماعية المتعارف عليها من طرف الجميع، مثل القتال بين المسلمين (41). يمكننا القول بأن الفساد الجماعي أكثر خطورة من الفساد الفردي، لأنه يصادر المصلحة المشتركة بين الأفراد ويهدد وحدتهم، أما فيما يخص تحديد أنواع الفساد الفردي يعمد أطفيش إلى تفسير الآية الكريمة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}: (سورة البقرة: آية 11) مبينا هذه الأنواع التي اشتملت الكذب والنميمة والغيبة والسرقة. (42) رغم هذه التفرقة الدلالية في المعنى بين الفساد الفردي والفساد الجماعي فهما يشتركان في صفة الابتعاد عن صراط الله سبحانه وتعالى ومنهج سنة رسوله محمد (صلعم) والصدّ عنهما.
يوضح قطب الأئمة أن الله لا يحب الفساد، أي لا يقبله ويعاقب عليه، لهذا السبب يحذر الله بني آدم من الفساد في الأرض بعد أن أصلحها {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ}: (سورة الأعراف: آية 85)، أي بعد إصلاحها بإزالة الشرك والمعاصي عن طريق بعثه الرسل وتبليغهم للشرائع (43)، كانت إذن مهمة الرسل بعد بعثهم إصلاح الأرض وهداية الإنسان إلى الطريق المستقيم بعد أن أفسدها عن طريق أهوائه ورغباته.
فأطفيش ككل المصلحين المسلمين يعتبرون الرسول محمد (صلعم) المصلح الأول في تاريخ الإسلام، وهو من أخرج الناس من الكفر والجاهلية حين كان الفساد سائدا في كل جوانب حياتهم، فعن طريق رسالته التي كان أساسها الإصلاح كان يسعى جاهدا ليطهر الناس من الشرك وما دونه من المعاصي وسوء الطباع وفساد اعتقادات الجاهلية. (44) لكن بعد فترة نبوة خاتم الأنبياء المصطفى محمد (صلعم) يتحمل مسؤولية إصلاح العباد -إلى يومنا هذا- فئة من العلماء ترفع راية الإسلام استنادا على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وفي هذا السياق يورد أطفيش الحديث النبوي الشريف: «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله». (45) فالمراد بطائفة الأمة حسب تفسير قطب الأئمة هم العلماء والدعاة إلى دين
الله منتهجين طريق الإصلاح، والآية الكريمة: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: (سورة الأعراف: آية 181)، لأن معنى كل من الآية والحديث النبوي يشيران إلى أن في كل قرن توجد صفة هداية المسلمين عن طريق مجموعة من العلماء وظيفتهم إصلاح القيم الدينية وتطهيرها من كل البدع المحرمة التي شوهت -عبر ممر التاريخ- نبعها الصافي. (46) لكن معالم تعريف الإصلاح ودلالته المعرفية تبقى ناقصة المضمون والشكل، إذ ا لم نتطرق لرؤية أطفيش حول تعريفه لمصطلح "المصلح".
بداية يشير قطب الأئمة أن المصلح يمكن أن يكون نذيرا لقومه، فما من أمة إلا وكان فيها نبيٌٌّا أو نذيرا، فالعالم المنذرالذي وظيفته الإصلاح يخبر الناس عن الله وأحكامه ووعيده للمخلفين أوامره ونواهيه، فهؤلاء العلماء المصلحون اختارتهم الإرادة الإلهية (47) لاستخلاف الرسل في الأرض، وأحسن دليل يحتج به قطب الأئمة من أجل تعريف مدلول المصلح المسلم وظائفه وأهدافه هو النص القرآني: {إِنْ أُرِيْدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ}: (سورة هود: آية 88). فالمصلح هو من يريد بأمره ونهيه إصلاح حال الأمة بدين الله مستندا في ذلك على منهج النصح والوعظ، فلو وجد ما عليه الناس من صلاح لهم لما نهاهم عنه، فوظيفة المصلح هي رعاية حق الله وحق النفس وحق الناس. (48)
أما إمكانية تجسيد المصلح لمجهوداته التجديدية يتحدد مقدارها حسب استطاعته وقدرته، فاحترام حق نفس الفرد وحق الجماعة كما ورد في القرآن الكريم تكون نتيجتهما حتما احترام حق الله في الأرض. كما أن تواصل المصلح مع أفراد مجتمعه ينبغي أن يكون أساسه الحكمة، وخطابه لهم بالتي هي أحسن بغية عدم تنفير الناس من شخصه وأفكاره (49)، فمن هنا يمكننا أن نستنتج أن أطفيش يدعو إلى الطريقة السلمية أثناء تعامل المصلح مع الغير، لأن التواصل المبنى على على عدم احترام الآخر وفرض الرأي عليه بالقوة اللفظية يؤدي إلى ابتعاد الناس عنه وتجنب أفكاره، وبتعبير آخر يؤكد قطب الأئمة على أهمية الحوار من أجل تجديد الدين الإسلامي وإحياء مبادئه.
وفي نهاية المطاف يقدم لنا أطفيش صورة أخرى لمصطلح الإصلاح، والذي لا يمكن فصله معرفيا عن الدلالات المشار إليها أعلاها وهو الإطار النظري للإصلاح الذي يشكل الأساس المعرفي من أجل البرهنة على الأفكار الإصلاحية والتجديدية. فمن جهة يشبّه قطب الأئمة العلماء المصلحين بالمصابيح للاهتداء بهم في ظلمة الجهل، كما يهتدى بها في ظلمة الليل، ومن جهة أخرى فلولا جهود هؤلاء المصلحين الدائبين على تبيين وشرح الدين بالتأليف والتعليم والمبالغة في النصيحة لانتشر الجهل، واندرست العلوم الشرعية لعدم اهتمام طلاب العلم بها وإحياء علوم الدين، وما يتصل بها من العلوم الأخرى من أجل تعلُّمها، وتعليمها للغير وتدوينها. إن وظيفتهم
تشبه من يبعث الحياة في الجسم الميت، كما أن إحياء هذه العلوم وتجديدها بالتعلم والتأليف وبيان الصالح منها والطالح، الصحيح منها والفاسد: «ولولا ذلك لانطمست آثار المذهب وانمحت وصارت بمنزلة الأموات التي بليت أجسادها واختلطت بالتراب وصارت بحيث تثيرها الرياح وتطيرها وتذهب بها في الجو بحيث لا يرى من آثارها شيء، والله أعلم». (50)
وصفوة القول، في هذا المحور يمكن للمُطَّلِع على الخطاب الإصلاحي عند قطب الأئمة استنتاج النقاط التالية:
- بدون أدنى شك يمكن اعتبار أطفيش أول العلماء من عرف مفهوم الإصلاح لغة واصطلاحا في تاريخ أفكار المذهب الإباضي.
- إن الخاصية الفكرية الأخرى المميزة لرؤاه الفكرية أنه لا يكتفي فقط بالتعريف الدلالي للإصلاح أوالإفساد، إنما يسعى جاهدا لاكتشاف المفاهيم الأخرى المكملة والشارحة للإصلاح مثل: "الصلح والصلاح " هادفا بذلك إلى التحرر المعرفي من سلطة التعريفات النظرية وربطها بأرضية الواقع كمقياس جوهري لتجسيدها عمليا.
- ولنعرف هذا التوجه المعرفي بطريقة أخرى: يتحدد إيمان أطفيش في أن خطاب الأفكار لا ينشأ من فراغ ولا تقوم بمعزل عن الظروف الموضوعية –الاجتماعية والسياسية– التي يكون الفكر نفسه استجابة لها محاولا بذلك التصدي لها تغييرا أو تأييدا.
- كما أن تفسيره لمفهوم الإصلاح بنقيضه الفساد مع ربطه بمفاهيم أخرى من أجل تحديد معنى المعنى للإصلاح هو تأكيد واع ٍ لمحاولة الاستقلالية من السلطة المعرفية التي تدخل في إطار ثنائية الأطروحة ونقيضها، أو ما يسمى بإزدواجية الفكر الإسلامي التي ترسم معالمه حتى اليوم. ولعل قراءة الخطاب الإصلاحي لأطفيش يجعلنا أشد اقتناعا أن الإصلاح أحد الأسس الرئسية للدين الإسلامي، فالإصلاح ما هو إلا رؤيا نظرية وعملية تجدد وتحيي بها مبادءه انطلاقا على الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله من أجل مسايرة روح العصر.
3. النصيحة كنموذج للإصلاح:
يسعى قطب الأئمة أولا وقبل معالجة أي موضوع وتجلياته الفكرية والواقعية إلى تحديد دلالة المصطلح المستعمل محاولا ربطه لغويا ومعرفيا بالمفاهيم الأخرى المكونة لمعناه من أجل إظهار الصورة الموضحة للعلاقة التي بينهم مثل الإصلاح والمفاهيم الأخرى المكملة لمعنى المعنى. كما أنه يريد بذلك إضفاء شرعية التوظيف الديني عليه، فمثلا يسعى جاهدا للاستدلال على كون الإصلاح نصيحة قبل كل شيء مبينا للعلاقة الوطيدة التي تربط بينهما. إن معنى "النصيحة" لغويا هو: النقيض للغش وهي الإخلاص والتصفية، أما شرعا هي
إخلاص الرأي من الغش للمسلم، كما أنها هي أساس الدين وعماده، فالنصح لله مثلا هو فعل ما أمر وترك ما نهى عنه، وذلك يشمل تنزيهه عن صفات الخلق وشكر نعمه وولاية مطيعه والبراءة من عاصيه، إذ إن أحب ما يتعبد به المخلوق هو النصح للخالق، أي أنه يقدم حق الله على حق المخلوق. يرى أطفيش أن النصيحة لله مثلا تكون الوقوف على أحكام القرآن وتفهم أمثاله ونشر علومه، كما أن النصيحة للقرآن هي الإمساك عن تفسيره حتى تتهيأ للمفسر علومه المساعدة على ذلك. (51) أما النصح لرسول الله هو إتباع سنته في أقواله وأعماله بعد نزول الوحي من سنة 610 إلى سنة 632 هجري. (52) ويؤكد في موسوعة شرح النيل الفقهية أن النصيحة لرسوله هي الإيمان والتصديق بجميع ما جاء به وطاعته في أوامره ونواهيه والمحبة لمن والاه والبراءة لمن عاده، كما أن النصيحة لسنته هي إحياء مبادئها ونشرعلومها ما بين المسلمين ونفي التهم عنها وتصحيحها والتفقه فيها والإمساك عن الخوض فيها دون أي علم وقول الحق في الصحابة كغيرهم. (53)
لنقف أخي القارئ قليلا عند تشبيه أطفيش النصيحة بكلمة التصفية، حيث يقدم لنا صورة رمزية رائعة أساسها تمثيل لغوي ما بين الكلمتين مراعيا في ذلك التوظيف الديني للمفهومين على المستوى الحياتي. فحينما يقدم المصلح النصيحة لشخص ما في مجال القول والعمل الدنيوي، فإنه يخلص له الرأي، أي ينصحه لذات النصيحة ولا يرجو في ذلك أجرا، لأن الإخلاص هو كمال الأقوال والأفعال، إن الكلام الشفوي الموجه في إطار النصيحة هو مثل عملية فرز العسل. بتعبير آخر إن النصيحة هي: تنقية العسل من أقراصه الشمعية من أجل تحقيق إنتاج العسل المصفى. (54) كما أن هذا التشبيه يوحي فعلا بالقيمة المعرفية والوظيفة الدينية أثناء تقديم المصطلح النصيحة للمنصوح، فالنصح هو التمييز الصريح للقول الحسن من القبيح في القول والتبيين الواضح للخير من الشر في العمل، وإن دلّ هذا على شيء، إنما يدل على التمييز الموضوعي ما بين الإسلام الصحيح والبدع المحرمة التي شوّه انتشارها نبعه الصافي.
فالنصيحة هي قبل كل شيء تصفية الإسلام من القضايا التي لا تمت له بأي صلة، كما أن تشبيه قطب الأئمة تقديم النصيحة بالعسل المصفى هو دليل لغوي مستمد أو مقتبس من النص القرآني الذي يوظف من أجل إظهار المعنى اللغوي، ومن أجل البرهنة على الأهمية الدينية للنصيحه الهادفة إلى تجديد الإسلام وإحيائه مع مراعاة معطيات العصر. ونحن نعلم أن الله وعد المتقين في الجنة إلى جانب الثمرات الأخرى أنهارا من عسل مصفى جزاء لإيمانهم بالله، وثوابا على عملهم الصالحات: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ}: (آية 15: سورة محمد). وفي آية قرآنية أخرى يشار إلى عسل النحل كشفاء من الأمراض، فلهذا يستعمل أطفيش النصيحة كعسل من
أجل شفاء الأقوال والأعمال من الانحرافات التي ليست لها علاقة بالدين: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: (سورة النحل: آية 69).
من هنا يتسنى لنا القول أن قطب الأئمة يجعل من القرآن بالإضافة إلى السنة النبوية مرجعا لغويا لتفسير أفكاره الإصلاحية بل أكثر من هذا يستخدمها من أجل البرهنة على مشروع تصوراته التجديدية، لأنه كان يعرف جيدا أن انتشار توجهه الإصلاحي وتجسيد النصيحة على أرض الواقع يتعلق بمدى توظيفه لكتاب الله وسنة رسوله، وهذا يحدّ من محاربة التيار المحافظ في المجتمع الإباضي لمشروعه التجديدي.
وفي كتاب آخر يؤكد قطب الأئمة مرة أخرى أن النصيحة هي شرعا إخلاص الرأي من الغش مضيفا إليها معنى آخرا ألا وهو إيثار مصلحة المسلم، لأن هدفه من وراء ذلك تحديد دلالة ثالثة للنصيحة، فبعد أن عرف النصيحة لله ولرسوله، يضفي عليها نسقا معرفيا آخر هو نصيحة المسلمين. إن نصيحة المسلم هي قبل كل شيء بذل المودة والاجتهاد في المشورة له، كما أنها أفضل أعمال المؤمن الدنيوية.
أما معنى نصيحة المسلمين فهو معاونتهم على الحق وأمرهم به وتذكيرهم بلطف ورفق بما غفلوا عنه من أمور المسلمين ومصلحتهم، فنصيحة المسلمين هي كذ لك رفع الأذى عنهم وتعليمهم ما جهلوه، فكل ما يحب المصلح لنفسه يحبه لأخيه (55). إن ذكر أ طفيش لإيثار مصلحة المسلم كخاصية جوهرية يثبت أن النصيحة تدل على إقلاع المصلح عن التفكير في نفسه والتخلي عن الاهتمام بمصلحته الخاصة، فالنصيحة هي قبل كل شيء التأكيد على المصلحة العامة للجماعة من أجل تحقيق الأهداف الدينية والدنيوية. بتعبير أكثر دقة: إن النصيحة هي العدول عن الأنا وإيثار الأنت، لأن قطب الأئمة يضع المصلحة العامة في الاعتبار الأول المؤسس لوحدة المجتمع، أي أن مصلحة الجماعة تبدأ أينما تنتهي المصلحة الفردية. لهذا السبب يمكن القول أن النصيحة حسب اعتقاد أطفيش ليس أحادية البعد إنما هي حركية تفاعل والتأثير بين المصلح كناصح والمنصوح كمجموعة من الأفراد مجسِّدة تلك المصلحة العامة المشتركة بين أفراد المجتمع.
يمكننا ملاحظة أن أطفيش لا يهمه فقط تقديم النصيحة من أجل إصلاح الآخر، إنما هو حريص كل الحرص على الطريقة والكيفية التي يقدم بها المصلح النصيحة، فتذكير الناصح للمسلم بالحق ينبغي أن يكون بلطف ورفق دون تغليظ القول له أو توبيخه، إنها - حقا - دعوة ملخصة من أجل بناء حوار مع الآخر على أساس ادفع بالتي هي أحسن، فالهدف هو عدم تنفير المنصوح من الناصح والنصيحة معا.
يستدل قطب الأئمة في هذا الإطار بمثال نصيحة الواعظ فإذا رأى هذا الأخير من يفسد وضوءه أو صلاته أو غير ذلك ولم يعلمه فقد غشه وعليه الإثم، كما ينبغي أن يكون نصحه إياه سرا وبطيبة ورحمة ليكون ذلك أقرب للقبول، لهذا من وعظ أخاه سرا قد نصحه، ومن وعظه علانية أمام الملأ فقد فضحه. إن المثال الذي ساقه أطفيش في هذا المجال يوحي أنه يتحدث عن واقعه، وما يبرهن على ذلك أنه يعتبر جرعة النصيحة مرة لا يقبلها إلا أولو الألباب، بل أكثر من هذا يشير إلى أن هناك قلة من الناس يتعاطوا النصيحة في زمانه والقليل منهم من يتقبلها. (56) ويبين في كتاب آخر الفهم الخاطئ في تداول النصيحة، إذ إن الكثير من الناس يعتبرها غيبة، كما أن قطب الأئمة يلفت الانتباه إلى عدم المبالغة في النصيحة لأنها تؤدي إلى تجنب شخص المصلح وأفكاره التجديدية، كما أن هذا التصرف يوَّلد العداوة بين الناصح والمنصوح. (57)
كما أن قطب الأئمة يجعل من السكوت غشا أمام خطأ الآخر أو إظهار اللامبالاة أمام الانحراف عن دين الله بدعوى أن الأمر لا يهم الإنسان، ويعدّ السكوت واللامبالاة كتمانا للحق، وتجاهلا لحقوق الله ولسنة رسوله، بل قد تستوجب البراءة من الشخص الذي لا يهتم بأمور المسلمين سواء كانوا عامة أو خاصة، لهذا يعتبر أطفيش نصح المسلم فرض في دينه ودنياه، وينبغي عدم تقصير الجهد في ذلك. (58) من اللافت للانتباه أن قطب الأئمة يحذر من خطر اللامبالاة وعدم الاهتمام بالآخرين لأنه إنكار لوجود الآخر كعضو داخل الجماعة. يشير أطفيش كذلك إلى ضرورة نصح المسلم الغائب، فنصح المسلم لا يقتصر فقط على الفرد الذي يعيش مع الجماعة وفي نفس البلد، ونصيحة الغائب تكون بتبليغه إما عن طريق رسالة مكتوبة أو عن طريق رسالة شفوية، أما الجمع بين الطريقتين يكون أحسن. (59) إن الإلحاح على أهمية نصيحة الفرد الإباضي يؤكد على أهمية التواصل مع هذا الأخير، الذي يكون غائبا عن المجتمع الإباضي لأسباب نذكر منها ممارسة التجارة خارج وادي ميزاب.
يؤكد أطفيش من جهة على ضرورة التواصل الديني والاجتماعي من أجل تقوية روابط الوحدة ما بين الأفراد في الجزائر أو في بعض الدول العربية المسلمة مع باقي أفرد المجتمع الميزابي. ومن جهة أخرى يحاول قطب إحياء دور الرسائل الذي لعب دورا فعالا في تاريخ المذهب الإباضي منذ نشأته من أجل ضمان استمراريته، حيث كانت الرسائل تصل إلى أماكن لا يستطيع الدعاة ورجال الدين التنقل إليها. (60)
رغم محاولة أطفيش التمييز بين الأنواع الثلاثة المختلفة للنصيحة – النصح لله والنصح لرسوله والنصح للمسلم – يبقى هناك عاملا مشتركا بينهما مكونا معنى المعنى للنصيحة، فنصيحة المصلح للمسلم تتضمن محور الانقياد بكتاب لله وبسنة رسوله المصطفى والإيمان والتصديق
بأحكامهما. بإمكاننا كذلك استنتاج أن النصيحة حسب رأي قطب الأئمة هي منهج أخلاقي يؤسس سلطة معرفية أثناء تواصل المصلح الناصح بالمسلم المنصوح، أو بتعبير أكثر دقة: ما بين الأنا (المصلح) والأنت (المسلم)، فلهذا السبب نستطيع التحدث على رؤية فلسفية محضة في خطاب أطفيش الإصلاحي، إذ إنه يعتمد في ذلك على تحليل علمي سمته الموضوعية، وهذا رغم عصامية تكوينه.
إن العلاقة الوطيدة التي تربط الأنا المصلح والأنت المسلم هو موضوع النصيحة المقدمة التي تؤدي حتما إلى تفاعل نظري وعملي فيما بينهما من أجل خدمة الرؤية الصحيحة (61)، كما أن أساس هذا التفاعل هو التواصل القائم على الحوار الذي يتسم بصفة الاحترام المتبادل، وعدم فرض رأي المصلح على المسلم الآخر. إذن بإمكاننا أن نتحدث في هذا المجال عن اكتشاف نظرية معرفية محضة في خطاب أطفيش الإصلاحي والتي تتسم أحيانا بروح نقدية بناءة هدفها إلغاء الفهم السطحي لظاهر الأفكار، كما سيتضح لنا ذلك في الفقرة التالية.
مرارا يشير أطفيش أثناء تحليله لأهمية النصيحة وأنواعها إلى الحديث النبوي الشريف الذي يؤكد أن الدين هو النصيحة، لكنه يحذر في نفس الوقت من الفهم المعتمد على الظاهر اللغوي لهذا الحديث، فلا أحد باستطاعته الشك - حسب رأيه- في كون الدين هو النصيحة وعماده، إلا أن الدين لا يكمن في النصيحة فقط رغم أهميتها في شرحه وتبسيط معناه للمنصوح: إن قطب الأئمة يريد التأكيد على أن دين الإسلام المتكون من كتاب الله وسنة نبيه المصطفى أشمل وأوسع من نصيحة المصلح، لأن حصر الدين في النصيحة هو تقييد له من حيث الشكل والمضمون، كما أن النصيحة هي منهج التواصل بين الأنا والآخر، ولا يمكن المساواة بينها وبين الدين الإسلامي. فهذا النوع من حصر الدين كله في نصيحة المصلح لأخيه المسلم فيه مبالغة ويمكن تشبيهه بالقول أن أركان الحج هي فقط عرفة. (62)
فعلا إن النصحية تلعب دورا أساسيا في تيسير علاقة المنصوح بخالقه عن طريق الإصلاح وعلاقة المصلح مع المسلم الآخر، فالاعتماد عليها يؤدي حتما إلى سعادة الأنسان الدنيوية والأخروية، لكن لا يمكن تلخيص الدين في النصيحة وجعلهما كلمتين مترادفين يكملان بعضهما البعض من حيث الشكل والمضمون، لهذا السبب يرفض أطفيش الفهم الضيق للحديث النبوي الشريف السالف الذكر، إذ إنه ينبغي الإشارة إلى أن الدين الإسلامي هو موضوع النصيحة، أما هي فتبقى النهج المعتمد لإصلاح معتقدات المسلم مع ربه ومعاملاته مع أخيه.
إلى جانب المصطلحات التي تم ذكرها ينبغي -أخيرا - التطرق إلى عنصر آخر تمت الإشارة إليه سابقا أثناء تعريف أطفيش لنصيحة للمسلم حيث يعتبرها إلى جانب بذل المودة والاجتهاد
كذلك مشاورة المسلم. وفي هذه المجال نقتبس رأي قطب الأئمة أثناء تفسيره لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}: (سورة آل عمران: آية 159)، «وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم وترك رأيه إلى رأيهم إذا ظهر له الصلاح في الترك وظهور نصح من ينصحه، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم وتطييب نفوسهم وجلبهم وإذهاب أضغانهم، وإنه يشق على سادات العرب أن لا يتشاوروا، وأن تقتدي الأمة به في الشورى، فيظفروا بالرأي الصالح». (63)
إن هذه الآية حول التشاور هي خير دليل على معاملة النبي لأصحابه بالرفق والعفو والمشاورة، فرغم سلطته الدينية المشرعة بكتاب الله وسنته التفسيرية له، لم يحرم نفسه من تشاوره مع الصحابة رضي الله والأخذ بالرأي الصالح إذا ما كانت نصيحة الصحابي تخدم مصلحة الأمة الإسلامية في ذلك الوقت عنهم. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - مثال أسمى يقتدى به في مجال التشاور وطلب المصلح النصيحة كذلك من المنصوح، لهذا يجيز قطب الأئمة مشاورة كل إنسان جرب الأمور في الدنيا (64)، وأثناء تفسيره للآية الكريمة: {وَأَمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ}: (سورة الشورى: آية 38)، يبيّن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتشاور مع الصحابة في أمور الحرب وفي الأحكام التي كانت تنزل في الوحي. ففي الشورى حسب رأيه يوجد صلاح الدين والدنيا، أما التخلي عليهما يؤدي إلى فسادهما. (65)
إن استعمال النصيحة كتشاور يكمل معنى المفاهيم التي حاول أطفيش تبسيط شرحها في إطار مشروعه الإصلاحي، كما أنه يخرج النصيحة من إطارها السلبي المميز لها كمخاطبة المصلح الناصح للمسلم المنصوح، أو ما يمكن تسميته في علم الحوارالتواصل الأحادي البعد، أي توجيه الفكرة من المخاطب إلى مستقبل الفكرة دون حدوث تفاعل بينهما. فالمستقبِل يكون أكثر سلبية، بحيث إنه في موقف الاستقبال لفكرالآخر دون السعي إلى المشاركة العملية والفعّالية الفعّالة في إنتاج النصيحة من خلال إبداء رأيه. فالنصيحة كتشاور تبرهن على العلاقة التفاعلية ما بين القائل والمستقبِل في إطار تحاوري من أجل تبادل الأفكار، فالتشاور يلغي الفهم الخاطئ للنصيحة كأمر من الأعلى كسلطة إلى الأسفل، أي المسلم المنصوح.
تتحدد ماهية الإصلاح عند قطب الأئمة بناءً على تحديده لمفاهيم أخرى تكمله معرفيا ومنهجيا مع مراعاة حاجة الإنسان الضرورية له، فلم يتحدث أطفيش حول أسبقية مفهوم على مفهوم آخر كما أنه لم يحاول تأسيس ثنائية الفكر في خطابه الإصلاحي – إصلاح وفساد – والتي بإمكانها أن تشكل عائقا معرفيا أثناء تعريف المفهوم وإبراز ارتباطه الوطيد مع المفاهيم الأخرى، بل جعل كل المفاهيم التي أشرنا إليها مؤكدة لمصطلح الإصلاح من حيث المضمون والشكل ومزودة
لثروته اللغوية والوظيفية. فالباحث يشعر أحيانا بانتقال حركي من دلالة المفهوم على المستوى اللغوي إلى دلالة التوظيف على المستوى الواقعي، فمن خلال إشارة أطفيش السريعة إلى واقعه يظهر عدم إمكانية استقلال النصيحة كمفهوم عن حاضر ممارستها في لحظتها الآنية، فلهذا السبب يمكننا التحدث عن حركة جدلية في إطار نظرية معرفية ما بين المفاهيم المستعملة، وعن حركة عملية تضفي على المفهوم شرعية استخدامه على المستوى الواقعي.
على ما يظهر يعتبر أطفيش مصطلحي الإصلاح والنصيحة مترادفين، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، فالنصيحة هي المنهجية في كيفية تقريب مضمون الإصلاح من طرف الناصح للمنصوحين، لهذا السبب تؤدي النصيحة دورا مهما في خطابه الإصلاحي، إذ يحاول نشر أفكاره التجديدية عن طريقها كوسيلة معرفية جاعلا منها هدفا أساسيا للحفاظ على الدين الإسلامي وإحيائه في حالة الابتعاد عن أحكامه وأوامره. لكن يكتنف النصح الإصلاحي عند قطب الأئمة نوع من الغموض لَمّا نتمعن النظر بدقة، فلا نعرف إذا ما كان أطفيش يعتبر النصيحة جزءا أساسيا من الإصلاح أو مجرد مصطلح مستقل بذاته وموازي له، كما أنه يوظف مفاهيم أخرى أثناء حديثه عن النصيحة كتشاور مثل: "الشورى والمشاورة" دون محاولة الفصل بينهما من حيث الشكل والمعنى، بل يعتبرهما مصطلحا واحدا يخدم فكره الإصلاحي، ويتكون عند القارئ في أغلب الأحيان الانطباع بأن أطفيش لا يفرق بينهما من حيث المضمون، أو يخلط بينهما من حيث المعنى والوسيلة، إذ كلاهما يهدف إلى إصلاح الفكر القائم والفهم الخاطئ للدين. فهذا الخلط المعرفي يمكن إرجاعه إلى فهم أطفيش لجوهرهما الدلالي، وكلاهما يقوم بخدمة التفسير الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله والعودة بهما إلى تاريخ نشأتهما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يهدف جوهرهما إلى تحديد الانحرافات- المتكونة من الفهم الخاطئ - من أجل التمييز بينها وبين الأسس الصحيحة للإسلام.
4. أمثلة عن نصائح أطفيش للآخر:
نريد أولا وقبل معالجة بعض نصائح قطب الأئمة المقدمة للآخر- الذي يتمثل في بعض علماء أهل السنة - أن نحدد بطريقة موجزة الإطار المعرفي لمفهوم "الأنا والآخر" من وجهة فلسفية، فرغم القاسم المشترك بين أطفيش كعالم إباضي وبعض علماء السنة من وجهة الانتماء إلى الدين الإسلامي نؤكد على اختلافهما كـ "الأنا والأنت" في بعض المسائل الفقهية واتفاقهما في المسائل العقائدية. لكن هذا الاختلاف لم يكن عائقا معرفيا في التواصل الفكري والديني بين الإباضية وبعض فقهاء أهل السنة الذين راسلهم قطب الأئمة، بل إنه كان إراديا أساسه حرية الاختيار الواعي بدون أية خلفيات مسبقة أو أحكام قبلية، وهذا يؤدي - حتما - إلى تأسيس بنية هوية النحن من خلال تقارب ديني وفكري ما بين الأنا كإباضية والأنت كسُنة. إنه فعلا المنهج
الإرادي الذي تبناه أطفيش أثناء تعامله مع أهل السنة وأراد أن يجعله مبدأ دينيا ودنيويا لكل من ممثلي الإباضية وأهل السنة في العالم الإسلامي، خاصة لما انتقل هذا العلامة من درجة مجتهد المذهب إلى المجتهد المطلق، أي من عالم ديني مقلد لغيره إلى عالم مصلح كسلطة دينية تتبع وتقلد حيثما وجد الإباضيون وآخرون أمثال أهل السنة، إذا ما أقنعهم رأيه.
ينبغي علينا لفت الانتباه أن هذا الآخر لا ينبغي أن ينحصر فقط في أهل السنة، إنما بإمكانه أن يكون الفرد الإباضي المنتمي إلى نفس المذهب والجماعة، إذا ما تعددت الرؤى المختلفة من شخص إلى آخر، وخير دليل على ذلك تعايش التيار الإصلاحي مع التيار الإباضي، حيث حاول كل واحد منها الحد من تأثير خطابه في المجتمع الميزابي وفرض توجهه الديني والحياتي. كما نريد كذلك اعتمادا على نصيحة أطفيش التركيز في هذا المقال على الآخر السني من أجل إظهار مجهودات أطفيش الإصلاحية خارج نطاقه المذهبي من جهة، ومن جهة أخرى تجلية مساهماته من أجل تأسيس أرضية تقارب ما بين أهل الإباضية وأهل السنة والاعتراف بوجود الواحد بالآخر دون تجاهل خصائصه المميزة لهويتهما.
لا يهمنا في هذا المقام طرح السؤال حول جوهر الأنا أو الأنت وماهيتهما المُشَكلة لهويتهما المذهبية، لأن محاولة البحث عن تعريف من هذا الشكل يفرض علينا معالجة ماهية الإنسان والتطرق إلى مسائل أخرى ليست لها أية علاقة بالموضوع، والتي قد تؤدي إلى مناقشة قضايا إيديولوجية تكون نتائجها ذاتية، تفرق ولا تجمع الشمل. لكن يبقى شغلنا الشاغل ومجال اهتمامنا الرئيسي هو كيف يمكن تواصل الأنا مع الآخر من أجل تشكيل ما يسمى "النحن" في إطار الجمع النحوي، والمختلف في الرأي وكيفية طرحه، والمتفق فى الغاية المؤسسة لمصلحة جماعة المسلمين.
إن الوصول إلى مرحلة تشكيل وعي حول "النحن" تخلق بنية أرضية لتعلق الأنا بالآخر، والعكس صحيح، طبعا دون تجسيد فكرة الاندماج الوجودي واالفكري بينهما أو انحلال هوية كل واحد منهما بسبب حركية تأثير الواحد الآخر. بتعبير أكثر دقة: إن تأكيد الاختلاف هو أولا التأكيد على الفوارق الموجودة ما بين الأنا والآخر، كما أنه ثانيا وفي نفس الوقت إثباث للتفاعل الفكري والثقافي دون نفي ذات الهوية والانتماء المذهبي، وثالثا هو إثباث وجود كل واحد منهما من خلال الاهتمام المسؤول فيما بينهما، إذ إنه ليس باستطاعة كل واحد منهما أن يكون في عالمه الخاص به بمنأى عن الآخر رغم قرابة الصلة الدينية الوثيقة التي تجمع بينهما. كما أن هذا الأنا يمكن أن يكون الأنت إذا ما تكاملت مناهج الرؤى، وتوحدت المصلحة العامة لكل من الإباضي والسني من أجل خدمة وتجسيد إرادة الله على أرضه، وهذا ما نطلق عله إسم النحن.
فالاختلاف ما بين الأنا والأنت في الهوية المغايرة هو الإلحاح على مسؤلية كل واحد منها
نحو الآخر ومحاولة إلغاء الفوراق بينهما المؤكدة من الجانبين، إذ إن السعي الواعي إلى التقارب الفكري هو قبل كل شيء إثبات لشرعية وجودهما والتأكيد على الاختلاف فيما بينهما، والذي لا يمكن أن يكون حاجزا لتشييد جسر التواصل الذي أساسه تعلم كل واحد من الآخر في إطار الاحترام المتبادل.
إن مسؤولية الأنا على الآخر أو مسؤولية الأنت على الأنا هي العودة الواعية إلى الهوية الأصلية التي مبدأها حرية الاختيار الواعي بعد اكتشافها من خلال التعامل مع الآخر والحدّ من تأثير الفكر المتوارث دون أدنى تفكير فيه. أما النحن المؤسس للأنا والأنت لا يستطيع أن يكون هوية مستقلة عن ذاتهما المختلفة فقط، بل يؤسس النحن كمصلحة مشتركة بين الاثنين، والهادفة إلى خدمة الدين الإسلامي الذي يوحد ما بين الأنا والأنت الذي أساسه النصيحة كمنهج دنيوي ديني. إذن ماهي النصائح التي قدمها أطفيش للآخر؟ وهل يصحّ القول: إنها النصائح التي نقدمها اليوم لكل من السني والإباضي.
نريد أولا أن نعطي مثالا حول نصيحة أطفيش إلى توظيف النصيحة لضرورة أهميتها. يشير في شرح كتاب المدونة الكتاب لأبي غانم الخرساني إلى الوضع الذي آل إليه استخذام النصيحة في العالم الإسلامي محذرا إخوانه المسلمين من عدم إهمال هذا المنهج الدنيوي والحياتي لفهم الدين وأسسه، كما أنه يسأل نفسه كيف بإمكان استقامة الإسلام ما بين المسلمين بغيرالنصيحة والرحمة، فمن فارَق هذين الوجهين فارق الإسلام وإن كان معه بلسانه، حيث أن المفارقة تحدث كذلك في القول والعمل. (66) يوحي لنا رأي قطب الأئمة أن الإباضيين بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة لا يهتمون بالنصيحة والتشاور بينهم، فالإسلام يفقد أهميته إن تركوا الاقتناع بالنصيحة وعدم العمل به كمنهج حياتي، فاهمالها هو تضييع للإسلام.
إن الانتماء إلى الإسلام لا يكون عن طرق تصديق العضوية له عن طريق القول، بل هو كدين إلهي يحتاج إلى التطبيق من أجل تحقيق أوامره ونواهيه في أرض الواقع، وما يساعد على ذلك هو النصيحة اعتقادا وقولا وعملا بها، أما أهمية رأي قطب الأئمة تتجلى كذلك في ربطه ما بين النصيحة والرحمة، فالنصيحة هي رحمة للمسلمين يهدون بها إلى طريق الخالق وسنة رسوله، وكيفية نشرها يكون أساسها هو محبة الآخر. وفي نفس الكتاب يقدم قطب الأئمة نصيحة لأخوانه الإباضيين، ونظن كذلك بأنها موجهة لكل المسلمين رغم عدم إشارته إلى ذلك، حيث يرى أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة عليه والسكوت عنها وزر عليه يتحمل مسؤوليته، فعليهم بالنصيحة من أجل صدّ الشيطان، وينبغي الإعراض عن كل شخص يكرهها للناس، إذ تكون نتيجة ذلك الابتعاد عن الإسلام ومبادئه، لأن هذا النوع من الناس لا يريد الأمر بالمعروف ولا النهي عن
المنكر. فعلى المسلم الناصح أن يدعو للنصيحة الواجبة وأجره في ذلك على الله، أما ترك النصيحة حسب رأيه هو اضمحلال للدين وعدم إحياء سنته، فعلى العلماء إحياء العلم عن طريق النصيحة وتعليم الجهال ونصيحتهم. (67)
ونقدم الآن نموذجا عن نصائح أطفيش إلى إخوانه الإباضيين حول طريقة التعامل مع أهل السنة ومع مذهبهم أثناء إفتائه عالمين من عمان، واسمهما "عيسى بن صالح بن علي الحارثي" و"عبد الله بن حميد بن سلوم" حول موضوع الأخذ بروايات أهل السنة وقبول الفتوى عنهم والنقل عن كتبهم. اعتمادا على الآية الكريمة: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلحْقَ ِّأَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ}: (سورة يونس: آية 35)، يرى قطب الأئمة إن كانت المسألة راجحة في مذهب أهل السنة ولم تكن قد ذكرت في المذهب الإباضي، فهذا ليس بباطل ويبرهن على قوله بما يلي: «وبعد الحق إلا الضلال والحق يقبل من كل من جاء به، ولو مشركا، وجاء أن الحكمة والحق ضالة المؤمن يقبلها ولو من عدوه ( ... )، اتفق أصحابنا على أنه على أن من عمل بقول مخالف في الفروع نجا، ولو خالف ما عندنا ( ... ) لا يتوهم أني متعصب لقومنا أو راغب في نشر مذهبهم ( ... )». (68)
كما أن قطب الأئمة يؤكد أن كتب علمائهم الدينية قيمة المعلومات لا يستهان بها، بل هي مفيدة مثل كتب الحديث كصحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب بن حجر العسقلاني (تـ852هـ/1449م). فلهذا السبب يجوز الاعتماد على مسائلهم في كتب علماء الإباضية مع ضرورة الإشارة إلى مصدرها، وإن كانت فاسدة ينبغي ذكر حجة بطلانها وليس الحق لأي إنسان أن يكفر ولا يعصي غيره ممن أخذ بقول أهل القوم. (69) كأن أطفيش ينتقد بطريقة غير مباشرة رأي معاصريه من التيار المحافظ الرافض لتداول كتب الآخر، لهذا يمكن اعتبار نصيحته كتشجيع لأهل مذهبه الإباضي على القيام بذلك، لأن أهل السنة هم ثقات في علم اللغة والنحو والعلوم الأخرى مثل علم التفسير ويمكن الاعتماد عليهم. (70)
أول شيء نلفت النظر له أن نصيحة قطب الأئمة تتضمن شرعية تعدد المذاهب الإسلامية والتي بإمكانها أن تكمل بعضها البعض، فليس هناك مذهب يمتلك الحقيقه المطلقة لوحده أو كونه أحسن من الآخر، فاختلاف الأمة من حيث الرؤى وتعدد التصورات هو ثروة لدين الإسلام ولفكر المسلم كله. كما أن أطفيش لا يذخر جهدا من ممارسة النقد ضد التيار المحافظ، الذي لا يريد إلا عزل الإباضية عن عالمها الخارجي، إذ أن عيش الأنا على هامش الآخر لا يؤدي حتما إلى الحفاظ على الهوية الدينية، بل يثبط إرادة تطورها ويجمد صيرورة حركة التفتح على ما هو موجودا.
وبدون أي شطط أو مبالغة ذاتية تبعدنا عن موضوعية الفكر يمكننا أن نعتبر رؤية أطفيش السالفة الذكر رؤية ثورية في مجال حوار الأنا الإباضي مع الأنت السني، بل أكثر من هذا تلغي
عن طريق أدلة مقنعة ما اتفق عليه في تاريخ الإباضية من كتمان وتجنب الآخر، كما أنه يمكنا الاستفادة منها من طرف الإباضيين وأهل السنة في عصرنا هذا، خاصة لما يؤكد على أن الحق ينبغي أن يتبع، ويعترف به حتى ولو كان صاحبه مشركا أو عدوا. فإن ثورية هذا التصور تتجلى أكثر وضوحا في محاولة إلغائه الحدود الفكرية والدينية والجغرافية ما بين المدارس، ويضرب بها عرض الحائط، إذ إنها دعوة إلى التفتح على الفكر الإنساني، خاصة إن كانت تخدم مصلحة الدين والعباد في هذه الدار، ومن هنا نستطيع التأكيد على إنسانية الخطاب الإصلاحي عند قطب الأئمة، حيث يجعل "الإنسان" مركزا هاما في نطاق أفكاره التجديدية، فهذا الأنت والأخر ما هو إلا معنى إضافي يتضمن مفهموم الإنسان ويجعله كبديهية على أرض الواقع، والتي لا تناقش.
كما أن قطب الأئمة يتجنب استعمال مفهوم «أهل الخلاف» الذي كان منتشرا الاستخدام بين أفراد التيار المحافظ أو العلماء السابقين عليه، ويوظف كبديل مفهوم «القوم» معبرا به على إخوانه السنة، إذ يسعى بذلك إلى تجنب العوائق اللغوية التي تؤدي حتما إلى التفرقة وإلغاء وجود الآخر، وهو لا يحث فقط على التواصل الديني الذي أساسه احترام الأنت، بل يسعى جاهدا إلى فتح الأبواب على مصرعيها من أجل تعلم الأنا الإباضي من الأنت السني والإستفادة من كتبه والاعتماد على رأي الآخر يساعد على تشكيل هوية الأنا، وبطريقة غير مباشرة يصبح لهذا الآخر دورفعال في تحديد معالمها.
كما أن الاستفادة من فكر الآخر هي إثراء له وتطوير أفكاره حين يوظف في إطار معرفي ديني مغاير لنشأته وحركية أفكاره التاريخية، فمن هنا نستطيع التحدث على الحضور القوي لهوية النحن في خطابه الإصلاحي المؤسس لكل من هوية الأنا والآخر، فمن خاصية هوية النحن مثلا إبراز التفاوت في المسائل الفقهية والتأكيد على الوحدة في المسائل العقائدية، إنها مرحلة فكرية تؤسس وعي عقلاني للنحن يشجع على الحوار البناء من أجل تحقيق الصالح المشتركة وتجسيدها عمليا.
لكن رغم التفتح على الآخر يحاول أطفيش أن يكون حذرا في تعامل الإباضيين مع الآخر، حيث يمنع مثلا الضعفاء النظر في كتب القوم أو قراءتها، لأنه قد يساء الفهم حسب رأيه، ويقصد بالضعفاء العامة الذين ليس لهم حق الخوض في مسائل القوم. (71) وفي كتاب آخر يشترط الأخذ برأي العلم السني ولو كان ثقة إلا إذا ظهر منه الحق، ولا حق معهم فيما خالفهم فيه أهل السنة مما لا يجوز فيه الاختلاف. (72) قد يحلوا للبعض أن يقدم حكما على آراء قطب الأئمة التي تبدو متناقضة من أول وهلة، ولا يمكننا الشك في ذلك، إلا أنه علينا إنصاف جهوده الجبارة في رأيه هذا، ربما كان قطب الأئمة يهاب رد فعل التيار المحافظ بسبب هذه التصورات المشجعة على الانفتاح على الآخر، لهذا السبب وخوفا من التفرقة في المجتمع الإباضي كان يتوخى أحيانا الحذر.
كما أن موقفه الرافض لبعض رؤى الآخر قد يكون رد فعل على بعض المواقف السلبية لبعض علماء أهل السنة من الإباضيين، بل وأحيانا تكفيرهم، والتاريخ الإسلامي غني بتك الأمثلة. (73)
إن التطرق إلى موضوع الأنا والآخر في خطاب أطفيش الإصلاحي يلزمنا التطرق إلى أهم المفاهيم التي تبلور طريقة تقارب الأنا الإباضي مع الآخر السني، ويتعلق الأمر بمفهوم «فرز الدين» الذي تم استعماله من علماء إباضيين قبله، إلا أن قطب الأئمة أضفى على هذا المفهوم رؤية إصلاحية جديدة وبلورته في مضمون تجديدي متجاوزا بذلك الفهم الكلاسيكي، حيث جعله معاصرا لروح عصره وقيمه الوجودية. فمثلا يرى العالم "أبو زكرياء فيصل اليهرساني" (تـ440هـ/1048م) أن معرفة المذهب الإباضي تكون صحيحة من خلال معرفة ضده أو المذهب المناقض له، فمعرفة المذهب تأتي ببذورها من خلال التعرف على المذهب الآخر وطريقة تفكيره، إلا أن هذا الرأي يبقى أحادي الشكل والمضمون، لأن فرز الدين يوظَف فقط من أجل اكتشاف الذات لإثبات الهوية المتميزة عن الآخر، وليس من أجل الاستفادة المتبادلة من الطرفين في إطار حواري خلاق.
كما أن الهدف من كل هذا هو محاولة التيقن من شرعية مبدأ الأفضلية عن طريق مقارنة الأنا بالآخر، هذا ما يؤدي حتما إلى نفي هوية الآخر وإلغاء وجوده، بل خطورة هذا التصور تتضمن أن الأنا لا يعرف نفسه، ولهذا يحتاج للآخر من أجل التعرف على هويته الدينية وانتمائه الفكري. فحسب رأي قطب الأئمة إن فرز الدين هو أولا الاهتمام الحقيقي بفكر الآخرالديني، وثانيا تعلم تصوراته الجديدة من أجل الاستفادة منها. يؤكد أطفيش على الفهم الكلاسيكي لفرز الدين، أي اكتشاف الهوية الذاتية من خلال التعامل مع خطاب الآخر، لكنه يسعى جاهدا إلى تجاوز هذا الطرح، حيث يجعل منه بنيان أساسي للتقارب مابين الإباضية وأهل السنة.
والمسألة حسب فهم "اليهرساني" تلح فقط على المصلحة الشخصية للإباضية، وهذا ما يؤدي حتما إلى تفعيل صيرورة انعزال الوجود الإباضي، بالإضافة إلى ذلك يجعل من مرحلة الكتمان منهجا وجوديا لكل الإباضيين. لكن المعنى الحقيقي لهذا المصطلح ينبغي أن يخدم مصلحة الحوار بين الطرفين والهادفة إلى تقارب حقيقي وبناء جسر التواصل ما بين الأنا والآخر، لهذا السبب يعتبر أطفيش الشك في مبادئ مذهب القوم خطأ فادحا يؤدي إلى التفرقة، والقائم بذلك سواء كان إباضيا أو سنيا يدخل عمله في إطار النفاق. (74) إن دين الله الذي هو الإسلام، كما أنه يختلف عن الديانات الأخرى المتمثلة في الشرك، فلهذا ينبغي التمييز بينهما، كما أنه بإمكان المسلم أن يميز مذهبه عن المذاهب الأخرى، ولكن في نفس الوقت لا يعني هذا أن مذهبه أحسن من المذاهب الأخرى، فكل المسلمين ينتمون إلي ملة الإسلام ويدينون بدين التوحيد، فمن خالف الإباضية، فلا يمكن اعتباره كافرا لأنه
مثل الإباضيين ينتمي إلى أهل القبلة، ويؤمن بالله وسنة رسوله. (75)
ويبرهن القطب أطفيش على رؤيته من خلال توطيف مفهوم "الولاية"، فمعنى الولاية هو: القرب والقيام بالواجبات المفروضة اتجاه الغير، نصره والاهتمام بمصلحته. كما أن الولاية لا تشمل فقط الإباضي المنتمي إلى المذهب، إنما تشمل الاتصال ما بين الإباضية وقوم المسلمين الآخرين، فولايتهم مشروعة لأن كتاب الله وسنة رسوله هما ما الجامعان فيما بين الإباضية وأهل السنة، فالطرفا متفقان في القضايا العقائدية، وليس ثمة أية خطورة في عدم الاتفاق في المسائل الفقهية. كما أن أطفيش يسمي هذا التواصل بين الجهتين "بالولاية العامة". (76)
نريد الآن أن نلقي الضوء على نصيحتين إلى عالمين من علماء السنة، مع الإشارة أن قطب الأئمة كان يستفتى في العديد من القضايا من طرف أهل السنة وعلمائهم، وهذا خاصة لما ذاعت شهرته كمصلح في العالم الإسلامي، إذ له علاقات جيدة مع بعض علماء السنة في العالم الإسلامي كله. في إحدى رسائله إلى أحمد بن عليوه (1872 - 1934) (77) أحد رجال الصوفية الجزائر من مدينة مستغانم، ومن الأوائل الذين حملوا لواء الإصلاح في تاريخ الخطاب السني. ربما كان هذا عاملا أساسيا في التواصل الفكري ما بين العالمين ومحاولتهما أن يكونا مثالا يقتدى بنوره في مجال حوار الأنا بالآخر. ينبغي لنا أن نترك الكلمة لقطب الأئمة، لأنه ليس بإمكان أية مساهمة فكرية التعبير الصحيح على إخلاصه للآخرأو بالأحرى ما يسميه "الآخرين" بمفهوم الجمع، فيقول: «ففي كل أهل مذهب صالحون وطالحون، ولزم أهل كل مذهب احترام الآخرين لجمع كلمة التوحيد فاكتفوا بذلك وأحسنوا المعاشرة، وهم يقرأون كتبكم، ويحترمون علماءكم كما يحترمون علماءهم، فهذا اتصال عظيم ... ». (78)
نلاحظ أن أطفيش يؤكد على اختلاف الناس، فمنهم الإنسان الخير والإنسان السيء، ويمكن تعميم هذا على الأفراد المنتمين للمذاهب الإسلامية، لكن لا يمكن أن تكون هذه الفوارق بين الناس سببا في أن لا يتعمل الإباضي مع السني، بل أساس هذه العلاقة يكون أولا احترام الهوية المتمثلة في احترام علماء مذهبهم وبالتالي احترام الآخر المتمثل في احترام علماء القوم من أجل التعايش السلمي معا.
إذن يمكن القول أن أطفيش كان يهدف إلى تشكيل علاقة ما بين الأنا والآخر على أساس التسامح والحوارالذي يضمن التعايش السلمي بينهما، فلهذا السبب يمكن اعتبار رأي قطب الأئمة تشجيعا ودفعا لعلماء السنة على تداول كتب الإباضية من أجل التعرف عليهم وعلى مبادئ مذهبهم الإسلامي. كما أنه ينبغي لفت الانتباه أن سلطة أطفيش الدينية كانت تريد تجاوز حدود الاختلاف الديني من أجل التأكيد على إنسانية الإسلام الذي هو ملك للجميع، وليس من حق
أي فرقة أو مذهب تقوم باحتكاره لنفسها. فالإسلام هو ملك الأنا والآخر، إنه ملك النحن الذي هو الإنسان بغض النظر عن مميزاته المذهبية والعرقية والجغرافية.
أما المثال الثاني يتجسد في نصيحة قدمها أطفيش لعالم سني اسمه "العقبي" الذي كان من دعادة التعايش السلمي ما بين الجزائريين والمستعمر الفرنسي. للأسف لا نعرف من هو هذا العالم السني، الذي يخصص له قطب الأئمة كتابا من أجل تقديم له نصيحة، لكن نسبة العقبي تدل أنه كان من سكان مدينة بسكرة، هؤلاء الذين ترجع نسبتهم إلي عقبة بن نافع (تـ63هـ/683م). يقول قطب الأئمة: «أما بعد فهذه نصيحة لمن مال قلبه ولسانه وجوارحه إلى قوم وهم الأجانب حكام الجزائر، فصار يمدحهم ويحببهم إلى الناس، ويصدّ الناس عن اجتناب أنجاسهم، ويدعوهم إلى الحكم بطهارتهم على الإطلاق، لعله يرتدع، ويرجع إلى الورع.» (79) كما أن قطب الأئمة يقدم مجموعة من الأدلة القرآنية والأحاديث التي تنهي من تقليد أهل الكتاب، ويؤكد أن هدف هؤلاء سوى استعباد الناس، واستغلال خيرات البلاد. إن اعتبار التعامل مع هؤلاء هو مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله، وهو كذلك تحليل ما حرم وتحريم ما حلله سبحانه وتعالى. (80) فمن خلال نصيحة أطفيش التي لا يمكن لنا التعرض لكل حيثياتها، نريد أن نشير أخيرا أن أطفيش كان من ألد أعداء فرنسا حيث كان ينصح كل المسلمين، حيث ما كانوا، بالجهاد ضد المستعمر وإعلاء كلمة الإسلام.
الخاتمة:
لقد سعينا جاهدين في هذا المقال للتأكيد على أن الخطاب الإصلاحي في تاريخ أفكار الفكر الإباضي لم ينشأ مستقلا عن ظروفه التاريخية والاجتماعية التي كانت سائدة إبان تلك الفترة في وادي ميزاب بصفة خاصة وفي الجزائر بصفة عامة، بل كان إنتاجا تاريخيا ووجوديا لواقع معاش فرضه الابتعاد عن مبادئ الإسلام وتخلف الفكر الإسلامي. كما أن الحضور الاستعماري في الجزائر عجل من بلورة معالمه الفكرية وتجسيده عمليا على أرض الواقع. لم يحاول محمد بن يوسف أطفيش كأحد أهم رواد المدرسة الإصلاحية في تاريخ الإسلام الإلغاء المطلق لكل ما كان موجودا فكريا، وهذا رغم نزعته المتحفظة ضد سلطة التيار المحافظ الذي لم يدخر جهدا لمحاربة أفكاره التجديدية. فإلى جانب ذلك لم يكن اهتمامه منحصرا في مهمة التصالح مع هذا التيار المحافظ، بل مع الآخر السني جاعلا من الحوار معهما سلطة تواصل إنساني منبعها وأساسها الدين الإسلامي كركيزة من أجل الاعتراف الواحد بالآخر والاحترام المتبادل. انطلاقا من هذه المبادئ أراد بطريقة علمية وموضوعية أن ينظم وسائل استدلالية لإقامة أفكاره الإصلاحية محاولا نشرها في العالم الإسلامي كله على أساس معرفي محض. فلهذا يمكن التأكيد على كمون هدفه الأسمى كان إعلاء شأن الإسلام ومصلحة معتنقيه عن طريق إحياء كتاب الله وسنة رسوله المصطفى معتمدا في ذلك
على التفكيروالنظر في الأدلة ومراعيا كذلك صيرورة تاريخ الأفكار وحركية زمانه المعاش.
إن الرؤية المعرفية ذات الأبعاد الفلسفية حول حوار الأنا والآخرفي خطاب قطب الأئمة الإصلاحي يمكن أن تكون مثالا حيا للتقارب الفكري بين أهل السنة والإباضية بصفة خاصة وبين المذاهب الإسلامية الأخرى بصفة عامة. فاليوم لا يستطيع أن يعيش الأنا الإباضي المسلم داخل مذهبه ولا الأنت السني المسلم كذلك، إذ أنه بإمكان كلاهما أن يكتشف الآخر من خلال التقارب الفكري المبني على أساس الاحترام المتبادل، الذي يكون جسره الحوار الهادف إلى تحقيق المصلحة العليا للإسلام. إن الإسلام هو النحن الإنساني المكون للأنا الإباضي والأنت السني الخالي من الأحكام المسبقة التي يكون أساسها إيديولوجيا، والذي يؤدي إلى نفي وجود وهوية كل منهما عن طريق تجاهل كل واحد منهما للآخر. إن شخصية النحن التي كان يدعو إليها أطفيش لا تعني الارتماء المطلق واللاواعي للأنا في فكر الآخر أو ما يسمى بانحلال الهوية المذهبية، إنما تؤكد الهوية المغايرة وتدعو إليها. إن الدعوى لشخصية النحن هو خلق شرعية الانتماء لكل من الأنا والآخر إلى كتاب الله وسنة رسوله، حيث تسعى إلى تحقيق المصالح المشتركة لكل منهما.
حقًّا لقد وفق محمد بن يوسف أطفيش رحمه الله في اختياره التوجه نحو الآخر السني معتمدا في ذلك على لغة الحوارالتي تلغي الاختلاف بين الإباضية وأهل السنة، لأنه كان يعرف جيدا أن الأنا لا يستطيع العيش في إطار المفرد ولا الآخر على هامش الأنا، فلهذا جعل من النصيحة منهجا إصلاحيا خاليا من التعقيد لتحقيق خطابه الديني والفكري. إن عالم النحن الذي شيد قطب الأئمة بنيان نظريته المعرفية على أساس الحوار في نطاق النصيحة والذي كان يحلم به، لم يكن يوما مهددا بالزوال ولا يزال إلي يومنا هذا كذلك، لأن الأشخاص هم الذين يموتون وليس أفكارهم الإنسانية. وفعلا كتب لمشروع أطفيش الإصلاحي الإستمرارية التاريخية عن طريق تلاميذته وتلامذة تلاميذه، الذين سعوا جاهدين مواصلة مسيرة أستاذهم التجديدية في العالم كله، وخير دليل على ذلك هو مشاركتهم إلى جانب أخوانهم أهل السنة في تأسيس جمعية علماء المسلمين التي يرجع لها الفضل في في تأسيس وعي وطني سياسي كان من وراء تحرير العباد والبلاد من هيمنة الاستعمار الفرنسي الغاشم وحافظوا على وحدة الوطن، رغم سعي الإدارة الفرنسية على عزلهم.
__________
(1) T. Lewicki: Artikel „al-Ibadiyya“, in: EI2 (The Encyclopaedia of Islam), Bd. III, S. 669 - 682, hier S. 669 - 671; ders: The Ibadites in Arabia and Africa, in: CHM 13 (1971), S. 51 - 130, hier S. 51 - 69; ders.: La Djamaat al-Mouslimin de Basra et les Origines des Imamats Ibadites, Beni-Isguen 1985, S. 1 - 17, hier S. 1 - 7 (unver?ffentlichter maschinenschriftlicher Artikel, aus privater Hand erhalten); John C. Wilkinson: The early development of the Ibadi movement in Basra, in: G. H. A. Juynboll (Hrsg.): Studies on the first century of Islamic society, Carbondale 1982, S. 125 - 144. Abdel-Hakim Ourghi: Die Ibadiya in der islamischen H?resiographie, in: Asiatische Studien/Etudes Asiatiques 4 (2008), S. 1043 - 1070.
للمزيد من المعلومات الإضافية حول نشأة المذهب الإباضي وتطوره في التاريخ الإسلامي أنظر: محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، عمان 1997، ص. 79 - 125. عوض محمد خليفات: نشأة الحركة الإباضية، عمان 1978، ص 64 - 115.بكير بن سعيد أعوشت: أضواء إسلامية على المعالم الإباضية، غرداية 1999، ص.7 - 17.
(2) في ما يخص موضوع السير الذاتية كجنس أدبي متميز انظر:
Philippe Lejeune: Der autobiographische Pakt, in: Günter Niggl (Hrsg.): Die Autobiographie. Zu Form und Geschichte einer literarischen Gattung, Darmstadt 21998, S. 214 - 257; Tetz Rooke: In my childhood. A study of Arabic autobiography, Stockholm 1997, S. 22 - 24; Rainer Brunner: „Siehe, was mich an Unglück und Schrecken traf!“ Schiitische Autobiographien, in: Rainer Brunner u.a. (Ed.): Islamstudien ohne Ende. Festschrift für Werner Ende zum 65. Geburtstag, Würzburg 2002, S. 59 - 68.
(3) J. Schacht: Artikel „Atfiyash“, in: EI2, Bd. I, S. 758; C. Brockelmann: Geschichte der arabischen Literatur, Supplement, Bd. 2, Leiden 1938, S. 893; M. H. Custers: al-Ibadiyya a bibliography. Ibadis of the Maghrib (incl. Egypt), Bd. 2, Maastricht 2006, S. 132f.
يلقب أطفيش كذلك بقطب الأئمة: انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية. قسم المغرب، ج 4، القرارة – غرداية – الجزائر1999، ص 835 - 949. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، ج 12، دمشق 1960، ص. 133.عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، الجزائر 1971، ص.191 - 192.
(4) إبراهيم بن أبي بكر حفار: السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية، (مخ)، غرداية 1335، ص11.
(5) 5 محمد بن يوسف أطفيش: الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القاهرة 1326، ص.240. أطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي، تحقيق بن سعيد الشماخي العامري/مصطفى بن سعيد العمري، تونس1321 ص16.
(6) Abdel-Hakim Ourghi: Die Reformbewegung in der neuzeitlichen Ibadiya. Leben, Werk und Wirken von Muhammad b. Yusuf Atfaiyash 1236 - 1332 h.q. (1821 - 1914), Würzburg 2008, S. 105ff.
(7) L. David: Le cheikh Atfyech et son époque (1825 - 1914), o.O. o.J., S. 1 - 41 (unver?ffentlichter maschinenschriftlicher Artikel, aus privater Hand erhalten), hier S. 2f.
(8) حول موقف أطفيش الثوري من الاستعمار الفرنسي انظر:
- علي محمد دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج1، الجزائر 1965، ص38.
- مصطفى بن ناصر وينتن: آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش العقيدية، القرارة – الجزائر، 1996، ص36. الحاج يوسف بن بكير سعيد: تاريخ بني ميزاب، غرداية 1992، ص99.
Ourghi: Die Reformbewegung in der neuzeitlichen Ibadiya, S. 335ff.; A. –M Goichon: La vie féminine au Mzab, Bd. II, Paris 1927 - 1931, S. 8f.
(9) نجيب العقيقي: المستشرقون، ج 1، القاهرة 1964، ص204.
(10) Emile Masquary (Ed.): Chronique d’Abou Zakaria, Algier 1878, S. 31.
(11) أطفيش: الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب، القاهرة1328، ص137.
Pierre Cuperly: Aper(us sur l’Histoire de l’Ibadisme au Mzab, Paris 1973, S. 97.
(12) أطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي، ص18.
(13) أطفيش: أجوبة القطب، تحقيق الشيخ حمو بن باحمد بابا، (مخ)،د/مك، د/ت، ص 28 – 29.
(14) عبد المتعالي سعيد: المجددون في الإسلام، القاهرة 1956، ص 8 – 11.
(15) يحي صالح بوتردين: الشيخ محمد بن يوسف أطفيش ومذهبه في تفسير القرآن، القاهرة 1989، ص1 3. وينتن: آراء الشيخ، ص18.
(16) دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص 249 - 250.
(17) L. David: Conférences sur les les mechaikh du Mzab, Ghardaia 1960, S. 3.
(18) فيما يخص المشاكل السياسية والاجتماعية التي كان يعاني منها المجتمع الإباضي في تلك الفترة: انظر: سعيد: تاريخ بني ميزاب، ص104.
Charles Amat: Le Mzab et les Mzabites, Alger 1888, S. 23ff.; Nil-Joseph: Le Mzab et son annexion à la France, Alger, S. 37ff.
(19) أطفيش: كشف الكرب، تحقيق محمد علي الصليبي، ج 2، عمان 1985، ص314.
(20) أطفيش: حاشية السؤالات، بدون مكان وبدون تاريخ، (مخ)، ص 96. وينتن: آراء الشيخ، ص 21 - 22.
(21) محمد عكي علواني: محمد بن يوسف أطفيش ومنهجيته في تفسيره التيسير، الجزائر 1990 - 1991،ص47.
(22) بكير بن سعيد أعوشت: قطب الأئمة العلامة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، غرداية 1989، ص 86 - 87.
(23) أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج4، بيروت 1998، ص 282 - 283.
(24) سعد الله: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 9 – 10.
(25) علواني: محمد بن يوسف أطفيش، ص48.
(26) Ourghi: Die Reformbewegung in der neuzeitlichen Ibadiya, S. 138ff.
جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص965 - 968. إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان: ملحق سير المشايخ للشماخي، د/مك، د/ت، (مخ)، ص 52. دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص 260 - 263.
(27) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 1، جدة 1985، ص 55 - 56.
(28) بكير بن سعيد أعوشت: قطب الأئمة، ص. 86. نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 93 - 94. سعد الله: تايرخ الجزائر، ج2، ص580.
جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج 3، ص. 532 - 536.
A. de Motylinski: Artikel “Abd al-Aziz b. al-Hagg Ibrahim”, in: EI2, Bd. I, S. 58 - 59; David: Conférences, , S. 4; M. Mercier: Etude sur le waqf abadhite et ses applications au Mzab, Algier 1927, S. 25; Ourghi: Die Reformbewegung in der neuzeitlichen Ibadiya, S. 140ff.
(29) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 1، ص49.
(30) سعد الله: تاريخ الجزائر، ج 2،ص. 75 - 76.
(31) أطفيش: فتح الباب للطلاب شرح معالم الدين، الجزائر، د/ت، (مخ)، ص14 – 15.
(32) Salah Bendrissou: Implantation des Mozabites dans l’Agérois entre les deux guerre, Bd. 1, Paris 2000, S. 190ff; Ourghi: Die Reformbewegung in der neuzeitlichen Ibadiya, S. 354ff.
دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص289 - 290.
(33) Joseph L. Blau: Artikel „Reform“, in: The Encyclopedia of Religion, Bd. 12, S. 238ff.
(34) Ali Merad: Artikel „Islah“, in: EI2, Bd. IV, S. 146 - 170, hier S. 146ff.; ders.: Le réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940 , Paris / La Haye 1967, S. 28ff.
(35) لكن عندما نأخد تاريخ الإسلام الجزائري بعين الاعتبار نجد محمد بن عبد االكريم المغيلي التلمساني أول عالم ديني يوظف هذا المفهوم في النصف الثاني من القرن الخامس عشر.
John O. Hunwick: Artikel „al-Maghili“, in: EI2, Bd. V, S. 1155 - 1156; Ulrich Rebstock: Die Lampe der Brüder (Sirag al-ikhwan) von Utman b. Fudi. Reform und Gihad im Sudan, Waldorf-Hessen 1985, S. 31ff.; John O. Hunwik: Sharia in Songhay: The replies of al-Maghili to the questions of Askia al-Hajj Muhammad, Cambridge 1985, S. 115ff.
(36) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج3، ص366 - 367.
(37) أطفيش: تيسير التفسير، ج2، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 1998، ص 326.
(38) أطفيش: تيسير التفسير، ج2، ص639 - 642.
(39) أطفيش: شرح القصيدة الحائية، (طبعة حجرية)، القاهرة 1339، ص 33.
(40) أطفيش: تيسير التفسير، ج2، ص 242.
(41) أطفيش: تيسير التفسير، ج 12، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 2001، ص 344 - 345.
(42) أطفيش: تيسير التفسير، ج 2، ص 7.
(43) أطفيش: تيسير التفسير، ج 5، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 1998، ص 119.
(44) أطفيش: تيسير التفسير، ج3، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 1998، ص 63.
(45) صحيح البخاري، كتاب العلم (13)، باب من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين (71). انظر: كذلك صحيح مسلم، كتاب الإمارة (53).
(46) أطفيش: تيسير التفسير، ج 5، ص 241 - 242.
(47) أطفيش: تيسير التفسير، ج11، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 2001، ص 483.
(48) أطفيش: تيسير التفسير، ج 7، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 1999، ص 12 - 13.
(49) أطفيش: تيسير التفسير، ج 10، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 2001، ص 410.
(50) أطفيش: شرح القصيدة الحائية، ص 17 - 18.
(51) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج16، ص179.
(52) المصدر نفسه، ج16، ص233 - 234.
(53) المصدر نفسه، ج16، ص179 - 180.
(54) أطفيش: شرح مخمسة أبي نصر فتح بن نوح النفوسي، مكتبة الشيخ الحاج طالح لعلي، بني يزقن (مخ)، (أ. ز-7): 47، ص7.
(55) أطفيش: شرح القصيدة الحائية، ص21.
(56) المصدر السابق، ص 21 - 22.
(57) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج16، ص 233.
(58) المصدر نفسه، ج16، ص 176 - 180.
(59) المصدر نفسه، ج16، ص.178 - 177.
(60) عبد الرحمن عثمان حجازي: تطور الفكر التربوي الإباضي في الشمال الإفريقي، بيروت 2000، ص121.
(61) سيعالج كاتب المقال نظرية المعرفة عند أطفيش بطريقة مفصلة أثناء تحليله لبعض الأمثلة من نصائح أطفيش في النقطة الرابعة.
(62) 62 أطفيش: شرح القصيدة الحائية، ص 21.
(63) أطفيش: تيسير التفسير، ج3، ص 53.
(64) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج16، ص233.
(65) أطفيش: تيسير التفسير، ج 13، تحقيق إبراهيم طلاي، غرداية 2002، ص51 - 52.
(66) أطفيش: شرح كتاب المدونة الكبرى لأبي غانم الخرساني، ج 1، (طبعة حجرية)، بيروت 1974، ص245.
(67) المصدر السابق، ص 249 - 250.
(68) أطفيش: كشف الكرب، ج 1، ص 91.
(69) المصدر نفسه، ج 1، ص 93 - 96.
(70) أطفيش: شرح لامية الأفعال، تحقيق وزارة التراث القومي والثقافة، ج 1، عمان 1986، ص98 - 101.
(71) أطفيش: كشف الكرب، ج 1، ص95.
(72) أطفيش: شامل الأصل والفرع، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، ج 1، القاهرة 1929، ص15.
(73) - بن حسن آل سلمان: كتب حذر منها العلماء، تحقيق بكرعبد الله أبو زيد، ج. 1، بيروت 1995، ص. 8 - 9.
Werner Ende: A Wahhabi Inventory of Dangerous Books, in: Andreas Christmann and Jan-Peter Hartnung (Ed.): Islamica. Studies in Memory of Holger Prei?ler (1943 - 2006), Manchester 2009, 89 - 100.
(74) أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج17، ص341.
(75) المصدر السابق، ج17، ص347.
(76) أطفيش: الذهب الخاص والمنوه بالعلم القالص، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، ج، قسنطينة 1980، ص 32 - 33.
(77) A. Berque: Un mystique moderne: Le cheikh Benalioua, in: Revue africaine 79 (1936), S. 691 - 776, hier S. 692ff.
(78) أطفيش: كشف الكرب، ج 2، ص16.
(79) أطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي، ص8.
(80) المصدر نفسه، ص 29 – 33. (1/128)
صفحة 2
الهوامش: (1/176)