صفحة 1
الكتاب: سيمياء المكان في أدب الرحلات
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] سيمياء المكان في أدب الرحلات
-قصيدة الرحلة الحجازية للشيخ أطفيش-
أ/ محمد مدور
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي غرداية
تقوم هذه الدراسة بقراءة (رحلة القطب) قراءة سيميائية محاولة استجلاء خصائص المكان ودلالته ومرجعيته.
أهمية المكان: المكان هو المنطلق. وهو الوسيلة فمنه يبث الشيخ الفتوى، ويعلق آراءه، وفيه يكون التواصل، وبث العلم وتدوين الملاحظات.
- إن الرحلة إلى المكان المقدس يحمل قيمة دينية وثقافية (1).
- النص يكشف عن الهوية المكانية للأديب (2).
- يتميز أدب الرحلات باتساع الحيز المكاني وانتشاره.
- ارتباط المكان بالزمان.
أسلوب التعامل مع المكان:
1 - الضبط اللغوي.
2 - مناسبة التسمية.
3 - ذكر بعض أعلام الأمصار.
4 - ذكر الأحداث المتعلقة بالمكان.
5 - ترتيب الأمصار.
أصناف المكان: المكان الكنائي والمكان الصريح.
المكان الكنائي: مساقط الرؤوس، فاتحة القرى، الحجاز، مدينة ذي القرنيين.
المكان الصريح: بعض الأماكن أبرز من غيرها. (فهناك مكان مركزي حاضر باستمرار) (3): مكة (1/433)
صفحة 2
وتتوزع الرحلة بين الأماكن والعلامات المرجعية، فهي مجرد أسماء تتجه من خلالها العلامة بين الإنسان والمكان اتجاها أفقيا حسيا. بينما يمثل ذلك تطور في الوعي الشخصي يحدث كلما اقترب الرحالة من المكان المركزي.
إن الرحلة تتضمن أماكن ساكنة وأخرى متحركة.
الأماكن الثابتة مثل: البلدان.
الأماكن المتحركة مثل: السفينة التي تعد من وسائل السفر.
- إن ذكر المكان فرصة للتعريف بأشراف تلك البلاد: كبني نايل من الأشراف من ولد الحسين ومنهم أبو القاسم من الأحراش، وهو فرصة للتعريف بالفرق الدينية والطوائف كالطائفة الصفرية المتصلة بمنطقة الصفرا.
المكان الرمز:
المكان في قصيدة الرحلة الحجازية: هو المكان التقليدي بحيث لم يحاول الشاعر أن ينقله إلى مستوى الرمز. ولم يتجاوز بالمكان مستوى الدلالة المركزية، فالجلفة هي الجلفة. وتونس هي تونس. وكذلك جدة، وعرفة، ومنى، ومكة الخ. وإنما جاء ذكر المكان لغايات علمية وتعليمية، وما المكان إلا محطة عبور.
إن الأمكنة واضحة مرتبة لم تتشابك كما عند الشعراء. إن الشاعر القطب "لم يصبح الحديث عن الوطن الذاتي ومسقط الرأس هما وحيدا له بل تعداه إلى أوطان أخرى، متجاوز المجال القطري ليشمل قضايا أعم. فالشعر الإنساني يكون أكثر عمقا وتأثيرا عن ما لا يرتبط بالمجال القطري الضيق" (4).
"وقد تميز استخدام المكان في نصوص الشعراء الجزائريين –في أغلبه- بالذكر الجغرافي لأسماء الأمكنة دون التفاعل معها او تحويلها إلى رموز." (5)
وقد رصد الدكتور عزالدين المناصرة ثلاث طرق للتعامل مع المكان:
1 - الطريقة الإلصاقية: ذكر أسماء الأمكنة.
2 - الطريقة السياحية: التعامل الخارجي مع مظهر المكان.
3 - الطريقة النقدية: الانصهار في دم النص وإعطائه صفات جديدة. (6)
ويبدو أن الشاعر الشيخ اطفيش استعمل الطريقة الثانية: وهي الطريقة السياحية، حيث (1/434)
صفحة 3
التعامل الخارجي مع مظهر المكان، وذكر المكان كمادة خام في النص.
"إن شعرية النص لا تقاس بمدى ورود الأمكنة في النص وذكر هندستها وتواريخها، وإنما (1/435)
صفحة 4
تقاس بطريقة التعامل معها داخل النص، وتوظيفها في البنية العامة له بوعي فني متميز يعيد صياغة الأشياء." (7)
ـ هجرنا مساقط الرؤوس
هجرنا مساقط الرؤوس وما نرى ... سوى الحج إن الحج قد آن أن يرى
ـ أهل العطف
كسائر اهل العطف جلهم ذوو ... سخاء ورفق بالذي برا وقرا
ـ بريان: وعن اسمها فيقول القطب:
فريان هو اسم لحافرها وقد ... أضيف إليه البير تطوى وتبترى.
وقل ان تشأ معناه بَرٌ قد ارتوى ... بوصف وموصوف وتركيبه اجترى
ـ الأغواط:
ومن بعده الأغواط أغواط من حضر ... وشرق وقدما كان من أهلها القرى
تسمى لأن أرضه بعضها سفل ... وبعض علا، والله ما يشا برا
وفيها أتاني أهلها يسالونني ... عن القصر أمن الكتاب له امطرا
فقلت لهم من قول طه وفعله ... وقولكم من النساء به ازدرى
ـ الجلفة:
ومن بعدها الجلفا دخلنا وسميت ... لأن ذويها القلف في رقة القرى
ولكنها الدلفاء ذا الوقت غذ سكن ... ذوو العطف فيها بالتملك والكرا
ـ المدية:
ولما دخلنا في المدية ردت النص ... ارى لترك مسجدا محكم الجرا
وأصل مد مدينة بضم ... ميم وكسر الياء المشدد إذ هرا
ـ البليدة:
تليها بليدة البليد محمد ... تمشيخ للصبان في مصر وادرى
وفيها سئلت عن مقال إصابة ... أبا الجرام الرفع في قول من ضرى
ـ الجزائر:
وقيل لنا لدى جزائر مزغنة ... تمد فشت أصلها ومنها ابتنى البرا (1/436)
صفحة 5
أصوم وفطر والصلاة بساعة ... وسلك وتنجيم تحلل أم حرى
فقلت حرام ليس يؤمن مشرك ... على دين ربي في خفاء أو القرا
- مالطة:
وبعد مآت أربع مع أربعين ... جاء كفور مع عساكر قد مر
لمالطة الإسلام حينئذ بها ... فقال ذوو الإسلام قولا له الغرا
- جبل طارق:
سفينتنا المكراة من مساكن جبل ... إلى طارق يعزى يضاف لمن درى
- الاسكندرية: مدينة ذي القرنين
فباهتياج البحر حين دنوت من ... مدينة ذي القرنين في سمت ذي انخرا
فذل بتكبير عليه فإنه ... يهون به كالصيد في نسبة الفرا
- مصر:
في مصر هل يحل ما قد تخللا ... من الخمر؟ قلت: لا رواه القبعترا
بإسناده إلى أبي الرضى ... وعن ولد العباس أيضا له استرا
- قناة السويس:
وبحر السويس من جبال تقطعت ... من البحر فوقه على سمت منخرى
- البحر الأبيض المتوسط:
كما أن بحر الروم الأبيض قطعا ... له جبل في الترك حيز فلورى
- القلزم: البحر الأحمر:
وما القلزم المضاف بحر إليه قلت: ... بلع كبلع بضعة اللحم بازدرا
فإغراقه فرعون والقوم بلعه ... وقيل هو اسم قرية هي عزبرى
- جدة:
جددنا فأرسينا بجدة فانتهى الب ... حار فكنا مثل ناقة مرى
وذا الجيم مضموم فما صح أنها ... لديهم حوت حواء فالفتح في المرا
- الحل ـ الحرم: (1/437)
صفحة 6
وحيث أضاء البيت أو أسود الحجر ... حرام وما سواه حل به حرى (1/438)
صفحة 7
- الميقات: وحيث يكفون المواقيت فاختلف لذلكم الميقات بعدا أو اقترا
- مكة: وقد أكثر السؤال في مكة الموافقون وأصحاب المذاهب واحترا
- الجعرانة: بجعرانة في الأصل تلقيب ريطة التي وللشافعي فيهما قيل مدرا
- عسفان: ولما وصلنا ماء عسفان قال لي أشاعرة ممن أتى العلم وافترا
- الخليصاء: وكان الجواب في الخليصا خالصا بحتم مسد الأنف والفم واندرا
- الصفراء: ولاحت لنا الصفرا وصفرية بها وجوههم بالطاعة اصفرت اصفرا
- بدر: تبادر من شهود بدر عيوننا دموعا وشانها حنين فما ترى
وسمي بدرا إذ صفاء ماء بئره وفيها يرى البدر الصغير لذي استرا
- حنين: فكيف هناك ما بين طائف ... مكة فاعتروا بذلكم اعترا
- إضم، وكاظمة: فبينا نسير إذ بدا لضم لنا فكاظمة يجره ميدا الفرا
- المدينة: فطاب مقام طيبة عند من أرسى شغافي وناظري وما عن لي ورى
- طيبة: وطيبة قد والله طابت لساكن وطاب لها في يسره وبضيطرا
- ينبوع (ينبع) فروحي مفروش بطيبة والجسد إلى وجهة الينبوع أو وجه من ورى
- البحر: يقصد العودة على طريق البحر مرورا بقناة السويس والاسكندرية
- تونس: وتونس قد والله تونس كاسمها فلا وحشة فيها ولا وصبا نرى
- الزيتونة: فقالوا لها زيتونة تونس الورى فسمي ذاك المصر تونس وأدرى
- بونة: هي عنابة والشاعر اختار الاسم التاريخي ذي الأصول فينيقية "بمعنى الخليج أو الملجأ.
إلى أن وصلنا قصر يحيى بن صالح ببونة في الحالات والمشي حيزرا
- قسنطينة: بقسنطينة والأصل قسنطين وهو من بناها وزيد التا جلته العبوترى
- قالمة: وقالمة وأصلها أقل ماؤها أو قطعت أصل العدا بالحبيكرا
- باتنة: وبتنا وأصله يقينا مباتنا فحرف وأكد راسمها أيما كدرا
- بسكرة: وذاك زمان فتح مصر هتاك في يسار الذي يمضي لبسكرة اقترا
"إن عنصر المكان لا يكتسب أهمية إلا إذا عبر عن أبعاد النماذج الانسانية النفسية (1/439)
صفحة 8
والاجتماعية". (9) (1/440)
صفحة 9
فالشاعر تربطه بالأمكنة وشائج وروابط مختلفة وله أتباع وأصحاب في كل الأمكنة المذكورة.
تتحول الأمكنة عند الشعراء إلى هواجس ورموز ينطلق منها الشاعر لتحقيق غايات مختلفة معرفية أو وجدانية وقد استطاع الشاعر أن يجمع بين الغايتين.
وإن الشاعر كما يقول عز الدين المناصرة استعمل الطريقة السياحية في التعامل الخارجي مع مظهر المكان: لأن المكان عند الشيخ اطفيش هو وسيلة للانطلاق في رحاب العلم ونشر المعرفة وبث الفتوى، ولقاء الإخوان وليست غاية الشيخ هي السيطرة على المكان واحتوائه. وما المكان عنده إلا نقطة عبور إلى افاق المكان المقدس، فهناك تستقر المشاعر، وتهدا الروح وتشرق أنوار اللقاء والجوار.
الهوامش:
1 - أحمد زغب: سيمياء الرحلة في الشعر الشفاهي.
2 - أحمد طالب: جماليات المكان. مجلة الأثر ج4/ 2005
3 - نفس المرجع.
4 - صالح خرفي. سيمياء المكان في شعر عثمان لوصيف. السيمياء والنص، ص15، 2002.
5 - صالح خرفي. المرجع نفسه.
6 - المرجع نفسه.
7 - المرجع نفسه.
8 - محمد خان: المكان ومرجعيته في رواية وليمة لأعشاب البحر. محاضرات الملتقى الوطني الأول للسيمياء والنص.
9 - أحمد طالب: جماليات المكان في القصة القصيرة الجزائرية مجلة الثر 4/ 2005 ورقلة. (1/441)