صفحة 1
الكتاب: شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] شخصيّة القُطب اطفيّش مِن خلال تواصله مع الدّولة العثمانيّة
أ/ صالح سيوسيو
باحث-غرداية
بسم الله الرحمن الرحيم ونصلِّي ونسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، وهادياً للثقلين، وإماماً للمتّقين، وحجّة على الخلق أجمعين، وعلى آله وصحابته الميامين، وعلى التّابعين لنهجه وسيرته، إلى يوم الدين ... وبعد:
فلقد اشتهرت علاقة العلامة الشّيخ اطفيش القطب بالدّولة العثمانية وسلطانها، وتحدّثت عنها جلّ المراجع التي تناولت حياته إيجازا أو تطويلا، غير أن هذه العلاقة في حاجة تتبّع ودارسة، فأمّا التتبّع فلِتحديد تاريخ بدايتها وتسَلسُلها حسب جميع أنواع الاتصال .. اطلاعا ولقاءً ومراسلةً وكتابةً، وأمّا الدّراسة فلِلنّظر في القضايا التي شغلت بال القطب في هذه العلاقة، وكيف برزت شخصيّتُه فيها، بوصفه عالماً ومُوجِّها .. وهذه الورقة جاءت لمحاولة تغطية هذين الجانبين في محورين رئيسين:
أولا، بحث في تاريخ علاقة القطب بالدولة العثمانية.
وثانيا، شخصية القطب التي تجلّت من خلال هذا التواصل.
غير أن هذه الورقة لا تتكلّف التفرقة بين المحورين، بل تتناولهما في إهاب واحد، في عرض متسلسل، يُحاول الضّبط التاريخي، كما يُحاول تقديم قراءةٍ تراعي هذا الضبط، وتراعي أيضا باقي نصوص القطب ما أمكن، وما يقابلها مما تُشير إليه. وتتعمّد هذه الورقة ذكر نصوص القطب في الموضوع كاملة، دون الاكتفاء بالإشارة إليها، وهذا يسمح بالاطّلاع على تقرير القطب نفسه، وإتاحة المجال للقارئ؛ لتقديم قراءات أخرى أيضا ..
تفتقر مُعظم النّصوص التي تحدّثت عن علاقة القطب بالدولة العثمانية وكذا مراسلاته إلى الضبط التاريخي، الذي به يمكن تحديد بداية هذه العلاقة وتطوّرها؛ لذا لا محيص من الاستعانة بمؤشِّرات خارجية، لها علاقة بهذه النصوص والمراسلات، ولو على جهة التقريب.
وربما علينا أن نسلِّم بداية أن القطب (1243 - 1332هـ/1827 - 1914م) (1) كان على
__________
(1) التاريخ المُثبت هنا لسنة ميلاده هو الصّحيح، بدليل ما أثبته القطب مِن عُمره وهو 17 سنة .. في آخر الباب الأول من نظمه لـ «مغني اللبيب»، وكان ذلك في العام 1260هـ، وهذا النظم بخط المؤلف، اكتُشِف مؤخّراً، ضمن أعمال فهرسة مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، تحت رمز: أ-م 6. (1/95)
صفحة 2
اطلاع -إلى حدٍّ ما- على مجريات الأحداث في العالم مِن حوله، وأن ثمة تكالبا غير مسبوق على الأراضي الإسلامية، من قِبل الدّول الاستعمارية النّصرانية الشّمالية، وأن ثمة دولة إسلامية لا تزال قائمة، تبسط نفوذها على شاسعٍ من تلك الأراضي، هي الدولة العثمانية .. فهذه الأفكار عادة ما يكون مصدرها، في تلك البيئة التي ترعرع فيها، ما يتسرّب من حديث أعيان الأمّة في أحوال السِّلم والحرب، وما يُبرم في ذلك من اتّفاقات، أو يقرَّر من خِطط، وأيضا ما يرويه المسافرون -ولاسيما حجّاج بيت الله الحرام كلّ عام- من أخبار أسفارهم، وما يمرُّون عليه من أحوال ومشاهدات، وما يُتلى عليهم من بيانات أو يُنشَر، ولا ريب أن ذلك كان من قوّة التّسامع، ما جعل شابّاً نبيهاً، مثل القطب -وهو في أواسط العقد الثالث من عمره- يُثبت عقب ختمه تفسير سُور القرآن الكريم، بدءاً من سورة مريم إلى الخاتمة .. هذه الصيغة من الدعاء: «اللهم ببركة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وببركة السّورة أَخْزِالنّصارى وأَهِنهُم واكسِر شوكتهم، وغلِّب المسلمين والموحِّدين عليهم ... » (1).
بل ثمة ما يدلّ على أنه كان اطّلاع على مجريات الأحداث في الدولة العثمانية وحروبها في البلقان مع الدولة الرّوسية، فقد أشار في تفسيره هميان الزّاد إلى دار المعاد، الذي انتهى من تأليفه سنة (1271هـ/ 1855م) إلى الحرب الشّهيرة بـ «حرب القرم» بقوله: «وقد افتخر ملك تلك الجهة المتّصلة بهما على ملك قسطنطينية، بأن مُلكي وصل سدّ ياجوج وماجوج، وذلك حين قاتل التّرك الموحِّدون المالكون لقسطنطينية، هؤلاء التّرك المشركين المدّعين أن مُلكهم اتّصل بالسّدين، واستعان التّرك الموحِّدون بعساكر العرب وغيرهم، وبروم المغرب مِن الفرنسيين وغيرهم (2)، وذلك حين بلوغي في تفسيري هذا سورة الأعراف ... » (3).
وهذه الحرب المشار إليها كانت ما بين سنتي (1269 - 1272هـ/1853 - 1856م)، ودخول بريطانيا وفرنسا ومملكة سردينيا (= مملكة إيطاليا) الحرب إلى جانب الدولة العثمانية، فيما أشار إليه القطب .. كان في سنة (1270هـ-1854م)، وهذا يعني أن القطب كان -آنذاك- في السادسة والعشرين من عمره -على الأقل-.
ونلاحظ في هذا النص توظيف الجغرافيا القديمة «ياجوج وماجوج، السدّين، الروم، قسطنطينية»، وربما تفسير ذلك، أن الأخبار كانت تُتلقّى شِفاها، ثم يُدوِّنها المثقَّف من واقع ثقافته الجغرافية، المستمدّة من كتب الجغرافيا القديمة، وأيضا نلاحظ توظيف «الترك» بدل الدولة العثمانية، وهذا يعكس المشاعر تجاه تلك الدولة، فلم تعُد في عهد عبد المجيد (4) مثلا خلافة إسلامية، ترعى حقوق المسلمين، بقدر ما هي دولة تركية راعية لمصالحها.
وفي كتابه رَدُّ الشّرُودِ إلى الحوض المورُودِ، الذي كان يؤلِّفه عام (1286هـ/1869م)،
__________
(1) ينظر: امحمد بن يوسف اطفيش، هميان الزاد إلى دار المعاد (مخطوط)؛ مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رمز: أ-ب 1 - 1 ج3 (الربع الثالث)، أيضا: أ-ب 1 - 1 ج4 (الربع الرابع).
(2) حرب القرم: في عهدة السلطان عبد المجيد الأول (1823 - 1861م)، هي إحدى الحروب التي قامت بين روسيا والسلطنة العثمانية، وكانت في 18 جمادى الثانية 1269هـ/28 مارس عام 1853 م، واستمرت حتى سنة 1856 م. دخلت فيها بريطانيا وفرنسا الحرب في سنة 1854 م إلى جانب الدولة العثمانية، التي كان قد أصابها الضعف، ثم لحقتها مملكة سردينيا (= مملكة إيطاليا، بعد 1861 م). وكان من أسبابها الأطماع الإقليمية لروسيا، على حساب الدولة العثمانية، ولا سيما في شبه جزيرة القرم، مسرح المعارك والمواجهات، وكذا الصراع المذهبي على امتيازات المسيحيين في البقاع المسيحية المقدسة بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى. انتهت في 24 رجب، 1272هـ/ 30 مارس 1856م بتوقيع اتفاقية باريس، وهزيمة الروس .. [ينظر: أحمد عبد الرحيم مصطفى، أصول التاريخ العثماني؛ دار الشروق، ط2 - 1406هـ/ 1986م، حرب القرم والخط الهمايوني، /207 وما بعدها].
(3) هميان الزاد إلى دار المعاد (مصدر سابق)؛ رمز: أ-ب 1 - 1 ج2، 472و.
(4) السلطان عبد المجيد (1255 - 1277هـ/1839 - 1860م): والد السلطان عبد الحميد الثاني، اعتبر أول من أضفى على حركة التغريب صفة الرسمية، بما أصدر في عهدته من قوانين وتنظيمات تخدم هذا الجانب، واتهم بإبعاد الشريعة الإسلامية، والخضوع لوزيره رشيد باشا، الذي كان سببا مباشرا في حملة التغريب التي مهدت للأجيال من بعده، حتى تمكنوا من السلطة في آخر أيام هذه الإمبراطورية .. [ينظر مثلا: علي الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط؛ دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط1 - 1421هـ/2001م، /374 وما بعدها، أيضا: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ /201 وما بعدها] والمرجعان يقدمان نظرة مختلفة! (1/96)
صفحة 3
يروي القطب قصّة طويلة، نقلا عن أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي (1) -وهو من أواخر الموحدين بالأندلس- في ذِكر ما وقع له بمدينة غرناطة مع القسِّيس الكبير، في شأن قراءة الرّق، الذي وُجِد في صومعة «تُربانة» وهذا عام (969هـ/1562م)، فمِمّا نقل القطب عنه قوله: «وأيضا كان في الجفْر (2) مكتوب، يقول: من أقصى المغرب على ماء البحر، يأتي سريعا أقوام إلى بلاد النصارى، وتصل الهملى إلى رومة، وذكر مما ينزل بالنصارى من الشرِّ والخسران .. شيئا كثيرا، وعلامة ذلك أن يملك الشرقيُّ مدينة البحر بلا محال، ولم يشك أحد ممن سمع ذلك؛ أن الشرقي هو سلطان المشرق، وأنه سلطان التّرك -نصره الله- ... وذلك الرّق القديم كان مِن زمان سيدنا عيسى -عليه السلام- أو قريب منه جدّاً؛ لأن سسليوة الذي كتبه ووضعه في الصومعة خوفا من سلطان نيرون كما قال هو فيه، لأنه كان يقتل النصارى ... » (3). هذه الرواية التي رواها القطب، حملت طابع النبوة، وتكشف للنصارى بعض (المغيّبات) التي قد لا تسرّهم، وقد أوردها القطب في سياق ذكر «حِجج رسالته -صلى الله عليه وسلم- من كتب الله تعالى والأخبار الصادقة» .. تفيدنا أن القطب ينظر إلى سلطان الترك، بهذا المنظار الرّوائي، الذي دُونه نصرة الله وظهور أهل الإسلام على أهل الملل الأخرى. وفي تصوّر امتداد هذا السلطان؛ ينقل القطب عن الورجلاني حديثه عن الأقطار، التي فتحها الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فذكر جلّها ثم قال: «وبعد الخمس مائة من الهجرة، فتح الله عليه بلاد السّودان إلى الجزائر الخالدات .. فهو ملك الأرض، فهو ملك الأرض، من فرغانة إلى غانة»، فعقّب القطب عليه بقوله: «قال المؤلف قلت: بل المغرب كله .. من الإسكندرية إلى الجزائر الخالدات في البحر المحيط، المقابلات لمرّاكش، ولم يذكر مِن وراء البحر إلى البرّ الطويل شيئا، مما يخرج إليه من مضيق الأندلس، وقد امتدت مملكة الترك في الإسلام، في البرّ الطويل من البحر إلى نحو ما يقابل مالطة، ودخل الإسلام مالطة أيضا، وجزيرة صقِّلية وجزائر صغار بين ذلك وبين الأندلس ... » (4).
محل الشاهد في هذه النقول، هي في هذه الروح المحبّة لامتداد سلطان الإسلام، مع ملاحظة أن الوارجلاني (5) توفي قبل منشأ ما يُسمِّيه القطب بـ «مملكة الترك»، ولكنه عقّب كما لو أن الوارجلاني تغافل عن مزيد من أراضي الإسلام ..
وفي كتابه الإمكان فيما يجوز أن يكون أو كان، الذي كان يؤلِّفه عام (1302هـ/1885م)، وفي سياق حديثة عن دولة الحفصيين وأمرائها، بمناسبة ذِكر أن نسب جدِّه يتّصل بالحفصيين، فهو من ذرية عمر بن الخطاب الحفصي؛ نجده يقول: « ... وانقضت دولة الحفصيين بتونس، فكانت بأيدي التّرك المسلمين إلى هذه الأعوام، ولكن لا تصفو لهم، وفي أوائل المائة الرابعة بعد الألف
__________
(1) أحمد بن قاسم بن أحمد بن الفقيه قاسم، شهاب الدين ابن الشيخ الحجري الأندلسي (تـ: بعد 1048هـ/ 1638م): باحث مترجم عن الإسبانية، أصله من إشبيلية، انتقل إليها من قرية الحجر (إحدى قرى غرناطة)، ثم هاجر إلى المغرب، بعد أن عكف سنين على درس الإسبانية، حتى ظُنّ أنه إسباني، وتمكن بهذا من السفر إلى المغرب سنة 1007هـ، وأقام في مراكش إلى 1047هـ، فكان ترجمانا للسلطان زيدان بن أحمد المنصور السعدي، كما كان كاتبه باللغة الإسبانية، وحجّ سنة 1046هـ، وفي إيابه زار مصر، وصنّف كتابا في مناظراته مع بعض علماء النصارى واليهود في أوروبا سمّاه «ناصر الدين على القوم الكافرين»، وترجم عن الإسبانية كتاب «العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع» وله أعمال ترجمة أخرى .. [ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 198]. وعرّفه القطب بأنه «من الأندلس من أهل الحجر الأحمر، وهو آخر من خرج من الأندلس، وذكر من كتبه ذَوِْتَرنَمِيُ، بهذا الضبط (لم يذكره صاحب الأعلام)، ومنه نقل بعض ما أورده عنه في رد الشرود إلى الحوض المورود؛ أ-و9، /10و، مثلا. وكذا في الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان؛ أ-ث 5، /30و، مثلا. وكذا في الرسالة المختصرة؛ أ-ث 2، / 8، مثلا.
(2) الجَفْرُ من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وجَفَرَ جنباه اتسعا، وفُصِل عن أمّه، والأنثى جَفْرةٌ [محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح؛ دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، ط1 - 1410هـ/ 1990م، /52] وحسب السياق في هذا النقل فهو رق قديم، من زمان عيسى –عليه السلام-، كاتبه هو سسليوة، والله أعلم بحقيقته.
(3) امحمد بن يوسف اطفيش، رد الشرود إلى الحوض المورود (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن، غرداية، أ-و9،/34و.
(4) المصدر السابق نفسه؛ /39ظ.
(5) يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني أبو يعقوب: (و ~: 500هـ- 570هـ / 1105م - 1175م)، من أشهر أعلام المذهب الإباضي في المغرب الإسلامي، درس في مسقط رأسه، ثم رحل إلى الأندلس للاستزادة، ونبغ هناك حتى لقب بـ «الجاحظ»، له عدة مؤلفات، منها «الدليل والبرهان لأهل العقول» في أصول الدين وعلم الكلام، و «العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف» و «مرج البحرين» في علم المنطق .. وغيرها، وبعضها مفقود [ينظر: مجموعة من الأساتذة، معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر -قسم المغرب الإسلامي-؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2 - 1420هـ/ 1990م، 2/ 481]. (1/97)
صفحة 4
أخذها الفرنسيس ... »، ثم عرّف بهذه المملكة التي كان قد التقى في موسم للحج ببعض أربابها -كما سيأتي- بقوله: «وتسمّى مملكة التّرك في الإسلام العثمانية، نسبا إلى عثمان بن أرضغول بن سليمان شاه، وسليمان هذا هو الذي أخذ تونس من أيدي الحسن المذكور ومن معه من النصارى (1)، فانقضت دولة الحفصيين من تونس ... »؛ فإذن ثمة ما يربط القطب بالدولة العثمانية الإسلامية، التي أنقذت تونس بلاد الحفصيين -الذين يتّصِل بنسبهم- في آخر أيامهم (2)، من براثن النصارى الإسبان، حلفاء الأمير الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود، وأبقتها على صلة بالمسلمين، وهذا إلى ما قبل الوجود الفرنسي، في أوائل المائة الرابعة بعد الألف الهجرية، كما أشار القطب، وبالضبط في سنة (1881م/1299هـ).
وكان مما نقله القطب تعريفا بآل عثمان -نقلا عن ابن أبي دينار- .. قوله: «وتولّى بعد ذلك السلطان مراد بن أورخان بن عثمان، وهو أول من اتخذ المماليك وسمّاهم يكشرية، ومعناه العسكر الجديد» وأيضا نقلا عن الرواية الشفوية قوله: «وسمعت ممن دخل الجزائر من بني ميزاب الذين أدركوا دولة الترك فيها، أن فيها دارا تسمّى دار يكشرية أو قريبا من هذا اللفظ»، ثم ينقد ابن أبي دينار بقول: «وابن أبي دينار يُسمّي قسنطينة المغرب قسمطينة، بالميم قبل الطاء، ولا يصح ذلك عندي، بل نسبت إلى اسم قسطين، ملكها قبل الإسلام بانيها، ويوجد في بعض سكة النصارى قسطنطينة، كالتي في بر إسلام بول؛ إذ يقال قسطنطينية» (3).
في هذه النصوص يحاول القطب تعريف قرّائه بهذه الدولة، وبعض شخصياتها المؤسسة، وبعض ما يتعلق بمؤسساتها العسكرية، مع محاولة التدقيق والضبط في بعض المسمّيات التي لها علاقة بهذه الدولة، وهذه اللمحة التعريفية كانت بمناسبة إبراز الصلة بين الحفصيين والدولة العثمانية، وإلا ففي كتاب ابن أبي دينار «المونس في أخبار إفريقية وتونس» عرض لتاريخ هذه الدولة إلى حدود سنة (1092هـ/1681م) تاريخ تأليف هذا الكتاب، ولا ريب أن القطب قد اطلع على ذلك كله.
وفي كتابه الرسالة المختصرة (4)، التي ألِّفت بعد رد الشَّرود، نقرأ قوله: «ودخل الفرنسيس الجزائر عام ستة وأربعين ومائتين وألف، في شهر يوليه، وكانت في أيدي الترك قبل ذلك، [من] القرن العاشر، وحين تملّكها التّرك، كان الميزابيون يقصدونها للاكتساب» (5)، وفي هذا إشارة لتلك العلاقة التاريخية المعروفة، التي شملت يوما الجانب العسكري والاقتصادي والاجتماعي، وهي بحاجة إلى دراسة مستقلة.
ربما هذه أهم النصوص التي تحدّث فيها القطب عن الدولة العثمانية، سواء من الناحية العسكرية وبعض انتصاراتها في ذلك، أو من الناحية الجغرافية وامتداد سلطانها، وبعض ما يتعلّق
__________
(1) هذا سبق قلم من القطب -رحمه الله-؛ لأن الذي أخذ تونس من يد الحسن هو خير الدين التركي، وهذا في حدود 940هـ[ينظر: محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني المعروف بابن أبي دينار، كتاب المونس في أخبار إفريقية وتونس؛ مطبعة الدولة التونسية، ط1 - 1286هـ، /153].
(2) ينظر: المصدر نفسه، /169 وما قبلها وما بعدها. اعتمدت النسخة نفسها التي اطلع عليها القطب، وفيها أثر مطالعة له بتدوين عبارة «قف» على الحواشي.
(3) امحمد بن يوسف اطفيش، الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن غرداية-الجزائر، أ-ث5، /11و-ظ.
(4) أفضِّل هذه التسمية التي أشار إليها القطب في المقدمة، على «رسالة شافية في بعض التواريخ»، التي ظهرت في النسخة المطبوعة، من وضع بعض النسّاخ، والتي نُسخِت سنة 1299هـ، كما أفضِّلها أيضا على «الرسالة الموسّعة في تاريخ وادي ميزاب»، التي ظهرت في نسخة مصوّرة بمكتبة القطب، منقولة من النسخة الأصل في المكتبة، وهي من وضع بعض الناس .. فالرسالة لا تغطي تاريخ وادَ مْزاب، فضلا أن تكون موسعة أو شافية في ذلك، وإنما هي مختصرات في الاحتجاج لإثبات رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفي منشأ واد مزاب وتسمية قُراه، ولمحات في تاريخ المذهب الإباضي ونشأته، وذكر بعض أعلامه على مرّ القرون، وذكر نسب الدين، وحتى لمحات من التاريخ الإسلامي والتاريخ العام، وكذا أبواب في التأريخ والأنساب، بل والطبيعة (باب في القوس الذي يكون طرفي النهار) .. والمؤلف بدأ تأليف هذه الرسالة بعد 1286هـ، تاريخ تأليف رد الشرود إلى الحوض المورود، ومن حين لآخر، يضيف إليها بعض التقاييد، ففي أثنائها يصادفنا تاريخ 1311هـ، كما يصادفنا تاريخ 1320هـ، ولا يبدو أن القطب أتم التأليف، بل كان عملا مفتوحا ..
(5) امحمد بن يوسف اطفيش، الرسالة المختصرة (مخطوط)؛ بخط المؤلف وغيره، مكتبة القطب- يسجن، غرداية- الجزائر، أ-ث 2، /173. من المعروف أن الوجود التركي العثماني في الجزائر، كان مع بداية العشرية الثالثة، من القرن العاشر الهجري، وبالضبط حوالي سنة 922هـ/ 1516 م، وبطلب من أهالي الجزائر، استنجادا من الخطر الإسباني على المدن الجزائرية. (1/98)
صفحة 5
بذلك كله، ونعدُّ ذلك بعضاً مما تسلّل إليه عنها، وهو في تلك الحاضرة الصحراوية، في المغرب الأوسط من أرض الجزائر. فماذا عن تواصله الثقافي والسياسي، مع بعض أعلام هذه الدولة من علماء وسلاطين؟
لعل أول تواصل ثقافي مؤرّخ للقطب مع الدولة العثمانية وما يصدر منها، كان في حدود سنة (1283هـ/1866م)، تاريخ حلِّه للُغزٍ ورد إليه، وهو في الأربعين من عمره، بعد نشره في الجورنال (1) -على حد قوله-، ولعل الزخم الذي صاحبه جعل القطب يُقبل على حلِّه؛ مُراعيا اشتياق بعض الناس لذلك، وكذا الجهة التي صدر عنها؛ ولنترك القطب يتحدّث عنه بنفسه، فيقول: «إن لغزا ورد إلي من بحر الرّوم، يريد أهله شرح ما انطوى عليه من العلوم، وشاع في جزيرة الأندلس وسائر بلاد الغرب، وعجز عن حلِّه علماء العجم والعرب، وورد إلي اشتياق أهل مكة إليه، قائلين بلسان الحال، كل من حلّه من المسلمين، فكلّ تحيةٍ إسلاميّةٍ عليه، وأصله فيما أظن مِن الرّوم المسلمين من أهل قسطنطينية، أو من بلاد الشام خصوصا الأعمال الدمشقية، ورد في الجورنال وعجز عن حلِّه الناس، وفتحه الله لي ببركة سلفنا ... » (2).
والروم تسمية يُطلقها القطب على كل مَن كان خلف البحر الأبيض المتوسط، وهنا يتعلّق الأمر بالروم المسلمين الأتراك من أهل قسطنطينية، وربما قرينة ذلك عنده وُرُوده في (الجورنال)، الذي يصدر عادة من تلك الجهة، وهذا ما يدفع القطب إلى الاهتمام، رغبة في التواصل .. لكن ما يدفعه -في تقديرنا- إلى الاهتمام أكثر به والتحدّي بحلِّه، هو ذلك الوصف الذي صاحبه، من عجز علماء العجم والعرب عن حلِّه، فلماذا لا يُعلي من شأن الإسلام وأهله، فيُمثِّل المسلمين في هذه المسابقة المفتوحة، وهو المعروف بحساسيّته تجاه الآخر في مثل هذه المواقف.
مهما يكن من أمر .. فقد أقدم على حلِّ ذلك اللغز ونجح في حلِّه، وأطال في شرحه ووجوهه؛ إذ الحل العبقري لا يكمن في ذكر الحل العام، بقدر ما يتجلّى في إيجاد مخارج لجميع فقرات اللغز، ولقد عُرف اللغز بـ «لغز الماء» (3)، وقيل إن الجواب وصل إلى الباب العالي، وتلقّى القطب تكريم السلطان عبد الحميد، إذ أرسل إليه نيشانا (4)، ولا دليل على ذلك؛ لأن حلّ اللّغز وتدوينه كان قبل تولي السلطان عبد الحميد مقاليد الخلافة العثمانية (1292هـ/1876م) بتسع سنين تقريبا، وأيضا نلاحظ أن القطب وظّف عبارة «الروم المسلمين الأتراك من أهل قسطنطينية»، وربما هي التسمية الشائعة لهذه الدولة، قبل أن يصبغ عليها السلطان عبد الحميد الثاني بإصلاحاته، التّسميات الأصلية من نحو «الخلافة الإسلامية» أو «الخلافة العثمانية» أو «خليفة المسلمين» بالنسبة للسلطان، وكسب بذلك عطف الرعايا المسلمين في الأقطار (5)، وثمة احتمال أن يتأخّر التكريم إلى زمن السلطان عبد الحميد، فيكون تكريمه للقطب، نظرا
__________
(1) لا نستبعد أن يكون هذا الجورنال، هو صحيفة «الجوائب» لصاحبها أحمد فارس الشدياق، التي كانت تصدر في الآستانة، وقد تأسست عام 1277هـ، وفيها ورد اللغز الآخر، الذي قام بحله القطب، وسيأتي الحديث عن ذلك.
(2) امحمد بن يوسف اطفيش، شرح لغز الماء؛ ملتزم الطبع وناسخه أبو بكر بن الحاج قاسم القراري-الجزائر، أ-م 11، /3.
(3) مما ورد في نص اللغز بداية: «ما تقول في شيء يطير بلا جناح ويبيض ويفرخ في البطاح رأسه في ذنبه وعينه في موضع قرنه، يسمع بأذن واحدة، ويبصر بعين زائدة ... وهو موجود في كل زمان يمازجه الإيقاف ويتلى في سورة قاف ... » [شرح لغز الماء؛ /4]
وعلى كل .. فنصّ اللغز ليس جديدا، بل لقد عُرف منذ القرن التاسع الهجري، وربما قبل ذلك، وحلّه العلامة المحدِّث المقريزي أحمد بن علي بن عبد القادر الشافعي (845هـ/1442م)، تحت عنوان: «الإشارة والإيماء لحل لغز الماء»، وذلك سنة 823هـ، وتوجد نسخة منه -على الأقل- في جامعة الملك سعود بالرياض، والمجال مفتوح للمقارنة.
(4) ينظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ المطبعة العربية- غرداية، ط2 - 1427هـ/ 2006م، / 180.
(5) وهي الفترة العثمانية، التي أطلق عليها الأوروبيون اسم «الاستبداد الحميدي» نسبة إلى السلطان عبد الحميد .. [ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ /238 وما قبلها وما بعدها]. (1/99)
صفحة 6
لجهوده في (1/100)
صفحة 7
التأليف والتعليم عموما، لا لمجرد حلّه لذلك اللغز، وذكر بعضهم أن السلطان أرفق تكريمه برسالة شكر على حلِّه اللغز (1)، لكن لم نطلع عليها، وربما فيها ما يكشف سبب التكريم.
وأيّاً كان سبب التكريم؛ فإن القطب قد افتخر به، ومن ذلك قوله مخاطبا العقبي في ردّه عليه: «وإن لم تعرف الإباضية فهُم قوم المؤلف لهذه الورقات امحمد بن الحاج يوسف اطفيش، الذي جاءه نيشان من السلطان الكبير سلطان اسطنبول صاحب القسطنطينة ... » (2).
لا جدال في أن الدولة العثمانية إلى عهد القطب، لا يزال نفوذها منبسِطا على كثير من الأقطار الإسلامية، ولاسيما بعد فكرة «الجامعة الإسلامية»، التي دعا إليها السلطان عبد الحميد (سيأتي الحديث عنه -بمشيئة الله- في علاقته بالقطب)، ومن هذا الاعتبار يمكن أن نعدّ كل عالم في هذه الأقطار عثمانيا، تحت راية هذه الدولة، لكن سنقتصر هنا على مَن ينتسب إلى هذه العاصمة الإسلامية «إستانبول» وما حولها، أي تركيا حاليا، وأيضا على مَن كان ينشط فيها نشاطا عِلميا أو سياسيّا .. بشرط علاقته بالقطب -طبعا-.
لعل أول لقاء عُرِف للقطب بأحد أرباب هذه الدولة، كان في رحلته الحجازية الثانية (1290هـ/ 1874م) تقريبا (3)، فقد التقى بلفيف من أهل العلم وألقى دروسا في حضرتهم (4)، وممن تعرّف إليهم العالم التركي الشيخ محمد حقِّي بن علي بن إبراهيم التركي الحنفي، فقد ذكر القطب في الذّخر الأسنى من الأسماء الحسنى لُقياه به، فقال: «والتقيت معه في مكة عام ألف ومائتين وتسعين تقريبا، وكان يُحبّني ويقبِّل يدي ويخدُمني، حتى قام عليه الناس ونبّهوه على أني لست من الأشعرية، فترك ذلك خوفا منهم، مع بقاء رغبته في، وهو رجل له تآليف وورع وحب في الإسلام»، وفي موضع آخر يقول عنه: «إذ خدمني في المسجد الحرام حتى حسدني أهل مكة، وقد عرف أني إباضي، وطلبني أن أعطيه الحكمة في علم الجدول» (5).
فإذن ثمة تواصل إخواني حميمي بين القطب وهذا العالم المتصوّف التركي، وصل حدّ تقديم خدمات، بشكل مُلفت لأنظار أهل الحرم، والقطب لم يُفِدنا كثيرا، عمّا جرى في هذه اللُّقيا من حوارات، لكن إشارته إلى حبّ هذا الشيخ له، وبقاء رغبته في التواصل معه، وتعرّف الشيخ محمد حقّي على مذهب القطب وهكذا العكس، ثم معرفة القطب أنه صاحب تآليف وورع وحبٍّ في الإسلام .. ثم طلب الشيخ محمد حقّي من القطب أن يعطيه الحكمة في (علم الجدول) .. كل ذلك لا يمكن أن يَمرّ دون السؤال عن أحوال الدولة العثمانية وسلطانها، وما ينبغي لها وما ينبغي تجاهها.
والحق أن القطب استرجع بعض ذكريات هذه اللُّقيا، بعد أن وصله كتاب لهذا الشيخ، هو «مفزع الخلايق منبع الحقايق»؛ إذ استفاد منه لبعض ما كان يكتبه عن أسماء الله الحسنى، ومنها
__________
(1) ينظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1 - 1998، /270.
(2) الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ 1/ 14، /6و.
(3) ودليل وجود حجة للقطب قبل عام 1283هـ، ذكرته في «رِسَالةُ الشّيخ أبي مُسلِم الرّواحِي العُماني إلى الشّيخ اطْفَيَّش القُطْب الجزائري .. أُنموذَج التّواصل الإِخوانِيّ العِلْميّ» ورقة مُقدّمة للمُلتقى العلميِّ الثامن، لوحدة الدّراسات العُمانية «التواصلُ الحضاريُّ العمانيُّ المغاربيُّ في العصر الحديث» 13 - 14 ذو القعدة 1433هـ/ 11 - 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2011م، /8.
(4) قال القطب في رده على العقبي: «وإن لم تعرف الإباضية، فقد عرفهم دحلان وحسبي الله الشافعيان، الحاضر أحدهما في إقرائي في المسجد الحرام، تأليف السنوسي في التوحيد بحواشيه وأبحاثه وشروحه لجماعة في أبهة عظيمة من أهل عمان ومضاب وأهل الجبل جبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب»، أيضا قوله: «ومنهم من يحضر مجلسي للإقراء في المسجد الحرام، كالشيخ حسبي الله الشافعي حضر مجلسي في المسجد الحرام هو وغيره، من الأشاعرة ويكاتبونني وأجيبهم ... » [امحمد بن يوسف اطفيش، الرد على العقبي (مخطوط)؛ مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رمز: أ-هـ1/ 14، /2ظ، 3و. أيضا: امحمد بن يوسف اطفيش، إزهاق الباطل بالعلم الهاطل؛ طبع في 1318هـ، /22 - 23].
(5) الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ1/ 14، /3و. (1/101)
صفحة 8
اسمه البديع، واستطرد فذكر «البدعة»، التي بمعنى ما أُحدث في الإسلام مما يقوم به الحق، وذكر (1/102)
صفحة 9
من ذلك طباعة الكُتب بالقالب (الطبع الحجري)، وأنّها أحدثت في دار الإسلام، سنة (1138هـ/1726م)، وكيف أن علماء إسلام بول اختلفوا حولها، واتفقوا على جوازها بعد طول مشاورة، ثم أفتى بذلك قاضي القضاة، على عهد السلطان أحمد الغازي (1)، ثم ذكر فوائد الطّباعة تلخيصا مما ذكره الشيخ محمد حقِّي في منبع الحقائق (2)، فقال: «وذَكر من فوائد الكتابة بالطبع سرعة حصول العوام والخواص إلى ما يحتاجون إليه، وانتشار الكتب في بلاد الإسلام وغيرها لتقوية الدين، وتصحيحها بالمصحِّح الكامل مع عدم مسح مدادها، حتى لا يحتاج الإنسان إلى تعدّد النسخ، وتحصيل آلاف كتاب في مدة يسيرة، حتى يحصل منها الغني والفقير والعاجز، وبيان برنامج الكتاب [يقصد الفهرس]، حتى يتعرّف الطالب كل مسألة في محلها، ورُخْص الثمن ... » (3).
في هذا النقل نلمح جانباً من تأثير الدولة العثمانية على العالم الإسلامي، سواء ما تُحدِثه مما تتلقّفه من الأمم الحيّة، من وسائل حديثة مبتكرة، أو ما يتواضع عليه علماؤها من فتاوى، وما ينشرونه في كتبهم بعد ذلك، والشيخ محمد حقّي صاحب القطب، يُعدّ حلقة في هذا التواصل العلمي المنتج.
كما اتصل القطب بالدولة العثمانية ثقافيا وسياسيّاً، وهذا في شأن لغز أظهره الشيخ أحمد مختار التركي، من أهل القرن الثاني عشر الهجري (4)، بعد أن أعيد نشره -فيما يبدو- في جريدة «الجوائب»، في عدد 630، 27 محرم 1290هـ/ 1874م (5)، فاطّلع عليه القطب أو أُطلع عليه، ومما جاء في نصِّه بداية «يا ذوي الفضل والأفضال ما كلمة هي حروف وأسماء وأفعال ... » (6) إلخ، استطاع القطب أن يجد له حلاًّ مفصّلاً، راسل به صاحب الجريدة (7) الأستاذ أحمد فارس الشدياق اللغوي اللبناني (8)، ولا ندري إن كان قد وصل إليه أو إلى جريدته .. أم لا؟ ثم كيف كان الردّ على ذلك؟
لكن ما يهمّنا في جواب القطب على هذا اللغز، هو أنه لم يكتف بالجواب وشرحه وتوضيحه، بل اغتنم الفرصة ليُوجِّه نصيحة من خلاله للدّولة العثمانية، وما ينبغي أن تكون عليه من القوة، في زمان تكالبت فيه الأعداء على أراضي المسلمين، والملاحظ أنه ابتدأ بالنصيحة والدّعاء لهذه الدولة، وختم مكرّراً النصح، ومستنهضا لحماية «برّ الإسلام خصوصا الحجاز»، بل صرّح أن إجابته على اللغز ليس إلاّ وسيلة للاتصال على هذا النحو، فقال آخر اللغز: «هذا والله أعلم ما ظهر لي ولا أعلم الغيب ولا أدّعي الإحاطة بالعلم، ولكن قصدتُّ الاتّصال بكم ... » (9) إلخ.
واللافت للنّظر أن القطب شدّد في خطابه إلى الدولة العثمانية على الجانب العسكري،
__________
(1) أحمد الغازي هو السلطان أحمد الثالث (1115 - 1143هـ/ 1703 - 1730م)، ولمعرفة أسباب ظهور الطباعة، وسبب الخلاف حولها، ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ / 160.
(2) ينظر: محمد حقي بن علي بن إبراهيم النازلي، مفزع الخلايق منبع الحقايق؛ مطبعة محمد أنسي، القاهرة-مصر، د. ر. ط-1293هـ، /8 - 10. والنسخة موجودة بمكتبة القطب، برمز: د20، وعليها ملكية القطب وأثر قلمه.
(3) امحمد بن يوسف اطفيش، الذخر الأسنى من الأسماء الحسنى (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن، غرداية- الجزائر، برمز: أ-هـ 5، /55و.
(4) لم أعثر على ترجمة له، وكونه من أهل القرن الثاني عشر كما صرح القطب، يجعله غير أحمد مختار باشا التركي الغازي (1253 - 1337هـ/ 1837 - 1919م)، الذي ترجم له صاحب الأعلام. [ينظر: امحمد بن يوسف اطفيش، تفسير ألغاز؛ ملتزم الطبع: داود بن إبراهيم بن داود، د. ر. ط-1306هـ،/14، أيضا: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 255].
(5) في النسخة المخطوطة، لتفسير هذا اللغز بخط المؤلف، نقرأ في 1و، بخط مغاير عبارة بهذا النص: «تفسير لغز الذي كان مدروج في الجوائب في عدد 630، 27 محرم الحرام 1290، ولم أتمكن من الوصول إلى هذا العدد من هذه الجريدة، ولا إلى الجريدة نفسها، ولعل الأرشيف العثماني يحتفظ بأعدادها، لكن قد نرجح انطلاقا من هذا التاريخ؛ أن القطب قد حج حجّته الثانية، في سنة 1290هـ بالضبط، وفيها تحصّل على هذا العدد من صحيفة «الجوائب»، وأيضا بقرينة مكاتبته لأحمد فارس الشدياق؛ إذ لا يراسله على حل لغز تقادم عهده!
(6) امحمد بن يوسف اطفيش، تفسير اللغز (مخطوط)؛ بخط المؤلف، مكتبة القطب، يسجن-غرداية، أ-م 11، / 2ظ.
(7) قال القطب: «وأما تفسيري إيّاه بالدنيا الذي كتبته إلى أحمد فارس فنصّه ... » المصدر السابق؛ /2ظ.
(8) أحمد فارس بن يوسف بن منصور الشدياق، عالم باللغة والأدب، ولد في قرية عشقوت (لبنان)، أبواه مسيحيان مارونيان، سمّياه فارسا ماذا يراد من هذا؟، ورحل إلى مصر، فتلقّى الأدب عن علمائها، ورحل إلى مالطة، فأدار فيها أعمال المطبعة الأمريكانية، وتنقّل في أوروبا، ثم سافر إلى تونس، فاعتنق الدين الإسلامي، وتسمَّى «أحمد فارس»، دُعِي إلى الآستانة، فأقام فيها بضع سنوات، وأصدر بها جريدة «الجوائب»، سنة 1277هـ، فعاشت 23 سنة، توفي بالآستانة، ونقل جثمانه إلى لبنان، من آثاره: «كنز الرغائب في منتخبات الجوائب» سبع مجلدات، اختارها ابنه سليم من مقالاته في الجوائب، و «سر الليال في القلب والإبدال» جزءان، في اللغة، و «الجاسوس على القاموس»، و «الساق على الساق فيما هو الفارياق»، وغيرها، وبعضها لا يزال مخطوطا. وله شعر وصف بالرقة والحسن والانسجام. [ينظر: الأعلام؛ دار العلم للملايين، ط5 - 1980، 1/ 193].
(9) تفسير اللغز (مصدر سابق)؛ / 9ظ. (1/103)
صفحة 10
وكأني به يخشى زحف الاستعمار على بقية أراضي المسلمين، بعد الأنباء التي قد يكون تلقّاها في حجّته الثانية عن حال الدولة، فنجده يقول: « ... هذا الزمان، إلى جلب الناس بالعطايا، وتكثير العساكر، والمحافظة على أرزاقهم وتكثيرها، وتدريبهم على أمور الحرب وحيلها، حفظا لبر الترك الإسلامي والحجاز وسائر بلاد الإسلام غربا وشرقا، أحوج منه إلى الاشتغال بالألغاز» (1)، وفي كلامه هذا إشارة إلى ثلاث قضايا استراتيجية، بها تقوم الدولة وتنهض .. فلابد من الاعتناء بها، فأولا، تنظيم تحالفات مع الآخر (الناس)، ولو بتقديم بعض (العطايا) والامتيازات، كسباً لودِّهم ودرأً لشرِّهم، وثانيا، الاهتمام بالجانب الاجتماعي، وهذا يتجلّى في المحافظة على أرزاق الناس، وإعانتهم على تنميتها، وثالثا، الاهتمام بالشأن العسكري، بتقوية المؤسسة العسكرية، وذلك بتكثير الجند وتدريبهم أحسن تدريب، فلا بد -إذن- من العمل على كسب الجبهة الخارجية وتنمية الجبهة الداخلية، وتقوية الجبهة العسكرية لأي طارئ، ونلاحظ أنه ذكر تلك المناطق التي لا تزال تنعم بالاستقلال كبَرِّ الترك الإسلامي والحجاز، ثم ثلث بسائر البلاد الإسلامية غربا وشرقا، ومُعظمها كان يرزح تحت الاستعمار الأوربي أو يخضع لنفوذه، فكيف مع هذه المهمّة الكبرى، يُشغل المسلمون بفكِّ الألغاز؟!
هذا ما كان من خطاب القطب قبل أن يشرع في حلّ اللغز، لكن لما كشف عن حلِّه، رجع مرّة أخرى إلى خطاب الدولة العثمانية من خلاله، وهذه المرّة أعرب أكثر عن مخاوفه، واستنهض الدولة بما ذكّرها به من أحوال أجدادهم؛ أملا ليس في المحافظة على باقي الأراضي فحسب، بل في السعي إلى ردّ ما اغتُصِب منها، فيقول مُذكِّرا بأسباب اتّصاله، عن طريق حلّ اللغز: «ولكن قصدتُّ الاتصال بكم، لعلّ الله يرحمكم بأن يوقِظكم لطرح ما لا يعني، ولتقليل الشهوات والبطالات، وللاشتغال بالمحافظة على برّ الإسلام خصوصا الحجاز، واسترداد ما أخذ الكفرة من البلاد .. لما طغت كفرة الأندلس وأخذوا من عُدوتنا وهران وتلمسان وغيرها، صرفت أجدادكم العناية لذلك فردّوهما وغيرهما ... » (2)، فثمّة خوف على سلب أراضي الحجاز، موطن التقاء المسلمين كل عام، أو بسط الأجنبي نفوذه عليها، وسنرى تكرّر هذا الهاجس في مسألة مدّ خط سكة الحديد، وثمة أيضا منحىً جهادي واضح في الخطاب، لا يرى الحل إلا في تكرار تجربة الآباء مع المستعمر الغاشم!
وحيث إن موقع القطب لا يسمح بغير هذا التذكير والاستنهاض؛ نراه يشير إلى أمر مُهمّ جدّاً، وهو أنه بعد اتخاذ الأسباب، طلب العون والمدد من ربّ الأسباب، فيقول: «نسأل الله نصر الدولة العثمانية بنبيئه محمد - صلى الله عليه وسلم - ونرى الدعاء بذلك واجبا، ومعالجة ما يجاب الدعاء به في ذلك أمرا لازما ... » (3)، فثمة دعاء وتضرّع إلى الله، لكن أيضا مع معالجة ما يُجاب به الدعاء،
__________
(1) المصدر نفسه؛ / 1ظ.
(2) المصدر نفسه؛ / 10و.
(3) المصدر نفسه؛ / 2و. (1/104)
صفحة 11
وكل (1/105)
صفحة 12
ذلك لا يخرج عن الوجوب واللزوم، فهل الرّسالة وصلت؟!
وتستوقفنا -أخيرا- عبارة القطب «وهذا الزمان أحوج إلى الورع والسيوف منه إلى الاعتناء بالنّظم والتأليف» (1)، فلا يكون النظم والتأليف إلا بمقدار الحاجة (أحوج)، فلا بد من (الورع)، وهي كلمة شاملة لكل وقوف دون محارم الله وما يُسخطه، ولابد من (السيوف)، في إشارة إلى القوة العسكرية، وما به قيام الدولة الإسلامية، وربما كان قد استقر على هذه الخلاصة بعد عودته من حجّته الثانية، بعد أن تلقّى -عن قرب- أنباء الدولة العثمانية وأحوالها وما حولها.
ولئن صح أن هذا اللغز حُلّ بعد رجوع القطب من حجّته الثانية كما يُفترض؛ فإن ذلك يعني أنه يُشايع بكلماته تلك وعباراته .. مجيء عصر السلطان عبد الحميد (2)، الذي حاول بخطّته الإصلاحية، إرجاع الدولة إلى بعض هيبتها، والحد من النفوذ الأجنبي، الذي تمكّن بعض الشيء من أوصالها، حتى إنه قلّل من نفوذ مَن حوله، من ذوي المشاريع القومية والتغريب، وقلّص من صلاحياتهم، واتُّهم لأجل ذلك بالاستبداد .. هذا ما كان من القطب مِن تواصل ثقافي سياسي، قبل بزوغ عهد هذا السلطان، الذي أيّده ودعا له، وربما لمس أثر إصلاحاته، وتلقّى بعضاً من أخباره في حجّته الثانية.
لعل أوّل رسالة من القطب مخاطبا بها السلطان عبد الحميد، كانت في حدود سنة (1318هـ/1900م)، في شأن تلميذه سليمان الباروني، الذي جاء إلى واد مْزاب في سنة (1313هـ/1895م)، ومكث في معهد القطب ثلاث سنوات، فاعتنى بشأنه واجتهد في إرشاده، ولما أذن له في الرحيل سنة (1316هـ/1898م) بعد طول طلب، وشايعه مسافة إلى سفره، وزوّده بالنصيحة والدعاء .. قصد مدينة تيهرت؛ لِيقف على ما بقي من طلَلِها الدارس، ويسترجع الذّكرى، ثم ولّى شطره ثانية، نحو بلده في جبل نفوسة، لكن قبل أن يصله ترصّدته يد السياسة، واتُّهم بما اتهم به، وربما الأمر كما عبّر «أوهام في أوهام، وأفكار كأضغاث أحلام، وحيل ومراصد، يُتوصّل بها إلى خبيث المقاصد» (3)، فكان مصيره السِّجن مباشرة.
ولما بلغ نبأ اعتقاله إلى قطب الأيمة، كتب رسالة في طلب العفو، إلى السلطان عبد الحميد في الآستانة، وفي تقديري أن كتابتها كانت في العام الأول من دخول الباروني سجنه الثاني (4)، سنة (1318هـ/1900م)، وهي السنة ذاتها، التي زار فيها سليمان بن ناصر مْزاب، وقد ورد ذكره في الرسالة .. وقبل أن يدخل عامه الثاني في الإقامة الجبرية، داخل أسوار المدينة وبكفالة، وقبل مجيء العفو السلطاني من السلطان عبد الحميد سنة (1320هـ/1902م).
المصادر تشير إلى أن الحكم على الباروني، كان بادئ الأمر هو النّفي ولخمس سنوات بأرض «برود» أو «بقان»، وهذا أثار القبائل والعشائر وهدّدت بالتمرّد والحركة، فاضطرّت نيابة
__________
(1) المصدر نفسه؛ / 10و.
(2) السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد (1293 - 1327هـ /1876 - 1909م): هو السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، تولى عرش الدولة في الرابعة والثلاثين من عمره، بويع بالخلافة بعد أخيه مراد .. تلقّى تعليما مُنتظما في القصر السلطاني على أيدي نخبة مختارة من أشهر رجال زمنه علما وخلقا، وتعلم من اللغات العربية والفارسية، ودرس التاريخ وأحب الأدب، وتعمّق في علم التصوّف، كما تدرّب على استخدام الأسلحة، كان مهتمّا بالسياسة العالمية، ويتابع الأخبار بدقة .. أعلن الدستور (1293هـ /1876م)، الذي يضمن الحريات الفردية، وينصّ على مبدأ الحكومة البرلمانية، وعيّن مدحت باشا صدرا أعظم، لكن جرّد المتأثرين بالفكر الغربي من سلطاتهم، وتولّى قيادة البلاد قيادة حازمة، ودعا إلى فكرة «الجامعة الإسلامية»، وكان من مشاريعه الكبرى إنشاء خط سكة حديد الحجاز، بين دمشق والمدينة المنورة .. لكن رجع أولئك تحت تأطير جمعية الاتحاد والترقي، ووجّهوا تُهماً إليه، فتمّ عزله سنة 1327هـ/ 1909م/، وبقي في قصره في استانبول، حتى توفي في 29 ربيع الآخر 1336هـ/ 10 فيفري 1918م [ينظر: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /399 وما بعدها، أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ 224 وما بعدها].
(3) ينظر: سليمان بن عبد الله الباروني باشا، الأزهار الرياضية في أيمة وملوك الإباضية (القسم الثاني)؛ دار البعث، قسنطينة-الجزائر، ط3 - 1423هـ/ 2002م، 403 وما بعدها.
(4) السجن الأول كان مدة شهرين ونصف، ولما ثارت ثائرة أهله وسكان الجبل، أطلق سراحه بكفالة، إذ برأه مجلس الاستئناف بالأكثرية وعلى رأسه الوالي هاشم باشا (1899م)، لكن لم تطل مدة إطلاق سراحه، حتى أعيد سجنه ثانية، بعد نقض البراءة من دائرة التمييز، وأكثر من ذلك تم عزل أعضاء المحكمة الذين حكموا عليه بالعفو أول الأمر، وأشار الباروني إلى خصومه، وعلى رأسهم قائمقام فساطو محمد بك الأسير الشامي. (1/106)
صفحة 13
استانبول العامة إلى إعادة النظر في الحكم، فكان إبقاؤه مدة سنة، يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي، ثم أطلق سراحه وأفرج عنه بكفالة؛ شرط أن لا تتعدّى تحرّكاته أسوار المدينة ويُراقَب أيضا، وجاء طلب العفو من الوفد المكلّف بالذهاب إلى دار الخلافة لأجل تقديم الولاء للسّلطان، والتباحث في شؤون ولاية طرابلس، مُستغِلاّ وجوده قُرب الخليفة .. (1). ويبدو أن رسالة القطب كانت مُسهِمة لحركة هذا الوفد ومؤيِّدة له، وربما من غير تخطيط؛ فكان العفو من السلطان عبد الحميد سنة (1320هـ/1902م) (2). فماذا في الرسالة، وكيف عبّرت عن شخصية القطب؟
أول ما يستوقفنا في نصّ الرسالة بعد السلام، تعريف القطب بنفسه بكل أريحيّة وعزّة نفس، وهذه المرّة مع تحديد مكان وُجُوده بكل دقة، «مِن امحمد بن يوسف اطفيش، ذي السِّهام التي لا تطيش، من بلد يسجن، الجارة لغارداية، من أعمال الجزائر، التي هي في قُراها غاية ... »، فهو يؤسِّس في هذا التواصل الأوّلي لعلاقة دائمة، بقدر ما يدفع بالملف إلى الاهتمام به، ثم يَلتَفِت إلى السلطان بما يُعلي مِن شأنه ومكانته، دون الغفلة عن تذكيره بلقبه الحقيقي، وما ينبغي أن يضطلع عليه، مع إبداء التأييد لمسيرته بالدعاء له بالعزّ، وعلى أعدائه بالذل والخزي .. فقال: «أعزّ الله روح وجسم ذي المرتبة العليا، سلطان سلاطين أقاليم الدنيا، بل الخليفة عبد الحميد خان، مَنِ السلاطين بالنسبة إليه دخّان، ذي القلم والسِّنان، والعَلَم والعِنان، أبقاه الحي القيوم ذي الجلال والإكرام في عزٍّ، وأعداءه في ذلٍّ وخزيٍ وسبيٍ وبز ... ».
ثم يُعرِّج ثانية على التعريف بنفسه، قبل أن يُعرب عن مطلبه، فقال: «فمطلوب كاتبه المغربي، الذي له عندك عهد -مِن قبل أن يأتيك الأمير سليمان بن ناصر ومِن بعد (3) - .. في الدعاء لكم بالنصر، مِن حين عرف يمينه مِن شماله، المولع بالتعصّب لأهل الإسلام وعُمّاله ... » فهو يدعو للخليفة -أيّاً كان- بالنصر دائما وأبدا .. مُتعهِّداً ذلك، منذ فهم معاني النصرة؛ لأنه متعصب لأهل الإسلام، ومَن يحمل رايته .. فالقطب ذَكّر السلطان، بصلته بالأمير سليمان بن ناصر، لكن قبل ذلك وبعده، بعلاقة المسلم مع خليفة المسلمين، وما ينبغي عليه نحوه.
وكأني بالسلطان عبد الحميد، بعد اطلاعه على ما سبق .. يقول: فما المطلب يا سيّدي؟ فيجيب القطب: «أن تُطلق من سجن طرابلس الغرب، شابّاً صغير السن، عالم ابن عالم، مشهوراً في البُعد والقُرب، اسمه سليمان بن عبد الله، بُهِت بما لم يفعل، وجُعل حيثُ لا يُجعل، وما علمنا منه ضيرا، بل ما علمنا فيه إلا خيرا ... وقد قرأ علوم العربية عندنا في المغرب، مع علم الكلام، وأقرأناه الفروع، ورشّحناه لأن يكون لكم طودا ومِن الأعلام» فماذا بقي بعد شهادة الشيخ على تلميذه وتعريفه به، فمهما كانت الدعوى ضده، فثمّة -بالضرورة- سوء فهم أو سوء تقدير،
__________
(1) ينظر: محمد مسعود جبران، سليمان الباروني .. آثاره؛ الدار العربية للكتاب، د. ر. ط- 1991م،/ 34 - 36.
(2) العفو السلطاني كان بعد سجنه للمرة الثانية، بعد نقض حكم مجلس الاستئناف الذي برأه في المرة الأولى، ثم كان الحكم عليه ثانية بالنفي لمدة خمس سنوات، ثم تخفيف الحكم إلى سنة، يقضيها مع المحكوم عليهم بالنفي، ثم كان إطلاق سراحه بكفالة شرط أن لا تتعدّى تحرّكاته سور المدينة؛ ثم جاء العفو السلطاني، ويتصوّر دور القطب في هذه المرحلة، مع تقدير زمن العلم بالخبر وانتشاره، ووصوله مزاب في ذلك الماضي، وليس في مرحلة حكم مجلس الاستئناف بالبراءة .. [ينظر: يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب؛ المطبعة العربية- غرداية، ط2 - 1427هـ/ 2006م، /189].
(3) هذا الأمير ذكره القطب في رده على العقبي بقوله: «وإن لم تعرف الإباضية فهم الذين منهم الأمير سليمان ابن الناصر، الذي جاء عام 1318 إلى المغرب ونزل عندي، وهو أمير «دار السلام»، واحترمه الناس كلهم وعظّموه، ودخل الأندلس ليرى أثر مدن الإسلام والعلم، والتقى مع السلطان الكبير في قسنطنطينة، وأعطاه نيشانا، وبعض ما يُنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من ثوب، وأرسل إلي نيشانا، مثل الذي أعطى أخانا الأمير المذكور .. سليمان بن الناصر» [الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ 1/ 14، /7و]. (1/107)
صفحة 14
ولاسيما مع تأييد الشيخ المُربّي لمسيرة الخليفة، بل وترشيح تلميذه، لأن يكون من أركان (1/108)
صفحة 15
الدولة وأعلامها .. وصدقت فراسة الشيخ، وهو ما تحقق -فعلا- مِن بعد (1).
وإذا كان القطب يدعو لخليفة المسلمين، بالنصر والتأييد أبدا، فهو أيضا يَعِد بالخير العاجل له، -شأن الموقِن بالله-؛ إذا ما سار في قضاء حاجته؛ «فإن فعلت ظهر لك الخير عاجلا بإذن الله، والنصر نقدا، والمثوبة آجلا»، وثمة احتمال بعيد قد يتعثّر فيه السلطان، لكن لابد من ذكره واستثماره، «ولا تعدّني ضعيفا من جُملة ضعفائكم، وإن عددتني، فاعتبر قول مَن أنت خليفته: إنما تنصرون بضعفائكم ... » (2).
هذه هي فقرات تلك الرِّسالة، التي حملت صبغةً روحيةً واضحةً، بعيدا عن التواءات السياسة والمصالح، مناسبة لمقام الشيخ في الأمّة ومكانته، فتلك في -تصوّري- قمّة السياسة في مثل هذا المقام .. بقي أن أشير أن هذه الرّسالة هي السابعة مِن القطب إلى السلطان عبد الحميد، ويبدو أن الواسطة هذه المرة هو الأمير سليمان بن ناصر، كما يمكن أن نفهم من إشارة الرسالة.
والرّسالة الثانية للقطب إلى السلطان عبد الحميد أو -الأحرى- الشغل الثاني الذي كتبه إليه، كان في شأن مدّ خط سكة حديد الحجاز، وهو خط يربط ما بين الشام والأراضي المقدّسة، وتحديدا بين دمشق والمدينة المنورة، ويبدو أن خبر المشروع، وصل آذان القطب، بعد تلك الحملة التي صاحبته في الأقطار الإسلامية، بُغية جمع المال لإنجازه (3)، فلم يفوِّت الفرصة دون إبداء رأيه في المشروع، من الناحية الأمنية الإستراتيجية، التي يبدو أنها أقلقته بعض الشيء، فكان أن راسل السلطان عبد الحميد، في حدود سنة (1319هـ/1901م)، أي بعد انطلاق المشروع (4) .. مُوجِّهاً وناصحاً، في قضية تمسّ أمن الدولة، ويبدي فيها القطب كامل المعارضة، تبعاً لقراءته، فما الذي أقلقه، وكيف كتب رسالته؟
الرسالة تنضح بمشاعر التّوجيه والنّصح لخليفة المسلمين، بعد الإعلاء من شأن السلطان وتقديم الولاء له كدأبه « ... فسلام على السلطان الإسلامي الأعظم، الذي له علينا أدبار الصلوات الخمس، الدعاء بنصره .. عبد الحميد ... »، إذن، فما يأتي إنما هو مبني على هذا الاعتبار للسلطان، ولا يخفى على القطب ما أقدم ويقدم عليه من إصلاحات؛ تحفظ على المسلمين دولتهم وهيبتهم.
والقطب لم يتحدّث عن خط سكّة الحديد مباشرة؛ وإنما عمد إلى مسألة فقهيّة، هي أقرب إلى تخصّصه واستفتح بها، وربما في ذلك -إلى جانب إبداء الرغبة في النّصح والتّوجيه- الإعراب عن الموقع الاجتماعي الذي يصدر عنه، من كونه مُفتِيا مُهتمّاً بشؤون الأمة، وتزعجه مظاهر الابتذال والتعدِّي على حدود الشرع، فعلى هذا يُربّي أتباعه ومريديه؛ لذا كان خطابه باسم
__________
(1) إذ مثل الجبل الغربي في «مجلس المبعوثان» التركي، بعد نجاحه في انتخابات ولاية طرابلس الغرب، وهذا سنة (1326هـ /1908م)، وقد أشار الكاتب الإسلامي الأستاذ محبّ الدين الخطيب إلى إخلاص الباروني وصدقه، ونوّه بخلاله وأعماله في فترة عضويته هذا المجلس [ينظر: محمد مسعود جبران، سليمان الباروني .. آثاره (مرجع سابق)؛ / 42 - 43].
(2) امحمد بن يوسف اطفيش، رسالة إلى السلطان عبد الحميد، في شأن إطلاق سراح سليمان بن عبد الله الباروني؛ بخط تلميذه حمو بن باحمد باباوموسى، مكتبة الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد (لخبورات)، غرداية-الجزائر، مجموع رسائل، برمز: دغ 12.
(3) ينظر: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /431.
(4) وهذا بدليل ما ورد في الرّسالة مِن قوله: «إبطال طريق الجرّارات ومركّب النّار، وترك تمهيده» والمشروع انطلق في سنة (1318هـ/ 1900م)، وانتهى سنة (1326هـ/1908م) بعد وصوله المدينة المنورة. (1/109)
صفحة 16
المسلمين المتمسِّكين بالدين «يسأل اللهَ العزيزَ القادرَ بقيةُ المتمسكين بدين الإسلام في المشرق (1/110)
صفحة 17
والمغرب»، فهذه الصيغة بقدر ما هي باسم أمّةٍ قائمةٍ، هي أيضا مسألة لا ينبغي التهاون في شأنها، وسؤال الله العزيز القادر منهم لـ «أن يُوفِّقك أن تنهى أهل مصر عن إعراء الحجّاج للتبخير» (1)، وهي عادة يبدو أن بعض أهل مصر تلبّسوا بها، ومن وظيفة الخليفة تقويم هذه العادات السيئة، المجافية لروح الشرع، ولقد أيّد القطب نهيه عن ذلك بالدليل الشرعي، مع التنبيه إلى الحلّ والمخرج فقال: «فقد جاء عن رسول - صلى الله عليه وسلم - أنه {يموت الرّجل ولا يتعرّى}، وإذا كان لا يجد الإنسان الحجّ إلا بإعراء عورته، سقط عنه الحج؛ إن لم يجد مالا أو جاها، يدفع به عن نفسه الإعراء» فهو نهي توجيهي، يحمل صبغة الفتوى، ولا يغفل القطب عن تحميل الخليفة المسؤولية بطريقة لبقة، تُذكِّره بمعية الله ونصرته «فيسألك الله -عز وجل- عن ذلك -زادك الله نصرا».
وحيث مهّد القطب بذلك، ثنىّ على مسألتنا مدّ خط سكّة الحديد، التي يبدو أنها شغلته كثيرا وأقلقته، وهذا بحسب ما وظّفه من أساليب الترغيب والترهيب، والقطب أيضا لا يُعرب فيها عن رأيه فقط، بل خاطب بقوله: «ويسألك بقيةُ المسلمين في المشرق والمغرب، إبطال طريق الجرّارات ومركّب النّار (2)، وترك تمهيده .. الله الله في ذلك»، شأن مَن أيقن مِن خطر مُحدِق، ولاسيما مع الضعف الذي سرَى في المجتمع الإسلامي؛ مما سهّل على الآخر سُبُل التّحكُّم في آلياته ووسائله ..
والسؤال: لماذا يا سيدي القطب؟ الجواب: «فإن تمهيد الطريق بمركّب الجرّارات أو مركّب النار، تسهيل لدخول المُنكر الملحد إقليم المدينة، بل حَريم المدينة، بل المدينة ومسجدها .. الله الله في ذلك!» والمدينة هنا المدينة المنوّرة، موئل المسلمين، وثاني الحرمين، فهذا هو الهاجس المقلق، مع تزايد الأطماع وزحف المستعمر على أراضي الإسلام، ولاسيما مع احتضار الخلافة وتربّص الأعداء بها، ونلاحظ أن القطب وظّف لادّعائه كلمات في منحىً تصعيديٍّ «إقليم المدينة ... حريم ... مسجدها .. الله الله في ذلك»، فمن شأنه أن يُحرّك غيرة الرجال، «ولاسيّما أن ذلك إنما يُتصوّر بأيدي المنكرين الملحدين؛ لأنهم أعرف بسياسة الطرق ... » اعتراف بالتّفوّق، لكن لا ينبغي أن يُقابل بالغفلة!
ثم إن الأمر لا يتعلّق بالخطر الدنيوي الاستراتيجي فحسب، بل أضاف أيضا؛ «فإذا أدخلت الملحدين تلك البقاع أو بعضها فأيّ حظٍّ لك يبقى في الإسلام، وأي شرٍّ بقي لم تفعله في الإسلام ... الله الله!» والتمهيد وتيسير السبل للأعداء في حكم إدخالهم وتمكينهم، «واعلم -وفّقك الله- أن تمهيد الطريق المذكور، مما يرغب فيه المنكرون الملحدون، ولو عرضت عليهم تمهيده من أموالهم لفعلوا فرحين ... » فهذا دليل على أنهم راغبون في المشروع مستبشرون به، فهو يخدم مصلحتهم المستقبِلة المحتملة، وربما دفعهم إليها، ومرة أخرى «ويسألك الله -عز
__________
(1) لم أقف على مرجع يتحدّث عن هذه العادة السيئة، ولعلها قد انقرضت وأنها كانت لظرف زمني معين، وعلى كل .. فهي قريبة الشبه، بما تنصبه بعد الدول للمسافرين من عرض ضوئي كاشف Scanner، يكشف عن جميع تفاصيل أجسادهم!
(2) ربما هي التسمية القديمة لسكّة الحديد، فهي -فعلا- جرارات متلاحقة أو عربات، وكانت تشتغل وتشق طريقها، بإيقاد النّار في الفحم الحجري. (1/111)
صفحة 18
وجل- عن (1/112)
صفحة 19
ذلك التمهيد، وينتقم منك -عافاك الله الرحمن الرحيم- على ذلك التمهيد» تحميل للمسؤولية، وتذكير بالمنتقم، لكن مع رجاء ترك التمهيد، توفيقا من الرحمن الرحيم ..
هذا هو القطب يتّقِد غيرةً على حُرُم المسلمين وحُرُماتهم .. مهما اختلف المختلِفون معه في الرّأي، والمطّلع على خُطّة السلطان عبد الحميد، يجد أنه قد اعتبر هذه المخاوف كلِّها، وعَمِل على اتّقاء ما يمكن أن يتسلّل منها، فمِن ذلك أنه اعتمد على مهندسين مسلمين -قدر الإمكان-، وأنه استغنى عن الرأسمال الأجنبي وبنوكهم، واعتمد على أموال المسلمين وتبرّعاتهم ونفقات سلاطينهم وأمرائهم .. (1)
ويبدو أن القطب كان على اطلاع على بيان المشروع، والدِّعاية التي أُقيمت له، بدليل قوله «ولو عرضت عليهم تمهيده من أموالهم لفعلوا فرحين»، لكن ربما يقلقه الضعف الذي عليه المسلمون، وإمكانية استغلال الخط في توطيد الاستعمار، ولذلك خاطب السلطان بقوله: «ولا يسألك عن إفساد أهل البدو؛ إذا لم تقدر على إصلاح فسادهم بقهرٍ ولا بإلانةٍ»، أي إذا كان في مدّ هذا الخط، تأمين لحجّاج بيت الله الحرام من خطر البدو وسطوتهم -كما يُمكن أن يتضمّن البيان-؛ فلست مسؤولا عنهم -لو تركته- مع سعيك في كفِّهم عن ذلك بأي وسيلة؛ لأن ثمة ما هو أخطرممّا قد يأتي من بدو الحضر وهجمتهم، في أي لحظة مستقبِلة؟
فمهما يكن من أمر فالقطب ختم رسالته بقوله: «وهذه نصيحة لا جدال، ولا قصد لسوءٍ، أبقاك الله منصوراً في الإسلام، سالما في دينك وبدنك وعقلك، والصلاة والسلام على مَن ترجو أنت ونحن شفاعته وآله وصحبه» (2)، فبذلك كان أنموذجاً للعالم العامل، الذي لا يشغله التأليف والتدريس عن تقديم النّصح والتّوجيه لسلطان المسلمين وخليفتهم، في ثوب التقدير والولاء ..
ولا نملك في الحقيقة وثيقة تُثبِت وصول هذه الرِّسالة إلى السلطان، ولا ماذا كان مِن جوابه وردِّه، لكن ذكر بعضهم أن السّلطان أجاب أنّه يريد أن يبسط الأمن في البلاد المقدّسة، ويُوفرّ الرّاحة للحجّاج، وكيف أن جنوده لا تصل عند الإرسال إلا بشقِّ الأنفس، ولا محيص من اعتماد هذه الوسيلة، أجابه القطب بقوله: «إن الله سبحانه وتعالى لا يكلِّفك فوق ما تستطيع، فإني أخاف أن تكون في ذلك نوايا سيئة من الدول النّصرانية للدّخول بطريقة هذا المشروع إلى البلاد المقدسة، فإذا وجد من أبناء المسلمين من يستطيع أن يسير هذا القطار فلا أرى مانعا في ذلك» (3).
وبهذا يتبيّن أن القطب كان يُتابع أنباء الدولة العثمانية، ويُدلي بدلوه في قضاياها، على غرار هذه الرسالة في مدّ خطِّ سكة حديد الحجاز، وذلك جزء من اهتمامه بالأمّة الإسلامية ونهضتها، ويرى أبو القاسم سعد الله أنّ «النهضة التي دعا إليها الشيخ اطفيش كانت تسير في اتجاه النهضة
__________
(1) ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ / 251 وما بعدها. أيضا: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /430 وما بعدها.
(2) رسالة إلى السلطان عبد الحميد، مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رسائل صادرة من القطب، رمز: أ-ر 11.
(3) ينظر: الشيخ القرادي الحاج أيوب بن إبراهيم، 1923 - 1989م آثاره الفكرية، قطب الأيمة ومواقفه السياسية (محاضرة)؛ نشر جمعية النهضة، العطف-غرداية، الجزائر، ط2 - 2009م، /203. لكن لم يذكر هذا المرجع مصدر هذه المعلومات ولا مكان وجود هذه الوثائق التي يشير إليها. (1/113)
صفحة 20
الإسلامية العامة، فقد عاصر حركة الجامعة الإسلامية، وكان يُحسّ بها أكثر من علماء القطر الآخرين، ربما لأنه اطلع بنفسه على نشاط الحركة في حجّتيه ... » (1).
وفي الحقيقة لا نزال نجهل كل اتصالاته في هذا الاتجاه، والردّود عليها .. بقي أن نشير -أخيرا- إلى رسالة علمية أجاب بها القطب الباب العالي في شأن المصحف، وقد عُدّت ضمن المفقود من أعماله (2)، فربّما الأرشيف العثماني، يكشف عنها وعن باقي مُراسلاته .. والله ولي التوفيق.
الهوامش:
__________
(1) تاريخ الجزائر الثقافي (مرجع سابق)؛ /269.
(2) ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن، الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش وثلاثية المقاومة، الجهلُ بالعِلم والتخلُّفُ بالعَمَل والِاستعمار بالجِهاد؛ الكتاب في طريقه إلى الطبع قريبا -بإذن الله تعالى-، /71. (1/114)