صفحة 1
الكتاب: طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
أ/ عمر داود قسم علم الاجتماع
المركز الجامعي غرداية
توطئة:
يلعب التعليم دورًا أساسيًا في حياة الأمم والشعوب، لأنه يشكل المحور الرئيس في ديمومة نشاط الحقول الثقافية والسياسية والاقتصادية لأي بنية اجتماعية، وفي تحديد موقعها ومكانتها في الخارطة الكونية، فتجد بذلك مختلف النظُم التعليمية نفسها مُحاصرةً بين محاولات مواكبة مقتضيات مرحلتها الزمنية لأن أي تخلف عنها سيصعب تداركه وستكون تبعاته شاملة لسائر النُظم الاجتماعية الأخرى، وثقل مستلزمات الحفاظ على هوّيتها وخصوصياتها الثقافية.
وفي ظل التسارع الراهن لوتيرة التغيير وتفجّر الثورة المعلوماتية والتكنولوجية والمعرفية، تواجه النُظم التعليمية للبلدان الإسلامية والعربية تحديات ومخاطر جمّة، بعد أن أضحت "وضعية التبعية" التي تعاني منها معظم تلك البلدان تُعزز منحى الخضوع لنماذج تعليمية تنبع من ثقافة التغريب والهيّمنة، باعتبارها منفذًا مُهمًا لضمان امتداد امتيازات الظاهرة الكولونيالية القديمة.
فكان وجوبًا على الباحثين والدارسين الجزائريين التأسيس لنموذجٍ تعليميٍ أصيلٍ وقادرٍ على الاستفادة الواعية من الخبرات العالمية، وجعل طرائق التعليم أكثر حيوية ومرونة لتحسين نوعية المخرجات التعليمية، وصون هوّيتها. ولن يتأتى ذلك بالانغلاق على الذات ورفض الآخر، إنما بكسر حِدّة الانبهار بالغرب وفضح أسطورة الثقافة العالمية المُهيّمِنة، وإعادة بناء الموروث القديم بإزالة معوقات الاستفادة منه وإعطائه الأولوية في بناء فلسفة النظام التعليمي الجزائري.
ومن أبرز الإسهامات النظرية الموروثة في الحقل التربوي والتعليمي والأكثر تصدرًا، حسب تقديرنا، والتي قاربت بعمق الواقع المجتمعي الجزائري إسهامات عبد الرحمان ابن خلدون، وقد يكون من الصواب القول: أنَّ المفاهيم التربوية والتعليمية التي طرحها ابن خلدون تتمتع بقدر كبير من الاتساق الداخلي والانسجام فيما بينها، إلاَّ أنه من المجازفة الإقرار بترقيتها إلى درجة النظرية التربوية أو التعليمية، لأن النظرية تستلزم جملة من الشروط التي بدونها لا يمكن أن تسمى "نظرية"، (1/170)
صفحة 2
لذلك يُفضل الكثير من الدارسين استخدام مفهوم النموذج التعليمي الخلدوني.
وفي ذات السياق، يمكن اعتبار معهد الشيخ أطفيش "القطب" من المؤسسات التعليمية المتميّزة التي تركت بصماتها واضحة على البنية الاجتماعية والثقافية في مزاب، عندما اتخذ القطب من التعليم وسيلةً لتبليغ رسالته الحياتية وإصلاح المجتمع، فقضى حوالي ثمانين عامًا في التعليم، أقبل عليه الطلبة من كل حدب وصوب، فحبّب إليهم طلب العلم بانتهاجه طريقةً تعليميةً مشوقةً لم يألفها طلبة عصره، فشاع أمره، وازداد عدد طلبته المتلهفين للارتواء من نبع علمه، حتى أصبحوا امتدادًا لفكره واستمرارًا لنهجه في مواقعهم المختلفة.
فالمتتبع لمسيرة معهد القطب وطريقته التعليمية يلاحظ وجود نقاط تماس عديدة مع النموذج التعليمي الخلدوني وكأنها مستوحاة منه - رغم استبعادنا لذلك - وعليه تسعى هذه الورقة البحثية إلى الإحاطة بمختلف جوانب العملية التعليمية عند القطب، ثم الإشارة إلى النموذج التعليمي الخلدوني بكيفية مقتضبة، فمحاولة الكشف عن أهم نقاط التماس والتطابق بينهما، من خلال مقارنة مبادئ النموذج التعليمي الخلدوني بطريقة التعليم عند القطب.
عسى أن تُثير هذه المداخلة نقاشاتٍ علميةٍ واسعةٍ، تسعى إلى تكوين جسورٍ تُوحد بين الاهتمامات النظرية والمنهجية والعملية للباحثين، وتساهم إلى حدٍ ما في تحديد معالم السياسة التعليمية الجزائرية.
1 - حياة الشيخ أطفيش:
هو أمحمد بن يوسف بن عيسى بن عبد الرحمان بن عيسى بن إسماعيل أطفيش، وُلد سنة 1236هـ الموافق لـ1820م ببني يزقن (أوعشت بكير، 1989، ص63)، لُقب بقطب الأئمة (مجموعة مؤلفين، 1999، 4/ 848)، أظهر تفوقًا ونبوغًا منذ صغره، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات (محمد علي دبوز، 1965، 1/ 299)، وأصبح بذلك مؤهلاً للاستزادة، فتلقى مختلف العلوم والفنون على يد عدّة مشايخ منهم أخوه إبراهيم بن يوسف أطفيش الذي علّمه مبادئ علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه وأصول التشريع، كما أخذ منه المنطق والصرف والبلاغة والنحو والعروض، إضافة إلى الحساب وعلم الفلك ... (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 266)، وما إن اشتد عوده واستساغ حلاوة طلب العلم، حتى شمر على ساعديه معتمدًا على نفسه في تحصيل مختلف العلوم، وقد استطاع بجده وعزيمته أن يستنسخ عددًا معتبرًا من الكتب، كما تحصل على العديد من الخزائن النفيسة من الكتب في وادي مزاب، كخزانة الشيخ عبد العزيز الثميني ومكتبة عمر بن سليمان نوح (الحاج سعيد يوسف، 1992، ص134)، حتى بلغ من النبوغ والتمكين ما جعله يجلس مبكرًا للتعليم إلى جانب شيخه وشقيقه، فتحلق من حوله من (1/171)
صفحة 3
علّموه في (1/172)
صفحة 4
الصغر ليتعلموا على يديه بعد ذلك (دبوز محمد علي، 1965، 1/ 299)، فقضى معظم فترات حياته في التعليم والتأليف، إلى أن وافته المنيَّة -رحمة الله عليه- في 1332هـ الموافق لـ 1914م ببني يزقن (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 273).
2 - معهد القطب:
أ النشأة:
ما إن بلغ القطب سن السادسة عشر من عمره، وبعد مرور عام من التعليم مع أخيه استقل بالتدريس في داره، ففتح معهده عام 1837هـ (الحاج سعيد يوسف، 1992، ص134)، فكان للرّصيد المعرفي والعلمي المتنوع الذي جمعه من مشايخه ومن مختلف المكتبات وذكاؤه الحاد وطريقة تدريسه دورًا أساسيًا في جعل معهده قِبلةً للطلبة، ومورد العطشى لطلب العلم من كل قرى وادي مزاب وخارجها حتى من تونس وليبيا، ويصف الشيخ محمد علي دبوز معهد القطب بقوله: «هو أمنية كلّ نابغة طموح في العلم، وهو كعبة القصَّاد في العلوم، تُشدُّ إليه الرِّحال من مدن ميزاب وأنحاء المغرب» (دبوز محمد علي، 1976، 2/ 227).
لقد كانت دور العلم والكتاتيب منتشرة في مزاب في زمن القطب، غير أنها لم تترك الأثر الكبير على الحياة العلمية والثقافية في المنطقة، لنظامها التقليدي، ومستواها العلمي المتواضع، فكان هدفها تلقين وتحفيظ بعض المبادئ والمتون للصبيان بالتوازي مع ما يحفظونه من القرآن الكريم (بوتردين يحي، 1989، ص49)، فأنشأ القطب معهده رغبةً منه في رفع المستوى التعليمي في مزاب، فوضع لمعهده نظامًا محكمًا وبرنامجًا دراسيًا صارمًا، فجعله مكملاً لمراحل التدريس المعهودة في ذلك الوقت، حتى سماه البعض بمعهد التعليم العالي، فأصبح قِبلة المجتهدين وغاية الطامحين إلى الارتواء من نبع علمه الغزير، فشاع أمره، وقصده الكثير من الطلبة، حتى أصبح نموذجًا لمعاهد العلوم الإسلامية في مزاب، ولم يكن هذا الصرح العلمي يأوي جميع الوافدين، وإنمّا كان ينتقي القطب منهم من توفرت فيه مجموعة من الشروط.
ب شروط الالتحاق بالمعهد:
لقد وضع القطب جُملةً من الشروط التي يجب أن تتوفر في الطالب، ليتمكن من الالتحاق بالمعهد، حِفاظًا على جودة المستوى العلمي، وحسن سير العملية التعليمية فيه، وهي:
• تمسك الطالب بمختلف التعاليم الدينية، وحسن أخلاقه.
• حفظه للقرآن الكريم واستظهاره.
• التعهد بحفظ كل متون الدّروس من فقه وعقيدة ... الخ، التي ستلقن في المعهد (أعوشت بكير، 1989، ص78 - 79). (1/173)
صفحة 5
ت المستويات الدراسية:
اختلفت مستويات طلبة القطب وتفاوتت أعمارهم، فقسّمهم إلى ثلاث مستويات يتدرج عبرها الطلبة وهي:
• مستوى المبتدئين: وتُدرس فيه المواد التالية: النحو على الأجرومية، والحديث، والشعر، والأدبيات، والأخلاق، والتربية، ويعتمد في تدريس العقيدة على كتاب "عقيدة التوحيد" للجيطالي أو كتاب "عقيدة العزّابة" لعمرو بن جُميع، أمَّا مادة الفقه فيعتمد على رائية الشيخ ابن الناظر.
• المستوى الثانوي: ويشمل برنامجهم الدراسي ما يلي: القطر لابن هشام في دراسة النحو، ونونية أبي نصر بن نوح في التوحيد، والإيضاح لعامر الشماخي في الفقه، إضافة إلى الحديث، والأشعار، والأدب ... الخ.
• المستوى العالي: غالبًا ما لا يصل إلى هذا المستوى سوى التلاميذ المتفوقين، فكان عليهم حفظ ألفية ابن مالك في النحو والصرف، والسّمرقندية في البلاغة، وأرجوزة القطب في العروض، وألفية السالمي في أصول التشريع، بالإضافة إلى الشعر، والحديث، والأخلاق (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 271).
ث طلبته:
يُعتبر طلبة القطب امتدادًا لفكره، واستمرارًا لنهجه، ومدرسته، والحديث عن عدد طلبته هو في الواقع حديثٌ عن مجتمعٍ كوَّنه بعلمه وتربيته، فيصَعُب بذلك تحديد عددهم بدقة، وقد اختلفت الأرقام من باحث إلى آخر، فقد ذكر الأب لويس دافيد Louis David أنَّ القطب قد درّس ثلاثة وثمانين طالبًا، بينما خصص محمد علي دبوز خمس صفحات للحديث عن تلاميذه المشهورين فقط (وينتن مصطفى، 1996، ص57)، أمّا أبو القاسم سعد الله فيرى أنَّ عدد تلاميذ القطب يترواح بين الثلاثين والخمسين في الموسم الدراسي الواحد، وقد بلغوا المئات في المجموع، إذا علمنا أن القطب قد درّس مدةً طويلةً من الزمن (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 272)، ويذكر النوري أنَّ عدد المتخرجين من معهد القطب يبلغ نحو المائتين (النوري حمو، 1984، ص323)، ويرى وينتن مصطفى أننا إذا رجعنا إلى الشيخ أطفيش نفسه لنستقي منه المعلومة في الموضوع، نجد أنه قد ذكر في رسالته إلى الحاكم العسكري عن تلاميذه أنهم كثيرون، وسمَّى ستة ثم قال: « ... وغيرهم لا يُحصون لأنهم يقرؤون مدة، ويتجدد آخرون» (وينتن مصطفى، 1996، ص57).
لقد نبغ معظم تلاميذ القطب في مختلف العلوم والفنون، وكان لهم الأثر الطيب في حياة (1/174)
صفحة 6
المجتمع والوطن في المجالات الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، فكان منهم القضاة الشرعيون الذين أعدّهم للنضال ضد المحاكم الأهلية الحكومية الفرنسية أمثال: بابكر بن الحاج مسعود، ووينتن الحاج عيسى بن الحاج سعيد، وبكلي سليمان بن حاجو، والحاج يحي بن صالح باعمارة، والداودي الحاج صالح بن الحاج أحمد، والداغور الحاج الناصر بن الحاج إبراهيم، والحاج محمد بن الحاج قاسم، وذواق داود بن إبراهيم، والحاج بكير بن الحاج قاسم غيرهم. وكان منهم المصلحون الذين انضموا إلى الحركة الإصلاحية الوطنية مع عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي في الشمال الجزائري كأبي اليقضان إبراهيم، وإبراهيم بن بنوح متياز.
3 - النموذج التعليمي الخلدوني:
يؤكد ابن خلدون على أنّ التعليم ضرورة من ضرورات العمران البشري، ممّا جعل المسألة التعليمية من اهتماماته الأساسية، فأفرد لها عددًا من فصول كتابه "المقدمة"، والتي تجاوزت الثمانية فصول، غير أنّ التعليم عند ابن خلدون لا يرقى إلى مستوى الاهتمام بالمسائل الاجتماعية والتاريخية والسياسية، فإذا كانت هذه الأخيرة قد حُظيت بقسطٍ وافرٍ من التحليل والدراسة من لدن الباحثين والدارسين لفكر ابن خلدون، فإنَّ مسألة التعليم عند ابن خلدون لم تنل الاهتمام الكبير من قبل هؤلاء بالرغم من أهمية الأفكار التعليمية الواردة في مقدمته، وذلك بالنظر إلى قوتها وتميّزها وتماسكها المنطقي، واقترابها الشديد من الطروحات الحديثة للفكر التربوي المعاصر (خواجة عبد العزيز، 2009، ص162).
أ التعلم والتعليم والصنائع عند ابن خلدون:
يلاحظ القارئ لكتاب "المقدمة" أنّ ابن خلدون قد أجل الحديث عن التعلم والتعليم إلى الكتاب الثالث، وتحديدًا إلى الفصل السادس، فيجده مُصنفًا مع العلوم، رغم كونه صنعةً من الصنائع حسب ابن خلدون (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص519)، وإذا كان الفصل الخامس، من الناحية المنهجية، مُخصصًا للصنائع، ويتضمن الفصل السادس مختلف العلوم، نجد أنَّ صاحب الكتاب قد أدمج التعلم والتعليم في فصل العلوم، ولم يتحدث عنه عندما تطرق للصنائع، لأنه أراد أن يُبين ما يلي:
- إذا برع المرء وأجاد في التعلم اكتسب عقلاً فريدًا، وأصبحت لديه الملكة، لذلك فالتعلم شبيه بالصناعة في اكتساب صاحبها للملكة (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص522)، وفي دورها البنائي والتكويني لذات الفرد. (1/175)
صفحة 7
- يرتبط التعليم بالعلوم ارتباطًا وثيقًا لا انفصال بينهما، باعتبار أنّ الإنسان مفكر بطبعه، بمعنى أنَّ الرُغبة في التحصيل والإدراك مستمرة ما استمرت حياته، فيتعلم الفرد ممن (1/176)
صفحة 8
سبقه بعلمٍ أو زاد عليه بمعرفةٍ أو إدراكٍ، لذلك نجذ الأنفس تتشوق إلى التحصيل، فيفزعون إلى أهل المعرفة.
- تُصنف الصنائع إلى نوعين: صنائع مرتبطة بالمعاش، تتحدد ضرورتها وفق منتوجها وحاجة "أهل العمران" له، ومنهجها عملي تطبيقي، وأخرى منهجها نظري لارتباطها بعالم الأفكار (خضير إدريس، 2003، ص218 - 219)، ويعتقد أصحابها أنهم يقدمون منتوجًا يحمل قيمًا عليا، لا يخضع لأرباب الأموال والصنائع الأخرى (خواجة عبد العزيز، 2009، ص168)، وهي زائدة عن المعاش، بمعنى أنَّ "أهل العمران" لا يهتمون بهذا الصنف إلاّ إذا وصلوا إلى مستوى الاكتفاء الذاتي المادي، بالرغم من أنه سمةٌ من سمات ازدياد درجة الحضارة وتوسع العمران، لذلك فإنَّ هذا الصنف أقرب للعلوم من الصنائع.
ب مفهوم "الملكة" عند ابن خلدون:
وعلى امتداد الفصول المخصصة للتعلم وللتعليم، وفي أكثر من موضوع من كتاب "المقدمة" يرد مفهوم "الملكة"، وفي كل مرة يتخذ معنى سياقيًا مضبوطًا. وليس من المجازفة القول أنه إذا كان مفهوم "العصبية" هو المفهوم المركزي في تحليلات ابن خلدون للعمران البشري، فإن مفهوم "الملكة" هو المفهوم المركزي في تحليلاته المتصلة بالتعلم والتعليم.
لذلك فإنه من غير الممكن الحديث عن المنظور الخلدوني التعليمي دون الإلمام بهذا المفهوم، وعليه يمكن أن نعرف "الملكة" بما يلي: هي صفة فردية جسمانية وذهنية مترسخة، وقابلة للملاحظة، والتطور، وتزيد وتنقص، وتُكتسب بتكرار الفعل، وينتج عنها الذكاء والحذق والكيس (فضال نادية، 2009، ص308).
والملاحظ أن ابن خلدون يميز بين نوعين من الملكات، هي:
• الملكات الأساسية: التي ينبغي للمتعلم أن يحصلها وهي غاية التعلم وهدفه الأسمى «وذلك أن الحذق في التعلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص681).
• الملكات الوَسَطية: التي تخدم غيرها في طريق تحصيل الملكة الأساسية، فالمتعلم يُحصِّل ملكة وسطية تساعده على الوصول إلى الملكة الأساسية (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص681). (1/177)
صفحة 9
4 - مبادئ النموذج التعليمي الخلدوني مقارنةً بطريقة التعليم عند القطب:
• إحاطة المعلم بمبادئ التعليم: يعتقد ابن خلدون أن المعلمين هم سند هذه الصناعة، لذا يجب أن يكون المعلم ذا كفاءة وقدرة على التعليم، فلا توكل مهمة التعليم إلاَّ لمن مر بالمراحل التالية: مرحلة التعلم والتحصيل، ثم مرحلة حيازة العلم، ليصل بعد ذلك إلى مرحلة تعليم الناشئة.
ومن الواضح أنَّ هذا النوع من التحليل ليس غريبًا عن ابن خلدون الذي يتبنى نظرية الأطوار في تحليل وتفسير الظواهر التاريخية والسياسية والاجتماعية، فإذا كان التاريخ العام للمجتمع ينتقل من البداوة إلى الحضارة، وإذا كانت الدولة تنتقل من الشباب إلى الانحطاط، وإذا كانت السلطة تتطور من الملك الطبيعي إلى الخلافة مرورًا بالحكم العقلي، فإن الفكر يتطور من التعلم إلى التعليم.
وهذا ما نجده عند القطب، فقد امتلك أسلوبًا تعليميًا متميزًا مقارنةً بما كان سائدًا حينها، باتباع خطوات منهجية في إيصال المعلومة للطلبة ورسوخها في أذهانهم، فاستطاع بذلك جلب اهتمامهم وتشويقهم لتحصيل المزيد من المعرفة (أعوشت بكير، 1989، ص80). فقد كان يشرف بنفسه على تدريس جميع المستويات، باستثناء بعض دروس الطلبة المبتدئين، إذ كان يستعين من حينٍ إلى آخر ببعض طلبته المتميزين، والذين مروا بالمراحل التي ذكرها بن خلدون كالشيخ إسماعيل بن إبراهيم زرقون، وسليمان بن بكر المطهري، وعمر بن حمو بكلي (دبوز محمد، 1976، 2/ 237).
• حسن الإصغاء للمعلم والاهتمام بالكتابة: يعتبر ابن خلدون السمع أبو الملكات اللسانية، لذلك يحث المتعلمين على الاهتمام بالمنطوق والمسموع قبل المقروء والمكتوب، لأن حسن الإصغاء يساعد كثيرًا على تنمية ملكة اللغة الشفهية (فضال نادية، 2009، ص309)، كما ركَّز ابن خلدون على التدوين والكتابة لكونها مفيدة للعقل، فالكتابة تتضمن عملية ذهنية معقدة فيها «انتقال من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص686). وإنّ تكرار هذه العملية الذهنية المتضمنة في الكتابة يكون ملكة الانتقال السريع بين الدوال والمدلولات، هذه الملكة تزيد العقل تعقلاً وفطنة وذكاء.
إن كان هذا المبدأ مخصصا للفئات التعليمية المبتدئة، حيث يتعلم الناشئ كتابة الأحرف والكلمات، إلاَّ أنَّ المتمعن في طريقة التدريس عند القطب يكتشف حرصه على توظيف هذا المبدأ الخلدوني توظيفًا جليًا، أنه كان يحث جل طلبته بمختلف مستوياتهم (1/178)
صفحة 10
على حسن التركيز والإصغاء الجيد أثناء إلقاء الدرس، وإلزامهم بتقييد وتدوين ما شُرح، أو حُلَّ
من الإشكالات العلمية والفقهية مع كتابة التعليقات وشرح الألفاظ الغريبة في دفاترهم أو على هامش الكتب (دبوز محمد، 1976، 2/ 235).
• مرافقة وملازمة شيوخ العلم: وهذا ما يساعد المتعلمين على تلقي مختلف العلوم مباشرةً من أصحابها، أي من ذوي ملكات العلم المطلوب، حيث يرى ابن خلدون أن البعض ممن ارتحل وجالس العلماء لأجل طلب العلم، عاد بعد ذلك حاذقًا للصنعة، بينما البعض الآخر فقد أفن الكثير من عمره في مجالسة المجالس العلمية المختلفة، وهو لا ينطق ولا يُفاوض، فكانت عنايته مقتصرة على الحفظ لانعدام وجود "السند" أي المعلم، فانحصرت مداركه وعجز لسانه عن ترديد سوى المحفوظ من العلم (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص693)، فعلى قدر كثرة الاحتكاك بالمعلمين يكون حصول مختلف الملكات ورسوخها.
لقد استطاع القطب بعلمه وأسلوب تعليمه المُميّز وببرنامجه التدريسي الدقيق جلب الطلبة من مختلف مناطق مزاب ومن أقطارٍ إسلامية عدة، لازموه كثيرًا حتى في تنقلاته، فسافروا معه أينما ارتحل ورافقوه مستزيدين من مختلف معارفه وشجعهم على ذلك (دبوز محمد، 1976، 2/ 235)، حتى تخوفت السلطات الفرنسية من تنقلاتهم وراقبت تحركاتهم ( Cuperly Pierre, 1972, p07).
• قيام الحوار والجدل بين المعلم والمتعلم: يعتبر ابن خلدون أنّ الحوار يساعد على تفتق الذهن، واتساع المدارك، وفك عقال اللسان (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص693).
كان القطب يحث طلبته على الحوار وطرح الإشكالات وإثراء الدرس ومحاورته، فكان يولي اهتمامًا وعنايةً خاصةً بأسئلتهم، فيكتبها ويحقق مسائلها، وكثيرًا ما رجع إلى المصادر أثناء الدرس (مجموعة مؤلفين، 1999، 4/ 838)، وحينما تكثر عليه أسئلة الدرس، ويتزاحم طلبته في طرح الأسئلة، كان يقول لهم: «إني أستحضر لكم جميع ما تسألون شيئًا فشيئًا وأوضحه لكم كذلك ففي ولم العجلة والسبق؟» (حفار إبراهيم، دس، ص90).
• اختيار الاصطلاح والتآليف الأنسب للتعليم: يرى ابن خلدون أن «تعليم العلم صناعةٌ، اختلفت الاصطلاحات فيه، فلكل إمام من أئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص679). فالاصطلاح هو منهج تدريس العلم، وتعدد الاصطلاحات واختلافها مثل تعدد طرق الصنعة، لذلك فإنَّه (1/179)
صفحة 11
يُرجع أسباب قصور العلم وعدم تملك ملكته إلى اختلاف الاصطلاحات في التعليم وكثرة التآليف، ومطالبة المتعلم باستحضارها جميعًا حفظًا بالرغم من تكرارها ووحدة معناها، (1/180)
صفحة 12
واعتبر ذلك مضيعة للوقت ولعمر المتعلم، دون تحقيق الأهداف المرجوة، (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص679). والمقصود هو تلك التآليف التي كان يستغرق فيها المتعلمون عمرهم كله من أجل حفظها ومراعاة طرقها، وهي تآليف في الغالب فقهية ولغوية، وإنَّ هذا النقد يهدف إلى الاقتصار على المسائل المذهبية الأساسية في النحو مثلاً تيسيرًا للتعلم واختصارًا للزمن وبالتالي الوصول إلى تعليم مفيد.
وهذا ما يتوافق تمامًا مع ما كان يقوم به القطب، فكان منهجه موحدًا في التعليم، ولم يكن اعتماده على مؤلفات التدريس عفويًا، بل كان يولي اهتمامًا كبيرًا لاختيارها، فوظّف أمهات الكتب الإباضية ككتاب "النيل" مثلاً في التعليم، كما اعتمد أيضًا على كتب غير إباضية ككتاب "الكشَّاف" للزمخشري، وفي حالة ما لم ترق الكتب المتوفرة لديه إلى مستوى تطلعاته كان يؤلّف بنفسه ويعتمد مؤلفاته في المعهد لدرء بعض النقائص، مثل كتاب "التّيسير في التفسير" و"وفاء الضمانة في الحديث" ... الخ، ومن أجل مساعدة طلبته في التحصيل وفك الغموض الموجود في بعض المصادر المعتمدة، كان القطب يقوم بشرحها مثلما فعل مع كتاب "النيل" للشيخ عبد العزيز الثميني (دبوز محمد علي، 1965، ص ص 372 - 374).
• الاختصارات مخلة بالتعليم: وفي المقابل لا يعتبر ابن خلدون أن التعليم القائم على الاختصارات هو البديل، بل يرى أن كثرة الاختصارات تضر العملية التعليمية، ويعزو ذلك إلى أنها تخل بالعلاقة التواصلية بين المعلم والمتعلم، وتجعل الفهم أعسر فضلاً عن أنها تستبق المراحل المنهجية، والنتيجة أنَّ «الملكة الخاصة من التعليم في تلك المختصرات، إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة، فهي ملكة قاصرة على الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص683). لذلك يمكن القول أنَّ ابن خلدون يجعل من الإيجاز المفيد في تقديم المسائل التعليمية وحسن انتقائها شرطًا من شروط نجاح العملية التعليمية؛ إذ لا ينبغي الاستكثار من العلوم التي لا يجب التوسع فيها من جهة، لأن الهدف من التعلم هو معرفة الصواب والخطأ، ومن جهة أخرى لا يجب الاندفاع على الاختصار المخل الذي يحدث خللاً في إيصال المعاني.
وهذا ما ينطبق مع الممارسة التعليمية للقطب، بحيث أنَّ المواد الدراسية قد تنوعت وتعددت في معهده، ويمكن تصنيفها إلى علومٍ شرعيةٍ كالتفسير والحديث والتوحيد والفقه ... ، وعلوم لغوية وأدبية كالنحو والصرف والبلاغة والعروض ... ، وصنف آخر يشمل (1/181)
صفحة 13
علم التربية والأخلاق ... ، ويروي الشيخ محمد علي دبوز أنّ القطب كان يكتفي في شرحه لدروس المواد المذكورة بالإيجاز المفيد، ولم يكن يتوسع فيها كثيرًا كي يسهل للطلبة
استيعابها وفهمها، لذلك فقد كان يحدد بدقة المصادر المعتمدة، ولم يزد عنها سوى كتاب "قناطر الخيرات" للجيطالي وهو تأليف في المجال الأدبي والأخلاقي (دبوز محمد علي، 1965، ص 373).
• عدم التوسع في دراسة العلوم الآلية: يصنف ابن خلدون العلوم إلى: علوم حكمية فلسفية، وعلوم نقلية وضعية. وفي تصنيف آخر يميز بين: علوم مقصودة بالذات، وعلوم آلية. الأولى مقصودة في ذاتها كالشرعيات والفقه وعلم الكلام، والثانية ليست سوى أداة لدراسة الأولى والولوج فيها مثل اللغة العربية فهي ضرورة وطريق لبلوغ العلوم الشرعية، لكنها ليست مقصودة لذاتها كلغة بل كطريقة إلى علم آخر مقصود لذاته.
في ذات السياق، يرى ابن خلدون أن العلوم الآلية لا ينبغي التوسع فيها وفي تدريسها «لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها»، ثم يتساءل مستنكرًا «فإذا قضوا [المتعلمون] العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص685). فالسبب وراء هذا الموقف هو ضخامة الكتلة المعرفية لهذا الصنف من العلوم، رغم كونها طريقًا إلى العلوم المقصودة بذاتها. فابن خلدون ينظر إلى التعليم نظرة برغماتية نفعية تصبو إلى تحقيق الملكة في أقصر وقت وبأقل العلوم الضرورية دون الإبحار في عمق العلوم الآلية.
يبدو أنّ طريقة التعليم عند القطب لا تتوافق مع هذا المبدأ الخلدوني، إذ لم يكن القطب يولي اهتمامًا خاصًا لمادة على حساب المواد الدراسية الأخرى، فقد جعل من حفظ متون المواد المختلفة شرطًا أساسيًا للانتماء إلى المعهد (أعوشت بكير، 1989، ص79)، بمعنى أنه لم يفصل بين العلوم المُدرّسة في معهده لأنه اعتقد وجوب تحصيلها جميعًا كي يصل المتعلم إلى مرحلة الحيازة، بل يشير المؤرخ أبو القاسم سعد الله إلى أنّ القطب كان يحب الأدب الأندلسي ويُولي له اهتمامًا خاصًا (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 272)، وفن الأدب من العلوم الآلية حسب التصنيف الخلدوني.
• مراعاة مقدرة المتعلم ومساعدته على الفهم: بما أنَّ القدرات الاستيعابية للمتعلمين تختلف، فإنَّ ابن خلدون يرى أنَّ على المعلم أن يراعي قوة عقل المتعلم واستعداده لقبول ما يورده عليه (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص684). وهذا ما يُطلق عليه حديثًا بمراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، لأن ابن خلدون يدرك بأن الأفراد يختلفون في درجة الذكاء والاستيعاب. (1/182)
صفحة 14
لقد راعى القطب في تعليمه القدرات الاستيعابية لطلبته، وأدرك وجود فوارق بينهم، فكان يكرر شرح الدرس الواحد مرات عديدة، وكثيرًا ما لجأ إلى استعمال اللغة المزابية في (1/183)
صفحة 15
الشرح لتقريب المعاني إلى عقول طلبته (حفار إبراهيم، دس، ص88)، وكان لا يختم الدرس إلاّ إذا تيّقن من فهمهم جميعًا له، بالمقابل كان يخصص لطلبته المتفوقين بعض الكتب التي تبدو مستعصية الفهم على الآخرين ككتب الأحكام مثلاً (دبوز محمد علي، 1965، ص 374)، كما خصص للطلبة النجباء والراغبين في الاستزادة والتوسع في بعض المواضيع دروسًا خاصة بعد صلاة العشاء، ثم تحولت إلى وقت صلاة العصر بطلبٍ منهم (دبوز محمد علي، 1976، ص 234).
• الفصل بين العلوم: لا يجوز للمعلم أن يخلط على المتعلم بين علمين في آن واحد، لأنه حينئذٍ «قل أن يظفر بواحدٍ منهما، لما فيه من تقسيمٍ للبال وانصرافه عن كل واحدٍ منهما إلى تفهم الآخر» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص685). ويقصد بذلك عدم الانتقال من مسألة علمية إلى مسألة علمية أخرى دون فهم المتعلم للمسألة الأولى، لأن ذلك يؤذي إلى الخلط بين المسألتين، ويترتب على ذلك انقسام ذهن المتعلم وتوزيع تركيزه، لذلك يجب على المعلم الاستمرار في تلقين المسألة الواحدة إلى أن ينتهي منها، ويتحقق من استيعاب المتعلمين لها.
وهذا ما اعتمد عليه القطب في تعليمه، فقد كان لا يُنهي درس مادة من المواد المُدرّسة إلاَّ إذا تيقن من استيعاب جميع طلبته له، فلا ينتقل إلى علمٍ أو فنٍ آخر إلاّ إذا تحقق من فهم الطلبة، وغالبًا ما كان يُوجه أسئلةً ويُثير إشكالات لمعرفة ما مدى رسوخ معلومات الدرس في أذهان طلبته، ولا يتحدث أثناء الدرس إلاَّ بما له ارتباط وثيق بموضوعه وفي هذا الصدد يقول الشيخ حفَّار عن شيخه: «لا يمازج تدريسه بالأخبار والفضلات الوقتية ( ... ) ويعرض عن مجاوبة الطالب إذا خرج بسؤاله عن جادة ما هو بصدده» (حفار إبراهيم، ب س، ص89 - 90).
• حصول ملكة اللسان بكثرة الحفظ وجودة المحفوظ: يعتقد ابن خلدون أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يرغب في تعلم اللسان العربي، وجودة المحفوظ تتحكم في جودة الملكة الحاصلة (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص737)، لذلك فهو يؤكد على ضرورة تحفيظ القرآن الكريم للأبناء منذ الصبا.
لقد سبق وأن تمت الإشارة إلى أن القطب قد قيَّد شروطًا للانضمام إلى معهده، ومن بين تلك الشروط حفظ القرآن الكريم واستظهاره، لعلمه أنَّه الأساس في حفظ مختلف المتون الضرورية (وينتن مصطفى، 1996، ص56)، ولأنّ الحفظ يساعد في اكتساب مختلف الملكات. (1/184)
صفحة 16
• اعتماد مبدأ التدرج: إنَّ قبول العلم والاستعداد لفهمه ينشأ تدريجيًا، فالمتعلم يعجز بادئ الأمر من فهو المسائل المركبة والمعقّدة، فالأمر يتطلب التدرج التصاعدي بما يناسب المتعلم والموضوع معًا، فيقول ابن خلدون: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدرج شيئًا فشيئًا، وقليلاً قليلاً، يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقربه شرحها على سبيل الإجمال» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص737).
ويمكننا القول أن القطب قد راع هذا المبدأ في جانب التدرج التصاعدي، أي من السهل والبسيط إلى الصعب والمعقد في الحصة التعليمية الواحدة، فبالرغم من اختلاف الدروس بين المستويات بالمعهد، إلاَّ أنَّ حضورها كان إجباريًا على جميع الطلبة، فيبدأ بدروس المبتدئين ثم الثانويين وأخيرًا دروس طلبة المستوى العالي، وكان لطريقته هذه هدف ومغزى، حيث يساير طلبة الثانوي والمستوى العالي دروس المبتدئين وفي نفس الوقت يُعتبر ذلك مراجعةً واستذكارًا لما نُسي، ولن يشعروا بالملل، بينما تجعل دروس المستوى الثانوي والعالي الطلبة المبتدئين يألفونها ويتعودون عليها وتُثير فيهم الحماس واللهفة والشوق لبلوغها، ثم تزول غرابتها وغموضها عندما يصلون إليها، ولو بدأ القطب بدروس المستوى العالي لشعر المبتدئون بالملل والخمول واستصعبوا فهم دروسهم.
بينما اعتمد القطب التدرج العكسي، أي من الصعب المعقد إلى السهل البسيط في توزيع المواد المُدرّسة على أيام الأسبوع، مراعيًا بذلك نشاط الطلبة، إذ خصص أيام السبت إلى الثلاثاء لتدريس علم الكلام والفقه وأصوله والنّحو والبلاغة، بينما كانت دروس يوم الأربعاء "خفيفة" كدرس الأخلاق مثلاً، آخذًا بعين الاعتبار فتور وقلة نشاط الطلبة في نهاية الأسبوع (دبوز محمد علي، 1976، ص235).
• التكرار لأجل الترسيخ: يرى ابن خلدون أنّ تكرار المسائل السابقة قبل التطرق إلى المسائل اللاحقة يرمي إلى تمكين المتعلم من تحصيل الملكة، وتؤهله إلى فهم وتحصيل المسائل الأخرى من ذلك العلم أو الفن، وهكذا تباعًا، وبعد انتهاء الإلقاء الأولي (الإجمالي)، تأتي المرحلة الثانية بحيث يرجع المعلم بالمتعلم إلى تلك المسائل التي سبقت دراستها فيرفع مستوى التعليم إلى أعلى ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمالي ويذكر ما هنالك من خلاف ووجهة إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، وبهذا تنتهي المرحلة الثانية، وتبدأ المرحلة الثالثة، بالرجوع بالمتعلم إلى جميع المسائل التي تمت دراستها سابقًا، وبذلك يعمل المعلم على أن «لا يترك عويصًا ولا مبهمًا ولا مغلقًا إلا (1/185)
صفحة 17
وضّحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص684).
يوافق القطب ابن خلدون في هذا المبدأ، فكان يغتنم فرصة حضور طلبة جميع المستويات للربط بين مختلف دروس العلم الواحد، وقد كان مستعدًا لإعادة شرح الدرس بأكمله عدة مرات دون تذمّر أو ملل كما يذكر طلبته (دبوز محمد علي، 1965، ص373)، لأن هدفه الأسمى هو استيعاب طلبته لعناصر الدرس استيعابًا كاملاً، وبذلك يقدم لنا القطب نموذجًا عن المعلم المثالي.
• الابتعاد عن الشدّة والقهر على المتعلمين: ينتقد ابن خلدون "العقاب البدني" المُسلط على المتعلمين ولاسيما الأطفال الصغار منهم، كما يكشف عن النتائج السلبية للشدة والتعسف والقهر في التعليم.
فالشدة تؤدي إلى انضمار نشاط وانبساط المتعلمين، وتقوده إلى الركون والكسل.
ويواصل ابن خلدون تحليل التوابع السلبية للشدّة والقهر على المتعلمين، فيكشف أنّ الخوف من القهر يدفع المتعلم حتمًا إلى الكذب والتظاهر بغير ما في عقله، فيقود هذا السلوك إلى تعلم المكر والخديعة اللذين يستنبطهما المتعلم فيصيران من عوائده وأخلاقه، لهذا فهو يقول: «و من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر و ضيق عن النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه إلى الكسل و حمل على الكذب و الخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه و علمه المكر و الخديعة» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص692).
وإذا بلغ المتعلم هذا المستوى «فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الخلق الجميل، فانقبضت على غاياتها ومدى إنسانيتها وعاد في أسفل السافلين» (ابن خلدون عبد الرحمان، 2004، ص692).
والمحصلة هي أن الشدّة والتسلط على المتعلمين مضرٌ به، إذ يقود إلى انطماس المعاني الإنسانية وبروز المعاني الحيوانية.
لقد كان القطب مدركًا لتوابع وسلبيات ممارسة الشدّة والقهر على الطلبة، فلم يتسلط يومًا على طلبته، ولم يمارس الضرب عليهم بمختلف أنواعه وألوانه (أعوشت بكير، 1989، ص80)، بالرغم من شيوع تلك الأساليب في عصره، بل كان رحيمًا بهم، فإذا أحس بتعبهم روّح عنهم بما يدفعهم إلى النشاط والتركيز، «وكان يطرز درسه غالبًا بشيء من النوادر والغرائب العتيقة طردًا لطحالب العياء ولجيوش النوم والكسل عن أبدانهم (1/186)
صفحة 18
واستحضارًا لأفكار الطلبة واسترجاعًا لغائب أذهانهم لما هو المقصود بالذات») (حفار إبراهيم، ب س، ص88). (1/187)
صفحة 19
الخلاصة:
يمكن القول أنَّ ابن خلدون قد اعتبر التعليم صناعة، فنجاحها وفشلها مرتبطان بالقائمين بها، وقد وُفق القطب في مهمة التعليم بتكوين نخبة من الطلبة الذين احتلوا مواقع مختلفة في بلدانهم، وأسسوا لفكر دينيٍ تنويريٍ جديد، ورفعوا عن مجتمعاتهم الكثير من مظاهر الجهل والتخلف، وما هذا النجاح إلاَّ كنوعٍ من أنواع التفاعل الإيجابي حتى وإن لم يكن مقصودًا بين التصورات النظرية وتطبيقات الميدانية لها، لصناعة منظورٍ تربويٍ وتعليميٍ تكامليٍ شموليٍ لا ينحصر في البُعد البيداغوجي الذي يعتمد عمليًا على الاهتمام بطرق التدريس المختلفة والتقويم التربوي، ومجمل تقنيات التحليل الديداكتيكي ... الخ فحسب، بل يتعداه إلى التوافق مع خصوصية السياق المجتمعي العام.
وما من شك أن الأمر يتطلب بحوثًا ودراسات مستفيضة وموسعة، فيكفي لهذا الملتقى وغيره من الملتقيات العلمية المُماثلة أن تفتح أمامنا أفاقًا أرحب للتفكير والعمل المبادر لاقتحام ميدان الإسهامات التربوية لعلماء الإسلام، والذي يُعتبر على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية والصدارة، لا لمردوديته على مستوى البحث الأكاديمي فحسب، بل لما يُنتظر منه من إسهامٍ حقيقيٍ في تشكيل لبنةٍ أساسية في بناء تصورٍ علميٍ لواقعنا المتداخل في جوانبه التعليمية والتربوية والاجتماعية والثقافية، وفهم طبيعة التحولات البنيوية للإطار المجتمعي المرجعي. (1/188)
صفحة 20
المصادر والمراجع:
1. ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، تح: الطاهر أحمد حامد، دار الفجر للتراث، ط01، القاهرة، 2004.
2. أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج03، دار الغرب الإسلامي، ط01، بيروت، 1998.
3. الحاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية، المطبعة العربية، غرداية، 1992.
4. أعوشت بكير، قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش: حياته، وآثاره الفكرية، وجهاده، المطبعة العربية، غرداية، 1989.
5. حفَّار إبراهيم، السلاسل الذهبية بالشمائل الطُفيشية، كتابة: عبد الرحمان الحاج عمر، إخراج: حفيد الشيخ أطفيش، ب د ن، الجزائر، ب س ن.
6. خضير إدريس، التفكير الاجتماعي الخلدوني وأثره في علم الاجتماع الحديث، موفم للنشر، الجزائر، 2003.
7. دبوز محمد علي، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج01، المطبعة التعاونية، ط01، ب م ن، 1965.
8. دبوز محمد علي، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج02، مطبعة البعث، ط01، قسنطينة (الجزائر)، 1976.
9. مجموعة مؤلفين، معجم أعلام الإباضية، جمعية التراث، ط01، غرداية (الجزائر)، 1999.
10. عيسى حمو النوري، نُبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية من سنة 1505م إلى 1962م، ج01، دار الكروان، باريس، 1984.
11. وينتن مصطفى، آراء الشيخ أمحمد بن يوسف العقدية، جمعية التراث، غرداية (الجزائر)، 1996.
12. خواجة عبد العزيز، الإشكال المعرفي والتربوي في النص الخلدوني، مجلة: دراسات، ع12، جامعة عمار ثليجي بالأغواط، المطبعة العربية، غرداية (الجزائر)، أكتوبر2009.
13. فضال نادية، إسهامات وآراء ابن خلدون في علم النفس وعلم النفس التربوي، مجلة العلوم الاجتماعية، ع02، جامعة الأغواط، مطبعة رويغي، الأغواط (الجزائر)، 2008/ 2009.
14. بوتردين يحي، الشيخ امحمد بن يوسف أطفيش ومذهبه في تفسير القرآن الكريم بالمقارنة إلى تفسير أهل السُنة، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الأدب، قسم اللغة العربية، جامعة عين شمس، مصر، 1989.
15. Cuperly Pierre, Muhamed Atfiech et sa Risala, IBLA, n°130, 35e année, Tunis, 1972. (1/189)