صفحة 1
الكتاب: علاقات القطب اطفيش من خلال مراسلاته ورحلاته
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] علاقات القطب اطفيش من خلال مراسلاته ورحلاته
أ/ عبد الرحمان حاج إبراهيم قسم الحقوق
أ/ حاج أحمد كروم باحث
المركز الجامعي غرداية
تمهيد
إن العالم الراسخ في العلم لا تكون دائرة نشاطه محدودة بل إنها تكون واسعة الآمال، وبعيدة الأهداف، تشتمل أقصى ما يمكن من خلق الله تعالى حتى لا تصاب بالشلل والفشل في مهدها.
وإن إحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه من وجوب التبليغ ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجلب المصالح ودرء المفاسد بالعلم الذي يعتقده هو الصواب تفرض عليه أن يتجاوز الحواجز الوهمية التي تقف عائقا أمام غيره من الناس.
قال الله تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» [آل عمران: 104]. والعالم مكلف أن يتخذ لذلك مختلف الأساليب الممكنة والوسائل المساعدة على تحقيق هذه الأهداف النبيلة.
ومن هذه الوسائل المتاحة لهم الرحلات خارج بلدهم والمراسلات داخل بلدهم أو خارج محيطهم ونحاول من خلال المداخلة أن نبين مدى إشغال القطب لهاتين الوسيلتين وما هي النتائج الإيجابية التي حققها في مختلف مجالات العلم والعمل.
المبحث الأول: رحلاته:
لم تسجل عن القطب اطفيش رحلات كثيرة إلا رحلتين إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وما زاره من خلال الرحلة من معالم في الطريق، وأما باقي الرحلات فهي رحلات محلية لم تتعد مدينة ورقلة جنوبا ومدينة بريان شمالا.
المطلب الأول: رحلات محلية: لقد كان القطب اطفيش يقوم برحلات علمية دعوية إلى مختلف مدن وادي ميزاب بمنطقة غرداية في جنوب الجزائر وهذه الرحلات يرعاها طلبته في هذه المدن والقرى .. نذكر منها ما يلي:
1 - مدينة بريان: في سنة 1272هـ/1855م قام القطب برحلة إلى مدينة بريان وحضر فيها احتفالات أهلها بالمولد النبوي الشريف. وخلال أوقات فراغه من الإجابة على أسئلة الناس وفتواهم كانت همته قد نشطت في تأليف كتاب «تحفة أهل بريان» في علم الميراث وعندما رجع إلى معهده في بني يزقن شفعه بكتاب ثان سماه «توأم تحفة أهل بريان» فطبع الكتابان بعنوان: «التحفة والتوأم» في علم الفرائض ونقل المحقق الشيخ محمد بن أبي بكر حفار رحمه الله قوله: «إني لما رجعت من بريان صفا الوقت عن الاشتغال فظهر لي أن أصنف في الإرث كتابا وأسميه توأما لأني قد صنفت مدة إقامتي ببريان كتاب موجز في الإرث وسميته «تحفة أهل بريان» وأذكر في التوأم ما لم أذكر في التحفة وبعض ما ذكرته فيها (1). والله أعلم».
وكان الشيخ اطفيش يخلفه في التدريس أحد تلامذته الكبار أثناء غيابه في إحدى هذه الرحلات. قال الشيخ أبو اليقظان في ترجمة الشيخ سليمان مطهري رحمهم الله: «وقد أخذت عنه دروسا من الجزء 1 من النيل في شوال 1325هـ ريثما يرجع الشيخ اطفيش من بريان» (2) اهـ.
2 - القرارة: كانت للشيخ رحلات إلى القرارة مع تلاميذه يقول الشيخ أبو اليقظان: «ورافقته في زيارته لبريان والقرارة» (3).
وكان القطب اطفيش يقيم في مدينة بريان والقرارة شهرا في الخريف وشهرا في الربيع. لكن الاستعمار الفرنسي يمنعه من هذه الرحلات لأنه يبعث النهضة العلمية في النفوس وينفر الاستعمار من القلوب .. فاشترى له أعيان هاتين المدينتين نخيلا ليملكها هناك فإذا منعه الاستعمار يظهر لهم عقد الأرض وأنه ذاهب إلى رعاية نخيله سواء بالتأبير في الربيع أو لجني التمر في الخريف فيطلق سراحه.
وعند وصوله بريان أو القرارة فإنه يستقبل بحفاوة بالغة تليق بمقامه كعالم في الدين .. فينزل في مقر يخصص له مع تلاميذه. ومنزل ثان يُجهّز لخلوة الشيخ مع التحقيق والتأليف .. والناس يتنافسون في إكرامهم .. والشيخ يوزع يومه بين الدعوة إلى الله في المسجد وإجابة أسئلة الناس وإصلاح ذات البين والتأليف .. وعندما ينتهي من مجلس الرجال يتحول إلى مجلس النساء تحت إشراف حلقة العزابة وحلقة تيمسيريدين (4).
3 - مدينة العطف وما جاورها: في مدن وادي ميزاب لا يتحرك كثيرا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك من إصلاح ذات البين أو حضور مناسبة دينية محلية، فمثلا يذكر علماؤنا أن الشيخ زار مدينة العطف وفي منطقة أولاوال ضبط قبلة المصلى هناك.
وأما في مدينة مليكة فإنه كان يزورها يتعلم علم الفلك من عالم هناك كان يتقنه في برج عال ببساتين مليكة.
4 - مدينة وارجلان: في سنة 1320هـ/1902 زار القطب اطفيش مدينة ورقلة واستقبله أهلها بحفاوة عظيمة ونزل ضيفا معززا مكرما عند أعيان البلد فعقد لهم مجالس دعوية ومجالس علمية يجيب عن أسئلة الناس ورحب به المالكية والإباضية فأجروا له الخيل والبارود وكان قد زار آثار الصالحين في هذا البلد الأمين في مدينة سدراته.
وبالمناسبة أنشد الشيخ قصيدة يصف فيها هذه المشاهد في جميع مراحل الرحلة المباركة. وعندما رجع من هذه الرحلة تلقاه الشيخ الحاج عمر بن حمو بكلي رحمه الله ومجموعة من رجال الخير والصلاح فأكرموه إكراما مجيدا.
ومطلع القصيدة المذكورة هي:
قضى الله مرسل البشير النذير لنا سفرا سهلا ولو لضرير
إلى أن قال:
وسرنا على الإكرام بعد ثلاثة إذا ور?لى تزهو كأرض سدير (5)
ثم قال:
ولكن تلقانا أهل العطف إذ هم هم الناس طرا من فتى وكبير
بخيمة قطن والطعام الملون وأشربة صفت ووجه سفير
المطلب الثاني: رحلات وطنية:
وأما رحلاته الوطنية فإنها كانت محدودة جدا، حيث شملت المدن التي مر بها إلى البقاع المقدسة مرتين نذكر منها: مدينة الأغواط ومدينة الجلفة وبوسعادة، وفي هذه المدينة زار زاوية الهامل ومعهد الهاملي وألقى دروسا توجيهية للطلاب والمدرسين (6). ولمدية والبليدة والجزائر العاصمة، كما مر في هذه الرحلات بمدينة برج بوعريريج ومدينة قسنطينة ومدينة عنابة وقالمة وباتنة وبسكرة وتقرت .. وفي جميع هذه المدن كان الأعيان والعلماء يستقبلونه بحفاوة بالغة ويعقدون معه مجالس للأسئلة والفتوى، وكان يلقي دروسا توجيهية تستنهض الهمم وتحذر من الاستعمار.
المطلب الثالث: رحلات دولية:
وهي تنحصر في رحلتين قام بهما إلى الحجاز لأداء فريضة الحج .. فقد جاور في رحلته الأولى ودرس في الحرم المكي ولم يجاور في رحلته الثانية ولكنه ألقى دروسا في الحرم المدني في الروضة الشريفة.
1 - الرحلة الحجازية الأولى: وقعت سنة 1290هـ/1873م. وفيها مكث عاما كاملا مجاورا
__________
(1) - القطب اطفيش: التوأم ص1
(2) - أبو اليقظان: ملحق السير ص
(3) - أبو اليقظان: ملحق السير ص 165
(4) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة ج1 ص 340.
(5) - سليمان بومعقل: مجلة أنوار الفرقان ع2 ص 20 والقصيدة مخطوطة (نسخة مخطوطة)
(6) - ممد علي دبوز/ نهضة الجزائر الحديثة ج1 ص 351، وفي ص 70 يقول الدبوز: «وكان الشيخ محمد بن أبي القاسم شيخ الزاوية يكن للقطب أعظم الود ويجل أعظم الإجلال ويكبر عبقريته العلمية، ويعتني كل الاعتناء بتآليفه» (1/115)
صفحة 2
للكعبة الشريفة وكان يدرس ويؤلف ويجيب أسئلة المستفتين وقد درّس كتاب «السنوسية في العقائد المالكية» ويحضر حلقاته علماء أجلاء مثل:
أ- أحمد زيني دحلان (ت1304هـ/1886) صاحب الفتوحات الإسلامية
ب- ورحمة الله الهندي (1303هـ/1888م) صاحب كتاب «إظهار الحق والمناظرة الكبرى»
ج- ومحمد حسب الله (ت 1335هـ/1917) صاحب كتاب «الرياض البديعة في أصول الدين وبعض فروع الشريعة».
د- والشيخ محمد حقي التركي (ت1301هـ/1884م) صاحب كتاب «السنوحات المكية»
وكانت له معهم لقاءات ومناقشات يحضرون حلقته في الحرم المكي ويخدمونه تقديرا للعلم والعلماء. قال عنهم القطب اطفيش «وكلهم محبون لي ولأموري (1)».
وهناك ألف لهم القطب اطفيش كتاب «إيضاح المنطق في بلاد المشرق» فقال «ألفته في مكة، ولعلماء مكة تطاول إليه (2)».
ويصف القطب هذه الحلقة العلمية في مكة قائلا:
«وقد أقرأت السنوسية في المسجد الحرام لأذكر نفائس دقائق التوحيد بالمنطق ولنقصر على قومنا نفوسهم وهو محفل عظيم معمور بأصحابنا من العمانيين العلماء والطلبة وببعض الشافعية (3)».
وهذه الرحلة المباركة كان لها الفضل في توسيع رواية الحديث ونشر السنة في هذه المناطق النائية من الوطن الجزائري، قال القطب اطفيش: «وكانت كتب الحديث غير موجودة في مضاب ورأي مالكي عالم من أهل مكة مضابيا ينسخ شرح النيل في مكة ولم يجد فيه الحديث كثيرا وأعطاني البخاري ومسلما والترمذي وابن ماجه والنسائي وأبا داود وغير ذلك .. وأنا حاضر في مكةـ فانتفعت بتلك الكتب كما انتفعت بصحيح الربيع بن حبيب فجمعت منها «وفاء الضمانة وجامع الشمل في حديث خير الرسل (4)».
2 - الرحلة:
الرحلة الحجازية الثانية: هذه الرحلة وقعت سنة 1303هـ/1886م وقد خلدها في القصيدة الحجازية (232 بيتا). التي حققها الأستاذ يحي بن بهون الحاج محمد ونشرها سنة 1427هـ/2007م مطلعها:
هجرنا مساقط الرؤوس وما نرى سوى الحج إن الحج قد حان أن يرى
__________
(1) - القطب اطفيش: إيضاح المنطق في بلاد المشرق ص1 (مخطوط)
(2) - القطب اطفيش: إيضاح المنطق في بلاد المشرق ص1 (مخطوط)
(3) - القطب اطفيش: شرح النيل ج1 ص47.
(4) - القطب اطفيش: التيسير ج11 ص 235 (سورة الأحزاب) (1/119)
صفحة 3
وغير اعتمار والزيارة للنبي عليه الصلاة والسلام زها الثرى (1)
وكان في هذه الرحلة قد صحب زوجته مريامة فرطاس .. وهو يكسر بذلك حاجزا منيعا كان سببا لعدم ذهاب كثير من النساء إلى الحج لاعتبارات أمنية واجتماعية .. فرضها عليهن النظام الاجتماعي بوادي ميزاب.
وفي هذه الرحلة لم يجاور وإنما رجع مباشرة بعد تمام المناسك على طريق المدينة المنورة.
وتتميز هذه الرحلة بالدروس القيمة التي ألقاها في الروضة الشريفة بالمدينة المنورة في تفسير خواتم سورة البقرة «لله ما في السموات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ... » إلى ختام السورة لمدة ثلاثة أيام أمام جمع من علماء المدينة المنورة يراقبونه لعله يخطئ فيمنعوه حالا حسبما وافق عليه مفتي المدينة المنورة الشيخ محمد بالي الحنفي بعدما طلبه الشيخ حمزة الرفاعي مرشد الميزابيين ودليلهم في المدينة. وفي ختام الدروس الثلاثة دعا للإسلام والمسلمين (2)
زيارة إلى تونس: يقول الشيخ سالم بن يعقوب:
«لم يكن قطب الأئمة العلامة الشيخ اطفيش كثير الأسفار، وقد أعطى نفسه للتدريس والتأليف خدمة للإسلام والمسلمين. وكانت زيارته إلى جزيرة جربة في أول شهر ذي القعدة سنة 1303هـ/1886م حدثا في حد ذاته، فقد حل بها رفقة جماعة من الميزابيين قاصدين بيت الله الحرام، بعد أن أقام أياما في مدينة تونس والتقى بعلماء جامع الزيتونة وتناقش معهم في عدة مسائل، وترك دويا هاما في أهل العلم هناك (3)»
ولعل ذلك كان عند الرجوع حسبما تشير إليه قصيدته الحجازية في البيت 187
وتونس -والله- تونس كاسمها فلا وحشة فيها ولا وصبا نرى
إلى أن قال:
فقالوا لها زيتونة تؤنس الورى فسمي ذاك المصر تونس وادرى
جامعه شاعت إضافته لها ولا زال يعلو الكفر أو يبلغ الذرى
يمينا لقد تزداد تونس بهجة بطود السخاء لا رأى عوض خيرا
ويقول الشيخ محمد علي دبوز عن هذه الزيارة التاريخية «وقد توقفت باخرة القطب في طريقه إلى الحج في مدينة تونس فأسرع إليه الميزابيون الكثيرون في تونس ومعهم كثير من الأعيان والعلماء فأنزلوا القطب من الباخرة».
فأقام أياما في تونس، وقد زاره كثير من علماء الزيتونة الكبار فتفاوضوا معه في المسائل
__________
(1) - القطب اطفيش: رلة القطب ص 62
(2) - القطب اطفيش: رحلة القطب ص 45 - 46
(3) - يحي بن بهون الحاج محمد: رحلة القطب ص 78 - 79 (1/120)
صفحة 4
العلمية، وفي طرق التدريس والإصلاح، وحثهم على العناية بمجتمعهم وعدم البرودة واللامبالاة ... »
إلى أن قال: «وترك دويا كبيرا في أهل العلم بتونس وأحسن الآثار في نفوس من اجتمع بهم (1)».
وكان قد نزل ضيفا عند الكريم إبراهيم بن عمر حسبما يشير في حجازيته في البيت 199:
مديحا لإبراهيم والده عمر وكان زمان البينى وسار وزعفرا
تباكيت إذ وادعته وبكى إذا بعيني غزال أو بعين لحَبْتَرَا (2)
4 - زيارة إلى جزيرة جربة التونسية: وأما زيارته إلى جزيرة جربة التونسية فقد وثقها مؤرخ جربة الشيخ سالم بن يعقوب بقوله: «وما إن وصل قطب الأئمة إلى جربة حتى سارع أهلها لاستقباله وافدين من مختلف الجهات، وقصد جامع الشيخ، أين استقبل بحفاوة لائقة به، وأقيمت على شرفه مأدبة غذاء، ثم انتقل إلى الجامع الكبير بحومة الحشان ليقضي ليلته بجوار الشيخ إسماعيل الجيطالي، ومن في روضته من العلماء، كالشيخ محمد بن يوسف المصعبي (1188هـ/1774م) وابنه الشيخ محمد (ت1207هـ/1792م) والشيخ سعيد بن عيسى الباروني (ت 1284هـ/1867م) رحمهم الله، وبعد أن اجتمع بعلماء جامع أبي مسور، وعلى رأسهم الشيخ زكرياء، زار القطب مكتبة الجامع الكبير المملوءة بالكتب النفيسة.
وفي الغد ألقى درسا للحاضرين وتناقش معهم في عدة مسائل، ثم زود الطلبة المقيمين بالمدرسة بمعلوماته القيمة وبنصائحه الثمينة، ثم ذهب لزيارة ضريح العلامة الشيخ محمد بن عمر بن أبي ستة المحشي (1022هـ/1088م – 1613هـ/1679م) وبحومة ورْسِيغن، وذلك قبل أن يعود إلى جامع الشيخ بحومة السوق ويذهب من هناك إلى طرابلس ثم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج (3)».
5 - زيارة إلى مصر: وقد زار الشيخ اطفيش أثناء رحلته إلى الحج القاهرة عاصمة مصر وزار الأزهر الشريف وتناقش مع علمائه في بعض مسائل العلم فقال عن ذلك:
«أما المصاحف الكبار فلا تغير عن الإمام وهي كتب كبار بخط غليظ جدا متفاسح السطور والحروف لا تحتمل الحمل إلى المحاضر، والكتاب تجعل على محامل وقد شاهدتها في المدن الكبار بتلك الصفة ككتب السلطان في مصر وفي وكالة الجاموس للإباضية قرب مسجد ابن طولون في مصر جزء منها، ولم يكن في رواقهم الذي في الجامع الأزهر وهو رواق لهم عند رواق المالكية في الجامع الأزهر (4)».
المبحث الثاني: مراسلاته:
__________
(1) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة ج1 ص 351.
(2) - القطب اطفيش: رحلة القطب ص 79.
(3) - سالم بن يعقوب: تاريخ جربة ص 307.
(4) - القطب اطفيش: تفسير ألغاز ص 11 و12 (1/121)
صفحة 5
لقد اعترف بالتفوق العلمي للشيخ اطفيش رحمه الله علماء من مختلف بقاع العالم ولذلك ما (1/122)
صفحة 6
انفكوا عن مراسلته في مختلف مواضيع الفقه والتاريخ واللغة والطب والفلك والعقيدة والتفسير والحديث وغيرها. ونذكر منهم الشيخ محمد عبده رائد الإصلاح الديني في مصر عندما زار تونس عام 1903/ 1321 وجه علماء جامع الزيتونة إلى أن يسألوا القطب اطفيش في مختلف إشكالاتهم الفقهية فقال لهم معاتبا «إنا نسأله من مصر وأنتم أقرب إليه منا» فقالوا: نعم (1) .. ومنذ ذلك الحين بل وقبل ذلك الحين عندما بلغ العشرين من عمره تفرغ للتدريس والفتوى سنة 1357هـ/1938 .. يقول تلميذه الشيخ إبراهيم حفار رحمه الله «وفي درجة العشرين أو فيما ينوف عنها بقليل تصدى للفتوى وفيها صعد إلى منصة مجتهد الفتوى، وفي الثلاثين تقريبا جلس على عرش مجتهد المذهب، وفي الخمس والستين أو السبعين تقريبا ارتقى إلى منبر المجتهد المطلق (2)».
وهذا الارتقاء الفكري والتفوق العلمي وجه إليه الأنظار فقصده الناس والعلماء والباحثون بأسئلتهم المختلفة ورسائلهم المطولة شعرا ونثرا من جميع بقاع العالم الإسلامي وغير الإسلامي ليشفي غليلهم بإجاباته وتحقيقاته السديدة.
واخترت أن أعرض عليكم مضمون هذه الرسائل في مطلبين هما:
المطلب الأول: رسائل إلى العلماء والسائلين في العالم الإسلامي: لقد جاب القطب اطفيش العالم الإسلامي شرقا وغربا وشمالا وجنوبا برسائله الواردة إليه من تركيا وتونس والمغرب ومصر وزنجبار ومكة والمدينة وليبيا وعمان والبحرين والجزائر وتلمسان ومستغانم وجربة وطرابلس وغيرها.
وسوف أعرض عليكم مضمون بعض هذه المراسلات حتى نتجسد معا العلاقات العالية التي رفعت من مكانة القطب اطفيش بين أعلام عصره.
1 - تركيا:
1 - الخليفة عبد الحميد الثاني خان أرسل إليه رسالة يسأله عن خط السكة الحديدية الذي يريد مده من استانبول إلى الحجاز هل هو جائز أم لا؟
فقال له: «إنني أخاف أن تكون في ذلك نوايا سيئة من الدول النصرانية للدخول بطريقة هذا المشروع إلى البلاد المقدسة، فإذا وجد من أبناء المسلمين من يستطيع أن يسير هذا القطار فلا أرى في ذلك مانعا (3)».
2 - وبمناسبة التفوق والتوفيق في حل لغز الماء أهدى له السلطان عبد الحميد نيشان الاستحقاق (4). 3 - كما أرسل القطب اطفيش رسالة إلى السلطان عبد الحميد يستعطفه في إطلاق سراح تلميذه الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني النفوسي الذي سجن في طرابلس الغرب
__________
(1) - القطب اطفيش: الرد على الفقي ص 13/حفار السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية ص 31.
(2) - حفار: المصدر السابق ص 32
(3) - الشيخ القرادي: آثاره الفكرية ص 203.
(4) - القطب اطفيش: الرد على العقبي ص 31 (1/123)
صفحة 7
ظلما وبهتانا ودعا له بالخير والبركة إن هو استجاب لطلبه (1).
وغيرها من الرسائل المهمة التي سوف يعرضها عليكم الأستاذ المحقق صالح بن الحاج بكير سيوسيو في مداخلته.
2 - مصر: الشيخ سعيد بن قاسم الجربي القاطن بمصر (2) أرسل إليه القطب اطفيش جوابا يبين فيها بطلان الضرب على باطن الرجلين للأدب.
كما أرسل له جوابا آخر مع الحاج رمضان بن جماعة حول موضوع العدل بين النساء وغيره (3). كما عبر عن إعجابه بتآليف الشيخ قاسم الجربي وصديقه مصطفى بن إسماعيل المصري فقال: «ولا يحسن إلا ما كان على طريق تأليف الشيخ عبده والشيخ مصطفى بن إسماعيل المصري والشيخ قاسم بن سعيد الشماخي الليبي (4)».
وأحيانا لا يحدد القطب اطفيش اسم المرسل إليه بل يكتفي بصيغة العموم فيقول: «جواب سؤال أهل مصر» .. ومثال ذلك رأيت جوابين هما:
1) هل يجوز لباس النصارى لقضاء المصالح (5)
2) المسألة الثانية في عدم تعلق الأمر والنهي بالمعدوم (6).
3 - مكة المكرمة:
1 - بعد رحلتيه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج توطدت علاقات القطب اطفيش بعلماء مكة المكرمة فأصبحوا يراسلونه في مسائل فقهية مهمة ونذكر من هؤلاء العلماء الشيخ زيني دحلان والشيخ رحمة الله الهندي والشيخ محمد حسبي الله فقد أجابهم عن سؤال مهم وهو حكم صلاة العشاء في بلغاريا والمتوغلون في القطب الشمالي في سنة 1296/ 1878 وذلك بعد خمس سنوات من رجوعه من الحج (7).
2 - وكذلك أرسل إليهم قبل ذلك شرحه للغز الماء الذي ورد إليه من الشام وعجز عن حله علماء العجم والعرب ونال به ثلاثة أوسمة شرفية، وسام من فرنسا، وآخر من تركيا وثالث من زنجبار.
عمان: لقد ترك الشيخ كثيرا من الكتب والرسائل مما أجاب به أهل عمان في مختلف مسائل الفقه والنوازل الدينية وكان يرجع إلى كتبهم كثيرا حتى قال فيهم في نهاية كتاب الصوم من شرح النيل.
«أخذت هذه الجامعة من كتب أصحابنا من أهل عمان لما فيها من المنافع ولشدة حبي لأهل عمان وأهل زنجبار من أصحابنا وهم أصحاب العلوم حديثا وقديما ولتمسكهم بالمذهب،
__________
(1) - مجموع رسائل القطب ص 92 (مخطوط)
(2) - القطب اطفيش: كشف الكرب ج2 ص 248
(3) - القطب اطفيش: مجموع الرسائل ص 138.
(4) - القطب اطفيش: تيسير التفسير ج5 ص 339
(5) - القطب اطفيش: تيسير التفسير ج5 ص 158
(6) - القطب اطفيش: مجموع رسائل القطب ص 184
(7) - القطب اطفيش: جواب لعلماء مكة مطبوع طبعة حجرية سنة 1301/ 1882م / القطب اطفيش مجموع رسائل القطب ص 91 (مخطوط) / كشف الكرب ج2 ص 31. (1/124)
صفحة 8
» ثم قال «وبنفعهم إياي بإرسال الكتب أكثر من وقر بعير، ولإهدائهم إلي أشياء جليلة ولاتباعهم إياي (1/125)
صفحة 9
في أقوالي وترجيحاتي، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فببركة اسمك الأعظم يا رب زدهم علما ومالا وجاها واجمعنا معا في الخير» (1).
وأما العلماء الذين اتصل بهم الشيخ أو اتصلوا به ثم أجابهم عن أسئلتهم فنذكر منهم:
1 - الشيخ عبد الله بن حميد السالمي (ت 1332/ 1914) الملقب «نورالدين» المجتهد الضرير مجدد الفكر الإسلامي بعمان صاحب التآليف القيمة شعرا ونثرا منها معارج الآمال (2).
2 - الشيخ محمد بن شيخان بن خلف السالمي الرستاقي (3) (ت 1346هـ/1928م) له ديوان شعر مطبوع.
3 - الشيخ عيسى بن صالح الحارثي (4) (ت 1365/ 1946) صاحب مجلس الشورى لمبايعة الأئمة في نزرى بعمان مع غيره من العلماء له كتاب مطبوع في الفتاوى بعنوان «خلاصة الوسائل بترتيب المسائل».
4 - الشيخ الحاج راشد بن عزيز بن خلفان الخصيبي أبو الرشيد (ت 1347/ 1927) قاضي سلطان مسقط فيصل بن تركي ورئيس المحكمة الشرعية بمسقط (5) في عمان.
5 - سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الخروصي (ت 1287/ 1877) قاوم الاستعمار الإنجليزي بالوقوف مع الأئمة في القرن 19/ 14هـ له مؤلفات قيمة (6).
6 - محمد بن عبد الله الخليلي (ت 1373/ 1954) إمام من أئمة عمان وعالم من علماء الأمة بويع بالإمامة سنة 1919 إلى 1953 له كتاب «أجوبة فقهية» (7).
7 - سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي (ت 1337/ 1919) كان قاضيا للإمام سالم بن راشد الخروصي له كتاب «بداية الإمداد على غاية المراد» (8).
8 - عامر بن خميس بن مسعود المالكي (من بني مالك) (ت 1346/ 1928) قاض وفقيه لأئمة عمان له كتاب «موارد الألطاف نظم مختصر العدل والإنصاف» وغيره (9).
9 - سعيد بن صالح بن راشد العبري (ت 1340/ 1922) فقيه وقاض للإمام سالم بن راشد الخروصي (10).
10 - علي بن خميس بن راشد القصاب (ت بعد 1366/ 1947) له كتب وردود وأسئلة نظمية (11).
وغيرهم من الأعلام الذين ذكرهم في أجوبته ولم تعرف ترجمتهم.
وجميع هؤلاء الأعلام العمانيين أخذت أسماءهم من كتاب كشف الكرب الذي هو عبارة جمع لفتاوى القطب اطفيش مع العمانيين وغيرهم.
__________
(1) - القطب اطفيش: شرح النيل ج 3 ص 464
(2) - د. محمد ناصر: معجم أعلام الإباضية ص 271 رقم: 789
(3) - د. محمد ناصر: معجم أعلام الإباضية ص 408 رقم: 1239
(4) - السعدي: معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية ص 397 رقم 635
(5) - معجم أعلام الإباضية قسم المشرق ص 149 رقم 357
(6) - معجم أعلام الإباضية قسم المشرق ص 187 رقم 500
(7) - معجم أعلام الإباضية قسم المشرق ص 412 رقم 1256
(8) - معجم أعلام الإباضية قسم المشرق ص 219 رقم 617
(9) - فهد السعدي: معجم الفقهاء ج2 ص 217 رقم 433
(10) - فهد السعدي: معجم الفقهاء ج2 ص 92 رقم 317
(11) - فهد السعدي: معجم الفقهاء ج2 ص 354 رقم 568 (1/126)
صفحة 10
كما ألف القطب اطفيش جوابا إلى أهل عمان عن الصفرية والأزارقة والنجدية ومن نحا نحوهم من الفرقة الوهابية في نجد مطبوع طبعة حجرية سنة 1314/ 1896.
وأما مسقط في مسقط فكانت للقطب اطفيش علاقات وطيدة مع السلطان فيصل بن تركي العماني (1) حاكم مسقط من سنة 1888 إلى 1913 الذي قاوم الاستعمار الفرنسي والاستعمار الانجليزي على وطنه عمان وحاول توحيد الحكم السياسي على إدارة واحدة رغم وحدة العلماء في عهده، ولكن الاستعمار عارضه.
وقد طبع عدة كتب للشيخ اطفيش والشيخ السالمي وقد راسله الشيخ اطفيش عدة مرات في أجوبة فقهية مهمة وردود مفيدة مثل كتاب «إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري» (2).
زنجبار: وفي هذا البلد الإفريقي فقد كانت له علاقات مع:
1) سيف بن ناصر الخروصي (ت1341/ 1923) فقيه في زنجبار له كتاب «جامع أركان الإسلام» وكان قاض للسلطان برغش بن سعيد وغيره (3).
2) كما كانت له علاقات وطيدة مع السلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار الذي تكرم له بطباعة كتب جليلة مثل تفسير «هميان الزاد إلى دار المعاد» في عشرين مجلدا سنة 1314/ 1896. والذي يعتبر أول تفسير للشيخ اطفيش أتمه سنة 1271/ 1353.
3) وكانت له أيضا علاقات طيبة مع أمير دار السلام في زنجبار سليمان بن الناصر اللمكي الذي زاره في بني يزقن وأهدى له وسام الشرف من السلطان برغش بن سعيد عندما نجح القطب اطفيش في المسابقة العالمية في حل لغز الماء.
وكان الشيخ اطفيش رحمه الله كثيرا ما يجمع في مراسلاته بين سلطان زنجبار ومسقط في عمان، مثلما جمعهم في الدعاء لهم في شرح النيل ج3 ص 464.
وأحيانا يأتي السؤال إلى القطب اطفيش من أهل عمان يطلبون منه شرح كتاب أو قصيدة مثلما طلبه الشيخ فيصل بن حمود العماني أن يشرح قصيدة لامية ابن النظر العماني في الولاية والبراءة وقصيدة الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي في وصف الجنة فألف بها كتابه المفيد «الجنة في وصف الجنة» وهو مطبوع.
المغرب الإسلامي:
أ أهل جربة في تونس: أجابهم عن بعض الأسئلة في الأوقاف وغيرها من فتاوى المعاملات (4).
__________
(1) - انظر مجموع رسائل القطب اطفيش (مخطوط)
(2) - حسين غباش: عمان والديمقراطية الإسلامية ص 241 وما بعدها
(3) - فهد السعدي: معجم الفقهاء ج 2 ص 167 رقم: 393.
(4) - مجموع رسائل القطب اطفيش ص 146 (مخطوط) (1/127)
صفحة 11
ب توزر بالجريد التونسي: أرسل إلى حمي الطاهر بن عمارة رسالة إزهاق الباطل بالعلم الهاطل (مطبوع).
2 - علماء المغرب: في فاس أجابهم عن موضوع حكم تعاطي التدخين والسعوط (مطبوع).
ورسالة في الدعاء بعد الصلاة (ج2 ص 85).
3 - ليبيا:
أ- علماء زوارة في غرب ليبيا أرسل إليهم القطب اطفيش جوابا مطولا عن مسائل مختلفة في العقيدة والمعاملات والعبادات وهو مطبوع في 25 صفحة سنة 1325/ 1907.
ب- تلميذه الشيخ سليمان باشا الباروني في طرابلس وجبل نفوسة بجادو كانت بينهما مراسلات مختلفة خاصة ما يتعلق بالوحدة ونبذ الخلاف في ليبيا وميزاب نثرا وشعرا وهي مطبوعة في ديوان الشيخ سليمان الباروني (ت 1360/ 1940)
ج- وكانت للشيخ مراسلات وتبادل مدح شعرا ونثرا بينه وبين الشيخ عبد الله بن يحي الباروني بيفرن وجاد وهو والد الشيخ سليمان باشا الباروني رحمهم الله، وقد نشرت هذه القصائد في ديوان الشيخ عبد الله بن يحي الباروني .. وكذلك مجموع رسائل القطب اطفيش مخطوط (ص 204).
د- وكانت له علاقات وطيدة مع صاحبي المطبعة البارونية الشيخ الحاج محمد بن يوسف الباورني والحاج سليمان المجدلي (1) وهما اللذان اضطلعا بمهمة طبع كثير من كتب المذهب الإباضي وغيره في شمال إفريقيا وخاصة كتب القطب اطفيش الأولى مثل «وفاء الضمانة بأداء الأمانة» في الحديث، وكتاب «جامع الشمل في حديث خير الرسل» وغيرها ..
كما راسل كثيرا من العلماء في مختلف مناطق الوطن الجزائري نذكر منهم ما يلي:
تلمسان: في الغرب الجزائري أرسل إليهم جوابا موسعا عن تحريم التدخين والسعوط، وقد طبعت هذه الرسالة طبعة حجرية سنة 1326هـ/1906م.
سيدي عقبة: في بسكرة أرسل رسالة مطولة إلى حمه يعرفه بالمذهب الإباضي عن طريق مآثره عبر التاريخ وعن طريق العلماء الذين اعترفوا له في عصره وقبل عصره وهذا الجواب مطبوع طبعة حجرية سنة وطبعة ثانية مع تعليقات صديقه الشيخ عبد الله بن حميد السالمي سنة
أولاد سيد الشيخ الأبيض: حمزة المغربي البكري قال عنه القطب اطفيش: «هو رجل رفيع القدر في المغرب وهو رجل يميل إلي وإلى إعزازي جدا وسعى في ذلك ويأمر به ويوصي (2)» وقد سأله بعض تلاميذه عن ميراث شخصين ماتا في وقت واحد أحدهما في الشرق والآخر في الغرب
__________
(1) - القطب اطفيس: كشف الكرب ج2 ص 285
(2) - كشف الكرب ج 2 ص 325 / جواب إلى أهل مكة ص 10 (1/128)
صفحة 12
فأجابه إجابة علمية مفيدة (مطبوع في جواب إلى أهل مكة).
الهوامش: (1/129)