صفحة 1
الكتاب: فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] فلسفة الأخلاق عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش
أ/ خضير بن بكير بابا واعمر
باحث-غرداية
مقدمة
الحمد لله الذي سوّى النفس البشرية، فألهمها فجورها وتقواها، وحكم بالفلاح المحقق على من زكّاها، وبالخيبة الكبرى على من دسّاها، والصلاة والسلام على النبي الأميّ الذي امتدحه خالقه تعالى بالعظمة الأخلاقية فقال جل علاه في شأنه مؤكدا ومقررا: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم:4].
أما بعد:
إن البحث في الأخلاق قد شغل حيزا من اهتمام المفكرين والفلاسفة والعلماء على مرّ العصور نظرا لأهمية الأخلاق في تنظيم العلاقات الاجتماعية، وضبط سلوكات الأفراد والجماعات، فهي تشكل لا محالة العامل الحاسم في صلاح الأمم إن صلُحت، وفي فسادها وزوالها إن فسدت. وصدق الشاعر حين قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت وإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فقد سعى كل فريق من هؤلاء الدارسين انطلاقا من توجهاتهم الفلسفية، والدينية، والاجتماعية إلى وضع معايير للقيم الأخلاقية، ورسم قواعد مُلزمة لسلوك البشر والجماعات.
بيد أن ما يضعه البشر لأنفسهم من معاييرَ محدِّدَةٍ للقيم تبقى دوما مصبوغة بمسحة من الذاتية، والنسبية، والفردية، وهوى النفس، وظرفية الزمان والمكان، والتَّغير، وعدم الثبات والاستمرار، واللاتوازن ... صفات دالة على العجز البشري الفاضح، ولامناص منه، لأن الإنسان هو الباحث والمبحوث فيه في آن واحد، فأنَّى له أن يصل بمفرده إلى المعايير العليا، ويحيط بالمثل الفضلى التي تضبط سلوكه، ويُلزم بها نفسه أو جماعته؟؟
فاعترافا بهذا العجز والقصور وجب على الإنسان اللبيب أن يُسَلّم بمصدرية الدين الحنيف في تشريعه للقيم الأخلاقية السامية لأنه السبيل الآمن لتحقيق إنسانية الإنسان، وما فيه سعادته في (1/471)
صفحة 2
العاجل والآجل.
ولقد بذل علماء الإسلام جهودا في شرح هذه القيم الأخلاقية، وتفصيلها، وبيان آثارها، ودعوة الناس إلى الالتزام بها كما بينها القرآن الكريم، وجسّدها الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. فكان الأنموذجَ العمليَّ الفاضل، والقدوةَ الحسنة لكلّ المريدين في اكتساب القيم الفاضلة، والارتقاء في مدارجها العالية.
وسأحاول -من خلال هذا المقال- الكشف عن معالم فلسفة الشيخ اطفيش الأخلاقية، ونظراته الروحية، وهو جانب جوهري من مناحي فكره الموسوعيّ يحتاج إلى دراسة وتحليل.
1) - دوافع اهتمام الشيخ اطفيش بالأخلاق:
لا ريب أن منشأ الشيخ اطفيش في أسرة محافظة بأصول دينها، وفي وسط اجتماعيّ متمسّك -في الغالب الأعم- بأعرافه وتقاليده الإسلامية، والتحاقه المبكر بالكتّاب لتعلّم آي القرآن الكريم، وأحاديث خاتم الرسل، وتحصيله المبادئ الأولى من علوم الدين واللغة، قد ترك في شخصيته الأخلاقية انطباعا حسنا واستقامة في سلوكه، حمله ذلك على أن يتعهد نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب.
كما أن اطفيش قد ذاق في بدايات حياته آلام اليتم، ومعاناة الفقر، وشظف العيش، فانطبعت نفسه بمعاني الرحمة والشفقة، والرفق بالضعيف، يتحدث الأستاذ مصطفى ونتن عن نشأته الأولى قائلا: "وبعد رجوع العائلة من غرداية إلى بني يزقن توفي الوالد فعاش الشيخ يتيما تحت رعاية أمِّه وإخوته وكفالتهم، وكان لأمه الأثر البالغ في تربيته وتكوينه وتعليمه، وقد عانى مع عائلته الفقر وشظف العيش، وهذا ما نجده في ثنايا كتبه ورسائله، خاصة تلك التي بعث بها إلى العمانيين حتى أصبح يتحرج من نفقات المراسلات التي يبعث بها إليهم، ولم يكن يجد ما يستنسخ به كتبه،" (1)
ثم تتلمذ اطفيش وتلقى تعليمه على يد ثلة من مشايخ عصره أبرزهم شقيقه الحاج إبراهيم الذي كان له الفضل الكبير في بناء شخصيته العلمية والأخلاقية، وقد أشاد بفضله عليه كثيرا، وخلد ذكره في قصيدة خصها بمدحه (2)
ولقد كانت هاته المرحلة بالنسبة إليه مرحلة تأسيس وبناء لفكره الأخلاقيّ، ثم اعتنى بتكوين ذاته، وتنمية عقله وتغذيته بالعلوم والمعارف لينتقل بعدها إلى مرحلة العطاء، فيسهم بكل ما أوتي في إصلاح النفوس وتهذيب الطباع، وتوجيه الإنسان المؤمن توجيها أخلاقيا سليما، لاسيما وقد سادت في عصره أنماط سلوكية فاسدة عند العامة والخاصة، وتفننت فيه مساعي المستعمرين الرامية إلى طمس الشخصية الجزائرية المسلمة وقيمها الفاضلة.
__________
(1) الهوامش:
) _ مصطفى ونتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، نشر جمعية التراث، المطبعة العربية، غرداية ط1،، 1996م، ص:26
(2) _ المرجع نفسه، ص:46 (1/472)
صفحة 3
ومفاد القول: إن نشأة اطفيش الأولى في بيئة متمسكة بدينها، ومعاناته من آلام اليتم (1/473)
صفحة 4
وشظف العيش، وتلمذته على أهل العلم و العرفان، وحضوره في عصر تدهورت فيه القيم، ويسيطر فيه الجهل، ويحكم فيه مستعمر صليبي حاقد، كانت هي العوامل الرئيسة التي دفعت اطفيش إلى الوجهة الروحية والأخلاقية والاهتمام بها، ويتجلى ذلك في المجالات الآتية:
أ نشاطه التربويّ والتعليميّ:
ركز الشيخ اطفيش على التربية والتعليم، وإعداد الناشئة قصد إقامة مجتمع صالح تسوده الفضائل، وتحكمه القيم، فقد اتخذ التدريس رسالته في الحياة وقضى حوالي ثمانين عاما معلما.
وإذا كان الإنسان قابلا للتأثر والتأثير في مختلف مراحل عمره، فإن التوجيه له لازم في كل الأطوار ونافع له وبالأخص لحديثي السن ليتعودوا على محبة الفضائل، ويسهل عليهم تجنب الراذئل، وأهمية التربية نابعة من أن الفضائل مكتسبة، تتحقق بالعلم والعمل، فإن العلم هو المبدأ والعمل هو التمام، والمبادئ الأخلاقية تنبني على المعرفة. يقول اطفيش: " لا ينفع علم أو عمل بلا آخر، ولا يصح عمل بلا علم" (1)
ولقد كان جل المتخرجين من معهد الشيخ قدوات صالحة في الالتزام الأخلافي، والوفاء الديني، والعمل العلمي الرصين أمثال: أبواليقطان إبراهيم (1888م - 1973م)، و أبوإسحاق إبراهيم اطفيش (1886م - 1965م)، و سليمان باشا الباروني الليببي (1887م- 1940م)، و الحاج صالح بن عمر لعلي (1871م-1928م) وغيرهم كثير (2) ...
فقد وفق الشيخ اطفيش أيّما توفيق في تربية مريديه على القيم والمبادئ السامية وتزويدهم بالعلم النافع فكانوا مرجعيات ذات مصداقية في مجتمعاتهم.
ب إصلاحه الدعويّ والاجتماعيّ:
ت لم ينعزل اطفيش عن واقعه الاجتماعي، ويشتغل بتآليفه وبحوثه النظرية بل كان مخالطا للناس، حاضرا في عصره، موجها لمن حوله سواء في المسجد، أوفي حلقات التدريس، أوفي السفر والحضر، وقد تعامل مع طبقات المجتمع المختلفة من طلبة العلم والعلماء والحكام والعامة، كما أنه لم يهمل العنصر النسوي في دعوته فقد خصص لهن أوقاتا لإرشادهن والإجابة عن أسئلتهن (3).
ويرى اطفيش أن مخالطة الناس والصبر على أذاهم أولى من الانعزال، يقول مجيبا لمن سأله عن الاشتغال بقضايا الناس: " ومما سألتما عنه الاشتغال بأمر المسلمين، اعلما أنه أولى من الانفراد لكن مع تحمل الأذى ومعالجته، وإذا قوي عليكما الإخلاص سَهُلَ عليكما الأذى فتجدان راحة في قلوبكما تصلان معها إلى التعلم والتعليم." (4)
__________
(1) _ محمد بن يوسف اطفيش: الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص: تح. أبي إسحاق اطفيش، البعث، قسنطينة، ط2، 1980م، ص: 75
(2) _ عن تلاميذ الشيخ يراجع: محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، المطبعة التعاونية، ط1، 1965م: ج1 /ص 377_381
(3) _ المرجع نفسه: ج1 /ص:340، 347_348، 350. ونتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص:32
(4) _ محمد اطفيش: كشف الكرب: ج1/ ص106. ونتن: آراء الشيخ اطفيش، ص:31 (1/474)
صفحة 5
وقد ارتكزت دعوته على إصلاح المعتقدات الفاسدة والأخلاق المتردية، والتقاليد البالية: (1/475)
صفحة 6
كالشعوذة، وتقديس بعض الأماكن والأموات، وانتشار روح التواكل، والبطالة، والفُرقة والاختلاف، والذلة والخنوع في وجه الاستعمار وأعداء الدين، وغيرها من العادات المستحكمة، كعادة ترك السلام، وانتقاده الشديد لأسلوب التربية السائد في عصره الذي يعتمد على القسوة والفظاظة والحرمان، ويقتل في الأبناء شخصيتهم ومواهبهم. (1)
وقد احتمل الشيخ في سبيل نشر دعوته الأخلاقية والإصلاحية الأذى الكبير، فلم يسلم من ألسنة الحاسدين، وأقاويل المستهزئين، والكيد له، ونفيه من بلده، ومحاولة الفتك به. لكنه بقي رغم أنف الأعادي كالطود الأشم جريئا صامدا، ومحتسبا صابرا إلى أن مكّنه الله تعالى من نشر دعوته، ودحر مناوئيه.
ج- مؤلفاته وكتاباته المتنوعة:.
لا تخلو كتابات اطفيش المتنوعة من إشارات مفصلة أو مقتضبة إلى علم الأخلاق والقيم، فقد اهتم بهذا العلم وهو يكتب سواء في مجال العقيدة أو الفقه أو التفسير أو الأدب، وفي تآليفه الذاتية، وفي شروحه وتلخيصاته ومراسلاته. وتتمثل أهم أعماله فيما يأتي:
• شرح كتاب النيل وشفاء العليل حيث خصص الكتاب الثاني والعشرين منه في الأفعال المنجية من المهلكة (ج16 وج17 ومجموع صفحاتهما 1590) وقد شرح بإسهاب وتحليل مقامات الأخلاق، وبين موقعها من علوم الشريعة، وآثارها في سعادة الفرد أو شقاوته.
• الذهب الخالص المنوه بالعلم الخالص وقد خصص الركن السابع منه لعلم الأخلاق والآداب والحقوق، ويبرز الشيخ أبو إسحاق أهمية الكتاب قائلا:" هو من أسمى الكتب الفقه الإسلامي الشامل لمستنبطات المجتهدين المشهورين الجامع لأصول الدين وفروعه جمعا غير ممل ولا مخل، ولقسم من علم الأخلاق والاجتماع المفتقر إليهما في الأوساط الإسلامية أشد افتقار في هذا العصر الذي ضربت فيه المدنية الخادعة الأوربية بقسط أوفر حتى هرعت إليها نفوس الضعفاء وما أكثرهم، وذرفت لهول تأثيرها قلوب المخلصين وقليلٌ ما هُم." (2)
• الحاشية على كتاب القناطر للجيطالي، وكتاب القناطر "كتاب قيِّم في مقاصد التشريع وفلسفة الأخلاق يقع في ثلاثة مجلدات ضخمة (مجموع صفحاتها 1557 صفحة) قسمه الجيطالي إلى سبع عشرة قنطرة، إذ شبَّه الفرائض بالقناطر التي يمكن للسالك عليها العبور للوصول إلى السعادة الأبدية" (3) وقد وضع الشيخ اطفيش عليه حاشية قيمة، ولا يزال الكتاب مخطوطا بمكتبة القطب ببني يزقن رقم: (أ. و:5).
__________
(1) _ محمد علي دبوز: نهضة الجزائر، ج1/ ص333_336
(2) _ محمد اطفيش: الذهب الخالص، كلمة الناشر، ص:339_340
(3) _ خضير باباواعمر: الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي، نشر جمعية التراث، المطبعة العربية، غرداية، ط1، 2009، ص:77. (1/476)
صفحة 7
• الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: كتاب قيم في التربية الإيمانية والروحية يقع في (273 صفحة) يرى الشيخ أن معرفة أسماء الله الحسنى دافع إلى تربية النفس وحملها على التخلق بما (1/477)
صفحة 8
توحي به هذه الأسماء من معاني جليلة، وقد بين أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)) (1) لا ينحصر الإحصاء في العد والذكر المجرد الآلي فحسب، بل يتعدى ذلك إلى التخلق بمعانيها في السلوك (2).
• تفسيره للقرآن الكريم: حيث نجد فيه إشارات مهمة إلى المباحث الأخلاقية سواء في تيسير التفسير أو في هميان الزاد إلى دار المعاد.
• منظومات شعرية في المواعظ والحكم الأخلاقية، وأدب السلوك. ومنها قصيدة بائية تقع في 117 بيتا يقول في بعض أبياتها:
بُنَيّ تجافَ عن فراشك واقتن وسامر علوم الدين تفتح لك البابا
ولا ترج جودا من بخيل فليس في لظى من مُنى وليس في الرجس ما طابا
أرى في قيام الليل فوزا وفي الغنى عن الناس عزا فاتخذ منهما دأبا
وكن مولعا بالسيف تخضبه الدما ولا تولعن بالسيف يُخضب إذهابا
ومن حُسن إسلام الفتى تركه اللغا وترك الهوى في كل حال وإسهابا
ودُر حيث دار الحق واجتنب الهوى بوقت الرضى أو أُغضبت إغضابا (3)
2) - البحث الأخلاقي
إن فلسفة الأخلاق في الإسلام نابعة من الدين وكفيلة بالخير المطلق وصالحة للناس جميعا، وهي تتسم بالثبات والاستقرار، خلافا للأخلاق الوضعية الخاضعة لأهواء الأفراد والمستخلصة من فلسفات الحكام ومصالحهم يطبعها التقلب والاضطراب والتعدد والتبديل في العصر الواحد بله سائر العصور.
لم يبحث الشيخ اطفيش في قواعد جديدة لفلسفة الأخلاق لأن الدين قد حدد نظريته الأخلاقية المتكاملة، وإنما اجتهد في بيان الأفعال المنجية من المهلكة، فشرح القيم والفضائل التي يجمل بالنفس التحلي بها، وحذّر من الرذائل التي ينبغي التخلي عنها، وتوقيها. ثم دعا المكلفين إلى تطبيق الأخلاق الإسلامية التي لا يأتيها الباطل، ولا تشوبها ميول الأشخاص.
أ) في الفضائل:
نعرض جملة من الفضائل ونبين مفهومها الأخلاقي عند الشيخ اطفيش فيما يأتي:
• فضيلة اليقين
عرف اطفيش اليقين بأنه العلم الذي لا يشوبه شك بأن الأمور كلها من الله تعالى (4)،
__________
(1) _ البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الشروط، باب مايجوز في الشروط: رقم: 2585.
(2) _ محمد اطفيش: الذخر الأسنى في شرح أسمى الله الحسنى، طبعة حجرية، 1326 هـ، ص:10، 29
(3) _ محمد علي دبوز: نهضة الجزائر، ج1/ ص 321
(4) _ محمد اطفيش: شرح النيل وشفاء العليل، تح أبي إسحاق اطفبش، مكتبة الإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط3، 1985م، ج17/ 194. (1/478)
صفحة 9
ويتفاوت الناس في الدرجات قدر تفاضلهم في اليقين، فالزيادة في اليقين تفيد مطلق الفضل، كما أن العاقل لا يشك في أن عين اليقين أقوى من علم اليقين، وأن حق اليقين أقوى من عين اليقين، ودليله قوله تعالى: {أولم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] فأثبت لنفسه حقيقة الإيمان ويقينَه، وطلب زيادة الطمأنينة برؤية العيان فلا منافاة فيه لما قاله على خلاف لمن وَهِمَ فيه.
وقد تعرض إلى اختلاف المتكلمين والصوفية في مصطلح اليقين، فأما المتكلمون والنظار فيعنون به عدم الشك، وأما المتصوفة فيعنون بها استيلاء الشيء المصدق به على القلب، وغلبته عليه حتى يصير هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتحريض والمنع.
بيد أن اطفيش يرى أن من شأن علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين بالمعنيين جميعا، وهو نفي الشك، ثم تسليط اليقين على النفس حتى يكون هو الغالب المتحكم عليها، وهو المتصرف فيها (1).فبناء على المعنى الأول يوصف اليقين بالقلة والكثرة من جهة متعلقاته، ومتعلقات اليقين هي ما جاء به الأنبياء، وفي مقدمتها التوحيد. كما يوصف بالقوة والضعف حسب المعنى الثاني وذلك في الغلبة والاستيلاء على القلب.
ويسوق نماذج لمتعلقات اليقين وثمراته مثل:
- الثقة بضمان الله الرزق في قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود:6] فإن صحت ثقته لم يشتد خوفه ولا حرصه وشرهه وتأسفه، وأثمرت هذه الثقة جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة.
- اليقين بالثواب والعقاب وهو أن يغلب على قلب المرء قولُه تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة:7_8] فإن صح ذلك منه حرص على الطاعات قليلها وكثيرها، وتجنب المعاصي قليلها وكثيرها كما يتجنب السم قليله وكثيره.
- اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال سرك وظاهرك، فإن صح ذلك منك تأدبت في خلوتك وفي قلبك كالمشاهد لملك عظيم أكثر مما تأدبت به في مشهد الناس وفي ظاهرك، وورثت الحياء والخضوع والانكسار والخوف، فهذه أخلاق تورث أنواعا من الطاعات رفيعة.
فاليقين في كل باب من هذه الأبواب كالشجرة، والأخلاق كالأغصان، والأعمال الصادرة من الأخلاق كالثمار والأنوار (2).
• فضيلة الإخلاص والنية والإرادة
__________
(1) _ المصدر نفسه: ج17/ 198 _ 202
(2) _ المصدر نفسه: ج17/ 203 (1/479)
صفحة 10
الإخلاص تطهير الفعل من أمر مُدنس أو مفسد. والأمر المدنس كالصغائر، والمفسد كالكبائر وإظهار العمل رئاء أو المن والأذى. قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له (1/480)
صفحة 11
الدين} [البينة:5] وقال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر:3] وقد أورد الشيخ اطفيش تعاريف كثيرة للعلماء والمتصوفة للإخلاص، منها (1):
قول الجنيد: الإخلاص تصفية العمل من الكدورات
وقول المحاسبي: الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب
وقول أبي عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.
كما تحدث الشيخ عن النية وهي القصد، أي عزم القلب المقترن بالفعل، يقول:" واعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات تتوارد على معنى واحد وهو حالةٌ، وصِفَةٌ للقلب يكتنفها أمران علم وعمل، العلم يتقدمه لأنه أصله وشرطه، والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه، لأن كل حركة أو سكون اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة، لأنه لا يريد الإنسان مالا يعلمه، ولا يعمل ما لم يرد فلابد من إرادة" (2)
وبين معنى الإرادة بأنها " انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل، فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور، ويلائم غرضه، ويخالفه بعض الأمور، فاحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه، ودفع الضار المنافي لنفسه" (3)
وقد وضع جملة من الضوابط تتعلق بالنية، وهي (4):
- الابتدار إلى استحضار النية، لأن صحة الأعمال واعتبارها بالنيات لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (5)
- لا تنقلب المعصية طاعة بالنية، بخلاف المباح فينقلب معصية بالنية، وينقلب طاعة بها.
- تكثير النيات للعمل الواحد، فبقدر تكاثر النيات يتضاعف الأجر، ولقد ورد في الخبر أن كل نية حسنة، وكل حسنة بعشر أمثالها، ويدعو المكلف أن لا يكتفي في الطاعة الواحدة بالنية الواحدة، بل عليه أن يعدد نياته في التقرب حتى تشمل خيرات كثيرة تعود بالتزكية على عمله.
• فضيلة الشكر
عرفه الشيخ اطفيش أنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان، ومتعلقه لا يكون إلا النعمة. وهو واجب بالسمع والشرع والعقل.
ويرى أن الشكر ينتظم في علم وحال وعمل، فالعلم الأصلُ يورث الحال، والحالُ يورث العمل، فالعلم معرفة النعمة من المنعم، والحال الفرح الحاصل بالإنعام، والعمل القيام بمقصود المنعم، ويتعلق ذلك العمل بالقلب والجوارح واللسان، ولابد أن يعرف أن النعم كلها من الله والأواسط مسخرون من جهة.
__________
(1) _ المصدر نفسه: ج17/ 213
(2) _ المصدر نفسه: ج17/ 225
(3) _ المصدر نفسه: ج17/ 225
(4) _ المصدر نفسه: ج17/ 228، 236
(5) _ البخاري: الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم:1 (1/481)
صفحة 12
ويؤكد الشيخ أنه على المؤمن استعمال نعم الله عليه وعدم تعطيلها فكل ما خلق الله تعالى في الدنيا إنما خلقه ليتوصل به إلى سعادة الآخرة ونيل القرب من الله تعالى، فمن استعمل ما أنعم عليه من جوارحه وماله وعقله في معصية فقد كفر نِعمَه تعالى، ومن أهملها ولم يستعملها فقد كفر نعمه أيضا إذ عطلها عما خلقت له (1).
وبتوظيف هذا المفهوم الأخلاقي للشكر يسعد الفرد ويقوى المجتمع المسلم ويحقق الاستخلاف المنشود.
• فضيلة الصبر
هو حبس الإنسان نفسه على فعل الطاعة وعلى ترك المعصية أو حبسها عن الجزم. ويجب الصبر على عمل الفرائض، واجتناب العصيان، وعند نزول البلاء (2).
والصبر هي خاصية إنسانية، وضرورة له، فهو محتاج إليه في كل حال، فالإنسان مخلوق للصبر دون البهائم والملائكة. لأن البهائم سلطت عليها الشهوات، وأما الملائكة فقد جردوا للشوق من القرب ولا شهوة تصرفهم عن ذلك.
ويقرر الشيخ اطفيش أن الصبر تختلف أسماؤه باختلاف ما يصبر المرء عليه، فهو جماع كثير من الفضائل، أو هو نصف الإيمان، فالصبر عن شهوة البطن والفرج يسمى عفة، وعن احتمال المكروه يسمى صبرا فقط، وضده الجزع، وفي احتمال الغنى يسمى ضبط النفس وضده البطر، وفي الحرب يسمى شجاعة وضده الجبن، وفي كظم الغيظ والغضب يسمى حلما وضده السفه، وفي نائبة مضجرة يسمى سعة الصدر وضده الضجر والتبرم وضيق الصدر، وفي إخفاء كلام يسمى كتمان السر، وعن فضول العيش يسمى زهدا وضده الحرص، وعلى قدر يسير من الحظوظ يسمى قناعة وضده الشره.
وقد استدل الشيخ بآيات كريمة وأحاديث شريفة في فضل الصبر وثمراته وثواب الصابرين كقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر:10] وقوله تعالى {واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال:46].
أما عن حكم الصبر: فالصبر عن إتيان الواجبات وترك المحظورات فرض، وعن المكروهات مندوب، والصبر على العبادة غير الواجبة مندوب، والصبر عن المباح للتوصل بتركه إلى عبادة أو ليقهر نفسه بتركه مندوب.
ويمكن تحصيل الصبر بإضعاف باعث الشهوة بقطع مادتها من حيث الإكثار والتنويع، وتقوية باعث الدين بالتصدي إلى مغالبة باعث الهوى، والمجاهدة والتفكر (3).
__________
(1) _ المصدر السابق: ج17/ 277_280
(2) _ المصدر السابق: ج17/ 309
(3) _ المصدر السابق: ج17/ 324_ 332 (1/482)
صفحة 13
• في توقي الرذائل:
عالج الشيخ اطفبش في بحوثه الأخلاقية جملة من الرذائل مبينا أسبابها وعلاماتها وأضرارها، ونورد بعضا منها فيما يأتي:
• رذيلة الكبر
ابتدأ حديثه عن الكبر موضحا أن الكبرياء صفة واجبة في حق الله تعالى لقوله عز وجل: {العزيز الجبار المتكبر} [الحشر:23] وقوله {وله الكبرياء في السموات والارض} [الجاثية:37] فالعظمة لله وحده لاستحقاقه لنعوت الجلال وتقدسه عن النقائص والآفات، والكبر في الخَلْق مذموم وحرام وباطل غير صدق لأن الخَلْق محلُّ النقص، فمن تكبر تكلَّف أن يتصف بغير صفته، ومن عرف علوّه سبحانه وتعالى وكبرياءه لازم طريق التواضع وسلك سبيل التذلل (1).
وقد عرف الكبر بأنه هو تسفيه الحق وغمط الخلق (2)، ويقرر أنه خصلة مهلكة تقدح في أصل الدين والاعتقاد بخلاف سائر الكبائر التي تقدح في العمل، فإذا قويت في النفس واستحكمت لم تُتدارك، لقوله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة:34]
وأقل أضرار الكبر على صاحبه أربع عواقب وخيمة:
الأولى: حرمان الحق وعمى القلب عن معرفة آيات الله وفهم أحكامه لقوله تعالى: {سأصرف عن آياتنا الذين يتكبرون في الارض بغير الحق} [الأعراف: 146]
الثانية: مقت الله وبغضه، لقوله تعالى: {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل:23]
الثالثة: الخزي، فالمتكبر لا يموت حتى يرى الهوان من أرذل أهله وخدمه.
الرابعة: النار في الآخرة لقوله تعالى في الحديث القدسي:" الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار" (3)
وأما عن أسباب الكبر فسبعة هي:
1. العلم وهو أعظمها لعلو قدره، فيعالج بمعرفة أن فضل العلم إنما هو بالعمل به، ومن العمل به ترك الكبر، وبمعرفة أن الكبر مشاركة لله تعالى، وأن فضل العلم إنما هو لتوحيد الله عن الشركة وخشيته تعالى.
2. الورع والعبادة، ويعالج بمعرفة أنه خارج عنهما إذا تكبر، ومعرفة أن الكبر حرام.
3. الحسب والنسب، فيعالج بمعرفة أن التعزز بهما تعزز بكمال الغير
4. الجمال، وأكثر ما يجر به النساء ويعالج بمعرفة أن ذلك نظر للظاهر وغفلة عن الباطن
__________
(1) _ المصدر السابق: ج16/ 19
(2) _ المصدر السابق: ج16/ 21
(3) _ أبو داود: السنن، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، رقم:3567 (1/483)
صفحة 14
5. القوة والغلظة، أو كلتاهما، فيعالج بمعرفته أن تلك صفات سبقته إليه البهائم، وأنها تزول بحمى ساعة أو يوم ولا سلطان له في حفظها.
6. المال.
7. البنون والأقارب والغلمان والجواري والتلاميذ وسائر الأتباع والقرب من السلطان ويعالج بمعرفة أن ذلك خارج عن ذاته شاركته فيه اليهود والنصارى والمجوس، وأنه سريع زوال ذلك عنه وانقلابه.
وأما عن علامات الكبر فقد ذكر الشيخ اطفيش أنها تظهر في سلوك الرجل وصفاته وحركاته: كمحبة قيام الناس له أو بين يديه تعظيما له بلا وجدان كراهة من نفسه، وفي مشيته وتبختره وفي جلوسه، وفي عدم قبوله الحق عند النصح والمناظرة (1).
• رذيلة الكسل والعجز والتواني:
حدد الشيخ معنى الكسل بأنه هو التنائي عن الشيء والفتور فيه، قال تعالى: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم وكسالى} [النساء:142] أي متثاقلون كأنهم أكرهوا عليها. وأما معنى العجز فهو الضعف عن الشيء، ولو حزم لقوي عليه، والعجز عجزان: التقصير في طلب الأمر وقد أمكن، والجد فيه وقد فات. والعجز في هذا الباب ليس هو العجز عن الشيء بحيث يسقط التكليف عنه بل معناه قريب من الكسل كما سبق، وضده الحزم (2).
وبين الشيخ أن العجز والكسل في أمور الدنيا وإتيان النوافل قد يؤديان إلى العجز والكسل في أمر الدين والفرض، ولا يحسن وصف المتولي بهما. ويكونان من القلب كأن يفعل شيئا ولا رغبة لقلبه فيه، ويكونان من الجوارح كأن لا تنشط جوارحه لحرّ أو برد أو غيرهما وقد رغب فيه قلبه، ويكونان منهما معا بأن لا يرغب قلبه، ولا تنشط جوارحه (3).
وأما التواني فهو الكسل، وتضييع الحزم، وعدم القيام على مصالح النفس، وترك التسبب، والاحتراف، والإحالة على المقادير، وترك العمل.
وقد حذّر الشيخ من هذه الرذائل الثلاث التي قد تؤدي إلى العصيان إذا تعلّق الأمر بتضييع الفرائض الدينية والدنيوية. إنها صفات مشؤومة وآفات عظيمة قد تعوّذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه.
ج) - في الحقوق والواجبات:
إذا كان الحق هو ما لك، والواجب هو ما عليك فإننا نجد الشيخ قد يضع كلمة واجب موضع كلمة حق، وفي مواضع أخرى نجده يوظف كلمة أدب.
__________
(1) _ المصدر السابق: ج16/ 26_29
(2) _ المصدر السابق: ج16/ 445
(3) _ المصدر السابق: ج16/ 450 (1/484)
صفحة 15
اهتم الشيخ في كتاباته بالأخلاق الاجتماعية التي ينبغي أن تسود في المجتمع المسلم، وفصل القول في الحقوق والواجبات والآداب، كحقوق الوالدين، وحقوق الأزواج، وحقوق الأولاد، وحقوق الخدم والجيران، وحقوق الضبف، وابن السبيل،
وحقوق الأصحاب، وحقوق اليتامى والمساكين، وحقوق الأقارب وحقوق المسلم للمسلم وواجباته، وحقوق المساجد، وحقوق مجالس العلم والذكر، وحقوق الأزمنة والأمكنة، وحقوق الحيوان. ووجوب الإحسان إلى كافة الخلق، وحذر من وعيد الظلم والاعتداء والإيذاء بشتى أنواعه. كما تطرق إلى أهم الآداب في الأكل والشراب واللباس والضيافة والسفر ... (1)
وفي ذكره لهذه الحقوق والواجبات والأدبيات تفاصيل دقيقة وفوائد جليلة وهو في كلّ ذلك كثير الحذر شديد الحيطة، يوضح المعاني وقد يكررها أحيانا حتى ترسخ في القارئ والمتلقي.
3) - أسماء الله الحسنى مصدرا للتخلق:
اتخذ الشيخ اطفيش من أسماء الله الحسنى منبعا يستقي منه القيم وأصول السلوك، ومنهلا من مناهل التخلق، ثم اندفع يُحَدّث بها طلبته ومريديه، ويحثّهم على السير في هداياتها، يقول: " والله عز وجل يحب الاتصاف بصفاته وذلك بحسب الإمكان، وبأفعاله كذلك فالله عالم يبغض الجاهل، وجواد كريم نافع يبغض البخيل، وقادر يبغض مَنْ ترك نفسه للعجز والكسل، وأنت خبيرٌ بأنه لا يتصف أحدٌ بصفته تعالى وأفعاله، وإسناد البركة للاسم بمعانيها السابقة مجاز، والمتصف بها حقيقة واجب الوجود" (2)
وقد خصص كتابه الجليل الموسوم بِ "الذّخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" لهذا الغرض يقول في مقدمته:" أما بعد، فهذا كتاب وضعته في أسماء الله الحسنى ومعانيها ليشتغل به الطلبة عملا ودعاء لأن يمنح الله المسلمين الغلبة، ويجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ويظهر في هذا العصر مضمون قوله: وكلمة الله هي العليا " (3)
وبين أن الأسماء الحسنى هي الألفاظ الحسنى لذاتها ولمعانيها وبركاتها وثواب ذاكرها، وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين اسما، لأن العدد لا يفيد الحصر مستدلا بآثار عديدة تدل على ذلك.
وقد شرع الشيخ اطفيش في شرح هذه الأسماء، وبيان معانيها، ثم استنتاج ما يلزم المكلف من سلوك عملي يستخلصه من ذلك الاسم، وفوائد الذكر به وبركاته المرجوة. ونعرض بعض النماذج فيما يأتي:
__________
(1) _ محمد اطفيش: الذهب الخالص، تح أبي إسحاق، ص: 291_ 339
(2) _ محمد اطفيش: الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص:26_27
(3) _ المصدر نفسه، ص:2، وكان الشيخ يعيش في فترة الاستعمار الفرنسي المستبد، فأراد أن يربي نفوس الشعب الجزائري المسلم على القيم العليا، ويذكي فيهم روح العزة، ويربط قلوبهم بالله عز وجل واهب النصر والقوة، من خلال تعلقهم بأسماء الله الحسنى وتخلقهم بها، فألف من أجل ذلك هذا الكتاب. (1/485)
صفحة 16
• الرحمن الرحيم: الرحمن بنعم الدنيا والآخرة والرحيم بنعم الآخرة، ويقال الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وتؤخذ الزيادة تارة باعتبار الكمية وأخرى باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر، ورحيم الآخرة لأنه يخص (1/486)
صفحة 17
المؤمن، وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الآخرة لأن النعم الأخروية كلها عظام، ونعم الدنيا جليلة وحقيرة.
الأثر العملي: لزم على المكلف أن يتصف بما يناسب صفة الله فيكون راحم القلب لا قاسيه. ومن شأنه أن يرحم خلق الله إذا مرضوا، أو جاعوا، أو أصيبوا بمصيبة، ويسعى بإزالة الضر (1).
• القدوس: التقديس التطهير، والأرض المقدسة المطهرة عن الشرك، ومعناه في حقه يرجع إلى استحالة النقائص في وصفه، وتنزيهه.
الأثر العملي: فالواجب أن يطهر الإنسان نفسه عن الشهوات، وماله عن الحرام والشبهات، ووقته عن دنس المخالفات، وقلبه عن كدورات الغفلات، وسره عن ملاحظة الخلق، والالتفات عن الحق، وأن يتنزه المكلف عما يشين دينه أو دنياه (2).
• السلام: معناه السالم عن الفناء والآفات والحاجات وصفات الخلق والنقص
الأثر العملي: ولابد أن يتصف المكلف بالسلامة من الظلم وقلبه من اعتقاد السوء في التوحيد والخلق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" (3)، وأن ينزه نفسه عن كل لهو، ولسانه عن كل لغو، وقلبه عن كل مغايرة، ويأتي ربه بقلب سليم، ويتأكد عليه إفشاء السلام ودفع المضار على الناس (4).
• الحسيب: معناه الكافي من قولك أعطاني حتى أحسبني، أي حملني على أني قلت حسبي، من فعيل بمعنى مفعل كأليم بمعنى مؤلم، أو معناه المحاسب لعباده، كالجليس بمعنى المجالس، وقيل الحسيب هو الذي يعد عليك أنفاسك، ويصرف عنك بفضله بأسك، وقيل معناه الشريف بمعنى أنه مختص يشرف الألوهية وكل كمال، والتفسير الأول أولى.
الأثر العملي: على المكلف أن يسعى في كفاية حاجات المحتاجين، وسدِّ خُلّتهم، ويحاسب نفسه بالمعرفة والطاعة، وأن يتقي الله حق تقاته (5).
بهذا المنهج التحليلي والتربوي تعامل الشيخ اطفيش مع أسماء الله الحسنى وصفاته، وقد كان موفقا إلى حد كبير في ربط سلوك الإنسان بخالقه جل علاه، وإعطاء العقيدة أبعادها العملية والاجتماعية مؤكدا أنها السبب الرئيس في تحصين سلوك الإنسان وتحقيق سعادته.
4) - علاقة الشيخ اطفيش بالصوفية وموقفه من التصوف:
في كتابات الشيخ نلمس أنفاس التصوف، ونلتقي بأعلامه الكبار كالجنيد (ت298 هـ) الذي هو رئيس الصوفية وسيد علماء الآخرة في نظر أهل هذا الفن، وأبو عبد الله المحاسبي (ت243ه) الذي سمُي بهذا اللقب لكثرة محاسبته لنفسه وهو شيخ الجنيد، وأبي حامد الغزالي
__________
(1) _ المصدر نفسه، ص: 20_22
(2) _ المصدر نفسه، ص: 51_52
(3) _ البخاري: الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه، رقم: 09
(4) _ المصدر السابق، ص:52_54
(5) _ المصدر السابق، ص:142_143 (1/487)
صفحة 18
(ت505ه)، وغيرهم، وكان الشيخ يوظف مقالاتهم، ويستعمل لغتهم، ومصطلحاتهم، ويورد تعاريفهم لدعم أحكامه الأخلاقية، حتى ليخال للقارئ من أول وهلة أنه هو أحد أتباعهم. بيد أن الحقيقة غير ذلك، فبعد قراءة متفحصة لأهم آثاره نصادف نصا يصرح فيه الشيخ اطفيش عن موقفه من الصوفية والتصوف بلغة واضحة، يقول فيه:" ولا بدّ من علم الظاهر وإلّا زلّ أهلُ الباطن، ومِن علمه [أي علم الباطن] وإلّا زلّ أهلُ الظاهر، وقد كنتُ ممارساً لعلم التصوف، ولا يخفى عليّ مقاصدُهم والحمد لله تعالى، وأُجيب عما أشكل، وكَرِهْتُه لأنه يُوهم تفسير القرآن بما هو خطأ، وكذا تفسير الحديث، والحقّ علم الظاهر مع مراعاة العمل ... ومع ذلك أذكر أقوالا لأهل التصوف في تفسير الأسماء الحسنى إيناسا للطلبة ولنفسي، وفي ذلك وجهان:
الأول- قصدهم ما في نفس الأمر عمدا ولم يقصد نفس التفسير.
والثاني- دعوى أن المراد بها في حق الله تعالى هو ما يذكرونه وأنه المراد، لا معانيها الظاهرة في اللغة المؤولة بما يناسب، وهذا لا يحسن إذ لا يعرفه أهل اللغة العربية، والله تعالى أنزل القرآن بها، ولا يرضى بما يخالفها.
ومن علم التصوف الجائز تدرَّعُوا إلى علمه المشوب، ثم إلى الكفر، ... وزعموا أن من أجهد نفسه في العبادة مغبون، ومن تمسّك بالشريعة محجوب، وأن هناك باطنا يخالف الظاهر إذا عرفه كَمُلَ وانحلَّ عنه التكليف، ويسمونه مرشدا، صدقوا ولكن مرشد إلى النار." (1)
من خلال هذا النص تنكشف لنا رؤية الشيخ اطفيش إلى علم التصوف، وتمييزه الدقيق بين الجائز منه والمحظور، وتمسكه بالالتزام بالشريعة الإسلامية في عِلْمَيها الظاهر والباطن، فلا انفكاك لأحد منهما عن الآخر، ثم دعوته إلى تفسير نصوص القرآن والسنة وفق قواعد اللغة العربية الفصحى لأنها الوعاء المبين لمعانيها من دون إيغال في التأويل، وخروج عن مقاصد الوحي.
5) - علاقة علم الأخلاق بالعقيدة والفقه
إن التداخل الحاصل بين العلوم والمعارف وتشابك علاقاتها وتفاعلها في الممارسة التراثية ميزة أساسية تدل على التوجه التكاملي في التراث الإسلامي (2).وقد كان الشيخ اطفيش أنموذجا يعكس لنا هذا التوجه السائد في الفكر الإسلامي، حيث يتجلى لنا التداخل في مستويات مختلفة من فكره، مما جعل الآراء العقدية تمتزج بالمباحث الأخلاقية والأحكام الفقهية تجتمع بالمعاني الصوفية، وكان يعنى في مصنفاته بالفقه والتوحيد والأخلاق، وهي فنون متداخلة في نسق تكامليّ. ونعرض مثالا واحدا لتوضيح هذا الملحظ:
__________
(1) _ المصدر السابق، ص:39_41
(2) _ يراجع عن التداخل المعرفي وتكامل التراث: طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، نشر المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط3، 2007، ص:89 وما بعدها. وعن مشكلة الحد الفاصل بين العلوم: كارل بوبر: منطق البحث العلمي، ترجمة: محمد البغدادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2006، ص:69_82 (1/488)
صفحة 19
• ذكر الشيخ اطفيش أن قواعد الإسلام أربع، هي: العلم والعمل والنية والورع، ثم شرح كل قاعدة على حدة، موضحا العلاقات التي تربط بينها إذ إن كل واحد من الأربعة قاعدة للثلاثة الأخر، أي لا يصح واحد منها إلا مع الثلاثة الباقية (1).
فأيّ حكم شرعيّ إلا ويستند إلى مقصد أخلاقيّ يتمثل في النية وهي معيار قبول الفعل أو بطلاته، والإخلاص في النيات هو من متعلقات توحيد الله سبحانه.
6) - تقييم وتعقيب
بعد هذا العرض التحليلي يمكن لنا تسجيل النتائج الآتية:
• إن المنحنى الروحي للشيخ اطفيش بدأ من نقطة ميلاده في بيت أسرة متدينة وفقيرة وفي بيئة صحراوية قاسية، ثم ارتفع بالتدرج مع تحصيله للمعارف على مشايخ عصره واعتماده على عصاميته في التكوين، ليبلغ الذروة والاستقرار، ويشهد بذلك مرحلة النضج والاقتدار على الاجتهاد والنقد، ويسهم في التنوير والعطاء.
• استوحى فلسفته الأخلاقية من منابع الشريعة الإسلامية معتمدا على أصولها ونصوصها الثابتة في القرآن والسنة، ويهدف من خلال اهتمامه ببحوثه الأخلاقية إلى النهوض بأمته وإصلاح أوضاعها الاجتماعية لتكون لها الغلبة والتمكين، والخروج من قبضة الاستعمار المهين. مما جعل فلسفته الأخلاقية ذات طابع عملي اجتماعي هادف.
• عَرَفَ الشيخ علم التصوف دراسة وممارسة، ثم اتخذ منه بعد ذلك موقفا نقديا يميز بين الجائز منه والمحظور.
• تأكيده على التوفيق بين علم الظاهر والباطن، وأن في انشطار أحدهما عن الآخر سبباً للزلل والضلال.
• مزجه للعلوم الإسلامية في وحدة متكاملة: توحيد وفقه وأخلاق وتصوف وتفسير وأصول ولغة، يعكس لنا تكوينه الشمولي الموسوعيّ.
• أما عن الجانب السلبي في بحوثه الأخلاقية فيتجلى في تساهل الشيخ في إيراده لأحاديث ضعيفة وموضوعة أحيانا، وروايات إسرائيلية صريحة، وآثار وقصص من اللامعقول من غير تمحيص أو تعليق، قصد استقصائه في جمع الشواهد المتعلقة بالموضوع المبحوث واستئناسه بها.
ونحن لا نشك في نزاهة الشيخ وورعه وتقواه وبعده من الكذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن اتصافه بشيء من الغفلة والسهو في هذا الجانب جعله يغلب عليه طابع التجميع
__________
(1) _ محمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد، تح. مصطفى ونتن، نشر جمعية التراث، المطبعة العربية، غرداية، ط1، 2001، ص:143_148 (1/489)
صفحة 20
على حساب تحري الصحة في النقل. (1/490)