صفحة 1
الكتاب: لمحة عن الفقه المقارن
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] لمحة عن الفقه المقارن
عند الشيخ أطفيش القطب
أ/ يحي باحيو
باحث-الجزائر
مقدمة
إن من الإشكاليات التي نعيشها قديما وحديثا في تراثنا الإسلامي تقوقع المسلمين وانغلاقهم في دائرة معارفهم المذهبية وتهميش بعضهم بعضا وتجاهل الثروة الفكرية العامة للأمة الإسلامية.
إن سعة الإسلام في أصوله وفروعه والمناهج العلمية الحديثة ووسائل الإبداع الجماعي عبر الشبكات والمنتديات العلمية وآليات الفقه المقارن كلها وسائل متكاملة كفيلة لإخراج تراثنا للوجود الذي بتثمينه وتحيينه سوف نجد حلولا للنوازل العصر الحديث؛
وفي جو هذه الإشكالية العامة نقد عرضا موجزا حول مجهودات العالم الفقيه الشيخ الحاج أمحمد أطفيش القطب الذي جاهد في سبيل العلم ووحدة المسلمين وفي سبيل تثمين رصيدهم الفقهي.
نبدأ هذا العرض بنبذة وجيزة عن حياة الشيخ قطب الأئمة مبرزا فيها الجوانب الهامة التي تأثرت في تكوين شخصيته كمتعلم ومعلم، وكواعظ منفتح إلى العالم الخارجي، وكعالم باحث مساهم في كل الأنشطة العلمية المتداولة في عصره، وكمجتهد يستنبط ويرجح ويصحح ويقارن معارفه بمعارف أقرانه؛
ثم نذكر شهادات بعض معاصريه للاطلاع على شخصيته الفريدة وعلى ضوء ذلك سنرى كيف تكونت فيه ملكة البحث والمقارنة سابقا لعصره، ثم نبين ماهية الفقه المقارن عموما وعند الإباضية ولدى الشيخ القطب خصوصا، ونقدم كتابه الذهب الخالص المنوه عن العلم القالص ونستقرئ نماذج من فقهه المقارن؛ ونختم بحثنا المتواضع بعرض مواضيع وأسئلة مفتوحة لمزيد من البحث والتنقيب من طرف الدارسين والباحثين.
نبذة وجيزة من حياته العلمية وتطور فكره
نستعرض قبل دخولنا في البحث نبذة موجزة عن تاريخه ونحاول أن نستكشف –باستقراء (1/358)
صفحة 2
مراحل نموه- عن تطور ذكائه وكيف أصبح يوازي فطاحل علماء عصره وكيف أعجز الداني والقاصي منهم وشق لهم طريق البحث والتنقيب سابقا لعصره.
هو الشيخ الحاج أمحمد بن الحاج يوسف أطفيش الملقب بقطب الأئمة ولد في مدينة- بني يزقن- سنة 1236هـ الموافق لسنة 1820م- وتوفي والده وهو ابن خمس سنوات وحفظ القرآن الكريم بكامله ولم يبلغ عمره تسع سنوات؛ وقد أخذ مبادئ العلم في الكتاتيب وبرز بين أقرانه بذكائه واجتهاده وحبه للعلم.
لم يسعفه الحظ ليتمه وفقره لطلب العلم خارج بلده، لكن الله أنعم عليه بمكتبتين هامتين لأبرز علماء عصره أمثال الشيخ عبد العزيز الثميني صاحب النيل وشفاء العليل جعلتا تحت تصرفه؛ وهكذا وجد القطب نفسه أمام عدد من خزائن الكتب ونشأ عصاميا متكلا على ذكائه، ومطالعا مثابرا مقارنا بين ما تجود عليه كتب عصره في رحاب تراثه الإباضي خاصة، وكان حبه للعلم جعله يشتاق دائما إلى مزيد من الكتب الإسلامية لاقتنائها.
وفي عهد المراهقة فتح داره للتدريس وعمره لا يتجاوز سبعة عشر عاما وذلك سنة 1253 هـ/1837م، ودخل حلقة العزابة غاسلا للأموات ثم شيخا للحلقة خلفا للشيخ الحاج محمد بن يحيى باحيو بمسجد آت ايزجن يوم 25 ديسمبر 1878م/1296 هـ وعمره ثمانية وخمسون سنة؛
كان دأبه الدراسة والتدريس والتأليف والوعظ والفتوى وقد تجاوز عدد مؤلفاته مئة مؤلف في شتى العلوم وطال الله في عمره مجاهدا مجتهدا؛ فوفاه الله يوم السبت 23ربيع الثاني 1332هـ الموافق لمارس 1914م.
شهادات بعض أقرانه وتلاميذه
لقد أوردنا هنا بعض شهادات أمينة لنتعرف على شخصيته الصامدة التي تطورت عبر السنين واستفادت وأفادت وأثرت وتأثرت بما حولها.
قال فيه الشيخ ناصر بن محمد المرموري:
(إن الشيخ أطفيش رحمه الله من الأفذاذ الذين يقل نظراؤهم عبر التاريخ فهو يجمع إلى سعة العلم، دقة النظر وصدق الحكم، وهبه الله عمرا طويلا في خدمة العلم ورزقه التوفيق وحلاه بالورع والتواضع والاستقامة، الشهير بقطب الأئمة عند المغاربة، وبقطب المغرب عند المشارقة (
وهذه شهادة على سعة علمه وذكائه وإخلاصه وأخلاقه العالية وقد لقبه أقرانه بقطب الأئمة غربا وبقطب الغرب شرقا.
وقال عنه تلميذه أبو اليقظان يصف لنا شمائله: (1/359)
صفحة 3
(كان شديد الوطأة على الفساق والعصاة، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم شفوقا على الفقراء والمساكين، كريم النفس، سخي اليد، عطوفا على الملهوف، يفكر تفكيرا إنسانيا في أوسع آفاقه، شديد الاهتمام بأحوال العالم الإسلامي يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم (
هذه شهادة تلميذه على جهاده ضد الفساد، وعلى شجاعته في الأمر والنهي، وعلى شفقته على الفقراء والمعوزين، وعلى اهتمامه البالغ بحالة المسلمين كافة.
يقول الأستاذ المؤرخ محمد علي دبوز عنه:
(وكانت مكتبته تحتوي على آلاف من نفائس الكتب، لقد استطاع بجده وعزيمته الفولاذية وغرامه وشغفه بالعلم أن يملك من الكتب النفيسة في أعماق الصحراء في وقت الفتن وصعوبة المواصلات، وقلة المطابع ما لم يملكه أغلب العلماء الجامعيين اليوم (
وفي شهادة المؤرخ محمد دبوز بيان لغزارة اطلاعه وحبه للعلم وجمع مصادره، ولاقتحامه للعقبات المتعددة رغم إمكاناته المادية المحدودة، ورغم الفتن وصعوبة الاتصالات في ذلك الزمان.
تكوين ملكة البحث والمقارنة لدى الشيخ القطب
كانت مسيرة حياته صعبة لكنها ناجحة. وقد تكونت فيه شحنة ربانية ساعدته لاقتحام عقبات الفقر واليتم ليتفرغ كليا إلى استظهار كلام الله تعالى أولا وهذا مما أفصح لسانه الأعجمي مبكرا، ثم عكف على التعلم وعلى المطالعة المتواصلة متزودا بما يحصل عليه من الكتب حتى استوعب معظم ما فيها وتفرغ بصفة موازية إلى التعليم والوعظ والتأليف حتى صار مصدرا لعلوم عصره بما أتاه الله من حافظة واسعة وأنه يدرك أي مسألة قرأها أين توجد بالضبط ويرشد إليها طلبته بتعيين الكتاب والصفحة؛
كان تدريسه المبكر جعله أكثر حرص لمزيد من التعلم ومن التمحيص إذ حمله تلاميذه الوافدون عليه من شتى النواحي مسئولية الإجابة على مسائلهم المتعددة والمتنوعة حتى صار قبلة للتدريس والتوجيه والاستشارة؛ وحمله ذووه عبء الفتوى في الصغيرة والكبيرة؛ وكل هذه المسئوليات تحمَّلها على صغر سنه وجعلته أكثر حرص لمزيد من التفقه ولتمحيص معلوماته بصفة دائمة ومستمرة.
وكان إخلاصه وحرصه على تحري إجاباته الفقهية والعلمية صفات تدفعه حتما إلى جمع (1/360)
صفحة 4
المعلومات وتمحيصها ومقارنتها باستمرار تلك الصفات التي عندما تجتمع في عالم تؤهله للفقه المقارن وتبعده عن التقوقع والتقليد والتعصب؛ (1/361)
صفحة 5
كان محيط الشيخ القطب الداني والقاصي لم ينضج بعد لتقبل آراء الغير وهذا لم يعدله عن عزمه، آملا أن يحذو حذوه غيره من علماء الإسلام ليستكشفوا ثروة مذهبه وتراث سلفه الصالح بعيدين عن التقوقع والتعصب والتهميش.
وكان دأبه رحمه الله تدريس كل ما يقتنيه ويقتنع به مما يجد في كتب السلف، وكان مع طلبته مدرسة متنقلة لا يرتادها العام؛ فللعامة وعظ وتوجيه بما يفهمونه كما كان يوصي دائما 'اخطبوا العامة بما يفهمون'؛ وكان يخصص تدريسه لطلبة العلم معتمدا على بعض مؤلفاته التي لا يصلح سردها للعامة في المنابر وهي تشكل أرضية التدريس وقد لا يدع مسألة ذكرها وتحققها إلا ووردها في وقتها، ولو استطرادا، فيما هو بصدد تدريسه أو تأليفه حرصا على تسجيلها وخوفا أن ينساها؛
يا ليته يملك الآليات العصرية ليضع بسهولة كل مسألة في إطارها ويسهل علينا إدراك خبايا علمه في بعض المسائل دون عناء كبير، ولو ملك آليات عصرنا لسهل عليه تحديث كتبه وتحيينها دون إعادة نسخها من جديد وحتى يسهل علينا أن نعرف رأيه الأخير في مسألة حررها مرارا؛ ونحن لا نملك إلا أن نقول أن آخر رأي له في مسألة وقع تحديثها مرارا -إن استطعنا أن نعرف تواريخ تدوينها- هو رأيه الذي استقر عليه بحكم مراجعاته وتصحيحاته المستمرة.
كانت تآليفه مادة للدراسة وكان يؤلف في شتى الفنون وبصفة موازية ويراجع كتبه عندما يفتح الله عليه مزيدا من المعرفة، وهكذا ارتقت كتبه التي ألفها في آخر عمره كتيسير التفسير إلى شبه محاضرات علمية فنية فقهية أدبية قد يصعب استيعابها من طرف العامة وهي بمثابة المراجع والموسوعات للدارسين والباحثين.
وتبعا لهذا التكوين وهذه المجهودات المتواصلة واشتراكاته في كثير من الأنشطة العلمية جعلت منه حتما مؤلفا قديرا يستوعب ما كتبه الأولون وبفكره الناقد يرجح ويقارن ويصحح ويستنبط وقد أطال الله عمره حتى صار عمدة للفتوى ومرجعية للإسلام عامة في بعض القضايا وللإباضية خاصة.
الفقه المقارن عند الإباضية عامة
لقد امتاز القرن الخامس الهجري بالتأليف الموسوعي والفقه المقارن، وبرز فيه أئمة وعلماء وفقهاء ومصنفون في مختلف البلاد الإسلامي وبرز فيه من علماء الإباضية أمثال الشيخ يوسف بن خلفون الذي عاش في ورجلان وهو ممن أعطى الأهمية للفقه المقارن إنصافا لجهود المذاهب الأخرى ونبذا للتعصب. (1/362)
صفحة 6
وقد اقتدى الشيخ يوسف بن خلفون بأئمته الأوائل كجابر بن زيد إمام المذهب الذي كان (1/363)
صفحة 7
يعتمد في الفروع آراء من خالفه كحسن البصري ويأخذ من جملة الصحابة والتابعين الذين عاصرهم؛
ثم حذا حذوه الإمام إسماعيل الجيطالي ثم أبو ستة الذي كان يرد نصوصا كاملة في الحواشي، وأرسى دعائم الفقه المقارن قطب الأئمة حيث اعتمد ما صح عنده من كتب الحديث كالبخاري ومسلم وغيره من الكتب الستة وجمعها في كتابين هامين 'وفاء الضمانة بأداء الأمانة' و'جامع الشمل في حديث خير الرسل'.
وكان عمله رحمه الله بعيدا عن الهوى، أو التشهير، معتقدا أنه إذا أصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم
(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (
وكان الشيخ القطب عالما راسخا في المواضيع التي يتناولها، وكان على دراية كافية بأقوال المذاهب، وآراء العلماء الذين يقارن بينهم، وهو ملمً إلماماً كافياً بأصول الفقه، وعالما بها لشدة مطالعاته المتواصلة وكان يعرض الأقوال والآراء من الكتب المعتمدة في المذهب بأمانة كاملة وينقلها عن الإمام أو المجتهد أو المذهب، وينقل بدقة وأمانة القول الراجح المعتمد، وإلا صرح بأنه ينقل قولاً له، أو رواية عنه، أو قولاً مرجوجاً، حتى يصح نسبة الرأي لصاحبه، أو القول في المذهب.
فالمدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية أسهمت الكثير في إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة وهو الوارد في معظم الأحيان وخاصة عند القدماء، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى المدرسة الإباضية.
كان إمام المذهب جابر بن زيد يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.
وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج وفيرة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الجدية والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.
كان علماء الإباضية يجتهدون دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، توائم (1/364)
صفحة 8
مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار ولد ما يعرف بفقه المشارقة، وفقه المغاربة، مصطلحات (1/365)
صفحة 9
كثر ورودها في كتب الإباضية؛
ومما يلاحظ في هذا الشأن أنَّ الفقهاء الإباضية بداية من ابن خلفون، وابن بركة، وأبي ستة، ونهاية بالعلاَّمة السالمي في شرح الجامع، والمعارج وغيرها، وبالقطب اطفيش في الذهب الخالص وشرح النيل وغيرها من المؤلفات، كلُّ هؤلاء أسَّسوا لفقه مقارن بمفهوم واسع، جمع بين فقه الإباضية وفقه المذاهب الإسلامية الأخرى. بينما المدرسة الإباضية وما تحمل من تراث فقهي توجد نادرا عند المدارس الأخرى في كتب "الفقه المقارن" وكان "شرح النيل وشفاء العليل" للقطب اطفيش، نموذجا، لكونه أكبرَ موسوعة فقهية في المغرب، استوعب ما عندهم وزاد عليه.
قال الدكتور محمد بن موسى بابا عمي في مداخلة له تحت عنوان: الحضور المشرقي في فقه المغاربة – قراءة في المنهج (شرح النيل نموذجا)
(لا اختلاف في العقيدة والدين وإنَّ المتتبع لمصادر التراث المشرقي والمغربي على السواء يلاحظ بداية أنَّ ثمَّة وحدة عضوية تجمع بين علماء الإباضية، وهي أنَّهم غير مختلفين فيما لا يجوز الاختلاف فيه ... ذلك أنَّهم يجمعون على أنَّ الديانة بمعنى العقيدة «اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها، مما اعتقدوه دينا يدان لله تعالى به (
وقال الشيخ القطب:
(والأصل يَقطع فيه عذرَ مخالِفه والفرع بخلافه، وهو ما طريقه غلبة الظنِّ والاجتهاد. والحق في الأصل في واحد ومع واحد، والفرع الحقُّ فيه مع واحد وفي واحد، ولا يضيق على الناس خلافه (
ويضيف الشيخ القطب ما في معناه:
(مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنَّك كما قال: لو قطعت القولَ بأنَّ مذهبنا صواب فقط، ما صحّ قولنا: المجتهد يخطئ ويصيبُ، وإذا سئلنا كما قال عن الديانة أي العقيدة وجب أن نقول: الحقُّ ما نحن عليه، والباطل ما عليه مخالفونا، لأنَّ الحقَّ عند الله واحد (
لقد ظلَّ المسلمون لقرون عدَّة يخطِّئون من يخالفهم في المذهب، لأجل جزئية فرعية لا تدخل في مسائل التوحيد وقد ثبت الاختلاف داخل المذهب الواحد، بل عند العالِم الواحد، فيفتي بما يحقِّق، ثم يثبت له نقيض ذلك،.
ومما يلاحظ في هذا الشأن أنَّ الفقهاء الإباضية بداية من ابن خلفون، وابن بركة، وأبي ستة، ونهاية بالعلاَّمة السالمي في شرح الجامع، والمعارج وغيرها، وبالقطب اطفيش في الذهب (1/366)
صفحة 10
الخالص (1/367)
صفحة 11
وشرح النيل وغيرها من المؤلفات، كلُّ هؤلاء أسَّسوا لفقه مقارن بمفهوم واسع، جمع بين فقه الإباضية وفقه المذاهب الإسلامية الأخرى. ومن جهة أخرى ما زال الفقه الإباضي، غير وارد في الكتب المعتبرة للمذاهب الأخرى؛
كان الفقه المشرقي في المدرسة الإباضية حاضرا في مصادر الفقه المغربي، وبالذات الموسوعاتُ الفقهية الكبرى، للقرنين الخامس والسادس الهجريين، ولقد اعتمد القطب على العديد منها. يأتي كتاب الجامع للإمام ابن بركة، على رأس قائمة المصادر أهمية وحضورا في فقه المغاربة، وبخاصة في مجال فقه المعاملات. ومع هذا لوحظ عدم اعتماد القطب على أكبر الموسوعات الفقهية المشرقية: بيان الشرع، وقاموس الشريعة ولم يعرف بعد سبب ذلك.
ومما يجب فيه التفكير جديا إنشاء “المجمع الفقهيٍّ الإباضي” ليكون سندًا للمجامع الفقهية العالمية وأرضية خصبة لإنشاء المجمع الفقهي الإسلامي الشامل؛
كانت الأمة الإسلامية تعاني التفرقة الممقوتة ذلك أنَّ كلَّ جهة تستثني الجهة الأخرى من إمكانية الحق والصواب، والخروج من الدين، وترفض ما يأتي منها بأسماء وعناوين مختلفة، ومن بين أكثر المذاهب معاناة من هذا الوضع، المذهب الإباضي، الذي همِّش كلية عبر العصور، وقد نقل عن ابن حجر قوله في كتاب “كف الرعاع”:
«إنَّ كثيرين من المجتهدين الخارجين عن الأئمة الأربعة لا يجوز تقليدهم، كما هو مقرر في كتب الفقه والأصول»
ماهية الفقه المقارن لدى القطب خاصة
فالمقارنة لغة هي الجمع والوصل والمصاحبة، ويقال الأدب المقارن، أو التشريع المقارن، أو الفقه المقارن أو الفقه الموازي؛ والفقه المقارن دراسة الآراء الفقهية المختلفة في المسألة الواحدة مع مستنداتها من الأدلة الشرعية، وتقويمها، وبيان ما لها وما عليها بالمناقشة، وإقامة الموازنة بينها
وقد نهج الشيخ القطب في كتابه 'شرح النيل والشفاء العليل' نهج الفقه المقارن، وكتابه هذا يوازي الأمهات الفقهية ويعتبر موسوعة فقهية كبرى على غرار الموسوعات المذهبية الأخرى.
وقال الشيخ القطب في جواب لسائل له عن مذهبه:
(اِعلم يا أخي رحمك الله أني استقرأت المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الإباضية ومذهب المالكية (ويؤكد أنه كان في استقرائه يرد المنقول والمعقول وينتهي إلى ترجيح المذهب الإباضي بحجة أنه خال عن التشبيه والتعطيل. (1/368)
صفحة 12
وتعتبر هذه خطوته المبدئية في الفقه الأصولي المقارن، فأصول الدين قاسم مشترك بين الأمة (1/369)
صفحة 13
الإسلامية جمعاء وأصول المذاهب ثوابتها. وبما أن ثوابت المذاهب لا تخضع للفقه المقارن الذي من شأنه أن يقرب بين المدارس المذهبية دون المساس بثوابتها فقد اهتم الفقه المقارن عامة بالفروع؛
لقد فتح الفقه المقارن المجال عامة للفقهاء للاستفادة من سائر المذاهب، ولاختيار القول الأنسب الذي يحقق مصلحة الناس حسب أحوالهم وأزمنتهم ويتحقق بذلك المقولة المشهورة 'اختلاف العلماء رحمة' وصارت المقارنة والاستفادة من الرأي الآخر أمر مسلم فيه ومن ثوابت المنهج العام اليوم في الدراسة وفي الرسائل العلمية والندوات والمؤتمرات.
تقديم كتاب الذهب الخالص المنوه عن العلم القالص لقطب الأئمة
قال المؤلف في المقدمة ما نصه:
(فهذا الكتاب يجمع القواعد والحاشية مختصرا ... وفيه زوائد كثيرة تكاد تكون ثلثا لا تكاد مسألة أمر المحشي بتحريرها إلا حررتها وأثبتها ... والفضل لأبي ستة 'المحشي' لأنه الذي أسس وكفاني فتفرغت لبعض ما لم يذكره و'ت' علامة على قلت؛ و'م' على مالك؛ و'ش' على الشافعي؛ و'ح' على أبي حنيفة؛ وما لم أنسبه إلى هؤلاء ... فهو مذهبنا معشر الإباضية ... حيث كتبت لفظة 'نا' ... و'ق' على قولين و'أق' على أقوال؛ و'ظ' على الظاهر؛ و'ص' على الصحيح وأذكر الخلاف بلفظة 'أو' ... (
وكان الشيخ القطب يورد مسألة ويقول عندنا أو عند المغاربة ويقصد علماء الإباضية في المغرب وعند المشارقة ويقصد علماء الإباضية من المشرق وعند أصحابنا أو عندنا ويقصد الإباضية عامة وعند مخالفينا أو عند قومنا ويقصد المذاهب الإسلامية غير الإباضية ويقول عندي عندما يحرر مسألة يرى رأيه باجتهاده الخاص وعندما يجد من يوافقه من أئمة المسلمين يحمد الله تعالى على ذلك (القطب، 1985، ص2)
وقد أعجب الكثير بكتابه الذهب الخالص الذي يجمع كتاب القواعد لأبي إسماعيل الجيطالي وحاشية أبي ستة بما يمتاز به من الجمع والاحتواء على ما قاله العلماء في الأركان الخمس وآداب السلوك والمعاملات من مختلف المذاهب الإسلامية فهو يسوق الأقوال ويقارن، وقد سلك مسلك الفقه المقارن بين أقوال أصحاب المذاهب والآراء الفقهية.
وقد بين الشيخ القطب رحمه الله في كتابه كشف الكرب الجزء الأول ص 89 1405 1985 تحت عنوان: الأخذ بروايات قومنا وقبول الفتوى عنهم ونقل العلم من كتبهم ما مفاده أن الأمر برهاني وإقناعي: (1/370)
صفحة 14
أما البرهان فقوله صلى الله عليه وسلم: (1/371)
صفحة 15
(ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فعني ولو لم أقله ... إلى أن قال: وكيف أخالفه وبه هداني ربي ... (
ويقطع العذر في الأصول التي الحق فيها مع واحد ولا يجوز الاختلاف فيها ... ويقول رحمه الله: ('ولا أذكر من كلام القوم إلا ما لا بأس به ولو وجد في مذهبنا ما يخالفه إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلف فيه وربما حجته على ما في المذهب لقوته بأدلة وجدتها لأن القول بالحق واجب ... (
ويقول كذلك: (وفي كل مذهب راجح ومرجوح وأكبر مسائلنا في الفروع راجحات ... وإذا ترجح قول غيرنا في مسألة من الفروع على قولنا بأدلة ... جاز ذكرها في كتبنا ولو بلا نسبة لها لقومنا ... ((القطب، 1985، ص 90)
وورد قوله تعالى: {الحق أحق أن يتبع} وقوله {وما ذا بعد الحق إلا الضلال}
ثم استأنف قائلا:
(اتفق أصحابنا على من عمل بقول مخالف في الفروع نجا فجابر -بن زيد- يأخذ الحديث مطلقا ويستعين بالحسن البصري؛ والشيخ يوسف بن إبراهيم -الورجلاني- قرأ في قرطبة، وابن عمار في تونس، وفي سند الربيع رجال ليسوا من أصحابنا-أي من الإباضية- (وختم قوله
(من العجيب أن تكون مسألة حقا تترك لأنها جاءت من غيرنا هذا غلو (
(القطب، 1985، ص 95)
استقراء نماذج من الفقه المقارن عند الشيخ القطب
وقد برزعمله بالفقه المقارن في كتابه القيم الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص وسنرد منه بعض الأمثلة من طبعته الثانية 1400 هج-1980م
في الركن الثاني في الصلاة وتوابعها وخاصة في باب طهر النساء يقول القطب:
(والطهر إما ماء رقيق كالجير أو كمائه أو الفضة وهو أقعد (نا) وبعض ال (م) (
وقد يستدل القطب في مسألة بما اعتمد في مذهب ما أو بما اشتهر به بعضهم كالمالكية في وصف طهر النساء.
وفي باب الكلام على أوقات الصلوات الخمس ص 132 تكلم القطب وبالتحديد بداية (1/372)
صفحة 16
صلاة العشاء قائلا: (والعشاء بفناء الأحمر-أي غيوب الشفق الأحمر- (نا) و (م) و (ش) وهو (ص) لحديث: (وقت العشاء غيوب الشفق والشفق الأحمر (وأكد المسألة أنها صحيحة وذكر من صحت عنده وهم الإباضية والمالكية والشافعية وذكر ما جاء به الحنفية بقوله: (أو ذهاب الأبيض (1/373)
صفحة 17
بعده عن موضعه (ح) ((القطب، 1985، ص133)
وفي باب التحيات ولفظها وحكمها ص160 قال القطب:
(وسنت قراءة التحيتين (م) و (ح) أو فرضتا (ش) (ت) هو (ص) لأن الأصل فعله وقوله ص في الصلاة الوجوب إلا الدليل إذ قال صلوا كما رأيتموني أصلي ... (
يبدأ القطب هنا بذكر آراء المالكية والحنفية ثم يعقب بما صح عند الشافعية وعنده بقوله قلت وهو الصحيح ويرد الدليل من الحديث النبوي الشريف.
وفي باب صلاة الجماعة وأحكامها ص 172 يقول القطب: (وأما قوله لا صلاة لسامع الأذان إن لم يجب إلا لخوف أو مرض فمعناه لا صلاة كاملة (أق) ومن صلى فرضا فذا أو مأموما أو إماما ووجد إماما ولو في غير مسجد يصله معه نفلا لعموم الحديث: (إذا جئت والناس يصلون فصل معهم (ش) أو إلا الفجر والعصر (نا) إذ لا نافلة عندئذ-الحديث- مخصوص بحين يجوز النفل وفيه أنه يحتمل أنه يعيد على أنها فرض والتي قبلها نفل كما هو رواية عن (ش) أو إلا المغرب عند (م) -لئلا تشفع ستا- ((القطب، 1985، ص 173)
وفي تفضيل الإمامة قال القطب:
(الأفقه القارئ أفضل للإمامة (م) و (ش) أو الأقرأ الفقيه (ح) (ت) هو (ص) لحديث يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ... ((القطب، 1985، ص174)
وفي باب الكلام على قيام رمضان ص 201 قال القطب:
( ... فهوأربع وعشرون (نا) أو عشرون (ح) و (ش) واستحه (م) بست وثلاثين وبعض بأربعين والوتر زائد على ذلك كله ((القطب، 1985، ص202)
وفي باب الركن الثالث في الزكاة من نفس الكتاب ص 216 ورد الكاتب كثيرا من املسائل في دقائق الأمور مبينا فيها أراء المذاهب الثلاثة بصفة خاصة المالكية فالحنفية فالشافعية ...
(القطب، 1985، ص 216)
في باب الركن الرابع في الصوم وفي فصل 'لا صوم إلا بالنية من الليل' ص245 قال القطب:
(لا بد من تخصيص النية بما يصام (نا) و (م) وهو الحق كتعيين صلاة بالنية أو ... (
لقد تبين له قول المالكية هو الصواب وعلله ثم ذكر أقوالا أخرى بلا تعليق؛ (القطب، 1985، ص246)
وفي الباب الثالث كفارة العمد تخييرية قال القطب ص250:
(قال لأعرابي فطر-في رمضان- أعتق أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا (1/374)
صفحة 18
(نا) و (م) وهو (ص) أو بالترتيب (ش) و (ح) ولا دليل ... (
قد أتى برأي المالكية وأقره ثم أتى برأي من الشافعية والحنفية فردهما لافتقارهما للدليل.
وفي الباب الخامس ص 252 قال القطب:
(وصوم المسافر أفضل (ن) و (م) و (ح) لأن الأداء أفضل من القضاء ... ولأن الإفطار رخصة (
ويرد القطب أن رخصة الله قد تجب وقد تستحب وقد تكره وقد تباح ... فيبقى –هنا- على أصل الرخصة وهو المرجوحية إلا ما فيه مضرة أو كما قال. (القطب، 1985، ص 253)
وفي الركن الخامس والسادس في العمرة والحج وفي باب شروط لزوم الحج قال القطب عن المرأة: (وإنما يجب عليها مع رفقة مأمونة ولو لم يكن فيها زوج أو محرم (نا) و (م) و (ش) أو إن وجدت زوجا أو محرما يذهب معها (ح) (ق) (
ذكر القطب ما صح عنده وأقره من وافقه عليه من المالكية والشافعية وذكر القول الآخر من الحنفية بدون تعليق؛ (القطب، 1985، ص 264)
وخلاصة القول في ما يتعلق بالفقه المقارن الوارد في هذا الكتاب نجمل القول أنه بدأت مقارنات الشيخ القطب المستفيضة في فصول الطهارات وانتهت عندما وصل إلى الركن السابع في الحقوق والمظالم والمحارم والآداب ولا شك أن بقية الكتاب متفق عليه إجمالا فلا داعي إلى استعراض أقوال المذاهب الأخرى؛ ومما يمكن ملاحظته في هذا الكتاب أن مقارناته كانت خاصة مع المذهب المالكي ثم الشافعي ثم الحنفي؛
الخاتمة
كانت مسيرة حياة الشيخ القطب صعبة لكنها ناجحة. وقد تكونت فيه شحنة ربانية ساعدته لاقتحام عقبات الفقر واليتم ليتفرغ كليا إلى استظهار كلام الله تعالى أولا وهذا مما أفصح لسانه الأعجمي مبكرا، ثم عكف على التعلم وعلى المطالعة المتواصلة متزودا بما يحصل عليه من الكتب حتى استوعب معظم ما فيها وتفرغ بصفة موازية إلى التعليم والوعظ والتأليف حتى صار مصدرا لعلوم عصره بما أتاه الله من حافظة واسعة وأنه يدرك أي مسألة قرأها أين توجد بالضبط ويرشد إليها طلبته بتعيين الكتاب والصفحة؛
إن الشيخ الحاج أمحمد أطفيش قطب الأئمة موسوعة علمية ومرجعية فقهية هامة لكل دارس في البحوث الفقهية والعلمية والأدبية؛ ويجدر بنا أن ننوه ببعض الجوانب الهامة التي يستطيع الباحث أن يعمل فيها لإثراء تراث الشيخ وتقديمه للأجيال الصاعدة كمثال حي لعالم (1/375)
صفحة 19
جزائري لم (1/376)
صفحة 20
يملك من آليات البحث العصرية ولم يتخرج من جامعات ولا من معاهد عليا وأنه رغم قلة عدته وفقره ويتمه استطاع أن يرقى المراتب العلى في الفقه وعلوم عصره؛ ومن المواضيع التي تستأهل التنقيب والبحث والتي لها العلاقة الوطيدة بالفقه المقارن وبما نحن بصدده ما يلي:
1. الاهتمام بأعماله في الفقه المقارن وإبراز منهجه في الاستدلال والمقارنة لاستكشاف جانبا من شخصيته كعالم عصامي يثبت معارفه في المسائل الخلافية؛
2. دراسة أسلوبه في استقراء آراء المذاهب في الأصول واقتناعه الكامل المؤصل بما جاء به المذهب الإباضي منذ نشأته؛
3. دراسة اجتهاداته الخاصة ومقارنتها باجتهادات غيره وبيان وجه الشبه ووجوه التميز؛
4. دراسة تطورات آرائه في بعض المسائل وأسلوبه في التدقيق والتحديث عبر مؤلفاته.
وآخر ما نخلص إليه هو أن على علماء الأمة الإسلامية اليوم أن يضبطوا الفتوى حسب تغير الزمان والمكان والعرفِ ووفق ضوابط شرعية علمية منهجية؛ فحاجتنا اليوم أكيدة إلى الاجتهاد الجماعي؛ ولا يكون ذلك إلا بإشراك فقهاء الأمة من كل المذاهب وصياغة مجمع فقهي شامل يتعامل مع النوازل بسرعة وذكاء؛
المراجع:
القرآن الكريم
- مدونة أبي غانم الحرساني تحقيق وترتيب يحي بن عبد الله النبهاني وابراهيم بن محمد العساكر 2006 770 صفحة الناشر مكتبة الجيل الصاعد
- الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، فسنطينة، 1985، 340 صفحة
- الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش، كشف الكرب الجزء الأول 1985
- الدكتور: محمد بن موسى باباعمي: أصل البحث مداخلة قُدمت في إطار ملتقى الفقه الإباضي، من تنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، سلطنة عُمان، بتاريخ: 29 محرم 1426هـ/3 مارس 2005م.
من المواقع:
www.ibtesama.com م
www.mzabnet.com/men2.htm
www.univ-emir.dz/yahia-bouterdin.htm
www.alfida.jeeran.com/qtubalaemme.htm
www.9alam.com/forums/showthread.
iraq.iraq.ir/islam/maktaba_fkreia/book02/feg_mo01.htm
http://www.taddart.org/ar/?p=464 (1/377)