صفحة 1
الكتاب: مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] مباحث علوم القرآن في تيسير التفسير للشيخ اطفيش
أ/ محمد بولقصاع
قسم العلوم الإسلامية
المركز الجامعي غرداية
علوم القرآن الكريم من أجل العلوم, وأعلاها, وأنفعها، إذ هو السبيل لفهم كتاب الله تعالى، وتدبره, ومعرفة حُكمِه، واستنباط أحكامه، وحِكمِه, وحل مشكله, وفهم متشابهه، بصورة صحيحة دقيقة؛ لأنه لا يمكن أن يفهم القرآن ويفسِّره من لا يعرف نطقه، ورسمه، وأوجه قراءته, وأسباب نزوله, وناسخه ومنسوخه, ومحكمه ومتشابهه، ونحو ذلك, فهو الأساس, والمفتاح لفهم القرآن الكريم.
من هذا المنطلق؛ فقد أدرك القطب - رحمه الله - أهمية هذا العلم، وخطورة الإقدام على تفسير كتاب الله الذي لا ينال إلا بالتمكن والتبحر في علوم القرآن، فكانت له قدم راسخة وإيمان عميق بهذا العلم في شتى مباحثه، إذ بنى عليه تفسيره، سواء بذكر قواعده أو بتطبيقاته المباشرة على الآيات، وفيما يلي سيعرض الباحث أهم مباحث علوم القرآن التي تناولها القطب - رحمه الله - في تفسيره بصورة موجزة، والحق يقال أن الأصل في هذا الموضوع أن تفرد له رسالة دكتوراه، حتى يعطى للموضوع حقه في شتى جوانبه؛ لا أن يحدد بقرابة خمسة عشر صفحة، لكن حسبنا أن نقدم بحثا مختصرا في هذا الشأن.
المبحث الأول: الناسخ والمنسوخ.
يعد علم الناسخ والمنسوخ من المباحث الأصولية الهامة لما لها من ارتباط بالأحكام الشرعية دون غيره من علوم القرآن.
وقد نال هذا المبحث اهتماما كبيرا من المفسر قطب الأئمة - رحمه الله - وذلك من خلال تناوله من جهات عديدة أبرزها:
1 - تعريفه للنسخ: "النسخ إزالة حكم قضي في الأزل أنَّه يُزال، لا ظهورٌ لما خفي، تعالى الله" (1).
__________
(1) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص309. (1/268)
صفحة 2
وهذا التعريف الذي اعتمده الشيخ مماثل لتعريف الفقهاء والأصوليين الذين عرفوه بأنه: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي" (1).
2 - أنواع النسخ في القرآن: وافق القطب -رحمه الله- ما ذهب إليه العلماء من أن النسخ في القرآن يكون على ثلاثة أنواع هي:
أ- نسخ الحكم والتلاوة معا: حيث قال: ومما نسخ لفظه وحكمه «عشر رضعات معلومات يحرمن»، وكثير من سورة الأحزاب، وكانت كالبقرة، إلا أنه يحتمل بقاء بعض حكمها في سورة أخرى.
ب- نسخ الحكم وبقاء التلاوة: حيث قال: ومما نسخ حكمه فقط آية عدة الوفاء بالسنة، نسخت بآية العدة بأربعة أشهر وعشر.
ج- نسخ التلاوة وبقاء الحكم: حيث قال: ومما نسخ لفظه فقط آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ... »، قال عمر: «قرأناها، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا، إذا كانت البينة أو الحمل أو الاعتراف»، وكانت في سورة الأحزاب، وقيل في النور (2).
3 - أنواع النسخ من حيث البدل وعدمه: قسم القطب -رحمه الله- النسخ من حيث البدل وعدمه إلى قسمين:
أ- نسخ بلا إبدال: ينسخ الحكم ولا بدل له، ولم يضرب له مثالا.
ب- نسخ ببدل: حيث يؤتى بحكم جديد بدل المنسوخ، وهو على ثلاثة أنواع من حيث التشديد والتخفيف:
- أن يكون الناسخ أخف من المنسوخ كأربعة الأشهر (3).
- أن يكون الناسخ أشد من المنسوخ كوجوب الصوم بعد التخيير بينه وبين الإطعام.
- أن يكون الناسخ مساو للمنسوخ كنسخ الصلاة إلى القدس بالصلاة إلى الكعبة (4).
4 - مجال النسخ: أكد القطب -رحمه الله- على قاعدة مهمة في النسخ حيث قال: "لا نسخ في الأِخبار، وإِنما يكون في الأَحكام" (5)، فالنسخ يكون في الأحكام العملية لا العقائدية، وأنه لا يشمل الأخبار كالقصص والوقائع؛ لأن الأخبار الماضية لا تتبدل ولا يطرأ عليها النسخ، فلو نقل أحد خبرا مثل أن يقول: قام فلان ثم نسخ هذا فقال: لم يقم فقد كذب.
5 - مثال على إثبات النسخ أو عدمه: لم يكن القطب -رحمه الله- ممن ينفون النسخ مطلقا من القرآن، أو ممن يتوسعون في القول به؛ بل وقف موقفا معتدلا، ومن أراد أن يعرف
__________
(1) - انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص132؛ صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن، ص261؛ مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص238.
(2) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص ص: 214ـ215.
(3) - يقصد بذلك: نسخ عدة المتوفى عنها زوجها من سنة إلى أربعة أشهر.
(4) - انظر: اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص 215.
(5) - اطفيش، تيسير التفسير، ج5، ص320. (1/269)
صفحة 3
موقف الشيخ من النسخ فليرجع إلى تفسير قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ (1/270)
صفحة 4
مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]. وفيما يلي مثال على إثبات النسخ أو عدمه من قبل الشيخ.
أ- مثال عن آية ثبت نسخها عند الشيخ، فمن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} [المجادلة: 12]: "أكثروا التناجي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا سيما الأَغنياء لحبهم الفخر بالمناجاة ولو في غير مهمٍّ، ويغلبون الفقراء على المجلس، حتى ثقل عليه ذلك، وأصابه الملل، وكان سخيَّ النفس لا يرد أحداً عن حاجة، فأَمرهم الله - عز وجل - أمر ندب، وقيل: إِنه أمر إِيجاب، وإنه نسخ بقوله - عز وجل -: {أَأَشْفَقْتُمْ} [المجادلة: 13] على الصحيح" (1).
ب- مثال عن آية لم يثبت نسخها عند الشيخ، فمن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} [النساء: 15] "لما نزل الجلد والرجم قال - صلى الله عليه وسلم -: «هما السبيل، خذوا عني، خذوا عني» (2)، وليس ذلك نسخا؛ بل غاية؛ لأنه ذكر السبيل هنا غاية، وآية الجلد ودلائل الرجم بيان لا نسخ، ... وكأن الأمور بالتدريج" (3).
المبحث الثاني: أسباب النزول.
يعرفه العلماء بأنه: "ما نزل قرآن بشأنه، وقت وقوعه، كحادثة أو سؤال» (4).
وسبب النزول أحد أهم علوم القرآن الكريم، وما ذلك إلا لعلاقته المباشرة بتفسير الآية، إذ يعد سبب النزول أحد الشواهد الأساسية في ترجيح معنى الآية، ولهذا الغرض اهتم به علماء التفسير عناية كبيرة حتى أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - قال: «والله الذي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من كِتَابِ اللَّهِ إلا أنا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، ولا أُنْزِلَتْ آيَةٌ من كِتَابِ اللَّهِ إلا أنا أَعْلَمُ فيما أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إليه» (5) , وهو يقصد الاهتمام بهذا العلم.
والذي يقرأ تفسير " تيسير التفسير" يجد غاية الاهتمام بهذا العلم من قبل مؤلفه، بالعرض والتحقيق في سبب نزول الآية، وفيما يلي بعض القواعد التي تندرج تحت هذا المبحث والتي تعرض لها الشيخ في تفسيره منها:
1 - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: حيث نرى أن قطب الأئمة ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة قد وافق جمهور المحققين من العلماء من أن الآية وإن كان سبب نزولها متعلق بشخص بعينه، أو حادثة بعينها، إلا أن حكمها يعم سائر المؤمنين، لأن القرآن كتاب هداية عامة، لا يختص بالصحابة وحدهم، وإن كان بعضهم السبب المباشر في نزول الآية لحكمة أرادها الله.
فنقرأ مثلا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]. حيث ذكر سبب نزول هذه الآية قائلا: "قال أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري: لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أموالنا وأهلنا
__________
(1) - المصدر نفسه، ج14، ص405.
(2) - مسلم، صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى، ج3، ص1316، حديث رقم1690.
(3) - اطفيش، تيسير التفسير، ج3، ص167.
(4) - المجالي، الوجيز في علوم الكتاب العزيز، ص67.
(5) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ج4، ص1912، حديث رقم.4716 (1/271)
صفحة 5
نقيم فيها ونصلحها، فنزلت الآية، ... وفسر بعض التهلكة بالدخول فى وسط العدو، وفسر بالبخل ونحو ذلك مما مر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (1).
ونقرأ أيضا في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159]. أنه: "سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموا، فنزلت، وقيل: نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم، فالآية تعم من كتم من أهل التوحيد ما لا يجوز له كتمه من أمر الدين" (2).
من هذين المثالين وغيرهما كثير يبين القطب ـ رحمه الله ـ أن الغالب في سبب نزول الآية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
2 - تحقيق القول في أسباب النزول: كان القطب ـ رحمه الله ـ يدقق في الروايات ولا يسلم لها، فنقرأ مثلا عند تفسير قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] أنه ناقش سبب نزول هذه الآية حيث قال: "كما روي أن أمية بن خلف ونحوه من كبار قريش، وعيينة والأقرع من المؤلفة قالوا: اطرد هؤلاء الفقراء لضعفهم، واتساخ ثيابهم نجالسك، وننقل عنك، فنزلت الآية، لكن أمية في مكة والمؤلفة في المدينة، والصحيح أن السورة مكية" (3).
2 - الاستعانة على فهم الآية بسبب النزول: فمن أهم فوائد معرفة سبب النزول أنه يعين على فهم الآية فهما صحيحا؛ لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
فنرى القطب -رحمه الله- عند تفسيره لكثير من الآيات يعتمد على سبب النزول الذي يوضح معنى الآية، فلا تمر آية وفيها سبب نزول إلا أوردها القطب في تفسيره، ففي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]. يستعين على فهم هذه الآية بذكر سبب نزولها حيث قال: "والصحيح ما ذكر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه ذكر الله سبحانه أصنام المشركين فقال: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج: 73] وذكر كيدها وجعله كبيت العنكبوت {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} [العنكبوت: 41]، فقالوا، كيف ينزل الله ذكر الذباب والعنكبوت؟! فنزلت الآية {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي} [البقرة: 26] (4).
3 - صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية: وافق القطب -رحمه الله- ما ذهب إليه جمهور المحققين من أن سبب النزول الذي نزلت من أجله الآية إنما داخلة بالقطع والتأكيد في معنى الآية، فعند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
__________
(1) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص ص: 421 ـ 422.
(2) - المصدر نفسه، ج1، ص 327.
(3) - المصدر نفسه، ج8، ص330.
(4) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص50. (1/272)
صفحة 6
تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33].
يقول القطب: "وزعمت الشيعة أَنها لا تدخل في آل زوجها وأَهل بيته إِلا إِن كانت من نسبه، وأَخرجوا عائِشة -رضي الله عنها- من هذه الآية" (1)، فيرد عليهم القطب -رحمه الله- بأن الآية تشمل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى سبب النزول حيث ذكر روايات منها: " أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة عن ابن عباس: نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، قال عكرمة: من شاء باهلته إنها في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأخرج الطبري: وابن مردويه عن عكرمة: إن الآية في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في قرابته الذين تذهبون إليهم، وكان عكرمة ينادي في السوق: إن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} إنما نزل في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - " (2).
المبحث الثالث: نزول القرآن: وهو يشتمل على مسائل عديدة منها:
1 - عدد مرات نزول القرآن: اختلف العلماء في عدد تنزلات القرآن على أكثر من رأي، وهذا الاختلاف راجع إلى أن بعض الآيات وصفت نزول القرآن بأنه كان جملة واحدة مثل قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3]، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وآيات أخر وصفت نزوله منجما كقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [الإسراء: 106]، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32]، وذهب قطب الأئمة ـ رحمه الله ـ إلى أن للقرآن تنزلان وإلى هذا الرأي ذهب أكثر أهل العلم (3)، وهذان التنزلان هما:
أ- التنزل الأول: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة وهذا في شهر رمضان في ليلة القدر، وهي التي سماها الله ليلة مباركة، وهذا ما أخبرت عنه سورة البقرة وسورة الدخان وسورة القدر.
ب- التنزل الثاني: من السماء الدنيا على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، وهذا ما أخبرت عنه سورة الإسراء وسورة الفرقان (4).
2 - أول ما نزل وآخر ما نزل:
أ- أول ما نزل من القرآن: جاءت روايات كثيرة ظاهرها التعارض في بيان أول ما نزل من القرآن، فقد ورد أن أول ما نزل هو مطلع سورة العلق، وقيل سورة الفاتحة، وقيل سورة المدثر.
والقطب -رحمه الله- إزاء اختلاف هذه الروايات قد حقق في جميعها وبين وجه الصواب فيها، وأزال الإشكال الذي يتراءى للقارئ أنه تعارض، فقال في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ... عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، "وتأَخر ما بعد ذلك (5)، وذلك خمس
__________
(1) - المصدر نفسه، ج6، ص443.
(2) - المصدر نفسه، ج11، ص286.
(3) - انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص228. الزرقاني، مناهل العرفان، ج1، ص 33.
(4) - انظر: اطفيش، تيسير التيسير، ج16، ص ص: 307 ـ 308.
(5) - يعني: بعد الآية الخامسة إلى آخر سورة العلق تأخر نزولها. (1/273)
صفحة 7
آيات هن أول ما نزل ... ولو كان أول ما نزل فاتحة الكتاب ـ كما قيل ـ لكان قوله: «ما أنا بقارئ» كذباً أو عناداً حاشاه عنهما، ولو صح لقلنا: إن الفاتحة أول ما نزل جملة، أو أول ما نزل متتابعاً لم يفصله غيره أو أول ما نزل في رسالته المتأخرة عن نبوته بثلاث سنين (1).
ويرد ما مزاعم من قال بأن أول ما نزل هو صدر سورة المدثر، مؤولا كلامهم بأن صدر سورة المدثر أول ما نزل في موضوع الدعوة إلى الله - عز وجل - حيث يقول في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] "عن جابر: إنها أول ما نزل، ولا يصح عنه هذا؛ فإِن هذه السورة نزلت بعد سورة المزمل بثلاث سنين وهو وقت إِرساله، وكان قبلها نبياً غير رسول .... ولعل جابرا أراد الأَولية بالإِضافة إِلى الإِرسال بالإِنذار، أي أول ما نزل من الإِرسال بعد فترة الوحي" (2).
2 - آخر ما نزل: قسَّم القطب ـ رحمه الله ـ آخر ما نزل من القرآن على النحو التالي:
- آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النصر (3).
- آخر سورة نزلت ولم ينزل بعدها ما ينسخها من قرآن أو سنة متواترة هي سورة المائدة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» (4)، (5).
- آخر ما نزل على الإطلاق قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وعاش - صلى الله عليه وسلم - بعدها واحداً وعشرين يوماً، وهو الصحيح (6).
المبحث الرابع: المكي والمدني.
1 - تعريفه للمكي والمدني: عرَّف القطب ـ رحمه الله ـ المدني بقوله: "والمشهور أن ما نزل بعد الهجرة وقبل الوصول إلى المدينة مدني" (7)، وزاد " وما نزل بعد الهجرة مدني، ولو نزل في غير المدينة" (8).
مناقشة التعريف:
أ- المعول عليه في هذا التقسيم بين المكي والمدني هو الهجرة، ولم يعول ـ رحمه الله ـ على المكان كأن يقول: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، لأن هناك آيات وسور لم تنزل لا بمكة ولا بالمدينة كالتي نزلت ببدر وتبوك و ... وهذا ضابط دقيق ينطبق على جميع السور والآيات بمجرد معرفة وقت نزلها قبل الهجرة أم بعدها، فسورة النصر مثلا نزلت بمكة ولكن السورة مدنية باتفاق لأنها نزلت بعد الهجرة.
فنخلص من تعريف الشيخ للمكي والمدني والذي عليه الجمهور (9) بأن: المكي ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة ولو كان نزوله خارج مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو خارج المدينة.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج16، ص291.
(2) - المصدر نفسه، ج15، ص380.
(3) - اطفيش، تيسير التفسير، ج3، ص440.
(4) - لم أعثر على الحديث. لكن ذكره السيوطي في الدر المنثور، ج3، ص4. وابن حجر في فتح الباري، ج5، ص412. لكن دون نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن حتى صح عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف أن سورة المائدة محكمة.
(5) - المصدر نفسه، ج3، ص479.
(6) - المصدر نفسه، ج2، ص ص: 205 ـ 206.
(7) - المصدر نفسه، ج16، ص124.
(8) - المصدر نفسه، ج5، ص362.
(9) - انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ج2، 143. ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج1، ص5. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج6، ص30. (1/274)
صفحة 8
- وهناك قيد في التعريف خالف فيه القطب ـ رحمه الله ـ غيره وهي مسألة ما نزل أثناء الهجرة، فاعتبر القطب ـ رحمه الله ـ أن ما نزل بعد الهجرة وقبل الوصول إلى المدينة مدني، لكن الذي عليه المحققون أن ما نزل في أثناء الهجرة قبل أن يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؛ فهو مكي، يقول السيوطي في الإتقان: «وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فهو من المكي، وما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني وهذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحا» (1).
إذن فهناك آيات نزلت أثناء الهجرة منها قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13]، وقوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85]، فهذه الآيات وغيرها عدها العلماء من المكي لأنها نزلت أثناء الهجرة وقبل بلوغ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة.
2 ـ من ضوابط المكي والمدني: أشار القطب ـ رحمه الله ـ في عدة مواطن من تفسيره إلى بعض الضوابط التي من خلالها تعرف السورة أهي مكية أم مدنية ومن جملتها مثلا قوله:
- " وما فرض القتال إلا في المدينة" (2). إذن فكل سورة جاء الحديث فيها عن القتال فهي مدنية باتفاق.
- "لأن حقوق المال شرعت في المدينة" (3). فالسور التي تتضمن أحكام البيوع والربا والدين والشهادة والعقود والتجارة والمعاوضات والاقتصاد ... وغير ذلك من المعاملات المالية هي سور مدنية.
- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مكي، وقلَّ مدنيا، كما في هذه السورة ـ يعني البقرة ـ والنساء والحجرات، فإنهن مدنيات" (4). يعني بذلك ـ رحمه الله ـ أن كل سورة فيها "يا أيها الناس" وليس فيها "يا أيها الذين آمنوا" فهي مكية.
4 ـ الإحتجاج بالمكي والمدني: كثيرا هي المسائل التي ينتصر فيها القطب ـ رحمه الله ـ والتي يعتقد الصواب فيها وذلك بمقتضى علمه بالمكي والمدني فمثلا:
عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] يقول القطب ـ رحمه الله ـ: " نصَّ على أن الثلاثة للزينة ولم يذكر الحلَّ للأَكل والآية مكية، والحمر الأَهلية حرمت في المدينة عام خيبر عند الجمهور، وفى الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن لحوم الحمر الأَهلية» (5) أَي في المدينة فهي قبل ذلك على الحل، والأَصل في الأشياءِ قبل النزول الحلُّ إلا ما تبين" (6).
__________
(1) - السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص35. وانظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص188. الألوسي، روح المعاني، ج26، ص36.
(2) - اطفيش، تيسير التفسير، ج14، ص204.
(3) - المصدر نفسه، ج16، ص249.
(4) - المصدر نفسه، ج1، ص 35.
(5) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، ج5، ص2102، حديث رقم 5202.
(6) - اطفيش، تيسير التيسير، ج7، ص410. (1/275)
صفحة 9
- ومن تفاعل الشيخ مع مبحث المكي والمدني نراه مثلا عند قوله تعالى: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ (1/276)
صفحة 10
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [المدثر: 31] يقول بأن هذه السورة مكية، وأن النفاق لم يظهر إلا في المدينة فما المخرج؟، فيجيب: "إن السورة كلها مكية، فيكون ذلك إِخباراً بالغيب بأَنه سيكون النفاق في المدينة، أو هذا مدني جعل في سورة مكية، ولا مانع من أن يكون في أهل مكة قبل النزول من قرب من الإِسلام فشك" (1).
المبحث الخامس: القراءات القرآنية.
تعريفها: عرفها ابن الجزري بقوله: "القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة" (2).
شروط القراءة الصحيحة: يقول السيوطي نقلا عن ابن الجزري ما نصه: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف" (3).
وقد نالت القراءات القرآنية اهتماما بالغا من الشيخ، فكان يسند أحيانا القراءات إلى الأئمة القراء، وأحيانا إلى الصحابة، وأحيانا إلى التابعين، والشيخ كما ذكر القراءات الصحيحة في تفسيره فإنه ذكر الشاذ منها أيضا، وقد اعتمد الشيخ في تفسيره على قراءة الإمام نافع كما بين ذلك في مقدمة تفسيره حيث قال: " وأنا مقتصر على حرف نافع، ولمصحف عثمان تابع" (4).
- منهج القطب في القراءات:
كان القطب ـ رحمه الله ـ أحيانا يذكر القراءة الصحيحة ويعزوها إلى أئمة القراءة، وأحيانا يورد الشاذ منها دون التنبيه عليها، وأحيانا يورد القراءة دون نسبتها إلى القراء، وأحيانا يذكر القراءة التفسيرية، وسندلل على ذلك بشواهد من تفسيره:
1 - عرض القراءة مع عزوها إلى أصحابها: ففي قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54]. يذكر وجوه القراءة في كلمة {ضَعْفٍ} قائلا: " والضُّعف بضم الضاد لغة قريش، وبفتحها لغة تميم، قرأ ابن عمر بالفتح فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأ يا بني الضُّعف لغة قومك» قرأ له بالضم، وقومه قريش ..... وقرأ عاصم بالفتح، وروي عنه بالضم، وعنه الفتح في الأخير، والضمُّ في الأولين (5) " (6).
__________
(1) - المصدر نفسه، تيسير التفسير، ج15، ص400.
(2) - ابن الجزري، منجد المقرئين، ص15.
(3) - السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص203.
(4) - اطفيش، تيسير التفسير، ج1، ص1.
(5) - ذكر القطب أن عاصما قرأ بالفتح، وجاء بصيغة التضعيف ـ روي ـ أن عاصما قرأ بالضم في الأولين ـ أي في كلمة ضعف الأولى والثانية ـ فما دام أن القطب جاء بصيغة التضعيف فإنه لم يثبت عن عاصم وحمزة إلا القراءة بالفتح في المواضع الثلاثة وهذا ما نقله أئمة القراءة. انظر: ابن مجاهد، السبعة في القراءات، ج1، ص508. ابن زنجلة، حجة القراءات، ج1، ص562.
(6) - المصدر نفسه، ج11، ص144. (1/277)
صفحة 11
2 - عرض القراءة الشاذة دون الحكم عليها: ففي قوله تعالى: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] قال: " وقرأ ابن أبى إسحاق: «هل جزاء الإِحسان إِلا الحسان» (1). فالقراءة التي نقلها الشيخ ـ رحمه الله ـ شاذة ولم يبين ضعفها، وربما لم يبين ضعفها لشدة ظهور شذوذها.
ونفس الشيء في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} [الليل: 3] حيث قال: "وروي عن الكسائي جر {الذَّكَر} توهماً لمعنى المصدرية، أي: وخلْقِ الذكر بجر «خلق» عطفاً على «الليل»، ..... كما قرئ: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] بكسر الدال تبعاً للام بعدها، وبضم اللام تبعاً للدال قبلها" (2). فالشيخ ـ رحمه الله ـ لم يبين أيضا شذوذ هذه القراءة ربما لشدة ظهور ضعفها وعدم تواترها، وأيا كان فالقراءة لا تثبت إلا بالشروط الثلاثة التي ذكرناها آنفا، ولا تثبت عن طريق النحو والتوجيه الإعرابي للكلمة، كما فعل الزمخشري في توجيه هذه الآية (3).
- ذكر القراءات التفسيرية: ذكر القطب ـ رحمه الله ـ كثيرا من القراءات التفسيرية التي تشبه الإدراج، وهي بالطبع ليست قرآنا بإجماع الأمة لكن زادها القراء على سبيل التفسير وترجيح رأي مذهبه (4)، فالقطب ـ رحمه الله ـ عندما يذكر مثالا من هذا النوع يقول: "وذلك قراءة تفسير"، ففي قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] يقول القطب: "ويدل له قراءة اُبىّ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»، وكذا قرأ ابن عباس وابن مسعود، ولعل ذلك قراءة تفسير لا قراءة تلاوة، وقد رجع ابن مسعود وابن عباس عن ذلك" (5).
المبحث السادس: القصص القرآني.
عرف القطب ـ رحمه الله ـ القصص بمعناه اللغوي بقوله: " قصَّ وهو تتبع الأثر" (6)، وقد جاء هذا المعنى اللغوي واضحا في قوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11]. أي: "تتبعي شأنه وأخباره" (7).
والقصص القرآني هو ما ذكره الله في كتابه من قصص وأخبار عن الأمم الماضية، سواء تعلق القصص بأنبياء، أو بأقوام وأشخاص غير الأنبياء، ويدخل في ذلك ما تعلق بسرد الحوادث التاريخية المتعلقة بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد احتل القصص مساحة كبيرة من القرآن ما يعادل ثلثه، وقد نزل معظم القصص في القرآن المكي (8).
والقطب ـ رحمه الله ـ من جانب القصص نراه توسع كثيرا فيها، دون تمحيص منه، أو تثبت من صحتها في الأغلب، وذكر المغزى من ذلك فقال: "واعلم أَني أَذكر القصص في التفسير
__________
(1) - المصدر نفسه، ج14، ص249.
(2) - اطفيش، تيسير التفسير، ج16، ص248.
(3) - كثيرا ما كان الإمام الزمخشري يذكر أوجه القراءة للآية استنادا على إعرابها، وهو عين ما ذكره في قراءة " وما خلق الذكر والأنثى" بالكسر، وربما نقل عنه القطب هذه القراءة، وكثيرا ما كان القطب يرجع في تفسيره إلى الكشاف. [انظر: الزمخشري، الكشاف، ج4، ص766].
(4) - مثال ذلك/ من قرأ: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. فكلمة متتابعات ليست قرآنا وإنما هي على سبيل التفسير.
(5) - اطفيش، تيسير التفسير، ج3، ص192.
(6) - المصدر نفسه، ج4، ص114.
(7) - المصدر نفسه، ج10، ص401.
(8) - انظر: الخالدي صلاح عبد الفتاح، مع قصص السابقين في القرآن، ص 15 ـ 16. المجالي، الوجيز في علوم الكتاب العزيز، ص231. (1/278)
صفحة 12
ولو مع كثير منها لا يصح عندي ليستريح إِليها القارئ والمستمع" (1).
هذا السبب الذي من أجله ساق الشيخ القصص وأطال فيها في الحقيقة لا يجب أن يقبل بحال؛ لأن القرآن ساق لنا أحسن القصص فلا بد أن تفسر بأحسن الكلام وأعذبه لا بذكر الغرائب وسوق الروايات الضعيفة، علاوة على ذلك أن القرآن بحد ذاته طمأنينة للمؤمن وشفاء له وسكينة، ولا يمل منه القارئ فيحتاج إلى من يلطفه بأمثال بعض القصص التي ساقها الشيخ ـ رحمه الله ـ، ومن جهة أخرى ما الفائدة من إيراد أمثال هذا القصص في التفسير؟ مع إيمان الشيخ بأنها ليس لها أساس من الصحة، وأنها أخذت حيزا كبيرا من التفسير، والشيخ أراد من تيسيره أن يكون مختصرا بالنسبة لهميان الزاد، والأخطر من هذا كله أن كثيرا من العوام عندما يقرأ هذا القصص في التيسير يأخذ به دون تدقيق ولا تمحيص وكأنها مسلمات قطعية، وإذا نبهته على شيء منها اعترض قائلا: " ومن أنت حتى تبلغ مقام القطب، أو تعقب على شيء من قوله، ويرميك بالتبديع وبالخروج عن المذهب" والمسألة واضحة لا تقبل النقاش.
فالأصل أن نتعامل مع القصة القرآنية بأنها وحي إلهي وحقيقة لا مجال للخيال فيها أو الزيف أو الخرافات أو الأساطير، فضلا على أن نزيد فيها ما لم يثبت قطعا كالأحاديث الضعيفة، أو قصص الغرائب والعجائب، أو نسمي المبهمات سواء لأشخاص أو أسماء أو أعداد، ويغنينا ما ذكره الله في القرآن عن اللجوء إلى هذا كله لأن القصص القرآني مستقل بذاته؛ فلو كان في تعيين المبهم فائدة ترتجى لبينها سبحانه أو بينها رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح. فالأصل أن نسكت عما سكت عنه الشرع ولا نزيد على ذلك قيد أنملة.
فأغلب ما أورده الشيخ من القصص في تفسيره يعد من قبيل الإسرائيليات (2) التي تسربت إلى كتب التفاسير وامتزجت به، وراجت بين المفسرين، واستوت في ذلك تفاسير المتقدمين والمحدثين، على تفاوت بينهم في القلة والكثرة في النقل، فمنهم من عقب عليها بعد ذكرها ومنهم من سكت عنها.
أمثلة على قصص إسرائيلية عقب عليها الشيخ ـ رحمه الله ـ:
ذكر في معرض قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7ـ 8] حيث قال: " عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فوجدها مبنية بالذهب والفضة والياقوت، وأنواع الجواهر والعيون، والشجر المثمر في أزقتها مفروشة بذلك وبالمسك، فحمل ما قدر عليه مما فيها، فاستحضره معاوية فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر قصير على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج6، ص406.
(2) - الإسرائيليات هي روايات من أسلم من أهل الكتاب نقلا عن ثقافتهم السابقة المرتبطة بكتبهم المقدسة وشرحها. ويبقى موقف المفسر من الإسرائيليات الحيطة والحذر، والإعراض عن روايتها، لعدم الحاجة إليها. [انظر: المجالي، الوجيز في علوم الكتاب العزيز، ص211. محمد أبو شهبة، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، ص12]. (1/279)
صفحة 13
وهوكلام موضوع" (1).
(2) وفي قصة وسوسة الشيطان لآدم، نفى القطب ـ رحمه الله ـ أن الشيطان دخل في فم الحية حيث قال: " شهر أَنه دخل ـ أي الشيطان ـ في فم الحية إِذ قربت من باب الجنة وهي فيها فسمها منه، فوسوس لهما فعوقبت بسلب قوائمها، وليس بصحيح" (2).
إذن لقد نفى القطب صحة هذه القصة مع أن أغلب المفسرين نقلوها من التوراة ولم ينقدوها (3).
- مثال على قصة لم يعقب عليها الشيخ ـ رحمه الله ـ بالرد والضعف:
تعجب الشيخ ـ رحمه الله ـ على من سمى المبهمات في القرآن، فمن ذلك تعجبه ممن سمى النملة التي كلمت سليمان ـ عليه السلام ـ حيث قال: " وزعم بعض أنها كذئب، وأنها عرجاء، ويقال لها جناحان، وأنَّ اسمها طاخية أو جرمى، ولعلَّ أهلها سموها، أو سليمان، وكيف يسمى ما لا ينطق ولا يصوِّت، وما نفع اسمه" (4). ولكن الشيخ ـ رحمه الله ـ في موضع آخر نراه سمى ما لا ينطق ولا يصوت، ولا ينفعنا ذكر تسميته أو لونه أو غير ذلك؛ لأنه ليس محلا للعبرة، ففي قوله تعالى: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18] يصف القطب ـ رحمه الله ـ هذا الكلب بقوله: "واسمه قطمير، وعن مجاهد قطمور، وقيل: ثور، وقيل: كلب تبعهم، وقيل: ريان، وهو أصفر اللون، وقيل: أسمر، وقيل: كلون السماء، وقال رجل من أهل الكوفة: رأيته أحمر كأنه ثوب إنجابي.
وقيل: فيه نمرة بيضاء، ونمرة سوداء، وهو لواحد منهم تبعه فطردوه، فأنطقه الله: إني مؤمن ومحب لأحباب الله، وقيل: لراع مروا به مع غنمه فاتَّبعهم الراعي إيمانا بالله، إِذ أخبروه بقصتهم، فتبعه كلبه فطردوه، ورفع يديه ودعا فأَنطقه الله بذلك، وبأني لا أضر بل أنفعكم إِذا رقدتم أحرسكم، ولما ناموا نام، ولما استيقظوا تيقظ، ولما ماتوا مات معهم، ويدخل الجنة كناقة صالح، وكبش إِسماعيل" (5).
فمن أين استقى هذه الأوصاف، وما ذا أضفت على النص القرآني، لأن الله قال في نهاية قصة أصحاب الكهف: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 22]، والقطب ـ رحمه الله ـ نفسه فسر هذه الآية بقوله: " {فَلَا تُمَارِ} تجادل {فِيهِمْ} في شأنهم من عدد ووصف ومحل ونحو ذلك {إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً} بأن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيلهم، والرد عليهم من غير تعمق فيه، وتقول لمن ذكر منهم عدداً من أين أخذته، وما في القرآن كفى ردٌّ وحجة" (6).
فهذا الذي ذكره القطب ـ رحمه الله ـ في تفسير الآية يعد من الضوابط التي يجب التعامل
__________
(1) - اطفيش، تيسير التفسير، ج16، ص207.
(2) - المصدر نفسه، ج5، ص30.
(3) - انظر مثلا: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص312. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص82. أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج1، ص91.
(4) - اطفيش، تفسير التيسير، مصدر سابق، ج10، ص327.
(5) - اطفيش، تيسير التفسير، ج8، ص308.
(6) - المصدر نفسه، ج8، ص321. (1/280)
صفحة 14
بها مع القصة القرآنية، فلا نعين الأعداد والأوصاف والمحل لأنها ليست موطن عبرة ولا فائدة، ولا نذكر حيثيات القصة بالتعمق فيها دون وجه صحة، ونكتفي بما في القرآن، ونحتج على من زاد على النص شيئا كعدد مثلا بأن نقول له: من أين أخذته؟
المبحث السابع: علم المناسبات.
إن الاهتمام بعلم المناسبات يبعث على دقة فهم القرآن، وحسن تفسيره، ويبرز نظم القرآن، وفيه من لطائف القرآن المودعة فيه ما يدل على نفاسته، ووفير ثماره، لكن قل اعتناء المفسرين به لدقته، ومع ذلك فإن القطب ـ رحمه الله ـ ذكر بعض المناسبات بين الآيات والسورة لكن بصورة متقطعة وسطحية لم تتسم بالعمق، وفيما يلي بعض أنواع المناسبات التي ذكرها في تفسيره:
1 - المناسبات بين السور: ذكر القطب ـ رحمه الله ـ المناسبة بين سورة هود وسورة يوسف فقال: " لعلها نزلت بعد سورة هود التي شيبته - صلى الله عليه وسلم - ليزول بها بعض همه، وفيها أَيضاً تسلية له بما لاقى يوسف ممن هو أَقرب إٍليه وهم إِخوته، عمَّا لقي من عمه وقرابته إِليه - صلى الله عليه وسلم -، وهي في قصص من تقدم كما في سورة هود؛ إِلا أَن هذه سورة رحمة يستراح إِليها" (1).
2 - المناسبات بين الآيات في داخل السورة الواحدة: يذكر القطب ـ رحمه الله ـ المناسبة بين آية: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب: 53] وآية: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56] قائلا: " ووجه اتصال الآية بما قبلها زيادة التشريف، كيف تؤذونه أو تكلمون نساءه بلا حجاب؟ أو تتزوجوهنَّ مع أنه تعالى يصلى عليه، وملائكته يصلون عليه، وهو أهل لفضل الله" (2).
ونفس الشيء في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} [مريم: 41] حيث ذكر مناسبة الآية بما قلبها قائلا: " واذكر يا محمد لقومك العابدين للجماد، فإنهم أضل ممن يعبد عيسى، والآية مناسبة لما قبلها في عبادة غير الله - عز وجل - " (3).
الخاتمة
بعد هذا التجوال والوقفات المنوعة أردت أن أسجل موقفي من مباحث علوم القرآن من خلال " تيسير التفسير" لقطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش ـ رحمه الله ـ وهو أولا موقف يعبر بالإجلال والإكبار لهذا الشيخ الفذ ـ رحمه الله ـ والذي ترك لنا تفسيرا زاخرا بالعلوم الدنيوية والأخروية وهو بمثابة مرجع للمدرسة الإباضية قديما وحديثا.
__________
(1) - المصدر نفسه، ج7، ص65.
(2) - المصدر نفسه، ج11، ص ص 333 ـ 334.
(3) - المصدر نفسه، ج9، ص47. (1/281)
صفحة 15
لقد كان الشيخ اطفيش ـ رحمه الله ـ قطبا متميزا فيما عرض لنا من مسائل تتعلق بالقرآن وعلومه، فهو ممن أفاد وأجاد بحق، وذلك من خلال البصمات التي تركها واضحة وعميقة في كل مبحث من مباحث علوم القرآن سواء بالتعريفات أو التفريعات أو التمثيلات أو الاستنباطات، أو التطبيقات، وذلك قصد فهم وتبيين معاني النص القرآني ..
لكن تيسير التفسير يبقى جهدا بشريا، والجهد يعتريه النقص والاستدراك، أما العصمة من الخطأ فللملائكة والأنبياء في مجال الوحي، ولهذا أسجل على هذا التفسير مأخذان هما: أولا: توسعه في ذكر الإسرائيليات من غير تدقيق ولا تعليق عليها في الأغلب، وهو مأخذ أتى على أغلب المفسرين، ثانيا: كثرة الاستطراد في قضايا التي لا علاقة لها بالتفسير.
كما أني أوجه توصية إلى الباحثين والمختصين والمحققين: وهي إعادة خدمة هذا التفسير خدمة شاملة مميزة لكافة ما يتضمنه من علوم ـ كالفقه والحديث والعقيدة واللغة وعلوم القرآن وتاريخ وسيرة ـ وفنون ـ كالطب والفلك ـ، وتنقيحه من كل شائبة وناقصة كالروايات والأخبار الإسرائيلية والتوسعات التي تفقد رونق التفسير وجماله، فتفسير بهذا الشمول وهذه الموسوعية حري أن تبحث فيه الرسائل الأكاديمية وأن تعقد له مؤتمرات وأيام دراسية لزيادة التدقيق والتحقيق في مسائله، واستخراج كنوزه ولآلئه المبثوثة فيه، وتجلية فوائده ولطائفه، حتى نوفي الحق للمفسر وتفسيره. (1/282)
صفحة 16
الهوامش: (1/283)