صفحة 1
الكتاب: مختصرات الشيخ أطفيش في التأليف الفقهي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] مختصرات الشيخ أطفيش في التأليف الفقهي، كتاب =الذهب الخالص= نموذجا
د/ محمد حمدي
جامعة الحاج لخضر-باتنة
مقدمة
يعتبر الشيخ أطفيش -رحمه الله– عالما موسوعيا لكثرة التآليف التي صنفها ولتنوع الموضوعات التي كتب فيها، منها العقيدة والفقه والتاريخ والطب واللغة وغيرها، ومما ساعده على ذلك أنه وهب حياته كلها للعلم تدريسا وتأليفا، فلم تلهه مناصب الدنيا ووظائفها، فإلى جانب إنتاجه الموسوعي المطول صنّف في المختصرات، منها كتاب "الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص" الذي اختصر فيه مسائل العقيدة والفقه والحقوق من كتابي: "قواعد الإسلام" للشيخ الجيطالي، و"الحاشية" للشيخ أبي ستة. ولهذا المختصر خصائص تميز بها، منها أنه اعتمد فيه منهج المقارنة بين مختلف آراء فقهاء المذاهب الإسلامية. وفي هذه الورقة إطلالة على هذا السفر الهام الذي أجادت به قريحة الشيخ، فقد استطاع أن يُصنف المؤلفات الموسعة شارحا ومحللا ومبدعا، مثل شرحه لكتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني في سبعة عشر مجلدا كاملا، كما أنه صنّف في المختصرات، فلخّص المجلدات المطولة في سفر واحد مثل ما قام في الكتاب الذي هو بين أيدينا. وهذا ما يُعبر عن عبقرية الشيخ وتحكّمه لآليات الكتابة والتأليف. نبذة عن حياة الشيخ أطفيش -رحمه الله-
في ظل أوضاع فكرية واجتماعية وسياسية متردية عايشها العالم الإسلامي وعلى المستوى الإقليمي والمحلي من القرن التاسع عشر الميلادي ولد وعاش وترعرع شيخنا الشيخ أطفيش امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح، وتلقّب أسرته بلقب "أطفيش"، واشتهر عند الإباضية بلقب "القطب"، وأما عن تاريخ مولده هو سنة 1238 هـ/1821م بمدينة "غرداية" حيث كان يقيم والده مؤقتا، أما أصله فهو من "بني يزقن"، نشأ حياة اليتم والفقر والحاجة في بداية حياته تحت رعاية أمه التي كانت له الأثر البالغ في تكوينه وتعليمه إلى جانب إخوته (ونتن مصطفى، 1998، ص23).
حياته العلمية: تنوعت وتعددت مصادره تكوينه وتعلمه، منها ما يعود إلى نسبه، ومنها ما كان بالتردد على المشائخ ومنها ما يعود إلى عصامية الشيخ وجهده الذاتي، هو العامل الأساس في
تكوينه، فالإنتاج الذي تركه لا يعادل المحيط الذي يعيش فيه والظروف التي عرفها من نقص في المشائخ وفي الكتب، إلا أن المواهب التي حباها الله بها والطموح والرغبة في العلم جعلته يشمر عن ساعد الجد من أجل تجديد الدين والمذهب، فقد راعه وآلمه واقع الأمة الإسلامية فيما تعيشه من جهل وجمود وتخلف وتفكك وتسلط استعمار بغيض على مقدراتها، فرأى ألا سبيل من الخروج من هذه الوضعية إلا بالعلم، فانكب على التحصيل والتعلم والتكوين آملا أن ينتشل أمته ومجتمعه ويكون مجدد عصره فأنشد قائلا:
وإني لأرجو أن أكون المجددا لدينك يارب ويا مظهر الدخر
اتخذ الشيخ التدريس رسالته في الحياة، وجلس للتعليم ولما يتجاوز السن الخامسة عشر من عمره فأفنى عمره المديد في سبيل ذلك، وجعل من داره معهدا يؤمه التلاميذ والطلبة من كل قرى وادي ميزاب وترك تلاميذ كُثر حملوا لواء التربية والتعليم والاصلاح من بعده. أما عن آثاره العلمية فهي غريرة ومتنوعة حتى أنه يصعب حصرها وإحصائها، وقد حددها أحد الباحثين بخمسة وثلاثين ومائة أثر منها الكتب والرسائل ما عدا المراسلات، (ونتن مصطفى، 1998، ص64) ومن أهم أشهر مؤلفاته على الإطلاق كتاب "شرح النيل" الذي يعدّ المرجع الأساس للفقه الإباضي في الوقت الحاضر.
التعريف بالكتاب "الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص"
اختار الشيخ عنوان كتابه "الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص" قلص بمعنى ارتفع واجتمع وعلا وبعُد وانضم وذهب ونقص وقلّ، وهو من الأضداد. يقول صاحب لسان العرب"قلص الشيء يقلص قلوصا تدانى وانضم وفي الصحاح ارتفع، وقلص الظل يقلص قلوصا، انقبض وانضم وانزوى. وقلص الماء يقلص فهو قالص وقليص ارتفع في البئر، والقلص: كثرة الماء وقلته وهو من الأضداد (ابن منظور، 2004، ص175)
ومن المعنى اللغوي ندرك مفهوم الشيخ ومراده فيقول أبو إسحاق"محقق الكتاب":يحتمل أن يريد الإمام بالقالص الكثير المتداني والمنوه أي الرفيع الشأن، ولا شك أن علم الشريعة من أرفع العلوم شأنا إذ به يتقرب العبد إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالقالص الذاهب، وهو الإشارة إلى إلى أن علم الفروع تقلص أي ذهب وترك العمل به" (أطفيش امحمد، تعليق، أبو إسحاق، 1400/ 1980، ص2). أرى أن المفهوم الأول أولى بالإعتبار والأقرب في التأويل لأن العلوم الشرعية حقا هي أرفع العلوم وأسماها، وكأنه يقصد "بالذهب الخالص" الأصل والأساس الأول في العلم الشرعي الذي لا يستغني عنه أي مكلف.
ويحدثنا الشيخ عن أصل الكتاب فيقول "فهذا الكتاب يجمع القواعد والحاشية مختصرا"
(نفسه، المرجع السابق) ويقصد بالقواعد: كتاب "قواعد الإسلام" للإمام أبي طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي وهو من علماء الخمس الثانية للقرن السابع والأولى من القرن الثامن، ترك مؤلفات كثيرة أحيى بها المذهب الإباضي منها كتاب "قواعد الإسلام" الذي اختصره الشيخ، ومنها كتاب" قناطر الخيرات" ومنها شرح النونية في أصول الدين على قصيدة الشيخ أبي نصر فتح بن نوح التمولوشائي وغيرها كثير، توفي -رحمه الله- بجربة بالقطر التونسي سنة: 750هـ (الجيطالي، اسماعيل بن موسى، 1400\ 1980، ص هـ)
ويقصد الشيخ بالحاشية: "الحاشية على كتاب القواعد للشيخ أبي ستة محمد بن عمر القصبي الجربي من علماء القرن الحادي عشر المشهور عند إباضية المغرب بـ "المحشي" لكثرة حواشيه التي قيل أنها بلغت بلغت نيفا وعشرين حاشية وقد جمع مؤلفاته أحد أبرز تلاميذه وهو علي بن سالم بن بيان، توفي في 1088هـ/1679م (جمعية التراث، معجم أعلام الإباضي، 1999، مج 4، ص815).
يذكر الشيخ ما أضاف إليه إلى جانب اختصاره للكتابين أن فيه زيادة من عنده يصل إلى ثلث الكتاب، ثم يُعدّد هذه الإضافات:
أ– تحرير المسائل التي أشار إليها المحشي إلى تحريها وإثباتها.
ب– ذكر ما خالف الشيخ في بعض المسائل التي يرى فيها رأيه.
ج- إحالة ما يتعلق بالأيات القرآنية إلى تفاسيره، خاصة " هميان الزاد".
د– تصحيح غير المصحح من الآثار.
يُنوّه الشيخ بفضل الشيخ أبي ستة "المحشي" فقد كفاه مؤونة كثيرا من المسائل وتفرغ هو لما لم يذكره.
ومما يضيفه الشيخ في هذا المختصر ويتميز به تميزا واضحا هو اعتماده على المنهج المقارن بين مختلف المذاهب الإسلامية في ذكر أية مسألة من مسائل الكتاب ورمز لكل إمام مذهب برمز معين (الميم) للإمام مالك و (الشين) للإمام الشافعي و (الحاء) للإمام أبي حنيفة، ولم يعتمد قول ورأي الإمام أحمد بن حنبل، ربما لعدم توفر مصادر هذا المذهب لديه. أما ما لم ينسبه إلى تلك المذاهب ولم يحكيه بقيل، فهو مذهب معشر الإباضية، وأما إذا رأيا يخصه رمز له بـ (التاء).
طبع الكتاب والتعليق عليه
قام بطبع الكتاب والتعليق عليه تلميذ المؤلف، حفيد أخيه وشيخه، أبو إسحاق ابراهيم بن الحاج محمد أطفيش المولود ببني يزقن سنة: 1886 م ففتح عينيه يحفه وقار العلم وجلاله، إذ يكفيه
شرفا أن يكون عمه القطب أحد أولئك الذين حفوه بالرعاية والتوجيه والتعليم، ثم توجه إلى تونس للإستزادة من زاد العلم والمعرفة ثم نُفي إلى أرض الكنانة، مصر، بسبب نشاطه السياسي وموقفه من الاستعمار الفرنسي الجاثم على أراضي المغرب العربي آنذاك، (محمد ناصر، 1413/ 1992، ص20) وفي القاهرة تألق نجمه وووجد الجو المناسب لمواصلة نشاطه الفكري والسياسي، وقد اهتم بتحقيق ونشر التراث الإسلامي عامة والإباضي خاصة، وساعده على ذلك طبيعة عمله بدار الكتب المصرية، فقام بطبع كتاب "الذهب الخالص" والتعليق عليه فأخرج هذا السفر إلى النور في ربيع الأنوار سنة 1343 هـ.
وقد أعيد طبع الكتاب طبعة ثانية بمطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، سنة: 1400هـ/1980م، بمبادرة من أحد تلاميذ الشيخ غير مباشرين وهو الأستاذ: ابراهيم طلاي، الذي بذل جهده لتكون هذه الطبعة أكثر تنظيما وأشد إتقانا مع إصلاح ما يرى اصلاحه، فيقول في حق هذا الكتاب "وقد حفزني إلى إعادة طبع الكتاب –مع كثرة ما كتب في الموضوع– ما يمتاز به من الجمع والاحتواء على أتم ما قاله علماء الشريعة الإسلامية في الأركان الخمس وآداب السلوك والمعاملات من مختلف المذاهب الإسلامية دون الاقتصار على المذهب الإباضي كما يتبادر إلى الأذهان، فهو يسوق الأقوال ويبحث في الأدلة ويقارن، ولا يبجّل قول عالم دون أن يكون الدليل يعضده والحجة تقوم له، فالكتاب من هذا الجانب سلك المسلك الحديث في دراسة الفقه بالمقارنة بين أقوال أصحاب المذاهب والآراء الفقهية، انطلاقا من مبدأ أن اختلاف المذاهب في الإسلام ثروة علمية، لا شرارة فتنة ومدعاة انغلاق وتعصب" (محمد أطفيش، 1400/ 1980، ص: هـ).
وقد طبع طبعة ثالثة بمكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عُمان سنة 1419 هـ/ 1998، بدون أية تعاليق أو إضافات تذكر
عرض الكتاب
يشتمل كتاب "الذهب الخالص" على سبعة أركان كما سماها ووضعها الناشر الثاني الأستاذ ابراهيم طلاي، موزعة كمايلي:
الركن الأول: في معرفة الله وتوابعها، من صفحة 3 إلى صفحة 80، حوالي ثمانون صفحة.
الركن الثاني: في الصلاة وتوابعها، من صفحة 80 إلى صفحة 216، حوالي مائة وثلاثون صفحة.
الركن الثالث: في الزكاة: من صفحة 216 إلى صفحة 240، حوالي أربع وعشرون صفحة.
الركن الرابع: في الصوم من صفحة 241 إلى صفحة إلى 261، حوالي عشرون صفحة.
الركن الخامس والسادس: في الحج والعمرة، من صفحة 262 إلى صفحة 290، حوالي ثلاثون صفحة.
الركن السابع: في الحقوق والمظالم والمحارم والآداب، من صفحة 291 إلى صفحة خمسون صفحة.
فالكتاب جمع بين العقيدة وأصول الدين وفقه العبادات والحقوق والمظالم والآداب، وهي مسائل أساسية وضرورية لكل مكلف لا ينبغي الاستغناء عنها، وأحسب أن الشيخ قصد من تصنيفه هذا الإقتصار على أولويات وأبجديات الدين الإسلامي، لذلك لم يتعرض لفقه المعاملات والفرائض والدماء والأحكام غيرها من أبواب الفقه وترك ذلك للمطولات من تصانيفه، كما لا ننسى أن الشيخ ملتزم باختصار مصنفات غيره فلا يمكنه الخروج عما ورد فيها.
قسّمَ المصنف مساحة الكتاب حسب أهمية كل باب (ركن)، فالعقيدة التي استهل بها كتابه تناولها في ثمانين صفحة، أي ما يقارب رُبع الكتاب الذي يشتمل على حوالي أربعون وثلاث مائة صفحة، وبعدها تطرق لفقه العبادات الذي نال الحيز الأكبر وأعطى منه لفريضة الصلاة حصة الأسد لأهميتها ومكانتها بين سائر الفرائض فشغلت حوالي ثلاثين ومائة صفحة أي أكثر من ثٌلث الكتاب، أما بقية الأركان: الزكاة والصوم والحج والعمرة فهي متقاربة في حجمها وحيزها من الصفحات، ونال الباب الأخير: الحقوق والمظالم والأداب الذي جمع مباحث عدة، عرضها مختصرة باعتبار بقية المباحث الأخرى.
ففي الركن الأول رسم معالم عقيدة المسلم ومعرفة خالقه ومبدعه والإيمان بكتبه ورسله وحدّد مفهوم الشرك والتوحيد، ثم أفاض في مبحث الولاية والبراءةو الوقوف لما لهذه المسائل من مكانة خاصة في مباحث العقيدة عند الإباضية، ثم استعرض قواعد الدين الأربعة وهي العلم والعمل والنية والورع.
الركن الثاني استهله بأحكام الطهارات والنجاسات ثم الوضوء وأحكامه والاغتسال والتيمم وعرّج على أحكام الحيض والنفاس، وكل هذه المسائل بمثابة المقدمات للصلاة، إلى أن وصل إلى صلب موضوع الصلاة فذكر شروطها وأركانها ونواقضها وصلاة الاقامة والسفر، بعدها تناول صلاة الجماعة والجمعة وثناها بذكر احكام صلاة الميت والصلوات المسنونة والرواتب والنوافل.
وفي الركن الثالث لخص أحكام فريضة الزكاة بذكر مشروعيتها والأصناف الزكوية ونصاب كل منهاوما يستثنى من الزكاة، ومن هم الأصناف التي تجب عليهم الزكاة ومن هم المستحقون من الزكاة وشروطهم وأسلوب توزيعها، وختم الباب بذكر زكاة الفطر وأحكامها.
وفي الركن الرابع استعرض مفهوم الصوم ومشروعيته وبما يتحقق بداية الصيام وذكر
أركان الصيام من نية وشهود الهلال وغيرها وعرّج على شروطه ومكروهاته ومبطلاته ومسوغات الإفطار من رمضان كالسفر والمرض، وخصص مبحثا للإعتكاف وفضله.
وفي الركن الخامس والسادس تناول فريضة الحج والعمرة، استهله بمشروعية الحج وعلاقته بالعمرة وثناه بشروط الاستطاعة ووقت الحج ومواقيته وأركانه المعروفة والنحر والهدي وغيرها من أحكام الحج، و أرى أنه لا ضرورة منهجية تميز بين الحج والعمرة، فكان من الأولى بالناشر وضعهما في باب واحد.
وفي الركن السابع والأخير جمع المصنف فيه عدة أبواب مبتدئا بالحقوق وعلى رأسها حقوق الوالدين والأولاد والزوجين متدرجا إلى حقوق جميع المسلمين ورد المظالم وتكلم عن الديات والقصاص، منتهيا بحقوق الحيوان، ثم انتقل إلى الكبائر ووعيدهاو ختم الباب بالأداب العامة منها آداب الأكل واللباس والجماع وانهى الباب بحكم ماثورة في الأخلاق والاجتماع.
تلكم هي أهم محاور الكتاب والتي أراد شيخنا من ورائها إعطاء لمحة موجزة عما ينبغي أن يُعلم من الدين بالضرورة.
خصائص الكتاب
يتميز الكتاب -الذي بين أيدينا- بخصائص تجعله جديرا بأن يكون محل اهتمام الدارسين والفقهاء، ويمكن إجمال ذلك في أربعة خصائص هي:
أ- غزارة المادة الفقهية العلمية.
ب- الأسلوب السلس الواضح.
ج- اعتماده على المنهج المقارن.
د- عدم الاستطراد والاحالة والاستشهاد.
أ– غزارة المادة الفقهية العلمية، فالقارئ يشعر أنه أمام فيض من المعلومات مركزة تساق إليه، فهو بمثابة وجبة دسمة غنية بالفيتامينات والمقومات، يغني القليل منها، فقد حاول أن يستوعب كل المعلومات والمسائل المحتواة في كتابي القواعد والحاشية في عبارة مختصرة غير مخلة ولا مطولة، فقد لا يستطيع القارئ العادي فهمها، مما قد يضطر اضطرارا للعودة للمطولات.
ب– الأسلوب السلس الواضح، لقد اختار المصنف في هذا الكتاب لغة أقرب ما تكون إلى السهولة واليسر بحيث يتمكن القارئ العادي من قراءته متى توفرت له خلفية فقهية ودربة على التعامل مع المصنفات الشرعية، ولو أجرينا مقارنة بين اللغة التي وظفها الشيخ في الكتاب مع شرح النيل لألفيناها أبسط وأوضح، فلم أجد لذلك تفسيرا إلا أن الشيخ أراد من مصنفه هذا
الجمهور العريض من القراء، لكونه هو الأساس والقاعدة التي ينبغي على كل مسلم الإلمام بها.
ج- اعتماده على المنهج المقارن، هذه أهم ميزة تميز بها هذا الكتاب، وظهر ذلك جليا في الجانب الفقهي أكثر منه في الجانبين الآخرين: العقدي والحقوق والآداب، فنجد الشيخ يذكر المسألة وبيين فيها قول المذاهب الثلاثة التي اعتمدها وهي المالكية والشافعية والأحناف، ولم يورد أقوال المذهب الحنبلي لعدم توفر مراجعه لديه حسب ما أرى، ورمز لكل من المذاهب الثلاثة برمز ذكره في المقدمة فجعل حرف (اليم) للمذهب المالكي، وحرف (الشين) للمذهب الشافعي وحرف (الحاء) للمذهب الحنفي، فتجده أحيانا يذكر تطابق الأقوال بين مذهبين واختلاف مذهب آخر وتفرده برأي، فيقول في مسألة في صلاة السفر مثلا:"ويجوز أن نقول فرضت أربعا ثم قصرت حتما إلى الركعتين والتقصير في سفر التقرب. أو فيه أو في السفر المباح والمكروه (نا) و (م) و (ش) وهو (ص) " (محمد بن يوسف أطفيش، 1400/ 1980، ص146) وهذا يعني أن القول قال به الإباضية والمالكية والشافعية وهو الصحيح.
د- عدم الاستطراد والإحالة والاستشهاد: إن طبيعة هذا المصنف كونه مختصرا يستلزم عدم الاستطراد في المسألة حفاظا على حجم الكتاب وهدفه، كما أنه لا يغوص في الاستدلال بالأدلة كما هي عادة الفقهاء في مصنفاتهم إلا قليلا، بل يكتفي بذكر الرأي الذي يراه أو يسوق آراء غيره مجردا من الدليل، فمن أراد اشفاء غليله من البحث والتقصي فليعد إلى الموسعات والمطولات. مما يجعلنا اعتبار الكتاب أقرب إلى المتن والأحكام النهائية، وهو في هذه الميزة يشبه كتاب "الوضع"لأبي زكرياء يحي بن أبي الخير الجناوي، الذي يعدُ بدوره من أهم المراجع المختصرة في الفقه الإباضي، إلا أن مصنفنا أشمل وأوسع والذي يجنح إلى النهج المقارن الذي يوجد له أثر في كتاب الوضع.
نماذج من نصوص الكتاب
لقد وقع اختياري على ثلاثة نصوص موجزة من الكتاب لتكون نمادج لمحتويات الكتاب، واخترت النص الأول من محور العقيدة والنص الثاني من فقه العبادات والثالث من الحقوق والآداب.
النص الأول: يقول المصنف في الاعتقاد بالبعث والنشور: "يجب اعتقاد البعث والمبعوث هو الأجساد الفانية بعينها (نا) -يعني عندنا معشر الإباضية- وعند الجمهور، أو أجسام مثلها وهو باطل (ق) -على قول- فيعاد ما فني بعينه. أو مثله القولان ويؤلف ما تفرق وبقي وذلك مبني على أن الفناء إنما يعم الحياة لا الأجسام كما قيل ببقاء العرش وعلى أن الهلاك في الآية يشمل العدم المحض والموتَ تفرق الأجزاء، وذكر الشيخ عن أبي يعقوب في الدليل أنه لم يأت خبر في فناء
العرش والسماوات والأرض فإن فنيت عادت وإن لم تفن بقيت إلى المحشر وجاز فناؤها وان العلماء استبعدوا قول من يقول أن العرش وما دونه والسماوات والأرض تفنى وتعدم كحالها في الأزل." (محمد بن يوسف أطفيش، 1400/ 1980، ص14)
ففي هذا النص يقرر المصنف الاعتقاد بعث الأجساد الفانية بعينها، إذ أجمع المسلمون على وقوع البعث، إلا أن الجدل كان في شأن المحشور: هل هي الأجساد التي كانت في الحياة الدنيا؟ وقد عرف عن الفلاسفة خاصة انهم يستبعدون حشر الأجساد بذاتها لأنها قد فنيت، وإنما الحشر هو حشر الأرواح لأنها خالدة, فرد الشيخ على هذا القول ردا قويا واعتبره باطلا، ويذهب الشيخ أن الحشر يكون للأجساد والأوراح معا، والأجساد هي ذاتها التي كانت في الحياة الدنيا، وإذا تفرقت جمعها الله تعالى. وهذا قول الإباضية وجمهور فقهاء المذاهب الإسلامية.
فعلى المسلم المكلف أن يعتقد بذلك ويجزم به وهو الثابت بالنصوص القطعية، أما ما قيل عن فناء العرش والسماوات والأرض ففيها أقوال فلا يكلف المؤمن بالقطع والجزم فيها.
النص الثاني: يقول المصنف في في مقدمته عن فريضة الزكاة "وجبت بلا حد بمكة وحدت بطيبة، فيثابون على القبول والاذعان والاستعداد ولم تجب عليهم قبل أن تُحد ولا تكليف بما لا يطاق في ذلك، ولا تأخير بيان عن وقت الحاجة. أويعطون فيها مجازفة وفي طيبة تفصيلا. أو فرضت في السنة الثانية من الهجرة. أو الرابعة (أق) و أشرك مستحل تركها، وبطلت صلاته وغيرها على ما مرّ، ونافق تاركها بلا استحلال ولا ثواب لصلاة وغيرها. (محمد بن يوسف أطفيش، 1400/ 1980، ص216).
ففي هذا النص يحدد المصنف تاريخ مشروعية الزكاة إلى ثلاثة أقوال، القول الأول أنها فرضت بمكة إجمالا بدون تحديد صنف أو نصاب أو مقدارثم حدّد ذلك بعد الهجرة إلى المدينة، فبيّن أن المؤمنين يثابون على إذعانهم واستعدادهم لإخراجها ولو لم يدفعوها فعلا لكون المسألة مجملة غير مفصلة، أو أنهم يدفعونها جزافا بلا تحديد ثم فصلت بعد الهجرة إلى المدينة، ثم يقرر قاعدة هامة في التكليف، بأنه لا تكليف بما لا يُطاق، ولا تأخير بيان عن وقت الحاجة، القول الثاني أنها فرضت بعد الهجرة في السنة الثانية مع بيان مجملها وتفصيل أركانها وشروطها، وهو القول المشهور، والقول الثالث أنها فرضت في السنة الرابعة, ولم يرجح أيا من الأقوال مكتفيا بالتركيز على ان المكاف لا تكلف إلا بما يطيق ويستطيع، وأن المشرع لا يحاسب إلا بعد البيان والبلاغ. ثم يذكر حكم تارك الزكاة، فمن تركها استحلالا معتقدا أنها ليست من الشرع وأركانه فهو مشرك، وانهدمت صلاته وأعماله، ومن تركها استهتارا وتهاونا، معتقدا بمشروعيتها فهو منافق ولا حظ له من ثواب صلاته وأعماله إلا بعد التوبة والإنابة وأداء الحقوق. (1/348)
صفحة 2
النص الثالث: يقول المصنف عن حقوق الطريق:"لعن مؤذي المسلمين في طرقهم ولا يلقي فيها ماء أو مزلق أو شوك أو نجس ولا تترك فيها دابة إلا قدر الرفع أو الحط عنها، وجاز إعداد مئونة البناء فيها إذا قرب ولا تسد بها حتى لا يمكن المرور ولا تسقف وهو (ص) -يعني الصحيح– أو تسقف فوق سبعة أذرعة. أو فوق يد ممدودة من قائم على حمل فوق أعلى دابة. أو بلا مد يد (اق) -يعني على أقوال- ويفعل بطريق الخاصة ما شاء إن أذنوا له، ولا يقعد في طريق فمن قعد فحقها عليه الغض وكف الأذى ورد السلام والأمر والنهي والذكر وإرشاد الضال وهداية الأعمى ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإعطاء السائل" (محمد بن يوسف اطفيش، 1400/ 1980، ص313).
ففي هذا النص أجمل المصنف حقوق الطريق مقتبسة من حديث الرسول (ص)، مستهلا أياه بالوعيد الذي أعده الله لمن يؤذي المؤمنين في طرقاتهم وعدّد أنواع الأذى مثل إلقاء الماء والشوك أو النجاسة، وألا تصرف عن مهامها كوسيلة عبور للمارة الراجلين والراكبين، فلا تترك الدابة -وهي سيارة اليوم- إلا قدر الرفع والحط، وأجاز وضع مئونة البناء متى اقترب وقت الإنجاز بشرط ألا تسد وتعرقل حركة المرور، وذكر أن الأصل في الطريق تبقى غير مسقفة، وإن سقفت فاشترط علوا معينا حتى لا تعرقل سير الدواب المحملة بالأمتعة، هذا عن الطريق العامة أما الطريق الخاصة فيجوز فيها ذلك متى أُذن له، وانتهى إلى النهي عن الجلوس في الطريق، لكن من قعد فعليه أداء حقوقها، فلأحصاها في اثني عشر.
الخاتمة
بعد وقفة قصيرة مع أثر من آثار الشيخ الكثيرة والمتنوعة فقد ظهر لنا منهجه في تناول القضايا العقدية والفقهية بأسلوب علمي رصين متفتح على غيره من المذاهب الإسلامية ويبدي رأيه بشجاعة ربما خالف مذهبه ومال إلى رأي غيره إن بدى له أنه الأقرب إلى الصواب. فقد وقفنا على أسلوب الكتاب وتتبعنا خصائصه التي يتميز بها، واستعرضنا نمادج مختلفة من الكتاب للوقوف أكثر على أسلوبه ومنهجه في ايراد الآراء والأقوال.
أوصي بإعادة طبع كتاب "الذهب الخالص" على نفقة المركز الجامعي بغرداية ثم اعتماده كمصدر أساسي من بين المصادر في مادة ومقياس الفقه المقارن المقرر في كليات العلوم الإسلامية بجامعات الوطن. (1/361)
صفحة 3
المراجع:
* محمد بن يوسف أطفيش، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، الجزائر، دار البعث، ط2، سنة1400/ 1980
* مصطفى بن الناصر ونتن، آراء الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش العقدية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، الطبعة العربية، ط1، سنة 1998.
* أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن، مكتبة الاستقامة، ط2، سنة: 1416/ 1995
* محمد ناصر، الشيخ ابراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي، مكتبة الضامري للنشر، مسقط، ط2، سنة: 1413/ 1992.
*ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، سنة: 2004.
*جمعية التراث، لجنة البحث العلمي، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، سنة: 1420/ 1999.
* الجناوي ابوزكرياء يحي بن الخير، كتاب الوضع نشر وتعليق: ابو اسحاق ابراهيم أطفيش، مطبعة الفجالة، القاهرة، ط:1 (د س).
* محمد بن يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الارشاد، جدة، ط:3، سنة 1405هـ/1985م. (1/363)