صفحة 1
الكتاب: ملامح الطريقة التعليمية السمعية البصرية
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] ملامح الطّريقة التّعليميّة السّمعيّة البصريّة في كتاب (الرّسم في تعليم الخطّ) للشّيخ أطفيش
د/ سعاد بسناسي
جامعة وهران
تمهيد
لقد اهتمّ علماء الجزائر باللّغة العربيّة قديمًا وحديثًا، ودليل ذلك تاريخ الجزائر الثّقافيّ، الثّريّ الزّاخر، والذي جسّدته حضارات راقية، عبر الأزمنة والأمكنة، والأعلام وأعمالهم؛ لذلك كثرت المساجد التي كانت أماكن للتّعليم إلى جانب دورها الأساسيّ الدّينيّ، وازدادت وازدانت وتطوّرت بمرور الوقت؛ حيث تمّ إنشاء المعاهد العلميّة، والمدارس والجامعات. وكان نتاج هذه الحركة العلميّة التّعليميّة ظهور علماء في مختلف المجالات، وبروز لغويين اهتمّوا بتعليم اللّغة العربيّة، وسعوا لتطويرها والحفاظ عليها، وبذلوا جهدهم للرّقيّ بها.
وكان الشّيخ القطب أطفيش أحد أبرز أعلام وعلماء الجزائر، الذين استفادوا وأفادوا من هذه الحركة العلميّة التّعليميّة، ويعدُّ من الأوائل الذين عارضوا وجود الاستعمار في الجزائر؛ فكان مجاهدا في سبيل الدّين والوطن، بعلمه ووعيه، واهتمامه بتعليم اللّغة العربيّة، التي هي أحد أهمّ مقوّمات الشّخصيّة الوطنيّة، وتجسّد كلّ هذا من خلال كتابه (الرّسم في تعليم الخطّ) المعتمد فيه أساسًا على الطّريقة السّمعيّة البصريّة. وقبل البدء في تحديد ملامح هذه الطّريقة من خلال المؤلَّف المذكور، لنا وقفة مع حياة الرّجل، ومن بعدها وصف المؤلَّف شكلاً ومضمونًا، حتى تتحدّد موضوعاته، ويُقرّب مضمونه للقارئ.
حياة القطب ورحلاته العلميّة
الشّيخ القطب هو اَمْحمد، بن يوسف بن عيسى بن عبد الرّحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز بن بكير، ولقّب باَطفيش، وتعني الكريم، واشتهر بقطب الأئمّة، وهو الحفصيّ نسبًا، نسبة إلى عمر بن حقص الهنتاني، جدّ العائلة الحفصيّة في تونس" (1) " ولد الشّيخ سنة (1236هج/1818م) وهناك من يرى أنّه ولد سنة (1237هج) " (2) " ومن ثمّة كان الاختلاف حول تاريخ الولادة ومكانها. فهناك من يقول إنّه ولد في غرداية، وهناك من قال في بني يزقن" (3) " وتوفي -رحمه الله- يوم السّبت 23 ربيع الثّاني 1332هج الموافق لشهر مارس 1914م" (4) ".
__________
(1) - ينظر، عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر ن صدر الإسلام حنى وقتنا الحالي، مؤسّسة نويهض، للطّبع والنّشر، لبنان، ط1، 1983، ص19. ومحمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، المطبعة التّعاونيّة، الجزائر، ط1، 1965، ج1، ص290.
(2) - جمعيّة التّراث، معجم أعلام الإباضيّة من القرن 1هج إلى القرن 15هج (قسم المغرب) القرارة، غرداية، ط1، 1999، ج5، ص835.
(3) - ينظر، عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العامّ، ديوان المطبوعات الجامعيّة، ج4، ص454.
(4) - ينظر، عدون جهلان، الفكر السّياسي عند الإباضيّة من خلال آراء الشّيخ محمد بن يوسف أطفيش، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، (د. ت) ص105. وينظر، محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص386. وعادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص19. (1/162)
صفحة 2
بدأ القطب تعليمه بحفظ القرآن الكريم، وعمره خمس سنوات، وأتمّ حفظه في ثلاث سنوات، والتحق بالمساجد كان يحضر الحلقات العلميّة؛ ليأخذ أصول وأسس العلوم، وتتلمذ على يد شيوخ منهم: الشّيخ سليمان بن عيسى عدون (ت1884م) والشّيخ محمد بن عيسى أزبار (ت1872) والشّيخ إبراهيم بن يوسف أطفيش وهو شقيقه، وأخذ عنه النّحو والفقه" (1) ".
بدأ تدريسه في سنّ الخامسة عشر، وألّف بعد سنة من ذلك، فنظم كتاب المغني لابن هشام. وحينما بلغ العشرين من عمره، كان عالمًا مشهورًا في وادي ميزاب بخاصّة، والجزائر والوطن العربي بعامّة، حينما عُرف بجهاده الإصلاحي دينيّا واجتماعيّا، ووظّف في مجاله التّعليميّ.
اهتمّ بالعلم فأنشأ معهدًا تعليميّا في وادي ميزاب، وتتلمذ على يد الشّيخ الكثير من الأعلام المشهورين بخاصّة في بني يزقن، منهم: الشّيخ صالح بن عمر بن داود لعلي (ت1928م) " (2) " وابن أخيه الذي تعلّم على يديه، وانتقل إلى مصر وتوفي بها، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج امحمد بن الحاج إبراهيم بن يوسف أطفيش (ت1966م) " (3) ".
كانت أكثر رحلات الشّيخ القطب وتنقّلاته للعلم، ومن أجل العلم، انتقل مرّتين إلى الحجاز، وبسبب تضييق الاستعمار، كان يتنقل إلى المدن القريبة المجاورة" (4) " مثل: بني يزقن، والقرارة، ورجلان، وبريان، وغرداية؛ وذلك بهدف الوعظ والإرشاد، وتعليم مبادئ الدّين الحنيف؛ لأنّه برع في علوم مختلفة ومتنوّعة، وألّف فيها، حتّى قيل فيه، إنّه: (مجتهد القرن، وقيل هو مرجِع الفتوى في العالم الإسلاميّ) " (5) " للمكانة العلميّة الرّاقية التي حظي بها، بين علماء عصره، وحتّى وقتنا الحالي.
ترك الشّيخ مؤلّفات علميّة قيّمة، وفي مجالات متنوّعة؛ حيث ألّف في: الفقه، والتّفسير، والحديث، والقراءات، والسّيرة، وعلم الكلام، والمنطق، واللّغة، والتّصريف، والنّحو، والشّعر، والعروض، والبلاغة، والتّاريخ، والطّبيعيّات" (6) " ومنه تتّضح موسوعيّة الشّيخ؛ لأنّه لم يترك مجالاً علميّا، إلاّ وألّف فيه. وفاقت بذلك مؤلَّفاته العلميّة القيّمة مائة مؤلَّف، بين كبير ومتوسّط وصغير ورسالة في موضوع من المواضيع" (7) " وإن اختلف في تاريخ ولادة الشّيخ ومكانه؛ فإنّ الاختلاف كذلك كان حول عدد مؤلّفاته التي قيل إنّها فاقت المائة، وقيل تقارب مائة وخمسين مؤلَّفا، منها المخطوط والمطبوع. المخطوطة منها: داعي العمل ليوم الدّين، والمسائل التّحقيقيّة في بيان التّحفة الأجروميّة، الكافي في التّصريف، تسهيل الاجتهاد في تقسير أشعار الاستشهاد، وهو شرح شواهد ثلاثة شروح على الأجروميّة، وحاشية ثانية على شرح المرادي على الألفيّة، وشرح أبي سليمان داود التلاتي على الأجروميّة، والمسائل التّّحقيقيّة في بيان التّحفة الأجروميّة، ومعتمد الصّواب، شرح قواعد الإعراب، لابن هشام، بيان البيان في علم البيان، ربيع البديع في علم
__________
(1) - ينظر، محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص283، وما بعدها.
(2) - نفسه، ج1، ص378.
(3) - عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص19.
(4) - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص363.
(5) - نفسه، ج1، ص352.
(6) - ينظر تفصيل ذلك عند، عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص19، بتصرّف.
(7) - ينظر، محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص313. (1/163)
صفحة 3
البديع، مختصر (1/164)
صفحة 4
ثان في علم الخط، وهو شرح لما في (جمع الجوامع) للسّيوطي" (1) " وغيرها كثير من المخطوطات في مختلف المجالات.
ونذكر من بين مؤلّفاته المطبوعة: تيسير التّفسير، في طبعتين بعمّان عام 1986م" (2) " وهميان الزّاد طبع كذلك في عمان، ويتكوّن من ثلاث عشر مجلّدا" (3) " وفي التّاريخ له تحفة أهل بريان، والرّسالة الشّافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب. وفي المجال الدّينيّ له مثلا، إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض، وجامع الوضع والحاشية، وغيرها كثير ممّا لم نذكره في هذا المقام؛ لأنّه لنا وقفة خاصّة ومفصّلة عند مؤلّفه (الرّسم في تعليم الخطّ) لاستبطان ملامح الطّريقة التّعليميّة السّمعيّة البصريّة فيه، واستنباط أبعادها بخاصّة التّعليميّة، باعتبار الشّيخ كان معلّما منذ سنّ مبكّرة، وباعتباره جسّد اهتماماته العلميّة واللّغويّة بإنشاء معاهد تعليميّة، تدعو إلى ذلك وتحافظ عليه وتطوّره.
وصف كتاب الرّسم شكلاً ومضمونًا
بيَن الشّيخ اطقيش، الهدف من تأليف هذا الكتاب قي مقدّمته، والتي يقول فيها: (فهذا رسم في تعليم الخطّ كيف يكتب الحرف وحده أو مع آخر) " (4) " ومنه، فالشّيخ يهدف إلى توضيح كيفيّة كتابة حروف العربيّة منفردة أو مركّبة. وهناك من رأى أنّ العنوان لا يعبّر عن المضمون بدقّة؛ (لأنّه لا يتناول قواعد الخطّ العربي فحسب، فموضوعاته كانت متنوّعة فيها الصّوت والصّرف وكذلك النّحو والدّلالة. ولا يكون هذا العنوان في نظرنا مضبوطا إلاّ من باب التّغليب أو التّقليد) " (5) " ولا نرى في هذا التّنوّع مأخذا علميّا؛ لأنّ معرفة كيفيّة كتابة الحروف منفردة أو مركّبة، يندرج ضمن تعليم الكتابة، وهو أصل معرفة اللّغة، عن طريق النّطق والسّمع والبصر. واللّغة مستويات أربعة، وتعليل الكتابة صوتيّا وصرفيّا ونحويّا وأسلوبيّا، من ضروريات وأساسيات اللّغة وقواعدها. ومن ثمّة، نقول هي طريقة تعليميّة متقدّمة عن البحوث اللّسانيّة الحديثة المتأخّرة؛ ولأنّ عنوان الكتاب يبدأ بالرّسم، الذي يعني رؤية الرّمز، وكتابته كما نراه أو نسمعه.
والكتاب من حيث شكلُه، هو من الحجم الصّغير، يتكوّن من خمس وسبعين صفحة، وبلغ (عدد أسطره 1337 سطرا، ومجموع إحالاته 467 إحالة) " (6) " وطبع في المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، عام 1986م. وقسّم الشّيخ الكتاب إلى: مقدّمة، و 15 بابا، و68 فصلاً. ويتناول الكتاب قضيتين: الكتابة والصّوت. القسم الأول للكتابة والثّاني للصّوت. والملاحظ أنّ الشّيخ اطفيش، وضع الأبواب للقسم الأوّل، أمّا القسم الثّاني فلم يضع له إلاّ الفصول" (7) " ولكن المتصفّح للكتاب، يجد في القسم الأوّل أبوابا وفصولا، وفي القسم الثّاني كذلك توجد الأبواب والفصول.
__________
(1) - ينظر تفصيل ذلك عند، أحمد جلايلي، إسهامات الشّيخ محمد بن يوسف أطفيش في الدّراسات اللّغويّة، مقال بمجلّة القلم، جامعة وهران، العدد الثّاني، 2005، ص87، وما بعدها.
(2) - ذكر هذا عند، مختار بوعناني، المصنّفات اللّغويّة للأعلام الجزائريّة، ط1، 2000، ص23.
(3) - مختار بوعناني، التّصريف موضوعاته ومؤلّفاته، طبعة خاصّة، 1996م، ص97.
(4) - محمد بن يوسف اطفيش، كتاب الرّسم في تعليم الخطّ، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986، ص05.
(5) - أحمد جلايلي، إسهامات الشّيخ محمد بن يوسف اطفيش في الدّراسات اللّغويّة، مقال بالمجلّة السّابق ذكرها، ص95.
(6) - لعشريس عباس، الدّراسة التّحليليّة للمدركات السّمعيّة البصريّة في كتاب الرّسم للشّيخ اطفيش، رسالة ماجستير في اللّغة، جامعة وهران، 2003/ 2004م.
(7) - نفسه، ص17. (1/165)
صفحة 5
المنطلقات الصّوتيّة عند الشّيخ
انطلق الشّيخ في كتابه الرّسم، من نظرة صوتيّة؛ لجمع قواعد الخطّ والكتابة، لأنّه كان مهتمّا بالقرآن الكريم. وتطبيقه لهذه القواعد، يندرج ضمن مجال القراءة القرآنيّة، لأنّ (القراءة صوت، والكلام حروف، والصّوت غير الحروف) " (1) " كما كان متأثّرا بالقدامى في آرائهم حول حركات البناء، وعلامات الإعراب، التي أصل تسميتها مستمدّة من النّطق الصّوتي، والصّورة البصريّة نسبة لحركة الأعضاء النّاطقة بها، ووضعيّة الشّفتين، كما جاء عند أبي الأسود الدّؤلي" (2) ".
كانت الدّراسات الصّوتيّة، محطّ اهتمام الدّارسين العرب منذ القرن الأوّل للهجرة، وحظيت عندهم (بعناية خاصّة بلغت درجة التّأليف؛ فبلغوا مواطن الدقّة فيها، رغم نقص الإمكانات. دقّة أقرّ بها كلّ لغويّ وصوتيّ من المحدثين العرب والغربيين، (والشّيخ اطفيش هو امتداد لهؤلاء الشّيوخ والأئمّة، فالمتصفّح لكتابه الرّسم، يشعر بثقافته الواسعة وكثرة الحفظ، ويظهر هذا من خلال اعتماده في قسم الصّوتيات، على الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه والأصمعي وابن جنّي وأبو عمرو بن العلاء والكسائي؛ لذلك من اعتمد على هؤلاء الشّيوخ في مؤلَّّفه لابدّ أن يكون متميّزا، إضافة إلى أنّ زمن هذا المؤلّف كان في مرحلة احتلال فرنسا للجزائر) " (3) " وهي مرحلة يصعب فيها قراءة هذا النّوع من العلوم، والأصعب من ذلك هو صعوبة التّأليف في مجال كهذا.
لم بذكر الشّيخ مفهومَ الصّوت في كتابه، ولم يحدّد أقسامه ووظائفه، كما أنّه لم يعرّف الصّوامت العربيّة، وقد اكتفى بوصف مخارجها وصفاتها، ولم يفصّل الحديث عن الصّوائت" (4) " وأشار إليها باعتبارها حركات إعرابيّة، وأنّ الصّوائت القصيرة هي أبعاض من الطّويلة، الضمّة واو صغيرة، والفتحة ألف منبطحة صغيرة فوق الحرف، والكسرة ياء ممتدة متواصلة منبطحة أسفل الحرف.
وركّز الشّيخ اطفيش كثيرًا على وصف الرّموز الكتابيّة للصّوامت، والأهمّ من هذا أنّه خصّ كلّ حرف بفصل مستقلّ به، وجعل فصلا واحدا للألف والواو والياء، وأخذ في هذا الموضع عن الخليل ونسب إليه نصوصه، وهذا يدلّ على أنّه اهتمّ كثيرا بالكتابة البصريّة، وعلاماتها وطريقة رسم رموزها بدقّة وصواب والأمر نفسه أكّده اللّسانيّون المحدثون؛ حيث يرون ارتباط الفكر يصورة أسرع بالأشكال المرسومة والصّور المجسّدة، والأشكال الخطيّة.
كما تحدّث الشّيخ، وفصّل في مواضع كثيرة، عن مختلف التّلوينات الصّوتيّة، ومثّل لها، مثل:
__________
(1) - علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين، ج1، ص247.
(2) - ينظر تفصيل ذلك عند، أبي عمر عثمان بن سعيد الدّاني، كتاب النّقط، تح، محمد صادق قمحاوي، مكتبة الكليات الأزهريّة.
(3) - لعشريس عباس، الدّراسة التّحليليّة للمدركات السّمعيّة البصريّة في كتاب الرّسم للشّيخ اطفيش، ص62.
(4) - اطفيش، الرّسم، ص35. (1/166)
صفحة 6
(الإمالة، والوقف، والإبدال، والإدغام، والنّقل، والقلب، والحذف والزّيادة والوصل والفصل) وكلّها موادّ لا تّعلَّم من دون التّدرّب على الطّريقة السّمعيّة البصريّة. ولا يمكن الحديث عن الصّوتيات، (1/167)
صفحة 7
ووظيفة الصّوت اللّغويّ، من خلال هذه التّلوينات الصّوتيّة، من دون أن نتطرّق إلى الأصوات عند الشّيخ اطفيش، والصّوامت العربيّة منفردة من حيث مخارجُها وصفاتّها، فيما هو آتٍ.
المخارج الصّوتيّة عند الشّيخ
أشرنا إلى أنّ الشّيخ تأثّر في الكثير من الآراء والمواقف التّعليميّة بالقدامى، ونلمس هذا التّأثّر حينما يتحدّث عن المخارج الصّوتيّة، ويتّضح لنا كأنّنا نقرأ مصطلحات الخليل، وآراءه حينا، وفي مواضع أخرى نلمس أخذه وتأثّره بسيبويه. وأرى أنّ الشّيخ حينما أخذ بعض المصطلحات عن الخليل؛ فإنّ ذلك يحسَب له، باعتبار أنّ تلامذة الخليل، وكلّ من جاء بعده أهملوا مصطلحاته، وبخاصّة مصطلحي (المبدأ، والحيّز) " (1) " كما وظّف مصطلح المخرج وهو الشّائع استعمالاً عند القدامى والمحدثين. ونلاحظ أنّ الشّيخ لم يعدِّد المخارج الصّوتيّة؛ لأنّ الاختلاف قائم بين القدامى والمحدثين في عددها، وتسميتها، وكذلك الاختلاف بين اللّغويين والقرّاء، وإن كان القدامى في الغالب قرّاء.
ذكر الشّيخ المخارج الصّوتيّة، كما جاءت عند أغلب القدامى، وهي: الجوف وأصواته ثلاثة (الألف والواو والياء للمدّ) أقصى الحلق (الهمزة والهاء) وسط الحلق (العين والحاء) أدنى الحلق (الغين والخاء). ثمّ الأصوات اللّسانيّة، ومجموعها عشرة" (2) " مقسّمة بحسب أقسام اللّسان وبعضها نسبة للثّنايا والشّفتين، وهي كالآتي: أقصى اللّسان القاف، أسفله الكاف، وسطه الجيم والشّين والياء، إحدى حافتي اللّسان للضّاد، وبين حافتي اللّسان للاّم، طرف اللّسان إلى ظهره للرّاء، وطرف اللّسان وأصول الثّنايا العليا للطّاء والدّال والتّاء، طرف اللّسان والثّنايا السّفلى للسّين والصّاد، بين طرف اللّسان والثّنايا العليا للظّاء والذّال والثّاء، باطن الشّفة العليا للفاء، وبين الشّفتين للميم والباء، والخيشوم للنّون الخفيفة والميم والتّنوين عند القرّاء.
والتّرتيب المذكور الذي اتّبعه الشّيخ، هو في أصله ترتيب هجائيّ، ويراعي طريقة ومواضع النّطق الصّوتيّ، وهو بذلك ترتيب صوتيّ تصاعديّ، يبدأ من الجوف وصولاً إلى الشّفتين. وهو عكس التّرتيب عند بعض المحدثين؛ الذي في أصله هو ترتيب تنازلي، من الشّفتين إلى الحلق، وعدد المخارج والحروف عندهم أقلّ مقارنة بالقدامى، بحيث لا تتجاوز العشرة مخارج ـ إلاّ نادرا ـ ولا تتجاوز ثمانية وعشرين حرفًا، ومجموع الحروف عند القدامى تسعة وعشرون حرفا.
كما أنّ الشّيخ لم يتطرّق لكلّ المخارج تعريفًا وتفصيلا؛ لأنّه ذكر بعضها والبعض الآخر اكتفى بذكر ألقابها حسب. وممّا ذكره أربعة أصوات (السّين، والقاف، والكاف، واللاّم) فيقول: (والسّين والصّاد في حيّز واحد، وهي الحروف الأسليّة لأنّ مبدأها من أسلة اللّسان ... والقاف بين عُكدة اللّسان وبين اللّهاة في أقصى الفم، واللاّم من طرف اللّسان معارضًا لأصول الثّنايا
__________
(1) - نفسه، ص54/ 60.
(2) - الرّسم، ص54/ 68. (1/168)
صفحة 8
والرّباعيات) " (1) " وذكر الأصوات الأخرى بألقابها، كالحلقيّة، والشّجْريّة، والذّلقيّة، واللّثويّة، والنِّطعيّة، والشّفويّة). وذكر مصطلحات سابقيه، (كالجوف، والحلق، والشّفتين، واللّثة، والنّطع، والأسلة، والشّجر) وهي مأخوذة عن الخليل لتميّزه بها في معجمه العين، وهو أوّل معجم عربي صوتي متخصّص، ولأنّه كان من الأوائل السبّاقين لذكرها. ويسجّل للشّيخ اطفيش أنّه أضاف مصطلح الذّلاقة، وتداول في كتابه ذكر مصطلح عُكدة اللّسان وهي أقصاه وهي مستعملة عند القرّاء لا اللّغويين، ومصطلح نِطع الغار" (2) ".
الصّفات الصّوتيّة عند الشّيخ
تدرك الأصوات اللّغويّة بعد نطقها، وتحدّد موضعه من خلال صفاتها؛ لأنّ الصّوت اللّغوي لا يكتمل تحقّقه إلاّ باكتساب صفاته، وتلوّنه بها؛ (فالمخرج بمثابة الوزن والمقدار، والصّفة محكّ ومعيار) " (3) " والصّفات التي يكتسبها الصّوت، تنقسم إلى ثلاثة أقسام أساسيّة، وثانويّة، وفارقة تمييزيّة. وقد اختلف القدامى والمحدثون في عددها، وتسمية بعضها. وذكر الشّيخ اطفيش عشر صفات" (4) " كما جاءت عند سيبويه" (5) " وتتمثّل في الصّفتين الأساسيتين الجهر والهمس، وصفتين ثانويتين وهما الشّدة والرّخاوة" (6) " وستّ صفات تمييزيّة، وهي: (الانحراف، والتّكرار، واللّين، والهاوي، والانفتاح والإطباق).
بدأ الشّيخ الحديث عن الصّفات بالأساسيّة؛ لأنّها أساس كلّ صوت لغويّ، فذكر الجهر والهمس، وعرّف الجهر بأنّه (يختصّ بشدّة المخرج مع عدم جريان النّفس مع مخرجه)، وذكر بأنّ مجموع الأصوات المجهورة تسعة عشر صوتا في العربيّة، وجاءت كما ذكرها سيبويه، ويعرّف الشّيخ الهمس بأنّه (حرف يلين مخرجه دون المجهور، وجرى معه النّفس فكان دون المجهور في رفع الصّوت)، ويصد باللّيونة عدم الضّغط والشدّ على مخارج المهموسات كما في الجهر.
وبهذا التّعريف لا يختلف الشّيخ عمّا قال به القدامى في تعريف الهمس وتعداد أصواته، فيقول: (الخاء المعجم من الحروف المهموسة وهي عشرة الخاء والحاء والهاء والكاف والشّين والسّين والتّاء والصّاد والضّاد) مع أنّ القدامى اعتمدوا الوصف والتّمثيل في ذكر المخارج، واستخلاص الصّفات بأنواعها؛ فإنّ تجارب المحدثين، وقياساتهم المخبريّة -في الغالب- لم تخرج عن ذلك ولم تخالفه، عدا قول بعضهم بعدم اهتزاز الوترين الصّوتيين في الهمس، وجعل بعضهم القاف الطّاء والهمزة من الأصوات المهموسة، وجعل البعض الآخر الهمزة وسطيّة لا هي مجهورة ولا مهموسة، واكتفينا في التّمثيل للصّفا عند الشّيخ بالأساسيّة، دون ذكر الصّفات الأخرى وأصواتها، ذلك لأنّ الشّيخ لم يخالف القدامى فيما قدّموه من قواعد صوتيّة، تساعد على النّطق السّليم، والكتابة الصّحيحة، وكلّ ما ذكر من منطلقات وموضوعات صوتيّة عند الشّيخ،
__________
(1) - نفسه، ص60/ 65.
(2) - نفسه، ص 52.
(3) - صبحي الصّالح، فقه اللّغة، ... ص
(4) - الرّسم، ص54، وما بعدها.
(5) - ينظر، سيبويه، الكتاب، ج4، ص434، وما بعدها.
(6) - لأنّ الصّفات المتوسّطة لم تذكر عند سيبويه، رغم أنّه كان يعلم بوجود أصوات، لا هي شديدة ولا رخوة؛ لكن لم يصرّح بها كلّها، وذكر ابن جنّي بعده بعضها، وأتمّها المبرّد، وهي المجموعة في عبارة (لم يروعنا). (1/169)
صفحة 9
تعتبر
مادّة مهمّة، وأساسيّة وقاعديّة لفهم أصوات العربيّة، ورسمها، بخاصّة عند المتعلّمين. وما يمكن تسجيله في مجال الصّفات للشّيخ، أنّه وظّف مصطلحين وهما (المنخفض ويقصد به المستفل عكس المستعلي، والمحقور ويعني الأصوات المقلقلة، لشدّة الضّغط حين النّطق بها.
التّلوينات الصّوتيّة عند الشّيخ
تحدّث الشّيخ عن تلوينات صوتيّة كثيرة ومهمّة في الأداء اللّغوي والقرآني، بدءا بالإمالة، والوقف، والإبدال والإدغام، والثّقل، والقلب، والزّيادة والحذف، كما أشار إلى الكمّيات الصّوتيّة القرآنيّة التي لا يستغني عنها متعلّم، كالإشمام والرّوم، وسنبيّن رأي الشّيخ في موضوع الإمالة لأهمّيته،
الإمالة:
تحدّث الشّيخ عن الإمالة، وأشار إلى إمالة الألف نحو الياء، وهو يتّفق مع القرّاء في اعتبار الإمالة هي تقريب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء بحيث يقول: (الحروف والأسماء غير المتصرّفة أن تكتب على لفظها، لكن لما أميل بعضها كتب بالياء كبلى ومتى) وذكر أقسام الإمالة، المتمثّلة في الشّديدة والمتوسّطة. فالشّديدة هي الكبرى وتعني تقريب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ فيه؛ أي إمالة الألف نحو الياء، والفتحة نحو الكسرة بدون قلب للفتحة ولا للألف.
والإمالة المتوسّطة، هي أن ينطق الحرف بين الفتح المتوسّط، والإمالة الشّديدة؛ أي بين الفتح والإمالة المحضة، وتسمّى تقليلا أو تلطيفا، أو إمالة بين بين عند المحدثين. ورأي المحدثين يخالف ما جاء به القدامى
الهوامش: (1/170)