صفحة 1
الكتاب: منهج الشرح عند الشيخ أطفيش
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] منهج الشّرح عند الشّيخ أطفيّش (ت1914م)
من خلال كتابه =إيضاح الدّليل إلى علم الخليل=
د/ بوعبد الله لعبيدي
جامعة سعد دحلب-البليدة
لا شكّ في أنّ "الشّيخ أطفيّش" يعدّ من علماء الجزائر الذين أسهموا في الحفاظ على الثّقافة العربيّة والإسلاميّة بصلابة منقطعة النّظير؛ وذلك من خلال دروسه ومؤلّفاته ومصنّفاته وشروحه وتعليقاته الهامّة.
ويعدّ 0كتابه "إيضاح الدّليل إلى علم الخليل" حاشية على شرح أبي زكريّا الأنصاريّ الشّافعيّ (ت926هـ/ 1520م) (1) لمنظومة "الرّامزة في علمي العروض والقافية" لأبي محمّد عبد الله بن محمّد الخزرجيّ الأندلسيّ (ت626هـ/ 1229م) (2)، المعروفة بـ "المنظومة الخزرجيّة" نسبة إليه. وهو كتاب في غاية الأهمّيّة لدارسي "علم العروض والقافية". بحيث يعدّ أنموذجًا يكشف لنا عن منهج "الشّيخ أطفيّش" في تبسيط المادّة العلميّة للمتعلّمين من جهة، وفي تعميق معارفهم من جهة أخرى.
وسأحاول في هذا المقال إبراز بعض الجوانب العلميّة الهامّة للكتاب، من خلال الإجابة عن تساؤل وهو: ما هو المنهج الذي اتّبعه "الشّيخ أطفيّش" في شروحه وتعليقاته، وبخاصّة في كتابه "إيضاح الدّليل"؟
وللإجابة عن هذا يجدر بنا أن نشير إلى نقاط أساسيّة، تتعلّق بتوظيف المصطلحات العروضيّة، والاستشهاد، والتّعليل، وبعرض الأقوال وشرحها، وبأسلوبه.
وقبل ذلك لا بدّ من الإشارة إلى القيمة العلميّة للكتاب.
- القيمة العلميّة للكتاب:
إنّ هذا الكتاب من أهمّ مصنّفات "الشّيخ أطفيّش" التّعليميّة في مجال "العَروض"؛ ولعلّ ذلك يعود إلى سهولة مادّته العلميّة وتنوّعها، وطرافة أسلوب تناولها، ودقّة سبكها وصياغتها. إلى جانب اهتمام المؤلِّف بمسائل لطيفة، قلّما يلفت إليها أصحاب المطوّلات الانتباه فضلاً عن أصحاب المختصرات، إضافة إلى أنّه حاشية على شرح لمنظومة ذات قيمة عالية في مجال الدّرس العروضيّ وهي "الخزرجيّة"، ولا أدلّ على ذلك من كثرة شروحها (3)، على أنّ كثرة الشّروح
__________
(1) - هو أبو يحيى زكريّا بن محمّد بن أحمد بن زكريّا الأنصاريّ السّنيكيّ المصريّ الشّافعيّ. شيخ الإسلام، قاض مفسِّر، من حفّاظ الحديث. ولد في "سنيكة" (بشرقيّة مصر) عام 823هـ/ 1420م، وتعلّم في القاهرة، وكفّ بصره سنة 906هـ. نشأ فقيرًا معدمًا، قيل: كان يجوع في الجامع، فيخرج باللّيل يلتقط قشور البطّيخ، فيغسلها ويأكلها. ولمّا ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كلّ يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علمًا ومالاً. وولاّه "السّلطان قايتباي الجركسيّ" (826 - 901هـ) قضاء القضاة، فلم يقبله إلاّ بعد مراجعة وإلحاح. ولمّا ولِّي رأى من السّلطان عدولاً عن الحقّ في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظّلم، فعزله السّلطان، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفّي سنة (926هـ/ 1520م). تنظر ترجمته في الأعلام: خير الدِّين بن محمود الزّركليّ (1310 - 1396هـ)، ط10، دار العلم للملايين، بيروت، 1412هـ/ 1992م: 3/ 46.
(2) - هو أبو محمّد عبد الله بن محمّد الخزرجيّ، ضياء الدِّين: عروضيّ أندلسيّ، نزل بالإسكندريّة. وتوفّي قتيلاً سنة 626هـ/ 1229م. له "الرّامزة في علمي العروض والقافية"، منظومة تعرف بـ "الخزرجيّة" نسبة إليه، و"علل الأعاريض". تنظر ترجمته في: الأعلام: 4/ 124.
(3) - من شروحها:
- كشف الرّموز: وهي رسالة منظومة في شرح القصيدة الخزرجيّة للهشتوكيّ، وهو أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن داود بن يعزى ابن يوسف الجزوليّ التّملي نسبًا، أَحُزِّي _بفتح الهمزة وضمّ الحاء وكسر الزّاي المشدّدة_ الشّهير بالهشتوكيّ، ويعرف بالجزوليّ (ت1127هـ/ 1715م)، تنظر ترجمته في الأعلام: 1/ 240.
- شرح البكاء: وهو عبد المعين بن أحمد، ابن البكاء البلخيّ (ت1040هـ/ 1630م)، تنظر ترجمته في الأعلام: 4/ 155.
- شرح العصاميّ: وهو عبد الملك بن حسين بن عبد الملك المكّيّ العصاميّ (1049_1111هـ/ 1639 - 1699م). تنظر ترجمته في الأعلام: 4/ 157 - 158.
- شرح قاسم بن محمّد البكرجيّ (1094 - 1169هـ/ 1683 - 1756م). تنظر ترجمته في الأعلام: 5/ 183.
- شرح الشّريف الغرناطيّ: وهو أبو القاسم محمّد بن أحمد الحسينيّ (697 - 760هـ/ 1297 - 1359م). تنظر ترجمته في الأعلام: 5/ 327.
- المفاتيح المرزوقيّة في شرح الخزرجيّة لأبي عبد الله محمّد بن أحمد بن محمّد، ابن مرزوق العجيسيّ (710 - 781هـ/ 1311 - 1380م). تنظر ترجمته في: الأعلام: 5/ 328.
- شرح البصرويّ: وهو محمّد بن خليل بن محمّد، أبو عبد الله، محبّ الدِّين ابن الإمام غرس الدّين خليل، البصرويّ الدّمشقيّ (ت نحو 889هـ/ 1484م). تنظر ترجمته في الأعلام: 6/ 117.
- شرح محمّد الدّلجيّ (860 - 947هـ/ 1456 - 1540م)، وهو: محمّد بن محمّد بن محمّد الدّلجيّ العثمانيّ، شمس الدِّين. تنظر ترجمته في الأعلام: 7/ 57. (1/413)
صفحة 2
لا تدلّ على الصّعوبة بقدر ما تدلّ على أهمّيّة المشروح، بل كثيرًا ما رفعت الشّروح والحواشي المتون إلى مراتب عالية. وهذا كلّه جعل "الشّيخ أطفيّش" يعلّق عليها، ويقدّم لنا المفاهيم العروضيّة في أوضح صورة وأبسط وجه؛ لتكون في متناول المبتدئين للفهم والمذاكرة، والمتمرّسين للتبّصر والاستئناس.
هذا التّلاقح الأندلسيّ المصريّ الجزائريّ كشف لنا عن فكر منهجيّ ضارب في أصول النّظريّات العلميّة الحديثة، مبنيًّا في أساسه على تحديد المفاهيم والمصطلحات العروضيّة والنّحويّة والصّرفيّة والبلاغيّة والفقهيّة والكلاميّة كلّها بدون استثناء _لأنّها مفاتيح العلوم_، وعلى نقد الآراء وتمحيصها، والتّعقيب عليها بشكل منهجيّ واضح ودقيق.
ولم يجد "الشّيخ أطفيّش" بعد ذلك من ضرورة في أن يضع في العروض مصنّفًا آخر؛ لوضوح ما جاء في تعليقاته.
لهذا نظنّ أنّه لولا تلك المسحة من السّهولة والبساطة والوضوح والعمق التي تبدو على ملامح كتاب "إيضاح الدّليل" لكان له شأن آخر عند "الشّيخ" أو عند تلاميذه من بعده، وفي مجال الدّرس العروضيّ التّعليميّ على العموم. ممّا يظهر لنا في غير إبهام أنّ الكتاب قد بلغ الهدف الذي كان قد حدّده "الشّيخ" من خلال تعليقاته.
I- منهج "الشّيخ أطفيّش" في شرحه:
1 - المنهج الفني:
أ- عنوان الكتاب:
إنّ عنوان الكتاب هو "إيضاح الدّليل إلى علم الخليل" (1)، وقد أورده بهذا العنوان "خير الدِّين الزّركليّ" في "الأعلام"، نقلاً عن "الشّيخ إبراهيم" ابن أخي "الشّيخ أطفيّش" (2).
وأمّا تبويب مادّة الكتاب فلا يمكننا القول بأنّ "الشّيخ أطفيّش" كانت له الحريّة المطلقة في اختيار طريقة عرض عناصر المادّة العروضيّة، بل إنّ تقسيم عناصرها جاء مطابقًا لما قد رسمه الشّارح "أبو زكريّا الأنصاريّ" سابقًا، وهذا الأخير مقيّد بما جاء في المنظومة الخزرجيّة.
ورغم ذلك فلم يمنعه العقد المبرم مع "أبي زكريّا الأنصاريّ"، ومع "الخزرجيّ" من أن يطوِّف بقارئه دون تطويل ولا تمحّل، أو يقطف له من رياض العَروض زهورًا، عطرها اللّمحة الدّالة، والمنهل القريب، والشّاهد الواضح.
فكان له فضل توضيح كثير من المصطلحات، وبيان الدّلالات اللّغويّة، والمسائل العروضيّة، والأوجه النّحويّة، والنّكت البلاغيّة، والتّمثيل لما يستوجب ذلك، والفوائد التي يحيل عليها متى
__________
(1) - لقد ورد في خطبة الكتاب: «وبعد، فهذه حواشٍ موجزة على شرح الخزرجيّة، الذي هو للعلاّمة أبي يحيى زكريّا الأنصاريّ ... ». إيضاح الدّليل: 2.
(2) - ينظر: الأعلام: 7/ 156 - 157. وينظر أيضًا: رحلة القطب: امحمّد بن يوسف بن عيسى أطفيّش، دراسة وتحقيق: يحيى بن بهون حاج امحمّد، ط1، مطبعة Mondial Print Service ، الجزائر، 1427هـ/ 2007م: 33. (1/414)
صفحة 3
دعاه إلى ذلك داعي الإحساس بملل القارئ من دسامة المادّة المقدّمة.
ب- خطبة الشّرح:
وتجدر الإشارة إلى أنّ خطبة الكتاب قد وردت مقتضبة جدًّا، على خلاف بعض كتبه الأخرى، خالية من براعة الاستهلال، حيث أورد فيها بعد الحمدلة والصّلاة والسّلام على نبيِّنا الكريم: ثلاثة أدعية، وذلك بعد قوله: «يا حيّ يا قيّوم برحمتك نستغيث (1)».
وعلى الرّغم من تشعّب المباحث الواردة في كتب اللّغة وغزارة مادّتها إلاّ أنّ "الشّيخ أطفيّش" قد استطاع في تعليقاته على شرح أبيات الخزرجيّة أن يجعل كتابه دليلاً يهتدي به تلاميذه في علوم العربيّة عمومًا، والمشتغلون بالعّروض والإيقاع والقوافي على وجه الخصوص. كما استطاع أن يجعل من تعليقاته أيضًا دليلاً واضحًا لما روي عن "الخليل بن أحمد الفراهيديّ" في "علم العَروض" الذي لا يختلف اثنان في نسبة العلم إليه.
- تقويم المنهج:
ويمكننا بعد هذا أن تتلمس بعضًا من البواعث التي حدت به لانتهاج مثل هذا الأسلوب في شرح عناصر المادّة العروضيّة، وطريقة ربطه لها مع المباحث اللّغويّة والنّحويّة والصّرفيّة والدّلاليّة، بحيث جاءت خالية من العناوين إلاّ من عناوين التّنبيهات والفوائد. وذكر خصائصه الفكريّة التّعليميّة أثناء الشّرح.
لقد سبقت الإشارة إلى أنّ "الشّيخ أطفيّش" لم تكن له الحرّيّة المطلقة في تفريع مادّة الكتاب وتبويبها، إلاّ أنّ له ذلك وهو أمام ألفاظ الشّرح يعلِّق عليها بحسب الحاجة التي يراها مناسبة للمتعلِّم. فيقف عند أيِّة نقطة يكشف من خلالها عن الغامض من المسائل، ويفكّ العويص من الألفاظ.
ويمكن القول بأنّ ما يتحلّى به "الشّيخ أطفيّش" أثناء الشّرح هو الذّهنيّة الرّياضيّة. وتتجلّى من خلال تقسيمه بعض المسائل إلى عناصر، وكلّ عنصر إلى أقسام فرعيّة.
أو من خلال ما يضعه من تنبيهات وفوائد وتتمّات وخواتم عقب انتهائه من كلّ مسألة، حتّى ولو طال ذلك منه، ثمّ يعود ليكمل ما بدأ التّعليق عليه. بالإضافة إلى استحضار ألفاظ الشّرح والمنظومة، واستذكار ما أشار إليه أو ما سيوضّحه.
وكذا اعتماده الاحتمالات الواردة في توضيح المفاهيم العروضيّة، كما في قوله: «يحتمل أنّ من أثبتهما معترف بتركّبهما من ذلك ... (2)». وقوله: «ويحتمل أنّه يريد تلك الطّريقة فقط (3)». وقوله: «ويحتمل أن يكون مراده مذهب ابن برّي ... (4)».
__________
(1) - إيضاح الدّليل: 2.
(2) - إيضاح الدّليل:37.
(3) - المصدر نفسه:234.
(4) - المصدر نفسه: 483. (1/415)
صفحة 4
هذا وإنّ تأثّره بالفكر الرِّياضيّ والمنطقيّ يتجلّى كذلك من خلال استخدامه مصطلحات العلمين، مثل: "التّصديق" (1)، "التّصوّر" (2)، "المعقوليّة" (3)، بل حتّى استخدامه التّعاريف المنطقيّة، كما في قوله: «الجنس ... وفي اصطلاح المنطق كلّيّ مقول على كثير مختلف بالحقائق (4)».
وأمّا طريقته في التّعليق فإنّها وإن كانت موافقة لبعض حواشي "الخزرجيّة" وشروحها مثل:
- "المفاتيح المرزوقيّة لحلّ الأقفال واستخراج خبايا الخزرجيّة": لابن مرزوق الحفيد (766 - 842هـ/ 1364 - 1438م) (5).
- و"حاشية يوسف بن سالم بن أحمد الحفنيّ" (ت1176/ 1763م) (6)، وغيرهما.
فلم تكن غرضًا؛ لالتزام كلّ شارح من هؤلاء بالمتن، أو الاكتفاء بالإعراب، أو بالشّرح اللّغويّ فقط.
وأمّا "الشّيخ أطفيّش" فقد تميّز بشرح كلّ الألفاظ الأساسيّة (الكلمات المفاتيح) في البيت شرحًا معجميًّا ثمّ اصطلاحيًّا عند العروضيّين والنّحاة والبلاغيّين والفقهاء والمتكلّمين، فضلاً عن باقي الكلمات، وبيان كثير من المسائل الصّرفيّة والتّعليلات النّحويّة، والتّعقيب على المسائل العروضيّة واستدراك ما أغفله الشّارح. ومن ذلك التّعقيب على قضيّة نسبة "بحر المتدارك" إلى "الأخفش" وهو الذي عليه كثير من العروضيّين المحدثين اليوم، فقد قال: «واختلفوا فيمن استدركه فقيل "الأخفش"، وهو المشهور، قال "أبو الحكم" (7): إنّ "الأخفش" نصّ على إهماله وأنّ مجيزه "الجوهريّ" و"النّديم" ومن تابعهما. قال "ابن برّي": لم تقل عليه العرب، ولم يحكه "الخليل" ولا غيره من القدماء، وإنّما استدركه "الجوهريّ"، وغيره من المحدثين (8)».
ويؤيِّد ما ذهب إليه من أنّ "الأخفش" لم يتدارك "المتدارك" أمران:
- أوّلهما: كتاب "العَروض" للأخفش فقد عثر عليه مؤخّرًا، وليس فيه أيّة إشارة إلى هذه القضيّة لا من قريب ولا من بعيد، مع أنّ في الكتاب أشياء خالف فيها "الأخفش" أستاذه "الخليل".
- الأمر الآخر: إنّنا لا نجد هذه الشّائعة في التّراث العَروضيّ بعد "الخليل" لأكثر من ثلاثة قرون، فلم يذكره "ابن عبد ربّه" (ت328هـ) في كتابه "العقد الفريد"، يقول في أرجوزته:
وَبَعْدَهَا خَامِسَةُ الدَّوَائِرِ ... لِلْمُتَقَارِبِ الذِي بِاْلآَخِرِ
يَنْفَكُّ مِنْهَا شَطْرُهُ وَشَطْرُ ... لَمْ يَأْتِ فِي اْلأَشْعَارِ مِنْهُ الذِّكْرُ
كما لم يذكره "الصّاحب بن عبّاد" (ت385هـ) في كتابه "الإقناع في علم العَروض"، ولا
__________
(1) - المصدر نفسه: 224.
(2) - المصدر نفسه: 224.
(3) - المصدر نفسه: 224.
(4) - المصدر نفسه: 39.
(5) - وهو أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن محمّد، ابن مرزوق العجيسيّ التّلمسانيّ (766 - 842هـ/ 1364 - 1438م). تنظر ترجمته في الأعلام: 5/ 328.
(6) - تنظر ترجمته في: الأعلام: 8/ 232.
(7) - هو: أبو الحكم ابن عذرة.
(8) - إيضاح الدّليل: 410. (1/416)
صفحة 5
"ابن جنّيّ" (ت392هـ).
وبالفعل فإنّ أوّل من ذكر "المتدارك" هو "الجوهريّ" (ت400هـ)، ولم ينسبه إلى "الأخفش". وأمّا أوّل من نسبه إليه هو "ابن واصل الحمويّ" (ت697هـ) (1) في كتابه "الدّرّ النّضيد" في قوله: «ثمّ أخذ في ذكر "المتدارك" وهو البحر الذي أثبته "الأخفش" وأنكره "الخليل"»، ولم يذكر لكلامه هذا مصدرًا (2).
دون أن يتوانى عن التّطرّق للجانب البلاغيّ والفقهيّ مثلما سبق ذكره.
لذلك يمكن اعتبار كتاب "إيضاح الدّليل إلى علم الخليل" أنموذجًا للتّأليف العلميّ التّعليميّ يكشف لنا عن فكر "الشّيخ أطفيّش" وطريقته في التّعليم عمومًا، وتعليم "علم العَروض" على الخصوص، لم يكن يهدف فيه إلى التّجديد الشّكليّ أو الهيكليّ في أنموذج شرح المادّة العروضيّة، بقدر ما كان يريد توصيل المادّة بكلّ دقّة وأمانة إلى الرّاغبين في معرفة العَروض والقوافي، على غرار شارح المنظومة.
في حين بقي منهج الدّراسة العروضيّة عند "الشّيخ أطفيّش" على ما كان قد وضعه "الخليل"، ومن جاء بعده.
2 - المنهج العلميّ:
أ- توظيف المصطلحات:
لقد استخدم "الشّيخ أطفيّش" في شرحه سجلاًّ اصطلاحيًّا متنوّعًا، يتألّف بالدّرجة الأولى من المصطلحات العروضيّة إلى جانب توظيفه المصطلحات البلاغيّة والنّحويّة والصّرفيّة والفقهيّة والكلاميّة والمنطقيّة، وغيرها من المصطلحات العلميّة.
ب- الاستشهاد:
- القرآن الكريم:
لم يكن الشّيخ يستشهد بالآيات القرآنيّة؛ نظرًا لطبيعة المادّة المقدّمة في الكتاب؛ ومع ذلك فهو يستشهد بالآيات القرآنيّة كلّما دعاه إلى ذلك داعي تعليل القواعد، وهذا ليس غريبًا، إذ الشّيء إذا خرج من معدنه لا يستغرب!
بل إنّ هذا ناتج عن الثّقافة الدّينيّة التي تشبّع بها الشّيخ منذ صباه (3)، وكذا اهتمامه بالقرآن الكريم أفصح كلام عربيّ، كيف لا وهو صاحب تفسيره (4). وهذا كلّه من شأنه أن يجعل لتعليقاته أهمّيّة خاصّة.
ومن أمثلة استشهاداته قوله: «فيقبل قياسًا على الزّيادة في السَّعة كقوله _عزّ وجلّ_:
__________
(1) - هو محمّد بن سالم بن نصر اللّه بن سالم ابن واصل، أبو عبد اللّه المازنيّ التّميميّ الحمويّ، جمال الدِّين: مؤرِّخ، عالم بالمنطق والهندسة والأصولين، من فقهاء الشّافعيّة. مولده في حماة (بسوريّة) سنة 604هـ/ 1208م، ووفاته بها سنة 697هـ/ 1298م. أقام مدّة طويلة في مصر، واتّصل بالملك "الظّاهر بيبرس"، فأرسله في سفارة عنه إلى ملك صقلّيّة "الانبور مانفيرد" " Manferd "، وهناك صنّف رسالته "الانبوريّة" في المنطق، وتسمّى "نخبة الفكر". ولمّا عاد خلع عليه بلقب قاضي القضاة وشيخ الشّيوخ بحماة. تنظر ترجمته في: الأعلام: 6/ 133.
(2) - ينظر: مقال لمحمّد عبد المجيد الطّويل: في عالم الكتب، مج 18، ع8، 14018هـ/ 1998م.
(3) - تنظر ترجمته وأخباره في الأعلام: 7/ 156. رحلة القطب: 22 - 61.
(4) - عنوان تفسيره للقرآن الكريم: "تيسير التّفسير"، وهو مطبوع، ينظر الأعلام: 7/ 157. رحلة القطب: 32. (1/417)
صفحة 6
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ (1)} بزيادة "ما" على أحد أوجه ... (2)». كما نجده يستشهد بالقراءات القرآنيّة، كما ورد في شرحه لفظ "قال" في قوله: «وقرئ {قَوْل الْحَقِّ الذِي فِيهِ تَمْتَرُونَ (3)} (4)».
- الحديث الشّريف:
لقد ندر الاستشهاد بالحديث النّبويّ لدى "الشّيخ أطفيّش" في كتابه، ولعلّه اتّبع في ذلك سلف النّحاة الذين قلّما يستشهدون بالأحاديث؛ متذرّعين بأنّ كثيرًا من الأحاديث رويت بالمعنى.
- الشّعر:
بخلاف الشّعر فلقد حفل "إيضاح الدّليل" بشواهد شعريّة كثيرة، و"الشّيخ أطفيّش" لا ينسب الأبيات إلى قائليها إلاّ نادرًا.
ج- التّعليل:
لقد اهتمّ "الشّيخ أطفيّش" بتعليل القواعد والآراء التي اعتمدها والمصطلحات التي وظّفها اهتمامًا بالغًا. والتّعليل عنده يعتمد على الواقع اللّغويّ، والأصول التي توصّل إليها عن طريق استقراء بعض العلل النّحويّة، كما في قوله: «امتنع حذف النّون لئلاّ يوقف على متحرّك، فكانت الياء محذوفة لثبات معاقبها، فلو حذفت لحذف المعاقبان؛ والعرب إذا حكمت بشيء لمعنى طردته، وإن عدم ذلك المعنى في بعض المواضع (5)».
وإنّ اعتماده على مثل هذه التّعليلات نابع _مثلما سبقت الإشارة إليه_ من تصوّره المنطقيّ وذهنيّته الرّياضيّة، ونزعته التّأصيليّة.
د- عرض الأقوال وشرحها:
لقد زخر كتاب "إيضاح الدّليل" بأقوال كثيرة، نسب "الشّيخ أطفيّش" قسمًا منها إلى أصحابها، مشيرًا في البداية كقوله: «وهو الذي ذكره "أبو سليمان داود" (6)».
وترك الباقي دون نسبة إيجازًا واختصارًا، أو اكتفاءً واستغناءً، من ذلك قوله: «قال "صاحب الكلّيّات العروضيّة" (7)»، و «قال "صاحب القاموس" (8)».
والجدير بالملاحظة أنّ أقوال "الخليل" و"سيبويه" و"الزّجّاج" و"الأخفش" قد أخذت الحظّ الأوفر من "إيضاح الدّليل"، وذلك اهتمام واضح يبيِّن منزلة هؤلاء عند "الشّيخ أطفيّش" ومعاصريه.
هذا، ولم يكن هدف "الشّيخ أطفيّش" على ما يبدو الإكثار من الاستشهاد بالأقوال والآراء، وإنّما انصبّ هدفه في التّعليق على شرح المنظومة على القدر الذي يتمّ به الكشف عن
__________
(1) - سورة آل عمران، من الآية: 159.
(2) - إيضاح الدّليل: 216.
(3) - سورة مريم، من الآية: 34.
(4) - إيضاح الدّليل: 364.
(5) - المصدر نفسه: 285.
(6) - المصدر نفسه: 443.
(7) - المصدر نفسه: 264.
(8) - المصدر نفسه: 233. (1/418)
صفحة 7
غامض المسائل، وينقل به أقصى فائدة إلى المتعلّمين بأسلوب علميّ، وَفق البرامج التّعليميّة المتّبعة آنذاك. ولا بدّ هنا من أن أشير في الأخير إلى بعض الجوانب من خصائص أسلوبه.
II- أسلوبه:
لا يمكننا إدراك أسلوب "الشّيخ أطفيّش" اللّغويّ في كتابه "إيضاح الدّليل" حتّى وإن انفلت من بين يدي ألفاظ الشّارح أو أبيات النّاظم، ليعلِّق ويدقِّق، مرسلاً العبارات تلو العبارات.
وليس لنا أن نعرف ذلك أيضًا من خلال خطبته المقتضبة جدًّا. وربّما كانت السّمة الغالبة على أسلوبه قصر العبارات، والدّقة في تخيّرها لتناسب المعنى، دون تطويل مملّ أو استطراد مخلّ، وهو ما يستسيغه الأسلوب العلميّ بل يتطلّبه.
كما يلاحظ عليه اعتماده أسلوب "المناظرة والجدل"، كقوله: «واعترض ذلك الجواب الذي من جانب الجمهور أيضًا بأنّه لو كان على ما قالوه لسمّي ذلك الضّرب حينئذ مقصورًا لا محذوفًا! وإجماعهم على خلاف ذلك، ويردّ عليه: "إنّه لمّا دخل القبض ثمّ القصر كانت صورته صورة المحذوف فسمّي محذوفًا مراعاة للصّورة ... " (1)».
هذا ما يمكن لي إيراده في هذا المقام، وإلاّ فالكتاب بشكل عامّ حسن الدّلالة، سهل المادّة، جيّد التّوضيح، لم يتكلّف فيه صاحبه، وإنّما ترك فيه العنان لزخمه المعرفيّ، فعلّق على الشّرح بعفويّة، فجاء شديد التّبسيط، بعيد الفائدة.
الهوامش:
__________
(1) - المصدر نفسه: 287. (1/419)