صفحة 1
الكتاب: الجامع لابن جعفر
المؤلف: أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي و الثقافة
الجامع لابن جعفر
العلامة الفقيه
أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
تحقيق:
عبد المنعم عامر
الجزء الأول (/)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين
(و هذه خطبة الكتاب)
الحمد لله الذي له الملك و الملكوت، و إله تفرد بالألهوت، و سبحان الله ذي العزة و الجبروت، و لا إلاه إلا هو الحي الذي لا يموت، أول آخر، ظاهر باطن، عالم جابر، قوي قادر، واحد أحد، فرد صمد، بريّ من الصاحبة و الولد، عظيم مقيت، جبار يحيي و يميت، و رب يرى و لا يرى، و مبتدع ما ذرا و برا، و لم يزل أول بلا تحديد، و آخرا لا يبيد، و كل من في السماوات و الأرض له عبيد، يبدئ فيه و يعيد، فقلوبهم له خائفة، و بربوبيته عارفة، عاجزة أن تجده بصفة، إلا ما أراهم من العظمة، و شهدت له الآيات المحكمة، و عرفوا كل مصنوع من صنعه، و كل محدث من بدعه، و من أرسل الرياح العاصفة، و ثقال السحاب المتوالفة، و البوارق الخاطفة، و الصواعق القاصفة، و من يتقلب بأمره الليل و النهار، و الشمس و القمر، و الظلمات و الأنوار، و من أمات أهل الحياة، و من أنشأ هذا الخلق و ابتداه، فعندها عقلت الحلوم، و أدركت الأبصار و الفهوم، و إن هذا مخلوق للذي خلقه، و أنه للذي جاء به-و في نسخة-ثم فرقه، و إن لم ينقلب هذا و لم يزل إلا الله الذي هو أقوى منه و أجل، فازداد بالله يقينا، و إيمانا بالله و دينا.
فلا إلاه إلا الله عالم الغيوب، و كل شيء فإلى الله يؤوب، لم يحدث بتحر خبرا، (1/1)
صفحة 3
و لا بتفكير بصرا، بل كان علمه سابقا من قبل أن ينشأ في السماوات و الأرض خلائق، فابتدع الله ما ذرا، و لم يزل قبل خلقهم بهم خابرا، و قد أحصى منهم الآثار و الأعمار، و لواحظ الأبصار، و ما يعملون في الليل و النهار، و أهل الجنة منهم و أهل النار، فكان الله بهم و أعمالهم عارفا.
قال أبو سعيد، محمد بن سعيد رحمه الله: لم نعلم أنه جاء في كتاب الله تبارك و تعالى، و لا فيما و طئنا من الآثار الصحيحة أن يوصف الله تبارك بـ: أنه عارف، و إنما صفته أنه عالم، تبارك و تعالى، و كذلك يحب أن يقال: لم يزل الله عالما، و لم يحب أن يقال: لم يزل الله عارفا.
-رجع إلى كتاب أبي جابر (1) -.
قبل أن يجعلهم في الأرض خلائق، و لم يكن أحد منهم ممن علم الله مخالفا.
و قيل عن ابن عباس (2)، الخلق لما علم الله منهم منقادون، و على ما سطر في الكتاب المكنون من كتابه ماضون، لا يعملون خلاف ما منهم علم، و لا غيره يريدون،
- و من غيره -.
قال أبو سعيد (3) -رحمه الله-: ما علم الله أنهم لا يريدون فهم لا يريدون غير ذلك.
__________
(1) -أبو جابر كنية العلامة الفقيه محمد بن جعفر الأزكوي صاحب الكتاب.
(2) -ابن عباس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، توفي بالطائف سنة 68ه، و عليه يدور علم أهل مكة في التفسير و الفقه.
(3) -أبو سعيد: هو محمد بن سعيد الكدمي إمام أهل الاستقامة و صاحب كتاب الاستقامة و المعتبر. (1/2)
صفحة 4
و كذلك ما علم الله أنهم لا يعملونه فهم لا يعملونه، و لو أرادوا أن يعملوه لما علم الله أنهم يريدونه و لا يعملونه. هكذا عندي.
- و من غيره -.
ليست الإرادة للعباد (1)، و ما كان من مشيئة و إرادة من العباد خالفت مشيئة الله و إرادته فهي ضائعة.
و قد ذكر الله تعالى إرادة من أراد ممن خالفه، فقال: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون) (2).
و نحو هذا يوجد عن أبي علي موسى بن علي (3) رحمه الله، فيما أحسب، و الله أعلم.
- رجع إلى كتاب أبي جابر –.
و ليس لأحد في حكم الله جدل، و ما قال الله فقد عدل، و على كل أن يقنع و يذل لأمر الله و يخضع، و كفى بالموت تذكرة، و بما رغب الله فيه و حذره، من جنة الله المخضرة، و نار الله المسعرة، و ما تدور عليه من الله الدائرة، فاكتفى بهذا أهل الحلوم (4)، ثم تبحروا في الآثار و العلوم، فاقتبسوا للناس أنوارا، و أبقوا لما بعدهم آثارا، قد شرعها الله و ارتضاها، و أسعد الله بها من نضاها (5).
__________
(1) - جمع عبد و المراد به المخلوق الذي يعبد الله.
(2) -الآية مكية رقم 32 من سورة التوبة، و الآية مكتوبة في الأصل بتحريف.
(3) - أحد العلماء العمانيين، عاش في القرن التاسع الهجري، زمان الإمام عبد الملك بن حميد.
(4) -الحلوم جمع حلم و هو العقل.
(5) -يقال: نضيت السيف نضوته، و الثوب أبليته. (1/3)
صفحة 5
و بعد، فهذا كتاب يضاف إلى أبي جابر، محمد بن جعفر الأزكوي، نسخة أبي علي الحسن علي بن عمر (1) رحمه الله، و فيه رد أبي المؤثر (2)، و أبي الحواري (3)، و أبي سعيد رحمهم الله.
و فيه شيء مضاف إليه من غيرهم، و أضفت أنا إليه أشياء غيره.
و فيه موضع مكتوب من غيره، بالحمرة (4)، و منتهاه، رجع إلى كتاب أبي جابر إذا طالت الإضافة، و إذا كان الرد قليلا كتبت في أوله: قال غيره بالحمرة، أو من غيره، و كتبت في منتهاه: رجع فقط.
و من ذلك شيء حفظته فأودعته فيه، و هو قليل.
و أكثره كتبت المسألة بكلتيها من الآثار، و منه ما كتبت معنى المسألة، و منه ما كتبت فيه بعض المسألة، و منه ما كتبت المسألة و تركت شرحها و الاحتجاج عليها، لأني قد كنت كتبته في نسخة غير هذه في الحواشي، فربما ضاقت الحاشية عن تمام المسألة و الشرح لها و الاحتجاج عليها، و كتبت بعضها أو معناها.
و أنا أستغفر الله من جميع الزيادة و النقصان، و الغلط و التصحيف (5)، و الخطأ و النسيان.
__________
(1) -كذا في الأصل، و لعله أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان من عقر نزوى، و أحد علماء عمان المشاهير.
(2) - هو الشيخ الجليل أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، و قد كان ضريرا و من أجل الفقهاء العمانيين.
(3) -من فقهاء عمان المستورين، و هو من أهل سمد الشأن.
(4) - أي المداد الأحمر.
(5) - هو الخطأ في الصحيفة، و يقال: قد تصحف عليه. (1/4)
صفحة 6
فمن قرأ كتابي هذا الذي أضفته، أو قرئ عليه فلا يأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب، إلا من أبصر عدله، و منه ما كتبت المسألة في غير موضعها من الباب.
و إذا لم يكن في الباب متسع كتبت فيها أشياء من غير النسخة التي نسخت منها، لأني عرضته على نسخ كثيرة، نحو خمس نسخ.
و أضفت في آخره تفاوت النسخ لئلا يشذ منه شيء.
و قد كررت فيه مسائل كثيرة، و كتبت فيه مسائل شاذة من الترخيص (1) و التشديد، رجاء من الله أن يكون لي في ذلك الثواب، لئلا يكون أحد من ضعفاء المسلمين، يخلق على أحد بالبراءة إذا جهل ذلك، أو يحكم بالتخطئة على متمسك بأصل حق ضعف هو عن تأويله و عن معرفته، لا على سبيل الإطلاق للعمل به- لعله– فيه بالرخص، فاعلم ذلك.
بل [إنه] من مذهبنا و قولنا، و الذي نأمر به من ناصحنا و استنصحنا أن يأخذ من جميع ما ذكرناه بالاحتياط، و أن يلزم نفسه في جميع ذلك بالاجتهاد، من غير أن يضيق على نفسه دينونة -لعله- بدينونة، لأنه لا يسعه ذلك، و لكنه يتقرب به إلى الله بالاجتهاد لنفسه، رجاء مرضاته، و كلما اجتهد في مرضاته رجاء ثوابه و حاذر من عقابه، و لو كان دون ذلك يسعه، كان معه أجل منزلة، وأرفع درجة، و أقرب من مرضاته ممن يصير دون جهده
__________
(1) -الترخيص: حق الإجازة والإباحة. (1/5)
صفحة 7
لأني وجدت الله تبارك و تعالى يذكر في كتابه المحكم، المنزل على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (و ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1). [و] عرفت أنه من خرج معناه من ضيق، و الله أعلم بتأويل كتابه.
و قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر (2) الآية، و في القرآن من هذا المعنى كثير.
و روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أرسلت بالحنيفية السهلة (3).
و سمعت من يروي: أن الله تبارك و تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه (4).
فالعالم كل العالم الذي لا يرخص للعباد في معصية الله، و لا يؤيسهم من رحمته.
و قد عرفت عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله (5)، أن الإجماع على بدل الصلاة من قول الفقهاء أكثر من الإجماع على الكفارة، و لم نعلم أن أحدا من المسلمين وسع في ترك بدل الصلاة إذا رجع إلى التوبة من تركها، إلا قولا شاذا، ثم لم ندرك أحدا من فقهاء المسلمين يقول به، و إن كنا لا نقول، إنه خطأ، و لا إنه ضعيف، و لكنا إنما أدركنا عليه الجماعة بما يشبه الكتاب و السنة.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 78 من سورة الحج.
(2) - الآية مدنية رقم 185 من سورة التوبة.
(3) - الحنيفية: المراد بها الإسلام، و الرجل الحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام.
(4) - عزائم الله: فرائضه التي أوجبها.
(5) - هو أبو سعيد عمر بن سعيد الكدمي أو الكدامي، من قرية ذات الحيل بين بلدتي الحمراء و بهلا، و فيها ضريحه، و كان أبو سعيد من أبرز رجال مدرسة نزوى السياسية، عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، و له مؤلفات عديدة من أهمها: كتاب المعتبر الذي حذا فيه حذو ابن جعفر، و قد ضاع هذا الكتاب ضمن الكتب التي تلفت في حريق الرستاق، و كتاب: زيادات الأشراف، و هو على غرار كتاب النيسابوري. (1/6)
صفحة 8
و قد يوجد في بعض القول، أنه لا بدل عليه في ذلك إذا تاب مما ضيع، و عليه أن يصلح ما يستقبل من أمره، و ليس عليه فيما مضى أكثر من التوبة.
و لعل من قوله في ذلك و حجته، أن الحق هاهنا لله تبارك و تعالى، و أنه يرجى له العفو عنه لما مضى.
قال: لأنه لم يثبت في البدل ثبوت كتاب و لا سنة بعينها، و لا إجماع من المسلمين، بل قد جاء في ذلك الاختلاف.
فقال من قال: إن ما ضيع العبد من حقوق الله تبارك و تعالى كلها، ثم تاب، فإنه إنما عليه أن يصلح ما يستأنف من أمر دينه، و ليس عليه فيما ضيع من حقوق الله تبارك و تعالى تبعة إذا رجع إليه بصدق النية في ذلك.
و يروى في ذلك عن النبيء صلى الله عليه وسلم: أنه أتاه آت- و أحسب أنه أعرابي – أنه وصف للنبيء عليه السلام ذنوبا له أو عليه، ثم قال: ما تقول يا رسول الله، لو أني أخذت سيفي هذا فضربت به في سبيل الله حتى أقتل.
فالمعنى في ذلك من مجاز قول النبيء صلى الله عليه وسلم الذي قال للقائل: إذن يغفر الله لك، فخرج القائل له بذلك، أو على ذلك، على مجاز الرواية، لا على حقيقة لفظها.
فلما خرج القائل له من عنده، نزل عليه جبريل عليه السلام فيما قيل، فقال: يا محمد صلى الله عليه وسلم إلا الدّين (1)،أو يا رسول الله إلا الدّين.
فثبت في تأويل الرواية، أن القتال كان كفارة الذنوب التي وصفها له السائل، إلا حقوق العباد.
__________
(1) -الدين: هو أن يتعلق بالإنسان حق للغير، و المراد هنا حقوق العباد. (1/7)
صفحة 9
و كانت الصلاة من حقوق الله تعالى، ليست من حقوق العباد، فالتوبة كفارة لها.
و قد وجدنا في بعض قولهم، إذا كان العبد مسرفا على نفسه، و يتلف زكاته، و يضيع حقوق الله، ثم تاب من ذلك، أنه لا يلزمه و لا يلحقه ضمان من حقوق الله، و يرجى أن يعفو الله عنه، و لو كان يقدر على ذلك بعد التوبة، إلا الحج، فإنه إذا كان يقدر على أدائه عند التوبة فعليه أداؤه.
قلت: فإن تلف ماله، و قد كان تعلق عليه الحج، ما يلزمه من دينونة، إلى الله تعالى؟
قال: معي، أنه لا يلزمه ذلك إذا عجز عنه، إلا أن يوصى به إذا كان قد ثبت عليه فيما معي أنه قيل، و ذلك بعد التوبة من ذنوبه إلى الله تبارك و تعالى، و إخلاص العمل له، و الندم على ما كان منه، و الإقلاع عن ذنوبه، و العزيمة على ألا يعود إلى شيء منها، و المحبة للطاعة، و البغض للمعصية، لأنه يوجد عن الله تبارك و تعالى أنه قال لنبيه موسى عليه السلام: يا موسى، ليس كل من قال إني تائب كان تائبا، التائب عندي المبغض للمعصية كما أحبها، في كلام طويل، كتبت هذا منه.
و إنما يرجى هذا بعد التوبة فيما أحسب، لأنه قيل: لا خير لمجاهد، و لا إحسان لعابد، و لا فضل لجاكم، و لا نفع لعالم إلا بعد العمل بما علموا، و الخروج مما العباد به ظلموا، و الرجوع عن جميع ما أسخطوا الله به، بالاستغفار و التوبة و التحول عن الإصرار و الحوبة. (1/9)
صفحة 10
و الذي أحبه لأهل العلم من زماننا أن يستروا الرخص (1) التي عن المسلمين عن الجهال، و خاصة أهل هذا الزمان الذين اتخذوا دينهم لهوا و لعبا، و إنما يبدونها لمن تاب و أصلح و أناب.
أرأيت لو أن رجلا عمر تسعين سنة أو أكثر، و كان لا يصلي و لا يصوم و لا يزكي ماله، و كان يحلف بالأيمان الغلاظ الكثيرة، ثم إنه تاب و أخلص، و قد ضعف جسمه عن بدل الصلاة و الصلوات و تكفير الكفارات، و عن الحج الذي يلزمه و الأيمان فيما جعل على نفسه و لزمته كفارتها، قل ماله عن أداء الزكوات، أليس كان في بذل الرخص له لثبوته على التوبة من التشديد عليه، و إلزامه بدل الصوم و الصلاة و أداء الزكوات و تكفير الكفارات من الحج و غيره، و تحمل المشقة في ذلك، و كذلك لو كان شابا فإنه يثقل عليه ذلك.
و يعجبني بذل الرخص للتائب، و تستر عن الجاهل، كان شيخا أو شابا، و الله أعلم.
فينظر فيما شرحته، و يتأمل ما ذكرته، و لا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب، و إنما نذكر هذا تأصيلا، و نأمر بالاحتياط و الاجتهاد، و التحري للمرء على نفسه.
__________
(1) - الرخص: جمع رخصة، و هي التسهيل في الأمر و التيسير، يقال: رخص لنا الشرع في كذا ترخيصا، و أرخص إرخاصا إذا يسره و سهله. (1/10)
صفحة 11
فما أولى بك – يا أخي – الحزم و الاجتهاد لله تعالى بما أنعم الله عليك هذه النعم، و بذل مهجتك فضلا عن مالك، و تعب بدنك، و التقصير فيما لا تدري على ما تهجم عليه من أمور الآخرة، فإنا لله و إنا إليه راجعون.
فعليك - يا أخي – بالحزم و التحري لموافقة مرضاة الله و بذل مجهودك في طاعة الله مع التوكل على الله، و الاستعانة به، فليس الأمر بهيّن، إن كنت صادقا فيما تقول، لأنك تطلب لنفسك الفكاك، و تخاف عليها الهلاك، و لن ترى الخائف كالآمن، و الله المستعان في جميع الأمور.
و مما يوجد عن عبد الله بن محمد بن بركة (1)، أنه قال: إنه يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: روح المؤمن معلقة بين السماء و الأرض إلى أن يقضي الله عنه دينه، أو قال: حتى يقضى عنه دينه.
فإن صحت الرواية فالمحنة بالدّين (2) عظيمة (3)
__________
(1) - هو أبو محمد عبد الله بن محمد بركة من بني سلمى، و كان يقيم في بهلا، و له مؤلفات أهمها: الجامع، و كتاب الشرح للجامع عن ابن جعفر، و مؤلفات أخرى لها اعتبارها من الوجهة السياسية، و هو من أصحاب مدرسة الرستاق، و قد تتلمذ على أبي مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني، و تتتلمذ عليه أبو الحسن علي بن محمد بن علي من قرية بيسة، و كان عصره بعد موت أبي جعفر (مؤلف الجامع)، الأمر الذي يقطع بأن هذه العبارة ليست من خطبة الكتاب المنسوبة لمؤلفه.
(2) - الدّين: هو الحق الذي عليه للعباد.
(3) - جاء في النسخة رقم 1237 - ب – فقه بعده، قوله: بسم الله الرحمن الرحيم – هذه مسائل مؤلفة من الآثار و الكتب في أمر الصلاة ... مما سيأتي ذكره في باب الصلاة، و يختلف و ضعه في هذا المكان عن ترتيب الأبواب على النحو المذكور في بداية هذه النسخة. الامر الذي أشار إليه السيد الشيخ مهنا بن خلفان البوسعيدي مصنف كتاب التهذيب في مقدمته من أنه عمد إلى وضع كل شيء في موضعه اللائق به بعد أن رأى في الأصل الذي هذبه، الأبواب موضوعة في غير موضعها. (1/11)
صفحة 12
الباب الأول
في طلب العلم و فضله، و فضل طالبه
و قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعلّموا (1) العلم فإن تعليمه لك خشية و طلبه عبادة، و مدارسته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و بذله لأهله قربة، و هو منار سبيل الجنة، و الأنيس في الوحدة، و الصاحب في الغربة، يرفع الله به أقواما، و يجعلهم في الخير قادة و أئمة هدى، تفيض آثارهم، و ترفع أعمالهم، و ترغب الملائكة في خلتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و كل رطب و يابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر و هوامه (2)، و سباع البر و أنعامه، و السماء و نجومها، و الأرض و تخومها (3)، النظر فيه يعدل الصيام، و مذاكرته تعدل القيام.
بالعلم يعرف الله و يوحد، و به يطاع و يعبد، و هو إمام و العقل تابعه، و العمل تابعه يصاحبه و يشائفه، يلهمه الله السعداء، و يحرمه الأشقياء.
و قيل: لا خير في عبادة من غير نفقة، و قليل النفقة خير من كثير العبادة.
__________
(1) - رواه الخطيب في المتفق و المفترق عن معاذ، و في مسند كنانة بن جبلة، و قال ابن معين عنه، إنه كذاب، و قال أبو حاتم: محله الصدق، و قال السعدي: ضعيف جدا، و رواه بطوله ابن بلال و أبو نعيم عن معاذ موقوفا.
(2) - المراد الأسماك على اختلاف أشكالها و أحجامها.
(3) - التخوم جمع تخم و هو حد الأرض، و قال ابن الأعرابي و ابن السكيت: الواحد تخوم و الجمع: تخم، مثل: رسول و رسل. (1/12)
صفحة 13
و قد بلغنا أن أعمال البر كلها عند الله كتفلة في بحر، و أعمال البر كلها، و الجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف
كتفلة في بحر، و كل ذلك عند طلب العلم كتفلة في بحر.
و العلماء ورثة الأنبياء، و ملح الأرض، و مصابيح الدنيا، و هم الأدلة عند العمى، و المشهورون في الأرض و السماء، لأنهم الأئمة، و ربّانيوا الأئمة، و العلماء بالله و السنة، و قواد الناس إلى الجنة.
و قيل: حفظ مسألة خير من عبادة ستين سنة.
و قيل: خطأ العالم الذي يجوز له أن يفتي بالرأي مرفوع عنه، و صوابه مأجور عليه، و لا يسع أحدا يفتي بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله، و سنة نبيه، و آثار أئمة العدل.
و قيل من أفتى برأيه فأخطأ و ليس هو ممن يجوز لهم الرأي ضمن إذا أخطأ.
و ليس للحاكم أن يتخير من الرأي إلا ما يرى أنه الصواب، و يرجو أنه أقرب إلى الحق، فأما ما لا يعلم فيسعه أن يأخذ بما أراد من رأي الفقهاء.
و أول العلم أن يعرف المخلوق خالقه، و أنه الله الذي أحياه و رزقه و أنه لا يعرفه قلب إلا خشع، و لا بدن إلا خضع، ثم شرح الله صدره، و رفع الله ذكره، و قدره حكيما، و جعله حليما عليما، و كرمه في الدنيا و الآخرة تكريما. (1/13)
صفحة 14
و منهم من يقول، آمنا بالله و باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين، و قد قامت عليهم الحجة بإيضاح المحجة، فزادهم الله مرضا، و كانت النار لهم حكما و قضاء.
فأغمضوا في العلم أبصارا، و ازدادوا فيه تخشعا و وقارا، و لا تذهبن بكم فتنة الجبابرة فتخسروا الدنيا و الآخرة، و تواضعوا لمن تعلمونه و لمن تتعلمون منه، و اتخذوا الإسلام منهاجا، و ادخلوا في دين الله أفواجا، بالإعظام لله و التنزيه، و الرد على أهل الضلال و التشبيه، من جميع الشكاك، و ملل أهل الكفر و الإشراك، و كل رأى يؤول إلى الهلاك، و من أثار في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفتن، و دعا إلى غير السنن، و في كل هذا تمييز و نظر.
و قيل: من عمل بما علم كان حقا على الله أن يعلمه ما جهل.
و قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: النفاق في أمتي أخفى من دبيب الذر على الصفا (1).
و قيل: المؤمن مثل الفضة الجيدة، كلما أحميت في النار ازدادت جودة، و قلبه مثل المرآة الجلية، لا يأتيه الشيطان من وجه إلا بصره.
و قلب المنافق مثل المرآة الصدية (2)، يأتيه الشيطان من كل وجه فلا يبصره.
__________
(1) - الذر: هو صغار النمل، و به كني أبو ذر الغفاري، و اسمه جندب بن جنادة، و الصفا: الحجارة الملساء، و منه اسم الصفا للموضع الذي بمكة.
(2) - أي: الصدئة. (1/14)
صفحة 15
و قال الله تعالى: (يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ... ) (1)، و الحكمة هاهنا القرآن.
و قد سئل النبيء صلى الله عليه وسلم عن العلم، فقال: العلم كله القرآن، و هو الأصل و التنزيل، و ما بعده من العلم تفسير له و تأويل (2).
و من الكتاب المنسوب إلى جابر بن زيد رحمه الله (3):
«فمن أدى إلى الله فرائضه و كف عن محارمه أبصر و انتفع بعلمه، فإنما يصاب العلم، و العمل اجمع بالقلوب من قبل العقل.
فمن أراد أن يكون عالما فليعمل بما سمع من العلم، فإن جابرا رحمه الله كان يحدث عن النبيء صلى الله عليه وسلم، أنه خرج على أناس من قومه و هم يتذاكرون العلم فيما بينهم، فقال: تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلم تكونوا بالعلم عالمين حتى حتى تعملوا به.
و ذكر جابر أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: ويل لمن لم يعلم مرة، و ويل لمن لم يعلم ثم لا يعمل سبع مرات (4)، و بلغنا عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تعلم ليباهي به العلماء و يماري به السفهاء، و ليصرف به وجوه الناس إليه [أدخله الله جهنم] (5).
__________
(1) - الآية مدنية رقم 269 من سورة البقرة.
(2) - و روي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: إن هذا القرآن فيه علم الأولين و الآخرين، و فيه علم من كان قبلكم و من يكون بعدكم، فمن غرب عنه شيء، فليتنور القرآن من أوله إلى آخره فإنه يجد فيه ما يشفيه.
(3) - هو الإمام جابر بن زيد اليحمدي الأزدي أحد أئمة السنة من أصحاب ابن عباس، و هو من أهل فرق من أعمال نزوى، أخذ العلم و بلغ فيه غايته، و ألف و دوّن و حقق و دقّق، و مهد الأصول و قيد الفصول و ضبط الفقه، و له سيرة كبيرة عطرة، و يكنى أو الشعثاء، و الشعثاء ابنته، و كان مولده بين عامي 18 و 22هـ على اختلاف المؤرخين، و اسم الكتاب المنسوب إليه هو: ديوان جابر.
(4) - يروى الحديث بلفظ: ويل لمن لا يعلم و ويل لمن علم ثم لم يعمل، رواه أبو نعيم في الحلية عن حذيفة.
(5) - رواه ابن ماجة عن أبي هريرة. (1/15)
صفحة 16
و روى عن النبيء صلى الله عليه وسلم هذا و زيادة: أو ليتأكل به الأغنياء، و ليستخدم به الفقراء، فليتبوأ مقعده من النار.
و من مواعظ عيسى عليه السلام: بحق أقول لكم، إن شر الناس العالم الذي يطلب الدنيا بعلمه، بحق أقول لكم-يا معاشر العلماء- لا تأخذوا للعلم ثمنا، فإنكم إن فعلتم ذلك سبقتم الزناة إلى النار.
و من غيره-
و قال: ليس بين العبد و بين العلم إلا أن تسكن التقوى قلبه، فإذا سكنت التقوى قلبه نزل العلم إلى وعائه، ألا و إن لكل شيء وعاء، و وعاء العلم التقوى، و تفسير التقوى: القيام بأمر الله، و الانتهاء عما يكره الله.
و يروى عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: ويل لطالب الدنيا بالدين، و مستحل الشبهة بالشهوة، و المفرق بين الناس بالنميمة (1).
و من غيره
و أولى الناس بالقرآن و العلم من عمل به لا من قرأه و علمه و لم يعمل به.
الفضيل عن الثوري (2):أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حملة العلم هم ورثة الأنبياء و مصابيح الهدى، و أمناء الله على وحيه، ما لم يركنوا إلى الدنيا، فإذا فعلوا ذلك فاتّهموهم في دينهم.
__________
(1) - نمّ الرجل، الحديث نما من باب: قتل و ضرب، أي سعى به ليوقع فتنة أو وحشة، و الرجل نمام مبالغة، و الاسم: النميمة، و النميم أيضا.
(2) - هو سفيان بن سعيد الثوري من أئمة أهل الحديث، و قد أجمع الناس على دينه و ورعه و زهده و ثقته، و هو أحد الأئمة المجتهدين الذين كانت لهم أتباع، ولد سنة 97 و توفي سنة161هـ. (1/16)
صفحة 17
و من سيرة أبي معاوية رحمه الله، قال فيها بعد نسبة أئمة المسلمين، فقال: نسأل الله اللّحاق بهم و الاتّباع لهم، و الأخذ لسنتهم، و أن يجعلنا ممن طلب العلم للعمل و لم يطلبه للجدل، فإنه أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض لمن أراد الله هدايته، و هو زين لمن فعله يريد به رضاء الله فعلمه، و عمل به فهو زين له في دنياه، و نجاة له في عقباه، و ذلك للعاملين بما علمهم الله، لم يتعلموا العلم لطلب الرئاسة و لا للسياسة، و لا يطلبون به شرف المنازل، و لا للمطامع، و لا للمأكل، و لا يطلبون أن يكونوا به يكرمون، و لا به إلى السلطان يتقربون، قد أكرموه عن الأدناس (1)
و لم يتقربوا به إلى الناس، فأولئك زادهم الله علما و حلما و فهما، فهم أولى بالعلم ممن أراد به تقربا إلى السلطان، و أمكن من نفسه كيد الشيطان، فسعى به إليهم، و توسل به عندهم، و كان جمعه للعلم لهم، فأولئك قد جعل الله لهم في القلوب البغضة، و قد استحقوا من الله سخطه، فلا جعلنا الله كذلك، و لا على سبيل أولئك.
و بلغنا عن معاذ (2) رحمه الله أنه قال: سبعة من العلماء يصلون بأعمالهم إلى النار، عالم يخزن علمه و يرى إن حدث به فقد ضيعه، فهو في الدركة الأولى من النار،
__________
(1) - جمع دنس: و هو الخبث و القذر.
(2) - معاذ بن جبل أنصاري من الخزرج، و يكنى أبا عبد الرحمن، و هو أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة من الأنصار، و قد آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه و بين جعفر بن أبي طالب، و قد أرسله الرسول إلى اليمن ليعلم الناس هناك القرآن و شرائع الإسلام و يقضي بينهم، و جعل إليه قبض الصدقات من عمال اليمن، و قد توفي معاذ في طاعون عمواس سنة 18هـ. (1/17)
صفحة 18
و عالم يتخير لعلمه وجوه الناس و أشرافهم و لا يرى المساكين لعلمه أهلا فهو في الدركة الثانية من النار، و عالم يأخذ في علمه كأخذ السلطان و يغضب إن قصر في شيء من حقه أو يرد إليه شيء من قوله، فهو في الدركة الثالثة من النار، و عالم يتخذ علمه مروءة و عقلا (1)، و عالم إن وعظ عنّف، و إن وعظ أنف (2)، و عالم ينصب نفسه للناس، يقول: استفتوني فيفتى، بما لا يعلم، و عالم لا يعلم- لعله أراد- لا يعمل فيكتب عند الله من المتكلفين فهو في الدركة السادسة من النار، و عالم يتعلم كلام اليهود و النصارى، و يغزر به علمه و يكثر به حديثه فهو في الدركة السابعة من النار، فنعوذ بالله من النار.
و جاء الحديث عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله و عالم بأمر الله، و عالم بالله ليس عالما بأمر الله، و عالم بأمر الله ليس عالما بالله، فالعالم بالله و بأمر الله الذي يخشى الله و يعلم الحدود، و العالم بأمر الله ليس عالما بالله الذي يعلم الحدود و لا يخشى الله، و العالم بالله ليس عالما بأمر الله الذي يخشى الله و لا يعلم الحدود.
و الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة و خير دينكم الورع (3).
و الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو أن أهل العلم أخذوا بحقه لأحبهم الله و ملائكته و الصالحون من عباده، و لهابهم الناس، و لكن طلبوا الدنيا فمقتهم الله و هانوا على الناس.
__________
(1) - كذ في الأصل، و في رواية أخرى: و عفة.
(2) - أنف من باب تعب، أي استنكف و هو الاستكبار.
(3) - رواه الطبراني في الأوسط و الحاكم في المستدرك عن حذيفة. (1/18)
صفحة 19
و قد قال القائل في معنى ذلك شعرا:
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم ... و لو عظموه في النفوس لعظما
و لكن أهانوه فهان و دنّسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما (1)
رجع
و عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لن تزالوا بخير ما دام العلم في كبرائكم، فإذا كان العلم في صغرائكم سفه الصغير الكبير (2).
و جاء عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: العلماء ثلاثة: فنمهم عالم لنفسه و لغيره فهو أفضلهم، و منهم عالم لنفسه فحسن، و منهم عالم لا لنفسه و لا لغيره، فذلك أشر القوم (3).
و جاء عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: العلم علمان، فعلم في القلب فذلك العلم النافع، و علم باللسان فذلك حجة الله على عباده (4).
و الناس ثلاثة: فعالم دريان،، و متعلم على سبيل النجاة، و همج رعاع أتباع لكل ناعق، يميلون مع كل ريح، لن يستضيئوا بنور العلم، و لم يأووا إلى ركن وثيق.
__________
(1) - جهم على وزن كرم جهامة أي استقبله بوجه كريه سمج كتهجمه، و الجهمة أول مآخير الليل، أو بقية سواد من آخره.
(2) - لم أعثر لهذا القول على رواية في كتب الأحاديث.
(3) - روى الديلمي عن أنس قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:العلماء ثلاثة: رجل عاش به الناس و عاش بعلمه، و رجل عاش به الناس و أهلك نفسه، و رجل عاش بعلمه و لم يعش به أحد غيره.
(4) - في الأصل، و علم باللسان فذلك حجة الله عن ابن آدم، و الرواية المذكورة رواها أبو نعيم عن يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس. (1/19)
صفحة 20
و أما القائل في ذلك:
أرى الجهّال قد ضلّوا و مالوا ... إلى العمياء عن سنن الطريق
و لا يستصحبوا بمنار علم ... و لم يأووا إلى ركن وثيق
أمثلهم يسوم الجهل فيهم ... كهاويت هوت من رأس نيق (1)
و جاء من النبيء صلى الله عليه وسلم: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (2).
و جاء عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال (3):من أكل بعلمه جاء يوم القيامة و ليس في وجهه مغرة لحم، و لكن تعلموا العلم لوجه
الله، و للدار الآخرة، و تكلموا في الفقه ما لم ينزل الفخر و المراء، فإذا نزل الفخر و المراء فكفوا عن الكلام.
و مثل العالم الذي يعلم الناس يريد به وجه الله، كمثل الشمس تضيء للناس، و لا ينقص من ضوئها شيء.
و جاء عن كعب أنه قال: إنما العلم و التقوى في القلب، و إنما مثل الذي يتكلم به و لا يعمل به كمثل الفتيلة تحرق نفسها و تضيء لغيرها.
ثم ما نسخته من السيرة المنسوبة إلى أبي معاوية.
و روى لنا أبو سعيد رحمه الله، أنه وجد في الرواية عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال:
__________
(1) - نيق: جمع ناقة.
(2) - رواه أبو داود الطياليسي و سعيد بن منصور و ابن عدي في الكامل و البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة.
(3) - رواية الحديث للشيرازي في الألقاب عن أبي هريرة: من أكل بالعلم طمس الله عز وجل وجهه و رده على عقبه، و كانت النار أولى به. (1/20)
صفحة 21
من مشى في تعليم العلم كتب الله له بكل خطوة من خطاه على ذلك عبادة ألف سنة، قائما ليلها، صائما نهارها.
و من غيره بإسناد طويل يرفعه الحسن، قال: إن الملأ ليكونون يخوضون في الخير، فيأتيهم الرجل فيصرفهم عنه، فيكتب عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من دينهم شيء، و إن القوم ليكونون يخوضون في الشر فيأتيهم الرجل فيخوض بهم في الخير فيكون له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
حدثنا الحسن بإسناد طويل، قال: قال عبد الله بن مسعود رحمه الله، إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا فيها، لا أقول حلق القصاص و لكن مجالس الذكر.
الحسن بإسناد طويل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم السفهاء الرواية، و همة العلماء الرعاية.
و روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: يغفر لجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد.
و عن ابن مسعود رحمه الله قال: لو أن أهل العلم و ضعوا العلم عند أهله لساد أهل زمانهم، و لكن وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا منهم فزهدوا فيهم.
يا داود (1)، الويل كل الويل لعالم أسكره حب الدنيا، عن سلوك طرق محبتي، أولئك قطاع طريق عبادي، المريدين لي، إن أدنى ما أصنع بهم، أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم.
__________
(1) - لعل هذا القول من كلام آخر، فالخطاب لداود النبيء عليه السلام، و ما قبله رواية لابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال. (1/21)
صفحة 22
و قال: خطب الحجاج بن يوسف الثقفي (1) فقال: يأيها الناس، بلغنا و الله أعلم بذلك، و لا أرى ذلك إلا كذلك، غير أنه يشبه بذلك، أن القوم يكونون مجتمعين فيذكرهم أحدهم بالله، فيكتبون (2) بعدهم، فلان ذكرهم بالله فذكروا، فيجيء غاو من الغواة، شقي من الأشقياء فيعرض بحديث فيكتب فلا ن أنساهم.
و قال حذيفة بن اليمان: مرحبا بالموت مرحبا، زائر مغيب، و حبيب جاء على فاقة (3)، لا أفلح من ندم، كنت أخاف فأنا اليوم أرجو، أما والله ما أحب البقاء لأفجر أنهارها، و لا لأغرس أشجارها، و لكن لظمأ الهواجر، و السهر في ساعات الليل، و مزاحمة العلماء في حلق الذكر، و لو كنتم تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، و لبكيتم كثيرا و لامتنعت منكم أزواجكم.
و عن عبد العزيز بن ظبيان قال: قال عيسى بن مريم، من علم و عمل فذلك يدعى في ملكوت السموات عظيما.
و عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: سأل موسى ربه تبارك و تعالى: أي عبادك أعلم؟ قال: عالم لا يشبع من العلم، يجمع علم الناس إلى علمه.
و خمس (4) من طبائع العلماء لا يأسون على ما فاتهم، و لا يحزنون على ما أصابهم و لا يرجون ما لا يجوز لهم فيه الرجاء، و لا يفشلون عند الشدة، و لا يبطرون عند الرخاء.
__________
(1) - كان واليا على على العراق أيام عبد الملك بن مروان في عهد الدولة الأموية.
(2) - لعل في الكلام حذفا، فالمراد بالذين يكتبون هم الملائكة الموكلون.
(3) - أي حاجة.
(4) - هذا الكلام خارج عن حديث عيسى، ما قبله و ما بعده، رواية متصلة، و لعل هذا الاعتراض بين جزأي الرواية خطأ من الناسخ، أو سهو من المؤلف. (1/22)
صفحة 23
و قال موسى: أي ربي، أيّ عبادك أتقى؟ قال: الذي يبتغي علم الناس مع علمه، عسى أن يجد كلمة تهديه إلى الهدى، أو تردّه عن الردى.
و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سئل عن علم يعلمه فكتمه جيء به يوم القيامة ملجما بلجام من نار (1).
و عن علي بن أبي طالب قال: الفقيه حق الفقيه الذي لا يقنط (2) الناس من رحمة الله و لا يؤمنهم من عذاب الله، و لا يرخص لهم في معاصي الله، و لا يدع القرآن رغبة منه إلى غيره، فإنه لا خير في عبادة لا علم فيها، و لا خير في علم لا تفهم فيه، و لا قراءة لا نذير فيها.
و قال النبيء عليه السلام: يعذب اللسان بعذاب لا يعذب به شيء من الجوارح (3)، فيقول: يا رب عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا من الجوارح، فيقول: خرجت منك كلمة نقلت بها مشارق الأرض و مغاربها (4)، فيسفك بها الدم الحرام، و تهتك بها الفروج الحرام، و المال الحرام، فلذلك عذبتك بما لم تعذب الجوارح.
و قد جاء في الآثار (5) أنه قيل: الدنيا كلها جهل إلا العلم، و العلم كله حجة إلا العمل، و العمل كله هباء إلا الإخلاص، و الإخلاص على خطر عظيم.
__________
(1) -رواه أبو داود و الترمذي عن أبي هريرة، كما روي بأسانيد أخرى عن أنس و عن ابن مسعود و عن ابن عمر.
(2) - القنوط بالضم: الإياس من رحمة الله.
(3) - المراد بها أعضاء الجسم.
(4) - المراد: أحدثت فتنة و كانت سببا فيما ذكر بعده.
(5) -أي المأثور عن السلف الصالح من أقوال حكيمة. (1/23)
صفحة 24
قال غيره:
أرجو أني سمعت، و يروى، و المخلصون على وجل (1).
و من غيره:
السفلة من يأكل بدينه.
و من بعض السير:
و لم نهلك أحدا من الأمة من أهل القبلة إلا بتأويل الضلال، ليس يرد به التنزيل، و لا بمحكمات السنن و الآثار المجتمع عليها، و إنما تأولوا القرآن و السنة و الآثار على خلاف تأويل الهدى، فتأوّل المتأوّل بهوى، و اتبع العامي بعمى، و هما أهل الضلال، الهوى و العمى.
فأعيذك الله يا أخي و نفسي و جميع المسلمين من العمى و الهوى، لأن العلماء هلكوا بالهوى و الميل إلى محبة الدنيا، و طلبوا الأتباع، و أن يسمع لهم و يطاع، و الرتب في دار الدنيا، و إن لم يطلبوا في ذلك دينارا و لا درهما، و لا جزى و لا قرى (2)، و لا مأكلة و لا لبسا.
و هذا الموصوف قيل: من أقل الناس و أحسنهم حالا عند أهل الحكمة، و إن كان غير حسن الحال فإنه قد قيل: زهد في الدنيا و قد سلم عندهم من أدناسها، و هو عندهم في عزلة من أناسها، لا ينازعهم فيها، فهو عند أهل الدنيا نظيف، عظيم المنزلة شريف، و هو عند العلماء بالله خسيس المنزلة، نعوذ بالله من ذلك، و من جميع المهالك.
__________
(1) - الوجل هو الخوف و المراد: الخوف و الخشية من عذاب الآخرة.
(2) - الجزاء واحد، أي الأجر، و القرى: هو الطعام. (1/24)
صفحة 25
و منهم من طلب بذلك المال و استمالة الرجال، و الرفعة و العلو على الناس، و منهم من يطلب بذلك الرياء، و يتأكل بذلك الأغنياء، و كل ذلك من طلب أسباب الدنيا و الركون إليها، و الشفقة عليها.
فهذه صفة من ضل من العلماء، و أمثال هذا من صفاتهم القبيحة، برأنا الله و جميع المسلمينمن الصفة القبيحة بمنه و فضله، إنه أرحم الراحمين.
ثم اتبع كل صنف من العلماء أتباع و اشياع، يزيّنون مقالهم، و يفعلون فعالهم، اتباعا و تقليدا، على سبيل الحيرة بلا علم و لا بصيرة، فيتعبدون بذلك، و يتهجدون آناء (1) الليل، و يقطعون بذلك صوم الهواجر (2)، و أن يقصدوا إلى ما قصد إليه العلماء، و ما لهم بالاقتداء بهم، و الدينونة (3) بدينهم، اتّبعوهم على العمى فسلكوا سبيلهم، و دلّوا على أدلتهم، و لم يروا إلا ذلك، فصاروا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، فهلك العلماء بالهوى و الأتباع بالعمى، و العلماء دانوا بالهوى و الأتباع دانوا اتباعا للعلماء، فهلكوا بذلك جميعا من أسباب حبّ الدنيا، نعوذ بالله من الهلاك.
و قال وهب بن منبه: من طلب الدنيا بعمل الآخرة نكس (4) الله قلبه، و جعل اسمه في النار.
__________
(1) - على وزن أفعال: هي الأوقات، و في واحدها لغتان: إنى بكسر الهمز و القصر، و أنى وزان حمل، تأنى في الأمر: تمكث و لم يعجل، و الاسم منه أناة على وزن حصاة.
(2) - الهواجر جمع الهاجرة، و هي نصف النهار في الحر الشديد خاصة.
(3) - التعبد.
(4) - نكست الشيء نكسا، من باب قتل: قلبته، و المراد: طمس الله على قلبه.
و وهب بن منبه الصنعاني عالم أهل اليمن، روى عن ابن عمر و ابن عباس و جابر بن زيد و غيرهم، و كان عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير لأنه صرف عنايته إلى ذلك و بالغ، كان ثقة تابعيا على قضاء، و توفي عام 114هـ، و يروي الحديث: من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه و محق ذكره، و أثبت اسمه في أهل النار، رواه الطبراني الكبير، و أبو نعيم. (1/25)
صفحة 26
و قال أبو سعيد: روى لنا أبو الحسن رحمه الله قال: نظر المؤمن في الكتاب و لو قبل موته بساعة زيادة في دينه.
قال أبو سعيد: و عندي: أنه أراد كتاب العلم.
قال سفيان: سمعت المعتمر بن عمارة، و كان من خيار من أدركته، يقول: ما لقي الله أحد ممن أقر بالإسلام بذنب أعظم من ترك صلاة متعمدا.
و الرواية عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا ظهرت البدع (1) فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله و لعنة اللّاعنين، إلا أن يكون عدوا يتقيه، و لا يقبل صرف و لا عدل، و الصرف الفريضة، و العدل النافلة، و يوجد الصرف النوافل، و العدل الفرائض.
و قد قطع الله عذر الجاهل و العالم.
و قيل: قال رجل من قومنا لرجل من أصحابنا بمكة، و الله أعلم، ما أصحابك إلا ضحكة، فقال: نعم، كذلك وصفهم الله فقال: (إنّ الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون)، قال: فانقطع الرجل عنه، و لم يعد يعارضه بشيء.
__________
(1) - جمع بدعة: و هي الحالة المخالفة المستحدثة، و قد غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، و قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى بدعة مباحة، و هو ما شهد لجنسه أصل في الشرع و اقتضته مصلحة يندفع بها مفسدة، و يقال: فلان بدع من هذا الأمر أي هو أول من فعله. (1/26)
صفحة 27
وروى محمد بن محبوب رحمهما الله، أنه قال: كنت بالبصرة (1) فإذا قوم يتناظرون في القدر (2)، فقال الرجل القدري: بل فعل الله أفضل من فعل العباد، فقال الرجل للقدري: الصلاة من فعل الله أم من فعل العباد؟ فقال القدري: من فعل العباد، فقال له: فالنون من فعل الله أم من فعل العباد؟ فقال القدري: من فعل الله، فقال الرجل للقدري، فإذن النوم عندك خير من الصلاة على قولك هذا، و أن بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى للصلاة، فقيل له: إنه نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم، قال: فانقطع القدري، فلم يكن معه جواب.
تم ما وجدته.
و وجدت في كتاب (3) آخر- أحسب أنه بخط أبي الحسن رحمه الله – قال حذيفة بن اليمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتي عليكم زمان خيركم فيه الذي لا يأمر فيه بمعروف و لا ينهى عن منكر، قال: قلت: يارسول الله، و ذلك كائن؟ قال: نعم، إذا لم يستغن الغنى بغناه، و العلم بعلمه، و العابد بعبادته، و ليأتين عليكم زمان يكون التاجر كالعالم الزاهد فيكم اليوم، قال: قلت: و كيف يكون ذلك يا رسول الله؟ قال: يسمعون من قولهم و يطمعون فيما عندهم، فعند ذلك مقتهم الله فلا ينظر إليهم، و يرفع عنهم الرحمة، كما رفعت عن بني إسرائيل إذ عصوا الله، و يستعمل عليهم شرارهم، ثم يعطون الحق فلا يقبل منهم.
__________
(1) - البصرة: ميناء العراق الرئيسي، و قد بناها عقبة بن غزوان، زمن الخليفة عمر بن الخطاب، عام632م، و قد كانت تسمى الأبلة.
(2) - القدرية مذهب الجبر، و رئيسهم جهم بن صفوان، كان يقول بالجبر، أي أن الإنسان مجبور في أفعاله و أنه لا قدرة له بل هو كالريشة في الهواء، و أن الله سبحانه و تعالى قدر عليه أعمالا لابد أن تصدر منه، و قد أخذ جهم آراءه من الجعد بن درهم، و قد نشأ مذهب الاختيار، و هو المذهب المقابل للقدرية، و صاحبه غيلان الدمشقي الذي قتله هشام بن عبد الملك بن مروان.
(3) - أي في رسالة، و كان الناس يكتبون لفقهاء عمان يستفتونهم في مسائل الدين. (1/27)
صفحة 28
و عن رجل له معرفة، و قد لقى من يلقى-لعله أراد- ثم يلقى ضعفاء المسلمين أو القراء و الأعفاء (1) فيلقي عليهم المسألة في التوحيد، أو في أصول الدين فيغلطون في جوابهم له، أو يتحيرون فلا يجيبونه بشيء، و يسألونه عن الجواب في ذلك فلا يجيبهم، هل يسعه هذا؟
فعلى صفتك في هذه المسألة في الذي يلقى ضعفاء المسلمين بما ذكرت فهذا لا يسعه أن يكون عونا للشيطان على المسلمين فيفتنهم في دينهم، و ليس هذا من أخلاق أهل النصائح، و ضاق عنا الوقت عن الشرح، و السلام عليك و رحمة الله.
و عن (2) من يحب أن يرابط أو يخرج في الشذى (3)، فإذا ركب البحر شغله عن التعليم، و لم ينشط للتعليم، و إذا رابط كان أوسع له يتعلم من المسائل.
و قلت، و قد قيل إن ركوب الشذى أفضل من الرباط بدما، فنرى أن التعليم و الرباط يعد أفضل أو الشذى (4).
فالذي نقول- و الله أعلم – و قد سمعنا من المسلمين في ذلك، ما قد سمعنا، فلم نسمع بشيء من الأعمال له فضل يعدل فضل طلب العلم.
و الذي يقول: إن الحجاج و العمار (5) و المجاهدين و المرابطين و المجتهدين و جميع أعمال البر حسنة من حسنات العلماء، لأنه لا يقوم حج الحاجين و لا عمرة المعتمرينو لا غزو الغازين و لا رباط الرابطين، و لا تؤدى الفرائض على جهتها، و لا يترك الحرام و لا يعمل بالحلال، و لا تنفذ أحكام العدل إلا بالعلم، ففضل العلم لا شك فيه، إن شاء الله.
__________
(1) - المراد بهم عامة الناس، مأخوذ من العامة و الكثرة.
(2) - أي و أما الجواب عن من تسأل عنهم: ممن هذا حالهم.
(3) - الرباط اسم من رابط مرابطة إذ لازم ثغر العدو.
- الشذى: مقصور و جمعه شذوات و هي السفن الصغار.
(4) - المراد به السفر في البحر.
(5) - أي المعتمرين الذين يؤدون العمرة، كما هو مذكور بعده. (1/28)
صفحة 29
قال غيره: و يوجد أن أداء فرضه أوجب الفرائض، و القيام بنقله أفضل الفضائل، هكذا أرجو أني عرفت معنى هذا.
و عن من سألك عن مسألة و لم يكن عندك خبر ما يسألك عنه، فقلت له: إذهب إلى فلان غيري، فاسأله و فلان عندك ثقة أو غير ثقة، هل يجوز ذلك؟
إذا كان ثقة مأمونا على ذلك في علمه و ورعه جاز ذلك، فقد قيل: لا يجوز أن يأمر بالسؤال له الضعفاء الذين يقبلون هذا الأمر في ذلك.، و ترون في ذلك بمنزلة الدلالة في الفتيا.
و سمعت أبا سعيد رحمه الله يقول: ما من أمة تركت العمل و أخذت في الجدل إلا حجبت نفسها.
قلت: و ما أحب إليك، أن يكون اعتقاد المتعلم للعلم بعد عقد النية لله و لوجه الله؟
قال: أحب إليّ أن يكون اعتقاده في ذلك تعبدا لله و استعدادا لما يعنيه (1) من ذلك قبل أن يعنيه (2)،
__________
(1) - أي: لما يلزمه و يقصده، و منه العناية.
(2) - أي من قبل أن يشق عليه، و هو من العناء، و يقال هذا الشيء في معناه أي في مما ثلته و مشابهته. (1/29)
صفحة 30
أو لما يلزمه قبل أن يلزمه، أو لما لزمه قبل أن يعلمه، لئلا يترك طاعته بجهل، و لا يدخل في محجور بعلم، و لإرشاد من قدر على إرشاده من أهله، أو ممن قدر عليه في بيته أن يرشده إلى هدى، و يستنقذه من رديء على حسب هذا و معناه- و أحسب أنه قيل –يكون تعليم العلم من المتعلم اللازم بقصد النية بعينه. (1/30)
صفحة 31
الباب الثاني
في جملة الإسلام، و ذكر ما يسع جهله و ما لا يسع جهله، و ما يجوز من الدعاء و ما لا يجوز، و ذكر الجملة، و في السلام و رده و ستر العورة، و ما شاء الله من النيات، و في صلة الأرحام و غير ذلك من أبواب الخير، و في شيء من صفات الله و ما يجوز من ذلك و ما لا يجوز، و في تفسير بعض آيات كتاب الله و بعض الروايات النبوية، و غير ذلك من المعاني اللائق و ضعها بهذا الباب.
و ليس في دين الله خفاء، و لا في الإسلام جفاء.
و الإسلام: شهادة أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و الإيمان بالله و ملائكته، و كتبه و رسله و اليوم الآخر، و البعث و الحساب و الجنة و النار، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أنّ الله يبعث من في القبور، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و التعاون على البر و التقوى، و إقام الصلاة لوقتها بحسن ركوعها و سجودها، و التحيات التي لا تجوز الصلاة إلا بها، و إيتاء الزكاة بحقها و صدقها و قسمها على أهلها، و صيام شهر رمضان بالحلم و العفاف، و حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، و بالوالدين إحسانا، و بذي القربى و اليتامى و المساكين، و الجار ذي القربى، و الجار الجنب (1)، و الصاحب بالجنب، وابن السبيل، و ما ملكت ايمانكم، إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين،
__________
(1) - رجل جنب أي بعيد، و الجار الجنب قيل: إنه الرفيق في السفر، و قيل هو الجار من غير ذوي القربى. (1/31)
صفحة 32
و غض البصر عن المحارم، و حفظ الفروج عن المحارم، و ستر الزينة التي أمر الله بسترها إلا ما ظهر منها، و الاستئذان في البيوت، و التسليم على أهلها، و الاغتسال من الجنابة، و النكاح بالفريضة، و البينة العادلة، و رضاء المرأة، و إذن الولي، و الطلاق بالشهود، و العدة، و المواريث بفرائض القرآن، و اجتناب الكذب، و التوبة إلى الله من جميع الذنوب و الخطايا، و الشهادة على أهل الضلال بضلالهم، و البغض لهم، و البراءة منهم، و الولاية لأهل طاعة الله على طاعته، و الحب لهم، و القيام بالشهادة على القريب و البعيد من جميع الناس، البار منهم و الفاجر، و العدل في الوزن، و الوفاء بالعهد، و الوفاء في الكيل، و تحليل البيع و تحريم الربا، و تحريم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، و أن الله أوجب الحدود لتؤخذ من أهلها، و أثبت الحقوق لتؤدى إلى أهلها.
و إنما أكمل الله دينه و أضاء نوره للذين يهدون بالحق و به يعدلون، و هو للذين آمنوا هدى و شفاء.
فمن أقر للمسلمين بهذه الأعمال و الحقوق تثبت و لايته، و وجب حقه، و كان له ما للمسلمين، و عليه ما عليهم إلا أن يحدث حدثا، فإن أحدث حدثا كان حدثه على نفسه، و لن يضر الله، و كان الله غنيا حميدا.
و قال الله تعالى: (اِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنَ اَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (1).
__________
(1) - الآية مدنية رقم 10 من سورة الفتح، و المبايعة هي الطاعة و الإيمان، و نكث العهد نقضه و لم يعرف به، و المراد بيد الله: قدرته و إرادته و مشيئته عزوجل. (1/32)
صفحة 33
و من الدعوة أيضا في أهل القبلة التي لا يسلمون إلا بها، شهادة أن لا إلاه إلا الله و أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، و الإقرار بما جاء به عن الله عزوجل، و البراءة من أهل الحدث الناقضين لما جاء عن الله عزوجل، فهذا لا يسع جهله، لأن أهل القبلة قد ظهر منهم بعد الإقرار بالجملة أحداث نقضوا بها ما جاء من الله بالادعاء عليه، و منهم من تجبر، و حكم بغير ما أنزل الله، و أفسد في الأرض، و قتل المسلمين، و أخذ أموالهم بغير حق، و قالوا لنا هذا، و من غيّر ذلك فقد حل دمه، و هو عدو الله، و هم الجبابرة.
و خرجت خوارج (1) ادعوا على الله الكذب، و سموهم مشركين، حلال سباؤهم و غنيمة أموالهم، و قتلهم في السر و العلانية، و هم المستحلون للحرام، المحرمون للحلال، و هم أهل الحدث الذين لا يسع من عرفهم جهل ضلالتهم هذه، و قد ظهر منهم الكذب بالادعاء على الله، و نقض الحق.
فعلى من عرف حدثهم البراءة منهم، و لا يسع جهل ضلالتهم هذه.
__________
(1) - المراد بهم الازارقة، أتباع نافع بن الأزرق الذين استحلوا ما حرم الله. (1/33)
صفحة 34
- رجع إلى كتاب أبي جابر –
ذكر ما لا يسع جهله:
و اعلم أن أصدق الكلام و أعدل الأحكام ما أنزل الله في القرآن الكريم، ثم ما أمر به النبيء صلى الله عليه وسلم، ما قال لعباده فيما يحدث لهم من الأمور، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
و هم العلماء الذين جعل الله لهم الأنوار التي أبصروا بها الآثار، و هم الأدلاء (1) عند الظلمات، و بهم يهتدى في المحيا و الممات.
و اعلم أنه قيل:
الإيمان الذي لا يسع الناس جهله أبدا: شهادة ان لا إلاه إلا الله، و أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، و الإقرار بما جاء به عن الله.
فهذا الإيمان الذي لا يسع الناس جهله أبدا، على حال من الأحوال.
و قيل: هذه الجملة التي كان يدعو إليها النبيء صلى الله عليه وسلم عدوه من المشركين.
و قد يدخل في هذه الجملة تفسير أشياء لا يسع الناس جهلها، إذا ذكرت و عرف معناها، و لكنهم لا يدعون إلى تفسيرها كما يدعون إلى ما ذكرنا من جملتها، و عليهم علمها إذا ذكرت و فسرت، مثل أن الله واحد، قاهر، لا يشبهه شيء، و لا يغفل و لا تأخذه سنة (2) و لا نوم، و أنه يعلم الغيب، و أنه حي لا يموت.
و أشباه هذا من تفسير التوحيد لله في الجملة يسع لهم هنا التفسير إذا أقروا الجملة التي ذكرناها في صدر الكتاب.
__________
(1) - دل على الشيء و أدل بالهمزة: لغة: أي أرشد، و الأدلاء هم المرشدون.
(2) - السنة: الغفلة التي تسبق النوم. (1/34)
صفحة 35
و عليهم علم أشياء من تفسير ما جاء من الله، لا يسعهم جهله إذا ذكر، كما لا يسع جهل تفسير التوحيد في الجملة إذا ذكر، و قد كان واسعا لهم، أن لا يذكر لهم، فذلك من تفسير جملة ما جاء من الله مما أمرهم مثل: القيامة، و البعث، و الحساب، و الجنة و النار، و حلاله و حرامه، و تضليل الناقض لما في أيديهم مما قد عزموا أنه قد جاءهم من الله، مما أمرهم به و نهاهم عنه.
فهذا كله لا يسعهم جهله إذن، و تجزي عنهم فيه الجملة التي ذكرناها في صدر الكتاب ما لم يجئهم هنا التفسير، و يعرفوا معناه، فإذا جاءهم و عرفوا معناه لم يسعهم جهل علمه، و لم يسعهم جهل ضلال من رد ذلك العلم عليهم و نقضه عليهم.
ذكر ما لا يسع جهله ما لم يحضر وقته، من ترك لازم أو ركوب مأثم
و قيل: كل شيء وراء هذا يسع الناس جهله، إلا أن يلزمهمهم الله فعل شيء أو تركه، فلا يفعلونه في الحال التي أوجب الله عليهم فيها فعله، و لا يتركونه في الحال التي أوجب الله عليهم فيها تركه.
و ذلك أن الله تبارك و تعالى جعل على النّاس أشياء لا يسلمون أبدا إلا بمعرفتها، و هي التي ذكرناها في الجملة في صدر الكتاب، التي لا يسع أحدا من الناس جهلها، ثم جعل عليهم علم أشياء يسع الناس جهلها إلى الحال التي كلفوا فعلها أو تركها، و جعل أشياء يسعهم جلها أبدا، ما لم يتقولوا (1) على الله في حال جهلهم شيئا يحلون به حراما، أو يحرمون به حلالا، أو يلقون الحجة فيخبرهم بأنها نزلت من الله فلا يؤمنون بها و لا يصدقونهم،
__________
(1) - التقول: هو ادعاء ما لا حقيقة له. (1/35)
صفحة 36
و أن يقعوا بفعل ما يضلهم مما نهاهم عنه، لأنهم إذا كانوا جهالا كما نهاهم عنه فعليهم الكف، فما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم شيئا يحلون فيه حراما، و يحرمون فيه حلالا أو يلقون الحجة فيخبرهم عنها، و لم يقعوا في الفعل الذي عليهم الكف عنه فذلك واسع لهم جهله أبدا.
فأما الذي يسعهم جهله حتى يجيئهم فعله من الله، فالصلاة، و الزكاة و حج البيت من استطاع إليه سبيلا، و صيام شهر رمضان، و الاغتسال من الجنابة، و أشباه ذلك.
فهذا يسعهم جهله حتى يجيئهم من الله ما أمرهم به من الصلاة في وقتها فإذا ذهب وقت الصلاة فلم يصلوا قبل ذهاب وقتها كفروا و ضلوا، و كذلك الزكاة، و شهر رمضان، و الاغتسال من الجنابة، و أشباه ذلك، و ألا يصلي كل صلاة حتى يذهب وقتها.
فأما الزكاة فإن وقتها أطول من وقت الصلاة، لأن الرجل لو حلت زكاته اليوم فأخرها إلى الغد ثم أخرجها من بعد الغد لم يكفروا و لم يضل.
و الصلاة، لو أدخل صلاة النهار في صلاة الليل، أو ينسى حتى يذهب وقتها فلا بأس عليه، و يصلي إذا انتبه و ذكر، فأما إذا جهلها و لم يعلم أنها عليه حتى يذهب وقتها فقد ضل، و إن علمها و ضيعها فذلك يضل أيضا، و يفسق بضياعها.
و وقت رمضان حتى يحضر، إلا أن يكون مسافرا أو مريضا. (1/36)
صفحة 37
و ذهاب وقت الاغتسال من الجنابة أن يذهب وقت الصلاة، و هو جنب لم يغسل، و هو يجد الماء، و ليست به علة، فهذا ليس مما عليهم علمه قبل مجيء وقته.
فأما الزكاة فإن جهلها جاهل، و لم يعلم أنها عليه، ثم أخرج ما ضيع من زكاته قبل موته، و كان مقرا بالجملة التي لا يسع جهلها لم يضل، و أما رمضان فإذا وقته فمثل الصلاة، و كذلك الغسل من الجنابة.
و أما ما عليهم تركه مما حرم الله عليهم من الميتة و الدم و لحم الخنزير و الفرج الحرام، و كل ما ما حرم الله، مما أعد الله عن فعله النار، فهذا يسعهم جهل حرمته، و لا يسعهم جهل ركوبه و لا فعله في حال جهلهم، إلا أن يكونوا قوما آمنوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالجملة، ثم خرجوا، و لم تنزل الصلاة.
و قد كانت أشياء حلالا ثم حرمت من بعدهم، و نزل القرآن بتحريمها، أو نزلت صلاة، فإن أولئك مسلمون حتى تجيئهم الحجة بأنها قد نزلت الصلاة، و حرم كذا و كذا.
فأما من أقر بجملة ما أعد الله على تركه أو فعله النار، فإن الذي ضيع و فعل ضال، و عليهم إذا لم يعلموا أنه حرام أن يقفوا حتى يعلموا ما هو، فإن فعلوه و لم يقفوا في حال جهلهم، و فعلوا ما نهوا عنه ضلوا و كفروا.
و أما ما يسعهم جهله أبدا، ما لم يتقولوا على الله في حال جهلهم بالخطأ و الادّعاء على الله، فيحلون حراما و يحرمون حلالا، و لا يلقون الحجة فتعلمهم فلا يقبلون، و لا يؤمنون بقولهم، فإنه علم قسمة الميراث، و علم ما حرم الله و أحل مما يسعهم جهله، فهم مسلمون سالمون، (1/37)
صفحة 38
ما لم يتقولوا على الله الخطأ بتحليل الحرام و تحريم الحلال، أو يفعلون بالحرمة، و لا يصدقون بالحجة إذا لقيتهم، و بالله التوفيق لما يرضيه من العمل و القول، و به القوة و الحول.
و من غيره
و قال أبو سعيد: إذا لم يكن لك دليل فانظر إلى العامة من الناس، فخالفهم فيه، و قال بعضهم، كن مع القليل.
و من تقييد أحمد بن محمد بن أبي الحسن عن أبي سعيد قال:
قلت له: لا يجب على أحد السؤال عن شيء و لا على أحد معرفة شيء من جميع الأشياء، و لا العمل به، و لا الاعتقاد له حتى يعرفه و يعرف معناه و المراد به؟
قال: نعم، و قال: إنه لا يكون عالما بالشيء حتى يعلم معناه و المراد به، و قال: إن كل من لم يصل علمه إلى شيء من الأشياء فهو معذور بجهله إياه، و مطروح عنه التعبد به، و علمه السؤال عنه، لأنه لم يعقله، و هو كالذاهب العقل، و إن لم يعقل كل شيء كان مطروحا عنه كل شيء، و إن عقل و علم شيئا دون شيء كان متعبدا بالتمسك بما عقل دون ما لم يعقله بالعلم خاصة.
قيل له: لا يكون عليه العمل و اعتقاده، أو السؤال عنه، حتى يعلمه؟
قال: نعم.
قلت له: فقولهم في الجملة، إن عليه أن يعلمها، أو عليه علمها؟ (1/38)
صفحة 39
قال: قد قالوا في الجملة إن على من علمها أن لا يشك في علمه بعد علمه، و أن عليه أن يتمسك به بعد العلم.
قلت له: فإذا علم كان عليه أن يعلم أن عليه أن يعلم؟
قال: نعم.
قلت له: فقولهم إن السائل معذور، و أن الشاك هالك.
فقال: الشاك فيما علم من الحق و هو يعلمه.
قيل له: و لا يجب عليه أن يسأل عن شيء لا يعلمه؟
قال: عندي، أن ليس عليه ذلك فيما قيل.
قيل له: فهذا الجاهل في عافية؟
قال: هذا لا يسمى جاهلا، و قال: هذا معافى، و قال: قولهم، نزلت بليته و كان معافى إلى أن نزلت بليته، فبليته علمه بالشيء، فإذا علمه فلا يسعه الشك فيه بعد علمه.
قلت له أنا: فإذا لم يعلم أن عليه صلاة، أيكون معذورا؟
قال: نعم، يكون معذورا إذا لم يعلمها، و لم يقدر على التماس علمها بأحد الأسباب.
قلت له: فإذا علم أن عليه الصلاة، و لم يعرف من كم ركعة، هل يكون معذورا، و يصلي كما حسن في عقله، حتى يعلم أنها أربع ركعات، ثم حينئذ لا يسعه الشك في ذلك؟ (1/39)
صفحة 40
قال: نعم، هو كذلك إذا لم يقدر على علمها كما وصفت، و التماس علمها في قدرته في جهله و تضييعها.
قلت: و كذلك إذا لم يعلم أن الخنزير حرام، و لا قدر على علمه و لا على المسكنة لم يعبر له ذلك، فأكله على هذه الصفة، هل يكون سالما؟
قال: نعم.
قلت له: و كذلك كل شيء وسع جهله، من فعل أو ترك على علمه، و واقع في حين ما لا يسعه هل يكون سالما إذا لم يقدر على علمه و لا المعبرين له؟
قال: نعم، هكذا
و من غيره-
فصل: في الدعاء
عن أبي هريرة: عنه صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ هذه الآية:
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمُ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (1).
و في القرآن ما يدل على فضل الدعاء و كبر منزلته، و على أن الآية مضمونها إذا وقع على الوجه المرغب فيه دون المحظور منه، لأنه ليس في الحكمة، أن يقول: اسألوني ما لا يجوز أن أجيبكم إليه، لأن ذلك يقع على غير فعل الحكيم.
و قال: لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه ما لا يكون بدعائه مطيعا،، و لا يجوز أن يسأل ربه ما لو فعله كان فعله خروجا من الحكمة،
__________
(1) - الآية مكية رقم 60 من سورة غافر، و داخرين أي أذلاء صاغرين. (1/40)
صفحة 41
و ذلك مثل قوله: اللهم أحي لي من أمت من أهلي و قرابتي قبل يوم القيامة، و أرجعهم إلى في الدنيا، و اجعل مدة عمري مائة ألف سنة، و هب لي ملك سليمان، النبي عليه السلام.
و لو فعل هذا و دعا به كان جاهلا، متحكما على الله تعالى، و خارجا عن حد مسألة المتهيب الخاضع إلى حد مسألة المتحكم الملزم، و هذا مات لا يجوز، كأن يقول: رب لا تجر عليّ و لا تظلمني، و يجوز أن يقول: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، و إن كان من حكم الله أن لا يحمل أحدا ما لا طاقة له به، و إذا كان هذا كلاما يدل على الخضوع و الاستكانة و على الانقياد.
مسألة: اختلف الناس في إجابة الله من يدعوه اختلافا كثيرا؟.
و الذي اختاره أن الإجابة قد تكون ثوابا و غفرانا و غير ثواب، و قد تكون للمؤمن و غير المؤمن بحسب ما يعلم الله جل ثناؤه، في فعل ذلك من الصلح للحجة التي ذكرناها فيما تقدم، و إن الله يحب من قال: ياالله، و هو اسم الله الأعظم.
و قيل: ليس شيء أحب إلى الله من الدعاء. (1/41)
صفحة 42
و أحسب عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما فتح الله لعبد باب الدعاء و هو يريد أن يغلق عليه الإجابة.
و قيل: إن عبدا دعا: يا من يصرف الشر، اصرف عني الشر كله، و يا من يملك الخير كله، هب لي الخير كله- فإذا مناد يناديه: يا عبد الله لم ندع لطالب مطلبا و لا لهارب مهربا.
و قيل: إن عبد دعا، يا أرحم الراحمين، فإذا مناد يناديه: يا عبد الله قد ناديت فأسمعت، فاطلب حاجتك.
مسألة:
من قال: اللهم ارحمني برحمتك ففيه اختلاف، و جائز أن يقول: أدعوك بأسمائك، و لا يجوز أن يقول: أسألك بأسمائك، و لا بقدرتك.
و اختلفوا في من يسأله بأفعاله، و جائز أن يدعى بأسمائه.
بشير بن أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، اللهم أحسن عافيتي في الأمور كلها، و أجرني من خزي الدنيا و عذاب الآخرة، و يجوز أن يقال: اللهم حل بيني و بين الشيطان.
و عن النبيء صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل علينا واقية كواقية الوليد، و قيل ذلك أن الصبي يقع من على سطح أو درجة أو مكان مرتفع، فلا يصيبه شيء، فالصبيان أكثر سلامة في ذلك من غيرهم، إن الله عليهم واقية.
و قال النبيء صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل علينا واقية منك كواقية الصبي. (1/42)
صفحة 43
مسألة:
و من قال: اللهم لا تنسنا ذكرك، و لا تولنا غيرك، فليقل ذلك على معنى: لا تفعل بنا فعلا يحول بيننا و بين طاعتك.
و في موضع آخر: تولنا غيرك، لا يجوز.
و من قال: يارب باسمك الأعظم، افعل لي كذا و كذا فلا يجوز، و من قال: بملائكتك و أنبيائك ففيه اختلاف.
و من لم يكن له ولد فلا يجوز له أن يدعو الله أن يرزقه ولدا، يحمي ماله من الورثة؛ و ذلك من كبائر الذنوب.
و لا يجوز أن يقال: أعرض الله عنك، و لا أقبل الله إليك.
و جائز: اللهم اعزم لي على الخير.
و لا يجوز أن يقال: اللهم بعزتك و بقدرتك و بحلمك أو بعلمك، افعل لي كذا أو كذا و اغفر لي و ارحمني
و ما جرى هذا المجرى من صفات لا تجوز، و كذلك بحق قدرتك و عزتك و وجهك و أسمائك التي سميت بها نفسك.
كل هذا لا يجوز، و هذا فاسد في الوجهين جميعا:
أحدهما: أنه قال: بحق قدرتك أو بعزتك اغفر لي فقد جعل قدرته غيره، و كذلك عزته غيره و هذا هو الخطأ المبين، لأن أسماءه صفاته الذاتية لا هي هو و لا غيره.
و الوجه الآخر، كأنه يقول: اغفر لي بقدرتك أو بحق قدرتك، و كأنه يسأله ببعضه و يجعل للقدرة حقا عليه، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، أن يوصف ببعض الحقوق عليه. (1/43)
صفحة 44
و أما بحق أنبيائك، و رسلك، و بحق محمد، و برحمتك اغفر لي، و بلطفك، ففيه اختلاف من أهل الكلام، منهم من أجاز ذلك على حق ما يستشفع به إلى الله تبارك و تعالى بصفات أفعاله، و برسله من فضل شفيع على من شفع إليه، لأنهم أجل شأنا عنده و أعظم قدرا، و قال قوم: لا يجوز أن يسأل الله بشيء من هذا، لأن الله تعالى ليس لمخلوق عليه حق فيسأل بحقهم، و إنما الحق له على خلقه، و الفضل منه عليهم.
و قال: لا يجوز أن يسأل الله بحقه على نفسه، و لا بوجهه، و لا يثبت من قدرته و لا بملائكته، و لا الكعبة،
و القرآن، و بعرشه، و بكرسيه، و لا يسأل الله بشيء من الحقوق، و قال: لا يسأل الله بشيء من صفاته.
و اختلفوا في من يسأله بفعله، مثل: بحق أنبيائك افعل لي كذا، فمن أجاز ذلك قال: ذلك من فضل الشفيع على من يشفع إليه، و من لم يجز يقول: لا حق لأحد عليه.
و قال أبو علي: لا بأس أن يسأل الله الرجل بوجهه إذا لم يتوهم على الله أن له وجها أو يشبهه بخلقه، فالله ليس كمثله شيء.
و قال محمد بن محبوب رحمه الله: إذا دعا رجل لرجل بالرحمة و الداعي هو ليس من أهل الولاية، فلا يقول المدعو له آمين.
و قال الفضل بن الحواري: لا يؤمن على دعاء من لا يتولى، و قال: و كان محمد بن هاشم يقول: اللهم افعل لي آمين. (1/44)
صفحة 45
و بلغنا أنه كان يقول: اذكروا الله ذكرا حاملا -يعني سرا –و لا ينبغي أن يقال: اللهم ارض عني كرضائي عليك.
قال أبو الحواري: لأن رضا الله أكبر من رضا العباد.
و قال النبيء صلى الله عليه وسلم: الدعاء سلاح المؤمن، و عمود الدين، نور السموات و الأرض.
عن ابن عمر أنه قال: مالي أرى أناسا يرفعون أيديهم بالدعاء، فما يتناولون؟ و الله لو اطلعوا على أطول جبل من الأرض، ما نالوا من الله شيئا إلا بطاعته، و لم نر أحد من أصحابنا يرفع يديه رفعا شديدا، إلا أن حاجا كان يرفع يده في الموقف رفعا شديدا، و كان يشير بإصبعه، و قد رخص بعضهم في يوم عرفة في رفع اليدين، لأن الله تعالى قريب عليم بذات الصدور.
و قد يقال: من كان في مجلس، فلم يعذ بالله من النار و لم يسأله الجنة، قالت الملائكة: أغفل العظيمين. (1/45)
صفحة 46
و قال سليمان في من صلى جماعة أنه يدعو عاما، و ينوي لأهل الولاية، و المسلمون يكرهون رفع اليدين في الدعاء في الصلاة و غيرها، إلا في المواقف في عرفات.
و قال ابن عباس: ما من مسلم دعا الله بخير إلا استجاب له.
و عن عائشة عليها السلام قالت: دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنا أصلي، فقال: يا بنت أبي بكر، طولت عليك بجوامع الدعاء و جملته، قلت: و ما هو؟ قال: قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله و آجله، ما علمت منه و ما لم أعلم، و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم، اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول و عمل، و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول و عمل.
اللهم إني أسألك ما سألك منه رسولك، و أعوذ بك مما استعاذ منه رسولك، اللهم ما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقبته لي رشدا. (1/46)
صفحة 47
فصل: الدعاء للدولة
اللهم أثر فيها الأموال، و أكثر فيها الأبطال و الرجال.
للإمام: اللهم اصلحه صلاحا يبلغ به في السابقين، و اجعله لأئمة العدل من الموافقين، و ادفع به الكفار
و المنافقين.
مسألة:
و يوجد في بعض الآثار نهي عن قول القائل: اللهم إن كان هذا الأمر خيرا لي فاقضه لي، و إن كان شرا فاصرفه عني، و أرى أنه جائز أن يدعو به على السؤال، و قد قيل بإجازته على ما وصفت.
و الناس مختلفون في الدعاء، منهم من أجاز على الشريطة و التقييد، و منهم من لم يجز.
يسأل: يالله، و يا رحمن، و يا رحيم، و يا مالك، و يا خالق و يا رازق، و يا راحم، يارب، يا عظيم، يا مؤمن، يا مهيمن، و كل هذا و ما كان مثله يقصد بالسؤال والطلب، و التضرع إليه جائز.
و لا يقول: أسألك يا إلاه إلا أنت، و لا أسألك بحق لا إلاه إلا أنت، و لا بحق الرحمن الرحيم، و لا بالرحمن، و لا بالرؤوف، و ما كان مثل هذا لا يجوز، على ما عرفت.
و لا يقول: أسألك، و جائز أن يقول، يا عظيم الرجاء، أي يا عظيم المرجو، و لا يجوز أن يقال: يا من ارتدى بالفخر و الكبرياء. (1/47)
صفحة 48
مسألة:
يقال اسم الله الأعظم، لا من قبل إن له اسما صغيرا، و ذلك أن لله أسماء كثيرة، فبعضها محظورة و بعضها ليست بمحظورة فما ليس بمحظور فمؤمن، و جبار، و واحد، و حي، و المحظور الله الرحمن الرحيم، و لا تصغر تلك الأسماء.
و الأعظم المحظور أن يتسمى بها الخلق، و بعض كلامه أرجح من بعض، و بعض صفاته أرجح من بعض، و لا يقال بعض الكلام أحسن من بعض.
فصل
عن علي بن أبي طالب، ما من دعاء إلا بينه و بين السماء حجاب حتى يصلى على النبيء صلى الله عليه وسلم [و على آله]، فإذا فعل ذلك انخرق ذلك الحجاب، و دخل الدعاء فإذا لم يفعل ذلك رجع الدعاء.
و عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: إن الدعاء مكفوف حتى يصلى على النبيء صلى الله عليه وسلم، اللهم، بمعنى يا الله.
عن الخليل: و قال الحسن: اللهم لجميع الدعاء.
قالت عائشة: رفع الصوت في الدعاء اعتداء. (1/48)
صفحة 49
و قال النبيء صلى الله عليه وسلم: إنكم لن تدعوا أصم و لا غائبا.
دعاء عن النبي ء صلى الله عليه وسلم: يا فارج غم ذي النون، و يا كاشف ضر أيوب، و يا جامع شمل يعقوب، و يا غافر ذنب داود، اغفر لي ذنبي، و اقض ديني، و فرج غمي، و اجمع شملي، و اكشف ضري برحمتك يا ارحم الراحمين.
رجع إلى كتاب أبي جابر
فصل
قال بشير: يجوزان يقال: اللهم حل بيني و بين الشيطان، و يقال: إن الله تعلاى حال بين المؤمنين و الكفرة،
و معنى ذلك: أمرهم بالإيمان و نهاهم عن الكفر.
و قال: يجوز للظالم أن يدعو الله تعالى فيقول: رب اغفر لي، إذا كان من نيته أن يتوب من الظلم.
قال أبو عبد الله: إذا سألت ربك فلا تقل: إن شئت يا رب فعلت لي كذا و كذا، و لكن اعزم على المسألة، و ألحف على ربك، و جد في الطلب، وقل:
اللهم يسر لي كذا وكذا، و أعطني كذا، و اجعل لي فيه خيرا في ديني و معيشتي.
و لا تقل: إن كان هو خيرا، و لكن تساله ما سألته، ثم قل: اللهم اجعل لي فيه خيرا.
قال غيره: من قال: اللهم ارحمني برحمتك ففيه اختلاف. (1/49)
صفحة 50
و جائز أن يقال: أدعوك بأسمائك، و لا تقل: أدعوك بحق أسمائك، و يقال: إنّ رفع الصوت في الدعاء اعتداء،
و ذكر الله في كتابه فأثنى عليه فقال: (اِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا) (1).
مسألة: في الصلاة على النبيء صلى الله عليه وسلم.
و قيل: لم تأمر أمة من الأمم أن يصلوا على نبيهم غيرنا فضلا من الله تعالى و نعمة، و الصلاة عليه فريضة.
قال قوم: فرض عند كل صلاة، و لم أجده من قول أصحابنا، و قال بعض أصحابنا: إنما فرض ذلك مرة واحدة مع ذكره، ثم بعد ذلك ما صلى عليه كان تطوعا، و كلما صلى عليه أكثر كان أفضل.
و من سيرة محمد بن زائدة السمائلي:
و من ترك شيئا من آداب الدين التي أدب الله بها المسلمين تهاونا منه بذلك كفر، و لو مثل أنه إذا دخل منزله فلم يجد أهله، أن يقول: السلام علينا من ربنا، فإذا ترك ذلك أو ما يشبهه تهاونا من الله كفر.
و من سيرة أبي معاوية رحمه الله:
__________
(1) - الآية مكية رقم 3، من سورة مريم. (1/50)
صفحة 51
و على الناس أن لا يباشروا بما حرم الله عليهم من الحرام، و أن يكفوا حتى يعلموا، و عليهم أن لا يدعوا على الله
ما لا يعلمون، و عليهم أن لا يرجعوا عن علم استحق الله عليهم حفظه و التمسك به إلى حال الجهالة بعد العلم، فليس على من كف و وقف عمالا يعلم من الحرام أن يعلم أن الوقوف عليه، و أن الكف له لازم يكلف علمه،
إنما يلزمه الكف عن أكل حرام، و لا يلزمه العلم و المعرفة بأن ذلك عليه مفروض انقضى.
و من جواب أبي الحسن رحمه الله: و ذكرت- رحمك الله – في من يدخل بيت قوم بلا إذنهم، أيكفر من دخل بيت الناس بلا إذنهم؟ و قد ركب كبيرة من الذنوب لقول الله تبارك و تعالى: (لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) (1).
و قال: (فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُوذَنَ لَكُمْ) (2).
و الكبائر ما سمى الله فيه حدا في الدنيا، أو عذابا في الآخرة، و ما دون ذلك فهو من الصغائر.
فعلى ما وصفت ما لم يتعمد المعتدي لنهي الله تعالى، فذلك إنما يكفر بالإصرار عليه، إذا فعل ذلك مجاهلة أو التهاون بذلك، فإن تاب، و إلا كفر بإصراره و امتناع التوبة.
و الكبائر ما قلت، و قد يكون شيئا من الكبائر له العذاب في الآخرة و ليس له حد في الدنيا.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 27 من سورة النور.
(2) - الآية مدنية رقم 28 من سورة النور. (1/51)
صفحة 52
و من غيره، قال: و قد قيل: عن ذلك لا يسعه أن يأتيه على الجهل و لا غير ذلك.
و عن امرأة تغسل على بئر أو فلج قد تعرت، أيجوز لأختها أو ابنتها تنزل عندها في ذلك الفلج، أو على تلك البئر نهارا، و يكونان جميعا خالعتين ثيابهما أو رجل و أم له، أو رجل و ولد له بالغ.
-فعلى ما وصفت- فلا يجوز لأحد إلا الزوجين، أو رجل له أمة يطؤها، فأما ما سوى ذلك فلا يجوز لأحد أن ينظر إلى عورة أحد على بئر أو فلج، إلا أن يكون لا ينظر بعضهم إلى بعض و لا يبصر بعضهم بعضا، إذا كان الولد بالغا أو غير بالغ إذا كان عاقلا.
بسم الله الرحمن الرحيم:
وجدنا أن هذا من إملاء أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله قال: اعلم أن العباد إنما خلقوا للابتلاء، لينظر أيهم أحسن عملا، ثم إنهم أسكنوا دار البلاء، و حكم عليهم و على دارهم بالفناء، ثم حكم عليهم بنشأة أخرى، و البعث يوم الفصل و القضاء؛ ليكون كل منهم يجزى بما يسعى، قال الله عزوجل: (وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الاَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) (1).
__________
(1) -الآيات مكية من رقم 39 إلى 42 من سورة النجم. (1/52)
صفحة 53
إلى ما يحكم به على عباده لفضله و عدله من ثواب أو عقاب، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى فالمحسن من عباد الله من ختم له بالتوبة، و مات تائبا، و المسيء من عباد الله من ختم عمره بالإصرار و لو على مثقال ذرة، فالمسيء يوم القيامة لا يقبل منه حسنة، و لا ثواب له عليها يوم القيامة، إذ كان في حكم الله أن حسنات المصر محبوطة، و المحسن التائب لا يؤاخذه الله يوم القيامة بسيئة كانت منه في الدنيا، [إذ كان] في حكم الله أن التائب سيئاته مغفورة، و حسناته مشكورة، و الجنة له عند ربه مذخورة.
فكل وعيد في القرآن فإنما هو خاص للمصرين ممن عمل تلك السيئة التي ثبت على أهلها ذلك الوعيد، كذلك كل وعيد في السنة و الآثار إنما هو خاص على المصرين ممن نزل بتلك المنزلة التي ثبت على أهلها ذلك الوعيد.
و كذلك كل وعد في القرآن، وعده الله أحدا على عمل صالح، فإنما هو خاص للتائب الذي ختم عمره بالتوبة.
و لو كانت الحسنات يجزي بها كل من عمل بها لوجب لليهود و النصارى و الثواب، بإقرارهم، أن موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عيسى عليه السلام إذا أقرت به النصارى صلّى الله عليهما، و على جميع الأنبياء، كذلك بإقرارهم بالتوراة و الإنجيل و صدقاتهم على المساكين فكل ذلك من الحسنات، و لكن الحسنات إنما هي لأهلها، و إنما أهل الحسنات كل عبد تائب منيب، و كذلك السيئات إنما هي لأهلها، و إنما أهل السيئات [فهم كل] من تاب مصرا عليها، غير تائب منيب، (1/53)
صفحة 54
و قد قال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) (1)، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، و لا أمانيّ أهل الكتاب، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلهم، من يعمل سوءا يجز به، يعني من يعمل سوءا، ممن يموت مصرا عليه، يجز به، و لا يجد له من دون الله وليا و لا نصيرا. و قال: (اِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) (2)، فإنما يضاعف مثقال ذرة من الحسنات لمن لقيه تائبا لا لمن لقيه مصرا على معصيته، و ما ربك بظلام للعبيد؛ إذ كان في عدله أن المصر حسناته محبوطة و سيئاته غير مغفورة، و إذ كان في عدله بتعطفه و فضله أن سيئات التائب مغفورة و حسناته مقبولة مشكورة.
و التائب من يخشى الله بصدق الإخلاص في سره و علانيته، مخلصا لله بالطاعة في قوله و عمله و نيته، لا يخادع الله بالتقصير في شيء مما يلزمه من الطاعة، و لا يتجرأ على شيء يعلم أنه معصية، و لا يشك في شيء أتاه خبره مما لا يسعه جهله و لو جاءه من لسان كافر لا يؤمن بالله و اليوم الآخر، أو جاءه خبر في خط مكتوب قد وقف على تعبيره بمعرفته بإخراج الخط، و معرفته تلك اللغة، أو تعبير غيره له ذلك الخط أو معرفة تلك اللغة، و بما يعقله هو من اللغات.
و هكذا قامت حجة الله على العرب بمن ترجم له بحجة الله بالعربية من التوراة ممن يعرف لغة العربية و العبرانية من أهل التوراة، كذلك قامت حجة الله على العرب من أهل الإنجيل على ما وصفنا بتعبير من عبر لهم حجة الله عليهم بما يعقلونه
__________
(1) - الآية مدنية رقم 123 من سورة النساء.
(2) - الآية مدنية رقم 40 من سورة النساء. (1/54)
صفحة 55
من لغتهم، كذلك قامت حجة الله على من بلغته حجة الله من الأعاجم من هذا القرآن العربي المبين، مما لا يسعهم جهله، و لا يحل لهم الشك فيه، إذا بلغهم خبره من معبر يعبره لهم بلغتهم.
فإذا عبره لهم و أبلغهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم معبر و لو فاسقا من المقرين بالإسلام، و جب عليهم أن يدينوا الله بدين محمد صلى الله عليه وسلم، و وجب عليهم أن يدينوا بالسؤال عن جميع ما يلزمهم من دين محمد صلى الله عليه وسلم، و وجب عليهم أن يتعلموا بالعربية، ما يقيمون به صلواتهم من التسبيح، و التكبير، و التحميد، و التشهيد، من القرآن العربي المبين بلغة العربية ما يقيمون به صلواتهم.
و ليس عليهم في التعليم لذلك، و في جميع ما يلزمهم لله من شريعة دين محمد صلى الله عليه وسلم إلا مبلغ قدرتهم و جهدهم، فما لم تبلغ إليه قدرتهم مما قد صدقوا لله في بذل مجهودهم في ذلك مما يلزمهم من ذلك فلهم العذر بصدق جهدهم في ذلك، إذ كان في الشريعة، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
فلو أن أعجميا تعلم فاتحة الكتاب التي لا تجوز الصلاة إلا بها طول عمره، فلم يقدر على حفظها، و لا على تقويم اللفظ منه بإفصاح آياتها لموضع لكنة لسانه و أعجميته، و علم الله منه صدق الدينونة له بما يلزمه له من الطاعة لكان له العذر عند الله، بعفوه عنه، إنه واسع العفو، لأنه لا يهلك عبد مجتهد، عجز في اجتهاده في طوله و قدرته عن القيام بما يدين به و إنما يهلك عند الله من كان (1/55)
صفحة 56
اجتهاده على بدعة يدين بها، فذلك كلما ازداد في بدعته اجتهادا ازداد عن رحمة الله ابتعادا، إذا كان اجتهاده في إرادته بما هو مخالف للحق، بما ليس له برهان به فيما دان، و أما من دان بالحق و عجز عن القيام به من أجل لكنة لسانه، أو من أجل ضعفة أركانه فقد عذر الله كل من عجز عن فريضة لازمة عجز عن القيام بها من أجل أن قدرته لا تصل إلى القيام بها حتى الصلاة، من لم يقدر أن يصليها بقيامها و قعودها و ركوعها و سجودها، و لم يقدر على القيام بحدودها جاز له في السنة أن يكبر عن الصلاة خمس تكبيرات، و كل العباد معذورون عند الله - عز وجل - عن ما يعجزون عنه من لازم طاعته، إذا تابوا، و دانوا الله بدينه، ولم يدينوا له بخلاف دينه في شيء من الأشياء، ولم يصروا على معصية، علموا أنها معصية، ثم يقيمون عليها إيثارا للهوى، و كراهية للتقوى.
و أما من ركب المعصية بجهل، و لم يدن بها، و لم يرد حجة الله ..
و من غير الكتاب قال: من ينظر في هذا الكتاب: أردنا تمام المسألة (1)، لأنه ليس لها فائدة و لا جواب.
و ذلك فيمن ركب المعصية بجهل و لم يدن بها و لم يرد الحجة إذا قامت عليه لله بعلمها، و اعتقد السؤال عن ما يلزمه لله من ذلك، و لم يقدر على من يدله على ذلك بعلم منه بذلك، أنه يدله على ذلك ممن تقوم عليه به الحجة لله فيما فيما ضيع من فرائض الله، أو ارتكب من محارم الله، متى وجد السبيل إلى الدلالة
__________
(1) - توضيح من المؤلف، مفاده: أن المسألة السابقة لم تتم فائدتها و لا جوابها من الأصل الذي يعتمد عليه، فآثر استكمال المسألة من غير الكتاب بما ذكره بعده. (1/56)
صفحة 57
على ذلك استدل عليه مما قدر عليه من الأدلة، فإذا كان اعتقاده هذا أو كانت هذه نيته، و هذا اعتقاده و إرادته، و قد علم الله منه العجز عن علم ما يقيم به تلك الفريضة بعدم الدليل ذلك فهذا سالم ما لم يدن بترك ما ضيع من فريضة، أو باستحلال ما ركب من محارم الله، أو يصر على ذلك، و لا يتوب منه.
و من إصراره على ذلك أن يدع اعتقاد السؤال عن ذلك الذي قد ركبه بعينه لأنه متى ضيع اعتقاد السؤال عن ذلك بعينه، إذ قد ركبه أو تركه على غير علم منه أن ركوبه له مباح، أو تركه له مباح، فقد ترك اللازم له من ذلك و هلك، و كذلك إن دان به هلك.
و كذلك إن ترك ولاية مسلم من أجل ذلك على غير اعتقاد السؤال عما يلزمه من براءته منه هلك بذلك، و كذلك إن ضيع اعتقاد السؤال عن ذلك بعينه هلك، و كذلك إن صر عليه و لم يعتقد التوبة من ذلك بعينه إن كان مما يلزم منه التوبة إلى الله هلك، لأن عليه في اعتقاده أن يتوب إلى الله من جميع ما لزمته فيه التوبة في جملته، علمه أو لم يعلمه، فإذا ركب شيئا مما لا يسعه ركوبه و لم يعلم أنه له حلال ركوبه فعليه اعتقاد التوبة إلى الله من ذلك، إن كان يلزمه منه التوبة، و عليه اعتقاد السؤال عنه، حتى يعلم ما يلزمه فيه، فيتوب منه بعينه على بصيرة و يؤديه بعينه على بصيرة.
فإذا دان بالسؤال عن ذلك، و دان بالتوبة مما لزمه في ذلك من التوبة إن كان يلزمه من ذلك التوبة، و لم يقصر في السؤال بعد وجوده للدليل عن ما جهله (1/57)
صفحة 58
من ذلك، و لم يرد الحجة إذا قامت عليه لله في ذلك، أو ببراءة من محق من أجل حقه ذلك بدين، أو يقف عن عالم محق بدين أو برئ من أجل ذلك فهذا سالم على هذه الصفة.
فمتى ضيع شيئا من هذه الخصال أو ارتكب شيئا من هذه الخصال فهو غير سالم في ذلك، و هو بتضييعه و ركوبه هالك.
و من غيره:
و ذكر عن أبي يزيد أنه قيل له: ما تقول، لو أن رجلا لقن عالما فقال له: إن الأمر الذي كنت عليه أو أنت فيه حرام، فقال له الرجل: هل تعلم ها هنا أعلم منك؟ فقال: نعم، فقال الرجل: إن ترك هذا حرام، و لكن لا آخذه منك حتى أسأل من هو أعلم منك، فلم يسأل الرجل حتى مات.
قال أبو زيد: مات مسلما، إذا كان في طلب السؤال، و كان تائبا فمات فهو مسلم.
و من كتاب تفسير القرآن الذي عن عمرو بن قائد.
و قال: حدثنا أبو قرة سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين أن عبد الله (1/58)
صفحة 59
ابن سلام دخل المسجد ذات يوم بالمدينة فإذا جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم أبو سعيد الخذري و عبد الله بن عمر، فقام خلف سارية، فصلى ركعتين أحسن فيها القيام و التخشع، فرماه القوم بأبصارهم، ثم قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فسمع منهم رجل كان جالسا معهم من أهل العراق، فلما انصرف تبعه الرجل فقال له: إنك دخلت المسجد فرماك رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأبصارهم، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقال ابن سلام: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا علم به، و لكنني أظن أن القوم إنما قالوا ذلك لرؤيا رأيتها، فأخبرت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له الرجل: ما رؤياك؟
فقال: رأيت كأني انتهيت إلى روضة معشبة، فإذا عمود من حديد في الروضة، فقمت إلى أصل العمود فإذا رأس العمود في السماء، فأتاني آت فأخذ بضبعي، و قال لي: ارق، فصعدت، فما زال يقول لي: ارق، حتى انتهيت إلى رأس العمود فإذا على رأس العمود عروة من ذهب، فقال لي: خذ العروة بيدك، و شد يدك بها. (1/59)
صفحة 60
فلما أخبرت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: خيرا رأيت، ذلك الإسلام، فاستمسك به حتى تموت إن شاء الله.
و من سيرة يرفع فيها عن جابر – و لعله جابر بن زيد رحمه الله –كان جابر يذكر أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: العلم علمان، علم بالقلب و هو العلم النافع و علم باللسان، و هو حجة على ابن آدم.
فإن ادعى أنه مؤمن بالقلب فقد ادعى أنه من أهل الجنة، لأنه يذكر أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: و لا يدخل جهنم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فالله قال في كتابه: (وَبَشِّرِ الذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) (1)، و قال جل و عز: ( ... وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... ) (2)،
و قال: (وَبَشِّرِ الْمُومِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا) (3)، يعني الجنة.
فمن قال: إني مؤمن، يعني الإقرار، فقد صدق، فإن ادعى إيمان القلب فقد ادعى الجنة، و زكى نفسه، و خشيت أن يكون قد نزل من الله بسخط مبين.
__________
(1) - الآية مكية رقم 2 من سورة يونس.
(2) - الآية مدنية رقم 21 من سورة الحديد.
(3) - الآية مدنية رقم 47 من سورة الأحزاب. (1/60)
صفحة 61
و من سيرة- لعلها عن أبي عبيدة و حاجب رحمهما الله إلى أهل المغرب:
و قال الله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (1)، فمن كان بهذا الشرط و الوصف الذي وصف الله به أهل التوبة استحق النجوة و فاز بالجنة، و من كان خارجا من هذه الصفة عند الله حرم عليه الجنة، و كانت النار مصيره و مثواه.
و قد يظهر لنا من هو عندنا ثابت، ما يشبه به إلى التوبة عندنا و لا نشهد أنه عند الله تائب، لأنه عليه، مع الذي يظهر لنا من الندامة و التوبة فيما بينه و بين الله أشياء ينبغي أن يكون مصيبا لها، في الخوف لله و الشفقة منه و الرغبة إليه، و الرهبة منه، و إخلاص ذلك له جميعا.
و هذه يخفي الله علمها، و لا نعلمها نحن من أنفسنا، و لا من غيرنا، و إن كنا في أنفسنا أعلم منا بما خفي عنا من غيرنا، و لكن هذه أمور لها حدود و منتهى في ضمير القلوب، و لا يحق لأحد من الناس أن يبلغوا بها ما يعرفون بلوغها مما أدى بهم إلى بلوغها، و لا يصفون أنفسهم بحفظ ما لزمهم منها، و لا بتضييعها، و لذلك فهم راجون لله خائفون، يرجون أن يكونوا قد بلغوا إلى ما يرضى الله به عنهم، و يخافون أن يكونوا قد قصروا عن ذلك و ضيّعوه فيسخط الله عليهم، و بذلك وصف الله أولياءه حين يقول: ( ... وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ... ) (2).
__________
(1) - الآية مكية رقم 82 من سورة طه.
(2) - الآية مكية رقم 57 من سورة الإسراء. (1/61)
صفحة 62
و قال الله تعالى و هو يعلمهم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً اِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (1).
و من كتاب عبد الرحمن بن رستم إمام أهل المغرب المعروف بالفضل: « ... ثم اعلموا أنه أولى الناس بالإزراء على نفسه و التصغر لشأنه، و المحصر لعلمه، و التفضيل على نفسه من ادعى معرفة الله و دينه، و رجا ثوابه و عقابه، و إذا ذكر ذنوبه فهو بذلك لاه عن ذنوب غيره، و إن أبصر عيبا من غيره ذكر نفسه، فإن كان تائبا من عيبه حمد ربه، غير أنه لا يدري قبلت توبته أم ردت عليه، بعلم كان لله فيه غيب عنه، و المسلم على حال مشفق طالب خلاص نفسه بما استطاع، و لا يشمت بأخيه المسلم.
و من سيرة خلف بن زياد البحراني رحمه الله:
« ... و نحن بحمد الله و نعمته مفارقون لهم بما أحدثوا، و نشهد عليهم بالجور و الضلالة ما داموا أحياء، فمن مات منهم على تلك الشريعة شهدنا عليه بالنار، لأن الله يقول: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُومِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا) (2).
__________
(1) - الآية مكية رقم 55 من سورة الأعراف.
(2) - الآية مدنية رقم 115 من سورة النساء. (1/62)
صفحة 63
و قيل للفضل: أتشهد على أحد بعد النبيء صلى الله عليه وسلم أنه إلى الجنة أو النار؟
فقال: بدعة، يكفيك أن تذكر ما فيهم.
و من الجامع المنسوب إلى أبي جابر محمد بن جعفر، و قيل: لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء، و قال من قال:
و أبوبكر و عمر، كما جاء فيهم، و لكن نشهد لأهل الإيمان بالإيمان، و أما من مات على الكفر فتشهد له بالنار.
و هذا أيضا من كتب من يزعم أنه على السنة، و قد رددنا فيه ما يكون فيه بيانا لمن كان له قلب أو ألقى السمع
و هو شهيد – هكذا وجدت مكتوبا.
و أما قوله: أتشهد بأنكم مؤمنون و لا تشهد بأنكم من أهل الجنة؟ فنعم، يقولون بأنهم إذا سئلوا عن ذلك مؤمنون في اعتقادهم، أنهم مؤمنون بالله، و بما أمر، مطيعون له بذلك، عاملون بطاعته، و ليس لهم تزكية الأنفس لنهي الله لقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ... ) (1)، و قول الرسول عليه السلام: «لا تنزلوا أهل قبلتكم جنة و لا نارا»، إن صح الحديث. و قد وافق القرآن في النهي عن تزكية الأنفس.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 32 من سورة النجم. (1/63)
صفحة 64
و من بعض السير – [ .. و نحن بحمد الله و نعمته مفارقون لهم، نشهد على أخيارهم و ذكورهم و إناثهم، و من أقام في شريعتهم التي شرعوا لأنفسهم من الجور و الضلال، و من مات منهم على تلك الشريعة شهدنا عليه بالنار.
و من غيرها
إن قال قائل: أنت مؤمن حقا أو كافر حقا ما الجواب له؟ فالجواب أنه إن كان يعني مؤمنا حقا، يعني سعيدا، فلا علم لي بذلك، و تلك شهادة غيب محجور علي و عليك، و إذا كان السؤال في الغيب كان محالا، و المحال ساقط، و إن كنت تعني مؤمنا حقا في حكم ما تعبدني الله به، أو كافرا حقا في حكم ما تعبدني الله له، فتلك حالات لا يستدل عليها إلا بالفعال المكفرة، و بالفعال الصحيحة، و أما في حال ما أكون تائبا عند نفسي حقا، إذا كنت تائبا من جميع ما عصيت الله فيه، مؤديا لجميع ما يلزمني أداؤه من طاعته.
و من بعض الآثار: فمن دين الله الورع عن محارمه، و الوفاء بعهده، و لزوم فرائضه، و استكمال دينه، فأعرضوا أعمالهم على كتاب الله صباحا و مساء فمن كان عمله موافقا لمرضاة الله على إحسانه إليه، و اصطناعته إليه المعروف عنده طلب من الله المزيد و لم يأمن مع ذلك مكر الله، و لم يوجب لنفسه الجنة، و كان على ما قسم الله له من ذلك خائفا و جلا، و من كان مخالفا بعمله كتاب الله نظر و بصر، و شكر و راجع التوبة، و استغفر الله من الخطيئة قبل نزول الموت و انقطاع العمل، و انقضاء العدة، و ذهاب الجبلة. (1/64)
صفحة 65
يا ألله، يا ألله، يا أرحم الراحمين ارحمنا، و صلى الله على سيدنا محمد النبيء عليه السلام.
و من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -هكذا وجدت مكتوبا- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: إني من خيار الناس فهو من أشرار الناس، و من قال: إني في الجنة فهو في النار».
و مما سألته عنه أيضا عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أعاذ بالله فأعيذوه، و من سأل لوجه الله فأعطوه، إلا أن يسأل أمرا لا يستطاع.
و هل يجوز لقائل أن يقول: إنه مؤمن حقا؟
الذي عرفت أن ذلك لا يجوز، إلا أن يقول إني مؤمن حقا عند نفسي، و أما عند الله فلا أدري، و الله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم:
هذه صفة الإسلام:
عن وائل بن أيوب رحمه الله:
الإسلام: شهادة أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله (1/65)
صفحة 66
و أنه خاتم الأنبياء لا نبي بعده، و الإيمان بالله و ملا ئكته و كتبه و رسله و باليوم الآخر، و الإقرار بما جاء من الله و معرفة الموت و الحساب، و الجنة و النار، و إقام الصلاة لمواقيتها، و حسن طهورها، و ركوعها، و تمام سجودها، و تمام تكبيرها، و التحية و التشهد الذي لا تجوز الصلاة إلا بها، و إيتاء الزكاة بحقها، و قسمها على أهلها بحكم القرآن، فمن لزمه حق الزكاة على طيب النفس، و صيام شهر رمضان على الشرط الذي أمر الله بالحكم و العفاف، و حج البيت من استطاع إليه سبيلا، بما فرض الله كاملا، و بر الوالدين، و صلة الأرحام و غض البصر عن الخيانة، و حفظ الفروج، و اتقاء النساء في المحيض، و الاغتسال من الجنابة، و أداء الأمانة إلى أهلها، و ترك الخيانة، و حسن الجوار، و تعظيم حق الصاحب، و حسن الملكة، و الاستئذان في البيوت و الاستئناس كما أمر الله، و ذكر اسم الله على الذبيحة، و الوفاء بالعهد و القيام بالشهادة، و تحريم ما حرم الله من أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير، و ما أهل به لغير الله مما ذبح على النصب، و الاستقسام بالأزلام، و اجتناب ذلك إلا في حال الإضطرار لغير باغ و لا عاد، فمن اضطر فلا إثم عليه، و تحريم الصيد عند المسجد، و تحريم الأمهات، و البنات و الأخوات، و العمات و الخالات، و بنات الأخ و بنات الأخت، و أمهاتكم اللائي أرضعنكم، و أخواتكم من الرضاعة، و أمهات نسائكم، و ربائكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، و أن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، إن الله كان غفورا رحيما، و تحريم الخمر و الكف عنه، و اجتناب ذلك، و تحريم الفواحش ما ظهر منها و ما بطن، و الإثم و البغي بغير الحق، و تحريم الكذب على الله، و القول عليه بغير الحق، و الكف عن ذلك جميعا، و الكف عن كل صغير و كبير مما حرم الله، و ترك الطاعة للآثم الكفور، و ترك التصديق للكاذب على الله و على رسوله القائل بغير الحق، و ترك التكذيب للصادق على الله و القائل للحق، و تحريم دماء المسلمين و أموالهم و أعراضهم، و غشهم و شتمهم، و طلب غيبتهم، و الاجتهاد في النصيحة لله و لرسوله و للمؤمنين، و الإصلاح بينهم، و إصلاح ذات البين و جمع شملهم و كلمتهم و تحريم ادعاء الهجرة، و تحريم ما حرم الله على المؤمنين من إبداء الزينة إلا ما ظهر منها، و الظاهر منها كحل العين و خاتم في اليد، و عليهن أن يضربن الخمر على الجيوب، و الستر بالجلابيب و اجتناب الخضوع فيطمع الذي في قلبه مرض، و حفظ ما استحفظهن الله و ائتمنهن عليه في أنفسهن، و اعتزال الريب، و أداء حق الصاحب، و النكاح بالكتاب و السنة بشاهدي عدل و ولي على الرضى، و الاستئمان و الوفاء لله في كل طاعة صغيرة (1/66)
صفحة 67
أو كبيرة فرضها الله و أمر بها، و اجتناب كل معصية نهى الله عنها صغيرها و كبيرها، و التوبة إلى الله من كل ذنب و الندامة عليه، و حسن النية في العمل و الإخلاص به لله، و المعرفة لكفر من كذب على الله،، و ادعى عليه خلاف الحق، و المعرفة بكفر من امتنع عن التوبة و أصر على الذنب مستكبرا عن التوبة، و المعرفة بكفر من شك ممن كذب على الله، و من شك في المصرّين المستكبرين الممتنعين من التوبة، و الفراق لأهل المعاصي من أهل الكبائر المستحلين منهم و المجرمين، و البراءة منهم و نفي الإيمان عنهم، و تسميتهم بالكفر، كفر أهل النفاق و نفي الشرك عنهم بإظهار التوحيد، و استحلال دمائهم بعد الدعوة و المناصبة على البغي حتى يفيئوا إلى أمر الله، و تحريم سبي ذراريهم و غنيمة أموالهم، و تحريم قتل الشيخ الكبير و المرأة و الصبي الصغير، إلا من قاتل فيقتل في المعركة، و تحريم الاستغفار، و الولاية و المودة و المحبة لهم في الدين، و تحريم تسميتهم بالإيمان، و ترك تحريم مناكحتهم، و أكل ذبائحهم، و الإقامة بين أظهرهم بالتقية لهم، و المعرفة في حال التقية بضلالة من ضل منهم، و ضلال حكامهم و غيرهم ممن استحق الضلال لهم بما جرت لهم به الأمانة بيننا و بينهم ما أقمنا بين أظهرهم، و نقر بأحكامهم علينا على غير رضى منا بأعمالهم و لا لخلافهم للحق في أحكامهم، و لا جهلا بمنازلهم، نفارق من فارقنا على ما انتهك من معاصي الله و سخطه عليهم فيها، و نبرأ منهم، و لا نفارق أحدا ممن فارقنا على طاعة نمسك بها، و نحسن جوارهم، و نحسن صحبتهم، و نصل أرحامهم و نبر للوالدين منهم، و نحسن مملكتهم (1/67)
صفحة 68
و نؤدي إليهم الأمانة و نصدقهم في الحديث و نكف عنهم الظلم، و نؤدي إليهم الحقوق التي أوجبها الله لهم، و تجري بيننا و بينهم في حال الأمانة و التقية، و تحريم لدمائهم و أموالهم، و القصاص و الدماء و ما دون ذلك من الجراحات، لمعتد يتعدى عليهم منا و من غيرنا في تلك الحال كفارا منافقين، نبرأ منهم و نخلفهم و نفارقهم، لا نقطع تلك الحقوق التي أوجبها الله لهم، و نضع القصاص بينا و بينهم في حال الناصية منا و منهم، و الاستحلال منا لدمائهم بعد إظهار دعوتنا لم يكن لهم قود و لا دية، و من رجع منهم تائبا قابلا للحق، لم نأخذه بدم سفكه و لا حق أصابه، و لا مال أتلفه في حال مناصبته و استحلاله إلا أن يوجد عنده شيء بعينه فيؤخذ منه ذلك الشيء، فأما ما استهلك من مال فهو موضوع عنه، و يعاون على البر و التقوى، و ترك التعاون على الإثم و العدوان، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و العلم أن القتل على ذلك لمن قتل المسلمين فضلا ليس مما يتنقرب به العباد إلى الله من الأعمال سببا هو أشرف لأهله، و لا شيء أفضل عنده ثوابا لهم من القتل على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على سبيل الهدى، فمن قبل منا على هذه الصفة، على الذي وصفنا، و فسرنا من شرائع الإسلام، و بما دعونا إليه كان عندنا (1/68)
صفحة 69
مسلما مؤمنا ثبتت له الولاية، و يوجب له حق الاستغفار، و المودة، و الترحم، و المحبة في الله، و أوجب له علينا تحريم غيبته و أذاه، و تؤدى إليه النصيحة بما أظهر من القبول و الرضى، و كان ذلك حقا له بما حكم الله على أهل دينه لأهل دينه، من إثبات اسم الإيمان و الإسلام له فيما وجب من حق الولاية إن ثبتت هذه الأسماء عندنا، و تجب هذه الحقوق بما أظهر من الرضى، و يحسن به الظن فيما يغيب به من الأمور التي يلزمه أداؤه فيما بينه و بين ربه الوفاء بها، من ضمير القلوب و إخلاص النيات، و ما تحلى به العباد في سرائرهم و خلواتهم فيما بينهم و بين ربهم، حتى يزول عن ذلك بحدث يستحق به الكفر و الخروج من الإيمان، و تزول ولايته، و تجب عليه بحدثه البراءة عندنا فليزمه في ذلك ما يثبت عليه حتى يتوب و يرجع، فإن تاب و رجع عن حدثه أثبتنا له اسم الإيمان و حق الولاية، و إن كان ما أحدث شيئا لا يبلغ به الكفر، و لا يزول اسم الإيمان، أثبتنا له ما كان ثابتا من الحقوق، و لم يزل عنه اسم الإيمان، و لا حق يثبت له حتى ينقضي ذلك بحدث يخرج منه اسم الإيمان و حق الولاية، و يعلم أن من قبل منا دعوتنا، و رضي بما وصفنا له، و وافق سريرته و ضميره، ما أظهر بالوفاء بحقائق الدين في السر و العلانية أنه مستحق على الله ثواب المتقين في جنات النعيم، و فاز من عذاب الله الذي أعده للكافرين، و أن من أظهر الرضى و الموافقة لأهل العدل، و خالف إلى ذلك خلافا يستحق به الكفر، جزاه الله بعمله فيه، و صيره إلى الدرك الأسفل من النار، لأنه إنما يستحق النجوة على الله و يكون من (1/69)
صفحة 70
المؤمنين عنده بموافقته في صفته التي وصفها في كتابه و شرطه حيث يقول: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُومِنِينَ وَسَوْفَ يُوتِ اللَّهُ الْمُومِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (1).
فمن خالف هذه الصفة في السر و العلانية خرج من اسم الإيمان، و حرم عليه ثواب المؤمنين، و استوجب النفاق، و لم يغن عنه ما أظهر من الرضى و الموافقة للمسلمين، و كان المسلمون قد أدوا إليه ما وجب له عليهم من حق الولاية، و تسميته ببالإيمان حيث أظهر لهم الموافقة، و استخفى بغير ذلك، و إنما يتولى المسلمون من تولوا على ما ظهر لهم من الرضى، و ذلك حكم الله عليهم، فإن الله جعل الولاية فيما بين أهل دينه عليهم فريضة واجبة، حقا لازما، لا يعذرهم بتضييعه، و لا التقصير عن حفظ ما استحق عليهم من فريضة الولاية، و الألفة، و المحبة، و التراحم، و الاستغفار، و المودة، و قد وصف الله نبيه بذلك فقال: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ ذَالِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (2)،
__________
(1) - الآية مدنية رقم: 145، 146 من سورة النساء.
(2) - الآية مدنية رقم:29 من سورة الفتح. (1/70)
صفحة 71
ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ( ... لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (1)، و قال: ( ... وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) (2)
يقول: أنقذكم من الضلال بالهدى، و ألف بين قلوبكم و جعلكم إخوانا، يقول: جعلكم إخوة على نعمة الإسلام، و الإخوان هي الأخوة، و الألفة هي الاجتماع على دين الله و اجتماع ذلك كله الولاية، و قد وصف الله المؤمنين بما أثبت بينهم من الولاية، و بما كانت عليه و لا يتهم فقال: (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (3)، ثم قال: (أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (4).
و حق الولاية التسمية بالإسلام و الإيمان، و إيجاب الاستغفار و المعرفة له، و المودة و المحبة، و التضحية، و حسن الظن بأهل الدين، و البراءة: نفي الإيمان و التسمية بالكفر، و تحريم الاستغفار، و المعرفة له باستيجاب اللعنة و الغضب،
__________
(1) - الآية مدنية رقم:63 من سورة الأنفال.
(2) - الآية مدنية رقم:103 من سورة آل عمران.
(3) - الآية مدنية رقم:71 من سورة التوبة.
(4) - تكملة الآية رقم 71 من سورة التوبة. (1/71)
صفحة 72
و السخط و البغض، و العقوبة لمن استحق ذلك في نار جهنم، كما جعل الله الولاية فريضة واجبة ودينا مفروضا، أمر به المؤمنين فيما بينهم، و استحق حفظه على العباد، و حكم به عليهم، كذلك حكم على المؤمنين في واجب تنزيل الكتاب المحكم فريضة البراءة و العداوة، و تحريم الاستغفار و الولاية، و تحريم حقوق الولاية كلها من الولاية و المحبة في من زال عنه اسم الإيمان و الإسلام، و لزمه اسم الكفر و النفاق لأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلِ اِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (1)، يقول: إني بريء منكم ومن عملكم، و قال: (لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ) (2).
وقد وصف أهل النفاق و ولاية بعضهم لبعض، و ما توالوا عليه في آية محكمة ميّز فيها بينهم و بين المؤمنين في الأسماء و الصفة و النعت على الأعمال و الثواب، فقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنم بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (3)، ثم أخبر أنه وعدهم النار بما وصفهم من أعمالهم، فقال: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ... ) (4).
__________
(1) - الآية مكية رقم 216 من سورة الشعراء.
(2) - الآية مدنية رقم:22 من سورة المجادلة.
(3) - الآية مدنية رقم:67 من سورة التوبة.
(4) - الآية مدنية رقم:68 من سورة التوبة. (1/72)
صفحة 73
و قد وعد الله المؤمنين في صفته إياهم و نعته، أن لهم الجنّة.
و كما فرض الله على المؤمنين الولاية فيما بينهم، و فرض لبعضهم على بعض الولاية و الاستغفار، و جعلهم أولياء فيما بينهم بعضهم لبعض، فكذلك فرض عليهم تحريم الولاية لمن زال عنه اسم الإيمان، و لزمه اسم الكفر و النفاق، و تحريم الاستغفار، و استوجب البراءة منهم و الفراق.
و قد جعل الله الولاية و البراءة فريضتين واجبتين، لا يصل العباد إلى ما وعد الله من ثواب أهل الجنة و لا ينجون من عقاب النار إلا بمعرفتها، و ما كلف العباد من حفظها، و وجب عليهم أداؤها مع الذي كلفهم من طاعته مما سوى ذلك.
و قد استحق على العباد في تنزيل الكتاب، أن يحبوا من أحب الله من أهل الطاعة، و أن يبغضوا من أبغض من أهل المعصية، لأن الله يقول: (قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... ) (1)، و قال: ( ... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (2)، قال: ( ... فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... ) (3)، ثم وصفهم فقال:
( ... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ) (4)، و قال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (5)،
__________
(1) - الآية مدنية رقم:31 من سورة آل عمران.
(2) - الآية مدنية رقم:222 من سورة البقرة.
(3) - الآية مدنية رقم:54 من سورة المائدة.
(4) - الآية مدنية رقم: 111 من سورة المائدة.
(5) - الآية مدنية رقم:5 من سورة الصف. (1/73)
صفحة 74
فوصف أهل طاعته، و أخبر أنه يحبهم، ثم وصف من عصاه من هو مسخط له فقال: (ذَالِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) (1)، و قال: (وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (2)، و قال: (أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (3)، وقال: (اِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) (4).
و اللعنة من الله سخط و غضب و بغض، ومن لعنه الله، و أنزله منزلة أهل المعصية زال عنه اسم الإيمان و المحبة و الرضى، و كيف يحب الله عبدا هو عليه ساخط، أو يبغض عبدا هو عنه راض، و إنما خلق الله الجنة، و أعدها ثوابا لأهل دينه، و هم أهل الطاعة على طاعته، و أوجب لمن أسكنها من المطيعين رضاه و محبته، و رضى الملائكة و الأنبياء و الرسل و المؤمنين البغض لهم و السخط عليهم و اللعنة و الغضب، و أزال عن أهل النار منه الرأفة و الرحمة و الرضى و المحبة و العفو و المغفرة و جعلهم مخلدين في النار أبدا، ما دامت السموات و الأرض، إلا ما شاء ربك ليسوا بمخرجين منها.
__________
(1) - الآية مدنية رقم:28 من سورة محمد.
(2) - الآية مدنية رقم:93 من سورة النساء.
(3) - الآية مكية رقم:18 من سورة هود.
(4) - الآية مدنية رقم:64 من سورة الأحزاب. (1/74)
صفحة 75
و إنما قوله تبارك و تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الاَرْضِ) (1)، أنه لا يعجزه شيء يريده أو يشاؤه، و قد شاء ربنا و حكم في الكتاب المنزل أن أهل النار ماكثون في النار أبد الأبد، و أنهم لا يخفف عنهم من عذابها، و لهم فيها من المزيد من عذاب الله بضروب من ألوان العذاب أو النكال، و أن أهل الجنة أبد الأبد، لا تنفذ كرامة الله لهم و لا تزول عنهم، و أن لهم فيها من المزيد و ما اشتهت أنفسهم، قال الله تعالى:
(فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (2).
و كما أحب أهل الجنّة على طاعتهم له و جزاهم منه فيها الكرامة الدائمة، و أمنهم فيها من الأذى و النصب و المشقة و المكروه، كذلك أبغض أهل النار على معصيتهم إياه، و انتقم منهم بأشد العقوبة و النكال، و حرمهم الراحة و العافية، و ضاعف عليهم البلاء و المشقة، و كذلك حق على العباد أن يبغضوا أهل النار و من استحقها بعمله، و يحبوا أهل الجنة، و من استحقها بعمله.
و كما خلد أهل النار و أهل الجنة فيما أخبرنا به في تنزيل الكتاب، و جعل ثوابه و عقابه دائما لا يزولان عن أهلهما، كذلك حق على العباد أن يعرفوا و يصدقوا، أو ينفذوا فيه حكمه، و لا يشكوا في خلود أهل الجنة و خلود أهل النار، و أن يعلموا أن ما جاء من الروايات الكاذبة و الأحاديث المبتدعة أنه كذب و باطل،
__________
(1) - الآية مكية رقم: 44 من سورة فاطر.
(2) - الآية مذنية رقم 17 من سورة السجدة. (1/75)
صفحة 76
لا تقول عن النبيء صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله، و أن سنة النبيء صلى الله عليه وسلم موافقة لكتاب الله تعالى، لا يخالفه صلى الله عليه وسلم.
و قد يصف من جملة الإسلام الذي لا يعذر الناس بجهلها، و لا يثبت الإسلام لأحد إلا بمعرفتها، و هي معرفة الله، أنه واحد لا شريك له، ليس كمثله شيء، و معرفة البعث و الحساب، و أنه ثواب و عقاب، و أن محمدا النبي رسول الله صادق، و أن ما جاء به حق، و معرفة من كذب على الله باستحلال حرام أو حرم حلالا، أو أصر على ذنب، فأبى أن يتوب و امتنع، و معرفة أن هذا واجب عليهم علمه، و لا يسعهم جهله و لا شيء منه.
فهذه الجملة يكلف الناس معرفتها، و يعذرون بجهل ما سواهما إذا عرفوا هذه الجملة، و تمسكوا بها.
و إن على من جهل ما عذر بجهله ألا يركب ما لا يعلم من الحرام.
فمن أظهر القبول لهذه الجملة و المعرفة لها على ما وصفنا في غير حدث منه يستحق به الكفر سميناه مسلما، و أوحينا ولايته، و حقه في غير حدث منه يستحق به ذلك.
و من جهل أمرا قد ادعى علمه، أو جحد أمرا قد أظهر القرار به، أو دافع الحق بعلم يكفر به، و قد كان له مجتنبا، و عنه كافا لا يسع الراجع بعد ادعاء العلم إلى الجهل و الشرك، و لا الجحود بعد الإقرار، و قتله بشيء من الحق، و المباشرة من الأعمال في حال الجهل بما يكفر العالم و العمل. (1/76)
صفحة 77
و على من لا يعلم أن يقف عن ما لا يعلم من الكذب، و ليس عليه أن يعلم أن الوقوف عليه مفروض واجب، إذا هو كف حتى يتبين و يسأل و يعلم، كما كان الناس يسلمون عند النبيء صلى الله عليه وسلم بغيرها، و لم يكن النبيء صلى الله عليه وسلم يعذرهم بجهلها، و لا جهل شيء منها، لأنه قد كان حكمه ظاهرا، و لم يكن من أهل هذه الجملة شك في مستحل الحرام.
و قد كلفنا حيث ظهر أحكام الجور، و عذر أهل هذه الجملة بالشك في المستحيل الحرام، و هم على جملتهم أن يظهروا لنا ما كانوا مكلفين لهم في أصل إيمانهم، و انقطاع الشك في المستحلين ليكون ذلك علما ثابتا ثبتت به ولاية من عرفنا بذلك.
و قد وصفنا جهل الفرائض التي عذرناه بجهلها، إذا عرف الجملة، لأنه يسعه جهلها، كما وضع النبيء صلى الله عليه وسلم عن من عرفها أو قبلها ما وضع من الفرائض إذا عرفوا جملته صلى الله عليه وسلم، فهو الحجة عليهم في معرفتها.
و هي فرائض المواريث، و فرائض الصلوات و الزكاة، و المناسك، و موقع الحدود على السارق و الزاني، و القاذف، و القاتل، و تحريم الخنزير و الخمر و شبه ذلك، مما ليس في العمل فريضة واجبة في وقت محدود و معلوم، تلزمه فريضته عند حضور وقته، و ينقطع عذر من ضيعه، بعدم لزوم فرائضه، شبه الصلاة و الصيام، فإن للصلاة وقتا محدودا معلوما في الركوع و السجود، و التكبير، و الوضوء، يلزمه عند حضور وقتها، أن يؤديها تامة كاملة، فمن لم يؤدها هند لزوم فرضتها، و عند حضور وقتها بكمالها لم يعذر، جاهلا كان أو عالما. (1/77)
صفحة 78
و كذلك الصيام له وقت معلوم و شهر معروف، فمن لم يصم أيام ذلك الشهر و أفطر في رمضان لم يعذر جاهلا كان أو عالما، و لم يجعل الله للجاهل عذرا في ترك الفرائض عليه في الصلاة و الصيام بجهله، و لم يجعل للعالم في علمه، و العالم و الجاهل منقطع عذرهما، و قد جرت فريضة الصلاة و الصيام و شبههما من الفرائض على الجاهل الذي قبل هذه الجملة و لم تفسر له، فإن وفقه الله و أراد عونه و رشده أهداه، و إن مر به الوقت فضيع الصلاة و ما لزمه من فريضتها انقطع عذره.
و قد عذر الله في كتابه من تفقه في الدين، ممن لا يعلم، ممن قبل جملة دين النبيء صلى الله عليه وسلم، و ثبتت ولايته عند النبيء صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى عذرا لمن لا يعرف من ضعفاء المسلمين: ( ... لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ .. ) (1)، و قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (2).
و قد يسأل السائل من ضعيف المسلمين العالم عن ما لا يعلم، شبه ما وصفنا من قسمة المواريث، و فرائض الزكاة، و علم المناسك و مواضع الحدود، إلا أنه قد كان سائل المسلمين العالم يسأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فيعذره بالمسألة.
و كما وصفنا من جملة ديننا، و فسرنا، هو دين الله و عدله، و دين الملائكة و الأنبياء و الرسل، و إن على الناس تصديق هذه الصنفة الموافقة لدين الله فيما دعونا إليه من عدلهم، و الإجابة لهم، و مجامعتهم، و معاونتهم، و إيجاب حقوقهم، و تفضيلهم لعدلهم، و خلاف من خالفهم و الفراق لهم، و البراءة منهم، من عرف الإسلام
__________
(1) - الآية مدنية رقم 122 من سورة التوية.
(2) - الآية مكية رقم 43 من سورة من سورة النحل. (1/78)
صفحة 79
و جامع المسلمين عليه و هو في دار التقية عذر بالتقية و الإقامة بين أظهر أهل الجور؛ لأن الله قال: (اِلآَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) (1)، و قال: (إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ) (2).
فالتقية رخصة من الله جعلها الله عذرا للمسلمين، و رحمة اختصهم بها، و استنقذهم بها من الهلكة، و الولاية متصلة بين المسلمين على صفة الإسلام، و لا تثبت الولاية و الاستغفار لأحد في حال التقية و في حكم الجور، إلا من عرفوه موافقا لهم، و لا يلزمون أحدا البراءة و ينفون عنه اسم الإيمان إلا من عرفوه بالخلاف لهم، و من لم يعرفوه موافقا لهم، و لا مخالفا كفؤا عنه و لا يبرؤون، و لا يتولون حتى يعرفوه، و يشهدوا عليه كما قال الله: ( ... إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (3)، و قال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ) (4).
و إذا ظهرت دعوة المسلمين، و قهروا الناس بحكمهم؛ سمّوا من كان في حكمهم بالإسلام، و أثبتوا ولايته و الاستغفار له، فإن وقع واقع بحدث أقاموا عليه حكم ذلك الحدث، و كذلك كان الناس في حكم النبيء صلى الله عليه وسلم، و في حكم أبي بكر و عمر، و في حكم من حكم بعدهما بالعدل و تمسك به.
فلما بدلت الأحكام، و ظهر الجور و الظلم، و قهر أهل العدل، لم يتول المسلمون إلى على صفة العدل، و لم يبرأوا إلا على صفة الجور، و كفوا عمن لا يعرفون منه
__________
(1) - الآية مدنية رقم28 من سورة آل عمران.
(2) - الآية مكية رقم 106 من سورة النحل.
(3) - الآية مكية رقم 86 من سورة الزخرف.
(4) - الآية مكية رقم 36 من سورة الإسراء. (1/79)
صفحة 80
صفة عدل و لا جور يتولونه عليه، أو يبرأون منه عليه حتى يظهروا على واحد منهما، و هو على عدل ثبت الله به المسلمين، و وفقهم له.
و قد حمل المسلمون الشهادة على من شهد في أول الحدث، ممن أحدث أنهم أهل الحدث بأعيانهم و أسمائهم؛ فقبل المسلمون الذين لم يعاينوا أول الحدث ممن أحدث و لم يشاهده، مما عاين و شاهد من المسلمين شهادتهم، فسموا أولئك الحدث، و نسبوهم إليه، و برئوا منهم عليه بالشهادة على الصفة و النعت، و ليس بعذر من يعلم، و رجع عن قبوله لتلك الشهادة، لأنه على أن شهادته يجوز حملها و الرجوع عن عملها، و إنما كلف الناس الولاية و البراءة على الصفة.
و كذلك ينبغي في الحق أن تقبل شهادة المسلمين، لأن الله يقول: ( ... يُومِنُ بِاللَّهِ وَيُومِنُ لِلْمُومِنِينَ ... ) (1)، و الإيمان للمؤمنين التصديق لهم، و قول، و صفة العدل.
و صلى الله على محمد النبيء و آله و سلم تسليما.
تمت صفة الإسلام عن وائل بن أيوب رحمه الله.
و أما الذي يستسره فاسق من الفساق بسر، و يقدم عليه أن لا يخبر به أحدا، قلت: أيلزمه في هذا أمانة لهذا الفاسق ألا يخبر بسره، كان هذا السر مما يعاب فيه بعض المسلمين أو يريد أن يفعل ما لا يحل له، أو لا يلزمه في ذلك شيء؟
__________
(1) - الآية مدنية رقم 61 من سورة التوبة. (1/80)
صفحة 81
فاعلم رحمك الله أنه إذا تقدم عليك بذلك، و قيل له بذلك فقد واعده على ذلك، و لا يجوز نقض العهد إلا أن يكون في ذلك معصية، فنقض العهد في المعصية جائز؛ لأنه قد قيل: إن ذلك لازم أن ينقض كل عهد على معصية أو في معصية، و من المعصية أن يكتم له ما يريد أن يفعل ما لا يجوز له، و يريد أن يكتم له ذلك، فهذا عليه إعلامه، و أما ما كان يعيب فيه أحدا من المسلمين، بلا أن يدخل على المسلمين في ذلك ضرر يخافه منه عليه فذلك كتمانه واجب عليه من وجهين، لأنه لا يذاع عن مسلم عيب على كل حال.
و سألته، هل يسع الإنسان أن يهمل النية عن الجهاد، لأنه ييأس من ذلك؟ قال: لا، بل ذلك فريضة، عليه أن يحدد النية و لا ييأس، فيهلك بترك النية للفرض.
قلت: و كذلك لو كان فقيرا لا يستطيع الحج فأهمل النية عن الحج لإياسه من الاستطاعة إلى الحج؟ فقال: نعم، و عليه أن يجدد النية متى وجد الاستطاعة إلى الحج، فإنه يحج و لا يهمل النية عن الحج.
قلت: و كذلك لو كان آيسا لا يرجو تعليم القرآن، و فقيرا عاجزا عن التعليم، فأهمل النية إياسا منه؛ لأنه ليس في مقدرة من تعليم القرآن و من جهة الفقراء، أو ممن قد أيس من التعليم؟ قال: لا يسعه ترك النية لتعليم القرآن، و قال: تعليم القرآن فريضة، فإذا تعلم بعض الناس القرآن و حفظوه سقط عن الباقين.
قلت: و كذلك عليه النية لتعليم العلم، و إن كان في منزلة من قد أيس؟
قال: نعم. (1/81)
صفحة 82
قلت: و كذلك لو كان له أرحام لا يعرفهم أو في موضع لا يمكنه الوصول إليهم إياسا منه، لأنه لا يجد من يعرفه إياهم، أو أنه لا يستطيع الوصول إليهم؟ قال: لا يسعه ترك النية عن صلة أرحامه، فيكفر، و عليه الاجتهاد، و تجديد النية.
قلت: و كذلك لا يجوز أن يقطع النية عن التزويج؟ قال: نعم و ليس بفرض.
قلت: فإن كانت عنده زوجة واحدة فعليه أن يزداد تزويجا؟ قال: إنما المراد أن يحصن، و هذا قد أحصن بواحدة.
قلت: و كذلك عليه أن لا يقطع النية عن أبواب البر من النفل و التطوع و السنن، و إن كان هو في منزلة من لا يرجو ذلك لعجزه عنه في الوقت؟ قال: عليه أن ينوي كل أبواب الطاعة و لا يقطع النية عن ترك شيء من الطاعة إياسا منه؛ فيهلك بسوء نيته، لأن ذلك الذي قد ايس منه لا يعزب على الله أن يرزقه و يأتيه منه لطيفة يستطيع بها ما يرجوه، و الله على كل شيء قدير.
فإذا أيس فقد أساء ظنه بالله، و لكن عليه أن يجدد النية و يؤمل جميع الطاعات و يسأل الله التوفيق على الاجتهاد في فعل الطاعة، يستقيل من فعل كل ما يلزمه في حال تأتيه قدرة الله على فعله، و يلزمه إياه من فرض أو سنة أو تطوع مما أمر الله به، و ارتضى فعله من عباده، و وعدهم المجازاة عليه. (1/82)
صفحة 83
فعلى الإنسان أن لا يقطع نيته عن كل ما يرضي الله، و إن كان عاجزا عنه في الوقت، فإن الله قادر أن يوجده
أو يأتيه من حيث لا يحتسب، فلا يقطع نيته عن رجائه لفضل الله، و يحسن ظنه بالله، و متى لم يحسن ظنه بالله هلك.
و من غيره قلت: و كذلك إن كان معه مال إذا أنفقه قدر به على إخماد الباطل و إحياء الحق على هذه الصفة، إذا كان إذا باع من ماله، و أنفق يفي منه ما يكفيه عوله و عول من يلزمه عوله، كان عليه القيام بذلك؟
قال: نعم، ثم تلا هذه الآية: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمُ أَغْنِيَآءُ) (1)، و رأيي: عليه أن يقوم بماله إذا كان إذا قام بماله استحاش له نصف أهل الحرب كان عليه أن يقوم بذلك و لا عذر له بترك القيام بالقسط و هو يقدر عليه.
و من غيره قال: و يروى، و الله أعلم: أن النية الصالحة أحب إلى الله من العمل.
قال أبو سعيد رحمه الله: إن من نية المؤمن أن لو قدر ملأ الأرض عدلا و لم يعص الله أحد طرفة عين إلا أخذ على يده. قيل: فإن جهل اعتقاد النية في هذا؟
__________
(1) - الآية مدنية رقم:93 من سورة التوبة. (1/83)
صفحة 84
قال: معي أنه إذا علم لزوم ذلك، أن عليه أن يعتقد ذلك في حال قدرته كله، فكل ما خطر بباله من الإيمان مما عليه اعتقاده و العمل به، أن لو قدر عليه عليه اعتقاد النية إذا علم معنى اللزوم من القدرة.
قلت له: فهو معذور بجهل اعتقاد النية إذا لم يعلمه؟
قال: معي أنه إذا كان مؤمنا فهو في حال الاعتقاد، ما لم يمتحن بذلك و تنزل بليته:
و عن قول الله عزوجل: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) (1)، المعنى فيه أنه الهادي لمن في السموات و الأرض، و معنى قول الله تعالى في كل مكان، أنه تدبيره في كل مكان، ليس أنه تحويه الأماكن.
و سألته أن يقال: يا من احتجب بقدرته عن أعين الناظرين، قال: لا، لأن القدرة ليس من غيره و ليس هو مما يتوارى أو يحتجب.
قلت: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ) (2)، قال: معناه المنع لهم عن رؤيته ليس دونه حجاب يستره.
و سئل ما على العبد أن يطلبه من المعاش؟ قال: عندي إن كان من معاش نفسه، فعليه أن يطلب ما يحيى به نفسه و لو لم يجب عليه أداء فريضة، فإذا وجب عليه أداء الفرض كان عليه أن يطلب من المعاش ما يؤدي فرائضه إذا قدر على ذلك.
__________
(1) - الآية مدنية رقم:35 من سورة النور.
(2) - الآية مكية رقم:51 من سورة الشورى. (1/84)
صفحة 85
و عن رجل أخذ من رجل شيئا و هو يرى أن ذلك الشيء لغيره، و أنه عليه حرام، و أصر عليه، و لم يتب منه حتى مات، و لم يعلم به الذي أخذه منه، و كان الشيء الذي أخذه، و هو الحلال، أيكون هالكا أم لا؟
[قال]: فالذي عندي، أنه مات على نية السوء، و الله أعلم به، و هو على حاله الأول.
[و قد قيل]:لولا أربع لهلكت الأمة: التوبة، و الرخصة و التقية و الوقوف.
و سألته عن قص الشارب، و حلق العانة، و نتف الإبط، و قلم الأظفار، هل في ذلك حد؟ فقال: ليس في ذلك حد إلا على ما أمكن.
و سألته عن من يمكنه استعمال النورة، هل يجزيه أن يزيل العانة بموسى أو مقص، و يكون ذلك مجزيا له عن النورة، أمكنه استعمالها أو لم يمكنه، أم لا يجوز له ترك استعمال النورة على الإمكان، و كيف الوجه في ذلك؟
قال: معي: إن السنة في حلق العانة بالنورة، و قد قيل: لا يقصد مخالفة ذلك ما وجدت النورة، فإن لم توجد و احتاج المسلم إلى إزالة ذلك بغير النورة فأشبه ذلك الحلاقة من المقص عندي.
و سئل عن رجل كثير الشعر في بدنه، و صدره، و ظهره، و رجليه، هل إذا تنور أن يحلق شعره كله، إنما عليه أن يحلق موضع العانة وحدها؟ (1/85)
صفحة 86
قال: معي: إنه قد قيل، يؤمر بالتطهر من جميع ذلك.
و أما ثبوت السنة المؤكدة، و ما جاء به الأثر من حلق موضع الفرجين و ما أشبههما، و ما قرب منهما.
قلت: فما حد الفرجين في حلق العانة؟ قال: معي: إنه موضع الفرجين و ما بينهما على ما أقبل إليهما من الأليتين و الأنثيين من الرجل. و ما جاء في الأثر: أن ما ينقض مسه الوضوء فهو شبيه عندي بالفرجين، فقد قيل بهذا كله، أنه إنما ينقض الوضوء، و قد قال: من قال: ما مس الذكر و الأنثيين من الفخدين، فهو مما ينقض الوضوء فإذا ثبت هذا أشبه عندي بحلق العانة.
و من غيره في المرأة.
قلت: فتحلق صدرها إن كان فيه شعر؟ قال: هكذا عندي، و قد قيل: إن بلقيس أمرت بحلق ساقيها.
و في امرأة لها من الرجال من لا يجوز له نكاحها، مثل أخ من الرضاعة، أو أب لزوجها، أو ربييها هل لها أن تستتر من هؤلاء، أم ليس لها ذلك و لا عليها؟
فعلى ما وصفت فعندي: أنه يجوز لها البروز بهم، و ليس لها أن تستتر عنهم، لأنها قد أبيح لها ذلك.
و اعلم أن صلة الأرحام و حسن الجوار يثري المال و يحسن الحال و يعمر الديار، و يزيد في الأعمار، و من ترك ذلك تقطعت به الأسباب، و كان أمره في تباب. (1/86)
صفحة 87
و سألت رحمك الله –عن رجل يقول الحمد لله بما حمد الله نفسه، و سبح به نفسه، و هلل به نفسه، فحق ما قال؟
و المعنى أنه هو ليس له نفس، كما يقول القائل: هذا الثوب نفسه و هذا الحجر نفسه، فالمعنى في ذلك أنه هو.
و عن رجل أحل رجلا، أن يدخل عليه بغير إذن، هل يجوز له أن يدخل عليه بغير إذن؟
قال: عندي: أنه يختلف في ذلك، فقال من قال: يجوز له، و قال من قال: لا يجوز، و يعجبني إذا كان في المنزل من يجوز له مساكنته إجازة ذلك له.
قلت له: فإن قال له: قد أسكنتك في منزلي هذا؟ قال: معي أن ذلك جائز أن يدخل بلا إذن، و السكن عندي أقرب من الحل.
قلت له: فالإدلاء مثل الحل في الإجازة في الإذن؟ قال: عنده أنه ليس مثله إلا على ما يخرج في اعتبار الداخل في حينه ذلك و وقته، و أن المدخول عليه حاله فارغا، ليس عنده من يجب عليه ان يستر عن الداخل، فأحب أن يجوز ذلك، على حسب الاطمئنانة.
و من جواب لمحمد بن جعفر.
و عن الرجل يجوز له أن ينظر إلى أم امرأته، و هل يمس بدنها و تمسه، و يركب معها؟ (1/87)
صفحة 88
فأقول: إذا احتاج إلى ذلك فلا بأس عليه من مس بدنها بلا شهوة، و النظر إليه إلا الفرج، و له أن يحملها في السفر، فهذا الذي لا أراه يحرم عليه و لا عليها عند الحاجة، و ما لم تكن حاجة إلى ذلك فلا أحب أن أجيز له فيها و لا في غيرها من حرمة إلا زوجته و سريته، و الربيبة مثل أم زوجته.
و عن الرجل يحلق أسفل لحيته؟ قال: لا إلا أن يكون شيء في حلقه فلا بأس.
قلت له: و كذلك هل يجوز لأحد أن يجيء بالصدقة إلى فقير، فيخدع باب الضعيف أو يفتحه أو يتقحم على البيت و هو ناعس.
قال: أما من طريق السكن فلا يعجبني ذلك، و أما على معنى إدخال البر عليه مما يدخل من الكرامة، بإجابته لمعانيه، فأرجو أن ذلك جائز إن شاء الله، و لم نره يرى عليه إثما في ذلك.
قال في الخبر: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، و لا يعطي الآخرة إلا من يحب.
و سألته عن المحروم في القرآن ما معناه؟ و من هو؟
قال: قد اختلف في ذلك، فقال بعض: المحروم [الذي لا يجد رزقه]، و قال آخرون: المجازف في رزقه، قلت: فما معنى قول الله: ( ... وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ... ) (1)؟ قال: القانع الراضي بما يدفع إليه، و المعتر: هو الذي يدور على الأبواب.
__________
(1) - الآية مدنية رقم: 36 من سورة الحج. (1/88)
صفحة 89
و ذكرت في رجل له أخ من الرضاعة و قريب من الجوار، ثم إنه اطلع عليه، بأمر بينه و بين عمته امرأة أبيه، أنكره عليه و كان يتكلم فيها، فلما رأى أخوه هذا منه إلى عمته- لعله حققه عليه- من غير أن يرى فاحشة بعينها، و لكنه رأى دون ذلك مما يدل على التهمة، فلم يتمالك إلا أن أنكر عليه فهجره و اتخذه عدوا، و دام على ذلك، قلت: أيسع هذا أن يهجر على مثل ذلك، و يمقته، و لا يبالي به، أو لحال الجوار، و الإخاء يكلمه، و لا يسعه يهجره.
فعلى ما وصفت فلا يهجر أخاه، أو جاره، فيما يلزمه له، وينزله منزلته، و يقال: ما كافأنا من عصى الله فينا بمثل أن نطيع الله فيه، و لا راوده على معصية يقدر على إنكارها عليه، و قال الله عزوجل، فيما أخبر عن لقمان عليه السلام: (يَا بُنَيِّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ ... ) (1)، و لا يهوله في الله هجرانه، و لا يكافئه إلا بما يستحقه من عداوته بما يستحق، و يؤدي من حقه ما يلزم و لا توفيق إلا بالله.
قال النبيء صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، إنكم في زمان هدنة، و إنكم ظهر سفر، و السير بكم سريع، و الليل و النهار يبليان كل جديد، و يقربان كل بعيد، و يأتيان كل وعيد، فأعدوا الجهاز لبعد المفازة.
و قال له المقداد بن الأسود: يا رسول الله، و ما الهدنة؟ قال: دار بلاء و انقطاع
__________
(1) - الآية مكية رقم:17 من سورة لقمان. (1/89)
صفحة 90
فإذا التبست عليكم الأمور فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، من جعله إمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار، و هو الدليل إلى خير سبيل، له ظاهر و باطن، فظاهره حكم و باطنه علم، فظاهره أنيق و باطنه عميق، فيه مصابيح الهدى و منار الحكم.
فإذا خرجت من منزلك فلا تغفل عن ذكر الله، فإن ذلك يبعد عنك الشيطان، و تحف بك الملائكة، و تقضي به حوائجك.
و قيل: من خرج بغير ذكر الله تحف به الشياطين و تباعد عنه الملائكة.
و قيل: إذا قال الإنسان عند خروجه من منزله: بسم الله، قالت الملائكة: هديت، فإذا قال: توكلت على الله، قالت: وقيت، و إذا قال: لا حول و لاقوة إلا بالله، قالت الملائكة: كفيت، فيقول الشيطان: كيف لي بعبد قد هدى، و وقى، و كفى.
و عن أبي هريرة: عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بهؤلاء الكلمات الخمس: سبحان الله، و الحمد لله، و لا إلاه إلا الله، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنهن خفيفات في اللسان ثقيلات في الميزان، و يرضين الرحمن، و يطردن الشيطان، و هن كنوز الجنة، و هن الباقيات الصالحات التي قال الله [فيها]: ( .. خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) (1).
__________
(1) - الآية مكية رقم:76 من سورة مريم. (1/90)
صفحة 91
و عن رجل يقرأ القرآن و عليه ثوب نجس أو ثيابه جميعا.
قلت: يجوز له أم لا؟ فقد أجيز ذلك و كرهه بعض.
و القراءة أحب إلي من تركها، و من أجل ذلك يستحب للرجل إذا قعد عند من يقرأ سورة أن لا يقوم حتى يتم قراءته أو يسكت.
و عن من يكون خلف جنازة فيسلم عليه، هل يرد على من سلم عليه؟
قال جابر بن زيد: لا يتكلم خلف الجنازة.
قلت: فإن رد السلام عليه، أيأثم أم لا؟ قال: لا.
و قال الربيع: و من دعائم الدين القيام بالحق على نفسك و غيرك، و العقود عن مأكل نفسك و غيرها، و المودة لأهل طاعة الله، و البغض لأهل معاصي الله.
و من غيره – معي أنه يخرج في بعض الروايات، و أحسب عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: إقرأ القرآن بأي حال شئت إلا جنبا، و بأي حالة كنت فيها إلا جنبا، و ادخل المسجد في أي حالة شئت إلا جنبا، و احمل المصحف في أي حالة شئت إلا جنبا، و إن معنى الرواية يدل على إطلاق هذه المعاني للإنسان، إذا لم يكن جنبا.
و معي: أنه قد قال من قال: إنه ما لم يكن على طهر تام و وضوء تام كالوضوء للصلاة أنه بمنزلة المحدث.
و أما الحائض و النفساء و الجنب فيخرج عندي في معاني القول إنهم لا يقرأون القرآن إلا من عذر أو لعذر، و ألا تخرج قراءتهم على التعمد بمعنى الإساءة، و عليهم التوبة من ذلك، إذا ثبت عليهم معنى الإساءة. (1/91)
صفحة 92
و معي: أنه ما قيل في العذر لهم في ذلك أن يقرأ الواحد منهم الآية أو بعضها، و لعله الآيتين- يتأنس بذلك عند الوحشة.
و يعجبني أن يكون له ذلك عند طلب ما يلزمه عمله من تلاوته القرآن، من التوحيد و الوعد و الوعيد، أو شيء مما يلزم، فإذا لم يبلغ إلى علم ذلك إلا بالتلاوة كان ذلك عندي عذرا.
و كذلك تعليم من يلزمه علمه إذا لم يقدر عليه إلا بالتلاوة كان ذلك عندي من العذر.
و عندي: أنه قيل: إن لهم أن يتلوه بأنفسهم بلا أن يحركوا به ألسنتهم؛ و لا إثم في ذلك، لأن ذلك ليس بكلام، و إن لم يكن بكلام فليس بقراءة.
و معي: أنه يخرج أنهم إذا لم يبلغوا إلى تذكرة ذلك بغير تلاوة، و خاف أحدهم أن ينسى مما قد يعلم من ذلك إذا لم يتعاوده بالتلاوة في ذلك الوقت، و رجا أن يذكر علم ذلك بالتلاوة له.
فعلى قول من يقول: إنه إذا ترك ذلك حتى ينساه أثم، فقراءته له مباحة بمعنى خروجه من الإثم إلى ما لا يلزمه من الإثم، لأنه لا يستقيم أن يلزمه شيء يؤثمه و لا يؤثمه ترك شيء يقدر عليه فلا يلزمه، فهذا عندي يخرج في معاني هؤلاء في قراءة القرآن على هذا النحو.
و من بعض الكتب:
و كل وصف لله في القرآن بأنه قريب، فإن معناه قريب الإجابة و الرحمة (1/92)
صفحة 93
و ليس يعني أنه قريب بالمكان، لان الله ليس بمحدود، و لا يحتاج إلى مكان، و لا يحل في مكان.
و عنى بقوله تبارك و تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (1)، أن ربي في تدبير أمور عباده على أمر مستقيم و طريق مستقيم، لأنه ليس في تدبيره خلل و لا تفاوت، و لا في ذلك باطل و لا فعل قبيح، لأن من كان في علمه و تدبيره الباطل و الفساد لم يكن طريقه في أفعاله و تدبيره مستقيما.
و عنى بقوله عزوجل: ( ... اِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (2)، إن ربي يحفظ كل شيء و يحوطه، و معنى يحفظه و يحفظ عليه واحد، و الله لا يحتاج إلى شيء ليحفظه و لا ليحوطه، فلا يضيره هلاك و لا معاصي الخلق له.
و قال ناسخ هذا الكتاب: في هذه المسألة اختلاف كثير، فكتبت منه أرخص شيء و أشد شيء، و الله أعلم.
و السلام: أهو فريضة أو نافلة؟
فقد قالوا: إن السلام طاعة و الرد فريضة.
و قالوا: يسلم على المرأة إذا عرضت، فإن لم يسلم عليها فلا بأس، و كذلك الصبي و كذلك المملوك، و أما أهل الريب فإذا رآهم منكر لا يسلم عليهم و لا كرامة لهم، بل المقت لهم و الإعراض عنهم أولى بهم.
__________
(1) - الآية مكية رقم:56 من سورة هود.
(2) - الآية مكية رقم 57 من سورة هود. (1/93)
صفحة 94
و عن امرأة تجعل جلبابها رقيقا فينظر من ذلك نحرها، أو ما شاء الله من صدرها؟ فلا يجوز ذلك لها، و لا لمن ينظر إليها إلا أن يكون ذا محرم، فإن فعلت ذلك، و نظر إليها الناس فهي آثمة في ذلك منافقة.
و قيل: أيجوز للنساء أن ينظرن إلى أيدي النساء و أرجلهن؟ فنعم يجوز ذلك للنساء، أن تنظر المرأة من المرأة من السرة فصاعدا، و من الركبة هابطا، و يكره لهن التبرج إلا مع أزواجهن.
و هل يجوز للرجل أن يبرز فخذه للضيعة؟ فلا يفعل ذلك و لا يجوز له، إلا أن يكون مستترا عن الناس، و لا يراه أحد إلا زوجته أو أمة يطؤها.
و عن رجل فتح باب منزله فكلم رجلا على الباب، فالتفت الرجل فنظر داخل منزله أو سلم عليه من ظاهر منزله، و نظر ظاهر منزله.
فقد قيل: إن ذلك لا ينقض صيامه و لا وضوءه حتى ينظر حرمة مما لا يجوز له أن ينظر إليها في الطريق.
و قيل: يسلم القليل على الكثير، و الصغير على الكبير، و الراكب على الماشي، و الماشي على القاعد، و الماشيان أيهما ابتدأ بالسلام كان أفضل.
و قيل: إذا سلم الرجل على الجماعة فرد أحدهم فقد أجزى منهم أو كانوا جماعة، فسلم أحدهم فقد أجزى أحدهم عنهم، و قيل غير ذلك. (1/94)
صفحة 95
و في وصية النبيء صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك: « ... و سلم على أهلك إذا دخلت عليهم يكثر خير بيتك، و لا تسلم على قوم يصلون، و لا على المشركين، فإن سلم المشرك فقال: السلام عليك، فرد: وقل: و عليك، فإن الله هو السلام، و لا تسلم على المصلي و هو في الصلاة، فإن سلم عليه مسلم فليحفظ ذلك، فإذا قضى صلاته فيستحب أن يرد عليه السلام، حضر أو لم يحضر.
- و من غيره –
و من جامع أبي الحسن، و قد قال أصحابنا: إنه من سلم عليه و هو يصلي، فإذا قضى الصلاة يرد على من سلم عليه، و بعض لم يوجب عليه ذلك، على ما عرفت إذا مضى من سلم.
رجع إلى الكتاب.
قلت: فهل يجوز لرجل أن يسلم على امرأة، و يضع يده على يدها من تحت الثوب أو فوقه؟
فأما من تحت الثوب فلا يجوز له، إلا أن تكون ذات محرم منه، لا تحل له، و لا يحل لها، فقد أجازوا له ذلك.
و قد بلغنا عن أبي عبد الله بن عبيد رحمه الله أنه مد يده إلى امرأة- و حسب أنها من خراسان من المسلمين- ليرحب بها، فقالت: أكرمك الله و نحن نساء لا نرحب بالرجال. (1/95)
صفحة 96
و عن رجل أسكن عبده أو أمته بيتا له هل له أن يدخل عليه بلا إذن منه؟
فإن كان لأمته زوج، أو لعبده زوجة لم يدخل عليهم إلا بإذن، فإن لم يكن لهما أزواج فلا يدخل عليهم حتى يكون منهم ما يعرفون بدخوله، فيستترون منه، إلا أن يكون أمة يحل له وطؤها، فإن تلك يدخل عليها كلما شاء.
و من الجامع:
و ما تفسير ما رخص الله للمؤمنين، الأكل مع الأعمى، و الأعرج و المريض، فإنه لما نزلت: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ... ) (1)، قيل: قالت الأنصار: ما بالمدينة مال أعز من الطعام، و كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى الذي لا يبصر موضع الطعام، و يتحرجون أن يأكلوا مع المريض، يقولون: لا يستطيع الأكل كالصحيح، و الأعرج يقولون: يسبقه الصحيح إلى المكان و لا يستطيع أن يزاحم، و يتحرجون أن يأكلوا في بيوت آبائهم و أصدقائهم، فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ عَلَى الاَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمُ أَن تَاكُلُواْ مِنم بُيُوتِكُمُ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمُ ... )، و قال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَاكُلُواْ جَمِيعًا اَوَ اشْتَاتًا ... ) (2)، وذلك أنهم كانوا إذا سافروا جعلوا طعامهم في مكان واحد، فإذا غاب أحد منهم لا يأكل حتى يرجع مخافة الإثم، و كان ناس منهم لا يأكلون وحدهم حتى يأتيهم من يأكل معهم، قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَاكُلُواْ جَمِيعًا اَوَ اشْتَاتًا ... )، فإذا غاب أحدكم فليأكل إذا جاء، و قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ ... ) (3)، [أي] لغيركم، (وَزِنُوا بِالْقُسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) (4)، و القسطاس: الميزان بلغة الروم [معرب]، و قال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ... ) (5)، قيل: هي الخانات على طريق فيها متاع لكم من البرد و الحر.
و قال ابن عباس رحمه الله: ترك الناس من كتاب الله عزوجل آية لا يعلمون بها، من ذلك: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَاذِنكُمُ الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ... ) (6)، (وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُواْ) (7)، [أي] كلما دخلوا.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 29 من سورة النساء.
(2) - الآية مدنية رقم 61 من سورة النور.
(3) - الآية مدنية رقم:35 من سورة الإسراء.
(4) - رقم الآية السابقة و ن. س.
(5) - الآية مدنية رقم:29 من سورة النور.
(6) - الآية مدنية رقم:58 من سورة النور.
(7) - الآية مدنية رقم:59 من سورة النور. (1/96)
صفحة 97
و عن أبي ذر الغفاري قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بست خصال: النظر إلى من هو دوني، و لا أنظر إلى من هو فوقي، و أو صاني بحب المساكين و الدنو منهم، و أوصاني أن أصل رحمي و لو أدبروا عني، و أوصاني أن أقول الحق و لو كان مرا، و أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، و أو صاني أن أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعن موسى بن جابر: و إذا تنازع المسلمون في الدين و الرأي فالحق عليهم أن يرجعوا إلى ما أمروا به من شرعة الله و جملة الإسلام، فيأخذون به و يجتمعون عليه، و أن يقولوا: فيما حدث بينهم و تنازعوا فيه: ديننا فيه دين المسلمين، و رأينا رأيهم، فإذا فعلوا ذلك لم يضلوا و لم يزلوا، و لكل امرئ فضيلة و بصيرة في العلم و العمل، و تجمعهم جملة الإسلام التي أقروا بها و دخلوا فيها، و هي التي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليها، فمن صدق بها و دخل فيها و قبلها و عمل بها سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما مؤمنا، ومن مات عليها أو قتل و جاءه خبره من السماء أنه من أهل الجنة، فذلك الهدى و الحق و الطريق المستقيم، و ما أحدث الناس فيما تدعون إليه و يتداعون به إن عمى عليه أحد فردّ أمره إلى الله سعدوا و أصابوا، (1/97)
صفحة 98
و قال الله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... )، و قال: ( ... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً).
و جاء الأثر عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رفع القلم عن أمتي الخطأو النسيان و ما استكرهوا عليه»، و هو كذلك عندي، و الله أعلم.
و جاء في الأثر في تأويل ذلك: أن النسيان هو أن ينسى العبد شيئا من فرائض الله التي أوجب عليه فعلها، فهو سالم لنسيانه ذلك في جميع الفرائض، من صلاة أو زكاة أو غير ذلك.
فلو أن رجلا نسي - لعله أراد – صلاة في وقتها، لم يذكرها انقضى وقتها، ثم ذكرها، كان سالما من الإثم في إجماع الأمة، غير أنه مأمور بأدائها، و لو نسيها إلى أن يموت كان سالما عند الله في دينه، و كذلك لو نسي شيئا من الزكاة كان سالما على هذا، و لو نسي حتى أكل في شهر رمضان نهارا فهو سالم من الإثم بلا اختلاف بين أحد من الفقهاء.
و أما إذا ذكر ذلك في حينه أو من بعد ذلك [فقد] قال من قال: عليه بدل يومه، و قال من قال: لا بدل عليه، و كذلك لو تولى عدوا لله أو برئ من (1/98)
صفحة 99
ولي الله، أو أفتى في مسألة بغير وجهها، فخالف فيها الكتاب و السنة بجهل ذلك في حين ارتكابه، و لم يكن في ذلك متدينا بخطأ، و إنما هو مجتهد في إصابة الحق على سبيل الحق، فهو هالك بخطئه، و لا عذر له في جهالته، فإن تاب إلى الله من جميع ذنوبه و هو عالم بذلك الذي ارتكبه، و لو كان على حد الجهالة فيما لزمه فيه، فلا عذر له في ذلك، لأنه لا تكون التوبة مع العلم بالذنب مجزية، إلا أن يتاب فيه بعينه.
و لكن لو نسي ذلك الذنب، و كان ممن يدين بتحريمه، إلا أنه أخطأ بجهالته ثم تاب في الجملة، و هو ناس للذنب بعينه، كان هذا مرفوعا عنه من نسيانه.
و لو أنه ارتكب الذنب على أنه لا يتوب منه، و أصر عليه، ثم نسي ذلك الإصرار و ذلك الذنب ثم تاب في الجملة، فقد اختلف في هذه المسألة، فقال من قال: تجزيه التوبة في الجملة لأن إصرار المصر و إن كان ممتنعا عن التوبة، و محاربا الله، فإنه ذنب أيضا، و الله يغفر الذنوب جميعا، فالنسيان يأتي على جميع ذلك.
و قال من قال: لا تجزئه التوبة في هذه الجملة لأنه نسي وهو على عزيمة الانثناء عن التوبة و الإقامة على الذنب، فلحق بأحكام المستحلين، لأن المستحلين لا تجزئهم توبتهم في الجملة؛ لأنهم يتقربون إلى الله بمعاصيه، و يتوبون إلى الله من طاعته، فكلما ازدادوا من التقرب إلى الله بمعصيته ازدادوا من الله قصوا و إبعادا.
و هذا فيما كانت فيه الحقوق للمخلوقين:
و لو نسي حتى أكل مال رجل، أو ثمرته، أو قتله، أو طلق امرأته، أو عتق عبده، و ما كان من هذه الأشياء فهو متعبد بأدائها إلى أهلها في وقت (1/99)
صفحة 100
علمه بذلك، و ذكره لذلك، فإن نسي أيضا و كان على وجه التحريم، فتاب في الجملة، و دان بجميع أداء ما يلزمه، علم ذلك أو لم يعلمه، كان ذلك مجزيا له في جملة التوبة، فهذا أصل يأتي على جميع ما كان من مثل هذا من صغائر الذنوب أو كبائرها، إذا كان على وجه التحريم، و الله أعلم بالصواب.
و هذا في النسيان، و أما في الخطأ الذي هو مرفوع عن المسلمين، فتفسير ذلك أنه يريد الحق و يخطئ، و ذلك أنه يريد أن يقول: لا إلاه إلا الله، فيقول: إن الله ثالث ثلاثة، أو يريد أن يقول: إن المسلمين من أهل الجنة فيقول: إنهم من أهل النار، أو يريد أن يقول لزوجته: هي بارة، فيقول: إنها طالق، و كذلك في غيره، فكل هذا مرفوع الخطأ فيه و غير معتد به في الخطأ به، و لا إثم به إلا أنه مأمور أن يظهر التوبة، إن ظهر ذلك إلى الناس بما يكفر به في ظاهر الأمر عند المسلمين، و أما فيما بينه و بين الله فلا إثم عليه، و لا طلاق على زوجته، و لا عتاق، فإن حاكماه وجب عليه، و إن لم يستسلم للحق إذا صح لفظه ذلك مع حكام أهل العدل، و حكموا عليه بالعدل، فليس له أن يخالف الحق الظاهر عليه عدله، لأن الحكم فيه لغيره.
و جاء في الأثر: مما يحقق هذا ما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يدعو، فقال في دعائه: اللهم ادخلنا النار، فاشتد على الرجل ذلك، قيل و رأى ذلك النبيء صلى الله عليه وسلم في وجهه، فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: لك ما نويت، و هذا يتسع فيه القول. (1/100)
صفحة 101
و أما لو أخطأ فقتل رجلا، أو أتلف عليه مالا أو جرحه على سبيل الخطأ لم يكن ذلك مرفوعا عنه ما تعبده الله به من أحكام الخطأ من الكفارات، بقتل الخطأ و تسليم ما لزمه من ضمان الأصول في حال القدرة عليها إذا كان ذلك لازما في أحكام العدل، و أما في مواقعة الخطأ في مثل هذا فلا يكون إثما في الوقت بمواقعة الخطأ، و لو كان ذلك في قتل نفس فما فوقها، و إنما يكفر بتضييعه ما لزمه من أحكام الخطأ عند قدرته على ذلك، و أما ما أكرهوا عليه فقد جاء الأثر بتفسير قول النبيء صلى الله عليه وسلم فيما استكرهوا عليه، فقال ذلك في القول دون الفعل، و هو يكره حتى يتولى أهل الضلال، أو يصوبهم، أو يبرأ من المسلمين و يخطئهم أو يحل حراما أو يحرم حلالا، أو يشرك بالله، فكل هذا قد جاء فيه الأثر المجتمع عليه أنه مرفوع عن المكره عليه، إذا توسع في ذلك برخصة الله تبارك و تعالى، و قلبه مطمئن بالإيمان، و كاره لما جبر عليه.
و أما إذا أكره على شيء من الفعل بمعصية الله من إتلاف مال، أو قتل نفس، أو ارتكاب محرم، من زنا أو شرب خمر، فقال من قال في الخمر بالوقوف عن كفره، و أما كل ما يجوز عند الضرورة مما أحله الله للمضطر، فقد قال بعض المسلمين إنه غير آثم في مواقعته على الجبر، لأن الجبر من حال الضرورات إذا كانت التقية في هذا الموضع على النفس و كذلك الخمر.
و قال بعض المسلمين: إنه لا يجوز عند الضرورة أن يشرب؛ لأنه لا عوض فيه من الجوع، فقال بعض: إنه إن كان عوضا يرجو فيه حياة لنفسه، فلذلك (1/101)
صفحة 102
وقف عنه من أجل ذلك عند الجبر على شربه، و أما في كل ما لا يجوز في الضرورة فهو آثم بمواقعته، و لو كان على حد الجبر في إجماع المسلمين في ذلك أنه محجور عليه ذلك، و أنه لا يسعه ارتكابه على حال، فإن ارتكبه فهو آثم ظالم ضامن لما تلف فيما ارتكب من ذلك فيما فيه الضمان، فهو متعبد بأدائه إلى أهله إذا قدر على ذلك.
و ما ارتكب في ذلك من الحدود التي تلزمه في الإسلام على الجبر، فالاختلاف في إقامتها عليه، فقال من قال: عليه الحد فيما ارتكب من جميع ذلك و لا عذر له فيه، و قال من قال: إنه آثم و يدرأ عنه الحد بالشبهة لموضع الجبر، و أما إذا كان فيه قود فقال بعض: إن عليه القود، و قال بعض: إن عليه الدية و الكفارة، و لا قود عليه.
و القول الأول الذي يرى على صاحبه القود يقول: إنه حق من حقوق العباد، و هو متعبد به، و تجوز فيه الشهادة عن الشهادة، و تجوز فيه شهادة قومنا على المسلمين، و يقاد المسلم بشهادة قومنا، و يكون على ولايته، و أما ما حدثتهم به أنفسهم فقالوا: هو الخاطر الذي يخطر بالقلب من غير تحقيق منه للخاطر، و لا اعتقاد منه لذلك، و إنما يتم به ذلك ليحدث به نفسه بشيء من المكفرات، أو بشيء من عظيمات المكفر من أمر التوحيد، و في صفة الله عزوجل و غير ذلك، و كل ما حدثته به نفسه من ذلك، و ألم بقلبه منه فهو محنة يعارض بها، و هو محض الإيمان فيما قيل، و مالم يحقق ذلك و يعتقده و يرضى به و لا ينكره فهو سالم، و لا يكون ذلك الحدث أكثر من السماع و رؤية للكفر و المعاصي، فإذا أنكر ذلك الذي رآه و سمعه على ما تعبد فيه فهو سالم إذا وافق اعتقاد السلامة و الله الموفق للصواب. (1/102)
صفحة 103
و خاطر القلب متعبد به الإنسان، كما متعبد بسمعه و بصره، و شاهد ذلك من كتاب الله تعالى: (اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) (1)، فهو مسؤول عما اعتقد بقلبه، و قد صح ذلك من كتاب الله تبارك و تعالى فيمن قال بقلبه، و أسر في نفسه، و لم يلفظ به لسانه فقال: ( ... وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ... ) (2)، فقد كان هاهنا قول في النفس بغير حركة باللسان إن أوجب الله عليه العذاب فقال: ( ... حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِيسَ الْمَصِيرُ) (3).
و جاء في الأثر المجتمع عليه من قول أهل المعرفة من المسلمين و لعل ذلك يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم: الإيمان قول و عمل و نية و موافقة السنة، فلا يكون الإيمان إلا بالأربع، و الكفر قول و عمل و مخالفة السنة، و الإيمان متقدم بإحدى الأربع، و الله أعلم بالصواب.
و عن من يسلم عليه ظالم فرد عليه السلام، أيسعه ذلك أم لا؟
قال: السلام تحية المسلمين، و قد أمر الله برد التحية مثلها أو أحسن منها، و جائز- لعله، و هو جائز- فانظر في ذلك.
مسألة:
عن أبي الحسن البسياني: و عن رجل لم يسمح قلبه أن يترك ابنه أو أباه، فقداه بنفسه، أيسعه ذلك أم لا؟
__________
(1) - الآية مكية رقم: 36 من سورة الإسراء.
(2) - الآية مدنية رقم 8 من سورة المجادلة.
(3) - (1/103)
صفحة 104
قال: ليس له أن يظلم نفسه عن ظلم غيره، و لا يظلم غيره عن ظلم نفسه إلا أن يأتي الإنسان برأيه فلا عليه و الله أعلم.
و من غيره: و على المرء أن يصل رحمه، إلا أن يعلم أنه إذا وصله اشتد على رحمه دخوله عليه و كره ذلك، فليس عليه أن يصله إلى منزله، و قد قيل: لا يكرم المرء بما يكره، و لكن يصله بقلبه، و يبلغه السلام، و إن رجا أن يصله في غير منزله و يسر بذلك كان عليه ذلك في مخصوصات ما يجب عليه.
و قالوا: ليس من حق الجار أن يكف عنه أذاك، و لكن من حق الجار أن تحتمل أذاه، و تستر عليه مساوئه، و تنكر عليه فيما بينكما.
و قد قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم: يرفعه عن جيرائيل عليه السلام أنه قال: لن يجد المؤمن طعم الإيمان و لا يكون مؤمنا حتى يصل من قطعه، و يعفو عن من ظلمه، و يطعم من حرمه، و يحسن إلى من أساء إليه.
و عن محمد بن محبوب رحمهما الله قال: قد قيل: الجوار إلى أربعين بيتا من بيته، فإن كان فيما بين البيوت أرض براح مقدار ما يكون في تلك الأرض من البيوت فبحساب ذلك، و قد قيل: إن الجوار بين البادية إذا اقتبس بعضهم من بعض النار. (1/104)
صفحة 105
و رجل له أرحام إذا نتسب من نفسه و عدّ لقيهم إلى خمسة آباء، و إذا انتسب من أحد والديه لقيهم إلى أربعة آباء، قلت: من أين ينتسب من نفسه أو من أحد والديه؟ [قال] فمعي أنه قد قيل ينتسب من نفسه، و قد قيل إلى أربعة آباء غيره، و قيل: أربعة آباء به هو، و قيل: خمسة به، و قيل: خمسة آباء غيره، فذلك صلة الأرحام، و لعل أكثر القول بالأربعة.
و رجل يقال له أرحام، و هو يعرفهم بأسمائهم، غير أنه لا يعرف، أهم ممن تجب عليهم لهم الصلة، أم أرحام لا من الذين تجب لهم الصلة في النسب.
قلت: هل عليه في هذا صلتهم أم حتى يصح نسبهم؟ و هل عليه طلب معرفتهم و الاجتهاد فيه أم لا؟ [قال]: فمعي: أنه لا يجب عليه ذلك في الواجب حتى يعلم ذلك و يصح، و ليس عليه عندي أن يبحث عن ذلك لازما، فإن فعل فضيلة فحسن، و إن وصل فضيلة حسن، و الواجب حتى يجب ما يصح به الصلة.
و عن رجل وجبت عليه صلة رحم فخرج من منزله إلى بعض الحوائج و لم ينو صلة رحمه في ذلك الوقت، فلما تباعد من منزله أو قرب من منزل ذلك الرحم أراد وصوله و حول نيته لذلك، قلت: هل تجزيه تلك الصلة على هذه الصفة، أم حتى الصلة من منزله؟ [قال]: فمعي: أنه تجزيه على حسب هذا.
و رجل له رحم فاغتم ذلك الرجل بحق، أ, فرح بباطل، قلت: هل تجب عليه الصلة أم لا؟ قال: فمعي: أنه لا تجب عليه له في مثل هذا صلة، و لكن أحب أن لا يجفا و أن يصله، و ينصحه، و لا يغتم بحق، و لا يفرح بباطل، و قد قيل هذا أوجب الصلة و ينصحه و يأمره بتقوى الله، و لأنه أعظم مصيبة من جميع المصائب في دينه. (1/105)
صفحة 106
و عن رجل أراد أن يصل رحمه، فسمع في بيته منكرا، و لم يطمع أنه يقدر على إنكاره، هل له أن يترك صلته في ذلك الوقت؟
قال: معي: أنه يصله و لا يترك صلته لمعنى منكر، و هنالك أوجب صلته، يأمره بتقوى الله إن قدر، و إن لم يقدر وصله إلا أن يخاف على دينه و نفسه أو ماله، فإن خاف على أحد هؤلاء لم يحمل على ذلك، و يكون على نيته حتى يأمنه.
قلت له: فإن سمع رحما يفعل ما لا يجوز له في دينه، هل عليه صلته لهذا المعنى، فالذي يفعل ذلك لا يراه غما و لا يكترث به؟ قال: معي أن يأمره بطاعة الله إذا قدر على ذلك و ينهاه عن معصية الله، قلت له: فإن لم يقدر، هل عليه صلته على حال؟ قال: ما أشبه بذلك، لأنه لا يكون غما أشد من معصية الله، و إن لم يرها الذي فعلها غما، فهي غم أشد من كل غم على معنى قوله.
قلت: فإن لزمته صلته من جهات كثيرة، و لم يصله حتى وصله بعد ذلك كله مرة واحدة، و نواها من جميع ما يلزمه، هل يجزيه ذلك؟
قال: هكذا عندي، إذا ذكر له الأسباب التي جرت عليه على معنى البر و الصلة على معنى قوله.
و من كتاب المشكل المنسوب إلى عبد الله بن مسلم القتيبي:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) (1)، إلى قوله: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) (2)، مثل ضربه الله
__________
(1) - الآية مدنية رقم 35 من سورة النور.
(2) - الآية مدنية رقم 40 من سورة النور. (1/106)
صفحة 107
لقلب المؤمن و ما أودعه بالإيمان، و القرآن من نوره، فبدأ ققال: الله نور السموات و الأرض، أي بنوره يهتدي من في السموات و الأرض، أي بنوره يهتدي من في السموات و الأرض، ثم قال: مثل نوره كمشكاة يعني قلب المؤمن، كذلك قال المفسرون، و كان أبي [يقول]: الله نور السموات و الأرض مثل نور قلب المؤمن، روى كذلك عبد الله بن موسى أبي جعفر الرازي عن أنس بن أبي العالية، و معنى: كمشكاة، هي الكوة النافذة فيها مصباح، أي سراج المصباح فيه قنديل، القنديل كأنه من شدة بياضه و تلألؤه كوكب دري، يوقد ذلك المصباح بزيت من شجرة لا شرقية، أي لا بارزة للشمس كل النهار، و لا غربية، أي لا مستترة في ظل كل النهار، و لكنها شرقية غربية تضيئها الشمس في بعض النهار و الظل بعض النهار، و إذا كانت كذلك فهو أنظر لها و أجود لحملها، و أكثر لزيتها، و أصفى لدهنها، يكاد زيتها يضيء و لو لم يسرج به من شدة صفائه، تم الكلام - و في نسخة – و لو يمسسه به صفاؤه – لعله –
ثم ابتدأ فقال: نور على نور، يعني نور المصباح على نور الزجاجة و الدهن، يهدي الله لنوره من يشاء، ثم قال: هذا المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع، يعني المساجد و ذكر أهلها، فقال: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَبْصَارُ) (1).
يريد أن القلوب يوم القيامة تعرف أمرها يقينا فتنقلب عما كانت عليه من شك و الكفر، و إن الأبصار يومئذ ترى ما كان مغطى عنها فتنقلب عما كانت عليه، و نحوه قوله تبارك و تعالى: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (2).
__________
(1) - الآية مدنية رقم 37 من سورة النور.
(2) - الآية مكية رقم 22 من سورة ق. (1/107)
صفحة 108
ثم ضرب مثلا للكافرين، فقال: (وَالذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِم بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْئَانُ مَآءً) (1) [أي] من البعد يرونه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، لأن الله قد أبطله، و كذلك الكافر بحسب ما قدم من عمله نافعه، حتى إذا جاءه، أي مات، لم يجد من عمله شيئا، لأن الله قد أبطله بالكفر و محقه، (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَه) (2).
ثم ضرب مثلا آخر، فقال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُم بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ... ) (3)، يريد أنه في جبن من كفره كهذه الظلمات، و من لم يجعل الله نورا فما له من نور).
و من كتاب عبد الرحمن بن رستم إمام أهل المغرب المعروف بالعلم و الفضل:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن رستم إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين من جبل نفوسة، اعلموا أن المسلمين لم يزالوا بخير ما راعوا دينهم، و تفقدوا صلاح أنفسهم، و آثروا على دنياهم آخرتهم، و اقتدى آخرهم بأولهم، و كفوا عن البدع، و تركوا الشبهة، و حذروا الفتنة في كل موضع يكون الشيطان فيه و معرفة ما حرم الجاهل علمه، فأحذركم و نفسي تلك المنزلة، فإنها منزلة الهلاك فيمن مضى، و بها هلك من بغى، و ما سلم من صرعتها إلا المسلم بعون الله، و بالأخذ بالقصد و ملاك الأمر عند الشبهة، و متابعة العلماء من أهل التقوى فيما آثروا
__________
(1) - الآية مدنية رقم: 39 من سورة النور.
(2) - الآية مدنية رقم: 39 من سورة النور.
(3) - الآية مدنية رقم: 40 من سورة النور. (1/108)
صفحة 109
و إيضاع النفس، و التذلل و الخشية و الخوف، و محاذرة منزلة أهل الجرأة عند الله، و التكبر عليه بغير بينة، و لا سلطان منه، أما هم فأعيذكم و نفسي بأمر الله من ذلك، إنه هو السميع العليم.
ثم اعلموا أنه أولى الناس بالإزراء على نفسه و التصغير لشأنه، و المحقرة لعلمه، و التفضيل على نفسه من ادعى معرفة الله و دينه، و رجا ثوابه، و خاف عقابه، و إذا ذكر ذنوبه فهو بذلك لاه عن ذنوب غيره، و إن أبصر عيبا من غيره ذكر نفسه، فإن كان تائبا من عيبه حمد ربه ما استطاع، غير أنه لا يدري قبلت توبته أم ردت عليه، بعلم كان لله فيه غيب عنه.
و المسلم على حال المشفق طالب خلاص نفسه بما استطاع، و لا يشمت بأخيه المسلم بنائرة مخافة أن يحل به مثل فيرحمه، و يرفق به و يدعوه إلى ما ترك من حظه، و لا يسرع عليه بقطع براءة و لا شتم، و لا يغير عليه عند أحد من المسلمين ما لم يظهر منه الإصرار على دينه، و يأبى عن التوبة، و يتمادى في الخطيئة، فعند ذلك يتركه تركا جميلا.
و ليس ينبغي أن يتركه إلا أئمة المسلمين العالمون بذنبهم، و العارفون بمواقع البراءة و الحجة و لا يجد البراءة، و معرفة البراءة و معرفة الحجة إلا غائص في العلم، تقصر عن علمه معرفة الجهال.
و احذروا أن تهلكوا من حيث رجوتم أن تنجو، أنكم تسرعون إليه (1/109)
صفحة 110
البراءة جهالة منكم، فإن الناس [إذا] أقروا بدعوة الإسلام على تفسير المسلمين عندما اختلف الناس فيه، و أجابوا إلى الإقرار بذلك كان واسعا للمسلمين ولايتهم، ما لم يظهر منهم رد ما أجابوا إليه، و إن تفاضلوا في الأعمال و الاجتهاد، فليس تفاضلهم براءة و عيبا يخرجهم مما ثبتوا عليه، فإن تفاضلوا في الأعمال و الاجتهاد فليس الأصل التي يتولاهم المسلمون عليه، فإن جنى منهم جان على نفسه ذنبا، و أظهر ذلك إلى المسلمين أخذه أئمة العدل بذنبه، فإن أعطاهم من نفسه الانقياد للحكم، و الاعتراف بالذنب على هيئة من ولاية المسلمين إياه، و قبل المسلمون ما أعطاهم من ظاهر أمره، و تولى الله بحكمه ما بطن من أمره، و إن هو دفع حكم المسلمين، و تفرد في الإصرار، و احتمى من التوبة عرف المسلمون براءته بالمنزلة التي أنزل بها نفسه، فعند ذلك طلب المسلون فيه العدل إلى الله و دعاهم إياه و يصحبهم.
فكفوا رحمكم الله عن الشروع بالبراءة و إظهار الغيبة على من أقروا بدعوتكم، و انتهوا فيما شجر في أنفسكم إلى أئمتكم و أهل الفضل منكم، و احذروا أن تحدثوا ما تفرقون به بين كلمة المسلمين، و تجعلوا دينكم دخلا بينكم، و لا تجاوزوا ذلك لمن يوافقكم على رأيكم، فإن هذا إذا دخل بقوم كان الهلاك فيه ممن دخل يدين بذلك على نفسه، فيعلم أنه قد أشرف على هلاكه، كان هو أولى بفراق الإسلام ممن عاب.
فقفوا فيما لا تعلمون حتى تستبينوا علمه من أئمتكم، لا يتم لأحد دينه منكم إلا بمعرفة ذلك، فأعلمونا ذلك، وفقنا الله و إياكم، و الله أعلم. (1/110)
صفحة 111
الباب الثالث
في الولاية و البراءة و معاني ذلك، و فيه بعض السير
و اعلم أن مما يدين به المسلمون، و هو لازم لهم، الولاية لأولياء الله و الحب لهم و البغض لأعداء الله و البراءة منهم، ومن أحب عبدا في الله فكأنما أحب الله و ذلك من أشرف أعمال البر و أعظمها درجة في الجنة، و إنما جعل الله بيان ذلك لعباده، لبعضه من بعض بما يظهر من أعمالهم، و لم يكلفهم علم ما غيبه عنهم - لعله – فيمن ظهر للمسلمين عنه خير أحبوه عليه و ثبتت ولايته عنده، و لو كانت سريرته قبيحة مكفرة.
و كذلك لو أظهر الأعمال القبيحة المخالفة و ستر الأعمال الحسنة لأبغضه المسلمون بما ظهر منه، و لم تكن له عندهم ولاية و لا منزلة، و لم ينتفع عندهم بما غاب من أمره.
و إذا عرف الإنسان بأداء فرائض الله من الصلاة و الزكاة، و ما أمر به من الحج و الصيام و غيره، و عرف بالورع عن الحرام، مع موافقته للمسلمين استحق بذلك الولاية و المحبة و هو العدل الجائز الشهادة معهم.
و إن عرف بتضييع شيء من الفرائض حتى يفوت وقتها، أو ركوب حرام مكفر، أو ما دونه من الذنوب، فاستتيب فأصر و لم يتب؛ استحق الخلع و البراءة.
و هي منازل ثلاثة: أمر بان لك رشده و فضله فاتبعه، و أمر بان لك غيّه فاجتنبه، و أمر لم تعرفه فقف عنه، حتى يستبين لك الصواب فيه. (1/111)
صفحة 112
و من ثبتت ولايته بما عرف من صلاحه فهو على ولايته، و لا يزول عنها إلا بحدث يستحق به ذلك.
و قيل تقبل الولاية بقول الواحد الثقة و إن كان عبدا، و كذلك المرأة إذا كانت تعرف الولاية و البراءة، و لا تبطل ولاية رجل إلا بشهادة رجلين – و في نسخة – عدلين بما تبطل به ولايته، أو شهادة رجل و امرأتين عدول، يشهدون عليه بما تبطل ولايته، و كذلك حفظنا عن المسلمين.
و من ثبتت ولايته ثم عمل من المعاصي مكفرة كبيرة يجب عليه فيها حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة؛ سقطت ولايته من حين ما أتاها، و استحق البراءة، و على المسلمين أن يستتيبوه، فإن أدى ما لزمه و تاب رجع إلى منزلته، و كذلك إن تاب و قال: إنه يؤدي ما لزمه من ذلك، إن كان شيئا يلزمه الخلاص منه، و إن لم يتب فهو على البراءة منه.
و إن كانت معصية صغيرة غير كبيرة وقف عنه، و لم يبرأ منه حتى يستتاب، فإن تاب رجع إلى منزلته، و إن أصر و استكبر خلع و برئ منه، و الإصرار يكفر، من ظلم حبة فما فوقها، أو كذب كذبة إذا دعى إلى التوبة فأبى و أصر عليها، أكفره الإصرار بذلك، وانخلع من ولاية المسلمين.
و قذف المسلم و جراحته من الكبائر، و كذلك إن تكلم بكلام أهل القدر و الإرجاء، و دان به، أو تولى من دان به، و برئ من المسلمين، - و في نسخة – و قال بذلك، و دان به، أو تولى من برئ من المسلمين و ضللهم، و قد علم ببراءته من المسلمين، ففي كل هذا أو نحوه و مثله؛ قيبرأ منه قبل أن يستتاب. (1/112)
صفحة 113
قال غيره: و أرجو أني عرقت أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب في بعض قول المسلمين، و الاستابة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الله أعلم.
و ذلك عندي إذا لم يكن يخاف من المحدث و الله أعلم.
رجع- و كل من تاب من ذنب صغير أو كبير، فكلما تاب قبلت توبته.
قال غيره: وجدت عن محمد بن محبوب رحمه الله: أنه قال: يستدام حتى ينظر ما يكون منه في ذلك و الله أعلم.
رجع- و الذي عندنا في الذي يختلف عليه الرأي فيما يختلف الناس فيه، و هو يلتمس الصواب من القولين، فيقول:
رأيي في ذلك رأي المسلمين، فإن ذلك يقبل منه.
و قيل في رجلين يكونان في الولاية، فيقبل كل واحد منهما صاحبه، و لا يعرف الظالم منهما، فهما في الولاية جميعا حتى يعرف الظالم منهما، و قال من قال فيهما بالوقوف.
و المجنون إذا كانت له ولاية، ثم ذهب عقله فهو على ولايته، و أولاد المسلمين الصغار يترحم عليهم، و يتولون إذا ماتوا، و كذلك الأب إذا كان وحده في الولاية.
و قال أبو زياد عن أبي العباس، و لده، أنه قال: إنه قال: كتبت أنا و أبو جعفر جوابا في الصبي إذا كانت أمه في الولاية، أنه يترحم عليه، فقرأ أبو علي الكتاب و لم يغيره. (1/113)
صفحة 114
و قال من قال: حتى يكون الأب في الولاية، فأما الأم فلا، و قال من قال: و لو كانت أمه في الولاية.
و كل من لا يتولى لا يدعى له برضى الله و لا بالمغفرة، و لا بما يكون من نحو ذلك مما يستوجب من فعله دخول الجنة، و قيل: لا يقال له: حياك الله، و لا رحب الله بك، فإنه من قال مرحبا بك، فذلك جائز و ذلك مما أولاه الله بني آدم في الدنيا جميعا، و من كان في حد التقيه جاز له أن يدعو لمن لا يتولاه بما يدعو به لأهل الولاية، و يعتقد المعنى لغيره.
و كذلك قيل إذا عزى من لا يتولاه في مصيبته جاز له أن يقول: عظم الله أجرك، و جبر مصيبتك و يجعل المعنى لغيره، و إن قال له: جبر الله مصيبتك، فلا بأس.
و إن كان رجل في ولاية المسلمين، ثم دخل في شيء أخرجه من الولاية، فزعم رجل من المسلمين ثقته، بعد موته، أنه قد تاب من ذلك، قبل المسلمون قوله و شهادته بذلك، و تولى المسلمون الهالك بولاية وليهم هذا الحي، وكذلك إذا وقف عن ولى المسلمين استتيب من ذلك، فإن تاب و إلا فقد قيل أيضا: إنه يوقف عنه.
قال أبو الحسن بن أحمد، و ذلك إذا كان يتولاه معهم ثم وقف عنه، و قد قال بعض المسلمين أيضا: إنه على ولايته إذا تولاهم على ولايتهم له، و الله أعلم.
و قيل: كل من علم الله أنه يرجع إلى الإيمان و يتوب من كفره فهو عند الله (1/114)
صفحة 115
مؤمن، و له ولي، و كذلك أبوبكر و عمر رضي الله عنهما كانا في الشرك قبل أن يسلما، و هما مسلمان وليان الله، و قيل: لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء، و قال: من قال: و أبوبكر و عمر لما قد جاء فيهما، و لكن يشهد لأهل الإيمان، و أما من مات على الكفر فتشهد لهم بالنار، و الأعجم لا ولاية له، و لو كان يصلي و يصوم.
و من وجب عليه الحج و لم يدن به، فلما حضره الموت أوصى بحجه، قال: من قال لا ينفعه و عليه لعنة الله، و قال: من قال: لا يلعن، و أمره إلى الله، و نحب إن تاب و رجع عن سوء رأيه و أوصى بالحج أن يقبل ذلك منه.
و قيل: من مات و لم يوص للأقربين بشيء، فإن تعمد لذلك فقد مات لغير السنة و لا يتولى، و إن كان نسي فقد مات للسنة و يتولى إذا كان ممن يتولى.
و قيل: من ترك صلاة الفطر و الأضحى و الصلاة على الجنازة و لم يصل الوتر إلا ركعة واحدة، و لم يتطوع بشيء من الصلاة و ترك ركعتي الفجر اللتين قبل الفريضة ... (1/115)
صفحة 116
و قال: كل ذلك هذا لم يفرض علي، أن منزلته خسيسة، و قد رغب عن الفضل، و لا تصح، و لا تترك ولايته بذلك.
و أما من صلى بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، أو ترك الجماعة متعمدا بلا عذر فإنه يستتاب، فإن تاب و إلا برئ منه لأنه قد ترك السنة.
و قيل: تحل البراءة من الإمام بإحداثه قبل أن يحل دمه، و قد برئ المسلمون من عثمان بن عفان قبل أن يحل دمه.
و من كتاب عمر بن محمد بن عمر: و قد قيل من اغتصب درهما أو أخذه حراما لم يبرأ منه حتى يستتاب، فإن أصر برئ منه، فإن كان اغتصب الدرهم في سبيل من سبيل المسلمين فإنه يبرأ منه قبل أن يستتاب، و كذلك بلغنا في جواب حيان بن الأعرج إلى أبي جابر.
و قال أبو زياد و أبو عبد الله رحمهما الله: إذا كان الرجل معك في الولاية (1/116)
صفحة 117
أو امرأة، ثم قالا أو أحدهما: إن فلانا رجل صالح، أ, عندهما في الولاية، توليت من توليا، أو أحدهما، إن كانا، أو أحدهما يبصر الولاية و البراءة، و إن كانا ممن لا يبصر الولاية و البراءة، فلا يتولى بقول من لا يبصر.
و عن بشير: في رجل قال في رجل: قولي فيه قول المسلمين و ديني دينهم، فقد برئ و تولى إذا تولاهم على ولايته من تولوا، و البراءة ممن برئوا، و كذلك عندنا في الذي يختلف عليه الرأي فيما يختلف الناس فيه، و هو ملتمس للصواب، يقول: رأيي في ذلك رأي المسلمين فإن ذلك يقبل منه.
و من حلف بثلاثين حجة و هو في الولاية و لا يقدر على الحج، فإن ولايته بحالها إن كان يدين بكفارة يمين إذا قدر، و يفعل ما يرى المسلمون عليه إذا لم يقدر على الحج.
و من أحدث حدثا لزمه فيه الحد، و قد كانت له ولاية فضرب، و هو مريض فمات، قيل أن يقام عليه الحد، فإذا مات فهو في الولاية، و لا يقام الحد على المريض حتى يبرأ.
و إذا سئل رجل عن مسلم، له معه ولاية، فقيل لا يسعه أن يكتم علمه فيه.
و كذلك [واحد من] أطفال المشركين، إذا أسلم أبوه و أصلح، فهو في الولاية لأنه تبع له، و إذا بلغ الصغير زال عنه ذلك، فإن كانت له هو ولاية تولى، فإن لم تكن له ولاية لم يتول بولاية أبيه. (1/117)
صفحة 118
و أما المتلاعنان ففيهما اختلاف، فمن المسلمين ممن قال: هما في الولاية التي كانت لهما حتى يعلم الكاذب منهما، و قال: يوقف عنهما، لأنه لا شك أن أحدهما كاذب، و إذا اجتمعا في شهادة كانت واحدة و هي شهادة امرأة.
و قال في التقية في ذوي الأرحام و الجار و الصاحب [إنها] جائزة، و يظهر له الجميل و الدعاء حتى يرى أنك تحمد أمره، و إن كنت لا تتولاه، و المعنى في ذلك لغيره، و كذلك إذا دعا له بالعافية و الحفظ و الكرامة و الرحمة في الدنيا، فذلك جائز، و ذلك ما أولاه الله بني آدم في الدنيا جميعا، و كذلك إن قال له: عافاك الله من النار، أو نجاك، أو رحمك من النار، و يعني نار الدنيا فلا بأس، و قال من قال: إن الجبن في مواطن الحق نفاق.
و عن رجلين برئا من رجل، فسئلا على ما برئا منه، قالا: لا نفسر، قال أبو عبد الله رحمه الله: إن كانا من العلماء الذين تقوم بهما الحجة لم يسألا، و قبل قولهما، و يبرأ من الرجل ببراءتهما، و إن كانا ممن لا تقوم بهما الحجة لم يقبل قولهما حتى يفسرا على ما برئا منه، فإن قالا: إنه ظالم لم يقبل منهما حتى يفسر فإن قالا: إنا استتبناه فلم يتب، قبل قولهما عليه، و إن لم يسألا حتى ماتا، و كان للرجل ولاية ثبتت ولايته و ولايتهما، إن شاء الله.
و أما الواحد فلا يقبل منه، و إن برئ ممن يتولاه المسلمون استتابوه، فإن تاب و إلا برئ منه. (1/118)
صفحة 119
و من شك من الأولياء في كفر من أظهر الكبائر و عمل بها، فقيل من أصاب من منزلة التحريم له أن يقر أن الذي أصاب من ذلك حراما و ليس له ولي إلا ولي المسلمين، و عدوه عدوهم، فهذا إذا انتهك حراما، و كفر في كتاب الله، فمن أبصر هلاكه و كفره فقد أبصر الحق و أدرك الفضل، و من ضعف و جهل و لم يبلغ بصره و لا علمه أنه كافر، فإنه يسعه إذا كان رأيه مع ذلك رأي المسلمين و وليه وليهم، و هو سائل طالب لرأي المسلمين و إذا انتهك الحرام على استحلال له و دينونة فلا يعذر أحد أن يجهله، و لا يشك فيه إذا عرف أن الراكب لذلك مستحل دائن لم يسع أحدا أن يشك في هلاكه.
قال أبو علي رحمه الله: و إنما لا يسع جهل المستحل من علم أصل حرمة حدثه و استحلاله له، فأما من لم يعلم فلا يضيق عليه الشك في ذلك و الله أعلم.
قال غيره: قد عرفت في ذلك اختلافا عن المسلمين، و قد يوجد عن أبي المنذر ابن بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله أنه قال: لا نقطع عذر من علم الحدث و جهل الحكم حتى يلقى الحجة، و لا نراه هالكا، و ذلك في المستحل و الله أعلم.
رجع- و قال هاشم بن غيلان رحمه الله: إن شبيب بن عطية و موسى بن أبي جابر اختلفا في رجلين من أهل الولاية، قتل أحدهما صاحبه و لم يدر (1/119)
صفحة 120
على ما قتله، فقال شبيب: هما عندي على حالهما من الولاية حتى يعلم عذره، و قال موسى: يبرأ من القاتل حتى يعلم عذره، قال هاشم: و أنا أقول بقول موسى، و قال شبيب، مخافة الفرقة، و قال: هذا رأي إخوانك من العراق.
و قال غيره: قال أبو سعيد: قد قيل هذا، و قيل: بالوقوف عن القاتل لا بالبراءة و لا بالولاية لإشكال أمره على حسب ما معي، لأن الولاية في مثل هذا تضاف إلى أبي على موسى بن على رحمه الله و الوقوف في هذا يضاف إلى أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، و البراءة إلى أبي علي موسى بن أبي جابر رحمه الله، و معي على حسب ما ينقاد على مذاهب أصحابنا، أن الولاية للقاتل أثبت في الحكم، ثم الوقوف أشبه، و البراءة تخرج على مذاهبهم أيضا، و لكن الوقوف و الولاية أحب إلي.
رجع- و عن رجل تبرأ المسلمون منه تولاه رجل له ولاية، قال: يستتاب من ذلك، فغن تاب و إلا فيبرأ منه، إلا أن يتولى المسلمين الذين يبرأون من المبرأ منه، فإذا تولاهم فقد برئ ممن تولاه، و إذا أعلمه رجلان من المسلمين أن المسلمين يبرأون منه لم يجز له أن يتولاه، فإن وقف و تولى المسلمين حتى يسأل عنه المسلمين و سعه، و إن أعلماه فوقف عمن يبرأ منه المسلمون فله ذلك.
و من سيرة أبي مودود حاجب رحمه الله- و ما أشكل من شيء عمل به من مضى، فالوقوف فيه جائز، و رد علمه إلى الله، و كذلك أمر من خلا ممن دخل عليه الخطأ فضلّ به فليس علينا أن نصف للناس خطاياهم، و لا نكلفهم الإقرار بخطاياهم، (1/120)
صفحة 121
و لا يكونون مسلمين إلا بذلك، و لكن عليهم الإقرار للمسلمين و التسليم لهم بما دانو به من صفة العدل في أهل الخطأ و الصواب.
و من غيره – ومن جواب أبي الحواري رحمه الله: و عن رجل من المسلمين، أمعذور أن يتعرف رأي المسلمين، و كيف يدينون، أو لابد أن يعرف ذلك؟ فإذا لم يدن بشيء من الخطأ فهو معذور من ذلك إذا كان أمره على الصواب، و أما إذا دان بشيء من الخطأ و الباطل فليس بمعذور من ذلك إذا كان أمره على الصواب، و أما إذا دان بشيء من الخطأ و الباطل فليس بمعذور، عرف دين المسلمين أو لم يعرف.
و من الجامع-سألت الشيخ إبراهيم عن رجل ظهر منه الصلاح و الورع، و قرئ عليه بنسب الإسلام، و لم يذكر فيه البراءة من أحد بعينه إلا أن في النسب الشهادة على أهل الضلال بضلالتهم، و البراءة منهم، و الولاية لأهل طاعة الله على طاعتهم، و الحب لهم، فقيل له بعد أن قرئ عليه نسب الإسلام، قد قبلت؟ قال: نعم سألنا الشيخ، أتحمل له الولاية إذا عرف منه هذا؟ قال: نعم، قلنا: و لو لم يذكر له الأولين من أهل الحدث الذين برأ منهم المسلمون؟ قال: نعم، حتى يعلم منه الولاية لأحد ممن يبرأ منه المسلمون.
رجع- و قيل عن بشير قال: حدثني الربيع أن قوما من الخوارج بخراسان (1/121)
صفحة 122
ظفروا، فقتلوا، و غنموا، فلم يزالوا على مسيرهم حتى لقيهم جيش، فقال لهم الذي يقودهم: إنا قد أصبنا دماء و أموالا في مسيرنا هذا و قتالنا، إنما أصبناها برأي و لم نصبها بدين، و نحن نرضى بحكم كتاب الله، و برأي المسلمين فيها، ثم قوتلوا فقتلوا، فبلغ ذلك أهل دينهم من خراسان، فنظروا فيما أصابوا، فإذا هو حرام، فبرئ منهم بعض أهل دينهم، إذ أصابوا الحرام، و تولاهم قوم برضاهم بحكم كتاب الله و رأي المسلمين، و قولهم: إنا أصبنا برأي فاختلفوا، فردوا ذلك إلى أهل دينهم من أهل البصرة، فاختلف أهل دينهم من أهل البصرة، فرضوا كلهم بأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله، فلما قصوا عليه هذه القصة قال لهم: إن من أصاب شيئا من دم أو مال برأي، و لم يصبه بدين، ثم رضي فيه بحكم كتاب الله، و رأي المسلمين لم يبرأ منه، فرضي الفريقان بقوله، و خرجوا جميعا على ولاية أصحابهم، و من يتول قوما يكن منهم، و من يحب قوما يكن منهم- تم الباب من كتاب أبي جابر-
و من غيره- و عن من يلعن الدواب و البلاد و الصبيان هل يبرأ منه ذلك؟
فعلى ما وصفت فأما من يلعن الدواب و البلاد فقد وجدنا في الأثر مما يضاف إلى جابر بن زيد رحمه الله، و ذلك في سيرته التي تنسب إليه- و لعل ذلك في غير سيرته، أن من لعن الدواب، و من لا يستحق اللعنة رجعت اللعنة عليه، و ذلك مما يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم، و من استحق اللعنة فقد استحق عداوة الله، و قد أعلمتك أن ذلك من الكبائر، و أهون ما يكون من أمر هذا، و لم نعلم ما معناه في ذلك، أن يوقف عن ولايته، و ذلك إذا لم يستتب، فإن استتيب من ذلك فلم يتب برئ منه بإصراره على ذلك، و إنما استضعفنا البراءة لأشياء عرفناها من مجاز الكلام.
من ذلك قول الله تبارك و تعالى: « ... وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ» (1)، و إنما قال في تأويل ذلك: إن الملعون آكلها، و هو أبو جهل بن هشام، و تصديق ذلك في كتاب الله قوله: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الاَثِيمِ» (2)، و إنما المعنى ها هنا على ما عرفنا إلى آكل الشجرة ليس إلى الشجرة.
و كذلك كنت سألت أبا عبد الله محمد بن روح –أحسب عن مثل هذا – فكان احتج بمثل هذا و استضيق بقطع البراءة إلا بعد الإصرار، و قال: إن التوراة أو يوجد في التوراة الجمل الملعون يعني: رب الجمل هو الملعون، و ذلك يكون عندنا في ضروب البراءة بالشبه، أن يكون صاحب الدابة هو الملعون مع القائل، و سكان البلد هم الملعونون، إلا أن يعلم منه من هو يقصد إلى لعن البلد نفسه أو لعن الدابة نفسها، فهذا يبرأ منه من حينه قبل أن يستتاب.
__________
(1) - الآية مكية رقم 60 من سورة الإسراء.
(2) - الآية مكية رقم 43 من سورة الدخان. (1/122)
صفحة 123
و سألته عن أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم يشهد لهن بالجنة؟ قال: نعم، كلهن.
و من غيره و قيل: إذا وقع السؤال عن أهل الفضل الذين لهم معك الولاية، فلا يسعدك كتمان ذلك، إلا أن يكون هنالك تقية تخاف منها على نفسك.
و من جواب نجدة بن الفضل التخلي- و ما تقول فيمن رأيته يبيع في الطريق الحب و التمر و السمك، و غير ذلك و يعمل فيها الحديد، و يوقد فيها النار في الكير، ما يجب عليه في ذلك؟ و ما يجب على من رآه يعمل ذلك؟ الذي عرفت أنه ملعون من أذى المسلمين في طرقاتهم، و لا يستحق اللعنة إلا من يستحق البراءة، و الله أعلم، و الكير هو المنفاخ.
و هذا من جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي النزوي فيها، فأما البيع في الطريق إذا لم يمنع من يمر فيها أو يلحقها مضرة فلا بأس بذلك، إذا كان لا يتخذ فيها حجة و لا يجعل ذلك عادة، و لكن ينتفع بذلك في وقت من الأوقات و ينصرف، و أما أن يجهل في الطريق كورا أو ماحة أو دكانا للبيع فلا يجوز هذا، و صرف ذلك واجب على من فعله، و على من قدر عليه من الناس، لأن إماطة الأذى من الطريق واجبة على المسلمين، و الله أعلم.
و من جواب أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن فيما أظن إلى أبي علي، محمد بن علي و قلت: ما نقول في رجل يقتل رجلا، لا يعرف كيف قتله، محقا أو مبطلا، و القاتل له بغير الحق حتى يصح أنه قتله ظلما؟ (1/124)
صفحة 124
فعلى ما وصفت، فإن كان القاتل وليّك، فإن توليته حتى تعلم أنه قتله ظلما، فقد قيل ذلك، و إن وقفت عنه حتى تعلم أنه قتله محقا فقد قيل ذلك، و إن وقفت عنه حتى تعلم أنه قتله محقا فقد قيل ذلك، و نحن نحب الوقوف في القتل، و ذلك صواب.
و إن كان القاتل ليس له عندك ولاية و أنت واقف عنه و لم تعلم أنه محق أو مبطل، فيكون اعتقادك، إن كان قتله ظلما فأنت بريء منه بظلمه، و إن كنت تبرأ منه بغير ذلك القتل فهو على منزلته بغير ذلك القتل، و دينك في القتل ما صح فيه، و الشريطة فيما لم يصح، و الاعتقاد بما صح، و لا توفيق إلا بالله.
و من جوابه أيضا- و ذكرت في عالمين ثقتين من علماء المسلمين، ممن يبصر وجوب الولاية و البراءة، شهدا معك أن المسلمين كانوا يبرأون من أقوام قد سلفوا، و هذان العالمان لم يدركا زمان أولئك، و لا عاينوا أحداثهم التي بها استوجبوا الخلع مع المسلمين، فهذان العالمان يبرآن من أولئك القوم، الذين قد صح معهما من شهرة كفرهم، قلت:
فهل يحل لك أن تقبل شهادة هذين العالمين، و تبرأ من القوم ببراءتهما، و تقلدهما في ذلك، و ليس عندك صحة في أحداث القوم، و لا علم، أكفارا كانوا أم غير كفار؟
فعلى ما وصفت فاعلم أن ليس في التقليد في دين الله عذر عند الله دون إصابة الحق الذي فرضه الله و عاهد عليه و واثق به، فهذان العالمان إن كانا يبصران الولاية و البراءة فشهدا عن شهادة رجلين من المسلمين ممن يبصر الولاية و البراءة فشهدا عليها أنهما يبرآن من فلان قبلت شهادتهما عن الرجلين اللذين يبصران الولاية (1/125)
صفحة 125
و البراءة، و لا يبرآن من الرجل الذي شهدا عليه أنهما يبرآن منه، حتى يشهدا عنهما بالحدث الذي يبرآن من الرجل عليه، فإذا بينا الحدث، و أنهما استتاباه فلم يتب، و كان هذا الحدث تجب به البراءة من صاحبه قبل منهما ذلك، و كانت البراءة من الرجل، و إن لم يبينا الحدث عن شهادة من شهدا عليه، و كان الرجل له ولاية كان الرجل على ولايته، و اللذان قالا عنه، و شهدا أنهما برئا منه هما على ولايتهما، و يقال للشاهدين اللذين شهدا عنهما، فليس لكما أن تظهرا ذلك، و يستتابا عن ذلك، فإن تابا كانا في ولايتهما، و إن امتنعا عن التوبة فأما أنا فلا أتولاهما، و لا أقوى على البراءة منهما، و هذا على حسب ما وجدت عن الشيخ أبي الحواري، و هكذا وجدنا – في الأثر – في الشهادة على الشهرة في أمر البراءة، و أما الشهرة عند العالمين اللذين قد صح معهما ذلك، بكفر هؤلاء القوم بشهرة لا يشوبها شك يتنازع فيها، فهذا خاص لمن صح ذلك عنده بهذه الشهرة التي وصفناها، و حكم هذه الشهرة واجب على من علمها بما لزمه فيها البراءة، و أما من لم يشهر ذلك عنده، كما شهر عند هذين العالمين اللذين وصفت، و لا علم له بكفر هؤلاء، فلا تجب عليه البراءة ممن لم يصح عنده كفر، بشهرة لا ترد، أو بمعاينة بصره أو بشهادة عالمين شهدا عنده على كفر هذا الرجل، و بينا ذلك الحدث المكفر لمن شهدا به عليه، فإن شهدا على ذلك الرجل بكفر، و أنهما أقاما الحجة عليه بذلك، و استتاباه من تلك المكفرة فأبى أن يتوب من ذلك، فإذا شهدا عليه، و كان هذان و الشاهدين عارفين بما تجب به الولاية و البراءة قبلت شهادتهما عليه، و كانت البراءة لازمة إذا شهدا على ما وصفت لك و كان هذان الشاهدان عالمين بهذه المكفرة (1/126)
صفحة 126
و سميا بها، و كانت تلك التي ارتكبها هذا الرجل الذي شهدا عليه كفره مع أهل العلم، و مما يجب على من ارتكب تلك المكفرة البراءة، فإذا كان كذلك كان كما وصفت لك، و الله أعلم.
و من سيرة له أيضا- و أما ما ذكرت في شهادة العالم العدل من الثقة من المسلمين على من شهد عليه بالكفر ممن وصفت، و برئ هذا العالم الثقة منهم بأحداث قد ركبوها و عملوها – فقال: إن المسلمين قد أجمعوا على البراءة منهم، و أنت فلم يصح في قلبك ذلك، فقد غاب عنك ذلك؟ فعلى ما وصفت في مسألتك هذه فليس عليك ذلك بشهادة هذا العالم وحده، و لا تبرأ منه في شهادته بشهادته، حتى يصح ذلك، فتلزمك فيه الحجة بشهرة حكمها حكم العيان، أو بشهادة عالمين من أهل البصرة بالكتاب و السنة و الأثر، مع شرحهما بما به العبد قد كفر، الذي شهدا عليه، و أنه لم يتب من ذلك، و قد أصر فهنالك يلزمك حكم الحجة، و أن تقتفي في ذلك سبيل المحجة.
و من جواب منه آخر- و ذكرت فيمن قال: إنه يدين بالسؤال عن موسى ابن موسى، و راشد بن النظر. و قال آخر: إنه يدين بما يلزمه في موسى و راشد، (1/127)
صفحة 127
و هو واقف ما يلزم هذا؟ فعلى ما وصفت فنعوذ بالله من العمى و من فتنة الظلماء، و هذا السؤال رحمك الله، لو نظرنا في تفسيره طال كتابنا و رزئ قرطاسا كثيرا، يجب السؤال على من بلي بما لا يسعه جهله أن ينتهي عنه أو يعمل به، فعليه السؤال لطلب اللازم حتى يؤدي ما يلزمه، و أما ما يسعه جهله و لم يبل بالعمل به فليس عليه ذلك، و لا يحمل على غيره و لا على نفسه، ذلك لا يشغل نفسه فيما ليس له شغل، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته- انقضى.
و قلت: إنهم يجدون من جواب الشيخ أبي الحسن رحمه الله: أن الشهادات في راشد بن النظر و موسى بن موسى متكافئة، قلت: فما ترى؟ يعني قلت: و ما المعنى أنها شهادة في فريقين، كلهم ثقات؟ و كيف الوجه؟ فالله أعلم ما أراد بذلك، (1/128)
صفحة 128
و لسنا نعبر عن غائب لا نعلم الإرادة فيه، غير أن ظاهر المسألة: أن الشهادة المتكافئة إذا كانت كل شهادة على حالها كافية، فإذا تضادت البينات ما كانت متكافئة، و لا تكون الشهادة كافية إلا حتى تكون من أهل الثقة و العدل، فيما تجوز فيه شهادة الشاهد في تلك الشهادة بعينها.
و اعلم أن الشهادات كلها لا تخرج إلا على ثلاثة معان: فشهادة كافية، و هي الجائزة فيما تجزي فيه شهادة الشاهد فيما شهد، و شهادة معارضة لإبطال حق لا يجوز إبطاله، و هي شهادة المعارضة، و قد قال: لا تجوز شهادة المعارضة، و لو شهد بها أهل منى و عرفات، و شهادة باطلة من أجل ما لا تجوز فيه شهادة الشاهد إذا لم يقم في الإسلام حجة بشهادته، مثل المدعى و العبد و الوالد و غيره، و لو كانوا ثقات، فافهم ذلك.
و اعلم أن هذه الوجوه الثلاثة لها تفسير يطول، أن لو شرح كل فصل منها بعينه في موضعه، و الحجة فيه، غير أني إنما أردت أن أبين لك أن لا تكون الشهادات متكافئة، إلا حتى تكون في الإسلام كلها جائزة، و لا تجوز أن تكون في الإسلام جائزة حتى تكون كل شهادة على حيالها حجة لمن اتبعها، و قامت له في الإسلام و عليه، فافهم ذلك، و الله الموفق للصواب.
و قلت: هذا الذي لم يصح معه صوابهم و لا خطؤهم، أيكون اعتقاده أنه (1/129)
صفحة 129
يتولى المسلمين على ولايتهم لموسى و راشد، و يتولاهم على براءتهم منهما؟
قلت: و هل هاهنا يكون في الضمير نية؟
- فعلى ما وصفت- فعلى المسلم أن يتولى المسلمين على براءتهم، من جميع الناس، إلا أن يتبرأوا من ولي له، و كذلك يتولاهم على ولايتهم لجميع من تولوه إلا أن يتولوا من قد حجر عليهم في الإسلام و لايته، بصحة يصح معه ذلك، أو يعلم أنهم تولوا هذا الذي تولوه على وجه لا تجوز لهم ولايته في سريرة أو علانية.
كان ذلك [حال] موسى و راشد أو غيرهم، و الكل في الحق بالسواء، و لا يجوز أن يمال إلى أحد من الناس بهوى يخالف آثار اهل التقوى، و القصد في ذلك أن يكون اعتقاد هذا المتولى أنه إنما يتولى على صحة اعتقاده، و صحة مذهبه، و أنه إن كان يبرأ من هذا الذي برئ منه بغير الحق برئ منه لذلك، و كذلك إن كان المتولى يتولاه بغير الحق برئ منه بذلك في اعتقاده، و إنما يتولى المتبرئ و المتولى فيما لزمه من أحكام الظاهر، فافهم ذلك.
قلت: و هذا الواقف عن الأحداث المغيبة عنه، أيكون عند وقوفه هذا منهم اعتقاده في نيته؟
فنعم، يكون اعتقادهم فيهم، و في جميع المحدثين الذين قصر بصره عن علم الحكم في حدثهم، أنهم إن كانوا مبطلين في حدثهم ذلك، فهو بريء منهم على ذلك، و إن كانوا مصيبين فيما عاين منهم، مستحقين لولاية الله في ذلك تولاهم على ذلك، إن كانت الأحداث مما يسع جهله، و أما إذا كان الحدث مما لا يسع جهله فعليه علم ذلك، و البراءة من المحدث، و لا يسعه جهل ذلك. (1/130)
صفحة 130
قلت: و وقوفه هذا، أيكون وقوف دين أو وقوف سؤال، أو وقوف رأي؟
و قلت: و ما تأويل وقوف الدين، و وقوف السؤال، و وقوف الرأي؟
فاعلم، رحمك الله، أنه يقصر بصرنا نحن عن دون هذا، فكيف هذا، غير أنا عرفنا أنه إذا علم من محدث حدثا مكفرا مما يسع جهله ما لم يركبه أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقف عنهم إذا برئوا من راكبه، أو تولى من تولاه على علم منه بحدثه ذلك، و علم من المتولى له بحدثه ذلك، فإذا كان هذا، فإن كان المحدث لهذا الحدث كانت له ولاية متقدمة مع هذا الذي علم منه هذا الحدث، فعليه أن يقف عن ولايته على اعتقاد الدينونة بالسؤال لعلماء المسلمين، ليعلم إن كان ذلك خطأ منه يخرج به عن الولاية فيبرأ منه على ذلك، أو ليعلم أنه غير مخرج له عن الولاية فيثبت على ولايته، و لا يجوز له أن يثبت على صحة الولاية بالحكم المتقدم له، و لا يبرأ منه على صحة البراءة لحدوث البراءة منه إلا بعد العلم منه بحكم الحدث، و إن كان المحدث لذلك الحدث ممن يبرأ منه، أو يقف عنه، فليس عليه فيه اعتقاد سؤال لازم، و لكن يكون وقوفه هذا وقوف رأي على الاعتقاد للسؤال عن جميع ما يلزمه في ذلك، كذلك إن كان الحدث بغير معرفته، و قد عرف منه حدثا لا يحسن تعبيره و لا تصح معه معرفته، و قد غاب عنه أمره، فعلى هذا يكون عليه وقوف الرأي، و ليس عليه في هذا سؤال، كان المحدث وليا أو غير ولي، لأنه لا يعرف الشيء بعينه فيسأل عنه، فليس في هذا الموضع سؤال.
و قد قال من قال: إنه لا يكون عليه سؤال حتى يقع التنازع فيما بين المسلمين (1/131)
صفحة 131
بالتدين منهم و المخالفة من أوليائه، فإذا اختلف في ذلك أولياؤه الضعاف الذين لا تقوم بهم حجة الفتيا فهنالك تجب الدينونة بالسؤال، لأنه قد قام في عقله أن أحد وليّيه مخطئ لا يحل له ولايته، فعليه أن يسأل عن المحق منهما من المبطل، فيتولى المحق، و يبرأ من المبطل، و أما إذا كان واحدا فإنما عليه وقوف الرأي.
و أما وقوف الدين فهو إذا لم يعرف الحدث من المحدث، و لا صح معه حكم الحدث، فإذا لم يصح معه حكم الحدث، بما تقوم به حجة الصحة، فليس على هذا السؤال، و هذا يسع الوقوف عنه للعلماء منهم و الضعفاء؛ لأنه لم يتعبدهم الله فيه بعلم في حكم الظاهر فافهم ذلك.
و من غيره- لعله عن أبي المنذر- وقوف السؤال هو الذي ذكره الربيع في الفريضة، و من قال في المختلفين الذي يقول أحدهما: جاء من عند الله، و قال الآخر حتى يبرأ كل واحد منهما من صاحبه، أن السامع يقف عنهما على التفسير، لا على الجملة، لا يبرأ من المخطئ و إن لم يعرفه بعينه، ما لم يكن أحد المختلفين حجة عليه في قوله وقوف للسؤال، إنما كله فيما لا يسع جهله، و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله و سلم تسليما.
قال بشير: قد يجوز الشك في المستحلين للكفر لمن لم يعلم أنه كفر حتى (1/132)
صفحة 132
تقوم عليه الحجة أن ذلك الحدث كفر، و الحجة جماعة المسلمين الذين ليس له أن يرد قولهم، قال بشير: الاجتماع على ترك النكير تصويب منهم له، قلت: فهل يجوز لرجل أن يقف عن رجل و هو يعلم كفره و يتولى من برئ منه؟ قال: لا يجوز ذلك لعلمه بالحدث أنه كفر، و إنما يجوز إذا جهل الحدث و لم يدر أكفر أم لا، فله أن يقف عن الراكب، و لا يقف عن المسلمين الذين يبرأون منه على ذلك الحدث، و الله أعلم.
و من سيرة أبي قحطان، في معنى اعتزال الصلت بن مالك رحمه الله، فقال في سيرته: لأنه كانت محاربتهم على ذلك، و من وقف عنه من المسلمين لما لم يصح معه كيف كان اعتزاله عن محاربتهم، و ترك الدعاء منه إلى قتالهم قبل عقدهم لراشد، و من بعد ما عقدوا له، لأنه كان يجب عليه لما عقدوا لراشد إماما أن يحل ما عقدوا، و يهدم ما شيدوا، و يدعو إلى ذلك حتى لا يجد له أعوانا عليه، فيعذر، فمن وقف عنه من المسلمين لما لم يصح عنه، و كان سائلا طالبا، و لم يتخذوا الوقوف دينا توليناه على ذلك ما لم يبرأ ممن تولاه على ما وصفنا.
و هذا مما سأل أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، أبا القاسم سعيد بن عبد الله رحمهما الله، و عن رجل من المسلمين شهد عليه رجلان من قومنا بقتل فأقاده الإمام لولي المقتول، هل يبرأ منه الإمام؟ قال: لا قلت له: فلو شهد عليه رجلان من المسلمين بقتل ما قاده منه، هل كان للإمام أن يبرأ منه و قد شهد عليه عدلان؟ قال: (1/133)
صفحة 133
أخبرا بفعل يستحق به البراءة، و بينا ذلك الفعل و حكم به الإمام فإنه يستحق البراءة عند الإمام، و عند من علم من أوليائه.
و سألت أبا مالك رضي الله عنه عن ذلك، فقال: إنما يبرأون من المشهود عليه لأنه في الظاهر عندهم ظالم، قال: و الحكم بالظاهر، قال: وقد يجوز أن يكون غير ظالم بفعله إلا أن الحكم يقع بالظاهر، لأن دماء السلمين و المعاهدين في الأصل محرمة إلا ما قام دليل على إباحتها، و إذا عدم الدليل كان الحظر هو الأصل، و قد قال بعض المسلمين: لا يبرأون منه حتى يعلم أنه ظالم متعد على من قتله، لأنه يمكن أن يكون باغيا عليه، و مستحقا عنده القتل من وجوه يطول شرحها.
قال أبو المؤثر: ليس ينبغي أن يدخل في شبهة مخافة مكروه، و الله أعلم.
و من سيرة محبوب بن الرحيل رحمه الله إلى أهل عمان في أمر هارون.
و سئل أبو عبيدة رحمه الله عن الشاك فقال: الشاك هالك، و السائل معذور، و الشاك هو الذي لا يتولى أحد إلا من شك، أو وقف مثل شاك، و وقف هو لا يتولى أحدا ببراءة و لا أحدا يتولى، و هذه هي الدينونة، من دان بالشك هلك عند المسلمين. (1/134)
صفحة 134
و من غير السيرة – و بلغنا عن أبي عبيدة رحمه الله أنه قال: السائل عما يسعه جهله يعلمه مسلم، والشاك هالك، يعني المقيم على شكه بعد السؤال و النظر و العلم بما عليه المسلمون في دينهم.
و أخبرنا الربيع بن حبيب رحمه الله، عن رجلين جارين له، كان أبو عبيدة يعرفهما، و كانا ناسكين، فدعيا إلى الإسلام فدخلتهما وحشة من عثمان و علي، قال الربيع: فأخبرت بذلك أبا عبيدة رحمه الله فقال: لا بأس أنا، يعني نفسه، أخلعهما، فيبرأ مني قوم على خلعي إياهما، ما يقولان هم يا ربيع فيم خلعني؟ قال: قلت: يقولان هو مسلم، قال أبو عبيدة: يهلكان، قال: و قلت: فإن قالا: إن من خلعك هالك، قال: هما مسلمان، فلم يثبت ولايتهما حتى أثبتنا ولايته، و خلعا من خلعه. و كانت المعتزلة يسألون عن الشاك عن ما يسع جهله، فيقولون لهم: الشاك المسلم للمسلمين، الراضي بقولهم، المتولي لهم مسلم، فهذا قولنا و ديننا، و ما مضى عليه سلفنا، نور و بيان، و ليس في ديننا شك و لا عمى، نسأل الله لنا و لكم العصمة و التقوى.
و من أولها قبل هذين الفصلين: و للمسلمين في ذلك قول لا نجهله، نحن عليه، (1/135)
صفحة 135
يقولون في من لم يقرأ القرآن و لم يعلم ما قال المسلمون، و فيما لا يسع جهله للضعيف الذي لم يقرأ القرآن و لم يعلم ما قال المسلمون، أنه إذا سأل المسلمين عما جهل عليه و لم يدر ما بلغ بفعاله، فقال المسلمون إن هذا الفعل يكفر من فعله، فعليه أن يعلم في ذلك من كتاب الله أو من قول الفقهاء، أن يقول بقولهم، و إن جهل ذلك فلم يعلمه و ضعف من أن يكفره فعليه أن يقول للمسلمين: أنتم أعلم مني، و أبصرتم ما لم أبصر و عرفتم ما لم أعرف، و قلتم ما لا أعلم، و قويتم، و ضعفت في حكم الله، و أنا سائل، و قولي قول المسلمين و ديني دينهم، فإذا قال ذلك وسعه السؤال و تولوه بولايته إياهم.
ومن السيرة التي تضاف إلى أبي الحواري- و قد جاءت الآثار أن الأئمة إذا ذكرت لم يسع جهلها، إما ولاية على صحة، و إما براءة بعد حجة، و قال من قال من أهل العلم: لا وقوف عن أهل الولاية حتى يستبين خروجهم بحدث يكفرهم، فإذا ترك ولاية أهل الولاية عن شبهة فقد برئ منهم، و كذلك أهل العداوة لا يوقف عن البراءة منهم حتى بتبين خروجهم منها بتوبة و رجوع إلى الحق، فلم يجز بعض أهل العلم الوقوف و لم يكن إلا الولاية و البراءة.
و الذي جاءت به الآثار بالرخصة في الوقوف، إذا كان حديث من الإمام فيه شبهة، فإذا وقف عن الإمام واقف، فمن تولاه من المسلمين كان على الواقف أن يتولى من يتولاه، و كذلك إذا كان حدث يبرأ منه المسلمون به كان عليه أن يتولى من برئ منه من المسلمين، فهذا الذي جاءت به الآثار. (1/136)
صفحة 136
و قد فارق المسلمون الشكاك، فإذا قال القائل: ليس ينصب الشك دينا، فإذا كان الوقوف عن المحدث و عن من تولاه، و عن من برئ منه، فقد نصبتم الشك دينا، و اتبعتم الشكاك الذين فارقهم المسلمون على شكهم، فهذا الذي عرفنا من آثار المسلمين، فمن لم يقل بهذا القول الذي جاء عن المسلمين كان بمنزلة من خالفهم.
و من جواب منه آخر- و عن من يبرأ منه المسلمون، و سمعت من يتولى ذلك الرجل، أيجوز لك أن تبرأ من ذلك الرجل الذي تولى أو تحتج عليه، فإن لم يرجع عن ولايته برئت منه، و هذا الرجل أنا واقف عنه أو ممن تولاه؟
فعلى ما وصفت، فإن كان هذا الرجل الذي يبرأ منه المسلمون من الأئمة المحدثين الذين لا يسع جهل حدثهم، و يكفر الرعية بولايتهم و بولاية هذا الرجل الذي أنت تتولاه، فلا تبرأ منه حتى تقيم الحجة عليه، و تنصحه، فإن قبل و رجع كان على ولايته، و إن لم يرجع و لم يقبل برئت منه، فإن كان هذا الرجل الذي برئ منه المسلمون كما وصفت لك، و أنت واقف عنه، فلا يسعك الوقوف عن المحدث الذي قد أجمع المسلمون على البراءة منه، وإن كان هذا الرجل المحدث أحدث حدثا فمن علم منه ذلك الحدث برئ منه، ومن لم يعلم ذلك الحدث لم يبرأ منه، و أنت واقف، و تبرأ منه، فسمعت هذا الرجل يتولاه فهو على ولايته، حتى تقوم عليه الحجة، و يعلم من المحدث كل ما علمت منه أنت، إلا أن القول في هذا يطول و يتسع. (1/137)
صفحة 137
و عن رجل يعرف منه الصلاح و الورع لم يظهر لك أنه متغطّ على محرم، و هو يطلب إليك أن تبصره برأي المسلمين، و هو ليس بصيرا برأي المسلمين، إلا أنه يقول لك: بصرني رأي المسلمين حتى أتبعه، وجب عليك أن تبصر دينه، و تبصره رأي المسلمين أيضا، ممن تعرف أنت أنه يتولاه المسلمون ممن برئوا منه؟
فعلى ما وصفت، فإذا طلب إليك ذلك، و أنت عالم بذلك فعليك أن تبصره دين المسلمين، و رأيهم و من يتولاه المسلمون، و من يبرأون منه، فإذا بصرته ذلك فقبل منك ذلك لزمتك ولايته، و حرمت عليك عداوته، و لا يسعك أن تكتم عنه معرفة المسلمين و رأيهم إذا طلب إليك و ائتمنته على ذلك، و لم تخفه على نفسك و إن لم تبصره معرفة ما أنت عليه من دين المسلمين.
و لا ينبغي لك أن تشك فيما أنت عليه من أمر دينك، فإن كنت على الصواب فلك على ذلك الثواب، و إن كنت على خطأ فأنت هالك بخطئك، بصرته أو لم تبصره، و الله أعلم بالصواب.
و من غيره
وسألت عن رجلين من المسلمين كان لرجل عندهما ولاية، ثم ركب أمرا شك أحدهما فيه، و لم يدر ما بلغ به ما ركب، فوقف عنه، و قال الآخر إن هذا لا يبلغ به إلى الخروج من الإسلام، أيسع الواقف أن يقف؟
قال: نعم، قلت له: أيسعه أن يقف عن الذي يتولى الراكب؟
قال: لا. (1/138)
صفحة 138
قال: و مما يسع جهله ما لم تقم الحجة على جاهله معرفة أهل الكبائر و المستحلين و المحرمين. و شرك الجاحدين، ممن عرف ضلالتهم، و سماهم بالضلال، و أوجب عليهم البراءة، و نفى عنهم اسم الإيمان إلا أنه جهل لحوق اسم الكفر لهم و جهل لحوق اسم الشرك لأهل الجحود منهم، فإنه يعذر بجهل ذلك ما كان عارفا بضلالتهم، فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة كفرهم و معرفة لحوق اسم أهل الشرك بأهل الجحود منهم ضاق عليه الشك في ذلك.
انقضى الذي عن أبي المؤثر، هكذا وجدت مكتوبا.
قال بشير: قد يجوز الشك في المستحلين للكفر لمن لم يعلم أنه كفر حتى تقوم عليه الحجة بأن ذلك الحدث كفر، و الحجة جماعة المسلمين الذين ليس له أن يرد قولهم.
قيل له: فهل يجوز للرجل أن يقف عن رجل قد كفر، و هو يعلم كفره، و يتولى من برئ منه؟
قال: لا يجوز له ذلك، لعلمه بالحدث أنه كفر، و إنما يجوز ذلك إذا جهل الحدث و لم يدر كفر هو أم لا، فله أن يقف عن الراكب و لا يقف عن المسلمين الذين يبرأون منه على ذلك الحدث.
قال أبو سعيد: معي أنه قد قيل: إذا ضاق عن البراءة و تولى المسلمين على براءتهم من الحدث، ما لم يعلم أن اسم الكفر يوجب البراءة التي دعي إليها، فلا يضيق عليه ذلك ما تولى أهل العلم من المسلمين على براءتهم ممن برئوا منه ممن (1/139)
صفحة 139
خالفهم في الدين، أو ولاية من تولوه، و كان مسلما غير منازع لهم في الدين، و إذا علم أن هذا الكفر تجب به البراءة، و علم كفره لم يجز له عندي الوقوف عن البراءة إلا من عذر، فإن كان له عذر في إظهار ذلك لتقية على دينه أو نفسه أو مال، فعندي أنه معذور إذا تولى المسلمين على براءتهم منه، و هذا عندي فيما يسعه في دينه، و فيما بينه و بين الله.
و ليس عليه إظهار البراءة عندي و لو دعي إلى ذلك، إلا أن يكون في كتمانه تعطيل شيء من حقوق الله أو ظهور شيء من معاصي الله بسبب ذلك، و إلا فعلمه بضلالة من ضل، و براءته منهم سريرة كافية عند الله في دينه إلا على هذا الوجه الذي ذكرته لك.
و من جواب أبي عبد الله محمد بن روح رحمه الله – و عن من برئ من امرئ من أهل الإسلام بقول عالم واحد، و العالم من يبصر وجوب البراءة، فعلى ما وصفت فإن كان برئ منه من طريق الفتيا بعد أن صح معه من هذا المرء أمر أفتاه به هذا العالم بأنه أمر مهلك لأهله في الإسلام و يبرأ منه بفتيا هذا العالم وحده فقد أصاب الحق، و إن كان إنما برئ منه بقول هذا العالم وحده من طريق الشهادة على حدثه فإنه هالك، و لو كان الله عزوجل يعلم أن شهادة ذلك العالم على ذلك الحدث صدق، و إن أمره العالم أن يبرأ من هذا المحدث بشهادته وحده من غير أن يعلم هو بهذا الحدث، أو صح معه فقد هلك العالم و هلك هو، إن برئ من هذا المرء على هذه الصفة. (1/140)
صفحة 140
فافهم الفرق بين وجه الفتيا و بين وجه الشهادة، فإن بينهما فرقا بعيدا في أحكام البراءة.
و وجدت في كتاب، من جواب أبي إبراهيم إلى الحواري بن عثمان، قال: حدثني من بلغني أن بعض أهل العلم في الزمن الماضي، سئل عن رجل كان قد دخل في أمر كان يكرهه المسلمون، و أراد التوبة و الرجوع إلى الحق، فلم يرد ذلك أهل العلم، و قالوا: لا يتولى حتى تعرض فتنة مثل ذلك، فإن رجع، فدخل فيها جهرا كان على ما كان عليه من قبل، و إن لم يدخل فيها و تم على توبته تولى حتى وقع هذا في بلدنا، و لقي الشيخ أزهر، و عرض في قبول توبة رجل كان قد فتن، فقلت له ذلك القول، فاستخف به و عمل ما أحب من ذلك، فما لبثنا إلا قليلا حتى وقعت فتنة مثل الأولى، و رجع الرجل دخل فيها فرجع أبو علي إلى ما كنت قلت له، فذكره.
و من غيره: و قد يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما بعد الكعبين من (1/141)
صفحة 141
المرأة فصاعدا في النار، أي ما أبرزت من كعبيها فصاعدا فهو في النار، فهذا الحديث موجب البراءة إذا فعلت ذلك عند من لا يجوز له النظر إليها على تعمد منها لذلك، و أحب أن تستتاب من ذلك.
قال غيره: و هذا في الحرائر دون المملوكات و الله أعلم.
قال أبو سعيد، معي أنه قال في رجل علم من رجل أنه إن ارتكب كبيرة و لم يعرف الحكم في ذلك، فعندي: أنه يختلف في السؤال عليه، فيما يلزمه من حكم البراءة مما ارتكب، فقال من قال: عليه السؤال، كان وليا أو غير ولي، و قال من قال: إن كان وليا كان عليه السؤال، و لا سؤال عليه في غير الولي.
قلت له: فإن كان الذي ارتكبه صغيرا، هل يلحقه الاختلاف في السؤال مثل الكبير؟ قال: يخرج معي أنه كذلك، بمعنى الاستتابة من ذلك.
و معي أنه قد قيل: عليه الاستتابة، كان وليا أو غير ولي، و قال من قال: ليس عليه إلا في الولي، و الله أعلم.
و من جواب أبي سعيد رحمه الله، و قلت: من وجد في سير المسلمين رحمهم الله، المنسوبة المشهورة المعروفة، أنهم يبرأون من فلان بحدثه، و يتولون فلانا بموافقته للمسلمين فيما دانو به، أيكون عليه أن يتولى أو يبرأ؟
فأما البراءة فلا نعلم أنه يبرأ منهم بأعيانهم إلا بشهادة أحداثهم، أو شهرة ذلك معه، أو يبرأ منه على الشريطة فيما يجد في صفاتهم، و أما الولاية لمن تولوه، فقد قيل: إنه يتولى من يوجد في سير المسلمين التي وصفت فيتولى، و قال من قال: (1/142)
صفحة 142
لا يتولى إلا على الصفة، و هو أحب إلي، لأني لا آمن أن يكون قد نقلته الكتبة، و زاد فيه في الولاية، مالم يكن من الفقيه الذي تجب بقوله الولاية، فإن صح أن الفقيه كان يتولاه جازت ولايته على هذا، و الله أعلم.
و من غيره، من الأثر فيما أحسب من كتب وائل بن أيوب رحمه الله، و الله أعلم.
و ضعفاء المسلمين الذين لا علم لهم بما تجب به الولاية و البراءة، و لا بكثير من الأمور التي يجب عليه فرض العمل بها، و الانتهاء عنها، فأولئك إذا قالوا بقول فقهاء المسلمين من أهل الدعوة، و عملوا بأعمالهم، و دانوا بدينهم على الاستحلال منهم لما أحلوا، و التحريم منهم لما حرموا و تولوا أولياءهم، و عادوا أعداءهم في الجملة عند التسمية للموافق لهم على معرفتهم فيه، و سلموا لهم فيما دانوا به من الحق في ذلك، و لم يخالفوا عليهم بإقدام منهم على البراءة ممن تولوه، و لا على ولاية من برئوا منه، و تولوهم على ما أقروا من دين الله، و إن لم يعلموا جميع ما دانوا به من العذر، فأولئك بهذا سالمون بالتسليم منهم لأهل دين الله فيما يسعهم رد علمه إليهم، فهم في ولاية المسلمين في السعة عندهم، ما لم ينقضوا ذلك بحدث منهم، فإذا نقضوا تضييع شيء مما أوجب الله فرض العمل به في ذلك، فجاء ذلك الوقت فلم يعملوا به، و ارتكبوا شيئا مما حرم الله، و أوجب عليهم الانتهاء عنه هلكوا، و كذلك إن عاينوا محرما مضيعا لفرض مؤقت، او راكبا لمعصية كفره، فأثبتوا له اسم (1/143)
صفحة 143
الإيمان و تولوه على حدثه، أو تولوا من تولاه، أو ثبت له اسم الإيمان على العلم منه بحدثه، أو وقفوا أو برئوا ممن برئ منه من العلماء على سبيل حدثه، فإذا فعلوا ذلك هلكوا، كان ذلك على الجهل منهم أو على العلم منهم بحدثه، فإن فعله أراد بأن الذي ضيعوه أو ركبوه أو عاينوا راكبوه و مضيعوه حرام عليهم و عليه.
و من الأثر عن أبي سعيد محمد بن سعيد رحمه الله، و عن قول الله عز وجل: ( ... لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اَهْتَدَيْتُم) (1). قال أبو المؤثر: قال من قال: إذا اهتديتم إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قال: من قال: لا يضركم اليهود و النصارى، ليس عليكم أن تكرهوهم على الإسلام، إذا أرادوا الجزية بالمعروف و النهي عن المنكر على من قدر عليه.
قال بشير: سألت الفضل بن الحواري عن قول الله عز وجل: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (2). قال: قالوا: الولاية و البراءة.
و من غيره: و قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، أي ليس بولي لنا، و قوله: لا يتولى، إن المرء مع من أحب.
__________
(1) - الآية مدنية رقم:105 من سورة المائدة.
(2) - الآية مكية رقم:82 من سورة طه. (1/144)
صفحة 144
و قال ابن مسعود رحمه الله في الإيمان: أن يحب الرجل الرجل ليس بينهما قرابة و لا عطاء مال، لا يحبه إلا لله.
و قال ابن عباس رضي الله عنه: أحب في الله، و أبغض في الله، و أعادي في الله، و قال: لا تنال ولاية الله إلا بذلك، و لا يجد طعم الإيمان و إن كثرت صلاته و صيامه، حتى يكون كذلك.
و قال محمد بن محبوب رحمه الله: الحب و البغض عملان، فالحب لله ولاية أهل طاعة الله على استكمال طاعته، و الحفظ لغيبتهم بما حفظ الله و العون لهم على البر و التقوى كما أمر الله فرض واجب، و الفراق لأهل معصية الله على معصية الله و العداوة لهم فرض واجب.
و للمسلمين فيما تجب به العداوة و الولاية أقاويل معروفة، فمن ذلك قول موسى بن علي رحمه الله، قال: وليّنا كل من أوفى بكل أمر ألزم الله فيه طاعته، و حق أوجب الله على العباد تأديته في تقوى من الله، و ورع عن حرماته، و عدونا الناكث بميوله إلى هواه و شهوته، و فتنته و غيّه المستحل لما حرم الله و ما نهاه الله عنه استخفافا بما وعده الله و نقضا لما عاهد الله عليه، فأولئك حلال خلعهم، و البراءة منهم بما استحلوا من المحارم، و ارتكبوا من المآثم، و ما ربك بظلام للعبيد. (1/145)
صفحة 145
وقال محمد بن محبوب رحمه الله: تجب الولاية على الموافقة للمسلمين فيما دانو به لله من القول و العمل.
و قال الربيع بن يزيد: سمعت بعض أصحابنا يقول: وليّي من الناس ثلاثة: رجل دعاني إلى الإسلام فقبلت منه فهو وليّي، و رجل دعوته إلى الإسلام فقبل مني فهو وليّي، و رجل شهد رجل من المسلمين ممن يعرف الولاية و البراءة أنه مسلم فهو وليّي، و سائر ذلك من الناس يسعني السكوت عنهم.
قال: و قد قيل: إن أبا زيد تولى رجلا خراسانيا ثلاثة أيام.
و عن عمر بن المعمر: أن الذي تجب به الولاية التسمي بالإسلام و الإقرار بجملته، و أداء الفرائض، و اجتناب المحارم، من القول و الفعل.
و من غيره: و من تسمى بالإسلام و أقر بجملته، و وافقنا في جميع ما دنا به لله من القول و العمل، و ظهر منه العمل بذلك، و عرفناه به، ثم لم نعلم منه تضييعا لشيء من فرائض الله، و لا ركوبا لشيء من محارم الله كان لنا وليّا، و استغفرنا له ميتا و حيا، و من عرفناه بتضييع شيء من فرائض الله، أو بركوب شيء من معاصي الله، أو بإصرار على صغير من الذنوب كان لنا عدوا و استضعفنا قلوبنا من محبته حيا و ميتا، و من لم يعرف منه قولا من أهل الإقرار أمسكنا عنه و كنا منه على سبيل الانتظار، فبأي الأمرين عرفناه نسبناه إليه، و حكمنا به عليه.
و قال أهل العلم بالله: إذا كان دعوة المسلمين قاهرة، نتولى الناس على الأعمال الصالحة الشاهرة، و إن خفيت مقالاتهم، و ذلك عندنا خاص في أهل دعوتنا، (1/146)
صفحة 146
و إذا كانت دعوتهم مقهورة، لم يتول أحد على ما ظهر منه من مصالح عمله دون العلم منهم لموافقته في مقالته و عمله، و من تقدم على ولاية أحد من الناس بما ظهر منه من مصالح عمله جهلا منه، و لم يعلم منه الموافقة في دينه فعلين: أن يترك ولايته و يكون معه على المنزلة الأولى.
و من غيره: و قد قيل: إنه لا تجوز البراءة بما تجد في الكتب من سير المسلمين من اسم المتبرئ منهم، و لا أعلم في هذا اختلافا.
و من تأليف أبي عبد الله محمد بن عثمان، و قيل: ليس على الضعفاء أن يتولوا – و في نسخة – و قيل ليس على الضعفاء، لعله أراد أن لا يتولوا ببصر أنفسهم حتى يكونوا من يبصر الولاية و البراءة، أو بالرفيعة التي هي موجبة للسلامة، فإنه على الصفة بقول أهل العلم.
و من سيرة لأبي عبد الله-رحمه الله- و إن اختلف أهل الدعوة بينهم حتى يبرأ بعضهم من بعض، و يقدم بعضهم إماما دون بعض و يختلفون و تقع البراءة و الفرقة بينهم، فإن المسلم يمسك حتى يعلم المحق من المبطل، فهو كمن لا علم للمسلمين بحاله، لأنها قد حدثت أحداث لم نعلم المحق فيها من المبطل.
و لا يجوز ولاية فريقين يبرأ بعضهم من بعض، و يلعن بعضهم بعضا، و يستحل بعضهم دماء بعض، و قد يكون الفريقان في حال مبطلين جميعا، فالإمساك عن أمرهم حتى تعلم إلا أن يكون الخواص الذين هم أولياء بتقديم الأئمة، و عقدها (1/147)
صفحة 147
فإذا اجتمع أولئك على إمام كان أمرهم المقدم، و من خالفهم كان الطاعن المدعي، و الإمامة لمن قدموه و ائتمنوه حتى يعلم أنهم و إمامهم المخطئون، إلا أن يكون الذين قدموا الإمام لا ولاية لهم و لا عداوة، فإن تقديم أولئك لا يلزم سلما بحق إمامة من قدموه.
و من بعض السير: و في القوم يختلفون في الحكم، فيبرأ بعضهم من بعض، و يدعي كل قوم أن الحق في أيديهم و يشهدون على أسلافهم أنهم كانوا على ما شهدوا و احتجوا، فإنه لا شهادة للفريقين جميعا فيما يدعيان فيه الحجة و يوقف عنهما حتى يعرف حق ما قالا من باطله، فيصدق أهل الحق، و تجاز شهادتهم.
و من غيره: وإذا حكم الإمام بحكم أكفره و هو لا يدري، و لا يبصر أهل الدار كفره، و قصرت أبصارهم عنه، و خرجوا من الدنيا على جهالة كفره، و هم يتولونه، فقد هلكوا بهلاك الإمام، و سقطت ولايتهم.
و من جواب من أبي الحواري: و قد قال المسلمون: إن الولاية و البراءة فريضة واجبة، و معذور من جهلها ما لم يبرأ من مسلم أو يتولى كافرا، فغن برئ من مسلم بجهالة فإنه لا يعذر بجهله، و من تولى كافرا بجهالة فإنه لا يعذر بجهالته، و هو هالك، فمن لم يبصر الولاية- لعله أراد الولاية و لا البراءة- و برئ من الناس مما يعلمون، و هو لا يعلم حق ذلك من باطله، و حلال ذلك من حرامه، فهذا ليس له أن يتولى و لا يبرأ حتى يعرف الموافقة للمسلمين و المخالفة.
فمن كانت ولايته ثابتة متقدمة فرأيته يأتي و يفعل، و يقول ما لا يبصر، (1/148)
صفحة 148
و لا يعرف، فهذا على ولايته حتى يعلم أنه قد قال ما لا يحل له أو يركب كبيرة، و وسع الجهل لفعله لا لولايته، فإن توليته على ذلك فهو على ولايته، و لا يسع العمل بفعله لمن يفعله، و سأبين لك ذلك.
و ذلك إذا رأيت وليّك يأكل دابة لا تدري ما هي، فهو على ولايته، و لا يحل لك أن تأكل من تلك الدابة حتى تعرف ما هي، فإن كانت الدابة خنزيرا فالآكل لها هالك، و قال بعض المسلمين أتولى آكلها، و لا يحل لي أكلها حتى أعلم ما هي.
و كذلك من رأيته يأكل الربا فهو على ولايته حتى تعلم أنه ربا و لا يسعك أن تأكل ذلك، فإن أكلته و أنت لا تعلم ما هو فواقعت الربا فإنك هالك.
و كذلك الإمام من رآه يحكم بحكم قد خالف الحق، و هو لا يعلم مخالفته، فإنه يتولاه على ذلك حتى يعلم أنه قد خالف الحق، و هو على قول بعض المسلمين.
و قال آخرون: إنه إن تولاه على ذلك فهو هالك، و لا يسعه جهل فعله، و كذلك أكل الربا، و أكل الدابة- و هذا ما حضرني في المسألة.
و أما قولي فقول من قال: إن الفاعل هالك بفعله، و المتولى سالم لأنه وسعه جهل فعل غيره و لا يسعه جهل فعل نفسه.
و قال أبو سعيد: قد يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه في حال فعلهم، و أو يتولوا راكبه بدين غير رأي و لا حكم شريطة، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم بدين أو برأي أو يبرأوا من الضعفاء (1/149)
صفحة 149
من المسلمين إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم بدين من أهل براءتهم من راكبه.
فهذه جملة كافية في دين الله معنا في جميع ما دان الناس بتحريمه من المحرمات التي حرمها في دينه من قول أو فعل مما يسع الدائن به جهله من غير ما يتعبد بعلمه مما تقوم عليه الحجة من عقله من أحكام الجملة و تفسيرها، أو مما هو داخل فيها مما هو مثلها أو من أسبابها من صفة الله و توحيده و وعد الله و وعيده، و نقض ما في يدي الدائن من دين الله على ما نقضه الناقض على سبيل الإنكار، و الله أعلم.
و من جواب - لعله من كتب أهل المغرب – فإن قال قائل: فأخبرونا عن رجل من المشركين انتهى إلى رجل من المسلمين، و رجل من الصفرية، فوصفنا له جميع ما لا يسع جهله صفة واحدة، فقبل ذلك منهما، ثم قال له الصفري: إن السباء و الغنيمة حلال ممن نصب الحرام دينا، و قال المسلم: لا يحل ذلك منه، قلنا: إن صدّق الصفري و تولاه على ذلك فهو كافر، و إن قال: قد عرفت الإسلام الذي لا يسعني جهله، و قد اختلفتما بينكما فأنا واقف حتى أسأل المسلمين فهو مسلم، و إن صدّق المسلم و عرف قوله ثم دان به و تولاه، و برئ من الصفريّ على ذلك فهو مسلم.
قال: أرأيت إن كان المشرك لقي الصفريّ وحده، فوصف له الذي لا يسع (1/150)
صفحة 150
جهله على حال من الحال، فعرف ذلك، و صدقه عليه، و لم تظهر من الصفري خطيئة، قلنا لهم: لو أن رجلا من المنافقين دعا إلى الإسلام فاستجاب له مستجيب كان المستجيب له مسلما إن تولاه على تلك الصفة العادلة، فإن رأى منه حدثا يكون منه كفر لمن عمل به و تولاه عليه فهو كافر، و خلط مع دعوته شيئا يكفر الداعي إليه، و المستجيب إليه في ذلك كافر إن صدقه و تولاّه عليه، جهله أو لم يجهله، و إن كان الصفريّ دعاه إلى صفة الإسلام لا يخلطها بكفر، و لا يدنس له بضلال، فالمصدق بصفة الإسلام المستجيب إليها مسلم، لأنه إنما تولاه على صفة الإسلام، و لم يتوله على غير ذلك.
فإن قال: أرأيت إن اجتمع لهذا الذي استجاب له من المسلمين طائفة، و اجتمع له من الصفرية مثل ذلك، هل يسعه الوقوف؟ قلنا: إذا اجتمع له من المسلمين ما يقوم بمثلهم الحجة فيما جهل، و أعلموه من حجج الله و بيان فيما نزل في كتاب الله ما يعرف ذلك الشيء بمثل ذلك العدل و الحجج فيما اختلف المسلمون فيه، و من خالفهم، و لم يعرف أن المسلمين أهداهم لهذا سبيلا ممن خالفهم، فهو ضال، و إن لم يجتمع له ذلك و لم يحتج عليه بتلك بينات و الحجج فهو في عذر إن وقف، ما لم يعلم بما انتهى إليه من ذلك العدل، و ربما عرف بأدنى تلك الحجج، فإن عرف الحق بما انتهى إليه من البينات و الحجج بكتاب الله فلا يسعه الوقوف عن الحق بعد العلم به.
و إن الذي وصفناه من قبول الإسلام من أهله يعرف بتعبير واحد من أهل العلم، من شرح الله به الصدور، و ينورها به و يعطيها اليقين من قبل أن تسمع الأذان (1/151)
صفحة 151
أو تعقل القلوب صفاتها و حجمها، و الأمور التي من البينات عليها، و على الحد فيها، فإن الله قد حاج الملحدين، و حجج الإسلام إذا جاءت و سمعت بها و عرف فضلها و لم يقدر المبطلون على أن يأتوا بمثلها، و ربما جاءت تلك الحجج و البينات فلا ينتفع من انتهت إليه إلا بتوفيق الله و عونه منه على معرفتها و القبول، و قد يحدث الله تلك حجج و البينات لمن قبلها و عملها احتجاجا على من يخالفه، لم يكن يعرفه قبل، و إن كان قبل معرفته معرفة الصفات و الحجج لذلك عارفا موقنا لما عرف من ذلك، و شرح الله صدره و نوره في قلبه، لأنه ليس كل المسلمين يعرف الحجج و الصفات، و هم في ذلك عارفون بعدل ذلك، و إن لم يحسنوا تعبير ما يحسنون عدله و فضله.
و من غيره- و حفظت من قول الشيخ أبي سعيد رحمه الله، أنه إذا ظهر من المرء بعد ثبوت ولايته ما يثقل القلوب منه بغير تهمة و لا استرابة، و لا ركوب كبيرة و لا إقامة على صغيرة، و إنما تثقل القلوب منه، أنه قال من قال: يسع ترك ولايته لثقل القلوب، لأن الولاية إنما هي استصفاء، و الاستصفاء لا يكون مشوبا بكدر.
و قال من قال: هو على ولايته ما لم يتهم أو يشكل أمره أو يركب محرما، و قال من قال: و لو صحت موافقته و لم يسترب، أنه يسع ترك اعتقاد الولاية له، قبل أن يعتقد حتى يموت. و قال من قال: إذا صدق القول بالعمل وجبت ولايته، و قال من قال: و لو لم يصدق القول بالعمل، إلا أنه وافق بالقول وجبت ولايته، و لا تترك ولايته إلا بركوب محرم، و قال من قال: ينتظر السنة و الأشهر و ينظر حاله و يراعيه، فإذا اعتقد ولايته ثم أخرجه منها حدث من دخول في فتنة (1/152)
صفحة 152
ثم تاب رجع إلى ولايته، و قال من قال: ينتظر به حتى تعرض فتنة مثلها، فإن دخل فيها، و إلا اعتقدت ولايته.
و من غيره: و قد قيل إن وقوف الشك أن يقف عن المحدث، و عن من برئ منه من علماء المسلمين برأي أو بدين، أو عن أحد من ضعفاء المسلمين فهذا من وقوف الشك الذي لا يسع، فإذا بلغ العالم إلى علم الحكم عن هذا الواقف؛ فمن يرى البراءة فعليه البراءة و إن ضعف عن ذلك و لم يتوله بدين، و لم يبرأ من العلماء إذا برئوا منه بدين أو برأي أو من أحد من ضعفاء المسلمين إذا برئوا منه فهو سالم إن شاء الله، و ذلك إذا كان الحدث مما يسع جهله حتى يركبه أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه، و وقوف الشك لا يقع اسمه، و لا معناه إلا على ما لا يسع.
و من سيرة أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي – و بلغنا عن أبي الشعثاء رحمه الله، أنه سئل عما يسع الناس جهله، فقال: ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا من ركبه، أو يبرأون من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
و قال من قال من المسلمين بهذه الرخصة: إنه يجوز للضعيف أن يقف عن من يبرأ منه المسلمون إذا لم يعرف هلكته و يتولى من يبرأ منه من المسلمين.
و قالوا: إنه إذا تولى من يبرأ منه فقد برئ منه من حيث لا يعلم، فلأجل (1/153)
صفحة 153
هذا الحرف رخص له من رخص من المسلمين أن يتولى من برئ منه، و لا يدين بالشك و السؤال عن معرفة ضلال أهل الاستحلال لما حرم الله، و التحريم لما أحل الله.
و كذلك من شك في ولاية أحد ممن تجب ولايته على المسلمين فله في هذه الرخصة أن يقف عنه من اجل ما عرض له من الشبهة في ولايته، و عليه أن يتولى من تولاه من المسلمين، و لا يجوز له الوقوف عن ولاية من يتولاه من المسلمين.
هذا ما أجمع عليه المسلمون و دانوا به، فافهموا هذا و لا تتبعوا غير سبيل (1/154)
صفحة 154
المؤمنين، فإن الله قد حكم على من اتبع غير سبيلهم بأن يوليه ما تولى، و يصليه جهنم و ساءت مصيرا.
و من سمعته يقول: إن القبلة منسوخة، قبل البيت الحرام، و تأويل قول الله تعالى: و لله المشرق المغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله، أو قال لك، و أنت من أهل نزوى، إن القبلة البيت الحرام الذي بمكة هي مما يلي المشرق من نزوى، أو قال لك: إن أهل نزوى يصلون إلى غير القبلة فعليك أن تبرا منه حين علمت منه ذلك، و غير منفس في السؤال، و غير منفس في الوقوف عنه برأي و لا بدين، و أما إن سمعته يقول شيئا مما يسعك جهله مما يخالف أمر الله بمعصية منه، فقال: في ذلك مما يضل به عند الله و يهلك، إلا ان يتوب فليس عليك في ذلك سؤال، ما لم تتوله أو تتول أحدا قد علمت منه، أنه قد سمع منه مثل ما سمعت أنت منه، فإن عليك السؤال لأجل ولايتك لمن تولاه، و قد علمت من تولاه أنه قد سمع منه ذلك فإنه يتولاه بعد ما علم منه ذلك، فافهم هذا الباب، و ذلك أنك إذا سمعته يقول: إن الله قد أحل شراب النضج، و إن الله قد أحل شراب العنب، هذا مما يسعك جهله مالم تركبه أو تتولى راكبه، و كل من لا ولاية له عليك، علمت منه هذا فليس عليك فيه سؤال، إلا أن تسمعه يقول: و تسمع آخر يرد عليه، إن الله حرم شرب النضج من البسر و سراب العنب الرطب، فإنك إذا علمت المنازعة بين اثنين في مثل هذا فإن كل واحد منهما يدعي على الله فيما (1/155)
صفحة 155
يقول، فعليك السؤال عن ذلك، و لو لم يكونا جميعا و لييك، و لا أحدهما وليك، لأنه قد قامت الحجة عليك لله أن أحدهما ضال، و إنا ندين لله بالبراءة من الضال، فعليك السؤال في ذلك لتعرف الضال منهما فتبرأ منه.
و أما إذا كنت تبرأ من أحدهما بأمر غير هذا لم أر عليك فيما سمعت منهما سؤال، فافهم هذا الباب و الله الموفق للصواب، و إنما بينت لك هذا لتعلم أن الآثار تخص في شيء دون شيء، فمن حملها على غير سبيلها ضل، و نحن نعلمكم أنا ضعفاء المعرفة، و لولا ضعفة معرفتنا ما وقفنا عن ولاية من تجب علينا في ديننا أن نتولى من تولاه من بعد معرفتنا سيرته، و شهرة صحة إمامته، و نعلمكم أنا نتولى من يتولى المهنا من جيفر و الصلت بن مالك، و راشد بن النظر إذا أظهر إلينا حجة في ولايته لراشد بن النظر، تجب بها له الععذر عند المسلمين في دينهم من ولايتهم إياه.
و من غيره: قلت: فما تقول في رجل أخذت عنه ولاية رجل و هو ممن يبصر، ثم رجع فوقف عن ولاية ذلك الرجل، ما يكون؟ قال: معي: تستتيبه من وقوفه عن وليك، قلت: فإن قال: إني كنت أتولاه، و قد استبان لي أنه يوم ذلك على حرمة أعرفها اليوم؟ قال: فلك أن ترجع عن ولايته. (1/156)
صفحة 156
بسم الله الرحمن الرحيم:
جواب من أبي الحواري بن عثمان إلى سعيد بن عبد الله رحمهما الله:
و سألت عن وقوف السؤال كيف يكون، و قلت: سمعنا أن وقوف الشك هو أن لا يتولى إلا من شك و وقف مثل وقوفه، و سمعنا أن من وقف و تولى من تولى فقد تولى، و إن وقف و تولى من برئ فقد برئ، و إن وقف عن من تولى و عن من برئ.
قلت: فأخاف أن يكون هذا هو الشك، قلت: فصف لي وقوف السؤال – فأما عبد الله بن محمد فأحسب أنه قال: وقوف السؤال مثل الرجلين يتنازعان الأمر، فيقول أحدهما حلال، و يقول الآخر هذا حرام، فيسمعهما الرجل و لا يدري ما ذلك الشيء، فيقف عنهما، و يسأل المسلمين أو كنحو هذا.
و أما محمد بن روح فقد قال في هذا و أكثر، و إن شاء الله نقف على جوابه، و أما أنا فالذي عندي كنحو ما يوجد عن أبي عبد الله قال: و إن اختلف أهل الدعوة بينهم حتى يبرأ بعضهم من بعض، و يقدم بعضهم إماما دون بعض و يختلفون، و تقع البراءة و الفرقة بينهم، فإن للمسلم أن يمسك حتى يعلم المحق من المبطل، و و هو كمن لا علم للمسلمين بحاله، لأنه قد حدثت أحداث لم يعلم المحق فيها من المبطل، و لا تجوز ولاية فريقين يبرأ بعضهم من بعض، و يلعن بعضهم بعضا، و يستحل بعضهم دماء بعض، و قد يكون الفريقان في حال يضلان جميعا، و الإمساك عن أمرهم حتى يعلم، هكذا عن أبي عبد الله، و أرجو أن هذا عندك، و هذا عندي، كنحو ما قال محمد بن روح، أنه يرى يكون الوقف لا بدين و الله أعلم بالصواب. (1/157)
صفحة 157
- زيادة من غير النسخة التي نسخ منها- و عن فتيا العبد البصير الواحد، هل هو حجة لك أو عليك فيما أحل أو حرم، أو أخبر أنه سنة أو فريضة، أو ناسخ أو منسوخ؟ فأما عبد الله بن محمد فقال: لا يكون الواحد حجة حتى يكونا اثنين، و أما محمد بن روح فرفع عن أبي الحواري أنه قال: العالم حجة، ثم ادعى ابن روح التفسير، فقال: العالم معه حتى يكون عالما بجميع أحكام الكتاب و السنة، و ما اختلفت فيه الأمة فذلك هو الحجة.
و قد كان أبو الصقر المنحي – وهو ثقة – رفع عن أبي جابر محمد بن موسى الأزكاني أمة قال: العالم الواحد حجة و لم يفسر إلا هكذا.
و الذي يعجبني ما قال: عبد الله بن محمد حتى يكونا اثنين، لأنه أبعد من الشبهة.
قال أبو سعيد في هذا: أما قوله عن عبد الله بن محمد، فإن وقوف السؤال مثل رجلين يتنازعان الأمر فيقول أحدهما: هو حلال، و يقول الآخر: هو حرام، فإذا كان الذي يتنازعان فيه مما يجوز فيه الاختلاف بالرأي فولايتهما جميعا، إذا كانا من أهل الولاية، جائزة على ذلك، فإن ضعف عن ولايتهما لموضع اختلافهما و هما من ضعاف المسلمين و ليس من العلماء، فوقف عنهما بدين هلك بذلك، و إن وقف (1/158)
صفحة 158
عنهما برأي و سعه ذلك، و أما إن كانا من العلماء الذين تقوم بهما الحجة في الفتيا، فاختلفا فيما يجوز فيه الاختلاف بالرأي، و قصر علمه هو عن معرفة ذلك، و عن تفسيره، فإن وقف عنهما برأي أو بدين أو عن أحدهما، و هما من علماء المسلمين، هلك بذلك و إن تولاهما جميعا و سعه ذلك، و إن برئ منهما جميعا هلك بذلك، و إن اختلفا في شيء من الرأي فقصر علمه عن معرفة ذلك، فيبرأ أحدهما من الآخر على الرأي الذي خالفه فيه، و من أجل ما خالفه بالرأي، فالهالك منهما المتبرئ من صاحبه، فإن تولى المتبرئ و لو كان عالما في الأصل إذا تولاه بدين، و إن وقف عن العالم الذي برئ منه من أجل براءته منه لما برئ منه على الرأي هلك، بوقوفه عن العالم المحق منهما ببراءته في الذي برئ منه على الرأي، و كذلك يهلك بوقوفه عنه برأي أو بدين من أجل براءته ممن برئ منه هذا.
و إن برئ الضعيفان من بعضهما البعض على اختلافهما في الرأي، فالمتبرئ منهما قبل صاحبه من صاحبه هو الهالك، و لو جهل الضعيف كفره إذا كانا جميعين في الولاية، فإن تولى المتبرئ من وليه بدين هلك، و إن برئ من وليه المتبرئ منه من أجل براءته ممن برئ منه هلك بذلك، و ليس عليه في الضعيف دينونة سؤال إذا لم يكن يتولى المتبرئ منهما من صاحبه، أو يقف عن المتبرئ منه بدين.
و أما العالمان فإذا برئ من المحق منهما برأي أو بدين، أو وقف عن المحق منهما برأي أو بدين فقد هلك، و تلزمه الدينونة بالسؤال عما قد دخل فيه فهذا يقتضي جميع ما قال عن أبي محمد، و أبي عبد الله، و جميع ما روى هو عن أبي عبد الله إن تدبرت ذلك و أبصرته. (1/159)
صفحة 159
و أما الشك و الوقوف فهو كما قال: إنه من وقف عن المسلمين ما لم تقم عليه حجة بولايته، و تولى علماءهم على ولايتهم إياه، فهو سالم متول للمسلمين موافق لهم، ومن وقف عن عدوهم ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة كفره، و تولى علماءهم على براءتهم من عدوهم، فقد برئ من عدوهم، و وافقهم في دينهم، فإن اختلفوا فيه فتولى أحدهم و برئ أحدهم و لم تقم عليه الحجة بعلم ما برئ المتبرئ و لا بعلم ما تولى المتولي و غاب عنه علم ذلك، و لم يمتحن بوقوع البلية بينهم بالتظاهر منهم، ما لم يسعهم فيه التظاهر، فعليه أن يتولى المتولي و المتبرئ من علماء المسلمين، و لو كانت الولاية و البراءة منهم من رجل بعينه، و لم تقم عليه الحجة بما ينقطع عذره من علم الولاية و البراءة، أو تقوم على المتولي حجة في ولايته أو على المتبري حجة بضلال في براءته، فإن وقف عن المتولى أو عن المتبرئ من العلماء من أجل اختلافهم هذا في الولاية و البراءة هلك بذلك، لأنه لا يجوز له الوقوف في واحد لم تقم عليه الحجة بكفره، و لم تقم له الحجة بولايته، و يقف عن العلماء من أجل براءتهم منه و لا من أجل ولايتهم له، فإذا فعل ذلك كان هالكا.
فإن كان الاختلاف من العلماء في الولاية و البراءة من هذا المحدث بعينه على حدث قد عرفه هو و علمه، و صح معه، إلا أنه جهل الحكم فيه فاختلف العلماء الذين تقوم بهم الحجة من الفتيا من أهل نحلة الحق في ولاية هذا المحدث، و في البراءة منه، فإن الحق فيما اختلفوا فيه واحد، و المحدث يهلك، و لا يجوز له إلا ولاية المحق من العلماء المتبرئ من المحدث، و إن ضعف عن البراءة من المحدث، فإن وقف عن العلماء من أجل براءتهم من ذلك المحدث برأي أو دين أو برئ (1/160)
صفحة 160
منهم برأي أو بدين فهو هالك لا يسعه ذلك، و إن تولى المتولي للمحدث من العلماء بدين على ولايتهم له بعد علمهم بحدثه هلك، و إن وقف عن العلماء المتولين له و تولى العلماء المتبرئين منه و وقف عنه هو، و لم تقم عليه الحجة بكفره فهو سالم بذلك، فإن كان الحديث الذي أحدثه مما يكون الحق فيه واحدا و هو صواب، فالمحق من تولاه من العلماء.
و لا يجوز للجاهل بحدثه أن يبرأ ممن تولاه من العلماء و لا يقف عنهم برأي، و لا بدين، فإن فعل ذلك هلك، و كذلك لا يجوز له أن يتولى ممن برئ منه العلماء على براءتهم منه بدين، فإن تولى المتبرئ منه العلماء بدين هلك، و يسعه أن يتولى العلماء المتبرئين منه برأي ما لم تقم عليه الحجة بصوابه أو برأي من العلماء إذا برئوا ممن برئوا منه إذا تولوه على ذلك الذي عاينه منه.
و إن كان حدثه الذي أحدثه ذلك مما يكون الحكم فيه مختلفا مما يكون فيه البراءة و الولاية في حكم دين المسلمين، و جهل هو ذلك، فتولاه بعض المسلمين، و برئ منه بعض فهم محقون بذلك، و لا يسعه الوقوف عنهم إذا كانوا علماء برأي و لا بدين، فإن تولى المتولي على هذا أو برأي المتبرئ من المتولي على هذا، فالمتبرئ من الفريقين من صاحبه هو الهالك المخلوع عن الدين، و المتبرئ منه من أحل براءته منه هو المحق من الفريقين.
و على الضعيف أن يتولى الفريق المتبرئ منه على براءته ممن برئ منه من الفريق الآخر، و لا يجوز له أن يقف عنهم برأي و لا بدين من أجل براءتهم ممن برئوا منه. (1/161)
صفحة 161
و لا يجوز للضعيف أن يتولى المبتدئ بالبراءة من الفريقين، و كذلك إن كان الحدث مما يحتمل الحق و الباطل، و الخطأ و الصواب ممن تكون فيه الحجة لله و العباد، فالقول فيه واحد، و لا تجوز فيه الولاية و البراءة، فإن برئ أحد الفريقين من صاحبه على ولاية أو براءة على هذا الوجه و جهل الضعيف أمرهم، فالضال في ظاهر الأمر في حكم دين الله المبتدئ بالبراءة من صاحبه، و هو مخلوع من دين المسلمين، و ليس للضعيف أن يتولى المتبرئ منهم بدين، و لا يبرأ من العلماء إذا برئوا من المتبرئ منهم برأي و لا بدين، و لا يقف عنهم برأي و لا بدين.
و لا نعلم أن حدثا من الأحداث يقع إلا و هو واقع فيما مضى، لا يخرج في الأحكام من أحد هذه الوجوه التي وصفناها لك، و ثبتت لك أحكامها و الاختلاف من العلماء، فتدبرها، و تبينها، و اعمل بما بان لك صوابه منها.
و إذا غاب عن الضعيف أو العالم أصل ما اختلف فيه العلماء، و لم يقف عليه و لا صح معه من الأحداث، و لم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك على بعض ما وصفت، ثم اختلفوا في ولاية المتبرئ و في البراءة منه، كانت ولايتهم و براءتهم دعاوي فيما بينهم، و المدعي لما يحتمل له به الصواب، فهو مأمون على دينه فيه ما كان يحتمل له الصواب في ذلك، فإن برئ المتداعون من بعضهم بعض، من غير أن يوضح أحد منهم على صاحبه حجة يدحض بها حجته و دعواه، فالمتبرئ منهم من صاحبه لاحق بحكم القذف على ما وصفت لك، و لا تحل ولايته للضعيف بدين و لا يحل للضعيف، مع ذلك أن يقف عن المتبرئ ممن برئ منه على هذا برأي و لا بدين إذا كان من العلماء، (1/162)
صفحة 162
فهذا لاحق بوجه ما ذكرت لك، من طريق ما يكون ما فيه الاختلاف، و ما يكون فيه الحكم من الاختلاف، و كذلك إن غاب عنه أمر ما اختلفوا فيه، إلا أنه سمع بعضهم يبرأ من بعض، فإذا عرف المتبرئ المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه فهو الهالك، و هو المخلوع في الدين و خارج حدثه على سبيل القذف، لا على سبيل الدين، و على الضعيف أن يبرأ منه إن عرف حدثه، و ليس له أن يتولاه بدين، و لا له أن يبرأ من العلماء من أجل براءتهم ممن برئ منهم، على هذا الوجه برأي و لا بدين.
فإن غاب عنه أصل الولاية فيما بينهم، و لم يصح معه المبتدئ بالبراءة من صاحبه، إلا أنه سمعهم يبرأون من بعضهم بعض هكذا، و هم أولياؤه، فأشكل عليه أمرهم و لم يعلم القاذف منهم من المقذوف، و لا الكاذب من الصادق، و لم يكن و قف على أصل ما تكون به الحجة عليه، فقد اختلف في ذلك، و في أمرهم.
فقال من قال: إنهم في الولاية كلهم حتى يعلم الكاذب منهم من الصادق، و المحق منهم من المبطل، و القاذف منهم من المبصر، لأن أصل ولايتهم كانت بفتيا، و الداخل عليهم شك و الشك ضد اليقين، و قال من قال: إنه يوقف عن ولايتهم في حكم الظاهر عن ولاية المحق منهم و البراءة من المبطل.
و القول بولايتهم عندنا أصح على كل حال، فإنه يتولى بشرطه المحق من المبطل بعينه، و يبرأ من المبطل منهم بعينه، و هم في الولاية جميعا في حكم الظاهر، فتدبر (1/163)
صفحة 163
ما وصفت في هذه الأصول و هذه الآثار، و لا تأخذ من جميع ما وصفت لك إلا الحق و الصواب- تم الرد.
و يوجد – قال: أخبرنا سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان رحمه الله، قال: كان أشياخنا يعلموننا، إذا اختلف الناس في شيء مما يحل بعض و يحرم بعضفي ولاية أو في براءة، فقف عن الشبهات حتى تعرف الحلال من الحرام، و تستبين لك الولاية و الفراق، و قل في هذه الأمور: قولي قول المسلمين، و ديني دينهم، فما أجمع عليه رأي المسلمين فأنا منهم، و قل: أنا واقف حتى أسأل المسلمين و أهل العلم بالله و بكتابه و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، و على هذا مضى أوائل المسلمين.
و من السيرة المنسوبة إلى محمد بن زياد السموءلي:
فإن شك في القيامة أشرك، قال الشيخ في هذا الشك: بعد معرفته أو قيام الحجة عليه بمعبر، و قال: يسعه جهل هذا إذا لم يذكره، فمنها: و من شك في قتل أهل البغي كفر، قال أبو سعيد: إذا كان قتالهم في حال لا يسعه جهله، أو أعانهم، أو برئ ممن قاتلهم، و منها: ومن علم من امرأة أو رجل كفرا، و لم يعلم منه توبة من ذلك فتولاه بعد ذلك.
قال أبو سعيد رحمه الله: إذا تولاه ولاية الدين، أو تولى من تولاه بدين، أو برئ ممن برئ منه من العلماء.
و منها: و من عرف من مسلم قولا و عملا، و علم هذا الذي قال، فالعلم هاهنا علمان: (1/164)
صفحة 164
علم علمه من نفسه، أن يكون هو عالم بما تجب به الولاية من هذا الرجل فإن علم ذلك منه، و هو من علم ذلك و تقوم به الحجة على نفسه و على غيره في الولاية، ثم ترك الفريضة التي قد لزمته في هذا كفر، و العلم الثاني: أن يرفع إليه ولاية هذا الرجل من أهل المعرفة، من هو المقتدى به في قبول الولاية، فعليه قبول ذلك منه إذا رفع غليه ولاية هذا الرجل، و هو هذا مجاز قوله علم، و هو كما قال: و هذا تأويل العلم، و لو علمه بأعمال يراها صالحة، و أقوال يراها واضحة لم يعلمها، و هي مخالفة لقول المسلمين و أعمالهم، إلا أنه لم يعلم أن هذا العمل و هذا القول و يعتقد به الولاية، و اعتقاد ولايته على شريطة الوفاء إن كان قد وجب عليه ولايته فهو وليه، و إن لم تجب عليه ولايته فهو واقف عنه لم نره كافرا، هذا إذا كان ممن يبصر ما يجب عليه به الولاية و هذا في مثل عصرنا هذا.
قال أبو سعيد رحمه الله: أما إذا برئ منه فذلك صحيح، و أما إذا لم يتوله فقد مضى القول فيه عن أبي الحسن و ينظر فيه أيضا.
و من غيره: و من لم يضلل أهل الكفر كفر.
قال أبو سعيد: إذا كان ذلك مما لا يسعه جهله، أو تولى أهل الضلال، أو برئ من أهل الصواب.
و من الأثر عن أبي الحواري: سألت عن الضلال، أهو من الله أو من الشيطان، أم من العبد؟ (1/165)
صفحة 165
فاعلم أن الضلال هو فعل العبد الذي ضل به، و في القرآن دلائل على ذلك: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... ) (1)، (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) (2).
و من كتاب: أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: أما زهدك في الدنيا فيعجل لك الراحة و أما انقطاعك إليّ فيعززك، و لكن هل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليّا.
و يوجد في كتاب الفضيل (3): قال عيسى: يا بني إسرائيل، إن كنتم إخواني و أصحابي، فوطنوا أنفسكم على العداوة و البغضاء من الناس، فإن لم تفعلوا فلستم بإخواني، إنما أعلمكم لتعلموا.
رجع إلى كتاب أبي جابر، و من تأليف أبي عبد الله محمد بن عثمان، و قيل: ليس على الضعفاء أن يتولوا ببصر أنفسهم حتى يكونوا ممن يبصرون الولاية، أو بالرفيعة التي موجبة للسلامة، فإنه على الصفة يقول أهل العلم.
و في جواب لأبي المؤثر رحمه الله إلينا: و عن رجل لا يعرف الخمر، رأى وليّا له يشرب شرابا لا يعرفه فنهاه عنه فقال: إن هذا شراب حلال فوقف هذا الذي رأى الشراب عن الذي شرب، و قد استحل الشراب الذي رآه يشربه و هو خمر،
__________
(1) - الآية مدنية رقم 5 من سورة الصف.
(2) - الآية مدنية رقم 160 من سورة النساء.
(3) - كذا في الأصل، و لعله الفضل. (1/166)
صفحة 166
غير أن هذا الواقف لا يعرف الخمر، هل يكون واسعا له الوقوف عنه و هو مستحل، أم يكون هالكا حتى يبرأ منه؟
فأقول، و الله أعلم: إن عين الخمرة مجهولة، و ليس هي مما يستدل عليه إلا بقبول المعرفة لها على العلم بها، و من قامت عليه الحجة بمعرفة حرمتها، و لم تقم عليه الحجة بمعرفة عينها إلا أن يعرفها بأصلها، فإذا لم يعرف هذا الواقف عين الخمر، فوقف عن الشارب لها و قد استحلها، و لم يقر أنها خمر، و لم يعرفها هو فهو سالم إن شاء الله، و لا يسعه الوقوف عن من استحل ما يعرف هو حرمته، لأنه ينقض ما في يده من الإسلام، فلا يعذر بجهالة كفره، لاستحلاله ما يعلم أن الله قد حرمه.
و في جواب لأبي المؤثر أيضا لنا: و عن رجل رأى من وليّ له حدثا، فلم يعرف ما بلغ به حدثه، فأخبر أحدا من فقهاء المسلمين بذلك الفعل، و برئ منه ما يكون منزلة هذا الفقيه، و منزلة المحدث عند الذي علم هذا؟ فأقول: إن هذا الذي قد عنى بهذا فسأل الفقيه عن الحجة في ذلك، فإن أخبره بالحجة التي وجبت بها البراءة ممن ركب ذلك، فعليه أن يقبل منه إذا أقام عليه الحجة، و ليس له أن يرد عليه الحجة.
و إن أخبره بأمر ليس من العدل، و كان قوله باطلا كف عن ولايته، فإن هو تولاه بجهل أو علم بعد ظهور الباطل منه، و كفر بما ادعى، هلك بولايته إياه، و إن أقام عليه الحجة التي تقطع عذر من قامت عليه فردها؛ هلك بردها، و لا يحل له ترك ولاية هذا الفقيه بعد إقامة الحجة عليه بالحق، فإن ترك ولايته هلك، و هذا مما يجب عليه علمه. (1/167)
صفحة 167
فإن قال قائل: كيف يكلف الناس علم ما لا يعلمونه أو لا تعرفه قلوبهم؟
فليعلم: أن الله تبارك و تعالى قد كلف أقواما علم ما لا يعلمونه من دينه، و أقام عليهم الحجة بمعرفته، فإذا جهلوا ما قامت به حجة الله لم يعذرهم الله بذلك.
و قد قال الله تعالى: (قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنَ اَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) (1).
و قد ذم الله تعالى الذين لا يعلمون، فقال: ( ... وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (2)، و قال: (أفَمَنْ يَّعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) (3)، (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (4).
فإن قال قائل: ففيم ذا يتبع الناس فقهاءهم، و هم يسألونهم عن الطلاق و الحيض و الصلاة، و الصيام، و الحدود و الأحكام، و يقلدونهم ذلك فيما لا يعلمونه؟
فاعلموا، أن جميع الحوادث على منزلتين:
[المنزلة الأولى] منها: ما فيه الحجة في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن أفتى من الفقهاء بتحليل ما كان حراما في حجة الله فهو هالك، و من استحل بقوله ما أحله من حرام فهو هالك، و كذلك إذا حرم شيئا مما هو حلال عن الله، و الحجة من الله قائمة بتحليله هلك، و هلك من حرم ما أحل الله بقوله.
__________
(1) - الآية مكية رقم 140 من سورة الأنعام.
(2) - الآية مكية رقم 187 من سورة الأعراف.
(3) - الآية مدنية رقم 19 من سورة الرعد.
(4) - الآية رقم 79 من سورة الإسراء. (1/168)
صفحة 168
و المنزلة الثانية: ليس فيها حجة، و هو ما لا كتاب فيه و لا سنة، و هو مما يسع المسلمين فيه الرأي و الاختلاف، فرأى الفقهاء في ذلك مقبول، لأن هذا مما لا يجوز فيه الاختلاف بين الفقهاء، و هم على ولاية بعضهم بعضا.
و أما ما كان من الادعاء على الله في الدين و الولاية و العداوة، و الحلال الذي أحله الله، و الحرام الذي حرمه الله.
فإذا اختلف فيه الفقهاء، فقال واحد: هذا حلال من الله، و قال آخر: هذا حرام من الله، أو قال واحد: هذا كفر، و قال واحد: هذا إيمان، فإن هذا اختلاف يوقع بينهم البراءات، و يقطع ولاية بعضهم عن بعض، لا يحل ولاية المختلفين جميعا على هذه الجهة، فمن جميعهم في الولاية على هذا هلك.
و عند هذا يجب تكليف العالم على الجاهل إذا قامت به الحجة في الحق في ذلك لزمه قبوله، و تحرم عليه ولاية المخطئ من هذين المختلفين في دين الله، فإذا قامت عليه الحجة بهلاك المخطئ، و إيمان المصيب لزمه قبولها، فإن ردها بجهل هلك، و صار بمنزلة من جهل ما كلف الله علمه من الجاهلين.
و من كتاب مكتوب على ظهره مما سئل عنه محمد بن محبوب رحمه الله:
و قال في الرجل: جائز له أن يقول في وليه خلفه، و أنه أذم، أو أكول، أو لئيم، ليس يعني بقوله: لئيم في أداء الحقوق، و لكن في غير ذلك.
و قال: جائز، إلا أن يكون إذا قال ذلك قدامه كره ذلك، فلا.
و في جواب أبي المؤثر رحمه الله لنا: و عن قوم من فقهاء أهل الدعوة سئلوا (1/169)
صفحة 169
عن الإمام، هل يجوز له أن يتولى أحدا ممن يدين ببعض دين أهل الضلال، فأجازوا ذلك، و هل يتولون على ذلك؟
فأقول و الله أعلم: إن كان هذا القول منهم، إنما هو رأي رأوه، و ليس بدين يستحلون و لا يدعون فيه على الله سببا، فالله أعلم بمنزلتهم، فإذا استحلوا ذلك و قالوا: إن الله أمرهم بذلك، و أن ذلك حلال، و شكوا في ولاية من حرم ذلك من المسلمين، أو تولوا الإمام على استعماله لأهل الكفر، و فارقوا المسلمين على مفارقتهم للإمام على ذلك، أو تركوا ولايتهم سقطت ولايتهم على ذلك، و أما ما كان منهم ذلك على الرأي من غير استحلال، و لا شيء مما وصفنا فالله أعلم بهم، و قولنا فيه قول المسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
ومن سيرة لأبي عبد الله محمد بن الحسن رحمه الله إلى أبي القاسم عمر بن القاسم بن اليمان، و قلت: ما تقول إذا كنت تبرأ من رجل بكفر قد عرفته منه، أيجوز لك أن تخبر ببراءتك من هذا الرجل أحدا من إخوانك، أو واحدا من الناس ممن لا يدري أنهم يبرأون منه، كما برئت أنت منه أم هم يتولونه أم هم واقفون عنه؟
و قلت: ما تقول إن كلفت أنت أحدا أو أمرته يبرأ منه لأجل ما قد برئت أنت منه، (1/170)
صفحة 170
أو لأجل ما قد علمت، أن العلماء يبرأون منه؟ قلت: بما أراك مخطئا أم مصيبا؟
فعلى ما وصفت: فلا يسعك أن تظهر البراءة من هذا الرجل إلى أحد لم تعلم أنه يبرأ منه كبراءتك، و لا وجب عليه أن يدين فيه بما وجب عليك، فإن فعلت ذلك فقد أبحت من نفسك ما هو حرام عليك إباحته، و لا عذر لك في ذلك إلا بالتوبة و الرجوع عن ذلك.
و كذلك إن أمرت أحدا و كلمته أن يبرأ منه كبراءتك منه. أو قد علمت أن المسلمين يبرأون منه، و لم يعلم هو كعلمك فيه، و لا يعلم ما وجب على العلماء فيه، فقد أخطأت في ذلك و لم تصب، و عليك التوبة من ذلك، لأنه من أحكام الجور و الكذب.
و من هذه الرواية بعينها و الله أعلم بذلك الذي يروى عن جابر بن زيد رحمه الله، أنه قال:
إذا قال الجاهل للعالم: ارجع إلى مثل جهلي و إلا برئت منك، فقطع الله عذر الجاهل، و إذا قال العالم للجاهل، اعلم مثل علمي، و إلا برئت، قلت: قطع الله عذر العالم، و لعل اللفظ يزيد في هذا و ينقص، إلا أنه معنى الرواية، و الله أعلم بالصواب في هذا و غيره.
و قلت: هل للمسلم أن يدين بالسؤال عن المحدثين الذين قد سلفوا، أو كانوا أئمة أهل جور، و هل يجوز لنا أن نأمر أحدا من ضعفاء المسلمين أن يدين بالسؤال عن أحد من الأمراء و الأئمة الذين جاروا في حكمهم، و اعتدوا على رعيتهم؟ (1/171)
صفحة 171
و قلت: ما يلزمه، إن ألزم الضعفاء أن يدينوا بالسؤال عن هذه الأئمة الذين وصفتهم، و ما هذه الصفة التي إذا صار إليها هذا فقد كان عليه السؤال عنهم؟
فعلى ما وصفت: فليس لهذا أن يدين بالسؤال فيما يسعه جهله، لأنه ليس للعالم بما يسعه جهله أن يحمل على الجاهل فيما يسعه جهله، أن يعلم كعلمه، يبرأ كبراءته، فإن فعل ذلك فلا عذر له في ذلك، و قد قطعت حجته.
و كذلك ليس للجاهل أن يجهل على العالم بعد معرفته أن الجاهل يرجع إلى منزلة جهله، فإن فعل ذلك الجاهل فقد دحضت حجة الجاهل بهذا و الجاهل يلزمه إذا وافق العالم على البراءة في شريعة اعتقاده من دينه فقد برئ بما برئ به العالم.
و ليس للعالم و لا للضعيف أن يلزم الجاهل أن يسأل عن حرمة يسعه جهلها، دائنا بالسؤال ليتبرأ من راكبها، فإن فعل ذلك العالم فقد هلك، لأنه حكم عليه بغير ما يلزمه في حكم العدل في السؤال، و هذا موضع حكم ما لا يلزمه فيه السؤال.
و من حمل الناس على ما ليس عليهم من السؤال من غير اللازم؛ فقد ضل بقوله و اعتدى بجهله، هالك إلا أن يتوب.
و قلت: ما الصفة التي صار إليها كان عليه السؤال؟ فاعلم أنه إنما يلزمه السؤال، إذا رأى من وليّه حدثا لم يعلم أن وليّه يكفر بذلك الحدث عنده، فعليه في هذا الموضع أن يقف عن وليه وقوف السؤال، على أنه يدين فيه بدين المسلمين.
فإن يكن الذي رآه منه وليّه يبلغ به حكم الحق إلى البراءة دان بالبراءة من وليّه، و إن لم يكن ذلك الذي رآه من وليّه يبلغ به إلى مكفرة، فوليّه على ولايته، (1/172)
صفحة 172
و هذا يكون اعتقاده في وقوف سؤاله عما رأى من وليّه، من غير أن يترك ولاية وليّه على ما وصفت لك، و إنما يكون وقوفه ذلك برأي لا بدين يعتقده، فهذا ما يلزم فيه السؤال، إنما يكون برأي لا باعتقاد دين.
فإذا دان بالوقوف في موضع يلزمه فيه وقوف السؤال؛ فقد دان بغير دين أهل الحق، و من دان بغير دينهم فقد هلك، و لا توفيق إلا بالله.
و اعلم أنه من ألزم نفسه علم ما لم يلزمه العمل به، و لا أوجب الله عليه علمه، فهو كمن ترك علما يلزمه العمل به، و لا يعذره الله بجهله، و هما بمنزلة واحدة في الهلاك، إلا أن يتوبا، لأن ليس لأحد من خلق الله أن يتعاطى ما لم يكلفه الله علمه، لأنه قد جاءت الرواية: ملعون من لم يعرف قدره، فكل ذلك مجازه إن عرف قدره أنزل نفسه منزلتها، و إنما هلك الجهال و أهل الضلال إذا لم يعرفوا قدر منازلهم فيقصروا عليها، لأنه أولى العلم بك في قول بعض الحكماء ما لم يصح العمل إلا به، و واجب العلم عليك بما هو واجب العمل به، و ألزم العلم لك ما دلّك على صلاح قلبك، و أظهر لك فساده، و أحمد العمل عاقبة ما زاد في علمك في العاجل، و لا تشتغل بعلم يضرك جهله، و لا تغفلن عن علم يزيد في جهلك تركه، فلرب علم يريح البدن، و يعزز الثواب، و لرب علم يتعب البدن و يكثر عليك العقاب، و قد قال الله عزوجل في محكم آياته لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (1).
__________
(1) - الآية مكية رقم 86 من سورة ص. (1/173)
صفحة 173
و اعلم، علمك الله، أن أكثر أهل زمانك، كما وجدنا، يرفع من قول في بعض الحكمة، و أعلمهم مستحوذ عليه هواه، مجانب لعلمه، في منطقة مباه و أصغاهم إلى الاستماع يرصدك بالغوائل، و أبعدهم رأيا أعمالهم عن عيوب نفسه، و أشدهم اجتهادا معجب، و أثبتهم عقلا متمسك بدين الضلالة، و أكملهم بصيرة عاجز عن العمل، فهيهات، ما أبعدك أن تجد متمسكا بحقيقة صدق عروة الإسلام، إلا من منّ عليه ذو الجلال و الإكرام باتباع الحق، و الاقتداء بأهله.
منار الإسلام منهدم، و طرق دائرة، و أعلامه ساقطة، فأنت لا ترى ثقة فتتأسى به، و لا منهجا فتسلك، و لا علما نافعا فتنفع، فأنت في بحر تضطرب عليه أمواجه بالفتن، فاضرع إلى الله، و استعن على ذلك بالاعتصام بالله.
وجدت العبد غير مستغن عن فائدة يزداد بها إحسانا، و يرجع بها عن إساءته.
و من حمل على الناس بجهله أو بعلمه ما لا يلزمهم في جميع ما ذكرت من دين السؤال، أو مما يجهله، أو يغلب جهله علمه من الضلال؛ فقد باء بسخط المعصية، و وقع في مقت الحيرة و عمى الجهل، إلا أن يتوب، و نحن ممن إن لم يتداركه الله بتوبته و ينعشه برحمته ممن نزل بهذه الصفة مع ادعائه المعرفة، و لا قوة إلا بالله، و لا نجاة إلا بفضل الله و الحمد لله. (1/174)
صفحة 174
و نحن نقول كما وجدنا في بعض جوابات أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: و ذلك أنه بلغه و الله أعلم بذلك قول بعض أهل زمانه، قول ساءه و ما سره، على ما وجدنا في لفظه، أنه قال.
بلغني عن بعض هؤلاء الشباب الذين يقولون: إنه لا يحل لهم أن يفتوا الناس بآرائهم، و لا يسع الناس أن يحلوا و يحرموا بقولهم، أنهم نسبوا فعلك إلى مقارفة الحلال و فعل الحرام، يعني الصلت بن مالك، و هو جوابه له على ما عرفنا، و ساءني ذلك و ما سرني، فإلى الله المشتكى، و هو المستعان إذ صار يحمل الدواء من يشمت بالمسلمين العدا، و يزيد بدوائه الداء، و يخاف أن يقتل بدوائه من يطلب الشفاء.
أو صاروا يحمدون آراءهم و يذمون ما هو أفضل منها علما، و أسبق منها قدما، و أوثق منها عروة، و أشرف منها ذروة.
و يقول في جوابه: و لا يلتفت إلى من يرى المعروف منكرا، و العمى بصرا، و لا يطأ في رأيه سنة و لا أثرا، يهدم برأيه الآثار، و يركب بنفسه و ممن اتبعه غير سبيل ذوي الأبصار، و هو يرى أنه يصعد و هو في الانحدار، و يرى أنه مقبل و هو في إدبار، فنعوذ بالله من الجبار.
و اعلم أن طوائف من الخلق أرادوا الحق فأخطأوه، و أرادوا نشره فغطوه، فأعاذنا الله و إياك من الفتون و ندامة المنون و مأثم الظنون.
و ينبغي لك – لعله يعني الصلت بن مالك – أن يأمر هؤلاء الشباب الأحداث، أن يتقوا الله و لا يحملوا على أنفسهم و لا على المسلمين، أن يفتنوا الناس بآرائهم، (1/175)
صفحة 175
فإن حفظهم ضعيف، و أخاف أن يكون رأيهم عنيفا، و ليس هم من الربانيين و الاحبار.
فالواجب عليهم أن يتورعوا عن الفتيا، إلى أن يحتاج المسلمون إليهم، و ليكونوا على الصمت و الاستماع لنور العلم أحرص منهم على الكلام، و لعمري لو قرأوا العلم و أقروا به لما رغبوا في الشهرة، و لا عرفوا الناس أن معهم فضل رأي و علم بفضل عندهم، و لحذروا على أنفسهم التقديم فيما لا يسعهم التقدم، و اتهموا آراءهم و حفظهم، و ألجموا ألسنتهم عما لا يطأون فيه أثرا، و يخافون أن يحملوا فيه وزرا، و لو صبروا حتى يختبروا، لكان خيرا و أسلم، و إن كانوا يعلمون حق العلم؛ فإنهم ينبغي لهم أن يعرفوا أنهم لا يسعهم أن يحلوا، أو يحرموا بآرائهم، و لا يحل للناس أن يأخذوا بآرائهم بالحلال و الحرام، و الحرب و السلم، فقد كان من هو أفقه منهم و أعلم بالله منهم، يقول في بعض ما سئل عنه: أنا ليس ممن يأخذ برأيه، و هؤلاء يتسرعون و يستخفون فيما الوقوف عنه اولى بهم و أزين لهم و أسلم.
فهذا أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله يقول: هذا لمن ليس في زمانه، ممن علمنا له ضريبا في علمه و ورعه، فكيف بمن قد تسربل بثوب العمى، و ارتفع عن طريق الحكماء، و ذلك تحروا مثالنا إن لم يعد الله علينا، و غنما أردت بهذا الكلام، و لعله قد جرى عليك لتزداد به بصيرة، و تعرف به من (جادلك) الضلالة و الحيرة، و بالله الملتجأ. (1/176)
صفحة 176
و مما قد قيدنا من جوابات لأبي الحواري رحمه الله، و هو يقول:
لسنا ندعو إلى طاعة احد من حكام أهل هذا الزمان، و لا يضيق على أحد بحضرتهم في غير معصية و لا معونة على ظلم، و لا ندع فيما أيدينا مما أخذنا عن أئمتنا و أسلافنا، فنرجع إلى قول الشكاك و الارتياب، و إلى قول هؤلاء الشباب الذين كل واحد منهم معجب برأيه من خطأ كان أو صواب، و لم نر من ولايتهم و براءتهم إلا المحبة و البغضة، إذا سألته: بم توليت فلانا، و بم برئت من فلان؟ لم يكن معه في ذلك أصل و لا حجة، و لا أثر إلا محبة أو بغضة، فنعوذ بالله ممن عليه العمى و اتباع الهوى، فليتق الله من يتعب نفسه لخصومة الناس، و ليقتصر على مبلغ علمه، فمن انتصب قاضيا و هو ضعيف، تبكي منه المواريث و تصرخ منه الدماء.
و قد بلغنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله، أنه قال: ليس للناس أن يركبوا معصية حسبوا أنهم طاعة، و لا يتركوا طاعة حسبوا أنها معصية.
و قد بلغت الدعوة، و قامت الحجة، و انقطع العذر، و الحمد لله رب العالمين.
فمن قضى على الناس في أمر دينهم أو دنياهم بما لا يلزمهم، فقد نزل بمنزلة الجائرين في أحكامهم، و الحاكمين بغير ما أنزل به كتاب ربهم، فانظر رحمك الله في جواب ما سألتنا عنه، فإن بان لك فيه خطأ فهو منا ومن الشيطان عدونا، فرده بفضلك، و نحن نستغفر الله في كل ما خالفنا فيه الحق عند الله، و ما توفيقنا و إياك إلا بالله، عليه توكلنا و إليه أنبنا و إليه المصير، و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على نبيه محمد، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و السلام على أولياء الله أجمعين، و السلام عليك و رحمة الله و بركاته، و حسبنا، و كفى بالله حسيبا، و كافيا و حافظا و نصيرا. (1/177)
صفحة 177
و هذا مختصر من مسألة طويلة:
و قد روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يشتد غضب الله على وطئ امرأة في دبرها، و الله أعلم بذلك، و لم أعلم أن أحدا من المسلمين رخص في الدبر، و نحن نبرأ ممن وطئ امراة في دبرها متعمدا، ثم لم يتب من ذلك، و يوجد أن من وطئ امرأته في الحيض يستتاب، فإن تاب كان على ولايته، و إن لم يتب لم يكن له ولاية مع المسلمين، و لا تعجل عليه بالبراءة، لأن المسلمين قد اختلفوا في الحيض، إلا أنا لم نعلم أن أحدا من المسلمين أحل وطء النساء في الحيض، و قد قال من قال: إنه حرام مفرق، و قال بعضهم: لا يحل و لا يحرم، فمن هنالك و قع الوقوف عن هذا الذي وطئ في الحيض متعمدا.
و هذه فصول من الآثار و السير في ترك الشهادة بالنار و الجنة، لا جدالا على الشريطة إن كان مات على ما كان عليه.
ومن سيرة الشيخ محمد بن روح بن عربي رحمه الله:
و إياكم قطع الشهادة بالنار على من يبرأون منه، فإن تلك شهادة زور، إلا (1/178)
صفحة 178
على شريطة أنه إن مات على هذا الأمر الذي يستحق به البراءة غير تائب منه، و لا راجع إلى الحق عنه؛ فإنه من أهل النار، فعلى هذه الشريطة تجوز لك هذه الشهادة.
و من بعض جوابات الشيخ أبي سعيد رحمه الله فيما أظن، قلت: فهل يسع أحدا أن يقول في أحد المخلوقين: إنه من أهل الجنة، و يعتقد ذلك دينا بدين به، من لدن أبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى حيننا هذا، أم ذلك لا يجوز القول في الأولياء إلا الأنبياء، و إن كان يدين بذلك و يقوله و يعتقده، هل هو هالك أم سالم، و ما سبيله؟
قال: معي: أنه قيل لا يجوز أن يشهد لأحد من الناس بالجنة، و لو ظهر منه ما يستوجب الولاية من الفضل، و الجهاد في سبيل الله، و العمل و الموافقة إلا من صح له ذلك في كتاب من كتب الله، أو يشهد له بذلك رسول من رسل الله، صلوات الله عليهم، أو نبي من أنبيائه، و إلا فلا يجوز أن يشهد له بحقيقة ذلك، فمن شهد له بحقيقة ذلك بغير هذا الوجه و دان به فهو عندي متعاط من الغيب من علم ما لا يسعه، و أخاف أن يكون هالكا شاهدا بالزور، حاكما بالجور إلا على اعتقاد الشريطة لا على الحقيقة، فافهم ذلك إن شاء الله.
و من الأثر: - و لعله عن عبد الله بن محمد بن بركة – فإن سأل سائل، فقال: أنت مؤمن حقا (1/179)
صفحة 179
فقل: عند نفسي: نعم، و أما عند الله فلا أدري، و إن قال: فلم لا تقول: إنك مؤمن حقا على غير شرط، فقال: إذا قلت إني مؤمن حقا قطعت نفسي بالشهادة برضاء الله عني، فإن قال: و لم قلت: إن هذه شهادة لنفسك بالرضى من الله تبارك و تعالى، فقل: إن الله مدح أولياءه من رضى عمله، و أعد له النعيم الدائم فقال:
(أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (1)، فإن قال: فإذا كانت أفعالك كلها طاعة عند نفسك، فلم لا تشهد لها بهذه الشهادة؟ فقل: ورد الخبر عن الله تبارك و تعالى بالنهي عن تزكية الأنفس بقوله عز وجل: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (2)، و لا نعلم اختلافا بين أهل الرواية أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: لا تشهدوا لأنفسكم بجنة و لا بنار.
فإن قال: قد وصفت نفسك أنك مؤمن في أول المسألة، و قد مدح الله المؤمنين، فقل: لأني وجدت المسلمين يسمون كل من كان على مثل ما أنا عليه من الاعتقاد و القول مؤمنا فوجب أن يسمى بهذا الاسم.
و من جامع علي بن محمد البسياني: و قد قيل: لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء الذين ذكرهم الله، فإن لهم الجنة، و لكن يشهد لأهل الإيمان بالجملة بالإيمان، و لا يشهد بالنار إلا لمن قال الله: إنه من أهل النار، و لمن مات على الكفر، فهو من أهل النار في الجملة حتى يعلم أحد بعينه أنه مات على الكفر، فهو من أهل النار.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 4 من سورة الأنفال.
(2) - الآية مدنية رقم 32 من سورة النجم. (1/180)
صفحة 180
و مما سألت أنا عنه نجدة بن الفضل النخلي، و ما تقول: هل يجوز لأحد أن يشهد لأحد بجنة أو بنار؟ و إن كان لا يجوز فما يلزمه في ذلك، وما يلزم منه من سمع منه ذلك؟
الجواب: قد قال الله تعالى: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشهدوا لأنفسكم بجنة و لا نار، و أما لغيره من ولي أو عدو فيجوز ذلك على شريطة أنه إن مات على هذه الأعمال المرضية أو المكروهة، و الله أعلم.
هذه المسألة عن الأزهر بن محمد بن جعفر من جواب له: و قلت: هل يجوز أن يقول لمن لا يتولاه: برّك الله، أو صحبك الله؟
فأما برّك الله فكلمة عالية، لا تكون إلا لأهل الولاية، و أما صحبك الله، فعسى أن يجوز، لأنه تبارك و تعالى مع الكل، و يصحب أولياءه برحمته، و يصطحب أعداءه بغضبه، و أحوط ذلك عندي: أن تنوي صحبك الله بما يستحقه معه.
و قيل: التقية للجار و الصاحب جائزة، يظهر إليه الجميل و الدعاء؛ حتى يرى أنك تحمد أمره، و لو كنت لا تتولاه، و المعنى في ذلك لغيره، و كل من لا يتولى فلا يدعى له برضى الله و لا بمغفرته، و لا بما يكون من نحو ذلك، بما يستوجب به من فعله دخول الجنة، و قيل: لا يقال له: حياك الله و لا رحب الله بك، و إن قال مرحبا بك فلا بأس، و كذلك إن دعا له بالعافية، و الحفظ، و الكرامة، و الرحمة (1/181)
صفحة 181
في الدنيا فلا بأس، و ذلك جائز، و ذلك ما أولاه الله بني آدم في الدنيا جميعا، و من كان في حد التقية جاز له أن يدعو لمن لا يتولاه بما يدعو به لأهل الولاية، و يعتقد المعنى لغيره، و كذلك قيل: إذا عزى من لا يتولاه في مصيبة جاز أن يقول: عظم الله أجرك، و جبر مصيبتك، و المعنى لغيره.
و إن قال له: جبر الله مصيبتك، فلا بأس أيضا، و كذلك إن قال له: عافاك الله من النار، يعني نار الدنيا فلا بأس، و عن من يقول لمن لا يتولاه: رحب الله بك، و أدخلك الله الجنة، فهذا لا يجوز إلا أن يقول: رحب الله بك، يعني المنزل و الأرض و الدنيا.
و من بعض السير: و لا يدخل في ديننا من لا يكتم منها، و لا يرعى غيبتنا، و لا يقول قولنا، و لا يرضى رضانا، و لا يوالي ولينا، و لا يعادي عدونا، و لا يسخط لسخطنا، و نتهمه على أنفسنا، و يستحب مع هذا الاستبراء منه، و ندعوه إلى معنى الموافقة.
و يدعونا إلى مثل ذلك ذكر ما يقع عليه في الريب من دخول الفتنة في الامة، فيدعوه إلى التدين بدين أهل الاستقامة من المسلمين، و هو دين النبيء صلى الله عليه وسلم، و دين أبي بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، رحمة الله عليهما، و دين (1/182)
صفحة 182
عمار بن ياسر، و عبد الله بن وهب الراسبي، إمام أهل النهروان، و دين عبد الله بن إباض، إمام المسلمين، و عبد الله بن يحيى، الإمام طالب الحق، و دين وائل بن أيوب، و محبوب بن الرحيل من علماء المسلمين، و دين موسى بن علي، و محمد بن محبوب، و عزان بن الصقر من علماء المسلمين من أهل عمان، و الاعتراف لهم بفضلهم و تقديمهم، و التدين بدينهم، فهؤلاء الذين وصفناهم و ذكرناهم، هم أئمتنا و أولياؤنا في الدين، و علماؤنا، ورثنا دينهم، و ولينا وليهم، و عدونا عدوهم، و حربنا حربهم، و سلمنا سلمهم، و مذهبنا مذهبهم، و رأينا رأيهم، و قولنا قولهم، و قولنا فيما حدث بين أهل عمان و فيهم، من أمر الصلت بن مالك إلى انقضاء أيام (1/183)
صفحة 183
عزان بن تميم، قولنا فيهم و في أحداثهم قول المسلمين، و أن كلا منهم من أهل الدار، ومن جميع المسلمين مخصوص بعلمه من ولاية أو براءة أو وقوف، و أن من خصه شيء في أمرهم و من أمرهم، لم تكن له حجة على غيره في ذلك، و لو ثبت عندهما جميعا صحة أفعالهم، ما لم يصح عندهما جميعا صحة أصل حدثهم، لأن أفعالهم عندنا خارجة على أحكام الدعاوى، لا على أحكام البدع و لا الانتهاك لما يدينون بتحريمه.
فهذه المعاني يستطيب معنا من أقر معنا و وافقنا عليها، و على أنّا مع هذا دائنون لله بالتوبة من جميع ما لزمنا فيه التوبة و الاستغفار في دين هؤلاء الذين و صفناهم، و دائنون لله بأداء جميع ما يلزمنا أداؤه في دينهم، و دائنون لله بالسؤال عن جميع ما يلزمنا فيه السؤال في دينهم، و بالله التوفيق، و ما كان في هذا النسب ما يخرج مخرج الدين فهو ديننا، و ما كان يخرج مخرج الرأي فهو رأينا، و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد خاتم النبيئين و على آله و صحبه الطيبين الطاهرين، و سلم تسليما.
و من سيرة أبي المؤثر:
و أفضل الناس بعد النبيء صلى الله عليه وسلم في كل وجه من الوجوه، أبوبكر، ثم عمر، ليس عليهما تقديم لأحد في شيء من الأشياء، و هما إماما المؤمنين رحمهما الله، ثم (1/184)
صفحة 184
أئمة المسلمين من بعدهما من بعد النبيء صلى الله عليه وسلم، أبو عبيدة بن الجراح، و معاذ بن جبل، و عبد الرحمن بن عوف، و عمار بن ياسر، و عبد الله بن مسعود، و أبو ذر، و سلمان، و صهيب، و بلال، و أبي بن كعب، و زيد بن صوحان، الذي قتل يوم الجمل عند علي و المسلمين، و خزيمة بن ثابت، و محمد و عبد الله ابنا بديل و حرقوص بن زهير السعدي و زيد بن حصن الطائي اللذان استشهدا بالنهروان عند الإمام عبد الله بن وهب الراسبي رحمهم الله، فهؤلاء أئمة المسلمين (1/185)
صفحة 185
من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، و من لم يدخل في الفتنة بعد النبيء صلى الله عليه وسلم، ممن لم يسم، و أنكر المنكر على أهله ممن شهد يوم الدار، و يوم الجمل، و يوم صفين، و شهد النهروان من المسلمين، و لم يشهد هذه المشاهد ممن كان على دينهم، و من مات قبل اختلاف الأمة، فهم أئمتنا و أولياؤنا رحمهم الله، ثم من بعدهم عبد الله بن وهب الراسبي و أصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا (1/186)
صفحة 186
رحمهم الله، ثم من بعدهم عروة بن نوفل الأشجعي، و وداع بن حورثة الأسدي، و شهد معهما يوم النخيلة، فقاتلوا بها أصحاب معاوية و أصحاب الحسن بن علي، حتى استشهدوا رحمهم الله على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ومن دان بدين أهل النخيلة و أهل النهروان، ممن لم يشهد معهم فهم أولياؤنا رحمهم الله، و عروة بن جدير الذي قتله أبو عبيد الله بن زياد، و المرداس بن حدير و أصحابه الذين دعوا إلى دين الله و قاتلوا عبيد الله بن زياد، (1/187)
صفحة 187
و أشياع يزيد بن معاوية بعد أن دعوهم إلى دين الله حتى استشهدوا رحمهم الله، ثم إمام المسلمين عبد الله بن إباض و سائر أئمة المسلمين، و جابر بن زيد، و صحار بن عبد الله، و جعفر بن السمان، و الحتات بن كاتب، و أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، و أبو نوح صالح بن نوح الدهان، ثم عبد الله بن يحيى الإمام، و المختار بن عوف، و أبو الحر علي بن الحصين، (1/188)
صفحة 188
و من استشهدوا معهم من المسلمين الذين قاتلوا أشياع مروان بن محمد، ثم عبد الرحمن بن رستم من أهل المغرب، و الجلندا بن مسعود إمام المسلمين بعمان، و من استشهد معهم من المسلمين هلال بن عطية الخراساني و غيره من المسلمين رحمهم الله، ثم شبيب بن عطية، و خلف بن زياد البحراني، و الربيع بن حبيب، و موسى بن أبي جابر، و بشير بن المنذر، و وائل بن أيوب، و محبوب بن الرحيل، و هاشم بن المهاجر، و عبد الله بن أبي قيس، و سعيد بن مبشر، و علي بن عزرة، و هاشم بن غيلان، و منير بن النير، و سليمان بن عثمان، و أبو منصور الخراساني، (1/189)
صفحة 189
و عبد المقتدر بن الحكم، و محمد بن هاشم بن غيلان، و موسى بن علي، و سعيد بن محرز، و الوضاح بن عقبة، و محمد بن محبوب، أئمة المسلمين و فقهائهم رحمهم الله و رضي عنهم، و جزاهم عنا أفضل الجزاء بما أثروا من دين الله و رعوه من عهود الله، و قاموا به من شرائع الله و أوحيوا من ستر الله، فرحمة الله عليهم و مغفرته و رضوانه.
و من كتاب سيرة الدعوة:
فلو ناشئ نشأ يقدم من أرض اليمن فوجد إجماع الكلمة من أهل العلم و الخاصة و العامة على أن هارون بن اليماني هو المحق، و أن محبوب بن الرحيل هو المبطل فيما اختلفا فيه في الدين، و ظهر من اختلافهما في الدين وقف على ما اختلفا فيه أو لم يقف، غير أنه وجد إطباق الكلمة و تظاهر الشهرة من الخاصة و العامة على هذا، فبرئ من محبوب بن الرحيل رحمه الله على هذا كان بهذا هالكا، و لم يسعه جهل ذلك، و لو لم يعلم أن ذلك باطل، و لا أن تلك الشهرة شهرة دعوى من مدعيها في الإسلام، و على أهل الإسلام، و لو لم يسمع قط من ينكر ما سمعه من إطباق الكلمة في زمانه من أهل مصره و عصره فلا يسعه ذلك، و هو هالك بذلك و لو لم يكن له عند الله ذنب إلا براءته من محبوب بن الرحيل على هذا.
و منه: إذا صحت الشهرة من الأعلام و العلماء من أهل الإسلام بالشهادة و الحكم على أحد من الناس بعينه بالكفر، و بالفسق، و النفاق، و البغي كان ذلك مصحا لكفره و نفاقه، و وجوب علم ذلك على من علمه، و وجبت البراءة بذلك و لو لم يصح حدثه الذي أكفره و أوجب عليه البغي، لأن الحكم من العلماء حجة إذا أجمعوا على ذلك و لم يختلفوا، و ليس هذا تقليدا يخرج مخرج الشهادة، فقد (1/190)
صفحة 190
شهرت صحة الشهادة عليه من الأعلام بكفره و بغيه، و نفاقه و فسقه، و هم الحجة في ذلك لو شهدوا به و سمع ذلك منهم كانوا حجة بذلك، و كذلك شهرة ذلك عنهم إذا صحت، تقوم مقام الشهادة و سماع الشهادة، لأن ذلك إجماع منهم على الحكم في الأحداث و هم الحجة.
و منه: و كذلك قيل: إن الإمام لا يسع جهله، و ذلك خاص فيما جاء به الأثر لمن امتحن بحضرته لمن عرف عدله بخبرته أو بتظاهر شهرته، فلو قامت على العبد الحجة بشواهد معرفة عدل الإمام لم يسعه جهل معرفة عدله و لا ولايته لثبوت عدله، إذا كان من أهل مملكته و مصره، فإن جهل ذلك جاهل ممن لم يعرف الحكم في ذلك، فلم يتول الإمام بنفسه لضعفه عن معرفة من تلزمه ولايته، و تولى العلماء على ولايتهم للإمام، و لم يضيع شيئا مما يلزمه من طاعة الإمام من أجل جهله لواجب حقه، و طاعته من ترك نصرته فيما يلزمه نصرته أو التولي عن الرضى لحكمه، فيما خصه في نفسه أو غيره.
و من سيرة أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي رحمه الله، في من يلزمه السؤال:
و إنما يلزمه السؤال إذا رأى من ولي له حدثا لم يعلم هو أنه مكفر؛ فعليه في هذا الموضع أن يقف عن وليّه وقوف سؤال، على أن دينه فيه دين المسلمين، فإن يكن ذلك الذي رأى من وليه يبلغ به عند المسلمين إلى البراءة - لعله – فقد دان بالبراءة من وليه، و إن لم يكن ذلك الذي رأى منه يبلغ به إلى مكفرة، فوليه على ولايته. (1/191)
صفحة 191
قال أبو سعيد رحمه الله: السؤال ها هنا لا يقع موقع الإجماع فيما عرفنا، و إنما يقع موقع الاختلاف.
رجع:
و على هذا يكون اعتقاده في وليّه من غير ترك منه لولاية وليه إلا على هذه الصفة، و إنما يكون وقوفه عنه برأي لا بدين، فافهموا ما يلزم فيه السؤال من موضع ما لا يلزم فيه السؤال.
و قد يكون وقوف السؤال على غير هذا، إلا أن كل وقوف السؤال إنما يكون برأي، و لا يكون بدين، لأنه إذا دان بالوقوف في موضع وقوف السؤال؛ فقد دان بغير دين المسلمين، و من دان بغير دين المسلمين فقد هلك.
قال أبو سعيد رحمه الله: و ليس له أن يدين في هذا بالسؤال دينا يدين بذلك، و إنما يعتقده على غير دينونة إذا كان موضع السؤال يقع موقع الاختلاف، لا موقع الدين.
و من جوابه الثاني رحمه الله:
و أعلمك أني دائن بالبراءة ممن أوجب على الناس السؤال عن صحة بغي راشد بن النظر و موسى بن موسى بن عليّ على الصلت بن مالك، و إنما يجب السؤال على من صح معه بغيهما، ثم يشك في البراءة منهما من أجل بغيهما، هذا يلزمه السؤال. (1/192)
صفحة 192
و أخبرني أبو الحواري رحمه الله عن الصلت بن خميس رحمه الله عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه ذكر محمد بن أبي عفان، فقال: هو عندنا خليع، فقال أبو الحواري رحمه الله: و أما أبو المؤثر فقال: إنه يضعف عن خلعه، فلو أن رجلا من أهل زماننا برئ من محمد بن أبي عفان، من أجل أنه يجد في الكتب عن أبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي رحمه الله أنه قال: إن ابن أبي عفان كان جبارا، أو من أجل إذا سمع أن محمد بن محبوب رحمه الله تبرأ منه فبرئ منه من أجل ذلك، من غير أن يصح معه أن ابن عفان أتى مكفرة، فإن ذلك الرجل على هذه الصفة عندنا خليع يدين لله بخلعه.
و قال روح بن يحيى: و كل ما ركب الناس مما يدينون باستحلاله مما أوجب الله العذاب على فعله أو تركه فغير واسع للعالم بذلك جهل ضلالهم، و عليه غير منفس في السؤال عنه، و قيام الحجة عليه في ذلك، علمه أن الراكب لذلك مستحل دائن، لأن في أصل ما كلف الله العباد عليه من الإيمان الذي لم يعذرهم بجهله، هو أن يعلم أن ذلك كذلك.
و جاء في الأثر: أن شهادة الخالع المتبرئ لا تجوز شهادته بالحدث الذي يبرأ منه ممن شهد عليه المتبرئ بأنه أحدث، إذا كان المتبرئ أظهر البراءة من ذلك (1/193)
صفحة 193
المحدث من قبل شهادته، لأن المتبرئ في هذه المنزلة إذا تبرأ من ولي لك كان ذلك بمنزلة القاذف، لا تجوز شهادته على قذفه، لأن عليك في دينك، أن تخلع من أظهر البراءة من وليّك، و لا يجوز أن تقبل شهادة خليع على وليّك بحدث مكفر، هذا صحيح عند العلماء، و قل من يبصر هذا الباب إلا من هداه الله له.
فإذا أظهر المتبرئ البراءة من أحد غير ولي، فلا يحل لك أن تقبل شهادة المتبرئ على من تبرأ منه عندك بالحدث الذي تبرأ منه، لأن المتبرئ في هذه المنزلة مدّع، و لا يحل لك أن تقبل شهادة مدع على عدو و لا ولي، و لابد لمن أظهر البراءة قبل الشهادة أن ينزل إحدى منزلتين: إما منزلة مدع، و إما منزلة قاذف وليك بالمكفرات.
و من أجل هذا الباب لزمنا الإنكار لله على من دان لله بالبراءة من أحد من أجل إذ صح براءة المتبرئين منه، لأن من تبرأ من أحد من أجل المتبرئين منه، كان بمنزلة من شهد عليه بغير الحق من أجل شهادة الشاهدين عليه، و من شهد عليه و لو بدرهم واحد من غير علم، من أجل شهادة جماعة ثقات شهدوا عليه بذلك الدرهم تقليدا أو اتباعا لشهادتهم، فهو عندنا شاهد زور، و نحن لله دائنون بالبراءة منه من أجل شهادته تلك بذلك الدرهم.
و عنه – في معنى التوبة بالشاهد: و إنما جاء الأثر، أنه يلزم التوبة شاهرا عن قول لسانه على المنابر خصوصا عندنا و الله أعلم. (1/194)
صفحة 194
و قال غيره: و أرجو أني عرفت أن الداعي للناس إلى الضلال، إذا عرف ضلاله ذلك و تاب منه، أنه يعلمهم بتوبته و رجعته عما دعاهم إليه من الضلال، و الله أعلم فينظر في ذلك.
و هذا فضل من جواب بشير بن محمد بن محبوب إلى أخيه عبد الله بن محمد بن محبوب و خالد بن قحطان:
اعلم يا أخي، أن الجماعة إنما كانت اعتمدت على الحدث المجتمع على تحريمه و الشهرة له و الدينونة به، و إلحاق معاني ذلك إليه في الولاية و المعونة عليه، و قد كنت أنت وقفت على ما لحظنا فيه، و الذي أراه للجميع، الوقوف عن ذلك، و لا يحدث أحد منهم الجهر فيه بالدينونة في ولاية و لا ببراءة في مختلف فيه، و أن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه، و لا يخرج به إلى حكم المشهور، فيبيح بذلك من نفسه ما لا يحل له، و لو كان عنده متى أنه قام بذلك قامت له به حجته.
قال أبو سعيد رحمه الله: معي: أنه يخرج معنى قوله في الحادث الواقع الذي وصفه بهذه الصفة على ما خرج من معنى قوله فيه، أنه يقصد بذلك حدث موسى بن موسى و راشد بن النظر، و ذلك مما تظاهر عليه و على طبقته، و ممن ذهب مذهبه، أنهم كانوا يذهبون [إلى] أنهم كانوا بغاة على الصلت في خروجهم ذلك الذي شهر و ظهر، لأني لا أعلم أن تلك الأحداث كلها يجتمع على أحد من أهلها بأمر يقضى فيه، و عليه بمعنى المخالفة بالدينونة من أول أحداث أهل عمان إلى آخرها، (1/195)
صفحة 195
و لا يصح فيها من ذلك حرف بمعنى بدعة، باستحلال لما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، و إنما تخرج كلها على أحكام الدعاوى، لما يحتمل لكل واحد منهم أن يكون مصيبا في ادعائه، و على كل حال فإنما هي دعاوى لا بدعة.
فكان معنى أنه مما ظهر على فريق من أهل العلم من أهل عمان في ذلك العصر و الزمان، أنهم كانوا يذهبون إلى تخطئة موسى بن موسى و راشد بن النظر، و يزعمون أنهما باغيان على الصلت بن مالك، و أنهما لا عذر لهما في خروجهما في ذلك و لا في تقدمهما.
و معي: أنه كان قد وقع منهم اجتماع على البراءة منهما على ذلك على ما تظهر الدعوة عليهم و القول، و إن كان بما يشبه معنى الشهرة أنه كذلك، و يظهر عند أبي المنذر رحمه الله في ذلك كتاب يضاف إليه بنحو ما يدعى عليهم، و كان ذلك عندي في أوان ذلك من المحاضرين له، و معنى الحدث الواقع بعمان من أوله إلى آخره يخرج معناه على الدعاوى مع أهل البصر بالعدل، و لا يخرج شيء من معانيه عند من أبصر الأصول على معنى بدعة و لا على معنى انتهاك ما يدين الفاعل بتحريمه، و إنما هو كله خارج على معنى الدعاوى إن كان فاعلا من الفاعلين أو متبرئا من المتبرئين، و متوليا من المتولين من الفاعلين أو من المدعين، فإنما يخرج ذلك كله على معنى الدعاوى و احتمال الصواب و احتمال الخطأ، و لم يصح في معنى الفعل الظاهر من موسى و راشد في معاني ظاهر الأحكام أنهما أقاما على الصلت بن مالك (1/196)
صفحة 196
حجة ينقطع بها عذره بشيء من المكفرات، و لا أنهما ركبا مثل ذلك من المكفرات بغير حجة يحتمل معناها لهما، و لا صح في ظاهر الحكم أن الحدث وقع على انتهاك ما يدان بتحريمه، و لا بدعوى لتحليل الحرام، و لا لتحريم حلال، و لا صح في ظاهر الحكم بمعنى الاتفاق تبرؤ الصلت من الإمامة على ما يتفق عليه أعلام المصر و يقبلونها منه، و لا اجتمع في ظاهر الأمر علماء أهل عمان في ذلك العصر و ذلك الزمان بعد ثبوت فعل موسى بن موسى و راشد و أنصارهما على تصويب لهما، بمعنى الإجماع في فعلهما ذلك، و لا على إجماع تخطئتهما، و لا صح في ظاهر الحكم على ما تظاهر من صحة الاخبار أنه ظهر من الصلت بن مالك في حين تقدم موسى و راشد في ذلك، إلا من تكبّر عليها بشيء يجتمع عليه و لا يختلف فيه، في حين ما كان منهما الدخول و التقديم، و لا من أحد من أعلام المصر من الحاضرين و لا من رؤساء أهل العسكر، و لا من المؤازرين.
و الذي تظاهرت به الأمور في معنى ذلك مع التسليم و المسالمة لأمور قد علمها تبارك و تعالى، ليهلك فيها من هلك عن بينة و يحيا من حيى عن بينة، و إن الله لسميع عليم.
فالخلاف بعد ثبوت الأمر على معاني الأشكال و معنى الدعاوى بأحكام الاحتمال للمهدي في ذلك و الضلال، و على غير واضح أمر يعتبر فيما يصح من تلك الأمور كلها، و لا حال من الحال عند من أبصر قلبه و صفا لبّه، و لم تغير أراجيف المرجفين، و لا دعاوى المدعين، و لا براءة المتبرئين، و لا ولاية المتولين، و ذهب في ذلك إلى معنى اتباع الأصول. (1/197)
صفحة 197
فلما أن ثبت هذا على هذه الصفة ظهرت الدعاوى من أهل العلم من عمان، ففريق يصوب الصلت و يخطئ موسى و راشد، و فريق يصوب موسى و راشد و الصلت، و فريق يخطئ موسى و راشد و يعذر الصلت، و كل ذلك لا حجة لهم فيه و لا برهان في ظاهر الأحكام، عند من أبصر الأحكام، لأن الدعاوى كلها غير مقبولة، و لأنه ليس من المدعين أحد تقبل شهادته، و إن كثروا و عظم خطرهم و شأنهم و فضلهم و علمهم، فالواحد من المدعين كالألف، و الألف كالواحد، و كل مدع في الإسلام فهو مدع، و ليس من الحكام، و من بعد أن ثبت الحكم على معنى الاحتمال و لا يقضى فيه حكم يخرجه من معنى الاحتمال إلى معنى صحة الحدث بإظهار تكبر من المحاضرين ممن ثبت له النكير.
و منه: عن أبي سعيد رحمه الله، و جاء الأثر: الذي لا نعلم فيه اختلافا بين أهل البصر، أن أحكام الدعاوى كلها ما لم يصح خروجها من معاني الدعاوى، فإنها كلها موقوفة مشكلة، لا يجوز فيها الحكم بالإجماع.
رجع إلى جواب أبي المنذر و بشير بن محمد بن محبوب: و قد كنت أنت وقفت على ما لحظنا فيه، و الذي أراه للجميع الوقوف على ذلك، و أن لا يحدث أحد منهم الجهر بالدينونة في ولاية و لا براءة في مختلف فيه، و أن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه، و أن لا يخرج به إلى حكم المشهور فيبيح بذلك من نفسه ما لا يحل، و لو كان عنده أنه متى قام بذلك قامت له به حجته، فإني كنت سألت الفضل بن الحواري عن الجماعة الخالعين للمهنا على الحدث، كيف لم يقيموا بذلك على أوليائهم العاملين له، و هم الحجة التامة؟ فقال: لم أرهم فعلوا ذلك، و كذلك أمسكوا عن الجهر بالبراءة منه بعد موته، و زجروا على ذلك من أراده، و في فعل المسلمين عذر و سعة، فهذا في الأمر الواضح، فكيف فيما يتنازعون فيه المشهور، و يدخلون فيه الحكايات المتكافئة و الشهادات المخصوصة، و شبهات النظر في الحجة و الشكوك المعتدلة له، و قد علمت أن المشكوك موقوف، و المنكر له حجة في المخالفة، و ترك الجماعة للنكير له حجة في السلامة، و على المدعي البينة، و شهادات المسلمين جائزة ما لم يتحول فيها إلى الدينونة، و الشك في الفعل المحرم شك في الفاعل له، و التوبات مقبولة بالتوقيف على ما كان منها بالدينونة، و ما كان من المحرم ففي الجملة كاف إن شاء الله.
قال أبو سعيد رحمه الله: أما قوله: و قد كنت رأيت تفتي بذلك الكتاب إليه في المعنى، و وقفت على ما لحظنا فيه، يعني بذلك في ظاهر الأمر، قد وقف على ما كانوا لحظوا فيه، يعني الحدث، فانظر إلى قوله: إنما كانوا نظروا فيه نظرا، لأن اللحظ إنما هو نظر و رأي، لا أعلم غير هذا يخرج في معنى اللحظ، و إن كان الأمر إنما هو على معنى اللحظ فإنما هو على معنى الاجتهاد في الرأي لإصابة الحكم فيما امتحنوا به من الأمر المشكل، و إذا كان (1/198)
صفحة 198
كذلك فقد لاحظوا سبيل العدل في ظاهر الأمر، بما يحتاج معناهم في ذلك بمعنى الدعاوى و الخصومة، لأن حكم السر لا يجوز فيه الإظهار، و حكم الاحتمال و الإشكال لا يجوز فيه الإجماع على ظاهر حكمه، إلا من علم حكم سره، و ليس له إذا علم حكم سره أن يجهر فيه بخلاف ما هو محمول عليه به في ظاهره، و الدليل الصحيح من معاني كلامه، و ما لا يقتضى من أحكامه، إن كان رأيا أو لحظا قوله الآن. (1/199)
صفحة 199
و الذي أراه للجميع الوقوف على ذلك؛ فيخرج معنى قوله الوقوف على ما كان وقع عليه الاتفاق، و خارج ذلك على حسن الظن بهم و به، في قوله أن يكون الوقوف على ذلك، أن الوقوف على ذلك حق، و لولا ذلك ما أمر بالوقوف عليه، و أن ذلك الذي كان الاتفاق عليه إنما وقع موقع حكم السر لا حكم الجهر، و كان الجهر به منهم، لعله يخرج مخرج الهفوة من هفوات العلماء، و لعله قد كان لهم في ذلك حجة رجوا أن تستقيم لهم، و صح على الجماعة، و أن لا يقع تنازع و لا اختلاف، فيكون يمضي لهم حكم ما عملوا، فلما بان ذلك و كان في غير موضعه؛ أوجب الرأي الوقوف عليه على معنى حكم السر لا على الجهر، و الدليل على ذلك من قوله، و لا يحدث أحد منهم بالجهر بالدينونة في ولاية و لابراءة في مختلف فيه، فكان بهذا اللفظ من قوله استدلال على ما صح معه، أن اللحظ الذي لحظوه، و الرأي الذي رأوه على معنى الاجتهاد في حكم الحادث الذي يلونه خرج منهم على معنى الهفوة، أو على غير ما تقوم به حجة، لانحسار ذلك و انكشافه له، من بعد أن وقع الاجتماع على إشهاره و الجهر به.
و هذا هو الظاهر من صواب حكم الحدث، أن يكون الحكم فيه بالسر لا بالجهر حتى يصح غير ذلك، و لن يصح غير ذلك أبدا إلا ما شاء الله، لأنه ليس من بعد ثبوت الأحكام يجوز نقضها إلا بالعدل، و لن تثبت حجة أبدا إلا بالعدل في دعوى و لا شهادة و لا في حكم، فكل ما خالف العدل فهو جور، و كل ما خالف الحق فهو باطل، و أحكام السر بالولاية و البراءة في أحكام ما يجب به الإشكال في حكم الدعاوى، ما يجب به السلامة و الستر، و ما يتخوف من الفرقة (1/200)
صفحة 200
و الفتنة أن يكون كل من أهل الدار مخصوص في الحكم بعلمه، من موجب ولاية أو براءة إذا ثبت معنى الاختلاف و حكم الاختلاف، و الدليل على ذلك، أنه قد ثبت في حكم هذا الحادث معه قوله، و أن يكون كل منهم على ما هو مخصوص فيه بعلمه، و أن لا يخرج إلى علم المشهور فيبيح بذلك من نفسه ما لا يحل له، و لو كان عنده أنه قال بذلك قامت له به حجته، فانظر أنه قد قضى في حكم الحدث بثبوت أحكام الاختلاف ممن يكون اختلافه اختلافا، و أنه لا يجوز عند اختلافهم معاني إقامة الحجة في الاجتماع و لو كانوا عند أنفسهم، و في منزلتهم في العلم، و الكثرة، و الفضل ممن لو قام بذلك له به حجتة، و لا يكون هذا إلا من حجة تامة، أن لو كانت حجة في حكم الحجة، و لكنه لا يكون حجة في موضع ما يكون فيه مدعيه، و لو كثرت و ظهرت، فإنها لا تقوم مقام الحجة، إذا كانت في معنى الدعوى، أن قامت حجة أحد الفريقين المختلفين على صاحبهما عند المشاهدة منهم لإقامة الحجة على بعضهم، إذا كانوا هم الخصماء و المختلفين، و إن كان في اتفاقهم أن لو لم يختلفوا ثبوت معاني حجة الاتفاق، فلما لم يتفقوا و اختلفوا احتمل في اختلافهم في معنى أحكام الحدث بحقه و باطله ما احتمل في أهل الحدث ما لم يتجاهروا بالبراءة من بعضهم بعض، و التخطئة لبعضهم بعض في دعاويهم في الحدث و اختلافهم فيه.
و معاني أحكام الدار بحمد الله ماضية على مجاري السلامة من وقوع الفرقة في الأحكام و في المتداعين في الأحداث إذا لم يظهروا في الأحداث، و في المتداعين فيها، و لا في أحد منهم ما يقطع عذره و يخرج من حال الاحتمال بمفارقة بتخطئته (1/201)
صفحة 201
لبعضهم البعض على الجهر، و لو كانوا قد تجاهروا و تظاهروا بالبراءة من المحدثين، و لا يكون التظاهر بالبراءة في الحدث المحتمل حقه و باطله بظاهر مكفر، و لا انقطاع بحجة، و لا فرقة في الدين، إذا ذاك جائز للعلماء و الضعفاء، و إذ الولاية و البراءة و الخوف غير منكر في الأصل، و إذ لكل واحد منهم إظهار ذلك على ما يحتمل في حكم الحدث من تعلق ذلك كله فيه، ما لم يتظاهروا بالدعوة التي توجب القذف للمحدث، و لا نعلم في ذلك أنهم تظاهروا، و لو تظاهروا به، و هم المشاهدون للحدث و لحكمه و العارفون به، فلم يخطئ بعضهم بعضا، و جرت السلامة بينهم من التخطئة في تظاهر اختلافهم بالتداعي بحق ذلك و باطله، و كانت أمورهم جارية مع من غاب منهم أو حضرهم، ممن لم يعرف باطلهم، و صدقهم من كذبهم، و لا أحد منهم في جميع ذلك كله ما لم يتجاهروا بالفرقة عليه في معنى الدعاوى التي هي غير مقبولة في قيام الحجة، و لا مردودة بقطع العذر، لاحتمال ذلك كله، و كلهم في الولاية، و لو تظاهروا بتلك الدعاوى؛ لأنهم الحكام و القوامن و لهم الحجة على بعضهم بعض، و كل منهم يدعي حجته، و لعل كل واحد منهم في الأصل يقوم على صاحبه بحجة يعرفها في أصل ما عرفا من بعضهما بعضا، و لم يجهر عنده إلا بما له فيه الحجة، و بما رجا أن تقوم له به الحجة، فلما لم تقم له به الحجة ترك ذلك، ففي كل ذلك السعة لمن لم يعلم باطلهم، و لا تقع الفرقة منهم، فيقع النكير، و في ترك النكير كله حجة ممن تركه لمن لم تقم عليه به في السلامة له في الحكم الظاهر، و السلامة لمن أثبته على حاله، و لو ظهرت منه من دعاويه ما ليس له بها حجة في الحكم، إلا أن يقر له خصمه؛ فلما لم ينكر عليه خصمه احتمل عدله و جوره، و كذلك (1/202)
صفحة 202
من خصمه إذا لم يقر له بما يدعيه عليه، و لم يقم الحجة عليه بالنكير فيما هو حجة عليه احتمل أنه محجوج، و انه كاذب و صادق من ادعى عليه، و احتمل أنه محق ضعيف عن القيام بالحجة، و احتمل أنه محق مضيع لما يلزمه لجهل ما يلزمه، و لا نحكم بذلك على الحقيقة في أحد من المتداعين في أصل الحدث، و لا من المتداعين في حكمه، و خارج أحكام ذلك كله على المسالمة، و ليس لمن لم يشهد الأمر من الحجة على إظهار المحجور ما لم يشاهده، و كانت له فيه الحجة بالعلم، لأن من غاب عنه حكم الشهرة و بطل عنه ذلك لم يلحقه إلا بمعنى المشاهدة - لعله أراد الشهادة - فليس قول الشهادة في معنى الدعوى بشيء يوجب عليه غير ثبوت الحكم، و لا يكذب الشهرة و يبطلها بما يثبت من أحكامها في علم السرائر، منهما إخبار الشهود المشاهدين لها من بعد أن صاروا بمنزلة المدعين في جميع أحكامها، فافهم معاني ذلك إن شاء الله.
و مما يدل على أن الأمور في الحدث الذي كان الاجتماع فيه من الكاتب و المكتوب إليه، و تلك الجماعة لا يجوز الجهر فيه، و تسع السلامة فيه بأن يكون كل من أهل الدار مخصوصا فيه بعلمهن و أنه كسائر من ادعى على من مضى بين الأئمة، ممن تقع فيه محنة و لا انكشف فيه قناع، و لا يثبت فيه معنى الاختلاف في ظهور الحكم، و هو المهنا بن جيفر، فقد ثبت فيه معنى قوله، أن الأمر فيهم (1/203)
صفحة 203
في المعنى سواء، و لعل أمر المهنا أيسر معه من الأمور الحادثة بعد قوله، إني كنت سألت الفضل بن الحواري عن الجماعة الخالعين للمهنا بالحدث كيف لم يقوموا بذلك على أوليائهم العاملين، و هم الحجة التامة؟ فقال: إنهم فعلوا ذلك، و كذلك أمسكوا عن الجهر بالبراءة منه بعد موته، و زجروا عن ذلك من أراده، فكان هذا منه شبيها بالبراءة ممن برئ في الحدث على سياقته، الأمر فيه كالمتبرئ في المثل و المعنى و الحكم من المهنا بن جيفر، و أن ذلك كان محرما الجهر به، و لولا ذلك ما كانوا يبرأون منه و ينكرون على من يبرأ منه و يزجرون عن ذلك في حياته و بعد موته و يتولون عماله و أولياءه، و المتولى له في دينه و المطيعون له، و هم يتولونه على ذلك، فقد جمعوا ولاية من يتولاه، و البراءة منه جميعا في حكم السر، و أعلنوا ولاية من تولاه، و لا يجوز لهم غير ذلك، و لا يجوز لهم وقوف عنه و لا براءة في الجهر.
و الدليل على ذلك أنه متساو في سياقته للمعنيين و حكايته لهما جميعا قوله، ففي فعل المسلمين عذر و سعة، بعد أن وصف ما فعل الخالعون و ما تركوا من القيام عليه، و في إظهار ذلك، و لعلهم قد كانوا هم الحجة التامة، فيوسعون في دينهم أن يتولوا من تولاه من العلماء و من الضعفاء، من جميع أهل الدار في حكم السرائر و الإظهار، و كانوا في الحكم تبعا لأهل الدار من الصغار و الكبار، و هم كانوا الأئمة و أعلام الأمة في زمانهم، و لم يكن لهم في المصر من يظاهرهم إلا يسير.
و من الدليل على أن الأمر في المهنا كان أسهل، أن لو قاموا به عليه، و أقرب إلى السلامة من القيام بذلك في أمر الحادث الذي فيه الكلام. (1/204)
صفحة 204
و المعنى في ذلك ما لا يشك فيه في متظاهر الأحكام أنه لو قام بذلك على الإمام من حكى عنه من أهل الدار في ذلك، أنه هو المتبرئ، و هو العالم بالحدث، ما عارضه أحد من أهل الدار في ذلك، و لو عارضه بعد أن يكون هو الحجة؛ لكانت معارضته باطلة، لأنهم أئمة أهل الدار في دينهم و علمهم، و لم يقع بيان معنا في الدار، فيوجب أن يكون فيه مدعون و يلحقهم معنى الاختلاف و الادعاء، و هم أن لو قاموا بذلك لكانوا أقرب إلى السلامة، و البلوغ إلى ما قاموا به من عرض نفسه للقيام بذلك في الحدث الواقع إذا كان فيه بمنزلة المدعي و قد كان فيه خصما.
و من آثار المسلمين: و إذا رأى المسلمون مسلما يعمل بشيء يعلم أنه حرام، و لا يدري أهو من الحرام الذي لا يكفر به أم ليس هو من الكبائر، فعليه أن يقف عنه إذا لم يدر، و يقول فيه: ديني دين المسلمين، فإذا قال هذا فقد تولاه، إذا كان المسلمون يقولونه، و قد برئ منه إذا كان المسلمون يبرأون منه، و إن قال أيضا، أراه مسلما على منزلته الأولى جاز له، و لا يضيق عليه ما دام يقول برأيه، و الادّعاء على الله أن يقول: إن الله أمرني أن أثبت ولايته على منزلته، و أمرني بالبراءة منه، و يدين بذلك دينا، فهو إن دان بذلك فهو ضال كافر، و إن قال: إنما أقوله برأيي، و الله أعلم، و ديني دين المسلمين؛ فذلك واسع له.
و من غيره:
و قلت له: فإن شرب ولي لي نبيذ جر، و لم أعلم أن نبيذ الجر حرام و أنا حافظ (1/205)
صفحة 205
لكتاب الله، فقال لي قائل فقيه: إن نبيذ الجر حرام، و إن وليي قد هلك من أجل شربه له، فيجوز لي أن أرد على هذا القائل قوله، أو تجب على البراءة منه من أجل قوله: إن وليّي قد هلك، حتى أعلم أن قوله ذلك حق؟
قال: نعم، إلا أني أقول، إن البراءة منه ليست بواجبة عليك، لكن لك أن تبرأ منه، و إنما تكون البراءة عليك واجبة، إذا علمت أن ذلك باطل.
قلت له: فكيف يجوز لي أن أبرأ من هذا القائل، و إنما قال هذا القائل حقا؟ فقال: جاز لك أن تبرأ منه من أجل إذا برئ من وليّك، و أنت لا تعلم أن وليّك فعل مكفرا.
قال أبو عبد الله محمد بن روح رحمه الله: لا تجوز البراءة بالرأي فيما نعلم في باب من الأبواب إلا في هذا الباب، فلك أن تبرأ من الضعيف الذي ليس بفقيه، إذ يرى من وليك مثل هذا على اعتقاد السؤال، و أن دينك في ذلك دين محمد صلى الله عليه وسلم، و لا يحل لك أن تبرأ من هذا الضعيف بدين، و لا تبرأ من فقيه في هذا بدين و لا برأي، لأن الفقيه حجة في الفتيا.
من قول أبي الحواري رحمه الله:
قلت: أفيسعني أن أتولى من ركب ما لا يسعه ركوبه، و لو كنت جاهلا بتحريمه؟ قال نعم.
قال أبو عبد الله: الولاية هاهنا بالرأي لا بدين على اعتقاد السؤال. (1/206)
صفحة 206
و من غيره: قلت له: فإن كان هذا الذي وجبت له الولاية مع المسلمين أحدث حدثا و هو صبي، مما يلزمه فيه الغرم من قتل نفس أو وطء فرج قسرا أو أكل مال بغير إذن أهله، ثم إنه تولى به، و امتنع من الدينونة لأهله و قال: ليس على هذا، لأنه إنما كان الحدث مني حين لم يكن على جناح، أثبتت ولايته على هذا، و لا يسعه الامتناع بما لزمه فيه؟ فقال: أقول، لا يتولى على هذا، و لا يسعه الامتناع بما لزمه فيه إلا المال، فإنه أهون معي من الفروج و الدماء، و قال غيره، و الله أعلم: إن في الوقوف عنه سلامة، لاختلاف العلماء فيه، و صلى الله على رسوله محمد النبي و آله و سلم.
و عن رجل ترك الاستنجاء في الوضوء و زعم أنه من السنة، [قال]: إن لم أستنج فلا أبالي، هل يهلك بترك الاستنجاء بالماء؟ فهذا عندنا راغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم و آثار الصالحين، و هو عندنا قد تعرض للهلاك، و لا ولاية له عندنا إلا أن يتوب.
و سئل عن طائفتين من المسلمين، يقاتل بعضهم بعضا، ما أسماؤهم عند المسلمين من قبل أن يعرف بما قتل بعضهم بعضا؟
قال: هم مسلمون حتى يعرف الباغي منهم، و كذلك القول في المتلاعنين إذا لم يعرف الكاذب منهما أنهما في ولاية المسلمين.
و قال محمد بن روح بن عربي، رحمه الله: و هذا إذا كانت طائفتان من المسلمين فقتل بعضهم بعضا، متكافئين في الدعاوى، في قتل بعضهم بعضا، و كانت دعاوى في دعوى المتلاعنين في الحكم، فهذا في قول موسى بن علي (1/207)
صفحة 207
رحمه الله، أنهم كلهم في الولاية، و أما قول محمد بن محبوب رحمه الله، فإنه كان يقول في مثل هذا بالوقوف عن ولايتهم، حتى يصح المحق منهم فيتولاه، و أما إذا كانت إحدى الطائفتين هي المدعية في الحكم، و الأخرى مدعى عليها؛ برئ من المدعية إذا قتلت المدعى عليها حتى يصح صدق دعوى المدعية القاتلة ببينة عدل أنها محقة، و كذلك التحليل و التحريم إذا استحلت إحدى الطائفتين حراما يحرمه المسلمون، فعلى الضعيف أن يوالي الطائفة المحقة على مفارقة هذه الطائفة المدعية، و لا يحل للضعيف أن يتولى المدعية.
و من غيره:
و قلت: إن كان الحدث يحتمل الحق في الاختلاف على التخيير للضعيف و التحري، و لم يبصر الأعدل، فذهب بعض إلى البراءة، و بعض إلى الولاية، و بعض إلى الوقوف على الحدث الواحد الذي قد علموه كلهم و وسع كلا منهم ما ذهب إليه من الولاية و البراءة و الوقوف، فهل يجوز للمتولي و المتبرئ أن يظهر البراءة و الولاية إلى بعضهم بعض، على علم منهم بأصل الحدث إذ لم يقذف المتبرئ المحدث في البغي؟
فمعنى أنه يجوز لهم ذلك.
و قلت: ما تكون البراءة على من ذهب إليها على هذا السبيل برأي أو بدين؟ فمعي: أنه تكون براءته تأدية ما يلزمه في هذا الحكم من البراءة من المبطلين في الدين بما قد جاز له ذلك في طريق الاختيار، لما اختاره من قول أهل العلم في ذلك. (1/208)
صفحة 208
و قال أبو سعيد رحمه الله: إن الثقة هو الذي لا يعلم منه ولايتهم بخيانة فيما يدين بتحريمه، من ركوب بجهل و لا بعلم، إلا أن يعدم السؤال في حال، و يركبه على اعتقاد السؤال عنه.
قلت له: فإن ركب الأشياء على اطمئنانة قلبه مع اعتقاد السؤال، و كان يمكنه السؤال، إلا أنه لم يسأل حتى ركبه، فإذا هو لا يجوز ركوبه، هل يكون هذا ثقة؟
قال: لا.
قلت له: فإن لم أعلم أنه اعتقد السؤال و ركب ذلك مع عدم السؤال، هل يكون عندي بمنزلة المعتقد حتى أعلم أنه لم يعتقد ذلك؟ فهذا مثل الأول.
قلت له: فإن لم أعلم أنه يمكنه السؤال أم لا، ما يكون حاله عندي؟
قال: مثل الأول، و إنما ينظر أن يكون ثقة أمينا فيما هو فيه، و قال: إن الثقة له اسمان وأكثر من اسمين، ثقة في العموم، في كل ما دخل فيه، و ثقة في شيء دون شيء، و يسع الدخول معه في الحالين جميعا فيما لحقه اسم الثقة.
و من غيره:
و ذكرت في رجل كان له أولياء ثلاثة، فقال: له أحدهم، فإن زيدا يبرأ من عبد الله و زيد و عبد الله، و القائل كلهم معه في الولاية، قلت له: هل يكون هذا القائل عند هذا قاذفا لزيد بدعواه أنه يبرأ من عبد الله عند هذا الذي قيل عنده، و يبرأ بذلك من القائل أم لا؟ (1/209)
صفحة 209
فمعي: أنه يكون قاذفا إذا كان القائل لذلك من أوليائه، و يعلم أنه يتولى الذي قال: أنه يبرأ و المتبرئ منه جميعا، فإذا كان عالما بذلك، أو كان ذلك شاهرا في الجميعين؛ فمعي: أنه يكون قاذفا معه للذي قال: إنه يبرأ من وليه.
قلت له: و هل له أن يبرأ منه قبل الاستتابة؟
فمعي، أنه قد قيل: إن القاذف مرتكب لكبيرة، و في بعض القول: من أتى كبيرة برئ منه قبل أن يستتاب، ثم يستتاب بعد ذلك.
و معي، أنه قيل: لا براءة منه حتى يستتاب، و تنقطع حجته إذا أصر، و يعجبني ذلك، لئلا ينقطع الحكم قبل انقطاع الحجة.
قلت له: فهل عليه أن يدعوه على دعواه بالبينة، فإن صح ذلك و إلا برئ منه؟
فمعي: أن القاذف لا يقبل قوله فيما يكون فيه قاذفا، و يثبت عليه الحكم، و لا يستتاب من قذفه على حال، و لا يعجبني أن يدعى على قذفه بالنية، إلا أنه إذا أبان ببينة تزيل عنه حكم ما يكون به قاذفا، و يصح ذلك على المقذوف؛ انتقل الحكم إلى ما يصح عليه، و يزيل ذلك الحكم عن القاذف، و هو على حال منخلع، إلا أن يتوب من إظهاره القذف قبل إقامة الحجة.
و من غيره:
و قلت: إن شهر في المصر أو شهر عند هذا حدث من زيد، و برئ منه الناس، (1/210)
صفحة 210
و لم يعرف هذا صفة الحدث، ما يلزمه في هذا الرجل الذي شهر منه من ولاية أو وقوف أو براءة؟
فمعي: أنه إذا لم يعرف الحدث الذي تجب البراءة بصحة صفته، فلا يلزمه في أمره شيء ببراءة الناس منه، و لو أجمعوا على البراءة منه، إلا حتى يصح معه الحدث الذي تجب به البراءة.
و سألت أبا سعيد محمد بن سعيد رحمه الله عن رجل عاين من وليّه حدثا مكفرا في قول المسلمين و دينهم، و هو لا يعلم أن ذلك الحدث مكفرا من أتاه، كان الراكب له محرما أو مستحلا، و كان مما يسعه جهله و لا يسعه جهل ركوبه، هل لهذا المعاين لوليه الراكب لهذا الحدث أن يثبت على ولايته، حتى يعلم الحكم فيما يجب عليه في وليه هذا، أم عليه أن يبرأ منه برأي أو يتولاه برأي، حتى يصح معنى الحكم فيه من البراءة منه بحدثه؟
قال غيره: لم نجد جوابا، و الذي عندنا و عرفناه في معاني هذا، أنه سالم في بعض القول ما لم يدنه، و يثبت له الإيمان على ما عاين منه في هذا الحدث، أو يبرأ من العلماء، أو يقف عنهم برأي أو بدين إذا برئوا من هذا الراكب لهذا الحدث، كان راكبا له مستحلا، أو محرما، و يسعه ذلك على ما وصفنا.
و قال من قال: إنما ذلك في المحرم لما ركبه، يسعه أن لا يبرأ منه إذا لم يعرف أنه كفر، ما لم يثبت له الإيمان، أو يبرأ من العلماء على ما صفنا، برأي أو دين أو يقف عنهم، أو يبرأ من الضعفاء برأي أو بدين، أو يقف عنهم إذا برئوا منه.
و قال من قال: يتولاه برأي، و يبرأ منه على اعتقاد الشريطة و عليه السؤال (1/211)
صفحة 211
عن حكم الحدث الذي عاينه، فإن بلغ به الحدث إلى البراءة في قول أهل العلم برئ منه، و إن لم يبلغ به الكفر كان على حاله.
و قال من قال: لا سؤال عليه إذا وسعته الإقامة على براءة الرأي و ولاية الرأي، و هذا موجود شرحه عن أبي سعيد رضيه الله و في غيرها من آثار المسلمين، فينظر فيه و يتدبر، و لا يؤخذ منه إلا بما وافق، لعلّي قد زللت في ذلك، و الله الموفق.
و رجل يسألك عن أخيك، فقال: يتولاه و عندك له ولاية أم يبرأ منه، أم يقف عنه، قلت: هل يجوز لك أن تكتم علمك فيه؟
فقد قيل: لا يجوز أن تكتم علمك في وليك، إلا من تقية في دين، أو عن نفس أو مال، إلا أني أحب إن خفت أن يقبل ذلك منك في الولاية، و إياها أراد منك، و أنت ضعيف، و السائل لك عامي، تخاف قبول ذلك منك بدافع عن ذلك خوف التقية لله في الإقدام على الباطل.
و من غيره، قلت: فما الحال التي لا يسع فيها الوقوف و لا سلامة إلا باعتقاد السؤال؟ قال: هو في الأحداث، أن يكون المحدث راكبا لما لا يسعه في دين الله، أو يتولى المحدث بدين، أو يقف عن العلماء بدين أو برأي لبراءتهم من المحدث الذي ركب ما لا يسعه جهله، أو يقف عن العلماء بدين أو برأي لبراءتهم من المحدث الذي ركب ما لا يسعه جهله أو يقف عن أحد من المسلمين بدين من أجل براءتهم من المحدث، فإذا كان على أحد هؤلاء كان هالكا، و لا يسعه إلا اعتقاد السؤال عما قد دخل و التحول عما قد دان به و اعتقده. (1/212)
صفحة 212
و مما قد وجدنا في الاثر:
و قيل: قبول الشهادة من شاهدين بالشهرة في البراءة خطأ، و من برئ من الناس بالخطأ فقد هلك، و لو برئ من أبي جهل على هذا الوجه فقد هلك عندنا، نعوذ بالله من الهلاك، لأنا لا نعلم أنه جاء في الأثر قبول الشهادة بالشهرة إلا في ثلاثة وجوه: في النكاح، و النسب، و الموت.
قال أبو سعيد رحمه الله: الذي معنا أن البراءة تجب بصحة الأحداث من طريق صحة معرفة الشهرة، و تلزم البراءة بذلك من صح معه ذلك بالإجماع، و لم نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل العدل، و أما البراءة بصحة الشهادة بشاهدين، ممن تجوز شهادتهما في الأحداث، في لزوم البراءة على سبيل ما تجوز الشهادة في البراءة من طريق صحة شهرة الحدث الواقع عند الذي لا يخرج مخرج الدعاوى، و لا يخرج مخرج الاحتمال للحق و الباطل، و لا يخرج مخرج شهرة البراءة المتوهمة عند أهل العمى، أنها شهرة الحدث، فإذا شهد الشاهدان على شهرة الحدث، و هما ممن تجوز شهادته، فقد عن بعض أهل المعرفة من المسلمين، و رفع ذلك إلى غيره من أهل العلم، أن ذلك مما يختلف فيه، و أن ذلك جائز.
و قد قيل: إنه لا يجوز البراءة بصحة شاهدين على الشهرة في الأحداث الموجبة للبراءة. (1/213)
صفحة 213
فقد جاء في الأثر: إنه لا تجوز إقامة الحدود و لا شيء منها بشهادة شاهدين على الشهرة، و لا نعلم في ذلك اختلافا، فأحببنا قول من يقول: إنه لا تجوز البراءة بشهادة شاهدين على شهرة الحدث، لأن البراءة ضرب من ضروب الحدود، و ليست من الحقوق، مع أنه قد قيل: لا يجوز الحكم بشهادة شاهدين على شهرة في شيء من الحقوق، في الأموال و لا المغصوبات من الحقوق، و لا شيء من الأحكام في الأملاك، و لا نعلم في ذلك اختلافا، و هو خارج من الحدود أيضا، متعلق في الحقوق.
و جاء الأثر: أن الشهادة على الشهرة تجوز في الموت، و النسب، و النكاح، و تنفذ الأحكام بذلك، فوجدنا هذه الوجوه الثلاثة التي جاء بها الأثر أنه جائز فيها الشهادة على الشهرة، خارجة من أحكام الحدود و خارجة من أحكام الأملاك ثابتة بحالها على الحالين جميعا.
و جاء في الأثر: إذا صح الإجماع في شيء و على شيء، ثم اختلف في شيء لم يأت فيه إجماع، و لا كتاب، و لا سنة، و اختلف القول فيه أهل العلم، نظر أشبه الأشياء به؛ فألحق به و بحكمه.
فوجدنا الإجماع: أنه لا تجوز الشهادة في الحدود على الشهرة، و أنها غير جائزة في شيء من أحكام الأملاك (1/214)
صفحة 214
و كانت البراءة أشبه الأشياء بالحدود، لأنها ليست من الحقوق و لا من الأملاك، و أن النكاح و النسب و الموت من الحقوق، و متعلق به أسباب الحقوق و الأملاك، و متولد منه ذلك.
و ليست البراءة كذلك، و لا تشبه شيئا من الأشياء، و ألحقنا البراءة بملحقها من الحدود، بصحة ما قاله أهل العلم من المسلمين بالأشياء، و أن ما أشبه الشيء فهو منه، و خارج على حكمه، اختيار لذلك، من غير اعتقاد منا في ذلك بدينونة، بخلاف ما قد قيل: أنه جائز ثبوت البراءة بشهادة شاهدين من طريق الشهرة على صحة الحدث، إذا كانت الشهرة على ما وصفنا تحتمل حقا و باطلا، و لا تخرج مخرج شهرة الدعوى من الشاهدين و لا من القائلين، و لا تخرج مخرج شهرة البراءة من المتبرئين كائنا ما كان من الناس أجمعين.
و من كانت له ولاية معنا متقدمة أو استحقها بسبب ما تجب به الولاية، و ليس له عندنا من المناقم إلا قبوله لشهادة الشاهدين على الشهرة بالبراءة، على حسب ما قد وصفنا لم نقدم على ترك ولايته على سبيل ما اخترناه لأنفسنا، و لمن استنصحنا، بل هو معنا في الولاية، لأنا وجدنا البراءة ثابتة بنفس صحة الشهرة كما ثبتت البراءة، فوجدنا الأصلين، و إن كانا متفقين في شيء؛ فإنهما مختلفان في شيء، و البراءة جائزة بنفس صحة الشهرة، و الحدود ليست كذلك، فإذا صحت البراءة بنفس صحة الشهرة، بخلاف ما تثبت به أحكام الحدود بنفس صحة الشهرة، فمعنا أن تكون الشهادة على الشهرة في الأحداث أيضا، لاحقة بأحكام صحة الشهرة في البراءة بالشهادة على الشهرة، و لا يجوز أن ينصب الرأي دينا، و لا تجوز التخطئة (1/215)
صفحة 215
على الرأي المختلف فيه مما يجوز فيه الاختلاف، و من فعل ذلك فقد قيل: إنه مبطل، و هو معنا كذلك.
و يحتمل قول هذا القائل: معنا أن القائل لشهادة الشهرة على شيء مما وصفنا، من الشهرة التي لا يجوز فيها القبول بصحة الشهرة فيها من شهرة الدعوى أو شهرة البراءة، و كل ذلك يخرج نخرج الشهرة، و ينصرف في معاني الشهرة.
و من قال قولا مجملا لم يفسره، لم يلحق به إلا أحسن الأحكام فيما يلزم له، لأن الناس مؤتمنون على دينهم فيما غاب من أمرهم، من قائل أو فاعل، فيما يحتمل له من الحق و الباطل، أو إيمان أو كفر أو إقرار أو إنكار، مما احتمل للعبد الإيمان و الطاعة، فهو على حال الطاعة حتى تصح معصية، و ما احتمل الإقرار و الإنكار فقد قيل: إنه نازل بأحكام الإقرار، و إذا لم يكن له مخرج من الكفر و احتمل كفره كفر شرك و كفر نفاق، فهو في حال أحكام الإقرار و كفر النعمة و النفاق، حتى يصح خروجه من حال الإقرار إلى حال الإنكار.
كذلك قيل: من صح عليه حدث من قول أو عمل، يحتمل الاستحلال و يحتمل التحريم؛ فأحكامه جارية على سبيل أحكام التحريم، حتى يصح عليه أحكام الاستحلال فيما يلزمه، و يلزم فيه من البراءات، و من القليل على الاستحلال، و كذلك من صح عليه الشرك فيما يمكن فيه من ثبوت العهد، و لا يمكنه ثبوت العهد، فالعهد له ثابت، و حرام دمه و ماله، إلا أن يصح أنه خارج من العهد، و أشباه هذا من أحكام الإسلام و ما يتولد منه، فالناس على أحسن أحوالهم في الأحكام حتى يعلموا أنهم على أسوأ أحوالهم. (1/216)
صفحة 216
و قال محمد بن محبوب رحمه الله: إن معرفة حرمة الزنا مما يسع جهله ما لم يركب الزنا، أو يتولى من ركب الزنا، أو يقف أو يبرأ ممن ركب الزنا، أو يقف عنه.
و ذكر أبو جعفر سعيد بن محرز، أنه نسخ من عند أبي مودود كتابا يقال فيه: إن كل أهل طرف من الأرض يؤتمن أهله على دينهم، فإذا أحدث محدث حدثا كانوا فيه على أصناف أربعة، منهم أئمة في الحدث يكفون حتى يرفع إليهم، و منهم ناقمون، و هم الذين رأو الحدث بأعينهم، و منهم كافون ينظرون رأي المسلمين، و منهم أتباع ضعفاء، فصنف أهل الحدث، و صنف الشهود الناقمون، و صنف الفقهاء، و صنف سائر الناس، فإذا استحل المحدثون ما ركبوا، و استحلالهم أن يبرأوا ممن حرم حدثهم، أو يدعوا إلى ما أحلوا من ذلك حلالا من الله أو حراما من الله في غير استثناء منهم، و العالم على وجهين: عالم بحدثهم بقلبه لم يبصره و هو كاف، أو عالم بحدثهم ببصره لم يعرفه قلبه فهو مسلم، إلا أن ينصب المحدث حدثه دينا و يوقف بذلك فلا يرجع عنه، فإذا أخبر به الضعيف فتولاه على ذلك فهو ضال.
و من تأليف أبي عبد الله محمد بن عثمان: و قيل: ليس على الضعفاء أن يتولوا ببصر أنفسهم حتى يكونوا ممن يبصر الولاية، أو بالرفيعة التي هي موجبة للسلامة، فإنه على الصفة بقول أهل العلم. (1/217)
صفحة 217
الباب الرابع
في الطهارات و النجاسات و أحكام ذلك
و الدم المسفوح ينقض قليله و كثيره، إذا صلى المصلي و هو في ثوبه، و قيل: هو دم المذبحة من كل ما له دم، و من غيره. و أما دم الأوداج، فيقول بعض: إنه مسفوح، وقيل: غير مسفوح، هكذا أرجو أني عرفت فينظر فيه.
و سألت أبا الحواري رحمه الله: عن الرجل يكون في الصلاة، فيجد بولا قد خرج منه، أيجوز له أن يصلي بإزاره مالم يعلم أن ذلك مس إزاره؟ قال: نعم.
قلت: فإن كان ساجدا أو قاعدا فأحس أنه قد خرج منه بول، و لعل إزاره لازق بسوءته، فلما أن قام وجد البول خارجا، أيجوز له أن يصلي بإزاره من غير أن يغسله؟ قال: نعم، ما لم يعلم أن ذلك البول قد مسه.
رجع، و قال من قال: هو دم كل جرح طري، فمن صلى في ثوب فيه دم و لم يعلم، فغن كان الدم قدر ظفر يده الإبهام، و لو كان متفرقا إذا جمع، فيبدل تلك الصلوات، و إن لم يبلغ ذلك فلا بدل عليه. (1/218)
صفحة 218
قال غيره: و من سيرة أبي سعيد رحمه الله: فإذا وجد الدم في الثوب أو البدن، و لا يعلم ذلك الدم، مسفوح، أو نجس غير مسفوح، أو ليس بنجس، فيخرج ذلك على أقاويل.
فقيل: هو طاهر بطهارة الثوب و البدن، حتى يعلم بنجاسته بوجه من الوجوه، مسفوحا أو غير مسفوح، و قيل: هو دم مسفوح يفسد قليله و كثيره، لأنه لا يتعرى من ذلك في الأحكام على ما وصفنا حتى يعلم غير ذلك، أنه غير مسفوح و أنه طاهر، و قيل: هو دم نجس غير مسفوح، و لا بطاهر حتى يعلم أنه مسفوح بما يستدل عليه من وجوه ذلك، أو طاهر بما يستدل عليه بوجه يبين ذلك.
و قيل: هو الأغلب من أمور الدماء في ذلك الوقت الذي يجده المبتلى به، فإن كان الأغلب من أمر ذلك الدم يصح على أحد الأمور أنه منه فهو على الأغلب من أموره، فإن لم يكن له أغلب فقد مضى الاختلاف، و هذا أصح ما قيل في هذا المعنى، و هو على الأغلب من أموره، فإن لم يكن له أغلب، و لا بان ذلك بأمر تطمئن إليه القلوب، فيجب في هذا الاستعمال الوسط منه، أن يكون دما غير مسفوح و هو من النجاسات.
و من قال فيه بالقولين الآخرين، فلكل واحد منهما أصل بيّن لا شبهة فيه مع من أبصر ذلك.
رجع: فإن أبصره قبل الصلاة ثم نسي حتى صلى من بعد أن كان قد أبصره، فلا نقض عليه و لا بدل، و قيل: يبدل، و الأول أحب إلي. (1/219)
صفحة 219
و إذا صلى و هو ناس له، فإن أبصره في الصلاة قليلا أو كثيرا قطع الصلاة، و صلى بغير ذلك الثوب، و إن أبصره في ثوب الإمام فقد انتقضت صلاته، و يعلم الإمام حتى يقدم إماما غيره، و يستأنف معهم الصلاة.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إذا كان أقل من ظفر فلا نقض عليه في صلاته، علم به قبل الصلاة أو بعدها.
و في نسخة: إلا أن يكون دما مسفوحا فهو ينقض، و لو كنخزة إبرة.
رجع:
و إن أبصر الإمام الدم في ثوب نفسه انصرف، و يقدم غيره، و إن صلى بهم من بعد أن أبصر الدم انتقضت صلاته و صلاتهم جميعا.
و كل جرح لم ينقطع دمه، و يخاف صاحبه فوت الصلاة فليصل و لينقي عن ثوبه، و قيل: إن وقع في ثوبه فعليه النقض.
و إن كان الدم إنما يخرج من منخريه أو فيه، فيكب على الأرض و يومئ للصلاة، و إن كان بمكان يقدر أن يحشوه فليحشه، ثم يتوضأ و يصلي، و إن كان في موضع لا يمكنه أن يحشوه و هو يسيل مثل الوجه أو خارجه من حدود الوضوء فيوضئ ما بقي من جوارح الوضوء و يتيمم، و يصلي على حاله. (1/220)
صفحة 220
قال غيره: و قد قيل: يتوضأ كما أمكنه، و ليس عليه تيمم، و قال من قال: يتيمم و يصلي بعد الوضوء.
رجع:
و قيل عن أبي عبد الله رحمه الله، قال: إن كان في موضع لابد أن يغشاه، مثل عقد الإزار، فيشد عليه بثوب، ثم يتزر من فوقه بثوب آخر ثم يصلي، و إذا صلى تلك الصلاة كما أمكنه على ما يؤمر به فلا بدل عليه، و هذا الذي يعنيه هذا الدم الذي لا ينقطع، فله أيضا أن يجمع الصلاتين.
قلت له: فإن كان هذا الذي جمع الصلاتين من أجل الدم فتر عنه الدم و قد بقي عليه من وقت الصلاة ما بقي، هل يلزمه البدل أو هل يرجع يصلي الصلاة التي هو في وقتها.
و من غيره: و عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم رحمه الله: لا بدل عليه، لأنه صلى على السنة، و الله أعلم.
قال: و من رأى في ثوبه شيئا شبيها بالدم فلا شيء عليه حتى يعلم أنه دم.
و من رأى دما يخرج منه، و قد خرج و نظره من بعد أن صلى، فإن كان قد دخله اليبس و يقدره أنه خرج منه و هو في الصلاة فيبدل، و إن كان ليس عليه (1/221)
صفحة 221
علامة ذلك فأرجو أن لا يكون عليه نقض حتى يعلم أنه خرج قبل أن يقضي الصلاة.
و من غيره: قال: و قد قال من قال: إن عليه البدل حتى يعلم أن الدم حدث من بعد الصلاة، و ذلك يوجد عن الشيخ أبي المؤثر رحمه الله.
و قال من قال: إنه إن كان يمكن أن يكون ذلك الدم يخرج من بعد انقضاء الصلاة فلا بدل عليه في ذلك حتى يعلم أنه خرج منه و هو في الصلاة.
قال غيره: و إن كان في ثوبه دم لا يدري متى وقع فيه فهو مما يحدث، و أرجو ألا بدل عليه لما مضى من صلاته حتى يعلم أنه وقع فيه قبل أن يصلي و هو مقدار الظفر.
رجع:
و قال من قال: إنه إذا رأى في ثوبه نجاسة لم يدر متى وقعت في ثوبه من غير الغائط و الجنابة، و صلى في ذلك الثوب قبل ذلك، فقيل عليه بدل صلاة يوم و ليلة، و قال من قال: عليه بدل آخر صلاة صلى في ذلك الثوب، و قال من قال بقوله هذا.
رجع:
و أما الجنابة فقيل: إذا رآها في ثوبه فيبدل صلاته من آخر نومة نامها في ذلك الثوب. (1/222)
صفحة 222
و من غيره: و من رأى في ثوبه عذرة، لم يعلم متى وقعت فيه، فيبدل من آخر قعدة قعدها للغائط و ذلك الثوب عليه، فإن لم يكن عليه ذلك الثوب فهذا مثل النجاسة التي لم يدر بها متى وقعت، و يبدل آخر صلاة صلاها في ذلك الثوب.
رجع:
و أما دم البعوض فلا بأس به، و إذا رأى علامة دم البعوض من شرر بيّن أو غيره، فهو دم البعوض حتى يعلم أنه دم ينقض، و كذلك حفظت عن أبي زياد، و رأيته يصلي في ثوب فيه دم كثير، فقال: هو عندي دم بعوض.
و عن أبي عبد الله في من خرج من الماء من غسل جنابة أو نجاسة، ثم شك أنه لم يغسل شيئا من بدنه، أو لم يحكم الاستنجاء.
فقال: إذا لبس ثوبه فلا إعادة عليه، و لا يرجع حتى يتيقن.
و من غيره: قلت لمحمد بن المسبح: فمن غسل من الجنابة، فلما خرج من الماء و لبس ثوبه وجد في فخذه أو في موضع من بدنه جنابة أو ما يشبه الجنابة أيفسد ذلك وضوءه و ثوبه؟
قال: نعم، إذا كانت جنابة.
و من غيره: و ذلك إذا كانت الجنابة أو النجاسة في موضع لا مخرج للثوب من مسها و هي رطبة، و لا يكون له مخرج من أن يسيل عليه ماؤها الذي يجري عليه ماؤها. (1/223)
صفحة 223
و عن أبي عبد الله رحمه الله في من أراق البول و لم يفض بوله على سمة ذكره، أنه لا استنجاء عليه، و كذلك إن خرج الغائط كذلك بلا أن يفيض منه شيء.
و حفظ لنا الثقة عن أبي علي، أنه قال: الاستنجاء من الغائط، أن يعرك عشر مرار، و من البول خمس مرار، و قال غيره: من البول ثلاث مرار.
و لم يجعل للغائط من الإناء حدا إلا حتى يطهر، لأن طهارة ذلك تختلف لحال الكثير و القليل، و أما من النهر فقال أبو عبد الله رحمه الله: أنه من قعد في نهر، و عرك موضع الغائط ثلاث مرار، و لم يعلم أنه بقي من الأذى شيء جزاه ذلك.
و من غيره: و عن من كان يستنجي ثم سدعت يده التي كان يستنجي بها ثوبه، و لم يعلم أن موضع الاستنجاء قد نقي أو لم ينق، و لم يعلم كم عرك من مرة، ما يكون ذلك الثوب المسدوع الذي سدعته اليد و هي رطبة و هي في الموضع؟
فعلى ما وصفت، فإن كان يستنجي من نهر جار أو ماء مستبحر لا يتنجس، و إنما كان يعرك في وسط الماء فهي طاهرة، و حكمها حكم الطهارة حتى يعلم أنه لصق بها شيء من النجاسة، كان قد عرك قليلا أو كثيرا، و إن كان إنما يعرك النجاسة و يستنجي من إناء، فإن كان من بول فقد عرفنا عن الشيخ رحمه الله في ذلك، أنهم اختلفوا في الماء الثاني، فقال من قال: يفسد ما مسه، و قد قال من قال: لا يفسد الثاني، و أما الثالث فلا نعلم فيه اختلافا في الاستنجاء من البول، و إن كان من الغائط ففيه اختلاف، فقيل عشر عركات، و قيل: أربعون عركة، و قيل: حتى يجد الخشونة، و قيل حتى يطمئن قلبه. (1/224)
صفحة 224
و الذي عرفنا أنه ما دام في حد لا يقول إنه طاهر، فهو مفسد ما مس، ما دام عنده لم يطهر.
و أقل ما وجدنا عن أبي عبد الله رحمه الله بالعشر، و إن كان قد تعدى العشر و لم يجد شيئا بعينه أخذنا له بهذا القول، إذ قد مس ثوبه، و لا نحب له أن يترك الاستنجاء إلا بعد أن يستبرئ قلبه و يطمئن، و تطيب نفسه بذلك الاستنجاء، و إن أخذنا له بالحكم في العشر لموضع نجاسة ثوبه، و لم نأمره بترك الاستنجاء إلا حتى تطيب نفسه، هكذا وجدنا أكثر القول.
و لعلنا قد حفظنا ذلك عن الشيخ رحمه الله أنه كان يذهب إلى هذا.
و كذلك وجدنا عن أبي الحواري رحمه الله: هذا من الغائط، و الجنابة عندنا أقرب من الغائط، و إن كانت من الذوات، و القول فيها: إنه لا يستضيق أن يجعلها بمنزلة الماء النجس و البول، و لم نعلم أنا حفظنا فيها شيئا محدودا، أو نحب أن نجعلها بمنزلة الغائط بالاحتياط، لأنها من الذوات فانظر مسألتك هذه لأنك لم تتبين مما كان يستنجي، و من أين كان يستنجي، فانظر من أين تخرج مسألتك من أحد هذين المعنيين، و الله أعلم بالصواب.
و من غيره: قال أبو سعيد: إنه ما طار من الماء من أول عركة من الاستنجاء من الغائط أنها لا تفسد إذا كان الماء حكمه غالبا على النجاسة، لأنه لا يكون مطهرا نجسا أبدا. (1/225)
صفحة 225
رجع إلى كتاب أبي جابر: و أما ما يتبقى في اليد من العرف بعد الغسل، فلا نرى به بأسا.
و كذلك حفظت عن أبي صفرة.
و من غيره في غسل البول من الإناء أنهم اختلفوا في عركتين، و قيل: مع كل عركة صبة، فقيل: تجزيان، و قيل: لا يجزي أقل من ثلاث، و لم يختلف في ثلاث مرات، و كذلك قال في سائر النجاسات أنهم اختلفوا في عركتين، فقيل: تجزيان، و قيل: لا يجزئ أقل من ثلاث، و ذلك إذا لم يبق بعد العركتين أو الثلاث أثر قائمة من النجاسة و طهرت، فإن ذلك يجزيه.
و عن أبي صفرة في من أراق البول فلا بأس إن لم يتوضأ إذا كان يمشي، و إن أراد جلوسا فيوضئ فرجه إن قدر على ماء.
قال محمد بن المسبح: إن يبس موضع البول فلا بأس عليه إلا أن تصيبه رطوبة عرق، ثم يمص الرطوبة أو العرق الذكر من موضع الذكر من موضع البول، فإنه يفسد ما مسه من موضع البول.
رجع: و في نسخة عن أبي علي رحمه الله: أنه أجاز خياطة اليهودي و النصراني ما لم يبلا الخيط بريقهما، و كذلك الغسال، و كره الغسال أبو عبد الله رحمه الله. (1/226)
صفحة 226
قلت: فالمجوسي في مثل هذا مثل الكتابي؟ قال: نعم.
و من غيره: قال محمد بن المسبح عن أبي عبد الله: هذه المسألة متروكة.
رجع:
و ليس على من استنجى من بول أو غائط أن يدخل إصبعه في كوا الذكر و الدبر، و إنما عليه أن يغسل ما ظهر، و قال بعض أهل العلم: إنه يجب إذا استنجى أن يكون ثقب الذكر مستدا، و كذلك عندنا من غسل منخريه من رعاف، أو فاه من دم أو قيء فإنما عليه أن يغسل ما ظهر، و قال بعض أهل العلم: إنه يجب إذا استنجى أن يكون ثقب الذكر مستدا، و كذلك عندنا: من غسل منخريه من رعاف أو فاه من دم أو قيء؛ فإنما عليه أن يغسل ما ظهر و أمكنه غسله من ذلك، ثم لا يفسد وضوءه عليه ما خرج من منخريه و جرى بعد ذلك من مخاطه، و لا ما خرج من صدره من نخاعة.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إن خرج من منخريه مخاط فيه دم متقطع لم يفسد وضوءه، فإن كان دما متصلا نقض.
قال أبو الحواري: لا يفسد حتى يكون الدم أكثر من المخاط.
رجع:
و ما طار من الاستنجاء من الماء بعد ثلاث فلا فساد فيه، و قيل: لسان الماء السائل من الاستنجاء من الغائط يفسد، و ما سال بعد ذلك فلا بأس به. (1/227)
صفحة 227
و من غيره: و قال من قال: إذا استنجى ثلاثا فما دام لسان الثلاث فهو نجس، فإذا اتصل الماء الطاهر بعد الثلاث، و اتصل الماء الطاهر بالنجس و كان أكثر منه طهر كله.
رجع:
و عن أبي علي رحمه الله قال: إذا كان الرجل يقطر بوله و لا يحتبس فيجعل كيسا أو شيئا يجعله فيه ثم يتوضأ و يصلي، و يقال: كثرة الوضوء من الشيطان.
و ثلاثة لا يطهرهن الماء: الحائض و الأقلف، و المقرن الذي يتبعه البول و الغائط - و في نسختين- البول و الغائط، و قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله: يوجد البول و الغائط أو أحدهما.
و من غيره: قال: حتى يكون كأنه مصرور في ثوبه، و قال: و قد قيل: المقرن: الذي يدافع البول و الغائط مدافعة تشغله عن حفظ صلاته أو شيء منها، فذلك المقرن.
و عن الشيخ أبي محمد رحمه الله: أنه لا يجوز له أن يصلي إذا كان ذلك يشغله عن صلاته أو يغير عقله، فليتخلص من ذلك و لو فات وقت الصلاة، ثم يتوضأ و يصلي، و إن كان لا يشغله ذلك عن صلاته و لا يغير عقله فصلاته تامة.
و عن الثوب الذي لا يعرف أي موضع منه النجاسة إن توضأ فيه المتوضئ للصلاة، و هو عليه و ترطب، يجوز ذلك أم لا يجوز؟ و كذلك إن عرق فيه فتوضأ و ترطب، و لم يغسل بدنه الذي عرق فيه، هل عليه إعادة؟ (1/228)
صفحة 228
فالذي عندي: أنه إن كان الثوب كله نجسا فتوضأ فيه، و ترطب الثوب، و مس بدنه فقد نجسه، و كذلك إن عرق بدنه ثم لبس الثوب النجس تنجس بدنه، و إن كان الثوب كله طاهرا و في شيء منه نجاسة، فإذا مس بدنه موضع النجاسة من الثوب، و النجاسة رطبة أو بدنه رطب فقد نجس ما مست من بدنه.
قال أبو علي الحسن بن أحمد: و يوجد عن غيره، و أرجو عن أبي سعيد: أنه إذا كانت النجاسة من موضع الثوب معروفة ما لو أريد غسلها غسل موضعها و حده، فلا بأس بما مسه من رطوبة من ذلك الثوب حتى يعلم أن الرطوبة في موضع النجاسة، و إن كان لا يعلم موضع النجاسة من الثوب ما لو أريد غسله حكم بغسله كله، فما مسه من رطوبة من ذلك الثوب، فإن حكم ما مسه نجس، و الله أعلم.
و رجل توضأ من إناء، و أنه غسل يديه ثلاثا ثم تطهر و لم يغسل بدنه بعد ذلك فلا بأس، لأنه لم يفرغ من طهوره حتى كان معه أنه نظيف.
و من غيره: قلت لابن المسبح: رجل أهراق البول ثم وقع في النهر، فنسي أن يعرك موضع البول، قال: إن كان ينغمس في النهر أجزأه، و إن كان قد خرج من الماء و لبس ثوبه فلا بأس عليه أن يعود يتوضأ إذا انغمس في الماء، و إن كان في البحر فضربه الموج أجزأه. (1/229)
صفحة 229
و من غيره: و قد قيل في الجرب إذا وقع عليها البول، فصب عليها الماء، فبلغ حيث بلغ البول طهرت عندي من غير عرك على هذا القول، و البدن عندي مثله إذا ثبت في هذا ثبت عندي في البدن.
قلت: فعلى هذا القول: لو كان في رجلي بول، فأدخلتها الماء حتى ابتلت البشرة و بلغ الماء حيث بلغ البول، هل تطهر من غير عرك على هذا القول؟
قال: هكذا عندي.
و من غيره: و قال من قال: إذا زالت النجاسة بأي وجه زالت، فقد زال حكمها و لو قل عركها.
و من أراق البول و هو داخل في الماء، هل عليه استبراء و كم يستبرئ، و هل عليه استنجاء؟
فمعي: أنه قد قيل: عليه أن يستبرئ حتى تطيب نفسه أنه قد انقطع عنه بقدر ما كان ينقطع عنه في غير الماء في بعض ما قيل.
و قد قيل: إن الماء يقطع الماء، و قيل: عليه أن يخرج يستبرئ خارجا من الماء حتى يكون على يقين من انقطاع المادة إذا كان لا يعرف ذلك.
و قلت: هل عليه استنجاء إذا أراق البول في داخل الماء؟
فلا يخرج عندي في معاني الأحكام إذا خرج عندي من حال الاستبراء لأن (1/230)
صفحة 230
مخرج البول يقضي عندي على شيء مما يطهر مما يتعبد بغسله إلا في الماء، فلا يلحقه معنى النجاسة.
و من غيره: قلت له: فالاستبراء عندك من اللوازم؟
قال: عندي أن الناس مختلفون في حالاتهم في مثل هذا مما يعرف كل من نفسه.
و كذلك يروى عن بعض أهل العلم أنه كان إذا أراق البول أتبع الماء بالصب على موضع السّمة، و قال: إن الماء يقطع الماء.
و قال محمد بن محبوب رحمه الله، في الكلب إذا دخل ماء نظيفا من فلح جار أو خبّة أو ماء غزير لا ينجسه شيء ثم برز منها فانتفض، و طار بإنسان من مائه أنه لا بأس عليه في ذلك.
و وجدت مكتوبا في الحاشية عن أبي سعيد: أنه نجس ما طار به، و الله أعلم.
و عن نجدة بن الفضل النخلي: ما تقول في من أشرك بالاعتقاد، هل يلزمه اغتسال؟
و كذلك يشرك باللفظ من غير أن يعلم، و يجامع زوجته، ثم يعلم بعد ذلك، هل تحرم عليه زوجته؟ و كذلك إن أشركت هي و علم هو ذلك، أو ادعت ذلك و لم يعلمها بالصدق، و هل يكون فعلها كفعله؟
أما الإشراك بالاعتقاد فالله أعلم، و أما اللفظ من غير أن يعلم فلا تحرم عليه، (1/231)
صفحة 231
و الجواب في الزوج و الزوجة واحد و الله أعلم، و الإشراك بالاعتقاد هو شرك لقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنّيّات و لكل امرئ ما نوى»، و قد عرفت أن من أسلم من شركه فعليه الاغتسال، و أما هذا فالله أعلم، و سل عن ذلك فإني ضعيف.
و هذا جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد فيهما:
و أرجو أني عرفت في مثل هذا أن لا بأس عليه في زوجته، و الله أعلم.
و أما الاغتسال فيلزم من رجع إلى الإسلام بعد شرك أو ارتداد باللسان في بعض قول المسلمين، و لم نجد في الأخبار دلالة على وجوب غسل المشركين الذين كانوا على عهد النبيء صلى الله عليه وسلم، و لا على عهد أحد من المسلمين.
و قد يوجد في الأثر: أن أبا عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، أنه كان يدخل الهند المشركين في الإسلام، و لم نعلم أنه أمرهم بغسل، و الله أعلم.
و ممن رفعه عن محمد بن عثمان فيما أظن، و عن من يقول ما يكون به مشركا من الكلام الذي لا يجوز في صفة الله تعالى، و يشرك به من قال، ثم إن ذلك القائل وطئ زوجته من قبل أن يعلم أن ذلك قد أشرك به، هل تفسد عليه زوجته و لو تاب و رجع حين علم؟
إذا كان منه على سبيل الجهل، و لم يكن على سبيل التعمد و الارتداد عن الإسلام إلى الشرك، فأرى أنها لا تحرم عليه، و قد شاورت في ذلك فلم يروا حرمة على ما وصفت، و لم نجد أحدا من المسلمين حرم الزوجة على من تكلم بالغلط و السهو و الخطأ، و إنما يحرم ذلك على الارتداد بالعمد، و لو كان على الغلط تحرم الزوجة، فهل كانت على هذا اللفظ تسلم زوجته لموحد غير عالم بصير، و لكن الله عليم لطيف بعباده.
و أما من أشرك متعمدا فهي تحرم عليه بالارتداد إذا وطئ أو لم يطأ، فإن أسلم قبل أن يطأ رجعت إليه على النكاح الأول ما لم تزوج، و الله أعلم.
و قلت: هل يلزمه الغسل إذا علم أنه قد أشرك بالغلط و أحب التوبة؟
فقد عرفت في ذلك اختلافا من المسلمين، و أحب إليّ أن يغسل، لما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم: أنه أمر مشركا أسلم بالغسل، فعلى هذا أحببت الغسل، و منهم من لم يوجب غسلا، لأن الإسلام طهارة من الشرك، و الغسل بالماء طهارة من الجنابة و الحيض و الأنجاس و الأقذار، و الله أعلم بالصواب. (1/232)
صفحة 232
و قال أبو الحسن رحمه الله في رجل قال في صلاته شيئا مما يشرك به شرك الخطأ، مثل قوله تعالى كذلك: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ» (1)، أو مثلها مما يشرك به شرك الخطأ أنه ليس عليه غسل، و لكنه يبدل الوضوء و الصلاة.
قلت له: و من تكلم بكلمة يشرك بها من حيث لا يعلم، هل يلزمه الغسل؟
قال: نعم.
قلت: فإن لم يغسل و صلى على ذلك؟ قال: أرى عليه البدل و الغسل، و يبدل الصلاة إلى وقت ما يعلم أنه غسل.
__________
(1) -الآية مكية رقم 28 من سورة فاطر. (1/233)
صفحة 233
قال له قائل: فإن كان قد وطئ زوجته، هل تحرم عليه؟ قال: لا تحرم عليه زوجته- تمت الإضافة.
و من غير الكتاب و زياداته:
روي عن ابن عباس رحمه الله في برمة لحم وقع فيها طائر فمات، أنه يؤكل اللحم، و يراق المرق، و الذي عندي أن الخبر لم يزل مفسدا، فالواجب أن يعتبر، فإن كان الطائر مات فيها و قد سكن غليانها أكل اللحم بعد أن يغسل و يصب المرق، و إن كان مات في حال البرمة لم يؤكل اللحم و لا المرق، لأن النجاسة قد تداخلت في اللحم، و الله أعلم.
و قالوا: عظم المشرك و عظم الميتة و قرنها نجس في حال الرطوبة، فإذا جف و زالت الرطوبة؛ صار طاهرا عندهم، و نحو هذا من قولهم كثير.
و رفع أحمد بن محمد بن عمر المنحي في عظم الميتة إذا وقع في بئر، قال: إذا يبس و لم يبق به لحم و لا رطوبة ففيه اختلاف.
و وجدت أنا أنه لا بأس به، و الأنفحة لا بأس بها ما لم تصر كرشا، فإذا صارت كرشا فلا خير بما فيها.
و قيل في البقل و البصل، و ما يؤكل شجره إذا سمد بسماد نجس مثل الكنيف، فباختلاف، منهم من قال: لا يؤكل حتى يجزّ و ينظر من الأرض ثم يؤكل. (1/234)
صفحة 234
و قال آخرون: يغسل و يؤكل، أما القرع و البطيخ و أشباه ذلك، فقال من قال و هو أكثر القول: أنه يؤكل، و قال آخرون: لا يؤكل، و هو قول شاذ.
و إذا سويت شاة و لم تتحرق مثانيها، فإن احترقت انحزقت المثانة في اللحم، غسل اللحم و لا بأس بأكله، و إذا لم تتحرق فلا يضر اللحم شيء، و كره أكل المبالة و الحيا حتى يغسلا، و لم نر بأسا أن يطعم الدواب.
و أقول: إذا كان غبار في الدخنة و المصباح يؤثر في الثياب، أو فيما يوقع فيه؛ فذلك يفسده ما أصاب مثل دخان المصباح إذا وقع في ثوب فأثر فيه فإنه يفسده، و كل فاسد فهو على فساده حتى تصح طهارته إلا ما الناس عليه، من غسل الخدم و غيرهم، مما لا يوثق بهم للأنجاس للثياب و غيرها، فإن ذلك يقبل منهم و لو لم يكونوا ثقات.
و الاستدلال على الجامد من المائع: أن يطرح خاتم وزنه مثقال و ثلث أو حصاة بقدرها، فإن سقطت إلى أصل الإناء فذلك مائع، يراق جميعه؛ لأن الذي لاقى النجاسة قد سرى في الجميع و إن لم ينزل رمى ما حوله النجاسة، و إن نزلت إلى بعضه أخرج إلى حيث بلغت الحصاة أو الخاتم، و يجوز أن يكون الأعلى مائعا و الأسفل جامدا.
و من أصاب أحدا بنجاسة من غير قصد منه بذلك فعليه أن يعلمه، فإن لم يعلمه كان عاصيا بذلك، و إن كان له ورق عظلم فأصاب فيه نجاسة، فإن كانت (1/235)
صفحة 235
النجاسة يابسة أخرجها، و إن كانت رطبة أخرج ما مسته، و لا بأس بالباقي من الورق، فإن أصابها في خرس و قد ضربه هو و غيره بمضربة، فإن كان معه أن ذلك وقع في الورق قبل أن تصح في الخرس أو قبل ضربه؛ فقد نجس جميع الخروس، و يكفي ذلك من جميعهن، و يصب الماء و يغسل، ثم يلقى في الشمس، يكون بالماء في الليل و النهار في الشمس، فإذا فعل ذلك ثلاثة أيام فقد طهرت، إن كانت الخروس مما ينشف الماء.
و قال محبوب: لا خير في نصاب العاج و لا مكحلة العاج، و من غيره: لا بأس به و لا بالكيمخت.
و من قلع ضرسه، و خرج منها دم و شرب خلا في نارجيلة، ثم رد الخل من النارجيلة في جرة الخل، فعن أبي زياد، أنه قال: أفسده، و الله أعلم.
فصل:
مجاورة الطاهر للنجس تنجسه، و مجاورة النجس للطاهر لا ينجس ما جاوره الطاهر، الدليل على ذلك، ما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم في الفأرة التي ماتت في السمن، فسئل عنها، فقال عليه السلام: إن كان جامدا فألقوها و ما حولها، و إن كان مائعا فأهرقوه، فإن لأمره بإلقاء الجامد و ما حوله معنيين: أحدهما: أن ما كان نجسا في نفسه ينجس ما جاوره، و الثاني: ما تنجس بالمجاورة، و لا ينجس ما جاوره الطاهر فيما لا يوجب غسل ما حصل فيه، و ذلك أن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها؛ حكم صلى الله عليه وسلم بنجاسة ما جاورها من السمن، و لم يحكم بنجاسة السمن الجامد بهذا السمن النجس، إذ لم يكن السمن نجسا في نفسه، و إنما كانت من جهة الحكم بمجاورته للفأرة، و الله أعلم.
مسألة:
و من كان بيده دم فجاء وقت الصلاة فتوضأ و صلى و نسي الدم لم يغسله، فلما فرغ لم يجد بيده له أثرا؛ فإنه يبدل وضوءه و صلاته، و إن كان توضأ من إناء غسل ما أصاب بدنه و ثيابه من ذلك الماء قبل أن يغسل يديه، فإن كان من نهر فإنه يغسل يديه و ما لاقى بدنه قبل أن يغسلها، و لا بأس بالثياب و غيرها.
و لا بأس بالفأر إذا وقع في الخل و أخرج حيا، و كره ذلك من كرهه، و بعض قال: يكون قذرا، و اللّغ إذا وقع في الخل و خرج حيا ففيه اختلاف.
مسألة: اتفق أصحابنا: أبو عبيدة بن أبي كريمة و الحكم بن أنس على إجازة طهارة سؤر الكلب و طهارة فضل مائه، و كذلك سائر السباع و أكل لحومها، و ضعفا الخبر (1/236)
صفحة 236
عن النبيء صلى الله عليه وسلم في تحريم الحمر الأهلية، و كل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير، طعنا في بعض رجاله.
و أجمع أهل العلم على أن سؤر ما يؤكل لحمه طاهر، يجوز شربه و الوضوء به، و قد اختلف الناس في تطهير الإناء من ولوغ الكلب، فقال بعضهم: سبع، و قال قوم: بخمس، و قال قوم: بثلاث، و قال قوم: يغسل كما يغسل من غيره.
و سؤر الفيل و روثه طاهر، و قال بعض: في لحمه، إنه من الأنعام، و قال بعض: إنه يكره.
و تنازع الناس في استعمال جلد الميتة إذا دبغ، و اختلف أصحابنا أيضا على قولين: فجوز بعضهم استعماله بعد الدباغ، و قال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ، و حجة من لم يجوز، قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «أيما إيهاب دبغ فقد طهر»، و الذي نذهب إليه و نختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ، إلا جلد الخنزير و الإنسان، فذلك لا يحل أبدا.
مسألة:
و لا فرق عندي مابين سلخ الدواب ما ئعا و بعرها مجتمعا، و ما ضربت (1/237)
صفحة 237
بأذنابها فهو طاهر أيضا، لأن الذئب إذا لم نر به نجاسة حكمه حكم سائر بدنه، لأن الدواب تطهر من النجاسة بزوال عينها، و يحكم لها بحكم الظاهر، نحو النتاج تطهر بزوال الدم عنه و نحو هذا، و إذا كان الأمر على ما ذكرنا، فلا فرق بين أن تمس ما حكم بطهارته قبل أن يمسّ الذنب أو بعده، إذا كان الذنب محكوما له بحكم الطهارة، إذ الطاهران لا يتغير حكمهما إذا التقيا، و الله أعلم.
و من فتح جرابا فوجد فيه فأرا ميتا، فلا أعلم يفسد منه إلا ما مس منه التمر و الظرف من الميتة؛ فليقلع و ما حوله من التمر، و لا بأس بالباقي من الجراب، و لا بأس بما سال منه من عسل أو اختلط بعسل غيره.
و من صلى بثوب فيه دم و لم يعلم، فإن كان قد ظفر الإبهام مجتمعا، و إن كان متفرقا كان كذلك إذا جمع؛ فعليه بدل تلك الصلاة، و إن لم يبلغ ذلك فلا فساد عليه، و إن أبصره قبل الصلاة ثم نسي حتى صلى به من بعد أن كان أبصره فلا نقض عليه، و لا يدل أيضا، و قيل يبدل، و الرأي الأول أحب إلي، و إذا صلى ناسيا له أبصره في الصلاة قليلا أو كثيرا؛ قطع الصلاة و صلى بغير ذلك الثوب.
و قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (1) أي قلبك، فطهره من عبادة الأوثان، و قيل: بدنك، و قيل: عملك أصلحه، و قيل: خلقك حسّنه، و قيل ثيابك فقصر، التقصير طهر، و قيل: أمره بتطهيرها، و قيل: إنها كانت مستقذرة فقصر، و التقصير طهر، و قيل: طهر ثيابك من الدنس، و قال عنترة:
__________
(1) - الآية مكية رقم 4 من سورة المدثر. (1/238)
صفحة 238
فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرّم
قال: مدّ الشعبي يده على مائدة قتيبة بن مسلم متصلا، فلم يدر صاحب الشراب، اللبن يريد أم العسل أم الماء، أم بعض الأشربة؟ فقال: أي الأشربة أحب إليك؟ قال: أعزها مفقودا و أهونها موجودا، فقال قتيبة: اسقه ماء، المآن: الطرد الذي تخوضه الدواب تطرد فيه أي تتابع، الماء الرّمد المتغير، الأبيضان: الماء و اللبن، الأسودان: الماء و التمر، الأطيبان قيل: النوم و النكاح، و قيل: الأكل و النكاح، و قيل: الشباب و النكاح، و الأحمران قيل: اللحم و الزعفران، و قيل: اللحم و الخمر، و قال الشاعر:
إن الأحاجزة الثلاثة أهلكت ... مالي و كنت بها قديما مولعا
الخمر و اللحم السمين أحبّه ... و الزعفران به أروح منقّعا
فصل:
قد يكون الجوهر واحدا فتفرق الأسماء من طريق الصفات، لأن البول كان ماء، فلما اكتسى صفات البول سمي بولا، و الجوهر واحد، و كذلك الخمر سمي عصيرا بانتقال أوصافه إلى أوصاف الخمر، و الجوهر واحد، و إذا كان كذلك فالتحليل و التحريم معلق بالأسماء، و الأسماء مأخوذة من طريق الصفات. (1/239)
صفحة 239
فصل:
و أصل الماء ماه، فأبدلوا من الهاء همزة، و الحدود و النهايات لله عزوجل، و ليس لأحد أن يضع حدّا يوجب بوضعه في الشريعة حكما، إلا أن يتولى وصفه كتاب ناطق أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال عمر رحمه الله: لا يقولن أحدكم: أهريق البول، و لكن: أبول.
فصل:
اليهود أنتن خلق الله، عذرة أي فناء، سمي الكنيف كنيفا، لأنه يكنف الغنم و المخرج، قال تميم:
إذا ذرّت الريح الكنيف المرقّعا
و سمي المخرج مخرجا لخروجهم بعيدا، و الخلاء لأنهم يخلون به، و المستحم لأنهم يستعملون الماء الحار، و الجسر: أصله البستان، لأنهم كانوا يتغوطون في النخل، على حسب هذا وجدت الكنيف يكون حضيرة على الإبل، و جمعه كنف، و الكنيف: الناحية، و الجمع: أكناف.
فصل:
لا أرى لحاقن البول و لا لحاقب العذرة يشبه بحامل الحقيبة، و لا لحازق (1/240)
صفحة 240
و هو الذي ضاق عليه الرباط في رجله، و نهى عن البول في الأحجرة، لأنها مساكن إخوانكم من الجن، لا يصلي أحدكم و هو زنّاء، مشددة.
و كل ماء قائم إذا حرك من طرفه لم يتحرك من الطرف الآخر، فقد جاء الأثر: أنه كثير، و لا ينجسه شيء.
و قال من قال: إذا كان قدر أربعين قلة، و هي الجرة، و قال من قال: أقل من ذلك.
و كذلك البئر الكثيرة الماء التي لا تنزح، فإنها لا ينجسها شيء أيضا، و أما إذا كان بئر على غير هذه الصفة، و وقع فيها ما أفسدها أخرج ذلك، و اجتهد في طلبه و إخراجه إن كان مما يخرج، مثل الميتة و غيرها، أو ينزح عنها في مقام واحد أربعين دلوا بدلوها، ثم قد طهرت، و طهر الدلو أيضا، و إن لم يكن لها دلو فبدلو وسط، إلا أن يفرغ ماؤها قبل ذلك، فإن نزح ماؤها و لم يبق فيها شيء فقد طهرت، و إن لم ينزح منها أربعون دلوا، فإن كانت فيها عيون تنبع بالماء، و لم يستفرغ نزع منها أربعون دلوا بدلوها، ثم قد طهرت، و طهر الدلو أيضا.
و من غيره عن أبي سعيد رحمه الله في مثل هذا البئر، يلزم إذا كان لها عيون أن يكون بمنزلة الجاري من الماء. (1/241)
صفحة 241
رجع:
فإن لم يكن لها دلو فبدلو غير دلو الزاجرة، قال الواقف: أما قوله: إن كانت زاجرة فبدلو غير دلو الزاجرة، لم أعرف لهذا معنى من الأثر، فإن كان معناه بدلو غير دلو الزاجرة فبحساب دلو الزاجرة إن قل أو كثر، فعسى يصح و إلا فلا، و سيأتي بعد ذلك.
و من غيره: أما الذي كان يذهب إليه أبي الحواري أنه إذا علموا [أنهم] قد استقوا منها مقدار أربعين دلوا من بعد ما تنجست فقد طهرت، و لعله يريد، و لو كان النزح متفرقا.
و من غيره: و عن بئر فسدت، و عليها دلو واحد، هل يجوز أن تنزح بأربعة أدلاء؟ فنعم، جائز ذلك، و لو نزحوها بأربعين دلوا، لكل دلو جذبة واحدة لجاز ذلك، إلا أن الدلاء فاسدة كلها إلا الدلو الذي به تمام الأربعين، فإنه لا يفسد [و هو] الذي خرج أخيرا من البئر، و الله أعلم.
و من غيره: و إن كانت البئر عليها دلو كبير فليس لهم نزحها بأصغر منه، فإن نزحوها بالأصغر على حساب الأكبر جاز ذلك إذا كان مقدار أربعين دلوا بالأكبر، و ثمانين دلوا بالأصغر أو أقل من ذلك أو أكثر جاز ذلك إن شاء الله، و كذلك إذا كان الدلو الذي عليها صغيرا فنزحوها بدلو أكبر منه على حساب دلوها جاز ذلك إذا كان بهذا الدلو الأكبر عشرة أدلاء مقدار أربعين دلوا بالأصغر جاز ذلك، أو أقل أو أكثر فافهم ذلك. (1/242)
صفحة 242
قال أبو سعيد: يخرج في بعض القول أنه تنزح بالأوسط من الدّلاء، و هو أصح عندي في معاني الأحكام، و أما الاحتياط فبالأكبر، و عن بئر نزحت، أيغسل الجندل من غلافها أو لا يغسل، أو قد طهر و طهرت، و كذلك الدلو و الحبل إذا نزحت، و قد طهرا، أو حتى يغسلا.
فعلى ما وصفت، فإذا نزحت البئر فقد طهر ذلك كله، لأن الحجارة إذا غسلت رجع الماء في البئر، فهذا شيء لا يمتنع، و أما الحبل و الدلو، فقد قال لنا أبو المؤثر رحمه الله، قال: أما بالرأي فيغسل الدلو و الحبل، و أما القياس فلا يغسل، فعلى هذا فإن غسلا أو لم يغسلا فلا بأس.
رجع:
و إن وجدت الميتة المنقطعة في بئر و نزحت؛ فلا فساد على من مس من مائها قبل أن ينظر فيها، و لا نرى عليه قض صلاته، إلا أن يكونوا أطعموا للماء طعما متغيرا، أو شموا له ريحا فعليهم النقض مذ وجدوا ذلك.
و كذلك يوجد عن أبي علي و أبي عبد الله رحمهم الله، و لا ينظر في تقطيعها، فإنه يمكن أن تكون وقعت متقطعة.
و إن كانت بالوعة يهراق فيها الوضوء قرب بئر يستقي منها للشرب و الوضوء، فقيل: إذا كان بينهما خمسة أذرع، و لا يوجد في الماء طعم شيء و لا ريحه و لا لونه؛ فإنه يجزئ الوضوء منهما، (1/243)
صفحة 243
و إن كان بينهما أكثر، فقد يوجد ريح البول أو طعمه فلا خير في الوضوء منها.
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: لا بأس بماء الزاجرة، القيالة التي تجر الحبل في بول البقر عند الزجر، ثم يسحب في التراب ثم يدخل الماء، لأن ذلك لا يمتنع منه، فإن صار الحبل بالبول معينه (نقص في الطباعة) في الماء و لم يسحب في التراب أفسدها.
و كذلك جاء الأثر: أنه لا بأس بجميع الحبوب التي تدوسها البقر، و تبول فيها ما كانت في حد الدوس، فإن بالت فيها بعد الدوس أو في غيره أفسدته.
و أما الماء الجاري فإنه لا ينجسه شيء إلا أن تقع فيه نجاسة حتى يتغير الماء منها في لونه، أو يغلب عليه لون تلك النجاسة فعندها تفسد.
و قلت: فإن كان ماء يجري، ثم انقطع من أوله و آخره، و بقي يجري من وسطه، فهو جار من الموضع الذي يجري فيه، و إذا حمل الماء الجاري بعرة الشاة أو لفظة كنحوها، فهو جار، فلا يفسده شيء إلا نجاسة تغلب عليه، و أما ما ينقطع في السواقي بعد أن يرفع الفلج، فلا بأس أن يتوضأ منه، بلا استنجاء فيه و لو لم يجز ما يعلم به بأسا.
و قد قال بعض أهل الفقه: إن كان متصلا في طول الساقية و هو قائم بقدر ما إذا حرك من طرفه لم يتحرك الطرف الآخر فهو كثير، و لا يفسده غسل النجاسة و لو لم يكن جاريا إلا أن تكون نجاسة تغلب عليه.
قلت له: فالماء الجاري إذا انقطع من أوله و آخره و بقي يجري من الوسط حتى يجتمع في موضع قدر جرتين أو أكثر؟ (1/244)
صفحة 244
فذلك المجتمع هنالك هو عندي بمنزلة الجاري، لأن الجاري يطرح إليه إذا كان يقف في موضع فشربه، مثل واد أو رمل أو ما يشبه ذلك، فأما إذا كان يجتمع في موضع نحو حوض لا يشربه فذلك يفسده ما يقع فيه من النجاسة.
قلت: فالزاجرة حيث يصب الدلو و منه يجري، إذا غسل هنالك جنب، أو غسلت فيه نجاسة، و رجع من ذلك إلى البئر، و توضأ بالماء الذي يمضي منه؟
فذلك ماء جار، لا يفسده عندنا من اغتسل به، و لا من توضأ عليه، و لا ما رجع إلى البئر منه.
و من غسل نجاسة من بدن أو غيره، و سال ذلك الماء؛ لم يفسد ذلك الماء ما مسه إذا كان قد نظف الشيء الذي غسله.
و عن أبي الوليد- في بول صبي أو شاة يدلك بالماء أو يتبع – قال: أرجو أنه إن أتبع بالماء أنه يجزيه ذلك، و الذي عندنا في الصبي، أنه إذا أكل الطعام عرك بوله عند الغسل، و ما لم يأكل الطعام فالصب يجزي.
رجع:
و قيء الصبي مفسد أيضا، و كذلك كل ما ظهر على اللسان من تجاشي الإنسان و قيئه، حتى يخرج و يصير على مقدرة من لفظه فقد نقض وضوءه.
و إن وجد طعم دم في فيه، و كان في حد لا يمكنه أن ينظر إلى البزاق، و لم يستيقن على الدم حتى ذهب ذلك الطعم، فلا نقض على وضوئه حتى يستيقن على خروج الدم، (1/245)
صفحة 245
أو يرى الدم إذا بزق غالبا على البزاق، فعند ذلك ينقض وضوءه.
و كذلك في المخاط ما لم يغلب عليه الدم فلا نقض عليه فيه، و إن خرجت من أنفه علقة دم جامدة فلا نقض عليه فيها.
و القيح و ما يخرج من البدن من الصديد المهياس، لا نقض فيه حتى يخرج الدم الخالص، و كل جرح في البدن، أو شق، أو خدش خرج منه دم فلا نقض فيه حتى يفيض الدم من الموضع الذي خرج منه، فإذا فاض انتقض الوضوء، و ما مس البدن من غير ذلك من الدم من قليل أو كثير فهو مفسد، و لو لم يبلغ قدر الظفر، و قيل: إنه كمثل الثوب، و لا ينقض حتى يكون كالظفر.
و القليل و الكثير من الدم مفسد للماء و جميع ما يقع فيه من الطعام و غيره، إلا دم السمك و دم اللحم من غير المذبحة و العروق.
و من غيره: و قال بعضهم: لا بأس بدم القراد.
و من غيره: قال أبو الحسن: كان أبو الحواري يقول عن منير رحمهم الله: أنه إذا غسلت الحجامة و الجرح فرجع يخرج منه دم، أن ذلك الدم ليس يفسده، قال: و لا أعلم أن أحدا قال بذلك إلا هو، و الذي نأخذ به أنه يفسد إذا كان (1/246)
صفحة 246
دما عبيطا، و أما الصفرة و الحمرة من بعد الغسل فلا بأس.
و من غيره: و ما خرج من الحجامة بعد أن غسلت كدرة أو صفرة أو حمرة فهو طاهر، هكذا عرفت، و يوجد أن الحمرة و الصفرة و الكدرة إذا خرجت من بعد الغسل من جرح طري أنه لا بأس بها، و إن خرجت قبل الغسل من جرح طري أنه يختلف فيه، فقيل: نجس، و قيل: طاهر، و الله أعلم.
و من جواب أبي الحواري رحمه الله: و عن الشاة أو غيرها من الدواب يخرج من ضرعها إذا حلبت دم أو حمرة أو كدرة في اللبن هل يفسد لبنها؟ فأما الدم فيفسد اللبن، و أما الحمرة و الكدرة فلا يفسد اللبن إذا كانت الحمرة ليست بدم، و إنما هي تغير من اللبن.
و دم البعوض و البراغيث فإن ذلك لا يفسده.
قال غيره: و يوجد عن بعض المسلمين أن دم البعوض و الذباب الأزرق نجس.
قال غيره: إن ذلك طاهر لا يفسده، و منهم من قال: إذا كان كالظفر أفسده، و إن كان أقل فلا بأس به.
رجع:
و قال من قال: إن دم الحلم و الضمج و القراد لا يفسده، و قال بعض: إنه يفسد، (1/247)
صفحة 247
و لعله أكثر القول، و القملة مفسد ماؤها، و إن ماتت في ماء أفسدته أو غيره من الطعام، و إن وقعت في بئر، فقيل: لا يفسدها، حتى يعلم أنها ماتت فيها.
و من غير الجامع، قال: القملة إذا سقطت في البئر لم تنجس البئر، ميتة كانت أو حية.
و من غيره، و قيل: إن ماتت في الثياب و البدن فلا بأس.
رجع:
و أما الصوب الذي ليس هو من القمل فلا بأس في مائه، و من غيره قلت: فالصئبان التي تكون في الثوب ينفقئ منها الماء في الثوب أو في البدن، أيفسد ذلك ما أصابه؟ قال: لا.
قلت: أو ليس هو من أولاد القمل أو بيضه؟ قال: الله أعلم.
و من غيره: لا بأس بالصئبان، لأنها ليست من ذوات الدم، و إنما يفسد الدم.
قلت: فإنه يوجد مع القملة؟
قال: لا يفسد ما خرج من ذلك، ما أصاب منه إلا أن يعلم أنه من القملة.
قال غيره: و من وطئ بنعليه أو بخفيه في شيء من العذرة أو غيرها مما ينجس، فإذا أكلته الأرض فأتت عليه، فلا بأس أن يصلي به – و في نسخة – صلى به و لم يغسله. (1/248)
صفحة 248
و كذلك الموضع من الأرض إذا كان به البول أو غيره من النجاسات و ضربته الشمس و الريح – و في نسخة – و الرياح، حتى يتغير ويذهب فقد طهر، و إن لم يغسله.
و الشاة و جميع الدواب يضعن أولادهن، فإذا تغير ذلك، و ذهب من النتاج فلا بأس بمسه، و الشاة يقع ضرعها في بول أو غيره، فإذا يبس و تقلبت في التراب، و ذهب ذلك منه فقد طهر و إن لم يغسل بالماء، و كذلك كل ماء يقع في الدواب من النجاسات، و سل عن ذلك.
و أما الجرار و الأوعية التي تشرب الماء، فتلك إذا فسدت أو كانت من آنية المجوس و ضع فيها الماء حتى يدخل مداخل الأول، و يبالغ في عركها و غسلها، و إن كانت و عاء لا يدرك عركه خضخض بالماء، و اجتهد في عركه و غسله، و لو كانت من آنية الصفر و الرصاص و مثلها، التي لا تشرب الماء.
و من غيره، وجدت أن برمة الحجر تنشف فينظر في ذلك.
سألت أبا سعيد رحمه الله عن الحلول إذا غسل فيه الثوب النجس، أيطهر إذا طهر الثوب؟ قال: نعم، إذا غسل الثوب ثلاث مياه فقد طهر الثوب، و الماء الثالث و الإناء الذي غسل فيه الثوب، و قيل: يطهر الثوب وحده، و الماء الثالث و الغناء الذي غسل فيه الثوب نجس، و الرأي الأول أحب إلي. (1/249)
صفحة 249
و من غيره: و ما كان من الآنية التي تنشف الماء، مثل الخزف و الخشب و ما ينشف الماء، فيجعل فيه الماء حتى يدخل مداخل الأول النجس، ثم يغسل.
و قد اختلف في هذا المعنى، قيل: ثلاثة أمواه، و قيل: ماء واحد، يجعل فيه الماء يوما و ليلة، ثم يكفى و يغسل، و كذلك الثلاث ليال، يجعل الماء في الإناء ليلا، و يجفف بالنهار، ثلاثة أمواه ثم يفسده.
ومن غيره: يعجبني أن يغسلوه كلما أرادوا أن يكفوا الماء منه ليجعلوا غيره، و كذلك يغسلونه كلما أرادوا أن يجعلوا فيه الماء، فانظر في ذلك.
و من غيره: و عن الماء الذي يجعل في هذه الأوعية لغسلها في السبعة الأيام، ما يكون سبيله، نجس أم طاهر؟ فهو عندي طاهر، و معي: أنه في بعض القول: أن أوله نجس، و آخره طاهر، و في بعض القول: أنه كله نجس؟ و يغسل الإناء غسلا ثانيا جديدا.
و عن الإناء الذي ينشف الماء إذا وقعت فيه النجاسة فقعدت فيه النجاسة مثل ماء أو خل أو ما يشبهه دون سبعة أيام، غسله غسلا واحدا، ثم يجعل الماء الطاهر إلى حيث بلغت النجاسة بقدر ما وقعت فيه النجاسة، ثم كفاه، و غسله ثلاث مرات في وقت واحد، و هو طهارته إن شاء الله، فإن قعدت فيه النجاسة على ما وصفت لك سبعة أيام فما فوقها و لو تطاولت، فقد قيل: تخرج منه تلك النجاسة، ثم تغسل غسل الطهارة من النجاسة، ثم يجعل فيه الماء الطاهر إلى حيث بلغت النجاسة يومين أو ثلاثا أو أقل أو أقل أو أكثر، ثم يكفؤه، ثم يغسله غسل النجاسة، ثم يجعل (1/250)
صفحة 250
فيه الماء الطاهر إلى تمام سبعة أيام، ثم يكفؤه، ثم يغسل غسل النجاسة، و هو طهارته إن شاء الله، فيكون الغسل في سبعة أيام ثلاث مرات، على ما وصفت لك بعد الغسلة الأولى، و هو طهارته إن شاء الله، فانظر في ذلك، و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب إن شاء الله.
رجع:
و ما مس أهل الذمة من شيء رطب، أو أيديهم رطبة أو عرقة فهو فاسد، و لو غسل الذمي يده و نظفت، ثم عرقت من بعد فقد فسدت.
و قيل: إن عجن المجوسي لمسلم، أو عمل له طعاما بحضرته، و لا يغيب عنه، و يغسل يده حتى تطهر، أو يلثم فاه لئلا يقع منه شيء.
و قال من قال: إذا حمل المجوسي لمسلم لحما، ثم توارى به عند خلف جدار، فلا يأكله، و قيل: لا بأس بما حملوه أو كان عندهم من الفاكهة اليابسة.
و أما أهل الكتاب فقد أحل الله أكل طعامهم، و قال من قال: إنما المعنى لذبائحهم، و قال من قال: هو طعامهم، و ما باعوا من الثياب المقموطة، فلا بأس به، و ما كان منشورا فلا يصلى فيه.
و قال من قال: إن نشر الذمي ثوب المسلم، أو طواه؛ فلا يصلي فيه إذا كان غائبا عنه، و ذلك يوجد عند أبي عبد الله رحمه الله. (1/251)
صفحة 251
و كره الغسل من أهل الكتاب، و قد بلغنا أن أبا علي رحمه الله كان أجاز الغسال من أهل الكتاب، و الخياط إذا لم يبل الخيط بريقه.
و الصبي يده في الماء و يمس منه الرطوبة و هو لا يعقل، و لا ينقي القذر، أنه لا بأس بذلك ما لم يعلم أن في ذلك الموضع الذي مسك أو مسته يده منه شيء من القذر، و كذلك قميص الصبي و ثيابه.
و كذلك خبّ فيه ماء ترده الصبيان و العيال، و يشربون منه فلا بأس بكل ذلك، و لا بالوضوء منه حتى يستيقن على نجاسة بعينها، و كذلك حفظنا عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله.
و قال في وعاء فيه ماء بين يدي حجام، يرطب للناس منه، و مسني من مائه؟
فقال: لا بأس به حتى تعلم فساده.
و كل شيء طاهر فهو على طهارته، إلا مثل ما الناس عليه، مثل غسل الخدم و غيرهم ممن لا يوثق به للأنجاس من الثياب و غيرها، فإن ذلك يقبل منهم، و لو لم يكونوا بثقات.
و لا تجوز غسالة الصبي للثوب في حال الصلاة، و كذلك حفظنا عن محمد بن امحبوب رحمه الله.
و جلود المسك و دهنه فقد أجازه من أجازه، و كرهه من كرهه، و قد أخذنا برأي من أجازه. (1/252)
صفحة 252
و كذلك ما باع أهل الكتاب من الأدهان، فقد أجاز المسلمون ذلك، و لم يروا به بأسا ما لم يمس الذميّ الدهن، و لا بأس بسؤر الخيل و الإبل و البقر و الحمير و الغنم من الماء و غيره و أرواثها، و لا نعلم أنه يفسد من ذلك إذا كانت حية، إلا بولها و قيؤها، و دم المذبحة إذا ذبحت و ما في كرشها.
و من غيره قال أبو زياد: إنه وجد في رقعة مقيد بها عن بعض المسلمين عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله: أن من مس ما في الكرش أن وضوءه لا ينقض، و إن مس ما في الأمعاء فذلك لا ينقض الوضوء.
قال غيره: و قال من قال: إن ما في الكرش أيضا لا يفسده، و أنه غير نجس، و هو رخصة، و الوثيقة أحوط.
قال غيره: نعم، قد قيل هذا، و قال من قال: إن ما في الخابية التي تسمى بنت الملح تفسد، و أما في المخير و الأمعاء و المصارين و المبعر و سائر ذلك، كذلك لا بأس به سوى الكرش و بنت الملح.
رجع:
و لا يفسد ما جوف الشاة إلا ما كان في الكرش، و هي التي فيها الفرث، و هي الفحت، هي متضعفة على بعضها البعض، و هي تؤكل بالملح، و أما كرش السخل الذي لا يأكل الشجر، و لا يشرب الماء، فإن لم يغسل فلا بأس، و عن أبي علي رحمه الله قال: يفسد الدسع، و يوجد الرجيع. (1/253)
صفحة 253
و لا بأس بالجرة من الشاة و عرق الجمال، فقال من قال: إنه مفسد، و قال من قال: إنه لا يفسد.
و عرق الخيل و الحمير التي تصان لا بأس به، و إن كان حمارا لإيصان كمثل الخيل نجس، فعرقه مفسد، و رخص فيه أيضا من رخص من المسلمين في الجمال، و الشرر الذي يطير من بولها ما لم يسبغ، و ما ضربته الجمال بأذنابها من سلحها فهو مفسد، فمن طار به شيء من ذلك و لم يعلم أنه مما ضربت به بأذنابها فلا فساد فيه حتى يعلم.
و أما سؤر الطير جميعا و خزقه لا نبصر به فسادا، إلا الحمام الأهلي فقد شدد أكثر الفقهاء في خزقه و خزق العقاب و الأجدل، و قد رخص من رخص من الفقهاء في الأجدل و العقاب، و ذلك أحب إلي.
و من غيره، و حفظنا عن أبي علي رحمه الله: أن الحمام الأهلي هو الذي يربى في البيوت و يستأنس بأهله، و هو الذي خزقه نجس، و وجدنا أنه هو الحقم، و الله أعلم، و قال: ما أكل لحمه من الوحش فلا بأس بخزقه، إلا وحشي طير الحرم، فإن خزقه نجس مفسد ينقض، وقال غيره: لا بأس بخزقه و خزق الأهلي، و قال: نعم هو كذلك.
رجع:
و خزق الدجاج مفسد، و أما سؤره فلا نرى به بأسا حتى يكون على منقاره (1/254)
صفحة 254
قذر كلما شرب أو أكل، و كذلك الجعل، قيل: لا بأس به حتى يكون فيه قذر، و شدد بعضهم في سؤر أو أكل الرخم و الغراب، و بلغنا أن عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله لم ير به بأسا.
و أما السباع كلها غير الصيد فمفسد سؤرها و ما مسها و هو رطب، إلا الكلب المكلب، فإنه قيل لا يفسد سؤره و لا ما مسه و هو رطب.
و قد اختلفوا في سؤر السنور و الفأر، فبعض كرهه، و أحب تركه إلى غيره، و بعض لم ير به بأسا، و إن ما أخذته من رأي الفقهاء فجائز.
و عن أبي علي رحمه الله في سؤر السنور من الماء، أنه أحب تركه، و أما من الصباغ و الطعام فأجازه، و قال: مس مخطمة السنور ينقض.
و من غيره، و قال بعض: إنه لا ينقض و هو طاهر.
و عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في فأرة وقعت في خل، و أخرجت حية، قال: إنها لقذرة، و ما أتقدم على تحريم ذلك، و كذلك قيل عنه فيها: إذا دخلت في الماء و خرجت منه، و لعل سؤرها أشد من ذلك عندهم، و كذلك إذا قرضت الثياب فهو مثل سؤرها، و أما إذا ماتت في شيء أفسدته، إلا أن تموت في شيء جامد، مثل سمن أو عسل أو غيره، فإنه يقلع ما مسه و لا بأس بالباقي (1/255)
صفحة 255
و من غيره: و عرفت أن صفة الجامد إذا ألقيت فيه الخاتم لم يتصل فيه.
و من غيره: و الحيات و الأماحي و الخنانيز مفسد سؤرهن، و ما متن فيه و خبثهن و خبث الفأر مفسد.
رجع: و يوجد أن بول الأماحي و سؤرهن و بعرهن فيه اختلاف، فبعض: ينجسه، و بعض: لا ينجسه.
قلت: و كذلك الحيات مثل الأماحي؟ قال: نعم، و إنما كرهوا سؤر الحية من أجل خوف المضرة، و كذلك يوجد أنهما إذا ماتتا في البئر ففيه اختلاف، فبعض ينجسها، و بعض لا ينجسها، و الله أعلم فينظر في ذلك.
و من غيره: و قال من قال من الفقهاء: لا بأس ببعر الفأر اليابس إذا طبخ مع الأرز و غيره، و أما العقارب و الدبى و الذباب و كل دابة لا دم لها، فلا تفسد حية و لا ميتة، و أما الضفادع فمفسد بعرها و بولها إذا جاءت من البر، و أما إذا جاءت من النهر فلا يفسد بولها، و لا يفسد ما ماتت فيه من الماء، لأنها من ذوات الماء، و أما إن ماتت في طعام أفسدته، و أما إن ماتت في البر، ثم وقعت في طوى أو في وعاء فيه ماء فهي ميتة. (1/256)
صفحة 256
و من غيره، قال محمد بن المسبح: إن الضفدع إذا ماتت في الخل و الطعام لم تفسده، لأنها من ذوات الماء، إلا أن تجيء من الأقذار فتلحقها الشبهة من طريق المرعى، و أما بول الضفادع فمعي: أنه يختلف فيه، إذا جاءت من الماء و كانت في الماء، أو في معاني ما يقرب من الماء؛ فيخرج ذلك عندي، و حدّ ذلك فيما عندي ما لم تصر من الماء بقدر ما يلحقها معاني الاسترابة في المرعى، لأنها من ذوات الماء، فإذا كانت في الماء أو في قرب من الماء أو من الماء، بنحو ما يلحقها من ذلك الموضع الذي فيه حكم الاسترابة، ينقلها عن أحكام طهارتها بحكم الماء، فيعجبني أن يحكم لها على هذه الصفة في أحكامها المائية، كان مجيئها من الماء إلى البر، أو من البر إلى الماء، ما لم يلحقها حكم استرابة بما يعلم، أو بما يغلب من الشبهة لذلك، فإذا ثبت لها معاني حكم ذلك على هذه الصفة، فقد قيل في بولها في هذه المنزلة من منازلها باختلاف، فقيل: مفسد، و قيل: ليس بمفسد، و معي: أنه يلحقها معاني الاختلاف بمنزلة سائر الدواب في أبوالها، فإن لم تكن أقرب في ذلك من غيرها فليست بأبعد.
و إذا ثبت معاني طهارة بول الحية و الأماحي و أشباه ذلك، فالضفدع عندي أقرب من أن يلحقها حكم طهارة بولها من أي وجه جاءت، و كانت فيه بمعنى الاختلاف، و معي: أنه قد قيل في بعر الضفادع، إنه مفسد في حال، و قيل: إنه ليس بمفسد على حال من أي موضع كان، و من أي موضع جاءت.
و من غيره، قلت: فما تقول في بول الفأر؟
قال: معي: إنه يختلف في نجاسته، قيل: مفسد، و قيل: غير مفسد على ما يوجد، و أكثر القول عندي: أنه مفسد. (1/257)
صفحة 257
قلت له: و إذا ثبت الاختلاف في بول الفأر، كان مثله في بول الضفادع إذا كانت في البر؟
قال: هكذا يشبه عندي، و بولها عندي أشبه من بول الفأر.
و من غيره، قلت: فإذا ماتت الضفدع في البر، ثم وقعت في الماء بعد موتها في البئر، هل يفسد الماء؟
قال: معي: أنها لا تفسده، على قول من يقول: إنها من ذوات الماء، و إنما هي بمنزلة الصد في الماء مع صاحب هذا القول الذي ذهب إليه.
و عن قرّة وجدت ميتة في جرة فيها ماء، هل ينجس ذلك الماء أم لا؟
فقد قيل في عامة قول أصحابنا: إن القرة إذا ماتت في الماء، و وجدت ميتة فيه، حارّا كان أو باردا، فالماء طاهر و هي نجسة، لأنها من ذواته في بعض قول الفقهاء، و الله أعلم.
و إن و جدها في مديد الخل فهو نجس، و الله أعلم.
و حفظ لنا الثقة عن محمد بن محبوب رحمه الله، في الريق الذي يخرج من فم الناعس، أنه لا ينقض، و كذلك عندنا لا نرى بأسا.
مكتوب في الحاشية، بخط الشيخ أبي الحسن، و وجدت في جواب الشيخ أبي الحواري رحمه الله، قال: بعر الفأر و الخناز و السلم و الضفدع، لا يفسد عندنا، رطبا كان أو يابسا. (1/258)
صفحة 258
و وجدنا من جواب الشيخ أبي الحواري: أنه لا بأس بسؤر الغول و الحية، و لكن يكره مخافتها، يعني: من قبله لحال السم الذي فيها، و الأفعى لا بأس بسؤرها.
تم كتاب أبي جابر.
و من غير الكتاب، و من زياداته: أن النجس ليس بطاهر، و الأنجاس الأخباث، و فيه لغتان: مخفف و مفتوح، و النجس لا يجمع و لا يؤنث.
مسألة:
و النجس اسم يقع على معنيين، أحدهما: يكون نجسا لعينه، و الآخر يكون نجسا لنجاسة حلته.
فما كان نجسا لعينه فزوال اسم النجس عنه غير جائز، ما كانت عينه قائمة، كالدم و العذرة و البول و نحو ذلك.
و الضرب الثاني: يسمى نجسا لحلول النجاسة فيه، فزوال ما صار بهم تنجسا برفع اسم النجس عنه.
و عن رجل قعد في النهر يستنجي من البول و الغائط، ثم إنه عرض له أمر، فقام قبل أن يستنجي، فسال الماء على بدنه أو ثوبه، ما يكون ذلك الماء؟ (1/259)
صفحة 259
قال: معي: أنه إذا كان جريه متصلا فهو من الماء الجاري، و هو عندي: أحكامه أحكام الماء الجاري، لا ينجسه إلا ما غلب عليه.
و قلت: فإن لم يبصره هو في حين جريه، و لم يعرف غالبا عليه أم لا؟
قال: معي: أنه إذا كان حكمه جاريا فهو طاهر حتى يعلم أن النجاسة غلبت عليه، لأن الماء طاهر حتى تعلم نجاسته.
و من غيره: قال لي عبد الله بن زنباع: إن الثوب السوجي إذا كان فيه نجاسة، فسلمته إلى الغسال، و لم تعرفه بنجاسته فأتى به مغسولا أبيض، و قد زالت عين النجاسة عنه، أنه لا بأس عليك أن تصلي فيه، و قد طهر إن شاء الله.
و من غيره: و سألته عن رجل يكنز جرابا من تمر، و عليه ثوب غير طاهر، فإذا صب الماء في التمر طار في الثوب، و قطر من الثوب في الجراب، هل يفسد التمر؟
فقال: ليس عليهم فساد في ذلك إن شاء الله.
و قد حدثنا نبهان، عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في قوم كانوا معلقين شورانا للصبغ، ثم أخذوا المعصار، فوضعوه على ثوب نجس، و كانوا (1/260)
صفحة 260
يعركون الكليا في المعصار، و المعصار على الثوب الفاسد، و الماء يسيل من المعصار على الثوب الفاسد حتى ترطب الثوب الفاسد من رطوبة المعصار، ثم رفعوا المعصار، و صبغوا بصبغهم ذلك بذلك المعصار.
فقال: إن أبا عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله لم يفسد على القوم صبغهم، و لم ير عليهم فيه بأسا.
و من غيره: فيما يوجد: و أما التمر إذا عجن بالماء النجس؛ فيخرج عندي في معاني ما قيل في بعض القول: إنه نجس، كان المعنى فيه أنه لا يبلغ تطهيره و غسله، و معناه معنى المتروك الثابت فيه النجاسة على الأبد، و منتقل إلى ذات النجاسة بمعنى هذا القول.
و معي: أنه قيل: إن نكل و فتت و جعل في الشمس، أو حموها بقدر ما تبلغه الشمس، أو حموها مفرقا في الشمس، حتى تجف و تزول عنه أحكام رطوبات النجاسة في معاني الاعتبار و النظر، و تذهب الريح و الشمس بمعاني رطوبات النجاسة منه، أن تلك طهارته، لأنه لا يبلغ إلى غسله إلا بمضرة، و لا ضرر و لا ضرار في الإسلام، و عند الضرورات تزول الأحكام، و يتبدل الضيق سعة، و الاختيار غير الاضطرار.
و أما السمك الممقور، فمعي: أنه إذا تنجس بشيء من النجاسات بعد ما صار بحد ما لا ينشف من النجاسات، لأنه قد شرب من الماء الطاهر ما لا يحتاج إلى زيادة (1/261)
صفحة 261
من النجس، فإنه يخرج في معاني القول فيه، أنه يغسل من حينه، و يخرج في معاني طهارته في ذلك الغسل، و أما إذا كان يخرج في معاني الاعتبار له أنه قد شرب من الماء النجس ما ولج فيه بقدر ما لا يبلغه في الاعتبار ذلك الغسل في الوقت، و لا يبلغه الماء الطاهر عند غسله، فإنه يخرج في معاني غسله أنه يغسل، ثم يجفف في الشمس، أو يشوى بالنار، حتى تزول عنه معاني رطوبات النجاسة، ثم بعد ذلك فإن كان لا مضرة في غسله غسل، و تلك طهارته في بعض ما يخرج من القول.
و في بعض ما يخرج من القول: أنه يجعل في الماء الطاهر إن كان لا مضرة عليه بقدر ما يبلغ الماء الطاهر حيث بلغت النجاسة بالاعتبار، و تلك طهارته، إذا صب منه ذلك الماء الطاهر.
و في بعض القول: أنه يصب منه ذلك الماء و يغسل، ثم تلك طهارته، و معي: أنه إن أمكن أن يشوى بالنار حتى تذهب بمعاني رطوبات النجاسة، كان ذلك بمرة واحدة من الشوى، و تخرج معاني طهارته على حسب ما قيل.
و لعله يخرج في بعض القول: أ، هذا بمنزلة المطبوخ من السمك و هو نجس متروك، إذا كان قد تنجس بنجاسة ينشفها، و القول عندي في المطبوخ، و هذا سواء، إذا أمكن منه ما أمكن من هذا من جميع الأشياء التي أصلها طاهر، و إنما عارضتها النجاسة، فهذا عندي خارج في جميع الأشياء إذا احتملت هذه المعاني من اللحوم و السمك، و الحبوب من الباقلاء و اللوبياج و الأرز، و جميع ما يخرج مخرج (1/262)
صفحة 262
هذا، فكل معناه واحد إذا أحسن النظر فيه و في تطهيره بأحد هذه المعاني ما قد قيل من هذه الأقاويل، و لا يختلف في ذلك عندي في شيء يخرج مخرجه.
و يخرج في هذه المعاني كلها عندي في جميع المطبوخات المتنجسات بمعاني الطبيخ منه أو من غيره، أن ذلك متروك بنجاسته و لا طهارة فيه و لا له.
و كذلك الخبز يلحقه معنى ذلك - و لعله – أكثر ما قيل: إن هذه الأشياء كلها إذا تنجست [و هي] و ما أشبهها، و ما يخرج بمعناها: أنه لا وجه لتطهيرها و يدفن، و لا يطعم شيئا من الدواب، و لا أحدا من الناس صغيرا و لا كبيرا، و لا يوجب أيضا، لأنه إذا ثبت أن لا ينتفع بوجه بطل بيعها و هبتها، و كانت لا تقع عليها الأملاك و هي باطل متروكة.
و وجدت عنه في مسألة أخرى، فقال: و أما ما كان أصله طاهرا فعارضته النجاسة، لم يخرج مخرجه مستهلك فيه، و غلبت عليه أحكامها، حتى لا يكون له حكم فيها فيخرج عندي معناه على الاختلاف في بيع ذلك و الانتفاع به من طعام الدواب و الأطفال، و الانتفاع به فيما يجوز من جميع ذلك.
و لا يجوز عندي أن يكون مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر و الميتة و لحم الخنزير و ما أشبهه، أن يطعم شيئا من الدواب و لاشيئا من الأطفال، و لا يباع و لا ينتفع به بحال من الحال، إلا ما خصه من الضرورات.
و من جواب أبي سعيد: و عن من يجد البلل في ذكره و هو في الصلاة، فيأخذ ذكره من فوق الثوب فيضعه على فخذه، ثم يعود يطلقه في الثوب، ثم ينظر فيجد البلل، ما يكون حكم ثوبه، طاهر أم نجس؟ (1/263)
صفحة 263
فعلى ما وصفت: فإن كان وجد البلل في الفخد نفسه، من بعد أن أطلق الإحليل؛ فهذا عندنا حكمه طاهر حتى يعلم أنه بقي في الإحليل شيء من النجاسة، ظاهرا في الموضع الذي قد مسه الثوب، و كذلك إن وجده في الإحليل، و هي تحتمل أن لا تمس الثوب فهو طاهر أيضا، و إن كان في الإحليل و قد مس الثوب موضع النجاسة، ثم وجدها في الفخذ و في الإحليل، فهذا عندنا حكمه حكم النجاسة، إذا كان سريعا ذلك، و أما إذا كان بمقدار ما يخرج النجاسة في الفخذ و تجف الحشفة، و لا يعود الإحليل ينبع، فهذا عندنا حكمه حكم الطهارة حتى يعلم أنه مس الثوب شيء من النجاسة، و الله أعلم.
و عن تمر كنز بماء فاسد لم يعلم به حتى كنز، قال: ينكل التمر من الظرف، ثم يغسل غسلا نظيفا حتى يعلم أنه قد نظف، ثم يؤكل إن شاء الله.
و من غيره: قال: و قد قيل: إنه إذا نكل يصب عليه الماء صبا أكثر من الماء النجس، و ليس عليه غسل، و ذلك يجزيه بلا عرك.
و مخطمة السنور فيها اختلاف، فمن أفسد مخطمه أفسد سؤره، و من لم يفسد مخطمه لم يفسد سؤره، لأنه يمس بمخطمه النجاسة، و هو رطب لا يكاد يجف.
و من غيره: و قد وجدنا عن أبي الحواري رحمه الله و غيره، أن الشق يكون في الرجل فيكون فيه الدم ثم يشكله على الدم، أنه يغسل ما علا منه و يصلي، و لم يقل عليه أن يطلقه. (1/264)
صفحة 264
و أحفظ أنا عن الشيخ في الثوب إذا كان فيه نجاسة، ثم خيط على النجاسة فدخلت النجاسة في وسط الخياطة، فقال: يغسل و يبالغ في غسله، و ليس عليهم أن ينقضوا الخياطة.
و عن بعر العقاب و الأجدل يكون في المساجد و غيرها، هل هو مفسد لها، و كذلك بوله؟
فمعي: أنه يختلف فيه، فأما أكثر القول في بعره فعندي أنه إلى الترخيص، و أما أكثر القول في بوله فعندي أنه إلى التشديد.
و سألت عن من كان في رجله عقر فيه دم ثم يجيء إلى النهر و هو ناس للدم، فيقوم في الفلج بمقدار ما يمس به الدم و تذهب عينه من العقر من غير عرك، و لا حركة في الماء، هل يطهر الدم على هذه الصفة؟ و إن صلى و لم يعرك الدم، هل تتم صلاته؟
قال: لا، و قال: و إن كان للماء حركة تقوم مقام العرك طهر.
قلت: فإن مر بحوض الماء قدر خطوتين أو ثلاث حتى ذهبت عين الدم، هل يطهر؟ قال: نعم، إذا خاض ثلاث خوضات و غابت عين النجاسة فقد طهر.
و سألته: عن الإنسان إذا كانت يداه إلى الإبط نجستين ثم غسلهما إلى المرافق ثم نكسهما و هو يمشي أو قائم، هل يكون جميع ما سال على كفيه من الماء من حيث بلغ غسله إلى كفيه طاهرا؟
قال: نعم، هو معي طاهر. (1/265)
صفحة 265
قلت: و لو كانت النجاسة من سماد غبار الكنيف؟ قال: نعم.
و ما تقول في صفة لها أبواب، و تدخل في بعضها الشمس، و تضر بها الريح إذا وقعت فيها نجاسة، متى تطهر بغير ما لا تظهر عليها الشمس؟
فإن كانت النجاسة مما تطهرها الشمس و الريح، و كانت الشمس تدخل في الصفة أو في شيء منها، و كانت الريح تضربها، و يبست النجاسة و زالت عينها، فأرجو أنه قيل: إنها تطهر و لو لم تأت الشمس على النجاسة كلها، و كانت الريح تأتي عليها.
فعندي: أنها تطهر على ما وصفت لك إن شاء الله إذا زالت عين النجاسة.
و قد اختلف في الشمس و الريح في كم تطهر النجاسة من يوم؟ فقال من قال: ثلاثة أيام، و قال من قال: يوما واحدا، و الله أعلم.
و من غير الكتاب و زياداته:
و عرفت أنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان رحمه الله: أن الأرض إذا تنجست و يبست من غير شمس و لا ريح، قال: تكسح، و قال: طهارة الأرض يبسها، هكذا حفظت عنه.
رجع إلى زيادة الكتاب:
و النجاسة التي تطهرها الشمس و الريح هي النجاسة المعارضة للشيء، و أما النجاسات (1/266)
صفحة 266
القائمة بعينها مثل الدم و نحوه من النجاسة، فلا يطهره إلا الماء، ما دام قائم العين، فإن زالت العين و لم يبق لها أثر، و ضربتها الشمس و الريح، فأرجو أنه يطهر إلا في البدن و الثوب.
و من غيره: أحسب أنه قد قيل في ذرق القملة من الإنسان أنه مفسد، إلا ما يخرج من معاني اختلاف القول منه في البدن و الثوب.
و من غيره: قد قيل في القملة: إنها إذا ماتت في البدن أو الثوب تفسده، كان رطبا أو يابسا، كانت هي رطبة أو يابسة، لأنها من ذاته، و لو كان في الثوب و البدن شيء من الطهارة غيرها لأفسدته إذا مسته و هي رطبة، أعني ميتة القملة، و لو كان في البدن و الثوب، و هذا على بعض القول أيضا.
و سألت عن من كان في يده بول أو دم أو شيء من النجاسة مما له عين أو ليس له عين، ثم غمس يده في خل أو طعام أو شيء من الطهارات ثم ذكر، فأخرج يده هل ينجس ما مسه؟
قال: إذا كانت يده تمكنت في الطهارة بقدر ما ترطبت و تمازج رطوبتها رطوبة الطهارة نجست ما مست على هذا، و إن كانت لا تمكنت في الطهارة بقدر ما ترطبت و تمازج رطوبتها رطوبة الطهارة، فقد قيل على هذا فيه باختلاف، فقيل بفساد الطهارة، و قيل: إنها لا تفسد.
قلت: و لو كانت الطهارة أكثر من النجاسة؟ قال: نعم.
و سألته عن الشاة إذا وقعت في طوى، هل تنزح؟ قال: اختلف في ذلك. (1/267)
صفحة 267
قال أبو زياد: تنزح لأن فيها مجاري البول، و قال محمد بن محبوب رحمه الله: لا تنزح، لأن الشاة طاهرة.
و إذا بالت و يبس موضع البول فهو طاهر، إلا أن يعلم أن بها بولا رطبا و قت ما وقعت فيها فتفسد.
مسألة:
في من تكون به نجاسة، و كان يعلم أنه حين قام يريد الماء كانت نيته غسل تلك النجاسة، أو غسل شيء منها، ثم وقع في الماء، ثم عارضه الشك من بعد أن خرج الماء؟ فهو على طهارته حتى يعلم أنه حول تلك النية قبل أن يقع في الماء، أو يعلم أنه لم يغسل النجاسة.
و سألته عن بيض الخناز، أيفسد؟ قال: أنا لا أراه مفسدا.
و رجل فيه جرح، فخاف إن غسله أن يعود يدمى، فتركه و صلى، هل له ذلك؟
فقد قيل: له ذلك، و قال أبو بكر رحمه الله: إن أبا علي وقف عن هذه المسألة.
و رجل يشبّه له، أن البول يخرج منه فيجيء يبصره، فإذا هو قد خرج، و حينا يبصر فإذا هو لم يخرج، قلت: هل له أن يدع حتى يعلم أنه قد خرج منه شيء؟ (1/268)
صفحة 268
فأحب أن ينظر إن كان في الوقت الممكنة، فإن ودع و لم يستيقن على ذلك، فأرجو أنه قيل له ذلك، و أحب إليّ إن كان الأغلب من أموره في ذلك، يجده خارجا أن لا يدع النظر، و إن كان الأغلب أنه لا يجد فليس عليه حتى يستيقن.
قلت: و كذلك هذا يجد برودة شرر البول، فحينا ينظر شيئا، و حينا لا ينظر فمرّ و لم ينظر، هل له ذلك حتى يعلم أنه شيء؟
فهو عندي مثل الأول، و قال بعض: هذا قريب من بعض، و بعض أبعد من بعض، و إذا تحققت التهمة أحببت الاستبراء، و ما لم يقع اليقين و المعاينة فلا أحب الحكم بالنجاسة على ظاهره.
و قلت له: لو أن رجلا كان يعينه المذي أو غيره من الرطوبة، و كان يصيب في الثقب شيئا يابسا أو رطبا و هو يرى ممثا و هو طاهر مما يمسه الثوب إذا جرى عليه ما يكون طاهرا أو نجسا؟ فإذا أمكن أن لا يمسه ذلك فهو طاهر، حتى إن لم يمسه.
و قال في ماء صب على بول في الأرض، فإذا كان الماء أكثر من البول فلا بأس ما مس منه الثوب و غيره.
و قال فيما تدوس البقر من الحبوب و الحنطة و الشعير و تبول فيه و تروث، قال: (1/269)
صفحة 269
لا بأس بذلك، و قد قال بذلك هاشم بن عبد الله الخراساني، لأنه قال: لم يكن أشياخنا يرون به بأسا.
قال أبو زياد: قال منير: الماء الذي يعجن به الدقيق هو طهوره، قال: و قد قال محمد بن محبوب رحمه الله في الكلب إذا دخل ماء نظيفا مثل فلج جار، أو خبة من ماء غزير لا ينجسها شيء، ثم برز منها فانتقض، و طار الإنسان من مائه، أنه لا بأس عليه في ذلك.
وجدت في نسخة عن أبي سعيد رضي الله عنه: أنه مفسد ما طار من ذلك الكلب، و الله أعلم.
و قالوا في الأرض إذا وقعت فيها النجاسة من غير الذات، فغشيها من الماء أكثر منها باختلاف، فقيل: تطهر بغير عرك إذا كان الماء أكثر من النجاسة، و قال من قال: لا تطهر إلا بالعرك.
قلت له: و البدن عندك مثله؟ قال: هكذا يخرج عندي على هذا، إذا ثبت في الأرض ثبت عندي في البدن.
و سألت أبا سعيد رحمه الله عن وعبى ساقية، إذا كانا نجسين تربين (ينظر فيها)، فانقحم الرجل يغسل، فضرب الماء الوعبين، فطار به من ذلك، هل يكون ما طار به طاهرا حتى يعلم أنه نجس؟ قال: نعم.
و قال في رجل يرى في ثوبه الجنابة و قد كان صلى فيه. (1/270)
صفحة 270
قال أبو عبد الله رحمه الله: يبدل من آخر نومة نامها في ذلك الثوب.
قيل: فإن كانت عذرة؟ قال أبو زياد: قيل: من آخر مجلس جلسه للغائط، و ذلك الثوب عليه.
و أما الذي يجد طعما في فيه يشبه طعم الدم: فإذا أمكن أن يكون دما في الريق بقدر ما لا يفسد الوضوء، و لا ينجس الفم في قول من يقول، و كذلك إن أمكن أن يكون ذلك طعما يشبه طعم الدم و ليس بدم فهو كذلك، لا شيء عليه معنا حتى يعلم أنه دم لا شك فيه من نظر، أو ما لا يشك فيه من أحكام الاطمئنان إليه أنه مما يفسد وضوءه و ينجس فمه، لأن الأصل أنه على وضوء و طهارة حتى يعلم ما يفسد ذلك بلا شك.
و هذه مسألة كبيرة اختصرت منها هذا، ومنه ما كتبت معناه على ما بان لي، فينظر في ذلك و لا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب إن شاء الله.
و عن بئر وقعت فيها نجاسة، و لم يعلم بها فتغير طعمها أو لونها أو ريحها، ثم أصيبت النجاسة، قلت: أيكون حكمها أنها فاسدة من حين ما تغير طعمها أو لونها أو ريحها، أو حين ما أصيبت، أو أن ذلك احتياط لا يجب تركه إلا حين رأى منها نجاسة؟
فمعي: أن الحكم في نجاستها من حين ما وجد فيها النجاسة، إذا كانت مما ينجس، إلا أن يصح أن ذلك التغير من النجاسة، و لا يحتمل غير ذلك عندي على هذا ثبوت نجاستها منذ تغيرت التغير الذي يغلب عليها.
و قلت: و لو مرط الرجل إبطه فأمثه ذلك، فمعي: أنه طاهر حتى تعلم نجاسته. (1/271)
صفحة 271
و رجل تنجس فوه، ثم أكل طعاما ناسيا أو متعمدا، فبقي في الأضراس منه شيء لم يتمضمض، قلت: ما يكون حال الطعام؟
فمعي: أنه إذا كان الطعام قد تنجس فبقي في الأضراس منه شيء لا يجري عليه الماء في غسل الفم فهو نجس، و إن كان يجري عليه الماء في الغسل للفم، فعندي أنه طاهر في حكم الطهارة.
و قلت: لو أكل، ثم تنجس فوه ثم مضمضه، ما يكون؟
فمعي: أنه طاهر.
و عن الشاة تحلب لبنا فيه كدرة أو صفرة أو حمرة، شائعا فيه أو متوحدا، قلت: هل يكون طاهرا، ما لم يكن دما عبيطا شائعا غالبا على اللبن أو متوحدا، فمعي: أنه قد قيل ذلك: إنه طاهر ما لم يكن دما عبيطا.
و عن البئر إذا كانت نجسة، ثم استقى منها في يوم أو في أيام مقدار أربعين دلوا بلا قصد للنزح، أيجزيها ذلك عن النزح و تطهر، أم حتى يقصد لها؟
فيجزيها ذلك، و لو لم يقصد به للنزح، فإنما هي طهارة قد أجمعها أهل العلم من أصحابنا، و لا نعلم بين المسلمين في هذا اختلافا إذا غسل النجاسة من ثوبه أو بدنه، فقد ثبت بها حكم الغسل، و لو لم يقصد به إلى غسل النجاسة، و لا نعلم بين أهل القبلة في هذا اختلافا. (1/272)
صفحة 272
و عن الدابة تجتر و تفلج النوى و الجرار و شيئا من العيش، قلت: ما حال ذلك؟
ففيه اختلاف، و أحب أن لا ينجس.
و عن خزق الدميّة و الرخمة و الغراب، ما حاله؟
فهو نجس، و خزق الغراب الذي يصطاد السمك و الليم مفسد، و حفظت أنا عنه أن خزقها كخزق الأجدل، و قد اختلف فيه، لأني كنت سألته عنه مرة أخرى، فقال: لا أعرف فيه شيئا، ثم راجعته بعد ذلك، فقال لي: هكذا على معنى اللفظ، و أما خزق الغراب فقد سألت عن ذلك، فقال: سمعنا أو بلغنا أن محمد بن محبوب رحمه الله أراد أن يرتخص فيه.
من غير الكتاب و زياداته.
وجدت أنا: و بعر الخناز و السلم و الضبّ و اليربوع مختلف فيه.
أبو إبراهيم: السلمة هي العسّالة التي على شوارع الماء، و قد حفظنا أنها إذا ماتت في الماء القليل أو الطعام من الأصبغة و غيرها أفسدته، لأن ميتة البر حرام، و إذا وقع القراد و الحلمة في شيء رطب و خرجا حيّين فلا بأس، و إن ماتا فيه نجساه يغسل إن أمكن غسله، و إلا بطل، و الخناز إذا مات في المائع أفسده، و الضبع قال بعض: سبع، و قال قوم: هي صيد، و قيل: لا يتوضأ بسؤرها، لأنها من أسبع السباع و أقذرها دابة.
و من لدغته حية و هو يتوضأ أفسدت وضوءه، و يغسل موضع لدغة الغول. (1/273)
صفحة 273
و قال سلمان بن سعيد: جائز أن يصلي.
رجع إلى زيادة الكتاب:
و عن رجل تنجس فوه، ثم سال البزاق أو الدم على شفتيه، و أخذ الماء بيده من إناء أو ماء لا ينجس، ثم أهداه إلى فيه، فلقيته النجاسة قبل أن يصل فيه، ثم مضمض فاه بذلك الماء، و مسح على موضع النجاسة منه شيء، فعل ذلك ثلاث مرات، قلت: هل يكون قد طهر الدم الظاهر مع ما فيه أم لا؟
حتى يغسل الدم الظاهر فيه على حدة، ثم يغسل فاه بعد ذلك حتى يصل إلى فيه ماء طاهر لا نجاسة فيه، ثم حينئذ يطهر، و لا يطهر بماء نجس قد تنجس قبل وصوله إلى النجاسة.
قلت: و كذلك إن كان عنده نهر أو ماء مما لا ينجس، و معه إناء، فكان يصب في كفه و يهديه إلى فيه، فيشرب و يمضمض فاه، و لا يعود يغسل يده بعد ذلك، و لا يفيض عليها ماء، فعل ذلك ثلاث مرات، قلت: هل يطهر فوه و يده؟
فقد قيل في مثل هذا الاختلاف، و أحب أن يجزيه ذلك لما مضى، و أحب أن يستقبل غسل كفه كلما أراد، حتى يكون الماء الذي يطهر به طاهرا.
قلت: و كذلك قد وضع الماء في فيه مرة، و الثانية، و الثالثة طار به من ذلك الماء الذي بزقه من فيه، ما يكون الماء، طاهرا أم نجسا؟
فقد قيل: الماء الثالث طاهرا، إذا لم تبق نجاسة قائمة. (1/274)
صفحة 274
و عن الجلد الشحري الذي يؤتى به من غير عمان، قلت: هل يجوز الصلاة به بلا غسل و لا دبغ؟
فقد كره ذلك من كرهه، وقيل: لا بأس بذلك ما لم تعلم نجاسته إذا احتمل طهارته بوجه.
و عن شعر الجنب إذا وقع في ماء في إناء هل ينجس؟ ففيه اختلاف، و أحبّ إليّ أنه لا ينجس.
و شعر الحائض و الجنب يكونان في ثوب المصلي، هل تجوز به الصلاة؟
فأما الجنب فلا يجوز، و في الحائض اختلاف، و أحب أن تكون مثل الجنب.
و عن مبال التيس إذا قطع، ثم بقي منه في اللحم، طاهر أم نجس؟
فإن عنيت القضيب فطاهر، حتى يعلم أن فيه نجاسة، و إن كان موضع المبالة فتلك فيها بول و هي غير القضيب، و هي معي نجسة حتى تطهر.
و عن النعل إذا كانت فيها نجاسة في ظاهرها أو باطنها؟ فقد قيل: لا تطهر إلا بالغسل، و أما ظاهرها مما يلي الأرض، فقد اختلف فيه، و أحب أن يجزيه إذا سحقته الأرض شيء بذلك أو حك كما جاء في الأثر. (1/275)
صفحة 275
و في دم الحلم و الضمج و القراد طاهر أم نجس؟ ففيه اختلاف، و أحب إجازته عند الضرورة، و عند المكنة الاحتياط عنه.
و ساءلت عن الدهن النجس يسفك في حصى المسجد، فغسل بالماء، فبقي الدهن لائكا في الحصى، قلت: ما حكم ذلك الحصى، و قد طهر بهذا الغسل أم هو نجس فاسد، ما دام الدهن لم تزل عينه من الحصى؟
فالذي أحب: إن كان هذا الدهن من الأدهان النجسة الأصلية من الميتة و ما أشبهها؛ فهو نجس ما بقي زهمه و زوكه و عينه، و إن كان من الأدهان الطاهرة إلا أن النجاسة عارضة، فالحصى طاهر إذا غسل.
و من غيره:
و سألته عن رجل رأى في فم رجل دما، أعليه أن يخبره أم لا؟
قال: ليس عليه أن يخبره إلا أن يتطوع بذلك إليه، لأن صاحب الدم معذور في ذلك إذا لم يعلم، و إذا كان قد علم فهو المأخوذ بذلك، و لا شيء على هذا.
و من جواب أبي الحواري رحمه الله: و عن دخان النجاسة من الحطب و الدواب و غيرها، إذا كانت دابة ميتة، أو حطبا نجسا فبان في البدن و الثياب و هي رطبة أو يابسة، هل ينجسها؟ (1/276)
صفحة 276
فعلى ما وصفت، فلا يفسد ذلك الدخان من ذلك كله، كانت الثياب رطبة أو يابسة، لأنه يوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في الدبس النجس، فأجاز أن يدنس القسط و يتعفن منه، و كذلك كان يقول في الخبز: لا يفسده الدخان من النجاسة.
و من غيره: و عرفت أنه إذا أخبره ثقة بقلتين فيها ماء، أن إحداهما نجسة، فقوله مقبول، فإن كان المخبر غير ثقة فلا يقبل قوله.
و من غيره: و قد قيل: لا يقبل قوله، ثقة أو غير ثقة، حتى يشهد على ذلك اثنان على عين النجس من القلتين، ثم هنالك يقبل قولهما، و يكون قولهما حجة.
و عن الرجل يبول و يتغوط ثم يركب دابة أو يقعد على الأرض و ينام، هل يفسد ذلك ثوبه؟
فإذا كان قد يبس موضع البول والغائط لم يفسد ذلك ثوبه على ما بلغنا عن أبي عبيدة رحمه الله.
و عن رجل طرح في بئر قوم نجاسة، هل يلزمه إخراجها و نزح البئر؟
فنعم، يلزمه ذلك إذا كلفوه ذلك، فأما النجاسة فيخرجها بلا رأيهم، و أما نزح البئر فلا ينزحها إلا برأيهم، لأن ذلك ماؤهم، و هم أولى به.
و من غيره: إذا كانت النجاسة قائمة في البئر حدثا لزمه إخراجها عندي للمضرة، فإذا لزم البئر للاتفاق كان ذلك عندي حدثا، قال محمد بن خالد: (1/277)
صفحة 277
سمعنا أن كل شيء خرج من القملة من دم أو ماء أو بلة أنه مفسد للطهور، و أما مسها فلا بأس على من مسها، ما لم يخرج منها شيء.
و سألت عن القنفد و الضب، هل يؤكل لحمها؟ قال: نعم.
و سألت عن الجرذ، هل يؤكل؟ قال: رأيت الناس يكرهونه.
و سألته عن تنور يبنى بماء نجس؟ قال: يكسر.
و من غيره: عن أبي معاوية رحمه الله قال: جلد الميتة يدبغه لك غيرك، و انتفع أنت به، و إن دبغته أنت فلا بأس.
و من غيره: و قال من قال: لا ينتفع به ولو دبغ.
و مما قاله أبو الحواري عن أبي يحيى بن أبي ميسرة: أن لحم الحية و سؤرها لا بأس به.
و قيل: يجوز بيع الدهن النجس و الصبغ النجس، و كل ما كانت النجاسة حادثة فيه من الطهارات و يعلم ذلك، و قيل: لا يجوز بيعه.
و عن أبي عبد الله رحمه الله: أن الجرح المبتدئ ما خرج منه من صفرة خالطة، أو يخالطها حمرة، أو تكون الحمرة أقل من الصفرة، أو عدلها، أو أكثر منها فذلك مفسد الوضوء، و ما مسه من ثوب أو غيره، و أما الجرح الذي (1/278)
صفحة 278
ليس بمبتدئ، فإن الصفرة إذا خرجت منه أو خالطها حمرة يكون عدلها، فأرجو أن لا يفسد الوضوء و لا ما مسه.
سئل زياد بن الوضاح عن الجرح يكون واسعا فيخرج فيه الدم.
قال: ما لم يفض منه، و لو اتسع، فلا ينقض الوضوء.
و عن أبي عبد الله: عن بول وقع على سمة فنضح البول إلى أسفلها، فغسل ظاهرها و لم ينل العرك باطنها غير أن الماء قد جرى عليها مما انحدر من ظاهرها، إن ذلك طهر لها إذا ظهرت من عاليها.
من غيره: و روى العباس: أنه سمع هذيل بن سليمان سأل سليمان بن عثمان عن الدم المسفوح، فلم ير به بأسا.
و عن من تخلل ثم خرج من فمه دم، فبزق حتى صار بزاقه أصفر، و مسه البزاق، هل يفسد؟ قال: لا.
في شراء الجبن بغير ضمان.
قلت له: و إن اشترى رجل و لم يضمن ثم أكل و مس ثيابه و صلى، هل ينقض؟ فوقف و قال: لا يعد يأكل منه.
و من غيره، قال: و قد قيل: إنه نجس، و قيل: إنه غير نجس حتى يعلم نجاسته، و إنما السؤال عنه أثر. (1/279)
صفحة 279
و عن لدغة الضمج في البدن إذا خلا لها يوم و ليلة أو أقل أو أكثر، ثم انفجرت فخرج منها دم، هل ينجس؟
معي: أنه نجس ما لم يتغير لونه إلى القيح و اليبس، فيكون هنالك ميتا من حي، و يتحول حكمه إلى حال الميت من الحي.
و من غيره، في بول الحمير إذا جرى عليه الماء أكثر منه، أو غيث و بقي موضعه أبيض لم يطهر حتى يزول البياض، لأنه من ذات النجاسة عندي إذا كان من البول.
و من غيره: و عن ضربة أصابت رجلا حتى رضخت بدنه حتى تجمع مكانها و ظهر به الدم، إلا أنه لم يخرج، قال: لا بأس بذلك الدم، فمتى ما خرج و هو رطب أفسده، و إن خرج و قد تيبس فلا بأس فيه.
و ما تقول رحمك الله في من كان عنده بيض فكسره في وعاء، فخرج في إحدى البيض عروق، و قد اختلط بعضه في بعض، ما يكون، طاهرا أم نجسا؟
فعلى ما وصفت: فإن لم يكن في البيضة خلق، و إنما هو عروق بلا دم فلا بأس به ما لم يبن خلق، و تستحيل البيضة إلى حال غير البياض، و المحة من سبب الخلق، فإن لم يكن ذلك فأرجو أنه لا بأس بها إن شاء الله.
و عن الذي يطبخ بيض الدجاج أو يشويه، هل عليه أن يغسله قبل أن يأكله؟ (1/280)
صفحة 280
فكان أبو المؤثر رحمه الله يقول: إن انكسر البيض و هو في الماء فلا يأكل ما انكسر منه في الماء و تشقق، إذا لم يكن البيض قد غسل قبل أن يطبخ، و إن لم ينكسر و لم يتشقق فكان يقول: يؤكل، و لم يذكر لنا الغسل فيما علمنا، إلا أنه ظاهر البيض ما ظهر من قشره نجس إذا أكله و لم يغسله، فلا يمس ظاهر القشر رطوبة باطن البيضة، و كذلك لا يمس رطوبة يده ظاهر القشرة، و أما إن شواه فتكسر أو تشقق لم يفسد البيض، و ليس هو بمنزلة الطبيخ، لأن الطبيخ فيه الماء، و يفعل في قشره كما وصفت لك في الطبيخ، إلا أن يكون شواء على النار، فكانت النار تمس البيض، فنرجو أن النار تذهب بنجاسة البيض على ما روي عن أبي علي موسى رحمه الله.
قال أبو سعيد رحمه الله: إن وجد منشقا جامدا غسل مما يلي الشق و أكل، لأنه طاهر حين تغسل نجاسته.
قال غيره: و الصراخ لا بأس بأكله و لا يفسد بوله، و القراد و الضمج و الحلمة إن كان دمهن أصليا فمفسد، و إن كان مجتلبا فطاهر.
و عن من كان يده شيء من الدم فحكه بالأرض حتى ذهب أثر الدم من اليد، ثم أكل بيده طعاما رطبا و لم يغسل موضع الدم، هل يفسد ذلك الطعام؟
فعلى ما وصفت: فإن كان الطعام مما لا يختلط مثل الأرز الجامد، و الثريد الجامد و ما أشبهه؛ فإنما يفسد ذلك الموضع وحده، و إذا كان يمسه بيده التي فيها (1/281)
صفحة 281
الدم، و إن كان طعاما رقيقا يضرب بعضه بعضا، مثل لبن أو حساء و قد مسه بذلك الموضع الذي فيه الدم، فقد فسد ذلك الطعام، و لا يطهر الدم إلا بالماء.
قال أبو سعيد رحمه الله: إن العرك و الحنبش و العصر، كل ذلك ينقي النجاسة و يطهرها، أيهن كان على الانفراد.
قال غيره: و عن الدابة إذا أكلت شيئا من النجاسة، ثم أكلت لقمة واحدة، ثم شريت من إناء أو مست شيئا من الطهارة، أيطهر فمها بتلك اللقمة؟
قال: قد قيل مجملا: إنها إذا أكلت أو شربت طهر ذلك منها، و قيل: حتى تأكل ثلاث لقمات، أو تشرب ثلاث جرعات، و نحب ذلك للاحتياط.
و إن ابتلي بها أحد بعد أكل لقمة أو شرب جرعة؛ أحببنا الاجتزاء بذلك فيما مضى، و استعمال الاحتياط فيما يستقبل.
قلت: و سواء كان شربها من إناء أو من ماء جار؟
قال: إذا كان من الماء الجاري فقد طهرت، و لا فساد على الماء، و إن كان من إناء أفسدت الإناء و طهرت هي.
قال غيره: و أرجو أني عرفت أنها إذا غابت بقدر ما تأكل أو تشرب فقد طهرت، و الله أعلم.
و من غيره: و قد اختلف في بعر الخناز، قيل: يفسد، و قيل: لا يفسد، و بيضه مثله. (1/282)
صفحة 282
و من غيره قلت له: فالرجل يخرج الجلدة من على الميتة إذا طرحها أهلها؟
قال: نعم.
قلت: فإن طلبوها بعد ذلك، قال: أقول كما قال بعض الفقهاء.
و يقال: إن فقيها من أبرا، يقال له أبو مكنف، حطب رجل من نخلة رجل حطبا، فطلب صاحب النخلة الحطب، و أبى عليه الحاطب، فقال الفقيه: و الله إن هذا لهو الحلال الطيب، كذلك أقول: إن هذا لهو الحلال الطيب لمن أخرجه من على الميتة، و ليس لصاحب الميتة شيء منها بعد أن يطرحها و يتركها.
قال غيره: و إذا دبغ المسك فقد طهر، لقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «أيما إيهاب دبغ فقد طهر»، و الله أعلم.
و عن الذبيحة، هل يغسل لحمها إذا كان فيه دم؟ قال: إذا غسل المذبح فلا بأس بما سواه، و ذلك جائز إذا لم يغسل.
قلت: فيغسل المذبح حتى يخرج الماء صافيا؟
قال: لا يمكن ذلك، و لكن يغسل بقدر ما يغسل الدم العبيط.
و سألت عن من اكتحل بكحل عارضته نجاسة، ثم غسل غسل النجاسة و بقي السواد في عينيه، و لم يخرج الكحل له؟ (1/283)
صفحة 283
قال: إذا غسل عينيه غسل النجاسة فقد طهرت، و لا يضره ما بقي من السواد، و الله أعلم.
ثم الباب من كتاب أبي جابر:
و من غيره:
قلت: فإني أتخلل، فأجد طعم الدم، قال: لا بأس، حتى تستيقن على الدم.
و مما يوجد أنه عن أبي سعيد رحمه الله، وقال من قال: في من يكون في يده نجاسة لا عين لها مثل بول أو غيره ثم نسيها، فصب في يده دهنا على النجاسة و دهن به، أنه لا ينجس ما مسه من ذلك الدهن، و قال: إن الدهن لا يمنع تلك النجاسة، و أنه يلصقها في موضعها.
و قال من قال في مثل الدم أو غيره، و مما له عين من النجاسات، إن الدهن أيضا لا يمنع تلك النجاسة إلا أن تراها قد ماعت فيه، فحينئذ ينجس ما مست، و قال من قال: إن ذلك قد فسد، و يفسد ما مس و ما ليس له عين.
و من غيره: و ذكرت رحمك الله في رجل أصابه جرح فأراد أن يجعل عليه هكا أو رمادا أو غيره قبل أن يغسل الدم، و هو يخاف أن ذلك لا يخرج من عليه عند الغسل، و يحول بينه و بين ما تحته من الدم، قلت: هل له ذلك أم ليس له ذلك حتى يغسله؟ (1/284)
صفحة 284
فمعي: أنه إذا كان يرجو بذلك الذي يجعله على هذا الدم منفعة أو صرف مضرة، فذلك عندي جائز له، فإذا وجب غسله، فإن أمكن غسله، و إن حال بيبنه و بين النجاسة حائل فلا يضره ذلك و يغسل ما أمكنه و ما قدر عليه بلا إدخال مضرة على نفسه، و ما لا يخاف منه المضرة.
و قلت: إن جعله عليه، فلما أراد غسله لصق ذلك عليه، و لم يخرج ما يفعل؟
فمعي: أنه يغسل ما أمكنه، و ليس عليه غير ذلك.
و سألته عن الذي يبصر في بدنه الدم من تحت الثوب، أو في رجله من تحت الثوب، أو في سائر البدن، و لا يعرف متى وقع، و وجده ممثا، هل يكون حكمه حكم الطهارة و يفسد عليه ثيابه إلا حين ما رآه؟
قال: فإذا احتمل أن يمث بغير الثوب من الأشياء فالثوب طاهر حتى توجد فيه نجاسة، و إذا لم يحتمل له مخرج من مس الدم فهو نجس، فإن لم يوجد غسل الثوب كله.
و سألته عن العقر إذا كان فيه الدم و أراد غسله، و يخاف إن عركه أن يعود يدمى، هل يجوز له أن يصب عليه الماء صبا حتى تذهب عينه و يطهر بذلك؟
فإذا كان الصب له حركة تقوم مقام العرك و لو كان ألطف من العرك فهو جائز.
و سألته عن القيح و اليبس من الجراحة إذا كان فيهما دم، هل يكونان نجسين؟ (1/285)
صفحة 285
قالت: إذا كان الدم مختلطا في اليبس أو بالقيح لم يكن نجسا حتى يكون الدم أكثر من اليبس و القيح، و إن كان شيء من الدم متوحدا عن اليبس أو القيح فهو نجس يفسد ما مس.
و عن جلد كان يابسا ثم وقع به بول أو تنجس به الجلد ثم يبس فيه الجلد، قال: وزق فيه الماء حتى يبلغ من الجلد الماء ثلاثة أيام، ثم قال: ثلاث مرات، ثم تصيبه ثم تغسله و تصبه، و أرجو أنه يجزئ.
و من غيره:
قال: و قد قيل: إن الجلد لا ينشف، و لكن يغسل و يبالغ في غسله في وقت واحد ثلاث مرات و ما فوق ذلك، ثم ينتفع به.
و قال من قال: يغسل، ثم يجفف، ثم يجعل فيه الماء بقدر ما كانت فيه النجاسة رطبة، و بقدر ما ينشف النجاسة، ثم يغسل و قد طهر.
و من غيره:
و قد عرفت أنه يحرق و لا ينتفع به إذا كان فيه النبيذ.
و عن العذرة إذا كانت في أجله النخلة و سقيت، و العذرة قائمة بعينها، هل يفسد طين تلك الأجلة؟ (1/286)
صفحة 286
قال: نعم، هو فاسد، و يغسل ما مسه و لا يصلي فيها إلا أن يكون دخلها ماء لا ينجسه شيء من كثرته فلا بأس بطينها إلا ما كان حول العذرة بثلاثة أذرع، فإني أحب أن يجتنب ذلك.
و من غيره يوجد في مثل هذا إنما يجتنب على الاحتياط.
و عن الزرع يسمد بالكنيف و يسقى، فتكون العذرة قائمة بعينها، هل يصلي في تلك الجلبة و ينتفع بطينها؟ قال: هي مثل أجلة النخل، و عن مسحفة وقعت بها عذرة ثم ضرب بها التراب عشرين مرة أو عشر مرات، ثم لم أر بها شيئا و يبست حتى طرحتها في الطين و مس الدلو، قال: أرجو أن لا بأس بذلك، لأنه قد جرى عليها التراب.
و من غيره في معنى النجاسات، و قيل: من جاء من الغائط أو أراق البول ثم دخل نهرا و هو ذاكر لموضع البول و الغائط أو أناس، ثم خرج من النهر فشك أعرك موضع الغائط و البول أم لا، و لم يستيقن بعركه و لا بتركه، فلبس ثوبه و صلى فيه، فإن ثوبه و صلاته لا تفسد عليه بالشك إن شاء الله.
و عن الثوب إذا وقع على رطوبة نجسة أو دم، و لم يعلق بالثوب منه أو على شيء، هل ينجسه ما علق به؟
فإذا كانت النجاسة تعلق مثل دم رطب أو بول أو ماء نجس فإنه يفسد، و إن كان ثرى في الأرض لا يعلق، فلا أراه ينجسه. (1/287)
صفحة 287
و من غيره: قلت له: و كذلك الرجل يكون بدنه نجسا فيريد أن يغسله بغسل و يضني بدنه الغسل و هو نجس، ثم يغسله بالماء، و قد تنجس الغسل، فيغسل به، و يبقى في بدنه غسلا قد جعله على بدنه و هو نجس، ما يكون ذلك الغسل؟
قال: إذا غسل بدنه غسل النجاسة و بالغ في غسله، فالغسل الباقي فيه طاهر.
و من غيره: و قال في اللحم النجس إذا شوي في التنّور، قيل: يكسر، و قيل: يغسل، و قيل: تحمم فيه النار مرة أخرى.
و سألت عن المولود إذا عقد سراره و ترك فيه، حتى يقص و يبرئ أو يقع، ما حكمه طاهر أم نجس؟ قال: معي: إذا مات فهو طاهر، لأنه ميت من حي، و قال: كل ما كان من دابة و بقي فيه حتى يبس فهو طاهر، و إن قطع من حينه و هو رطب فهو نجس عندي.
و سئل عن لدغة الضمج إذا يبست و لم يقص منها شيء، ثم قامت تتقشر و تتقحى، هل ينجس ما داخلها من ذلك الدم اليابس؟
قال: معي: أن ذلك الدم حكمه حكم ميت من حي، و لا يفسد عندي.
قلت: و كذلك من خدشه خدش لم يفض، ثم يبس حتى قام يفض، هل يتنجس؟
قال: معي: أنه نجس، وهذا كان محكوما بغسله في الأصل. (1/288)
صفحة 288
قال أبو سعيد: يقع الإجماع على أن الشمس و الريح لا يطهران البدن و الثياب.
و سئل عن فأرة ميتة خرجت من خبة و ظهر موضعها و كان نجسا، و كان يصب الماء و يقطع، ثم يعرك حتى عرك ثلاثا و الماء يسيل و يجتمع، و طهر موضع النجاسة، ما حكم الخبة و الماء الذي فيها؟
قال: فيه اختلاف، قيل: طاهر كله، و قيل: نجس حتى ييبس الماء و لو بقي في الطين و الثرى، فلا بأس بذلك، و قيل: كله نجس حتى ييبس الثرى.
و قلت: و إن كان الصب لم ينقطع مذ بدأ حتى طهر موضع النجاسة، ما حكم الماء السائل من موضع تطهير النجاسة؟
قال: طاهر، و لا يلحقه معنى الاختلاف.
و سئل عن جلبة بقل أو بصل سقيت و فيها عذرة و دار فيها الماء، ما حكم الشجر الذي فيها؟
قال: أصح ما عندي على معنى الأصول، أنه لا يفسد إلا ما مس النجاسة.
قلت: و لو كان البقل أصله في النجاسة نفسها إذا جزّ من أعلى النجاسة، كان طاهرا؟
قال: هكذا عندي.
و عن أبي سعيد رحمه الله: و عن الريح بغير شمس، و الشمس بغير ريح إذا ظهر أحدهما على الأرض و هي نجسة، فقد اختلف في ذلك، فقيل: يجزي، و قيل: لا يجزئ حتى يضرباه جميعا، و أما ما لم تنله الريح و لا الشمس فهو بحالة حتى يطهر أو تضربه الريح و الشمس أو أحدهما. (1/289)
صفحة 289
و عن الرجل ينظر و إذا في رجله دم ظن أنه وقع في ثوبه، و ذلك الموضع لا تمسه إلا الثياب، فنظر في ثيابه فلم يجد شيئا، و الثياب بياض و سواد، قلت: أهنّ نظيفات حتى يعلم أن فيهنّ شيئا، أو هنّ نجسات؟ و قلت: ما حكم هذه الثياب؟
فإذا كانت هذه الثياب تحتمل أن تمس الدم، و تحتمل أن لا تمسه فلا نجاسة عليهن حتى يعلم أنه مسهن شيء من الدم، فإن لم يجد فيهن شيئا فهن طواهر، و إن كان لا مخرج لهن من مس الدم و النجاسة و لم يوجد شيئا بعينه غسل ما لا مخرج له من مس النجاسة، فافهم ذلك.
حفظ أبو زياد عن الوضاح بن عباس قال: نضحت يوما ماء فوقع على عذرة يابسة، و رجع الماء عليّ، فقال أبو العباس: لا بأس بذلك، و قال أبو المؤثر: نعم حفظت هذه المسألة عن أبي زياد عن الوضاح بن عباس.
و من غيره: و سألته عن العذرة إذا حرقت بالنار فذهبت نجاستها، فقال: قد قيل، قد ذهبت نجاستها و هي طاهرة، و فيها قول آخر: أنها إذا احترقت فقد ذهبت النجاسة، و أرجو أن المعنى أن فيها اختلافا، فانظر فيها و تأمل إن شاء الله.
و من غيره: و أما ما أصله نجس فهو نجس على قول من قال ذلك، و لو احترقت و ذهبت عينه.
و عن رجل كان يخلج نخلة أو يسجرها فأصابته سلاة و خرج منه الدم (1/290)
صفحة 290
حتى أبصره في كفه ممثا فتوهم أنه امتث في العذوق، هل ينجس بذلك المعذوق؟
فعلى ما وصفت، فلا ينجس العذوق إلا أن يرى أثر الدم في شيء من البسر، فإن ذلك البسر يفسد، فإذا ذهب أثر الدم من ذلك البسر و هو في النخلة فقد طهر، و لا بأس بأكله.
و من غير الكتاب و زياداته: في الدم و أحكام ذلك.
و العرب تسمى الدم نفسا، و النفس السائلة الدم السائل لا الروح، لأنّ الروح لا تسيل، و قد روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أن امرأة من غفار خرجت معه في غزوة خيبر لتعين المسلمين فركبت على بعض رحاله، فحاضت و انحدرت، فرأت الدم على حقيبة الرحل، فقبضت و استحت منه صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك، لعلك تنفست؟ قالت: نعم يا رسول الله، فقال: أصلحي من شأنك، و ارجعي إلى مركبك. فقد سماه صلى الله عليه وسلم نفسا، و إنما هو حيض.
مسألة:
حرم الله الميتة و الدم و لحم الخنزير، فذلك حرام قليله و كثيره (1/291)
صفحة 291
إلا ما اتفق الفقهاء أنه لا يفسد، فأما ما وقع فيه الاختلاف فتركه أحوط، و التنزه عنه أولى.
و قال هاشم الخراساني: الدم المفسوح دم الأوداج، و قال من قال: هو دم الأوداج، و قال من قال: هو دم كل جرح طري، و كان عبد المقتدر و المسبح يقولان: كل دم خرج مبتدأ من بدن صحيح فهو مسفوح، و قال عمر بن الفضل: ما قطع الحديد، و الدم المسفوح المصبوب، قال: و إنما قال جل جلاله: (اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) (1)، ليفرق بين الحلال و الحرام، و ليس يحل الدم المسفوح إذا ما جمد، لأن أصله مسفوح، (فإنه رجس) أي نتن.
و من كان فيه قرحة فوجد بها دما، فرأى أنها حمرة القرحة فصلى و هو يشك أنه دم، فلما غسله إذا هو دم و قد صلى به، فصلاته جائزة ما لم يفض الدم من القرحة على قول أيضا، و بعض قد قال: حتى يعلم أن تلك الحمرة دم، و لعل الذي رآه خرج من بعد فلا أرى عليه بذلك بأسا.
مسألة:
اختلف الفقهاء في الدماء، فقالوا: كلها محرمة حتى يعلم الدم المباح، و احتج بقول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدّم) (2)، و قال بعضهم: إنما يحرم من الدماء المسفوح، و استدلوا بقول الله عز وجل: (قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) (3).
__________
(1) -الآية مكية رقم 145 من سورة الأنعام.
(2) - الآية مدنية رقم 3 من سورة المائدة.
(3) - الآية مكية رقم 145 من سورة الأنعام. (1/292)
صفحة 292
و يوجد عن أبي المنذر بشير رحمه الله قال: إذا رأيت الدم أغسله، و أمر بغسله و لا أحكم أنه مسفوح، لأن الدماء منها نجس، و ما ليس بنجس، فأيهما حكمت به بغير علم فقد حكمت بغير علم، و من حكم بغير علم فهو مخطئ.
مسألة:
اختلف أصحابنا في صفة الدم المسفوح، فقال بعضهم: ما انتقل من مكانه فقد سفح و لو لم يظهر على فم الجرح، و قال آخرون: هو ما انتقل من مكانه و سفح إلى غيره، و أما ما كان ظهوره لا يتعدى الجرح الذي خرج منه فليس بمسفوح، و لو امتلأ فم الجرح الذي خرج منه و كثر.
و قال بعضهم: المسفوح: كل دم جرح طري، و أما دم القروح فلا، و هذا الأخير عليه جل أصحابنا، و الله أعلم.
و دم الحيض و الاستحاضة، قال بعض: مسفوح، و قال بعض: غير مسفوح.
مسألة:
اختلف أصحابنا في الدم على قولين، فمنهم من ذهب إلى أن قليله و كثيره مفسد في الثوب و البدن، و منهم من ذهب إلى أن العقر يقع مقدار الظفر، و قال بعضهم: مقدار الدينار، إلا أن يعلم أنه مسفوح، فحينئذ يحكمون بتنجيس قليله و كثيره، سواء في البدن أو الثوب. (1/293)
صفحة 293
و قد فرق بعض أصحابنا بين الثوب و البدن في حكم النجاسة.
قال أبو محمد رحمه الله: و الذي عندي: أن التفرقة تصعب على من رامها، لأن كل واحد من البدن و الثوب مأخوذ على المصلي ألا يقوم إلى الصلاة، إلا هو على طهارة منه، و الله أعلم.
و دم السمك و البق و البراغيث، رفع بعض هو الكتك و نحوها، فهو طاهر، و وافق على ذلك أبو حنيفة، الدليل على ذلك أن الله تعالى خص الدم المسفوح بالتحريم، و هذه الدماء غير مسفوحة فلا تدخل تحت التحريم.
و دم العنكبوت لا يفسد.
و الرجل له دم واحد، و هو دم نفسه، و المرأة لها أربعة دماء: [دم نفسها]، و دم حيضها، و دم استحاضتها، و دم نفاسها.
مسألة:
و إذا لقي رجل رجلا حاملا لحما فمسه منه دم، فحكمه نجس، حتى يعلم أنه غسل المذبحة، و أما إذا باع عليه فحكمه طاهر، لأنه متعبد بأن لا يبيع إلا طاهرا قد غسل مذبحته.
و دم العروق نجس، إلا ما كان من دم الكبد فحكمه طاهر، و دم اللحم لا بأس به بعد غسل المذبحة. (1/294)
صفحة 294
قال أبو المؤثر: إذا كان ينفث الدم فيخرج منه علقة أو دم مختلط، فإن كان ملتزقا بفمه شيء منه فلا يجوز له أن يأكل و لا يشرب حتى يغسل فمه، و إن كان لا يلزق شيء بفمه و إنما هو يخرج من حلقه نفث متباين منه فلا بأس عليه إن أكل أو شرب قبل أن يمضمض فاه.
و من كان في فمه دم يخرج منه ثم انقطع الدم و بزق ثلاث مرات بعد انقطاع الدم فقد طهر.
و من أصابه جرح في الليل فخرج منه دم فغسله و صلى، فلما أصبح رأى الدم في الجرح فلا بدل عليه.
فصل
أبوبكر الهذلي، قال: كنا عند الحسن إذا أقبل وكيع بن الأسود، فجلس فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب، أيصلي فيه؟ فقال الحسن: يا عجبا ممن يلغ في دماء المسلمين كأنه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث، فقام وكيع يتخلج في مشيته كتخليج المجنون، فقال الحسن: لله في كل عضو نعمة، اللهم لا تجعلنا ممن يتقوى بنعمتك على معصيتك، تخلج المجنون تمايله، كأنما ينجدب مرة يمنة و مرة يسرة.
شيء في تطهير الأواني:
قال الله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (1)، قيل: طهرها من الأقذار و من عبادة الأوثان و الأصنام.
__________
(1) - الآية مكية رقم 4 من سورة المدثر. (1/295)
صفحة 295
وقيل: و ثيابك فطهر، أي قلبك فطهره من عبادة الأوثان، و من قول غيره:
فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
ثيابه: قالوا: قلبه، و قالوا: بدنه، و قال بعض المفسرين: و ثيابك فطهر، أي قلبك، و قال بعضهم: بدنك، و عن أبي رزين: و ثيابك فطهر، قال: عملك أصلحه.
و قال الفراء: وثيابك فطهر، أي فقصر، قال: تقصير الثياب طهر. و قال ابن سيرين: معناه: اغسلهما بالماء، و قيل: أمره بتطهيرها، و قيل: كانت مستقذرة، و قال الأصمعي في قول الشاعر لعمر بن الخطاب رحمه الله:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدا لك من أخي ثقة إزاري
قالوا: إزاره نفسه.
مسألة:
و غسل النجاسة من الثياب و غيرها فريضة مع وجود الماء، و لا تجوز إزالتها إلا بالماء، (1/296)
صفحة 296
لأن النبيء صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الحيضة، و أزيل الدم عنه صلى الله عليه وسلم يوم جرح بأحد بالماء، و جائز قبول طهارتها ممن يعرف غسل النجاسة و يقبل من أهل الصلاة إذا رأى على الثوب أثر الغسالة، و ذهاب عين النجاسة يعرف ممن يغسل النجاسة إلا الصبي و المجنون فلا يقبل و لو رأى على الثوب أثر الغسالة، لأنه لا تعبد عليها.
و قيل عن الربيع بن حبيب: أن الخل و اللبن يزيلان حكم النجاسة، و لا يجوز الوضوء بهما.
و قال بشير رحمه الله: من غسل دما من ثوبه ببزاق حتى يسيل على الأرض مثل ما لو غسله بالماء أنه يطهر و يجزيه، و شبه النجاسات بالدم في هذا المعنى. (1/297)
صفحة 297
قال أبو الحواري رحمه الله: الذي حفظنا عن بعض الفقهاء: أن النجاسات لا يطهرها إلا الماء، و لو كان من الندى.
و قال أبو محمد رحمه الله، فيما يوجد عن بشير: إن النجاسات تزول بالماء المستعمل و غيره، مثل الشوران، و ماء الورد، و اللبن، و الخل، و جميع الأدهان، إلا أن بشيرا لم يساعده أحد من الفقهاء على هذا القول، و قالوا: إن النجاسة لا تزول إلا بالماء المطلق، و كان يعجبه هذا القول الأخير.
و إذا وجد الماء غسل الثوب من الخل، و أما ماء الورد فليس عليه أن يغسله مرة ثانية، و هو طهارة للثوب، و الله أعلم.
و من صلى بثوب قد أصابه نبيذ الجر، فإن كان مسكرا فليغسل ما أصاب الثوب و ليعد الصلاة.
و من لم يجد الماء فترب ثوبه و صلى به، فقال بعض: عليه إعادة تلك الصلاة، و قال بعض: لا إعادة عليه، و قد تمت صلاته.
و من كان في ثوبه جنابة فغسلها بالماء و الحرض، فزاكت الجنابة في الثوب، فإذا عرك الثوب و أحاط الماء بالثوب فلا يضره زوك الجنابة في الثوب.
مسألة:
و إذا غسل ثوب نجس غسلا جيدا بلا نية من النجاسة فجائز أن يصلي به.
و إن أعطى الغسال و لم يأمره بغسله من النجاسة و غسله؛ فلا تجوز الصلاة به، إلا أن يأمره، أو يقول الغسال: إنه غسله غسل النجاسة، هكذا عن أبي الحسن. (1/298)
صفحة 298
و إذا بقي أثر النجاسة في الثوب و غيره، فقد طهر و جازت الصلاة فيه.
مسألة:
اختلف الناس في الثوب يصيبه الدم فيبقى أثره بعد الغسالة، فقال قوم: لا يطهر إلا بزوال أثره، و قال آخرون: إذا غسل فزال الطعم و الرائحة فقد طهر.
و قال آخرون: إذا بولغ في تطهيره حتى تغير عن حاله، و إن بقي له أثر فقد طهر، و هو قول أصحابنا.
مسألة:
و التعبد في غسل النجاسة إزالتها، فلا يجوز غسل الثوب من النجاسة أو الجنابة إلا بثلاث عركات مع زوال عين النجاسة، فإذا كانت عين النجاسة قائمة بالثلاث فحتى تخرج من الثوب، و هي على وجهين: إما أن تذهب العين بالثلاث، أو يغسل حتى يذهب ثم يطهر، فإن كانت مثل كساء أو ثوب ثقيل؛ فالطهارة واحدة إلا المبالغة. و من لم يجد ماء و في ثوبه نجاسة فنحب له أن يغيرها بالتراب و ليس بواجب، و غسل الثوب للنجاسة إذا لم يرد صاحبه استعماله غير لازم له، و الله أعلم.
و الثوب النجس إذا غسل في الفلج فمس المكان المغسول منه ما لم يغسل بعد، فإذا كان في الماء فلا بأس، و إذا أصاب الثوب احتلام و لم يعرف المكان فيغسل الثوب كله، و إن عرف المكان غسله وحده، و إذا كان في الثوب بلة ماء و بلة بول، و لم يعرف أيهما الماء أو البول، غسلتا جميعا باتفاق. (1/299)
صفحة 299
و غسالة الصبي للثوب لا تجوز، و إذا غسل الثوب في حلول بثلاثة أمواه طاهرة، و عرك الثوب فيه فقد طهر، و حلول الخزف إذا غسل فيه ثوب نجس ثلاث مرات بثلاثة أمواه فقد طهر الثوب فيه، و يغسل الحلول بماء واحد و قد طهر، و هذا إذا كان حلولا مستعملا، و أما الذي لا يستعمل و ينشف الماء، فالثوب لعله طاهر، و الحلول يجعل فيه الماء، أي يدخل مداخل النجس، و ينشف مثل الذي ينشف من ذلك الثوب في ثلاث عصرات يطهر، و إذا عصر ثلاث عصرات فلا ينجس ما مس بعد ذلك و هو رطب، فأما ما خرج من الماء قبل أن يعصر فحكمه حكم الماء الذي في الحلول، و بالله التوفيق.
و عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم عن الثوب إذا كان فيه نجاسة مثل بول أو ماء نجس، أو ما أشبه ذلك، فإذا أدخل الماء و حرك فيه و كان له في الماء حركة، هل يطهر بغير خبش و لا عرك؟ فنعم يطهر.
و من أعار رجلا ثوبا في أول الليل أو في آخره فلما أصبح إذا به جنابة، فعليهما الغسل جميعا، المعير و المستعير إن ناما فيه تلك الليلة جميعا، و يصدق بعضهما بعضا.
و من دفع إليه ثوب من عند رجل يعرف بشرب النبيذ، و كان في الثوب زوك فدفع الثوب إلى الغسال، و قال له: طهره طهارة النجاسة، فرد الغسال الثوب و الزوك فيه بعد، فهو طاهر، و الزوك ليس بنجاسة، إلا أن ترى أن ذلك الزوك نجاسة فيغسل مكانه الماء. (1/300)
صفحة 300
و من أثر:
و من نجس ثوبا لرجل لزمه غسله، فإن لم يغسل فليعرفه أنه كان نجسا، و إن كان الرجل قد غسله فليستحله من تنجيسه إياه، و يعطيه غرم ما انغسل من تلك النجاسة، و إن كان الثوب مصبوغا فنجسه عملا، فإنه يلزمه قيمة ما ذهب من صبغه مع كراء من يغسله، و أما الخطأ فالله أعلم.
و إن رغب صاحب إناء الطين إذا لحقته النجاسة من سائر الأنواع المائعات فتركه حتى يجف و تذهب عين النجاسة منه بالشمس أو بطول المدة و لم يبق عليه منها أثر رجوت أن لا يحتاج صاحبه إلى تطهيره بالماء، قياسا على ما خرج منه لاتفاق أصحابنا، على أن الطين إذا ذهبت عين النجاسة منه بالشمس و الريح فلم يبق على مكان النجاسة أثر لها كان حكمه حكم الطهارة بغير ماء، فلذلك قلنا في إناء الطين ما قلنا، و الله أعلم.
و أما إذا وقع في إناء الطين ميتة و هو ينشف، فأخرجت من حينها، و الإناء رطب غسل، و إن كان جافا من الماء غسل غسل النجاسة من الأوعية التي تنشف.
فإذا غسلت أواني الطين بالماء و هي رطبة طهرت، و إن كانت يابسة فتولجتها النجاسة لم تطهر بغسل ظاهرها، و الله أعلم.
و اختلف الناس في تطهير البدن من النجاسة قبل حضور العبادة، فأوجب قوم ذلك و لم يوجبه آخرون، إلا عند حضور وقت الصلاة، و الله أعلم.
و إذا كانت جذوع و دعن نجس فأصابها الغيث فإنها تطهر إذا سال عليها (1/301)
صفحة 301
الماء و تغير أثر النجس، و ضرب الغيث يقوم مقام العرك لها، إذا جرى عليها الماء و سال عليها، و الجندل و سائر الخشب إذا تنجست ثم زالت عين النجاسة، ثم ضربته الشمس و الريح فحكمه حكم التراب و لا فرق معي في ذلك.
ألا ترى أنهم قالوا في الدابة إذا تنجس ظهرها و ضرعها ثم تقلبت في التراب و ذهبت عينه أنه قد طهر، قد مر هذا فيما تقدم من أبوال الدواب و البشر في الحصير و الدعن و الجندل يجزيه صب الماء عليه عن العرك، و يدل على أن صب الماء بغير إجراء اليد يكفي في قول أبي علي موسى بن علي في جراب تمر كنز بماء نجس؛ إنه ينكل و يصب عليه الماء صبا، و قال في بول الصبي يصب عليه الماء صبا.
مسألة:
و إذا نضج تمر أو عجن عجين بماء من بئر ثم وجد في البئر فأرميت، فإن كان التمر يابسا فيسيغ، و إن كان اختل بالماء فقد فسد، و أما العجين فيقول بعض المسلمين: إنه إن خبز فأقشف فقد زالت النجاسة، و إن كان لم يقشف فهو نجس، و التنور و البئر إذا خبز بهما عجين نجس، فعن موسى بن علي أنه أجاز أكل ذلك الخبز، و قال: قد أذهبت النار بذلك الماء، و كذلك قد طهر التنور و البئر و لا غسل عليهما.
مسألة:
و ذهاب عين النجاسة عن الأرض ينقل حكمها إلى ما كانت عليه من حكم الطهارة، و سواء كان ذهابه بها بشمس أو ريح أو غير ذلك، فحكم النجاسة عنها زائل، لما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أن امرأة سألته، فقالت: يا رسول الله، (1/302)
صفحة 302
إني امرأة أطيل ذيلي و أسحبه على الأرض الطاهرة و غير الطاهرة، فقال صلى الله عليه وسلم: الأرض يطهر بعضها بعضا.
إذا يبس البول و ذهب منه الثرى و بقيت الرائحة؛ لم يكن موضعها نجسها، إلا أن يكون موضعها أثر زائك، مثل بياض أو حمرة أو صفرة، مثل ما يكون من أبوال الدواب، فإنه ما دام الزوك قائما فإنه نجس، و لا ينظر قلة الوقت و كثرته.
و الجدر إذا عملت بماء نجس و الغما ففيه اختلاف، فقال قوم: يطهر إذا يبس، و قال قوم: لا يطهر والجه، و التنور إذا شوي فيه ميتة فلزق به دسم فتخلف فيه، قال قوم: يكسر، و قال قوم: يغسل، و قال قوم: يحمم بنار أخرى حتى يذهب ذلك، و الاختلاف يكثر.
و إذا عمل من طين نجس حمّم مرتين، مرة لطهره، و مرة يخبز بها.
و الطين النجس إذا أوقد عليه النار فإنها تطهره، و الصفا و الحصى لا يطهران من النجاسة إلا بغسل الماء، إلا أن بعضهم قال في الحصى الذي في الأرض: قد استوى معها، إن حكمه حكمها، و الله أعلم.
و حكم ما أنبتت الأرض نحب أن يكون كحكمها، إلا أن الاحتياط غير ذلك، فأما إذا تنجست الأرض، و جرى عليها الماء مرة واحدة؛ لم تطهر حتى يجري عليها (1/303)
صفحة 303
الماء ثلاث مرات، إلا أن يكون ماء منفصلا من نجاسة فجرى عليها الماء مرة أخرى، و ما كان فيها من خشب لم يطهر بمرة واحدة، إلا حتى يجري عليها الماء ثلاث مرات.
فأما ما كان واقفا فحكمه حكم الأرض من لفظ و حصى و حطب. فأما الجندل و الخشب فحتى يغسل بالماء، و ليس كل قذر نجسا و كل نجس قذر.
و عن ابن عباس رحمه الله قال: أربع لا تنجس: الثوب، و الإنسان، و الأرض، و الماء، و فسر ذلك إسحاق بن راهويه، فقال: الثوب إن أصابه عرق الجنب لم ينجس، و كذلك إن أصابه عرق الحائض، و الإنسان إن صافحه جنب لم ينجس، و الأرض إذا اغتسل عليها لم تنجس، و الماء إذا اغتسل فيه جنب و أدخل يده فيه لم ينجس.
و كل شيء أصله طاهر فهو على طهارته حتى تصح نجاسته، فالطهارة اسم يقع على معنيين، أحدهما: إزالة النجاسة، و الأخرى: إنفاذ عبادة. و النجاسة تجري مجرى الديون في إزالتها، و يصبح التطهر منها بزوال عينها أو بما يقوم مقامه، و يرتفع حكمها بما ذكرنا بغير نية و قصد من فعل ذلك.
ألا ترى أن الدين الذي شبهناه بها لو أداه غير من لزمه ذلك الدين بأمره أو غير أمره سقط فرض الأداء عن متضمّنه، و كذلك يجب أن تكون النجاسات إذا أزالها من لزمته في نفسه أو في ثوبه، أو تولى إزاتها عنه بأمره أو بغير أمره أن يكون ذلك مزيلا عنه فرض الطهارة منه.
فأما الطهارة التي هي فرض عبادة: طهارة المحدث بالنوم، أو بخروج ريح، (1/304)
صفحة 304
فإسقاط فرض الطهارة عنه لا يكون إلا بفعله، و القصد لذلك منه، بدليل قول الله تعالى: (وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)، و أمر جل ثناؤه من تعبد بعبادة يتعلق فعلها بذمته أن يقصد قصدا إليها، و ينوي فعلها، لأن الإخلاص لا يكون إلا بالقلب في جميع العبادات من طريق المقاصد.
مسألة:
و الطهر طهران: طهر هو غسل الأعضاء، و طهر سائر البدن الذي فيه الأعضاء، فأعم الطهارتين مجتمع عليها، و الأخرى مختلف فيها، فلا يأمر بأداء فرض إلا بطهارة، و قد اتفق الكل على تأدية الفرض بها، و هي الغسل، و بالله التوفيق.
مسألة:
و الإنسان طاهر جملة، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، كبيرا كان أو صغيرا، و أما ما يخرج منه فنجس و طاهر، فالنجس ثمانية أشياء، و الطاهر عشرة أشياء، و النجس منه الغائط و البول و الريح و المني و المذي و الودي، و الدم و القيء، و الطاهر: الدموع و البصاق و النخاع و المخاط و القيح، و العلق الذي ليس بدم صريح، و الشعر، و الجلد الميت، و الظفر، و سؤر الإنسان طاهر على كل حال كان متوضئا أو غير متوضئ، جنبا كان أو غير جنب، ما لم يكن بفمه نجاسة حادثة، و كذلك المرأة مثله، و السؤر مهموز و جمعه أسآر، يقال: سأر، إذا بقي في فمه بقية، و أما السور من البناء غير مهموز.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 5 من سورة البينة. (1/305)
صفحة 305
و إذا قلس الصبي، ثم رضع أمه فغسلت ثديها و لم تغسل فم الصبي، ثم رضع ثانية؛ لم يفسد ثديها.
و من لقح نخلة ثم بال على حملها، فإذا زادت و تقلبت من حال إلى حال حتى يكبر و يدرك فهو طاهر، و قد ذهب في أول أوقاته.
و من شرب ماء نجسا و أنت تراه، فإن كان عالما بحكم النجاسة، فإذا رأيته يصلي صلاة فقد زال عنه حكم النجاسة، و إن كان غير عالم بحكم النجاسة فحتى تعرفه أنت أو تعلم أنه قد اغتسل.
و قال الفضل: لا بأس برماد الحطب النجس، و الماء الذي نثره الصراخ طاهر. انقضى
و منه، فيما كان أصله طاهر، فكل طاهر في الأصل من جميع الطهارات المحكوم لها بالطهارة في الأصل، فالشهادة فيه و عليه، فمن تقوم به الحجة في القول أنه نجس، أو تنجس أو متنجس، و أصله قائم على حكم الطهارة، أنه من الطهارات، لا يصح القول فيه أنه نجس أو متنجس بقول القائل، و أصله قائم على حكم الطهارة أنه من الطهارات، لا يصح القول فيه أنه نجس أو متنجس فيه أنه نجس، و لموضع جواز الاختلاف فيه فيما ينجسه، و ثبوت ذلك في معاني الحق حتى يفسر القائل: بماذا تنجس؟ فيخرج بمعنى ما يصح بنجاسته مع التفسير مع المشهود معه بما يذهب بفساده بمعنى الاختلاف فيه، أو يخرج بمعنى الاتفاق نجسا مع التفسير، فتقوم به الحجة حينئذ، و لا يسع مخالفة حكم الاتفاق إذا صح حينئذ بعلم لا بجهل. (1/306)
صفحة 306
و منه لو شهد شاهدان على رجل أن المال الذي في يده حرام، أو أن زوجته هذه عليه حرام، أو وقعت بينهما حرمة و لم يفسرا البيّنة، ما هذه الحرمة، و ما هذا الحرام؟ لم تكن البينة في مثل هذا حجة في الأحكام، و لا قذفة لمن شهدوا عليه بهذه الشهادة، و المشهود عليه و الشهود في مثل هذا و أشباهه، مما يحتمل فيه مخرج للشهود عن القذف، و المشهود عليه عن ثبوت الحجة، لاحتمال ذلك بوجه من الوجوه، فلا يحكم على الشهود عليه بمكفرة أو بإخراج ذلك من يده، من زوجته أو ماله، حتى تفسر البينة، كيف ذلك الحرام، و تقوم بقولهم الحجة مفسرة، و يكون الحكم فيه على معنى التفسير من حكم الرأي، أو الدين أو الخاص أو العام، و كذلك عندي كل شيء يخرج على نحو هذا من هذه الأشياء كلها خارجة عندي، سواء في الطهارات و المحرمات، و الولايات و البراءات، و الأشياء على أصولها حتى يصح تحولها بما لا شك فيه و لا ريب، و كذلك الطلاق و الظهار و الإيلاء مثله عندي، و الله أعلم.
و منه: و الأخذ بمعنى الحكم أقوى من معارضة الشيطان، و الأخذ بالاحتياط أولى و أحوط ما لم تخف في ذلك دخول الشك و الوسواس عليه إلى ما يخرجه من معنى الحكم، و الاحتياط لا بأس به، و لعله أحوط، و لكن ربما كان في ترك الحكم و طلب المبالغة في الخروج من مثل هذا تولد الشكوك و الوسواس، حتى يخرج صاحب ذلك إلى معنى مفارقة الحكم، و الاحتياط من ترك الفرائض في وقتها، و الجماعات مع أهلها، وفاته لذة ما أدرك غيره ممن أخذ بالحكم و استقام عليه.
و إن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع يرجى فيها الفسحة في مواضع (1/307)
صفحة 307
الاختيار فليس ذلك بضار، بأن يستعمل الاحتياط عند الاختيار ما لم يخف تولد المضار، و الحكم عند الاضطرار خوف تولد الأضرار.
و من أخذ الحكم فقد أدرك حكم الأصول، و من أخذ بالأصول و استقام عليها، كاد أن يقدر على كثير من أموره، و الله الموفق للصواب.
قال غيره: يعجبني لمن كان يعرف نفسه بالشك و وسواس الشيطان و معارضته أن يستعمل الحكم، و لمن كان لا يعرف نفسه بذلك أن يستعمل الاحتياط ما لم يشتغل به عن ما هو أفضل منه من صلاة الجماعة أو الصلاة في أول الوقت، إذا لم تكن صلاة جماعة، أو ما يشبه ذلك، و الله أعلم.
و أرجو أني عرفت أنه قال من قال: إن الدين بني على الورع، و قال من قال: بني على الحكم، و قال من قال: بني على العرف و العادة، فانظر في ذلك، و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب.
رجع:
قال غيره: قد يأتي في أمر معاني الصلاة في أمر التنزه و تعظيمها ما لا يأتي في الأكل و الشرب و سائر ذلك في غير وجه، و قد روي عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله: أنه دعاه ذمي إلى طعام، و أحسب أنه قيل من الرطوبات من الأطبخة و غير ذلك، فمعي أنه قيل: استحيا منه إن ترك، و أحسب أنه قيل: كان جارا له، و كره أن يأكل طعامه، و يخرج عندي على التنزه، لا على التنجس به، لأنه لو تنجس به معنا لم يستح منه فيما أرى أنه لا يسعه، و قد بلغنا أنه قال لأصحابه (1/308)
صفحة 308
و قد اتبعوه فيما أحسب: كلوا و انقوا ثيابكم، فخرج في معنى تأويل الحدث، أنه أراد الاتقاء على الثياب لمعنى الصلاة في معنى الأكل، فأمر الصلاة و الطهارة لها، قد يأتي في أمرها ما لا يأتي في غيرها.
و أما تناول الحائض للشيء من المصلى من غير أن تدخله، فمعي: أنه يخرج في معاني قول أصحابنا اختلاف، فبعض كره ذلك لثبوت منعها أن تدخله، و لأن دخول يدها فيه دخول في بعض ما قيل، أنه لو حلفت لا تدخل بيتا فأدخلت يدها فيه أنها قد دخلته، فينبغي أن ينزه المصلى و هواءه، و بعض لم ير به بأسا أن تتناول الشيء من المصلى و المسجد نجعله فيه أو تأخذه منه من غير أن يمسها شيء من بدنها، إلا إدخال يدها في هوائهما، فإذا ثبت هذا عن النبيء صلى الله عليه وسلم، و علم أنه أجازه فهو أولى ما عمل به و أخذ به.
و من أصابه جرح في الليل فخرج الدم و غسله و صلى، فلما أصبح رأى الدم في الجرح فلا بدل عليه.
و من بلي بالتقطير في الصلاة فشبه له و هو في الصلاة أنه قطر فليمض في صلاته، فإذا فرغ، فإن رأى بللا فليتوضأ و ليعد الصلاة، و إن لم ير شيئا فلا شيء عليه.
و عن بول في موضع تظهر عليه الشمس و تصيبه الشمس و الريح ثلاثة أيام، يكون موضعه طاهرا؟
فقد قيل: إذا تغير أثر البول من الريح و الشمس فقد طهر، و عن الماء يكون في البطحاء قدر جرّة أو عشر جرار او أقل أو أكثر هو مما (1/309)
صفحة 309
يجوز يغتسل فيه من الجنابة و يستنجي فيه من البول و الغائط أم لا؟ فلا يجوز أن يستنجي في مثل هذا، و إنما قالوا: إذا كان مقدار أربع جرار، و ذلك يشرب في البطحاء فلا ينظر إليه، و إنما ينظر إلى اجتماع ما ظهر من الماء، و ينظر جري الماء، و إذا لقي فيه الشيء حمله مقدار بعرة.
و عن حصاة فيها دم قملة و قعت في بئر تنزحها الدلاء، فإن قدروا على إخراج الحصاة من البئر و نزحو البئر أربعين دلوا، فإن لم يقدروا على الحصاة نزحت البئر و أجزأها ذلك إن شاء الله، و لو نزحت و لم تخرج الحصاة أجزئ ذلك، لأن الدم يذهب في الماء.
و عن ضفدع ماتت في خل أو خرجت منه و هي حية، فإذا خرجت حية فإنها لا تفسد، و قد قالوا: إن الضفدع تفسد كل شيء ماتت فيه إلا الماء
و عن رجل يمس القملة و يجدها على بدنه، هل عليه أن يغسل ذلك الموضع من بدنه؟ فليس عليه غسل ذلك الموضع من بدنه، إلا أن يرى رطوبة من القملة، و كذلك لا تفسد يده إلا أن يرى رطوبة فيها، و ما مست تلك الرطوبة من ثوب أو غيره فهو فاسد، فقيل على من مس القملة أن ينقض وضوءه على حال، لأن عادتها إذا مست ذرقت، و الله أعلم.
و قال موسى بن أبي جابر: أنه يشرب من سؤر الجمل و الفرس و الحمار و الشاة، و يتوضأ منها إلا البقرة، قال سليمان: يشرب من سؤر البقرة و يتوضأ منه، قال: و لا يشرب من سؤر الفرس و الحمار، لأنه لا يؤكل لحمها، و الإبل مثل البقر في ذلك. (1/310)
صفحة 310
قال الربيع بن حبيب: أن آسار الدواب كلها لا بأس بها إلا البقرة الجلالة التي تأكل الوضي، و لا تخلط معها غيرها.
مسألة:
قال موسى بن علي: إن كلب الصيد لا يفسد من مسه و هو رطب، و لا يقطع الصلاة، و قال محمد بن محبوب: إنه يقطع الصلاة و يفسد على من مسه و هو رطب.
مسألة:
أنجس الأنجاس عندنا البول، ثم العذرة، ثم الدم، ثم الجنابة، و عن الربيع قال: سؤر الدواب كلها: الجمل و الحمار و البقر و الغنم، تشرب منه و يتوضأ إلا الجلالة لا يتوضأ بسؤرها و لا يؤكل لحمها، حتى تخرج إلى المغذي أو تربط أربعين يوما و ليلة، ثم يجوز ذلك منها. و الجلالة من الإبل و الأنعام هي التي لا طعام لها إلا الرجيع، و إن خلطت مع الرجيع غيره من الحشيش فليست بجلالة.
و قيل: إن أسآر الدواب: الجمل و الفرس و الأغنام و الشاة يشرب منه و يتوضأ إلا البقرة.
و قال سليمان بن عثمان رحمه الله: البقر يشرب من سؤرها و يتوضأ منه، و لا يتوضأ و لا يشرب من سؤر الفرس و الحمار لأنهما لا يؤكل لحمهما، و الإبل مثل البقر في قول سليمان. (1/311)
صفحة 311
و لا بأس بشرب لبن الحمارة، إلا أن تكون جلالة، و لا بأس بلبن الكلبة، و لا أراه حرما، و لا يحل لحم الخنزير.
و من تحنا بحناء نجس، فبعضهم قال: يجعل عليه النورة، و بعضهم قال: يغسله.
و من أصاب أحدا بنجاسة بغير قصد منه لذلك فعليه أن يعلمه، فإن لم يعلمه كان عاصيا بذلك.
و الصبي إذا كان مراهقا غير مختتن، و يقر في وقت البلوغ فهو نجس.
و الأقلف البالغ قالوا: ينجس ما مسه و يقطع الصلاة.
و عن الفضل: أنه لا يفسد لما مسه.
و إذا وضع الميت على دعن نجسة و طهر، فلا أرى الدعن يطهر بطهور الميت، إذ الدعن تنشف الماء و النجاسة، و لا يكون مثل ذلك طهرا لها.
و قال ابن محبوب رحمه الله: لا خير في نصاب العاج، و لا مكحلة العاج، و قال غيره: لا بأس.
و سؤر السباع كلها مفسد إلا الكلب المكلب، فإنه لا يفسد سؤره و لا ما مسه و هو رطب.
قال أبو محمد رحمه الله: عندي: أن الكلب المكلب لا ينتقل حاله لصيانة أهله عن حكم الكلاب من أن يكون سبعا، و أنه يقطع الصلاة، و سؤره نجس، و عنه في موضع آخر: لا بأس بسؤر الكلب المكلب، و لا يقطع الصلاة و لا ينجس ما مسه. (1/312)
صفحة 312
مسألة:
و مختلف في رجيع الأنعام و عن أبي عبد الله رحمه الله: أن رجيع الخيل و الحمير و ما لا يجتر لا بأس به، و كان القياس: أن رجيع ما لا يؤكل لحمه من الخيل و الحمير و ما أشبههما أولى أن يكون نجسا، و ما يؤكل لحمه أشبه بالجواز في حكم التطهير، لأن الناس قد اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، و لم يختلفوا في بول ما لا يؤكل لحمه. و الله أعلم.
و سؤر الفيل وروثه طاهر، و قال بعض في لحمه: إنه من الأنعام، و قال بعض: يكره، و كذلك لا بأس بعرق الإبل و سلحها، و رخص بعض في قيئها و الشرر الذي يطير من بولها، ما لم يصبغ القدم لا بأس به.
مسألة:
و شرر البول لا يحكم بنجاسة ما طار منه، ما لم يدرك على البدن أو الثياب، أو يرى بنظر، و لا يحكم على البدن بغير ذلك. ألا ترى أن الذباب يقع على الدم بين الحجام و على العذرة الرطبة و الإنسان يقر بها، و تسقط على بدنه فيحس برودتها، و الرطوبة على بدنه، و معلوم أنه إذا وقعوا عليها و هي رطبة فأجنحتهم و سائر ما يلاقيها منهم من ما مس أنهم يأخذون منها ثم يلقون به الطاهر من الإنسان، فلا يكون لذلك حكم التنجيس حتى يؤثروا على البدن أو الثياب شيئا من عين النجاسة. و الله أعلم.
مسألة:
اختلف الناس في سؤر الهر، فقال بعضهم: نجس كسؤر الكلب، و قال آخرون: (1/313)
صفحة 313
طاهر، و كذلك سؤر الفأرة، فمن ذهب إلى تنجيس سؤريهما ذهب إلى أن السنور سبع و الفأر مثله، و من ذهب إلى تطهيرهما قال: إن الفأر من الهوام، و أنه وحشي، و أن البلوى به كثيرة، و بها لا يمكن الناس الامتناع من سؤره و بعره.
و روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه كان يصغي إلى السنور الإناء ليشرب، أي يميله إليها، و أنه قال صلى الله عليه وسلم: إنه من الطوافين عليكم و الطوافات، و قال بعض الفقهاء: لأنه خصه بهذا من جملة السباع، فأدخله في خبر عيال البيت. و الله أعلم.
مسألة:
و موت ما لم يكن له دم سائل في الماء لا يفسده، بدليل قول النبيء صلى الله عليه وسلم في خبر سلمان الفارسي: كل شراب وقع فيه دابة ليس لها دم سائل فماتت فيه فهو الحلال أكله و شربه و الوضوء به.
و كذلك روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كل شيء ليس له نفس سائلة، ثم ماتت في الماء لم ينجسه، أراد بالنفس الدم.
اتفق الناس أن موت ما يعيش في الماء لا يفسد الماء بموته فيه، و الأصل في ذلك قول النبيء صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه و الحل ميتته.
مسألة:
و قد روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن أكل ذي ناب من السباع و مخلب من الطير، و قد حكم بتنجيس سؤر هذا الطير كما حكم يتحريم أكل لحمه. (1/314)
صفحة 314
و كره بعض سؤر الدجاجة، لأنها تخلط الأنجاس، فلا يؤمن كون النجاسة على منقارها و إن لم تكن متيقنة، و الاحتياط في ترك سؤرها أولى على قول من كرهه.
كما أمر النبيء صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه بغسل يديه ثلاثا احتياطا مما عسى أن يكون قد أصابت يده موضع الاستنجاء، لعله النجاسة.
مسألة:
الذباب واحد للذكر و الأنثى، و الغالب عليه التذكير، كما أن الغالب في العقاب التأنيث، جمعه القليل: أذبة، و الكثير: ذباب و ذبان، مثل: غراب و أغربة و غربان، و الذباب طاهر دمه و ذرقه، و يقال في الحديث: إن عمره أربعون يوما، و أن تحت جناحه الأيمن شفاء، و تحت جناحه الأيسر سما، فإذا سقط في إناء أو شراب أو مرق اغمسوه فيه كله، فإنه يرفع ذلك الجناج الذي تحته الشفاء، و يحيط الجناح الذي تحته السم.
و يزعم العامة أن الذباب يجري ما شاء الله، لأنا لا نراه يجري على الشيء الأسود و الأبيض، و يجري على الشيء الأبيض و الأسود، و يقال: نم الذباب و وقظ، في معنى: تغوط.
مسألة:
و حكم القملة حكم الإنسان، و حكم ما يخرج منها من ذرق و دم حكمها حكمه، (1/315)
صفحة 315
لأنها لا توجد في موضع مفارقة له، و هي مقارنة له، و لما يقارنه من اللباس و غيره، و هي أيضا دموية غير مكتسبة، مثل ضمج و البعوض المكتسب، و لأنه مفارق ابن آدم فهذا فرق ما بين الضمج و القمل، ليس ما أصله دما كمكتسب الدم، و عند أصحابنا: أن دمها و ماءها نجس، و عند غيرهم، إلا أنه قال قليل: لا حكم له، و رأي أصحابنا أقوى حجة، و تركت الشرح خوف اتساعه.
و من غيره: و رفع بعض أصحابنا: أن دم القملة مجتلب غير أصلي، و أنها كالدماء المجتلبة، و أنه فرق ما بين المجتلب و الأصلي، فكل ما كان ذا عظم أو عرق أو عصب فدمه أصلي و ما سوى ذلك مجتلب.
- رجع إلى الفصل الأول – و من أخذها مما يلي رأسها لم تنجسه كان متوضئا أو غير متوضئ، قال أبو محمد رضيه الله: إن ماتت فهي نجسة، كانت في البدن أو في الثوب، و لا يجوز للمصلي أن يصلي و هو يعلم أنها في ثوبه أو في بدنه ميتة، و إن ماتت في ثوبه أفسدته، فإن صلى به مصل فعليه النقض.
و قال في كتاب الشرح: إنها لا تفسد إذا ماتت في ماء كثير، بئرا أو غيره. و الله أعلم.
و قد اختلف في مس القملة، قال قوم: تنقض، و قال قوم: لا تنقض، حتى يعلم أنه خرج منها شيء في يده، فحينئذ تفسد عليه، ليلا كان أو نهارا. و أجمع العلماء على استعمال الثياب التي فيها القمل حتى يعلم موتها، و قيل: إذا كانت القملة في الثوب ثم غمس في الماء و هي حية لم ينجس الثوب، و إذا طهر الثوب فقد طهرت (1/316)
صفحة 316
بطهارته، فإن ماتت في الثوب ينجس ما لاقى الثوب منها في موضعها إذا كانت رطبة، و الثوب رطبا أو كان يابسا، و إذا كانا يابسين فلا بأس بهما. و الله أعلم.
و إذا وقعت في ماء و هي حية فالماء طاهر، و إن كان يضعف عن حملها لغلبة بولغ في إخراجها، فإن خرجت و إلا قلع الطين.
فصل:
يقال للقملة الكبيرة: الهرعة، و يقال في الصغيرة و الكبيرة: الحكمة و الحنجة و الهريع، و قيل: تكنى أم عقبة. انقضى الذي أضفته.
- رجع إلى زيادة الكتاب –
و عن رجل كان في فمه دم فشرب من ماء في كوز فمضمض فمه، أيفسد ماء ذلك الكوز؟ قال: لا.
و من غيره عن أبي الحواري عن أبي بكر رحمه الله: أن أبا علي وقف عن هذه المسألة عن الثوب إذا وقع على موضع من الأرض، و هو ثرى من البول هل يفسد الثوب؟ قال: لا يفسد الثوب حتى يعلم أنه أخذ من الثرى، فعند ذلك يفسد.
و سألته عن رجل كان عند رجل له أمانة مثل خل أو حلاء (ينظر فيه) أو شيء من الطهارت، فقال له الأمين: إنه نجس أو وقعت فيه نجاسة، قلت له: أيفسد عليه ماله ذلك بقوله؟
قال: إن كان ثقة كان حجة عليه في ذلك، و إن كان غير ثقة فليس عليه أن يصدقه. (1/317)
صفحة 317
قلت له: فإن كان ثقة، فهل له أن لا يصدقه؟
فلم نر إلا أن يصدقه، و قول الثقة حجة عندي في مثل هذا، و أما في تحريم الأموال فيشهد عليه بتحريم ماله قد أخذه من وجه الحلال، فلا يكون ذلك حجة عليه، إلا أن يشهد عليه عدلان بذلك.
و عن برمة الحجر إذا طبخ فيها ماء نجس، كيف يكون طهارتها؟
فهذه تجعل فيها الماء، فإذا أرادوا طهارتها أوقدوا تحتها النار حتى ينشف ذلك الماء ثلاث مرات، و إن أرادوا جعلوها في الشمس ثلاث مرات ثم غسلوها، و تلك طهارتها. و هذا في قدر الحجارة و الطين لأنها تنشف. و الله أعلم. (1/318)
صفحة 318
الباب الخامس
في الوضوء و ما ينقضه و ما لا ينقضه، و أحكام ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) (1).
و قيل: لا يحافظ على الوضوء منافق، و لا يقبل صلاة بغير طهور.
و الوضوء: أن يذكر اسم الله عليه، ثم يبدأ بكفيه فيغسلهما، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يديه إلى المرافق، ثم يمسح رأسه، ثم أذنيه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، كل عضو ثلاثا، و إن زاد أو نقص فلا بأس، إذا أسبغ الوضوء.
من غير الكتاب و الزيادة:
وجدت أن الوضوء بفتح الواو اسم الماء، و بضم الواو الفعل، و وجدت أنا أن المضمضة حركة الماء بالمضمضة.
__________
(1) -الآية مدنية رقم 6 من سورة المائدة. (1/319)
صفحة 319
و من غيره: قال محمد بن المسبح: يمسح رأسه و أذنيه، و لو ترك اسم الله عند وضوئه فقد ترك ما لا ينبغي له، و لا نبصر ذلك مما ينقض وضوءه.
و من غيره: و قيل: من مضمض، فأجرى الماء على أسنانه و لم يولج إصبعه أجزأه، و الاستنشاق يجزئ بالماء دون اليد.
فمن توضأ و سها عن الأذنين حتى صلى، فما نقول إن عليه إعادة.
و من غيره: و يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه، فمن ذكر اسم الله بقلبه على وضوئه و إرادته لله تبارك و تعالى فقد ذكر اسمه، و هذا القول عنه عليه السلام تأكيد على النية عند الوضوء. و الله أعلم.
و من غيره: و أما ذكر اسم الله عند افتتاح الوضوء فقد جاء [به] التأكيد و الأمر، أحسبه عن النبيء صلى الله عليه وسلم، و أنه كان يفعل ذلك، و يأمر به.
و معي: أنه قيل في ترك ذلك على التعمد [أنه] ينقض الوضوء، و إذا كان ذلك على القصد إلى مخالفة السنة – لعله يخرج عن التعمد- إذا تعمد لترك ذلك، لأن ذكر اسم الله قد جاء في تأكيد أن يكون فاتحة لكل شيء من طاعة الله، و لا نعلم شيئا من طاعة الله، و لا شيئا من الأمور التي تضاف إلى أمر الطاعة (1/320)
صفحة 320
و أمر الحلال مؤكدا فيه السنة عن النبيء صلى الله عليه وسلم ذكر الله تبارك و تعالى، و هو أهل لذلك، و كل شيء لم يذكر فيه اسم الله و لا ذكر عليه اسم الله فلا يرجى له معنى الصلاح، و لا يدرك له معنى نجاح و لا فلاح.
و أحسب أنه قيل: قد أساء، و لا نقض عليه، أعني في ترك اسم الله على الوضوء.
و أحسب أنه يخرج معنا فساد وضوئه بترك الذكر لاسم الله، إذا لم يقصد لوضوئه لله على ما خوطب به من التعبد، فهو على ذلك الترك من ذكر اسم الله، أي من ذكر الله في قصده إلى ذلك له، و هو حسن، إلا أنه قد يخرج العذر في النسيان للقصد إلى ذلك مع تقديم النية به في جملة التعبد.
كتبت آخرها على ما بان لي، فينظر في ذلك و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب، إن شاء الله.
و من غيره: قال أبو زياد فيمن توضأ و لم يقل: بسم الله، فمتى ما ذكر قال: قال الله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (1).
رجع:
و إن قال، إذا فرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين، و اجعلني من عبادك الصالحين فحسن، و ذلك يستحب.
__________
(1) - الآية مكية رقم 24 من سورة الكهف. (1/321)
صفحة 321
و يخلل لحيته و أصابع يديه و رجليه عند الوضوء.
و من غيره: و قال بعض الفقهاء: يمسح على لحيته مسحا، و كان بعضهم يخلل مما يلي الوجه منها، و كل ذلك جائز إن شاء الله.
رجع:
و قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشربوا أعينكم الماء لعلها لا ترى نارا حامية، و خللوا أصابعكم قبل أن تخللها النار. -و في نسخة- قبل أن تخلل بمسامير من النار. و ليس أرى على من توضأ أو اغتسل أن يتعمد لفتح عينيه، و لا يتعمد على أن يغمضها.
و من غير الجامع، قال محمد بن المسبح: إلا أن يكون جنبا فيبلهما بالماء.
و من غيره: و اللحية ليست من حدود الوضوء، إلا أنه أيضا يستحب أن تخلل، فإن لم يفعل فلا نقض عليه، و يؤمر أن يرطب العنيك، و هو ظاهر اللحى الأسفل من أول اللحية، و قيل: إن العنيك بين الأذن و اللحية الذي عند العظم الذي بين الوجه و الرأس، و هو بالنون. و قيل: إن مسح المتوضئ رأسه بأصبع أو أصبعين لم يجزه ذلك. (1/322)
صفحة 322
و من غيره: قال محمد بن المسبح: يجزيه إن مسح رأسه بأصبع أو أصبعين، و تجميع الكف أحب إلينا.
رجع:
و إن مسح بثلاثة أصابع أجزأه، لأنه مسح بالأكثر من أصابعه، و إذا مسح مقدم الرأس أجزأه، و إن مسح قفاه و ترك مقدمه لم يجزه، و بلغنا عن أبي عبيدة عن جابر رحمهما الله: أنه توضأ و عليه عمامة أو كمة أو قلنسوة، قال: فأخرها بإحدى يديه عن رأسه ثم مسح رأسه ثم أعادها.
و قال النبيء صلى الله عليه وسلم: واحدة لمن قل ماؤه، و اثنتان لمن استعجل، و ثلاث عليهن الوضوء.
و من غيره: و أرجو أنه يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: و ثلاث وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي، و قال أيضا: يجزئ الوضوء للصلاة واحدة لمن قل ماؤه، و اثنتان للمستعجل، و ثلاث شرف، و أربع سرف، و لا سرف عندنا أشد من مخالفة السنة بغير عذر، و الخارج من الشيء بزيادة في جميع الأشياء يخرج له ذلك إلى معنى الإسراف، و لا يلحق الإسراف من كان على سبيل القصد و السنة. (1/323)
صفحة 323
رجع: و من توضأ واحدة و أحكم بها الوضوء، و صلى فصلاته تامة و لا نقض عليه، و لو لم يكن ماؤه قليلا بلا أن يؤمر بذلك، و لا نحب له إلا من عذر. و من توضأ لنسك أو طهارة أجزأه ذلك لصلاة الفريضة، و لو لم يرد به الصلاة فإن توضأ و لم ينو لمعروف أعاد الوضوء للفريضة.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: و من توضأ بالماء للصلاة أجزأه و لو لم ينو.
و من غيره: و سألته عن رجل توضأ لفريضة، فلما صار في بعض وضوئه اعتقد لفريضة ثانية، فرفع أبو سعيد عن أبي الحسن أنه قال: ما لم يتم وضوءه لما اعتقد لما يريد من الصلاة، جاز ذلك إن شاء الله.
و من غيره: تحفظ عن أبي سعيد في المتوضئ إذا اعتقد حفظ وضوئه بعد ما فرغ من وضوئه لصلاة ثانية، أنه يصلي به حتى يعلم أنه انتقض في بعض القول، فانظر فيه.
رجع- و من شك في عضو أنه لم يحكم وضوءه بعد أن خرج منه إلى العضو الثاني فلا نرى عليه أن يرجع إليه حتى يستيقن أن لم يغسله، و كذلك إن شك في وضوئه كله بعد أن فرغ منه فلا إعادة عليه، و كذلك حفظ لنا الثقة عن أبي علي رحمه الله، و كذلك إذا خرج من الماء على أنه قد غسل أو توضأ، ثم شك بعد فلا يرجع إلى الشك حتى يستيقن، و لو لم يكن لبس ثوبه. (1/324)
صفحة 324
رجع
و من قدم غسل يديه قبل وجهه، أو رجليه قبل يديه فلا نقض عليه ما لم يرد خلافا للسنة، و من نسي غسل جارحة من حدود وضوئه، ثم ذكرها من بعد أن فرغ أعادها غسلها وحدها، قال غيره: إن ذكرها قبل أن يجف وضوءه أعادها وحدها، و إن كان جف أعاد وضوءه كله، و إن ذكرها من بعد أن دخل في الصلاة أعاد الوضوء و الصلاة.
و من غيره: وجدت في من نسي مسح رأسه، قال من قال: يستأنف الوضوء و لو كان وضوءه كله رطبا، و قال من قال: يجزيه مسح رأسه إذا كان وضوءه كله رطبا.
و قال من قال: يجزيه و لو جف وضوءه ما لم يدخل في الصلاة، و قال من قال: و لو دخل الصلاة، إنما عليه مسح رأسه وحده.
و من غيره: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم شغله أمر عن تمام وضوئه بنى عليه ما لم يكن يبس – و في نسخة- ما لم يكن وضوءه الأول يبس، و الله أعلم، و إن كان يبس ابتداء وضوئه إلا أن يكون ذلك في طلب الماء
و من غير الكتاب و زياداته- أحسب أنه قيل: يبنى- و لعله قل ما يوجد إلا على معاني إجازة ذلك. (1/325)
صفحة 325
رجع:
عن أبي عبد الله: في من نسي مسح رأسه حتى جف وضوءه، أن عليه إعادة الوضوء و الصلاة - و في نسخة – إن كان قد صلى، و إن كان شيء من وضوءه لم يجف، فإنما عليه أن يمسح رأسه، و إن كان في لحيته ماء فأخذ و مسح رأسه أجزأه.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إن وجد الماء فهو أحب إلي من بلل لحيته.
و إن مسح المتوضئ وجهه أو غيره من حدود الوضوء بثوب نظيف حتى يبسه، فلا أرى ذلك مما ينقض وضوءه.
و عن أبي سعيد: يخرج في قول أصحابنا كراهته في مسح مواضع الوضوء على التعمد له، و أكثر ذلك بالمنديل في معنى قولهم: إن الوضوء نور و أثره يبقى في الجسد نورا، فلا يستحب إزالة ذلك، فإن أزاله بثوبه الذي يصلي فيه فهو أهون من المنديل في معنى الكراهية، و كل ذلك على الفضل لا على الحجر. و الله أعلم.
و من غيره: و بلغنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه بطرف ثوبه و آثار وضوءه. (1/326)
صفحة 326
رجع:
قيل: و إن كان في جارحة من حدود وضوءه موضع لم يصبه الماء و كان في شيء من بدنه شيء من الماء فرطبه أجزأه.
و من غيره: قال أبو عبد الله رحمه الله: لا يجزيه إلا مسح رأسه، و أما غير ذلك من جوارح وضوئه فلا يجزيه إلا أن يعيد بماء غيره.
و بلغنا: أنه يجزئ للوضوء مد من ماء، و هو ربع الصاع.
و من غيره: قال النبيء صلى الله عليه وسلم: يجزئ للوضوء مد و للغسل صاع، و سيأتي أقوام من بعدي يستقلون ذلك، أولئك على خلاف سنتي، و الآخذ بسنتي معي في حظيرة الفردوس.
رجع:
و كل ماء استعمل فلا يجوز أن يستعمل للغسل أو الوضوء مرة أخرى، و أما إن وقع شيء من وضوءه في إنائه فلا بأس بذلك.
و من غيره: و من جواب لأبي الحواري رحمه الله: و عن رجل يتوضأ أو يغتسل بماء قد استعمل لجارحة أخرى، أو بماء قد غسل جرجرا أو وضع فيه غزل نسج به، أو إناء غسل به من طعام أو غيره، أو بماء قد طبخ به بسر، (1/327)
صفحة 327
أو دق فيه خوص أو عصف و لم يجد ماء غيره و توضأ به و صلى، فعلى ما وصفت- لم يجيزوا أن يتوضأ بالماء المستعمل مثل الذي يقطر من الوضوء و الغسل، و كذلك الذي يغسل به الإناء و يطبخ به البسر، فلا يجوز الوضوء بذلك، فمن توضأ بذلك و صلى أعاد الصلاة. و أما الماء الذي وزق فيه الغزل و الجرجر و الباقلاء و الخوص و العصف، فالوضوء به للصلاة جائز، من غير استحباب، و تتم به الصلاة، وجد غيره أو لم يجد، لأن هذا على حاله، و هو عندنا أمثل من الماء المستعمل.
و من وجد ماء مستعملا مثل ما وصفت لك من طبيخ البسر و غسل الإناء و لم يجد غيره توضأ به، ثم تيمم و يصلي.
و أما الذي يجد الماء قد قطر من المتوضئ أو من الغاسل فإنه يتيمم و لا يتوضأ بذلك، لأن ذلك ماء قد هلك.
قال غيره: الماء الذي قد غسل به الإناء من غير نجاسة و لم يغيره؛ فهو عندي أولى من الماء المستعمل للوضوء و الغسل، ما لم تكن فيه نجاسة، و هذا المستعمل على هذه الصفة أولى عندي من الماء المطبوخ به البسر إذا غيره و نقله إلى ماء البسر، و الماء الطهور أولى من هذه المياه إذا وجد.
و من غيره: في هذه المسألة نظر.
و عن رجل يتوضأ بالماء قد خالطه اللبن، قال: لا بأس بذلك. (1/328)
صفحة 328
رجع: و قيل: من لم يكن معه ماء إلا نبيذ، توضأ به و تيمم أيضا، و كذلك الخل أيضا.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: لا يتوضأ بالنبيذ و لا بالخل و لا باللبن، و ليتيمّم.
رجع: قال أبو عبد الله في من توضأ بماء اليهود و النصارى و هو في بيوتهم، قال: أرجو أنه لا بأس به، ما لم يعلم أن به بأسا أو مسّوه، و قال: إنما ماؤهم مثل دهنهم – و في نسخة – قلت: و كذلك المجوس و دهنهم؟ قال: نعم، قال غيره: إن المجوس في ذلك ليسوا كأهل الكتاب. و الله أعلم.
و في من قطعت يده أو غيرها من جوارح الوضوء، فإن بقي من تلك الجارحة شيء من حدود الوضوء غسله، و إلا فإنما عليه وضوء ما بقي من جوارح الوضوء.
و من كان في جارحة من حدود وضوءه جرح أو كسر و عليه جبائر، و يخاف إن مسه الماء أن يزداد عليه فليس عليه أن يمسه الماء، و لكن يوضئ بقية الجارحة و يجري الماء حوله، و إن كان استفرغ الجارحة كلها توضأ لبقية جوارح الوضوء، و تيمم أيضا. ومن غيره: قال محمد بن المسبح: ليس عليه تيمم.
رجع: و من نزع شعرة أو جلدة أو ظفرا من حدود الوضوء، فيبل موضع ذلك بالماء بلا إعادة وضوء، و إن لم يبله أيضا فلا نقض عليه، و عن أبي زياد قال: (1/329)
صفحة 329
اكتبت إلى موسى، أسأله عن من توضأ ثم أخذ له من شعره و نسي أن يمسحه حتى صلى؛ أنه يعيد الصلاة، و أنا شاك أنه يعيد الصلاة و الوضوء، أو يعيد الصلاة، و يمسح ما أخذ له من شعره، و أنا أحب أن لا يكون عليه في هذا نقض صلاته و لا وضوءه، لأنه قد مسح رأسه من قبل بلا مخالفة مني لأهل الرأي.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: صلاته تامة و لو حلق رأسه، و قال محمد بن المسبح: من قص رأسه أو قلم أظافيره و هو متوضئ و صلى، أنه جائز و لو لم يمسحها بالماء، لأنهما من السنة، لما روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم: حفوا الشوارب و وقروا اللحى، فإن مسح بالماء الشارب و الأظفار فحسن.
و من غير الكتاب و زياداته:
في من قطع شعرة من لحيته بضرسه أنه ينتقض وضوءه من أجل أنه مسها بضرسه و أنها ميتة، و وجدت فيمن قص شعره من رأسه و صلى بها و هي في ثوبه، أنه يعيد الصلاة لأنها ميتة، و الله أعلم بعدل هذين القولين، و أحب عرضهما على من يبصر عدلهما من المسلمين.
رجع – و عن من نسي مسح أذنيه و المضمضة و الاستنشاق حتى صلى تمضمض و استنشق و أعاد الوضوء للصلاة- و في نسخة: فلا إعادة عليه- و في نسخة: إلا الجنب إذا نسي المضمضة و الاستنشاق حتى صلى تمضمض و استنشق و أعاد الوضوء و الصلاة. (1/330)
صفحة 330
و من غيره: قال أبو الحواري عن أبي عبد الله: لا نقض عليه في صلاته، إلا أن يكون جنبا، و عن أبي معاوية: لا نقض عليه في صلاته و لو كان جنبا، فإذا نسي المضمضة و الاستنشاق حتى صلى – و في نسخة: فلا إعادة عليه-، و إن تركها عامدا أعاد.
رجع- و إن لم يدخل المتوضئ أصبعه في فيه أو منخريه متعمدا بذلك فلا بأس و لو كان جنبا.
قال بعض أهل الرأي: من كان في يده من حدود الوضوء أو غيره مما ينجس، أنه إن توضأ حتى إذا وصل إليه غسله له غيره أو غسله بحجر أو غيره، ثم أتم وضوءه و لم يمسه أنه لا بأس بذلك.
و قال غيره: بل يغسله، ثم يبتدئ الوضوء، و هذا الرأي أحب إلي، و به نأخذ. و بلغنا أن بشيرا لم يكن يرى بأسا أن يلبس الرجل الثوب وجسده رطب و فيه جنابة يابسة – لعله- كان يذهب إلى أن اليابس يأخذ من الرطب، و الرطب لا يأخذ من اليابس، و كره غير ذلك، و رأي من كرهه أحب إليّ.
و من كان في بدنه جروح لا يقدر على غسلها، و بوجهه مثل ذلك تيمّم، و إن كان بيديه خاصة فإنه يغسل وجهه و ذراعيه و يمسح على يديه، قال: و إن كان إنما هو جرح على كل ذراع و بوجهه مثل ذلك، فإنه يتوضأ و يمسح على ذلك. (1/331)
صفحة 331
و من غيره: قال: يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم: أنه مضى على رجل يتوضأ و يستعمل الماء كثيرا، فقال عليه السلام: لا تثجو الماء ثجا، و سنوه سنا، و بثوه بثا.
و من غيره: عن أبي الحواري رحمه الله: و هل يجوز الوضوء بالندى؟ فإذا كان يجري فلا بأس، فأما بعصر فلا كذا.
قال نبهان رحمه الله: ومن غيره، قال: معي: إذا مس الرجل من المرأة ما فوق الكف انتقض وضوءه و يأثم، و إنما يلزمه النقض هاهنا بمعنى الإثم، ومنه قال: يأثم بلا نقض و سل عنها.
و من غير الكتاب و الزيادات: و عرفت أنا أن نقض الوضوء مختلف فيه من أصلين: إثم و ضمان، فقال بعض: ما كان مؤثم فعله فهو ينقض الوضوء، و قال آخرون: لا ينقض إلا ما كان يفعله ضامنا كالنظر و اللمس و الشم، و ذكر الفروج بأقبح أسمائها، و ما أشبه ذلك، فالذي ينقض مخرجه مخرج الإثم. و الله أعلم.
رجع إلى زيادة الكتاب
و من غيره: و أما ما ذكرت في أمر الرجل الذي كان في بعض جوارحه عقر فيه دم ليس بفائض، ثم توضأ للصلاة، و أجرى يده على العقر و صلى، و ذهب أثر الدم- فعلى ما وصفت، على حسب ما أعرف من قول الشيخ: فأحب له الإعادة لما صلى قبل هذا بذلك الوضوء، إلا أن يطهر ذلك الوضع و يتوضأ (1/332)
صفحة 332
وضوءا كاملا عن طهارة، و ذلك أنه قال: و إن كان الدم غير فائض، فإنه إذا جرى عليه الماء في هذا الوضوء فاض منه الماء الذي قد جرى عليه و تنجس ذلك الذي قد جرى عليه الماء الأول، فإذا تنجس ذلك بطل الوضوء، فافهم ذلك.
و أما حسب ما وجدت عن أبي الحواري رحمه الله، فقال: ذلك الماء طاهر، إلا أن يخرج ذلك الماء من ذلك الموضع متغيرا من الدم، فعلى هذا القول فليس عليه إعادة الصلاة حتى يعلم أنه خرج ذلك الماء الذي وقع في ذلك الموضع من ذلك الدم متغيرا، ثم هنالك يفسد وضوءه، فافهم الفرق في ذلك، و إن أخذ بالقول الأول فهو أحوط، و إن اتسع بهذا فهو وجه صواب إن شاء الله.
و عن ماء يكون في الصفا قدر جرتين أو أقل أو أكثر، و الماء يطرح عليه و لا يرى يخرج منه شيء، هل يتوضأ منه للصلاة أو يغسل منه من الجنابة؟ فمعي: أنه قد قيل: يجوز ذلك، إذا كان يدخله الماء الجاري.
و عن المريض إذا لم يقدر يوضىء نفسه، يجوز له أن يتيمم و يصلي أم يلزم أهله أن يوضئوه؟
فمعي: أنه قيل: إذا زال عنه هو حال العذرة بنفسه، فليس عليه هو أن يستعين بغيره و يتيمم و يصلي، و قيل: عليه أن يستعين بمن تجوز له الاستعانة به في الصلاة بمثل ذلك، و إذا ثبت معنى الاستعانة منه لم يبعد عندي أن يكون على من استعان به أن يعينه إذا قدر على ذلك.
و من طعنته سلاة في إثره و هو على وضوء أو غير وضوء، هل يتم وضوءه و لا يكون عليه أن ينظرها، كان ذلك في الليل أو في النهار؟ (1/333)
صفحة 333
إذا كان الأغلب منه الرّجيّة أنها لم يخرج منها دم فليس عليه أن ينظرها، كان ذلك في الليل أو في النهار، و إن كان الأغلب منه الخوف و التهمة أحببت له النظر، و تفقد أحوال وضوءه من حال التهم و الريب إلى البراءة.
قلت له: فإن كان الأغلب أنه قد خرج الدم فتركها و لم ينظرها و صلى، هل تتم صلاته؟
قال: أما في الحكم فلا أحكم عليه بذلك، إلا أن يستيقن بسيلان الدم و نحوه، مما لا يشك فيه، و أما الاحتياط فأحب أن يعيد صلاته.
و من غيره: و من علم رجلا كيف يتوضأ و لم ينو به إلا التعليم، و أجرى هو الماء على موضع الوضوء، فقال من قال: إنه يحفظه و يجزيه أن يصلي به، لأن التعليم من البر و الطاعة، و قال من قال: يعيد الوضوء و يصلي به.
قال محمد بن المسبح: من توضأ بالماء أجزأه للصلاة و لو لم ينو.
و من جامع الشيخ أبي الحسن رحمه الله، قال أصحابنا في من نظر من أبدان النساء المحرمات عليه، ممن ليست بمحرم، وجهها و كفيها فلا بأس، و أما إذا نظر غير ذلك من النساء و أبدانهن على العمد [فقد] نقض وضوءه، فأما ذوات المحارم فلا ينقض معهم نظره إلى شيء منهن إلا الفرج، و الإماء لا ينقض النظر إلا الفرج، و لا ينقض بدنها. (1/334)
صفحة 334
و للمرأة أن تضع خمارها عند عبدها إذا كان مأمونا، و قال من قال: تستر من عبدها رأسها، و لها أن تغسل و وليدها ينظر إلى جسدها، ما لم ينظر الفرج و الدبر.
و من غيره: قال: و قد قيل: لا يجوز لها أن تنظر منها سوى زوجها من السرة إلى الركبة، فكل ذلك عورة منها على الجميع إلا زوجها، و عن المرأة تنظر من الرجل و هو غير ذي محرم منها خلاف السرة إلى الركبة تعمدا أو بشهوة، هل يحرم ذلك عليها؟ فأما حرام فلا نقول إنها ركبت حراما، و لا ينبغي لها أن تملأ عينها من غير زوجها، و لا من غير ذي محرم منها، لشهوة أو لغير شهوة، إلا أن يكون لمعنى لابد من غير معصية.
و هل للرجل أن يبرز فخديه للضيعة؟ فلا يجوز له ذلك إلا أن يكون مستترا و لا يراه أحد إلا زوجته أو أمة يطؤها.
و هذا ما سألت عنه محمد بن خالد البدبدي: و ما عندك؟ هل للمرأة أن تنظر من المرأة ما يجوز للرجل أن ينظر من الرجل؟ و كذلك، هل يجوز للرجل أن ينظر من ذوات محارمه من النساء ما فوق السرة و دون الركبة؟ فقد عرفت أن في ذلك اختلافا. و الله أعلم. و عندي: أن ذلك إذا لم يكن لشهرة. (1/335)
صفحة 335
و عن أبي معاوية فيما يوجد عنه: أنه إذا شك في وضوءه بعد أن يدخل في الصلا و لم يكملها فعليه أن يتوضأ، و لا تنفعه الصلاة على الشك في الوضوء، فإذا فرغ من الصلاة ثم شك في الوضوء فلا إعادة عليه.
و من غيره، قال: نعم، و ذلك إذا شك فلم يدر توضأ أو لم يتوضأ، و أما إذا توضأ ثم خرج من الوضوء، فشك أنه لم يغسل شيئا من جوارحه فلا إعادة عليه و هو على وضوءه، و كذلك إذا قام من موضع الوضوء على أنه توضأ، ثم شك في الوضوء كله، لم يكن عليه إعادة، و كذلك إذا مضى على أنه يتوضأ فمضى على ذلك و هو ذاكر للوضوء حتى أخذ في الوضوء، و قام على أنه قد توضأ، ثم شك في الوضوء، فلا إعادة عليه حتى يستيقن على شيء بعينه.
و قيل في رجل توضأ و نسي مسح رأسه حتى دخل في الصلاة، قال: إن كان في لحيته شيء من الماء فليضرب، ثم فليمسح رأسه ثم يرجع يصلي، قال: و قد قيل: إنه إذا نسي حتى دخل في الصلاة أعاد الوضوء، و إن ذكر قبل أن يدخل في الصلاة أعاد العضو الذي نسيه، فإذا نسيه حتى صلى أعاد الوضوء و الصلاة.
و سئل أبو معاوية رحمه الله عن رجل نظر إلى ركبة رجل عمدا أو سرته، هل ينقض وضوءه؟ قال: لا ينقض وضوءه حتى ينظر إلى العورة.
قلت: فإن مسح رجل لرجل سرته من علّة، قال: أرجو أن لا يكون عليه بأس إن شاء الله.
قال غيره: قلت: فإن كان في المسجد فكان فيه من لا يستر فخذه و ركبتيه (1/336)
صفحة 336
مثل جندي أو باد، و نظرت إليه أينقض الوضوء؟ و قلت: إن كان نائما في المسجد و دخلت و عورته بادية فنظرته؟ فإن نظرت فلما استبان لك ما لا يجوز لك النظر إليه غضضت، فلا ينقض ذلك الوضوء، و إن أدمت النظر من بعد أن استبنت انتقض الوضوء إلا الركبة و السرة، فقد رخص في ذلك بعض المسلمين.
قال غيره: و معي: أنه يعني بالعورة الفرجين، و أنه لا ينقض الوضوء إلا النظر إلى أحدهما على التعمد، و معي: أنه قد قيل ذلك.
و عن الماء المستقر نحو ثلاث قرب أو أقل أو أكثر يستنجي الرجل منه و يتوضأ، و يرجع الماء الذي يستنجي به فيه، ثم يجيء آخر، فيفعل مثل ذلك.
قال: أحب إلي أن يطلب غيره.
قلت: فإن كنت في سفر أتيمم بالصعيد أو أتوضأ به؟ قال: بل تتوضأ به، و هو أطهر من الصعيد، و لا يفسده ذلك.
و قال غيره: و إن كانت أثرة الكلب رطبة، و وطئ عليها المتوضئ نقض الوضوء، و إن كانت أثرة الكلب يابسة و أثر المتوضئ رطبة لم ينقض.
و عن الرجل الذي يتوضأ للصلاة، فإذا بقي عليه غسل رجليه خاض بهما الماء قليلا أو كثيرا، قلت: هل يجزيه ذلك عن العرك، و يقوم مقام العرك؟
فإذا عمت الحركة موضع الوضوء من رجليه بقدر عركة واحدة من ممر الماء أجزأه ذلك عندي على حسب ما قيل. (1/337)
صفحة 337
رجع-
قلت له: و كذلك إن كانت طوى تشرب منها الدواب، و من لا يتقي نفسه من النجاسة مثل الزنج و الهند الذين مع هؤلاء الجند، و ترد الكلاب و الدجاج، إلا أنه لا يبصر الكلاب تمس الطوى نفسها، فظن أنه لا يسعه أن يتوضأ من هذه الطوى فتيمم و صلى، ما يلزمه في ذلك؟
فعلى ما وصفت: فإن كان قد علم أنه مس هذه البئر شيء مما ينجسها فتيمم و صلى، فقد أصاب الحق في ذلك إن شاء الله، و إن كان إنما ترك الوضوء من هذه البئر لموضع ما يتخوف مما يرى حولها مما يخاف أن ينجسها و لم يره مسها، و إنما ترك الوضوء منها هكذا، فليس معنا في ذلك حفظ، غير أنا عرفنا من قول الشيخ في من لم يجد ماء إلا من عبد أو يتيم أو ما يسرقه و يتوضأ به أو لم يعرف لمن هو، فقال: يأخذ الماء على هذا السبيل كله، و يدين بما يلزمه في ذلك، و يتوضأ به و يصلي، فإن لم يفعل و تيمم و صلى، فعليه الإعادة و لا كفارة.
و وجدنا من جواب أبي الحواري رحمه الله في من أتى إلى بئر و عليها دلو، و ليس معه أحد، فقال: يستقي و يتوضأ و يصلي و يدين بما يلزمه، و إن ترك الوضوء من أجل ما يخاف أن يلزمه في ذلك و تيمم و صلى مع البئر، فعليه البدل و الكفارة. (1/338)
صفحة 338
و تقول في مسألتك هذه على حسب هذين القولين، أنه إن كان رأى هذا الرجل مس هذه البئر و ما ينجسها عند المسلمين فتيمم و صلى و هو لا يعلم ذلك ينجسها، إلا خوفه هو فهذا قد أصاب و لا بأس عليه، و إن رأى هذا الرجل مس هذه البئر ما لا ينجسها عند المسلمين، و هو يظن أن ذلك ينجسها فتيمم و صلى لذلك، فهذا سبيل ما قد قيل في هذين القولين، و يأخذ في هذا بما هو ألطف، و عليه البدل و الكفارة، و في نسخة: و لا كفارة، و إن هو صام عشرة أيام فحسن، و إن كان إنما ترك الصلاة من هذه البئر من أجل ما يقع في نفسه أن هذه الدواب التي ذكرت مما تنجس أو لا تنجس، و هذه الهند و الزنج و ما ذكرت، كانوا بنجس عند المسلمين أو لم يكونوا نجسا فترك هذا الوضوء من هذه البئر من أجل ما يقع في نفسه أنه يخاف أن يكونوا قد مسوها، فهذا ليس له في هذا عذر، و لا علة له في هذا، و عليه البدل و الكفارة بالتغليظ. و الله أعلم بالصواب.
و قال غيره: و كذلك يخرج في قرية كلها أطوى، عليها حبال للزجر و دلاء من وقت صيف، قد انقطع الزجر و حضرت الصلاة، هل له أن يجر بدلو من لا يعرف و يستقي و يتوضأ و يشرب إذا كان به ظمأ؟ فعلى ما وصفت: فإن هذا يستقي بهذه الدلاء، و يتوضأ و يصلي و يشرب إذا كان به ظمأ، و يستحل أهلها إن قدر عليهم، فإن لم يقدر عليهم لم أر عليه بأسا إذا لم يحدث فيها حدثا من قبله ينقطع الحبل أو ينخرق الدلو، و إن كان أصابها منه حدث فعليه أن يخرج إلى أهلها حتى يتخلص من ذلك الحدث، فإن لم يحدث فيها حدثا، لم يكن ذلك عليه، و هذا إذا (1/339)
صفحة 339
كانت الدلاء مركبة على الأطوى، فهذه لا ضمان عليه، إن عنى هذه الدلاء معنى من غيره إذا لم يحدث فيها حدثا منه، و إن كانت هذه الدلاء ليست بمركبة على الأطوى، و إنما هي في عرشهم أو في بيوتهم التي يسكنونها، و قد خرجوا منها قلة، أن تستقى بها و يتوضأ للصلاة، و يشرب من الظمأ و هو ضامن لتلك الدلاء إذا كان على هذا الوجه الذي وصفت لك.
و من غيره، عن ماء في إناء يشرب منه كلب و لا أقدر على غيره، أتوضأ منه أو أتيمم؟ قال: التيمم أحب إلي، و عسى إن توضأ أجزأه، و رجل توضأ، فلما فرغ خرجت ريح، قلت: أعليه استنجاء؟ فقد قيل: لا.
قلت: أو كان نائما و خرجت منه ريح، و لم يستيقن على ذلك أنه خرجت منه نجاسة، هل عليه استنجاء؟ فقد قيل: لا.
و وجدت في الأثر، قال: سمعت بعض أهل المعرفة يقول: إلا أن تخرج الريح رطبة فعليه الاستنجاء.
و قلت: و لو كان توضأ و أراد أن يصلي، فسمع صوتا كصوتها أو شم ريحا او شبه ذلك فلم يستيقن، فإذا كان في غير أوقات الصلاة لم يجد شيئا من ذلك، فلما كان كذلك تركه و لم يعد الوضوء و صلى بوضوءه، هل له ذلك حتى يعلم أنه خرج منه شيء؟ فنعم، له ذلك عندي على ما ذكرت، لأنه [على] هذا يخاف أنه من الشيطان.
و قلت: لو شم ريحا أو سمع صوتا و اشتبه عليه، فلم يعرف صوتا أو ريحها أو (1/340)
صفحة 340
غير ذلك، فلم يستيقن عل خروج شيء فصلى، هل له ذلك؟ فنعم، له ذلك عندي.
و قلت: لو سمع صوتا أو شم ريحا، فلم يعرف منه أو من غيره و صلى، هل له ذلك حتى يستيقن؟ فنعم، له ذلك عندي.
و قلت: لو كان الإنسان على وضوءه، ثم مس عذرة يابسة أو نجاسة غيرها يابسة، هل يتم وضوءه؟ فقد قيل: يتم إلا الميتة فقد قيل فيها باختلاف إذا كانت يابسة، و أحب فسادها- نسخة: أن لا تفسد.
و من مس فرج امرأته و هي على وضوء و تمس منه هي ذلك و هي على وضوء، فقال: إنما ينتقض على الماس منهما غير الممسوس، قال الحسن بن أحمد: قيل: عليه النقض. و الله أعلم.
قال جابر بن زيد رحمه الله عن الرجل يكون في صلاته، فيصيب عقبه ذكره، أيعيد الوضوء؟ قال: لا. و كان بعضهم يقول: إذا أصاب حدود الوضوء توضأ. و كان بعض قومنا يقول: ما أبالي مسسته أو مسست أنفي.
و سئل جابر رحمه الله عن المرأة تكون في الصلاة، فيصيب عقبها فرجها، أفتعيد الوضوء و الصلاة؟ قال: لا.
و من غيره: و عن رجل يجلس في الصلاة فيمس عقبه فرجه، قال: انتقضت صلاته و وضوءه. (1/341)
صفحة 341
و عن أبي المؤثر رحمه الله عن من يبصر القبر و فيه الميت فلا ينقض وضوءه حتى يبصر الميت في القبر و الثوب ممدود على القبر، فإن لم يبصر الميت لم ينقض وضوءه.
قال الحسن بن أحمد رحمه الله: يكره له ذلك بلا نقض. و الله أعلم.
و عن متوضئ يريد أن يصلي، فيسأله الرجل عن مسألة من خلال المسائل، فقال: له قولا لا يحفظه، فأصاب الحق، أيفسد وضوءه؟ فلا يفسد إن شاء الله، و الكف عما لا يعلم أولى بالصواب و البين في ذلك و التشديد سواء، و من تورع عن الصغير تورع عن الكبير.
و قلت: أو يسأل عن شيء لا يحفظه و هو يحفظه شبهة أو شعية من شعبه.
فيقول فيه: أن يحفظه على الجهة فيصيب، أله في ذلك أجر، أو الإمساك عن ذلك أفضل و أسلم؟ فأما من أصاب الحق على ما ذكرت فلا إثم عليه، و قد قيل: من قال بلا علم، إن أصاب الحق لم يؤجر، و إن أخطأ أثم. و ذكر أبو صالح المنازل بين جيفر أنه قال في الرجل يشرب الماء فيجده يطلع إلى فيه فلا يفسد عليه وضوءه إذا طلع من حينه. قال أبو المؤثر: ما خالط الجوف فهو مفسد، و ما لم يصل إلى الجوف و إنما هو من نقع في الصدر إلى الحلق فلا يفسد.
و سألته عمن يخرج القملة من ثوبه و يقتلها بحجر أو خشبة و هو متوضئ، أينقض وضوءه؟ قال: لا، إلا أن تخرج منها رطوبة فحينئذ ينتقض وضوءه. (1/342)
صفحة 342
و من غير الزيادة:
و هذا إذا أخذها بيده في الوجهين جميعا- و لعل هذا- معناه و إرادته. و الله أعلم.
سألت هاشما رحمه الله عن من توضأ و نسي بعض وضوءه ثم ذكره و قد صلى، قال: يغسل ما نسي و يعيد صلاته. و قال بعض المسلمين: إذا ذكره و قد جف موضع الوضوء فليعد الوضوء و الصلاة، و إن ذكره و قد صلى فليعد الوضوء و الصلاة، و إن ذكره قبل أن يصلي أعاد ما نسي، و ليصل بوضوءه.
و المسلم إذا ارتد ثم أسلم من حينه توضأ، و الغسل أحوط، و إن ارتد في نفسه ثم تاب من حينه و لم يظهر ذلك، فوضوءه تام.
و من غيره: و من ارتد في نفسه بغير قول أو فعل، فمعي: أنه يختلف في نقض وضوءه بذلك، و كذلك من قتل نفسا أو سرق ما يجب به القطع أو ركب الكبائر أو كذب متعمدا، ففي معنى ذلك كله في نقض وضوءه اختلاف في قول أصحابنا. و الله أعلم.
و من غيره: أخبرنا منصور بن صالح، قال: سألت محمد بن المعلى عن (1/343)
صفحة 343
رجل كان في موضع، و ماؤه قليل، و احتاج إلى الوضوء، فإن استنجى خاف أن يعجز عن وضوءه، و إن توضأ بقي الاستنجاء، فأيهما يفعل؟ قال: يتوضأ.
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: أحب أن يستنجي بما معه من الماء، و يتيمم و يصلي إن شاء الله.
و قال أبو محمد الفضل بن الحواري قول أبي عبد الله أحب إلي، أولئك إنما قالوا: إلا الوضوء فريضة، و الاستنجاء سنة.
قال غيره: و ذلك معي: إذا كان الماء معه يكفيه للاستنجاء، و إن كان لا يكفيه أعجبني أن يتوضأ به. و الله أعلم، فينظر في ذلك.
و عن من ترك الاستنجاء بالماء في الوضوء، و زعم أنه من السنة، و قال: إن لم أستنج فلا أبالي، هل يهلك بترك الاستنجاء بالماء؟
فهذا عندنا راغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم و آثار الصالحين، و هو عندنا قد تعرض للهلاك، و لا ولاية له عندنا إلا أن يتوب.
و من جامع الشيخ أبي الحسن: و قد جاء في الحديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: ملعون من نظر عورة أخيه أو فرج أخيه. فأما نظر الفرج على العمد فقد وقع الاتفاق على تحريم ذلك بالكتاب و السنة، و الاختلاف بينهم في العورة دون الفرج، (1/344)
صفحة 344
فقال قوم: العورة تنقض الوضوء، و لا يحل إبداؤها. و قال آخرون: لا نقض على من نظر غير الفرج منهم على العمد، و أما الخطأ فلا بأس.
و قال غيره: قلت له: فما تقول في رجل غسل نجاسة من الذوات أو غير الذوات في ماء، هل ينتقض وضوءه؟ قال: أما إذا لم يمس نفس النجاسة فلا أعلم في وضوءه بأسا، و إن غسلها بيده أو بشيء من بدنه في وسط الماء الجاري، أو الذي بمنزلة الجاري، فمعي: أنه قد قيل: إن وضوءه فاسد، و لو لم يلصق به شيء من النجاسة، و قيل: وضوءه تام ما لم يعلم أنه ألصق به شيء من النجاسة، قيل له: و سواء غسلها أو مسها؟ قال: هكذا عندي.
و مما كان يقرأ أبو الحواري من المسائل عن يحيى بن أبي ميسرة، عن رجل كان معه ماء قليل، و معه ثوب فيه دم و تحضره الصلاة، قال: يتوضأ بالماء، و يدع الدم، قال أبو يحيى: و قال الكوفيون: يغسل الدم بالماء، و يتصعد و يصلي.
قلت أنا لأبي الحواري: ما تقول أنت؟ قال: كلا القولين يعجباني. قلت له: من أخذ بهما كليهما جائز؟ قال: نعم.
و من غيره: ومن توضأ و هو على طريق من إناء و هو متعر فتوضأ للصلاة. (1/345)
صفحة 345
أو وقع في نهر على الطريق في موضع غير مستتر، و الماء قليل لا يواري سوأته، أيجوز بمثل هذا أن يتوضأ و يتم وضوءه؟ فإن توضأ تم وضوءه، و لا ينبغي له أن يتعرى على الطريق.
و من غيره: قال: و قد قيل: لا يجوز وضوءه، أبصره أحد أو لم يبصره، و وضوءه فاسد.
و قيل: يتم وضوءه إن لم يبصره أحد، و إن أبصره أحد فسد وضوءه. تمت الإضافة.
فصل
عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشق خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه.
أحسب وجدت حتى تخرج الخطايا من تحت أطراف شعره، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه، ثم مشيه إلى المسجد، و صلاته نافلة. (1/346)
صفحة 346
أبو إمامة عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل قام إلى الوضوء يريد الصلاة، ثم غسل كفيه نزلت خطيئته مع أول قطرة، فإذا تمضمض و استنشق نزلت خطيئة من لسانه و شفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه و بصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين و رجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب، و من كل خطيئة كهيئة يوم ولدته أمه، فإن قام إلى الصلاة رفع الله درجته، و إن قعد قعد سالما.
و في الخبر: أن المؤمنين يوم القيامة يكونون محجلين و ذلك علامة لمواضع وضوءهم.
عن أبي هريرة قال: قيل: يارسول الله، ألا تعرف أمتك يوم القيامة، قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غرّ محجلة في خيل دهم ألا يعرف خيله؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء. و عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنتم الغر المحجلون من آثار الطهور، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته بالماء فليفعل.
و عنه صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلا لا يتم وضوءه فقال له: إن الوضوء نصف الإسلام، فإذا توضأت فأسبغ وضوءك، و ما من مسلم كان على وضوء، إلا سبحت له أعضاؤه، و استغفر له ملكا، و كان في عبادة.
و قيل: الطهارة قرة عين المسلم. (1/347)
صفحة 347
و قال عمر: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع رأسه – لعله أراد نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله فتحت له ثمانية أبواب من الجنة، فيدخل من أيها شاء. و في الحديث: إن أهل الجنة لا يبولون و لا يتغوطون، إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك. معناه: أجسادهم.
قال الشاعر في العرض:
و من يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره و من لا يتقي الشتم يشتم
و قال حسان:
فإنّ أبي و والده و عرضي ... لعرض محمد منكم فداء
أراد نفس العرض موضع المدح و الذم، و قيل: الحسب، و قيل: خليقته المحمودة.
و من غير الكتاب و زياداته في الوضوء- الوضوء فرض، و شرط أدائه وجود النية فيه، فإن عارض من قال بثبوت الأعمال بلا نية، فقال: أخبرونا عن نية الفرض، أهي فرض أم ليست بفرض؟ فإن كانت ليست بفرض فيجوز تركها (1/348)
صفحة 348
و إن كانت فرضا فتحتاج في صحة وقوعها إلى نية أخرى إلى ما لا نهاية له؟ أو عندكم: أن الفرض لا يؤدى إلا بنية، و هذا خلف من القول، و إن قلتم: إنها لا تحتاج في صحة النية إلى نية أخرى في صحة وقوعها، فقد بطلت قاعدتكم، إن شرط الفرض و الطاعة وجود النية معهما.
الجواب: إن الأمر بالنية عند إيقاع الطاعات و أداء المفترضات ابتداء، فإذا حضرت النية لذلك و صح الفعل بها، فلا تلزم للنية نية أخرى، لأنه لو لزم ذلك لبطل فعل الطاعة، اشتغالا بتجديد النية، و كان هذا مما لا ينتفع منه إلى فعل الطاعة، و في هذا إبطال العبادات و خروج الوقت للمفترضات، و هذا ما لا يلزم في قول أحد. و الله أعلم.
فصل
عن النبيء صلى الله عليه وسلم: و اعلموا أن أحب الوضوء إليّ ما خفف، و أكرهه إلى ما ثقل، و إتمام الوضوء: إسباغه في مواضعه، و خيار أمتي الذين يتوضأون بالماء القليل- لعله اليسير- فإن الوضوء يوزن وزنا. فما كان منه بتقدير و سنة رفع، و ختم تحت العرش فلا يكسر إلى يوم القيامة، و ما كان منه بإسراف و بدعة لم يرفع، و توضأوا بالمد، و اغتسلوا بالصاع.
قال المصنف: وجدت المد رطلين، و الصاع ثمانية أرطال، فعلى هذا يجزئ لمن عرف كيفية الغسل و الوضوء، و هداه الله إلى القنوع باليسير. (1/349)
صفحة 349
فرائض الوضوء ست خصال: الماء الطاهر، و النية، و غسل الوجه و اليدين، و مسح الرأس، و غسل القدمين.
الحجة في وجوب النية قول الله تعالى: (وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1)، و النية عقد بالقلب و عزيمة على الجوارح.
و الحجة في وجوب غسل الأعضاء قول الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ) (2).
و الحجة في غسل القدمين أن الغسل أولى من المسح عليهما، و إن كانا في التلاوة سواء.
و السنة في الوضوء ست خصال: التسمية، و غسل اليدين، و الاستنجاء، و المضمضة و الاستنشاق، و مسح الأذنين.
الحجة في التسمية: قول النبيء صلى الله عليه وسلم: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عند وضوءه.
الحجة في غسل اليدين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء في الماء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده،
__________
(1) - الآية مدنية رقم 5 من سورة البينة.
(2) - الآية مدنية رقم 6 من سورة المائدة. (1/350)
صفحة 350
قال المصنف: عرفت إذا لم يمس بيده نجاسة فلا غسل عليه. و الله أعلم.
رجع- الحجة في الاستنجاء ظاهر التنزيل، و هو ما أثبته [القرآن] من مدح أهل قباء في قول الله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (1).
الحجة في المضمضة و الاستنشاق: هو ما نقل عن النبيء صلى الله عليه وسلم من فعله مواظبا عليه، و أنه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء، فهذه سنة، فنقلت إلينا عليه السلام عملا منه في الليل و النهار.
الحجة في مسح الأذنين مستنبط من الإجماع، و الفرض في الوضوء واحدة، و الثلاث سنة.
و اعلم أن لكل شيء مفتاحا، و مفتاح الوضوء بسم الله، فإذا قال المتوضئ: بسم الله، تطهر جسده كله، و إذا لم يسم لم يطهر إلا ما مسه.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله في قول ابن جعفر: إنه قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم في أمر الوضوء: واحدة لمن قل ماؤه، و اثنتان لمن استعجل، و ثلاث عليهن الوضوء. قال: هذا خبر لم نعرفه في الرواية، و النظر لا يوجبه، و السنن تشهد بفساده، لأن في إثباته إيجاب فرض التحديد لذلك، و أن من قل ماؤه لا يجب أن يتجاوز الواحدة،
__________
(1) - الآية مدنية رقم 108 من سورة التوبة. (1/351)
صفحة 351
و إن كان كل ما في مائه فضل، لأن قليل الماء يقع على ما يغسل به ثلاث مرات و أكثر، و قد يكون ما يقع عليه اسم قليل عند بعض كثير، و لو كان الخبر صحيحا لبين الرسول صلى الله عليه وسلم مقدار القليل و الكثير، و لم يجهل الأمر بذلك، كما يبين عدد المفروض في المسح من المسنون، و كان من استعجل لا تجزئه الواحدة، و إن زاد على الاثنين فهو مخالف. و أما قوله: ثلاث عليهن الوضوء، قال: لا أدري ما أراد، أنه واجب أو غير واجب في حال الاستعجال أو غير الاستعجال، و عند الأمن و الخوف و كثرة الماء و قلته و غير ذلك. و الله أعلم بوجه مراده.
و يستحب للمتوضئ أن يطرح على عاتقه ثوبا يرتدي به، و قال بعض الفقهاء: أحب أن يكون على عاتق المتوضئ في حال تطهيره ثوب أو خرقة، و هذا مما يستحبه الفقهاء. و الله أعلم.
فصل
قيل: للماء شيطان اسمه الولهان، يولع الإنسان به لكثرة استعمال الماء لغير الوضوء، و استعمال الشكوك مكروه و متروك، لأنه من عوارض الشيطان، و يقال: كثرة الوضوء من الشيطان، لأن في ذلك الأذى للإنسان و الانقطاع عن طاعات الرحمن، و ربما أدى إلى تضييع الصلوات و ذهاب الأوقات، و صد عن إيقاع العبادات.
و من نسي جارحة من حدود وضوءه ثم ذكرها بعد أن فرغ، أعاد غسلها وحدها، لأنه مأمور بغسل كل عضو، فما أتى به سقط عنه فرضه، ـ و ما بقي عليه ففرضه باق عليه إلى أن يأتي به. (1/352)
صفحة 352
مسألة:
و من علم أن الوضوء واجب عليه أجزأه، و لو لم يعلم فرضه من سنته، و كذلك الصلاة، إذا قال: إنه يعلم أن الصلاة فريضة عليه، إلا أنه لا يعلم فرائضها من سننها، و قال: إن الله أوجب عليه هذه الصلاة، و العالم بذلك أفضل، و كذلك الزكاة إذا قال أيضا: إنها واجبة عليه.
و من نعس و هو قاعد، فقال من قال: ينتقض وضوءه، و قال من قال: إذا زالت مقعدته و استرخت عن موضع قعوده و هو ناعس انتقض وضوءه، و قال من قال: لا نقض عليه حتى يضع جنبه على الأرض أو غيرها مما ينام عليه ثم ينعس، فهذا ينقض وضوءه، و رفع ذلك عن النبيء صلى الله عليه وسلم: أنه اتكأ على يديه فنعس حتى غط، أي نخر، ثم قام إلى الصلاة، فقيل له: إنك نعست، فقال: لا نقض على من فعل ذلك حتى يضع جنبه على الأرض و ينعس، و بذلك نأخذ. و كذلك لا نقض عليه إن نعس و هو راكع أو ساجد، و أما من أغمي عليه حتى يتغير عقله و هو قاعد، فساعة ذهب عقله من ذلك انتقض وضوءه.
و قيل: لا بأس في مس عظام المشركين اليابسة، فأما الرطبة فينتقض وضوءه من مسها، و كذلك من لمس الميتة من كل شيء، يابسة كانت أو رطبة، و كذلك الميت المشرك.
و من غيره: قال وقد قيل: إذا كانت العظام النخرة لا لحم فيها و لا زوك من الميتة فلا بأس بذلك، و لا ينقض، و قال من قال: إذا كانت الميتة يابسة و الرجل يابسة فلا نقض على وضوءه. (1/353)
صفحة 353
رجع-
و أما أهل الإسلام فلا نرى على من يمس ميتا مسلما من أهل الولاية نقضا، رطبا كان أو يابسا، قبل الغسل أو بعده، إلا أن تقع يده على أذى، و قد يوجد أن من غسل الميت يتوضأ، و ذلك عندي لحال الأذى، و أما إذا كان من أهل الولاية و لم يمس الفرج و لا الأذى فلا نقض على وضوءه، و أما من ليست له ولاية من أهل القبلة، فمن مسه قبل أن يطهر و هو رطب أو يابس انتقض وضوءه، و لا نقض على من مسه بعد أن يطهر و هو رطب أو يابس. و كذلك حفظنا.
و لعل في بعض القول: أن على من مس الميت النقض على كل حال.
و كذلك الخمر و لحم الخنزير حرام، قليله و كثيره، و من مسه فقد انتقض وضوءه، و مفسد لما وقع فيه، و مس الفروج كلها عندنا ينقض الوضوء، إلا مس الدواب، و كذلك إن مس فرجه أو فرج زوجته، فقد اختلف الفقهاء في ذلك: منهم من قال: إذا مس الذكر و الانثيين أو الدبر انتقض وضوءه، و منهم من لا يرى النقض إلا في مس الذكر ما مس منه أو الدبر، و منهم من قال: لا ينقض الوضوء إلا في مس الكوين على العمد و الخطأ، و هو قول أبي علي، و به نأخذ. و بعض لم ير بالخطأ بأسا، و من وقعت يده على ذكره و لم يعلم، مست الكوا أو لم تمسه فلا نقض عليه حتى يعلم أنه مس الكوا. (1/354)
صفحة 354
و من غيره: قال محمد بن المسبح: عليه النقض، و قال الله تعالى: (قُل لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُّواْ مِنَ اَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ) (1). إنما هو الثقب أو الذكر كله. و قال أيضا محمد بن المسبح، و أسند عن النبيء صلى الله عليه وسلم: من أفضى بيده إلى ذكره فلا يصل حتى يتوضأ.
و أما الصبيان الذين لم يستروا عوراتهم، و لم يكونوا في حد ذلك من الإناث و الذكور، فلا ينتقض الوضوء بالنظر إلى فروجهم و لا مسها إلا النظر إلى نفس فرج الجارية أو مسه على العمد، فإني أحب أن ينقض من ذلك.
و من غيره: ومن نظر إلى فرج صبية نائمة فلا بأس، و إن نظر إلى جوف فرجها انتقض وضوءه، قال محمد بن المسبح: إذا نظر الشق انتقض وضوءه، و لو كانت صبية.
و من غيره: وما عندنا نقض على من نظر عورات الصبيان قبل البلوغ إلا أن النظر فيه وحشة، إلا من استحيا، و ذلك في الذكور.
رجع-
و كذلك من مس فرج الغلام و هو رطب، أو يده رطبة، فقد قيل: إنه ينقض، إلا أن تكون تلك الرطوبة مما طهر به.
و من غيره: و قال محمد بن المسبح: من مس فرج الصبي أعاد الوضوء.
__________
(1) - الآية مدنية رقم 30 من سورة النور. (1/355)
صفحة 355
رجع-
و النظر إلى فروج الرجال و النساء ينقض الوضوء، إذا تعمد لذلك، و لا بأس بالخطأ، و أما المس فينقض عندنا، العمد فيه و الخطأ.
و من غيره: قال: نعم، ذلك مس الفروج، و أما ما مس ما دونها فلا ينقض من النساء و الرجال إلا على العمد، و أما الخطأ فلا.
رجع-
و قال من قال: إذا كان الذكر من الخيل و الحمير رطبا و مسه انتقض وضوءه، و أما نظره إلى فرجه أو فرج زوجته أو جاريته فلا نقض في ذلك.
و من غيره: و ذكر أبو زياد عن أبي عبد الله الخراساني: أن من نظر إلى فرج نفسه متعمدا من غير حاجة ينقض الوضوء، إلا أن يكون لدغه شيء فضرب بيده على ثوبه و أبصر أو خاف أن يكون خرج من ذكره شيء، فضرب بيده على ذكره من فوق الثوب و أبصر، فذلك لا ينقض الطهر.
و قال أبو زياد: و سألت هاشما رضي الله عنه عن ذلك، فقال: إذا أبصر فرجه متعجبا انتقض وضوءه، و أرجو أن ذلك حفظت من بعض الآثار، فينظر في ذلك إن شاء الله، و يوجد عنه: إن نظر الرجل في فرج زوجته كنظره إلى فرج نفسه في الطهور، فأما أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، فقال: ليس عليه نقض طهوره إذا نظر إلى فرج امرأته متعمدا. و الله أعلم. (1/356)
صفحة 356
رجع-
و لا فيما نظر من أبدان النساء اللاتي لا يحل له نكاحهن مثل أمه و ابنته و أخته و عمته و خالته و جدته، و لا نحب له أن يتعمد إلى ذلك إلا النظر إلى الفروج منهن، فإن ذلك لا يحل له، و إذا تعمد انتقض وضوءه. و الله أعلم.
قال غيره: إنه إذا أبصر من ذوات محرم منه من أسفل من السرة و أعلا من الركبة متعمدا انتقض وضوءه، و هي منه بمنزلة الرجل من الرجل في هذا.
رجع-
و أما النساء اللاتي يحل له نكاحهن: فمن نظر من امرأة ليست بمحرم منه، و جهها و كفيها متعمدا فلا بأس، و لا نقض على وضوءه، إذا لم يكن لشهوة و لو مس ذلك منها، أو أدخل يده في فيها بلا أن يجيز له ذلك إلا من عذر.
و من غيره، قال أبو الحواري: إذا مس كفها أو وجهها متعمدا بشهوة انتقض وضوءه.
رجع-
و إن نظر إلى غير ذلك متعمدا فقد انتقض وضوءه.
وعن غيره: قال محمد بن المسبح: إذا نظر إلى ذلك منها متعمدا لشهوة انتقض وضوءه.
رجع-
و قد رخص بعض المسلمين في أمر النساء اللاتي يتبرجن و يخالطن الرجال و لا يستترن، (1/357)
صفحة 357
و لم يروا لهن ما لغيرهن من المستترات، و لا أحب على حال أن يتعمد إلى النظر إلى شيء منها، و إن تعمد النظر إلى امرأة عريانة مكشوفة على أنها زوجته، أو على أنها رحل، فإذا هي امرأة مما لا يحل له النظر إليها، فلا نقض على وضوءه.
و إن تعمد النظر إليها و هي كذلك أيضا، على أنه ينظرها حراما، و أن لا يحل له ذلك منها فإذا فإذا هي زوجته فقد أثم في نيته، و لا نقض على وضوءه، و كذلك حفظنا.
و الأمة ليست مثل الحرة، لأن الأمة لا ينقض النظر إلى شيء من بدنها كله على العمد إلا النظر إلى فرجها، و كذلك المس، إلا النظر للشهوة و إلى نفس الفرج بالتعمد، فإن ذلك ينقض الوضوء.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: أما الأمة فلا يمس ما وراء قميصها إلا من أراد شراءها، فإذا وافق على ثمنها سترت السرة إلى الركبة، و مس و نظر ما سوى ذلك.
قال غيره: إن الأمة مثل ذوات المحارم و الرجل، و قد مضى القول في ذلك.
رجع-
و الأموات و الأحياء في ذلك سواء في الذي ينقض من النظر إليهم و المس أو لا ينقض. و كان محمد بن محبوب رحمه الله يقول: من نظر في جوف منزل قوم متعمدا، و استيقن أنه قد تعمد انتقض وضوءه، و قال الأكثر من الفقهاء غيره: إنه لا نقض عليه حتى يتعمد للنظر إلى حرمة في جوف المنزل، و هذا أحب إلي. (1/358)
صفحة 358
و من غيره، قال بعض: لا نقض عليه، و لو نظر الحرمة حتى ينظر منها محرما.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إلا أن يكون للمنزل باب مسدود فيفتح الباب من الطريق و ينظر ما وراءه، أو نظر في جوف الباب فذلك مفسد، و أما إن كان ليس على الباب ستر، و الباب مفرج- لعله مفتوح- فلا بأس على وضوئه، إلا من تعمد للنظر.
رجع-
و كذلك من نظر في جوف كتاب إنسان، فإن نظر إلى بسم الله الرحمن الرحيم، فلا نقض عليه، و إن نظر غير ذلك من الكتاب متعمدا انتقض وضوءه، و كذلك إن تعمد لاستماع كلام قوم من منزلهم، أو سر بين اثنين في غير منزل، فقال: إن ذلك مما ينقض الوضوء.
و قال غيره من الفقهاء: إنه لا نقض على من استمع ذلك الكلام في غير المنزل و لا الكتاب.
و من غيره، قال محمد بن المسبح: إن جاء إلى رجلين في مناجاة و سمع كلامهما إذا كانا في سر، و إن كان مضى في حاجة أو أرادهما في حاجة فسمع كلامهما، و أصغى إليه فلا بأس عليه، و كذلك من فتح الكتاب فقرأ ففيه تشديد. و الله أعلم.
رجع-
و أما من نظر في دفاتر الحكام و كتبهم الظاهرة، و كذلك مجالس الحكام، (1/359)
صفحة 359
و حوانيت التجار، و كل موضع أبيح الدخول فيه مثل المآثم و العرس و غير ذلك مما هو مثله، فلا نقض على من نظر و دخل.
و في نسخة- قيل: و كذلك إن أبصر في دفاتر حساب التجار و دفاتر الدين و الحسابات، فلا بأس.
رجع-
و كل شيء مما ينقض الوضوء [بالنظر]، و كان في الليل فلا نقض في ذلك، لأن الليل لباس و لو كان في القمر، إلا أن يكون أبصر بنار فإنه ينقض.
و إن أبصر بعد الغروب إلى فرج امرأة أو رجل، و كان ذلك عند إياب الشمس و لم يلبس ظلام الليل، و ضوء النهار هو الغالب، فإن ذلك عندي كمن أبصر في النهار، حتى يلبس ظلام الليل و يستولى على جميع ضوء النهار، و كذلك إذا انفجر الصبح، فمن نظر و استبان فهو كمن نظر في النهار، و إن كان هنالك ظلام يحول بينه و بين النظر فلا بأس، و لو كان قد طلع الفجر.
قال غيره: و قد قال من قال: إنه إذا طلع الليل و لم يستول عليه فهو حكم الليل، فإذا طلع الفجر و لو لم يصح النظر فهو حكم النهار. و الله أعلم.
و من غيره: قال: و قد قيل: و لو كان في النهار في بيت مظلم أو موضع ظلمة لم يستبن منه الشيء بعينه فلا بأس. (1/360)
صفحة 360
رجع-
و ما خرج من الإنسان من قبله، أو دبره، من عذرة أو ريح أو دابة أو بول أو مني أو ودي أو مذي، فذاك مما ينقض الوضوء. و المني: هو الماء الدافق، و هو النطفة، ومنه الغسل، والمذي: هو الذي يخرج قبل ذلك عند الانتشار و غير ذلك، و الودي: هو الذي يتبع بعد المني – و في نسخة- و قد قيل: الودي: يتبع أيضا بعد البول من غير انتشار، قيل: ما كان من غير انتشار فهو الودي، و ما كان من الانتشار فهو المذي.
و من وجد كالريح تخرج منه، و لم يستيقن فلا نقض عليه حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا.
و من غيره- و يروى عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ في أليتيه فلا ينقض وضوءه حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا.
قال غيره: و ما خرج من الريح من قبل المرأة فلا نقض في ذلك، و إنما ينقض من ذلك ما يخرج من دبرها، لأنه من مجرى الطعام.
و من غيره: و من ذكر الأدبار من الفروج و الجماع بأقبح أسمائها انتقض وضوءه، و إن ذكر ما يخرج من الدبر من العذرة و شتم به أحدا، انتقض بذلك وضوءه، و إن لم يشتم به أحدا فلا نقض عليه. (1/361)
صفحة 361
و عن أبي عبد الله رحمه الله: إذا قال لرجل: سلحت أو فلان سلح نقض وضوءه، و أما إذا قال: سلح فلا نقض عليه.
و من غيره: و قال من قال: إذا قال لرجل: سلحت، أو سلح فلان، أو خريت، أو خرى فلان، أو بلت، أو بال فلان، فإذا أراد بهذا شتم أحد انتقض وضوءه، و إن لم يرد بذلك شتما فلا نقض عليه، أما إذا قال أبو السلح و أبو البول، أو سلاح أو بوّال، فإن هذا ينقض، لأنه قد أوقع الشتم.
قلت لأبي عبد الله محمد بن المسبح: فإن قال لرجل لنفس ذكره و دبره بالسين، أو إست الشاة، أو لشيء من الدواب، أو قال: ضع الجرة على إستها و أمثالها من الأمتعة مثل القدر، يفسد الوضوء أم لا؟
قال: لا قلت: فإن قال الرجل لصاحبه: ضع تحتي كذا و كذا منه الوسادة، يعني بالسين، أعليه نقض أم لا؟
قال: لا، قلت: و إن قال: هذا بولي، عليه نقض؟ قال: لا. قلت له: فإن قال لك بولك، يشتمه بذلك، فإن عليه النقض؟ قال محمد بن المسبح: ليس شيء من هذا ينقض الوضوء، إلا أن يشتم به أحدا.
قال غيره: الذي عرفنا: أن التسمية للدبر بالسين، قالوا: إنه مختلف فيه، قال من قال: إنه من سمى الفرج بالسين لم يكن ذلك من قبح التسمية، و قال من قال: إن ذلك قبيح، و ينقض الوضوء ذكره، و الذي يقول بذلك على ما عرفنا: أنه ينقض إذا ذكر ذلك من الدواب أو غيرها من الآنية و الأمتعة.
و الذي لا ينقض من جميع ذلك من الدواب أو غيرها من الآنية و الأمتعة و الناس، قلت: فالرجل يقوم من نومه أو تخرج منه الريح، أعليه استنجاء؟ قال: لا، إلا أن تخرج ريح رطبة. (1/362)
صفحة 362
ومن غيره: و عن أبي علي رحمه الله فيمن قال لأمرأته: يا كافرة، فإن كان يعلم أنها كافرة، فما نرى على طهره نقضا؟ فإن كان يرتاب بها فأحب إلينا أن يتوضأ.
و عن رجل قبح خادمه و هو متوضئ أو صائم، أو لعنه أو قبح وجه امرأته أو ابنته، فأحب إلينا أن يتوضأ في كل ذلك، و يبدل الوضوء، فأما الصوم فلا نقض عليه. و الكذب المتعمد عليه، و النميمة، و غيبة المسلم تنقض الوضوء.
و يوجد: من قطع جلدة حية من موضع الوضوء و لم يخرج منه دم فيستحب له أن يمسح موضعها بالماء، و إن لم يفعل و صلى فصلاته تامة.
رجع- و رجل مس فرج امرأته من فوق الثوب أو من تحته، هل يتم وضوءه؟
فأما من فوق الثوب فلا ينقض، و أما من تحت الثوب فإن كان متعمدا فقد قيل بالنقض.
و من مس الميتة اليابسة ففي نقض وضوءه اختلاف، و من مس العذرة اليابسة فوضوءه تام.
و عن رجل مس بدن أخته لشهوة أو لغير شهوة، أعليه نقض وضوءه؟
فعلى ما وصفت: فإن مس بدنها من الركبة إلى السرة لشهوة أو لغير شهوة انتقض وضوءه، و إن مس سائر بدنها لغير شهوة لم ينتقض وضوءه، و إن مس لشهوة انتقض وضوءه، و كذلك إن نظر إلى من لا يجوز له نكاحه من حد الركبة إلى السرة متعمدا انتقض وضوءه، و عليه التوبة، و إن نظر إلى سائر بدنها متعمدا من غير شهوة لها بحرام فلا ينقض وضوءه، و إن نظر بشهوة متعمدا فيعيد وضوءه و يستغفر ربه، (1/363)
صفحة 363
و إن كان شهوته لها للحرام، فيستغفر ربه، و إن كان لما نظر إليها اشتهى غيرها للحلال فلا بأس عليه لشهوة غيرها للحلال.
و من غيره: قلت: هل ينتقض وضوء المتوضئ ما يجد في حلقه من الحموضة و طعم الطعام؟ ما لم يظهر ذلك على الفم، فلا ينقض عليه بما في الحلق.
مسألة:
و عن من وجد في حلقه حماضا كأنه من الجوف، غير أنه لم يستيقن أنه ظهر على اللسان، إلا أنه قد وجد الحامض، قلت: هل يمكن أن يجد الحماض من غير أن يظهر على اللسان؟ و ما حد ظهوره الذي يفسد الفم؟ قال: معي: أنه إذا صار على مقدرة من لفظه بغير تنحنح و لا معالجة، فهنالك يفسد الفم، و قد يمكن عندي أن يكون من الحشاء الحماض، إذا كانت الحشوة متغيرة، فما أمكن ذلك بوجه فلا يحكم بنجاسته إلا بالصحة، و للمبتلى بذلك النظر فيه بالمشاهدة.
و عن رجل لقي امرأة في الطريق فنظر إلى وجهها متعمدا، سألت، أعليه نقض طهوره؟ فأما إذا نظر لشهوة فنأمره أن يعيد الطهور، و الله أعلم، و أما إن نظر إلى وجهها لغير شهوة فليس عليه نقض طهوره إن شاء الله، و يستغفر ربه.
و من غيره: و قال: إن الذي يقول: إن الكذب لا ينقض الصوم، يقول: إنه لا ينقض الوضوء، و هو قول حسن.
و عن امرأة أو رجل يذهب فيقعد للغائط و البول حتى يرى أنه قد استبرأ، (1/364)
صفحة 364
فإذا قعد للوضوء زعم أنه يجد شبه الريح أو البول، فإذا مضى لذلك لم يحدث شيئا، فإذا رجع ليتوضأ راجعه ذلك، كيف يصنع؟ فليس عليه في ظنون الشك حكم لازم و لا حجة قائمة، و الشك ضد اليقين، كما أن الباطل ضد الحق، فمن اتبع الباطل ترك الحق و لم ينتفع به، و لو كان لمعالم الحق واصفا، و لأحكامه عارفا، كذلك من ترك اليقين لم ينتفع به، و من لم ينتفع بيقينه لم ينتفع بيقين غيره، كمن لا يبصر بعينه لم يبصر بعين غيره، و الصلاة بحر من بحور الدين، لا يقوم بها إلا من أيده الله بتوفيق الحق، و قبول و تجاوز من الله عزوجل و عفو، فمن لم ينل من الله العفو فنحن شاهدون لا صلاة له، و إن صلى. كما أنه لا عمل له و إن عمل، و إنما يتقبل الله من المتقين، أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين، و ليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن المنافقين.
و من أبواب النفاق أن تأمن على نفسك النفاق، أو تيأس من عفو الله، و تطمع بعفوه على إصرار منك على معصية و لو مثقال ذرة، و هذه الأبواب الثلاثة لا شك عندنا أنها من النفاق، و النفاق يعجز عن وصفه كما يعجز عن وصف جهنم، فمن حكم له بالنجاة من جهنم حكم له بالنجاة من النفاق، و الله غفور رحيم.
لعل هذه المسألة التي مضت عن محمد بن روح.
و منه إذا لزم الريب الذي لا يخرج منه من دخول الأشكال أو اطمئنانة (1/365)
صفحة 365
تغلب على العلم من ذلك لما يفسد لزم حكم الخروج من الريب إلى ما لا ريب فيه.
ومن غيره: لعل هذا المعنى يخرج في جميع ما يشبه هذا، لأني وجدت شيئا فيه يدل على القيء و الحشوة، و كذلك معنى الريح التي تخرج من الدبر، و ما يخرج من القبل و الدبر من غير الريح، مما يوجد معاني ما يخرج، فما احتمل لذلك مخرج بوجه من الوجوه، و أمكن طهارته و تمام وضوءه بمعنى من المعاني فهو على الطهارة، ما لم يصح ذلك بحكم أو اطمئنانة.
و الضبع: قال بعض: سبع، و قال قوم: هي صيد، و قيل: لا يتوضأ بسؤرها، لأنها من أسبع السباع و أقذرها دابة.
و من لدغته حية و هو يتوضأ أفسدت وضوءه، و يغسل موضع لدغة الغول، و قال سليمان بن سعيد: جائز أن يصلي.
و عن الرجل يشتم الرجل بما هو فيه فيقول: مثل الأعرج و الأعور و المبتلى، هل ينقض وضوءه؟ فلا ينبغي له ذلك و لا نقض عليه.
ومن غيره: و قيل: إذا عمد الشتمة بذلك انتقض وضوءه، ومن وجد طعم الحموضة في حلقه انتقض وضوءه، و قيل: حتى يطلع على أصل اللسان، و قال غيره: إن المتوضئ إذا مس الثقبين خطأ ففيه اختلاف، و نحب أن لا ينقض على وضوءه، قال غيره: سألت محمد بن الحسن عن رجل كان في موضع من بدنه من مواضع الوضوء دم سائل فلم يقر، فغسله فلم يقر و لم يحتبس، كيف القول في ذلك؟ قال: يتوضأ و يتيمم و يصلي كما أمكنه، و قال من قال: يجمع الصلاتين، و قال من قال: يصلي كل صلاة في وقتها. (1/366)
صفحة 366
قلت له: فإن تيمم و توضأ و صلى؟ قال: لا بأس عليه و صلاته تامة، قلت له: فإن كان هذا الدم السائل في غير موضع الوضوء و لم يقر، فما القول فيه؟ قال: يتوضأ و يصلي، و لا يتيمم عليه، إلا أن يكون في موضع الوضوء.
قال أبو الحواري رحمه الله: يتوضأ و يصلي كما أمكنه في الدم السائل، و لم يذكر التيمم في موضع الوضوء أو غيره.
و سألته عن من نسي شيئا في وضوءه أقل من درهم، فأرجو أنه قيل: لا إعادة عليه، إلا أن يكون مقدار الدرهم أو الظفر، ثم عليه الإعادة، و كان مذهبه في ذلك مثل بول الجنب الذي قد لزمه أن يغسله، فنسي منه مقدار درهم أو أقل، فإن كان مقدار الدرهم فعليه الإعادة، و إن كان أقل فلا إعادة عليه.
قال غيره: و قد قيل: ما نسي شيئا في وضوءه أقل من درهم، فأرجو أنه قيل: لا إعادة عليه، إلا أن يكون مقدار الدرهم أو الظفر، ثم عليه الإعادة، و كان مذهبه في ذلك مثل بول الجنب الذي قد لزمه أن يغسله، فنسي منه مقدار درهم أو أقل، فإن كان مقدار الدرهم فعليه الإعادة، و إن كان أقل فلا إعادة عليه.
قال غيره: و قد قيل: ما نسي من بدنه و هو جنب أو نسي من موضع الوضوء من الوضوء و صلى أعاد.
و من غيره: قلت: و رجل مس عقبه فرجه في الصلاة؟ قال: ينقض ذلك الوضوء، و امرأة مس فرجها عقبها، فأما جابر بن زيد رحمه الله فقال: هذا لا يطاق، يحترز منه، و ليس لكل إزار، فلا بأس عليه، و لا وضوء عليه، و أما ابن عباس فكان يرى من مس الفرج من حدود الوضوء إذا أفضى ليس بينه و بينه ثوب ينتقض عليه، و أما ما مسه باليد فكلاهما ينقض الوضوء عليه.
و من غيره: و سألته عن رجل قتل قملة و هو على وضوء؟ قال: جابر يقول: من قتل قملة فيعد الوضوء. (1/367)
صفحة 367
و عن رجل جرح رأسه، فطلاه بدواء فلم يستطع أن ينزعه؟ قال: يمسح عليه.
و عن جابر رحمه الله في رجل في رأسه جراح عليه خرقة لا يستطيع أن ينزعها من ثلج أو برد، قال: يمسح عليها، و كذلك الجبائر يمسح عليها.
و من غيره: أن المتوضئ إذا مس الثقبين خطأ، أنه اختلف فيه، و هو يحب أن لا ينتقض وضوءه، و عن الذي خرج من منزله أو غيره يريد أن يتوضأ لصلاة الفريضة في وقتها، ثم نسي أن يعتقد ذلك عند الوضوء، أنه لصلاة فريضة، أو اعتقد النية أنه لصلاة الفريضة، ثم قام يصلي، فنسي أن يحضر نية أنه يصلي صلاة الهاجرة أو غيرها من الفرائض، و ذكر ذلك في الصلاغة أو لم يذكرها حتى قضى الصلاة و نيته قد تقدمت من قبل، أنه إنما خرجه من موضعه الوضوء و الصلاة، فما حال صلاته؟ فمعي: أن صلاته تامة، و له نيته التي قام إليها، و لها من وضوء أو صلاة حتى يعلم أنه أحالها.
و سألته عن من توضأ، ثم خرج من بدنه من موضع وضوءه مسحل جلده، فلا يخرج الدم، قال: ليس عليه بأس، و يمسح مكانه بالماء.
و وجدت: إن لم يمسح فلا بأس.
و من غير الكتاب و زياداته: كان جرى ذكر الاستغفار في حال الوضوء، أينقض الوضوء؟ قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن سليمان رحمه الله: من استغفر انتقض وضوءه إلا أن يكون مخلصا، فعظم في نفسي ذلك لكثرة ما يوجد من فضل الاستغفار و التأكيد فيه: فذكرت ذلك لبعض أصحابنا، فكأنه (1/368)
صفحة 368
استوحش من ذلك، فوصلنا إليه فابتدأت أنا بالمذاكرة في الاستغفار، قال: من استغفر ربه و هو على وضوء انتقض وضوءه و الاستغفار له موضع، و الدعاء له موضع، ثم قال: أما أنا: لا أستغفر الله و أنا على وضوء، فقلت له: ما تخاف أو كلام هذا معناه، قال: أخشى النفاق، المعنى من قوله: فصار عندي اليوم الاستغفار حدثا ينقض الوضوء على معنى الخوف من النفاق و التحرز منه، و الله أعلم.
و هذه فضيلة أيضا واضحة عند الوضوء، فإذا مسح وجهه، قال: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه، و إذا غسل يده قال: اللهم اعطني كتابي بيميني، و إذا مسح رأسه قال: اللهم خللني برحمتك، و إذا مسح أذنيه، قال: اللهم سمعني فتوح أبواب رحمتك، و إذا غسل قدميه، قال: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم، و يمسح رقبته قبل رجليه، و يقول: اللهم فك رقبتي من النار.
و هذه زيادة عما قاله محمد بن جعفر في أمر الكلام عند الوضوء.
قال محمد بن المسبح: و إذا غسل شماله قال: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي و لا من وراء ظهري، و قال: إذا مسح رأسه قال: اللهم توجني من تيجان رحمتك في جنتك.
قال أبو الحواري: إذا مسح أذنيه قال: اللهم احش سمعي و بصري إيمانك، و قال أبو الحواري: إذا غسل قدميه قال:
اللهم ثبت قدمي على صراطك المستقيم، و ثبتني بالقول الثابت في الدنيا و الآخرة.
و من جواب أبي سعيد رحمه الله إلى أبي بكر أحمد بن الحسن: (1/369)
صفحة 369
و رجل توضأ للصلاة و صلى، ثم نوى في نفسه أنه لا يصلي بذلك الوضوء من غير أن يعلم أنه انتقض، ثم أعاد أراد أن يصلي، قلت: هل له ذلك حتى يعلم أنه انتقض؟ فإذا كان الوضوء لتلك الصلاة فله ذلك، فإن لم يكن لها فقد اختلط في ذلك، و أحب أن لا يصلي لإهماله حتى يعلم أنه لم ينقض.
و رجل دخل في الصلاة فلما أراد أن يسجد دخل في نفسه أنه لم يكن توضأ، فرجع فقام و لم يسجد، و هو يريد الانصراف ليتوضأ، فلما قام ذكر أنه كان توضأ، فرجع خرّ ساجدا و بنى على صلاته، أتكون صلاته تامة أم لا؟ نعم، فصلاته تامة إن شاء الله، و لا يضرره قيامه و لا الانصراف من صلاته و لا نيته أن ينصرف.
و قال غيره: و ذلك عندنا إذا لم يدبر بالقبلة، أو يتكلم بكلام غير أمر الصلاة، أو يترك الصلاة و يأخذ في غيرها من الأعمال.
و من جواب من أبي الحواري رحمه الله: و عن من نظر إلى بدن أخته أو والدته متعمدا و هو متوضئ فلا بأس عليه في وضوءه، إذا نظر من السرة فصاعدا، ومن الركبتين فهابطا، و ما بين السرة و الركبة فذلك ينقض الوضوء إذا نظر لذلك متعمدا، إلا من الزوجين، و الركبة و السرة من العورة، و إن أبرزهما رجل لعلة أو لغير علة، فلا أبصر عليه بأسا، و لا ينبغي له، و ليس على من أبصر ذلك من رجل نقض وضوءه حتى ينظر الفرج. (1/370)
صفحة 370
و قيل: إنه كان رجل يدخل على موسى بن أبي جابر رحمه الله و سرته بادية.
و عن من مس فرجه من أي موضع ينقض الوضوء من حيث يخرج الماء، و الغائط سواء، فقد قالوا في ذلك أقاويل كثيرة، و الذي نأخذ به إذا مس القضيب كله نقض وضوءه، و كذلك إذا مس الكوا من الدبر من حيث يخرج الغائط نقض وضوءه، و إن مسه من فوق الثقب أو حكه من فوق الثوب لم ينقض وضوءه، و إن كان في صلاته فمسه لمعنى لم تنقض صلاته، و إن أمسكه في الصلاة للبول حتى يذهب عنه انتقضت صلاته، و ليس له أن يعالج بدفع الأخبثين، و البول و الغائط في الصلاة.
و من جواب لمحمد بن الحسن رحمه الله: و ذكرت في رجل نظر إلى عورة نفسه أو نظر إلى فرج زوجته عامدا و هو على وضوء، قلت: هل عليه نقض وضوءه؟
فليس عليه نقض وضوءه على ما وصفت.
و عن رجل فتح باب منزله، فكلم رجلا على الباب، فالتفت الرجل فنظر داخل منزله أو سلم عليه من ظاهر منزله، فقد قيل: إن ذلك لا ينقض صيامه و لا وضوءه حتى ينظر حرمة مما لا يجوز له أن ينظر إليها في الطريق.
قال سليمان بن عثمان و بشير بن أبي عبيدة الكبير: إن من مس حيث يضرب الذكر نقض وضوءه. (1/371)
صفحة 371
قال محمد بن محبوب: من مس الذكر انتقض وضوءه، قال أبو نوح: لا ينتقض وضوءه حتى ينال موضع البول أو الغائط، و به قال موسى بن أبي جابر، و موسى بن علي، و حفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى رحمهم الله: أنه من وجد ريحا تخرج من دبره و هو على وضوء، ثم اشتبه عليه ذلك، أنه لا ينقض ذلك وضوءه حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا، و إلا فوضوءه تام.
قال محمد بن جعفر: قرأت المسألات على عمر بن محمد، و قلت له: آخذ عنك هذا؟
قال: نعم. (1/372)
صفحة 372
الباب السادس
في التيمم و أحكامه
قال الله تعالى في كتابه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (1)، أي فتصمدوا، يعني: صعيدا نقيا من الأرض، يعني: طيبا حلالا، و هو أن يضع كفيه على الأرض، فيمسح بهما وجهه مرة، ثم يضعهما على الأرض، فيمسح بهما وجهه مرة، ثم يضعهما على الأرض مرة ثانية، فيمسح بهما الظاهر من كفه إلى الكوع، يبدأ بالأيمن ثم الأيسر.
و من غيره: قال الذي عرفنا أن في هذا اختلافا، فقال بعضهم: عليه تيمم إلى المرافق، كما كان الوضوء إلى المرافق، و القول المعمول به أنه إلى الكوع.
رجع-
و إن علق بكفه شيء فيه وعوثه حك بعضهما ببعض قليلا، حتى يذهب ذلك بلا أن يخرج التراب كله، كذلك رأيت موسى بن علي يفعل ذلك.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: يضمهما بضرب الإبهام، ثم يمسح كما وصفت.
رجع-
فإن بقي من وجهه أو كفيه شيء لم يصل إلى التراب، فلا بأس أن يتعمد لتركه، و إن بدأ بيديه في التيمم قبل وجهه فلا نقض عليه، و إن مسح المتيمم وجهه أو
__________
(1) - الآية مدنية رقم 6 من سورة المائدة. (1/373)
صفحة 373
كفيه من التراب قبل أن يصلي فلا أبصر نقضا، و لا أحب أن يفعل ذلك حتى يصلي.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: يضرب بيديه يضم أصابعه ثم يضرب بهما الأرض، ثم يضرب الإبهام بالإبهام، ثم يمسح وجهه كله إلى حد الأذنين هابطا إلى اللحية ثم الثانية بضرب الأرض كما وصفت، ثم يمسح يده اليمنى باليسرى، ثم اليسرى باليمنى.
رجع-
و إنما التيمم بالتراب، و ما كان منه من الأرض لم نعلم به بأسا، فأما تراب نجس فلا يتيمم به، و كذلك تراب قد تيمم به مرة، فلا أحب أن يتيمم به ثانية، فإن تيمم رجل أو امرأة وضعت يدها و تيممت، فلا بأس أن يضع غيرها يده في ذلك الموضع و يتيمم، و لا يتيمم بالتراب الذي وقع منها، و قيل: لا يجوز التيمم بالجص و لا بارماد، لأنه من الحطب.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: تيمم بالرماد و لا بالهك و لا بالسبخ و لا بالملح، لأن الله يقول:
(صَعِيدًا طَيِّبًا).
قال أبو سعيد: إن كان الجص من الحجارة، و أصله بمنزلة النورة فلا يتيمم به، و ليس هو من الطين، و إن كان من الطين أو الحشا الذي يشبه الطين و ما يشبهه فلا بأس به في القول، و قيل: لا يجوز به، لأنه منتقل الاسم عن اسم الصعيد. (1/374)
صفحة 374
رجع-
و التيمم للغسل و الوضوء واحد، و إن كان راكبا فرفع إليه تراب فتيمم به، أجزأه، و إن ضرب بيده على دابة، و كان فيها شيء معلق بيديه من التراب و تيمم به أجزأه.
قال محمد بن المسبح: أجزأه ما لم يجد ترابا إلا أن لا يقدر على الأرض من المخافة، و إنما هو من الاضطرار.
رجع-
و عن محمد بن محجوب رحمه الله في الذين يصيبهم الخب في البحر، فلا يصلون إلى الماء، قال: يتيممون من تراب المتاع، فإن عدموه نووا الوضوء في أنفسهم و صلوا، فإذا أمكن له أن يتوضأ فليتوضأ، و يعيد تلك الصلاة و لو فاتت، و كذلك عندنا في غير البحر.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إذا لم يقدر على ذلك، و لم يقدر على غبار رفع يديه إلى الهواء، و مسح وجهه و يديه، كما يفعل في التيمم بالتراب، و لا يعيد الصلاة، و أما من كان في طين و لا يقدر على ماء و لا تراب، فقيل: يضع من الطين على بدنه أو غيره حتى يجف، ثم يتيمم به و يصلي، كما هو و يومئ – و في نسخة- لأن الطين لا يسجد عليه. (1/375)
صفحة 375
و من تيمم ثم رأى ماء يمكنه الوضوء منه انتقض تيممه، فإن كان لا سبيل إليه فتيممه تام، و إن رأى الماء فنسي أن يتوضأ حتى جاوزه أو أهريق الماء انتقض تيممه، و يجزئ التيمم الواحد لجمع الصلاتين و الوتر، فإذا أراد الركوع تيمم له ثم ركع ما أراد بتيمم واحد، و إن ركع بتيمم واحد الفريضة في مقامه أجزأه، ما كان مكانه أو قريبا منه، فإذا أراد أن يقرأ إذا ركب أو سار أحدث تيمما آخر للقراءة.
قلت: فمن صلى في القرية بالتيمم، ثم وجد الماء من قبل أن يفوت الوقت في وقت الصلاة، هل يعيد؟
قال: أما أبو الحواري رحمه الله، فأرجو أنه قال: ليس عليه إعادة فيما سألته عنه، و أما أنا: فأحب أن يعيد الصلاة إذا وجد الماء في وقت الصلاة.
و سألته عن رجل مسجون في قريته، أو خائف فصلى بالتيمم، ثم خرج من السجن أو من خوفه و أدرك الماء في وقت الصلاة، هل عليه أن يعيدها بالوضوء؟ فرأيته يحب أن يعيدها بالوضوء.
قلت له: فإن لم يعد الصلاة، مضى على ما قد صلى؟ فلم ير عليه في ذلك بأسا، و كأنه يحب أن يصلي إذا أدرك الماء في وقت الصلاة.
وقيل في رجل مر على بئر و قد حضر وقت الصلاة أو لم يحضر، و قد علم أن الماء قدامه أو لم يعلم، و ترك الوضوء و مضى، و تيمم و صلى، فلا كفارة عليه، و في نسخة: قلت: فعليه البدل؟ قال: لا. (1/376)
صفحة 376
و مسافر حضرته الصلاة و هو على بئر فتركها، و تقدم في رجاء غيرها، ثم لم يكن بد من الصلاة، فتيمم و صلى، فبئس ما صنع، و أحب أن يبدل تلك الصلاة، و أرجو أن لا يكون عليه كفارة.
و الذي تيمم لصلاة الفريضة، ثم أراد البدل لصلاة تيمم أيضا لبدل ما شاء تيمما واحدا، فإن حضرت أيضا فريضة من بعد و هو في مكانه تيمم لها تيمما آخر.
و من تيمم للجنابة و الصلاة تيمما واحدا عند حضور الصلاة أجزأه إذا أراد لهما.
و عن أبي علي، في رجل أصابته الجنابة ليلا في رمضان، فتيمم ليحرز صومه، أيصلي فريضة؟ قال: نعم، إذا نوى تيممه لذلك، و إن كان تيمم ليحرز صومه و لم ينو الصلاة، أعاد التيمم للفريضة.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: التيمم للصوم يكون في الليل قبل الصبح، و تيمم الصلاة لا يكون إلا بعد حضورها، و بعد أن لا يجد ماء للوضوء، فلا بد له من تيمم ثان، إلا أن تصيبه جنابة فتذهب به السنة حتى يستيقظ فيكفيه تيمم لصومه و صلاته إن كان جنبا.
رجع-
و عن محمد بن محبوب رحمه الله قال: إن أرسل التيمم أجزأه للصوم و الصلاة. و إن تيمم للصلاة و لم يتيمم للصوم أبدل، و إن تيمم للصوم و لم يتيمم للصلاة أبدل الصلاة، و إن نوى لهما جميعا أجزأه، و إن تيمم تيمّمين للصلاة و الصوم فهو أفضل. (1/377)
صفحة 377
و كذلك المستحاضة تتيمم للغسل بين الصلاتين تيمما واحدا للغسل و الوضوء إذا نوت التيمم لذلك أو لم تنو، إذا أرادت الصلاة، و إذا طهرت الحائض تيممت إذا لم تجد الماء و يطؤها زوجها. و من وطئ بالتيمم مرة بعد مرة في السفر فلا بأس، و بعض شدد في ذلك، و قيل: يطؤها مرة، و لابد للمتيمم من الجنابة و غيرها أن يغسل إذا وجد الماء، و لا بدل عليه في الصلاة، إلا أن يكون وقتها قائما، فيبدل إذا غسل من الجنابة.
و من غيره: و أما الذي لا يصل إلى الوضوء للصلاة حتى يخاف فوت وقتها من كثرة الناس أو تزاحمهم على الماء، فمعي: أنه إذا خاف فوت الوقت بعذر مانع تيمم و صلى، و لا يدع الصلاة حتى يفوت وقتها، ثم يصليها بالماء.
و في بعض القول: إذا وجد الماء و صار إليه، تطهر و صلى في الوقت أو بعده.
و في بعض القول: أنه إذا أدرك الماء في الوقت صلى بالماء و إن فات الوقت فقد مضى ذلك و لا بدل عليه.
و قيل: في الوقت يبدل و لا يبدل إذا فات الوقت، و قيل: إذا صلى على ما يجب من ذلك من خوف الفوت فقد صلى.
و قيل: إنما هذا في المقيم، و أما المسافر فلا شيء عليه إذا صلى لعدم الماء، و خوف الفوت فقد صلى، إلا أن يكون جنبا و يدرك الماء في الوقت.
و قال من قال في الجنب و غير الجنب: لا بدل عليه، أدرك الماء في الوقت أو بعده، و أما الذي لا يصل إلى الماء للتطهير إلا بإبداء عورته للناس، و لم يكن له (1/378)
صفحة 378
حيلة غير ذلك، فمعي: أنه قيل: لا له، و لا عليه أن يفعل ذلك، و لا يبدي عورته التي يأثم بإخراجها، و يتيمم و يصلي، لأن الحق لا يقوم بالباطل.
و من تيمم في موضع و صلى في موضع جاز له الصلاة في وقتها.
رجع-
و بلغنا أن رجلا من ربيعة، أتى النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، إنا لا نصيب الماء شهرا، و معنا الأهلون- و في نسخة- إلا بعد أشهر، و معنا الأهلون، فقال له: النبيء صلى الله عليه وسلم: الصعيد الطيب كاف و لو إلى سنين.
و قيل: من وجد بيع الماء تيمم و هو جنب أو غير جنب إذا استقل ما بيده، و خاف الضيق، و أما إن وجد بيع الماء و معه ما يمكنه شراؤه اشترى و توضأ و غسل و لا يتيمم، إلا أن يمتنع الماء بغلاه.
و من غيره: و سألت أبا سعيد رحمه الله عن من وجد الماء غاليا و هو يقدر على شرائه، هل عليه أن يشتريه و يتوضأ للفريضة أم يتيمم، و لا يكون عليه أن يشتريه، و لو قدر على شرائه إذا كان غاليا؟
قال: معي: أنه يخرج في بعض معاني القول عندي: أنه إذا كان واجدا لثمنه، لا يخاف نقصانا في شرائه في حضر و لا في سفر، أن عليه أن يشتريه و لو كان بأكثر من ثمنه، و معي: أنه يخرج في بعض القول: أنه ليس عليه أن يشتريه و لو كان قادرا على ثمنه و يتيمم و يصلي. (1/379)
صفحة 379
رجع-
و من خاف على نفسه المرض أو تصيبه شدة إن غسل من شدة البرد أو برودة الماء و هو جنب، فليس عليه أن يخاطر بنفسه و يتيمم و يصلي، فإذا رجا أن يكون قد آمن مما يخاف غسل و صلى.
و المبطون الذي لا يستمسك بطنه، قبل: يتيمم و يكبر، و كذلك كل مريض يخاف من الماء أن يزداد مرضه، أو به جراحة لا يمكنه أن يمس الماء فيزداد عليه أنه يتيمم، و إن كان شيء من جوارحه سالما من الجراحة غسله و تيمم أيضا، و كذلك الميت إذا لم يكن ماء يغسل به اجتزى له بالتيمم، و من كان معه ماء قليل بقدر الاستنجاء استنجى به و تيمم لوضوءه، و من تيمم في وجهه، ثم مكث ساعة في مكانه، ثم يمم كفيه أجزأه، و من تيمم للطهارة فلا بأس أن يقرأ بذلك، و أما صلاة نافلة أو فريضة فتيمم لها.
و المسافر إذا كان معه ماء يخاف أن يحتاج إليه هو و أصحابه للشراب، أو لطعامهم فلا بأس أن يتيمم و يترك الماء لذلك، و لو كان قد قرب من القرية، إلا أن يعلم أنه قد استغنى عنه، و من تعمد لترك التيمم و صلى فلا عذر له في جهل ذلك، و عليه البدل و الكفارة إن انقضى الوقت.
و من غيره: قلت لمحمد بن المسبح: من قدم يديه في التيمم، ثم وجهه جهلا أو غير جهل، قال: لا بأس بذلك، قد قال من قال من أهل العلم بذلك و العلماء بالتأويل، فقال: إنما جعل التيمم بدلا عن الوضوء، و الوضوء إلى المرفقين. (1/380)
صفحة 380
و من أصابته الجنابة في سفر و لم يعلم بها، و قد كان يتيمم للصلاة و صلى اكتفى بذلك التيمم، و تمت صلاته إن شاء الله.
و من رجا الماء فيذهب إليه ما دام يرجوه، فإذا خاف الفوت تيمم، و إن كان لا يرجو ماء، فإذا حضرت الصلاة تيمم و صلى.
و من غيره- من الأثر-
و سئل جابر بن زيد رحمه الله عن رجل أصابته الجنابة بأرض ليس بحضرته ماء، و الماء منه ساعة يخاف تفوته الصلاة قبل أن يبلغ الماء، فقال: أرى أن يؤخر صلاته ما لم يخف أن يفوت الوقت، فإذا خاف الوقت تيمم صعيدا طيبا، و يمسح وجهه و يديه و يصلي، و إن مضى على صلاته فقد صلى.
و بلغنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه كان أحب إليه حين تحضر الصلاة أن يتيمم و يصلي، و إن كان الماء منه قريبا.
و من غيره: قال الذي يحفظه معنا في قول أبي سعيد رحمه الله، أنه كان قوله: فيما أحبه أنه إذا حضر الوقت و لا يجد الماء فيتيمم صعيدا طيبا و يصلي، لأنه إذا كان من جهة الفضيلة فقد أخذ بالأحوط، و إن قدر على الماء في الوقت و أعاد صلاته فقد حاز الفضل كله من موضعين، فإن لم يجد ماء حتى فات الوقت فقد أدى الفرض في اول وقته، و أول ما خوطب به، و أول أوقات الصلاة أفضلها، فهذا الذي نحفظه من قوله، و لعله قد قيل: إنه مخير، فإن شاء أخر صلاته لرجاء أن يصيب وجود الماء، (1/381)
صفحة 381
و إن شاء صلى أول الوقت، و إن كان يرجو الماء أن يدركه في وقت الصلاة. و الله أعلم بالصواب.
و عن أبي عبد الله رحمه الله قال: من تيمم بالصعيد و هو يعلم أن الماء قريب، فإذا أتى الماء فليتوضأ و إن لم يكن يعرف مكان الماء، ثم أتى الماء في وقت الصلاة فلا نقض عليه، إلا أن يكون جنبا فيغسل و يصلي.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: و إن كان جنبا اجتزئ إذا لم يعلم الماء، فإن أبدلها فلا بأس.
قال غيره: اختلف في ذلك، فقال من قال: إذا حضرت الصلاة تيمم و صلى، فإن أدرك الماء في وقت الصلاة فلا إعادة عليه، و قال من قال: ما دام يرجو الماء فليمش إلى الماء. و الله أعلم بصواب ذلك.
رجع-
و ليس على المسافر أن يشق على نفسه و لا على أصحابه في الذهوب إلى الماء، إذا لم يكن على طريقه، و إن لم يجده على طريقه قريبا بقدر ما لا يعوقه الذهوب إليه من سفره فليتيمم، و ذلك جائز له.
و في جواب أبي عبد الله رحمه الله: و عن رجل سافر لم يجد ماء في طريقه و هو يعلم ماء زائلا عن طريقه، أله أن يتيمم بالصعيد؟ قال: نعم.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إذا لم يكن زوال الماء خائرا عن الطريق. (1/382)
صفحة 382
رجع- قلت له: و هو قدام داره التي بعوتب بالقرب من مسجد البادامة، فمقدار كم يكون بينه و بين الماء كالعسكري؟ قال: لا، قلت له: كالموقف الذي يباع فيه الحب؟ قال: لا. قلت له: فكم؟ قال: كالخور خور جناح، كأنه يريد إذا كان الماء عن طريقه كذلك يتيمم، و لا يعرج عليه إلا أن يكون كمثل الخور من موضعه.
و من غيره: قال: و هذا عندي: إذا كان آمنا على نفسه من جميع المخلوقات، و إذا لم يكن آمنا من ذلك على نفسه، فليس عليه أن يعرج إلى الماء و يذهب إليه، و لو كان الماء قريبا منه. و الله أعلم.
و أرجو أني عرفت عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله أنه قال: من خرج من منح، يريد نزوى، و لم يكن في الطريق ماء لم يكن عليه أن يذهب إلى كرشا، إذا كان الماء بها، و عندي: أن الناس في هذا مختلفون، فواحد يشق عليه و على أصحابه و يعوقهم عن طريقهم، و واحد يمكنه أن يذهب إلى الماء، و يلقى أصحابه، و لا يشق عليه ذلك، و لا يعوقهم عن طريقهم، و لو كان الماء بعيدا.
و وجدت أن أبا المؤثر سأل أبا عبد الله رحمهما الله في مسافر في طريق الباطنة لم ينزل على بئر، هل عليه أن يطلب بئرا؟ قال: لا. فانظر في ذلك، و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب. (1/383)
صفحة 383
و في نسخة- و من لا يقدر أن يتوضأ لجراحة في وجهه، و لا يقدر أن يتيمم بنفسه فإنه يتيممه آخر غيره، فيمسح على وجهه و كفيه باطنهما و ظاهرهما.
رجع- و أما الذين يخرجون إلى القنص و الجراد و الحطب، و نحو هذا، و لا يريدون تعدي الفرسخين، فيؤمرون بحمل الماء للوضوء، فإن لم يكونوا على وضوء و حضرت الصلاة رجعوا توضأوا من القرية إذا لم يكونوا قد صاروا في حد السفر و إن خافوا فوت الصلاة قبل الماء تيمموا و صلوا.
و المحتاج إلى ذلك ليس كالغني، و هو أعذر إن خاف فوت ذلك الذي يطلبه، فيتيمم و يصلي.
تم الباب من كتاب أبي جابر
و من غيره: و عن الرجل يريد الخروج إلى الصيد أو الجراد و الحطب أو أشباه ذلك، و هو على غير وضوء، يجتزئ بالتيمم أم لا؟
فعلى ما وصفت: قال أبو الحواري رحمه الله في جوابه، فيما يوجد، فأما الحاطب و الجاني للشوع، فقد قالوا: لا يخرج من القرية حتى يتوضأ، فإذا انتقض وضوءه (1/384)
صفحة 384
بعد ذلك تيمم، فإن خرج من قريته و لم يتوضأ فأدركته الصلاة و ليس معه ماء، فإن كان تلك مكسبته فإنه يتيمم و يصلي، و يمضي لحاجته، و إن كان ليس تلك مكسبته و هو مستغن عنها رجع إلى الماء توضأ و صلى، و لو فاته ما أراده.
و من غيره: و أما الراعي و طالب الضالة فلم نسمع أنهم يخرجون متوضئين، فإذا حان وقت الصلاة و لم يجدوا الماء، و لم يمكنهم الرجوع إلى القرية لفوات حاجتهم، فإنهم يتيممون و يصلون إذا كانوا خارجين من القرية، و بعيدا من الماء. و الله أعلم بالصواب.
و من غيره، من جواب أبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر: و عن جاني الشوع و طالب الجراد و الحطب و نحو هذا: إذا حضرت الصلاة و لم يجد الماء ففي ذلك أقاويل، فقال من قال: ليس المحتاج إلى ذلك كالمستغني، لأن المستغني يمكنه يرجع، و يترك ذلك، و المحتاج لا يمكنه ذلك، و يجوز له التيمم، و إنما هذا على أنه لم يصل إلى حد الفرسخين، و أما إذا جاوز الفرسخين، و صار في حد الفرسخين فالتيمم له جائز إذا لم يجد الماء، و القصر لا يجوز إلا حتى يصبح أنهم قد عدوا الفرسخين.
و من غيره: قال أبو سعيد رحمه الله: في الذي يخرج للجني، مثل الشوع أو غيره و الحطب فتحين عليه الصلاة قبل أن يجني و يحطب شيئا، و هو في موضع إذا التمس الماء يجده في وقت الصلاة؟ ففي هذا الموضع فرقوا فيه، أنه إذا كان ذلك مكتسبه مضى لما توجه إليه، و ليس عليه أن يرجع بطلب الماء، و إن لم يكن ذلك مكسبته كان عليه طلب الماء، و لم يكن له أن يذهب لذلك إلا حتى يجد الماء و يصلي، (1/385)
صفحة 385
و إن كان لا يجد الماء في وقت الصلاة، أن لو التمسه لم يكن عليه أن يعرج بطلب الماء، كان ذلك مكسبته أو غير مكسبته، و أما إذا كان قد جنى أو حطب شيئا و صار ملكا له، و خاف عليه إن طلب الماء أن يضيع أو لا يصل إليه، فليس عليه أن يطلب الماء و يصلي بالصعيد، لأنه عليه حفظ ماله، و ليس له تضييعه: كان ذلك مكسبته أو غير مكسبته، كان غنيا أو فقيرا.
قال غيره: و أرجو أنه يوجد، و لو لم يكن ذلك مكسبته إذا كان يستعين بذلك على عولته، و سبيله سبيل من كانت تلك مكسبته، و أما قوله: إنهم يخرجون متوضئين، فذلك عندي: إذا كانوا يرجون أنهم يحفظون طهرهم، و كان ذلك في قرب الصلاة، و أما من كان يخرج بعد صلاة الفجر، فكيف يرجو طهره لصلاة الظهر، و أما قوله: يؤمرون بحمل الماء للوضوء، فليس كل من خرج لذلك يكون عنده وعاء يحمل به الماء، و لا يقدر على ذلك.
و بلغنا عن موسى بن علي رحمه الله: في شباك شبك للطير، و قد مد شبكه، و قعد في خيمته و هو في القرية، و حضرت الصلاة و هو ليس بمتوضئ، و خاف إن خرج من خيمته إلى الماء ذهب الطير، فتيمم و صلى في خيمته، فقال موسى بن علي: إن كان تلك مكسبته فصلاته تامة بالتيمم. فانظر فيه، و خذ منه بما وافق الحق و الصواب.
و من غيره: قال: و الذي سمعنا أن مسترسل البطن، و الذي ينطلق به الرعاف و القيء، فلا يستمسك أنه يتيم بالصعيد و يومئ إيماء، و من تيمم، ثم رأى ماء يمكنه أن يتوضأ منه انتقض تيممه، و إن كان لا سبيل له إليه فتيممه تام. (1/386)
صفحة 386
وسأله سائل عن رجل كان به دم لا يقرى من جرح في وقعه، و ثوبه فيه دم، و كان يقدر على أن يطلب ثوبا طاهرا يصلي فيه، فصلى في ذلك الثوب الذي فيه الدم، و قد انجلت الواقعة، لظنه أن ذلك جائز له إذ فيه دم؟
فقال: أرى عليه البدل، و لم أر عليه أكثر من البدل، إذا كان يقدر على ثوب طاهر، و أما إذا كان لا يقدر على ثوب طاهر، ولم يمكنه غسل ثوبه و لا غسل دمه، و تيمم لدمه و صلاته، و صلى فليس عليه بدل.
و عن رجل أجنب في السفر، فتيمم و صلى ثم وجد الماء بعد ذلك، هل عليه إعادة الصلاة؟
قال: معي: أنه قد قيل: أنه إن وجد الماء اغتسل، و أعاد صلاته، و قيل: لا إعادة عليه، و لو وجد الماء في الوقت من قبل، و يعيد وحده في الوقت أو بعد الوقت، و قيل: لا يعيد على حال.
و من غيره: قلت: فرجل صلى بثوب نجس في السفر و لم يتربه، هل عليه إعادة الصلاة إذا وجد الماء و غسله؟ قال: معي: أنه قيل: لا إعادة عليه، و قيل: عليه الإعادة على حال، و قيل: يعيد في الوقت، و لا يعيد بعد الوقت.
و من غيره: قال: معي: أنه في الذي تصيبه الجنابة في الصوم، فيجهل التيمم عند عدم الماء للغسل، فقيل: يبدل ما مضى من صومه، و قيل: يبدل يومه، و قيل: لا شيء عليه، و هذا المعنى من قوله، و عرضته فلم ينكره. (1/387)
صفحة 387
قال: و معي: أنه قيل: يسع جهل التيمم في السفر و الحضر، و قيل: لا يسع جهله في حضر و لا سفر، و قيل: يسع في الحضر و لا يسع في السفر، في معنى بدل الصوم و الكفارة.
قلت له: فيسع جهل التيمم إذا عدم الماء فتركه، أو هو كمن ترك الوضوء على الجهل و هو يجد الماء في معنى الإثم و الكفارة؟
قال: أما الإثم فمعي: أنه يخرج في معنى ما لا يسع جهله عند عدم الماء، و لعله إنما اختلف في معنى ما يلزم من البدل للصوم و الكفارة للصلاة.
قلت له: كان ذلك في الحضر و السفر في معنى الإثم؟ قال: معي: أنه يفسد على قول من يقول: إن الجنب إذا ترك الغسل انتقض صومه.
و من غيره: قلت: فرجل مريض في منزله، و ليس معه أحد، و ليس معه ماء، و حانت الصلاة، كيف يصنع؟
قال: سئل هاشم عن ذلك، فأجاز له التيمم، إذا لم يكن معه أحد، قال: فقال الوضاح بن عقبة، و كان بحضرته يصيح بجيرانه أنه إن جاءه أحد، و إلا تيمم و صلى، قال هاشم: ما أحسن ما قال.
و رجل مسافر، و لم يجد ماء إلا بئرا بعيدة الماء فقام ليستسقي، فاستسقى و استنجى، و عاد يستقي ليتوضأ فطلعت الشمس، فلما طلعت الشمس تيمم و صلى، هل تتم صلاته؟ قال: لا تتم صلاته، إذا كان الماء ممكنا عليه، و يتوضأ و يصلي إذا طلعت (1/388)
صفحة 388
الشمس، و لكن لو تيمم لعدم الماء و صلى في الوقت جاز له ذلك. قلت له: لو أنه استقى و توضأ و صلى و قد طلعت الشمس، هل تم صلاته؟ فقد قيل: تتم.
و من غيره: سألت عن رجل يختلف من بطنه، فإذا قام يصلي خاف أن يقطع عليه صلاته قبل الفراغ، هل له أن يكبر للصلاة؟ فليس للتكبير هنا معنى، إنما يكبر من لا يقدر يقرأ، و هذا يصلي بالقراءة كيفما أمكنه، قائما أو قاعدا، أو نائما، و أما التيمم عن من لا يقدر على الوضوء كان له أن يتيمم و يصلي، و كذلك من كان بطنه مسترسلا و لا يقدر على الوضوء، تيمّم و صلى.
و من غيره: قال أبو عبد الله رحمه الله فيمن يترب ثوبه في السفر، قال: إن وضعه على وجه الأرض أجزأه أن يتربه من وجهه الأعلى، و إن بسطه على غير التراب فأحب أن يترب وجهه جميعا، و عنه رحمه الله: أن المريض إذا لم يقدر أن يتوضأ بنفسه تيمم و صلى.
قال أبو معاوية، عزان بن الصقر رحمه الله: ليس له أن يتيمم حتى لا يجد من يوضئه بالماء، و عن مسافر نزل ما بين ماءين، مضى على أحدهما فجاوزه، و نزل دون الآخر، ثم حضرت الصلاة فتيمم و صلى و هو يعلم أنه لو رجع إلى الماء الذي قدامه أدرك الصلاة، قال: لا بأس عليه و لو مضى إلى الماء كان أفضل.
قلت: فرجل مسافر جاهل بموضع الماء فتيمم و صلى، ثم مشى غير بعيد، فأصاب الماء في وقت الصلاة، هل تجزيه صلاته، أم يعيد لوجود الماء؟ قال: معي: (1/389)
صفحة 389
أنه إذا كان جاهلا أجزأه فعله، و إن كان ناسيا للماء و موضعه ففيه اختلاف، و أكثر القول: الناسي أشد من الجاهل.
و من غيره: إذا كان عالما بالماء على هذه الصفة، أعجبني أن يبدل الصلاة، و الله أعلم.
قال أبو سعيد رحمه الله: في مسافر حان عليه وقت الصلاة مع الماء، فتركه وسار و هو لا يرجو ماء غيره، فتيمم و صلى، فقيل: عليه البدل، و قيل: صلاته تامة، لأنه لم يكن مخاطبا بالصلاة في أول وقتها، و لم يكن محجورا عليه السير، فقد تركها في وقت واسع له تركها، و قد سار في حين كان واسعا له السير فيه.
قال غيره: و عن رجل كان في سفر فمضى على ماء و هو جنب، و قد حضرت الصلاة أو لم تحضر، فتركه و مضى، و هو لا يعلم بماء قدامه، أو يعلم بماء، فلما خاف الفوت تيمم و صلى، فما حاله؟ و هل عليه كفارة إذا حضرت الصلاة و ترك الماء؟ فإن كان على نية الصلاة بالماء، و كان في فسحة من الوقت، و لم يترك الغسل على أنه تاركه و يصلي جنبا فلا كفارة عليه، و قد قيل: عليه البدل، و الذي يرجو ماء غيره أحب أن لا يكون عليه بدل.
و من غيره: و عن المسافر إذا عدم الماء و خرج منه دم سائل على يديه، هل عليه أن يزيله بما قدر عليه، و يتيمم و يصلي؟ قال: عندي: أن عليه ذلك.
قلت: فإن جهل و تيمم و صلى و لم يزله، عليه بدل؟ قال: ما أخوفني أن يلزمه البدل، لأن ذلك شبه السنة في إزالة الغائط بالأحجار عند عدم الماء. (1/390)
صفحة 390
و من غيره: و ذكرت في مريض لا يقدر على الوضوء من شدة المرض، أو في رجله علة يحركها، قلت: هل يجوز له أن يتيمم إذا عسر عليه الاستنجاء بالماء؟ و كذلك إن لم يقدر أن يتحول على فرش فيه نجاسة، فصلى على حالته، أو لا يجوز؟
فعلى ما وصفت: فقال من قال: إذا لم يقدر هو يوضئ نفسه تيمم بالصعيد، و قال من قال: إن كان يقدر على من يوضئه فلا يتصعد، و كل ذلك صواب إن شاء الله.
و إذا لم يقدر المريض أن يتحول عن فراشه صلى على فراشه، و لو كان الفراش نجسا، و إن لم يقدر على التحول، و قدر أن يفرش له على الفراش النجس ثوب طاهر، و فراش طاهر على الفراش النجس إذا كانت النجاسة يابسة، و صلى عليه فذلك أحسن، و إن لم يقدر على ذلك صلى كيف كان.
و من غيره: و سألته عن المتيمم، هل له أن يتيمم في موضع، و يصلي في موضع آخر؟ قال: إذا نوى لتلك الصلاة جاز له ذلك.
و سئل عن الجنب في السفر، يجزيه تيمم واحد أم عليه تيممان؟ قال: معي: أنه يختلف فيه، قلت: على قول من يقول: إن عليه تيمّمين، أيكون ذلك ثابتا على الأبد، ما لم يصب الماء أم ليس عليه ذلك إلا في صلاة واحدة؟
قال: معي: إنه في صلاة واحدة ما لم يجد الماء لأن أحكام الأول قد ذهب بالتيمم الأول.
قلت له: فإن كان صائما رمضان، فتيمم لإحراز صومه، ثم أصبح فلم يجد (1/391)
صفحة 391
الماء حتى أواه الليل، ثم عاد و أصبح من الغد، هل عليه تيمم ثان لإحراز صومه؟
ثم كذلك على الأبد ما لم يصب الماء؟
قال: لكل جنابة تيمم واحد في الصوم، و ليس عليه أكثر من ذلك، مالم يجد الماء.
و من غيره: من جواب أبي الحسن رحمه الله: و عن من يقوم من منامه و الوقت قد ضاق، و يخاف إن مر إلى الماء فات الوقت، أله أن يتيمم و يصلي، أو يتجاوز إلى الماء و يتوضأ و يصلي متى فرغ، و لو فات الوقت؟
فعلى ما وصفت: فهذا عليه أن يتيمم و يصلي إذا كان لا يجد الماء إلا بعد الفوت، كان في الحضر أو السفر، إذا كان لا يجد الماء إلا الماء الذي يذهب إليه.
قال غيره: نعم، كذلك وجدنا في عامة قول أصحابنا في الحضر.
و قد قيل في ذلك بخلاف هذا، و لا يبصر الفرق في ذلك لوجوب الفرض في وقته، و نزول العذر من عدم الماء، و أما في السفر فيتيمم على حال، و لا نعلم في ذلك اختلافا. و الله أعلم.
قال أبو سعيد: فيما عرفنا في معنى الخائف على نفسه القتل و هو قريب من الماء، فقال من قال: إنه كمن لم يجد الماء و يجوز له التيمم، و قال من قال: إن الخائف ليس كالمعدم للماء، و أنه إن خاف القتل إن ذهب إلى الماء تيمم و صلى، و كان عليه الإعادة. (1/392)
صفحة 392
و من غيره، و قال من قال: إن البادئ إذا كان منزله على الماء يقدر إذا ذهب إلى الماء في أول وقت الصلاة، الظهر أو المغرب فلم يرجع إلى منزله حتى يفوت الوقت قبل أن يصل إلى منزله يصلي فيه؛ لم يكن عليه أن يذهب.
و عن أبي الحواري في رجل يكون في سفر لا يجد الماء، و يذكر في ذلك الوقت أن عليه بدل صلوات فائتات، أيجزيه لهن تيمم واحد، أو لكل صلاة تيمم؟ قال: إن كن فائتات أجزاه لهن تيمم واحد، و إن كن منتقضات فعليه لكل صلاة تيمم.
و من غيره: قال: و قد قيل: عليه لكل صلاة تيمم كن فائتات أو منتقضات، و قيل في المنتقضات تيمم واحد، و في الفائتات لكل صلاة تيمم، هذا ما دام في مقامه، لم يتحول عنه.
و عن الثوب النجس كيف يترب للصلاة؟ فإن عرف موضع النجاسة صب عليه التراب، و إن لم يعرفها مد الثوب على الأرض و سحبه عليها، ثم يقلبه على الوجه الآخر، فيسحب كذلك على التراب، و لا يصب عليه التراب، ثم يصلي به.
و من جواب أبي الحواري رحمه الله: عن رجل خرج مسافرا، و حضرت الصلاة و لم يجد ماء فتيمم يريد أن يصلي، ثم طمع قدامه بماء، فسار نحو فرسخ ثم أيس من الماء، هل له أن يصلي بذلك التيمم.
فعلى ما وصفت: فإذا كان ذلك التيمم منه في وقت الصلاة، و كان تيممه ذلك يريد به الصلاة التي حضرت، ثم مشى بعد ذلك لطمعه بالماء، ثم أراد أن يصلي بذلك التيمم إن لم يكن أحدث حدثا، و إن أعاد التيمم فهو أحب إلينا (1/393)
صفحة 393
و مما يؤخذ عن الشيخ أبي الحسن: و عن رجل وقع في جسده نجس، دم أو غيره، فلم ينل غسله بيده، فإن أجرى عليها الماء جرى على سائر جسده حتى يسيل على إزاره، أو قطر في الأرض ثم طار به و هو في موضع لا يمكن أن يحل إزاره و ماؤه قليل، سألت كيف يصنع؟ قال: فإن خاف أن لا يطهره، و لا يقدر على حيلة من طهارته، أو ليس عنده ماء يطهره و لا قدر على أحد يطهره له، تصعد و صلى، و إن كان معه ماء و لا ينال غسله، و لا يقدر على أحد يغسله له توضأ بالماء و تصعد و صلى. انقضى.
و من غير الكتاب و زياداته:
رفع لي بعض الجماعة: أنه في من وجد ماء جامدا، أنه يضرب بيده عليه، ثم يمسح بهما وجهه و كفيه كالمتيمم بالصعيد، و لا يتصعد بالصعيد. و الله أعلم.
و جائز التيمم في أول الوقت وقت الصلاة و أوسطه، لقول الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، و لم يشترط وقتا من وقت إلا عند القيام إلى الصلاة، و قد ذهب بعض أصحابنا إلى أن التيمم في آخر وقت الصلاة، و ليس له التيمم في أول لما يرجو من وجود الماء، و هذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم فانظر، لأ، الله تعالى عقب ما ذكره من الطهارة بالماء قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).
و كان من أراد القيام إلى الصلاة و قد خوطب بفعلها عند دخول وقتها، فالواجب الطهارة بالماء، فإن لم يجد الماء تيمم، و ليس عليه أن يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يجب تعجيل الصلاة لما يلحق التأخير من الأسباب و العوائق، و المخصص لوقت دون وقت يحتاج إلى دليل. (1/394)
صفحة 394
و أجمعوا أن الإنسان إذا كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، أن عليه قصد الماء و ليس له أن يتيمم، لأنه داخل في قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلاَةِ)، و هذا يقدر أن يأتي الطهارة التي أمر بها، و هي الماء.
مسألة:
و إذا صار المسافر في موضع الإياس من وجود الماء و حضرت الصلاة فالمامور به أن يطلب الماء و يجتهد في بغيته، و لابد من الطلب و ملاحظة الطرف يمينا و شمالا، و يسأل أصحابه و أهل القافلة إن كان معه ناس، و الطلب فريضة لقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا)، فلم يبح التيمم إلا بعد العدم من الماء، و العدم لا يكون إلا بعد الطلب و الإظهار، فإن جهل الطلب مع إياسه من وجود الماء و تيمم و صلى، فأحب أن تلحقه الكفارة، لتركه المفروض عليه، و عدوله إلى ما سواه بغير عذر، و لا يسقط عنه الئمة مع التضييع لما أمره الله به من طلب الماء مع الإمكان له من الطلب، لأن حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز في قدرة الله عزوجل أن يحدثه في أماكن الإياس من وجوده، إذا كان غير محال من قدرة الله جل وعلا، فإذا لاحظ فلم يجد الماء فتيمم و صلى، ثم حضرت فريضة أخرى، فإنه يلاحظ ايضا، و يطلب ما هو أحوط له في دينه، فإن كان عهده بالملاحظة و الطلب قريبا، و موضع الفريضة الثانية هو موضع الفريضة الأولى، أو أقرب منه، و لا يجوز حدوث الماء تلك المدة اليسيرة، و لا يرى علامات تدل على حدوثه مثل المطر، أو نزوله في تلك الأمكنة، فأرجو أن يكون جائزا له التيمم بلا ملاحظة و لا مطالبة مع هذه. و الله أعلم، و بالله التوفيق. (1/395)
صفحة 395
و من غيره: و لقيت أنا في بعض الأجوبة: أن عليه الكفارة إذا ترك السؤال عن الماء، إذا كانوا يرجوه، و الاختلاف عند الإياس، و أحسب أني لقيت إن شاء الله: أن السؤال فرض مع الرجاء و عند الإياس فيه اختلاف، و الله أعلم.
و من غيره: و الطهارة بالصعيد واجبة لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).
و الصعيد في كلام العرب: هو التراب، و قيل أيضا: هو ما صعد على وجه الأرض منها، و التيمم في لغة العرب هو القصد، و معنى قوله: طيبا، هو الطاهر الحلال. و الله أعلم.
مسألة:
و التيمم: هو أن يضرب المتيمم بيديه على الأرض، و يفرق بين أصابعه، و لا بأس أن ينقضهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة أخرى، فيضع اليسرى على ظاهر أصابع يده اليمنى، و يمرها على ظاهر الكف، ثم يعمل في كفه اليمين على كفه الأيسر مثل ذلك، و ليس عليه أن ينوي بالتيمم فريضة و لا صلاة تطوع، و لكن ينوي به طهارة للصلاة أو لرفع الحدث، و وجوب الضربتين هو ما رواه عمار بن ياسر رحمه الله، و عبد الله بن عامر، قال: تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربنا ضربتين، ضربة للوجه، و ضربة لليدين. (1/396)
صفحة 396
فصل
قال أبو المؤثر: و من سنة الوضوء لمن لم يجد الماء التيمم، و هو فريضة من الله و رخصة لمن يجد الماء.
قال: و ذكر لنا: أن سبب التيمم نزل في عائشة رضي الله عنها، و ذلك أن النبيء صلى الله عليه وسلم خرج في بعض غزواته و حمل عائشة معه، فاستعارت قلادة لأختها تزين بها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل حيث لا ماء فيه، و تأملوا أن يدلجوا فيوافوا الماء عند صلاة الفجر، فلما أرادوا السير فقدت عائشة القلادة، فطلبوها و اجتهدوا في طلبها، فلم يقدروا عليها، فاستلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر عائشة، و جعل أبوبكر رضي الله عنه يقول لعائشة: شققت على المسلمين، و حضر وقت الصلاة، و لم يعرف المسلمون كيف يصنعون، إذا ليس معهم ماء، و قد جعل الله لكل شيء قدرا، فأنزل الله: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ اَوْ جَآءَ اَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)، يقول: تعمدوا ترابا طاهرا، فنزلت هذه الآية رحمة من الله و رخصة، فتيمم النبيء صلى الله عليه وسلم و المسلمون وصلوا، فلما فرغوا من صلاتهم وجدوا القلادة في مناخ البعير، فعرف المسلمون فضل عائشة و ما أنزل الله من الرخصة في سببها، إذ حبستهم.
و في خبر أن عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، انسلت قلادة أسماء من عنقي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين يلتمسان القلادة، فوجداها، فحضرت الصلاة، فنويا ظهرا، فلما رجعا قالا: يا رسول الله، صلينا بغير طهور، فأنزل الله: (1/397)
صفحة 397
(فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)، قال أسيد بن حصين: رحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجا.
مسألة:
و لا يجوز أن يصلي المتيمم مكتوبتين بتيمم واحد، و قد وافق هذا القول الشافعي، و احتج بما روي عن علي و ابن عباس و ابن عمر أنهم قالوا: لا تصلى مكتوبة إلا بتيمم، و لا يجب على المتيمم أن يوصل التراب إلى أصول شعر وجهه اتفاقا. و في الحديث: إياكم و القعود في الصعدات، يعني: الطرقات، و قال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب ذي الغبار، و قال: لا يجوز إلا بالتراب أو بالرمل المختلط بالتراب، و إلى هذا ذهب أصحابنا.
و من حبس فلم يمكنه الخروج إلى الصلاة، فتيمم و صلى في الحبس، فلا بدل عليه إذا خرج، إلا أن يخرج و الوقت قائم فعليه البدل. و بالله التوفيق.
و عن امرأة خرجت في سفر عند قوم، و حضرت صلاة الصبح في غير موضع الماء، فقال لها الحمّار: إن الماء قدامنا فاصبري، فصبرت حتى وصلت إلى الماء فتوضأت، و صلت الفريضة، فنظرت فإذا الشمس على رؤوس الجبال، و إن علمت أن الشمس قد طلعت قبل أن تقضي صلاة الفريضة فعليها الكفارة، و إن لم تعلم أن الشمس طلعت قبل أن تقضي الفريضة فعليها الكفارة، و إن لم تعلم أن الشمس طلعت قبل أن تقضي الفريضة، فلا كفارة عليها و لا إعادة. (1/398)
صفحة 398
الباب السابع
في الغسل من الجنابة و أحكام ذلك
و الغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله تعالى، لا عذر لمن جهلها، و هي أمانة يسأل الله عنها العبد يوم القيامة، و قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: يجزئ الغسل من الجنابة صاع من ماء.
و من غيره: قال أبو عبد الله رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه اغتسل بصاع من ماء من الجنابة، و اغتسل هو و عائشة أيضا بصاعين و نصف.
و من غيره: قال أبوبكر: إن الإنسان يلزمه أن يعلم أن الصاع يجزئ الغسل، فإذا كان عنده صاع من ماء كان عليه أن يتعلم كيف يغتسل به، و قال: إنه يحفظ ذلك عن أبي سعيد.
رجع-
و من اغتسل من إناء فيبدأ أولا بغسل كفيه، ثم ليغسل الأذى ثم يتوضأ وضوء الصلاة، فإذا طهر الأذى فلا بأس أن يمس بدنه و يعركه بيده، و يردها إلى ذلك الماء، فإن وقع في نهر، فبدأ بالغسل قبل الوضوء فلا بأس، و لو فعل إذا اغتسل من الإناء ثم أبصر فسادا، و قد ترك ما أمر به إذا أمكنه، و أحب (1/399)
صفحة 399
إلي لمن يغتسل من الجنابة أن يبدأ بعد المضمضة و الاستنشاق بغسل شق رأسه الأيمن ثم الأيسر، و وجهه و عنقه، ثم يده اليمنى و ما يليها ثم اليسرى و ما يليها، ثم ظهره و صدره، ثم رجليه اليمنى ثم اليسرى و ما يليها، و يعرك بدنه، فإنه قيل: تحت كل شعرة جنابة، و إن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: يغسل كفيه، ثم الأذى، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم يفيض الماء على رأسه ثم على بدنه.
رجع-
و غسل المرأة من الحيض و الجنابة سواء، و قيل: إن لم تنقض المرأة ضفائر شعرها و عركتها فذلك يجزيها، إذا بلغ الماء أصول الشعر.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إلا أن تكون عاقدة ضفيرتها بخيط، فلتحله ليصله الماء.
و من كسرت يده أو رجله فجبر الكسر و أصابته جنابة، و الجبائر على الكسر، فإن قدر أن يصب الماء على الجبائر حتى يصل الماء إلى الجلد فعل، إذا لم يضره ذلك، و لم يخف أن يضره الماء، و إلا غسل ما حول الجبائر.
و من صلى و بين يديه ثوب جنب فلا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته و يصرف وجهه عنه. (1/400)
صفحة 400
و الجنب و الحائض و المشرك لا يدخلون المساجد، و لو دخلها أحدهم لم يفسدها، و كذلك المصليات، فإن كان جنب مريض في مسجد أو شيء له فيه و لابد له من أخذه، فإن فعل ذلك لم أر عليه بأسا، و إن تيمم ثم قضى حاجته من المسجد، فهو عندي أحوط.
و من غيره: قال: و قد قيل: لا يدخله إلا متوضئا أو متيمما إذا لم يجد الماء أو كان الماء فيه.
و قد قيل: إن أجنب فيه أيضا فيخرج منه، فإن لم يمكنه، فقال من قال: يتيمم و يقعد، و قال من قال: ليس عليه تيمم، فإذا خرج منه فلا يرجع يدخله إلا بعد الغسل أو التيمم.
رجع-
و كذلك لا يقرأ القرآن إلا الآية أو بعضها، و لا يحمل المصحف، و إن حمله بسيره الذي يعلق به فلا بأس.
و من غيره: الذي عرفت: أن قراءة القرآن على غير وضوء فيها اختلاف كثير، و أرخص ما عرفت، أنه يخرج في بعض معاني الروايات، و أحسب أنه عن النبيء صلى الله عليه وسلم، هكذا وجدت أنه قال: و اقرأ القرآن بأي حالة شئت إلا جنبا، و بأي حالة كنت فيها إلا جنبا، و ادخل المسجد في أي حالة شئت إلا جنبا، و احمل المصحف في أي حالة شئت إلا جنبا، فكان معنى الرواية يدل على إطلاق هذه المعاني في الإنسان إذا لم يكن جنبا، (1/401)
صفحة 401
و معي: أنه قال من قال: إنه ما لم يكن على طهر تام أو وضوء تام كالوضوء للصلاة، فهو بمنزلة المحدث، و هذه أنزه ما عرفت. و الله أعلم.
و عرفت أن الحائض و النفساء و الجنب لهم أن يقرأوا الآية أو بعضها و الآيتين، يستأنس بهما بذلك عند الوحشة و عند ما يلزمه طلبه، و أن يتلوه بغير تحريك اللسان.
و من جامع أبي الحسن: و الجنب لا يقرأ القرآن للرواية عن النبيء صلى الله عليه وسلم: لم يكن يمتنع من قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا، فتنظر في جميع ما ذكرته، و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب.
و من غير الكتاب و زياداته:
و عرفت عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان رحمه الله: أن المحدث لا يبتدئ بأول السورة، و لا يختمها، و ليقرأ أوسط السورة.
رجع-
قيل: كره أبو عثمان أن يقرأ الرجل و عليه الثوب الجنب.
رجع-
و إن كان قد علق على شيء من بدن الجنب قارّ او غيره مما يلزق به حتى يحول بين الماء و بين ذلك الموضع، قلع ذلك و غسل موضعه و أعاد الصلاة إن كان صلى، و إن كان الذي لزق رقيقا بقدر ما يصل الماء إلى ذلك الموضع فلا بأس. (1/402)
صفحة 402
و في بعض الآثار: أنه إن كان لزق أقل من ظفر فلا بأس، و الأول أحبّ إليّ.
قلت: فإن كانت سفطة سمك و قد اغتسل من الجنابة أو توضأ للصلاة و صلى، ثم وجدها، أعليه بأس في صلاته أم لا؟ قال: إن كان جنبا أو توضأ للصلاة غسل موضعها، و إن لم يكن جنبا فلا بأس عليه.
قلت: فإن علم بها قبل الصلاة، و قد كان جنبا، و توضأ للصلاة؟ قال: يغسل موضعها و يبدل الصلاة.
قال أبو الحواري عن بعض الفقهاء: إن كان موضع القار و سفطة السمكة أقل من الظفر و غسله، فلا نقض عليه في صلاته، كان جنبا أو غيره.
و ينبغي للجنب أن يريق البول قبل أن يغسل، فإن اغتسل و لم يرق البول، ثم خرج منه شيء من مني بعد ذلك فعليه إعادة الغسل، و إن لم يخرج منه شيء فلا إعادة عليه.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إذا لم يرق البول و اغتسل لم ينتفع بغسله، حتى يريق البول، إلا أن يكون خاف فوت الصلاة و لم يجد في ذكره حسا، ثم غسل و صلى، ثم إذا وجد أهراق، و يغتسل ثانية.
أخبرني وضاح بن عقبة: أن عبد الله بن محمد أخبره عن سليمان بن عثمان، أنه نزل عليهم، فقال: من غسل و لم يرق البول لم ينفعه غسله، و أما المرأة فليس عليها أن تريق البول، لأنها تبلغ و الرجل يدسع. (1/403)
صفحة 403
رجع-
و كل من أولج الحشفة في الفرج حتى يلتقي الختانان فقد لزمه الغسل، و إن لم يقذف الماء، و ما كان دون ذلك فلا غسل عليه في ذلك، و لا فيما يخرج منه من الودي، فإن عبث بذكره أو عنته شهوة حتى قذف الماء الدافق فقد لزمه الغسل، كان ذلك في نومه أو في يقظته، و إن رأى في نومه أنه جامع، و لم يعلم أنه قذف، و لا رأى بللا، فلا غسل عليه إلا أن يرى الجماع، و يرى بللا أو شيئا من ذلك في بدنه أو في منامه، فعند ذلك يلزمه الغسل، و كذلك في الذي تخرج منه النطفة الميتة، و حفظ لنا الثقة عن بعض أهل الفقه: أنه لا غسل على من خرجت منه النطفة الميتة بلا شهوة و لا انتشار.
و من غيره: عن أبي علي رحمه الله: عن رجل عبث بامرأته حتى نشر، فأهمز ذكره ثم تركها، فلما سكن ذكره أنزل عليه الغسل، لأنه عن شهوة أنزل.
و من غيره: فإذا أمسك القضيب من بعد حضور الشهوة، و أنزل النطفة حتى لما فتر، ثم خرجت النطفة فعليه الغسل، و قيل: عليه بدل يومه، و هذا في الذي عارضته الشهوة و هو يستبرئ من البول.
و من غيره: من جواب أبي الحواري رحمه الله: سألت رحمك الله، عن رجل رأى في منامه أنه يجامع، و أن الجنابة تخرج منه، ثم انتبه فمس، فلم يجد رطوبة، أو نظر فلم ير شيئا، أعليه غسل؟
فعلى ما وصفت: فليس عليه غسل، و ذلك حلم، و قد سألت أبا المؤثر عن ذلك فلم ير به بأسا، (1/404)
صفحة 404
و كذلك سألته عن الذكر إذا اضطرب، ثم أمسك بيده حتى سكن، ثم خرجت الجنابة، قال: تلك جنابة ميتة، و لا غسل عليه.
و من غيره: سئل عن من يرى الجماع و الإنزال، و توضأ و لم يلمس، قال: يعجبني الاحتياط للغسل، و إن رأى الجماع و الإنزال و مس فلم يجد شيئا فلا غسل عليه، و إن وجد البلل و لم ير الجماع و لا الإنزال، فقد قيل: إنه لا غسل عليه حتى يعلم أنها جنابة، و قيل: عليه الغسل، و قيل: يشمّه، فإن وجد عرف جنابة فعليه الغسل، و إلا فلا غسل عليه، و هذا كله على الاحتياط، و أما الحكم حتى يعلم أنها جنابة.
و من غيره: سئل أبو سعيد رحمه الله، عن رجل استيقظ من نومه فوجد رطوبة في إحليله، لم يعرف ما هي، هل عليه الغسل؟
قال: اختلف في ذلك، قيل: لا غسل عليه حتى يعلم أنها جنابة، و قيل: عليه الغسل حتى يعلم أنها ليست بجنابة، و قيل: يشمها، فإن وجد جنابة اغتسل، و إن لم يجد رائحة الجنابة فلا غسل عليه.
قلت له: و سواء رأى من أسباب النساء في النوم أو لم ير، فالاختلاف واحد على ما وصفت لي؟
قال: أحسب هذا إنما هو، إذا لم يكن رأى من أسباب النساء و لا الجماع شيئا. (1/405)
صفحة 405
و عن رجل يكون فيه دم و تصيبه الجنابة، ثم يغتسل و يتوضأ و يصلي، ثم بعد الصلاة يخرج من أضراسه لفظة من السواك أو من الطعام، و لعلها أن تكون نجسة، قال أبو المؤثر: إن خرج من فيه من بعد الغسل و الصلاة مقدار ظفر أعاد الوضوء و الصلاة، قال: و كذلك الجنب إن غسل ثم نظر، فإذا في بدنه موضع مقدار الدرهم لم يمسه الماء، قال: يعيد الغسل كله.
و من غيره: قال و قد قيل: إنما عليه أن يغسل ذلك الموضع وحده ويصلي، و قيل: يغسل ذلك الموضع و يتوضا و يعيد الصلاة، و قيل: يعيد ذلك الموضع وحده ما لم يخف الغسل، و قيل: يعيد الغسل و الوضوء.
و من غيره: قال: إذا غسل و بقي شيء لم ينظفه من الجنابة فعليه إعادة الوضوء و إن كان من سائر البدن فإنما يغسل الموضع.
و من غيره: فيما يوجد عن أبي عبد الله رحمه الله قلت له: فالرجل يريد أن يغسل في نهر من الجنابة، و يريد أن يكون وضوءه في غسله، قال: إذا دخل الماء استنجى، و غسل موضع الجنابة، فإذا نقاه تمضمض و استنشق ثم يغسل و يتعرك و لا يمس فرجه، فإذا فعل ذلك اجتزأ به من الوضوء.
و من غيره: و سألته عن الجنب، هل ينام قبل أن يتوضأ، أو يغتسل لحال البرد أو الكسل؟ فأخبرك: أنّا لم نجد في ذلك رخصة، و أنا عاتب على نفسي في ذلك، فاسأل الله أن يعفو عني و أن يوفقني للذي هو خير.
و من غيره: و سألته عن الثوب إذا أصابته الجنابة فوقعت فيه، أينجس ما تحته؟ (1/406)
صفحة 406
قال: روي عن أبي المؤثر رحمه الله، أنه قال: إن كان طاقا واحدا تنجس الثاني، و الثالث طاهر، حتى يعلم أنه قد مسته النجاسة.
قال: و أما الشيخ أبو الحسن فرفع عن أبي الحواري أنه قال: إذا وقعت في الثوب النجاسة، فالثاني: طاهر حتى يعلم أنه مسته النجاسة، قال: إلا أن محمدا بن خالد كان يقول: إن اتهم أن النجاسة مسته غسله.
و عن أبي معاوية عزان بن الصقر رحمه الله، قال: لا غسل من الجنابة الميتة من الرجل يرى انه يجامع و يضطرب الذكر، ثم يسكن اضطرابه و يبرد، ثم يخرج من ذلك جنابة، فهذه الجنابة الميتة.
قال محمد بن المسبح: إذا رأى الجماع في منامه بانتشار الإحليل و اضطرابه، ثم انتبه من منامه و لم يمس في ثقب الإحليل بللا فلا غسل عليه، فإن سكن من اضطرابه ثم خرجت منه رطوبة فعليه الغسل، و إن وجد الشهوة في اليقظة باضطراب الإحليل و ارتعاش البدن بالشهوة لا حقا بها من البدن، فإذا أنزل الإحليل في حينه أو بعده فعليه الغسل.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
و أما المرأة إذا رأت كما يرى الرجل في نومها حتى قذفت فلا غسل عليها.
و من غيره: و سئل عن المرأة تحتلم و تجتنب، هل عليها غسل؟ فنعم، عليها الغسل، و قد قيل عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالغسل، و قيل غير ذلك. (1/407)
صفحة 407
و من غيره: عن أبي معاوية رحمه الله قال: اختلف الناس في ذلك، فبعض قال: عليها الغسل، و بعض قال: ليس عليها الغسل، قال: و الذي أقول أنا به: إذا كانت الشهوة و ظهر الماء رأيت عليها الغسل، و إن عبث بها زوجها فيما دون الفرج أو عالجها هو أو غيره، أو عبثت هي بنفسها حتى قذفت الماء الدافق، فإن الغسل عليها.
و من غيره: و يوجد أنه لا غسل عليها إلا من جماع أو تولج الحشفة، أو تكون ثيبا فصب الماء على فرجها.
رجع-
و من لم يعلم بجنابته و غسل بدنه كله حتى طهره بعد الجنابة أجزأه ذلك، و إن غسل بدنه كله و عركه، ثم صلى و لم يتوضأ أجزأه أيضا.
و من غيره: و قيل في جنب لم يجد الماء إلا في مسجد أنه يتيمم، ثم يدخل المسجد فيخرج الماء فيغسل به، فإن كانت عين صغيرة، و لا يستطيع أن يغرف منها فليتيمم، و لا يقع فيها فيفسدها على نفسه و على غيره.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: إلا أن يقدر على الماء فيناله إذا كان كفاه نظيفتين، فيغسل الأذى من نفسه، ثم يقع في الماء فيغسل.
حدثنا عن هاشم بن غيلان رحمه الله بذلك، و لا ينجس على الناس مواردهم. (1/408)
صفحة 408
قال غيره: و ذلك عندي إذا لم تكن العين تجري، و كانت قليلة الماء مما تنجسها النجاسة.
رجع-
و قيل: إذا أتى الرجل إلى ماء لا يقدر عليه، فإن أمكنه أن يأخذ بثوبه، ثم يعصره في موضع و يستنجي، أو يتوضأ أو يغسل، فليفعل، و إلا فليتيمم إذا لم يقدر على الماء، و قيل: من أتى إلى آنية فاسدة فيها ماء، أحدها طاهر لاشك فيه و لم يعرفه، و هو فاسد البدن، أنه يتطهر من أحدهما، ثم يمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه من الماء ثم يصلي، ثم كذلك يفعل في الثاني و الثالث، حتى يستكملهما، فلابد أن يكون قد تطهر منها، و يصلي في أول ذلك أو آخره، و عليه على هذا الرأي أيضا أن يتطهر من بعد بماء طاهر، لأنه يخاف أن يكون الآخر منهما هو النجس، و قد كان غسل بدنه، و إن تحرى الطاهر منهما و توضأ و صلى و لا يعلم الفاسد، رجوت أن يجزيه فينظر فيها.
و من غيره: قال أبو الحواري: يصب من كل إناء في الآخر حتى يستيقن فسادها كلها ثم يتيمم و يصلي، و لا يتوضا بشيء منها.
قال غيره: و هذا إذا كانت الآنية و الماء له، فعل ذلك على بعض ما قيل.
و قال غيره: و معي: أن في هذه المياه قولا رابعا، و هو أن يتيمم و يصلي، و لا يستعمل منها شيئا لا لطهارة الوضوء، و لا غسل إذا أشكل أمرها، و سواء كانت كلها طاهرة أو نجسة إلا واحدا، و لعل هذا القول يخرج من أكثر ما يذهب إليه أصحابنا في معنى المشكلات، و قولهم: إن كل مشكوك موقوف. (1/409)
صفحة 409
و من غيره: و إن علم بأحد الماءين على أنه طاهر ما لم يعلم نجاسته بالحقيقة أنه قول صحيح، لأن الماء طاهر حتى تعلم نجاسته، فكل واجد منهما على الانفراد طاهر، حتى يعلم أنه هو النجس في الأحكام، و أما على قول من يقول: إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه، فإذا وجدت هذه المياه غير متغيرة، و لا يتغير شيء منها فكلها في الحكم طاهرة، حتى توجد متغيرة أو يصح فسادها بقول من يكون قوله حجة.
و من جامع أبي الحسن البسيالي رحمه الله: و من كان معه إناءان، أحدهما طاهر، و الآخر نجس، لا يعلمه لم يتحر فيهما و يخلطهما، لئلا يشك، ثم يتيمم، فإما يتوضأ بواحد فهذا فيه تعب، و إذا توضا بالنجس تنجس ما طار بيديه، فيجب أن يغسل يده في كل مرة يتوضأ، و يحتمل استعمال ما لا يقدر عليه. و الله أعلم.
و عن الشيخ أبي محمد رضي الله عنه: و لو أن أحدهما نجس، صلى صلاتين بمسحين من كل واحد منهما، مرة بعد أن يغسل بالماء الأخير مواضع الوضوء بالماء الأول منه. (1/410)
صفحة 410
رجع-
و من وقف في غيث للغسل من الجنابة فضربه الغيث حتى نظفه أجزأه، و من وقع في ماء له حركة موج أو حركة يضرب بقدر ما يتغلب أجزأه، و إن لم يتعرك، ومن غسل جارحة من جوارحه مثل رأسه و غيره، ثم خرج من أمر عناه، فليس عليه إلا غسل ما بقي من بدنه.
و قيل: الجنب لا يأكل و لا يشرب و لا ينام للنعاس، و لا يخرج إلى الناس حتى يتوضأ وضوء الصلاة، فإن فعل ذلك قبل أن يتوضأ فلا ينبغي له، و لا نرى عليه بأسا، فإن غسل فاه وحده، ثم أكل أو شرب فجائز إن شاء الله.
و من غيره: قال محمد بن المسبح: جائز، و يكره له.
و من غيره: و أما النوم للجنب قبل الطهر فيخرج عندي من التقصير في المبالغة في الطهارة، لأنه مما جاء في الحكمة في المبالغة في الطاعة، أن يؤمر المؤمن أن لا يبيت و لا ينام إلا متطهرا متوضئا وضوء الصلاة، فإذا كان يؤمر أن لا ينام إلا متطهرا، فأحرى و أجدر أن يؤمر أن لا ينام جنبا، لأن الجنب أشد من غيره ممن ليس بطاهر طهر الصلاة، و إنما يؤمر المؤمن أن ينام متوضئا وضوء الصلاة، و قد قيل: إن من نام طاهرا فمات طاهرا كان شهيدا، أو أوجب له معنى الشهادة، و ذلك المؤمن، و لا يكون خير و لا فضل إلا بفضل الله للمؤمن، لا غيره، في يقظة و لا نوم في غسل و لا غيره. (1/411)
صفحة 411
قد جاء في بعض الحكمة مما يروى عن لقمان الحكيم أو غيره، في وصيته لابنه أنه قال: يابني كل لذيذا، و البس جديدا، و نم شهيدا، أو مت شهيدا، يعني به النوم أن ينام طاهرا، فيخرج معنى أكله لذيذا: أن يصوم حتى يأتي إلى الطعام و هو لذيذ، و لباسه جديدا غسل ثيابه، فإذا كانت طاهرة كانت جديدة في هيئة الجديد، و نومه أو موته شهيدا: أن ينام متطهرا.
قال غيره: نعم، إلا أن يكون له عذر، أعني الجنب أو غيره، من برد مضر، أو خوف، أو ما يشبه ذلك، و الله أعلم، و متى عاقه سبب له فيه عذر أحببنا له التيمم حتى يمكنه الغسل. و الله اعلم.
رجع-
و عنه قد جاء الحديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم: النهي: أن يقوم الإنسان منتصبا عاريا من غير عذر، و لو كان وحده، و قيل عنه صلى الله عليه وسلم، فيما يحث على الستر: أن الله حيّ يحب المستحين، فاستحوا من الله، المعنى في ذلك: أنه يكره للعبد أن يبدي عورته إلا لمعنى، و لو كان وحده.
و قيل: فيما يروى عن عائشة عليها السلام، أنها سئلت عن جماع النبيء صلى الله عليه وسلم، فقيل عنها أنها قالت: ما كشف صلى الله عليه وسلم لي عن ركبتيه قط، فخرج معنى ذلك على معنى الرواية، أنها لا أبصرت له عورة و لا أبصر لها عورة، و هذا يخرج على (1/412)
صفحة 412
معنى الاستحياء و حسن الخلق، و كذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم: النهي عن النظر في الفروج عند المجامعة، و عن الكلام عند المجامعة، و هذا كله يخرج على الأدب و الاستحياء عند كشف العورات من الكلام، و النظر إلى ما يخجل أحد الزوجين من صاحبه، و مما يدخل عليه المكروه، و لا يبلغ بهذا كله إلى معنى إثم، ما لم يفعل ذلك على الاستخفاف بالنهي، و يبدي عورته أو عورة زوجته بفعله إلى من يعقل العورات من الرجال و النساء و الصبيان العاقلين لذلك، بمعنى لا يجوز له من ذلك.
و من غيره: و كذلك سمعنا عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد حاجة الإنسان ضرب في الأرض و لا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض، و هذا المعنى، و لعل قد زدت فيه أو نقصت، أو حرفت الكلام، فينظر في ذلك إن شاء الله.
رجع-
و قيل: لا ينبغي للرجل أن يجامع أهله في مكان فيه ذو روح، و لا أرى بذلك بأسا إلا أن يكون أحد من الناس فلا يفعل، إلا أن يكون صبي رضيع، أو الليل و هم نيام، و قيل: كان النبيء صلى الله عليه وسلم إذا جامع أهله تغمز هو و أهله في الملحفة.
و من وجد في ذكره بللا و انتشارا، و ظن أنه قد أفسد ثوبه، و كان إذا عناه ذلك فنظر فوجد شيئا قد خرج، و ربما نظر فلم ير شيئا، و ربما قد خرج، و إذا نظر وجده قد خرج منه فعناه ذلك و لم يعلم، أخرج منه في هذه المرة شيء أو لم يخرج؟ (1/413)
صفحة 413
فلا بأس، حتى يعلم أنه قد خرج منه في هذه المرة ما قد أفسد عليه، و كذلك عندنا عن محمد بن محبوب رحمه الله.
و من كانت به رطوبة من غسل أو استنجاء، ثم وجد رطوبة و لم يعلم مما هي، و شك أنها خرجت منه، فهي من تلك الرطوبة الأولى، حتى يعلم أنها خرجت منه من بعد.
و من غيره: قال: و ذلك إذا كانت الرطوبة في وقت يمكن أن تكون باقية إلى ذلك الوقت. و الله أعلم.
رجع-
و قد بلغنا أن بعض من كان معه علم كان يرطب عمدا – و في نسخة متعمدا لحال الشك- و وجدنا ذلك في الحديث عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل ذلك.
و من كان يحتشي بقطن في ذكره فخرج منه شيء حتى ترطبت القطنة التي في ذكره فلا بأس عليه، حتى يظهر شيء مما خرج منه، و إن كان من القطنة ظاهر ليس ترطب و ترطب داخلها فلا فساد عليه حتى يعلم أن تلك الرطوبة التي في باطن تلك القطنة قد دخلت في الذي ظهر منها، و كذلك قال من قال من أهل الفقه، و بلغنا عن بعض الفقهاء أنه كان إذا احتشى غسل رأس ذكره أيضا، و في ذلك رخصة بلا أن يكون ذلك عليه. (1/414)
صفحة 414
و من غيره: قال أبو صفرة: قلت لمحبوب في الاحتشاء، قال: يلوي القطنة في الخشبة، ثم يدخلها في الإحليل، و يجذب الخشبة، قلت له: فإن دخلت الخشبة بالقطنة في الإحليل، فبقي بعض القطنة خارجا؟ قال: لا بأس.
قلت: فإن كان في أصل القطنة من داخل الذكر بول و الخارج نظيف؟ قال: لا بأس، و لا نقض عليه في وضوءه.
و من غيره: و سألته عن القطنة إذا انتقلت من موضع الاحتشاء من البول، قال: يعيد الاحتشاء و الوضوء.
قال غيره: و معي: أنه قد قيل: ما لم يصر البول إلى موضع الطهارة فلا نقض.
و عن رجل احتشى من المذي ثم بال، فلم يخرج الحشو مع البول، كيف يصنع؟ أيتوضأ و يصلي كما هو؟ أو يعالج الحشو حتى يخرجه؟
فعلى ما وصفت: بل يعالج الحشو حتى يخرجه، و قد سألت ابا المؤثر عن رجل بال، ثم احتشى ثم استنجى، و نسي أن يخرج الحشو وصلى، قال: صلاته تامة
رجع-
قال رجل ممن بلي بالاحتشاء: إنه قد استعمل خشبا كثيرا من أصناف الشجر. (1/415)
صفحة 415
فلم يجد شيئا أصلح من الأسل و العبل.
و من غيره: و لا بأس بعرق الجنب و الحائض و ما مساه من رطب، ما لم يكن في أيديهما شيء من الأذى، و لا بأس بسؤرهما من الوضوء و الشراب للوضوء و الشراب، إلا أنه كره من كره ذلك سؤر الحائض من الوضوء للوضوء، و أما الشراب فلا بأس.
رجع-
قال محمد بن المسبح: كله واحد، للوضوء و الشراب، لما جاء عن النبيء صلى الله عليه وسلم، إذا قال لعائشة عليها السلام: تناولي الجرة من المصلي، قالت: إني حائض، فقال: ليست بيدك، فلا بأس – لعله أراد الحيضة- و أرجو أنه يوجد.
قال محمد بن المسبح: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم و عائشة يغسلان من إناء واحد.
و من غيره: و إن غسل الرجل و امرأته من إناء واحد يتنازعان الماء للجنابة فلا بأس، و قيل: يبدأ الرجل أولا.
و قيل: من غسل المريض الجنب، فعليه الوضوء، و ذلك عندي إن مس الأذى، و أما إذا لم يمس شيئا من الأذى و غسله، فلا نقض على وضوءه.
رجع-
و من غيره: و سمعته يقول في رجل كان فيه غبرة ثم غسل من تلك الغبرة (1/416)
صفحة 416
و هو جنب ناس لجنابته، فقال: إن كان ذلك الغسل مثله يتقي من الجنابة فقد أجزأه.
تم الباب من كتاب أبي جابر:
و من غيره: سألته عن رجل اغتسل من الجنابة، و نسي أن يدخل يده في أذنه حتى فرغ من غسله؟ قال: يغسل أذنيه، و ليس عليه بدل الغسل، و عن رجل يغسل من جنابة لا ينال عرك بعض ظهره، هل يجوز أن يفيض على ذلك الموضع الماء؟ فليجتهد في عرك ما نال من ظهره و من جسده، و ما لم ينل من عرك ظهره، رجوت أن يجزيه إفاضة الماء عليه إن شاء الله.
و من غيره: من جواب أبي الحواري رحمه الله: و عن رجل في يده جرح في موضع الوضوء، و الماء يؤذيه فجنبه الماء لا يغسله، هل يجوز له ذلك؟ فتعم، يجوز له ذلك، إذا كان الماء يضره و يغسل ما حوله، و لا يمسه الماء، و كذلك الجبائر، و إن كان جارحة تامة لا يمكنه أن يغسلها كلها غسل سائر البدن، و تيمم بالصعيد لتلك الجارحة إذا كان جنبا، و إن لم يكن جنبا كذلك يغسل سائر الجوارح، و يتيمم لتلك الجارحة للوضوء.
سألت أبا الحسن عن من كان بيده جرح لا يقدر أن يمسه الماء، و أصابته الجنابة كيف القول في ذلك؟
قال: إن كان الجرح في حدود الوضوء غسل سائر جسده، و إن كان يأتي الجرح على الجارحة كلها تيمم و صلى، و إن كان الجرح في غير مواضع (1/417)
صفحة 417
الوضوء، فيغسل ما أمكنه و لا يتيمم عليه، و لو أتى على موضع يكون أكثر من جارحة، و لا يتيمم إلا أن يكون في حدود الوضوء، و يأتي على جارحة تامة.
و عنه في موضع آخر: أنه إذا كان الجرح أو الجارحة في غير موضع الوضوء فكان يأتي على مثل قدر الجارحة من جوارح الوضوء كان عليه التيمم، و قال: إنه أصغر جوارح الوضوء عنده، و بمثله يلزم التيمم عندي، في معنى قوله هذا، هي الأذن، لأنها من جوارح الوضوء في معنى قوله.
و من غيره: قد ثبت في معنى الاتفاق لهذا الغاسل من حيض أو جنابة إذا خاف المضرة في غسل هذا الموضع الذي فيه هذه الجارحة أن لا يغسله، و أن يميط عنه الماء، و أنه معذور في ذلك، و أنه عليه أن يغسل من الجنابة إذا وجد الماء، و لا عذر له في ترك الغسل إذا وجد الماء إلا من عذر، و البدن عندي كله فريضة واحدة في معنى الغسل، فإذا ثبت الغسل عليه كله فكان فيه شيء مما يعذر فيه عن غسله مما يستحيل ذلك عند ثبوت الغسل عليه، و يجب له العذر عن الغسول ثبت له عليه معنى عدم الغسل، و استحال بمعنى الاتفاق إلى التيمم كله، فكان بمعنى من لم يجد الماء.
و قد جاء الأثر: أن الخائف يكون كمن لم يجد الماء، و قد ثبت العذر لمرض، فقال تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) فكان المريض بمنزلة المسافر الذي لم يجد الماء.
و معي: أنه قد جاء هذا الاختلاف على نحو من هذا، أنه قال من قال: (1/418)
صفحة 418
من وجب عليه الغسل بوجه، و لم يزل عنه حكمه زال عنه حكم التيمم، بمعنى أنها فريضة واحدة عندي، و من وجب عليه حكم التيمم بوجه زال عنه حكم الغسل، و ليس هذا معي ببعيد في معاني ثبوت الحكمين الواجبين في كتاب الله لثبوت هذا عند زوال هذا.
و عن الجنب يغسل فخذيه من النجاسة حين أصابته قبل أن يتوضأ وضوء الصلاة، هل يجوز له ألا يغسل ذلك العضو الذي غسله بغير الوضوء.
فعلى ما وصفت: فلا بأس بذلك، و يجزيه ذلك الغسل الأول لذلك العضو في أول مرة.
و عن الجنب يجامع أو تصيبه الجنابة ثم يغسل، و لا يريق البول، و لا يرجع يخرج منه شيء، ثم يريق البول بعد ذلك، فعلى ما وصفت: فإذا أصابته الجنابة من جماع او احتلام ثم غسل و لم يرق البول، فسألت أبا المؤثر عن ذلك، فقال: من قال: إذا أراق البول من بعد ذلك فخرج منه مذي فعليه الغسل و إعادة الوضوء و الصلاة، و إن كان لم يخرج مع البول شيء فغسله تام و صلاته تامة، و قيل: غسله تام حتى يخرج مع البول جنابة، فإن بال فخرجت الجنابة مع البول، فعند ذلك يجب عليه الغسل و إعادة الصلاة، فقلت له أنا: فإن أراق البول في الليل، و لم يعرف خرج منه شيء أو لم يخرج؟ فقال: غسله تام، و لا غسل عليه حتى يعلم أنه خرج مع البول شيء، و أنا أقول حتى يعلم أنه خرج مع البول جنابة، ثم يجب عليه الغسل بعد ذلك، فإن لم يعلم فلا غسل عليه. (1/419)
صفحة 419
و عن رجل وطئ زوجته حتى التقى الختانان و لم يغسلا، إذا لم ينزلا الماء الدافق، و جهلا الغسل حتى مضت صلاة، هل عليهما كفارة؟ فلا يسعهما جهل ذلك، و عليهما الغسل، و إعادة الصلاة و الكفارة، و هذا مما لا يسع جهله.
و من أجنب في الليل فتعمد لترك الغسل في رمضان، أن عليه البدل بلا كفارة، و كذلك إن أجنب في النهار فتعمد لترك الغسل فهي مثلها، قال محمد بن سعيد: إذا لم يصل على ذلك صلاة و هو جنب من غير عذر، فمعي: أنه يلحقه ذلك، أنه لا كفارة عليه من طريق الصوم، و معي: أنه قيل: عليه الكفارة، لأنه لا صوم له على ذلك، كأنه مقيم على الحال التي لا صوم له فيها، كالمصلي في الحال التي لا صلاة له فيها.
و عن أبي زياد قال: كنت في طريق مكة أتوضأ و أنا جنب، و ظننت أنه يجزيني عن التيمم، فسألت سليمان، فسكت عني ساعة ثم قال: لا ينقض، و قال: عليك أن تتيمم بعد الوضوء.
قال غيره: لا نقض، و قال غيره: يخرج معنى هذا في الجنب إذا لم يجد الماء لغسله و وجد الوضوء، فعلى نحو ماقال: إن بعضا يلزم النقص إذا لم يتيمم، و بعض لم يلزم نقضا للصلاة إذاكان قد توضأ.
و قد عرفنا من قول الشيخ أبي سعيد في الذي يكون به الدم السائل، و لا ينقطع عنه أنه يتوضأ بالماء، و يتيمم لسيلان الدم، و قيل: لا تيمم عليه، فعلى قياس هذا يخرج معي ما قال من الاختلاف، لأن الوضوء بالماء آكد، و إنما (1/420)
صفحة 420
التيمم عند عدم الماء، فإذا وجد الماء بطل حكم التيمم عندنا على هذا القول، و قال من قال من أهل العلم: إن عليه بدل ما مضى بغير غسل إذا وجد الماء، و لو كان تيمم و توضأ بالماء، فات الوقت أو لم يفت، و قيل: يبدل إن لم يفت، و قيل: لا بدل عليه إذا كان قد تيمم و توضأ بالماء، فات الوقت أو لم يفت، و قيل: يبدل إن لم يفت، و لا بدل عليه إذا فات الوقت، و نحو هذا من قول الشيخ أبي سعيد رحمه الله في مثل هذا.
و عن المرأة تكون حائضا و جنبا يجزيها غسل واحد عن الحيض و الجنابة أو غسلان؟
فقد قيل: يجزيها لكل ذلك غسل واحد، و قيل: غسلان، فإذا غسلت من الجنابة قبل طهرها من الحيض، فيشبه عندي على قول من يقول: إن عليها غسلا قبل أن تطهر من أحكام الجنابة.
و من غيره: سئل عن المرأة الجنب ترى الدم قبل أن تغسل، قال: عليها الغسل من الجنابة و إن حاضت.
و ذكرت في من أصابته الجنابة و لم يجد بولا فغسل بدنه من الجنابة و صلى، ثم وجد شهوة باضطراب، فخرجت نطفة من غير مجامعة، قلت: هل عليه بدل الصلاة و الغسل؟
فمعي: أنه إذا كان ذلك من شهوة حادثة فعليه الغسل، و لا إعادة عليه في الصلاة التي صلاها، و إن كانت لغير شهوة حادثة، و كانت نطفة، فمعي أنه قيل: عليه الغسل و إعادة الصلاة، و قيل: يعيد الغسل و لا يعيد الصلاة. (1/421)
صفحة 421
و من غيره: و قد قيل: إن بلوغ الماء إلى بشرة الجنب بمعنى ما كان من الحركات من تحركه في الماء، أو حركة الماء عليه حتى يصل ذلك إلى معنى ما يفيد بغسله من جسده يقوم ذلك مقام الغسل بما كان من الحركات، و لو قام الب مقام ذلك من ثبوت حركته، كان ذلك مجزيا و موجبا للغسل، و لعله في بعض القول: أن بلوغ الماء إلى البشرة الواجب غسلها بغير معنى النجاسة إلا معنى التعبد مع الإرادة للغسل بذلك ثبوت معنى الغسل لبلوغ الطهور من الماء إليه، لأن الماء الطهور مطهر، فثبوت معنى بلوغه إلى الجسد معنى طهارة الجسد به، لأنه مطهر له، إذا هو طهور، و المبالغة في الغسل على غير معنى تضييع غيره بالاشتغال به عن اللازمات من الوضوء للصلاة، و الغسل اللازم من الفضائل، و ترك الفضائل عند اللزوم من الواجبات.
و أما النائم إذا رأى الجماع في المنام، و وجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه فوجد بللا من حين انتبه و لم يعلم ذلك، هي نطفة أو مذي أو ودي أو غير ذلك، فمعي: أنه قيل: إن عليه الغسل إذا رأى الجماع أو ما يشبهه، ثم انتبه فوجد بللا على حسب ما وصفت لك، فمعي: أن هذا الفصل مما يشبه القول فيه معنى الاتفاق بوجوب الغسل عليه في هذا الموضع، و يخرج عندي على معنى الاحتياط، لا على معنى الحكم، حتى يعلم أن ذلك نطفة خرجت في حال الشهوة حيثما رأى ذلك أو استيقظ بالشهوة، و ذلك يخرج معنا في حكم ما يخرج المني و الماء الدافق، لأنه يمكن أن تكون تلك الرطوبة و ذلك البلل خرج من بعد ذهاب الشهوة، فتكون نطفة ميتة أو تكون مذيا أو غيره من البلل، فلما أمكن هذا و هذا، و لم يعرف (1/422)
صفحة 422
ما هو على الحقيقة، ثبت معنى الخروج من الشبهة بالاحتياط، و هو إن كان يخرج على معاني الاحتياط، فهو شبيه بالأحكام، لأني لا أعلم في هذا النحو اختلافا من قول أصحابنا، إلا أنه يلزمه الغسل، فإن وجد الشهوة مع ذلك كان أقرب من دخول الشبهة عليه، و أولى بالخروج له من الريب، و إن وجد مع ذلك عرقا يشبه رائحة النطفة بذلك البلل كان ذلك أقرب من الريب و دخول الشبهة، و ما لم تصح الحقيقة فلا يخرج إلى معنى الحقيقة بالحكم باللازم، و ربما خرج في معنى الاحتياط، و ما يشبه معنى الحكم من تقاربه في التساوي و التشابه، و هو عندي مما يشبه ذلك إذا ثبت معنى حكم الاحتلام في المنام، و أما إذا لم ير في المنام شيئا من الاحتلام بجماع أو مايشبهه من لمس، أو ما يقرب إلى معاني الشهوة إلا أنه انتبه من نومه فوجد ذلك، لم يعرف ما هو: نطفة أو غيرها، فمعي أنه قيل: إن عليه الغسل حتى يعلم أن ذلك ليس بجنابة، و قيل: إذا لم ير شيئا من الاحتلام، و لا وجد شهوة في المنام بنحو ما وصفت لك، فليس عليه غسل حتى يعلم أن تلك رطوبة جنابة، و معي أنه قيل: إن كان لتلك الرطوبة رائحة مثل رائحة النطفة كان عليه الغسل، فإن لم يكن لذلك رائحة نطفة لم عليه غسل، حتى يعلم أنها جنابة، و معي: أنه يخرج، و إن كان لها رائحة النطفة أن لا غسل عليه، لأنه قد تكون النطفة ميتة، و لا غسل منها في معنى الاختلاف.
و يخرج هذا الفصل عندي كله بمعنى الاسترابة و الاطمئنانة، لا على معنى الحكم بلزوم شيء من ذلك في الغسل و لا بزواله، و أما إذا رأى الجماع أو ما يشبهه من اللمس و ما يقرب إلى معنى الشهوة، و وجد الشهوة أو لم يجدها، ثم انتبه في حين ذلك، (1/423)
صفحة 423
فلمس فلم يجد شيئا، ثم خرج منه من بعد ذلك شيء من البلل، لا يعلم أنه ماء دافق، فمعي: أنه يخرج في هذا الفصل، أنه لا شيء عليه، و لا أعلم في ذلك اختلافا، إلا أن يكون يدرك الشهوة بعد يقظته التي بها يخرج المني، فلمس في حين ذلك فلم يجد شيئا، ثم يكون خروج ذلك في الشهوة، أو في بقية الشهوة التي أدركها، التي بمعناها يخرج الماء الدافق، فمعي: أن عليه في هذا الفصل الغسل، و لا يبين لي في ذلك اختلاف، و أما إذا انتبه من حين ذلك فلم يمس، فمعي: أنه يخرج أن عليه الغسل لموضع الاحتياط، لأنه لو لمس فوجد بللا كان دخل عليه بمعنى ما يشبه الاتفاق في الفصل الأول: أن عليه الغسل، و إن كان يخرج بمعنى الاحتياط على ما ذكرنا، فلما لم يلمس حين ذلك احتمل أن يكون قد خرج منه شيء أو لم يخرج، فلزمه حكم الريب، فأرجو أنه قد يخرج أنه ليس عليه غسل في معنى الحكم، إذا لم يجد ما يجب به الغسل، و هذا الفصل عندي أقرب من الفصل الذي لمس فوجد، لأن الوجود آكد و أوجب من الإمكان، أنه يجد أو لا يجد، و معي: أنه كذلك قيل: لو انتبه فلم يلمس بقدر ما يمكن أنه يخرج منه شيء و يجف، ثم لمس فلم يجد شيئا، أنه قيل: عليه الغسل، و هذا عندي يخرج على معنى الفصل الذي لم يلمس، و يخرج عندي فيه معاني ما يشبه الاختلاف، و يعجبني قول من يأمر بالغسل في ذلك على الاحتياط، و كل هذا يخرج عندي على معنى الاحتياط، و أما إذا لم ير الجماع و لا ما يشبهه، ثم رأى في شيء من ثوبه أو بدنه نطفة، يحتمل أن تكون منه و أن تكون من غيره، ففي معنى الاحتياط يلزمه الغسل على معنى العرف و العادة، أن مثل ذلك لا يكون من غيره إلا في التعلق بمعنى الحكم، و معي: أنه قد قيل في مثل هذا الفصل، أن عليه الغسل إذا رأى مثل هذا، و بدل (1/424)
صفحة 424
الصلاة من آخر نومة نامها، إن كان في بدنه أو آخر نومة نامها في ذلك الثوب الذي رآها فيه، و هذا كله يخرج عندي على معنى الاحتياط، لا على معنى الحكم، و بعضه أقرب من بعض في معاني الأحكام، فيما يخرج في الاعتبار مع المبتلى بذلك.
و هذه المعاني، و إن خرجت على معاني الاحتياط، فمعي: أن القول فيها يشبه معاني الاتفاق بوجوب الغسل عليه، في ثبوت العرف و العادة، لأنه لا يكون إلا منه ضعف معنى الحكم بأن يكون من غيره، و استولى عليه معنى حكم الاحتياط، و أشبه معنى الاتفاق أن عليه الغسل. فافهم معني ذلك إن شاء الله.
و من غيره، قلت: هل على المرأة البالغ غسل إذا جامعها الصبي، فالذي عرفنا من قول الشيخ في ذلك أنه قال: من يلزم الصبية الغسل من البالغ يلزم البالغة الغسل من الصبي، و لو لم ينزل الماء، و الذي لا يلزم الصبية الغسل من البالغ لا يلزم البالغة الغسل من الصبي، و يرفع ذلك عن أبي الحواري كلا القولين، قال الشيخ: إنه سأل أبا الحواري رحمه الله عن ذلك فقال له مرة: عليها الغسل، و قال له مرة: لا غسل عليها، على نحو هذا، ليس اللفظ بعينه. و الله أعلم بالصواب.
و عن امرأة أنزلت من غير أن يفضى إليها، أعليها غسل؟ فقد كان يقول بعض الأشياخ: أن ليس عليها غسل، و أنا أحب لها أن تغتسل.
قال غيره: معي: انه قد قيل: بأي وجه أنزلت و خرج منها الماء الدافق فهي جنب و عليها الغسل، و قيل: ليس عليها الغسل إلا من الجماع، و هو أن تغيب (1/425)
صفحة 425
الحشفة في الفرج و يلتقي الختانان، بمعنى الجماع من زوج أو غيره، من زنا أو شيء من الدواب، أو ما يقوم مقام الجماع. و أما المعنى في إنزال الماء الدافق فلا غسل عليه من ذلك في يقظة أو منام.
و سئل عن رجل أصابته الجنابة فاستوحش، هل له أن يؤخر الغسل حتى يصبح إذا كان صائما؟ قال: معي: أنه إذا كان خوفه من وحشة من السباع و الحيات و نحو ذلك، فإن له العذر في تأخير الغسل إلى أن يأمن على نفسه، و يتيمم لإحراز صومه قبل الصبح.
قيل له: فإن كان خوفه من الجن، لم يكن له في ذلك عذر؟ قال: إنه قيل في بعض القول: لا عذر له في الوحشة من الجن، و قيل: إذا خاف الضرر من ذلك كان له العذر في ذلك.
و من جواب أبي الحواري لأبي عثمان رحمه الله: قيل: إنه من ناحية تنوف عن المرأة إذا جامعها زوجها فيما دون الفرج من جسدها، و أنزل النطفة فوق الفرج، أو غيره من جسدها، أيلزمها الغسل ما لم تلج النطفة في الفرج؟ فأقول: لا غسل عليها ما لم تلج النطفة في الفرج، أو تلج الحشفة في الفرج. و الله أعلم بالصواب.
و من غيره: قال: و قد قيل: إذا كانت ثيبا فصب الماء على فرجها، كان عليها الغسل لأنها تنشف. (1/426)
صفحة 426
و من غير الكتاب و زياداته:
الغسل: الماء الذي يغسل به، و الغسل ما غسل به الرأس من خطمي أو غيره، و وجدت أنه السدر.
و الغسل: مصدر غسلت الشيء غسلا، و الغسل من النجاسة و الجنابة و الوضوء، و الاغتسال: غسل البدن من غير نجاسة و لا جنابة.
و الغسل من الجنابة فريضة في كتاب الله، و هي أمانة يسأل عنها يوم القيامة، فإذا اغتسل من إناء، جعل الغناء عن يمينه، و المأمور به لمن أراد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الغسل: أن يبدأ بذكر اسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الماء، ثم يستنجي و يغسل كل نجاسة ثم يتوضأ كأحسن الوضوء للصلاة، و إن كان في موضع قذارة لم يغسل قدميه، ثم أفاض الماء على رأسه إلى آخر الغسل، و يبدا بشق رأسه الأيمن، و يختم بقدمه اليسرى.
و الغسل المستحب: ان يبدا بيمامنه، و إجراء الماء على بدنه، يعني فراغ الماء، و إمرار اليد واحدة تجزئ الفرض، و ثلاث المأمور به.
و قال أبو مالك رضي الله عنه: الجنب إذا عرك كل عضو ثلاث عركات فلا بأس بما غسل بعد ذلك، و عندي: أن واحدة تجزي الفرض. و تفسير السنة ثلاث، و إذا مر الماء على الجسد و مسحه الانسان مسحة واحدة فقد أجزأه.
و أجمعوا: أن غسل داخل الأذن واجب، و كذلك الإبط، و الغسل للجنابة (1/427)
صفحة 427
و الطهر للصلاة إذا غلب على الظن ان الماء قد عم جميع الجسد، و أجرى يده على اكثر من ذلك فيجزي، و إن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس، و اتفقوا و لا أعلم بينهم اختلافا، على أن من غسل بعض بدنه من الجنابة و أخر البعض إلى وقت حضور صلاة، ثم غسل الباقي اجزأه ذلك بلا خلاف نعلمه من ذلك. و الله أعلم.
و قال أبو محمد رحمه الله: من أصابته الجنابة فاغتسل، و لم يرق البول و صلى، ثم بال فخرجت منه نطفة، فإنه يعيد الغسل، و لا يعيد الصلاة، لأنه ما لزمه بما خرج، و قد زال عنه التقيد بالغسل الأول، و هذا غسل ثان.
و عن أبي الحواري رحمه الله: أن عليه إعادة الغسل و الصلاة.
و من نسي المضمضة و الاستنشاق في الغسل من الجنابة، و قد صلى فقد صحت له الطهارة و الغسل، و عليه أن يتمضمض و يستنشق و يعيد الصلاة.
مسألة:
و من اغتسل و لم يجر يديه بين أليتيه حتى صلى فإنه يعيد صلاته و يجري يده بين أليتيه و لا يجزيه حك الإلية بالإلية، و أما الثياب فلا تفسد، و يعرك الوضوء ثلاث عركات رافقات.
مسألة:
و إذا اغتسل الرجل من الجنابة، و نوى به الصلاة أجزأه، و لا يجري يده على فرجه، لأنه قد غسله، و إنما يغسل ما بقي من الأعضاء، و ليس على من اغتسل (1/428)
صفحة 428
من الجنابة أن يتطهر كما يتطهر للصلاة، و إنما يجب عليه الغسل فقط، فإذا نوى بطهوره أنه للصلاة، و كان قبل الغسل أو بعده فقد أجزأه، و إذا لم ينو لمعروف أو صلاة لم يجزه، و من لم ينو بغسله من الجنابة لم يجزه اغتساله بالماء، و لو أنه وضع في المنجنيق، ثم زج به في لجة البحر و هو جنب، و لم ينو بذلك غسلا للجنابة، ثم غاص في البحر، و طفا ثم غاص، و طفا ما كان ذلك غسلا و هو جنب عندنا، و لو أنه اغتسل بمد و نصف من ماء و نواه غسلا للجنابة أجزأه ذلك.
قال أبو محمد رحمه الله: روي عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل بصاع من ماء في الجنابة، و اغتسل هو و عائشة بصاعين و نصف.
و قال أبو مالك رضي الله عنه: لو اغتسل الجنب لغير الجنابة و هو لا يعلم بها، ثم علم بها أن ذلك الغسل مجز له عنه.
و قال أبو محمد رحمه الله: كنت أناظر أبا مالك رضي الله عنه في هذا، و أقول: عليه الغسل، فكان من قول أبي محمد: أن الأمر للجنب بالاغتسال عبادة، و العبادات لا تؤدي إلا بمقاصد و إرادات، و هذا يصح لمن يعتقد أن الجنب نجس، لأن الطهارة من النجس تصح بغير إرادة، وأما الأمر بتطهير الطاهر فهو عبادة لا مخرج منها للمتعبد إلا بإرادة. (1/429)
صفحة 429
و عن رجل أصابته الجنابة فاغتسل، و لم يرق البول ثم اتبع بعد ذلك شيئا، أي رطوبة، قال: عليه بدل الغسل و الصلاة، و قال موسى بن أبي جابر: لا غسل عليه إلا أن تخرج نطفة بيضاء، و أما شبه المذي فلا، و عليه أن يعيد الوضوء. و الله أعلم.
سألت أبا بكر أحمد بن محمد بن الحسن، عن بكر تزوجها رجل، و كان إذا جامعها و أرادت الغسل توضأت كما يتوضأ المصلي للصلاة، و لم تولج الأصبع في الفرج، قال: في ذلك اختلاف، وأما أبو القاسم رحمه الله فكان يراه كالحيض إذا لم تولج و تنظف منه، و كان يرى فيه البدل و الكفارة، و أرجو أنه قيل عنه: أنها تفسد على زوجها، و أما غيره، فلم ير ذلك، و لعله يوجب عليها البدل بلا كفارة و لا فساد، و نحو هذا يوجد عن الشيخ أبي محمد، فينظر في جميع ذلك. و الله أعلم.
انتهى الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني (في الصلاة) (1/430)
صفحة 430
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي و الثقافة
الجامع
لابن جعفر
العلامة الفقيه
أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الجزء الثاني (2/1)
صفحة 431
بسم الله الرحمان الرحيم
الباب الثاني
في الصلاة و أوقاتها، و استقبال القبلة وفرائضها و الدخول فيها، و الأذان، والإقامة، و التوجيه، وتكبيرة الإحرام، والقراءة والركوع، والسجود، والتحيات، والحدود وفيما يقطعها، وفيما يصلى عليه، وما لا يصلى، وما يجوز من اللباس، وما ينقضها، وما لا ينقضها، وفيما تقطع الصلوات لأجله، وفي الشك، والنسيان، وسجدتي الوهم.
وفيه فصول:
الفصل الأول
جامع لمعان متفرقة في أمر الصلاة
من كتاب الضياء - بسم الله الرحمان الرحيم.
وبعد فإن الصلاة للدين عماد، وبها يرضى الله عن العباد، قال الله تبارك وتعالى في كتابه: (واستعينوا بالصبر والصلاة) يعنى بالصبر بذلك
/3/ (2/3)
صفحة 432
على طلب الآخرة، وقيل المصلي كأنه قائم على باب الجنة، يستفتح، ويناديه مناد، أيها المصلي، لو تدري من تناجي ما انفلت، وركعتان يعقلهما المصلي، ويحسن إقباله أفضل من صلوات كثيرة على غير ذلك.
وفي بعض الحديث أن أفضل صلاة التطوع بالليل، من نصف الليل إلى آخره وبالنهار بين صلاة الأولى وصلاة العصر، ويقال إن صلاة الأوابين في الضحى إذا رمضت الفصال. وأفضل ذلك عندنا الساعة التي يكون العبد فيها أحسن نشاطا ورغبة وإقبالا، ما كانت من الساعات.
وذكروا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أول صلاة فرضت من الخمس الأولى، وهي صلاة الظهر، و لذلك سميت صلاة الأولى قال: جاء جبريل إلى النبي (ص) وهو بمكة، حين زالت الشمس، فصلى بالنبي (ص) الأولى، و المسلمون خلف النبي عليه السلام مقتدون به، و النبي (ص) يقتدي بجبريل عليه السلام ثم جاء في وقت العصر، فصلى به العصر ووقتها عندنا التي تدخل فيه، إذا صار ظل كل شيء مثله عند الزوال ـــ وفي نسخة ـــ بعد الزوال إلى أن يغيب قرن من الشمس ثم جاءه حين غابت الشمس، فصلى به المغرب ثم جاءه حين ذهب بياض النهار، وجاء ظلام الليل فصلى به العتمة، ووقتها عندنا إلى أن يمضي
/4/ (2/4)
صفحة 433
نصف الليل، ثم جاءه حين الفجر الصبح، فصلى به الصبح، و وقت صلاة الفجر مند يطلع الفجر البين إلى أن يطلع قرن من الشيطان.
ومن غيره ـــ وسألته عن ميقات صلاة العتمة؟ قال لا يؤخرها بعد نصف الليل، وكان جميع من سمعنا من الصحابة يقول بذلك، إلا أبو مهاجر، فإنه قال، ثلث الليل.
ومن غيره ــــ وعن قوم يصلون العشاء الآخرة والحمرة قائمة ــــ قال: لا أرى ذلك إلا لمسافر مضطر أو مريض أو أشباه ذلك، وهو أحسن وأجمل ألا يخلف، فإن فعله إنسان وقد اشتبكت النجوم فلا أراه إلا وقد صلى، ولكن إذا توارى الشفق أجمل.
ومن غيره قال أبو سعيد رحمه الله: إن أصحابنا اختلفوا في الظل بعد الزوال فقيل. إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وقال من قال، ستة أقدام وثلثي قدم، وقيل ست ونصف، وقيل سبع، وإنما قال قائل منهم على ما عرف من طوله لأن الناس يختلفون واحد يجيء ستا ونصفا وآخر يجيء ستا و ثلاثين وآخر يجيء سبعا.
/5/ (2/5)
صفحة 434
قال غيره: كان نجدة بن الفضل النخلي، يقول: إن المصلي يحتاط بقدم عند القياس، فينظر في ذلك، وليس الاحتياط من أمر الدين.
قال غيره: قال الله تعالى: ((أقم الصلاة لدلوك الشمس))،يعني زوال الشمس و هي الأولى و العصر فيما جاء عن النبي (ص): ((إلى غسق الليل))،يعني ظلمة الليل، يعني صلاة المغرب، والعشاء: ((وقرآن الفجر))،يعني صلاة الغداة.
وقال تعالى في موضع آخر: ((وأقم الصلاة طرفي النهار))،يعني صلاة الفجر وصلاة الأولى العصر: ((وزلفا من الليل)) يعني المغرب و العشاء الآخرة، وقال تعالى أيضا: ((فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون)) يعني حين تمسون صلاة المغرب، والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الغداة.
((وعشيا)) صلاة العصر، ((وحين تظهرون)) يعني صلاة الأولى
فهؤلاء الصلوات الخمس المكتوبة خاصة.
وكذلك وجدنا التفسير فيما قدر الله من الآثار والله أعلم بالحق.
قيل عن النبي (ص) قال: ثلاث هن علي فريضة وهن لكم تطوع: قيام الليل، والوتر، و السواك و أما الوتر فقد لحق بالفرائض، وقيل عن النبي (ص)
/6/ (2/6)
صفحة 435
في حديث آخر: ختم الله لكم بصلاة سادسة: الوتر، قيل: صلاة بسواك أفضل من صلوات كثيرة بغير سواك، وقوله: ((إدبار النجوم)) ــــ وفي نسخة ـــ وإدبار السجود (1) قيل يعني الركعتين، قبل صلاة الفجر، ووقتهما قبل طلوع الفجر.
رجع ـــ قال الحسن بن أحمد حفظه الله: قد قيل، وإدبار السجود، الركعتين بعد صلاة المغرب، و إدبار النجوم، الركعتان قبل صلاة الفجر، والله أعلم.
قال غيره: وقيل اللتان في فريضة المغرب و فريضة الفجر، وقيل بالقول الأول وقيل إنهن فريضتان، ... ركعتان المغرب وركعتان الفجر.
ومن غيره ـــ وقيل إن النبي (ص) لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو بيت المقدس، لئلا يكذب به اليهود، وصلى هو وأصحابه أول ما قدم إلى المدينة تسعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، و قيل إن النبي (ص) قال لجبريل: بل وددت لو أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال له جبريل عليه السلام، إنما أنا عبد مثلك، فسل ربك، و صعد جبريل إلى السماء، و جعل النبي (ص) يديم النظر إلى السماء برجاء أن يأتيه جبريل بما سأل، فأتاه بذلك، وأنزل الله عليه: ((قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها)).وهي الكعبة، فصارت قبلة بيت المقدس منسوخة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذا في الأصل، وليس في القرآن، كما قد يتبادر إلى الذهن من التفصيل و الشرح التالي في رواية الحسن بن أحمد.
/7/ (2/7)
صفحة 436
وقيل: أنزل الله عليه ذلك وهو في الصلاة فتحول في الصلاة عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة. وكذلك من عميت عليه القبلة ثم استبان له ذلك في الصلاة تحول، وإن أكمل صلاته قبل أن يستبين له فلا إعادة.
وقيل: خرج أناس من أصحاب النبي (ص) في سفر، فحضرت الصلاة في يوم غيم، فتحروا القبلة ـــ و في نسخة الكعبة ــــ فمنهم من صلى قبل المشرق، و منهم من صلى قبل المغرب فلما قدموا سألوا النبي (ص)،فنزلت فيهم ((ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)).
وقيل عند ذلك طلب النبي (ص) أن يصرف عن قبلة المقدس، وقيل: الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة لأهل الأرض جميعا.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: يستحب لكل مصل أن يعتمد بقبلته الكعبة، فإن أخطأ ذلك و قابل الحرم أجزأه، لقول الله تعالى: ((فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)) يعني الكعبة.
حفظ عزان عن بشير عن موسى بن علي أنه ضرب علي يده ناسيا، وقد رآه يريد أن يركع، أو خاف أن يصرع، فلما ضرب يده عليه ذكر الصلاة، فودعه، فأمره بالنقض.
/8/ (2/8)
صفحة 437
ومن غيره ـــ وسألته عن النعاس، هل يجوز أن يوقظ للطعام و للصلاة، وغير ذلك من المعاني؟ فأجاز ذلك. وروى عن أبي الحواري رحمه الله عن محمد ابن خالد، أنه سمعه يوقظ النائم من المسجد، فيقول للنائم، قم قائما، ولا نرى بذلك بأسا.
قلت: وما تفسير قول المسلمين، ولا تنبه نائما أقر بالعدل من مرقده؟ قال: إنما النائم هاهنا الآمن، من أقر بالعدل، وإنما سمي نائما لأنه آمن، و الآمن المقر بالعدل لا يخاف إلا بما يستحق من الخوف، إذا استحق ذلك بتركه العدل.
ومن غيره ـــ في المصلى.
وقد جاء الأثر أنه يصلى في موضع النجاسات إذا عدم موضع الطهارات، فإذا جهل الصلاة في موضع ما يلزمه فيه وجوب الصلاة فلم يصل فعليه الكفارة، وإنما عرفنا من قول الشيخ رحمه الله أنهم يعذرون من جهل الصلاة و تركها، فلم يصلها، عن الكفارة إلا من صار في حد التكبير، مثل الغريق في البحر، و المريض الذي صار يجد من يصلي بالتكبير، وكذلك أحسب في المستأنف أيضا، فقال: إن جهل هؤلاء الصلاة فلم يصلوا أبدلوا بلا كفارة، وأما غير هؤلاء فلم نعلم لهم في ترك الصلاة عذرا فيما علمنا، و الله أعلم.
ومن غير الكتاب و زياداته ـــ ابن عباس، رضي الله عنه، وجدت أنه قال:
/9/ (2/9)
صفحة 438
إني لأعلم خلق الله، لم اتخذت النصارى المشرق قبلة، لقوله تعالى: ((إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا)) (1).فاتخذوا مولده قبلة.
وفي الرواية أن النبي (ص) فرض عليه الصلوات الخمس قبل هجرته بنحو سنة، وصلى (ص) إلى بيت المقدس سبع عشر شهرا، وقيل ستة عشر شهرا، و كذلك الأنصار، وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس نحو سنتين، قبل قدوم النبي (ص) إليهم، فكان (ص) يصلي بمكة إلى الكعبة ثماني سنين، إلى أن عرج به إلى بيت المقدس، وكانت الكعبة أحب القبلتين إليه (ص)،وهي قبلة إبراهيم (ص)،وروي عنه عليه السلام، أنه صلى في منزله ركعتين من الظهر، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار، و استدار المسلمون من خلفه، واستقبل الميزاب، فسمي المسجد القبلة، لعله مسجد القبلتين ـــفعند ذلك قال كفار قريش: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. ماذا إلا أنه قد التبس على محمد حين تحول إلى قبلتكم، ويوشك أيضا أن يدع دينه، و يرجع إلى دين آبائه، فنزل ((ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)).فهو يحكم بما يريده.
مسألة:
أوجب الله على من خوطب بالصلاة التوجه إلى الكعبة، فإذا كان المصلي على التوحيد قادرا وجب عليه استقبالها، وإذا كان شاهدا لها صلى إليها من طريق المشاهدة، وإذا كان عنها غائبا استدل عليها الدلائل التي نصبها الله عليها، مثل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الأصل فانتبذت
/10/ (2/10)
صفحة 439
الشمس والقمر والرياح والنجوم وما أشبه ذلك، فإذا خفيت عليه الدلائل سقط فرض التوجه، وكان فرض التحري نحوها، وإذا صلى بعض الصلاة، ثم انكشفت له الدلائل على الكعبة توجه إليها، وبنى على مامضى من صلاته، لأن فرض التوجه لزمه بعد علمه بالجهة، ومما روي عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقبا أتاهم آت، فقال: إن رسول الله (ص) أنزل عليه قرآن، وأمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، و في الحديث دليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وكانت وجوههم نحو الشام، فاستداروا إلى الكعبة.
ومن صلى إلى المشرق غلطا، فقيل إنه لا نقض عليه.
مسألة: اختلفوا في خبر الواحد في القبلة، فقال قوم: إنه حجة، وقال قوم، حجة عليك، ولا يكون حجة لك. وقال الحسن أحب قول من قال بقبول خبر الواحد. في كل شيء مما يجوز فيه الخبر.
وجدت، قال ابن عباس رحمه الله، إن أول صلاة فرضت من الخمس الأولى فسميت الأولى. ووجدت عن عائشة قالت: أول من صلى الظهر إبراهيم عليه السلام، وذلك أعفى عنه من ذبح ابنه عليه السلام مع الزوال، فصلى أربعا شكرا لله عز وجل، فأقرت، وأول من صلى العصر حزقيائيل عليه السلام، وذلك أنه مر على قرية، وهي خاوية على عروشها، إلى قوله تعالى: ((فأماته الله مائة /11/ (2/11)
صفحة 440
عام ثم بعثه)) مع العصر، فقام، وصلى أربعا شكرا لله، فأقرت، وأول من صلى المغرب داود عليه السلام وذلك أنه تيب عليه مع غروب الشمس فقام وصلى ثلاثا، ولم يقدر على أكثر منها، لما كان فيه من الجهد شكرا لله فأقرت، وأول من صلى العشاء الآخرة، نبينا محمد (ص)، وذلك أنها افترضت عليه من غير سبب، فثبتت فريضة على أمته، وأول من صلى الفجر آدم (ص) وذلك أنه تيب عليه مع الفجر، فصلى ركعتين، شكرا لله تعالى، فأقرت، وأول من سن الركعتين عند القتل جبيب بن عدي النجار. ويقال إنه حبيب بالحاء، والله أعلم.
في فرائض الصلاة:
و الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها، ولا تبنى إلا عليها، وبها يصلح عملها سبع خصال: النية و الطهارة و الستر، و البقعة الطاهرة، أي طهارة الموضع المصلى عليه. و العلم بالوقت، و التوجه إلى الكعبة، و القيام عند فعل الصلاة.
و الفرائض في الصلاة خمس خصال باتفاق: تكبيرة الإحرام، القراءة، و الركوع، والسجود، ... والجلوس للتشهد.
ومن صلى الصلوات الخمس في ساعات مواقيتها أعطاه الله خمس عشر خصلة، ستا في الدنيا، و ثلاثا في عند الموت، وثلاثا في القبر، وثلاثا إذا خرج من القبر، فأما الست اللواتي في الدنيا فأولهن، ينزل الله عليه الرحمة، والثانية يبارك له في رزقه، والثالثة يبارك الله له في عمله، والرابعة يؤجره الله تعالى في كل عمل يعمله لله عز
/12/ (2/12)
صفحة 441
وجل، والخامسة يستجيب الله له دعاءه، و السادسة يجعل الله له في دعاء الصالحين نصيبا، و أما الثلاث التي عند الموت. فأولهن تخرج روحه مثل روح إبراهيم خليل الرحمان، و الثانية يموت شبعان، والثالثة يموت ريان، وأما الثلاث اللواتي في القبر، فأولهن ينور الله له في قبره، الثانية يوسع الله له في قبره، الثالثة يكون له فرج في قبره إلى يوم القيامة، و أما الثلاث التي إذا خرج من قبره فأولهن يكون وجهه مثل القمر المنير، و الثانية يغلق الله عنه أبواب جهنم، والثالثة يفتح الله له أبواب جهنم، وذلك لمن اتقى الحدود، و لم يركبها، و أدى الحقوق ولم يظلمها، و كان مخلصا لله تعالى في جميع أموره و تاب من ذنوبه، وليس لمن أصر، ولا لمن ارتكب المحارم، و لم يقلع ولم يتب، واستكبر والله أعلم.
واختلف أصحابنا في تارك الصلاة عمدا، فقال بعضهم، يقتل إذا فات وقتها، وقال آخرون، يضرب حتى يفعلها، لا يرفع عنه الضرب حتى يفعل الصلاة أو يقتله الضرب، و النظر يوجب عندي أن لا يقتل، ما كان بفرضها مقرا، فإذا جحد فرضها قتل، لأن الأمة أجمعت أن مؤخر الحج و الصيام و الزكاة لا قتل عليه.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا تقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإذا لم يجب على تارك الزكاة قتل كان تارك الصلاة مثله والله أعلم.
الدليل لمن قال من أصحابنا: إن تارك الصلاة يجب عليه القتل، أنه لما كان الإيمان عملا على البدن لا يقوم به غيره، ولا يسد مسده بمال، وكانت الصلاة
/13/ (2/13)
صفحة 442
عملا على البدن لا يقوم بها غيره، ولا يسد مسدها بمال، وجب الجمع بينهما من هذه الطريق، و إذا كان هذا هكذا، وكان تارك الإيمان يقتل كان تارك الصلاة يقتل، و دليل لهم أن النبي (ص) نهى عن قتل المصلين، دل على أن تارك الصلاة يقتل، والحجة لمن لم يوجب القتل، أن النبي (ص) قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى الثلاث، كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ولم يدخل تارك الصلاة في هؤلاء دل على سقوط القتل عنه و تأخير عقوبته.
مسألة:
و إذا دخل الصبي في الصلاة، ثم بلغ وجب عليه الخروج مما هو فيه، وعليه أن يتطهر للصلاة، و يأتيها إذا كان مدركا لوقتها، ومن أدرك ركعة و الوقت قائم فهو أدرك الوقت إذا كان متطهرا، فإذا قدر على الطهارة، ولم يبق في الوقت ما يأتي بركعة، والوقت قائم فهو غير مدرك للوقت، لقول النبي (ص): من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة.
مسألة: قال أبو محمد رضيه الله: اختلف أصحابنا في بدء فريضة الصلاة، كيف افترضت؟ فقال بعضهم افترضت في ابتدائها صلاة السفر بركعتين، ثم زيد في صلاة المقيم، و تركت صلاة السفر بحالها. وقال بعضهم افترضت في الابتداء
/14/ (2/14)
صفحة 443
صلاة المقيم أربعا، ثم حطت عن المسافر، وتركت صلاة المقيم بحالها، والذي عندي والله أعلم، أن الصلاة افترضها الله جملة في القرآن، ثم بين رسول (ص) الله هذه الجملة بالسنة، فبين أن الفرض في الجملة على المقيم ما عليه الناس من صلاة المقيم، وصلاة المسافر، والذي أتوهمه أنا أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله كان يقول، هذا من غير يقين مني لذلك، لأني وجدت قولا يذكره في كتابه المعروف ((بالخزانة)) يدل على هذا أن الله تعالى افترض الصلاة والزكاة جملة، ففسرها رسول الله (ص) بالسنة فهكذا القياس، والأشبه والأقرب إلى النفس لعدم صحة الأصل.
مسألة:
تقول في الصلاة تامة إذا أتى لكمالها، وتقول ناقصة إذا لم يأت بجميع المأمور فيها، وتقول جائزة يعني ساقط فرضها، وتقول فاسدة إذا كان فيها ما يقطعها.
ومن حضرته الصلاة وهو يتعلم ولم يفهم من معلمه حتى فاتت، فلا بدل عليه، وأرجوا أن يكون معذورا، إن شاء الله.
الدخول في الصلاة: فإذا أقام المصلي للصلاة فبالخشوع و الخضوع، فإنه في مقام عظيم، بين يدي كريم، وقيل إن أول أوقات الصلاة أفضلها، ويستحب أن تكون الركعة الأولى من الصلاة هي أطول من الثانية، ويكون بين قدميه قدر مسقط نعل في عرضها، فإن كان أقل أو أكثر فلا بأس، ويكون نظره نحو موضع سجوده، ويرسل يديه إرسالا في قيامه.
/15/ (2/15)
صفحة 444
ومن غيره وسألته عن المصلي، أين يكون نظره في قيامه وقعوده وركوعه و سجوده؟ قال: أما ما قيل مجملا، فإنهم قالوا، يضع المصلي نظره موضع سجوده، وقد قيل، لا يمد المصلي نظره موضعا من المواضع وإنما هو يفلج نظره، وقال من قال إنما يكون نظره بين رجليه في موضع سجوده.
من غير الكتاب و زياداته:
سألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن سليمان رحمه الله، هل يردد المصلي نظره إلى موضع سجوده؟ قال: ذلك يكون اشتغالا، وأرجو أنه قال: يكون نظره إلى قبلته، ونحو سجوده، أو معنى هذا والله أعلم.
رجع ـــ وقد وجدت في بعض قول قومنا، فيما أحسب، شيئا أعجبني، أنه قال: إذا قام جعل نظره في موضع سجوده، و إذا ركع جعل نظره فيما بين سجوده ورجليه، و إذا سجد كان نظره إلى أنفه، وإذا قعد كان نظره من ركبتيه إلى فخذه، وهذا يعجبني إن أمكن.
ومن غيره و بلغنا أن الله عز و جل أوحى إلى موسى ابن عمران عليه السلام، أنه من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة أعطاه الله قلوب الشاكرين، وثواب النبيين، و أعمال الصديقين، و بسط عليه عينه بالرحمة، ولم يحجبه عن الجنة شيء إلا ملك الموت، ينزل فيقبض روحه، ويدخل الجنة.
/16/ (2/16)
صفحة 445
قال موسى ابن عمران ومن يدوم على هذا؟ قال: نبي، أو صديق، أعامل رضيت عنه، أو عبد أقتله في سبيلي.
ومن غيره ـــ عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله ـــ و سألته عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلف في ذلك، فقيل صلاة العصر، وقيل صلاة الظهر، وقيل صلاة الغداة قلت: فما تقول أنت؟ قال: هي الظهر، لأنه قيل، إن الناس لم يكونوا يحضرون النبي (ص) لصلاة الظهر إلا قليل منهم، وكانوا يشتغلون بضياعهم عن المحاضرة لصلاة الظهر، فأمرهم الله بالمحافظة عليها، ولا يتخلفون.
ومن وجد ريحا في صلاته فيمسكها كيف قدر، حتى ترجع عنه، فإن كربته فكان بدفعها يشتغل عن صلاته بها ولم تكن تجيء وتذهب، فأخاف فساد صلاته.
ومن غيره ـــ وسألته عن المشرك و الحائض و الجنب و الأقلف البالغ، إذا وقع في ثوبي شعرة من شعرهم، وصليت فريضة، أنقض صلاتي؟ قال: نعم. و أما الأقلف فكانوا يرجون أن لا يكونوا مثل غيره، لأنه ساعة إختتن إنما عليه أن يتوضأ، وليس عليه غسل، كأنه معهم أهون.
قال أبو عبد الله رحمه الله: إن الأقلف مثل غيره من الجنب و الحائض و المشرك وهو معه أشد.
قال غيره: إن الحائض لا يفسد شعرها ولا أظفارها مثل الجنب، و إنما ذلك في الجنب.
/17/ (2/17)
صفحة 446
وعن من أحرق خرقة نجسة حتى صارت رمادا ووضعها على جرح وصلى، هل عليه بأس؟
فإن كانت النجاسة من غير الذوات فلا بأس عليه، في بعض القول، وإذا كانت النجاسة من الذوات أفسدت على بعض القول.
فصل
الفجر فجران، أحدهما الأول، وهو المشكل الذي لا يحرم شيئا ولا يحله، وكانت العرب تسميه الكاذب، وهو مستدق صاعد في غير اعتراض كالأشمط، و الأشمط من الرجال الذي في رأسه بياض وسواد، كذلك الفجر الأول، وأما الفجر الثاني هو المستطير، وإنما سمي مستطيرا لأنه منتشر في الأرض، وهو الفجر الصادق قال جرير:
أراد ... الظاعنون ... ليحزنونني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
وروي عن النبي (ص)،أنه قال: اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر، والله أعلم وقيل في قوله تعالى: ((كانوا قليلا من الليل ما يهجعون)).أي ما ينامون، حتى يصلوا صلاة العتمة ((و بالأسحار هم يستغفرون)). يصلون صلاة الغداة، لأن الصلاة دعاء، والدعاء يجري عليه.
/18/ (2/18)
صفحة 447
وإن قالوا إن صليت بعينيك قتلناك صلى في نفسه، وهي صلاة عليه بدلها و كذلك العبد يحبسه مولاه و يقمطه، و تحضره الصلاة فلا يطلقه، فإنه يؤدي فرضه على ما يمكنه، ولا كفارة على المولى.
مسألة:
قال تعالى: ((يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى)) قيل اللباس الثياب، والرياش المعاش، ولباس التقوى الحياة، ويقال الرياش ما ستر الإنسان وواراه.
مسألة:
و الصوغ الذي صاغه الذمي لا بأس بالصلاة فيه محشوا كان أو غير محشو وقال أبو المؤثر: من كان عليه إزار يشف فجائز أن ينكفس عليه ويصلي، إذا كان الذي يلتحف به يستر ما يشف منه، قال و يؤم الناس.
مسألة:
قال وهب: إنه وجد في بعض الكتب، أن الحوائج لم تطلب إلى
/19/ (2/19)
صفحة 448
الله عز وجل بمثل الصلاة. قال وكانت الكرب تكشف عن الأولين بالصلاة، ماعنى أحدا منهم كرب إلا كان مفزعه منه إلى الصلاة.
وعن ليث بن مجاهد، عن ابن عباس رحمه الله، قال: قال النبي (ص): من تهاون بالصلاة من النساء و الرجال عاقبه الله بخمس عشرة خصلة، ست في حياته، وثلاث عند وفاته وثلاث في قبره وثلاث عند خروجه من القبر، فأما الست التي في حياته، فأولها ينزع الله البركة من عمره، والثانية ينزع الله البركة من رزقه، والثالثة ينزع الله سيماء الصالحين من وجهه، و الرابعة لا يكون له في دعاء الصالحين نصيب، والخامسة لا يرفع الله له إلى السماء دعاء و السادسة كل عمل عمله من أعمال البر لا يؤجره الله عليه، وأما الثلاث التي عند موته. فأولها، يموت ميتة شديدة، و الثانية يموت جوعا، والثالثة يموت عطشا، ولو سقي بحار الدنيا لما روى منها إلى يوم القيامة، وأما الثلاث التي في قبره فأولهن ظلمة القبر، والثانية يضيق الله عليه قبره، والثالثة يوكل الله به ملكا يقرعه إلى يوم القيامة، وأما الثلاث التي عند خروجه من القبر فأولهن يوكل الله ملكا يسحبه على وجهه، و الثانية يحاسبه الله حسابا شديدا، و الثالثة يأمر الله به إلى النار، نعوذ بالله من النار وما يقرب إليها.
رجع ـــ إلى كتاب أبي جابر.
هذه المسألة من غير الجامع:
وعن أبي عبد الله رحمه الله في رجل يصلي فوجد شيئا في الإحليل، فلما قضى
/20/ (2/20)
صفحة 449
صلاته ذهب ينظر، فلم يجد شيئا، فعصره، فخرج، قال: ليس عليه بأس، وكذلك رجل خاف أن يكون قد خرج منه شيء وهو في صلاته، فلما صلى نظر فلم ير شيئا، ثم خرج وهو ينظر إليه من بعد، قال: لانقض عليه، ومن أحس بذلك وهو في الصلاة فقد قيل، ينظر وهو في الصلاة، أو يضع رأس ذكره على فخذه، فإن وجد رطوبة وإلا مضى في صلاته.
وعن الذي يفرش حصيرا على عذرة يصلي عليه، أيجوز ذلك؟ و قلت: إن كان فعل ذلك فما يلزمه؟ فإن كانت العذرة يابسة فلا أرى عليه بأسا، و صلاته تامة، ولا يفعل ذلك متعمدا، إلا أن يضطر، فإن كانت تلطخ بالحصير فإني أرى عليه النقض.
قال غيره: وقد قيل يجوز ذلك على العمد من غير ضرورة، إذا كانت النجاسة، وقيل لا يجوز ذلك، كانت يابسة أو رطبة، إلا أن لا يجد إلا ذلك الموضع، فإنه يجوز من الضرورة.
وفيما يوحد عن أبي الحسن رحمه الله في الرجل يقوم إلى الصلاة المفروضة، فلما دخل في الصلاة خالطه الرياء و الإعجاب في صلاته حتى قضاها، قال: هذا يتوب من ريائه و عجبه، و صلاته تامة، ولا إعادة عليه، وإن كان إنما دخل في صلاته على أنه إنما يصليها رياء و نفاقا وعجبا، ولا يتعمدها بنية لأداء الفريضة، ولا أحرم على ذلك فهذا عليه التوبة و الاستغفار، و البدل و الكفارة، إن كان قد فات وقتها، ولم يصليها، وإنما قام على غير نية الفريضة، وإنما قام يصليها للناس لا للفرض.
/21/ (2/21)
صفحة 450
ومن غيره ـــ و يوجد عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله، أن من ترك الصلاة على العمد، وعلى التجاهل ففيه قولان، أحدهما أن عليه لكل صلاة كفارة، وقول ثاني، أن عليه لجميع ما ضيع من الصلوات كفارة، وهي صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، مخير في ذلك، وقول ثالث أن ما ترك من الصلوات متتابعات فعليه لجميع ذلك كفارة واحدة، على ما وصفت لك. وإن ترك صلوات وصلى صلوات، أو صلاة، ثم ترك صلوات أو صلاة فعليه أيضا لذلك كفارة ثانية على هذا، وقول رابع إنه ما ترك من الصلوات في معنى واحد، بسكر قد أسكره، أو سبب قد دخل عليه فيه من التشاغل ببعض غي عن الطاعة و العكوف على ذلك الغي، فإذا أفاق من ذلك فعليه فيما ضيع من ذلك كفارة واحدة، فإذا أضاع من الصلاة لغير ذلك السبب أو سبب مثله بعد خروجه منه فعليه أيضا لذلك كفارة، فهذا سبيله، وقول خامس، أنه ليس عليه كفارة، إلا أن يترك الصلاة متعمدا لغير عاهة بفرض، ولا لجهل، ولا لتشاغل بسبب، وإنما يقصد إلى ترك الصلاة عامدا، هذا عليه البذل و الكفارة، وما سوى ذلك فمن تركها بسكر، أو تجاهل، أو لتشاغل، ولا يتعمد لذلك الصلاة وإنما هو يفرط بتفريط و تضييع فلا كفارة عليه، وقول سادس أنه لا كفارة عليه إلا أن يترك الصلاة وهو يقر بفرضها، وقول سابع أنه لا كفارة عليه في ترك الصلاة على حال، و إنما عليه البدل و الله أعلم.
ومن حديث أبي سفيان ـــ قال: جاءت امرأة والدي، فقالت: إني كنت أطين حائطا لي، فاشتغلت به عن الصلاة، وقد نودي للظهر، فمازلت على عملي
/22/ (2/22)
صفحة 451
حتى نودي بالعصر، وكنت أرى أن أفرغ من عملي قبل العصر، فلم أفرغ حتى نودي بالعصر، قال: فسألت الربيع: فقال: تعتق رقبة، قلت: فإنها لا تجد؟ قال: فتصوم شهرين متتابعين قلت: فإنها قد كانت فعلت مثل فعلتها هذه مرة أخرى؟ قال: فلتصم شهرين و شهرين.
قال: سفيان فأما من نسي فليس عليه كفارة، و لكن يستغفر الله ولا يعود.
قال: ومن نام بعد ما يدخل وقت الصلاة فلم يستيقظ حتى فات وقتها، قال: عليه كفارة.
وعن أبي علي حفظه الله ـــ أكثر ما عرفنا ـــ أنه لا كفارة عليه إذا ذهب به النوم، إلا أن يكون نيته ترك الصلاة، وأنه لا يقوم يصلي، فذهب به النوم حتى فات وقت الصلاة، أن عليه كفارة، والله أعلم.
ومن نام قبل دخول وقت الصلاة فلم يستيقظ حتى فات وقتها، فليس عليه كفارة.
ومن غيره:
وعرفت أن قراءة ((مدهامتان)) في البدل تجزىء.
/23/ (2/23)
صفحة 452
وقال من قال في قوله تعالى ((و قوموا لله قانتين)) طول القيام في الصلاة هو القنوت، وقال من قال طول الخشوع فيها.
ومن غيره ـــ قال أبو عبد الله رحمه الله: الصلاة كلها فريضة، إلا أن صفتها تأويل، وجملتها تنزيل، قلت فالوضوء؟ قال: الوضوء كله فريضة، وصفته تأويل، قلت: فمسح الأذنين؟ قال مسح الأذنين من الرأس، قلت له: فالحج؟ قال: الحج كله فريضة وصفته تأويل.
وعن من منع مملوكه أن يصلي صلاة حاضرة حتى فات وقتها، قلت ما يجب عليه؟ فقد قيل في ذلك إن عليه الكفارة، وقيل عليه التوبة، ولا كفارة عليه، وعلى العبد بدل الصلاة، وهو أحب إلينا.
وعن رجل يصلي الفريضة، ولا يعرف الفريضة من السنة، قلت هل يسعه ذلك؟ وهل يتم صلاته؟ إذا اعتقد أنه إنما يصلي الفريضة التي يعبد الله بها فصلاته تامة إن شاء الله، وليس له أن يعتقد السنة فريضة إلا على وجه اللزوم.
فقلت له: وكذلك الفريضة و السنة من النافلة؟ نعم، لا يلزمه على ذلك ما لم يجعل الفرض نفلا، و النفل فرضا.
وعن الذي يقوم إلى الصلاة فيسهو عن الكعبة أن يذكرها، وهو يعلم أنها قبلة، قلت هل عليه بأس في صلاته؟ الناسي معذور إذا أتى بالعمل على وجهه، وإنما نسي أداء اعتقاد السنة.
/24/ (2/24)
صفحة 453
ومن غير الكتاب وزياداته.
قال أبو المؤثر: روى عن ابن مسعود، أنه كان في الصلاة كأنه لقطة ملقاة.
رجع إلى كتاب أبي جابر.
ومن غيره ـــ قال: وعلى الوالد أن يعلم ولده و أهله الفرائض، وما يجب عليهم فيها، الدليل على ذلك قوله تبارك و تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا))، فأوجب على الإنسان أن يعلم أهله، كما أوجب عليه أن يتعلم، هو ما يقي به نفسه من النار، قال غيره، أرجو أني عرفت أن ذلك في الصبى، وأما إذا بلغ فحتى يسأله، ثم عليه أن يعلمه، والله أعلم فينظر في ذلك.
عن أبي عبد الله رحمه الله ـــ وفي الرجل يكون عليه بدل صلاة، فيصلي الحاضرة، وهو يعلم بأن عليه البدل، قال أبو عبد الله رحمه الله: إن جاء يسأل في وقت الحاضرة. قلت له: صل الفائتة و الحاضرة، وإن كان إنما جاء يسأل، وقد ذهب وقت الحاضرة، قلت له: أعد التي عليك بدلها، وليس عليك أن تبدل التي صليت. وأنت ذاكر للفائتة.
/25/ (2/25)
صفحة 454
قال غيره: نعم، قال أبو جعفر، ورفع ذلك إلى بعض الفقهاء، أن رجلا كان عليه بدل صلوات، وهو ذاكر لهن، فلم يبدلهن، حتى صلى صلوات أخر، قال: عليه أن يصلي الأوليات، و اللاتي صلاهن بعد، وهو ذاكر للفائتات، الأول فالأول، ما كان صلى، وهو ذاكر للصلوات التي عليه.
قال غيره: قد قيل إذا صلى الحاضرة فقد تمت، وليس عليه إعادتها، لأنه لم يكن مخاطبا بالصلاة في ذلك الوقت الفائت، وقد كان ينبغي له أن يصلي، أن لو صلى في ذلك الوقت، فإن أخره لم يكن عليه في ذلك إلا التوبة من التقصير، وقد أتى بالصلاة في وقتها.
ومن غيره ـــ قال أبو صفرة: سألت محبوبا رحمه الله عن الصلاة أيها أفضل؟ قال إن كان طول القراءة أخف عليه فهو أفضل، وإن كان كثرة الركوع و السجود أخف فهو أفضل، وإن كان كثرة الدعاء و التضرع في القعود أخف فهو أفضل.
قال بشير لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا في الذي يفعل شيئا من الفرائض أنه يقدم نية في ذلك، قال غيره: نعم، الأعمال لا تقوم إلا بالنيات، إلا أنه نية المسلم في أداء الفرائض و الطاعات، وهو على نيته ما لم يحولها أو يترك ذلك.
ومن أغمي عليه قبل دخول وقت الصلاة حتى ذهب وقتها فلا بدل عليه، ومن أغمي عليه بعد أن دخل وقتها فعليه بدلها.
ومن غيره ـــ قال أبو عبد الله محمد بن المسبح: أخبرني وضاح بن عقبة أنه
/26/ (2/26)
صفحة 455
من أغمي عليه في النهار، فانتبه في النهار قبل الليل فعليه بدل صلاة النهار، ومن أغمي عليه في الليل فانتبه في الليل قبل دخول النهار فعليه بدل صلاة الليل، هكذا.
من غيره ـــ قال، وقد قيل: عليه بدل ما أغمي عليه، قعد قليلا أو كثيرا، وقال من قال، لا بدل عليه فيما أغمي عليه، إلا الصلاة التي أغمي عليه فيها، إذا كان قد توانى عن الصلاة بعد دخول وقتها بقدر ما لو قام إلى الصلاة توضأ وصلى، أو صلاة انتبه في وقتها بقدر ما يقوم يتوضأ في وقتها ويصلي.
رجع ـــ
وعنه أيضا رحمه الله، في رجل أحرم لصلاة فريضة، ثم سها، فمضى في قراءة سورة، وظن أنه في نافلة، حتى صلى ما صلى من صلاته؟ قال أبو عبد الله رحمه الله: لو مضى في سهوه حتى مضى التحيات الآخرة خفت عليه النقض، قلت: ولو لم يسلم؟ فإن هو ذكر فانتبه من قبل ذلك، ورجع في ذكر الفريضة أنه فيها، فلا بأس عليه إن شاء الله.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إذا أتم صلاته فلا نقض عليه، لأنه دخل في الصلاة على أنها فريضة.
رجع ـــ وإنما أخاف عليه النقض إذا مضى في الصلاة على أنه نافلة، إلا أن يذكر ذلك، وهو بعد في القراءة، ويرجع إلى ذكر الفريضة.
تم الباب من كتاب أبي جابر ـــ وسألته كم في الصلاة من سكتة؟ قال: لا تكون الصلاة إلا بكلام، وقد قيل إن فيها أربع سكتات على سبيل الأدب
/27/ (2/27)
صفحة 456
وليس هو بفرض، وهو أن يسكت سكتة بقدر ثلاث تسبيحات بعد تكبيرة الإحرام. وهي قبل الاستعاذة، وقبل دخوله في القراءة. والثانية، بعد قراءة فاتحة الكتاب، بينها وبين السورة فيما يقرأ فيه من الصلاة بالجهر. و الثالثة، بعد تمام القراءة في جميع الصلوات، و الرابعة عند القيام من السجود إلى القراءة، أو عند القيام من القعود من التحيات الأولى.
ويوجد في قول المصلي، سبحان الله، والحمد لله، و لا إله إلا الله، والله أكبر، ونحو هذا، فقد قيل لا فساد عليه في صلاته في العمد ولا في الخطأ، وقيل تفسد صلاته في العمد، ولا تفسد في الخطأ في هذا. وقال من قال إن كل ذكر الله لا يفسد الصلاة، حفظت ذلك عن أبي سعيد.
ومن غيره ـــ قال بنيت الصلاة على أربعة أركان، فالوضوء منها سهم، والركوع منها سهم، والسجود منها سهم، والخشوع منها سهم، والخشوع من التواضع لله في الصلاة، و الإقبال إليه بالقلوب كلهما، فإذا قضى الرجل صلاته، وقد أتم صلاته، و الركوع و السجود و الخشوع عرج بها ولها نور عظيم، فتفتح لهما أبواب السموات.
ويوجد عن بعضهم أنه قال ما صليت صلاة قط إلا استغفرت ربي من تقصيري فيها، قال أخبرني هاشم بن الجهم، عن جابر بن النعمان، عن أبي المعلا (1) عن الربيع، أنه سئل ((ما يقول إذا قام إلى الصلاة؟ قال إذا قام الرجل يريد الصلاة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذا في الأصل ولعله ابن المعلى أي محمد بن المعلى الكندي من أهل فشح من قلب عمان وكان أحد حملة العلم.
/28/ (2/28)
صفحة 457
قال، اللهم إني أستغفرك مما ضيعت مما أمرتني به، وأستغفرك مما ركبت مما نهيتني عنه.
رجع ـــ ومن كتاب المغازي فيها وجدنا فيه.
أنه لما بعث رسول الله (ص) معاذ بن جبل رحمه الله إلى اليمن، فكان مما أوصاه به أنه قال، يا معاذ بن جبل إذا قدمت عليهم فعلمهم كتاب الله، و أحسن أدبهم، وعلمهم الأخلاق الصالحة، وأنفذ فيهم ما أمر الله به، و أنزل الناس منازلهم من الخير و الشر، ولا تحابي في أمر الله، ولا تخف في الله لومة لائم، وأد إليهم الأمانة في كل قليل و كثير، وعليك بالرفق و العفو في غير ترك الحق حتى يقول الجاهل قد ترك من حق الله، واعتذر إلى أهل عملك في كل أمر خشيت أن يقع عليك منه عتب حتى يعذروك، وأمت أثر الجاهلية إلا ما حسنه الإسلام، وأظهر كبير الإسلام وصغيره، وليكن أكثر همك الصلاة فإنها رأس الإسلام، بعد الإقرار بالدين.
يا معاذ، إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر، ثم أطل القراءة على قدر ما تطيق، ولا تملهم، أو تكره إليهم أمر الله، ثم عجل الصلاة الأولى بعد أن تميل الشمس، وصل صلاة العصر و الشمس بيضاء نقية مرتفعة، والمغرب حين تغيب الشمس، و تتوارى بالحجاب، و أخر العشاء و أعتم، فإن الليل طويل فإذا كان الصيف / (فاستتمر ينظر فيها) / بالصبح، فإن الليل قصير، وإن الناس ينامون آخر الليل ويهمدون، فأمهلهم حتى يدرسوها، وصل العصر والمغرب على ميقات واحد في الشتاء والصيف، وصل العتمة ولا تعتم بها، فإن الليل قصير ولا تصليها حتى يغيب
/29/ (2/29)
صفحة 458
الشفق. وذكر الناس بالله و اليوم الآخر، واتبع الموعظة فإنها أقوى لهم على العمل بما يحب الله. وثبت في الناس المعلمين. واحذر الذي إليه ترجع، ولا تخف في الله لومة لائم.
قال معاذ: فقلت يا رسول الله: أرأيت ما سئلت عنه، واختصم إلي فيه، مما ليس في كتاب الله، وما لم أسمعه منك؟
قال: اجتهد، فإن الله إن علم منك الصدق وفقك الله للخير، ولا تقضين إلا بما تعلم، فإن أشكل عليك أمر فوقفه حتى تبينه أو تكتب إلي فيه.
ومن غيره ـــ وقد ذكر لنا أن رسول الله (ص) كان يقول لا تزال الطائفة من أمتي على الفطرة ما صلوا صلاة المغرب قرب بدو النجوم، وقد ذكر لنا أن ابن مسعود رحمه الله كان يصليها إذا وجبت، و عندها كان يفطر إذا كان صائما، ثم يقسم عليها قسما لا يقسمه على شيء من الصلوات، بالله الذي لا إله إلا هو، إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ثم يقرأ، و تصديقها في كتاب الله {أقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. وقرآن الفجر صلاة الصبح، وكان يحدث أن عندما يجتمع الحرسان وملائكة الله، حرس الليل، وحرس النهار.
ومن غيره أن النبي (ص). قال: لا تزال أمتي بخير ما أسفروا بصلاة الصبح، وصلوا المغرب قبل اشتباك النجوم.
/30/ (2/30)
صفحة 459
قال غيره: لعل المعنى، ما صلوا صلاة الصبح، والنجوم مشتبكة وصلوا صلاة المغرب قبل اشتباك النجوم، والله أعلم. فينظر في ذلك إنشاء الله.
وقيل: لا يضرب اليتيم على الصلاة، وأما الرجل فله أن يضرب ولده على الصلاة، وقال من قال، إذا كان ابن عشر سنين.
ومن صلى في خيمة ـــ وفي نسخة ـــ في قبة أو ما يشبه ذلك ولم يستطع أن يقوم حتى يستقيم في قيامه، فليصل كما أمكنه، إذا كان ذلك من عذر غيث أو غيره أو شمس، ولا يصلي قاعدا، وقيل: المرأة إذا أرادت معنى في الصلاة تصفق بيديها على فخذها، ولو عشر مرات إذا كان لمعنى، ويجوز أن تضرب أصابع يدها اليمنى على باطن كفها الأيسر، ولا يجوز ذلك للرجل، وإن سبحت هي فلا بأس عليها. والرجل يقول في صلاته، سبحان الله عند المعنى الذي يعرض له من الصلاة، وإن قال غير ذلك فسدت صلاته.
قال غيره ـــ قد قيل: إن جهر بما هو فيه من الصلاة لما يعرض له كان له ذلك. و مخير بين التسبيح والجهر.
رجع ـــ
وقد قيل لا يجوز في الصلاة إلا قول سبحان الله. وقال من قال من الفقهاء إن قول، سبحان الله، و الحمد لله ولا إله إلا الله، و الله أكبر لا ينقض الصلاة، قول هؤلاء الأربع قالهن جميعا أو فرقهن في الصلاة، والقول الأول هو الأكثر، والله أعلم.
/31/ (2/31)
صفحة 460
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: يقول، سبحان الله أو سبحان الله وبحمده، هكذا جاء الأثر.
رجع ـــ
ومن كان في الصلاة ثم طلع قرن، أو غاب قرن من الشمس فليقف على حاله حتى يستتم طلوعها أو غروبها، ثم يتم صلاته ـــ وفي نسخة ـــ قال يبتدئ صلاته إذا طلعت الشمس أو غربت، وقال من قال، إن مغيب قرن منها هو اصفرارها، وقال من قال، مغيب بعضها أو طلوعه، وكذلك طلوعها.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إذا غاب شيء من القرص. قال غيره: معنى أن يغيب شيء من القرص في موضع مغيبه، وهو أصح.
وأما من أبدل صلاة العتمة بسبب انتقضت به عليه، فإن يبدل الوتر أيضا إن كان في وقت تلك العتمة، وإن انقضى ذلك الوقت فإنما يبدل العتمة وحدها، و الله أعلم.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
قال غيره: إنه قد قيل، عليه بدل الوتر ما كان في وقت الوتر قبل الصبح، وقيل عليه بدل الوتر على حال. لأن الوتر لا يقع إلا بعد العتمة.
ومن غيره ـــ وذكرت في الذي ينوي إذا أراد الصلاة أنه مستقبل القبلة أو ينوي أنه مستقبل بيت الله الحرام، أو ينوي أن قبلته الكعبة التي بمكة، قلت: و إن نسي أن ينوي حين قصد الصلاة شيئا من هذا، أو نيته فيما يستقبل من عمره،
/32/ (2/32)
صفحة 461
أن القبلة الكعبة التي بمكة، وإنما هو ربما نسي النية حين ذلك، وليس نيته في عمره فيما يستقبل من صلاته، إلا أنه نيته أن قبلته الكعبة التي بمكة، وإن نسي أن قبلته الكعبة التي بمكة فما يكون حاله في النسيان، وما يلزمه أن يحضر من النية؟
فمعنى أنه يكون اعتقاده إذا كان عارفا بمعاني ثبوت الكعبة و أسمائها كما قال الله تبارك و تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فهذا على معنى التسمية والقصد.
وقد قيل: إن الكعبة هي البيت في هذا الموضع، على معنى ما قيل، وهو قبلة لأهل الحرم، و الحرم كله قبلة لأهل الآفاق، من عاينه أو غاب عنه، على القصد إليه.
ومعنى أنه يختلف في معنى قصد المصلي إلى ما يقصده، فقيل إنه لا يجزيه أن يقصد بنيته إلا إلى الكعبة، وهو البيت حيثما كان، وافقه أو وافق شيئا من الحرم، خارجا منه في قصده ووجهته، فقد خرج في معنى الاحتياط إلى استقبال البيت، على معنى النظر.
وقيل: يجزيه أن يقصد إلى استقبال الحرم إذ هو قبلة، و كذلك يجزي أهل الحرم أن يقصدوا إلى استقبال المسجد إذ هو قبلتهم، وقد يخرج أن الحرم كله
/33/ (2/33)
صفحة 462
كعبة، لقوله تبارك و تعالى {هَدْياَم بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. فأجمع أهل العلم، لا أعلم بينهم اختلافا، أن الهدي إذا بلغ الحرم فنحر في شيء منه، أنه قد بلغ الكعبة وأنه مجز لصاحبه، فثبت أن الحرم كله كعبة، وقد قال الله {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ}. فهو في معنى الصلاة، وفي استقبالها في الصلاة، فثبت في معاني ما قيل، أن الحرم قبلة لمن خرج منه من أهل الأفاق، ولو لا ذلك لضاق المعنى فيه.
وأما النية المتقدمة في استقبال الكعبة في نية المصلى للصلاة فثابتة له فيها لا أعلم فيه اختلافا، فإن ذكر ذلك عند قيامه للصلاة، أو دخوله فيها، واستفتاحها وهو في شيء منها، جدد ذلك الاعتقاد وتلك النية ومضى عليها، وإن نسي ذلك حتى فرغ من صلاته وهو متوجه إلى القبلة فقد تمت الصلاة فيها لا أعلم فيه اختلافا، لأن الناسي معذور.
ومن غيره ـــ قيل له: فرجل ضرب رجلا فأغماه حتى ذهبته صلوات؟ قال: عندي أنه قيل في باختلاف، فقال من قال، عليه الأرش و الكفارة، وقال من قال، عليه الأرش ولا كفارة عليه، وقال من قال، إن كان ضربه في وقت الصلاة فعليه الكفارة، وإن كان بعد الوقت فلا كفارة عليه.
ومن غير الكتاب و زياداته ـــ
/34/ (2/34)
صفحة 463
أرجو أني وجدت الاختلاف فيما يلزمه من الأرش، قال من قال يلزمه بعير في الغمية كائنا ما كانت، ولو أغمي عليه أياما، و معنا أن هذا المعمول به عليه اليوم، وهو فيما بلغنا قول موسى بن أبي جابر وقال من قال لكل وقت صلاة إن ذهب كان له في خمس ذلك ثلث الدية الكبرى فإذا مضى خمس صلوات كان له ثلث الدية الكبرى، وليس له بعد ذلك شيء، ولو فاته أكثر من خمس صلوات.
رجع ـــ
قال أبو سعيد رحمه الله: معي: أنه قد قيل أربع خصال من الشيطان في الصلاة: التثاؤب، والنعاس، والكسل، والتمطي، ويكون إن يكن في مواطن الطاعة إلا ما شاء الله.
وعن رجل اشترى أغتم لا يفهم العربية، هل تطيب ملكته إذا لم يصل؟ فعلى ما وصفت فإذا كان موحدا طابت له ملكته، ويأمره بالصلاة، ويضربه عليها، وإن لم يكن موحدا، فقد قيل يبيعه في الأعراب.
وعن رجل حضر وقت صلاة ووقع صبي في بئر، أو سقط في شيء يهلك فيه، هل له أن يدع الصلاة، وينجي الصبي، ولو فات وقت الصلاة، أو ليس له أن يدع الصلاة ولو خاف على الصبي الهلكة؟
/35/ (2/35)
صفحة 464
فعلى ما وصفت، فنعم: له أن ينجيه، مما يخاف عليه فيه الهلاك، و يدع الصلاة ولو فات وقت الصلاة، و يصلي كيف أمكنه، إن قدر على ذلك، والله أعلم.
ومن ترك صلوات كثيرة متعمدا فقد قال من قال من الفقهاء، يجزيه لكل ذلك كفارة واحدة، وقال آخرون، لكل صلاة كفارة، ومن أخذ بالرخصة وسعه ذلك إن شاء الله، وقول، لا كفارة عليه إذا تاب و أخلص لله التوبة، ولو ترك الصلاة والصيام عمدا، ولا ينبغي كتمان شيء من أقوال المسلمين ليستعمل كل شيء في موضعه والله أعلم.
ومن سكر من الشراب حتى ذهبت صلوات فلا عذر له، وعليه الكفارة على ما وصفت لك من الاختلاف.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: من شرب في وقت الصلاة حتى سكر وذهبته الصلاة فعليه الكفارة، وإن شرب قبل وقتها فسكر، فذهبته الصلاة فلا كفارة عليه، ويستغفر ربه، ويصنع معروفا.
رجع ـــ
ومن تشاغل بشيء عن الصلاة حتى يفوت وقتها لزمته الكفارة، وأما الناسي فلا كفارة عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذا في الأصل دون ذكر لحد السكر و عقابه.
/36/ (2/36)
صفحة 465
ومن غيره ـــ قال: وقد قيل عليه الكفارة.
رجع ـــ
وقال بعض: إن حد الظهر داخل في العصر فمن فرط في صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ثم صلى فلا كفارة عليه، وكذلك من فرط في صلاة المغرب حتى دخل وقت صلاة العتمة في العشاء الآخرة ثم صلى، فلا كفارة عليه، وقول من رأي الكفارة أكثر، وبه نأخذ.
وقال من قال فيمن ضرب غلامه حتى أغماه فذهبته صلاة، أنه يلزم مولاه كفارة تلك الصلاة.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: قد أساء و يستغفر ربه، ولا كفارة عليه و يرضى العبد بشيء.
رجع ـــ
وقال أيضا في رجل وطئ زوجته قبل صلاة الظهر، ثم قامت تريد الغسل وقد بقي من وقت الظهر فدخلت على بعض جيرانها تريد مطهرة فلج من منزلهم، فوجدتها مشغولة، ثم كذلك أخرى، فرجعت إلى منزلها تريد أن تغتسل فيه، وأذن لصلاة العصر من قبل أن تغتسل؟ قال أبو عبد الله رحمه الله: لا بأس عليها، إذا كانت في طلب الماء.
ومن ارتد عن الإسلام وترك الصلاة، ثم تاب فلا بدل عليه ولا كفارة، وقد انتقض وضوؤه.
/37/ (2/37)
صفحة 466
عن أبي عبد الله رحمه الله أيضا قال: من ترك الصلاة متعمدا متأولا أنها ليست عليه فليس عليه كفارة إذا تاب.
وقيل: من كان يسبح في الماء في الغرق، ونسي أن يكبر أو جهل، فعليه البدل ولا كفارة عليه، وأما المريض الذي قد صار في حد التكبير، وجهل أن يكبر فأرجو أن لا تلزمه كفارة ويبدل.
وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي رحمه الله فيما أحسب، وما تقول في صبي بلغ، ولم يكن يعرف ما يلزمه من الصلاة، غير أنه يرى الناس يصلون، ويقولون الصلاة لازمة، ثم رأى أن الصلاة لازمة له، وضيعها، قدر أربع سنين، أو أقل أو أكثر، ثم ندم وتاب، ثم صلى خمس سنين، أو أقل أو أكثر، ولم يبدل ما ضيع من الصلاة، أتكون هذه الصلاة ثابتة أم منتقضة ويلزمه بدلها؟
فيعجبنا قول من أثبت له ما صلى، و يبدل ما ضيع من الفرائض، وركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد المغرب.
قلت له: هل توجد له رخصة في قول بعض المسلمين، أنه لا بدل عليه فيما ضيع، أو في هذه الصلاة التي صلاها بعد التضييع؟
فأما الذي ضيعه، فنأخذ بقول من ألزمه بدله، وقد توجد الرخصة، و القول الأول أحب إلينا.
وكذلك، إن لم توجد له رخصة ولزمه البدل فكيف يصنع،
/38/ (2/38)
صفحة 467
وهو قد سافر، ولزمه التقصير، ولم يعرف قدر ما لزمه في حال التمام ولا في حال القصر، وأراد البدل، أو يبدل تماما أو قصرا، أو يصلي بقدر التمام تماما، وبقدر القصر قصرا، ويكون تقديرا، أم كيف يصنع؟ وهل يجزيه، أن يصلي تماما، ويعتقد أن كان يلزمه قصرا أو تماما في هذه الصلاة، أم كيف يصنع؟
فهذا مما يجري فيه الاختلاف و إن توصل إلى التحري فهو أولى.
وإن صلى تماما على اعتقاده أنه كان يلزمه من هذه الصلاة ركعتان، فقد أداهما فأرجو أنه يجزيه إن شاء الله.
أحسب عن أبي عبد الله رحمه الله قال: من نام متعمدا قبل صلاة العتمة فلا بأس عليه، ويكره ذلك، وقد كنت أنا بأزكى مع أبي جعفر رحمه الله، فكان ربما نام، ونعس قبل أن يصلي العتمة، ثم يخرج وأنا معه فيتوضأ ويصلي، وجدت في المعنى أنه من صلى بالإيماء أو في نفسه أو بعينه من تقية على دمه أو لمعنى ضرر أن لا بدل عليه إلا أن يكون على غير وضوء، فأحب له أن يبدل، وإن لم يصل جهلا منه ففي الكفارة اختلاف.
ومن عناه جنون بعد دخول وقت الصلاة ففاتته الصلاة فعليه بدلها، إذا رجع عليه عقله، وإذا عناه في غير وقتها فذهبته صلاة أو صلوات وهو في حال ذهاب عقله فلا شيء عليه، وكذلك المسجون ـــ نسخة ـــ المسحور.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله، من حبس في الحبس فليؤد فرضه على ما أمكنه،
/39/ (2/39)
صفحة 468
وكذلك العبد يحبسه مولاه و يقمطه: و تحضره الصلاة ولا يطلقه، فإنه يؤدي فرضه كما أمكنه، ولا كفارة على المولى.
مسألة:
ومن حضرته الصلاة فمنعه رجل، وقال: لا أتركك تصلي حتى تعطيني دينارا، فإن كان يقدر على الدينار، ولا يضر به ولا بعياله ضررا يؤدي إلى الهلاك، وكان بين الرجاء والخوف على قتاله، ولا يقدر، فعليه دفع الدينار إليه ويصلي.
مسألة:
ولا تجوز صلاة السكران ولا المغلوب على عقله لأن الفرض لا يزول إلا بنية، ومن لم يقصد بنيته إلى الفرض لم يجز فعله، لأنه لم يقصد إلى تأدية ما يؤمن بعمله، وليس السكر بمسقط عنه فرض الصلاة التي خوطب بها في وقتها.
من كتاب الضياء.
فصل
اجتمعت العلماء، أن النبي (ص) صلى بأصحابه عند الكعبة، خلف مقام إبراهيم وجعل المقام بينه وبين الكعبة، وصف أصحابه خلفه صفوفا مستديرة كالحلقة، فدلهم بذلك على أن حال أهل الآفاق جميعا من المسلمين في صلواتهم كحال أهل مكة، يصلي كل أهل بلدة تلقاء الكعبة، كما يصلي أهل مكة إلى الناحية التي تليهم من الكعبة، وكذلك على أهل كل بلد أن يريدوا بصلواتهم نحو الكعبة، ويتوجهوا مع الإرادة توجها، وإن كان هذا الموضع يختلف فيه، فبعض العلماء
/40/ (2/40)
صفحة 469
يقول عليهم الإرادة فقط، و بعض يقول عليهم الإرادة متوجهين معهما نحو القبلة، لا يجزئهم إلا ذلك.
قال أبو الحسن: والنية للقبلة تجزئ مرة للمصلي، لما صلى في مقامه ذلك ما لم يتحول إلى غيره، وقال آخرون تجزئه نية القبلة مرة واحدة في جميع عمره، إذا كان باستقبالها، واعتقد أن الكعبة قبلة أجزاه.
مسألة:
والكعبة و القبلة البيت الحرام فرض في الصلاة، فمن لم يستقبلهما فلا تتم صلاته، ومن نوى القبلة وصلى إلى غيرها غلطا، ثم علم، وقد بقي عليه ركعة، فاستقبلها، فصلاته تامة، وإن أحرم إلى غير الكعبة لشغل في قلبه فعليه الإعادة. وإن استقبل غير القبلة ناسيا أو نواها و تحراها وهو زال عنها فصلاته جائزة، ومن خفيت عليه القبلة فتحراها، وصلى جازت صلاته، فإن علم بالقبلةفي بعض الصلاة تحول إليها مستديرا، ولا ينقض صلاته، وكل متحر للقبلة بالنية إذا تبين أنه صلاها لغيرها وقد كان تحراها وصلى بعد الاجتهاد والتحري فلا إعادة عليه في الوقت ولا بعده.
فصل
قال الله عز و جل {وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} يقول خلفه، و الإمام يقوم خلف مقام إبراهيم مستقبلا للقبلة، والناس حوله.
/41/ (2/41)
صفحة 470
قال الفضل: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. أي عند مقام إبراهيم، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدمه عليه السلام.
مسألة:
واختلفوا في خبر الواحد في القبلة، فقال قوم إنه حجة، وقال قوم حجة عليك، ولا يكون حجة لك، وقيل من شك في القبلة بعد علمه بها فهو مشرك، يقتل إن لم يتب، ويؤمر أن يستقبل القبلة عند كل معروف، مثل الذبيحة، وحلق الرأس عند العمرة، والحج، وما استطاع لما هو نفل.
مسألة:
ويستحب في الصلاة وقفات، وقفة إذا أحرم، ثم يقرأ ولا يصل التكبيرة بالقراءة. ووقفة بين فاتحة الكتاب والسورة ولا يصل بينهما، ويقال لهما السكتتان، ووقفة إذا نهض من السجود ومن القعود، ولا يصل القيام بالقراءة، ووقفة إذا فرغ من القراءة ثم ركع ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع.
وعن هاشم الخرساني ـــ أن القراءة توصل بتكبيرة الركوع، قال غيره: قال الله تبارك وتعالى {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} الآية.
وقال الحسن في تفسيرها اجعل السر و العلانية واحدا. وقال أبو محمد في تفسيرها الجهر: المرائي في صلاته، والخافت بها: الذي يسرها من الحياء، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَالِكَ سَبِيلا} هو أن يأتي بالواجب فيها.
/42/ (2/42)
صفحة 471
مسألة:
قال أبو محمد: المرأة كلها زينة إلا الوجه والكفين، قال الله تبارك وتعالى {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. وهو الوجه والكفان بإجماع الأمة. لأن الشاهد ودافع الحق لا يصلان إلا معرفتها عند المشاهدة لها. إلا بكشف الوجه، ومن أظهر منهن شيئا مع نهي النبي (ص) لها عن ذلك كانت صلاتها باطلة، لأنها صلاة منهي عنها، واختلفوا في القدمين.
وروي عن أم سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) أنه قال: تغطي المرأة ظاهر قدميها، قال وعلى المرأة أن تستر قدميها في الصلاة.
وللمرأة أن تطيل ذيلها، ولا اختلاف بين أهل العلم في ذلك من مخالف أو موافق.
قال أبو محمد: أجمعوا أن من صلى، وهو يرى أنه متوجه إلى القبلة، ثم تبين له أنه كان صلى لغير القبلة لمانع منعه من غيم أو غيره، أنه لا إعادة عليه في الوقت، ولا في غير الوقت، وأجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه كان صلى في غير الوقت، أن عليه أن يعيدها متى علم بذلك، في الوقت أو في غير الوقت.
وأجمعوا أن أول وقت الصلاة أفضل و أوفر على المصلي ثوابا.
ومن جامع عبد الله بن محمد بن بركة أيضا: وروي عن النبي (ص) أنه قال: صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس للغروب، وفي حديث آخر
/43/ (2/43)
صفحة 472
إذا تصيفت الشمس للغروب يعني مالت للغروب، فقام فقرأ أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا، وهذا يدل على أن المدرك لذلك الوقت الناسي و النائم لأنه لو كان الوقت وقتا لهذا لم يكن النبي (ص) يذكر أنها صلاة المنافقين وكان يقول إنها صلاة المطيعين، وأجمعوا أن أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله، ورضوان الله إنما يكون للمحسنين. والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، والله أعلم.
وقد سئل النبي (ص) عن أفضل الأعمال، فقال الصلاة في أول أوقاتها.
وعن النبي (ص) أنه قال: أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن قبلت منه قبل منه سائر أعماله، وإن لم تقبل منه لم يسأل عن غير ذلك، و أمر به إلى النار.
وأول ما فرض على النبي عليه السلام وأمر به الصلاة، وآخر ما كان يوصي به عند موته، ومن ضيع الصلاة فهو لغيرها من سائر الدين أضيع.
ومن غيره ـــ حدثنا عباد بن مهدي ويزيد بن هارون وأبو زيد النحوي عن محمد بن عمر الماجشون عن أم مسلمة قال: قال سعد بن معاذ: ما صليت صلاة قط فألهاني عنها غيرها حتى أقضيها وأنصرف، وعنه في موضع آخر، أنه قال ما صليت صلاة قط فحدثتني نفسي فيها بشيء من أمر الدنيا حتى أنصرف، وأرجو أن هذا من كتب قومنا.
/44/ (2/44)
صفحة 473
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله: إذا حضرت الصلاة فدعوا الأشغال، و جاء عنه رحمه الله أنه قال: من ضيع صلاته فهو لغيرها من شرائع الإسلام أضيع.
ومن بعض كتب قومنا ورووا عنه (ص)، أنه سئل عن أفضل الأعمال؟ قال الصلاة في أول أوقاتها، ورووا عنه عليه السلام أنه قال: أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله.
قال أو سعيد رحمه الله: معي أنه قد جاء فيما روي عنه (ص) أنه قال، في أمر ما يحث به عليه من أمر الصلاة و المسارعة إليها، أنه قال، الصلاة في أول أوقاتها رضوان، وفي أوسط وقتها رحمة وفي آخره عفو، فيثبت معاني تأويل قوله عليه السلام، إن العفو لا يكون إلا عن إساءة، وعلى هذا ثبت معنى تأويل الحق في معنى الحديث، وليس كما قال بعض من عجز عن الأعمال مما ظهر منه في أصول الدين الضلال، أن أخر وقت الصلاة أفضلها.
وذلك مما يروى عن أبي حنيفة و أصحابه، فخالفوا في ذلك معنى ما صح عن النبي (ص) عليه السلام، وما جاء عن الله تبارك وتعالى من الحث إلى المسارعة إلى الخيرات و المسابقة إليها، فخرجوا بقولهم هذا عندنا مما ثبت من معاني قول الله تبارك وتعالى و معاني السنة، ومعاني حجة العقول، وذلك أنهم ذهبوا بضلال تأويلهم، أن زعموا أنه كان في أول الوقت منفس في الصلاة موسعا في تركها بذلك الوقت، وكذلك في وسط الوقت كما كان في حال السعة، وكان مخيرا، وما كان في حال التخير بين العمل و الترك خرج معنى العمل نفلا، فإذا كان في
/45/ (2/45)
صفحة 474
آخر الوقت الذي لا يسع إلا العمل كان حينئذ العمل فرضا، وهذا معنا قليل مما شرع الشيطان لأبي حنيفة وأصحابه من ضلال التأويل على ظواهر ما يروى عنهم، ولعل بعضا من أهل هذا الزمان من يزعم أنه ينتحل نحلة الحق و يذهب إلى مذاهب المسلمين يتخلق بهذه الأخلاق، ويعتل بهذه العلل، فاحذر هذا المذهب، وتمسك بصحيح الكتاب والسنة، والمسارعة و المسابقة إلى جميع الخيرات، في أول الوقت من الفرائض والنوافل، تستحق بذلك اسم السابقين، فافهم ذلك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم.
ومن كتاب عن منير بن النير رحمه الله هكذا وجدت في آخر الكتاب: فإذا أحرمت في الصلاة ففرغ قلبك وذهنك لما يعنيك في صلاتك، وأقل ذكر الأهل وحوائج الدنيا، وأقبل على صلواتك بالمحافظة عليها فإنها مقام عظيم بين يدي كريم واذكر قول الله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} فإن ابتليت في السهو عن الصلاة أو غفلة فإذا ذكرت فتذكر وليخشع قلبك لذكر الله وأداء ما فرض الله عليك في الصلاة واندم عند ذلك على ما كان من سهوك وغفلتك.
ومن سيرة عن الإمام المهنا بن جيفر إلى معاذ بن حرب ذكر أنه كتبها أبو علي موسى بن علي رحمه الله: وقد عظم الله أمر الصلاة فمن ذلك أنه مدح من
/46/ (2/46)
صفحة 475
حافظ عليها وذم من سها عنها فقال: {وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.وقال: {الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}. وهم الذين يقومون إلى الصلاة، ولا يبالون كيف يصلون، ويرادون بأعمالهم في صلواتهم.
ومن كتاب فيه شرح الوظائف ـــ نسختين ـــ الوظائف ـــ عن أبي علي موسى ابن علي رحمه الله فقال: والصلاة أولها الإحرام، ثم القراءة، والركوع والسجود، والقيام، والقعود، وما أمر الله فيها من الكلام بإخبات، وخشوع، وتواضع لله، وخضوع فإنه موقف عظيم بين يدي رب عظيم كريم، فالله الله أن تكون فيها ساهيا، أو يراك الله بغيرها متلاهيا.
وكان بعض الفقهاء يوصي في الصلاة، أن المصلي لابد له من الصلاة، فليصل في أول الوقت، فإن أول الوقت رضوان الله. وفي حديث آخر: لو يدري العبد ما يفوته من فضل أول الوقت لافتدى من ذلك بما قدر من أهل و مال.
ويوجد في بعض الآثار قال: أجمع الفقهاء: أنه لا يحسب للرجل من صلاته إلا ما عقل منها. قال ينبغي إذا صلى أن يكون يعقل صلاته، وهو مؤد لفرضه، مستحق لتضعيف الثواب، فإذا سها وغفل كان مؤديا لفرضه ولا يثاب عليها إذا غفل عن صلاته. ومن جامع أبي الحسن، رحمه الله، فأما من صلى بعد صلاة الفجر
/47/ (2/47)
صفحة 476
إلى الشروق، وبعد صلاة العصر إلى الغروب فإنه يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه.
من كتاب الصلاة ـــ
وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود أنه قال: من رأى من يسئ في صلاته فلم ينهه فقد شاركه في وزرها، وأعادها، فالمحسن في صلاته شريك المسيء في صلاته إذا لم ينهه وينصحه، وجاء الحديث عن بلال بن سعيد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإن ظهرت ولم تغير ضرت العامة، وإنما ضرت العامة لتركهم ما لزمهم من النكير، ووجوب ما عليهم من التعبير، و الإنكار على من ظهرت منه الخطيئة.
و لقد جاء الحديث قال: يجيء الرجل يوم القيامة متعلقا بجاره يقول يا رب إن هذا خانني، فيقول، و عزتك و جلالك ما خنته في أهل ولا مال، فيقول، يا رب صدق، ولكنه رآني على معصية فلم ينهني عنها.
و المتخلف عن الصلاة عظيم المعصية، فاحذر تعلقه بك و خصومته إياك بين يدي الجبار تبارك و تعالى.
وجاء عن النبي (ص) أنه قال: من رأى منكر فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإنكار.
/48/ (2/48)
صفحة 477
قال غيره: إذا لم يقدر المعاين لجميع المناكر من هذا أو غيره سقط عنه الإنكار، وإن كان يقدر وجب عليه الإنكار بيده، وإن كان لم يقدر باليد و إذا أنكر بلسانه لم يخف غير أنه لا يرجو القبول.
ففي ذلك اختلاف على ما عرفت، وبعض قال يجب عليه الإنكار، وقال بعض، لا يجب عليه إنشاء الله.
ومن الكتاب ـــ
وجاء الحديث، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى بن مريم، أن إذا قمت بين يدي فقم مقام الحقير الذليل الذام لنفسه، فإنها أولى بالذم، وإذا دعوتني فادعني و أعضاؤك تنتقض، وإذا خرج أحدكم من منزله إلى الصلاة فليحدث لنفسه فكرة غير ما كان عليه قبل ذلك إذا هو في حالات الدنيا و أشغالها، فليخرج بسكينة ووقار، فإن النبي عليه السلام بذلك أمر، وليخرج برغبة و رهبة، وخوف ووجل، وخضوع وخشوع لله، وذل وتواضع لله، فإنه كلما تواضع لله وخشع، وذل وخضع كان أزكى لصلاته وأجزى لقبولها، وأشرف للعبد وأقرب له من الله.
وجاء الحديث قال: أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته قال: فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله و صلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا، فليس
/49/ (2/49)
صفحة 478
بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين، فتمسكوا، رحمنا الله و إياكم بآخر دينكم، وليعلم المتهاون بالصلاة و المستخف لها، و المسابق للإمام فيها أنه لا صلاة له، و أنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصلاة، رحمنا الله وإياكم، و تمسكوا بها، و اتقوا الله خاصة، وفي أموركم عامة، فإن الله تبارك وتعالى قد عظم خطرها في القرآن، فكان مما عظم من أمرها في القرآن إذ ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس، فافتتح ذكر الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة، فقال تبارك و تعالى {قَدَ اَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ الذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}. فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مدحه إياهم، و ثنائه عليهم، فوصفهم بالأعمال الطاهرة الزكية المرضية. إلى قوله تعالى {وَالذِينَ هُمْ ِلأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} ثم قال {وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ثم عاب الله الناس كلهم وذمهم ونسبهم إلى اللوم و السفال، و الهلع والجزع، و المنع للخير إلا أهل الصلاة، فإن الله تبارك وتعالى استثناهم فيهم فقال {إِنَّ الاِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا اِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} ثم استثنى المصلين منهم {اِلاَّ الْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة إلى قوله {وَالذِينَ هُم بِشَهَادَتِهِمْ
/50/ (2/51)
صفحة 479
قَآئِمُونَ} حتى ختم ثناءه عليهم ومدحه إياهم، بأن ذكرهم بثنائه بالمحافظة على الصلاة بعد هذه الأعمال الشريفة التي وصفهم الله بها، ونسبهم إليها فقال {وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة في الجنة، وافتتح ذكر هذه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة.
ثم ندب الله تبارك وتعالى رسوله إلى الطاعة كلها جملة، و أفرد الصلاة فقال: {اتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ}. ففي تلاوة النبي (ص) الكتاب جميع الطاعة، واجتناب جميع المعصية، ثم خص الصلاة بالذكر، فأمره بها خاصة.
وإلى تضيع الصلاة نسب الله عز وجل من أوجب له العذاب قبل المعاصي كلها فقال {فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}. ففي اتباع الشهوات ركوب جميع المعاصي، فنسبهم الله إلى معصيتهم في الصلاة قبل ما نسبهم إليه من جميع المعاصي، فهذا ما أخبر الله في آي القرآن من تعظيم الصلاة، وتقديمها بين يدي الأعمال كلها، و إفرادها بالذكر من جميع الطاعة.
فالصلاة خطرها عظيم و أمرها جسيم، وبالصلاة أمر الله رسوله أول ما أوحى
/51/ (2/52)
صفحة 480
إليه واصطفاه للرسالة قبل الفرائض كلها، لما أوحى إليه بالنبوة، ثم أمره بالصلاة قبل كل عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي (ص) عليه السلام أمته عند خروج روحه من الدنيا في آخر وصية إياهم، عند خروجه من الدنيا أنه قال: اتقوا الله في الصلاة وفيما ملكت اليمين أيمانكم، و جاء الحديث عنه عليه السلام أنه كان آخر عهده إلى أمته وآخر وصيته إليهم، وجاء الحديث عنه أيضا أنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، صلى الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين و المرسلين وسلم تسليما.
وجاء الحديث عن النبي (ص) في حديث آخر أنه كان يجود بنفسه، و أنه ليقول: الصلاة، الصلاة، الصلاة، فالصلاة أول فريضة فرضت عليه، وهي آخر ما أوصى بها أمته، وهي آخر ما تذهب من الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام و ليس بعد ذهابها دين ولا إسلام، فاتقوا الله في أموركم عامة وفي صلواتكم خاصة، فتمسكوا بها، واحذروا تضيعها، والاستخفاف بها، و مسابقة الإمام فيها، و خداع الشيطان إياكم عنها، و إخراجه إياكم منها، فإنها آخر دينكم، ومن ذهب آخر دينه فقد ذهب دينه كله، فتمسكوا بآخر دينكم، وأمروا إمامكم أن يهتم بصلاته ويعبأ بها، ويمكن ويستمكن إذا ركع أو سجد، فإني صليت خلفه فما استمكنت من ثلاث تسبيحات في الركوع و السجود، وذلك لعجلته لم يكن ولم يستمكن ولكنه بادر وعجل.
ويوجد أن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذن بعد النبي (ص) إلا يوما واحدا أذانا واحدا، وذلك بعد مرجعه من الشام، ولم يكن للناس عهد بأذانه
/52/ (2/53)
صفحة 481
حينا، فطلب إليه أبو بكر و أصحاب النبي عليه السلام فأذن، فلما سمع أهل المدينة صوت بلال، و ذكر النبي (ص) و طول عهد منهم بأذان بلال وصوته جدد ذلك في قلوبهم أمر النبي (ص) و ذكرهم وشوقهم أذان بلال إليه حتى قال بعضهم بعث النبي (ص)، شوقا منهم إلى رؤيته، و لما هيجهم بلال عليه بأذانه وصوته وجدد في قلوبهم من أمره (ص) فرقوا عند ذلك، وبكوا واشتد بكائهم، حتى خرجت العواتق من خدورهن وهن يبكين شوقا إلى النبي عليه السلام، حين سمعن صوت بلال وأذانه، وذكر النبي (ص)، ولما قال أشهد أن محمدا رسول الله امتنع من الأذان ولم يقدر عليه. وقال بعضهم سقط مغشيا عليه حبا للنبي وشوقا إليه (ص) ورحم الله بلالا.
وجاء عن عامر العقري، أنه كان يقال له عامر بن عبد قيس في حديث هذا بعضه، أنه قال: لئن تختلف الخناجر بين كتفي أحب إلي من أن أتفكر في شيء من أمر الدنيا و أنا في الصلاة.
ومن بعض كتب قومنا فيما أظن، واحذر أنت أن تكون في العلانية أحسن صلاة و تخشعا منك في السر، ولكن إن استطعت أن تكون إذا خلوت أطول صلاة، و أحسن تخشعا منك في العلانية فافعل، و لا حول ولا قوة إلا بالله. فافطن لهذا الباب وتفقد نفسك، فإنه يوشك أن لا يقدر على أن لا تستغيث، فإن الشيطان سيعرض لك، و يقول لك أكل هذا الدهر أنت على هذا، لا صبر لك عليه، فاتهمه على ذلك، فإنك لست كل الدهر حيا، ولا تدري متى تدعى فتجيب، فأحسن التخشع لله في صلاتك و أبعد عنك هم الدنيا و أقبل على ما ينفعك
/53/ (2/54)
صفحة 482
و أقل الالتفات في الصلاة فإنه من الشيطان، فإنك في مقام عظيم في مناجاة ملك عظيم بين يدي رب كريم، و تطلب أمرا عظيما، تناجي، و تسأله النجاة من النار، و تسأله ثواب الأبرار، و أي شيء أعظم من ذلك، فتفرغ له، ولا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم، ولا تؤثرن عليه شيئا، و أحسن الوضوء كما أمرك الله.
تم ما نسخ مما انتخبته من الكتابين اللذين عن قومنا، ولا يؤخذ بما فيهما حتى يعرض على المسلمين، إلا من أبصر عدل ذلك.
ورواية:
واعلم أن أول مخارج الإخلاص إذا عملت عملا صغيرا أو كبيرا. فريضة كان أو نافلة سريرة أو علانية، فنجاتك أن تحب أن لا يعلم بذلك أحد، و كذلك قال النبي عليه السلام: إن العبد ليسجد السجدة في أخفى موضع فتصعد بها الملائكة متباشرة، فيقال لهم، اقذفوا بذلك في أسفل سافلين، فيقولون: وعزتك ما رفعناه إلا خفيا، فيقول، صدقتم ولكني أنا أعلم به منكم، قام ليصلي وهو يحب أن يعلم الناس به.
وعن النبي (ص) قال: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمده أحد على العمل لله.
وعن رجل في الصلاة قال: لا إله إلا الله، أو سبحان الله والحمد لله، في غير موضع ذلك ما يلزمه؟ فإذا قال ذلك في صلاته في غير موضعه فقد قالوا: إن عليه بدل صلاته إلى التسبيح، فلا بدل عليه فيه، وقد قيل جائز ذلك، ولا تفسد به صلاته، و الأول أحب إلينا.
/54/ (2/55)
صفحة 483
قال موسى: من نعس في وقت الصلاة وذهب به النوم حتى فات وقتها قال يستغفر ربه ولا بأس عليه، و به قال سليمان بن عثمان، و قيل يصنع معروفا، و المعروف يطعم مسكينا أو مسكينين، أو يصوم يوما أو يومين، وقيل ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة مساكين.
وفي رجل كان في عمله أو امرأة وقد حضر الفجر وطلع، ولا يذهب ويتوضأ حتى أسفر، ثم ذهب إلى الماء وقد قصر، فكان في الوضوء، وشرقت الشمس، فقلت: ما يلزم من فعل هذا من الكفارة وغير ذلك؟ فإذا كان يرجوا أن يفرغ من ذلك الذي هو فيه وتوانى عن الصلاة في وقتها فهذا مفرط، وقد قيل في ذلك بالكفارة، وقيل، لا كفارة عليه، وقيل يصنع معروفا، صيام عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين فهذا حسن إنشاء الله.
ومن غيره ـــ قال ومن نام بعد ما يدخل وقت الصلاة، فلم يستيقظ حتى ذهب وقتها فإن عليه الكفارة. قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله وقد قيل: لا كفارة إلا أن ينام على أنه تارك الصلاة و لا يقوم يصلي، وهو أحب إلي، والله أعلم.
ومن نام قبل دخول وقت الصلاة فلم يستيقظ حتى يذهب وقتها فليس عليه كفارة.
و قال أبو سفيان: سمعت المعتمر بن عمارة، وكان من خيار من أدركته من المسلمين، يقول: ما لقي الله أحد ممن يقر بالإسلام بذنب أعظم من ترك صلاة متعمدا.
/55/ (2/56)
صفحة 484
ومن انتقضت صلاته فأحب أنه يصلي مكانه، وأحب أن يبدل الإقامة، قال محمد بن المسبح، إن لم يفعل فلا بأس.
قال أبو المؤثر: في امرأة توضأت لصلاة العتمة، فلما أرادت المصلى أخد ولدها سيفا، يريد قتالا، وقع في البلد. فأمسكته حتى سكن، ثم توجهت إلى المصلى فعاد ولدها يريد ذلك القتال، فتركت الصلاة حتى سكن، ونظرت فإذا الوقت قد فات.
قال: إن كانت فيها هي فيه من معالجة لم تحب فوات الوقت، وتظن أنها في الوقت فلا أرى عليها كفارة.
وعن أبي هريرة: لا تضع نعليك على يمينك في الصلاة، فتحول بينك وبين الملك، وضعها على يسارك.
فصل
في الأذان
و الأذان هو: إذن للناس بالصلاة، وقيل، إن بدء الأذان أن رجلا من أصحاب النبي (ص) سمع في نومه بالمدينة مناديا ينادي بهذا الأذان، فأعلم النبي (ص)، فقال له النبي (ص)،علمه بلالا، فكان ذلك بدء الأذان.
فمن صلى وحده لم يكن عليه أذان، و إن كان في سفر فيستحب له الأذان لصلاة الفجر، وإن لم يفعل فلا بأس.
/56/ (2/57)
صفحة 485
ومن غيره:
وسئل عن قوم في سفر، وهم قليل أو كثير، يجوز لهم أن يصلوا بغير أذان غير صلاة الفجر في السفر؟
ـــــ فإن أذنوا فذلك أحب إلي، و إن لم يؤذنوا فلا أرى عليهم بأسا.
وقلت: أرأيت لو تركوا أذان صلاة الفجر متعمدين؟ فقيل، عليهم النقض، و قيل، لا نقض عليهم، و به نأخذ.
ومن غيره:
قال هاشم، قال بشير: سألت الربيع، متى يكون الأذان لصلاة الغذاة؟ قال الربيع: على قدر ما ينتبه النائم الجنب، فيغسل و يدرك الصلاة مع القوم، وإن نسي شيئا من الأذان فلا إعادة عليه، و يكره له الكلام في الأذان، و أرجو ألا نقض عليه إن تكلم.
وقال بعض أهل الرأي: إنه يجب عليه الإعادة إذا تكلم، ولا يؤذن إلا وهو طاهر، فإن فعل فلا ينقض ذلك الصلاة، و كذلك إذا أذن بثوب غير طاهر فلا ينبغي له، ولا تنتقض الصلاة ولا الأذان بذلك، و يستحب أن يكون بين الأذان والإقامة قعدة، وقيل: بين الأذان والإقامة روضة من رياض الجنة، وقيل إن الأبواب تفتح عند إقام الصلاة. و ترجى إجابة الدعاء.
/57/ (2/58)
صفحة 486
وقيل: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
وجدت، اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام، المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة، فقيل: على ظاهره، وأن الله تعالى يحدث لهم طولا في أعناقهم، علامة لهم في المحشر و تخصيصا، وقيل: أطول الناس أعناقا، أي جماعات، وقد روي بعضهم، إعناقا، بكسر الهمزة، وهو ضرب من السير.
رجع ـــ ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول على قوله، وفي ذلك أحاديث و فضل عظيم.
تم الباب من كتاب أبي جابر ومن غيره.
وسألته: عن الرجل إذا لم يكن يؤذن في مسجد، هل له أن يؤذن في بيته، ويدعو بالصلاة في صلاة الفجر؟
قال: نعم، له ذلك، وقد أمر بذلك بعض الفقهاء.
وعن الدعاء بالصلاة بعد الأذان لصلاة الفجر، قلت: أهو سنة أم يؤمر به؟ فلا أعلم أنه سنة، ولكنه يؤمر به للفرق ما بين الأذان، لأن الصلوات كلها لا يجوز الأذان لها إلا في وقتها، إلا صلاة الفجر، وفي نسخة أخرى، لا يجوز الأذان.
/58/ (2/59)
صفحة 487
ومن غيره ـــ وقال من قال: إنه يجوز الأذان لصلاة الجمعة قبل وقتها حيث تلزم الجمعة، والله أعلم.
وسألت أبا سعيد، رحمه الله، عن الأذان، إذا قام المؤذن يؤذن استقبل به القبلة كله، وفي بعض ما قيل، إنه يستحب له أن يصفح بأول قوله: حي على الصلاة، يمينا، وحي على الفلاح شمالا، ومعنى أنه قيل يصفح بأول قوله: حي على الصلاة يمينا، ويستقبل بآخره القبلة وكذلك يصفح بأول قوله: حي على الفلاح شمالا، ويستقبل بآخره القبلة.
من غير الكتاب وزياداته ـــ
وعرفت أنا أنه يستقبل به كله القبلة.
رجع ـــ قلت: فيجوز له أن يدخل إصبعه في أذنه في الأذان والإقامة، أم ذلك لا يؤمر به؟ قال: أما في الأذان فاحسب أنه يؤمر به في بعض القول، و أما الإقامة فلا أحب ذلك، وترك ذلك في الإقامة أحب إلي، ويوجد ذلك عن الشيخ أبي الحسن، رحمه الله، في المؤذن، أنه يبالغ في ارتفاع صوته بما أمكن من ذلك.
ومن جوابه أيضا، رحمه الله، وذكرت فيمن يؤذن وقد طلع الصبح (واستبان ينظر فيه) له، أعليه بعد الأذان أن يحث، فعلى ما وصفت، فنحن نفعل، نحث بعد أذان طلوع الصبح، طلع عند الأذان أم لم يطلع، و نأمر بذلك، أذن في طلوع الفجر،
/59/ (2/60)
صفحة 488
أولم يؤذن إلا قبل طلوع الصبح فليحث عند طلوع الصبح، وأما يلزم ذلك محكوم به فلا يحكم عليه.
واتباع الآثار أولى، والله أعلم بالصواب.
من كتاب الضياء ـــ المنسوب إلى أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري: و الأذان، أن يكبر أربع مرات، كل مرتين في صوت، ثم يشهد أن لا إله إلا الله مرتين، كل مرة في صوت، ثم يشهد أن محمدا رسول الله مرتين، كل مرة في صوت، ثم يقول: حي على الصلاة مرتين، كل مرة في صوت،، ثم يقول: حي على الفلاح مرتين، كل مرة في صوت، ثم يقول: الله أكبر في صوت واحد، ثم يقول: لا إله إلا الله.
و يكره أن يقيم غير الذي أذن.
و سألته عن اليوم الذي لا ترى الشمس فيه من سحاب، هل لأهل المسجد أن يؤذنوا و يصلوا جماعة؟ وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم صلوا في غير الوقت أعادوا الصلاة جميعا؟ ـــ ليس للإمام أن يقطع برأيه دون مشاورة من حضر في المسجد من الناس، فإن لم يحضر أحدا تحرى هو في الصلاة، وأذن وصلى.
وقيل: إن بدء الأذان، أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن الحارث بن خزرج رأى في منامه الأذان، فجاء إلى النبي (ص)، وقال: يا رسول الله، إني طاف بي في هذه الليلة طائف، مر بي، وعليه ثوبان أخضران، فقلت له: يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال وما تصنع به؟ قلت: أجمع به الناس إلى الصلاة،
/60/ (2/61)
صفحة 489
قال لي: أفلا أدلك على خير من ذلك، فقلت: ما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، أربعا، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله، مرتين، حي على الصلاة، مرتين، حي على الفلاح، مرتين، قد قامت الصلاة، مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: فلما سمع النبي (ص)، قال: إنها رؤيا حق، إن شاء الله، فقم مع بلال، والقها إليه، فإنه أبدى منك، أي أحد صوتا منك.
فلما أذن بها بلال سمع ذلك عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه حتى صار إلى النبي (ص)، فقال: يا رسول الله، و الذي بعثك بالحق نبيا، لقد رأيت هذه الرؤيا بعينها، فقال النبي عليه السلام: الحمد لله على ذلك.
ومن غير الكتاب وزياداته:
وجدت أن الأذان الإعلام، وهو عند أصحابنا الأعلام، [وهو] سنة على الكفاية، إذا قام بها البعض سقط على من لم يقم بها.
واختلف الناس أيضا فيه، فقال بعض: هو فرض، وقال آخرون: هو سنة، وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية، وعنه (ص): ألا إن المؤذنين يحشرون يوم القيامة رقابهم كرقاب الظباء، وشعورهم من الزعفران، يفرحون بالإسلام، قالوا: أزدنا يا رسول الله، قال: ألا إن المؤذن إذا صفت قدماه للأذان صفت الملائكة أقدامها في أعنان السماء، فإذا قال: الله أكبر الله أكبر لم يبق ملك في السماء إلا قال: لبيك لبيك، داعي الله بالإيمان، و إذا قالها ثانية قالت الملائكة
/61/ (2/62)
صفحة 490
كبرت تكبيرا، و عظمت تعظيما، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال الله عز وجل: صدق عبدي: أنا الله الذي لا إله إلا أنا، وإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال الله عز وجل: رسول من رسلي، اختصصته لوحي لخلقي، وإذا قال: حي على الصلاة فقال: الصلاة تقام لذكري، وإذا قال: حي على الفلاح، قال الله: قد أفلح من اتبعها وواظب عليها.
وفي حديث لعمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (ص) يقول، اللهم اغفر للمؤذنين، قالها ثلاث مرات، وقيل عن النبي (ص)، لو علم المؤذنون فضل الأذان و فضل الصف الأول من الجماعة لتجالدوا عليه بالسيوف، قال عمر رضي الله عنه، تركتنا يا رسول الله نتجالد على الأذان بالسيف، قال: كلا يا عمر، سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم، وتلك اللحوم حرمها الله على النار، أعني لحوم المؤذنين.
وروى أبو عبد الله عن النبي (ص) قال، لو تعلم أمتي فضل الأذان لتجالدوا عليه بالسيوف، فقال من قال: تركت أمتك يا رسول الله يخافون أن يقتتلوا على الأذان قال: كلا. لا يكون مؤذنو أمتي إلا ضعفاءها.
ثم قال أبو عبد الله: قيل، لا تأكل الأرض النبيين ولا الشهداء ولا الأئمة العدل ولا المؤذنين، و يبعث المؤذنون يوم القيامة لهم أعناق، يعلون الناس، يشهد لهم من سمع أصواتهم من حجر ومدر وشجر وغيره.
/62/ (2/63)
صفحة 491
قيل: إن المؤذنين و الملبين يخرجون يوم القيامة، يلبي الملبي ويؤذن المؤذن، ويغفر الله للمؤذنين مد أصواتهم، ويشهد للملبي وللمؤذن كل من سمع صوته من شجر وحجر وبذر ورطب ويابس، ويكتب الله تعالى للمؤذن بكل إنسان يصلي في ذلك المسجد مثل حسناتهم، ولا ينقصون من حسناتهم شيئا، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة، كالمستحط بدمه في سبيل الله، بكل يوم يؤذن فيه مثل أجور خمسين شهيدا، وله مثل أجر القائم بالليل و الصائم بالنهار، و الحاج و المعتمر، و أجر جامع القرآن والفقه، وصلة الرحم، و أول ما يكسى يوم القيامة إبراهيم خليل الله، لخلته، ثم محمد (ص)، و النبيون والمرسلون، ثم يكسى المؤذنون يوم القيامة، ويحملون على نجائب من ياقوت أحمر، أزمتها من زمرد أخضر، ألين من الحرير، ورجلاها من الذهب الأحمر، حافته مكللة بالياقوت واللؤلؤ، عليها جبائر من السندس، ومن فوق السندس الإستبرق، ومن فوق الإستبرق حرير أخضر، وعلى كل واحد ثلاثة أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ في أعناقهم الذهب مكلل بالدر و الياقوت، وعليهم التيجان مكللة بالدر و الياقوت والزمرد و الزبرجد، نعالهم من الذهب و شراكها من الدر، ولنجائبهم أجنحة تضع خطوها مد نظرها على كل واحدة منها شاب أمرد جعد الرأس، له كسوة على ما اشتهت نفسه، حشوها المسك الأذفر، ولو تناثر منها مثقال دينار بالمشرق لوجد ريحه أهل المغرب، أبيض الجسم، أنور الوجه، أصفر الحلي، أخضر الثياب، يشيعهم سبعون ألفا من قبورهم إلى المحشر، يقولون، تعالوا ننظر إلى حساب بني آدم، وبني إبليس، كيف يحاسبهم ربهم، وبين
/63/ (2/64)
صفحة 492
أيديهم سبعون ألف حربة من نور البرق، فذلك قوله تعالى {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}.
قال أصحاب النبي (ص)، إذا قال المؤذنون الله أكبر قلنا مثله، و إذا قال حي على الصلاة قلنا ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم رب هذه الدعوة المستجاب لها دعوة الحق، وشهادة الحق، وكلمة الحق والتقوى، أحينا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من صالحي أهلها عملا، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله (ص) تسليما.
وكل ما أذن المؤذن فقل مثل قوله، وكذالك تتبعه إذا أقام، و في ذلك حديث مشهور، وفضل عظيم.
محمد بن المسبح، إذا قال المؤذن، حي على الصلاة، فقل، صلاة مفروضة، و سنة متبعة، وإذا قال، حي على الفلاح فقل، أفلح من أجابك. ولا يجوز للمؤذن أن يتكلم في أذانه، وإن تكلم أعاده.
عن موسى بن علي: ثلاث من الجفاء، ترك إتباع المؤذن، وترك مسح الجبهة من بعد الصلاة، ومسحها في الصلاة.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، من تكلم في أذانه نحب له أن يعيده.
قال هاشم: يقلب المؤذن وجهه ولا يقلب قدميه، ولا بأس أن يؤذن المؤذن على ظهر الدابة في السفر وإذا أذن العبد بإذن مولاه فلا نرى بذلك بأسا، و أذان
/64/ (2/65)
صفحة 493
العبد المكاتب جائز بإجماع الأمة، ولا تؤذن المرأة ولا تقيم ولا يؤذن الغلام حتى يحتلم، ولا بأس أن يؤذن المسافر للمقيم.
وإذا أذن يهودي لقوم أو أقام لهم، ثم صلوا فلا نقض عليهم، هكذا وجدت في بعض الآثار. مما سأل عنه الفضل بن الحواري أبا عبد الله محمد بن محبوب.
الأذان تنبيه للناس ليحضروا صلاة الجماعة في المسجد، وأما من صلى وحده فلا أذان عليه إلا أن يكون في سفر فيستحب له أن يؤذن في صلاة الفجر في المواضع المنقطعة التي لا أذان فيها، وإن نسي المؤذن شيئا من الأذان فلا إعادة عليه.
وقال هاشم: لو أن أهل مسجد أقاموا الصلاة وصلوا بغير أذان لم يكن عليهم بأس، إنما الأذان اجتماع الناس.
مسألة:
ويجوز أذان الأصم و الأعمى إذا كان مع الأعمى ثقة يعلمه بأوقات الصلاة، وقال الفضل: إذا سمعت مناديا للصلاة، وأنت لا تعرف فلا بأس أن تصلي، إلا أن يكون يعلم أنه يؤذن قبل الوقت.
قيل: إن أول من أذن، حي على خير العمل، أهل قباء، فقيل: يا رسول الله، إنهم أذنوا حي على خير العمل، فقال أجل، هي خير العمل، ولم يمنعهم من ذلك، فلما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، منع أصحابه أن يؤذنوا بها، فقال له علي ابن أبي طالب: لم منعتهم عن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن معنا جيشا من
/65/ (2/66)
صفحة 494
العجم، فإذا سمعوا حي خير العمل ظنوا أنها خير من الجهاد، فلم يجاهدوا جهادا كما يجب، فقال علي: نعم ما رأيت.
فصل
في حديث عمر، رحمه الله أنه قال لمؤذن بيت المقدس، إذا أذنت فترسل و إذا أقمت فأجزم، قال الأصمعي: الجزم في الإقامة قطع التطويل.
قال أبو محمد رحمه الله: معنى الله أكبر الله أكبر، هو التعظيم لله تبارك وتعالى والوصف بأنه الكبير، لا كبر جثة ولا شخص، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، قال المفسرون: المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله قال أبو محمد: إني أعلم، أنه لا إله إلا الله، لأن الشهادة لا تجب إلا بالعلم.
وقد قيل: يستحب للمؤذن و المقيم أن يذكرا الله بقلوبهما، و يحضرا الذكر عند قولهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وعند قولهما: أشهد أن محمدا رسول الله، إني أعلم أن محمدا رسول الله علما يقينا لاشك فيه. ومعنى قوله، لا إله إلا الله، أي لا ثاني معه، ولا أحدا يستحق العبادة سواه، ومعنى أشهد أن محمدا رسول الله أني أعلم أن رسالته صحيحة و أني لا أشك في ذلك، وأن ما جاء به من الله تعالى فهو الحق.
أبو عبيدة ـــ معنى شهد الله قضى الله، أنه لا إله إلا هو، وفي قولهم: أشهد أن محمدا رسول الله ثلاثة وجوه: المجتمع عليها، أشهد أن محمدا رسول الله، على
/66/ (2/67)
صفحة 495
معنى أقول إن محمدا، ولا يجوز أن يبدل من الألف إذا انكسرت عينا، إنما يفعل ذلك إذا انفتحت، فيجوز أشهد عن محمد رسول الله، بمعنى أن محمدا.
حي على الصلاة هو الحث على فعل الصلاة، أي أسرعوا وبادروا.
حي على الفلاح.
قال أبو محمد: الفلاح معناه في كلام العرب على وجوه، فمنهم من قال هو الحياة، ومنهم من قال: هو النجوة، ومنهم من قال: هو الظفر، ويحتمل غير هذه الوجوه، ووجدت أنه الظفر بالمراد.
قد قامت الصلاة، قال أبو محمد رحمه الله: هو إخبار عن وجوب القيام بها وإلى فعلها. وقيل: معنى قد قامت الصلاة، أي قد حضرت الصلاة ووقتها.
ومن غيره ـــ فإذا أذن المؤذن قل مثل قوله، و كذلك تتبعه إذا أقام، وفي ذلك حديث مشهور وفضل عظيم.
وقيل: إذا قال حي على الصلاة، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك إذا قال حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة قال: مرحبا بالقائلين عدلا، و بالصلاة مرحبا و أهلا و (يلحف ينظر فيه) على الله و يدعوه في تلك الساعة.
والأذان والإقامة بغير اللغة العربية غير جائز، لأن النبي (ص) أوجب الأذان بصفة مفهومة، فمن أتى بذلك على تلك الصفة خرج من العبادة، ومن عدا ما أمر به لم يجزه عما كلف إتيانه، لأن ألفاظ الأذان التي أوقفنا عليها النبي (ص) بالعربية لا بالفارسية، فمن زعم أن ترجمة الفارسية تقوم مقام العربية فعليه الدليل.
و قد قال الحسن و عطاء و الشعبي و شريح الأذان بغير العربية بدعة.
/67/ (2/68)
صفحة 496
فصل
في الإقامة
و الإقامة مثنى مثنى، ويستحب الجزم في الإقامة.
ومن غيره ـــ وسألت عن تفسير قول أهل العلم في أن التكبير مجزوم، أهو من طريق الإعراب أم من طريق المد؟ قال: معي أنه إنما يجزم من طريق المد، و أولى به الإعراب إلا فيما وقع عليه المكبر من آخر الكلمة فإنه أولى فيه الجزم عن الإعراب لاتفاق الأمة في القراءة، أن القارئ لا يعرب ما وقف عليه، ويعبر ما سواه، قلت له: فإن قال القائل، إن المعنى في طريق الإعراب أنه لا يعرب ما الحجة عليه؟
قال: يقول، إنه دخل في معنى الدين والصلاة من الدين، و لأن الدين نزل أصله وتفسيره بلسان عربي على لسان نبي الله (ص)، فجميع أحكامه خارج في أحكام العربية إلا ما خصه الله، والصلاة هي من أوثق عرى الدين، ولا تجوز إلا بالتكبير، كذالك ثبتت السنة فعلا و أمرا.
ومما يدل على هذا، ويقوي معناه قول المسلمين من أهل العلم منهم، يستحب من تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الصلاة على الجنازة، و تكبيرة صلاة العيدين، ليسمع الناس بذلك، ويجزم ما وراء ذلك من التكبير، وهذا هو المعنى الموجود من شبهه، و به الاستغناء عما سواه إن الجزم لم يكن هاهنا إلا عن الإعراب.
قلت له: و الأذان هو عندك كغيره من التكبير أم يختلف فيه، أعني في مده وجزمه؟
/68/ (2/69)
صفحة 497
قال: عندي، أن التكبير كله و الأذان والإقامة مجزوم، ولا أعلم فيه اختلافا، و إنما قيل يجزم ويرفع الصوت في الأذان، فتأولها بعض من لا يعرف المعنى في ذلك، وأخطأ بتأويله الأصل المؤثر عن أهل العلم، أن جزمه هو ألا يعرف، و ليس كذلك، بل الأصل المعروف الذي جاء به الأثر من قول أهل البصرة، أن الجزم هو الجزم بغير مد، مع ثبوت الإعراب فيه، وليس من حق الصلاة أن تؤدى بلحن الكلام الذي يقال فيها، بل كلما قدر على شيء من تشريفها و تعظيمها لم يجب التقصير دونه إلا من عذر عندي، والله أعلم.
والدليل على ذلك أيضا قول النبي (ص) أنه قال: يؤذن لهم أفصحهم، مع ثبوت الأذان عنه يوما، ولا تقوم الفصاحة إلا بالإعراب في معنى الاتفاق. ولا أعلم في ذلك اختلافا، أن الفصيح لا يكون إلا معربا.
رجع ـــ
وقيل: إن أول من أفرد الإقامة معاوية، لأنه كان يطول عليه القعود على المنبر، ومن نسي شيئا من الإقامة حتى صلى فلا نقض عليه، و إن ذكر ما نسي منها قبل أن يصلي أعاده وحده، ومن تكلم في الإقامة فأحب أن يعيدها، و إن صلى فلا نقض عليه.
وقال من قال من أهل الرأي: من جاء إلى الصلاة وقد سلم الإمام ولم تنتقض الصفوف اكتفى بإقامتهم: وقال من قال: ما لم يدخل في صلاتهم فيقيم هو لصلاته، وذلك أحب إلي.
/69/ (2/70)
صفحة 498
وقيل عن بعض أهل الفقه: من ترك الإقامة متعمدا وصلى فلا نقض عليه، و قال من قال، بل عليه بدل تلك الصلاة، و هذا الرأي أحب إلي.
وفي نسخة ـــ قال أبو عبد الله: لا نقض عليه. وأما من نسي الإقامة كلها حتى أحرم للصلاة و دخل فيها فلا نقض عليه. وفي نسخة ـــ قال أبو المؤثر: إذا كان في الصلاة فعليه النقض.
ومن غيره ـــ حفظ أبو زياد عن من حفظ له عن أبي هاشم الخرساني، أنه من نسي الإقامة في الصلاة حتى صلى أعاد صلاته، وإن نسيها وهو في الحضر حتى صلى لم يعد.
قال أبو المؤثر: حفظ هذه المسألة عن محمد بن محبوب، رحمه الله، و قيل: إن من أنصت إلى استماع الإقامة من المؤذن وصلى بها في منزله أجزأه، ويكره الكلام بعد الإقامة إلا بذكر الله، ومن تكلم فلا فساد عليه، و يقيم المقيم مستقبل القبلة، فإذا أدبر بالقبلة فلا نقض عليه في ذلك، ولا ينبغي له إلا من عذر، ولا نقض على من صلى بإقامة المقيم وهو على غير وضوء، يعني المقيم للصلاة، ومن أقيمت الصلاة وهو قائم فيؤمر أن يكون قائما حتى يدخل في الصلاة، و إن قعد فلا بأس. وإذا قال المقيم، قد قامت الصلاة و الإمام حاضر فليقم الناس وليصفوا، وإن كان الإمام غير حاضر فلا يقومون حتى يقوم الإمام.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
/70/ (2/71)
صفحة 499
ومن غيره ـــ من قول الله تعالى {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا} قال، القيام في الصلاة، ومن هاهنا، قيل إن الإقامة في الصلاة فريضة.
ـــ من غير الكتاب و زياداته ـــ
و سألت: هل يؤذن رجل و يقيم؟ قال: نعم، إذا احتاجوا إلى ذلك و لا يتخذونه عادة.
وعن رجل نسي الإقامة، هل عليه بدل؟ قال: إن كان في برية أبدل، و إن كان في القرية فلا بدل عليه.
و عرفت أنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان، أن الإقامة تكون ترسلا، قلت ما معنى الترسل؟
قال: يقول، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فعلى هذا يعرب الأول ويقف عن الثاني.
مسألة:
ومن انتقضت صلاته و أراد أن يصلي مكانه فأحب أن يبدل الإقامة، ولا بأس إن أقام وهو يمشي يريد الصف، و أرخص ما قيل: تجزيه إقامتهم ما لم يخرجوا من المسجد. و أما أنا فأرى على كل حال، إذا دخل يريد الصلاة، وقد سلم الإمام أن يقيم ولو لم تنتقض الصفوف، لأنه ليس من صلاة القوم في شيء، و إنما يرجع إلى صلاة نفسه، وإذا أقيمت الصلاة قطع من في المسجد صلاته، لقول
/71/ (2/72)
صفحة 500
النبي (ص)، إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، و الذي عندي والله أعلم، أن إقامتها تكبيرة الإحرام.
و قال أبو صفرة: إنه يحفظ عن أبي سفيان، أن من تكلم في الإقامة، أنه يعيد الإقامة، ومن أقام الصلاة وهو على غير وضوء و أنت تعلم به فعليك إعلامه ذلك، وإن صليت جازت صلاتك، وليس على المرأة إقامة وتؤمر أن تقول، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشد أن محمدا رسول الله، ثم توجه الصلاة.
قال غيره:
وقد قيل: يقول بعد هذا، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره، فإذا أذن المؤذن قال مثل قوله: و كذلك يتبعه إذا أقام ـــ و في نسخة ـــ في ذلك حديث مشهور و فضل عظيم، و قيل، يقول إذا قال: حي على الصلاة حي على الصلاة، لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك إذا قال، حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة، قال: مرحبا بالقائلين عدلا، و بالصلاة مرحبا و أهلا، و يحلف على الله و يدعوه في تلك الساعة.
/72/ (2/73)
صفحة 501
فصل
في التوجيه
و أول الصلاة بعد الإقامة التوجيه، و توجيه النبي (ص) هو التوجيه الأول إلى، ولا إله غيرك، وقيل، من تركه عمدا فعليه النقض، و الباقي توجيه إبراهيم عليه السلام، ولا نقض على من تركه، و المأمور به أن يوجه به كله، و إن نسي التوجيه جميعا حتى دخل في الصلاة فلا نقض عليه ولا يرجع إليه.
وقال بعض أهل الرأي: لو ترك التوجيه كله متعمدا فلا نقض عليه، و الرأي الأول أحب إلي، أن النقض على من ترك التوجيه كله متعمدا، ولا نقض عليه في النسيان.
وبلغنا عن الأزهر بن علي أنه قال: إذا جئت و خفت أن يسبقني الإمام بالصلاة قلت: سبحان الله وبحمده. ثم أحرمت، لقول الله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} وقال: من خاف الفوت في الجماعة يبدأ بالتوجيه إذا دخل المسجد، وقال من قال: إذا عرف مكانه من الصف.
والتوجيه، هو سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، وبلغنا من طريق ابن مسعود وعائشة أن النبي (ص) إذا قام إلى الصلاة قال هذا، واختار أصحابنا أن ضموا إلى هذا التوجيه توجيه إبراهيم عليه السلام، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، ولعلهم اقتدوا في ذلك ببعض الصحابة و التابعين.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
/73/ (2/74)
صفحة 502
ومن غيره ـــ حفظنا عن أبي سعيد أنه قال: يوجد في بعض آثار أصحابنا القديمة أنه كان بعضهم لا يقول، جل ثناؤك، قال، فشرع بعض أهل هذا الزمان إلى ترك هذا الحرف بغير نظر إلى ما وجد في الأثر، ولعل ذلك من قلة النظر، واللفظ يختلف، و أرجوا أن هذا المعنى.
ومن غيره ـــ وقلت، ما معنى جل ثناؤك؟ فالمعنى قوله في ذلك، أنه جل على جميع الأشياء، بقدرته و عظمته وملكه وسلطانه، وكذلك الثناء عليه، كذلك جل على جميع الأشياء على جميع خلقه، قلت، وكذلك، وتعالى جدك. قيل، الجد هاهنا العظمة.
ومن غيره، بعض يقول في التوجيه، سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك.
ومن غير الكتاب وزياداته ـــ التوجيه من سنن الصلاة. وهو قبل الدخول في الصلاة، وقال قوم، فرض، وقال أبو الحسن، التوجيه سنة مؤكدة، و أجمع الناس عليها، واختلفوا فيه من وجه آخر، فقال قوم، هو بعد الإحرام، وقال قوم، قبل الإحرام، وهو المعمول به عندنا.
تفسير التوجيه:
قال أبو محمد رحمه الله: سبحانك اللهم، أي سبحانك يا ألله، و سبحان هو تنزيه له جل ذكره عما لا يليق به من الصفات القبيحة، ومعنى، وبحمدك أي و أحمدك، كأنه يقول، سبحانك يا ألله و أحمدك أنه لا يستحق أحد الحمد على الحقيقة إلا الله، لأنه المنعم على عباده بغير استحقاق، ومعنى تبارك اسمك،
/74/ (2/75)
صفحة 503
من البركة، لأن اسم الله بركة من ذكره، ومعنى تعالى جدك، من الارتفاع و العلو، الأصل فيه، أنه تعالى علا فتعالى، وهو ارتفاع القدر والمنزلة، لا من طريق العلو، ومعنى جدك هو العظمة.
و قال أبو مالك رحمه الله، الحمد هو الشأن في هذا الموضع، ومعنى وجهت وجهي، أي قصدت بوجهي وذهبت به نحو الموضع الذي أمرني به ربي، الذي فطر السموات والأرض حنيفا مستقيما، وما أنا من المشركين، ما أنا من أهل الزيغ والاعوجاج عن الحق.
مسألة:
قال أبو عبد الله رحمه الله: اختلف فيمن يدخل في الصلاة، أو يصلي ونسي التوجيه، فقال قوم: لا إعادة عليه، قال: و أما أنا فأعيد، لأني أراه فريضة، لقول الله تعالى {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} وقال قوم: من وجه توجيه النبي (ص) وحده جاز، فإن تعمد لترك توجيه إبراهيم عليه السلام فلا إعادة عليه.
وعن أبي محمد رحمه الله، إن من أحرم ولم يوجه وصلى جاز ذلك له، و إن قالت المرأة في التوجيه، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفة، فقد يوجد عن أبي إبراهيم، أنه قال: من قال، جائز.
/75/ (2/76)
صفحة 504
رجع إلى كتاب أبي جابر:
مسألة:
وعن عزان بن الصقر: من وجه، ثم تكلم، ثم أحرم وصلى فلا بأس عليه.
فصل
في تكبيرة الإحرام
وعن النبي (ص) أنه قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، و تحليلها التسليم، يعني إذا كبر فقد دخل في الصلاة، والتسليم إذن للناس، أي قد انصرفت.
وقال: المسلمون يستحبون جزم التكبير في الصلاة إلا أنه قد قال من قال، إنه يمد تكبيرة الإحرام وحدها، وقال من قال، الجزم في تكبيرة الإحرام و سائر التكبير أحب إلينا، و أنا أقول، أن يمد تكبيرة الإحرام، و تكبيرة العيد، وتكبيرة الجنازة، ليعلم من خلفه. و تكبيرة الإحرام فمن تركها ناسيا أو متعمدا فصلاته فاسدة، ومن يكبرها قبل أن يكبر الإمام فصلاته فاسدة، و (تمد ينظر فيه) قيل: من كان خلف الإمام ولم يسمع إذا كبر فلا يكبر تكبيرة الإحرام حتى يركع الإمام. ومن غيره ـــ قال أبو عبد الله، رحمه الله، من لم يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام تجزئ بالناس إلا الأصم والأعجم، يعني، تجزئ إذا سمع من خلف الإمام كبر تكبيرة الإحرام، أو عرف ذلك ممن خلف الإمام كبر هو تكبيرة الإحرام.
/76/ (2/77)
صفحة 505
ومن كتاب الضياء المنسوب إلى أبي المنذر، سلمة بن مسلم ـــ.
قال أبو محمد، رحمه الله: الأصم الذي لا يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام في بعض قول أصحابنا أنه يتهجس الناس. فإذا غلب على رأيه أنهم قد أحرموا أحرم. وقال بعضهم: يوافق إنسانا يحركه، إذا أحرم الإمام، ليستدل على إحرام الإمام.
قال غيره: يعجبني أن يحركه قبل أن يحرمها جميعا، والله أعلم.
رجع ـــ وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، فيمن أحرم للصلاة، فقال، الله أجل، أو الله أعظم، مكان، الله أكبر، قال: أخاف عليه النقض، لأنه خالف السنة، وسواء ذلك متعمدا أو ناسيا.
ـــ تم الباب من كتاب أبي جابر ـــ.
ومن غيره: يوجد في بعض الكتب من آثار أصحابنا، أنه لا نقض عليه في إحرامه، لقوله، الله أجل، والله أعظم، ولا يعود لمثل ذلك.
وسئل عن من كان يحرم قبل التوجيه جاهلا هل عليه بدل؟ قال: عندي، أنه يختلف في ذلك، فقيل، عليه البدل، وقيل، لا بدل عليه، لأن بعضا ينزل الجاهل منزلة النسيان و الخطأ في جميع ما أخطأ به في الصلاة و هذا لو نسي حتى أحرم قبل التوجيه لم يكن عليه.
و سألته عن تكبيرة الإحرام إذا لم يسمع الرجل أذنيه في جميع الصلوات بالليل و النهار قال: لا بأس. و إن أسمعها فهو أحب إلينا.
/77/ (2/78)
صفحة 506
سألت هاشما عن الرجل إذا لم يسمع نفسه تكبيرة الإحرام؟ قال: لا بأس إذا كبر وإن أسمع نفسه فلا بأس. ومن غيره ـــ اختلف أصحابنا فيمن شك في حد من الصلاة وقد جاوزه إلى غيره، فقال بعضهم، لا يرجع إلى حد قد خرج منه بالشك، ويمضي على صلاته، و قال آخرون، إذا شك في تكبيرة الإحرام، وهو في التحيات الآخرة فعليه أن يبتدئ الصلاة على بعض القول، ولا يخرج منها إلا بيقين من أدائها.
ومن غيره ـــ قال وضاح: في رجل صلى بقوم فنسي أن يجهر بتكبيرة الإحرام؟ فقال: إن كان القوم كبروا من خلفه فأرجوا ألا يكون عليهم نقض.
ومن غيره ـــ وعن من شك في تكبيرة الإحرام من بعدما دخل في الاستعاذة فمضى على صلاته ولم يرجع يحرم؟ قال: يمضي على صلاته. و صلاته تامة.
قال: وقد سألت محمد بن محبوب، رحمه الله، فيمن شك في تكبيرة الإحرام وهو في الاستعاذة؟ قال: فإن رجع فموضعه قريب، و إن مضى فصلاته تامة.
ومن غيره ـــ و سألته عن من نسي تكبيرة الإحرام؟ قال: عليه النقض، قلت: فإن شك فيها؟ قال: إذا جاوزها في القراءة مضى على صلاته، ولا نقض عليه.
ومن غيره ـــ قال: نعم، وذلك، أن القراءة حد، وتكبيرة الإحرام حد، فإذا جاوز الحد إلى حد غيره ثم شك في ذلك الحد أو في شيء منه فليس له
/78/ (2/79)
صفحة 507
أن يرجع إليه على الشك، ولا عليه ذلك، فإن رجع على الشك؟ قال من قال: إنه تفسد صلاته،
و قال قوم: إذا رجع وهو يظن أن ذلك جائز له، واحتاط في صلاته فلا إعادة عليه في هذا.
وقيل: إن شك وهو في الاستعاذة، وهو ممن يستعيذ بعد التكبيرة، فإن رجع إلى الإحرام فلا بأس. وإن كان ممن يستعيذ قبل التكبيرة فعليه الإحرام إذا شك في الإحرام وهو في الاستعاذة.
ومنه ـــ قلت: فأن ترك تكبيرة من تكبير الصلاة عامدا غير تكبيرة الإحرام؟ قال: عليه النقض.
ـــ ومن غيره ـــ قال: وقد قيل، إنها سنة، ومن نسيها أعاد صلاته.
ـــ قال غيره ـــ معي أنه قد قيل، لا إعادة عليه ولو تركها عامدا.
وسألت عزان بن الصقر، رحمه الله، عن رجل قام إلى الصلاة فوجه و أحرم، واستعاذ وقرأ، ثم شك في التوجيه أنه لم يتمه فرجع، فأتم التوجيه وأحرم، ولم تكن له نية أن يهمل الإحرام الأول، و إنما كانت نيته في الإحرام الآخر تثبيتا قال: صلاته تامة، ولا نقض عليه.
قال أبو المؤثر: ولو كبر الرجل الإحرام ثلاثا عامدا أو أكثر، كانت تكبيرة الإحرام آخرهن، ولا يلزمه النقض في صلاته.
قال غيره ـــ قال، وقد قيل، إنه كان رجع إلى التكبير تكبيرة الإحرام على التثبت لها و الشك فتكبيرته هي الأولى، و إن كان كبر ثانية أو ثالثة على أنه مهمل لما كبر فإحرامه الآخر منهن.
/79/ (2/80)
صفحة 508
ـــ ومن غير الكتاب وزياداته ـــ
ومن صلى سنتين بغير إحرام فعليه بدل تلك الصلوات كلها، فإن لم يعرف العدد احتاط، وكفارة واحدة تجزيه مع التوبة بجهالته.
ومن صلى بقوم فأحرم سرا في نفسه، فأرى أن يجهر لهم بالإحرام، و يستأنف الصلاة.
وقال أبو عبد الله: من كبر تكبيرة الإحرام، وهو قاعد مع الإمام، أنه لا تجزيه حتى يرجع، فيكبرها وهو قائم، وعنه، فيمن أحرم خلف الإمام، ثم سكت مستمعا للقراءة و الإمام في فاتحة الكتاب بعد، ثم شك هذا في تكبيرة الإحرام؟ قال: فإذا كان مستمعا فلا يرجع.
وقال أبو إبراهيم: ومن بلي بالشك فرجع ينتقض، فقد سمعت بأنه يرجع ويحرم، ولم أسمع أنه يرجع إلى الإقامة.
وحفظت في الرجل، أنه يوجه وهو قاعد، فإذا أراد الإحرام قام و أحرم، أنه يجوز من علة أو ضعف.
مسألة:
قال أبو محمد ـــ رحمه الله ـــ ومن سها عن تكبيرة الافتتاح أعاد الصلاة من أولها، لأنه لم يدخل فيها، ومن شك ولم يدر أكبرها أو لم يكبرها، فالأصل أنه لم يأت بها فلا يخرج من فرضها إلا بيقين.
/80/ (2/81)
صفحة 509
ـــ رجع إلى كتاب أبي جابر ـــ
وكذلك إن ترك تكبيرة من تكبير الصلاة عمدا فعليه النقض، وإن تركها ناسيا، ثم ذكرها في الصلاة كبرها حيث ذكرها، فإن لم يفعل فلا بأس، وإن نسي حتى تتم الصلاة فلا نقض عليه، و كذلك لا نقض فيما نسي من التكبير حتى ينسى أكثر من نصف تكبير الصلاة ولو تكبيرة واحدة، فإذا نسي ذلك فعليه النقض، و أما تكبيرة الإحرام فمن تركها ناسيا أو متعمدا فعليه النقض.
وقال أنس بن مالك و مكحول في معنى قول الله تعالى {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}.قالا: تكبيرة الإحرام.
فصل
في الاستعاذة
ثم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قال من قال، قبل تكبيرة الإحرام، وقال من قال، بعد تكبيرة الإحرام وكيفما فعل فقد أصاب الصواب.
ومن نسي الاستعاذة وصلى فصلاته تامة.
/81/ (2/82)
صفحة 510
ـــ ومن غيره ـــ
وعن الاستعاذة سنة أو فريضة، ومن لم يستعذ تنقض صلاته أم لا؟ وإن نسيها ثم ذكرها وقد تعداها، هل عليه أن يستعيذ إذا ذكر، وإن لم يستعذ، هل تنتقض صلاته؟
فقد قيل: إنها فريضة، وقيل، إنها سنة، ومن تركها عامدا فقد اختلف فيه، فقال من قال، تتم صلاته، وقال من قال: لا تتم، وقولنا، لا تتم، ومن تركها ناسيا فقد اختلف فيه، ونحب نحن أن تتم صلاته، فإذا نسيها حتى ذكرها في بعض صلاته فقد قيل: ليس عليه أن يقولها في صلاته بعد أن جاوزها، وقيل، إنه يقولها إذا ذكرها حيثما كان في صلاته، وقيل، إلا أن يكون راكعا أو ساجدا، ونحب له، إن كان بقي عليه شيء من القراءة تركها إلى موضع القراءة، ثم استعاذ عند القراءة، وإن استعاذ من حين ما ذكرها جاز له ذلك إلا أن يكون راكعا أو ساجدا، و إذا فعل ذلك فهو جائز إن شاء الله. ومن لم يقلها جاز له ذلك إذا كان أصل ذلك على النسيان.
والذي يقول إنها تفسد الصلاة بالنسيان، فإذا نسيها حتى يقرأ فإن ذكرها وهو في القراءة رجع فاستعاذ ثم قرأ، فإن نسي حتى يركع فسدت صلاته.
رجع ـــ
ويستعيذ حيث ذكر من الصلاة، ويسر الاستعاذة في كل الصلوات.
ـــ ومن غيره ـــ وسألته عن الاستعاذة، أيسمع الرجل أذنيه في صلاة يجهر فيها بالقراءة؟ قال: لا، فإن أسمعها فلا تفسد صلاته.
/82/ (2/83)
صفحة 511
قال أبو عبد الله: يحرم، ثم يستعيذ، لقول الله تبارك وتعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}.
قلت: والرجل يستعيذ، يقول، أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، قال: لا بأس.
قلتك فإن قال: أستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، قال: لا بأس.
قلت: فإن قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال: نعم، كذلك أنا أستعيذ.
رجع ـــ
وعن أبي علي موسى بن علي رحمه الله، قال: من نسي الاستعاذة وصلى، فصلاته تامة، فإن تركها متعمدا فسدت صلاته.
قال غيره: معي أنه قد قيل، من ترك الاستعاذة ناسيا أو متعمدا فلا نقض عليه، وقيل، عليه النقض في العمد، ولا نقض عليه في النسيان، وقيل، عليه النقض في العمد والنسيان، وقيل كذلك في التوجيه.
رجع ـــ ومن جهر بها ناسيا فصلاته تامة، ومن جهر بها متعمدا فصلاته فاسدة، وصلاة من صلى خلفه، وكذلك عن محمد بن محبوب، رحمه الله.
/83/ (2/84)
صفحة 512
من غير الكتاب وزياداته ـــ
وجدت: اختلف الناس في الاستعاذة، فروي عن ابن عمر أنه قال، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وقيل، غير ذلك.
واختلفوا في الاستعاذة، فقال قوم: يستعيذ في أول ركعة و يجزيه، وبذلك (نقول ينظر فيه)، وقال قوم: يستعيذ في كل ركعة، وكان بعضهم لا يرى خلف الإمام تعويذا.
وعن ابن محبوب في المتطوع كلما سلم وقام وكبر واستعاذ، قال، وأما نحن فنستعيذ كذلك، و أما غيرنا فيجتزئ بالأولى.
قال عبد الله بن عجلان المقرى، المعروف بالريحاني، قرأت على سبعة، أعوذ بالسميع العليم، وكلهم يقولون لي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فيهم عبد الله ابن مسعود فقال لي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقال لي، هكذا قرأت على رسول الله (ص)، فقال لي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال قرأت على جبريل، عليه السلام، أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال جبيرل، قرأت على ميكائيل أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال، هكذا قرأت من اللوح المحفوظ.
/84/ (2/85)
صفحة 513
فصل
في القراءة
وقال الله تعالى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ}. ففرض ذلك، وأمر بالقراءة، فهي فرض في الصلاة، ولم يؤقت في شيء محدود.
وقال الله تعالى {وَلَقَدَ اتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ} هي فاتحة الكتاب، تثنى في كل ركعة من الصلاة، والإجماع على ذلك من الأمة.
وروي عن النبي (ص) أنه قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب للإمام و المأموم، ومن لحن في الصلاة فتحا من لحنين في الحمد فلا بأس، إذا جعل العالمين بكسر اللام ليسه لحنا ينقض الصلاة، وأنعمت أنعمت بضم التاء ن وجعل آية أهل الجنة لأهل النار، وجعل آية أهل النار لأهل الجنة، فإذا فعل هذا فلا صلاة له و يؤمر المصلي أن يظهر الضاد من الضالين، لأن حرف الضاد تخص به العربية دون غيرها، ومن لم يعرف القراءة العربية سبح مكانها ثلاثا موضع القراءة، وإن عرف من فاتحة الكتاب كلمة أو آية قرأها في موضع القراءة، وسبح ثلاثا، وإن عرف منها ثلاث آيات بالعربية، ولو لم يعلم رجل من القرآن إلا ثلاث آيات، ثم رددهن في الصلاة كانت صلاته تامة.
/85/ (2/86)
صفحة 514
وعن غيره ـــ ورجل يصلي بقوم، فقرأ ({إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}).قال: قد قيل، لا بأس بالزيادة والنقصان في القرآن. قلت له، قرأ أيضا { ... الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}. قال: لا بأس.
ومن غيره ـــ قيل متى قرأ يدعو اليتيم، أعاد صلاته، لأنه بدل المعنى.
ومن غيره ـــ وعن أبي سعيد (3) محمد بن سعيد ــــ رحمه الله ـــ وسألته عن الذي يجهر في الصلاة بما تيسر فيها لشك يعنيه، هل له ذلك؟
قال: هكذا عندي، أنه قد أجيز له ذلك.
قلت: فلو نسي حتى جهر بما يسر فيه القراءة، هل عليه أن يستأنف القراءة بالسر؟ قال: ليس عليه ذلك عندي في بعض القول، وفي بعض القول، تفسد صلاتهم ولا تفسد صلاته، وفي بعض القول، صلاتهم جميعا تامة، وقد خالف السنة إذا أتى بالعمد.
قلت له، أرأيت المصلي إذا جهر بما يسر فيه من القراءة متعمدا، مثل التحيات ونحوها.
قال عندي: يختلف في نقض الصلاة، و قال من قال: لا نقض عليه، و قد خالف السنة على بعض ما يوجد، وأكثر قولهم أن ينقض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذا في الأصل، و المعروف أن كنيته أبو إبراهيم، وهو الشيخ محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي، من العلماء الأجلاء.
/86/ (2/87)
صفحة 515
قلت: فما حد الجهر الذي يكون جهرا؟ قال: عندي أنه في بعض القول، إذا سمع أذنيه فقد جهر، وفي بعض القول، حتى يسمعه من صلى خلفه إذا كان إماما.
قلت له: وعلى قول من يقول، إذا أسمع أذنيه فقد جهر، فيجزي ذلك من يأتم به ولم يسمعوا قراءته؟ قال: هكذا يخرج قوله، لأن الإمام قد يجهر ولا يسمع من خلفه كلهم، وصلاتهم تامة على ذلك، فإذا ثبت على أنه تتم صلاة المأمومين ولو لم يسمعوا (قراءتهم ينظر فيه) لبعدهم منه ثبت وحسن [وإن] لم يسمعه أحد إذا اعتقد، فقد أتى بالعمل على السنة.
قلت: فلو جهر الإمام متعمدا بما يسر فيه، هل تفسد صلاة من صلى خلفه؟ قال: هكذا عندي.
قال غيره ـــ وقد وجدنا عن أبي سعيد قال: وأما إذا جهر الإمام ناسيا في موضع السر، فمعنى أنه قيل يجزيه ذلك عن السر، وأرجوا أنه قيل، لا يجزئ الجهر عن السر، وعليه أن يعيد ذلك، ولا يجزيه السر ناسيا في موضع الجهر، وعليه الإعادة، وقيل يجزيه ذلك كله، السر عن الجهر، والجهر عن السر ناسيا.
وأرجوا أنه قيل، لا يجزي الجهر عن السر، لأن في ذلك خلافا للسنة، و لعل هذا (شاذ ينظر فيه) من القول، وكذلك في جميع ما يكون من أمر الصلاة في مواضع السر، والجهر من التكبير وغيره من أمور الصلاة، وبسم الله الرحمان الرحيم يجهر بها في كل صلاة يجهر بالقراءة فيها، و تقرأ سرا فيما لا جهر فيه.
/87/ (2/88)
صفحة 516
وعن محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ أنه من ترك قراءة، بسم الله الرحمان الرحيم لا نقض عليه إذا كان ناسيا، ولا يجوز أن يجهر بالقراءة في صلاة يسر فيها بالقراءة ولا يسر القراءة في صلاة يجهر بها،
ومن تعمد لذلك انتقضت صلاته، وصلاة من صلى خلفه.
ومن غيره ـــ قال: وقد قيل إن فعل ذلك عامدا أو ناسيا فصلاته تامة، وإن فعل ذلك متعمدا فصلاة من صلى خلفه فاسدة، وإن فعل ذلك ناسيا فصلاته وصلاة من صلى خلفه تامة، وقال من قال، إن فعل ذلك ناسيا أو متعمدا فسدت صلاته لأنه خالف السنة.
رجع ـــ
ومن نسي ذلك فأخاف عليه النقض إذا نسي حتى يجهر بالقراءة في الصلاة كلها، وإن نسي في ركعة جهر بها فلا بأس. وإن نسي فأسر القراءة فيها فيه الجهر، فإن ذكر قبل أن يسجد فيرجع يبتدئ قراءة الحمد يجهر بها و بالسورة، و إن سجد فسدت صلاته، ويبتدئ الصلاة.
ومن نسي فقرأ سورة مع فاتحة الكتاب في صلاة النهار فلا بأس، وإن تعمد فقد قيل صلاته تنتقض.
ومن غيره ـــ قال أبو عبد الله: لا نقض عليه وقد أساء.
/88/ (2/89)
صفحة 517
ومن غيره ـــ وسئل عن بسم الله الرحمان الرحيم، قال: حدثني الزهري عن عبد الله بن عمر، أنه صلى خلف أبي بكر، رضي الله عنه، وقال: صليت خلف عمر، رحمه الله، حتى مات، وهو يقول، أقرؤها ولا أدعها حتى أموت.
قال غيره، الحديث المرفوع في الرواية، أن النبي (ص) قرأها حتى مات، وقرأها عمر حتى مات.
وسئل عنها ابن عباس قال، أوقد تركت، قال: إن أول ما اختلس الشيطان من بني إسرائيل بسم الله الرحمان الرحيم، وقد اختلسها منهم إبليس، لعنه الله، وقال: إن الله قد أمركم بها، إذ قال {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ}.وقال، {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وهي أكرم آية في القرآن، هن أربع آيات، من تركهن فقد ترك الكرم، ولا يتركهن إلا منافق.
قال غيره:
الذي معناه، أنهن الآيات التي في فاتحة الكتاب {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ (2) مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ}
/89/ (2/90)
صفحة 518
مسألة:
إن قال قائل: من أين وجب أن يقال، تقرأ في صلاة الظهر و العصر بفاتحة الكتاب، ولا تضاف إليها سورة أخرى قيل له، لأنا وجدنا كل صلاة يسر فيها الإمام القراءة فإنما عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب سواء، فلما أسر الإمام في صلاة الظهر و العصر وجب أن يقرأ بفاتحة الكتاب وحدها، قول الله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}.ورفع إلى بعض فقهاء زماننا فيها قولان أحدهما، لا يتركهما حيا، ولا يفعلها رياء، رفع القولين أبو بكر أحمد بن محمد بن محمد (1) المنحي، رعاه الله.
و اللحن في القراءة لا يفسد الصلاة، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لرجل، وقد كان يقرأ باللحن، اقرأ كما تعرف فإن الله يرفعه كما أنزله.
ولا يستحب أن يقرأ السورة الواحدة في الركعة الواحدة مرارا، ولا ذلك يستعمل فإن فعله فاعل فصلاته تامة.
وعن أبي علي في من صلى في بيته الفريضة وحده أنه يجهر في صلاة الفجر.
ومن نسي القراءة حتى ركع قال سليمان بن عثمان، يقوم فيقرأ ثم يركع، وهو قول الشيخ بشير، وقال موسى بن أبي جابر، يقوم فيقرأ ولا يركع لأنه قد ركع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الأصل المنجي، وصوابه الحاء نسبة إلى منح، وهو عالم فقيه من علماء عمان المشاهير.
/90/ (2/91)
صفحة 519
وقال المحبر بن محبوب رحمه الله: إذا صلى الرجل وحده صلاة المغرب فلا بأس أن يسمع أذنيه الاستعاذة و التوجيه و التشهد و التكبير، ولا ينبغي له أن يرفع صوته.
واختلف الناس في قول النبي (ص): لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب. فقالت طائفة: إنما خوطب بذلك من صلى وحده، و أما من صلى وراء الإمام فليس عليه قراءة، وقال قوم: قوله عليه الصلاة والسلام على العموم إلا ما يجهر فيه الإمام ويسمعه، فإنه لا يقرأ، لقول الله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا}.ولحديث النبي (ص) إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله: ومن ترك باسم الله الرحمن الرحيم ناسيا فلا نقض عليه، ومن نسيها في فاتحة الكتاب أول ما يبتدئ يقرأ فأحب أن يعيد إذا ذكره وقد جاوز حدا واحدا فإذا ذكر ولم يجاوز حدا ولم يصر إلى الثالث رجع قرأها، ثم ركع وسجد، ومن نسيها عند افتتاح السورة بعد فاتحة الكتاب
/91/ (2/92)
صفحة 520
فلا إعادة عليه، وفي الحديث (1): ما خافت بصلاته من أسمع أذنيه.
وقيل: لما نزلت {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}.في صلاة التطوع، لا في الفريضة، أجاز أبو معاوية للمصلي أن يسبح في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر، والركعة الثانية من المغرب، والركعتين الأخيرتين من العتمة عوضا من القراءة، قال: ويسبح ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أو تسعا، أو إحدى عشرة، يقول سبحان الله.
ومن غيره ـــفإن ترك القراءة و التسبيح في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر ناسيا أو متعمدا فلا فساد عليه.
أجمع أهل العلم، أن على الإمام قراءة فاتحة الكتاب، واختلفوا في المأموم بها، فقال بعض: لا يجزيه إلا قراءتها جهر أم خافت، وقال آخرون: لا يقرأ إذا جهر إمامه.
ومن غيره ـــ وقول: لا قراءة عليه خلف الإمام.
رجع ـــ ومن ترك قراءة فاتحة الكتاب حيث تلزم قراءتها ناسيا فلا نقض عليه حتى ينسى قراءة أكثرها، ثم عليه النقض، وإن ترك منها شيئا متعمدا فعليه النقض، ومن لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين من صلاة الظهر والعصر ولا يسبح، ناسيا أو متعمدا، فصلاته تامة. وكل صلاة فيها قراءة فلم يقرأ فيها مع فاتحة الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الأصل.
/92/ (2/93)
صفحة 521
شيئا من القرآن فهي منتقضة، وإن قرأ شيئا من القرآن، ولو آية مع فاتحة الكتاب، فلا أبصر عليه نقضا، ولا بأس إن قرأ السورتين و الثلاث في ركعة، و السورة في ركعتين، والذي يستحب أن يقرأ في (سورة ينظر فيه) الفجر من كبار سور المفصل، وفي العتمة من بعد ذلك، وفي صلاة المغرب من آخر سور المفصل.
ومن غير الكتاب وزياداته ـــ وعرفت أنا أن المفصل من سورة الحجرات، هكذا وجدت على ما أرجوا، والله أعلم.
رجع ـــ قال أبو الوليد، قال موسى بن علي، رحمهما الله، اقرأ في (سورة ينظر فيه) الغداة من أول المفصل إلى سورة الحاقة، واقرأ في صلاة العتمة من الحاقة إلى والليل إذا يغشى، وفي المغرب، من الضحى إلى آخر المفصل، وقد قرأ الناس في المغرب، سبح اسم ربك الأعلى، وليس عندنا في ذلك شيء محدود.
ومن غير الكتاب وزياداته ـــ وعرفت أنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان، رحمه الله أنه يستحب أن يقرأ في المغرب، قل يا أيها الكافرون.
رجع ـــ وكل ما قرأ من سور القرآن تمت به الصلاة كلها، ومن كان خلف الإمام فلا يقرأ إلا فاتحة الكتاب، ويستحب له أن يفرغ من قراءتها قبل أن يفرغ منها
/93/ (2/94)
صفحة 522
الإمام، ويستمع الإمام في القراءة، فإذا فرغ الإمام من قراءتها، ودخل في قراءة السورة فيمسك هو عن قراءتها، ويستمع القراءة، وإن قرأ فلا بأس، وذلك أحب إلى، وإن قرأ في صلاة النهار شيئا من فاتحة الكتاب خلف الإمام فركع الإمام فليركع معه، والله أعلم.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، فيمن لم يقرأ فاتحة الكتاب خلف الإمام في شيء من الصلاة لا نقض عليه. وأما غيره، فلا نرى ذلك، وعنه أيضا في موضع آخر، ويروى النقص على من ترك فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر و العصر، وبما يجهر فيه الإمام بالقراءة من الصلاة إذا ترك ذلك عمدا.
وعن أبي عبد الله، رحمه الله، أيضا، فيمن كان يقرأ فاتحة الكتاب خلف الإمام. ثم ركع الإمام، أنه يترك القراءة ويركع معه الركعتين الأوليين من صلاة الأولى والعصر، وقال من قال، وإن لم يقرأ فلا بأس عليه، و قال، من أخذ بقول من قال، من أدرك الركوع، فوجه و أحرم، وركع مع الإمام ولم يقرأ فقد أدرك الصلاة، وليس عليه بدل القراءة إذا سلم الإمام، فمن أخذ بها جاز له إذا أدركهم في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، ونحن ممن يبدل قراءة الفاتحة إذا أدرك الركوع مع الإمام ولم يدرك القراءة.
قال أبو عبد الله، رحمه الله: من لم يدرك قراءة آية كاملة في صلاة يجهر فيها بالقراءة فعليه بدل فاتحة الكتاب إذا سلم الإمام، فإن لم يفعل فعليه بدل تلك الصلاة.
قلت: وعليه بدل القراءة ولو أدرك بعض آية؟ قال: نعم.
/94/ (2/95)
صفحة 523
قلت، فإن كان لا يعرف الآيات؟ قال: أرجوا ألا نقض عليه حتى يعلم أن الذي أدرك أقل من آية. فأما أبو زياد فقال: لا أتقدم على فساد صلاته، ولم يدرك آية، ولم يبدل القراءة، وأما الأولى الذي يقول، لانقض على من لم يقرأ فاتحة الكتاب في شيء من الصلاة خلف الإمام فهو حفظي عن محمد بن محبوب، رحمه الله، وكذلك أحب، وقال، لا أتقدم على نقض صلاة من سبح بعد قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين و الأخريين من صلاة الأولى و العصر.
وقال فيمن دخل في صلاة قوم، فاستأنف هو القراءة وركعوا، وهو بعد لم يتم القراءة، ورفعوا رؤوسهم من الركوع وفرغ هو، وركع وحده قال: إذا أدرك الإمام وهو قائم لم يسجد وسجد في سجوده فلا بأس.
وقد يوجد في أثر غير هذا، أن من دخل في صلاة قوم ركوع، فأخذ في القراءة بعد الإحرام، أنه إن أدركهم في الركوع فلا بأس. وإن لم يدركهم استأنف الصلاة و الرأي (الأول ينظر فيه) أحب إلي.
وعن أبي علي، حفظه الله، وقد قيل، إنه إذا لم يدرك من القراءة شيئا فليس عليه أن يقرأ. فإن قرأ انتقضت صلاته، و إنما يتبع الإمام في الحد الذي أدركه فيه بعد أن أحرم، راكعا أو ساجدا، أو قاعدا، والله أعلم.
ومن غيره ـــ وعن نجدة بن الفضل النخلي: وما تقول في المصلي إذا انحط يحك رجله عن شيء عرض له، هل يقرأ وهو في تلك الحال؟ الله أعلم، و أقول بغير حفظ، أنه إن أمسك أو قرأ فلا بأس عليه، والله أعلم.
/95/ (2/96)
صفحة 524
وفي جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي، حفظه الله، فيها. فلا أعلم أني حفظت في هذا المعنى شيئا، إلا أنه إن وقف عن القيام حسن ذلك عندي، لأن القراءة إنما هي في القيام، وإن قرأ وهو منحط لم أر ذلك مما يفسد صلاته إذ قد أجيز له ذلك الانحطاط.
وسئل أبو سعيد، رحمه الله، عن رجل قرأ في صلاته، الصراط الذين، جاهلا قال: عندي إن هذا قد أحال المعنى، ويخرج عندي أنه قد بدل، قيل: فعليه البدل، قال: عندي أنهم قد اختلفوا في الجاهل إذا بدل، فبعض جعل له العذر، ولم ير عليه بدلا، وألحقوه بالناسي و الغالط، وبعض قال: عليه البدل.
ومن غيره ـــ وقد قيل عن الذي تبسم، وهو ماض في قراءته، ولا يقف لنفسه، أن ذلك مكروه ولا تفسد صلاته، والله أعلم.
وعن رجل يقرأ في الصلاة في نفسه، فماذا أبوح، فقال: إن كانت صلاة مفروضة فليس له حتى يسمع أذنيه، و أما الأعور (1) فيقول: إذا حرك لسانه فقد أجزأ عنه.
رجل قال في صلاته: لا ترون الجحيم، هل عليه في ذلك شيء () الجواب: أن عليه بدل صلاته، وهذا من التبديل، وكذلك الذي يقرأ، سراجا وهاجا بالتخفيف، فقد قيل بالتبديل، وأنه ينقض الصلاة، وقال من قال: إن التبديل بمنزلة النسيان، ولا بدل عليه إذا لم يتعمد لذلك، و يقال: إن صلاة النهار عجماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الأصل، ولعله يريد الأخرس.
/96/ (2/97)
صفحة 525
و يستحب للمصلي أن يسر في نفسه، إماما كان أو غير إمام، وأما الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة فإذا صلى وحده أسمع أذنيه، ومن أسمع أذنيه في صلاة النهار فلا نقض عليه، ويكره له ذلك، وقال بعضهم: صلى بنا رسول الله (ص)، الصبح فقرأ، قل هو الله، والعصر، وذلك أنه سمع بكاء صبي، ويستحب أن يقرأ في العشاء الآخرة {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. وعن النبي (ص)، من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن.
وقال ابن مسعود: تعدل بنصف القرآن {وَالْعَادِيَاتِ} تعدل بثلثي القرآن، وكانوا يقرؤونها في صلاة المغرب.
حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله (ص) ليلة يقرأ في الركعتين قبل صلاة الفجر {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} و يقول: إن {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} تعدل ربع القرآن، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} تعدل ثلث القرآن.
عبد الله بن السائب، أن النبي (ص) قرأ سورة المؤمنون في الصبح، فلما انتهى إلى عيسى بن مريم شرق شرقة فركع، وفي حديث عمر، أنه صلى بالناس الفجر فقرأ سورة يوسف عليه السلام حتى إذا جاء ذكر يوسف سمع تسبيحة خلف الصفوف، يرفع عن علقمة بن وقاص، إلا أنه قال الغتمة.
ويرى أنه قال، لما انتهى إلى قوله، إنما أشكو بثي وحزني إلى الله نشج.
/97/ (2/98)
صفحة 526
ومن قرأ سورة في صلاة لا يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب فعن أبي علي ـــ نسخة ـــ عن أبي عبد الله، أنه لا نقض عليه، و فيه اختلاف، وقال بعض: إذا جهر بالقراءة نقض، ومن تكلم بكلمة أراد غيرها من القرآن مل، جرح وهو يريد خرج أو نحو ذلك، فلا نقض عليه، والله أعلم.
فصل
في الركوع والسجود
والركوع فرض في كتاب الله، قال الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ}،فأمر بذلك و أجمعت عليه، ومعنى الركوع و السجود فهو الخضوع، قال الله تعالى {اَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ} فهذا يدل على أن السجود الخشوع لله، و الركوع مثله ومعنى الركوع الخضوع.
والتكبير الركوع والسجود والقيام والقعود سنن في الصلوات، فمن تركه متعمدا فسدت صلاته، وإن نسي منه شيئا فلا فساد عليه حتى ينسى ذلك في أكثر ركوعه، ومن جعل تسبيح الركوع في السجود، وتسبيح السجود في الركوع فقد أساء، ولا نقض عليه.
/98/ (2/99)
صفحة 527
ومن كبر تكبيرة في سبيل الله كانت أثقل في ميزانه من السموات السبع وما فيهن، وما فوقهن وما تحتهن، ويرفع بها صوته.
ومن جامع الشيخ أبي الحسن، رحمه الله ـــ وقد روي أنه قال للأعرابي، أنه يركع حتى يطمئن راكعا، ثم يرفع حتى يعتدل، فيكون ذلك تاما من غير تقصير فيه. وما نقضت من ذلك فإنما نقضته من صلاتك، ثم تسجد بتكبيرة حتى تهوى، وتمد التكبيرة، ويضع ركبتيه على الأرض قبل يديه إن أمكن، ويضع يديه حذاء وجهه عند أذنيه، وكذلك يروى عن النبي (ص)، فيمد التكبيرة في حال الخفض والرفع، ويضع أولا ركبتيه ثم يديه، ثم وجهه، ويسبح ثلاثا، ويرفع يديه أولا بعد وجهه، ثم بركبتيه، ولأن آخر ما يضع على الأرض وجهه فإذا سجد أمكن جبهته من الأرض بلا أن يجعل عليها الاعتماد، ولكن إذا سجد اعتمد في الأرض على كفيه وجعلهما حذاء أذنيه أو نحو ذلك، ويبسط أنامله نحو القبلة، و يضمهما ـــ وفي نسخة ـــ وضمهما، وفتح بين مرفقيه وسوى ظهره معتدلا، ويضع الرجل ركبتيه قبل يديه ويرفع يديه قبل ركبتيه ـــ وفي نسخة ـــ قال أبو عبد الله: يرفع ركبتيه قبل يديه إذا قام من السجود.
وقيل: المرأة لا تضع يديها للسجود قبل ركبتيها، وتضامم وتداخل وتلصق بالأرض ما استطاعت، وتضم رجليها في القعود ـــ وفي نسخة ـــ قال أبو عبد الله، وتضع يديها في حجرها، وإذا سجدت المرأة فلا تسجد كما يسجد الرجل ولا تتجافى كما
/99/ (2/100)
صفحة 528
يتجافى الرجل، وتلصق ببطنها فخذيها، ولا ترفع عجيزتها ولا تجلس في الصلاة كما يجلس الرجل، ولكن تسدل برجليها من جانب واحد، والرجل يفتح بين رجليه في القعود.
وقيل عن النبي (ص): أمرت أنه أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعرا، ولا ثوبا، يعني بالسبعة، الجبهة، الكفين، والركبتين، والقدمين، فأما كف الشعر فهو أن يكف شعره حتى لا يقع في التراب، وهو عندهم أشد من الثوب.
وقال من قال، عليه النقض، وقيل، لا نقض عليه فيه ولا في الثوب.
وكف الثوب أن يرفع من ثوبه من خلفه ويضمه إذا جاء يركع ويسجد، وذلك مكروه، ولا يبلغ به إلى النقض، ويجب أن يجزم المصلي التكبير ويقطع قبل أن تصل جبهته إلى الأرض في السجود.
وقيل: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، و نحب إذا سجد أن يمكن جبهته من الأرض وطرف أنفه. وإذا ركع وقعد وضع كفيه على ركبتيه وفتح أصابعه.
/100/ (2/101)
صفحة 529
ومن غيره ـــ فإذا قعد. فقال من قال، يضع كفيه على فخذيه، ويضم أصابعه.
رجع ـــ إذا قعد جعل باطن ساقه اليسرى تحت أخمص رجله اليمنى، وجعل ظاهر أصابع قدمه اليمنى مما يلي الأرض، وقد قال الله تعالى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}. يعني إذا فرغ من التحيات قبل أن يسلم فينصب في الدعاء، ويرغب إلى الله.
هذا الذي نحبه أن يفعله المصلي في الصلاة بلا أن نوجب النقض على من فعل غير ذلك مما يجوز أيضا في الصلاة وعن أبي عبد الله، أن من قعد في صلاته على قدميه جميعا متعمدا، أو يقعد على يمينه متعمدا من غير عذر أو لم يمس أنفه الأرض، واعتمد على إحدى يديه في ركوعه وسجوده، ولم يعتمد على الأخرى ولم يضعها على ركبتيه ولا على فخذيه في ركوعه، ولم يضعها على الأرض في سجوده متعمدا، وكذلك الركبتين في السجود و القدمين فلا أبلغ في ذلك به إلى فساد، ولو فعل ذلك في جميع ركوعه وسجوده متعمدا، ولا نحب له ذلك ولا نأمر به، وأما من جلس مقعيا فلا أجد عليه النقض إلا من عذر.
ومن غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إذا مس يده أو رجله الثابتة في الركوع والسجود و القدمين فقد جازت صلاته إن شاء الله، ولا يسجد المصلي على عوده،
/101/ (2/102)
صفحة 530
وهو عود الخشب إلا أن يكون عودا قد استوى مع الأرض، فإن وقع سجوده عليه وعلى الأرض فلا بأس.
ومن غيره ـــ قال: معي، إن تأويل هذا القول، لا يسجد المصلي على عود و لا على وسادة، وهو أن يرفع العود و الوسادة إليه فيسجد عليه، و إن سجد المصلي على عود أو وسادة مما أنبتت الأرض، وهو طاهر، فلا بأس.
و قال أبو سعيد، رحمه الله، في الذي يقدر على القيام والقعود، ولا يقدر على الركوع و السجود، معي أنه قيل، يصلي قائما، و يومئ للركوع قائما، ويومئ للسجود قاعدا للتحيات، و قال من قال، فيما عندي، إنه إذا انحط عنه فرض الركوع و السجود صلى قاعدا بالإيماء.
ومن الأثر ـــ و سألته عن المصلي إذا سجد على حصاة أو حصاتين، هل له أن يخر جبهته على ذلك؟ قال: يخر جبهته يمينا و شمالا.
ومن غيره ـــ و مما يوجد عن أبي المنذر، معروض على أبي الحواري، رحمهما الله، وسألته عن السجود على ثوب القطن و الكتان و ما أنبتت الأرض، قال: يسجد عليه من حر الشمس و مثله مما يؤذي، قلت: فالصوف والشعر، قال: مكروه.
/102/ (2/103)
صفحة 531
قال أبو الحواري، رحمه الله، يسجد على ثياب القطن و الكتان للضرورة و غير الضرورة، و قال غيره: معي أنه قد قيل في كل ما لم تنبت الأرض أنه لا يسجد عليه إلا من عذر، يشبه الضرورة ونحو هذا، و أما ما أنبتت الأرض من الثياب وغيرها فلا بأس بالسجود عليها لعذر وغير عذر.
أخبرنا زياد بن مثوبة عن أبي هاشم الخرساني أنه قال: فالذي يومئ إنما يومئ برأسه للركوع و السجود، و الجسد، لا يتحرك.
و سألته، عن المصلي: إذا ركع و استوى راكعا، فقال، الله أكبر من بعد ذلك هل تتم صلاته؟
قال: قد قيل، إنه أساء، وصلاته تامة.
قلت له: وكذلك إذا سجد و قال، سمع الله لمن حمده. بعد أن سجد أو هو ينحط للسجود قبل أن يستوي ساجدا. أو أخذ في القراءة، وهو ينشئ في القيام قبل أن يستوي قائما، هل تتم صلاته؟
قال: فأما إذا قال: سمع الله لمن حمده من بعد أن سجد بغير عذر من نسيان أو غيره، فهذا عندي كمن لم يقل، سمع الله لمن حمده، فأما إذا قال: سمع الله لمن حمده، قبل أن يدخل في السجود فقد أساء و أرجو أن تتم صلاته، وكذلك إذا قرأ قبل أن يستوي قائما فقد أساء وصلاته تامة إذا أخذ في القراءة قبل أن يستوي قائما، وكذلك إذا ترك الإمام قول سمع الله لمن حمده متعمدا فسدت صلاته، وصلاة الذين خلفه، وإن تركها ناسيا فصلاته وصلاة الذين خلفه تامة.
/103/ (2/104)
صفحة 532
ومن غيره ـــ قال أبو عبد الله: تفسد صلاته وتتم صلاة الذين خلفه، ويقدمون رجلا يتم بهم صلاتهم، و إن تركوا هم قول، سمع الله لمن حمده، وقد تركها هو فهو كذلك.
ومن غيره ـــ إذا أتمها بهم وهم يعلمون أنه تركها.
ـــ رجع إلى السجود ـــ
قيل في قوله تعالى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}.أنها هي السبعة الأعضاء، وهي المسجد بفتح الجيم، و كل أرب من هذه مسجد.
قوله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}. قال الحسن: ظلك يا ابن آدم أطوع منك، ظلك يسجد لله، وأنت تسجد لله.
ـــ رجع إلى كتاب أبي جابر ـــ
ومن ترك التسبيح في ركعة واحدة أو سجدة متعمدا فعن أبي عبد الله، رحمه الله، أن صلاته فاسدة، وصلاة من خلفه إن كان إماما، و إن كان ناسيا فصلاته تامه حتى يترك التسبيح في أكثر ركوعه و في أكثر سجوده، ثم قد فسدت صلاته وصلاة من صلى خلفه.
ومن غيره ـــ فيمن بسط ثوبا وقام يصلي عليه وسجد على الأرض، فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء، و قال لنا ذلك أبو المؤثر.
و سمعت الفضل بن الحواري يقول: قالوا، يسجد على ما يقوم عليه، و كل ذلك جائز عندنا، إن شاء الله.
/104/ (2/105)
صفحة 533
و عن إنسان صلى، و كان موضع سجوده مرتفعا عن الأرض قدر شبر أو أقل، هل يجوز له أن يسجد على الموضع المرتفع؟ فقد أجاز ذلك أبو المؤثر، أن يسجد على الموضع المرتفع، ولم يجعل لذلك حدا، ويقول، على ما وصفت، إذا كان شبرا جاز له ذلك، إن شاء الله.
و كذلك نقول في الموضع الخافض، يجوز له أن يسجد عليه، وليس لذلك عندنا حد، و ينبغي للمصلي أن يحسن في صلاته.
و سئل عن المصلي إذا كان يصلي على حصير، ويسجد على جانب منه، و هو مرتفع من موضع سجوده، فإذا سجد عليه لزق بالأرض، و إذا رفع رأسه ارتفع الحصير، هل يجوز له السجود على هذا الموضع من الحصير؟ قال: معي أنه يؤمر أن يسجد على غير هذا الموضع، إن أمكنه ذلك، يقدم في سجوده أو يؤخر، ولا يميل سجوده يمينا ولا شمالا، و قد قيل، إنه يسجد عن يمينه وعن شماله، قلت له: فإن صلى وسجد على هذا الموضع المرتفع، أصلاته تامة أم منتقصة؟ قال: معي أن بعضا يقول: إذا كان الحصير إذا سجد لزق بالأرض بغير معالجة منه إلا جبهته فصلاته ... تامة.
و معي: أن في بعض القول، أنه إذا كان ارتفاعه عرض إصبعين فصاعدا لم تجز الصلاة عليه إلا من عذر لا يجد موضعا غيره.
و من جواب لأبي عبد الله، رحمه الله، وعن الحصير إذا كان يصلي عليه و هو مرتفع من الأرض من موضع السجود، أو من موضع اليدين والرجلين، و هل يكون في ارتفاعه حد ما لا يجوز عليه الصلاة؟
/105/ (2/106)
صفحة 534
ـــ فأما في سائر المواضع إلا الجبهة إذا وضع رجله، أو أحد مساجده ثبت عليها، أو على ما هو عليه مفروش فذلك جائز، ولا نعلم فيه اختلافا، و الجبهة قد قيل، إنه إذا كان ارتفاعه عن الأرض عرض إصبعين لم تجز عليه الصلاة، و كذلك لو كانت ثبتت على الأرض أو على ما فرش عليه إذا سجد عليه.
و قال بعض: إنه إذا كان إذا سجد عليه لزق بالأرض بلا معالجة، و ألقى جبهته عليه أخذ بالسجود ما هو مفروش عليه جازت صلاته، و إن كان لا يلصق بالأرض، أو بما هو مفروش عليه إلا بمعالجة من المصلي غير السجود لم يجز ذلك.
و سئل عن المصلي إذا لم يمكنه السجود و أمكنه القعود و الركوع والقيام لمعنى، كيف تكون صلاته؟
قال: عندي، أنه قد قيل، إنه يركع و يومئ للسجود قائما بعد الركوع، و يقعد يقرأ التحيات قاعدا، و قيل: إنه يركع و يقعد يومئ للسجود قاعدا.
قلت له: فهل قيل، إنه إذا لم يقدر على السجود، وقدر على القيام للقراءة و الركوع، هل له أن يصلي قاعدا؟
قال: معي، أنه قد قيل ذلك.
قلت له: فهل قيل، إنه يصلي قائما و يقرأ التحيات في قيامه إذا كان على ما وصفت لك، و لا يكون عليه قعود التحيات؟
قال: معي أنه قد قيل، إن له ذلك. و قال من قال، إن عليه القعود
/106/ (2/107)
صفحة 535
للتحيات، و قيل لا يسجد المصلي على عود و لا فراش، فأما العود فلا يسجد عليه و أما الفراش فلا بأس على من سجد عليه من ضرورة.
قال غيره ـــ لا بأس بالسجود على جميع ما أنبتت الأرض عودا أو (فراشا ينظر فيه) أو وساد إذا أمكن ذلك السجود عليه من ضرورة أو غيرها، و إنما تأويل ذلك عندي، أن يرفع العود و الوساد إليه.
رجع ـــ و كذلك المريض الشديد إن صلى على فراش غير طاهر، ولم يمكنه إلا ذلك؟
ـــ فقد قيل، إنه يجزيه، و يكره للرجل أن يسجد على ثوب إلا من ضرورة حر أو برد.
قلت: فمن التراب؟ قال: لا، قلت: فإن فعل؟ قال: لا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته. و سألته عن المصلي إذا قال سمع الله لمن حمده قبل أن يستوي قائما، فخر للسجود، هل يكون ذلك نقصانا منه ينقض عليه صلاته؟
قال: معي، أنه إذا قام عن حال الركوع إلى معنى ثبوت القيام بما لا يختلف فيه، أنه لو حلف لا يقوم كان قد حنث و لو لم يطمئن قائما، كما يروى عن النبي (ص) أنه قال في الأمر بالقيام عن الركوع، أنه يقوم حتى يطمئن قائما، فعندي، أنه يلحق في معاني ذلك ما يشبه الاختلاف.
و في بعض القول، أنه مسيء و لا بدل عليه، و في بعض القول، أنه ما لم يأت
/107/ (2/108)
صفحة 536
بذلك على وجهه، فيقوم حتى يطمئن قائما، و لا يصل إلى حد القيام، و إذا لم يقم لم يخرج من حد الركوع و لم يتمه، لأن تمام الركوع القيام عنه، فعندي، أنه يلحقه معا في النقض في هذا السبب في بعض القول و الله أعلم.
ورجل يصلي، فإذا سجد رفع قدميه من الأرض، و هو في سجوده، أو عند السجود متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، هل تتم صلاته؟
ـــ فأما ناسيا أو جاهلا فأحب أن تتم، و أما على العمد لخلاف السنة فأحب أن يعيد.
و رجل يصلي فإذا وضع جبهته للسجود كبر، قلت: فهل تتم صلاته؟
ـــ فقد قيل، تتم، و قد قصر.
و رجل يسجد على ثوب أكثر سجوده أو أقله، من غير نبات الأرض، من غير ضرورة، قلت: هل تتم صلاته؟
ـــ فقد قيل، تتم صلاته، وقد كره ذلك بعض.
و رجل قائم يصلي على بساط و يسجد على الأرض؟
فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء، و كره ذلك بعضهم.
و من سجد على فراش و حشوه صوف، و هو مما أنبتت الأرض، فلا بأس، و قال من قال، يرفع يديه قبل ركبتيه، و هو أكثر القول.
/108/ (2/109)
صفحة 537
و من غير الكتاب و زياداته ـــ
و كذلك عن أبي زياد، و أبي عبد الله، و أبي عثمان، أن من كان في جبهته قرحة فلم يقدر يسجد عليها سجد على أنفه.
مسألة:
و المرأة تضع يديها في السجود قبل ركبتيها، و تضمم، و تداخل و تلاصق بالأرض ما استطاعت، و تضم رجليها في القعود، فإذا سجدت فلا تسجد كالرجل، ولا تتجافى كالرجل، و تلصق بطنها بفخذيها، و لا ترفع عجزها، و لا تجلس كالرجل و لكن تسدل رجليها من جانب واحد.
و نحب أن يحزم المصلي التكبير، و يقطع قبل أن يضع جبهته بالأرض في السجود، و يستحب في السجود أن يكون فراغ التكبير مع السجود على الأرض، و قيل، يفرغ قبل أن ينال جبهته الأرض و أن يرفع رأسه بالتكبير و الله أعلم.
و عن وائل عن أبيه قال: كان النبي (ص)، إذا ركع فرج أصابعه، و إذا سجد ضم أصابعه.
من غير الكتاب وزياداته ـــ فإذا ركع رفع رأسه يقول، سمع الله لمن حمده، و استقام حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، و قال: ربنا لك الحمد، أو الحمد لله لا شريك له، فما قال من ذلك كفاه مرة واحدة.
/109/ (2/110)
صفحة 538
و يوجد عن أبي عبد الله، رحمه الله، أنه إن استيقن، أنه قال، ربنا لك الحمد، ثم يعمد لقولها ثانية، أن عليه النقض، و نحن نحب أنه لا يلزمه نقض في ذلك. و إن كان خلف إمام فلم يقل سمع الله لمن حمده، فلا بأس.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح، أنه ليس عليه قول، سمع الله لمن حمده، و قال، ولا يقول ذلك ولا يؤمر به من كان خلف إمام إلا لمن يصلي وحده.
و من غيره ـــ أرجو أنه رفع إلي، أنه ليس عليه ذلك إذا كان يصلي خلف من يتولاه، والله أعلم.
و من غير الكتاب و زياداته ـــ و عرفت أنه إن كان الإمام وليا لم يكن عليه قول سمع الله لمن حمده، و إن كان غير ولي قالها، و الله أعلم.
رجع ـــ و قال من قال من المسلمين. من نسي، سمع الله لمن حمده، فلا نقض عليه، و إن ذكرها و هو في الصلاة فليقلها.
فصل
في التحيات
و قيل التحيات هي الملك لله.
و بلغنا أن بدءها، أن جبريل قال للنبي (ص)، إن الله يقول، التحيات لله ذي الملك لله، فقال النبي عليه السلام، و أنا أقول، و الصلوات و الطيبات، فقال جبريل عليه السلام، و أنا أقول، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
/110/ (2/111)
صفحة 539
و قيل كذلك كان يقال في حياة النبي عليه الصلاة و السلام، و قال من قال من أصحاب النبي (ص)، و أنا أقول، السلام علينا و على عباد الله الصالحين. و قال آخر: و أنا أقول، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده رسوله، و أحسبهما أبا بكر و عمر رضي الله عنهما، و قال من قال، من أصحاب رسول الله (ص)، و أحسبه ابن عباس رحمه الله، التحيات المباركات، فصارت سنة معمولا بها.
و من غيره ـــ وقال أبو عبد الله: و يروى عن ابن عباس، أنه كان يقول: التحيات المباركات لله، و الصلوات و الطيبات لقوله تعالى {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً}.
رجع ـــ و قال من قال من الفقهاء، إذا قرأت التحيات حتى تبلغ إلى، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، في القعدة الآخرة، فقد قضيت الصلاة، و يؤمر من بعد ذلك أيضا، أن يحمد الله، و يصلى على النبي (ص)، و يستغفر لذنبه و للمؤمنين و المؤمنات، و أن تجرى لمحاميد القرآن، و نحو ما فيه من الدعاء، و في ذلك الفضل، و يجتهد في الدعاء لأمر الآخرة، و ينبغي ألا يدعو بشيء من أمر الدنيا حتى يسلم، و لو فعل ذلك لم تفسد صلاته.
و قال من قال من الفقهاء: إذا بلغ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم أحدث فقد تمت صلاته.
/111/ (2/112)
صفحة 540
و قال من قال: إذا قال التحيات المباركات لله، فقد تمت صلاته، و قال قوم: إذا بلغ إلى و الصلوات و الطيبات، ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته، و قال من قال إذا قعد بقدر ما يقرأ التحيات، ولو لم يقل منها شيئا فقد تمت صلاته، و إن لم يحدث له شيء، لأن التحيات سنة، و ليست هي فريضة.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: إذا لم يقل منها شيئا فسدت صلاته.
رجع ـــ و الذي حفظت أنا عن محمد بن محبوب، رحمه الله، أن المصلي إذا بلغ إلى و الصلوات و الطيبات من التحيات، ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته، و إن لم يحدث له شيء فالذي يؤمر به أن يتم التحيات، و بهذا الرأي نأخذ.
و من ترك قراءة التحيات كلها إلى و الصلوات و الطيبات عمدا أو خطأ فعليه النقض، و إن نسي من ذلك كلمة أو كلمتين فلا نقض عليه حتى ينسى أكثر من نصف هذه التحيات، ثم أخاف عليه النقض، و إن ترك كلمة من هذه التحيات عمدا فأخاف عليه النقض، إذا أراد ذلك خلاف السنة.
قال غيره ـــ عرفنا أنه يثبت له ذلك في الضرورة، و إن ثبت ذلك في الضرورة ثبت له ذلك عندنا في النسيان، لأن النسيان من الضرورة، و ذلك عندنا إذا ثبت له في الضرورة و النسيان ثبت له في الجهالة.
و أما على العمد فلا نحب له ذلك، و لعل قد قال من قال: إن له ذلك على العمد، ولا نحب له ذلك، ولا يبعد ذلك عندنا من الحق، و الله أعلم بالصواب.
/112/ (2/113)
صفحة 541
رجع ـــ و عن موسى بن علي، رحمه الله، فيما حفظنا عنه، أنه إذا قال المصلي أشهد أن محمدا عبده ورسوله قال: و اشهدوا لله ما ادعاه، و في نسخة، ماادعاه، نسخة، قال أبو بكر أحمد بن محبوب المفضل إن أبا علي الحسن بن أحمد، رحمه الله، وقف على ما ادعى، قال: و أشهد أني بريء مما تبرأ، و أشهد أن ما قال في جميع الأمور كلها حق كما قال، و أشهد أن الجنة حق، و أشهد أن النار حق، و أشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها. و أن الله يبعث من في القبور، ثم يحمد الله و يصلي على النبي (ص) و يستغفر لذنبه و للمؤمنين و المؤمنات.
و من غيره ـــ و الذي يتكلم بالكلمة من التحيات مرتين و التكبير يكره له ذلك، و لا أحب أن ينتقض.
و عن رجل يصلي، فبعد إذ قرأ التحيات الأولى، و تشهد، ظن أنه في التحيات الآخرة، ذكر، فأعاد التحيات مرة ثانية، و هو مستيقن عليها.
فعلى ما وصفت، فإذا كان جاهلا فصلاته تامة، و إن كان عالما أن ذلك لا يجوز، ففعل ذلك، و هو في التحيات الأولى فسدت صلاته، و عليه البدل.
و يوجد في الأثر ـــ وأما المصلي إذا كان يكرر التحيات في صلاته، فيقول، التحيات التحيات، فمعي أنه إذا كان ذلك على التعمد بغير عذر، أنه قيل، عليه الإعادة، و قيل: قد أساء، و لا إعادة عليه.
/113/ (2/114)
صفحة 542
و من غيره ـــ عرفت أن من أتم التحيات في القعدة الأولى إلى، و لو كره المشركون (1)، ناسيا، أنه يختلف في فساد صلاته، و كذلك على الجهل، و أما على العمد بعد العلم فأخاف أن يلحقه معنى الفساد على معنى الاتفاق.
و من غيره ـــ و قال: ليس على المصلي أن يعيد قراءة الحمد، و لا قراءة التحيات في الصلاة، فإن أعادها و ظن أن ذلك جائز له لم تفسد صلاته.
من كتاب الضياء المنسوب إلى أبي المنذر سلمة بن مسلم (العوتبي ينظر فيه) ـــ و من كان يصلي فريضة فلما بلغ إلى، محمدا عبده ورسوله، نسي فدعا بشيء من أمر الدنيا في الجلسة الأولى، قال بعض: يبتدئ الصلاة.
قال أبو الحواري: يتم صلاته ولا يضره دعاؤه إذا كان ناسيا و في الصلاة لا يجوز [الكلام]، و من تكلم عامدا بطلت صلاته بإجماع الأمة، و اختلفوا فيه إذا تكلم ساهيا أو سلم ساهيا، فقال قوم، يبني على صلاته ولا إعادة عليه.
و قال قوم: يستقبل صلاته.
رجع ـــ و سئل عن الذي يردد التحيات على العمد، هل تفسد صلاته؟ قال: معي، أنه قيل، إنها تفسد.
قلت له: فالجاهل كذلك؟
قال: عندي أنه يختلف فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الأصل، ولعل المراد أنه أدخل في ألفاظ التحيات ما ليس منها (عما ينظر فيه) هو معروف، و في بعض المذاهب تضاف بعض الأدعية بعد، عبده ورسوله، كما سيأتي بعد. (2/115)
صفحة 543
/114/ (2/116)
صفحة 544
قلت: و كذلك سمع الله لمن حمده، هي بمنزلة التحيات؟
قال: هكذا عندي.
قلت: و كذلك الحمد و الاستعاذة و التكبير في الصلاة؟
قال: هكذا عندي.
قلت: فقراءة المفصل، يجوز ترديد الكلام في الصلاة، الكلمة مرتين أو أكثر، ولا يفسد ذلك؟
قال: هكذا عندي.
قلت له: فإذا أراد التثبيت لم يفسد عليه؟ قال: هكذا عندي.
قال أبو محمد، رحمه الله، التشهد الأول فرض في الصلاة، لأن النبي عليه السلام فعله و أمر به، و اختلفوا في صلاته إذا أتم التشهد و التصرف من غير تسليم فقال بعضهم، قد تمت صلاته، و نحن نحب إن لم يسلم و انصرف من غير تسليم فصلاته تامة، و قال بعضهم، صلاته فاسدة إذا تعمد لذلك، و لا تفسد بالنسيان، و قال بعضهم، حتى يسلم، كان ناسيا أو متعمدا، و من قرأ التحيات إلى عبده ورسوله، ثم سلم متعمدا فقد صحت صلاته.
و كان الشيخ أبو محمد رحمه الله يقول في الباقي، و هو أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، لأن دعاء، و عن النبي (ص) أنه قال: مفتاح الصلاة الطهور، و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم، يعني إذا كبر فقد دخل في الصلاة، و التسليم إذن للناس، أي قد انصرف.
و في حديث أيضا ـــ قال: رأيت رسول الله (ص)، ينفتل عن يمينه وعن
/115/ (2/117)
صفحة 545
شماله، و رأيته يصلي وحده حافيا و منتعلا، و رأيته يصوم في السفر و يفطر، و رأيته يشرب قائما و قاعدا.
و قيل: كان النبي (ص)، يسلم في الصلاة عن يمينه، فتحول الناس عن يمينه كذلك، فسلم عن يمينه و شماله، و إن قال المسلم: السلام عليكم سواء فلا بأس، و قيل: كان ضمام يسلم مرتين.
و عن غيره ـــ و سألته عن إمام قوم لما أراد أن يسلم قال: السلام عليكم، فقال: كان بعض فقهاء المسلمين من البصرة يفعلون ذلك، و هو له جائز، و لا بأس به.
و سئل عن الذي يسلم من صلاته: ما تكون نيته، و السلام على من يسلم؟
قال: معي، أنه يعتقد النية في السلام على ملائكة الله و على المؤمنين، قلت له: فالنية تجزيه في أول ما يعتقد الصلاة أم عليه أن يحضر النية كلما أراد أن يسلم من كل صلاة؟
قال: معي، أنه إذا كان له نية فيما مضى، ثم نسي وقت تسليمه ذلك أن يحضر النية أجزأه ذلك.
و عن غيره ـــ و إذا سلم المصلي عن يمينه نوى في التسليمة الأولى عن يمينه. المؤمنين من الرجال و النساء و الحفظة، و من على يساره، المؤمنين من الرجال و النساء و الحفظة.
/116/ (2/118)
صفحة 546
رجع إلى كتاب أبي جابر، و من غير الكتاب و الزيادات ـــ قال الله تعالى {اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. قال علي: الصلاة على النبي (ص) أمحق للخطايا من الماء للنار، و السلام عليه أفضل من عتق وجب.
عن ابن مسعود رحمه الله، أنه إذا قال: إذا صليتم على النبي (ص) فأحسنوا عليه، أمركم الله بها في كتابه.
و عنه عليه السلام، أنه قال: من صلى على محمد و على آل محمد مائة مرة قضى الله له مائة حاجة، و عنه قال رسول الله (ص): إن أولا كم بي يوم القيامة أكثركم صلاة على النبي (ص).
قيل: من قال في ليلة الجمعة: اللهم رب البيت الحرام و الركن والمقام، و رب الحل و الإحرام، أقر على روح محمد مني السلام دخل في شفاعة محمد يوم القيامة.
مسألة:
و قال أبو محمد رحمه الله: فيمن قال: صلى الله على محمد و آله، قال: ينوي بآله أهل دينه.
و من غيره ـــ قال: و من صلى عليه يوم الجمعة ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة.
/117/ (2/119)
صفحة 547
مسألة:
و الصلاة على النبي (ص)، قال قوم: فرض عند كل صلاة، و لم أجده في قول أصحابنا، قال بعض أصحابنا: إنما فرض ذلك مرة واحدة مع إقراره، ثم بعد ذلك ما صلى كان تطوعا، و كلما صلى عليه أكثر كان أفضل، و قيل: لم تؤمر أمة من الأمم قط أن يصلوا على نبيهم غيرنا، فضلا من الله ونعمة.
و روي عنه أنه قال: أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي (ص).
جابر عن النبي (ص) قال: ما جلس قوم فتفرقوا على غير صلاة على النبي (ص) إلا تفرقوا على أنتن من الجيفة.
مسألة:
أبو إسحاق الزجاج، أنه قال: يقال زيد من آل فلان، و قولهم: اللهم صل على محمد و على آله خطأ، إنما الصلوات على أهله، إلا أن يظهر، فيقول: اللهم صل على محمد و على آل محمد (ص)، و في القرآن، إن الآل الطاهر مثل قوله عز وجل {فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ}.و قوله {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
عن عائشة، أن النبي (ص) قال: لا تقبل صلاة إلا بطهور، و الصلاة علي.
/118/ (2/120)
صفحة 548
رجع إلى كتاب أبي جابر ـــ
و قيل عن بعض الفقهاء فيمن يقرأ آية الكرسي، في دبر كل صلاة، و ما في ذلك من الفضل و الشرف.
قال: لا يداوم على ذلك إلا نبي أو صديق أو شهيد أو عبد، قد رضي الله عنه و صلى الله على محمد و آله و سلم.
[مكرر] و من كان يصلي فريضة فلما بلغ إلى محمد عبده ورسوله نسي فدعا بشيء من أمر الدنيا في الجلسة الأولى، قال بعض: يبتدئ الصلاة.
و قال أبو الحواري: يتم صلاته و لا يضره دعاؤه إذا كان ناسيا.
فصل
في حدود الصلاة
تكبيرة الإحرام حد، و القيام في موضع القراءة حد، و الركوع حد، وكل سجدة حد، و القعود حد، و التحيات حد.
قال غيره ـــ إن الحدود المسماة المتفق عليها إنما هي ما يقع موقع العمل لا القول إلا تكبيرة الإحرام، فإنه معي يتفق عليها أنها حد من حدود الصلاة، و الحدود من الأفعال هو القيام في الصلاة حد، و هو فريضة، و الركوع في الصلاة حد، و هو فريضة، و قد قيل: السجدتان فريضة، كلاهما حد واحد، و قد قيل: كل واحدة
/119/ (2/121)
صفحة 549
حد، و القعود بين السجدتين و التحيات حد، و قد قيل: القراءة حد، و التحيات حد، و التكبير في الصلاة كله حد، و قول سمع الله لمن حمده كله حد، و كل تسبيح في ركوع أو سجود حد.
و معنى الحد و تفسيره: أنه ما لا يجوز تركه فهو حد، لمعنى قول الله تعالى {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
فصل
فيما يقطع الصلاة، و في أحكام السترة
و مما يقطع على المصلي صلاته ممر الكلب و الحائض و الجنب، و جميع السباع و القرود، و إن كان لحم شيء من ذلك بين يديه لم ينتقض عليه، و من كان بينه وبين الكلب خمسة عشر ذراعا من موضع السجود فلا بأس، فإن كان أدنى من ذلك قطع، و مختلف في القبر، قال قوم، يقطع الصلاة و أنزلوه منزلة ما يقطع، و أوجبوا الإعادة على من صلى و هو بين يديه، و قال قوم، لا إعادة عليه إلا أن يكون يناله من القبر شيء، و الأول أحب إلي.
و قال الفضل: إذا كان بين المسجد و بين الكنيف جدار أو حد فلا يصلي فيه حتى يكون بينهما جدار، أو وجد غير جدار الكنيف، و حد غير حذاء الكنيف. و الثعلب يقطع الصلاة عند من يقول بالكلب، لعله، أراد كالكلب.
/120/ (2/122)
صفحة 550
و من غيره ـــ
و كان أبو مالك، رضيه الله يقول: المنافق يقطع الصلاة كما يقطع الكلب، و قال أبو مالك، رحمه الله، الكلب خير من المنافق، الكلب نجس، و ليس هو من أهل النار، ثم قال: أفمن يلقى في النار خير من الكلب. و كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن سليمان رفع لي هذه المسألة فراجعته فيها، فرجع عن الفتوى بها.
رواية ـــ روي عن النبي (ص) من طريق أبي سعيد أنه قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا (تدع ينظر فيه) أحدا يمر بين يديه، و ليدر أه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان، و قد روي عن النبي (ص)، أنه كان ينصب الحربة، ويصلي إليها.
مسألة:
قال أبو محمد، رحمه الله، إذا كانت النجاسة أخفض من المصلي أو أعلى منه، ثلاثة أشبار، لم تقطع الصلاة.
و من كان قدامه فلج جار فيه ممر النجاسة فعندي، أنه إذا بقي من الماء و بين المصلي النجاسة قدر عرض إصبعين فجائز، و إذا خطف كلب على جدار قدام المصلي، فإن كان الكلب مشى على جانب الجدار مما يلي المصلي قطع، و إن كان مشى على الجانب الآخر فلا بأس، لأن جانب الجدار الذي بينه و بين المصلي سترة.
/121/ (2/123)
صفحة 551
و من غيره ـــ قال: و قيل، لا يقطع من الدواب كلها إلا القرد و الكلب و الخنزير.
و من غيره ـــ قال: و قد قيل: لا يقطع من السباع كلها شيء.
و من غيره ـــ و حفظ جابر بن النعمان، أن طالوت السموءلي سأل هاشم ابن غيلان عن الرجل، ما يقطع صلاته؟ قال هاشم، الصلاة ليس لها حبل ممدود، و إنما تعرج إلى السماء فيصلها بر القلب و يقطعها فجوره.
قال أبو زياد: بلغني عن الربيع بن حبيب، رحمه الله، أنه قال: لا يقطع صلاة المصلي شيء من فعل غيره، و إنما يقطعها عليه فجوره فيها.
و من غيره ـــ قال، و كذلك بلغنا هذا القول عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل، ووجدت أنه إذا ثبت هذا القول فالكنيف مثله، و الله أعلم، فينظر في ذلك.
رجع ـــ و ينقض المشرك، صغيرا أو كبيرا، و الأقلف البالغ و لو أسلم، أو كان له عذر في ختانه فإنه قيل ينقض الصلاة ما لم يختتن، و لو كان له عذر والحائض و الجنب.
و قيل: عن محمد بن محبوب، رحمه الله، قال: الجنب لا يقطع الصلاة.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح، هذا غلط عن أبي عبد الله، وإن الجنب يقطع الصلاة.
/122/ (2/124)
صفحة 552
رجع ـــ و قيل: لو غسلت الحائض و الجنب إلا جارحة لم تغسل ثم مضى شيء من هذا بين يدي المصلي انتقضت صلاته، و كذلك إن مضى شيء من هذا بين المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا، أو يكون هناك سترة، فإذا كان سترة فلا يقطع على المصلي فيما مضى من خلفها، و السترة أقل ما يكون عود، رفعه ثلاثة أشبار، و في بعض ذراع، و ثلاثة أشبار أكثر القول. فحينئذ لا يقطع ما مر خلفها. و قال من قال من الفقهاء أيضا، إن الخط في الأرض يجزئ عن السترة، و رفع ذلك إلى أبي مهاجر، و أما نحن فنأخذ بقول من لم ير الخط يجزئ، و لا يقام مقام السترة.
من غير الكتاب و زياداته ـــ رفع الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن (خنبش ينظر فيه) أنه وجد في حد دقة السترة إذا أبصرت، و لو كانت في نهاية الدقة، و لو كانت كحد السيف.
و من غيره ـــ قال أبو محمد، إنه عرف عن حده، أنها إذا كانت مثل الشعرة فهي سترة.
و من غيره ـــ قال، و قد قيل، لا تكون السترة أقل من مقدار المسواك، و قال من قال بقدر الأسلة.
رجع إلى زيادة الكتاب ـــ
و من غيره ـــ و معي، قيل، إنه يجزئ الخط عند عدم السترة، و لا يجزئ عند وجودها، و قيل، الحجر ولو صغيرا خير من الخط، و أشباهها مثلها.
/123/ (2/125)
صفحة 553
رجع ـــ و أما الكنيف فلا يجزئ عنه إذا كان بين يدي المصلي إلى أقل من خمسة عشر ذراعا، إلا سترتان جداران، أو حصاوان، أو غمايان، و قال من قال: و إن كان ثوبان، مد واحد بعد واحد فهما سترتان، و أما خشبة تنصب بعد خشبة مثل السترة، فقيل، إن ذلك لا يجزئ، كذلك لو كان جدار غليظ لم يجز عن سترتين.
قال أبو الحواري: غمايان بينهما هواء.
و من غيره ـــ إن كانت شجرة عيدانها في الأرض، عود بعد عود، فهي سترة عن الكنيف.
رجع ـــ و قد قيل، إن كان الكنيف إذا كان أمام المصلي في الأرض، و هو يصلي على ظهر بيت من خلفه فلا بأس، و كذلك قيل أيضا: إن مر الكلب على جدار بين يدي المصلي فإن فضل من الجدار قدر عرض إصبعين أو أكثر فلا بأس على المصلي، و إن استفرغ الكلب الجدار كله، و لم يكن للمصلي سترة غير ذلك نقض عليه صلاته، و صلاة من صلى خلفه.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: إذا كان رفع الجدار أكثر من ثلاثة أشبار لم تقطع عليه.
رجع ـــ و قيل الإمام سترة لمن خلفه فإن مضى شيء مما ينقض بين يدي المصلي بينه و بين السترة انتقضت صلاته، و صلاة من خلفه.
و من غيره ـــ تنتقض صلاة الإمام، و أما من خلفه فلا تنتقض صلاتهم، و يقوم منهم مصل يتم بهم صلاتهم.
/124/ (2/126)
صفحة 554
رجع ـــ و إن مضى بين الإمام وبين الصف الأول انتقضت صلاة الصف الأول أو من مضى عليه منهم، و لم يضر الإمام، و لا من كان خلفه إلا ذلك الصف الأول. و كذلك إن مضى بين الصفوف انتقضت صلاة الصف الذي مر بين أيديهم، و لانقض على من كان خلف ذلك الصف و لا قدامه. و أما إن مضى الكلب أو غيره مما ينقض خلف الإمام بين يدي الصف الأول، فقيل، إن مضى على أول الصف ثم رجع قبل أن يتعدى الإمام فلا نقض عليهم، لأن الإمام سترة لهم، و إن تعدى الإمام حتى جاوزه من خلفه انتقضت صلاة الذين تقدمهم من ذلك الصف، لأنه قد جاوز بينه و بين السترة.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله عن ابن محبوب، رحمه الله، إذا مر بين أيديهم ثم رجع، انتقضت صلاة الذين مر بين أيديهم.
و قال غيره: قال، و قد قيل: إنه إذا كان ممره أو مضيه من قدام الإمام لم تنتقض على أحد، و لو كان مضى خلفه نقض على الذين مر قدامهم كما قال.
رجع ـــ و قد يدرأ المصلي من نفسه ما استطاع بلا علاج.
و عن أبي عبد الله، رحمه الله، قلت: فإذا جاءت امرأة حائض تمر بين يدي المصلي، أو مجوسي.
قال: قد قيل: إن كان قائما فليتقدم قليلا حتى يعلم ذلك أنه يريده، و إن كان جالسا أومأ إليه برأسه، قلت: و إن أشار إليه بيده و لم يعالجه؟ قال: صلاته تامة، و أنا أكره له ذلك. و قد كره له أن يمس، و أرجوا ألا يكون عليه نقض إن مر بين يديه إنسان أو دابة أو غيرها فأشار إليه بيده أو يمسه لكي ينصرف عنه ما لم يعالجه بما يشغله عن صلاته.
/125/ (2/127)
صفحة 555
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح: يمد بيده يدرأ عن نفسه. كان قائما أو قاعدا.
رجع ـــ و سألت أبا عبد الله أيضا عن ذلك، فقال: إذا مر الكلب بين يدي المصلي فأشار إليه بيده أو ثوبه كأنه يرميه بشيء فلا نقض عليه، فإن رماه بشيء انتقضت صلاته.
و من غيره ـــ و عرفت أن النار إذا كانت موقدة فإن صلى إليها المصلي فأحب أن يعيد الصلاة، فإن كان جمرا أو سراجا فلا بأس عليه.
و ما تقول فيمن يصلي على دكان برفعه ثلاثة أشبار فخطف في قبلته من يقطع عليه الصلاة، هل تقطع عليه صلاته؟ ـــ فإذا لم يمسه فصلاته تامة.
و عنه، أعني نجدة بن الفضل النخلي: و ما تقول فيمن مر بينه و بين سجوده سنور أو شاة، هل تتم صلاته ?
ـــ فالله أعلم، قد عرفت أنه إذا مر شيء من ذوات الأرواح بينه وبين سجوده فصلاته منقطعة، و أما مثل الذباب و البعوض و ما لا يقدر على الامتناع منه فلا ينقض ذلك صلاته، و اختلفوا في الخنفساء، و الله أعلم.
و هذا جواب من محمد بن أحمد السعالي، حفظه الله، فيها، فصلاته تامة، إن شاء الله، و لا يقطع عليه ما مر من ذلك إلا السنور يختلف فيه، فالذي يراه بمنزلة السباع فلا يبعد أن يلزمه إعادة صلاته، و الله أعلمك.
/126/ (2/128)
صفحة 556
و من غيره ـــ قلت، و كذلك الشاة، يعزلها عن موضع سجوده، و يمضي في صلاته، و كذلك غيرها من الدواب إلا ما يقطع من السباع مثل الكلب، فإن ذلك إذا مسه وهو في الصلاة أو وقف في موضع سجوده فسدت صلاته، و قد قيل: إن المصلي يدفع عن صلاته بما قدر من غير علاج.
و عن المرأة يجيء ولدها فيتعلق بها و يبكي و يقعد في حجرها، و يقعد قدامها من حيث تسجد، كيف تصنع؟ ـــ فإن هذه تصلي و تعزل ولدها من موضع سجودها، و تمضي في صلاتها، و صلاتها تامة.
و قيل: إن للمرأة أن ترضع ولدها وهي في الصلاة، و كذلك تحمله، وهي في الصلاة إذا كان يشغلها عن صلاتها بالصياح.
و من غيره ـــ و سئل عن رجل انحط إزاره عن سترته و هو في الصلاة، أيرفعه و هو يصلي؟ قال: إن تركه ليس عليه بأس، و رفعه أحب إلي، و عن رجل يصلي و حياله عن يمينه امرأة أو عن شماله، و هي حائض أو جنب؟ قال: إن لم تمسه فليس عليه بأس، و إن مسته فعليه النقض.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إذا مسته انتقضت صلاته، و إن لم تكن حائضا و لا جنبا، و عن أبي علي الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قد قيل: إن مست ثيابه فلا نقض عليه، و إن مست بدنه انتقضت صلاته، و الله أعلم، و إن كانت امرأة تصلي بحذاء رجل، فقيل، إن كان بينهما ست أذرع لم ينقض، و إن كان أقل نقض.
/127/ (2/129)
صفحة 557
و من غيره ـــ رجل يصلي، فجاءت امرأة، فصفت عن يمينه أو عن شماله وصلت، هل تنتقض صلاته؟
فمعي، أنه إذا كانت تصلي بصلاة نفسها، و هو يصلي بصلاة نفسه ففي بعض القول، أنها تفسد عليه إذا كانت قريبة منه دون ست أذرع، و قيل: لا تفسد عليه على حال، و إن كانت تصلي بصلاته في جماعة فهو أشد في بعض القول، و في بعض القول سواء، و يجزي في جميعه معنى الاختلاف عندي.
و سألته عن امرأة تصلي قدام رجل، و الرجل يصلي، قلت: هل تقطع عليه صلاته إذا كان كل واحد منهما يصلي صلاة نفسه؟
فقد اختلف في ذلك، و أكثر القول عندنا، أنها لا تقطع عليه صلاته، و لو كانت من غير ذوات المحارم، ما لم يمس منها محرما، و إذا كانا يصليان بصلاة واحدة فقد اختلف في ذلك، و أكثر القول عندنا، تقطع عليه صلاته ما لم تكن ذات محرم منه.
و سألته، و عن رجل صلت معه امرأة جماعة فلم تتأخر عنه، و كانت حذاءه، قال: صلاته تامة، و صلاتها منتقضة.
و سئل عن رجل يصلي و بين يديه نجاسة من دم أو بول أو عذرة، تحاذي صدره، لا يمسها هو ولا شيء من ثيابه و هي بين ركبتيه و بين سجوده، لا عن يمينه ولا عن شماله.
قال: عليه النقض.
/128/ (2/130)
صفحة 558
و من غيره ـــ قال: و قد قال من قال، ما لم تمسه النجاسة فلا نقض عليه.
و من غيره ـــ عن رجل يصلي على حصير، و في موضع منه نجاسة، صلاته تامة أم لا؟
قال: معي، أنه قد قيل إذا كانت النجاسة خلفه في الحصير فصلاته تامة.
قلت له: فإن كانت النجاسة خلفه و مست ثيابه و هي يابسة.
قال: معي، أن صلاته فاسدة إذا مسته النجاسة و هو في صلاته، أو مست ثيابه.
قلت له: فإن كانت النجاسة مديرة به خلفه و قدامه، و عن يمينه و شماله، و هو على الحصير، يصلي و لا يمسه شيء منها، و هي يابسة؟
قال: معي أنه يختلف فيه، قال من قال: تفسد صلاته، ما كان أمامه من النجاسة فيما دون خمس عشر ذراعا، و قيل، فيما دون ثلاث أذرع، و قيل، لا تفسد عليه ما لم تمسه أو شيئا من ثيابه، أو تكون في موضع صلاته و لو لم تمسه.
و إذا كان بين يدي رجل من الصف المقدم عذرة رطبة أو يابسة بينه و بينها أقل من ثلاث أذرع فصلاته تامة ما لم يكن بينه وبين سجوده أو تمس ثوبه، و لكن إذا كانت هذه العذرة، و هي رطبة، بين يدي المصلي، بينه و بينها أقل من ثلاثة أشبار، و في ثلاث نسخ، ثلاث أذرع، و هو يصلي وحده فسدت صلاته، و إن كان بينه و بينها ثلاث أذرع لم تفسد صلاته، و يعرض وجهه عنها، و في نسخة، إلا أن يستقبلها بوجهه، قول ابن المسبح.
/129/ (2/131)
صفحة 559
رجع ـــ و إن وضع فوقها حصيرا و صلى، و في نسخة، على ذلك، فسدت صلاته، لأن العذرة تلصق بالحصير، و إن لم تظهر مما يلي المصلي، فإن كانت مما لا يلصق فلا فساد عليه، إن شاء الله، و كذلك البول الرطب، و إن كانت العذرة يابسة أو بول يابس فوضع عليه حصيرا و صلى، فصلاته تامة.
و من غيره ـــ و قال من قال، لا يجوز ذلك إلا أن لا يجد إلا ذلك الموضع فإنه يجوز له من الضرورة.
قال محمد بن المسبح: لا يضع بساطا على النجاسة فتجوز فيه الصلاة، لأن الصلاة إنما هي على الأرض، و جعلت لأمتي مسجدا و طهورا، و قد روي بعض هذا الذكر بعض الخرسانيين.
قال غيره، الذي معنا أنه أراد بذلك النبي (ص) أن الأرض جعلت لأمتي مسجدا و طهورا.
رجع ـــ و قال: الطريق تقطع بين الصفوف إذا كانت من يمين وشمال أو بين الصفوف و لا بأس أن تكون أمامهم كلهم.
و قيل: إذا كان بين المصلي و بين ما يقطع نهر جار لم يقطع الصلاة، و قال آخرون: بل تقطع الصلاة.
و من غيره ـــ قال، و قد قيل هذا، و قال من قال، إن الماء الجاري سترة للمصلي، و قال من قال، ليس بسترة، و قال من قال، يقطع الصلاة.
/130/ (2/132)
صفحة 560
و الحسن من القول، أن الماء الطاهر لا يقطع الصلاة و الجاري سترة.
رجع ـــ و أما الطريق فلا يدفع عن قطع الصلاة، و لا يجوز أن يصلي أحد خلف الطريق و النهر الجاري بصلاة الإمام، و تكره الصلاة في الطريق، و قال من قال في ذلك بالنقض، و لا أتقدم على نقض صلاة من صلى في الطريق إذا كان نظيفا من ضرورة، و كذلك قد قالوا، إذا اتصلت الصفوف من عند الإمام حتى يأخذ في الطريق، أن الصلاة جائزة.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح: لا تجوز الصلاة في الطريق إلا أن يكون مثل الأودية و الظواهر التي تمر فيها الناس حيث شاءوا، كلها تسلك، فإن أقام الإمام و اتصلت الصفوف خلف الإمام في مثل ذلك الوادي أو الظاهر فلا بأس، و أما أن يتحرى الرجل يصلي في الطريق بين، أو في سكة من سكك القرى فلا يجوز.
و الضبع و الثعلب و النمر و الذئب فلا يقطع.
اختلف أبو مالك و عبد الله بن أبي المؤثر في الصلاة على الفلج الجاري، قال أبو مالك، رضي الله عنه، يقطع لأنه يحمل النجاسات، و قال أبو عبد الله، لا يقطع الماء الجاري الصلاة، لأجل أن منه الطهارات.
و السنور لا يقطع الصلاة و لو مر بين يدي المصلي و سجوده إلا أن يكون بفيه نجاسة.
/131/ (2/133)
صفحة 561
[مكرر] قال غيره: حفظت من الأثر، إذا مر شيء من ذوات الأرواح بينه وبين سجوده فصلاته منتقضة. و أما مثل الذباب و البعوض و ما لا يقدر على الامتناع عنه فلا ينقض ذلك صلاته.
و اختلفوا في الخنفساء، و الله أعلم بالصواب، و قيل، لا يقطع ما مر من ذلك إلا السنور يختلف فيه، فالذي يراه بمنزلة السباع فلا يبعد أن يلزمه إعادة الصلاة، و الله أعلم.
رجع إلى كتاب أبي جابر ـــ قال عمر بن المفضل، لا يصلي خلف نائم و لا محدث، و أما هاشم قال، لا يصلي خلف النار حتى تكون سترة بينه و بين النار إذا كانت موقدة، روي سبعة عشر ذراعا، و كذلك المقابر.
فصل
فيما يصلى عليه و ما لا يصلى عليه
و لا يصلي المصلي على بساط صوف و لا شعر، فإن صلى على ذلك و سجد على غيره مما يجوز فلا بأس، و بلغنا عن بعض الفقهاء أنه صلى على بساط كذلك، فلما أراد السجود رفعه، و سجد على الأرض، و أما إن سجد على ذلك من ضرورة فلا بأس، و كذلك قيل: يسجد على الأديم للضرورة مثل (التطوع ينظر فيه) وغيرها، و أما الصلاة في الجلود فجائزة، و ذلك مثل الشعر و الصوف، يصلي به، و لا يصلي عليه، إلا عند الضرورة.
/132/ (2/134)
صفحة 562
و من غيره ـــ قال أبو سعيد: معي أنه قيل، فيمن نسي فسجد سجود صلاته كلها أو شيئا منه على ما لم تنبت الأرض من الصوف و الشعر و الحرير، و أشباه ذلك، أنه قد اختلف فيه فيما معي، فقيل: إذا سجد سجدة واحدة ناسيا فسدت صلاته، و قيل: لا تفسد حتى يكون سجود بركعة تامة سجدتين، و قيل: ما لم يكن أكثر سجوده، و إن كان ما دون الأكثر فلا يفسد، و أما إذا سجد أكثر سجوده أو كله فصلاته فاسدة عندي، و لا أعلم في ذلك اختلافا.
و من غيره ـــ قال: و لا تجوز الصلاة في الكعبة ولا فوق ظهرها، و لا في مقدم الحجر، قلت: فما تقول في الصلاة على الصفا؟ قال: قد كره من كرهه، و أما أنا فلا أرى به بأسا.
و سألته، هل يصلى في بيوت أهل الذمة من اليهود و النصارى والمجوس؟ قال: إن كان تظهر عليها الشمس و الريح و لم تر فيها نجاسة فلا بأس بالصلاة فيها. و لا بأس على التخت الوثيقة الكبيرة العريضة أو غيرها، و كذلك الدعن المرفوعة و العرش فإذا كان على حصير فهو أحب إلي وإن لم يكن فلا بأس، و فيه شدد من شدد في الدعن المرفوعة إذا كانت متفرقة، يبصر فيها المصلي الأرض، و ليس يبلغ به ذلك إلى فساد.
و من غيره ـــ و لا بأس بالصلاة في ساحل البحر إذا جزر و بقي الموضع جافا يتمكن فيه من القيام و السجود و القعود، فلا بأس بالصلاة فيه.
/133/ (2/135)
صفحة 563
قال أبو سعيد على ما عرفنا من مذهبه على ما عنده: أنه إذا لم يجد المصلي بقعة طاهرة يصلي عليها اختلاف، فقيل، يصلي قائما على النجاسة، ويومئ للركوع والسجود قائما، و قيل: يركع و يومئ برأسه إلى موضع المسجد حتى لا يبقى من السجود إلا ما يمنعه من النجاسة، إن قدر على ذلك و أمكنه، و قيل: يسجد حيثما كان لفرض السجود و قدرته عليه بيديه، فإذا لم يقدر على زوال النجاسة فقد عدم الطهارة، و ثبت فرض السجود عليه، و قيل: إذا لم يجد إلا موضعا نجسا فلا يصلي على النجاسة، و ليس عليه صلاة على النجاسة حتى يجد موضعا طاهرا ثم يصلي لثبوت فرائض الصلاة، التي ذكرت، حتى قيل، و بقعة طاهرة، و إنما قيدنا هذا من (ما لقطنا ينظر فيه) نحن على ما نرجو من مذهب الشيخ أبي سعيد، و لا يؤخذ من هذا إلا ما وافق الحق و الصواب.
و سئل: عن مسجد مسجوجة أرضه بالجص و الناس يصلون عليه بلا حصير، قال: قد قيل جائز، لأنه مما أنبتت الأرض.
و قيل: تكره الصلاة في المجزرة و المنحرة و المقبرة و المزبلة و الحمام و قارعة الطريق و معاطن الإبل و لا صلاة أيضا على ظهر الكعبة.
و لو صلى مصل في حمام لم أر عليه نقضا، و كذلك في قارعة الطريق ما لم يعلم في الموضع الذي صلى فيه بأسا، و اضطر إلى ذلك.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: لا يجوز، و أنه ينقض على الاضطرار.
/134/ (2/136)
صفحة 564
فصل
فيما يجوز من اللباس و ما لا يجوز
و عن رجل يصلي و يجعل يده تحت الثوب على فخذه، قلت: هل ينقض ذلك صلاته؟
ـــ فإن كان مشتملا فقد أساء في ذلك، إذا جعل يده على فخذه من تحت الثوب، و إن كان من فوق الثوب فلا بأس، و إن كان ملتحفا بثوب فلا تجوز صلاته في بعض القول.
و من غيره ـــ لا يجوز أن تضع إحدى طرفي إزارك و تعطف طرته الأخرى، و تصلي.
قال غيره ـــ نعم، قد عرفنا نحو هذا عن بعض أهل العلم، و أحسب أن في ذلك خبرا عن النبي (ص) الذي يؤمر به عندنا، أن يضع على كل (منكب طرة من الثوب و يلويها، و الذي ينهى عنه عندنا أن يطرح إحدى الطرتين على أحد المنكبين ثم يلويها على المنكب الآخر، و يدع الطرة الأخرى على صدره أو تحت إبط أو على بطنه، هكذا يخرج عندنا، و الله أعلم.
مسألة:
قال أبو محمد، رحمه الله، من صلى بقميص و إزار و أدخل يديه إلى بدنه فسدت صلاته إذا كانت يداه داخلتين إلى بدنه، و إن كان متكفسا مرخيا
/135/ (2/137)
صفحة 565
كفاسه و طرتى ثوبه إلى الأرض إرسالا فذلك مكروه، و تلك تكفيسة اليهود أبدانهم إذا صلوا، مرخين ثيابهم، و إنما نهى النبي (ص) عن السدل لئلا يتشبه بهم.
مسألة:
و إذا ظهر من الصدر أو من الفخذ، أو ظهر أكثره فسدت الصلاة إلا من عذر، فإن ظهر منه أقله فلا بأس. و من التوى بثوبه و أدخل يديه إلى بدنه فتلك لبسة الصماء، و لا يتم صلاته.
و من سدل ثوبه إلى الأرض و لم يغط ثوبه صدره فتلك لبسة السدل، و لا تتم صلاته.
و من انحل إزاره حتى جاوز ركبتيه في الصلاة فهي ناقصة، و إن رفعه عليه من حينه فلا بأس، و رفع الإزار إذا انحدر عن السرة في الصلاة فجائز، و تركه جائز، و إن صلى و سرته ظاهرة فلا بأس.
مسألة:
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله: لا يجوز أن يصلي في ثوب فيه صور الدواب والطير و الهوام و البشر، و قال: قيل عن جابر بن زيد، رحمه الله، أنه قال، إذا قطع منها ما يكون فيه الروح، و هو الرأس، صلى فيه، وكذلك
/136/ (2/138)
صفحة 566
أقول، إن كان صورة لا رأس لها في الثوب مثل يد أو رجل أو عضو أنه لا رأس لها فجائز الصلاة به، و لا بأس به في المسجد.
قال عمر بن سعيد: صورة النفس إذا كانت في القبلة تكره الصلاة، و إن كانت في الثوب فلا تجوز الصلاة بذلك الثوب.
و الرجل إذا كان غير مأمون، فلا أحب أن يصلي بثوبه، و الإزار أشد.
و من غيره ـــ و قد قيل في الرجل أن عليه النقض، و المرأة في ذلك أشد إلا أن ترتدي به، كما ترتدي بالجلباب، و تبرز يديها عن فخذيها.
قال غيره ـــ فإن لم يفعلا و باشرت أيديهما فخذيهما أو جسديهما أو ما سوى الفرجين فلا بأس على صلاتهما.
و عن محمد بن محبوب ــــ رحمه الله ـــ في رجل يصلي في ثوب مشتملا به ليس به بأس أن يرد طرته على رأسه، و إن لم تغنه إلى ذلك ضرورة من حر و لا برد فلا فساد في صلاته، وهي تامة.
قال: و قد قيل عن النبي (ص)، أنه نهى عن سدل الرجل رداءه في صلاته، قلت: و لو سدله و عليه قميص؟ قال: يكره له ذلك.
و قال محمد بن نظر، و روي عن سعيد بن محرز، أنه قال: لا بأس أن يصلي بثياب اليهود، و ذكر ذلك في العسكر من نزوي و جماعة من المسلمين، أحفظ أن فيهم محمد بن محبوب، رحمه الله و أحسبه أن الوضاح بن عقبة أيضا، فلم أرهم يقبلون هذا الرأي، و كان رأيهم ألا يصلي بثياب اليهود.
/137/
و من غيره و عن رجل يتسرى بثوب لعمل صبغة أو برد، أو يكون في سفر، و تحضره الصلاة، أيجوز له أن يصلي و هو متسر أو يحل ذلك و يلتحف بثوبه ويصلي؟ (2/139)
صفحة 567
فعلى ما وصفت. فإن كان صلى كما هو جاز له ذلك إن شاء الله، إذا غطى صدره و منكبيه و متنيه جاز له الصلاة كما هو متسر، فإن له يحله و التحف عليه بثوب و صلى جاز له ذلك، و إن استرخى الثوب الذي التحف به على الذي كان عليه جاز له أن يرفعه إلى ما كان عليه و لو لم يظهر من بدنه شيء، و هذا مثل القميص، إذا كان ملتحفا عليه، ثم وقع ثوبه فله أن يرده إلى ما كان عليه. و كذلك الرجل يلتحف بثوب، ثم يلتحف من فوقه بثوب آخر عن البرد و يصلي، و يستر في الثوب الأعلى منها، أيدعه حتى يسقط أم يرفعه و يصلي، و إن يرفعه هل ينقض ذلك صلاته؟
ـــ فإن وضعه جاز له ذلك و إن يرفعه جاز له، إن شاء الله.
و من كان معه ثوب قصير لا يجيء له أن يشتمل به فقد قيل: إن أمكن له أن يعقده على رقبته، و لو وصله بحبل فليفعل، و كذلك إن كان سراويل عقد التكة في رقبته، فإن لم ينل و قدر على حبل و صلها به و عقدها في رقبته، و صلى و إن لم يجد حبلا، و قد قيل إن وجد شجرا وضعه على منكبيه و صلى، و إن لم يجد فهو معذور، و الصلاة قائما على حال أولى به، و لا يصلي هذا قاعدا إلا أن يكون لا ثوب عنده، و هو عريان.
/138/ (2/140)
صفحة 568
قال غيره ـــ معي، أنه قد قيل: إذا لم يكن الثوب يستر من السرة إلى الركبة فهو بمنزلة العريان، و يصلي قاعدا، و قيل: إذا ستر الفرجين فهو غير عريان و الفرجان القبل والدبر.
رجع ـــ ولا بأس بالصلاة في الثوب الرطب إذا كان طاهرا، ومن كان معه ثياب حاضرة، فيكره له أن يصلي مشتملا، فإن فعل فلا نقض عليه، و قد قيل، إن بعض المسلمين فعل ذلك.
و من لم يكن معه إلا ثوب فيه دم أو جنابة أو نجاسة ترب ذلك، و صلى فيه إذا لم يقدر على الماء، و قال من قال: إذا كانت الجنابة رطبة تربها و نفض ثوبه و إن كانت يابسة كسها، و إن تربها رطبة أو يابسة فحسن إن شاء الله.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح، إن كانت الجنابة رطبة تربها و نفض ثوبه، و إن كانت يابسة فركها.
و من لم يجد الماء و ترب ثوبا و صلى فيه، فقال من قال، عليه إعادة تلك الصلاة و قال من قال: لا إعادة عليه إن وجد الماء أو ثوبا طاهرا في وقت الصلاة فقد تمت صلاته، و هذا الرأي أحب إلي، و قال من قال، لا إعادة عليه، و قد صلى على السنة.
و من غيره ـــ و من رأى في ثوبه دما، و لم يكن معه غيره، و يخاف إن غسله
/139/ (2/141)
صفحة 569
فاتته الصلاة فليصل به و لا يترك الصلاة تفوت إذا لم يقدر على غيره، و من كان معه ثوب فيه دم، و ثوب فيه عذرة، و ثوب فيه جنابة و ثوب فيه بول فليصل بالثوب الذي فيه الدم إذا لم يكن مسفوحا، ثم الذي فيه العذرة، ثم الذي الجنابة ثم الذي فيه البول آخرهن.
و قيل الصلاة في الثوب الذي يصف مكروهة، و الذي يشف لا تجوز فيه الصلاة ليلا و لا نهارا، إلا أن يلتحف برداء، و هو متزر به.
قال غيره: معي أنه قد قيل في الصلاة في الثوب الذي يصف أو يشف مكروهة و لا نقض في ذلك كله، و قيل: فيه النقض كله، و قيل، النقض في الذي يشف و لا نقض في الذي يصف.
رجع ـــ و من كان عليه ثوب يشف أو ثوب يصف، و عنده ثوب فيه جنابة أو دم فليصل بالثوب الذي يصف أو يشف، وإن كان عنده ثوب فيه جنابة أو دم، وفي نسخة، و ثوب فيه دم، فليصل بالثوب الذي فيه دم. و إن كان عنده ثوب فيه دم، و ثوب حرير صلى بثوب الحرير.
قال غيره ـــ و قد قيل، يصلي بالثوب الذي فيه النجاسة، و لا يصلي بثوب الحرير، وذلك للرجال.
رجع ـــ و تجوز الصلاة في الثوب الحرير في الحرب، و لا يصلي في غير الحرب بثوب علم فيه حرير لأكثر من عرض أصبعين ثم ينقض، و إن كان أقل من ذلك فلا بأس.
/140/ (2/142)
صفحة 570
و قيل: من ربط على جرحه خرقة حرير و صلى فلا نقض عليه حتى يفضل من الخرقة إلى على الجرح أكثر من عرض إصبعين، ثم ينقض.
و من صلى بثوب فيه شعر مشرك أو أقلف أو حائض أو جنب، انتقضت صلاته.
قال غيره: و معي أنه قد قيل، لا بأس بشعر الجنب، و الحائض مثله عندي.
رجع ـــ و قيل: لا بأس بالثوب السوجي و لو عمله مجوسي، و كذلك عن أبي عبد الله، رحمه الله.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إذا لم يعلم أنه بزق فيه أو مسه برطوبة صلى فيه، و عنه أيضا في الثوب إذا عمله من لا يتقي النجاسة من نفسه، من صبي لا يتحرز، قال: فلا يصلي فيه، و ينظر في هاتين المسألتين.
و من غيره ـــ قال، و قد قيل، يصلي فيه حتى يعلم أنه نجس.
رجع ـــ و المرأة يجوز لها أن تصلي في قميص أو جلباب، و يجوز لها أيضا أن تصلي في بيتها في قميص وحده، و هو أقل ما تصلي به، و إن لم يكن الإزار بها و دخلت فيه، و صلت به فلا أرى عليها نقضا، و قد قيل، إنها إن صلت في الإزار أنها تدخل فيه بدنها و لا تمس فخذيها بيديها، و إن مست لم أر عليها في ذلك نقضا، و قيل: لا تصلي المرأة و ساقها بارزة، و لا بأس أن تصلي في بيتها و رأسها مكشوف.
/141/ (2/143)
صفحة 571
و من غير الكتاب وزياداته ـــ
و من أجنب في ثوبيه جميعا، أو تنجسا عليه ببعض النجاسات و حضرت الصلاة خلع ثوبيه و تعرى منهما، و قعد في الأرض و دفن على سوأته بالتراب حتى تغطت و صلى، فقد تمت صلاته، و كان الوجه أن يصلي بثوبيه جميعا أو أحدهما إذا كانا نجسين، إذا خاف فوت الصلاة قبل وصوله إلى الماء ليطهرهما، أو موضع يجد فيه ثوبا طاهرا، و إذا جهل ذلك وصلى فأرجو أن صلاته تامة.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله: العريان يصلي قائما، لقول الله تعالى {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}. لأن فرض الصلاة على من قدر بإجماع، و الفرض إذا وجب على وجه لم يسقط إلا بالعجز عنه.
رجع ـــ و قيل: لا بأس بالصلاة للرجل في الثوب الملحم بالحرير، كان مصرا أو سداه، و إنما لا تجوز إذا كان ثوبا تاما، و الحشو عندي يشبه اللحام.
رجع إلى كتاب أبي جابر ـــ و من النسخة التي نسخت، و من نسخة أخرى: و سألته عن الرجل، هل له أن يشتمل بثوب ثم يلتحف عليه بثوب آخر؟
/142/ (2/144)
صفحة 572
قال: ما لم يرد به خيلاء، فصلاته جائزة.
و من غيره ـــ و معي أنه قيل إنما يكره ذلك من طريق الخيلاء، فإذا برئ من ذلك فلا بأس.
رجع ـــ و عن المشتمل، هل له أن يجعل ثوبه على رأسه، و هو في الصلاة من البرد والحر أم لا؟ قال: معي، أنه قد قيل، له ذلك إذا خاف الحر و البرد.
و قيل: إن رسول الله (ص) صلى مشتملا في بيت أم سلمة زوجته.
و من غيره ـــ و لا بأس بالصلاة في الثوب الرطب و الموضع الرطب إلا أن يكون تذهب فيه القدم.
و سألته، عن المصلي إذا طرح ركبتيه إلى السجود انكشف ثوبه عن ركبتيه أو أحدهما، و وقعت على الأرض بلا ثوب تحتها و قد استوى ساجدا، هل له أن يسويهما و يدخل الثوب تحتها و لا نقض عليه؟
قال: معي، أن له ذلك.
قلت: فإن لم يفعل و تركها و صلى، هل تتم صلاته؟
قال: معي، أنه قد قيل، إن صلاته تفسد، و أرجو أن قيل، إنها تتم على الجهالة ما لم تظهر.
قلت له: فإن كان على التعمد يلزمه النقض بلا اختلاف عندك؟
/143/ (2/145)
صفحة 573
قال: معي، أن الذي يقول: إن الركبة عورة يذهب، لعله أراد، إلى ذلك، و الذي يقول: إنها ليست بعورة يقول: إن صلاته تامة، عندي على معنى قوله.
قلت له: فإن انكشف ثوبه من على فخذه، و قد قعد للتحيات، فظهر فخذه مما يلي الأرض، و لم (يستوه ينظر فيه)، هل تكون صلاته تامة، و يكون مثل الركبة في الاختلاف على الجهالة والعمد؟
قال: فأرجوا أنه كذلك، إذا كان إنما ظهر من الفخذ مما يلي الأرض.
قلت له: و كذلك الفرجان من الكوين و غير ذلك هو بمنزلة الفخذ في هذا من الجهالة و التعمد؟
قال: أرجو أن بعضا يذهب إلى أن ظهور ذلك إلى الأرض ليس كظهوره إلى الهواء، الذي ينظر أو لا ينظر، لأن الثياب ساترة ذلك، و هو غير متعبد في ذلك بما (يؤثمه ينظر فيه) في ظهور ذلك إلى الأرض، لأنه لا ينظر منه على حسب هذا، و يذهب إن فعل فلا نقض عليه، و بعض يذهب إلى أن ظهوره إلى الأرض كظهوره إلى الهواء في أمر الصلاة، لأنه منكشف عن اللباس، و الأخذ بالثقة أحب إلي. و إذا وقع الشيء أحببنا ألا يضيق على الناس ما وسعهم، و لا يوسع لهم ما ضاق عليهم.
قلت: و على قول من يقول، إنه لا نقض عليه في ذلك إذا ظهر إلى الأرض و هو قاعد، يقول: إنه إذا كان قائما أو راكعا في الصلاة و قابلت الأرض فرجيه أو أحد الكوين، و هو ساتر اللباس من الهواء، الذي ينظر و لا ينظر، يقولان: صلاته تامة على هذا، و يكون بمنزلة القاعد في ذلك؟
/144/ (2/146)
صفحة 574
قال: هذا القائم عندي أقرب، لأن هذا يكاد يمتنع منه إلا أصحاب السراويلات، و الثياب، نسخة، و اللباس.
و من غيره ـــ
و قلت: لو كان الثوب يشف، أو يصف فوضعه على صدره، و هو يقدر على غيره بطلب أو غير ذلك، هل تتم صلاته؟
فقد قيل: ذلك يجزيه.
و من صلى وعليه قميص و رداء، فسقط رداؤه على الأرض، فيتركه، و يمضي على صلاته إلا أن يخاف عليه أن يذهب به الريح أو غيرها، فيأخذ رداءه، إلا أن يكون قد تباعد عنه و يخاف عليه، يأخذه و يستأنف الصلاة، و إن لم يكن عليه إلا إزار و رداء، فسقط رداؤه، فيأخذه من الأرض على ما وصفناه، فيرده عليه، و يمضي في صلاته، فإن اشتمل بإزاره و لم يأخذه فلا بأس بذلك.
و من غيره ـــ
قال محمد بن المسبح: إن طرحت الريح رداءه خلفه بطلت صلاته و يبتدئ، إلا أن يدرك بيده ثوبه، فيرده على منكبيه، و القميص يجتزئ به إذا وقع الرداء.
رجع ـــ و سألت أبا معاوية عزان بن الصقر، رحمه الله، قلت له: هل للرجل أن يشتمل بثوب، ثم يلتحف عليه بثوب آخر، ثم يصلي، ما ترى في صلاته؟
/145/ (2/147)
صفحة 575
قال: ما لم يرد به خيلاء، فصلاته جائزة.
قلت له: فهل له أن يؤم بقوم و هو مشتمل ثم يلتحف عليه بثوب آخر؟ قال: لا يؤم كذلك.
قلت: فإن أم بهم، أعليه نقض؟ قال: لا نقض عليه.
و قيل: من سرق ثوبا فصلى فيه فصلاته تامة، و عليه الخلاص منه.
و جائز للمرأة أن تصلي في درع و خمار بلا إزار و لا رداء، و في درع و إزار ليس على رأسها خمار، و إذا صلت و رأسها بارز، و رأسها مكشوف أو شيء من بدنها فلا تنقض صلاتها إذا كانت ساترة ركبتيها و يديها على قول أبي الحواري إلا ما ظهر من بدنها من خرق.
غيره ـــ بلغنا أن الجارية إذا حاضت لم تقبل صلاتها حتى تخمر شعرها و بشرتها، و قال: على المرأة تستر قدميها في الصلاة، و صلاة الواصلة شعرها بشعر غيرها جائزة.
و عن الربيع: أن المرأة تصلي في الدرع و لا يكون عليها خمار و لا رداء ـــ أنها تستر شعرها، و قيل: تصلي في الخمار، و الدرع الصفيق.
و زعم الحسن، أن أمه أخبرته، أنها رأت أم سلمة، زوج النبي (ص)،
/146/ (2/148)
صفحة 576
في درع و خمار، ليس عليها إزار و لا رداء، قال الله تعالى {يَا بَنِي ءَادَمَ قَدَ اَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسَ التَّقْوَى}.
و يقال: الرياش ما ستر الإنسان و واراه.
و عن أبي علي، أنه اشترى قميصا بثلاثة دراهم، ثم قال: الحمد لله الذي هذا من رياشه، و معناه، من ستره، هو أصل ما ظهر من اللباس و الستارة، و الرياش أيضا الخصب و المعاش، و قرأوا، رياشا، و أكثر القول، وريشا، و قال الكسائي: هما سواء، و معناه اللباس.
و قال ابن عباس: اللباس الثياب، و الرياش المتاع و المال، و أما لباس التقوى فالعفاف، إن التقي العفيف لا تبدو له عورة، و إن كان عاريا من الثياب، و إن الفاجر بادي العورة، و إن كان كاسيا من الثياب.
و قال الحسن: لباس التقوى القرآن، و قد قرئ، بالرفع و النصب.
و سأل نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، أخبرني عن قول الله تعالى {وَرِيشًا وَلِبَاسَ التَّقْوَى}. فقال: الرياش المال.
و احتج بقول الشاعر
فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش و لا يبري
/147/ (2/149)
صفحة 577
و قال أبو محمد في قوله تعالى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. تفسير ذلك، لباس التقوى عند كل صلاة مكتوبة، و قيل: إن اللباس و الزينة المفروضة ستر العورة عند كل مسجد، أي عند كل صلاة.
و عن النبي (ص) أنه قال: كل ثوب وارى به المؤمن عورته فهو من زينة الله التي أخرج لعباده و جائز الصلاة للرجل بثوب المرأة، و المرأة بثوب الرجل، لأن جميعهم متعبدون بالطهارة، و ثياب المسلم على حكم الطهارة، و بها الصلاة جائزة حتى يصح فسادها، و فيه قول غير هذا لا عمل عليه.
و جائز للرجل أن يصلي في ثوب امرأته و غيرها من النساء اللاتي يطأ فيهن من اللحف.
و اختلف في الإزار و نحو ذلك، و يجوز أن يشتمل بثوب على القميص و يؤم و كره ذلك بعض من غير نقض، و إذا كان قميصا رقيقا و الثوب مثله، فإذا اجتمعا و لم يشفا جاز أن يؤم بهما، و جائز الصلاة بالثوب الرقيق.
و من كان عليه إزار متخرق يبرز منه فخذه أو شيء من ليته و معه رداء فالتحف بالرداء على ذلك الإزار و يصلي و يؤم أيضا فيه.
و من كان في الصلاة فوجد بولا قد خرج منه، فعن أبي الحواري أنه جائز له أن يصلي بإزاره ما لم يعلم أن ذلك البول مس إزاره، كذلك إن كان
/148/ (2/150)
صفحة 578
ساجدا أو قاعدا، فأحس بولا قد خرج منه، فلما قام وجد البول خارجا منه، أنه جائز أن يصلي بإزاره من غير أن يغسله ما لم يعلم أن ذلك البول مسه.
و الرجل إذا صلى متزرا على القميص، أو صلت المرأة متزرة تحت القميص يريدان بذلك الزين و الخيلاء فصلاتهما فاسدة، و إن كانا ناسيين فلا بأس بذلك. و قد مر قبل هذا إجازة ذلك و الله أعلم.
و من انحل إزاره حتى جاوز رسغتيه في الصلاة فهي ناقضة إذا تركه، و إن رفعه من حينه فلا بأس عليه.
مسائل الرداء:
ـــ و الصلاة جائزة بالرداء الرقيق، و ليس هو كالإزار لا يجوز إذا كان رقيقا، و قيل: إن السيف رداء و العمامة، و قيل: تجوز الصلاة بالسيف، و إن كانت حليته ذهبا، و هو رداء على القميص، و يجوز للرجل أن يرتدي على قميصين أو جبة أو نحو ذلك.
و من رأى في ثوبه دما و ليس معه غيره، و يخاف إن غسله فاتته الصلاة فليصل به و لا يترك الصلاة تفوت إذا لم يقدر على غيره، و ليس لأحد أن يصلي بثوب نجس و هو يجد غيره، فإن لم يمكنه إلا ثوب نجس صلى به و لا يصلي عريان إلا ألا يجد غيره، و إذا غسل ثوبه النجس لم يكن عليه بدل ما صلى به.
و من استعار ثوبا و صلى به صلوات كثيرة ثم قال له صاحب الثوب، إنه نجس فإنه يقبل قوله في ثوبه في الوقت، و بعد انقضاء الوقت، و يبدل ما كان صلى به،
/149/ (2/151)
صفحة 579
ثقة كان أو غير ثقة، و قيل: إن صدقه أبدل، و إن لم يصدقه لم يبدل.
و إذا كان ثوب طويل في بعضه نجاسة ففيه الاختلاف، و قال ابن محبوب: فيما أظن ما أحب أن يصلي في بعضه الطاهر و لو كان النجس خلفه.
و من حضرته الصلاة و معه ثوبان، أحدهما له، و هو نجس، و الآخر عنده أمانة و هو طاهر، ففيه قولان: قول يصلي بثوبه النجس، ولا يصلي بثوب غيره على هذه الصفة، و قول: يصلي بالثوب الأمانة، و يضمن في الصلاة، و الله أعلم بأصحهما.
و من صلى و على الكوين خرق مثل الدرهم، قال عزان: إن كان ملتحفا عليه بثوب صفيق لا يشف فصلاته تامة، و قال أكثر الفقهاء: صلاته فاسدة، و لو التحف عليه بثوب، و إن كان إماما فصلاته فاسدة.
و لا تجوز الصلاة بثوب قز ولا حرير، و لا خز، ملحم، و لا إبريسم، و جائز بالخز الخالص، و قال أبو عبد الله: لا يجوز الخز و القز لأنهما من الحرير، و قال آخرون، الخز جائز، و الله أعلم.
و قال أبو محمد: من الفقهاء من أجاز الصلاة في خواتيم الشبه والرصاص، وقال هو: لا يجوز للرجل و المرأة الصلاة بحلق الشبه و الحديد.
و قال أبو المنذر بشير: من صلى مشتملا و هو مغط يده اليسرى فلا بأس بذلك، و من صلى بعمامة و لم يتطوقها فجائز، و أما التطويق بالعمام، لأن إمام
/150/ (2/152)
صفحة 580
المسلمين أمر المسلمين به حتى يعرفوا، و لا يخالف أمر الإمام، و أما في الآثار فليس للتطويق ذكر، هكذا ذكر عن أبي محمد.
قال أبو الحسن: يؤمر ألا يرد تحت حلقه من عمامته، فإن صلى كذلك فصلاته جائزة، و لا نقض فيها إلا أنه قد خالف عمل المسلمين، و هو شبيه بأهل الذمة و لباسهم، و من اشتمل بذيل الثوب إلى أن غطى قدميه، فقد قيل إن صلاته فاسدة إذا (جاوز ينظر فيه) العقبين، كالإزار الذي يجاوز العقب، و الله أعلم. فإن كان إزار و رداء غير أن الرداء أكبر، فغمزه إلى أن غطى قدميه فلم أعلم أن ذلك يفسد، لأن ذلك لكبر الثوب، و إن لم يقدر على صرفه و لم يرد به خيلاء، و الله أعلم، و أحب أن يرفع (الطرر ينظر فيه) منه.
و عن أبي محمد في رجل صلى بثوب واحد ائتزر ببعضه و اشتمل ببعض، قال: جائز، و يكره ذيل السراويل في الصلاة كما يكره ذيل الإزار.
و قال أبو عبيد: و الذي يراد من هذا الحديث، أنه كره إسبال السراويل كما كره إسبال الإزار.
و قال أبو محمد: لا يجوز للمصلي أن يشتمل الصماء، و من صلى كذلك فسدت صلاته، لنهي النبي (ص) عن لباس الصماء في الصلاة، فلما كانت الصلاة
/151/ (2/153)
صفحة 581
لا تقوم إلا بسترة، و هذه سترة منهي عنها، كانت الصلاة باطلة، و الصماء هو أن يلتحف بثوبه عن يمينه وشماله حتى يستر طرفيه و يضم يدا على الأخرى، و يصير كالمرتبط به، و الصماء مأخوذ من الحجر الأصم الذي لا انصداع فيه و قال أيضا: الصما أن يضع يديه مع ثوبه إلى صدره.
و من صلى منكفسا و مرخيا كفاسه و طرفي ثوبه إلى الأرض إرسالا فذلك مكروه، و تلك تكفيسة اليهود أبدانهم إذا صلوا مرخين ثيابهم، و إنما نهى النبي (ص) عن السدل لئلا يشتبه بهم، و من صلى و هو مشتمل و منكفس فقد كره ذلك بعض الفقهاء إلا من برد، و من فعله لم تفسد صلاته.
و قال أبو محمد: من صلى مشتملا بثوب واحد و أدخل يده إلى بدنه فسدت صلاته، و كذلك من صلى بقميص و إزار، و أدخل يده إلى بدنه و أرخى قناتيه فسدت صلاته، و من صلى بثوب واحد ملتحفا به غير مشتمل لم تتم صلاته، و الله أعلم.
و إذا ظهر من المصلي الأكثر من صدره أو ظهره فسدت صلاته إلا من عذر فإن ظهر من ذلك أقله فلا باس.
مسألة:
و من كان عاريا في فلاة من الأرض و أصاب ثوبا فإنه يؤدي فرضه على ما يقدر و لا يأخذ الثوب، و ليس هو كالذي يضطر للطعام، فذلك عليه أن يأخذ من الطعام، و يحي نفسه، و كذلك إذا كان العريان في الحضر، و لم يعط شيئا من الثياب أدى فرضه، و على من طلب إليه أن يكسوه و لا يتركه عريان، و الله أعلم.
/152/ (2/154)
صفحة 582
فصل
فيما ينقض الصلاة و ما لا ينقضها
و سألت عن رجل وجد بلة في أنفه رسم ماء فمسحه بثوبه و هو في الصلاة، أينقض ذلك صلاته أم لا؟
فإن كان يخاف أن يدخل الماء في فيه فليس عليه بأس في صلاته، و إن لم يخف فلا يفعل ذلك، فإن فعل ذلك لم يبلغ إلى نقض صلاته، و قد قال بعض: إن صلاته منتقضة و أنا أحب تمامها إذا لم يكن ذلك يشغله عن صلاته.
و سئل عن الرجل يصلي و الثوب على فيه و منخريه، قال أكره ذلك له إلا في القر و السموم، و أما إن جلس مقعيا فلا آمن عليه النقض إلا من عذر.
قال أبو عبد الله: لا نقض عليه في الإقعاء، و قد نهي عنه.
رجع ـــ و كذلك إن مسح وجهه بثوبه في الصلاة من تراب أو عرق أو نفض كفيه من التراب.
رجع ـــ قال أبو عبد الله: إذا نفض كفيه انتقضت صلاته.
رجع ـــ ويكره له الالتفات في الصلاة و لا نبصر نقضا عليه حتى يبصر في التفاته ما خلف ظهره، و أما إن أبصر عن يمينه و شماله أو أمامه حتى يبصر و يستبين
/153/ (2/155)
صفحة 583
من يكون تحته فلا نقض عليه ما لم يشتغل بذلك عن صلاته، و كذلك أرجوا إن كان بين يديه كتاب و استبان شيئا مما فيه ما لم يشغل به عن صلاته.
ويوجد أيضا عن أبي عبد الله فيمن نظر كتابه و استبانه في صلاته أن عليه النقض.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: إذا نظر أحرفه انتقضت صلاته.
رجع ـــ و كذلك النقض على من نفخ الأرض في الصلاة، أو قلب الحصى، أو تمطى، أو نقع أصابعه، أو تزايد في التثاؤب أو غطى فاه، و قال من قال: يكره للمصلي أن يغطي فاه أو يقبض شعره أو يقعي أو يتربع أو يجاوز نظره عن موضع سجوده، أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء من ثيابه أو جسده في الصلاة، أو يلتثم، أو يكف شعره، أو ثوبه، أو يضع يديه على حاضرتيه أو يمسح جبهته من التراب، أو يسوي الحصى لسجوده، و من فعل هذا فقد أخطأ. و قال بعضهم: لا نقض عليه.
و أما التمطي فمن فعل ذلك من عذر فأرجو ألا يبلغ به إلى نقض صلاته، و يكره للمصلي أن يغمض عينيه.
و من غيره ـــ و سئل عن من غمض عينيه في الصلاة، قال: معي أنه قيل تفسد صلاته بقليل ذلك و كثيره، و قال من قال، حتى يجاوز حدا على ذلك، و قيل حتى يجاوز ركعة، و قيل حتى يغمض في الصلاة كلها، و قيل، لو غمض فيها كلها فلا تفسد صلاته، و يخرج هذا على العبث، و قيل، يفسد على العمد و الخطأ، و قيل على العمد، و ليس على الخطأ.
/154/ (2/156)
صفحة 584
رجع ـــ و شبك أصابعه أو نظر إلى السماء إلا أن ينظر منها أمام وجهه فلا نقض عليه في ذلك، و أما إن نظر من السماء فوق رأسه خفت عليه النقض.
و من غيره ـــ نعم: قد قيل ذلك. و بعض لا يرى عليه نقضا و لو تعمد لذلك، و القول الأول أحب إلي، و كل هذا فيه اختلاف، قيل، ينقض على العمد و الخطأ و قيل، ينقض على العمد فقط، و قيل لا ينقض على حال، لأن هذا كله من العبث و العبث هكذا قيل فيه.
و من غيره ـــ و يوجد في المصلي إذا نظر من السماء ما فوق رأسه، قيل، يبدل إذا كان متعمدا، فإن كان تحت سقف لم يبدل، و لم يجعلوا النظر إلى السقف كالنظر إلى السماء.
و من غيره ـــ و قال: من رفع رأسه إلى السماء و هو في الصلاة ناسيا أو متعمدا فعليه النقض هكذا حفظ أبو زياد عن هاشم بن غيلان، رحمه الله. و عن أبي عبد الله، رحمه الله، أن من حرك خاتمه بإبهام يده التي فيها الخاتم فلا بأس. و إن حركه بيده الأخرى أو بإصبع منها نقض، و ما أحب أن يبلغ به هذا إلى فساد إذا لم يشغله عن صلاته، و كل من شم رائحة و استنشقها متعمدا نقض صلاته إلا أن يشمها بلا عمد.
و من غيره ـــ قال: و قد قيل، لا نقض عليه إذا لم يشغله ذلك عن صلاته.
رجع ـــ و إن تعمم في الصلاة أو حل عمامته فقال، إنه تنتقض صلاته إلا أن تسترخي عمامته فيشدها على حالها.
و من غيره ـــ قال: إني عرفت أنه يشدها بيد واحدة، فينظر في ذلك.
/155/ (2/157)
صفحة 585
رجع ـــ و إذا خرج ثوبه من أعلا رأسه فرفعه أو ارتداه أو التحف، أو سوى ثيابه و هي مستمسكة، فلا نقض عليه في ذلك إذا كان من جهة اللباس، و كذلك حفظنا.
و يكره أيضا للمصلي أن يستقبل النار الموقدة و القبور، و الميت من دابة، أو بشر أو النائم، أو قوما يتحدثون، فكل هذا مكروه إذا لم يكن بينه و بين المصلي سترة، و لا يبلغ به ذلك إلى فساد صلاته، و كذلك في الأثر عن الفقهاء إلا الميتة، فإنه قيل إذا كانت ميت بين يدي المصلي، صغيرة أو كبيرة تلقاء وجهه، أو ميتا مطهرا أو لم يطهر، و لم تكن سترة فسدت صلاته إلا أن يكون الميت يمينا عن تلقاء وجهه أو شمالا.
و يكره للمصلي أن ينقر أنفه حتى يخرج منه شيء و لا يدخل يده في فيه أو منخريه أو أذنيه، و قيل، في ذلك النقض، و قيل، غير ذلك، و نحن ممن لا نرى في ذلك نقضا.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: إلا أن يخرج شعره.
و من غيره ـــ قال، و قد قيل، عليه النقض، أخرج شيئا أو لم يخرج، و قيل إن خرج نقض، و لا ينقض إذا لم يخرج، و قيل، لا ينقض، أخرج أو لم يخرج، و هذا كله إذا كان من غير عذر.
رجع ـــ و لا بأس على المصلي أن يخرج الذرة و اللغطة تدخل في مسمعه أو عينيه أو غير ذلك من بدنه إذا خاف أن تؤذيه، أو تشغله عن صلاته، و كذلك يخرج
/156/ (2/158)
صفحة 586
(الدبي ينظر فيه) و غيره من الدواب من بدنه في الصلاة، و لا يقتله، و قيل، إنه قتله في الصلاة نقض.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: إن مسحه بيده فلا نقض عليه و إن أخذه بيده فطرحه فعليه النقض، لأنه عمل.
رجع ـــ و أما البعوض فإن صرفه عن نفسه (فقتله الصلاة ينظر فيه) فلا بأس، لأنه جاء فيه الأثر، و يقتل أيضا المصلي الحية و العقرب إذا خافهما على نفسه.
و قال محمد بن محبوب رحمه الله، و عليه أن يستأنف صلاته إذا قتلها.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: لا نقض عليه، لما جاء عن النبي (ص)، أنه قال: اقتلوا الحية و العقرب و إن كنتم في الصلاة.
رجع ـــ و كذلك عندنا، أنه يقتل كل دابة تقرب منه، يخافها، و يستأنف الصلاة، وقيل: يقتل الحية و العقرب و يتم الصلاة.
و من غيره ـــ وإن تقدم المصلي نحو خطوة أو خطوتين في صلاته، أو تأخر فلا نقض عليه، و إن جاءته نخاعة أو مخاط فكبس، فتمخط في نعله أو في الأرض أو كان في حصر و أمكنه أن يرفعه و يبزق تحته فلا بأس.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح: إن تقدم موضع سجوده نقض، أو تأخر حتى يسجد موضع قدميه نقض، هكذا قال محمد بن محبوب، رحمه الله.
/157/ (2/159)
صفحة 587
و من غيره ـــ و قيل، إن تقدم قدر خمس خطوات فلا نقض عليه، و لا يكون أكثر من ذلك، لأن هذا يخرج من أمر الصلاة.
من غير الكتاب و زياداته ـــ
و عرفت أنا عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان، رحمه الله، أن يلقي المصلي البزاق على يده الشمال في ثيابه أو في الأرض، و يدفنها، فإن كفارتها دفنها، و قال: الشغل القليل في الصلاة للصلاة لا يقطعها، و رفع عن بعض الثقات أنه قال، في المصلي إذا تقدم أو تأخر ما لم تكن قدماه موضع سجوده، و سجوده موضع قدمه فلا نقض عليه، و الله أعلم.
رجع إلى كتاب أبي جابر: و من غيره ـــ
و قيل إن تقدم أو تأخر قدر خمس خطوات فلا نقض عليه، و لا يكون أكثر من ذلك، لأن هذا يخرج من أمر الصلاة.
رجع ـــ و قد كره من كره أيضا أن يحفر لذلك في الأرض و يدفنه حتى يصلي، و كره من كره أيضا أن يضع إحدى نعليه على الأخرى إذا بزق في صلاته إلا أن تكون واحدة فوق الأخرى قبل أن يدخل في الصلاة، فيرفع إحداهما و يبزق فيها، ثم يردها كما كانت.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله رحمه الله: لا يبزق في ثوبه إلا أن يكون في الكعبة، لأنه روى عن ابن عباس رضي الله عنه، لا يبزق في ثوبه إلا في الكعبة
/158/ (2/160)
صفحة 588
رجع ـــ و قال من قال في المخاط، أنه إنما يمث المصلي ما خرج من منخريه، و لا يتعمد لقلع ما لم يخرج من ذلك.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: يقذف من المخاط ما كان تنشج به.
رجع ـــ و إن سال من المصلي دموع في الصلاة فخاف أن يدخل فاه أو انتحت به عيناه فله أن يمثها بيده أو ثوبه، و كذلك للمصلي أن يزيل نعليه عن موضع سجوده أو ركبتيه إذا جرزتاه.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله: يضع نعليه بين رجليه، و تتم الصلاة.
رجع: و كذلك أيضا ينحيهما عن الذي تحته في الصلاة.
و إذا وقع ثوبه على إنسان، أو وقع ثوب إنسان عليه فعليه أن يخرجه، و كذلك يخرجه عن موضع سجوده، وقيل: من تنشج أو بكى في الصلاة من خوف الله فلا بأس. و أما إن تنشج لغير ذلك، أو بكى على ميت فقيل: عليه النقض.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله، إذا تنشج بقدر ما يسمعه من خلفه نقض.
و من غيره ـــ قلت له: فإن تنشج أو تنحنح لغير معنى، أو حل رأسه لغير معنى أيكون هذا من العبث؟ قال نعم، هو من العبث، و التنشج أشد، و أخاف أن يكون عملا.
/159/ (2/161)
صفحة 589
و من غيره ـــ و سألته عن رجل يغلب عليه البكاء في الصلاة لغير أمر الآخرة، و لم يستطع إمساكه، هل تتم صلاته؟ قال معي أنه قيل، إذا غلبه البكاء، أن صلاته تامة، و لو كان لغير الآخرة.
قلت له: و معك أنه قيل إن عليه النقض؟ قال: لا أعلم ذلك.
رجع ـــ و من أساغ طعاما في فيه في الصلاة أو النخاعة بعد أن ظهرت على لسانه و صار على مقدرة من لفظها، فقيل عليه النقض.
و من غيره ـــ قال أبو عبد الله، مثل الحبة و ما تحمد إساغته ينقض، و أما ما يجري في البزاق فلا بأس، هكذا أحفظ.
و من غيره ـــ قلت، فإن كان بين أسنانه شيء من الطعام فابتلعه، قال: لا يضره ذلك و صلاته تامة.
و من غيره ـــ فيمن أساغ شيئا من الطعام ناسيا، لا نقض عليه في صلاته.
و عن أبي معاوية: أن من صارت النخاعة على لسانه ثم سرطها، أن عليه النقض.
و من غيره ـــ قال: و ذلك إذا كانت من الصدر، و أما إذا كانت من الحلق أو الرأس ثم سرطها فلا نقض عليه.
رجع ـــ و كذلك إن نقر سنه بلسانه إلا أن يكون طعاما يخاف أن يقع فيه
/160/ (2/162)
صفحة 590
في الصلاة، أو يسيغه فيحركه بلا أن يشغله حتى يصير على شفته فلا نقض عليه، و كذلك اللفظة إذا كانت في فم المصلي، فقيل، يحيلها حتى تصير على شفته فلا نقض عليه، و لو أخرجها بيده ما رأيت عليه نقضا.
و من غيره ـــ قال: و قد قيل أيضا، إنه إذا أخرجها بيده لم ينقض، و قال من قال، يحيلها على شفته و لا يخرجها، فإن أخرجها نقض.
قال أبو عبد الله: من مسحها من على فيه لم ينقض، فإن أخرجها بيده ثم طرحها نقض، و إن أحالها حيث لا تحزر به في فيه فلا بأس عليه، و هو في صلاته.
رجع ـــ و عن محمد بن محبوب رحمه الله قال: من تزايد في التثاؤب في الصلاة نقض صلاته، و لو لم يسمعها من خلفه، و إن لم يتزايد في التثاؤب حتى سمعه من خلفه من الصفوف نقض صلاته أيضا، و عندنا أنه لا نقض عليه و لو سمع، لأنه مغلوب حتى يتزايد في التثاؤب.
تم الباب من كتاب أبي جابر و من غيره.
قال أبو عبد الله: إذا تزايد نقض، و له أن يضع أصابعه على فيه، و يكظم إذا تثاءب.
و من غيره ـــ قلت: فإن أدخل يده في أنفه أو في أذنيه، و قد انتحى به أو لم ينتح فأدخل إصبعه، قال: إن كان يخاف أن يشغله ذلك عن صلاته فله أن يحك أنفه و أذنه و يدخل يده في أنفه و أذنه، فإن كان لا يشغله ذلك عن صلاته فلا أحب له شيئا من ذلك، فإن فعل لم تنتقض.
/161/ (2/163)
صفحة 591
و جاء عن النبي (ص)، أنه كان إذا ركع لو كان قطرة ماء على ظهره ما تحركت من موضعها.
و من غيره ـــ و سألته عن من وقع عليه ذباب و هو في الصلاة فيضربه بيده، قال: إذا كان يشغله عن صلاته طرده، قلت: فإن وقع على عينيه فأغمض عينيه و لم يخف أن يشغله عن صلاته، أترى عليه نقضا؟ قال: لا، قلت: فإن وقع على أنفه فنفخ أنفه ليطرده، قال: هو نفخ، و النقض أحب إلي.
و سألته عن الرجل يتثاءب في الصلاة، هل له أن يجعل يده على فيه؟ قال: معي، أن بعضا يأمره أن يجعل قفا يده اليسرى على فمه، وبعض كره له ذلك. و بعض نهاه عنه.
و من غير الكتاب و زياداته ـــ قال الشيخ الرضي أبو عبد الله بن سليمان، رحمه الله، أنه إذا تثاءب المصلي وضع قنا أصابع يده اليسرى على فمه حتى يسكن، هكذا حفظت عنه، و الإمساك عن الضحك في الصلاة مفارق للضحك.
أحسب عن أبي عبد الله رحمه الله، فإذا ذكر حسابا في الصلاة، فجعل يحسبه في نفسه، فعليه الإعادة لصلاته، و إن كان لا يعتمد لذلك، و جعل الشيطان يعرض له في ذلك و هو كاره فلا أرى عليه بأسا و رغما للشيطان.
قال غيره ـــ الحساب عمل، و لا اختلاف معنا في العمل، أنه يفسد الصلاة.
/162/ (2/164)
صفحة 592
و لا تجوز الصلاة على الحديد، و لا الصفر، و لا الرصاص، و لا النحاس، و لا الذهب، و لا الفضة، و لا الشبه، و تجوز على الحب و التمر إذا أمكن ذلك، و كذلك وجدنا عن محمد بن محبوب، رحمه الله و سل عن ذلك.
و لا تجوز الصلاة في الحر الخالص و لا تجوز للرجل في القز و الحرير و الإبريسم إلا في الحرب أو في الضرورة، و تكره الصلاة للرجال و النساء في حلي الحديد و الصفر، و الرصاص، و الشبه، و النحاس، و لا يبلغ بهم إلى فساد.
و من غيره ـــ قال: و قد قيل إذا صلى في ذلك و قد علم كراهية ذلك متعمدا، يريد بذلك خلافا لقول المسلمين، و استخفافا بذلك فعليه النقض.
رجع ـــ و ما كان من ذلك ملويا عليه ذهب أو فضة للنساء فلا بأس.
و من غيره ـــ و عنده أن ما كان ملويا عليه فضة فلا بأس بالصلاة للرجال.
رجع ـــ و من صلى من الرجال بخاتم ذهب أو غيره من حلي الذهب فعليه نقض صلاته، و سل عن ذلك، إلا أن يكون حاملا، لعله لذلك، و لم يكن له لابسا، و كذلك كل شيء مما لا بأس به، حمله المصلي في ثوبه، مما لا بأس فيه و صلى فيه فلا بأس. إذا لم يكن يشغله و لا يحرزه عن صلاته.
رجع ـــ قال أبو محمد، رحمه الله، يجوز أن يصلي الرجل و في أذنيه قرط من ذهب، و في يده دملوج ذهب، و في ساقه خلخال ذهب، و في حلقه حلي ذهب، و في ثوبه حلي ذهب حاملا له فلا يفسد ذلك عليه، و لا يجوز له أن يصلي و في يده خاتم ذهب.
/163/ (2/165)
صفحة 593
الفرق في ذلك، أن الخاتم حليته، و ذلك ليس من حليته.
و قال: إذا صلى الرجل بخاتم فضة مخلوط فيه ذهب فالحكم للأغلب، إلا أن إذا كان الذهب ما اجتمع كان مثل الظفر و الدرهم لم يجز أن يصلي به.
رجع ـــ تم الباب من كتاب أبي جابر و من غيره.
قلت له: ما حد الخرق الذي لا تجوز به صلاة الإمام إذا كان في ثوبه؟
قال: قيل، إذا كان بقدر الظفر على شيء من العورة مثل فخد، أو ركبة، أو فرج من قبل أو دبر، و معي أنه قيل، حتى يخرج من إحدى هذه العورات كلها، و معي، أنه قد قيل إذا خرج منه أكثر هذه العورات أفسد، و معي، أنه قد قيل، إذا خرج منه ربع هذه العورات، و أما إذا خرج من هذا الخرق أحد الكوين، و القبل أو الدبر فمعي أنه تفسد الصلاة، و لا يبين لي فيه اختلاف.
و من غيره، و من الأثر: و سألت أبا عبد الله رحمه الله، عن رجل نسى أن يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ}. بعد فراغه من قراءة الفاتحة من صلاة الفجر في الركعة الآخرة، فرفع رأسه من الركوع، ثم قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ}. ثم ركع و سجد، و أتم صلاته، هل يفسد هذا صلاته؟ قال: لا. و سمعت سائلا يسأل عن هذه العلاء بن أبي حذيفة، فقال، نقض صلاته. قال: ثم سألت عن ذلك أبا علي رحمه الله، فقال: صلاته تامة و عليه سجدتا الوهم.
و زعم مسبح بن عبد الله أن محمد بن زيد صلى بالناس في العسكر، فقرأ حتى
/164/ (2/166)
صفحة 594
فرغ من السورة، ثم قال، صدق الله، فسئل عن ذلك بشير، فقال: صلاتهم منتقضة، و لم ير ذلك مسعدة.
و من غيره ـــ قلت: أرأيت إن زاد المصلي في صلاته ركعة تامة على النسيان هل تتم صلاته؟ قال: قد قيل فيها باختلاف، فقيل تامة، و لو كان في وسط الصلاة و قيل منتقضة، لأن الصلاة فرض مؤقت لا زيادة فيه و لا نقصان.
قلت له: فعلى قول من يقول بالتمام، إن زاد فيها ركعة على سبيل التحري عند الشك، هل يكون مثل النسيان؟ قال: معي أنه قد قال ذلك من قاله من أهل العلم فيها يخرج على مذاهبهم، و قال من قال، إنه ليس عليه كالنسيان، و هو أشد، و قال من قال و لو زاد حدا واحدا في وسط الصلاة فسدت صلاته، و لو كان ناسيا، و أما إذا زاد حدا واحدا متعمدا إذا كان قبل تمامها، و لا نعلم في ذلك اختلافا.
و عن الرجل يكون في الصلاة و يغشاه النعاس حتى لا يقدر يفتح عينيه ويجدهما كأنهما يابستان، أعليه أن يحتال في فتحهما أو يتركهما على حالهما، و لو كان مغمضا إذا كان أخف حركة من معالجته لفتحهما.
قلت له: فإن عالجهما ليفتحهما حتى ذهب عنه ذلك أو لم يزل كذلك حتى قضى صلاته، هل تتم صلاته؟
قال: عندي إذا لم يشغله عن صلاته فأرجو أن صلاته تامة إن شاء الله.
و عن الذي يصلي في مسجد فيه نقش فينظره متعمدا، هل يعيد صلاته؟
/165/ (2/167)
صفحة 595
قال: يعيد صلاته، و إن كان ذاكرا حسابا في الصلاة، فجعل يحسب في الصلاة في نفسه فعليه الإعادة لصلاته، و إن كان لا يتعمد لذلك فجعل الشيطان يعرض له في ذلك و هو كاره لذلك فلا أرى عليه بأسا، و رغما للشيطان، و إنما قيل يفسد الذي ينظر في صلاته إلى كتاب حتى يقرأه و يعرفه، فإن ذلك يفسد صلاته.
من غير الكتاب و زياداته:
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله: و من رأى رجلا قد أحدث في صلاته حدثا يوجب عليه فيه النقض فليقل له: سل عن صلاتك فإنك قد أحدثت فيها حدثا، و من قال: سبحان الله، أو بسم الله، أو لا إله إلا الله، و لو قال في شيء أفزعه: بسم الله، في غير موضعها من الصلاة، أو أستغفر الله، أو قال: صدق الله، أو تعالى الله، و لا حول ولا قوة إلا بالله، أو تبارك الله، و أشباه ذلك فعليه النقض، و لو كان ناسيا.
و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)، من أشار في صلاته بشيء يفهم عنه فليعد. و في حديث الحسن، إذا استعرب الرجل ضحكا في الصلاة أعادها، قال: و الاستعراب القهقهة، و قال آخرون: هو الإكثار من الضحك.
و قال الفضل: من نعس في الصلاة فانتبه، و هو يتكلم بكلام غير كلام الصلاة، فسدت صلاته.
و عن الفضل فيمن يصلي و إلى جنبه دم فيقع عليه ثوبه، و إذا سجد كانت
/166/ (2/168)
صفحة 596
تحت صدره أنه لا بأس عليه إلا أن يمس شيئا من بدنه تحت الثوب، أو من فوقه فهنالك يعيد صلاته.
مسألة:
و من طرحت الريح ثوبه عن منكبيه و هو يصلي أخذ ثوبه و ابتدأ صلاته، و إن طرحت الثوب على إحدى المنكبين و بقي المنكب الآخر لم تنتقض صلاته، و رد ثوبه، و بنى على صلاته.
و من كان يصلي و استأذن عليه أحد، فصفق بيديه، فقال بعضهم: لا نقض عليه، و قال بعضهم: عليه النقض. و إن كشر المصلي ضاحكا أعاد الصلاة و الوضوء، و إن حرك رجلا إلى جنبه لئلا ينعس نقض، و قيل، لا نقض.
و من غيره ـــ و أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل و الشرب، و أجمعوا على الإعادة على من أكل و شرب عامدا و اختلفوا فيه ناسيا، و اختلفوا في الشرب في التطوع، و إن حرج لقطة من ثوبه ناسيا أو متعمدا فعليه النقض.
مسألة:
أظن عن أبي زياد، أن من صلى في موضع تراب فلما قام من سجوده و هو بعد في الصلاة نفض يديه من التراب فعليه النقض.
و وجدت عن أبي مالك، أن من اغتصب ماء و توضأ به و صلى، أو اغتصب أرضا و صلى فيها فصلاته فاسدة، و من سرق ثوبا و صلى فيه ففيه اختلاف.
/167/ (2/169)
صفحة 597
و وجدت، من رفع رجليه و هو ساجد انتقضت صلاته، و عن الشيخ أبي مالك رضي الله عنه، و إن رفع رجله واحدة ففيها اختلاف.
مسائل فيها يكره للمصلي و لا ينقض ـــ
و من كلم إنسانا و هو يصلي فأومأ برأسه، يريد نعم أو لا فإنه يكره، و البدل أحب إلي.
و قال عمر بن سعيد: صورة النقش إذا كانت في القبلة تكره للمصلي، و من كان في ردائه رطوبة فرفعه عن التراب أو كان في إزاره فأرخى الرداء على الإزار لينقي التراب عنه فذلك يكره، و لا يبلغ به إلى فساد نقض صلاته.
و من قام من سجوده فعلق بحاجبه لقطة أو حصاة أو أشباه ذلك فرفع حاجبه، أراد سقوط ذلك من حاجبه، فسقط فقد انتقضت صلاته، و إن لم يسقط فلا نقض عليه إذا كان ذلك مما يخاف أن يدخل عينيه أو يؤذيه، أو يشغله عن صلاته.
رجع ـــ و يكره للمصلي أن يصلي و لا يرد تحت حلقه من عمامته شيئا، و إن صلي لم أبلغ به إلى نقض.
مسألة:
تقول: قطعت العمامة إذا لم تردها تحت الحنك.
/168/ (2/170)
صفحة 598
و من صلى و قدامه نائم أو متحدث أو جاء، أو ذاهب فهو مكروه للمصلي، و إن صلى فليس عليه بأس ما لم يستقبله للتحدث بوجهه، فيكون كالمصلي إلى صورة. و إن كان النائم مقبلا بوجهه إليه خفت عليه الفساد.
و قال أبو محمد رحمه الله: من صلى على حصير، و على طرف الحصير نجاسة فلا فساد عليه، و من دخل في الصلاة فنوى تركها بعد ثبوت عقدها فلا يفسدها ذلك، فإن نوى فسادها و ترك القراءة فيها فكان تركه للقراءة مثل ما لا يخرج من عادة الناس في الإمساك عن القراءة في الصلاة لم تفسد صلاته.
قال: إن التسليم على غير العمد لا يقطع الصلاة بإجماع الأمة.
مسألة:
و كذلك و جدت، من تأمل حسابا بقلبه، و ألفه و جمعه بيده فعليه النقض، و من سجد على ثوب رجل أو وقع ثوبه على رجل أو ثوب رجل عليه فليخرجه و لا بأس.
و قال محمد بن محبوب رحمه الله، بلغنا أن موسى بن جابر رحمه الله صلى عند غسان بن عبد الملك على بساط من بسطهم، و كان إذا سجد رفعه و صلى على الأرض.
مسألة:
و قال أبو معاوية: إذا وجد المصلي النخاعة بزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، يحفر بقدمه، و قال: يحفر مرة بعد مرة حتى يكون موضعا يستر نخاعته إذا دفنها، و له دفنها و هو في الصلاة، و لا يبزق عن يمينه و لا عن قدامه، فإن
/169/ (2/171)
صفحة 599
فعل فلا نقض عليه، و إن اجتمع البزاق و النخاعة من الرأس ففرقها فلا بأس عليه، و إن كانت من الخوف ففرقها فسدت صلاته.
و من عطس في الصلاة فقال: الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله لا شريك له، فجائز في نفسه، و إن جهر فيكره، و لا يبلغ به إلى فساد صلاته.
و عن بعض أهل العلم، أن الذي يعطس في الصلاة يتكلم بلسانه و لا يجهر بقول الحمد لله، و قال الأكثر: بحمد الله في نفسه.
و من غيره ـــ و إذا قعد صبي في موضع سجودك، أو أشغله عنك، لعله، أو شغلك عنه، فلك إخراجه بيدك، تنحيه عن جهتك حتى تسجد، و ذلك عمل للصلاة.
قال أبو المؤثر: إن أبا عبد الله عناه شيء من الضحك و أمسك على فيه، فلا بأس بذلك على من فعل ذلك على هذه الصفة، يمسك أسنانه لئلا تظهر.
قال محمد بن محبوب رحمه الله: جائز لمن يصلي النافلة أن يتكئ على حائط المسجد إذا ضعف، و أما الفريضة فلا يجوز ذلك.
مسألة:
قال هاشم: قال الأخطل بن المغيرة ورواه عن غيره، لا يتحرك الرجل في صلاته إلا أن ينحل إزاره فيشده أو يسقط رداؤه، قال هاشم: سمعت عبد الوهاب ابن جيفر يقول، مثل ذلك.
/170/ (2/172)
صفحة 600
مسألة:
و من صلى في بيت فيه غبار الوقيد وهو يدخل خياشيمه فلا يجوز، فكيف يصلي و هو مكروب، و من ارتخى ذيله في الصلاة غير مختال فلا بأس.
و في خبر، و عن النبي (ص) أنه قال: صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين.
رواية أخرى: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح و تهليل و قراءة القرآن.
و روي عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فنهينا عن الكلام، و أمرنا بالسكوت، و نهى عن الاحتضان و هو أن يضع يده على صدره و هو يصلي.
فصل
عطاء عن ابن عباس قال: سبعة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، الزناء، و هو حاقن البول و الغائط، و عبد آبق من مواليه، لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا، و لا تجاوز صلاته أذنه حتى يضع يده على مواليه، و رجل أم قوما و هم له كارهون. و رجل يصلي بغير طهور، و شارب الخمر، و امرأة قامت تصلي و زوجها عليها عاتب في حق، و امرأة قامت تصلي بغير قناع.
/171/ (2/173)
صفحة 601
و من غيره ـــ في المصلي، قلت: هل له أن يتكئ على إحدى قدميه في الفريضة و النافلة؟ قال: جائز.
و سألته، عن من قص شعره و هو جنب، ثم بقي في ثوبه منه شيء و صلى به، قال: يخرجها ويعيد صلاته.
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: صلاته تامة و ليس عليه غسل ثوبه.
و من غيره ـــ قال: نعم، قد قيل، ليس عليه غسل ثوبه، و قال من قال، عليه أن يعيد صلاته إذا صلى بها بذلك، ولو غسل الثوب و فيه الشعر لم يطهر حتى يخرج الشعر، و قيل: إذا غسل الثوب فقد أتى الغسل على الثوب و الشعر.
و سألته، عن من يصلي و هو كاشف رأسه، أيجوز له أن يغطي رأسه أو يكشفه أو يلتحف و هو يصلي، قال: لا يجوز في الصلاة شيء من العبث، و هو عمل، و هو يفسد الصلاة.
قال أبو الحواري رحمه الله، و إن اضطر جاز له ذلك من شدة الحر و البرد، و كذلك حفظنا.
و من غيره ـــ قال: نعم ذلك في الذي يدخل في الصلاة كاشفا رأسه ثم يغطيه أو يكون مغطيا له، ثم يكشف، أو يكون مرتديا فيلتحف أو ملتحفا فيرتدي، فهذا لا يجوز إلا من ضرورة من حر أو برد، فذلك جائز.
و قال من قال: لا يجوز على ما في المسألة، و أما إذا كان مقنعا رأسه فانكشف قناعه فرده فلا بأس عليه، و لا يستحب له ذلك إلا من ضرورة، و هل يجوز
/172/ (2/174)
صفحة 602
للرجل أن يشد عمامته على رأسه و هو في الصلاة ـــ فله أن يشدها بيد واحدة إذا خاف أن تسقط على جبهته في السجود.
و من غيره ـــ و عن من يصلي و رفع يده فوق رأسه ففيه اختلاف، قيل، ينقض وقيل: لا ينقض.
قال أبو مالك، رضيه الله: من رفع يده فوق رأسه لعذر لم تفسد صلاته، و بغير عذر تنقض، و من علت يده على أم رأسه من غير عذر فسدت صلاته، و يكره ذلك لمعنى.
و عن أبي عبد الله رحمه الله في رجل يصلي فوجد شيئا في الإحليل، فلما قضى صلاته ذهب ينظر فلم ير شيئا فعصره، فخرج، قال: ليس عليه بأس، و كذلك، رجل خاف أن يكون خرج منه شيء في صلاته، فلما صلى نظر فلم ير شيئا، ثم خرج و هو ينظر إليه من بعد، قال: لا نقض عليه، و من أحس بذلك في الصلاة فقد قيل ينظر و هو في الصلاة، أو يضع رأس ذكره على فخذه، و يمس بيده، فإن وجد رطوبة، و إلا مضى في صلاته.
قال أبو عبد الله رحمه الله: في رجل رأى ثوبه دما دون مقدار الظفر، و هو في الصلاة، فمضى على صلاته حتى أكملها متعمدا، أن صلاته فاسدة و عليه إعادتها، و لو أنه رأى ذلك الدم في ثوبه قبل أن يدخل في الصلاة فنسيه و لم يغسله حتى صلى في ثوبه و هو ناس له، ثم ذكره بعد انقضاء صلاته، أن صلاته تامة.
قال غيره: معي أنه قيل، إذا كان مفسدا إذا كان مقدار الظفر، ففي نقض
/173/ (2/175)
صفحة 603
صلاته على النسيان اختلاف، و من كان يعقد في صلاته الآيات أو التكبير بيده فإن ذلك ينقض صلاته في الفرائض، و أما النوافل و صلاة العيدين فإنه يكره له و لا نقض عليه، و لا بأس إن عقد في نفسه.
و قال من قال: من تفكر في صلاته في شيء من أمر الدنيا لم يفسد عليه إن شاء الله، قال: و أما بعض فقهاء المسلمين من أهل خرسان فبلغني عنه أنه قال: إذا تفكر في صلاته في شيء من أمر الدنيا متعمدا لذلك فسدت عليه صلاته، قلت: أفتأخذ بذلك؟ قال: أرجو ألا يبلغ به هذا إلى فساد صلاته إن شاء الله لأنه جاء في تصحيح التفسير في قول الله تعالى ... {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُم أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَّشَآءُ وَيُعَذِّبْ مَنْ يَّشَآءُ}. فنسختها هذه الآية {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ}. و قلت: فمن تفكر في شيء من أمر الدنيا، و هو في الصلاة أهون عندك ممن ألقى سمعه إلى استماع كلام، و هو في الصلاة، قال: نعم.
و من غيره ـــ قلت له: ما تقول في رجل يصلي في بيته في الليل أو النهار، فسمع صوتا أو هجس هجسا، فأراد أن يصغي سمعه إليه، و يترك القراءة لمعنى
/174/ (2/176)
صفحة 604
إراده من حفظ منزله أو غيره، هل له ذلك؟
قال: معي، إن بعضا يقول، له ذلك ما لم يشتغل بذلك عن صلاته إذا كان لمعنى، و بعضا يقول، إن عليه الإعادة، و هذا في الفريضة، و النافلة عندي أقرب.
و عن رجل صلى في مصلى مرتفع فصرع عنه حتى وقع على جنبه، ثم رجع، فقام إلى المصلى، فقال لا بأس عليه، و يبني على صلاته و لا يفسد ما مضى منها.
و في الذي يصلي و قد غطى وجهه أو شيئا منه أو لحيته أو فمه متعمدا أو ناسيا في كثير من صلاته أو قليل، قلت: ما حال صلاته؟
ـــ فأما الذي غطى و جهه كله و الأكثر منه في حد من صلاته عامدا أو ناسيا، فأما العمد فعليه الإعادة عندي، و في النسيان أخاف عليه، و أما تغطية لحيته فقد أساء، و لا أعلم عليه الإعادة، و أما تغطية فمه عمدا فقد قيل عليه النقض، و قيل: لا نقض عليه و النقض أحب إلى، و النسيان في هذا شبه العمد.
و قلت: إن ارتفع قدم المصلي على الأرض بعد أن سجد، و قبل أن يضع جبهته على الأرض، هل تنقض بذلك صلاته؟
ـــ فإن كان ارتفاعها من عذر فلا بأس، و أما إذا كان لغير عذر، و كان ذلك في حد سجوده فمعي أن بعضا قال: تنتقض صلاته، و بعض ذهب إلى إتمامها، و قد أساء.
و من غيره ـــ و سألته عن من يرفع قدميه من الأرض و هو ساجد، تفسد صلاته أم لا؟
/175/ (2/177)
صفحة 605
قال: إن تعمد لذلك لغير معنى فسدت صلاته، و إن كان لمعنى سجوده سهو أو نسيان فلا فساد عليه.
رجع ـــ و عن الذي يتنحنح في صلاته من غير علة أو عن تغير في حلقه أو لغير تغير، و إنما هو يتنحنح، هكذا قلت، عليه نقض صلاته أم لا؟
ـــ فإن تنحنح لشيء في حلقه لمصلح صلاته فلا بأس، و إن كان لمعنى بدل عليه غيره بذلك التنحنح فذلك يفسد صلاته، و إن تنحنح لغير معنى و لا عبث في الصلاة، و لا شيء يدل عليه فذلك مكروه و لا نقض عليه.
و من غيره ـــ و أما إن تنحنح المصلي لشيء عرض له في حلقه فلا شيء عليه في ذلك، و إن تنحنح، يريد به كلاما أو يسمع أحدا، فسدت صلاته، و سواء كان ذلك متعمدا أو ناسيا في الوجهين جميعا.
رجع ـــ و قيل إن تنحنح إذا (تقايأ ينظر فيه) أو تنحنح لغير ذلك انتقضت صلاته إلا أن يكون لشيء وقع في حلقه فلا بأس عليه.
و من كتاب الضياء ـــ و من تنحنح لنخاعة في حلقه فلا فساد عليه.
و من غيره ـــ و عن التنحنح ممن يريد حاجة، قال من تنحنح يريد بذلك كلاما أو حاجة انتقضت صلاته، و إن لم يرد بذلك شيئا فلا بأس.
و من غيره ـــ و عن من يصلي خلف الإمام، فطول الإمام في سجوده أو قعوده، فظن الذي خلفه أنه ناعس، أو ساه فأراد أن ينتبه، فتنحنح له لينتبه و ليذكر و لم يسبح له، قلت له: هل تنتقض صلاة من تنحنحه لهذا المعنى؟
/176/ (2/178)
صفحة 606
فمعي أنه يختلف في مثل هذا المعنى، و يعجبني إذا كان في أمر الصلاة و مصالحها، أن يسع ذلك.
و زعم عمر بن المفضل، أنه سأل بشيرا عن الرجل ينشر في الصلاة، فقال من قال، يقف حتى يفتر ثم يصلي، قال: سألت عن ذلك أبا عثمان فقال: يمضي في صلاته.
و عن عورة المصلي إذا أبصرت الأرض و هو يصلي، هل تتم صلاته؟ قال: فلا تتم صلاته، و من كشف عورته بالأرض كمن كشفها بالسماء.
و سألته: عن المصلي إذا سجد على حصاة صغيرة، تأخذ أقل سجوده من جبهته، أتتم صلاته أم لا؟
قال: إذا كان ذلك من غير عذر، و هو يمكنه غير ذلك، فأحب أن يعيد صلاته، و إن كان لعذر تمت صلاته.
قلت له: و ما العذر الذي تتم به الصلاة؟ قال: فمن ذلك ألا يجد موضعا غيره.
قلت: فإذا أخذت تلك الحصاة نصف سجوده من جبهته أو أكثر تمت صلاته إذا كان من غير عذر؟
قال: إذا أخذت أكثر موضع سجوده أحببت تمام صلاته، و إذا كان أقل من ذلك من غير عذر أحببت له الإعادة.
/177/ (2/179)
صفحة 607
و سألته: عن من جهر بالحمد في الصلاة بعد أن عطس متعمدا، ما تقول في صلاته، تامة أم لا؟
قال: فإذا جهر متعمدا فقد قيل، إن صلاته فاسدة، و قيل تامة، و أحب إلي على النسيان و الجهل أن تتم، و على العمد و خلاف المسلمين أن يعيد.
و من غيره ـــ و كيف يحمد الله العاطس إذا عطس و هو في الصلاة؟
قال: قالوا، يحمد الله في نفسه، يقول، الحمد لله لا شريك له.
قلت: فإن حمد الله بذلك و جهر؟ قال أبو محمد، له أن يجهر، و لا أتقدم على نقض صلاته.
و رجل يصلي فجشا، فنفخ الريح، جاهلا أو متعمدا أو ناسيا، هل تتم صلاته؟ ـــ فقد قيل: لا تتم على حال، و عن رجل يصلي فجشا آخر فحمد الله هو، هل تتم صلاته؟
ـــ قد قيل باختلاف، و أحب أن يتم على النسيان، و يعيد في الجهل و العمد.
و قال أبو عبد الله ـــ رحمه الله ـــ في الرجل يكون في الصلاة فيعطس فقال، يقول الحمد لله، فإن رجع عطس فيقول، الحمد لله و لا يجهر بها، و عن الرجل إذا عطس. فقال، الحمد لله بينه و بين نفسه، و حرك شفتيه، هل تنتقض صلاته؟
قال: عندي، أنه يختلف في ذلك.
/178/ (2/180)
صفحة 608
قيل له: فإن جهر بقول الحمد لله لما عطس على أثر العطاس؟ هل تنتقض صلاته؟
قال: معي أنه قيل إذا قال ذلك بلسانه بينه و بين نفسه كما يقرأ في الصلاة إذا كان وحده، فسمعه من خلفه.
و من كان في قرية و لم يخرج ذلك جهرا على وجه الجهر، فعندي أن هذا مما يختلف فيه، و إن كان جهر بذلك على وجه الجهر الذي يخرج جهرا من غير عذر، فعندي أنه قد أتى بما لا يجوز له أن يأتيه في الصلاة على معنى قوله.
من كتاب الضياء ـــ
عن بعض أهل العلم، أن من عطس في صلاته تكلم بلسانه الحمد لله و لا يجهر بذلك، فقال الأكثر إنه يحمد الله سرا في نفسه.
و سألته: عن المصلي إذا ضجر في الصلاة، أو قال أخ، أو آخ، من غير معنى، قال: أما الضجر فهو عندي من العبث، و أما قوله أخ أو آخ فهو عندي يقع موقع الكلام.
قلت: فإن نهم في الصلاة؟ قال: النهمة عندي أشد من العبث، فتقوم مقام الكلام في الصلاة.
قلت له: و كذلك، إن راوح بين قدميه لغير معنى، أو استنشق رائحة نتن أو طيب، هل يكون هذا من العبث؟
قال: نعم هو عندي عبث.
/179/ (2/181)
صفحة 609
و سألته عن العبث في الصلاة على التعمد و الجهل والنسيان، هل يفسد الصلاة؟
قال: قد قيل إنه يفسد الصلاة على كل حال، و قيل يفسد على العمد و لا يفسد على النسيان، و قيل، لا يفسد على التعمد و لا النسيان ما لم تقم مقام العمل و أحب إلي أنه تفسد على العمد بالعبث مع الذكر للصلاة، فإذا عبث (عامدا ينظر فيه) للعبث و هو ذاكر لصلاته على غير خطأ أحببت الإعادة.
و عن المرأة إذا توركت في الصلاة، و فيها برنان، فترفع رجلها العليا على السفلى و ترتفع عن الأرض من أجل البرنين، هل تتم صلاتها على ذلك؟
ـــ أرجوا أن صلاتها تامة على ذلك، إنشاء الله، و لا ترجع تفعل ذلك على التعمد، فتخرج البرنين إن كانت تشغل بهما من أحكام الصلاة، فإنه لا خير فيهما عند ذلك.
و عن من عطس أو تثاءب أو قحب أو تنحنح أو تنشج و هو في الصلاة، ما يلزمه؟
ـــ فأما العطاس و القحاب فلا شيء عليه في ذلك، و أما التنشج في أمر الآخرة فلا شيء عليه، و أما إن كان تنشج على شيء من أمر الدنيا فسدت صلاته، و أما إن تنشج في شيء من غير معنى و لم يتعمد لذلك فلا شيء عليه.
و عن نجدة بن الفضل النخلي، و ما تقول فيمن سجد على ذي روح مثل سقاط أو غيره، هل تتم صلاته؟
/180/ (2/182)
صفحة 610
ـــ فالذي عرفت أن مثل هذا لا ينقض الصلاة، إذا كانت جبهته أكثرها ينال الأرض، و الله أعلم.
و عن سعيد بن محرز ـــ رحمه الله ـــ فيمن يكشر في الصلاة فإنه تنقض صلاته و من قهقه انتقض وضوؤه وصلاته، قلت له: و ما القهقهة؟ قال: إذا علا الصوت و اهتز البدن.
و سألت أبا سعيد ـــ رحمه الله ـــ عن القلب إذا تحرك بالضحك في الصلاة و لم يبسم المصلي و لم يقهقه، قال: إن بعضا يقول: إن تحرك القلب بالضحك هو من الضحك.
قلت له: فعلى قوله هذا تفسد الصلاة و الوضوء، أم الصلاة و حدها؟
قال: معي، أنه يقول، إنه من القهقهة لأنه حركة في حسب ما يذهب إليه، و رأيته يومئ أن بعضا يقول، إن حركة القلب ليس بشيء حتى يقهقه هو أو يبسم، و عرضته عليه، هكذا معي أن بعضا يذهب إلى هذا.
و حفظ محمد بن جعفر عن محمد بن عمر عن أبي علي، أنه إن ضحك المصلي في صلاته ما دون القهقهة و كشر الأسنان فلا نقض عليه في صلاته و لا وضوئه.
و من غيره ـــ و عن من يعنيه ضحك في الصلاة فسد فاه سدا شديدا من شدة الضحك حتى لا يبرز من أضراسه شيء فلا نقض عليه في صلاته.
و عن رجل عرض له في الصلاة ضحك فأمسك عن الصلاة، و بقي لا يضحك
/181/ (2/183)
صفحة 611
و لا يصلي حتى يذهب الضحك، ثم مضى في صلاته و لم يضحك و لم يبتسم، أنه لا بأس عليه ما لم يضحك و لم يبتسم.
قلت له: فإن بقي ممسكا في الصلاة واقفا فيها، فقال: لا بأس عليه.
و قد سمعنا أن عمر بن الخطاب ـــ رضي الله عنه ـــ رأى ابنه يصلي، و هو يكف شعره، فجاء عمر ـــ رحمه الله ـــ فدلك شعره بالتراب و ضربه، و أمر الحجام فقصه.
قال أبو المؤثر: أربع نفخات مكروهات، نفخة في الطعام، و نفخة في الشراب و نفخة في الرقية، و نفخة في الصلاة.
و من غيره ـــ قال: و لا نقض على من صلى على قبر، و لكنه مكروه.
و من غيره ـــ قال أبو سعيد في المصلي إذا كان يسلم في الشفع الأول من الهاجرة و العصر جاهلا لذلك في موضع التمام، فقيل صلاته فاسدة، و قيل: صلاته تامة لأجل جهله.
و يوجد هذا القول عن أبي الحواري، و على هذا قول من يقول، إن الجاهل يشبه الناسي في معاني الصلاة، و أما على قول من لا يرى ذلك يلزمه النقض و لا يعذر بالجهل.
و عن من يجد قملة ميتة في ثوبه ثم يخليها و لا يخرجها حتى صلى بها من بعد أن رآها في ثوبه، قلت: هل عليه إعادة الصلاة؟ و إن فاتت الصلاة ما يلزمه؟
/182/ (2/184)
صفحة 612
ـــ فعلى ما وصفت فليس عليه إعادة الصلاة، كانت في بدنه أو في ثوبه، على حسب ما حفظنا من قول الشيخ أبي الحسن، رحمه الله، و أما ما وجدنا عن أبي الحواري رحمه الله، أن عليه الإعادة، و قولنا الأول، و الله أعلم بالصواب.
قال أبو سعيد: في من صلى ثم علم أن في بدنه أو في ثوبه دما نجسا غير مسفوح، فقال من قال، لا تفسد صلاته على حال كان الدم، في البدن أو في الثوب إذا كان أقل من ظفر، و قال من قال: تفسد صلاته على حال في البدن أو في الثوب، و قال من قال، في البدن دون الثوب، و أشبه بأصول أصحابنا، أن عليه البدل، و يعجبني أن يكون عليه الإعادة، و تصحيح آثار أصحابنا و ما بنوا عليه أصولهم.
و من غيره ـــ و في حفظ أبي سعيد رحمه الله، عن الرجل إذا أكله شيء في رجله، أنه يؤمر أن يحك ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، فإن حكها برجله الأخرى، فلا بدل عليه.
و قيل: من صلى و هو عاقص شعره فعليه النقض، و في نفسي من ذلك، فينظر فيه، و لا أحب مخالفة الأثر، و قال من قال: مكروه، و لا نقض عليه فيه.
و رجل جاءته النخاعة فخشعها حتى صارت على لسانه، فعزقها متعمدا أو ناسيا أو جاهلا، قلت، هل تتم صلاته؟
قال: إذا كان دلك من رأسه أو من حلقه فقد قيل تتم، و إن كان من صدره فقد قيل، صلاته على العمد تفسد، و أما على الخطأ فلا يعجبني تفسد.
/183/ (2/185)
صفحة 613
و رجل ساجد أو راكع أو يقرأ التحيات، قلت له: هل يجوز له أن يتقدم أو يتأخر في صلاته إلى خمس خطوات، أو عن يمينه أو شماله؟
ـــ فقد قيل ذلك، و هو أكثر ما عرفنا، و قيل إلى قدر خطوة أو خطوتين.
و زعم مخلد أن بشيرا سئل عن رجل صلى في ثوب به بول شاة، فقال: إن كان قد يبس فلا يعيد صلاته.
و من انتقضت صلاته ببعض الأحداث فإنه يستأنف الصلاة إلا في القيء و الرعاف، فإن الأثر الذي لا يختلف فيه أن من عناه في صلاته قيء أو رعاف انفتل و توضأ و يبني على صلاته، و له أن يتوضأ حيث كان الماء، و يبني على صلاته إن شاء في موضعه، و إن شاء في غيره. و لا يضره مشيه إلى الوضوء و لا حمل نعليه و لا ثيابه، و استقاء الماء لوضوئه، و إن كان إماما ففي بعض الرأي أنه يجوز أن ينتظره القوم حتى يتوضأ و يتم بهم صلاتهم، و في قول آخر، إنهم لا ينتظرونه، و هذا الرأي أحب إلي.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح، لا ينتظر، لأن الأثر جاء أن يقدم رجلا.
رجع ـــ و إن تكلم صاحب القيء و الرعاف بشيء مما ينقض علي المصلي صلاته و لو قال باسم الله، لا نتقضت صلاته، و كان عليه أن يستأنف الصلاة إذا توضأ، و كذلك إن مسته أو خرج من فيه دم أو غيره مما ينقض الصلاة، انتقضت صلاته، و يستأنف الصلاة إذا توضأ.
و قال أبو عبد الله رحمه الله، في من صلى مع الإمام ركعة ثم انصرف لقيء أو رعاف فتوضأ، ثم رجع، و قد صلى مع الإمام فأدرك عندهم الركعة الآخرة، قال: يستأنف الصلاة، و القياس غير هذا، و لكن ندع القياس و نأخذ بالاحتياط.
/184/ (2/186)
صفحة 614
قال غيره ـــ قال: قد قيل هذا. و قال من قال، يستعد بما مضى من صلاته، و يدخل فيما بقي من الصلاة، و يبدل ما فاته مع القوم مذ فارقهم.
رجع ـــ و من تبسم في صلاته حتى تخرج أسنانه انتقضت صلاته، و إن تماسك حتى لا تخرج أسنانه فلا نقض عليه، و عن رجل خاف على نفسه الضحك في صلاته، فسلم في غير موضع التسليم ليسلم له وضوؤه مع صلاته، فلا ينتقض و أخاف أن يأثم بقطع الصلاة لغير معنى.
و قال أبو زياد: أرجو أن يسلم له وضوؤه لأنه قد سلم متعمدا قبل أن يضحك.
رجع ـــ أبو عبد الله، وقف عن نقض وضوئه، و من قهقه بالضحك في صلاته انتقض وضوؤه و صلاته.
و حفظ لنا الثقة عن أبي عبد الله رحمه الله، إن القهقهة هي التي يتحرك منها القلب و البدن في الصلاة و قال بعض الفقهاء، إن قهقه قبل أن يحرم في الصلاة، أو بعد ما قضى التحيات الآخرة فلا نقض على وضوئه و لا صلاته، و يكره للمصلي أن يراوح بين قدميه في الفريضة، و لا بأس في النافلة.
و من غيره ـــ و يوجد في الأثر، و أما الذي يراوح بين قدميه في الصلاة بغير عذر فأرجو أن ينهى من ذلك، و لا أعلم فيه فسادا، إلا من طريق العبث إن كان عابثا، فيختلف عندي في صلاته على هذا، و كذلك في اليدين و الركبتين إذا كان مراوحة، و أما أن يكون اعتماده، على ذلك، و يرفع الأخرى، فمعي أن هذا أشد، و يخرج عندي معنى الاختلاف في صلاته إذا أتم على هذا الحد الذي هو
/185/ (2/187)
صفحة 615
فيه، و أما ركوعه إذا جعل إحدى يديه على ركبتيه و لم يجعل الأخرى فذلك مما يكره. و لا أعلم ذلك مما يفسد على حال و لا يشبه عندي في ذلك الاختلاف.
رجع و قال أبو عبد الله رحمه الله، من شبك أصابعه في الصلاة نقض صلاته و قال بعض، إنه مكروه، و من أكل رجليه بعوض أو غيره، و هو قائم يصلي.
قال: أما في الفريضة فلا يمسح برجل على الأخرى، و أما النافلة فلا يبلغ به ذلك إلى فساده.
و من غيره ـــ قال محمد بن المسبح، لا بأس إن مسح برجله على الأخرى من البعوض، و إن كف عن ذلك فهو أحسن.
رجع ـــ و أما من حك ـــ في نسخة ـــ إن حك بيده فلا بأس، و أحب النظر في القدم أيضا.
و من غيره ـــ عن أبي سعيد، رحمه الله، عن الرجل إذا أكله شيء في رجله أنه يؤمر أن يحك ذلك بأدنى حركة يقدر بها على إزالة ذلك، فإن حكها برجله الأخرى مثلا فلا بأس عليه.
رجع ـــ قال: و قد قيل: يكره جلد الأسد و النمور أن تلبس و تكسى السروج.
و المرأة إذا وضعت ولدها و هي تصلي فلا بأس إذا لم يكن به قذر.
و من عطس في صلاته حمد الله في نفسه، يقول، الحمد لله لا شريك له، فإن جهر بالحمد فإن ذلك يكره له، و لا يبلغ به إلى فساد صلاته، و إن جهر بغير الحمد لله لا شريك له أو زاد عليها.
/186/ (2/188)
صفحة 616
و عن أبي عبد الله قال: أخاف أن تفسد عليه صلاته إذا قال بغير ما أمر به و إن تكلم بكلمة من صلاته بعد أن عطس، ثم حمد الله من بعد، فقال، إن صلاته تنتقض حتى يحمد الله على أثر العطاس.
و قد حفظت عن بعض أهل العلم، أن الذي يعطس في الصلاة يتكلم بلسانه بالحمد لله، و لا يجهر به.
قال أبو عبد الله رحمه الله، من عض بأسنانه على شفتيه من خارجهما متعمدا و هو في الصلاة لم تنتقض صلاته، و قال في من يقول في التكبير من الصلاة أو الكلمة من التحيات مرتين أو أكثر من ذلك، و قد استيقن على التكبير أو الكلمة الأولى، قال: لا أحب له ذلك و لا ينقض عليه.
و من غيره ـــ و قد قيل: إذا تعمد لذلك من غير عذر و لا أظن أن ذلك يجوز له نقض.
رجع، و من غير الكتاب و الزيادة.
عن النبي (ص)، لا صلاة لملتفت.
عائشة قالت: سألت رسول الله (ص) عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد.
/187/ (2/189)
صفحة 617
مسألة:
و قال أبو محمد ـــ رحمه الله ـــ من غطى فاه في الصلاة فسدت صلاته، و من صلى في بيت فيه غبار الوقيد، و هو يدخل خياشيمه فلا يجوز، و كيف يصلي و هو مكروب.
و في روايه عن ابن مسعود ـــ رحمه الله ـــ أن النبي (ص) رأى رجلين، أحدهما ينقر في سجوده و الآخر مرخيا إزاره في الأرض فقال (ص)، أحدهما لا ينظر الله إليه، و هو الذي سحب ذيله، و الآخر لا يغفر الله له، و هو الذي ينقر في سجوده، و صلاة مقرون بها الوعيد لا تجوز.
مسألة:
أجمع أهل العلم على أن من تكلم في الصلاة عامدا و هو لا يريد به إصلاح صلاته، قالت طائفة: عليه الإعادة، و قال قوم: لا إعادة عليه، و اختلفوا إذا تكلم ساهيا، فقال قوم: يبني على صلاته و لا إعادة عليه. و قال قوم: يستقبل صلاته.
و من تجشأ في الصلاة ففتح فاه لتخرج الريح، قال: لا بأس ما لم ينفخ.
و قيل في شعر الحائض و النفساء إذا كانا في ثوب المصلي لم ينقض عليه كشعر الجنب، و لا ينقض الخرق إذا كان في ثوب المصلي إلا أن تظهر من الخرق إليته كلها، فأما إذا كان الخرق على نفسى (كوا ينظر فيه) الدبر أو خرج منه رأس الذكر انتقضت صلاته إلا أن يكون فوق ذلك رداء ملتحفا به فتتم صلاته، و إن كان إماما
/188/ (2/190)
صفحة 618
انتقضت صلاته، لأنه كان يصلي بثوب واحد. كذلك عن أبي عبد الله ـــ رحمه الله ـــ:
و من غيره ـــ قال: و قد قيل: إذا التحف عليه جازت صلاته و صلاتهم.
رجع ـــ و السيف إذا كان به دم يترب و (يصلي ينظر فيه) به، و ليس على صاحبه أن يغسله بالماء.
قال محمد بن المسبح: إذا لم يجد ماء، و كان الدم رطبا شحطه بقدمه بالتراب، ثم صلى به، فإذا وجد الماء غسله، و إن غمده بدمه لم يصل به مغمودا حتى يخرج بطائنه.
قال غيره: و قد قيل إذا غمد السيف أو المدية صلى بهما، و ليس عليهما غسل و لا بأس، و ذلك، أن الغمد ستر لهما، و قال من قال، في السيف خاصة، و على المدية الغسل، و قال من قال: عليهما الغسل جميعا، فإذا لم يوجد ماء تربا، فمتى وجد الماء غسلا، و السيف أقرب في هذا.
في المتطرف من القيء و الرعاف.
قلت: فإنه لما أراد أن يتوضأ قال: بسم الله، قال، أخاف أن يفسد عليه ما مضى من صلاته، و يستأنف الصلاة.
و من غيره ـــ فإن ذكر المصلي النار، فاستجار منها في صلاته، قال: فإن تحرك بذلك لسانه فسدت صلاته و إن كان في نفسه و لم يتحرك لسانه رجوت أن لا نقض عليه.
/189/ (2/191)
صفحة 619
و قال أبو عبد الله، من قنع رأسه أو كشف عن رأسه القناع في الصلاة من حر أو برد فلا بأس.
و عن الشيخ أبي الحسن: قلت: ما تقول بالصلاة في مسجد مسجوج بالجص؟ قلت: أجائز الصلاة عليه أم لا؟
ـــ فنعم، جائز الصلاة عليه معنا ـــ إن شاء الله ـــ.
مسألة:
في المصلي، قلت له، فإن أصابه النعاس في الصلاة، فوقع لجنبه ناعسا ثم انتبه، يبني على صلاته أم يبتدئ؟
قال، معي، أنه على قول من يقول، لا تفسد صلاته بالنعاس في الصلاة يرى أن صلاته تامة، و لا فرق في ذلك، و الذي يفسد بالنعاس يفسد صلاته على معنى قوله.
قلت، فإن غلبه النعاس على سد عينيه، أتتم صلاته؟
قال: معي، أن ذلك معناه النعاس على معنى قوله.
قلت، فإن لم يقدر على ذلك و فعل ذلك؟
قال: معي، أن في ذلك اختلافا، و رأيته كأنه يذهب إلى فساد صلاته على معنى قوله.
/190/ (2/192)
صفحة 620
و قال في من أساغ شيئا من الطعام في الصلاة ناسيا، أنه لا نقض عليه في صلاته.
و قيل: المرأة إذا أرادت معنى في الصلاة تصفق بيديها على فخذيها و لو عشر مرات، و يجوز أن تضرب أصابع يدها اليمنى على باطن كفها الأيسر، و إن سبحت فلا بأس.
و يكره للمرأة أن تصلي و هي منتقبة.
و من خاف على نفسه الضحك فبادر، فسلم في غير موضع التسليم ليسلم له وضوؤه، فلا ينتقض وضوؤه، و أخاف أن يأثم بقطع الصلاة لغير معنى.
و من صلى في بيته و صلت امرأته عن يمينه وحدها فلا بأس، و من صلى في عرض البيت و صلت امرأته قصده في عرضه أيضا فلا بأس.
قال أبو عبد الله، و قد كنا نفعل ذلك في المسجد الحرام، و من صلى في المسجد الحرام و امرأة تصلي قريبا منه في المسجد حذاءه، فلا بأس.
و قيل لأبي محمد: فكيف جاز لهما أن تصلي بصلاته و لا يفسد، و هي في القرب منه و تفسد عليه و هي في البعد منه؟
قال: ذلك جائز في صلاة الجماعة.
/191/ (2/193)
صفحة 621
و إذا استأذن رجل على رجل و هو في الصلاة فأحب أن يدخل فسبح له فلا بأس.
و قال محمد بن محبوب، من كان يصلي فاستأذن عليه رجل و أخبره خبرا، فأراد أن يسبح له، فإنا نرى له في الصلاة شغلا.
و من عرض له شيء في صلاته فغمز عينيه بالتعميص لما عرض له، فعن أبي عبد الله، لا بأس بذلك إلا أن يريد بفعله إشارة و رمزا، و من أومأ برأسه في الصلاة لرجل يكلمه، يريد نعم أولا لم تفسد عليه صلاته، وكره بعض ذلك، و البدل أحب إلي.
و من دخلت رجله في خرق ثوب و هو يصلي فليخرجها من الخرق و لا يقطع صلاته، و للمصلي أن يرفع إزاره و شده إذا انحدر عن سرته، فإن تركه و صلى و سرته ظاهرة فجائز، و قيل السرة أهون من الركبة و رفعه أحب إلينا، و إن استرخى الإزار حتى تظهر العورة ابتداء الصلاة، و العورة الفرج، مثل القضيب و ما يشبه من المرأة، و إن انحل قليلا يتماسك تركه.
قال أبو المؤثر: لا يرفعه حتى يخاف سقوطه، فإن أمسكه و هو مسترخ فلا أرى ذلك، و له أن يرفع عمامته عن جبهته و يسترها إذا سقطت و هو يصلي، و إن انكشف ثوبه عن منكبيه أو ظهره رده عليهما، و إن ألقت الريح ثوبه عنه إلى الأرض فله أن يقعد و يأخذه، فإن ألقته عن يمينه أو شماله أو أمامه، قدر ذراع أو ذراعين فوق موضع سجوده، فقيل: يسحب رجليه إذا مضى إليه، و يخطو
/192/ (2/194)
صفحة 622
قدر خطوة، و قيل خطوتين، و إن ألقته خلفه فله أن يرجع خلفه من غير أن يصفح بوجهه مدبرا للقبلة، و كذلك لو منعت عن السجود و عوثة الأرض، أو كان لا يتمكن في الموضع الذي هو فيه من الصلاة فله أن يزحف إلى نحو المقدار الذي ذكرته فيصلي فيه، و هذا عمل للصلاة، و إن لم يكن من الصلاة، لأن الفقهاء قد أجازوا العمل القليل في الصلاة ما لم يخرج مما عليه الناس من أفعالهم في الصلاة، نحو شد الإزار و تسوية الرداء و إماطة الأذى و مسح الحصى للسجود، و تسوية الأرض لذلك، و قتل الهوام المؤذية في الصلاة، و الانتقال من موضع إلى موضع قريب، فهذا و نحوه جائز.
و إن تقدم المصلي خطوة أو خطوتين أو تأخر فجائز.
و يجوز للمصلي أن يصلي على ثوب أو صوف أدم، و يكون سجوده على التراب، و كفاه و ركبتاه و قدماه على الثوب، و من وقع عليه سقاط أو (دبى ينظر فيه) و هو يصلي فليخرجه و لا يقتله، فإن قتله نقض، و أما البراغيث و البعوض و الناخي فإن وقع عليه فقتله في الصلاة فلا نقض عليه في قتله و لا دمه، هكذا جاء في الأثر. و إذا و قف في موضع سجود المصلي فله أن يعزله بيده، فإن لم يفعل و سجد في موضع آخر فهو أفضل.
مسألة:
و للمصلي قتل كل دابة يخافها على نفسه، و للمصلي إذا امتخط فخرج منه شيء من دم مع مخاطه فعن جابر بن زيد رحمه الله، أنه قال: لا بأس به فليتم صلاته،
/193/ (2/195)
صفحة 623
و من وجد خشونة في حلقه فمادام يقدر على القراءة و التكبير فلا يتنحنح، فإذا أمسك عليه فعل ذلك.
و قال أبو علي: من وجد في صلاته ريحا و إن تجشأ وجد راحة، و إن ترك عناه أذى فما نرى بأسا عليه إذا احتاج إليه.
و قال أبو عبد الله: إذا جلب الجشأ نقض، و إن جاءه ذلك فلا بأس عليه.
و قال أبو محمد: إذا سأل من أنفى المصلي مخاط فشغله فإنه يأخذه بيده، ما كان بطرف أنفه و لا يستقصي على المخاط من أنفه فتفسد صلاته.
و من كان يصلي فوقع عليه ثوب نجس فليطرحه عنه، و يبني على صلاته.
و قال أبو الحسن: من مسه في الصلاة ثوب نجس لم تتم صلاته، كان مسه قليلا أو كثيرا، أنه لا تجوز الصلاة لأحد و النجاسة تسدعه، و لا بها و لا عليها.
و من صلى و هو يسير على دابة فراعت في الطريق فله ردها إلى الطريق، فإن وقفت فليحركها بفخذيه، و من أثارت عليه الريح التراب فغمض عينيه (حذارا ينظر فيه) من التراب أن يقع فيهما فجائز.
و من وجد ريحا في صلاته فيمسكها كيفما قدر حتى يرجع عنه و يخرجه، فإن كربته
/194/ (2/196)
صفحة 624
فكان بدفعها يشتغل عن صلاته بها و لم يكن يجئ و لا يذهب، فأخاف فساد صلاته.
و من وطئ في قيامه على ردائه فليسحب رجله عنه و يخرجه، فإن رفع قدميه ففيه اختلاف، فبعض نقض الصلاة، و لم ينقضها آخرون.
و من قعد في موضع سجوده صبي أو شغله عنه شيء فله إخراجه بيده حتى يسجد، و هو عمل للصلاة. و من عارضه الضحك فأمسك على فيه و لم تبد أسنانه فجائز له، و لا تفسد صلاته ما لم يظهر لذلك صوت، كذلك قال أبو المؤثر.
و قال: إن أبا عبيدة عناه شيء من الضحك و هو في الصلاة فأمسك على فيه، فلا بأس على من فعل ذلك على هذه الصفة.
و قال أبو الحسن: من كان في فيه شيء من الطعام و يمنعه من القراءة: فأحال ذلك بلسانه على شفتيه و لم يخرجه بيده فصلاته جائزة.
و للمصلي أن يحك رجليه إذا أثخنتا به و شغله ذلك عن الصلاة، و إن لم يشغله ذلك عن الصلاة لم يفعل، و إذا أراد حك رجليه أكب فحكهما، و يجوز له ذلك و إن رفع رجليه نقض ذلك عليه، و قيل: له أن يرفع رجله من الأرض فيحك بها الأخرى من أذى البعوض.
و للمصلي إذا كان لا يقدر يصلي من أذى البعوض أن يرخي إزاره على قدميه و قال غيره: من احتك به قدمه أو ساقه في الصلاة فاحتاج إلى حكهما فليحكهما
/195/ (2/197)
صفحة 625
بيده، و لو أكب إلى رجله جاز، و إن مسح بيده الأخرى فمكروه، و لا يبلغ به إلى نقض و صلاته تامة.
مسألة:
و قيل: من عطس في صلاته فليحمد الله في نفسه، يقول، الحمد لله، فإن قال الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله لا شريك له فجائز، و إن جهر بالحمد فيكره و لا يبلغ به إلى فساد صلاته.
و عن بعض أهل العلم: أن من عطس في صلاته تكلم بلسانه، الحمد لله و لا يجهر بذلك، و قال الأكثر يحمد الله سرا في نفسه [مكررة].
و قال أبو الحسن: لا ينقر المصلي أذنه، و لا يجوز له إذا أثخنت رجله أن يرفع رجله الأخرى فيحكها، و بعض أوجب النقض في صلاته إذا رفعها، و بعض لم ينقضها.
مسألة:
و ليس للمصلي أن يخرج من عينيه قذاهما، و قال بعض، إلا أن يخاف على عينيه منه أو يشغله عن صلاته، فجائز إخراجه.
مسألة:
أجمع أهل العلم، أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض الطهارة و لا ينقض وضوءا، و أجمعوا على أنه في الصلاة ينقض الصلاة، و اختلفوا في نقض طهارة من ضحك في الصلاة.
/196/ (2/198)
صفحة 626
و قال الربيع: من ضحك في صلاة جنازة أو غير جنازة و هو إمام أعاد وضوءه و صلاته.
و روي عن النبي (ص)، لا يمنع إماء الله مساجد الله، و إذا كانت امرأة تصلي و استأذن أحد فسبحت، فعن سليمان بن الحكم و مسلم بن إبراهيم، أن بعضهم لم ير عليها نقضا.
و الرجل يقول: سبحان الله، عند المعنى الذي يعرض له، و إن قال غير ذلك فسدت صلاته.
و روي عن النبي (ص) أنه قال: التسبيح للرجال و التصفيق للنساء.
مسألة:
و من سجد على ثوب رجل، أو وقع ثوب رجل عليه فجائز أن يخرجه.
في البكاء في الصلاة:
البكاء في الصلاة لا يجوز.
و قيل إن من بكى من خوف الله فلا بأس، و إن بكى من خوف غيره، أو ذكر مخلوقا فبكى خوفا منه، أو من شيء فعله، أو تنفس لذلك، أو بكى على ميت فكل هذا مفسد للصلاة و لا يجوز، و الله أعلم.
و كذلك إن تنفس لأمر فسدت صلاته، و يكره للباكي أن يمث الدموع من عينيه في الصلاة إلا أن يخاف أن تدخل فاه أو تشغله فلا بأس أن يمثها في ثوبه و الله أعلم.
/197/ (2/199)
صفحة 627
و قال أبو الحسن: إن تنشج أو بكى من خوف الله فلا نقض، و إن بكى لغير ذلك نقض.
في الكلام في الصلاة:
و قال أبو محمد: كان الكلام جائزا في الصلاة في أول الإسلام، و أن ابن مسعود خرج إلى الحبشة و الكلام جائز في الصلاة، ثم عاد فوجد النبي (ص) فكلمه فلم يتكلم، فقال ابن مسعود: فأخذني ما بعد و قرب، فلما قضى صلاته (ص) فقال: يا عبد الله، إن الله يحدث من أمره ما يشاء، و مما أحدث أنه حرم الكلام في الصلاة.
في النفخ في الصلاة:
عن أبي هريرة و سعيد بن جبير، أنهم قالوا: النفخ في الصلاة بمنزلة الكلام و جاء النهي عن النفخ في موضع السجود و الطعام و الشراب.
و عنه (ص) قال: كره إليكم ثلاث نفخات، و قبل: هي هذه المواضع.
و قال أبو مروان سليمان بن محمد بن حبيب: إن من نفخ في الصلاة لمعنى أو لغير معنى فصلاته فاسدة، و قال: النفخ كلام، لقول الله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}. فهو كلام، و من نفخ في الصلاة عامدا أو ناسيا فقد قيل: عليه النقض، و من وقع على أنفه شيء فنفخ ليطرده فهو معي نفخ، و النقض أحب إلي.
/198/ (2/200)
صفحة 628
في التنحنح:
قال محمد بن محبوب، رحمه الله: من كان في الصلاة فدعاه إنسان فتنحنح، فعليه الإعادة، و من تنحنح إذا تعايا في القراءة أو لغير ذلك قيل انتقضت صلاته، إلا أن يكون لشيء وقع في حلقه، فلا بأس.
و من تنحنح لنخاعة في حلقه فلا فساد عليه، و من تنحنح، يريد كلاما أو حاجة، انتقضت صلاته، و إن لم يرد شيئا من ذلك فلا بأس.
و من رفع رجليه في الصلاة و هو ساجد انتقضت صلاته، و إن كان بين أضراسه طعام أو لفظة فسرطه أو ساغه نقض. و قال بعض: أرجو ألا يفسد عليه إذا نسي فانساغ ذلك، لأن النسيان عن الأمة مرفوع، و الحمد لله، و كذلك إن سبقه من غير تعمد فلا فساد عليه، لأنه مغلوب في ذلك.
و قيل: من مس الأرض ذكره أو دبره انتقضت صلاته، و أما الإلية فعلى قول من يرى النقض على من صلى و شيء من الإلية ظاهر فعلى من مس ذلك الأرض منه النقض، وهو أحوط، و على قول من لا يرى بذلك بأسا حتى تظهر أكثر إليته، فإذا مس الأرض شيء منها لم ينقض، و إن مس الدبر الأرض نقض. و من خرج ذكره من ثوبه حتى مس الأرض و هو يصلي نقض صلاته لأنه متعر.
و الرجل تنقض صلاته بقول رجل ثقة.
أخبرنا أبو زياد عن هاشم بن غيلان رحمه الله عن الرامي، و من رفع يديه فوق رأسه و هو في الصلاة انتقضت صلاته.
/199/ (2/201)
صفحة 629
قال أبو المؤثر الرامي محمد بن عبد الرحمن من أهل أزكى، قال غيره: نعم، إذا كان ذلك من غير مصالح الصلاة، و إنما فعل ذلك عبثا.
و قال عزان: اختلف فيمن قام يصلي، فلما صلى بعض صلاته ذكر أن في ثوبه دما أو بولا، فمضى على صلاته، ثم ذكر أيضا و هو في الصلاة، أنه غسل ذلك الدم أو البول، أو ذكر أنه ثوب غير هذا، فقال بعض: عليه النقض، و قال بعض: لا نقض، و أنا أقول: إنه ينقض، و كذلك إن ذكر و هو في الصلاة أنه جنب، ثم مضى في صلاته، ثم ذكر أنه ثوبه طاهر فهي مثلها، و عليه النقض، و هذان عندي يجريان على ترك أداء الفرائض، ففسدت صلاتهما، و الله أعلم.
مسألة:
و من أخرج من ثوبه أو بدنه قملة نقض، و إن لم يخرجها، و كان يتبعها نظره حيث تدب فلا نقض.
و قال أبو محمد: من سجد و لم تمس رجليه و لا بدنه الأرض فسدت صلاته، و من مس واحدة و لم تمس الأخرى فصلاته ناقصة، و من رفع قدميه في القيام أو غيره متعمدا نقض، و إن كان ناسيا أو جاهلا فلا نقض، و من حول رجليه بعد رفع رأسه من سجوده ليقعد فرفعهما عن الأرض نقض على قول، و فيه اختلاف.
و قال أبو جعفر: من خرج من فيه شيء من الطعام مثل حبة ذرة أو دخن أو أقل أو أكثر و هو يصلي فعزقه نقض صلاته.
و قال أبو محمد: أجمع أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم، أن القهقهة في الصلاة
/200/ (2/202)
صفحة 630
تقطعها و تفسد الطهارة، و اختلفوا في القيء و الرعاف في الصلاة، فقال بعضهم، إنه ينقض الطهارة و الصلاة، و قال بعضهم، ينقض الطهارة و لا يقطع الصلاة و من قام من سجوده فعلق بحاجبه لفظة أو حصاة أو أشباه ذلك فرفع حاجبه إرادة لسقوط ذلك من الحاجب فسقطت فقد انتقضت صلاته، و إن لم تسقط فلا نقض عليه. إذا كان ذلك مما يخاف أن يدخل عينه أو يؤذيه، أو يشغله عن صلاته، فأما إن كان عبثا فالعبث على قول ينقض الصلاة. و قول، يكره و لا ينقض.
و من تعمد النظر إلى موضع سجوده انتقضت صلاته، و إنما يكون نظره نحو سجوده بلا عمد منه إلى نظر ذلك، و الله أعلم. و من رفع رأسه من سجوده و يداه على الأرض حتى عاد فذلك يكره، و لا يرفع ركبتيه عن الأرض، و لا بأس أن يريح رجلا و يعتمد على الأخرى و هو قائم.
و من صلى و لم يمس أطراف قدميه الأرض في سجوده فذلك يكره و لا يبلغ به إلى نقض، و من صلى قائما على بساط أو سجد على الأرض فبعض الفقهاء أجاز ذلك و بعض كره.
و من كان في ردائه رطوبة فرفعه عن التراب، أو كان إزاره، فأرخى الرداء على الإزار ليتقي التراب عنه، فهذا مما يكره في الصلاة، و لا نقض فيه، إن شاء الله.
و من قرأ سورة في صلاته لا يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب، فعن أبي علي رحمه الله لا نقض عليه، و فيه الاختلاف [مكرر] و قال بعض: إذا جهر بالقراءة نقض،
/201/ (2/203)
صفحة 631
و من تكلم بكلمة أراد غيرها من القرآن مثل، أن تقول خرج و هو خرج أو نحو هذا فلا نقض عليه.
و عن أبي الحسن أنه من صلى و قدامه ماء جار طاهر فصلاته جائزة، و فيه اختلاف كثير، و بعض نقض إذا كان تلقاء وجهه.
مسألة:
و قال أيضا: مدافعة البول من غير ضرورة يقطع على المصلي صلاته، و من صلى في ثوب أصابه رشة من بول شاة، فإن كان قد يبس أنه لا يعيد صلاته، و جائز الصلاة بالنعل العربية، و بغيرها فيه اختلاف.
قال من قال: و عندي، أن الصلاة في الأدم كله، فالعلم و الكي جائزة ما لم يمنعه ذلك من الصلاة، فأحب له التفرغ منه، و يدل على ذلك اتفاقهم الصلاة بالخفين و الجوربين.
و قال أبو محمد: من صلى بخاتم فضة مخلوط فيه ذهب فالحكم فيه على الأغلب، إلا أنه إذا كان الذهب إذا جمع كان مثل الظفر أو الدرهم لم يجز أن يصلي به، و الذهب إذا كان تحت فص خاتم الرجل فصلى به صلاته جائزة، و إن ظهر على الفص منه شيء يسير فلا بأس إلا أن يكون ذلك ... [مكرر].
قال غيره، يكره للرجل الصلاة بخاتم فضة و ذهب، ولا بأس به للنساء، فإن كان الذهب تحت الفص غير ظاهر من الذهب شيء فلا بأس.
و قيل: من ألقى سمعه إلى استماع رعد أو كلام أو عبث أو نحو ذلك حتى
/202/ (2/204)
صفحة 632
يعرفه انتقضت صلاته إلا أن يدخل سمعه بلا أن يتعمد لذلك، و أنا أحب ألا يكون عليه في ذلك نقض حتى يشتغل بذلك عن صلاته.
مسألة:
من الحاشية، و من صلى و حدث نفسه في الصلاة بشيء من ذكر الموت و الجنة و النار فلا بأس عليه، و الله أعلم. قيل لأبي محمد: فيجوز للرجل أن يتحلى بحلية امرأة؟
قال. لا، و لكنه يكون في سفر و عنده حلي امرأة، و تحضر الصلاة و يخشى على الحلي أن يضعه على الأرض و يصلي فيؤخذ، فإن جعله في أذنه أو في حلقه أو في يده أو في رجليه و لم يشغله عن صلاته فهو جائز، لأنه نوى حمله لئلا يذهب، و لم ينو بحمله زينة، و الخاتم حليته، فإذا كان من ذهب فقد تحلى بغير حليته.
و قال أبو عبد الله: من صلى و في يده سوار من ذهب يخاف عليه الذهاب فإن كان واضعا له في موضع السوار فليعد الصلاة، و إن كان في إزاره أو ممسكا له بيده فلا نقض.
و قال أبو الحسن: من حمل في حجره ذهبا أو رصاصا أو حديدا فجائز أن يصلي به، و إن كان متحليا بذلك، حلية أو زينة، فلا يجوز له الصلاة مع أصحابنا، و الخلخال إذا كان فضة فإنه يكره للرجل، و لا بأس بخاتم الفضة للرجل، و من قص شعره و هو جنب، ثم بقي في ثوبه شيء و صلى، فعن بعضهم أن يخرجه أو يغسله و يعيد صلاته.
/203/ (2/205)
صفحة 633
و قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء، صلاته تامة و ليس عليه غسل ثوبه.
و من غيره ـــ و عن من قال في صلاته، الحمد لله شكرا، أو قال، لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، أو قال، إنا لله و إنا إليه راجعون أو قال، ما شاء الله، متعمدا لذلك أو ناسيا أو جاهلا، هل عليه بأس في صلاته؟ لافكل هذا مما يجري فيه الاختلاف على العمد و النسيان و الجهل، و أنا أحب أن يكون يفسد ذلك بالتعمد للكلام بشيء من غير ذلك، تلاوة القرآن، و إنما يريد به المعنى، و أما ما أريد به الدعاء و الشكر و التوحيد لله فلا أحب أن يفسد ذلك الصلاة، و الله أعلم.
و قلت: و كذلك إن سها حتى أخذ في التشهد في القعدة الأولى، فقال، أشهد و أعلم، أن لله الخلق و الأمر، و أشهد لله بما شهد به لنفسه، و أشباه هذا من التشهد، فلما ذكر أمسك، و قام يبني على صلاته، هل تتم صلاته؟
ـــ فنعم، تتم، و يسجد للسهو.
و حفظت عنه أنه قال: من قال من المسلمين، إن كل ذكر الله إذا قاله أحد في الصلاة لا بدل عليه، و قال: من قال، تنقض صلاته، إلا قول: الحمد لله و سبحان الله و لا إله إلا الله و الله أكبر، لا ينقض عليه هذا، و أحب أن في بعض جواباته، أن بعضا يقول، ينقض عليه إلا قول سبحان الله.
و حفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي، أنه من ضحك و قهقه في صلاته انتقض وضوؤه و صلاته، و من ضحك حتى تكشر أسنانه انتقضت صلاته و لا ينقض وضوؤه، و من ضحك دون القهقهة، و هذا الكشر الذي وصفناه لم ينتقض وضوؤه و لا صلاته.
/204/ (2/206)
صفحة 634
و من غيره ـــ عن أبي المؤثر فيما أحسب، و قال، إن أبا عبيدة، رحمه الله، كان في الصلاة فسمع من رجل كلاما، فوجد الضحك أبو عبيدة، فأمسك على شفتيه بيديه، لئلا يتكشر و هو في الصلاة، و ذلك أنه لما ازدحم الناس في مسجد البصرة دفع بعضهم بعضا، فقال قائل، إن دمنا على هذا وقعنا في البحر، أو وقعنا في الماء، قال، فلما سمع ذلك أبو عبيدة جاءه الضحك، فأمسك على شفتيه بيده و هو في الصلاة، و مضى على صلاته. سمعت أبا المؤثر يحدث بذلك. فإذا كان على هذا فلو أسفر الوجه و تحرك القلب و اللحي لم تنقض صلاته حتى تبدو أسنانه.
رجع ـــ و عن أبي عبد الله، فيمن يصلي و هو حامل بيضا غير مغسول، و هو يابس، أن ذلك لا يفسد صلاته، إلا أن يكون فيه فرخ أو رطبا، (و عندي ينظر فيه)، أنه لا بأس بالفرخ، و لو كان في البيضة، إلا أن يكون ميتا.
قال غيره ـــ يوجد عن الشيخ أبي سعيد رحمه الله، و معي أنه قيل: و لو كان الفرخ ميتا، لأنه مستتر غير ظاهر إلى ثياب المصلي.
و قال محمد بن المسبح: تنقض صلاته إذا كان بيض دجاج أو ما يستتر.
فصل
فيما يقطع الصلاة
و قيل: يجوز للمصلي أن يقطع صلاته من المطر الذي يخاف منه الضرر، أو دابة له تنفر في السفر، أو لصرف دابة تأكل طعامه، أو لصبي يخاف أن يقع في شيء يهلك فيه، و ما أشبه هذا من الأشياء، فإن المصلي يقطع صلاته لذلك،
/205/ (2/207)
صفحة 635
ثم يستأنف الصلاة من بعد، و قد كنت أنا أصلي خلف موسى بن علي رحمه الله، و صاحت صائحة، و هو يقرأ في الصلاة، و أحسبها صلاة الفجر، فأمسك ما قدر الله، و هو ساكت عن القراءة حتى توهمنا أنه قد فهم ذلك، ثم مضى في صلاته، و صاح صائح و نحن في الصلاة لصبي وقع في بئر عند المسجد، و قطع الصلاة و انفتل هو و من معه حتى وقف على البئر و أخرج الغلام.
و من غيره ـــ قال: نعم، و يستقبل الصلاة، و ذلك الذي لم يخف الفوت.
رجع ـــ و للمصلي قتل كل دابة يخافها على نفسه، و كذلك إن رأى دابته تدخل بيته، و يخاف أن تأكل طعاما أو تكسر آنيته أو تضر عليه شيئا، أو رأى ذئبا قد أغار على غنمه، أو رأى دابة تقع في زرعه، أو دابة تنفر في السفر، أو رأى صبيا يريد أن يقع من فوق البيت أو من دابة أو في بئر أو مهلكة فله في كل هذا أن يخرج الدابة و يدرك الغنم من الذئب و يدرك الصبي من المهلكة، و يحفظ دابته أن تنفر عنه، لأنه في كل هذا يشغله قلبه، و لا يعقل صلاته و قلبه مشتغل بذلك.
و إن وقع صبي في بئر أو مهلكة فللمصلي أن يقطع صلاته و ينجية و لو فات الوقت.
و بلغنا عن موسى بن على، كان يصلي بالناس فوقع صبي في بئر، فقطع موسى الصلاة، و مضى إلى البئر حتى أخرج الصبي منها، و للمصلي قطع الصلاة من كل شيء مخوف من عدو أو دابة أو نار أو مطر شديد، و ما كان في معنى ذلك، و يستأنف الصلاة.
/206/ (2/208)
صفحة 636
و من كان يصلي فأتت دابة إلى زرع قوم أو متاعهم لتأكل فله أن يقطع الصلاة، فإن يدع ذلك و يصلي، فذهاب المال أولى من فوت الصلاة.
فصل
في الشك و النسيان
روي عن النبي (ص) أنه قال: من شك في النقصان فليأت بما بقي حتى يشك في الزيادة، و الله أعلم بصحة ذلك، إلا أنه أصل لهذا المعنى.
و من شك في أربع ركعات أنهن ثلاث، أو في ثلاث أنهن اثنتان و في الثنيتين أنهن واحدة فليس هذا شك إذا صلى و بان له ما جاوزه و شك فيه، و لم يصح معه كم صلى، فلا يجوز له أن ينصرف من صلاته على شك و لا يزيل اليقين إلا بيقين مثله، و كل ما شك أبدل، و لا شك في الصف في الجماعة، و أما الإمام فعليه الشك إذا كانوا أقل من سبعة أو ثمانية.
مسألة:
و من شك في القراءة و هو خار إلى الركوع، أو شك في الركوع و هو خار إلى السجود ففي الهوية اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من قال، إن الهوية التي تكون بين القراءة و الركوع هي من القراءة، فعلى هذا القول، عليه أن يرجع إلى القراءة ما لم يصل إلى هبوطه إلى ركبتيه راكعا. و قال من قال، إن عليه أن يرجع إلى القراءة إذا شك فيها قبل أن يصل إلى ركبتيه راكعا، و على قول من يقول، إن الهوية ما بين القراءة و الركوع هي من الركوع، ليس عليه أن
/207/ (2/209)
صفحة 637
أن يرجع إلى القراءة، و له أن يرجع إلى القراءة احتياطا، و ليس عليه بفرض، و كذلك إن شك في الركوع و هو خار إلى السجود، و القول فيه واحد، و معنى هذا معنى ما تقدم فيه القول.
مسألة:
فإن ارتفع من سجوده يريد القيام و هو في حال التجافي بعد، ثم شك في السجود، فله أن يرجع إلى السجود ما كان في حال التجافي، فإذا خرج من حال التجافي إلى حال الارتفاع للقيام دخل في الاختلاف الذي ذكرناه في المسألة الأولى.
مسألة:
و كذلك إن شك أنه نواها للفريضة أم لا؟ فإذا جاوز النية، و كان مراده الفرض لم يرجع إلى الشك بعد اليقين.
مسألة:
و سألته، عن من سها في صلاته، و كان عنده رجل، فسأله عن صلاته، أتامة؟ قال: نعم، قال أبو الحواري: إذا كان يصلي بصلاته قبل، و لو لم يكن صادقا، و إن كان لا يصلي بصلاته لم يصدقه حتى يكون ثقة.
قلت: أرأيت إن هوى، فقبل أن يستوي راكعا فشك، فلم يدر أقرأ السورة أم لا، قال: فيقوم فيقرأ السورة، ثم يركع، قال: و إن شك في القراءة و قد أخذ في التكبير فليمض على صلاته.
/208/ (2/210)
صفحة 638
قلت: فإن دخل في التكبير و هو قائم، ثم شك في القراءة قبل أن يخر إلى للركوع، قال: الله أعلم.
قلت: فإن شك في فاتحة الكتاب، فلم يدر كان فيها أم لا، و هو قد هوى للركوع قبل أن يستوي راكعا، و قبل أن يأخذ في التكبيرة، قال: يمضي على صلاته.
قلت: و لو شك و قد قرأ السورة و قبل أن يأخذ في الركوع، قال: نعم.
قلت أرأيت إن استوى و هو في الركوع الذي يحجز بينه و بين القعود، و إذا وضع كفيه على ركبتيه، فما لم يضعها على ركبتيه فلم يستو راكعا، فإن شك قبل وضع يديه في القراءة قام فقرأ على ما وصفت لك، إلا أن يكون قد أخذ في التكبيرة و هوى فليمض على صلاته.
قلت: أرأيت إن ركع و استوى راكعا، ثم استيقن أنه لم يقرأ شيئا من السورة و شك فلم يدر قرأ فاتحة الكتاب أم لا، قال: يقوم، فإن استيقن أنه قد كان في قراءة فاتحة الكتاب فليقرأ سورة، و لا يرجع إلى قراءة فاتحة الكتاب، و لو شك في بعضها إذا علم أنه قد كان فيها، و إن لم يدر أنه كان فيها أم لا، فليبتدئ فليقرأها، ثم يقرأ السورة التي كان فيها، ثم يقضي صلاته، فإذا سلم سجد سجدتي الوهم.
قلت: أرأيت إن استيقن على ترك السورة و لم يعرض له في فاتحة الكتاب
/209/ (2/211)
صفحة 639
شيء فقام ليقرأ السورة فيستوي قائما، ثم شك في قراءة فاتحة الكتاب، فلم يدر قرأها أم لا، قال: يبتدئ فيقرأها ثم يقرأ السورة.
قلت: فلم يعرض له فيها شيء حتى أخذ في قراءة السورة، ثم شك فيها فلم يدر قرأها أم لا، قال: فليمض على قراءته و صلاته و لا يرجع.
قلت: أرأيت إن شك في فاتحة الكتاب و هو في السورة فرجع، فقرأها، يريد التثبيت لنفسه، قال: يعيد الصلاة لأنه ليس له ذلك و لا عليه.
قلت: أرأيت إن كان قد أتم قراءة فاتحة الكتاب، فقبل أن يدخل في قراءة السورة، أو قبل أن يستوي راكعا، ثم شك في شيء من قراءة فاتحة الكتاب، و هو يعلم أنه قد كان في قراءتها، و لكنه شك في شيء منها، فرجع، فقرأ ما شك فيه منها. قال: يعيد صلاته، لأنه ليس له ذلك و لا عليه.
قلت: و كذلك إن شك في الاستعاذة و قد دخل في القراءة فرجع فاستعاذ، قال: نعم تنقض صلاته.
قلت: (أريت ينظر فيه) الإمام و الذي يصلي وحده، أهو و الإمام في هذا كله سواء؟ قال نعم.
قلت: و كذلك الذي يصلي خلف الإمام إذا شك في قراءة فاتحة الكتاب أو في شيء منها فلم يرجع فليس عليه بأس و إن رجع فقرأها من حيث أمرنا الآخرين أن يرجعا فلا بأس إلا أن يشك في قراءة فاتحة الكتاب بعد أن يخر الإمام للركوع و يخر هو معه، فإن شك حينئذ في القراءة فلا يرجع يقرأ، و لكن يتبع الإمام، فإن ركع فقام و قرأ انتقضت صلاته.
/210/ (2/212)
صفحة 640
قلت: فإن خر الإمام للركوع و هو قائم خلفه، ثم شك في قراءة الفاتحة أو علم أنه لم يقرأها، فأعاد قراءتها، و هو قائم بعد، إلا أن الإمام قد خر للركوع، قال: ما أبعده من النقض.
قلت أرأيت المقيم الذي يقيم بالناس فيعنيه من الشك مثل ما يعني المقيم بنفسه، أعليه مثل ما عليه؟
قال: يسأل من معه، فإن أخبروه أنه قد أتم الإقامة لم يعدها، و إن لم يعرفوا ذلك أعادوا الإقامة، و كان مثل الذي يقيم بنفسه.
و سئل عن رجل وهم في سجدة بعد أن قعد للتحيات أنه لم يسجدها، هل له أن يسجدها؟
قال: معي، أن له ذلك ما لم يدخل في قراءة التحيات.
قلت له: فإن كان قد دخل في قراءة التحيات، ثم غلبه الشك فعاد سجدها هل تفسد صلاته؟ قال: معي أنه إن دخل في قراءة التحيات و هو شاك في أحكام السجدتين فعليه الإعادة، و لا أعلم غير ذلك، لأنه لم يكن له أن يجاوز الحد إلا بعد إحكامه بلا شك و لا ريب، و إن كان قد دخل في قراءة التحيات و هو على يقين، ثم شك فعاد فسجد بعد ذلك فعندي، أنه يختلف في ذلك، فقال من قال، صلاته فاسدة: و قال من قال، صلاته تامة، و الشك مع صاحب هذا القول مثل النسيان، يرجع له كما يرجع للنسيان إذا ذكره.
و أما الذي يترك السورة ناسيا حتى يركع و سبح فإنه يقوم و يقرأ سورة، ثم
/211/ (2/213)
صفحة 641
يستأنف، و لو كان قد أتمه، و لا يعتد بذلك في أكثر ما قيل عندي من قول أهل العلم، و أحسب أن بعضا يقول، إنه يعتد بالركوع إذا كان قد أتمه على النسيان، و إذا نسي القراءة حتى دخل في السجود فمعي أنه قد قيل، يبتدئ صلاته من أولها، و ما لم يدخل في السجود، و لو كان قد أتم الركوع و قام منه فمعي أنه يقوم و يركع و يسجد، و إذا نسي حتى تعدى إلى الحد الثالث ففي أكثر القول عندي ما وصفت لك.
و قد قيل، ما لم يزد ركعة تامة على النسيان بركوعها و سجودها و قيامها فله أن يركع كما وصفت لك إلى ما نسي، ثم يبني على صلاته.
و قد قيل: إذا نسي الحد الذي كان عليه حتى دخل في الحد الثاني أعاد صلاته، و هو أن يترك القراءة و يركع، أو يترك الركوع و يسجد فهذا أضيق ما معي فيها قيل في هذا و أوسطه حتى يتعدي إلى الحد الثالث كما وصفت لك، و أوسع ذلك عندي حتى يزيد ركعة تامة كما وصفت لك.
و قال أبو عبد الله رحمه الله: سالت أبا علي. موسى بن علي رحمه الله، عن رجل زاد في صلاته ركعة تامة من بعد قضى التحيات الآخرة، و ظن أنه لم يكمل صلاته، قال: صلاته تامة، و لا بأس عليه، لأن صلاته قد تمت.
قال أبو عبد الله رحمه الله، و أنا أقول، من زاد ركعة تامة في موضع من صلاته قبل أن يكملها، أن صلاته تفسد. مثل، رجل صلى حتى إذا كان في موضع القعدة الآخرة و لم يقعد يقرأ التحيات فزاد ركعة تامة فهذا قد زادها، و قد بقي عليه شيء لم يكمله، فهذا عندي تفسد صلاته، و حفظت أنا عنه، أنه إذا صلى المصلي،
/212/ (2/214)
صفحة 642
فلما قعد من السجدة الآخرة شك في صلاته فلم يدر، تلك الركعة هي الرابعة أم الثالثة، قال: فيقعد يقرأ التحيات. ثم يقوم فيأتي بركعة تامة، و يقعد و يقرأ التحيات، فإن كانت صلاته قد تمت عند قراءة التحيات الأولى لم تضره هذه الركعة بعد انقضاء الصلاة، و إن كانت الصلاة لم تكن قد تمت و إنما تمامها بهذه الركعة الآخرة لم تضره تلك التحيات الأولى التي أتى بها، و هي استحاطة منه، و ذلك عندي جائز في كل الصلوات.
قال غيره ـــ و معي أنه قد قيل، يعيد صلاته بالابتداء في جميع ما شك في هذا.
قال غيره ـــ معي أنه قد قيل هذا فيما يكون من الصلاة ثلاث ركعات، مثل صلاة المغرب و الوتر، إذا شك في ركعة و في الأربع إذا شك في ركعتين أتى بركعة في الثلاث و ركعتين في الأربع.
و قال محمد بن المسبح: إذا لم يدر ثلاثا أو أربعا أعاد صلاته، و كذلك عن غيره، لأن الوضاح أخبرني عن أبي بكر الموصلي، أنه من زاد ركعة في صلاته أعادها، فمن زاد بعد تحياته ركعة فكأنه صلي خمسا، و الصلاة أربع كما فرضها الله، لا زيادة فيها و لا نقصان، و قد أخبرني بشير رحمه الله عن ذلك.
قال غيره ـــ و قد حفظ من حفظ عن أهل العلم أن أصل ما استجاز من استجاز هذا، أنه قال، لا تفسد صلاته على الإستحاطة، كما لا تفسد صلاته على النسيان فإذا لم يزد في صلاته ركعة تامة لم تفسد صلاته و لو زاد فيها، ما لم يزد ركعة تامة بقيامها و ركوعها و سجودها، فمن زاد دون ذلك على النسيان لم تضره تلك الزيادة
/213/ (2/215)
صفحة 643
فعلى الاستحاطة يجوز له ما يجوز في النسيان، فإذا كان إنما يزيد مذ دخل عليه الشك على الاستحاطة ما دون الركعة التامة فصلاته تامة، فعلى هذا القول استجاز من استجاز، فهذا واسع في اصل المذهب، و فيه بعض السعة و الترخيص.
و قال من قال: لا يجوز له أن يزيد في الصلاة حدا تاما، فإذا زاد في الصلاة حدا تاما غير ما كان فيه من الصلاة فهذا يفسد صلاته.
و منه ـــ و أما إذا شك أهذه الثالثة أم الرابعة، فقال من قال، هذا يبتدئ صلاته، لأنه لا بد له من زيادة حد في صلاته على الاحتياط منه في ذلك، لأنه إذا قعد فأتى بالتحيات، ثم قام، فأتى بركعة تامة أخرى، فإن كانت تلك الرابعة فقد أتى بالصلاة، و إن كانت الثالثة زاد في صلاته حدا، و هو التحيات، فهذا جائز على القول الذي قيل، إنه ما لم يزد ركعة تامة، و على القول الآخر، أنه لا يجوز، و كل ذلك صواب، إن شاء الله.
و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على رسوله محمد (ص)، و هذا ما اختصرته منها.
و عن رجل توهم بعد ما قام أنه سجد سجدة واحدة، فقال، إن كان لم يدخل بعد في القراءة فليسجد أخرى، فإذا قضى صلاته فليسجد سجدتي الوهم.
و من غيره ـــ قال: و قد قيل، إنه إذا أقام فليس عليه أن يرجع إلى السجود حتى يستيقن.
و من غيره ـــ أخبرنا أبو زياد، أن أبا عبيدة و أبا نوح اختلفا في رجل
/214/ (2/216)
صفحة 644
يصلي، فتختلط عليه صلاته، فلم يدر كم صلى، قال أبو نوح: يهملها و يستقبل صلاته، و قال أبو عبيدة: يمضي على أحسن ظنه، ثم يستقبل صلاة أخرى، و لا يعتد بالذي صلى. قال أبو المؤثر برأي أبي نوح نأخذ.
و من غيره ـــ قال، و قد قيل: يمضي على أحسن ظنه حتى يتم ركعتين، يسلم عنهما، و قال من قال، يمضي على أقوى فهمه حتى تتم صلاته، و لا عليه غير ذلك و إن التبس عليه أعاد صلاته.
و من غيره ـــ و حدثني عبد الرحمن، أنه صلى خلف محمد بن هاشم، ثم وجد و هو في الصلاة شيئا خرج من الذكر، فقطع صلاته، و توضأ، فلما انفتل أبو عبد الله قال، ما رأيت ما صنعت يا عبد الرحمن، قال: وجدت، رحمك الله شيئا كأنه خرج، فلما نظرت فإذا هو لا شيء، فقال أبو عبد الله، أسدد عنك هذا الباب، ثلاث مرات يرددها على ما قال.
قلت: فإن رأيته، قال: و لو رأيته فإن ذلك من أمر الشطان، فدعه ينقطع عنك، فقال: لا تطيب نفسي أن أراه و أدعه، فقال أبو عبد الله، رطب فخذك و موضعه من الثوب و دعه فإنه ينقطع و لو رأيته فإن ذلك من أمر الشيطان، قال: ففعلت كما قال لي أياما فانقطع عني.
قال غيره: معي لا يرجع إليه و لو رآه، أي و لو كان إذا وجد ذلك فنظر وراءه فوجد ذلك، فإذا عاد فوجد ذلك الجنس فليس عليه أن ينظر و يمضي في صلاته حتى يستيقن، و لو كان قبل ذلك لما وجد فنظر فرآه، و أما إذا نظر فرأى ما يفسد الوضوء فقد أفسد وضوءه، و لا يدعه في ذلك الوقت.
/215/
الجامع لابن جعفر /العلامة الفقيه: أبو جابر محمّد بن جعفر الأزكوي
/تحقيق عبد المنعم عامر/ ج 2/ط: عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1981م
/وزارة التّراث القومي/الكتاب من مكتبة ابن الشيخ محمد بن بابه
_ رقم: 425 _ 1/ 3 - القرارة _ غرداية.
ص:214
فعلى الاستحاطة يجوز له مايجوز في النّسيان، فإن كان إنّما يزيد مُذ دخل عليه الشّكّ في الاستحاطة ما دون الرّكعة التّامّة فصلاته تامّة، فعلى هذا القول استجاز من استجاز فهذا واسع في المذهب، وفيه بعض التّرخيص. (2/217)
صفحة 645
وقال من قال: لايجوز له أن يزيد في الصلاة حدّا تامّا. فإذا زاد في الصّلاة حدّا تامّا غير ما كان فيه من الصّلاة فهذا يُفسد صلاته.
ومنه _ أنّه إذا شكّ أهذه الثّالثة أم الرّابعة، فقال من قال، هذا يبتدِئ صلاته، لأنّه لابدّ له من زيادة حدّ في صلاته على الاحتياط منه في ذلك، لأنّه إذا قع د فأتى بالتّحيّات، ثمّ قام، فأتى بركعة تامّة أخرى، فإن كانت تلك الرّابعة فقد أتى بالصّلاة، فإن كانت الثّالثة فقد زاد صلاته حدّا، وهو التحيّات، فهذا جائز على القول الذي قبل، إنّه مالم يزد ركعة تامّة، وعلى القول الآخر، أنّه لايجوز، وكلذ ذلك صواب، إن شاء الله.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ما اختصرته منها.
وعن رجل توهّم بعد ماقام أنّه سجد سجدة واحدة، فقال إن كان لم يدخل بعد في القراءة فليسجد أخرى، فإذا قضى صلاته فليسجد سجدتي الوهم.
ومن غيره _ قال: وقد قيل، إنّه إذا أقام فليس عليه أن يرجع إلى السجود حتّى يستيقن.
ومن _ غيره أخبرنا أبو زياد أنّ أبا عبيد وأبا نوح اختلفا في رجل/215/ يصلي فتختلط عليه صلاته، فلم يدر كم صلّى، قال أبو نوح: يهملها ويستقبل صلاته، وقال أبو عبيدة؛ يمضي على أحسن ظنّه حتّى يتمّ ركعتين، يسلم عنهما، وقال من قال، يمضي على أقوى فهمه حتّى تتمّ صلاته، ولا عليه ذلك وإن التبس عليه أعاد صلاته.
ومن غيره _ وحدّثني، عبد الرحمن، أنّه صلّى خلف محمّد بن هاشم، ثمّ وجد وهو في الصلاة شيئا خرج من الذكر، فقطع صلاته، وتوضّأ، فلمّا انقتل أبو عبد الله قال، ما رأيت ما صنعت يا عبد الرحمن، قال: وجدت، رحمك الله شيئا كأنّه خرج، فلمّا نظرت فإذا هو لا شيء، فقال أبو عبد الله أُسدد عنك هذا الباب، ثلاث مرّات يُردّدها على ماقال.
قلت: فإن رأيته، قال ولو رأيته فإنّ ذلك من أمر الشيطان، فدعه ينقطع عنكن فقال: لا تطيب نفسي أن أراه وأدعه، فقال أبو عبد الله رطّب فخذك وموضعه من الثوب ودعه فإنّه ينقطع، ولو رأيته فإنّ ذلك من أمر الشّيطان،
قال: ففعلت، كما قال لي أيّاما، فانقطع عنّي. (2/218)
صفحة 646
قال غيره: معنى أنّه لا يرجع إليه ولو رآه، أي ولو كان إذا وجد ذلك فنظر وراءه فوجد ذلك، فإذا عاد فوجد ذلك الجنس فليس عليه أن ينظر ويُمضي في صلاته حتّى يستيقن، ولو كان قبل ذلك لما وجد فنظر فرآه، وأمّا إذا نظر فرأى ما يفسد الوضوء فقد أفسد وضوءه، ولا يدعه في ذلك الوقت. (2/219)
صفحة 647
/216/ قال غيره _ عرفت إنّه إذا كان المصلّى يعرض له مثل ذلك منظره، فمرّة يجد ومرّة ولا يجد، ثمّ عرض له ذلك في الصّلاة فلم ينظر فلا شيء عليه، وأحبّ إن كان الأغلب من أموره في ذلك يجده خارجا ألا يدع النّظر، وإن كان الأغلب، أنّه لايجد فليس عليه حتّى يستيقن.
وعرفت أنّه يستحبّ أن يتفقّد أحوال وضوئه، عرفت أنه إذا أحسّ بشيء أنّه يخرج منه وهو يصلّي، وكان ذلك في النّهار، أنّه ينظر، أخرج منه شيء أو لم يخرج، وإن كان في الليل أمسك على الإحليل من فوق الثوب ومسحه على الفخذ ثمّ يلمس فخذه، فإن وجد شيئا، وإلّا يبني على صلاته وهذا معنى ما عرفت فينظر في ذلك، ولا تأخذ منه إلّا ما وافق الحقّ والصواب، والله أعلم.
ومن غيره أخبرني بشير عن أبيه قال: إذا كان الرّجل يشكّ في صلاته صلّى ثلاث مرّات، ثمّ مضى على أحسن ظنّه في الرّابعة.
ومن غيره _ قال محمّد بن جعفر: قالت لي عبيدة بنت محمّد: إنّ أبا علي موسى ابن علي رآها قد صلّت العتمة، وشكّت في صلاتها فأبد لتها، ثمّ شكّت أيضًا في البدل، فقال لها: إنّما البدل من الشّكّ مرّة واحدة، فإن شككت أيضا فإنّما ذلك من الشّيطان فلا ترجعي تبدلنيها.
قالت: قلت له: فإنِّي قد شككت في البول وأنا أصلّي، والذي معي السّاعة أنّي لم أصلّها قال: ودعيها ونامي فإنّ
/217/ ومن غيره _ قيل عن ابن مسعود رحمه الله: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سها في صلاته فصلّى بهم خمسا، فقال قائل: يا رسول، هل أحدث إليك في الصّلاة شيء قال: وما ذلك؟ قالوا: إنّك صلّيت خمسا، قال: فسجد سجدتين حيث سلم، ثمّ قال: أنا بشر مثلكم، ومن سها في صلاته فليصنع هكذا.
ومن غيره _: رجل صلّى خلف إمام فلم يثبت ما صلّى إلّا تكبيرة الإحرام، فهذا ما مشتغل القلب ولا نعلم عليه نقضًا.
ومن غيره _ قال: يعجبني في الذي يبتلى بالشّكّ أن يأخذ بأرخص الأقاويل من المسلمين، ليقوى بذلك على رفع الشّكّ ويُقبِل على صلاته. (2/220)
صفحة 648
رجع _ وقال محمّد بن محبوب رحمه الله أيضا في حفظي عنه، في الذي يشكّ في صلاته، أنّه يجوز أن يجهر بجميع صلاته وما فيها من قراءة وتسبيح وتحيّات حتّى يسمع ذلك الذي يحفظ عليه، ويعلمه أنّه قد أتمّ صلاته، لحال حاجته إلى ذلك.
وقال: يجوز أن يحفظ على المصلّي صلاته الواحد الثّقة، فإن حفظت عليه صلاته أمة مملوكة ثقة فيقبل قولها وتأخذ به.
قلت له: فإن شكّ، وهو إمام، في سجوده في السّجدة الآخرة، أنّها السجدة الأولى فكره أن يحمل النّاس على الشّكّ هو، هل يجوز أن يقوم برمق دون أن يعلم الذي خلفه فيسجد سجدة أخرى وحده، ثمّ يرجع إلى سجوده، نسخة، إلى السّجود بالنّاس ويقوم بتكبيرة، ويكون قد استحاط لنفسه لهذه السّجدة.
قال: نعم، يجوز ذلك.
/218/ ومن غيره: قال محمّد بن المسيح إن شكّ في سجدة زاد سجدة، فمن كان خلفه، وعلم أنّه سجد سجدتين لم يزد سجدة، ومن لم يسجد يستيقن أنّه سجد سجدتين، سجد عنده وتمّت صلاتهم جميعا، ولا ينبغي له أن يفعل شيئا في صلاته سرّا، فيكون قد خان من خلفه.
رجع _ وكلّ من سجد، ثمّ شكّ ولم يستيقن فليرجع يسجد حتّى يستيقن أنّه سجد سجدتين.
قال غيره: وهو الأكثر، وقد قيل إذا شكّ في ذلك أعاد صلاته.
رجع _ وأمّا الحدّ إذا خرج منه في الصّلاة فلا يرجع إليه بالشّكّ حتّى يستيقن، وكذلك حفظ لنا الثّقة عن موسى بن علي، رحمه الله، أنّه قال: كلّما خرج المصلّى من حدّ من حدود الصّلاة، وصار في الحدّ الثّاني، ثمّ شكّ أنّه لم يحكم ذلك الذي خرج منه فيمضي في صلاته، ولا يرجع حتّى يستيقن.
قال غيره _ وقد قيل: يرجع حتّى يستيقن.
رجع _
وأمّا من ركع قبل أن يقرأ، أو سجد قبل أن يركع، ثمّ علم، فيرجع يقرأ، ثمّ يركع، أو يركع، ثمّ يسجد، فإذا سجد وقضى صلاته سجد سجدتي الوهم، وقال من قال: ليس يرجع يركع إذا كان قد ركع قبل أن يقرأ، ولكن يقرأ ثمّ يسجد، والقول الأوّل أحبّ إلي، أنّه يقرأ، ولكن يقرأ، ولكن يقرأ ثمّ يسجد: فإن تعدّى إلى الحدّ الثالث، وقد نسي الأوّل، فسدت صلاته. (2/221)
صفحة 649
/219/ ومن غيره _ ومعنى أنّه قد قيل، ما لم يزد على النّسيان ركعة تامّة، فيرجع إلى حيث كان يبني عليها.
ومن غيره _ وعن رجل سها في صلاته عن القراءة إلى أن يسجد، ثمّ ذكر، ما يصنع؟
قال: معنى، أنّه قد قيل في ذلك باختلاف، فبعض يقول: إذا ترك ذلك وصار في غيره، ثمّ ذكر، أنّه يبتدئ أنّه يبتدئ صلاته، وبعض يقول، حتّى يصير في حدٍّ ثالِثٍ، فما لم يصِر فيه فإنّه يرجِع إلى ما تركه، ولا تنقص صلاته، وبعض يقول: ما لم يصلّ ركعة تامّة، فإنّه يرجع إلى ما تركه ولا ينقص صلاته.
قلت فإن رجع إلى ما ذكره على أحد الأقاويل، وقد عمل شيئا من ذلك، ففعل ما يصنع، يستأنف ما كان عليه، أو يرجع إلى ما تركه ويتمّ له ذلك؟.
قال معنى، أنّه قيل في ذلك باختلاف، فالذي لا يُفسِد ذلك ويُتمّه له يقول: إنّه يرجع إلى ما تركه ويبني على صلاته وينفعه ذلك، والذي يقول، إنّه يبتدئ لا يتمّ له ذلك على معنى قوله.
رجع _ قال: إن استيقن أنّه كان فيها فليمض في صلاته، ولا يرجع، وكذلك الذي شكّ في القراءة يعد أن يصير إلى الركوع، أو شكّ في الركوع بعد أن يصير إلى السّجود فلا يرجع حتّى يستيقن.
/220/ ومن غيره _ وعن عبد الله بن محمّد بن بركة _ فيما أحسب _ وسألته: عن إمام يصلّي وشكّ، أنّه لم يبتدئ بأوّل فاتحة الكتاب، وهو في الركعة قبل أن يقرأ السّورة، فظنّ أنّه ابتدأ ببعض فاتحة الكتاب.
قال: اختلف أصحابنا في ذلك على قولين، فقال بعضهم: يرجع فيبتدئ بفاتحة الكتاب مالم يُجاوزها إلى غيرها، وقال قوم: إذا جاوز شيئا منها أوشكّ في أوّلها وقد بلغ إلى آخرها وقبل أن يُتمّها، وقد قال: {وَلاَ الضَّآلِّينَ} (الفاتحة: 7). ولا يرجع إلى الشّكّ.
قلت فما حجّة صاحب القول الأوّل؟
قال: عنده، أنّ فاتحة الكتاب حدّ، لا يجاوزه حتّى يحكمه، وأنّه لا يخرج إلى غيره، وهو شاكّ فيه.
قلت: فما حجّة أصحاب القول الثّاني؟
قال: قالوا، لم يصل إلى بعضها أو إلى آخرها إلاّ وقد ابتدأ بأوّلها، قال: وقد قالوا، إنّ العادات لم تجر من النّاس، إن قاموا إلى الصّلاة يبتدئوا من أوسط فاتحة الكتاب، قال: وإذا كانت العادة قد جرت بخلاف ما شكّ فيه المصلّي وتوهّم لم يكن للشّكّ حكم يدفع للعادة التي هي مثل اليقين. (2/222)
صفحة 650
رجع _
ومن نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها، لأنّ الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْريَ} (طه: 14).
/221/ وعن أبي قتادة صاحب النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: أخذ كلّ واحد منّا ذراع راحلته ونمنا في مسير النّبيء - صلى الله عليه وسلم - فما استيقظنا حتّى شرقت الشمس، فقلت يارسول الله، هلكنا وفاتتنا الصلاة قال: لم تهلكوا ولم تفتكم الصّلاة، وإنّما تفوت اليقظان، ولا تفوت اليقظان.
وقيل أمر مناديه، وفي نسخة، فأقام، فنادى، وصلّى - صلى الله عليه وسلم -.
ومن غيره _ وقيل إنّهم صلّوا جماعة بعد طلوع الشمس.
رجع _ وعن أبي عبد الله، أنّ من قام ناسيا قبل أن يسلّم الإمام ليقضي شيئا سبقه من الصّلاة، فإن سلّم الإمام قبل أن يدخل هو في القراءة فلا بأس عليه وليمض في صلاته، وإن سلّم الإمام بعد أن دخل في صلاته وقرأ فإنّي أخاف
عليه النقض.
ومن غيره _ قال محمّد بن المسبح: لا نقض عليه ويرجع يقعد حتّى يسلّم وإن سلّم الإمام وهو قائم، يعني الإمام سلّم، وهذا قد قام فيمضي في صلاته.
رجع _ فإن ذكر ذلك بعد أن أقام للبدل أنّ الإمام لم يسلّم فليرجع يقعد حتّى يسلّم الإمام، فإذا أتمّ الصّلاة سجد سجدتي الوهم، وفي نسخة السّهو، وهو أصحّ، ولعلّ في بعض القول أن لا يكون عليه فساد في صلاته إذا دخل في البدل ولم يسلّم الإمام، إذا كان إنّما دخل في ذلك وقد دخل الإمام في الدّعاء وقضى التّحيّات، لأنّه لو كان قد أتمّ
/222/ قال غيره: حسن معي هذا القول على النّسيان إذا بان له ذلك.
ومن كان في صلاة العصر ثمّ ذكر أنّه لم يصلّ الظهر فليترك صلاة العصر ويصلّي الظهر، ثمّ يصلّي العصر إلاّ أن يخاف فوت هذه الحاضرة فليصلّها، ثمّ يصلّي التي كان عليه، وليس ردّ هذا.
وقال من قال: إن ذكر الأولى بعد أن دخل في صلاته هذه فليتمّها ثمّ يصلّي هذه الآخرة، والرّأي الأوّل أكثر عندنا: قول محمّد المسبح. (2/223)
صفحة 651
قال غيره: والقول الآخر أصحّ عندي إذا فات وقت الأولى، لقول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمُ} (محمّد:33).
رجع _ وممّا يؤخذ عن أبي عبد الله، رحمه الله، ومن قام إلى صلاة ولم يذكر منها إلاّ الحدّ الذي هو فيه تلك السّاعة فليس عليه نقض، ولا سجدتا الوهم إذا أتى على حدود الصلاة بعقله.
قال غيره، نعم كذلك حفظنا، أنه إذا انتبه المصلّي من نسيانه وغفلته في صلاته، فكان، وكأنّه معه في حين ذلك في الركعة الأولى أو الثّانية أو الثالثة، أو السجدة الأولى أو الثانية، أو القعود الأوّل أو الثّاني فهو على ذلك، فإن عارضه الشّكّ بعد ذلك لم يكن عليه إلّا أن يستيقن على ذلك، ولا كان حين انتباهه إلى حفظ صلاته وجد لا يعتمد فيه على شيء، وكان على الشّكّ في حين ذلك فعليه ما على الشّاكّ في صلاته. (2/224)
صفحة 652
ومن غيره _ والشّكّ شكّان، شكّ القياس، وشكّ معارضة، فإذا كان الرّجل حافظا لصلاته، مقْبِلا عليها بقلبه، ثمّ عارضه الشّكّ في شيء من صلاته في القراءة: أو الرّكوع أو السّجود، أو كم ركعة، فلا يلتفت إلى ذلك، وليمض على أوثق ما في نفسه من ذلك، وهذا شكّ العارضة، وشكّ القياس، أن يكون الرّجل مشتغلا بذكر الدّنيا وهمومها، فذلك إذا شكّ فلم يدر ما صلّى فذلك الذي ينقض عليه صلاته، ويعيد الصلاة.
قال: نعم، قد فرّق بين من هو مقبل على صلاته فيعارضه الشّكّ وبين من لا يعرف نفسه بالإقبال على حفظ صلاته، ويعرف نفسه بمعارضات أشغال الدّنيا، وحتّى قيل ذلك، من أبناء الدّنيا، وقد قال بعضهم: يقطعها ويستأنفها.
ورجل صلّى معه رجل فشكّ أحدهما في صلاته، أيجتزئ بقول صاحبه؟
فقال: أمّا الإمام فيجتزئ به صاحبه.
قلت: فالإمام؟ فنظر ثمّ قال: أرجو أن يجتزئ إن شاء الله.
قال أبو سعيد رحمه الله: معنى، أنّه، أنّ الإمام يجتزئ بفعل صاحبه، ولا يحتاج إلى قوله، وهو تبع له فيما شكّ فيه من أمر صلاته ما لم يستيقن أنّ صلاته زائدة أو ناقصة، ما كان مأمونا على الصّلاة، ولم يتهم فيها، أعنى الإمام.
وقد قيل: إذا لم يكن الامام ثقة كان على المأموم حفظ صلاته، ويعجبني القول الأول، ما لم يكن متهما في أمر الصلاة خاصة. وأما الإمام فقد قيل: لا يجتزىء ... /223/ (2/225)
صفحة 653
بفعل المأموم إلا أن يكون جماعة، لا يدخل على مثلهم الشك والغفلة في صلاتهم كلهم، فما كانوا دون الجماعة فعليه السؤال فيما قيل، فإذا أخبره الواحد منهم، إذا كان ثقة، أن صلاتهم تامة فمعى أنه قد قيل، يجوز تصديقه، وإن لم يكن ثقة، ولم يكن متهما فيختلف في تصديقه.
قال أبو الحسن بن أحمد رحمه الله: وقد قيل، إذا كان يصلى بصلاته قبل قوله، ولو لم يكن ثقة، وإن لم يكن يصلى بصلاته لم يقبل قوله، إلا أن يكون ثقة، والله أعلم.
ومن جواب أبي الحوارى رحمه الله: وعن الذى يصلي وراء الإمام، فيقضى الإمام صلاته، وقد نسى ما قرأ الإمام من القرآن وهو في موضعه، أيبدل صلاته أم قد تمت؟
_ فعلى ما وصفت، ليس عليه حفظ ذلك، وإنما عليه أن يستمع، فإن استمع شيئاً من قراءة الإمام فصلاته تامة.
وعن رجل شك فى حد أو فصل قد خرج منه، وقد صار في فصل آخر، فرجع إلى الذى شك فيه تعمداً، احتياطا، هل تتم صلاته؟
_ فقد قيل: تفسد صلاته إذا رجع إلى الشك من بعد مجاوزة الحد، وقد قيل، إذا رجع على الاحتياط لظنه، أنه يجوز له ذلك بتمام صلاته.
قلت: ولو شك في حد قد قرأ أكثره، فشك في أوله، وهو في آخره، فرجع فاستأنفه من أوله، فقرأ وهو يعلم أنه قد قرأ آخره، فقد قيل: جائز له ذلك ما لم يستيقن. /224/ (2/226)
صفحة 654
وقلت: ولو أنه تعمد فقرأ حداً من الحدود أو فصلا، أو كلمة مرتين أو أكثر، متعمدا، أو جاهلا أو ناسياً، هل تتم صلاته؟
_ فأما إذا فعل ذلك ناسياً، أو يظن أنه جائز فأرجوا أن صلاته تتم، وأما المتعمد لذلك فأحب أن يعيد.
وعن رجل يعنيه الشك فيقرأ شيئاً من الحدود والفصل، ثم شك فيه قبل أن يقرأ أكثره، فقد قيل، يرجع في إحكامه.
وقلت: إن شك في ركعة تامة قبل أن يقرأ من التحيات شيئاً، فيمضي على أحسن ظنه، ولم يعد شيئًا في أول صلاة صلاها، هل يجزيه ذلك؟
_ فقد قيل: يجزيه، وقيل: لا يجزيه، وأحب أن يجزيه إذا كان مقبلا صلى صلاته ويعارضه الشك.
ورجع يصلى مع الإمام فقام الإمام يقرأ السورة، وهذا يستمع، ثم شك في قراءة الحمد، أو تكبيرة الإحرام، قلت: ما يصنع؟
_ فمعى، أنه فيما قيل، إن كان يستمع منصتًا لقراءة الإمام كان له أن يمضي في صلاته حتى يعلم أنه لم يجزم إذا كان معه أنه منصت لقراءة الإمام في الصلاة.
وقلت: ولو شك في التحيات وهو قاعد مع الإمام قبل أن يسلم، ما يصنع؟
_ فمعى، أنه قيل يعيد التحيات. /225/ (2/227)
صفحة 655
ومن جواب أبي سعيد رحمه الله:
وفي رجل يعارضه الشك في صلاته حتى لا يحفظ كل كلمة خرج منها، ولا كل فصل ولا حد، وقلبه مطمئن أنه لا يقدم كلمة قبل كلمة، ولا فصلا قبل فصل، ولا حدا قبل حده إلا أن يخرج من الكلمة على اليقين أنه قد قالها، فإذا صار إلى غيرها شك، وكذلك الفصل والحد إلا أنه إذا نص حفظه بعد أن يخرج من الكلمة أو الفصل أو الحد إلى غيره لم يستيقن أنه قاله، قلت، ما تقول في صلاته؟
_ فقد قيل في هذا على ما وصفت باختلاف، فأما الحد فهو أوسع، وأكثر القول، أنه تتم صلاته حتى يستيقن، والفصل أوسع من الكلمة، والكلمة مع الشك عندى مثل الفصل، وأرجو أن يسع صاحب الشك ذلك عندى، إن شاء الله، على ما ذكرت أنت مسألتك هذه.
وقلت، وكذلك، لو أنه كان إذا فرغ من الحد اعتقد أنه قد فرغه، ثم يعارضه الشك بعد أن صار في الحد الثانى فعرف أنه قد اعتقد، ومضى على اعتقاده، ولم يعده، هل يجوز ذلك، وكذلك الفصل؟
_فنعم.
ومن غيره _قلت له: وكذلك لو أنه ذكر وهو في قراءة السورة فلم يدر قرأ من الحمد أم لا، هل عليه أن يرجع فيقرأ الحمد.
قال غيره في هذا: أن لا يرجع إلى ذلك حتى يستيقن، وقد قيل: عليه أن يرجع ما لم يخرج من القراءة، والأول أحب إلىّ. ... /226/ (2/228)
صفحة 656
وسألت عن رجل قد سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام حتى لم يعرف ما قرأ الإمام من السورة، ولا فهم منها شيئًا.
قال عليه البدل.
ووجدت في الأثر عن موسى بن على رحمه الله أنه قال: تتم صلاته ويسجد للسهو سجدتين، وكذلك يوجد عن غيره.
ومن غيره _ وسألته عن من سها وهو خلف الإمام عن قراءة الإمام حتى لا يعرف ما قرأ الإمام من السورة ولا فهم منها شيئًا، وقال: عليه البدل.
قلت: فإن سمع مقدار آية يجزيه، قال: نعم.
من غير الجامع وزياداته:
ومن شك في عدد الصلاة وقد خرج منها فلا يرجع إلى الشك بعد انقضاء الفرض، وقد أداه وسقط عنه، وإن شك وهو فيها بعد، ولم يعلم عدد ما صلى وما بقى فسدت صلاته ويعيدها، وإن شك في زيادة شيء منها أو نقصانه فاستيقن على عدد شيء منها، أنه أحكمه، أخذ بيقينه، وأتى بما بقى عليه حتى يكون ذلك بالإحتياط، وذلك مثل، أنه قد صلى من المغرب ركعتين بيقين معه وهو في جلوسه، ولم يعلم، وشك أنه قد صلى ثلاثًا أو اثنتين فإنه يقوم ويأتى بركعة حتى يتم صلاته ويخرج من الشك. فإن كان قد صلى ثلاثًا لم يضره ما زاد بعد تمام الصلاة، وإن كان قد صلى ركعتين فقد أتى بتمام صلاته واحتاط لنفسه، وفي هذا قول، أنها تنتقض ولم يعمل بذلك. لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من شك في النقصان ... /227/ (2/229)
صفحة 657
فليأت بما بقى حتى يشك في الزيادة، والله أعلم بصحة ذلك، إلا أنه أصل لهذا المعنى.
مسألة:
ومن يصلى ويشك، فقال من قال، يصلى حتى يستيقن أنه قد صلى، وقال من قال، إذا نقص ثلاث مرات فلا بدل عليه، وقال من قال، حتى يخاف (؟؟؟) الفوت.
قال الفضل: من شك أنه لم يصل صلاته بعد انقضاء وقتها فلا بدل عليه.
مسألة
ومن شك في القراءة وهو خار إلى الركوع أو شك في الركوع وهو خار إلى السجود ففى الهوية اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من قال، إن الهوية التى تكون بين القراءة والركوع هى من القراءة، فعلى هذا القول، عليه أن يرجع إلى القراءة ما لم يصل في هبوطه إلى ركبتيه راكعًا، لأن عليه أن يرجع إلى القراءة فرضا، وله أن يرجع يصلى نفلا، فعلى هذا عليه أن يرجع إلى القراءة إذا شك فيها قبل أن يصل إلى ركبتيه راكعا، وعلى قول من يقول، إن الهوية ما بين القراءة والركوع من الركوع وليس عليه أن يرجع إلى القراءة، وله أن يرجع إلى القراءة احتياطا، وليس بفرض عليه أن يرجع، وكذلك إن شك في الركوع وهو خار إلى السجود، والقول فيه واحد، ومعنى هذا معنى ما تقدم فيه القول، فإن ارتفع من سجوده يريد القيام في حال التجافى، فإذا خرج من حال التجافى إلى حال الارتفاع للقيام دخل في الإختلاف الذى ذكرناه فى المسألة الأولى. ... /228/ (2/230)
صفحة 658
ومن أمر بحفظ الصلاة عليه وهو إمام فله أن يجهر بقدر ما يسمعه من يحفظ عليه، وإن كان خلفه جماعة وأمرهم بالحفظ عليه، وكانوا سبعة، فلم يسألهم، فلا شيء عليه. قيل، خمسة أيضا.
ومن شك في صلاته فلم يدر كم صلى وقد قضى التحيات الآخرة فعن أبى عبد الله لا نقض عليه، فإن لم يدر كم صلى بعد قوله، والصلوات الطيبات فما لم يتم التحيات فإنه يعيد، وإذا أتمها، ثم شك من بعد فلا إعادة عليه.
قال أبو الحوارى: من صلى صلاة العصر، ونسى الظهر، فذكرها فى النهار قبل غروب الشمس فإنه يصلى الظهر ثم العصر، وإن ذكرها فى الليل وقد غربت الشمس صلى الظهر وحدها. وكذلك من صلى صلاة العتمة ونسى المغرب وحدها.
وعن رجل أحرم لصلاة الفريضة ودخل فى الصلاة، ثم سها، فمضى في قراءة سورة طويلة، وظن أنه فى نافلة حتى صلى ما صلى من صلاته، هل عليه نقض؟
قال أبو عبد الله رحمه الله: إن من مضى فى سهوه ذلك حتى قضى التحيات الآخرة خفت عليه النقض.
قلت: ولو لم يسلم؟
قال: نعم، وإن هو ذكر فانتبه قبل ذلك ورجع إلى ذكر الفريضة، أنه فيها، لا بأس عليه، إن شاء الله.
وسألته: عن رجل نسى صلاة حتى فاتت وقتها، هل يسعه أن لا يصليها ويصلى ما يستقبل؟ /229/ (2/231)
صفحة 659
قال: معى أن بعضا لا يوسع له ذلك، وأحسب أن بعضا يرى له ذلك، ولا يعجبنى ترك ذلك إلا من عذر.
قلت: وكذلك الناعس والمغمى عليه، أهو مثل الناسى فى مثل هذا؟ قال: الناعس عندى كالناسى فيما معى، أنه قيل. وأما المغمى عليه فقيل كالناعس، وقيل لا شيء عليه، لأنه ذاهب العقل غير متعبد، والناعس والناسى متعبدان فى حين ذلك.
وعن الإمام إذا كان سها فى صلاته، فسبح له بعض من خلفه، فلم ينتبه، فرماه بحصاة فانتبه ورجع، قلت: أتتم صلاة الذى رماه أم تنتقض؟
فقد قيل فى ذلك باختلاف فيما عرفناه، فقال من قال، تفسد صلاته، وقال من قال، إن ذلك من صلاح صلاة الجميع، وأنا يعجبنى فساد صلاة الرامى، لأن ذلك عمل ليس من مصالح صلاته، وقد كان يمكنه أن يبنى على صلاته، ولو مضى الإمام على فساد صلاته وعلى غلطه.
وعن رجل كان عليه القعود في صلاته فأراد أن يقوم، ثم ذكر، قال: ما لم ينهض يخرج فلا توهم عليه.
وعن رجل أصاب فخذه مذى أو ودى أو منى أو مسحة من قبل بول وعرق مكانه فنسى أن يغسله حتى صلى، هل تنتقض الصلاة حين يذكر؟
ق (؟؟؟) ل: إذا ذكر وهو في وقت الصلاة فعليه البدل، وإن انقضى الوقت فلا بدل عليه. /230/ (2/232)
صفحة 660
قال غيره: يغسله وعليه البدل وإن انقضى الوقت.
ومن غيره_
ومن نسى قراءة التحيات، كان وحده، أو خلف إمام، حتى جاوزها إلى حد غيرها فإن عليه النقض.
وإن نسى قراءة فاتحة الكتاب، كان خلف إمام أو وحده، فى صلاة يقرأ فيها سورة، فصلاته تامة، وإن كانت صلاة يقرأ فيها القرآن، فإن كان وحده فعليه الإعادة، وإن كان خلف الإمام ونسى فاتحة الكتاب فلا أرى عليه نقضًا.
ومن كان عليه بدل صلاة صلاها في سفينة قاعدًا، أو هو مريض صلى قاعدًا، أو كبر خمس تكبيرات، من شدة المرض. أو صلى ماشيا، أو على دابته، أو صلى ركعة صلاة الحرب، أو خمس تكبيرات صلاة المستأنفة، ثم ذكر ذلك من بعد صحته.
قال: عليه بدل تلك الصلاة تماما قائما، إلا أن يكون صلاها في سفر بالقصر فإنه يبدلها قصرا، وإن كان فى موضع التمام، وإن ذكرها، وهو فى سفينة، فإن قدر على القيام فليبدلها قائما، وإن لم يقدر فليبدلها قاعداً فإن قدر على القيام وصلاها قاعدًا فلا بأس أيضًا إذا كان فى السفينة.
_ وفى نسخة_
قلت له: فإن كان عليه بدل صلاة صلاها فى البر فلم يصلها حتى صار فى السفينة. /231/ (2/233)
صفحة 661
قال: يصلى قاعدًا.
رجع _
ومن نسى قول، سمع الله لمن حمده فليقلها حيث ذكرها من الصلاة، ومن نسى قول، ربنا لك الحمد فليس عليه أن يقولها، ولا أن يسجد سجدتى الوهم، ومن نسى قول سمع الله لمن حمده فليقلها حيث ذكرها فى الصلاة.
قال محمد بن المسبح: من نسى قول سمع الله لمن حمده فليقلها إذا قعد للتحيات الآخرة وقال من قال، يقولها عند قول سمع الله لمن حمده، وقال من قال، يقولها إذا قرأ التحيات الآخرة، وقال من قال، لا يقولها، فإن قالها فسدت عليه صلاته إلا أن يقولها في موضعها إذا قام من ركوع آخر عند قول، سمع الله لمن حمده من ذلك الركوع.
فصل
فى سجدة الوهم
وإن وهم الإمام فلا نبصر على من خلفه سجودا لوهمه، وإنما الوهم على من وهم.
ومن غيره _ وحفظت فى الذى يجمع الصلاتين عن أبى سعيد، أنه إذا وهم فى الأولى، أنه يسجد سجدتى الوهم إذا سلم من الأولى.
ومن غيره_ قال أبو الحسن بن أحمد حفظه الله: وقد قيل، يسجد إذا أتم الصلاة. /232/ (2/234)
صفحة 662
وسألته عن المسافر إذا جمع الصلاتين فيلزمه سجدتا الوهم فى الأولى، قال: يسجدهما إذا سلم من الأولى، ويصلى الثانية.
قال أبو على الحسن بن أحمد _رحمه الله_ يسجدهما على إثر الثانية، والله أعلم.
وليس على من سجد سجدتى الوهم تسليم، إلا أنه قد يستجب بعضهم، أن يقول، الحمد لله، والسلام على رسول الله، ولا يصفح بذلك، ولكن يقوله ووجهه إلى القبلة، قال أبو المؤثر: يصفح كما يصفح بتسليم الصلاة.
ومن غيره_ وسألته عن من سهى فى صلاته سهوين، قال: عليه سهوان، والوهم على من صلى فريضة أو تطوعًا أو صلى سنة، من عيد أو غير ذلك، أو صلاة خوف، أو صلاة راكب، أو ماش، أو عريان، أو قاعد، كل ذلك عليه الوهم إلا من صلى تكبيرا، أو صلى على جنازة فليس عليهم وهم.
وإن سها حتى قام، ثم ذكر قبل أن يحرم لصلاة غيرها، أو تكلم بكلام غير ذكر الله والدعاء، أو أدبر بالقبلة رجع، فقعد، ثم سجدهما، وإن أحرم بغيرها أو تكلم أو أدبر بالقبلة فإنه يحفظ ذلك، فإذا صلى صلاة أخرى سجدهما، فإن نسيهما فمتى ما ذكرهما على إثر صلاة، وسجهما فلا بأس. وأن يسجد للتطوع على أثر الفريضة، ويسجد للفريضة على أثر الفريضة والتطوع.
وقال أبو المؤثر: يسجد لوهم الفريضة على أثر الفريضة، ويسجد لوهم /233/ (2/235)
صفحة 663
التطوع على أثر التطوع، وقال أبو المؤثر، وقد قال بعض أهل الرأى: إذا نسى سجدتى الوهم حتى ينصرف فليس عليه سجود،، وقولنا أن يسجد على ما وصفنا.
ومن غيره _ أخبرنا الفضل رده [على] الشيخ، ورد محمد بن أحمد أنه القائل عن أبى هاشم الخراسانى عن الربيع، أنه قال، إذا سها الرجل فى صلاته، ثم انصرف عنها، ونسى أن يسجد سجدتى الوهم فليس عليه بعد ذلك سجود. قال محمد بن أحمد: روى لنا من لا أتهمه عن عبد الله بن محمد بن بركة أنه قال، إنما الوهم الذى يجب فيه السجود فى سبعة مواضع، من كان عليه القيام فقعد، أو القعود فقام، أو الركوع فسجد، أو السجود فركع، أو قرأ التحيات فى القيام، أو القراءة فى موضع التحيات، أو نسى فسلم، فعلى هذا يلزمه سجدتا الوهم.
قال أبو سعيد_ رحمه الله_: إن المصلى إذا جهر فى موضع السر فى الصلاة، أو أسر فى موضع الجهر ما يكون به مخالفة السنة فى صلاته لحقه معانى السهو، لعله أراد الوهم بذلك، وكذلك كلما أتى المصلى على النسيان مع جميع الأمور فى صلاته، فإذا أتاه على التعمد فسدت صلاته، ولا تفسد فى الخطأ ولا فى النسيان، فقال، ذلك على خطأ أو نسيان.
فمعى أنه قيل عليه سجدتا الوهم فى هذا الموضع، وأما مثل التوجيه والدعاء فى الصلاة، والذكر الذى ليس مطلقًا باتفاق فى الصلاة، فإذا سها المصلى حتى قاله /234/ (2/236)
صفحة 664
فى موضع من مواضع صلاته فمعى، أنه فى بعض القول، أنه يفسد صلاته، وفى بعض القول، أنها لا تفسد بذلك وعليه الوهم.
وأما ما قاله المصلى مما هو خارج من معانى أمر الصلاة أو فعله من الأفعال والمقال الذى هو خارج فى أسباب الدنيا وأعمالها، فهذا المعنى عندى، أنه يفسد الصلاة على الخطأ والنسيان والعمد.
وأما من كبر فى موضع سمع الله لمن حمده، أو قال، سمع الله لمن حمده فى موضع التكبير، أو سبح فى موضع هذا، أو كبر فى موضع التسبيح والركوع والسجود فهذا وأشباهه من معانى الصلاة إذا قال المصلى ذلك على العمد خيف عليه فساد الصلاة بالإتفاق، وإن قاله خطأ أو نسيانا فمعى أنه يختلف فيه فى لزوم السهو له فى ذلك على مثل هذا.
وكذلك إذا قرأ شيئًا من القرآن غير الفاتحة الكتاب فى غير موضع القراءة فمعى أنه يختلف فى لزوم السهو له فى ذلك، فقال من قال: عليه السهو، وقال من قال: إن قرأ فى الركعتين الأوليين من صلاة النهار لم يكن عليه سهو، وإن كان فى الآخرتين من العشاء أو فى الآخرة من المغرب فكل هذا لا سهو عليه وقال من قال: بلزوم السهو له فى جميعه، وقال من قال: لا سهو عليه فى جميعه.
ومن غيره_ أخبرنا أبو زياد عن منذر بن الحكم عن بشير عن سليمان ابن عثمان، أنه كان يقول فى تسليم سجدتى السهو: السلام على من اتبع الهدى، قال أبو زياد: وبلغنى عن عبد المقتدر، أنه قال: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. /335/ (2/237)
صفحة 665
ومن غير الكتاب وزياداته_
وجدت الإختلاف فى سجدتى الوهم، قال بعض: قبل التسليم، وقال بعض: بعد التسليم، وقال: أحسبه أبو المؤثر، أن يسجد للزيادة بعد التسليم، ويسجد للنقصان قبل التسليم، ووجدت أنه إذا نسى سجدتى الوهم يسجدهما إذا ذكر على أثر الفريضة أو النافلة، كان الوهم عليه فى فريضة أو نافلة، وقيل: ما لم يدبر القبلة وقيل: ما لم يخرج من المسجد، فإن وهم فى الصلاة وهمين لم يكن عليه إلا سجود وهم واحد، فإن، كان عليه سجود من صلاة، ثم وهم فى التى يصليها كان عليه أن يسجد للوهم الأول، ثم يسجد للحاضرة، والله أعلم.
ومن غيره_ وقيل ليس على من سها خلف الإمام سهو.
قال محمد بن سعيد رحمه الله: السهو على من سها فى صلاته من إمام أو مأموم ولا سهو على المأموم بسهو الإمام، ولا يزول عن المأوم سهوه لموضع الإمام.
وقال محمد بن سعيد رحمه الله: معى أن يخرج فى معانى قول أصحابنا، أن السهو على من سها في صلاته من
إمام أو مأموم، ولا يلحق أحدا من سهو أحد شيء.
قال أبو سعيد: لا سهو فى السهو.
ومن غيره_ عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم سمى السجدتين للسهو المرغمتين للشيطان، وأصلهما عنه صلى الله عليه وسلم فيما روى فعلا، وهما المرغمتان للشيطان. /237/ (2/238)
صفحة 666
ومن ذكر أنه لم يسجد سجدتى الوهم وهو قائم، فإن شاء خر ساجدًا، وإن شاء قعد، ثم سجد، أى ذلك فعل فهو جائز.
وقيل: إذا وهم فى الصلاة الأولى وهو يجمع فلا يسجد حتى تنقضى الصلاة الثانية، ومن سجد سجدتى الوهم قبل التسليم استأنف الصلاة وسجدهما، وقال: الحكمة فى سجدتى الوهم للتعبد بهما، وفعل النبى صلى الله عليه وسلم فى دبر كل صلاة سها فيها يدل على أن فعلها حكمة.
وقال بعض المسلمين: إنهما جعلتا خيرًا للصلاة، يجبر بهما ما لحق من خلل الصلاة، وقال بعضهم: الأمر لفعلهما ترغيما للشيطان وكسرًا لكيده، والله أعلم بالأعدل، وكل منهما صواب إن شاء الله.
ومن سها مرارًا فى الصلاة، ففى السجدة اختلاف، قال قوم: سجدتان تجزيانه للسهو كله، وقال قوم: لكل سهو سجدتان.
رجع إلى كتاب أبى جابر.
وروى لنا عمر بن المفضل، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه صلى بالناس صلاة المغرب فلم يجهر بالقراءة حتى قضى الصلاة، فلما فرغ سألوه، أشياء حفظته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سهوت؟ فقال: بل سهوت، كنت أجهز جيشًا للشام حتى وصل، فأعاد الصلاة وأعادوا.
وقيل: من قرأ الحمد فى قعوده ولم يكن أتم التشهد والتحيات فإنه يدع القراءة ويعود إلى التحيات، وإن كان قرأ التحيات فى قيامه بعد أن قضى الحمد فيرجع ... 237/ (2/239)
صفحة 667
يقرأ سورة، وقد قرأ الحمد، ويسجد سجدتى الوهم إذا سلم، وكذلك من نسى، فقال شيئًا مما يقال به من حدود الصلاة، فقال به فى الحد الآخر، أو كان عليه القعود فقام، أو القيام فقعد، أو الركوع فسجد، أو نسى فسلم قبل تمام الصلاة، ففى كل هذا يرجع إلى حده، ويقول بما يؤمر فيه به، فإذا سجد سجدتى الوهم، ويسبح فيهما بما يسبح به فى سجود الصلاة، أو يقول: سبحان الله وبحمده، أو غير ذلك من التسبيح فلا بأس. وإن سلم لهما فهو المأمور به.
والتسليم أن يقول: السلام على رسول الله، أو السلام على من اتبع الهدى، أو الحمد لله رب العالمين، كل ذلك جائز، وإن سلم تسلم الصلاة فلا بأس، وإن لم يسلم أيضًا فلا نقض عليه فى ذلك، وإن وهم فى صلاته فانصرف، ونسى أن يسجد سجد على أثر صلاة أخرى فريضة، مثل تلك الصلاة، وإن لم يكن كمثلها فلا بأس. ويسجد للنافلة على أثر النافلة، وإن وهم فى تلك الصلاة أيضا سجد السجدتين اللتين عليه، ثم سجد لوهم هذه الصلاة أيضا. ... /238/
* * * (2/240)
صفحة 668
الباب التاسع
فى صلاة الجماعة، وفضلها، وأحكامها
بسم الله الرحمن الرحيم.
وقيل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال، رهبانية أمتى الجلوس فى المساجد، والمساجد بيوت الله فى أرضه، وزوارها هم زواره.
وقل: من حافظ على الصلاة فى جماعة فقد ملأ نحره عبادة.
وقيل فى رجلين، بات أحدهما بات أحدهما يصلى حتى أصبح ولم يصل العشاء الآخرة والفجر فى جماعة، وثانيهما صلى العشاء الآخرة والفجر فى جماعة ولم يصل الليلة، أنه أفضل.
وقيل: الذاهب إلى صلاة الجماعة له بكل خطوة خطاها حسنات ودرجات ويكفر عنه سيئات، وكذلك فى رجوعه إلى منزله.
وكان بعض الفقهاء يقصر فى الخطاء إذا أراد المسجد للصلاة، ويستحب أن يذكر الله إذا دخل المسجد، وقال من قال: يقول، الحمد لله وسلام على المرسلين ويقول اللهم صل على محمد، وافتح لنا أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: اللهم صل على محمد وافتح لنا أبواب فضلك.
من غير الكتاب وزياداته_
وعرفت فيمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى، ويقول، باسم الله والحمد /239/ (2/241)
صفحة 669
لله والسلام على رسول الله، وعلى أولياء الله، اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله الشمال، وقال، اللهم بك انصرفت، وبذنبى اعترفت، وأعوذ بك من سوء ما اقترفت، اللهم صل على محمد، وافتح لى أبواب فضلك.
رجع_ وقيل: كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا صلى مسح بيده اليمنى على جبهته، وقال: اللهم عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أسألك أن تذهب عنى الغم والحزن والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وإذا انصرف قال: اللهم بنعمتك انصرفت وبذنبى اعترفت، وأعوذ بك من سوء ما اقترفت.
وأولى بالإمامة من القوم أقرؤهم للقرآن وأعلمهم بالسنة، فإن استووا فى ذلك فأفضلهم ورعا وأثبتهم صلاحا، فإن استووا فى ذلك فأكبرهم سنا.
ومن غيره _قال: وقد قيل، فإن استووا فى ذلك فأصبحهم وجها، وقيل إن أبا سعيد الأنصارى صنع طعاما فدعا أبا ذر وابن مسعود وحذيفة فحضرت الصلاة، فتقدم أبو ذر رحمه الله، فقال حذيفة، وراءك، صاحب البت هو أحق بالإمامة منك، فقال أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود، فقال: نعم، فتأخر وتقدم صاحب البيت وصلى بهم.
وقال: إذا قام المصلى فى المسجد ويرى أن يكون إماما لمن يأتى فليجهر بالتكبير فى صلاة النهار، وبالقراءة فى صلاة الليل، فإن لم يجهر فلا نقض عليه. /240/ (2/242)
صفحة 670
ومن غيره_ يوجد قول كالشاذ، أنه لا يجهر إذا كان وحده ولا أجد مانعا لذلك، الإحياء سنة الجماعة وفضلها، والله أعلم.
رجع _ فإذا جاء الداخل معه جهر، وإن لم ينو أنه إمام لمن يأتى فدخل معه أحد تمت صلاته وانتقضت صلاة الداخل، قال غيره، لا نقض عليه إذا صلى بصلاته، وأعلمه أنه داخل معه فى صلاته، والرأى الأول أحب إلى، ويكره للإمام أن ينتظر أحدا فى الصلاة ولا يتوقف عليه، وقيل، يصلى بهم صلاة أضعفهم لأن فيهم الضعيف وذا الحاجة.
ومن غيره_ وعرفت عن الشيخ أبى سعيد رحمه الله، أن الإمام يصلى بمن يصلى به جماعة صلاة أضعفهم ممن هو منهم، ومن جملتهم، كمن لزمه أن يصلى معه ممن هو محافظ على الصلاة ويثبت له حق العمارة، وربما كان الضعيف أحوج إلى التمهل فى الصلاة والتأنى، وطول الركوع والسجود منه إلى السرعة والتخفيف فى الصلاة، وليس ينبغى أن يصلى لأحد من الناس خاص، وإنما تكون صلاته دائمة لحال التوسط الذى يلحقه فيه الضعيف فى ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، ولا يعجله ولا يتبعه، ولا يطيل عليه ذلك من قيامه وركوعه وسجوده وقعوده فيتبعه فى ذلك، ولكن يكون متوسطا مجتهدًا قاصدًا لذلك لله، وإلى الله بالقيام بالقسط إلا أن يخص فى ذلك فى حال يراه هو على معانى الإجتهاد والنظر إلى أن يقصر ما فى حال ما كان عليه من الدوم أو يطيل عن ذلك لمعنى حادث، أو لسبب عارض مما يرجو فيه الفضيلة وابتغاء الوسيلة وأداء شىء من اللوازم.
رجع _ وقيل إن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى أول ركعة من صلاة الصبح بك~هيعص ... /241/ (2/243)
صفحة 671
وقرأ فى الركعة الثانية بقل هو الله أحد، فسئل عن ذلك، فقال: سمعت صبيًّا صاح، فظننت أن أمه خلفى فرحمته ورحمت أمه.
ومن كان خلف إمام فإنما هو تابع له ولا يسبقه فى شىء من صلاته إلا ما يخيفه الإمام، ولا يكون المسافر إماما للمقيمين إلا أن يكون المسافر فى موضع هو متول للصلاة فيه، أو يكون هو أولى بالإمامة فى فضله وعلمه ممن حضر من المقيمين فهو أولى بالتقديم ولو لم يكن فى موضعه، فإذا سلم قام المقيمون فأتموا صلاتهم فرادى بغير إمام.
قال أبو بكر أحمد بن محمد بن المفضل رحمه الله، قال أبو على الحسن بن أحمد رحمه الله: ليس هو من الإجماع.
قال غيره: وقد قيل، إنه هو من الإجماع صلاة المقيم بالمسافر وصلاة المسافر بالمقيم ويتم المقيم صلاته بالتمام.
رجع _ وأما الإمام الأكبر نفسه فهو أولى بالإمامة والتقديم إذا حضر، فإن كان مسافرا، فإذا قضى صلاة السفر أتم اللذين خلفه من المقيمين صلاتهم فرادى بلا إمام.
ومما يؤمر به الإمام ساعة يسلم من صلاته أن ينحرف ويتحول من مكانه، ثم ينفث الذين خلفه.
وفى الأثر _ أنه سمع الإقامة، وفى نسخة، من جيران المسجد، فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر إذا كان فارغا صحيحا، وقال أبو عبد الله رحمه الله: ... /242/ (2/244)
صفحة 672
من سمع الأذان والإقامة فى المسجد ولم يصل معهم وصلى فى بيته بلا أمر يردعه فلا بأس عليه، ولا يجعل ذلك عادة.
ومن غيره _ ويروى عن ابن عباس رضى الله عنه، أن صلاة الجماعة فريضة لقول الله تعالى: {الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين}، وفى تركها التشديد من الفقهاء على غير عذر من التارك لها، وكذلك عرفت عن بعض أصحابنا، أنه لا يقوم البعض عن البعض فى الجماعة، وفى بعض القول: إن قيام البعض من المصر يجزى عن البعض.
قلت له: فهل قيل، إنه لا يلزم الاثنين إذا كانا غير مسافرين صلاة الجماعة إذا كانا فى غير مسجد؟ قال: إذا ثبت الخطاب على أهل الإسلام بقيام الجماعة كانا مخاطبين بأداء فرائض الصلاة، فالجماعة ثبت القيام بها، والأداء لها عند القدرة على ذلك، والاثنان عندى جماعة، وهذا على بعض القول.
ومن غيره_ قلت: وقوم معهم مسجد فى القرية يحضرون إليه وقت الصلاة فيصلون الثلاثة والاثنان والأربعة، أقل أو أكثر فرادى، وفيهم من يقرأ القرآن، قلت: هل يسعهم ذلك، كان فى القرية من يصلى جماعة أو لم يكن بها؟
_فمعى، أنهم إذا قدروا على عمارته بصلاة الجماعة فقد قيل، لا يسعهم تضييع ذلك، كان فى القرية غير ذلك من الجماعة أو لم يكن، ومعى، أنه قيل، إذا كان فى القرية من يصلى فهو أهون، ولعله يذهب إلى العذر، ولا يبين لى ذلك.
ومن غيره _ قال: والعجب كل العجب، كيف عروا من لم يصل فى ... /243/ (2/245)
صفحة 673
الجماعة، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يعذر ابن أم مكتوم عن صلاة الجماعة، وكان ضريرا، وكان بينه وبين المسجد نخل وواد على ما يوجد، ولأن قد سأل النبى عليه السلام عن ذلك، وكان بينهما فى ذلك كلام، لا أضبطه، فينظر فى ذلك
قال غيره: وقيل، إن ابن مكتوم مدّ له حبل إلى المسجد ولم يعذر، هكذا قال الشيخ، وقال خبر الحبل تفرد به أصحابنا.
وجاء عن أمير المؤمنين أبى حفصة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أنه فقد رجلا فى الصلاة، فأتى منزله، فصوّت به، فخرج إليه الرجل، فقال عمر رحمه الله، ما حبسك عن الصلاة؟ فقال: علة، يا أمير المؤمنين، ولولا أنى سمعت صوتك ما خرجت، أو قال، ما استطعت أن أخرج، فقال له عمر رحمه الله، لقد تركت دعوة من وجب عليك إجابته منى، منادى الله إلى الصلاة.
قال: حدثنا سفيان عن مجاهد عن ابن عباس رحمه الله قال: جاء رجل فسأله عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: فى النار، فسأله شهرا فقال: فى النار.
وعنه، شهدت ابن عباس ورجل يسأله فقال، إن لى جارا يقوم الليل ويصوم النهار ولا يصلى جمعة ولا جماعة، فقال: ذلك من أهل النار.
قال الناظر فى هذا الكتاب: ولعل ذلك إذا كان من غير عذر ولم يتب حتى مات، فإن صحت الرواية عن ابن عباس فلا تخرج عندى إلا على هذا المعنى، فينظر فى ذلك، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب. ... /244/ (2/246)
صفحة 674
وأخبرنا يحي قال: حدثنا يعلى بن عبيد قال: بلغنى أن صلاة الجماعة لا تفوت إلا بذنب.
ومن جامع أبى الحسن رحمه الله، فأما من صلى بعد صلاة الفجر إلى الشروق وبعد صلاة العصر إلى الغروب فإنه يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا برىء منه.
ومن نسى فرفع رأسه قبل الإمام ووضعه فى السجود أو نحو ذلك فيرجع إلى الحد الذى كان فيه حتى يتبع الإمام، فإن تعمد لذلك فقيل، إن عليه النقض.
ويكره أن يؤم الناس المقيد فى الصلاة والمحبوب إلا أن يصلوا بمثلهم.
ومن غيره _ قال أبو عبد الله، أما المحبوب فلا بأس به إن كان صالحا.
رجع _ وقيل لا يصلى خلف المولى إذا قال، إنه من العرب. ولا من انتحى من العرب إلى غير عشيرته، ولا يؤم الناس الصبى فى صلاة الفريضة ولا العبد ولا الضرير، وقال من قال من الفقهاء: إن العبد والضرير تجوز إمامتهما فى الصلاة وإنما قيل، لا يكون العبد إماما فى الأحكام، وغير هؤلاء أولى بالإمامة منهم. فإن صلوا بقوم فلم أبصر على من صلى خلفهم نقض الصلاة.
ومن غيره_ من جواب لأبى عبد الله_ رحمه الله، قلت: هل تجوز الصلاة وراء الذى يعشو بالليل والذين خلفه يبصرون؟ فأقول: لا تجوز الصلاة خلفه بالليل، وتجوز بالنهار.
ومن غيره _ قال أبو عبد الله: أما الضرير فتجوز إمامته، لأن النبى صلى الله عليه وسلم استخلف ابن مكتوم على أهل المدينة، على علىّ وغيره. ... /245/ (2/247)
صفحة 675
رجع _ وقيل، لا بأس بالصلاة خلف المنافق ومن فى يده الحرام ممن اضطر إلى ذلك، وقيل: إن الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة، فإن كان يصلى فى مسجد، وفى نسخة، فى المسجد، فالصلاة عنده على حال عمارة المسجد أفضل من صلاة الرجل وحده.
ومن غيره _ وقال من قال: صلاته وحده أفضل، وقال من قال: لا صلاة خلفه.
رجع _ ومن صلى خلف رجل، وهو يعلم أنه يقنت فى الصلاة، فقنت فيها، فصلاتهما جميعًا فاسدة، فإن لم يكن يعلم أنه يقنت فى الصلاة فقنت فيها فصلاة الذى خلفه تامة إذا أسر القنوت، وقيل: إذا أشهره فصلاته فاسدة، ولا يرجع يصلى خلفه.
ومن غيره_ قال أبو عبد الله، إنه يحب أن يبدل، فإن أبدل فحسن، وهو أحب إلينا.
رجع _ عن أبى عبد الله _ رحمه الله_ قال: من قنت فى الصلاة فإن تاب وإلا لم أتوله، قيل له: أفتبرأ منه؟ قال: الله أعلم، لا أتولاه.
وقال من قال من الفقهاء فى من صلى خلف رجل يرى أن تكبيرة الإحرام قبل التوجيه فصلاته وصلاة الإمام فاسدة، لأن التوجيه كلام، وقال من قال من أهل العلم، إن صلاتهم تامة، وصلاته فاسدة، وهذا الرأى أحب إلىّ. /246/ (2/248)
صفحة 676
قال أبو عبد الله: صلاتهم جميعا تامة، الإمام ومن خلفه.
رجع _ ومن غيره: وكذلك الصلاة خلف قومنا إذا أتوا بالصلاة فى وقتها جائزة، وكذلك من صلى برأى أو بديانة ثم رجع إلى دين المسلمين فلا بدل عليه فيما صلى، وكذلك من صلى بلا ديانة فى غير هذا.
وقيل: الصف المقدم من الرجال أفضل، والصف المؤخر من النساء أفضل، وقيل: لا يضر أن يكون الإمام إماما لرجل قد صلى تلك الصلاة، وأما أنا فلا أحب أن يجهر بالصلاة مع رجل يصلى نافلة إلا أن يكون معه غيره.
قال غيره: ومعى أنه قد قيل ذلك إذا صلى بمن صلى تلك الصلاة، أن صلاته فى حيث يكون إماما فى المسجد جاز، ولا يجوز غير ذلك، وقيل: ذلك جائز مجملا.
قال محمد بن المسبح: ذلك جائز له أن يصف عنده رجل قد صلى تلك الصلاة.
رجع _ وقال أيضًا: إنه جائز أن يصف رجل قد صلى مع رجل لم يصل _وفى نسختين_ مع رجل يصلى خلف الإمام، وكذلك إن صف مع الرجل عبد أو غلام قد راهق الحلم. وحافظ على الصلاة، وكان أحدهما _ وفى نسختين_ أو كان أحدهما مع الإمام عن يمينه ولم يكن رجل يصفان معه، وإن كان رجل وامرأة يصليان بصلاة الإمام فى صف صلى الرجل خلف الإمام والمرأة خلف الرجل قيل: كعرف الديكة أو الديك، وإن كانتا امرأتين إلى ما أكثر كان الرجل عن يمين الإمام، وصففن النساء خلف ذلك. /247/ (2/249)
صفحة 677
ومن غيره _ قال: معى أنه يختلف فى صفوفهن، فقال من قال: عليهن الصفوف مثل الرجال، وقيل: ليس عليهن صفوف، ويعجبنى فى المسجد وفى غير المسجد من الفرائض أن يصففن، ويعجبنى أن يخر بهنّ فى النوافل، فى المسجد وغير المسجد، أن يصلين بصلاة الإمام حيث ما كنّ خلف الإمام، أو خلف من يصلى خلفه بصلاته.
ومن غيره_ وقلت: هل للنساء أن يصلين صلاة المكتوبة بإمام منهن؟
_ فلا يبين لى ذلك، ولا أعلم ذلك جائزًا فى قول أصحابنا.
ومن غيره _ من جواب أحمد بن محمد بن الحسن رحمه الله: وعن المرأة، هل تؤم النساء فى فريضة أو نافلة؟
_ فعندى، أنه قيل: تؤم النساء فى الفريضة والنافلة، فتكون وسطهن.
وقد بلغنا عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه أمرهن بذلك.
رجع _ وإذا جاء ثالث إلى اثنين، أحدهما إمام لصاحبه لا يتقدم الإمام، ولكن يتأخر الرجل إلى صاحبه، وإن تقد الإمام فلا بأس.
وقيل: إذا صلى رجل مع الإمام كان عن يساره، فإن كان جاهلا أو ناسيا فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك فسدت صلاة الداخل، وهو قول محمد بن المسبح.
ومن غيره_ وقيل تامة.
رجع _ وإن صلى رجل عن يمين الإمام، وجاء ثالث، فصلى من خلفهم، أو صلى عن يسار الإمام فصلاته تامة، والذى من خلفه فأحب أن يبدل صلاته. ... /248/ (2/250)
صفحة 678
رجع_ وقال من قال: إن صلى الرجل عن يمين الإمام وجاء ثالث فصلى عن يمين ذلك الرجل أيضا، أن صلاة الذى صلى عن يمين الإمام منتقضة، فينظر فى ذلك.
ومن غيره_ قال: وقد قيل: صلاته تامة.
رجع _ وإن صلى رجل عن يمين الإمام، ثم جاء قوم، فصفوا خلف ذلك الرجل، ولم يتأخر إليهم الذى عن يمين الإمام فصلاتهم جميعا تامة، إن كان هو جهل أن يتأخر، فإن تعمد لذلك بعد أن علم أن السنة غير ذلك فسدت صلاته.
ومن غيره_ وقد اختلف فى الذى يصلى خلفه الإمام، فيكون خلفه أو عن يساره، أو عن يمين الذى عن يمينه، أو عن يسار الذى عن يساره، فقال من قال، صلاتهم فاسدة على كل حال، وقال من قال، صلاتهم تامة على كل حال. وقال من قال، تجوز صلاتهم على الجهل والنسيان، وقال من قال، تجوز صلاتهم على النسيان، ولا تجوز على الجهل، وقال من قال، تجوز صلاتهم إلا من أراد منهم خلاف السنة، وكذلك يوجد عن أبى الحوارى، أن صلاته على ذلك فاسدة إذا أراد خلاف السنة.
ويوجد، لو أن رجلا كان وحده هو وإمام، أنه يصف، ومن أجاز ذلك فيما بلغنا أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، وأبو عبد الله محمد بن روح رحمه الله، وكذلك يوجد عن أبى الحوارى، أن الواحد إذا كان خلف الإمام يصلى وحده معه وقدامه شىء من الإمام لم تنتقض صلاته إلا ... /249/ (2/251)
صفحة 679
أن ينفسخ عن الإمام خمسة عشر ذراعا، ومنهم أبو الحسن محمد بن الحسن رحمه الله، وكذلك يوجد معنا إجازة ذلك عن أبى على موسى بن على رحمه الله.
وقال من قال: إن كان ذلك يحسن أن يصف عن يمين الإمام صلى عن يمينه، وإن لم يحسن صلى قفاه، وذلك جائز له. وحفظنا ذلك شفاها عن أبى سعيد.
وقال من قال: لا يجوز إلا أن يصف عن يمين الإمام، ويؤمر الداخل، وفى نسخة، ألا يجر إليه المصلى فى المكان الذى ينبغى أن يجره إلا حتى يوجه، فيجره، ثم يحرم، فيصف معه وقد دخل فى الصلاة أحسن من أن يتأخر المتقدم قبل أن يكون هذا الرجل داخلا فى الصلاة.
ومن غيره_ قال أبو عبد الله: كله جائز.
ومن غيره_ قال: يوجد عن أبى المؤثر ترخيصا، فقال: لو جره قبل أن يحرم أو بعد أن يحرم فصلاتهما جميعا تامة ما لم يكن المجرور بينه وبين الإمام مقام رجل لو مشى على هيئته.
رجع_ وقد قيل، إن انصرف الإمام، وأمر رجلا أن يتقدم، فتقدم آخر فنخاف أن تفسد صلاتهم، لأن الأمر للإمام، إلا يكون الذى أمره الإمام لا تحل الصلاة خلفه، وعندنا، أن الإمام إذا أحدث حدثا تزول به إمامته فالذين يصلون عنده يلون أمر صلاتهم، فينظر فى ذلك.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: صلاتهم جائزة، وقال: لا ينبغى للإمام ... /250/ (2/252)
صفحة 680
أن يزول حتى يقدم بهم رجلا يتم بهم صلاتهم، وهى السنة، فإن غفل فيقدمون رجلا يتم بهم الصلاة.
رجع _ عن أبى عبد الله_ رحمه الله، قد قيل: إذا سجد الرجل الذى خلف الإمام حذاء منكبيه أو رأسه فعليه النقض، والذى نحب ألا تنتقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه، وقالوا: إذا كانوا فى موضع ضيق فقد قيل، يكون سجود الذى خلف الإمام حذاء ركبتى الإمام، فقال من قال، حتى يسبقهم الإمام بمنكبيه ورأسه، وعن أبى عبد الله قال: القول الأول أحب إلىّ، وبه آخذ، والقول الآخر أوسع عندنا، ولا بأس به.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: إذا سبقه الإمام بشىء جازت صلاته.
ومن غيره_ قال: وقد قيل: لو سجد حذاء رأس الإمام تمت صلاته ولا تقض عليه.
رجع _ وقيل أيضًا: إذا صلت المرأة مع الرجل وصلى بها، وكانت بحذاء ولم تتأخر عنه أن صلاتها منتقضة، وصلاته هو تامة، ولعل ذلك أنها ليست فى صلاة، فتمت صلاته هو، فينظر فى ذلك.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: يكره أن تصلى المرأة غير ذوات محرم مع رجل، فإن فعلت فلا بأس.
رجع_ وقد تكون المرأة إذا صلت مع زوجها متأخرة عنه حتى يسبقها رأسه، ويكون سجودها حذاء منكبيه.
وعن أبى عبد الله قال: أقل ما سمعت إذا صلى الرجل وامرأته أن لا يجاوز ... /251/ (2/253)
صفحة 681
سجودها منكبيه، وتكون متأخرة عنه وإن جاوز سجودها منكبيه فأخاف عليه فساد صلاته.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: لا عليه ولا عليها فساد.
وعن الرجل يصلى بالنساء جماعة فريضة فذلك جائز، يكن خلفه صفا.
رجع _ والإمام يجوز لمن خلفه أن يفتحوا عليه إذا تعايا فى القراءة إذا سكت، ولا يفتحوا عليه قبل ذلك.
ومن غيره_ قلت: والإمام يتعايا فى القراءة وأنا خلفه، أفتح عليه من غير أن يضطر؟ قال: لا بأس أن تفتح عليه من دون أن يتعايا، وإن لم يضطر.
ومن غيره_ قال أبو المؤثر: ذكر لنا نافع مولى بنى عمر، أنه قال صلى بنا عبد الله بن عمر صلاة المغرب، فلما فرغ من فاتحة الكتاب قرأ، بسم الله الرحمن الرحيم، فتردد بها، وحزن عليه القرآن، فقلت أنا: {إِذَا زُلْزِلَتِ الاَرْضُ زِلْزَالَهَا} قال: فقرأ، واستمر فى القراءة، ولم يعب علىّ.
رجع _ إن تنحنح إذا تعايا، أو تنحنح لغير ذلك انتقضت صلاته إلا أن يكون لشىء وقع فى حلقه فلا بأس.
ومن غيره _ وقد قيل، إن تنحنح لغير معنى فلا فساد عليه حتى يتنحنح ... /252/ (2/254)
صفحة 682
لمعنى غير معانى الصلاة، قال أبو عبد الله بن المسبح، إن شجر عليه فى القرآن فتنحنح فلا بأس عليه.
رجع _ وقال أبو عبد الله رحمه الله: من صلى فى قرنة المسجد فإذا هو قد صلى فى حذاء الإمام عن يمين أو شمال ولم يعلم فى الظلام حتى قضى صلاته؟ قال: أخاف عليه أن تفسد صلاته؟ قال: وأنا لا أبلغ به فى هذا إلى فساد صلاته، والله أعلم. إلا أن يتقدم هو الإمام.
ومن أحدث فى صلاته أى حدث كان مما يفسدها فليجر رجلا يصلى بهم ويتأخر، فإن زاد بعد أن أحدث، فقرأ آية ومضى فى الصلاة فسدت صلاتهم أيضًا.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: إذا زاد آية فلا بأس عليه ما لم يركع، فإن كانت الزيادة بعد أن قرأ من السورة آية أو آيتين أو أكثر، فإذا قدم رجلا غيره، فإن شاء الرجل قرأ وركع بالقوم وتمت صلاتهم، وإن شاء ركع فصلاتهم تامة بالقراءة التى قراها الإمام قبله، وهو طاهر من أول السورة، وإن فرغ الإمام من فاتحة الكتاب ثم أحدث فقرأ من السورة بعد حدث آية أو آيتين، ثم قدم رجلا، فقرأ الرجل أية أو آيتين أو ختم السورة، أو سورة غيرها تمت صلاتهم، وإن ركع بقراءة الأول ولم يقرأ فسدت صلاتهم، لأن قراءة الإمام الأول كانت فاسدة.
رجع _ وكذلك كل غمام إذا صلى بقوم ولو يعلم أنه على غير وضوء أو أن ... /253/ (2/255)
صفحة 683
ثوبه نجس فصلاته وصلاتهم فاسدة إلا أن يكون الإمام لا يعلم ذلك حتى صلى، فإن صلاته فاسدة، ويعلمهم حتى ينقضوا الصلاة، فإن غابوا فقد قيل، إنه يكتب إليهم، ويظهر ذلك ليبلغهم.
ومن غيره _ اختلف أهل العلم فيما بلغنا فى الإمام الذى صلى بالقوم، وهو جنب، أو على غير وضوء، فقال من قال: صلاة الجميع منتقضة، بلغنا ذلك عن محمد بن جعفر، وقال من قال: صلاة الجميع تامة، كان الإمام جنبًا أو غير جنب، وهذا على قول من يقول، إن الجنب لا يقطع الصلاة، بلغنا ذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله.
وقال من قال: لا يفسد عليهم إلا أن يكون جنب البدن، وعليه هو البدل وحده، بلغنا ذلك عن سلمان بن عثمان رحمه الله، وقال من قال، لا تفسد عليهم صلاتهم كلهم، كان الإمام جنبا أو غير جنب، إلا الذى عن قفا الإمام وحده، وجدنا ذلك فى جواب الشيخ أبى سعيد، يرفعه إلى غيره.
رجع _ ومن بدأ يصلى فريضة فى مسجد، ثم أقام المقيم، فإن رجا أن يتم ركعتين أتمهما وكانت نافلة، ثم يدخل فى صلاة الإمام وإن كان قد عدى الشفع أو هو فى أول الصلاة قطع ذلك ودخل مع الإمام.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح، إن خاف ألا يتم شفعًا فليجعلها وترا ويسلم ويدخل معهم فى الصلاة.
رجع _ ويكره للإمام إذا أحدث أن يخرج من المسجد حتى يقدم إماما غيره. ... /254/ (2/256)
صفحة 684
وقد قال من قال: إذا خرج الإمام من المسجد ولم يقدم إماما فسدت صلاتهم، وأما أنا فلا أتقدم على نقص صلاتهم.
ولو تقدم إمام بعد خروج الأول من المسجد فإن صلوا فرادى بلا إمام ففى ذلك تشديد وكراهية، ولا أتقدم أيضا على نقض صلاتهم.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح: لا تفسد صلاتهم، ويقدمون رجلا، فإذا لم يقدموا رجلا أتموا صلاتهم فرادى.
رجع _ فإن تقدم إمام فصلى بعضهم معه، وصلى من بقى منهم فرادى انتقضت صلاة من صلى بغير صلاة الإمام، وكذلك إن تقدم لكل قوم إمام فسدت صلاتهم لأنه لا يصح إمامان فى صلاة واحدة.
وقيل: إن الإمام إذا أحدث فقدم إماما غيره تقدم على الهيئة التى كان عليها الأول من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود، وإن كان فى قراءة فأخذ من حيث بلغ الأول فحسن، وإن ابتدأ فلا بأس، ويستحب أن يكون الإمام الأول هو الجارّ لهذا الثانى، فإن لم يفعل، وتقدم إمام برأيه فلا باس، وإن نخس واحد منهم الإمام الثانى ليتقدم فقد قيل، إن أبا عثمان فعل ذلك.
ومن غيره_ قال محمد بن المسبح، إنما حركة بمرفقه، وكان إلى جنبه، وأما إن نخسه بيده فسدت صلاته.
رجع _ وقال: لا يؤم الإمام بالبقاء. ... /255/ (2/257)
صفحة 685
وإذا قام الإمام يصلى بعد أن قضى التحيات الآخرة، ويسبح له من خلفه، فلم يقعد، فإنهم يسلمون وقد جازت صلاتهم، ويقولون، قد قضيت الصلاة.
ومن دخل فى صلاة قوم وهو يريد الظهر والإمام يريد العصر فصلاته تلك منتقضة ويصلى الظهر، ثم العصر. والصلاة للإمام.
قال غيره: معى أنه يخرج فى بعض القول، أن صلاتهم كلهم تامة، ولكل ما نوى.
رجع _ وكذلك بلغنا فى إمام نعس عن الظهر حتى حضرت العصر، وقام المقيم للعصر، فصلى الإمام بهم على أنه يصلى الظهر، ولم يعلم أن العصر قد حضرت فالصلاة للإمام.
ومن غيره_ ومعى أنه قد قيل، إن صلاتهم كلهم تامة.
رجع _ وفى نسخة _ مسافر صلى مع مقيمين فانتقض وضوء الإمام وقدم المسافر وقد كان أحرم فصلى تماما، لأنه كان أحرم معهم، وقيل: إذا أدرك المقيم ركعة من صلاة المسافر التى يقرأ فيها، فإذا سلم الإمام قام المقيم فأتى بركعة يقرأ بها ثانية ثم قعد بقدر ما ينال مجلسه من الأرض، غير ماكث، ثم يقوم، فيصلى الركعتين اللتين هما آخر صلاته، وقال من قال: بل إذا سلم الإمام قام هذا المقيم فأتم صلاته كأنه مقيم، وهو أن يصلى ركعتين بما فيهما من القراءة ثم يقعد فيقرأ التحيات ثم يقوم فيصلى ركعة أو أكثر، حتى يبلغ حيث أدرك الإمام يكون الذى أدرك /256/ (2/258)
صفحة 686
مع الإمام هو آخر صلاته هو. وبأى القولين أخذ المصلى فقد أصاب.
قال غيره: وقد قيل: إن الإختلاف فى هذا فى صلاة العشاء الآخرة، وأما سائر الصلوات فيأتى بها الأول فالأول.
رجع _ وأما إذا انتقضت صلاة الإمام المسافر الذى خلفه مقيمون ومسافرون فإن تقدم من بعده مسافر صلى حتى يقضى صلاة المسافرين، ثم يسلم، وأتم المقيمون صلاتهم فرادى، وإن تقدم إمام مقيم، فقال من قال من الفقهاء، إذا تقدم هذا المقيم صلى، فإذا انتقضت صلاة المسافرين جروا واحدًا منهم يسلم بهم، ثم قام المقيم فأتم صلاته ومن بقى من المقيمين فرادى، وإن لم يجروه وسلم بهم واحد منهم فهو أحب إلىّ.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: كله جائز. ولو أنه لما أتم صلاة المسافر قام هو فأتم صلاته، ثم سلم بهم كان جائزًا.
رجع _ وإن بقوا على حالهم حتى يتم هذا المقيم الصلاة سلم بهم جميعًا، وقد قال من قال: إذا انتقضت صلاة الإمام وهو مسافر وخلفه مقيمون ومسافرون تقدم إمام مقيم، أنه قضى صلاة المسافرين، وسلم بهم واحد منهم قام الإمام فأتم صلاته وحده، وصلى من خلفه من المقيمين فرادى أيضا، ولا يكون لهم إمام فى هذا المكان، وأما أنا فلا أرى عليهم نقضا إن صلى بهم إمامهم /257/ (2/259)
صفحة 687
هذا الثانى تمام صلاته وصلاة المقيمين بلا أن يؤمر بذلك إلا أن يكون الذين خلفه مقيمين جميعا.
ومن غيره _ وكذلك عن أبى الحسن بإجازة ذلك أن يتم بهم.
قال محمد بن المسبح: القول الأول أحب إلىّ.
رجع _ وقال: إذا ارتفع الإمام فى مقامه على من خلفه فسدت صلاتهم إلا أن يكون هناك معه صف، فإن كان كذلك تمت صلاة الجميع، وإن ارتفع أقل من ذراع فلا فساد عليهم.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: يكره ولا تفسد صلاتهم.
ومن غيره _ ومعى أنه قد قيل حتى يرتفع عليهم ثلاثة أشبار، ثم تفسد صلاتهم إلا أن يكون معه منهم صف.
قال أبو الحسن بن أحمد رحمه الله: وقد قيل، إذا ارتفع عليهم شبرًا فسدت صلاتهم إلا أن يكون معه منهم صف، وذلك على قول من يرى أن السترة شبر، والله أعلم.
رجع _ وإذا كان الإمام لا يقرأ، وكذلك من خلفه من الرجال، وكانت فيهم امرأة كانت فى وسط صف النساء المقدم وقرأت فإذا فرغت من القراءة ركع الإمام وسجد، وإنما يكون ذلك فى النافلة _ وفى نسخة_ لا يصلى بهم الفريضة، وكذلك المرأة تصلى بالنساء النافلة ولا تصلى بهن الفريضة، وكذلك /258/ (2/260)
صفحة 688
إن كان صبى يقرأ ولم يكن الإمام ولا واحد ممن خلفه يقرأ، قرأ الصبى من الصف وكبر الإمام، وتولى بقية الصلاة.
ومن غيره _ وقلت: إن أمّهم الصبى فى فريضة أو نافلة، هل تتم صلاتهم إذا كان ممن يحافظ على الصلاة مختتن، أو غير مختتن؟
_ فأما الفريضة فقد اختلف فى ذلك، وأحب ألا يجوز، وأما النافلة فقد اختلف فى ذلك، وأحب أن يجوز.
قال محمد بن المسبح: وأما الصبى إذا كان قد اختتن ويحسن الصلاة.
رجع _ وإن كان رجل مريض يقرأ ولا يقدر القيام كان إلى جنب الإمام عن يمينه _ وفى نسختين_ على يمينه فى الفريضة، وقرأ فى موضع القراءة وهو قاعد، وتولى الإمام بقية الصلاة.
قال غيره: وذلك فى النافلة.
رجع _ فإن كان خلف الإمام مريض قاعد، أو قائم صلى بصلاته إن أراد كما أمكنه.
والمريض الذى يصلى ويومئ له، أيكون إماما؟ يصلى بمن يصلى مثله كذلك.
وقيل: لو أن رجلا دخل فى صلاة قوم، ولم يدر ما صلوا، ثم أحدث الإمام وتأخر، ولم يكن فيهم قارئ غيره فقدموه وصلى كان عليه النقض وعليهم، لأنه صلى على غير يقين، وإن كان قد عرف ما سبقوه صلى بهم، فإذا انقضت
/259/ (2/261)
صفحة 689
صلاتهم وقفوا على حالهم، وقام هو فأتم صلاته، ثم سلم بهم، ولو انصرفوا إذا قضوا صلاتهم لم أر عليهم نقضًا، ولا يؤمرون بذلك.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: وإن قدم رجلا فسلم بهم فلا بأس، وإن فطن رجل من الصف فسلم بهم أجزأهم.
رجع _ وقيل إذا دخل رجل فى صلاة الإمام وهو يصلى صلاة سفر فأتم، أو عنده أن يصلى تماما فقصر فإنه ينقض وإن لم يعزم على صلاة بعينها، ودخل فى صلاة الإمام فلا نقض عليه.
قال غيره: ليس لمؤتم مع الإمام نية، والنية نية الإمام، وإنما يعتقد المؤتم أن يصلى بصلاة الإمام.
رجع إلى مسائل عنه _ على بن عزرة، وفى إمام نسى سجدة أو قراءة ثم سلم وانصرف، قال: إن أتم الذين خلفه ما كان نسى هو من ذلك تمت صلاتهم، وإن لم يفعلوا انتقضت صلاتهم، والذى أحب أنا، إن كان الإمام نسى السجدة الأخيرة من الصلاة، أو التحيات وانصرف أتموا هم صلاتهم، وتمت لهم، وإن كان ترك ذلك وسط الصلاة قبل هذا الحد الآخر فأستحسن إذا سبحوا له فيما ترك من الصلاة ومضى على الخطأ ولم ينتبه أتموا هم ما ترك هو من ذلك، ويتمون صلاتهم وقد خرج هو من إمامتهم، لأنهم قد علموا أن صلاته قد فسدت، وإن أتموا ما ترك هو ولحقوه قبل أن يسبقهم وصلوا معه فلا آمن عليهم الفساد، لأنهم قد علموا أن صلاته منتقضة، وإن تبعوه على الخطأ ولم يتموا ما نسى من الصلاة فذلك أشد، وأخشى أن تفسد صلاة الجميع. ... /260/ (2/262)
صفحة 690
ويوجد عن زياد بن مثوبة قال: صلينا خلف يمان بن جميل صلاة الجمعة بصحار، فلما أن بقى آخر الركعتين سجدة قعد فلم يسجدها، فأبطأ عليهم، فكبر رجل وسجد، وبلغنى أنه أبو مودود، وسجد الناس معه ورفعوا رءوسهم، ثم كبر الإمام يمان وسجد، ولم أعلم أن الذى كبر غير الإمام فلما أن سجد لم أسجد، ورأيت أن صلاتى قد تمت، فلما أن انصرفا سألت سعيد بن المبشر، وكان قد حضر الصلاة، فقال: أنا ممن سجد ثلاثا، قلت: كيف تصنع؟ قال: لا أدرى، فكتبت إلى سليمان بن عثمان فأجابنى أن الذين سجدوا ثلاثا أصابوا، وعلى الباقين الإعادة، فكرهت أن أنقض حتى لقيته فأخبرته أنى لم أعلم أن الذى كبر وسجدت بسجوده أن أنه غير الإمام، فلم ير على إعادة الصلاة.
قال غيره: على من يأتم بالإمام فى تلك السجدة الإعادة لأنه لا يجوز ترك السجدة على الخطأ، ولا يجوز أن يصلى وحده بغير صلاة الإمام.
رجع _ وقيل من صلى خلف الإمام فلم يثبت إلا بتكبيرة الإحرام فلا نقض عليه، ومن شك فى ركعة أو أقل أو أكثر فى صلاته وهو خلف الإمام، وهو تابع للإمام فلا تقض عليه، ومن انتقضت صلاته وأراد أن يرجع يصلى فى مكانه فأحب أن يبدل الإقامة.
وإن انتقضت صلاة قوم فأرادوا البدل فى وقتها صلوا جماعة، وإن فات وقتها صلوا فرادى.
_ وفى نسخة أخرى _ إذا كان يصلى مع الإمام واحد وكان بينه وبين الإمام ... /261/ (2/263)
صفحة 691
مقام رجل فسدت صلاته،، والذى نحب نحن ألا تنتقض صلاته إذا سجد حذاء منكبيه.
قال غيره: قال محمد بن المسبح: لا نقض عليه، والله أعلم.
تم الباب من كتاب أبى جابر ومن غيره.
وعن رجل يصلى خلف الإمام فسها الإمام، فقال المأموم للإمام، سبحانك الله، ما عليه فى ذلك؟
_ الذى نحبه لهذا إعادة صلاته، إذ لم يقل، سبحان الله، وإنما قال، سبحانك الله، والله أعلم.
ومن غيره _ قال أبو على، حفظه الله، ويوجد، أن لا نقض عليه فى ذلك، والله أعلم.
وعن رجل جاء والناس يصلون ولم يجد موضعًا، وصلى على قفا الإمام ولم يجر أحدا، قلت، صلاته تامة أم لا؟
_ فقد قيل: صلاته تامة.
ومن غيره _ وعن العمار، وإمام المسجد، قلت: هل عليهم أن ينظروا بعضهم بعضًا حتى يخافوا فوات الثلث الأول، وإن صلوا فى الأوسط هل تراه حسنًا؟ ... /262/ (2/264)
صفحة 692
_ فلا أحب ذلك، أن بدعوا (؟؟؟) أول الوقت على العادة فى ذلك، إلا أن يكون ذلك الشىء يعرض لهم، ويكون لبعضهم فيه العذر، ولا يكون من عادته إلا من عذر، فيكون ذلك على سبيل العذر، ولا يخرج عندى من الحسن لموضع العذر.
ومن غيره _ قال أبو الحسن بن أحمد حفظه الله، إن الذى يوجد، أن الإمام ينتظر العمار فى الثلث الأول وتكون صلاته فيه، والعمار ينتظرون الإمام إلى الثلث الثانى وتكون صلاتهم فيه، ولا يجاوزوه إلى الثلث الثالث، والله أعلم.
وسألته عن رجل نعس فى صلاته خلف الإمام، هل لمن على يده ممن يصلى معه أن يحركه وهما فى الصلاة؟ قال: نعم، قد أجاز ذلك بعض الفقهاء.
قلت له: فلو أومأ برأسه وهو فى الصلاة لرجل يكلمه، يريد، نعم أو لا، هل تفسد صلاته؟ قال: لا، وكره بعض ذلك، والبدل أحب إلىَّ.
قال: ولقد أجاز سليمان بن عثمان، وفى نسخة، عمران، أن يحرك الرجل الذى إلى جنبه ويدفعه إلى المحراب وهما فى الصلاة ليتقدم بهم إذا فسدت صلاة إمامهم، وخرج ولم يقدم أحدا.
وسألته: عن إمام زاد فى قراءته من أجل الداخل معه فى الصلاة، قال: لا بأس بذلك، إذا كان يرجو أن يلحق الركعة قراءة سورة طويلة، أو زاد إلى السورة سورة أخرى. ... /363/ (2/265)
صفحة 693
ومن غيره _ ولا يجوز أن يجهر بقراءة فى صلاة يسر بالقراءة فيها، ولا يسر القراءة فى صلاة يجهر بها، ومن تعمد لذلك انتقضت صلاته وصلاة من صلى خلفه، وإن نسى ذلك فأخاف عليه النقض إذا نسى حتى يجهر بالقراءة فى الصلاة كلها، وإن نسى فى ركعة فجهر بها فلا بأس، وإن نسى فأسر القراءة فيما فيه الجهر، فإن ذكر قبل أن يسجد فيرجع يبتدئ قراءة الحمد، ويجهر بها وبالسورة، وإن سجد فسدت صلاته، ويبتدئ فى الصلاة، ومن نسى فقرأ سورة مع فاتحة الكتاب فى صلاة النهار فلا بأس، وإن تعمد فقيل إن صلاته تنتقض.
_ وفى نسخة_ قال بعض الفقهاء، إذا أسر فى موضع الجهر فصلاته فاسدة، وإن جهر فى موضع السر فلا نقض عليه، إلا إذا أراد خلاف السنة فعليه النقض.
ومن غيره _ قلت له: فما تقول فى رجل كان فى صف وقدامه صف آخر، فخرج رجل من الصف الذى قدامه، وبقى فرجة، هل لهذا الرجل أن يتقدم فيسدها؟ قال: قد اختلفوا فى ذلك، وقال من قال، يتقدم ويسدها، وقال من قال: لا يبرح مقامه؟ قال: قد اختلفوا فى ذلك، وقال من قال، يتقدم ويسدها، وقال من قال: لا يبرح مقامه، وقيل: ليس خطوة أفضل من خطوة يسد بها الصف فى الصلاة، أو فى حرب، والله أعلم.
ومن غيره _ قال أبو على، حفظه الله: ويوجد، أنه لا نقض عليه والله أعلم.
وعن قوم يصلون جماعة خلف الإمام فى مسجد أو غير مسجد، وفيهم رجل قائم عن قفا الإمام فى الصف الأول، والرجل يسبق الإمام فى ركوعه وسجوده، أو يركع عند الإمام، أو يرفع عند الإمام، أو يسجد عنده كله معا، قلت: أترى صلاته فاسدة أم لا؟ /264/ (2/266)
صفحة 694
فالذى يسبق الإمام عامدا صلاته فاسدة، والذى يسجد ويرفع معه ويركع معه فذلك فيه اختلاف، وفساد صلاته أشبه.
وعن أبى عبد الله، محمد بن أحمد السعالى: وما تقول فى رجل يصلى خلف الإمام وعقله إلى قراءة الإمام وتكبير الإمام ليعقله، وهو يقرأ ويكبر، فأشغله عن قراءة نفسه وتكبيره أتكون صلاته تامة أم منتقضة؟
_فلا ينبغى له أن يفعل ما وصفت، وإنما يستمع إذا قرأ، وكذلك إذا سبح صمت، فإن اشتغل عن صلاته فلا نأمن أن يلزمه بعض المسلمين بدل الصلاة، فانظر فى جميع ما عرفتك، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، إن شاء الله.
وعن أبى سعيد حفظه الله: هكذا وجدت، قيل له: فإذا صلى الإمام فى المسجد الذى يؤم فيه جماعة بمن ثبتت به الجماعة، هل يجوز لأحد أن يصلى فى ذلك المسجد جماعة؟ قال: معى، أنه يخرج فى معانى قول أصحابنا، أنه ليس له ذلك إذا كان فى موضع فيه الصلاة بصلاة الإمام الأولى، قلت: فإن فعل ذلك أحد، هل تقدم على نقض صلاته؟ قال: معى، أنه يخرج على معانى قولهم، أن صلاته فاسدة. قلت: فهل يبين لك غير ذلك، أن صلاتهم تتم؟ قال: إنه قد يوجد عن بعضهم، أنه لا تفسد صلاتهم، وذلك عندى حسن، لئلا يمنع صلاة الجماعة بوجه من الوجوه، ولا فى وقت من الأوقات، وهى أفضل، إلا فى حال قيام صلاة الإمام فلا تجوز الصلاة إلا بصلاته فى الوقت حيث تجوز الصلاة بصلاته. ... /265/ (2/267)
صفحة 695
وسألت أبا سعيد _ رحمه الله_ عن الرجل يصلى خلف الإمام، فيقوم الإمام من السجود الآخر فى موضع قراءة التحيات، فيقوم على سبيل الغلط، هل لمن خلفه أن يقعد ويوترك، ثم يسبح له؟ قال: معى، أنه يؤمر أن يكون الذى خلفه بين الحدين، بين القعود والسجود ويسبح له. قلت له: فإن قعد وتورك، ثم سبح له، هل ينقض صلاته أم لا؟ قال: إذا ظن أن ذلك يجوز له، أو نسى حتى قعد، فأرجو أن صلاته تامة، إن شاء الله، قلت له: فإن الذى خلف الإمام على السهو بين القعود والقيام يظن أن ذلك جائز له، هل تنتقض صلاته؟ قال: يعجبنى أنه إذا كان فى ذلك الحال لانتظار الإمام، ولم يقعد إلى حال القيام على التعمد، أنه لا تنتقض صلاته على معنى قوله.
وعن إمام قوم خر راكعا، وقد بقى عليه شىء من القراءة يقرؤها، وهو راكع، هل تنتقض صلاته؟ قال: نعم: تنتقض صلاته إذا فعل ذلك متعمدًا.
وعن إمام أحدث حدثًا وهو راكع أو ساجد، فرفع القوم رءوسهم من الركوع بلا إمام، هل يجوز أن يتقدم بهم رجلا يصلى بهم أو يصلون فرادى؟ فنعم، يجوز لهم ذلك كله، إن تقدم بهم رجل جاز لهم ذلك، وإن صلوا فرادى جاز لهم ذلك.
وعن من أدرك آخر ركعة من الصلاة مع الإمام فقد قال من قال: يجوز له أن يقول ما يقول الإمام من التشهد والدعاء، وقال من قال: إذا وصل إلى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سبح حتى سلم الإمام، وكل ذلك جائز إن شاء الله. ... /366/ (2/268)
صفحة 696
وإن ردد التحيات فقال من قال: لا تفسد عليه صلاته، وجائز له ذلك، والتسبيح أحب إلينا.
وعن الذين يصلون خلف الإمام ويصفون ويتباعدون عنه، هل يكون فى ذلك حد؟
_ فعلى ما وصفت، فقد كان أبو المؤثر يقول: إذا انفسخ الصف عن الصف خمسة عشر ذراعا لم يكن للصف المؤخر صلاة بصلاة الإمام، ولا يجوز لهم ذلك، وكذلك إذا انفسخ الصف عن الإمام خمسة عشر ذراعًا انتقضت صلاتهم وصلاة الإمام تامة، وما كان أقل من خمسة عشر ذراعا فهو جائز للجميع.
وعن قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ففاتحة الكتاب، أليست من القرآن؟ قيل له: هى من القرآن، وقد قيل، إنما نزل هذا فى الصلاة، وذلك فيما قيل، كان إذا قرأ النبى صلى الله عليه وسلم فى الصلاة، وهو يصلى بأصحابه قرأ من كان خلفه، وفى ذلك حديث يطول، فأنزل الله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وقد كان لا يقرأ خلف الإمام شىء من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ويستمع.
وعن رجل قام يصلى فى الفريضة فوجه وأحرم وأخذ فى القراءة، ثم قال له رجل: يا هذا، فإنى أريد أصلى معك، ما أوتى به يمضى على صلاته كما هو أم يقطع صلاته ويبتدئ؟ ... /267/ (2/269)
صفحة 697
_ فعلى ما وصفت، فالذى يؤمر به أن يمضى على صلاته، ويكون إماما لمن دخل معه، وقد قيل: إن ذلك جائز إذا كان دخل فى الصلاة فجاء آخر فدخل معه فى الصلاة، وقال له: يؤم به، فأم به على ذلك، جازت صلاتهما جميعًا، وإن قطع الصلاة، ثم صليا بعد ذلك جميعًا فصلاتهما تامة.
وقال أبو المؤثر: رفع إلينا فى الحديث، أن سلمان الفارسى أقام الصلاة بقوم معه، ثم قال لهم: يتقدم أحدكم، فقالوا سبحان الله، يا عبد الله، ما كنا لنتقدم بك، فقال: أكلكم راض؟ قالوا: نعم، فتقدم وصلى بهم، فلما قضى صلاته أقبل عليهم، ثم قال: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثلاثة يقومون إلى الصلاة لا تقبل صلاتهم: امرأة قامت إلى الصلاة وزوجها عليها غضبان، وعبد آبق من مولاه حتى يرجع ويضع يده مع أهله، وإمام قوم صلى بهم وهم له كارهون)).
_ من غير الكتاب وزياداته_
وجدت أدنى ما يكرهه من العمار ثلاثة فصاعدا، والله أعلم.
رجع _ ونقول، تفسير الحديث، فى أن المرأة إذا قامت إلى الصلاة وزوجها عليها غضبان، فنقول، إذا غضب عليها فى حق له عليها لم تؤده إليه وهى قادرة عليه، فهو كما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا غضب زوجها بغير حق وإنما يلتمس عليها العلة فلا بأس عليها. ... /268/ (2/270)
صفحة 698
وحدثنى محمد بن أبى غسان، أن أبا المؤثر سأل محمد بن محبوب، رحمهما الله، عن رجل صلى خلف الإمام الظهر والعصر فلم يقرأ فيهما شيئا إلا أنه يركع ويسجد ويكبر، قال محمد بن محبوب رحمه الله، ليس عليه إعادة.
ومن غيره_ اختلف فى الذى يدرك مع الإمام الركوع، فقال من قال: إذا أحرم وركع مع الإمام ولم يدرك القراءة فلا إعادة عليه فى القراءة، كان ذلك فى صلاة الليل أو النهار، وقال من قال: يجزيه ذلك فى صلاة النهار ولا يجزيه فى صلاة الليل، وقال من قال: لا يجزيه ذلك فى صلاة الليل والنهار حتى يكون إحرامه قبل ركوع الإمام، فأما إذا كان إحرامه بعد ركوع الإمام فلا يجزيه ذلك، كان فى صلاة الليل أو النهار، ويخرج ذلك في بعض القول، إن ذلك لا يجزيه في صلاة الليل ولو كان إحرامه قبل ركوع الإمام حتى يسمع مقدار آية من قراءة الإمام، وقال من قال: لا يجزيه حتى يسمع مقدار ثلاث آيات، وقال من قال، لا يجزيه فى صلاة النهار حتى يقرأ نصف الحمد، وقال من قال: لا يجزيه حتى يقرأ أكثرها، وإلا فعليه إعادة القراءة.
ومن غيره _ قال أبو سعيد: معى أنه يختلف فى الإمامة بمن لا تلزمه صلاة الجماعة من النساء والعبيد فى كل موضع، فقال من قال: جائز أن يؤم الرجل هؤلاء فى كل موضع على الإطلاق، من قوله، لا يشترط شيئا، وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا فى المسجد الذى يؤم فيه، لأن هؤلاء لا جماعة عليهم. ... /269/ (2/271)
صفحة 699
من غير الكتاب وزياداته_
وجدت، ويجوز لرجل أن يكون إماما لامرأة أو أكثر فى المسجد، وأما فى المنازل فلا يجوز إلا أن يكن منه ذوات محرم.
رجع _ وأما إذا كان يصلى وحده فى مسجده الذى يؤم فيه فيعجبنى أن يجهر بالقراءة فى موضع صلاة الجهر، وبالتكبير فى صلاة السر، ولا أعلم فى ذلك كراهية إلا قول شبه الشاذ، أنه لا يجهر إذا كان وحده، ولا أجد مانعا لذلك، لإحياء سنة الجماعة وفضلها.
وبلغنا عن علقمة والأسود صاحبى عبد الله بن مسعود، رحمه الله، أنهما أدركا إماما فدخلا معه فى الصلاة، فقضى أحدهما ما فاته، فجعل ما فاته أول صلاته، وهو الذى فاته، وجعل أحدهما الذى فاته آخر صلاته، ويستأنف، فذكرا ذلك لعبد الله. فجوز صنيعها جميعا، والصواب عندنا، أن يجعل آخر صلاته آخر صلاة الإمام، ويقضى ما فاته، وهو الأول من صلاة الإمام، وقد فسرنا على ما ينبغى. ... /270/ (2/272)
صفحة 700
وعن رجل يصلى قاعدا ويركع ويسجد فيأتم به قوم يصلون قياما، قال: ما أحب ذلك لهم، ولئن فعلوا فعسى أن يجزيهم، فانظر فى ذلك، فإنى إنما قلت فيها برأيى.
قال غيره: معى أنه يختلف فى ذلك من القول، فبعض يرى تمام صلاتهم، وبعض لا يرى ذلك، ويروى فى تمام ذلك وإجازته برواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، فيما يوجد عن قومنا وفى بعض آثار أصحابنا.
وسألته: عن من سها وهو خلف الإمام قراءة الإمام حتى لم يعرف ما قرأ الإمام من السورة ولا فهم شيئا، قال: عليه البدل. قلت: فإن سمع مقدار آية أيجزيه؟ قال: نعم.
ومن غيره _ وقال: إذا انقطع رجل عن الصف، ذهب من تحته رجل وبقى فرجة، فإن كان عالما بقول المسلمين أن عليه أن يزحف، فلم يزحف فصلاته فاسدة، ولا أعلم فى ذلك اختلافا، وأما إن كان جاهلا أو ناسيا فقد اختلف فيه، والناسى عندنا أهون، والله أعلم.
قال أبو سعيد رحمه الله: فى رجل يصلى خلف الأمام فى الظلام، وهو يظن أنه لاصق بالصف، فلما فرغ تبين له أنه كان بينه وبين الصف مقام رجل، أن صلاته تامة، ولا بدل عليه، إذا كان معه أنه فى الصف، قيل، وكذلك إن كان وحده فتحرى أنه عن قفا الإمام، إلا أنه لا يعرف صلى خلف الإمام أولا، وذهب على ذلك، قال: يقع لى أن صلاته تامة. ... /271/ (2/273)
صفحة 701
جواب من أبى عبد الله محمد بن أحمد السعالى، حفظه الله:
فأما الذى صلى عن قفا الإمام وهو على غير وضوء، فإن كان آخذا قفا الإمام ولم ينل الصف من الإمام شيئا، فقد عرفت أن عليهم النقض فى بعض قول المسلمين، وهو الأكثر فيما عندى، وعندى أن بعضا لا يرى على القوم نقضا إذا كان سادا للفرجة، وإن كان القوم قد نالوا من الإمام شيئا فصلاتهم فى أكثر القول تامة، وقيل: من صلى خلف إمام فلم يثبت إلا تكبيرة الإحرام فلا نقض عليه.
قال غيره: قال محمد بن المسبح: عليه النقض. ومن غيره _ قال: لا نقض عليه.
رجع _ ومن شك فى ركعة أو أقل أو أكثر من صلاته وهو خلف إمام فهو تابع للإمام ولا نقض عليه، وعلى قول، إن الإمام إذا أحدث وقد صلى بعض صلاته يأمر من يتم بهم صلاتهم، ويقدم الثانى على الهيئة التى كان عليها الأول، فأما لو كان جنبا وصلى ولم يعلم، ثم علم فى الصلاة لم يجزه البناء عليها، لأن صلاتهم فى الأصل فاسدة وكذلك لو صلى وهو على غير وضوء متعمدا، أو ناسيا، ثم ذكر أنه على غير وضوء لم يجز ما صلى منها، وكان على الإمام والجميع الإبتداء، وأما إذا انتقض وضوؤه بحدث أفسد عليه لم تفسد صلاة من خلفه، وقدم غيره يتم ما بقى من الصلاة بهم، وبالله التوفيق فى الفرق بين هذه الآراء، وبه نستعين.
وعن من يصلى مع إمام، فسها الإمام وكان عليه القيام فقعد، أو كان عليه القعود فقام، فسبح للإمام فلم يقعد، ولم يقم ومضى على سهوه، قلت: كيف يصنع هذا الرجل؟ ... /272/ (2/274)
صفحة 702
_ فإذا لم يرجع الإمام إلى الصواب ومضى على الخطأ فقد بطلت إمامته عن هذا الرجل، ويصلى هذا صلاة نفسه وتتم صلاته.
قال أبو عبد الله رحمه الله: من أخذ بقول من قال: من أدرك الركوع فوجه وأحرم وركع مع الإمام ولم يقرأ فقد أدرك الصلاة وليس عليه القراءة إذا سلم الإمام، ومن أخذ بهذا القول جاز له ذلك إذا أدركهم فى الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، قال أبو المؤثر: يوجد فى الكتب، أن الإمام الأكبر لا يؤمه أحد فى الصلاة.
وسألته، عن إمام لما كبر بهم تكبيرة الإحرام وكبر، وأشك فى نفسه أنه لم يكبرها فرجع، فكبرها ثانية، ولم يرجع يكبر الذين خلفه، لأنهم قد استيقنوا أنه كان كبر تكبيرة الإحرام، وأنهم قد كبروا على إثره، ثم مضوا على صلاتهم خلفه حتى أتموها، أتتم صلاتهم أم لا؟ قال: إن كان إمامهم رجع فكبر الثانية وجعلها تكبيرة الإحرام، وأهمل الأولى وقال: إنه لم يذكر الأولى. وشك فيها فكبر الثانية على أنها تكبيرة الإحرام فالقول قوله وصلاته تامة، وعليهم النقض لتلك الصلاة.
وعن الرجل يقوم فى الصف فيخلو موضع من الصف الذى قدامه يتقدم إليه أم يثبت؟ قال يثبت فى مقامه إلا أن يكون بقى وحده فى الصف الذى هو فيه فليتقدم فى الصف الذى هو قدامه فى الخلوة منه التى بين يديه. /273/ (2/275)
صفحة 703
قلت: فإن لم يكن وحده وتقدم فى الصف الذى قدامه؟ قال: ما أحب له ذلك، ولا يبلغ به إلى فساد صلاته.
أخبرنى شعوة بن المفضل الإيرانى، قال: كنا بمكة، فلما دخلت أيام العشر، وكثر الزحام فى المسجد نهانا محبوب رحمه الله أن نصلى فى المسجد فى الجماعة، قال: ليصل كل واحد منكم وحده، لحال ازدحام الناس، قال: فصليت ذات يوم فى المسجد فى الجماعة، ثم ازدحم الناس، وزالت الصفوف عن مواضعها فى الركوع والسجود، قال: فكنت أدخل رأسى عند ركبتى إذا سجدت، فلما قضيت لقيت محبوبًا رحمه الله، فأخبرته بما فعلت، فقال: أليس قد نهيتكم أن تصلوا معهم فى هذه الأيام، ثم قال: لو لم تدخل رأسك بين ركبتيك فإذا قام الناس من سجودهم سجدت ولحقتهم كان أرفق بك، ولم ير علىّ فى صلاتى تلك شيئًا.
قال غيره: قد قيل يسجد ولو على ظهر رجل، وقيل: ينتظر حتى يقوم القوم من السجود، ثم يسجد تلك السجدة ولا يدع السجود حتى يسجدوا السجدتين جميعًا، فإذا سجد وسبح واحدة فقد تم سجوده.
وبلغنا أن من أذّن ثم قام ولم يصل معه أحد من الناس صلى وراءه من الملائكة صفوف أمثال الجبال.
قال جابر: حدثنى أبى أنه كان بمكة، وعلى مكة يومئذ أمير، فيه من السكينة ما شاء الله، قال: فكنا نصلى خلفه، إلى أن بلغه أن رجلا قال: أبدلنا الله بهذا الخليفة رجلا خيرًا منه، قال: فأرسل إليه، فجذب لسانه بالكلبتين، /274/ (2/276)
صفحة 704
ثم قتله، كما يقتل الدابة، فجعلت أصلى خلفه من بعد ذلك، وأنقض صلاتى إلى أن بلغ محبوبًا رحمه الله، فجاء حتى كان خلفى فى صلاة العشاء، حتى إذا صليت مع الأمير عدت، فنقضت صلاتى، وبصرنى محبوب رحمه الله نقضت صلاتى، فقال هكذا غلب عليك أمر حمزة بن عوف، فأخذت برأيه، وكان حمزة يرى رأى هرون، أنت يا أبا عثمان خير من فلان أو من فلان، يعنى فقهاء المسلمين الذين كانوا من قبلنا، أو هذا الأمير أشر من فلان أو من فلان يعنى السلاطين الذين من قبله، فقال والدى: هذا رأيك، فقال له محبوب رحمه الله: نعم، هذا رأيى، قال: فإن كان هذا رأيكم رجعنا إلى رأيكم، قال: فرجعنا.
ومن غيره _ وسألته عن رجل كان إمامًا فى صلاة فيها قراءة سورة، فلما كان فى بعض السورة تعايا فى قراءته وتردد فاستعاذ وجهر بالإستعاذة، هل تفسد صلاته وصلاتهم؟ قال: لا.
قال: وقد كان الإمام عبد الملك بن حميد عناه ذلك فى صلاة الجمعة فأمره العلاء بن أبى حذيفة بإعادة الصلاة فأعاد بالناس من حينه، فعيب ذلك على العلاء، فظننت أن ذلك رأى مسبح، فقال مسبح: لم يكن رأيى، ولكن العلاء أكب علىّ، فقال: رأيى، أن آمر الإمام أن يعيد الصلاة فلم أقل له شيئًا.
ذكر عبد الله بن محمد عند ذلك أن سعيد بن محرز رحمه الله أخبره، قال: رأيت العلاء بن أبى حذيفة مضى من ساعته فأكب على مسبح بن عبد الله، ثم مضى إلى الإمام فأمره بالإعادة فيهما لا توهما، فقال أبو عبد الله: لم يكن عليه إعادة. ... /275/ (2/277)
صفحة 705
ومنه _ وعن من يصلى بقوم ممن يعنيه التبع، فأحس بشىء وهو فى الصلاة فظن أنه من إبليس، وقد عود، ثم يعنيه ثم يستأخر فإذا قضى الصلاة نظر، فإذا هو برطوبة لا يدرى متى خرجت منه من بعد ما قضى الصلاة أو من قبل، فإذا كان وجد الحس وهو فى الصلاة، ثم نظر الرطوبة من بعد ما قضى الصلاة فأحب له أن ينقض الصلاة هو ومن خلفه على وجه الإحتياط والإستحسان.
وعن قوم صلوا جماعة فى صرحة مؤخر المسجد، وجاء آخرون فأحبوا أن يصلوا جماعة، هل يصلون فى المسجد وهو قدام الصرحة؟
_فلا بأس بذلك إذا جاوزوا الباب الأول.
ومن غيره_ قال، وقد قالوا: يصلى الأعلى بصلاة الإمام إذا كان الإمام أسفل، ولا يصلى الأسفل بصلاة الإمام إذا كان الإمام أعلى، فإن كان صلى مصلٍّ بصلاة الإمام على زمزم أو على ظهر المسجد فإن صلاتهم تامة بصلاة الإمام إذا كانا رجلين صافين أو أكثر.
وعن إمام يصلى بقوم، فلما كان فى بعض الصلاة غلط، فلم يدر ما صلى كيف يصنع؟ قال: ينظر عن يمينه وعن شماله، فإن رأى الناس يقومون قام، وإن لم يرهم يقومون لم يقم، وإن أتم الصلاة ثم أعلموه بعد أن فرغ أنه أنقض من الصلاة نقضوا كلهم.
ومن غيره: قلت: ما تقول فى الإمام إذا كان يصلى فى أقصى المسجد جماعة، مثل مسجد السوق فى الصرحة المؤخرة من المسجد فيجىء (؟؟؟) رجل فيصلى فى مقدمه الفريضة، قال: أكره له ذلك. ... /276/ (2/278)
صفحة 706
قلت: فإن صلى؟ قال: لا أرى عليه نقضًا، ولا يعود يفعل ذلك.
قلت: فإن كان الإمام يصلى فى مقدم المسجد فجاء رجل يصلى فى مؤخره وحده؟ قال: هذا أشد، وعليه النقض.
قلت: فإن كان الإمام يصلى نافلة؟ قال: أكره له ذلك، ولا أرى عليه نقضًا.
ومن غيره _ قال: وقد قيل عليه النقض فى كلا الوجهين.
من غير الكتاب وزياداته_
عن أبى ابن كعب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم قال، أشهد فلان، أشهد فلان؟ قوم من المنافقين لم يشهدوا الصلاة، ثم قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، فلو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: عليكم بالصف المقدم فإنه على مثل صف الملائكة لو تعلمون ما فيه لابتدرتموه، ثم قال: صلاتك مع الرجل أزكى من صلاتك وحدك، ومع الرجلين أزكى من صلاتك مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله.
وجاء الحديث عن أبى الدرداء وابن مسعود رضى الله عنهما، أنهما قالا: إن الله تبارك وتعالى سن لكل نبى سنة، وسن لنبيكم سنة، فمن سنة نبيكم هذه الصلوات الخمس فى جماعة، إن لكل رجل منكم مسجدا فى بيته، ولو صلى كل رجل منكم فى بيته لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. /277/ (2/279)
صفحة 707
وجاء الحديث عن عمر رحمه الله، أنه قال: تفقدوا إخوانكم فى الصلاة، فإذا فقدتموهم فغن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله: صلاة الجماعة فريضة على الكفاية، وعرفت أنها على الكافة، والله أعلم، وينبغى لمن سمع الأذان والإقامة ألا يتخلف عن الجماعة لقول الله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} والأذان أمر به النبى صلى الله عليه وسلم، وهو الواعى لبابه.
مسألة:
قال أبو الحسن رحمه الله: اختلف الناس فى صلاة الجماعة، قال قوم، فرض وليس فرضا على كل نفس، وقال قوم: سنة على الكفاية، واتفقوا أنها على الكفاية.
قال أبو محمد رحمه الله: الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضل الجماعة: من سمع نداءنا فليجب، وفى رواية، من سمع النداء وهو فارغ صحيح فلم يجب فلا صلاة عليه. قال أبو محمد: لا يؤتم بالصبى من الفرض والنفل لا يجوز، وقال أصحابنا: يجوز ذلك فى النفل.
الدليل على صحة اختيارنا أن الجماعة لا تنعقد إلا بالمخاطبين المأمورين /278/ (2/280)
صفحة 708
بالصلاة، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ويؤمكم أكبركم، وهذا خطاب يتوجه على المكلفين البالغين دون من لا يلحقه الخطاب لطفوليته وصغره، فإن قال قائل، إن النبى صلى الله عليه وسلم أثبت للصبى حجا فما أنكرت أن تثبت له الصلاة؟ قيل له: ليس كل من يثبت له صلاة جاز له أن يؤتم به بإجماع الجميع، إن المرأة لها صلاة ولا يجوز أن يؤتم بها، فإثبات الصلاة لا يكون دليلا على انعقاد الجماعة، ولسنا ننكر أن يكون للصبى صلاة كما يكون له حج.
مسألة:
والخنثى لا يكون مؤذنا، ولا إمام مسجد، ويصلى وحده فى الجماعة، ولا يصلى مع الرجال ولا مع النساء، ويصف وحده قدام النساء.
مسألة:
طريق الثواب طريق التفضل، لا يستحق العامل الثواب على طاعته بنفس الفعل، لأن نعم الله على العبد لو قوبل بها فعله من طريق الطاعة لصغر عندها الثواب على الطاعة.
مسألة:
وللمؤذن إذا أذن وهو إمام قوم فلم يأته أحد، ثم أقام الصلاة وجهر بالقراءة، وصلى حتى أكمل صلاته، ثم أتى قوم من بعد فصلوا فى المسجد جماعة فجائز لهم /279/ (2/281)
صفحة 709
ما لم يكن مع الإمام رجل آخر فهو جائز لهم، وإن كان معه رجل لم يجز لهم، وإن أتى رجل الإمام، وصلى معه بعض صلاته، ثم انتقضت عليه وذهب وبقى الإمام يصلى وحده حتى أكمل فلا يصلوا جماعة، لأنه قد كان معه رجل.
مسألة:
وإذا أتى قوم مسجدا فأذنوا فيه وأقاموا وصلوا جماعة، ثم إن مؤذنه أتى فأذن، وحضر أهل ذلك المسجد فلهم أن يصلوا جماعة، قال: قد قيل، فما بال صلاة القوم الذين كانوا قبل جماعته؟ قال: صلاتهم منتقضة.
مسألة:
وقال محبر: من دخل المسجد يصلى الفريضة وحده، وجاء رجل أو رجلان صلوا خلفه، ولم يكن هو نوى الإمامة فعليهم الإعادة، وقال أبو الحسن رحمه الله، إن كان فى المسجد إمام ومؤذن معلوم، وقد صلوا فيه الصلاة فمن أم بهذين الرجلين فصلاتهم جميعًا فاسدة، وإن لم ينو الرجل الإمامة فصلاته جائزة، وصلاتهم فاسدة.
مسألة:
وإذا صلى قوم جماعة فى مسجد له إمام، وصلى فيه الإمام بعدهم تلك الصلاة جماعة فصلاة الإمام تامة وصلاة القوم فيها اختلاف، قال بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله، صلاتهم تنقض.
والرجل إذا كان معه جماعة فى غير مسجد فطلبوا إليه أن يصلى بهم، فنوى /280/ (2/282)
صفحة 710
أن يكون إماما لهم ولمن يأتى من بعدهم، يريد الدخول فى الصلاة، جاز لمن يدخل معه فى صلاته، ويصلى بصلاة الإمام وصلاته تامة، وعليه أن يسأل الإمام، كان إماما لمن يريد الدخول فى الصلاة أم لا؟ وإن لم ينو إماما لمن يريد الدخول معه، وإنما يصلى بالقوم الذين أمروه أن يؤم بهم لم يجز لأحد أن يدخل نعه فى تلك الصلاة.
مسألة:
ومن أتى إلى الجماعة، وقد صلى تلك الصلاة وعليه صلاة فائتة مثلها، فصلاها بصلاة الإمام جماعة، ففيه اختلاف، إذا كان ذاكرا لها، منهم من يقول، لا يصليها جماعة، ومنهم من أجاز له أن يصليها جماعة، وإذا صلاها احتياطا منه، وكان عن يمينه وشماله رجل، أنه لا ينقض عليه، وقال بعض: إن لو كان يصلى تطوعا يسلم عن كل ركعتين، وهو فى الصف، يصلى بصلاة الإمام، وكان عن يمينه وشماله رجل، أنه لا نقض عليه، أعنى الرجل، وبعض لم ير ذلك، وألزم الذى عن يمينه النقض إذا سلم عن ركعتين.
مسألة:
ومن دخل مسجدا يريد الصلاة ولم يعلم صلى فى ذلك المسجد جماعة أو بعده ومعه هو جماعة، فأرادوا أن يصلوا جماعة، فرأينا، ليس لهم ذلك، ولا تتم صلاتهم إن فعلوا ذلك، لأنهم صلوا على شبهة لم يعلموا صلى فيه جماعة أم لا؟ وإذا صلى قوم جماعة فى غير مسجد فليغيرهم أن يصلوا جماعة حيث لا يسمع بعضهم أصوات بعض، إلا أن تكون الصفوف متصلة فلا يجوز. ويجوز أن يصلى القوم ... /281/ (2/283)
صفحة 711
بصلاة الجماعة وراءهم ما لم يسمعوا صوت الإمام، ثم لا يجوز إذا لم يكن صفوفا متصلة، وإن كانت متصلة فيجوز ولو لم يسمعوا صوته.
مسألة:
عن أبى عبد الله، أن من كان قد صلى وأقيمت الصلاة صلى مع الجماعة، وتكون نافلة، ويقطع بين كل ركعتين بالتسليم بعد قراءة التحيات، وإن شاء لم يقطع، ومضى مع الإمام إذا نوى قبل دخوله أن يصليها مكان صلاة مثلها، إن كان ضيعها أو انتقضت عليه، فإن كان ذكر صلاة من بعد، كانت عليه مثل هذه فقد أجزأته هذه الصفة، وإن هو لم يقطع بالتسليم وصلاها نافلة فلا بأس أيضا.
ومن الأثر: وإذا صلى إمام بخمسة أنفس، ونوى أنه يصلى بثلاثة منهم دون الباقين ولم يعرفهم حتى قضى الصلاة ثم عرفهم بعد ذلك، أنه لم ينو أن يصلى بهم، فلا بدل عليهم وصلاتهم جائزة، إذا كان معروفا أنه إمام المسجد ذلك، فهو إمام لكل من دخل فى صلاة الجماعة خلفه، وليس عليهم أن يعلموا ضميره ونيته قبل الصلاة، وليس عليهم قبول قوله بعد أن قضوا صلاتهم، والله أعلم.
رواية: جاء الحديث أئمتكم وفدكم بينكم وبين ربكم فتقدموا (؟؟؟) خياركم، ومن جمع بين العلم والقرآن كان أولى بالإمامة.
وقال أبو الحسن رحمه الله: إن سركم أن تزكوا صلواتكم فقدموا خياركم فإنهم وفدكم إلى ربكم. ... /282/ (2/284)
صفحة 712
اختلف الناس فى صلاة المريض القاعد بالقائم، فأجاز ذلك بعض، واحتجوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، والخصىّ لا يكون إماما اتفاقا.
مسألة:
ومن صلى خلف الإمام صلاة العشاء الآخرة فكان إذا قرأ الإمام السورة قرأها حتى يتم مع الإمام، فبئس ما صنع، ولا أرى عليه نقضا، فإن لم يقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب ولا غيرها فبئس ما صنع ولا أرى عليه نقضا. وقال غيره: لا يجوز إلا بفاتحة الكتاب.
مسألة:
ومن أدرك من أول صلاة القوم سجدتين ولم يدرك الركوع وكبر وسجد معهم سجدتين، قال محمد بن محبوب، قال أصحابنا يعيدها فإذا سلم الإمام قام فقضى ما سبقه من صلاة الإمام وركع، فإذا ركع رفع رأسه من الركوع، وقد تمت صلاته إن شاء الله قائما، وإن شاء جلس وسلم، والجلوس أحب إلينا، ومن أدرك مع الإمام آية، ثم قام ليبدل قال سليمان، إن أدرك آية أجزأته، وقال غيره: من أدرك من صلاة المغرب آية أجزأته، ومن صلاة العتمة آيتين، ومن صلاة الفجر ثلاث آيات.
وقال أبو محمد رحمه الله: من أدرك مع القوم ركعة من صلاة الغداة، ثم ... /283/ (2/285)
صفحة 713
قعد معهم، وهى أول ركعة الداخل، وآخر صلاة القوم فله أن يقرأ التحيات مع القوم فى الركعة الأولى، ثم يقوم، فيأتى بعد تسليم الإمام بالركعة التى فاتته، ثم يقعد فيسلم من غير قراءة التحيات ثانية، فإذا قرأ معهم التحيات فليقرأ إلى: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وإذا استأنف من تسليم القوم ركعة وهى تمام صلاته فلا يبتدىء التحيات ثانية من بعد، وتكفيه التحيات الأولى.
مسألة:
ومن فاتته ركعة من صلاة المغرب وقعد معهم بالركعتين اللتين أدركهما وأراد البدل لما فاته فليقم يأتى بقراءة فاتحة الكتاب وسورة، ويركع ويسجد، ثم يقوم فيسلم عن قعود بغير قراءة التحيات ثالثة، وعليه الوثبة بتكبيرة، التى تجب عليه ويسلم، وإذا فاتته الركعتان من المغرب فقام فقرأ فاتحة الكتاب وسورة وركع وسجد، ثم أتى بالركعة الثانية وقرأ الحمد وسورة، وركع وسجد وقرأ التحيات، ثم قام بتكبيرة، فإذا استوى قائما، وبلغ إلى الموضع الذى لحق فيه الإمام تمت صلاته، وأمر ألا ينحط إلا بتكبيرة ليكون انصراف عن قعود، فليسلم وينصرف.
مسألة:
ومن جاء إلى جابر وهو فى القراءة وجه وأحرم وقرأ الحمد إلا أن يخاف ألا يدرك من القراءة شيئا مع الإمام فإنه يحرم، ثم يستمع القراءة، فإذا أتم الصلاة مع الإمام قام فأبدل ما فاته من قراءة الحمد، وفى ذلك اختلاف، فإن كان فى صلاة النهار أحرم وقرأ الحمد، وإن ركع الإمام قبل أن يتم قراءة الحمد ركع معه ... /284/ (2/286)
صفحة 714
ومنهم من قال: لا بدل عليه فيما بقى من قراءة الحمد ومنهم من قال: إن لم يتم قراءة الحمد أبدلهما، ولو أنه دخل فى صلاة العتمة وقد سبقه بركعتين فإذا أتم الإمام قام هو فقرأ: الحمد وسورة، ثم ركع وسجد، ثم قام فقرأ الحمد وسورة، ثم ركع وسجد وقعد للتحيات، فإذا فرغ من التحيات قام بتكبيرة، فإذا صار قائما من حيث دخل مع الإمام قعد وسلم.
مسألة:
ومن أم رجلا عن يمينه ودخل الثانى ولم يتكلم، فلما هجسه المأموم مشى عن قفاه يريد أن يصف عند الداخل، وصف عنده، ومر الإمام على إجهاره (؟؟؟) على هيئة الجماعة، فصلاة الإمام وصلاة الداخل معهما فى آخر الصلاة تامة، وصلاة المتأخر من يمين الإمام منتقضة.
هذا الموجود، قال: والذى أراه أن صلاة المتأخر عن يمين الإمام منتقضة بتأخيره عن إمامه من غير أن يعلم أن هذا داخل ولا جرّه، فلا تثبت صلاته، وقد دخل الداخل فصف عند رجل صلاته فاسدة، فلم يثبت له أيضًا صلاته، ففسدت صلاة المأمومين جميعًا، الذى عن يمين الإمام والداخل، والإمام ليس عليه علم الغيب، وصلاته على بعض القول جائزة غير منتقضة، وقد دخل بيقين، فهو على ذلك حتى تنتقض بيقين. ومنهم من قال: تنتقض صلاة الجميع، لأن الإمام جهر بالقراءة وخلفه من فسدت صلاته، فكأنه جهر بالقراءة وهو يصلى وحده، والآخران قد بينت لك الوجه فى نقض الصلاة على معنى الإختلاف، والذى لم ينقض صلاة الإمام، عنده أن الإمام جائز له أن يجهر بالقراءة ولو كان وحده ... /285/ (2/287)
صفحة 715
وإذا نوى أن يكون إمامًا لمن يصلى خلفه، أو نوى أنه إمام فى تلك الصلاة لمن يأتى يصلى بصلاته، وصاحب هذا القول لا ينقض صلاة الإمام.
مسألة:
ومن دخل فى صلاة الجماعة فكبر وأحرم وفرغ الإمام من قراءة الحمد، فالذى أحب له من أحد أقاويل الفقهاء فيما اختلفوا فيه من هذه المسألة، أن يمسك عن قراءة الحمد ويستمع قراءة الإمام السورة، فإذا سلم قام هو وأبدل جميع ما فاته من صلاته، وأبدل قراءة الحمد إلى الحد الذى دخل مع الإمام القراءة فيه، ومنهم من قال: يقرأ الحمد، وقال آخرون: يستمع ولا يقرأ ولا إعادة عليه فى شىء من قراءة تلك الركعة، وكذلك إن كان حين دخل مع الإمام فى الصلاة، قال: إن كان عليه صلاة فائتة فهذه بدلها. ثم بان له أنه عليه صلاة توافق هذه الصلاة التى عليه، فلا يجزى عنه حتى يدخل وهو عالم بتلك الصلاة فيبدلها بنية يقصد بها، إنما تجزى تلك الصلاة عن صلاة فائتة لا يعلمها هو أبدًا، والداخل فى صلاة الإمام إذا لم يكن عليه فى الركعة التى يصل إليها قعود فلا ينجو.
قال: وعندى، عليه الوثبة، القيام إلى تمام ما بقى على الداخل فى الصلاة من الحد الذى دخل فيه، فأما التحيات فإنها فى موضع معروف، فإذا قرأها فى حدها فلا قراءة عليه فى غيرها من الحدود فيما صلى مع الإمام.
ومن أتى الصلاة والصفوف قد لصقت ولم يجد فرجة فى الصف ولا فى طرفيه ولم يجد رجلا يصف معه فليصف على إمام الإمام فإذا ركع تأخر وركع وسجد، فإذا نهضوا من سجودهم قائمين فى الصلاة لصق بالصف، ثم على هذا يكون حتى تتم صلاته. /286/ (2/288)
صفحة 716
رجع إلى الكتاب وزياداته_
ومن كان خلف الإمام فلا يقرأ إلا فاتحة الكتاب، ويستحب له أن يفرغ من قراءتها قبل أن يفرغ الإمام منها، ويستمع القراءة، فإذا فرغ الإمام من قراءتها ودخل فى السورة فيمسك عن قراءتها ويستمع القراءة، وإن قرأ فلا بأس، وذلك أحب إلىَّ.
وإن قرأ فى صلاة النهار شيئًا من فاتحة الكتاب خلف الإمام، ثم يركع الإمام فيركع معه.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله، فى من لم يقرأ فاتحة الكتاب خلف الإمام فى شىء من الصلاة فلا نقض عليه، وأما غيره فلا يرى ذلك.
وعنه أيضًا فى موضع آخر _ ونرى النقض على من ترك قراءة فاتحة الكتاب فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر وما يجهر فيه الإمام من القراءة من الصلاة إذا ترك ذلك عمدا.
وعن أبى عبد الله فى من كان يقرأ فاتحة الكتاب خلف الإمام ثم ركع الإمام أنه يترك القراءة ويركع معه فى الركعتين الأوليين من صلاة الأولى والعصر. وقال من قال: وإن لم يقرأ فلا بأس عليه، ومن أخذ بقول من قال: من أدرك الركوع فوجه وأحرم وركع مع الإمام ولم يقرأ فقد أدرك الصلاة وليس عليه بدل القراءة إذا سلم الإمام، فمن أخذ بهذا القول جاز له إذا أدركهم فى الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، ونحن ممن يبدل قراءة فاتحة الكتاب إذا أدركنا الركوع مع الإمام، ولم ندرك القراءة. /287/ (2/289)
صفحة 717
وقال أبو عبد الله رحمه الله: من لم يدرك مع الإمام قراءة آية كاملة فى صلاة يجهر فيها بالقرآن فعليه بدل فاتحة الكتاب إذا سلم الإمام، فإن لم يفعل فعليه بدل تلك الصلاة.
قلت: وعله بدل القراءة ولو أدرك بعض آية؟ قال: نعم.
قلت: فإن كان لا يعرف الآيات؟ قال: أرجو أن لا نقض عليه حتى يعلم أن الذى أدرك أقل من آية.
فأما أبو زياد، فقال: لا أتقدم على فساد صلاة من لم يدرك آية ولم يبدل القراءة، وأما الأول الذى قال: لا نقض على من يقرأ فاتحة الكتاب فى شىء من الصلاة خلف الإمام فهو حفظى عن محمد بن محبوب رحمه الله، وكذلك أحب.
وقال، فى من دخل فى صلاة قوم، فاستأنف هو القراءة وركعوا، وهو بعد لم يتم القراءة، ورفعوا رؤوسهم من الركوع وفرغ هو وركع وحده، قال: إذا أدرك الإمام وهو قائم لم يسجد، وسجد فى سجوده فلا بأس.
وقد يوجد أيضًا فى أثر غير هذا، أن من دخل فى صلاة قوم ركوع فأخذ فى القراءة بعد الإحرام، أنه إذا أدركهم فى الركوع فلا بأس، وإن لم يدركهم استأنف الصلاة، والرأى الأول أحب إلىَّ.
رجع_ وقيل، إن الإمام سترة لمن خلفه، فإن مضى شىء ما ينقض بين يدى الإمام وبين السترة انتقضت صلاته وصلاة من خلفه. /288/ (2/290)
صفحة 718
ومن غيره_ قال أبو عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله، تنتقض صلاة الإمام، وأما من خلفه فلا تنتقض صلاتهم، ويقدمون منهم مصليا يتم بهم صلاتهم.
رجع _ وإن مضى بين الإمام وبين الصف الأولى انتقضت صلاة الصف الأول، أو من مضى عليه منهم. ولم يضر الإمام ولا من كان خلفه إلا ذلك الصف الأول، وكذلك إن مضى بين الصفوف انتقضت صلاة الصف الذى مضى بين أيديهم، ولا نقض على من كان خلف ذلك الصف ولا قدامه، وأما إن مضى الكلب أ غيره مما ينقض خلف الإمام بين يدى الصف الأول، فقيل، إن مضى على أول ثم رجع قبل أن يتعدى الإمام فلا نقض عليهم، لأن الإمام سترة، وإن تعدى الإمام حتى جاوز من خلفه انتقضت صلاة الذين تقدمهم من ذلك الصف، لأنه قد جاوز بينه وبين السترة.
ومن غيره_ قال أبو عبد الله محمد بن محبوب، إذا مر بين أيديهم، ثم رجع انتقضت صلاة الذين مر بين أيديهم.
ومن غيره _ قال، وقد قيل: إنه إذا كان ممره أو مضى من قدام الأمام لم ينقض على أحد، ولو كان مضى من خلفه نقض على الذين من قدامهم كما قال:
رجع _ وإن انقطع فى جانبى الصف خلف الإمام اثنان إلى ما أكثر فلا نقض عليهم، وإن كان فى الصف الأول فهو أشد، وأرجو ألا يبلغ بهم إلى فساد، وإن انقطع واحد وحده فى طرف الصف فصلاته فاسدة. /289/ (2/291)
صفحة 719
وقيل عن أبى الله رحمه الله: إذا كان بين المصلى وبين الصف قدر مقام رجل وهو فى طرف الصف انتقضت صلاته، فإن كان هذا بين الصفين ولم يجد مدخلا فى الصف فأرجو أن لا نقض عليه إذا لم يجد مدخلا فى الصف، ولو كان وجده والصفوف الآخرة فإذا كان الصف تاما فلا نقض على من انقطع، كان واحدا أو أكثر.
وسأله سائل، عن إمام إذا أذن ووجد أحدًا ينظره يتمسح ليصلى معه، هل عليه أن ينظره حتى يخاف فوت الصلاة؟ قال. يعجبنى أن ينظره ما لم يخف فوتا لأنهم قالوا، ونقض كل عهد فى معصية الله، وهذا إذا كان فى الوقت لم يدخل بعد فى المعصية.
رجع إلى كتاب أبى جابر فيما يجوز من اللباس فى الصلاة، وما لا يجوز، والقراءة فى الصلاة:
وقد قيل، إذا صلى الإمام بسراويل ورداء مرتديا فسدت صلاة من صلى معه، وإن التحف بالرداء فلا بأس.
وعن أبى عبد الله رحمه الله، أنه لا يجوز للرجل أن يكون إمامًا لغيره فى الصلاة بقميص ورداء بلا إزار ولا سراويل تحت القميص، ولو كان قميصين أو أكثر.
وأما غيره من الفقهاء فقال: لا يجوز أن يكون إماما بقميص ورداء بلا أن ... /290/ (2/292)
صفحة 720
يكون ثوب تحت القميص، وأنا أحب هذا الرأى، وكذلك يكون إماما بقميص وإزار وسراويل بلا رداء، وقيل، يستحب له أن يرفع القميص على منكبيه حتى تخرج يده اليسرى، وإن لم يفعل فلا بأس.
ومن غيره _ وأخبرنى الوضاح بن العلاء، أنه كان يؤم فى قميص، وقد أجاز من أجاز، أن يؤم فى السراويل والقميص إذا كانت صفيقة، وكذلك يكون إماما بقميص وإزار أو سراويل بلا رداء.
رجع _ وأما الجبة يجوز أن يصلى بها الإمام وحدها بلا رداء ولا إزار، لأن الأثر قد جاء بذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه صلى بالناس وعليه جبة صوف.
قال غيره، ثبوت الإمامة فى الجبة وحدها دليل على إجازة ذلك فى القميص وحده.
رجع _ وعن أبى عبد الله رحمه الله قال، إن صلى رجل بقوم وليس عليه إلا قميص واحد وهو مشتمل وصلى خلفه من الناس من ليس عليه من الثياب إلا كمثله، ومنهم من عليه إزار ورداء أو قميص ورداء أو سراويل ورداء أو قميص وسراويل، قال: صلاة الذين كان عليهم من اللباس مثله تامة، وصلاة الذين كان عليهم إزار ورداء أو قميص أو سراويل منتقضة.
قال غيره من أهل العلم: إن صلى مشتمل بغير مشتملين فلا نقض عليهم أيضا. /291/ (2/293)
صفحة 721
فى شك الإمام:
قلت: أرأيت الإمام يكون فى قراءة فاتحة الكتاب فيشك فلا يدرى جهر بأولها أم لا، غير أنه استيقن أنه قد قرأها فى صلاة يجهر بها، أيرجع يجهر، أم يمضى على شك صلاته؟ قال: ما أرى شكه فى الجهر مثل شكه فى القراءة بنفسها، وأرى أن يمضى على قراءته ولا يرجع.
قلت: أرأيت إن رجع فجهر بما شك فيه منها، وقد علم أنه قد قرأه، وإنما شك أنه جهر أم لا؟ قال: تنتقض صلاته وصلاة من صلى خلفه.
قلت: فإن انصرف من حين ما جهر، وتقدم غيره بالقوم، أتم صلاتهم ((أتتم صلاتهم))؟ قال: نعم: تتم صلاتهم إذا لم يتبعوه، فإن اتبعوه من بعد أن تنتقض صلاته انتقضت صلاتهم.
قلت: فإن شك، جهر أم لا، واستيقن على القراءة، ولكن استفتح من حيث استيقن، أنه بلغ فى القراءة، فسبح له القوم من خلفه؟ قال: يرجع حينئذ فيستفتح القراءة من حيث شك أجهر أو لم يجهر، ويجهر به وما بعده ولا يجتزئ بما جهر بعد ترك شىء لم يجهر به منها.
قلت: أرأيت، إن لم يسبحوا له، فلما أتم الصلاة، سألهم أو لم يسألهم، إلا أنهم أخبروه، أنهم لم يسمعوه جهر، هل عليه نقض؟ قال: لا نقض عليهم ولا عليه حتى يخبروه أنه لم يجهر بشىء منها، ولا يعلم هو أيضا أنه جهر بشىء منها، فإن كان كذلك فليعيدوا صلاتهم هم وهو. /292/ (2/294)
صفحة 722
قلت: وكذلك يعرض له شك فى الجهر، وهو فى الصلاة، ولكنه لما قضوا صلاتهم قالوا له، لم تجهر بقراءة فاتحة الكتاب فى إحدى الركعتين؟ قال: إن كان استيقن أنه قد جهر فلا يلتفت إلى قولهم، وإن لم يستيقن على ذلك فأخبره بذلك ثقة فليعد هو وهم الصلاة، وإن كان المخبر ليس ثقة فأحب أن يعيدوا صلاتهم.
قلت: فإن قال بعضهم: قد جهرت، وقال بعضهم: لم تجهر؟ قال: يأخذ بقول أفضلهم، وأحسنهم حفظا للصلاة، قلت: فإن استوت حالاتهم؟ قال: يأخذ بقول من قال: إنه يجهر.
قلت: وقراءة السورة مثل قراءة فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، إلا أن قراءة السورة إذا جهر منها بآية واحدة أجزأته، مثل قراءة السورة كلها.
وقلت: فإن شك بعد ما قرأ فاتحة الكتاب أنه جهر بها أو لم يجهر؟ قال: يمضى ولا يرجع.
قلت: فإن رجع فقرأهما، أتنتقض صلاته؟ قال: نعم، تنتقض صلاته وصلاة من خلفه.
قلت: أرأيت إن شك فى القراءة بعد أن قضى قراءة السورة، فلم يدر، جهر بها أو لم يجهر وهو إمام؟ قال: إن استيقن أنه قرأ آية واحدة وجهر بها فقد اجتزأ بذلك، فليمض على صلاته إن شاء، وإن شاء قرأ آية أو أكثر أو سورة تامة. وإن لم يعلم أنه جهر بآية فليزد، فيقرأ آية أو أكثر. /293/ (2/295)
صفحة 723
قلت: فإن لم يقرأ ومضى على صلاته؟ قال: لا أرى عليه نقضا.
قلت: أرأيت إن خر للركوع فقبل أن يستوى راكعا شك فلم يدر جهر بشىء من القراءة أم لا، وهو إمام؟ قال: يمضى على صلاته ولا يرجع.
قلت: فإن رجع فقام فقرأ؟ قال: إن كان قد أخذ فى التكبيرة وقد خر واستوى راكعًا، ثم قام على الشك انتقضت صلاته، وإن خر للركوع ولم يأخذ فى التكبير ولم يستو راكعا، ثم عاد فقرأ السورة لم يكن عليه نقض، وإن عاد فقرأ فاتحة الكتاب فعليه النقض، وإن أخذ فى التكبير وهو قائم فالله أعلم.
ومن جواب أبى الحوارى رحمه الله _ ويجوز للرجل أن يكون إمامًا لامرأة وأكثر فى المسجد، وأما فى المنازل فلا يجوز، قال أبو زياد عن هاشم، إنه من رفع رأسه قبل الإمام خطأ أنه يرده إلى الأرض، حدثنى أبى مروان سليمان ابن عبد الرحمن قال: قال لى الحكم بن بشير: إذا صليت الفرائض فكن فيها موجزًا غير مستريح فإنه أحرى أن يذل الشيطان، فإذا صليت النوافل، فإن شئت فأطل.
وقال الوضاح بن عقبة: الذى تقبل شهادته يصلى خلفه إذا كان صالحا، وإن مات دخل الجنة.
تم الباب من كتاب أبى جابر ومن غيره. ... /294/ (2/296)
صفحة 724
والذى سلم مع الإمام وقد كان باق عليه شىء من البدل، فقيل: إنه يستأنف الصلاة، وقيل: هو على صلاته ما لم يتحول من مقامه أو يقوم منه إلى صلاة أخرى، وقيل: يبنى ما لم يدخل فى صلاة غيرها، غيرها، وقيل يبنى على صلاته ما لم يصل من الثانية ركعة تامة، وقيل: لو صلى ركعة تامة فله أن يبنى إذا ذكر ذلك. رجع إلى ذكر ما كان باق عليه من البدل، وهذا كله إذا نسى حتى سلم.
ومن غيره_ وهذا كله عندى إذا لم يدبر القبلة، أو يتكلم بشىء من أمور الدنيا، والله أعلم.
وعن رجل يكون خلف الإمام، فيكون فى التحيات فيغلبه النعاس ثم ينتبه وقد قام الإمام فقضى التحيات والتشهد، ثم قام فركع الإمام، فقال: سمعنا فى ذلك قولين، أحدهما، أنه يتبع الإمام، فإن سبقه فى الركوع يتبعه، وإن سبقه بالسجود، وهو قول سليمان رحمه الله، والقول الثانى، يقطع ما مضى ويستأنف ما أدرك مع الإمام، قال: وهذا القول أحب إلىَّ.
ومن غيره _ وقال فى رجل يصلى مع قوم، فلما كان فى الركعتين الأوليين غشيه النعاس ثم انتبه من بعد أن يسلم الإمام فقال: ليعد الصلاة، وعن أبى عبيدة، أنه يتم ما بقى من صلاته.
ومن غيره _ ومن تشاغل خلف الإمام بوسواس أو غيره حتى سبقه الإمام، فما لم يكن بينه وبين الإمام حد من الصلاة فلا نقض عليه، وإن كان بينهما حد ليس أحدهما فيه فعليه النقض، وأما إن نعس فى الصلاة ولم ينتبه حتى سلم الإمام أنه يبنى على صلاته. /295/ (2/297)
صفحة 725
وحفظنا فى من تشاغل بالتحيات الأولى حتى قام الإمام وقرأ وركع، ثم قام فأدرك الركوع مع الإمام، أنه لا نقض عليه فى هذا الموضع، وليست القراءة حد عليه هاهنا.
ومن غيره _ قال: وقد قيل عليه الإعادة، وذلك موضع حد فى قول بعض الفقهاء.
رجع _ وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يقوم هو فسدت صلاته.
وسألت هاشما عن الإمام إذا ركع ودخل رجل المسجد، هل على الإمام بأس، أن يطول فى ركوعه قليلا ليدرك الداخل؟ قال: ما أرى بذلك بأسا.
ومن غيره _ وقيل: ليس له ذلك، وقد قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
قال أبو سعيد رحمه الله: فى من دخل فى صلاة الإمام، وقد فاته منها شىء، أنه يخرج فى بعض القول، أن ليس عليه أن يقوم تلك القومة فى كل شىء، وقيل عليه أن يقوم فى كل موضع، وقيل: عليه أن يقوم فى الركعتين الأوليين عند قيام الإمام من التحيات الأولى، وليس عليه فيما سوى ذلك.
ومن غيره _ وعن رجل يصلى خلف الإمام صلاة العشاء الآخر فكان إذا قرأ الإمام السورة قرأها هو حتى يتمها مع الإمام عمدا، ترى أن ذلك جائز له؟ قال: بئس ما صنع، ولا بأس، ولا نقض إن شاء الله. ... /296/ (2/298)
صفحة 726
وقال غيره: قيل عليه النقض إذا تعمد لذلك.
وقال: مررت مع جابر بمسجد قد أقام الإمام لصلاة الغداة، فدخل معهم، فاستفتح سورة طويلة، فتأخر جابر رحمه الله وصاحبه وتركا الصف، وصلى وحده، فلما انصرف قال: إن صلاة الغداة تفوت.
وقلت: إن كان إماما فنسى أن ينوى، أنه إمام لمن صلى معه، هل تكون صلاته تامة؟
معى أن صلاته تامة إذا كان إمام المسجد فى المتقدم، وإلى ذلك قصد حين تقدم، أو حين قام، ولم يعلم أنه استحال ذلك إلى غيره حتى أتم صلاته.
وسألته عن إمام قوم لما أراد أن سلم قال: السلام عليكم، قال بعض فقهاء البصرة من المسلمين يفعلون ذلك، وهو له جائز، ولا بأس عليه.
وإن انقطع فى جانب الصف خلف الإمام اثنان إلى ما أكثر فلا نقض عليهم، وإن كان فى الصف الأول فهو أشد، وأرجو أن لا يبلغ بهم ذلك إلى فساد، وإن خرج عن الصف من خرج، فيقرب أهل الصف بعضهم إلى بعض، فهو أحب إلى حتى يسدوا تلك الفرجة، وإن انقطع واحد وحده فى طرف الصف فصلاته فاسدة.
وقيل: عن أبى عبد الله رحمه الله: إذا كان بين المصلي وبين الصف قدر مقام رجل، وهو فى طرف الصف انتقضت صلاته، والصف الأول فى ذلك أشد، فإن كان مثل هذا بين الصفين ولم يجد مدخلا فى الصف فأرجو أن لا نقض
/297/ (2/299)
صفحة 727
عليه إذا لم يجد مدخلا فى الصف ولو كان وحده. وأما من كان يصلى قصد الإمام من خلفه فلا يقطع عليه عندنا، كان فى الصفوف أو كان وحده من خلف الصفوف، ولو كان فى آخر المسجد.
ومن غيره _ وقد قيل، إن انقطع فى طرف الأول اثنان فصاعدا، أن عليهم النقض، وقال من قال: لا نقض عليهم إذا كانوا اثنين فصاعدا، وإن كان واحدا فعليه النقض فى عامة القول.
وقد قيل: لو جهل أن يزحف فلا نقض عليه، وإن تعمد لذلك وهو عالم أن عليه أن يزحف، نقض صلاته، وإن نسى فلا نقض عليه، فهذا فى الصف الأول، وأما فى الصفوف الأخرى إذا كان صف الأول تاما فلا نقض على من انقطع، كان واحدا أو أكثر.
رجع _ فإن خرج رجل من الصف من على قفا الإمام وبقى من طرفى الصف من هاهنا وهاهنا، ولا ينالون من الإمام شيئا؟ قال: يخاف عليهم النقض، قال الفضل ابن الحوارى: لا نقض عليهم.
تم الباب من كتاب أبى جابر، ومن غيره _.
أن صلاة المرتدى (؟؟؟)) تفسد، ومن صلى وحده بقميص واحد، فيؤمر أن يزره، فإن لم يفعل فى فلا نقض عليه، والعراة يصلون قعودا، ويؤمهم أحدهم، ويكون إمامهم فى وسطهم من الصف، ويومئون إيماءً، وإن قدروا على شجر أو رمل ردوا منه على أنفسهم حتى يستتروا فى الصلاة. /298/ (2/300)
صفحة 728
وعن أبى عبد الله، رحمه الله قال: إذا صلى رجل متيمم من جنابة برجل متوضئ انتقضت صلاة المتوضئ.
ومن غيره _ وقد قيل، لا نقض عليه، والله أعلم.
رجع _ وإن صلى متيمم من جنابة بمتيمم من غير جنابة فلا ينبغى ذلك ولا نقض عليه.
_ وفى نسخة_ قال: وقد قيل، عليه النقض، وقيل، يجوز يؤم الرجل بالعمامة إذا سترت الظهر والصدر، إذا ارتدى بها أو سترت الأكثر من ذلك، ولم يكن كالحبل.
وإن انتقضت صلاة قوم وأرادوا البدل فى وقتها صلوا جماعة، وإن فات الوقت صلوا فرادى.
قال محمد بن المسبح: إلا أن يكونوا هم الذين انتقضت صلاتهم تلك بعينها أبدلوها جميعا إلا أن يكون قد نقض منهم أحد يكون إمامهم قد أبطل صلاته فرادى، وإنما يكون هو إمامهم فى هذا يؤمهم فى هذه، كما كان فى الأولى المنتقضة.
قال غيره: وقد قيل، يبدلونها جميعا على حال إذا أرادوا ذلك.
تم ما وجدته من النسخة الثانية.
من غير الكتاب وزياداته. ... /299/ (2/301)
صفحة 729
ويستحب للإمام إذا سلم فى العصر والفجر أن يصفح بوجهه وينحرف عن يمينه، ويقبض رجله اليمنى لينصرف من خلفه، لأنه ليس بعدها ركوع.
مسألة:
وإذا نعس الإمام فى الصلاة سبح له المأموم، فإن لم يسمع تقدم رجل منهم، فتتم بهم الصلاة، فإن لم يفعل الرجل فليتحسه (؟؟؟) رجل منهم بإصبع من كفه على مهل، ليعلمه، أن يتقدم بهم، ويكون عن يمين الإمام، فإن استيقظ الإمام، والثانى فى حد رجع الثانى إلى مكانه، وأتم الإمام بهم الصلاة، فإن استيقظ الإمام والثانى فى حد وهو فى حد فسدت صلاة الجميع، فإن لم يستيقظ الإمام حتى أتم الصلاة بالقوم تمت صلاتهم، وفسدت صلاة الإمام الأول.
والإمام إذا كان يسجد على ما يتمكن عليه، والمأمومون لا يتمكنون فى سجودهم فصلاتهم تامة، وإذا كانوا يتمكنون وهو لا يتمكن فصلاتهم فاسدة لفساد صلاته.
مسألة:
وإذا انتقضت صلاة الإمام فى الركوع. قال، قال أبو المؤثر، كنا فى صلاة العصر وراء محمد بن محبوب، رحمه الله، فلما كنا فى الركوع عناه أمر انتقضت به صلاته، فرفع رأسه، ولم يقل، سمع الله لمن حمده، وهو فى قيامه، فسمعته يقول لزياد بن مثوبة، تقدم يا أبا صالح. فلما قضى أبو صالح الركوع رفع رأسه، وقال، سمع الله لمن حمده وهو فى قيامه فى الصف، وجهر بها، وكان إماما للناس فى ذلك ... /300/ (2/302)
صفحة 730
الموضع، ثم مشى، فكان فى موضع الإمام، ثم سجد، وسجد الناس معه.
والإمام إذا كان ساجدا وانتقضت صلاته رفع رأسه، وأمر رجلا يتم بهم الصلاة، فيقضى الرجل الذى أمر الحد الذى هم فيه، فإذا كان ساجدا، فإذا قضى السجود ورفع رأسه بتكبيرة وهو فى موضعه يجهر بها ويكون إماما للناس فى ذلك الموضع، ثم يزحف إلى مكان الإمام فيتم السجدة الثانية فيه.
قال: هذا إذا كان فى الأولى، وإن كان فى السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإذا رفع رأسه قام حتى يكون فى موضع الإمام، ثم يقرأ، وإذا زحف وكان فى السجدة من الركعة الثانية فليزحف وهو متورك للصلاة، وإن رفع ركبتيه، ثم زحف فلا بأس كما أمكنه إلا التربع، فإنه لا يتربع، وإن كان قريبا فمشى فلا أرى عليه نقضا، وإذا انتقضت صلاة الإمام وهو جالس فأمر من يتهم بهم، فإن المأموم يقضى التحيات، وهو فى مقامه فى الصف، وإن كان الجلسة الأولى قام بتكبيرة فى موضعه ذلك، ثم مشى إلى موضع الإمام، وإن كان فى الجلسة الآخرة قضى التحيات وما أراد من بعد ذلك فى موضعه، فإن أراد يسلم زحف إلى موضع الإمام فسلم بهم، فإن سلم بهم فى موضعه ذلك فى الصلاة فلا بأس بذلك.
فإذا انتقضت صلاة الإمام وخلفه رجلان، قال للذى عن يمينه يتقدم، فليمش الذى أمره بالتقديم حتى يتقدم فى مقام الإمام، ويمر الآخر من خلفه حتى يكون عن يمينه، وإذا جهر الإمام فى صلاة يسر فيها، أو أسر فيما يجهر فيه ناسيا فصلاته تامة، وصلاة من خلفه فاسدة، وإذا تعمد فسدت صلاته وصلاتهم. ... /301/ (2/303)
صفحة 731
ووجدت فى كتاب من كتاب من كتب قومنا عن أبى هريرة بإسناد عن النبى صلى الله عليه وسلم، إذا انفتل الإمام عن صلاته ترفرف الرحمة على رأسه وعلى رأس من يصلى خلفه، فلا يستعجل أحدكم بالقيام، فيفوته ذلك، فقيل، يا رسول الله، ولأهل الصلاة الفوز، فقال: والذى بعثنى بالحق نبيا، إن الرحمة لتنادى، ربح فلان، وخسر فلان، فللقاعد الربح وللمستعجل الخسران.
مسألة:
فى الأثر _من صلى بقوم وهو على غير وضوء، ثم أخبرهم بعد ذلك فلا نقض عليهم، وفيه أيضًا، أن من صلى بقوم وهو على غير وضوء، ثم علم، وقد صلى بعض صلاته، ثم قام، فأرى أن يبدلوا إذا أتمها بعد علمه، أنه على غير وضوء، فأما لو لم يعلم حتى تنقضى صلاته تمت صلاتهم، وأعاد هو صلاته.
ومن كتاب أبى قحطان _ وكل إمام صلى بقوم وهو يعلم أنه على غير وضوء وأنه ثوبه نجس فصلاته وصلاتهم فاسدة إلا أن يكون لا يعلم بذلك حتى صلى فصلاته فاسدة وصلاتهم تامة إلا أن يكون بدنه جنبا فإن هذا يفسد صلاتهم أيضًا ويعلمهم حتى ينقضوا الصلاة، فإن غابوا فقد قيل، يكتب إليهم ويظهر ذلك ليبلغهم، فإن لم يصل إليه جوابهم، أنه قد وصل إليهم كتابه، فإذا كتب إليهم عند ثقة رجوت أن يجتزئ بذلك.
مسألة:
قال أبو محمد رحمه الله، أجمع الناس على أن من صلى بصلاة الإمام جاهلا ... /302/ (2/304)
صفحة 732
بحاله، ثم تبين أنه من أحد أصناف المشركين، أن عليه الإعادة، وإن فات الوقت.
ووجدت فى الأثر، عن الوضاح بن عقبة، فى رجل صلى وهو على غير طهور عمدا سنة، ثم أخبرهم بذلك، أن عليهم البدل، وإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم، وفى هذا القول نظر، أنهم قد أدوا فرضهم على ظاهر سيرة إمامهم وسلامة حاله عندهم، ثم أخبرهم بعد سقوط الفرض عنهم بفسقه، لتعمده الصلاة بغير طهور، والنظر يوجب عندى أن لا بدل عليهم بقوله، والله أعلم.
وأما قوله، فإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم، ففيه أيضًا نظر، لأن الفرض إذا لزم البدل لم يسقط بذهاب الوقت، والله أعلم.
مسألة:
وإذا افتتح المأموم القراءة قبل الإمام فصلاة المأموم فاسدة، فإن ابتدأ الإمام بالقراءة قبل المأموم، ثم قرأ المأموم فسبق الإمام فى القراءة فصلاته لا تفسد.
وإذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام فكبر الذين خلفه، ثم كبر ثانية، فعلى الذين خلفه أن يهملوا التكبيرة الأولى ولا يفعلوا فعلا يفسد الصلاة، مثل التسليم وغير ذلك، ثم يكبروا ثانية إلا أن يكون الإمام أراد بالتكبيرة الثانية تثبيتا للأولى فليس عليهم إعادة الإحرام.
مسألة:
وإذا نعس الإمام فى سجوده فسبح له من خلفه وهم سجود، فلم ينتبه، فمد /303/ (2/305)
صفحة 733
أحدهم يده ليوقظه وهو ساجد فلا تفسد صلاته، فإن رفع رأسه وأيقظه فسدت صلاة الرافع رأسه قبل أن يقوم الإمام.
رجع إلى كتاب جابر فيما اختلف الناس فيه من الصلاة خلف الجبابرة وأهل الظلم من الناس ومن ليس له ولاية، وقال من قال، ويصلى خلف أهل البر والتقى، وذلك ما لا اختلاف فيه. وقال من قال، يصلى خلف البار والفاجر من أهل القبلة، وقال من قال، إنما يصلى خلف الجبابرة إذا ملكوا الأرض.
[قال] بعض المسلمين، قد اجتمعتم أن تصلوا خلف أهل البر والتقى، واختلفتم فى الصلاة خلف الفاجر، وكذب بعضكم بعضا، فما اجتمعتم عليه فهو الحق فخذوه وما اختلفتم فيه ففى أخذ ذلك الضلال والباطل فدعوه.
قال أبو المؤثر: قد أجاز المسلمون الصلاة خلف من لا يتلونه إذا صلوها فى أوقاتها وأتموها، ولم يعلموا منهم نقصانا فى ظهورها، والمسلمون لا يكذب بعضهم بعضا، ومن برئ من المسلمين على ذلك ونسبهم إلى الضلال فليس بمسلم.
والرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال، ((ليؤمكم خياركم فإنهم قربانكم بينكم وبين ربكم فلا تقدموا بين أيديكم إلا خياركم))، وقال النبى صلى الله عليه وسلم، ((ليلنى فى الصف الأول والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم أهل النهى منكم))، فكان لا يدع الفاجر أن يكون فى الصف الأول ولا الثانى ولا الثالث. فكيف يطمع أن يكون إماما.
وقد روى هذا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعن النبى صلى الله عليه وسلم، وأن /304/ (2/306)
صفحة 734
عليا لما وجه وفده إلى معاوية قال لهم، صلوا فى رحالكم واجعلوا صلاتكم معم نافلة فإن الله لا يقبل إلا من المتقين.
وقالوا: يا رسول الله، إنك قد قلت ستكون من بعدى أئمة لا يقتدون بى ولا يهتدون بهدى ربهم فكيف بالصلاة معهم إذا أدركناهم؟ قال: صلوا فى بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم نافلة.
وقال يزيد بن أبى زياد: كلمنى إبراهيم النخعى وسعيد بن جبير يوم الجمعة، والإمام يخطب، كأنهما قد صليا فى بيوتهما، وكان الحسن يفعل ذلك.
وقال أبو المؤثر رحمه الله: أما الصلاة خلف أهل الإيمان فهى أفضل، ومن صلى خلف من لا يثق به فصلاته تامة إذا صلاها فى وقتها وأتمها، ولم يعلم أنه أنقص منها شيئا من ظهورها.
وقد صلى جابر بن زيد رضى الله عنه خلف الحجاج بن يوسف يوم الجمعة.
وقد رأى المسلمون أن الجمعة واجبة خلف الجبابرة فى الأمصار التى تجب فيها الجمعة.
وقال أبو الحوارى: تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة فى الأمصار التى مصرها عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ولا تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة فى غير ذلك.
ومن كتاب فيه عن موسى بن على رحمه الله: وعن إمام يصلى بقوم اطلع عليه رجل ممن يصلى خلفه أن فى يده مالًا حرامًا يأكله، أيحل له أن يصلى خلفه؟ ... /305/ (2/307)
صفحة 735
فالذى نقول: إن هذا الرجل ينصح له، فإن قبل وترك ذلك فليصل خلفه، وإن أبى وتولى فلا يصلى خلفه.
وعن قومنا: فهل يصلى خلفهم؟ فنعم، إذا كنا فى حكمهم وأما فى حكم المسلمين فإن علمت أنه مخالف لدينك فلا تصل وراءه، فأما بالظن ما (؟؟؟)، أنهم من أهل الخلاف، يشبه بأهل السوق، فليس بالصلاة خلفهم بأس.
وعن موسى بن على رحمه الله: وعن مؤذن مسجد يكذب، أيصلى بآذانه؟ فما نحب أن يتخذوه مؤذنا إذا جرب ذلك منه، وفى رأى المسلمين أن الجنب إذا صلى بقوم فعليهم النقض، وكذلك إذا صلى بهم وهو يعلم أنه على غير وضوء فصلاتهم على أكثر القول منتقضة.
قال أبو المؤثر: صلاتهم منتقضة.
ومن ظلم الناس فى أموالهم وأبدانهم بقليل أو كثير فلا تجوز شهادته ولا ولاية له، وكيف ينبغى لظالم، لا ينبغى لك أن تجيز شهادته بدرهم، أن تجعله أمينًا لك على صلاتك، وأنت تقدر أن تصليها مع غيره أو وحدك، فخذ لنفسك فى دينك بالوثيقة والرأى المجتمع عليه، ولا تخاطر بصلاتك خلف أهل الظلم.
وعن موسى بن على رحمه الله فيما حفظ عنه يوما: وعن إمام أو مؤذن لا أزكى سبيلهما، أيصلى بأذان المؤذن وإمامة الإمام؟ _ فأما المؤذن فلا أرى به بأسا إذا كان يؤذن فى مواقيت الصلاة، وأما الإمام فأهل الورع والدين أولى بالإمامة ممن لا ورع له. /306/ (2/308)
صفحة 736
وعن رجل اطلعت عليه وهو يسرق، فلا يصلى خلفه، قال أبو سعيد رحمه الله وهذا رأيه.
وقال أبو المؤثر: من صلى خلفه لم أر عليه إعادة فى صلاته، ويصلى وحده أحب إلىّ من أن يصلى خلف من يسرق إلا أن يتوب.
قال أبو المؤثر رحمه الله: سألت محمد بن محبوب رحمه الله، عن إمام مسجد اطلعت عليه على حدث، هل أصلى خلفه؟ قال: لا تهجر المسجد من أجله.
وفى جواب محمد بن محبوب رحمه الله إلى أهل المغرب: وإنما تجوز التقية فى القول لا فى الفعل، وكذلك جاء الأثر عن المسلمين وأشياعهم، أنه لا يجوز لمسلم أن يعصى الله بركوب ما حرم الله عليه بالتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية إلا أن يحال بينه وبين الفرائض من الصلاة فإنه يصليها بما أمكن له من الصلاة، ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا حيل بينه وبينها.
وقيل: من صلى صلاة فلا يرجع يطلب الجماعة فيها، فإن حضر جماعة بعد أن صلى فليصل، ولا يفر من الصلاة، ولا يفر من الصلاة، وذلك فى الصلوات الخمس كلها جميعًا.
ومن غيره:
ومعى أنه قيل: يصليها ولا يفر عنها بعد صلاة العصر، وأما سائر الصلوات فإن طلب ذلك على وجه الفضيلة فذلك أفضل، ولا ينهى عن ذلك، وقيل: إنما يصلى بعد الفجر والعصر لإحياء سنة الجماعة، لا نفلا ولا بدلا، وقيل: يصلى نفلا لموضع حق الجماعة، وقيل بدلا. ... /307/ (2/309)
صفحة 737
رجع ومن غيره_
قلال: إذا أحرم الإمام لصلاته، ثم تقدم أو تأخر من غير عذر فسدت صلاته، قلت: ولو خطوة، قال: نعم.
وكل مسجد يؤذن فيه، ويصلى فيه إمامه بمن يصلى معه جماعة فلا نرى أن يصلى فيه تلك الصلاة جماعة من بعد صلاة الإمام حيث تجوز الصلاة خلف الإمام بمن يصلى بصلاته، وأما الموضع الذى لا تجوز الصلاة فيه بمن يصلى بصلاة الإمام فالصلاة جماعة لمن جاء من بعده جائزة، وذلك إذا كان الإمام قد صلى فى مؤخر المسجد وبقى أوله، أو كان شىء من الحجرة متقدما يقطع بينه وبين الإمام جدار، فلا يجوز أن يصلى هناك مصل بصلاة الإمام.
ومن صلى مع رجل أو امرأة وحده فى مسجد، والإمام يصلى تلك الصلاة فإن صلاة ذلك المصلى منتقضة، وكذلك ركعتا الفجر لا تجوز صلاتهما خلف الإمام حيث يصلى إلا أن يكون فى طرف مسجد كبير واسع، فقد أجازوا أن يركعهما هنالك المصلى والإمام يصلى فى أول المسجد، ثم يدخل فى صلاته، وأما إذا جاء قوم إلى المسجد قبل يصلى (؟؟؟) إمامه فصلوا فيه جماعة فللإمام أن يصلى بعدهم تلك الصلاة جماعة، لأنه أولى بذلك.
قال غيره: إذا كان الجماعة غرباء من غير عمار المسجد، أو صلى العمار على الوجه من الانتظار.
رجع _ وإن صلى الإمام وأراد الجماعة وجهر فلم يحضر أحد يصلى معه، فقد ... /308/ (2/310)
صفحة 738
قيل، يجوز لمن (؟؟؟) جاء من بعده أن يصلى تلك الصلاة فى ذلك المكان جماعة، لأن تلك الصلاة التى صلاها الإمام لم تكن جماعة.
قال غيره: وقد قيل، إنها جماعة، لأنه الإمام.
رجع _ وعن محمد بن محبوب_ رحمه الله_ فيمن يركع مع الإمام ثم منعه الزحام عن الصلاة والسجود، أنه قيل يسجد ولو على ظهر رجل، وقال آخرون: ينتظر إذا رفع القوم رءوسهم من السجود ليسجد، وهو أحب القولين إلىَّ.
تم الكتاب من كتاب أبى جابر، ومن غيره: القول الأول أولى، لأنه يصلى بصلاة الإمام.
وهذه مسائل من غير الكتاب:
قال أبو سعيد _رحمه الله_ إذا كان المسجد لا إمام له من أهل الفضل والورع لم يجز تعطيله لأهل القربة ولا لأهل المحلة التى هم فيها، وهم مخاطبون بعمارته على البار والفاجر منهم، وأن يقوموا بما ألزمهم الله من فريضة الصلاة حتى يحضر المسجد من يقوم بعمارته ممن هو أفضل منه، فإذا حضره من هو أفضل منه عمار المسجد فيصلى بهم إلا ألا يقبل ذلك الأفضل، فلا يخرب المسجد، ويقوم به من قدر على القيام به فى عمارته، وهذا رأيهم ورأيه إلى أن يفرج الله ويقدر له عامرا من أفضلهم، ثم ليس لهم أن يتقدموا عليه إلا بإذنه، أو تزول عنهم إمامته بحدث استحق به.
/309/ (2/311)
صفحة 739
وقوم يصلون فى براح، كل قوم بإمام فى ساعة واحدة، بينهم دون خمسة عشر ذراعا، قلت: هل تتم صلاتهم جميعًا، ولو اتصلت الصفوف؟
_ فقد قيل فى ذلك بأقاويل، وأحب أن تتم صلاتهم على حال.
وقلت: إن كان عن اليمين أو الشمال، هل تتم صلاتهم؟ _ فقد قيل ذلك.
ومن غيره _ وقيل: لا يصلى أعرابى بقروى، ولا عبد بحر، ولا ولد بوالد إلا أن يكون القروى والحر والوالد لا يقرأون (؟؟؟) القرآن، فإن من قرأ أحق بالصلاة ممن لا يقرأ.
ومن غيره _ مما يوجد عن بشير بن محمد بن محبوب _ رحمه الله_ معروض على أبى الحوارى، وسألته عن من يصلى مع قومنا وهو على غير وضوء، فيكون فى الصف تقية منهم، يخاف إن خرج خاف منهم.
قال: ما أحب ذلك، فليتيمم فى المسجد ويصلى، ويجعلها بدل صلاة فائتة.
وقلت: إن كان إماما فنسى أن ينوى إماما لمن يصلى معه جماعة، هل تكون صلاته تامة؟
فنعم: إن صلاته تامة، إذا كان إمام المسجد فى المتقدم وإلى ذلك قصد حين يقوم، أو حين قام أو حين أمّ، ولم يعلم أنه استحال ذلك إلى غيره حتى تمت صلاته.
وسألته: عن من يقرأ قبل الإمام فى الصلاة، أيمضى على قراءته أم يبتدئ ... /310/ (2/312)
صفحة 740
القراءة، قال: يمضى على قراءته، ثم قال: أما الركعة الأولى فلا يقرأ الإمام، وأما الثانية فلا بأس.
ومن غيره _ قال: وقد قيل فيما حفظته، أن ابتدأ القراءة قبل الإمام فى الركعة الأولى، أن ذلك مكروه ولا تفسد صلاته، وكذلك عن أبى سعيد قيدت عنه.
وعن أبى سعيد _ رحمه الله _ وعن المسجد إذا كان بقرب رجل، وكان الإمام لهذا المسجد غير ولى لهذا الرجل، ولم يعجبه أن يصلى عنه، هل يترك هذا المسجد ويطلب الجماعة حيث لحقها، أو يصلى فى هذا الحد العمارة؟
قال: فيجوز له أن يطلب الجماعة مع من هو أفضل من ذلك الإمام ما لم يخف أن يخرب المسجد من صلاة الجماعة من تخلف عنه.
قال: كذلك كانت عمارة المسجد الذى بقربه أولى على حال ما كان الإمام غير متهم فى الصلاة، ولا خائن لها.
قلت: وما هذه التهمة التى فى الصلاة؟ قال: أن يتهم، أن يقوم إلى الصلاة وهو غير طاهر، أو يتهم بترك شىء من حدودها، مما لا تجوز الصلاة إلا به، الذى يقول سر ا (؟؟؟)، فإذا تظاهرت التهمة عليه بذلك، أو ظهرت الخيانة كذلك لم تتم به الصلاة.
وسألت هاشما: عن الإمام إذا ركع فدخل رجل المسجد، هل على الإمام، أن يطول ركوعه قليلا حتى يدرك الرجل الذى دخل؟ قال: ما أرى بذلك بأسا. ... /311/ (2/313)
صفحة 741
وعن رجل يصلى بالنساء جماعة فريضة، فذلك جائز، يكن خلفه صفا، وقال أبو سعيد رحمه الله: فى الإمام إذا كان يصلى فى داخل المسجد، فعندى أنه إذا كان تجوز الصلاة بصلاة الإمام فمعى أنه يختلف فى ذلك، فقال، إن كان بين والج المسجد والحجرة باب مفتوح جاز ذلك إذا كان الباب أكثر من ثلاثة أشبار، وقال من قال: حتى يكون بابا يدخل منه الرجل بغير معالجة، وإلا فلا تجوز الصلاة بصلاة الإمام إذا كان أقل من ذلك، وقال من قال: ولو كانت الفرجة أقل من ثلاثة أشبار، ولو كانت كوة يبصر منها الإمام ومن خلفه، فما كانوا يتباصرون جازت الصلاة بصلاة الإمام، وعلى هذا القول يخرج عندى، لو كان الإمام فوق ظهر بيت رفعه أكثر من خمس عشرة ذراعا لا غاية لذلك عندى على قول من يقول، إن الإمام يعلى، وأما إذا كان بينه وبين الإمام أكثر من خمس عشر ذراعا فى غير العلو فلا تجوز له الصلاة بصلاة الإمام. وهذا غير الأول عندى.
وقال: إذا كان دكان رفعه أكثر من ثلاثة أشبار فمعى أنه يختلف فى الصلاة بصلاة من أسفل منه، فقال من قال: لا يجوز، وقال من قال: يجوز إذا كان مع الإمام أحد غيره.
وبلغنى هذا القول عن الإمام سعيد بن عبد الله رحمه الله، وقال من قال: لا يجوز.
وأخبرنى أبو محمد بن أبى المؤثر أنه كان رأى الجماعة ومذهبهم أن ذلك جائز، وأشبه أنهم رجعوا إلى رأى الإمام.
وقيل: لا يجوز للرجل أن يصلى فى بيته بصلاة الإمام إذا كان بينه وبين ... /312/ (2/314)
صفحة 742
المسجد باب مفتوح، ولم يقطع بينهم طريق، وكذلك قد قال من قال، إن من صلى على ظهر بيت بصلاة الإمام وهو أسفل، أن ذلك جائز إذا كان من خلف الإمام، ولم يقطع بينهم طريق ولا غيره، وقال من قال، إن ذلك يجوز.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح، هذا فى النوافل يجوز، قال، وقد قيل: إن هذا جائز فى الفرائض والنوافل، لأن هذا مشهور فى الأمصار، من فعل الناس مثل مكة وغيرها.
رجع _ وعن أبى عبد الله رحمه الله أنه قال: أنا آخذ بقول من قال، إن الرجل إذا جاء والإمام فى آخر صلاتهم، وهم قعود للتحيات الآخرة، أنه لا يدخل معهم حتى يحرم هو، ويقعد الإمام من السجود للتحيات، وقال من قال، إذا قضى تحيات نفسه قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك، وهذا القول أحب إلى. وقال من قال: إذا قرأ هذا الذى يدخل فى صلاة الإمام التحيات أمسك عن الدعاء ووقف حتى يسلم الإمام، ثم يقضى هو ما سبق به. وقال من قال، بل، يدعو مثل الإمام وكل ذلك حسن إن شاء الله.
ومن غيره: ومعى أنه قيل، يسبح بقول سبحان الله حتى يسلم الإمام، قال محمد بن المسبح، يزيد إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يردد هذا، فإذا قضى ما فاته دعا بالنجاة من النار بقوله، اللهم نجنا من النار وأسكنا الجنة، اللهم آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار.
/213/ (2/315)
صفحة 743
رجع _ سألت أبا معاوية عزان بن الصقر رحمه الله عن رجل يصلى خلف الإمام صلاة العشاء الآخرة، فكان إذا قرأ الإمام السورة قرأها هذا حتى يتمها مع الإمام عمدا، أترى أن ذلك جائز له، قال: بئس ما فعل، ولا أرى عليه إن شاء الله، والله أعلم.
قلت: فما تقول إن كان لا يقرأ خلف الإمام شيئا، فاتحة الكتاب ولا غيرها؟ قال بئس ما صنع، ولا أرى عليه نقضا، والله أعلم.
قلت: فإن جهر الإمام بالقراءة فلم يسمعه أحد من الذين صلوا خلفه؟ قال: إذا جهر بالقراءة كجهر من يسمع فلا أرى عليه نقضا ولا عليهم إلا أن يكون لا يجهر جهرا يسمعه مثله فأرى عليهم النقض، ولا نقض عليه هو.
وقيل: فى إمام استقبل الذين يصلى بهم ولم يدر حتى صلى _أن الصلاة تامة وإن علم فى الصلاة تحول.
وقيل: من رفع رأسه قبل الإمام متعمدا انتقضت صلاته.
والإمام يؤمر ساعة يسلم أن ينحرف من موضعه أو يتحول، ثم ينفث الذين خلفه.
هذه المسألة لا أرى أنها من الجامع أو من غيره.
وعن رجل يصلى خلف إمام فيحضره أمل من آمال الدنيا حتى يقضى الإمام ... /314/ (2/316)
صفحة 744
صلاته، ولا يدرى هو ما صلى، ولا ما قرأ، أو التبس عليه كل أمر صلاته، أو شىء منها، إلا أنه يتبع الإمام وليس يعلم أنه يختلف عنه فى شىء من أمر الصلاة، هل تكون صلاته تامة؟
_ اعلم، أنى حفظت فيما ذكرت، أن صلاته تامة، ويكره له ما فعل، ولا تفسد عليه صلاته حتى يستيقن أنه ترك منها شيئًا متعمدا.
وقيل فى إمام استقبل الذين يصلى بهم ولم يدر حتى أتم صلاته، أن الصلاة تامة، وإن علم فى الصلاة تحول. قال محمد بن المسبح: هذا فى الظلام إذا لم يبصرهم، وقال: إذا علم ذلك فى وقته أبدلوا، وإن ذهب الوقت فقد صلوا.
وقيل: من رفع رأسه متعمدا قبل الإمام انتقضت صلاته.
وقال محمد بن المسبح: لا ينقض عليه حتى يرفع رأسه مرتين متواليتين، أو غير متواليتين، ثم ينقض.
ومن غيره _ فإذا أدركت الإمام وهو فى قراءة السورة، فقرأت أنت فاتحة الكتاب، أو لم تقرأها فلا تنظر أنت فى قراءة نفسك، ولكن تنظر فى قراءة الإمام، فإن كان الإمام قد قرأ بعد أن كبرت أنت تكبيرة الإحرام آية واحدة أو أكثر من ذلك فقد أجزأتك قراءة الإمام فى تلك الركعة، وليس عليك أن تعيد قراءتها، وإن كان الإمام لم يقرأ آية بعد أن كبرت أنت تكبيرة الإحرام، فإذا سلم الإمام فاقض أنت قراءة هذه الركعة، تقوم، فتقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم تقعد وتسلم وأنت قاعد، لأنك قد أدركت مع الإمام الركوع، وإنما فاتك القراءة فإنما تعيد ما فاتك من الصلاة. /315/ (2/317)
صفحة 745
وإن صلى رجل بامرأته قامت خلفه، ويكون سجودها إلى حجرته، وسمعت أنه أكثر ما يكون إلى منكبيه، وتمسه فى الصلاة، وإن كانت أجنبية فلا تمسه، هكذا عن محمد بن محبوب رحمه الله.
والرجل يصلى بزوجته النفل ولا يصلى بها الفرض، وتكون بين المنكب والركبة.
ومن كتاب أبى قحطان رحمه الله: وإذا صلت المرأة مع الرجل وصلى بها، وكانت بحذاه ولم تتأخر عنه، أن صلاتها منتقضة. وصلاته تامة، وقيل، لا نقض عليها، ما لم تسبقه برأسها إذا كان يصلى بها جماعة.
ومن غيره _ وإذا كانت تصلى بحذاه كم تفسد عليه؟ قال: إذا كانت منه بقدر عرض البيت _ وفى نسخة أخرى _ بقدر عرض البيت ست أذرع.
رجع إلى كتاب أبى جابر_
عن أبى عبد الله قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينفلت عن يساره، وقال أبو هريرة، عن يمينه وعن شماله، ومن صلى خلف إمام قوم حتى إذا صار إلى التشهد فأطال الإمام التشهد، وللرجل حاجة يخاف فوتها، قال الربيع، إذا قضى تشهده فليسلم، وليذهب لحاجته، ولا ينظر تسليم الإمام.
ونهى النبى صلى الله عليه وسلم، أن تؤم النساء فى الفريضة، ولا بأس أن تؤم منهن فى التطوع، وتكون وسطهن، والعلم فى صلاة المرأة عند غير ذى محرم الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يخلون أحدكم بامرأة غير ذى محرم فإن الشيطان أحدهما)) _ لعله ... /316/ (2/318)
صفحة 746
أراد _ ثالثهما، فصلاة غير ذى محرم بها لا يجوز لها، لأن من كان فى طاعة وفيها معصية لم يجز، وأما المحرم فجائز أن يصلى بها، وإذا صلى الرجل والمرأة فى مصلى واحد فليكن سجودها عند ركبتيه، والرجل يصلى بزوجته النفل، ولا يصلى بها الفرض، وتكون فيما بين المنكب إلى الركبة.
قال أبو محمد: الأصم الذى لا يسمع من الإمام تكبيرة الإحرام فى قول أصحابنا، أنه يتهجس الناس، فإذا غلب على رأيه أنهم أحرموا أحرم، وقال بعضهم: يوافق إنسانًا بحركة إذا أحرم الإمام ليستدل على إحرام الإمام، وأما الذى ذكره محمد بن جعفر قال: الأصم إذا ركع الإمام، فعلى قول محمد ابن جعفر، إذا سلم الإمام سلم الأصم، ويكون بمنزلة من لحق الإمام وهو راكع، ويحتمل أن يكون عليه قراءة فاته مع الإمام.
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة، فقرأ فيها سورة طويلة، قد قرأها عامة القوم، وترك آية من وسط السورة، فلما قضى صلاته أقبل على القوم فقال: ((هل تركت من السورة التى قرأتها شيئًا))، فسكتوا، ثم أعادها ثانية، فسكتوا، فقال: ((أفيكم أبىّ بن كعب))؟ قالوا: نعم، قال: ((هل تركت من السورة التى قرأتها شيئًا))؟ فقال: نعم، تركت آية كذا وكذا، فقال: ((أنت لها، ثم قال: ما بال أقوام يحضرون ويتلى عليهم كتاب الله، لا يدرون ما يتلى عليهم منه وما ترك، هكذا هلكت بنو إسرائيل حين خرج تعظيم الله من قلوبهم، لا يقبل الله من عبده حتى يقبل قلبه مع يده ولسانه)).
وقيل: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى آخر خطبة خطبها على المنبر: إن الإمام ... /317/ (2/319)
صفحة 747
إذا لم يقصد فى صلاته فهو مع الأربعة، فقيل له: وما الأربعة يا رسول الله؟ قال: إبليس وفرعون والإمام الجائر وقاتل المسلمين ظلمًا.
ومن كتاب، مكتوب عليهم اسم هداد بن سعيد: والإمام التامة صلاته له ثوب كثواب من صلى خلفه، وإذا لم يتمها ولم يأت بالإمامة على وجهها كان عليه وزره ووزر من صلى خلفه.
والصلاة فى الجماعة هى السنة والعبادة العظمى، وقيل: الصلاة فى الجماعة هى الجهاد الأكبر، والإنتظار من الصلاة إلى الصلاة هو الرباط الأكبر.
وقيل: إن الذين يمرون على الصراط كالبرق الخاطف هم الذين يحافظون على الصلاة حيث كانوا وأين كانوا، وأخبرنا يحي قال: حدثنا العلاء بن عبيد عن ابن رجاء قال: بلغنى أن الصلاة فى جماعة لا تفوت إلا بذنب.
ومن باب التوبة _ وأما من صلى بعد صلاة العصر، وصلى بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وترك صلاة الجماعة متعمدًا بلا عذر فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه، لأنه ترك السنة.
ومن جامع أبى الحسن _ فأما من ترك صلاة الجماعة بلا عذر فهو أيضًا خسيس المنزلة، ولا يبرأ منه، وقد قيل: يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه.
قال أبو محمد: المأموم لا يشارك الإمام فى صلاته حتى يكون الإمام سابقًا له ويصير فى الحد الثانى، ثم يتبع المأموم بالإمام، وأقل ما قيل، أنه لا يتبعه حتى يفرغ الإمام من التكبيرة، ثم يتبعه. ... /318/ (2/320)
صفحة 748
ومن غيره_ أن الذى يسبق الإمام عامدًا صلاته فاسدة، والذى يسجد معه ويرفع معه ويركع معه، فذلك فيه الإختلاف، وفساد صلاته أشبه.
وقال فى رجل يصلى خلف الإمام وحده ولم يجر أحدًا، ثم جاء رجل فصف معه، قال بشير: صلاتهما فاسدة، قال سليمان: الداخل أصلح للأول صلاته.
قال: هاشم: إن الرجل إذا لم يجر أحدًا وصلى وحده وهو يقدر على ذلك صلاته فاسدة.
وجاء فى الحديث: اجعلوا مؤذنيكم فقهاءكم وأئمتكم قراءكم، وإنما عنى بالفقهاء والقراء أهل الدين والفضل والعلم بالله والخوف منه، الذين يقيمون صلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون أن تلزمهم أوزار أنفسهم، ومثل أوزار من صلى خلفهم، إن أساءوا فى صلاتهم، وليس معناه القراء الحفاظ القرآن.
ومن كتاب الصلاة، ولعله عن قومنا _ انتخبت هذا منه لما استحسنته، واعلموا أن الإمام إذا أحسن صلاته كان له أجر صلاته ومثل أجر صلاة من صلى خلفه، وإذا أساء فى صلاته كان عليه وزر إساءته ومثل زور الذى يصلى خلفه. لا يؤخذ بما فيه حتى يعرض على المسلمين إلا من أبصر عدله، واحذروا، رحمنا الله وإياكم، سبق الإمام، فإنه لا صلاة لمن سبق الإمام، ومن ركع مع الإمام وسجد معه ورفع معه وخفض معه فصلاته ناقصة غير تامة. /319/ (2/321)
صفحة 749
وقال بعض العلماء: لا صلاة له، وإنما تمام الصلاة أن يكون الركوع والسجود بعد الإمام فهذا تمام الصلاة، وهو الواجب على الناس، واللازم لهم، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا كبر وركع فكبروا واركعوا))، معناه، أن تنتظروا الإمام حتى يكبر ويركع وينقطع صوته، وهم قيام، ثم اتبعوه
وجاء فى الحديث عن البراء بن عازب، أنه قال: كنا خلف النبى صلى الله عليه وسلم، وكان إذا انحط من قيامه للسجود لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض، ونحن قيام.
والأعجم إذا كان لا يفقه حدود الصلاة وكان فى الصف، فلا أقول، إن صلاته تفسد، وهو بمنزلة الصبى، والله أعلم.
/320/ (2/322)
صفحة 750
الباب العاشر
فى صلاة السفر، وصلاة الإمام والبادى
وفى صلاة الفرسخ وأحكام ذلك
وقيل: الجمع سنة، وفى إحياء سنن الإسلام أفضل الثواب.
وقد جمع النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل، يجوز جهل الجمع، ولا يجوز جهل القصر، لأنه فريضة.
ومن سفر من حيث يتم سفرا يتعدى فيه الفرسخين فإذا خرج لذلك من عمران الموضع الذى يتم فيه لزمه القصر. قال غيره: وقد قيل، حتى يتعدى الفرسخين، ولو أراد مجاوزتهما.
رجع _ والفرسخ قيل، اثنا عشر ألف ذراع، وقال من قال، يكون القياس من المسجد الأكبر.
ومن غيره _ قال، وقد قيل هذا، وقال من قال، القياس من العمران إلى العمران.
ومن غيره _ وعن أبى معاوية، رحمه الله، وسألته عن رجل سافر إلى موضع اشتبه عليه أن يكون فرسخان أو أقل أو أكثر، قال يصلى تماما حتى يستيقن أنه ... /321/ (2/323)
صفحة 751
قد جاوز الفرسخين، قلت وكم يكون قياس الفرسخ؟ قال: كل فرسخ اثنا عشر ألف ذراع، قلت: بالعمرى، أو بذراع الناس؟ فقال: قد قال بعض، بالعمرى، وأنا أقول بذراع الناس، اليوم ذراع عادل، وقال من قال، يكون القياس من المسجد الأكبر.
رجع _ فمن سار جمع، ومن كان لابثا فى بلد فالقصر أفضل، ويصلى كل صلاة فى وقتها إلا أن يريد الجمع لإحياء السنة، فإن ذلك أفضل، وإن جمع لغير ذلك، وهو ماكث، فلا بأس. وجمع المغرب والعشاء الآخرة مذ تغرب الشمس إلى أن يخلو ثلث الليل، فمن تأخر إلى أن يخلو نصف الليل فلا كفارة عليه حتى يدخل النصف الثانى، ثم يكون عليه كفارة تلك الصلاة، وصلاة الأولى والعصر مذ تزول الشمس إلى آخر وقت العصر، وللمسافر السائر، إن شاء، جمع إذا زالت الشمس ويسير، وإن شاء صلى فى آخر الوقت، وكذلك فى جمع المغرب والعشاء الآخرة.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: إن كان نازلا وحضر وقت الأولى وأراد أن يسير فأحب أن يجمع ثم يسير، وإن كان سائرا وحضر وقت الأولى أخرها إلى وقت الآخرة ونزل، فيجمع، إن شاء، وما فعل من ذلك فجائز وإن توسط ذلك فكله جائز إن شاء الله.
رجع _ وأما المقيم فى بلد إلى وقت فذلك إن جمع فى أول الوقت أو آخره فلا نرى عليه بأسا، ونحب أن يتوسط الوقت، وقال من قال: إن جمع فصلى ... /322/ (2/324)
صفحة 752
أولى الصلاتين فى آخر وقتها، والصلاة الثانية فى أول وقتها فهذا أفضل لمن أمكنه ذلك.
ومن غيره _ قال _ولعله_ يوجد، أنه لا يهمل النية فى تأخير الأولى إلى وقت الآخرة، ويعقد النية، أنه يؤخر الأولى إلى وقت الآخرة، والله أعلم.
رجع _ ولو كان المسافر فى بلد غير بلده، ولا ينوى المقام فيه، فهو مسافر، ويقصر الصلاة، ويجمع، إذا أراد، فإذا نوى المقام فقد لزمه بالتمام، فإن عاد من بعد ما عزم على الخروج فهو على تمامه، يصلى تماما لحال نية المقام حتى يخرج.
ومن خرج من بلد يريد سفرا، فلما خرج من العمران، وصلى بالقصر أحدث نية الرجعة إلى مكان تمامه فإنه يرجع يصلى تماما فى ذلك المكان إذا لم يكن عدى الفرسخين، فإن عاد أيضا عزم من هناك على السفر فإنه يتم على ما كان عليه حتى يخرج من مكانه سائرا، ثم يرجع يقصر.
والصبى تبع لوالده فى الصلاة حتى يبلغ، فإن بلغ لم يكن تبعا له، والعبد تبع لمولاه فى الصلاة، والمرأة تبع لزوجها فى الصلاة إلا أن يكون لها شرط سكن فى موضع عن عقدة النكاح، وهى تتم حيث شرطها وحيث خرجت مع زوجها فهى تقصر، ولو أتم هو إلا أن تدع شرطها أو تنوى المقام معه.
وعن من خرج مسافرا فلما صار دون الفرسخين بدا له أن يرجع وقد فاتته الأولى، لأن نيته أن يجمع _ قال: يصلى الأولى أربعا، ثم ينتظر قليلا ثم يصلى العصر أربعا، وذلك إذا نوى الرجعة قبل أن يفوت الوقت، وأما إذا نوى الرجعة بعد أن فات الوقت أنه يصلى الظهر ركعتين. ... /323/ (2/325)
صفحة 753
قال أبو حفص: بلغنى عن أبى مروان، أنه قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرطوا عليها السكنى فى بلدها فإن عليه التمام، فإن خرجت هى من بلده أتمت الصلاة، فإذا رجعا إلى بلدها أتما الصلاة، وإن تزوجها من بلدهما ولم يكن لها شرط سكن فإنها تتم فى بلدها ويقصر زوجها إن لم تكن له نية حتى يخرج بها من ذلك الموضع، فإذا سفرت (؟؟؟) معه ثم رجعت إليه فهى تبع لزوجها ولو كان بلدها، إذا لم يكن لها فيه شرط سكن.
ومن غيره _ نعم: إذا جاوزت الفرسخين.
رجع _ وإذا تزوج الرجل امرأة من قرية يتم فيها الصلاة والمرأة فيها تجمع، فما لم تجزه على نفسها أو يوفيها عاجلها فهى تجمع الصلاة، فإذا دخل بها عن رضى منها أو وفاها عاجلها رجعت إلى التمام.
قال غيره: ويوجد أنه إذا ملكها ورضيت به زوجا، فقد ق ل (؟؟؟) من قال، إنه يلزمها التمام من حين ما رضيت به زوجا.
رجع _ فإن طلقها تطليقة أو تطليقتين فى هذه القرية فهى تتم الصلاة حتى تنقضى عدتها، فإذا انقضت عدتها رجعت إلى الجمع، وإن طلقها ثلاثا أو خالعها فى هذه القرية التى كانت تجمع فيها قبل أن يتزوجها رجعت إلى الجمع إلا أن ينوى المقام فيها، فإذا نوى المقام فيها أتمت الصلاة.
ومن غيره _ وسألته عن رجل كان يتم فى بلد غير بلده وقد اتخذه وطنا وكانت زوجته تتم بتمامه رجع عن نية الوطن فى هذا البلد، فرجع إلى بلده، ثم عاد، رجع إلى البلد فقصر فيه الصلاة، هل تتحول زوجته إلى القصر أيضًا إذا لم تكن خرجت بعد أن أتمت فيه الصلاة؟ ... /324/ (2/326)
صفحة 754
_ قال: معى، أن فى بعض القول، أنها تتم حتى تخرج من حيث قد لزمها التمام مجاوزة الفرسخين، وما لم تجاوز الفرسخين ورجعت دون ذلك فهى على حال التمام.
وفى بعض القول عندى، تحول إلى القصر إذا تحول زوجها إلى القصر فى ذلك البلد إذا كان إنما لزمها التمام بسببه ونيته ولم يكن ذلك من قبل نفسها، وهى عند صاحب هذا القول مثل العبد إذا اشتراه من يتم أو يقصر فهو تبع للسيد من حين ذلك.
قلت له: فإن تزوجها وهى تتم الصلاة فى بلد، وكان زوجها يقصر فيه، ما تكون صلاتها؟
قال: هذه عندى غير الأولى، ومعى، أنه قيل، إنها تتم الصلاة على ما كانت عليه؛ لأنه يلزمها التمام من قبل نفسها حتى تخرج من ذلك البلد مجاوزة الفرسخين، فإذا رجعت إليه كانت حينئذ تبعا لزوجها فى قصر الصلاة
قلت: فإذا مات زوجها فى البلد الذى يقصر فيه الصلاة، وكانت هى تصلى بصلاته فيما يلزمها من ذلك، ثم نوت المقام لزمها التمام _ لعله_ كان عليها التمام، لأنها قد ملكت نفسها، ولا سبيل له عليها.
قلت له: فكل (؟؟؟) حال كانت المرأة أملك بنفسها بعد فراق الزوج كانت صلاتها صلاة نفسها، وكل حال يملك الرجل رجعتها فهى تبع له؟ قال: هكذا عندى أنه قيل. ... /325/ (2/327)
صفحة 755
ومن غيره _ وقال فى رجل وامرأته أقبلا من سفر حتى إذا صارا قرب بلدهما عرض له أمر، فقعدت المرأة فى ذلك الموضع قرب بلدهما، تقصر الصلاة، ودخل زوجها البلد ثم رجع إليها يتم الصلاة، ما تصلى هى ولم تصل إلى البلد من سفرها؟
_ قال: تتم الصلاة تبعا لزوجها.
وأما إذا أقبل الرجل من سفره حتى إذا قرب من وطنه عرض له أمر روعه عن دخول بلده، فذهبت إليه امرأته إلى موضعه حيث يقصر الصلاة، فإنها تتم الصلاة ويقصر زوجها الصلاة، ولا تكون تبعا له، لأنها فى وطنها.
رجع _ وأما العبد فحيث اشتراه المشترى فهو تبع لمولاه.
ومن كان عليه بدل لصلاتين. فصلى الآخرة، ثم الأولى فلا ينتفع بذلك، ويرجع يصلى الأولى، ثم الثانية، وقال من قال: إذا صلى من يجمع إحدى الصلاتين، ثم ذكر صلاة فائتة عليه فإنه يصليها، ثم يرجع يصلى هذه الثانية، إلا أن يخاف فوت هذه الصلاة الحاضرة فليصلها، ثم يصلى الصلاة التى عليه، وكذلك رأيى.
ومن خرج يريد سفرًا أبعد من الفرسخين بقليل أو بكثير فإنه إذا خرج من عمران بلده لزمه قصر الصلاة، وكذلك إذا رجع يقصر ويجمع حتى يصل عمران بلده.
وعن أبى عبد الله رحمه الله قال: إنما العمار بين القرى فى تمام اتصال النخل بالنخل، ولو عاضد واحدّ (؟؟؟) ماء، واتصال المنازل، وأما اتصال الزراعة فلا يلتفت إليه. ... /326/ (2/328)
صفحة 756
ومن غيره _ ولعله الفضل بن الحوارى _ لأنها على أثر مسألة عنه، قلت له: فما العمران؟ قال: قيل: النخل والبيوت والزراعة، قلت له، فإن كان أطوى متصلا بالقرية، هل هى من العمران؟ قال: نعم.
رجع _ قيل له: فما تقول فى رستاق يرى بعضه بعضا؟ قال: إن كانت قرى بائن بعضها عن بعض فلا يتم حتى يدخل قريته، وإن كانت النخل متصلة مختلطة فهى قرية واحدة، ولا يقصر من خرج حتى يخرج من العمران.
والأودية التى تقطع فى هذه القرى ليس عندى مما يقطع الإتصال، إلا أن يكن واد يقطع على شىء قليل من النخل من بعد ذهاب النخل والبيوت.
والعمران كنحو الوادى الذى فى طريق صحار من قبل أن يصل إلى مجز، فإنه يقطع على شىء قليل من النخل، فقيل: يقصر عنده ولا ينظر فى الذى بقى من النخل.
وقيل فى من خرج من بلد يريد سفرًا يلزمه فيه القصر فصلى صلاته الأولى قصرًا ولما خرج إلى حد القصر لقى حاجته دون الفرسخين، فإن كان على نية السفر فهو يقصر ما كان هناك، وإن نوى الرجعة لزمه التمام ما أقام هنالك، فإن عزم على السفر فهو على حال يصلى تماما لحال تلك النية حتى يخرج، ثم يقصر.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: حتى يعدى الفرسخين من بعد بلده، ثم يقصر.
ومن غيره _ وعن أبى عبد الله رحمه الله قال: لو أن رجلا مسافرًا كانت ... /327/ (2/329)
صفحة 757
نيته أن يفرد الصلاة فتوانى حتى زال وقتها ودخل وقت الآخرة ثم أراد أن يجمع فإن له ذلك، وللمسافر إن أراد أن يدخل بلده أن يجمع الصلاتين قبل ذلك فى وقت الأولى منهما، ويدخل فى وقت الأولى منهما، وقد اكتفى بذلك، وقد فعل ذلك موسى بن على رحمه الله.
ومن غيره _ وسألته عن من صلى فى السفر بالتيمم ثم دخل قريته فى وقت الصلاة، هل عليه إعادة؟ قال: لا، قلت: فإن جمع الصلاتين بالتيمم، ثم دخل القرية وقت الأولى، هل عليه بدل؟ قال عليه إعادة الآخرة، وقال من قال: عليه إعادة الأولى والآخرة، قال: وأنا أحب أن تكون عليه إعادة الآخرة إذا صلاها بالتيمم، وأما إذا صلاها بالوضوء فقد مضتا، وعليه الإعادة.
ومن خرج من بلده وقد دخل وقت صلاة الأولى وصار فى حد القصر فى وقتها أيضا، فقال من قال: يصلى هذه الصلاة تماما وحدها، ويصلى الثانية قصرًا ويجمعها، وقال من قال: بل يصلى الأولى والثانية بالقصر ويجمع، وقال من قال يصلى الأولى تماما وحدها، ولا يجمع فى هذا المكان، والرأى الأول أحب إلى، أن يجمع الأولى ويصلى تماما، ويجمع إليها الثانية قصرًا، إن أراد الجمع.
ومن غيره _ قال: وقد قيل: يصلى الأولى تماما فى وقتها، ويؤخر الآخرة يصليها قصرًا فى وقتها، وقال من قال: يصلى الأولى قصرًا فى وقتها، ويؤخر الآخرة فيصليها قصرًا.
رجع _ وإن كان دخل عليه وقت الصلاة وهو فى بلده ثم خرج مسافرًا، /328/ (2/330)
صفحة 758
فلم يخرج من عمران بلده حتى فات وقت تلك الصلاة ولم يصلها فأخاف عليه الكفارة وقد أساء، ويبدلهما تماما.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: ليس عليه كفارة، ويستغفر ربه، ويفعل معروفا.
رجع _ قال: وهذا معنا إذا ترك الصلاة الأولى التى حانت عليه فى الحضر، ثم خرج إلى موضع القصر فى وقتها، ثم لم يصل حتى فات وقتها فعليه أن يصليها، وأما إن فات وقتها فى الحضر فعليه الكفارة.
ومن غيره _ وأما من دخل عليه وقت الصلاة وهو فى السفر فأخّر حتى دخل بلده فى وقتها فعليه أن يصليها تماما، وإن كان تركها حتى فات وقتها وهو فى السفر ويريد أن يجمعها إلى الثانية فلم يجمع حتى دخل موضع تمامه فقد أخطأ فى ذلك، فإن كان لسبب عذر أو جهالة فلا أتقدم على كفارة تلزمه، وعليه أن يصلى الأولى قصرا كما لزمته ويصلى الثانية تماما.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: إذا فات وقت الأول وهو فى السفر ثم دخل بلده فى وقت الآخرة جمعهما جميعا تماما.
وكذلك حفظت أن من دخل من السفر إلى الوطن، وقد فاتت الأولى فى السفر صلاها فى الوطن تماما وترك القياس.
رجع _ والذى نحب للذى يجمع أن لا يقطع بين الصلاتين بشىء من صلاة ولا غيرها، فلو ركع بينهما ركعتين أو أكثر بجهالة أو (؟؟؟) أكل أو شرب، أو قعد ... /329/ (2/331)
صفحة 759
قدر ساعة فلا نقض عليه، وكذلك له أن يقرب دابته، أو خاف على طعامه أو غيره من دابة أن يذهب إلى إحراز ذلك أو يأمر به، ثم يصلى الثانية، وإن صلى الأولى فى موضع، والآخرة فى موضع آخر فلا بأس بذلك، وكذلك إن صلى الأولى، ثم انتقض وضوؤه، وذهب يتوضأ، ثم صلى الثانية إلا أن يكون الماء عنه بعيدا ويذهب إليه، فإن كان إنما صلى الأولى فى وقتها فقد تمت صلاته، ويصلى الآخرة إذا توضأ فى وقتها، وإن كان إنما صلى الأولى فى وقت الآخرة فأحب أن يردهما.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح، ليس عليه بدلها، وقد جازت عنه ويصلى الثانية.
رجع _ وكذلك إن صلى الأولى فى وقتها وقد نوى الجمع، ثم بدا له أن يؤخر الآخرة فى وقتها فأخرها فلا نقض عليه، ولا أحب له إلا أن يصلى _ وفى نسخة _ يمضى على ما نوى قبل أن يدخل فى الأولى، وكذلك إن صلى الأولى ثم نسى، فظن أنه قد جمع فانصرف، ثم ذكر من بعد فإنه إن كان صلى الأولى فى وقتها أخر الأخرى إلى وقتها إن أراد ذلك، وإن كان فى موضعه أو قريبا منه ولم يتباعد عنه فصلى الآخرة، وتم على ما كان أراد من الجمع فذلك إليه، وإن كان إنما صلى الأولى بعد وقتها ونسى حتى تباعد ذلك فأحب أن يردهما، ومن صلى فى السفر تماما عمدا فعليه البدل، وإن فات الوقت فعليه الكفارة.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: إن صلى تماما فى السفر فإن عليه البدل، وأنا أقول ليس عليه كفارة، ويوجد عن عبد الملك كذلك. ... /330/ (2/332)
صفحة 760
ومن غيره _ كذلك قال محمد بن المسبح، وكذلك يوجد عنه أيضًا، إن صلى قصرًا فى موضع التمام عمدا فإن عليه البدل وليس عليه كفارة إن صلى قصرًا فى موضع التمام.
قال غيره: يعجبنى إذا صلى قصرا فى موضع التمام عمدا أن عليه الكفارة، وإن صلى تماما فى موضع القصر أن لا كفارة عليه، وأرجو أنى عرفت ذلك، فينظر فى ذلك.
رجع _ وإن صلى بديانة ورأى، ثم تاب فلا بدل عليه ولا كفارة.
ومن نسى وهو مسافر فقام ليصلى أربعا ثم ذكر وهو فى التحيات الأولى أنه مسافر، فإنه إذا قضى التحيات سلم وقد تمت صلاته.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح يسلم ثم يرجع ثم يبدل.
ومن غيره _ وكذلك عن أبى الحوارى، وكذلك عن أبى الحسن.
رجع _ وإن أتم الصلاة على التمام أبدلها.
قال غيره _ وقد قيل صلاته تامة.
رجع: وإن نسى المقيم فصلى ركعتين على أنه يقصر، فلما كان فى التحيات ذكر أنه يتم فله أن يبنى على تلك الصلاة وتتم صلاة التمام _ وفى نسخة _ إذا أحرم على التمام فعليه أن يبدل الصلاة بالقصر، وكذلك عن أبى الحوارى.
ومن غيره _ معى أنه يخرج إذا أحرم المقيم على نية القصر أعاد، وكذلك ... /331/ (2/333)
صفحة 761
إذا أحرم المسافر على نية التمام أعاد، وفى بعض القول، ما لم يتما على ما دخلا عليه من النسيان فلا إعادة عليهما.
ومن غيره _ قال: ولو أتما فلا إعادة عليهما.
ومن غيره _ وكذلك حفظنا من أهل العلم، وكذلك عن أبى الحسن.
رجع _ وإن وجد المريض الذى يجمع خفا من بعد أن صلى واحدة أخر الآخرة إلى وقتها إن كان صلى فى وقت الأولى، وإن كان فى وقت الآخرة صلاهما، وقال من قال: يستحب للمريض الذى يجمع أن يؤخر الأولى إلى الآخرة، وفى قول أن يجر الآخرة إلى الأولى.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: يجر الآخرة إلى الأولى، لحال الحديث.
رجع _ وقال من قال فى امرأة كان شرطها على زوجها أن يكون سكننها مع أهلها، وهم بداة ليس لهم وطن معروف، قال: هذا شرط غير معروف وهو منتقض، وما دامت عندهم أول مرة فهى تتم، فإذا خرجت فهى تبع لزوجها، وكذلك إذا رجعت إليهم.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: إذا كان زوجها باديا فالشرط ثابت، وإن كان حاضرا فالشرط منتقض.
ومن غيره _ قال: وقد قيل، إن شروط التزويج مجهولة كلها، وهو ثابت، كانوا بداة أو حضرا. ونحو هذا يوجد عن أبى الحوارى.
رجع _ وعن رجل له زوجة وعبيد وأولاد صغار فى بلد، وأنه تزوج فى بلد ... /332/ (2/334)
صفحة 762
آخر وأتم فيه، وخرجوا إليه، فأما فى الطريق فإن كان سفرا قصروا الصلاة، وأما عبيده فى ذلك البلد، إن كانوا خرجوا برأيه صلوا تماما بصلاته، وإن كانوا خرجوا بلا رأيه فصلاتهم بالقصر حتى يرجعوا إلى موضعهم، وإن كان أمرهم بالمقام عنده أتموا الصلاة.
ومن غيره قال محمد بن المسبح: إذا صار عبيده عنده صلوا تماما بصلاته، خرجوا برأيه أو بغير رأيه، وكذلك من يقول، يصلون بصلاته.
ومن غيره _ قال: أما قوله فى العبيد كذلك، وأما بنوه فإذا كانوا بالغين فهم تبع لأنفسهم فى الصلاة، ولا يكونون تبعا لآبائهم إلا أن يتخذوا وطنه وطنا، وقد قيل أيضا على حسب ما قيل.
من غير الكتاب وزيادته _
قيل إذا أدرك المسافر من صلاة المقيم التشهد فعليه أن يصلى أربع ركعات، قال أبو محمد رحمه الله، وإذا صلى مسافر جماعة عند من انتقضت صلاته فى الوقت فليصل صلاة السفر، وإن علم بنقضها بعد فوت الوقت فصلى تلك الصلاة التى صلاها جماعة، وكذلك عن الفضل بن الحوارى.
مسألة:
وإذا صلى مسافر خلف مقيم، فلما صلى ركعتين سلم المسافر، ورأى أن عليه القصر، ولم يعلم أن عليه اتباع الإمام فعليه أن يصلى صلاته فى الوقت، فإن فات الوقت فعليه القضاء والكفارة. ... /333/ (2/335)
صفحة 763
رجع _
ذكر صلاة البادى وأصحابه:
والبادى يصلى تماما حيث نصب عموده ونوى المقام إلا أن يكون نصبه لمبيت ليلة أو نحو ذلك فإنه يقصر، وقيل عن موسى بن أبى جابر رحمه الله، أنه سأل عن هذه المسألة بعض المسلمين وأنه قال فى بدوى له وطن يتحول فيه من موضع إلى موضع، ومن بعضه إلى بعض أنه يتم فيه أو ضرب بيته، فإذا خرج من وطنه المعروف مسير فرسخين فليقصر ولو ضرب بيته.
وقيل عن بشير رحمه الله أنه قال: قد قال ذلك بعض المسلمين، وقال بعضهم: عن البادى إذا ضرب بيته فعليه التمام، وإن سار فعليه القصر فى وطنه وغير وطنه، وهذا أكثر القول.
وإذا ضرب البادى عموده فى القيظ وهو حاضر فى قرية، ولم ينو المقام فإنه يقصر، لأنه لا يريد المقام، إلا أن تكون هى بلاد له يسكنها فى ذلك الوقت من كل سنة، فينبغى له أن ينوى المقام فيها، ويتم الصلاة.
وإذا رحل البادى من الموضع الذى ضرب عموده فيه وأتم الصلاة وقلع عموده فإذا سار قصر الصلاة، وإن كان أهله فى موضعهم وخرج هو فى حاجة سفر يتعدى الفرسخين ويرجع، فإنه يقصر إذا تعدى عن موضعه ذلك بقدر ما لا يسمع الأصوات، وأحسب أيضًا، إن كان للبارى (؟؟؟) (البادي) موضع معروف، هو وطنه وسكنه، أن يتم الصلاة فيه، فإن كان يخرج ويرجع إليه، ولا ينوى المقام حتى يرجع إلى ... /334/ (2/336)
صفحة 764
مكانه الذى فيه مقامه فيتم الصلاة، وإن كان لا يعتمد على المقام فى موضع إلا حيث كان الكلأ والعشب فهذا الذى هو حيث ضرب عموده ومكث أتم، وإذا ضرب البادى عموده ولزمه التمام وكان بينه وبين الحضر حيث تلزمه الجمعة أقل من فرسخين فعليه الجمعة.
صلاة الإمام:
وأما الإمام، فإذا عقدت له الإمامة فى موضع الأئمة، ونوى المقام فهو يتم الصلاة ولو لم يكن ذلك بلده، وأحب إذا لم تكن بلده أن ينوى المقام فيه، وإن سافر فعليه القصر حتى يرجع إلى موضع مقامه، وقيل: من وصل إليه من الشراة والمدافعة الذين ينفق عليهم وتلزمهم طاعته أن يتموا عنده الصلاة إذا كانوا لا يخرجون إلا برأيه، وقال من قال: إذا لم يعزموا على المقام قصروا، والرأى الأول لعله أكثر.
ومن وجهه الإمام فى رباط أو معنى معروف أو وقت محدود من ولاية أو غيرها فعلى أولئك القصر فى ذلك الموضع إذا كانوا سفارًا فيه، إلا الوالى الذى يوليه الإمام على قرية ولا يجد له حدا فإنه يتم الصلاة، قلت له: والحد مثل مه (؟؟؟)
قال: الحد أن يقول للوالى: قد وليتك قرية كذا، كذا سنة، أو ما حد له فهو يقصر. وكل من أخذه ذلك الوالى من أصحابه فهو يتم الصلاة أيضا، وإذا سفر (؟؟؟) الوالى فى ولايته، وتعدى الفرسخين من موضع مقامه قصر الصلاة حتى يرجع /335/ (2/337)
صفحة 765
إليه، ومن وصل إليه من أصحابه الذى ولاهم على القرى، فقيل: إنهم يتمون عنده حتى يرجعوا إلى مواضعهم، ومن أتم الصلاة فى قرية، ثم أعزل من ولايته أو غير ذلك فهو على تمامه حتى يخرج منها.
تم الباب من كتاب أبى جابر.
ومن غيره _
قال: نعم، حتى يخرج منها، يريد مجاوزة الفرسخين أو يسفر عنها فرسخين ثم يرجع، فإن خرج منها يريد مجاوزة الفرسخين قصر الصلاة، فإذا رجع إليها قبل أن يتعدى الفرسخين أو يسفر عنها فرسخين ثم يرجع، فإن خرج منها يريد مجاوزة الفرسخين قصر الصلاة، فإذا رجع إليها قبل أن يتعدى الفرسخين رجع إلى تمامه فهو على هذا إلى أن يتعدى الفرسخين، أو أراد سفرًا يجاوز الفرسخين قصر حتى يجاوز الفرسخين.
ومن غيره _ وعن رجل مسافر معه دابة وحان له وقت الصلاة وليس معه من يمسك له دابته ولم يجد ما يربطها به من شجرة أو غيرها، كيف يصلى؟ قال: كما أمكنه. قلت: يمسك حبل الدابة ويصلى؟ قال: نعم، قلت: فإن جرته الدابة فجرها؟ قال: لا، ولكن يمسك الحبل بيده، ويده فيها الحبل ويصلى، قلت: فإن جرته ولم يمكنه إلا أن يجذبها. قال: الله أعلم.
ومن غيره _ قال: الذى معنا أنه إذا جذبها فقد عمل فى صلاته، فإن جذبها أعاد صلاته إلا أن يخاف فوت الوقت فإنه يصلى كما أمكنه ولو جذبها، أو يخاف فوت أصحابه، أو خوف الطريق فإنه يجذبها، ويتم صلاته كما أمكنه.
/336/ (2/338)
صفحة 766
وفى المسافر يصلى بصلاة المقيم، فقال: إن كان اعتقد التمام رأيت عليه البدل ولكنه يصلى بصلاة الإمام، هكذا جاء فى الأثر من قول المسلمين.
قال أبو سعيد رحمه الله: فى رجل من أهل نزوى خرج ليقعد فى فرق يومين ثم خرج إلى مجاوزة الفرسخين من نزوى، فمعى أنه يصلى تماما بفرق فى اليومين الذين قعد فيهما، فإذا خرج من فرق كان حكمه تعدى الفرسخين الذى يكون بأحكامهما مسافرًا فى أمر الصلاة، والصوم محسوب من وطنه من نزوى.
واختلفوا فيه عندى، متى يقصر إذا خرج من فرق إلى مجاوزة الفرسخين فقال من قال، يقصر من حين يأخذ فى السير قبل أن يخرج من عمران فرق، وقال من قال: إنه يتم حتى يخرج من عمران فرق، وإن خرج من نزوى يريد مجاوزة الفرسخين لم ينو غير ذلك، فقعد فى فرق أياما فإنه يصلى فيها قصرًا، لأنه إذا خرج من عمران بلده، وهو فى نزوى، فعليه القصر.
وسألته عن الأمة إذا كان سيدها يتم الصلاة، والزوج يقصر فى بلد واحد، بم تصلى، بصلاة الزوج أم بصلاة السيد؟
قال: إن طاعة الملك أشبه فى معنى الصلاة.
قال: معى أنهم اختلفوا فى الذى يريد مجاوزة الفرسخين، فيخرج من العمران ويصلى على القصر، ثم تبدو له الرجعة.
/337/ (2/339)
صفحة 767
قال من قال: تمت صلاته على ما صلى من القصر، وقال من قال، عليه الإعادة، فإن فات وقتها، وهو قد خرج من العمران ولم يصل فقد انهدمت تلك النية وعليه أن يصليها تماما فيما عندى.
قلت لأبى سعيد _ رحمه الله _ ما تقول فى من سار حول القرية حتى تعدى الفرسخين سائرًا؟
_ فعليه القصر فيما عندى أنه قيل.
قلت: أرأيت إن نوى أنه تعدى الفرسخين فى مشيه ذلك فى الخراب حول القرية، هل له أن يقصر من حين ما يخرج من العمران سائرا؟
قال: معى، أنه إذا تعدى الفرسخين كان له أن يقصر من حين ما يخرج من العمران، ورأيته يجعل هذا كذلك.
ومن غيره _ والمسافر إذا حان له وقت الصلاة وهو عند الماء، لم يخرج حتى يتوضأ، فإن جهل ذلك وخرج على غير وضوء، ثم تصعد وصلى كان عليه بدل الصلاة، قول أبى الحوارى.
قلت له: فإن تعمد وخرج على غير وضوء ثم تصعد وصلى؟ فلم نر عليه إلا البدل.
وعن رجل خرج إلى بلد مسافرًا، فلما وصل إلى البلد نوى المقام فيه، ثم حول نيته إلى السفر، وكل هذا قبل أن يحضر وقت الصلاة، ثم حضرت الصلاة وهو فى البلد، قلت: ما تكون صلاته بالتمام أم بالقصر؟ ... /338/ (2/340)
صفحة 768
_ قال: معى، أنه قيل: يصلى تماما ما دام فى البلد حتى يخرج منه، ويلزمه حكم القصر بالسفر، ثم إن رجع إليه بعد ذلك كان مسافرًا إلا أن يرجع ينوى المقام، ولو بلغ فى خروجه أقل من فرسخين، ولو كان أراد فى خروجه ذلك مجاوزة الفرسخين، ثم رجع إليه فقد قيل، إنه على حكم التمام.
وعن رجل مسافر يقصر الصلاة خلف مقيم، ثم انتقضت صلاته، وعلم فى الوقت، أو بعد الوقت، ما يبدلها، قصرًا أم بالتمام.
قال: أما فى الوقت، فإذا علم بذلك أبدلها قصرًا فيما معى أنه قيل، وأما بعد الوقت فمعى أنه يختلف فيه، فقال من قال، يبدلهما بالقصر صلاة نفسه، وقال من قال، يبدلهما صلاة الإمام تماما إذا انقضى الوقت.
قال أبو على الحسن بن أحمد _ رحمه الله _ إن كان الفساد من قبل الإمام أبدلهما قصرا فى الوقت وبعد الوقت، لأن صلاة الإمام لم تنعقد عليه، وإن كان الفساد من قبل نفسه أبدلهما فى الوقت قصرًا، وبعد الوقت تمامًا، وهذا معنا قول حسن، وكذلك إذا صلى الجمعة وعلم فى الوقت أو بعد الوقت أنها كانت صلاة منتقضة ما يبدلها، وهو مسافر أو مقيم؟
قال: أما فى الوقت فيصلى صلاة نفسه أربع ركعات، وأما فى غير الوقت فاختلف فيه، بعض يقول: يبدلها صلاة نفسه، وبعض يقول: يبدلها صلاة الإمام الجمعة.
قال أبو سعيد _ رحمه الله: معى أنه قيل، إن نزوى وسعال وسمد فى معنى الصلاة للمسافر فى القصر والتمام، إنها قرية واحدة. /339/ (2/341)
صفحة 769
وإذا وصل المسافر إلى موضع خراب فمعى أنه يختلف فى ذلك، فقال من قال: هو خراب، وله أن يصلى قصرًا، وله أن يصلى تماما.
قيل له: فالرجل إذا خرج على أنه مسافر فوصل إلى بعض الطريق، وصلى الصلاتين قصرًا، وجمعهما، ثم رجع إلى بلده قبل أن يجاوز الفرسخين، تتم صلاته أم لا؟
قال: معى، أنه قيل، إن صلاته تامة، وفى بعض القول، إذا رجع من دون الفرسخين إذا كان يريد سفرا يتعدى فيه الفرسخين فعليه البدل.
ومن جواب أبى سعيد _ رضى الله عنه _ فى رجل سافر، يريد تعدى الفرسخين، فسار قدر فرسخ، ثم قعد هنالك، أن يقصر الصلاة هنالك ما لم ينو الرجوع إلى بلده، وهذا المعنى من قوله.
ومن غيره _ وقال من قال: من جهل القصر فصلى فى موضع القصر تماما فعليه البدل ولا كفارة عليه، وقال من قال، عليه البدل والكفارة، وقال من قال، لا بدل عليه ولا كفارة عليه، ونحب القول الأوسط، أن يكون عليه البدل ولا كفارة عليه.
ومن غيره _ وأما من جهل التمام، فصلى فى موضع التمام قصرا، فهذا لا نعلم فيه اختلافا، أن عليه البدل والكفارة، والله أعلم بالصواب.
رجع _ وعن المسافر إذا كان يجمع الصلاتين، فصلى الأولى منهما، ثم تكلم بكلام كثير كان أو قليل، من حوائج عرضت له، ثم قام، فصلى الآخرة، تتم له صلاته أم لا؟ ... /340/ (2/342)
صفحة 770
_ فإذا كان الكلام من أمر الصلاة وفى شىء يخاف فوته وضياعه من ماله، أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، فلا بأس ما لم يتطاول ذلك حتى يشتغل عن أمر الصلاة، أو ذكرها إلى حال الترك لها، فإن صلى بعد هذا كله فصلاته تامة ما لم ينو ترك ذلك والقصر للصلاة، فإذا نوى القصر على أنه يترك الآخرة إلى وقتها لتطاول ذلك لم نحب له أن يجمع على هذا، ولا يعود إلى الجمع.
وإن كان ذلك الكلام لغير معنى يلزمه ولا لمنافعه، وإنما هو عبث فأحب له ألا يصلى جمعًا على هذا، ويترك الصلاة إلى وقتها.
قلت: أرأيت إن صلى الأولى منهما فى المسجد، وصلى الآخرة فى حجرة المسجد، تتم صلاته على هذا أم لا؟ _ فلا بأس بذلك إذا كان لمعنى، وأما إذا كان لغير معنى فلا نحب له ذلك، فإن فعل فلا إعادة عليه.
وسألته عن رجل خرج من بلده إلى آخر، لا يعدى فيه الفرسخين حتى تعدى نصف ذلك البلد أو ثلثه، ثم تعدى الفرسخين، ما تكون صلاة هذا إذا عدى الفرسخين فى هذا البلد الثانى تمامًا حتى يخرج من عمران هذا البلد، أم يصلى قصرا إذا عدى الفرسخين؟
قال: معى، أنه يصلى تمامًا حتى يخرج من عمران البلد، ويعدى الفرسخين، وقيل: إذا تعدى الفرسخين من عمران بلده قصر من حيث ما كان من عمارة أو غيرها.
قلت له: فعلى قول من يقول، إنه يصلى قصرا إذا تعدى الفرسخين، ... /341/ (2/343)
صفحة 771
إذا عاد رجع فدخل فى الفرسخين فى ذلك البلد، ويكون على القصر أم يرجع إلى التمام إذا دخل الفرسخين؟
قال: معى، أنه على هذا القول يصلى قصرا إذا تعدى الفرسخين إلى أن يرجع إلى عمران بلده فى بعض القول.
قلت له: فلو كان بلد طوله عشرة فراسخ فى اتصال العمران بعضها بعض، فإذا خرج خارجا منه من أوله إلى أقصاه فى حاجة وتعدى فى ذلك أكثر من فرسخين ما يصلى؟ تماما أو قصرا؟
_ قال: معى، أنه ما دام فى البلد الواحد فهو يصلى تمامًا، لأنه بلده على حسب ما قيل ولو طال واتصل.
قلت: فإذا جاء المسافر من سفره فدخل قبل القرية المعمورة موضعًا فيه عمارة، وهو منقطع عن البلد، مثل أجبلة بهلا، وأجبلة سيقم (؟؟؟)، أهو على القصر حتى يدخل البلد المعروف، أم يجب عليه التمام بدخوله هذا الموضع الذى وصفته لك إذا كان مضافًا إلى البلد المعروف أم لا؟
قال: معى، أنه قيل: إذا لم يكن فى البلد وكان منقطعا عنه عمارته وتسميته فهو كغيره من البلدان، صغر أو كبر ولو قرب منه.
قال أبو عبد الله رحمه الله: قال المهلب بن سليمان رحمه الله، قال بعض الفقهاء: إذا خرج الرجل من بلده يريد سفرا يجاوز الفرسخين فصار فى موضع يسمع أصوات من فى القرية فلا يقصر حتى يصير من حيث لا يسمع الأصوات.
/342/ (2/344)
صفحة 772
وسألته عن رجل، من أهل نزوى أمر رجلا أن يشترى له خادما من صحار فاشترى له عبدًا، ما يصلى ذلك العبد؟ قال: يصلى صلاة الذى اشتراه للرجل.
قلت: فإن كان المشترى للعبد يقصر الصلاة أو يتمها؟ قال: نعم.
ومن غيره _ وقيل فى امرأة من أهل نزوى تزوجها رجل من أهل بهلا، وكانت معه ببهلا (؟؟؟)، تتم الصلاة إلى أن ازدارها (؟؟؟) أهلها من نزوى وهو يتم بنزوى، لأنه من الشراة.
قال محمد بن محبوب رحمه الله: إن كان إنما حملها إلى نزوى لتقيم بمقامه فيها فعليها التمام، وإن كان إنما ازدارها أهلها ويردها إلى بهلا، ولم يبق لها مقامًا بمقامه فعليها قصر الصلاة، وعليه هو التمام.
ومما يوجد عن أبى عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، أخبرنا الهروى أنه يحفظ، أن رجلا دخل فى الإسلام، ثم حج عند ذلك، فصلى فى سفره أربعا، ولم يكن علم أن عليه القصر، فلم يروا عليه بدلا.
وسألته عن الذى يتنفل (؟؟؟) بين صلاة العشاء والعتمة فى جمع السفر، فقال: أما إذا كان يجمع بين العشاء والعتمة فيكره له أن ينتقل (؟؟؟) بينهما، فإذا صلى العتمة فيتنقل (؟؟؟) ما شاء قبل الوتر فى السفر والحضر.
ومن غيره _ وأما الذى حضرته صلاة الظهر أو العصر أو المغرب فى بلده فلم يصل حتى صار فى حد السفر، ثم لم يصلها حتى انقضى وقتها وصلى الأولى مع الآخرة جمعا، فإنه على قول من يقول، إنه يقصرها فلا بأس بذلك إذا أخر ... /343/ (2/345)
صفحة 773
ذلك للجمع، ولا نأمره بذلك. وعلى قول من يقول بالتمام فليس له ذلك عندى فى قولهم، وعليه البدل، ولعله يلحقه معنى الإختلاف فى الكفارة.
وسألته عن رجل تزوج امرأة من بلد غير بلده، وشرط عليه عند عقدة النكاح أن سكونها عليه فى بلدها، ثم طلب إليها زوجها الخروج معه إلى بلده، فتابعته وأجابته وخرجت معه، ولم تهدم عنه شرط السكن، أتصلى تماما أم قصرا فى بلد زوجها؟
_ قال: ما لم تهدم عنه شرط السكن فإنها تصلى مع زوجها فى بلده قصرا، وإذا رجعت إلى بلدها صلت تماما، وإن نوت أن تتخذ بلدها دارًا وبلد زوجها دارًا أتمت الصلاة فى جميعهما.
قلت له: فإن كانت قد صلت تماما فى بلده ولم تنقض شرط سكونها عنه ولا اتخذت بلده دارًا؟ قال: عليها أن تبدل تلك الصلاة قصرا.
قال أبو سعيد رحمه الله: فى الذى خرج من عمران بلده ليجاوز الفرسخين، فصلى هناك بالقصر، وحول نيته عن السفر، فقال من قال، صلاته تلك تامة، لأنه قد صلاها على السنة، وقال من قال، عليه الإعادة.
وسألته عن المسافر إذا دخل الفلج يتمسح منه، وفى جانب ساقية الفلج الذى يتمسح منه نخل من يمين وشمال، هل له أن يقصر إذا برز من الساقية من حيث دخل، إذا كان قد حاذى النخل، ولم يجعلها خلف ظهره.
قال: قد قيل له ذلك، وقيل: إن عليه التمام إذا حاذاها. ... /344/ (2/346)
صفحة 774
قال أبو معاوية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فى السفر وفرق، وإذا حضرت الصلاة وهو فى السير أخر الأولى إلى وقت الآخرة، وكان عمر يفعله، وهو قول ابن عباس رحمه الله.
قال أبو المؤثر رحمه الله: بلغنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع فى عرفات الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وقد اختلف فى الشراة والمدافعين الذين تجرى عليهم نفقة الإمام وتلزمهم طاعته، فقال من قال، لا يلزمهم التمام للصلاة مع الإمام إلا أن يتخذوا بلده وطنا وينووا المقام معه، وقال من قال، كل من استعمله الإمام معه فى شىء من الأعمال أو صرفه فى شىء من الضياع فى بلده أتم، ولا يخرج إلا بإذنه، ومن لم يستعمله الإمام بشىء ولم يصرفه فى شىء من الضياع فهو يقصر معه حتى ينوى المقام معه، أو يستعمله الإمام بشىء، وكل من استعمله الإمام فيه من حكم معه أو جباية أو حرس أو شىء من الأشياء فإنه يتم الصلاة معه، فلا يخرج إلا بإذنه، والله أعلم.
من غير الكتاب وزياداته _
وقال: من أخذه ذلك الوالى من أصحابه فهو يتم الصلاة أيضا.
وسألت أبا معاوية عن رجل من أهل صحار، ينفق عليه الإمام، ما يصلى إذا حضر الإمام؟ قال: يتم الصلاة إذا كان يلزم نفسه طاعة الإمام، ولا يخرج إلا بإذن الإمام.
قلت له: فما تقول فى أولاده وزوجته ما يصلون إذا كانوا معه؟ قال: أما ... /345/ (2/347)
صفحة 775
زوجته فهى تبع له، إن أتم أتمت، وإن قصر قصرت، وأما بنوه، إن كانوا بالغين، فهم يقصرون الصلاة، إلا أن تكون نيتهم، أنهم مع أبيهم حيث كان أقام أقاموا، وإن خرج خرجوا، وأنهم تبع له فعليهم ما عليه، ويلزمهم ما يلزمه من التمام والقصر، والله أعلم.
وقال فى السايح إذا لم ينو رجعة إلى بلده، وهو يسيح فى الأرض فليتم الصلاة، وإن نوى الرجعة إلى بلده فليقصر حيث يرجع.
قال: وإذا خرج الوالى، وارتفع عن ولايته، وخلف فى البلاد خليفة، فإنه يتم الصلاة حتى يخرج، والوالى المعزول يصلى تماما حتى يخرج من ذلك البلد.
رجع _ جواب من أبى الحوارى رحمه الله _
وعن من كان يجمع الصلاتين، الهاجرة والعصر، فصلى الهاجرة، ثم شك، أنها فسدت عليه، أو لم يتمها، وأحب أن يرجع يصليها، أيصلى العصر فى أثر هذه الصلاة، يكون له ذلك؟ أو يصلى الهاجرة، ويرجع يؤخر العصر حتى إذا كان فى وقتها صلى بالقصر؟ فإذا شك فى الظهر أعادها، ثم صلى العصر، وهذا إذا كان قد شك الظهر من قبل أن يصلى العصر، وإن شك فى الظهر من بعد أن صلى الظهر والعصر وجمعهما، فقال من قال، يعيد صلاة الظهر وحدها، وقد تمت صلاة العصر، وقال من قال، يعيد الظهر ثم يصلى العصر، وهذا القول أحب إلينا، وذلك إذا كان فى وقت تلك الصلاة التى جمع فيها الصلاتين، إلا أن يكون قد غربت الشمس، ثم دخل فى نفسهم، ثم أحب أن يعيد صلاة الظهر، فإنما عليه أن يعيد صلاة الظهر وحدها، شك فيها، أو نسيها فلم يصلها. ... /346/ (2/348)
صفحة 776
رجع إلى كتاب جابر _ وعن امرأة خرجت فى سفر عند قوم، وحضرت صلاة الصبح فى غير موضع الماء، فقال لها الحمارون: إن قدامنا الماء فاصبرى، فصبرت حتى وصلت إلى الماء، فتوضأت، وصلت الفريضة، ونظرت فإذا الشمس على رءوس الجبال، فإن علمت أن الشمس قد طلعت قبل أن تنقضى صلاة الفريضة فعليها الكفارة، وإن لم تعلم أن الشمس طلعت قبل أن تنقضى الفريضة فلا كفارة عليها ولا إعادة. ... /347/ (2/349)
صفحة 777
الباب الحادى عشر
فى صلاة السفينة، وصلاة المريض، وصلاة الحرب
وهو فصول:
الفصل الأول
فى صلاة السفينة
ومن ركب البحر، يريد سفرً أبعد من فرسخين، قصر من حين ما يركب فى البحر أو غيره، ولو كان يحاذى القرية التى يقيم فيها، ولو أقام فى المكلا ما أقام، إذا كان على نية السفر الذى خرج له.
وفى حفظ الشيخ أبى عبد الله، رحمه الله، قال: إن قدر أن يقوم فى السفينة صلى قائما، ويسجد على نبات الأرض، وإلا صلى قاعدا وأومأ، إلا أن يجد خشبة قائمة من خشب السفينة التى بها، فإنه يسجد عليها، وهو قاعد، وإن لم يجد إذا قام، شيئا من نبات الأرض يسجد قائما عليه فإنه يقعد، وإن أمكنه أن يقوم فى الشذاة والسفينة فليقم ولا يقعد، ويسجد على ما كان موثقا منها بالمسامير والدعون الموثقة إلى السفينة، ولا يسجد على ما كان يرفع ويوضع، وإن كان من نبات الأرض فسجد عليه فلا بأس. ... /348/ (2/350)
صفحة 778
نسخة:
وإن وضع حصيرًا على ما لم يكن من نبات الأرض، فسجد عليه، فلا باس.
ومن غيره:
قال محمد بن المسبح: قد قالوا ذلك، وأحب إلينا القعود والإيماء.
رجع: وإن اشتد الموج فخاف، فأمسك بحبل أو خشب من السفينة، أو استند إلى شىء فلا بأس، ولأهل السفينة أن يصلوا جماعة، ويصلى بهم إمام منهم.
ولا يجوز للمصلى خلف الإمام أن يتقدمه فى بر أو بحر، ومن تقدمه انتقضت صلاته، ولكن لهم أن يصلوا بصلاة الإمام ويكونوا بحذاه فى السفينة، وليس على أهل السفينة صفوف، ولمن كان خلف الإمام أو بحذاه من الصرارى وغيرهم أن يصلوا بصلاة الإمام، ولو كانوا أسفل إذا كانوا يرونه، أو شيئا من الصفوف التى خلفه.
وإن أمكن الإمام القيام والسجود، ولم يمكن من صلى خلفه أو بعضهم فلا بأس أن يصلى الذين خلفه كما أمكن لهم، ولا يجوز أن يقوم الذى خلف الإمام وهو قاعد، ولا أن يسجد وهو يومئ، فلا بأس أن تصلى كل فرقة منهم.
وفى نسخة: لكل فرقة أن تصلى بإمام لهم كلما أمكن إمام بعد إمام. ... /349/ (2/351)
صفحة 779
وقال غيره: نعم، يصلى بهم إمام بعد إمام، كل فرقة يصلى بهم إمامهم، فإن صلوا جماعة فى السفينة فى وقت واحد، كل منهم يأتم بإمام فذلك جائز، وليست السفينة كالمسجد.
رجع، وإن كان المصلى فى السفينة يصلى على شىء ويسجد عليه، فوقع، فلا بأس أن يومئ لبقية صلاته. وكذلك إن كان يومئ فى أول صلاته، فصار بين يديه شىء يمكن السجود عليه فليسجد ما بقى من صلاته.
وعن أبى عبد الله رحمه الله، قال: إن كان الإمام يصلى على غير نبات الأرض ولا يمكنه السجود عليه، وكان الذين خلفه على شىء يمكنهم أن يسجدوا لم يجز لهم أن يصلوا بصلاته، وتصلى كل فرقة منهم على حدة. والله أعلم.
تم الباب من كتاب أبى جابر، ومن غيره.
قلت: فإن أحرموا إلى القبلة وتحولت السفينة، كيف يصنعون؟
قال: يصلون على ما هم عليه، ولا يتحولون عن مواضعهم، إذا كانوا قد أحرموا إلى القبلة وهم على صلاتهم.
وعن عبد الله بن محمد بن بركة، رضيه الله، فيما أحسب: وسألته عن صلاة السفينة فى حال وقوفها ومسيرها على الماء، كيف يكون ذلك على القادر على القيام والعاجز عنه؟ قال: اختلف أصحابنا من أهل عمان وأهل البصرة فى ذلك اختلافا كثيرًا، من طريق الرأى والاجتهاد، والنظر فى ذلك، وأنا أذكر منه ما يحضر من ذكره فى هذا الوقت، وبالله توفيقى وإياك. ... /350/ (2/352)
صفحة 780
كان الذى يذهب إليه كثير منهم، أن المصلى فى السفينة فى حال مسيرها قعود، على القادر على القيام والعاجز عنه، وقالوا، إن الصلاة فى السفينة كالصلاة فى محمل على ظهر الجمل، وقالوا، لما كانت الصلاة على الجمال قعودا، أن لا قيام بالإجماع، وجب أن تكون صلاة السفينة قعودا، وهما سواء، لاستواء كليهما.
ثم اختلف أصحاب هذا الرأى، فقال بعضهم يومئ إيماء، ولا يسجد على شىء، قالوا لأن صلاة القيام سجود، وصلاة القعود إيماء.
وفيهم موسى بن على، رحمه الله، يقول بذلك فى البر والبحر، والمصلى قاعدا فى مسجد وغير مسجد، وقال بعضهم، يسجد إذا كان فى مسجد وكان متمكنا من الأرض وموضع مصلى، ولا يسجد على ظهر الجمل ولا بطن السفينة، وفى هؤلاء محمد بن محبوب، رحمه الله.
وقال قوم: إن المصلى فى السفينة يصلى قاعدًا إذا سارت السفينة، ويقوم إذا قدر على القيام، وقد وقفت فى مرسى أو غيره، وأظنه قال: هذا قول أبى قحطان، وقال آخرون: يصلى قاعدًا ويسجد على أية حال كانت، ويسجد على الألواح المسمورة بالمركب، والموثوق به التى لا تتحول من مكان إلى مكان، ولا يسجد على غيرها من أمتعة المركب وألوانها التى تنتقل وتعزل.
وقال بعضهم: يسجد على كل شىء وثيق فى المركب من أخشابه المسمورة، وما يقوم مقامها من استيثاق، وأما المحمولة وما تنتقل فلا، وقال بعضهم: يسجد ... /351/ (2/353)
صفحة 781
على الألواح الموثوقة، أو على حصير يتخذه للصلاة يصلى عليه إذا وجد موضعا يتمكن عليه به. وهذا حفظى عن أبى محمد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، رحمهم الله.
قال: وقال بعضهم: يصلى قائما إذا قدر على القيام، وكان سجوده على المركب نحو الألواح المسمورة، لأن عليها يتمكن المصلى، وما يتمكن على غيرها من الأمتعة المحمولة. وذكر هذا عن الفضل بن الحوارى أو عزان بن الصقر رحمه الله، والشك منى.
قال: وقال الربيع بن حبيب بن عمر البصرى، رحمه الله، والبصريون من أصحابه، إن على المصلى أن يصلى قائما إذا كان قادرًا على القيام فى أى مكان، وإن فرض القيام لا يزول عن المصلى إلا بالعجز عنه، وحجتهم فى ذلك، قول الله تبارك وتعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}، فأوجب القيام بالكتاب فلا يزول هذا الفرض الموجب له ظاهر الكتاب إلا بحجة فى كتاب أو سنة أو إجماع. وأجازوا مع ذلك السجود على كل شىء مما أنبتته الأرض من ألواح وأمتعة، قال: وممن ذهب إلى هذا القول بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله.
وقال: وذهب قوم من أصحابنا إلى قول النبى صلى الله عليه وسلم، المصلى فى السفينة كالمصلى فى الوحل _ الوحل الطين والماء_ إذا قدر على القيام صلى قائما وركع، فإذا (2) بلغ السجود أومأ ولا يسجد على الماء والطين. /352/
(2) فى الأصل، ولما (2/354)
صفحة 782
قال: وهذا اتفاق من أصحابنا فى صلاة المصلى فى الطين والماء إذا كان هؤلاء لا يسجدون على الماء والطين كان أيضا المتاع والأعكمة المتحافية فى المركب تمنع من السجود.
قال: وهذا القول ينسب إلى موسى بن أبى جابر، رحمه الله.
قال: ووجدنا فى بعض الآثار قولا يدل على مخالفته لهذا الرأى إلا أن يكون قاله قبل هذا، ثم رجع عنه.
قال: وكنت أراه يصلى فى المركب فى سفرنا على أحوال مختلفة، فربما رأيته يصلى قائما، وربما رأيته يصلى قاعدا ولم أعلم أنى رأيته يومئ إيماء، ولا يدع السجود، وكان قد اتخذ حصيرا يصلى عليه، ويأمر بذلك، ويطويه إذا أتم صلاته ويرفعه، وكنت أسأله عن السجود على الحمولة والأمتعة، فقلت: أليس قيل، لا يجوز السجود على أمتعة الناس؟ فقال: أليس تعلم أن هذه الأمتعة لغير صاحب المركب، وهم الذين أنزلونا عليها، وإذا كانت من نبات الأرض، وحكمهما حكم النظافة، فجائز السجود عليها.
ومن غيره، قلت: فالرجل يمرض فى السفينة، فلا يقدر على الوصول إلى الموضع الذى يتوضأ فيه أهل السفينة، وكره صاحب السفينة أن يحمل له الماء إلى موضعه فيتوضأ ويترطب متاعهم؟ قال، إن لم يفعلوا له ذلك، فإنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فليتيمم.
قلت: فإن أصابهم الخب الشديد فلم يقدروا أن يتوضأوا (؟؟؟) بالماء ولا يصلوا ... /353/ (2/355)
صفحة 783
إليه، قال يتيممون من تراب المتاع أو فراش، فإن لم يجدوا ذلك فى السفينة؟
قال: أحب له أن ينوى الوضوء فى نفسه، ويصلى، فإن أمكن له أن يتوضأ بالماء فليتوضأ وليعد تلك الصلاة.
قلت، وإن كان قد مضى وقت الصلاة؟ قال: نعم.
وقال غيره: وقد قيل، لا إعادة عليه
حفظ أبو الوليد عن محفوظ عن سعيد بن محرز فيمن صلى فى السفينة قاعدا، فلما كان فى البر ذكر أن صلاته مما صلى فى السفينة قاعدا قد انتقضت، قال سعيد، يصليها فى البر قائما.
ومن غيره، وإذا كان أصحاب السفينة مسافرين، فقد اختلف فى المسافرين، قال من قال: يجب عليهم صلاة الجماعة إذا أمكنهم ذلك، وقال من قال لا يلزمهم ذلك، ولزوم ذلك أحب إلينا إذا أمكن ذلك، وقد فعل ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فى السفر والحضر، ولنا فى النبى عليه السلام أسوة، وفى الأئمة الماضين (؟؟؟) قدوة.
وإذا لم يكن لراكب السفينة عذر بين معروف فلا تزول عنه صلاة الجماعة إلا من أجل الاختلاف فى ثبوت ذلك على المسافرين.
ومن غير الكتاب وزياداته_
قلت: فإن أراد منهم أن يدخل معهم فى الصلاة، وقد تحولت السفينة، فصاروا الساعة مدبرين بالقبلة وقد كانوا أحرموا إلى القبلة، كيف يصنع؟ قال، لا يدخل معهم إلا أن ترجع السفينة حتى يكونوا كما كانوا أول مرة مقبلين إلى القبلة، فيدخل معهم. ... /354/ (2/356)
صفحة 784
قلت: فهل يجوز أن يصلى قوم فى صدر المركب جماعة ويصلى آخرون فى مؤخره جماعة، كلهم جميعا فى ساعة واحدة، كل منهم يسمع قراءة الآخرين وتكبيرهم؟ قال، لا يفعلون ذلك.
قلت: فهل للنساء أن يصلين بصلاة الإمام وهن فى البلاليج، حيث يسمعن التكبير والقراءة، قال، نعم، إذا كن خلفه، وكان بينهن وبين الإمام باب البليج، وأما إذا كان باب البليج لا يكون خلف الإمام فلا يصلين بصلاته.
رجع إلى كتاب أبى جابر:
قلت له، وكذلك إن كان فى محمل، أصلى قاعدا بالإيماء حيث كان وجهه بالمشرق أو غيره، إذا شق عليه النزول؟ قال، هكذا عندى، إذا كانت المشقة لا تحمل عليه، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا}، والله أعلم.
وإذا كانت المرأة فى دوبيح، فحضرت الصلاة، فاستحيت أن تنكشف قدام الناس، فصلت بلا وضوء، فلا كفارة عليها.
فصل
فى صلاة المريض
والمريض له أن يصلى كما أمكن له، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا لم ... /355/ (2/357)
صفحة 785
يقدر أن يصلى قائما، أو كان ذلك مما يشق عليه، وفى نسخة، مما تشتد عليه علته، صلى قاعدا، وإن كان يصل إلى المصلى يصلى عليه، وقد قيل، إنه يسجد إذا صلى قاعدا، وإلا فإنه يومئ، ويكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه للركوع، وإن لم يمكنه أيضا الصلاة قاعدا صلى وهو نائم ويومئ، وإذا صار إلى حد الضعف، أو علة يشتد عليه الوضوء منها فإنه يجمع الصلاتين ويصلى تماما، وإن صار إلى حد لا يحفظ الصلاة ولا يقدر على تمامها حتى يخاف أن تنقطع عليه ببعض ما يقطعها إنه يكبر أيضا لكل صلاة خمس تكبيرات، وله أن يجمع بالتكبير ويستقبل القبلة إذا صلى، إذا أمكنه ذلك، وإن كان لا يمكنه الصلاة إلا بواحد يتبعه تكلم بذلك ويتبعه، ويكبر للوتر خمس تكبيرات، وإن لم يحفظ التكبير فليس عليه أن يكبر له.
قال أبو على، الحسن بن أحمد، رحمه الله، وذلك إذا لم يعقل التكبير، والله أعلم. ويستقبل القبلة إذا صلى إذا أمكنه ذلك.
وقيل المريض يجر الصلاة الآخرة إلى الأولى فى الجمع وإن انتظر بالأولى حتى يجرها إلى الآخرة، فإن وجد خفا وصلى الأولى فلا بأس.
ومن صلى قائما، ثم وجد ضعفا فأتم صلاته قاعدا أو قائما فلا بأس، ومن صلى نائما أو قاعدا ثم وجد قوة على القيام فإنه يستأنف الصلاة. وكذلك إن صلى إحدى الصلاتين وهو نائم أو بالتكبير، ثم وجد خفا فقد تمت صلاته التى ... /356/ (2/358)
صفحة 786
صلاها على ما (؟؟؟) صلى، ويصلى الثانية على ما أمكن له، ويؤخرها إلى وقتها، إن كان فى حد الأولى.
ويستحب لمن لا يقدر أن يتكلم بالتكبير أن يكبر له مكبر من امرأة أو رجل، وهو يتبع بلسانه إن قدر، أو يتبع بقلبه، فإذا لم يفهم أيضا فلا يكبر له.
والجمع أيضا جائز للمستحاضة وللرجل الذى يسيل منه الدم، من جرح أو رعاف أو غيره، ولا ينقطع عنه فيجوز له الجمع، والجمع فى اليوم المطير جائز غير أن صلاة المقيم أربع، وقد جاء الأثر بذلك.
وقد بلغنا عن النبى صلى الله عليه وسلم، وقد جمع من جمع الصلاتين فى المسجد الحرام عند المطر، فمن جمع، ثم ارتفع الغيث أو أفاق المريض تمت صلاته.
وعن هاشم فى المريض يكون فى الحمل فيثقل عليه أن ينزل، وإن حمل على نفسه النزول قدر (؟؟؟) فى مشقة، فقال، يومئ على المحمل، فإن دين الله يسير.
قلت له: فإنه على فراش يشق عليه أن يستقبل القبلة، قال، فإن لم يقدر فحيث كان وجهه فثم وجه الله قيل له: مبطون لا يستمسك، قال، يتيم ويصلى، إلا أن لا يستمسك حتى يتم الصلاة، فإنه يكبر خمسا. ... /357/ (2/359)
صفحة 787
ومن غيره، ويوجد عن هاشم، قيل له، مبطون لا يستمسك، قال، يتيمم ويصلى إلا أن يكون لا يستمسك حتى تتم الصلاة فإنه يكبر خمسا.
ومن غيره: قال، وقد قيل، يتيمم ويصلى ولو كان مسترسلا ولو قطع عليه ذلك، لأن ذلك عذر، ويصلى قاعدا، ويحفر خبة ينصب فيها، ولا يصلى فى مسجد ولا مصلى، وهو بمنزلة المستحاضة والمسترسل به البول والجروح المسترسلة، وقد قيل هذا، وهذا القول الأخير أحب إلينا، والله أعلم. وإن كان القول الأول له حجة لزوال الطهارة التي تمكنه فيها الصلاة، ولزوال بعض الفرض لخوفه زوال فرض الطهارة، وذلك مسترسل لا مخرج له فيه ولا ينقطع.
رجع.
وروى أبو عبد الله الهروى، أن المسلمين كان منهم جماعة فى بيت مقدمه ليس بنظيف، وكانوا يصلون فيه، وكثر الناس، فطرحوا على الموضع الذى ليس بنظيف ثوبا وصلوا، فأعجب ذلك أبا الوليد.
وقد قيل، إن كان المريض على فراش غير طاهر واشتد به التحول عنه صلى كما هو عليه.
ومن غيره _ وإذا اشتدت الحركة على المريض للوضوء، ولا يقدر أن يحفظ وضوءه من صلاة إلى صلاة جاز له الجمع.
/358/ (2/360)
صفحة 788
وإذا المريض لم يقدر أن يتحول عن فراشه، فقد قيل إنه لا يصلى عليه حتى يكون طاهرا.
قلت: وكذلك لو صلى رجل مريض بثوب جنب قاعدا، أو كان فى حد من يصلى خمس تكبيرات، وإن كان فى حد إنما صلى خمس تكبيرات من شدة مرض أو صلى على دابته أو ماشيا وهو خائف مطلوب، أو صلى ركعة صلاة الموافقة للحرب وهو حال الحرب، أو صلى صلاة المسايفة فى وقت الضراب خمس تكبيرات، ثم ذكر ذلك من بعد صحته من مرضه أو أمانه من خوفه، أو انقضاء الحرب، قال: يبدل تلك الصلاة تماما قائما، إلا أن تكون صلاة صلاها فى سفر بالقصر فإنه إنما يبدلها قصرا، وإن كان فى موضع التمام.
ومن غيره _ ولا بد من القيام للصلاة على كل حال، فمن قدر عليها بالتيمم وعجزه الماء فعليه التيمم والصلاة، ومن عجزه ذلك كله فعليه الصلاة، وإن عجز عن حفظ الصلاة كبر للصلاة إذا أعجزه حفظها بركوعها، وسجودها والقيام بحدودها أو بشىء منها ولا عذر له فى تركها، ولو قدرها فى نفسه ونواها إذا قدر على ذلك ولم يعد يقدر على الكلام، فافهم ذلك.
رجع _
وقال هاشم: لا يزال المريض يومئ ما عقل الصلاة ولو بعينيه، وإذا لم يعقلها كبر. ... /359/ (2/361)
صفحة 789
قال غيره: قد عرفت أن المصلى إذا لم يعقل الإيماء، ولم يمكنه التكبير أن يقدّر الصلاة فى نفسه إن أمكنه ذلك، والله أعلم، فينظر فى ذلك.
وعن رجل وقع الماء فى عينيه، وقيل له: إذا فتحت الماء من عينيك استلقيت سبعة أيام لا تصلى إلا مستلقيا، قال: لا بأس عليه بذلك.
تم الباب من كتاب أبى جابر، ومن غيره.
وعن المريض متى يصلى قاعدا؟ قال: إذا كان إذا صلى قائما يستعجل فى صلاته ولم يأت بها على ما ينبغى فهو يصلى قاعدا متمهلا أحب إلىّ.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، أن المريض إذا لم يقدر أن يتوضأ بنفسه كان له أن يتيمم.
وعن عزان بن الصقر، رحمه الله، أنه ليس له أن يتيمم حتى لا يجد من يوضئه بالماء.
وقال هاشم، رحمه الله: لا يزال المريض يومئ ما عقل الصلاة ولو بعينيه، وإن لم يعقلها كبر.
ومن غيره _ وقد عرفت أن المريض إذا لم يعقل الإيماء ولم يمكنه التكبير من اعتقال لسانه أو غير ذلك فإنه يقدر الصلاة فى نفسه إن أمكنه ذلك، والله أعلم، فينظر فى ذلك إن شاء الله. ... /360/ (2/362)
صفحة 790
ومن غيره _ والذى عرفنا، أن المصلى بالتكبير ليس عليه توجيه، وأما تكبيرة الإحرام فقد عرفنا فى ذلك اختلافا، فقال من قال، يكبر تكبيرة الصلاة خمسا، وتكبيرة الإحرام، فذلك ست تكبيرات، وقال من قال، ليس عليه إحرام، وإنما يكبر خمسا، وكل ذلك من قول فقهاء المسلمين على حسب ما وجدنا أكثر القول، أنه يكبر خمسا. هكذا عرفنا، وبه نعمل، إن شاء الله.
ومن غيره _ وقلت، هل يجوز أن يكبر للمريض ويلقنه تكبير الصلاة جنب أو حائض؟ قال، هكذا عندى، قلت له، ولو قدر على إنسان طاهر؟ قال، هكذا عندى.
قلت له فالمريض إذا لم يقدر على الصلاة بالقراءة والتكبير بالإيماء إلا أنه يشق عليه، هل يجوز له التكبير؟
قال: معى، أن بعضا يقول، يجزيه التكبير إذا شق عليه لأن دين الله، لعله، يسر، وقيل، لا يجوز إلا أن لا يقدر، ويخرج عندى أن الشقة التى له فيها العذر فمعى فيها أنه يؤلمه ذلك الماء، لا يحتمله ويشغله، ولو احتمل على معنى ما هو فيه، أو يخاف منه المضرة؟ ولو احتمل ذلك.
قلت له: فهذا فى جميع أحوال المريض الذى ينتقل فى ذلك من حال الوضوء بالماء إلى التيمم، أو حال الصلاة فى وقتها إلى الجمع، وفى غير ذلك من جميع أحواله.
قال: ومعى أنه كذلك.
قلت له، فالمريض إذا كان لا يقدر على الصلاة قاعدا، ولا مستندا بنفسه إلا ... /361/ (2/363)
صفحة 791
أن يسند، هل يخاف عليه أن يسند أم إذا لم يقدر كان له أن يصلى نائمًا؟
قال: معى أنه يختلف فى ذلك، فبعض لا يرى عليه إلا قوته والعمل بنفسه وبعض يرى عليه الإستعانة بمن أعانه على شىء من اللوازم من المخصوص بها من قبل هذا.
قلت له: فإذا لم يقدر المصلى يصلى قاعدا، إلا أن يسند، هل عليه أن يسند ويصلى قاعدا إذا وجد المسند وقدر أن يسند بنفسه؟
قال: معى، أن عليه ذلك، ولا أعلم فى ذلك اختلافا.
قيل له: فإذا لم يقدر على الماء إلا أن يطلب ذلك.
قال: معى، أن عليه أن يطلب الماء، وهو عليه فريضة، أعنى الطلب، ولا أعلم فيه اختلافا، لأنه فريضة. وكذلك عليه أن يطلب التراب للتيمم مثل الماء.
ومن جواب أبى الحوارى، رحمه الله، ومن كان مريضا ويثقل عليه أن يصلى قائما صلى، إلا أنه يتعبه ذلك تعبا يقدر أن يحمله إذا حمل على نفسه، فعلى ما وصفت، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فإذا كانت تشتد عليه الحركة والقيام والقعود صلى قاعدا ولم يحمل على نفسه ما ثقل عليه لأن الله يقول، {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا}.
فهذا فى الصلاة، فالرجال مشاة والركبان قعود على الركاب.
وكذلك جاءت السنة فى المريض وفى غير المريض يصلى على ما يقدر عليه. ... /362/ (2/364)
صفحة 792
ومن غير الكتاب والزيادة:
وقيل، وعن الربيع، ومن صلى قاعدا أومأ، وعن من يجمع بين الصلاتين بالتكبيرات فى أول وقت الأولى، ثم ذهب عنه شدة الوجع، وجاءت منزلة يقدر أن يصلى قبل أن ينقضى وقت الأول.
فقد بلغنى عن بعض الفقهاء، أنه أجاز للمريض جمع الصلاتين بالتكبير، فإذا جاز له الجمع فإنى لا أرى عليه إعادة الصلاة الأولى ولو كان بقى عليه من وقتها شىء. وأما الصلاة الآخرة فإنى أرى عليه أن يعيدها إذا دخل عليه وقتها بتمام ركوعها وسجودها، إذا جاءت حال يقدر على الصلاة، لأنه صلى هذه الآخرة فى غير وقتها وهو فى بلده.
وأما المسافر فجمعه تام، ولا إعادة عليه إذا ذهبت عنه شدة الوجع، لأنه قد يجوز له الجمع فى أول الوقت وفى آخره، فإن خاف فوت هذه الصلاة إن ابتدأها قائما حتى يكملها، وإذا أتم ما كان بقى عليه فإنما أتمها من قبل فوت وقتها، قال، يبتدئ بها ولا بأس عليه إذا لم يكملها حتى فات وقتها.
وسألته عن أهل سفينة غرقت بهم، فنجا من نجا منهم على خشبة أو شراع أو شىء من آلة السفينة فى البحر، أيصلى الصلاة تامة بالإيماء أم يكبر خمس تكبيرات لكل صلاة؟
قال: إذا أمكنه أن يصلى الصلاة تامة بالإيماء فليفعل، وأما إذا كانت الأمواج تضطرب فليصل خمس تكبيرات لكل صلاة. ... /363/ (2/365)
صفحة 793
قلت: وكذلك الذى يحمله السيل يصلى خمس تكبيرات؟ قال نعم، عرضت.
وأخبرنا زياد بن الوضاح، أن والده الوضاح بن عقبة كان يلقن والده عقبة التكبير وهو مريض يومئذ، قال: وكان يلقنه لصلاة المغرب والعشاء الآخرة والوتر خمس عشرة تكبيرة فى ساعة واحدة، يجمع. وقال زياد: إن أبا بكر الموصلى كان أمر بذلك والده الوضاح.
قال: وقال، بغير توجيه ولا تسليم.
وأما هاشم بن غيلان رحمه الله، فكان يوجه لذلك، سبحان الله وبحمده، لقول الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}.
رجع إلى كتاب أبى جابر.
مسألة:
وإذا كانت امرأة مبتلاة فى فرجها، لا تستمسك من الرطوبة فإنها تؤمر أن تلفف بالخرق، فإذا كانت الصلاة توضأت، وجعلت على الموضع ثوبا نظيفا، وصلت قائمة،، وإن لم تستمسك صلت جالسة، أ كما كن لها، ولا تصلى بثيابها التى تمسها النجاسة.
وروى أن ابن عباس لما كف بصره قال له رجل، أن يصير سبعة أيام، ... /364/ (2/366)
صفحة 794
أن يصلى على قفاه، فقيل: فأرسل إلى عائشة وأبى هريرة وغيرهما يسألهم عن ذلك، فقالوا له: أرأيت إن مت فى هذه السبعة الأيام فكيف تلقى الله تعالى بصلاتك فيها.
فترك معالجة نظره فى ذلك ولم يعالجه.
وقال بعض قومنا: يجزيه أن يصلى مستلقيا، وهو قول جابر بن زيد رحمه الله وأصحاب الرأى.
فصل
فى صلاة الحرب
وأما صلاة الحرب عند موافقة العدو ركعتان، لكل طائفة منهم ركعة واحدة، فإذا أقيمت الصلاة قام الإمام، وقامت معه طائفة، ووجهت طائفة منهم ووجوههم نحو العدو، ووجهوا، وأحرموا جميعا، فإذا رفع الإمام رأسه من السجدتين انصرفت الطائفة التى صلت معه إلى مقام الطائفة التى لم تصل، وجاءت الطائفة التى لم تصل معه وصلت مع الإمام الركعة الثانية، وليس على أولئك الذين فى وجه العدو تحيات ولا تشهد، ولكنهم يسلمون إذا فرغ الإمام وسلم.
وكذلك إن كانوا قدام الإمام، ويكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة منهم ركعة، ولو أمكن لكل طائفة ركعتان خلف الإمام لم يجز ذلك لهم، إلا لكل طائفة منهم ركعة. ... /365/ (2/367)
صفحة 795
والصلاة فى الحرب عند المواقعة ركعتان فى كل صلاة، لا المغرب وغيرها، ولا يصلون الوتر جماعة، ولكن يوتر كل واحد منهم وحده.
وصلاة الحرب فى الحضر والسفر سواء، وإذا لم يستطع الراكب النزول مخافة العدو صلى على دابته واقفا، أو سائرا، حيث كان وجهه، إذا خاف الطلب ولم يكن باغيا. وإذا كان هو الطالب صلى صلاته، وإن كان منهزما مطلوبا صلى صلاة المسايفة خمس تكبيرات لكل صلاة، لأن صلاة القتال والضراب خمس تكبيرات، حيث كان وجهه، ولم نسمع أن يجمع الصلاتين بالتكبير عند الضراب، وإنما التكبير للخائف على دمه المطلوب إذا لم يكن باغيا.
تم الباب من كتاب أبى جابر ومن غيره.
ويوجه الإمام، وتوجه الطائفتان جميعا، وهو مقبلون إليه.
ومن غيره: أرجو أنه العدو.
ثم يحرم الإمام، وتحرم الطائفتان جميعا، ولا يتكلم جميعا، وإن تكلمت الطائفة التى لم تصل بعد، وهى فى مواقعة العدو فسدت على من تكلم صلاته، إلا أن يعنيهم من عدو شىء، فلا بأس أن يتكلموا فى معناهم ذلك، فإذا تكلم واحد من الطائفة التى كانت صلت ركعة، وهى الأولى، فلا بأس عليه.
رجع إلى قوله:
ثم يقرأ الإمام فى كل صلاة فاتحة الكتاب وسورة، قال: يقرأ فى صلاة ... /366/ (2/368)
صفحة 796
الهاجرة والعصر بفاتحة الكتاب وحدها، ويصلى ركعتين، ويقرأ فى صلاة المغرب والعشاء الآخرة وصلاة الفجر بفاتحة الكتاب وسورة، ويصلى ركعتين فى كل صلاة فى الحضر والسفر، فإذا قرأ ركع، وركعت الطائفة التى خلفه، وسجد، وسجدت الطائفة التى خلفه، فإذا رفع رأسه من السجود وقام، وقامت الطائفة التى خلفه من السجود، وذهبت إلى موضع الطائفة التى فى نحو العدو، فإذا وصلوا إليهم رجعت هذه الطائفة إلى مقام هذه الطائفة التى خلف الإمام، فقرأ بهم، وركع وسجد، وركعوا معه وسجدوا معه، فإذا رفع رأسه من السجود قعد فقرأ التحيات، وقرأت الطائفة التحيات، وليس على الطائفة التى فى نحو العدو قراءة التحيات، لأنهم قد صلوا معه الركعة الأولى، فإذا قرأ الإمام التحيات وسلم سلموا جميعا.
قلت له: فهل لأحدهم أن ينزل عن موضعه من الذين فى نحو العدو؟
قال: لا ينزل أحدهم إلا أن يأتيه العدو.
قلت له: فهل له أن يلتفت خلفه.
قال: لا. إلا أن يلتفت إلى العدو.
قلت: فإن التفت أو زل عن موضعه فى غير معنى العدو؟
قال: أخاف أن تنتقض صلاته.
قلت: فإن أراد رجل أن يدخل معهم وقد سبقوه بركعة، هل له ذلك؟ /367/ (2/369)
صفحة 797
قال: إن كان رجل من الطائفة التى فى نحو العدو لم أر له أن يدخل معهم فى صلاة الإمام إذا سبقه بشىء منها، فإن كان من الطائفة التى خلف الإمام دخل وأبدل ما سبق به إذا كان فى السفر، وأما إذا كان فى الحضر لم أر عليه أن يدخل معهم فى الصلاة من صلاة السفر.
قلت له: أليس فى صلاة الحرب أذان ولا إقامة؟
قال: بلى، فيها الأذان والإقامة.
قلت له: فهل للإمام أن يأمر من يصلى بالجيش غيره.
قال: نعم، ويكون هو خلف من يصلى بأمره.
قلت: فهل يجوز للإمام ومن معه ألا يصلوا صلاة الحرب ويصلوا صلاة الحرب ويصلوا فرادى؟
[قال] وكذلك يصلون تماما وهم بحضرة العدو أو جماعة، وتصلى طائفة منهم جماعة الصلاة تماما، إذا كانوا فى الحضر، أو قصرا إن كانوا فى السفر، وتكون طائفة فى نحو العدو، فإذا قضى هؤلاء الصلاة رجعوا إلى مقام الآخرين فى نحو العدو، وابتدأ هؤلاء الصلاة فصلوا وحدهم، أو لا يجوز هذا لهم، وعليهم أن يصلوا صلاة الحرب؟ فإذا فعلوا هذا فإن صلاتهم تامة، وإنما صلاة الحرب رخصة من الله، ونحب لهم أن يصلوا صلاة الحرب، لأنها سنة.
مسألة:
ومن انتقضت عليه صلاة الحرب صلى أربع ركعات إذا كان فى الحضر وإن كان فى السفر صلى ركعتين، كان فى الوقت أو بعد الوقت، انقضى قوله. ... /368/ (2/370)
صفحة 798
والثوب الملحم بالحرير لا يصلى به إلا فى الحرب.
قال أبو عبد الله _رحمه الله: صلاة الحرب إذا واقف المسلمون عدوهم ولم تقع الحرب بينهم، أن يقوموا جميعا فيصفوا جميعا إلى القبلة، ويتقدم بهم إمامهم، فيوجهوا جميعًا، فإذا أحرم الإمام أحرموا جميعًا، ووجوههم جميعًا إلى القبلة، ثم تثبت مع الإمام طائفة فى مقامهم، وتنصرف طائفة يستقبلون بوجوههم نحو العدو، فيقومون ولا يتكلمون، ويصلى الإمام بالطائفة التى خلفه، يقرأ ويقرأون، ويركع ويركعون، ويسجد ويسجدون، ثم يقوم الإمام، فيمهل ويمسك عن القراءة، وتنصرف الطائفة التى كانت خلفه يصلون، فيمشون على هيئاتهم حتى يقفوا فى مقام الطائفة التى كانت وجوههم تلقاء العدو، ولا يتكلمون ولا يقرأون، وترجع هذه الطائفة تقوم خلف الإمام، فيقرأ ويقرأون، ويركع ويركعون، ويسجد ويسجدون، ثم يجلس بهم، وتكون همتهم جميعًا إلى تكبير الإمام، فإذا علمت الطائفة التى تلقاء العدو أن الإمام قد جلس بالذين خلفه قرأوا التحيات وهم قيام على حالهم ووجوههم نحو العدو، فإذا قرأ الإمام والذين خلفه التحيات سلم الإمام حتى يسمعهم جميعًا، فيسلمون جميعًا، كل طائفة منهم كما هى.
قلت: كم يكون بين الطائفة التى خلف الإمام والطائفة الأخرى التى كانت صلت مع الأمام؟ ... /369/ (2/371)
صفحة 799
قال: ليس لذلك حد، ولكن يكونون حيث يسمعون تكبير الإمام، وحيث يرون أنه أمنع لهم من عدوهم.
عرض الذى عن أبى عبد الله.
وفيها قول آخر:
أنه إذا أقام بهم الإمام الصلاة أقبل الإمام وطائفة منهم نحو القبلة بوجوههم، وأقبلت الطائفة الأخرى نحو العدو بوجوههم، فيوجهون جميعًا، الإمام والطائفة التى تصلى معه نحو القبلة، والطائفة التى وجوههم نحو العدو، فإذا أحرم الإمام أحرمت الطائفة التى معه، ولم تحرم الطائفة التى وجوههم نحو العدو، ولكنهم يوجهون ويقفون ولا يتكلمون.
فإذا صلى الإمام بالطائفة التى معه الركعة الأولى رفع رأسه، ورفعت الطائفة التى معه رءوسهم من السجود، وانصرفت الطائفة التى صلت معه إلى مقام الطائفة التى فى وجه العدو، ورجعت الطائفة التى لم تصل فيصفون خلف الإمام، ثم يحرمون، وقد وجهوا مع الإمام فى الركعة الأولى، ويصلى بهم الإمام الركعة الثانية، فإذا قعدوا معه وقرأ الإمام التحيات قرأوا معه التحيات، وليس على الطائفة التى فى وجه العدو قراءة التحيات إلا أنهم إذا سلم الإمام سلموا.
وكلا القولين مأخوذ به.
قلت له: كم يكون بين الإمام وبين الذين يقومون تلقاء والعدو (؟؟؟)؟ ... /370/ (2/372)
صفحة 800
قال: فليس لذلك حد، ولكن يكونون حيث يسمعون تكبير الإمام، وحيث يكون أمنع لهم من عدوهم.
قال: ويجوز للطائفة التى تلقاء وجه العدو أن يشير بعضهم إلى بعض ليأخذوا مصافهم ولا يتكلمون.
قلت: فإن كان العدو فى قبلتهم؟
قال: فهكذا يفعلون أيضًا. ولا بأس أن تكون الطائفة التى تلقاء العدو قدام الإمام ومن خلفه، قلت، فإن كان المسلمون مدبرين للقبلة وعدوهم وجوههم نحو القبلة، أيدبرون لعدوهم جميعا، الإمام ومن معه، ويوجهون، فإذا أحرم الإمام وأحرموا أقبلت طائفة منهم تلقاء العدو، وصلى الإمام بطائفة، فإذا قرأوا وركعوا وسجدوا وقام الإمام انصرفت الطائفة التى صلت تلقاء العدو، ورجعت الطائفة التى كانت تلقاء العدو، فصلت مع الإمام الركعة الثانية؟
قال: نعم.
قلت: فإذا صلوا، ثم انصرف عنهم عدوهم، وقد بقى عليهم من وقت الصلاة شىء، هل عليهم أن يعيدوا تلك الصلاة؟
قال: صلاتهم تامة، وذلك إذا صلى بهم إمام وصلوا جماعة فهو كذلك ركعتان، فإن لم يصلوا جماعة صلى كل واحد منهم صلاة نفسه إن كان مسافرا صلى صلاة السفر، وإن كان مقيما صلى تماما، وليس عليهم ركعتا الفجر فى مواقعة العدو، ولا ركعتا المغرب. ... /371/ (2/373)
صفحة 801
قلت: فهل عليهم صلاة الوتر بعد الفرض؟
قال: يصلى بكل طائفة منهم إمام منهم، وإن شاءوا أوتروا، كل واحد وحده، وعليهم قراءة التحيات، كيفما أمكنهم، قياما، أو جلوسا.
مسألة:
قلت، فهل يجوز للإمام ومن معه أن يصلوا فرادى، ولا يصلون صلاة الحرب ويصلون تماما؟
قال: إن فعلوا هذا فصلاتهم تامة، وإنما صلاة الحرب رخصة من الله، فيجيب لهم أن يصلوا صلاة الحرب، وليس على من لم يصل هلاك.
رجع إلى كتاب أبى جابر.
وقيل، صلاة الحرب ركعتان فى السفر والحضر فى كل الصلوات، وأما الوتر فركعة، وقيل، يصلى كل واحد منهم الوتر بغير إمام إذا أتموا صلاة العتمة.
وقال آخرون، يصلى الوتر جماعة بالطائفة التى لم تصل خلفه وتسلم، وتنصرف الطائفة وتقوم تلقاء العدو مكان التى لم تصل، ويصلى بالآخرين إمام لهم، يصلى بهم الوتر جماعة، ركعة واحدة، فهذا على قول من يجيز الوتر جماعة فى السفر، والقول الأول قول من لا يجيز ذلك إلا فى شهر رمضان، وكلا القولين جائز عندنا لمن أخذ به، وبالله التوفيق.
ومن انتقضت عليه صلاة الحرب صلى أربع ركعات فى الحضر وركعتين فى السفر فى الوقت وبعد الوقت. /372/ (2/374)
صفحة 802
مسألة:
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله: صلاة الحرب ست تكبيرات، فإن خاف فتكبيرة أو تكبيرتين أو ثلاثا، حيث كان وجهه وبالله التوفيق. ... /373/
* * * (2/375)
صفحة 803
الباب الثانى عشر
فى صلاة الوتر، وركعتى الفجر، وسجدة القرآن
وفيه فصول:
الفصل الأول
فى صلاة الوتر
وعن أبى عبد الله، رحمه الله، من ترك صلاة الوتر والختان فإنه يستتاب إذا لم يدن بهما، فإن تاب وصلى واختتن، وإلا قتل، إذا لم يدن بهما وهو كافر، ولا يصلى عليه.
وقال من قال، من ترك الوتر حتى أصبح فكفارته عليه مثل كفارة الصلاة.
وعن أبى عبد الله، رحمه الله، لم يلزمه فى الوتر كفارة، وكذلك حفظت أنا عن أبى مروان.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: تركه مكفر، وليس عليه قتل فى ترك الختان والوتر، وعليه العقوبات، ومن ترك الوتر من أهل الديانات فعليه التوبة والإستغفار والعقوبة.
رجع:
وصلاة الوتر بعد صلاة العتمة إلى الصبح، وهو ثلاث ركعات، يقرأ ... /374/ (2/376)
صفحة 804
فيهن كلهن بفاتحة الكتاب، وبما قدر الله من القرآن، وفى الركعة الآخرة، قل هو الله أحد، وآية الكرسى، أو غيرهما، ثم قل هو الله أحد، وكل ذلك جائز حسن، فمن شاء وصل، ومن شاء فصل، ومن شاء صلى ثلاث ركعات ومن شاء صلى ركعتين، ثم سلم، ثم صلى ركعة واحدة، ومن لم يصل ركعتين وصلى بعد العتمة الوتر ركعة واحدة فلا نقض عليه، ولا ينبغى له ذلك إلا من عذر سفر، أو مرض، أو شغل، أو أمر فيه عذر.
وعن، من يجمع الصلاة، أله أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل ويصلى قبله النوافل مثل ما يفعل المقيم، أم يصلى بعد العتمة ولا يؤخره!
قال: معى، أنه يستحب له أن يصلى الوتر مسرعا بعد جمعه، ولا يؤخره، فإن فعل غير ذلك فلا أعلم عليه بأسا، إن شاء الله.
وبلغنا أن جابر بن زيد، رحمه الله أوتر بركعة ليرى أصحابه أن ذلك جائز لهم، وقال، هذا وتر العاجز، ثم صلى حتى أصبح.
وقيل، إن وتر من جمع واحدة، ومن صلى ثلاثا فلا بأس.
وبلغنا أن معاوية كان يوتر بركعة، فقال ابن عباس، ويحه، من أين عرف هذا، وفى نسخة، لا أم له أما إذا عرف هذا فلا يزيد على ركعة.
ومن صلى الوتر ثلاثا، ثم شك فيه، أو انتقض عليه فينبغى له أن يوتر بثلاث، فإن أوتر بواحدة فى الوقت أجزاه.
/375/ (2/377)
صفحة 805
وقال من قال إنه يحفظ عن أبى عبد الله، رحمه الله، فيمن قام ليوتر بثلاث ركعات، ثم حول نيته أن يوتر بركعة واحدة، أن ذلك جائز له، وفى نفسى من ذلك. وأحب إذا دخل فى الوتر على أن يصلى ثلاثا أو واحدة، فيتم على ذلك. ولم نر أسلافنا يصلون الوتر جماعة إلا فى شهر رمضان.
وبلغنا أن عبد الله بن نافع كان يصلى بمن صلى معه الوتر جماعة فى طريق مكة فى غير شهر رمضان، والله أعلم.
تم الباب من كتاب أبى جابر.
ومن غيره قال محمد بن المسبح، إن بشيرا قال، إنما الوتر يصلى جماعة شهر رمضان.
ومن غيره، عن أبى معاوية، وقال، إذا أراد الرجل أن يوتر بركعة واحدة فليقم بنية قبل الإحرام، فإن لم تكن له نية فليصل ثلاث ركعات، وليس له بعد الدخول فى الصلاة أن يحول نيته إلى ركعة واحدة.
ومن غيره.
وقال من قال، ما لم يكن دخل فى الصلاة على نية ثلاث ركعات فله أن يصلى ركعة، وقال من قال، ولو دخل على نية الثلاث كان له أن يصلى ركعة، وقال من قال، إن دخل على نية الثلاث فليس له أن يصلى إلا ثلاث ركعات، وإن دخل على نية ركعة لم يكن له أن يصلى ثلاثا، وليس له إلا ما دخل عليه، وقال من قال، إن له التحول على الوجهين جميعًا. ... /376/ (2/378)
صفحة 806
ولو دخل على أحد الوجهين فله أن يتحول إلى الوجه الآخر، وقال من قال، إن دخل على نية الركعة كان له أن يتحول إلى الثلاث، وإن دخل على نية الثلاث لم يكن له أن يتحول إلى الركعة، وكذلك القصر والجمع على هذا الوجه الذى قد قيل فيه، وكذلك صلاة العيدين على الوجوه التى تجوز فيها الصلاة.
وكل ما كان جائزًا فقد اختلف فى عقد النية عليه، وقال من قال، الصلاة على النية مبنية.
وقال من قال، الأصل جائز له التحول إلى ما أراد من قبل فراغه من الصلاة على وجه ما يجوز من ذلك.
وسألته، عن رجل صلى الوتر ولم يقرأ فى الركعة الآخرة إلا أمَّ الكتاب، ففعل ذلك زمانا، هل عليه إعادة الوتر؟
قال: أرجو ألا يكون عليه إعادة الوتر إن شاء الله.
قال أبو سفيان، محبوب بن الرحيل _ رحمه الله _ أخبرنى أبو أيوب، وائل ابن أيوب _ رحمه الله_ عن أم جعفر زوجة أبى عبيدة _رحمه الله_ قالت: صحبت أبا عبيدة فى السفر غير مرة فلم أره يوتر إلا بركعة.
وقال أبو سفيان، قال الربيع: من جمع بين العشاء الآخرة والمغرب يوتر بركعة.
ومن غيره، وأما الوتر، من تركه فليفعل معروفا، ولا كفارة عليه. ... /377/ (2/379)
صفحة 807
ومن غير الكتاب وزياداته:
وجدت، اختلف أهل العلم فى عدد ركعات الوتر، كان سفيان الثورى يقول، الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وقال ابن عباس _ رحمه الله _ إنما هى واحدة أو خمس أو سبع أو تسع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما يشاء.
قال أبو سعيد _ رحمه الله _ قد جاءت الأخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يوتر بواحدة، وبثلاث، وبخمس إلى إحدى عشرة، فيما يروى عنه، ولا أعلم أن أحدا قال بأكثر من إحدى عشرة، فيما يروى عنه، ولا قيل عن غيره.
وهذا كله باتساع معانى ثبوت أحكام الوتر.
والذى عليه أصحابنا، إما واحدة، وإما ثلاث ركعات، إن شاء وصل وإن شاء فصل، ومعنى الوصل عندى، أنه قيل يصلى ركعتين ثم يصل إليهما ركعة ثالثة بغير تسليم ولا توجيه.
ومن غيره: وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله قد زادكم فى هذه الليلة صلاة، هى خير لكم من حمر النعم، وهى الوتر، بين صلاة العشاء الآخرة والفجر، وفى خبر آخر، ختم الله لكم بصلاة سادسة، الوتر.
وروى عنه عن طريق ابن عمر، أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وقيل: الصلاة مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة، وهذا الخبر الذى تعلق به ... /378/ (2/380)
صفحة 808
من قال بالركعة الواحدة من أصحابنا وغيرهم فيحتمل أن تكون هذه الركعة موصولة بغيرها، ويحتمل أن تكون مفردة لأجل الصبح.
[وعن] قتادة، أن أبا بكر رضى الله عنه كان يوتر أول الليل، وعمر رضى الله عنه يوتر آخر الليل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أبو بكر جلد كيس، وعمر قوى معان، وقال: سأضرب لهما مثلا، مثل رجلين دفعا إلى مفازة، فقال أحدهما: إنى لا أنام حتى أقطعها، وقال الآخر: أنام ثم أقوم وأنا حام (؟؟؟) فأقطعها وأنا قادر عليها، فأصبح كل واحد منهما قريبًا من صاحبه)).
وكان أبو عمرو الربيع يقول: من قدر على قيام آخر الليل فليوتر آخر الليل أفضل، ومن خاف ألا يقوم فليوتر أول الليل.
مسألة:
ومن صلى الوتر جماعة فى مسجد، ولم يكن إمام المسجد صلى الوتر جماعة فلا نقض عليهم لأن الوتر غير العتمة.
فصل
فى ركعتى الفجر
وقد قيل: من كان عليه بدل ركعتى الفجر فليبدلهما بعد صلاة العصر إن أراد ومن غيره _ قال محمد بن المسبح: يصلى ركعتى الفجر متى ما ذكرها إلا بعد الفجر وبعد العصر، وعند بزوغ الشمس إلى طلوعها. /379/ (2/381)
صفحة 809
رجع _ وأما ركعتا صلاة الفجر فيؤمر بهما بلا كفارة، سمعنا، على تاركها، ويستحب لمن يركعها إذا انفجر الصبح ألا يكون بعدهما كلام إلا بذكر الله، ولا صلاة حتى يصلى الفجر، فإن تكلم فلا بأس.
ومن غيره: لا بأس أن يتكلم بعد ركعتى الفجر، وأن يستلقى بلا أن ينعس.
رجع _ وقيل: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين قبل صلاة الفجر، يقرأ فى الركعة الأولى فاتحة الكتاب، و {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفى الركعة الآخرة فاتحة الكتاب، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
وعن أبى عبد الله، رحمه الله، قال: وأنا كذلك أفعل بعد فاتحة الكتاب، وقال من قال، وقت صلاتهما إذا طلع الفجر، وقال من قال، وقتهما مذ يدخل النصف الآخر من الليل إلى صلاة الفجر، فمن صلاها فى ذلك النصف، أو كان فى صلاة حتى حضرت صلاة الفجر فقد اكتفى بذلك، وبهذا الرأى نأخذ.
قال غيره: الذى يجيز ذلك قبل الصبح فمعى أنه قد قيل فيه، إذا صلى ركعتين بعد النصف أجزأه، ولو لم ينو ذلك، إذا كان ذلك بعد الوتر، ومعى، أنه قد قيل، ينوى ذلك ركعتى الفجر.
رجع _ وإن نام ونعس بعد أن ركعهما فعليه إعادتهما.
ومن غيره، قال: ذلك إذا ركعهما قبل طلوع الفجر، وأما إذا ركعهما بعد صلاة الفجر فلا إعادة عليه، ولو نعس بعدهما قبل صلاة الفجر. ... /380/ (2/382)
صفحة 810
قال: ومعى أنه قد قيل، يعيدهما إذا نام بعدهما مضطجعا، فنعس أو جامع، وأما غيرهما من الأحداث لا أعلم فيهما إعادة لهما، ولو أغمى عليه، أو أصابته الجنابة وهو غير ناعس مضطجعا.
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد السعالى، حفظه الله، وأما قبل الصبح فإن ركع أجزأه، وإن انتظر فله ذلك.
ومن غيره، قال من قال، يجعل ركعتى الفجر بعد هذا كله مما يلى صلاة الفريضة.
رجع _ ومن خاف فوت صلاة الفجر فى الجماعة صلى فى الجماعة وأخر ركوعها حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت صلاها فى مكانه ذلك، أو حيث أراد.
وقال من قال، إن رجا أن يدرك ركعة من صلاة الجماعة فليصلهما، ثم ليدخل فى الجماعة فليصل ما أدرك، وهذا الرأى أحب إلىّ.
ومن غيره، قال محمد بن المسبح: إن رجا أن يدرك مع الإمام الركعة الأولى من صلاة الغداة فيركع ركعتى الفجر، ثم يدخل فى الجماعة، وهو أحب إلىّ، وإن خاف فوت الركعة الأولى فيدع الركعتين ويدخل فى الفريضة جماعة.
رجع _ وإن كان هو الإمام وأقيمت الصلاة قبل أن يركعهما، فإن انتظروه حتى يرجع فلا بأس، وهو أحب إلىّ. وإن صلى بهم وأخر الركعتين إلى أن تطلع الشمس فلا أبصر فى ذلك فسادًا أيضًا. ... /381/ (2/383)
صفحة 811
ومن غيره، قال أبو سعيد، رحمه الله، إذا أقيمت الصلاة فى المسجد فلا صلاة إلا مع الإمام، ويوجد فى بعض الحديث إلا صلاة ركعتى الفجر.
وفى موضع آخر قال أبو سعيد، رحمه الله، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا ركعتى الفجر، ثم اختلف أهل العلم فقال من قال، إنه إذا رجا أن يدرك الركعة الأولى صلاها ودخل مع الإمام، وقال من قال، أفضل له أن يصليهما إذا رجا أن يدرك الركعة الأولى صلاهما ودخل مع الإمام، وقال من قال، أفضل له أن يصليهما إذا رجا أن يدرك الركعة الآخرة، ولو خاف فوت الأولى، وأحسب أن قال من قال، ولو خاف فوت الصلاة فليصلهما على ظاهر الرواية، وقيل من كان عليه بدل ركعتى الفجر فليبدلهما بعد صلاة العصر إن أراد.
فصل
فى سجدة القرآن
وفى السجدة سنة معمول بها، وليست فريضة، وسجودها لازم لمن قرأها أو قرئت عليه فأنصفت لاستماعها فى صلاة الفريضة، أو نافلة، أو غير صلاة.
فأما القارئ لها فيسجد وهو فى الصلاة إذا قرأها بتكبيرة ويرفع رأسه بتكبيرة ويسبح فيها بمثل تسبيح سجود الصلاة إذا سجد، وإن قال سبحان الله وبحمده فلا بأس إماما كان أو غير إمام، والإمام إذا سجد الذين خلفه فى الصلاة معه. ... /382/ (2/384)
صفحة 812
وفى بعض الآثار، أن المصلى إذا نسى عند قراءة السجدة أن يسجد، ومضى فى صلاته حتى ذكر من بعد، وهو فى الصلاة أنه يسجد حيث ذكر، ويسجد سجدتى السهو إذا سلم، فينظر فى ذلك.
قال غيره. وقد قيل إذا جاوزها ناسيا، ثم ذكر لم يسجد حتى يتم.
قال محمد بن المسبح: وعلى من استمع إليه السجود.
ومن غيره، يوجد، عليه سجدتا الوهم، وهو عندى أصح على ما عرفت من قول الشيخ أبى سعيد، رحمه الله، فى قوله تعالى: {الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}.
ومن غيره _ قال: قد جاء الأثر عن أهل العلم فى السجدة إذا قرأها المصلى فنسى أن يسجدها، فقال من قال، إذا تركها فى صلاة الفريضة ناسيا أو متعمدا فسدت صلاته، وهى بمنزلة حد فى الصلاة، وقال من قال، من تركها عامدا فسدت صلاته، وإن تركها ناسيا لم تفسد صلاته، ويسجدها إذا سلم، ثم يسجد للوهم.
وقال من قال، لا تفسد صلاته بتركها عامدا ولا ناسيا، ويسجد للوهم، وقال من قال، لا وهم عليه، والإمام والمؤتم فى ذلك سواء، فى ترك السجود، والرجال والنساء فى ذلك سواء. ... /383/ (2/385)
صفحة 813
ومن غيره، قلت، فإذا قرأها الإمام فى الصلاة فسمعها بعض من يصلى خلفه وبعضهم لم يسمع، هل عليهم أن يسجدوا بسجوده ويتبعوه فى ذلك، أم ليس على الذين لم يسمعوها؟
قال: عندى، أن على جميع المؤتمين أن يسجدوها تبعا للإمام، فإن لم يفعلوا كان عندى فى فساد صلاتهم اختلاف، فبعض يفسد صلاتهم، وبعض يقول، قد أساءوا ولا نقض عليهم.
ومن غيره، يجوز أن يسجد السجدة حيث كان وجهه، مستقبل الكعبة أو مستدبرها، أو تعشى أو سها، وذلك جائز إلا أنه يؤمر بسجودها إلى القبلة، لأن بعضا يشبهها بالصلاة إذ هى تجوز فى الصلاة، وهذا عندى فى المسألة الآخرة إذا لم يكونوا فى الصلاة.
رجع _ وأما من يسمعها من غيره وهو فى الصلاة فلا أرى أن يسجدها فى الصلاة، ولكن إن كان أنصت لها حتى استمعها فأحب أن يسجدها إذا قضى صلاته.
ومن غيره _ قال: وقد قيل، إذا قضى صلاته قرأها وسجد.
رجع _ وإن كان يفرغ لاستماعها واشتغل عن صلاته وأنصت فلا آمن عليه نقض صلاته إن شغلته عن صلاته، ومن قرئت عليه وهو حامل حملا فأنصت لها ولم يمكنه وضعه فإذا وضعه فليسجد.
ومن غيره _ قال: وقد قيل، إن كان حاملا حملا أومأ حيث رأسه.
وقد قيل، إذا كان غير طاهر، فإذا تطهر سجد ولا يسجد إلا طاهرا. ... /384/ (2/386)
صفحة 814
قال وائل، لو أن رجلا مر ورجل يقرأ، وقرأ السجدة، فأنصت إليها وهو يقرأ فقرأها، فقال، إذا أنصت إليها وهو مار يمشى فليومئ حيث كان وجهه ماشيا.
ومن غيره: قال، وقد قيل، إذا سمعها وهو يمشى فليسجد ثم يرجع، ويسجد للقبلة.
رجع، وقد قيل، يسجد ولو كان غير طاهر.
ومن غيره، قال محمد بن المسبح، من سمعها وهو غير طاهر، فإذا توضأ فليسجد.
رجع، ومن حضر قراءة السجدة، وغفل أن يسمعها فلا سجود عليه، وإنما السجود على من أنصت لها، وقال من قال،: إذا سمع الرجل قراءة السجدة من امرأة سجد قبلها، ورفع رأسه قبلها، ولا يأتم بها، ولا أرى عليه بأسا كيف فعل.
ومن غيره، قال، وقد قيل عن أبى على الحسن بن أحمد، رحمه الله، وكذلك قيل فى الصبى، والله أعلم.
ومن غيره، قال، وقد قيل، يسجد لقراءة السجدة من المرأة، وقال من قال، يقرؤها هو ويسجد. ... /385/ (2/387)
صفحة 815
رجع، ومن كتب السجدة أو تهجاها فلا أبصر عليه سجودا، وكذلك عن أبى عبد الله، رحمه الله، أنه من تهجى السجدة أو كتبها فليس عليه سجود إلا أن يجهر بها، ومن كان يتعلم القرآن فيمر بالسجدة، فقيل، يسجد مرة واحدة ثم يعيدها ولا يسجد ما كان فى ذلك المكان، وعلى المرأة أن تسجد (؟؟؟) لقراءة السجدة مثل ما على الرجل، ومن ترك سجودها فمنزلته خسيسة، ولا أعلم أنه يبرأ منه إلا أن يضلل من يسجدها.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، فى رجل كان فى الصلاة فقرأ سورة السجدة، فأراد أن يسجدها، فركع ناسيا، وسجد سجدتين، ثم قام فرجع من حيث بلغ من السورة، وصلى حتى أكمل صلاته.
قال، ما أبلغ به إلى نقض، لأنه لم يرد فى صلاته ركعة تامة، وقد بقى من الركعة القراءة والسجدة التى بقراءة السجدة.
ومن غيره قال محمد بن المسبح: إن اجتزأ بذلك الركوع والسجود أجزأته ركعة من الصلاة، وإن أهمل ذلك وزاد ركعة ثالثة انتقضت صلاته.
رجع إلى كتاب أبى جابر:
وزيادة الركعة التى قالوا، إن زيادتها فى الصلاة تفسدها إذا كانت ركعة تامة بقراءتها؟ قال: نعم.
ومن قرأ من السجدة بعضها فلا سجود عليه حتى يتمها، وعن بعض الفقهاء قال، قد كان يفعل ذلك./386/ (2/388)
صفحة 816
ومن تعمد لترك قراءتها فى الصلاة لحال السجود فلا نقض عليه.
ومن قرأ السجدة فى الصلاة ولم يسجد عمدا فلا ينقض ذلك صلاته أيضا.
وليس على الحائض والجنب سجود عند قراءة السجدة إلا أن تكون الحائض قد طهرت من الدم، فإذا اغتسلت فلتسجد.
تم الثابت من كتاب أبى جابر، ومن غيره:
قال: وقد قيل، إذا غسل الجنب فعليه السجدة، وكذلك قال من قال، على الحائض السجدة إذا طهرت.
ومن غيره: وإذا كان فى مجلس ذكر أو مسجد ومر بها، فليقرأ ويسجد، وإن تركها لم أر عليه بأسا.
قال أبو المؤثر، يستحب له أن يقول على إثر سجدتى الوهم والسجود ولقراءة السجدة، سبحانك اللهم وبحمدك، سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم، لك سجدت طوعا لا كرها، إيمانا بك وتصديقا لكتابك واتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقول، اللهم اغفر لى واقبل سجودى، ويستحب هذا إن قاله وكان متمهلا، وإن لم يقله فلا بأس عليه.
ومن غيره، أخبرنا أبو زياد عن المنذر بن الحكم بن بشير عن سليمان بن عثمان، أنه كان يقول فى تسليم سجدتى الوهم، السلام على من اتبع الهدى.
قال أبو زياد، وبلغنى عن عبد المقتدر أنه قال، السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. /382/ (2/389)
صفحة 817
من غير الكتاب وزياداته:
سألت عزان بن الصقر عن رجل يصلى بقوم فى مسجد جماعة، وكان يصلى معه رجال ونساء، فقرأ بهم السجدة فسجد، وسجد الرجال، وظنت النساء أنه ركع فركعن، ثم رفع رأسه من السجدة فقام والنساء معه من الركوع، ومضين على صلاتهن حتى انقضت، فما تقول فى صلاتهن؟
قال: أرى عليهن النقض، وليعدن صلاتهن.
قيل له:
فما تقول، إن لم يسجدن مع الإمام حتى يسمعن السجدة؟ قال، أرجو ألا يكون عليهن نقض صلاتهن.
ومن غيره _ عن رجل قرأ آية السجدة فى الصلاة، فسجد سجدتين، فإن سجد الثانية متعمدا لزيادتهما فصلاته فاسدة، وإن كان ناسيا فصلاته تامة، وإذا قضى صلاته فليسجد سجدتى الوهم.
ومن غيره: قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكى، ويقول يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرنى بالسجود فعصيت فلى النار.
وإذا قرأت المرأة السجدة، فأنصت لها رجل لم يسجد لقراءتها، ولكن يقرؤها، ثم يسجد، وكذلك إن سمعها من الصبى الذى لا يعقل الصلاة، فليقرأ الرجل ثم يسجد لقراءتها، ومن استمعها من عبد فإنه يسجد، وأما الأمة فإنها /388/ (2/390)
صفحة 818
بمنزلة الصبى، وإذا كان مراهقا يحافظ على الصلاة فقرأ السجدة فليسجد من سمعها، والإمام إذا قرأ السجدة فلم يسجد فسبحوا له فلم ينتبه فإنهم يؤخرون سجودهم، فإذا سلم سجدوا، فإن أعلمه أحد منهم بعد الصلاة فجائز أن يسجد بعد الكلام.
ومن جد السجدة، وهو يضحك،، أعاد وضوءه، وسجد.
قال أبو معاوية، وإذا قرأ السجدة التى قرأها يجهر بالتكبير وسجد القوم فى سجوده، ولا يرفعون رءوسهم حتى يرفع رأسه ويجهر أيضا بالتكبيرة إذا رفع رأسه، كانوا فى مسجد أو غير مسجد.
ومن صلى ركعتى الفجر ثم قرأ الإمام السجدة فليس له أن يسجد، فأما غيرهما من التطوع فيسجد.
ومن قرأ السجدة وكانت فى آخر قراءته فأحب أن يقرأ ثم يركع، وإن ركع من غير قراءة لم أر عليه بأسا.
وإذا مر ما يقطع الصلاة قدام من يسجد السجدة، وهو ساجد فلا يقطع عليه إلا أن يكون سجودها فى الصلاة فإنه يقطع عليه، ويبتدئ الصلاة، كان نافلة أو فريضة.
قال: إن قرأ الإمام وهو يخطب يوم الجمعة آية فيها سجدة، فلا بأس أن ينزل ويسجدها، لأنه لو قرأها فى الصلاة سجد لها، فالخطبة أولى. وقالوا: لا يجوز أن يسجدها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس. ... /389/ (2/391)
صفحة 819
ومن لم يقل أنها صلاة قال، يسجدها فى كل وقت بلا تكبير، والذى يقول، إنها صلاة، يوجب التكبير. واختلفوا فى سجود الملائكة لآدم عليه السلام، منهم من قال، إنهم سجدوا طاعة لله لا لآدم، وقال قوم، إنه كان قبلة لهم.
ومن قرأها فى مجلس مراًرا فعليه سجدة واحدة، ومن قرأها فى مجلسين فعليه سجدتان، كمن قرأها فى يومين، ومن قرأها فى صلاتين.
مسألة:
وقال أبو محمد، رحمه الله، إذا قرئت السجدة قبل طلوع الشمس، فمنهم من قال، لا يسجد لأنه لا صلاة بعد صلاة الفجر، وهذه السجدة من سنن الصلاة، ومنهم من يقول، يسجد، لأن سجدة واحدة لا تكون صلاة.
ووجدت فى بعض الكتب، أن السجود فيه اختلاف، منهم من قال، هى صلاة، أو بعض صلاة فلا تسجد بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر، ومنهم من قال: ليست صلاة، وأجازوا سجودها.
وروى لنا ثقة، أن الشيخ أبا محمد عبد الله بن محمد بن بركة، رحمه الله، قرئت عليه السجدة بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، فسبح، ولم يسجد.
ومن قرأ السجدة ولم يسجد وذكر ذلك عند السجود فليمض فى صلاته، فإذا فرغ أعاد قراءة السجدة، وسجد وهو جالس.
قال أبو معاوية: وإذا قال الإمام: إنه ترك قراءة السجدة ناسيا أو جاهلا فقوله مقبول، كان ثقة أو غير ثقة.
/390/ (2/392)
صفحة 820
وإن قرأ الإمام السجدة فسجد واحد من خلفه قبله أو رفع رأسه قبله متعمدا انتقضت صلاته، وإن كان ناسيا فهى تامة.
ومن كان يتحول من موضع إلى موضع وهو يقرأ فلا سجود عليه إلا أول مرة، وإن ترك وذهب إلى صنعه، ثم قرأها فعليه أن يسجد، وإن قرأها مرارًا وسجد أول مرة، ثم حدث رجلا أو كلمه رجل، ثم رجع إلى قراءته فلا سجود عليه ما لم يترك القراءة ويأخذ فى الحديث، فإن حدث وترك ما كان فيه فعليه أن يسجد إذا قرأها، وكذلك من سمعها من غيره مرارًا فإنما عليه أن يسجد أول مرة كما على القارئ أول مرة، فإن قرأ السجدة من سورة ثم قرأها فى مجلسه من سورة أخرى فعليه أن يسجد.
فصل
اختلف الناس فى عدد سجود القرآن:
روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: الأعراف والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، والم (؟؟؟) تنزيل السجدة، وص، وحم (؟؟؟) السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، واختلفوا فى الآية التى يسجد فيها من حم السجدة، قالت طائفة فى الأول منها، {إِن كُنتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وقالت طائفة، السجدة، {وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ}.
رجع إلى كتاب أبى جابر. ... /391/
* * * (2/393)
صفحة 821
الباب الثالث عشر
فى صلاة الجمعة، والعيدين، وأشباه ذلك
الفصل الأول
فى صلاة الجمعة
وصلاة الجمعة حق مع الأئمة، وحيث تقام الحدود.
وقيل: خلق الله آدم يوم الجمعة، وهو صفوة الله من الأيام، وهو يوم عيد المسلمين، ويستحب الغسل فيه، وليس هو بفريضة إلا أن فيه الفضيلة.
وقيل: للغاسل فيه بكل قطرة من غسله درجة.
وقيل: كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، إذا عاتب بعض أهله قال: لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة.
ومن غيره: على بن حيان الأعرج عن جابر بن زيد، رضى الله عنه، قال: ربما يكون يوم بارد فدع الغسل يوم الجمعة.
ومن غيره عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: خطب بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا إلى الله بالأعمال الصالحة تؤجروا، وتقربوا إليه بالصدقة، سرًّا وعلانية، ترزقوا وتنصروا، ثم اعلموا أن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى ساعتى هذه، فى يومى هذا، فى جمعتى هذه، فى شهرى هذا فى عامى هذا، فريضة واجبة ... /392/ (2/394)
صفحة 822
إلى يوم القيامة، فمن تركها جحودا واستخفافا بها وعليه أمير بر أو فاجر فلا جمع الله شمله ولا بارك الله له فى أجره، ألا ولا صلاة له، فمن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تأمن امرأة رجلا، ولا يأمن أعرابى مهاجرا، ولا فاجر برا، إلا أن يكون سلطانا يخاف سطوته، نسخة، سوطه أو سيفه.
والجمعة واجبة على أهل الأمصار إلا امرأة أو مريضا، أو خائفا، أو مملوكا، أو مسافرا، فمن استغنى بلهو استغنى الله عنه، إن الله غنى حميد.
وقال صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة: عليك بالإغتسال يوم الجمعة، قال، وما ثوابى إذا اغتسلت؟ قال: يكتب لك بكل شعرة مر عليها الماء حسنة، ويكفر عنك سيئة، ويرفع الله لك درجة.
ومن اغتسل يوم الجمعة فهو طهور إلى آخرها، هكذا وجدت، فينظر فى ذلك.
رجع _ وقيل تبعث الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد، يكتبون كل امرئ جاء ساعة كذا وكذا، وقيل: إن أول من أحدث القعود على المنبر يوم الجمعة عثمان بن عفان، وذلك فى الخطبة، لما كبر جعل يقعد ويتروح ولا يتكلم حتى ينهض.
ولا تجوز الصلاة نصف النهار فى الحر الشديد إلا يوم الجمعة، وكذلك قال لى موسى بن على _ رحمه الله_.
وصلاة الجمعة ركعتان، يجهر فيهما الإمام بقراءة فاتحة الكتاب، وما قرأ ... /393/ (2/395)
صفحة 823
من القرآن، وقيل: إذا لم يخطب الإمام ولم تكن خطبة صلى أربعا، ولا بد من الخطبة يوم الجمعة حيث تلزم الجمعة.
وأقل ذلك، أن يحمد الله، ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ثم يقوم ذلك مقام الخطبة، وما كان دون ذلك فليس عندى خطبة.
وقيل: إن ذهب الناس عن الإمام قبل أن يحرم، وبقى وحده، صلى أربعا، وإن ذهبوا عنه بعد أن أحرم ودخل فى الصلاة صلى ركعتين، صلاة الجمعة، وكذلك يصلى معه واحد إلى ما أكثر.
وقال من قال: إن لم يكن معه إلا نساء وعبيد أو صبيان، أو سفار، لم يكن معه أحد غيرهم صلى أربع ركعات، لأن هؤلاء لا جمعة عليهم، وأحب النظر فى ذلك.
وإذا كان بعمان إمام أخذ الإمامة عن مشورة العلماء وأعلام الدعوة، ولم يحدث حدثا يزيل عنه الإمامة فالجمعة معه لازمة، والمعطل لها معطل الفريضة.
وقيل: إن كانت فى أيدى الجبابرة فلا بأس على من تركها. ... /394/ (2/396)
صفحة 824
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، إلا بصحار، فإن الجمعة لازمة مع السلطان، كان جائرا، أو عادلا، أو غير سلطان، رجل من البلد، وفيه أثر.
رجع _ وكان أبو عبيدة لا يرى فى شىء من أرض الأعاجم جمعة، وكان ضمام يقول: كل أرض من أرض أهل الذمة والعرب أقيمت فيها الحدود جمع فيها.
وقال أبو عبد الله، رحمه الله، سمعنا أن الأمصار التى مصرها عمر بن الخطاب رضى الله عنه، مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، واليمن، والبحرين وعمان مصر واحد، فالجمعة ثابتة بصحار ما كان أمر المسلمين قائما، ولو مات الإمام، وأما بالجوف فالجمعة مع الإمام، فإن مات الإمام أو سافر صلى الناس بعده أربع ركعات، وإن صلى بالناس يوم الجمعة مسافر ركعتين برأى الإمام فجائز، وقد فعل ذلك أبو على رحمه الله.
وقيل: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات بلا عذر فهو هالك، وذلك حيث تلزم الجمعة إلا أن يتوب.
قال غيره: عرفت أنه إذا ترك ثلاثا متواليات من غير عذر فهو على ما شرط وذكر، وقال: سمعت ابن عباس يقول: من ترك أربع جمع متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره.
رجع _ ولا بأس بالصلاة خلف قومنا فى الجمعة وغيرها.
وفى جواب أبى عبد الله، رحمه الله، فيمن لا يرى صلاة الجمعة خلف قومنا، ... /395/ (2/397)
صفحة 825
فالذى نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، أنه لا بأس فى الصلاة خلف أئمة قومنا إذا أقاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن زيد رحمه الله يصلى الجمعة خلف الحجاج.
فإن قال قائل: إنه لا يرى الجمعة خلف أئمة قومنا أنصح له وأخبر برأى المسلمين، فإن رجع إلى رأى المسلمين فذلك الواجب عليه، وإن ثبت على قوله كان فى الصدور منه حرج، ولا تسقط ولايته حتى يزعم أن جابرًا وغيره ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأسًا ليسوا على صواب، وأنهم كانوا فى ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة استتابه المسلمون من ذلك، فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه لم تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر كان حقا على المسلمين البراءة منه.
والاحتناء يوم الجمعة لا بأس به.
ويكره للرجل أن يصلى والإمام يخطب فى المسجد، ولكن يخرج من المسجد إن شاء فليصل، وإن صلى فلا بأس.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، يستمع أفضل له من خروجه للركوع.
رجع: ويكره البيع والشراء إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة، ويكره ذلك إذا زالت الشمس، ولو لم يناد حتى يصلى الإمام، وبعض رأى رد البيع فى ذلك الوقت، ولم يجئ عن أبى عبد الله، رحمه الله، فى ذلك إلا الكراهية. /396/ (2/398)
صفحة 826
ومن تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة فإنه يؤمر أن يخرج من باب المسجد حيث لا تجوز الصلاة عند الإمام، ثم يرجع يدخل، فإذا لم يخرج وصلى بعد الكلام، فقد قيل صلاته منتقضة. وكذلك عن أبى عبد الله، رحمه الله.
وكذلك لو قال رجل لرجل، اتق الله أو أمره أو نهاه كان عليه النقض إلا أن يخرج من باب المسجد، ثم يدخل.
وحفظت عن أبى مروان أنه قال، إن أبا على رحمه الله، كان يجيز أن تنتقض صلاة من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة.
وقيل، إن من تكلم بشىء من أمر الصلاة عند الإقامة، فقال لإنسان، يتقدم أو يتأخر، أو أمر بتقديم الصف أو نحو ذلك فلا بأس.
ويكره إن تكلم بذلك قبل وقت الصلاة، وقال من قال، إن اللغو من الكلام هو الذى تنتقض منه الصلاة إذا لم يخرج المتكلم من المسجد، ثم يرجع ويدخل، وهذا الرأى أحب إلى وأوسع، ولا أرى على من أخذ به بأسا.
والخطيب يوم الجمعة له إذا قام أن يقول للناس، السلام عليكم ورحمة الله ولم نسمعهم يرفعون أصواتهم بذلك، ولا يسلمون إذا انقطع الكلام، وأكثر ما كنا نسمعهم يختمون به كلهم، {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ}. ... /397/ (2/399)
صفحة 827
ولا يستحب للخطيب أن يأمر ولا ينهى، ولا يعرض للناس فى خطبته إلا كنحو ما يكون من المخاطبة فى القرآن بالموعظة. فإن فعل فلا نقض عليه حتى يلغو.
وقد أجازوا له أن يعرض فى كلامه ببيت الشعر وغيره، وترك ذلك، وترك الروايات أحب إلىّ.
وقيل، كل قوم صلوا جماعة حيث تلزم الجمعة قبل الإمام أو بعده، فصلاتهم منتقضة، وإن صلى وحده فقد أساء وصلاته تامة. وأما حيث لا تلزم الجمعة فمكروه، ولا يبلغ بهم ذلك إلى فساد. وينبغى أن تكون جماعتهم يوم الجمعة واحدة.
ومن غيره _ قلت لمحمد بن المسبح، كيف يؤمر من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة؟ قال: أن يخرج من المسجد ثم يرجع يدخل. قال: لأنه إذا تكلم والخطيب يخطب انتقضت صلاته، فيخرج من باب المسجد حتى يصير إلى موضع لا يجوز لمن كان فيه أن يصلى صلاة الإمام فى المسجد، ثم يدخل ويستمع ما سمع من الخطبة، لأن الخطبة مقام ركعتين، وتمت صلاته بما أدرك من الخطبة، وإذا لم يخرج من باب المسجد وصلى كانت صلاته منتقضة لفسادها من أصلها.
وقيل: وينبغى أن تكون جماعتهم واحدة يوم الجمعة.
ومن السنة فى الجمعة أن الخطبة متصلة بالأذان، والإقامة متصلة بالخطبة، والصلاة متصلة بالإقامة، ولا فرق بينها.
/398/ (2/400)
صفحة 828
وقد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الأذان، واتبعه أناس على ذلك وإنما كان بعمان خاصة، فأدركنا أناسا على ذلك، ثم إن محمد بن محبوب، رحمه الله غير تلك البدعة. ورد الناس إلى الأمر الأول، رحمه الله.
وقد قال بعض الفقهاء، لو أن الخطيب خطب يوم الجمعة، ثم اشتغلوا عن الصلاة بأمر عناهم، كان عليهم أن يعيدوا الخطبة، ولو خطبة مؤخرة.
رجع _ ولا جمعة على من كان على فرسخين من موضع الجمعة، وما كان دونها فعليه الجمعة.
وأما صلاة الجمعة فقد قال محمد بن محبوب، رحمه الله، من انتقضت عليه صلاة الجمعة أبدلها إذا كان مقيما أربعا فى الوقت وغيره.
وقال غيره _ إذا كان فى الوقت صلاها صلاة نفسه، وإن فات الوقت صلاها ركعتين، صلاة الجمعة.
ومن غيره _ قال محمد بن المسبح، قال بعض، يبدلها فى وقتها أربعا، فإن زال وقتها صلاها صلاة الإمام ركعتين، يقرأ أم الكتاب وسورة فى الركعتين جميعا، كما صلى الإمام.
رجع _ وكذلك الذى يقصر، إذا صلى مع من يتم، ثم انتقضت صلاته، فإن علم فى الوقت أبدل صلاة نفسه، وإن فات الوقت أبدل تلك الصلاة بعينها، وفى نسخة تماما.
هذه المسألة التى كتبتها الآن وجدتها فى نسخة أخرى، لا أرى أنها من الجامع أو من غيره. ... /399/ (2/401)
صفحة 829
وسئل عن مسافر، صلى الجمعة حيث تلزم الجمعة، فانتقضت صلاته، ما يبدلها؟ تماما أو قصرا؟
_ فإنه يبدلها فى وقتها قصرا بقراءة أم الكتاب وحدها، وإن كان قد فات الوقت صلى صلاة الجمعة، كما صلى الإمام بقراءة فاتحة الكتاب وسورة فى الركعتين جميعا.
فإن صلاها جماعة فى غير موضع المنائر، فانتقضت عليه، ما يبدها تماما أو قصرا؟
_ فإنه يبدلها قصرا فى وقتها، وفى غير وقتها إذا كان مسافرا.
ومن غيره: قال، وقد قيل، يبدل الصلاة قصرا، لأن تلك ليست بصلاة، وذلك المسافر والمقيم يصليها تماما فى الوقت وغير الوقت، لأن تلك ليست بصلاة.
ومن اشترى أو باع بعد زوال الشمس يوم الجمعة ومن قبل الصلاة لم يحرم ذلك البيع ولا ينتقض، وإنما هو تأديب من الله، وتعليم، لقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}، فمن لم ينشر فلا بأس عليه.
وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذا تَبَايَعْتُمْ}، إنما ذلك أدب من الله لهم. ولو لم يشهدوا على البيع لم ينتقض. /400/ (2/402)
صفحة 830
ومن غيره _
وعن أبى الحوارى، رحمه الله، قال، أما خطبة الجمعة فإنه حدثنا نبهان بن عثمان، رحمه الله، عن الإمام الصلت بن مالك، رضى الله عنه، أنه يحفظ، أن قل، هُوَ الله أَحَد، تقوم مقام خطبة الجمعة.
قال غيره: ومعى، أنه إذا اجتزأ ذلك فى صلاة الجمعة ففى صلاة العيدين أحرى أن يجزى.
ومن غيره، ومن سيرة محبوب بن الرحيل، رحمه الله، إلى أهل حضر موت فى أمر هرون، فقال فيها، وقد بلغنا أن أهل عمان قد كتبوا إلى جابر بن زيد، رحمه الله، يسألونه، هل يأتى الجمعة من لا يسمع النداء، فكتب إليهم جابر بن زيد، رحمه الله، لو لم يأت إلا من يسمع النداء، لا قلّ (؟؟؟) الله أهلها، تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوى إلى منزله فعليه الجمعة.
وبلغنا عن جابر بن زيد، رحمه الله، أنه خرج يوما يريد الجمعة، فتلقاه الناس منصرفين، فشق عليه ذلك يومئذ، وقال، اللهم، لك علىَّ ألا أعود.
وكان يجمع خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجاج.
واخبرنا قرة بن عمر الأزرقى، رحمه الله، وكان خيرا فاضلا، أنهم تهيأوا للخروج معهم إلى مكة حجاجا لثمان بقين من ذى القعدة، فمروا بحاجب بن مسلم، رحمه الله، وهو يريد الخروج معهم، وذلك يوم الجمعة، فقال لهم حاجب، إنفى نفسى من الجمعة حاجة، فقال له أصحابه، يرحمك الله، ذهبتنا الأيام ونخاف القوت (؟؟؟)، /401/ (2/403)
صفحة 831
فقال لهم: امضوا أنتم، وتخلف عنهم حتى جمع، ثم خرج، فلحقهم فى موضع يقال له، الرحيل، مرحلتين من البصرة، كراهية فى تركها، ورغبة فى إتيانها.
رجع: لا جمعة على مسافر ولا صبى ولا عبد ولا امرأة إلا أن يحضروها فصلوها بصلاة الإمام.
وقد عذر الناس عن الجمعة يوم المطير، وعند شدة الحر والبرد، وما يعرض من الموانع، ونحو ذلك من خوف أو غيره.
وكذلك أصحاب الجنازة، أو عنده مريض يحتاج أ يحضره فى ذلك الوقت.
وقال من قال، إن صلاة الجمعة ليست كغيرها، من صلاها فى بيته وظن أن الإمام قد صلى، ثم أدرك الجمعة مع الإمام، فالنافلة هى الأولى، والثانية نافلة فى هذا المكان وغيره.
وعن أبى أيوب قال، الإمام لا يتكلم إذا مضى إلى المنبر يوم الجمعة.
والمسافر يوم الجمعة لا بأس عليه أن يشترى ويبيع إذا نودى للصلاة، لعله، إلى الصلاة (1)، وكذلك من ليست عليه جمعة.
ومن غيره، قال أبو الحوارى، تجوز صلاة الجمعة خلف الجبابرة فى الأمصار التى مصرها أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ولا تجوز خلف الجبابرة فى غير ذلك.
تم الباب من كتاب أبى جابر. ... /402/
(1) استدراك القصد منه المحافظة على النص، لا التصويب، فإن الأصل أصوب وفق الآية القرآنية. (2/404)
صفحة 832
وعن رجل، يقول، لا أصلى الجمعة فى جماعة، يقول، لأن الله لم يفرضها على، فإذا كان بحضرة إمام عدل وقال بهذا القول، ودان به، وفعله فقد ترك الفضل، ولا ولاية له، وهذا قد رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رد على رسول الله فقد رد على الله، وهذا هالك بهذا القول.
وأما الذى يقول، ليس فى عمان جمعة، فإذا كان بها إمام عدل، أخذ الإمامة عن مشورة العلماء، ولم يحدث فى دينه حدثا، يخرجه من الإمامة فهو على ما ذكرت لك من الأول. وأما إذا كانت عمان فى أيدى الجبابرة فقال ذلك، ودان به لم تزل ولايته التى ذكرت أولا، وهو على ولايته.
قال غيره: أما فى صحار من عمان فقد قيل، إنها ثابتة على كل حال، مع أهل العدل وأهل الجور، فإذا كان قال، لا تجوز فى صحار فقد دان لمخالفة الحق، وهلك بذلك.
ومن غيره، قلت، فإن عنى رجل ممن شهد الجمعة بشىء فى نفسه أو ثوبه، مما يخاف أن يفسد عليه ذلك صلاته، فسأل رجلا ممن حضر الجمعة عن ذلك مستفتيا أيجوز ذلك لهما؟ قال: لا بأس عليهما، هذا من أمر الصلاة. وإن استفتاه عن مسألة غير ذلك فلا يجبه الآخرة إلا بالإيماء، فإن أجابه بالكلام فعليهما أن يخرجا من المسجد، ثم يرجعا إليه.
قلت، أرأيت إن قرأ القرآن والخطيب يخطب، أيفسد ذلك عليه؟ قال، لا، كل شىء من ذكر الله فلا يفسد عليه.
/403/ (2/405)
صفحة 833
قلت، أرأيت إن قرأ كتابا والخطيب يخطب، وفيه كلام غير ذكر الله، قال، إن قرأ فى نفسه لم يفسد ذلك عليه، وإن أفصح بالقراءة أفسد ذلك عليه.
ومن غيره: أما من فسدت عليه صلاة الجمعة حيث تكون ركعتين فليبدل صلاة نفسه أربع ركعات، إذا كان ممن يلزمه التمام. وسواء فى ذلك كان فى وقت الصلاة أم من بعد انقضاء وقتها، هذا فى الجمعة خاصة، لأنه إنما يبدل صلاته، ليس صلاة الإمام.
وقال آخرون غير ذلك.
قلت له: والاغتسال يوم الجمعة واجب على الناس؟ قال، لا، إلا أنه يستحب.
ومن غيره: قال أبو معاوية، الأمصار التى تلزم فيها الجمعة. مكة والمدينة، والكوفة، والحيل، ومصر، هذه ستة أمصار، ليس يختلف فيها، والسابع يختلف فيه.
ويوجد عن أبى عبد الله، رحمه الله، أن الأمصار سبعة، لأنه جعل عمان والبحرين مصرا.
قال غيره _ ومعى أنه قد قيل، إن عمان مصر والبحرين مصر.
قال أبو عبد الله، رحمه الله، فى صلاة الجمعة على كل حال بصحار، إنما تكون ركعتين، كان بها إمام أو وال، أو لم يكن فيها أحد من السلطان. ... /404/ (2/406)
صفحة 834
ومن غيره: وإذا كان الإمام إمام عدل بعمان بغير صحار مقيما، وأتم بها الصلاة كانت الجمعة عنده أيضًا ركعتين حيث تقام الحدود.
قال غيره: ومعى أنه قد قيل: لا جمعة على حال مع أهل العدل وغيرهم إلا فى الأمصار الممصرة التى ثبتت فيها الآن، لا تختلف الأحكام بين أهل الإسلام.
قال: ومعى أنه قد قيل: لا جمعة فى الأمصار إلا بإمام عادل، لأن الأمصار إنما مصرت فى أيام العدل.
ومن غير الكتاب والزيادة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه دخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة.
وعن سعيد بن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال، إن الله كتب الجمعة على من قبلنا، واختلف الناس فيها فهدانا الله لها. فالناس لنا فيها تبع، فاليوم لنا، ولليهود السبت، ويوم الأحد للنصارى.
مسألة:
وسألته عن رجل بيته داخل فى الفرسخين، أعليه أن يأتى الجمعة؟ قال، نعم، قال، وإنما تحسب الجمعة من المسجد مع فرسخين.
قالوا، لو أن بلدا كان سعته ثلاثة فراسخ أو أربعة، فإنما القياس من المسجد فرسخان، فمن خرج بيته من الفرسخين لم يكن عليه أن يأتى الجمعة.
قال أبو المؤثر فى الأعرابى، إذا كان يحسن الصلاة ويقرأ القرآن فلا بأس ... /405/ (2/407)
صفحة 835
أن يؤم بأهل القرى، إن كان صالحا، ولا رخصة لأحد فى ترك صلاة الجمعة، إذا كان أميرا برا أو فاجرا.
قال أبو المؤثر:
ذكر لنا أن حبيبا كان مع جابر بن زيد، رحمه الله، فى يوم الجمعة، فقال له جابر الروح إلى الجمعة، فقال له حبيب، أخلف الحجاج؟ قال له جابر بن زيد: نعم، إنها صلاة جامعة، وسنة متبعة.
وقيل، إذا كانت فى أيدى الجبابرة فلا بأس على من تركها.
وإذا صلى المسافرون الظهر يوم الجمعة جماعة حيث تصلى الجمعة صلاتهم تامة، وإن فعل المقيمون ذلك لم تجز صلاتهم، وعليهم البدل.
فصل
فى صلاة العيدين
ومن سنن الإسلام صلاة عيد الفطر، وعيد النحر، ركعتان، وهى وجوه أربعة، كلها جائزة، سبع تكبيرات، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، فمن كبر ثلاث عشرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، ثم قرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم ركع وسجد، ثم قرأ فى الركعة الثانية فاتحة الكتاب وسورة، ثم كبر بعد القراءة خمس تكبيرات، ثم ركع بتكبيرة، فإذا رفع رأسه من الركوع كبر ثلاثا، ثم خر ساجدا بتكبيرة، وقضى صلاته. ... /406/ (2/408)
صفحة 836
وإن صلى على أن يكبر إحدى عشرة تكبيرة فإنه يكبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، فإذا فرغ من القراءة فى الركعة الثانية كبر خمسا.
وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، ثم قرأ وصلى فإذا فرغ من القراءة فى الركعة الثانية كبر خمسا، وأتم صلاته.
قال غيره: إن شئت فكبر فى الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام ستا، وفى الركعة الثانية بعد أن يقضى القراءة ثلاث تكبيرات، وهذا هو القول المجتمع عليه.
رجع _ وإن أراد أن يكبر سبعا بعد تكبيرة الإحرام أربعا، ثم قرأ وصلى، فإذا فرغ من القراءة فى آخر ركعة كبر ثلاثا وأتم صلاته.
وليس فى الصلاة تكبيرة بعد الركوع إلا من كبر ثلاث عشرة تكبيرة.
وفى جميع التكبير لصلاة العيد تكبير الركعة الأخيرة وتر.
ومن غيره قال محمد بن المسبح، وإن شاء كبر ثلاث عشر تكبيرة، كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، وكبر فى الركعة الثانية بعد قراءته سبعا، ولم يكبر إذا رفع رأسه من الركوع شيئًا، وهذه السنة.
قال غيره فإن كبر فى الركعة الأولى قبل القراءة ثمانيا، وفى الركعة الآخرة بعد القراءة خمسا جاز ذلك.
رجع _ وليس فى صلاة الفطر والنحر أذان ولا إقامة.
وقيل، أول من أحدث الأذان يوم الفطر والنحر معاوية. ... /407/ (2/409)
صفحة 837
ويكره الكلام والقراءة والإمام يخطب يوم العيد.
ويستحب الغسل يوم الفطر ويوم النحر، وليس بواجب.
ويقال: صل قبل الفطر وبعدها ما شئت، وأما صلاة النحر فإذا صليتها فانصرف، فلو صلى مصل لم أر عليه بأسا.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، حتى تقضى نسكك.
رجع _
وقيل، إذا اجتمع يوم العيد ثلاثة أو اثنان والإمام صلوا جماعة، وقال من قال، حتى يكونوا خمسة، وقال آخرون، حتى يكونوا سبعة، وقال آخرون، حتى يكونوا عشرة، وإذا صلوا جماعة فلا بد لهم أن يتكلم رجل منهم بما فتح الله من الكلام، وإن لم يحضر الإمام إلا نساء وعبيد فأحب أن يصلى بهم صلاة العيد، ويخطب.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، إذا اجتمعوا وصلوا، فصلى بهم أحدهم، ولم يحسنوا الخطبة قرأ أحدهم سورة من المفصل وغيره، ويستحب أن يأكل شيئا قبل أن يخرج إلى المصلى يوم الفطر.
وقال أيضا، رجل سبقه الإمام بالصلاة يوم الفطر والأضحى، وكان الرجل قد برز إلى الجبان، فليمض صلى الإمام، فليصل ركعتين، يكبر فيهما تكبير ... /408/ (2/410)
صفحة 838
الأضحى والفطر، وإن انفتل (؟؟؟) ولم يكن هو برز من القرية إلى الجبان فليصل ركعتين فى بيته.
رجع _
وقال من قال من الفقهاء، إذا صح خبر يوم العيد بعد زوال الشمس أخروا البروز إلى الضحى من عندهم، وإذا جاء الخبر قبل ذلك برزوا.
وقال من قال، ويبرزون متى ما جاء الخبر ولو بالعشى، والقول الأول أحب إلى، ويكون بروزهم إلى الجبان إلا أن يكون مطر أو شىء يحول بينهم وبين البروز، وصلوا حيث أمكنهم فى مسجد أو غيره.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، الذى قال بالتعجيل فهو أحب إلى ما لم يصلوا العصر، لأنه يوم الفطر الذى حرم الله صيامه وأحل فطره، وختم به شهر رمضان.
وقيل، يبرزون ما لم يكونوا صلوا العصر.
وقيل، إن الحائض ليس عليها بروز حتى تنقضى الحيضة.
رجع _
ومن سبقه الإمام بشىء من صلاة العيد أبدله على ما كبر الإمام.
وعن أبى عبد الله، قال، من سبقه الإمام بركعة فى صلاة العيد وهو لا يحسن التكبير فليصل ركعة إذا لم يحسن تكبيرة الصلاة، وكذلك من فاتته الصلاة ... /409/ (2/411)
صفحة 839
مع الإمام، وهو وحده، أو لم يخرج لعذر صلى ركعتين بلا تكبير، مثل تكبير صلاة العيد.
وعن أبى على، رحمه الله، فمن لم يسمع تكبيرة خلف الإمام فلم يكبرها، وكبر مع الإمام ما سمع ولم يكبر ما لم يسمع، أو نسى فلم يكبرها، قال، لا نقض عليه.
وقال من قال، من زاد تكبيرة فى صلاة العيد أو نقصها فعليه النقض، وقال من قال، النقض على من نقص، ولا نقض على من زاد، وقال من قال، لا نقض على من نقص ولا من زاد، وهو رأى أبى على وأبى عبد الله، رحمهما الله، كذلك وجدنا عن أبى عبد الله، وهذا الرأى أحب إلى.
وقال أبو عبد الله، على قول من قال، النقض على من نقص تكبيرة من صلاة العيد، ولو أنهم صلوا وانصرفوا، ثم صح أن الإمام نقص تكبيرة من التكبير فإذا ذكروا ذلك من قبل زوال الشمس من ذلك اليوم فليرجعوا يصلوها جماعة فى موضع العيد، أو فى المسجد، أو حيث شاءوا، ويؤذن الناس بذلك.
وإن لم يذكروا حتى تزول الشمس من ذلك اليوم فلا يصلون جماعة تلك الصلاة، ويصلون فرادى، كل واحد منهم ركعتين بغير تكبير صلاة العيد.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، لا نقض عليهم فى زيادة التكبير ولا نقصان تكبيرة، وصلاتهم تامة.
وعن الأصم الذى لا يسمع التكبير يوم العيد، قال، يكبر غاية التكبير ... /410/ (2/412)
صفحة 840
ثلاث عشرة تكبيرة، ويوجد، أنه يكبر ما شاء من وجوه (؟؟؟) الصلاة، وكل ذلك جائز.
والرجل يخرج يوم العيد إلى المصلى فيسبقه الإمام بالصلاة، قال، إذا برز إلى الصعيد صلى صلاة الإمام، وبعض الفقهاء قال: يصلى ركعتين.
رجع _
قال أبو عبد الله، يبدأ بالتكبير بعد النحر على إثر صلاة الفجر، ومن نسخة، يبدأ بالتكبير، تكبير التشريق، بعد النحر على إثر صلاة الظهر إلا أن يكبر على إثر صلاة العصر من اليوم الثالث غير يوم النحر.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح، قد قالوا ذلك، وأما الذى عرفناه، أن التكبير على إثر صلاة المغرب من ليلة النحر، وهو أول ليلة التشريق، لقول الله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، فهى الثلاث، أولها ليلة النحر على إثر صلاة المغرب، وآخرها التكبير من يوم ثالث، وقوله تعالى {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}، لقوله عز وجل: {لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنم بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ}، فيوم النحر من ... /411/ (2/413)
صفحة 841
الأيام المعلومات، وفيها النحر والحلق، فكيف يكبر من عليه المناسك وهو يقول، {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ}.
رجع _ وقيل، إن جابر بز زيد، رحمه الله صلى بأصحابه بمنى، ولم يكبر كما كبر الناس أيام منى، ولم يكن موسى بن على، رحمه الله، ولا غيره من الفقهاء بأزكى يكبرون.
وعندنا أن كل ذلك جائز.
ومن كان يجمع الصلاتين فأرجوا أن تكبيرا واحدا يجزيه إذا جمع، والنساء يخرجن لصلاة العيد، ولا بأس بخروج الحائض، وتكون خلف الناس لحال صلاتهم.
وفى صلاة العيد تستعيذ بعد التكبير الأول.
تم الباب من كتاب أبى جابر، ومن غيره.
وعن قوم خرجوا جماعة يريدون أن يصلوا يوم العيد فوجدوا الناس قد صلوا، فإن كانوا جميعا لم أر بأسا أن يصلوا جماعة، وإن لم يفعلوا فما أرى بأسا أن يصلى كل واحد منهم ركعتين.
وعن رجل دخل فى صلاة العيد، وقد سبقه بعض التكبير، فلما سلم الإمام لم يقم يقضى ما فاته، انتقضت صلاته.
/412/ (2/414)
صفحة 842
وعن نساء اجتمعن يوم النحر ويوم الفطر، هل تؤمهن واحدة منهن؟ قال أبو يحيى وغيره: لا تؤمهن، ولكن تصلى كل واحدة منهن بنفسها.
وعن ثلاثة نفر فى سفر، هل عليهم صلاة الفطر والأضحى؟ قال: نعم، إذا كان فيهم من يحسن أن يصلى بهم ويتكلم.
ومن غيره: ويستحب أن تصلى صلاة العيد فى ربع النهار الأول بعد أن تطلع الشمس ويستوى طلوعها، ولا يؤخرها بعد ربع النهار، فإن أفضلها فى الربع الأول من النهار، وإن أخرها ما لم ينتصف النهار فلا بأس.
ومن جامع الشيخ أبى الحسن، رحمه الله.
ويستحب تأخير الصلاة يوم الفطر، انتظارا فى صدقة الفطر، ويستحب تعجيل يوم الأضحى، لما فيه من الأضاحى والأكل والترغيب، والتصدق بها ليؤكل منها، وأحب على هذا تأخير انتظار الفطر لاشتغال الناس بإخراج الفطرة، وأن يأكل قبل الخروج، ولا أحب أن يأكل يوم النحر حتى يصلى وينحر، لأن الله قد جمع بين ذلك، فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرِ} ثم قال: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ} فأحب الأكل والطعم لذلك.
ومن غيره: وصلاة العيد سنة واجبة، لا يجوز التخلف عنها إلا من عذر، ولا بد من الخطبة بعد الصلاة، وإن شئت إذا وجهت لصلاة العيد، واستعذت، ثم كبرت تكبيرة الإحرام، ثم قرأت، وقد أجزأتك الاستعاذة الأولى. /413/ (2/415)
صفحة 843
وعن ذوات الخدور النساء، هل لهن أن يتخلفن عن الخروج يوم العيد؟
فقال، عليهن الخروج، والحائض تخرج وتقعد ناحية فتسمع، ولا تصلى.
قلت، فإن كرهن، قال، يؤمرن فإن لم يفعلن يضربن.
قلت، أيتخلف الرجل خادمه يحفظ منزله؟ قال: لا بأس، ولو أن مسلما خاف على منزله لم أر عليه بأسا. وعرفت، أن من خاف فوت صلاة العيد، أن له أن يتيمم ويصلى السنة فى الجماعة إذا خاف فوتها، ولو لم يعدم الماء، وذلك فى بعض القول.
وكذلك صلاة الجنازة، والجنازة أرخص، ولا أعلم فيها اختلافا.
ومن غيره وقد قيل، إذا عرض عذر وشغل عن صلاة العيد حتى زالت الشمس، أنه لا صلاة بعد زوال الشمس، كما لا جمعة بعد انقضاء وقت الظهر.
وقال:
حضور العيدين على المسافر أوكد من حضور صلاة الجمعة، وعليهم أن يصلوا صلاة العيدين، إذا كانوا عشرين رجلا، وأقل ما سمعنا ثلاثة، إذا كان فيهم من يحسن الخطبة والصلاة.
من غير الكتاب والزيادات.
قال: وخطبة يوم الفطر لا بأس إن أطالها عن خطبة النحر، من غير أن يسأم الناس، وقد روى لنا أن جابر بن زيد، رحمه الله، أنه قال، حدثوا الناس ما رمقوكم بالحدق. ... /414/ (2/416)
صفحة 844
ولا ينبغى للمذكر فى كل مجلس الذكر أن يحمل على الناس السآمة والإطالة إلا أن يعلمهم دينهم، ويفقههم فيه، فلا بأس.
مسألة:
قال: وإن وصل كتاب الإمام إلى الوالى، يحمله ثقة، فلا بأس أن يفطر أهل البلد، لان كتاب الإمام حكم.
قال: وأحسب أنه قال من قال: ولا أجدنى أبصر حفظى عن من حفظت، أنه إذا نادى منادى السلطان عدلا كان أو جائرا فى أهل البلد، بان هذه الليلة من رمضان، أو هذا يوم الفطر، وقد صح معه ذلك، أن ذلك جائز مقبول، يصوم الناس ويفطرون بتلائهم.
قال: وأقول، إلا أن يكون السلطان معروفا بالكذب، وإجازة شهادة غير العدول، ويسحل تقديم الشهر وتأخيره، فذلك حقيق ألا يقبل منه ولا يصدق.
وقال: وإن سمع واحدا يخبر انه منادى السلطان يناديه عنه، أن اليوم الفطر، أو اليوم النحر، فإنه يقبل ذلك إذا كان شائعا فى الناس.
وقال من قال: لا تقبل شهادة على رؤية هلال شهر رمضان إلا شاهد عدل، وقال من قال، حتى يكونا عدلين.
قال الذى يقول إن كل من شهد خطبة العيدين أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها ... /415/ (2/417)
صفحة 845
إلا الإمام الذى يلى الخطبة، وقال: إن خطب العبد بإذن سيده خطبة العيدين فلا بأس بذلك.
قلت: فإن كان بغير رأى سيده؟ قال: إذا كان بغير رأى سيده، وانصرفوا على ذلك لم أر عليهم إعادة الصلاة.
وقال فى العبد، إذا أمره سيده بصلاة العيدين، ورضى به القوم، فلا بأس أن يصلى بهم.
قلت، فإن صلى بهم بغير رأى سيده، أو خطب، أجائز؟ قال، قد مضى الجواب.
وسألته:
أن يصلى الرجل بالقوم صلاة العيدين، وهم له كارهون؟ قال، لا.
وعلى من حضر الخطبة فى العيدين أن ينصت كما ينصت فى خطبة الجمعة، سمعها أم لم يسمعها.
وإن سها الإمام فى صلاة العيدين فعليه سجدتا الوهم.
وسألته:
عن رجل أو امرأة ترك صلاة العيدين سنين، ما يلزمه؟
قال: إن كان ترك ذلك ديانة فهذا لا حظ له فى ولاية المسلمين، وأهون ما يصنع به أن يكف عن ولا يته. قال، وإن تركها لمعنى، مثل بكر تستحى، ... /416/ (2/418)
صفحة 846
أو رجل يحفظ منزله، أو يتباعد عنه موضع الجبان فيثقل عليه، أو يستحى لتقصير لباسه، وهو لا يترك صلاة العيدين، بل يستحب ألا يدع صلاة العيدين ما أمكن له، فإن لم يفعل فقد روى عن محمد بن محبوب، رحمه الله، ألا يقدم على ترك ولايته.
مسألة:
وسألته: عن المرأة، هل تستأذن زوجها إن أرادت الخروج إلى العيدين؟ قال، نعم، وما أحب له أن يحبسها. وما أرى للزوج ولا للأب أن يحبساها عن الخروج إلى العيدين، ولا نحب لهما أن يخالفا، الأب والزوج.
قلت: فإن استأذنتا فلم يأذنا لهما، وذهبتا بغير رأيهما، هل تكونان آثمتين فى ذلك؟ قال: لا.
قلت: وكذلك إن ذهبتا ولم تستأذنا ألم تكونا آثمتين؟ قال: نعم.
كذلك العبد، إذا أراد أن يذهب إلى العيدين يستأذن مولاه؟ لعله قال، نعم.
قلت: فإن استأذنه فلم يأذن له، فذهب، هل يكون آثما؟ قال: لا آمن عليه الإثم. ... /417/ (2/419)
صفحة 847
قلت: فالبكر، هل تستأذن أباها أو وليها إن لم يكن لها أب، للعيدين؟ قال: لا.
قلت: فالعبد إذا كان ليتيم، من يستأذن للعيدين؟ قال: وصى اليتيم، فإن لم يكن لليتيم ضيعة يشتغل بها فلا بأس على الوصى أن يأذن له، وإن كان له ضيعة فما أحب للوصى أن يأذن له.
وسألته، عن الذى لا يذهب إلى العيدين، كيف يصنع؟ قال: إن صلى ركعتين أو أربعا فحسن، وإن لم يفعل فلا بأس عليه.
قال: ولو خطب الإمام، ثم صلى بعد الخطبة كان قد خالف السنة، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى عليه نقضًا ولا على من خلفه، ولا نرى أن يفعل هذا، إنما هى بدعة عثمان.
قال: وإذا صلى رجل بالناس صلاة العيدين، وأراد أن يجتزئ بالقراءة عن الخطبة فلا بد من الخطبة، يخطب الناس؟ قال، نعم.
وإن أحدث الإمام وهو يخطب فلا بأس أن يتم الخطبة إذا كان قد قرأ.
وقال: من كبر وهو فى مضيه إلى المصلى فى العيدين فحسن، ومن لم يكبر فلا بأس عليه. ... /418/ (2/420)
صفحة 848
قلت: فكيف يكبر؟
قال، يقول، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد.
قال: وخطيب العيدين لا يخطب إلا قائما.
وسألته عن الحدود فى صلاة العيدين، قال، تكبيرة الإحرام حد، ثم التكبير كله حد بعد تكبيرة الإحرام، ثم القراءة حد، ثم التكبير حد، ثم الركوع حد، ثم السجدتان كل سجدة حد، ثم القراءة حد.
قال: ولو أن إماما صلى صلاة العيد بالناس، وكبر فى الركعة الأولى خمسًا، ثم قرأ وركع وسجد، ثم قام فكبر خمسًا متعمدًا، ثم قرأ وركع، ثم قام فكبر، ويمضى على صلاته، لم أر عليه نقضا.
والخطيب يقدم رجله اليمنى على العتبة، وأحب إلينا ألا يمسك شيئًا، إن أمكنه ذلك.
وليس على النساء أن يذهبن إلى عرفة.
قلت: فإن كان الإمام قد فرغ من الخطبة فليصل بهم أحدهم، ويخطب بهم.
قلت: أرأيت إن خطب بهم وصلى بهم فى الموضع الذى صلى فيه القوم؟ _ فلا بأس بذلك، لأنه مصلى. ولا بأس أن يصلى قوم بعد قوم.
ولو أن رجلا صلى مع الإمام صلاة العيدين، ثم انتقضت صلاته، فإنه يعيدها كما صلى الإمام متى ما ذكر، ولو بعد أيام إلا ألا يحسن تكبير العيدين فقد رخص ... /419/ (2/421)
صفحة 849
بعض الفقهاء للذى أدرك مع الإمام من صلاة العيد شيئًا وفاته منها شىء أن يعيد ما فاته بلا تكبير، ومن هنالك رأيت عليه أن يعيد الركعتين بلا تكبير إذا لم يحسن التكبير، وإن أحسن التكبير فليعدهما بالتكبير، وهو رأى محبوب، رحمه الله.
رجع إلى كتاب أبى جابر:
وذكرت فيمن كان فى صلاة عيد أو غيرها والصفوف مختلفة، فقال: سووا صفوفكم، وسبقه الإمام فكبر، وهو بعد بوجه (؟؟؟)، ثم كبر هو ما فاته من تكبير الإمام، والإمام بعد فى تكبيره لم يتمه؟
_ فأما صلاة العيد فكذلك يفعل، وصلاته تامة، إذا سبقه الإمام فأحرم، أحرم هذا الداخل وكبر ما فاته من تكبير الإمام، ثم دخل مع الإمام على تلك الحال. وأما صلاة الفرائض فإنما يكون مع الإمام فيما هو فيه، إذا سبقه الإمام فأحرم وجه هذا الداخل، ثم أحرم، ثم اتبع الإمام فى الحد الذى هو فيه. وبالله التوفيق. ... /420/
* * * (2/422)
صفحة 850
الباب الرابع عشر
فى صلاة الاستسقاء، والخوف، والكسوف، والنوافل، والضحى
وهو فصول:
الفصل الأول
فى صلاة الاستسقاء
حدثنا عباد أن بنى إسرائيل قحطوا قحطا شديدا فأتوا عيسى (2) عليه السلام، فقالوا، يا نبى الله، لو خرجت عندنا فاستسقيت، فخرج، وخرج الناس معه، ولم يبق أحد إلا خرج معهم، حتى اسودت الجبال، فقال عيسى عليه السلام، من كان قد أذنب منكم ذنبا فليرجع، فرجع ناس من الناس، ثم قال للناس: مثل ذلك، فرجع ناس، فما زال يقول، من أصاب منكم ذنبا فليرجع، فرجع الناس كلهم حتى ما بقى إلا رجل واحد أعور، فقال له عيسى عليه السلام، مالك يا فتى، لم تصب ذنبا؟ فقال الفتى، أما والله شيئا أعلمه فلا، إلا أنى كنت يوما أصلى، فمرت بى امرأة، فنظرت إليها بعينى هذه، فما جاوزت المرأة حتى أدخلت إصبعى فى عينى، فانتزعتها، فأتبعتها المرأة، فقال عيسى عليه السلام، أنت صاحبى، فقم فادع حتى أؤمن على دعائك، فدعا الرجل وأمن عيسى على دعائه فتجللت السماء سحابا، ثم صبت غزالتها، فسقاهم الله مطرا أياما، وغيثا جوادا. ... /421/
(2) كذا فى الأصل (2/423)
صفحة 851
الغزالى جمع الغزلا، وهو مصب الماء من الراوية حتى يستفرغ ما فيها، وكذلك سميت غزالى السحاب لشبهها بها، يقال، أرسلت السماء غزالتها إذا جاءت بماء منهمر.
عن عائشة، قال: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له فى المصلى، ووعد الناس يخرجون فيه، قالت عائشة، فخرج صلى الله عليه وسلم حين بدأ حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال، إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن أيان، أوان، زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم.
ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا أنت، تفعل ما تريد، اللهم أنت الله الذى لا إله إلا أنت، الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين.
ثم رفع يده، فلم يزل فى الرفع حتى بدا بياض إبطه صلى الله عليه وسلم، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب، أو حول رداءه وهو يرفع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل، وصلى ركعتين فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله عز وجل، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال، اشهدوا أن الله على كل شىء قدير، وأنى عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. /422/ (2/424)
صفحة 852
أنس بن مالك قال، جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال، يا رسول الله، لقد أتيناك ولا لنا بعير يئط، ولا صبى يغط، وأنشد الأعرابى يقول:
أَتَيْنَاًك وَالْعَذْرَاءُ تَدْمى لِثَاتُهَا ... وَقَدْ شَغَلَتْ أُمُّ الصَّبِىِّ عَن الطِّفْلِ
وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الفَتَى لِاشْتِكَائِه ... مِنَ الجُوعِ هَوْنًا مَا يُمِرْ وَمَا يُحْلِى
وَلاَ شَىْء مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا ... سِوَى الحَنْظِل العَامِى وَالْعَبْقَرِ الفَضْلِ
وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا ... وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إَلَى الرُّسْلِ
قوله، بعير يئط، أطيط الإبل يكون أنينها من ثقل الحمل عليها، وصوت هز (؟؟؟) ما عليها، وأنينها للكضة، والأطيط والأط صوت تفيض المحامل (؟؟؟)، والأطيط من شدة الجوع، وقوله يغط، الغطغطة ضرب من الصوت، وقوله العامى اليابس، وقوله العبقر أول ما ينبت من أصول القضيب، وقوله غصن رخص قبل أن يظهر من الأرض، والواحدة عبقرة، وقوله الفضْل يريد به المقطوع من وسطه أو أسفل من ذلك، وإنما سمى الفضيل الذى يعلف منه الدواب فضيلا لسرعة افتضاله (؟؟؟) ورخاصه.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع يده إلى السماء، فقال: اللهم، اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا غدقا طبقا عجلا غير رايب، نافعا غير ضار، تملأ به الضرع وتحيى به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون. ... /423/ (2/425)
صفحة 853
فو الله ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها، وجاءت بمطر كأفواه القِرب.
وعن أبى، المراد، حتى جاء أهله البطانة يصيحون: الغرق، الغرق، قال، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى السماء، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، قال: فانجاب السحاب، وأحدق المدينة، كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وقال: لله در أبى طالب، لو كان هنا قرت عيناه، من ينشدنا شعرا:
فقال على بن أبى طالب، بأبى وامى يا رسول الله، لعلك تريد قوله:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسَقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يُطِيفُ بِهِ الهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فَهُمْ عِنْدَهُ فِى نِعِمَةٍ وَفَوَاضِلِ
أبيات له:
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ذلك أردت، وفى نسخة، نعم، ذلك أردت يا أبا الحسن، ثم نزل.
وكان ابن عمر كثيرا ما ينشد نعته هذا فى مسجده صلى الله عليه وسلم، ويقول، من سمعه هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مربعا المربع من الكلأ الكثير، يقول، مرع يمرع وهو الكلأ والرعى، وقد أمرع القوم إذا أصابوا الكلأ المربع، وأمرع المكان ... /424/ (2/426)
صفحة 854
والوادى إذا أكلأ، والمرع الاسم من ذلك. والغدق الكثير، ومطر يغدق كثير، والمطبق العامّ الذى يتسع ويطبق الأرض، والرايب البطىء، والغزالى قد مر تفسيرها، والنواجذ جمع ناجذة، وهى السن بين الأنياب والأضراس، وقول العرب، بدت نواجذه إذا بدا ذلك منه ضحكا أو غضبا.
وقول أبى طالب، ثمال اليتامى أى غياثهم، وقوله، عصمة للأرامل، كل شىء اعتصمت به، وقد اعتصمت إذا ألجأت إلى شىء اعتصمت به، والطريق تعتصم بما تناله يده، أى يلجأ إليه.
وقال النابغة:
يَظَلُّ مِنْ جَوْفِهِ المَلَّاحُ مُعْتَصِمًا ... بِالْخَيْزُرَانَةِ بَعْدَ الْأَيْنِ وَالنَّجَدِ
الملاح صاحب السفينة، والخيزرانة السكان، والأين الإعياء، والنجد الغرق، وقوله الهلاك هم الصعاليك الذين يسألون الناس لطلب معروفهم.
قال جميل:
أَتَيْتُكَ مَعَ الْهُلَّاكِ ضَيْفًا لِأَهْلِهَا ... وَأَهْلِى قَرِيبٌ مُوسَعُونَ ذَوُو فَضْلِ
والصعاليك جمع صعلوك، وهو الذى لا مال له.
قال الشاعر:
كَأَنَّ الْفَتَى لَمْ يَعْرَ يَوْمًا إِذَا اكْتَسَى ... وَلَمْ يَكُ صُعْلُوكًا إِذَا مَا تَمَوَّلَا
وقيل إنما قلب النبى صلى الله عليه وسلم رداءه فى الاستسقاء لكى ينقلب القحط للخصب، وحول الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر. ... /425/ (2/427)
صفحة 855
أبو أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مطر قوم قط إلا برحمة، ولا قحطوا إلا بسخط.
مسألة:
قال أبو الحسن، قيل الاستسقاء سنة، وفى ذلك المطلب إلى الله تعالى، وأما واجب فلا، قال الله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} إلى قوله {وَيَجْعَل لَّكُمُ أَنْهَارًا}.
وفى الحديث أن عمر، رحمه الله، خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر، فلم يزد عن الاستغفار حتى نزل فقيل له، إنك لم تستسق، فقال له، لقد استسقيت لمعاريج السماء.
والذى يراد من هذا الحديث، أنه جعل الاستغفار استسقاء، بتأويل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا}.
وروى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج إلى الاستسقاء متخشعا، فصنع ما صنع فى الفطر والأضحى. وقيل، صلى ركعتين، أطال فيهما القراءة.
مسألة:
وإذا أراد واحد فعل ذلك فإنه يبرز بمن معه إلى الجبان وقت الضحى، ويقلب ثوبه أو لا يقلبه، ويصلى بالناس ركعتين أو أربعا جماعة، ويجهر بالقراءة، ثم يحمد الله تعالى، بما فتح الله له. ويصلى على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، ويستغفر للمؤمنين ... /426/ (2/428)
صفحة 856
والمؤمنات، ثم يسأل الله تعالى من فضله ويحمده، ويسأله أن يسأله غيثا مغيثا عاما يخصب به البلاد، ويصلح به العباد، ويدعو ويجتهد فى الدعاء بما فتح الله له من حوائج الدنيا والآخرة، قال، وليس ذلك بواجب.
فصل
استسقى الناس بمكة فى قحط أصابهم، إذ أقبل غلام أسود عليه خيشتان متزر بإحداهما، ومترد بالأخرى، فوقف فى غمار الناس فى المسجد الحرام فسمع، وهو يقول، إلهى وسيدى، ومولاى، أخلقت الذنوب وجوهنا، يا حليما ذا أناة، يا من لا يعرف عباده منه إلا الحسن الجميل، الهم اسقهم الساعة الساعة، وبكى، فتغيمت السماء، وأقبل المطر من كل مكان، حتى خاض الناس فى الماء، ثم صلى المغرب، وخرج من المسجد.
فصل
فى صلاة الخسوف والكسوف
قال أبو المؤثر: من صلى عند خسوف القمر جماعة فلا بأس بذلك، ويؤمهم أحدهم، ويجهر بالقراءة بهم، وإن صلوا فرادى فحسن.
ومختلف فى صلاة كسوف الشمس، وفى آثار أهل عمان، أن القمر جماعة، والشمس فرادى، وروى عن ابن عباس أنه صلى فى الزلزلة بالبصرة.
وقال ابن مسعود: إذا سمعتم هذا من السماء فافزعوا إلى الصلاة، ووجدت لأصحابنا فى صلاة الرجفة قولا، إنها كصلاة الشمس، لعله، كصلاة كسوف الشمس، والله أعلم. ... /427/ (2/429)
صفحة 857
فصل
فى النوافل والضحى
وأما الركعتان فى وقت العصر، فترك ذلك عندنا أفضل من فعل ذلك، ولم نر أحدا من العلماء يفعل ذلك، ولا يخطئ من فعل ذلك. قال محمد بن بارسة (1)، قلت للعلاء بن أبى حذيفة، إنى إذا صليت الفريضة أحب أن أوتر على أثرها بثلاث ركعات، قال، لا تتخذ ذلك عادة حتى تركع ركعتين.
قال غيره:
أرجو أن هاتين الركعتين تسميان الريحانتين.
ومن جواب أبى الحسن، رحمه الله، وعن صلاة العتمة وصلاة الوتر، قلت: هل يوتر بينهما بركعتين تصليان فيما بين الوتر وصلاة العتمة؟
وقلت: وهل سبيلهما سبيل المأمور به، كما يؤمر بالركعتين بعد الظهر والمغرب، والركعتين قبل صلاة الصبح، أوليس ذلك كذلك؟
_ فنعم، هما معنا على ما وجدنا فى بعض الآثار، أن الصلوات السنة المعدودة ركعتان قبل صلاة الفجر، وركعتان بعد صلاة الظهر وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء الآخرة، ومن رغب عن حظه فلم يضر إلا نفسه والله غنى حميد عن طاعة العبيد، ولا ينقص من ملكه ولا يزيد. ... /428/ (2/430)
صفحة 858
ومن جوابه، وذكرت فى الركعتين بعد صلاة العتمة، يقال، إنهما سنة، ولا أرى الناس يصلونها فى شهر رمضان، ولا ينبغى ترك السنة وإنما يصلون القيام، فنعم على ما وصفت بهما سنة، والقيام فى شهر رمضان سنة، فإذا صليت القيام أو ركعتين من القيام فقد قمت بالسنة، وأجزاك ذلك، ولم تضيع إن شاء الله لأنه كله سنة.
وسألته عن الجهر بالتكبير والقراءة فى صلاة النافلة فى الليل، هل تعلم أن أحدا من المسلمين كره ذلك؟ قال، لم أعلم أن أحدا من المسلمين كره ذلك، إلا أن يكون ذلك من طريق دخول الفتنة من الشهرة، فيكون الستر والسريرة فى ذلك أفضل، وأما الكراهية فى الجهر فلا، فإذا سلم المذهب من المصلى وأمن دخول الفتنة من المتكلمين فليمض قدما على ما هو فيه، ويغيظ بذلك الشيطان ومن كرهه من أعوانه، فإنه لا يكره الطاعة وإشهارها وإظهارها إلا الشيطان وأعوانه من الجن والإنس.
وقد قيل، إن أعمال العلانية تضاعف على أعمال السريرة سبعين ضعفا، وذلك إذا العامل لذلك العمل لا يريد به رياء ولا شيئا من أسباب الدنيا، وإنما يريد به تذكرة للغافلين ومعونة للعالمين، وإثبات سنن الطاعة وإحيائها فى مواضعها، وقد قيل، إن المحيى للسنة كالمميت للبدعة.
وقد سن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه قيام شهر رمضان، ولم يكن ذلك مع أحد إلا أنها فضيلة، ولم يعب عليه ذلك ولم يكن شيئًا شاهرا قبل ذلك كشهرته فى أيامه ومن بعده. ... /429/ (2/431)
صفحة 859
وقد ثبت عن المسلمين أن الصلاة فى الليل جائزة فى كل وقت من الليل من الأزمنة فى رمضان وغيره، ثبت فى الإجماع، من رأى القيام فى شهر رمضان أن المصلى فيه بيته وغير بيته، وفى المسجد وفى الجبان يجهر بالصلاة وبالقراءة بإجماع الناس على العمل بذلك.
وكذلك قد ثبت عن بعض المسلمين أنه كان يقوم فى شهر رجب، وليالى عشر من ذى الحجة وكل جمعة، فإذا ثبت هذا وثبت القيام فى شهر رمضان وفى شهر رجب وفى ليلة الجمعة وفى العشر ثبت فى غيره من الليالى فإنه طاعة ولم يجز إنكاره لمنكر، وكان المنكر منكرا لمعروف معارضا للمحقين، فإذا ثبت إجازة القيام بالجماعة ثبت للواحد من الإجازة ما يجوز للجماعة، فليس لمتكلم على محق كلام، ولا حجة فيما أتى به من الحق باعتراضه عليه أنه يريد الباطل.
ولا تجوز صلاة النافلة بعد العصر إلى الليل، ولا بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس إلا من أراد أن يقضى صلاة فائتة، فإنه يصليها فى ذلك الوقت، إن أرادوا صلاة الجنازة ما لم يطلع قرن من الشمس أو يغيب منها قرن، فإن كان فى ذلك الوقت فلا يجوز شىء من الصلاة.
ومن صلى نافلة، وهو نائم، هل يجوز له ذلك؟ فقد قيل، يجوز، ويؤمر أن يقوم المرء إلى الصلاة بالنشاط والمحبة، ويصطاد العبد ذلك من نفسه وقلبه، وهو سائق ونفسه مطيته.
ليس على العبد أن يسوق مطيته عند مطايا غيره، فيعوجها على ضعافها، ولا يسابق بها جيادها، وإنما هو ناظر لنفسه فى جميع أموره. ... /430/ (2/432)
صفحة 860
وقد قيل فى بعض الحكمة، وأحسبه عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال، القلوب تحيا وتموت، فإذا ماتت فطالبوها بأداء الفرائض، وإذا حييت فاغتنموا منها الوسائل.
وقيل، يجوز أن يصلى الرجل النافلة قاعدا، وهو محتب ومتربع ويصلى ويومئ، ويصلى ماشيا، ويحرم، وهو مستقبل القبلة، ثم يصلى حيث كان وجهه وطريقه.
وقال من قال، إذا أراد الماشى أن يركع أو يسجد فيرجع إلى القبلة، والقول الأول أحب إلى، وكذلك الراكب يصلى النافلة، وهو راكب دابته، ويحرم إلى القبلة ثم يتم صلاته كلها، حيث كان وجهه وطريقه ودابته، ويركع ويسجد بالإيماء.
وقال محمد بن هاشم لسعيد بن محرز، رحمهما الله، وأنا محاضر، أن والده هاشم بن غيلان، رحمه الله، كان يصلى النافلة محتبيا وليس على ظهره شىء. فقال سعيد، كنت أحب معرفة ذلك.
وقال محمد بن محبوب، رحمه الله، جائز للمصلى فى النافلة أن يتكئ على حائط المسجد إذا ضعف، وأما الفريضة فلا يجوز، وعن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم، تبتغون بذلك البركة، والجماعة أفضل.
وسئل جابر بن زيد، رحمه الله، عن الذى يصلى وقد غربت الشمس قبل أن يصلى المغرب، قال، إذا غربت الشمس فصل قبلها أو بعدها ما شئت. ... /431/ (2/433)
صفحة 861
وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أوصانى جبريل بصلاة الضحى، وعنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يا معاذ، إن لجنة بابا، يقال له الضحى، لا يدخل من ذلك الباب إلا من كان مصليا للضحى.
وعنه صلى الله عليه وسلم، من حافظ على سنة الضحى غفر الله له ذنوبه.
أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: كانت صلاة الضحى أكثر صلاة داود عليه السلام.
ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مسجد قباء فإذا قوم يصلون صلاة الضحى، وقال: هذه صلاة رغبة كان الأوابون يصلونها حين ترمض الفصال.
قال الحسن، روى عن ابن عباس قال، ما ظننت أن لصلاة الضحى فضيلة حتى أتيت على هذه الآية، {اِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالاِشْرَاقِ}.
ووقتها مذ ترتفع الشمس قدر رمح إلى نصف النهار، وأفضل ذلك إذا رمضت الفصال على ما قالوا به، وفى رواية، ما ظننت لصلاة الضحى وفضلها حتى أتيت على هذه الآية.
وفى الخبر، النافلة هدية للمؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها.
وعنه صلى الله عليه وسلم، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ، فالحذر ... /432/ (2/434)
صفحة 862
الحذر، فإن ما عند الله خير وأبقى. وجاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال، ((اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغون بها البركة)).
هاشم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ((اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم فإن أفضل الصلاة فى بيوتكم بعد صلاة الجماعة)).
ومن كتاب الضياء: ومن صلى تطوعا ومعه من يصلى الفريضة فلا يجهر بالقراءة فيغلط عليه.
ومن صلى نافلة بثوب نجس ولم يعلم ثم علم بعد ذلك، فعن أبى محمد أنه لا بدل عليه، وقال، ومن حج نافلة فسد عليه حجه، فعليه البدل للحج باتفاق.
فى قيام الليل:
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث علىّ فريضة، وهن لكم تطوع، قيام الليل، والوتر، والسواك.
قال أبو الحسن، فأما قيام الليل فهو التطوع لغير النبى صلى الله عليه وسلم، وأما الوتر فقد صار واجبا وليس بتطوع، والسواك فقد صار سنة، لقوله صلى الله عليه وسلم، لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وهى من الكلمات التى ابتلى بها إبراهيم ربه بهن على ما قيل، والله أعلم.
وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلى فى الليل فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة سأل، وإذا مر بآية فيها ذكر النار تعوذ، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله سبح. ... /433/ (2/435)
صفحة 863
فصل
وروى، والله أعلم، أن الله تعالى قال، أيحسب راعى غنم أو إبل، إذا أوى الليل انجدل أجعله كمن يبيت إلىَّ ساجدا وأنا الحكم العدل.
وقيل، يقول الله جل ثناؤه، كذب من يدعى محبتى، فإذا جنه الليل نام عنى، أليس كل حبيب يطلب خلوة حبيبه، أليس كل خليل يأنس إلى خليله، ها أنا ذا مطلع على أحبائى إذا جنهم الليل، جعلت أبصارهم فى قلوبهم، ومثلت نفسى بين أعينهم، فخاطبونى على المشاهدة، وكلمونى على الحضور.
وقيل، قال موسى عليه السلام، إلهى (؟؟؟)، ما جزاء من قام بين يديك ليصلى؟ قال، يا موسى، أباهى به ملائكتى راكعا وساجدا وقائما، فمن باهيت به ملائكتى لم أعذبه بالنار.
عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كانت له صلاة يصليها فى الليل فنام عنها، فإنما صدقة تصدق الله عليه بها، وكتب له أجرها.
وقيل، إذا عمل العبد فى الليل طاعة أو معصية أصبح عليه علامتها.
وعنه صلى الله عليه وسلم، من قام فى ليلة العيد، وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
وقيل لبعض الزهاد، ما تقول فى صلاة الليل، قال، حق الله بالنهار، ونم الليل. ... /434/ (2/436)
صفحة 864
وسمع بعض الزهاد رجلا يقول، أهلكهم النوم فقال، بل أهلكتهم اليقظة.
وقال مورق العجلى، لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلى من أبيت قائما وأصبح ناعما.
ومن صلى نافلة فأراد أن يجهر بالقراءة فله ذلك، أما فى النهار فلا يجهر بالقراءة فى فريضة ولا نافلة، وبالله التوفيق، وقال غيره، معى أنه يجوز الجهر فى النهار إذا كان ذلك فى النافلة.
ويستحب للمسافر، إذا ترك القيام والصيام فى شهر رمضان ثم رجع إلى الحضر فأبدل الصيام، أن يصلى فى الليل ما فتح الله له، وليس ذلك بواجب عليه.
مسألة:
وقال الوضاح بن عقبة، لا يجوز لرجل ولا امرأة أن يصليا الوتر وراء قوم يصلون القيام فى شهر رمضان، وعن الفضل، فمن يأتى المسجد والناس فى صلاة الفجر أو فى صلاة القيام فى شهر رمضان، أن له أن يصلى العتمة، وله أن يوتر خلفهم، ولا بأس عليه إذا كانت صلاته غير صلاتهم، قال، ويصلى أيضا خلفهم النافلة وهم يصلون القيام إذا شاء وقيل، لا يحافظ على صلاة الضحى إلا كل من يطلب الخير وهى صلاة الأوابين، والنافلة من الصلاة أفضل. وزيادة على الفرض الواجب، وهى غنيمة للمنتقل (؟؟؟)، والله أعلم. ... /435/ (2/437)
صفحة 865
قال: والمتطوع الذى يعطى الشىء طوعًا بسهوله من غير شدة، ثم جعلوا من يفعل ما لا يجب عليه متطوعا، لأنه يكره نفسه، ولا يكره عليه.
والنافلة تأويلها، ما يتبع الأصل بعد الفريضة.
تم الذى من كتاب الضياء.
رجل صلى ليلة إلى الصبح بثوب جنب، قال هاشم: أحب أن يبدل، لأنه أراد الله.
وعن رجل يصلى جالسًا ويومئ فى مثل النافلة والوتر، فمرة يومئ، ومرة يسجد، هل يجوز ذلك فى ركعة واحدة؟
فأما النافلة فجائز له ذلك كله إذا كان يصلى قاعدا، وأما الوتر فالوتر مثل الفريضة، ولا يجوز له أن يصلى قاعدا إلا من عذر، وصلاة القاعد إيماء إلا أن يكون فى مصلى أو مسجد، فإن أومأ أو سجد فى الوتر أو الفريضة فصلاته تامة، ولا يؤمر بذلك، فإن كان فى مصلى أو مسجد، واستطاع أن يسجد سجد فى جميع ذلك، فإن كان فى غير مصلى أو مسجد أومأ ولم يسجد، ولو أومأ فى مصلى أو مسجد وهو يصلى قاعدًا تمت صلاته، وكذلك إن سجد فى غير مصلى أو مسجد تمت صلاته. ... /436/
* * * (2/438)
صفحة 866
الباب الخامس عشر
فى غسل الميت، والصلاة عليه وما أشبه ذلك
وأما الميت إذا أردت غسله نزعت ثيابه إلا خرقة تستر بها عورته، ثم تغسل كفيه، ثم توضئه وضوء الصلاة، ثم تغسله بسدر أو نحوه، إن حضر ذلك، وإن لم يكن فلا بأس، ويستحب غسله فى موضع مستتر، وإن كان تحت سقف فحسن.
ويبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته، ثم الأيسر كذلك، وعنقه، ثم يده اليمنى، وما يليها، ثم اليسرى، ثم جنبه الأيمن وما يلى ذلك، ثم الأيسر وما يليه.
ويدخل الذى يغسله يده فى خرقة ويدخلها تحت ثوبه ويغسل فرجه ودبره، وآخر يصب عليه الماء، ثم رجله اليمنى ثم اليسرى. ويستحب أن يقعده ويعصر بطنه عصرا دقيقا، ثم يفاض عليه الماء حتى ينقى.
ويستحب أن يكون فى آخر مائه شىء من كافور، ثم يلف فى ثوب نظيف، ينشف ماء، ثم يخيط بقطن، وذريرة، يجعل من ذلك فى فيه، وفى نسخة، على فيه ومنخريه وعينيه وأذنيه وفى دبره.
ثم يكفن بما أمكن من الثياب، ويستحب غسلها وإن كانت طاهرة، وإن لم تغسل فلا بأس. ... /437/ (2/439)
صفحة 867
وقيل: يستحب فى الكفن البياض، وأن يكفن الرجل مما كان يلبس، فإن كان ثوبا لف فيه، على يمينه أولا، ثم على يساره بطول الثوب، وإن كان ثوبان فكذلك.
وقيل: بل يؤزر بواحد، ويلف فى الثانى، وكل ذلك جائز، وإن كان قميص ورداء كان الإزار تحت الصدر على القميص.
وأما المرأة فتؤزر من تحت الدرع، وقيل، يكفيها إزار ودرع ولفافة، وإن لم يكن ثوب فيكفيها أن تلف فيه ويرسل شعرها ولا يعقد.
وقال من قال، لا يكفن الميت إلا فى القطن والكتان والصوف، وأما المرأة فإن كفنت فى الحرير فلا بأس، مصبوغ أو غير مصبوغ، وإن غسل المصبوغ فهو أحب إلينا.
والبياض فى الكفن أحب إلى الفقهاء.
وإذا وضع الميت فى لحده حل عنه عقد اللفائف.
ومن غيره:
أخبرنا هاشم بن غيلان، أن موسى بن أبى جابر _ رحمة الله عليهما، كان يأمر بالميت إذا وضع فى لحده أن يكشف الثوب عن عينه اليمنى وحدها حتى تظهر إلى الأرض. ... /438/ (2/440)
صفحة 868
قال أبو سعيد: وقد قيل، إنه يؤمر أن يخرج الثوب عن شق وجهه الأيمن كله، والله أعلم.
وبعض لا يقول شيئًا فى ذلك.
رجع _
وإذا كفن الميت فى قميص وسراويل ألبس القميص، ثم تكون السراويل فوق القميص على الصدر، وتفتق السراويل، وتدخل الرجلان كلاهما فى كم واحد، إن أمكن ذلك، ولا يشد بالتكة.
وقيل: إذا خرج شىء من الميت بعد غسله، فإن كان الذى خرج سائلا أو قاطر أعيد غسله، وقال من قال: إلى خمس مرات.
رجع _
وإن لم يكن سائلا ولا قاطرا غسل ذلك المكان وحده، وإنما ذلك عندى قبل أن يكفن، فإذا كفن فلا أرى أن يرد غسله.
ومن غيره _ ويقال: يعاد إلى سبع مرات، ولا يعاد بعد السبع إلا غسل الموضع ما لم يكفن، فإذا كفن لم يعد غسله ما لم يظهر الحدث على الأكفان، ويؤمن الضرر على الميت. ... /439/ (2/441)
صفحة 869
ومعى أن قيل: ليس عليه إعادة الغسل إلا مما يخرج من الفرجين، وسائر ذلك إنما يعاد غسل الحدث.
ومعى أنه قيل: إنما على الميت غسل واحد، وهو غسل السنة، وما خرج منه بعد ذلك غسل موضع ذلك، ويعجبنى هذا القول لثبوت الغسل فى التعبد مرة واحدة فى معنى الجنابة والحيض، ومن بعد ذلك فيه الوضوء من الحى. ولا يكون الميت أوجب فى التعبد من الحى فى نفسه، والله أعلم.
ومن غيره _ وسئل عن أكفان الميت إذا سدعته نجاسة من غير الميت، قال: معى، أنه إذا كان فى سعة من الوقت غسل ما أحدث، وإذا لم تكن سعة من الوقت جاز دفنه كما هو، والله أعلم.
رجع _
والرجل يغسل امرأته وتغسله، وهما أولى ببعضهما بعض فى المحيا والممات.
وقال من قال: إن تزوج الرجل بأخت امرأته من حين موتها فلا يطهرها، وبعد الزوجين الرجل أولى بغسل الرجال من نسائه وإن كن ذوات محرم إلا ألا يكون رجل غسلنه إذا كن منه بمحرم إلا الفرج فلا يمسَّنَّه ولا ينظرن إليه، وكذلك النساء أولى بعد الزوج، بغسل المرأة من أبيها وأخيها وولدها، وإن لم يكن نساء غسلها من هؤلاء أولى إلا الفرج فلا يمسونه ولا ينظرون إليه. ... /440/ (2/442)
صفحة 870
وقد قال بعض الفقهاء، إن لم يكن من النساء إلا يهودية أو نصرانية علمت، فتغسل يديها، وتغسل المرأة المسلمة إذا لم يكن إلا الرجال، وإن لم يكن إلا الرجال الذين هم غير محرم صبوا عليها الماء من فوق الثياب، ثم صلوا عليها، وإن مات رجل مع النساء ولم يكن رجل يغسله صببن عليه الماء صبا من فوق الثياب.
ومن غيره _ ويوجد أن الرجل إذا مات مع نساء ليس ذوات محرم منه أنه ييممنه بالتراب، وكذلك إذا ماتت المرأة مع رجال ليس بينهم ذوو محرم أنهم ييممونها بالتراب، لأن فى صب الماء على ثياب الميت مشقة على من يحمله، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقال النبى صلى الله عليه وسلم، ((أرسلت بالحنيفية السهلة))، والله أعلم، فينظر فى ذلك، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
ومن غيره _ ويوجد، قال سفيان بن سعيد: إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس معهم امرأة فإنها تيمم بالتراب، وإذا مات الرجل مع النساء ليس معهن رجل ييممنه بالتراب.
ومن غيره _ قال أبو المؤثر، رحمه الله، فى رجل مات وليس معه أحد من الرجال إلا النساء، فإن كن ذوات محرم، مثل زوجته وأمه وأخته وعمته أو خالته فلا بأس أن يطهرنه ولا ينظرن إلى العورة، ويلوين على أيديهن خرقة /441/ (2/443)
صفحة 871
ويغسلن الفرجين، وإن لم يكن معه من النساء ذوات محرم فلييممنه بالتراب كما يتيمم الحى، وبهذا نأخذ.
وقال بعض الفقهاء، إنهن يصببن عليه الماء صبا من فوق ثيابه، وهذا القول فيه بعض الوعوثة لأنهن إذا صببن الماء، عليه، وكان به شىء من القذر تنجست ثيابه، فإن كان الثياب التى تحته نجسة فترطبت فلا يمكن النساء أن ينزعنها عنه ويكفننه بثياب طاهرة، ورأينا التيمم فى هذا أسهل، وبه نأخذ.
وكذلك المرأة إذا ماتت مع الرجال وليس معها أحد من النساء ولا ذو محرم من الرجال.
قال غيره: هكذا عرفنا نحو ما قال أبو المؤثر، إلا إضافته الزوجة إلى الأرحام، فإنا عرفنا أن الرجل يغسل امرأته وتغسله، وهما أولى ببعضهما بعض فى المحيا والممات: والله أعلم.
ويوجد عن أبى سعيد، نسخة، محمد بن سعيد، أنه يعجبه التيمم لثبوت العذر واغتنام الرخصة، فينظر فى جميع ذلك، ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
رجع _ ويجوز للنساء غسل الصبى ما لم يكن فى حد من يستحيى ويستتر، وكذلك الصبية أيضا إن غسلها أحد من الرجال ذو محرم، وهى عندنا أشد من الصبى، وغسل النساء أحب إلى. ... /442/ (2/444)
صفحة 872
ومن غيره _ يعجبنى ألا يستعمل هذا إلا مع العدم، وأما مع المكنة فلا، وإذا عدم ذلك فلا يكن إلا من ذوى المحارم، والله أعلم.
رجع _ وأما المحرم فيغسل بالماء ويكفن فى ثوبيه الذين أحرم فيهما أو مثلهما، ولا يلفف على رأسه ولا وجهه، ولا يحنط.
وأما الشهيد إذا قتل فى المعركة فإنه لا يغسل ويكفن فى ثيابه التى قتل فيها، ولا ينزع منه إلا الخفان والكمة، وإن كان فوق الكمة عمامة تركت بحالها، وإذا كان الشهيد جنبا غسل.
وإن اعترض اللصوص الرجل فقتلوه، أو حمل الشهيد من المعركة وفيه رمق حياة حتى مات من بعد فهذا يغسل. وقيل غسل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وكفن، وصلى عليه، وكان شهيدا.
وإنما جاء الأثر فى الشهداء الذين يلقون العدو، ثم يقتلون فى المعركة، أولئك لا يغسلون، ويدفنون بثيابهم التى كانت عليهم بعد الصلاة.
وقيل، قال بعض الصحابة، لا تغسلوا عنى دما، ولا تنزعوا عنى ثوبا إلا الخفين وارمسونى فى الأرض رمسا، فإنى رجل محاج يوم القيامة، يعنى أخاصم يوم القيامة. ... /443/ (2/445)
صفحة 873
ويوجد عن الشعبى أنه قال فى رجل قتل اللصوص، لا تغسلوه، وقال سفيان، إذا قتل الرجل مظلوما لم يغسل، ونحن نحب أن يغسل هذا)) (؟؟؟).
ومن غيره _ وقال أبو الحسن، إن الشهداء كثير.
وجاء فى الأثر، أنه لا يغسل من قتل فى المعركة، ووجد قتيلا، وإن حمل فيه حياة فمات غسل وصلى عليه، وأما الذى يوجد فى المعركة قتيلا من المسلمين فإنه لا يغسل ويصلى عليه.
وقال من قال، من قتل فى الجبان أيضا أو فى الطريق فى المفازة، وليس فى القرية فإنه يغسل.
قال أبو الحوارى، رحمه الله، والقتيل الذى لا يطهر بالماء ويقبر كما هو، وهو الذى يقتل فى الجبان.
قلت له، فإن حمل من الجبان إلى القرية فمات فى القرية؟ قال إن كانوا داووا جراحته غسل إذا مات. وإن كانوا لم يداووا جراحته لم يغسل.
ومن غيره:
وسألته عن الذى يقتل فتكا، هل يطهر، أو يقبر بغير طهر؟ قال، معى، أن القتيل فى القرية ليس بمنزلة الشهداء الذين يقبرون بغير تطهير، ومعى، أنه قيل، يطهرون.
قال، وأما الذى لا يطهر، الشهيد الذى يقتل فى الزحف فيما معى أنه قيل، ... /444/ (2/446)
صفحة 874
قال: ومعى أنه يختلف فى الذين يقتلهم اللصوص فى الطريق بين القرى، والذى يفتك به بين القرى مثل الذى يقتله اللصوص بين القرى.
وعن الشهيد الجنب، هل يغسل؟ قال: نعم.
ومن غيره _ وأما السقط التام الخلق، يطهر ويحنط ويكفن ويدفن بلا صلاة إلا أن يكون استبانت حياته، ثم مات، فإنه يصلى عليه.
ومن غيره _ قال، وأما الشيخ أبو محمد بن عبد الله بن محمد بن بركة، رحمه الله، فذكر الإختلاف فى ذلك، وقوله، يصلى عليه، إذا خرج الولد حيا أو ميتا وقد كمل خلقه غسل وصلى عليه.
وعنه، فى رجل وجد ميتا أو مقتولا، جسدا بلا رأس، أنه يغسل ويصلى عليه، وكذلك إن وجد رأسه وصدره، قال، يغسل ويصلى عليه، وإن وجد نصفه مما يلى الرجلين فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن، وإنما يغسل ويصلى عليه ما يقع عليه اسم إنسان، وما كان من الأعضاء يدفن ولا يغسل ولا يصلى عليه، مثل الرأس وغيره.
رجع _ وعن الصبى إذا مات هل تطهره النساء؟ قال، فإذا كان ممن لا يستتر فلا بأس والرجال أولى من النساء بالصبيان الذكور.
قال أبو الحوارى، رحمه الله، مثل المريض الذي يخاف أن ينقطع بدنه عند ... /445/ (2/447)
صفحة 875
الطهور، وقال يصب عليه الماء صبا.
وقال فى المرأة تموت مع الرجال والرجل يموت مع النساء، قال، يصب عليهما الماء من فوق الثياب صبا، وقيل، يتيمم بالصعيد.
تم الباب من كتاب أبى جابر ومن غيره:
عن امرأة أسقطت ثم ماتت هى وولدها، يقبر معها ولدها فى قبرها؟ قال: نعم، وقيل، يوضع ولدها معها فى كفنها؟ قال: لا.
وسألت أبا الحسن محمد بن الحسن، رحمه الله، عن المسلمين إذا قاتلوا أهل البغى فقتلوا منهم قتلى، ثم ظفر بهم المسلمين هل يقبرونهم؟
قال: إن قدروا على أن يقبروهم، وأمكن ذلك فليحفروا لهم أخوذا ويطرحوهم فيه.
قلت، ويصلون عليهم؟ قال: لا يصلون عليهم إذا كانوا حربا لهم.
قال غيره: وجدنا أن أبا حمزة رحمه الله طرح قتلى الذين قاتلوه من أهل البغى فى خبة، والله أعلم.
ومن غيره: قيل له، فإن قتل قتيل وقطع، هل يغسل أم يدفن بلا غسل؟
قال: عندى، أنه إذا أمكن غسله بحال فلا بد من غسله. ... /446/ (2/448)
صفحة 876
قلت له، فإن أمكن غسله، وكانت أعضاؤه متقطعة بائنة، هل يحوز غسل كل جارحة على حدة، أم يضم كله ويغسل؟ قال، يضم ويغسل أحب إلى، ويغسل فى مقام واحد، وإن غسل كل جارحة على حدة فلا يضيق ذلك، وأرجو أنه جائز إن شاء الله.
قلت له: فإن لم يكن غسله؟ قال، ييمم. قيل، فإن كان مقطعا لا يمكن أن ييمم، ولا يدرك ذلك؟ قال: عندى، أنه إذا لم يمكن أن ييمم دفنوه، ولم يكن عليهم عندى أن ييمموه، وقال: ما أمكن غسله غسل، وما لم يمكن غسله وأدرك تيممه يمم، وهذا عندى على معنى قوله.
وعن محمد بن الحسن، فيما أحسب، من يعرف بغسل الموتى، فيدعوه قوم إلى ميت عندهم، وأولياؤه شتى، فيحضر ذلك الرجل، فيأمر بنزع ما على الميت من لباس، وربما كان به خاتم، فيأمر من ينزعه من يده، ويضمن ما قد نزع من عليه، وفى ورثته أيتام أو نساء لا يخرجون إليه ولا يراهن، وربما احتاج الميت إلى شراء كفن، فأمرن النساء من ورثته بشراء الكفن، فيشترى ويدفع إلى ذلك الغسال، فيكون الثوب واسعا، لعل فيه فضلا بعد أن يلف على الميت، هل يجوز له أن يترك تلك الفضيلة (1) ويردها على الميت، أم يأمر بقطعها ولا يسعه أن يردها على الميت بعد أن استكفى إذا كان فى الورثة الصبى ومن لا يجوز حله؟
_ فعلى ما وصفت، فهذا الرجل إذا قبض الثوب ممن يدفعه إليه من البالغين من النساء والرجال، فتأكد عليه فى ذلك فى الثوب أنه قد أجاز له أن يكفن فيه هذا الميت، وأن يفعل فيه ما أراد من مصالحه من خرق الثوب وغير ذلك، مما لا يقوم ... /447/
(1) كذا فى الأصل، ولعله، الفضلة، أى ما بقى من الكفن. (2/449)
صفحة 877
الكفن إلا به، وكذلك ما فضل منه، وأنه لا ضمان عليه فيه، ويتأكد لنفسه على ما يريد هو، فإذا وسعه الدافع إليه وأجاز له ذلك فى الثوب جاز له ذلك إن شاء الله. وما نزع من الميت وله ورثة أيتام فهو أمين فيه حتى يسلمه على سبيل الحق تكون له فيه السلامة. وهذا سبيل تجارات الآخرة فى أعمال البر محفوفة بالمكاره، فمن ترك ذلك المكروه لما يخاف منه فيما لا يسعه إلا القيام به لم ينل ما يرجو من ثوابه، ولا توفيق إلا بالله.
وعن من شرب شرابا يريد به قتل نفسه، فيقتل ويموت، ما حالته؟ هل يصلى عليه؟
_ فهو آثم إذا شرب ما يتعارف أنه يقتل، يريد به قتل نفسه، وهالك فى دينه، وقد قيل، لا يصلى عليه، ولكن يغسل ويقبر بغير صلاة، وأما أنا فأحب أن يصلى على جميع أهل القبلة، بارهم وفاجرهم من غير مخالفة منى للأثر.
وقد جاء بذلك ما يصح هذا القول به، لأن القاتل نفسه والمقتول فى الزحف باغيا والمرجوم على الزنا وهو مصر، ومن قد قيل فيه، إنه لا يصلى عليه، وإنما هو منافق معنا، وهو من أهل القبلة، وقد جاء الأثر العام، أن الصلاة على أهل القبلة جائزة ما لم يخص أحدا من أهل القبلة عليه بدليل يخرج من أهل القبلة، وإنما هو معنا آثار خاصة وعامة، والله أعلم بالصواب.
وعن الذى تمر به الجنازة وهو على غير وضوء فإن ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة عليها، أيجوز له أن يتيمم؟ قال: نعم.
/448/ (2/450)
صفحة 878
قلت، فإن كان هو الذى يلى الصلاة عليها، قال، فإن قدر على الماء فليتوضأ، وإن لم يقدر فليتيمم، وليصل بالجنازة التى هى أولى بالصلاة عليها، وهو أولى بذلك.
ومن غير الكتاب والزيادة:
غسل الموتى من فروض الكفايات، قال عليه الصلاة والسلام ((وفرض على أمتى غسل موتاها، والصلاة عليها)) ولا يبادر بغسل الميت إلا أن يتحقق موته خوفا من السكتة والذبح العارضة، يذكر منها سيلان الأنف واسترخاء اليدين وافتراق الزندين، واعتبر قوم حقيقة الموت بخروج المنى، فقل من مات إلا وأمنى. فقيل، ما من ميت مات إلا وأمنى، واعتبر ذلك بأن يلوح عينيه، فإن لم تتلوح عيناه فهو ميت، واعتبر قوم آخرون بجس (؟؟؟) العرق بين الكعب والعرقوب، وبجس (؟؟؟) العرق فى موضع الدبر.
وقال هاشم، من قتل فتكا غسل، وإنما لا يغسل من قتل فى الوقائع.
وقال موسى بن أبى جابر، القتيل لا يغسل إلا أن ينقطع منه شىء أو ينقر بطنه، أو يجدع بالحديد، وإن شاءوا أن يصبوا عليه الماء فلا بأس.
ومن غيره: والميت يحنط يقطن وذريرة، ويدخل فى منخريه وعلى عينيه وفمه وأذنيه ودبره، ويطيب رأسه ولحيته بما شاء من الطيب، ويضمخ موضع سجوده ومفاصله وركبتيه وقدمه بذريرة وكافور، ويحشى أذنان ومنخراه بالقطن والذريرة. ويحشى فيه حشوا رفيقا. ... /449/ (2/451)
صفحة 879
ومن غيره: يجعل فى فم الميت ومنخريه وأذنيه ودبره مخافة الحدث، ويبدأ بالحنوط بالفم، ثم بالمنخرين، وكل ذلك جائز. ويحشى من الميت خمسة مواضع بالقطن والحنوط، الأذان، والعينان، والمنخران، والفم، والقبل، والدبر، وأما غير ذلك فلا، ويغطى الوجه بالقطن والذريرة،، ويطيب الرأس والجسد بينه وبين القميص وبينه وبين الإزار، وليس فوق اللفافة ولا فوق الإزار شىء من الطيب والذريرة، فإن جاء من الفم أو الدبر شىء يغلب القطن حشى بالطين.
وآخر غسل الميت ماء فيه كافور، ولا يقلم للميت ظفر ولا يحز (؟؟؟) له شعر ولا يسرح ولا يدهن، وإن كانت أظفاره طويلة أو شاربه طويلا أخذ منه، ويستحب أن يتعاهد منه، وذلك قبل الموت، وأصحابنا يكرهون فعل ذلك للميت بعد موته.
وعن موسى فى الذريرة، أتجعل على موضع السجود، فإنا لا نعرف ذلك. ويحنط الميت من الطيب بما يصلح للحياة ولا يمسه الزعفران.
مسألة:
عن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسله الفضل بن عباس وعلى بن أبى طالب، وأسامة بن زيد كان يصب الماء عليهم، قال ابن عباس: إذا عبرت ظهر الرجل فارفعه من ظهره ورجليه وليكن على يدك اليسرى خرقة وأدخلها تحته فاغسل منه ما خرج من القذر، ورجل يصب الماء حتى تتقيه (؟؟؟)، واغسل الخرقة عند كل عركة، واغسله حتى لا يكفى (؟؟؟) على وجهه، ولتكن خرقة على جنبه، كما (؟؟؟) تغسل ظهره حتى تغسلها ثلاثا، والقطن والحنوط تكسر مناسم الميت حتى لا يخرج منه شىء، لأنه إذا مات كانت مناسمه منطلقة. ... /450/ (2/452)
صفحة 880
مسألة:
اختلف الناس فى حكم الميت، هل هو نجس بعد الموت أو طاهر.
قال أصحابنا: نجس حتى يطهر، وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر، وغسله ليس بشىء، إنما هو عبادة على الأحياء، والله أعلم.
رجع إلى كتاب أبى جابر:
فصل
فى الصلاة على الميت
من سنن الإسلام الصلاة على الميت من بعد غسله وتكفينه.
وعن هاشم قال: ثلاث يكفرن إذا اجتمع عليهن، وإن لم تجتمع عليهن لم يكن مكفرات، إذا ترك الناس جميعًا الصلاة جماعة فقد كفروا، وإذا تركوا صلاة الجنائز كفروا، وإذا تركوا الجهاد فى سبيل الله جميعًا كفروا، وأما إذا فعل ذلك بعض وترك بعض لم يكفروا، وقيل: كانوا يكبرون على الجنائز ستًّا وخمسًا وأربعًا، فلما ولى عمر، رحمه الله، جمع أصحابه، فقال: إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم، وإن اختلفتم اختلف من بعدكم، فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات.
ويستحب المشى خلف الجنازة، ولا يتقدم الجنازة إلا من تقدم لحملها، وقيل: إن بعض الفقهاء رأى راكبًا خلف الجنازة فقال: أتركبون وملائكة الله مشاة. ... /451/ (2/453)
صفحة 881
ومن غيره _ قال أبو المؤثر: الذى سمعنا أن الماشى مع الجنازة يتقدم ويتأخر، وأحب إلينا أن يكون خلفها، وأما الراكب فلا يتقدم.
ومن غيره _ وقد قيل: إن الراكب يكره له أن يتقدم الجنازة، وهذا معنى الأدب.
رجع _
ويكره الكلام خلف الجنازة حتى يصلى على الميت، وقيل: حتى يدفن، وقيل: حتى يدخل القبر إلا لما يحتاج إليه من الكلام من أمر الجنازة، ومن انصرف إذا صلى فذلك جائز له، وإلا فحتى يدفن، وقيل: يستحب أن يقال خلف الجنازة: لا إله الله، الحى الذى لا يموت، وكل ذكر الله حسن.
وأولى بالصلاة على الجنازة الأب، ثم الزوج، ثم الابن، ثم الأخ، ثم الأقرب فالأقرب.
فإن أوصى موص أن يصلى عليه فلان أو لا يصلى عليه فأرى أن يصلى عليه من هو أولى بالصلاة عليه، إلا أن يكون له من يلى الصلاة عليه صلى من أوصى به.
ومن غيره _ قال أبو على الحسن بن أحمد: يصلى عليه من أوصى أن يصلى عليه.
رجع _
وعن الذى تمر به الجنازة وهو على غير وضوء فإن ذهب ليتوضأ فاتته الصلاة عليها، أيجوز له أن يتيمم؟ قال: نعم. قلت: فإن كان هو الذى يلى الصلاة عليها، ... /452/ (2/454)
صفحة 882
قال: فإن قدر على الماء فليتوضأ، وإن لم يقدر فليتيمم، وليصل على الجنازة، وأما إذا أدرك شيئًا من حدود الصلاة فلا نعلم اختلافا بين أصحابنا، أنه إنما عليه أن يصلى ما أدرك ولا بدل عليه، ومن سبقته الجنازة صلى ما أدرك ولا بدل عليه.
ومن خاف فوت الجنازة تيمم وصلى، ولو كان فى القرية، وإن مر شىء مما يقطع صلاة الفريضة على الجنازة لم يقطعها ذلك.
وإن صلى الإمام على الجنازة فيكبر أربع تكبيرات متواليات بلا قراءة ثم انصرف، فليعد الصلاة ما لم يدفن الميت، وكذلك فيما يكون من نحو هذا.
وقيل، يستحب للإمام أن يقوم على جنازة الرجل مما يلى الصدر، وعلى جنازة المرأة مما يلى الرأس أو قرب الرأس، ومن وضع الميت فى قبره فليقل باسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل، لكل أجل كتاب، وباب القبر من ناحية الرجلين، وفى نسخة، من نحو الرجلين.
وإذا كبر الإمام على الجنازة ثلاثا، ثم انفتل فليكبر من خلفه الرابعة.
وقد بلغنا أن رجلا كبر على جنازة ثلاثا، وكان موسى بن على، رحمه الله، من خلفه فكبر الرابعة من خلفه، ورفع صوته، لعله أراد أن ينتبه الناس، فكبروا، وهذه مسألة وجدها فى بعض الكتب.
ومن انتقض وضوؤه خلف الإمام وهو يصلى على الجنازة فليتيمم ويرجع يصلى ما أدرك معهم ولا يبتدئ. /453/ (2/455)
صفحة 883
ومن غيره: ومن جامع الشيخ أبى الحسن، رحمه الله، ومن انتقض وضوؤه خلف الجنازة فقد أجازوا له التيمم، وبعض لم ير له ذلك، ولا يصلى على الميت بثوب نجس.
رجع: وأما الإمام فإن انتقضت صلاته بريح أو قهقهة ضحك أو دم فليتأخر ويقدم غيره يتم الصلاة، وإن صلى بعد أن انتقض وضوؤه أو كان على غير وضوء فى الأصل فأحب أن يعيدوا الصلاة عليه ما لم يدفن، وإذا اتفقت الجنائز من الرجال قدم نحو القبلة أقرؤهم وأفضلهم، وكذلك فى القبر، وإن كان رجال وصبيان ذكران كان الرجال ثم الصبيان، الأكبر ثم الأصغر، وإن كان عبيد، كان العبيد الذكران من بعد الصبيان الأحرار، ولو كان العبيد بالغين، فإن كان أيضا نساء حرائر وإماء كان النساء الحرائر من بعد العبيد الذكران، ثم الإماء من بعد النساء الحرائر، وتكون آخر جنازة نحو الإمام، وأولهم ناحية القبلة، والصلاة على جميعهم واحدة.
قال أبو على الحسن بن أحمد، حفظه الله، قد قيل يكون أولهم مما يلى الإمام، وآخرهم مما يلى القبلة، والله أعلم.
رجع _
وكذلك يجوز أن تقبر عدة أنفس فى قبر واحد إذا لم يكن إلا ذلك، ويكون الرجل ناحية القبلة، وإن لم يكن ماء يرش على القبر فلا بأس، ولو حضر قدر صاع من ماء، رش ذلك حيث يبلغ، وإن أمكن الماء صب عليه كله.
ومن غير الجامع مما وجدت فى حاشية بعض النسخ من هذا الكتاب، ... /454/ (2/456)
صفحة 884
فأحببت إضافته إلى هذا الموضع، يقول الإمام: أصلى على الجنازة السنة التى أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمامًا لمن يصلى بصلاتى، أربع تكبيرات إلى الكعبة طاعة لله ورسوله، ويقول المأموم: أصلى على هذا الميت السنة اتباعًا للإمام وأصلى بصلاته وطاعته لله ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن قام إلى الصلاة على الميت فليتوجه توجيه الصلاة، أو يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وتعالى الله، ثم يكبر، ثم يستعيذ، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثانية، ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يكبر الثالثة، ثم يحمد الله ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، وإن كان للميت ولاية دعا له بما فتح الله له من الدعاء.
وكان بعضهم يقول: لا أحب أن يكون لذلك الدعاء حد معروف، فيتخذ سنة إلا ما فتح الله له من الدعاء.
وفى بعض الآثار يقول: اللهم، إن فلانًا عبدك وابن عبدك وابن أمتك توفيته وأبقيتنا بعده، اللهم اغفر له ذنبه، وألحقه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وافسح له فى قبره، وعظم له أجره، وارفع درجته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، اللهم أبدله دارًا خير من داره، وقرارًا خيرًا من قراره، وأهلًا خيرًا من أهله، وصعد روحه فى أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينه فى دار تبقى فيها الصحبة ويذهب فيها عن أهلها النصب واللغوب، وما فتح الله من هذا، ثم يدعو لنفسه ... /455/ (2/457)
صفحة 885
بما أراد، ثم يكبر الرابعة ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى من سلم الله عليه، ثم يسلم على من خلفه تسليمة خفيفة، وفى نسخة: خفيفة يصفح بها وجهه يمينًا ويسارًا لا يسمعها إلا من كان فى قربه.
وإن كان الميت ممن لا يتولى فالصلاة واحدة إلا الدعاء، فإذا استغفرت لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات، ودعوت لنفسك فكبر الرابعة، وسلم.
وإن كان الميت طفلا من أطفال المسلمين الذين يتولاهم أو كان أبوه من أهل الولاية فترحم عليه، وقل: اللهم اجعله لنا سلفًا وقرضًا حسنًا وذخرًا، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده، ثم كبر الرابعة وسلم.
وإن كان طفلا ممن لا يتولى أباه فاستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات، وكبر الرابعة وسلم.
والمولود إذا استهل صلى عليه، واستهلاله أن تستبين حياته بصياح أو غيره.
والمرجوم إذا جاء تائبًا صلى عليه، فإن رجم ولم تكن منه توبة لم يصل عليه.
ومن كان له والد أو ولد مشرك فمات، فلا يصلى على جنازته، ولا يقم على قبره، وإن مضى خلف الجنازة ودفنه فلا بأس.
والصلاة على الجنازة بالليل والنهار سواء.
وعن أبى عبد الله، رحمه الله، يجوز أن تؤم المرأة النساء على الجنازة إن لم يكن رجل، كان الميت رجلا أو امرأة، وتكون فى وسط صف النساء، الجنازة بالكسر السرير، وبالفتح الميت. ... /456/ (2/458)
صفحة 886
ويكره أن ينظر القبر إذا ستر بالثوب، ولا ينتقض وضوء من فع ذلك.
وقيل، لا يعمم الرجل، ولا تخمر المرأة.
تم الباب من كتاب أبى جابر.
ومن غيره _ وجدت فيمن وجد مقتولا، قال، قد قيل، إنه لا يصلى عليه، وقيل، يصلى عليه حتى يعلم أنه مشرك، وقيل، إذا كان فى أمصار المسلمين صلى عليه حتى يعلم أنه مشرك، ويعجبنى هذا القول.
ومن غيره: ويوجد أنه إذا كان فى أرض الشرك لم يصل عليه حتى يعلم أنه من أهل الإسلام.
ومن غيره: قال أبو سعيد، رضى الله عنه، إن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الجنازة، إذا كان للجنازة من يقوم بها، وقال، إن السقط التام إذا خرج ميتا يختلف فى الصلاة عليه.
قلت، فإن لم يعرف، خرج حيا أو ميتا، وأمكن ذلك، فما أولى به؟
قال: معى، أنه إذا أدرك ميتا فهو على ما أدرك حتى يصح غير ذلك.
وسألته عن رجل حضر جنازة فى وقت صلاة أو قبل وقتها فيما لا يمكن أن يدرك الصلاة جماعة فى المسجد، ما أفضل له، يمر فى الجنازة ويصلى الجماعة حيث أدركته الصلاة إن أمكنه ذلك، أم يتأخر لصلاة الجماعة، ولا يمضى إلى الجنازة؟. ... /457/ (2/459)
صفحة 887
قال: معى، أن الجماعة أفضل إذا كان للجنازة من يقوم بها، إلا أن تكون الجنازة يلزمه القيام بها، ويخاف الضرر عليها إن أخرها إلى أن يصلى الجماعة.
ومن غيره _ وسألته عن التيمم يصلى بالمتوضئين على الجنازة، قال، نعم.
وقال أبو الحوارى:
السنة فى دفن القبور أن تسوى الحفرة بالأرض سواء لا يزاد عليها غير ذلك، وأحسب أنه قال مع ذلك، ما بقى للشيطان.
ومن غيره _ يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، خير القبور دوارسها. وعنه فى موضع آخر، خير القبور ما درس. وسئل عن قوم قبروا ميتا بلا صلاة، قال، قد خالفوا الأثر بذلك، وعليهم التوبة.
قلت، فعليهم أن يصلوا عليه؟ قال: هكذا عندى،
قلت، فعلى القبر أو حيث كانوا؟ قال، إنهم حيث كانوا.
وقد صلى النبى صلى الله عليه وسلم على النجاشى، واسمه أصحمة بن بحر حين وصله خبر موته، وهو بأرض الحبشة.
قلت، فإن صلى واحد أجزأه عن الجميع؟ قال: عندى أنه قد صلى على الميت.
قلت: فإن لم يعرفوا الصلاة؟ قال عليهم أن يتعلموا ويصلوا عليه، وهذا المعنى من قوله. ... /458/ (2/460)
صفحة 888
وسألته عن قوم لم يجدوا من يصلى على الميت، هل لهم أن يقبروه بلا صلاة إلى أن يجدوا من يصلى عليه؟
قال: معى، أنه لا يجوز لهم ذلك إلا أن يخافوا ضررا بوجه من الوجوه.
قلت له، فيجوز لهم أن يصلى عليه إذا قبر فى غير موضع قبره، ولو بعدت المسافة من البعد إذا تأملوا ذلك.
قال: هكذا عندى.
قلت، فإن لم يقبر الميت بعد، أيجوز أن يصلوا عليه ويتأملوا ذلك إذا كان فى موضع من غير حضور الميت فيه؟
قال: معى أنه لا يجوز ذلك.
قلت: وإنما ذلك إذا غاب الميت فى قبره؟ قال: هكذا عندى.
قلت: فإن لم يصلوا عليه لعذر أو غير ذلك فعليهم أن يصلوا عليه، ولا غاية لذلك بتعلقه عليهم أم لذلك حد؟
قال: معى، أنه قد قيل فى ذلك باختلاف.
فقال من قال، إذا انقضى ثلاثة أيام سقط عنهم واجب الصلاة عليه، وليس عليه أن يصلوا عليه إلا فضيلة.
وقال من قال، لا يسقط عنهم وجوب ذلك حتى ينقضى شهر، فإذا انقضى شهر سقط لزوم ذلك عنهم إلا فضيلة.
/459/ (2/461)
صفحة 889
وقال من قال، لا يسقط عنهم ذلك أبدا، وعليهم أن يصلوا عليه، ولا عذر لهم.
وقال غيره:
ولا يضرك كيف تحمل الجنازة من قبل يمينها أو من قبل شمالها أو بغير طهور، كل ذلك واسع.
ولا بأس أن تقعد قبل أن تضع الجنازة بغير إذن، وأن يدخل القبر من شاء، اثنان أو ثلاثة، ويقولوا إذا وضعوه فى قبره، بسم الله وعلى ملة رسول الله.
ولا بأس أن يتبع الرجل الجنازة ويرجع ولم يحملها إذا لم يحتج إليه فى حملها، ولا وضوء عليه فى حملها، ولا فى النزول فى حفرتها.
ولا بأس فى زيارة القبور إذا لم يقل منكرا فى زيارته، وإذا مررت فسلم على أهلها، من المسلمين والمسلمات.
ومن غيره: يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال، كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، ولا تقولوا هجرا.
وعرفت فى السلام على القبور، أن يقال، السلام على المؤمنين والمؤمنات من أهل القبور، أنتم لنا سلف، ونحن لكم خلف، ونحن بكم لاحقون، لعله، وعن قليل نحن بكم لاحقون، بارك الله لنا ولكم فى الموت، وفيما بعد الموت، الله رب الأجسام البالية، والعظام النخرة التى خرجت من الدنيا وهى بك مؤمنة، اللهم أدخل عليها روحا منك وسلاما منى، وفى ذلك الفضل العظيم. ... /460/ (2/462)
صفحة 890
ومن غير الكتاب والزيادة.
يوجد عن موسى بن أبى جابر، رحمه الله، أن الثوب يكشف عن عين الميت اليمنى ليعاين بها عند المساءلة، منكرا ونكيرا. ولا يجوز أن يقبر الميت فى غير لحد، ولا ضريح عندنا إلا أن لا يمكن ذلك.
وشعر المرأة يجمع ثم يوضع على رأسها، ولا يسرح بالمشط، ولا بأس أن يرسل ولا يعقد. وجمة الرجل ترسل، فإن خرج من شعر المرأة الميتة شىء غسل بالماء، ورد فى شعرها. وإن سفوه وأرسلوه كل ذلك جائز إن شاء الله.
قال لى الشيخ أبو عبد الله بن محمد بن سليمان، رحمه الله، حسب ما أضبطه عنه، السلام عليكم يا أهل القبور، المسلمين منكم والمسلمات، والمؤمنين منكم والمؤمنات، لا أنتم أحق بالموت منا، ولا نحن أحق بالحياة منكم، ولكنها آجال يتبع بعضها بعضا، هكذا قال لى، إلا أن تزيد لفظة أو تنقص.
رجع إلى زيادة الكتاب.
ويصلى على الميت فى السفينة، إن شاء، قعودا، وإن شاءوا قياما، بمنزلة المكتوبة، ثم يقذف به فى البحر، إن خافوا أن يتغير قبل أن يصل إلى البر، وإن رجوا ألا يتغير أخروه حتى يأتوا الأرض فيدفنوه، وإن هم قذفوه فى البحر نسيانا أو جهلا صلوا عليه كما صلى النبى صلى الله عليه وسلم على النجاشى، فإن الله يعطى على النية، وعلى النيات، كما يعطى على القول، وكذلك إن كبروا تكبيرتين أو ثلاثا، وقذفوه فى البحر فأحب أن يعيدوا الصلاة على النية، وعلى
/461/ (2/463)
صفحة 891
اسم الميت، لأنه لا بد من الصلاة عليه، وليست الصلاة على الجنازة إلا بكمالها وتمامها، وإلا فكأنه لم يصل عليها.
وإذا ماتت امرأة وليس لها كفن أخذ الزوج بذلك، وإنما يؤخذ بكفنها لقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}.
قال غيره: ومعى أنه قد قيل، ليس على أحد من الورثة ولا الأولياء كفن ميت، لأنه ليس بعد الموت تعبد، وقيل، على الورثة بقدر ميراثهم منه كما كان فى المحيا.
وإن غسل الميت بالماء القراح فى حال يقدر على السدر والكافور، فإنه يعاد ذلك ما لم يتغير.
رجع إلى كتاب أبى جابر:
قال بعضهم، قال محمد بن عمر، فقلت للزهرى، وحديثه، فقال، رحمة الله عليه، والله إن كان لمأمونا على ما قال، وما كنت لأبرئ منها أحدا بعده.
حدثنى عبادة عن محمد بن عمر وأبى زيد وجماعة عن أم سلمة، قال، قال سعد بن معاذ، ما تبعت جنازة قط، فحدثتنى نفسى بغير ما هى قائلة أو مقول لها، حتى انصرف منها. ... /462/ (2/464)
صفحة 892
انتهى الجزء الثانى
ويليه الجزء الثالث
وأوله
الباب السادس عشر
فى الزكاة، وزكاة الثمار والحبوب
وطفاء النخل، وأحكام ذلك (2/465)
صفحة 893
الفهرس
رقم الصفحة ... الموضوع
3 ... الباب الثامن
فى الصلاة وأوقاتها، واستقبال القبلة وفرائضها
3 ... الفصل الأول _ جامع لمعان متفرقة فى أمر الصلاة
12 ... فى فرائض الصلاة
56 ... فصل _ فى الأذان
68 ... فصل _ فى الإقامة
73 ... فصل _ فى تكبيرة الإحرام
81 ... فصل _ فى الاستعاذة
85 ... فصل فى القراءة
98 ... فصل _ فى الركوع والسجود
110 ... فصل _ فى التحيات
119 ... فصل فى حدود الصلاة
120 ... فصل _ فيما يقطع الصلاة وفى أحكام السترة
132 ... فصل فيما يصلى عليه وما لا يصلى عليه
135 ... فصل _ فيما لا يجوز من اللباس وما لا يجوز
149 ... مسائل فى الرداء (2/466)
صفحة 894
رقم الصفحة ... الموضوع
153 ... فصل _ فيما ينقض الصلاة وما لا ينقضها
205 ... فصل _ فيما يقطع الصلاة
207 ... فصل _ فى الشك والنسيان
232 ... فصل فى سجدتى السهو
239 ... الباب التاسع _
فى صلاة الجماعة، وفضلها وأحكامها
321 ... الباب العاشر
فى صلاة السفر، وصلاة الإمام والبارى، وفى صفة الفرسخ، وأحكام ذلك
335 ... صلاة الإمام
348 ... الباب الحادى عشر
فى صلاة السفينة، وصلاة المريض، وصلاة الحرب
348 ... الفصل الأول _ فى صلاة السفينة
355 ... فصل فى صلاة المريض
365 ... فصل فى صلاة الحرب
374 ... الباب الثانى عشر
فى صلاة الوتر وركعتى الفجر، وسجدة القرآن
374 ... الفصل الأول _ فى صلاة الوتر
379 ... فصل فى ركعتى الفجر (2/467)
صفحة 895
رقم الصفحة ... الموضوع
382 ... فصل فى سجدة القرآن
392 ... الباب الثالث عشر
فى صلاة الجمعة والعيدين وأشباه ذلك
392 ... الفصل الأول _ فى صلاة الجمعة
406 ... فصل فى صلاة العيد
421 ... الباب الرابع عشر
فى صلاة الاستسقاء والخوف (؟؟؟) والكسوف والنوافل والضحى
421 ... الفصل الأول _ فى صلاة الاستسقاء
427 ... فصل فى صلاة الخسوف والكسوف
437 ... الباب الخامس عشر
فى غسل الميت والصلاة عليه وما أشبه ذلك (2/468)
صفحة 896
استدراك
بيان أخطاء وردت فى الجزء الأول من كتاب الجامع، ولم تتسع صفحات ذلك الجزء لإثباتها فيه:
صواب الخطأ ... الكلمة رقم ... من سطر رقم ... صفحة
من ... 6 ... 13 ... 6
أبو الشعثاء ... (هامش2) ... _ ... 158
أنها ... 3 ... 12 ... 213
بالقعدة ... 4 ... (من هامش رقم3 سطر4) ... 322
(6) ... رقم الهامش الأخير ... 224
لا رأى له ... 11 ... (من هامش رقم1) ... 277
جمع ضفدعة ... (هامش رقم5) ... 293
(هامش رقم 1 مكانه صحيفة293) ... 295
بين عدن وعمان ... (هامش رقم1) ... 312
قميئة (؟؟؟) ... (هامش رقم1 سطر 5) ... 334
ما فى بطنه ... (هامش رقم1) ... 343
سيجا (؟؟؟) ... (هامش رقم1) ... 445
وإذا ندّ (؟؟؟) عن النظر خطأ فهو واضح الإدراك، يفطن إليه القارئ، ويتبين صوابه. (2/469)
صفحة 897
رقم الإيداع بدار الكتب 3937/ 1981 (2/470)
صفحة 898
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي و الثقافة
الجامع
لابن جعفر
العلامة الفقيه
أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الجزء الثالث (3/1)
صفحة 899
بسم الله الرحمن الرحيم (3/2)
صفحة 900
الباب السادس عشر
في الزكاة، و زكاة الثمار، و الحبوب و طناء النحل
و أحكام ذلك
و هو الأول من الزكاة، و فيه فصول:
الفصل الأول
قال الله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ}.و أوجب لأهلها جنته و رضاه، و آية منه الله و فكر، و رحمه خص بها أهل البصرة، لعبد لم يكن شيئا، فكونه الله خلقا جديدا، ثم أعطاه و رزقه جزيلا، و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، ثم اختبره بالزكاة، و استقرضه جزءا من أجزاء كثيرة مما أعطاه، فالشقي من كفره و تولى عن الله إذا أمره، و لم يستح من الله حين اختبره، فلا دنيا له و لا آخرة، و لا له إلا النار المسعرة.
و قيل عن ابن عباس رحمه الله في قوله الله تبارك و تعالى {مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَه أَضْعَافًا كَثِيرَةً}. قال ألفى ألفى حسنة و زيادة.
/03/ (3/3)
صفحة 901
و قال الله تعالى {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّتُرْبُواْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}. قال، يعني، يضاعف بالواحد من عشر إلى سبعمائة ضعف فصاعدا.
و الصدقة فكاك من النار و غسل من الخطايا، و قيل، كان بعضهم يقول إذا جاء المسكين قال، جاء الغسال.
و قيل، مثل الصدقة كمثل رجل يطلب بدم، فأخذه أولياء المقتول، و لم يزل يعطي من كثير و قليل حتى عتق، و قال الله تعالى {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. الله يقول، لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، و قال بعض، لا تمسكوا على الجهاد فتهلكوا.
و من غيره:
قال أبو عبد الله، رحمه الله، هو العبد يرتكب الذنب الصغير و الكبير، فيتمادى في المعصية، و لا يعجل التوبة فيوقعه ذلك فيما هو أعظم مما ارتكب شبه الإياس و القنوط، فنهى عن ذلك.
رجع:
و قال الله تعالى {وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا
/04/ (3/4)
صفحة 902
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ}. فقيل من كان له مال فوق الأرض أو في بطنها تجب الزكاة فلم يؤد زكاته، و لا حق الله منه فهو الكنز.
و قال الله تعالى {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}. قيل، هو أبو بكر الصدق، رضي الله عنه، اشترى سبعة نفر من المسلمين، كان كفار مكة يعذبونهم ليردوهم إلى الشرك، منهم بلال بن رباح، مؤذن رسول الله (ص)، استبرأهم أبو بكر، رحمه الله فأعتقهم.
و قيل، إن الذي بخل و استغنى و كذب بالحسنى أبو سفيان بن حرب بخل بالمال في حق الله، و استغنى عن الله و كذب، أبعده الله، و في نسخة، بعده الله.
و قال الله تعالى {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}.و لا تعمدوا إلى الرديء.
و قال تعالى {وَلَسْتُم بِئَاخِذِيهِ إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}. يعني لو كان الحق لأحدكم على أحدكم لم يأخذه إلا أن يحمل على نفسه.
و قيل، إن النبي (ص) لما حضره الموت قال الصلاة و الزكاة و ما ملكت اليمين، الصلاة و الزكاة و ما ملكت اليمين، ثم قال، ذا العرش هل بلغت، فلم يتكلم بعدها حتى خرج من الدنيا.
و قد سمع الله أهل الصدقات، فقال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}.ففي التفسير أن الفقراء فقراء المسلمين الذين
/05/ (3/5)
صفحة 903
لا يسألون الناس، و المساكين الذين يسألون الناس، و العاملين عليها الذين يحبون الصدقات، و المؤلفة قلوبهم، قيل، هم اثنا عشر من قادة العرب، دخلوا في الإسلام كرها منهم، منهم أبو سفيان بن حرب، و كان النبي (ص) يعطيهم من الصدقة ليتألفهم على الإسلام، و قد انقطع حق المؤلفة اليوم إلا أن ينزل قوم بمنزلة أولئك، فإذا أسلموا أعطوا من الصدقة ليتألفوا بذلك، و يكونوا دعاة إلى الإسلام، و في الرقاب و هم المكاتبون، و الغارمين و هو الرجل يلزمه غرم في غير فساد، و في سبيل الله بمعنى الجهاد، و ابن السبيل هو المسافر، و في نسخة، المسافر، غني أو فقير، فهذه ثمانية أسهم، فذهب منها سهم المؤلفة و المساكين و هم الفقراء، و لهم سهم واحد.
و من غيره:
و يوجد أيضا هم الفقراء الذين نبت لحمهم على المسكنة و الفقر.
رجع:
و بقي ستة أسهم، فإن كان إمام عدل فالرأي فيها إليه، يعطي العاملين عليها ما يستحقون عنده من ذلك، و تقسم صدقة كل موضع، و كل قرية على فقراء تلك القرية، و قد قيل: لا يخرج منها شيء إلى غيرها، إلا عن فضل منهم، و يعطيهم ما يكفيهم من طعامهم و كسوتهم إلى مثلها من قابل، إن كان في المال سعة، فإن فضل بعد ذلك شيء أخرجه إلى أقرب القرى إليهم فقسمه في فقرائهم، و إن لم يكن في المال سعة قسم ما وجده.
/06/ (3/6)
صفحة 904
و يفضل الضعيف و العجوز، و ذو العيال، و أهل الفضل في الإسلام.
و من كان من أهل الصدقة غائبا في حج أو غيره فإنه يرفع له نصيبه حتى يقدم، و إن لم يحضر الإمام أحد من أهل تلك السهام، أو لم يكونوا مثل العاملين و الغارمين و ابن السبيل كانت الصدقة للفقراء و المساكين، و إن كان أحد من أولئك أعطاه الإمام على ما يرى من الفاقة و ذلك إليه.
و إن قسم الإمام شيئا من الصدقة على الفقراء و بقي الباقي عنده لمن طلب إليه من أهل هذه السهام و لما يحتاج أن يقوي به أمر الدعوة و الإسلام، و ينفقه على من يقوم بمجاهدة العدو و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فذلك جائز له.
و قد فعل ذلك المسلمون و أخرجوا للفقراء الثلث من الصدقات، و قسموها عليهم، و الثلثان يقبضهما الإمام، و إن احتاج الإمام أيضا إلى الصدقة كلها لمجاهدة العدو عن الدولة، فذلك واسع له، و قد جعل الصدقة في وجهها، و إن لم يكن إمام و كان صاحب الصدقة هو الذي يريد إنفاذها إلى أهلها فمن أعطاه من أهل هذه السهام فقد برئ منها، و أحب أن يتحرى الفقراء.
قال غيره، و يوفر أهل الورع و الأرحام إن كانوا من الفقراء، و كذلك الجيران الفقراء.
رجع:
و قيل، كل نفقة في غير حق الله فهي تبذير و لو قلت، و قيل، لا يعطي في
/07/ (3/7)
صفحة 905
دفن ميت، و لا في كفنه، و لا في بناء مسجد، و لا في شراء مصحف، و لا في حج، و لا لمملوك، و لا لغني غير مسافر، و لا لمن يعوله الغني من أولاده الصغار، و لا زوجته، و لا يستأجر من الصدقة في إنفاذها إلى أهلها، و المعنى عندي، أنه لا يفعل ذلك الذي هو عليه إذا أخرجها، لأن عليه أن تصل إلى أهلها تامة.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
و من غيره، قلت، فهل للرجل أن يأخذ من الزكاة و يشتري مصحفا يتعلم فيه القرآن؟ قال، معي، أنه قد قيل، ليس له ذلك إذا كان مستغنيا إلا عن ذلك، أما إذا أخذه لفقره فيعجبني أنه يجوز له أن يأخذ من الزكاة و يشتري كتب العلم أو قرطاس ينسخ فيه العلم.
قال: معي، أنه قد قيل ذلك.
قلت، فما الفرق بين القرطاس و الكتب و بين المصحف، و كله إنما يراد به التعليم؟
قال: فلا فرق عندي في ذلك، و المصحف عندي آكد، فأحسب أن المعنى فيما جاء مجملا، ألا يشتري من الزكاة مصحفا و لا يبني منها مسجدا، إنما يكون ذلك مصحف موقف لغير ملك، لأن هذا يكون في الناس، و مع الناس في الأمصار و في جوامعها توقف المصاحف و الآثار، و تشتري. فإن خرج عندي هذا خرج على هذا، و إن ثبت عندي في المصحف في الإنسان بعينه ثبت في الكتب مثله، و في القرطاس للكتب مثله عندي من العلم.
/08/ (3/8)
صفحة 906
و أما قوله: في الجامع، و لا في الحج فقد عرفت في الفقير، أن له أن يأخذ من الزكاة و يحج، و قال من قال، ليس له ذلك.
و من غيره:
و عن الفقير، هل له أن يأخذ من الزكاة و يحج، قال: معي إذا أخذ قوته لسنة، و تبلغ به إلى الحج و حج، و إنما ليس له أن يحج من الزكاة إذا كان غنيا، و إنما يأخذ ما يحج به خاصة، فقد قيل، لا يحج من الزكاة على هذا إلا ذو غناء، أو ذو غنى.
قال: ذو الغى الفقيه الذي به الغنى في أمر المسلمين، و ذو الغناء الذي له الغناء في قبض الزكاة، و قيل عن بعض، إنما ذلك في أيام الدولة، و قيل ذلك في كل وقت.
قلت له: فإن كان وجب عليه الحج في ماله فلم يحج حتى افتقر، هل له أن يأخذ من الزكاة للحج خاصة.
قال: معي، أنه يختلف في ذلك.
و من غيره:
سألت: أبا سعيد محمد بن سعيد، رضيه الله، عن الرجل، هل يجوز له أن يشتري من الزكاة سلاحا، و يأخذ ذلك أم لا؟
قال: عندي أنه جائز له إذا أراد به الجهاد.
/09/ (3/9)
صفحة 907
و من غيره:
قلت له: فإن كان على الفقير دين، هل يجوز للمزكي أن يعطيه يقضي دينه؟
قال: معي، أنه قد قيل، له ذلك.
فأما قوله في الجامع، و لا لمن يعوله الغني من أولاده الصغار و لا زوجته فقد وجدت، قلت له، فهل يجوز لأحد أن يعطي زوجة الغني و أولاده الصغار من زكاته و يبرأ بذلك؟ قال: معي أنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال إذا كان الوالد غنيا لم يجز لأحد أن يعطي أولاده الصغار و لا زوجته لأنه يلزمه عولهم.
و قال من قال، إن كان يعلم أن الوالد لا يقوم بأولاده و زوجته على ما يجب عليه مما يلزم لهم جاز لهم أن يعطوا من الزكاة، و يجزي ذلك.
و قال من قال، يجوز أن يعطوا من الزكاة على حال، و يجزي من أعطاهم، لأنهم لا غنى لهم و غناه لا يضرهم.
قال أبو سعيد رحمه الله: معي أنه قد اختلف في الوالدين، فقال من قال، لولدها أن يعطيهما من زكاته إذا كانا فقيرين، و قال من قال، لا يجوز ذلك، و قال من قال، يجوز ذلك أن يعطيهما من زكاته إذا كانا فقيرين، و قال من قال، لا يجوز ذلك، و قال من قال، يجوز ذلك أن يعطيهما من زكاته ما لم يصيرا بحد من يحكم عليه بنفقتهما و عولهما.
و قال من قال: و لو كانا بذلك الحد ما لم يحكم عليه بنفقتهما.
/10/ (3/10)
صفحة 908
قلت له: فهل يجوز أن يعطى الرجل بعد مئونته و قضاء دينه ما يتزوج به، قال: معي أنه قد قيل ذلك إذا احتاج إليه.
قال أبو سعيد رحمه الله: معي أن الذي أخرجت عنه زوجته زكاته بغير أمره و لا إذن مباح متقدم منه لكل زكاة وجبت عليه فأتم ذلك، و هي مأمونة على ما قالت أنه يجزيه إن شاء الله، و تبرأ هي إذا أتم فعلها، و إن لم يتم فلا يجزيه ذلك عن الزكاة، فيما عندي أنه قيل، و تضمن هي له ما له إذا فعلت فيه بغير أمره و لا إذنه.
و سألت عن رجل وجبت عليه الزكاة، هل يجوز له أن يشتري منها ثوبا لفقير على وجه الاحتساب، و يسلمه إليه، و يجزئه ذلك عن زكاته أم لا؟
قال: معي، أنه قد قيل في ذلك باختلاف.
و عن أبي الحواري رحمه الله، سألت عن رجل يكون معه شيء من الزكاة، مثل حب أو تمر، فيرى ضعيفا أو يتيما عريانا فيأخذ له ثوبا. و يعطي ذلك من التمر كما يكون للسعر في البلد.
فعلى ما وصفت، فإذا كان هذا الذي تجب عليه الزكاة يشتري الثوب من غيره، و يعطي من عنده كراء النساج فلا بأس بذلك، و هو جائز إن شاء الله.
و قد قيل، إن ذلك جائز في بعض القول.
و أما إن كان يعطي الثوب من عنده أو يكون هو يعمل الثوب أو عنده، و يحسب ذلك من زكاته فلا يجوز ذلك.
/11/ (3/11)
صفحة 909
و قد قيل أيضا في بعض القول، إن من أعطى ثوبا فقيرا، و حسبه من زكاته فقد قيل إن ذلك جائز فيما يروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، و الله أعلم، و من فعل ذلك لم تخطه. و القول الأول أحب إلينا، و سواء كانت الزكاة من الحب و التمر و الورق على ما وصفت لك في القول الأول فهو جائز عندنا، إن شاء الله، و سواء ذلك أشار على الفقير بذلك أو لم يشر إذا أعلمه بذلك، أو لم يعلمه إذا قبضه الفقير، و صار إليه.
و كذلك أيضا إن طحن من حب الزكاة و خبزه و أطعمه الفقراء و ابن السبيل فجائز ذلك، و كذلك إن كان يتيم فذلك جائز، و لا يعلمهم بذلك إذا صار إليهم، و قبضوه فقد أجزاه ذلك عنه، إن شاء الله، و سواء ذلك في العيد أو في غير العيد، و كذلك لو اشترى له لحما في يوم العيد من زكاته، أو اشترى له ضحية في يوم الأضحى من زكاته جاز له ذلك، و كل ذلك يشتريه من عند غيره، و أما أن يعطيه من عنده، و يحسب ثمنه من زكاته فلا يجوز ذلك.
مسألة:
و أما الذي تعطيه زكاة فيشتري بها طعاما و يدعوك أيجوز ذلك أم لا (؟ ينظر فيه) فنعم جائز، و الله أعلم، في القول الذي نأخذ به، و أما فيما يروي عن معاذ بن جبل، رحمه الله، فإن ذلك جائز، كان من عنده أو من عند غيره، وفقنا الله و إياكم للحق و الصواب، وصلى الله على محمد النبي، و سلم تسليما كثيرا، و السلام عليكم ورحمه الله.
و من غير الكتاب و الزيادة ـــ في أمر دفع الزكاة إلى اليتيم، و الحيلة في ذلك
/12/ (3/12)
صفحة 910
فعلى ما وصفت، فإذا اشتريت لهذه الصبية من زكاتك ثوبا من عند غيرك، ووزنت أنت التمر لصاحب الثوب و لبسته الصبية قدامك فذلك جائز، فبرئت إن شاء الله.
و كذلك لو سلمت زكاتك إلى من يعول الصبية ممن ذكرت في القيام بمعيشتها و هو ثقة عندك، و دفعت إليه زكاتك، و دفعها هو عن رأيك إلى صاحب الثوب، و لبسته الصبية قميصا فقد برئت إن شاء الله.
و كل ما وصفت يجوز ذلك إذا صار الثوب قميصا على جنب الصبية بعلمك أو بعلم من أمرته، ووثقت به في ذلك. وكذلك لو سلمت زكاتك إلى من يعول الصبية ممن ذكرت في القيام بمعيشتها أو أمرته أن يشتري لها ثوبا ليكسوها و كنت تثق به، فأخبرك أنه قد فعل ذلك برئت إن شاء الله.
و كذلك إن قبضت الصبية منك شيئا من زكاتك و هي ممن تعقل القبض فأمرتها أن تدفعه في ثمن ثوبها، أو أمرت الثقة، أن يأمرها بدفعه، أو أمرت الثقة أن يقبضه منها، و يدفعه في ثمن الثوب و تلبسه قميصا، برئت إن شاء الله. و لك في ذلك عظيم الثواب مع صدق النية في كسوة العاري.
و أما الزكاة أمانه مؤداة، و الضعيف اليتيم الفقير من أهلها، فكيفما صارت إليه لبسها أو أكلها إذا كان الشراء من عند غيرك فقد وجدنا ذلك في قول بعض الفقهاء، و الله أعلم بالعدل.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
و عن من يشرب النبيذ و لا يعرف منه، جهالة في الظاهر من أموره، هل يجوز أن يعطى من الزكاة؟
/13/ (3/13)
صفحة 911
قال: عندي، أنه لا يعطى من الزكاة، و يقطع عليه مواد ما يقوى به على معصية الله إذا كان مدمنا على المعصية في الظاهر أو في السريرة، و اطلع منه على ذلك.
و إنما الصدقة لمن سمى الله، فقال {لِلْفُقَرَآءِ الذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الاَرْضِ يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. فلا أحب أن يجعل في غير هذا الموضع.
و من غيره:
عن الصبي، هل تسلم إليه الزكاة و يبرأ صاحب الزكاة أم لا؟
قال: إنه قد قيل في ذلك باختلافه، فقال من قال، إنه يجوز أن يسلم إليه على الاطمئنانة إذا أمن على ذلك، قال من قال: لا يجوز ذلك على حال.
قيل له، فهل له أن يسلم إلى والده من الزكاة، و يجوز ذلك، كان ثقة أو غير ثقة، لأنه حق قد ثبت لولده.
و قيل: فعلى قول من لا يجيز ذلك إلا أن يكون ثقة؟ قال: نعم، هكذا عندي.
و عن رجل عنده زكاة، فجاءه رجل، فقال له، ارفدني من عندك كذا و كذا، قلت، هل يجوز له أن يعطيه من زكاته و لا يعلمه أو يعلمه؟
/14/ (3/14)
صفحة 912
فأقول، إن أعلمه و هو ممن يستحق فلا بأس بذلك عندي، و أما إن يعلمه و إنما أعطاه الزكاة و عنده أنه يرفده فلا يعجبني ذلك، و أحسب أنه قال، لا يفعل.
و قلت، إن قال له، أعطني من مالك، أو واسي بشيء من مالك كذا و كذا، هل يجوز له أن يعطيه من زكاته؟
ـــ فإذا لم يرتب أنه ممن يستحق الزكاة فأعطاه على هذا، فمعي أنه جائز، و لو لم يعلمه، في بعض ما قيل: و إن ارتاب في بعض أمره فلا أحب له أن يعطيه من الزكاة إذا لم يسألها، و يسأل من ماله حتى يعلمه بذلك، فإن فعل و هو معه أنه فقير لم يبن لي أن عليه في ذلك ضمانا و لا بأس.
و قلت إن أعطاه و لم يعلمه على جهل من المعطى، هل يجزي عنه ما أعطاه، و تجزي عنه التوبة؟
ـــ فإذا كان المعطي فقيرا و قصد بذلك إلى الزكاة و مضى فأحب ألا يلزمه ضمان، و لا بأس، و قد صارت إلى أهلها على ما قيل في بعض القول.
و سألت عن رجل وجبت عليه الزكاة و هو بأرض الإسلام، فأخرج زكاته و غيرها عن ماله، و كان في حين ذلك قادرا على تسليمها إلى من يبرأ بتسليمها إليه منها، في قول من يقول، إنها تجب لأهل القبلة فذخرها لغائب، يرجو أوبته، أو لآخر في قرية غير قريته، فتلفت، هل يضمنها؟
/15/ (3/15)
صفحة 913
قال: معي، أنه ضامن لها إذا لم يكن له عذر.
قلت: و إن كان إنما ذخرها لولي، لأنه لم يجد وليا حاضرا، قال، أما في عامة قول أصحابنا، أنه يضمن إذا تلفت قبل أن يدفعها إلى أهلها.
و أما ما ذهب إليه أصحابنا من أهل خراسان، أنها لا تدفع إلا إلى ولي، فإنه لا يضمن كما قيل.
و فيمن كان في أهل الحرب فوجبت عليه الزكاة فلم يجد من فقراء المسلمين من يسلمها إليه حتى تلفت و هو بأرض الحرب، أنه لا ضمان عليه.
قلت له، أرأيت إن كان في أرض الإسلام فوجبت عليه، فلم يجد من يدفعها إليه من أهلها حتى تلفت، أتراه بمنزلة الذي كان بأرض الحرب فلم يجد حتى تلفت؟
قال: هكذا معي.
و من غيره.
و سألته عن رجل يؤدي زكاته أو من زكاته إلى رجل من أهل دينه، و هو ممن يدين بدين المسلمين، إلا أنه ليس من أهل قريته و لا ممن يسكنها.
قال: لا يخرج زكاة قريته إلى غيرها إلا أن لا يجد أحدا ممن يدين بدين المسلمين فلا بأس.
قلت، فإن من فعل ذلك و هو جاهل فعليه الغرم أم لا؟ قال: لا.
قلت له: فإن يدفع له زكاة من قريته و لم يحملها إليه؟ قال: هذا جائز، و لا بأس عليه.
/16/ (3/16)
صفحة 914
و سئل عن من تجب عليه الزكاة في بلد، فحملها إلى بلد آخر، ففرقها على الفقراء هل يجزي ذلك؟
قال: عندي أنه يجزيه، و لا أعلم في ذلك اختلافا، إلا أنه لا يؤمر بذلك، و أن يفرق كل زكاة في موضعها.
قلت، فإن تلفت الزكاة و قد ميزها فتلفت في الطريق، هل يضمن الزكاة أم تجزي عنه إذا ميزها عن ماله؟
قال: معي، أنه قد قيل إنه يضمن و لا أعلم في ذلك اختلافا أنه يلزمه إذا حملها من بلد إلى بلد إلا أن لا يكون في ذلك البلد من يستحقها على حال، فحملها إلى أهلها.
ـــ فعندي، أنه يختلف في ذلك إذا تلفت على هذا.
قلت له، فإن ميزها في بلده فتلفت، هل يضمن؟
قال: عندي، أنه إذا كان ينتظر بها الإمام أو أعوان الإمام العدل فتلفت فلا ضمان عليه، و لا أعلم في ذلك اختلافا، إذا لم يكونوا بحضرته و لم يقدر على تسليمها إليهم إلا بانتظارهم.
قلت: فعلى قول من يقول، إنه لا يجوز أن يسلمها إلا إلى ولي فميزها ينتظر بها الولي فتلفت، قال، عندي أنه لا ضمان عليه، و لا أعلم في ذلك اختلافا على هذا القول.
/17/ (3/17)
صفحة 915
قلت، فإن كان ينتظر بها ضعفاء هم أحق من الحاضرين فأخرها، فتلفت هل يضمن الزكاة على هذه الصفة؟ قال: عندي، أنه إذا كان يبرأ بتسليمها إلى الحاضرين فأخرها فتلفت، فمعي أنه يختلف في ذلك، فقيل، عليه الضمان، و قيل لا ضمان عليه.
و عرفنا الاختلاف في الولد البالغ إذا لم ينته والده من عياله، فذهب بعض إلى إجازة ذلك، أن يعطيه من زكاته لأنه ليست نفقة واجبة عليه. و بعض ذهب، أنه إذا التزم عوله فلا يجوز له أن يعطيه و أن يمضي على ما ألزم نفسه، و يخرج هذا على التنزه، و أما في الحكم فلا يخرج ذلك في الإجماع فيما عرفت عن الشيخ أبي سعيد، رحمه الله، و أرجو أن هذا في الذكر من الأولاد.
و من غير الكتاب و الزيادة.
و قد ذهب قوم إلى أن يعطي زكاته كل الناس، الوالدين و الولد و غيره، قالوا لأن الله تعالى قال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ}.
قال غيره غير هذا، و أشد الناس في هذا كله ولده الصغير، و عبده، كان صغيرا أو كبيرا، أو زوجته، أو ما سوى هؤلاء، ففيهم اختلاف.
رجع.
و من غيره، قلت له، فهل للرجل أن يخص بزكاته رجلا يخدمه و يعينه و يقوم بحوائجه إذا كان فقيرا؟
/18/ (3/18)
صفحة 916
قال: ليس له أن يعطيه شيئا من الزكاة من أجل منفعته إياه، و قيامه بحوائجه، فإن فعل ذلك غرم ما أعطاه للفقراء.
و إن نوى أن يعطيه إياه من أجل فقره و حاجته، و خصه لما يعرف من ضعفته و كثرة عياله، أو فضله في الإسلام فلا بأس بذلك.
و الذي نحب له، أن يعرفه إذا أعطاه من زكاته، و هو على هذا الوجه الذي ذكرناه يقول له، إذا أعطاه، هذا لك من الزكاة، و ليس لأجل ما تنفعني به.
و من غيره:
و قال، المرأة الفقيرة تعطي من الصدقة، و إن كان لها زوج موسر، أو أب عليه نفقتها.
جواب من أبي الحواري إلى إبراهيم بن محمد بن سعيد، من أحبة أبي الحواري:
سلام عليك، أما بعد، أتم الله علينا و عليك نعمته، إنه ولي ذلك و القادر عليه و إنك ذكرت في رجل لقيك و أخبرك عني في رجل كان عليه زكاة أو دين عليه، ثم يرجع إلى الفقراء، فباع على الفقراء شيئا من ماله بدراهم، ثم جعل لهم تلك الدراهم من الزكاة، أن ذلك لا يجوز و لا يتخلص بذلك.
/19/ (3/19)
صفحة 917
الذي عليه ذلك الدين فهو على ما أخبرك الرجل عني، و أنا على ذلك، و به أقول، لأني كنت حفظت عن من حفظت عنه ممن كنا تأخذ عنه ذلك، و الذي معي أني أحفظه عن أبي المؤثر نفسه و من غيره، و لست (1) بتارك ذلك إلى غيره و أما ما ذكرت عن أبي المؤثر و ما قال في وصية أغلب، فقد روى ذلك، و قد وجدت ذلك مقيلا عنه فيما كان يفيد ذلك عن محمد بن أبي غسان، و أنه كان ينظر في ذلك و يتدبر، ثم عزم على ذلك، و قال، في الاجتهاد بالقيمة و المبالغة في ذلك، و أما أنا فالذي أخذت عنه الذي أنا عليه، و لست براجع عن ذلك و لا بقائل ما رفعوا من ذلك حتى ألقاه.
كما روي عن جابر بن زيد، رحمه الله، فيما ذكروا من الصرف، و أنه أخذه عن ابن عباس، رحمه الله، فأخبروا أن ابن عباس قد رجع عن ذلك، فقال جابر، قد أخذته عن ابن عباس، رحمه الله.
و لو شهد عندي مائة شاهد ما رجعت عن ذلك حتى ألقاه، و لو جاز هذا الذي قد قالوا بالإجازة في ذلك لجازت الحيلة في الزكاة و في الحقوق، و يكون على الرجل من الزكاة عشرون درهما أو أكثر، فيبيع على فقير ثوبا أو شيئا من أشباه ذلك من الآنية ما يسوى درهما أو درهمين بعشرين درهما، فيرى الفقير أن يأخذ ذلك لأنه إن لم يأخذه أخذ غيره، لأن هذا ليس بواجب الفقير بعينه، و إنما يجوز ذلك لمن هو واجب له لا محالة و لا يعدوه، مثل الأقربين و أصحاب الحقوق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الأصل، و لسنئ
/20/ (3/20)
صفحة 918
يعطى ما شاء بما شاء صاحب الحق من الأقربين و الحقوق لأنه إذا كان واحد من الأقربين قد وجب له عشرة دراهم. فأعطاه سدسا من حب أو سدسا من نوى بتلك العشرة لجاز ذلك، لأنه لو أراد أخذ عشرته بعينها أخذها، و الفقير إذا أبي أخذه غيره آخر.
و كذلك الحقوق التي تجب للفقراء من الدين كسبيل الزكاة و كذلك أيضا يجب عليه من الزكاة عشرون درهما أو أكثر فيبيع له جريبا (1) من حب بعشرين درهما إلى الحول، و الجريب يسوي درهما أو درهمين، فلما جاء الحول دفع له ذلك من زكاته، و من الديون التي عليه و الأمانات التي ترجع إلى الفقراء.
و كذلك كان يفعل ذلك من يفعل من هؤلاء الوكلاء على ذلك السبيل، يعطي الفقير قفلا أو إناء بعشرين درهما، و لعله يسوي درهما، أو أقل، و قد كان ذلك ربحا للوكلاء و الورثة.
و قد كان الأشعث بن قيس فعل ذلك في بعض الوصايا، كان يعطي العروض على ما قال أبو المؤثر، فلما وصل إلى أمرته برد ذلك عليهم.
و وصل إلى الأشعث بن قيس، و ذكر لي ما ذكر، فلم أقبل ذلك، و كان معي أنه قد قيل ما قلت له، و في حسابي أنهم رجعوا عن ذلك، و كذلك من كان له على فقير أو على مفلس دين لا ينال الوفاء منه، و لو حاكمه لم يحكم عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجريب مكيال قدره أربعة أقفزة، و في الأصل جري.
/21/ (3/21)
صفحة 919
لحال تفليسه، فدفع له من ذلك من الزكاة لم يجز ذلك، و لا يجزي عنه ذلك، فإذا لم يجز هذا فكذلك لا يجوز للقادر على الوفاء منه، و إن كان أبو المؤثر قد قال ذلك فلسنا نخطئه. و لكنا لا نقول بقوله، لما عرفتك من الحيل في ذلك.
و أما ما ذكرت أنت و عرفت ذلك عن المسلمين فلسنا بخارجين من قول المسلمين. و في قول المسلمين متسع لمن عرف ذلك منه، و أنا أقول به، و ليسه برأي و لا عن نفسي، إنما أخذته بالمشافهة من تلقاء من نأخذ عنه، و الذي معي أن الذي قال أبو المؤثر إنما قاله برأيه.
و سئل أبو سعيد، رحمه الله، عن رجل كان معه شيء من الزكاة، فأراد أخذها و يعطي بدلها، هل يجوز له ذلك، قال: معي، أنه إذا كان ذلك من زكاة ماله، و إنما ميزه ليؤديه، و لم يكن أنفذه، فله الخيار، إن شاء أمسكه و أعطى مكانه أفضل منه، و إن شاء أنفذه، و إن لم يكن يتغير في إمساكه له، و إن كانت هذه الزكاة في وجه من الوجوه، و هي لغيره، و إن شاء أنفذه، و إن لم يكن يتغير في إمساكه له، و إن كانت هذه الزكاة في وجه من الوجوه و هي لغيره، أو زكاة لا يستحقها، فليس له ذلك عندي إلا برأي صاحب الزكاة.
قلت: فإن من عنده و أبدل ما هو أدون إلا أنه أكثر منه، هل يكون سواء؟
/22/ (3/22)
صفحة 920
قال: معي إذا لم يكن مثلا من الزكاة أو أفضل منها خرج بمعنى العروض في بعض ما قيل، و عندي أنه يختلف في أداء الزكاة من غير ما يلزم من العروض بالقيمة من الدنانير و الدراهم عن الطعام، فأجاز ذلك بعض، و لم يجز بعضهم، إلا أن يكون القابض لذلك سلطانا، أعني، سلطان المسلمين، لأن الزكاة لهم خاصة، فإذا كان لهم دون غيرهم، فإن شاءوا أخذوها، و إن شاءوا أخذوا بها ما شاءوا من غيرها، و ليس كذلك الفقير في معنى القول.
و معي أن في بعض القول، أنه إذا كان العطاء من جنس الزكاة إلا أنه دون ما وجب لم يقع بمنزلة العروض إذا خرج في القيمة، و لو كان عروضا لحق ملحق الاختلاف.
و كذلك الدون من الجنس غير اختلاف الجنس من الأنواع في بعض القول.
و من غيره: قلت له: فيخرج عندي في معنى الاتفاق أن يعطي الصبي من الزكاة إذا قبض والده و الكفارة.
قال: أما الزكاة فيعجبني أن يكون ذلك، و أما الكفارة فلا يخرج عندي في الاتفاق، لأن في الأصل، أن بعضا يقول: إنه لا يعطى الصبي من الكفارة، و أنه لا حق له فيها حتى يبلغ.
و عن شركاء، وجبت عليهم زكاة في زراعة، ثم أخذ كل واحد من الحب ما تجب عليه من الزكاة قبل أن يقسم الحب، فأراد أن يعطيها شريكه الآخر
/23/ (3/23)
صفحة 921
في الزراعة، و كذلك أراد الشريك الآخر أن يعطي الآخر على هذا السبيل قبل قسم الحب، و إنما يأخذ مقدار ما يجب عليه، هل يجوز ذلك للمعطي و المعطى، و يبرأ من الزكاة، و لو علموا من بعضهم بعضا أم لا؟
فمعي، أنه إذا أخذه على وجه القرض، أو يأخذه من حقه، ثم سلمه عما يلزمه، رجوت أن يسع ذلك، ما لم يكن المال الذي أخذه لشريكه الذي سلمه إليه من الزكاة فيه حصة تدبر، ولدي ما وصفت لك، و لا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق و الصواب.
و هذا مختصر من مسألة طويلة:
و قد قيل في بعض قول المسلمين: إن هذه المرأة لو احتاطت بحليها هذا كله عما قد لزمها من زكاة فيما خلا من السنين، و أعطته من يستحقه، من زوج أو رحم أو غير ذلك و استحقه عليها مما قد لزمها من الزكاة، ثم رده عليها على وجه العطية فقد رخص لها ذلك من رخص من المسلمين، لأنه إنما رد عليها ماله هذا الذي قد استحقه عليها لا مالها، فإذا قبلته منه، و لم تكن الحلي مما يخرج المعطي إلى حال الغنى، فلا يضيق ذلك عليها، إن شاء الله في قول بعض المسلمين، هكذا عرفنا، فافهم ذلك.
و لا يضر هذه المرأة ما أكنته في نفسها إذا أعطت حليها هذا أو شيئا منه فقيرا، أن يرده عليها ما لم يكن هناك شرط. و الله أعلم.
تدبر ما وصفت لك و لا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق و الصواب.
/24/ (3/24)
صفحة 922
و ما تقول في رجل سلم إلى زوجة رجل زكاته، و في نيته أنه للزوج، و نسي أن يخبر المرأة أن هذه الزكاة لزوجك فلان، فأتلفتها المرأة من قبل أن يقول لها صاحب الزكاة، لأنه نسي في وقته ذلك، قلت: أيجوز له ذلك أم لا؟
الجواب، فإن كانت هذه المرأة ممن يجوز له أخذ الزكاة و دفعه إليها على أنها لزوجها، و نسي أن يخبرها أن هذه الزكاة لزوجك، فإذا أتلفتها فيما يجوز لها أن تتلف فيه الزكاة، و أتم لها صاحب الزكاة، فأرجو أن يبرأ إن شاء الله، إذا قالت، إنها قضتها في دين لها، أو أكلتها في حين حاجتها إلى أكلها، و ما يشبه هذا فقد برئ إن شاء الله.
و عن رجل ترك أن يؤدي زكاة ماله و هو يعلم أنها واجبة عليه.
قال: ليؤد فيما يستأنف، و ليس عليه فيما مضى، و ليس عليه إعادة صلاة أضاعها و لا صوم إذا تاب.
قال: قال منازل: كل حق ضيعه لله فإن التوبة تأتي عليه، و لا إعادة عليه، و أما حقوق العباد فعليه أداؤها، قال أبو سعيد رحمه الله: قد قيل هذا، و قيل: إن عليه أداء جميع حقوق الله و حقوق عباده إذا قدر على ذلك.
و من غيره:
و عن رجل وجبت عليه الزكاة و له جيران ضعفاء و رجال و أرامل و أيتام، فاعلم، يا أخي، أن الزكاة واجبة لمن كان من أهل صفة آية الصدقات، كان تقيا أو غير تقي، إلا العاملين عليها، فإنهم لا حق لهم فيها حتى يعملوا عليها بالعدل
/25/ (3/25)
صفحة 923
و بأحكام كتاب الله تعالى، و بأحكام سنة رسول الله، (ص)، و المؤلفة تبع للعاملين.
و ينبغي إذا كان فقراء أهل دعوة الحق موجودين كثيرا خصوا بها من سكان البلد دون خلافهم من سكان البلد من المضللين للمسلمين في دينهم اختيارا من الذي عليه الزكاة لا دينونة.
و من كان من العوام الذي ليس له حقيقة في الإسلام، و لا بصيرة، و لا يخطئون المسلمين في دينهم تخطئة دينونة فلا يحرمون الزكاة.
و أما ابن السبيل إذا كان منقطعا فيعطي من الزكاة، ليس سبيل ابن السبيل غير سبيل أهل الوطن.
و كذلك إذا علمت من أهل الوطن من أهل الخلاف للمسلمين، و هم من أهل القبلة التي يجب عليك فيها أن تقرضهم من مالك ما يحتاجون به، أو يجب عليك أن تبيعهم بنسيئة بالدين.
قال: تعطيهم من زكاتك في هذا الحال، و لو كانوا يبرأون من المسلمين، لأن الله يقول {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ}. و قد قيل، نزلت فيمن يتصدق عليه، و الله أعلم.
و من الجواب:
و ما يجب لأحد من المسلمين أن يحرم جاره إذا كان فقيرا محتاجا للزكاة،
/26/ (3/26)
صفحة 924
و لو كان فاسقا، لأنه يروى عن النبي (ص) أنه قال في خطبة الوداع التي خطب بها في المدينة آخر عمره، أنه قال: من منع الماعون من جاره إذا احتاج إليه منعه الله فضله، و وكله إلى نفسه، و من وكله إلى نفسه هلك، و لا يقبل الله عذره إلا أن يتوب، و الماعون عندنا الزكاة المفروضة، و ما وجب على المسلمين أن يتفضلوا به من أموالهم على من احتاج إليهم، و الله أعلم بتأويل الحق عنده.
و يوجد أن هذا الجواب لمحمد بن روح بن عربي، رحمه الله.
و من جواب محمد بن الحسن رحمه الله، في رجل تولى بلدا في مصر كم هذا و عنده ناس من أهل البلد، فيأخذون أعشارا و يدرون عليه. قلت: ما تقول فيمن أعطاهم عشره، يعود يزكي ماله، أو يجزيه الذي أخذه إذا أعطاه أحدا من أصحابه؟
فعلى ما وصفت، فإذا كان هذا المتولي و الآخذ يعلمون بالحق في البلاد، و يدفعون الظلم عن العباد، و يظهرون الرشاد و لا يسعون بالفساد، فمن سلم إليهم زكاته و هم فقراء، و كان تسليمه بالنية منه إن كانوا فقراء فالزكاة للفقراء، و إن كان قيامهم في سبيل الله فلهم فيها سهم، لأن الله يقول: و في سبيل الله و ابن السبيل، و سبيل الله الجهاد لأعداء الله عن عباد الله.
فإن كان هؤلاء يغصبون الناس أموالهم غصبا و قهرا، و يأخذونها عشرا عن رضى أهلها و عن غير رضاهم، فلا براءة لأحد ممن أدى إليهم.
/27/ (3/27)
صفحة 925
و قد قيل عن بعض الفقهاء فيما وجدنا أنه يجوز أن يستأجر من الصدقة من يحمي البلاد من الظلم و يعطون منها و ذلك سبيل الله.
و لعل بعضا يقول: إن الحماة من الفقراء جاز ذلك.
و من غيره:
و ذكرت في رجل قبض من رجل زكاة و هو غني، فكانت في يده إلى أن افتقر، هل يجوز له أن يقبضها من حين فقره، و إنما كان الرجل سلم إليه و هو فقير و لم يخبره هذا أنه غني، فنعم يجوز ذلك إن شاء الله.
و من غيره:
قلت له: فهل يجوز للرجل أن يأخذ من الزكاة و يتزوج؟
قال: هكذا عندي، إذا خاف العنت جاز ذلك.
و قال أبو سعيد رحمه الله: إنه يروى عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله، أنه أمر صاحب الصدقة لامرأة معها حلي بشيء من الصدقة، و أمر لغيرها، و لم يذكر أنه كان معها شيء بأقل من ذلك.
فقال له: يا أبا علي، تلك معها شيء، فقال له أبو علي: نعم، تلك من الدوارات، و هذه المستورات، يعني التي أمر لها بأكثر.
قلت: أنا لأبي سعيد رحمه الله: فإذا كان معها من الحلي يجوز لها أن تعطي من الزكاة؟ فقال، قد قيل معي في ذلك باختلاف فقال من قال، إنها لا تعطى على
/28/ (3/28)
صفحة 926
حال حتى ينفذ ذلك من مالها، و قيل: إنه إذا يغنيها سنة لو باعته لم تعط، و إن كانت لا يغنيها سنة أعطت بقدر ما يغنيها مع قيمة الذي معها و قيل: إنما تعطي على حال إذا كان ذلك خوفا أن يتعلق عليها تبعة، أو متعلق عليها فتاركة لذلك جعلوا ذلك مثل الدراهم من الزكاة.
و قيل: إنها تعطي ما يغنيها سنة و يفضل معها بعد مئونتها و مئونة عيالها مائتا درهم، تكون مستظهرة بها على زمانها، و قيل: بخمسين درهما أن تكون مستظهرة، و قيل: لا غاية لذلك، و إنما يكون معها ما تكون مستظهرة به في قدرها، و لا نجد لذلك حدا.
و من غيره:
و منهم من قال: إذا صار الفقير مستحقا لقبض الزكاة لم يكن لذلك حد، و ما أعطى من ذلك أخذ، و أذهب، فيما يحتاج إليه من نفقته أو مؤونته، كان في سنة أو أكثر فانظر في ذلك.
و من غير الكتاب و الزيادة:
و تلقيت أنا في بعض الأجوبة أن أول مرة يعطي ما شاء، و يأخذ الفقير ما يشاء، لا غاية لذلك، و بعد ذلك ما يصير به غنيا في سنة، و الله أعلم.
و من غيره:
و قال بعض أهل العلم، في الذي يكون رأس ماله دراهم، يضارب بها،
/29/ (3/29)
صفحة 927
و ليس له أصل مال يصيب من غلته من دون أصله ما يكفيه لمئونته و مؤونة عياله في سنته، و تدارك ثماره و يستعين بها لما يلزمه من مؤنته عياله.
فإذا كان كذلك فهو غني، و إن لم يكن كذلك و ينقص عليه من مؤونته و مؤونتة عياله من غلة ماله كان له أن يأخذ من الزكاة بقدر ما ينقض عليه في ذلك في خلال سنته.
و أما من كان أصل ماله يضارب بها و لم يكن له أصل مال من الأصول و الحيوان و العروض، و كانت دراهم، فقال من قال: إن رأس ماله من الدراهم بمنزله أصل ماله فإن أجزاه غلة دراهمه و تجارته و استغنى عن رأس ماله، و لم يحمل في ذلك دينا على نفسه و لا نقص من مؤونته من غلة تجارته دون رأس ماله، فهذا غني، فلا يأخذ من الزكاة و إن لم تكن تجارته تجزيه بمنزلة غلة ماله من الأصول فهو فقير، و صاحب هذا القول يجعل الدراهم و الدنانير للتاجر مثل الأصول لرب المال.
و قال من قال: إن الدراهم و الدنانير ليست بمنزلة الأصول، و عليه أن ينفذها في مؤنته بمنزلة الغلة، فما نقص عليه في سنته مما في يده فهو فيه بمنزلة الفقير، و تجعل الدراهم و الدنانير بمنزلة الغلة، كانت في تجارة أو ليس في تجارة، و أما إذا كانت الدراهم و الدنانير و الذهب و الفضة في يده لغير تجارة و لا لقضاء دين عليه فذلك بمنزلة الغلة، و لا نعلم في ذلك اختلافا، و كذلك كل عروض لا تتخذ لتجارة و إنما هي موضوعة لغير تجارة و لا لكسوة فهي بمنزلة الغلة، و أما كل حيران أو متاع
/30/ (3/30)
صفحة 928
أو عروض أريد به التجارة، أو للغلة، فأما ما أريد به للغلة من الحيوان، فلا نعلم فيه اختلافا، و هو بمنزلة الأصول إذا لم تغنه غلته، و يستغني بها في سنته، فهو بمنزلة الفقير، و ذلك في جميع الحيوان من الإبل و البقر و الغنم من السائمة أو غير السائمة إذا كانت أصل مال للغلة، و لا يراد به للتجارة فهو بمنزلة الأصول و لا نعلم في ذلك اختلافا.
و كذلك في السفن و العبيد و رجاء الماء و غير ذلك من الرجى، و كذلك الدكاكين و المنازل المتخذة للغلة فذلك بمنزلة الأصول.
سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، عن امرأة كانت تزكي حليا لها في كل سنة في وقت معروف، ثم ملكها رجل، و قيل بألف درهم نقدا، ثم حضر و قت زكاتها، و جاءها المزكي، و لم يدخل بها زوجها بعد، أترى في الألف زكاة فيحمل على ما كان معها، من على تزكي؟
قال: يحمل نصف الألف خمسمائة درهم على حليها التي كانت تزكيه، ثم يخرج منه الزكاة ما لم يدخل بها زوجها، فإذا دخل بها أخرج من النصف الباقي من الخمسمائة الباقية، قلت: هل يحول على الخمسمائة الباقية حول مذ دخل بها أم من حين ما دخل بها زكت.
قال: بل حين ما دخل بها قبل أن يحول عليها الحول.
/31/ (3/31)
صفحة 929
قلت: فإن المرأة قد أخذت بالخمسمائة الباقية ثيابا أو (وبرا ينظر فيه) حتى نفذت قبل أن يدخل بها، أيؤخذ منها شيء أم لا؟ قال: يؤخذ منها، و لو أخذت ثيابا.
قلت: فإن تركتها لزوجها قبل الدخول بها؟
قال: و إن تركتها لزوجها قبل الدخول، لأنها قد وجبت فيها الزكاة، و هي ألف درهم قائمة، فإنما كانت تنتظر بالنصف إلى الدخول، فإذا دخل بها أخذت، و إن طلقها بطلت، و لا زكاة فيها أصاب المصيب من اللؤلؤ و الجوهر و العنبر من غوص أو غيره إلا أن يكون من التجارة، فتحسب قيمته عند جميع ما كان له من التجارة، أو يبيعه بدراهم أو ذهب فيحمله على صدقته، و إن كان ممن لا يؤدي الصدقة، فحتى يحول على مائتي درهم من ثمن ذلك، أو أكثر حول ثم تجب فيه الزكاة.
و كذلك لا زكاة فيما استخرج من المعادن من أنواع العروض إلا في الذهب و الفضة، فإذا أصاب من ذلك ما تجب فيه الزكاة، و حال عليه الحول، فعليه إعطاء زكاته.
و أما ما أصاب من التراب الذي يعالج بالنار من الذهب و الفضة أيضا، فعلى ذلك زكاة من كل أربعين درهما درهم إذا أصاب مائتي درهم، و حال عليها عنده حول فعليه زكاة خمسة دراهم، و أما ما أصاب من كنوز الجاهلية ففي ذلك الخمس على ما كانت تقسم الغنيمة، و أقل ما يجب فيه الخمس من كنوز الجاهلية خمسة (دوانق ينظر فيه).
/32/ (3/32)
صفحة 930
الكتاب: الجامع لابن جعفر
المؤلف: أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) و علامة كنز الجاهلية أن يكون في أوعيتهم، أو تكون عليه علامتهم، و كذلك يعرف من كنوز الإسلام بعلامتهم، و لا زكاة في دارهم لقوم حتى يقع لكل إنسان منهم مائتا درهم، و يحول عليه حول عليه حول مذ صارت إليه تلك الدراهم.
و كل من لم يكن مال إلا دين آجل، صداق امرأة، أو غير ذلك فلا زكاة فيه حتى يحل، ثم يحول عليه حول مذ حل، ثم تؤخذ منه الصدقة إذا بلغت فيه.
و إن كان صداق آجل لامرأة على زوج لها مفقود، فإذا اعتدلت منه، و أماته المسلمون قسم ماله بعد أربع سنين، فإذا حال عليه الحول ذلك الوقت وجبت فيه الصدقة إذا كانت تبلغ فيه.
و من ميز زكاته ليدفعها إلى الوالي أو الفقراء، أو بعثها مع رسوله إليهم فتلفت قبل ذلك فهو غارم، و إن سلمها إلى الوالي أو إلى رسوله فقد برئ منها و لو تلفت من عندهم.
و يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاتها إن كان فقيرا، و قال من قال، لا تنتفع هي بشيء من ذلك، و كذلك يجوز للرجل أن يعطي من صدقته من لا يعول من والديه أو أولاده الكبار الذين قد بانوا عنه إذا كانوا فقراء.
/33/ (3/33)
صفحة 931
و إذا كان رجل مسلم بأرض الحرب و جبت عليه زكاة، فإن كان قبله فقراء من المسلمين، و لو واحد، أعطاه زكاته إلا أن يكون ذلك أكثر مما يكفيه لنفقته و كسوته إلى الحول فيحبس عنه للفقراء ما بقي بعد كفاية مؤونته إلى الحول.
رجع:
و من غيره: و منهم من قال، إذا صار الفقير مستحقا لقبض الزكاة لم يكن لذلك حد، و ما أعطى من ذلك أخذ، و أذهب فيما يحتاج إليه من نفقته و مؤونته، كان في سنة أو أكثر. فينظر في ذلك، إن شاء الله.
رجع:
و إن لم يكن قبله أحد من فقراء المسلمين و كان من فقراء قومنا أعطاهم، فإن لم يكن أحد منهم فرقه في فقراء أهل الكتابين، و إن لم يكن أحد منهم (فرق في فقراء المجوس ينظر فيه.)
و قال أبو بكر أحمد بن محمد بن المفضل، رحمه الله، إن أبا علي الحسن بن أحمد، رحمه الله، وقف عن فقراء المجوس و فقراء أهل الحرب، و الله أعلم. فإن لم يكن أحد منهم فرقه على فقراء أهل الحرب.
و عن محمد بن محبوب، رحمه الله، قال، أحب أن يبقيها إلى فقراء المسلمين، فإن فعل ذلك فلا بأس.
و في حفظ أبي صفرة، أنه إذا أعطى رجلا زكاته، فذهب بها من أرض
/34/ (3/34)
صفحة 932
إلى أرض، فتلفت، أن ليس على أحدهما شيء، لعله، يعني بعثها صاحب الزكاة من أرض الشرك إلى فقراء المسلمين، و كذلك عن أبي عبد الله، رحمه الله.
و أما إذا دفع زكاته إلى رجل من المسلمين، و أمره أن يفرقها على الفقراء فتلفت، فليس على أحدهما ضمان، و قد أجزت عنه إن شاء الله، و كذلك عندي إذا أخرجها إلى ثقة من المسلمين من أرض الشرك ليجعلها في أهلها، فتلفت، أنه لا شيء على أحدهما، و ليس هذا عندي مثل الرسول الذي يرسله بزكاة في أرض الإسلام إلى الوالي أو إلى الإمام، و سئل عن ذلك.
و من بعث بزكاته إلى أهلها مع ثقة فقد برئ منها، و إن لم يرجع إليه الثقة فيعلمه أنه قد أوصلها، و إن كان بعثها إلى غير ثقة فلا يبرأ منها حتى يعلم أنها قد وصلت إلى أهلها.
و أما الذي يفرق الصدقة على الفقراء من القوام بذلك، من ثلث أو غيره فإن بعث إلى فقير ما كان له مع رسول لا يتهمه، فلا أرى بذلك بأسا. و كذلك أرى الناس يفعلون حتى يقول الفقير، إنه لم يصر إليه شيء، فإن كان الذي حمل ثقة لم ينظر في إنكاره، و إن كان غير ثقة فلا أحب إلا أن يغرم الذي ولى غير الثقة.
و كل من اشترى شيئا من الحرام و الربا للتجارة فربح فيه، فإنما الزكاة في رأس ماله، و ليس في الحرام زكاة لأنه لا يجوز له، و هو لأهله. و إن كانت
/35/ (3/35)
صفحة 933
خمرا أهرقها، و إن كان لحم خنزير دفنه، و إن كان صبي مسلم، والداه مشركان قد ارتدا عن الإسلام، و له مال، ففي ماله الزكاة، و كذلك إن أسلم أحد والديه فهو تبع لمن أسلم منها، و عليه في ماله الزكاة.
و من بعث بمال يشتري به بدنا، و ينحر بمنى، أو للكعبة، أو تفرق على الفقراء و جاء وقت زكاته قبل أن ينفذ فيها ففيها الزكاة، و إن خرجت منها، فأحب أن يرد صاحبها بدل تمام ما أنفذ من ماله، و إن لم يفعل فلا غرم عليه إلا أن يكون شيء واجب.
و كل دين لزم الإنسان من دية قتل أو عقر امرأة كابرها على نفسها، أو نحو ذلك فهو مرفوع له من زكاته إذا كان يؤدي ذلك الدين من ماله الذي هو في يده في سنته.
و إذا أعتق العبد و في يده مال كثير، و قد خلا له سنون، و لم يؤد منه زكاة، و صيره المولى للعبد فلا زكاة فيه على العبد حتى يحول عليه حول منذ صار له، و على المولى زكاة ما مضى لأنه كان له.
و من كان له مال غائب عنه فلا زكاة فيه حتى يصح عنده سلامته في وقت قد لزمه فيه زكاته فيعطي الزكاة.
/36/ (3/36)
صفحة 934
و من غير الكتاب و الزيادة:
قال أبو سعيد: رحمه الله، إنه يخرج في قول أصحابنا في الدين الحال إذا كان على (الملي ينظر فيه) الوفي، و كان صاحبه على مقدرة من أخذه، أن فيه الزكاة، قبضه أو لم يقبضه، فإن شاء قبضه و زكاه، و إن شاء زكى عنه إذا كان على مقدرة من أخذه، و لا أعلم في هذا اختلافا من الديون إلا في الصداق العاجل من الذهب و الفضة، فإنه يشبه فيه معنى الاختلاف، ما لم يقبض في معاني قولهم، دخل بها الزوج أو لم يدخل، و أما سائر الديون فمعي أن فيه الزكاة عندهم، حتى إنه يخرج في قول بعضهم عندي، أنه لو كان على (ملي ينظر فيه) غير وفي، و كان إذا رفع عليه أدرك حقه بالمحاكمة، و إن لم يحاكمه لم يقدر على أخذه، أنه يخرج في بعض قولهم، أن عليه الزكاة، و في بعض قولهم، لا زكاة عليه، لأنه لا يقدر على أخذه إلا بما كان موضوعا عنه إن أراد الأداء، و أشبه في المعاني في قولهم، أن تثبت فيه الزكاة إذا كان يقدر عليه بالمحاكمة، ما لم يدخل عليه في ذلك تقية أو ضرر.
و من غيره:
و على حسب ما عرفت أنا، لو كان له دين على خارج ببحر، يرجو مجيئه في سنته، أنه يلزمه إخراج زكاته، و أحسب أني عرفت، و لو كان يرجو مجيئه في سنته إلا أنه لو غرق أو مات فيقدر على أخذ دينه من ماله بوجه كان عليه الزكاة، و الله أعلم، و سل.
/37/ (3/37)
صفحة 935
و من غيره:
و وجدت، ليس عليهم في الدين الآجل و لا الصداق الآجل زكاة حتى يقبضوه، لعله، أو يحل، كان على (ملي أو غير ملي ينظر فيه) فإذا قبض كان فيه الصدقة، و بعض يقول لما مضى، و بعض يقول، لما يستأنف.
و من غيره:
اختلف في الآجل من الدين غير السلف، فقال من قال، لا زكاة فيه حتى يحل و يقبض، و قال من قال، الزكاة فيه من رأس مال ما باعه من العروض، و قال من قال، إذا حل وجبت فيه الزكاة لما مضى من السنين، و قال من قال، ليس فيه إلا حتى يحل، و يقدر على أخذه بمحله.
قلت، فإن أوقف دراهم في وصية الفقراء و الأقربين و في قضاء دينه فحالت، قال، لا زكاة فيها.
و يجوز إخراج الزكاة من مال اليتيم، فالذي يرى ذلك لا يلزم اليتيم، إذا بلغ، تصديق الوكيل، و الذي لا يرى له ذلك يلزم اليتيم إذا بلغ تصديق الوكيل.
قال: النظر عندي على معنى قوله، إن في جواز إخراج زكاة اليتيم من الذهب و الفضة للوكيل اختلاف، منهم قال، عليه و له و منهم من قال، لا عليه
/38/ (3/38)
صفحة 936
و لا له، و لكن يخير اليتيم إذا بلغ، أن الزكاة عليه، فعلى هذا يخرج معنى المسألة الأولى.
فالذي يقول، على الوكيل إخراج زكاة اليتيم لا يرى على اليتيم تصديق قول الوكيل، لو قال له، إن الزكاة عليه لم يخرجها، لأن اليتيم لم يكن عليه تعبد بإخراجها في حال صغره.
و الذي يقول، لا عليه و لا له، فعندي أنه يخرج معنى قولهم، أن على اليتيم تصديق قول الوكيل في أن الزكاة عليه في ذلك المال، لأنه حين بلغ و صح عقله و صح له المال تقيد بإخراج ما يجب عليه من الزكاة، و الله أعلم. و سل، و لا تأخذ من قو لي إلا ما صح عدله، و اتضح صوابه.
رجع.
و من أقر بالإسلام، و أنكر أنه لا زكاة عليه، و دان بذلك، ثم تاب فإن عليه الزكاة لما مضى، لأنه مقر بالجملة، و الشريكان في الدراهم لا زكاة عليهما حتى يتم لكل واحد منهما مائتا درهم، و إن كان أحدهما عليه دين بقدر ذلك، يريد أن يقضيه فلا زكاة على ذلك.
و من كان له ولد معتوه بالغ، قد بان عنه قبل ذهاب عقله، فلا يحمل على أبيه في الزكاة، و أحب ألا يؤخذ وكيل الغائب بزكاة مال الغائب إلا أن يكون الغائب أمره بذلك، فأعطى هو برأيه، لأن الغائب لا تعرف حجته، و كذلك المؤتمن، و في نسخة، المرتهن، ليس عليه أن يخرج الزكاة من أمانته.
/39/ (3/39)
صفحة 937
و لا يقبل من صبي زكاة إلا برأي أبيه، فإن كان يتيما أقيم له وكيل.
و إن جاء رجل بزكاة إلى الوالي، فقال له، إن هذه زكاة عن يتيم عندي، و كان ذلك المال مشهورا، أخذها منه، و لا يقبل قول من يقول، إن هذا المال لفلان اليتيم. و قد خلا له عشر سنين، أو أقل أو أكثر، لم تؤد منه زكاة، إذا بلغت فيه.
و من ضيع الزكاة حتى هلك و أوصى بها كانت مع الوصايا في ثلث ماله، و هو على ولايته.
قال أبو علي الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قد قيل، إنها من رأس ماله، و الله أعلم.
و حد الغني عندنا الذي لا تجوز له الصدقة، أن يكون له مال يكفيه و يكفي عياله لنفقته و نفقة من يلزمه نفقته و مؤونتهم و كسوتهم إلى الحول من ذلك، فهو في حد الغنى، و تكون النفقة بالمعروف، و من كان دون ذلك فهو فقير، و يأخذ من الصدقة، و كذلك إذا أعطى غالته في دين عليه و لم يبق معه ما يكفيه إلى حوله فهو فقير، و كذلك إذا غاب صاحب المال و لم يصل إلى ماله و احتاج، فهو فقير، أو كان ماله على من يجحده إياه، أو حيل بينه و بينه فهو فقير.
و أما من لم يكن له أصل، وكان ماله دراهم أو دنانير و يسرته حاضرة فهو غني، لا يأخذ الصدقة، إلا أن يكون الذي في يده شيئا قليلا و لا تجب فيه الزكاة فهو فقير، و يأخذ من الصدقة.
/40/ (3/40)
صفحة 938
و الصبي و المرضع يعطى من الصدقة مع والديه إذا كانا فقيرين.
و إن كان فقير يسكن بلدين أعطي منهما من الصدقة، و (يعطي ينظر فيه) الرجل من الصدقة لأولاده الصغار إذا كانوا معه، أو كان لهم عليه فريضة مع غيره، فإن لم يكن له فريضة و لم يكونوا معه أعطى لهم، من يمونهم، إذا كانوا فقراء، و لا يعطي لأولاده الكبار.
و من زرع بيده فأصاب من الحب ما يكفيه لسنته، و إنما زرع في أرض غيره أو عمل الناس فهو غير فقير، و لو أصاب من ذلك من كد يده، و لم يصبه من غلة ماله فأحب له ألا يأخذ من الصدقة.
و ليس للمسلمين أن يأخذوا صدقة من لم يحموا و لو كان في قطر من مصرهم، و إن حموه سنة أخذوا منه زكاة الورق، و أما زكاة الثمار فإذا حموهم و حموا أثمارهم حتى دخلت عليهم أخذوا صدقة ذلك.
و الوالي يجوز له أن يقبض صدقة أهل ولايته و لو كانوا في غير ولايته.
و كل مال في بلد قد حال عليه فيها حول فصدقته فيها، و إن لم يكن صاحب المال منها، و من لم يحل عليه من ذلك حول فصدقته مع صدقة صاحبه في بلاده.
و لا يجوز للوالي أن يقبض الصدقة من أهلها و قد عزل، فإذا دفع إليه أحد صدقته و هو ثقة، فصيرها إلى أهلها فقد برئ أيضا صاحبها، و أما ما كان في أيدي ولاته من الصدقة فإنه يقبضه و لو عزل، لأنهم إنما قبضوا ذلك في ولايته.
/41/ (3/41)
صفحة 939
و إذا أحدث الإمام حدثا يخرج به من الإمامة فلا يعطى الزكاة، و لا يبرأ من أعطاه، في حد تقية و لا غيرها، إلا أن يكون ممن يدين له بالإمامة، فإن له أن يعطيه زكاته، فإن صح معه خروجه من الإمامة و رجع عن رأيه الأول فلا يعطيه فيما يستقبل، و لا غرم عليه فيما أعطاه بالديانة، و هو يدين له بالإمامة.
و إذا قسم الوالي الصدقة و حضر قوم، قيل له إنهم فقراء، و رأى جلية ذلك و علامة الفقر عليهم، فهم فقراء، و يعطيهم ما يرى.
و من جحد الزكاة أقيم عليه الحجة لله، فإن تاب قبل منه، و إن قاتل قتل، و كذلك إن أقر بالزكاة و كره أن يعطيها يحتج عليه، فإن امتنع أن يعطيها قتل، و لا بأس أن يشتري الإنسان صدقة إذا ميزها و صارت إلى من يلي قبضها، و كذلك يجوز له أنه يأخذ صدقته من الطعام و غيره من عنائه و قيامه مع المسلمين إذا أعطاها الموالي، ثم أعطاه إياها، و أما أن يأخذ صدقته بعناه أو بشراه من قبل أن يبينها و تصير إلى من يلي قبضها فلا أحب ذلك.
و قد قال بعض الفقهاء، إنه لا يرجع يشتري زكاته، و كره له أكلها، و الرأي الأول أحب إلي.
و في حفظ أبي صفرة في رجل أتى بلاد الشرك ببحر بما عنده من الزكاة في تجارته للمسلمين، قال، فإن ربح فلهم، و إن تلف فليس عليه، و إن كانت معه فتلفت فهو شبه الأمين.
/42/ (3/42)
صفحة 940
و قال أبو عبد الله، هو ضامن للزكاة إذا خلطها، أو ميزها، و الربح له، و الربح للمسلمين، و هذا الرأي أحب إلي، و به آخذ.
و قال المرأة الفقيرة تعطى من الصدقة و إن كان لها زوج موسر، أو ابن عليه نفقتها، و أحب أنا في المرأة ألا تعطى إن كان زوجها غنيا، إلا أن يعنيها من قلبه معنى ترجع فيه إلى حد الحاجة.
و أما الذي يعول من قرابته، و هم فقراء، فإذا كان محكوما عليه بنفقتهم فلا يعطيهم من زكاته، و إن كان يفعل ذلك إحسانا منه فيهم بلا شيء و أحب، فله أن يعطيهم من زكاته، و القرابة الفقراء أولى من غيرهم.
و من اشترى مائتي مثقال فضة بمائتي درهم فإنما يعطي من زكاة الفضة خمسة مثاقيل فضة، مثلها أو ثمنها يوم يعطي الزكاة إلا أن تكون الزكاة قد وجبت عليه في المائتي (1) درهم قبل أن يشتري الفضة فيعطي خمسة دراهم.
و الرجل يحمل عليه بنوه وبناته إذا كانوا في حجره، و لو كانوا بالغين، و يحمل بعضهم أيضا على بعض إذا كان الحلي من عنده هو. و إذا كانت الحلي لأولاده من قبل غيره حملوا عليه و لا يحمل بعضهم على بعض، إن لم يكن عنده هو ما يؤدي عنه الصدقة، و إن بلغ على كل واحد منهم الصدقة أخذت منه، وإن كان صاحب الصدقة من الورق في مكان رأى أن الطعام أصلح أن يفرقه على الفقراء، فاشترى بصدقته طعاما و فرقه على الفقراء فلا بأس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الأصل المائتين.
/43/ (3/43)
صفحة 941
و أما أن يبيع صدقته من الطعام بدراهم و يفرق ذلك على الفقراء فلا يعجبني إلا أن يكون في موضع مثل إبرا أو غيرها، و يريد أن يحمل إلى الفقراء فلم يمكنه فإنه يقبعه بالاجتهاد، و يفرق ثمنه على الفقراء، أو ليشتري بثمنه طعاما كمثله.
و من تجر بشيء من مال المسلمين اقترضه فالربح له و عليه ضمان رأس المال إذا أقرضه إياه إمام أو وال، أو واحد من ذلك في يده، و إن اقترضه هو مما في يده ففي نفسي من ذلك، و آخذ بقول من قال الربح له و الضمان عليه، و أما إن تجر بلا قرض فالضمان عليه في رأس المال، و الربح للمسلمين، و لا ضمان عليه في الربح.
و من كان معه دراهم من ثقة أعطى زكاته منها، و لا أحب أن يعطي صرف ذلك من الدراهم إلا أن يصارفه بها المصدق إذا صارت إليه فلا بأس، و كذلك أحب أن يعطي عن الذهب فضة، و عن الفضة ذهبا، بقيمة الصرف، و يعطي من كل نوع منه إلا أن يصير ذلك إلى المصدق و يصارفه عليه، أو يكون ذهبا و فضة، يحمل بعضها على بعض في الصرف لتمام الزكاة، و يعطي الزكاة مما حسب عليه من الصرف.
و إن أدى رجل زكاة ماله خمسة دراهم، ثم مات و خلف مالا كثيرا، و صح أن ذلك المال كان يملكه يوم أذى زكاته خمسة دراهم فإن الزكاة تؤخذ من ذلك المال الذي صح كله.
/44/ (3/44)
صفحة 942
و إن يبع له رثة، أو شيء من ماله حمل ثمن ذلك على المال الذي تخرج زكاته حتى ينقطع الزكاة، و كذلك قال من قال من الفقهاء، و في نفسي من ذلك، و قد كنت أناظر فيه بعض أهل العلم، و أحب النظر فيه، و إن صح له متاع اتخذ للتجارة قوم و حمل على ماله، و أخذت منه الزكاة.
و قيل في امرأة كانت لها دراهم على رجل تجب فيها الزكاة، فلما وجبت الزكاة صيرت الدراهم لولدين لها يتيمين أو غيرهما، قال، إنها ضامنة للزكاة في مالها، فإن ماتت المرأة أو أفلست و لم يقدر لها على شيء، و الدراهم قائمة فأحب أن تؤخذ الزكاة منها، لأن تلك الزكاة قد كانت وجبت، و لم يكن لها أن تضيفها، و إن كانت صيرت ذلك الحق لمن صيرته إليه رجع عليها بمثل ما أخذ من الزكاة.
و إن كان المسلمون في أرض الجوار أدوا زكاتهم في فقرائهم، و إن لم يكن عندهم فقراء فبعثوا بها إلى أحد من أئمة العدل كان ذلك صوابا مجزيا عنهم، مؤديا لما أوجب الله عليهم من أدائها، و للإمام أن يقبضها و يقبلها فيجعلها في أهلها، هذا قول أبي المؤثر، قال غيره، قد قيل ذلك، إن كانت تلفت قبل أن تصل إلى الإمام، و قد قيل، إنه ضامن لها، و قيل، لا ضمان عليه.
و منه، و إذا أخرج زكاته و غيرها عن ماله فأخذها سلطان جائر، و دفعها إلى الفقراء، و رتبها و هو كاره لذلك كله، ثم رضي بعد ذلك، أنه قد برئ منها و هذا على قول من يقول، إنها شريك، قلت، فإن كان الآخذ لها فقيرا و الذي وجبت عليه كاره لذلك، ثم رضي، هل يبرأ، قال، قد قيل في ذلك باختلاف،
/45/ (3/45)
صفحة 943
قال من قال، إنه يبرأ، قال من قال، إنه لا يبرأ إلا أن يرضى بذلك من بعد فإنه يبرأ.
و من غيره:
و قد قال من قال، يجوز للمرء أن يعطي والديه من زكاته إذا كانا زمنين أو قويين ما لم يحكم عليه بالعول، و قال من قال، لا يجوز أن يعطي والده و يعطي والدته إذا كانت بحال من لا يراد للتزويج، و قال من قال لا يجوز ذلك.
و عن رجل أطعم رجلا نخلة من نخله، و حسبها من زكاته إذا رجا أن تصل تمرتها جريبا، حسبها تسعة أقفزة أو ثمانية، هل يجزي عنه ذلك، و هل يجوز أن يقدم زكاته قبل حصادها و هي لم تدرك؟ فقد قيل، فيمن أعطى نخلة فقيرا و حسبها من زكاته فإن ذلك يجزي عنه و لا يحسب قبل دراكها، و إنما يحسب بعد دراكها، قلت له، و كذلك من عنده زكاة التجارة من الورق و يزكي في رمضان، هل يجوز له أن يخرج زكاة التجارة في رجب و شعبان؟ فقد أجازوا ذلك.
قال غيره: قد قيل هذا، و قال من قال لا يجوز إلا بعد محل الزكاة.
و من جامع أبي جابر، قلت هل للمسلمين إذا لم يكن لهم إمام قائم و أرادوا منع بلدهم من الفساد أن يجمعوا صدقاتهم من الزكاة، و يتخذوا من الناس أعوانا و يطعموهم من تلك الصدقات و يجروها عليهم.
/46/ (3/46)
صفحة 944
فنقول، إن زكاتهم للفقراء ممن كانوا من أعوانهم و من غيرهم، و إن اتجروهم إجارة فلا يعطوهم ذلك من صدقاتهم.
قال أبو المؤثر: ما أرى بأسا أن يعطوا من صدقاتهم إجازة من استأجروه لقتال عدوهم عن البلد، و إن لم يكن لهم إمام، و لو كان الذين استأجروهم أغنياء أو أهل ذمة، أو من كان من الناس، و قد قال الله تعالى في الصدقات {و فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.و الله أعلم.
و من غيره، و سألته عن الذي يأخذ الزكاة، هل يطعم منها أحدا شيئا أو يذهبها في نفقته.
قال: على قول أهل عمان جائز، و أما على قول أهل (غراسان ينظر فيه) فلا يجيزون ذلك.
و عرفت فيمن كان في يده مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها حتى يكون ما عنده مائتا درهم في يده، لا تنقص شيئا، حتى يحول عليها الحول، فمن ذلك تجب فيها الزكاة.
من غير الكتاب و الزيادات:
قال سفيان: لا تدفع زكاتك إلى من تجبر إليه من أرحامك، و كذلك قال أبو عبيدة.
/47/ (3/47)
صفحة 945
و من غيره، قال، هذا قول أصحابنا، و قال غيره، و معي، أن معنى قوله تجبر عليه على قوله، لا تعط من تعول.
و عن رجل وجبت عليه الزكاة، و أخر شهرين أو ثلاثة، ووقعت في يده دراهم من غالته فأذهبها.
قال: ما كان في يده يوم حلت عليه زكاته، فليحفظ ما أذهب بعد وقت شهره، و ما دخل بعد وقت شهره من ماله فأذهبه، و الله أعلم.
و من غيره، قال، كل ما استفاد من ذهب أو فضة من غلة أو تجارة من الفائدة فعليه الزكاة إلى أن يؤدي زكاته، كذلك حفظنا.
و عن رجل يعطي صدقة دراهم فأذهبها، ثم ساق الله غيرها قبل (وقت ينظر فيه) الذي كان يخرج فيه صدقته بأيام، أعليه صدقة الدراهم أم حتى يأتي عليه الحول؟
قال فالذي حفظنا من آثار المسلمين، أنه إذا ملك من الأول عشرة دراهم، ثم أصاب دراهم فعليه الصدقة، و إن لم يبق منها شيء فلا صدقة عليه.
و قال من قال، إن عليه الصدقة، إذا صارت إليه الدراهم قبل أن يأتي الوقت الذي كان يعطي صدقة ورقة.
و من غيره، قال، نعم، قد قال من قال، أنه إذا جاء وقت صدقته و معه من المال الذي كان في يده درهم واحد فعليه الصدقة، و قال من قال، حتى يبقى في يده
/48/ (3/48)
صفحة 946
أربعون درهما من ماله الأول. و قال من قال، ما بقي في يده من الأول، أقل أو أكثر حتى استعاد فإن وقته الأول.
مسألة:
فرض الزكاة ثلاث خصال، استكمال النصاب، واستقرار الملك، و استكمال الحول.
و عن أبي الحواري، و عن رجل معه دراهم تجب فيها الزكاة هل له أن يعطي زكاة الدراهم حيث شاء من القرى؟
فهذا يزكي في قريته أولى بها من غيرها، إلا أن يكون في قريته من لا يستحق الزكاة فيبعث بها إلى من يستحقها.
و لو كان في قرية غير قريته أحد من المسلمين من أهل الفضل فأراد أن يبعث لفضله جاز ذلك له إن شاء الله.
و إذا دخل شهر زكاته و هو في سفر، فإن أخرج زكاته في سفره جاز له ذلك حيثما كان، إذا وجد من يستحق الزكاة.
و من غيره. و سألت عن الرجل، إذا مات، و قد كان يزكي دراهم له، و ما لا و تجارة، ثم إنه ظهر له من الدراهم بعد موته، أو من التجارة أكثر مما كان يؤدي عنه، هل يلحقه في ذلك زكاة؟ قال: لا، إلا أن يوصي بشيء، و إنما يؤخذ من هذا المال الذي ظهر له بعد موته لما يستأنف.
/49/ (3/49)
صفحة 947
قلت له: فإن كان يزكي من قبل عن مال قليل، ثم ظهر له هذا، قال: ليس عليه زكاة إلا لما يستقبل، إلا أن يكون حال عليه حول وقت زكاة الهالك، فقال من قال: إذا حال عليه وقت زكاته و هو مجتمع ففيه الزكاة، و قال من قال، لا زكاة فيه إلا أن يكون لكل واحد من الورثة من المال ما تجب فيه الزكاة، و يحول عليه حول مذ صار لهم، ففيه ذلك الوقت الزكاة و قال، كل ذلك صواب.
و كان ذلك قد حدث في زمان أحد الأئمة، فأخذ بالقول الأول، و كان يحب ذلك.
و قلت له، و كذلك ما بيع من مال الهالك من الثياب أو المتاع أو غير ذلك قبل محل الزكاة، و حلت الزكاة، أيخرج منه الزكاة، و يحمل إلى ورقه و تجارته.
قال: هو بمنزلة مال الهالك على هذا القول، و أما على ذلك القول فحتى لا يكون لكل واحد من الورثة ما تجب فيه الزكاة و يحول عليه الحول.
قلت، أرأيت لو كان هذا الهالك لم يزل ماله ذلك خمس سنين، و علم ذلك بإقرار منه أو بغير ذلك، و لم يوصي بشيء من ذلك، هل على الورثة في ذلك شيء؟
قال: ليس على الورثة في ذلك شيء إلا أن يوصي بشيء.
/50/ (3/50)
صفحة 948
قلت له فإن أقر عند موته أنه لم يزك ماله خمس سنين أو شيئا محددا، أو لم يسم بدراهم معروفة ما على الورثة من الزكاة؟
قال عليهم إن كان حد شيئا و قال، إنه لم يزك كذا و كذا، و أوصى بذلك، فليخرجوا ذلك على حساب زكاة السنين.
قلت، فإنه قال تجارتي أو ورقي أو دراهمي أو شيء من هذا، فقال، من كان له من تجارة أو ورق وجد بعد موته أو شيء مما ذكر أخرجوا زكاته مقدار تلك السنين.
و سأله سائلا عن رجل حال عليه حول زكاته فلم يزك في ذلك الشهر، و تواني حتى زكي بعد ذلك بأشهر أو شهر ثم حال الحول الثاني قال متى يزكي؟ قال، في الشهر الذي كان فيه يزكي أول مرة و تعداه، فذلك شهر زكاته، و فيه يزكي.
قال له السائل، فإنه ميز دراهمه التي يريد بها أن يخرجها للزكاة، ثم يتوانى حتى حال عليه الحول و هي في يده، أتجب فيها الزكاة؟ قال: نعم، هذه الدراهم قد ميزها من ماله، و ليس من الزكاة، و عليه فيها الزكاة ما دامت في يده حتى يميزها إلى الفقراء قبل أن يحول عليها الحول، و إلا فكلما حال عليها الحول، ففيها الزكاة على هذا.
و قلتم، أرأيت إن كان في البلد رجل فقير من أهل الولاية و قوم من أهل الدعوة غير أنهم من لا ولاية لهم، و هم أهل مسكنه و زمانه، و الفقير المسلم
/51/ (3/51)
صفحة 949
أحسن منهم حالا و أقوى جسدا، من أولى بالصدقة، هذا المسلم الفقير أو هؤلاء الذين ذكرتهم؟
ـــ فإذا كانوا جميعا من أهل الدعوة فلا بأس أن يعموا بها جميعا و يعطوا من الصدقة، و يفضل الفقير المسلم.
و قلتم، أرأيت إن كان في البلد فقير واحد من أهل الدعوة و سائر الفقراء من قومنا و الصدقات كثيرة، فكيف الرأي فيها؟
ـــ فإن المسلمين يعطون هذا الفقير من صدقاتهم ما يغنيه لسنته، لكسوته و نفقته و مؤونته هو و عياله، ثم يرفعون ما بقي من صدقاتهم إلى أقرب القرى إليهم، فيقسمونها في فقراء المسلمين من تلك القرية، فإن لم يجدوا سبيلا إلى إعطاء زكاتهم إلى فقراء المسلمين و خشوا تلفها، فيفرقونها على فقراء قومهم من فقراء بلدهم، و يؤثرون بها المتعفف الورع على ما يرون إن شاء الله.
و عن من دفع زكاته إلى فقراء قومنا و هو يجد فقراء المسلمين هل عليه غرم؟
ـــ فقد أخطأ في فعله و لا نرى عليه غرما إذا لم يكن عرف رأي المسلمين، و إنما دفعها و هو يرى أنها تجزي عنه، و لا يعود إلى ذلك.
و قلتم: إن قدم ابن السبيل فحضر قسم الصدقة، و هو من قومنا، هل يعطي منها؟
ـــ فما نرى له فيها حظا و هو على غير دين الإسلام ما وجد أحد من فقراء أهل الدعوة.
/52/ (3/52)
صفحة 950
مسألة:
قال غيره: معي أنه إذا كان أصل السلف أو الشراء للنفقة و الكسوة فلا زكاة فيه ما لم يستحل إلى ذهب و فضة، أو ينقل إلى غير ذلك من العروض يراد به التجارة.
قال سليمان بن عثمان فيمن وجبت عليه زكاة و عليه دين، يعطي زكاته من بعد دينه.
قال هاشم: يعطي زكاته من بعد دينه. و قال هاشم، يعطي زكاته من الجميع إلا أن يريد قضاء دينه في تلك السنة من ذلك المال.
و الذي تزوج امرأة و لها ولد من غيره و وجبت عليه صدقته و أراد أن يعطي ولدها من صدقته شيئا، و الولد صبي أو بالغ عندها أو بائن عنها.
فعلى ما وصفته في هذا فإن له أن يعطيه من صدقته إن كان فقيرا، أو يجعل ذلك في كسوته و نفقته إن كان صبيا.
فصل
في زكاة الثمار و الحبوب
و الصدقة من الثمار من التمر و الزبيب.
و من غيره، و عن أبي زياد، أن الزبيب يحمل على التمر في الصدقة.
رجع، و الحنطة و الشعير و السلت و الذرة، و قيل، السلت هو الشعير الأقشر.
/53/ (3/53)
صفحة 951
قال أبو على الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قال بعض، هو جميع الحبوب و الله أعلم.
و قال من قال من الفقهاء، و الصدقة أيضا في السمسم و العدس و الدر سق (1) و الدخن و الماش و اللوبياج، و الجرجر، و قال من قال، و الصدقة في الحبوب كلها.
قال غيره، المأكولة إلا حب البذور مثل البقل و البصل و ما كان يشبه من الطعام.
رجع.
و إذا بلغت الثمرة ثلاثمائة صاع بالصاع الأول ففي كل عشرة أصواع صاع، و ليس فيها دون العشرة شيء، حتى تتم عشرة بعد أن تتم ثلاثمائة صاع، و ذلك العشر فيما سقته السماء و الأنهار، و أما ما يسقى على النواضح و الدوالي فإنما يؤخذ منه إذا أتمت الصدقة نصف العشر، من كل عشرين واحد، و من العشرة نصف واحد، و هو نصف صاع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الأصل و لعله الدرمق، و هو الدقيق المحور.
/54/ (3/54)
صفحة 952
و كل نخل لا يسقى بنهر و لا زجر فالعشر في ثمرتها تام، فإن زرعت زراعة في تلك النخل أو فسلت شجرة تسقى بذلك الزجر، و شربت حتى أدركت ثمرتها على ذلك فإن فيه نصف العشر، و ما سقي من هذه الثمار بالزجر و الأنهار أو سقاه الغيث فقد اختلف أهل الفقه في صدقته، فقال بعضهم، صدقة تلك الثمرة على ما أسست، و قال بعضهم، بل صدقتها على ما عليه أدركت، و قال بعضهم، بل صدقتها (بالمقاسمة ينظر فيه)، و لتنظر: كم شربت من شربة، ثم تنظر ما كان ذلك بالزجر، من سقي الغيث و الأنهار، فيعلم أنه نصف أو ثلث أو ربع أو أقل أو أكثر، فتؤخذ الصدقة على ذلك من الجزء الذي شرب بالغيث أو الأنهار العشر تام.
و الجزء الذي شرب بالزجر نصف العشر، و هذا القول أحب إلي، و كل رأي العلماء حسن و جميل، و لكل أهل رأي من هذه الآراء حجة و مذهب، و بما أخذ به من عني بذلك فلا بأس إذا أراد العدل و التمس الصواب.
و من غير الكتاب و زيادته:
في الزرع يسقى بعض الزمان، بماء السماء، و بعضه بالدلاء، قال أبو سعيد رحمه الله، معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا في بعض القول على ما أسس و تأسيسه غرسه. و قال من قال، على من أدرك، وقال من قال، على الأكثر من ذلك إن كان عليه أدرك، و قال من قال، بالأجزاء من الزمان مما ربي عليه من الأشهر و الأيام من المياه.
/55/ (3/55)
صفحة 953
و النظر يوجب أن لا زكاة فيه إلا فيما أدرك، و أنه لم يكن قبل أن يدرك ثابتا فيه معنى الزكاة، فأشبه المعاني على ما أدرك.
و جدت فيمن نضد ثمرة قبل أن يخرج زكاته و جرى عسلا ففي العسل الزكاة، و الله أعلم.
رجع ـــ و من غيره، عن النخل إذا فسلت على الزجر، و صارت نخلا، ثم رفع السقي عنها، ما يجب فيها، نصف الزكاة أم الزكاة كاملة؟
فعلى ما وصفت، فأما تلك الثمرة التي سقيت بالزجر ففيها نصف العشر، و ما أثمرت النخل بعد ذلك و قد رفع عنها السقي ففيها العشر تام.
رجع ـــ و لا زكاة عليهم فيما أطعموا الفقراء من النخل من الرطب و التمر، و لا زكاة عليهم، يعني من أعطى ذلك أيضا، إلا أن يكون الذي أعطي ذلك أعطاه لمكافأة و لم يكن من سبب الصدقة، و إن كان من قبل الصدقة فلا صدقة عليهم فيه.
و أما ما أكل الناس من نخلهم رطبا و بسرا فلا زكاة عليهم فيه، و لا زكاة على من أعطى ذلك أيضا إلا أن يكون الذي أعطاه لمكافأة، و لم يكن من سبب الصدقة، و إن كان من قبل الصدقة فلا صدقة فيه إلا أن تكون الصدقة تتم به.
و ذلك مثل رجل يصيب ثلاثمائة صاع، فيطعم الفقراء منها عشرة أصواع،
/56/ (3/56)
صفحة 954
أو أقل أو أكثر فلا زكاة فيما أطعم، و الزكاة فيما بقي، و لا زكاة عندنا إلا فيما يبس و صرم، و صار تمرا إذا بلغ فيه الصدقة.
و من غيره، و عن أبي سعيد، رحمه الله، في رجل أطعم فقيرا أو غنيا، أو باع لأحد رطبا، ثم لم يدر ما حاله، تركه حتى صار تمرا أم أذهبه رطبا.
فمعي أنه على قول من يقول، أنه ليس في الرطب زكاة فيخرج عندي في الحكم، أنه لا زكاة فيه حتى يعلم أنه صار تمرا، أو يكون الأغلب من ذلك أنه يصير تمرا عند مشتريه، فإن كان كذلك فعندي أنه يختلف في الزكاة فيه، و أما ما أكل من التمر قبل أن (يكل ينظر فيه) فمعي أنه يختلف في الزكاة إذا كان بغير كيل إذا أكله العيال، و أما الغلة في ذلك فمعي أنه إذ هو مستمسك بوجوب حق العيال فيه كما كان مستهلكا في الدين، و حق العيال عندي أوجب من حق الدين.
و عن رجل فقير أو غني أعطى ثمرة نخلة فتركها حتى أثمرت، وحد منها ثلاثمائة صاع، هل عليه زكاة؟ قال: ليس عليه زكاة.
قال أبو علي الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قد قيل: إذا كانت العطية قبل دراك النخل فأدركت في يد المعطى كان عليه فيه الزكاة، و الله أعلم.
و عن فقير حضر نخلا فلقط منها، أو اكتسب حتى صار معه ثلاثمائة صاع، هل عليه صدقة؟
قال: إذا لقط برأيهم أو لقط أو اكتسب على الوجه الذي يحل له فلا زكاة عليه.
/57/ (3/57)
صفحة 955
قلت: و سواء كان كسبه من قبل ما كان يسجر مع الناس و يجرف معهم أو يجد و يعطونه، أو كان يتصدق عليه و يلقط؟
قال: نعم، ليس عليه زكاة في شيء من ذلك كله.
رجع.
و في بعض القول، إنما الصدقة فيما جمعه المسطاح، و القول الأول أحوط، و هو أحب إلي.
و من غيره، و منهم من قال فيما كيل و ما لم يكل فلا زكاة فيه.
رجع، و العامل تبع لصاحب المال إذا لزم صاحب المال زكاة فالعامل تبع له فيما عمل من قليل أو كثير، و عليه بقدر حصته.
و من غيره، و قد قال من قال: إن فيها قولا آخر، أن العامل إن كان شريكا لم تجب عليه الزكاة حتى تجب عليه في النخل التي عملها، و إن كان أجيرا لم تلزمه الزكاة في أجرته، و الأول عليه العمل أكثر، و الناس عليه، فانظر في ذلك.
رجع، و كذلك إن كان مال بين شركاء في أصله، فأصابوا منه ثلاثمائة صاع فالزكاة فيه على كل واحد بقدر حصته، و كذلك إن قسموه عذوقا.
فقال من قال، فيه الصدقة إن وجبت في جميعه، لأن ذلك قسم ضعيف،
/58/ (3/58)
صفحة 956
و كذلك إن قسموه أصلا من بعد أن أدركت الثمرة فالصدقة في جميعه إذا بلغت فيه الصدقة، و إن قسموا النخل من قبل دراك الثمرة فلا صدقة في ذلك إلا أن يبلغ على كل واحد منهم.
و إن كان أحد الشركاء له مال غير ذلك فيحمل ما أصاب من هذه الشركة على ماله من غير ذلك إن بلغت الصدقة فيه فيخرجها، و في نسختين، أخرجها، و كان العامل الذي يعمل لجماعة الشركاء الذين لم تصل عليهم الزكاة هو تبع لهم، و تبع للذي تجب عليه الصدقة منهم، و يكون على العامل من ذلك بقدر حصته من عمله.
و المرأة أيضا و زوجها يحمل بعضهم على بعض في صدقة الثمار إذا كانا متفاوضين، و قال من قال، إن المفاوضة أن يكون ما لها في يده يفعل فيه ما أراد.
و من غيره، و أما من أعطى عون السلطان سلطان نخلة من ماله فتركها حتى حدها ثمرا فهذا عليه الزكاة، إذا كان إنما أعطاه تقية، لأنهم قالوا: كل ما أعطي لتقية أو مكافأة أو لحية (1) عن ماله فكل هذا فيه الزكاة، و أما ما أعطي لله في سبيل الفقراء فلا زكاة فيه إلا أن يحمل على الثمرة حتى تتم به الزكاة، و ليس فيه زكاة، و ذلك مثل رجل أعطى فقيرا نخلة أصاب منها جريا من تمر، و أصاب المعطي من بقية ماله أربعة عشر جريا غير تمر الفقير، فيحمل ذلك الجري الثمر الذي من النخلة التي أعطاها الفقير على الأربعة عشر جريا الذي له، ثم يخرج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في الأصل
/59/ (3/59)
صفحة 957
زكاة الأربعة عشر جريا، و هو أربعة عشر جريا غير تمر الفقير، و ليس عليه زكاة ذلك الجري الذي أصابه الفقير من النخلة التي أعطاه إياها.
و إذا زرع زرع بقرية، و أهله بقرية فأخرج زكاته و حملوه بكراء فعلى الزكاة حصتها من الكراء.
و أما قوله في الجامع: و لا يستأجر من الصدقة في إنفاذها لأهلها فقد وجدت. قال أبو سعيد، رحمه الله، في الأجرة في إصلاح الزراعة و سواقتها قبل الدراك، أن ذلك فيه الزكاة من الرأس قبل القسم، و لا أعلم في ذلك اختلافا، لأن ضمان الأجرة على المستأجر لها في ذمته، و أما ما كان من الأجرة منذ أدركت الزراعة إلى أن تدارس و تصير حبا، ففيه عندي اختلاف، من المسلمين من رأى فيه الزكاة على أرباب الزراعة، و ذلك على قول من يقول: الزكاة في الذمة، و ليس هي بمنزلة الشريك فلا غرم عليها مثل الشركاء و منهم من لم ير في تلك الأجرة زكاة، لأن الزكاة عنده بمنزلة الشريك، و كل أجرة في إصلاح الثمرة فهي من رأس الثمرة على جميع الشركاء، و الزكاة شريك مثل الشركاء.
و أما الطعمة التي يأخذها العمال في الجزاز فينظر في ذلك، فإن كانت سنة قد ثبتت لهم ففيها الزكاة فيها يبقى من الثمرة على جميع الشركاء، كل بحصته. و إن كان ذلك يخرج مخرج الأجرة فقد مضى القول باختلاف، و الله أعلم.
/60/ (3/60)
صفحة 958
و من غير الكتاب و الزيادة.
قال أبو سعيد رحمه الله معي أنه يخرج في قول أصحابنا أن الإجارات الثابتة هي بمنزلة الديون إلا أنه يختلف عندي في معاني قولهم في ثبوت الكراء، إذا كانت الأجرة سنين أو سنة أو شيئا معروفا ففي بعض قولهم أنه إذا كانت الأجرة صحيحة كان المال مستحقا من حين ما وقعت الأجرة، و في بعض قولهم، حتى تنقضي تلك المدة التي وقعت فيها الأجرة من العمل و السكن، ثم حينئذ يستحق المؤجر أجرته، فإذا استحقها بأحد الوجهين كانت مالا حالا عندي، فإن كان على قدرة من أخذها فالقول عندي بمنزلة الدين الموجود، و إن كان لا يقدر على أخذها فالقول فيها كالقول في الدين (المؤيس ينظر فيه) منه، و لا يبين في الأجرة فرق في غير معاني الديون، إلا أن يكون سبب لم أقف عليه، و الله أعلم.
قلت له، أيحصد زرعه منه و يقسمه سنبلا إلى الفقراء و يسلم مقدار الزكاة و يكون مسلما ما لزمه من الزكاة أم لا؟ قال، معي: أنه إذا سلم ما يجب عليه بحكم أو احتياط فليس عليه عندي أكثر من ذلك.
قلت له: فالشواف و الرقاب و الدواس، يكون على صاحب الزرع في أجرة هؤلاء زكاة أم لا؟
قال: معي، إن عليه زكاة أجرة الشايف للزرع القائم، لأنها وجبت قبل محل الزكاة، و أما الدواس و الرقاب فمعي أنهم مثل أجرة الجزاز، فالقول فيه على ما مضى من الاختلاف، كذلك أجرة الذين يحملون السنبل من الضواحي إلى القبيض، القول واحد.
/61/ (3/61)
صفحة 959
رجع ـــ إلى الكتاب.
و من غيره، و عن رجل بلغت زراعته ثلاثمائة صاع بحق شايفها و دائسها و بيدارها، يلزمه فيه زكاة أم لا؟ قال، نعم، فيها الزكاة على قول أكثر الفقهاء، و الله أعلم و به التوفيق.
و من غيره، قلت له: فالذي تلزمه في ماله الزكاة، فتتلف الزراعة بعد كيلها، هل له أن يبرئ نفسه مما وجب عليه من الزكاة في زراعته إذا كان فقيرا في وقته ذلك!
قال: لا أعلم أن له ذلك.
قلت له: فإن أعطى من الزكاة في وقت غناه فأبلغها و هو غني، ثم افتقر، هل له أن يبرئ نفسه من تلك الزكاة التي أتلفها في حال غناه؟
قال: أرجو أنه قد قيل في ذلك باختلاف، إذا لزمه للفقراء و هو فقير و لم يقدر على الخلاص منها.
قلت له: فرجل حبس شيئا من زكاته لأجل هؤلاء السؤال الذين يريدون على بابه، و كان يعطيهم الواحد بعد الواحد، حتى أنفذها، هل يجزيه ذلك؟
قال: يجزيه ذلك عندي إن شاء الله، و قد قال الله تعالى {لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} فهذا عندي من السائل.
/62/ (3/62)
صفحة 960
قلت له: فرجل ميز زكاته و جعلها في جانب الجنور و سكت، فأخذها الفقراء، هل يجزيه إذا رضي بفعلهم؟
قال: معي أنه قد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال، يجزي ذلك عنه، رضي أم لم يرض، و قال من قال، لا يجزي، رضي أو لم يرض، و قال من قال، إن رضي أجزاء ذلك عنه، و إن لم يرض لم يجز عنه، و ذلك إذا أخذوه على وجه الزكاة، و على أنه من الزكاة.
قلت له: فإن أخذوه على سبيل الغصب؟ قال: عندي أنه لا يجزي ذلك، و لا أعلم فيه اختلافا.
قلت: فإن جاء السلطان فأخذها و فرقها على الفقراء على سبيل الزكاة، هل يكون مثل الأولى.
قال: هكذا عندي.
و عن رجل أخرج زكاته و ميزها و هي عنده في حوزه، فوقع عليها جماعة فأخذوها بغير أمره من منزله أو غير منزله، قلت: هل تخلص من الزكاة ويبرأ منها؟
ـــ فإذا وقع عليها الفقراء على وجه التدلل لأخذ الزكاة، و قصدوا إلى أخذها على هذا الوجه و أتم لهم ذلك، و علم أنها قد صارت إليهم برئ عندي من
/63/ (3/63)
صفحة 961
الزكاة على بعض القول. و إذا أخذوها على وجه التلصص و السرقة لم يبن لي أن إتمامه لهم يبرئه من الزكاة، و عليه الضمان له، و عليه أداء الزكاة.
و قد قيل: على كل حال أنه لا يبرأ حتى يسلمها إلى الفقراء على نية دفع الزكاة لأنها مضمونة عليه، لأن ذلك مال الله تعالى، و لأن له أن يصرفه فيما شاء و يبدل به من ماله ما شاء، و لأنه لو تلف ذلك كان ضامنا للزكاة، و هذا عندي أقوى، و أرجو أن الأجر يسع إن شاء الله، على قول من يقول، إن الزكاة شريك.
و عن أيتام ثكلتهم والدتهم، دفعت أرضهم إلى عامل، فخلط زرعها، أعليهم زكاة في جملتها؟
قال: ليس على اليتامى ضمة حتى يبلغ في نصيب كل واحد منهم الزكاة.
و ما تقول فيمن تلزمه الزكاة و يطلب إليه من يعرف بالطلب من الضعاف أو غيرهم، هل له أن يعطيه من زكاته بغير تعريف لهم؟
ـــ إن هذا الذي يعطيهم إياه من الزكاة، فإذا كان هذا السائل عند هذا المعطي في حال الفقر جاز له أن يعطيه بغير تعريف، و إن شك فيه عرف، أن هذا الذي يعطيه من الزكاة.
فانظر فيما عرفتك و لا تأخذ منه إلا ما وافق الحق و الصواب، إن شاء الله.
و من غيره:
و عن رجل جزم عليه السلطان جزما في ماله فلا زكاة فيما ذهب به السلطان،
/64/ (3/64)
صفحة 962
و قال: أرأيت إذا كان ذا مال فقدر ثمرته بدراهم، أو قوم السلطان عليه جزمه بدراهم؟
قال: كل شيء ذهب به السلطان من ثمرة أو دراهم قومها عليه بالثمرة فلا زكاة عليه، إن أعطاه ثمرة فلا زكاة عليه فيها، فإن أعطاه دراهم بالثمرة فلا زكاة في تلك الثمرة التي فداها بالدراهم، أو قومت عليه دراهم، إنما الزكاة فيما بقي بعد جزم السلطان.
و من جواب لأبي الحواري رحمه الله:
و ذكرت في أمر الزكاة و ما قال فيها أبو المؤثر، فإني أعلمك ما كان أبو المؤثر يقول في ذلك، فكان من قوله، إن السلطان إذا خرص على رجل ثمرته دراهم أو دنانير، فباع صاحب الثمرة و أدى إلى السلطان ما جزم عليه من الدراهم أو الدنانير فكان أبو المؤثر يقول: إن بقي من الثمرة في يد صاحبها شيء منها فإنما عليه زكاة ما بقي في يده من بعد الخرص، فناظرناه في ذلك، فاحتج بقول من يقول من الفقهاء، فيمن كان له ثمرة من حب أو تمر فأخذ زكاتها سلطان غير عادل فإنما على صاحب الثمرة أن يزكي ما بقي في يده من ثمرته من بعد ما أخذ السلطان، و قد قال بهذا بعض الفقهاء، فكان أبو المؤثر يحتج بهذا القول في أمر السلطان، و هو قول معروف موجود في آثار العلماء.
/65/ (3/65)
صفحة 963
و كان أبو عبد الله نبهان يقول في ذلك، إن على صاحب الثمرة الزكاة من جميع ذلك و لا عذر له فيما أخذ السلطان إذا كان قد خرصها على صاحبها دراهم أو دنانير، فباع صاحب الثمرة ثمرته و أداها إلى السلطان، و كان نبهان يقول عليه الزكاة في الجميع و لا عذر له في ذلك إذا كان صاحب الثمرة هو الذي يلي بيعها و يدفعها إلى السلطان، و إن كان السلطان هو الذي يصرفها ويبيعها فلا زكاة على صاحب الثمرة، و كان من حجة نبهان، رحمه الله، في ذلك، يقول من قال من الفقهاء فيمن كانت له ثمرة من حب أو تمر فكاله و عرف كيله، ثم جاء السيل فاحتمله، فقد قال من قال من الفقهاء، إن عليه الزكاة فيما حمله السيل، و أخذ السارق إذا كان قد علم كيله، و إن لم يكن صاحب الثمرة كالها و لا علم كيلها، حتى احتمله السيل، أو أتت عليه آفة فذهبت بها فلا زكاة عليه في ذلك، و هو قول معروف، و هو موجود عند الفقهاء، و كان نبهان يقول هكذا، و يتعجب من قول أبي المؤثر.
ثم إني دخلت على نبهان يوما و في يده كتاب يقرأه من آثار المسلمين، فقال لي، هاهنا ما قاله أبو المؤثر في أمر الزكاة، و قد وجدنا ما قاله أبو المؤثر في آثار المسلمين، و لم أعلم أن نبهان رجع عن قوله، و لم أعلم أن أبا المؤثر رجع من قوله، و كلاهما على الحق إن شاء الله، إلا أن نقول، إن عليه الزكاة إذا
/66/ (3/66)
صفحة 964
كان صاحب الثمرة هو الذي باعها، و دفعها إلى السلطان، ومن أخذ بقول أبي المؤثر فهو واسع له إن شاء الله أعلم بالصواب.
و الذي غصب السلطان له نخلا، و هي كثيرة مما تجب في ثمرتها الزكاة و غاب عنه ما حصد منها، ثم رجع إليه منها ثمرة، قلت: هل يجب عليه فيما صار إليه من الثمرة زكاة ما صار إليه، فإذا كان الأغلب من أمورها أنها تجب في ثمرتها الزكاة على ما لا يشك فيه فهي على الأغلب من أمورها، و فيها الزكاة مما قدر عليه من ثمرتها و صارت إليه ففيه زكاة يؤديها، و ما حيل بينه و بينه منها، فقال لا زكاة فيه عليه.
تدبر ما وصفت لك، و لا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق و الصواب.
قال أبو الحسن الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قيل، لا زكاة فيما صار إليه منها إلا أن يكون الذي صار إليه يجب فيه الزكاة، و من غيره، و لا تجوز الزكاة للغني في حضر و لا سفر إلا أن يكون غنيا في حضره، فقيرا في سفره، فإنه يجوز له في حال فقره في سفره من الزكاة ما يتبلغ به إلى موضع غناه و حضره، و غناه في سفره إلا الغارمين لهم سهم من الزكاة، و كانوا فقراء أو أغنياء في قضاء ما عليهم من الديون و اللوازم في غير إسراف و لا فساد، كان حاضرا أو مسافرا.
رجع قلت، إذا وجبت في مال اليتيم زكاة، و كان وكيل اليتيم أو وصية لا مال له، و له زوجة ولا مال لها أو لهما مال يجزيهما علته لمؤنتهما و كسوتهما.
/67/ (3/67)
صفحة 965
قلت له، هل يجوز له أن يأخذ زكاة اليتيم لنفسه أو يعطي زوجته أم لا يجوز ذلك؟ فكل ذلك جائز و عطيته لزوجته أحب إلي و أبرأ للقلب.
و سألته عن الذي يأخذ الزكاة، هل يطعم منها أحدا شيئا أو يذهبها في نفقته.
قال: على قول أهل عمان جائز، و أما على قول أهل خراسان فلا يجيزون ذلك.
و من غيره، ورد كتابك تذكر في رجل سلم زكاته إلى الفقراء، قلت له، هل يجوز له أن يأكل منها شيئا، إن أطعمه الفقير من ذلك، قلت له أن يشتريها من الفقراء قبل أن يقضيهم، نسخة يقبضهم إياها.
فعلى ما وصفت، فأما الإطعام و الهبة فقد اختلف في ذلك، فقال من قال، إن ذ لك جائز، و نحب التنزيه، فإن فعل لم نقل إنه أكل ما لا يجوز له و لا ضمان عليه، و أما الشراء قبل القبض فقد اختلف في ذلك، فقال من قال يجوز، و قال من قال، لا يجوز، و قولنا إنه لا يجوز إلا أن يكون القابض لها الإمام أو عامل الإمام، فإن كان ذلك فإنا نأخذ في هذا بقول من يجيز ذلك، و أما بعد القبض فقد اختلف أيضا في شرائها عند القبض. و نحب قول من أجاز ذلك بعد القبض كائنا ما كان القابض لها. فقيرا أو إماما، أو والي الإمام.
و سألت أبا سعيد، رحمه الله، عن قول الله تعالى {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
/68/ (3/68)
صفحة 966
حِصَادِهِ}. أهو الزكاة أم غيرها.
قال، معي، أنه قيل ذلك، و قال من قال، إنه المعروف، لأنه قال، يوم حصاده، و الحصاد هو الجزاز، عندي، لأن الزكاة إنما تؤدي عند (الدرس ينظر فيه).
قال أبو القاسم، سعيد بن محمد، يوجد في كتاب الأصفر أن الجزاز يعطي ضبطا أو ضبطين، لمن يكرم أو يرحم، أو رحم، أو نحو هذا من قوله ما أراد بذلك.
قال: عندي، أن ذلك لتفاضل أحوال الناس في زمانهم، لأنه قد يكون من الفقراء ما يستحق أن يفضل على غيره من عظم حقه لرحم أو قرابة، أو فضل يكون له في الإسلام.
قال له: فهذا إذا جعل له رب المال، أعني جعل للعامل، قال: عندي أنه قد قيل ذلك، و قيل: إن ذلك جائز، أن يطعم بغير رأي رب العمل، و قد قالوا، إن هذا جائز من مال اليتيم أيضا، لأنه قد ثبت المعروف في ذلك في قول من يقول ذلك، و هذا المعنى من قوله، و عن قول الله تبارك و تعالى {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
وبلغنا أنه يوم كيله.
و يقول إسحق، بلغني لو أنفق الرجل ماله فليس فيه إسراف، و تفسيره، و لا تطعموا من لا حق له في الصدقة، و لكن من هو موضع الصدقة.
/69/ (3/69)
صفحة 967
و من غيره:
و قد اختلف المفسرون في حقه يوم حصاده، قال بعضهم، الزكاة المفروضة، و قال بعضهم، بل هو حق غير الزكاة، يعطونه عند صرام النخل و الزبيب و البر و النخل و الزرع شيئا مرضوخا، ليس شيء (مسمى ينظر فيه) لا بكيل و لا بوزن.
و قد كان محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ يرى ذلك، إلا أنه لم يكن يرى في مال اليتيم و لا في مال الغائب، و يوجد أن المعروف يسير من الضبط و الضبطين في جزاز البر هو المعروف.
و مثل، عن من يعطي من كفارة اليمين، لا يعطي إلا لضعاف المسلمين، مثل الزكاة، و هي للفقراء، قال، ليس كفارة اليمين مثل الزكاة، و له أن يعطي الفقراء جميعا.
و سألته عن رجل له مال من أرض فأقعد أرضه، و هي قطع متفرقة أناسا فوجبت في جميعها الزكاة، و لم تجب على أحد من المتعبدين في زراعته زكاة.
قال: على رب المال الذي أقعده الزكاة في حصنه إذا وجبت في جميع المال الزكاة، و إن لم تصل في حصته زكاة لأن المال الذي زرع ماله، و هو جامع للمال فهو شريك لهم جميعا، و الحكم فيما يلزمه هو من الزكاة بالسبب الذي شاركهم به شريك لجميعهم، و كأن الزراعة فيما يلزمه هو زراعة واحدة.
/70/ (3/70)
صفحة 968
و قال من قال، ليس عليه زكاة حتى يصيب هو من متفرقها ما تجب فيه عليه الزكاة، أو يصيب أحد الشركاء في الزراعة مما تجب فيه الزكاة، فيكون عليه في حصته من الزكاة، و ذلك أن الزراعة إنما تجب فيها الزكاة حين حصادها فوجدناها حين حصادهما متفرقة غير مجتمعة إلا ما جمعه الأصل، و ليس الأصل مبنيا على الزكاة إلا بالزراعة معا في وجوب الزكاة.
و سألته عن رجل زرع قطعة له فسقاها بالزاجرة ثلاث شربات في شهر، و سقاها ثلاث شربات بالفلج في ثلاثة أشهر، و أدركت على الفلج، كم يجب عليه. نصف العشر أو العشر كله؟
فقد قيل العشر كامل، و قيل، نصف العشر، و قيل ثلاثة أرباع العشر و نصف العشر ربعها.
من الأثر، مما يوجد عن جابر بن زيد، رحمه الله، عن ابن عباس، رحمه الله، في الرجل يستقرض وينفق على أهله و على ثمرته.
قال ابن عمر، يبدأ مما استقرض فيعطيه، ثم يزكي ما بقي.
و قال ابن عباس، رحمه الله، فيقضي ما استقرض على الثمرة من الثمرة، ثم يزكي ما بقي.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
و من غيره ـــ و سألت الشيخ أبا سعيد، رحمه الله، عن قابض الصدقة في
/71/ (3/71)
صفحة 969
أيام الإمام إذا استحق الإمام الزكاة، إذا جاء إلى رجل في يده حب قد داسه، تجب فيه الزكاة، فقال هذا الحب لفلان، و لا أسلم زكاته إلا بحضرته و الحب حتى يحضر صاحب الحب.
قال، إذا وجبت الزكاة فليس في (قضائها ينظر فيه) تأخير و لا انتظار غائب.
و عندي أنه قد قيل، إن على من في يده الحب مقاسمة المسلمين، لأن الحكم قد وجب، لأن القابض لا يقبضها لنفسه، و إنما يقبضها لله و للمسلمين، فكأنه يشبه الحكم.
فقلت له، فإن امتنع الذي في يده الزكاة من المقاسمة، هل يحكم عليه بذلك؟
قال، هكذا عندي.
قلت له، فإن امتنع، هل يحبس؟
قال: هكذا عندي فيما قيل.
قلت له: فإن امتنع من المقاسمة، هل للقابض أن يكيل الحب و يأخذ الزكاة بعد امتناع الذي في يده الحب عن المقاسمة؟
قال، هكذا عندي.
قلت، و إن كاله و قسمه، هل يكون ضامنا لسائر الحب، إذ قد كاله؟
قال: لا يبن لي ذلك.
قلت، فهل يلزمه حفظه على سبيل الأمانة؟
/72/ (3/72)
صفحة 970
قال: لا يبين لي ذلك، و لا أعلم أنهم جعلوا الزكاة هاهنا في مقاسمتها مثل سائر الشركاء غير الزكاة، و لا يلزم المسلمين ضمان ذلك و لا حفظه على سبيل الأمانة فيما (قيل ينظر في ذلك).
وقد قيل، إنه تؤخذ الزكاة من يد الغاصب، و لو كان يضمن القابض لكان المقاسمة للمغتصب يتعلق الضمان، و لكنه لا يبين لي ضمان ذلك.
و عنه فيما أظن، و قلت، إن احتج أن هذا الحب فيه شركاء أغياب أو أيتام من غير أن يحضر الغائب، أو وصى اليتيم أو محتسب له يقبضه؟
فمعي أنه قيل ذلك، أن الزكاة تؤخذ من رأس المال حيث وجدت، و لو لم يحضر أرباب الأموال و لا وكلاؤهم، لأن الزكاة من رأس المال، و لأن قبضها برأي الإمام يقع حكم من الأحكام، لأن الحب فيه لله، و ليست هي للإمام، فيكون هو يأخذها لنفسه، و لا للوالي، و لا لأحد من المسلمين بعينه، و إنما يقع من القابض من الإمام، أو يأمره بمنزلة الحكم، فافهم ذلك.
و من جواب الشيخ أبي سعيد، رحمه الله، من الإمام حفص بن راشد، قلت، و كذلك العمال لمال الغائب و اليتيم، هل لهم أن يخرجوا زكاة الثمار من أموالهم على وجه الاحتساب؟ فإذا لم يجب للإمام فقد قيل، إن ذلك يجوز للشريك أن يعلم زكاة المال من مال الغائب و اليتيم للفقراء أو والي الإمام و لو لم يجب له ذلك في الحكم.
/73/ (3/73)
صفحة 971
و من غيره ـــ
فأما الغائب ففيه اختلاف، فقال من قال، يوقف حتى يحضر الغائب، ثم يخرج ما عليه، فانظر في ذلك.
و عن نجدة بن الفضل النخلي، و ما تقول فيمن ولى بلدا للإمام، و في البلد أموال و لا يستجيز الدخول فيها. هل له أن يأخذ منها الزكاة؟
ـــ فقد عرفت أن الزكاة حق المسلمين، ثم للفقراء من بعدهم، إذا لم يكن قوام بالعدل و لا إمام أن يقبض حق المسلمين حيث كان، و الله أعلم، و سل عن ذلك.
و عنه، فأما الرعية فعليهم الانقياد للإمام الذي يقيمه أعلام (مصرهم ينظر فيه) و الطاعة له، و المعاونة فيما يحتاج إليه فيه من الجباية و غيرها، و العمل له، و أداء الزكاة إليه تقليدا له و لمن أقامه.
و اختلف العلماء في براءتهم من الزكاة التي دفعوها إلى عماله إذا صح عندهم فساد إمامته.
و من سيرة أبي عبد الله بن محبوب، رحمه الله، إلى أهل المغرب.
و عن الرجل إذا دفع زكاة ماله إلى وال من ولاة أهل الدعوة، فرآه لا يعمل
/74/ (3/74)
صفحة 972
فيها بما ذكرتم في المسألة، هل يسعه أن يدفع ما أوجب الله عليه من الحقوق و يعتد بذلك من حق الله عليه في ماله. أم عليه أن يزكي ثانية؟
ـــ فإذا أعلمه بالجوار فيها على ما ذكرتم فإنه لا يسعه دفعه إليه، و عليه أن يعطيها ثانية، إلا أن يستتيبه، فإن تاب و رجع أدى ذلك إليه، و أجزاه عنه، و إن أبى و أصر، و استحق البراءة و لم يسعه، و لم يسع المسلمين أداء زكوات أموالهم إليه. فإن غصبهم إياها لم تكن تلك هي زكوات الأموال، و زكواتهم عليهم حتى يؤدوها إلى أئمة العدل، الذين أوجبها الله لهم.
قيل له: فرجل دفع ثمرة نخلة لرجل هدية منه، أيكون على صاحب النخلة زكاتها أم على المهدى إليه؟
قال: يختلف فيه، و معي، أنه مخرج في معاني القول، أنه إذا لم يكن ذلك لمكافأة يد قد مضت، و لا ليد يرجوها، و لا دفعا عن ماله، و كان ذلك لله في غني أو فقير فلا زكاة عليه.
و قيل، إذا كانت في فقير فلا زكاة عليه، و إذا كانت في غني كانت عليه الزكاة على هذا الوجه، و قيل، إن عليه الزكاة حتى يريد بذلك الزكاة، لأن ذلك يقع موقع الفعل، إذا لم يرد به الواجب.
و من غير الكتاب و زياداته، من جواب محبوب بن الرحيل، رحمه الله:
/75/ (3/75)
صفحة 973
و سألت عن الذي يزرع من الذرة زراعة مختلفة، و لها أسماء، بعضها أقدم من بعض، فيحصد بعضها قبل بعض، و يأكلها، و تدرك الأخرى بعدها بأشهر.
ـــ فإن كان الذي حصد لأول مرة تجب فيه الزكاة أخرج زكاته، و إن لم يجب فيه شيء فليس عليه شيء حتى يدرك بعضه بعضا، و ما أكل أو باع أو أتلف فليس عليه شيء، و ما بقي في يده إلى حصاد القطعة الأخرى ثم يجمعهما جميعا، ثم زكى، إن كان من جنس [واحد].
قال غيره: و معي، أنه قد قيل، إنه إنما يحمل بعضه على بعض إذا أدرك حصاده قبل أن يقسم الأول، فإن قسم الأول قبل دراك الآخر لم يحمل، و لعله، قد قيل، إنه يحمل ما أدرك قبل أن يحصد الأول كان ثمرة واحدة، و إلا كانت متفاوتة.
و قال أبو الحواري، ما أدرك من الزراعة ما دون ثلاثة أشهر حمل الأول على الآخر، و إذا كان بين القديم و الآخر ثلاثة أشهر لم يحمل الأول على الآخر.
قال غيره: و عندنا أنه قد قيل بقول خامس، و هو أنه إذا حضر الآخر قبل أن يحصد الأول حمل، و إلا لم يحمل، فانظر في ذلك.
/76/ (3/76)
صفحة 974
و من جواب أبي الحواري، رحمه الله:
و ذكرت في الصدقة، إذا خرجت من التمور و الحبوب، أيخرجها صاحبها من رأس الحب قبل المرقاب و الدواس و أشباه ذلك، أو يخرج ذلك ثم يزكي؟
ـــ بأي ذلك فعل جاز له، قبل أو بعد.
و إن أخرج الزكاة قبل المؤونة فهو أسلم و أحوط، و إن أخرج الزكاة بعد المؤونة جازه، و إنما تكون الزكاة بعد المؤونة التي لا يصلون إلى إصلاح الثمرة إلا بتلك المؤونة، إلا أن يكون إذا خرجت المؤونة لم يبلغ في الباقي زكاة، و تجب بلا مؤونة، و قد وجبت الزكاة في ذلك، فتخرج الزكاة مما بقي، و لو كانت لا تبلغ فيه الزكاة، و هذا إذا جمع فيه الزكاة من بعد المؤونة.
مسألة:
اختلفوا في معنى السلت، قال من قال، إنه الشعير الأقشر، الذي يثبت هذا منهم لا يرى في سائر ما أنبتت الأرض صدقة غير هذه.
و قال من قال، السلت هو جميع سائر الحبوب مما يستبقي في أيدي الناس و يقتات مما هو في سنبله، و ما كان على غير معنى السنبلة في جميع ذلك فلا زكاة فيه.
و قال من قال، السلت جميع ما وقع عليه اسم الحب مما كان في سنبله، و قرونا مثل الباقلا، و اللوبيا و أشباه ذلك، فعلى حسب هذا يخرج معاني قولهم عندي.
/77/ (3/77)
صفحة 975
رجع إلى كتاب أبي جابر.
و من غيره:
روى لنا الملا بن عبد الله عن ابن المعلا، أنه سأله، هل في الحشف زكاة؟ فقال له ابن الملا، نعم، فيه الزكاة، قلت له، فإن قومنا يقولون، إنه مثل التبن، و قال، قال له ابن المعلا، أرأيت لو جعت من أين تأكل؟ قال، قلت له، من الحشف، قال، ففيه الزكاة.
و عن رجل أطعمه كل واحد نخلة، فأصاب من ذلك ثلاثين جريا تمرا، أو أكثر من ذلك.
قال، لا أرى عليه صدقة فيما أطعم.
قال غيره: و ذلك عندي، إذا كان إنما صارت له الثمرة بعد دراكها، و إن صارت له بوجه من الوجوه قبل الدراك فأدركت في يده كان عليه الزكاة.
و سألت عن رجل (أطنى ينظر فيه) ثمرة نخلة بثلاثمائة درهم، و لم يخرج عشرها إلى أن حال الحول، و هي في يده، أيخرج عشرها ثم يزكي بعد العشر إذا وجب العشر في الطنا، أم يزكي الجميع.
قال: معي، أن بعضا يقول: يطرح ما وجب فيه من الزكاة، و يزكي ما بقي.
/78/ (3/78)
صفحة 976
و في بعض ما قيل، إنه يزكي عن جميع ذلك إذا كانت الزكاة في الدراهم.
و سألته عن رجل اقترض رطبا أول القيظ، و لم تكن له نخلة قدمة، فلما جاء التمر رد ذلك التمر و لم يعط زكاته.
فإن رد عليه رطبا مثل رطبه فليس عليه فيما أدى شيئا من الرطب و أكل و أطعم، و إن كان رده بعد ما أثمر فعليه زكاته، و لا بأس أن يعطي التمر اليابس بالرطب.
قال أبو سعيد ـــ رحمه الله ـــ في رجل أعطى رجلا نخلا، فأكلها رطبا و بسرا، و حسبها عليه مما يلزمه عن زكاة التمر، أن ذلك عنده بمنزلة العروض، و لا يجزيه على بعض القول حتى يصير تمرا يابسا على معنى قوله.
و عن رجل يجزم على فقير نخلة من زكاته، هل يجوز له ذلك.
فقد أجاز بعض الفقهاء إذا كانت النخل قد أدركت.
و سألته عن رجل أمر رجلا أن يبيع ثمرة نخل مدركة قبل أن تصير تمرا.
فحكم زكاتها على قول من يقول، أنه لا زكاة في الرطب و البسر.
فباع المأمور هذه الثمرة، فأمر رب المال أن يسلم إلى زيد الثمن، ففعل، هل على البائع شيء من ضمان الزكاة إذا يبس الثمر عند المشتري و صار تمرا؟
ـــ فلا يبين لي على البائع ضمان في ذلك، لأنه حين باع الثمرة بأمر ربها لم يكن فيه زكاة، فإذا يبست الثمرة في يد المشتري و وجبت فيها الزكاة فالزكاة على رب
/79/ (3/79)
صفحة 977
المال الآمر بالبيع، و إن كان هذا البائع باع هذه الثمرة في وقت صرامها و وجوب الزكاة فيها فعندي أنه يختلف في لزوم ضمان الزكاة عليه إلا أن ينفذها على ما يسعه، أو ينفذها رب المال و يعلم هو ذلك، و ذلك على قول من يقول، إن الزكاة شريك، فإذا علم الشريك أنصف شريكه البائع الآمر بالبيع، فليس على البائع الضمان، و إن لم يعلم ذلك و سلم الثمن إلى البائع فأخاف ألا يبرأ من الضمان حتى يعلم أن رب المال قد أدى الزكاة عن ذلك.
و على قول من يقول: إن الزكاة مضمونة كالديون في الذمام فلا أبصر على البائع ضمانا في ذلك، إن شاء الله.
و عن رجل و كل رجلا في ماله، و أمره ألا يخرج زكاته، و أمره أن يتركها في جملة الطعام أو الدراهم، أيجوز له أن يدخل فيه على هذا أم لا؟
ـــ فإذا كان الوكيل يعلم أن الذي و كله لا يخرج الزكاة فلا يدخل في هذه الوكالة.
و قد قيل عن بعض الفقهاء، قبح الله ما لا يزكي و قبح أهله.
قال غيره: و يوجد في الرواية، أنه قال: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينه الخائن أو أمينه خائنا.
و عن ثلاثة شركاء في مال وجب في ثمرته الزكاة، أيجوز للمسلم أن يقاسمها و يعطيها حصتها من الزكاة و هم غير أمينين على الزكاة.
/80/ (3/80)
صفحة 978
فنعم يجوز له أن يأخذ حصته، و يسلم إلى شريكيه حصتهما بزكاتهما، و هما أولى بذلك.
و سئل عن عامل بسهم، قيل: إن لرب المال أن يسلم إليه حصته و لا يأمره بإخراج الزكاة من حصته إذا كانا عالمين بوجوب الزكاة في المال.
قال: معي، أنه قد قيل ذلك.
و قد وضعنا ما تجب فيه الصدقة من ذلك في صدر الكتاب، و سبيل الثمار كلها واحد، في الكيل حيث يبلغ ثلاثمائة صاع، و في العشر و نصف العشر، و المقاسمة على ما يشرب بالزجر و الأنهار، و لا يحمل شيء من الثمار بعضها على بعض إلا الشعير.
فقد قال من قال: إنه يحمل على البر، و ممن قال بذلك أبو عبد الله محمد ابن محبوب رحمه الله.
و قال من شاء الله من الفقهاء، إنه لا يحمل على البر، و كل رأي من العلماء واسع لمن أخذ به إذا تحرى العدل.
و كل أرض مشتركة بين ناس جاءت زراعتها ثلاثمائة صاع ففيها الصدقة، و إن لم يكن كل واحد من الشركاء تجب عليه الصدقة في الذي له، و العمل تبع لهم، و إن جاءت بدون ما تجب فيه الصدقة، و كان في الشركاء من له زراعة غيرها إذا حملت حصته من هذه على تلك تمت ثلاثمائة صاع أو أكثر فعليه الصدقة في حصته وحده، و عامله في هذه الحصة تبع له.
/81/ (3/81)
صفحة 979
من كان شريكه في أرض ذميا، أو ممن لا تجب عليه الصدقة حتى تتم في حصته هو، و أما إن كان الشريك ممن تجب عليه الصدقة إلا أنه لا يدين بها و لا يخرجها، فعلى هذا أن يخرج من حصته ما يلزمه.
و إن كان عامل، و هو شريك في تلك الزراعة و لم تجب في الزرع المشترك صدقة، و كان لصاحب هذه الزراعة زراعة أخرى بقدر ما تلزمه الصدقة حملت حصة العامل عليه من عمله في الصدقة، و لا تلزمه صدقة في الذي له من الشركة.
و قيل في رجلين لكل واحد منهما قطعة، أصاب كل واحد منهما مائتين و خمسين (مكوكة ينظر فيه) و لكل واحد مع صاحبه خمس في العمل فلا زكاة في هذا.
و من غيره، و قد قيل في رجلين زرعا أرضا، و عمل كل واحد منهما مع صاحبه في أرضه، و لكل واحد منهما في العمل، و أصاب كل واحد منهما مائتين و خمسين صاعا، فقالوا: إن الصدقة لا تجب في هذا، و منهم من أوجب الصدقة عليها، و في نسخة، في ذلك، و إنما يخرج كل واحد منهما عن الخمسة و العشرين.
رجع، و قيل من زرع في الرم بلا رأي أهله و ليس هو منهم أن عليه الصدقة فيما أصاب و لو لم يبلغ ثلاثمائة صاع إذا كان أهل الرم تبلغ عليهم الصدقة
/82/ (3/82)
صفحة 980
لأن الزرع لهم، و إن زرع برأي أهله، أو كان هو من أهله فزرع بمنحة أو بغير منحة فلا صدقة في هذه الزراعة حتى تبلغ ثلاثمائة صاع، و هذا قول محمد بن محبوب رحمه الله.
و عن أبي علي رحمه الله، أنه لا تؤخذ الصدقة من الذي زرع في رم قوم بلا رأيهم.
و المرأة محمولة على زوجها في صدقه الزراعة إذا كانا متفاوضين، و يحمل على الرجل أولاده، إذا كانوا في حجره، و لو كانوا بالغين.
و من غيره، و أما زكاة الدراهم فيختلف في ذلك، و أكثر القول، أنهم لا يحملون.
و من غيره، و قيل: لا يحمل بين الغرب و السيح حتى يبلغ كل واحد منهما على حاله، و الله أعلم.
رجع، و من منح ولده و هو بائن عنه أو غيره أرضا فزرعها فلا تحمل تلك الزراعة على صاحب الأرض، فإن بلغت الصدقة فيها على الممنح أخراجها، إلا أن يكون ولد في حجر والده، فهو محمول على زراعته.
و قال من قال، إن التطار الذي يأتي من أصول الذرة تحمل ثمرته على الذرة الأولى إذا أدرك شيئا منها، بقدر ما يكون ثلاثمائة صاع.
/83/ (3/83)
صفحة 981
و قال آخرون: لا يحمل التطار على الذرة الأولى، و لا تؤخذ منه صدقة حتى تجب فيه.
و قال محمد بن محبوب، رحمه الله: كنت ممن يقول، إنه يحمل، ثم رجعت إلى قول من يقول، إنه لا يحمل، و هذا القول أحب إلينا.
و جاء في الأثر في فقير مر بقوم و قد بلغت معهم زراعتهم و لم يحصدوها، أن لهم أن يعطوه من طعامهم، و يحسبوه من زكاة زراعتهم، و أما إن أعطوه دراهم فلا، و كذلك رأينا. و لا نرى أن ترفع إجارة الذين يحصدون الثمرة، و تخرج الزكاة من الجملة قبل جميع (الإيجارات ينظر فيه).
و في حفظ أبو صفرة، في رجل جمع زرعه و نقاه و كال بعضه، و جاء سلطان جائر فأخذه كله، ما كال منه، و ما لم يكل، فإنه تلزمه زكاة ما كال، و ما لم يكل لم يلزمه.
قلت: سلطان جائر وثب على ثمرة رجل فيها زكاة، فباعها و أخذها؟ قال: لا زكاة عليه في ذلك.
قلت: فإن باعها هو و أخذ السلطان الدراهم، قال: عليه زكاة تلك الثمرة إذا باعها هو أو وكيله، أو كان قد كالها و عرف ما يجب عليه من الصدقة.
قلت: فإن باعها رجل ممن يعينه بلا رأيه فأخذه السلطان؟ قال: فلا زكاة عليه، و كذلك رأينا.
/84/ (3/84)
صفحة 982
و عن أبي علي، رحمه الله، في أخوين زرعا أرضا مقسومة بينهما، و لهما أرض أخري لهما فيها عمل، فإذا جمع العمل و الزراعة بلغ فيه العشر؟
قال: إن كانت زراعتهما مخلوطة و هما متفاوضان جمع العمل و الزراعة، و أخذ منه الزكاة، و إن كان يعرف كل واحد منهما حصته من الزراعة و يجمعانه بعد ذلك و يأكلانه، فلا يجمع عليهما ذلك حتى يبلغ في حصة كل واحد الزكاة.
و من غيره:
و من أطنا ثمرة نخلة أرخص من طناء القرية لحاجته للطناء من قبل خوف و أخرج زكاة ماله على ذلك، هل عليه أن يحمل على نفسه في الزكاة بقدر ما يعلم أن الطناء يحتمل الزيادة في جميع ثمرته، أو ما أطنى؟
فعلى ما وصفت، فهذا يخرج الزكاة تمرا مثل عشر ما أطنا من النخل، و إن لم يقف على ذلك زاد بقدر ما يرى أنه قد أبلغ في الزكاة.
فإن زاد في الدراهم أو في التمر أجزاه ذلك إن شاء الله.
و من غيره، و عن رجل وجبت عليه زكاة فخص بها رجلا واحدا من المسلمين فقيرا، يجزيه ذلك و يتخلص، فقد سمعت من الشيخ أبي إبراهيم، و هو يذكر أن رجلا من أهل البلد ذكر له في زكاة وجبت عليه في فلج زرعه فيها أحسب، و كانت الزكاة تسعه عشر قفيزا، فشاوره في تسليم ذلك إلى أهل بيت من الستر ممن يأخذ الزكاة فسلم التسعة عشر قفيزا إليهم زكاة ذلك الزرع و الفلج.
/85/ (3/85)
صفحة 983
و عن مال الرجل و زوجته من الثمرة، لا يحمل المال جميعا حتى يكونا متفاوضين، تاركة مالها في يده، يأمر فيه و ينهي، و يقبضه، فإذا كانت تعرف غلة مالها و تفعل فيها ما تشاء فلا يحمل مالها على ماله.
و قال بعض أهل الرأي في رجل أربض غنما له في أرض رجل، و له النصف فأصاب منها خمسة عشر جريا بحصته، و أصاب من أرض له خاصة خمسة عشر جريا فعلى ما وصفت فإنا نرى في الخمسة عشر جريا التي أصاب من أرضه الزكاة، لأنها محمولة على الخمسة عشر التي أخذها بتربيض غنمه.
و أما العامل إذا عمل يحمل على ما يصيب من زراعة نفسه، فإن بلغت ثلاثمائة صاع أخذ منه الزكاة، فإن كان قد أعطى زكاة العمل مع الذي عمل لهم، فإنما عليه أن يعطي مما بقي بعد ذلك مما كان له، و إن كان الذي قد عمل لهم لم يكن عليهم زكاة و أصاب هو من العمل ثلاثمائة صاع أعطى زكاة ذلك.
و أما عمال الصوفي، فقد اختلف في الصدقة عليهم، و أكثر القول عندنا، أنه إذا أصاب العامل ثلاثمائة صاع كان عليه الزكاة، و الله أعلم.
و من جواب زياد بن الوضاح رحمه الله، إلى والده، و عن زكاة الصوافي
/86/ (3/86)
صفحة 984
فقد اختلف فيها بلغنا أقاويل ثلاثة، و قال من قال، لا زكاة على العمال حتى يبلغ عمل كل واحد ثلاثين جريا، و قال من قال، إذا بلغت حصة الجميع ثلاثين جريا أخذت من كل واحد منهم الزكاة، و قال من قال، صوافي عمان بمنزلة قطعة واحدة فما بلغ فيه أخذ من العمال مما قل أو كثر، الزكاة، و البسر المسبل يحمل على التمر في الصدقة.
و في جواب لمحمد بن محبوب رحمه الله، و ذكرت عن قوم يزرعون أطوى بزجر، و هي رم بينهم، يعطونها بالسدس، فلا نحب في الأطوى الصدقة، و يجمع أهل القرية سدسهم فيبلغ أكثر من ثلاثمائة مكوك، يقع لكل إنسان منهم مكوك إذا قسموها.
قال: نعم، أرى عليهم الصدقة، لأنهم شركاء فيها، فإن أعطوها بزرع ثلاثمائة مكوك فهذه إجارة، و الإجارة ليس على أهلها صدقة، و ليس ذلك مثل المشاركة.
و عن الزراعة التي تزجر، هل يؤخذ منها الصدقة من عشر مكائك.
/87/ (3/87)
صفحة 985
فليس من العشرة شيء لأنها كسر حتى تتم عشرين مكوكا، و كذلك فيما تسقي الأنهار، لا يؤخذ من دون العشر مكاكيك شيء.
و في موضع آخر، أن العشرة فيها من الزجر نصف مكوك و من غير الزجر مكوك، و من أخذ بذلك فلا بأس.
و عن رجل يصيب من ماله مائتي مكوك و ستين مكوكا، و يصيب من عند رجل كان يعمل له ستة و ثلاثين مكوكا بعد الزكاة، و الرجل الذي يعمل له تجب عليه الصدقة، فدخل على العامل نقصان الزكاة التي أخذت، و هي أربع مكاكيك من أربعين، هل عليه الصدقة في المائتين و الستين؟
فنعم، أرى ذلك عليه، لأن الصدقة التي أخذت منه (بها ينظر فيه) قد تمت، و كان له أربعون، فذهب منها أربع مكاكيك صدقتها، و تلك لا تذهب صدقة المائتين و ستين، لأنه قد تم له ثلاثمائة مكوك.
و من غير الكتاب و الزيادة ـــ
وجدت الزكاة تجب في اثني عشر جنسا، ستة أجناس من نبات الأرض، و هي البن و الشعير و الذرة و التمر و الزبيب و السلت، و لا زكاة في شيء من هذا حتى يبلغ ثلاثمائة صاع، بصاع النبي (ص)، و ستة من غير نبات الأرض، و هي الفضة و الذهب و الإبل و البقر و الضأن و المعز.
مسألة:
وجدت إذا أراد الله بعبد خيرا بعث إليه ملكا من خزان الجنة، فيمسح صدره، فتسخو نفسه بالزكاة.
/88/ (3/88)
صفحة 986
و من غيره ـــ
قال أبو سعيد: رحمه الله، معي أنه يخرج معنى هذه المسألة في إمام ملك مصرا قد حال على أهله أحوال لم يزكوا، و زكاتهم في أموالهم.
فيخرج عندي في معنى بعض ما قيل، أنه يجوز له أن يجبرهم على قبض ما في أيديهم من الصدقة بالحماية التي يستوجب بها جباية الصدقة منهم، لأنه في بعض القول، لو أدرك زكاة الثمار قبل أن تخرج زكاتها و لو كانت في الدوس كان له أن يجبرهم عليها.
و في معاني القول عندي، حتى يحميهم في الثمار منذ أوان تغرس الثمرة إلى دراكها، و في الماشية و الورق سنة، ثم حينئذ يجبرهم على قبض زكاة أموالهم، فإذا كان على هذا لم يثبت على جبره لهم فيما استحق عليهم من الزكاة فيما لم يكن حماهم، إلا أن يسلموا بطيبة أنفسهم
و من غيره:
و معي أنه يخرج في بعض معاني قولهم، أنه إن كان الدين من جنسها فحل قبل وجوبها كانت مستهلكة بغير ثبوته عليها، و إن كان من غير جنسها، أو حل من بعد وجوبها عليه، و لو كان من جنسها لم تحط عنه زكاتها، و لا منها، و معي أنه يخرج من قولهم، إنه إن كان دينه ذلك على عياله كان مرفوعا له من الزكاة، و إن كان في غير ذلك كان من جنسها أو من غير جنسها لم تحط عنه.
/89/ (3/89)
صفحة 987
و من غيره:
و عن إخوة مجتمعين في منزل، طعامهم واحد، يأوون على والدتهم، و مالهم مقسوم، لا يصل على كل واحد منهم في حصته الزكاة، فلا يرى عليهم زكاة إلا أن يكونوا متفاوضين، لا يغير بعضهم على بعض فيما صنعوا في أموالهم، و إن كان إنما يأكلون بنهد فذلك لا يشك فيه، أنه لا زكاة عليهم.
و من غيره:
قال، و قد قيل، إنه لا مفاوضة إلا بين الزوجين، و ذلك في الزكاة، و إنما يحمل بالمفاوضة الزوجان لما قد جاء فيهما من الآثار، أنه لا شفعة فيما باعا لبعضهما بعضا، و لا قصاص بينهما، و لا إحراز عليهما.
و قال من قال، لا يحمل عليهما الزكاة بالمفاوضة إلا أن يكونا مشتركين في الزراعة و الأصل.
و سألت عن يهودي اشترى ثمرة نخل لم تصرم، فإن كان قد اشتراها بسرا قبل الجذاذ فلا نرى عليه صدقة إلا في الورق إن كان باع ثمرته في زمانه الذي يزكي فيه ورقة، و إلا فهي مع ورقة يزكيها، و إن ترك اليهودي هذه النخلة حتى تصير تمرا، فعلى صاحب النخل أن يؤدي منها صدقة التمر، إلا أن يكون اشترط على اليهودي، أن عليه الصدقة إن صرمها تمرا، و ليس لصاحب الثمرة أن يبيع ثمرة النخل إلا على شرط أن يؤدي صدقتها تمرا عند الجذاذ.
و سألته، عن رجل اشترى ثمرة اليهودي و النصراني فلا صدقة عليه، و له أن يشتري ثمرة أهل الذمة و دوابهم و مواشيهم و أمتعتهم.
/90/ (3/90)
صفحة 988
و من غيره، إن اشترى الثمرة بعد دراكها فلا زكاة فيها من حيث ما كانت على المشتري، و إن صارت له قبل الدراك بوجه من الوجوه، و أدركت في يده فعليه الزكاة فيها قيل. من حيث ما كانت.
رجع إلى الجامع:
و من غيره، و عن أبي عبد الله بن محمد بن بركة، رحمه الله، اختلف أصحابنا في الثمار إذا تداركت في وقت واحد، نحو البر و الشعير، أحد الجنسين يحمل على الآخر لتتم به الزكاة، و هو قول أبي عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله.
و قال غيره من فقهائنا، لا يحمل أحدهما على الآخر إنما زكاة كل واحد منهما في عينه فإن حصل ثلاثمائة صاع من كل جنس بصاع النبي (ص) أخرج الزكاة منه، و إن حصل من الجنسين ثلاثمائة صاع لم يجب في واحد منهما و لا أكثر حتى يحصل من كل واحد ثلاثمائة صاع.
و عن الزكاة مما يكال هي من كل عشرة واحد؟
فنعم، إذا كان ذلك من الزراعة التي تجب فيها الزكاة، و من الثمار من كل عشرة أصواع صاع، و لا يخرج من كل شيء فيه كسر إلا من عشرة أصواع تامة صاع تام. و أما الطناء بالدراهم فيخرج من كل عشرة دراهم درهم، فأما ما كان من أقل من درهم، فإن كان يبلغ ثمن (القيراط و الدانق ينظر فيه) و الحد ثمن صاع، أخرجه، و إن كان لا يبلغ صاعا لم يخرجه إلا أن يكون في تلك الثمرة ما يجبر ذلك الكسر، فإنه يخرج ذلك إن شاء من الدراهم وإن شاء من الثمر.
/91/ (3/91)
صفحة 989
و عن الزكاة هل يدفعها من تجب عليه إذا كان ليس لهم يسار، و يدفع الرجل زكاته إلى ولد رجل غني أو إلى امرأة رجل غني، فأما الوالدان فلا تجوز الزكاة لهما لأن عليه عولهما، إلا أن تكون والدته لها زوج فقير فجائز أن يدفع زكاته إليها، لأنه ليس عليه عولهما و لها زوج، و كذلك لو كان زوجها غنيا و لا يمونها جاز له أن يدفع زكاته إليها، لأنه ليس على ولدها عولها و لها زوج، و كذلك امرأة الغني فقد قالوا، إن الزكاة تدفع إليها إذا كان لا يمونها، و كذلك ابن الغني إذا كان بالغا، و لم يكن في حجره و لا يشاركه دفعت إليه الزكاة.
و عن من له مال واسع، و عليه عيال كثير و أثمار لا تدرك بعضها بعضا استحق الزكاة.
فقد قالوا، إن عجز ماله عن مؤونته و مؤونة عياله و لو وجبت عليه الزكاة سلم زكاته إلى الفقراء، و جاز له أخذ الزكاة من غيره، و جاز ذلك لمن سلمها إليه.
قال محمد بن محبوب في جواب منه إلى أهل المغرب:
و إذا كان المسلمون في أرض الحرب أدوا زكاتهم في فقرائهم، و إن لم يكن عندهم فقراء و بعثوا بها إلى أحد من أئمة العدل كان ذلك صوابا مجزيا و مؤديا لما أوجب الله عليهم، و للإمام أن يقبلها و يجعلها في أهلها، و هذا كله قول أبي المؤثر.
قال غيره: نعم: قد قيل ذلك، فإن تلفت قبل أن تصل إلى الإمام فقد قيل، إنه ضامن، و قيل لا ضمان عليه.
/92/ (3/92)
صفحة 990
و سئل عن المسلمين إذا استولوا على مصر، هل لهم أن يأخذوا الزكوات من الثمار و الماشية و الورق؟
قال: أما الثمار فيأخذون صدقاتهم منها إذا حصدت، و كان ظهورهم عليها قبل حصادها أو مع حصادها، و أما الماشية و الورق فحتى تحول السنة، ثم يأخذونها منهم، و ليس لهم أن يأخذوا منه قبل ذلك شيئا إلا من دفع إليه من صدقته قبل ذلك، فله أن يأخذه، فأما أن يجبره على أن يعطيه إياها فلا.
و قال: عقال سنة إنما هو في الماشية و الورق، و لذلك قال أبو بكر، لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله (ص) لجاهدتهم عليه أو ألحق بالله، و إنما لهم أن يأخذوا زكاة أهل المصر إذا استولوا عليه، و جرت فيه أحكامهم.
و قيل: إن خارجة من العدل خرجت بالبصرة أو الكوفة فالعدل فيهم من بعد ما جرى حكمهم في تلك الأرض و حدودها، (فكرهوا ينظر فيه) أن يردوا إليهم الزكاة أن يجبروهم على الزكاة إذا ظهر العدل و جرى حكم المسلمين عليهم، و الله أعلم.
فصل
في زكاة طناء النخل
و أما طناء النخل فقال من قال من الفقهاء: إنه جائز إذا عرفت بألوانها، و قال من قال من الفقهاء حتى يكون الغالب على النخلة الفضح، و قال من قال
/93/ (3/93)
صفحة 991
حتى تصير النخلة إلى حد إذا انكسر العذق منها أثمر و لم يفسد، ثم يجوز طناها، و بأي الآراء أخذ من احتاج إلى ذلك فلا بأس.
و من غيره:
و قال أبو عبد الله ــــ رحمه الله ـــ و قيل: إذا ظهر الفضح في قطعة نخل جاز طناها إذا ظهر في عامتها، و إن لم يظهر في جماعتها فيجوز طناها كلها.
و أخبرني محمد بن مارسه بعد موت أبي عبد الله، أنه سأله عن هذه المسألة، و قال له، إن طلب المطني النقض، هل له ذلك؟ قال له: نقض ما لا يجوز طناه منها، و ثبت عليه طناء ما جاز طناه، و لم يفسر غير هذا.
رجع:
فمن أطنى من ماله قليلا أو كثيرا، و له غير ذلك ما تجب فيه الصدقة فالصدقة فيها أطنى، و إن لم يكن له إلا ما أطنى فلا صدقة فيه حتى يبلغ ثلاثمائة صاع، و المصدق بالخيار إن شاء أخذ من التمر، و إن شاء أخذ من الدراهم، و إنما يحمل على ما أطنى من بقية ماله بعد ما أكل و أذهب من البسر و الرطب، و إن كان ما بقي من التمر بعد ذلك و الذي أطناه يبلغ ثلاثمائة صاع ففي الذي أطناه الصدقة، و إلا فلا صدقة عليه، و كذلك إن كانت الصدقة تجب عليه في ماله غير ما أطنى، إن أطنى بدراهم ما يصاب به مائة صاع، فالصدقة لازمة له، و المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من التمر أو من الفضة، و كذلك لو أطنى بمائة درهم مما يصاب منه عشرة أصواع، و لم يكن لصاحب المال ما يتم به ثلاثمائة صاع
/94/ (3/94)
صفحة 992
فلا صدقة في ذلك، و لو أطنى بأكثر، و إنما يرجع في هذا إلى أصل الثمرة و وجوب الصدقة فيها على صاحب المال.
و كذلك العنب بمنزلته إذا أصيب منه ثلاثمائة صاع، ففيه الزكاة من كل عشرة واحد، إلا أن يكون يسقي بالزجر ففيه نصف العشر، و إن أطناه مطن فأصاب كذلك المطني فالصدقة بالخيار، إن شاء أخذ من الدراهم، و إن شاء من العنب.
و قد إختلف الفقهاء فيمن أطنى من النخل فأكله المطني رطبا أو بسرا، أو باعه كذلك، فقال من قال منهم، لا زكاة فيه، و هو بمنزلة صاحب المال، و هذا الرأي هو الأكثر، و عليه عامة العلماء، و قال من قال منهم، بل الصدقة في الطناء و لو أكله المطني رطبا و بسرا، إذا كان صاحب المال قد بقي عنده من التمر ما تجب فيه الصدقة، و كان هذا الطناء يبلغ ثلاثمائة صاع.
و ممن قال بهذا أبو مهاجر هاشم بن المهاجر الحضرمي، و كان من الفقهاء و عمل بهذا أئمة أهل عمان، و الرأي الأول أحب إلي. و كل رأي المسلمين صواب.
و قال من قال من الفقهاء من أطنى نخلا و لم يكن لصاحبها غيرها و غاب ما أصيب منها، و أكله المطني رطبا و بسرا، فإنه على قول من يرى الصدقة في ذلك، فتنظر الدراهم التي هي ثمن ذلك التمر، و ما أطنيت به تلك النخل، و ينظر سوق التمر، فإن كان يكون بتلك الدراهم ثلاثمائة صاع من التمر أخذت الصدقة من تلك الدراهم، و إن لم تبلغ ثلاثمائة صاع لم يؤخذ من تلك الدراهم صدقة.
/95/ (3/95)
صفحة 993
و قيل أيضا، لو تقبل رجل حائطا من نخل سنة بدراهم معروفة، أو أطنى نخلا أو شجرا مما ليست فيه الزكاة و نخل للناس عدة أطنوها مشاعة، بلا أن يفرق ثمن مال كل واحد منهم و فيهم من تجب عليه الصدقة، و فيهم من لا تجب عليه الصدقة، فقال من قال من الفقهاء، إن الوجه في هذا أن يترك هذا النخل حتى يمكن ثمرتها للحصاد، و يتبين ما يصاب منها أو يقوم قيمته وسطا حتى تعرف قيمة النخل من الشجر، و قيمة مال كل واحد من أصحاب هذا النخل، ثم تؤخذ الصدقة ممن بلغت عليه، و هو وجه الصواب، و الله أعلم، و ينظر في ذلك و يسأل عنه.
و إن كان نخل لرجل و فيها حصة لعامل يعمله، و أطنى صاحب المال ماله، و حبس العامل حصته، و أكلها رطبا و بسرا فلا زكاة عليه فيما أكل، و إن حبسها حتى صارت تمرا فهي محمولة على صاحب المال، فإن كانت الصدقة واجبة عليه، فعلى العامل أن يخرج الصدقة من ذلك التمر، و إن لم تكن الصدقة واجبة في النخل على صاحب المال فلا شيء على العامل.
و كذلك الشركاء في الأصل، إذا أطنى واحد منهم، و أمسك الآخر حصته و أكلها رطبا و بسرا على ما وصفنا في العامل.
و قال أبو عبد الله، رحمه الله، في رجل له شريك غائب، و حاسب المصدق الحاضر على سقي النخل في المقاسمة، أن لا بأس أن يأخذ من حصة الغائب على ما حاسب عليه شريكه، و الله أعلم.
/96/ (3/96)
صفحة 994
و من غير الكتاب و الزيادة:
وجدت أنا، قلت: فإن تلفت الثمرة من يد المطني قبل أن يعرف مبلغ التمر تجب عليه الزكاة في الدراهم أم لا شيء عليه؟ قال: الزكاة لا تبطل إذا كان للثمرة عوض، عندي، إن القول الأول على قول من لا يرى الصدقة في البسر و الرطب فلما تلف لم يجب في ثمرته شيء و الله أعلم.
رجع:
و من أطنى ماله بمائتي درهم أو أكثر، و قبضها، فأتت آفة، فذهبت بتلك الثمرة و هي بسر ورطب فلا زكاة في تلك الدراهم، و إن ذهبت الثمرة بعد أن أدركت و صارت تمرا ففيها الزكاة، و إن بقي منها بعد الذهاب ثلاثمائة صاع ففي الدراهم عندنا الزكاة، و إن بقي أقل من ذلك و لم يكن لصاحب المال غيرها ما تتم فيه الصدقة فليس عندي في تلك الدراهم صدقة، لأن الأصل قد ذهب و لا زكاة فيما كان من البسر إلا أن يطبخ و يغلى، ثم فيه الزكاة كمثل التمر.
و في جواب أبي عبد الله، و عن رجل أطنى بألف درهم، ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه، فحط عنه مائتي درهم، فإن لم يحط عنه محاباة له فما نرى أن يؤخذ، إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من التمر فهو الأصل.
و عن رجل له حائط من نخل أطناه بألف درهم، و لم يبق له قبض، و أطنى
/97/ (3/97)
صفحة 995
بخمسمائة درهم من رجل آخر، و قد أكل الرجل الرطب، و بنوه ما أطنا رطبا، و طلب أن يطرح له الخمسمائة درهم.
فما نقوى على إبطال زكاتها، و قد أطنى ماله و لم يأكل منه، و أكل من غيره.
و عن رجل أطنى ماله بثلاثمائة درهم، ثم أطنا هو منها بمائة درهم للنفقة، فلا أحب أن بأخذوا من الدراهم التي أخذها من الثمرة التي تجمع عنده، و يؤخذ من إطناء النخل و في نسخة الرجل.
تم الباب من كتاب أبي جابر، و من غير الكتاب و الزيادة:
قلت: فإن المطني جلب الرطب و باعه، قال: و لو باعه و ربح فيه فليس على الذي له المال فيما أطنى زكاة.
قلت له: فإن المسلمين ها هم [أولاء] يأخذون منه؟ قال: ذلك رأي روي لغسان بن عبد الله الإمام فأخذ به، فأما أنا لو أشار علي الإمام بأخذ لم آمره بأخذه.
و قال: إذا باع الرجل عنبه أو نخلته و قد بدا صلاحه فالبيع مفسوخ لأن عشرها أو نصف عشرها للمساكين، فكأنه باع شيئا له و شيئا لغيره، قال: و لكن يصح أن يبيع تسعة أعشار الثمرة.
/98/ (3/98)
صفحة 996
و عن جواب أبي على إلى هاشم بن الجهم، و عن رجل أطنى نخلة من ماله، و أطنى نخلة مكانها فأكلها رطبا، و هو ممن تجب عليه الزكاة فعليه الزكاة فيما أطنى من ماله.
و سئل عن رجل أطنى ثمرة ماله بسلعة و لم يذكر دراهم ما يزكي، قال: معي، أنه يوجد أن بعضا يجعل له في ذلك الاختيار إن شاء من التمر، و إن شاء من الثمن، فعلى هذا القول معي، أنه تقوم السلعة دراهم و يخرج زكاته، أو يخرج الزكاة تمرا.
و أما من أطنى نخلة من ماله بدراهم أو أكثر فإن أكلت رطبا و بسرا فلا زكاة فيها في بعض القول، و هو المعمول به عندنا، و أما إن صار تمرا فإنه يحمل ذلك على ماله و يخرج منه الزكاة إن شاء من الثمن، و إن شاء من التمر، إن علمه و إلا فاحتاط على نفسه، و أما إن لم يعرف أكلت رطبا و بسرا أو صارت تمرا، فأما في الحكم في الزكاة فلا تخرج له على الاختلاف حتى يعلم أنها أكلت رطبا أو بسرا، و ذلك على الاختلاف. و أما على قول من لا يرى الزكاة إلا في التمر فلا يحكم عليه في ذلك بحكم حتى يعلم أن ذلك قد صار تمرا.
و أما الذي عرفناه من ذلك من أواسط القول بأنهم قالوا، إن كانت هذه النخل مما تؤكل رطبا وبسرا، و لا نعرف أنها تجمع تمرا على كل حال، و لا يحتمل ذلك، فلا زكاة عليه، حتى يعلم أنها أكلت رطبا و بسرا.
/99/ (3/99)
صفحة 997
و من غير الكتاب و الزيادة، و من كتاب الضياء:
و من أطنى ثمرة نخلة إلى أجل ففيها ثلاثة أقاويل، قال من قال: تقوم الثمرة و يأخذ منها الزكاة عند حصاد الثمرة، و قال آخرون: لا تؤخذ منه حتى يحل الأجل الذي أطنى له، و قال آخرون: تؤخذ منه الزكاة معجلة على ما أطنى إلى الأجل، لأنه هو الذي قد أخر الزكاة.
و قال هاشم رحمه الله: رأيت الأزهر يحب، تلزم صاحب المال الزكاة معجلة على صاحب الأجل، و قال أبو عبد الله فيها: يأخذ تمرا، و إن كان قد خلط التمر بغيره أخذ من قيمة الطناء.
رجع:
و من باع ثمرة أرضه فاشترط على المشتري أن يعطيه زكاتها فذلك مكروه، إن تولى زكاته إلا من يثق به.
و من غيره، و قال من قال: إن كان ذلك من وجه التقية على الزكاة فذلك كذلك، و إن كان من وجه الشرط فذلك لا ينقض البيع، فإن وقع البيع ثبت، فإن كان المشتري ثقة و إلا كان على البائع أن يؤدي الزكاة.
عن هاشم و مسبح، و عن رجل معه مائتا درهم مضاربة، لكل رجل مائة درهم فخلطها، و عمل بها، ثم أتى الحول، هل فيها الزكاة؟ فلا زكاة فيهما.
/100/ (3/100)
صفحة 998
الباب السابع عشر
في زكاة الورق و الحجج الموصى بها و زكاة البحر
و ما تؤخذ من نصارى العرب، و الجزية، و زكاة الماشية
و كنوز الجاهلية، و معاني ذلك
و هو الثاني من الزكاة، و فيه فصول:
الفصل الأول
في زكاة الورق
و الصدقة في الذهب الكسر و الحلي و الدنانير، من كل عشرين مثقالا نصف مثقال، و لا زكاة فيما زاد حتى تتم أربعة مثاقيل، ثم في الأربعة عشر مثقالا، بهذا المثقال المعروف بعمان، و الزكاة في الدراهم و الفضة المكسرة و الحلي من كل مائتي درهم خمسة دراهم، إذا تمت مائتا درهم وازنة، فإن نقص من ذلك شيء فلا زكاة فيها، و الدرهم هو الدرهم المعروف بعمان، و إذا كانت دراهم صحاح و بلغ عددها مائتين فلا زكاة فيها حتى يبلغ وزنها مائتي درهم، و إنما تجب الصدقة فيه إذا تم هكذا، ثم حال عليها حول منذ صارت له.
و من غيره:
قال أبو سعيد، رحمه الله، و معي أنه يخرج في معاني ما يرويه مما جاء في
/101/ (3/101)
صفحة 999
آثارهم أن في بعض القول بنفس الملك، إذا ملك الإنسان ما تجب فيه الزكاة من الذهب و الفضة و (جبت ينظر فيه) عليه في الوقت الزكاة، ثم من بعد ذلك لا زكاة فيه إلى الحول.
و يروى في هذا أن عبد الله بن عباس، رحمه الله، و عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اختلفا فيه، و كان مما يروى عن ابن عباس، رضي الله عنه، أن الزكاة واجبة في وقت الملك، و بعد ذلك كلما حال حول وجبت فيه الزكاة، و وقت زكاته وقت ما ملك، و أدى زكاته. و كان معنى قول ابن عمر، أن الزكاة لا يجب أدائها حتى يحول عليها حول مذ ملك ما تجب فيه الزكاة، و يكون معه تاما إلى حول السنة، ففي معنى الرواية أنه أخذ الناس بقول ابن عمر، و في معنى الرواية، أنه لم يختلف ابن عباس رحمه الله و أحد من الناس في شيء إلا أخذ الناس بقول ابن عباس إلا في هذه المسألة، فإن الناس أخذوا فيها بقول ابن عمر، و إذا ثبت معنى الرواية لم يجز معنا، أن يكون أخذهم بذلك على سبيل الدينونة، لما قد ثبت فيه الاختلاف من الفقهاء و إن أخذوا بقول ابن عمر في العمل و تركوا قول ابن عباس بعد أن يصح، أنه يجوز فيه القول بالرأي، فعلى غير تدين و لا تخطئة لمن أخذ بغيره و لا ترك ولاية بالتدين، كما أخذ الناس بقول من قال في الفرائض بالقول، و لم يأخذوا بقوله، إنه لا عول في الفرائض، ففي أشياء قد جاء فيها الاختلاف من القول بين الصحابة و بين التابعين، فيأخذ الناس، جملة أو أكثرهم، (ببعض ما قيل ينظر فيه) القائل منهم في ذلك، و يتركون بعض ذلك فلا يعملون به و لا يقولون به حتى يكون ذلك على سبيل الاتفاق و الإجماع من أمرهم، فهو و إن كان ذلك كذلك فعلى غير تخطئة و لا مخافة بدينونة.
/102/ (3/102)
صفحة 1000
و في موضع ما يجوز و ما مضى من ذكر هذا و ما يدل عليه في هذا الكتاب ما فيه كفاية إن شاء الله.
رجع:
و كان الفقهاء يستحبون أن يكون لصاحب الصدقة شهر معروف، فإذا بلغه لم يتعده، و صاحب الورق كله مصدق في وزنه، و ليس عليه أن يزنه بين يدي المصدق و لا يكسر الحلي، و إن كان متهما فأراد المصدق أن يحلفه فله ذلك، و إن لم يحلفه فلا بأس، و المصدق بالخيار إن شاء أخذ صدقته من الحلي من الذهب و الفضة ذهبا و فضة على قدر ذلك، و إن شاء أخذ ثمنه كما يباع، إلا أن يريد صاحب الذهب و الفضة أن يعطي من الذهب ذهبا مثله، و من الفضة فضة مثلها، و لا يعطي ثمنه فذلك له، و هو زكاة ما عليه، و إن لم يحضر المصدق فحسب صاحب الحلي على نفسه زكاة ما معه من ذلك على ما يباع الذهب و الفضة، و أعطى الوالي ثمن ما لزمه من ذلك فلا بأس.
و إذا كان الحلي ذهبا و فضة، و لو كان القليل من أحدهما حمل قيمة بعضهما على بعض في الصرف، و أخرجت الصدقة منه إذا بلغت فيه و كله سواء، أن تحسب الصدقة ذهبا، (أم ينظر فيه) تؤخذ من الذهب إذا بلغت القيمة عشرين مثقالا، أو يحسب الذهب فضة على الفضة إذا بلغت مائتي درهم أخذ زكاتها.
و ذلك مثل رجل له عشرة مثاقيل ذهب و مائة درهم، فإن حسب عشرة المثاقيل، المثقال بعشرة فالثمن مائة درهم، و عنده من الفضة مائة درهم، فصارت عنده مائتان،
/103/ (3/103)
صفحة 1001
فوجبت الصدقة خمسة دراهم، و إن كان المثقال إنما يسوى خمسة دراهم أو أقل أو أكثر حسب المائة الدرهم ذهبا على ذلك السعر فالمائة الدرهم على المثقال بخمسة دراهم عشرون مثقالا، و عنده عشرة مثاقيل ذهب، فوجبت الصدقة في الذهب.
و قيل، هذا رأي أبي عبيدة، مسلم الكبير، رحمه الله، و أبي حنيفة أيضا.
و من قدر الله له من الفقهاء أن يحسب المصدق الفضة و الذهب، أيهما أراد، يصرف الآخر، فإذا بلغ ما تجب فيه الصدقة و علم أن الصدقة قد وجبت فيه، رجع فأخذ منه الذهب ذهبا و من الفضة فضة في هذا المكان لحال الزيادة في الصرف و النقصان، فيأخذ من هذه العشرة مثاقيل التي ذكرناها في هذه المسألة له ربع مثقال، و يأخذ من المائة درهمين و نصفا، إلا أن يتفق المصدق و صاحب الحلي أن يأخذ ذلك كله ذهبا أو فضة على الصرف، و هذا إذا كان فضة و ذهبا لا يبلغ فيهما إلا أن يحمل بعضهما على بعض في الصرف، و أما إذا كان فضة خالصة تبلغ مائتي درهم في الوزن ففيها خمسة دراهم منها، أو مثلها، أو ثمنه على ما يباع ما بلغ و كذلك الذهب إذا كان عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال، و لو كان المثقال يسوي درهمين.
و إذا كان ذهب و فضة أكثر من القدر الذي هو أقل ما تجب فيه الصدقة
/104/ (3/104)
صفحة 1002
في الصرف إذا حمل بعضه على بعض فأحب لصاحب ذلك أن ينظر بما هو أوفر، فإذا كان إذا حمل بعضه على بعض في الصرف كان أكثر في الصدقة أخرجه على ذلك، و إن كان الأوفر أن يخرج من الذهب ذهبا و من الفضة فضة على قدر ما يجب في كل واحد فليفعل ذلك، و إذا أخرج من الذهب ذهبا و من الفضة فضة، فليس عليه غير ذلك.
و الزكاة في الفضة المزيفة و غيرها مما فيه الغش حتى يذهب من حد الفضة إلى حد الصفراء و غيره، ثم لا زكاة فيه.
و من لم يعرف وزن الحلي الذي معه، فإن أخبره أحد ممن يثق بقوله من حر أو مملوك على ما فيه اجتزى بخبره إذا لم يعرف خلاف قوله، و إن لم يكن أحد يخبره فاستحاط هو حتى يقدره على الأكثر ثم يخرج زكاته اكتفى بذلك أيضا عن وزنه، إن شاء الله.
و من كان عنده مال من الورق و تبلغ فيه الصدقة و عليه دين ففي ذلك اختلاف من الفقهاء، فمنهم من لا يرى عليه زكاة إلا فيما فضل من المال عنده عن دينه، و قال من قال: إن عليه أن يخرج الزكاة من هذا المال الذي في يده و لا يرفع للدين شيئا منه، إلا أن يكون يريد أن يقضي دينه منه في سنته فإنه يرفع له الدين الذي يريد أن يقبضه، و لعل هذا الرأي هو الأكثر في هذا الزمان، و كله جائز إن شاء الله، و هذا الرأي الآخر أخذ من أخذ من الأئمة، و كل رأي الفقهاء متبع جائز لمن أخذ به.
/105/ (3/105)
صفحة 1003
و من غيره:
و أما الدين إذا وجب على رب المال قبل محل الزكاة فيخرج في معاني قول أصحابنا في ذلك اختلاف، ففي بعض قولهم لا زكاة في المال، لأنه مال مستهلك بالدين إلا ما بقي بعد الدين، و في بعض القول، إنه إذا أراد قضاء بعض الدين سنته تلك فلا زكاة عليه، و إن لم يرد قضاء دينه في سنته تلك ففيه الزكاة، و في بعض القول، أن عليه الزكاة على حال، و الزكاة جزء من جملة المال للفقراء لا يدخل عليهم الديان، و لا يستهلك دين رب المال مال غيره، لأن الزكاة لله جزء من جملة المال، و هذا عندي أصح في الأصل لقرب (وجوب ينظر فيه) الزكاة في جملة المال، و أنها جزء من المال ليس مضمونا في ذمة رب المال، و الدين مضمون في ذمة رب المال، فهو في سائر ماله بعد الزكاة. و إنما يدخل الديان في مال الغريم لا في مال الله و مال الفقراء، و الله أعلم.
و في حفظ أبي صفرة عن الفقهاء في رجل عليه ألف درهم، و له ألف درهم في يده، و له مال، أصل قيمته عشرة آلاف درهم، هل على الألف التي في يده زكاة؟ قال: لا، لأن عليه ألف درهم.
و من كان له مال في يده يزكيه و له دين آجل، فقال من قال من الفقهاء لا يؤخذ من دينه شيء إلا أن يحل دينه مع زكاته. و قال من قال، إذا كان و قت محل صدقته من الورق قبل محل دينه أخرج زكاته في وقته، فإذا حل دينه أخرج زكاته، و هو قول موسى بن علي و علي عزرة، و به نأخذ.
و كل ما كان للتجارة من أصل أو عبيد أو دواب أو طعام أو ثياب
/106/ (3/106)
صفحة 1004
أو عروض و غير ذلك من الأمتعه، فإذا وجبت الزكاة فيه و لم يبعه أخرج الزكاة منه بسعر يومه.
و في حفظ أبي صفرة قال: إن كان فيه ربح قوم يوم حلت زكاته، و إن كان في ذلك وضعية فمن رأس ماله تكون الزكاة، و إن باعه قبل محل زكاته بوضعية فلا يكون عليه زكاة إلا مما في يده.
و الرجل يحمل عليه بنوه و بناته إذا كانوا في حجره و لو كانوا بالغين، و يحملون، بعضهم على بعض، إذا كانت الحلي من عنده، و إذا كانت الحلي لأولاده من قبل غيره حملوا عليه، و لا يحمل بعضهم على بعض إذا لم يكن عنده هو ما يؤدي عنه الصدقة، و إذا بلغ على كل واحد منهم الصدقة و أخذت منه.
و من غيره:
و عن الجارية التي قد أدركت و هي مع أمها و أبيها، و معها حلي و معها تجارة من كدها و من والدتها جميعا، هل يحمل مالها على والدتها جميعا.
فقد قيل: يحمل على مال والدتها ما كان من قبل والدتها من نخلة أو عطية من كل ما ينتسب من قبل والدتها في ذلك، و لا يحمل على مال و الدتها ما اكتسبته و استخفته من قبل غير والدتها من كدها أو غيره.
و كذلك الثمار فهي مثل ذلك.
/107/ (3/107)
صفحة 1005
و هل على والدها إخراج ذلك من ماله إذا لم تخرجها هي، أو ذلك خاصا لها؟ فإذا كانت بالغا، فإن أخرجته، و إلا فهو عليه، و إن كانت صبية لم تبلغ، فعليه أن يخرج.
و من غيره:
و سألته عن المفاوضة بين الإثنين، هل يحمل مال بعضهما على بعض في الزكاة في الثمار و غيرها، من الدراهم و الدنانير و الذهب و الفضة؟ قال: أما في الزوجين فمعي أنه قد قيل: يحملان في كل شيء، و غيرهما عندي مثلهما، إذا ثبتت المفاوضة.
و معي أنه قد قيل: لا يحملان في الذهب و الفضة، و يحملان في الثمار و الماشية، و قيل: لا يحملان في الماشية، و إنما يحملان في الثمار، و قيل: لا يحملان في شيء، و لا يجمع بين مفترق، و لا يفرق بين مجتمع، من أجل الصدقة.
و من غيره:
و قال من قال: من قدم زكاة الورق قبل محل زكاته، أنه لا تسقط عنه، فقد قيل ذلك، و هو معنا أكثر قول أهل العلم و قد قيل، إنه يجزيه إذا كان قبل محل زكاته بشهر أو شهرين، و معنا، أنه لا يجوز، لأنه فريضة وجبت، و لم تؤدى بعد وجوبها، و لا تؤدى الفرائض إلا بعد وجوبها، و يوم أدى ذلك لم تكن فريضة لزمته، ثم لزمته فلم يؤدها.
/108/ (3/108)
صفحة 1006
و من غير الكتاب و الزيادة، وجدت مسألة منقطعة، أرجو أن هذا معناها، فيمن أخرج زكاته قبل محلها و حسبها من زكاته قبل محل وقتها.
قال: معي أنه في بعض قول أصحابنا أنه لا يجزيه، أن يؤدي زكاته قبل محلها، و في بعض قولهم: أنه إذا رأى بالفقير حاجة، و أحب أن يقدم زكاته قبل الشهر و الشهرين جاز له ذلك إذا لم يمت المعطى قبل محل زكاته أو يستغني.
قلت فإن مات المعطي قبل محل زكاته، أيلزم صاحب الزكاة الذي أعطاه ضمان ما سلم إليه من زكاته، و يخرج أو لا؟
قال: معي، أنه إذا كان إنما يجزيه إذا لم يستغن أو يمت، فإذا كان سلم ما لم يجزه فهو في الأصل ضامن عليه أداؤه.
و قال من قال: إن ذلك يجزيه محملا و لا يفسر في ذلك شيئا.
قلت له: فإن حلت زكاته و لم يعلم الذي كان أعطاه مات أو إستغنى، أيلزمه أن يسأل منه؟
قال: معي، إذا كان معلقا عليه أنه لا يبرأ إلا أن لا يستغي الفقير أو يموت قبل محل زكاته، فلا يبين لي براءة له إلا حتى يعلم ذلك، أنه لم يمت و لم يستغن.
و سألته عن رجل فقير عليه دين لآخر تجب عليه الزكاة، فقال له: أعطني من زكاتك حتى أقضيك دينك الذي على لك، فأعطاه، و قضاه، هل يجزيهما ذلك على هذا الشرط؟
/109/ (3/109)
صفحة 1007
قال: عندي، أنه إذا سلم إليه على المسؤل منه، و لم يسلمه على الشرط، فأرجوا أنه يجزيهما ذلك، إن شاء الله.
قلت: فالمسؤل عندك، هو عندك إذا سأله فأعطاه لأجل مسؤله، و الشرط إذا قبضه ذلك، و قال له: إنك تعطيني إياه من دينك؟ قال: هكذا عندي.
قلت له، فإذا أعطاه على مسؤله، و قصد بذلك صاحب الزكاة إلى معونته، و قصد هذا بمسؤله إلى قضاء دينه، هل يسعهما ذلك؟ قال: هكذا عندي، لأن هذا لا تحجر عليه المسألة لما يعنيه من أداء لوازمه، و ليس بمحجور على الآخر عطية السائل و معونة الغارم على أداء لوازمه.
قلت له، فلو سأله فأعطاه ذلك، و شرط على أن يقضيه إياه من دينه، و قبضه الغريم، و رده إليه على الشرط، هل يجزيهما ذلك فيما مضى، و تجزيهما التوبة من الشرط الفاسد و النية الفاسدة؟
قال لا أبصر فساد ذلك من فعلها، لأن على صاحب الزكاة أداء زكاته، و على الآخر الغريم قضاء دينه، و لا يعجبني دخول الشرط في ذلك على حال، إلا أنهما إن فعلا لم أبصر فساد ذلك، و هذا عندي أهون من المقاصصة، و قد اختلف فيها، فإذا أسلم إليه شيئا من زكاته على أن يقبضه في دينه، و لم يكن للقابض ذلك إلا أن يسلمه في دينه أشبه في هذا المعني الشرط في البيوع، فيخرج على بعض القول، أن الشرط على ما شرط، فإن قضاه في دينه، و إلا رده إليه، هكذا يخرج عندي، إن أشبه المعني في ذلك، و الله أعلم.
/110/ (3/110)
صفحة 1008
قلت له، فإذا كان على الفقير دين، و وجب على الرجل زكاة، فقال الفقير لصاحب الزكاة، إقض عني فلانا مائة درهم دينا على له من زكاتك، ففعل ذلك صاحب الزكاة قبل أن يقبضها الفقير، هل يجزيهما ذلك جميعا؟
قال معي، أنه على قول من يجيز الوكالة في قبض الزكاة، أن القابض للزكاة من دينه بأمر الغريم يقوم مقام الوكيل، و الأمر عندي يقوم مقام الوكالة.
قلت، فإن لم يأمر الفقير الغريم الذي له الدين أن يقبض من الرجل الذي وجبت عليه الزكاة، إلا أن صاحب الزكاة قال للذي له الدين، فإن فلانا أمرني أن أسلم إليك مائة درهم دينا عليه لك من زكاتي، و قد سلمت إليك هذه الدراهم قضاء عن غرائمك من زكاتي، هل يجزيهما ذلك أم لا يجزي، حتى يأمر الغريم صاحب الدين أن يقبض من صاحب الزكاة؟
قال: عندي، أن ذلك يجزي الجميع، على قول من يقول بإجازة قبض الوكالة إذا قبضه صاحب الزكاة عن غريمه، و أقوي ذلك عندي، أن يأمر الغريم صاحب الزكاة أو يأمر صاحب الدين أن يقبض عنه من صاحب الزكاة مائة درهم من دينه ليكون أقوى في الإطمئنانة و أحكام الوكالة على قول من يجيز ذلك، و الله أعلم.
و من غيره، و كذلك عرفت أنه قال صاحب الدين للغريم إقض ديني و أنا أعطيك من الزكاة، أنه جائز، لأنه مخير بعد القبض في ذلك، إن شاء أعطاه، و إن لم شاء لم يعطه، و الله أعلم.
/111/ (3/111)
صفحة 1009
و من غيره، و عن فقير لي عليه دين فأعطيه دراهم من زكاتي، هل لي أن أطلب إليه حقي منها بعد قبضه إياها، و أخذ حقي منها إن أعطاني بلا طلب مني.
فعلى ما وصفت، فعند هذه الهواجس من القلق و مقابلة النفوس، و لا ينبغي له أن يعطيه الزكاة، و لا يحتل له احتيالا في قبض حقه ذلك منه من أجل إفلاسه، فلا ينبغي له أن يحرمه الزكاة و هو فقير محتاج من أجل ما يدور في قلبه من المحبة لأجل أخذ حقه منه، و لكنه يعطيه الزكاة لأجل فقره، لا لأجل حقه الذي له عليه، و قد قال الله تعالى {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَروهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. (الآية ينظر فيها رحيم)
قال غيره، يعجبني أن تكون نيته في عطيته له أن يقصد بذلك إلى خلاصة مما قد حصل له عليه، و يعنيه به على أداء ما قد عجز عن أدائه و ينظر في ذلك.
و يوجد قيل من كان له مال تجب فيه عليه الزكاة فلم يكن يؤدي الزكاة حتى افتقر، فله أن يأخذ من الزكاة، و يؤدي ما لزمه من الزكاة التي قد لزمته.
قال، و قد يوجد في بعض قولهم، أنه إذا كان المرء مسرفا على نفسه و يتلف زكاته و يضيع حقوق الله، ثم تاب من بعد ذلك، أنه لا يلزمه ضمان من حقوق الله، و يرجى له أن يعفو الله عنه، و لو كان يقدر على أداء ذلك بعد التوبة.
قال غيره: يعجبني أنه إذا كان قادرا على ذلك أن يؤديه، و إن عجز عن أدائه فالعاجز معذور، و الله أعلم، فينظر في ذلك.
/112/ (3/112)
صفحة 1010
و من غيره:
و سألته عن المرأة التي يكون عليها الحلي تزيين، أو سواران و لا مال لها، و هي تأكل من كد يدها بالقوة و لا تبيع من حليها شيئا، هل ترى لها زكاة، و يبرأ من سلم إليها؟
قال: لا نحب أن (تعطي ينظر فيه) هذه المرأة شيئا من الزكاة سواران أو يرنان، و هي مستغنية مع ذلك بمعالجة يدها، و في وجوب فطرة شهر رمضان عليها اختلاف، فبعض يلزمها إياها، على قول أبي عبيدة رحمه الله، و بعض لا يلزمها ذلك.
رجع:
و التاجر يقوم عليه كل شيء في يده للتجارة من قليل أو كثير قيمة وسطه على سعر البلد الذي هو فيه، و يترك له من الطعام ما يقول، إنه يكفيه و يكفي كل من يعول إلى ثمرة أخرى، كذلك عن أبي علي رحمه الله.
قال: و أما الكسوة فقال: عندي ليس فيها شيء و إن لم يكن طعام، و لم يكن إلا دراهم أو العروض لم يترك لهم من ذلك للنفقة شيء إلا أن يقول، إنه يحبس شيئا من الثياب التي في يده للكسوة أو شيئا من العبيد لخدمته، أو شيئا من الدواب لضيعته، و للمتاع لبنيه، فكل ما قال إنه يحبس من ذلك عن التجارة لحاجته قبل وقت زكاته أو بعدها ما لم يكن أخرج الزكاة فلا زكاة عليه فيه،
/113/ (3/113)
صفحة 1011
و يؤدي الزكاة مما بقي، فإن أراد بعد ذلك أن يرد ما حبس، و يدخله في تجارته، فلا زكاة عليه فيه حتى يجيء وقت زكاته من قابل.
و كذلك كل من كان عنده طعام من زراعة أو خدم أو دواب أو ثياب مما لم يكن للتجارة فأراد أن يدخله في التجارة فلا أرى عليه فيه زكاة من قبل التجارة، و لا يدخله في تجارته حتى يقلبه في نوع آخر للتجارة، أو يبيعه بدراهم أو ذهب، ثم يعطي الزكاة من كل ذلك إذا وجبت عليه.
و من كان عنده متاع أو طعام أو غير ذلك للتجارة فبقي سنين لا يخرج زكاته و هو معه، فإنه يزكي عنه لتلك السنين، فإن استوى سعره و إلا أخرج زكاته كل سنة بقيمة سعره فيها.
و من غيره:
قال أبو سعيد، رحمه الله، اختلف أصحابنا فيمن كان عنده مائتا درهم و لم يزكها حتى خلا خمسون سنة، فقال من قال: ليس عليه إلا زكاة سنة واحدة، و قال من قال: ينفذهما و لا يتبع بشيء، و قال من قال: إنه يتبع بما فضل عليه من السنين لأنه مضمون عليه.
و من غيره:
و سألته عن رجل اشترى عبدا للخدمة، و في يده صنعة نساج أو غير ذلك لأجل الصنعة التي في يده، أيحمل هذا على زكاة ماله في القيمة، أم حتى يكون قصده للشراء للتجارة خاصة؟
/114/ (3/114)
صفحة 1012
قال، إذا اشترى للغلة، عندي لم تحمل على التجارة إلا ما استغل منه رجع، و أما السلف فلا زكاة فيه إلا من رأس ماله حتى يقبض و لو حل، و قد قال من قال: إن أجل و أمكنه قبضه ففيه الزكاة، و الرأي الأول هو الأكثر، و أما دين غير السلف فإنه إذا كان حالا في غير توان، و هو مما تجب فيه الزكاة أخرجت عنه و لو لم يقبض. و قد قال من قال، إذا حل و أمكنه قبضه ففيه الزكاة، و الرأي الأول هو الأكثر.
و من كان له دين على مفلس أو على من لا يرجوه منهم فلا زكاة عليه حتى يقبضه، ثم يعطي ما لزمه فيه من الزكاة فيما مضى، و كذلك إن ذهب مال في بر أو بحر ثم وجده، أو كان له في موضع و لم يعلمه، أو كان معه أقل من مائتي درهم فلم يخرج زكاة ذلك حتى ذهب الآخر، فإذا عاد إليه فإنه يخرج ما لزمه من زكاته لما مضى.
و على هذا كل ما كان من هذا الباب.
و قال بعض: لا زكاة فيه إلا لسنة، و الرأي الأول هو الأكثر، و أحب إلي.
و من غيره ـــ
يوجد في جامع عبد الله بن محمد بن بركة، رحمه الله، و اختلف أصحابنا
/115/ (3/115)
صفحة 1013
في زكاة المال إذا خفي مكانه فلم يعلم صاحبه أين دفنه، أو جهل معرفة من استودعه إياه ثم وجده بعد سنين كثيرة، و قد كانت الزكاة تجري فيه، أو لم تكن الزكاة تجري فيه قبل ذلك، و هو نصاب تام، أو أكثر من ذلك، و كذلك قولهم في المال، يكون في البحر، يبعث به صاحبه للتجارة حتى يأتي عليه زمان لا يرجو صاحبه عودة، ثم يرجع إليه، و كذلك الدين الذي يكون على مفلس لا يرجوه صاحبه، أو على فقير أو على من جحده و حلف عليه، و كان هذا سبيله من الأموال حتى لا ترجى بعد، ثم ترجع إلى أربابها بعد ذلك.
فقال بعضهم: عليه زكاة سنة واحدة، و لا زكاة عليه فيما مضى من السنين.
و قال بعضهم: عليه لكل سنة مضت زكاتها، و لو كان في الاستخراج استفراغ الجميع.
و قال آخرون: عليه زكاة كل سنة خلت إلا مقدار الزكاة التي وجبت فيه لأنها حق للفقراء فيه إلى أن يصير إلى حد أقل من النصاب، ثم لا زكاة فيه بعد ذلك، و القول الأول أشيق إلى نفسي.
رجع:
و قال أبو علي رحمه الله في رجل مات قبل وقت زكاته، إن قسم الورثة المال فلا زكاة فيه وحده حتى يحول على كل واحد، و تجب عليه الزكاة، و إن بقي مجتمعا لم يقسم حتى جاء وقت زكاة الميت و تجب فيه الصدقة أخرجت منه الصدقة، و قال: إن كان الذي ترك الميت طعاما للتجارة أخرج الورثة مئونتهم من الطعام لسنة.
/116/ (3/116)
صفحة 1014
و في موضع آخر: أنه يترك للتاجر من الطعام نفقته و نفقة عياله إلى ثمرة أخرى، و إن مات صاحب هذا المال قبل أن يحول على ماله حول و لم يكن يؤدي الزكاة من ذلك فلا زكاة فيه، و لو بقي سنين لم يقسم، إلا أن يكون يصل لكل واحد منهم من الورثة مائتا درهم، و يحول عليها حول، أو يكون ممن يؤدي الزكاة من الورق، فما كان له من هذا الورق حمله على ما معه في وقت زكاته، مذ لزمه، و أدى عن كل ذلك.
قال بعض الفقهاء: إذا مات الميت قبل وقت صدقته، و ترك مالا كانت الصدقة تجري فيه، فلا صدقة فيه حتى يحول عليه حول عند من صار إليه.
و قال من قال: إذا بقي مجتمعا حتى يجيء وقت صدقته ففيه الصدقة، و بهذا الرأي نأخذ، و أما إذا لم تجز في ذلك المال صدقة من قبل، ثم مات صاحبه، و صار للورثة فلا صدقة فيه حتى تجب على الذي صار إليه ببعض الوجوه التي تلزمه الصدقة به فيه و لو بقي مجتمعا حتى يحول عليه حول، مذ صار إلى الميت الأول فلا زكاة فيه.
و قد قيل: إذا اختصم قوم في مال، أنه لا زكاة فيه حتى يعلم لمن صح، ثم يؤدي ما لزمه فيه من الزكاة لما مضى.
و عن رجل حلت زكاة ورقه و قد باع من طعامه بنظرة إلى أجل لم يحل بعد، قال، الله أعلم، قد اختلف فيه، فمنهم من لا يرى فيه صدقة فيما لم يحل، و لم يجز له قبضه، و منهم من قال: يحسبه في دراهمه إن كان محلها قبل الحول، و إن كانت تجارة باع من طعام اشتراه فأسلف فيه أخرج من رأس المال.
/117/ (3/117)
صفحة 1015
و سألت أبا عبد الله، رحمه الله، عن رجل كان معه خمسمائة درهم يزكيها، و اشترى بها متاعا، و باعه بألف درهم إلى عشر سنين، يحل له كل سنة من الألف درهم؟
قال: فإذا جاء وقت زكاته و قد حل من حقه مائة درهم أخرج زكاتها، ثم كلما أخذ مائة درهم أخرج زكاتها حتى يستوفي الخمسمائة درهم التي هي رأس ماله، فإن جاء الحول فأخذ مائة درهم من الربح و قد أتلف الخمسمائة درهم لم يكن عليه في المائة زكاة حتى يحول على مائة درهم منها حول، و هما في يده، و قد حلتا له، و إن كانت الخمسمائة درهم التي هي رأس المال، لم يكن يزكيها قبل ذلك، فلا زكاة عليه في المائة التي يأخذها حتى يحول على مائتين منها حول، و قد قبضها أو حلت له عليه.
و في موضع آخر، عن أبي عبد الله رحمه الله في هذه المسألة، قال: يقوم عليه هذا الطعام أو السلعة التي اشترها بهذه الخمسمائة درهم إذا جاء وقت زكاته، ثم تؤخذ زكاة قيمة ذلك، فإذا حال الحول قوم عليه أيضا ذلك الطعام أو السلعة، و يطرح عنه ما كان أخذ منه من الزكاة في العام الماضي، و ما أخذ إن كان أتلف، ما أجد يطرح عنه زكاة ما أخذ، و إن كانت في يده حملت عليه، ثم أخذت من الزكاة مما بقي، فهكذا في كل سنة حتى يحل الحق.
و من كانت عنده دراهم يزكي عنها أو ورق ثم ذهب ذلك حتى بقي معه شيء قليل أو كثير، ثم استفاد ما تمت به الزكاة قبل محل زكاته أعطى الزكاة مما
/118/ (3/118)
صفحة 1016
بقي في يده و مما صار إليه، و إن لم يبق معه شيء من الأول أصلا فلا زكاة عليه في الذي صار إليه حتى يحول عليه حول و هو تجب فيه الزكاة.
و من وجبت عليه زكاة الورق فلم يخرجها أو بقي عليه منها قليل أو كثير لم يؤده إلى أهله فكل شيء استفاد من الورق و أدخله في أصل أو غلة أو هبة، لعله، و دخل عليه، من أصل، أو بوجه من الوجوه فإن عليه فيه الزكاة، فإذا أوفى زكاته جملة فلا زكاة عليه في كل ما استفاد حتى وقت زكاته.
و من غيره ـــ
قال غيره: و يوجد في جامع الشيخ أبي الحسن البسياني، رحمه الله، و من وجبت عليه زكاة الورق فلم يخرجها فكل شيء استفاد من ورق أو غلة، أو هبة فهو محمول عليه، و إن كان أدى زكاته فلا زكاة عليه فيما استفاد، و قد قيل، لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها الحول، و الحجة له قول النبي (ص): لا زكاة في مال حتى يحول الحول.
رجع ـــ
و كذلك لو باع من أصله أو أطنى طناء فأخرج زكاة الطناء جملة تلك الدراهم، إذا كان عند وقت زكاته من الورق ما لم يقطع الزكاة، و في نسخة، ما لم يكن قطع الزكاة قبل ذلك.
و من غيره ـــ
أحسب أنه عن محبوب بن الرحيل، رحمه الله، و قيل في رجل أطنى ماله،
/119/ (3/119)
صفحة 1017
أو داس زراعته فأخرج زكاته ثم باع الحب بدراهم و حلت زكاة دراهمه، أنه ليس عليه في الذي أخرج صدقة ثمرة نخلة أو ثمرة بره شيء حتى تحول عليه السنة، ثم يخرج من تلك الدراهم.
و أكثر القول عندنا، أن هذا يحمل على الورق إذا جاء وقت زكاة الورق، و به نأخذ.
رجع ـــ
و بلغنا أن موسى بن علي ـــ رحمه الله ـــ كان من قوله، أن من ذهبت عليه دراهم التي كان يؤدي زكاتها، ثم أصاب دراهم فلا زكاة عليه حتى يبقى معه من الأول أربعون درهما، ثم تكون الزكاة فيما بقي عنده، و فيما استفاد إذا تم ما يجب فيه الصدقة متى استفاد، إذا بقي معه شيء من الدراهم الأولى التي كانت الصدقة تجري فيها. و قال من قال، ما بقي معه شيء و لو أقل من أربعين درهما.
و قال محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ إن بقي من الأولى شيء قليل أو كثير ثم استفاد ما تتم به الصدقة قبل انقضاء وقت زكاته من تلك السنة فعليه الزكاة فإذا ذهبت الأولى كلها و لم يبق منها شيء، و إنما وقعت في يده الفائدة التي تمت بها الصدقة بعد انقضاء وقت زكاته من تلك السنة، فقد انقطعت عنه الصدقة حتى يحول الحول على التي تمت به، و في نسخة، على ما تمت به عنده الصدقة، ثم يلزمه، و هذا الرأي أحب إلي.
/120/ (3/120)
صفحة 1018
و قال محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ في رجل عليه عشرة آلاف درهم دين، و له عشرة آلا ف درهم عين، عنده، أو تركها بعمان و غاب عنها، و خرج من المصر من عمان عشر سنين، أو أقل أو أكثر، و كان يريد أن يقضي تلك العشرة آلاف درهم التي له في العشرة آلاف درهم التي عليه، فبقي في غيبته، فلما قدم عمان طلب إليه المصدق زكاة ذلك المال لما مضى، فاحتج أنه كان أراد أن يقضي به ذلك الدين.
قال أبو عبد الله ـــ رحمه الله ـــ فلا زكاة عليه في هذا المال حيث قال: إنه أراد أن يقضي به دينه هذا، و كل غائب فلا زكاة في ماله من الورق حتى يعرف ما عنده، لعله حدث له دين أو سبب، أو زالت عنه زكاة الورق.
و أما الثمار فلا تقاس بهذا، لأنها واجبة على حال في الذي تجب فيه من النخل أو غيره من الأرض و الثمار و لا ترفع ما يلزم صاحبها من الدين.
و وكيل اليتيم و الغائب يقوم مقامه في ذلك، في أداء زكاة ماله، إن كان يتيم لا وصى له و لا وكيل أقام الحاكم له وكيلا و أخرج الزكاة من ماله، و كذلك الأعجم و المعتوه و الشيخ الذي ضاع عقله، و يقام لهم وكلاء، و يؤدون الزكاة من أموالهم.
و إن كان صبي أبوه حي، توفي والده، أعطاه الزكاة من ماله.
و أما المملوك فماله لسيده، و ليس عليه هو زكاة، و الزكاة على المولى، و يقوم العبد بذلك من قبل مولاه حتى يخرج زكاة ما في يده.
/121/ (3/121)
صفحة 1019
و من غيره:
و قال من قال: إن العبد يرفع إلى الحاكم حتى يأمر السيد بإخراج زكاة ما عنده، و قال من قال، إذا أخرج العبد زكاة ما في يده جاز له و أجزاه، إن شاء الله.
و وصى اليتيم يؤخذ بزكاة ما في يده لليتيم، و إن كان حليا لا يعرف كم فيها، أو مال غائب عنه معرفته و كره أن يتعرض له إلى بلوغ اليتيم فلا بأس عليه في ذلك، و يعلم اليتيم إذا بلغ حتى يؤدي الزكاة.
و كذلك، إن قال الوصي لما بلغ اليتيم أنه لم يكن أخرج الزكاة من ماله لما مضى، فالزكاة واجبة فيه، و عليه أن يخرج من ذلك المال لما مضى. و كل مال لا وارث له فلا زكاة فيه، و قال من قال، في رجل مات و ترك مالا و ولدا مملوكا فلا زكاة في ذلك المال حتى يشترى العبد و يصير إليه المال، و يحول عليه حول منذ ملكه، و هو مما تجب فيه الزكاة، ثم تكون الزكاة فيه، و لا زكاة عليه فيما مضى من السنين، إلا أن يكون قد كان يؤدي الزكاة، و في نسخة، إلا أن يكون الميت قد كان يؤدي الزكاة من ذلك المال، ثم بقي مجتمعا حتى جاء وقت زكاته، ففي الصدقة إذا كان له ورثة، و الله أعلم.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
و من غيره:
و في رجل عرف زكاته، و كانت ذهبا أو ورقا، ثم قام يعطي منها، هكذا على وجه الصدقة، و لا يريد به الزكاة و لا عما يلزمه من الزكاة حتى أخرج
/122/ (3/122)
صفحة 1020
بقدرها، و لم يكن له نية عند العطاء، ثم اعتقد عما يلزمه من الزكاة، أو لم يعتقد، قلت: أيكون مؤديا أم لا؟
فمعي، أنه إن لم يميزها فلا يجزيه حتى ينوي حين أراد ذلك من الزكاة، و إن كان ميزها، ثم أنفذها بعينها، و هي المميزة أجزأته إخراجها حتى ينوي بها، غير الزكاة.
و من جواب من أبي الحسن ـــ رحمه الله ـــ و عن رجل له دراهم يزكيها، ثم أنفق منها على زراعته في طوى و حصادها، أتجب في هذه الزراعة أم لا؟ فعلى ما وصفت، فإن كان أنفق هذه الدراهم في هذه الزراعة، و زرعها للتجارة، ففيها زكاة التجارة، و إن أنفقها في زراعة ليست للتجارة و لم تجب في الزراعة زكاة الحب فلا زكاة في الزراعة، و إن أنفق الدراهم بعد محل الزكاة فيها ففيها الزكاة خاصة دون الزراعة. و إن أنفقها قبل محل زكاة دراهمه و لم ينفقها في الزراعة للتجارة فلا زكاة فيها.
قال أبو سعيد ـــ رحمه الله ـــ معي أنه قيل إذا وجبت الزكاة في الذهب و الفضة كل واحد منهما على انفراد أخرج من كل واحد ما تجب فيه من الزكاة.
و قال من قال: إن لصاحب المال أن يعطي من أيهما شاء عن الجميعين، و إن لم تجب في أحدهما إلا إذا حملاه، فقال من قال: يحمل الأقل على الأكثر.
و قال من قال: يحمل الذهب على الفضة، و قال من قال: على الأوفر من ذلك.
/123/ (3/123)
صفحة 1021
و قال من قال، يجوز أن يعطي عن الذهب فضة بالقيمة، و يعطي من الفضة ذهبا، و قال من قال، لا يجوز أن يعطي عن الفضة إلا الفضة، و عن الذهب إلا ذهبا.
قلت، فالذي يقول الأوفر، كيف يكون؟ قال، عندي، أنه إذا كان عنده ثمانون درهما، و عنده عشرة دنانير قيمتها خمسة عشر درهما، حمل الفضة على الذهب حينئذ، و يجوز ذلك.
و سمعته يقول، لعل بعضا يقول، يعطي ما حمل عليه، إن حمل الفضة على الذهب أخرج من الذهب، و إن حمل الذهب على الفضة أخرج من الفضة.
و من غير الكتاب و الزيادة:
سألت، رحمك الله، عن رجل عنده دراهم و طعام يريد به التجارة و وجبت عليه الزكاة فيما في يده، هل يجوز أن يخرج زكاته من الورق و الذهب، لعله، عروضا، بقيمة ما يلزمه من الورق و الذهب في زكاته بسعر يومه.
فعلى ما وصفت، فلا نحب له أن يعطي فيما يلزمه من زكاة الدراهم و الذهب إلا دراهم و ذهبا، و لا يعطي في ذلك عروضا مثل ثوب أو طعام لأن العروض إنما تجوز في واجب الحق عن رضى من له الحق، و الزكاة ليست لرجل بعينه دون غيره ممن تجب له الزكاة، إلا أن يكون عاملا من العاملين عليها، فإن ذلك أرجو أن يجوز للذي تلزمه الزكاة، أن يعطي العامل عروضا بها تراض منهما.
/124/ (3/124)
صفحة 1022
و قد روي عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، عامل رسول الله (ص)، على اليمين، أنه كان يأخذ ممن تلزمه الزكاة الثوب و غيره من العروض، و كذلك كان يبلغنا عن بعض عمال المسلمين من طرف عمان، أنهم كانوا يبيعون على الرجل زكاته، و يقبضون منه الثمن بموضع التوقير و السلامة عن غير الكراء في حمل الزكاة إلى بيت مال المسلمين.
و من أعطى عن ما يلزمه من الزكاة عروضا بغير نقصان و لا هضيمة في الزكاة لم يحكم عليه في ذلك بغرم و لا مأثم، غير أنا لا نحب له ذلك، أو لا يقبض منه العروض من يستحق الزكاة بعينه، دون غيره.
و عن رجل قبض زكاة عامله بغير رأيه و أبعدها، ثم وقع من بعد ذلك حرج، فأحب الخلاص بعد موت العامل، و ترك أيتاما، ما يلزم هذا الرجل في ذلك؟ فلا أرى يلزمه شيء حتى يعلم أن العامل لم يأتمنه على ذلك، و أن العامل قد غرم مرة أخرى، ثم عليه الغرم لورثة العامل.
و عن الذي ينزل به الضيف قلت: أله أن يطعمه من خير ما عنده من الزكاة، و يصنع من ذلك الطعام؟ فعلى ما وصفت، فقد قالوا، إذا أعلمه بذلك جاز له ذلك، و لا يجعل الزكاة تقية للمال، و لا (يقري ينظر فيه) ضيفة من زكاته حتى يعلم ضيفه.
أن هذا الطعام من زكاته، ثم يجوز له ذلك.
/125/ (3/125)
صفحة 1023
قال غيره: و معي أنه قد قيل، إن ذلك جائز و لو لم يعلمه إذا كان ممن يجوز له في حالته تلك الأكل من الزكاة و الإطعام، من التسليم، لعله مثل التسليم كما ليس عليه أن يعلمه إذا سلم كذلك مثله إذا أطعم.
رجع:
و سئل عن رجل عليه دين ليتيم مائتا درهم، و عنده مائتا درهم، فإن أراد أن يعطي اليتيم متى ما قدر على من يقبض لليتيم، ممن يبرأ يقبضه، هل عليه زكاة في هذه الدراهم؟
قال، عندي، أنه إذا نوى قضاء دينه في اليوم أو السنة، أو متى ما قدر على من يقبض لليتيم لا غاية لذلك، أنه لا زكاة عليه في هذه الدراهم على قول من يقول، أنه يرفع له دينه، و لا تجب عليه فيه زكاة.
قلت، فإذا حالت السنة، و لم يقبض شيئا لعدم من يقبض لليتيم، هل عليه زكاة للسنة الماضية؟ قال، عندي، أنه لا زكاة عليه على هذا القول.
قلت له، فما الفرق بين البالغ و اليتيم إذا كان إذا حال عليه الحول و لم يقبض البالغ دينه الذي قد نواه الزكاة زكى بقدر الذي أراد أن يقضي البالغ حقه؟ قال، معي، أن هذا يقدر على أداء ما عليه من الدين إلى البالغ، فلم يفعل، و كان التواني منه، و الآخر معذور، فافترق معنا هما لسبب العذر و انقطاع عذر، هكذا ما يخرج عندي.
قلت، و كذلك إن اشترى أصلا يريد به التجارة فأثمر، هل يلزمه أن يزكي
/126/ (3/126)
صفحة 1024
عنه؟ قال، عندي، أن عليه زكاة الثمرة لذلك، و لا أعلم في ذلك اختلافا.
و هذا غير العبيد عندي.
و عن رجل حضر وقت زكاته و هو في بلد ليس فيه أحد من الفقراء المسلمين و لا فيه إمام عدل، كيف يصنع؟
قال، يحسب زكاة ما في يده ثم يصرفها، أو يميزها، أو يخرجها من ماله، فإذا بلغ موضعا فيه أحد من فقراء المسلمين أو إمام عدل سلمها إليه.
فإن استفاد مالا من بعد ما عزل زكاة ماله و غيرها لم يكن عليه زكاة فيما استفاد، و إن لم يكن قد سلم إلى أهلها إذا كان قد ميزها.
قال، فإن تلفت من قبل أن يسلمها إلى أهلها، و قد كان ميزها فعليه الضمان لما كان ميز من الزكاة، و قال، ليس عليه شيء فيما استفاد من مال قبل أن يتلف زكاته التي قد ميزها إن كان قد استفاد المال من بعد ما ميز الزكاة، و عرفت فيمن كان في يده مائتا درهم إلا درهما فلا زكاة فيها حتى يكونا مائتي درهم في يده لا ينقصان شيئا، ثم يحول عليهما حول فحين ذلك تجب فيهما الزكاة.
و سألت عن التاجر إذا أخرج زكاته في شهره و لم يخرجها جملة حتى ربح مما زكى ربحا، هل يحمل ما ربح عما قد (زكى ينظر فيه) على تجارته التي لم يزك شيئا منها، أو كان (قد ينظر فيه) أخرج الزكاة و لم يسلمها إلى أهلها؟
فقال، الربح فيما قد زكاه فائدة، و قد قيل، إن ما استفاد إذا لم يكن سلم الزكاة إلى أهلها فإنه يزكي كلما استفاد، و يحمله على ماله و ما ربح منه مما قد زكى
/127/ (3/127)
صفحة 1025
فهو فائدة و عليه فيه الزكاة، إلا أنه قد قال من قال، إذا ميز الزكاة فليس عليه فيما استفاد شيء إذا ميز الزكاة و أخرجها من ماله، و لو لم يسلمها إلى الفقراء.
و قال من قال، ما لم يسلمها إلى الفقراء فإنه يزكي كلما استفاد.
و من غيره:
و لو أعطى معط من المال الذي وجبت فيه الزكاة بعينه فقيرا أربعين درهما على غير قصد الزكاة من بعد وجوب الزكاة فيه، كان قد أدى من زكاته درهما إذا جعل في الفقير على غير نية يستحيل ألا يجوز أن يجعل فيها الزكاة، و لو قصد بذلك إلى الصدقة عليه و الهبة له، أو صلته، أو بره بأي وجه من الوجوه يكون به واصلا له على غير وجه أن يكون يقع جنة لمال أو لنفسه مما يلزمه، أو مما يريد به المواصلة للمكافأة بالمال أو يجب له عن أمر الزكاة بالقصد، أن ذلك ليس أمرا من الزكاة، فإن ذلك كله يقع موقع الزكاة، و يكون مؤديا للدراهم من زكاة ما أعطى و سلم.
و يوجد عن أبي عبد الله بن محمد بن روح بن عربي رحمه الله، فيمن كان معه مائتا درهم و أقل من أربعين درهما، فإنما تلزمه خمسة دراهم عن جميع ما ملك من الدراهم إلا عن المائتين خصوصا، كذلك على هذا الوجه يكون الاعتقاد على الذي تلزمه الصدقة في الثمار و الأنعام كمن معه أربعون شاة، فعليه في جميع غنمه زكاة شاة، كذلك من يكون معه أكثر من أربعين شاة إلى عشرين و مائة فعليه
/128/ (3/128)
صفحة 1026
في جميع ذلك شاة، و ليس عليه تلك الشاة في الأربعين، خصوصا دون ما زاد على الأربعين، بل عليه أن يجعل تلك الشاة عن جميع غنمه، كذلك ما يشبه هذا من جميع الزكوات يعتقد النية في ذلك لجملة ماله إذا ذكر قلبه عقد هذه النية، و إذا لم يذكر قلبه شيئا و نسي أجزأه أداء ما يلزمه من ذلك في حكم الحق، و إن نسي الاعتقاد لذلك، لأن الناسي كالنائم، و النائم كذاهب العقل، و كل ذلك تكون أحوالهم على ما هم عليه من منزلة حق أو باطل حتى يتحولوا عن حق بإرادة عقل سالم من النعاس أو الجنون أو النسيان، أو يتحول عن الباطل بصدق إرادة توبة عنه إلى الحق بعقل سالم و صدق نية.
رجع إلى كتاب أبي جابر.
فصل
في زكاة الورق و الحجج الموصى بها
و أما من هلك و أوصى بحجة أو غيرها من أبواب البر للمسلمين أو للشذا أو للفقراء، فإذا ميز الهالك ذلك قبل موته فلا زكاة فيه و لو كثر و بقي على ذلك ما بقي لم ينفذ، و أما إن أوصى به في ماله فميزه الورثة أو الوصي أو السلطان، و بقي على ذلك حتى حال عليه حول، و هو يجب فيه الزكاة ففيه الزكاة، ثم كلما حال عليه حول آخر أخرجت منه الزكاة، و على الورثة أن يردوا ذلك النقصان من ثلث مال الهالك، فإن نفذ الثلث في الوصايا فلا زكاة في الحجة و لا في غيرها.
/129/ (3/129)
صفحة 1027
فإن أخذ المصدق زكاة ذلك، و لم يكن ثلث يرد منه، فعلى المصدق أن يرد ذلك، فإن تلف المال كله بعد أن أخذ المصدق الزكاة بقي ما نقص من تلك الوصايا على نقصانه، و لم يكن على المصدق رد لأنه أخذ الزكاة في وقت ما وجبت له، و إن كانت الحجة قد قبضها رجل يحج بها و ضمنه إياها الورثة أو غيرهم مما يلي ذلك فلا زكاة عليهم فيها، أو فيما قبض منها، و على الذي قبض على هذه الصفة زكاة ما صار له من ذلك، إذا حال عليها عنده حول، و هو يتم فيها الزكاة، و إن كان لم يأخذها بضمان، و إنما أخذها على أنها عنده للورثة و هو يحج فهو إذا حج أعطوه، أو كانت الحجة عندهم لم يقبضها فلا زكاة عليه هو في هذا، و الزكاة على الورثة على ما فسرنا في أول المسألة.
و قال غيره: و لو أخذ الدراهم منهم و قاطعوه على الحجة، فإن تلفت الدراهم فليس عليه فيها زكاة، و إن بقيت في يده حتى حل وقت زكاة هذا المال ففيه الزكاة، و هو على الورثة في ثلث مال الهالك، لأنه لم يستحق المال بالأجرة، و إنما المال في يده أمانة، فإذا قضى الحج استحق الدراهم، فإن حال عليها الحول مذ استحق المال، و هي مائتا درهم فعليه الزكاة، فإذا جاء وقت زكاة الدراهم و قد استحق هو الدراهم فلا زكاة عليه و لا على الورثة إلا حتى يحول عليه الحول.
و عن محمد بن محبوب رحمه الله، و عن رجل أوصى بحجة نافلة أو فريضة، و قال: أعطوا هذا المال في حجتي، هل فيها زكاة إذا حالت؟ فلا زكاة فيها.
/130/ (3/130)
صفحة 1028
فصل
في زكاة البحر
و اعلم أن زكاة البحر في أموال المسلمين التي تقدم من البحر مثل الزكاة في أموالهم التي مقيمة في البر، و لم يحدث البحر لها وجها تحول فيه عن أوقاتها، فلا تزيد فيه و لا تنقص عما فرض الله فيها، إلا أن هذه الأموال التي تقدم إلى أهل عمان من أرض الشرك، فيها أشياء اختلف الرأي فيها.
فمن ذلك أموال تقدم إلى أرض الإسلام من بلاد أهل الحرب، فرأى المسلمين أن يأخذوا منها إذا وصلت أموال أهل الحرب المشركين إلى أرض أهل الإسلام مثلما يأخذ سلطان أهل الحرب من أموال المسلمين إذا وصلت إليهم إلى أرض الحرب.
و قوم آخرون من أهل العراق و غيرها من بلدان الإسلام كانوا تجارا في أرض المشركين من أهل الحرب، ثم قدموا بأموالهم إلى بلاد أهل الإسلام، فنزلوا بأموالهم في عمان، ثم مضوا إلى العراق أو فارس، فلم ير المسلمون أن يأخذوا من أموالهم زكاة، و لو كانت الزكاة واجبة في أموالهم، و ذلك إذا لم يحموهم من حيث خرجوا، و لا في البلاد التي إليها انتهوا، و هو الرأي عندهم، أنهم لم يأخذوا زكاة من لم يحموا سنة، ثم رأوا بعد ذلك رأيا، كان المعمول عندهم أنه إن قامت أموال هؤلاء الغرباء في عمان سنة أخذوا منها الزكاة، و كذلك إن قلبوا أموالهم هذه بتجارة في عمان، فباعوها و اشتروا بها غيرها، من حين ما قدموا أخذوا منهم الزكاة.
/131/ (3/131)
صفحة 1029
و إن قدموا إلى عمان بأموال من ذهب أو فضة و غير ذلك و أقروا أنه قد خلا لأموالهم هذه سنون لم يخرجوا منها زكاة و هم غرباء، و لم يبيعوها، فرأى المسلمون أنهم بالخيار، فإن دفعوا إليهم زكاتهم برأيهم قبلوا منهم، و إن لم يدفعوا بطيبة من أنفسهم لم يجبروا على أخذ زكاتهم.
و من غيره:
و من جواب أبي سليمان هداد بن سعيد، الذي عرفت أن الأموال التي تصير من بلاد الإسلام إلى عمان لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، و أما الأموال التي تصل من بلاد الشرك لأهل الشرك، فإن وصلوا إلى عمان و نجلوا متاعهم، و باعوه في صحار أخذت منه الزكاة في الوقت، و أما أموال أهل الصلاة الذين يصلون بها من بلاد الشرك إلى عمان ففيها قولان، قول لا زكاة فيها حتى يحول عليها حول بعمان، ثم تؤخذ منها، و قول، إنهم إذا وصلوا بها إلى عمان و نجلوا متاعهم و باعوا فيها و اشتروا و قلبوها في نوع آخر غير الذي و صلوا به من أرض الشرك أخذت منهم الزكاة، و أما الدنانير و الدراهم فلا زكاة فيها حتى يحول الحول، و أما الذهب و الفضة التي غير مضروبة فسبيلها سبيل المتاع و تجري مجراه، فإذا باعوا متاعهم بثمن حمل ذلك على ثمن المتاع، و أخذت منه الزكاة على قول، و الله أعلم، و سل عن ذلك، و تستصح فما وافق الحق عمل به، و ما خالف الحق ترك و لم يعمل به إن شاء الله، و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على رسوله، محمد النبي و آله، و سلم تسليما.
/132/ (3/132)
صفحة 1030
رجع:
و أما أهل عمان، فمن خرج منهم بمال للتجارة أو غيرها فأقام بماله سنين في أرض الشرك أو غير أرض الشرك، ثم قدم بماله ذلك إلى عمان، و لم يكن أدى زكاته فإنهم يأخذون منه بعمان الزكاة للسنين التي لم يؤد فيها الزكاة جميعا.
و كان محمد بن محبوب، رحمه الله، قد قال في رجل قدم بمال إلى عمان من أرض الشرك فباعه، و أخذت زكاته، ثم رجع إلى أرض الشرك أيضا، و عاد بماله ذلك إلى عمان في أربعة أشهر، فقال، كل من بلغ بماله هذا إلى أرض الشرك ثم عاد إلى أرض الإسلام أخذت منه الزكاة، فحفظنا نحن عن سليمان بن الحكم أنه قال، لا زكاة عليه في كل سنة إلا مرة، و لو بلغ به مرارا إلى أرض الشرك، فوقف محمد بن محبوب، رحمهما الله.
و أما كل أموال قدم بها أهلها إلى عمان بتجارة أو غيرها من أرض الإسلام مثل فارس و عدن، و دبيل، فإن كان أصحاب هذه الأموال من أهل عمان فهي مثل أموالهم التي في البر في عمان، و إنما تجب فيها الزكاة في كل سنة، و إن كانوا غرباء فقدموا إلى عمان بتجارتهم هذه متاعا من بعض بلاد الإسلام، فباعوا متاعهم هذا، و تجروا به في عمان لم تؤخذ منهم الزكاة حتى يحول على مالهم هذا حول، و هو بعمان، و إنما ذلك حيث لم يكن سلطانهم إلا بعمان، و لو بلغ سلطانهم إلى العراق و الحجاز و الشام لكان أهل هذه المواضع كلها مثل أهل عمان، و لم يكن فيهم غريب.
/133/ (3/133)
صفحة 1031
و وجه آخر أيضا، لو أن قادما من المسلمين قدم إلى عمان من الصين أو غيرها من بلاد الشرك و الحرب، و قد أقام في بلاد الشرك سنين، و معه مال، ثم قدم به إلى عمان، و باعه و اتجر فيه، فلما طلبت منه الزكاة كان غريبا، أو من أهل عمان، فاحتج أن لزكاته وقتا معروفا في كل سنة، و أنه قد أخرج زكاة ماله و أعطاه الفقراء، و احتج أن وقت زكاته كان مذ شهر، و هو بالشحر أو نحوه، و أخرج زكاته، و أعطاها الفقراء لما رأينا عليه زكاة حتى يحول عليه وقته الذي كان يخرج فيه مذ زكاته و ما قال، إنه قد خرج من زكاته حيث كان من البلاد التي (ليسها ينظر فيه) من سلطان أهل عمان، فقوله جائز في ذلك.
و وجه آخر، لو قدم قادم من بلاد الشرك بأموال قليلة أو كثيرة و أمتعة من تجارة فباعها بعمان، و هو غريب أو من أهل عمان، فلما طلبت منه الزكاة احتج أنه لم يكن يملك من هذه الأموال شيئا، و إنما ملكها منذ شهر أو نحو ذلك، ما رأينا عليه من زكاة في أمواله هذه حتى تحول عليه سنة مذ ملكها.
و هذا دليل على أن قدومه من أرض الشرك و من البحر لم يوجب عليه من الزكاة إلا مثل ما يوجب عليه البر. و لو أن رجلين جاء كل واحد منها بمائة درهم فخلطاها و خرجا مشتركين في تجارة إلى أرض الشرك، فقدما بمتاع، فباعاه بثلاثمائة درهم، و حال على الثلاثمائة سنة، ما رأينا في الثلاثمائة زكاة حتى يقع لكل واحد منهما مائتا درهم، أو أكثر و يحول عليها سنة مذ صارت له.
/134/ (3/134)
صفحة 1032
و لو أن رجلا قدم من أرض الشرك بمال عظيم، فباعه في عمان، فلما طلبت منه الزكاة قال، إنه يهودي، أو قال، إنه مسلم، و المال الذي في يده ليهودي ما رأينا أن تؤخذ منه زكاة، و لو قال، إن المال الذي في يده لفلان بن فلان، سمى برجل مسلم في خراسان أو في الشام ما رأينا أن تؤخذ منه زكاة حتى يعلم حال ذلك الرجل، فلعل عليه دينا يريد أن يقضيه عن ماله هذا، أو له فيه حجة.
و لو أن رجلا من أهل عمان قدم بمال عظيم من رقيق أو متاع قد كان من تجارته، فلما طلبت إليه الزكاة، لأن عليه أن يقوم متاعه ساعة قدم، و تؤخذ زكاته، فاحتج أن خمسين رأسا من العبيد يحبسهم لخدمته، و كذلك ما كان عنده من البز يحبسه لكسوته، و كذلك ما كان من الطعام و الإدام و الآنية يحبسها لينتفع بها فذلك له، فلا نرى عليه في شيء من ذلك زكاة، فإن أعطى زكاته فانقطع وقتها، ثم باع ما كان حبس من ذلك، فلا نرى عليه فيه زكاة أيضا حتى يحول عليه سنة مذ صار دراهم، و يجيء وقت زكاته فيدخل فيها.
و لو أن رجلا غريبا قدم من البحر من أرض الشرك بنحو مائة درهم فباع بعمان من متاعه بألف درهم فلما طلبت منه الزكاة احتج أنه قضى الألف في دين له، و أنه يحمل بقية متاعه إلى غير عمان، ما رأينا أن تؤخذ منه زكاة.
و لو أن رجلا قدم بشحنة سفينة من النارجيل و العسل و الزنجبيل و الأرز
/135/ (3/135)
صفحة 1033
فباعه بمال عظيم، فلما طلبت منه الزكاة احتج أن ذلك النارجيل من نخله، و الباقي من زراعته في أرضه، ما رأينا فيه زكاة إذا باعه حتى يحول على الدراهم من ثمنه سنة، و كذلك لو لم يبعه و حبسه سنين كثيرة ما كان عليه فيه زكاة، انظر.
و لو أن رجلا قدم من الصين بعنبر أو لؤلؤ أو عود و كافور و نحو ذلك يسوي مائة ألف درهم، و هو من أهل عمان، فطلبت إليه الزكاة فاحتج أن اللؤلؤ و العنبر لقطه من البحر، و الكافور و العود و البقم أخرجه من الشجر ما رأينا عليه في ذلك زكاة و لو حبسه سنين.
و إن كان الذي قدم به غريب فباعه، ثم احتج بهذه الحجة فلا زكاة عليه فيه أيضا حتى يحول على مائتي درهم من ثمنه سنة، و الله أعلم.
و إن قدم حربي بمال، ثم أسلم لم يؤخذ منه شيء حتى يحول على ماله حول منذ أسلم و يؤخذ من جميع ما يقدم به الحربي من طعام و عبيد و متاع، و طرف السفينة يقوم و يؤخذ مثل ما يأخذون.
و إن قدم مال الحربي إلى أرض من أرض الإسلام مثل عدن و غيرها، و أخذوا منهم، ثم قدم بذلك المال إلى عمان فنظر إن كان إذا قدم مال المسلمين
/136/ (3/136)
صفحة 1034
إلى أرض الحرب أخذ منهم كل ملك مضى به، فأحب أن يؤخذ منهم كذلك، و إن كانوا إنما يأخذون مرة واحدة يتولى الأخذ فيها قائم منهم معروف لم يؤخذ منهم إلا كذلك، و كذلك إن غصب لهم مال فصار بعمان أو بقرت لهم دواب، فإن كانوا كل مال قدروا عليه لأهل الإسلام رأوا الأخذ منه أخذ منه كمثل ما أخذوا، و إنما جاء الأثر فيهم أن يأخذ المسلمون من أموالهم إذا قدمت إليهم كمثل ما يأخذون هم من أموال المسلمين، و المعنى في ذلك إلى ما يأخذ ملوكهم و سلطانهم لا ما يأخذ أهل السرق و الغصب من عوامهم.
و كان أبو مروان يقول: لا يؤخذ منهم من أقل من عشرين درهما درهم، و لعل ذلك كان هو المعروف من أخذهم، و ما كان أقل من ذلك فكأنه على التعدي ممن فعله منهم، و أما في الآثار فيوجد أنهم أخذوا من درهمين درهما لأخذنا منهم كذلك.
و إن زال ملكهم و قدم لهم مال في الوقت الذي لم يكن لهم ملك فأحب أن يؤخذ من ذلك المال على ما كان يأخذ سلطانهم من قبل.
و إن قدم مال المشرك الحربي و ليس بعمان إمام عدل يأخذ منهم فإن كانوا إذا قدم مال المسلمين إلى بلدهم أخذوا منه و لو لم يكن عندهم سلطان، فإن تولى الأخذ منهم واحد من المسلمين المقتدرين بهم، و في نسخة، به، في المصر الذي يقدمون إليه من عمان إذا لم يكن إمام، و جعل ما يأخذ منهم في فقراء المسلمين و عز الدولة و الإسلام فحسن إن شاء الله، و سل عن ذلك.
/137/ (3/137)
صفحة 1035
و كذلك عندي، في الجزية في أهل الذمة من عمان إذا لم يكن لهم سلطان و سل عن ذلك.
و سئل، من كان في أرض الحرب من المشركين المرتدين عن الإسلام و أهل الذمة سواء، إذا رجعوا إليهم، و وصل لهم مال، و هو كمال أهل الحرب.
و إن مضت سفينة الحربي بمال خاطفة على عمان أو غيرها من قرى الإسلام، تريد مصرا آخر من أمصار الإسلام، فأحب أن يرجع في هذا إلى فعلهم، فإن كانوا يأخذون من كل أموال إذا زكوها لأهل الإسلام و لم ينزلوا بها عندهم أخذ المسلمون من هذه السفينة كما أخذوا، لعله، كما يأخذون، و إن كانوا لا يعارضون إلا بمن أنزل بماله عندهم فكذلك نحب أيضا أن يفعل بهم كذلك.
و إذا أخذوا من أموال الحربي، ثم خرج إلى أرض الحرب، ثم رجع أيضا بمال و لو مرارا في سنة واحدة، فكلما قدم بماله من أرض الحرب أخذ منه كما يأخذون، و إذا بقي ماله سنين في عمان بعد أن أخذ منه حيث قدم فلا يؤخذ منه غير ذلك.
و سبيل ما يؤخذ منهم عندنا كسبيل الجزئة، و الصوافي، و الله أعلم.
و أما ما يفعل به صاحب الساحل بصحار، الذي يأخذ زكاة من يقدم من البحر، أنه إذا سمع بسفينة قد أقبلت وجه أمينا له من عنده، و كان فيها،
/138/ (3/138)
صفحة 1036
و حفظها، و لا يحدر منها رقيقا أو متاعا لأحد إلا كتبه عنده، و كتب كل مال رجل، و في نسخة، مال كل رجل في رقعة باسمه، و أعطاها صاحب القارب، و أمره أن يذهب إلى صاحب الساحل حيث كان، فيعطيه الرقعة، و يكتب ما فيها عنده.
و إن كان صاحب المتاع غريبا أخذ عليه كفيلا بنفسه إلى أن يبيع متاعه و يرده إلى الكفيل حتى يتخلص، فإن باع أخذت زكاته، و إن حمل متاعه جاء به إلى صاحب الساحل حتى يراه و يدخله إلى البحر بين يديه، و كنت أرى على صاحب المتاع مشقة شديدة، لأنه ربما كان منزله بعوتب، فيحمل نفسه و ماله على الخطر، و ربما كان في موج شديد حتى يذهب به إلى صاحب الساحل، و هو بالعسكر، أو حيث كان، ثم يرجع من هناك إلى منزله، و ربما كان غريبا فلا يقدر على كفيل، فيبقى هو و متاعه محبوسا حتى يجيء كفيل، فأوحشني بعض ذلك.
فسألت عنه سليمان بن الحكم فكان ذلك رأيه. قلت له، فإن لم يقدر هذا الغريب على كفيل؟
قال: يحبسه الوالي بين يديه، و يطلب إليه الكفيل، فإن لم يقدر بعد ذلك على كفيل كتب اسمه و ودعه، و لعله كان في قول أبي مروان و لولا ذلك لضاعت الزكاة، و هو قريب مما قال، لأنه لو انحدر أصحاب السفن إلى الأرض، فاختلط
/139/ (3/139)
صفحة 1037
بعضهم في بعض، و هم خلائق من الناس غرباء، من كان يعرف أموالهم، أو يعرفهم فيردهم إلى الوالي. و الله نسأله التوفيق للحق و ما فيه السلامة.
و كل ما باع بعمان صاحب هذا المال الذي يقدم به من بلاد الشرك إذا كان غريبا، فمنذ يدخل حدود عمان أخذت منه زكاة ما يبيع في السواحل إلى أن يصل إذا كان عنده ما تجب فيه الصدقة، و ليس لأحد من ولاة عمان أن يأخذوا زكاة أهل البحر إلا الوالي المعروف الذي يكون بساحل صحار، و قد كان منها أخذ زكاة بعض من مضى في ولايته في تلك السواحل قل صحار في عصر المهنا، فلم يقبل ذلك صاحب الساحل من صاحب المال، و أخذه بزكاته حتى يرجع هو على الذي أخذ منه ورد الإمام ذلك على صاحب الساحل.
و قد كان فيما تقدم ممن تجب عليه الزكاة أغنام و غيرها، فقامت لأبي مروان، نسألهم، هل حال على مالهم هذا حول، قال، لا نسألهم، لأن الدعوة بلغت و الزكاة معروفة، و إنما نطلب إليه الزكاة، فإن أعطاه قبلناها منه، و إن احتج هو بتلك الحجة التي تبطل الزكاة تركناه.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
/140/ (3/140)
صفحة 1038
فصل
فيما يؤخذ من نصارى العرب و في أخذه الجزية
و في كنوز الجاهلية
و نصارى العرب يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين من الصدقة، و هو الخمس، و لا جزية عليهم، و لا تجب الصدقة في مالهم حتى تبلغ فيه كما تبلغ في أموال أهل الصلاة، و يحول على الورق عندهم حول مذ ملكوه، و كذلك قال من قال، يهود العرب أيضا.
و عامل النصارى الذي يلزمه الخمس إذا كان من أهل الإسلام فإنما عليه في حصته العشر، و في حصة النصارى الخمس، و تؤخذ الصدقة من مال الرجال منهم و النساء و الصبيان على ما يؤخذ من أهل الإسلام، نسخة، أهل الصلاة، إلا أن عليهم الضعف، و كل مال ورثوه أو اشتروه و صار إليهم بوجه من الوجوه ففيه عليهم الضعف في الصدقة، و ما اشترى الذمي من النخل و الأرض و الغنم و البقر من أرض المسلمين، و لو تداولها ذمي بعد ذمي إذا كان أصلها من أموال المسلمين ففيها الزكاة على أي وجه أهل الذمة صارت إليهم بوجه من الوجوه، ففيه عليهم الضعف في الصدقة، و ليس لهم أن يخرجوا الماشية من أرض المسلمين إلى أرض الشرك إذا كانت تجري فيها الصدقة، و ما اشترى المسلمون من أموال النصارى العرب التي كانت تجري فيها الخمس عندهم فإنما على المسلمين فيها العشر.
/141/ (3/141)
صفحة 1039
قال أبو علي، الحسن بن أحمد، رحمه الله، و قد قيل، إن فيها الخمس، لأن الخمس أصل ثابت، حيثما تحولت.
من غير الكتاب و الزيادات:
و من جواب محبوب بن الرحيل، رحمه الله، إلى نصر، و عن مساكين الذمة هل عليهم جزية؟ فقد بلغنا عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه مر على ذمي مريض، مطروح في طريق، فلما رآه قال، أخذنا منه الجزية صحيحا، و نضيعه مريضا، كأنه يرى أن ينفق عليه من بيت المال.
و من جواب أبي علي إلى هاشم بن الجهم، و عن يهودي أخذ بالجزية فقال، إني خيبري، و أنا أصلي على النبي (ص)، و ليس علي جزية، فقد سمعنا أنه لا جزية عليهم، و سألت عنهم، و إنما يعرفون بقولهم، إن كنت معهم، و سل عنها.
و من غيره:
و قد قيل، لا يقبل منه ذلك، لأنه يدعى إزالة الجزية عن نفسه حتى يصح ذلك.
و من غيره:
و سئل عن رجل ذمي يختلف إلى أرض الحرب، و معه أهله، فيقبل هو وحده، و يدع أهله، هل يؤخذ منه الجزية؟ قال: لا.
/142/ (3/142)
صفحة 1040
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، إن أقبل من دار حرب المسلمين فأقام بها شهرا، في دار المسلمين، فعليه الجزئية.
ومن جواب أبي عبد الله رحمه الله، و ذكرت أنه يوجد في الكتب الرهبانية و الشماسون، أنهم يقولون: ليس عليهم جزية، فإنما تلغى الجزئية عن الحبساء الذي حبسوا أنفسهم.
سألت، ما الرهبانية؟ فهم العباد من النصارى في دينهم، المنقطعون في صوامعهم، الحابسون أنفسهم عن مضارب الدنيا، و
هم الحبساء، فهؤلاء، قيل تسقط عنهم الجزئية، و أما الشماسون فهم القوام على بيعهم، و كنائسهم و بيوت نارهم، فأولئك عليهم الجزئية.
سئل عن يهود خبير وقريظة.
ومعنا إذا خرج الخارج في سائر البلاد، ومعه مال كثير تؤخذ منه الزكاة لا يؤخذ منه جزية، لأنه ممن جرى عليهم صلح النبي (ص)، إلا من كان من يهود العرب منهم فإنه يؤخذ من ماله الضعف مما يؤخذ من مال أهل الصلاة.
ومما يوجد عن أبي عبد الله رحمه الله، وعن يهود خيبر، هل يدخل المسجد
/143/ (3/143)
صفحة 1041
وهل يصلح (بربط ينظر فيه) الشيخ و يعطي الجزية؟ فإن كان خيبريا لم أر بأسا بدخوله المسجد و إن لم يربط الشيخ لم أر بذلك بأسا.
وقال من قال: إن أهل خيبر لم تؤخذ منهم جزية.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما أدري كيف أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله (ص) يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
قال أبو معاوية: هذا معنا في الجزية، والإمام إذا أعطى فقراء أهل الذمة من الجزية فلا بأس، وقيل: إذا احتاج منه المحتاج إلى المسلمين فللإمام أن ينفق عليه من مال الله، فإن كان من الجزية شيء كان أحسن، و إن لم يكن من الجزية شيء أعطوا من الصلح بين المسلمين وأهل الشرك، فإن لم يكن من الصلح شيء فمن الفئ والصدقة، وكل ذلك جائز إن شاء الله.
وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، وسألته عن اليهود الذين يقولون إنهم يهود خيبر، وهم يصلون على النبي (ص)، هل تؤخذ منهم جزية؟ قال: نعم، إلا أن يصح أنهم من يهود خيبر الذين رفع عنهم النبي (ص) الجزية، فلا تؤخذ منهم.
قلت له: فصلاتهم على النبي (ص) لا يكتفون بها، قال: لا.
/144/ (3/144)
صفحة 1042
وسألت عن أهل الذمة الذين يقدمون إلى عمان من سيراف وغيرها من البلدان، يأتون بالملح وغيره، فيبيعون ويشترون المتاع ويرجعون إلى بلادهم وهم يختلفون في كل شهر مرة وأكثر، هل تؤخذ منهم الجزية إذا أهلوا بعمان؟ قال: لا، حتى يتموا بعمان ثلاثة أشهر، ثم تؤخذ منهم الجزية لثلاثة أشهر، قلت: ولما يستأنفون؟ قال: نعم.
وليس على الصبيان و النساء و المماليك جزية، وكذلك الزمني والشيخ العاني ومن حبس نفسه منهم من النصارى في الصوامع، وهم الرهبانية، عباد النصارى، والشماسون عليهم الجزية، وهم القوام على بيوتهم وكنائسهم وبيت نارهم، ومن كان منهم مسكينا قد ظهر عدمه وفقره، لا يقدر على الجزية فلا جزية عليه أيضا، ومن كان من غير هؤلاء فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهم، ومن ظهرت يسرته منهم فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان حتى يكون دهقانا مكثرا فذلك يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منه أكثر من أربعة دراهم، ولا يؤخذ أقل من درهم وإنما تؤخذ منهم إذا هل الهلال للشهر الماضي، وإذا ملك الذمي أربعين ألف درهم أو قيمتها من الأصل فهو عندي دهقان.
وقال من قال من ذلك، ولا جزية على يهود خيبر إذا استبان ذلك.
/145/ (3/145)
صفحة 1043
وقد قيل، إذا كان للذمي مال و عيال بعمان، وكانت غيبته إلى بلاد الشرك ثم قدم أخذت منه الجزية لما مضى من السنين التي غاب عنها إذا لم يكن أعطى الجزية، وإن لم يكن له بعمان مال ولا عيال لم يؤخذ منه لما مضى، و إن كانت غيبته إلى أرض الإسلام لم تؤخذ منه الجزية إلى أرض عمان، وإن كان له بها أهل ومال، إلا أن يقر أنه لم يكن أعطى الجزية فإنها تؤخذ منه لما غاب.
وعن ذمي كان في بلاد الشرك هنالك نشأ وكان، ولم يكن خروجه من عمان، ولم تكن تؤخذ منه جزية فلا تؤخذ منه جزية حتى يقيم عندكم ثلاثة أشهر، ثم خذوا الجزية فيما يستأنف، هذا في جواب أبي عبد الله، رحمه الله، إلينا.
وفي رأي آخر، حتى يقيم شهرا، وهذا الرأي أحب إلي.
قال محمد بن محبوب، رحمه الله، بلغنا أن سليمان بن عثمان، رحمه الله، قال، لا تؤخذ منه الجزية إذا رجع إلى أرض المسلمين، إلا أن يقيم معكم ثلاثة أشهر، ثم خذوا الجزية لهذه الثلاثة الأشهر، ولم يستأنفوا إن أقاموا معكم.
قال محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ نأخذ بهذا القول.
و كنوز الجاهلية قسمها على هذا أربعة أسهم، من ذلك لمن أصاب الكنز، و الخمس قسمه على هذه السهام، وأقل ما يكون فيه الخمس من كنوز الجاهلية خمسة دوانيق على ما قال من قال من الفقهاء.
وكنوز الجاهلية التي فيها الخمس هي التي نعرفها بعلامة الجاهلية، وكنوز أهل الإسلام عليها علامة أهل الإسلام وسبيلها سبيل الصدقة.
قال أبو الحواري: لا تؤخذ الجزية من أهل الذمة إلا أن يكون عليهم حكام يمنعونهم من الظلم.
/146/ (3/146)
صفحة 1044
فصل
في صدقة الماشية
والصدقة في الإبل والبقر والجواميس والغنم والضأن، فالإبل و البقر والجواميس صدقتهن واحدة، وكذلك صدقة الغنم والضأن واحدة، لا يؤخذ مما دون الخمس من الإبل شيء، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة وسطة، إذا حال عليهن حول مذ ملكهن صاحبهن، فإذا كان عشرا ففيهن شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، فإذا بلغت الإبل خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض من الإبل، فإن لم تجد في الإبل ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت الإبل ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون، فإذا بلغت الإبل ستا وأربعين ففيها حقة طروقة للفحل، فإذا بلغت الإبل ستين وزادت على ذلك واحدة ففيها جذعة، وليس فيها جذعة إلا في هذا الموضع، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها لبون، فإذا بلغت تسعين وزادت على ذلك واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك فليس فيما لا يبلغ العشر منها شيء حتى يبلغ العشر، ثم يأخذ المصدق على حساب ذلك، فكما زادت الإبل عشرا ففي الأربعين ابنة لبون، وفي الخمسين حقة. ومن أي هذه السنين شاء أخذ المصدق إحدى هذه الفرائض، لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق حذار الصدقة، ومن أي سن أخذ المصدق فإن لرب المال أن يختار من ذلك السن بعيرا، ثم يختار المصدق بعيرا، فإن شاء المصدق باع الفريضة من ربها قبل أن يقبضها إذا عرفها.
وإن كان لصاحب الصدقة جذعة ولم يوجد في الإبل جذعة ووجد حقة فله أن يأخذها ويرد صاحب الإبل فضل جذعة.
/147/ (3/147)
صفحة 1045
وكذلك إن وجد الجذعة ولم توجد الحقة أخذ الجذعة ورد على صاحب الإبل ما فضل له، إن شاء الله.
وما كان على هذا النحو فهو مثله.
والذي يرى له أن يرد من الدراهم و الغنم والعروض بالقيمة.
ومن غير الكتاب والزيادة:
و عن صاحب إبل تجب عليه أربع شياه في إبله، وليس له غنم، وطلب إلى المصدق أن يعطيه فريضة من إبله، ذكرا كان أو أنثى، ونوى المصدق الوفاء فيما عرض عليه، ويرى صاحب الإبل أنه قد أحسن إليه، فهذا وجه شاذ من الأثر، وأحب إلينا أن يأخذ حقه الذي فرضه الله.
قال غيره:
ومعي إن أخذ من عشرين من الإبل ابنة مخاض وابن لبون ذكر برأي المصدق وصاحب المال.
ومن غيره:
وعن رجل عليه فريضة في إبله فلا تكون معه تلك الفريضة بعينها، فيعطى السن الذي أرفع منها، ويرد الساعي عليه بفضلها، ويأخذ من (ابنة ينظر فيه) المخاض إلى الجذعة فإن لم يجد معه السن الذي أرفع منها، وأعطى صاحب الإبل ثنية إلى نازل عامها بفريضته التي عليه يقبل منه ذلك أم لا؟
/148/ (3/148)
صفحة 1046
ـــ إذا لم يطلب فضل فريضته فنرى أن يقبل منه وقد أعطى الحق وزاد، و الزيادة مقبولة، فإذا فعل ذلك المؤدي عن نفسه بلا إكراه، وإن طلب صاحب الفريضة فضل فريضته إلى المصدق فلا يرد عليه ثمن فضلها، ولا يأخذ برأيه إذا لم يجد ابنة مخاض من الإبل أخذ ابن لبون ذكرا.
قال غيره: الذي معنا، أنه أراد أن يأخذ ابن لبون برأيه على ابنة مخاض.
وقد قيل، يأخذ ابنة لبون ويرد الفضل على ابنة المخاض، وكذلك يأخذ ابنة مخاض عن ابنة لبون إذا لم يجد السن الواحد ويأخذ الفضل.
وقال من قال، يرد الفضل ولا يأخذ الفضل، فيكون قد باع الصدقة قبل أن يقبض، وقيل لا يرد ولا يأخذ، فيكون قد باع واشترى قبل القبض.
رجع.
وصدقة البقر تؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل، في الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشر ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، فإذا بلغت البقر خمسا وعشرين ففيها بقرة جذعة في سن ابنة مخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ثنية سن ابنة لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها بقرة (رباعية ينظر فيه)، سن الحقة من الإبل، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها سدس سن الجذعة من الإبل، فإذا بلغت ستا وسبعين ثنيتان من البقر (تحري ينظر فيه) على ما تجري عليه صفة الإبل، فإذا تمت مثلا ثلاثمائة فليس فيما دون الأربعين شيء.
/149/ (3/149)
صفحة 1047
و الإبل والبقر العوامل والزواجر والطواحن فيهن الصدقة على مثل هذا.
ومن غيره:
وسئل عن الإبل يطحن عليها ويعمل عليها، قال، في كل خمس شاة، وما سقي عليه الزرع فلا صدقة فيه.
وسئل عن الناقة إذا نتجت يحسب ولدها؟ قال ما قطع الوادي عده المصدق.
رجع:
وصدقة الغنم، لا يؤخذ من الغنم شيء حتى يبلغ أربعين، فإذا بلغت الغنم أربعين ففيها شاة إذا حال على الأربعين حول، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ واحدة وعشرين ومائة ففيها شابان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ واحدة ومائتين، ثم فيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ الزيادة مائة، ثم في كل مائة شاة.
وليس للمصدق أن يأخذ ذكرا ولا ماخضا إلا أن يشاء رب المال، ولا عليه أن يأخذ عوراء ولا جرباء، ولا جذعة ولا هرمة، فإن أوصل رب المال
/150/ (3/150)
صفحة 1048
إلى المصدق حقه فهو المصدق في ذلك، وإن اختلفا ووقفا على الغنم، فقيل لرب المال، أن يصدعها نصفين، ثم يختار رب المال أي النصفين أراد، ثم يختار من النصف الثاني أيضا شاة، ثم يختار المصدق أيضا شاة، ثم على ذلك يختار رب المال ثم يختار المصدق إلى أن يستوفي، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق.
ومن غيره ـــ
قال: معنى قوله: لا يفرق بين مجتمع، أن يكون الرجلان مجتمعين خليطين، لهما ثمانون شاة، فيأتي المصدق فيعلم أنه إن أخذ منها على خليطين أخذ شاة و إن فرق بينهما أخذ شاتين، فليس له أن يفرق بينهما، ومعنى قوله، لا يجمع بين مفترق، أن يكون الرجلان مفترقين، لكل واحد منهما أربعون شاة: فعلى كل واحد منهما شاة، فإذا جاء المصدق خلطاها، وقال بعض، يختار رب المال أي النصفين أراد، ثم يختار المصدق من النصف الثاني شاة، ثم يختار رب المال شاة على ذلك حتى يستوفي.
وقال بعض: إذا اختار رب المال أحد النصفين اختار المصدق من النصف الثاني ما كان له حتى يستوفي، والله أعلم.
وذلك كل غنم وغيرها من الماشية اجتمعت سنة، ولو كان لكل إنسان واحدة ففيها الصدقة.
والصدقة على جميع الشركاء بالحصة على قدر الذي لهم.
وما كان مفترقا في شيء من السنة فلا يجمع في الصدقة، ولو جمع حتى يجمع
/151/ (3/151)
صفحة 1049
سنة، و إنما يكون مجتمعا إذا جمعه أهله، وهم رجال ونساء بالغون، فاجتمع سنة في الحلب والمربض، وما لم يكن يحلب وكان من الذكران فحتى يجمعه المربض سنة، فإن كان دابة منها تذهب أياما في سفر يسفر عليها، وتزول لبعض الأسباب وترجع إلى ذلك المربض المعروف فهي على هذا مجتمعة، وليس ذلك مما يفرقها.
وفي بعض القول، لا نرى الصدقة في الاجتماع، والاجتماع هو أكثر القول عندنا وبه نأخذ.
وعن أبي عبد الله، رحمه الله، في رجل له أربعون شاة ميز شاة، وعنده شاة يتم بها الأربعين لرجل له أربعون شاة بتلك الشاة، قال، فيها شاتان، ويطرح عن صاحب التسع والثلاثين شاة بقدر الشاة التي ليست له وتم بها الأربعون.
وعن أبي عبد الله في رجل كانت عليه الصدقة في خمسة أبعرة، فباع واحد منها قبل صدقته، وبقي في إبله حتى جاء وقت الصدقة، أنه لا يؤخذ منه إلا أن يكون الذي اشتراه تركه معه حولا.
وعن امرأة لها بعير، ولزوجها أربعة أبعرة، فإن كانا متفاوضين فعليهما الصدقة.
وفي حفظ أبي صفرة، فيمن كانت له غنم، يخرج منها الصدقة، فوهب له رجل غنما قد أخرج صدقتها قبل أن يهبها له بشهر، قال عليه أن يصدقها أيضا مع غنمه، وإن كانت تحل في غنمه الصدقة إلى شهر أو فوق ذلك، قال: ولو أن
/152/ (3/152)
صفحة 1050
الذي وهب له الغنم وهبها ولم تحل عليه الصدقة لم يكن عليه أن يخرج صدقتها، ولا على الذي وهبت له أن يخرج صدقتها مع غنمه، وكذلك رأينا في هذا.
وإن ذهب بعض ماشيته التي كانت صدقة تتم بها، ثم استفاد ما تمت به الصدقة قبل أن يمضي وقت صدقته فالصدقة عليه، ومن انقطعت صدقة الماشية عنه في سنة ثم استفاد ما تمت به الصدقة فلا صدقة، ولو بقي من الأولى شيء حتى يحول عليه سنة مذ استفاد وتمت عنده.
وفي بعض الرأي، أنه إذا مر المصدق ووجد الماشية تبلغ فيها الصدقة أخذ صدقتها ولو لم يحل عليها حول، ولا نأخذ بذلك، والرأي الأول أحب إلينا.
ومن غير الكتاب والزيادة:
وجدت أنا، قال أبو سعيد، رحمه الله، ما في معنى اللازم في التعبد فلا أعلم فيه اختلافا إلا على ما حكى غيره.
قال أبو المؤثر:
عندي أنه أراد في الحكاية أنه لا تؤخذ الزكاة حتى يحول الحول من يوم يصير أصلا يجب في مثلها الزكاة.
رجع إلى قول أبي سعيد رحمه الله.
وأما في شأن المصدق إذا وصل إليه فمعي في بعض قول أصحابنا إذا خرج للصدقة في وقتها، فوجد من المال مجتمعا ما تجب فيه الصدقة أخذه ولم يسأل عن ذلك، وأحسب أنه في بعض قولهم، ولو صح أنه لم يحل عليها الحول فله أن يأخذ الصدقة من المجتمع.
/153/ (3/153)
صفحة 1051
وفي بعض قولهم، أنه ليس له ذلك حتى يحول الحول مذ بلغت ما تجب فيه الزكاة، ولا يطيب لي ذلك إلا بإقرار من رب المال، أو بصحة بمعنى هذا القول.
قال هاشم، قال بشير، يدخل، فيصيح بها، لعله يدخل فيصيح بالغنم فيصدعها نصفين، يختار رب المال أيهما شاء، ثم يأخذ المصدق الخيار من النصف الثاني.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
ومتى حال حول على الماشية مذ تمت الصدقة فيها فهو وقت صدقتها، والذي كان يعمل به، أن المصدق إذا أخذ الفريضة باعها من ربها أو غيره، أو نظركم قيمتها، إن حسبها، وأخرج ثلثها لفقراء ذلك الموضع، إن كان فيه فقراء، وإلا فأقرب القرى إليه، والمياه والمواضع التي فيها القرى.
وفي جواب أبي عبد الله، رحمه الله، إلينا، في وال قبض الفريضة، ثم باعها على الذي أخذها منه أو على غيره، فلما اقتضى منه الثمن قال له المشتري، أما الثلث فقد فرقته على الفقراء، قال، وأما غير من أعطى الفريضة فلا يقبل منه ويؤخذ الثلث منه إلا أن يكون الوالي أمره أن يفرقه، وأما الذي أعطى الفريضة ثم اشتراها، فإذا قال إنه أعطى ما عليه من ثلث فريضة الفقراء جاز قوله، فإن كان ثقة فلا يفتي إلا بخير، وإن كان غير ثقة واتهمه الوالي فله أن يحلف، فإن لم يحلف لم يأثم.
قال: و إن أحال المصدق الفقراء بالثلث على صاحب الماشية ورضوا بذلك،
/154/ (3/154)
صفحة 1052
فأرجو بذلك أن يكون سالما إلا أن يرجوا عليه، فيقولوا إنه لم يعطهم فيرجع يأخذه.
وقال: في رجل له أربعون شاة، والآخر عنده عشرون شاة، وحال الحول عليها، أن الصدقة على صاحب الأربعين. لأنها بلغت عليه في غنمه، حتى يتم لكل واحد منها أربعون، ثم يكون على كل واحد شاة.
وفي جواب أبي علي رحمه الله، في رجل له عشرون ومائة شاة، ونتجت له سخلة ليلة أدى المصدق فما تقول أن تتم بتلك الصدقة، وأما من كان يقول، إنما صدقته بالسخال فقيل: إذا قطعت الوادي راعية دخلت في العدد، وتمت بها الصدقة.
وقال في رجل له أربع بقرات، فأقنى واحدة لرجل له أربع بقرات فكانت الخامسة بينهما، فيقول: إن على كل واحد منهما شاة، ويسقط عن كل واحد بقدر نصف بقرة.
وعلى هذا يجري ما يكون من هذا الباب.
فأما إن باع الذي له خمس بقرات أو خمس من الإبل جزءا منها، ولو أقل الأجزاء مثل وقت صدقته، فلا صدقة عليه، إلا أن يكون الأصل له، وذلك
/155/ (3/155)
صفحة 1053
الذي زال إنما زال لرجل بسبب فتنة أو يكون المشتري بعد أن اشترى ذلك جمع ذلك في ماشيته هذه، فتكون الصدقة من قبل الجمع، وعلى صاحب الجزء من الصدقة بقدر حصته.
ومن غير الكتاب والزيادة:
جواب الإمام المهنا بن جيفر وسألت عن رجل له أربع بقرات وله ابنة أخ له يتيمة ولها بقرة وهما متفاوضان، فإن التفاوض في الماشية لا يكون في اجتماع العيش ولكن إن كانت بقرة الرجل وبقرة ابنة أخيه مجتمعة، مأواها ومسرحها واحد، فالصدقة واحدة فيها على كل واحد بقدر حصته.
قال غيره: وقد قيل لا شيء فيها، لأن الاجتماع بالشركة ضرورة لا باختيار وكذلك الأم وأولادها اليتامى من الذين لهم أربع بقرات، ولها هي بقرة إن كانت بقرهم مجتمعة. أخذت منها الصدقة ولم يفرقها، وكان على كل واحد بقدر حصة البقرة، وإن كانت البقر متفرقة لم يجمعها.
وسألت عن إخوة في منزل، لكل واحد غنم معروفة، لما وصل إليهم المصدق قالوا، إن كل واحد يعرف ما كان له، وعمله يميزه، ويأكلون فيها، ودوابهم تأوي وتسرح إلى منزل واحد، فإذا كانت البقر والغنم مجتمعة تأوي إلى منزل واحد، وتسرح من موضع واحد أخذ المصدق منها جميعا، ولم يفرقها بعد اجتماعها ويتخاصمون فيما بينهم، ويلزم كل إنسان من الصدقة بقدر كثرة بقره وغنمه وقلتها.
/156/ (3/156)
صفحة 1054
وسألت عن رجل لم يكن يؤدي الصدقة إلى أن وصل الساعي وعنده ست بقرات، فقال: إنما صرن معه في شهر رمضان، وذلك أن ثلاثا من بقره نتجن، ففي ذلك قولان.
قال من قال، ليس فيها شيء حتى تحول، وقال آخرون: إذا مضى الساعي فوجد شيئا من الماشية مجتمعا مما تجب فيه الصدقة أخذ منها الصدقة، ولم ينظر فيها حالت أو لم تحل، وبهذا القول الآخر نأخذ.
مسألة:
وسألت عن راع يدفع إليه أقوام إبلا لهم، منهم من له خمسة، والباقون أقل من ذلك، فاجتمعت الإبل إبلا كثيرة، والراعي يتجر، وجاء المصدق.
فإنا نقول: إن الساعي إذا مر أخذ منها الصدقة إذا وجدها مجتمعة وتحاص القوم فيما أخذ منهم الساعي على كثرة الإبل وقليلها على كل واحد على قدر إبله.
ومن غير الكتاب والزيادة:
وقيل: فيمن كان عليه زكاة شاة مما يلزمه من الزكاة، أنه ليس له أن يذبحها ويفرقها على الفقراء، ولكن يسلمها إلى الفقراء، ثم إن شاءوا ذبحها لهم، فإن سلمها إليهم لحما، ولم تنقص قيمتها لحما عن قيمتها قائمة جاز ذلك في بعض القول، إذا سلمها إلى الفقراء.
/157/ (3/157)
صفحة 1055
مسألة:
التخة الحمير والكسعة العوامل من الخيل والإبل والحمير والبقر، والجهة الخيل.
وعن النبي (ص)، أنه قال قد غفرت لكم عن زكاة الخيل، وقيل: إنه سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه {فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
فصل
ابن مخاض لسنة، وابن لبون لسنتين، وحق لثلاث سنين، وجذع لأربع سنين، والثني لخمس، والرباع لست، والسدس لسبع، والبازل لثمان، والمخلف لتسع، وليس بعد الأخلاف سن، ولكن يقال: بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين، و السيعة أربعون من الغنم، و التيمة يقال: إنها الزائدة على الأربعين، حتى تبلغ الفريضة الأخرى، ويقال: إنها الشاة التي تكون للرجل في منزله، يحلبها، بسائمة.
الشنق قيل فيما بين الفريضتين في الإبل من خمس إلى عشر، ووجدت أنا أنه الغنم التي تعطى عن الإبل والبقر حتى تبلغ الفريضة، و الله أعلم.
رجع إلى كتاب أبي جابر.
/158/ (3/158)
صفحة 1056
الباب السابع عشر
في الصوم وفضله، وما ينقضه وما لا ينقضه، وصوم يوم الشك
وصوم المسافر والمريض والأيام المكروه فيها الصوم والأيام المفضلة
وفي صوم التطوع
ومن شرائع الإسلام ما فرض الله من الصيام، وهو شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، وأكرم الله به أهل الإيمان، وجعله سببا للغفران والرضوان، وأجزل فيه القسم، وفضل الله به أمة محمد (ص) على جميع الأمم، فليله نور، ونهاره طهور، وصائمه مأجور، وله رحمة الله عند السحور، وقد رضي الله عنه عند الفطور، وفيه تفتح الأبواب، ويضاعف الثواب والدعاء فيه مجاب، فطوبى لمن كان له متأملا، وإلى أيامه مستعجلا، وفيه إلى الله راغبا متوسلا.
وقد بلغنا أن فيما أوحى الله به إلى موسى بن عمران، عليه السلام، يا موسى، إني ألهم السموات السبع والأرضين السبع، والطير والوحوش أن يستغفروا لصائمي شهر رمضان، وقيل، إذا كان أول ليلة منه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتغل مردة الشياطين، وتهيج في الجنة رياح، يقال لها المثيرة، وفي نسخة المبشرة، فتحرك أوراق الأشجار، وحلق المصاريع، فتقول الحور العين، يا رضوان، ما هذه الليلة؟ فيقول، يا خيرات حسان، هذه أول ليلة من شهر رمضان.
/159/ (3/159)
صفحة 1057
وقيل، في كل ليلة من شهر رمضان ينادي مناد: ألا هل من تائب فيتاب عليه، ألا هل من مستغفر فيغفر له، ألا هل من طالب فيعطى سؤله، وإذا كان غداة الفطر قيل، تقف الملائكة في أفواه السكك، وتنادي، يا أمة محمد، إغدوا إلى ربكم رب كريم، يقبل القليل، و يعطي الجزيل، فإذا صاروا في صعيدهم قيل، فيقول الرب، تبارك وتعالى: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله؟ قيل: فتقول الملائكة، جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول العلي الأعلى تبارك وتعالى: هؤلاء عبيدي، فرضت عليهم الصيام فصاموا، وسننت عليهم القيام فقاموا، أشهدكم أني قد غفرت لهم، قيل: فتفرح الملائكة بما تعطى هذه الأمة في ذلك اليوم، وقيل، يسمى يوم الفطر، وفي السماء يسمى يوم الجائزة.
ومن غيره:
ويوجد في بعض الكتب عن النبي (ص)، أنه قال: تزخرف الجنان من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، وقيل: إن الله يعتق عند كل إفطار من شهر رمضان ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة الجمعة أعتق في كل ساعة منها كذلك، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق مثل ما أعتق في الشهر كله.
ومن غيره:
ومما أوحى الله إلى موسى بن عمران، عليه السلام، يا موسى، إني لو أذنت للسموات والأرض لسلمتا على صوام شهر رمضان، وكلمتاهم وبشرتاهم بما ادخرت لهم من الجوائز يوم فطرهم، أقول لهم، يا عبادي الذين صاموا شهر رمضان من
/160/ (3/160)
صفحة 1058
أجلي، ارجعوا إلى رحالكم ومنازلكم مغفورا لكم، قد رضيت عنكم، وجعلت ثوابكم من صيامكم، وجوائزكم يوم فطركم، أن أعتقكم من النار، وأن أحاسبكم حسابا يسيرا، وأن أوسع لكم الرزق في الحياة الدنيا ما عشتم، وأن أخلف عليكم نفقاتكم وأقيلكم العثرة، وأستركم يوم القيامة على (رؤوس الأشهاد ينظر فيه)، وإني قد أقسمت بعزتي، لا تسألوني بعد موقعكم هذا ومجمعكم وصيام شهركم شيئا من آخرتكم إلا أعطيتكموه، ولا شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم فيه، يا موسى، قل للمؤمنين، لا تستعجلوا إجابة دعوتي، ولا تبخلوا باليسير فإني أبغض البخيل، لأني أنا الفتاح بالخيرات، وأحق من أعطى، وأكرم من سئل.
رجع إلى كتاب أبي جابر.
وقال الله تعالى في كتابه {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}.
قيل: كانوا من قبل يصومون يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، وهم أهل الإنجيل، أمة عيسى عليه السلام.
وقيل من كان صلى منهم العشاء الآخرة ونام، وفي نسخة أو نام، حرم عليه ما حرم على الصائم بالنهار إلى القابلة من الليلة الثانية، وهكذا كان كتب على أمة محمد (ص).
/161/ (3/161)
صفحة 1059
قيل: (فاشتد ينظر فيه) ذلك الصوم على المسلمين، ورأى النبي (ص) من رأى من أصحابه قد أجهده ذلك الصوم، ثم إن عمر بن الخطاب (واقع ينظر فيه) رأته بعد العشاء، ولعل ذلك كان ليجعل الله في ذلك رخصة، ثم إنه ندم على ذلك ندما شديدا وبكى، وأتى النبي (ص)، فقال له عليه السلام، لم تك جديرا بذلك يا عمر.
وقيل: فعل ذلك غيره من أصحاب رسول الله (ص)، وقالوا: ما توبتنا يا رسول الله؟ فأنزل الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتِجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُم كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالاَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} .. الآية.
قيل: قال قائل لابن عباس، رحمه الله، آكل حتى أشك؟ قال: حتى لا تشك، وعن النبي (ص)، قال صوموا لرؤية هلال شهر رمضان، وأفطروا لرؤيته، فإن غمى عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما.
ومن غير الكتاب والزيادة:
وقيل: صوموا لرؤيته الهلال وأفطروا لرؤيته، فإن غمى عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما.
/162/ (3/162)
صفحة 1060
رجع ـــ ومن رأى هلال شهر رمضان فعليه أن يصوم، وإن لم ير الهلال غيره، فإذا صام ثلاثين يوما أو رأى (شهر هلال ينظر فيه) شوال في 29 يوما من شهر رمضان فله أن يفطر، وليس له أن يظهر ذلك فيقتدي به غيره، إلا أن يكون قد صح الهلال بغيره، وإن كان الواحد الذي رأى الهلال ثقة وشهد بذلك فعلى الناس أن يصوموا بشهادته، وليس لهم أن يفطروا بقوله، وكذلك، قيل، يصام بشهادة واحد عدل، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين، إن لم تكن رؤية.
ومن غيره، وقال من قال أيضا، يصام بواحد ويفطر بواحد لأن ذلك ليس من حقوق العباد، وقول الثقة حجة في حقوق الله، كما يكون حجة في طلوع الليل للصوم والفجر.
رجع فإن قال قائل، إنه لا يصوم ذلك اليوم، وهو عنده من شعبان حتى يصح بشاهدي عدل، أنه من شهر رمضان لم يقبل ذلك منه لما جاء في ذلك أنه يصام بشهادة واحد عدل، ومنزلته خسيسة، بلا أن يبلغ به، أن يلزمه كفارة، فإذا صام الناس بشهادة الواحد الثقة صاموا ثلاثين يوما غير اليوم الذي كان عندهم أنه من شهر شعبان وشهد الثقة أنه من شهر رمضان إلا أن يصح هلال شوال فيفطروا بالهلال، لأنه إذا غمى الهلال عليهم، فصاموا يوم الشك بشهادة الثقة على أنه من شهر رمضان، وأكملوا على ذلك العدة ثلاثين يوما، ثم أفطروا فقد أفطروا بشهادة واحد، وخالفوا الأثر.
وقد قيل، إنه يكره صيام يوم الشك إلا لمن كان يصوم من قبل ذلك، ولو صامه صائم لم يكن بأس، وإن صامه على أنه إن كان من شهر رمضان فهو
/163/ (3/163)
صفحة 1061
صيامه، فإن صح الخبر في ذلك اليوم على أنه من شهر رمضان ولو بشاهد عدل فقد تم له صومه ولم يكن عليه بدل، وإن صح في الشهر بعد انقضاء ذلك اليوم الذي كان صامه على الشك، وإن صح الخبر بعد انقضاء ذلك الشهر لم يكن أيضا عليه بدل، وقال ببدله على كل حال لأنه صامه على الشك، والرأي الأول أكثر عندي، وبالأول نأخذ.
ومن صام يوم الشك على أنه كان من شهر رمضان فهو صيامه، وإن كان من شعبان فإنه تطوع، فإن جاء الخبر في ذلك فقد جاز عنه، وتم له صومه، وقال من قال عليه البدل، كان من شهر رمضان أو من غيره، وإن صح الخبر بعد انقضاء ذلك اليوم أنه من رمضان، وقد صامه على الشك أبدل ذلك اليوم الذي صامه على الشك من شعبان، وإن كان قد صامه على أنه إن كان من رمضان فقد صامه، وإلا كان تطوعا فلا بدل عليه وإن صح الخبر بعد انقضاء رمضان ولم يكن صام ذلك اليوم، يوم الشك، فلا بدل عليه أيضا، إذا صح مع أهل بلده بعد انقضاء رمضان، أنه سبق بيوم، وإن أهل قرية فلانة، وهي قرية أخرى، أهلوه وصاموه قبل هؤلاء بيوم فإنه لا بدل عليهم إذا صح معهم بعد انقضاء رمضان، وإن صح معهم أنه سبقهم يوم من شهر رمضان في شهر رمضان قبل انقضائه فعليهم بدل ذلك اليوم، وقوم أهلوا رمضان وصاموا، فلما كان ليلة تسعة وعشرين رأوا هلال شوال، وكان صيامهم ثمانية وعشرين يوما فصيامهم تام، ولكل قوم هلالهم.
وقال من قال غير هذا، والمأمور به الناس في يوم الشك أن يمسكوا عن
/164/ (3/164)
صفحة 1062
الأكل إلى وقت الضحى من ذلك اليوم، فإن صح الخبر به أتموا الصيام، ولم يجز لهم الإفطار إذا صح أنه من شهر رمضان ولو بشاهد عدل، وإن لم يصح خبر إلى ذلك الوقت فجائز لهم أن يفطروا، ولو لم ينتظر منتظر بالأكل إلى ذلك الوقت لكان مخالفا لما فعل المسلمون ولا أرى عله بأسا.
فإن صح خبر هلال شهر رمضان من بعد أن أكل من أكل فعليهم أن يمسكوا عن الأكل ويتموا الصيام، وقد حرم الإفطار، فإن اعتمد معتمد على الأكل بعد العتمة، فهو كمن أفطر في شهر رمضان إلا أن يكون جهل، فظن أن ذلك لا يحرم عليه في ذلك المكان بعد الأكل في أول يوم، كما جاز للحائض التي تطهر وتغتسل أن تأكل في بقية يومها، وعلى الحائض البدل إذا أكلت في بقية اليوم الذي طهرت فيه، وكذلك الذي أكل في يوم الشك هو من رمضان، وقال من قال، لا يعذر بجهله، وليس هو كالحائض ولا كالمسافر، وكذلك المسافر الذي يكون مفطرا في سفره، ثم يقدم في بقية يومه إلى بلده، فإن جهل ذلك فأفطر، فأرجوا ألا يكون عليه كفارة، وكذلك الذي يسلم من شركه في يوم من شهر رمضان، أو يبلغ الحلم فإنه ليس له أن يأكل في بقية يومه، فإن أفطر فقد جاء عن بعض الفقهاء، أنه لا كفارة عليه، وأما بدل ما مضى من الشهر فقال من قال من الفقهاء، أنه عليه البدل، وقال من قال لا بدل عليه، والرأي الأول في إلزامه البدل أكثر، والرأي في البدل قول موسى بن علي، رحمه الله.
وفي نسخة، قد قيل أيضا، إن عليه الكفارة.
/165/ (3/165)
صفحة 1063
وفي نسخة أخرى، وعن صبي قد (راعق ينظر فيه) ولم يبلغ الحلم وهو مفطر في شهر رمضان، أو صائم، ثم بلغ في بقية الشهر، قلت أيلزمه بدل ما مضى؟ فقد قال ذلك من قال، ولعل قول الأكثر، أن ليس عليه بدل، وإنما عليه صوم الأيام التي بلغ الحلم فيها، ولعل أكثر القول في الذي يسلم في شهر رمضان، أن عليه بدل ما مضى لأنه قد كان لازما له.
رجع، وأما التي يأتيها الحيض في يوم قد أصبحت فيه صائمة فإن تلك تفطر، وأما التي تطهر من المحيض فقال من قال، إنه يستحب لها أن تمسك عن الأكل إذا طهرت.
وكذلك الذي يقدم من السفر، وقد كان مفطرا فقد قالوا فيهما، إنهما يمسكان، وإن أكلا فلا بأس عليهما، وأما لو أن صائما نسي، فأكل، ثم رجع فاعتمد على الأكل، وقال: إني ظننت أني حيث نسيت فأكلت أني قد أفطرت ويجوز لي تمام الإفطار، لم يعذر بالجهل في ذلك، وكان مخطئا، وعليه ما على من أفطر متعمدا في شهر رمضان، وكذلك من أفطر لأمر خاف منه على نفسه بقدر ما أحياه، ثم رجع فاعتمد على الإفطار في ذلك اليوم من غير أمر يخاف منه، وأما إن زاد على الأكل والشرب على ما يحيه من ذلك، فقيل: عليه بدل ما مضى من الشهر.
وقال الله عز وجل {وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ}.
/166/ (3/166)
صفحة 1064
فقيل: إن ذلك للشيخ الكبير والعجوز الكبير الذين كانا يصومان فيضعفان عن الصوم ولا يطيقانه، يطعم عن كل واحد منهما لكل يوم مسكينا، رجلا أو امرأة، سحوره وفطوره، أو يهدي إليه حبا قدر ما يعطي المسكين للأيمان.
وكذلك قيل للغلام الذي قد راهق واشتهى الصيام ولا يستطيع أن يصوم، يستحب أن يطعم عنه وليس هو بواجب، وإن لم يطعم عنه فلا بأس حتى يبلغ.
وقال أبو سفيان رحمه الله، إن عجوزا كبرت على عهد جابر بن زيد، رضي الله عنه، فقال له ولداها: إنما قد عجزت من صيام شهر رمضان، فقال لهما جابر رحمه الله: صوما عنها، فتنافسا في ذلك، ورغب كل واحد منهما أن يصوم عن والدته، فصام عنها الأكبر منهما، ثم بقيت إلى حول السنة فأتيا جابرا، فقال: أو حية هي بعد؟ فقالا: نعم، فقال لهما: اطعما عنها. وقال أبو سفيان: لا أدري بأيهما أمر أول مرة، أنه قد أمرهما بالطعام أو بالصوم، وكذلك عندنا لكل وارث أن يصوم عن من يرثه إذا لم يطق الصوم من كبر وهو حي، أو مات وعليه صوم من شهر رمضان، فلورثته أن يطعموا عنه أو يصوموا، يصوم كل واحد بقدر ميراثه، ثم إذا أفطر استأنف الآخر الصوم، ولا يصومون جميعا، فإن انتقض على الآخر صيامه مثل إذا فعله من يصوم لنفسه انتقض عليه ما مضى من صومه، وكذلك إذا انتقض على أحدهم، نسخة على آخرهم، صومه فيما مضى انتقض صيامه وصيام من صام قبله من الورثة في هذا الباب، لأنه صوم واحد، وإن كرهوا أن يصوموا لم يحكم عليهم بذلك.
/167/ (3/167)
صفحة 1065
وفي نسخة أخرى، ويطعموا عنه إن أوصى بذلك في ماله، وقال من قال من الفقهاء، إنه يستأجر من يصوم عنه من ماله، وليس في هذا طعام.
رجع، وقال من قال، إن لم يتفقوا على الصيام أطعموا من مال الميت، يطعمون منه، إن أوصى بذلك من ماله.
وقال أبو المؤثر: حدثنا محمد بن محبوب رحمه الله، ويرفع هذا الحديث، أن جدة أبيه، وهي أم الرحيل قد كبرت حتى لا تطيق الصوم، فسألوا جابر بن زيد فأمرهم أن يصوموا عنها إذا أفطروا من شهر رمضان، ففعلوا ذلك.
قال أبو عبد الله رحمه الله: وكان لها ابنان، فتنافسا، أيهما يصوم عنها، فرغب كل واحد منهما أن يكون هو الصائم، فلما حال الحول وحضر شهر رمضان سألوا جابر بن زيد عنها، فقال لهم: أو حية هي؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: اطعموا عنها كل يوم مسكينا.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
وللصائم أن يأكل ويشرب حتى لا يشك أنه الصبح، ثم يمسك، وأما من لا يعرف الصبح فنحب له ألا يعتمد على الأكل والشرب إذا توهم دخول النهار وطلوع الصبح حتى يستبين، وفي نسخة، حتى يستبين على ذلك، فمن أكل وهو يرى أنه في الليل وإذا هو في النهار فعليه بدل ذلك اليوم، وكذلك، من نسي حتى أكل أو شرب أو جامع فعليه بدل ذلك اليوم.
ومن غير، و قال من قال، لا شيء عليه في النسيان، وهو قول جابر رحمه الله والبدل أحب إلي.
/168/ (3/168)
صفحة 1066
وجدت في رسالة أبي عيسى، عن رجل جامع امرأته في شهر رمضان ناسيا، قال: فقال محبوب رحمه الله، إن الجماع في شهر رمضان ناسيا ليس كالأكل والشرب ناسيا، وقد فسد صومه الذي صام قبل الجماع.
قال غيره: الذي معنا أن عليه بدل يومه، و الله أعلم.
رجع، وأما من سبقه الماء فولج في حلقه، وهو يتوضأ به لصلاة فريضة، فقد قيل، إنه لا بدل عليه، ولو كان يتوضأ لها قبل وقتها، وأما إن كان وضوؤه لنافلة فعليه بدل ذلك اليوم.
وفي بعض الأثر، أنه إذا كان ذاكرا لصومه في النافلة فسبقه الماء فلا بدل عليه، ويوجد في نسختين، إذا كان ذاكرا لصومه في النافلة فعليه البدل، وإن كان ناسيا لصومه فلا بدل عليه ولو كان وضوؤه لنافلة، وقال من قال غير هذا.
ومن وقع في بئر يتبرد بالماء وهو صائم شهر رمضان، فيشك أنه دخل في حلقه ماء فلا بأس عليه، وإن استيقن أنه دخل حلقه فعليه بدل يومه، وقيل: يكره أن يصوم الإنسان تطوعا وعليه بدل من شهر رمضان، و لو صام صائم وعليه بدل من شهر رمضان ولم يقض لم يكن عليه بأس، وهذا التأكيد في تعجيل بدل شهر رمضان لمن أمكنه ذلك التعجيل بلا أن يكون في ذلك حد محدود.
ومن آخر، بدلا عليه يقضيه من شهر رمضان بعد انقضاء شهر رمضان بشهر أو بشهرين أو أكثر، وذلك القضاء من حيض أو مرض أو سفر.
/169/ (3/169)
صفحة 1067
فقد قيل: إن عائشة عليها السلام، زوج النبي (ص)، كانت تقضي بدل شهر رمضان في شعبان، يعني من الحيض.
ومن غير الكتاب والزيادات من الأثر، قال أبو المؤثر: يروى عن النبي (ص) أنه قال: لا تزال أمتي على الفطرة ما عجلوا إفطارهم وأخروا سحورهم.
وقد ذكر لنا أن النبي (ص) كان إذا حضر وقت صلاة ووقت طعام بدأ بالطعام قبل الصلاة، ويقال: إن ثلاث خلائق من أخلاق الأنبياء هي: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وطول السجود، ويقول: طول السجود في التطوع إذا صلى الرجل وحده.
غيره ـــ بلغنا أن رسول الله (ص) أقبل يوما على أسامة بن زيد، فقال: يا أسامة، عليك بطول السجود، وإياك أن تختلج دونها، قال، وما يقطع به ذلك يا نبي الله، قال الظماء في الهواجر، وكف النفس عن لذات الدنيا، يا أسامة عليك بالصوم فإنه يقرب إلى الله، وليس ريح أحب إلى الله من ريح فم الصائم، فإن استطعت أن يأتيك الموت وبطنك خميص، وكبدك ضمان من الصيام فافعل، فإنك تدرك أشرف المنازل، وتحل محل الأنبياء، يفرحون بقدوم روحك عليهم، ويصلي عليك الجبار، وإن أهل الجنة يستلذون بريح فم الصائم، و الصيام جنة من النار.
قال: بلغنا أن رسول الله (ص) قال: الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة،
/170/ (3/170)
صفحة 1068
قال: يقول الصيام، إني منعته طعام الشهوات بالنهار فشفعني فيه يا رب، ويقول القرآن: إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه يا رب، فيشفعان.
أبو محمد: والفرض في الصوم خمس، العلم بالشهر، و النية، والإمساك عن الطعام والشراب والجماع، واستكمال طرفي المفترض منه.
أبو الحسن: روي أن الله عز وجل أول ما فرض الصوم على المسلمين فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.فكان الصائم إذا نعس حرم عليه الأكل و الشرب و الجماع، فروي أن النبي (ص) كان ذات يوم في مسجده إذا أقبل على رجل من أصحابه يقال له: صرمة بن أنس، فقال: يا أبا قيس، أراك اليوم طليحا، فقال: يا رسول الله، إني كنت بالأمس في صنعتي فأويت إلى منزلي طليحا، فقالت لي المرأة، أنا أعمل لك طعاما حارا، فقامت في صنع ذلك الطعام، فأخذني النوم، فانتبهت وقد حرم علي ما يحرم على الصائم، فبقي النبي شجيا لصاحبه، فبينما هو كذلك إذ نزل جبريل عليه السلام بالرخصة من الله تعالى، فقال: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ، إلى آخر قوله: ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.فأحل الله للمسلمين الطعام والشراب والجماع ليلة الصيام منذ غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
ومن كتابه، بلغنا عن أصحاب رسول الله (ص)، أنهم كانوا يقولون في شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم، وصفر، اللهم تقبل منا صيام شهر رمضان، ويقولون في الربيعين والجماديين ورجب وشعبان، اللهم بلغنا شهر رمضان.
/171/ (3/171)
صفحة 1069
في صحة الصوم وفساده
من الأثر، محمد بن محبوب، رحمه الله قال، إذا شهد رجل أو امرأتان عدلتان على هلال شهر رمضان صام الناس بشهادتهما، وأما شهادة رؤية هلال شوال فلا يجوز الإفطار إلا بشاهدي عدل برؤية الهلال، ولا يصوم الناس بشهادة امرأتين، لعله أراد امرأة برؤية الهلال، وإن كانت عدلة، ولا بشهادة أهل الذمة وإن كانوا عدولا في دينهم.
وإن شهد رجل على رؤية هلال رمضان فصام الناس بشهادته ثلاثين يوما ولم يروا هلال شوال ليلة إحدى وثلاثين فلا يجوز لهم أن يفطروا إذا صاموا ثلاثين يوما إلا برؤية الهلال (1).
وعن رجل كان عليه بدل يوم من شهر رمضان فجاء الخبر أن الهلال كان يوم ثلاثين، وقد صام هو ثلاثين يوما، هل يجتزي بصيام ذلك اليوم الذي كان عليه؟ قال: لا.
قال: وبلغني أن رجلا صعد نخلة لجابر بن زيد ـــ رضي الله عنه ـــ يخرقها له، فلما نزل الرجل من النخلة قال لجابر ـــ رضي الله عنه ـــ: ما نزلت إليك إلا (وقد ينظر فيه) شبعت من الرطب، قال له جابر: لا بأس عليك من ذلك، رزق رزقته.
وعن موسى: من أكل ناسيا وهو صائم فعليه بدل ما مضى من صومه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في الأصل، ولعل المعنى المراد حذف أن تكون أيام صيامهم الثلاثون قد دخل في بدايتها آخر شعبان.
/172/ (3/172)
صفحة 1070
رجل وطئ امرأته في شهر رمضان في آخر الليل، فأدركه الصبح قبل أن يغتسل، قال: إن كان وطئها وهو يرجوا أن يغتسل قبل طلوع الفجر فلم يتوان في الغسل، وطلع عليه الفجر، فلا بأس عليه ولا يلزمه شيء، وإن كان أخر، وهو عالم بما يلزمه من تأخيره للغسل فعليه بدل ما مضى، والكفارة عليه أيضا.
وعن رجل أصابته الجنابة في شهر رمضان في أول الليل، فنام ونوى أن يقوم في آخر الليل فيغتسل، فنام آخر الليل ونسي الجنابة ولم يغتسل حتى ذكر في النهار، قال: عليه بدل ذلك اليوم.
وقال في امرأة وطئها زوجها في شهر رمضان، ولم تعلم، يلزمها الغسل أم لا فلم تغتسل، قال: إن كانت لم تعلم أن زوجها وطئها فعليها بدل يومها، وإن كانت علمت بوطئه ولم تعلم أن عليها الغسل فإن هذا لا يسع جهله، وعليه بدل ما مضى من الشهر، وعليها الكفارة، عتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فإطعام ستين مسكينا.
وعن رجل أصابته الجنابة في شهر رمضان ولم يجد ماء فتيمم للصلاة، وعمى أن يتيمم للصوم، قال: صيامه تام إن شاء الله، ويجتزي إذا تيمم في الليل، وإن كان في النهار يتيمم حين علم بما أصابه من الجنابة ولم يتوان فصيامه تام، إن شاء الله.
قال أبو عبد الله ـــ رحمه الله ـــ في رجل أصابته الجنابة في شهر رمضان، فظن أن له أن يأكل، كما أن للمرأة في الحيض، فشرب، قال: عليه بدل صومه.
/173/ (3/173)
صفحة 1071
أبو علي: عن جارية أدركت البلوغ في آخر شهر رمضان، هل عليها بدل ما مضى، قال: نعم.
هاشم: عن أبي عثمان، أن من طلع إلى فيه نخاعة يقدر على طرحها، فعزقها وهو صائم فإنه يبدل ذلك اليوم.
غيره: قال، ومن طلع عليه الفجر وهو جنب فلم يتوان فأكثر القول، أن عليه بدل يومه.
ومن أصابته الجنابة نهارا فاغتسل حين علم ولم يتوان، قال: لا شيء عليه. ومنهم من قال يبدل ذلك اليوم.
قلت له: ما الفرق بين من طلع عليه الفجر وهو جنب أو أجنب في النهار؟ قال: أما الذي طلع عليه الفجر فقد روي عن النبي (ص) أنه قال: من أصبح جنبا كمن أصبح مفطرا، فمن ذلك أوجبوا عليه يوما، وأما من لم يوجب عليه فالحجة له أن هذا على من أصبح على العمد جنبا، وأما على الخطأ فلا شيء عليه، وفيها نظر.
وقد بلغنا أن حاجبا يقول، من أصاب امرأته في شهر رمضان، لعله نهارا، فرق بينهما ولا يجتمعان.
وقد قالوا في الجنب نهارا ينتظر أن يسخن له ماء، إن كان بردا شديدا، وقالوا: هذا من أمر الغسل. وقالوا: يطلب غسلا، أو يدق له، وإن تخطى إلى مورد آخر أيسر منه وأسخن ماء فلا شيء، عليه ما لم يتوان لشيء غير أمر الغسل، وهذا من أمر الغسل، ولا يكون متوانيا في انتظاره.
/174/ (3/174)
صفحة 1072
مسألة:
وعن رجل أكره رجلا على إفطار يوم من شهر رمضان، قال: على من أكرهه الكفارة، وليس على المستكره إلا بدل يومه، وكذلك الصلاة على المكرِه الكفارة، وليس على المكرَه إلا بدل صلاته والذي ترك الغسل متعمدا لا كفارة عليه غير البدل، فإن شرب الخمر أوزنا في الليل فلا نقض عليه، وتلزمه التوبة، ولا بدل ولا كفارة عليه.
وفي رجل لم ينو صيام شهر رمضان كله، ولم يأكل فيه غير أنه قد صامه بلا تعمد منه إلى نقصان ولايته لرمضان، قيل: يجزيه صيامه ولا بدل عليه.
ومن كتاب غير الجامع، رجل جامع امرأته متعمدا في شهر رمضان نهارا، قال: يصوم ما كان صام إلى يوم جامع امرأته، ويصوم لذلك اليوم شهرا، أو يعتق رقبة، أو يصوم، أو يتصدق.
وعن الذي اشترى خادما من السوق وأطعمه في شهر رمضان مرارا، فإن كان الخادم بالغا فلا آمن عليه الكفار إذا أجبره على ذلك، وإن لم يجبره على ذلك فلا بأس، ومنهم من قال، يبدل ذلك اليوم.
قلت: أرأيت إن كان جنبا من الليل فأصبح وهو جنب في شهر رمضان، ماذا يلزمه؟ قال: إن كان عالما بأن الجنب إذا تعمد لترك الغسل وهو صائم أنه بمنزلة من أفطر لزمته الكفارة، وإن كان جاهلا متأولا بأن ذلك جائز له فلا كفارة عليه، وإذا كان جاهلا فلا ينبغي أن تلزمه كفارة لجهالته، والله أعلم.
/175/ (3/175)
صفحة 1073
وقال: المتعمد على ضربين، نسخة، على وجهين، متعمد مع العلم بوجوب الغسل عليه في الليل فهذا تلزمه الكفارة والقضاء، ومتعمد غير عالم بوجوب الحكم عليه فعليه القضاء بلا كفارة.
و القضاء عند بعض أصحابنا بدل ما مضى من صومه، ومن قال بذلك يذهب إلى أن رمضان كله عبادة واحدة، إذا فسد بعضها وجب عليه إعادتها، وعن بعضهم، إن القضاء يوم واحد، وهذا مذهب من يقول، إن رمضان ثلاثون عبادة، كل يوم فريضة، وعليه تجديد النية لصومه، والله أعلم.
ومن أجنب في شهر رمضان نهارا، وهو نائم، فانتبه وعاد إلى النوم، فعليه بدل ما مضى من صومه، وقال بعض، عليه بدل يومه.
وعن رجل وطئ زوجته في شهر رمضان ليلا فترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: عليه إعادة ما مضى من صومه.
قلت: ولا تلزمه كفارة؟ قال، لا.
رجل أجنب في النهار فبدأ يغسل ثوبه قبل غسل بدنه، قال: عليه بدل ما مضى من شهره.
قلت: فإن تسحر مصبحا، وهو يظن ليلا، قال: عليه قضاء ذلك اليوم. فإن كان تطوعا، قال: مختلف فيه، منهم من قال يصومه، ومنهم من قال: يفطر.
قلت: فإن كان نذرا؟ قال: يصومه وعليه بدل.
/176/ (3/176)
صفحة 1074
مسألة:
وسألته عن رجل أصبح صائما، فنوى الإفطار، ولم يأكل ولم يشرب حتى أتى الليل، قال، صومه تام وهو آثم في نيته.
قلت: هل يفسد صومه بفساد نيته، لقول النبي (ص): الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، قال يثبت صومه بشيئين بالنية والفعل، فلا يزول حكم ما ثبت بهذين بزوال أحدهما حتى يجتمعا معا على إبطال ما ثبت بهما جميعا.
قلت، وما هذان الحكمان؟ وما صفتهما؟ قال، النية و الفعل.
قلت، النية قد علمتها، فالفعل ما هو؟ قال: الفعل الاعتقاد لتأديته ما دخل فيه من الفروض، فحلول عقد النية لا يزيل حكم عقد الفعل، ولا يزال حكم المعقود بالأفعال إلا بالأفعال مثلها، وبالله التوفيق.
وعن رجل صحيح أجنب في شهر رمضان وعنده ماء بارد، وبقدر على (تسخين ينظر فيه) الماء فلم يغتسل ولم يتيمم وتمسح وصلى إلى أن طلعت الشمس.
قال: فسد عليه ما مضى من صومه، وعليه بدل الصلاة، وفي بدلها أيضا اختلاف.
وعن رجل وزوجته بائتين في بيتهما في شهر رمضان ليلا، فانتبه، فطلب منها الجماع، فقالت له، أخشى الصبح قد طلع فقال لها، علينا ليل فطاوعته، فلما فرغا خرجا، فإذا هما مسفران، ولعلهما لم يكونا علما بالصبح.
/177/ (3/177)
صفحة 1075
قال: أقول: إنه بدل يوم، والله أعلم. ولعل، لم يعلما بالصبح.
ولعل يوجد عن أبي عبد الله محمد بن محبوب، رحمه الله، غير هذا.
والذي يجنب في شهر رمضان نهارا، لا يبيع ولا يشتري، ويجوز له أن يسأل عن الماء ويرد السلام على من يسلم عليه، ولا يبتدئ أحدا بالسلام، ولا يخرج ولا يشتغل لغير أمر غسله، وإن توانى أو تشاغل بشيء من أمر دنياه فسد صومه، وإن لم يفعل ذلك ولا شيئا منه فلا بأس.
فمن أفطر بطعام حرام، قال: لا أعلم أن صومه يفسد، ولكن لا ثواب له.
مسألة:
رجل أفطر شهر رمضان سنين، لا يدري عددها، كيف تكون كفارتها؟
قال، يحتاط على نفسه حتى يعلم أنه لم يبق عليه شيء من البدل. والناس في الكفارات في مثل هذا مختلفون اختلافا كبيرا، وإذا صام لكل شهر كفارة شهرين أجزأه.
رجل أصبح جنبا وهو صائم كفارة، فتوانى عن الغسل، أيتم صوم كفارته؟ قال: تنتقض كفارته، وقد فسد عليه ما مضى منها، ويبتدئ الصوم للكفارة.
رجل جاء إلى رجل في شهر رمضان نهارا فوطئه، ثم إن الأسفل عبث بذكر نفسه إلى أن كاد أن ينزل ولم ينزل وغسل ما يلزمه في تركه الرجل وفي فعله بيده بذكره، قال: الله أعلم، إذا كان من وطئ في دبره لزمه الحد كالزاني، ولزمته حرمة كحرمه الزاني، وكان الزاني ينتقض صومه بلا كفارة وإن لم (يمن ينظر فيه)، فلا نقض عليه وهو آثم.
/178/ (3/178)
صفحة 1076
رجل صائم وطئ صبيا في شهر رمضان نهارا ولم ينزل، وكلم الناس ما يلزمه؟ قال: لا خير فيه ولا نفع له في صيامه، وعليه إذا لم يغتسل البدل.
رجل زنا في شهر رمضان نهارا في النصف من شهر رمضان، ينتقض عليه الشهر كله أم النصف؟ قال: ينتقض الكل وتلزمه الكفارة أن يأتيها.
قلت، رجل أصبح صائما، فريضة أو كفارة أو تطوعا فرأى البيت قد أظلم فظن أنه سواد الليل، فأفطر، فانقشع السحاب بعد ذلك، وظهرت الشمس، ما يلزمه؟ قال يبدل يوما مكانه.
مسألة:
وعن قوم معتقلين في شهر رمضان، وقيل لهم، إن الهلال قد أهل البارحة، وأن الناس قد صلوا العيد، وأفطروا، وسمعوهم ضرب الطبول، يجوز لهم أن يفطروا؟ قال، حتى يشهد معهم شاهدا عدل، أو يصح ذلك لهم بشهر الهلال من المخبرين لهم مع ارتفاع الريب بصحة ذلك وشهرته، فمن صدق المخبرين الذين لا يعرفون عدالتهم وأفطروا، ما يلزمهم؟ قال، من صدق من لا يكون خبره تقوم به الحجة من طريق البينة والشهرة فعليه بدل الشهر والكفارة، لأنه أفطر على غير علم، فإن كان متأولا فظن أن ذلك جائز فبعض أسقط عنه الكفارة وألزمه بدل الشهر.
ويوجد عن أبي علي، رحمه الله، في قوم رأوا الهلال بالنهار يوم الثلاثين من الشهر لم نر عليهم بدلا إلا يومهم.
/179/ (3/179)
صفحة 1077
قال غيره، وبدل شهرهم وعلى قول أبي على، إن كان متأولا بدل يوم، وقد مضى ما وصفت لك.
رجع إلى كتاب أبي جابر في الحيض وغيره.
وامرأة حاضت في شهر رمضان فأفطرت أياما، ثم طهرت، فصامت أياما، ثم حاضت أياما، فأفطرت أياما، أو حاضت مرة واحدة، فلما انقضى شهر رمضان أخذت تبدل ما أفطرت في شهر رمضان، فصامت أياما، ثم حاضت، هل يتم لها ما صامت، أو يكون الصوم متتابعا؟ فإنه تام لها إذا قطع عليها الحيض، وتبني على صومها من حين تطهر.
وكذلك المريض يفطر في شهر رمضان، فلما انقضى رمضان أخذ يبدل ما أفطر في شهر رمضان، فلما صام أياما عناه سفر أو مرض، فصومه تام، ويبني على صومه من حين ما يصح أو يقدم من سفره، وكذلك في المسافر والحائض إذا أخذ هؤلاء في البدل من إفطار أفطروه في السفر أو المرض أو الحيض، ويعنيه مرض أو سفر فيفطر، فإذا بنى على صومه من حين يقدم من سفره، أو يصح من مرضه، أو تطهر المرأة من حيضها بقوا على صيامهم، فإنه تام لهم.
قال: المريض الذي يجوز له الإفطار ما حده؟ فإن حده إذا لم يشق المريض الطعام، أو قال، هو الخبز والتمر، جاز له أن يفطر بأكل ويشرب، وقال من قال، حتى لا يقدر أن يصوم.
وامرأة ولدت، وقد خلا من شهر رمضان عشرة أيام، فمضى أربعون يوما،
/180/ (3/180)
صفحة 1078
وطهرت، وأحبت أن تؤخر قضاء ما عليها من شهر رمضان إلى وقت يهون عليها الصيام، أيجوز لها ذلك أم عليها أن تقضي من حينها، ولا عذر لها في ذلك؟
قال، يستحب لها التعجيل مخافة الحدث، وإن أخرت قضاء ما عليها فلا بأس عليها.
وقال في امرأة ولدت في أول يوم من شهر رمضان، وطهرت على عشرة أيام ولم تغسل حتى خلا أربعون يوما، فلما صامت يوما أو يومين، أو ثلاثا أو خمسة أيام أتاها الدم، وهو أول ولد ولدته، أو كانت ولدت قبل ذلك ولدا فطهرت على ذلك، وهل عليها متى رأت الطهر أن تغتسل وتصلي.
فمتى رأت الطهر اغتسلت وصلت وصامت، وقالوا، أقل النفاس عشرة أيام فإن لم تغتسل وتصل وتصم فعليها بدل تلك الصلوات والصيام ولا كفارة عليها، وهذا إن كانت جاهلة، و قال من قال غير هذا.
وامرأة عليها بدل أيام من رمضان، فصامت أياما، ثم جاءها الحيض وقد بقي عليها يوم أو يومان فلما أن طهرت غسلت من الليل، وأصبحت صائمة، فنسيت فأكلت وشربت نسيانا منها، فلا بأس عليها، وقال من قال غير هذا.
وقد قيل: للمرضع أن تفطر إذا (خافت ينظر فيه) إن هي صامت أن يذهب لبنها، ويهلك ولدها، وقال من قال، إذا لم نجد له غذاء. وكذلك الحامل إذا خافت على ولدها أن تطرحه فلها أن تفطر ثم تقضي شهر رمضان، وكذلك المرضع إن جاءها شهر رمضان الثاني ولم تفطم ولدها، وخافت عليه أيضا، فلها أن تفطر وتقضي كل ما عليها من ذلك.
/181/ (3/181)
صفحة 1079
وفي الأثر: أن المرضع التي أفطرت إذا صامت الشهر الثاني أطعمت عن كل يوم مسكينا عن الأول، ثم تقضيه بالصيام، وكذلك الحامل.
وقيل أيضا: إنه إذا بقي المريض على مرضه حتى يدخل شهر رمضان الثاني فليس عليه الإطعام لأنه لم يفرط.
ومن غير الكتاب والزيادة:
وجدت فيمن أفطر شهر رمضان عامدا، قال بعض، مخير في الكفارة في الصيام والعتق والإطعام، وقال بعض، يبدأ بالعتق ثم الصيام، ثم الإطعام، وليس بمخير.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
ولا بأس أن يفطر الصائم في (أذيته ينظر فيه) الماء والدواء إذا احتاج إلى ذلك من علة، وقد كره ذلك من كرهه، وكذلك السعوط، وأكثر القول، أنه لا يسقط الصائم، وقد قال من قال غير هذا.
ومن غيره: وقد اختلفوا في السعوط للصائم، قال من قال: يسقط ولا شيء عليه وقال من قال: لا يسقط كراهية منه لذلك، وقال من قال: إن استعط كان عليه بدل يومه.
رجع، ولا بأس أن يطعم الصائم الشيء ليعرف حلوه من مالحه، ويجوز ذلك بلا أن يسيغه، ويكيل الحب والدقيق ويسقي الشراب، ولا ينتقض صومه،
/182/ (3/182)
صفحة 1080
ولو تنخع فخرج التراب من حلقه، فإن أمكنه أن يلوي ثوبا على فيه ومنخريه إذا أراد مثل هذا فهو أحب إلي، ويكره أن يستنقع الصائم بلا أن ينقض ذلك صومه، ولا بأس أن يكتحل الصائم بالكحل فيه عرف طيب، ولا بأس أن يكتحل الصائم بالحضض والصبر، وإن وجد طعمه في حلقه بزقه، وإن وقع فيه شيء غير الطعام مثل الفضة والذهب أو الحجارة أو الدواب مثل الذباب، وفي نسخة، وما كان مثله فحاز في حلقه على حد الغلبة منه فلا نقض عليه في ذلك ولا بدل.
وكذلك من أكره حتى أدخل في حلقه شيء من ماء أو طعام، وفي نسخة، أو نحو هذا، ويجوز إلى جوفه فلا نقض عليه، وقال من قال غير هذا، وعلى من أكرهه على ذلك مثل ما على من أفطر في شهر رمضان من الوزر، وأما الكفارة فلا، وقال من قال: عليه الكفارة، ولا بأس إن قلع الصائم ضرسه، أو تعرض لخروج دم من فيه حتى أخرجه، لعله عرضت له أو غير ذلك، ويجب أن يبزق الدم كله.
ومن غرق ريقه أو ما ينحدر من رأسه فلا بأس، وأما إن كان من صدره فما لم يصر على لسانه ويقدر على لفظه (فلا ينظر فيه) بأس أيضا بإجازته. وأما إذا كان على مقدرة من لفظه، ثم تعمد إجازته فعليه بدل يومه وتنتقض صلاته إذا كان في صلاة، وإن (أترعه ينظر فيه) القيء فطرحه، فلا بأس عليه، وأما إن تقايا متعمدا فعليه بدل يومه.
/183/ (3/183)
صفحة 1081
ومن غيره، وعن رجل تقايأ متعمدا وأترعه القيء فلما صار إلى الحلق ولم يظهر إلى الفم رده، فما أرى عليه بدلا وسل عنها.
وعن الصائم في رمضان يتقايأ حتى يقيء قال، بدل يومه، فإن أترعه القيء فلا بدل عليه.
قال أبو سعيد، رحمه الله، قد قيل، إن تقايأ بالمعنى فلم يرجع عليه من فيه شيء فليس عليه شيء، وإن تقايأ فرجع عليه من فيه شيء في حلقه من غير أن يرده، وغلبه ذلك فلا شيء عليه.
رجع، ويستاك الصائم، قيل في أول النهار بما كان من عيدان يابسة، وإن استاك برطب أو استاك في آخر النهار لم نبصر أن ذلك ينقض صومه، وقال من قال، إذا كان العود يابسا فلا نقض عليه ولا يتعمد لإجازة البزاق والذي يجتمع في فيه من السواك الرطب.
ويستحب للصائم أن يفطر على أثر رائحة الصوم ولا يستاك عند الفطور بلا تحريم لذلك، وقيل، إن رائحة فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك إذا كان تقيا، وللصائم عند إفطاره دعوة مستجابة.
وقيل للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم يلقي ربه، ولا يحتقن الرجل ولا المرأة الصائمان في الدبر في النهار، فإن احتقن فقيل، إن عليه بدل ما مضى من صومه، وقال من قال، إذا جاز شيء كان عليه بدل ما مضى من صومه ولا بأس أن تحتقن المرأة في القبل نهارا في شهر رمضان.
/184/ (3/184)
صفحة 1082
ومن نوى أن يصبح صائما في شهر رمضان، ثم نوى أنه قد أفطر، ثم رجع عن تلك النية، وأتم الصيام فصومه تام، ولا تضره تلك النية حتى يأكل أو يشرب أو يجامع، وإن اعتمد فأفطر في آخر يوم من شهر رمضان ثم صح أنه يوم الفطر فقد أساء في فعله، ويؤخذ بنيته، وعليه التوبة ولا بدل عليه ولا كفارة، وقد أراد شيئا دفع عنه.
وقال بعض الفقهاء، إنه كمن أفطر في يوم من شهر رمضان، ورويناه عن محمد بن محبوب، رحمه الله، والأول أحب إلي.
ومن كذب متعمدا في شهر رمضان فعليه بدل ذلك اليوم، وقال من قال، لا بدل عليه، وقال من قال غير هذا.
ومن صام من الصبيان برأيه أو برأي أبيه فيستحب أن يتم صيامه ولا يؤمر بالإفطار إذا أخذ في الصوم، وإن أفطر برأيه فلا بدل عليه.
وقد قيل، إن أمره أحد والديه بالإفطار فعلى الذي أمره أن يطعم عنه، وقال من قال غير هذا.
ومن صام في بلده أياما، ثم عناه خروج في سفر لابد له منه من فاجعة نزلت به، أو لأمر لابد له من الخروج، وحضر خروجه ذلك النهار، وهو صائم، أو خرج هاربا من السلطان من بلده، أو جبره السلطان على الخروج إلى بلد فخرج في النهار وهو صائم شهر رمضان، فلما صار في الفلاة أصابه العطش، وقد قارب الماء، وخاف إن تعداه أن يموت، فشرب من ذلك الماء، وجاز عنه، فإن عليه
/185/ (3/185)
صفحة 1083
في جميع هذا بدل ما صام، وليس له أن يشرب إلا أن يخاف الموت، فإذا فاته الموت شرب بقدر ما يحي به نفسه.
قلت، فإن شرب بقدر ما يحي به نفسه ثم اشتد به العطش، قال، له أن يشرب مرة بعد مرة ما يحي به نفسه وقال من قال، بقدر ما يبتل به ولا يشرب حتى يروى.
وقوم أبصروا هلال شوال يوم ثلاثين يوما من شهر رمضان في النهار، فقالوا، لو أن الهلال كان هذه الليلة الماضية لما أبصرناه هذا الوقت، فأفطروا، فعليهم الكفارة، ولذلك اليوم صيام شهر.
قلت، فإن لم يقدروا على الصيام أطعموا ثلاثين مسكينا، وقال من قال غير هذا.
ومن غيره:
وأخبرني أبو عبد الله، رحمه الله، أن الناس بنزوى كانوا رأوا هلال شوال بين صلاة الظهر والعصر، فأفطر من الناس من شاء في ذلك، وظنوا أن ذلك يجوز لهم قبل الليل، فرأي عليهم من رأى بدل شهرهم، وأما موسى بن علي، رحمه الله، فلم ير عليهم غير بدل يومهم ذلك.
قال أبو عبد الله، رحمه الله، ثم رأيت بعد ذلك في آثار المسلمين كما قال أبو علي.
/186/ (3/186)
صفحة 1084
رجع:
ومن عبث بذكره حتى أمنى في شهر رمضان نهارا فهو كمن أفطر، وعليه البدل والكفارة إذا تعمد لإنزال النطفة.
وفي حفظ أبي صفرة، من نغظ ذكره حتى أنزل المنى من غير أن يمسه نهارا فعليه بدل ذلك اليوم.
وقال أبو عبد الله رحمه الله، لا بدل عليه إذا لم يعالج ذلك ولم يرده، وإن أمذى ولم ينزل فلا شيء عليه.
ومن تعمد النظر إلى فرج حرام وهو صائم شهر رمضان فلا نقض على صومه و قال من قال، عليه بدل يومه، و أما من نظر إلى فرج امرأة فأمنى فقيل: إن كان لم يزل ينظر إليها ويتشهى ذلك حتى أمنى فعليه بدل ما مضى من الشهر.
وقال من قال غير هذا، لعله بالكفارة، وكذلك إن كان قد مسها أيضا.
وأما إذا نظر خطفة فأمنى فعليه بدل يومه. وقال من قال، لا بدل عليه. وكذلك إن كان قد مس خطفة ولم يرد إنزال النطفة، الماء، فعليه، لعله أراد بدل يومه، وذلك سواء في امرأته وغيرها.
وقال من قال، إذا مس غير امرأته فأمنى فعليه بدل ما مضى من الشهر، وإن كانت امرأته فعليه بدل يومه، وهذا إذا لم يرد إنزال النطفة، وقال من قال،
/187/ (3/187)
صفحة 1085
إذا مس غير امرأته ولم يرد إنزال الماء، وهي النطفة بعينها، فأنزل فلا بدل عليه فأما إن تعمد لذلك فهو كمن جامع.
ومن غيره:
قال أبو المؤثر: الذي سمعنا فيمن نظر إلى زوجته وتوسمها حتى أنزل الماء وهو صائم شهر رمضان، فإن كان أراد بنظره ذلك قضاء شهوة فأنزل فعليه ما على المجامع، وكذلك إن مسها ولم يرد قضاء شهوة، فسبقه الماء فأنزل النطفة، فعليه ما مضى من صومه يبدل من أول الشهر إلى ذلك اليوم، وإذا كان نظر إليها وتوسمها وهو لا يريد قضاء شهوة فسبقته النطفة فعليه بدل يوم مكان يومه.
رجع:
ومن أصابته الجنابة ليلا في شهر رمضان فلم يغسل حتى أصبح فعليه بدل ما مضى من صومه، إلا أن يكون نام على أن يقوم في الليل فيغتسل فذهب به النوم، فإذا كان أراد ذلك فلم ينتبه حتى أصبح فغسل من حينه فعليه بدل يومه.
وقال موس بن محمد بن عمر بن محمد، عليه بدل ما مضى.
وكذلك إن جامع ونام على أنه يقوم في الليل فلم ينتبه حتى أصبح فإن عليه بدل يومه إذا غسل لما انتبه، وذهب من حينه إلى الماء، وهذه مثل الأولى.
ومن أصابته الجنابة ليلا ولم يكن معه ماء فتيمم قبل الصبح لصومه، فإن جهل ذلك وأصبح ولم يتيمم فعن أبي علي رحمه الله، لا يرى عليه إلا بدل يومه لحال جهالته، وهذه مثل الأولى.
/188/ (3/188)
صفحة 1086
ومن غيره:
وعن الرجل يصيب من أهله، أو تصيبه جنابة في رمضان فنام حتى يدركه الصبح ولم يغسل، قال: إن كان أصابه ذلك وعليه من الليل كثير، فقال: أنام حتى يدنو السحور، ثم اغتسل، ثم أدركه الصبح فلا بدل عليه، وإن كان فعل ذلك قريبا من الصبح فنام، أو توانى حتى أصبح فقد فسد عليه ما مضى من صومه.
وعن رجل يدنو من أهله أو غير أهله في شهر رمضان فينزل، قال: يفسد عليه ما مضى من صومه.
وقال غيره: عليه بدل يومه، وقد قال: من دنا من غير أهله أو نظر بشهوة فأنزل فعليه صوم ما مضى، وأما أهله فعليه بدل يومه.
وقال أبو سعيد رحمه الله: وقيل، إذا دنا من أهله أو مسها محبة منه لذلك أو شهوة فلم يزل على ذلك حتى أنزل إلا أنه لا يريد إنزال النطفة فعليه بدل ما مضى من صومه، وإن أراد إنزال النطفة وقضاء الشهوة فهو بمنزلة المجامع فيما قيل. وإن نظر أو مس ثم رجع عن ذلك وعف عن محبة الشهوة لذلك، فغلبته الشهوة فازدادت عليه حتى أنزل، وهو عاف عن ذلك، فقد قيل، إنما عليه بدل يومه، ومعي أن أهله وغيرهم في الصوم سواء، وغير أهله أشد في الإثم.
ومن غيره:
وأحسب أنه عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله، وسألته عن
/189/ (3/189)
صفحة 1087
امرأة صامت بدل شهر رمضان، فصامت بعض صومها، ثم أفطرت، وقد بقي عليها منه شيء، غلطا منها، هل ينتقض عليها ما صامت؟ قال: لا. قال: أليس قد فرقت صومها؟ قال: والتي قد أفطرت شهر رمضان غلطا فقد فرقت.
ومن غيره:
من كان عليه قضاء شهر رمضان فأخذ في الصيام، فصام تسعة وعشرون يوما وظن أنه قد أتم الصوم فأصبح مفطرا، ثم ذكر، فعليه بدل يوم مكان ذلك اليوم.
وسألته عن من كان عليه بدل من شهر رمضان وبدل من كفارة، بأيهما يبدأ؟ قال: يبدأ ببدل الكفارة، قلت: فإن بدأ ببدل شهر رمضان؟ قال: ينتقض عليه جميع ما صام من الكفارة.
وعن رجل لزمه بدل من شهر رمضان جهلا منه ولم يعلم به حتى مرت عليه سنون، هل يلزمه طعام عما مضى الصيام؟
قال عليه البدل والطعام مرة واحدة صحيح، وأما أكثر القول فالله أعلم.
وقيل: لكل حول حال عليه لزمه بعدد تلك الأيام، لكل يوم مسكين.
رجل حضره الموت في شهر رمضان فلم يوص ببقية الصوم، أيكون آثما أو معذورا؟ قال: معذور ولا شيء عليه، لأن العبادة لا تلزم الأموات.
/190/ (3/190)
صفحة 1088
وقال أبو معاوية فيمن عليه بدل من شهر رمضان مثل الحائض والمريض، وكان على نية البدل فلم يبدل حتى مات، فلا أقول، إنه هالك، لأنه لم يكن لذلك وقت يضيق عليه البدل إلا في ذلك الوقت، فإنما يبدل ما ترك من ذلك بعذر، وتوسعه من الله إلى أيام أخر غير محدودة.
وعن امرأة أوصت، أن عليها صيام رمضانين قد لزماها، ولها ابن وابنة، هل يصومان عنها جميعا شهرا واحدا في بدل الشهرين؟ قال: إن كانت ضعيفة فليصم كل واحد من (بينهما ينظر فيه) شهرا، وما أحب أن يصوما شهرا واحدا، فإن كانت لم تزل مريضة حتى ماتت فليس عليها صوم.
زعم هاشم، أنه بلغه من موسى أن الجنب إذا غسل رأسه قبل الفجر فقد تم صومه، قيل لهاشم، رحمه الله، وكذلك المرأة إذا غسلت رأسها من الثالثة تفوته، قال: أخاف ذلك، وهو رأيه.
قال: سمعنا أنها إذا غسلت شق رأسها وبقي الآخر ثم ردها زوجها فإنه يدركها، وقال في التي وطئها زوجها في شهر رمضان في الليل، وقال لها، لا بأس عليها أن تغتسل في الصبح، فلم يكن معي يا أخي فيها حفظ قوي، وقد سألت أبا علي فعذرهما بما فعلت لحال قول زوجها، ورأى عليها بدل مكان كل يوم يوم. وأما أنا فضاق صدري من ذلك لقلة علمي، وإن احتاطت ببدل ما مضى من غير عزم مني في ذلك فذلك إليها.
ومن أثر:
وعن امرأة وطئها زوجها في شهر رمضان فنامت حتى أصبحت ولم تغسل،
/191/ (3/191)
صفحة 1089
قال: ليس النساء في هذا بمنزلة الرجال، ونستغفر الله ونتوب إليه من ذلك، فليس عليها بدل.
وإذا رأت امرأة فرج رجل أو دابة في شهر رمضان فحضرتها الشهوة حتى أنزلت الماء فعليها بدل ما مضى من صومها، وإن كان ذلك الماء غلبها وسبقها حتى نزل منها من غير متابعة منها لشهوة فإنما عليها بدل ذلك اليوم وحده.
رجع إلى كتاب أبي جابر:
وكذلك الذي يعنيه التبع، نسخة، تتبعه بعد الجنابة، فينبغي له أن يغتسل قبل الصبح ويحرز صومه ولا ينتظر في انقطاع ذلك، فإن جهل وبقي ينتظر ذلك فلم ينقطع حتى أصبح فقد فسد عليه ما مضى من صومه.
ورجل بات على جبل مثل جبل اليحمد، فأصابته جنابة في شهر رمضان، و (الماء ينظر فيه) في أصل الجبل، في واد، فإن حمل على نفسه التعب والخطر من الحيات وصل إلى الماء في الليل، هل يجوز له التيمم؟ فله أن يتيمم.
ورجل أدمى فوه وبزق حتى نقى الدم وخرج البزاق أبيض ولا يحضره ماء وهو صائم شهر رمضان، وكان يفرق ريقه بعد ذلك حتى وصل إلى الماء، أعليه بأس في صيامه؟ قال: لا بأس عليه.
وإذا غسل صاحب الجنابة رأسه وفرجه، ثم انفجر الصبح فلا بأس عليه، وإن أدركه الصبح قبل أن يغسل رأسه وفرجه فعليه بدل يومه إذا لم يكن فرط.
ومن لم يعلم بجنابته حتى أصبح، فلما أصبح علم وغسل من حينه ولم يفرط فأرجوا أن لا بدل عليه.
/192/ (3/192)
صفحة 1090
ومن أصابته الجنابة في شهر رمضان نهارا فإن غسل من حينه فلا بدل عليه، وإن رجع ونام وتشاغل بعد أن علم بها أو قعد وتوانى عن الغسل بشيء غيره فسد عليه ما مضى من صومه إلا أن يكون تشاغل بثوب يأخذه أو وعاء لغسله يطلبه، أو غسل رق له، أو ماء يسخن له، إن كان بردا شديدا ونحو هذا.
وكذلك إن مضى إلى مورد ثم تخطى إلى مورد أستر منه أو أسخن فلا بأس.
ولا ينبغي له أن يتكلم بشيء غير أمر غسله إلا أن يكون أحد يكلمه فيكلمه، وهو ماض لغسله، ولا يعرج عليه. فكل هذا ونحوه نرجو له ألا يفسد عليه ما مضى من صومه.
ومن جامع امرأته في شهر رمضان نهارا عمدا فعلى كل واحد منهما صيام شهر لذلك اليوم، وكفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، وإن استكرهها هو على ذلك فعليه بدل ما يلزمه ويلزمها، ولا شيء عليها في ذلك، وقال من قال: عليها بدل يوم، وقال من قال: ليس عليه إلا كفارة نفسه، وعليه التوبة ولا بدل عليها، وقال من قال: غير هذا.
وقد جاء الاختلاف في الذي يلزم من أفطر في شهر رمضان متعمدا، فقال من قال من الفقهاء، عليه بدل ما مضى وصيام شهرين كفارة كل يوم، وقال من قال: عليه صيام شهرين، وهذا أرخص ما قيل.
/193/ (3/193)
صفحة 1091
وقال من قال: عليه صيام شهر بدل ذلك الشهر، وصيام شهرين متتابعين كفارة، وكذلك في كل يوم أفطر فيه من شهر رمضان، وهذا القول هو الأكثر عندنا، أو به نأخذ.
ومن غيره:
ويوجد عن الشيخ أبي سعيد ـــ رحمه الله ـــ أنه قال على الأكل في شهر رمضان، معنا فيما عرفنا البدل لمن أكل على التعمد متتابعا من الصوم على ذلك أجمع فقهاء المسلمين، أنه متتابع، والتوبة من ذلك والاستغفار.
وقد اختلف فيما يلزمه من الكفارة بعد ذلك، فقال من قال، عليه صوم الدهر كله، قلت: فحسن، وهذا قول حسن، ومن قول صاحب القول في ذلك، أن عليه صوم الدهر حتى يلقى يوما مثل يومه الذي أكل فيه في شهر رمضان، قال: ولن يلقى ذلك أبدا، فكأنه يقول، إن كفارة ذلك اليوم أن يصوم الدهر كله أبدا، لأنه أكل يوما لا يلحقه أبدا.
ومن غيره: وذكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص)، من أفطر يوما من شهر رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يجزه صوم الدهر. وقال من قال، عليه سنة. وإنما قلنا في هذا إذا أكل يوما واحدا، وقال من قال، عليه صوم شهر للبدل والكفارة، وهذا أقل ما قيل من الكفارات، وقد قيل، إنه البدل ولا كفارة، وإنما نذكر هذا تأصيلا ونأمر بالاحتياط والاجتهاد والتحري للمرء على نفسه، والله أعلم.
/194/ (3/194)
صفحة 1092
ويوجد عنه اختلاف كثير في هذا، وإنما كتبت أشد ما قيل في ذلك، وأرخص ما قيل، فينظر في ذلك، إن شاء الله، والله أعلم.
رجع:
وقال بعض الفقهاء في امرأة حاضت في شهر رمضان فلم تغتسل حتى مضى شهر رمضان، قال، يلزمها، لتركها الصلاة، كفارة صيام شهرين، وفي نسخة، متتابعين، ولتركها الصيام صيام شهر مكان رمضان، وصيام شهرين متتابعين كفارة.
وقال من قال: غير هذا، وذلك إذا كانت قد طهرت وبقي عليها من شهر رمضان، وضيعت الغسل، وكذلك يلزم التي وطئها زوجها، فتركت الغسل في شهر رمضان.
ومن غيره: قال أبو سعيد ـــ رحمه الله ـــ في الجنب، إذا ضيع الغسل في شهر رمضان، من خلاف النهار، شيئا متعمدا لترك الغسل.
فعندي، أنه على قول محمد بن محبوب ـــ رحمه الله ـــ أن المرأة إذا طهرت من الحيض فتركت الغسل حتى أصبحت ولم تغتسل وتصلي أن عليها كفارتين، كفارة للصلاة، وكفارة للصوم، والجنابة عندي أشد وأولى، وأما أكثر أصحابنا، أنه لا تلزمه كفارة، وإنما عليه البدل، وإن ترك الغسل لا يشبه الأكل والجماع.
/195/ (3/195)
صفحة 1093
ومن غير الكتاب والزيادة:
وسئل أبو سعيد ـــ رحمه الله ـــ عن رجل أكل شهر رمضان كله متعمدا، ما يلزمه؟ قال: معي، أنه يختلف فيه، وقال من قال، يلزمه بدل كل يوم شهر، وكفارة كل يوم شهرين، وقال من قال، لكل يوم شهر، ولجميع الشهر كفارة شهرين، وقال من قال، بدل ما مضى من صومه، ولكل يوم كفارة شهرين، وقال من قال، بدل كل يوم أكله بدل ما مضى من شهره، من يومه ذلك بيومه ذلك، وشهران بعد ذلك كفارة، وكل يوم أصبح فيه مفطرا فكان عليه بدله وبدل ما مضى من الشهر، فعلى ذلك حتى يتم بدل ما أكل من الشهر، ولو أفطر الشهر كله، وقال من قال، يلزمه البدل لكل يوم شهر عن البدل والكفارة، وقال من قال، يلزمه بدل ما مضى وكفارة شهرين.
رجع:
وقال عزان بن الصقر ـــ رحمه الله ـــ رأيت زياد بن الوضاح ـــ رحمه الله ـــ كتب إلى عبد الله بن يزيد، وفي نسخة، (العلي ينظر فيه)، فيمن أكل شهر رمضان كله، فرأى عليه صيام ثلاثين شهرا، وكفارة شهرين، كأنه رأى أن يكون لكل يوم شهر، وكفارة واحدة، تجزي لجميع الشهر.
وعن محمد بن محبوب، رحمه الله، فيمن ذهب عقله في شهر رمضان كله، أن عليه بدله، وكل يوم طلع عليه الفجر، وهو يعقل فيه فهو تام له، وإن طلع الفجر وهو لا يعقل الصيام فعليه بدل ذلك اليوم.
/196/ (3/196)
صفحة 1094
وقيل: إن الفضل، وفي نسخة ابن الحواري، كان في نفسه من ذلك، لأنه لا بدل على من جن في شهر رمضان كله من أوله إلى آخره، إلا أنه قال، لا يخالف ما قيل، والبدل أحب إلي، وبه جاءت الآثار.
وقيل فيمن كان في بلاد الترك فالتبست عليه الشهور، فلم يعرف شهر رمضان فتحرى شهرا يصومه لشهر رمضان، أنه إن وافق شهر رمضان فصامه أو صام شوال، أو صام شهرا غيره من بعده، وفي نسخة، من بعد شهر رمضان فقد أجزى عنه، أنه قد صامه، أو صام من بعده فقد قضاه، وإن كان إنما صام شهرا من قبله مثل شهر شعبان أو غيره فلا يغني عنه، وعليه بدل شهر رمضان.
وقال هاشم أيضا: فيمن أفطر شهر رمضان كله عليه صوم شهر، قال مسبح قال عمر: عليه صوم شهر، وقال من قال غير هذا، وقال من قال، إن كان أفطر ناسيا فلا بدل عليه.
قال شريح في رجل باشر امرأته في شهر رمضان قال: عليه اثنا عشر شهرا، ونحن لا نأخذ بذلك، وشهر وشهران أوسط القول في مثل ذلك.
وقد قيل فيمن أصبح على أنه مفطر، وفي نسخة، يفطر السفر، ثم بدا له أن يتم صيامه ولا يفطر، قال انتقض عليه ما مضى من صومه في السفر حيث أصبح على نية الإفطار ولو لم يأكل، وقال من قال، غير هذا.
وقيل: إذا حضرت صلاة المغرب وحضر الطعام للصائم، أنه يبدأ بالطعام ما لم يخف فوت الصلاة.
/197/ (3/197)
صفحة 1095
وفي الحديث: أنه يستحب تعجيل الفطور وتأخير السحور، وكل ذلك في الليل.
وقيل في امرأة تقضي من شهر رمضان، ثم أصبحت مفطرة، وظنت أنها قد أكملت صيامها، ثم ذكرت أنها لم تكمل، فهذه إن صامت حين ما ذكرت فلا نقض عليها في بدلها، وإن أفطرت بعد العلم أفسد عليها البدل، إن زادت أفطرت غير ذلك اليوم.
وقال من قال، عليها بدل ما مضى غن زادت في الأكل بعد العلم.
وعن أبي علي، رحمه الله، في الطباخات والصباغات يذقن باللسان، قال: لا بأس بذلك، وكذلك عندي، فيمن يمضغ الشيء من الطعام لصبي أو غيره، ثم يبزق حتى يذهب ذلك من فيه، أو يأكل في الليل ولا يخضخض فاه، وينام، ويصبح، أو نحو هذا، أنه لا نقض عليه. وكذلك الماء بلا أن يؤمن أن يتعرض بشيء من هذا في صومه.
وعن موسى بن علي، في صائم يطرح في فيه حصاة، فجازت، قال: لا تفسد عليه صومه، وقال من قال، يستحب له أن يصوم يوما.
وعن محمد محبوب، رحمه الله، في رجل ابتلع درهما، وفي نسخة دينارا، أو دانقا، أو ذبابا، فما يلزمه من الكفارة إذا تعمد لذلك.
ومن نظر إلى فرج امرأة عمدا، أو استمع سر قوم، أو نظر إلى بيتهم أو قرأ كتاب إنسان بلا رأيه، فكل هذا قيل، إنه لا يفسد الصوم، وليس هو مثل الوضوء.
/198/ (3/198)
صفحة 1096
ومن غيره:
وسألت أبا الحسن، رحمه الله، وعن رجل أصبح صائما في شهر رمضان فلما أن كان بعد الصبح في النهار حول نيته إلى الإفطار، ولم يأكل ذلك اليوم، ولم يشرب، ولم يجامع، غير أنه كان على هذه النية إلى الليل، ما يلزمه في ذلك؟
قال: إذا أصبح صائما ثم لم يأكل ولم يشرب ولم يجامع ولم يكن منه ما يفطر الصائم فصيامه تام ولا بدل عليه.
قلت له: فإن أصبح في شهر رمضان على نية الإفطار فلم يأكل ولم يشرب ولم يجامع إلى الليل ما يلزمه؟
قال: إذا لم يكن منه مما يفطر للصائم فهو صائم، لأن عليه الصيام، ولا يحل له هاهنا الإفطار، والإفطار هامنا لا يجوز، وهو صائم حتى يأكل ويشرب أو يجامع أو يكون منه ما يفطر الصائم.
من الأثر:
وسألته عن رجل نوى أن يصبح مفطرا في شهر رمضان، قال: إن انفجر عمود الصبح ونيته الإفطار فعليه الكفارة، وإن لم يأكل، وإن نوى الإفطار بعد الصبح ولم يأكل فلا شيء عليه.
ومن غيره:
وسأل عن من رأى الجماع ورأى الإنزال ولم يلمس، قال: يعجبني
/199/ (3/199)
صفحة 1097
الاحتياط للغسل، وإن رأى الإنزال والجماع ولمس فلم يجد شيئا فلا غسل عليه، وإن وجد البلل ولم ير الجماع والإنزال فقد قيل، إنه لا غسل عليه، حتى يعلم أنها جنابة، وقيل عليه الغسل، إن وجد عرف جنابة فعليه الغسل، وإن لم يجد عرف جنابة فلا غسل عليه، وهذا كله على الاحتياط، وأما الحكم فحتى يعلم أنها جنابة.
ومن غيره:
رجل رأى هلال شوال يوم ثلاثين من رمضان، أو تسعة وعشرين، فأكل في ذلك اليوم، وظن أن ذلك واسع له، قلت: ما يلزمه في ذلك؟
ـــ فقد قيل ببدل يومه، وقيل ببدل ما مضى من صومه، وقيل البدل والكفارة وأحب بدل ما مضى.
رجع:
وسألت أبا الحسن رحمه الله، وعن امرأة قال لها زوجها ثقة أو غير ثقة، إنه رأى هلال شوال ليلة ثلاثين، فصدقته على ذلك، ووطئها في يوم ثلاثين على تصديقه، وأمكنته من نفسها، ما يلزمها في ذلك؟
قال: أرى عليها بدل ما مضى من صومها، لأنها إنما فعلت ذلك على وجه التصديق له، ولم نر عليها كفارة.
قلت: ما يلزمه هو؟ قال: يلزمه الاستغفار، ولم يكن له أن يحملها على هذا بقوله وحده، ولم نر عليه أكثر من ذلك إذا كان صادقا.
تم الباب من كتاب أبي جابر، ومن غيره:
/200/ (3/200)
صفحة 1098
وسألت أبا محمد بن المسبح عن الذي أتى فاحشة في شهر رمضان نهارا، ثم رجع ثانية وثالثة ورابعة أو أكثر، هل له كفارة.
ـــ قالوا: لو صام الدهر كله ما أدرك فضل رمضان، وجاء عن المسلمين، فعليه في كل يوم أتى فيه فاحشة شهر يصومه، قال: أخبرني بذلك الوضاح بن عقبة عن عمر بن المفضل عن معولي عن شبيب، بمثل ذلك.
وعليه فيما أخبرني الوضاح عن معولي، وهذا رأي محبوب، كفارة، عتق رقبة أو بإطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين، ويستغفر ربه ويتوب إليه، إن الله غفور رحيم.
قلت: فإن رجع إلى فاحشة في شهر رمضان سنة أخرى، أو سنين، مرة بعد مرة، سنة بعد سنة، لعله أراد، قال: فعليه لكل شهر كفارة على ما ذكرناه.
وفي رجل مس امرأته أو عالجها حتى أمذى، قال: يعيد يومه ذلك.
وقال أبو عبد الله: ليس عليه إعادة، فإن خرج المني أعاد ما مضى من شهره، ويكون صومه إلى اليوم الذي يلزمه يوم فطره. قال: هذا رأي بعض الناس، وقال: أحب الرأي إلى أن يعتق (نسمة ينظر فيه) ويصوم شهرا مكان شهره، وبهذا القول يأخذ أبو جابر محمد بن موسى بن علي رحمه الله.
ومن غيره:
قال: إذا جاء المرأة الحيض، وهي تقضي أياما من شهر رمضان، فإذا طهرت فلتتم الصوم، وتبني على ما كان من قبل الحيض، ولا بأس.
/201/ (3/201)
صفحة 1099
وسألته عن المؤذن، يكون الغيم من السحاب في رمضان، فيرى أن الشمس قد غربت، ويرى الليل قد دخل في وقته، فيؤذن، ويفطر من يفطر بآذانه، ثم تستبين الشمس وأن النهار بعده، قال: يرجع يؤذن ثانية إن استبان له الليل، وكذلك هو عليه بدل ذلك اليوم، وعليه أن يعلم من قدر على إعلامه، وليس عليه فيمن غاب ولم يقدر على أن يعلمه.
قال أبو سعيد، رحمه الله، في الصائم يأكل على أنه في الليل، فيتبين له أنه قد أكل في الصبح، فمعي أن بعضا يرى أن عليه بدل يومه.
وقال من قال: لا شيء عليه، فإن أكل على أنه في الليل يظن أن الشمس قد توارت ثم ظهرت بعد أكله، وتبين له النهار، فمعي أنه قيل، عليه بدل ما مضى من صومه، وقال من قال: عليه بدل يومه، ولا أعلم أنه قيل: لا شيء عليه، وبين هذا والأول فرق.
ومن جواب أبي سعيد، رحمه الله، وعن امرأة كانت صائمة كفارة، وكان الحيض قد تركها أربعة أشهر، ثم رأت يومين الدم، فأكلت فيهما، وتركت الصلاة، ثم انقطع عنها، وانتظرت يوما جاهلة بعد اليومين، قلت: هل ينتقض عليها صومها؟
فإذا انتظرت انتظار رجعة الدم، وتظن أن ذلك جائز لها فذلك يخرج عندي على التجاهل، وعليها الإعادة.
وعن المرأة ترى الدم بعد طهورها يوم تاسع أو عاشر في شهر رمضان فتأكل وهي تظن أن ذلك واسع؟
/202/ (3/202)
صفحة 1100
قال: ليس عليها إلا بدل ذلك اليوم الذي أكلت فيه، وهي ترى أنه واسع لها فيه الأكل، وهذا على قول من يعذرها بجهلها.
وعن رجل أصابته الجنابة في النهار في رمضان وهو نائم في بيت، وعلى باب البيت قوم قعود فحمله الحياء على أن ينتظرهم حتى يخرجوا، فقعد مكانه لينتظرهم ساعة، ثم خرج، فغسل؟
قال: إن كان احتباسه بقدر ما يرى الغسل فلا بأس عليه، وإن كان أكثر من ذلك فعليه بدل ما مضى من صومه.
وقال في رجل أصبح صائما في رمضان، فلما أصبح رأى في ثوبه جنابة فإنه يغسل من حينه ولا بدل عليه، وعليه بدل الصلاة من آخر نومه نام في ذلك الثوب. وإن رأى في ثوبه شيئا فشك فلم يدر أهو جنابة أم غير ذلك وهو صائم في شهر رمضان فلا غسل عليه ولا بدل في صلاته حتى يستيقن، وقال: إن استيقن أن في ثوبه جنابة ولم يعلم أنها أصابته إلا أنه رآها في ثوبه، ثم توانى عن الغسل فإن عليه بدل ما صام، إذا كان قد نام في ذلك الثوب ولم يلبسه أحد غيره.
وقال: من لاعب زوجته في شهر رمضان حتى أمذى رسخ صومه ولا بدل عليه.
وفي معنى الجنابة:
وقلت: إذا كان نوى نية، إنما يغلق بابه ويطلب لبيته من يخلفه إذا خاف عليه، هل يكون عذرا أم لا؟ قال: يبين لي أن هذا ليس بعذر يبرئه منه وجوب البدل، لأنه ليس من أمر الغسل، وإنما قيل له العذر في توانيه في شيء من أمر الغسل، ومن أسباب الغسل.
/203/ (3/203)
صفحة 1101
وعن الناس إذا صاموا شهر رمضان بيوم معروف، وكان ذلك عن رؤية الهلال، ثم صح أنهم سبقوه، لعله، أراد الهلال، وكان الصحة في شهر رمضان، أو بعد شهر رمضان بقليل أو بكثير، هل يلزم بدل ذلك اليوم؟
ـــ فمن كان مفطرا فيه فلابد له من صيامه متى ما صح، وإنما الاختلاف فيمن صامه على الشك، فقال من قال، إذا جاء الخبر في ذلك اليوم، أو من بعد شهر رمضان بما كان تم له من صيامه، وإن جاء الخبر في شهر رمضان بعد ذلك اليوم فيبدله، وقال من قال، يبدله على كل حال، وقال آخرون، قد صامه وليس عليه بدل.
قال غيره:
وقال من قال، إن جاء الخبر وقد مضى أكثر (يومه ينظر فيه) فعليه البدل، وإن جاء قبل ذلك فلا بدل عليه.
وسألته:
عن امرأة أكلت في أول النهار في شهر رمضان متعمدة لغير عذر، ثم حاضت في آخر النهار.
قال عليها القضاء و الكفارة.
قال أبو معاوية عن أبي عبد الله، رحمهما الله، في رجل يصبح مفطرا في آخر يوم من شهر رمضان، ثم جاء الخبر، أن ذلك اليوم من شهر شوال.
قال، فقال أبو عبد الله رحمه الله، قد قالوا، إن عليه الكفارة، وقال من قال، لا كفارة عليه.
/204/ (3/204)
صفحة 1102
ومن رعف أنفه نهارا فلا بأس عليه، وإن وجد في حلقه طعم شيء لفظه.
وسألته عن الصائم إذا شك في فمه، فغسله، فدخل الماء في حلقه بغير تعمد هل يتم صيامه؟ قال: فإذا كان فمه نجسا فعليه غسل النجاسة ولم يتعمد فدخل في حلقه الماء فليس عليه، وأما إن كان ليس بنجس فقد قيل، عليه البدل.
قلت له: فإنه توضأ لفريضة قبل حلون وقتها، أو في وقتها، أو لنافلة، فمضمض فاه ثلاثا أو أكثر فدخل الماء حلقه، هل يتم صومه؟
قال: فإذا كان لفريضة في وقتها فمضمض فاه ثلاثا أو أقل، فدخل الماء في حلقه على هذا فلا بدل عليه، وقد قيل، عليه البدل، ونحب الأول، وإن كان أكثر من ثلاث وهو عالم بذلك فقد قيل عليه البدل إذا كان زاد عن الثلاث، وإن كان لفريضة قبل وقتها فقد قيل عليه البدل على حال. وقيل، هو مثله في وقتها.
وأما النافلة فقد قيل عليه البدل إلا أن يكون ناسيا لصومه في هذا كله، فقد قيل، إن كان ناسيا لصومه فلا بدل عليه، وقيل، عليه البدل في مواضع ما قلت لك، أن فيه البدل.
وعن الصائم إذا أصبح في فيه شيء من الطعام عالق بين أضراسه، هل يلزمه معالجته وإخراجه إن قدر على ذلك؟
قال، معي، أنه إذا كان آمنا من ذلك أن يخرج، لعله، أراد، لا يخرج منه شيء، فلا يبين لي أن يلزمه معالجة، وإن كان خائفا منه وعالجه وأخرجه فذلك عندي حسن.
/205/ (3/205)
صفحة 1103
ووجدت أنه قيل، إنما على الجنب إذا لم يغسل من جنبه يبدل يومه، ولا يبعد ذلك عندي في ثبوت القول فيهما فيما عندي، أنه أكثر القول، إنما عليهما في هذا الفصل، أعني الحائض والنفساء فساد يومها ذلك.
وليس يتعدي عندي ذلك فيهم كلهم بقول من يقول، إنه كل يوم من شهر رمضان فريضة على الانفراد، وأنه ليس هو كله فريضة واحدة، وأنه ثلاثون فريضة، فذلك ثابت في (المعنى ينظر فيه) في الاعتبار، والله أعلم.
وعنه، فيما أحسب، ومعي أنه ما لم يثبت معنى حكم خروج الماء الدافق، وإنما كان لزوم الغسل بمعنى الاحتياط وكان ذلك في شهر رمضان فلم يغسل من عناه ذلك، لما يظن أنه ليس عليه غسل، مثل أنه يرى الجنابة في ثوبه، أو في بدنه فلم يغسل إذا لم يكن رأي جماعا، فيخرج عندي في قول من يلزمه الغسل، ولا نجعل له في ذلك عذرا بالاحتمال، أنه كمن ترك الغسل عامدا، وقد قيل فيمن ترك الغسل عامدا وهو صائم، أن عليه ببدل ما مضى من صومه إلا أن يكون له عذر بالجهالة.
ومعي أنه قد قيل له عذر بالجهالة في ترك الغسل بمعنى من المعاني، فمعي أنه قيل، إن عليه بدل ما مضى من صومه، ولا يعذر بما يظن من الظنون التي يحسب أن له فيها عذرا في مثل هذا.
ومعي أنه في بعض القول، إنما في مثل هذا الذي فيه التأويل والظن بدل يومه ما لم يترك ذلك متعمدا أو بجهل، وليس المتأول والظان كالجاهل والمتجاهل.
ومعي، أنه يخرج في بعض القول في مثل هذا، أنه لا شيء عليه في صومه
/206/ (3/206)
صفحة 1104
كما لم يكن عليه كفارة في صلاته، وكل منزلة لم يكن عليه كفارة في صلاته في مثل هذا صلى بذلك، وكان في معنى الصوم في ثبوت البدل، لأن التارك للغسل في صومه إذا لم يجامع في النهار، وإنما ترك هو الغسل من جنابة صحيحة من جماع أو احتلام.
فأكثر ما قيل فيه، أن عليه بدل ما مضى من صومه، وقد يلحقه إنما عليه بدل يومه.
وقد قيل فيما يشبه معنا أنه تلحقه الكفارة، ولعله شاذ من القول، وإن كان لا يشذ بل يحتمل، ويلحق معاني ذلك كل ما ذكرت لك من هذه المعاني فيما يلزمه عندي، على قول من يقول، بالكفارة في الصلاة على الجهل إذا صلاها المصلي بنجاسة، جاهلا أو جنبا جاهلا، فليس العدم عندي بأهون من الصلاة على الجهل إذا ثيب أنه لا يقوم على الجنابة كما لا تقوم به الصلاة على النجاسة.
وإذا كان إذا صلى بما لا تقوم الصلاة عليه، جاهلا كان عليه الكفارة أشبه ذلك عندي في الصوم، لأنه إذا صام على ما لا تقوم به الصلاة جاهلا أن تلحقه الكفارة.
ومن جامع عبد الله بن محمد بن بركة، رحمه الله:
وقد روي عن النبي (ص) أنه قال، لا صيام لمن لم يثبت الصيام من الليل، فأجاز تقديم النية في الصيام، وكذلك عندي، والله أعلم.
وكذلك النية للصلاة والزكاة والحج مع الفعل لذلك، والنية للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيام كغيره، غير أن الصيام وقته طلوع الفجر، وهو
/207/ (3/207)
صفحة 1105
وقت لا يتهيأ لأكثر الناس ضبطه، ولأن الناس فيه نيام.
وحفظت عن محمد بن سعيد، رحمه الله، بمنح، في المسافر إذا اعترض الإفطار في النهار وهو صائم من غير عذر، أنه يختلف فيه، فقال من قال، عليه البدل لما مضى والكفارة. وقال من قال، عليه البدل لما مضى ولا كفارة عليه، وقال من قال، لا بدل عليه إلا ما أفطر وهو مسيء في ذلك.
واختلفوا في شهر رمضان، فقيل، كله فريضة واحدة، وقيل، كل يوم منه فريضة، واحتجوا بالسحور، أن النبي (ص) كان يحث على السحور لتأكيد الاعتبار للصوم في كل ليلة.
قال غيره، نعم، الأعمال لا تقوم إلا بالنيات إلا أن نية المسلم في أداء الفرائض وعمل الطاعات، وهو على نية، ما لم يحولها أو يترك ذلك.
وسألته، عن رجل أخذه الجنون في شهر رمضان، فيأخذه أحيانا، ويتركه أحيانا، كيف يصنع بالصوم والصلاة إذا ذهب عقله، وفاتته الصلاة يوما أو يومين؟ قال، أما في صوم شهر رمضان فعليه صوم ما أفطر منه، وأما الصلاة فإن عقل وهو في وقت الصلاة بعد صلاها، وإن مضى وقتها فلا بدل عليه، وإن دخل وقت الصلاة، وهو صحيح فلم يصلها حتى عناه الجنون فعليه أن يبدلها إذا أفاق.
وكذلك إذا أصابه الجنون في الليل، فأصبح وهو ذاهب العقل حتى أتاه الليل فعليه بدل صيام ذلك اليوم.
/208/ (3/208)
صفحة 1106
قال أبو سعيد، رحمه الله، الذي نحب في الصوم، أنه إذا أصبح صحيح العقل معتقدا للصوم، ثم ذهب عقله بجنون ثبت له صوم ذلك اليوم، وما أصبح فيه من الأيام ذاهب العقل فأحب أن يكون عليه بدل ذلك اليوم، ولا أنظر في صحته فيما بين ذلك ولا في جنونه، وإنما أراعي هذا.
وأما الذي غسل من الجنابة في شهر رمضان في الليل وأصبح فيه شيء من الجنابة فقد قيل، عليه البدل، وقيل لا بدل، وهو أحب إلي.
ومن غيره:
وسألت عن رجل أصابته الجنابة في الليل في شهر رمضان، وكان الغيث قد أصابه في تلك الليلة، فخاف إذا خرج من منزله ترطيب ثيابه من الغيث، فقعد ينتظر فتور الغيث، فلم يرفع الغيث حتى طلع الفجر، ما نرى عليه؟
قال: إن كان قعوده في منزله انتظار فتور الغيث ونيته أن يغتسل قبل طلوع الفجر على كل حال رفع الغيث، أو لم يرفع، فلم يزل كذلك حتى طلع عليه الفجر لم نر عليه إلا بدل يومه ذلك، وإن كان يخاف أن يطلع عليه الفجر ولم يكن احتباسه إلا الغيث. ولم يخف على نفسه إلى رطوبة الغيث، فعليه بدل ما مضى من يومه، وإن كان احتبس في منزله من الغيث خوفا على نفسه من الهلاك حتى طلع الفجر لم يكن عليه بدل شيء من صومه.
وقال أبو سعيد، في امرأة تسوك بالدارم قبل الفجر في رمضان، وتغسل
/209/ (3/209)
صفحة 1107
فاها حتى تذهب الذات ويبقى زوكه في لحم فمها وضروسها، أنه لا بأس عليها في شرط ريقها بعد الغسل للفم، لأنه قال، يخرج عنده أنه لا ينحل من ذلك شيء إذا غسل الفم، وإنما هو بمنزلة الزوك.
أخبرنا هاشم عن رباض بن نجدة عن أبي عبيدة الصغير، قال: قلت للصائم أن يمضمض فاه، ثم يقذف الماء من فيه، ويسيغ ما يبقى قبل أن يبزق؟ قال: لا بأس.
ومن غيره:
قال، يستحب أن يبزق إن ذكر ذلك قبل أن يسيغ الماء، مراده الريق، والله أعلم.
ومن غيره:
قال بشير لا أعلم أن أصحابنا اختلفوا في الذي يفعل شيئا من الفرض أن يقدم نيته لذلك.
وسألته: عن الصبي إذا كان مراهقا غير بالغ، فصام من رمضان أياما، بشهوة منه، ثم ضعف، فأفطر، هل عليه، أو على أحد من أوليائه، من والديه، أو غيرهما، أن (يطعموا ينظر فيه) عنه بقية رمضان عن كل يوم مسكينا؟
قال: معي أنه قد قيل ذلك، وقيل، ليس عليهم ذلك، وإن أطاق فليصم، وإن لم يطق فلا شيء عليه من طعام ولا صيام.
قلت: فإن قدر على الصوم فلم يصم، هل يلزمه؟ قال: لا يلزمه عندي إلا تقصير والديه، إذا لم يأمراه بذلك.
/210/ (3/210)
صفحة 1108
قلت له: فإن صام منه أياما، فعزم عليه والداه بالإفطار حتى يفطر، هل يلزمهما أن يطعما عنه؟
قال: قد مضى الجواب، وهما عندي مفرطان في تركهما لأمره إذا أطاق الصوم، فإذا نهياه عن ذلك فهما عندي أحرى بالتقصير، وأما الإطعام فعلى قول من يقول، ذلك إذا أمراه أو لم يأمراه فيخرج أن عليهما ذلك، وإذا أمراه فأجدر، ووالداه وغيرهما سواء عندي، إذا كان يطيق الصوم.
وقال أبو سعيد، رحمه الله، في الصائم إذا استعطى، أن معه في ذلك اختلافا، قال من قال: عليه البدل، دخل حلقه أو لم يدخل، وقال من قال: لا نقض عليه، دخل أو لم يدخل، وقال من قال: إن دخل حلقه نقض، وإن لم يدخل حلقه لم ينقض، وهو أوسط القول عندي.
قلت: لأي علة نقض عليه في قول من قال دخل حلقه أو لم يدخل؟
قال: لأنه قيل: إن السعوط رضاع.
قلت له: فهو بالاتفاق عندك أنه رضاع، دخل حلقه أو لم يدخل؟
قال: لا أعلم في قول أصحابنا اختلافا إلا أنه رضاع.
قلت له: فألحقته للصبي يكون رضاعا، والله أعلم.
قيل له: فمن أين كان السعوط رضاعا؟
قال: لأنه شبهة، والشبهة قد قيل: إنها رضاع للخروج من الريب.
/211/ (3/211)
صفحة 1109
وعن رجل وطئ امرأته وهي صائمة كفارة لازمة، جبرها على ذلك.
قال: عندي أنه محجور عليه وطئها، لإدخال ذلك عليها في الصوم، فإذا وطئها على الجبر كان فيه اختلاف.
قال من قال: عليها بدل يومها، وقال من قال: لا بدل عليها.
قيل له: وكذلك رمضان مثله؟ قال: عندي أنها مثل الأولى.
قلت له: فما يجب على الزوج إذا كان صومها لازما؟ قال: عندي، أنه يخرج على قول من يقول، لا شيء عليها، لا يلزمها إلا التوبة والاستغفار.
وعلى قول من يلزمها، فمعي أنه قد قيل: يتعلقه الضمان فيما يتعلق عليها، وأفسد عليها صومها.
قيل له: فما يتعلق عليه هو من الضمان؟
قال: يعجبني أن يكون عليها بدل يومها، وأما هو فلا يعجبني أن يلزمه شيء، ولعله يشبه عندي أن يلحقه إطعام مسكين، وتصوم هي بدل يومها.
ومن غيره ـــ وأما التي وقع عليها زوجها وهي صائمة في شهر رمضان، وغلبها على ذلك، فقد قيل: على المرأة بدل ذلك اليوم، وعلى الزوج ما يلزمها من الكفارة، وتلزمه هو الكفارة إن كان صائما، وإن طاوعته المرأة فعلى كل واحد منهما الكفارة.
وسئل عن الصائم إذا لمس زوجته فأمذى، قال: عندي أنه إذا قصد باللمس الشهوة فأمذى فعليه بدل يومه، وقيل لا شيء عليه.
/212/ (3/212)
صفحة 1110
قلت له: فبمعنى المذي وجب البدل في قول من يقول ذلك، أم باللمس للشهوة؟ قال: عندي باللمس للشهوة، ولا معنى للمذي.
وقال: إذا مس الصائم زوجته لشهوة أو عالجها أو قبلها أو نظرها فمعي أنه قيل لا بدل عليه، وقيل بدل يومه، لأنه ممنوع الجماع، وما جر الجماع وتولد منه، كما كان ممنوع الأكل وما تولد منه.
قال: وكذلك المتوضئ عندي فيما قيل في كل ما كان من المس لفرج زوجته بفرجه، وإن قبلها أو نظر، أنه مثل الصوم إلا مسه فرجها بيده، فإنه لا أعلم فيه اختلافا إلا أنه يفسد الوضوء، وأما الصوم فكما مضى من الاختلاف.
وسئل عن رجل أصبح جنبا في رمضان، إذا أصابته الجنابة في النهار، فاستحيا أن يغتسل في موضع قريب من الماء، وهو موضع مستتر، هل له أن يجاوز ذلك إلى غيره، ولو جاوز مواضع كثيرة، إذا لم يحب أن يدري به أحد أن يغتسل من أجل الجنابة.
قال: معي، أنه يؤمر أن يدع الحياء ويأخذ اللازم له من تقديم الغسل والإرادة له، فليس هو بمهمل الغسل عندي على هذا، ما كان على نية الغسل، وفي طلب الغسل، ولم يتوان إلا لهذا المعنى، فمعي أن صومه تام ولا يضره ذلك، لأن له أن يتقي الغيث عن نفسه، ولو لم يكن يأثم فيه لم يهمل نيته عن الغسل أو يتوانى بغير ذلك قليلا أو كثيرا، فإن توانى بغير ذلك فسد صومه.
وأما إذا كان على سبيل الحياء ولو لم يجاوز المواضع التي يمكن فيها الغسل إذا كان له معنى في ذلك وإرادة صالحة، والله أعلم.
/213/ (3/213)
صفحة 1111
وروى أبو سعيد ـــ رحمه الله ـــ عن محمد بن الحسن عن محمد بن روح عن أبي المؤثر، رحمهم الله، أنه قال، من مرض في شهر رمضان فأفطر أو مات في مرضه أن عليه أن يوصي أن يصام عنه ما أفطر في شهر رمضان.
قال غيره: ورجل دخل عليه شهر رمضان، فصام الشهر كله بغير نية منه أن يصوم شهر رمضان، ولا مؤد لما أوجب الله عليه، قلت: هل يجزيه ذلك؟
ـــ فإذا نسي اعتقاد النية في ذلك فهو مؤد، و المسلم على نيته، وإذا اعتقد ذلك لغير أداء الفرض إلا أنه قد صام تطوعا، أو قصدا منه إلى صوم شهر رمضان، فقد قيل: هو مؤد للصوم ولا تضره النية، وقيل: عليه البدل لشهر رمضان، وكذلك عندي جميع الفرائض التي لا تنفذ إلا بالنيات.
وقلت: إن كان صائما فنظر إلى فرج امرأته لشهوة أو لغير شهوة أو مسه بيده أو بفرجه، ووطئها إلى أن تغيب الحشفة، لعله أراد، إلى ألا تغيب الحشفة ولم يقذف، هل يتم صومه إذا كان نهارا؟
فقد قيل: يتم وقد وسخ صومه.
وقلت: ولو نظر إلى فرج امرأة أو جارية غير بالغة، أو إلى شيء من بدنها أو غير ذي محرم غير امرأته، أو أمة غير ذي محرم منه لشهوة أو لغير شهوة من غير الفرج عمدا، هل يتم صومه؟
ـــ فأما الوجه فالنظر إليه على العمد لغير شهوة فلا فساد فيه على صومه، وعلى الشهوة فيه اختلاف، وأحب أن لا بدل عليه، وأما سائر البدن غير الفرج من
/214/ (3/214)
صفحة 1112
عورات المرأة عليه على التعمد لشهوة فعليه بدل (يومه، ينظر فيه) وعلى التعمد لغير شهوة ما دون الفرج، ففيه اختلاف من العورات عليه، وأما الفرج فعليه البدل، ولا يبين لي اختلاف في ذلك فيما نعمل به على مذاهب أصحابنا.
وقلت: ولو مس جميع بدنها غير الفرج، وهي على ما وصفت لي، هل يتم صومه؟
ـــ فإذا مس منها محرما عليه على شهوة فعليه البدل، وعلى التعمد ففيه اختلاف، وأحب أن يبدل في اللمس.
وسألت عن الذي يكون عليه البدل من شهر رمضان، ثم لم يبدل حتى تمضى عليه سنون كثيرة، ثم يحتاط لنفسه.
قلت: أعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا في الذي حالت عليه الأحوال، لكل يوم مسكين، وقيل: إنما عليه ذلك في حول واحد، وعليه البدل، وذلك عندي، إذا كان يقدر على الإطعام، فإذا لم يقدر على الإطعام، فقيل: ليس عليه شيء حتى يقدر، وقيل: يصوم عن كل مسكين يوما.
وقلت: إن صام يوم الشك ما يلزمه في ذلك؟
ـــ فإذا فعل ذلك احتياطا فلا يلزمه شيء، وإن فعل ذلك مخالفا للأثر لم أحب له ذلك.
وقلت: لو أن شاهدين شهدا أنهما رأيا الهلال فأفطر الناس بشهادتهما،
/215/ (3/215)
صفحة 1113
ثم صح أنهما شهدا زورا، هل يجب على أحد من الناس تمام، الذين أفطروا بقولهما؟
ـــ فإذا ثبتت الحجة بقولهما، وأفطر الناس فذلك حكم قد ثبت، ولا يصح بعد ذلك نقضه، ولو رجعا عن ذلك، وقالا، إنهما شهدا زورا، ولم يرياه.
وكذلك لو شهد عليهما شاهدان أنهما شهدا زورا، ما ثبت ذلك في حكم ما قد مضى وحكم به المسلمون وعملوا به، وقلت: إن أراد هما التوبة ما يلزمهما في ذلك؟
فليس معي في توبتهما إلا الاستغفار، ويكتمان على أنفسهما لموضع أنه لا يقبل رجعتهما عنه.
ورجل صائم اشتد عليه الصيام، أو كان ذلك في الحر، وخاف أن يشتد عليه، فخرج إلى قرية، وإنما إرادته ليفطر، فإذا كان وقتا آخر أهون من وقته ذلك صام.
قلت له: هل له ذلك، ويكون سالما من الإثم؟ فقد قيل له ذلك، والإثم عليه عندي، إذا وافق الحق.
وسألت هاشما: عن الصائم، كيف حد مرضه الذي يجوز له أن يفطر، وكيف حد صومه الذي إن صامه عليه البدل؟ قال، إذا لم يجمع وذهبت عنه شهوة الطعام جاز له أن يفطر، ثم يعيد، إذا صح، وإن لم يفطر وصام على ذلك أعاد أيضا، وإذا أصبح صحيح العقل مثبتا لعقله على نية الصيام، ثم لم يأكل ولم يشرب،
/216/ (3/216)
صفحة 1114
ولم يتغير عقله في النهار فإن صومه تام، وإنما الإفطار في المرض رخصة من الله.
وسألت عن من أصبح صائما في شهر رمضان، ثم إنه رأى في ثوبه جنابة، فظن، أن ليس عليه غسل في ذلك، إذ لم ير الجماع فلم يغسل، ما يلزمه؟
قال: عليه بدل ما مضى من صومه.
قال غيره: قد حفظت عنه في غير هذا الموضع، وهو آخر ما عرفت عنه، أن عليه بدل يومه.
وقال محمد بن خالد: سمعنا أن المرأة يجامعها زوجها في الليل في رمضان، فتغسل، فيبقى في رحمها في النهار نطفة، أن تلك لا تفسد عليها صومها، ولا تجدد لها غسلا آخر.
ومن غيره ـــ
وقد اختلف في الذي يكون عليه أيام من رمضان فلم يصم حتى حال عليه رمضان، ولم يمكنه إطعام، فقال من قال، يكون عليه دينا متى ما قدر أطعم، ولا يلزمه إلا حول، ولو حال عليه الأحوال.
وقال من قال: لكل حول حال عليه لزمه بعدد تلك الأيام، لكل يوم إطعام مسكين.
وقال من قال: إذا لم يمكنه الطعم لما لزمه من ذلك جاز له أن يصوم عن كل مسكين يوما.
/217/ (3/217)
صفحة 1115
ومن أصابته الجنابة ليلا قبل الصبح ولم يكن عنده ماء فتيمم قبل الصبح لصومه، فإن جهل وأصبح. فعن أبي علي، رحمه الله، أن عليه بدل ما مضى.
ومن غيره:
وقال من قال: لا بدل عليه إذا جهل التيمم، وقال من قال: لا يسع جهل التيمم، لأنهم قالوا يسع جهل التيمم.
ومن غيره:
قلت له: فإن نام رجل، وأبصر الجنابة في شهر رمضان قد أصابته نهارا فربط بقرة، أو أطلقها من رباطها، أو لقي إنسانا فكلمه أو وقف معه، قال: عليه في كل هذا بدل يومه، إذا فعل واحدة منهن، وقال بعض، يفسد عليه ما مضى من صومه.
ومن غيره:
وقيل في الصائم إذا أصابته جنابة في النهار فغسل حين علم، ولم يتوان، فصومه تام، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قبل أصحابنا، وأما إن أصابته الجنابة في الليل فمضى إلى الغسل حين ما علم ولم يتوان، فطلع الفجر قبل أن يغسل، فهذا عندنا مما يختلف فيه.
فقال من قال عليه بدل يومه، وليس هذا مثل النهار، لأن النهار لا يدل عليه إذا غسل من حينه بلا اختلاف من أصحابنا، وقال من قال، كله سواء ما لم يتوان، وقال من قال: إن خاف أن يطلع عليه الفجر فتيمم في الليل لإحراز
/218/ (3/218)
صفحة 1116
صومه فلا بدل عليه لأنه أحرزه، كما أن المسافر حيث لا يجد الماء إذا خاف الفجر تيمم في الليل لإحراز صومه.
وسئل أبو سعيد رحمه الله، فيمن أصابته الجنابة في الليل، فخاف إن غسل أدركه الصبح قبل أن يأكل، وإن أكل طلع عليه الفجر قبل أن يغتسل، هل له أن يقدم الأكل؟
قال: يعجبني أنه إذا كان لا يقدر على الصوم ألا يأكل، أعجبني أن يقدم الأكل.
قلت له: فإن كان يقدر على الصوم إلا أنه يخاف مضرة يحتملها، أو يتعبه الصوم، هل له أن يأكل قبل الغسل؟
قال: عندي، أن له أن يأكل، ولو كان مضرة يحتملها، أو كان يخاف أن يتعبه الصوم، فله عندي أن يقدم الأكل قبل ولكن يتيمم قبل الأكل لإحراز صومه ويأكل، فإن طلع الفجر قبل الغسل فلا يلزمه عندي شيء، وصومه تام، لأن هذا له عذر عندي، ودين الله يسر كله، وكله مشقة على أعداء الله.
وسئل: عن رجل رأى في ثوبه جنابة في النهار، وقد انقضى اليوم كله، قال: عندي، أن بعضا يقول، لا شيء عليه إذا لم يعلم، وقال من قال: إذا مر يومه كله وهو جنب فعليه بدل يومه، وقال من قال: إذا أصبح في يومه ذلك وهو جنب، مر من النهار قليل أو كثير فعليه البدل.
قال غيره: ويوجد في بعض الرواية، ولعلها عن أبي صفي، عمر بن الخطاب،
/219/ (3/219)
صفحة 1117
رضي الله عنه، أو غيره، أنه قال: إن الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق، و الحدود على من بلغ، فينظر في ذلك.
وسألت أبا سعيد، محمد بن سعيد، رحمه الله عن رجل كان عليه بدل شهر رمضان، أو كان صائما كفارة يمين مغلظ، أو مرسل، أو كفارة لترك شهر رمضان، فأراد أن يطعم مسكينا عن كل يوم يفطر فيه في أحد هذه الوجوه، هل له ذلك؟
قال: أما بدل شهر رمضان فليس له ذلك، وإنما عليه الصيام متى أطاق متتابعا، وأما كفارة يمين المرسل، فإذا أطاق الإطعام لم يجز له الصوم، وكان عليه الإطعام، لكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد الإطعام فصيام ثلاثة أيام، ولم نعلم أنه يجزيه أن يصوم بعض ذلك ويطعم عن بعض، وحكم الكتاب بغير ذلك.
وأما كفارة التغليظ في الأيمان فإنه مخير في ذلك بين الإطعام والصيام، فيطعم عن ذلك على ما يشاء من الأيام، ويصوم عن ما يشاء، وإن شاء صام عن ذلك كله، وإن شاء أطعم عنه كله، وإن شاء أطعم عن بعض وصام عن بعض، ولكنه لا يفطر يوما من صيامه إذا بدأ بالصوم حتى يطعم عن ذلك اليوم الذي يريد أن يفطره، لأنه إذا أصبح مفطرا قبل أن يطعم بطل صومه الماضي.
قال فيه:
وقد حفظنا عن أبي سعيد، رحمه الله، في هذا قولا ثانيا، وهو أنه إذا أفطر
/220/ (3/220)
صفحة 1118
على نية أن يطعم عن ذلك اليوم الذي يفطر فيه، وكانت النية في الليل متقدمة ولم يصبح مفطرا على الإهمال فلا بأس عليه، ولا بدل، ولو أفطر قبل أن يطعم، ويطعم في ما أراد، ويكون عليه دينا، هكذا عرفت عن أبي سعيد، والله أعلم.
وأما كفارة القتل فليس فيها تخير، وإنما عليه الصوم شهرين متتابعين إذا لم يجد العتق، ولم يقل أحد من أهل العلم من أصحابنا، أن في ذلك إطعاما، ولو لم يقطع الصوم، وكذلك بظاهر الآية من كتاب الله تبارك وتعالى: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ}. (ينظر في الآية فتحرير)
وكفارة شهر رمضان لمن أفطر فيه على وجهين مع أصحابنا، فبعض يذهب إلى أنه كفارة التغليظ، وهو مخير في ذلك بين الإطعام والصوم، وهو أن يصوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا بعد البدل، لما أفطر من الصوم، ولما مضى من صومه، وبعض يذهب في ذلك إلى أن الكفارة في هذا والبدل معا بصيام شهرين عن من أتى، لا يفرق في ذلك ببدل ولا بكفارة، وقالوا: لا يجوز في هذا الوجه إطعام، إنما هو صوم شهرين عن البدل والكفارة، وهو حسن، إن شاء الله، فإذا كان على هذا فلا يجزيه فيه الإطعام، ولا إطعام عن بعضه، لأنه ممزوج البدل منه بالكفارة، ولا يعرف موضع البدل من الكفارة، ومن ذهب إلى الكفارة بالشهرين من بعد بدل ما مضى من صومه فهو بمنزلة كفارة التغليظ، وقد مضى هذا القول فيه.
/221/ (3/221)
صفحة 1119
قلت له: فإن اعتقد في نيته أنه يصوم شهر البدل، وشهرين للكفارة من غير أن يفرق بينهن بنية، هل يجزيه ذلك؟
قال: إذا وصل ذلك أجزاه إن شاء الله، وإن فرق بين شهر البدل وشهري الكفارة فأفطر أجزاه ذلك، إن شاء الله، ولا يجوز أن يفرق بين شهري الكفارة بإفطار، إلا أن يطعم عن ذلك كما وصفت لك. ولا يفرق بين صوم البدل.
وسئل عن الصائم، هل له أن يسعط بالدهن في منخريه أو أذنيه، أو يكتحل ولا ينقض صومه ذلك؟ قال، معي، أنه قيل، إن الكحل لا بأس به عندي، ولو دخل في حلقه طعمه أو شيء منه يبين له، لأنه ليس من مجاري الحلق، وأما السعوط فعندي، أنه يختلف فيه، استعط فقال من قال، ينقض صومه، دخل في حلقه أو لم يدخل ولعل أوسط ذلك إذا دخل في حلقه شيء من ذلك فعليه النقض، إذا تبين له ذلك.
قال غيره: وهذا عندي إذا استعط من علة، والله أعلم.
رجع.
وأما الأذن فمعي أنه قيل، ينتقض إذا قطر، فنفذ الدهن ودخل في مسامه، وقيل، لا نقض عليه، ويعجبني ألا يكون نقض لبعد مجاري حلقه.
ومن غيره:
وعن امرأة كان وقت نفاسها أربعين يوما، وطهرت في عشرين يوما، ولم يراجعها الدم، هل لها أن تصوم وتتم صيامها إذا لم يراجعها الدم في الأربعين،
/222/ (3/222)
صفحة 1120
أو هل لزوجها أن يطأها إذا احتاج إليها؟ فإذا طهرت اغتسلت وصلت وصامت فإن لم يراجعها الدم حتى تنقضي الأربعون يوما فصيامها تام، وإن راجعها الدم في الأربعين، وهي في شهر رمضان كان عليها بدل ما صامت من بعد ما غسلت، وليس لزوجها أن يجامعها حتى تنقضي الأربعون فإن جامعها وهي طاهر فقد أساء ولا تحرم عليه امرأته، راجعها الدم وهي بعد في الأربعين ثم راجعها الدم من بعد الفطر في الأربعين فصيامها تام.
ومن غيره:
قال: اختلف أبو عبد الله وأبو معاوية فيما جاء عنهما في المزرع الذي يكون خارجا من عمران البلد، وهو أقل من فرسخين، فقال أحدهما، إن لأهل البلد من العمال أن يخرجوا من البلد حتى يعدوا الفرسخين، ثم يرجعوا إلى الزرع ليعملوا فلهم أن يفطروا على ذلك في شهر رمضان، لأنهم قد عدوا الفرسخين، وهم في حكم السفر ما لم يرجعوا إلى بلدهم.
وقال أحدهما: إن هذه حيلة ولا يجوز لهم أن يحتالوا على الصوم إلا فيما كان خارجا عن الفرسخين، والأول ثبت عندنا في الحكم على قول من يقول به، ولكل قول، نسخة، قوم علة ومذهب إليه، لأنه قد جاء الأثر، وحفظنا عن أهل العلم والبصر في هذا الاختلاف، فقال من قال، ليس للمسافر أن يفطر ولا يقصر الصلاة حتى يسير فرسخين، ولو كان يريد مجاوزة الفرسخين فله أن يقصر الصلاة إذا جاء وقتها وقد خرج من بلده، وله أن يفطر إذا خرج من العمران قبل الفجر ولو لم يعد الفرسخين إذا أراد مجاوزتهما في خروجه، وعلى هذا المعنى
/223/ (3/223)
صفحة 1121
يخرج معنى القول الأول، وينظر في هذا، ولا يؤخذ إلا ما وافق الحق والصواب، إن شاء الله.
ومن غيره:
عن علي البيساني، قلت، هل يجوز للصائم أن يستاك نهارا؟ قال، جائز بالعيدان اليابسة في أول النهار، ويكره ذلك في آخر النهار.
من غير الكتاب والزيادة:
من مصحف بن ثيران، وسئل عن السواك قال، كان أصحابنا يقولون، إن السواك للصائم أول النهار، وربما رأيت الربيع، رحمه الله، يسوك عند الأولى وهو صائم، قال، وكان يكره عند الفطور حتى يفطر، ويستحب أن يشرب على الرائحة التي تكون في الفم، ولا بأس به في أول النهار.
وكان بعض الفقهاء يكرهه في آخر النهار.
وعن الوضاح عن بشير أنه قال، لا يدخل الصائم إصبعه في فيه بمضمضة بعد العصر.
وعن رجل دخل في حلقه دخان النار حتى وجد طعم الدخان في حلقه وهو صائم شهر رمضان، ينتقض صومه أم لا؟
قال، لا ينتقض صومه، ولا شيء عليه في ذلك، إن شاء الله.
/224/ (3/224)
صفحة 1122
فصل
في السحور وأحكامه
فيمن تسحر في شهر رمضان، ولم يخرج لينظر، يظن أن عليه ليلا، فعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر، فإن عليه أن يعيد ذلك اليوم، ولا يعود يتسحر حتى ينظر.
أبو علي، عن رجل نوى الصيام، فبينما هو يتسحر إذا أقام المؤذن الصلاة، فأحب أن يمضي على صومه، ويبدل يوما.
أبو محمد رضيه الله، ويستحب للصائم السحور، لقول النبي (ص): تسحروا فإن السحور بركة، وأجمع الناس على أن الأمر بالسحور ليس بفرض، كان النبي عليه الصلاة والسلام، يسمي السحور الغذاء المبارك، والذي عندي أنه أمر بذلك أمته (ص)، ترغيبا لهم فيما يؤول إليه نفعهم من القوة على تأدية الفرائض وما اختاروا من النوافل والتأكيد على النية للصوم لما ينالون من عظيم الثواب بالنية المحدودة.
وفي السحور معنى آخر، كان السحور محرما عليهم فجاءت الإجابة لأمة محمد (ص) رحمة بهم وتخفيفا عليهم، فيجب استعماله لما وسع الله عليهم، ولمخالفة أهل الكفر، وبالله التوفيق.
والسحور بضم السين فعل الأكل، والسحور بفتح السين اسم المأكول.
/225/ (3/225)
صفحة 1123
سألت أبا محمد عن رجل قام في وقت، وهو يظن أنه ليل، فأكل، فإذا هو قد أصبح، أو قريبا من ذلك، قال: إن تبين له أنه أكل في النهار والفجر قد طلع، فعليه بدل يومه ذلك، وكذلك من ظن أن الليل قد طلع فأكل، فإذا هو في النهار، فإنه يبدل صومه، والخبر، أن كل حتى تشك، وكل حتى لا تشك.
قال هذان خبران رويا فتأول كل فيهما.
فأما كل حتى تشك، ففيه قولان، تأوله قوم، كل حتى لا تشك في أنه ليل، أي كل ما كنت مستيقنا على الليل، وتأوله قوم، أن كل حتى لا تشك في أنه نهار.
وأصحابنا يميلون إلى القول الآخر، وهذا قول متوجه على القياس، لأن الله تعالى يقول {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. فهذا يدل كأنه يقول، حتى يتبين لكم، وهو كالقول الآخر.
قلت: فيجوز للصائم الذي لا يعرف الليل أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الصبح أم لا؟ قال: نعم.
وكان يقال: استعينوا على صيام النهار بالسحور، وعلى قيام الليل بقائلة نصف النهار.
/226/ (3/226)
صفحة 1124
وكان عليه السلام يفطر على الرطب في وقت الرطب، وإن لم يكن رطب أفطر على التمر، فإن لم يجد ذلك أفطر على الماء، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
ومن الأثر، ذكر عن أبي عبيدة أنه مرض، فلم يصم شهر رمضان، فلما دخل شهر رمضان الثاني صامه، وأطعم عن الخالي، فقلت له: أتطعم مسكينا شهرا، أو تطعم كل ليلة مسكينا؟ قال: أطعم مسكينا، لأن الله تعالى قال: {وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ}. (ينظر في الآية) ولم يقل مساكين، إلا أن تأتي منزلة لا يقدر عليه، كأن مات المسكين، أو غاب، ثم صام بعد ذلك شهرا، وقد كان أطعم عنه.
وعن رجل أو امرأة كبرا، ولهما أولاد ليس لهما مال، أيما أفضل، الصوم عنهما، أو الإطعام؟ قال أبو الوليد: إن كان لهما مال أطعم عنها، وإن لم يكن لهما مال فما أقول، أن على أولادهما صوما.
أبو علي، عن جارية أدركت في آخر شهر رمضان، هل عليها بدل ما مضى؟ قال: نعم.
الفضل بن الحواري: عن الغلام الذي قد راهق الحلم وهو يشتهي الصوم، ولا يقدر ذلك، يطعم عنه، وكذلك الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم يطعم عنه؟ فإن لم يكن للشيخ مال صام عنه ولده الكبير، فإن أبى فالآخر، فإن أبوا أن يصدقوا أساءوا ولا يلزمهم إلا الإساءة، عرض عليه عن محمد بن محبوب رحمه الله، عرض كله.
/227/ (3/227)
صفحة 1125
أبو محمد رحمه الله، وفسر بعض المفسرين قوله تعالى: {وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ}. أي الذين لا يطيقونه، وهذا معروف في لغة العرب.
قال عمر بن كلثوم:
نزلتم منزل الأضياف منا ... فعجلنا القرى أن تشتمونا
وقال: وعلى الذين يطيقونه، أراد الذين كانوا يطيقونه، وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبير فعجزوا عن الصوم فعليهما أن يطعما عن كل يوم مسكينا، فطوره وسحوره.
ومن بلغ في شهر رمضان، وجهل الغسل، وصلى بغير غسل، ومضى في صومه ما يلزمه؟ قال: أما الصلاة فإذا انقضى وقتها وقد صلاها بغير غسل، فعليه الغسل وبدل الصلاة والكفارة، وأما الصيام فعليه بدل ما مضى.
أبو الحسن رحمه الله، وعن غلام بلغ الحلم في آخر شهر رمضان، عليه ما مضى من الشهر أم لا؟ قال: فيه اختلاف، والصوم أحوط له.
وعن صبي مراهق صام أول يوم من شهر رمضان إلى وقت الظهر، ثم أفطر بقية يومه، ثم بلغ في يومه هذا؟ قال يبدل ذلك اليوم.
وعن صبي احتلم ودخل عليه شهر رمضان، وأصبح صائما، فعزمت عليه والدته فأفطر، ثم أفطر بعد ذلك أربعة عشر يوما، ثم صام بقية الشهر، ما يلزمه؟
قال: إذا كان احتلم ثم أكرهته أمه على الإفطار فعليها هي كفارة ذلك
/228/ (3/228)
صفحة 1126
اليوم، صيام شهرين متتابعين، وعليه هو بدل ما أكل من الشهر، وكفارة واحد، صوم شهرين متتابعين، والله أعلم.
كذلك المشرك إذا أسلم في آخر الشهر ففيه اختلاف، منهم من أوجب عليه ومنهم من لم يوجب ذلك فرضا عليه.
فصل
في صيام يوم الشك
ويكره صوم يوم الشك، واختلف أصحابنا في صومه، (فخير ينظر فيه) بعضهم بين صومه وإفطاره، وقال بعضهم، صومه أحوط من إفطاره، واتفقوا على الإمساك، والنظر يوجب عندي الإفطار بعد عدم مجيء الخبر المؤقت للعمل به، وأن صامه عاص لربه، لمخالفة نبيه عليه السلام، لاتفاق الأمة على قول النبي (ص)، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وقوله عليه الصلاة والسلام، لا تتقدموا شهر رمضان بصوم يوم أو يومين، يدل على ذلك.
وفي حفظي عن الشيخ أبي مالك، رضي الله عنه، أن صوم ذلك اليوم لا يجزي عن من صامه، ولو جاء الخبر بصحة دخول شهر رمضان، في صدر النهار أو أخره، إذا كان إنما اعتقد صومه على غير يقين في الابتداء.
قال، وذلك كان قول أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب، رحمه الله.
ومن صام يوم الشك على أنه إن كان من رمضان كان فرضا، وإن كان
/229/ (3/229)
صفحة 1127
من شعبان كان تطوعا فذا رجل قدم عمله قبل نيته، والأعمال لا تجوز حتى تتقدمها النيات، للرواية، الأعمال بالنيات.
وروي عن عمر، رحمه الله، قال، لو صمت السنة لأفطرت يوم الشك.
وسألته عن صوم يوم الشك من آخر شعبان، قال، جاء الخبر عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن صوم ثلاثة أيام من السنة، صوم يوم النحر والفطر ويوم الشك، فاتفق الناس على تحريم صوم العيدين، واختلفوا في صوم يوم الشك، فبعض أجرى عليه التحريم، وبعض لم يره محرما، ورآه مكروها.
فالمستحب يوم الشك الإمساك عن الإفطار إلى مجيء الرعاة، فإن أتاهم خبر أتموا الإمساك وإن لم يأتهم خبر أفطروا.
قلت، فإذا أتى الخبر بقول واحد من المسلمين يقبل قوله؟ قال، نعم، ثقاب المسلمين مقبول قولهم.
قلت، فإذا جاء الخبر بقول الثقة فأفطر مفطر بعد خبر الثقة، ما الحكم فيه؟
قال: الحكم فيه الإثم.
قلت، فالكفارة، قال: بعض شدد عليه ورآه متعمدا للإفطار.
وبعض قال، هو آثم، والكفارة ساقطة عنه، لأن ها هنا شبهة معترضة، والكفارة تسقط عند الشبهات والله أعلم.
أبو الحسن، رحمه الله، وإن صح الهلال قبل الزوال فعلى الناس الإمساك بقية النهار عن الأكل، ولسنا نأخذ بقول من لا يوجب الإمساك عليه، فإن اعتمد
/230/ (3/230)
صفحة 1128
معتمدا على الأكل يوم الشك بعد الصحة كمن أفطر في شهر رمضان متعمدا، وفي الكفارة اختلاف. ولا بد من البدل في قولنا.
رجل عليه صيام خمسة أيام فلما انقضى شهر رمضان أخذ في الصيام، فصام أربعة أيام، ثم أفطر يوما واحدا ناسيا فمن حين ذكره فليصمه، وصيام أربعة أيام غيره.
عن رجل عليه أيام من شهر رمضان، أيصوم غيرها قبلها؟ قال نعم، النذر وصيام العمرة.
مسألة:
وعن أبي الحسن، رحمه الله، من غير الجامع:
ما تقول في رجل كان عليه بدل من شهر رمضان فلم يصمه حتى حال عليه حول، وهو فقير لا يقدر أن يطعم كل يوم مسكينا ويسحره، فأجبني بما أراك الله.
قال: إذا لم يقدر على ذلك المأمور به في الصوم صام الشهر الحاضر، فإذا قضى الشهر فعليه بدل الأيام التي عليه من الشهر الماضي، وقد أساء في تفريطه، إن كان فرط أيضا في ذلك، ويلزم الطعم من حيث الوجوب، والله أعلم بالصواب.
/231/ (3/231)
صفحة 1129
فصل
في صوم المسافر والمريض
وقال الله عز وجل: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا اَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنَ اَيَّامٍ اُخَرَ}.فهذه رخصة جائزة لمن قبلها أن يفطر إذا سفر وإذا مرض، ومن قدر على الصوم فصام فهو أفضل.
وقيل: صام النبي (ص) في السفر، وفي نسخة، وأفطر.
والمريض الذي يفطر، عندنا، أن يعنيه مرض ويضعف عن الصوم، ويحتاج إلى الإفطار ولا يقدر أن يصوم.
وأهل قرية لهم مزرع ويزرعون فيه، وبينهم وبين القرية فرسخان، وذلك المزرع يلزمهم فيه القصر، فخرج العمال يعملون في شهر رمضان، أيجوز لهم أن يفطروا في شهر رمضان، وهم ضعاف لابد لهم من العمل، فإن عملوا اشتد عليهم الصوم؟
فلهم أن يفطروا.
والمسافر الذي يخرج من بلده حتى يجاوز الفرسخين فهو مسافر، وله أن يسفر في كل حاجة عرضت له، ويفطر في السفر إذا صار فيه.
وقد بلغنا في ذلك تشديد، لأنه لا يسفر في شهر رمضان ويفطر إلا في أمر لابد منه، أو فقير يحتاج أن يسفر لكراء أو لزراعة له، ويفطر.
/232/ (3/232)
صفحة 1130
وأما المستغني فلا يفطر إن خرج في ذلك، وإن أفطر فعليه الكفارة.
ثم كان من رأي فقهائنا أن المسافر إذا سفر، له أن يفطر، كان غنيا أو فقيرا وكان هذا الرأي أحب إلينا، وبه نأخذ.
وقيل فيمن أفطر في شهر رمضان في سفره أو في مرضه، ثم مات في ذلك السفر أو بقي مريضا لم يصح حتى مات من ذلك المرض الذي كان أفطر فيه من شهر رمضان أنه لابد له على هذين فيما كانا أفطرا، ولا يقضي ذلك عنهما.
وإن كان المسافر رجع إلى بلده، أو صح المريض من مرضه بقدر تلك الأيام التي كان افطر فيها من شهر رمضان، أو شيء منها فعليه بدل تلك الأيام التي كان فيها صحيحا، أو رجع من سفره ليس عليه غيرها، ولو كانت شيئا من الأيام التي كان أفطر فيها.
وللمريض أن يكون على إفطاره حتى يقدر على الصيام ثم يصوم.
وإذا أراد المسافر أو المريض أن يفطر نوى الإفطار من الليل، أو من قبل وأصبح مفطرا، إلا أن يعني الصائم أمر يخاف منه على نفسه من عطش وغيره.
ويوجد في نسخة أخرى، قال: له أن يشرب بقدر ما يحي به نفسه، ثم يمسك عن ذلك، ويتم صومه، وعليه بدل ذلك اليوم وحده.
وكذلك المسافر والمريض والمقيم والصحيح، فإذا أفطر المريض كان عليه البدل إذا قدر، وأما المريض فله أن يفطر متى ما لم يقدر على الصوم، نوى في الليل أو لم ينو.
/233/ (3/233)
صفحة 1131
وأما المسافر فليس له أن يفطر في اليوم الذي أدركه الصبح فيه، وهو في بلده نوى الإفطار في الليل أو لم ينو، وعليه أن يتم صيام ذلك اليوم في السفر وفي غيره.
ومسافر نوى في الليل أن يصبح مفطرا وأصبح على ذلك حتى أظهر، ثم أمضاها صياما، ودخل بلده، بدل يوم، ولا ينتقض عليه ما صام قبل ذلك في السفر. وقال من قال غير هذا.
قلت: فإن نوى أن يصبح مفطرا وهو في السفر وأصبح على ذلك وهو في السفر فلم يفطر حتى تم يومه ذلك، فعليه بدل ذلك اليوم، وليس عليه بدل ما صام في سفره، وهذه مثل الأولى.
وكذلك إذا خرج المسافر من بلده في الليل ونوى في الليل وهو في بلده أنه يصبح مفطرا في السفر، فإنه إذا خرج من عمران بلده، وكان قد قدم تلك النية في الليل، أنه يصبح مفطرا، وفي نسخة أصبح مفطرا، وعلى هذا ينبغي للمسافر أن ينوي الإفطار من الليل.
وجاءت قصص الذي يخاف العطش، فإن له أن يشرب بقدر ما يحي به نفسه ثم يمسك من ذلك ويتم صومه، وعليه بدل ذلك اليوم وحده، ذلك للمسافر والمقيم والمريض والصحيح، فإن أفطر المريض والمسافر في النهار وهما صائمان من أمر يخافان منه على أنفسهما فذلك جائز لهما، وعليهما بدل ما مضى من صومهما، وقال من قال غير هذا، وقال من قال على المسافر بدل ما صام من سفره إذا أفطر بلا أمر يخاف منه.
/234/ (3/234)
صفحة 1132
وقد قال من قال من الفقهاء، إن المسافر لا بدل عليه فيما مضى من صومه، ولو أفطر في وقت من اليوم الذي هو صائم فيه، لأن ذلك له إذا كان في السفر وإنما عليه بدل يومه، ومن أخذ بذلك فهو جائز له، وأحب أن يكون ذلك للمريض أيضا. وقال من قال غير هذا.
وقال أبو المؤثر رحمه الله، نسخة، أبو المنذر: من نوى في الليل أن يسفر ونوى في الليل، أنه يصبح مفطرا، فلم يخرج من بلده حتى أصبح في بلده، ثم خرج مسافرا، وأفطر في يومه ذلك فعليه بدل ما مضى من صومه.
وقال من قال غير هذا.
ومن صام في السفر، ثم رجع فأفطر في السفر انتقض عليه ما صام في السفر، وكذلك كل صوم في السفر أعقبه إفطار فيه انتقض، إلا أن يكون هذا المسافر رجع إلى موضع تمامه.
ومن دخل عليه شهر رمضان في أهله، فصام أياما، ثم خرج مسافرا، فأفطر أياما، ثم رجع إلى أهله وبلده فصام أياما، ثم خرج في سفره أيضا فأفطر أياما، فما صام في أهله فهو تام له، ويقضي ما أفطر في سفره.
ومن سافر في شهر رمضان فأفطر أياما في سفره، ثم رجع من سفره فلبث ما شاء الله في بلده، وسفر أيضا إلى أن مات ولم يقض ما عليه.
فإن صام عنه أحد أجزأه عنه، ولو لم يوص بذلك.
وكذلك المريض يفطر أياما في مرضه، ثم يصح، ويلبث بعد رمضان صحيحا
/235/ (3/235)
صفحة 1133
إلى أن مات ولم يقض ما عليه، فإن صام عنه أحد من قرابته جازه.
وقال من قال، عليه الصوم، لأنه قد صح بعدد الأيام.
ومن خرج من بلده يريد سفرا، ونوى أن يصبح مفطرا، فخرج في الليل مفطرا، فافطر في ذلك اليوم، ثم صار من الغد في سفره إلى أن وصل بلده وهو صائم، كان ذلك يوما أو أكثر، إلا أنه لم يزل صائما في سفره إذا اتصل صيامه في السفر بصيامه في الحضر، أو صوم ما صامه في السفر بتمام صوم الشهر.
وقال من قال، عليه بدل ما صام في السفر، ولو اتصل بصيامه في الحضر، وإنما يهدم صوم السفر صوم صامه في السفر، ثم أفطر بعده في السفر، فإن كل صوم في السفر أعقبه إفطار في السفر فهو منتقض ببدلهما جميعا، ولا ينتفع بصيام في السفر إذا أعقبه إفطار في السفر.
وقوم تغيرت عليهم بلادهم، فخرجوا إلى بلد يسكنونه، فلبثوا فيه سنين وهم يقصرون الصلاة، وإنما يسكنون البلد ما صلح لهم، فإذا تغير عليهم طلبوا سواه. وإن سنة من تلك السنين دخل عليهم شهر رمضان فصاموا منه عشرة أيام، ثم خرج منهم رجل سافر إلى بلد بعد ما صام عشرة أيام، فأفطر في خروجه عشرة أيام إلى أن رجع إلى البلد الذي يسكنونه وهم فيه يقصرون الصلاة، هل يعتد بصوم العشرة الأيام التي صامها في البلد الذي يسكنونه قبل خروجه في سفره، وما أفطر في سفره، وإنما يتم له آخر صوم يصومه، وأتم به الشهر، ولا يعتد بالصوم الأول.
/236/ (3/236)
صفحة 1134
ومن غيره: قال الذي عرفنا من قول الشيخ أبي سعيد، رحمه الله، في إفطار المسافر معنى الاختلاف في قول أصحابنا، فيخرج في بعض قولهم، أنه، كل صوم في السفر أعقبه إفطار في السفر فهو منتقض، ولو كان بدأ ذلك في السفر أو كان صيام سفر موصولا بصوم الحضر، أو من أول الشهر. وكل صوم في السفر أعقبه إفطار في السفر فهو منتقض. وقال من قال، على ما يخرج من قولهم، أنه ينتقض إذا كان صيام في السفر بين فطرين في السفر أو صوم مبتدأ في السفر، وأما إذا كان الصوم موصولا بالحضر، ثم أعقبه إفطار في السفر فلا ينتقض، لأنه قد اتصل بصوم الحضر، فسواء كان صوم الحضر آخرا أو أولا.
وقال من قال، انما ينتقض كل صوم بين فطرين في السفر، ولا ينتقض الصوم المبتدأ في السفر من أول الشهر، لأن ذلك لم يكن صوما بين فطرين في الشهر، وإنما كان الإفطار الأول في غير شهر الصوم، وكأنه لم يكن صوم بين فطرين في السفر.
وقال من قال، لابد على المسافر في صومه، ولو كان صيام بين فطرين في السفر، لأن الإفطار مباح له بدليل الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه غير آثم في إفطاره، وأنه لو أكل ناسيا في الحضر لم يكن عليه أكثر من بدل يومه، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
وقال من قال، لا بدل عليه، وإنما كان ذلك كذلك لأنه أتى المباح الذي لا إثم عليه فيه، كذلك السفر، قد جاء فيه التخيير للمسافر في الصوم والإفطار
/237/ (3/237)
صفحة 1135
في السفر، ولسنا نذكر هذا القول ردا منا على المسلمين، ولكن ليعرف أن له أصلا لئلا يخطأ من فعله.
والذي عليه الأكثر من أصحابنا، أنه كل صوم في السفر أعقبه إفطار في السفر فهو منتقض، ونحب اتباع آثار أصحابنا والظاهر من قولهم، وأكثر ما عليه رأيهم، والله الموفق للصواب.
ولا يؤخذ بما قلنا إلا بما وافق الحق والصواب، إن شاء الله.
ويوجد عنه أيضا رحمه الله في المسافر إذا اعترض الإفطار في النهار وهو صائم من غير عذر، أنه يختلف فيه فقال من قال عليه البدل لما مضى والكفارة، وقال عليه البدل لما مضى ولا كفارة عليه.
وقد من قال، لا بدل عليه إلا ما أفطر، وهو مسيء في ذلك.
رجع:
ومن أفطر شهر رمضان من مرض أو سفر، ثم بقي في مرضه أو سفره حتى حال عليه شهر رمضان الثاني، فإنه إن قدر على الصوم صام، وأطعم عن كل يوم مسكينا عن الشهر الماضي، فإذا أفطر من هذا الشهر صام الشهر الأول أيضا، وكذلك بلغنا أن أبا عبيدة، رحمه الله، مرض فأفطر ثم بقي حتى حال عليه شهر رمضان، ثم قدر فصام الشهر الثاني، وأطعم رجلا، يقال له صدقة، كان يبعث إليه كل يوم بعشائه وسحوره، فلما أفطر أبو عبيدة، رحمه الله، وقوي قضى شهر رمضان الماضي.
/238/ (3/238)
صفحة 1136
وعن مريض مرض في شهر رمضان فأفطر منه خمسة عشر يوما، أو ما كان من الأيام، ثم صح بعد شهر رمضان، فلم يقض ما عليه حتى حال عليه حول شهر رمضان، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا، يفطره ويسحره، بعدد الأيام التي أفطر من قليل، أو كثير، فإذا انقضى شهر رمضان وأفطر قضى ما عليه، فيصوم الأيام عددها خمسة عشر يوما، أو ما كانت من الايام من قليل أو كثير، وليس الإطعام يجزى عنه عن قضاء صيام الأيام بالصوم.
وعن من يقضي شيئا من الأيام عليه من شهر رمضان، ثم أتاه خبر، لابد له من الخروج فيه، أو عناه سفر، فخرج في سفر، إن أفطر في سفره، هل يحسب بالذي صام في أهله من هذا القضاء؟
قال: نعم، يحتسب إذا كان يقضي في بلده اعتد بصومه، ولو أن مريضا بقي على مرضه في شهر رمضان، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم قدر، فصام في الشهر الذي قد حضر وأطعم عما مضى من ذلك أيضا، ثم قضى ذلك من بعده، ويصوم كل شهر متتابعا، وإن أفطر فيما بين الشهور فلا بأس.
وقيل: ليس عليه إطعام لأنه لم يفرط، وكذلك ما يكون من بدل أيام شهر رمضان لا يكون إلا متتابعا، فإن انتقض على الذي يصوم الأيام التي يصومها من بدل شهر رمضان، من جنابة أو غيرها، فإنما ينتقض عليه أيام البدل، ولا يضره ذلك في بقية الشهر.
ومن صام عن شهر رمضان كله يريد البدل فاعترض الأيام، فإنه يصوم ثلاثين يوما، وإن كان الناس صاموا تسعة وعشرين يوما، ومن ابتدأ من /239/ (3/239)
صفحة 1137
الهلال وأخذ الصوم من أول الشهر صام ذلك الشهر، ولو كان تسعة وعشين يوما، ولو صام الناس ثلاثين يوما، لأنه هو الشهر، وإنما عليه شهر.
ومن غيره:
قال أبو سعيد_ رحمه الله_ معى انه قيل، إنه من لزمه بدل شهر رمضان كله، فكان تسعة وعشرين يوما، ثم بدأ بالهلال، فتم ثلاثون يوما، أن عليه أن يصوم الشهر كله، ثلاثين يوما، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وأما إن وفى شهر رمضان أو نقص شهر البدل فقد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال، يجزيه، وقال من قال، لا يجزيه إلا ثلاثون يوما.
رجع:
وعن من سافر في شهر رمضان، ونوى في الليل، أنه إن قدر على الصيام صام، وإلا افطر، ثم أصبح صائما على تلك النية وأتم صيامه، هل يتم له، وكذلك إن أفطر ذلك اليوم بعد أن أصبح صائما على تلك النية؟ فأرجو أن صومه تام، ما لم يعقبه بإفطار في سفره، وما أحب أن يمازج اعتقاد نيته بوهنة استثناء، غير أني أرجو أن نيته تلك تامة، إن شاء الله.
وعن رجل كان في موضع فيه السباع يخاف الناس منها، وكان في شهر رمضان فأصابته الجنابة في الليل، فخاف من السبع في الليل، فأخر الغسل حتى أصبح، ولم يحرز صومه بالتيمم في الليل وجهل ذلك، هل يجب عليه التيمم في الليل؟ /240/ (3/240)
صفحة 1138
_فعلى ما وصفت فهذا إذا كان يخاف على نفسه من السباع وجب عليه التيمم في الليل لصومه لإحراز صومه، فإذا جهل ذلك ولم يفعل حتى أصبح، فقد قال من قال من العلماء، عليه بدل ما مضى من صومه ولم يعذر بجهله، وقال من قال، عليه بدل يومه ذلك.
وأحسب أن فيها قولا آخر، لا شيء عليه، وصومه تام، إلا أنا نحب في هذا أن يكون عليه بدل يومه ذلك.
وكلا القولين صواب إن شاء الله، ومن أخذ بالإحتياط، وأبدل ما مضى فهو أحوط، وأقطع للحجة، وأبعد من الشبهة.
وقد قرئ على في بعض الكتب عن خالد بن الدربك، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهما قالا: من لم يطق الصوم فلا شيء عليه، ولست أعرفهما من أئمة المسلمين، ولكني وجدت قولهما موافقا لقول الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا}.
وقال بعض المفسرين، إلا طاقتها، وقال بعض أهل التأويل إلا دينها الذي افترضه الله عليها، ونقول، إن الله أكرم وأرحم من أن يؤاخذ عبدا بما لا يطيق.
ولو أن مريضا طال مرضه سنة بعد سنة ومر عليه شهر رمضان فلا يصوم من الضعف حتى يموت، لم يؤاخذه الله بذلك، ولم يصم عنه، ولم يطعم عنه. /241/ (3/241)
صفحة 1139
فإن هو عرف وقدر على البدل أبدل ما كان أفطر، وكذلك نقول في الشيخ الكبير إذا لم يطق الصوم فلا يصام عنه ولا يطعم عنه، فان قدر على أن يبدل أبدل، فان لم يطق البدل حتى يموت فقد وقع عذره، لأنه لا يصلى أحد لأحد، وكذلك لا يصوم أحد لأحد.
فلو أن شيخا كبيرا ضعف عن الصلاة، فلم يطقها، تكبيرا ولا قائما لم يكن عليه أن يصلي عنه أحد، وكذلك الصائم ليس عليه أن يقوم عنه أحد.
ولو كان كما قالوا، إنه يصام عنه أو يطعم عنه لكان الشيخ الكبير الذي لم يطق الصوم ليس له أحد ان يصوم عنه، ولا له مال فيطعم عنه لكان مضيعا للفريضة، وليس ذلك كذلك.
فان قالوا، إنما ذلك على من كان له ولى يصوم عنه، أو مال يطعم عنه، فقد اختلفت، إذ الفريضة تكون واجبة على بعض وموضوعة عن بعض، وليس كذلك.
وكذلك الصلاة فرضهما واحد، من أطاقهما وجب عليه الفرض ومن لم يطق قبل عذره.
ولا يرد على المسلمين قولهم، ولكن هذا كتاب الله يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} تفسيره، ذلك إلا طاقتها مما فرض عليها.
وذكر لنا أن شيخا كبيرا من الأنصار يقال له لبيد بن عاصم من بني عبد الأشهل سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، يا رسول الله، ما على الشيخ الكبير إذا لم يطق الصوم؟ /242/ (3/242)
صفحة 1140
قال: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينا، أو مسكينين، ثم جعل الصيام خيرا من الإطعام ثم نسختها هذه الآية، ما كان من فدية إطعام، وما كان من عدد الأيام، حتى أنزل الله من عددهما: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى للنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.
الهدى بيان الحلال والحرام، والفرقان هو المخرج من الدين، فمن شهد منكم الشهر فليصمه.
وقد علم أهل العقل أن الشهر لا يغيب عن أحد حيث كان، وكل أهل الأرض يشهدون الشهر، ولكن المعنى هاهنا: فمن شهد منكم الشهر في أهله في بلده الذي يسكنه فليصمه واجبا صومه، ليس فيه فدية، ولو أن رجلا أراد أن يفطر يوما من شهر رمضان، ويطعم ألف مسكين لم يقبل منه ولو تصدق بما في الأرض من ذهب أو قضة (؟؟؟) وطعام، إلا أن يبتلى فيفطر يوما، ثم يندم ويتوب، فعليه صيام شهر وكفارة صيام شهرين آخرين.
وقد اختلف في ذلك، فقال من قال: أقل، ومن قال: أكثر وعليه التوبة والاستغفار، ولا يجوز له الكفارة على الإصرار.
ثم قال: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا اَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنَ اَيَّامٍ أخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، حين رخص للمريض والمسافر في الإفطار، ولا يريد بكم العسر {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} عدة الشهر، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} يقول: ولتطيعوا الله، على ما هداكم، من أمر دينه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، يقول، كي تشكروا. /243/ (3/243)
صفحة 1141
فإذا برئ المريض من مرضه ورجع المسافر من سفره أبدلا ما كانا أفطرا، فثبتت هذه ونسخت ما قبلها من الفدية وعدة الأيام.
قال أبو المؤثر: إذا اعتل رجل أو امرأة في رمضان، ثم مات من مرضه لم يكن عليه أن يوصى أن يقضى عنه، فإن صح من مرضه فعليه البدل، وإن لم يبدل حتى حضرت الوفاة فعليه أن يوصى أن يبدل عنه الصيام، فإن صام عنه ورثته، وإلا استأجر له من يصوم عنه، ويعطى من ماله، وتكون إجارة الصائم من ثلث المال مع الوصايا.
قال أبو سعيد رحمه الله، في المسافر إذا صام في سفره، ثم مرض في السفر فأفطر لأجل المرض، ثم صح، وهو في السفر بعد، فتم على إفطاره لعلة السفر، فصومه تام له، ولا يكون إفطاره عندى بعد صحته يفسد عليه صوم سفره، لأن هذا عذر قد قطع حكمه بين الفطر والصوم وهو يقوم عندى مقام دخول الحضر والصوم فيه بعد السفر.
قال، وكذلك الحائض إذا صامت في السفر أياما، ثم حاضت، ثم طهرت، فأتمت على إفطارها، وهي عندي مثل المريض.
وإذا أراد المسافر أو المريض الإفطار نواه من الليل أو من قبل الفجر، وأصبح مفطرا، وقد قيل، إن المريض له أن يفطر متى لم يقدر على الصوم، نوى في الليل أو لم ينوه.
وقيل لا يفطر إلا أن ينوى في الليل إلا بقدر ما يحي نفسه. /244/ (3/244)
صفحة 1142
ومسافر نوى في الليل أن يصبح مفطرا، أو أصبح على ذلك حتى أظهر، ثم أمضاها صياما، ودخل بلده، فعليه بدل يومه، ولا ينتقض عليه ما صام، وقد قيل، يفسد ما صام في السفر.
ومن غيره:
وقال، المريض الذي يجوز له الإفطار ما حده؟
قال: إذا لم يشقه المريض الطعام، وقال، هو الخبز والتمر، جاز له أن يفطر، يأكل ويشرب.
وقال من قال، حتى لا يقدر أن يصوم.
وقال أبو سعيد رحمه الله، وقول ثالث، وهو، له أن يفطر إذا لم يأكل من الطعام ما يقوى على الصيام به، ولو كان يشتهيه، ولا يأكل منه ما يقوى به على الصوم.
وعن رجل خرج مسافرا في شهر رمضان، فأفطر نهارا قبل أن يتعدى الفرسخين ينتقض عليه ما مضى من صومه أم يومه ذلك أم معذور؟
قال: قد قيل، إن عليه بدل ما مضى من صومه، وقال آخرون، ما أفطر في السفر، وأكثر أصحابنا، يلزمه بدل ما مضى من صومه، لأنه هدم صومه من غير نية من الليل.
رجل مسافر، ومعه عبيد، فأفطر وصام العبيد أو صام السيد وأفطر العبيد، فليس لسيدهم قهرهم في السفر على صوم، ولا فطر، إذ العبيد أعرف بضعفه وقوته /245/ (3/245)
صفحة 1143
من سيده، وهو مخير في أيهما قدر عليه، فإن قهره سيده على الإفطار فلما رجع إلى الوطن أمره بالبدل فشكا ضعفا وعجز عن الخدمة، فأقول، إن الصوم يجب على العبد، ولا تجب عليه الخدمة إذا وجد عجزا، ولأن هذا البدل لزمه بقهر سيده له على البدل مع قدرته.
وسألته عن رجل سافر هو وزوجته في شهر رمضان، فوطئها نهارا، وهما صائمان، ما يلزمهما؟
قال: اختلف الفقهاء في ذلك على قولين، قال بعض، يلزمه بدل ما مضى من صومه، لأنه مفسد ما مضى من صومه، وعند صاحب هذا القول، رمضان فريضة واحدة، وقال آخرون، لا يلزمه إلا بدل يومه.
قلت: ومن أين أسقطت الكفارة عنه مع تعمده هتك حرمة شهر رمضان والهاتك لحرمة شهر رمضان عليه الكفارة بلا اختلاف.
قال: رجل مسافر في شهر رمضان طلع عليه الفجر وهو ينوى الإفطار فدخل مصره في يومه ذلك،، ولم يأكل ولم يشرب أيجزى عنه صيام ذلك اليوم؟
قال: لا. وإن شاء أفطر بعد ذلك اليوم.
وعن رجل أعمى لا يبصر، يكون في سفر مع قوم لا يثق بقولهم، وهم من أهل الصلاة، هل يقبل شهادتهم إذا أخبروه بأوقات الصلاة، ورؤية الهلال في الصوم، والإفطار من شهر رمضان؟
_فإنه يأخذ بقولهم، ويقبل منهم، وإن لم يثق بهم، لأن الله قد ائتمنهم على ذلك، وكذلك إن كان في قرية لا يثق بأحد فيها، نعم./246/ (3/246)
صفحة 1144
مسألة:
وسألته عن الرجل يسافر في شهر رمضان، فيصوم في السفر، ثم يفطر، ما تقول في صومه؟
قال: اختلف أصحابنا مع مخالفيهم في صوم المسافر على ثلاثة أقاويل، فقال أهل الخلاف مع قوم من علمائنا، إن صيامه تام لهم في حضر أو سفر كان متتابعا أو غير متتابع، وإن الآية التي جاءت فيها رخصة الإفطار لا تدل على فساد صومه على أي وجه كان فهذا.
وقالت الفرقة الأخرى، إن كل صوم كان في السفر أعقبه إفطار في السفر فهذا فاسد، وحجتهم في ذلك أن للحضر حكما، وللسفر حكما، فحكم الحضر العدم فقط، إلا من عذر مزيل للحكم بوجوب الفرض، وحكم السفر يقال له، عليك أن تصوم، و لك أن تفطر برخصة الله عز وجل، فأي الحكمين التزم حكم عليه بحكمه، وكان عليه تمام ما عقد على نفسه، فإن حل ما عقد على نفسه قبل تمامه كان هادما لما تقدم من فعله مفسدا له، ولم يستحق ثواب ما تقدم من عمله، كالأخير (؟؟؟) الذي يستأجر على عمل بعينه، ثم يرجع قبل تمام عمله فلا يستحق ثواب ما تقدم من عمله لرجوعه عن تمامه.
وقالت الفرقة الثالثة من علمائنا، إن كل صيام صامه في السفر فهو تام له، إلا صوما بين فطرين، فإنه فاسد.
وقال، المسافر الباغي مختلف في كفارته، إذا أفطر في السفر نهارا. /247/ (3/247)
صفحة 1145
وعن رجل أارد (؟؟؟) السفر في شهر رمضان في الليل، ثم توانى حتى أصبح في البلد، يجوز له الأكل إذا خرج من عمران البلد أم لا؟
قال: إذا نوى الفطر في بلده وأصبح فيه، ثم خرج، فلا يجوز له الأكل في السفر. وقوم أفسدوه من قبل أن يخرج، وينتقض صومه لشهر رمضان كله، ولا آمن عليه الكفارة.
فصل
في صوم التطوع، وصوم الأيام الفاضلة
والأيام المكروهة فيها الصوم
وسألت هاشما عن الصوم يوم الشك، فقال مكروه.
ويكره الصوم في السنة ستة أيام: يوم الفطر، يوم الأضحى، وبعده ثلاثة أيام بعد الأضحى، وهي أيام التشريق بمنى، ويوم يشك فيه من رمضان.
وأيام التشريق لا بأس بالصوم فيها في غير مكة.
قال أبو المؤثر: الله أعلم، غير أن الذي عندنا ونحفظ، أن أربعة أيام في السنة مكروه صيامها، آخر يوم من شعبان وهو يوم الشك، ولا يدرى أهو من رمضان أم من شعبان، وكره بعض المسلمين صيامها، وقال بعضهم، لا بأس في صيامه لمن صام الدهر.
ويستحب ألا يصوم صائم، وأن يبتدى شهر رمضان عن إفطار./248/ (3/248)
صفحة 1146
وقد قال من قال: إنه إذا كان قد ابتدأ صائما للكفارة فلا بأس أن يصوم يوم الشك، فإن كان من شعبان فهو من كفارته، وإن صح أنه من رمضان فهو من رمضان، ويتم الكفارة إذا أفطر، فيأكل يوم الفطر، ويصيح (؟؟؟) من القا بلة (؟؟؟) صائما لما بقي عليه من الكفارة، وقد تم صومه للكفارة، وليس عليه بدل ما مضى من صومه قبل رمضان، وصيامه لشهر رمضان لا يبطل لما صامه للكفارة من قبل رمضان. وإن بقي من الكفارة شيء فليتمه بعد يوم الفطر، فإن أفطر يوم النحر أبطل ما صام من كفارته.
في صوم التطوع
من الأثر:
عن صيام الدهر كله، أتراه مكروها؟
قال أبو معاوية، رحمه الله، أما من ولد له زوجة فيكره له صيام الدهر، ويؤمر أن يجعل لأهله من نفسه نصيبا.
ومن كتاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم، صوم يوم عرفة يعدل صيام سنتين، وصوم يوم عاشوراء يعدل سنة، وقيل صيام أيام البيض يذهبن الغل والحسد من القلب، وصيام أول يوم بألف يوم، وصيام يوم الثاني بثلاثة آلاف يوم، وصيام اليوم الثالث بعشرة آلاف يوم.
قيل: من صام يوما صادقا كتب من الصائمين، وله عند إفطاره عشر دعوات مستجابات، ومن صام يومين صادقا أعطى أجر عشرين صديقا، ومن /249/ (3/249)
صفحة 1147
صام ثلاثة أيام صادقا أوحى الله إلى ملائكته، يا ملائكتي، عبدى قد وجب أجره على، فيغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وعن بشير قال: من صام تطوعا بنية ولم يتكلم بها، ثم أفطر فلا بدل عليه، وإن تكلم بنية فعليه البدل.
وعن موسى، قال، البدل عليه، تكلم، أو نوى ولم يتكلم.
ومن قال، إني صائم وليس بصائم فعليه صيام.
من أثر: قال، يكره للرجل أن يصوم تطوعا، وعليه صيام شهر رمضان.
ما جاء في صيام رجب
عن النبي صلى الله عليه وسلم: قيل أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: شهر الله الأصم، الذي يدعى به رجب.
ومن صام رجب كان كصوم سنة، ومن صام منه سبعة أيام، غلقت عنه سبعة أبواب من جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام، فتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيهن شاء.
أبو محمد، رحمه الله_ معنى خبر الرسول عليه السلام: ليس من البر الصيام في السفر، أنما أراد به صوم النوافل، وذلك أنه مضى برجل، قد أغشى عليه من شدة الصوم، وأصحاب الرجل يظلونه بثوب، فقال لهم: ماذا؟ قالوا، فإنه صائم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس من البر الصيام في السفر. /250/ (3/250)
صفحة 1148
أبو الحسن، رحمه الله، عن امرأة أرادت الصيام تطوعا، فكره زوجها ذلك، يسعها، أم لا؟ وإن منعها، يسعه ذلك، أم لا؟
قال: ذلك له واسع، ولا شىء عليه، وقد اختلفوا فيها: فمنهم من قال: لا تصوم تطوعا، إلا برأيه، وقال آخرون: تصوم، ولا تمنعه، متى طلبها.
ووجدت أنا، إذا صامت نفلا، ثم وطئها زوجها، قولين: أحدهما تفطر بقية يومها، والآخر تغتسل وتصوم بقية يومها (2)، ولها أجر ذلك.
والمعنى أنها إذا صامت بغير أمره كان له وطؤها، وربما يأثم، وإن صامت بأمره، لم نحب له إكراهها على الوطء.
قلت: يجوز للرجل يقصد يوما معلوما يصومه كلما جاء؟ قال: قد كره ذلك.
وعندي لا بأس، لأن في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في السائل عن الصوم، فقال: صم من كل شهر ثلاثة أيام، فقال الرجل: إن لي طاقة على أكثر من ذلك، فقال صم الخميس، والإثنين، فقد حد له أن يصوم يوما معلوما، بلا أن يوجب ذلك فرضا.
وروى أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، ماذا أصوم؟ فقال له عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: صم شهرا (؟؟؟) الصبر، يعني شهر رمضان، وثلاثة من كل شهر، يذهبن وساوس الصدر.
/251/
(2) كذا في الأصل، ولا وجه له (3/251)
صفحة 1149
فقال الرجل: لست إياك أسال؛ إنما أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود.
ومن غيره:
شهر الصبر رجب. قلت: فما أفضل الصوم من الأشهر؟ قال: قد قيل الأشهر الحرم.
قلت: فالعشر. قال: هي من الأشهر الحرم.
قلت: الأشهر الحرم، ما هي؟ قال: رجب باتفاق الناس عليه، أنه من الأشهر الحرم وشهر المحرم، وشهر ذى القعدة.
واختلف الناس في شهر ذي الحجة، وشوال، قلت: فما رأى أصحابنا؟ قال: أظن أن قولهم، إن ذى الحجة، من الحرم، والله اعلم.
قلت: فأيام البيض؟ قال: أوسط الشهر الذي يكون القمر فيه من الغروب الى الشروق.
قلت: فبين لى، قال: ليلة، ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، فهذه أيام البيض، فافهم.
في الأيام المكروه فيها الصوم:
من الأثر: محمد بن محبوب رحمه الله، قال: لا يحل صوم يوم الفطر، ويوم الأضحى.
قلت: أحرام؟ قال: نعم حرام. ... /252/ (3/252)
صفحة 1150
قلت: فأيام التشريق؟ قال يستحب الأكل فيهن، قال: ويكره الصوم فيهن، إلا الكفارة، أو صوم نذر في قول المسلمين.
قال: أبو عبد الله: نهى عن صوم يوم الفطر، والنحر، وكره المسلمون صوم أيام التشريق.
قال: ولا تصام هذه الأيام كلها عن كفارة، ولا عن نذر، إلا من نذر أن يصومها بعينها.
وعليك بصوم يوم الأربعاء والخميس، فقد بلغنا أن من صامها، كتب الله له أجر من بلغ رسالات ربه.
وعليك بصوم يوم الاثنين، وصوم ستة أيام، بعد يوم الفطر، هو صوم ستة مع شهر رمضان، وعليك بصوم يوم عرفة، فإنه صوم سنتين، سنة الماضي، وسنة المستقبل.
وهو صوم عاشوراء، فإنه صوم الأنبياء كلهم، وصوم آدم، وصوم من كان قبلنا، من أهل الأديان.
أبو محمد، نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة تطوعا، إلا أن تتقدم من قبله بيوم، وبعده بيوم، وهذا النهي عندى، ليس بنهى يوجب بمخالفته الفسق؛ لأنه نهى أدب، والله اعلم. /253/ (3/253)
صفحة 1151
وفي الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم ستة أيام من السنة: العيدين، وأيام التشريق، ويوم الشك.
واتفقوا على تحريم صوم العيدين، واختلفوا في يوم الشك، وأيام التشريق، فقال بعض: انه نهى تحريم، في جميع ما نهى عنه في هذا الصوم، وقال آخرون: إنه نهى لا يبلغ به إلى معصية، وإنما هو أدب، وترغيب في الأكل والشرب، ليس بتحريم.
وصاحب هذا الرأي، يوافق صاحب الرأي الأول على تحريم صوم العيدين، وهما الفطر والنحر.
ولم يختلف أحد من أهل العلم، فى صوم العيدين، وكراهية صوم يوم الجمعة، لرواية رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يببدأ بصومها، وهي من أعياد المسلمين، ويوم خلوة الرجل إلى أهله، وصوم يوم عرفة، فقد روى أنه مكروه.
وبعضهم قال: صوم مكروه في عرفات، لئلا يضعف الإنسان عن القيام في الصوم، في ذلك الموضع. وهذا أحب إلى.
وقال بعضهم: صومه مكروه في كل موضع. /254/ (3/254)
صفحة 1152
الباب التاسع عشر
في فطرة شهر رمضان
وفطرة شهر رمضان هى زكاة الأبدان، وهي سنة واجبة معمول بها، يعطيها كل من أيسر وقدر عليها بلا دين يتحمله فيها.
وهي صاع يعطيه عن نفسه، ويعطى عن كل مولود له في حجره، أو عبد له يخدمه، ويعطى عن كل واحد صاعا من طعام.
ويخرج ذلك الغني، ويأخذه الفقير. وقبل: يستحب إخراج ذلك إلى الفقراء غداة الفطر قبل الخروج إلى المصلى. وإن رأى من الفقراء حاجة فقدمها قبل ذلك إليهم، فلا بأس.
وإنما يخرجها مما يأكل. إن أكل البر، أخرج البر، وإن أكل ذرة، أخرج ذرة، وكذلك الشعير والأرز والتمر واللبن.
إن كانت نفقته من نوع من هذا، أو نفقة بعض عياله، فله أن يعطى عن كل واحد مما يأكل، وإن كان يخلط في نفقته من البر والشعير والذرة، فله أن يعطى من هذا وهذا.
-نسخة زكاة الفطر- ومن أعطى من التمر، فإنما يعطى بمد التمر. /255/ (3/255)
صفحة 1153
ومن غيره. وذكرت في زكاة الفطر وهي القربان، كم هى من التمر؟
فالذى عندنا وبه نأخذ، أنه مثل الحب. وقد قال بعض يعطى بصاع التمر الأكبر. وكل ذلك صواب إن شاء الله.
رجع. ومن ولد له مولود، أو اشترى خادما ليلة الفطر إلى ما قبل ذلك، فعليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.
وكذلك من أبق (ى) (؟؟؟) مملوكه، وغاب عنه أمره غداة الفطر، فليس عليه أن يخرج عنه.
وقيل من مات مملوكه أو ولده ليلة الفطر، فليس عليه أن يخرج عنه زكاة الفطر.
قال أبو الحوارى: من مات ليلة الفطر، أخرج عنه الزكاة. وقال أبو عبد الله أحمد الله: يخرج القربان عن اليتيم وعن خدمه، إلا أن يتحمل عليه بدين يضر بماله.
وسألت الخراسانى أبا عبد الله عن رجل كان له عبد يهودي، أيخرج عنه زكاة الفطر؟ قال نعم.
قال أبو سعيد: قد قيل يخرج القربان عن اليتيم وعن خدمه، إلا أن يحتمل زكاة الفطر، لعله بدين. /256/ (3/256)
صفحة 1154
قال الخراسانى ليسعندي فيه شىء. قال أبو عبد الله: يخرج عن جميع عبيده، إلا عبد (عبيد) (؟؟؟) التجارة.
وعن رجل أعطى زكاة الفطر مساكين أهل الكتاب، قال لا يجزئه ذلك، إلا أن لا يقدر على مسلم، ولا من أهل القبلة.
ومن غيره: وعن رجل يكون له عبد ذمى، أو جارية ذمية، أيخرج عنه زكاة الفطر؟ قال: نعم.
قال أبو سعيد: قد قيل لا يخرج عن الذمى. لأن زكاة الفطر إنما هي زكاة الأبدان عن المسلمين.
وعن امرأة مسلمة في حجرها أولاد فساق. هل عليها أن تؤدى عنهم الصاع؟ قال نعم وتدفعها إلى أولياء زوجها.
قال غيره: لعله أراد من مالهم، وأما من مالها فليس عليها ذلك. وإن كان عبد بين اثنين او اكثر، فإنما على كل واحد أن يخرج بقدر ماله من الحصة في المملوك.
ومن كان له مماليك للتجارة، فليس عليه أن يخرج عنهم الفطرة. وقال زياد بن مثوبة: إنه وجد في كتاب من كتب القاسم بن شعيب. والكتاب عن أبى عثمان، أن العبيد إذا بلغت الزكاة في عملهم من الحرث، فليس عليهم زكاة الفطر. /257/ (3/257)
صفحة 1155
ومن غيره: وعن زكاة الفطر اهى سنة مكفرة لمن قدر على إخراجها ثم لم يخرجها، أيكفر بتركه إخراجها أم لا؟. فعلى ما وصفت، فقد جاء في الأثر في ذلك المجتمع عليه من أهل القبلة، أنها سنة ثابتة عن النبى صلى الله عليه سلم.
وقد جاء الأثر عن بعض المسلمين أنه لا يسع جهلها. وهو أكثر القول معنا أنه لا يسع جهلها.
وقال من قال يسع جهلها ما لم يقم عليه بها الحجة بعلمها. وفى نسخة وبعلمها (؟؟؟)
ونحب نحن أن يكون لا يسع جهلها، وأنها لاحقة بالفرض. فمتى جهلها ولم يخرجها، وهو بالحال المجتمع عليه من لزومها، فلا عذر له فى ذلك معنا، ولا يسع جهل ذلك.
وأما الهلاك فلا يلحق عليه ما لم يمت ولا يوصى بذلك، فإن مات ولم يوصى به مات هالكا، وكذلك إن لم يكن يدين بذلك، ودان بخلافه، أوصى أو لم يوصى فهو هالك إذا مات دائنا بتركها.
وكذلك إن لقيته (لقنته) (؟؟؟) الحجة، فلم يقبلها، أو لم يقم بذلك، كان هالكا. وأما إن جهل ولم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك، فيرد بحجة، ولم يمت على ذلك، فهو غير هالك معنا، إلا أن يموت ولا يوصى بذلك. فإن مات ولم يوص بذلك مات هالكا.
تم الباب من كتاب أبى جابر، ومما أضيف إليه:
ويؤخذ عن الشيخ أبى سعيد رحمه الله، أن فطرة شهر رمضان صدقة الأبدان./258/ (3/258)
صفحة 1156
سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأغنياء للفقراء، ليستغنى ذلك اليوم الفقراء مع الأغنياء لفضله ووجوب حقه، وعظم قدره عند الله، أعني ذلك اليوم، ولا يخرج معانيها بأشد من معاني الزكاة فى وقت أدائها، ومعاني جهل علمها، ووجوب أدائها فى التحديد. وهي عندي شبيهة بالزكاة.
وإن كان قد صح عن النبي عليه السلام سنها لمعنى استغناء الفقراء بها_ لعله معناه فى ذلك، فى يوم الفطر.
وكذلك يخرج فى معاني التأويل أن الله تبارك وتعالى إنما أراد بالزكاة تغسيلا منه لعباده بذلك، وليستغنى الفقراء مع الأغنياء، على حسب ما قد علم من ذلك، تبارك وتعالى.
وقد قيل في بعض الحديث: لأنه لو بر أصحاب الأموال بالزكاة، وبثوها على الفقراء بجملتها على سبيلها ووجوهها، لم يكن فقيرا إلا استغنى بذلك في معنى ما يجوز له من العناية.
ومعى، أنه كذلك، لو صدق فى ذلك مذاهب الأغنياء في الأداء، والفقراء في القبض، والاقتصاد في النفقة، لكان ذلك عندى شبيها بما قيل. ولكنه عندى أنه لا ينصف الأغنياء أنفسهم في أدائها، ولا الفقراء أنفسهم فى إنفاقها. وكل منهم عندي مقصر فى إصابة وجه العدل من ذلك، إلا من شاء الله من عباده وخلقه، وهم عندى الأقل. لأنى لم أر من يرجى فيه الإنصاف لنفسه من الأغنياء فى أدائها في غير تقصير ولا خيانة، إلا أتم الله عليه ذلك وأدامه، /259/ (3/259)
صفحة 1157
ولا مقتصدا فى إنفاق ما يأخذ منها بحسب المقارنة في الاقتصاد، إلا فتح الله له ذلك ما يكاد أن يغنيه ويكفيه على حسب ما يكون فيه غناؤه، مثل ما كان من أرباب الأموال المقتصدين، المنصفين لأنفسهم بنحو ذلك في أموالهم.
وأما ما يعطى منها؛ فمعي أنه يخرج في معانى الإنفاق من قول أصحابنا إلا ما يختلف فيه على سبيل الاختبارات، وطلب الفضل أن الذي يلزمه أداؤها أن يؤديها مما شاء مما عليه أكثر من غذاء أهل بلده من الطعام، الذى هو طعام العامة من أهل بلده، وموضعه على حسب ما يجرى فى إطعام المساكين من الكفارات، وعلى حسب ما يجرى فيه معانى الإتفاق من قول أصحابنا إن زكاة الفطر على من يلزم فيه من كل ما كان من الطعام الذى يجوز أن يعطى منه صاعا، ليس فيه زيادة ولا نقصان.
والناس فى كل ذلك أوساطهم، أو أغنياؤهم ممن قدر عليها سواء.
ومعى أنه قد قيل: يؤدى كل واحد مما يعيش منه فى سنته، وعليه الأغلب فى معيشته، وليس عليه مخصوصات ما يأكل في بعض أحواله.
ومعى أنه فى بعض القول: أن عليه أن يعطى مما يعيش به في شهر رمضان الذى وجبت عليه الزكاة بسببه.
ومعى أنه قد قيل: إن كان يأكل من أشياء مختلفة في سنته، ومنها معيشته على حسب ما يخرج الاختلاف مما قلنا فى أحد المعانى؛ فمعى أنه يخرج فى بعض القول: أنه مخير أن يؤدى الفطرة من حيث شاء من تلك الأنواع التى هى معيشته، لأنها كلها معيشة. /260/ (3/260)
صفحة 1158
ومعى أنه قيل: إن عليه أن يعطى من الوسط من ذلك، أو بالأجزاء من كل شىء منه.
وإن أخرج من الأفضل كان عندى أفضل، ولا أعلم أن أحدا يلزمه ذلك.
قال: وسألت محمد بن محبوب_رحمه الله_ وقلت له: إنا نأكل الخبز والتمر. فمن أيهما نخرج زكاة الفطر؟ قال: وأيهما أخرجتم أجزأكم.
فعلى قول محمد بن محبوب _رحمه الله_ إذا كان يأكل من التمر والبر والذرة، فمن أيهن أخرج زكاة الفطر أجزاه ذلك.
وقال والذى أقول به، إنه إذا كان تأكل (؟؟؟) البر والتمر، فليخرج من البر نصف مكوك، ومن التمر نصف مكوك تمر طيب، ليس فيه حرش ولا حشف. وذلك يجزئه.
قال وأقول: إن كان اعتماد ما يأكل فى سنته كلها على البر والذرة والتمر، فأيهن كان يأكل منه أكثر سنته، أخرج منه. وذلك أحب إلى.
ومن غيره: من جواب ابى الحسن رحمه الله على ما يوجد، وإن أعطى الذرة وهو يأكل البر فهذا رغب (؟؟؟) عن الفضل، ولا غرم عليه إن شاء الله، ويجزىء عنه. اتباع ما أمر المسلمون به.
وقد قيل: إن أعطى من البر في الأنواع كلها فهو أفضل، وإن أعطى من كل نوع جزءا على ما كان يأكل أجزأ عنه./261/ (3/261)
صفحة 1159
وإن أعطى من أى ما شاء من هذه الأنواع، أجزأ عنه، إلا أنه الذى يؤمر به.
ويستحب له أن يعطى مما كان يأكل فى شهر رمضان. وإن أعطى من أحد الأنواع التى كان يأكلها، أجزأ عنه، وينبغى اتباع الأثر.
رجع_إلى قول أبى سعيد: وأما الصاع فيخرج معى، أنه يخرج فى معانى قول لأصحابنا، أن عياره ثلاثة أمناء إلا ثلثا. والمن: هو الرطل المكى، وهو رطلان بالعراق فيما قيل من الماش، ولا أعلمه من غيره، ولا يعاير بغيره، ولا يعاير إلا بالماش، إلا أن يخرج شىء مثله فى النظر. وهو ثلاثة أمناء إلا ثلثا. ماش يكون خمسة أرطال وثلث بالبصرى على ما قال فى القول الأول، وهو الصاع الذى تجب به الزكاة فى الثمار، ويؤدى به زكاة الأبدان، وكفارة الأيمان، وعليه ثبوت الأحكام التى تخرج فى ثابتات المدن.
وليس اختلاف الناس فى مكاييلهم ولو سموها صاعا، مما يزيد أو ينقص فى أحكام الدين الثابت حمكه بالصاع من أى وجه كان.
ومن غيره:
ويوجد فى امرأة محتسبة فى إخوتها، أنها تخرج عنهم زكاة الفطر، وكذلك الزكاة من مالهم فى بعض القول، وقيل: ليس عليها ذلك. /262/ (3/262)
صفحة 1160
ومن غيره: وقد بلغنا عن أبى عبيدة رحمه الله أن سائلا سأله عن زكاة الفطر وعلى السائل ثوبان غاليان، فقال له أبو عبيدة فيما بلغنا: اذهب فبع ثوبيك هذين واشتر دونهما_أو قال غيرهما_ وأخرج زكاة الفطر. فهذا الذى عن أبى عبيدة رحمه الله.
وأما فى الأصل والزراعات، فقد قيل: ليس عليه بيع الأصول_نسخة الأصل- ولا يحتمل بدين على زراعته.
وأما الكسوة و الحلى فعلى ما قال أبو عبيدة. والله أعلم بالصواب.
وسئل عن رجل له عبيد يريدهم للتجارة. هل عليه أن يخرج عنهم زكاة الفطر؟
قال: عندى أنه قد اختلف فيه: ففى بعض القول عليه ذلك، وبعض القول لا يلزمه ذلك.
ومن غيره: قال وقد قيل: إن كانت قيمتهم تجب فيها زكاة التجارة، أو يجمعون على ما تجب فيه زكاة التجارة، وكان فى المال الزكاة، فلا فطرة فيهم، وإن لم تجب فيهم زكاة التجارة ففيهم زكاة الفطر.
ومن غيره: وإذا دفع الصاع إلى فقير أحضر عليه النية عن فلان، يعنى واحدا ممن يلزمه، تقربا إلى الله عز وجل.
ومن غيره: قلت لمحمد بن محبوب رحمه الله: إنا نأكل الحب والتمر، فمن أيهما نعطى زكاة الفكر؟ قال: من أيهما أخرجتم أجزاكم. /263/ (3/263)
صفحة 1161
قلت فمتى يجوز له أن يخرجه؟ قال: يستحب له أن يخرجه قبل أن يخرج إلى المصلى يوم الفطر. فإن أخرجه فى شهر رمضان أجزأ عنه، إن شاء الله.
وعن رجل أعطى من قربان نفسه فى رمضان دراهم. قال كان ضمام يكره ذلك وإن كان هو أفضل من البر. كان يقول: إن الناس كانوا يعطون البر والتمر والشعير، مما يأكلون. وقد كان الأعور يعجبه الطعام قبل اليوم، ثم بدا له من رأيه أن قال: إن الدراهم خير من الطعام.
ومن غيره: من جواب أبى سعيد، وأما فطرة شهر رمضان، فإنما تلزم فيمن دخل عليه الليل من ليلة الفطر، فقد لزمه فيه الفطرة.
وقال من قال يلزم من انشق عليه الصبح وهو حى فى ليلة الفطر مولودا، فمن مات قبل ذلك، أو ولد بعد ذلك فلا شىء عليه. فافهم ذلك.
ومن غيره: قالوا فى رجل اشترى عبدا فى ليلة الفطر؛ إن المشترى يخرج عن العبد زكاة الفطر.
قال أبو سعيد: معناه إذا باعه فى ليلة الفطر، كان على البائع الزكاة، والمشترى فيه اختلاف فيما يلزمه إذا اشتراه فى ليلة الفطر. وإن باعه فى آخر يوم من رمضان فالزكاة على المشترى. /264/ (3/264)
صفحة 1162
وعنه قال: وكذلك إذا ولد المولود ليلة الفطر أول الليل، أخرج عنه زكاة الفطر، وإن ولد غداة الفطر لم يخرج عنه زكاة الفطر.
قال أبو سعيد: نعم قبل هذا، وقيل إن عليه أن يخرج إذا ولد يوم الفطر ما لم ينقض اليوم.
_من غير الكتاب والزيادة_:
واختلفوا فى الأطفال الذين لهم الأموال، فقالت طائفة على الأب إخراج زكاة الفطر عنهم من أموالهم، وقال الحسن: على الأب أن يؤدى من ماله عنهم؛ فإن أدى ذلك من أموالهم فهو ضامن.
قال أبو سعيد: معى أنه يخرج فى معانى قول أصحابنا، أن على الوالد أن يخرج عن ولده الصغير زكاة الفطر، إذا كان ممن يجب عليه إخراج ذلك.
ويشبه معانى الإختلاف من قولهم إذا كان للولد الصغير مال؛ فقال بعض، إن كوته (؟؟؟) ونفقته ومؤنته، وجميع ما يلزمه فيه من ماله إلى أن ينفذ، ثم على والده، وقال من قال إن ذلك كله على والده من ماله.
وإذا ثبت أنه على والده، دون ماله. فأنفذه من مال ولده الصبى، لم يتعر (؟؟؟) عندى ما قاله إنه ضامن، وإن كان لا يخرج ذلك من قول أصحابنا.
فأما عبيد أولاده الصغار، فيخرج عندى فى معانى قولهم، أن ذلك من مال الولد، إذا كان له مال. وعلى الوالد عندى أن يخرج عنهم من مال ولده. ولا يبين لى فى ذلك اختلاف. /265/ (3/265)
صفحة 1163
وإذا لم يكن للولد مال فيثبت عندى معنى الاختلاف على ما حكى فى ثبوت ذلك على الوالد من ماله، وأشبه ذلك عندى أنه لا يلزمه، لأنه ليس بملك له.
وأما وجوب زكاة الفطر على الجد؛ فإنه (؟؟؟) كان لأولاد ولده فزكاة الفطر تخرج عنهم من مالهم. ولا أعلم فى ذلك اختلافا من قول أصحابنا.
وإن لم يكن لهم مال فيشبه معنى الاختلاف فى ثبوت ذلك عنهم على الجد، إذا كان هو الوارث لهم، ويلزمه عولهم فى الحكم.
ولعله يخرج فى أكثر القول أنه لا يلزمه ذلك فى زكاة الفطر عنهم، ومنه قال أبو سعيد: معى، أنه تخرج فى معانى قول أصحابنا وجوب زكاة الفطر عن عبيد الرجل الحاضرين من صغير وكبير.
والمكاتب. ولو لم يؤد من مكاتبته قليلا ولا كثيرا، فهو حر، ولا زكاة على سيده إذا كاتبه قبل طلوع الليل من ليلة الفطر.
وأما الآبق والمغصوب من عبيد المرء، فإنه يخرج عندى معانى الاختلاف فيهم كما حكى، فقال من قال: يزكى عنهم زكاة الفطر، وقال من قال: لا يزكى عنهم.
وأما عبيده للتجارة. فكذلك يختلف عندى فى وجوب الزكاة عنهم للفطر، فقال من قال لا زكاة فيهم، لأن فيهم زكاة المال، وقال من قال: فيهم الزكاة لثبوت السنة بها فى العبيد والأحرار. /266/ (3/266)
صفحة 1164
ولعل هذا القول أوسط وأشبه، أو بما يشبه معانى الاختلاف فيهم إذا كانوا للتجارة للبيع والشراء يهم، وكانوا بمنزلة السلع.
وأما إن كان شراؤهم للتجارة يراد بهم الخدمة للمنافع وللتجارة، ولا يقصد بهم بمعنى التجارة بالبيع والشراء والمتاجرة فيهم، فلا يبين لى فيهم اختلاف. وهم خدم، وفيهم زكاة الفطر.
وأما العبد الذمى إذا كان للمسلم، قال من قال: عليه أن يؤدى عنه، لأنه من جملة عبيده.
وقال من قال: لا زكاة عليه فيهم إذا كانوا مشركين، لأنه ممنوع ملكيتهم، مأخوذ ببيعهم فى الأعراب ليس له أن يدعهم فى ملكه.
قال أبو سعيد: لا أعلم أنه يحضرنى من قول أصحابنا فى العبد الموصى برقبته لرجل، ولآخر بخدمته شىء بعينه، ولكنه يشبه عندى أنه إذا قبل الموصى له بالعبد الوصية كان ملكا له، وكان عندى عليه زكاة الفطر، ولا معنى عندى لثبوت الزكاة على الموصى له بخدمة؛ لان الخدمة عوض، ولا زكاة فى العوض عندى.
قال أبوسعيد: رحمه الله، معى أنه يثبت فى معانى قول أصحابنا، أن الزكاة على سيد العبد المغصوب ولأنه ماله، ولأنه لو أعتقه عتق، ولو قدر عليه أخذه فهو ملكه. وفي بعض القول، لا زكاة عليه فيه ما دام مغصوبا، لأنه محال بينه وبينه، ولا يقدر على الإنتفاع به. ومعنى الحكم يوجب إثبات الزكاة فيه بصحة /267/ (3/267)
صفحة 1165
الملك، لأنه ليس الزكاة فى العبيد بمعنى الإنتفاع، ولو كان كذلك لم يكن فى المولود الذى يولد، لأن هذا لا انتفاع به.
وكذلك العبد إذا كان البيع فيه بالخيار، أنه إن كان الخيار فيه للمشترى فالصدقة عليه فى الفطر وإذا كان الخيار للبائع كانت الزكاة عليه، لأن صاحب الخيار يملك الرد أو التمام.
وفى بعض القول، إذا كان الخيار للمشترى، كانت الزكاة على البائع، لأنه لم ينتقل عن ملكه.
وقال من قال: لا زكاة على المشترى ولا على البائع، لأنه لا يملكه البائع، لثبوت الخيار فيه للمشترى، ولا صار ملكا للمشترى لثبوت الخيار له فيه. ولكنه إن ملكه واختار هو البيع كان عليه الزكاة إن اختاره، وإن رده كانت الزكاة على البائع، لأن علمنا أنه كان للبائع حينئذ.
وهذا القول على هذا المعنى عجبنى إذا كان الخيار للمشترى.
قال أبو سعيد: معى أنه يخرج فى معانى قول لأصحابنا فيما يشبه معانى الإتفاق أن المدبر عبد للمدبر يملك رقبته وماله، ويجوز له وطؤه إذا كان من الإناث. وأولاد المدبرة عبيد للمدبر لها، أو لورثته من بعده ما لم يعتق المدبر.
فإذا ثبتت هذه الأحكام كلها كان مسلكا، وكان على مالكه زكاة الفطر فيه، ولا يبين لى فى ذلك اختلاف. /258/ (3/268)
صفحة 1166
قال أبو سعيد: يخرج معى فى قول أصحابنا أن على المرأة من زكاة الفطر ما على الرجل، إذا كان لها مال تجب عليها فيه زكاة الفطر.
وقد اختلفوا فى ثبوت زكاة الفطر على الزوج عن زوجته. ففى بعض قولهم، أن عليه ذلك لها، كانت غنية أو فقيرة، لثبوت عولها عليه، يمعنى (؟؟؟) الإتفاق. وأشبابها فى ذلك بنوه الصغار وعبيده، لأن عليه فيها ما عليه فيهم، كانت غنية أو فقيرة.
وقد جاء فى الأثر عنهم أن الزكاة عنه وعن من يعول.
وقال من قال: لا زكاة عليه فيها، كانت غنية أو فقيرة، لثبوت التعبد عليها فى نفسها وأن ذلك خاص عليها، إذ هى داخلة فى المتعبدين فى جميع المكلفين من المتعبدين، فإن كانت غنية أخرجت عن نفسها، وإن كانت فقيرة فلا شىء عليها.
وقال من قال إن كانت غنية فلا شىء عليها، وإن كانت فقيرة فعليه الزكاة لزوال الكلفة وثبوتها فى عياله بما يشبه معنى أولاده الصغار وعبيده، ويعجبنى هذا القول.
ويعجبنى على كل حال أن تعطى هى ذلك، ويأمرها أن تخرج عن نفسها حتى يزول عنها جميعا معانى الإختلاف، فتكون قد أدت هى ما قد قيل إنه عليها وأدى هو عنها ما قد قيل إنه عليه. /269/ (3/269)
صفحة 1167
الباب العشرون
فى الحج، والمناسك، والإحرام، والطواف، والسعى بين الصفا والمروة، والتقصير، وعرفة، والإفاضة، وجمع، ومنى، ورمى الجمار، وزيارة البيت والوداع، ومعانى ذلك
الفصل الأول فى الحج
وقال الله تبارك و تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فريضة يؤديها الحى، وتؤدى عن الميت، واجبة على من استطاع، فمن قام بها لله وأطاع غفر الله له ذنبه، وطهر الله قلبه، وأرضى بها ربه، وعجل الله له الخلف، وأعطاه الشرف، وكانت له الجنات والغرف، وأكرمه الله وأسعده، ولم يخلفه الله ما وعده، وكلما خطا قدما وأنفق لله درهما، أو لاقى فى الله سهرا أو ألما، شرفه الله بذلك فى السماء، وإن قال لبيك اللهم لبيك، وأنا عبدك وبين يديك، بك اللهم وإليك إلا تجلجلت فى السموات، وشرفه الله بها فى المحي والممات.
فإذا طاف بالبيت الحرام، أو لاذ بالركن والمقام، وتضعضع لذى الجلال والإكرام، فعندها تفتحت الأبواب، وأشرفت الملائكة بالثواب، ورضى عند رب الأرباب. /270/ (3/270)
صفحة 1168
وإذا قاموا فى عرفة، وقلوبهم واجفة، ودموعهم واكفة من الكلال والتعب، وكلهم لله قد انتصب، وفى الدعاء لله قد رغب، وارتفع الضجيج من الرعب، فعندها باهى الله بهم الملائكة، ويغشاهم برحمته المتداركة، واستغفر لهم الحجر والمدر، واهتزت القصور، وأشرفت عليهم الحور، وأشرق الضياء بهم والنور، وقال لهم الجبار: أهلا ومرحبا بكم من زوار، قد أعطيتكم الجنة، وأعتقتكم من النار.
ألا فهل من ذى دين ويقين وحق مبين، فيستجيب لرب العالمين.
وقد قيل فى إبراهيم عليه السلام، لما أمره الله أن يؤذن فى الناس بالحج، قيل إنه قام على جبل أبى قبيس، وقال من قال فى المقام. فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فأجيبوا ربكم. فقد قيل إن هذه التلبية إجابة لدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
فقيل إن من أجاب إبراهيم فى ذلك ممن لم يخلق، فهو يحج لا محالة، ومن لم يجبه لم يحج أبدا، وأن التيسير من الله، والتوفيق للمقل والمكثر.
ويوجد أن إبراهيم عليه السلام صعد جبل أبى قبيس، ونادى فى الناس نحو المشرق والمغرب وعن يمين القبلة وعن يسارها، قال: فأجابه جميع من يحج البيت، ولبوا من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، فهم يحجون إلى يوم القيامة على قدر تلبيتهم، من لبى عشرا فعشر، ومن لبى واحدة فواحدة. /271/ (3/271)
صفحة 1169
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حج آدم ثلاث مرات، قال هاشم، وكتب موسى إلى بعض الناس فيما كتب: والحج كضم الذنوب، فمن صح بدنه وكثر ماله_نسخة، وأمن مسيره، وأمن من شره فقد وقعت عليه الحجة إلا أن يعفو الله.
قوله تبار وتعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}. وذلك أن الله لما أغرق قوم نوح، رفع البيت الذى كان عهد آدم إلى السماء، وهو البيت المعمور، واسمه المعراج.
وفى نسخة السراج _ وعمارة الملائكة وهو حيال هذا البيت، لو رمى بحجر منه لوقع على البيت.
وقيل بنيت الكعبة من خمسة أجبال من طور سيناء، وطور زيتون، ومن الجودى، ومن جبل ليتان (5)، وقواعده من حراء.
وكان بين خلق البيت وخلق آدم عليه السلام ألف سنة، وقال من قال: ألفا سنة أو ما شاء الله. والبيت أنزل من السماء، وكان على ظهر الماء قبل أن يخلق الخلق فى الأرض وكان يحج البيت قبل آدم. فلما كان زمن نوح رفع الله البيت إلى السماء، وأوحى إلى إبراهيم أن يبنى على أساس ذلك البيت بيتا، فجاءت سحابة فقامت حياله، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام على ذلك الأصل. /272/
(5) كذا فى الأصل (3/272)
صفحة 1170
وجاءه جبريل حتى دله على الحجر، فاستخرجه من جبل أبى قبيس فوضعه، ثم صعد إبراهيم على جبل أبى قبيس، فنادى فى الناس؛ يأيها الناس أجيبوا ربكم، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته، فسمع إبراهيم كل مؤمن، فالتلبية جواب لله من نداء إبراهيم خليل الرحمن.
وقيل الحجر الأسود من الجنة، وكان أبيض ويعود أبيض كما كان ولو ما مسه من أجناس المشركين لما مسه ذو عاهة إلا برئ.
وفى الآثار أيضا، أن الحجر الأسود من حجارة الدنيا، جعله الله علما للطواف. وهذا الحديث أحب إلى. وقيل يشهد لأهله بالوفاء لمن استلمه مسلما مخلصا.
وقيل عن أبى عبيدة رحمه الله أن فيه مواثيق النبيين، وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: مكة حرام، حرم الله إلى يوم القيامة، لا تحل لأحد من قبلى، ولا تحل لأحد من بعدى، وإنما حلت لى ساعة من النهار، يعنى يوم فتح مكة، ثم حرمت، لا يجتلى حلاها، ولا يعضد غضاها_ ويوجد ولا يعقد ولا يخضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها، إلا لمن ينشدها.
فأرض الحرم حرام حيالها إلى السماء العليا إلى العرش، وحيالها إلى الأرض السفلى إلى الهوى.
ومن غير الكتاب والزيادة_ وروى عنه عليه السلام أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة وأنا حرمت المدينة، وهى مابين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين. /273/ (3/273)
صفحة 1171
ومن شك فى الكعبة بعد علمه بها فهو مشرك، يقتل إن لم يتب، وحد مكة مفترق طريق العراق وطريق منى.
وروى عدى بن يزيد قال حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة، يريد لا تخبط ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل.
وروى جابر بن عبد الله أنه قال عليه السلام، لا يخبط ولا يعضد، ولكن يهش هشا رفيقا والهش يعود والقطع لا يعود.
قيل إن جابر بن زيد رحمه الله دخل المسجد والناس وقوف، والبيت مهدوم، وهم لا يعرفون ما يفعلون، فقال جابر: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها، الآية. ثم ط ف حول البيت، فلما رآه الناس طاف، طافوا.
رجع: والحج أشهر معلومات: شهر شوال، وذو القعدة، وعشر من ذى الحجة: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ}.
والرفث غشيان النساء، والفسوق هو معصية الله، والجدال فى الحج هو المراء: أن تمارى صاحبك حتى بغضب وتغضب.
قال الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} مبهمة. /274/ (3/274)
صفحة 1172
فقال من قال صحة البدن، وقال من قال: زاد وراحلة، وذلك عندى عند صحة البدن، إذا كان له ما يكفيه ويكفى عياله، ... ويفضل عنده ما يحج به، بلا أن يتحمل دينا، ولا يبيع الأصل، إذا كان فى بيعه نقصان عليه وعلى عياله.
ومن ملك مالا فلم يبلغ أيام الحج حتى فات من يده فليس عليه حج، ومن كان المال عنده فى وقت الحج فلم يحج، حتى تلف المال، فهو مفرط، ويجتهد فى أداء ما لزمه من الحج، فإن لم يقدر فأرجوا أن يكون معذورا بعد الاجتهاد.
ومن غيره: وعن من له مال وعنده عيال لا يفضل من غلته شىء لعياله أيلزمه الحج؟ وإن باع بعضه اجترح جراحة شديدة، وضاع عياله بعده، وعليه صداق لامرأته. هل له عذر عن الحج؟
فعلى ما وصفت، فإن كان إنما أصاب المال من بعد الصداق والعيال؛ فإن كان ماله يعجز عن دينه ومؤنة عياله، وإن باع شيئا منه عاد عيالا على الناس، فقد قال من قال من الفقهاء إنه معذور فى ذلك عن الحج.
وإن كان إذا باع من ماله بقى من المال ما يغنيه هو وعياله، ويستغنى به عن الناس فلا عذر له. والحج لازم له.
وإن كان أصاب هذا المال من قبل الدين والعيال، فلا عذر له عن الحج، والحج له لازم. ولو باع ماله جميعا فى ذلك الوقت.
وكذلك لو باد ماله، فلا عذر له عن الحج إذا كان قد وجب عليه الحج، فلم يقض الحج حتى باد ماله، فالحج له لازم، ويحتال
فى قضائه بما قدر ووجد من ذلك. والله أعلم بالصواب. /275/ (3/275)
صفحة 1173
ومن غيره قال ويوجد فى بعض قولهم، أنه إذا كان المرء مسرفا على نفسه، ويتلف زكاته، ويضيع حقوق الله، ثم تاب من ذلك فإنه لا يلزمه ضمان من حقوق الله، ويرجى له الله أن يعفو عنه.
ولو كان يقدر على أداء ذلك بعد التوبة إلا الحج، فإنه يلزمه، إذا كان يقدر على أدائه عند التوبة فعليه أداؤه.
قلت فإن تلف ماله وكان قد تعلق عليه الحج، ما يلزمه؟ قال معى، أنه لا يلزمه ذلك إذا عجز، إلا أن يوصى به إذا كان قد ثبت عليه فيما معى أنه قيل. ومن غيره: قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.فالذى يؤثر عن النبى صلى الله عليه وسلم أن السبيل: الزاد والراحلة.
وقال العلماء: فليس الناس إلى الزاد والراحلة بأحوج منهم إلى صحة البدن. وليس الناس إلى صحة البدن بأحوج منهم إلى أمان الطريق.
فإذا اجتمعت هذه الخصال مع المالك. فقد قطع الله عذر من اجتمعن له.
وقيل: لا تستعجل على اهل الولاية فى البراءة اذا قدروا على الحج حتى يسترئ أمرهم.
رجع:
ومن كان عليه الحج ثم أدركه الموت وهو فى الطريق، أو قبل أن يخرج فيوصى بتمام حجه، لأن ذلك قد لزمه. وإن كان من حين ما دفع المال فى يده خرج ولم يفرط، فمات فى الطريق؛ فأرجوا ألا يكون عليه تمام ذلك. وإن أوصى وأتم عنه، فإنه أفضل.
/276/ (3/276)
صفحة 1174
وقيل فى رجل صار فى يده من المال قدر ما يكفيه للحج، وهو محتاج إلى التزويج. أنه إذا خاف عنتا تزوج ولو صار فى يده ذلك قبل وقت الحج أو بعده، ورفع ذلك إلى الربيع رحمه الله.
وفى جواب إلى على رحمه الله، أيضا فيمن أوصى بحجج كثيرة، قال أحب أن يكون كله سنة واحدة، إلا أن يكون شىء يخاف منه الفوت، فعسى لهم أن يعطوها كلها فى سنة واحدة.
وأما أزهر بن على فقال، لهم أن يعطوها كلها فى سنة.
وقال فى المريض الذى لا يستطيع الحج، فإنه يوصى بحجة، فإن عوفى حج، وإن مات حج عنه، إلا أن يكون مرضا مما يرى الناس أنه لا يقوم منه، ولا يستطيع الخروج، فإنه يعطى من يحج عنه.
وقال الربيع: ومن قدر على الحج فلم يحج ومات ولم يوصى، مات كافرا.
وعن رجل حج عن رجل فمرض فى الطريق، فإن كان أخذ الحجة ليحج عامه، فليعط الحجة غيره من الموضع الذى مرض فيه، وإن كان بغير شرط، فله أن يحبس الحجة حتى يصح، أو يطول ذلك به، فإن أحب أن يعطيها فذلك له، ولا أحب أن يحج إلا عن من يتولاه. /277/ (3/277)
صفحة 1175
وقال المرأة لا تحج عن الرجل. وفى جواب أبى مروان: أن المرأة لا تحج عن الرجل، إلا أن يحج عنه امرأتان.
وعن الأجير هل يجزئه حجة؟ قال: إذا ترك من أجرته ثلثا أو ربعا، فإنه يجزئه.
_ وفى نسخة_ أو قال يجزئه.
وعن المحرم إذا مات فإنه يقضى حجة حيث مات، لا نعرف غير هذا.
وحفظت أنا عن محمد بن محبوب_ رحمهما الله_ أنه يجوز أن يعطى حجة رجل من أهل الولاية رجلا لا يعدل، غير أنه لا يطلع عليه بعمل فاحشة، وقال، إن كان جاهلا ظاهرا جهله ومعاصيه فلا أحب أن يعطاها، وقال إنه يجوز أن يحج الرجل لمن لا يعرف منه خيرا، فإذا دعا له، قال اللهم إن كان لك وليا وعلمت منه خيرا فارحمه.
وقال من عرفت عنه المعاصى، فلا يجوز لمن يتورع أن يحج عنه.
وقال: وإن أعطى الحجة رجلا يعرف عنه المعاصى، وحج بها وقد تمت عن الذى أوصى بها إن شاء الله. ويجوز قوله إلا أنه لا يبرأ الذى أعطاه إياها، حتى يعلم أنه قد أحرم من الحد. /278/ (3/278)
صفحة 1176
ومن كان لا يعلم منه خيرا ولا شرا، قبل قوله أنه قد حج مع يمينه.
وحفظ محمد بن محبوب_رحمه الله_ عن موسى بن على رحمهما الله، أن الذى يأخذ الحجة عن رجل، أو يتجر إلى بلد، ثم يعود فيقول قد حججت، وبلغت الموضع الذى اتجزت إليه، أنه أمين مصدق، وليس عليه يمين.
قال ابن محبوب_رحمه الله_ إلا أن يشترط عليه أن يشهد إذا أحرم، فإذا وقعت فعليه ما ضمن به. ومن حج حجة الحنث قبل حجة الفريضة، أجزأت عنه.
وحجة كفارة المشى لمن حج بها، ويدعوا لنفسه وتجزئه عن حجة واجبة.
وأما حجة حنث ليس فيها مشى، فالحجة للمحجوج عنه. ويبدأ الدعاء له ثم يدعو لنفسه.
وعن أبى على_رحمه الله_ قلت: رجل خرج حاجا، فلما صار بالبصرة هلك ولم يوص بالحج.
قال يلزمه ذلك، وفى نسخة لا يلزمه ذلك.
قلت فإن دخل فى حدود الحج ولم يوص؟ قال: يتم عنه حجته.
وقال فى امرأة محرمة ماتت، يقضى عنها وليها. /279/ (3/279)
صفحة 1177
قال محمد بن محبوب رحمه الله فى رجل أخذ الحجة لرجل، ثم شخص من بلده وهو أقرب إلى مكة من البلد الذى مات فيه الذى أوصى بالحجة، وهو بلده. فإن على الذى أخذ الحجة أن يعطى مثل كراء رجل من الموضع الذى مات فيه الموصى وهو بلده إلى الموضع الذى ابتدأ هذا الخروج منه إلى الحج، ويجعل ذلك الكراء فى دم إن كان يبلغ دما، وإن كان أقل فرقه على الفقراء، ويكون ذلك جميعا فى مكة. وقد تمت الحجة إن شاء الله.
وإنما يكون ذلك على الذى أخذ الحجة، إذا أخذها من موضع الميت، ثم لم يخرج بها من هنالك حتى يقدم، ثم خرج بها.
وأما الذى أعطى الحجة، فإن كانت لازمة للذى هى عليه فى موضع، وأعطيت عنه من موضع هو أقرب إلى الحج؛ فعلى قول محمد بن محبوب رحمه الله فقد حفظناه عنه: أنه يخرج عنه أيضا من ماله بقدر ما يلزمه من الكراء والمؤنة (؟؟؟) لرجل، من موضع الموصى إلى الموضع الذى خرج منه الحاج عنه. ويكون فى دم، أو يفرق عنه فى فقراء مكة.
وإذا حج الرجل عن رجل بأمر القاضى أو الوصى أو الولى _نسخة الوالى_ فلما انطلق تبين أن عليه دينا يحيط بكل شىء له فاحتج على الحاج من قبل أن يدخل فى التلبية؛ ويؤخذ ما فضل فى يده من البقية.
فإن فرض على نفسه الحج ومضى، وقد احتج عليه، فإنه يلزمه النفقة من يوم احتج عليه من ذلك المكان، والحج له. /280/ (3/280)
صفحة 1178
وإذا حج بأمر القاضى أو الوصى، ثم وجد على الرجل دين كثير، ولم يوجد له شىء فلا ضمان عليه، ولا على القاضى، ولا على الوصى، وليس للغرماء إلا ما فضل.
وقال أبو سفيان: إن الصبى والصبية يدخلان مكة فيحرمان، ويفعلان ما يفعل البالغ، فتجزى عنهما حجة الإسلام، وإن جنيا فعلى الولى ومن أحرمهما الكفارة.
وقال بعض الفقهاء: إن ذلك لا يجزئ عن الصبى، حتى يحج وهو بالغ.
وكذلك العبد والصبى، إذا دخلا فى الحج، ثم أعتق العبد، وبلغ الصبى قبل الوقوف بعرفة، فوقفا وأتما الحج، فقيل: إنه يجزئهما، وقال بعض عليهما الحج.
وأما الذمى فقيل: لا يجزئه. وعندى أنه أيضا مثل غيره، إذا أسلم وخاف فوت الحج فأسلم وأحرم، ووقف بعرفة، وأتم حجه، أنه قد أدرك.
ومن غيره:
وقيل: من خرج إلى مكة فى رجب ليجاور بها. هل له إذا طاف وسعى وحلق أن يخرج فى تجارة بينه وبين الموسم؟ قال إن أقام كذلك أفضل، وإن خرج ثم عاد فأدرك الحج، فليس عليه شىء، وإن لم يكن حج وهو ضرورة، فعليه الحج.
وكذلك الراجع إلى منزله، إن قدر على الرجوع رجع، وإن لم يقدر وكان قد حج، فليس عليه شىء. /281/ (3/281)
صفحة 1179
وقال: من خرج حاجا عن رجل فى رجب، هل له أن يبيع ويشترى للتجارة؟ قال: أما بمكة فليس عليه فى ذلك شىء، وليس له أن يخرج من وراء الميقات، كذلك فى حفظ أبى صفرة.
ومن أقام بمكة مجاورا، ثم بدا له الخروج قبل أن يحج، وقد كان ينوى الحج، فلا نرى عليه شيئا، وإن أتم ما نواه فهو أفضل.
ومن أخذ من عند رجلين: من عند كل واحد منهما حجة، فأهل بحجة لهما جميعا؛ قال الربيع: أرى أن يرد عليهما مالهما، وتكون حجته لنفسه.
وقيل: من أخذ حجة لقوم، واشترط عليهم أن يعطيها من أراد يحج بها، فإن له ذلك إذا اشترطه. وإن أراد أن يعطيها إذا بلغ الميقات ويحرم هو لنفسه فالحجة له.
وقال من قال: يعطى الذى أعطاه الحجة بقية ما بقى من الحجة غير ما أذهب هو إلى أن وصل إلى ذلك الموضع. ويغرم هو لأصحاب الحجة ما كان أذهب.
ومن رأى هلال ذى الحجة، ولم تقبل شهادته، فإنه يقف يوم عرفة، وإلا فلا حج له وكذلك رؤية رمضان، وإذا شهد قوم مع الإمام على الهلال، فوقف الناس بعرفات، ثم رجعوا عن شهادتهم، فقالوا شبه علينا. فأما قول الحسن: فلا شىء عليهم.
وقيل: إذا لبى العبد فى عبوديته، فعتق فى عرفات قبل أن يفيض الناس فقد قضى حجة الإسلام، إذا أتم أمره فى بقية النسك.
/282/ (3/282)
صفحة 1180
وكذلك الغلام، إذا لبى قبل أن يحتلم فقد قضى، قول الحسن وعطاء وأبى حنيفة، وأما عمر، ويوجد عمرو، فقال، عليهما الحج.
ورجل وقف بعرفات وهو سكران، فلا إعادة عليه إذا كان قد وقف مع الناس.
وأما المجنون والمعتوه إذا كان قد حج فى تلك الحال. قال الحسن: قد تم حجه، وأما عمرو، فيرى عليه الحج، وذلك أحب إلينا.
ومن وجب عليه حج المشى ولم يقدر، فيجزئ عنه حج امرأتين وسواء رجلان أو امرأتان فى هذا والحج لهما وليس للحالف، إلا أنهما يدعوان له إن كان يستحق ذلك.
ومن غيره_ وقيل من كان عليه دين فنسيه، أو افتقر فلم يقدر على أدائه أنه معذور بذلك.
وإن كان لزمه حج وهو غنى ثم افتقر، فقال من قال: إنه معذور إذا افتقر.
وقال من قال: عليه الخروج على كل حال بالاحتيال، ولو لم يكن غنيا، إذا قدر على الخروج بنفسه.
وقيل: من سرق مالا فحج به، ثم تاب، فقد أجزا عنه الحج، وعليه غرم المال.
وقيل: من كان له مال يجب عليه فيه الزكاة، فلم يؤد الزكاة حتى افتقر، فله أن يأخذ من الزكاة، ويؤدى ما لزمه من الزكاة التى قد لزمته. /283/ (3/283)
صفحة 1181
وكذلك له أن ياخذ من الزكاة ويحج بذلك إذا كان قد لزمه الحج، ثم افتقر.
وقيل فى الفقير: له أن يأخذ من الزكاة ويحج.
وقال من قال ليس له ذلك. وقيل: إن له أن يأخذ من كفارة الأيمان التى يستحقها الفقراء، ويكفر بذلك أيمانه التى تلزمه.
وعن الذى أخذ حجة، وخرج بها، وصار إلى مكة، ثم حيل بين الناس وبين الحج فأرى أن يكون للذى خرج بالحجة ما يجب له، وينتقص منه بقدر ما يتم الحج من مكة.
وإن كان هو القائم بذلك، أخذ الحجة وأداها على ما شرط عليه، وإنما يأخذ ما أداه.
وكذلك الذى مرض قبل تمام الحجة، يقوم عند أصحابه بتمام ذلك.
وعن الذى يخرج إلى بعض البلدان، أو يركب البحر لتجارة أو لغيرها، ثم يعزم أن يخرج من هنالك إلى الحج، يحج عن نفسه حجة الفريضة، هل يجزئه ذلك؟
فعندى أنه يخرج فى ذلك اختلاف، فعندى أنه قيل: إنه يجزئه ذلك، وعندى أنه قيل: إنه لا يجزئه إذا كان قد لزمه فى تلك، والله اعلم.
وعن الفقير: هل يجوز له أن يأخذ من الزكاة ويحج؟ قال معى إنه إذا أخذ /284/ (3/284)
صفحة 1182
قوته لسنة وتبلغ به إلى الحج وحج، وإنما ليس له أن يحج من الزكاة إذا كان غنيا فى وقته، وإنما يأخذ ما يحج به خاصة، فقد قيل: لا يحج من الزكاة على هذا إلا ذو غنى، أو ذو غناء.
قلت له: فإن كان رجل قد وجب عليه الحج فى ماله، فلم يحج حتى افتقر. هل له أن يأخذ من الزكاة للحج خاصة؟ قال معى أنه يختلف فى ذلك.
وعن موسى بن على رحمه الله، وعن رجل فى يده يسار ولم يتزوج قط، ولم يحج الفريضة، أيهما أفضل؟ قال: إن كان يشتهى النساء فليتزوج، وإن هم صبر على التزويج فليحج.
قال غيره: إذا خاف الفتنة (1) فليتزوج.
وعن من كان فى يده مال كثير ويسار، وهو فى حال من يجب عليه الحج، فلم يحج، وكان يأمل ويذكر الحج، وهو يبيع المال ويأكل فى الخراج، إلى أن فنى المال، وليس معه ما يلزمه فى حجه الذى كان قد وجب عليه.
قال معى أنه قد قيل: يكون عليه دينا بمنزلة الدين إذا عجز، ويوصى به إذا حضره الموت ولو لم يكن له مال.
وسألت أبا سعيد رحمه الله عن رجل له أصل مال إذا باعه قدر به على الحج، ولا يفضل له شىء غير ذلك، هل يلزمه الحج إذا قدر عليه؟ /285/
كذا فى الأصل، وهى الضعف، ولعله العنت، ومعناه الفساد ودخول المشقة على الإنسان. (3/285)
صفحة 1183
قال: معى أنه قد قيل يلزمه الحج إذا قدر واستطاع إليه ببيع ماله، وقيل: لا يلزمه الحج حتى يقدر عليه من غلة (؟؟؟) ماله، أو يكون فى ماله فضل إذا باع من أصله قدر به على الحج، وكان فيما بقى كفاية لعوله وعول من يلزمه عولته فى وقته ذلك.
وكأنى رأيته يحلو فى نفسه القول الأول.
وقال من قال عليه الحج، كيفما قدر عليه، ولو أجر نفسه، وتبلغ من قرية إلى قرية.
وأرخص ما سمعت القول الأوسط الذى قد ذهب إليه بعض أصحابنا.
وعندى، أن عامة ما قيل فى قول أصحابنا، وقول قومنا على خلاف ذلك القول من التشديد.
وقد يدخل فى ذلك الإختلاف.
وذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قال: إذا أراد أحد أن يطيل الغيبة، فليستأذن أهله.
والذى أقول به إنه إذا أراد الحج، فقد يكون الحج قريبا أو بعيدا، منه ما يسار إليه سنة أو أقل أو أكثر فلا أرى عليه أن يستأذن امرأته فى الحج، كانت حجة فريضة أم نافلة، إلا أن يخرج هذا من أعماله، يريد بذلك مضرة لها فلا أرى له ذلك فى النافلة؛ إلا أن يريد المجاورة، فيقول لها، إنى أريد أن أقيم بمكة فإن أذنت له فلا بأس عليه، وإن كرهت ذلك فأرى أن يطلقها إن أرادت ذلك ويحج ويرجع. /286/ (3/286)
صفحة 1184
وإن أراد الخروج فى تجارة أو سفر بعيد، يطيل فيه الغيبة، فلا يخرج حتى يستأذنها، فإن رضيت أن يخرج وإلا طلقها. فذلك واسع له.
وإن كرهت أن يطيل عليها الغيبة، فليطلقها ولا يطيل عليها الغيبة. ولا أرى أن يغيب أكثر من أربعة أشهر إلا بإذنها.
مسألة:
وإذا كان للمرأة زوج ومال بقيمة ألفى درهم، أو ألف وسبعمائة درهم، من دراهم ومتاع ولا شىء لزوجها، فإنه إذا كان لها مال ومحرم يحملها، ويجنبها الى ذلك، فقد وجب عليها الحج.
وإن كان لها مال، ولم يكن لها محرم يجنبها ويحملها فلا حج عليها.
وإن كان لها محرم، ولا مال لها فلا حج عليها، حتى يجتمعا لها معا والله أعلم.
وإذا كان للمرأة مال ولم تحج حتى ذهب مالها، وكان لها أولاد بلغ، فإنهم يؤمرون أن يحجوا بأمهم، ولا يجبرون على ذلك.
وإن كانوا صغارا فليس لها أن تحج بمالهم. والمرأة إذا كان لها مال كثير وليس لها ولى لم يجب عليها الحج إذا لم تقدر على الخروج إلا بولى.
وتؤمر أن تطلب وليا. ويجب عليها أن توصى بالحج.
مسألة:
ولا يجوز للمرأة أن تخرج إلى مكة ولا غيرها وليس معها ولى، إلا أن /287/ (3/287)
صفحة 1185
تكون امرأة مبرورة، لم تحج قط، ولا ولى لها تقدر عليه، فقد أجاز لها الفقهاء الخروج إلى الحج إذا أصابت جماعة من المسلمين ثقات، معهم نساء تخرج معهم.
ومن غيره_ ومن أذن لعبده فى الحج، فعلى السيد ما أحدث العبد.
ومن أقر بالإسلام، ثم حج حجة الإسلام وهو مسلم، ثم ارتد بعد ذلك، ثم أسلم بعد ارتداده، فقد أجزأته الحجة الأولى.
ومن ارتد قبل غروب الشمس لم ينفعه وقوفه بعرفة. ولو ارتد بعد غروبها كان فيه اختلاف ونحن نقول: يظل حجة حتى يطوف البيت.
وإن عتق وهو محرم قبل عرفة، تم حجة وعليه دم إذا كان إحرامه من مكة.
مسألة:
ومن لزمه الحج ثم يدركه (؟؟؟) الموت فى الطريق قبل أن يحج، فيوصى بتمامه؛ ل؟ لأن ذلك قد لزمه.
وإن كان حين وقع فى يده خرج ولم يفرط، فمات فى الطريق، فأرجوا ألا يلزمه وإن أوصى بتمامه فهو أفضل.
ومن خرج حاجا فلما كان فى بعض الطريق هلك، أنه لا يلزمه، فإن دخل فى حدود الحج ولم يوص، أنه يتم عنه حجه، لأنه قد دخل فيه ولزمه تمامه.
والمحرم إذا مات أتم عنه ما بقى من مناسك الحج، وتقضى حجته من حيث مات. /288/ (3/288)
صفحة 1186
ومن مات وقد وقف بعرفات فقد أدرك، ويقضى عنه ما بقى من نسكه فى الفريضة والتطوع.
مسألة:
قوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ}.فإن عامة العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله وكانت الحمس (؟؟؟) يرون عرفات من شعائر الله.
والحمس: قريش، وخزاعة، وكنانة، وعامر، وصعصعة. والشعائر جمع شعيرة وهى البدنة تشعر اى تقلد. والشهر الحرام هو المحرم. كانوا يحلونه عاما، ويحرمونه عاما. وذلك أن أبا ثمامة جنادة بن عوف كان يوما فى سوق عكاظ فى كل سنة. فيقول: ألا إنى قد أحللت المحرم، وحرمت صفرا وحللت وحرمت كذا، وكانت العرب تأخذ به. فأنزل الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيُّ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} الآية.
وسئل عن رجل أوصى ان يؤتجر له من يحج عنه بشىء محدود، فأنجز الوصى بدون ما أوصى الموصى، ثم ندم وأراد الخلاص مما بقى مما أجره من ذلك الشىء المحدود فأبى من يتخلص إلى الحاج أم لا؟ (4). /289/
(4) كذا فى الأصل. (3/289)
صفحة 1187
الجواب وبالله التوفيق فيما عرفته وحفظته، وبان لى من أثار السلف من أصحابنا، فعرفت فيه اختلافا من أقاويلهم؛ فإذا نفذت الحجة وخرج بها الحاج، فالباقى ينفذ فى سبيل الله، فيشترى منه بدنة فتنحر فى مكة، أو تعطى حاجا قد نقص عليه زاده، أو يفرق على الفقراء. فهذه الأقاويل التى وجدتها على سؤال هذا السائل وجدت هذا فى الأثر من كتاب الضياء، والله أعلم.
وليأخذ المبتلى بهذا، بالعدل من ذلك، وبالله التوفيق، وسل المسلمين، ولا تأخذ منه إلا بالحق إن شاء الله.
مسألة:
ومن أراد الإحرام عن غيره فيقول: لبيك عن فلان بعمرة، وإن كان بحجة فيقول: لبيك عن فلانة أو عن فلان بحجة، وإن كان قارنا قال: لبيك بحجة وعمرة عن فلان.
وفى المواقف يقول: اللهم تقبل من فلان إذا علمت أنه من المتقين، وسائر اعتماد الحج والدعاء، فهو للحاج.
والفقير الذى لم يجب عليه الحج، جوز أصحابنا أن يحج عن غيره، ويدعوا الذى يحج عن غيره لنفسه بعد أن يدعو للذى يحج عنه فى المناسك.
والرجل يجوز أن يحج عن الرجل وعن المرأة، ولا بأس أن يحج الرجل عن المرأة، ولا تحج المرأة عن الرجل، إلا ألا يقدر على رجل، وتحج المرأة عن المرأة. /290/ (3/290)
صفحة 1188
فضل تصدير المناسك والإحرام والطواف:
فإذا خرجت من منزلك، فعليك بتقوى الله، وتعظيم حرماته، واستكمال حجك. بكظم الغيظ، والعفو عن الناس، وحسن الصحبة، ولين الجانب، وكثرة الذكر لله.
فإذا أردت أن تحرم، فإن شئت فادهن بدهن لا طيب فيه، ثم اغتسل بالماء بعد السدر أو الخطمى، أو غيره إن أمكنك ذلك وقدرت عليه، ولا بمسك دهن، ولا طيب بعد ذلك حتى تحل، ثم البس ثوبيك الذين تريد أن تحرم فيهما، ثوبين جديدين أو مغسولين، ثم صل إذا كانت مكتوبة قد حضرت، وإلا فتطوع.
ثم أحرم على أثر صلاتك بعمرة، _فإن ذلك أعجب إلى الفقهاء_ وأنت مستقبل القبلة.
ثم تقول: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك بعمرة أو بحجة، تمامها وبلاغها عليك.
وتكثر من التلبية وذكر الله، حتى تقدم مكة، وتنظر لنفسك موضعا لنزولك، ثم امض إذا أمكنك إلى البيت، وتمسك عن التلبية إذا استقبلت الحجر، ثم ابدأ فامسح الحجر إن قدرت على ذلك، وقبله بلا تزاحم عليه، /291/ (3/291)
صفحة 1189
ولا تؤذ أحدا، فإنه يكره ذلك وإلا فقم حياله، فكبر الله، وهلله، وعظمه، واثن عليه، وصل على النبى صلى الله عليه وسلم.
ثم تستقبل الطواف، فتقف حيث لا ترى الباب، ثم خذ على يمينك على باب الكعبة فطف سبعة أشواط_وتمس الحجر فى كل تطويفة إذا وصلت إليه، ولم يمنعك الزحام، ولا تدخل الحجر فى شىء من طوافك.
ثم اركع ركعتين بعد الطواف خلف مقام إبراهيم، أو حيال الحجر، أو حيث ثبت من المسجد، إلا الحطيم فلا. ويستحب إذا صلى ركعتين أن يأتى الحجر، فيقوم حياله، فيكبر الله، ويدعوه ويصلى على النبى عليه السلام، ويسأله ما بدا له ولا يطيل.
ويأتى زمزم، فيشرب من مائها إن قدر، ثم يخرج من باب الصفا إلى الصفا، فيصعدها حتى يحاذى الكعبة ويراها، ويكبر ثلاثا، ويصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، ويرفع صوته بالتكبير والتهليل والتمجيد ثلاثا، والثناء على الله والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم.
ثم يدعو لنفسه بما شاء ولا يجهر بذلك. ثم يعود كذلك ثلاثا بصوت رفيع، ثم يكبر تكبيرة وهى السابعة، ثم ينحدر منها إلى المروة وهو على هيئته.
فإذا بلغ المسيل، رمل فيه من العلم إلى العلم، وهو يقول بين العلمين: رب /292/ (3/292)
صفحة 1190
اغفر وارحم وتجاوز، واعف عما تعلم، إنك أنت الرب، وأنت الحكم، وأنت الأعز الأكرم.
وقد قيل كل ذلك، ثم تأتى المروة، فتصعدها، حيث ترى الكعبة، وتقول كما تقول على الصفا، ثم تنحدر، فإذا بلغ إلى العلم يسعى، فإذا سعى سبعا، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، حلق رأسه أو قصر، وأخذ شاربه، وقلم أظافره.
ثم قد حل له الحلال كله، ثم يكثر الطواف بالبيت، فإنه أفضل نسكه، ويركع لكل أسبوع ركعتين فإذا كان عشية التروية، وأردت أن تحرم، فادهن إن شئت بدهن لا طيب فيه، ثم اغتسل بالماء، وافعل كما فعلت بالعمرة، وائت البيت وقد لبست ثوبيك الذين تحرم فيهما، فتطوف بالبيت سبعا، وتصلى ركعتين.
فإذا أردت أن تحرم من المسجد، جهرت بالتلبية، مثل ما قلت فى عمرتك، وقلت على أثر التلبية، لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك. وقد يستحب الفقهاء أن تحرم بالأبطح، بالمسجد الذى يقال له مسجد الجن، فكل ذلك جائز ولا تطف بالبيت بعد التلبية، وليكن وجهك إلى منى.
فإن صليت بها ظهر يوم التروية فهو أفضل، وبت بها.
فإذا أصبحت وصليت الفجر، فاركب راحلتك، و لاتخرج من حد منى حتى تطلع الشمس وتراها على رؤوس الجبال. /293/ (3/293)
صفحة 1191
وحد منى بطن محسر الوادى الذى عند الحياض، ثم امض فائت عرفة وانزل بها، حتى إذا كان نصف النهار، وزالت الشمس، فاغتسل بالماء إن قدرت على ذلك، وإن لم تقدر، فأجر كالوضوء. واجمع بين الصلاتين الأولى والعصر، وقف مع الناس.
وقيل أفضل الموقف بعرفة، عن يمين الإمام، ثم عن يساره، ثم من خلفه. وكل عرفة موقف، إلا موضع الأراك.
ويستحب للواقف أن يبدأ بالتهليل، والتكبير، والتحميد، والثناء على الله بصوت رفيع، اخفض من صوتك على الصفا والمروة، ثم تصلى على النبى صلى الله عليه وسلم.
وتسأل عن حاجتك للدنيا والآخرة، وتلبى خلال ذلك، حتى تغرب الشمس.
ثم امض ولا تتعب راحلتك، فإن خفت أن تمسى دون جمع، فانزل فاجمع الصلاتين، المغرب والعشاء الآخرة.
وإن رجوت أن تأتى جمعا، فتجمع الصلاتين بها فهو أفضل، ثم اغتسل قبل صلاة الفجر إن قدرت على ماء، وإلا فيجزئك الوضوء. وصل بغلس حين يستبين لك الفجر. /294/ (3/294)
صفحة 1192
ثم قف مع الإمام بجمع، عن يمين الإمام، أو عن يساره، أو خلفه. وكل المشعر موقف وهو من لدن مأزم عرفة إلى قريب من الحياض التى عند محسر، وتفعل فى وقوفك بجمع، ما فعلت بعرفات، وأفض من جمع قبل طلوع الشمس، إذا أبصرت وعرفت من هو عن يمينك، ومن عن شمالك.
ولا تقطعن التلبية حتى تأتى جمرة العقبة من وجهك الذى أفضت فيه، فارم الجمرة بسبع حصيات من حصى الحرم، مثل حصى الحذف، وكبر مع كل حصاة تكبيرة، وارمها من بطن الوادى ولا ترمها من فوق العقبة، ولا تقف عندها إذا رميتها، ولا ترم من جمار يومئذ غيرها.
وإن صليت ركعتين مثل صلاة الضحى فى مسجد منى، أو فى منزلك، فقد يستحب ذلك.
فان لم تصل يوم النحر بمنى، فليس عليك. ثم اذبح ذبيحتك. وإن لم تكن ذبيحة وصمت الثلاثة الأيام فاحلق رأسك وقد حل لك الحلال كله إلا النساء والصيد ولحمه.
ثم رح إلى مكة يوم النحر للزيارة إن قدرت، أو من ليلتك، أو من الغد. وأفضل ذلك أعجله،
وطف بالبيت سبعة أشواط، واركع ركعتين، ثم اخرج من باب الصفا، فقف على الصفا حيث ترى البيت، ولا تعلون عليه، واصنع صنعت فى عمرتك. /295/ (3/295)
صفحة 1193
وإذا فرغت من سبع مرار بين الصفا والمروة، فارجع إلى منى حين فرغت من ذلك وقد حل لك الحلال كله.
ولا تنامن بمكة. فإذا انصرفت إلى منى، فانزل من وراء العقبة، مما يلى منى فقم أيام التشريق وارم الجمار حين تزول الشمس.
أول ما ترمى من الجمار التى مما يلى المشرق، ترميها من بطن الوادى، وهى عن يساره، ترميها بسبع حصيات وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، ثم يجاوزها ووجهه إلى الكعبة فيدعو مثل دعائه على الصفا والمروة إن شاء أو أخفض، ثم تأتى الجمرة الوسطى من بطن الوادى، وترميها مثل الأولى وهى عن يمينه، وتقف حول ذلك فتذكر الله وتثنى عليه، وتصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، وتدعو لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تقدمها إلى جمرة العقبة وترميها من بطن الوادى، ولا تقف عندها.
تصنع ذلك كل يوم من أيام التشريق فى يومين أو ثلاث. فإذا نفرت منصرفا إلى مكة فأكثر من ذكر الله، ولا تخرجن من مكة إذا أردت الإنصراف إلى بلدك حتى تكون آخر عهدك بالبيت تطوف به سبعا وتصلى خلف مقام إبراهيم ركعتين، وفى غيره من المسجد.
ويستحب أن تدنو من البيت إذا صليت، فتدعو بما فتح الله لك من الدعاء.
وتقول فى آخر دعائك: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد من بيتك وبلدك الحرام تائبون حامدون، لربنا إن شاء الله عائدون، فهذه صفة فى الحج مختصرة. /296/ (3/296)
صفحة 1194
وقد يوجد فى بعض الآثار أنه يستحب إذا وصلت إلى المسجد الحرام أن تقول: اللهم أنت ربى وانأ عبدك، والبلد بلدك، والبيت بيتك. جئت أطلب طاعتك، طالبا لرضاك، متبعا لأمرك، راضيا بقدرك. أسالك يا رب مسألة البائس الفقير، وأدعوك دعاء الخائف المستجير، دعاء المضطر إليك، المشفق من عذابك، الخائف من عقوبتك. أسالك أن تستقبلنى بعفوك، وأن تجود لى بمغفرتك، وأن تعيننى على أداء فرائضك.
وإن أحرمت من ذات عرق فادخل من باب العراق.
ويستحب أن تقول إذا دخلت من الباب: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يرجع السلام فحينا بالسلام، وأدخلنا دار السلام.
فإذا رأيت البيت فقل: اللهم زد بيتك هذا تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة، وزد من عظمه وشرفه وكرمه، ممن حجه واعتمره من أوليائك وأهل طاعتك. تشريفا وتعظيما وتكريما.
وعند مسحك الحجر وأنت متواضع جهدك، متضرع إلى ربك، فيستحب أن تقول: اللهم كثرت ذنوبى، وضعف عملى، فأسألك فى مقامى هذا فى أول المناسك أن ترحم مقامى، وأن تقبل توبتى، وتقيلنى عثرتى، وتتجاوز عن خطيئتى وتغفر ذنبى، وتضع عنى وزرى.
ثم امسح الحجر بيمينك، ثم قل_ وفى نسخة تقل_ اللهم إليك بسطت يدى، /297/ (3/297)
صفحة 1195
وفيما عندك عظمت رغبتى، فاجعل جائزتى فكاك رقبتى، وسعادتى فى دنياى وآخرتى.
وإذا قمت عند ركن الحجر تريد أن تطوف، فقل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم إنى أسالك إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا بلغت الباب فقل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. اللهم قنعنى بما رزقتنى، وقنى شح نفسى واجعلنى من المفلحين.
فإذا بلغت الركن الثانى، وهو ركن العراق_نسخة العراقى- فقل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
فإذا بلغت الميزاب، فقل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. اللهم إنى أسالك الراحة عند الموت، والعفو والتيسير عند الحساب، والجواز على الصراط، والنجاة من العذاب.
فإذا بلغت الركن الثالث، وهو الركن الشامى، فتقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
فإذا بلغت الركن الرابع، وهو الذى يقال له الركن اليمانى، فقل الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، وموقف الخزى فى الدنيا والآخرة ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. /298/ (3/298)
صفحة 1196
فإذا بلغت الحجر قلت كما قلت لك أن تقول، ثم عد فى الشوط الثانى، وقل عند كل ركن كما وصفت لك.
وتقول فيما بين الأركان فى طوافك: الحمد لله، وتعالى الله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على محمد، وعليه السلام.
وتمضى إلى الصفا من باب الصفا، وتخرج من بين الساريتين المذهبيتين.
فإذا صعدت الصفا فلا تعلون عليه إلا بقدر ما تقابل به الباب. وقال من قال: تصعد منه على خمس درجات، ثم تقول وأنت مستقبل البيت: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا والله أكبر على ما أولانا، والحمد لله على ما أعطانا، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحى ويميت، وهو حى لا يموت بيده الخير، وهو على كل شىء قدير. لا إله إلا الله إلها واحدا، ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلها واحدا، ونحن له عابدون، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه لا إله إلا الله إلها واحدا فردا صمدا، بديعا مبتدعا، لم يتخذ ربنا صاحبة ولا ولدا.
لا إله إلا الله، أهل التكبير والتهليل، والثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأولين، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولوكره الكافرون، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره المشركون. /299/ (3/299)
صفحة 1197
لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وصدق وعده، وهزم الأحزاب وحده.
ثم صل على نبيك، وادع بما فتح الله لك، واجتهد وقل فى دعائك: اللهم استعملنا بسنة نبينا، وتوفنا على ملته، وأعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
وقل فى مشيك بين الصفا والمروة، اللهم اجعل هذا المشى كفارة لكل شىء كرهته منى.
وقل بين العلمين وأنت تهرول: رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، واهدنا السبيل الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم.
فإذا ركبت راحلتك إلى منى فقل: اللهم إياك رجوت، وإياك دعوت، بلغنى صالح أملى وأصلح لى عملى.
فإذا بلغت منى، فقل: اللهم هذا منى، وهى مما دللت عليه من المناسك، أسألك يا رب أن تمن على فيها، بما مننت به على أوليائك، فها أنذا عبدك وابن عبدك، وابن أمتك وفى قبضتك.
وإذا غدوت إلى عرفات، فقل اللهم إياك صمدت، وإياك اعتمدت، ووجهك أردت، فأسألك أن تبارك لى فى وجهتى، وأن تكفنى فى عرفات حاجتى، وأن تباهى به من هو أفضل منى.
فإذا بلغت عرفات فقل: اللهم ارزقنى فى هذا المنزل جوامع الخير كله، وأعذنى من جوامع الشر كله. /300/ (3/300)
صفحة 1198
فإذا وقفت عشية عرفة، فاجتهد فى التحميد، والتسبيح، والتهليل، والتكبير والثناء على الله والصلاة على النبى محمد صلى الله عليه وسلم، والدعاء، والرغبة والتلبية خلال ذلك؛ فإنه المقام الذى إليه المنتهى، وفيه أعظم الرجاء، وقيل يباهى به الله تعالى أهل السماء.
فإذا أفضت فقل: اللهم إليك أفضت، ومن عذابك أشفقت، وإليك رغبت وفيك رهبت، وفيك رضيت، وفى نسخة وصبت، فاقبل نسكى، وقو ضعفى، وارحم تضرعى وقلة حيلتى، وبعد مسيرى، وسلم لى دينى.
وأكثر من ذلك حتى تقدم جمع، وقل فيها: اللهم ارززقنى فى هذا المنزل جوامع الخير كله، وأعذنى من جوامع الشر كله.
واجتهد تلك الليلة بما قدرت عليه، فإنه يقال، إن السماء ليلة جمع لا تغلق.
ويقال: لأصوات المؤمنين دوى تحت العرش كدوى النحل، فيقول الرب: أنا ربكم، وأنتم عبادى، أديتم لى حقى، فيحق على أن أستجيب لكم.
فإذا وقفت مع الإمام بجمع، فاجتهد أيضا، وقل كما قلت على الصفا والمروة.
ثم أفض إذا أبصرت، وأكثر من الاستغفار، فإنها اليوم الذى قال الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. /301/ (3/301)
صفحة 1199
ويستحب أن تقول فى دعائك فى الموقف بجمع: اللهم أنت خير مطلوب إليه، ومعول عليه، وخير مسئول، وخير من كان عليه النزول.
ولكل وفد جائزة، فاجعل جائزتى فى هذا الموقف أن تقبل توبتى، وتفك رقبتى، وتقيلنى عثرتى، وتتجاوز عن خطيئتى، وتجعل التقوى من الدنيا زادى. ولا تدع حاجة للدنيا والآخرة، إلا سألتها. فإنك كلما أكثرت الطلب، كنت إلى الله أقرب.
فإذا وصلت جمرة العقبة، فقل اللهم اهدنى بالهدى، ووفقنى للتقوى_وفى نسخة وقنعنى بالتقوى، وعافنى فى الآخرة والأولى.
وكبر مع كل حصاة. وقل إذا رميت: اللهم هؤلاء حصياتى،، فتقبلهن منى، وارفعهن لى.
وقل عند الذبح: اللهم هذا نسكى فتقبله منى، واجعله فدائى من النار. فإذا حلقت رأسك، فقل اللهم بارك لى فى تفثى، واغفر لى ذنبى.
وأكثر من قول: الحمد لله رب العالمين، رب السماوات ورب الأرض، رب العالمين، وله الكبرياء فى السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم فى كل مواقفك.
فإذا أتيت البيت للزيارة، فقل اللهم قد أعنتنى على نسكى، فسلمه لى، وتقبله منى. /302/ (3/302)
صفحة 1200
اللهم إنى أسألك مسألة العبد الذليل المعترف بذنبه، أن تغفر لى ذنبى، وتحسن جائزتى وتردنى مفلحا منجحا، قد قضيت حاجتى، وأعطنى سؤلى، واعصمنى من سخطك بقية عمرى، حتى ألقاك على ما تحب وترضى.
فإذا نفر الناس، فأكثر من ذكر الله؛ فأنت فى اليوم الذى قال الله فيه: {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ ءَابَآءَكُمُ أَوَ اَشدَّ ذِكْرًا}.
وقل حين تدخل المسجد الحرام للوداع: اللهم كما قضيت عنى نسكى، وقويت ضعفى، فأتمم لى قضاء حاجتى، وأنجز لى جائزتى، وأعطنى ما أعطيت أوليائك.
وطف بالبيت سبعا للوداع، ثم اركع، ثم ادخل زمزم فاشرب منها، وضع على رأسك وانصرف إلى الملتزم فالتزمه، وادع ما قدرت عليه من الدعاء، بعد أن تحمد الله، وتصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، ثم قل: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد منى ببيتك الحرام_نسختين.
وانظر إلى نظرة تنفعنى بها فى الدنيا والآخرة؛ فإنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتنى على راحلتك، وسيرتنى فى بلادك، حتى أدخلتنى حرمك وأمنك.
اللهم وهذا بيتك، وقد رجوت بحسن ظنى بك أن تكون قد غفرت لى ذنوبى، فإن كنت قد غفرتها، فازدد على رضا، وقربنى إليك زلفى. /303/ (3/303)
صفحة 1201
وإن لم تكن يا رب غفرت لى ذنوبى، فمن الآن على قبل أن أتباعد عن بيتك، فهذا أوان انصرافى غير راغب عنك، ولا عن بيتك، ولا مستبدل بك، ولا ببيتك.
اللهم احفظنى عن يمينى وعن شمالى، ومن ورائى، وعن أمامى، فإذا أقدمتنى يارب فاكفنى مؤنتى، ومؤنة عبادك ومؤنة عيالى، فإنك أولى بذلك من خلقك ومنى.
فإذا ركبت راحلتك، فقل: الحمد لله الذى هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بنبينا عليه السلام. والحمد لله الذى جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. آئبون، تائبون لربنا حامدون، إن شاء الله عابدون.
نعوذ بك من وعث السفر، وسوء المطلب، وكآبة المنقلب فى الأهل والمال والولد.
فهذا ونحوه مما رأينا فى الآثار.
ويستحب أن يقال فى هذا الموقف_ ولم نذكره فى الصفة الأولى لأنه ليس بعزيمة، فمن فتح الله له ذلك ونحوه، أو شيئا منه، فحسن، ومن قصر عنه، فلا فساد عليه.
والفريضة فى الحج: التلبية والوقوف بعرفة والزيارة. /304/ (3/304)
صفحة 1202
ومن غير الكتاب والزيادة_ أجمعوا على أن الإحرام، والوقوف بعرفة، إذا فاتا، أو فات أحدهما، بطل الجميع ولم يمكن إصلاحه.
ومن كتب قومنا استحسنته:
أركان الحج أربعة: إحرام، ووقوف، وطواف، وسعى.
والطواف ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الزيارة، وطواف الوداع. والفرض منها طواف الزيارة.
والغسل فى الحج سبعة: للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وللمبيت بالمزدلفة ولرمى الجمار أيام منى الثلاثة، ولطواف الزيارة، ولطواف الوداع.
ورمى الجمار بسبعين حصاة فى أربعة أيام، فى اليوم الأول، وهو يوم النحر بسبع حصيات، وفى اليوم الثانى بإحدى وعشرين حصاة، فى ثلاث جمرات، كل جمرة سبع، وكذلك فى اليوم الثالث والرابع.
وشرائط وجوب الحج سبع خصال: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، ووجود الزاد، والراحلة، وتخلية السبيل وإمكان السير_تم الفصل_ رجع إلى الكتاب.
مواقيت الحج
بلغنا، والله أعلم، أن النبى صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة: الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد: قرنا، ولأهل اليمن: يلملم، ولأهل العراق: ذات عرق. /305/ (3/305)
صفحة 1203
ثم قال: ومن وقتنا له وقتا، فهو له، ولمن مر به حاجا، من غير أهله، حاجا، ومعتمرا.
ومن خرج من مصر يريد الحج والعمرة، فليس له أن يجاوز الميقات إلا محرما.
وإن كان إنما أراد جدة، فلم يقم فيها ما بدا له، ثم يكون إحرامه منها، إن بدا له أن يحج، آو يعتمر.
وإن أحرم من الميقات، ثم أقام بجدة أياما فلا بأس. ويكره التجارة، والبيع، والشراء حتى يقضى نسكه.
ومن كان أهله دون الميقات، فأراد حجا آو عمرة، فليحرم من أهله. جاء لحاجة فأراد الحج والعمرة، فليهل ولا يرجع إلى أهله.
ومن أراد أن يحرم بحجة فأحرم بعمرة، أو أراد عمرة، فأحرم بحجة، أو أراد إحداهما فقرنهما فهو على نيته، ولا يضره ما أخطأ به من ذلك شيئا.
وقال أبو مودود: النية مع التلبية تجزئ عن التسمية، ومن دخل بعمرة، أحل من عمرته إلى أن يرجع فيحرم بالحج.
ومن دخل قارنا، فإنه يطوف ويسعى، ولا يحل ولا يقصر، ويرجع يحرم بالحج فى آخر سعيه وهو على المروة. ولا يحلق حتى يحل إذا قضى الحج.
وإن مضى القارن على إحرامه، ولم يحرم ثانية أجزأه، وينظر فى ذلك. /306/ (3/306)
صفحة 1204
والمحرم يلبس إزارا ورداء، ويستبدل بهما، ويضاعف ما شاء من الثياب عليهما، ويدخل الحمام، ويغسل ثيابه وبدنه، ويتسوك، ويلبس النعلين والخفين القصيرين اللذين لا يصلان إلى الكعبين.
وإن لم يكن معه إلا ثوب أجزأه. وإن انكسر منه ظفر قطعه، وأن أصابه شقاق دهنه بما لا طيب فيه، من زيت، أو خل، أو سمن، أو نحو ذلك.
ويكحل عينيه إذا اشتكاهما_وفى نسخة إن شكاهما_ بما لا طيب فيه من صبر أو أبزروت، أو شبه ذلك_ ويداوى جرحه بما لا طيب فيه. ويغمز قرحته حتى يخرج مدتها.
قال الناضر: إن خرج منها دم فلا بأس. ويلبس الثوب المغسول من الورس والزعفران إذا ذهب عرفه ولم ينقض عليه، والثوب الملون بالشوان غير المشبع.
ويحتجم، ويلبس الطيلسان، ويضع خاتمه من يده إذا أراد ذلك. وبعض كره الخاتم ويرى عليه دما.
ولا يلبس السيف، إلا أن يخاف.
قال غيره: وقد قيل يلبس، لأنه ليس من الزينة. وقال عطاء: الأدهان /307/ (3/307)
صفحة 1205
الفارسية ليست بطيب من أجل أنها من الريحان، والريحان العربى والفارسى كله ليس من الطيب.
وقال غيره: ما أرى الورد والياسمين إلا طيبا كهيئة الأفواه.
ولا بأس أن ينظر المحرم فى المرآة إلا للزينة. والمحرم يعقد ثوبه، ويعقد بخيط على دراهمه وإن عقد هيميانه فى حقويه وهو محرم فلا بأس عليه.
وأخبرنا الثقة أن الوضاح بن عقيد كان هيميانه فى حقويه وهو محرم.
وإن أصاب المحرم كسر جبره، وإن أذاه ضرسه قلعه، وأن اهريق (؟؟؟) عليه طيب، طرح الثياب التى وقع عليها الطيب. وإن أصاب بدنه غسله ولا بأس عليه.
ومن غيره_ وقد قيل: عليه دم فى الخطأ والعمد. وقال من قال فى العمد.
ومن شم الحجر وفيه طيب ولم يعلم، فلا بأس عليه.
ومن وجد رائحة الجمر فلم يستكشفها فلا بأس عليه. وأن (؟؟؟) تعمد فعليه دم.
ويجزئه أن يحرم فى ثيابه الدنسة، إذا كان يصلى فيها.
وما كان غضيض طعام أو شراب أصابه زعفران، أو طيب أكله، ولا يدعه المحرم من أجل ذلك، مسته النار، أو لم تمسه. وقيل ذلك عن عبد الله ابن العباس رضى الله عنه. /308/ (3/308)
صفحة 1206
وعبد الله بن عمر وإبراهيم والشعبى، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير. وكره ذلك غيرهم.
ولا بأس أن يشم المحرم الريحان. وقيل إنه ليس من الطيب.
وبلغنا أن عمر رحمه الله اغتسل وهو محرم ثم قال: لا يزيده الماء إلا شعثا.
وإن أصاب المحرم جنابة فأبطأ عن الغسل أو نام، فلا بأس عليه.
ولا بأس على الحطاب ولا الحمال، أن يدخل مكة من دون الميقات بغير إحرام. وكذلك غيرهم.
قال ابن أبى ميسرة: وأما من خلف الميقات فلا. ولا إحرام على من دخل مكة من مرو، ولا من نحلة.
وأما من دخل من الميقات_وفى نسخة من البيت_ فعليه الإحرام فإن لم يفعل، فعليه أن يرجع إليه حتى يحرم منه. وذلك أنه خارج من المواقيت))
ومن غيره_ وسألت أبا معاوية رحمه الله عن رجل جاور الميقات ولم يحرم منه. قال: إن لم يخف فوت الحج، فليرجع إلى الميقات، فليحرم منه. وإن خاف أن يفوت الحج أحرم من حيث ذكر أنه لم يحرم، وعليه دم.
ومن غيره_ وقال من قال فى مثل هذا، أنه ليس عليه دم إلا أن يدخل مكة غير محرم.
فإذا لم يدخل مكة غير محرم، فيستغفر ربه، ويرجع يحرم. فإن لم يرجع يحرم من الميقات، فليس عليه دم. هذا يوجد عن أبى الحسن رحمه الله. /309/ (3/309)
صفحة 1207
رجع_ وقال الربيع رحمه الله: إذا أحرمت وعليك قميص فانزع اللبنة وأخرجه من أسفل.
وقيل: إذا قنع المحرم رأسه، فدام على ذلك يوما وليلة، خطأ أو عمدا، فعليه دم.
وإن قنعه ساعة خطأ، كشف القناع ولبى، وإن قنعه ساعة عمدا، كشف وعليه إطعام مسكين، عن محمد بن محبوب رحمه الله.
قال غيره: إذا غطى رأسه عامدا فعليه دم، قل أو كثر، ومن أحرم ولم يلب حتى غدا ميقاته، قيل يرجع حتى يلبى من ميقاته.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أحرم الرجل أجابه الأفق الذى يليه، ثم الذى يليه، حتى ينتهى إلى الأفق.
ومن غطى رأسه مرارا متعمدا، فعليه كفارة واحدة، ما لم يكن كفر. وكذلك فى نزع الشعر.
ومن نزع من رأسه شعرا ميتا، فلا بأس عليه.
والمرأة المحرمة تسمع نفسها التلبية، وليس عليها أن ترفع صوتها. وتلبس الدرع والسراويل والخمار، والمقنعة، والخفين، والقفازين.
وإذا بلغت الحائض الحدود أحرمت، وإحرام المرأة فى وجهها، ولا تغطيه، وإحرام الرجل فى رأسه، فإن غطى الرجل وجهه خطأ، فارجوا ألا يكون عليه. /310/ (3/310)
صفحة 1208
فى ذلك بأس، وإن شاء أن ما دون وجنتيه وعينيه، فلا دم عليه.
وقيل إنه يجوز للمرأة المحرمة أن ترخى ثوبها من رأسها أمام وجهها، وترفعه بيديها أو يعود حتى لا يصيب وجهها، وتستر بذلك وجهها عن الناس.
وقال بذلك ابن أبى ميسرة.
وقالت عائشة عليها السلام: كان يمر بنا الراكب ونحن محرمات، فتسدل إحدانا الثوب على وجهها من غير أن يمس الثوب وجهها.
ولا تلبس المحرمة الخز ولا القز، ولا الإبريسم، ولا الذهب، ولا الفضة، ولا تنقب يعنى الجراف ولا تلبس البرقع، ولا ثوبا مصبوغا بشوران، ولا زعفران، ولا المشبع بالشوران_وفى نسخة مشبوع_ إلا ما غسل من ذلك حتى يذهب عرقه، ولا ينقض عليها، ولا تلبس الحلى ولا الحرير.
وفى حفظ أبى صفرة: من حك جسده حتى أدمى متعمدا أو ناسيا، فعليه دم.
وفى موضع آخر: من حك جسده فأدمى، فما لم ينتف شعرا، أو يقطع لحما، فلا شىء عليه.
ومن تسوك أيضا حتى خرج من فيه الدم، فلا شىء عليه. /311/ (3/311)
صفحة 1209
وقال أبو المؤثر: إن للمحرم أن يسوك، فإن خرج منه دم من غير أن يتعمد لذلك، فلا شىء عليه، وإن تعمد فعليه دم.
ومن كان دون المواقيت، دخل مكة بدون إحرام إلا الحج والعمرة، فلا يجاوز منزله إلا محرما، ومن مات حاجا وقد دخل الحرم، أتم عنه، ومن مات قبل ذلك فليس عليه.
ومن مات وقد وقف بعرفة مع الإمام ما وقف، فقد أدرك، وليقض عنه وليه ما بقى عليه من نسكه فى الفريضة والتطوع.
وما جنى الصبى والصبية فى الإحرام، فعلى الوالدين، ومن أحرمهما الكفارة.
وقال من قال: فيمن جرح رجلا وهو محرم عمدا؛ أن عليه بدنة والقصاص.
وإن شج عبدا فعليه دم، وإن ضرب دابته حتى جرحها، فيستغفر ربه.
وإن غطى رجل رأس رجل محرم ووجهه يوما، فقال الربيع، ليس عليه شىء؛ لأنه ليس من عمل يده ولا أمره. والمحرم المضطر يأكل من الميتة، ولا يأكل من الصيد، وقيل: إن ابن عباس رضى الله عنه قال لرجل محرم شعره طويل أسفل منكبيه: غط منه ما تحت الأذنين.
والحائض والجنب إذا لم يجدا ماء، تيمما وأحرما، وقيل: من أقام بمكة /312/ (3/312)
صفحة 1210
أياما محرما، ولم يركع ولم يسع بين الصفا والمروة، فقد أخطا، ولا شىء عليه إذا فعل ذلك.
وقال محمد بن محبوب_رحمه الله_ فيمن مس فرج امرأته أو نظر إليه وهو محرم ولم يدفق، فقد أساء. ولا يلزمه شىء.
ومن خاف على نفسه من البرد، فله أن يغطى رأسه، وعليه دم. ومن لبس عمامة أو قميصا أو سراويل أو خفا، أو عقد على بدنه خيطا وهو محرم، فعليه لفعل ذلك، لكل واحد من هذا دم.
وقال وائل. إذا لبست المرأة القز والخز وهى محرمة، فعليها دم وتنزعه، وكذلك الحلى.
وقال: كان على رأس امرأة خرقة من حرير، وفى يدها خاتم فضة، فرأى عليها محبوب_رحمه الله_ شاتين.
وبعض لم ير فى الخاتم شيئا، وكل حاج قلد بدنة وجب عليه الإحرام من حيث قلدها، وأما من حللها فلا بأس. والإحرام على من قلد الغنم؛ لأن الغنم تقلد.
وقال من قال: لا يلزم المقلد إحرام، حتى يحرم هو وقال أن يقلد الرجل هديه لم يقم حلالا. /313/ (3/313)
صفحة 1211
وقد قيل: إذا بعث بهدى وقلده، أقام فى أهله حلالا، إلا أن يريد الخروج إلى مكة حاجا أو معتمرا.
وقيل: من و جد فى رأسه يبسا، وشق عليه الطهور، فلا بأس أن يمسح بخل أو سمن أو زيت وهو محرم.
وقيل: من عقد الحج وعليه ثوب فيه طيب، فعليه دم وينزعه. قلت: فإن مضى به؟ قال قد أخطأ وأعظم الخطأ، ولا يلزمه إلا دم.
وللمحرم أن يحجم ويحتجم، ولا يقطع الشعر من مواضع المحاجم. والله أعلم.
ومن غير الكتاب والزيادة_وإذا أراد المحرم الإحرام، اغتسل إن أمكنه وإلا توضأ إن أمكنه، وإلا تيمم وصلى صلاة حاضرة، أو ركعتين تطوعا، ثم يقول بعد إحرامه: اللهم إنى أريد الحج والعمرة إن أراد أن يقرن_فيسرهما لى، وتقبلهما منى_وفى نسخة وأعنى على نسكى_.
سالت أبا سعيد: عمن أحرم بالحج، وقدم مكة، وحول حجته عمرة، على قول من يجيز ذلك. هل له أن يقصر بعد أن يطوف ويسعى ويحل، ويحل له الحلال كما يحل للمحل من العمرة؟
قال: معى أنه إذا أحرم بالحج فى أشهر الحج، ثبت عليه الحج إلى تمامه، وليس له أن يحوله عمرة. /314/ (3/314)
صفحة 1212
وإن أحرم بالحج فى غير أشهر الحج، بطل الإحرام بالحج، وكانت عمرة لأنه لا ينعقد الحج إلا فى أشهر الحج، ولا يبطل بعد أن ينعقد، ولا ينعقد إلا بتمامه.
ولا أدرى قول من قال بذلك ما هو لمخالفة قول الله عز وجل: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ}.
وراجعته فى المسألة فقال من قال إنما أجاز ذلك من أجاز أن يجعل حجه عمرة من قومنا، والله أعلم.
مسألة:
أجمع المسلمون على أن لمن أهل بالعمرة فى أشهر الحج إدخال الحج عليها، ما لم يفتتح الطواف، فإذا أهل بالعمرة فى أشهر الحج، جاز له إدخال الحج عليها، ما لم يدخل فى طواف البيت، فإذا دخل فى الطواف لم يجز له إدخال الحج عليها.
ولولا إجماعهم على جواز ذلك لم يجز، لأن الإحرام جعل لها دون الحج، غير أنه لا حظ للنظر مع الاجماع.
وقيل من دخل مكة مهلا بالحج فى أشهر الحج، فله أن يجعلها عمرة، ويحل. ثم يرجع يحرم بالحج من حينه. /315/ (3/315)
صفحة 1213
وإذا أهل بالحجة مفردا، لم يجز له إدخال العمرة عليه، لأن الله ما أمر بذلك، ولا رسوله.
مسألة: جمع والإحرام قد حصل للحج، وما تقرر للحج فغير جائز أن ينقل إلى غيره إلا بدليل.
ومن كان فى الحل وأراد العمرة، وهو دون الميقات مما يلى الحرم، أحرم من حيث هو.
وإن كان فى الحرم إلى الحل أحرم، ولا نعلم فى ذلك اختلافا.
مسألة:
ومن كانت نيته فى الإحرام على ما أحرم أصحابه فاختلفوا فى إحرامه ولم يكن له نيته.
فقال من قال إن كان ذلك فى أشهر الحج، فهو مهل بالحج، وإن كان فى غير أشهر الحج فهو معتمر. وإن كانت نيته كما يرى المسلمون فهو متمتع.
فإن كان خرج وهو يريد أن يصنع كما يصنع أصحابه، فاعتمروا فهو مثلهم.
والتلبية سنة للإحرام. ومن لم يلب بالحج لم يدخل فيه، ولم يحرم. لأن التلبية افتتاح الإحرام للحج، كما أن تكبيرة الإحرام افتتاح الصلاة.
وقال الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ}، فما كان فى /316/ (3/316)
صفحة 1214
غير أشهر الحج فهى تامة، وما كان فى أشهر الحج، فهى متعة.
ومن أفرد بعمرة وخاف أن تفوته عرفة فإنه يهل بالحج، ويمشى فيقضى حجة، ويطوف طوافا واحدا وسعيا واحدا، وقد أجزأ عنه لحجه وعمرته.
وكذلك الحائض التى لا تقدر أن تدخل المسجد.
وبلغنا أن رجلا خرج إلى منى، ولم يكن أحرم بالحج، فأمره الوضاح بن عقبة أن يحرم بالحج من منى.
وقال ابن أبى ميسرة: ومن جاء خلف عرفة من الحل وخاف أن يفوته الموقف، فإنه يحرم بالحج من حيث جاء. فإذا أدرك الموقف، فقد أدرك.
والمكى ليس له متعة، ولا يدخل إلا بالإحرام ومن أقام بمكة سنة، فهو مثل أهل مكة فى ذلك، وليس عليه دم ولا متعة، قال: وقد قيل إذا لم ينو المقام بمكة فهو مسافر، وعليه ما على المسافر، وليس هو مثل أهل مكة حتى يكون مقيما.
ومن اعتمر فى غير أشهر الحرم، ثم أقام حتى حج، فلا دم عليه. وإن اعتمر فى أشهر الحج، ثم خرج إلى أهله، ثم رجع من سنته فحج، فلا دم عليه. وإنما الدم على من اعتمر فى أشهر الحج. ثم أقام حتى يحج. وفيها رأى آخر: أنه متمتع، وعليه الذبح. وذلك أحب إلى.
قال غيره_قد قيل هذا كله فيما يوجد. وقد قال من قال عليه الهدى رجع أو لم يرجع. /317/ (3/317)
صفحة 1215
ويوجد ذلك عن الحسن.
ومن أفرد بالحج فلا ذبح عليه. ومن ذبح قبل الحج أو بعده، فذلك جائز.
ومن دخل مكة محرما بالحج أو بالحج والعمرة، وفاته الحج، فليحل من أى ذلك كان، وكأنه بعمرة وعليه الحج من قايل (؟؟؟). ولا هدى عليه.
وقال ابن أبى ميسرة: هذا رأى أهل الكوفة، وأما رأى أهل مكة والمدينة: إذا فاته فعليه الحج من قابل (؟؟؟)، وعليه دم.
ومن أهل بعمرة، فلما جاوز الميقات، بدا له أن يهل بحجة بعد ذلك. قال: لا ينبغى له أن يهل بحجة حتى يفرغ من العمرة. ومن دخل بعمرة فلم يفرغ من السعى، أو سعى ولم يركع حتى دخل شوال فهو متمتع.
وقال بعض العلماء: إنى لأكره أن يقدم بعمرة فى أشهر الحج، وأن يخرج حتى يحج.
وقيل: من أحل من عمرته، وجامع امرأته، ثم وجد فى ثوبه جنابة، فإنه يرجع إلى ميقاته فيحرم، وعليه دم.
ومن قضى العمرة فى أشهر الحج، فليس له أن يخرج بعمرة أخرى، ومن طاف تطوعا، بعد طواف الزيارة، فقد أخطأ، وليس عليه شىء.
ومن زاد على العمرة قبل أن يسعى فقد أخطأ، وكذلك من رجع طاف بالبيت، بعد أن طاف وأحرم بالحج. /318/ (3/318)
صفحة 1216
وقيل: من كان له مال ولم يحضره، فيقترض ويهدى. فإن تمتع بالعمرة ولم يجد هديا، فيبعث به من قابل (؟؟؟).
وقال الربيع، رحمه الله، بشاة، فإن صام وخرج إلى أرضه، فعليه أن يهدى.
وقد قيل: إنما تعبده الله بذلك فى وقته ذلك؛ فإذا لم يقدر عليه فى سفره فليس عليه، لأنه قد صار بحكم الفقراء، وله أن يأخذ من الزكاة ويزول عنه فرض الغناء (؟؟؟)، ويجزئه الصوم عن تمتعه.
ومن قلد هديه وبعثه فلا يلزمه فى ذلك إحرام إذا لم يحج هو. وقال من قال إن العمرة واجبة.
وقال من قال: تستحب، وليست بواجبة. ولا يقال إن من تركها كفر.
وقال الله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّه}.فالفقهاء يستحبون العمرة.
ومن طاف وسعى وأحل فى ثوب لا تجوز فيه الصلاة فعليه دم، ويعيد كل ذلك جميعا، فإن لم يحل أعاد ولا دم عليه، ومن طاف لفريضة ثم سعى ولم يركع لطوافه، ثم رجع إلى منى، فإنه يركع بمنى ولا شىء عليه.
ومن طاف بعد المصر (؟؟؟)، فإن له أن يركع إذا غربت الشمس إن شاء قبل صلاة المغرب وإن شاء بعدها.
ومن حضرته الصلاة وقد فرغ من طوافه، فإن صلاة الفريضة تجزئه عن ركعتى طواف النافلة ولا تجزئ عن ركعتي طواف الفريضة.
/319/ (3/319)
صفحة 1217
والمفرد بالحج إذا دخل فى ذى القعدة، فإنه يطوف بالبيت. وكان الربيع يقول: وإن دخل فى يومين أو ثلاث من العشر، فلا يهجرن البيت.
وروى أبو عيسى عن محبوب رحمه الله أن من دخل المسجد ممن هو مقيم بمكة فركع ركعتين ثم أحرم قبل أن يطوف، قال محبوب رحمه الله: قد أساء. وليمض إلى منى ولا يطوف بعد الإحرام، ولم ير عليه دما.
وقيل أيضا فى الذى ترك الطواف للإحرام بالحج يوم التروية، فقد ترك ما يستحب، ولا نعلم عليه كفارة، وقال من قال عليه كفارة إذا ترك الطواف للحج عمدا.
وقيل من نسى أن يحرم بالحج يوم التروية حتى صار فى طريق منى، فيصلى ركعتين إن لم تكن صلاته مكتوبة فريضة، ثم يحرم مكانه، وإن لم يكن وقت صلاة ولم يصل فلا بأس.
ومن طاف لذلك فى الليل، ثم رجع إلى رحله، فنام حتى أصبح، ثم أحرم فلا بأس عليه.
وقال من قال: عليه أن يعيد الطواف.
وعلى قول هارون إن من استيقن بعد أن طاف، إنه قد طاف تسعة أو ثمانية فلا بأس. قلت: وإن كانت فريضة؟ قال: نعم.
قال غيره: فيمن خرج من الطواف ثم شك فيه، واستيقن أنه طاف ستة، /320/ (3/320)
صفحة 1218
فإنه إذا كان قد خرج من الطواف يركع ركعتين، ثم يرجع فيطوف ثمانية ثم يركع، ثم يعود فيطوف طواف الفريضة صحيحا، ولا زيادة فيه ولا نقصان، ثم يركع. وهذا الرأى هو الأكثر عندنا.
وقيل أيضا من شك فى طواف الفريضة وهو فيه، فلم يدر كم طاف، فيأخذ بالأقل ويبنى عليه، ثم يتم السبعة، ثم يركع، ثم يرجع فيطوف سبعة تامة.
وقال من قال: يتم أربعة عشر ثم يركع، ثم يبتدئ طوافا تاما.
ومن طاف ستة، ثم أدركته الصلاة، صلى ثم بنى على طوافه.
وإن حضرته الصلاة بعد أن طاف أجزأته صلاة الفريضة عن ركعتى طواف التطوع.
فأما طواف الفريضة، فإنه يصلى الفريضة وحدها إذا حضرت ولم يركع، ثم يركع ركعتى الطواف ويركع من بعد إن شاء للصلاة.
ومن انتقض وضوؤه خرج فتوضأ، ثم بنى على طوافه، وليس على من تكلم فى طواف الفريضة عندنا شىء، ناسيا ولا متعمدا، ولا نحب له ذلك.
وقال ابن عباس رحمه الله: أى شىء أوثق فى ركعتى الطواف من صلاة الفريضة، فأجاز ذلك.
وقيل: من دخل الطواف فكبر حيال الركن، ثم لم يكبر حتى فرغ، فليس /321/ (3/321)
صفحة 1219
عليه شىء، وإن لم يكبر حيال الركن حتى دخل فى الطواف، فليرجع يكبر، ثم يستأنف طوافه.
ومن طاف وسعى ووطئ ولم يركع، فعلى قياس قول جابر بن زيد رحمه الله أنه يركع ويرجع يسعى وعليه دم، وفيها قول آخر غير ذلك.
ومن طاف خلف زمزم، أو فى ظلة المسجد من غير زحام، فإنه يجزئه.
وإن طاف حول حيطان المسجد، فإنه لا يجزئه، وقيل: من مر وراء الحجر فى طوافه فعليه دم، ومن ترك من الحجر سبعة أذرع_وقال بعض أصحابنا أربعة أذرع_ فليصل هنالك.
وقال من قال سبعة أشبار.
وقال: طفت مع أبى عبيدة رحمه الله، فكان كلما مر بالحجر كبر، وفتح كفيه وهما مسدولتان، وقصر فى مشيه، وأعرض بوجهه إلى الحجر.
ومن أحرم بعمرة، ثم أصاب امرأته فعليه دم، ويرجع إلى الحد فيحرم، فإن رجع فوطئ فعليه مثل ذلك.
وأما فى الحج فعليه الدم، ويرجع يحرم من الحد؛ وعليه الحج من قابل.
وكذلك إذا عبث بذكره حتى أنزل فى أشهر الحج، وإن كان فى غير أشهر الحج، رجع إلى حده فأحرم، وأهدى، وتم حجه.
وقال من قال، عليه الحج من قابل فى الوجهين جميعا. /322/ (3/322)
صفحة 1220
وقيل: من دخل مهلا بالحج فى أشهر الحج، فله أن يجعلها عمرة، فيحل، ثم يرجع يحرم بالحج فى وقته.
وكذلك بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه وقد دخلوا بالحج، أن يجعلوها عمرة، وكذلك إن دخل فى غير أشهر الحج، فله أن يجعلها عمرة.
ومن دخل فى أشهر الحج بعمرة، ثم رجع إلى بلده أو غيره، ثم رجع فحج من عامه، فهو متمتع وعليه ضحية.
وقيل من طاف بثوب واحد مؤتزرا به، فلا يجوز له ذلك، وإن كان قد أحل وجامع فسد حجه، وإن اشتمل به وطاف، فذلك جائز، وطوافه تام.
وقيل الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة، والكلام فى الطواف بغير ذكر الله مكروه، إلا أن يسأل الرجل صاحبه كم طاف؟ أو سلم عليه فيرد عليه السلام، فأما غير ذلك من أعراض الدنيا فلا.
وإن أجهده العطش وشرب فى الطواف فلا بأس.
وقال من قال فيمن طاف يوم التروية، وجعله وداعه، ثم رجع، ثم أحرم بالحج_وفى نسخة_ وركع ثم أحرم بالحج بعد أن ركع_ ثم رجع إلى بيته ومنزله بشعب بنى عامر، فجلس منى (؟؟؟) بيته إلى العشاء أو الليل، فقد أساء، ولا بأس عليه. وقال من قال عليه دم.
وكذلك إن هو طاف ثم رجع إلى منزله، فجلس فيه إلى العشاء، أو إلى الليل، ثم أحرم وخرج إلى منى؛ فقال من قال عليه دم. /323/ (3/323)
صفحة 1221
وكذلك إن هو نام فى منزله بعد أن طاف، فعليه أن يرجع يطوف بالبيت ويركع، ويجعله وداعه، فإن لم يفعل فعليه دم.
وقال من قال: لا شىء عليه، وهو أحب إلى. وقيل: لا تجوز الصلاة بين المقام والبيت لأن ثم قبور الأنبياء.
وقيل من سقط عليه شىء فى الطواف عند الحجر السود، فيرجع يأخذه وقد توسط بالحجر، ويأخذ الحجر فلا بأس عليه وقيل لا يقرن فى الطواف، ومن فعله لم يكن عليه فساد،. وقال بعضهم: أحب أن يقرن بعد العصر، وبعد الصبح، ولا يهجر البيت.
وفى المسائل التى عن محمد بن الحارث الحضرمى فى الذى يشك فى طوافه، قال يطوف على ما استيقن فإن استيقن أنها ثمانية أو تسعة، فلا بأس، وهو على قول هارون.
وإن كان فريضة فالذى عندنا أنه يتم أربعة عشر شوطا ثم يركع ركعتين، ثم يبتدئ طوافا صحيحا.
ومن غير الكتاب والزيادة_ ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاف بالبيت سبعا فى يوم صائف حار، يستلم الأركان فى كل طواف يقل الالتفات، كتب الله له بكل خطوة سبعين حسنة، ومحا عنه سبعين سيئة، ورفع له سبعين درجة. فإذا فرغ من أسبوعه، أعتق الله عنه عشر رقبات قيمة كل رقبة عشرة /324/ (3/324)
صفحة 1222
آلاف، فإذا صلى ركعتين أعطى سبعين شفاعة فى أهل بيته، فإن لم يبلغ شفع فى إخوانه من المؤمنين.
ولن يتقبل الله إلا من المومنين المتقين.
ومن طاف بالحجر شوطين أو ثلاثة، فأعجله الوضوء، ثم عاد فإنه يبنى على ما كان طاف.
_ومن غيره_ ذلك إذا كان قد بلغ الركن اليمانى، أو ركن الحجر، وعند أصحابنا طواف القدوم للمهل بعمرة ليحل من عمرته، وطواف الصدر، وهو الذى يحرم به للحج، وهو نقيض طواف الوداع، وطواف الزيارة، وهو بعد الوقوف بعرفات. وطواف الوداع إذا أراد الرجوع إلى أهله، والله اعلم.
مسألة:
ومن أحرم بالحج والعمرة، فعرض له شىء يشغله حتى قدم مكة، وقد فاته الحج، فليقض عمرته وليطف بالبيت، وبالصفا وبالمروة. وليس لعمرته وحجته هدى، ويجزئه السبوع (1) الواحد فى الطواف بالبيت والصفا والمروة أسبوعا واحدا، وعليه الحج من عام قابل، لأنه قدم مكة والناس يقضون حجهم، ولكنه لم يكن ليحل حتى يطوف لإحرامه طوافين لحجه وعمرته. /325/
(1) فى الأصل أسبوع (3/325)
صفحة 1223
وليس الطواف واجبا على المحرم يوم يقدم مكة، ولكن الطواف الواجب يوم النحر، ويوم الثانى إلا أن يكون من عذر.
أجمعوا أن الطواف خارج المسجد لا يجوز، وأجمعوا أن الطواف فى الأوقات المنهى عن الصلاة فيها جائز. ولولا الإجماع لم يجز، لأن الطواف صلاة.
ومن طاف ثلاثة أشواط معكوسة، ثم رأى الناس كيف يطوفون، فطاف أربعة أشواط كما يطوفون، وهذا طواف واجب، ثم يرجع إلى بلده. فقيل إن عليه أن يهدى شاة.
وينظر فى هذا الذى يطوف معكوسا وهو على غير وضوء لجهالة منه.
ولا نحب أن يدخل المحرم الكعبة وينتكب الطيب، فإذا أصاب شيئا من ذلك غير متعمد، فما نرى عليه بأسا.
ومن بدأ بالمروة واستأنف طوافه بها، ويتم_نسخة_ ويختم_ بالصفا، وقصر، فعليه ذبيحة من حيث قصر، ويرجع من الصفا إلى المروة مرة واحدة، فيكون قد ختم حينئذ بالمروة، ولا يعتد بالذى كان قد بدأ به من قبل المروة_ويوجد قبل المروة_.
وقال من قال: لو أن رجلا لم يرمل بين الصفا والمروة لكان مسيئا، لأنه من السنة، ولا شىء عليه. فإن كان مريضا فلا بأس.
من غير الكتاب والزيادة_ وسألته عن من سعى بين الصفا والمروة فلم يدر /326/ (3/326)
صفحة 1224
أين العلم، هل يجوز له أن يسعى من الصفا على هيئته، حتى إذا كان دون العلم طلبه ويقطن به، فإذا أبصره هرول من عنده؟ قال: لا بأس، جائز له.
مسألة:
قال جعفر بن محمد نزل آدم عليه السلام على الصفا، وحواء على المروة، فسمى الصفا باسم آدم المصطفى، وسميت المروة باسم المرأة.
والسعى بين الصفا والمروة سنة واجبة معمول بها، وقيل فريضة أيضا ويرمل الساعى فى الذهاب والجيئة إلى الصفا، ويمشى فيما سوى ذلك بقدر ذهابه مرة، ومجيئه مرة فذلك سبع مرات، يختم آخر سعيه بالمروة، ثم يحلق إن كان عليه وقت بعيد من الحج يتوافى فيه شعره للحج. وإن كان قد قرب الحج قصر، ثم قد حل له الحلال كله كما كان قبل إحرامه.
ولا يدخل فى سعى الصفا والمروة إلا طاهرا، ومن عناه مرض أو عياء، فشق عليه، فأخر سعيه إلى العشى، أو العشاء، أو الليل، أو الغداة، لم نر بذلك بأسا.
وروى عن جابر بن زيد رضى الله عنه أنه كان إذا علا الصفا والمروة رفع صوته، مثل الأعرابى الحافى.
وإن حلق محرم أو قصر لمحرم مثله، فعلى كل واحد منهما دم على العمد والخطأ، وإن كان المقصر له نائما فعليه دم أيضا. وقال آخرون ليس /327/ (3/327)
صفحة 1225
عليه فى النوم شىء، ولا على من قصر له، لأنه لم يبق عليه شىء سوى التقصير، فسواء قصر محرم أو غير محرم.
وإذا قصر المعتمر رأسه، ثم وقع على امرأته قبل أن يذبح، فليذبح بدنة وقد تم حجه.
مسألة:
ومن نسى الرمل بين الصفا والمروة فلا دم عليه، ولا شىء. وقد ترك الفضل عندنا.
وقال أبو أيوب: ما نرى لمن ترك السنة إلا وعليه دم.
وعن الربيع قال: لو أن رجلا ترك السعى بين الصفا والمروة متعمدا. لرأيت عليه الحج من قابل، لأنهما من المشاعر.
ومن زاد على السعى فلا يضره، ومن أحل من إحرامه فقصر لنفسه، فالذى يجب أن يقصر له من قد أحل، فإن قصر لنفسه فلا شىء عليه.
وروت حبيبة بنت غزاة قالت: رأيت النبى عليه السلام يسعى بين الصفا والمروة وقد رفع ثوبه حتى بدت ركبتاه وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى.
ومن دخل مكة محرما بعمرة، فأقام على إحرامه، ولم يطف لعمرته حتى أهل بالحج يوم التروية وخرج إلى عرفات فقد أساء. ولا شىء عليه إلا دم المتعة، ويجزئه طواف الزيارة لحجة وعمرته. /328/ (3/328)
صفحة 1226
ومن قص ثلاثة أظفار من يديه إلى ما أكثر فعليه دم؛ فان قص أقل من ذلك فعليه أن يطعم لكل ظفر مسكينا غداء وعشاء. وكذلك فى الشعرة الواحدة مسكين. وفى الثلاث إلى ما أكثر دم.
وقيل إن قص المحرم أظفار الحلال، فعليه أن يتصدق بشىء على المساكين. وقال من قال لجزاه عن نفسه. وقال من قال لا شىء عليه لأن ذلك قد حل له.
وقيل من أخذ حجة لغيره، ثم واقع أهله لما أحرم بها؛ فعليه أن يرد الدراهم كلها. وعليه جزاء من واقع أهله محرما.
وقيل فى رجل وافى المواسم، وطاف وسعى، وشهد المشاهد كلها، ولم يقل فى شىء منها كلاما تكبرا ولا غيره؛ فقال من قال: قد أساء ولا شىء عليه. وقال من قال: أيسر ما يلزمه بدنة.
وقال من قال فيمن لبس قميصا وهو محرم، فخلعه، ثم رجع إليه فلبسه. أن عليه كفارة واحدة ما لم يكفر.
وقال بعض الفقهاء: إن كان فعل ذلك فى يوم وليلة أو يومين، فإنما عليه لكل يوم كفارة والله أعلم.
وقيل: من لبس ثوبا من حرير، ولبس ثوبا مصبوغا، ولبس حليا، فإن كان لبسه إياه فى وقت واحد كان عليه كفارة واحدة، وإن كان فى أوقات شتى كان عليه لكل واحد وقت كفارة. /329/ (3/329)
صفحة 1227
وإن فعل ذلك فى مناسكه حتى قضاها، فحجه تام، وعليه دم إن كان لبسه إياه فى وقت واحد.
ومن جاوز الميقات ولم يحرم، فعليه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه، وليس عليه شىء فإن خاف أن يفوته الحج أحرم من حيث ذكر، قبل الحرم وفى الحرم، وعليه دم
وقال من قال فيمن وضع ثيابه فى شىء به ريح المسك، إنه لا شىء عليه، إلا أن يكون أراد أن يعلق بثيابه ريح المسك، فعليه دم.
ومن دخل مكة مرة بعد أخرى بغير إحرام من خلف الحدود فقال من قال: عليه دم واحد، وقال من قال: لكل دخول بغير إحرام دم، إلا أن يرجع إلى الميقات فيحرم.
ومن دخل مكة بغير إحرام، ثم خرج وأحرم من قبل دخول السنة الثانية، فليس عليه بأس ولا دم.
وإن حالت السنة ولم يكن أحرم وجب عليه لدخوله فى السنة الخالية دم، كانت حجة أو عمرة. وقيل: ومن خضب رأسه، فذلك من الزينة، وعليه دم.
وقال من قال فى الذى أحرم بالعمرة ولم يلب، وأحرم بالحج ولم يلب، عليه دم للعمرة، ودم للحجة، وسل عن ذلك.
وقال من قال فى محرم لازم امرأته وهما عريانان، ومس الفرج، ورأى مذيا، /330/ (3/330)
صفحة 1228
ولم يجر الماء الدافق، أنه يكره لهما_وفى نسخة إنهما قد أساءا، ويكره ذلك، ولا شىء عليهما. وقال من قال عليه دم.
وكذلك فى الذى قبل امرأته. قال من قال عليه دم، وقال من قال: لا شىء عليه.
والمحرم يدهن رأسه بدهن لا طيب فيه؛ فإن دهن بطيب فعليه دم.
رجع.
وإن اشتكى عينيه فاكتحل بالإثمد، ولا طيب فيه، فلا بأس فيه.
وهذه صفة مسائل فى العمرة:
المكى ليس عليه متعة، وكذلك من أقام بمكة سنة. فإن خرج الذى أقام بمكة سنة من مكة، فى حاجة فى أشهر الحج ثم دخل محرما بعمرة، فينبغى أن يكون عليه المتعة إذا كان مسافرا يقصر الصلاة.
وإن خرج إلى ميقات من المواقيت يريد العمرة لا غيرها، فأحرم بالعمرة فى أشهر الحج وقد كان دخل بعمرة فى غير أشهر الحج، فعليه هدى المتعة.
وأما من دخل مكة فى غير أشهر الحج بعمرة، ثم أحرم بعمرة أيضا فى أشهر الحج من مسجد عائشة فليس تلك عمرة. وقد يلزم الإحرام، فيطوف ويسعى، ويحل. وإن جامع أو فعل فى العمرة ما لا ينبغى للمحرم لزمه الجزاء. وإن جامع فسدت عليه هذه العمرة، وتلزمه عمرة مكانها من حيث أحرم. /331/ (3/331)
صفحة 1229
من أحرم ومعه لحم صيد فلا يأكله، ولا يعطيه أحدا. فإن تركه_نسخة_فإن خلاه_ معه حتى يحل_فيوجد عن جابر أنه كره أكله، ولم يأمر بدفنه، ولم يوجب عليه كفارة.
وقال من قال من أهل العلم: إن أكله، لم نقل إنه أكل حراما. ويطعمه الفقراء أحب إلى من أن يدفنه.
وقال بعضهم: يدفنه. وقيل: لا بأس بالسير (؟؟؟) من جلد الصيد مع المحرم، ولا بأس بإمساكه إن اتخذه سيفا أو غيره، وكذلك القرون ما لم يصب_ويوجد ما لم يصد ذلك_ بعد إحرامه.
ومن عقد على نفسه طرفى ردائه، فعليه دم. وإن غرزهما غرزا فلا بأس.
وقيل: لا تلبس المحرمة من النساء ولا المحرم شيئا ينزع عنه إذا مات، من الحلى وغيره.
ومن أحرم لزمه الإحرام، وكذلك الحائض والجنب.
وأحب إلينا ألا يحرم حتى يبلغ الميقات ثم يغتسل ويحرم، فإن لم يجد ماء تيمم.
ومن وجهل فبدأ بالطواف من الركن اليمانى حتى أكمل ثم سأل، قال يتم الركن اليمانى إلى الحجر ثم يركع، ثم يستأنف طوافه، فإن لم يذكر خطأه حتى حل، فعليه دم، ويبدل ما نقص. /332/ (3/332)
صفحة 1230
وإن طاف بالبيت فى آخر يوم من شهر رمضان، فلم يركع حتى غربت الشمس، قال: لا يكون متمتعا لأنه طاف طوافه فى رمضان.
وقال من قال إنه متمتع لأنه قد بقى عليه شىء من أمر الطواف حتى دخل شوال.
وقيل يستحب لمن أراد أن يدخل البيت أن يغتسل، لأن حرمته أعظم.
ويستحب لمن دخل الكعبة أن ألا ينصرف حتى يطوف سبعا ويركع. وقيل: ليس فى الطواف دم، يدع الرجل صاحبه، ويتخلف عنه، ويستلم الأركان.
ويكره أن يغسل أحد بالماء الذى يطرح من ميزاب الكعبة فى مكان قذر، فأما ماء زمزم فلا بأس.
وقيل: كان النبى صلى الله عليه وسلم يهل فى مصلاه، وربما إذا استوت به راحلته. وكان بعضهم يكره أن يدخل البيت قبل أن يسعى بين الصفا والمروة.
ومن طاف بالبيت ثم أحب أن ينقلب إلى منزله فيستريح ثم يجىء فيسعى، فلا بأس عليه.
وقيل: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة، وبالبيت راكبا، واستلم بمحجنه، وكان يقبل طرف المحجن، وقال من قال: ذلك: لشكوى كانت؟
وكان مجاهد: طاف النبى صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بغلته، ولم يكن /333/ (3/333)
صفحة 1231
يومئذ فى العرب بغلة غيرها، كان أهداها إليه قيصر وحلة فكساها عمر رحمه الله.
وقال ابن عمر: اكتحل بأى كحل شئت إذا رمدت، ما لم يكن فيه طيب وكره عطاء، الإثمد وقال إنه من الزينة، وكان ابن عمر يقطره فيها إذا رمد إقطارا.
وفى مسائل تنسب إلى محمد بن الحارث الحضرمى، وذكروا أنه كان فقيها فيها:
ومن قدم مكة فى أول يوم من شوال معتمرا، أو بعد ذلك فى أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم حج. قال: إن كان حين اعتمر نوى الحج فعليه هدى، وإن كان بعد ذلك بدا له ولم ينو الحج، فليس عليه فيه شىء.
وقيل فيمن طاف وسعى وأحل وجامع امرأته ولم يركع للطواف فى العمرة، أما فى قياس أبى حنيفة فيركع وليس عليه شىء، وأما فى قياس أهل المدينة فيركع وعليه دم.
ومن ذهب إلى قياس جابر بن زيد_رحمه الله_ فيركع ويطوف بين الصفا والمروة وعليه دم.
وكان يقول: من كحل بكحل فيه طيب، أو دهن بدهن فيه طيب، قيل: يلبى ويحرم، وليس عليه شىء، ويغسل الدهن والكحل.
ومن خاف على نفسه من البرد غطى رأسه وعليه دم، وقيل: من نظر إلى فرج امرأة عمدا، فلا شىء عليه، ولا فساد عليه. (1)
/334/
(1) كذا فى الأصل. (3/334)
صفحة 1232
والرجل الجنب والمرأة الحائض إذا طافا بالبيت لعمرتهما، وسعيا بين الصفا والمروة، فإن قصرا قبل الحج فعلى كل واحد منهما دم، وإن لم يقصرا حتى لبيا بالحج، ثم رميا جمرة العقبة بعد الخروج من عرفة، وذبحا وقصرا، ثم رجعا إلى الزيارة، فإن على كل واحد منهما طوافا بالبيت وسعيا بين الصفا والمروة لعمرته.
وقيل ذلك لزيارته، لأنا أوجبنا عليهما إذا كانا قد فعلا أن يعيداه، ولو لم يكن فعلاه لأجزأهما طواف واحد، وسعى واحد لحجهما وعمرتهما، لأنا أبطلنا فعلهما الأول، فافهم ذلك ولا دم عليهما إن شاء الله، لأنهما قارنان.
ومن بقى عليه من طواف عمرته شىء، ودخل شوال فهو متمتع، وإنى لأحب أن يستأنف طوافا لمتعته فى شوال.
ومن طاف لعمرته وهو جنب فى رمضان وأحل، فلما دخل شوال علم، فإنه يعيد طوافه فى شوال، وعليه دم وهو متمتع، وعليه عمرة مكانها.
ويكره أن يرفع الرجل صوته بالقرآن وهو يطوف، وأما بينه وبين نفسه فلا بأس.
وذكر الله أحب إليهم. وكله حسن.
ويكره أن يلبس المحرم الثوب فيه أعلام الحرير.
وقيل عن محمد بن محبوب، رحمه الله قال: أشتهى إخراج الخاتم للمحرم، وأما هو فلا بأس به. /335/ (3/335)
صفحة 1233
وقال من قال: من فرغ من طوافه لعمرته فى أخر يوم من شهر رمضان، ولم يركع حتى أمسى فعليه الهدى إذا دخل شوال ولم يركع.
وإن كان قد صلى الركعتين، ولم يسع بين الصفا والمروة، فلا هدى عليه إذا سعى بعد الصلاة.
وقيل لو أنه وقع بامرأته بعد ما يزور البيت يوم النحر فى الحج، قبل السعى لم يكن ذلك يفسد عليه حجه فى قول العلماء كلهم، وعليه دم يهريقه.
وقيل فى قارن دخل مكة فطاف ثم حلق من جهالة، فعليه دم، وهو على إحرامه.
وإن كان تعمد للحلق فعليه دم، ويرجع إلى حده فيحرم منه.
وبلغنا أن الملائكة قالت لآدم عليهم السلام: حججنا هذا البيت من قبلك بألفى عام، فقال ما كنتم تقولون؟ فقالوا كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فقال آدم: ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلما طاف إبراهيم عليه السلام، أخبرته الملائكة بقولهم وقول آدم، فرد إبراهيم عليهما السلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فلما بعث النبى صلى الله عليه وسلم زاد: وصلى الله على محمد وعليه السلام.
وقيل: من طاف واخترق الحجر فى طوافه فى طواف واحد، فإن كان أحل /336/ (3/336)
صفحة 1234
فعليه دم، ويرجع يطوف من حيث لم يطف ويركع، ثم يستأنف طوافا جديدا، وعليه دم لخطئه.
وإن كان لم يحل فإنه يتم طوافه الذى نقضه من ذلك الموضع الذى دخل منه الحجر حتى يلاقى حيث خرج منه، ثم يركع، ثم يستأنف طواف فريضته.
وكذلك قيل: من طاف ستة أشواط حول البيت ثم ركع وسعى، وأحل من عمرته، ثم ذكر فلا يطوف شوطه الذى بقى عليه ويركع ويسعى، وعليه دم لإحلاله، وإن ذكر ذلك بعد ما ركع فإنه يطوف طوافا ويركع، ثم يستأنف طواف الزيارة.
ومن انصرف إلى بلده فذكر أنه لم يطف إلا ستة أشواط، فعليه بدنة.
وإن طاف لزيارته ثمانية أشواط، ثم نفر إلى أهله فعليه دم. ومن خرج إلى أهله وبلاده فلم يودع فعليه دم يبعث به إلى مكة.
وإذا علم أنه طاف ستة فى الفريضة، ثم خرج إلى بلده فأصاب النساء والصيد فسد حجه وعليه ما أفسد إلى أن يقضى مثله فى الحج، وعليه هدى وجزاء الصيد.
رجع_وهذه رواية تستحب، وليست بواجب.
عن أبى هريرة قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بمنى، /337/ (3/337)
صفحة 1235
قال: يأيها الناس هذا مقام قد قمته، وقد قامته الأنبياء من قبلى، فأفضل ما قلته أنا، وقالته الأنبياء، من قبلى، لا إله إلا الله، فأكثروا منها، فإنه يغفر لقائلها.
وفى الرواية قال: إذا وقفت بعرفات تبدأ وتسبح الله مائة مرة، وتحمده مائة مرة، وتقول ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة، وتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو حى دائم لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شىء قدير، مائة مرة.
ثم تقرأ عشر آيات من آخر البقرة إن كنت تحسنها، وتقرأ قل هو الله أحد، ثلاث مرات، وتوحد مائة مرة، وتقرأ آية الكرسى، وآخر سورة الحشر من قوله: {هُوَ اللَّهُ الذِي لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} إلى آخر السورة.
وتقرأ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} إلى قوله تعالى: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وتقرا قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم تحمد الله على نعمه، وتذكر النعم والمواطن وتحمده على ما أنعم عليك به من أهل ومال، وتحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه فى القرآن، وتسجد بكل آية ذكر فيها التسبيح لنفسه، وتثنى على الله ما استطعت وتقول: لك الحمد على نعمك التى لا تحصى بعدد، ولا تكافأ بعمد، وتصل على النبى محمد صلى الله عليه وسلم مائة مرة. /338/ (3/338)
صفحة 1236
واجتهد فى الدعاء والصلاة على النبيين والمرسلين صلى الله عليهم أجمعين.
وتسأل الله بآلائه ونعمائه وأسمائه كلها، وبكل اسم سمى به نفسه فى القرآن، وبكل اسم تحسنه، وتقول أشهد بالأحد الصمد حتى تفرغ من السورة.
وتسأله بآيات الكرسى، وبالآيات التى فى آخر سورة الحشر اسما اسما، وتقول: أسالك بأسمائك، وبكل اسم هو لك، وتقول: أسالك بعزتك وبقدرتك، وقوتك، وجميع ما أحاط به علمك، وجميع ما أحطت به فى خلقك: وبحرمة رسولك ووليك، وجميع رسلك وأوليائك، وبحقك عليهم، وباسمك الأكبر، وباسمك العظيم الأعظم.
وتسأله حاجتك كلها صغيرها وكبيرها، وتسأله الحج والعمرة من العام المقبل، وألح فى المسالة والتضرع، فإنه يوم دعاء ومسألة.
ولا تترك حاجة تريدها عاجلة أو أجلة، إلا دعوت بها، وتسأله إياها، ثم تسأله الجنة سبعين مرة، وتعوذ به من النار سبعين مرة.
وتقول فى دعائك: رب المشعر الحرام: افعل لى، وافعل لى، وتقول: اللهم أطلب إليك حاجتى التى إن أعطيتنيها لم يضرنى ما منعتنى سواها، وإن منعتنيها، لم ينفعنى شىء أعطيتنيه سواها فكاك رقبتى من النار.
اللهم فك رقبتى من النار، وأسبغ على من رزقك الطيب، وادرأ عنى فسقة الجن والإنس، وشر فسقة العرب والعجم. /339/ (3/339)
صفحة 1237
وأما الطواف بعد صلاة الفجر والعصر، فليس عندى بمنزلة الصلاة، وإن كنت لا أرخص فى الطواف إلا واحدا، فإن فعل أكثر لم أره مثل هذا، لأن الطواف لم يجئ فيه نهى ولا تقديم.
قال أبو معاوية عن محبوب بن الرحيل_رحمه الله_ لو أن قوما وصلوا ذات عرق، فأتاهم أعرابى حافيا، فقال لهم: هذه ذات عرق، فلا يسعكم أن تجاوزوها إلا محرمين، كان حجة عليهم، ولا يسعهم أن يجاوزوها إلا محرمين.
قال أبو سعيد فى رجل أحرم بالحج، ثم جامع ناسيا، فيخرج عندى معانى الإختلاف فى فساد حجه، فتخرج فى بعض القول أنه لا يفسد حجه على قول من يقول إنه إذا جامع فى الصوم ناسيا فإنه لا بأس عليه.
وقال من قال يفسد، فعلى هذا القول يشبه معنى فساد حجه.
وفيمن ألقى قملة فى الحرم وهو محرم، ما عليه؟ فيما عندى أنه ليس عليه شىء على النظر، ولا يؤمر بذلك.
عن جابر بن عبد الله الأنصارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شىء قدير. ويفعل ذلك ثلاث مرات، ويصنع على المروة مثل ذلك.
ومن غير الكتاب والزيادة_قال الله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} يقول: إذا فرغتم من المناسك فاذكروا الله كذكركم آباءكم. /340/ (3/340)
صفحة 1238
قيل إن ذلك كان المشركون إذا قضوا مناسكهم بعد التشريق وقفوا بين المسجد والجبل، وذكر كل واحد كل واحد منهم أباه بخير، وذكر منافعه، ولم يذكروا الله، قال الله تعالى للمسلمين: {فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ ءَابَآءَكُمُ أَوَ اَشدَّ ذِكْرًا}.
فينبغى للمسلم أن يكثر من ذكر الله ويقول فى دعائه: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} من أعمالهم الحسنة {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
ولا يكون فى عنق المرأة المحرمة خيط قد عقدته إلا أخرجته، فإن تركت شيئا من ذلك افتدت. ويكره أن تكون عاقدة شعرها، أو عاقدة خيطا عليه.
وإحرامها فى وجهها: وقيل تستتر بالمروحة، وبالشىء تجعله بينها وبين الرجال، إذا رأتهم من غير أن يمس وجهها ذلك الستر.
وللمرأة أن ترخى ثوبها على رأسها أمام وجهها، وترفعه بيدها حتى لا يصيب وجهها.
وليس على المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية اتفاقا، إنها تتكلم بذلك رفقا، ولا تعقد خمارها على رأسها، إنما تغرزه غرزا.
وكذلك إذا كان جرح فى الرجل أو المرأة، فلوت عليه خرقة، غرزت طرف الخرقة إذا لوتها تحت اللى (؟؟؟)، ولا تنفذها، فتكون عقدتها، فيلزم الفداء. /341/ (3/341)
صفحة 1239
وإن قصرت المرأة من رأسها إن كان طويلا، فثلاث أصابع، وإن قصرت بعضه لم أر عليها بأسا. والمقلة أصبعين من عفو رأسها.
وعن الوضاح: يقصر منه طول راحته. وقيل تأخذ ثلث رأسها_نسخة شعرها_ وقيل تقصر من الأصبعين إلى الأربع، وإن دفنته أو ألقته لا شىء عليها فى ذلك، رآه أحد أو لم يره. ولا حلق على النساء بلا خلاف.
مسألة:
والمحرمة تلبس فى إحرامها ثياب القطن والكتان والصوف، ولا تلبس قزا، ولا خزا ولا حليا، وإن لبست شيئا من ذلك، فعليها الجزاء.
وروى عن أبى المهاجر أنه لم ير أن تلبس المرأة من الثياب ما كانت تلبس قبل الإحرام إلا الحرير والخز. رخص أبو المهاجر فى الحلى، وقال: إنما كره ولا بأس يلبسه للمحرمة.
وقال مسلم: يكره للمحرم الحرير والحلى.
مسألة:
وإذا أحرمت المرأة ثم حاضت، ثم طهرت، فلا تنقض ذوائبها إذا اغتسلت، ولكن تدلكها دلكا رقيقا.
وإذا قضت امرأة المناسك كلها ولم تقصر؛ فإن ذكرت ذلك وهى بمنى، /342/ (3/342)
صفحة 1240
فلتفتد بشاة، ولتقصر، وإن لم تذكر ذلك إلا بعدما خرجت فلتقصر_ لعلها حين تذكر_ وعليها بدنة. فإن لم تجد بدنة فعليها شاة. وإن نسيت أن تقصر حتى بلغت مزارا_ لعلها مرا_ أو بلغت ذات عرق، ثم لم تقصر حتى بلغت منزلها، فلو قصرت حين ذكرت كان خيرا لها، غير أنها تقصر وتهدى بدنة إن قدرت، وإلا فشاة.
وإذا لزم المرأة دم فى حجها أو عمرتها، فلزوجها أن يأكل منه إن كان فقيرا أو لم يعلها، ولو لم يكن أمرهما على التفاوض فى المعيشة.
وإذا لزم الزوج دم، فلا تأكل منه امرأته، لأن نفقتها عليه.
مسألة:
وإذا مات ميت وهو محرم لم يحنط، ولم يغسل بسدر، وغسل بماء قراح، وكفن فى ثوبيه وأخرج وجهه، خلافا لليهود.
وعن ابن عباس لا يغطى رأسه، فإنه يأتى يوم القيامة يلبى. فإن مات فى الحل دفن فى الحل أحب إلى، وإن مات فى الحرم دفن فى الحرم، أحب إلينا. ولو دفن المحرم فى الحرم، كان حسنا.
ومن مات حاجا وقد دخل الحرم، أتم عنه. وإن مات قبل ذلك فليس عليه.
مسألة:
والمتمتع الذى يلذ بالدنيا، والمحرم الذى لا يلذ بالشهوات من النساء والصيد والطيب، ومن أغمى عليه وهو يريد البيت؛ فقد قيل: يهل عنه أصحابه. وقيل لا يجزئه حتى يفعل هو ذلك. /343/ (3/343)
صفحة 1241
مسألة:
والمتمتع بالحج، هو أن يدخل مكة معتمرا فى أيام الحج، فيتمتع بالعمرة إلى الحج، فهذا عليه دم المتمتع_نسخة دم المتعة_فإن لم يقدر عليه، كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج، فقال بعض: يصوم فى العشر، وقال بعض في أيام التشريق، لأن الدماء هناك وجبت.
وإنما يجب الصوم بدلا عن الدم، فإذا عدمه أتى بالصوم.
فإذا رجع إلى مكة بعد النفر، فإن أحب صام السبعة الأيام، وإن أحب أن يؤخر جاز من غير تفريط.
وفقير مضيق عليه فى وقت دون وقت، إلا أن يجد دما، فعليه دم ويزول عنه فرض الصوم، فإن لم يقدر على الصوم ولا على الدم، كان عليه ذلك إلى القدرة على أحدهما.
وإن أقام بمكة وهو ينوى مقاما بها، جاز له الصوم هنالك.
والمحرم إذا أتاه عدو ولصوص، لبس القنا والسراويل والعمامة، وقيل عليه لكل ذلك دم واحد، إلا أن يحل ذلك ثم يرجع يلبسه،. فعليه لكل لبسة دم.
وأما العمامة فإن لبسها فانفكت، فعاد فشدها فهو دم واحد، ما لم يضعها ثم يعود يلبسها ثانية.
وقيل: إذا مست المظلة التى تكون على المحرم رأسه فعليه دم، وإن لم تمسه فلا بأس بالقبة وغيرها من السقوف إذا دخله المحرم.
/344/ (3/344)
صفحة 1242
وقال من قال من الفقهاء: إذا كان الدم من ثلاثة أظفار، أو ثلاث شعرات فله أن يطعم من ذلك الدم الفقراء والأغنياء، وإن أطعمهما فقيرا واحدا جاز.
وإن أطعمها كلها غنيا لم يجزئه حتى يطعم منها فقيرا، ولا يأكل منها هو شيئا، وإن أكل فعليه قيمة ما أكل منه.
وقال من قال: دم آخر. قلت: فإن كان الدم من قبل صيد. قال: فلا يطعم منه غنيا، فإن أطعم منه غنيا فعليه قيمة ما أطعم.
وقيل: من غطى رأسه متعمدا، قل أو كثر فعليه دم، وقال من قال غير ذلك.
ومن غطى فاه فيكره ذلك، ولا شىء عليه.
فصل
فى السعى بين الصفا والمروة والتقصير
قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَّطَّوَّفَ بِهِمَا} وذلك أنه كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم فى الجاهلية، فقالوا ليس الصفا والمروة من شعائر الله.
وقيل: من دخل فى عمرة، فطاف وسعى فختم بالصفا وقصر. قال: إن كان قد انصرف إلى الصفا على سنة، فعليه أن يتم ما بقى من سعيه، ويذبح شاة لتقصيره إن كان قد أحل، ولا يأكل منها. /345/ (3/345)
صفحة 1243
وإن كان ذكر قبل أن يحل، فيتم سعيه، وليس عليه شىء.
وقيل: إن التقصير أن يقص الشعر من أصله بالمقصين، وإن ذكر عندنا الصفا أنه قد سعى ثمانية فليرجع إلى المروة، فينصرف عنها ويقصر، وليس عليه فيما زاد شىء، ولا على من لم يرمل من سعيه حتى قصر دم، ويعيد سعيه، وإن لم يقصر فليعد، ولا دم عليه.
ومن ترك الرمل فى شوط أو شوطين، فليعد الشوطين، وإن قصر قبل أن يعود، وكان قد ترك الأكثر من الهرولة_أربعة أو أكثر_ فعليه دم. وإن كان إنما ترك ثلاثة أو أقل، فإنما عليه لكل واحد إطعام مسكين وإن نسى أن يرمل حتى جاوز فليرجع إلى موضع الرمل فليرمل، إلا أن يكون جاوز بقدر خطوة، أو خطوتين، أو ثلاث، فليمض وليس عليه شىء.
وكذلك الذى بدأ بالمروة وختم بالصفا وقصر، عليه دم، ويعيد سعيه، وإن لم يكن قصر أعاد السعى، ولا دم عليه، ويعيد سعيا واحدا، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة.
ومن زاد ثم رجع إلى منى قبل أن يسعى رجع فسعى، ثم رجع إلى منى، وليس عليه شىء.
وإن زار ونسى أن يصلى ركعتين حتى فرغ من سعيه، قال يصليهما، وليس عليه شىء. /346/ (3/346)
صفحة 1244
وإن ذكرهما فى سعيه قطع السعى ويصليهما، ثم يتم ما بقى من سعيه، فإن لم يذكرهما حتى رجع إلى منى فليصل بمنى. وقيل: ليس عليه شىء.
ومن دخل فى السعى وهو متوضئ ثم انتقض وضوؤه أتم سعيه، وكذلك الجمار.
ومن زاد على السبعة فى السعى، ثم ذكر ذلك على الصفا قبل أن يرجع إلى المروة فيختم بها وليس عليه شىء.
وإن جاوز العلم الأخضر ورمل بلغ الصفا ثم رجع إلى المروة وان لم يكن رمل فلينصرف من حيث بلغ.
ومن رمل فى سعيه كله فقد أخطأ ولا يلزمه شىء.
وليس على المرأة أن ترمل بين الصفا والمروة، إلا أنها تسرع فى مشيها فى موضع الرمل.
ومن لم يقدر أن يصعد على الصفا والمروة، قام فى أصلهما.
ومن غلب بين الصفا والمروة، استراح أو ذهب إلى منزله_وفى نسخة وذهب إلى منزله_ ثم رجع فبنى على ما سعى.
ومن سعى ثم غطى رأسه قبل أن يحلق فيصنع معروفا، ولا بأس أن يقصر المحرم للمحرم إذا حل لهما جميعا أن يقصرا.
ومن وطئ امرأته ولم يقصر عند إحلاله من العمرة، فعليه دم. /347/ (3/347)
صفحة 1245
وقال ابن دينار: رأيت رجلا محرما قصر لأبى الشعثاء يحلله. قلت ما الذى أخذ من شعر رأسه، ولم يأخذ من لحيته؟ قال: يجزئه وقد يستحب له ويؤمر أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفار يديه ورجليه قبل أن يجامع، وليس عليه فى تركه ذلك كفارة، إذا كان قد حلق أو قصر.
قلت: فإن أخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، ولم يأخذ من شعر رأسه، وجامع أهله؟ قال يأخذ من شعر رأسه، وقد خالف السنة ولو ذبح كان ذلك أحب إلى، وأوثق فى نفسى.
والتقصير من اللحية ليس بواجب.
ومن أحرم فى قميص أو جبة فلينزعهما، ولا يشقهما، والأظفار من شاء قص ومن شاء ترك.
والمرأة لا تحلق شعر رأسها، إلا أن تقصر منه مالا يشينها.
وقال الثقة عن الوضاح بن عقبة رحمه الله: تقصر منه قدر طول راحتها، وقال ذلك غيره أيضا.
وإن قصرت امرأة من رأسها بعضه، وتركت بعضه، وكذلك لو فعل الرجل قال محمد بن محبوب رحمه الله: لا بأس عليهما.
وقيل: من لبد أو ظفر وجب عليه الحلق، والذى حلق رأسه للعمرة ولم يكن به شعر يحلقه للحج، فإنه يجرى الموسى على رأسه. /348/ (3/348)
صفحة 1246
وقيل: من حلق رأسه بالنورة أجزاه، والحلق أفضل وقال بعض الفقهاء فيمن ترك السعى بين الصفا والمروة فى الزيارة أو فى العمرة، حتى خرج إلى بلده، ووطئ النساء، أن حجه تام وعمرته، وعليه بدنة.
وقال من قال عليه دم، ومن طاف ولم يركع لطواف الزيارة والعمرة وسعى بين الصفا والمروة، قال إن وطئ النساء فعليه بدنة، ويعيد الركعتين.
وإن قصر ولم يطأ، فعليه دم، وعليه إعادة الركعتين.
وإذا سعى الساعى من الصفا إلى المروة، فذلك واحد، فإذا رجع من المروة إلى الصفا فذلك ثان، ثم على ذلك، حتى يتم سعيه سبعة.
ولا يذهب الذى يسعى فى حاجة إلا لحاجة لابد له منها فيها من وضوء، أو ما يشبهه فإن ترك نية السعى، وذهب فى حاجة، ثم رجع إلى السعى ابتدأ سعيه ويؤخذ بسعيه.
وإن ذهب لحاجة ولم يقطع نية السعى فإنه إذا قضى حاجته ورجع بنى على سعيه.
والمرأة إذا لم تقدر تصعد المروة فتقوم فى أصلها.
والرجل والمرأة يطلعانها من حيث أرادا. ومن خرج إلى الصفا من غير باب الصفا فى سعى فريضة فليس عليه شىء، ويستحب أن يخرج منه من الملتزم بين باب الصفا والحجر. وكل الباب ملتزم _ وفى نسخة وكل البيت ملتزم_ /349/ (3/349)
صفحة 1247
فصل
فى عرفة وجمع ومنى والزيارة
إن من وقف بعرفة، أو عند المشعر الحرام، أو رمى الجمار، أو حيث يريد أن يحرم، خرج من الميقات. وإذا مضى إلى البيت ليحل فإنه يستحب له عند هذه الأوقات أن يغتسل ثم يأتيها.
وإن توضأ ولم يغسل، وأتى إلى هذه المواضع فلا بأس عليه.
وفى حفظ أبى زياد أيضا، إن وقف بعرفة، أو عند المشعر الحرام، أو رمى الجمار، أو يسعى بين الصفا والمروة، وهو على غير وضوء عمدا، فقد أجزأ منه ذلك، ولا شىء عليه إلا أنه يؤمر بالوضوء.
وكذلك يوجد عن أبى عبيدة رحمه الله. من نام بمكة ليلة عرفة، حتى أصبح، ثم غدا يوم عرفة حتى مر بمنى ووقف مع الناس فقد أساء. ولا بأس عليه.
وقيل إن رجلا خرج إلى منى ولم يكن أحرم بالحج، فأمره الوضاح بن عقبة أن يحرم بالحج من منى.
وقال ابن أبى ميسرة: من جاء من خلف عرفة من الحل، وخاف أن يفوته الموقف فإنه يحرم من حيث جاء، فإذا أدرك الموقف فقد أدرك_وفى نسخة_ ومن نام بمكة ليلة عرفة حتى مر بمنى، ووقف مع الناس، فقد أساء. ولا بأس عليه. /350/ (3/350)
صفحة 1248
فأما من تعجل إلى عرفة ليلة منى فقد أخطا السنة، وقال من قال: فإن غدا إلى عرفات من منى قبل طلوع الشمس فلا كفارة عليه.
رجع_ وأما من تعجل إلى عرفة من ليلة منى فعليه دم. وكذلك كل من خرج من حدود منى قبل أن يصلى الصبح فعليه دم، وقيل: أدنى ما يلزم دم.
ومن قدم منى ليلة جمع فعليه أن يمضى فيقف بجمع، فإن أصبح بها فعليه دم.
وقيل: من جاء محرما بحجة ففاته يوم عرفة وهو محرم بحجة فإنه يصنع كما يصنع الناس بمنى، ويحل ويرجع إلى بلده، ولا يصيب النساء، ولا الصيد حتى يحج من قابل. وعليه دم_وفى نسخة_ فى قول أهل مكة، وقال أهل الكوفة: لا دم عليه.
رجع_ ومن خرج إلى مكة من منى، فى أيام منى فى حاجة، أو فى حمل متاع، فلا بأس عليه ولا يطوف بالبيت. فإن طاف فلا شىء عليه.
ولا بأس على الخائف أن يظهر بالمزدلفة حين يدبر الناس عنه.
ومن أخر الزيارة إلى يوم النفر، فلا شىء عليه، ومن عجل أفضل
ومن حج، ثم ارتد عن الإسلام، ثم رجع إلى الإسلام، فيجزئه الحج الأول.
وقد قال الله تعالى: {ثُمَّ لِيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ (وهى ذبائحهم) وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (وهى الزيارة)}.
ومن خرج إلى منى قبل التروية، وكان بمنى قبل التروية بيوم أو ثلاث، ما كان عليه بأس. /351/ (3/351)
صفحة 1249
وقيل: قال النبى عليه السلام: عرفة كلها موقف إلى بطن عرفة، وجمع كلها موقف إلى بطن محسر، ومنى كلها منحر.
وقال ابن عباس رحمه الله: من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس فلا حج له.
ومن بات بجمع إلى نصف الليل أجزأه. وإذا خرج الحاج ولم يزر فعليه أن يرجع حيث كان فى سنته أو بعدها، ولو كان بلغ مصره حتى يزور البيت.
فإن خرج وزار وسعى ولم يكن أصاب أهله، ولا أفسد حجه، فعليه دم وقد تم حجه.
وإن كان أصاب أهله، فعليه الحج من قابل ودم، ولا يرجع يطأ أهله حتى يزور البيت.
قلت لابن أبى ميسرة: إنما لهذا الرجل فى سنته هذه أن يزور البيت أو متى ما زار كفاه؟ قال: بل متى ما زار كفاه ما لم يصب النساء والصيد، فإن أصاب النساء والصيد، فعليه أن يهدى بدنة. وأحسب هذا عن قول عطاء.
وفى جواب محمد بن محبوب رحمه الله، أن عليه أن يرجع يزدار (؟؟؟)، فإن جامع النساء قبل أن يطوف ويسعى، فسد عليه حجه، وعليه الحج والبدنة، بعيرا أو بقرة، وليس عليه صيام.
والحاج إذا فاته عرفة، فإنه يصنع كما يصنع الناس بمنى، ويرجع إلى بلده، ولا يصيب النساء ولا الصيد، حتى يحج من قابل. /352/ (3/352)
صفحة 1250
قال ابن أبى ميسرة: وعليه دم فى قول أهل مكة_ لعله فى رأى أهل مكة والمدينة_ وقال أهل الكوفة لا دم عليه.
وقيل عن الربيع وغيره فيمن يؤم البيت فيغمى عليه، فيهل عنه أصحابه بالحج، ثم يقفون به فى المناسك كلها، أن ذلك يجزئه.
وقال ابن أبى ميسرة: لا يجزئه حتى يفعل هو ذلك.
وفى بعض الكتب: إن من أحرم بحجة فمرض، فلم يقدر أن يشهد المناسك على أدائه، رمى عنه وليه وقضى نسكه وحج هو من قابل.
ومن حلف بالمشى، فمشى حتى أفاض من عرفات، ثم عجز. فقيل: يهريق دما.
وإن عجز قبل أن يقف بعرفات، فليركب وليحج من قابل.
ويروى عن محمد بن محبوب رحمهما الله فى الزائر إذا غلبته عينه وهو قاعد فلا بأس عليه.
وإنما ذلك للقاعد المهموم.
وأما من وضع جنبه فى محمل، أو على الأرض فنعس، فعليه دم. وقال من قال: من نام وهو منتظر لأصحابه بمكة فى الزيارة، أو فى محمل متعمدا للنوم، فلا أرى عليه بأسا. /353/ (3/353)
صفحة 1251
وحفظ أبو عيسى، أن حد مكة مفترق الطريقين، طريق العراق، وطريق الناس إلى منى.
وقيل فى محرم سرق، أن الإمام يأمره فيطوف ويسعى، ثم يحل. كما قال الله تعالى.
وبلغنا أن أسامة قال للنبى صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات فى بعض الطريق: الصلاة يا رسول الله، فقال الصلاة أمامك. والصلاتين: صلاة المغرب والعشاء الآخرة بجمع أفضل، إلا أن يخاف أن لا يصلى إلى جمع حتى يذهب من الليل نصفه، فلينزل فليصل.
ومن نزل المزدلفة ولم يقف بها، فعليه دم، وقد أساء حيث لم يبت بها.
ومن وقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس، فقد وقف. ولا وقوف بعد طلوع الشمس.
وإن وقف بعد طلوع الفجر، ثم أفاض قبل الإمام، فلا ينبغى ذلك. ولا شىء عليه.
ومن أغمى عليه، أو كان نائما حتى طلعت الشمس غداة المزدلفة، فلا شىء عليه إذا كان وقف بعرفات. وقال بعض: عليه دم.
وقيل عن محمد بن محبوب رحمه الله فيمن وقف بعرفة، ثم احتضر، وقد بقى عليه طواف الزيارة. قال: عليه لترك الوقوف بالمزدلفة دم، ولتأخيره الحلق دم، ولكل جمرة تركها دم. /354/ (3/354)
صفحة 1252
وأما تأخير الزيارة فلا أرى عليه فيه إذا قضى شيئا إلا أن يحدث حدثا فتقضى عنه الزيارة. وأحب إلى الفقهاء تعجيل الزيارة.
والمحرم يقف بعرفة، ثم يقع بهم العدو فيهرب، أو يحصر وقد وقف بعرفة، أو يغمى عليه حتى تذهب عليه أيام المناسك، فقيل حجه تام، ولا يخرجون به من مكة حتى يزور البيت.
وفى موضع آخر: فيمن يقف بعرفة ثم يقع بهم العدو فيهرب أو يحصر وقد وقف بعرفة، أو يغمى عليه حتى تنقضى أيام المناسك. قال: عليهما الحج.
وأما الذى أغمى عليه بعد ما أحرم، وقد شهدوا به المشاهد كلها، فحجه تام، ولا يخرجون به من مكة حتى يزور البيت.
وفى قول حفظ أبى زياد. قال خالد بن مسعود: من صلى صلاة الغداة عند المشعر الحرام بعد الصلاة ولم يذكر الله، فعليه دم، وإن وقف وذكر الله فقد أجزأه.
وقال طاووس: منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى عن يسار مصلى الإمام بمنى، وأمر الأنصار فنزلوا الشعث من وراء الدار، وقال للناس: انزلوا وأشار إلى نواحى منى، وزعموا أن طاووس قدم مرتين، وكل ذلك يخطئ بالحج، وقد لبى بالحج ولم يذبح لذلك شيئا.
وقال ابن عمر ليس عليه دم ولا غيره. /355/ (3/355)
صفحة 1253
من غير الكتاب والزيادة:
والخروج إلى عرفة والإحرام يكون يوم التروية، يؤمر أن يغتسل بالماء إن أمكنه، ثم يلبس ثوبى إحرامه، ويطوف بالبيت، ويركع. فإن أراد أن يحرم من المسجد ركع لإحرامه ركعتين عند الميزاب، أو حيث أمكن، ثم أحرم ولبى بالحج، وخرج إلى منى.
وقيل يستحب له أن يحرم من مسجد الجن ويخرج عند صلاة الأولى ليجمع بمنى، ويصلى بها خمس صلوات، ويبيت بها، فإذا أصبح صلى الصبح وسار إلى عرفات يوم عرفة، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قولى وقول الأنبياء من قبلى عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت، وهو حيى دائم لا يموت بيده الخير، هو على كل شىء قدير.
وقيل: كان ابن عمر لا يضرب ناقته إذا أفاض، وكان أكثر ما يقول حاجتى حاجتى حتى إذا نزلت يدها من محسر، استحثها حتى يرمى الجمرة.
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفة، دهم الناس بعيره من ورائه فشق ذلك على النبى صلى الله عليه الله عليه وسلم وهو يقول: أيها الناس على رسلكم، أيها الناس على رسلكم. /356/ (3/356)
صفحة 1254
وقال أبو الشعثاء رحمه الله: الدفعة من جمع حين ينظر الدواب مواضع قوائمها والناس.
مسألة:
وجمع: حدها قرن الجبل الذى على اليسار إذا استقبلت المشعر، دون محسر فبت بها. وإن قدرت على إحياء ليلتك فافعل بها، فإنها ليلة شريفة، تقضى فيها الحوائج.
وعن النبى صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة.
ومن غير الكتاب والزيادة_ومن ازدار فنام بمكة فعليه دم، فإن انتبه من نومه فى الليل فقام فمضى فأدركه الصبح قبل أن يصل إلى منى، فعليه دم.
وقال من قال فيمن جلس بمكة بعد طوافه بالزيارة حتى أصبح إن عليه دما.
وأما من كان أيام التشريق بمكة، ويرمى إلى منى يرمى الجمار، ويبيت بمنى فلا بأس عليه،
وأما من بات تلك الليالى بمكة، فقال من قال عليه لكل ليلة دم.
وقال من قال يصنع معروفا: درهما أو نحوه لكل ليلة فيتصدق به على الفقراء. /357/ (3/357)
صفحة 1255
وقال من قال: فيمن يمض إلى الزيارة على عقبة شعب بنى عامر ويزور ولم يرجع إلى منى مر عليها، أن عليه دما. وقال من قال: لا شىء عليه، وهو أحب إلى.
وقيل خطب النبى صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، ثم قال أما بعد، وكان لا يخطب إلا قال أما بعد، فإن هذا اليوم يوم الحج الأكبر، وأن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون فى هذا اليوم قبل غروب الشمس، حتى تعتم بها رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال وأنا دافع بعد غروبها، فلا تعجلونا.
وكانوا يدفعون عند المشعر الحرام بعد طلوعها، وأنا دافع من جمع قبل طلوع الشمس.
وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفة، دهم الناس بعيره من ورائه فشق ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا أيها الناس على رسلكم.
وقال أبو الشعثاء: الدفعة من جمع حين تبصر الدواب مواقع قوائمها والناس.
وقال طاووس لأكون_لعله لا يكون أحد_ أشد رفقا بالتلبية منى حين أفيض من المزدلفة إلى منى.
وهذه مسألة عن أبى معاوية رحمه الله:
سئل أبو معاوية عن أهل مكة إذا غلطوا وكانت عرفتهم يوم التروية، /358/ (3/358)
صفحة 1256
أو كانت عرفتهم يوم الأضحى، أيكون حجهم تاما؟ قال: سمعنا أن حجهم تام، ولكل قوم هلالهم.
وهذه أبيات فى ذكر عرفة:
وفى عرفات يرحم الله تائبا ... أفر بفحش من عظيم المحارم
فإن كنت فى الأحياء عند غروبها ... فعج بإلحاح على ذى المكارم
ولا حلق حتى يبلغ الهدى محله ... وبالذبح يبدأ قبل حلق اللمائم
وذلك من بعد الجمار ورميها ... لواحدة ترمى على قول عالم
ومن بعد هذا زر لذى العرش بيته ... وعد راجعا فى كرة غير نائم
وكن بمنى وارم الجمار لوقتها ... إلى النفر من يوم الوما والتمائم
وودع لبيت الله إن كنت راجعا ... وعد بالجزا من عنده والغنائم
ومن وقف بعرفة، ثم وقع بهم العدو، وأحصر أو أغمى عليه، حتى ذهبت أيام المناسك، فحجه تام، ولا يخرجون به من مكة، حتى يزور البيت. /359/ (3/359)
صفحة 1257
فصل
فى الرمى والذبح والحلق والوداع
قوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} وذلك أن جبريل عليه السلام، انطلق بإبراهيم صلى الله عليهما وسلم إلى عرفات يوم عرفه، فعرفه بعرفة، ثم رده إلى منى فقعد_ وفى نسخة فقصد_ إليه إبليس، لعنه الله، إلى موضع الجمار، فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات، مع كل حصاة تكبيرة. وكان بدء رمى الجمار من ذلك.
ومن رمى جمرة العقبة من فوقها يوم النحر، فليعد الرمى من بطن الوادى.
فإن ذبح وحلق قبل أن يعيده، فيعيد الرمى، وعليه دم. وإن كان فى غير يوم النحر فليعد ما كان بمنى. ولا شىء عليه.
وإن لم يذكر حتى دخل مكة، فعليه دم. وأما من أتى جمرة العقبة من العقبة ثم انحدر إلى المسيل، ثم رماها من المسيل لما دنا منها، ثم رجع يصعدها، وأخذ من طريق العقبة، فلا بأس عليه.
وحفظت ذلك عن عمر بن المفضل. ومن ترك التكبير كله يوم النحر عند الرمى، فليعد رميه ويكبر. فإن ذبح وحلق قبل ذلك فعليه دم. وإن لم يذكر حتى مضى يوم النحر، فالذى يستحب له أن يهدى شاة.
والذى نسى تكبيرة أو تكبيرتين_وفى نسخة_بعد رمى حصاة أو حصاتين_ /360/ (3/360)
صفحة 1258
فليعد ويكبر معها إن كان من ساعته، وإلا فليصنع معروفا بترك التكبيرة والتكبيرتين وليس عليه فى زيادة الرمى شىء.
ومن لم يرم الجمار حتى صلى العصر. فليرم. وقد أساء.
والمريض يرم عنه رجل أو امرأة. فإن شاء الذى يرمى عنه إذا رمى هو عن نفسه أن يرمى عنه، ثم يقف لهما جميعا.
ومن رمى الجمار ونسى جمرة العقبة حتى غربت الشمس، قال يبدل رميها من الغد ثم يرمى الجمار كلها.
ومن لم يرم الجمرتين، فإن صار إلى مكة قبل أن يرميها، فعليه دم.
ومن رمى جمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى فقد أخطا، ولا شىء عليه، فإن أعاد الرمى فذلك أوثق.
ومن ذبح قبل أن يرمى قبل يوم النحر جمرة العقبة، أو حلق قبل أن يذبح، بطلت ذبيحته ذلك، وعليه أن يرجع فيبتدئ بالرمى، ثم يذبح نسكه، ويذبح لخطئه_نسخة_لصاحبه_ ثم يحلق.
وإن كان قدم شيئا من هذا مثل الزيارة_وفى نسخة_ قبل الزيارة، أو غيرها قبل أن يحلق، وقيل وقت ذلك، فعليه أن يرجع فيأتى بذلك على وجهه، ولا دم عليه فى ذلك الخطأ.
ومن لم يرم الجمار فى اليوم الأول أو الثانى، رماها فى اليوم الثالث بحصى الأيام جميعا ولا شىء عليه. وذلك غير يوم النحر.
/361/ (3/361)
صفحة 1259
وقال أبو عيسى يرمى فى الأول بسبع حصيات، والوسطى بسبع، ثم يعود، ولا يرمى بأربعة عشر جميعا.
وفى قول آخر: قال إن شاء أن يعيدها جميعا فى موقف واحد. وليس عليه أن يرجع، فإن خلت الثلاث ولم يرم فيها، فعليه لرمى كل جمرة فى كل يوم شاة.
ومن ازدار قبل أن يرمى جمرة العقبة، فليرجع، فليرم ثم يذبح، ثم يحلق ثم ليزدر من بعد، ولا شىء عليه. فإن رمى ثم ازدار من قبل أن يذبح ويحلق فليذبح وليحلق ثم يعود فيطوف ويسعى، فإن لم يفعل فعليه دم.
وإن حلق قبل أن يرمى، فعليه هدى، وأقل الهدى شاة.
وكل شىء أخطأ فيه الناس من التقديم والتأخير، ثم رجعوا فيه أجزأ عنهم ما لم يقصروا؛ فإذا قصروا أو حلقوا وجب عليهم الهدى.
والمريض الذى يرمى به وليه ثم أفاق، فإن عاد رمى ذلك اليوم فلا بأس.
وأما ما مضى فقد أجزأه.
ومن نسى حتى دخل الليل، فإنه يرمى من الغد، والجمار يرميها كلها من حيث شاء وينصرف إذا رمها من حيث شاء، إلا جمرة العقبة، فلا يأتيها إلا من الوادى، وينصرف إذا رماها من حيث شاء.
ومن خرج من منى فى النفر الأول من العشى، فنعم، فإن أدركه الليل فلا يخرج إلا من الغد بعد أن يرمى. /362/ (3/362)
صفحة 1260
فإن خرج فى الليل من النفل الأول، فعليه ثلاثة دماء لرمى الجمار الثلاث.
ومن ترك رمى الجمار كلها حتى انقضت أيام منى، فعليه لكل جمرة، لكل يوم، دم ولكل حصاة، لم يرمها من الجمار، إطعام مسكين.
وفى السبع حصيات من كل جمرة فى كل يوم دم، والرمى والنفر والذبح إنما يجوز هذا كله بالنهار، ولا يجوز شىء من ذلك كله بالليل، إلا الخائف فله أن يرمى بالليل.
قال ابن أبى ميسرة: فيما أحسب، إذا كان وقت ذلك قد ذهب إنما هو قضاء، فله أن يقضيه، إذا ذكره بالليل أو بالنهار.
وإنما يرمى الجمار بحصى الحرم، ولا يغنى الرمى بحصى الحل، فإن رمى بحصى الحل، أعاد الرمى بحصى الحرم، فإن فاته ذلك وأحل فعليه دم.
وأجمع الفقهاء أن الحصى الذى يرمى به مثل الجوزة والبندقة.
ومن رمى الجمرة فطرح رميته أبعد منها، فإن أعادها، وإلا فطعام، ويوجد فإطعام مسكين يتصدق به.
وإن وقعت رميته فى محمل. فإن استقرت على المحمل، فليعد على السنة.
وقال من قال، إن صدمت المحمل ثم درجت_ويوجد ودحرجت_ حتى وقعت على الجمرة ولم تقم_فى نسخة من المحمل_ أجزأت عنه.
ومن رمى أول النهار، فإنه يعيد ذلك، ومن حلق قبل أن يذبح فعليه دم. /363/ (3/363)
صفحة 1261
ويستحب له إذا ذبح نسكه أن يجرى الموسى على راسه.
من غير الكتاب والزيادة من بعض الكتب:
سئل ابن عباس عن رمى الجمار فقال: إنه ما يقبل منه رفع، ولولا ذلك لكان مثل ثبير.
ابن عباس رضى الله عنه قال: كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة حتى إذا كان ببطن الوادى، قال: التقط لى، فالتقطت له سبع حصيات مثل حصى الحذف، فوضعهن فى كفه، فقال: بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم واللغو_لعله الغلو فى الدين، فرمى بهن صلى الله عليه وسلم وانصرف.
وقيل عن محبوب_رحمه الله_ يستحب أن ترفع الأيدى وبطن الكفين إلى الأرض.
ومن لم يرم حتى جاء وقت صلاة، وخاف إن بدأ بالرمى فاتته الصلاة، فليصل، ثم يرم، ولا شىء عليه.
ووقت الرمى فى أيام التشريق إلى مغيب الشمس، ولا يرمى فى الليل إلا الخائف والراعى.
وجاء رجل إلى محبوب_رحمه الله_ بمنى يوم النفر الأول، وقد غربت الشمس، فقال إنى أريد الخروج إلى بلدى الليلة، قال لا يجوز إذا غربت الشمس يوم النفر الأول خروج لأحد. ولكن أقم إلى غد حتى ترمى الجمار، /364/ (3/364)
صفحة 1262
وتنفر مع الناس. قال إن الجمال لا ينتظرنى، قال فاذبح لكل جمرة شاة. ولو خرج قبل غروب الشمس لم يكن عليه شىء.
ومن انصرف عن الرمى وهو شاك اكبر أم لا؟ فلا شىء عليه.
ومن رمى حصاة فأصابت شيئا، ثم رجعت إلى الجمرة، أجزأت.
قال غيره: هذا إذا قصد ر برميه الجمرة، فأصابت الرمية شيئا أخر ورجعت إلى الجمرة، فهو كما قال.
وإن كان قصد برميه غير الجمرة، فأصابت ما قصد، ورجعت إلى الجمرة، فلا تجزئه.
رجع_ وإن وقعت فى محمل أو فى شىء فعلقت، وقرت ثم وقعت على الجمرة لم تجزئه، فليرم بغيرها.
وإن نقص عليه شىء من الحصى، انصرف جانبا من الجمرة، وأخذ حصى.
ولا يجوز أن يرمى بالآجر والملح وما جانس ذلك، لأنه، اسم الحجر غير واقع عليه.
وأجاز بعض رمى الحصاة إذا كانت نجسة، وأبى ذلك آخرون.
ومن ترك رمى جمرة العقبة؛ فبعض أوجب عليه دما، ونفاه آخرون.
وقال عطاء: إن ترك عامدا بطل حجه، ولا دم عليه، ويكون عاصيا بترك رمى الجمار، وعصيانه لا يبطل حجه. /365/ (3/365)
صفحة 1263
وإذا دخل الليل فقد خرج وقت الرمى بإجماع، أجمع المسلمون على أن النفر الأول يوم النحر الثالث من النحر، وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هن الثلاثة الأيام بعد النحر.
قال الله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، يعنى فى الأيام المعدودات.
ومن رمى جمرة الوسطى يوم النحر وحسبها جمرة العقبة، فذبح وحلق، ثم علم بعد ذلك أنه كان أخطا، فعليه دم، والحج من قابل.
ورعاة الإبل يجوز لهم الرمى بالليل، وكذلك الخائف.
مسألة:
ومن رمى الجمرة بحصاة، فوقعت فى أسفل الجمرة فلا شىء عليه، وإن رماها فطرحها أبعد منها، فليتصدق بطعام مسكين غداء وعشاء.
ولا ترمى الجمار إلا بعد زوال الشمس، إلا جمرة العقبة فى يوم النحر، فإنها ترمى قبل الزوال. وبعده. وما بقى من الحصى فإنه يستحب له يستحب له دفته (؟؟؟) بمنى.
فإن لم ينفر فى اليوم الثانى إلى أن غربت الشمس، فلا ينفر إلى اليوم الثالث بعد الزوال. /366/ (3/366)
صفحة 1264
وإذا رمى الجمار، فإن نفر بعد مغيب الشمس فى اليوم الثانى، فعليه ثلاثة دماء، وكل جمرة ترك رميها فعليه دم.
قال كان عمر ابن الخطاب، رضى الله عنه، يكبر فى فتية فى منى فيرفع صوته، فيسمع أهل منى فيكبرون، حتى ترتج تكبيرا.
ومن غيره_قلت فما تقول إن هو أحرم بالحج ولم يطف لوداعه؟ قال: قد قال من قال عليه دم لترك الوداع.
وقال من قال: لا بأس عليه، وقد أساء بتركه الوداع.
صفة الوداع:
من مناسك على بن محمد البسيانى على ما قيل: فإذا أردت أن ترجع، فطف بالبيت سبعة أشواط، ثم صل ركعتين، ثم ائت زمزم فاشرب من مائها وصب على رأسك وكما وصفت لك عند العمرة، فكذلك تفعل عند الزيارة_لعله الوداع من الدعاء أو رم به، فإنه يجزئه. وذلك أحب إلينا أن يكون من غير الجمرة. ولو كان منها ما نقص عليه ذلك.
وإن شك بعد الرمى أنه رمى سبعا أو أقل، أجزأه ذلك إذا كان حفظ عدده قبل الرمى.
وقيل: لا يرمى الجمار من الحصى مما رمى_ ويوجد مما رمى الناس به.
وقالوا: ومن رمى من ذلك الحصى، فلا فساد عليه. /367/ (3/367)
صفحة 1265
فإن رمى السبع جميعا برمية واحدة، فهى واحدة، ويرمى ستا، ويكبر مع كل حصاة تكبيرة.
وإن وضع الحصى وضعا، لم يجزئه، وإن طرحها أجزأه.
وقيل: ليس للقيام عند الجمرتين والدعاء شىء مؤقت.
وقيل عن محمد بن محبوب، رحمه الله، يستحب أن ترفع الأيدى وبعان الأيدى إلى الأرض.
والصبى يرمى عنه أبوه إذا كان لا يستطيع وقد حج معه. ومن تعمد لترك رمى حصاة من رمى جمرة العقبة يوم النحر حتى ذبح فعليه دم، ويرميها. وإن نسيها أيضا فيرميها، وعليه إطعام مسكين.
وقال من قال أيضا يلزمه دم فى نسيان حصاة من جمرة العقبة.
والخائف يجوز له الرمى بالليل، والذى يؤمر به أن يكبر مع كل حصاة تكبيرة. ويقول الله أكبر.
ومن ودع، ثم التفت إلى البيت بعد أن يخرج فلا بأس.
وقيل: إن عمر بن عبد العزيز كتب كتابا بعد أن ودع، فأعاد الوداع. وأما جابر وعطاء فقيل إنهما رخصا للمودع أن يشترى الطعام والعلف، ويقضى الشىء الذى يكون عليه وهو نافر على طريقه.
وقال ذلك ابن أبى ميسرة أيضا. ومن أخذ بذلك لم أر عليه بأسا. /368/ (3/368)
صفحة 1266
وفى موضع آخر من الآثار أيضا أن من ودع، ثم نام بمكة متعمدا، أو باع، أو ابتاع متعمدا، فعليه إعادة الوداع.
فإن خرج إلى بلاده ولم يودع، فعليه دم
قال أبو عبيدة وأبو نوح: من ترك طواف الصدر فعليه دم شاة، ومن لم يطف لعمرته حتى خرج إلى عرفات أجزأه طوافه لحجه عن حجه وعمرته، وليس عليه دم.
ومن ودع فى غير وقت صلاة، فلا يخرج من الحرم حتى يصلى. فإن خرج فعليه دم، وإن احتاج إلى ماء يشرب، أو يتوضأ، فلم يجد إلا بشراء، فيشترى، ولا يتمهل، ويقضى ما كان عليه من دين وهو مار ولا بأس أن يوصى بعض أصحابه بحوائجه، وما يشترى به.
وقال أبو صفرة قال محبوب_رحمه الله_إن أبا عبيدة_رحمه الله، ودع، ثم تحول إلى بئر ميمون فسلم على امرأتين من المسلمين، ثم قام يصلى المغرب، فقال الجمال: يا أبا عبيدة حبستنى فقال: أو ما حبسك غيرى؟ قال: لا. قال فركب أبو عبيدة من وقته ليجمع من موضع آخر.
ومن بات بمكة بعد ما ودع، فعليه دم. إلا أن يرجع فيه فيودع. والنوم بمكة بعد الوداع، وبعد الزيارة سواء.
ومن نام قبل أن يزدار وبعد، فكله سواء. /369/ (3/369)
صفحة 1267
وسمعنا فى الدم يلزم بعد الزيارة. وكل من خرج من مكة حتى يتعدى المواقيت فلا بد أن يودع، إلا الحطابين، فقيل يدخلون بغير إحرام، ولا يخرجون خلف المواقيت إلا بوداع.
فإن خرج ولم يودع، فأوصى بعض أصحابه أن يودعوا عنه، فودع عنه رجل أراد، لم يجزئه وداع الرجل، وعليه دم إن لم يرجع يودع.
ومن خرج إلى موضع قح فلا وداع عليه، فإن خرج إلى بعض الحوائط، فإن تعدى الحرم، فعليه الوداع، فإن لم يودع فالله أعلم.
رجع_وفى نسخة أخرى فى الوداع أيضا، ومن لبث ليلة بمكة ما لم ينم أو يأكل، أو يجامع فلا بأس عليه إذا كان فى شغل رحلته.
وقيل أيضا: من ودع البيت، ثم رجع إلى رحله ليرتحل، فلا بأس أيضا.
فأما من ودع، ثم رجع إلى بيته فنام أو جامع أو أكل، انتقض وداعه.
وإن ودع بالغداة، ثم جلس إلى العشى، أعاد الوداع، إلا أن يكون أخلفه الجمال، أو كان فى طلب كراء، أو تهيئة راحلته، ولا إعادة عليه، وإنما الوداع على من يخرج حيث يخلف الحرم.
ومن نسى شيئا من متاعه أو طعامه، فله أن يرجع. ومن خرج إلى أهله وبلاده، ولم يودع، فعليه دم يبعث به. /370/ (3/370)
صفحة 1268
ومن ودع ثم رجع إلى بيته، فنام أو جامع أو أكل، فقال من قال انتقض وداعه.
وليس على أحد غسل الحصى للرمى. وقيل: كان النبى صلى الله عليه وسلم يمشى إلى الجمار.
وقال جابر بن عبد الله: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يرمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته ويقول: لتأخذوا مناسككم، فإنى لا أدرى، لعلى لا أحج بعد حجتى هذه.
وقال ابن عمر: لا يصلى على شىء من الجمار، ولا على الصفا والمروة، ولا تنقل حجارتها.
ومن رمى بحصاة وغابت الشمس، أو غابت عنه، ولم يدر أوقعت موقع الحصى أم لم تقع؟ أعادها ليكون على يقين من الرمى وإصابة الموضع.
وإن رمى حصاة، فجازت الرمية أو قصرت دونها لم تجزئه، ولو وضع الحصى على الجمرة وضعا لم يجزئه، لأن الوضع غير الرمى.
وارجع فقم بين الباب والحجر الأسود، واعتمد بيدك اليمنى على أسكفة الباب حيث تبلغ يدك اليسرى قابضة أستار الكعبة، ثم الزق بطنك بجدار الكعبة، وإلا فقم حياله، وادع بما فتح الله لك من الدعاء. /371/ (3/371)
صفحة 1269
الباب الحادى والعشرون
فيما يفسد الحج، وما يكون فيه من الجزاء من صيد الحرم وشجره،
وفى هدى التطوع، وفى الصيد للمحرم والهدى والضحايا،
والحائض والمستحاضة فى الحج، وفى المحصور
الحج عن الغير، وأحكام ذلك،
وفى زيارة قبر النبى عليه السلام،
وفيه فصول وهو الثانى من الحج
الفصل الأول
فيما يفسد الحج، وما يكون فيه من الجزاء من صيد الحرم وشجره
ومن أحرم بحجة ثم أصاب امرأته، فعليه دم، ويرجع يحرم من الحد، وعليه الحج من قابل.
وقال من قال فى هذا: يهدى بدنة. وهو أكثر القول وهو أكثر القول عندى فى الحجة والعمرة.
وأما من أحرم بعمرة، ثم أصاب من أهله، فعليه دم، ويرجع إلى الحد فيحرم، فإن رجع فوطئ فعليه مثل ذلك. وفيها قول آخر. وهذا أحب إلى.
وإذا عبث المحرم بذكره فأنزل فى غير أشهر الحج، رجع إلى حده فأحرم وأهدى، وأتم حجه. /372/ (3/372)
صفحة 1270
وإن كان فى أشهر الحج رجع فأحرم وأهدى، وعليه الحج من قابل.
وقال من قال: عليه الحج من قابل فى الوجهين جميعا.
وإن نظر إلى زوجته فأعجبته، أو غيرها، فسبقه الماء وقذف. فقد قيل: إن تعمد لذلك، فليتم حجه، وليحج من قابل. ويهدى بدنة.
وأما القبلة فقال من قال: على من قبل دم. وقال من قال: لا شىء عليه.
وكذلك يوجد عن أبى عبد الله رحمه الله. وهو أحب إلى.
وقيل: لا بأس فيما أخرج من حطب الحرم اليابس الميت فيما يسقط من الشجر من الورق والثمر، وما نبت مما يأكل الناس من الشجر فى الحرم؛ فبعض رخص فيه، وبعض كرهه، إلا ما زرعت. فلك أن تزرع وتنزع.
وبلغنا أن النبى صلى الله علليه وسلم رخص فى الإذخر
وقيل إن من زرع من الحرم ما يأكل من العتر والحماض والضغابيس وما يشبه ذلك، فلا بأس، ولا ينزعه للتجارة. وأجاز من أجاز أيضا السنا_ويوجد السينل_ أن ينزعه أحد يستمشى بورقه أو يصرمه، ولا يقتل أصلا ولا يقلعه. /373/ (3/373)
صفحة 1271
ومن حكم عليه فى شجرة قطعها من الحرم، فلا ينتفع بها، ولا يبيعها.
وقيل عن ابن عباس رضى الله عنه فى الدوحة، وهى الشجرة الكبيرة: بقرة، وفى الجزلة وهى الشجرة الوسطى شاة، وفى القضيب درهم.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله فى عود صغير من شجر الحرم: إطعام مسكين.
وما قتلت سوى الصيد فليس فيه شىء، إلا أن تريد أن تطعم عنه ما شئت.
ومن قطع من الحرم غصنا، أو سواكا، أطعم مسكينا، ومن نبت على حوض ماشيته شجر فلا يقطعه، وقال بعض بقطعه. وما نبت على غير مائك فلا تقطعه.
وقال غزوان الرمانى بمحضر من موسى: إنه أخرج شجرة صغيرة فيها ورقتان فقشعهما، فحكم عليه عمر بن المفضل وأسود بدرهم، واشتريا به تمرا برأيهما، وفرقاه على الفقراء.
وقال خالد: قطع رجل سواكا من الحرم، فحكم عليه ابو عيسى بدرهم يشترى به طعاما يطعمه الفقراء.
وقال محمد بن هشام: إنه حاس (؟؟؟) عودا من شجرة فى الحرم، فدعا محبوب ابن أخيه رحيلا فحكما على بدرهم.
وقال موسى رحمه الله فى الشجرة يكون أصلها فى الحرم، وأغصانها فى الحل، فإن قطعت الأغصان، ففيها الجزاء. /374/ (3/374)
صفحة 1272
وان رمى رام طيرا على الأغصان وهى فى الحل، فقتله، فله أكله.
وإن كان أصلها فى الحل، والأغصان فى الحرم، فقطعت الأغصان، فلا بأس عليك وإن قتل طيرا على أغصانها، والأغصان فى الحرم، لزمه الفداء.
والمعجف إذا اختبط لبعيره، فقد بلغنا أن عمر جوز ذلك. وقيل: يكره ذلك.
وقيل: لا بأس أن يرسل الرجل بعيره، أو دابته، فما أكل فلا بأس عليه. فإن وقفها على شجر الحرم، وأهداها إليه، فعليه الجزاء.
وأما فى جواب محمد بن محبوب رحمه الله، فى الذى يرسل بعيره، فيأكل من شجر الحرم، ولا يدرى قدر ما أكل بعيره؛ فإنه يلزمه ما أكل بعيره؛ لأنه أرسله، فكأنه هو أتاه، فيلزمه ما يقومه عدلان.
وفى حفظ أبى صفرة: ومن رعى شجر الحرم، محلا كان أو محرما، فيصنع معروفا، ويكره ذلك. وليس فيه شىء مؤقت.
وقيل من لزمه دم، فأطعم منه فقيرا، ثم أكل مما أطعم، فعليه دم.
وقال من قال: عليه قيمة ما أكل. وهو أحب إلينا، لأنه قد أعطى ما لزمه، وأخذ هذا من غير يده. /375/ (3/375)
صفحة 1273
والبدنة: الجذع من الإبل فما فوقها. والجذع من البقرة فما فوقها، ولا يجزئ ما دون ذلك عن البدنة، والله أعلم.
وقال من قال: من الفقهاء، فيمن حكم عليه بشاة فى شىء قد جاء الأثر فيه ببدنة، أن تلك الشاة لا تجزئه، ويعطى البدنة، ولا يرفع منها الشاة.
وقيل لا بأس بما سقط من ثمار أشجار الحرم أن يحرقه_ويوجد يخرجه_ ويأكل مثل السدر ونحوه، ولو لم يكن زرعه، وكذلك ثمرة النخلة اليابسة_نسخة الناشئة فى الحرم. فإن قطع من الخوص، أو سقط من ورق السدرة لما خرقها، فعليه فى ذلك حكومة عدلين.
وقيل. إذا قتل المحرم صيدا فى الحل خطأ، فلا شىء عليه، وعليه فى العمد الكفارة، فإذا قتل الصيد فى الحرم محلا أو محرما فعليه الكفارة_لعله أراد فى الخطأ والعمد_.
ولا يجوز حمل تراب الحرم فإن حمل أحد منه شيئا، ففات من عنده، فلا كفارة عليه.
وقيل ينتفع بالكيزان التى تعمل بمكة من الحرم، ولا يخرج بها منها.
وإن عملت من غير طين الحرم، فلا بأس بها، من حيث حملت.
مسألة:
ومن لزمه دم فليعط فقراء مكة من المسلمين، وإن أعطى فقراء قومنا أجزأه /376/ (3/376)
صفحة 1274
ذلك. والمسلمون أحب، فإن كان من المسلمين ثلاثة أو أربعة فأعطاهم الدم بمكة وإن أعطى معهم من فقراء قومنا فجائز إن شاء الله.
فصل
فى الصيد للمحرم وما يلزمه من ذلك
قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}. فكل من أصاب شيئا من هذا وهو محرم، أو فى الحرم، حكم عليه عدلان، مسلمان، فقيهان_هديا بالغ الكعبة يعنى مكة، والحرم كله مكة، أو كفارة طعام مساكين من أرض الحرم، يشترى بقيمة الصيد طعاما بسعر مكة، ويتصدق به على المساكين، لكل مسكين نصف صاع حنطة، أو عدل ذلك الطعام صياما. يقول: أو يصوم لكل نصف صاع يوما، على عدد المساكين، ولا يطعم ا نشاء صام بمكة أو غيرها. والإطعام والذبح بمكة.
فأما الصيام فحيث كان أجزأه.
والهدى إذا بلغ مكة، وفرق على الفقراء، فقد أجزأ، إلا هدى المتعة فلا يجزئ إلا بمنى.
والمحرم إذا دل على الصيد، أو أشار إليه، فعليه الجزاء. فإن اجتمع اللذان قتلا الصيد فعليهما جزاء واحد، وإن افترقا فعلى كل واحد منهما فدية، صدقة ما يلزمه فى ذلك الصيد جميعا. /377/ (3/377)
صفحة 1275
ومن جرح الصيد نظر فى ذلك ذوا عدل.
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب من بعده: فى الضبع كبشا.
وقيل والحمار والنعامة فى كل واحد منهما جزور. وفى البقرة بقرة، وفى الضبى شاة وفى الوعل بقرة، وفى الأرنب جذعة من الغنم، وفى اليربوع جفرة، وهى السخلة القطيمة وفى الحمامة شاة، وفى ولد الحمار الوحشى، أو ولد النعامة ولد يعنى مثله_ وفى نسخة ولد بعير مثله_ وفى ولد الوعل ولد بقرة، وفى فرخ الحمامة ولد شاة مثله، وفى الضب جدى.
وقال بعض: صاع من طعام. وقال ابن عباس: إذا كان فى بيض النعامة فرخ، فدرهم وإن لم يكن فنصف درهم.
وقال مجاهد: فى كل ذى كرش شاة، ومن قتل جرادة، أو أصغر منها تصدق بتمرة. ومن قتل قملة أطعم ما شاء. فما أطعم عنها فهو خير منها. وفى الذبابة والحلمة قبضة من طعام.
والمحرم يخرج القملة من جسده، وعلى ثوبه بضعها، ولا يخرجها من على ثوبه، ولم يروا بالذرة والقراد بأسا أن تنبذه عنك.
/378/ (3/378)
صفحة 1276
قال ابن عمر: انبذه عنك. فإن موته وحياته بيد الله.
وقال قتادة: إذا لصق بك شىء ليس منك، فانبذه عنك. وإن كان منك فلا تنبذه، وإن فعلت فقبضة من طعام.
وفى بعض الآثار قلت: أرأيت الذباب والبعوض والقملة، وأشباه ذلك بجزاء؟ قال: ليس ذلك من الصيد. قلت الحلمة والقراد يقتلهما المحرم، أو شيئا من ذلك هل فى ذلك كفارة؟ قال: لا، بلغنا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يقرد بعيره وهو محرم.
وبلغنا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقتل المحرم الحية، والعقرب، والكلب العقور، والفأر. وقال من قال: ومن قتل الكلب ولم يكن عقورا، رجوت ألا يكون عليه شىء، وما لم يعارضك من ذلك شىء فدعه.
وقال من قال: إن قتلته قبل أن يعارضك، فعليك الجزاء.
وأما الرخمة والنسر والصقر، فلا أعلمه إلا حكومة.
وأما الرخمة فحكم فيها من حكم بلا يقين، والنسر أكثر منها، وأما الغراب فلا شىء فيه وقيل: يقتل فى الحرم كل شىء مؤذ.
/379/ (3/379)
صفحة 1277
ومن أخذا صغيرا من الحل فأدخله الحرم، ثم ذبحه، فلا بأس بذلك للمحل.
وكان ابن عباس يكره ذلك، فأخبرنى العباس بن الوضاح أن أبا زياد نظر فى ذلك، ثم أمره فاشترى له فرخا من الحمام الوحشى الذى قد أخذه الناس من الحل، واشترى له وذبحه وأكله.
ومن أخذ صيدا وهو محل، ثم أحرم، ثم ذبحه، فعليه الجزاء.
وقال أبو بكر الموصلى: تحاكموا إلى وإلى رجل فى رجل قتل من حمام الحرم، فحكمنا عليه بدرهمين.
وقال محبوب: بشاة. وقال أبو بكر: فجزاء مثل ما قتل من النعم، فلا يكون الحمام أكثر من درهمين. قلت لابن أبى ميسرة هل يحكم فى هذا إلا بما يسوى؟ قال: نعم.
قلت: فمن قتل حمامة؟ قال: جزاؤه شاة. قلت: فهذه تسوى شاة؟ قال: اتبعنا فيها الأثر.
وقال الربيع: من قتل صيدا فى غير الحرم، فلا شىء عليه، وإن قتله فى الحرم خطأ أو عمدا فعليه الجزاء.
وقيل فى الصيد: ما كان أصله صيدا فهو صيد، وإن أنسه الناس، وما لم يكن صيدا فليس بصيد.
وإذا أشار المحل للمحرم بصيد فى لحل، فقتله المحرم، فلا شىء على المحل إذا كان الصيد فى الحل، ولا يؤكل إذا قتله المحرم. ... /380/ (3/380)
صفحة 1278
وإذا دخل المحرم بصيد معه الحرم، أو بلحم صيد من الحل، فيدفن اللحم ويرسل الصيد فإن أطعمهما أحدا محرما، كان على المطعم حراما يحكم به الحكمان من ذلك اللحم.
من غير الكتاب والزيادة:
ومن ذبح صيدا وهو محرم، أو يصيده محرم، فعليهما الجزاء. وفيه اختلاف.
وقال بعض: عليهما جزاء واحد. وقال بعض كل واحد منهما جزاء تام. وكذلك العدة.
وقال بعض: إذا جاءوا جميعا، حكم عليهم بجزاء واحد، وإذا جاءوا مفترقين حكموا على كل واحد منهم بجزاء الصيد.
وفى حديث ابن عمر، أن قوما اشتركوا فى قتل صيد. فقالوا كل واحد منا جزاء، أم هو جزاء واحد؟ فقال إنه لمعذرتكم، بل هو عليكم جزاء واحد. وقوله، إنه لمعذرتكم أى لم يشدد عليكم إذن.
ومن قبل صبيا مطيبا فأصابه من الطيب شيئا، فليهرق دما، وإن لم يصب من الطيب شيئا، فلا شىء عليه.
ويكره أن يذبح صيد الحل فى الحرم، ولا عذر لمن أخذه إلا أن يرسله. وإن نتفه فعليه أن يمسكه حتى ينبت ريشه ويطير ويرسله. وإن مات فعليه الجزاء. /381/ (3/381)
صفحة 1279
ومن قتل صيدا فعليه الجزاء يبعث به وهو له ضامن حتى يبلغ، وإن أصابه كسر فليأكله، فإن عليه بدله.
مسألة:
وإذا دخل طير على محرمين فى بيت فخرج أحدهما وأغلق عليه الباب، فجاء الآخر من خارج، وقد دخل الطير البيت، فأغلق عليه الداخل الباب وهو لا يعلم، فمات. فالجزاء على الأول.
ومن رمى صيدا وهو محرم، فكسر بعض جسده، فليحسن إليه، ويطعمه، ويجبر كسره، فإن برى فلا شىء عليه، وإن مات حكم عليه ذوا عدل من المسلمين.
مسألة:
ومن أدخل معه سنورا الحرم، فأكل من طير الحرم؛ فقال أبو مالك رضى الله عنه: على رب السنور الجزاء. وإذا أكل سنور لإنسان من أهل مكة طيرا، فالجزاء على صاحبه.
رجع-وقيل: من أذن لعبده بالحج، فأصاب العبد صيدا وهو محرم. قال يقوم الصيد عليه ثم عليه الصيام.
وإن جامع العبد وهو محرم، أتم نسكه، وعليه، إذا عتق، حجة مكانها.
قلت: أرأيت أن تطيب العبد، أو أصاب العبد شيئا. قال فيه قيمة ذلك إذا عتق فى ماله. /382/ (3/382)
صفحة 1280
قلت فإن حلق رأسه من أذى، أو تداوى بدواء فيه طيب. قال: عليه الصيام. قلت: ففى كل شىء من ذلك أوجبت عليه الصيام؟ قال: نعم. قلت: فإن أطعم عنه مولاه أجزأه أم لا؟ قال: لا. قلت: فإن أحصر؟ قال: على مولاه ان يبعث عنه بهدى، وعليه إذا عتق عمرة وحجة.
ومن أمر عبده بالإحرام للعمرة، فإن أمره بالصيام أجزأ عنه، وإلا ذبح عنه.
وإذا قتل المحرم الصيد فلا يأكل منه محل ولا محرم. وعلى المحرم الفداء إذا قتله، وإذا رماه_ ويوجد أرماه_ فانتبه.
وإذا أدرك المحرم ذكاة الصيد لم يأكل منه أيضا. والقارن إذا أصاب الصيد فإنما عليه جزاء واحد.
ومن قتل صيدا خطأ أو عمدا، فعليه لكل صيد جزاء، إلا أن يكون قتله ـأ (؟؟؟) فى الحل.
مسأ:
وإذا قتل القارن بالحج والعمرة صيدا فى الحرم، أو فى غيره، فعليه جزاء واحد.
ومن لزمه الجزاء فى حكم، ولم يجد من يحكم عليه، فإنه يرجع إلى بلده، فإذا وجد من يحكم عليه من العدل بعث به إلى مكة ينحر عنه.
ومن حكم عليه بشاة فى شىء قد جاء الأثر فيه ببدنة. إن تلك الشاة لا تجزئه ويعطى البدنة، ولا يرفع منها الشاة ولا تحسب له. /383/ (3/383)
صفحة 1281
والشاة عن الشاة التى عليه إذا ذبح بدنة، فلا تجزئه الشاة عن دم عليه وعليه ثانية. والله أعلم.
ومن غير الضياء:
وسألت عمن لزمه دم إذا ذبحه وفرقه وبقى شىء من الأمعاء، أو شىء من الأظلاف أو سقط شىء منه من لحمها لم يعرفه. هل عليه أن يفرق قيمة ذلك إلى الفقراء؟.
قال: إن كان ذلك من الكفارة، وكان له قيمة مما ينتفع به، كان عليه أن يفرق مثله.
قلت فإن أعطى من ضحيته رفقته، أو مما يلزمه من دم أو جزاء مما يتصدق به على الفقراء. هل له أن يخالطه فى المعيشة فى هذا الذى أعطاه إياه، يخلطه عنده كنحو ما يخالط رفقته من اللحم والشحم والطعام، أم لا يجوز؟ فقد أجاز ذلك من أجازه وبعض كره ذلك.
وإن بلغ جزاء الصيد جزورا، أو بقرة، فالجزور أحب إلى. وإن اشترى بذلك غنما بقيمتها فذبحها وتصدق بها، أجزأه سبع شياه عن بدنة.
وما كان من جزاء الصيد أو غيره فلا يضره ألا يعرف به.
ومن لزمه دم فأطعم منه فقيرا، ثم أكل من ذلك الذى أطعمه الفقير. قال بعض: عليه دم، وقال بعض عليه قيمه ما أكل. ... /384/ (3/384)
صفحة 1282
قال أبو معاوية ما أرى عليه أكثر من قيمة ما أكل، لأنه قد أعطاه وأكل من يد غيره.
وأما ما ذبح المتمتع، فلا يجوز بيعه؛ ولا ما كان من كفارة صيد أو خطأ فى نسك فلا يبيع جلده.
فصل
فى الهدى والضحايا أيضا
ويجوز من الإبل كلها فى الضحايا ابنة مخاض_وفى نسخة ابن مخاض_ وابنة لبون، وحقة عن واحد.
والجذعة من الإبل عن خمسة، والثنية عن سبعة، وما فوق الثنية عن سبعة ولا يجزئ ما دون ابن مخاض عن واحد، وجذعة البقرة عن ثلاثة، والثنية من البقر عن خمسة، والمسنة عن سبعة.
ويجوز الجذع من الضأن، والثنى من الماعز. جعلت الضأن مثل الإبل فى السن والماعز مثل البقر، والبقر مثل الماعز. ويوجد فى موضع آخر من الجامع. ويجوز فى الضحية الجذع من الضأن، فأما من الماعز فلا يجوز إلا أن يكون جزلا قارحا.
وأكثر القول عندنا أنه لا يجوز من الماعز شىء من الضحايا حتى يثنى.
والذبح حتى تزول الشمس من يوم النفر الأول، فإذا زالت الشمس لم يذبح أحد بعد ذلك نسكا. /385/ (3/385)
صفحة 1283
وقيل: لا يذبح فى الهدى ولا الضحايا، البتراء، لا العرجاء، ولا العوراء، ولا مقطوعة الأذن إلى الثلث، ولا الجرباء، ولا العجفاء، ولا مكسورة القرن إلى المشاش.
والماعز لا يجوز منها شىء حتى يثنى، والشاة إذا كسرت ثم أجبرت فبلغت المرعى جازت ضحية. وإذا انكسر القرن فبقى منه ما يلويه الإصبع أو الحبل جازت ضحية.
وإذا بقى من ضروسها ما تعلقت به جازت ضحية.
وإذا خلقت الشاة حذاء، ليس لها إلا ضرع واحد، جازت ضحية، وإذا يبس ضرعها من علة حدثت بها، وإن خرج منه من اللبن شىء ولو قل، جازت ضحية.
وقال أبو عبد الله عن أبى على رحمهما الله إن الشاة إذا خلقت حذاء، لم تجز ضحية_ وفى نسخة ضحية فى جميع ذلك_.
قال: قلت: فما بال الشاة إذا خلقت جلحاء، جازت ضحية؟ قال: هذا غير ذلك.
وقال أبو زياد: رأيت فى كتاب من كتب وارث، فى البقرة إذا قطع ذنبها فبقى منه الثلث تذب به عن نفسها، أنها تجوز ضحية.
ومن أطعم نسكه كلها إنسانا فقد أخطأ، وقد أجزأت عنه، ولا بأس أن ينتفع بإهاب الضحية، ولا يباع. وأطعم منها ما شئت، وكل ما شئت فلا بأس. /386/ (3/386)
صفحة 1284
ومن أكلها كلها ولم يطعم منها شيئا فعليه هدى آخر. وقال ابن أبى ميسرة: عليه أن يطعم ثلثى شاة. كأنه على قول من يقول: يأكل الثلث ويطعم الثلثين، هذا من الضحية.
ولا يؤكل من الهدى إلا هدى المتعة والتطوع. وأما غير ذلك فلا يأكل منه صاحبه إلا أن يعييه تلف فى الطريق، قبل أن يصل إلى فقراء الحرم، فعليه أن يغرمه ويأكل منه إذا أراد حيث عليه بدله.
وهدى المتعة لا يجزئ حتى ينحر يوم النحر، وهدى التطوع إلى بلوغ الحرم، أو فى الطريق إذا خيف عليه العطب إذا بلغ، فينحره ويتصدق به على الفقراء، ويجزئ عنه، بلغنا ذلك عن عائشة رضى الله عنها.
ومن اشترى بدنة لنفسه، لم يجز له أن يشرك فيها أحدا، إلا أن ينوى ذلك، فإن قال أحد الشركاء إنه يأخذ حصته لحما بغير الهدى؛ فإذا دخل فيهم هذا، لم تجزئ عنهم، ولا عن واحد منهم.
ومن ذبح المتعة قبل طلوع الفجر من يوم النحر، فلا تجزئ عنه، فإن ذبحها فى القابلة أو فى اليوم الثانى، قال: تجزئه.
قلت: فإن كان حلله، فما يصنع بحلاله وحطامه؟ قال: يتصدق بذلك.
ومن اشترى هديا فذهبت عينه قبل محله، فلا يجزئه.
قال أبو على رحمه الله: الذى سمعنا أن ضحية الرجل إذا أوتيت منه، /387/ (3/387)
صفحة 1285
كان عليه بدلها. وإذا أوتيت من قبل غيره، اجتزأ بها.
وإن أصاب هديه الواجب مرض، فله: إن بدا له: أن ينحره ويأكل منه، ويبدل مكانه: فإن كان تطوعا، فليس عليه بدله.
وقال مسلم: من ذهب هديه فوجده، وقد كان اشترى واحدا مكانه، فيبيع الآخر منهما، إن شاء، وإن باع الأول وكان هو خيرا، فينبغى أن يتصدق بما يفضل ما بينهما على الفقراء. وإن تطوعا كان فليس غليه بدله.
وإن أنتج هديه، فضل ولدها أومات، فليس عليه شىء.
وكل جزور من إحصار، أو جزاء، أو كفارة، فليس عليه أن يقلدها. وإن قلدها لم تضره. ومن جعل ثوبه هديا، جاز له أن يهدى قيمته. وقوله تعلى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ، يعنى البدن. منافع فى ظهورها، يركبونها، وفى ألبانها يشربونها. وقوله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى، إلى أن يقلدوها، أو يشعروها، يسيمونها هديا، فذلك الأجل.
فإذا فعل ذلك بها، فلا يحمل عليها إلا مضطرا، أو يركبها بالمعروف ويشرب فضل ولدها من اللبن ولا يجهدها بحلب ثم محلها يعنى من حيث تقلد إلى البيت العتيق، يعنى منحرها أرض الحرم. وإن احتاج إليه فهو له.
ولا بأس ببيع جلود شاة الأضاحى بمنى، ولا التطوع _ويوجد إلا التطوع_ والتصدق بثمنها أفضل. /388/ (3/388)
صفحة 1286
وأما ما ذبح المتمتع فلا يجوز بيعه. وما كان من كفارة صيد، أو خطأ فى نسك، فلا يبيع جلده، حتى يتصدق به مع لحمه،
وإذا قال هذا الثوب، أو هذه الدراهم، أو غير ذلك، هدى إلى بيت الله، أو فى أستار الكعبة، فقال من قال: ليس فى ذلك شىء، إلا أن يقول علىّ هدى. فإذا قال ما يوجب عليه، فإن بلغ ما قال فى دم، وإلا جعل فى طيب الكعبة، أو فقر فى فقراء الحرم.
ومن جعل نفسه، أو ولده نحيره، فقيل يعتق نسمة، ويهدى بدنة.
فإن قال لشىء لا يملكه من مال غيره أو مسجد، هو علىّ هدى إلى بيت الله، فعليه أن يهدى بدنة.
وإن قال ذلك لشىء يملكه من ماله، أهدى قيمته، إلا أن يكون ذلك تبلغ قيمته أكثر من ثلث ماله، فيخرج العشر منه ويهديه. وإن كان الثلث إلى ما أقل، أهدى قيمته كله.
من غير الكتاب والزيادة:
ومن جعل نفسه هديا إلى بيت الله، فعليه بدنة، ومن قال: امرأتى هدى، أو قال: هى على هدى، فقوله هى على هدى أهون، وقوله هى على هدى، يهدى بدنة ويعتق نسمة.
قال أبو عبد الله: إنما عليه بدنة. وإذا قال: هى على نحيره، فليهد بدنة، ويعتق نسمة. /389/ (3/389)
صفحة 1287
ومن قال فلان علىّ هدى، أو قال. على فلان هدى، أو قال: أهدى فلانا إلى بيت الله، أو قال: هذا الثوب على هدى، أو قال: هذه الدراهم هدى إلى بيت الله، أو قال، هذه الدراهم فى أستار بيت الله فمن قال بشىء من هذا إلى بيت الله أو فى أستار بيت الله فليس بشىء، إلا أن يقول: علىّ هدى، وأنا أهديه.
فإذا قال ذلك، لزمه ذلك، أن يهدى ذلك بعينه، أو قيمته، إن كان له قيمة.
ومن قال لحر أو حرة، هو علىّ هدى، أو قال: أنا أهديك؛ فعليه أن يهدى بدنة أو يعتق رقبة.
فإن قال لعبد لا يملكه، هو على هدى، أو هو يهديه، فعليه أن يهدى بدنة، ولا عتق عليه.
فإن قال لغلامه، هو يهديه، أو عليه هدى أهديه، أو أهدى قيمته، فلا شىء عليه.
وقال محبوب_رحمه الله_ ما كان من الهدى يبلغ ثمنه بدنة، يجزئه بدنة، أو بقرة، أو شاة، وما كان لا يبلغ ثمن شاة، فإن طيب الكعبة به فجائز، وإن تصدق به على فقراء مكة فجائز.
قال غيره_
ومن قال: غلامه هدى، فليهده، ليخدم البيت، أو ثمنه بدنا. والبدن أحب إلىّ. /390/ (3/390)
صفحة 1288
رجع_
وللمحرم أن يصيب لبن هديه، وظهرها قبل أن يقلدها، بلا أن يجهدها، ولا يضر بولدها، وولدها تبع لها.
وقال بعض: إن كان غنيا تصدق بألبانها، ومن ذبح نسكه، ثم سرق قبل أن يموت، فقد أجزأت عنه.
وقال من قال: إذا ذبحها الذبح الذى لا تحي منه، ثم سرقت قبل أن تموت فقد أجزأت عنه.
وقال من قال: إذا سرقت قبل أن تموت، لم تجزئ عنه. وذلك أحب إلىّ.
وإن سقط شىء من وبر الهدى وشعرها، انتفع به صاحبها، قبل أن يقلدها وليس له أن ينزعه منها.
ومن أيسر فى صومه الثلاثة فعليه الهدى، وقيل أيضا إن وجد فى أيام منى فعليه أن يذبح، ولا يتصدق الرجل من جزاء الصيد على أحد يعوله، ولا على فقراء أهل الذمة.
وقيل إن لم يقدر على حنطة، وقدر على تمر، أو شعير، أطعم من كل ذلك، لكل مسكين صاعا.
وإن أطعم، ثم بقى عليه بعض المساكين، وعجز عن ذلك، صام بقدر ما بقى لكل مسكين يوما. /391/ (3/391)
صفحة 1289
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب، حين بعث معه بالهدى: لا تعط فى حرزها منها شيئا.
ومن ظلت له بدنة اشتراها للنحر، وقد قلدها، ثم اشترى أخرى ووجد الأولى، قيل ينحرهما جميعا.
وقال من قال: ينحر الأولى. وقال من قال من لم يطعم من ضحيته أحدا من الفقراء لم تجزئ عنه.
وقال بعض أهل العلم إنها تجزئ عنه، وقد أساء إذا لم يطعم الفقراء منها شيئًا.
وقال من قال فى نفر عشرة اشتركوا فى هدى. فقبل أن يبلغ الميقات قلده أحدهم؛ قال: على قول من يقول من قلده فقد أحرم، فلزم الإحرام من قلد، ولا يلزم شركاءه، إذا لم يأمروه.
ومن لا يرى ذلك، لا يراه محرما حتى يحرم.
وكان ابن عباس يقول المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء. ومنى من مكة.
وقيل: إن النبى صلى الله عليه وسلم، ساق هديه فى حجه وعرف به. وقال من قال: من كان معه هدى، فمحله محل هديه.
وكان ابن عمر لا يبالى من أى الشقين أشعرها، وكان إذا أشعر، قال باسم الله، والله أكبر موجهين إلى القبلة. /392/ (3/392)
صفحة 1290
وقيل: البقرة تقلد وتشعر.
وكان ابن عمر ينحر بدنة لئلا يؤذى أحدا بدمها.
قال ابن عباس: ينحرون قياما، وقال أبو الشعثاء، ينحر صواف.
وقال عطاء: كان من مضى يذبحون البدنة، بعد أن تنحر، وبلغنى أن المنحر كان فى الشق الأيمن، وقال جابر بن عبد الله: كنا لا نأكل من البدن، إلا ثلاثا بمنى، حتى رخص لنا النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا.
وقال: مضمون هدى المتعة، وجزاء الصيد، والنذور، والمحصور_ ولا يرون الوصية مضمونة والقانع الطامع، والمعتر الذى يعتريك ويريك وجهه. وقال آخرون: هو السائل.
وقال: مجاهد: المعتر الذى يعتريك ببدنة، من غنى أو فقير. والبائس هو الباسط يده، وتحرر من الهدى البدنة التى تلقح.
ومن قلد هدى غيره، فلا يجزئه ذلك، ولا يجوز.
ومن ساق معه هديا، ولم يفرضها، ولم يقلدها، غير أنه قد جعلها فى نفسه هدى متعة؛ فقيل: له أن يبدلها، أو يعود فيها، ما لم يتكلم بفرضها كلاما، أو يعلمها علامة الحج، وذلك مثل الذى أعتق غلامه، وطلق امرأته فى نفسه، فلا يلزمه.
وقال من قال فى رجل ساق معه هديا، قد فرض أنه متعة، أو قلده، فقدم فى شوال، أو فى ذى القعدة، فإنه لا يزال حراما حتى يوم النحر، ثم رجع فقال: ينحره ما لم يقدم فى العشر. /393/ (3/393)
صفحة 1291
وقال القول الأول أحب إلينا.
وقيل عن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أحلوا، إلا من كان معه هدى، فمحله محل هديه، وإن ساق معتمر هديا، وهو لا يريد أن يمكث حتى الحج، فإنه لا يحبسه هديه، إذا قضى عمرته فينحر وينصرف إلى أهله.
وقال ابن عمر، ما أنفق الناس نفقة أعظم أجرا _ ويوجد جزاء_من دم مسفوح، فى هذا اليوم.
وقال أبو المؤثر: رفع إلى فى الحديث أن أبا بردة دخل عليه أصحابه يوم النحر، قبل أن يصلى النبى صلى الله عليه وسلم، صلاة النحر فذبح لهم ضحية فقال يا رسول الله إنى لا أقدر على شىء إلا على عناق. فقال له أذبحها ولا أجيزها لغيرك.
فإن قال قائلون: أيجوز للنبى صلى الله عليه وسلم، أن يجيز لبعض شيئا، ولا يجيزه لبعض؟ قيل له: إن الله تبارك وتعالى قال: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، والله ورسوله أعلم. لعل العناق الذى أذن له رسول الله فيها كانت جذعة سمينة، قارحة، جيدة، فقد قال بعض الفقهاء إن الجذع من المعز، إذا كان سمينا، قارحا، جذلا، جاز فى الضحية.
وقال بعض: لا يجوز الجذع حتى يثنى.
وأما ما ورد عن النبى صلى الله عليه وسم أنه قال صلى الله عليه وسلم: لا أجيزه لغيرك فالله أعلم. صحيح هذا أم لا؟ قد رووه وحدثوا به. /394/ (3/394)
صفحة 1292
وأما إجازة الجذعة، فلا أعلمهم اختلفوا فى ذلك. ولعلها كانت على ما وصفنا: كانت سمينة، قارحة، جذلة.
وجلد ضحية المتمتع يبيعه، ويتصدق بثمنه، وإن باع شحمها فعليه أن يتصدق به. وإن لم يطعم ضحيته أحدا من الفقراء، فلا تجزئ عنه، ليأكل ثلثا ويهدى ثلثا، ويطعم الفقراء ثلثا. وأفتى بعد هذا، أنها تجزئ عنه. وقد أساء إذا لم يطعم الفقراء منها شيئا.
فإن قضى من لا يدرى أنه فقير، أم غنى، إلا أنه فى هيئة الفقراء من الناس فطلب إليه أن يطعمه منها، فليطعه.
والمتمتع إذا اشترى ضحيته، وسمى بها، فسرقت قبل أن يذبحها، لم تجزئ عنه. وعليه بدلها. وكذلك إن كان عليه دم، فعليه بدله.
فإن ذبحها، ثم سرقت بعد أن ماتت، فقد أجزأت عنه، وإن سرقت قبل أن تموت. فإذا كان قد قطع الأوداج، ويعلم أن مثلها لا يحيا؛ فارجوا أن تجزئ عنه إن شاء الله.
وإن وجدها مع السارق، فله أكلها، ولا بأس به.
وهدى المتعة لا يجزئ حتى ينحر يوم النحر. وهدى التطوع إذا بلغ الحرم نحر، كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم: نحر الهدى فى الحرم زمان الحديبية. /395/ (3/395)
صفحة 1293
وروى انه بعث بالهدى عند على بن أبى طالب، وقال: إن عطب عليك منها شىء فانحره فى الطريق واضرب صفحته فى دمه، ليعلم أنه هدى، ولا تأكل منه، ولا أحد من رفقتك.
مسألة:
قوله تعالى: {لَنْ يَّنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا}.فكان المشركون إذا نحروا البدن عند زمزم أخذوا دماءها، فنضحوا حول الكعبة، وقالوا: اللهم تقبل منها، فأراد المسلمون فعل ذلك، فنزلت: لن ينال الله لحومها، ولا دماؤها.
يقول: إذا نحرتم لى، فهو التقوى منكم، فهو الذى يرفعه الله {كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} لأمر دينه، وبشر المحسنين، من فعل فى هذه الآية، بشرهم بالجنة.
كان ابن عباس يقول: المنحر بمكة، ولكنها نزلت عن الدماء فصارت منى.
وقيل: الهدايا كلها تنحر بمكة من البدن، ما لم تدخل العشر، فإذا دخلت العشر، فالهدى موقوف حتى ينحر يوم النحر، إلا هدى قد عطب، فإنه ينحر بمكة، أو فى أدنى الحرم، فإنه يجزئ. والله أعلم.
ومن ساق بدنه تطوعا، فأصابها كسر فى الطريق، فإنها تذبح، ويضرب /397/ (3/396)
صفحة 1294
بخفها على عنقها فى دمها على صفحتها اليمنى، ليعلم أهل الطريق أنها ذكى. ولا يأكل هو، ولا رفقته منها.
ومن ساق هديا واجبة، واحتاج إلى ظهرها، ولبنها، وشىء من وبرها، أو شعرها؛ فإن كان ركوبه عليها، وحلبه، وحمله عليها يضرها، فلا يفعل ذلك.
وإن كان لا يضر بها، فلا بأس بذلك. وذلك ما بين، ونيته أن ينحرها.
وأما الوبر والشعر فليس له أن ينزع عنها شيئا منه، ولا يخرجه، إلا أن يسقط شىء من وبرها، فلا بأس إن أخذه، وانتفع به، أو يعطيه من ينتفع به.
وكان جابر بن زيد رحمه الله، يرى من الفدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. الصيام ثلاثة أيام، والطعام لستة مساكين إلى عشرة. والنسك: شاة، والشاة يتصدق بلحمها ولا يأكل منها شيئا؛ وذلك للمحرم يصيبه الأذى فى رأسه، فيحلقه، أو يعممه، أو فى جسده فيتداوى بدواء فيه طيب، أو يدهن بدهن فيه طيب، أو يحلق شيئا من شعره، فكفارة ذلك أحد هذه الخصال التى سمى الله تعالى.
مسألة:
ومن أهدى هديا، فينتج بعضهن فى الطريق، فضلّ بعض أولادهن، أو مات. فليس فيما ضل من أولادها شىء، ولكن إذا نحر البدن، فلينحر معها أولادها؛ ولا ينتفع من ألبانها، إلا ما فضل عن أولادها، إن كان يحتاج إليه، وإن كان غنيا عنه، فلا يذوقه، وليتصدق به على الفقراء. /397/ (3/397)
صفحة 1295
وكان مسلم يقول: أشعر ببدنك حتى يعرفها من لقيها أنها ضلت؛ فلا يأكلها، ولا يركبها إذا أشعرها.
وقيل: ما كان من هدى كفارة، أو جزاء صيد، أو فدية، أو نذر، أو صدقة، فهى للمساكين. فما مات منها، أو ضل، فعلى صاحبها بدله.
فإن عطب فى الطريق، فنحره قبل أن يدخل الحرم، فلا يأكل منه، وليطعم، لأن عليه بدله للفقراء.
وإن نحره فى الحرم قبل أن يبلغ المبيت، فقد أجزأ عنه، فليعطه الفقراء؛ فإن الحرم كله مكة.
وكل هدى من تطوع ضل، أو عطب فى الطريق، قبل أن يصل إلى الحرم، فلينحره، ثم يغمس نعله فى دمه، ثم يضرب به صفحته اليمنى، ليعرف أنه هدى، ولا يأكل هو منه، ولا رقيقه، ولا يأمر بأكله. ولكن يأكل من ياتى من بعدهم، وليس عليه بدله.
وقيل: فإن أكل منه فعليه بدل ذلك.
ومن غيره:_
وأما الضحية، فلا تجوز ضحية إذا نتجت فى العشر، كان نتاجها فى أول العشر، آو آخرها فى بمنى، ولا بغيرها إلا بالهدى ما كان من الهدى فهو يجوز فى الهدى. قلت: ويجوز، لعله، أراد فى هدى المتعة. قال: نعم. /398/ (3/398)
صفحة 1296
رجع إلى الجامع:_
قيل عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: بكل شعرة من الضحايا حسنة. قال ابن عمر: ما أنفق الناس نفقة أعظم أجرا من دم مسفوح فى هذا اليوم، يعنى يوم النحر.
وعن عثمان أنه قال: لا تجوز الضحية قبل ولا بعد، إلا فى يوم النحر بمنى.
فإن وجد ضحيته من بعد النحر فى أيام التشريق، فذلك جائز. وإنما يكون الذبح بعد الصلاة والخطبة يوم النحر، ولا يذبح قبل ذلك.
وأما أهل البادية ونحوهم ممن لا يصلى مع أهل تلك البلاد يوم النحر، فإذا طلعت الشمس، وارتفعت قليلا، وكان نحو ما يصلى الناس فى القرى، صلوا وذبحوا.
ومن غيره:
قلت: فإذا ذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، يجوز له ذلك؟ قال: الضحية لا تجوز، وقد كره بعض الفقهاء، إراقة الدم يوم النحر بعد طلوع الفجر، حتى تنقضى الصلاة، إلا فى الليل.
ويكره الأكل له قبل الصلاة، يوم النحر والذبح. ويؤمر بالأكل والذبح قبل صلاة العيد يوم الفطر، ويستحب له ذلك.
رجع:_
ولا يذبح اليهودى ولا النصرانى نسك المسلم، وصاحب الضحية يأكل منها، ويطعم ما شاء من ذلك. وليس عندنا فيه حد محدود. /399/ (3/399)
صفحة 1297
وكلما أطعم منها المساكين: القانع والمعتر، كان أجره أكثر.
وعن هاشم بن غيلان رحمه الله، فى تيس خصى، ولم يصح خصاه، وليس به مرض، قال: لا تجوز ضحيته.
ومن غيره:_
وقال غيره أيضاً: وعن شاة ذبحت، فاضطربت، فانخرق بطنها، قال: تؤكل، لأنها أوتيت من قبل نفسها.
وعن من ذهبت ضحيته. هل له أن يضحى يوم النحر؟ قال: لا يجوز ذلك إلا بمنى.
وعن من مات، وقد سمى ضحيته. أيذبح عنه؟ فقيل: لا يلزمه ذلك.
وعن من ذهبت ضحيته فى العشر أو غيرها: ماتت، أو باعها. فإن ماتت أو ذهبت، فليس عليه بدلها. وإن باعها، فعليه أن يبدل مكانها، مثلها، أو أفضل منها.
وأما مسح الضحية، فقد فعل ذلك من فعله من المسلمين، ولم يفعله بعضهم. فإن مسحها، وقال ما يؤمر به، فحسن، وإن لم يفعل وذبح، جاز له، إن شاء الله، والله أعلم بما نوى وأراد بها.
ومن غيره:_
والرجل يمسح الضحية ويقول بعد ما يمسحها: باسم الله، وبالله، اللهم تقبل منا، إنك أنت السميع العليم، فإذا وجبت جنوبها،، وجر على حلقها، يقول: باسم الله، /400/ (3/400)
صفحة 1298
منك، وإليك _وفى نسخة لك_ وإذا نزع حيا الشاة كله، فلا يضحى بها، فإن قطع منه شىء، فأمسكت البول، فلا بأس أن يضحى بها، وإن لم تمسك البول، لم يضح بها، وإذا نزع جلد ذكر التيس وبرئ من ذلك، فلا بأس أن يضحى به، والعمشاء، والعرجاء، والمقطوعة طرفها، فلا بأس أن يضحى بها إذا مشت مشيا تبلغ به المرعى.
وإذا سمى الرجل ضحيته فى أيام العشر، ثم بدا له يوم النحر، أن يدعها من غير علة، وضحى بغيرها، فلا بأس إذا ذبح مثلها، أو أفضل منها.
وإذا كان مع الرجل تيس ذكر، فأراد أن يضحى به، فضربه يوم النحر، أو أجراه حتى لهث ليخرج ذفره، ثم ذبحه، فليس عليه أن يضحى مكانه، إلا أنه يكره أن يضربه، أو يجريه أمرا لا يحتمله التيس.
فإذا كان فى عين التيس بياضة، وكان ينظر بتلك العين، نظرا يعتلف به، فلا بأس أن يضحى به.
وإذا كسر القرن، ولم يستأصل، جاز للضحية، ولو لم تلوه الإصبع والحبل.
وإذا قطع ذنب الشاة، فجاوز القطع الربع، لم تجز ضحيته، ولو مثل الأذن إلى الربع.
ومن أراد أن يذبح لعياله ذبيحة اللحم قبل الصلاة، فقد كره ذلك بعض المسلمين، وأجاز ذلك بعضهم، وبه نأخذ. /401/ (3/401)
صفحة 1299
ومن مرضت ضحيته، فليذبحها، ولا يأكل منها شيئا إلا يوم النحر، فإذا أنحر فليأكل.
وسئل عن رجل اشترى ضحية، وسمى بها، فمات الرجل قبل يوم الأضحى، فليذبح عنه.
والمتعلق شعرها من غير جرب، فلا بأس أن يضحى بها.
ومن ذبح أضحيته قبل انقضاء الخطبة يوم الأضحى، فنحب له أن يضحى مكانها غيرها، إن قدر على ذلك يوم الأضحى.
ولا ينبغى لأحد أن يذبح ضحيته يوم الأضحى، حتى تنقضى الخطبة، ولو لم يخرج إلى الصلاة يوم العيد، إلا الأعراب الذين لا يحسنون الصلاة، والمسافرون، فإنهم ينحرون إذا طلعت الشمس.
ومن جز ضحيته يوم النحر، فانجرحت جرحا ليس بشديد فلا بأس، وإن جزها فى العشر فانجرحت جرحا شديدا، ثم صحت قبل يوم النحر، فلا بأس أن يضحى بها. وهذا من غير الجامع.
ومن كتاب لأبى الحسن محمد بن محسن رحمه الله. والمثانة تلقى إذا كانت شاة فى خلقها زيادة فيها ثلاثة ضروع، أو كراع، فلا بأس أن يضحى بها. وإذا كانت خلاء، وليس فيها إلا ضرع واحد، خلقت كذلك، أو انقطع كل ضرعها، فلا يضحى بها.
/402/ (3/402)
صفحة 1300
وإذا كان ضرعها قالصا، فلا يدرى أيخرج منه لبن أم لا، فلا بأس أن يضحى بها.
وإذا علم أنه لا يخرج منه لبن فلا يضحى بها.
فإذا مست الضحية النار يوم النحر، فيكون بها أثر فيها. فإن كان شيئا خفيفا فلا بأس بذلك.
وإذا ضرب الرجل الشاة بالنار، فتحرق منها، وتجرح جرحا شديدا، ثم صحت وبرئت قبل يوم النحر، ثم أراد صاحبها أن يضحى بها، فلا بأس بها.
فإذا أكلت الأضحية العذرة يوم النحر، أو شربت الخمر، أو التيس الذى يشرب بوله، قل من ذلك أو أكثر، فلا يضحى بها ولا يذبح، حتى يأتى ثلاثة أيام.
وعنه قال: البقرة، والجذور عن سبعة مضحين، وإن كان ثمن الشاة أكثر من ثمن الجذور.
وعنه أنه كره أن يضحى بالأبتر، ولم ير بأسا بذبيحة العجم ولو كان زنجيا، إذا كان مسلما، رفع عن حياة الغافرى، قال: سألت أبا الشعثاء قال إنى خرجت إلى السياح فوجدت كبشا قد كسر له قرن، والدم يجرى على وجهه، قال: انطلق فاشتره، وضح به، /403/ (3/403)
صفحة 1301
ربيع عن أبى الرحيل قال: ذبحنا يوما بمكة أضحية نسكا، فاشتركنا فيها. قال لى أبو الشعثاء: بع جلدها.
ربيع عن أبى الوليد، عن أبى الشعثاء، لم ير بأسًا ببيع جلود الأضاحى.
ربيع عن يحي بن أبى مرة أن أبا الشعثاء نهى عن العضاء، المستأصل ذنبها من البقر والإبل، المصرمة أخلافها، والعرجاء. ولم ير بكسر القرن بأسا.
همام: عن أبى يحي، عن عبادة، عن جابر بن زيد، أن عمر قال النون ذكى. والنون هو السمك.
سئل جابر بن زيد عن امرأة لا تخرج إلى المصلى، تذبح ضحيتها قبل أن يصلى الإمام؟ قال: لا بأس أن تذبح أضحيتها. وقال الربيع لا تذبح.
سئل جابر، قال: لا يذبح من يصلى مع الإمام فى المصلى يوم النحر حتى يصلى الإمام.
فصل
فى الحائض والمستحاضة فى أمر الحج
أما المستحاضة التى قد حلت لها الصلاة، فإنها تزور البيت وتطوف، وتركع به، وتسعى بين الصفا والمروة، والصلاة قد جازت لها_ وفى نسختين _ وتخرج مع أصحابها، لأن الصلاة قد جازت لها، وهى أعظم من هذا.
وأما المرأة القارنة، والمتمتعة، إذا حاضت فلم تطهر، فإنها تقيم على إحرامها /404/ (3/404)
صفحة 1302
إلى أن تحرم بالحج، ولا بد له أن تحرم من الميقات فى أول أمرها؛ فإن غسلت فلا بأس، وتفعل كما تفعل المحرمة فى كل شىء، إلا الطواف، فلا تدخل المسجد، ولا تطوف به.
وإن وقفت بباب المسجد، وذكرت الله، ورغبت إليه، فحسن جميل، وتحرم بالحج، وتغسل إن شاءت، وتخرج إلى منى، وتقف بعرفة، والمزدلفة، وترمى الجمار، وتقصر، وتفعل ما يفعل الحاج، حتى تحل مثله، إلا الطواف للزيارة والسعى.
فإذا طهرت طافت طوافا واحدا لحجها وعمرتها، وقد أجزأ ذلك عنها، ولا بد لها من ذلك الطواف، متى طهرت.
وأما إذا أحلت، فلا تخرج إلى بلدها حتى تطوف أيضا طواف الوداع، وتركع فى الحرم.
والحائض على إحرامها، لا تحل، حتى تطوف الطواف الواجب عليها، إذا طهرت.
وقيل فى امرأة طهرت من الحيض، وهى محرمة: أتغسل رأسها بخطمى؟ إن الماء حبسها.
والمرأة إذا نفر أصحابها، فليس عليها دم، إن نفرت، ولم تطف للصدر. /405/ (3/405)
صفحة 1303
والذى عندنا أن من ترك طواف الصدر، فعليه دم يبعث به إلى مكة.
وقيل فى امرأة تطوف للوداع، ثم تحيض قبل أن تركع. قال: تخرج إلى بلدها، ولا شىء عليها فى ذلك.
وإذا ولدت امرأة، فوصف لها دواء لئلا ترى دما، فعالجته، فلم تر دما، فزارت، ونفرت، ثم راجعها الدم فى وقتها، أو وقت أمهاتها، فعليها أن ترجع فتزور البيت.
فإن لا مسها زوجها قبل أن تزور _لعله_ فعليها الحج من قابل.
وفى المرأة تطوف للزيارة. ثم تحيض قبل أن تركع. قال: فترجع إلى منى، فإن لم تطهر_ وفى نسخة ولم تطهر_ حتى نفر الناس، قال: لا تخرج حتى تطهر، ثم تركع، وتسعى بين الصفا والمروة.
والحبلى، إذا رأت الدم، تصنع كما تصنع المستحاضة.
وقال مسلم: إذا حاضت بعد الطوافين بالبيت قعدت حتى تطهر، ثم تبنى على ما طافت.
وإن كان ذلك فى وداعها البيت؛ فلا تنفر، حتى تتم ما بقى عليها من الطواف.
وامرأة قدمت بعمرة، فطافت، ثم حاضت قبل أن تركع قال عطاء: تسعى بين الصفا والمروة وتخرج إلى مصرها؛ فإذا طهرت صلت الركعتين.
وقال الربيع: يستحب أن تركع فى الحرم؛ فإن لم تقدر على ذلك فلتركع حيث طهرت، وتر يق (؟؟؟) دما. والله أعلم. /406/ (3/406)
صفحة 1304
فصل
وقال الله تعالى: {فَإِنُ احْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}، وذلك المحرم الذى يعرض له المرض، أو الخوف، فلا يقدر أن يمضى. فإذا كان أحرم بعمرة، ذهب حيث شاء وهو على إحرامه، ويرسل الهدى إلى مكة، ويعاهد الذى عنده، أن ينحر عنه فى ساعة معروفة من يوم؛ فإذا انقضى ذلك قصر هو، أو حلق، وأحل هو من حيث ما كان، إلا النساء والصيد، حتى يقضى عمرة مكانها.
فإن أحرم بالحج، أو بالحج والعمرة قارنا، ثم أحصر، ذهب حيث أراد، وهو على إحرامه.
فإن أفرد بالحج، بعث هديا واحدا، وإن قرن فقد قال من قال: هديين.
وقال غيره: هديا، وبه نأخذ. ويؤمر هذا الذى معه أن ينحره يوم النحر بمنى.
فإذا انقضى الوقت الذى عاهده إليه، أحل، إلا النساء، والصيد. وعليه الحج أو العمرة، إن كان قرن.
وإن أصابه مرض، وبدا له فرجع قبل أن يحرم، فليس عليه شىء.
وقال من قال أيضا: إن المحصور عن الحج إذا نحر عنه يوم النحر، فليمسك عن الحلق يوما أو يومين، ثم يحلق. وإن أحصر حاج ومعه هدى، قد /407/ (3/407)
صفحة 1305
قلده؛ فإنه لا يجزئ عنه، ولينحر آخر معه، لأن الأول كان وجب لله. ويجب عليه للإحصار آخر.
قلت: فإن بعث المحصور هديه، فهلك، ولم يعلم، ثم حلق هو للموعد. قال: هو يبعث بهدى غيره.
والذى لا يجد من يهدى معه الهدى فليصم، فإنه بمنزلة من لم يجد وإن كان غنيا، ويهدى بعد ذلك ما شاء.
وقال الحسن لا يصوم المتمتع الأيام الثلاثة إلا فى العشر ما بينه وبين عرفة متوالية.
وقال مجاهد وعطاء وطاوس، يصومهن إن شاء فى شوال، وإن شاء فى القعدة، وإن شاء فى العشر.
وكان عطاء يقول: لا يصوم المتمتع الأيام الستة إلا فى أهله، وإن طال سفره ومقامه.
وقال الحسن يصومهن إن شاء فى الطريق، وإن أقام بمكة صامهن، إن أراد المقام بمكة.
وقيل: وجبت الفدية البدنة على الذى فاته الحج، وأجزأت الشاة عن المحصور، لأنه معذور. /408/ (3/408)
صفحة 1306
والذى فاته الحج بتضييع منه فليس بمعذور.
قال وأما إبراهيم فقال: تجزئ عنه شاة، ويحج من قابل.
وعن ابن عباس رحمه الله فى المحصور الذى يحبسه عن حجه أو عمرته، كبر، أو مرض، أو عدو فما استيسر من الهدى.
يقول: يقيم على إحرامه فى مكانه، وليبعث به إلى مكة ما استيسر من بعير، أو بقرة، أو شاة، أو ثمن الهدى، فيشرى بمكة، وليقم على إحرامه، ولا يحلق رأسه، وليتق كل شىء يتقيه المحرم، حتى يبلغ الهدى محله، يعنى منحره بمكة.
فإن كان محرما بحج. فإذا كان يوم النحر، نحر عنه الهدى بمكة، ويحل المحصر مكانه من إحرامه ويحج من قابل. وهو بمنزلة أهل منى، لا يقرب النساء، ولا الصيد.
وإن كان محرما بعمرة جعل بينه وبين الذى يبعث معه الهدى أجلا مسمى، فإن بلغ الهدى مكة نحره المبعوث معه فى الحرم، يوم يقدم، ويحل المحصر من إحرامه مكانه.
وقال غيره: هو أيضا بمنزلة أهل مكة؛ وإن لم يجد المحصر الهدى، ولا ثمنه ولا من يبعث معه، يصوم ثلاثة أيام متتابعات. فى عشر الأضحى، وإن شاء قبل العشر مكانه، ثم يحل من إحرامه، وسبعة أيام بعد التشريق، وهو بمنزلة أهل منى، وعليه الهدى، والحج من قابل. /409/ (3/409)
صفحة 1307
فصل
فى الحج عن الغير
ومن وجب عليه الحج، وقد تعلقته علة، لا يقدر على الخروج، أو شيخ كبير، لا يرجى فى مثله الخروج، فإنهما يحج عنهما، وهما فى الحياة.
الحجة فى ذلك، أن امرأة يمنية وصلت إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير، لا يقدر على الحج، وقد وجب عليه فرض الحج. أفأحج عنه؟ قال: نعم.
مسألة:
ومن أجّل الحج بعد لزومه له، حتى زمن، جاز أن يخرج عن نفسه، للخبر المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم، بالخثعمية.
والمريض جائز له أن يعطى ماله رجلا يحج عنه. وإن كان له ولد، أو قريب، فهو بذلك أحق.
وإن لم يكن له نسيب فيه خير، أعطى رجلا آخر. وإن عوفى من مرضه، فليحج هو، ولا يجوز إلا أن يصير لا يصح، ولا يتمسك على الراحلة إذا حمل. فعلى بعض القول، جائز. ولم يجزه آخرون.
ومن مرض مرضا لا يبرأ منه، أو كبير، لا يقدر على الحج، ولا يستمسك على الراحلة فإنه يعطى من يحج عنه، وروى عن الخثعمية. /410/ (3/410)
صفحة 1308
مسألة:
ولم يختلف الفقهاء فى أن صدقة الحى عن الميت جائزة. وللمتصدقين عنه الأجر، إن شاء الله.
وعن النبى صلى الله عليه وسلم، أنه أمر سعد بن عبادة، أن يتصدق عن أمه، فتصدق عنها بحائط.
ومن مات وعليه حج استؤجر عنه من ماله من يحج عنه من الميقات، مجمع عليه، ومتنازع فيه من موضع وفاته.
وإذا خرج رجل من عمان ممن يجب عليه الحج، بحجة لغيره، فلما قضاها أقام بمكة، واتخذها دارا فيجزئه أن يحج من مكة للفريضة إن شاء الله.
مسألة:
ومن خرج بحجة عن رجل ميت، فلم يشترطوا عليه شيئا، وهو فقير، فأذهب دراهم الحجة، وضعف عنه شراء الذبيحة، وصام الأيام التى تصام، وحلق، ولم يذبح، فحجته تامة، وعليه شاة يذبحها عن صاحبه بمنى، وشاة أخرى لمتعته.
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن الله يدخل بالحجة الواحدة الجنة ثلاثة: الحاج والمحجوج عنه والمنفذ ذلك عن الميت، إذا كانوا مسلمين، إذا أوصى.
والناس فى ذلك مختلفون فى ذلك. قال قوم: كما جاء الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم، وقال قوم الحجة، للحاج، وللموصى عوض الدراهم.
وقال آخرون: الحجة للموصى، وللحاج الأجرة التى أخذها بعنائه. /411/ (3/411)
صفحة 1309
ولعل حديث النبى صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى من حج متطوعا عن غيره؛ ولكن الأصل أنه قال، والمنفذ ذلك. ولا نفاذ إلا ما أوصى به الميت.
وهذا القول أنه يدخلهم الجنة إذا كانوا مسلمين أحب إلىّ، ولو حج بأجرة.
ولا تحج المرأة عن الرجل، وجائز عن المرأة، ويجوز أن تحج امرأتان عن رجل، ويجوز أن تحج المرأة عن الرجل فى المشى إذا حلف بالمشى إلى بيت الله الحرام فى شىء حنث فيه.
ولا يجوز أن يحج العبد عن حر مسلم، إلا أن لا يقدر على حر مسلم، فإن لم يقدر عليه، حج المملوك عن الحر بإذن مولاه، وهو جائز.
وقال أبو المؤثر: لا يحج العبد عن سيده، ولا عن غيره، من ذكر وأنثى. والمرأة أحب إلىّ من العبد إذا وجدت.
ولو حج عن حر بإذن مولاه، لم أر عليه إعادة، ولو كانوا يجدون الحر للمسلم.
قال غيره:
إنما يجوز حج المرأة عن الرجل فى كفارة الأيمان، كذلك قال محمد بن محبوب رحمه الله.
وإن حج رجل عن ميت، والحج واجب عليه، ولم يحج قط، لم يجز عن الميت، ولهم أخذ الحجة من ماله، ودفعها إلى من يحج بها عن الميت. /412/ (3/412)
صفحة 1310
مسألة:
ومن حج عن ميت أوصى بحجة، فالحجة والعمرة جميعا عن الميت، إلا أن يشترطوا على من أعطاه أن له العمرة، وإنما يحج عن صاحبها حجا.
ومن حج عن رجل، فنسى اسم الميت عند إحرامه؛ فإن الفقهاء كانوا يأمرون أن يذكر اسمه عند إحرامه، حين يحرم، فإن لم يذكر من أجل النسيان، فلا بأس، وليدع له ففى المشاهد كلها. والله أولى بالعذر.
رجع: وهذا من غير الجامع من جواب الأزهر بن محمد بن جعفر.
وعن رجل علم عبيده أبواب المناسك، ويأخذ لهم الحج من الناس، ويحج هو وعبيده؛ فلا ينبغى ذلك، ولا يحج العبد عن رجل حر، ولا امرأة.
وقد رأيت فى بعض الآثار أنه لم يوجد حر يحج، اكتفى بالعبد، فلا أدرى صحيح ذلك، أو غير صحيح.
وعن الذى يخرج بحجة عن ميت برأى وصية، ويجىء ويقول: إنه قد أدى الحجة على ما لم يلزم فيها، ويطلب أن يأخذ الذى بقى منها؛: قلت: يقبل قوله، أم عليه الصحة بذلك؟
فاعلم أن هذه المسالة معروفة فى الآثار عن العلماء: أن قوله مقبول، ولا يؤخذ بالصحة؛ حتى يشترط عليه الذى أعطاه الحجة، أن يحضر شاهدين بأداء الحجة، فإذا اشترط عليه الصحة، كان عليه. /412/ (3/413)
صفحة 1311
وكذلك قيل: فى كل أجير_ نسخة أن كل أجير _ أرسل فى شىء بكراء أن قوله مقبول.
وقلت: إن أحضر شاهدين: واحدًا عدلا، وآخر من أهل الخلاف فى الرأى. فأهل الخلاف فى الرأى، إذا كانوا عدولا فى دينهم، جازت شهادتهم، ولا تثبت ولايتهم، إنما تجوز شهادتهم فى الحقوق، وفيما لا يكفر.
ومن غيره:
وسألته عن رجل: هل له أن يحج عن غيره، إذا لم يجب عليه الحج؟ قال: قد قيل ذلك عندى فى بعض أقوال أصحابنا.
وقال من قال: لا يجوز، ولا تقع الحجة لغيره، إلا بعد الأداء لما عليه من الحجة؛ لأنه قد استطاع فى وقته، والقول الأول أحب إلىّ، لأنه لا يجب عليه الحج فى وقت محدود.
قلت له: فعلى القول الآخر، إن بدأ فحج لنفسه، هل له أن يجاوز، حتى يحج لصاحب الحجة؟ قال: معى أنه قد قيل إن له ذلك.
وقال من قال: لا يجوز ذلك. وهذا أحب إلىّ حتى يرجع إلى البلد الذى أخذ منه الحجة، وهو بلد الموصى، لأنه إنما حج بمال غيره.
قلت له: فعلى قول من يجيز له ذلك أن يجاوز، هل يجزئ ذلك لصاحب الحجة؟ /414/ (3/414)
صفحة 1312
قال: معى أنه إذا جاز له أن يحج عنه من هنالك فلا يجوز له إلا وهو يجزئ عن الهالك.
وسألته عن رجل أخذ حجة لقوم يحج بها، وقعد حتى حال الحول، وحج عن نفسه، ونواها عن حجة الفريضة. هل يجزئه ذلك عن حجته الفريضة إذا أيسر بعد ذلك من بلده؟ قال معى إنه إذا أيسر الحج، وقدر عليه بالاستطاعة، ولم يكن قبل ذلك وجب عليه، ففرط فيه من موضع غير هذا، فهذا عندى بدء الاستطاعة، وقد أدى فريضة الحج بالاستطاعة.
قلت له: أرأيت إن لبث بمكة إلى الحول، وقدر على الحج بغير ضرر عليه فى قوته من بدنه، فى وقت حضور الحج، فلم يحج، وخرج إلى بلده. هل يكون الحج قد تعلق عليه بتلك الاستطاعة وعليه الوصية به من بلده إذا حضره الموت؟.
قال: معى إنه إذا استطاع الحج فى وقته، ففرط، صار عليه دينا، وعليه الوصية، به. وهو عندى كمن لزمه الحج فى وطنه حيث كان. ولا فرق عندى فى مسافر، ولا مقيم.
وسألته عمن لزمه الحج، فمرض مرضا، لا ترجى معه صحته، ووقف عليه أهل المعرفة بتلك العلة، فقالوا إن هذه علة لا ترجى صحتها، فأخرج من حج عنه، ثم إنه حج وأطاق الحج. وهل يجزئه ذلك؟
قال: قد اختلف فى ذلك: /415/ (3/415)
صفحة 1313
منهم من قال: إذا مرض مرضا لا ترجى عافيته، ولا القيام منه، جاز له أن يخرج حجة فى حياته، ومنهم من قال لا يجزئه ذلك حتى يموت، وأن لم ترج صحته.
قلت له: فعلى قول من يقول إنه يجزئه ذلك فى الحياة، إذا أخرجها فى حال ما يجوز له إخراجها، ثم صح. هل يجزئه ذلك؟ قال: أرجوا أنه يجزئه ذلك على هذا القول.
وأما أنا فأحب أن لا يجزئه ذلك
قلت له: هل له أن يجعل ذلك عن حجة قد كانت لزمته من قبل والده،، أو غير ذلك من الحج؟ فلم ير ذلك يجزئ عن ذلك.
وقال: أرجوا ألا يضيع الله ذلك.
وقال موسى فى رجل أجر نفسه إلى مكة لأحد، فإن ترك من أجره شيئا اجتزأ بحجه إن شاء الله.
وإن حج، فما أحب إلىّ.
فصل
فى زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم
وإذا أردت زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم، فإذا قدمت المدينة، فاغتسل إن قدرت وأتِ المسجد، فإذا دخلته، فاذكر الله، وابدأ بقبر النبى صلى الله عليه وسلم، فسلم على النبى عليه السلام، ويكون مقامك عند زاوية القبر، وأنت مستقبل القبلة، فالزق /416/ (3/416)
صفحة 1314
منكبيك الأيسر بالأسطوانة التى عند رأس النبى صلى الله عليه وسلم، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك محمد بن عبد الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت فى سبيل ربك، وصدعت بأمر الله، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، وأديت الذى عليك من الحق، فجزاك الله خير الجزاء.
ثم تثنى على ربك ما استطعت، واجتهد فى الثناء على الله، ثم قل: اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، ومحبك وصفيك، وأمينك، وخيرتك من خلقك، كأفضل وأكمل وأحسن وأجمل ما صليت على أحد من أنبيائك ورسلك، وأصفيائك، وأهل الكرامة عليك، إنك حميد مجيد، وسلم على محمد، وعلى آل محمد، كما سلمت على نوح فى العالمين.
وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
واجتهد فى الصلاة على محمد، ثم تخير لنفسك من الدعاء، والمسألة، وسل الله كل حاجة هى لك. وقل: اللهم كل حاجة لى سألتكها، أو لم أسألكها، علمتها أنت ولم أعلمها، فأسالك بحق محمد نبيك، الطيب، وقبره الطيب المبارك، أن تتولى نجاح جميع حوائجى كلها، صغيرها وكبيرها.
ثم تقدم إلى مقام النبى صلى الله عليه وسلم، فصل ما فتح الله لك، وهو خلف الاسطوانة /417/ (3/417)
صفحة 1315
المخلقة، التى هى أكبرهن خلقا، فاجعلها بين يديك، وقم قدام التى تليها من خلفها، تكن بين كعبيك، يكون مجلسك حين تسجد فى الصلاة، وليكن أسفلها بين كتفيك، ويكون منكبك الأيسر خارجا منها مما يلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذا فرغت من صلاتك فى مقام الرسول عليه السلام، فقم إلى المنبر، فالزق منكبيك الأيمن بالمنبر، واستقبل القبلة، وخذ الرمانة الداخلة بيدك اليمنى، ثم تثنى على ربك.
واجتهد وصل على محمد صلى الله عليه وسلم، واجتهد واسأل الله فى حاجتك.
فإذا أردت أن تخرج من المسجد، فعد إلى القبر، فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم، واجتهد واسأل الله.
وقيل: إن وافقت بالمدينة ثلاثة أيام: الأربعاء، والخميس، والجمعة، فصمهن إن شئت وصل صلواتك كل يوم عند الإسطوانات، وهن ثلاث: أولهن الإسطوانة المخلقة التى بينها وبين القبر إسطوانة، واليوم الثانى: التى تليها مما يلى القبر: واليوم الثالث: خلف الإسطوانة التى خلف المقام، مقام النبى صلى الله عليه وسلم.
وأكثر من الصلاة فى مسجد رسول الله ما استطعت. فإذا أردت أن تخرج من المدينة، فاغتسل إن أمكنك، ثم ائت القبر، قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهد وسلم على أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، واصنع كما صنعت حين دخلت، ويكون ذلك آخر خروجك إن استطعت وإلا كما يسر الله لك وشاء.
وقيل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: من زارنى ميتا، كمن زارنى حيا. /418/ (3/418)
صفحة 1316
وقيل: الصلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم تعدل ألف صلاة فى غيره، إلا المسجد الحرام، والصلاة فى المسجد الحرام تعدل مائة صلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
تم بعون الله ونصره
وقال محمد بن جعفر كل ما فى هذا الكتاب، منه ما رأيته، ومنه ما استحسنته من رأى أصحابنا وغيرهم، فكتبته، وقد أعجبنى كل ما فيه.
وصلى الله على محمد النبى وآله، وسلم تسليما كثيراً
* ... * ... *
من غير الكتاب والزيادة:
إذا أتيت المدينة وقابلت البنيان تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
{مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ} الآية.
فإذا دخلت سكك المدينة، تلوت: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} الآية.
فإذا دخلت البلد توضأت وضوء الصلاة، ومررت قاصدا نحو المسجد. فإذا وقفت على باب المسجد أعلنت تلاوة هذه الآيات، وأنت قاصد إلى القبر، ويكون وجهك تلقاء القبر، لا تستقبل شيئا غير ذلك، من تسليم على أحد. /419/ (3/419)
صفحة 1317
فإذا انتهيت إلى القبر، تلقاء وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت مقبل إليه ومدبر بالقبلة، فابدأ واستلم الركن وقبله، ثم تتأخر قليلا وتشير بيدك اليمنى، وأنت تقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، السلام عليك يا نبى ولى الله، السلام عليك يا صفى الله، السلام عليك يا أمين الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته.
إنا أشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، وأنك قد بلغت عن الله الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت لأمتك، وجاهدت فى سبيل ربك، وعبدت ربك حتى أتاك اليقين، صلى الله عليك حيا، وميتا. فجزاك الله عنا أفضل ما جزى نبينا عن أمته.
ثم تتقدم فتجعل وجهك مع الحائط، تلقاء وجهه، ثم تقول: يا رسول الله أنا فلان ابن فلان من أرض كذا وكذا، ومن بلد كذا وكذا، أتيتك زائرا، ومسلما، ومستشفعا بك إلى ربك، أن يحط أوزارى، ويغفر ذنوبى، ويستر عورتى، ويعصمنى فى بقية عمرى، وألا يكلنى إلى نفسى، ولا إلى أحد من خلقه، طرفة عين، ولا أقل من ذلك، ولا أكثر.
فكن شفيعى صلى الله عليك وسلم تسليما.
ثم تتأخر عن يمينك قليلا مما يلى المشرق، ثم تقول: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، عليك وعلى وزيريك، وناصريك، وصاحبيك، ومشيريك ومؤنسيك، وضجيعيك. /420/ (3/420)
صفحة 1318
فإذا أردت أن تخرج من المدينة، فاغتسل إن أمكنك، ثم ائت القبر، فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم، واصنع كما صنعت حين دخلت.
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: من زارنى بعد وفاتى فكأنما زارنى فى حياتى.
وقال صلى الله عليه وسلم: من حج، ولم يزرنى فقد جفانى.
وقال صلى الله عليه وسلم: من زار قبرى، وجبت له شفاعتى.
صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. /421/
* ... * ... * (3/421)
صفحة 1319
الباب الثانى والعشرون
فى الأيمان والكفارات، وأيمان الجبابرة، وأحكام ذلك
وقال الله عز وجل: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمُ}. فعن الله جل وعلا، فلا يحلفن أحد باسمه كاذبا، ولا غنيا. وقيل إن تفسير قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم: أن من حلف على شىء مما له فى فعله الثواب عند الله، فليحنث، وليتقرب إلى الله بفعل. ولا يعتل باليمين عن فعل ما ينبغى له من البر والتقوى.
وقال الله: {لاَ يُوَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُّوَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الاَيْمَانَ}.
وقيل ذلك فى قول الرجل: لا والله، وبلى والله فى كلامه، ولا يعتقد بذلك فى قوله على يمين.
ومن غيره:
وكذلك يوجد من حلف وهو يرى أنه صادق، فإذا هو كاذب، وكان قد نسى ذلك الذى ذكر وقد حلف عليه، فلا يكون بذلك كافرا.
وقد اختلف فى كفارة اليمين عليه: فقال من قال عليه الكفارة، وقال من قال: لا كفارة عليه. /422/ (3/422)
صفحة 1320
رجع:
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. ثم قال الله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنَ اَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ أَوْ كِسْوَتُهُمُ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فهو المخير فى هذا كله جميعا {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ}.
فإذا حلف بالله، ثم حنث، فليحفظ يمينه، حتى يكفرها، فهذه كفارة اليمين المرسلة.
وقال من قال من الفقهاء: إن هذه الكفارة، إنما هى فى اليمين التى يحرم بها الرجل زوجته على نفسه خاصة، ليس فى غيرها من الأيمان.
وما بقى من الأيمان المرسلة، التى هى يحلف بها بالله عز وجل، فكفارة ذلك إطعام عشرة مساكين، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم.
فإذا حلف الرجل بالله، ثم حنث، فليحفظ يمينه حتى يكفرها.
واليمين المغلظ مع المسلمين، أن يحلف بالله على حق عليه، وهو يعلم أنه كاذب، فيقطع الحق بيمينه، أو يحلف بعهد الله كاذبا، أو بشىء من الشرك بالله، أو ملل أهل الكفر وما يوجب لأهله النار؛ فإذا حنث فى ذلك فعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. وهو مخير فى ذلك، يكفر /423/ (3/423)
صفحة 1321
بما أراد، إلا فى الظهار فإنه غير مخير، وعليه أن يبدأ بالأول فالأول.
وكذلك الأيمان المرسلة.
قيل: من وجد الإطعام أطعم، ولا يصوم. وإنما الإطعام على المستغنى الذى قيل يصيب من ماله ما يغنيه، ويغنى عياله إلى الحول.
وقال من قال: ويفضل عنده بعد ذلك. وقال من قال: وحد الفضل خمسة عشر درهما. ويوجد أو قيمتها من الطعام. فهذا عندهم فى حد الغنى.
وليس يأخذ من الصدقة ويكفر فى الأيمان المرسلة بالإطعام. ومن لم يكن كذلك فهو فى حد الفقر، وله أن يأخذ من الصدقة إذا كان من أهلها، ويكفر أيمانه بالصيام إذا أراد ذلك.
والإطعام أن يطعم كل مسكين قد أخذ حوزته من الطعام أكلتين: غداء وعشاء، أو عشاء وغداء، أو أكلة بعد أكلة، ولو كانتا متفرقتين، ويطعمهم حتى يشبعوا، من طعام أهل هذا المكان، فإذا قالوا إنهم قد شبعوا، فقد اكتفى بذلك، وأحب أن يسألهم، حتى يقولوا إنهم قد شبعوا.
وإن أعطاهم الحب، فيعطى كل مسكين نصف صاع مكوك بر، ومن الذرة: أربعة أسداس ونصف، والشعير مثل الذرة.
ولا يعطى إلا البالغ، أو يعطى من يكفل الصغار. /424/ (3/424)
صفحة 1322
وعن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال فى الشعير هو مثل البر، لكل مسكين نصف مكوك.
ومن أخذ بذلك الرأى فلا بأس.
ومن أعطى من الحب لصبى مسكين، لا يأخذ حوزته من الطعام، أخذ له ذلك من يطعمه إياه حتى يستفرغه، أو يكون فى مؤنته.
وإن كان فى البيت امرأة أو رجل له عيال فقراء، فلهم أن يعطوا كلهم، لكل واحد مما يعطى كل مسكين من كفارة اليمين.
قلت: من عليه إطعام مساكين، يطعم خبزا وتمرا وشجرا، أو خلا، أو مليحا؟
قال: الواجب عليه الخبز والخلا، وهو الأدم، وإن كان قوم غذاؤهم التمر أطعم تمرا وحده، وأجزأ عنه، وعليه الأدم وإن كانت أيمان عدة، جاز له أن يعطى كل مسكين، ما يعطى من كل يمين.
ومن صام لكفارة، أو نذرا شهرا، أو نحو ذلك، فلا يكون الصيام إلا متتابعا.
ومن أراد أن يطعم، فحيث أراد من فقراء البلاد.
وقال من قال: لا يذهب يطلب رخص السعر. ولست أرى عليه فى ذلك بأسا. /425/ (3/425)
صفحة 1323
ولكل من حلف بغير الظهار أن يكفر قبل أن يحنث، وبعد أن يحنث.
وقيل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر رحمه الله: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت؛ فإنه أحب إلى الله ألا يحلف إلا بالله، وإن حلفتم بالله فاصدقوا.
وقيل: كان الفقهاء يكرهون أن يقول الرجل: بحياة فلان.
وقيل: عن ابن عباس رحمه الله، أنه مر برجل يحلف بالكعبة فقال: لئن أحلف بالله فأحنث أحب إلىّ من أحلف بغيره فأصدق.
ومن أعطى الكسوة فى الكفارة، فلكل مسكين ثوب إزار، أو رداء، أو قميص، أو سراويل أو عمامة، أو خمار للمرأة، من أى هذه الثياب شاء.
ومن أعتق عبدا، فيستحب له أن يكون رقبة سليمة من الأدواء، وإن أعتق أعور بعين، فجائز ذلك.
وكذلك العبد اليهودى والنصرانى. ومن أعتق صبيًّا، عاله حتى يبلغ.
ومن قال: لعمر الله، أو أيم الله، أو معاذ الله، أقسمت بالله، أو الله على شاهد أو أشهد بالله، فقد قيل كان هذا يمين.
وإن حلف بالقرآن، أو بسورة منه، ففى بعض القول، أنها يمين، لأن بسم الله الرحمن الرحيم مثبتة فى كل سورة. وقد قال من قال: ليست بيمين. /426/ (3/426)
صفحة 1324
وأما إن قال: أو الإسلام، أو الكعبة، أو الصلاة، أو بيت الله، أو نحو هذا، أو أوقع القسم _وفى نسخة وأوقع القسم_ على غير اسم الله، ولم ينو بذلك القسم بالله، فلست أرى ذلك يمينا.
وكذلك إن قال: وحق رسول الله، إذا لم يرد بذلك القسم بالله، حتى ينوى به اليمين بالله.
ومن استثنى فى يمينه فقال إن شاء الله متصلا باليمين، فليس عليه حنث، لأنه قد استثنى، والإستثناء يهدم الأيمان، إلا الأيمان التى هى بالطلاق، والظهار، والعتق، والنكاح؛ فإن هؤلاء الأربع، لا يهدمهن الاستثناء. والله أعلم.
ومن غير الكتاب والزيادة: رفع لى بعض أنه سأل خضر بن سليمان، وكان مشهورا بالمعرفة بنزوى وغيرها عن الاستثناء فى الطلاق.
قال قد قيل: إنه يهدم الطلاق، وأكثر القول، أنه لا يهدم الطلاق. قال الله تعالى: {لاَ يُوَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُّوَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الاَيْمَانَ}. هو أن يحلف الرجل ببعض اليمين، ثم يمسك عن تمامها خوف الإثم، فهذا هو الذى قال الله لا يؤاخذكم به، وأما من أتم اليمين فقد عقدها، وقد وجبت الكفارة عليه، إن كان كاذبا، وليس هو كما قال.
نسخة: قيل إن اللغو فى الأيمان مثل قول الرجل لا والله، وبلى والله، ولا يريد بهذا يمينا. وأن هذا اللغو لا يؤاخذ به. /427/ (3/427)
صفحة 1325
ولكن كل ما يحلف به الإنسان، فهو له أو عليه.
ويجوز للرجل أن يحلف صادقا من غير أن يحلف، ولا يلزمه يمين.
وكره أصحابنا الحلف بالله على الصدق، توقيا، وتعظيما لله عز وجل وعلا.
وعندى أن ذلك مباح، إذا كان الحالف صادقا. وقد أمر الله نبيه عليه السلام، أن يحلف على الصدق لقوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلِ اِي وَرَبِّيَ إِنَّهُ لَحَقٌّ}.
وقال النبى صلى الله عليه وسلم: من كان حالفا، فليحلف بالله، أو يصمت.
فهذا يدل على إباحة الأيمان بالله من طريق الصدق، والمنع من الحلف بغيره. والله أعلم.
مسألة:
والأيمان التى يحلف بها، مأخوذ اسمها من الضرب على اليد اليمين، لأن العرب كانت تفعل ذلك إذا تحالفوا وترافقوا وتعاقدوا، وضربوا بالأيدى بعضها على بعض، ثم صار كل ما يحلف به الإنسان يمينا.
كان أبو الشعثاء، وعائشة رضى الله عنهما يقولان: اللغو ما جرى من الكلام، مما لا يعقدون عليه، من مثل: لا والله، وبلى والله، فى غير تعمد، ولا عقد عليه، فذلك اللغو فيما بلغنا. /428/ (3/428)
صفحة 1326
رجع _
أقسم الله بنفسه وبغيره، فبنفسه، قوله: {فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ}، وبغيره قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}، {ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ}، {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا}، {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ}.
وليس للخلق أن يقسموا بغير الله، إلا ما كان يصير ذلك إلى تعظيم الله فى التأويل، كقول القائل: وحق القرآن، وحق النبى، وحق الإسلام، لأن ذلك أجمع من حقوق الله.
فليس لأحد أن يعقد قوله على القسم إلا بالله، وما كان يؤول إلى تعظيم الله.
فإن قال قائل: قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا إلا بالله، فلم جاز الإقسام بغير الله؟
التقدير ورب السماء، ورب الفجر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال الوضاح بن عقبة –رحمه الله-:
بلغنى أن عمر بن الخطاب_رحمه الله_ قال: لكم مندوحة (؟؟؟) فى الكلام عن الكذب.
ذكر عن أبى الحوارى، عن امرأة أرادت أن تقول: وحياتى على شىء، /429/ (3/429)
صفحة 1327
أرادت أن تحلف عنه، فقالت: وحياة ربى؛ فرأى عليها الكفارة، كأنه فى معنى قول وحياة ربى، وحق ربى، ولم يعذرها فى زلل لسانها إذا قالت أنها أرادت غير ما قالت.
وعن رجل دخل على قوم وهم يأكلون طعاما، فدعوه إلى طعامهم، فقال إنى صائم، قالوا ما أنت بصائم، فقال،: علىّ صيام ثلاثة أيام، ولم يكن صائما؛ وإنما هو كذب بهم.
قلت: هل يلزمه فى قوله ذلك، صيام ثلاثة أيام؟
فعلى ما وصفت فهذه كذبة، ويستغفر الله، ولا يلزمه شىء فى ذلك، إلا أن يقول: علىّ صيام ثلاثة أيام إنى صائم، ولم يكن صائما، أو ينوى ذلك حين قال علىّ صيام ثلاثة أيام، فنوى مع ذلك أنه صائم.
فهذا إن كان على هذا، ولم يكن صائما، فعليه صيام ثلاثة أيام. فافهم ذلك.
ومن حلف بالمشى إلى بيت الله ثلاثين حجة، أو ثلاثين مرة، فهما سواء. ويمشى من حيث حلف ثلاثين حجة أو يركب، ويركب حاجا آخر معه، عن كل حجة بالمشى راكبين.
والذى يحج عن صاحب المشى، قيل يجزئه ذلك عن حجة الفريضة.
وقال من قال: إن لم يقدر على ذلك صام لكل حجة شهرين. /430/ (3/430)
صفحة 1328
ومن غير الكتاب وزياداته:
وعرفت أنا فيمن حلف بحجج كثيرة مثل مائة حجة أو أقل، أو أكثر، ثم حنث ولم يقدر على الحج.
قال من قال: عليه ما جعل على نفسه، وقال من قال: عليه صيام شهرين لجميع ذلك.
قال من قال: لا شىء عليه. وأرجو أنى سمعت أنه يصوم عشرة أيام، أو ثلاثة أيام. والله أعلم.
وقال: هذه مسألة مستورة، لا تظهر إلى الجهال؛ وأرجو أنه عن القاضى ابن قريش.
رجع إلى الكتاب، ومن غيره:
وعن من حلف فى يمينه بالله الذى لا إله إلا هو، وإلا فعليه تسعون حجة، ثم حنث.
قال: يلزم فى قوله والله الذى لا إله إلا هو، صيام ثلاثة أيام، إن كان فقيرا، أو إطعام عشر مساكين.
وأما قوله تسعون حجة، فعن أبى إبراهيم، ورفع ذلك عن الأزهر، أنه يلزمه صيام شهرين. /431/ (3/431)
صفحة 1329
وقال الشيخ: وأما أنا فيعجبنى أن يصوم لكل شهرين إذا كان فقيرا، فإن أيسر يوما حج ولم يجزئه الصيام الذى كان صامه.
ومن غيره:
ويوجد أن أبا الحسن على بن محمد البستانى، أنه قال وقال قوم إنه ليس عليه فى الحج صوم، لأنه إنما أوجب على نفسه حجا، فعليه الحج. والله أعلم.
وسئل عن رجل قال: عليه لله ثلاثون حجة، وحنث، قال: عندى أنه لا يلزمه كفارة، إلا أن يقدر على الحج فيحج، وإن لم يقدر، فلا شىء عليه، لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا}.
ومن غيره:
وقال فى رجل حلف بالحج، ثم حنث فقال من قال منهم: يلزمه الحج من حيث حلف.
وقال من قال: من مصره.
وعن صبى حلف قبل بلوغه، أيمانا كثيرة وحنث، ثم إنه بلغ، وذكر الأيمان. هل عليه حنث أم لا؟.
قال: لا. إلا أنهم اختلفوا فيمن حلف وهو صبى، ثم حنث بعد ما بلغ. /432/ (3/432)
صفحة 1330
قال من قال: عليه الحنث. وقال من قال: لا حنث عليه.
قلت: فما تقول أنت؟ قال: أديت ما حفظت، ولا أقول شيئا.
رجع إلى كتاب أبى جابر.
ومن حلف على أمر قد فعله_وفى نسخة قد فات فعله_ ثم استثنى، لم ينفعه الاستثناء أيضا. وإنما يكون الإستثناء متصلا باليمين. فإن قطع بين الإستثناء واليمين بسكتة أو بكلمة من غير ذلك، لم يكن استثناء.
وكل من حلف بيمين واحدة على أمر واحد، فى مقعد واحد، أو مقاعد شتى، فهى يمين واحدة، ولو أكثر من ذلك واختلفت الأيام_وفى نسخة_ واختلفت الأيمان.
فأما من حلف بتلك اليمين على شىء آخر فى مكانه، فهما يمينان.
وكذلك إن حلف بأمان مختلفة فى كلام واحد، على شىء واحد، ثم حنث، فعليه لكل يمين كفارة.
وكل من حرم على نفسه شيئا، وهو له حلال، إن فعل كذا وكذا، فإنه يحنث من حين ما قال، إلا أن يكون قال: هذا الطعام على حرام، إن أكله، أو بيته هذا عليه حرام، إن دخله، فلا يحنث حتى يأكل ويدخل.
وأما إن قال: هو عليه حرام، فإنه يحنث من حينه. /433/ (3/433)
صفحة 1331
ومن غيره: ومن جواب نجد بن الفضل النخلى.
ومن حرم على نفسه الحلال، من ملك أو زوجة، ما يلزمه من الكفارة فى ذلك؟
_الذى عرفت أنه إذا حرم على نفسه ما أحل الله له، فعليه كفارة يمين مرسلة، كان مستثنيا لفعل شىء، أم لا.
واختلفوا إذا قال: الحرام له حلال إن فعل كذا وكذا، ثم حنث. قال قوم كفارة يمين مرسلة، وقال قوم: مغلظة. والله أعلم بالصواب.
وهذا من جواب أبى عبد الله محمد بن أحمد السعالى، حفظه الله فيها،
فمن حرم على نفسه الحلال، على يمين يعقدها، ثم حنث، فعليه كفارة مرسلة.
ومن زعم أن هذا الحلال عليه حرام، فهو كاذب فى قوله، وعليه التوبة من قوله، ولا كفارة عليه. والله أعلم.
رجع:
ومن قال: على يمين أن لا أفعل كذا وكذا، ولم يكن حلف بشىء، فعليه يمين.
وإن قال حلفت أن لا أفعل، ولم يكن حلف، فهى كذبة منه.
رجع_
وأما الأيمان المغلظة، فهى عندنا: من حلف بعهد الله، أو حلف بالله، وهو /434/ (3/434)
صفحة 1332
يعلم أنه كاذب، أو قال: يعلم الله لقد كان كذا وكذا، وهو يعلم أنه لم يكن.
أو حلف بشىء مما يوجب النار، فذلك كفارته التغليظ، وذلك قوله هو يهودى، أو نصرانى، أو مجوسى، أو من الكافرين، أو من الظالمين، أو من الضالين، أو قبح الله وجهه، أو أخزاه الله، ونحو هذا، فعليه التغليظ.
ومن غيره:
قال: ويوجد فى رجل قال: قبح الله وجهه القبحة، عليه صيام عمره، ثم حنث، فإن فيه اختلافا من قول المسلمين، والذى كان يذهب إليه أبو سليمان مروان بن محمد بن راشد أن عليه كفارة القبحة إذا حنث، ولا يلزمه ما جعل على نفسه حتى يقول وكفارة القبحة عليه صيام عمره.
ويوجد عن أبى سعيد رحمه الله ما يدل على أنه لو قال كفارة القبحة عليه صيام عمره لم يلزمه إلا كفارة القبحة مختلف فيها.
ووجدت عن أبى سعيد رحمه الله، أنه يحب أن تكون كفارتها كفارة يمين مرسلة.
وأما إذا قال: قبح الله وجهه، فإن أراد قبحة من الله، كان أيضا فى ذلك اختلاف. فبعض يلزمه، وبعض يعذره، وبعض يقول: إذا أراد به اليمين، لزمته الكفارة، وإذا لزمته الكفارة على قول من قال بذلك، كان الجواب فيها على ما عرفتك من الإختلاف فى أول هذه المسألة الأولى.
وهذا كله إذا حنث. فانظر فى ذلك، ولا تأخذ منه إلا الحق. إن شاء الله. /435/ (3/435)
صفحة 1333
ويوجد: قال أبو سعيد: جاء الأثر، وتواتر الخبر، وقياس النظر، من أهل البصر فى الذى يحلف إن فعل كذا وكذا، فليه صيام الدهر، أو صيام سنة، أو صيام شهرين، ثم حنث. فقال من قال: عليه ما جعل على نفسه. وقال من قال: صيام شهرين، ولا يلزمه ما جعل على نفسه. وقال من قال: عليه كفارة يمين مرسلة، وقال من قال: لا يلزمه شىء، لأنه مستحيل أن يجعل على نفسه شيئا، لم يجعله الله عليه.
ولا يبعد عندى إجازة هذا القول الآخر. وإن كنا لم نعرف نصا مما قد عرفنا عنه، من المسلمين.
ويعجبنى فى هذا قول من قال: بالشهرين، وأنه إن صام كفارة عن شهرين عما جعل على نفسه أجزأه، إن شاء الله.
وجدت مكتوبا وهو المعنى من قوله ليس اللفظ بعينه، فينظر فى ذلك.
ومن غيره:
وقال: ومن قال: عليه لعنة الله، وقبح الله وجهه، أنه لا يفعل كذا وكذا، ثم حنث، أنه لا كفارة عليه، إذا لم يرد به اليمين، فهو كذلك إذا لم يرد اعتقاد اليمين، ولم يقصد إلى ذلك، وإنما لعن نفسه، أو قبح وجهه، وهو عاص لله بذلك، وعليه التوبة.
وإنما الكفارات بعقد الأيمان، كذلك قال الله: لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. /436/ (3/436)
صفحة 1334
وكذلك إن قال: لعنه الله، أو غضب الله عليه، أو مقته الله، أو أدخله الله النار.
وقال من قال فى الذى يقول: أدخله النار، حتى يعنى النار الآخرة.
قال محمد بن محبوب رحمها الله، وقال من قال: إذا حنث فعليه الكفارة.
ويوجد التغليظ حتى يعنى نار الدنيا. وهذا الرأى أحب إلىّ.
وقال من قال أيضا من أهل الرأى: ليس فى شىء من هذه الأيمان كلها التى توجب النار تغليظ، وإنما هى مثل الأيمان المرسلة، وكفارتها واحدة، إلا من قال عليه عهد الله، فهو عليه التغليظ إذا حنث.
والرأى الأول أحب إلينا، وبه كان يأخذ فقهاؤنا من أهل عمان، إلا فى اللعنة، فقال بعضهم: كفارة الحنث فيها مثل كفارة اليمين المرسلة.
وكان من رأى أبى على، موسى بن على، وأبى عبد الله، محمد بن محبوب رحمهما الله من بعده، وغيرهما، أن الكفارة مثل كفارة اليمين المغلظة: صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
ومن قال عليه لعنة، ولم يقل لعنة الله، أو من الله، فلا شىء عليه.
وكذلك حفظت عن محمد بن محبوب رحمه الله. فيمن قال عليه ألف لعنة، أنه إن لم يقل من الله، ولا نوى ذلك فى نفسه، كما حلف، فلا شىء عليه. وإن أراد من الله، فعليه كفارة واحدة لألف لعنة، إلا أن تكون له نية. /437/ (3/437)
صفحة 1335
ومن جواب الأزهر بن محمد بن جعفر: وعن رجل قال عليه ألف لعنة، أو ألف قبحة، أو ألف حجة قلت ما يجب عليه؟
_فأما فى ألف حجة، فإذا حنث لزمه ما حلف به، وأما فيما بقى، فقد حفظ والدى، عن محمد بن محبوب رحمه الله، أنه لا شىء عليه حتى يقول إنه لله، أو ينوى ذلك.
ومن الجامع:
وأما الذى قال عليه ألف عهد الله_ وفى نسخة أو قال ألف عهد من الله_ ثم حنث، فعليه كفارة ألف عهد، صيام ألفى شهر، أو إطعام على نحو ذلك.
وإن قال ألف عهد، ولم يقل لله ولا ينوى ذلك، فلا شىء عليه.
ومن غيره:
وعن رجل قال علىّ عهد الله وميثاقه، أنى لا أذكر فلانا إلا بخير فذكره بسوء؛ قال عليه الحنث، كفارة صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، لأنه ذكره بغير ما حلف عليه ألا يذكره إلا به. والله أعلم.
قلت: أرأيت إن كان المذكور فى موضع التقية، وكان فى ذكره بالخير فساد على المسلمين، وفى ذكره بالسوء صلاح للمسلمين. أيقيم الحالف على يمينه ولا يذكره إلا بخير، أم يتوخى ما فيه صلاح المسلمين، ويكون براءة له من الحنث. أم لا؟ /438/ (3/438)
صفحة 1336
فال يتوخى ما فيه الصلاح، ولا يكون كاذبا، ولا خائنا؛ وهو مثاب في قوله ذلك، إذا كان يريد صلاح المسلمين، أو خلاصا لهم. والله أعلم.
وقد يوجد مثل ذلك فى رجل لقى جبارا، أخذ شاة لرجل، أو ما يشبه ذلك، ظالما له، فأراد خلاصها لربها، من يد الجبار، فحلف عليها عند الجبار، أنها له، حتى خلصها من يده لصاحبها.
أن الحالف عليها لا هو كاذب، ولا حانث فيما حفظنا. ولله أعلم.
ومن قال: هو يصلى إلى المشرق إن فعل كذا وكذا، ثم حنث، فلا شىء عليه، حتى ينوى بذلك خروجا من الملة.
ومن قال: لا عفا الله عنه إن فعل كذا وكذا، ثم حنث، فعليه التغليظ، وكذلك إن قال: لا زوجه الله من الحور العين، ولا أراه الله وجه محمد صلى الله عليه وسلم فكل هذا فيه التغليظ، وكذلك إن قال: لا أراه الله الملائكة والنبيين، فقال من قال أيضا لا شىء عليه، لأن الله إن شاء رحمه، ولم يره إياهم_ وفى نسخة ولم يرهم_.
وقال من قال: إذا حنث فعليه كفارة التغليظ، لأن الله قد أخبر أن أهل الجنة يرافقون الأنبياء، وتدخل عليهم الملائكة.
وقال من قال غير هذا.
وعن من قال: الحلال عليه حرام، والحرام له حلال، ثم حنث، فعليه /439/ (3/439)
صفحة 1337
فى ذلك لقوله: الحلال عليه حرام إطعام عشرة مساكين، وصيام ثلاثة أيام.،وقال من قال غير هذا.
ولقوله الحرام له حلال: صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا. هذه خلاف الأولى.
وقال من قال: هى مثل الأولى فى الكفارة، ولا يدخل عليه فى ذلك شىء فى زوجته، إلا أن يكون نوى فى اليمين، أنما يحرمها على نفسه بالطلاق.
وأما إن قال: لعنه الله، أو أخزاه الله، أو غضب الله عليه، أو نحو هذا، ولم يحلف بذلك، فلا كفارة عليه، ويستغفر ربه، وله نيته.
وإن قال: هو زان، أو يفعل شيئا من الحرام إن فعل كذا وكذا، ثم حنث، فعليه التغليظ إذا حنث.
وكذلك إن قال هو كافر بالإسلام، أو بالقرآن، أو بالصلاة، أو بالصيام لشهر رمضان، فعليه التغليظ إذا حنث.
وقال من قال فيمن حلف إن لم يصل اليوم كله؛ فصلى أوقات الصلاة التى تجوز فيها، وأمسك فى الوقت الذى لا تجوز فيه الصلاة، أنه حانث لأنه لم يصل اليوم كله.
وإن فعل هو برأيه فصلى اليوم كله، لم يحنث، ويستغفر ربه مما خالف الأثر فيه. /440/ (3/440)
صفحة 1338
ومن حلف إن لم يضرب غلامه، أو إن لم يعط فلانا _ وفى نسخة أن يضرب غلامه، وأن يعطى فلانا، فلم يضرب غلامه حتى مات، فإنه يحنث، ولا ينفعه ضربه بعد موته.
وكذلك إن حلف لا يأكل لحم هذه الشاة، فأكل منه بعد أن ماتت فقيل إنه يحنث، وهذا غير ذلك.
سئل عن لحم الشاة إذا ماتت، فإن فيه نظرا. وأما الذى حلف ليعطى فلانا_ وفى نسخة_ ليعطين فلانا، فماتت قبل أن يعطيه، فقال من قال: إن أعطى ورثته لم يحنث. وقال من قال يحنث. وقال من قال غير هذا.
قال وكذلك إذا قال: يقضيه، أو يوفيه، فأوفى الورثة.
وأما من حلف لقد صلى الهاجرة، أو لقد تزوج امرأة، أو قد أوفى فلانا درهما كان عليه له، وكان قد صلى الهاجرة صلاة منتقضة، أو تزوج أخته، أوفى غريمه درهما زائفا؛ فكل هذا عندنا يحنث فيه؛ لأن ذلك ليس بجائز عنه، إلا أن يكون قد علم بنقضها عند يمينه، فحلف عليها بعينها لقد صلى تلك الصلاة، وتزوج تلك المرأة التى تزوجها، أو أعطى ذلك الدرهم. فلا حنث عليه. وقد قال بعض غير ذلك، وقال هذا الرأى أحلى فى نفسى.
وأما إن حلف إن ذهب إلى النهر، أو إلى السوق، أو مات فلان، فخرج على جنازته، وكانت الطريق على الذى عدده أنه لا يحنث إذا كانت الطريق على ذلك ولم يقصد إليه، وقال من قال غير هذا. /441/ (3/441)
صفحة 1339
وأما إن قال: إن أتى النهر، أو السوق، أو دخله، فمضى على الجنازة، وأتاه، ودخله، فإنه يحنث.
وإن حلف إن لم يأت الكعبة، أو يأت فلانا، فإذا أتى الكعبة، أو نظر إليها، فقد بر، وإن لم يدخلها.
وكذلك إذا أتى فلانا، وإن لم يمسه. وإن حلف لا أكتم فلانا درهما، ولا دنانير، فكتمه أحدهما أو كليهما، فإنه يحنث وإن حلف ما كتم دراهم ودنانير، فكتم أحدهما أنه لا يحنث حتى يكتم كليهما.
وكذلك إن حلف لا يكلم فلانا وفلانا وفلانا، فلا يحنث حتى يكلمهم جميعا، وإن قال أو فلانا أو فلانا، فكلما كلم واحد حنث.
وإن حلف لا يفعل شيئا مما يمكن أن يفعل مرة بعد مرة، وقد كان فعله، فلا يحنث حتى يفعله بعد اليمين. وإن كان ذلك لا يفعل إلا مرة واحدة، وكان قد فعل ذلك، فقد حنث، وذلك مثل من حلف إن لم يذبح هذه الشاة، أو إن لم يصل هذه الصلاة، وقد ذبح الشاة، وصلى هذه الصلاة من قبل؛ فإنه يحنث؛ لأن هذا لا يمكن أن يفعل مرة أخرى.
وإن قال إن لم يدخل هذا البيت أو نحو ذلك، وقد كان دخله، فإذا دخله من بعد اليمين فلا حنث عليه.
وإن حلف لا يدخل بيت كذا وكذا، وهو فيه، فإن خرج عن آخر /442/ (3/442)
صفحة 1340
الكلام_ وفى نسخة عند فراغ الكلام_ ولم يكن فيه، فلا حنث عليه، وإن بقى فيه من بعد فراغه من اليمين حنث.
وكذلك لا يلبس ثوبا وهو عليه ونحو هذا.
وإن حلف لا يصلى خلف فلان، فإذا دخل فى الصلاة عنده وأحرم، فقد حنث ولو انتقضت صلاته ولم يتمها عنده.
ومن حلف لا يأكل مال فلان، فزال عنه المال إلى غيره، لم يحنث إذا أكل منه، ما لم يكن محدودا، ومن حلف على شىء محدود، لا يأكل منه، فله أن يبدل به ويبيعه ويشترى بثمنه ويأكل منه.
ومن حلف لا يأكل من مال فلان حده، فزال ذلك الموضع عن فلان، فلا يأكله، لأن هذا من المحدود.
وإن حلف على شىء غير محدود من مال فلان مرسلا، فأهدى إليه فلان من ماله هدية، وصارت إليه، وقبضها ثم أكلها، لم يحنث لأن ذلك قد زال من ملك فلان.
وكذلك لو قرب إليه طعاما ليأكله، فكل شىء أكله، فأرى أنه قد قبضه الأكل وصار له، وأكله وهو له، فلا حنث عليه.
ومن قال عليه المشى إلى بيت المقدس، أو قبر النبى صلى الله عليه وسلم، فقيل إن ذلك عليه إذا حنث_وفى نسخة، إن كلتيهما يمين مرسلة. /443/ (3/443)
صفحة 1341
والإيمان الغيب كلها حنث.
ومن غيره:
وسأله عن رجل حلف بطلاق امرأة، إن الحجاج فى النار، قال: يحنث إلا أن يقول عندى، أو يقول إنه من أهل النار، فلا يحنث.
رجع:
ومن حلف لا يذوق، فإذا ذاق بلسانه حنث.
وعن أبى عبد الله رحمه الله فى رجل قال لامرأته: عليه لعنة الله، وهو مشرك بالله، وإلا فعليه الحج إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة، إن نظرت فى وجهى إلى سنة، ثم جاءته وهو جالس فى قوم، فنظرته.
قال: عليه لقوله عليه لعنة الله، وهو مشرك بالله، صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
وقال من قال: غير هذا. وعليه الحج من قابل لقوله ثلاثين حجة، فإن كان فقيرا لا يستطيع الحج، فيصوم لكل حجة شهرين، فإن قدر على الحج بعد ذلك، فليحج.
فإن لم يقدر على الصيام، فيحسب ما يلزمه من الصيام، ثم يطعم عن كل يوم مسكينا، غداء وعشاء. /444/ (3/444)
صفحة 1342
ومن غيره:
وعن من حلف فى يمينه: والله الذى لا إله إلا هو، وإلا فعليه سبعون حجة، ثم حنث.
قال يلزمه فى قول، والله الذى لا إله إلا هو، صيام ثلاثة أيام، أو إطعام عشرة مساكين، إن كان غنيًّا،
وأما قوله عليه سبعون حجة، فعن أبى إبراهيم، ورفع ذلك عن الأزهر، أنه يلزمه صيام شهرين.
وقال الشيخ: وأما أنا فيعجبنى أن يصوم لكل حجة شهرين، إذا كان فقيرا.
قال: فان أيسر يوما حج، ولم يجز الصيام الذى كان صامه.
ويوجد عن على بن محمد البستانى أنه قال: وقال قوم ليس عليه فى الحج صوم، لأنه أوجب على نفسه الحج، فعليه الحج. والله أعلم.
ومن غيره:
وسئل عن رجل قال: على لله ثلاثون حجة، وحنث. قال: عندى أنه يلزمه كفارة، إلا أن يقدر على الحج، فيحج، وإن لم يقدر، فلا شىء عليه. لقول الله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
فإن كان قد قال فى يمينه فى الحج. كلما عطش رجع فشرب من عمان، فإن /445/ (3/445)
صفحة 1343
عليه أن يهدى بدنة؛ فإن مات ولم يكفر مثل يمينه هذه، وكانت له ولاية فلا أرى أن تسقط ولايته.
وقال موسى: هذا شىء لا يطاق.
ومن حلف بالمشى، فكذلك أيضا، إلا أن المشى يحج راكبا، ولكل حجة مرتين.
أو يحج راكبين إذا لم يمش.
وعن رجل حلف لا يأكل اللحم: فقال من قال: لا يأكل الشحم. وقال من قال: يأكله. وذلك أحب إلىّ. وإن حلف لا يأكل الشحم، فإنه يأكل اللحم الخالص من الشحم.
ومن حلف لا يأكل التمر. أكل الخل والدبس، إلا أن يحلف على تمر محدود، فلا يأكل منه ولا من خلته، ولا من دبسه، إلا أن يكون قال لا يأكله، فلا يحنث حتى يأكله كله.
ومن غيره:
قال أبو سعيد رحمه الله: معى. إنه قيل، إذا حلف عن لبن شاة محدودة، لا يأكله، أنه من المحدود، وأنه لا يحنث حتى يأكله كله. وقال من قال ليس من المحدود، وما أكل منه حنث.
رجع:
فإن حلف لا يأكل الرطب، أكل البسر، ومن حلف على البسر لا يأكل الرطب. /446/ (3/446)
صفحة 1344
_ويوجد فى نسخة إن حلف عن البسر، أكل الرطب_ فينظر فى ذلك.
وإن حلف لا يأكل رطب نخلة، أكل بسرها، وإن حلف لا يأكل بسر نخلة، فلا يأكل رطبها.
ومن حلف لا يأكل اللبن فقيل: له أن يأكل السمن، لأن السمن ليس بلبن.
فإن حلف لا يأكل السمن، فقيل إنه لا يأكل من اللبن، لأنه لا يخلو من السمن.
وقال من قال: إنه يأكل اللبن. وبه نأخذ.
ومن حلف لا يدخل بيتا، فسقط فيه من على نخلة، فلا حنث عليه، إذا غلب على ذلك.
وكذلك من حلف لا يدخل السجن، فاكره حتى دخله، لم يحنث، وكذلك ما كان مثل هذا، ويوجد على مثل هذا.
ومن غيره:
وقال فى رجل حلف لا يدخل السجن فأدخله جبرا، أنه قد قال من قال: يحنث. وقال من قال منهم: لا يحنث.
قال: وأنا أقول بقول من لا يحنث.
رجع:
ومن حلف لا يدخل بيتا، فأدخل فيه رأسه، فقد دخل، وقد حنث، حيث /447/ (3/447)
صفحة 1345
أدخل رأسه، وكذلك إن أدخل رجليه. وقال من قال: ما دخل منه: يد، أو رجل، أو أصبع، حنث، والأول أحب إلىّ._وفى نسخة_ وكذلك إن أكره بغير حق، وإن كان أكره بحق حنث.
ومن حلف لا يدخل بيت فلان، وله بيت من الطين، فدخل قبة له؛ فإن كان مرسلا ليمينه، فدخل قبة له، أو خيمة، أو عريشا، فإنه يحنث، فإذا أوقع نيته على بيت من الطين، لم يحنث إن دخل قبة، أو خيمة، أو عريشا.
وإن حلف لا يدخل بيتا، لم يدخل قبة، ولا خيمة، ولا يدخل العريش. والعريش مثل القبة.
ومن حلف بصدقة ماله، ولم يسمه لأحد، فقال من قال: الصدقة معروف أهلها.
وقال من قال: إذا حنث، فعليه كفارة يمين. وقال من قال: لا شىء فى ذلك، حتى يسميه للفقراء والمساكين، ثم يكون عشره للفقراء. وهذا الرأى أحب إلىّ.
وإن قال: ماله صدقة على الشياطين، فلا شىء فى ذلك.
وإن قال: على الجن، أو الأغنياء، أو على من لا يحصى من الكثرة، فعشر ماله للفقراء.
وسئل عن الأغنياء. ليس عليه فى الأغنياء شىء. وفى نسخة: الأغنياء ليس فيهم حنث.
ومن حلف بصدقة ماله وحنث؛ فعليه أن يقوم العدول ماله قيمة وسطة، ثم يخرج عشره فيفرق على الفقراء. /448/ (3/448)
صفحة 1346
وقال من قال: يرفع له دينه العاجل والآجل، ويعشر ما بقى، وقال من قال: يرفع الدين العاجل. وقال من قال: لا يرفع له الدين العاجل، ولا الآجل.
والقول الأول أحب إلينا، أن يرفع له دينه كله، إذا قال يقضى من حينه.
وكذلك يقوّم ماله كله إلا ثيابه التى يلبسها_وفى نسخة التى لا يلبسها_ فإن كان له حق أجل أخرج عشره إذا قبضه. وإنما يقوم ماله يوم حنث، فإن لم يعرف ذلك، يقوم يوم يخرج عشره.
وليس عليه عشر الغالة_وفى نسخة الغلة_ فى يده قبل أن يحنث.
وإن تصدق بسدس ماله، أو ربعه، أو ثلثه، فإنه يخرج ذلك كله للفقراء. وإن تصدق بأكثر من الثلث، ورجع إلى العشر، وإنما يخرج عشر ماله.
ومن حلف بالصدقة وليس له مال، فحنث. وله مال؛ أخرج عشر ماله يوم حنث.
وإن حلف وله مال، وحنث وليس له مال، فليس عليه شىء.
وكذلك من جعل ماله فى السبيل، أو فى سبيل الله؛ فعليه أن يخرج العشر من ماله للفقراء، إذا حنث.
ورجل حلف بصدقة ماله للفقراء، فى أمر حنث فيه، ثم سأل فألزم عشر ماله.
يقوم ماله، فيخرج عشره، يعطيه الفقراء، فلم ينفذ ذلك حتى حضره الموت، /449/ (3/449)
صفحة 1347
فأشهد لزوجته بماله، بصداقها عليه، وماله أقل من صداق زوجته، وأوصى أن يفرق عنه قيمة عشر ماله، فقالت زوجته: صداقى أكثر مما أعطانى وهو أكثر من ماله، فإنه يبدأ بالدين قبل، فإن فضل بعد الدين شىء، أعطى الفقراء، وإلا فلا شىء للفقراء.
ومن حلف عن حب لا يأكل منه، فبذر ذلك الحب، ونبت وأثمر، فإنه يأكل من ثمره، ولا حنث عليه، لأن هذا غير ذلك الذى حلف عنه.
وقال من قال عليه الحنث.
ومن حلف لا يشرب من لبن شاة، فأكل من خبز موضوع فى لبنها، فإنه يحنث، إلا أن ينوى الشرب بعينه.
وقال من قال فى الذى حلف لا يضحى فى بلده إذا خرج منها ليلة الأضحى ويومها، فقد احتاط.
وإذا حلف لا يفطر فى بلده، فكذلك أيضا، وهو رأى، إلا أن تكون له نية.
وقال من قال: الفطر خلاف النحر.
ومن حلف لا يشترى شعيرا، فاشترى برا فيه شعير، فلا يحنث، إذا كان مقصده فى الشراء إلى البر، إذا كان من الزراعة.
وكذلك لو حلف لا يشترى حديدا، فاشترى أبوابا فيها حديد، أو حلف /450/ (3/450)
صفحة 1348
لا يشترى خشبا فاشترى دارا فيها خشب، أو حلف لا يشترى نوى، فاشترى تمرا، فلا يحنث فى كل هذا، وكل ما كان على مثل هذا فهو مثله أيضا.
وإن حلف لا يأكل شعيرا، فأكل خبز بر، أو غيره، فيه شعير، فإنه يحنث. وهذا مخالف للأول، إلا أن يكون من الزراعة،
وعن امرأة حلفت لا تزوج (؟؟؟) رجلا له امرأة، فطلق رجل زوته واحدة، ثم تزوج بها، ثم راجع امرأته، فلا حنث عليها؛ لأنها تزوجت رجلا ليس له امرأة.
وإذا حلف الرجل ليتزوجن، فتزوج فقدير (؟؟؟) (بر)، ولو لم يجزئ.
فإن تزوج بصبية، فليس عندى بتزويج، حتى تبلغ وترضى، وإن تزوج يهودية أو نصرانية، فهو تزويج، ولا يحنث.
وإن تزوج بأمة فقال من قال لا يبر، ويحنث. وقال من قال قد بر، ولا حنث عليه.
وقال من قال إنه لم يجد طولا إلى الحرة، واحتاج إلى التزويج فتزوج أمة، فهو تزويج.
وهذا الرأى هو أوسط الآراء عندى.
ومن قال إن فعل كذا وكذا فهو محرم بالحج، ثم حنث. فقيل: إن كان قوله فى أشهر الحج، فعليه الحج، وإن لم يكن فى أشهر الحج، فهو يمين. /451/ (3/451)
صفحة 1349
وأما الذى يقول عليه الحج، ثم حنث فهو عليه فى أى وقت حلف بذلك.
وأما الصبى إذا حلف وحنث وهو صبى، فلا حنث عليه، ولا يلزم ذلك.
واختلفوا فى الصبى إذا حلف وهو صبى، ثم حنث بعد أن بلغ، فقال من قال، تلزمه الكفارة إذا حنث بعد بلوغه، وقال من قال: لا تلزم الكفارة إذا حلف وهو صبى، ولو حنث بعد بلوغه. وهذا الرأى أحب إلىّ، لأن الحنث إنما يقع بيمين. والصبى لا يمين له.
وإن حلف لا يشارك فلانا فى محال، ولا يعتق رقبة، ولا يفارق غريمه، فمات أبوه، وأصبح المال مشتركا بينه وبين الذى حلف عنه. أو ورث أمه أو غيرها فعتقت، أو فر الغريم بلا رأيه، فإنه لا يحنث فى شىء من هذا، لأنه ليس من فعله، وأخاف إن رضى بمشاركة فلان من بعد أن علم بها أن يحنث، إلا أن يزيل الذى له من حين ذلك، أو يقاسمه.
وفى نسخة أخرى_ وقد قال بعض الفقهاء فيمن حلف بصدقة ماله على العبيد فذلك للعبيد. وإن قال لليتامى، قال هى لليتامى، للفقراء منهم دون الأغنياء، وإن قال للمساكين، فهم الفقراء، وإن قال للجن، قال فهى للفقراء، وإن قال للمسلمين، فهى للفقراء من أهل ديننا من القرى، إذا نواها لهم.
وقوله للمسلمين: فهو لمن عنى بذلك من المسلمين.
وإن كان لليهود، والنصارى، والمجوس، وأهل الشرك، أو للرجال، أو النساء، قال هى لمن سمى به من هؤلاء. /452/ (3/452)
صفحة 1350
قلت: فإن قال: لبنى آدم، قال هى للفقراء.
قلت: فإن قال: هى للأطفال، قال هى للأطفال من الفقراء، وكذلك يجب أن يكون فيمن ذكر من الفقراء منهم.
فأما العبيد فالله أعلم.
وصاحب اليمين فى الصدقة وغيرها، هو الذى يكفر عن نفسه، وليس للحاكم أن يأخذه بذلك.
ورجل كفر يمينا، ففرقه على المساكين، ثم اشترى منهم من عين ما كان فرق.
هل يجوز له فى يمين أخرى؟؟ قال: لا
من قال هذا الطعام على حرام اليوم، فعليه كفارة يمين، حنث، أو لم يحنث.
وإن قال: هذا الطعام على حرام، إن أكلته اليوم، فلم يأكله ذلك اليوم فقد برّ ولا كفارة عليه.
من غير الكتاب والزيادة:
ومن حلف ببعض صدقة ماله فحنث، فإن كان البعض المعين عليه يخرج من ثلث ماله فهو صدقة، وإن كان أكثر من ذلك، لزمه عشر جميع المال.
وإذا حنث، فإن شاء سلم إلى الفقراء الشىء المحلوف عليه، وإن شاء أعطاهم قيمته وحبسه على نفسه. /453/ (3/453)
صفحة 1351
وإن حلف بعتق عبيده وصدقة ماله على فعل نفسه، جاز له أن يزيل ماله وعبيده إلى غيره، ببيع أو هبة، فإذا صار إلى غيره، ثم حنث. ثم رجع إلى ماله وعبيده بوجه جائز.
وإن رجع إلى ذلك الفعل الذى حلف عليه، والمال والعبيد فى ملكه، لم يحنث، إذا كان قد حنث مرة، والمال فى ملك غيره.
وهذا إذا حلف على نفسه، كذلك بلغنا عن جابر بن زيد رحمه الله.
وإن حلف على فعل العبيد يعتقهم: إذا قال لعبيده إن فعلتم كذا وكذا، فلس له أن يخرجهم من ملكه، ببيع أو هبة، فإن أخرجهم من ملكه ببيع أو هبة، ثم فعل العبد ذلك وهم فى غير ملكه، فإنهم يعتقون من مال الحالف، ومتى فعل ذلك العبيد عتقوا، كانوا فى ملكه، أو ملك غيره، إن فعلوا ذلك فبجناية.
مسألة:
ومن قال: ماله فى المساكين صدقة إن شاء الله، إن فعل كذا، فهذا استثناء، ولا يحنث. وقال موسى: الاستثناء يهدم الصدقة.
ومن قال: ماله صدقة على المساكين، وأراد أن يقول: إن فعل كذا وكذا ولم يقل، ولم يفعل كذا وكذا، فإنه لا يحنث.
مسألة:
ومن قال: ماله صدقة على الأغنياء، فلا شىء عليه، وقال من قال ماله /454/ (3/454)
صفحة 1352
صدقة على مال فلان، وهو غنى، فإنه يرجع إليه، ومنهم من جعله للفقراء
وفى الغنى اختلاف: منهم من قال لا يجوز ويرجع المال لصاحبه، ومنهم من قال: يمضى العشر للفقراء.
وأما الصدقة على فقير بعينه، فيعطى من المال مائتى درهم، بما يكون به غنيا عن الزكاة، ويرجع على صاحبه الباقى من العشر. وفيه اختلاف إنه يرجع الباقى على الفقراء.
ومنهم من أجاز أن يعطى الفقير أكثر من المائتين.
مسألة:
وإن حرم عليه ماله كله، إن فعل كذا، وكذا فعليه الكفارة، حنث، أو لم يحنث.
عن أبى جعفر أنه حفظ ذلك، وإن سمى بشىء من ماله وحده، فإن لم يحنث فلا كفارة عليه، حتى يحنث.
ومن حرم شيئا وهو له حلال حنث فيما قال.
فإن قال: هذا الطعام عليه حرام إن أكله، وبيته هذا عليه حرام إن دخله، فلا يحنث حتى يأكل ويدخل.
ومن حرم على نفسه طعاما إن أكله، فقال: هو عليه حرام إن أكله هذا الشهر، وهذا اليوم، فلا كفارة عليه حتى يأكل.
/455/ (3/455)
صفحة 1353
وإن قال: هو حرام عليه إلى الليل، أو إلى الشهر، فالكفارة تلزمه عند أصحابنا.
وأما قوله هذا الطعام على مثل الخمر، والخنزير، والميتة، فذلك على قول لا يكون يمينا. لأنه قد يجوز ذلك فى حال الاضطرار.
وإنما تجب اليمين فيمن حرم على نفسه الحلال تحريما إلى الأبد، وكذلك من قال: الحرام له حلال على الأبد، فذلك يكون بمنزلة اليمين. وعلى من قال الحلال له حرام يمين. ألا ترى من قال لزوجته: هى على كمجوسية، أنه ظهار لأنه على الأبد، ومن قال كهذه المجوسية، أنه لا يكون ظهارا، لأنه يمكن أن تسلم ويتزوج بها. وإنما التحريم على الأبد فى كل شىء.
وقال أبو محمد رحمه الله: لا يحنث باتفاق.
ومن حرم على نفسه طعاما أن يطعمه، فباع ذلك الطعام فى سلعة أخرى، فهو جائز حلال.
مسألة:
ومن قال: إذا مات فلان، فما ورثت منه، فهو صدقة، فإذا مات فلان كان ذلك صدقة كما قال، إلا أن يكون ذلك أكثر من ثلث ماله، فيرجع إلى العشر.
ومن حلف بصدقة ماله إلى فقراء اليهود، فهو لهم كما قال: ولا يرجع إلى الفقراء. /456/ (3/456)
صفحة 1354
وقال الوضاح بن عقبة: بلغنى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال، لكم مندوحة فى الكلام عن الكذب.
ومن قال أنا زان، أو مراء، أو خائن، يريد بذلك اليمين، فعليه الكفارة، كفارة التغليظ إذا حنث.
قال أبو الحوارى رحمه الله: إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
قال القاضى أبو عبد الله بن محبوب رحمه الله: من قال والله لا أفعل كذا، ولا أكفر بيمينى فإن فعل، فعليه كفارة، ثم إذا كفر، فعليه كفارة أخرى ..
ومن قال لرجل أو امرأة: والله لئن دخلت علىّ بيتى، لا يكون لك عندى إلا السيف، أو لأضربنك ضربة بالسيف، فدخل عليه فضربه بصفح السيف، فإن كان نوى أن يضربه بصفح السيف أجزأ عنه. وإن نوى أن يضربه بحده، فلا يجزئ عنه.
ومن قال من دخل دارى هذه فغلامه حر، فدخلها الحالف أو صاحب الدار، إذا قال، دارى أو هذه الدار، دار فلان، أو دارك وهو يخاطبه، فدخلها الغلام أو الحالف، أو صاحب الدار، أو واحد من ذوى الأرواح، فإنه يحنث فى ذلك. والله أعلم.
فى الاستثناء_ ومن نسخة أظنها بخط ابن مسلم العوينى: واعلم أن الاستثناء إنما يقع إذا أراد به الحالف لهدم اليمين./457/ (3/457)
صفحة 1355
وأكثر القول أنه إذا استثنى نفعه ولو لم يرد به شيئًا.
وإذا كان الاستثناء متصلا باليمين يقع قبل اليمين وبعدها، فكل ذلك سواء
ولو حلف حالف بالله، لا يطأ زوجته، وقال إن شاء الله فلم يطأها أربعة أشهر، فقد قيل إن الاستثناء يقع فى هذا. ولا حنث عليه، ولا إيلاء. لأن اليمين منهدمة عنه. وليس هذا مثل الطلاق.
وعن محمد بن محبوب رحمه الله، فيمن حلف بعتق رقبة، وبطلاق نسائه، لا أفعل كذا وكذا، ثم باع بعض الرقيق، وطلق بعض النساء، وأخلف غيرهن ثم حنث. فقال: إنه يطلق ما كان فى حياله من النساء، ويعتق ما كان فى ملكه من الرقيق، يوم حنث.
قال: وكذلك حفظنا فى هذا الباب ونحوه.
وأما لو قال: لو تزوج فلانة فهى طالق، أو ملك فلانا، فهو حر، ثم تزوج فلانة، وملك فلانا، لم يقع ذلك بهما، لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك يمين.
ومن حلف لا يأكل اللحم، أكل الطرى من السمك، لأن الذى عند العامة أن اللحم هو لحم الأنعام، وكذلك الطير، ولحم الغيلم والسمك، إلا أن يقصد إليه بعينه فى يمينه. /458/ (3/458)
صفحة 1356
وقيل لا يؤكل لحم الغيلم، ولا يؤكل بعد الذبح أيضا حتى يسكن، وإذا ترك كأقصى ما يكون بترك الدابة، وأقصى ما تموت إذا ذبحت، أكل ولو تحرك اللحم بعد ذلك.
وقيل عن رجل قال: كل عبد لى قديم، فهو حر، أن ما كان له منذ سنة إلى ما أكثر، فهو حر. وتأولوا فى ذلك قول الله تعالى: {حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}، وما كان أقل من سنة فلا يعتق.
وعن رجل حلف فى شىء أراده، فيزل لسانه بخلاف ذلك، وذلك مثل رجل قال: والله لا آكل لك طعاما إلا عام الأول، وإنما أراد: عاما قابلا، فعليه الكفارة إذا حنث، لأنه قد حلف وأضمر المعنى فى اللفظ.
وكذلك عندنا لو حلف، ما كلمت فلانا، وأراد فلانا آخر، فغلظ باسم الأول، وكان قد كلمه، وإنما ذكره غلطا منه، ومعنى اليمين لفلان الآخر، ولم يكلمه كما حلف. فرأينا أن له نية، ولا يحنث فى هذا،
وقال أبو عبد الله: أخبرنا أبو صفرة، عن والدى، رحمهم الله، أنه قال: وحلف لا يأكل من لحم هذه الشاة، فأكل من شحمها، فإنه يحنث؛ لأن الشحم إنما يخرج من اللحم.
وإن حلف لا يأكل من شحمها، فيأكل من لحمها، لأن الحم لا يجىء من الشحم. /459/ (3/459)
صفحة 1357
وقال بعض الفقهاء: من حلف لا يأكل اللحم، أكل من الشحم، وإذا حلف لا يأكل من سمن هذه الشاة، فلا بأس أن يأكل من لبنها حليبا.
وقال فى رجل حلف لا يسكن هذه الدار، فانهدمت، ولم يبق فيها سكن، ثم بناها ثانية، وبنى فيها خيمة، ثم سكنها الحالف، فإنه لا يحنث؛ لأن تلك الدار التى حلف عليها قد ذهبت، وهذا شىء غيرها.
قلت: فإن كانت جدرها قائمة، وإنما انهدم سقفها، ثم أرجع فيها ما ذهب منها، ثم سكنها الحالف، فإنه يحنث على هذه الصفة.
وإذا حلف لا يسكن دار فلان، فسكن شيئا منها، أو انهدمت وبقى موضع منها، لم ينهدم، فسكنه فإنه يحنث.
ومن حلف لا يلبس ثياب فلان، فلبس من ثيابه ثوابا واحدا، فإنه لا يحنث إذا كان مرسلا ليمينه حتى يلبس من ثيابه ثلاثة أثواب ثم يحنث.
وإذا حلف لا يلبس ثوب فلان، فقطع له فلان ثوبا نصفين، ثم لبس الحالف أحد النصفين، فإن كانت القطعة التى لبسها هى مما تكون من اللباس، فإنه يحنث وإن كانت مما ليس فيه لباس، فإنه لا يحنث.
فإن كانت القطعة تكون عمامة مما يعتم بها، فإنه يحنث.
قلت: فإن كانت مما ليس فيه لباس، فوصل بها غيرها، حتى صار ثوبا، ثم لبسه؛ أيحنث؟ قال: لا. /460/ (3/460)
صفحة 1358
وقال فيمن حلف على زوجته إن لم يطأها على وتد، فيطؤها على جبل، ولا حنث عليه، لأن الله تعالى قال: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}، أى جعلناها، إلا أن يكون للحالف نية.
وإن حلف إن لم يطأها على بساط، فوطئها على الأرض، ولم يطأها على بساط، فقيل: إنه يحنث، لأن البسط معروفة مع العامة، وهى ما يمكن أن يطأ زوجته عليها، والوتد والأوتاد لا يمكن أحدا أن يطأ زوجته على شىء منها، وقد سمى الله الجبال أوتادا، ولا يحنث إن وطئ على واحد منها.
وكذلك قال الله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ بِسَاطًا} إلا أن المعنى يختلف، لما أعلمتك فى هذا.
ومن حلف لا يعرف مال فلان، وكان يعرف بعضه، ولا يعرفه كله، فنرجو أنه لا يحنث حتى يعرف كله.
وكذلك فى من حلف ماله مملوك، وله حصة فى مملوك، فقال من قال: لا يحنث بذلك.
وعن من حلف لا يصعد هذه النخلة، ثم صعد منها بعضها، فقد حنث.
وعن أبى على رحمه الله فى رجل حلف لا يحلب شاة، وأنه حلب بعضها، ثم ذكر يمينه، فأمسك عن الحلب؛ قال: لا يحنث حتى يحلبها كلها. /461/ (3/461)
صفحة 1359
وكذلك إن حلف لا يأكل شيئا فلا يحنث شيئا فلا يحنث إن ذهب منه شىء ولو قل، ثم أكله من بعد، حتى يأكله كله.
وكذلك إن حلف ما يحفظ القرآن، وهو يحفظ بعضه، ما رأيناه حانثا؛ لأنه لم يحفظه كله.
وعن رجل حلف لا يأكل طعاما، ولا يذوقه. فشرب ماءً أو لبنا، أو نبيذا، أو خلا، أو دبسا، أو خمرا فقال: إنى لا أراه حانثا فى الماء والنبيذ والخل والخمر؟ لأن ذلك ليس بطعام.
وأما اللبن والدبس، فهما من الطعام. قال: وإن قال عيشا، حنث. لأن كل عيش يعاش به، فهو عيش.
ومن حلف لا يأكل من طعام فلان، فتأدم ببعض الإدام، من زيت، أو خل، أو سمن أو من الصنع الذى يعمله الناس فى عيد النحر، فقال بعض الفقهاء: أراه حانثا، إلا فى الخل، لأنه ليس من الطعام.
وقال بعض الفقهاء فى امرأة حلفت ألا تذكر اسم زوجها، واسه محمد. فإنها لا تحنث إذا صلت على النبى محمد صلى الله عليه وسلم. لأن هذا ليس هو اسم زوجها، إلا أن تكون قالت لا تذكر اسم محمد، فإنها تحنث.
وعن من حلف لا يخرجن _لعله ليخرجن _ من بلده إلى قريته، فخرج إلى مسقاة فيها بيت، أو ليس فيها بيت. قال: قد خرج إلى قرية ولا يحنث إذا كانت غير قريته. /462/ (3/462)
صفحة 1360
وعن رجل حلف لا يشرب النبيذ، فممل (؟؟؟) فعمل خلا، ثم شرب منه، حيث صار فى حد النبيذ، فلا حنث عليه. قلت فإن عصر تمر النبيذ، ثم شرب منه لما صار عصره، قال: لا يحنث، لأنه لم يصر فى حد النبيذ.
وقد قال بعض الفقهاء: من حلف لا يأكل اللحم أكل الشحم، ومن حلف لا يأكل الشحم أكل اللحم لأن لكل واحد منهما اسما معروفا ينفرد به. وكذلك كل ما كان مثل هذا.
وقال فى من حلف لا يدخل لفلان بيتا، فمشى على ظهر بيته، أنه لا يحنث.
وحفظ لنا الوضاح بن عقبة، عن محبوب، وأبى عثمان فى رجل حلف لا يخرج دابة قد عرفها من زرع قد عرفه، ثم رأى الدابة فى الزرع، فقال: الدابة فى الزرع، فسمعه غلام فأخرجها، فقال: إنه يحنث.
وكذلك قيل: من حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولا بكلام عنه، فقد حنث.
ومن غيره:
وعن رجل حلف لا يكلم فلانا، فكتب إليه. هل يحنث؟ قال: لا. ليس الكتاب بكلام، لأن الله عز وجل قال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}. /463/ (3/463)
صفحة 1361
ويوجد من حلف لا يكلم الفقراء. أيحنث إذا كلم فقيرا واحدا؟ قال: هكذا عندى.
ومن غيره:
وسألت أبا عبد الله رحمه الله عن رجل حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا، فوصل إليه ذلك الكتاب وقرأه، أو قرئ عليه، أيكون قد كلمه ويحنث؟ قال نعم.
وقد قيل: إن الكتاب إذا قرئ فهو كلام فى قول الله: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} فهو كتاب الله، أى حتى يسمع القرآن.
قلت فرجل حلف لا يكلم فلانا، فأرسل إليه رسولا يقول له كذا وكذا، فأبلغه الرسول ذلك الكلام. أيحنث؟ قال: نعم هذا عندى أشد من قراءة الكتاب عليه.
قلت له: فإن أرسل إليه رسولا، أن يقول له كذا وكذا، أو كتب إليه كتابا مع الرسول، ثم رجع إلى الرسول، وقال: لا تدفع كتابى إلى فلان الذى أمرتك أن تدفعه إليه، أو قال له: لا تقل له شيئا مما قلته لك أن تقول له، فذهب ذلك الرسول، فدفع إليه بعد ذلك الكتاب، أو قرأه، وبلغ إليه ذلك الكلام. أيحنث؟ قال: نعم.
قلت: وكذلك لو حلف لا يشترى من السوق ثوبًا، فأمر من يشترى له /464/ (3/464)
صفحة 1362
ثوبًا، ثم رجع إليه قبل أن يشترى له شيئا، فقال: لا تشتر لى شيئًا، فاشترى له من بعد أن قال له لا تشتر لى شيئًا، أيحنث؟ قال: لا.
قلت فإن حلف لا يكلم فلانا، فمر بقوم فسلم عليهم، وفيهم فلان. أيحنث؟ قال: لا، حتى يقصد بسلامه ذلك إلى الذى حلف لا يكلمه، ويقصد بالسلام إليه وإليهم.
قلت: وكذلك لو قام خطيبا، وفلان فيهم، فكان فى كلامه يقول: افعلوا، وافعلوا. أيحنث؟
قال: لا. حتى يقصد بذلك إلى فلان. وكذلك لو صلى بقوم، وفلان فيهم، فلما قضى صلاته، قال: سلام عليكم ورحمة الله، فلا يحنث، حتى يقصد السلام عليه؟ قال: نعم.
ومن غيره:
قال أبو سعيد رحمه الله: قد قيل إذا حلف رجل بالطلاق، إن كلم فلانا، فمضى على جماعة، وهو فيهم، فسلم عليهم. فقد قيل إنه يحنث، حتى ينوى بالسلام عليهم غيره، ويعزله فى نيته.
وقيل لا يحنث حتى يريد بالتسليم الجماعة فى نيته، ويدخله فيهم.
وقيل مجملا: إنه يحنث. ويعجبنى: أنه إذا أراد السلام عليهم، فأرادهم جميعا، أعنى الجماعة، كلهم، أنه يحنث. /465/ (3/465)
صفحة 1363
وإن كان مرسلا السلام، فيعجبنى أنه لا يحنث.
وأما إذا لقيه. فسلم عليه، أنه يحنث، ولا أعلم فى ذلك اختلافا.
رجع:
ومن حلف لا يلبس نعلين، فقام عليهما، لم يحنث. وكذلك كل ثوب حلف يلبسه، فحمله بلا لبس، لم يحنث.
وقيل فى الذى حلف لا يدخل صوف هذا الكبش منزله، فدخل الكبش. أنه يحنث.
وإن حلف لا يدخل بيته صوفا، فدخل الكبش. أنه لا يحنث.
وعن رجل قال لرجل: أنشدك بالله. فليس بيمين.
وعن أبى على رحمه الله فى رجل حلف لا يسكن منزلا، فمرض فيه مريض، فأتاه فى أول الليل، ونام حتى أصبح، فلم نره حانثا، حتى يسكن.
وكذلك إذا حلف لا يسكن قرية، فدخلها فى حاجة، لم نره حانثا وإن بات. وقال بعضهم إن أكل، ونام، أو جامع، فقد سكن.
وعن أبى على رحمه الله فى رجل حلف بالمشى إلى بيت المقدس، أو قبر النبى صلى الله عليه وسلم ثم حنث، فما نبرئه مما حلف عليه.
وكذلك إذا قال عليه بكل حرف فى المصحف حجة، ويمين مغلظة، فعليه ما حنث فيه. /466/ (3/466)
صفحة 1364
وعن رجل استحلفه سلطان جائر ظلما منه له، وليس له عليه يمين، ولكن خاف الضرب والسجن، فحلف له على ما استحلفه، واستثنى فى نفسه. فقال أبو على: له ما استثنى، وهذا عنه رحمه الله، فى السلطان الجائر.
وفى غير هذا فيمن استحلفه حاكم أو غيره عن يمين، فحلف بما حلفه، واستثنى فى نفسه، أن ذلك لا ينفعه. لأن اليمين للمحلف.
وعنه رحمه الله، فى رجل حلف لرجل يمينا ليرضيه بها، فليس عليه ذلك، ولم يذهب له بها حقا، واستثنى فى نفسه، فكأنى رأيت هذه معه، أشد من الأولى. وقد رخص فيها من رخص.
وعن أبى عبد الله رحمه الله، فى سارق نقب بيتا، فأدخل رأسه، فضربه صاحب البيت فقتله، فأجاز له قتله. قيل: فإن حلف ما قتلته، ويحرك لسانه ظالما له. يعنى يحلف للذى يحلفه، ويحرك لسانه سرا، ما قتله ظالما، لأنه قد كان قتله.
وقيل فى رجل قال: هذا الطعام عليه كظهر أمه، أن عليه كفارة التغليظ. وينظر فى ذلك.
وعن رجل حلف لا يأكل هذا الحب المحدود، فى هذا الظرف، ولا هذا التمر، الذى فى هذا الجراب، فأكل من الجراب والتمر، وبقى منه، فإنه لا يحنث، حتى يأكله كله.
وإن حلف لا يأكل من هذا الحب، ولا من هذا التمر المحدود، فإن أكل منهما جميعا، قليلا أو كثيرا، فإنه يحنث. /467/ (3/467)
صفحة 1365
وإن حلف لا يأكل من هذا الحب، ولا من هذا التمر، فأبدل بهما غيرهما، وأكل البدل. أنه لا يحنث. لأنه أكل غير الذى حلف عليه.
وإن حلف لا يأكل من هذا التمر، فباعهما، أو أعطاهما غيره، وصارا لغير المـ لك (؟؟؟) يوم اليمين، ثم أكل منهما، فهو حانث، ولو زالا منه.
فإن حلف لا يأكل من تمر هذه النخلة، وكان تمرها كما حلف برأسها، وقد أحدر (؟؟؟)، إلا أنه قائم محدود، فهو معنا من المحدود، مثل تمر الجراب.
فإن حلف لا يأكله، فحتى يأكله كله، وإن حلف لا يأكل منه حنث، إذا أكل منه، وإن أبدله وأكل بدله، فلا حنث عليه.
وإن حلف لا يأكل من تمر هذه النخلة، أو لا يأكل تمر هذه النخلة مرسلا، فيما يستقبل من تمرها الذى تحمله، فقد نظرنا فى ذلك فرأينا أن النخلة هاهنا صفة، مثل صفة الجراب. وسواء تمرها المجدود، وتمرها الذى تحمله، لأنه تمرها، وليست هى له بملك. والجواب فيها مثل الجواب فى تمر الجراب.
وعن رجل حلف لا يأكل من مال فلان، من مال له معروف محدود، وقطعه معروفه، فإن أكل منه ولو كان قد زال إلى غيره، فهو حانث، وإن أبدل بذلك وأكل بدله، لم يحنث؛ لأنه أكل من غيره.
وإن حلف لا يأكل من مال فلان، مرسلا ليمينه؛ فإن أكل من مال فلان، أو من بدله، فهو حانث، لأن بدله رجع من مال فلان.
وإن قال فلان هذا، أفزال من ملكه ببيع أو هبة ثم أكل منه فإنه لا يحنث، /468/ (3/468)
صفحة 1366
قد خرج من ملكه؛ وليس هو فى هذا الموضع مثل الجراب، ولا مثل المحدود. والله أعلم.
وإن حلف لا يأكل من مال فلان، من هذا البستان، ولا من تمر فلان من هذا الجراب، فإن كان ذلك واقعا محدودا، مثل الجراب فهو مثله. والجواب فيه واحد.
وإن أرسل اليمين فى مال فلان من هذا البستان، فهذه يمين تقع على ما يملك فلان من ذلك. وهى مثل الجراب.
وفى موضع: أنه إذا لم يأكل من مال فلان من ذلك البستان، أكل من ماله غير ذلك، لم يحنث.
وتشبه اليمين المرسلة، لأنه سواء حلف لا يأكل من مال فلان مرسلا من هذا البستان، أو من هذه القربة (؟؟؟)، أو من عمان، أو من الدنيا؛ فكل هذا معناه سواء، وإنما وقعت اليمين على مال فلان الذى يملكه فإذا زال من ملكه شىء من ماله، من قبل أن يحنث الحالف فى يمينه، أو بعد ما حلف؛ أنه إنما أكل من هذا المال الذى قد زال عن ملك فلان؛ فلا نرى أنه يحنث، وهو معنا فى هذا الموضع مثل الذى حلف لا يأكل من مال فلان.
تم الباب من الجامع. /469/ (3/469)
صفحة 1367
ومن غيره:
وعن رجل حلف بأيمان كثيرة، وهو جاهل بالإسلام، فقد رخص أبو عبيدة رحمه الله وقال: يتوب إلى الله. وسألته عن رجل حلف: ما الرمان فاكهة. أيحنث؟ قال: نعم.
وقد قال من قال ليس هو من الفاكهة، لقول الله عز وجل: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}.
وقال آخرون: بل هو الفاكهة، لأن الله تبارك وتعالى، قال: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَآئِلَ}. وقد علم أنهما من ملائكته، ولكن قد يرد الله ذكر الشىء فى كتابه.
ومن حلف بصدقة ماله على الفقراء، ثم حنث، ولم يعشر ماله من حين ما حلف حتى خلا لذلك سنون كثيرة، ثم إنه اشترى من ثمرة ذلك المال الذى لزمه فيه العشر مالا، ثم أراد أن يعشر ماله، فعلى ما وصفت فإنما عليه عشر ماله يوم حنث.
وقال من قال يوم حلف. والقول الأول أحب إلينا، يعشر جميع ماله من الأصول، بما كان فيه من الثمرة وغير الأصول إلا ثيابه التى على بدنه.
وقال أبو عبد الله فى رجل سأل عن شىء، فحلف يمينا ما يعرف، أين هو. /470/ (3/470)
صفحة 1368
فإن كان ساعة حلف عارفا بذلك الشىء، فقد قال من قال من المسلمين: عليه كفارة يمين مغلظة.
وقال أبو عبد الله رحمه الله: صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا.
ومن أوصى بكفارة يمين مرسلة؛ أنها كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين.
وعن رجل (؟؟؟) قال لرجل: بالله افعل، فلم يفعل. قال: قال: ليس هذا بيمين.
وأما إذا قال: تالله لتفعلن، فلا أراه إلا يمينا.
وعن من قال: قبح الله وجهه ألف قبحة. والقبحة صيام شهرين، ثم حنث. قلت: ما يلزمه فى هذا؟ فعلى ما وصفت، فإذا لم يقل عليه، ولا نوى ذلك فى نفسه؛ أن القبحة عليه صيام شهرين، ولا سمى نيته بذلك، فإنما عليه معنا إذا حنث كفارة يمين مرسلة: إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
وكذلك إن قال: قبح الله وجهه وعليه لكل قبحة صيام شهرين، ثم حنث. ما يلزم فى هذا؟
قلت ولم يقل والقبحة على، وإنما قال والقبحة صيام شهرين ثم حنث قلت ما يلزم؟
فعلى ما وصفت فإذا قال قبح الله وجهه ألف قبحة، وعليه لكل قبحة صيام شهرين، فعليه ما جعل على نفسه. /471/ (3/471)
صفحة 1369
وإن قال وكفارة كل قبحة على صيام شهرين؛ فقد قيل إن عليه صيام ألفى شهر، وذلك إذا قال، وكفارة كل قبحة علىّ صيام شهرن. وكذلك إن نوى ذلك فى نفسه.
وأما إذا لم يقل: والقبحة على صيام شهرين، وإنما القبحة صيام شهرين، فإذا لم ينو ذلك فى نفسه، ولم يسم به، فقد مضى فيه الجواب فى أول المسألة.
ومن غيره:
وسألت أبا سعيد رحمه الله عن رجل قال قبح الله وجهه، والقبحة صيام شهرين إن فعلت كذا وكذا. فعلى ما وصفت، فهذا على ما جاء فيه الاختلاف فى كفارة القبحة، وذلك أنه قد قال من قال فيها بالتغليظ، وقال من قال صيام عشرة مساكين. وقال من قال: كفارة يمين مرسلة، فإن كانت نيته فى قوله والقبحة صيام شهرين يعتقد على نفسه، كفارتها صيام شهرين وإلى ذلك قصد فى نيته، فعليه ما جعل على نفسه.
وإن كان إنما قصد إلى تسمية الشهرين لما قد سمع من أقوال المسلمين، أن كفارتها صيام شهرين، فهذا قد صدق إن كفر الشهرين فهو أحوط.
وإن كفر يمينا مرسلة، فليس هذا قول من يوجب عليه الكفارة، إلا ما يراه المسلمون، فقد رأى له المسلمون كفارة يمين مرسلة، فيسعه ذلك إن شاء الله.
وكذلك إن لم تكن له نية فى قوله، والقبحة صيام شهرين، فهو معنا فى جملة الاختلاف. والله أعلم بالصواب، إلا أن يقول فكفارة القبحة على شهرين، أو قال والقبحة على صيام شهرين، فلا يكون عليه ما جعل على نفسه. /472/ (3/472)
صفحة 1370
وكذلك إذا قال، وكفارة هذه القبحة صيام شهرين، فعليه صيام شهرين إذا حنث، فإن قال وكفارة القبحة صيام شهرين ولم ينو على نفسه، فهو على ما جاء فيه الاختلاف.
ومن كتاب لأبى سليمان، مروان بن محمد بن راشد، حفظ عمر بن محمد بن سعيد، أنه يحفظ عن المسلمين، أنه من كان جاهلا فحلف أيمانا كثيرة مغلظة أنه يجزئه الاستغفار إذا تاب وأقلع، إلا ما كان من حقوق الناس فى أموالهم وأبدانهم، فإنه لا يبرأ إلا بأدائها إليهم.
ومن غيره:
قلت: فهل قال أحد من أصحابنا فى كفارة الأيمان بالدراهم؟ قال: لا أعلم ذلك من قولهم.
وقد قال لى أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمه الله إن بعض المسلمين لم يكن يجوّز دفع الطعام من التمر والبر، وسائر الحبوب فى الكفارة، وإنما يقول بأن يطعم كما أمر الله تبارك وتعالى.
وسألت أبا محمد رحمه الله عن كفارة الأيمان هل يجوز إخراجها قبل الحنث؟ قال: اختلف أصحابنا فى ذلك على قولين، فقال بعضهم: يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث، وقال بعضهم: لا يجوز إلا بعد الحنث إلا الظهار؛ فإنهم أجمعوا مع مخالفيهم ألا تكون إلا قبل الحنث.
وسألته عن رجل أخذ رمانة بيده، ثم حلف أن فيها كذا وكذا، ففلقها، فوجدها كما قال: هل يحنث؟ قال: نعم.
قال: قالوا إنما ليس يحنث، إذا قال إن لم يكن فيها كذا وكذا ثم وافق فليس يحنث. /473/ (3/473)
صفحة 1371
وسألت أبا الحوارى عمن حلف عن اللبن لا يأكله، فشربه، هل يحنث؟ قال: نعم.
إلا أنه يوجد فى بعض القول: من حلف عن اللبن لا يشربه، فأكل الثريد لا يحنث.
وقال آخر: إنه يحنث. قال أبو المؤثر: من حلف على السويق لا يأكله، فشربه، حنث. فقال على قول أبى المؤثر إنه يحنث.
ومن غيره:
وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد رحمه الله، عن الأيمان التى لا تكون الكفارة تارة لها من قبل وقوع الحنث_ أراد التى تكون قبل الحنث. قال: قد قيل إنه الظهار، والطلاق، والعتاق، وسائر الأيمان غيرها، ولا مختلف فيها.
وعن امرأة عاتبتها امرأة على كلمة قالتها، فقالت على صيام سنة: أنى ما قلت تلك الكلمة، وقد كانت قالتها. هل عليها ما جعلت على نفسها من الصيام؟ قال عليها ما جعلت على نفسها، فى بعض قول المسلمين.
وقال من قال: إن هذا خبر، وليس استثناء، إلا أن تكون هى أرادت الاستثناء، فعليها الصوم على كل حال.
وعن امرأة ادعت على زوجها، أنه وطئها فى الحيض، فعن أبى عبد الله بن محبوب رحمه الله، فيما يوجد أنه حكم به، أن يحلف يمينا بالله، ما وطئها وهو يعلم أنها حائض. /474/ (3/474)
صفحة 1372
قال أبو القاسم سعيد بن محمد بن سعيد رحمه الله، يحلف يمينا بالله ما وطئها وهو يعلم أنها حائض متعمدا لذلك.
ورأى أبى عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله المقدم، وكلاهما يتواطآن.
وإن كانت دعوى المرأة على غير هذا، كان لكل كلام جواب، وإنما تجرى اليمين على ما يراه الحاكم، وليس على ما يطلبه الخصم، إلا أن يوافق مطلبه رأى الحاكم.
وقال أبو سعيد رحمه الله: اليمين إنما تلزم فيما يجب على المدعى عليه فيه حرمة أو ضمان، أن لو أقر بذلك. قال فيعتبر الحاكم جميع ما يرد إليه من ذلك.
وعن رجل طلبت إليه زوجته فضة، وقد كان رفع فضة، هى تعلمها، وكان عنده فضة، ولم يعلم هو بها، وكان نسيها، وقال: كل فضة له مستورة، فهى للضعاف، ونسى الفضة عند القول.
قال: معى إنه إن أراد بهذه الصدقة فى شىء حنث فيه فى يمينه، وكانت الدراهم المستورة التى وقع عليها الصدقة ثلث ماله، أو أقل منه، ففى بعض القول تكون صدقة كلها، إذا حنث.
وإن كان أكثر من ثلث ماله، أو أكثر من مقدار ثلث ماله، فقد قيل: إنما تقع الصدقة على عشرها، وإن لم يرد بذلك صدقة ولا يمينا. وإنما قال هذا القول مرسلا، أو التجأ إليه لمعنى غير ما يوجب الصدقة فلا يحنث عندى بذلك. ولا شىء عليه، إلا أن يكون يعلم أنه للضعاف، كما قال. /475/ (3/475)
صفحة 1373
وقال أبو الحوارى فى الذى يقول: علىّ عشرون عهدًا بالله، ثم يحنث. أن عليه عشرين يمينًا مرسلة.
قال: وأما الذى يقول: عليه عشرون عهدًا لله ثم يحنث، أن عليه عشرين يمينا مغلظة.
وسألته عن من حلف بصدقة ماله على الفقراء، ثم يحنث. هل عليه أن يعشر ماله؟ قال: معى أنه قد قيل، أن عليه أن يعشر ماله، ولعله أكثر ما يوجد عن أصحابنا.
ومعى أنه قد قيل: إن كان ماله كثيرًا عشرة، وإن كان قليلا خمسة، وإن كان وسطا، أخرج سبعة.
ومعى أنه فى بعض قول قومنا: يخرج ثلثه. ومعى أنه فى بعض قولهم يخرج ثمنه.
والذى نرى أنه يخرج ثلثه، مستندا إلى قول يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الصدقة، أن رجلا استأذنه أن يتصدق بماله كله، فقال: لا. فقال. بنصفه، فقال: لا. فقال: بثلثه، فأجاز له ذلك.
وكأنه لما منع الصدقة بأكثر من الثلث، كانت منه الصدقة بأكثر من الثلث راجعة إلى الثلث، وما يشبه ذلك. مثل ما روى فى منع الوصية بأكثر من الثلث فى الصدقة، وجميع البر، فمنع ذلك، إلا من الثلث.
فلما أن تصدق هذا بماله على معنى يلزمه ذلك، رد معه إلى ما قال النبى صلى الله عليه وسلم /476/ (3/476)
صفحة 1374
من الصدقة بغير لزوم. لأنه لا يلزمه فى اليمين أكثر مما يسعه عند الرضى، وطيبة النفس فى معنى قوله.
ولعل الذى يذهب إلى الخمس، يقول: إن الله تعالى قد رضى من الغنائم بالخمس، فلا تكون الصدقة بأكثر من الخمس، لأنه حق واجب.
والذى قال بالعشر، فعندى أنه يذهب أن الله أوجب الزكاة فرضا، فثبتت فى السنة، العشر من الحبوب مما سقت الأنهار، وأشباهها.
ولعله أوفر الزكاة على ما خرج على العشر، وقد يخرج منها أقل من ذلك.
والذى يذهب إلى أنها كفارة يمين، يقول: إن الله تبارك وتعالى جعل كفارة الأيمان، ما حدده فى كتابه: إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وأما التلاوة: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنَ اَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ أَوْ كِسْوَتُهُمُ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}، ثم قال: {ذَالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ}. فقال: كل يمين، فغير شىء معروف أنه ثابت اليمين به بكتاب أو سنة أو إجماع؛ فاليمين راجعة إلى ما سمى الله به من حكم الكتاب، لقوله: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم.
قال من قال: إن الأيمان كلها راجعة إلى هذه الكفارة لقول الله تعالى. ... /477/ (3/477)
صفحة 1375
هذا المؤكد فيه إذ قال فيه: ذلك كفارة أيمانكم، فالأيمان معه كلها داخلة فى هذه اللفظة، فإن كانت هذه يمينا، فهذه كفارتها.
وإن أراد أن يتصدق بماله، فليفعل فى ماله ما يشاء، مما يسعه.
والأصل فيها يخرج على معنى اليمين فى الإرادة واللفظ؛ لأنه يقول: حلف بصدقة ماله.
قلت له: فالذى يقول بعشره إذا كان كثيرا. أيكون له حد معروف من القيم المعلومة، أم ما يقع عليه اسم الكثير، مما يفضل به أهل البلد فى ذلك فهو كثير. أم كيف ذلك عندك؟
قال: أحسب أنه يذهب إذا كان قيمته ألف درهم فما فوقه فهو كثير.
وإذا كانت قيمته خمسمائة درهم فما دونه، فهو عنده قليل، فيما أحسب.
وأحسب أنه إذا كانت قيمته سبعمائة درهم، كان وسطا عنده أو نحو هذا. قلت له: فالذى يقول كفارة يمين،، وليس عليه أن يعشر ماله، ولا يخمسه للفقراء. أتراه عدلا من الحق، ويحسن العمل به على التوسع به لمن احتاج إليه من المبتلى بذلك، أم لا؟
قال: أما فى اجتهاد النظر، أن لو كانت الأقاويل كلها عن فقهاء أصحابنا، لما كان يتقدم عندى قول أحد، ولا شىء من الأقاويل، ولا أجد حجة أقوى من حجته فى هذا كله، لثبوت كفارة اليمين المسماة داخل فيها جميع الأيمان، /478/ (3/478)
صفحة 1376
لقول الله تعالى: ذلك كفارة إيمانكم، إذا حلفتم. وهذه يمين إذا كانت يمينا وإن كانت غير يمين ولا حنث فيها، فيفعل فى ماله ما يشاء.
وإن وجب الحنث، فالحنث فى اليمين دا غل (؟؟؟).
وسئل عن رجل قال: ماله صدقة على المساكين. هذا اللفظ لم يرد عليه ما يلزمه. قال عندى أنه قد اختلف فى ذلك.
فقيل: إنه لا شىء عليه، وقال من قال: عليه عشر ماله، وقال من قال: عليه أن يتصدق بماله كله، ويمضى ما سمى، لأنه لم يكن على معنى حنث، وإنما هو متبرع من نفسه، فتصدق بماله، والصدقة معروفة، وليس فيها أحراز، كما أنه لو وهب ماله كله فأحرز عليه ثبت، وليس فى الصدقة إحراز. وثبوتها حصول التصدق بها على غير غضب.
و الصدقة فى الغضب لا تجوز. فمن هاهنا أثبت من أثبت عليه الصدقة لقصده بالصدقة إلى ماله.
وقال: القول الأول أحسب أنه عن أبى المؤثر، والثانى عن محمد بن محبوب رحمه الله والثالث عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقال إن الصدقة، والعطية، والهبة فى الغضب لا تجوز. ولا أعلم فى ذلك اختلافا.
وأما الإقرار فمعى أنه قيل ثابت فى الغضب والرضى، والصحة، والمرض؛ لأنه يقر بملك للغير. /479/ (3/479)
صفحة 1377
ومن الأثر: سألت أبا عبد الله رحمه الله عن رجل حلف على رجل يفعل كذا، وكذا، ثم فعله الرجل. هل يحنث الحالف؟
قال: إذا قال لا يفعل كذا وكذا، أو قال بالله عليك. فقد قال من قال من الفقهاء إنه لا يحنث.
وقال آخرون: إنه يحنث.
قلت: فإذا قطع الرجل على نفسه اللعنة، ولم يقل أن فعل كذا وكذا، وإنما لعن نفسه مرسلا. هل عليه كفارة؟ قال: لا.
ومن غيره:
قيل له: فمن حلف على شىء ناسيا له أنه لم يفعله من قبل اليمين. هل يلزمه الحنث؟
قال: معى أنه قد قيل يحنث، ويكون عليه كفارة يمين مرسلة. وقيل: إنه لا يحنث.
قلت له: أرأيت إن حلف أنه لا يفعل كذا وكذا، فنسى حتى فعله. هل يحنث، أم تكون مثل الأولى؟ قال: معى أنه يختلف فيه.
قلت له: وإن قال لزوجته أنت طالق إن فعلت كذا وكذا، ثم نسى ففعل، هل تكون مثل الأولى؟ /480/ (3/480)
صفحة 1378
قال: هكذا عندى.
قلت له: فإن قال لزوجته، أنت طالق إن فعلت كذا وكذا، فنسيت حتى فعلت ما حلف عليها به هل يلحقه الاختلاف، مثل الأولى، ولا يقع الطلاق؟
قال: عندى أنه يقع الطلاق، ولا يكون فعلها كفعله.
قلت: فما الفرق فى ذلك، وكله نسيان من الحالف والمحلوف عليه؟
قال: عندى أن فعله لنفسه غير فعله لغيره؛ لأنه يملك من نفسه مالا يملك من غيره، فإذا حلف على غيره، فكأنه قد سلم إليه الأمر. فسواء أن فعل المسلم إليه ناسيا، أو متعمدا، لأن الحالف لا يملك من فعل المحلوف عليه شيئا.
قلت له: فإن حلف عليها، ألا تدخل دار زيد، فأجبرت حتى أدخلت فيها. هل يقع الحنث؟ قال عندى أنه يختلف فيه، لأن فعل غيره ليس كفعله.
وأكثر القول أنه يقع الحنث.
قلت له: وكذلك لو كانت اليمين على نفسه، فأجبر على اليمين. هل يحنث؟.
قال: يختلف فيه. وأكثر القول عندى أنه لا يحنث.
وقال أبو سعيد رحمه الله: كل شىء حلف عليه، وهو يسعه ألا يفعله، فأجبر على ذلك، ففيه اختلاف. /481/ (3/481)
صفحة 1379
وأما ما كان لا يسعه تركه، فأجبر عليه بعد أن حلف ألا يفعله، فهذا حانث، ولا نعلم فى ذلك اختلافا. والله أعلم بالصواب.
ومن غيره:
قال: وإذا أقر المريض أن عليه كفارات، أو زكاة، ولم يوص بها، وإنما هو أقر بذلك.
قال بعض الفقهاء: على الورثة أن يخرجوا ذلك، وفيهم سليمان بن عثمان رحمه الله.
وقال آخرون: ليس عليهم إخراجه، إلا أن يوصى به، وهو قول موسى بن على، ومحمد بن محبوب رحمهما الله.
وسألت عن كفارة الأيمان. هل تسلم إلى غير البالغ؟ قال: لا.
قلت له: فتسلم إلى رجل له أولاد صغار، له ولأولاده؟ قال: لا يجوز إلا للبالغ.
ألا ترى أن القابض يكون سبيله كالوكيل؛ فإنه يطحن الحب، ويضمنه بتعديه، إذا لم يؤمر بطحنه.
ومن غيره:
وسألت أبا بكر أحمد بن محمد بن الحسن رضى الله عنه، عمن لزمه كفارة، هل يجوز له أن يعطى والد الصبى، أو من يعوله منها؟ ... /482/ (3/482)
صفحة 1380
قال: معى إنه قد قيل فى ذلك باختلاف من قول أصحابنا، وأكثر القول أنه يجوز ذلك، إذا كان الوالد فقيرا، أو كان يؤمن على مال الولد، أنه لا يفعل فيه إلا ما يسعه.
وقد قيل على الإطلاق، أنه يقبض مال ولده، ولم يجد فيه حدا؛ لأن الوالد قد جاءت فيه أخبار كثيرة، ومن ذلك ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وقد جاءه رجل، فقال يا رسول الله: إن لى مالا وعيالا، ولأبى مال وعيال، وإن أبى أخذ مالى له، ولعياله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك.
فثبتت الرواية، ولا نعلم فى ذلك اختلافا بين أصحابنا، وإنما خرج الاختلاف فى تفسير الرواية، فقال من قال: إنما ذلك خاص للولد الصغير، دون الكبير.
فعلى هذا، فإذا جاز إعطاء الصغير من الكفارة، وهو الفطيم فصاعدا، على قول من قال به، جاز ذلك.
وقال من قال: لا يجوز أن يعطى إلا للبالغ.
وقال من قال: من أخذ حوزته من الطعام، من كان لو أطعم جاز إطعامه، فذلك يجوز له، إن كنت أردت معنى الوالد فى ذلك، وإن كنت أردت قبض الوالد لمال ولده، فقد عرفتك ما قيل فيه والاختلاف فيه كثير.
وقال بعض لا يحوز (؟؟؟) ذلك، إلا أن يكون الوالد مأمونا على مال ولده.
وهذا القول آخر ما عرفنا من قول الشيخ أبى سعيد رحمه الله. وقد عرفنى من /483/ (3/483)
صفحة 1381
لا أتهمه، أنه كان قد لزم إنسانا تبعة لصبى، وكان والده حيا، فجرى خلاص ذلك على يدى الشيخ أبى سعيد رضى الله عنه.
وكان هو الذى يسلم إليه المال شيئا بعد شىء، ويرده إليه، إلى أن يستوفى صاحب المال ذلك، من صاحب التبعة.
فلو كان لا يجوز تسليم ذلك إليه، إلا حتى يكون مأمونا، لم يفعل ذلك الشيخ أبو سعيد.
وقد يخرج ذلك أن الفاعل لذلك كان مأمونا معه.
وأما على الإطلاق، فقد عرفتك ما عرفناه عنه. والله أعلم بالصواب.
قلت له: فعلى قول من يجيز للواحد أخذ مال ولده، إذا سلم إليه للصبى، ولم يشترط عليه، ولم يعلم أنها من الكفارة، وهم مستحقون لذلك، هل يجزئه ذلك؟
قال: يعجبنى أن يعلمه ذلك، فإن لم يفعل، وأعلمه أنه للولد، كان عندى أنه يجزئه، على ما قد قيل فى الزكاة باختلاف.
فقال من قال: إن من سلم إلى فقير شيئا من الزكاة، كان عليه أن يعلمه بذلك.
وقال من قال: ليس عليه ذلك. وهو أكثر القول.
وأكثر ما عرفنا عن الشيخ أبى سعيد _رحمه الله_ فى الزكاة، أنه يجوز له /484/ (3/484)
صفحة 1382
إذا كان عليه سيما الفقر، فى ظواهر أحواله التى يستحق بها تسليم الزكاة إليه، وألزموه من غير الفقر التى يستحق بها ذلك، لأن هذه الزكاة، قد جاءت فيها أقاويل.
وقد حضرت الشيخ أبا سعيد رحمه الله، وقد سأله سائل عن الزكاة، من يعطيها الآن؟ قال: الإمام أولى بها، فلما غاب الإمام، كان المسلمون أولى بها، وهم بدل إمام عدل.
ثم قال: وقد قال من قال: إنها للفقراء، أهل الدعوة، من يتعفف، ولا يظهر منه شر، ثم أختار ولأن الأولياء أفضل.
وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: لأن أطعم أخا لى فى الله لقمة لأحب إلىّ من إنفاق درهم. ويخرج عندى أن الدرهم على غيره، لأنه لو كان الدرهم على مثل الأخ، لم يكن فائدة فى المعنى؛ فانظر فى ذلك.
وأما ما يوجد عن أبى عبد الله محمد بن روح الله، فكأنه كان يطلق الزكاة للفقراء على ظاهر الآية من أهل القبلة، وأهل الدعوة، وغيرهم، دون فقراء قومنا، إلا أنه قد تكلم فى ذلك من تكلم فى زمان ... (1).
قلت له: فإن لم يعرفه أنها له ولأولاده، فى وقت ما سلم إليه، وأعلمه من بعد، هل يكون مجزئا إذا قال: أنه قد أنفقه عليهم؟.
قال: هذا يخرج عندى على حكم الاطمئنانة، وقد عرفت عن الشيخ أبى سعيد /485/
(1) مكانه بياض فى الأصل قدره كلمتان. (3/485)
صفحة 1383
رحمه الله، فيمن لزمته تبعة ليتيم، وكانت له والدة غير ثقة، وكانت تفضل عليه، أنه قد قال من قال: يجوز أن تسلم ذلك إليها وتعلم، وذلك عندى من طريق أنها تطعم اليتيم أكثر من ذلك.
فإن خرج على هذا كان القول فيه سواء على وجه الاطمئنانة.
وأما على وجه الحكم، فأخاف أن ذلك لا يصح، إلا أن تكون ثقة، مأمونة على ذلك.
وحال الثقة عندى مأخوذ من حكم الاطمئنانة؛ لا الحكم.
وقد عرفت عن الشيخ أبى سعيد رحمه الله، أنه أنفذ شيئا مثل هذا، من بعض القرى إلى بعض الناس.
فقال لمن كتب إليه بذلك، وأمره أن يدفعه إلى المرأة لولدها، فعندى أنه قال له: عرفها أن لها كذا وكذا، ولولدها كذا وكذا، وذلك عندى، أنه كان من بعض هذه الأبواب، ولم يقل بالتمييز شيئا عن شىء، فى حال الطعم.
وهذا يخرج عندى من طريق الاطمئنانات. والناس يختلفون فى أحوالهم، فإن خرج له ذلك، أن الأب ينفق على الصبى، ويطعمه أكثر من ذلك. قال: فالوالد عندى آكد فى حال، لأنه قد قال من قال، مالهما واحد، وأنه لو كان له مال، وللصبى مال، كان مال الصبى يحمل عليه، فى حال الزكاة.
قلت: فإن نسى المعطى أن يذكر ذلك؛ وقال له بعض من يثق به من أهله، إن كان يعرفهم أن هذا لك ولأولادك. هل يجتزئ بقوله؟ /486/ (3/486)
صفحة 1384
قال: عندى أن هذا يخرج من طريق الاطمئنانة. فإن وقع له ذلك، فذلك وإن لم يقع ذلك، خرج فيه معنى ما وصفت لك فى أول المسألة. وقد مضى القول فيه.
ومن غيره:
أنى وجدت أن والد الصبى يقبض له ما يعطى من كفارة اليمين، ويبرأ صاحب الكفارة بقبض الوالد، كان ثقة، أو غير ثقة، ولو صرفه الوالد فى منافع نفسه، وعلم صاحب اليمين بذلك على قول من يجيز ذلك بالقبض.
وكذلك جميع من يجوز له القبض من والده بقوله، أو وكيل، أو وصى، أو من يعوله، ويقوم بعوله، فالقبض عندى يجزئ عن صاحب اليمين.
وإن أتلفه القابض فيما لا يسعه، فهو ضامن لليتيم، لا لصاحب الكفارة عندى فيما أرجو.
وكذلك يسلم للصبى، إذا كان يحرز ماله، ولا يتلفه، ولو اشترى جوزا ولوزا، أو شيئا من الفاكهة ليس هو من أهلها، لموضع فقره، وأكل الذى اشتراه.
فمعى أنه يجزئ ذلك عن صاحب اليمين إذا علم ذلك على قول من يجيز تسليم ذلك.
والذى يبين لى أن هذا فى بعض القول، فينظر فى ذلك، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب. /487/ (3/487)
صفحة 1385
وأرجو أنى عرفت أنه يجوز دفع مال الصبى إليه، إذا بلغ ست عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة، ولو لم يقر بالبلوغ فى بعض القول، وذلك إذا كان من تبعة لزمت الدافع، وعرفت أنه إذا صار بهذه المنزلة جاز له، وذلك فى بعض القول. والله أعلم.
قال محمد بن عثمان: وقد كنت أنا سألت أبا القاسم سعيد بن محمد عن من يعطى من الزكاة، فقال الفطيم فصاعدا. ويعطى لمن يعوله.
وأما الإطعام فحتى يكون ممن يأخذ حوزته من الطعام.
وعلى نحو هذا، قال لى محمد بن إسماعيل الأزكوى. وقد سألت أيضا محمد بن الحسن السرى، فقال على معنى قوله إنه إذا لم يكن أعلمه، ثم أعلمه من بعد؛ إنه يجزئه إذا قال له قد أنفقه عليه، إذا كان ثقة.
ثم قالوا، وقد قالوا، إن مال الولد لوالده، وكأنى رأيته يعجبه أن يجزئه، إذا سلم إلى والده.
وقد وجدت فى الأثر عن أبى عبد الله محمد بن الحسن رحمه الله، أنه إذا قال، إنه قد أنفقه عليه أجزأه.
وهذا على معنى قولهم. والله أعلم.
قال أبو سعيد محمد بن سعيد رحمه الله. معى أنه اختلف فى الذى يحلف أنه يخرج إلى بلد غير قريته، أو نذر، فقال من قال، أنه إذا خرج متوجها بالتصد (؟؟؟) (بالقصد) منه إلى الخروج، فقد برئ. /488/ (3/488)
صفحة 1386
وقال من قال حتى يخرج من عمران بلده. وقال من قال حتى يصل. وكله عندى حسن.
ويعجبنى فى النذر، أنه حتى يصل إلى البلد الذى نذر به، ويعجبنى فى اليمين، أنه إذا خرج متوجها أعجبنى أن يبرأ.
ومن غيره:
قيل له فى امرأة قالت: قبح الله وجهى، والقبحة علىّ صيام شهرين، ما أطعمت أمك من عيش أعمله، ثم عملت عيشا، فأطعم هو أمه. ما يلزمها؟ قال: عندى إذا كانت مرسلة، فيعجبنى أن يكون عليها كفارة القبحة.
وقد اختلف فى كفارتها، فقيل صيام شهرين، وقيل عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين.
وقال من قال كفارة يمين.
ورأيته يذهب إلى ذلك، لقول الله تبارك وتعالى: {ذَالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ}. فقال بعض الفقهاء لا تجب على هذه يمين، لأنه قال أيمانكم.
وسألته عن من أراد أن يطعم عن كفارة. هل يجوز له أن يطعم المساكين طعاما، كل مسكين أكلتين، ويعطى بعضهم حبا، كل مسكين أربعة أسداس أو نصف المكوك برا.
قال معى إنه يختلف فيه: فقيل يجوز ذلك، وقيل إذا دخل فى أحد ذلك، لم يجز له أن يعطى من الآخر. /489/ (3/489)
صفحة 1387
قلت له: فهل يجوز أن يعطى فى الكفارة تمرا، بدلا عن الحب؟ قال معى، أنه قد قيل فى ذلك باختلاف: فقال من قال لا يجوز ذلك، على حال، إلا فى موضع يكون غذاؤهم تمرا.
وقيل يجوز ذلك بمقدار قيمة الحب.
وقال من قال: كل مسكين قفيز تمر على ما عليه المعاملة بين الناس.
وقال من قال: مكوك يجزئ على ما عليه معاملة الناس فى الكيل.
وقال من قال: صاعين لكل مسكين.
وقال من قال: صاع واحد، يجزئ عن المسكين، وذلك على قول من قال إنه يجوز أن يعطى فى زكاة الفطر تمرا، فقيل بالأكثر، وهو القفيز. وقيل بالصاع المسمى، الثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وقال قد قالوا فيما عندى: إنه يجزئ أن يطعم فى الكفارة الخبز وحده مع أدمه.
وعن رجل حلف أنه يصلى خف فلان الهاجرة، هذا اليوم، فأدرك معه الركعتين الأخريين، أو أدرك الصلاة من أولها، فلما صلى الإمام الركعتين الأوليين، انتقضت صلاة الإمام، أو انتقضت صلاة الحالف. فعلى ما وصفت، فقد وجدنا عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه إذا أحرم خلف الإمام، فقد دخل فى صلاته، إذا حلف أن يصلى خلفه، أو لا يصلى خلفه، فقد برئ، أو حنث، /490/ (3/490)
صفحة 1388
إذا حلف لا يصلى خلفه، فأحرم خلفه فى الصلاة، فقد حنث.
وإذا حلف أنه يصلى خلفه ثم أحرم خلفه، فقد برئ.
وكذلك إن انتقضت صلاة الإمام، أو صلاة الحالف، وقد صلى مع القوم بعض الصلاة، فقد برئ، ولا يضره نقضهما.
وعن رجل حلف أن يضرب هذا الطير، أو الدابة، حتى يقتله، فضربه، ثم ذبحه من قبل القتل، أو ذبحه من قبل أن يضربه. هل يحنث؟
فعلى ما وصفت: فإن ضربه، ثم ذبحه قبل أن يموت بالضرب حنث، وإن ذبحه، ثم ضربه، قبل أن يموت حتى مات، أنه لا يحنث، ويأكله إذا ضربه بعد الذبح.
وإذا ذبحه بعد الضرب، حنث، وأكله.
وعن رجل حلف لا يأكل طعاما مع فلان، فأكل معه من الإدام، والأدهان، هل يحنث، ويكون ذلك طعاما؟ فنعم يحنث. لأن الله يقول: {تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلاَكِلِينَ}. وقد قيل من الإدام.
وعن رجل حلف لا يشترى عبدا أو غيره، فاشترى جزءا منه. هل يحنث؟.
فعلى ما وصفت. فأما العبد إذا اشترى جزءا منه، فقد قيل إنه لا يحنث، حتى يشترى عبدا تاما.
فأما غيره، مثل الثوب، إذا حلف لا يشترى جزءا منه، فإن كان ذلك الجزء لباسا، فإنه يحنث. /491/ (3/491)
صفحة 1389
وإن كان أقل من اللباس، ولا يلبس مثله، فقد قيل إنه لا يحنث، إلا أن يحلف على ثوب بعينه أنه لا يشتريه، فإذا اشترى منه جزءا، لم يحنث حتى يشتريه جميعا.
قال أبو سعيد: واختلف فى الكفارة فيما عندى. فقال من قال: إن صاحبها مخير، إن شاء أعطى تمرا، وإن شاء حبا، ولو كان واحدا للجميع.
وقال من قال: لا يجزئ التمر، إلا أن لا يجد الحب.
وقال من قال: يعطى التمر بقيمة الحب.
قال: ويوجد عن محمد بن محبوب رحمه الله أنه قال: إن له أن يخرج إلى القرى يطلب رخص السفر، قال له حازم الهلانى، ويجوز له أن يفرقه فى الموضع الذى وجد فيه الرخص؟ قال: نعم.
ومن غيره:
وإذا لزم رجلا شىء من الكفارات، من الظهار، والأيمان، والصلاة؛ أن له أن يعطى الوالد لأولاده والوالدة، إذا أمنهم على ذلك، وله أن يعطيهم أيضا، أن يسلموا إلى أولادهم، لأنه يرسل من يأمنه بالكفارة، يعطى الفقير.
وسألته عن رجل رد مطلقته، ثم حلف بصدقة ماله من قبل أن يخبرها الشهود أن له زوجة. هل يحنث؟ قال: لا أعلم أنه يحنث، ومعى أنها زوجته.
وعن من حلف بالله على رجل ليأخذن شيئاً عرضه عليه، وإلا فإنه لا يكلمه سنة، فكره الرجل أن يقبل ما عرضه عليه، فبقى هذا يكلمه، ويطلب إليه أن يقبل منه، حتى قبل من بعد. /492/ (3/492)
صفحة 1390
قال، أوقد قيل: فلا أرى على هذا حنثا.
وعن أبى عبد الله رحمه الله، وعن رجل حلف بثلاثين حجة، أنه لا يعود يدنو إلى شىء من مكاره الله إلا أن يقضى عليه أو يغلبه الشيطان، ففعل ذلك، فقال: قد أساء. ولا عليه كفارة ليمينه، لأنه قد استثنى، ولم يفعل ذلك إلا بقضاء من الله.
قال أبو سعيد رحمه الله فى كتاب له عن أبى جعفر، إنه حفظ عن رجل حرم ماله كله عليه إن فعل. قال عليه الكفارة، قال عليه الكفارة، حنث، أو لم يحنث.
وإن سمى شيئا من ماله وحده، فلا كفارة عليه، حتى يحنث.
ومن غيره:
زياد عن أبيه، عن سليمان بن عثمان فى الرجل يحرم امرأته على نفسه، قال: ليست معنا كسائر من حرم شيئا على نفسه. وعليه إذا حرم امرأته على نفسه، أن يعتق رقبة حتى لا يجد ثم يكسو عشرة مساكين، حتى لا يجد، ثم يطعم عشرة مساكين حتى لا يجد من هؤلاء شيئا، فصيام ثلاثة أيام.
وقال هاشم ومسبح: هى يمين.
وقال موسى بن على: على ذلك. يكسو، أو يعتق، أو يطعم، فإن لم يجد من هؤلاء شيئا، فصيام ثلاثة أيام.
وروى أبو الحسن رحمه الله، أن موسى بن أبى جابر رضيه الله، كان مريضا، ... /493/ (3/493)
صفحة 1391
نائما على سرير وحوله الناس إذ جاءته امرأة فأرادت أن تسأله عن مسألة، فمنعها من منعها، فقال أبو على دعوها، إن هذه أمانة حملناها، وعلينا أن نؤديها، أو قال واجب علينا أن نؤديها. والمسألة: قالت إنها غضبت على خادم لها، فتصدقت به على والدتها، فقال لها موسى رحمه الله: لا صدقة فى غضب، اذهبى فخذى خادمك.
جواب من أبى الحوارى إلى من كتب إليه.
سلام عليك، أما بعد حفظك الله وأبقاك، وبرحمته تولاك. سألت عن رجل حلف بطلاق زوجته، ألا تكلم فلانة، فمرت المرأة المحلوف عنها، على نسوة فى الليل: فقالت: كيف أمسيتن؟ فقلن: مرحبا، وقالت المحلوف عليها إنها لا تكلمها: مرحبا، فلما أن مضت المحلوف عنها، قالت المحلوف عليها: من تلك؟ قالوا فلانة، فقالت عند ذلك. تلك التى حلف زوجى على ألا أكلمها، وإنما قالت كيف أمسيتن فى الليل.
فعلى ما وصفت. فإذا كانت المحلوف عنها هى التى مست بالنسوة، والمحلوف عليها مع النسوة، فردت عليها المحلوف عليها، فهذه قد حنثت، وقد وقع الطلاق علمت بها أو لم تعلم أنها (؟؟؟) هى المحلوف، وسواء ذلك كان ليلا، أو نهارا.
وعن رجل حلف لا يكلم فلانا فمر بجماعة، فسلم عليهم، وفيهم الرجل الذى حلف عنه، وقد رد الرجل أيضا السلام، فهذه المسألة التى فيها الاختلاف: /494/ (3/494)
صفحة 1392
منهم من قال حتى يقصد بالسلام إليه، ويدخله معهم فى السلام، ثم يحنث.
ومنهم من يقول إذا لم يقصد إليه بالسلام ويدخله معهم، وإنما سلم على الآخرين، لم يحنث.
وعن رجل حلف ليقيدن فلانا، ولا نية له، فقيده بحبل، أو قيده بغير ذلك، من غير حديد، هل يحنث؟
فعلى ما وصفت فيما قيده من الحديد أو غيره، فقد بر، ولا حنث عليه إذا قيده بما يكون قيدا ولا نية له.
وعن رجل حلف ليضربن فلانا بالسيف، فضربه بالسيف وهو فى غمده. هل يبر فى يمينه؟
فعلى ما وصفت، إذا لم تكن نية، فقد بر.
وكذلك المدية، وإنما يكون هذا إذا كان السيف فى غمده، وكذلك المدية.
ولو أدخل السيف فى خشبة، ثم ضربه به، لم يبر، حتى يضربه بالسيف فى غمده، أو بالحديد، وكذلك المدية.
وسألته عن رجل حلف ليخرجن من هذا البلد، نوى إلى بلد آخر، فهل يسعه أن يخرج إلى دون ذلك البلد ويرجع وقد بر؟
إذا نوى أنه يصل إلى ذلك البلد، فلا يبر، حتى يصل إلى ذلك البلد. /495/ (3/495)
صفحة 1393
وقال من قال: لا تضره النية؛ إذا خرج من البلد. فقد بر.
وعن رجل حلف لا يأكل من طعام فلان، فأكل من ملح فلان. فقال بعض الفقهاء: إن الملح ليس من الطعام، ولا يحنث على ما وصفت.
وعن رجل حلف لا يكلم فلانا، ما قدر على ذلك، فمتى يقدر؟ وإن كلمه وهو ناس أيحنث أم لا؟ فعلى ما وصفت: فقد قال: لا حنث عليه. كلمه ناسيا أو ذاكرا، لأنه استثنى ما قدر.
فإذا كلم فلانا، فلم يقدر على الإمساك، ولا يحنث.
وسألت أبا المؤثر عن رجل خلف رجلا فى البيت، ثم خرج من البيت، فلقى بعد ذلك إنسانا، فسأله عن فلان، فحلف أنه فى البيت، فقال: لا يحنث، وذلك أنه حلف أنه على معرفة أنه فى البيت.
قيل له فاللغو ما هو؟ قال هو أن يقول والله ثم يسكت، ولا يقول فعلت، أو لم أفعل. فهذا هو اللغو. ولا يلزمه بقوله: لا. والله، وبلى. والله، يمينا حتى يعقد اليمين، ويقول بعد ذلك: ما كان كذا.
ومن حلف لا يأتيه، من بيت فلان طعام، فعلق فى ثوبه من ثمره، فلا يحنث
ومن قال: وحق الله، فهى يمين. ومن قال: وحق، فليس بيمين. ومن قال حاشا لله ما فعلت كذا، وقد فعل. فإن أراد به يمينا، لزمته الكفارة، فى قول: الله عز وجل. /496/ (3/496)
صفحة 1394
ومن حدث بحديث فقال: لا إله إلا الله، ما علمت بهذا الحديث، أو قال: لا إله إلا الله، ما أحسن هذا الحديث، ولم يكن بحسن. فهذا كله يمين، ولو لم يرد به يمينا
ومن حلف بالله الذى لا إله إلا هو، لا فعلت كذا، ثم فعل، فعليه كفارة: إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
ومن حلف بحياة فلان، أنه كذا وكذا، ثم حنث. قال: مكروه عند المسلمين، ولا كفارة هكذا عن موسى بن على رحمه الله.
وفى بعض الآثار قال: من حلف بحياة فلان، فحنث، أو لم يحنث، فقد وجبت عليه اليمين، وكفارتها إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام. قال لأنه أشرك مع الله غيره.
ومن قالت له أمه بالله عليك لا تزن، فزنى، فقد حنث. وهو آثم فى زناه، وفى عصيانه لأمه، ويحنثها يمينها.
ومن قال: جزى الله من فعل هذا الفعل، وهو فعله، فعليه الكفارة، قال قوم: مغلظة، وقال قوم: مرسلة.
ومن قال: الله وملائكته شاهدون علىَّ فى شىء، فحنث فيه، فعليه يمين مرسلة.
وقال أبو محمد رضى الله عنه، من قال: الله وملائكته على شهود لأفعلن كذا وكذا، ثم لم يفعل. أن عليه يمينا مغلظة. /497/ (3/497)
صفحة 1395
ومن قال: جعلنى الله يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا، أو خنزيرا، إن فعلت كذا، ثم فعل. فلا أرى عليه كفارة، لأنه دعا على نفسه.
ومن حلف أبعده الله، وأسحقه، إن فعل كذا، ثم فعل. فالله أعلم، لا أرى ذلك يمينا حتى يقول: أبعده الله من رحمته، ثم تلزمه عندى الكفارة.
ومن حدث نفسه حتى يرى أنه قد حلف فى نفسه، ولم يتكلم بلسانه، فلا يمين عليه.
ومن قال: إن الشمس غدا تشرق من المشرق، ثم أشرقت، فإنه يحنث.
وأيمان الغيب كلها حنث.
ومن حلف، والفجر، والطور لأفعلن كذا، فإن أراد بقسمه القرآن المتلو، والطور والليل إذا يغشى ومثله، ففيه اختلاف بين أصحابنا إذا حنث. وبعضهم لم يوجب الحنث عليه.
ومن كان يسوق حمارا، فغمه، فقال: والله إنك ملعون، فعليه الكفارة.
ومن حلف ليرفعن على فلان إلى الإمام والولى، فكتب إليه كتابا، وأرسل بالرفعان فقد بر يمينه.
وإذا قالت امرأة: علىّ ألف لعنة، كل لعنة صيام شهرين إن تزوجت، ثم تزوجت فلا حنث عليها، إلا أن تقول: علىّ من الله ألف لعنة، ثم تحنث، ثم يلزمها ما جعلت على نفسها. /498/ (3/498)
صفحة 1396
ومن حلف لا يطلق امرأته، فاختلعت، فقبل خلعها، فقد حنث.
ومن طلق امرأته تطليقة، ثم حلف ماله امرأة وذلك قبل انقضاء عدتها، وله عليها الرجعة، فلا يحنث.
ومن حلف ليتزوجن على امرأته، فلا بأس عليه فيها، وأما وقوع الحنث فلا. ما دام ينوى أنه يتزوج عليها، حتى تموت امرأته، فإذا ماتت حنث.
وكذلك إن وقعت بينهما حرمة لا تحل أبدا، حنث.
وإن طلقها واحدة، أو ثلاثا، ثم تزوج فلا بأس بتزويجه ذلك ولا يقع عليه الحنث أيضا.
وكان أبو عبد الله رحمه الله، إذا سئل عن الأيمان بالصدقة. يقول: إن أبا على رحمه الله كان يقول: من حلف بصدقة، ولم يقل على الفقراء، ولا على المساكين، وعلى أحد من الناس ولا نوى فى نفسه، ثم حنث، فلا يلزمه فى ماله صدقة، حتى يسمى بها لأحد، وينوى عند يمينه لأحد من الناس.
قال وهو كأنى أحب قول سليمان بن عثمان فى أن الصدقة معروف أهلها: إنهم هم الفقراء والمساكين، إذا لم يسم لأحد من الناس.
وما علمت أنه كان يغرم فى الفتيا على قول سليمان. وكان يجيب إذا سئل بقول أبى علىّ. /499/ (3/499)
صفحة 1397
قال أبو الحوارى: بقول أبى علىّ نأخذ.
وعن من حلف لا يأكل الرؤوس، فأكل رؤوس السمك. قال لا يحنث. لأن الرؤوس عند الناس معروفة.
ومن حلف لا يأكل المشوىّ، قال هو شىّ اللحم المعروف. إلا أن يريد غير ذلك.
وإذا حلف عن الفاكهة. قال: يأكل الرطب والرمان. لأن الله قد أخرجها من الفاكهة وكذلك البطيخ، واللارنج، والجوز، وما يشبهه هذا ليس من الفاكهة.
وإن حلف عن الأدم. قال إنه يأكل البيض والجبن، وما يشبه ذلك، وأما الأدم فهو ما يتأدم به.
وعن من حلف لا يأكل البيض. قال لا يتنكب إلا بيض الدجاج والطيور.
وإذا حلف لا يركب حمارا، فركب ناقة ولا يركب فرسا، فركب برذونا، قال: لا يحنث.
وإن حلف عن الجمال مرسلا، أو الخيل، لم يركب ذلك، لأنه منهما.
وإذا حلف لا يكلم فلانا أياما. قال: عشرة أيام. لأن إلى العشرة ينتهى عدد الأيام. /500/ (3/500)
صفحة 1398
وكذلك إن قال أعطيه فى هذه الأيام.
وإن حلف ليفعلن أول النهار. قال: هو إلى نصف النهار. وكذلك العشى هو من الزوال والمساء، والعشاء إذا جاء الليل.
وإذا حلف لا يظله ظل بيت، فاستظل بظل ظهره، قال: لا يحنث حتى يستظل فى داخله.
فإذا حلف لا يفارق غريمه وفراشه، لم يحنث.
وإذا حلف لا يقعد على الأرض، فقعد على بساط لم يحنث.
وإن قعد على ثيابه التى لبسها حنث، إذا قعد بها على الأرض.
وإن حلف لا يمشى على الأرض، فمشى على نعليه، أو خفيه حنث، وإن مشى على بساط ما كان لم يحنث.
وإن حلف لا يشترى من هذه السوق طعاما. قال: إذا أرسل القول فلا أراه يتنكب إلا الخبز وحده، وفيها نظر.
وإذا حلف لا يحمل السلاح، أو لا يشتريه، فحمل مدية، أو خنزرة، أو خصينا، أو مخلبا، فقال: لا يحنث والسلاح، والسيف، والرمح ونحوه.
قال أبو عبد الله مسبح: إن للناس أن يكفروا أيمانهم حيث شاءوا.
قال غيره: لا يطلب رخص السعر. قال سليمان بن عثمان: من حلف بصدقة ماله، على الجن والشياطين، أن يرد إلى المساكين. ... /501/ (3/501)
صفحة 1399
قال عمر بن المفضل. إن ذلك ما فيه يمين.
وعن صبى حلف أيمانا ثم حنث. هل يكفرها إذا بلغ؟ قال سلمان: ليس عليه ذلك.
قال أبو زياد: إذا حلف وحنث وهو صبى، لم يكفر إذا بلغ. وإن حلف وحنث حين بلغ، كفر.
قال سليمان بن عثمان: من حلف بصدقة ماله، ثم حنث، لم يرفع له من حنث دينه شىء.
قال الربيع يرفع له دينه عاجله، وآجله. قال هاشم الخراسانى: مثل ذلك.
وقال بعض: إذا جعل ماله صدقة، ولم يسم لأحد بعينه؛ أنه لا شىء عليه.
وقال أبو مهاجر: إن الصدقة معروف أهلها. وقال موسى وبشير: يكفر أيمانا.
وحفظ أبو عبد الله عن أبى على؛ فى امرأة حلفت لا تبيع جارية لها، فأرادت أن تبدل بها جارية أخرى، فقال أبو عبد الله: إن فعلت حنثت. لأن القياض بيع، والتولية بيع والبيع بيع. والله أعلم.
فصل
فى أيمان السلطان والجبابرة
قال محمد بن جعفر: وقد نظرنا فيما يبتلى به الناس من جور الجبابرة، وما يظلمونهم ... /502/ (3/502)
صفحة 1400
به، مما لم يجعله الله لهم عليهم، ثم لا يرضون إلا أن يجبروهم على ظلم الناس لهم، أو يدلوهم عليهم حتى يظلموهم، أو يطلبوا من آخرين أموالهم ظلما؛ فإن أنكروا ذلك جميعا، أنهم لا يعرفون، ولا يقدرون عليه، حلفوهم بالعتق والطلاق، وغير ذلك من الأيمان الغلاظ ما عندهم ذلك، ولا يعرفون به، فأقاموهم بين الظلم والأخطار، فسود الله وجوههم، وأحل بهم العذاب.
وقد علم الله أن ذلك سيكون، فقدر الله منهم فرجا وجعل للمسلمين عنده عذرا ومخرجا؛ فقال فى كتابه: {إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ}. وذلك فى عمار بن ياسر رحمه الله حين عذبه المشركون، فأعطاهم الكفر بالله تقية، وقلبه مطمئن بالإيمان. فأنزل الله عذره.
ونظرنا فلم نر شيئا أعظم من الكفر بالله، فإذا عذره الله أن يكفر بلسانه، إذا اتقى من الظالمين تقية، ولم يلزمه الله فى ذلك تبعة، فأحق ألا يلزمه مع العباد تبعة، ولا شىء مما حلفوه به من الظلم الذى لم يجعله الله لهم عليه، إذا اتقى منهم تقية.
وهى رحمة من الله، من بها على عباده أن يبين لهم ذلك فى القرآن.
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا حنث على مغصوب.
وقال محمد بن جعفر فى جواب محمد بن محبوب رحمه الله إلى أهل المغرب، وإنما تجوز التقية فى القول، لا فى العمل، كذلك جاء الأثر عن المسلمين وأشياخهم، ... /503/ (3/503)
صفحة 1401
أنه لا يجوز لمسلم أن يعصى الله بركوب ما حرم الله عليه للتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية، إلا أن يحال بينه وبين الفرائض، مثل الصلاة، فإنه يصليها كما أمكن له من الصلاة، ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا حيل بينه وبينها.
قال الشاعر:
لَولَا ثَلَاثٌ هَلَكَ البرية ... الحكم والتوبة والتَّقيَّة
وقال غيره:
لَوْلَا ثلاَثٌ هَلكتْ الأُمَّةُ ... الحكم والتَّوبَةُ والتَّقية
قال غيره: ويوجد أربعة، وهى الرخصة؛ فينظر فى ذلك.
رجع:
غير أنا نظرنا فى إيمان هؤلاء الجبابرة، فإذا هى تنصرف على وجوه كثيرة، فإن حلفه على حق للجبار، أو لغيره، أو لله عليه، فحلفه، أن يصلى ويصوم شهر رمضان، أو يؤدى حقا للناس عليه، ولا يشرب الخمر، ولا يأكل لحم الخنزير، ولا يجحد، ولا يغبن حقا لهم عليه، فحلف بهذه الأيمان جميعا، ثم حنث فيها، فهذه عندنا أيمان تلزمه؛ لأنه وإن كان ظالما، فلم يظلمه فى ذلك.
وكذلك فى كل شىء حلفه به، مما هو لله عليه، أو للعباد، فلم يظلمه. فإذا حنث فيه لزمه الحنث. /504/ (3/504)
صفحة 1402
وهذا الذى مضى كله، قول أبى المؤثر، أيضا قال غيره: الذى عندى أن الذى مضى قول محمد بن جعفر، وقول أبى المؤثر، مثل قول محمد بن جعفر فى ذلك.
ومن غيره:
قال نعم: إذا كان الجبار يحلفه على ما يجوز له أن يحلفه عليه، فذلك له عليه جائز، ما لم يحلفه بالطلاق، فإنه لا يجوز له أن يجبره على اليمين بالطلاق، ولا العتاق، لأن ذلك مما لا يجوزه المسلمون. والله أعلم.
قال محمد بن جعفر: وأما ما كان يظلمه فيه، فإنه على وجهين.
فما كان من العمل، فإنه يقال إنه غير معذور فيه، وذلك أنه يقول له: اقتل هذا الرجل وهو له ظالم، أوازن بهذه المرأة وهو كاره، أو اشرب الخمر، أو كل لحم الخنزير، وإلا قتلتك.
فهذه الأفعال ونحوها، هى العمل، وقالوا لا عذر له أن يفعلها، فإن بلى بفعل شىء من ذلك، فقد أخطأ وتجزئه التوبة، إلا حقوق العباد من ذلك، فإنه قيل إنه يضمنها.
قال أبو المؤثر رحمه الله: هو كما قال محمد بن جعفر، إلا أنا قد بينا القول فى الخمر، ولحم الخنزير، والميتة، والدم.
قال محمد بن جعفر: وقال بعض المسلمين فى الجبار، إذا أمر رجلا أن يزنى بامرأة، فزنى بها لما أجبره على ذلك؛ أنه يلزمه عقدها، ولا حد عليه. لأن هذا حق لله، وهو مرفوع عنه، وتعذر فيه، ويؤخذ بالعقر، لأنه من حقوق العباد.
/505/ (3/505)
صفحة 1403
قال أبو الحوارى: وقد وجدنا فى بعض الآثار، أن عليه الحد. والقول الأول: أحب إلينا وبه نأخذ.
وأما الذى أكره على الزنى بامرأة مستكرهة، ففعل، فعليه العقر، وهو آثم فى فعله، وأما الحد، فالله أعلم.
ولو أقام الإمام عليه الحد، ما عنفته.
وأما المرأة فلا حد عليها، ولا إثم، إن شاء الله.
وإن استكرهه على الزنى بامرأة وهى مطاوعة، فعليها هى الحد والإثم، ولا عقر لها، وهو آثم، والحد على ما وصفنا.
وإن أخذ الجبار ذكره، فأدخله فى المرأة، فلا صداق على الرجل، ولا حد.
وإن أمكن الرجل أن يعزل عن امرأة بعد أن أولج الجبار ذكره فى المرأة، فمضى على الوطء، فعليه الإثم، وعليه للمرأة الصداق. ولا أرى عليه حدا.
قلت لأبى المؤثر: فالجبار يبرأ من الصداق؟ قال: لا. على الجبار لها صداق ثان إذا أدخل ذكر الرجل فى فرجها، ويكون لها صداق على الرجل، إذا أمكنه أن يعزل عنها، فمضى على وطئها.
قال أبو المؤثر: وكذلك إذا استنكره على وطء رجل، كان الإثم على الفاعل، وهو مثل المستكره على وطء المرأة. ولا إثم على الآخر إن شاء الله. /506/ (3/506)
صفحة 1404
قال محمد بن جعفر:
الوجه الثانى فى القول دون الفعل، وهو الذى فيه العذر. وهو مثل ما يقول له: إن بلغه عنه كذا، وكذا، وفعل كذا وكذا شيئا هو جائز فى الحق أن يقوله وأن يفعله، غير أنه مما يغضب الجبار؛ فإن أقر به ضربه، وإن أنكره حلفه بأيمانه الغلاظ. ما قال كذا وكذا، ولا فعله، وقد قال ذلك وفعله، فحلف تقية.
فهذا لا نرى عليه حنثا، لأنه لا يقدر أن يرد ما قد كان، وليس عليه أن يقر، فيعاقبه، وإنما فعل ما هو له، وقد ظلمه فى يمينه، فلا حنث عليه له، إن شاء الله.
قال أبو المؤثر أيضا أن رجلا شتم الجبار أو غيره، بما ليس له أن يشتمه به، أو قذفه، فاستحلفه الجبار ما فعل، وهو إن لم يحلف ناله من العقوبة بأكثر مما يلزمه على ذلك الذنب الذى فعله، فحلف. فلا حنث عليه.
وإن كان إنما يعاقبه بقدر ذلك الذنب، أو بما يحتمله من العقوبة، فحلفه، فهو حانث.
قال محمد بن جعفر: وكذلك إن حلفه لا يفعل كذا، وكذا، ولا يقول: كذا، وكذا مما هو طاعة لله العمل به، أو عليه فيه مضرة فى نفسه وماله، فاتقى وحلف، ثم فعل ذلك فلا نرى عليه أيضا فى ذلك حنثا؛ لأنه ظلمه، وإنما حلف تقية. /507/ (3/507)
صفحة 1405
قال أبو المؤثر: نعم هو كما قال محمد بن جعفر. ووجه آخر إن حلفه ما يعلم أين فلان ولا يعرف لفلان مالا، وإن لم يأخذ له مال فلان: فإن أعلمهم بفلان، خاف أن يقتلوه أو يأخذوا ماله ظلما، ولا يحل له هو أن يظلم الناس، ويأخذ لهم أموالهم، فحلفه أنه لم يعلم أين فلان؟ ولا يعرف لفلان مالا، أو حلف أن يقتل لهم فلانا، ويأخذ لهم ماله، فحنث فى هذا جميعا، لأنه يعرف أين مال فلان، وأين فلان، وكره أن يقتل لهم فلانا ولا يأخذ لهم ماله.
فنقول: إن طاعة الله أولى من طاعة هذا الجبار، ولم يجعل الله لأحد أن يعينه على الظلم ولا يدله عليه، فلا نرى عليه حنثا، إذا ألجأه الأمر من الجبار بين ظلم الناس أو العقوبة، أو اليمين.
وقال أبو المؤثر: لا حنث عليه.
قال محمد بن جعفر: وقد قال بعض المسلمين إنه لا يدل على مسلم، ولا على ماله ولكن يحلف ويحنث، ولم نبصر عليه حنثا، لأنه خير أن يحلف، وإن لم يحلف لزمته العقوبة.
قال أبو المؤثر لا حنث عليه. قال محمد بن جعفر: ونظرنا فى قول من قال إنه لا يعذر هذا الذى يحلفه الجبار، إلا حتى يخاف أن يقتله، أو يضربه ضربا شديدا، أو يخلده فى السجن.
وقال من قال: حتى يشار عليه بالسيف والسياط. فنظرنا فى ذلك: فإذا أشير عليه بالسيف، لم يمسك يد الجبار، ووقع الفوت. /508/ (3/508)
صفحة 1406
وقد قيل عن محمد بن محبوب رحمه الله، أنه قال: ليس بعد القول إلا الفعل
وقيل عن نبى الله موسى بن عمران، صلى الله عليه وسلم أن الله قال له، يا موسى أتخاف غيرى؟ قال يا رب أخاف من لا يخافك.
وعن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لا حنث على مغتصب. وقال: ليس لفاجر يمين.
وقال صلى اله عليه وسلم: ليس بمسلط على مقهور عقد ولا عهد.
وقال الله تعالى {لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ}.
وقال الله تعالى: {اِلآَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}. والتقية: إنما هى خوف يخاف منه العذاب من قبل أن يقع به.
فنقول: إنه إذا كان هذا الجبار يظلم الناس فى أبدانهم وأموالهم، ولا يتقى الله فيهم، وقد أخذ هذا الرجل فامتحنه، فإن خالفه فيهم وهو لا يعلم أنه لا يتقى الله تعالى، ومن خالفه عاقبه، ومن عقوبته أن يقتل ويسلب ويضرب ويسجن، فلا يدرى بأى العقوبات يعاقبه، فنقول إن هذه هى التقية والمخافة. وإنما يرجى دفعها عن من ابتلى بها، أن يعطى لنفسه ما يطلب إليه من قبل أن يقع به العذاب.
وإذا كان هذا الجبار يظلم الناس، ولا يخاف الله، ولا يتقيه، فهذا معنا مخوف. ولا نرى أنه يحنث من حلفه، إذا خافه. ... /409/ (3/509)
صفحة 1407
قال أبو المؤثر: لا حنث عليه فى شىء من هذا الذى وصفت، إذا أخبر الجبار بيمينه فأجبره على الحنث.
قال أبو المؤثر: الذى حفظته عن محمد بن محبوب رحمه الله، إذا توعده الجبار بالضرب، أو بالقتل، أو رأى من ضرب أو قتل، على مثل ما يأمره الجبار بفعله إذا امتنع، فإنه قد صار فى حد التقية، ويسعه أن يعطيه بلسانه ما شاء من الأيمان والقول، ولا إثم عليه فى ذلك.
وقال أبو المؤثر: إذا كان الجبار معروفا أنه يقتل على الغصب، أو يعاقب عليه العقوبة الوجيعة، فإذا أمر رجلا أن يطلق امرأته، أو يكفر، أو قد رآه يعاقب على ما يغضبه العقوبة الوجيعة، أو يقتل. وربما سلم من أغضبه.
فإذا أعطاه هذا الرجل من القول والأيمان ما أمره به؛ وهو إن لم يعطه ذلك غضب عليه، فلا إثم عليه، ولا حنث إن شاء الله. وهذا هو من حد التقية.
وإذا لم يكن رآه عاقب أحدا على ذلك الذى أمره به، إلا أنه يعاقبه على غضبه، ويغضبه امتناعه.
قال أبو المؤثر: وأقول إنه إذا وعده بالقتل والضرب الذى لا يحتمله. إذا رأى من ضرب ضربا لا يحتمله، وقبل على ذلك، أو وعد بالتخليد فى السجن، أو رأى من خلد على ذلك فى السجن، أو عذب بالجوع، أو بالعطش، أو غير ذلك من العذاب الذى لا يحتمله، فإنه إذا أوعده ذلك، أو رأى من فعل ذلك فيه على مثل ما سألوه، وهو لا يستطيع الامتناع منهم، والجبار وأعوانه متجمعين /510/ (3/510)
صفحة 1408
ومتفرقين فى ذلك سواء، إذا كان لا يستطيع الامتناع منهم _فلا حنث عليه، ولا إثم عليه فى ذلك كله إن شاء الله.
قلت لأبى المؤثر: أرأيت إن أوعده بضرب سوط أو سوطين، وهو يوجعه ذلك، إلا أنه يحتمله، قال: لا أرى عليه الحنث _ولعله أراد عليه الحنث.
وقد توجع الإنسان الصفعة، والعقدة، ولدغه الدبى، ومثل هذا لا أراه تقية ومن حلف على ذلك حنث.
قلت له: أرأيت إن ضرب من ذلك ضربا لا يحتمله المضروب، وهو يحتمل ذلك، فحلف على ذلك قال: عليه الحنث.
قلت: أرأيت أن أخذوا رجلا، فقالوا له: طلق امرأتك، فأبى، فضربوه سوطا واحدا، ولم يكن أوعدوه شيئًا، فطلق. قال: لا حنث عليه، لأنه لا يدرى متى يتركونه.
قلت: فإن ضربوه سوطا، ثم تركوه ولم يطلق، ثم أخذوا آخر، فقالوا طلق، وقد رأى هذا، فطلق.
قال عليه الحنث، إذا كان يحتمل ذلك.
وسألت أبا المؤثر عن العذاب الذى لا يحتمله. ما هو؟ قال: لا أعرف تفسيره، إلا أنهم قالوا: إن أوعده ضرب عشرة أسياط، فرجا أن يحتمل ذلك، فلما أن ضرب سوطين، لم يحتمل ذلك، فطلق، فلا طلاق عليه. /511/ (3/511)
صفحة 1409
قلت: فإ ضربوه عشرة، ثم طلق. قال: تطلق امرأته، إلا أن يمد به الضرب، أو يوعدوه زيادة، فطلق، فلا طلاق عليه.
قلت له: فإن قال له طلق. ولم يوعدوه بشىء، فطلق.
قال: لا طلاق عليه، لأنه قد ضربه ذلك، ولا يعرف لذلك الضرب، حلا ينتهى إليه.
والأول إنما طلق بعد انقضاء ما حد له من الضرب.
وقال أبو المؤثر: وأما إذا خافهم، وهم جبابرة، وقد علم منهم الجور والظلم، والقتل، وأمروه أن يحلف لهم، أو يطلق، أو يكفر بلسانه، ولم يرهم قتلوا على الامتناع من ذلك أحدا، ولا عذبوه، ولا جلدوه فى السجن، ولم يوعدوه شيئا من ذلك، إلا أنه خافهم مما يرى من جورهم وظلمهم، فحلف له، أو طلق، أو أعتق على هذا الوجه، فأنى أراه حانثا فى أيمانه، يلزمه العتق والطلاق؛ إلا أن يعلم أنهم يقتلون على الغصب، أو يعذبون عليه، فإذا لم يعطهم ما سألوه غضبوا عليه، ولا يستطيع الامتناع منهم، فأرجوا ألا يحنث، ولا يلزمه العتق ولا الطلاق.
قال أبو المؤثر: وأما بيع ماله، أو أعطيته بمطلبهم. وهم جبابرة، فلا يجوز عليه إذا كان كارها وماله له على هذا الوجه.
وليس هذا بمنزله العتق والطلاق، والإيمان. /512/ (3/512)
صفحة 1410
وإن ظهر المسلمون فأراد الذين وهبوا للجبابرة، أو باعوا لهم أموالهم بمطلب الجبار وأعوانه إليهم، أن يأخذوا أموالهم من يد الجبار، أو من يد أعوانه جميعا، فإن لهم ذلك.
وقد بلغنا أن الجلندى، رحمه الله، رد بيع من حمل لهم الدواة، ويقول إنهم إن طلبوا أيمان أصحاب الأموال، ما باعوا لهم، ولا طلبوا إليهم، بطيبة أنفسهم، فإن لهم ذلك.
فإن حلفوا أخذوا أموالهم، وإن نكلوا عن اليمين، لم ينزع لهم ما لم يحلفوا.
ولا يسأل أصحاب الأموال بينة أنهم باعوا، أو وهبوا كارهين.
وإن ردوا الأيمان إلى الجبابرة وأعوانهم ما أكرهوهم عليه، فليس لهم عليهم أيمان.
قال أبو المؤثر: إذا قبض البائعون والواهبون أموالهم منهم، فمن وهب أو باع بغير وعيد، فلا غلة له.
وإن كانوا باعوا أو وهبوا بوعيد، فأن لهم غلة أموالهم على الجبابرة، وما استهلكه منها الجبابرة وما أنفقوا أو أغرموا فى إصلاح الأموال، يطرح عنهم من الغلة، فإن زاد على الغلة، فليس لهم غرم.
وما أنشأوه أو بنوه، فأهل الأموال بالخيار: إن شاءوا كلفوهم إخراج /513/ (3/513)
صفحة 1411
عمارهم، وإن شاءوا دفعوا إليهم قيمة أشجارهم وفسلهم، وبنائهم، مطروحا يوم يأخذونه منهم، ويحسب عليهم ما استغلوا، وقيمة ما سكنوه. فإن كان أكثر من قيمة الشجر والبناء، فعليهم قيمة الفضل مما استغلوه، أو سكنوه.
وإن كان قصاصا، صارت الأموال لأهلها، وليس للجبابرة شىء، لأنهم قد استوفوا قيمة ذلك من الغلة والسكن، وإن كان ما استغلوه، اقتضى قيمة البناء والشجر، طرح عن أهل الأموال مثل ما استغلوه، وسكنوه، ودفعوا إليهم فضل القيمة.
وإن أمروهم بقلع عمارتهم، أخذوا منهم قيمة ما استغلوه وسكنوه، وللجبابرة على أهل الأموال ما دفع إليهم من الثمن.
وقد بلغنا عن الإمام الجلندى رحمه الله، لم يأخذ المغتصب بغلة، ولم يأخذ أهل الأموال بالثمن.
والذى معنا أنهم لم يطلبوا ذلك. ونقول: إنهم لو طلبوا، وصلوهم إليه إن شاء الله.
وهذا الذى مضى قول أبى المؤثر.
رجع _ومن غيره:
معى أن ذلك لم يكن الطين والفسل من الأرض المغتصبة.
ووجدت أيضا أن الرجل يبنى فى أرض رجل دارا، وطينة، وجذوعة، /514/ (3/514)
صفحة 1412
ودعاية، أعنى من مال المغتصب، ثم قدر صاحب الأرض المغتصبة على إخراج الغاصب. أن لا نقض له.
ورفع هذا القول إلى أبى الحسن محمد بن الحسن رحمه الله. وقد قال من قال إن لصاحب الأرض الخيار: إن، شاء أخذه وأعطى قيمته، وإن شاء أخذه بإخراجه، وكان له ذلك عليه.
رجع:
قال محمد بن جعفر: فنظرنا فى قول من قال إن هذا الذى يحلفه الجبار، إن أخذه فجأة، من سوق أو طريق فحلفه عذره.
فأما إن دعا الناس إلى البيعة، فذهب إلى السلطان فحلفه، فإنه يحنث.
فالذى نحب له من ذلك إن كان هذا الرجل فى موضع يمتنع من السلطان ثم دعاه ليظلمهم، ويحلفه بهذه الأيمان، وقد علم ذلك، ثم ذهب إليه برأى نفسه، فحلف، ثم حنث، فما أبعده أن يلزمه حنث ما حلف عليه. ووافقه أبو المؤثر.
قال محمد بن جعفر: وأما إن كان فى مملكة هذا السلطان، فأرسل إليه، ولا يقدر أن يمتنع منه، أو ذهب هو إلى السلطان فى حاجة له أو لغيره، أو ذهب إليه بلا حاجة، إلا أنه لا يعلم أنه يريد به ظلما، فلما رآه السلطان، أخذه، ثم حمل عليه هذه الأيمان.
فهذا مثل المأخوذ من الطريق والسوق. ولا نرى عليه حنثا، إلا أن تلك /515/ (3/515)
صفحة 1413
الساعة التى أخذه فيها السلطان إنما أخذه عندها فجأة. والله أعلم بالغيب. ووافقه أبو المؤثر.
قال محمد بن جعفر: ونظرنا فى قول من قال: إن هذا الذى يحلفه الجبار قهرا، إنما يعذر ولا يحنث فى القول، ولا يعذر فى الفعل.
فنظرنا فى هذا الفعل، فإذا هو ينصرف على وجوه: فمن ذلك أنه يحلف بالطلاق أنه لا يشرب الخمر، ولا يأكل الخنزير، ولا يزنى، وما يشبه ذلك، مما قد حرم الله عليه، ولا يقتل فلانا ظلما _فحلف بهذه الأيمان جميعا، ثم أجبره الجبار على شرب الخمر، وأكل الخنزير، وقتل فلان ظلما، فهو آثم فى القتل والزنى، وعليه مثل ما على من أكره فى القتل والزنى_ ولا أرى عليه حنثا، إذا أخبر الجبار بيمينه، فأكرهه الجبار على الحنث.
وإن لم يخبر بيمينه، فعليه الحنث.
قلت لأبى المؤثر: أرأيت إن قال له، إنى حلفت، ولم يسم له باليمين، أو أسمى له بغيرها يمينا أغلظ منها، أو دونها، فأكرهه على فعل ذلك. قال هو حانث_وفى نسخة_ فهذا ينبغى فيه الحنث، لأن هذا هو الفعل، ففعله وحنث فيه، وهو محرم عليه.
قال أبو المؤثر: وأما الخمر والخنزير فقد بينا القول فى ذلك.
قال أبو المؤثر: وإنما سقط عنه الحنث، إذا أخبر الجبار بيمينه التى حلفها، /516/ (3/516)
صفحة 1414
فأكرهه بعد أن أخبره بيمينه، وإن لم يخبره بيمينه ناسيًا، أو متعمدًا، وأكرهه ففعل ذلك، فهو حانث.
وكل ذلك سواء كانت يمينه التى حلفها عن معصية، أو عن طاعة، أو عن حلال، أو عن حرام. فإذا أكرهه على ذلك بعد أن أخبره بيمينه، لم يحنث، وإن لم يخيره بيمينه فأكرهه على ذلك، ففعل، فهو حانث.
قلت له: أرأيت إن أكرهه الجبار على أن يحلف لا يقتل فلانا، ولا يزنى، ولا يشرب الخمر، ولا يأكل الخنزير، ولا يترك الصيام، فأجبره حتى حلف على ذلك بالطلاق أو غيره من الأيمان، ثم أجبره حتى فعل هذا الذى حلفه عليه من المعصية والطاعة، والحلال والحرام. قال: لا حنث عليه فى هذا كله. وهو آثم فيما يأثم فى فعله، إذا استكرهه عليه، ولا يحنث فى يمينه.
قال أبو المؤثر: وإنما رأيت هذا بمنزلة الذى يكرهه على أن يطلق، أو يعتق.
قال محمد بن جعفر: ووجه ثان. إن حلف بطلاق زوجته، لا يشرب الماء فى هذا اليوم، ولا يدخل منزله هذا اليوم، وما يشبه هذا، مما هو حلال، فأجبره الجبار على شرب الماء فى ذلك اليوم، ودخل منه_ وفى نسخة أخرى على دخول منزله_ فرجونا أن يكون هذا من الفعل الذى لا يلزم فيه حنث_ وفى نسخة أخرى_ فرجونا ألا يحنث فى كل هذا لأنه حلال له فعل ذلك، فلم يفعله، فلما أجبره الجبار حتى أحنثه فيه، رجونا أن يكون هذا من الفعل الذى لا يلزمه فيه حنث، ونحن سائلون عن ذلك إن شاء الله. /517/ (3/517)
صفحة 1415
قال أبو المؤثر: لا حنث فى شىء من هذا الذى وصفت، إذا أخبر الجبار بيمينه، فأجبره على الحنث.
قال فى رجل حلف بعتق عبيده، وطلاق امرأته، إن دخل دار فلان، أو أكل هذا الطعام، فأجبره على ذلك الجبار، ففعل ولم يخبره بيمينه، فهو حانث.
وإن أخبره بيمينه، ثم أجبره على ذلك حتى فعل، فلا حنث عليه.
قال غيره:
الذى معنا أنه ليس للجبار عليه شىء أن يفعل ما لا يلزمه، وإذا أجبره على فعل شىء لا يلزمه، فأجبره على فعله حتى فعله، أنه لا يحنث.
وإن أمره بما يلزمه فعله لا يفعله، كان حانثا.
رجع:
قلت: فإن أمره أن يدخل دار فلان،، أو يفعل كذا، وكذا، فحلف بطلاق زوجته، وعتق عبيده لأفعل ذلك الذى أمره به، أو قال بايعنى، أو قال له كل خبزتك _هذه مما هو له، فحلف بطلاق زوجته، وعتق عبيده، لا يفعل، فأجبره الجبار حتى فعل.
قال أما ما أمره به أن يفعله مما لا إثم عليه فيه إن فعله، وهو واسع له أن يفعله وليس بواجب عليه، فحلف بطلاق امرأته، وعتق عبيده لا يفعل، ثم أجبره حتى فعل، وإنما كان حلفه من بعد أن أمره_ فإنى أرى عليه فيه الحنث. ... /518/ (3/518)
صفحة 1416
وأما ما أمره به من معصية الله، مما لو فعل بنفسه، من غير أن يكرهه عليه، كان عاصيا لله فيه، فإن أكرهه عليه، ففعله لم يأثم من أجل التقية. فحلف بطلاق زوجته وعتق عبيده، ألا يفعله، يريد بذلك الاحتجاز عن معصية الله، فأجبره حتى فعله، فلا أرى عليه حنثا فى ذلك.
قلت له: أرأيت إن قال له بايعنى، فحلف له بطلق امرأته لا يبايعه، فأجبره حتى يبايعه. قال: إن كان قال له، بايعنى على طاعة الله. فأخاف أن يحنث، لأنه لم يكن عليه إثم إن بايعه على طاعة الله.
ولو كان لا ينبغى له أن يبايع الجبار بيعة على حال، ولكن لا أرى عليه فى هذا إثما.
وإن قال بايعنى على معصية الله، أو على كذا وكذا شىء من معصية الله، أو قال بايعنى على ألا تخرج على، ولا تعين على محاربتى، ونحو هذا، فحلف بالطلاق والعتق لا يبايعه على ذلك. فلا حنث عليه إن شاء الله.
قال أبو المؤثر: إنما يجب عليه الحنث فى اليمين التى يستحلفه بها، وإن حلف بيمين غير ما حلفه به الجبار حنث فى مثل ذلك، مثل ما لو استحلفه بالطلاق، فحلف هو بالعتق، أو بالحج أو بالصدقة، لزمه هو الحنث فى العتق والحج والصدقة.
وكذلك إن استحلفه ببعض هذه الأيمان، فحلف هو بيمينين أو بثلاث، /519/ (3/519)
صفحة 1417
مثل ما لو أنه استحلفه بالطلاق، فحلف بالطلاق والعتق جميعا، فلا يلزمه فى الطلاق حنث، ويلزمه الحنث فى العتق.
قال أبو المؤثر: لو أن جبارا أكره رجلا على أن يحلف ألا يقتل فلانا ظلما، ولا يفعل كذا وكذا شيئًا هو حرام عليه، فخاف ثم أجبره جبارا آخر على أن يفعل ذلك الشىء ففعله.
قال: فإن كان أخبر هذا الجبار الآخر بيمينه التى حلفها عليه الجبار الأول، فأكرهه حتى فعله، فلا حنث عليه، وهو آثم فيما يأثم فى فعله على الإكراه.
وأما الحنث فلا يلزمه.
وإن لم يخبره بيمينه فهو حانث. قال: وكذلك إن فعل هو ذلك الشىء الذى أكرهه الجبار أن يحلف عن فعله، ثم فعله هو بنفسه، فإن كان هو قد استحلفه هو عن حرام، ففعله حنث فى يمينه.
وإن كان استحلفه عن حلال، ففعله، فلا حنث عليه.
قلت: أرأيت إن حلفه لا يعصى الله. وسمى المعصية صغيرة أو كبيرة، أو لم يسمها.
وقال له: إن لم تحلف قتلتك، فحلف، ثم عصى الله.
قال: إما إذا سمى المعصية، صم فعلها فعليه الحنث. /520/ (3/520)
صفحة 1418
وإن حلفه لا يعصى الله هكذا، ثم عصى الله، فالله أعلم.
قلت: أرأيت إن رفع إليه جبار خبزة، وقال له كلها فى بيتك فأخذها. فقال: احلف بطلاق امرأتك أنك تأكلها، وإلا قتلتك، فحلف، ثم لم يأكلها. فقال: هو حانث.
قال غيره:
هو مغصوب على مالا يلزمه، ولا يحنث بيمين مغتصب.
رجع:
وقال لو أن رجلا قال له الجبار عندك كذا وكذا، أو ذهبت به إلى موضع كذا وكذا، فأنكره. قال له: احلف بطلاق امرأتك، أنك ما هو عندك، أو ذهبت إلى ذلك الموضع، وهو يعلم أن ذلك مما يغضب الجبار، فحلف له بالطلاق، وهو يعلم أن ذلك مما يغضب الجبار، لم يحنث.
وإن كان يعلم أن ذلك مما لا يغضب الجبار، فحلف فهو حانث.
وهذا الذى مضى قول أبى المؤثر.
قال محمد بن جعفر: ووجه آخر، أنه إن طلب إليه أن يعطيه درهما، أو علفا لدابته، فقال له: ليس عندى علف، ولا دراهم، فحلفه بالطلاق والعتاق ما عنده دراهم، ولا علف، ولا يملكه، فحلف على ذلك جميعا بهذه الأيمان، وهو عنده الدراهم والعلف، وفى ملكه. /521/ (3/521)
صفحة 1419
وكذلك إن حلف بهذه الأيمان، إن لم يذهب إلى موضع قريب، قد ذكره إلى وقت، ولم يذهب حتى انقضى الوقت، ولم تكن الدراهم، ولا العلف، ولا الذهوب (؟؟؟) إلى ذلك الموضع يعجزه، فلا إثم عليه فيه إن فعله، غير أنه ظلم يظلمه به الجبار، وهو يقدر عليه ويحتمله، ولا إثم عليه فيه.
فلما حلف عن هذا جميعا، أو نحوه، توقفنا عن هذه المسألة، وأحببنا إن لو فعل ذلك، ولم يحلف، فلما فعل ذلك وحنث، نظرنا فإذا القليل والكثير سواء حلفه على درهم، أو درهمين، أو ألف درهم، أو ألفين، حتى يقر له بماله جميعا، فيأخذه ظلما.
وكذلك إن حلفه أن يذهب له إلى موضع قريب ظلما.
وكذلك إن حلفه أن يذهب له إلى مسيرة شهر أو أكثر، فرأينا أنه لم يجعل الله له أن يأخذ شيئًا من ماله، ولا يعينه ظلما. وقد صار إن أقر له به، أخذه؛ وإن أنكره حلفه، فإن لم يحلف ضربه أو قتله؛ فلم ير بعض أهل الرأى عليه فى ذلك حنثا، ولم نبصر على الناس حنثا فى أيمان الجبابرة التى يحلفون الناس بها ظلما وقهرا.
وقد حرم الله دماءهم، وقد عذرهم عند التقية.
وقد كان هذا الرجل الذى حلفه هذا الجبار أن يعطيه (1) شيئًا من ماله ظلما، /522/
(1) فى الأصل ألا يعطيه. (3/522)
صفحة 1420
فأنكره إياه وكان إنكاره واسعا له عند الله، وهو معذور، ولم يكن الجبر وقع عند المال الذى يطلبه إليه، فيقول: إما أعطيتنى إياه وإلا قتلتك، وغير ذلك.
ففى آثار المسلمين، أنه بالخيار: إن شاء أعطاه ماله، وفدى به نفسه، وإن شاء قاتل على ماله حتى يقتل، وهو على ذلك شهيد.
والذى قاتله على ماله، هو بذلك ظالم كافر. ولم يؤمر هذا الرجل أن يعطى الكافر ماله إلا برأيه، وقد جعل الله له أن ينكره إياه، وأن يجاهده عليه.
فلما لم يقر له بماله، لم يقل له إنى أقتلك، أو تعطينى إياه، ولكنه رجع إلى اليمين ظلما، من بعد ظلم آخر أن يحلف وإلا قتله.
فمن ها هنا وقع الجبر الثانى، فإما أن يحلف، وإلا قتله، فأخذنا برأى من رأى، ألا حنث عليه.
قال أبو المؤثر: الله أعلم. وقال أبو المؤثر: إنه إذا قال الجبار لرجل أعطنى كذا وكذا من مالك، فقال له: لا أجده؛ فقال له احلف بطلاق امرأتك ما تجده، وإلا قتلتك، وهو يجد ذلك. فحلف، فالله أعلم.
وإن قال له: احلف بطلاق امرأتك، لتعطينى كذا وكذا من مالك، وإلا قتلتك فحلف بطلاق امرأته ليعطينه ذلك الشىء. قليلا كان أو كثيرا، ثم لم يعطه ذلك لم يحنث فى هذا، ولو كان يقدر على ذلك؛ لأنه لا يجد بدا من اليمين. /523/ (3/523)
صفحة 1421
والأول قد كان يقدر أن يفدى نفسه من اليمين بماله، فوقفنا عنه.
قال محمد بن جعفر وعن محمد بن محبوب رحمهما الله فى رجل حلفه السلطان، فقال له: امرأتك طالق إن لم تواف يوم كذا وكذا، أرض كذا وكذا؛ فانطلق ليوافى، ثم رجع، فقال أبو عبد الله: فإن كان مجبرا، فلا تطلق امرأته وهكذا قال أبو المؤثر.
قال محمد بن جعفر فى رجل حلف بطلاق امرأته إن شرب نبيذا، فدخل على جبار فخافه، فحلف عليه، إن لم يشرب، فأخبره بيمينه، فلم يسمع له قولا؛ غير أنه يخافه على دمه، فشرب. قال: قد حنث. وإنما تجوز التقية فى الكلام، لا فى الفعل.
قال أبو المؤثر: قد مضى جوابنا فى هذا، ولا نرى عليه حنثا، إذا أخبر الجبار بيمينه، فأكرهه الجبار على ذلك حتى فعله.
ومنه أيضًا، قال قيل فى رجل يأخذه السلطان الجائر، فيقول له: اقتل هذا الرجل، وإلا قتلتك، أو ازن بهذه المرأة، وإلا قتلتك، فهذا غير معذور. وعليه ما أصاب من ذلك.
وأما إذا قال له: إنه قد بلغنى أن فى منزلك فلانا، فأظهرنى عليه، وهو يعلم أنه إذا ظفر به، قتله، فحلف بطلاق امرأته ما هو فى بيتى، فإنه لا تطلق امرأته، إذا كان يخاف منه على نفسه، وكذلك فى غير هذا من الأيمان، لا كفارة عليه، وهو معذور، لأن الله قال: {إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ}. /524/ (3/524)
صفحة 1422
فهذا فى القول. فأما فى الفعل، فلا عذر له، كما ذكرت لك فى أول المسألة الأولى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حنث على مغتصب.
قال أبو المؤثر: إذا قال بلغنى أن فلانا فى منزلك، فأظهرنى عليه، فحلف بطلاق امرأته ما هو فى بيته، والرجل فى بيته، وهو يعلم أنه إذا ظفر به قتله، فهذا حانث وقد لزمه الطلاق، إلا أن يقول له الجبار: احلف بطلاق امرأتك ما لم تعلم أين هو؟ وما هو فى بيتك، وإلا قتلتك، أو ضربتك، أو على هذا الوجه الذى وسعه فيه التقية، فحلف كما أمره أن يحلف من أجل التقية، وهو يعلم به، فلا حنث عليه.
قلت لأبى المؤثر: أرأيت إن قال له احلف بطلاق امرأتك ما تعلم أين هو؟ وإلا قتلتك، فحلف بطلاقها، ما هو فى بيته، وهو فى بيته، أو قال له: احلف ما هو فى بيتك فحلف ما يعرف أين هو؟ وهو يعرف أين هو. قال هو حانث.
وإنما لا يلزمه الحنث إذا حلف كما أمره أن يحلف.
قلت: أرأيت إن قال: طلق امرأتك، وإلا قتلتك، أو قتلت ولدك، أو قتلت غلامك، أو قتلت فلانا، أو أخذت من مال فلان مائة درهم، أو أخذت من مالك مائة درهم، وابنه صغير أو كبير.
قال، إن طلق على هذا، وجب عليه الطلاق، لأن الوعيد وقع على غيره، فلا تجوز له التقية عن غيره بطلاق. ولا يكفر إلا فى ولده الصغير، فلا أقول فيه شيئا. والله أعلم.
وأما قتل غلامه، وأخذ ماله وغير ذلك، فلا أراه تقية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حنث على مغتصب. /525/ (3/525)
صفحة 1423
قال غيره:
وقد قيل تسع التقية فى المال والنفس،، فإذا خاف على نفسه وماله، وسعته التقية.
قال محمد بن جعفر، قال محمد بن محبوب رحمهما الله، فيمن استحلفه سلطان جائر على شىء بالطلاق، ما فعل ذلك وقد فعله.
وقال: إن كان ظالما فى يمينه، وقد خاف الضرب، فلا حنث عليه.
قال أبو المؤثر: إذا كان يعاقبه، إذا أقر له بذلك الفعل، فلا حنث عليه.
وإذا كان لا يعاقبه على ذلك الفعل، فليختبره، ولا يحلف. فإن حلف حنث.
قال محمد بن جعفر وعن محمد بن محبوب رحمهما اله فى سلطان جائر، أراد أن يحلف رجلا بالطلاق، أنه ما كان منه كذا وكذا. قال: إن كان فعل ما يحل له، وأنما (؟؟؟) يحلفه ظالما له، إذا خاف منه الضرب، أو قد رآه فعل بغيره، أو أخذه ليفعل ذلك به، فإنه لا يحنث.
قلت: أرأيت إن استحلفه ألا يفعل كذا وكذا، فحلف، ثم فعل. قال: هى مثل ذلك.
ومما حفظنا بدما _ويوجد حفظوا، وعن رجل حلف للسلطان بالطلاق. قال: إن خاف القتل، فلا يلزمه، وإن لم يخف القتل لزمه. /526/ (3/526)
صفحة 1424
ومنهم من يقول: إذا أظهر السوط، وأيقن بالعذاب جاز له ما جاز لعمار بن ياسر رضى الله عنه.
قال الربيع رحمه الله، إذا حلف الرجل مكرها بالطلاق، فقتل، أو ضرب بالسياط فطلق، فلا تطلق امرأته، إذا أخذ مفاجأة. وليس له أن يأيتهم (؟؟؟).
وقد نظرنا فى هذه الآثار وغيرها، وقسنا على ذلك مما رأينا_ نسخة وكتبنا له فى هذا الكتاب.
قال أبو المؤثر: قد مضى جوابنا فى هذا الذى مضى، وقد بينا القول فيه كله.
ومن غيره:
وعن رجل هدده السلطان حتى طلق امرأته، لأمر يخاف منه، خاف فيه على نفسه، قال، لا أرى عليه بأسا.
ومن غيره: التقية تسع فى النفس والمال والدين، ولا تسع فى العرض.
وسئل عن رجل حلف بالعتق والطلاق على أمر إن لم يحلف عليه، خاف على دينه، وماله. قال: إن كان لا يستطيع أن يهرب، أو يفر، واضطر إلى اليمين، فليس عليه طلاق، ولا عتاق.
ورعموا (؟؟؟) أن جميلا الفارسى سأل أبا الشعثاء أيام كان قطر بن مكوك على البصرة، وكان يستحلف الناس بالطلاق والعتق، قال فأعرض عنه أبو الشعثاء رحمه الله. /527/ (3/527)
صفحة 1425
قال: قلت له: ليس فى هذا الزمان يدعنا، قال العتق والطلاق واجب، ما سمى منهم، ومنهم مضين (؟؟؟).
وكان غيره يقول: إذا خاف على نفسه القتل، أو عقوبة متصلة، ورأى غيره قد صنع به ذلك على مثل هذا الذى يراد منه، فليس أيمانهم بشىء.
وسئل عن رجل أخذه السلطان فأحلفوه على حقه حتى مضى، فأعطاهم على نفسه الطلاق على منزلة اتقى فيها الكفر. فإذا أعطاهم الطلاق على هذه المنزلة جاز له، لأن كل منزلة يتقى فيها صاحبها الكفر يخاف على دمه، فهو إذا حلف بالطلاق والعتاق، يجوز له أن يمسك رقيقه وامرأته.
وعن رجل أخذه قوم فقالوا، لتطلقن امرأتك، أو لنضربنك ضربا وجيعا.
قال: إن خاف شيئًا من الضرب، فليس طلاقه بشىء.
قال غيره:
إن خاف أن يضرب ضربا، يخاف على نفسه منه، فليس طلاقه بشىء.
وروى عن أبى الشعثاء فى شأن أبى خبة، إذ قال لأبى الشعثاء: إنا نمر على العشاريين فنخاف أن يذهبوا ببعض أموالنا، فلنا أن نحلف لهم بالطلاق؟
قال أبو الشعثاء: ابق أم حكيم_أى امرأته_ نقول: لا تعطهم طلاقا فتحرم عليك. /528/ (3/528)
صفحة 1426
ولا نرى بأسًا إن رأى الرجل أن ما يذهب من ماله طائفة، أن يحلف بالله، ثم يكفر، ولا يحلف بالطلاق، فيجوز عليه ما فرط من الطلاق _ نسخة فرض من الطلاق_.
ومن غيره:
وأما ما ذكرت من رجل أخذ بالبيعة، فحلفوه بالمشى والطلاق وغير ذلك من أيمان البيعة، فحلف الرجل مخافة على نفسه من الضرب، هل تلزمه اليمين؟
قال: نعم، ما لم يؤخذ فى الضرب، فإذا أخذ فى الضرب، فإنه يعطيهم ما أكره عليه.
وأما ما ذكرت فى رجل أخذ بالبيعة. فحلفوه بالمشى والطلاق وغير ذلك من أيمان البيعة فحلف الرجل فخاف على نفسه من القتل. هل تلزمه اليمين، إذا خاف على نفسه من القتل؟ إذا بلغ أمرهم إلى القتل، فلا تلزمه اليمين، ولا كرامة.
ورجل أخذوه بالبيعة، فجمعوا الناس جميعا فى مسجد، أو حائط، وأمروا رجلا أن يقرأ عليهم كتابا، فيه أيمان البيعة، فجعل أولئك القوم يقولون: نعم نعم، وفيهم رجل يقول: لا. ولا يفطن له أحد. هل عليه شىء؟
قال: ليس عليه شىء.
وأنا كنت ابتليت بمثل هذا مرة بالرى، أول ما حججت، وكان قولى /529/ (3/529)
صفحة 1427
قول الرجل، حيث كان يقول الجماعة: نعم، نعم، وأنا أقول: لا، لا، وأخبرت بذلك العلماء، فقالوا ليس عليه شىء.
وأما ما ذكرت من رجل أخذه السلطان، فدعوه إلى البيع، وقرأوا عليه كتابا فى أيمان البيع فجعل الرجل يومئ برأسه، كأنه يريهم من نفسه الرضى، ولم يتكلم، ولكن كلما قال له القوم نعم، خفض برأسه، كأنه يريهم الرضى من نفسه، ولم يتكلم. هل تلزمه اليمين؟
قال: لا تلزمه اليمين، ما لم يفصح بلسانه، إنما كان ذلك منه تقية. والتقية حجة للمسلمين.
وكذلك قال من استشرته من المسلمين، وكانوا أربعة رجال، الذى استشرت، فقالوا ليس عليك شىء.
وأخبرك رحمك الله، أن مما يبتلى به المسلمون فى أمر هذه التقية، أن قول الفقهاء كانوا يقولون_ فى نسخة المشتركة_ عندنا إذا أخذ الإنسان فى سوق، أو طريق، أو من غير أن يأتى بنفسه إليهم.
وأما إذا نودى فى الناس: تعالوا إلى البيعة، فذهب: وحلفه، فإذا حلف، وحنث، وجب عليه ما حلف به.
فإن أخذ من الطريق، أو خرج من المنزل، ما لم يضرب، فلا يسعه أن يحلف، فإذا أخذ فى الضرب، فإنه يعطيهم ما أكره عليه، ولا شىء عليه. وهذا قولهم فى أمر البيعة. /530/ (3/530)
صفحة 1428
قال محمد بن جعفر: وقد قيل أيضًا فى عبيد أخذوا سيدهم فطرحوه _ وفى نسخة يطرحونه فى البحر_أو ليلقوه فى البئر، إلا أن يعتقهم، فلم يروا عليه فى ذلك عتقا.
وكذلك إن أوثق عبد سيده، ثم قال له: أعتقنى، وإلا قتلتك، فأعتقه، فإنه لا يعتق.
وإن حلفه حاكم حلف له أنه عبده ما خرج منه بعتق. وهكذا قال أبو المؤثر.
قال محمد بن جعفر: فى رجل كان هو وامرأته على جبل، فدلته امرأته بحبل لينحدر برأيه، فلما صار فى بعض المنحدر، قالت له: طلقنى، وإلا أرسلت بك الحبل تسقط، فطلقها. فقالوا: لا تطلق.
فإن طلقها ثلاثا، قال عبد الله رحمه الله، إنها تبقى عنده بواحدة، لأنا أبطلنا عنه واحدة بقولها طلقنى، ويلزمه لها تطليقتان.
قال أبو زياد: يطلقها واحدة، فإن قبلت فسبيل ذلك. وإن قبلت زدنى، زادها واحدة:
وحفظت أنا عن محمد بن محبوب رحمه الله فى رجل، كان فى بدنه جرح، فعصره رجل، فأوجعه وقال لا يتركه حتى يطلق امرأته، فطلقها، وهو لا يقدر على الامتناع من الرجل.
قال: طلقت امرأته. ولعل هذا إذا لم يكن_ وفى نسختين_ ولعل هذا إذا لم يكن فى حد خوف _كمثل الأول. والله أعلم. /531/ (3/531)
صفحة 1429
قال أبو المؤثر: الذى عندنا أن التقية تجوز للمكره الذى لا يقدر على الامتناع ممن يستكرهه وهذا هو حد التقية، والله أعلم.
قال محمد بن جعفر: وعندنا لو أن جبارا أمر رجلا أن يعتق عبده، أو يطلق امرأته، أو يعطيه ما يأمره، فإن لم يفعل خاف منه الضرب، أو القتل، ففعل ذلك جميعا قال: لا يلزم على هذا طلاق، ولا عتق، ولا فوت مال.
قال أبو المؤثر: نعم إذا صار فى حد التقية التى ذكرنا.
قال محمد بن جعفر: وعمن أخذه جبار ليحلفه ظلما، ولم يعلم أنه ظلم أحدا من قبله، ولا ما سيرته.
فنقول: إنه لم يعلم ذلك، فلينتظر إلى الذى يحكم به عليه الجبار، ويطلبه إليه من الأيمان وغيرها، فإن كان يطلب إليه حقا، فليعط الحق من نفسه، وإن كان يحمل عليه ظلما وباطلا، فقد بان له أنه ظالم فيما يحكم به عليه، ويطلبه إليه من الظلم، فيكفيه ذلك.
قال أبو المؤثر: إذا حمل عليه اليمين من غير وعيد، ولا أرى أحدا عوقب على مثل ما حمل عليه، فحلف، فهو حانث، ولو كانت اليمين ظلما.
قال محمد بن جعفر: وعن جندى من أعوان الجبابرة، أخذ رجلا فحلفه بهذه الأيمان التى يعذر فيها إذا حلفه بها الجبار، فيقول: إذا كان هذا الجبار وأعوانه، قد ملكوا البلاد، وقهروا العباد، ولم يقدر هذا الرجل أن يمتنع من هذا الجندى /532/ (3/532)
صفحة 1430
ويخاف_ نسخة وخاف_ منه العقوبة، فلا حنث عليه فى يمينه_ وفى نسخة فهو بمنزلة الجبار_ فلا حنث عليه فى يمينه.
وحفظ لنا نبهان بن عثمان رحمه الله عن أبى عبد الله بن محبوب رحمه الله، أن من سأله السلطان الجائر، ما ليس له أن يسأله إياه، وحمل عليه، فأنكر ذلك، فاستحلفه بطلاق، أو عتاق، أو غير ذلك من الأيمان، فحلف أنه لا يقدر عليه وهو يقدر عليه، أنه لا حنث عليه، إذا هدده بالعقوبة، أو قد رأى من عوقب على مثل ذلك من الضرب أو القتل، وأما الحبس فلا.
وقال ليس بعد قول السلطان إلا الفعل.
قال نبهان بن عثمان: وتفسير ذلك أن يقول له أعطنى من مالك كذا وكذا، فيقول: ليس ذلك عندى، وهو عنده، إلا أنه كره أن يعطيه ماله، أو يقول له دلنى على فلان، فيقول لا أعرف أين فلان، ولا أين مال فلان، وهو يعرف أين فلان، ويعرف أين مال فلان، غير أنه لا يستحل أن يدلهم عليه، فحلف بالطلاق ما عنده مال، ولا يعرف فلان، ولا أين مال فلان، وهو عنده مال ويعرف أين فلان، وأين مال فلان؛ فإنه لا يحنث فى يمينه هذه، ولا تطلق زوجته.
فهذا تفسير ذلك.
قال أبو المؤثر: إنما قال له أعطنى من مالك كذا وكذا فأنكر أنه ليس /533/ (3/533)
صفحة 1431
عنده، فقال: احلف ما هو عندك. وإلا قتلتك، وهو عنده. فحلف على ذلك، فالله أعلم.
وأما الدلالة على الناس وعلى أموالهم، فإذا حلف لا يعرف أين هو، ولا أين ماله الذى يعلم أنه إذا أخبره به، أخذه؛ فلا حنث عليه إذا خاف من القتل، أو العقوبة الموجعة. /534/
* * * (3/534)
صفحة 1432
الباب الثالث والعشرون
فى النذور والاعتكاف ومعانى ذلك
واعلم أن من قال: لله علىّ نذر، ثم حنث فعليه إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
وإن قال علىّ نذر، ولم يقل لله ثم حنث، فعليه صيام يوم، أو يومين، أو إطعام مسكين، أو مسكينين. وإن قال: اللهم افعل لى كذا وكذا، فإن حنث، فكفارة ذلك إطعام عشرة مساكين أو صيام عشرة أيام.
ومن قال يا رب، أو يا مولاى، أو نحو هذا، افعل لى كذا وكذا، وأنا أفعل كذا وكذا، ثم حنث فعليه إطعام عشرة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
وفيمن يقول، يا رب يبرأ فلان عن مرضه، وأنا أحج إلى مكة ثلاثين حجة، أو اللهم يصح، أو على نذر إن حججت ثلاثين حجة، أو إن صح فعلى ثلاثون حجة، أو بالله يصح، وأنا أحج ثلاثين حجة، ولم يعرف اللفظ. قال إن صح، فعليه ثلاثون حجة، فإن لم يصح فلا شىء عليه.
وإن لم يقدر، صام عن كل حجة شهرين، وإن قدر على الحج حج.
وقال من قال يجزئه عن كل ذلك كفارة صيام شهرين.
قلت: فإن قال بحق الله، أو بحق أنبيائه ورسله، أو بحق القرآن، إنه تائب من معصية سماها. وإن رجع عليها، فعليه ثلاثون حجة ماشيا، حافيا، وصوم الدهر ثم حنث ولا يقدر على ذلك. ما يلزمه؟ /535/ (3/535)
صفحة 1433
قال: يوجد فى ذلك اختلاف: فقد قيل عليه ما جعل على نفسه، وقيل: عليه إذا لم يقدر على الحج صيام شهرين عن كل حجة. ومتى قدر على الحج، حج. وهذا أوسط القول.
ويوجد عن بعض العلماء أنه يجزئه أن يصوم لكل ذلك شهرين.
فأما الصوم فالقول فيه واحد، ويجزئه كفارة يمين مرسلة ثلاثة أيام، إذا لم يقدر على الإطعام، وإن قدر أطعم عشرة مساكين.
قلت: فإن نذر بشىء من الطاعة على صحة عليل، فبرئ وفى عقله نقص، أو فى قلبه ضعف لم يكن قبل العلة. هل يسقط عنه النذر؟
قال عندى أنه قد برئ، وعليه الكفارة، إلا أن يكون له نية فى شىء بعينه. وقد قيل فى النية فى الأيمان باختلاف.
قيل أن ذلك له وعليه، وقيل: لا له ولا عليه، وقيل عليه ولا له.
فإن علم من نفسه بنذور طاعة أو معصية، ويغيب عنه قدرها وعقد النية كانت فيها، والسبب الذى أوجبها. ما يلزم فى هذا، أو مثله؟
قال: يلزمه أن يكفر، حتى يعلم أنه كفر النذر. والنذر فى المعصية فيه اختلاف.
وقال من قال: لا شىء عليه. /536/ (3/536)
صفحة 1434
رجع:
وكل من نذر أن يخرج إلى قرية كذا وكذا، ليصلى فيها أو يصوم، أو يصل رحما، أو غير ذلك من أبواب الطاعة، ثم حنث ولم يخرج. فقال من قال إنه عليه كفارة ما حلف عليه، والكراء والمؤنة إلى ذلك الموضع، يتصدق به على الفقراء.
وقال من قال عليه الكراء لذهوبه، يفرقه على الفقراء، وليس عليه النفقة، لأنه كان ينفق فى موضعه. وهذا هو المأخوذ به، وليس له رجعة، لأنه إن أراد أقام هنالك.
وقال من قال من الفقهاء: ينظر، فإن كانت الكفارة أكثر من كرائه ومؤنته، أخرج كفارة حنثه للفقراء، ولم يكن عليه أكثر من ذلك.
وإن كان كراؤه فى ذهوبه أكثر، أخرج ذلك للفقراء، وليس عليه غيره.
ومن أخذ بهذا الرأى فهو أوسطهن عندى.
وأما إن كان نذر أن يخرج إلى تلك القرية ليشترى شيئا، أو للقاء سلطان، أو سبب من الأسباب التى هى ليست من الطاعة، ثم حنث، فعليه فى هذا، الكفارة لنذره، يعطيه الفقراء أو يصوم، وليس عليه غير ذلك.
وقال من قال: لا نذر فى معصية.
ومن نذر أن يخرج إلى بلد فلم يخرج، فينظر كراء ذلك البلد، كم هو من /537/ (3/537)
صفحة 1435
صاع حب بر، فيتصدق به على الفقراء، فإن لم يقدر على الإطعام، نظر كراء ذلك البلد، كم يكون له من الحب، ثم يصوم عن كل نصف مكوك حب بر، يوما، إذا كان فى حد الإياس عن الخروج.
ومن جعل على نفسه صيام سنة، فعليه صيام سنة، ويبدل صيام شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر.
وإن قال هذه السنة، فإنما عليه بدل يوم الفطر، ويوم النحر، وليس عليه بدل شهر رمضان_ ومن نسخة أخرى_ ومن نذر أن يصوم سنة فهذا الصوم سنة كاملة، كما قال، ويبدل مكان شهر رمضان ويوم الفطر، ويوم النحر.
وإن لم يطق الصيام أطعم عن كل يوم مسكينا، إن شاء أطعمه أكلتين، وإن شاء أعطى حبا أربعة أسداس ونصف حب ذرة، ونصف مكوك حب بر.
وإن أطاق الصيام لم يجزئه الإطعام لأنه قال بالصيام. وإن ضعف عن الصيام فلا يفطر حتى يقدم الإطعام، ليكون ذلك متصلا،
ومن نذر ليصوم كل يوم خميس، أو كل يوم جمعة، أو نحو ذلك، ثم حنث قال: عليه أن يصوم ذلك أبدا. فإن كان ذلك اليوم فى يوم العيد، أو عناه فيه مرض أو سفر، فأفطر، فعليه بدل يوم مكانه، ويرجع يصوم ذلك اليوم أبدا. ولا كفارة عليه.
وإن أفطر متعمدا، فعليه الكفارة، على قدر ما حلف، ويبدل ذلك اليوم أبدا، /538/ (3/538)
صفحة 1436
فإن رجع أفطر متعمدا أيضًا، أبدل يومًا مكانه، ويرجع إلى صومه، ولم يكن عليه كفارة غير الكفارة الأولى، لأن الحنث إنما يقع مرة واحدة.
وقد قيل عن أبى عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله فى رجل نذر أن يعتكف فى مسجد صحار وهو فى الجوف، فلم يقدر أن يخرج، قال: يعتكف فى مسجد بلده، فيتصدق بقدر كرائه ذاهبا وليس عليه فى الإقبال شىء.
فإن لم يجد ما يتصدق به. فينظر إلى سعر البلد، فيحسب بقدر الكراء، ثم يصوم لكل نصف مكوك بر يوما، أو ثلاثة أرباع المكوك ذرة.
ومن قال: اللهم يا رب. ثم حنث، فكفارته واحدة، كفارة اللهم.
ومن نذر أن يسلم غائبا، أو مالا، وهو يعطى فلانا الفقير كذا وكذا، فسلم ذلك، وفلان الفقير قد مات. فأحب إن مات بعد ذلك، أو قبل ذلك أن يتم للفقراء من ورثة ذلك الفقير، أو غيرهم. وعليه كفارة نذره على حال، حيث لم يعطه هو كما نذر وليس هو بواجب.
وإن كان قال وهو يعطى فلانا غير فقير فمات، كفر نذره كما نذر.
ومن قال: إن عافى الله أخى أو ولدى فعليه كذا وكذا، فإن كان من الطاعة وفعل الله له ذلك، فليفعل، لأنه قد ذكر الله. وإن لم كن ذكر الله وقال: إن صح ولدى فعليه كذا وكذا، فإن صح فذلك إليه. /539/ (3/539)
صفحة 1437
ومن قال علىّ _وفى نسخة لله علىّ_ أن أفعل كذا وكذا. فبعضهم رأى ذلك مثل التغليظ إذا حنث.
وقال من قال هى يمين مرسلة.
ومن (مصحف) بنى بيرن. وعن رجل نذر: لا يتكلم، ولا يقعد، ولا يستظل، وأن يقوم يومه_ وفى نسخة أن يصوم يومه_ قال: يطعم للكلام مسكينا. وليتكلم، وليمض فى صومه، ويطعم للقيام مسكينا.
وعن امرأة نذرت أن تحج ماشية، ناشرة شعرها. قال: عليها المشى، وتغطى شعرها. وتكفر ذلك، وتطعم مسكينا، أو مسكينين.
وقال: من جعل على نفسه صوم كل اثنين أو خميس، فوافق ذلك يوم أضحى، أو فطر، فحدث عن قتادة قال: يصوم يوما مكان يوم. وهذا رأيى.
وقال فى الكتاب: ليس عليه أكثر من صيام يوم مكانه_ وفى نسخة ليس عليه أكثر من كل يوم مسكين.
وعن رجل حلف أو نذر ليصوم شهرين متتابعين. قال: يطعم عدة الأيام التى حلف. كل يوم مسكينا، إن لم يستطع الصوم.
ويوجد فى الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، وفى امرأة نذرت أن تصلى فى مائة مسجد، قال يجزئها أن تصلى مائة ركعة فى مسجد واحد. /540/ (3/540)
صفحة 1438
وقال من قال مائتى ركعة، أو تبرز إلى موضع تحط فيه مائة مصلى، وتصلى.
وذلك أحب إلىّ. وهذا هو المأخوذ به أيضا.
وإن نذرت أن تصلى فى مساجد معروفة فلم تصل فيها. فأحب أن تطعم مسكينا أو مسكينين كفارة نذرها. وتصلى حيث شاءت.
وقال: نذرت امرأة أن تمشى إلى البيت حافية، حاسرة، فسأل أخوها، النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: مر أختك أن تركب، وتخمر، وتصوم ثلاثة أيام، وتمشى ما أطاقت. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أى إلا ما أطاقت.
ومن غيره:
وعن رجل نذر ألف فى لفظة واحدة ومعنى واحد، وحنث. فعلى ما وصفت فليس عليه إلا كفارة نذر واحد، إذا كان ذلك فى معنى واحد، وأما إذا كان ذلك فى معان شتى، فعليه لكل معنى كفارة نذر. قلّت المعانى، أو كثرت.
تم الباب من كتاب أبى جابر:
ومن غيره:
سألت أبا الحوارى رحمه الله عن من يقول: إن مات فلان صمت كذا وكذا، قال من قال، يجب عليه ذلك. وقال من قال: لا يجب عليه.
وسألته عن من يقول فى النذر: اللهم، أو يا رب. أهو مخير فى الإطعام والصيام؟ /541/ (3/541)
صفحة 1439
قال مخير فى قوله: اللهم. إن شاء أطعم، وإن شاء صام.
وأما: يا رب. فإن لم يجد فعليه الصيام.
ومن غيره:
وسألته عن رجل نذر أن يفعل الله له كذا وكذا، وهو يعطى ماله رجلا، أو يتصدق به على الفقراء، أو يعطيه غنيا، أو فقيرا، أو مؤمنا، أو كافرا. ثم إنه فعل الله له ذلك. ما يلزم فى ذلك؟
قال عليه الوفاء بنذره. ويعطيه ماله كله.
قلت له: فإن أراد بذلك رياء، أو سمعة هل يكون ذلك عليه؟. قال: إذا أراد بذلك رياء أو سمعة. وإنما نذر عليه فى ذلك إرادة الرياء أو السمعة، فليس عليه ذلك.
وهذه معصية. وليس عليه أن يفى بالمعصية.
وبعض رأى عليه الكفارة لنذره، وبعض لم ير عليه الكفارة.
قلت له: وكذلك إن كان يريد بذلك جفاء على وارثه، فهو بمنزلة الرياء؟ قال: نعم. هذه معصية.
قلت له: وكذلك إن أراد أن يحيف بعض أولاده على بعض، وأعطى المال أحدهم دون الآخر قال: هذه معصية، وعليه أن يساوى بين أولاده، ويكفر نذره على بعض القول. والله أعلم. /542/ (3/542)
صفحة 1440
وسألت عن امرأة نذرت ألا تطلب من قوم حاجة، فكان ما نذرت عليه، ثم طلبت إليهم حاجة، ناسية لنذرها. هل تحنث؟ قال: معى أنه قد قيل إنها تحنث. وهو معى أكثر القول.
وقيل إنها لا تحنث.
قلت له: وهل قيل إنها لا تحنث إذا أمرت من يطلب لها حتى تكون هى الفاعلة؟
قال معى أنه قد قيل ذلك.
ومن غيره:
وقال أبو سعيد رحمه الله فى رجل نذر أن يفعل الله له كذا وكذا، وهو وفلان يفعلان كذا وكذا فأبى الآخر أن يفعل. فقال من قال: إن عندى عليه الكفارة هو بنفسه.
وقال من قال: لا كفارة عليه، ويفعل هو ما استطاع من ذلك. وليس عليه عندى أن يسأل الآخر أن يساعده، لأن ذلك يخرج من طريق الوسيلة، لقول النبى صلى الله عليه وسلم:
لا نذر على المؤمن فيما لا يملك، وفيما لا يطيق.
قلت له، فإن قال مجيبا بقوله نعم، بعد قول هذا وفراغه مما نذر. هل يجب عليه لقوله نعم أن يفى بما نذر الآخر؟ ... /543/ (3/543)
صفحة 1441
قال: لا يبين لى أن قوله نعم فى هذا، لا يلزمه أن يفعل ما نذر الآخر؛ لأنه إنما الأيمان باللفظ والنية والقصد.
وعن امرأة قالت يا رب، أو يا مولاى، رد على أبوىّ حتى أراهما، وأنا أخرج إلى قرية لم تدخلها قط عشرة، فردهما الله. ما يلزمها إن أرادت ألا تخرج؟
قلت: إطعام عشرة مساكين، فإن لم تجد فصيام ثلاثة أيام.
قال أبو سعيد رضى الله عنه: فيمن قال إن فعل الله كذا وكذا، فعلىّ أفعل كذا وكذا،. إن فيه اختلافا: بعض يقول إنه نذر. وبعض يقول: ليس ينذر. ولم يوجب هو فى ذلك نذرا.
وعن من نذر أن يصوم من الفطر إلى الأضحى، واعتل، ومرض، ولم يقدر. فأفطر أياما، فما قدر أن يصوم. هل عليه بدل الأيام وحدها، أم يحنث فى يمينه ويكفر؟
إذا لم يطق الصوم، فأفطر من عذر، فقد قيل: لا بدل عليه، ولا كفارة.
وقال من قال: عليه البدل والكفارة.
وقال من قال عليه البدل ولا كفارة. وقال من قال عليه الكفارة، ولا بدل.
وسألته عن من جعل على نفسه صيام عشرة أيام بلياليها.
قال أصحابنا فى هذه المسألة: أربعة أقاويل: /544/ (3/544)
صفحة 1442
قال بعضهم: إن صيام الليل معصية، وليس عليه وفاء، ولا كفارة، وإنما عليه أن يصوم عشرة أيام.
وقال آخرون عليه صيام النهار عشرة أيام. وعليه الكفارة عن صيام الليل، كفارة النذر.
وقال من قال منهم عشرين يوما، عشرة أيام عن العشرة الأيام، وعشرة عن العشر الليالى.
وقال بعضهم عليه صيام عشرين يوما، والكفارة عن النذر.
وعن امرأة نذرت إن عافى الله ولدها، وجميع ما تملكه هو له، أيكون جميع مالها، أو يكون لها فيه الرجعة؟
فعندى أنه قيل، إن النذر بالطاعة واجب، وأخاف أن يكون له ذلك، وأما الرجعة فليس يبين لى فى ذلك رجعة.
وكل نذر فيما لا يملك، وفيما لا يطيق، فليس عليه الوفاء به، ولا كفارة عليه.
وكل نذر فى معصية، فليس له الوفاء به، ولا كفارة عليه.
ووجدت فى من نذر فى شىء لا معصية فيه، ولا يصح له أنه طاعة، مثل /545/ (3/545)
صفحة 1443
قعوده فى منزل، أو وقوف إلى موضع لا يصح أن فيه طاعة ولا معصية، فله الخيار إن شاء كفر لنذره ولم يوف به، ولو كان عليه قادرا، وإن شاء وفى به، ما لم يكن نذر معصية.
وقد قيل فيمن نذر بالخروج إلى بلد، وكفر بنذره ولم يخرج. إن عليه الصدقة بمقدار الكراء إلى ذلك البلد.
وسئل محمد بن روح رحمه الله عن كفارة قول: اللهم يا رب إذا اجتمعتا فى نذر واحد، فى معنى واحد. فقال: أرى عليه صيام عشرة أيام، وليس له فى ذلك تخيير.
ومن غيره.
وعن امرأة قالت اللهم عافها وهى تخرج من بيتها شهرا، أو تنوى إلى قرية، ولم تعرف أى قرية. فعافاها الله. ما يلزمها إن أرادت ألا تخرج؟
فلتصم عشرة أيام، أو تطعم عشرة مساكين. أى ذلك شاءت. فإن كانت قالت، يا رب، فلتطعم عشرة مساكين، فإن لم تجد، فلتصم ثلاثة أيام.
ومن غيره:
وقلت: وهل قال أحد من أصحابنا فى كفارة الأيمان بالدراهم؟
قال: لا أعلم ذلك من قولهم.
وقد قال لى أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمه الله: إن بعض المسلمين، /546/ (3/546)
صفحة 1444
لم يكن يجوز دفع الطعام من التمر، والبر، وسائر الحبوب فى الكفارة، وإنما يقول بأن يطعم كما أمره الله تبارك وتعالى.
وعن رجل نذر أو حلف أن يصل إلى بلد. متى يحنث؟
فإذا لم يكن له عند يمينه أو نذره أجل معروف، فحتى يصير على حالة لا يقدر على الوصول إلى ذلك البلد. والله أعلم.
وعن رجل قال إن فعلت كذا وكذا، فعلى عتق رقبة. قال أبو يحيى: يكفر يمينا.
قلت لأبى الحوارى: فما تقول أنت فيها؟ قال: كان أبو معاوية رحمه الله يقول: إن لم يجد عتق رقبة صام شهرين.
ومن غيره:
وعن امرأة نذرت أن يصح ولدها، وهى تطعم امرأتين من جيرانها، فصح ولدها، ولم تطعم المرأتين حتى ماتت إحداهما؟
قال: تعمل الطعام، وتدعو امرأة فقيرة مع المرأة التى نذرت أن تطعمها، وتطعمها ولا حنث عليها،
وعن امرأة نذرت أن تصوم ما دامت حية. كيف تصنع فى يوم الفطر، ويوم الأضحى، وإذا لزمها بدل من شهر رمضان، وإذا حاضت؟ فقد قال من قال: إذا أفطرت هذه الناذرة يوم الفطر ويوم الأضحى، كان عليها كفارة النذر. ثم تصوم بعد ذلك ما دامت حية. /547/ (3/547)
صفحة 1445
وقال من قال عليها بدل يوم الفطر، ويوم الأضحى، يوم مكان يوم.
وهذا القول أحب إلينا.
وقال من قال من الفقهاء إن أرادت أن تفطر أو تطعم بعدد ما تفطر من الأيام، جاز لها ذلك: تطعم كل يوم مسكينا.
ومن غيره: وسألته عن رجل قال إن ساق الله لى كذا وكذا، فعلىّ لفلان كذا وكذا. ثم ساق الله إليه ما طلب، ثم طلب إلى الرجل الذى جعل له على نفسه، فجعله فى الحل مما جعل له على نفسه.
قال أبو الحوارى: لا يجزئه الحل، حتى يسلم إلى الرجل الذى جعل له على نفسه، ولا يكون موفيا حتى يسلم إلى الرجل الذى جعل له على نفسه.
قال أبو المؤثر فيمن نذر أن يصلى ليلة، ثم لم يقدر.
إنه يصلى ما قدر، ثم يعود ويصلى ما قدر، ويحسب ذلك. فإذا تمت الليلة على حسابه، فقد برّ نذره، ولا كفارة عليه. والله أعلم.
ومن غير الكتاب وزياداته:
مسألة:
ومن قال إن سلمت صمت يومًا، فسلم. /548/ (3/548)
صفحة 1446
قال أبو محمد رحمه الله: لا يصوم عليه؛ لأن كل نذر لم يذكر الله فيه، فليس بنذر حتى يقول: إن سلمنى الله.
ومن ذهب عليه شىء، فقال: يا رب رد علىّ مالى، وأنا أصوم شهرين، ولم يقدر فليطعم عشرة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام.
ومن قال عليه نذر، ثم حنث، فعليه صيام يوم أو يومين.
ومن قال لله علىّ صيام شهر رجب، فصام رجب إلا يومًا أفطر،. قال موسى بن على رحمه الله: إنه يستأنف صوم شهر، وعليه كفارة يمين.
فإن قال عليه صيام شهر، فصام شهرا، إلا يومًا أفطره، فإنه يستأنف صوم شهر، ولا كفارة عليه.
ومن قال: اللهم عاف أخى من مرضه، وبعيرى هذا صدقة للمساكين، فعوفى أخوه ثم مات البعير. فإن كان أمسك البعير، ولم يرد إنفاذ ما قال، وشغله بعد ما عوفى أخوه، فعليه شراؤه للمساكين.
وإن كان لا يشغله وهو على إمضائه، فهلك البعير، فلا شىء عليه. والله أعلم.
رجع:
وعن رجل مرض له ولد، فنذر إن صح، أن ينحله قطعة له، فصح، فنحله القطعة والغلام صغير لم يحرز، والأب يأكلها حتى مات.
قال أبو عثمان: هى له، لأنه نذر نذره، وما كان من النذر فهو كذلك. /549/ (3/549)
صفحة 1447
قال مسعدة حتى يحرز.
قال هاشم الشيخ: هو جاز له، كان ذلك فى الصحة، أو عند الموت ولو لم يحرز.
فصل
فى الاعتكاف
والاعتكاف لله فى بيوته من الفضائل التى لم يزل المسلمون يتقربون بها إلى ربهم، ويتفرغون فيها لعبادته. ولا يكون اعتكافا إلا بصيام، وفى المسجد الذى تقام فيه الصلاة، أو فى مسجد ينويه المعتكف عند اعتكافه.
وقد جاء الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم، اعتكف فى مسجد؛ واختلف فى المعتكف بعده: فقال من قال: لا اعتكاف إلا فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمسجد الحرام.
وقال من قال: يعتكف فى أى المساجد شاء. وعليه الإحصار فى جوف البيت الذى يعتكف فيه، ولا يخرج إلا للوضوء، أو للطعام يأتى به، ليأكل منه فى المسجد.
وله أن يحضر الجمعة ويصلى، ثم يرجع إلى موضع اعتكافه، إن لم يكن اعتكف فى المسجد الذى يصلى فيه صلاة الجمعة. /550/ (3/550)
صفحة 1448
وينبغى ألا يكون اعتكافه إلا فى المسجد الذى تقام فيه صلاة الجمعة.
وللمعتكف أيضا أن يخرج إلى الجنازة التى يلى الصلاة عليها، إذا كان وليها.
فإذا صلى انصرف إلى موضعه، ولم يقف للتعزية.
وللمعتكف أن يغسل رأسه وبدنه، ويدهن، ويكتحل، ولا بأس عليه أن يتحدث عند من يحضر إليه فى موضعه، بلا إثم عليه فيه.
ويستحب له أن يشتغل بذكر الله.
وفى بعض الآثار فى رجل اعتكف فى الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان، ثم خرج من قبل الهلال. قال: ليس عليه بأس، وليس هذا صنع الناس. إنما كانوا إذا اعتكفوا آخر الشهر أتموه.
وليس للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها.
ومن اعتكف ثم مرض، رجع إلى منزله، فإذا صح رجع من حينه، فأتم اعتكافه.
وكذلك التى تحيض، ترجع إلى منزلها، فإذا طهرت رجعت، فأتمت اعتكافها.
ومن غشى امرأته وهو معتكف، فسد اعتكافه. وعليه أن يستأنف اعتكافه، وعليه الكفارة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتا بعين، ويقول الله تعالى: /551/ (3/551)
صفحة 1449
{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا}. فمن باشر زوجته فى اعتكافه، فقد عصى الله، وبطل اعتكافه، وعليه صوم شهرين، أو إطعام ستين مسكينا، كفارة لذلك.
وإن كانت هى معتكفة وطاعته حين وطئها، فعليها مثل ما عليه.
وإن استكرهها، كان عليه كفارته وكفارتها.
قال: إن كانت هى معتكفة، ولم يكن هو معتكفا، ثم وطئها بمطاوعة منها، فسد اعتكافها وعليها بدله والكفارة، ولا شىء عليه.
وإن استكرهها فعليه كفارتها.
وقال من قال: لا شىء عليه، إلا أن يكون اعتكف برأيه
قال الناسخ: إن كان اعتكافها برأيه، فعليه كفارتها، وإن كان بغير رأيه فلا شىء عليه.
رجع:
عجلت فكتبت هذا القول، ولم أنظر تمام المسألة، فمن نظر فليعذر.
ومن نذر أن يعتكف شهرا فى مسجد، فإنه يدخل المسجد. ويكون فيه منذ تغرب الشمس من أول ليلة من الشهر. /552/ (3/552)
صفحة 1450
ومن نذر أن يعتكف أياما، أو يوما محدودا، فحين يطلع الفجر من ذلك اليوم وهو فى ذلك الموضع، إلى أن تغرب الشمس. ويستتّم الأيام التى نذرها.
وبلغنا عن سعيد بن جبير أنه قال: المعتكف يشهد الجنازة، ويعود المريض، ولا يجلس، ولا يدخل بيتا مسقفا، ولا يستأنس لحديث، ويرجع إلى أهله للبول والغائط، ويأمر بحاجته من غير أن يجلس. ولا يبيع، ولا يشترى، ولا يعمل للدنيا، ويكون عمله وهمته للآخرة.
وكذلك رأينا إلا فى الجنازة، فإنه يخرج لجنازة، يلى الصلاة عليها.
وأما عيادة المريض، فلا يدخل بيتا مسقفا. والله أعلم.
ومن نسخة أخرى عن المعتكف أيتكلم فى غير المسجد؛ فإنه يتكلم بذكر الله ويسلم على من مر عليه، ويرد السلام، ولا يتكلم فى شىء من الأحاديث والحوائج.
وقال لا يجوز للمعتكف أن يقعد فى بيت له عمار إلا فى المسجد الذى يعتكف فيه.
وإذا زار المريض فوجده فى حجرة، أو فى بيت، ليس مغمى عليه، فليقعد إن شاء.
وفى نسخة حيان.
والاعتكاف أن يحبس الرجل نفسه فى مسجد لا يخرج منه، ولا يدخل سقف بيت غيره، ما كان فى اعتكافه، ولا يكون الاعتكاف إلا بصوم. /553/ (3/553)
صفحة 1451
وقد جاء فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتكف فى مسجده. واختلف فى المعتكف بعده فقال من قال: لا اعتكاف إلا فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسجد الحرام.
وقال من قال: يعتكف حيث شاء من المساجد، وقال من قال فى مسجد الجماعات، وذلك أحب إلىّ أن يعتكف فى مسجد تقام الصلاة فيه، إن لم يكن المسجد الجامع، إلا أن يكون ينوى مسجدا عند نذره أن يعتكف فيه، فذلك.
فإذا عزم الاعتكاف دخل المسجد قبل الفجر، ثم أقام فيه على عزمه منه، ولا يخرج.
ومن غير الكتاب والزيادة:
اختلف أصحابنا بغير صوم، قال أكثرهم، لا يجوز إلا بصوم، واللغة توجب الاعتكاف بغير صوم. وهذا تعلق من جوز (؟؟؟) الاعتكاف بغير صوم.
وفى الرواية أن النبى صلى الله عليه وسلم، ما اعتكف إلا وهو صائم، وإن كان لم يعتكف إلا فى شهر رمضان، فالاعتكاف المتفق عليه جوازه إذا كان بصوم.
قال أبو الحسن رحمه الله: لا اعتكاف إلا بصوم. هكذا روى عن عائشة، وابن عباس، رضى الله عنهما.
مسألة:
والاعتكاف فى المساجد، والاحتصار فى البيوت. والإعتكاف سنة فضيلة. /554/ (3/554)
صفحة 1452
ومن نذر أن يعتكف فى مسجد بعينه فى أيام معلومة، فحيل بينه وبينه بهدم أو غيره.
قال أصحابنا تلزمه كفارة، لعجزه عن الوفاء بما عقد على نفسه فعل الطاعة.
وأن الكفارة بدل من الفعل الذى لا يقدر عليه.
ومن نذر أن يعتكف فى يوم النحر، أو يوم الفطر، فعليه الكفارة. اعتكف أو لم يعتكف؛ لأنه لا اعتكاف فى يوم النحر ولا الفطر.
مسألة:
وإذا قال المعتكف خارجا من المسجد: يا رب مستغيثا من أمر دنياه، أو آخرته، فإن قال ذلك وهو خارج فى حاجة يجوز له الخروج فيها، لم أر عليه بأسا.
وإن قعد لذلك، أو قام فاشتغل عن اعتكافه، فإنه ناقص الاعتكاف.
وبعض يرى عليه القعود فى المسجد بعد انقضاء اعتكافه، قدر ما قعد فى غير المسجد.
وبعض لا يلزمه ذلك وأن ما فعل، رجوت ألا يكون عليه حرج إن شاء الله.
وقيل إن (منازل) وطئ زوجته وهو معتكف، فسأل موسى بن أبى جابر رحمه الله، فأفسدها عليه. وكان بشير حاجا، فلما قدم لقيه منازل من توام أو من /555/ (3/555)
صفحة 1453
حيث شاء الله فسأله، فلم يفسدها عليه؛ ورأى عليه الكفارة، ثم اجتمع موسى وبشير، فرأى موسى فسادها، ولم ير ذلك بشير، فرجع موسى إلى قول بشير رحمهما الله. والكفارة عتق رقبة.
وقال محمد بن محبوب رحمه الله: كفارة المعتكف إذا وطئ امرأته مثل كفارة الظهار والعتق والصيام أو الإطعام، وبدل أيام الاعتكاف بصيامها.
ولا يعتكف أحد عن أحد، لأن الله تعالى قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}، وقال: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِم بِمَا تَسْعَى}.
وإذا كان الاعتكاف فرضا واجبا، فحكمه حكم شهر رمضان.
وإذا كان الاعتكاف تطوعا، فلا كفارة عليه.
ومن نذر باعتكاف أيام، ونوى أنه يعتكف اليوم واليومين، ورجع إلى ضيعته، فليس له ذلك، وإن اشترط بلسانه.
ولا يكون الاعتكاف مقطوعا فى النذر، فإن قطع بين الأيام التى نذرها بالخروج إلى ضيعته، والقيام عليها، قطع ذلك عليه، وبطل ما مضى من اعتكافه لنذره، وعليه البدل.
وأما اعتكاف التطوع فلا بأس عليه. ... /556/ (3/556)
صفحة 1454
وإذا نوى أن يعتكف يوما، أو يومين، ويخرج إلى ضيعته، فيقوم عليها، ويرجع يعتكف يوما أو يومين، فلا بأس عليه فى ذلك إن شاء الله.
وقال أبو معاوية: من نوى فى نذره أن يعتكف النهار، ويرجع الليل ينام فى منزله، ويعمل ضيعته، فله نيته إذا نوى ذلك مع نذره.
وزعم ابن مثوبة أن المعتكف لا يكلم أحدا إذا خرج من المسجد، فإن فعل نقض اعتكافه ولا يخرج للجمعة حتى يؤذن، فإذا صلى خرج قبل أن يركع، وفى المسجد يكلم من يكلمه.
وأجمعوا أنه إذا قبل امرأته وهو معتكف لم يفسد اعتكافه.
وإذا خرج المعتكف من المسجد ناسيا، فلا شىء عليه. ويستحب له أن يعقد فى المسجد، بقدر ما خرج منه. بعد انقضاء اعتكافه.
اعتكاف النساء
وقال أبو عبد الله: ليس للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها.
وحدثنى جهانة عن أمها عبيدة بنت أبى عبيدة أنها نذرت وقالت: إن قدم ابنى محمد لأعتكفن فى كل جمع فى المسجد الجامع، فأمرها أن تعتكف فى مسجد الحى.
قال أبو عبد الله: وعليها كفارة نذرها، لأنه لا يصلح للمرأة أن تعتكف إلا ... /557/ (3/557)
صفحة 1455
فى مسجد يجمع فيه الصلاة. وتعتكف فى أدنى مسجد من مساجد الحى، وأقربها إليها.
وإذا نذرت المرأة بعكوف، فعكفت وقعدت حتى تغزل، فإن كانت فقيرة محتاجة إلى ذلك جاز لها، وكان لها فى ذلك الثواب.
وإن كانت غنية عن ذلك، فالتفرغ فى اعتكافها لأمر الآخرة، وذكر الله أولى، ولا أقول إن اعتكافها ينتقض إن غزلت إلا أن تكون تريد بذلك مباهاة وتكاثرا فى الدنيا، فلا يجوز لها ذلك والله أعلم. ... /558/
* * * (3/558)
صفحة 1456
الباب الرابع والعشرون
فى الذبائح والصيد والأشربة، ومسائل فى ذلك ونحوه
وفيه فصول
___
الفصل الأول
فى الذبائح
بسم الله الرحمن الرحيم. واعلموا أن الله يحكم ما يريد (؟؟؟)، وحكمه واجب على العبيد، وليس لأحد أن ينقص منه، ولا يزيد.
وقد عرف الله أهل الإسلام، كيف أحل الله لهم بهيمة الأنعام، ونزل الكتاب بإيجاب ما حرم من الشراب، وفسره أهل العلم والآداب، وأحل لهم صيد البر والبحر، على ما بينه أهل البصر، فمن أقر لله واعترف، وأمسك عن محارم الله ووقف، واتبع ما أمر الله به ووصف، فله من الله الرضى، وخير القضاء، وهداه للحق العظيم، وآواه إلى جنات النعيم.
وأما من كان عن ذلك ناكصا، أو زائدا فى أمر الله أو ناقصا، فقد بادره بالمحاربة، واستحق من الله غضبه.
وقال الله تبارك وتعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الاَنْعَامِ}. /559/ (3/559)
صفحة 1457
وقال: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمَا لَكُمُ أَلاَّ تَاكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ}.
وقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ (الدم) وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ}.
فأما ما أهل لغير الله به، فهو ما ذبح لغير الله. والمنخنقة، كانوا يخنقونها حتى تموت، ثم يأكلونها. والمتردية التى تردت فى بئر، أو تقع من شرف، وكانوا يأكلونها.
والنطيحة: الكبشان يتناطحان ويقتل أحدهما صاحبه، وكانوا يأكلونه.
والموقوذة: كانوا يضربونها بالخشب حتى تموت، فيأكلوها.
وما أكل السبع إلا ما ذكيتم من هذا كله، فما أدرك من هذا كله فى حياة، من عين تطرف أو قائمة تركض، أو ذنب يتحرك، ذكر اسم الله عليه، ثم ذبح وتحرك من بعد الذبح فإنه زكاته، إلا الخنزير، فهو حرام، إلا لمن اضطر إليه، وخاف على نفسه، فيأكل منه بقدر ما يحييه، ويقوم به_لعله أراد جسمه_ ولا يسع أحدا جهل ذلك. ... /560/ (3/560)
صفحة 1458
وقد قيل من استنكر دابة، مما يكون نحو الخنزير ولم يعرف الخنزير فلا يأكلها، حتى يعلم أنها ليست بخنزير.
وأما اللحم فله أكله من بلاد المسلمين، حتى يعلم أنه لحم ميتة أو خنزير: ولو كان قد علم أنه قد دخل فى تلك البلاد لحم ميتة، أو خنزير.
وقوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه. وذلك أن مشركى العرب قالوا للمسلمين: أتزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم، فلا تأكلونه_ يعنون الميتة _ وما قتلتم أنتم_ يعنون الذبح_ تزعمون أنه حلال، فالله أفضل صنعا، أم أنتم؟
فنزلت: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا ... }.
فكل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، فهى حرام، فإن ذبح ذابح، ممن يدين بالتسمية، ثم شك من بعد الذبح فى التسمية، فلا تفسد الذبيحة بالشك، لأنه ممن يدين بالتسمية، حتى يعلم ويستيقن أنه لم يذكر اسم الله على تلك الذبيحة، ثم لم يأكلها.
والذى نحبه أن يتولى الذبح من يحسنه، بشفرة حادة، ورفق ورحمة، ويستقبل القبلة، ثم يذكر اسم الله ويذبح. فإن لم يستقبل القبلة بالذبيحة عند الذبح بلا تعمد، فلا يفسدها ذلك. /561/ (3/561)
صفحة 1459
وإذا ذكر اسم الله بما ذكره عند ذبحه، فقد اكتفى.
والذى عليه الناس عندنا، أنهم يقولون: لا إله إلا الله، والله أكبر، فإن قال قائل: لا إله إلا الله والله أكبر، والحمد لله، أو سبحان الله، أو أستغفر الله، أو صلى الله على رسول الله،، أو باسم الله، أو نحو هذا من ذكر الله، فإذا ذكر الله فقد اجتزأ بذلك، وإن لم يجهر بذلك.
حب إلى أن يتبع الآثار فى ذلك، ولا يعتمد على غيرها. فإذا حرك لسانه بذكر الله أجزأه وإن لم يجهر بذلك، فإن لم يحرك بالتسمية لسانه، وأسرها فى نفسه، فليس عندى هو بتسمية. وإذا ذكر الله من اللغات أجزأه وإن كان يحسن العربية.
وقال من قال فيمن ذبح وسمى بالفارسية: إذا كان ثقة، أكلت ذبيحته.
وأحب فى هذا، إن كان يعلم أنه سمى بذلك القول أن تؤكل ذبيحته، وإن لم يفهم ذلك إلا قوله، لم يقبل قوله، إلا أن يكون ثقة.
ولا يكون الذبح إلا بحديدة لها شفرة أو مروة أو قصبة. والمروة هى الحجر.
وقال من قال: هى الحمراء والبيضاء: ألا تفسد عليه ذبيحته، وأن تجزئه.
وقيل إنما يذبح بقصب الذرة والسكر والزرع،، وأما القناة فلا يذبح بها. /562/ (3/562)
صفحة 1460
وكره الذبح ببادرة السيف. وقيل يترك من بادرته شبر ثم يذبح بما بقى منه.
وقيل إنه لا يحل أن يذبح بالعظم والسن والظفر والقرن، ولا يذبح بالزجاج والخزف.
وقيل القصبة يذبح بها العصفور، وهى أخف عليه.
وأما المروة وهى الحجر. فيذبح بها الشاة وغيرها، وهى تجرى مجرى الحديد، وما ذبح به من الحديد إذا كان له حد فجائز من مخلب أو غيره.
قال أبو على الحسن بن أحمد وقد قيل إذا ذبح بالمخلب، فلا يشترط به شرطا، ولكن يجر جرا هكذا وجدنا. والله أعلم.
رجع:
ويجوز ذبيحة الجنب وإن توضأ_ وفى نسخة ولو توضأ وذبح فهو أحب إلىّ. وإن ذبح قبل أن يغتسل أو يتوضأ، لم تفسد بذلك، ولا بأس بذبيحة المرأة، إذا أحسنت الذبح، وإن كانت حائضا، حرة كانت أو أمة، ومن غيره. قال نعم. قد قيل ذلك ذلك، ويوجد فى بعض قولهم، أنه لا يستحب ذلك إذا وجد غيرها من الرجال، ولا يبين لى فى ذلك معنى فرق بين حكمها وحكم الرجال فى ذلك.
رجع:
وإن كان الذابح لابسا، فهو أحب إلى، وإن اضطر إلى ذبح وهو عريان، لم تفسد ذبيحته بذلك. /563/ (3/563)
صفحة 1461
ولا تجوز ذبيحة الأخرس، إلا أن يتكلم بالتسمية.
ولا بأس بذبيحة الصبى، إذا اختتن، وأحسن الذبح، وإن لم يبلغ.
وقال من قال: إذا أحسن الذبح، وكان يعرف الصلاة، جازت ذبيحته، وإن لم يختتن. والقول الأول أحب إلىّ، وهو الأكثر، أنه لا تجوز ذبيحته حتى يختتن.
وأما اليهود والنصارى. فقد قيل إن ذبيحة الغلام الذى لم يبلغ منها جائزة، وإن كان لم يختتن.
وقال من قال أيضا إنه لا يجوز.
وقال أبو على الحسن بن أحمد: أما النصارى، فجائز ذبيحتهم، ولو لم يختتنوا، لأنهم لا يدينون بالختان.
وأما اليهود فسبيلهم سبيل المسلمين؛ لأنهم ممن يدينون بالختان. هكذا وجدنا.
هكذا المرأة تجوز ذبيحتها إذا أحسنت الذبح، ولو لم تختتن، ولا بأس بذبائح اليهود والنصارى الرجل منهم والنساء إلا العرب من النصارى، فقد قيل إنه من لم يقرأ الإنجيل لم تؤكل ذبيحته، ولا تؤكل ذبيحة المجوس وإن تحول إلى اليهودية والنصرانية، ولا ذبيحة الأقلف من أهل القبلة. /564/ (3/564)
صفحة 1462
وأما اليهودى إذا تحول إلى النصرانية، أو النصرانى إذا تحول إلى اليهودية، أكلت ذبائحهم.
وفيما جاء فى الأثر فى نصرانى يذكر ثلاثة آلهة، منهم الله. أنه لا بأس بذبيحته.
وأما المشركون إذا ذبح لهم مسلم ذبيحة لأصنامهم، فقد قيل إنها لا تؤكل، ولا يؤكل ما ذبح لغير الله، ولو ذكر اسم الله عليها.
وقيل أيضا إذا ذبح المسلم للمشركين ذبيحة، وأرادوا بها لآلهتهم، وذكر اسم الله عليهم، أنها تؤكل وهذا الرأى أحب إلىّ إذا ذكر اسم الله عليها، ولم يردها لآلهتهم.
وقد قيل فى الذى يسرق الشاة ويذبحها؛ أنها لا تؤكل، إلا أن يسمعه صاحبها، يذكر اسم الله عليها عند ذبحه، أو يعلمه بذلك ثقة.
وعن أبى سعيد رحمه الله فى معانى القول، أنها لا تجوز ذبيحته لما سرق، ولو ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر، لأنها ذبحت على الغصب.
ومن غيره:
وقد يوجد أو يقال عن منير، أن سائلا سأل محبوبا رحمه الله عن أكل ذبيحة السارق، فلم يجز ذلك. فقال له السائل، فإنى قد سألت عنها منيرا فأجاز لى أكلها فقال له محبوب: خذ ما أفتاك به منير ونحو هذا، وهذا المعنى من الرواية. /565/ (3/565)
صفحة 1463
قلت له: فإنه ذبح غنما كثيرة بمدية واحدة، بلا غسل لها؛ فقال معى أنه يوجد فيه كراهية من بعض المسلمين.
والذى أظنه الأكثر من قولهم أنه جائز. قلت له: فعلى قول من كره ذلك.
وإن كان فى موضع لا يجد الماء مثل الصيد، وغيره، كيف يفعل؟ قال يتربها ويمثها بالتراب عند عدم الماء.
وعن رجل ذبح شاة، أو صيدا، ولم يقدر على ماء، وأحب أن يأكل من لحمها. هل يجوز له أكلها؟
قال: جائز له أن يأكل ما سوى المذبحة، وما مسته النجاسة من دم أو غيره.
وعن رجل ذبح بمديته، فأدخلها فى أوداج الذبيحة، ثم رفعها، فإن ذلك ذبح بكره، مع أنه إن فرى أوداجها حسنا أكلت. قال أبو معاوية: ما كنت آكلها.
رجع:
وقال من قال فى مجوسى ذبح بمدية، ثم ذبح بها مسلم وفيها دم من ذبح المجوسى، إنها لا تؤكل إذا كان المجوسى قد مس ذلك الدم بيده.
وعن بعض الفقهاء فى الصابئين تؤكل ذبائحهم، وتزوج نساؤهم. ... /566/ (3/566)
صفحة 1464
قال: يوجد عن جابر بن زيد رحمه الله قال حل تزويج نسائهم، حل أكل ذبائحهم.
وقد قال من قال من الفقهاء، فيمن ذبح شاة أو غيرها، وقد كانت مريضة، ولم تقطع الريه ولا الوريد إنه إذا قطع من الأوداج ما لا تعيش معه، أكلت الذبيحة.
وإن ذبح وقطع وهو يرى أنها قد ماتت، فلم تمت، فتذبح من أسفل، ويذكر اسم الله، فإن تحركت بعد ذبحها الثانى فتؤكل.
وقيل عن موسى بن أبى جابر، فى ديك أكل سنور رأسه، فأجاز ذبحه من عنقه دون الرأس، إذا أدركوه حيا.
قال غيره:
فى الذبح ذبح ضحلا، ثم وقع فى ماء جار، فأخرجه من الماء فتحرك، فأجرى المدية على حلقه، أنه يؤكل.
وعن محمد بن محبوب أيضا فى ذبح شاة، فبان رأسها، بلا أن يتعمد، فلا بأس، فإن قطع رأسها ونسى أن يذكر اسم الله عليها. قال يعيد الذبح أسف من ذلك، فإن تحركت بعد الذبح المؤخر أكلها، فإن لم تتحك، لم تؤكل.
ومن تعمد قطع رأس الذبيحة، وقطعه، فقيل إنها لا تؤكل، وإن لم يتعمد /567/ (3/567)
صفحة 1465
لذلك، وسبقته الشفرة، فلا بأس بأكلها، وإذا كانت الذبيحة صحيحة، ثم لم تتحرك بعد الذبح، فلا بأس بها.
وإن ذبحت وهى مريضة، فلم يتحرك منها بعد الذبح ظلف، ولا ذنب، ولا أذن، ولا عين ولا شىء غير ذلك، فلا تؤكل. وإن اختلجت أيضا، ولم يكن منها حركة بينة غير ذلك، فلا تؤكل.
ولا تفرس الذبيحة، ولا تبخع، حتى تبرد وتموت، فإن فعل ذلك بها، لم تؤكل، إلا من سبقته شفرته. فإن بان الرأس بلا عمد، فلا بأس، والبخع هو قطع الرأس.
وقيل: لو أن رجلا ذبح شاة فوق سطح البيت، ثم وقعت من فوق البيت، من قبل أن تموت، فإنه يكره أكلها.
قال أبو على: كنا نحسب أنها إذا تحركت من بعد الوقوع.
وإذا خرج الطير من الماء حيا، فلا بأس. وكذلك عندنا إذا كان ذلك منها بلا أن يكون هو الذى طرحها.
وأما طير الماء، فلو ذبحه ثم وقع فى الماء، لم يفسده ذلك ولو لم يتحرك بعد خروجه من الماء، لأن الماء لا يقتله.
ومن ذبح شاة، ثم مرط شعرها قبل أن تموت، أو شق ذنبها ونحو ذلك، فلا أحب أكلها. /568/ (3/568)
صفحة 1466
ومن ذبح شاة فيها ولد، فتحرك بعد الذبح، أكل، وإذا لم يتحرك لم يأكل وقيل أيضا: هو بضعة منها، فذكاته ذكاتها.
ومن غيره:
سئل عن الجنين. هل يجوز أكله، إذا خرج من بعد ذكاة أمه ميتا، أو من بعد أن يخرج من بطنها؟
قال معى أنه قد قيل لى إن جنين الأنعام تبع لها فى الذكاة. ويروى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم إن ذكاتها ذكاته.
وفى بعض التأويل أنه قيل فيه، وفى كتاب الله تبارك وتعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الاَنْعَامِ}، أريد بهذا جنين الأنعام وإن كانت ميتة، لقوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُم}
ومعى أنهم اختلفوا فى معناه الذى يكون فيه تبعا لأمه وحالته، فمعى أنه فى بعض القول، أنه تبع لها على حال بمعنى ظاهر الحديث، وأنه بمنزلة بضعة منها، فإذا صحت ذكاتها، فهو تبع لها.
وقد قيل: إنه إنما يكون لها تبعا لها، إذا تم خلقه، وما لم يتم، فلا يكون تبعا لها.
وقيل: حتى ينبت الشعر، ولو تم خلقه. ولعل الشعر من تمام خلقه فى معنى القول. /569/ (3/569)
صفحة 1467
وقيل: إنه حتى يعتبر فى أمره، أنه إن كان فى حد ما قد نفخ فيه الروح، وكان حيا بنفسه، ثم هناك تكون الذكاة فيه، وإلا فهو بمنزلة الميتة، إذا لم يكن حيا.
وأنه لم يصح له معانى الأقاويل الأولى إلا بمعنى هذا القول، عارضه معنى العلة، وأنه قد يمكن أن يموت بعد أن نفخ فيه الروح قبل الذكاة.
فقال من قال فى ذلك: حتى تتبين حركته من بعد حصول ذكاتها
وقال من قال: حتى تصح حركته بعد موتها. والقول الأول من هذين القولين عندى أصح معنا إذا لم يثبت معناهما؛ لأن الحركة بعد الذكاة صحة للحياة، واستحقاقا للذكاة.
وقال من قال: إن هذا كله لا يجوز حتى يخرج حيا، ويذكى بنفسه.
وثبوت هذا القول يبطل ما قيل عن النبى صلى الله عليه وسلم، إن ذكاته ذكاة أمه، لأنه ضد لتلك الأقاويل كلها.
رجع:
وسألته عن الشاة إذا نتجت، ثم ذبحت من حينها. هل يؤكل لحمها؟
قال إن لم يعلم أنها مست شيئا من النجاسات، فلا بأس بلحمها.
قلت: فإن خرج من نتاجها شىء وإن لم يستتم خروجه وذبحت، ويرجع بعد ... /570/ (3/570)
صفحة 1468
أن ماتت. أتؤكل هى وهو؟ قال: نعم. قالوا إنه إذا تحرك بعد ذبحها، فهو ذكاتها وذكاته.
قلت له: فهذا قد خرج منه شىء. قال: هذا لم يخرج كله، فحكمه أنه لم يخرج.
ومن ذبح شاة وهى قائمة، فلا يفسدها ذلك. ولا نحب له أن يفعل ذلك.
وأما الذبح من القفاء، فلا يجوز، وإذا أكلت الشاة من الميتة، أو شربت من ماء نجس فيه الميتة، أو شربت دما، فقال محمد بن محبوب: أما لبنها، فلا بأس به لأنه يخرج من بين الفرث والدم.
وأما لحمها فلا يؤكل إلا بعد ثلاثة أيام، والدجاجة بعد يوم وليلة.
ون أبى زياد: يلقى ما فى بطنها، ويؤكل كل سائر لحمها.
وعن أبى على: لا يفسد لحم مثل هذه، إذا ذبحت من حين أكلت ذلك. إلا الجلالة، وهى التى تكون العذرة طعامها، ولا تخلط معها الشجر.
تم الباب من كتاب أبى جابر.
ومن غيره:
وعن محمد بن الحسن وعن الذبيحة هل يغسل لحمها إذا كان فيه دم؟
قال إذا غسل المذبح فلا بأس بما سواه. وذلك جائز إذا لم يغسل. /571/ (3/571)
صفحة 1469
قلت: فتغسل المذبحة حتى يخرج الماء صافيا؟
قال: لا يمكن ذلك. ولكن تغسل بقدر ما يغسل الدم العبيط.
وعن رجل ذبح شاة، ثم رفع برجلها. قلت أيجوز ذلك؟ فذلك مما ينهى عنه، وإن فعل ولم يكن ذلك يعين على قتلها، فأرجو ألا يفسدها ذلك.
وفى رجل ذبح شاة، ثم يعصر ذنبها، لينظر ماتت، أو لم تمت، فتتحرك، ثم ينظرها من بعد الحركة، فإذا هى قد ماتت، أهى طيبة أو خبيثة؟
فأقول: إن كان عصر ذنبها عصرا شديدا، مما يكون قد أعان على قتلها، لم يؤكل لحمها، وهى خبيثة كما ذكرتم. وإن كان ذلك مما لا يعين على قتلها، فلا بأس بأكلها، وهى طيبة، ولا يحرم الذبيحة إلا ما يكون من الأحداث التى تعين على قتلها.
وسألت أبا الحسن رحمه الله عن رجل أراد أن يذبح شاة من حلقها، فأجرى السكين، فانقلبت الشاة، فجرى السكين على قفاها، فذبحها من قفاها. هل تؤكل؟
قال إذا أراد ذبحها من الحلق، فانقلبت من ذات نفسها من غير إرادته هو، وقد أجرى السكين على قفاها، وقد ذكر اسم الله، فإنى أرجو ألا بأس بها. لأنهم قالوا لو تعمد قطع رأسها، لم يحل أكلها، فإن لم يتعمد قطع رأسها، فسبقته السكين، حتى قطع رأسها، فلا بأس بأكلها. /572/ (3/572)
صفحة 1470
قلت له: وكذلك لو سبقته السكين على أحد الجانبين؟ قال: نعم، إذا لم يتعمد ذلك فأرجو ألا بأس بذلك.
ومن غيره:
وقد قيل: لا تؤكل لأنه لا يجوز الذبح من القفا، وقد وقع الذبح من القفا، فسواء كان عمدا أو خطأ.
وقال غيره: بهذا نأخذ.
وسئل أبو معاوية عن الأعجم إذا ذبح. أتؤكل ذبيحته؟ قال معى إنها لا تؤكل.
قلت له: فإن كان أعجمى لا يعرف العربية؛ قال: تؤكل. والأعجمى غير الأعجم.
وعمن لم يغسل مذبحة الذبيحة من الغنم والإبل والبقر والطير. هل يجوز له أكل تلك الذبيحة؟
فنعم. يجوز له أن يأكل منها، ما لم يمسه دم الذبيحة، ولا شىء من أبوالها.
فإن مس شيئا منها ذلك، لم يجز له أن يأكله إلا بعد أن يغسله بالماء، أو يضطر إليه، كما يضطر إلى أكل الميتة. فقد أحل الله له الدم فى ذلك الوقت.
وعن أبى معاوية وسألته عن رجل ذبح ذبيحة، ثم أمسكها بيده حتى بردت. أتؤكل؟ قال نعم. /573/ (3/573)
صفحة 1471
ومن غيره:
قلت له: فما تقول فى الذابح إذا أمسك الشاة بعد الذبح، ولم يدعها ترفس، حتى ماتت وهى فى يده، أتؤكل؟ قال معى إنه كره ذلك، إلا لمعنى ترجى فيه السلامة أكثر من تركها.
فإن كان ذلك الإمساك مما يعين على موتها فى الاعتبار، فهو عندى من الأحداث المفسدة.
وإن كان لا يعين على قتلها ولا موتها، فلا يبلغ به إلى فساد عندى، والله أعلم.
ومن غيره:
وسألته كيف يجوز الذبح؟ قال: قالوا الذبح شطحا، لا جرا.
قلت: فإن ذبح بالجر؛ هل يفسدها ذلك؟ قال: أرجو ألا يفسدها.
وعمن شق ذنب ذبيحته، ثم تحركت من بعد. أهى حرام، أم حلال. قال: لا تؤكل، فهى بمنزلة الميتة.
ومن غيره:
وسأله سائل وأنا معه عن الرجل يذبح الذبيحة، ويضع يده عليها، ويمسكها حتى تموت. /574/ (3/574)
صفحة 1472
قال أبو الحوارى: ذلك مكروه، ولكن يدعها تضطرب، إلا أن يخاف عليها أن تقع فى موضع تصير فيه بمنزلة المتردية.
ثم قال بعد ذلك يدعها، ولا يمسكها، فإن ذلك أيسر عليها_ لعله فى خروج روحها_ يعنى الإضطراب.
ومن كتاب المصنف: وكل الرقبة مذبح، من الرأس إلى استفراع (؟؟؟) الرقبة من أسفل لأن الذبح يجوز من الرقبة كلها.
رجع: إلى كتاب أبى جابر:
ولا بأس أن يجز شعر الميتة وصوفها، وينتفع بذلك وبضروسها وأنيابها، ومتى ما أرادت ذلك فلا بأس.
وقد أجاز بعض الفقهاء الانتفاع بشعر الخنزير، لأن التحريم إنما جاء فى لحمه. وكرهه بعض. وهو عندى مثل الميتة، يجوز جز صوفها وشعرها، ولا يجوز أكل لحمها إلا فى الاضطرار.
ومن سبقته الشفرة، فأبان رأس الذبيحة، فلا بأس. وذلك يسمى الفرس والبخع.
وعن رجلين اجتمعا على ذبيحة أمسكها جميعا، وأمسكا المدية، وذكرا اسم الله عليها وذبحاها جميعا. فهذا جائز.
وكذلك إذا رميا صيدا بسهم واحد، وذكر اسم الله عليه، فأصاباه فهو حلال. /575/ (3/575)
صفحة 1473
وإذا وقعت الدابة: الجمل، أو البقرة، ولم يكن الذبح، فنحره فى موضع المنحر، أو بين المنحر والمذبح، وذكر اسم الله، فقيل: تؤكل. وإن طعنه، فقيل: يؤكل. وإن طعنه فى غير ذلك فمات، فلا يأكله.
وعسى قد أجاز ذلك من أجازه إذا لم يقدر على موضع الذبح والمنحر، وخاف أن تموت.
وما ذبح أهل الكتاب، ثم وجدوا فى الذبيحة شيئا حرموها به، فقيل عن منير، إنها حلال. وأما غيره فقال: لا يأكلها، لأنها ليست من طعامههم.
وقال من قال ما حرموا من جهة الذبح، فلا يؤكل، وما حرموا من جهة العروق ونحو ذلك فلا بأس بأكله، وهو أحب إلينا.
ولا تؤكل ذبيحة الصبى إذا لم يختتن.
وإذا دحس الرجل الشاة، وأجرى يده على موضع البولة، وموضع البول رطب، أو يده رطبة، فليغسل ما جرت يده عليه من اللحم، إلا أن تكون رطوبة من ودك اللحم، فليس عليه غسل.
وعن جابر فى الصبى يحل ذبائحه إذا لم يختتن، ما لم يبلغ الحلم، فإذا بلغ الحلم لم يحل ذبائحه حتى يختتن. (3/576)
صفحة 1474
وعن من خصى الخيل، والبراذين، والثيران. فقال يخصى منها ما يخاف.
وإذا أضجع الرجل الشاة، وذكر اسم الله عليها، ثم قامت، فرجع فأضجعها وذبحها، ولم يذكر اسم الله عليها، فلا بأس إذا لم تبرح مقامها.
وعن محمد بن الحسن: ولا يفسد ما فى جوف الشاة، إلا ما كان فى الكرش، وهى التى فيها الفرث. والمعجب وهى التى متضعفة بعضها على بعض. وهى تؤكل بالملح.
وأما كرش الشطر الذى لا يأكل الشجر، ولا يشرب الماء، فإن لم تتغسل فلا بأس.
وكره بعض الفقهاء، أن يخصى التيس بالنار. وبعضهم لم يروا به بأسا. والبقرة والشاة فى كسر القرن سواء، وذلك إن بقى منه ما يمسك الحبل.
فإذا ذبح الرجل الشاة وهى قائمة، فتردت من قيامها، فلا بأس بأكلها
ولو أضجعها لكان أحسن.
وعن جابر أنه لم ير بأسا بذبيحة المرأة، ولم ير بذبيحة الغلام بأسا إذا عقل الصلاة.
ولا بأس أن يذبح الرجل بإزار ليس عليه رداء. والإزار يجزئه عن الرداء فى الذبح. (3/577)
صفحة 1475
وعنه قال: ذبيحة اليهودى والنصرانى إذا خلا بذبيحة، فلم يدر، سمى عليها، أو لم يسم قال: تؤكل، ولم ير بأسا بذبيحة الصبى للنسك، إذا عقل الصلاة.
ولم ير بأسا بذبيحة ما ذبح لغير القبلة خطأ، ولم يوجه ذبيحته للقبلة.
فصل فى الصيد
قال الله تعالى: {اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}. وقال: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}.وقال تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ}. وقال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَّخَافُهُ بِالْغَيْبِ}.
وقال: {قُلُ احِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}.
وقال: {فَكُلُوا مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وهو الكلب الذى يحبس ويحفظ، ويعلم أخذ الصيد.
وعن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: وإذا ذبحتم فأجيدوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب الإحسان.
/578/ (3/578)
صفحة 1476
وجاء فى الحديث أن أبا ثعلبة الحبشى، قال للنبى صلى الله عليه وسلم، يا نبى الله، اكتب لى بأرضى، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: فكيف أكتب بأرض الشام، أو الروم، أو العراق، وهى أرض حرب؟.
قال يا نبى الله: لتملكن ما تحت أقدامهم، فقال فأعجب ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فجعل ينظر إليه، وإلى أصحابه، وكتب لهم كتابا. فقلت يا نبى الله، إنا بأرض صيد، فما يحل لنا من ذلك، وما يحرم علينا؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أرسلت كلبك الذى ليس بمعلم، فما أدركت ذكاته، فكله، وما لم تدرك ذكاته، فلا تأكله وإذا أرسلت كلبك المعلم المكلب وذكرت اسم الله عليه، فأخذ الكلب، وقتل فكل. وما ورد عليك سهمك، فكل.
وذلك رأينا، إن ما أخذ الكلب المكلب وكان قتله، فكله، ما لم يأكل الكلب منه شيئا فإن أكل الكلب منه شيئا، فقد جاءت الكراهية فى أكله.
وإن أدركته حيا فذكه، وكله، فإن مات قبل أن تذكيه، فما أحب أكله.
وأما الكلب الذى هو غير مكلب، فما أخذ من الصيد، فما أدركته حيا فذكه، وكله، وإن لم تدركه حيا، فلا تأكله.
وقيل إن حال بينك وبين الصيد ظلام الليل، فلا تأكله، لأنك لا تدرى، قتله كلبك أو غيره. /579/ (3/579)
صفحة 1477
وعن أبى معاوية فى كلب الصيد إذا قتل صيدا، وشرب من دمه، ولم يأكل من اللحم شيئا، فقد قيل: إذا ولغ من الدم، فلا يأكل. وقيل: يؤكل حتى يأكل من اللحم.
وبهذا نأخذ والله أعلم.
ومن غيره:
إذا قتله وكان يمسك، ولا يأكل، ثم أكل من بعد أن مات، وعلم ذلك فلا بأس.
وإن أكل قبل الموت فقد فسد. وإن كان يعرف بالأكل، فلا يجوز.
وإذا انتهى الرجل إلى الصيد ومعه كلب آخر، غير كلبه، والصيد بينهما قتيل، فلا يأكله، وكذلك إذا وجد فيه سهما غير سهمه.
وقال بعض الفقهاء فالذى يرسل كلبه على الصيد، ولم يذكر اسم الله عليه، إنه إن زجر الكلب فانزجر لزجره، وذكر اسم الله عليه، أكل الصيد، وإن لم ينزجر فلا يأكله.
وقيل فى الذى طعن الصيد ولم يسم: قيل: كان أبو عبيدة يتناول هذه الآية: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ}. /580/ (3/580)
صفحة 1478
وكذلك عندنا لا يحرم من هذا، إلا ما علمنا الله أنه حرم، وما يؤخذ بالمقراض، وما يؤخذ بالشبك ويرمى بالبندق، أو بالخشب، أو بالخشب (؟؟؟)، أو بالحجارة. فكل ذلك إذا مات إلا أن تدرك ذكاته ويذكى.
وإنما يجوز ما يرمى بالسهم، فمن رمى صيدا بسهم، وذكر اسم الله على الصيد أكله، إذا صار السهم ووجده مقتولا، ولم يغب عنه بليل ولا غيره، فإن أصاب السهم غير ذلك الصيد الذى ذكر اسم الله عليه، فلا يأكله، فإن ذكر اسم الله على السهم ثم أرسله، أكله ما قتل من الصيد، من قليل أو كثير.
وكذلك الكلب المكلب. وإن نسى أن يذكر اسم الله على السهم أو الكلب، فلا يؤكل ما قتل، إلا أن يدركه حيا فيذكيه، أو يذكر اسم الله عليه.
وقد قيل: إذا ذكر اسم الله على الصيد، ما لم يصل إليه السهم أو الكلب، فليأكل.
وفى بعض الآثار أيضا: ومن رمى صيدا، فغاب عنه، ثم وجده. قال: يؤكل ما لم يجد فيه أثرا غير سهمه، أو يجده فى الماء، أو يغيبه الليل.
ومن رمى صيدا، فتردى بعد الرمية من جبل، أو أشرف فلا يأكله.
ومن غيره:
ويوجد، قلت: أرأيت من يرمى الطير وصيبه وهو على جبل، فيقع من ذلك، ولم يصبه شىء حتى وقع على الأرض فمات. أيأكله؟ قال: نعم. /581/ (3/581)
صفحة 1479
رجع: ولا يجوز أن يؤكل ما أصاب كلب المجوسى ولا صقره. وسبيل الصقر عندنا سبيل الكلب المكلب فى الصيد.
وقال محمد بن محبوب رحمها الله فى مجوسى رمى بسهم فقتل صيدا، ومس بيده رطوبة ذلك، ثم رمى به مسلم، فقتل به صيدا، إن ذلك الصيد لا يؤكل، لحال الدم الذى كان فيه، من رمى المجوسى.
ومن جواب أبى على رحمه الله فى الذى رمى طائرا فى شجرة وسمى، فوقع الطائر، فمات. هل يؤكل؟ ما نحب ذلك.
وقيل: من رمى طيرا بحجر، أو بسهم، فوجد بالحجر أو بالسهم الدم وقد سمى، أكله؛ وإن لم يجد فى السهم ولا فى الحجر الدم، فلا يأكله.
وأما ما يأخذ الناس من الصيد، والحمير الوحشية التى لا يقدر على ذبحها، فلهم أن يأكلوا ما نالوا قتله بأسيافهم ورماحهم، وما كان من حديدهم، إذا ذكر اسم الله عليه، عند ذلك.
وقد قيل: إن قطعة (؟؟؟) نصفين، أكلهما كليهما. وإن كان الذى يلى العجز. أكثر، فكلْه _وفى نسخة_ فكلْهما أيضا جميعا.
وإن كان الذى يلى العنق والرأس، وهو المقدم أكثر، فكل ذلك، واترك الباقى. /582/ (3/582)
صفحة 1480
وقيل فى الذى طعن وحشا، ثم سمى بعد ما طعنه، فإن سمى قبل أن ينزع، وقبل أن يموت بالطعنة، فإنه يؤكل إذا مضى السنان بعد التسمية، وإن لم يمض السنان بعد التسمية، فإنى أكره أكله.
وقال بعض الفقهاء فى الرجل يكون له كلب مكلب، قد علمه الصيد، قال إذا أرسله. فذكر اسم الله عليه حين يرسله، فما أمسكه فمات وهو ممسكه، ولم يأكل الكلب منه شيئا. فيأكله، وإن أكل منه شيئا، فلا يأكله.
وإن وجده قد قتله، ولم يأكله، وليس هو ممسكا له، وقد وقع فى الأرض، فلا يأكله، فإن وجده حيا فليذبحه، وإن تركه فى فمه حتى يموت، فلا يأكله.
ومن غيره:
وقال أبو عبد الله: إذا أدرك الرجل الصيد به الحياة، فذكاه، وإن لم يدركه حتى يموت بعد أن وجده حيا، فلا يأكله. وإن وجده ميتا أكله. وقال أبو زياد ذلك.
رجع:
قال وكذلك القنص إذا وقع فى الشبك، فجعل يطعنه حتى يموت فى الشبك من طعنه، فلا يأكله، وإن طعنه حتى إذا آواه ذبحه، وذكر اسم الله عليه، أكله إذا تحرك من بعد الذبح، وإن لم يكن فى الشبك فلحقه وطعنه، وذكر اسم الله عليه، فمات من تلك الطعنة، أكله إذا لم يدهمه الليل. /583/ (3/583)
صفحة 1481
وأما السمك والجراد، فهو ذكى، ويؤكل إذا وجد ميتا، أو طرح فى النار وهو حى.
وقيل كان بعضهم يأمر ألا يطرح فى النار حتى يموت، من قبل الرحمة، بلا أن يقول إن ذلك حرام.
وأما السمك الميت الذى يلفظه البحر، فقيل: كان الفقهاء لا يكرهون منه شيئا، إلا ما قذروا منه للبثه، فيتركونه من غير تحريم.
وإذا ضرب بالقنص، وذكر اسم الله عليه، فقطع يدا أو رجلا، فلا يأكل ذلك، ويؤكل الباقى.
وكذلك إن بقيت تلك الجارحة التى انقطعت متعلقة بجلده، فلا يؤكل، ويؤكل ما بقى.
ومن أدرك شاته قد أكل الذئب منها بطنها، أو غير ذلك، فأدرك ذكاتها فجائز له أكلها إذا تحركت بعد ذبحه إياها.
فصل فى الأشربة
قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}. فذمهما الله فى هذا المكان، ولم يحرمهما، وهى يومئذ لهم حلال /584/ (3/584)
صفحة 1482
ثم أنزل الله هذه الآية فى شارب الخمر، وهى أشدهما: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}.
ثم أنزل اله هذه الآية التى فى المائدة: {ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَنصَابُ وَالاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُم عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلَ اَنتُم مُّنتَهُونَ}.
فجاء تحريمها فى هذه الآية، فقليلها وكثيرها حرام، ما أسكر منها وما لم يسكر.
فمن شرب من الخمر قليلا أو كثيرا، فقد شرب حراما، وعليه الحد، وإن لم يسكر.
ومن شرب من النبيذ المنهى عنه أو غيره، فسكر، فعليه الحد، وإن لم يسكر، فلا حد عليه.
عن أبى الحوارى: قال سألت أبا المؤثر رحمه الله عن رجلين طبخا تمرا، أحدهما فى نيته أنه خل، والآخر فى نيته أنه نبيذ. ثم جعلاه فى جرة، والتمر لهما جميعا. /585/ (3/585)
صفحة 1483
قال أبو المؤثر: هو خل على نية الآخر، ولا تضر نية الثانى أنه نبيذ.
وكذلك لو حلف لا يشرب خلا، فشرب خلا قد صار فى حد النبيذ حنث. وفى الحديث فيما ذكر الله، إذ ذم الخمر والميسر: فقال: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، يعنى لذة وتجارة، والفضل الذى يصييبه (؟؟؟) فى القمار وهو الميسر، فكان المسلمون يشربونها على المنافع، وهى يومئذ حلال، فصنع رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم صنيعا فدعا إليه أناسا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، فسقاهم من الشراب،، حتى أخذ منهم، فلما حضرت الصلاة، تقدم رجل من خيارهم فى صلاة المغرب، فقرأ: قل يأيها الكافرون، فأخطأ فى أولها وآخرها، فصار شرابها فى مواقيت الصلاة منسوخة، فنسختها هذه الآية: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى}. فكانوا يشربونها بعد صلاة الغداة، ثم ينامون، فإذا حضرت الصلاة الأولى وقد ذهب عنهم السكر.
فصنع أيضا رجل من الأنصار صنيعا، ودعا سعيد بن أبى وقاص، وكان شاويا رأس بعير، فأكلوا وشربوا قبل تحريم الخمر، فأخذ فيهم الشراب، فافتخروا وانتسبوا وقالوا الأشعار، فقام الأنصارى، وأخذ لحى البعير وضرب رأس سعد، فإذا الدم على وجهه، فانطلق إلى النبى صلى الله عليه وسلم يستعدى، فنزل تحريم الخمر فى الآية التى فى المائدة.
وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يأيها الناس: إن الخمر قد حرمت، فمن كان عنده شىء منها، فلا يطعمها، ولا يبعها، فأهراقها الناس، حتى جعل يوجد ريحها فى طرق المدينة زمانا. /586/ (3/586)
صفحة 1484
وقيل إنها كانت يومئذ من التمر والبسر، وكانوا يسمون كل شىء اختمر فهو عندهم خمر وهى التى أهريقت يومئذ فيما بلغنا.
وقيل: قام عمر بن الخطاب رحمه الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يأيها الناس إن الخمر قد نزل تحريمها يوم نزل. وهى من خمسة: من التمر، والعنب، والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما اختمر.
وقيل: سأل ابن عمر عن الخمر فقال: منأى الخمر تسألنى؟ فو الله إن من العنب لخمرا، وإن من التمر لخمرا، وإن من الشعير لخمرا، وإن من الأرز لخمرا، وإن من العسل لخمرا.
وكان يقال: لعن الله عاصرها، وبائعها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه.
وعن النبى صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: الخمر من هاتين الشجرتين، من التمر والعنب.
ويكره أن يسقى الدواب والصبيان الخمر.
وقال من قال: لو شربته دابة، ثم ماتت من ساعتها، ما أكل لحمها إذا ذكيت.
وقيل كتب عمر إلى عمار بن ياسر، إلى الشام، أما بعد فقد أتتنا عير من الشام تحمل شرابا كأنه طلاء الإبل، قد طبخ حتى ذهب ثلثاه الخبيثان اللذان فيهما ريح الشيطان وتفثه (؟؟؟)، وبقى الثلث الطيب، فأْمر من قبلك أن يتخذوه. /587/ (3/587)
صفحة 1485
وقيل إن عمر بعث عمران بن الحصين إلى الكوفة، أن يطبخ عصير العنب يعلمهم حتى يذهب الثلثان، ويبقى الثلث.
قال غيره:
إذا طبخ حتى تصير العشرة ثلاثة، ويصير على الأرض فلا يسقه، ولا يعلن بها، فلا بأس.
وقيل: لا بأس إذا ابتدأ فى السقاء من الزبيب غدوة، فشرب من الليل، ونبذ بالعشاء فشرب غدوة.
وقيل: كذلك أمر عمر، ولا يجعل فيه درديا، وأما من النضح، فهو حرام أيضًا.
وقيل إن أنس بن مالك كان يأمر بالبسرة المنصفة فيقطعها إذا أراد نبيذا، ولا يجوز ذلك فى النبيذ.
وأما البسر فى الخل فلا بأس به _ وأما نبيذ البسر، فلا يصلح.
وعن أبى على فى رجل وصف له نبيذ البسر الأخضر للدواء، ينقع ويشرب، فقال: لا يرى بذلك بأسا.
وأما نبيذ الحرة، فهو أيضًا حرام. وجاء فى الحديث عن ابن عمر عن ... /588/ (3/588)
صفحة 1486
ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم حرمه، وأن عمر بن الخطاب رحمه الله قال: للأسنة تختلف فى بطنى أحب إلىّ أن أشرب نبيذا، ولئن أشرب من قمقم مغلى فحما، فيقطع ما قطع (؟؟؟)، ويدع ما يدع، لأحب إلىّ من أشرب نبيذا.
وإذا عمل النبيذ فى سقاء حتى أدرك، ثم صب فى جرة النبيذ، أو خل، فلا بأس به، ما لم يردد النبيذ فى الجرة.
وإذا عمل فى جرة، فإذا أدرك، ثم حول إلى السقاء، فذلك لا يشرب، وكذلك كل ما عمل للخل فى جرة، فلا بأس بشربه إذا صار فى حد النبيذ.
وما عمل للنبيذ فى جرة حتى أدرك فلا يجوز أن يجعل خلا، إلا أن يكون عمل فى الجرة ثم حول من حينه قبل أن يغلى ولا يحمض.
وعن أبى على فى جواب منه عن رجل عرض على نبيذا، وهو ليس بثقة، وزعم أنه من قربة أيشرب أم لا؟
إن كان متهما، فلا نحب لك أن تشرب منه. والذى نحب إن كال صاحب النبيذ ثقة، فاشرب من عنده، ولا تسأله، وإن كان غير ثقة، فلا تشرب نبيذه حتى تسأله عنه، فإن أعلمك أنه على ما تستحل شربه، فاشربه.
وإن كان متهما، فقد جاء عن أبى علىّ أنه لا يحب أن تشرب نبيذه، إلا أن تعلم أنت أنه لا بأس به.
وقيل: وفد عبد القيس قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم، وفيهم الأشج، فقالوا يا رسول /589/ (3/589)
صفحة 1487
الله، صلى الله عليه وسلم: إنا حى من بنى ربيعة، وبيننا وبينكم قفار كقفار مضر، ولم نقدر عليك إلا بالشهر الحرام؛ فأمرنا بأمر ندعو به من وراءنا، فإن عملنا به دخلنا الجنة.
قال: آمركم بأربع، وأنهاكم أربع الحميم والزنى، والنقير، والرفث.
وآمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وأطعموا الخمس من الغنائم.
قالوا يا رسول الله، ما ندرى ما النقير؟ قال: جذع تنقرونه، ثم تقذفون فيه من الفطيعاء والماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم يضرب ابن عمه بالسيف. وقال: وفى القوم من قد أصابته جراحة قال فجعلت إحياءها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا فيم تشرب؟ قال فى أسقية الأديم التى يلاث على أفواهها.
قال: وكل مسكر حرام، فلا يجوز عمل النبيذ، إلا فى الأسقية والمشاعل، وهى من جلود المعز والضأن سواء.
وقيل: لا يجوز فى غير ذلك، وإنما يجوز فى ذلك أيضا أن يكون الجلد طاقا واحدا.
ويوكأ السقاء والمشعل ويسد رأسه.
وقال من قال: يكون الوكاء من حيث يبلغ النبيذ. /590/ (3/590)
صفحة 1488
وقال من قال: يوكأ من رأسه. وكل ذلك جائز.
وعن أبى عبد الله رحمه الله، فى النبيذ، كيف يكون حلالا؟ قال فى الذى عندنا، أنه يشرب فى الأسقية، ويوكأ من حيث بلغ، ويشرب وهو مستقبل، ويشرب منه مالا يغير العقل.
وقيل كل وعاء يجوز الشرب فيه، فإذا لم يوكأ، فنبيذه حرام.
وحب الدادى قيل إنه لا بأس به أن يجعل فى النبيذ للدواء. وأما لغير الدواء فلا.
وقيل عن الربيع: لا يجوز الشراب فى المشعل، إذا كان من جلود الإبل والبقر، أو كان مضعفا من جلود المعز فإن كان فيه وصل، أو رقع من موضع، فلا بأس.
ولا بأس بنبيذ الزبيب والتمر جميعا، والزبيب وحده.
ولا بأس بعصير التمر، ما لم يفض إلى الأرض، ولا بأس بشراب النارجيل.
وقيل إن الكوز الذى يحلب به اليوم، لا يرده إليه.
وقيل: ليس لأهل الذمة أن يدخلوا الخمر فى أمصار العرب.
وقيل عن أبى على رحمه الله فى حلب النارجيل إذا حمض فى سقاء، أو غير سقاء، أو عصير الرمان، هل يشربان إن غليا؟
ما نرى فى السقاء، وأما فى غير السقاء فلا. /591/ (3/591)
صفحة 1489
وقال أيضا يشرب العصير ما لم يغل، وغليانه أن يرمى بزبد، فإذا غلى، فهو الحرام_وفى نسخة إذا غلى، فهو يخمر.
ومن غيره فى هذا المعنى:
وعن من يأخذ الدرن من النبيذ الدادى من عند غير الثقة، ويخمر به العجين، فإن الدرن لا يؤخذ إلا من الثقة، ويكره الدادى، ونعوذ بالله من شرب النبيذ.
قال غيره:
فنسأل الله أن يمن علينا بثقة مثل أبى الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله، فقد بلغنا أنه كان يشرب النبيذ، وكذلك غيره من المسلمين، بلغنا عنهم ذلك.
رجع: والحمد لله رب العالمين.
عن الربيع وأبى زيد ووائل، أنهم كانوا يحرمون شراب النقع، وقال أبو عبد الله هاشم: أما حرام، فلم أسمع، ولكن كرهوا شربه.
وعن خمر عمل (؟؟؟) أنه خمر، ثم طرح فيه الماء. هل يجوز أن ينتفع به؟
فقد قيل: يوجد ذلك فى جواب محمد بن محبوب رحمه الله، أنهم أرادوا بالماء حتى يرجع خلا، فقد أجازوا أكله، والانتفاع به إذا رق.
قال غيره: وقد قيل لو صار خلا بغير خل، أراه ذلك.
ومن غيره: قال أبو عيسى، وأبو أيوب: إذا علم أن هذا صار خمرا، ثم صار من الخمر خلا، فلا يسعه أن يشرب منه. ... /592/ (3/592)
صفحة 1490
ومن غيره: أخبرنا عن مسلم وإبراهيم، أن من غلى خلا فى جرة، فلا يتعرض به، إذا صار بحد النبيذ، حتى يصير إلى حد الخل.
قال غيره: قد قيل لا بأس إذا صار بحد النبيذ، أن ينتفع به للشرب. أ ه.
تمت القطعة الأولى من كتاب تهذيب الأثر فى تلخيص جامع الشيخ محمد ابن جعفر رواح الأحد، وسبعة وعشرون ليلة خلون من شهر صفر من
شهور سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف سنة من الهجرة
الإسلامية المحمدية القرشية؛ على مهاجرها أفضل الصلاة و السلام
على يد العبد الفقير، المقر على نفسه بالذنب والتقصير
راجى رحمة ربه القدير
خلفان بن محمد بن صالح بن محمد بن على بن خميس بن راشد بن خلف الجامعي النخلى_ بيده
نسخة لسيده ومولاه الثقة العدل، العالم الفقيه، النبيه، النزيه، قدوة أهل
زمانه، مهنا بن خلفان بن محمد
البوسعيدى، أسعده الله فى الدارين
آمين ... /593/ (3/593)
صفحة 1491
هذا الكتاب الجزء الأول، من جامع ابن جعفر، رحمه الله، ليس لى فيه ملك بل مرجعه للشيخ القاضى هاشم بن عيسى بن صالح الطبرانى فى بندر مسكت العاصمة لتعلم ذلك.
وأنا الفقير إلى الله، على بن جبر سعود بيده
25القعدة سنة 1381.هـ
انتقل للتراث. كى لا يخفى /594/ (3/594)
صفحة 1492
فهرست
الصحيفة ... الموضوع
3 ... الباب السادس عشر:
فى الزكاة وزكاة الثمار والحبوب وطناء النحل، وأحكام ذلك.
3 ... الفصل الأول:
فى الزكاة
53 ... فصل: فى زكاة الثمار والحبوب
93 ... فصل: فى زكاة طناء النخل.
129 ... فصل: فى زكاة الورق والحجج الموصى بها.
131 ... فصل: فى زكاة الجر.
141 ... فصل: فيما يؤخذ من نصارى العرب، وفى أخذ الجزية، وفى كنوز الجاهلية.
147 ... فصل: فى صدقة الماشية.
159 ... الباب السابع عشر:
فى الصوم وفضله، وما ينقضه وما لا ينقضه، وصوم يوم الشك، وصوم المسافر والمريض، ... والأيام المكروه فيها الصوم والأيام المفضلة، وفى صوم التطوع.
172 ... فى صحة الصوم وفساده. (3/595)
صفحة 1493
الصحيفة ... الموضوع
225 ... فصل: فى السحور وأحكامه
229 ... فصل: فى صيام يوم اشك.
232 ... فصل: فى صوم المسافر والمريض.
248 ... فصل: فى صوم التطوع وصوم الأيام المفضلة والأيام المكروه فيها الصوم.
249 ... فى صوم التطوع.
250 ... ما جاء فى صيام رجب.
255 ... الباب التاسع عشر:
فى فطرة رمضان.
270 ... الباب العشرون:
فى الحج والمناسك، والإحرام، والطواف، والسعى بين الصفا والمروة، والتقصير، وعرفة، والإفاضة، ... وجمع، ومنى، ورمى الجمار، وزيارة البيت والوداع، ومعانى ذلك.
الفصل الأول: فى الحج.
305 ... مواقيت الحج.
345 ... فصل فى السعى بين الصفا والمروة والتقصير.
350 ... فصل فى عرفة وجمع ومنى والزيارة.
360 ... فصل فى الرمى والذبح. (3/596)
صفحة 1494
الصحيفة ... الموضوع
372 ... الباب الواحد والعشرون
فيما يفسد الحج وما يكون فيه من الجزاء من صيد الحرم وشجره، وفى هدى التطوع، وفى الصيد ... للمحرم، والهدى، والضحايا، والحائض، والمستحاضة فى الحج، وفى المحصر، والحج عن الغير ... وأحكام ذلك، وفى زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم.
وفيه فصول، وهو الثانى من الحج
372 ... الفصل الأول: فيما يفسد الحج وما يكون من الجزاء من صيد الحرم وشجره.
377 ... فصل: فى الصيد للمحرم وما يلزمه من ذلك.
فصل: فى الهدى والضحايا
404 ... فصل فى الحائض والمستحاضة فى أمر الحج.
407 ... فصل فى المحصر
410 ... فصل فى الحج عن الغير.
417 ... فصل فى زيارة قبر النبى صلى الله عليه وسلم.
422 ... الباب الثانى والعشرون
فى الأيمان والكفارات وأيمان الجبابرة وأحكام ذلك.
502 ... فصل فى أيمان السلطان والجبابرة
535 ... الباب الثالث والعشرون:_
فى النذور والاعتكاف ومعانى ذلك (3/597)
صفحة 1495
550 ... فصل: فى الاعتكاف.
557 ... اعتكاف النساء.
559 ... الباب الرابع والعشرون:_
فى الذبائح والصيد والأشربة، ومسائل فى ذلك ونحوه.
559 ... الفصل الأول: فى الذبائح.
فصل: فى الصيد.
584 ... فصل: فى الأشربة.
* * *
رقم الإيداع بدار الكتب 2966/ 1982 (3/598)
صفحة 1496
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الجامع
لابن جعفر
العلامة الشيخ أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوى
الجزء الرابع
1414ه _ 1994م (4/1)
صفحة 1497
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذى من علينا بالإسلام وجعلنا من عباد الرحمن فله الحمد كله والشكر كله_ أهل الثناء والمجد_ منه وحده العون وعليه وحده الاتكال، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شىء قدير القائل {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ} (فاطر 28).
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله_ صلوات الله وسلامه عليه_ خير خلقه وخاتم رسله، هادى البشرية، ومعلم الانسانية ومخرجها من الظلمات الى النور القائل (من أراد الله به خيرا يفقهه فى الدين) انظر مسند الربيع شرح الجامع الصحيح1/ 46 عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك. والقائل (تعلموا العلم فان تعلمه قربة الى الله عز وجل وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وان العلم لينزل بصاحبه فى موضع الشرف والرفعة والعلم زين لأهله فى الدنيا والآخرة) المصدر نفسه عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم1/ 44/45
فقد وعى السلف الصالح من هذه الأمة منذ عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم منزلة العلم، عالمين أنه ميراث النبوة، ومؤمنين بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ((من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين)) ومن هنا وجدنا الأمة تقبل على العلم باكباد ظامئة، ترتوي من مناهله، وترفع قدره وتعلى منزلته، فأنجبت أمتنا منذ أيامها الأولى الأئمة الهداة، أعلام الهدى ومنارات التقى، الذين وطئوا أكناف العلم لمن يريده، وسهلوا موارده لمن يطلبه، وجمعوه ودونوه لمن بعدهم، فكانت آثارهم ثروة تزداد على مر الأيام وتنموا على كر الأعوام، حتى صارت ميراثا من حقنا أن نزهو به، ونفاخر به الدنيا، فأينما توجهت وجدت العلم والعلماء فى شتى العلوم والفنون_ من علم الطب والفلك والحساب والرياضيات وعلم الكلام وعلم الفقه وأصوله_ وسائر المعارف والعلوم.
/5/ (4/2)
صفحة 1498
وان دل هذا على شىء فانما يدل على وعي سلفنا الصالح_رضوان الله عليهم_ ومقدار محبتهم لله_عز وجل_ لأن طلب العلم عبادة. ولقد استفاد العالم أجمع من تركة أمتنا العلمية، فترجمت الكتب العلمية الى اللغات الأجنبية، بل شقت طريقها الى المكتبات العالمية، وبعد أن استيقظت الأمة توجهت الى تراثها دراسة وتحقيقا، وقامت الجامعات بدور مهم فى تحقيق هذا التراث العظيم ومنحت الدرجات العلمية من ما جستير ودكتوراه لمن يقوم بدراسة وتحقيق مخطوطة تعود على الأمة بالفائدة العلمية.
والحمد لله الذى منّ على هذه البلاد بالقيادة الرشيدة التى تؤمن بالعلم وتقدر العلماء فساهمت المساهمة القيمة فأنشأت جامعة السلطان قابوس، والتي أنشئت من أجل خدمة المجتمع العماني والحفاظ على تراثه العريق.
وبما أنني أعمل فى هذه الجامعة الفتية وأعمل من أجل تطبيق أهدافها فقد قمت_ بحمد الله وتوفيقه_ بدراسة وتحقيق كتاب البصيرة لأبى عبد الله عثمان بن أبى عبد الله الأصم المتوفى عام631ه، وها أنا أنتهي والحمد لله من دراسة وتحقيق الجزء الرابع من الجامع لابن جعفر_ رحمه الله_ ويليه إن شاء الله الجزء الخامس من هذا الكتاب القيم وهو كتاب فقه جمع بين المنقول والمعقول.
ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نشير الى الدور الكبير الذي تقوم به وزارة التراث القومي والثقافة فى نشر التراث وطباعته، وإخراجه الى النور، وهي مسؤولية كبيرة وهي أهل لها_ ان شاء الله_ فأتقدم لها بالشكر والتقدير ولكل القائمين عليها الأجر الجزيل من رب العالمين.
منهجي فى الدراسة والتحقيق:
دراسة المخطوطات فن قائم بذاته يحتاج الى الصبر والمعاناة لأن المحقق يعيش فى عصر غير عصره، ويتعامل مع خط قديم يصعب قراءته أحيانا كثيرة، لهذه الأسباب يحتاج من يخوض غمار هذا البحر الى فن السباحة فيه وإلا خرج العمل مشوها لا يحقق الهدف المرجو منه، والعمل الارتجالي يؤدي إلى خلل واختلاط فى المفاهيم وعدم وضوح في الرؤية لدى قارئ الكتاب،، لذلك لابد من وضع الضوابط التي تضبط عملية التحقيق والدراسة فتخدم الكتاب وتخدم الأمة فما قمت به من عمل هو جهد المقل وأسأل الله_ سبحانه /6/ (4/3)
صفحة 1499
وتعالى_ أن يجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة، وإنني اذ أقدم ما قمت به غير مدع الكمال فأنا طالب علم بحاجة الى التعلم المستمر فالكمال لمن له الكمال سبحانه وتعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
ولقد نهجت فى عملى النهج التالي:
1_ نسخ المخطوط النسخ الجيد.
2_ فصل متن الجامع عن أقوال العلماء ويوجد ذلك بعبارة ((ومن غيره)) ويتم الفصل:
1 () عمل خطين بين المتن وبين ((من غيره)).
2 () إذا كان ((ومن غيره)) فى بداية الصفحة يوجد خطان قبلها.
3_ مقابلة النسخ بعضها مع بعض وقد اعتمدت على ثلاث نسخ:
الأولى رقم واحد (1).
والثانية يرمز لها (بألف ((أ)))
والثالثة يرمز لها بالحرف (باء ((ب))) ومطبوعة بحرف أصغر من المتن.
وإذا وجدت فارقا بين النسخ دونت ذلك بعد أقوال العلماء أي في هامش بعد ((من غيره)) بحرف أقل من حروف المقابلة.
4_ ترقيم الآيات القرآنية. وشرحها اذا احتاج الأمر الى ذلك.
5_ تخريج الأحاديث من الكتب المعتمدة قدر الامكان.
6_ شرح المفاهيم الصعبة بالعودة إلى كتب اللغة، والجامع فيه الكثير من الكلمات العُمانية الدارجة التي لها أصولها في العربية وتعتبر من اللهجات المحلية.
7_ الترجمة لمعظم الأعلام وخاصة المخفي منهم وترك المشهور لشهرته. وهذه النقطة من أصعب ما وجدت لعدم توفر مراجع أو تراجم لعلماء الإباضية بين أيدينا.
8_ التعريف بالمدن والقرى المذكورة في المخطوط بقدر الامكان. (4/4)
صفحة 1500
9_ التعريف بالأفلاج التي ورد ذكرها.
10_ توضيح المكاييل والموازين والمواقيت التي ورد ذكرها.
11_ توضيح المسافات والمقاييس التي ورد ذكرها.
12_ دراسة المسائل الفقهية الرئيسية دراسة مقارنة مع المذاهب الفقهية/7/ (4/5)
صفحة 1501
الأخرى، لنثبت أنه لا فرق بين المذهب الإباضي والمذاهب الأخرى اذ نجد الإباضية مرة مع الحنفية ومرة مع الشافعية أو المالكية .. ولم أعثر على انفرادات مذهبية تذكر.
13_ التعريف بكل باب فقهي ذكره الشيخ دون تعريف مع ذكر الأدلة على مشروعيته.
14_ عمل فهارس للمخطوط.
وفى ختام هذه أتوجه الى المولى_ عز وجل_ بالحمد والشكر والثناء بما هو أهله اذ مكنني من انجاز هذا العمل، وأتوجه بالشكر الجزيل لكل من قدم لنا يد المساعدة سائلا المولى _ عز وجل_ أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم.
وأخيرا أتوجه إلى كل من يطلع هذا العمل أن يدعو الله لنا بالتوفيق والهداية والرشاد ولا يبخل علينا بالنصح والارشاد وأن يتصل بالجهة التي طبعت الكتاب وهي وزارة التراث القومي والثقافة والله ولي التوفيق.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مسقط_ الثلاثاء16 جمادى الثانية من عام 1414ه
الموافق 30/ 11/1993م
المحقق
د. جبر محمد الفضيلات
أستاذ مساعد
بجامعة السلطان قابوس
كلية التربية والعلوم الإسلامية
قسم العلوم الإسلامية /8/
الباب الأول
في الأحكام (4/6)
صفحة 1502
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} الحمد لله على العقول والأحلام، وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام وبعد:
فليتق الله كل حاكم من الحكام، وليخَفْ جبارًا آخذا بالنواصي والأقدام تصعق من خيفته الصواعق. وترتعد من فرقة المغارب والمشارق، وتضرع إليه جميع الخلائق، وأنه لم يقم من حاجة، ولم يخلقه عبثا ولا لحاجة، بل له النور والظلمة، والملك العظيم والعظمة. ((وفي نسخة الملك الدائم والنعمة والسلطان والعظمة وانما قدر لعبده القدرة مخلصا منه له ولغيرهْ فابتدأه من نقطة، ثم هدى اليه لطفه، وحد له حقه وعرفه، فمنهم من شكر، وقام لله بما أمر، وآخر لما تسلطن وعلا في الأرض وتمكن، فعندها ناصب الجبار ولم يذكر الجنة والنار، فأرض الله منه في ارتجاف وعباد الله منه في مخاف، وقد حاد عن حكم الله وحاف، وذلك لما قام في المقام، الذي أضاء فيه نور الإسلام وحفت به وبأهله الملائكة الكرام (وفي نسخة وحفظ أهله بالملائكة الكرام) ودعتهم البرحية إلى عدل القضية، والحكم بين السوية، فلما لجوا لجناحه ومالوا الى عدله واصلاحه، صنفهم أصنافا، فأولى بعضهم إلطافا، وأعرض عن قوم وتجافا، وأخذهم بالأحن، وعاقبهم بقديم الزمن، ولقيهم ببصر حديد وكلام غليظ شديد، فلما نظروه لهم عابسا، وصار كل من عدله مستأسيا (وفي نسخة آيسًا) فظلمهم الناس قهرًا وتركوا حقهم للناس جهرًا، والله يرى ويسمع ما يأتي العبد إلى عباده ويصنع فلولا أنه أخره إلى مدة لهدته السموات هده، فليتق اله عبد بالله عالم، وسلطان بحق الله حاكم، أن يراه الله عاليا على خلقه أو عاصيا فيما استحفظه من حقه ولا قوة الا بالله. /9/ (4/7)
صفحة 1503
((التحذير من الولاية)) وبلغنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم_ أنه قال لأبي ذر_ رحمه الله_: قال: وقد قال أبو ذر: يا رسول الله امرني. فقال: يا أبا ذر إنك ضعيف وهي أمانة وهي يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليها فيها
وقيل أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وقف خلق في أصحابه فقال: إني لا أدري لعلكم ستولون أمر هذه الأمة من بعدي فمن وليه منكم أو من ولي من أمر المسلمين شيئا فاسترحم فلم يرحم. وحكم فلم يعدل وعاهد فلم يف فعليه غضب الله ولعنته إلى يوم القيامة ... /10/ (4/8)
صفحة 1504
وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم _ ما من والي يلي على عشرة إلا أوتى به مغلولا يوم القيامة حتى يوقف على جسر من جسور جهنم وملك آخذ بقفاه، فاذا كان عادلا نجا ولا انخسف به الجسر في جب أسود مظلم يهوي به سبعين خريفا معذبا.
وقال حذيفة يأتي عليكم أمراء يعذبونكم يعذبهم الله. ... /11/ (4/9)
صفحة 1505
وقال عمر بن الخطاب_ رحمه الله_: أحب أن أكون كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه، وقال: وأن الحاكم ليكابد بحرا لجيا عميقا تغشاه أمواج تيارات الظلم فترفعه تارة وتخفضه أخرى، وقل ما يكابد الغرق رجل إلا وانه يغرق.
وقال أيضا لواليه: إياك والضجر والقلق والزجر والتنكر للخصوم في مجلس الحكمْ.
وقال أيضا: من خلصت نيته فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس.
وقال: لا ينفع التكلم بالحق إلا بإنفاذه. الا فلينازع هذا الحاكم لله نفسه. وفي نسخة (ويتقون سلطان الناس ولا يتقوا بسلطان الله) فيما لم يأذن له به الله. ولا يغضب لله بأكثر ما أمره الله، وليكن سهلا حليما. منقطعا رحيما وليسوي بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف والرفيع والحفيظ والحبيب والبغيض، واذا قدر فليذكر قدرة الله عليه. /12/ (4/10)
صفحة 1506
وقال جابر بن زيد_ رحمه الله_ عن أبي الدرداء: لأن يعثر أحدكم من قدمه حتى يقع على وجهه خير من أن يعثر من لسانه.
والرواية عن النبي _صلى الله عليه وسلم _ أنه قال: لا يحكم حاكم بين الناس (وفي نسخة بين اثنين) وهو غضبان.
((آداب القاضي)) وقال بعض الفقهاء: لا يخرج حاكم الى الحكم وهو غضبان. فان حدث له غضب وهو في مجلس الحكم فليرجع إلى منزله حتى يسكن غضبه. /13/
((أهمية البينة)) وقيل والله أعلم_ ان داود النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما أمره الله بالقضاء انقطع به فأوحى الله تعالى اليه أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وحلف المدعي عليه (وفي نسخة اليه باسمي) وخل ما بيني وبينه (وفي نسخة وبين الظالمين).
قال أبو المؤثر: وخل بيني وبين الظالمين. وهو الحكم وفصل الخطاب. /14/ (4/11)
صفحة 1507
وقيل كان شريح يقول للشاهدين: إني أتقي بكما فاتقيا بالبينة على المدعي وإن أعجز البينة استحلف المنكر للحق فان رد المنكر للحق اليمين الى المدعي فإن حلف على حقه حكم له به وإلا فلا شيء عليه.
وإن حلف خصم لخصمه وهو لا يعرف بينته ثم جاءت البينة فشهدوا نقض الحاكم اليمين الفاجرة وأمضا ما شهد به الشهود وإن كان يعرف بينته ثم استحلف خصمه لم تقبل بينته إذا أبطل بينته عند الحكم الحاكم فهو يعرفهم قبل اليمين. /15/ (4/12)
صفحة 1508
وقال محمد بن الحواري عن نبهان بن عثمان اذا أبطل البينة مع الحاكم عرفهم أو لم يكن عارفا بهم لم يقبل منه بينة على ذلك الحق بعد اليمين.
وقال بعض الحكماء: الرشوة تصيد الحكيم، وتفقأ عين الحليم والله بعباده خبير عليم. /16/ (4/14)
صفحة 1509
وليس للحاكم أن يتخير من آراء الفقهاء إلا ما يرى أنه أشبه للحق وأقرب للصواب.
وقيل عن عمر بن الخطاب _ رحمه الله_ قال: لا يصلح للقضاء إلا لمن جمع خمس خصال: إلا أن يكون عالما بما سبقه من الآثار ومشاورا لذوي الرأي نزيها عن الطمع. حليما عن الخصوم محتملا للآيمة. فان فاتته خصلة من هذه الخصال ففيه وصمة.
وقيل أن شريحا قاضي عمر بن الخطاب _ رحمه الله _كان كلما قعد للحكم نظر في رقعة مكتوب فيها: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} إلى آخر الآية.
[تم الباب من الجامع] ... /18/ (4/15)
صفحة 1510
ومن غيره:
وقيل قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم_ من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين. وينبغي للحاكم أن يتقي الله ويحكم بالحق ويعمل بما قاله الله تعالى لنبيه دود (؟؟؟) عليه السلام.
وبما قاله لنبيه ورسوله محمد-صلى الله عليه وسلم_ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين. فاتق الله أيها الحاكم واعمل بما قال الرسول فإنك مسئول (؟؟؟). لقوله تعالى {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}. /19/ (4/16)
صفحة 1511
الباب الثاني
في الشهادات والقسم
((شهادة المرأة)) وإنما ينفذ الحق بإقرار أو بشهادة رجلين عدلين ورجل وامرأتين، ولا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجال فيما لا يستطيع الرجل النظر إليه، من نفاس النساء وما يكون في الفرج من العذرة البكر والعرق، وصحة حياة المولود في الرضاع، وأقل ما يكون في ذلك إمرأة عدلة مسلمة. وإن شهدت إمرأة غير عدلة برضاع بين رجل وإمرأة قبل الجواز فلا يتزوج بها. /20/ (4/17)
صفحة 1512
قال أبو الحواري: قبل الملك فلا يتزوج بها فان شهدت من بعد الملك فلا يفرق بينهما، إلا أن تكون عدلة وهو قول موسى بن علي _رحمه الله
وشهادة النساء مع الرجال جائزة في كل شيء إلا في الزنا فلا تجوز شهادة النساء. /21/ (4/18)
صفحة 1513
((شهادة كل ملة على ملتها)) وشهادة أهل كل ملة جائزة على أهل ملتها. ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة أخرى إلا الاسلام فان شهادة العدول منهم جائزة على جميع أهل الملل.
وتجوز شهادة رجل وامرأتين من أهل الكتاب على من هو منهم إذا كانوا عدولا في دينهم. /22/ (4/19)
صفحة 1514
((شهادة الخصم على خصمه)) وقيل عن النبي_ صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: لا تجوز شهادة الخصم ولا دافع مغرم ولا المتهم ولا الشريك، ولا يجوز شهادة من يحرك نفسه شيئا أو يدفع عنها. أو إلى ولده مالا أو لعبده لأن مال عبده له.
/23/ (4/20)
صفحة 1515
وإذا شهد شاهد بشهادة عند الحاكم ثم مات أو غاب أو جن أو غلب على عقله فإن القاضي يجيز شهادته في الحقوق وعلى الأموال والديون ولا يجيزها في الحدود. لأنه بمنزلة الميت.
وإن هو فسق أو جلد في قذف وارتد عن الاسلام وشهد العدول أنه كان يوم يشهد بتلك الشهادة عدلا فإن الحاكم لا يجيز شهادته وليردها. ... /24/ (4/21)
صفحة 1516
((الشهادة على الحدود)) وان شهد رجلان على حد من حدود الله فمات الشاهد أو غاب أو جن أو فسق أو ارتد عن الاسلام أو ذهب عقله قبل أن يقضي القاضي وقامت البينة أنه يوم شهد بتلك الشهادة كان عدلا فلا يجيزن القاضي شهادتهم لأن الحدود هي لله تدرؤ بالشبهات، وإنما تقام الحدود بحضرة البينة. ولا تجوز شهادة عن شهادة في الحدود وتجوز في غير ذلك. ... /25/ (4/22)
صفحة 1517
ولا تجوز شهادة عن شهادة في الحدود وتجوز في غير ذلك، شهادة الرجل عن الرجل الميت، والمرأة عن المرأة الميتة. فأما الأحياء فحتى يشهد على شهادة كل رجل رجلان أو رجل وامرأتان، وكذلك عن المرأة الحية.
وتجوز شهادة الرجل الواحد العدل عن المرأتين الميتتين وتجوز شهادة امرأتين عن رجل ميت. /26/ (4/23)
صفحة 1518
((شهادة الزور)) وقيل شاهد الزور قاتل ثلاثة قتل نفسه بشهادة الزور، وقتل الذي نزع ماله بغير حق وقتل الذي أطعمه الحرام.
وقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فاحتفز وهو يقول: وشهادة الزور (وفي نسخة قول الزور) ورفع بها صوته.
وقيل من قول الزور: قذف المحصنات وشهادة الباطل، فشاهد الزور لا تقبل له شهادة أبدا الا في الولاية وعقد النكاح والمراجعة وذلك بعد التوبة من جميع ذنوبه. /27/ (4/24)
صفحة 1519
((شهادة التائب)) وأما من زنا وقذف أو قتل ثم تاب ودان بالحق قبلت شهادته ومن شهد بشهادة ثم ردت شهادة لأنه عبد أو ذمي ثم شهد بها بعد أن أعتق أو أسلم فقيل إنها لا تقبل لأنها قد ردت، إلا أن يشهد بغير تلك الشهادة التي رد فيها. /28/ (4/25)
صفحة 1520
((شهادة العبد والصبي)) وأما الصبي إذا شهد بتلك الشهادة وهو صبي وردت ثم شهد بها لما بلغ فإن شهادته جائزة إذا كان عدلا.
وقال بعض الحكماء لا تجوز وبالاجازة نأخذ.
قال أبو المؤثر جائزة. /29/ (4/26)
صفحة 1521
((شهادة الضرير)) والضرير لا تجوز شهادته إلا أن يكون شهد بها وهو يبصر ثم شهد بها مع الحاكم وقد ذهب بصره فليجز الحاكم شهادته، وتجوز شهادة الضرير أيضا في النسب.
قال أبو الحواري _رحمه الله_ وذلك إذا شهد بأرض أو نخله ووصفها بحدودها قبلت شهادته من بعد أن يشهد شاهدان أن هذه الأرض أو هذه النخلة التي شهدها هذا الضرير ثم ينفذ الحكم وأما في النسب: فحتى يشهد شاهدان أن هذا هو فلان الذي نسبه هذا الضرير.
وتجوز الشهادة عن شهادة الأعمى والمعتوه إذا شهدوا عن شهادتهم وهم أصحاء على ما يعرفون بالبينات أو بمعاينة الشهود عنهم على عين رجل أو دابة أو مال وهم أصحاء. /30/ (4/27)
صفحة 1522
((شهادة الأقلف)) ولا تجوز شهادة الأقلف ولا يكون أمينا على شيء من أمور الحكام وقيل أيضا لا تجوز شهادة من صح أنه ينتسب إلى غير قومه أو يدعي العروبية _أي أنه من العرب، ونسخة العربية_ وهو مولى. /31/ (4/28)
صفحة 1523
((الشهادة على السماع)) وتجوز شهادة الشاهد إذا سمع رجلا يشهد على نفسه بشهادة وان لم يشهده أو يسمعه بقربه عند الحاكم أو غير حاكم. وتجوز الشهادة عن الشهادة على ذلك وليس لأحد أن يشهد على شهادة أحد إلا أن يشهد مع حاكم وهو يسمعه فإنه يشهد أنه شهد مع الحاكم بها. وتجوز شهادته ويقبل الحاكم البينة عن البينة اذا كانت البينة غايبة من عمان شاهدين عن شاهدين اذا شهد الشاهدان عن شهادة الشاهدين اللذين اشهداهما جميعين هذا وهذا وتجوز شهادة الشاهدين عن شهادة المرأة الحاضرة والمريض والامام والقاضي وذلك اذا شهد الشاهدان أن فلان أشهدنا على شهادته وهو مريض لا يقدر أن يصل إلى ذلك الحاكم من المرض، فان الحاكم يجيز شهادتهما، فان قالا أشهدنا هذه الشهادة. وقال: إنه مريض فان الحاكم يسألهما عن حالته التي نظراه فيها فان المريض لا يخفي وعلامته الحمى وما يظهر من الجراحات وعلامات الأمراض. ومن ذلك يكون ذلك غامضا فيظهر منه غبار في وجه المريض وبدنه ومنهم من يكون فيه العلة الخفيفة 4 (ونسخة الخفية) التي قد شهرت وعرف بها، فإذا شهد الشاهدان أنه محتبس في موضعه وقال إنه مريض وشرحا شيئا من هذه العلامات قبل ذلك الحاكم وأجاز شهادتهما عنه لأن الله تبارك وتعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يعلم ما عند المريض الا الله ثم هو فان شهد الشاهدان أنهما دخلا على هذا الذي يشهد أن شهادته وهو نائم أو قاعد في منزله فقال لهما: أنه قد حدثت له علة من مرض في قلبه أو بطنه أو مذاكيره أو عررة (؟؟؟) في جبنه أو مرض غامض في شيء من جوارحه لا يمكنه أن يبلغ إلى الحاكم ثم أشهدهما على شهادته فيشهدا بذلك مع الحاكم ولم يكن معهما من العلم أكثر مما قال لهما به من علته واشهدهما به من شهادته فأحب الينا أن يقبل الحاكم شهادتهما ولا يبطل حقا قد صح معه الا أن يجيء بشهادة، بشاهدي عدل يشهدان أنهما نظراه صحيحا من بعد. /32/ (4/29)
صفحة 1524
أو يجيء ويذهب أو في حال يعرف به الأصحاء من بعد أن شهدا هذين الشاهدين هذه الشهادة فإنا نحب أن يقف الحاكم عن انفاذ شهادتهما حتى يعرف حاله من بعد لأنه قيل إذا شهد الشاهدان عن مريض أو غائب ثم قدم الغائب أو صح المريض من قبل أن يحكم الحاكم بشهادته أن على الخصم أن يجيء به حتى يشهد من بعد عن نفسه. /33/ (4/30)
صفحة 1525
((شهادة الفروع للأصول والعكس)) وشهادة الولد لأبيه وأمه ولأخيه وجده ولجدته ولأمرأته فشهادة هو لا جائزة بعضهم لبعض.
كذلك عن جابر بن زيد رحمه الله وأبي عبيدة والربيع رحمهما الله وغفر لهما الا الوالد فانه لا تجوز شهادته لولده في النكاح والرضاع والحدود والقصاص، ولا تجوز فيما يأخذ به الدية فيما يجربه (؟؟؟) اليه مالا وتجوز شهادة الوالد لولده في النكاح والرضاع والحدود والقصاص ولا تجوز فيما يأخذ به الدية وتجوز شهادته له في الوكالة بلا قبض مال.
وقال من قال تجوز شهادة الوالد لولده على ولده، وقال من قال لا تجوز فالجواز أحب إلينا إذا كان عدلا.
وقال أبو المؤثر: لا أرى شهادة الوالد لولده على ولده تجوز لأنها تقوم مقام دعواه لنفسه على ولده. /34/ (4/31)
صفحة 1526
ومن غيره: وعن شهادة الارحام بعضهم لبعض هل تجوز قال شهادة الأرحام بعضهم لبعض جائزة لم يختلف في ذلك أحد من أصحابنا إلا في شهادة الوالد لولده، فانهم قد اختلفوا في ذلك قال من قال تجوز، وقال من قال لا تجوز، والمأخوذ به أن شهادة الوالد لا تجوز لولده لأن ما له لوالده، وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم _ قال للرجل الذي آتاه هو وولده: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم_ أنت ومالك لابيك)). /35/ (4/32)
صفحة 1527
ومن غيره: قلت له: فهل يقع الربوا بين الرجل وولده قال: قد اختلف في ذلك معي أيضا فقيل أنه لا ربوا بينهما، وقيل بينهما الربوا كسايرهما من الأجنبي. فقال أبوا علي الحسن بن أحمد رحمه الله، وإنما الاختلاف اذا أربى الوالد على الولد، وأما اذا أربى الولد على الوالد فلا يجوز ذلك. والله أعلم.
((شهادة الوكلاء)) ولا تجوز شهادة الوكلاء لمن وكلهم الا شهادة الوصي والوكيل واليتيم والاعجم والمعتوه والذاهب العقل ويؤمر اذا نازع لهم أن يقول للحاكم أنازع لهم وعندي لهم شهادة ويجيز الحاكم شهادته مع عدل غيره. /36/ (4/33)
صفحة 1528
ومن غيره: ((شهادة التائب من المعصية)) قال أبو الحسن بن أحمد حفظه الله: ولو لم يقل ذلك للحاكم أن شهادته جائزة والله أعلم وكل من طرحت شهادته بحدث ثم تاب وأصلح جازت شهادته فيما يستقبل وإن شهدت عليه بينة بجرح بطلت شهادته تلك وإن تاب وأصلح قبلت شهادته من بعد في غير ذلك. وان وقف عن تعديله بلا جرح ثم عدل من بعد قبلت شهادته في تلك الشهادة وغيرها من بعد ذلك الا شاهد الزور ما اقتطع بشهادته شيئا من أموال الناس لم تجز شهادته أبدا فإن عزم وتاب وأصلح ثبتت ولايته وبطلت شهادته من بعد ذلك.
ومن غيره: قد قيل تقبل شهادته والحجة قوله تعالى {إِلاَّ الذِينَ تَابُواْ مِنم بَعْدِ ذَالِكِ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
/38/ (4/34)
صفحة 1529
وإن شهد ولم ينفذ الحكم وردت شهادته فلم تعدل ثم تاب قبلت شهادته من بعد إذا لم يكن قطع بها مالا.
((رجوع الشهود عن الشهادة)) وإذا شهد شاهدان وحكم الحاكم بشهادتها ثم رجع بعد ذلك عن الشهادة أمضى الحاكم الحكم الذي قد كان حكم به والزمهما غرم ما قد شهدا عليه فإن رجع أحدهما غرم ذلك المال لأنه لولا شهادته لم تجز شهادة الآخر وبهذا الرأي نأخذ.
وقال من قال: يغرمه. وفي نسخة يغرم النصف من ذلك) ولولا شهادة الآخر لم تجز شهادته وهو أيضا قال أبو الحواري: يغرم أحدهما الذي رجع. قال أبو المؤثر: يغرم النصف فإن رجعا عن شهادتهما أو أحدهما قبل أن يحكم الحاكم فليقبل منهما ولا يجيزن شهادتهما ولا يغرمهما. /40/ (4/35)
صفحة 1530
وإن شهد رجلان عند الحاكم عن شهادة رجلين غائبين وقضى القاضي بشهادتهما ثم قدم الأولان فرجعا عن شهادتهم كأنهما أنكراها وقد حكم الحاكم فليمض الحاكم شهادتهما.
وإن قالا أشهدناهما ولكنا قد رجعنا عن شهادتنا فليمض الحاكم شهادتهما وليمضين الأولين الذين قالا قد رجعنا عن شهادتنا جميع الحق وليس على الآخر شيء.
وإن رجع الآخران ومضى الأولان على شهادتهما ولم يرجعا عنها فلا يغرمان الآخران لأن الأولين قد ثبتا على شهادتهما.
وقال من قال: فإن أنكر الأولان أنهما لم يشهد الآخرين بهذه الشهادة ولا علماها وأقر بذلك الآخران ورجعا عن شهادتها فضمان ذلك كله على الآخرين ... /41/ (4/36)
صفحة 1531
وإذا رجع المعدل عن تعديل البينة بعد الحكم فقيل تنتقض القضية ولا غرم في ذلك على أحد، قال أبو المؤثر: إذا مضت القضية فلا أرى رجوع المعدل للشهود ينقضها ولا أغرمه ولا أحدا. ولكن إن علم المعدل أنه اعتمد لتعديل من لا عدل له فليتق الله وليغرم لمشهود عليه ما تلف من ماله؟ ... /42/ (4/37)
صفحة 1532
ومن غيره: وسئل عن رجلين شهدا الرجل على رجل في ماله بزور هل للمشهود عليه أن يأخذ لهما مثل هذا المال الذي أخذ منه بشهادتهما من حيث لا يعلمان.
قال: لا، ولكن إن قدر أن يأخذ من مال المشهود له مثل المال الذي أخذ منه فذلك حلال.
قال أبو سعيد رحمه الله هو المخير إن شاء أخذ من مال الشاهدين وإن شاء من مال المشهود له، والله أعلم بالصواب.
وقال محمد بن محبوب_ رحمه الله_ لو أن رجلا اغتصبه رجل مالا فلم يقدر عليه الا بشاهدي فلا يحل له أن يأكل هذا المال بشهادتهما ولو حكم له بذلك الحاكم. فان فعل فليرد ذلك المال إلى المحكوم عليه أو الى ورثته إن قد مات
قال غيره: (نسخة ومن غيره) قال أبو سعيد_رحمه الله_ يعجبني أن يأخذ ماله إذا كان يعلم أن له في الأصل فيما لا يشك فيه وليس إبطاله عندي استعمال الشاهدين بالزور مما يحرم عليه ولكنه يؤثمه (؟؟؟) ذلك الأمر بشهادة الزور إذ هي باطل فلا يجوز الأمر بالباطل ولا يكون إبطاله بوجه من الوجوه يحرم عليه حلاله.
قال محمد بن محبوب_ رحمه الله تعالى_ عن قول الله تعالى {ولاَ يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ} قال: إن كان معه شهادة.
/43/ (4/38)
صفحة 1533
وكذلك إن كان الشاهد عبدا أو مشركا ولم يعلم الحاكم حتى علم انتقضت تلك القضية.
وكذلك إن كان شاهد زور وكان والد المشهود له أو شريكا في ذلك المال. وقيل إن حمل ثقة كتابا من حاكم الى حاكم ثم لم يوصله حتى مات الحاكم الذي بعث به أو عزل لم ينفذ كتابه.
وكذلك إن مات المبعوث اليه أو عزل بطل الكتاب. وان مات الحامل فاستودعه غيره لم يقبل وكذلك إن دفعه إلى غيره وهو حي وسئل عن هذه المسألة فإني واقف عنها.
وكل بينة سمعها الحاكم ثم مات أو حكم ثم مات أو حكم دخل فيه فلم يتم حتى مات أو عزل فأشهد عليه الحاكم الأول قبل أن يموت عدولا فأسلمه الى الامام أخذ به وبنى عليه. /45/ (4/39)
صفحة 1534
وقيل إن سليمان بن الحكم كان قد دخل في حكم فلما مرض أسلمه فبنى عليه أبو عبد الله محمد بن محبوب _رحمه الله_ بعد موته.
وقيل إنما يقبل كتاب الحاكم من يد الثقة الذي يعرفه الحاكم الذي الكتاب ((كتب الحاكم)) اليه أو يصح عنده معرفته، فإن لم يعرفه الآخر بما يكون معرفته من الكتاب الذي حمله فذلك ضعيف.
ومن غيره: ولا يقبل الحاكم كتابا من إمام ولا وال في شيء من الشهادات ولا في الوكالات إلا بيد ثقة غير المدعي. ولو كتب الباعث الكتاب في كتابه أن حامله عندي ثقة لم يقبله إلا أن يحمله إليه الثقة عنده أو يعرفه ثقة عدل قبل تعديله.
قال أبو المؤثر: قد كنا نسمع إذا كتب الحاكم أن حامل كتابي اليك ثقة أنه يقبل ما لم يرتب المكتوب إليه. /46/ (4/40)
صفحة 1535
رجع وقد قبل المسلمون الكتاب في جميع الأحكام بيد العدل الثقة الواحد وينفذه ويقبل قول الواحد الثقة إذا أمره الحاكم بقياس الجروح على ما قاس وكذلك المرأة الثقة التي تقيس برأي الحاكم جراحات النساء في الحكم ويحتج له في البلد قيل يقبل قولها في القصاص والأرش.
وقال من قال ويقبل الحاكم قول الواحد الثقة يحتج له على النساء في الحكم ويحتج له في البلد البعيد الذي تصله حجة الحاكم.
وللحاكم أن يولي الرجل الثقة يقاصص بين القوم في الجروح ويبعثه في تنفيذه وفي نسخة تفصيل الحكم بين الخصوم.
وقيل يجزيء الواحد الثقة بخبر الحاكم عن العجمي بما يدعي ويحتج به وإن كان الشاهد أعجميا فعلى المشهود له أن يحضر شاهدي عدل يشهدان على شهادته له وهو حاضر.
واذا قدم رجل من بلد الى بلد آخر فحضر الامام والقاضي في مجلس القضاء فاشهد القاضي على قضيته أو على كتاب ولم يكن هذا يعرف القاضي قبل ذلك فانه يشهد على قضيته التي أشهده عليها. وان لم يكن يعرفه وفي نسخة وان كان لا يعرفه من قبل لأن هذا هو الأمر الظاهر ولا يمكن أن يقعد في موضع الامام والقاضي ويحكم بين الناس الا هما./47/ (4/41)
صفحة 1536
((الشهادة على النكاح)) وكذلك كلما كان من المشهور في النسب والموت والنكاح فان الشهادة به جائزة ولو لم يحضر ذلك الذي يشهد وانما ذلك فمن شهد موته حتى لا يشك فيه أهل المعرفة به فيجوز أن يشهد الذي عرف ذلك بموته. واذا تزوج الرجل إمرأة نكاحها علانية ودخل وأقام معها ثم مات، فانه يتبع جيرانها أنه يشهدوا أنها امرأته وان لم يكونوا شهدوا النكاح وان كان لهما ولد شهدوا أنه ولدهما وان لم يعاينوا الولادة لأن أمر الناس على هذا ولا يجدون من دون ذلك بدا فمن تركه ترك السنة.
ومن غيره: وسألت أبا الحسن عن شهادة الشهود أن فلانا تزوج فلانة وأن فلانة زوجة فلان، هل يسألون عن ذلك
قال: تثبت شهادتهم ولا يسألون عن ذلك،
قلت: فان كانوا إنما علموا بالتزويج من قبل الشهرة فشهدوا قطعا هل يجوز لهم ذلك. قال: نعم قلت: وكذلك إن كانوا علموا من جهة عقد التزويج فشهدوا قطعا أنها امرأته. قال: يجوز لهم ذلك الا أن يعلموا انها بانت منه فان سئلوا عن ذلك قالوا: نعم إنها بانت منه. /48/ (4/42)
صفحة 1537
وقال من قال: يشهد بالولد أنه ولدها إذا سمع بحمل المرأة ثم سمع بالميلاد ثم رأى الولد عندهم. وقال إنه هو ولدهم فانه يشهد به وإذا كان النسب مشهورا باسم الرجل واسم أبيه والشاهد يعرفه الرجل ولم يدرك أباه فانه يشهد انه فلان ابن فلان كما نشهد نحن أن أبا بكر لبن أبي قحافة وعمر بن الخطاب رحمهما الله. وعلي بن أبي طالب ولم ندرك آبائهم وإنما ذلك إذا كان الرجل والنسب مشهورا معروفا وأما ان كان الشاهد لا يعرف الرجل الا بشهادة رجل واحد عدل أو كان الرجل من أهل بلده لم يكلمه ولم يخالطه ورجل قدم من بلد آخر فانتسب له وأقام معه فان هذا لا يسع الشاهد أن يشهد به أنه فلان بن فلان حتى يشهد معه شاهد عدل أنه فلان بن فلان. تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وسألته عن الشاهد اذا اطمأن قلبه على معرفة صورة المرأة التي شهر اسمها في البلد وطلب منه الشهادة عند الحاكم على معرفتها ولم يشك قلبه في الاطمئنان أنها هي، هل له أن يشهد أنها هي على الاطمئنان ولا يضيق عليه ذلك مثل الحاكم.
قال معي: إنه إذا لم يشك أنها هي فله أن يشهد قطعا وان كان على الاطمئنان فلا يشهد بها الا أن يسمى بالاطمئنانة.
وسئل عن المرأة اذا كان اسمها شاهرا في البلد غير أنه لا يعرف الشخص منها ولا صورتها، ثم شهد شاهدان عليها أنها هي فلانة بنت فلان، هل يجوز للشاهد الذي لم يعرف صورتها أن يشهد أنها فلانة قطعا، واذا شهد عليها شاهدان.
قال معي: انه قد قال بعض أنه يجوز أن يشهد عليها قطعا وقال من قال: لا يجوز أن يشهد عليها قطعا وانما يشهد عن شهادتهما أنها فلانة أو على ما يحكي الشاهدان ان من لفظ شهادتهما.
قلت له فاذا أعجزت المرأة البينة على معرفتها عند الحاكم وشهد بها شاهد واحد واطمأن قلب الحاكم أنها هي فلانة وطلبت أن يفرض له في مال ولدها اذا كان يرضع لتربيته اذا كان أبوه ميتا. هل يسعه ذلك على الاطمئنان قال معي: انه لا يضيق عليه ذلك اذا رجا في ذلك مصلحة لها وللصبي ولم يرتب في الاطمئنان على ذلك. /49/ (4/43)
صفحة 1538
ومن غيره: يوجد أن من دعي الى الشهادة ولا يوجد غيره فليس له أن يأب ويشهد فان حفظها أداها وان لم يحفظها فليس عليه شيء وان وجد غير فله أن يأبى
ومن غيره: وقال من قال: انه يجوز بيع الليل اذا عرفا ما يتبايعا عليه كمعرفة ما في النهار وذلك على قول من يجيز الشهادة بلا أن تحضرك نارا إذا عرفته كمعرفته في النهار هو قد قيل لا يجوز ذلك لأن الليل لباس، ويوجد قال محمد بن يعقوب في الرجل يشهد له الرجلان على الرجل بقرض الف درهم ويشهد أحدهما أنه قد قضاه إياها. فقال المشهود له لم تقضي. قال تجوز شهادتهما له على القرض. وقال بشير يقال له إن شئت فارض بشهادة أبي جابر خير شهادتهما له بما شهدا حتى يأتي بشاهد مع الذي يشهد انه قد قضاه الألف وبقول بشير نأخذ.
ومن غيره: وقال من قال من كان في يده شيء فلا يقال أن ذلك ملك له أو هذا ملك فلان إذا لم يعلم من أين صار اليه ذلك الشيء حتى يعلم أنه ورثه أو اشتراه أو وهب له ثم حينئذ يسمى ملك فلان. واما اذا لم يعلم ذلك فيقول في يده أو في يد فلان هكذا يقول. /50/ (4/44)
صفحة 1539
((التعريف بالشاهد)) قال أبو سعيد رحمه الله _ هكذا عندي، يخرج عندي في معاني الحكم، وأما في مجاز الكلام على معنى الخبر فان من كان في يده شيء فهو في ظاهر الحكم له ولو لم يعرف من أين صار له في يده ولو مات كان لورثته في معنى الحكم ولا يورث منه إلا ماله وملكه.
وكذلك لو باعه لا يشتري منه، فعلى وجه التسمية لا يضيق هذا الكلام أن يقال لمثل هذا مال فلان أو ملك فلان.
وأما على معنى الشهادة والأحكام فلا يجوز أن يقال أنه ملكه ولا ماله، ولو اشتراه وصح معه من اشتراه ممن هو في يده ولو كان في يد والده أو ورثه أو وهب له وعلم ذلك كله. فانما يشهد الشهود عند معاني الأحكام وعند الحقيقة في الكلام المقصود به الى معنى الحقيقة ان يقال ان هذا مما هو في يد فلان اذا كان في يده أو هذا ورثه فلان أو اشتراه فلان أو وهب له لأنه قد يكون هذا كله وهو حرام في الأصل وليس ملكا له ولا ماله فأسباب الأحكام في الشهادة في الشهود والحكم في الحاكم ولا يشهدون ولا يحكمون الا بالظاهر الأحكام لا على ما يجوز في التعرف في الكلام./51/ (4/45)
صفحة 1540
وعن رجل أشهد قوما بشهادة وكتبوا شهادتهم في كتاب ودفعوها الى رجل منهم من غيرهم ثقة عندهم وائتمنوه عليها ثم طلب اليهم الشهادة فاتاهم الرجل بالكتاب وقد غاب عنهم معرفة بعض الشهادة ثم نظروا الكتاب فلم يعلموا جملة ما فيه هل يشهدون بجملة ما في كتابهم فلا يشهدوا حتى يحفظوا الشهادة كلها.
ومن غيره: وقيل ليس للشاهد الا بعلمه فان علم أن هذا المال ورثه فلان وأشهد له أنه ورثه وكذلك ان كان وهب له أو اشتراه فانما له أن يشهد بما علم ولا يشهد بالقطع انه له وكذلك ان علم انه في يده فان شهد بغير ذلك فهو مخطيء في ذلك وبه نأخذ قال غيره: أما التخطئة فالله أعلم وأظن أن في ذلك اختلافا ولا يجوز التخطئة فيما يختلف فيه فيما قيل فنظر في ذلك.
ومن الأثر من جواب الأزهر بن محمد بن جعفر ((جواب الأزهر)) فيما يوجد وذكرت في التي أرادت أن توكل في القسم وليس يعرفها الا إمرأة ورجال في أحدها لا يقال فيهم إلا خيرًا الا أنهم ليس تجري لهم عدالة فصيحة هذا أن يكون بحضرة شاهدي عدل تشهدهما هذه المرأة بالوكالة وبما أرادت فإن لم يكن الشاهدان العدلان يعرفانها وأحدهما النساء الثقات ومن حضر من هؤلاء الرجال أن هذه فلانة قبلا قولهم في معرفتها، وشهدا ان فلانة اشهدتنا بكذا وكذا لأن الشهادة في المعرفة غير الشهادة في الأحكام. وفقك الله وهداك.
ومن جوابه وعن امرأة لا تشك في معرفتها وأشهدتك بشهادة من خلف باب أو غيره أو كلمتك وهي ساترة وجهها، فاذا كانت بين يديك وأنت عارف بها وأشهد بك فلك أن تشهد ولو لم تظهر وجهها اليك وأما ان كانت خلف حجاب فاذا لم يعرفها الا بالصوت فلا ينبغي أن تشهد لأن الأصوات تتشابه. /52/ (4/46)
صفحة 1541
بسم الله الرحمن الرحيم:
((كتاب محمد بن محبوب)) إلى الإمام الصلت بن مالك من محمد بن محبوب_ رحمهما الله_ سألت رحمك الله عن رجلين ادعيا عبدا مملوكا أقام أحدهما شاهدي عدل أنه غلامه من هو صبي لم يبلغ الحلم إلى أن فقده من خمس سنين أو أربع سنين لا يعلمان أنه أحدث فيه حدثا إلى أن وصل اليه الآن وهو في يده الآن وقد وقف به بين يديك ولم يفسر الشاهدان أشياء أكثر مما هو أنه غلامه. وشهد للآخر شاهدا عدل أن هذا الغلام فلان بن فلان الذي حضر اشتراه من فلان بن فلان بثلاثمائة درهم ووزن له الثمن وكان في يده ست سنين أو خمس سنين لا نعلم أنه أحدث فيه حدثا حتى فقده في هذا الشهر، وشهد شاهدا عدل أن هذا الغلام كان في يد هذا الذي اشتراه حتى وقع عليه عم الرجل الذي شهد له الشاهدان الأولان فأخذه وأوصله الى ابن أخيه، وهو كان في يد المشتري له. رحمك الله من أولى بهذا الغلام وأي الشاهدين أقوى شهادة.
فأقول رحمك الله أن الذي له به الشاهدان العدلان أنه غلامه من هو الصبي لم يبلغ الى أن فقده من خمس سنين أو أربع سنين لا يعلمان أنه أحدث فيه حدثا إلى أن وصل اليه الآن وهو اليوم في يده فأرى أن هذا الغلام أولى وأن شهادته أقوى من الآخر وشهادته وأرى عليه يمينا بالله للآخرين هذا الغلام مملوك له إلى اليوم فإذا حلف فهو أولى بهذا الغلام، وأرى أن يفحص الشاهدان أهو مملوك له فقد تمت شهادتهما وإن لم يشهدا أنه مملوك له الا قولهما أنه غلامه واحتج هذا الغلام أنه ليس بمملوك له فله حجته ولا أوجب عليه بالرق بهذه الشهادة إذا ادعى أنه حر أو سكت فلم يدع شيئا أو كان أعجميا أو صغيرا لم يبلغ وان كان بالغا وقال انه لغيرهما فانه لا يثبت عليه بالرق. بقول الشاهدين هو غلامه حتى يقولا هو مملوك له. /54/ (4/47)
صفحة 1542
ومن جواب أبي الحواري _فيما احسب: وعن رجل ثقة أو ولي عنده صكوك للناس فقال إنه يشهد على صكوكه التي معه حفظها أو لم يحفظها وكل صك في يده يشهد بما فيه كان ذاكرا له أو غير ذاكر هل يستتاب من ذلك فعلى ما وصفت فلا يستتاب من ذلك فهو على تقيته وعلى ولايته لأن هذا متشجع في فعله وقوى في أمره ولا يلزمك أن تستبينه حتى تعلم أنه شهد بالباطل.
ومن غيره: ((مسائل في الشهادة)) وقد أجاز من أجاز فيما يوجد في بعض الآثار أن ذلك جايز أن يشهد بما في يده من الأمانة والصك اذا لم يغب عنه ذلك.
وقال من قال: أن ذلك لا يجوز أن يشهد بما في الصك ولو كان في يده ولم يغب عنه حفظه أهو حفظه. الا أن يعلم ويذكر ذلك في غير الكتاب أو يعلم ويذكر اذا قرأ الكتاب أو قرأ عليه أن ذلك كذلك ليس من الكتاب.
وقال من قال: يشهد اذا كان الكتاب في حفظه ويعلم أنه صك ذلك الحق نفسه وأن الذي عليه قد أشهده بذلك الذي في الكتاب وذلك بمنزلة الحاكم الذي يحكم بالحكم ويجعله في كتاب أحكامه ويأمن عليه الثقة ويغيب عنه فله إذا سلم اليه الثقة ذلك الكتاب.
قال: أنه ذلك الكتاب الذي آمنه عليه ووجد أحكاما فله أن يحكم بذلك كذلك الشاهد بمنزلة الحاكم في هذا./56/ (4/48)
صفحة 1543
ومن غيره: وقال من قال: لا يشهد حتى يحفظ أن المشهد بذلك قال له: أشهد علي بما في هذا الكتاب، فاذا احفظ ذلك شهد عليه عمله ما في هذا الكتاب اذا كان في حفظه أو مع من ائتمنه عليه من الثقات ثقة فما فوق ذلك.
وقال من قال: لا يجوز له أن يشهد عليه بما في هذا الكتاب، ولو قال له انه يشهد عليه بجميع ما في هذا الكتاب فانما يشهد بما حفظ من ذلك، قال له: عليه أن يشهد بجميع ما في ذلك الكتاب فليس له أن يشهد بذلك حتى يحفظ الشهادة حرفا حرفا بما يحفظ من الشهادة والله أعلم بالصواب.
ومن غيره: ونحو هذا القول يحفظ وجد عن أبي عبد الله رحمه الله.
والمشاهد اذا قال للمشهود عليه أعليك لزيد عشرة دراهم؟ قال: نعم رفع ذلك الى الحاكم وشهد بذلك عليه. فقد قيل ان هذه الشهادة مقبولة وقيل لا يكون شهادة اذا أمكن لمقر حتى يشهد الشاهد أنه قال له ان يشهد عليه بذلك أو أشهده بذلك فاذا قال ذلك كانت تلك شهادة.
وسئل عن شاهدين شهدا على رجل بحق فاستشهد بهما الحاكم فشهد أحدهما هل يجوز للآخر ان يقول وأنا أشهد على فلان بمثل ما شهد هذا.
قال عندي أنه يجوز ذلك اذا كان صادقا. قلت له فهل تكون هذه شهادة ثابتة عند الحاكم قال أنه قد قيل في ذلك اختلاف.
قال من قال: اذا حكا حكاية معلومة ثم قال الآخر وأنا أشهد بمثل هذا جاز ذلك فكانت شهادة ثابتة. /57/ (4/49)
صفحة 1544
ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله_ ويوجد أنه اذا قال: وأنا أشهد عليه بمثل ما شهد عليه فلان لم يثبت شهادته ولا تكون شهادة ثابتة لأن الأمثال تتشابه ومثل الشيء غيره حتى يقول أنا أشهد عليه بالذي شهد به عليه فلان بن فلان ثم تثبت شهادته على قول من يقول بذلك والله أعلم.
وقال من قال: لا يجوز ذلك حتى يحكي شهادته باللفظ كما حكى الآخر.
ومن غيره: وقال في رجل تكون عنده شهادة في مال لرجل على رجل فيدعوه المشهود له الى الشهادة فيخاف على نفسه أو ماله إن شهد على ذلك الرجل انه لا يسعه التقيه في ذلك إذا كان اذا شهد له استخرج له حقه واذا لم يشهد له بطل حقه ولا يسعه التقية من ذلك قال: لأن ذلك من حقوق العباد فلا يسعه في الفعل ومما يكون فيه تلف مال أحد وعليه الضمان قلت له: فانه انما يشهد له عند غير امام.
قال: اذا دعا أن يشهد له عند من لو شهد عنده بتلك الشهادة قدر أن ينتصف من المشهود عليه وامنه أن يجوز عليه وكان ذلك المشهود عنده يحكم بحكم المسلمين لم يسعه أن يكتم الشهادة قلت له فان دعاه الى غير ذلك ممن لا يأمنه على ذلك ان أراد وليس عليه أن يشهد له عند من يخاطر بالشهادة عنده. /58/ (4/50)
صفحة 1545
قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله_ ويوجد عن بشير بن محمد بن محبوب أن الشهادة خبر صادق تؤدي عن البار والفاجر.
قال غيره: أرجو أني سمعت من يروي أنه سأل أبا عبد الله محمد بن أحمد السعالي عن مثل هذا فقال له: ولا يضار كاتب ولا شهيد. فقال: انه سأل أبا عبد الله محمد بن الحسن بن الوليد السمدي فقال له:
يشهد والله يحفظه فينظر ولا تأخذ منه الا ما وافق الحق والصواب. ... /59/ (4/51)
صفحة 1546
وفي الأثر عن طوي محفورة في حارة من القرية يردها الناس أهل الحارة وغيرهم هل يجوز أن يشهد بها أحد من أهل تلك الحارة أنها موردهم يردونها ومن شهد في ساقية جائزة للناس وكان يسقي منها وهي جائزة.
وكذلك الطريق الجائز من شهد أنه طريق جائز وهو تجوز فيه هل تجوز شهادته فلا تجوز شهادته فلا تجوز شهادته في هذا لأنه يجر إلى نفسه منفعة الا في الطريق الجائز التي تشق القرية من أولها إلى آخرها وليس له آخر يردعه عن نفاذه فإنه تجوز شهادته فإنه فيه لأنه عام له ولغيره من أهل ذلك البلد وغيرهم من عامة الأمصار فأما في الطريق الجوايز غير هذه الطريق الذي له آخر ينتهي إلى منزل أو غيره يجوز فيه فلا تجوز شهادته فيه إذا كان من أهله. وكذلك الساقية العظيمة التي من أصل الفلج يجوز شهادته فيها وان كان من يسقي ماله منها. وأما السواقي الجوايز الجائزة. التي تتشعب من هذه الكبيرة فلا تجوز شهادة رجل فيها فيمن يسقي ماله منها (نسخة عليها).
وأما البئر فإذا كان لأهل الحارة لم تجز شهادته أحد من أهل الحارة فيها فان كان للعامة جازت شهادة من شهد فيها اذا كان عدلا. وسألته عن رجل ادعى الى رجل مسقي في أرض له المال المدعي وأنكر ذلك المدعي اليه فأقام المدعي شهودا أن مسقي هذا المال في هذه الأرض بلا أن يحدوه.
قال: اذا صح بالبينة العادلة أن مسقى هذا المال يمر في هذه الأرض كان على صاحب الأرض أن يخرج لصاحب هذا المسقى له مسقا حيث أراد من هذه الأرض ما لم ير العدول أن على صاحب المسقى مضرة والله أعلم بالحق والصواب.
/60/ (4/52)
صفحة 1547
وسألت أبا سعيد_ رحمه الله _: هل يحق للشاهد إذا قال الرجل أشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب. فقال له: نعم. هل يجوز له أن يشهد عليه عند الحاكم فيقول: أنا أشهد على فلان بجميع ما في هذا الكتاب. قال الذي معي أنه يقول عند الحاكم: أنا قلت لفلان بن فلان أشهد عليك بجميع ما في هذا الكتاب. قال نعم: وأنا شاهد عليك بذلك ورفع ذلك إلى الحاكم وشهد هذا عليه. فقد قيل أن هذه شهادة مقبولة. وقيل لا تكون شهادة اذا أنكر المقر حتى يشهد الشاهد أنه قال له أن يشهد عليه بذلك، فاذا قال ذلك كان تلك شهادة. وعن الشاهدين اذا شهد أن هذا وارث فلان بن فلان. هل هذه شهادة تصح بها ميراث. فلا أعلم ذلك أن هذه شهادة لأن هذا من التقليد، وانما تقبل الشهادة على النسب الذي يصح به الميراث فيما قيل. /61/ (4/53)
صفحة 1548
وسئل عن رجل يعرف امرأة بكلامها غير أنه لم يرها قط هل له أن يشهد عليها اذا كلمته وإطمأن قلبه أنها هي أم لا؟
قال: ففي الحكم الاطمئنان فما يحرم بقولها ويحل بقولها يجوز له ذلك اذا لم يشك في ذلك واطمئنان قلبه اليه. وأما على القطع في الحكم وتأدية الشهادات فلا يجوز ذلك إلا على المعاينة لا بالكلام على غير معاينة. وعن رجل عنده لرجل شهادة والمشهود عليه يخاف منه حامل الشهادة إن يشهد عليه أن يضره في نفسه وماله. ثم طلب الذي له الشهادة الى الشاهد أن يؤدي الشهادة التي عنده على الذي يخاف منه أن يشهد عليه أن يضره في نفسه وماله، هل يجوز له أن يمتنع ولا يؤدي الشهادة حتى يأمن على نفسه وماله من قبل المشهود عليه أم لا؟
قال: قد قيل أن له في ذلك العذر إذا لزمته حتى يأمن على نفسه. وقيل: لا عذر له في ذلك واجب أن يكون له العذر لأنه ليس من الفعل إنما قالوا لا تجوز التقية في الفعل.
قلت له وكذلك ان كان الذي له الحق جائرا ويخاف الشاهد على المشهود عليه أن يشهد عليه أن يضره في نفسه وماله هل يجوز أن يؤدي الشهادة حتى يأمن على المشهود عليه.
قال: اذا خاف أن يكون دالا للظالم على ظلم معينا له عليه جاز له ذلك. قلت له: وكذلك هل عليه أن يؤدي الشهادة الى السلطان الجائر، هل له أن يمتنع حتى يؤدها الى سلطان عادل.
قال: فأما امتناعه أن يؤدي الشهادة الى سلطان عادل فلا أعلم أن له ذلك إذا كان ذلك مما لا يختلف فيه في ثبوته. وأما أداؤها إلى سلطان جائر فقد اختلف في اجازة ذلك ولزومه.
فقال من قال: يلزمه ذلك ويجوز له فإن جار السلطان فعلى نفسه وان عدل فلنفسه.
وقيل لا يجوز له ذلك إذا لم يأمن من السلطان على المشهود معه أن يجوز في حكمه فاذا أمنه ولم يظهر بالباطل ولم يعلم منه ذلك كان له ذلك وعليه. وقيل لا عليه ولا له أن يؤدي الشهادة الا حيث تقام بالعدل فيها وتتظاهر أحكام العدل وأنه لا يحكم بالباطل بباطل ولا يميل ظاهرا في أحكامه. /62/ (4/54)
صفحة 1549
وعن رجل قص عليه قصة فقالوا: لا نشهد علينا بما تسمع. قال: اذا قيل له ذلك فلا يشهد عليهم بشيء.
قال غيره: جائز له أن يشهد عليه، ولو قال له لا تشهد على. والله أعلم.
وعن رجل شهد لرجل شهادة فقضى له ثم أكذب الشاهد نفسه بعد ذلك، وقال. وهمت، قال: قد قضت القضية حين قبض المال. وتوبته أن يرد على الرجل ما ذهب من المال بشهادته.
وعن رجل شهد عليه شاهدان أنه طلق امرأته وعدلا. فحلف بطلاق نسائه وعتق عبيده لقد شهدوا عليه بباطل فرفع عليه العبيد والنساء فما القول في ذلك؟ وقال انما حلف على علمه لا طلاق عليه ولا عتق عليه.
وعن رجلين أشهدتهما إمرأة على نفسها بمائة درهم لفلان وأحد الشاهدين يعرفها والآخر لا يعرفها الا أنه يثق بصاحبه وانما شهد عليها اذا قال لصاحبه انه يعرفها. فهل له أن يشهد عليها انها فلانة أو يقول: أشهد على شهادة صاحبي، هل يجوز له أن يشهد عليها. قال: ليس له أن يشهد على معرفتها بقوله. قلت فان شهد شاهدا عدل أنها فلانة فهل يجوز له أن يشهد عليها بقولهما.
قال غيره: جائز. قلت: فان شهد عليها أنها فلانة وقد أخبرني شاهدا عدل. هل تجوز شهادته عليها، قال: لا.
قال غيره: جائز. /64/ (4/55)
صفحة 1550
وسئل محمد بن سعيد_ رحمه الله_ عن رجل هلك وترك من الورثة ولدين وكان أحدهما يحوز ما ترك والدهما وثمره دون أخيه الى أن مات هل يكون موته حجة لورثته على أخيه فما ورث من أبيه.
قال معي: اختلف في ذلك. قلت فان كان الذي في يده المال يدعيه ويحوزه في غيبة أخيه إلى أن مات الذي كان المال في يده.
قال معي: إنه مثل الأول. قلت فان ادعاه بحضرة أخيه فلم يذكر ذلك عليه إلى أن هلك وفي يده المال.
قال معي: إن حجة الذي لم يكن في يده المال ولا أنكر دعوى أخيه عليه بحضرته قد بطلت مع من علم منه ذلك في الحكم بالظاهر.
جواب من أبي سليمان الى من كتب إليه. ((جواب من أبي سليمان))
وعن رجل هلك وخلف مالا على ورثته كان يحوز ويمنعه ويدعيه ملكا في حياته فجاء من عارض الورثة فيه وحاكمهم مع القاضي وأقام بينه شهدوا أنهم يعرفون هذا المال كان لوالد هذا المعارض فيه وانهم رأوا هذا المال في يد هذا الهالك. التالي يحوزه ويمنعه الى أن مات وخلفه على ورثته لمن تثبت هذه الشهادة للوارث الأول الذي يشهد له بالأصل أم للوارث الذي شهد له بالحوز والمنع. فأما الشهادة الأولى من الشهود أن هذا المال كان لفلان الى أن مات وتركه على ورثته وهم فلان وفلان، فلا يعلمون أنه زال منه بوجه من الوجوه الى يومنا هذا. فالمال للورثة الا أن يأتي الذي في يده المال بالحوز والمنع شهودا غير هؤلاء إن هذا المال كان في يد والده يحوزه ويمنعه الى أن مات وتركه على ورثته وهم فلان وفلان، ولا يعلمون أنه زال منهم الى غيرهم بوجه من الوجوه وان لم يأت ببينة على ما وصفت لك غير هؤلاء الشهود الأولين الذين شهدوا للأول على ما وصفت، ثم شهدوا للثاني فالمال لورثة الأول على هذه الصفة فان كان الشهود الأولون الذين شهدوا للأول أن المال كان في يد والد هؤلاء الورثة الى أن مات وتركه ميراثا على ورثته، هكذا سواء ثم شهد بعد ذلك للآخر أنهم رأوا هذا المال في يد والده يحوزه ويمنعه ويدعيه ملكا الى أن مات وتركه على ورثته، وهم فلان وفلان بطلت شهادتهم الأولى وتثبت للآخر، فافهم ذلك. والفرق فيما بين الشهادة الأولى والآخرة فانها /65/ (4/56)
صفحة 1551
دقيقة هذا المعنى على صفتك هذه والله أعلم. فانظر ذلك ولا تأخذ منه الا ما وافق الحق والصواب. /66/ (4/57)
صفحة 1552
الباب الثالث
في الأموات والشهادة والقسم. وبالله التوفيق
رجع الى كتاب أبي جابر ((الشهادة على الميت بحقوق)): وإذا أقام الرجل البينة أن أباه مات يوم كذا وكذا أو أنه وارثه فحكم له بميراثه ثم جاءت امرأة بشاهدين أنه تزوجها على صداق كذا وكذا ودخل بها في يوم كذا وكذا بعد اليوم الذي قامت البينة انه مات فيه أو شهر بعد الشهر أو سنة بعد السنة فينبغي للحاكم أن يبطل شهودها ولا يقضي لها بشيء وذلك أن موته وجب في الوقت الأول. فاذا ارتفع الى الحاكم رجل يدعي دارا أو أرضا في يد رجلين وارثين فادعى انه اشتراها من الميت الذي ورثاها منه وأحد الوارثين غايب والآخر شاهد فانه ينبغي للحاكم أن يقضي على الشاهد بجميع ما قامت البينة ولا يلتفت الى غيبة الغايب من قبل أن الشاهد خصمه في ذلك لأن الدعوى اذا كانت على الميت فأي الورثة حضر فهو خصم.
واذا أقام البينة على الميت بدين فأي الورثة حضر فهو خصم في ذلك. وسواء كانوا اقتسموا الدار والأرض أو لم يقتسموها فينبغي أن يمضي القضاء في ذلك كله على الصغير منهم والكبير ونحو ذلك قول موسى بن علي _رحمه الله_. /67/ (4/58)
صفحة 1553
وأما أبو عبد الله محمد بن محبوب_ رحمه الله_فقال: الحكم على واحد منهم حتى يحضر.
قال أبو المؤثر: لا يقضي على غائب من الورثة في حصته حتى يحضر أو يحضر له وكيل ويمضي القضية على من حضر في حصته خاصة.
قال أبو الحواري: بهذا نأخذ.
وإذا أقام الحاكم قاسمين فقسما مالا بين قوم وقالا أنه قد أخذ كل واحد منهم حقه ولا غلط فيه فأقام أحد الشركاء بينة أنه فيه غلطا فبعض أجاز شهادتهما ورد فيه القسم وهو أحب الينا.
وقال من قال: لا تقبل شهادة الشهود على الغلط وتقبل شهادة القاسمين.
قال أبو الحواري: بهذا نأخذ.
وقال أبو المؤثر: اذا صح الغلط بشهادة شاهدين نقض القسم.
واذا شهد شاهدان أن جد هذا الرجل قد مات وقد أدركناه وقد ترك هذه الدار ميراثا فلا يحكم لهذا الرجل بميراثه منه حتى يقولا أنه قد مات وورثه أب هذا ومات أب هذا وورثه هذا. واذا ارتفع الى الحاكم رجلان يدعي أحدهما مالاً في يد الآخر وانه وارثه فان الحاكم يكلفه البينة أنه فلان بن فلان وأن الميت قد مات وهو فلان بن فلان يلقاه الى أب قد سماه وأنه لا يعلم له وارثا غيره ولا يكلفه أن يقول ليس له وارث غيره لأن ذلك عيب وأن ذلك المال لذلك الميت. واذا شهد شاهدا عدل على ذلك فانه ينبغي للحاكم أن يقضي له بالميراث فان جاء أحد بعد ذلك فأقام البينة أنه أب ذلك الميت أو ابنه أو على نسب هو أقرب اليه من نسب الأول الذي حكم له بالميراث فانه يأخذ الميراث منه ويرده الى ذلك الذي هو أقرب.
وإن جاء رجل فأقام البينة أن الميت فلان بن فلان من حي وقبيلته وأنه فلان بن فلان بزعمه غير الأب والنسب الذي صح مع الإمام أنه منه وحكم به فان الحاكم لا يقبل ذلك منه ولا يحول نسبه بعد اذ ثبت معه، ويباع ما خلف الهالك من ارثه وحيوان بالنداء في جمعة واحدة أو غير جمعة برأي الحاكم أو الوصي أو الوكيل الذي يقيمه الحاكم اذا كان في الورثة يتيم أو غائب ويكون ما كان لليتيم أو ... /68/ (4/59)
صفحة 1554
الغائب. في يد الوكيل الا من كان ماله الرقيق والحيوان مثل الأعراب الذين أموالهم المواشي فان أموال اليتامى لا تباع. وكذلك لا يباع ما يحتاج اليه اليتيم من المتاع وما كان يعتدل قسمه مثل التمر والحب وما ينقسم بالكيل والوزن فانه يقسم بين الورثة ويقبض الوصي والوكيل حصة اليتيم والغائب. وكذلك كل خادم أو دابة يحتاج اليها لخدمة اليتيم أو لاقامة ماله أو زراعته فلا يباع الا ما فظل عن كفاية مال اليتيم. واذا لم يكن لليتيم وصي من قبل أبيه يتولى ذلك، أقام له الحاكم وكيلا ثقة وقام مقام وصيه من أبيه.
ووكيل اليتيم جائز أمره فيما حكم لليتيم. وعليه وليس له أن يهدر بينة اليتيم واذا استخلف على حقه فإذا بلغ اليتيم وقامت له بينة عدل بذلك الحق فهو له.
واذا أكرى الميت عبيده أو دوابه قبل موته في زراعته أو غير ذلك فلا يباع حتى ينقضي ذلك الأجل. واذا أكره البالغ بيع حصته من العبيد بيعت حصة اليتيم. وكذلك حصة الغائب مشتركة في قول بعض الفقهاء ويستخدم العبيد بالحصص.
وقال أبو المؤثر: إذا كان الشركاء في قرية بيعت حصة اليتيم. ومن أراد بيع حصته ولم يرد بيع حصته لم تبع وليستعملوه بالحصص وإن كان في قرى مختلفة اجزوا على بيعه اذا طلب ذلك بعضهم أو طلب ذلك العبد لأنه لا يحمل على العبد التردد بينهم.
وقال بعض الفقهاء إذا طلب أحد الورثة بيع العبد أجبر من بقى على بيعه.
قال أبو الحواري: بهذا القول نأخذ. /69/ (4/60)
صفحة 1555
وأما الدواب فقيل انها تباع الا أن تكون دواب قد حضر عليها زراعة فان الخضرة لا تفتل حتى تنقضي الزراعة. وكذلك العبيد، واذا طلب طالب إلى الحاكم قسم المال بينه وبين غائب من عمان، أقام الحاكم للغائب من يحضر له سهمه وأمر بالقسم بعد أن يصح أن المال بينهم على كذا أو كذا سهما ويشهد على مال الغائب شهودا.
((القضاء على الغائب)) وإن كان على رجل دين لرجل ولغائب مشترك فان لم يكن للغائب وكيل أقام له الحاكم وكيلاً وقبض حصته، وقبض الحاضر الذي له فإن ضاع الذي للغائب من يد الوكيل فلا ضمان على الوكيل ولا الحاكم ولا يلحق الشريك أيضا بشيء فان لم يكن للغائب وكيل وقبض الحاضر حصته وبقيت حصة الغائب فضاعت فان الغايب حاصص الشاهد فيما قبض ويكون الذي تلف منهما جميعا.
ومن ادعى على رجل مالا أنه له والمدعا عليه يسمع فلم يغير ولم ينكر فان كان هذا المال في يد المدعي له فانه يثبت له على الآخر، وان كان هذا المال في يد المدعا عليه لم تضره هذه الدعوى إلا أن يكون هذا المدعي ادعى هذا المال انه له وباعه لرجل آخر بمحضر من صاحب هذا المال ومعرفته فلم يغير ولم ينكر فقد وجب البيع وثبت هذا المال لمن اشتراه والله أعلم وبه التوفيق.
وأما اذا باع رجل مال رجل ولم يدعه أنه له وعلم صاحبه بالبيع فلم يغير ذلك فان ذلك لا يجوز وهو بيع باطل. واذا أنكر المدعا عليه المال في مجلس واحد أول مرة اكتفى بذلك الانكار وان لم ينكره في بقية ما ادعى عليه في ذلك المجلس وأما بعد ذلك المجلس فعليه أن ينكر في كل مجلس ادعى عليه فيه وان لم ينكر في المجلس الذي ادعى عليه فيه ثم أنكر من بعد لم ينفعه انكاره وانما تجوز شهادة الشهود بالبراءة اذا لم يصح الحدث. فأما اذا صح الحدث من قتل أو غيره بشاهدين عدل على أحد فشهد له شاهدان بالبراءة في ذلك فقيل تلك شهادة معارضة فلا يجوز. وقيل اذا كان الحاكم قد علم ببراءة الذي قامت عليه البينة بالحدث وكان معه في ذلك الوقت لم يكن له أن يبطل الحكم، وتولى الحكم عليه غيره ولا يتولى هو اقامة الحكم عليه، وكذلك لو شهد معه على ذلك غيره لأن شهادتهما معارضة. /70/ (4/61)
صفحة 1556
((سماع الدعوى على الغائب)) ومما يسمع الحاكم عليه البينات من غير احتجاج الغايب من البلد الذي لا يصل اليه الحجة في المسلمين والغايب الذي لا يدري أين هو والجبابرة من العرب والعجم وينفذه من أموالهم اذا كان لهم أموال في بلده.
(زيادة من نسخة حيان) وإذا لم يكن في الشركاء يتيم فان كل شيء من المتاع، والأبنية تقوم وتقسم بالقيمة وما كان من الدواب والمتاع لا ينقسم بالقيمة فإنه يباع ويقسم ثمنه.
وأما النخل فتقسم والأرض التي تزرع قل ذلك أو كثر وإن كانت نخلة واحدة فهي بينهم يأكلون ثمرتها بالحصص وكذلك العبد تستخدمه هذا أياما وهذا أياما بالحصص اذا كانوا في قرية واحدة ولا يجبرون على بيعه وهو رأي موسى بن علي _رحمه الله_
وأما اذا كانت أسياف أو نحوها متفاضلة فقال واحد منهم: أنا آخذ حصتي من كل سيف فقيل ليس له ذلك ولكن يقوم ثم تخلص من السيوف بقدر ما يقع له في القيمة.
وإذا كانت دار بين شركاء فلم يقع لكل واحد منهم سهمه أو لواحد منهم خاصة ما ينتفع به للسكن وطلب أن تباع الدار ويقسم الثمن فذلك له لأن في قسم الأصل المضرة.
قال أبو الحواري _رحمه الله_: وإن تساكنوها بالأيام كان لهم ذلك وكذا حفظنا.
قال أبو سعيد: اذا لم يقع فلكل واحد منهم سكن ينتفع به من أقل الإسكان في نظر العدول ولتركب الدار بحالها واستغلت وقسمت الغلة.
تم الباب من كتاب أبي جابر ... /72/ (4/62)
صفحة 1557
ومن غيره: وعن أخوة رجال بالغين قسموا مالهم بينهم ولم يدخلوا بينهم أحد من الناس وساهموا وخيروا بعضهم بعضا وزرع من زرع منهم سهمه وقطع شجرا كان فيه وخلا لذلك سنة أكثر ثم نقض الذي زرع القسم واحتج أن مقاسمة الأخوة اذا لم يكن معهم أحد من الناس فمقاسمتهم مجهولة وتمسك الباقون بسهامهم هل تنتقض هذه المقاسمة؟. فعلى ما وصفت فاذا عرف كل واحد منهم سهمه وقبض ورضى به لم يكن لهم بعد ذلك أن ينتقض بعضهم على بعض إلا أن يتفقوا على ذلك أو يستبين هنالك غبن على أحد مقدار العشر فان قدروا أن يستخرجوا من عنده الغبن للذي عليه الغبن علم بالغبن ثم رضي بذلك أو زرع سهمه أو عمره بعد معرفته بالغبن لم يكن له نقض بعد ذلك. /73/ (4/63)
صفحة 1558
قال غيره: مع أنه علم بالغبن ثم رضي بذلك أو زرع سهمه أو عمره وأحدث فيه حدثا من بيع أو عطية أو رهن ثبت عليه ولم يكن له نقض بعد ذلك.
قال غيره: واذا كان القسم فيه غبن العشر رد الغابن في سهمه حتى تستوي السهام، وقد قيل لا ينتقض القسم وانما يزاد المغبون وأما ان كان القسم بالخيار فمن اختار سهما وقبضه كان فيه غبن أو لم يكن فيه غبن فليس له نقض وانما يكون التناقض في القسم اذا طرحت السهام إذا كان فيها الغبن وانما لهم الرجعة إذا لم يعمر كل واحد منهم سهمه.
وعنه وعن رجلين بينهما مال وطلب أحدهما الى صاحبه أن يقاسمه فأبى، واحتج عليه برجلين من الصالحين فلم يفعل. هل يجوز للمسلمين أن يقيموا للرجل وكيلا يقبض له حصته؟ فعلى ما وصفت فلا يجوز هذا كله إذا كان الرجل المنكر حاضرا وانما يجوز ذلك للمسلمين اذا كان غائبا حيث لا تناله الحجة واذا كان حاضرا فامتنع عن ذلك حبس حتى يفعل ما يطلب منه من الحق. فان لم يكن أحد يحبسه لم يكن لشريكه أن يقسم الأرض ويزرع حصته ولكن يزرع الأرض كلها ولو كره شريكه ثم تقسم الثمرة ويأخذ مؤنته من الثمرة ثم يسلم الى شريكه حصته من بعد المؤنة، وان كره أن يأخذ نصيبه أخذ هذا نصيبه وترك له ثمرة النخل في رؤسها، وكذلك الزرع ولو كان يتيما أو غائبا اذا لم يكن له وكيل يقيمان عليه ولم يجد حاكما يقيم له وكيلا ولا أحد يتولاه من تلك البلد الا أن يحبه شريكه إلى المزارعة وذلك له اذا أبا عن المزارعة زرع هذا وفعل كما وصفت لك. وكذلك النخل والمنازل والثمار وخدمة العبيد ان أبا أن يقاسمه النخل ولا المنازل ولا العبيد سكن في المنزل تقدر حصته وخدمة العبد بقدر حصته. /74/ (4/64)
صفحة 1559
وقال غيره: ومعي أنه إذا أراد الحاكم أو من يقوم مقامه إن امتنع الشريك أن يقاسم شريكه، أن يقيم له وكيلا يقاسم له جاز ذلك لئلا يكون على الشريك ضرر كما قيل أن يبيع ماله ويقضي غر ماءه إذا تماجن في الحبس وخيف الضرر. وكذلك له أن يزوج نساء من امتنع عن تزويج نسائه وأشباه ذلك. وعن الشريك في مال خراب وعمار فقسما العمار بينهما وما يليه من الخراب فوقع لكل واحد سهمه من العمار وما يليه من الخراب فعمر أحد الشريكين حصته من الخراب ثم انتقض القسم بوجه يوجب نقضه. مالحكم فيما عمر الآخر من الخراب؟ قال معي أنه قد قال من قال: يرد على الشريك الآخر قيمته لعله أراد قيمة حصته من الأرض غير معمورة ويكون العمار لهذا العامر. وقال من قال: انما يطرحان السهم بينهما فان وقع للذي عمر سهمه في عمارته فقد أخذ ماله وان وقع سهم الآخر في العمارة كان على الآخر أن يرد على الذي عمر فضل ما بين القيمتين ولا يلزمه أن يرد عليه قيمة عماره ولا عناه
وعن امرأة وكلت زوجها في مقاسمة دار بينها وبين شركائها فقاسم الزوج وخاير ولم يطرحوا السهام بينهم وأخذ سهم امرأته بالخيار فلم تجز خياره زوجته أيكون لها ذلك؟ قال: نعم، حتى توكله وتجعل له أن يخاير أو يطرح السهم أي ذلك فعل فهو الأمر فيه. قلت فانه لما خاير بينهم واختار سهمها إلى سهم أخت لها ورضيت أختها بالمخايرة ولم ترض هي بالمخايرة ثم أنها أيضا وكلت زوجها في مقاسمة أختها من ذلك السهم فقاسمها وطرح السهم ثم رجعت، فقالت لم أكن جعلت لك الخيار في القسم الأول وقد خايرت وغيرت أنا وطلبت نقض السهم هل يكون ذلك لها؟ قال: اذا أمرته بمقاسمة أختها ورضيت بذلك من بعد أن غيرت الخيار الأول فانى أرى هذا منها رضى ولا رجعة لها في النقض. والله أعلم.
وعن أرض شتى بين ورثة اشترى رجل من أحد منهم حصته من جميع تلك الأرض وطلب الى الآخرين أن يؤلفوا له حصته من جميعها في أرض فكرهوا ذلك. فقال له: علبهم (؟؟؟) أن يؤلفوا لبعضهم بعضا إذا كان في فلج واحد./75/ (4/65)
صفحة 1560
الباب الرابع
ما لا يكون لصاحبه حجة ولا دعوى. والقسم والإقرار
رجع إلى كتاب الجامع ((ميراث من جهلت وفاته)): والرجل يدعي مالا في يد رجل قد أكله عليه بادعاء منه انه له وهو يسمعه فلم ينكر فاذا أنكر من بعد وطلب فلا حجة له. وكذلك في العبد والدابة وغير ذلك. وأما اذا مات وتركها ميراثا لأبيه وعنه ثم مات أبوه وترك حصته من هذه الدار ميراثا له ولا يعلمون له وارثا غيره، وأقام عمه البينة أن أخاه والد هذا مات قبل أبيه وورث أبوه منه السدس ثم مات أبوه وورثه هو فقال من قال: ينبغي للحاكم أن يسمع شهادة المدعي الأول ويمضي له شهوده وتبطل شهادة شهود المؤخر.
وقال من قال: ينظر كله ولا تقبل شهادة هؤلاء الشهود لأن أحد البينتين كاذبة، واذا مات الرجل الذي أكل المال فأقام ورثته شاهدي عدل أنه كان يأكل هذا المال بعلم من صاحبه وهو في يده حتى مات فورثته أولى به وفي هذا فرق بين الحي والميت فافهم ذلك. /76/ (4/66)
صفحة 1561
والرجل مالا أنه كان لجده فيدعي ميراث أبيه منه، ولم يكن أبوه يدعيه من قبله. فقيل: لا دعوى له ولا يدعي عليه بينة.
وكذلك اذا ادعى ميراث وارث قد مات ولم يكن ذلك الميت يطلب ذلك المطلب حتى مات الا أن يكون موتهم متتابعا.
وكذلك جاء في الأثر عن موسى بن أبي جابر وغيره من المسلمين، وأنا أحب أن يكون له حجته إلا أن يكون الميت قد قامت عليه البينة بما يبطل ميراثه من ذلك المال.
قال أبو المؤثر: الذي حفظناه قول موسى بن أبي جابر وهو قولي إلا أن تقوم بينة عدل أن مال الأول مشاع الى يومه هذا. لا يعلم الشاهدان أنه جرى فيه القسم الى اليوم. فانه اذا صح قسم المال على المواريث الأول فالأول وفي نسخة عن الأول فالأول. واذا علم أن المال قد قسم وادعى بعض الورثة شيئا في المال في يد غيره فعليه البينة أن هذا الموضع مشاع بين ورثته فلان لا يعلمون أنه جرى فيه قسم وعنه قد اختلف في ذلك. فقال: يصح أن هذا المال له وأنه في يده بوكالة أو عمالة أو غصب أو وجه من الوجوه. /77/ (4/67)
صفحة 1562
وقال من قال الثاني حجته وإنما تنقطع حجة الثالث فيما لم يطلب الثاني.
وقال من قال: للثالث والرابع حجته. قسم ما صح المال ولم يثبت على أحد من الورثة حجة تزيل حقه في المال، وفيها قولان آخران ومما لم يقسم قسم أو حكم في العبيد من الرضاعة اذا كانوا اخوانهم أو غير ذلك ممن لا يحل لهم نكاحه فانهم متخاصمون في خدمتهم ولا يباعون ولا يقسمون والرواية عن النبي_ صلى الله غليه وسلم_ أن رجلين ادعيا بعيرا على عهده فجاء كل واحد منهما بالشهود على البعير فاستوت الشهود في دعواهما وكانت بينته عدلا فهو أحق به وكذا رأينا في هذا ومثله. وقيل ارتفع الى أبي الدرداء رجلان يدعيان فرسا فجاء هذا بشاهدين أنه أنتجها وجاء الآخر بشاهدين أنه أنتجها فجعل أبو الدرداء الفرس بينهما. وهي عندنا لمن هي في يده. فان لم تكن في يد أحدهما فهي بينهما.
وكذلك ما يكون في أيديهما جميعا فهو بينهما. واذا ارتفع الى الحاكم رجلان فتنازعا في مثل هذا فأقام أحدهما شاهدي عدل على دابة أنها له وأنه أنتجها وأقام الآخر شاهدي عدل عليها هكذا فصاحب البينة بالنتاج أولى وان كانت في يد أحدهما فأحب أن يكون للذي في يده ولو كان الآخر أنتجها إذا استوت البينة
ومن غيره: وقال بعض أن بينة صاحب النتاج أولى. /78/ (4/68)
صفحة 1563
واذا ارتفع الى الحاكم رجلان فادعي كل واحد منهما أرضا أو دار في يد رجل آخر فأقام كل واحد منهما البينة أنه اشتراها منه بكذا وكذا فانه ينبغي أن يقضي بها لصاحب الوقت والشراء الأول منهما. وان وقتت أحد البينتين ولم توقت الأخرى فينبغي أن يقضي بها لصاحب الوقت والبينة التي وقتت لأنها أثبت وان لم توقت أحد البينتين وقتا فهي بينهما اذا استوت البينة ولم تكن في يد أحدهما.
واذا ارتفع الى الحاكم رجلان فادعى كل واحد منهما الى الآخر انه باع له أرضا وهي في يد أحدهما فانه يحكم بها للذي ليست في يده الأرض لأنه هو المدعي فبينته مقبولة والقضاء له واجب.
وقال بعض: يقضي بها للذي في يده والرأي أول أُحب إلي. وان لم توقت البينة وشهدت بينة كل واحد منهما انها له وفي يده باعها له الآخر. فقال من قال: انها بينهما نصفان. وكذلك رأينا.
وقال أبو المؤثر: استوت بينهما فهي للذي في يده مع يمينه ويثبت له الشراء دون الآخر.
واذا ارتفع الى الحاكم رجل يدعي دارا في يد رجلين أحدهما باعها له والآخر سلمها اليه، وأقام البينة على ذلك ولم يعرف الشهود أيهما الذي باع ولا الذي سلم فان شهادتهما ليس بشيء ولا يقضي للمدعي بشيء.
وإن أقام رجل شاهدين فشهدا على رجلين أن كل واحد منهما أشهدهما أن عليه لهذا الرجل ألف درهم ثم أن أحدهما قضى هذا الرجل الألف الذي عليه وبريء منهما ولا يعلمان أيهما البريء ولا أيهما الذي عليه الألف والباقي.
فقال من قال. انه لا يجوز شهادتهما حتى يشهدا على الذي بقى عليه الألف ويأخذ منه. وبذلك نأخذ.
واذا ارتفع الى الحاكم رجلان يدعيان أرضا في يد رجل فأقام أحدهما البينة أنه اشتراها بألف درهم وقبضها وأقام أحدهما البينة أنه ارتهنها بألف درهم وقبضها فانه ينبغي أن يقضى بها للأول منهما فان لم يعلم أيهما الأول فانه يقضي بها للمشتري ويبطل الرهن وهو أحب الينا.
وان أقام كل واحد منهما البينة أنه ارتهنها بألف درهم ولم توقت البينة فان يكون لكل واحد منهما نصفها رهن بحقه.
واذا ارتفع الى الحاكم رجل فأقام البينة على دار وأرض أنها كانت لجده وأنه مات وتركها ميراثا لأبيه وعمه ثم مات أبوه وترك حصته من هذه الدار ميراثا له /79/ (4/69)
صفحة 1564
ولا يعلمون له وارثا غيره وأقام عمه البينة أن أخاه والد هذا مات قبل أبيه وورث أبوه منه السدس ثم مات أبوه وورثه هو، فقال من قال: ينبغي للحاكم أن يسمع شهادة المدعي الأول.
وقال من قال: يبطل كله ولا تقبل شهادة هؤلاء الشهود لأن أحد البنتين كاذبة.
وقال من قال: اذا استوت البينة مع الحاكم من قبل أن يحكم فانما يشهدون على مال فيعطى ابن الأخ الذي قامت له بينته على نصف المال ربع المال ويعطى العم الذي قامت له بينة على المال كله ثلاثة أرباع المال ويعطى العم الذي قامت له بينة على المال كله ثلاثة أرباع المال ويعطى العم سدس مال أخيه الذي أنكره ابن أخيه وقامت له به بينته من صلب مال أخيه ولا يورثه مما ورث أخوه من أبيه وكان هذا الرأي أجل في نفسي وسئل عن ذلك.
وقال أبو المؤثر: للعم سدس مال أخيه لأنه صحت له البينة ولإبن الأخ ثلث الدار لأن البينة شهدت للعم أن الدار كلها له وشهدت له البينة الأخرى أن نصف الدار لإبن الأخ فقسمها بينهما من ثلاثة للكل سهمان والنصف سهم.
قال أبو الحواري: هذان تورثان من بعضهما بعض مثل الغرقى. /80/ (4/70)
صفحة 1565
مات الجد وقسم ماله بين ابنيه ومات الابن فأعطيت أباه السدس من ماله فيكون لإبن الإبن نصف مال جده ويكون للعم نصف مال أبيه وسدس أبيه من مال ولده من صلب مال ولده وان كان له مال من غير ما ورثه منه. واذا ارتفع الى الحاكم رجلان فادعى أحدهما دارا أو أرضا في يد الآخر أنهما لفلان وأنه اشتراها منه فإن أقام البينة الذي في يده فهو خصم في جميع ذلك.
وان أقام المدعي البينة إن صاحب هذه الدار أن فلانا ذلك الرجل أو غيره أسكنه هذه الدار ووكله في حفظها أو رهنها في يده أو أجره اياها فلا خصومة بينهما وبين المدعي فيها. وان لم تقم بينة على ذلك وقال: ان هذه الدار ليست لي والدار في يده فهو خصم في جميع ذلك. وان أقام المدعي البينة أن صاحب هذه الدار وكله في قبضها أو باعها له فان الحاكم يدفعها اليه بالوكالة ولا يحكم له بالشراء حتى يحضر الخصم.
واذا ارتفع الى الامام رجلان حران وعبد تاجر لأحديهما وعليه دين وفي أيديهم جميعا أرض أو دار يدعيها كل واحد منهم فانه ينبغي للحاكم أن يجعلها بينهم أثلاثا وإن لم يكن على العبد دين جعلها بين الحرين نصفين.
قال أبو المؤثر: اذا كان دين العبد يحيط بثلث الدار وان كان أقل من ذلك. كان ما بقى من ثلث الدار بعد دين العبد بين الحرين نصفين.
وان تزوج رجل امرأة على صداق مائة نخلة ومات، وصحت عليه ديون غير ذلك للناس ولم يكن له مال فجاء رجل ثقة أو غير ثقة فأقر أن في يده مالا للميت وقضى أهل الحقوق حقوقا برأته من المال الذي في يده أو لم يفعل فطلب أهل الحقوق الى الحاكم أن يوصلهم الى حقوقهم من المال الذي أقر به الرجل لصاحبهم وأن المقر قصد الى أرض ونخل وأموال.
فقال: هذه الأموال التي في يدي لهذا الرجل الذي عليه الحق لهؤلاء الديان ولا يعلم أن أحدا أن ذلك المال في يده ولا أنه للميت.
فأقول: إما أن جاء في يده المال متبرعا برأي نفسه فدفع هذا المال الى ورثة هذا الهالك أو الى الذين لهم عليه الحق فقضاهم من حقوقهم فان أدرك أحد في هذا المال وكان واقفا أخذه، وان كان المال قد تلف ففي الدافع ضمانة لأنه هو الذي أتلفه إلا أن يكون الورثة والديان هم الذين طلبوا ذلك اليه وادعوه فان درك ما /81/ (4/71)
صفحة 1566
يدرك به عليهم له. وان كان الورثة والديان يعلمون أن هذا المال للميت الذين هم ورثوه ولهم عليه الحق فلهم أن يقبضوه من عند ثقة أو غير ثقة وكذلك ان لم يعلموا أنه لصاحبهم الا أنهم يعلمون أنه في يد الذي أقر به فلهم أن يأخذوه لأنه كان أولى بما في يده واقراره بما في يده عليه بمنزلة الشاهد وأما ان لم يعلموا أنه في يده ولا أنه لصاحبهم فاما أن كان المقر غير ثقة فلا أرى لهم أن يأخذوا هذا المال بقوله. وان كان أيضا ثقة فقد يجب أن يكون معه شاهد عدل آخر بلا عزم منا في ذلك إن صدقوا الرجل ولم يعلموا بتكذيب قوله ولا أحد يدعي المال والصحة أحب الينا. وأما الحاكم فاذا أقر هذا الرجل هذا المال للميت عند الحاكم وقد صح ورثة هذا الميت والحقوق التي عليه وكره هذا المقر أن يدفع الذي أقر به الا برأي الحاكم وطلب القوم منه الإنصاف، فأقول أن هذا الحاكم يدعوهم بشاهدي عدل أن هذا المال الذي أقر به هذا الرجل لصاحبهم الميت أو شاهدي عدل أن هذا المال في يد هذا الرجل الذي أقر به فان صح معه ذلك أخذ باقراره بما في يده وأمره أن يدفعه في قضاء الدين الذي صح على الميت، وما بقى فلورثتي فان أدرك أحد في ذلك يدرك كان الدرك على الذين ادعوا المال وقبضوه من أهل الحقوق والورثة. وان لم يصح هذا المال في يد هذا الرجل في يد هذا الرجل فلا يلتفتن الحاكم الى قوله، وفي نسخة فلا يقبلن الحاكم قوله وان كان ثقة أو غير ثقة الا أنه يعلمه بما صح معه من ورثة هذا الميت ومن الحقوق التي عليه ويقول له إن كان في يدك له مال فهو قضاء دينه وما بقى منه فهي لورثته فان قصد وصي هذا الميت وأهل الحقوق التي صحت عليه وورثته الى مال صاحبهم الذي أقر به هذا الرجل له فأخذه على عدله لأهل الحقوق ثم للورثة برأيهم فدفعهم عنه هذا المقر بصاحبهم فان الحاكم يدفعه عنهم لأنه قد أقر أنه لا حق له في هذا المال وأنه لصاحب هؤلاء الذين قبضوه. وقوم بينهم مال كل واحد منهم فيه سهم وان رجلا منهم أو من غيرهم نازع رجلا ممن يدعي سهما في ذلك المال وأقام شاهدين من الشركاء في ذلك المال فشهدوا أن السهم الذي يدعيه المدين هو له وفي يده وهو مشاع.
وقال من قال: أنه لا تجوز شهادتهما لأنهما لا يجران لهما قسم ثمرة هذا المال ولا أصله الا بحضرة هذا السهم المشاع فيه.
وإن هذا السهم الذي أخذه الذي شهد له به ثم تلف ثم استحقه الطالب فانما يدفعه أن يرجع يحاصصهم بسهمه فيما في أيديهما بشهادتهما أن السهم الذي /82/ (4/72)
صفحة 1567
قد تلف في يده فلا يرى شهادتهما تجوز وهما يدفعان بها عن الذي لهما. /83/ (4/73)
صفحة 1568
قال أبو الحواري: هذا قول نبهان بن عثمان عن محمد بن محبوب وبه نأخذ.
وقال أبو المؤثر: شهادتهما عندي جائزة لأنهما إن كانا دفعا شريكهما عن مقاسمتهما بشهادتهما عن الرجوع عليهما بما يستحق من يده بعد المقاسمة فقد بينا ذلك كله للذي شهدا له به فهو الحق واذا لم يجرا الى أنفسهما في ذلك مغنما ولا دفعا عنهما مغرما، وقول النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا تجوز شهادة الشريك والخصم ولا دافع مغرما ولا الجار الى نفسه مغنما فان الشريك معنا أن يشهد أن فلان مات وترك هذه الدار ميراثا وهو أحد الورثة فلا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره من ورثة الميت ونحو هذا مثل ما لو شهد أن فلانا أوصى هذه الأرض لبني فلان وهو أحد بني فلان فلا تجوز شهادته لنفسه ولا لأحد من بني فلان لأنه شريكهم فعلى هذا النحو لا تجوز شهادة الشريك. /84/ (4/74)
صفحة 1569
وعن رجل مات وورثه بنوه الأربعة رجال وترك مالاً وأن اثنين منهم شهدا أن هذا المال كان لوالدنا وإنا قسمنا وإن سهم أخينا هذا قد دخل في هذا المال الذي في يد أخينا هذا الرابع وأن هذا المال بينهما نصفان بالقسم وأنكر ذلك المطلوب اليه. فنقول: إن شهادتهما على هذه الصفة لا تجوز لأنهما يشهدان بقسم المال ويخرجان حق أخيهما مما في أيديهما إلا أن يقر الورثة جميعًا أنهم قد قسموا مال أبيهم وبأن لكل سهمه وأشهد على ذلك شاهدا عدل ثم لم يعرف سهم هذا الطالب فشهد الوارثان أن سهم أخينا هذا هو في هذا المال الذي في يد أخينا هذا أو في مال فيما بينهما فشهادتهما على هذا الوجه جائزة لأنه قد صح أن هذا المال قسم فشهادتهما لا تدفع عنهما شيئا. ولا تجر اليهما من بعد قسم المال، وذلك اذا أخذا ما يشهدان به لأخيهما.
وعن رجل أشهد في صحته أو في مرض أن كل مال له فهو لبنيه على عدل كتاب الله ثم مات بعد ذلك وترك بنيه هؤلاء وترك زوجته فنقول وان قوله إن كل له فهو لبنيه فهذا معناه فرار منه وماله لبنيه.
وقد قيل البنين باختلاف.
وقولنا على هذه الشهادة أن ماله لبنيه الذكور منهم والإناث، والذكر والأنثى فيه سواء. وقوله على عدل كتاب الله فالعدل فيه معنا أن يكون الذكر والأنثى فيه سواء. لأنه اقرار لهم إلا أن يفسر ذلك على وجه آخر فيظر (؟؟؟) فيه والله أعلم.
وقال من قال: في الذي يقول لفلان من داري ما بين هذا الحايط إلى هذا الحايط أنه له ما بينهما ولا شيء له في الحائط وإن قال له علي مائتا درهم فله مائة. وان قال له علي عشرة دراهم أو أقل أو أكثر فليس له شيء الا أن يقر له بحق معروف.
وفي نسخة وان قال: له علي مائة درهم فله مائة وان قال: له علي عشرة دراهم أو أكثر فقيل ثبت العشرة ولا يبطلها قوله أو أقل أو أكثر .. وهذا في نسخة (ب، أ). /85/ (4/75)
صفحة 1570
وقيل في رجل مات وله فسول في ي كل واحد منهم شيء من المال فادعى أحدهم أن المال لم يقسم أنه مادام أحد في بنيه حيا فله ذلك ما لم يصح القسم واذا انقرض جميع أولاده وجاء نسل آخر فادعا أن المال مشاع لم يلتفت الى قوله وأثبت لكل واحد منهم ما في يده إلا أن يقيم بينة أنه مشاع إلى اليوم ورأي قد ثبتت في المسألة الأولى.
واذا كانت الدار بين شركاء اذا قسمت لم يقع لكل واحد منهم سهمه أو لواحد خاصة مما ينتفع به للمسكن وطلب أن يباع ويقسم الثمن فذلك له لأن عليه في قسم الأصل المضرة.
قال أبو الحواري: وإن تساكنوها بالأيام كان لهم ذلك. وكذلك حفظنا.
قال أبو سعيد: اذا لم يقع لكل واحد منهم سكن ينتفع به من أقل الأسكان في نظر العدول تركت الدار بحالها واستغلت وقسمت الغلة. أما الأرض فتقسم ولكل واحد سهمه قل أو كثر.
وقال بعض الفقهاء: إن كانت الأرض مما تزجر ولم تقع لأحدهم سهمه يعمل له وكان في ذلك مضرة جبروا على أن يكون عاملهم واحداً ولو أراد صاحب الحصة أن يجيء بدوابه ويعمل لنفسه فكره ذلك الآخر لم أقر له إلا أن يكون عاملهم واحدا.
قال أبو الحواري: حدثنا نبهان عن محمد بن محبوب_ رحمه الله_ أن البير إذا لم يقع للورثة لكل واحد منهم ما ينقطع لهم فيها عمال لم يقسم، وبهذا نأخذ وأما الأرض التي على غير الزجر فانها تقسم ويزرع كل واحد منهم ما كان له لأنه يمكن على فلج أن يزرع كل واحد ما كان له.
وقال أبو المؤثر: كل شيء مما كان اذا قسم لم ينتفع به أجبر أهله على بيعه ولم يقسم اذا اختلفوا.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد_رحمه الله_ في قوم اشتركوا في زراعة طوي على سهام وأمر معروف ثم رجع أحدهم قبل أن يبدوا في شيء من العمل: قال: ليس له رجعة. /86/ (4/76)
صفحة 1571
ومن غيره: وقد قيل لهم الرجعة ما لم يدخلوا في العمل مثل هيس الطوى وغيره والله أعلم_ هذا القول المعمول به./87/ (4/77)
صفحة 1572
واذا لم يكن في الشركاء يتيم فان كل شيء من الأبنية والمتاع فانه يقوم ويقسمونه بالقيمة، وأما النخل فتقسم وإن كانت نخلة فهي بينهم يأكلون ثمرها بالحصص. وكذلك العبد يأخذه هذا أياما ويأخذه هذا أياما اذا كان في قرية واحدة ولا يجبرون على بيعه ولا قيمته وهو رأي أبي علي موسى بن علي _رحمه الله.
وعن رجل ترك أسيافا متفاضلة فقال بعض الورثة أنا آخذ حصتي من كل سيف. قال: ليس له ذلك، ولكن تقوم السيوف ثم يتخلص من السيوف بقدر ما يقع له في القيمة.
قال أبو المؤثر: إذا اختلفوا في قسم العروض والحيوان أو كان فيهم يتيم أو غائب بيعت وقسم ثمنها، وما كان من الدواب والمتاع يقسم بالقيمة فانه يباع ويقسم ثمنه. وللحاكم أن يأمر ببيع ما صح معه من مال الهالك بالنداء فيمن يزيد بقدر ما يصح عنده عليه من الحق للدين والوصايا التي في ثلث ماله، فان صح للهالك وصي في ذلك إجازة إلى البيع أو يشهد له عدول بما صح عنده له من الوصايا وإجازة إليه وانما البيع بعد اقامة الحجة على الورثة فان أدوا ما صح على الهالك من الدين وأنفذوا ما أوصى به فالمال لهم فإن لم يعطوا باع المال. وقيل ليس للورثة في احضار الدين أجل. وان أراد بعضهم أن يفدي حصته من المال بحصته من الدين فله ذلك ويباع حصته من لم يفد حصته إلا أن يكون المال اذا لم يبع جملة لم يؤد الدين الذي على الهالك لصبي أو أعجم أو غائب أو معتوه سلم الحاكم أو الوصي ما كان لهم الى وكلائهم ولا أيمان عليهم فان لم يكن لهم وكلاء أقام الحاكم لهم وكلاء ثقات يقاسم لهم الوكيل شركائهم ويتولى لهم قبض ما كان لهم. /88/ (4/78)
صفحة 1573
((تصرفات المريض)) ومن قضى أحدا في مرضه مالا من ماله يحق له عليه فان مات كان للورثة الخيار، ان شاؤا سلموا ذلك المال الى الذي أشهد له به وان شاؤا أعطوه قيمة ذلك المال برأي العدول فان صح المشهد فرجع وأنكر أنه لا حق له عليه، فقيل أن له الرجعة لأن القضاء بيع والبيع لا يجوز في المرض.
وقال محمد بن محبوب _رحمه الله_ أنه يجبر حتى يقر بما شاء من الحق فما أقر به فليس له غيره. وقال جماعة من الفقهاء للمقضي على الذي قضاه اذا رجع قيمة ذلك المال الذي قضاه اياه وهو أكثر القول عندنا. وان قضاه بحق وقال: حقه أكثر من هذا أو قال ليس هذا الذي قضيته له بوفاء عن حقه فإنه يثبت للمقضي ما قضى وليس للورثة في ذلك خيار.
قال أبو المؤثر: يجبر أن يقر له بما شاء ثم يستخلف ماله عليه حق الا الذي أقر له به. وأما اذا قضاه بحق معروف. فقال بألف درهم أو أقل أو أكثر فان أراد الورثة أسلموا المال إليه وان أرادوا أعطوه ذلك بعينه وأخذوا المال.
وإن نفذ الورثة وصية الهالك وقضوا دينه أجزيء ذلك عن الوصي والموصي والوصي أولى بذلك، فاذا قال: هذه الدار لفلان ان مت من مرضي هذا فهذه وصيته. /89/ (4/79)
صفحة 1574
قال أبو المؤثر: هذا عندي اقرار. وكذلك إن قال: هذه الدار لفلان يحق علي إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا إن حييت فلا حق له علي فحيي، وقال: ليس له علي شيء. فقيل له عليه قيمة الدار. وكذلك ان قال له: علي ألف درهم إن مت من مرضي هذا وإن حييت فلا شيء له فان حيي أو مات فعليه له ألف درهم.
وقال أبو المؤثر: تستحلف ما عليه له شيء فان حلف فلا شيء له عليه واستضعف من استضعف من الفقهاء قوله إذا مت فله علي كذا وكذا، حتى يقول إن مت وبعض رآهما سواء.
قال أبو المؤثر: كله سواء وأما اذا أعطى المريض انسانا شيئا من ماله وقال له: هو لك حييت أو مت فذلك لا يجوز لأن العطية في المرض لا تجوز والذي يقول عند الموت هذه القطعة أو الدار لفلان ثم سكت فهو اقرار إذا كان المال في يد الذي أقر وأوصى. وإن قال: هذه القطعة لفلان بحق أو بدين فذلك جائز وهو اقرار.
وإن قال: يحق له علي فهو من القضاء.
قال أبو المؤثر: هو اقرار.
وإن أشهد في مرضه لفان بكذا وكذا يجرح جرحه ثم صح فرجع فعليه لصاحب الجرح قيمة ذلك المال.
وقال من قال: ان قال هو له بحق له علي أو بجرح جرحته فذلك اقرار وليس له فيه رجعة ولا لورثته وإن قال بقيمته أو بجرح معروف أو بدين مسمى.
فقال من قال: إن له ولورثته أن يعطوا ذلك الدين المسمى وارش ذلك الجرح أو القيمة حيث هي معروفة، وان أرادوا سلموا ذلك المال.
قال أبو المؤثر: اذا قال هذا المال له بحق أو بجرح كذا وكذا أو بدين كذا وكذا فهو اقرار، الا أن يقول قد قضيته أو أوصيت له أو أعطيته هذا المال بدين كذا وكذا أو بجرح كذا وكذا أو بقيمته فهو اقرار، فهذا قضاء ويجوز لهم الخيار إن شاؤا سلموا المال وإن شاؤا أدوا ذلك الحق وأخذوا المال.
ويروى عن أبي عبد الله _ رحمه الله_ في رجل أشهد شاهدين في صحته أو في مرضه أنه قد أعطا فلانا موضع كذا وكذا من ماله بحق ولم يقل بحق له علي. قال: هذا ضعيف لا يثبت حتى يقول بحق له علي. (4/80)
صفحة 1575
ومن مختصر الشيخ أبي الحسن: فاذا كان هذا الاقرار معلوماً ثبت وان كان الاقرار لا يعرف فذلك ليس شيء. قلت له: قلت له: فان أشهد في صحته أنه قد أعطا فلانا /90/
أو قضاه ماله هذا بحق له عليه أنه ثابت. فان قال في صحته أو في مرضه أنه قد قضاه إياه بحق ولم يقل له علي أنه ضعيف. فان قال في صحته أنه قد قضاه إياه بحق له ولم يقل علي فهو ثابت لأنه سواء كان له الحق له عليه أو على غيره فاذا قضاه بحقه فهذا جائز لأنه قضاه في الصحة، وأما اذا قال في مرضه: أنه قد قضاه إياه بحق له ولم يقل علي أنه ضعيف لأنه لا يجوز له في المرض أن يقضي في ماله الا بحق عليه، فهذا الذي أحببناه من الفرق فيما بين هذه الألفاظ وينظر في ذلك إن شاء الله. تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وسئل عن رجل قال: بيتي هذا لفلان وفيه نخل وشجر ذات ساق هل يكون له البيت وجميع ما قامت فيه من النخل والشجر؟ قال معي إنه قيل لا يكون له الا البيت وما يلحقه من اسم البيت، قلت له فان قال هذا البيت لفلان أيكون سواء؟ قال معي إنهم قالوا إن هذا غير الأول ويكون له جميع ما في البيت من شجر ونخل ذات ساق وغير ذلك. قلت له: فان قال هذه الأرض لفلان أيكون له جميع ما فيها من شجر ذي ساق، مثل قوله هذا البيت .. قال معي: إنه يكون مثل البيت فيما مضى. قلت له: فان قال: قطعتي هذه لفلان وفيها نخل وشجر ما يكون له. قال معي: إنه يكون له القطعة وما فيها من النخل والشجر. /91/ (4/81)
صفحة 1576
ومن الأثر: وعن رجل قضى رجلا مالا له في مرض بدين له فلما مات، قال الورثة: نعطيك حقك ونأخذ مالنا وتمسك الرجل بما اقتضاه. قال: اختلف في ذلك. فمنهم من قال: يعطونه حقه ويأخذون مالهم. وقال موسى يكون له بقدر حقه من ذلك المال ويأخذون فضله. قلت له. ألا أن يكون الفضل وصية، قال: لم يوصى له انما قضاه.
ومن غيره: وعن رجل قضى زوجته ماله بصداقها ولم يقل وأنا عارف بمالي ثم رجع، يحتج أنه لا يعرف ماله ولم يتفقوا عليه وشهد عليه شاهدا عدل أنه عارف بماله. فقال لهما: ما علمكما أني عارف بمالي أوقفتكما على حدوده أو أقررت معكما به ولم يقولا أنه أقر معنا ولا أشهدنا أنه عارف بماله، هل تجوز شهادتهما وهل يشهدان هاهنا بغيب. فأقول: نعم. تقبل شهادتهما هذه وليس على الحاكم أن يوفقهما على تفسير ذلك اذا أمسكا عن التفسير، وليس هذه شهادة غيب لأنه قد يمكن أن يكون قد عرفا أنه عارف بماله.
ومن غيره: قال أبو عبد الله_ رحمه الله_ إذا أقر رجل مع رجل بشيء وقال له: لا تشهد علي بشيء، فلا ينبغي له أن يشهد عليه. قلت له: فان شهد عليه أهو آثم؟ قال: اذا أخبر الحاكم باقراره معه انه قال له لا تشهد علي فليس عليه إثم. والحاكم ناظر في شهادته.
قال أبو سعيد_ رحمه الله_ يشهد عليه وليس هو آثم.
ومن غيره: سألت رحمك الله عن قوم دعوك وأوقفوك على نخل فقال: هذه النخل والأرض لنا اقسمها بيننا وليس لك أنت بها معرفة سوى قولهم أنقسمها (؟؟؟) بينهم. وقلت إن كان فيهم نساء وقالوا: انهن وكلن وكيلا. وقال الوكلاء أنهم قد وكلوا في ذلك أيجوز ذلك قسم هذا المال والدخول فيه أم لا يجوز حتى يصح معك معرفة المال أنه لهم ومعرفة سهامهم على ما يجري. فعلى ما وصفت فاذا كنت عارفا بالقوم وليس عارفا بالمال فدعوك أن تقسم بينهم هذا المال جاز لك قسمة هذا المال بينهم اذا كانوا يدعون هذا المال وهذا الذي يقسم بين الناس غير الحاكم. فأما الحاكم فلا يجوز له ذلك حتى يصح معه أن هذا المال لهؤلاء لأن الحكم من الحاكم ثابت وليس الحكم مثل القسم، وقد يوجد عن بعض الفقهاء التعجب من الحاكم كيف يدعون الناس على أموالهم بالبينات اذا أرادوا بيع شيء منها أو قضي صداق. وقال: قد يكون للناس أموال لا يجدون عليها البينات وكأنه /92/ (4/82)
صفحة 1577
يذهب الى بيع هذا المال ولى القضاء منه حتى يصح معه أن هذا المال لغير هؤلاء الذين يدعون. وأما ما ذكرت من أمر النساء والوكلاء فان علمت أن في هذا المال لأحد غائب من صغير أو كبير أو أنثى أو ذكر فلا تدخل فيه حتى يصح معك وكالة وكلائهم وعلى ما تجري عليه شهادتهم ولا يقبل قول الشركاء على الوكالة بعضهم لبعض حتى يشهد بذلك غيرهم.
ومن غيره: وعن رجل له في مال قوم سهم معلوم شايع في جملة مالهم فلم يطلبه إلى الذي في يده المال حتى مات وانتقل المال الى وارث آخر ثم لم يطلبه حتى مات الوارث الثاني ثم لم يطلبه حتى مات وانتقل المال إلى وارث آخر بعد الثاني ثم طلبه الى الثالث فهل يدرك سهمه ذلك. قال: نعم ما لم يكن هذا الهالك يدعي هذا السهم لنفسه دونه وهو يعلم ولم يغيره فما لم يكن كذلك فهو يلحق سهمه حيث وجده.
ومن غيره: وسئل عن رجل قال في مرضه جميع مالي من مال عمار وخراب هو لزوجتي بحقها هل يكون لها ذلك. قال: نعم له جميع ماله. قال. قلت له فان كان له دين على أحد من الناس هل يكون لها دينه. قال: في ذلك اختلاف لأن بعضا قال: إن جميع ما كان من المضمونات لا يدخل في الاقرارات وقال بعض: يدخل فيها. وسئل عن رجل له على رجل دين فقال: إن حدث بي حدث موت فسلمه الى فلان. قال معي: إن بعضًا لم يرد له تسليمه اليه بعد موته وبعض رأى له ذلك وجعل ذلك وصية من له بذلك يأمره له.
ومن غيره: وقال بعض ولو جعله وصيته له حتى يجعله وصيا في انفاذ ذلك. /93/ (4/83)
صفحة 1578
ومن الأثر: قلت له فما تقول في رجل رفع على رجل وادعا أنه دخل منزله بغير إذن منه فأنكر المدعا عليه ذلك فطلب المدعي منه يمينه هل يحلف له. قال: نعم. قلت: فكيف يحلفه؟. قال. يحلف ما دخل منزله، فإن لم يحلف عاقبه بما يرى من الحبس وأكثر القول لا يمين عليه.
ومن غيره: وقيل اذا علم الورثة أن على صاحبهم حقوقا ثم لم يعلموا قضاها أو لم يقضها فهي عليه ثابتة وعليهم أن يؤدوها حتى يعلم أن الهالك أداها.
وقيل: ليس عليهم أن يؤدوها حتى يعلم أن الهالك لم يؤدها. وعن رجل أشهد لزوجته بمنزل وما يستحقه وفيه جنة فيها نخل وطوى أتكون الجنة في البيت أم لا؟ قال: في ذلك إختلاف وأكثر القول أن الجنة لا تدخل في المنزل حتى يذكرها المقر، والله أعلم.
وذكرت في رجل هلك وترك مالا على ورثته ولم تقسم وكان في يد أحدهم يحوزه ويمنعه ويأكله إلى أن مات شريكه ثم مات الآكل ولم يعلم أحد أن هذا المال جرى فيه قسم ولم يعلم أحد أنه اشتراه من شريكه ولا وهب له ولا أزاله اليه بوجه من الوجوه. قلت فكيف يكون سبيله؟ فسبيله أن الأكلة حجة على ورثة الأكول عليه في بعض قول المسلمين، اذا مات الآكل حتى يصح أنه أكله باطل بغير حق.
وقال بعض: أن أكلة الوارث والشريك ليس كغيرها والمال حاله على الورثة حتى يصح أنه أكله بوجه حق من بيع أو هبة أو وجه من الوجوه أكثر القول أنه ليس حجة.
وسئل أبو سعيد عن ثمرة النخل إذا كانت بين شركاء فأرادوا أن يقسموها عذوقا قبل دراكها. هل يجوز لهم ذلك؟ قال معي: أنه لا يجوز ذلك ولا أعلم في ذلك اختلافاً. قلت له: فلا يجوز من أوجه الجهالة أم في طريق الحجر.
قال معي: أنه في طريق الحجر إلا أن يشترطوا قطعة ولا يترك في النخل فعندي أنه جائز. قلت: له فكذلك جائز، يجوز فيه المتاممة بعد الدراك أم هو ربوا فاسد.
قال: عندي أنه من الربوا وهو بمنزلة بيع الثمرة قبل دراكها لأنه بعض ببعض وكأنه ينزل بمنزلة القياض، والقياض عندي بيع ولا يجوز بيع الثمار قبل دراكها بذلك جاءت السنة وكل ما لم يجز بيعه لم يجز قسمه بذلك جاء الأثر والله أعلم بالصواب. /94/ (4/84)
صفحة 1579
وسألت أبا سعيد عن شركاء قسموا مالا فيه ثمرة غير مدركة فوقعت الثمرة في سهم أحدهم أهي له دون شركائه.
قال: عندي أنه قيل في ذلك باختلاف.
قال من قال: هي له دون شركائه اذا كانت غير مدركة.
قال من قال: هي لهم جميعا اذا أدركت.
قال: وأما أنا فلا أرى القسم مثل البيع والذي عندي أن الثمرة بينهم جميعا لأنهم قسموا بعدما استحقوا الثمرة بالشراكة والله أعلم بالصواب
ومن أكثر القول هي له دون شركائه اذا كانت غير مدركة وإن كانت مدركة كانت بينهم حتى يصح الشرط لكل ما وقع له. /95/ (4/85)
صفحة 1580
ومن جواب آخر من محمد بن سعيد:
((جواب محمد بن سعيد)) وذكرت رحمك الله في رجل اشترى من رجل حصته من مال فيه شركة يتيم وكان المال مقسوما، فلما بلغ اليتيم نقض القسم. قلت: كيف الحكم بين البائع والمشتري فاذا باع له ما وقع له من ذلك القسم وكان القسم منتقضا فنقضه اليتيم. ففي بعض القول أنه حصة البايع من ذلك المال بعينه إن أراد ذلك ولا كان على البايع له رد الثمن فافهم ذلك. وأما اذا قسم المال قسما لا يتم الا بعد اتمام اليتيم وكان القسم غير ثابت فتلف من المال شيء من يد أحد الشركاء بسيل أو غصب أو سلطان فأتم اليتيم بعد بلوغه وطلب أحد الشركاء نقض ذلك بعد اتمام اليتيم فليس له اذا بلغ اليتيم فأتم القسم فقد ثبت على البالغين إذا كانوا قد رضوا بذلك. وأما إن طلب نقض ذلك قبل بلوغ اليتيم. فقد قيل ليس له ذلك لأنه قد رضي بذلك على نفسه وانما النقض لليتيم خاصة. وقيل أن ذلك له لأنه موقوف على رضى اليتيم وكما يكون عليه كذلك يكون له النقض ما لم يبلغ اليتيم ويتم القسم فإذا بلغ وأتم القسم ثبت ذلك على كل البالغين فافهم ذلك.
وسألت أبا سعيد محمد بن سعيد_ رحمه الله_: عن أرض بين رجلين فقسماها وحدهما بغير نظر العدول ورضيا بما قسما وأخذ كل واحد منهما جانبا من الأرض عن نصيبه بسهم أو غير سهم ورضي كل واحد بما قد صار اليه من هذه الأرض بما له فيها، هل يكون هذا قسما ثابتا. قال: نعم قلت له: فإن بان على أحد غبن فأراد أن ينقض هل له ذلك. قال: لا أكثر القول غير جائز.
وعن أخوة رجال ونساء قسموا قطعة لهم وفيهم يتيمة ليس لها وكيل. فقال من قال: القسم جائز إذا تراضوا. فأما اليتيمة فيقف عدول فان رأوا أن الذي وقع لها خيار أجاز القسم. /96/ (4/86)
صفحة 1581
وقيل فيمن أقر لرجل بمال ثم أكله المقر إلى أن مات المقر أنه للمقر له ولا يضره ذلك الأكل الا أن يكون المقر له بالمال حاز ذلك ثم أكل عليه بعد ذلك المقر حتى مات. بعلمه فهو لورثته الآكل.
وقال من قال: أكل المقر للمال إذا أكله حجة لورثته وأكثر القول أكله حجة لورثته.
وعن رجل قال عند موته هذه النخلة لفلان بحق. فأما إن كان وارثا ففيه اختلاف. وأما غير الوارث فليس فيه إختلاف إلا أنها له. واختلفوا في قوله: فقال قوم: حتى يقول بحق له علي لأنه يمكن أن يكون ذلك حقا على غيره. وفهم من رآه قراراً. وأما ان كان قال: بحق له ولم أوفيه فهو له بلا اختلاف. وفي غير الوارث اذا بحق كان على الورثة أن يعطوه قيمة ما أوصى له به أو يسلموا ما أقر له به. قال غيره: هذا اعتراف بحق وهو ثابت إلا أن يقول نخلتي هذه أضافها الى نفسه فيكون فيه اختلاف على ما قاله.
وسألته عن شركاء في بستان قسموه فوقع لبعضهم أطرافه وأدار الجدار عليه. قال: على كل أن يحدد مما يلي ماله قل أو كثر ولا يلتفت الى الشركة الأولى. قلت له: فان وقع سهمه في الوسط فلا شيء عليه. قال: نعم. إلا أجرة الشايف اذا كان زرعه وسطا فعليه نصيبه من أجرة الشايف، هكذا أوجدته عن أبي الحواري عن نبهان بن عثمان عن موسى بن علي_ رحمهم الله.
وعن رجل أقر عند الموت أن داره بما فيها لزوجته هل يكون لها العبيد والدواب قال معي: إنه ما كان فيها حين الاقرار مما هو له أنه لها وكذلك قرأت عليه في الأثر نحو ما قال في ذلك وقرأت عليه في الأثر عن مسبح قولاً ثانيا أن لها ما في الدار ما لا يجيء ويذهب من ذي روح ولو صح بالبينة أن الدواب كانت يوم الاقرار فيها حتى يسمي ذلك بعينه. فقلت لأبي سعيد ما تقول في هذا القول الآخر فرأيته أعجبه ذلك. وقال: ما جاء عن المسلمين فأولى أن يتمسك به أكثر القول، ثبت لها ما في الدار حين الاقرار من دواب وعبيد وغيره وان اختلفا في ذلك يوم الحكم وهي خارجة فالبينة على المقر له وان كانت داخلة فالبينة على الورثة أنها يوم الاقرار كانت خارجة. /97/ (4/87)
صفحة 1582
وعن امرأة شهدت لزوجها أو لغيره بجميع مالها وكان لها مال في يدها وديون على الناس وصداق على زوجها. فعلى ما وصفت فإن كانت المرأة حية واحتجت أنها لم تشهد له بالصداق ولا بالدين كان لها حجتها في ذلك مع يمينها. وإن كانت المرأة قد هلكت وجب لمن أشهدت له بجميع مالها من الباطن والظاهر والديون والصداق، وكذلك قد قيل أيضا لو أن رجلا أو امرأة أوصى لرجل ثلث ماله ثم قتل الموصي خطأ لدخلت الدية في الوصية وكان للموصي له ثلث المال وثلث الدية.
وعن رجل قال: كل مال له بقرية فلانة هو فلانة هو لزوجته أو لفلان وفي قرية فلانة له أرض ونخل وعبيد وغير ذلك من الحيوان. هل يثبت جميع ذلك لمن أقر به. فعلى ما وصفت، فهذا اقرار ثابت الا أن يحتج بالجهالة ويقول انه لم يكن عارفا بماله هذا فله حجته في ذلك اذا احتج بذلك في حياته. وأما اذا مات فقد ثبت الإقرار ولا حجة لوارثة بالجهالة. اذا ادعى أن صاحبهم لم يكن عارفاً بهذا المال الذي أقر به.
وعن امرأة قالت لقوم حضروها عند وصيتها أشهدوا على أن الحق الذي لي على زوجي فلان هو له حييت أو مت. وقالت بحق، ثم إن المرأة ماتت من مرضها تلك هل يكون ذلك واسعا لزوجها أن لا يرده عليها وهو ليس يعرف أن عليها له حقا يحيط بالذي عليه لها. فعلى ما وصفت فان للزوج واسعا أن يتمسك بذلك المال أشهدت له به زوجته اذا لم يعرف أنه ضرار ولا اثره. وقد يجوز أن يكون ذلك عليها له من أسباب لا يعلم بها إما أن يكون قد خانته في نفسها وأشباه ذلك. وإن أراد الرجل أن يرد على المرأة ما أشهت له به فذلك واسع ان شاء الله وليس في ذلك ضرر على ورثته لأنه قد أثبت بعض الفقهاء في رد مالا قد أشهد له به فرده على ممن أشهد له به في مرضه فقد أجاز له ذلك من أجازه من الفقهاء اذا كان في المرض ولا يجوز له أن يشهد به لغير ذلك الذي أشهد له.
واختلف موسى بن علي ومحمد بن محبوب _رضوان الله عليهما في رجل حضره الموت فأشهد أن لفلان عليه ألف درهم أنه مات من مرضه ذلك وأن هو صح فلا شيء عليه. فقال موسى بن علي: هو كما قال. ان مات فعليه له ألف درهم وان صح فلا شيء عليه.
وقال محمد بن محبوب_ رحمه الله_ بقوله إن صح فلا شيء له عليه. /98/ (4/88)
صفحة 1583
الباب الخامس
في التعديل. وبالله التوفيق
وفي الآثار أن تزكية الشهود لم تكن عن رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ ولا عن أصحابه. وقال عمر بن الخطاب_ رحمه الله_ المسلمون عدول بعضهم على بعض. وقد نهى الله السلمين عن التفتيش عن عورات الناس والتجسس عنها.
وقال غيره: المسئلة بدعة محدثة إلا أنه لما ظهرت شهادات الزور وأخذ الناس الأموال على الشهادة والرشا فعند ذلك سئل عنهم فليتق الله الحاكم فان الناس شجرة بغي وذبان طمع وفراش نار وقد بلوا بالشحناء والضغائن فان سألهم الحاكم فليسأل أهل الورع والفقه والرضا في الإسلام فليسألهم عن حال الرجل في اليوم الذي هو فيه ولا تسألهم عما كان عليه من قبل ذلك لأنه قد ((يكون العدول في الشهادة غير أهل الولاية في الحقوق على حال)) ثم تحول عنها والعدول هو الولي الذي له الولاية.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح في أهل السوق قد يكون العدول في الشهادة غير أهل الولاية في العقوق كلها الا الحدود. /100/ (4/89)
صفحة 1584
رجع: فمن عرف بخير ولم يعلم منه سوء فهو عدل ومن عرف بالمعاصي والحرام فلا ولاية له. ومن لم يعرف سيرته وعمي أمره فالوقوف عنه واذا كان في البلد معدل منصوب للتعديل نصبه لذلك امام أو قاضي فهو الذي يسأل عن تعديل أهل بلده، وإن كان في البلد اثنان أو ثلاثة أو أكثر سئلوا جميعا فان عدل واحد وطرح واحد أخذ بتعديل الذي عدل إلا أن يطرح المعدلان الباقيان أو يجرحاه أو يجرحه عدلان غيرهما.
وإن لم يكن في البلد معدل منصوب سأل الحاكم عن البينة الثقات الذين يبصرون ما تثبت به العدالة والطرح من أهل بلدهم. ويقبل التعديل في الواحد منهم والولاية ولا تقبل البراءة جرح إلا من اثنين عدلين ويقبل التعديل من المرأة الثقة التي تبصر ما تثبت به الولاية والبراءة اذا لم يوجد من يعرفه من ثقات الرجال.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: لا تكون امرأة معدلة منصوبة.
ومن غيره: وقد قيل تقبل التعديل بواحد والجرح بواحد، لأنهى كما قبل التعديل بواحد كان الجرح بواحد لأن ذلك انما هو في الأحكام والله أعلم. /101/ (4/90)
صفحة 1585
رجع ((تعديل العبد)): وقال من قال من الفقهاء: أن العبد الثقة تؤخذ عنه الولاية لمن تولاه اذا كان يبصر بذلك، ولا يجوز تعديله. وقال أبو المؤثر: تعديل العبد جائز.
ومن غيره: نعم. قد قيل يجوز تعديل العبد، وقيل لا يجوز وقيل يتولى بقوله. /102/ (4/91)
صفحة 1586
رجع ((تقادم الشهادة)): واذا طالت المنازعة أعاد الحاكم المسألة عن الشهود ولو كانت عدالتهم قد صحت من قبل.
وقال من قال: أن موسى بن علي _رحمه الله_ كان يعيد المسألة عن الشهود على أربعة أشهر. وقال من قال: على ستة أشهر.
ومن غيره: وقد قيل أنه لا يعيد المسألة عن الشهود في ذلك الحكم نفسه إلا أن يظهر هنالك سبب يستحق به المسألة حتى يعيد ذلك الحكم.
ومن غيره: ومن جواب أبي مروان أن تعديلهم جائز في ذلك الحق ولو خلا أربع سنين أو أقل غير أنه أكثر من سنة الا أن يحتج المشهود عليه أن الشاهد قد أحدث حدثا من قبل أن يحكم من قبل أن يحكم الحاكم.
قال محمد بن المسبح: اذا عدل الشاهدان في المنازعة بين رجلين فهما على عدالتهما حتى يأتي الخصم عليهما بجرح.
/103/ (4/92)
صفحة 1587
رجع: وقيل أن المسلمين اذا طرح لهم ولي لا تدعو المعدل بطرحه إلا بأمر يصح عليه وأن أبا المعدل أن يتولاه وتولاه المسلمون قبلت ولاية المسلمين فيه وجازت شهادته ولا يقبل التعديل من المعدل حتى يقول انه عدل. وقد قيل أنه اذا قال أنه ثقة قبل وليس أحب أن يكتفى بهذه اللفظة وحدها وإن قال له أنه منعه في الولاية فللحاكم أن يكتفي بذلك. وقد قيل أن أبا علي _ رحمه الله_: قال له المعدل أو كتب اليه في رجل سأل عنه انه لم يعلم منه إلا خير فينظر في ذلك ثم أجاز شهادته.
ومن غيره: وقد قيل أنه اذا قال فلان من خيار الناس أو من خيار المسلمين أو من خيار أهل بلده أو من أفاضل المسلمين أو من المسلمين أو من الصالحين أو في صالح الناس أو أصلح أهل بلده أو من صالحي أهل بلده فكل هذا ثبت به ولا يته، وتجوز شهادته. واذا قال فلان: ثقة في دينه قبلت شهادته ولم تثبت ولا يته، وكذلك اذا قال: فلان عدل في دينه أو عدل قبلت شهادته ولا تثبت ولايته. واذا قال: فلان معي في الولاية أو في ولاية في ولاية المسلمين أو ولي للمسلمين أو يتولاه المسلمون أو ولي لي في ديني أو ولي لله وولي لأهل الحق وكل هذا يثبث به ولايته وتجوز شهادته، واذا قال: فلان أثق به أو أمين عندي أو أيمنته أو أمين مع فلان تقبل شهادته ولا تثبت به ولاية.
ومن غيره: وأخبرني عنه أنه قال على الحاكم أن يسأل عن البينة اذا وقفت معه، ولو قال له الخصم المشهود عليه إن هؤلاء عدول ولم يسأله هو الا أن يسأل عنهم حتى يعدلوا معه.
ومن غيره: وقد قيل لا يحكم بتزكية الخصم للشاهد عليه حتى يصدقه فيما شهد به عليه ولو كان غير بصير بالعدالة لأنه يقر بذلك على نفسه، وقد قيل أن للحاكم أن يحكم بشهادة أوليائه ولا يسأل عنهم.
وقال من قال من الفقهاء كلما شهد الشاهد بالشهادة سأل عنه الحاكم ولا يجزي بتعديله اذا عدل مرة الا أن تثبت ولايته عنده فان ثبتت ولا يته وكان ممن يحاضره ولم يسمع بحدث منه فلا بأس فأرجو أن لا يحتاج يسأل عنه ويكتفي بما قد ثبت له ولايته معه حكم بشهادته وليس عليه أن يرجع يسأل عنه ولو غاب عنه أمره لأن المولى مأمون على غيبته وانما قيل ذلك فيمن ثبتت شهادته ثم كان ممن يحضر مجلس الامام ولا يغيب عنه في أوقات الحضرة وهو قريب منه لا يخفى عليه فقد /104/ (4/93)
صفحة 1588
أجاز أبو عبد الله محمد بن محبوب_ رحمه الله_ شهادته ولم ير عليه سؤالا اذا كان على الصفة. قال: وولاة الإمام في القرى على عدالتهم لا يحتاج أن يسأل عنهم ولو غاب عنه أمرهم فهم على عدالتهم. /105/ (4/94)
صفحة 1589
رجع ((التزكية)): وقد قيل إذا أشهد شاهد عن شهادة آخر وكان الحامل للشهادة ممن يقبل تعديله فعدل الذي شهد عنه قبل ذلك وجازت شهادته إذا لم يعرفه المعدل أو أحد الصالحين غير الذي حمل الشهادة عنه وللحاكم أن يقبل قول الثقة الواحد في رفع التعديل اليه عن المعدلين ولا يسأل المعدل عن تعديل من شهد معه في شهادة واحدة الا أن يسأل المعدل الحاكم عن تعديل ذلك الرجل قبل أن يشهد هو ذلك الرجل ولو سأله فيما بينهما في المجلس ثم شهد من بعد ذلك فلا بأس. وأما اذا شهد المعدل بشهادة وشهد ذلك الرجل بشهادة أخرى فانه يسأل المعدل عن تعديله. وقال الله تعالى {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ} فانما ذلك إلى رضى الصالحين، وقد رفع الله عن عباده معرفة رضاه لأنه قد حجب ذلك عنهم فمن عرف بالأعمال الصالحة والموافقة للمسلمين في الديانة فهو للمسلمين ولي وعندهم عدل ولو كانت له تبريرة مكفرة أو ذنوب مستترة، وكذلك لو أن رجلا ستر عبادته كلها وأظهر للمسلمين المخالفة لهم في سيرتهم وتزيا بغير زيهم والله يعلم منه خلاف ذلك لم يكن للمسلمين أن يجيزوا شهادته ولا يقبلوا ولايته وعلى هذا تجري الأحكام بين أهل الإسلام والله أعلم بالغيوب وهو الشاهد على جميع ضماير القلوب.
وقيل: اذا قال: المعدل في الشاهد أني لا أعرفه ولكن قد عدله من أثق به لم يقبل منه حتى يقول من عدله فلان فهو عندي عدل /106/ (4/95)
صفحة 1590
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب_ رحمه الله: وعلى القاضي والإمام أن يقبلا من الوالي اذا كتب اليهما أن واليه أنفذ عنده كتبا اليه أنه قد عدل عنده شاهد ووكالة من رجل الى رجل.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد _رحمه الله_ وفي وكيل وهب الحق أو عدل الشاهد بغير سؤال عنه. فأما الهبة فلا أراها تجوز حتى يجعل له ذلك، وأما الشاهد فعسى أن يجوز ما صنع فيه إذا قال: عرفته بصلاح. قال أبو علي: فأقول أنا: إن كان الوكيل ثقة قبلت عدالته للشاهد عليه وعلى الذي وكله فان لم يكن ثقة لم تجر ذلك على صاحب الحق وكان ذلك عليه في وكالته.
قال أبو المؤثر: نعم إن كان الوكيل ممن يقبل تعديله جاز تعديله وإلا فلا. /107/ (4/96)
صفحة 1591
الباب السادس
في الأيمان
والأيمان بين الناس في كل شيء الا في الحدود والقذف والشتم الذي يجب فيه ذلك الحد فليس فيه أيمان إلا على السرق فانه يستحلف بالله على المتاع ما أخذ عليه متاعاً ولا قطع عليه إن لم يحلف. وفي بعض القول إنما يجب فيه التعزير ولا حد فيه ففيه اليمين. قال أبو المؤثر: لا أرى فيما يجب فيه التعزير والحبس يمينا.
قال أبو الحواري: ليس عليهم في هذا أيمان. هكذا حفظنا، وليس للصبيان ولا عليهم أيمان ولا لمن احتسب لليتيم ولا غائب ولا في طريق حائز يمين ولا عليه في ذلك يمين. ولا أيمان على الوكلاء في مال من وكلهم ولا لهم في ذلك إلا أن يجعله لهم الموكل.
ومن غيره قال: ليس عليهم ولو جعل لهم ذلك الموكل اذا جعل لهم وليس في الرم أيمان إلا أن يكون واحد منهم يستحلف على نصيبه.
ومن ذلك قال أبو المؤثر: لا أرى في الرم يمينا في أصل الرم على الطالب ولا على المطلوب اليه ولو كان دعواه لنفسه إذا كان يدعيها في الرم على قسم الرم.
ومن غيره قال: وكذلك قيل لا يمين في الأنساب ولا في النكاح ولا في الرد لا لهم ولا عليهم وكذلك لا يمين على الأعمى.
/108/ (4/97)
صفحة 1592
رجع ((حكم يمين الأعمى)): وقيل في الأعمى إذا ادعى حقا على رجل فأنكر الرجل دعوى الأعمى ولم تكن عنده بينة وطلب يمين الرجل فرد اليمين إلى الأعمى أنه لا يمين على الأعمى لأنه يحلف لمن لا يبصره، وإن عند الأعمى بينة حكم به بحقه وإلا بطل حقه_ نسخه ولا يبطل حقه.
وقال من قال: ليس على الأعمى يمين ويجبر خصمه على اليمين للأعمى، حتى يحلف أو يقر له بحقه والرأي الأول أحب الينا إنه لا يحلف ولا يجبر خصمه على اليمين إذا رد اليمين اليه.
ومن غيره: قال أبو سعيد_ رحمه الله_ إذا أعجز البينة الأعمى، وقفت دعواه إلى احضار البينة فإن لم يحضر وطلب يمين خصمه أجبر إما أن يحلف وإما أن يقر له بما يدعيه وإلا حبسه الحاكم ولا بد من ذلك. /109/ (4/98)
صفحة 1593
رجع: ومن ادعى حقا إلى الأعمى فأنكر الأعمى وطلب المدعي يمين الأعمى فليس على الأعمى يمين لأنه يحلف لمن لا يبصره وإنما يحكم له على الأعمى بالحق إذا شهد له شاهد عدل.
ومن غيره: قال أبو الحواري عن أبي المؤثر عن محمد بن محبوب: إذا أراد الأعمى أن يحلف خصمه لم يحلف له حتى يقيم الحاكم للأعمى وكيلا حتى يحلف له وكذلك قال نبهان. /110/ (4/99)
صفحة 1594
رجع ((يمين وصي اليتيم)): ليس على الحاكم يمين لمن حكم عليه ولا أهل الشهادة وما شهدوا به بباطل، وكذلك على كل من ادعى وصية الأقربين أو فقراء وابن سبيل، أو شذي أو شيء من أبواب البر فليس له يمين ولا عليه إلا الوصي، فان له اليمين على الورثة فيما أوصى به الميت من الوصايا في أبواب البر.
قال أبو المؤثر: يستحلفون ما يعلمون أنه أوصى بهذه الوصايا اذا طلب ذلك الوصي بعد أن تصح وصايته.
ومن غيره: وقد قيل لا يمين للوصي أيضا في ذلك. والقول الأول أحب الينا. وأما الوصي في الوصاية التي يدعيها أنه أوصى اليه الميت فله اليمين وعليه في ذلك لأنه مدع لنفسه وخصم.
ومن كتاب فضل: وليس للوصي يمين على الورثة فيما أوصى به الميت من الوصايا في حج أو غيره من أبواب البر./111/ (4/100)
صفحة 1595
رجع: ووصي اليتيم ووكيله يستحلف له على الدين وما يشبه ذلك. وأما الأصل فقيل لا يعجل الحاكم باليمين في ذلك إلى بلوغ اليتيم إلا أن يخاف أن يبطل حق اليتيم فيستحلف له فان بلغ اليتيم وأقام بينة بذلك فله ذلك وأما اليمين فليس له غير تلك اليمين اذا بلغ.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح: قد قال بعض أنه ليس له على أحد يمين كما ليس عليه يمين. /112/ (4/101)
صفحة 1596
رجع ((صيغة اليمين)): وكذلك الوالد يستحلف على حق ولده الصغير وليس للولد على والده يمين، وفي بعض القول أن له عليه اليمين. والقول الأول أحب الي. وللوالد اليمين على ولده، وللوالدة اليمين على والدها وله عليها وكل من طلب حقا إلى الآخر سأل الحاكم المطلوب اليه عن ذلك فإن أقر لخصمه بحق قبله أو عليه له حكم عليه لخصمه بما أقر له به وإن إنكر دعا خصمه بالبينة على ما يدعي فإن ترك بينة ونزل الى يمين خصمه حلفه له على ما يدعي فان رد الخصم اليمين الى الطالب حلف الطالب على حقه وحكم له به على خصمه فان لم يحلف على ما ادعى صرفه الحاكم ولم يحكم له بشيء. واليمين أن يحلفه الحاكم وهو يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، منزل القرآن وعالم السر والإعلان ورب المسجد الحرام والآخذ بالنواصي والأقدام ما عليك لهذا كله وكذا ويسمي بما يطلبه وإن زاد الحاكم أو نقص من هذا فلا بأس _ وفي نسخة وإن زاد الحاكم في اليمين أكثر من هذا أو نقص بأس عليه_ وان حلف الحاكم بالله ولم يزد على ذلك فقد تمت اليمين ولا شيء أعظم من الله عز وجل. /113/ (4/102)
صفحة 1597
الباب السابع
في النصب
وإن طلب المدعي النصب فإنما له النصب إذا كان هو يحلف بذلك إذا ردت اليه اليمين وبعض الحكام لم ير النصب الا بصدقة مثل ما يتنازعان فيه وبعض الحكام والفقهاء كانوا يرون النصب في الأيمان، وبلغنا أن موسى بن علي رحمه الله كان يرى النصب وحلف بتسعين حجة ونحن نأخذ برأي من رأى النصب.
ومن غيره: قال وقد قيل أن بعض الفقهاء لم يكن يرى النصب في شيء من الأيمان إلا أن يحلف بالله، وقال: وكفى بالله. وكذلك جاء الأثر. /114/ (4/103)
صفحة 1598
رجع ((المنازعة في الفروج)): وما كان من لمنازعة في الفروج وما عظم من الأمور فما نرى بأسا أن أن نصب الخصم بسبعين حجة فيحلف الحاكم له خصمه بها.
ومن غيره: ومن نسخة أخرى واذا حلفه الحاكم وقد نصب اليمين فإذا فرغ من اليمين، قال الحاكم له وهو يقول كما يقول الحاكم فان كنت كاذبا فعليك الحج إلى بيت الله الحرام سبعين حجة أو ما نصبا بينهما من الحج سبعين أو عشرين /115/ (4/104)
صفحة 1599
رجع: وقال أبو المؤثر: لا أدري أن يستحلف بأكثر من يمين بالله ويصدقه مثل ما يتنازعان فيه. وإن كان شيء من أمر الفروج والدماء فلا أرى بأسا أن يغلظ في اليمين في النصب بالحج أو غيره الا الطلاق فلا أرى أن سيتحلف (؟؟؟) به، وأما الصدقة فإنها إنما يرى للخصم إلا مثل الذي عليه وربما كان المدعي اليه له مال كثير والمدعي له مال قليل فيطلب أن يحلفه بصدقة ماله فإنا نرى أن يحلف الحاكم المدعا اليه يصدقه (؟؟؟) مثل ما للمدعي من ماله على الفقراء لأن المدعي إن رد اليه خصمه اليمين حلف بصدقة جميع ماله، فعلى مال المدعي يقع النصب، وكذلك نصب المدعي صدقة ألف درهم وهو انما يملك مائة درهم فإنما له أن ينصب بقدر ما يملك والله أعلم.
ومن غيره قال: وقيل النصب بكل شيء إلا الطلاق والعتاق، وقال من قال: الأيمان بالنصب بكل شيء إلا الطلاق في التغليظ. /116/ (4/105)
صفحة 1600
رجع: وإن قامت للطالب بينة عدل بحقه فطلب المدعا اليه يمينه بعد ذلك بالنصب فليس له ذلك بعد البينة وله عليه يمين بلا نصب. قال أبو المؤثر: اليمين بينهما بعد البينة وقبلها سوى فإن شاء الله الذي أحضر البينة حلفه وإن شاء ردها إلى خصمه.
ومن غيره: وأما النصب بالطلاق والعتاق فلا نحب ذلك ولم يكن فقهاؤنا يحلفون به. /117/ (4/106)
صفحة 1601
رجع: وكذلك كل من صح له حق ببينة عدل على حي أو ميت فطلب الذين صح عليهم الحق يمين المدعي فعليه اليمين وإلا فلا شيء له. وإن كان لا يعرف حقه إلا ما شهدت له بينة حلف بالله ما يعلم أنه ألجأه اليه ولا أن شهوده شهدوا له بباطل. وكذلك المرأة التي يصح لها صداق ببينة ولا تعرفه أو ميت يشهد لإنسان بمال بحق أو يقر له به فإن كان يعرف أن ذلك له حلف عليه وإن احتج أنه لا يعرفه الا ما شهدت له البينة حلف بالله أنه ما يعلم أن الميت اليه ذلك ولا أن شهوده شهدوا له بباطل ولا نصب في ذلك. وإن احتج المدعي أنه لا يعرف حقه الا بخبر من يثق به حلف على ذلك وليس عليه نصب.
قال أبو المؤثر: لا أرى على المدعي في مثل هذا يمينا ولكن يستحلف المدعي عليه ما يعلم أن عليه للمدعي حقا من قبل هذه الدعوى وإنما يحلف بالله.
ومن غيره: ويوجد ومن ادعى حقا الى خصمه واحتج أنه لا يعرفه الا بخبر من يثق به ولم تكن له بينة. فاليمين هاهنا الى المطلوب اليه أن يحلف ويبرئ وإن أراد أن يحلف للطالب على ما يدعي بخبر من يثق به حلف واستوجب لأنه هو رد ذلك اليه ولا يحلف في مثل هذا بخبر ولا يثق به لأنه ليس له أن يأخذ شيئا لنفسه لا يعرفه بخبر من لا يثق به. /118/ (4/107)
صفحة 1602
رجع ((اليمين على الوصية)): وأما من أوصىي له بوصية فقيل ليس عليه في ذلك يمين.
ومن غيره: قال: نعم. وانما قيل لا يمين على من أوصي له إذا صحت الوصاية له ببينة أو اقرار الورثة. /119/ (4/108)
صفحة 1603
رجع ((اليمين على مسائل متعددة)): وقال أبو المؤثر: إذا ادعى الموصى له أنه يعلم أن الهالك أو أوصى له ولم تكن معه بينة استحلف الورثة ما يعلمون أن الهالك أو صى له وأن ردوا اليه اليمين استحلف الموصى له أن الهالك أوصى له. وإن لم يدع العلم استحلف الورثة ما يعلمون أن الهالك أوصى له. وقيل منى ادعى الى خصمه أن به عليه حقا من مال قائم باعه له أو دين داين به أو حق وجب له من وجه من الوجوه والمعاملة في ذلك كانت بينهما فان اليمين في ذلك بالقطع الا بالعلم يحلف المدعا اليه ما عليه له كذا وكذا ويحلف الطالب أن عليه كذ وكذا.
ووجه آخر: أن يدعي أنه لزمه الطالب الى رجل حقا في مال ورثه أو اشتراه، أو أن عليه دينا من قبل ميت ورثه. وكذلك في كل حق يدعي أنه لزمه من قبل غيره فانما يحلف المدعا اليه ما يعلم لهذا عليه حقا من قبل ما يدعي ولا يحلف بالقطع.
ووجه آخر: أن يدعي الى خصمه مالا في يده لقد اشتراه أو ورثة أو وهب له فان على المدعي اليه أن يحلف أن هذا المال له ولا يعلم لهذا فيه حقا أو يرد اليمين إلى الطالب فيحلف أن هذا المال له ولا يعلم لهذا فيه حقا أو يرد اليمين إلى الطالب فيحلف أن ها المال له ما يعلم لهذا فيه حقا ثم لمن حلف عليه.
وقال بعض أهل العلم: أنه يحلف لقد ورث هذا المال أو اشتراه أو وهب له، وما يعلم لهذا فيه حقا فمن يلي الحكم فلينظر في عدل ذلك.
وقال أبو المؤثر: هذا القول الآخر أحب الي.
ووجه آخر: إن طلب أحد الخصمين إلى خصمه أن يحلف أنه ما يعلم أنه اشترى هذا المال ولا باعه ولا وهب له ولا ورثه ولا أخذ له كذا وكذا ونحو هذا فإن الأيمان لا تجري على هذا الوجه لأن تلك الحقوق قد تكون لأهلها لما تزول عنهم. وأنما اليمين في ذلك أن يحلف المدعي اليه ما عليه له حق من قبل ما يدعي من كذا وكذا فان كان يدعي حقا معروفا كانت اليمين الى الطالب حلف أن له عليه كذا وكذا. وان رضى الخصمان برجل من الناس ليس بوال أن يحلف أحدهما لخصمه على حق ادعاء اليه فحلفه له ثانية ما عليه له ذلك الحق فقد مضت اليمين وليس لحاكم أن يرجع بحلفه على ذلك. /120/ (4/109)
صفحة 1604
ومن غيره: وقد يوجد عن أبي الحواري _رحمه الله_ أن الخصمين إذا تراضيا لرجل أن يحكم بينهما جاز له ذلك أن يحلفهما. وأحسب أنه قال: يجبرهما على ذلك، ولعل غيره يقول غير ذلك. والله أعلم بالصواب.
وأنا لا أحب أن يكون أحد يجبر الناس على الأحكام الا برأيهم. ويوجد اذا لم يكن في البلد حاكم عدل يحكم بين الناس ينصف المدعي من المدعا عليه في اليمينوتقطع الحجة فلجماعة المسلمين أن ينصفوا المدعي من المدعا عليه ويقوموا مقام الحاكم. وأما رجل بعينه فلا يكون له ذلك. الا أن يرفعا ذلك اليه ويتراضيا جميعا به فهنالك يحكم بينهما.
وعن أبي عبد الله محمد بن روح _ رضيه الله_ من بعض جواباته مختصرا هذا منه: وقد حكم الخصمان من المسلمين ومن اليهود من بني قريظة سعد بن معاذ بحضرة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فرضى الفريقان بسعد حاكما عليهم فثبت حكمه من بعد تراض الفريقين به أن يكون حاكما بينهما فكفى بهذا أثرا أو برهانا اذا كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ ومن معه متبعين لحكم سعد ابن معاذ وأثبتوه على أ نفسهم. /121/ (4/110)
صفحة 1605
ومن غيره: قال أبو سعيد _ رحمه الله_ إذا عدم الحاكم وكان جماعة من المسلمين يمكنهم إنفاذ الحكم والقيام بالعدل من غير تقية ولا عجز ولا عدم بشيء مما يقدرون به على القيام بالحكم أنهم يلزمهم القيام بالعدل والحكم كما تلزمهم الصلاة. قيل له فإن عدم الجماعة أيضا ووجد واحدا من المسلمين هل يكون بمنزلة الجماعة ويلزمه ما يلزم الجماعة إذا كان يمكنه ذلك. قال: هكذا معي على معنى قوله. وقال: اذا أمكن الخصم الحاكم أو من يقوم مقامه لم يجز له عندي أن يكون حاكما لنفسه على خصمه إلا بعد عدم الحاكم أو من يقوم مقامهم. قلت له فاذا خاف أن لا يتوجه له حكم حق عند الحاكم أو من يقوم مقامه من جهة أن ليس له بينة أو له بينة لا تعدل على نحو هذا هل يجوز له أن يحكم لنفسه بما يحكم له به الحاكم أو يقبض من مال غريمه إذا قطع له حجته أم ليس له ذلك حتى يحاكمه. قال معي: إنه اذا كان محقا في السريرة ولم يكن له حجة في الظاهر فهو عندي معدم في الحكم على هذه الصفة وليس عليه أن يعتني فيما لا يرجو له فيه نفعا على معنى قوله.
ومن غيره: قلت له: فما صفة الحاكم العدل؟. قال: الحاكم العدل عندي: إمام العدل أو قاضي إمام العدل أو وليه أو من أمره بالحكم أو جماعة المسلمين من أهل الاستقامة من الاثنين فصاعدا من البصراء بالحكم عند عدم الحكم أو من جعله الجماعة حاكما فهذا في الحكم الثابث له الحجة وعليه. ولو كان الحاكم الذي يلي الحكم من قبل السلطان الجائر أو رعية قاهرة قادرة وهو من المسلمين البصراء بالأحكام عند عدم هؤلاء كلهم كان عندي لاحقا بهم. وكذلك لو قدر على الحكم من ذات نفسه وهو من أهل المسلمين من أهل الاستقامة البصراء بحكم ما دخل فيه عند عدم المسلمين الذين يقومون مقام الحاكم ولم ينازعه في ذلك أحد ممن له الحجة مثله من المسلمين بحجة عدل كان عندي لاحقا بحكم حاكم العدل.
ومن غيره: ولو أن خارجا خرج فوجد رجلا من ذات نفسه نسخة فردا بنفسه وبذل نفسه لله تعالى وأنكر المنكر كان له أن يجبر أهل المعاصي على الرجوع إلى الحق جميع من عصى الله بقول أو عمل يقاتلهم على ذلك.
ومن كتاب عزان بن تميم: أخبرني أبو عبد الله_ رحمه الله_ أن هاشم بن الجلنيدي كان قد أصابته رمية فجرحته في رأسه وهو يومئذ بدما مع الإمام غسان فاتهم هاشم الصقر بن محمد بن زيد ووجد الناسخ أن أسمه بالصقر /122/ (4/111)
صفحة 1606
ابن محمد بن زائدة أنه أمر به من رماه وكان الصقر يومئذ بسمائل فأمر به غسان فحبس فأنكر ذلك عليه سليمان بن عثمان وقال: ليس عليه حبس لأنه لم يتهمه أنه جرحه وإنما اتهمه أنه أمر من جرحه فإنما عليه يمين ولا حبس عليه. فلم يقبل ذلك غسان حتى غضب عليه سليمان وهجره.
ومن غيره: وسألته عن رجل أقر أن عليه لرجل كذا وكذا ثم جحده ولم يعلم الذي أقر له أن ذلك الحق له عليه ثم رفع عليه إلى الحاكم ولم يكن له بينة على اقراره فطلب يمينه أنه ما أقر له أن عليه كذا وكذا هل يلزمه له؟ فقال أبو الله _رحمه الله_ ليس عليه أن يحلف ما أقر له ولكن يحلف ما عليه له كذا وكذا.
ومن غيره: عن أبي علي الحسن بن أحمد وقد قيل أنه يحلف ما أقر له بكذا وكذا اقرار هو ثابت عليه إلى هذه الساعة أو يرد اليه اليمين فيحلف لقد أقر له بكذا وكذا وما يعلم أنه له بباطل له. /123/ (4/112)
صفحة 1607
ومن غيره: وإن أنكر المدعي أنه لم يستحلف خصمه كان على الحالف البينة بما يدعي من اليمين وإن لم تكن بينة وطلب يمينه حلف الخصم بالله أنه ما حلف على هذا الحق الذي يطلبه اليه على هذا الوجه الذي وصفه فاذا حلف فان الحاكم يحلف له خصمه من بعد على ما ادعى وإن رد اليمين على الخصم حلف لقد حلفه على هذا الحق وحلف له أنه ما هو له عليه ثم برئ من اليمين. /124/ (4/113)
صفحة 1608
رجع: قال أبو الحواري: عن نبهان بهذا القول أنه يحلف له ما حلفه عليه ثم يحلف المدعي عليه بالحق. وقال أبو المؤثر: اذا ادعى أنه قد استحلفه وحلف له دعي على ذلك بالبينة فان أحضرها برئ من اليمين وإن أعجز البينة استحلف على نفس الدعوى ولا أرى بينهما على الاستحلاف أيمانًا.
ومن غيره قال أبو الحواري: قال محمد بن المسبح: أن ما عليه أن يحضر بينة أنه قد استحلفه له حاكم وليس على المدعي يمين أنه ما استحلفه على هذا الحق.
وقد سألت نحند بن المسبح أيضا عن هذه المسألة وتبينته عنها. /125/ (4/114)
صفحة 1609
رجع: لا يزيد الحاكم في اليمين غير ما يدعيه المدعي من الحق اذا ادعى مائة درهم حلف ما عليه له مائة درهم ولا يقول ولا أقل ولا أكثر إلا أن يدعي ذلك المدعي وببينة فيحلف له ما عليه ولا يقول أيضا ولا له عليه حق بوجه من الوجوه لأن هذا ما لا يعرف.
ومن غيره: وقد يجوز أن يكون له حق في غير هذا يقر له به أو يرد اليه فيه اليمين أو يكون شيء قد غاب عنه علمه فإنما يستحلفه على ما يدعي.
وقال محمد بن المسبح: إذا رفع رجل على رجل أن له عليه عشرة دراهم فيسأله الوالي ألك عليه أكثر من عشرة دراهم أو أقل فان قال: حلفه ما عليه له عشرة دراهم ولا أقل ولا أكثر لأنه اذا كان له عليه عشرة دراهم ونصف احتاج إلى يمين أخرى، يحلفه على نصف درهم وإن كان عليه تسعة دراهم كان قد حلفه ولا أقل ولا أكثر فقد جمع له مطلبه في يمين واحدة. وقد قيل أن بعض المسلمين كان اذا حلف رجلا لرجل حلفه ما عليك لفلان هذا كذا وكذا ولا شيء منه.
ومن غيره: قال أبو سعيد: وقد قيل يحلفه على ما ادعى حتى يطلب ذلك المدعي أن يحلفه ولا أقل ولا أكثر ولا شيء منه.
قال أبو الحواري: قال نبهان بن عثمان: واا قال الطالب حلفه ما عليه اي عشرة دراهم ولا أقل ولا أكثر فان أبا المطلوب إليه أن يحلف ولا أقل ولا أكثر حلفه ما عليه له عشرة دراهم فان عاد الطالب وادعى أقل أو أكثر حلفه له بجميع ما يدعي ما دام يدعي عليه قليلا أو كثيرا حتى يحلف المطلوب إليه ولا أقل ولا أكثر ثم انصرف عنه اليمين.
/126/ (4/115)
صفحة 1610
رجع: ومن الأيمان ما يلزم المدعي اليه ولا يلزم المدعي مثل الوصي لليتيم والوكيل للغائب والرجل الذي يقدم من بلاد وله مال عند وكيل أو عامل فتنهمهم (؟؟؟) فيحلف ما عليه ولا عنده ولا تلف شيئا يعلم له فيه حقا. وكذلك الشريك الذي يكون في يده مال لشريكه ثم يتهمه. والأمين إذا ادعى أن الأمانة تلفت من يده حلف لقد ضاعت من يده وما خان فيها.
وعن أبي سعيد قال: يحلف أنه ما سترها ولا خانها ولا أتلفها متعمدا لذلك ولا هي عليه.
ومن غيره: وكذلك الرجل يموت وتبقى زوجته فيطلب الورثة يمينها أو تموت المرأة ومالها في يد زوجها فإنه يستحلف ما عنده ولا ستر ولا أتلف شيئا يعلم فيه لهذا حقا من قبل ميراثه.
ومن غيره: قال أبو سعيد _رحمه الله_ معي: أنه قد قيل في الأمين إذا ادعى أن أمانته تلفت أن بعضا يرى عليه اليمين. وبعض يقول أن القول قوله ولا يمين عليه. /127/ (4/116)
صفحة 1611
رجع: وقال من قال: إذا ادعى المطلوب اليه أن الشاهد خصمه أو لولده أو عبده شركاء _ ويوجد في نسخة أن للشاهد حصة أو لولده أو عبده شريكا_ فيمن شهد به عليه دعاه الحاكم على ذلك بالبينة فان صح ذلك بطلت شهادته. وان طلب المشهود عليه يمين المشهود له ما للشاهد ولا لولده حصة في الذي شهد له فله عليه اليمين بذلك.
وقال أبو المؤثر: لا أرى على الخصم في هذا يمينا لأن الشاهد لم يشهد بشيء يجر فيه الى نفسه ولا إلى ولده ولا إلى عبده شيئا وإنما يشهد لرجل على رجل بحق فليس على المدعي يمين للشاهد ولا لعبده ولا لإبنه في تلك الدعوى حق وإن كانت الحصة للشاهد في مال بينه وبين شركاء ثم شهد على أحد شركائه بما يزيل حصته الى غيره فشهادته جائزة وقد بينت القول في ذلك وليس للمدين لليمين في هاهنا موضع. ومن ادعى إلى خصمه حصة في مال بيده من ميراث أو غيره واحتج أنه لا يعرف كم تلك الحصة ولا بحدها. فقال من قال: إن اليمين هاهنا على المدعي اليه أن يحلف ويبرئ أو يقر بما أراد.
وقال من قال أيضا: بل اليمين على المدعي اذا ردت اليه اليمين إن يحلف أن له حقا في هذا الذي يجده ثم إن على المطلوب أن يجبره الى شيء من ذلك.
وقال أبو المؤثر: القول الأول أحب الي وبه أخذ.
((فصل المنازعات عند اختلاف المتبايعين)) وبلغنا عن أبي عبد الله _ رحمه الله_ أن الأيمان بين تنازع في شيء من الربا في السلف أو ما لأجل من نحو ذلك إنما اليمين على ما يصف المطلوب من الصفة وكذلك الطالب ولا يحلف أحدهما على القطع في هذا.
قال غيره: الذي معنا أنه أراد. وكذلك المضاربة لأنه كذلك معناه ما كان في التداعي في الأمانات والودائع والمضاربة والربا أو السلف والمشاركات فإن اليمين فيه على التداعي قول أبي سعيد فيما أحسب. /128/ (4/117)
صفحة 1612
رجع: وكذلك بلغنا عن أبي علي _ رحمه الله_ أنه تنازع اليه رجل وامرأته في طلاق ووصف الرجل كيف كان. قال: فأمر الحاكم أن يحلف على ما وصف من القول فلا بأس لذلك ثم ينظر الحاكم بعد اليمين في تلك الصفة. وفي نسخة فلا بأس أن ينظر الحاكم بعد اليمين في تلك الصفة التي حلف عليها ويحكم بما يراه.
ومن غيره: ومن كتاب آخر: ورجل سرق شاة لرجل ثم سرق المسروق له شاة للذي سرقه. يريد بذلك مكافأة له بشاته، فطلب يمينه فيحتج عليه فيقول له قد أخذت لك شاة بدل شاتي فإن شئت فرد علي وأرد عليك فان كره وامتنع حلف ما قبلي له حق من قبل هذه الشاة التي يدعيها الي. /129/ (4/118)
صفحة 1613
رجع: ومن ذلك أن يدعي الطالب أن خصمه أخذ شيئا من أرضه أو حبه أو متاعه إلا أنه لا يعرف قدر ما أخذ ولا كيله، ولا عدده، ولا وزنه فاليمين على المطلوب فإن كره أن يحلف ورد اليمين على الطالب فمن أهل الرأي من لم ير أن يحلف الطالب إلا على حق معروف أو شيء محدود إذا حلف عليه حكم له به وكان عنده فصل الخطاب ومنقطع الحكم. ومن لم ير اليمين على الطالب على الطالب فلعله إنما ير اليمين على المطلوب اليه. ومنهم من رأى أن يحلفه على علمه أن له على هذا الرجل أو عنده دراهم أو حبا أو تمرا وما ادعا عليه من العروض أو حصته في مال فاذا حلف هذا عليه. فإذا أجبر_ وفي نسخة جبر خصمه أن يحضر ما شاء من ذلك النوع الذي حلف عليه فإذا أحضره ذلك_ وقال أنه هو الحق الذي حلف هذا عليه فاذا حلف سأل الحاكم الخصم فان قال هو الذي أحضره هو حقه انقطع الأمر على ذلك، وإن قال الذي له أكثر مما أحضره وطلب يمين خصمه كان له على الخصم يمين بالله ما عنده ولا عليه له غير ذلك الحق الذي قد أحضره، فان حلف برئ وإن كره أن يحلف ورد اليمين إلى المدعي فان عليه أن يحلف على الفضل الذي يدعيه وعلى هذا أن يزيده ومن أجل هذا كره أصحاب الرأي الأول أن تكون الأيمان إلا على شيء محدود ينقطع عنده الحكم لأن هذه أيمان لا منقطع لها.
وقال أبو المؤثر: اذا لم يعرف المدعي دعواه كم هو استحلف المطلوب اليه ولا أرى على الطالب يمينا. وأما اذا ادعى أنه خانه في شيء من ماله للذي في يده أو سرق له شيئا ولم يره حيث أخذه ولا عرف له قدر ما أخذ فان اليمين في هذا_ وفي نسخة في ذلك_ على المدعي اليه إن كره أن يحلف بالله ما عنده، ولا قبله ولا عليه لهذا حق من قبل هذه الدعوى التي ادعاها اليه.
ووجه آخر: أنه اذا ادعى أنه أخذ له شيئا من الطعام أو الدواب أو غير ذلك من الأمتعة والعروض وقد غاب ذلك فلا يعرف قدره ولا قيمته. ... /130/ (4/119)
صفحة 1614
فمنهم من رأى أن اليمين على المدعي اليه لأن الطالب يدعي ما لا يعرف قدره ومنهم من قال اذا قال الطالب أن هذا أخذ لي عبدا أو جملا أو طعاما يسوي ألف درهم وهو العدل من ثمنه. فمنهم من لم ير أن يحكمه في ذلك ولا يحلفه على القيمة ويكون الوجه في هذه المسألة كمثل الوجه في المسألة الأولى.
ومنهم من رأى اذا رد الخصم اليه اليمين أن يحلفه أن عليه أو عنده له كذا وكذا والعدل من ثمنه كذا وكذا ثم يأخذ له الخصم بما حلف عليه من القيمة وهذا الرأي أحب الينا وبه نأخذ.
قال أبو المؤثر: هذا قد حد شيئا والأيمان بينهما على ما ذكر في القول الآخر وينبغي للحاكم أن يثبت عند الأيمان وأن اليمين عندها قطع الحكم. وإذا حلف فقد لزمه أن ينفذ ما حلف عليه. وان طلب الخصم أن يحلف له خصمه على دور أو أرض أو نخل وقف عليها الحاكم أو رسوله ومعه العدول فان كانت في بلد آخر، كتب الى والي ذلك البلد، أن يقف عليها بالعدول ثم يحد الخصم الذي يطلب ويحيط به ويخطه خطا ثم يحلف خصمه أو يرد اليه اليمين فيحلف أن ذلك له لأن الحاكم يحتاج من بعد اليمين أن يحكم له بما عليه وإن كان متاعا أو دوابا أو عبيدا أوقف بين يدي الحاكم عند اليمين ثم جرت الأيمان عليه. وقد ينبغي أن يشهد الحاكم عليه ويكتبه عنده مخافة أن يرجع الخصم ببعث خصمه أو ينكر بعض ذلك فتكون الصحة مع الحاكم.
ووجه آخر: أن تكون امرأة في الخدر أو مريض أو رجلان يتنازعان في مال في بلد آخر ويطلب الخصم اليمين على المال الغايب فان الحاكم يأمر الطالب أن يجد المال الذي يطلبه في بلده وموضعه وجميع ما يحيط به حدوده.، فاذا حده سأل الخصم عن ذلك المال فإن أقر بمعرفته وأنه لخصمه حكم عليه باقراره وإن قال إن ذلك المال بحدوده هذه هو له حلف على ذلك بحدوده المحدودة أنه له ما يعلم لخصمه فيه حقا وان رد اليمين الى خصمه حلف الخصم على مثل ذلك فأيهما حلف حكم له الحاكم هذا المال المحدود على هذا الخصم وأشهد على ذلك شهودا عدولا. وانما يشهد الحاكم في مثل هذا أنه قد حكم لهذا على هذا بكذا وكذا وصرفه /131/ (4/120)
صفحة 1615
عنه ولا يحكم له بنفس ذلك المال الا بشاهدي عدل ومن الرأي عندنا أن يجمع الخصم مطالبه كلها التي يطلبها إلى خصمه إذا أراد أن يحلف عليها ثم يحلفه يمينا واحدة وليس له أن يحلف لكل شيء يمينا ويتأكد عليه الحاكم في ذلك حتى يجمع مطالبه ثم تكون اليمين عليها واحدة.
ومن غيره: قال أبو المؤثر: اذا لم يعرف المدعي دعواه كما هي استحلف المطلوب اليه ولا أرى على الطالب يمينا./132/ (4/121)
صفحة 1616
رجع: وربما احتال الخصم على خصمه إذا نازعه في مال فيشهد بذلك المال لصبي. بحق ويأخذه ولي الصبي، فاذا طلب الخصم بيمينه برئ من ذلك المال فان الحاكم يحلفه يمينا بالله ما أزال هذا المال إلى الحد الذي هو في يده ولا لمن أزاله الى هذا، وهو يعلم أن لهذا الخصم فيه حقا بوجه من الوجوه، فاذا حلف برئ ولم يصل الطالب الى المال من يد الصبي الا بشاهدي عدل وإن رد اليمين إلى المدعي والمال في يد الصبي وحلفه عليه أنه له، فعلى الطالب اليه أن يعطي الطالب الذي حلفه شروي ذلك المال، وان أزاله الى رجل أو امرأة فطلب الخصم يمين الذي المال في يده فالأيمان بينهما أن يحلف كل وحد منهما أنه له، فان حلف الذي في يده المال ورجع الطالب فطلب يمين ذي أزال المال فعليه اليمين ما أزال هذا المال الى الذي أزاله اليه وهو يعلم أن لهذا الخصم فيه حقا وإن رد اليمين في المال الى الطالب حلف أنه له ثم عليله له شرواه إلا ان يخلصه له ويسلمه اليه فليس عليه غيره، وإن باع رجل لرجل حبا أو زعفران أو نحو ذلك ثم ظهر به عيبا مما يرد به فأنكر الخصم أني لا أعرف هذا الزعفران والحب هو الذي بعته لهذا، فان هذا وكل شيء مثله مما يتشابه فانه يحلفه أنه ما يعلم أنه ما باعه حبا وبلا زعفران ويعلم أن فيه عيبا فكتمه اياه ولا يعلم أن هذا الحب هو الذي باعه له اذا طلب ذلك المشتري. وان باعه غلاما أو نخلة ثم ظهر فيه عيب مما يردان به أو نحو ذلك مما لا يشتبه بغيره فأنكر البايع أني لم أبع له هذا فان الحاكم يبدئ فينظر العيب هو ومن ينظر العيب، فان كان مما لا يرد به البيع فلا يمين ولا حجة للطالب في ذلك، وذلك إن كان قد اشتراه من سنة أو نحو ذلك وكان العيب مما يعلم أنه محدث في وقت قريب أقل من ذلك ولا يكون قبل البيع فلا يمين في ذلك.
ومن غيره قال: وقد قيل في ذلك اليمين والقول في ذلك قول البايع مع يمينه ما يعلم أنه باع له ذلك وهو يعلم أن فيه هذا العيب. /133/ (4/122)
صفحة 1617
رجع: وإن كان العيب مما يمكن أن يكون قبل البيع فأنكر البايع أنه لم يبعه له فإنا نرى عليه يمينا بالله ما باع له هذه النخلة ولا هذا الغلام من كذا وكذا من الثمن واستوفاه منه فاذا حلف أمر الخصم أن يأخذ الغلام ثم يصرف عنه الخصم وإن رد اليمين إلى الخصم حلف بالله لقد باع له هذا الغلام بكذا وكذا من الثمن واستوفاه منه فاذا حلف أمر الخصم أن يأخذ الغلام والنخلة وترد عليه الثمن الذي حلف عليه.
قال غيره: هذا اذا لم يكن العيب مما يكن أن يحدث من بعد البيع فان كان مما يمكن أن يحدث من بعد البيع ويمكن أن يكون قبل البيع والقول قول البايع مع يمينه على ما وصفنا في التي قبلها. ... /134/ (4/123)
صفحة 1618
رجع: وان احتج أنه أراه ذلك العيب عند البيع فعليه شاهدان والا فيمين الطالب أنه ما رأى ذلك العيب وأنه مذ رأه رده وكرهه ولم يستعمله وإن رد اليمين الى البايع حلف لقد أراه هذا العيب ونظره قبل البيع ثم يبرئ.
ووجه آخر: أن يخاصم خصما في مال أو دين قد ورثه أو أخذه له من يقوم بأمره فلا يعرف الذي له الا بمعرفة من يثق به من امرأة أو رجل وينكر ذلك الخصم فهذا لا نصب فيه وفيه الأيمان بينهما، وأما أن يحلف المدعي اليه أن ذلك الشيء له ما يعلم لهذا الخصم فيه حقا، واذا رد اليه الخصم اليمين وحلف على هذا أخذه، وسئل عن ذلك.
قال أبو المؤثر: لا أرى على هذا الذي أخبر يمينا ولكن يجبر المدعا اليه أن يحلف ما يعلم لهذا المدعي حقا في هذه الدعوى أو يقر بها أو يسلمها.
قال أبو الحواري: كذا قال نبهان. وليس مما يستحلف به الطلاق ولا الظهار ولا العتق.
قال أبو الحواري: حدثنا نبهان عن موسى بن علي رحمه الله انه حلف رجلا يقال له عفان بالحج والعتق على شفعة لوالديه وبهذا نأخذ.
((أيمان غير المسلمين)) وأيمان أهل الذمة كأيمان أهل الصلاة وليس بينهم وبين المسلمين نصب بالحج لأنهم هم لا يرون الحج.
ومن شاء استحلف اليهود بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصارى بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح والمجوس يستحلون ورب بيت النار وقال: هكذا قال ابن محبوب. /135/ (4/124)
صفحة 1619
رجع: وعن محمد بن روح _رحمه الله_ وعن أهل الذمة إذا أراد أحد أن يستحلفهم على حق له كيف اليمين الذي يحلفهم بها المسلمون؟ فالذي راؤه أن يحلف اليهود بالله الذي لا إله الا هو أنزل التوراة على موسى بن عمران صلوات الله عليه وأرسله الى بني اسرائيل رسولا، ويحلف النصارى بالله ولا يقال الذي لا إله الا الله هو لأن النصارى يقول مع الله إله غيره سبحانه وتعالى عما يشركون، ولكنه يحلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى بن مريم صلوات الله عليه.
ويحلف المجوسي بالله فاعل الخير ورب بيت النار التي يوقدونها لأن المجوس يقولون أن الله يفعل الخير وليس شيء من الشر من خلق الله.
رجع: وليس على المماليك إيمان ولا لهم إلا بإذن مواليهم. وقال من قال: إنما يحلف الذمي بالبراءة من دينه والرأي الأول عندنا أكثر.
ومن جواب أبي جعفر إلى أبي جابر: رجل أنكر خصمه حتى أحضر البينة ثم قال المطلوب: أنصب يمينا غليظا ولا أحتاج الى البينة فلو كان المطلوب طلب ذلك قبل أن يدعي خصمه بالبينة ويحضرها كان له ذلك. فأما على ما وصفت فلا إلا أن يشاء أن يحلفه بالله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. /136/ (4/125)
صفحة 1620
ومن غير الجامع: واعلم أن في حكم المسلمين ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه اذا احضر المدعي على ما يدعي ببينة فطلب من المدعي عليه إلى من يدعي بالنصب لم يكن ذلك عليه بعد البينة ولا يحلف إلا يمينا بالله يمين المسلمين ولا يزاد على ذلك شيئا. وقد روي عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: {لا أحكم بما يوحى وإنما أحكم بالأيمان والبينات، فمن حكمت له حكما هو كان في دعواه فإنما آخذ له جذوة من نار} وانما قالوا بالنصب فيما سمعنا. /137/ (4/126)
صفحة 1621
جاء من ناحية ازكي وأكثر القول لم يكونوا يقولوا بالنصب، وانما النصب للطالب ليس النصب للمطلوب اليه عن 13/ 70 وإن نصب المرأة اليمين بالحج كان لها وإنما النصب للمدعي ليس للمدعا اليه.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: من جواب أبي سعيد_ رحمه الله_ وقلت اذا نزل رجلان مع الحاكم اليمين هل للحلف أن يحضر بينته بعد أن حلفه وهدم كل بينة له أن يحكم الحاكم له بحقه. فقد قيل البينة الصادقة أولى من اليمين الكاذبة، وقيل اذا أهدر بينته فقد انقضى الحكم في ذلك باليمين في حكم الظاهر ولا يسمع له بينته فيه بعد اهدارها
قال غيره: وعرفنا أن له أن يأخذ حقه كيف ما قدر عليه ويعلمه بذلك فيما بينهما ولا يجرم عليه يمين الكاذب حقه والله أعلم.
ومن غيره: وقد قيل في يمين المتهم اختلاف، والذي معي أنه من حلف فإنما يحلف على العلم لا على القطع وإلا لم يحلف، وقلت إن رد اليمين إليه هل عليه يمين. فاذا كان انما هو متهم لهم فقد قيل لا يمين على المتهم.
ومن غيره: وقد قيل أن رد اليمين اليه حلف انه يتهمه ووصف الشيء الذي يتهمه به متصلا باليمين والله أعلم. وبالأول نأخذ. /138/ (4/127)
صفحة 1622
ومن غير الجامع: عن أبي الحواري: ومن أتهم بسرقة حلف يمينا بالله ما يعلم أن عليه حقا من قبل ما يدعي أنه سرق له دراهم ولا حقا من قبل هذه الدعوى التي يدعيها اليه ولا يمين لصاحب الدراهم لأنه لا يجوز له أن يحلف على الغيب والله أعلم.
فاذا طلب يمين المرأة ما سترت شيئا تحبس حتى تحلف ولا تزال في الحبس أبدا حتى تحلف أو تموت في الحبس، وكذلك الرجل. وفيمن أتهم إنسانا أنه سرق له شيئا هل يجوز له أن يحلف على التهمة إنما الأيمان في الدعاوي وقيل إنه يكون فيه اليمين على العلم على المتهم ولا يمين على المتهم ان رد اليه المتهم اليمين إلا أن يرضى بيمينه أنه اتهمه.
ومن جواب أبي محمد عبد الله بن كمحمد بن أبي المؤثر: وعن رجل جاء برجل إلى حاكم من الحكام فقال له: إني سرق لي مال وأتهم هذا الرجل وطلب يمينه وإن يحلفه له الحاكم فحكم عليه باليمين وقهره له حتى حلف فينبغي للحاكم أن لا يحلف هذا ولا يحبسه حتى يأتيه ببينة تشهد أنه سرق له شيء أو اثر من ثقب بيت، أو قطع ثوب أوذبح دابة أو بجذاذ نخلة أو نحو ذلك فاذا شهد معه بذلك واتهم رجلا وكان المتهم تهيما حبسه الحاكم على ما يرى من حبسه فإن طلب يمينه فقد أخبرني محمد بن خالد والذي عندي أنه يرفعه إلى أبي الحواري أن للحاكم أن يحلفه على هذه الصفة.
ومن غيره: قلت له فهل للحاكم أن يحبس في سجن لا طوي فيه ولا ماء. قال هكذا عندي إذا أمن عليهم الضرر في أنفسهم لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، قلت له: وما حد الحبس الذي يجوز أن يحبس فيه ويأمن فيه الضرر. قال معي: أنه ما يكنهم على الحر والبرد، وقلت له: أرأيت الرجل يتهم بالمرأة والمرأة تتهم بالرجل فيؤخذ بأيديهما إلى حبس المسلمين والأدب فيدعيان أنهما زوجان. قال معي: إنه لا يقبل ذلك منهما الا ببينة عادلة على ما يدعيان. قلت له فإن ادعيا ببينة قد ماتت أو غابت أو تزوج ولي المرأة قد ماتت هل يقبل ذلك منهما. قال معي: أنهى لا يقبل ذلك فهما في موضع التهمة ويؤدبان أن لا يرجعا إلى ما أنكر عليهما ونهيا عنه. وسألته عن رجل أحدث على رجل مجرى في مال له ومات صاحب المال فطلب ورثته الى المحدث أن يزيل حدثه عنهم فاحتج بموت الهالك أنه لم يغير /139/ (4/128)
صفحة 1623
عليه هل يكون كوت صاحب المال يثبت للمحدث حجة. قال: لا يبين لي ذلك وعليه أن يزيله وإنما يثبت الحدث اذا مات المحدث له حتى يصح باطله.
ومن غيره: قلت: فإن كان المزاريب لرجل البيت له فهدم البيت وأراد أن يجعل مجرى حائط البيت المهدوم من موضع المزاريب إلى الطريق هل له ذلك. قال معي إن ليس له ذلك. قلت له: وكذلك إن كان له مجرى على الطريق فأراد أن يقطعه ويجعل مكانه مزرابا هل له ذلك قال معي: أن ليس له ذلك.
ومن غيره: وعن رجل ورث مالا أو اشتراه فجاء يدعيه وينازعه فيه فخاف إن حلف له أنه اشترى أو لقد ورثه أن يكلف المدعي البينة. قلت: هل يجوز لهذا المشتري أو الوارث أن يحلف بالقطع. فعلى ما وصفت في هذا اليمين. قال من قال: يحلف بالقطع. وقال من قال: يحلف لقد اشترى هذا المال أو ورث هذا المال من فلان بن فلان ولم يعلم لهذا فيه حقا بوجه من الوجوه. وهذا الذي ذكرت أنه يخاف مع المدعي البينة وانما هاهنا اليمين لقد اشترى أو ورث من فلان كذا وكذا لعلها أرفق به من القطع وان حلف بالقطع جاز له ذلك.
ومن جواب أبي الحسن: في رجل رفع على رجل أو ادعى عليه أنه دخل منزله بغير إذنه وأنكر المدعي عليه، هل يحلف له، نعم قلت: كيف يحلف، قال: يحلف ما دخل منزله بغير إذن منه. فان لم يحلف عاقبه الإمام بما يراه من الحبس وسألته عن رجل قعش من أرضه حضارا لغيره، وكذلك اذا وجد صرمة مفسولة ففي أرضه فقعشها فأراد صاحب الصرمة والحضار يمينه. كيف يحلف اذا كان قد قعش الحضار والصرمة من أرضه. قال: يحلف يمينا بالله ما يعلم أن قبله له حقا مما يدعي عليه من قعش هذا الحضار أو الصرمة وإن حلف أنه ما قعش له حضارا من أرضه اذا حلف على ذلك كان عليه أن يحلف ويستثني في نفسه ما قعش له صرمة من أرضه أو يستثني ما قعش له صرمة ظلما له.
قلت: فهل يضمن الصرمة اذا قعشها من ماله. قال: نعم. وعليه أن يعلم صاحب الصرمة، فاذا أعلمه لم يضمن الصرمة إن لم تلفت. قلت: فان تلفت الصرمة وطلب صاحب الصرمة صرمته إلى الذي قعشها فطلب القاعش يمينه ما صارت إليه. هل له ذلك؟ قال: نعم. /140/ (4/129)
صفحة 1624
رجع باب في القضية والكفالة:
((معاملة الحاكم للخصوم في مجلسه)) وليسو الحاكم بين الخصماء في مجلسه وبصره وبكلامه وقيل لا يدخلن خصما دون خصمه وفي نسخة قبل خصمه_ ولا ينزلن عليه خصما ولا يلقن الخصم حجة ولا الشهود شيئا يتقون به.
ومن غيره: قال أبو سعيد: اختلف أهل العلم في الحاكم أيلقن الخصم حجته أم لا. فقال من قال: إن على الحاكم أن يقيم للخصم حجة يقوي بها على الدفع عن نفسه بالحق إذا أبان ذلك للحاكم حتى يقيم الخصم حجته، ويوجد هذا القول عن محمد بن محبوب_ رحمه الله.
وقال من قال: أن له ذلك وليس عليه. وقال ممن قال: لا يؤمر بذلك فان فعل لم يضيق عليه. وقال من قال: ليس له ذلك ولا عليه، وينهي عن ذلك ويكره له أن يفتح للخصوم الحجج وانما يحكم بما صح عنده من الدعاوي التي تجري بينهم. والله أعلم. /141/ (4/130)
صفحة 1625
رجع ((الفتح على المذعور)) قال أبو المؤثر: قال محمد بن محبوب_ رحمه الله _ له أن يفتح على الخصم اذا أبصر الحق وان لم يبصر الخصم حجة نفسه، وان كتب هو شهادة الشهود بيده فهو أفضل وان ولي ذلك الثقة الذي يبصر الشهادة ووجوه الأحكام ونظر ذلك هو من بعده وقرأ على الشهود شهادتهم فلا بأس. وللحاكم أن يستحفظ على كتاب أحكامه الثقة الواحد من أصحابه أو غيرهم ويأخذ بما في كتبه التي عنده أو عند الثقة الذي هو أمين له، ولو غاب عليه ما فيها. وكذلك اذا جاء الأمين بالكتاب فيه الشهادة أو الحكم فلم تحفظ الحاكم أنه حكم به ولا دفعة اليه فالله أعلم.
ومن غيره: قال اذا لم يعلم أنه دفعه اليه لم يقبل منه ذلك وان علم أنه دفعه اليه فلما جاء به اليه لم يعرف أنه هو قبل قوله في ذلك إن هذا كتاب حكمه الذي دفعه اليه.
قال محمد بن المسبح: وينبغي له أن يكون كتبه في شيء يكون عليه ختمه ولا يوصل اليه الا على ذلك الختم ولا يحله هو حتى ينظر اليه على حالته. ... /142/ (4/131)
صفحة 1626
رجع ولا يقبل ذلك حاكم آخر الا الحاكم الذي إئتمنه فان له أن يأخذ بكل ما في كتبه من الشهادات والاقرار والحكم وان لم يحفظ انه حكم بذلك ولا أنه سمع تلك الشهادات فكتبه فكان حفظه فقيل انما يقبل الحاكم كتاب الحكم من يد الثقة الذي يعرفه الحاكم الذي الكتاب اليه أو يصح عنده معرفته فان لم يعرفه الا بما يكون من معرفته في الكتاب الذي حمله فذلك ضعيف.
ومن غيره من كتاب الفضل: ولو كتب الباعث الكتاب وفي كتابه أن حامله عندي ثقة لم تقبل الا أن يحمله اليه ثقة عنده يعرفه أو يعرفه ثقة عدل يقبل تعديله.
ومن غيره: قال أبو المؤثر: وقد كنا نسمع أنه اذا كتب الحاكم أن حامل كتابي هذا اليك فلان بن فلان وهو ثقة. قيل انه تقبل عدالته وولايته في الكتاب اذا وصل به اذا صح أنه المنسوب. /144/ (4/132)
صفحة 1627
رجع ولا يقضين القاضي بشهادة استشهد بها من قبل أن يستقضي وليرفع شهادته الى الامام الذي فوقه وان شهد القاضي بعد أن عزله عن قضيته وفي نسخة عن قضية أني قد كنت قضيت بها لم تجز شهادته وحده الا أن يشهد معه شاهد آخر عدل فاذا شهد معه عدل على قضيته جازت قضيته ولا يقضين قاض على غائب وان قامت معه البينة وليس للحاكم ان ينتقض حكم حاكم قبله الا أن يرى جورا بينا. وقيل كل حاكم حكم حكما لم يكن لحاكم غيره ان ينقصه الا أن يجمع العلماء أنه خطأ ولا يجوز أن يحكم العبد ولا يكون حاكما ولا يحمل كتابا من حاكم الى حاكم يحكم فان لم يعرف حتى حكم حكما فقيل انه جائز الا أن يكون خطأ.
((كتاب القاضي للقاضي)) ويقبل الكتاب من الامام والقاضي بيد العدل الثقة الواحد في جميع الأحكام وينفذ ولا يقبل من يد العبد الثقة ولا بيد من له الحكم أو لولده_ وفي نسخة ولا لولده أو لعبده وان كان ثقة_ وقيل يقبل الحاكم كتاب الحكم بيد المرأة الثقة وانما سمعنا لذلك في رأي أحد العلماء وينظر فيه. قال أبو الحواري: لا يقبل من يد المرأة الواحدة ويجوز الشهادة على حكم الحاكم ولو لم يشهدوا_ وفي نسخة وان لم يشهدوا بذلك_ اذا شهد الشاهد أني حضرت فلانا الحاكم وحكم بكذا وكذا واذا صح حكمان في شيء واحد من والي أو قاضي أنفذ حكم القاضي وان صح في ذلك حكم القاضي وصح في ذلك حكم بخلافه من الامام أنفذه حكم الامام.
ومن غيره: واذا صح حكمان في شيء واحد من والي وقاض أنفذ حكم الوالي وبطل حكم القاضي لعله اذا أنفذ حكم القاضي وبطل حكم الوالي. ... /145/ (4/133)
صفحة 1628
رجع قال محمد بن المسبح: الا أن يكون يؤرخ أي حكم الخصمين قبل ولا يكون في حكم الأول خلاف كتاب الله ولا سنة رسول الله_ صلى الله عليه وسلم
ومن غيره: نعم هذا صحيح وكذلك إن صح حكم من القاضي وحكم بخلافه من الامام أنفذ حكم الامام وبطل حكم القاضي، حكم بذلك محمد بن محبوب_رحمه الله.
قال محمد بن المسبح: اذا كان حكم القاضي كان قبل حكم الامام أنفذ الامام القاضي. وكذلك أيهما كان قبل ما لم يخالف كتاب الله والسنة. /146/ (4/134)
صفحة 1629
رجع وكل حكم حكم به حاكم ممن يوليه الامام فحكمه جائز ما لم يخالف الحق.
قال غيره: نعم. قد قيل هذا وهو أكثر القول والمعمول به. /147/ (4/135)
صفحة 1630
رجع ((علم القاضي وأثره على الحكم)) ولا ينفذن قاضي عدل كتابا لقاضي جور حتى يعلم أهل الجور أن الجور لا يجوز عند أهل العدل. وان سافر القاضي أو مرض فليس له أن يستعمل قاضيا مكانه الا بإذن الذي استقضاه، ولا يقبل القاضي كتاب قاض في شيء من الحدود ولا الدماء ولا القصاص فان ذلك لا ينبغي أن يقبل ولا يجوز قضى القاضي في غير مضرة الذي استقى فيه وان كان القاضي في طريق مضرة فسمع رجلا يعتق عبده أو يطلق امرأته أو رآه قطع يد رجل أو قدم رجلا وكل شيء رآه القاضي وسمعه من حقوق الناس حيث يجوز قضاءه من طريق أو غيره بالذي علم وسمع من حقوق الناس. وقال أبو المؤثر: ((يقضي القاضي بما سمع من شهادة نفسه وهو في هذا شاهد الا ما يتنازع الناس فيه فليقر بعضهم لبعض فليحكم به بعلمه. قال أبو الحواري: قال نبهان مثل ذلك.
ومن غيره: ومن كتاب الشيخ أبي سعيد رحمه الله: اختلف في القاضي أيقضي بعلمه أم لا؟ فقال من قال: يقضي بعلمه في الأشياء كلها التي علمها إذا رفعت اليه كان علمه ذلك في وقت استقضائه أو قبل ذلك الا الحدود فانها لا تكون الا باقرار أو بينة. قال: ولا شيء أصح عند القاضي من علمه وقال من قال: لا يقضي يحكم بما علم في غير موضع استقضائه ومضرة ولكن ما علم في مضرة الذي هو قاض فيه، حيث كان في طريق وجميع مضره. وقال من قال: إنما يقضي بما علم في مجلس قضائه وقال من قال لا يحكم الحاكم الا باقرار من خصم لخصمه في موضع حكمه فيقر بما بعد دعواه عليه أو يقيم عليه بينة عدل. وقال من قال: ولو أقر الخصم ثم أنكر كان الحاكم شاهدا عليه عند غيره ولا يحكم عليه بذلك وأما الحدود فلا يجوز الا باقرار وبينة على حال. /148/ (4/136)
صفحة 1631
رجع وأما في حدود الله فأحب إلينا أن يكون معه شاهد آخر لأنه لو رأى رجلا يزني ومعه رجلان يقم عليه حد بثلاثة حتى يكونوا أربعة شهود وكذلك لو رأى رجلا سرق لم تقطع يده بشهادته وحده. وأما إن أقر رجل عند الحاكم بشيء من الحدود أو حق لأحد فليمضي عليه القضى لأن هذا اقرار والاقرار بمنزلة الشهود عليه ولينظر القاضي في صلح الخصمين فان كان الصلح بينهما على انكار من أحدهما لحل حراما أو حرمة حلال فلينظر القاضي هذا الصلح وان لم يكن كذلك فهو جائز.
وقال أبو المؤثر: إما على الانكار فالله أعلم. /149/ (4/137)
صفحة 1632
وعن عمر بن الخطاب_ رحمه الله_ قال: الصلح جائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. وبذلك نأخذ.
وذكر محمد بن سيرين: أن شريحا ارتفع اليه رجل استودع إمرأة مائة درهم وديعة حريق قرب منها فحولتها إلى بيت رجل فضاعت فسأل شريح الرجل عن المرأة هل تتهمها في شيء؟ قال: لا: فقال: ان شئت أرضيت منها بخمسين. فقال ابن سيرين: فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم.
((نقض حكم القاضي)) قال أبو الحواري: وضعتها حيث وضعت متاعها لم يكن عليها ضمان هكذا حفظت عن نبهان وأبي المؤثر.
رجع وقيل أن عمر بن الخطاب_ رحمه الله_ استعمل رجلا في القضاء فاختصم اليه رجلان في دينار فأطلق من كم قميصه دينارا فدفعه إليهما فبلغ ذلك عمر فكتب اليه أن أعتزل قضائنا، وهذا ما يقوي القضاة على إنفاذ الحق بين الناس. ... /150/ (4/138)
صفحة 1633
وان قضى قاض بقضاء وأمضاه ثم رأى بعد ذلك غير رأيه الأول، ورأى أنه أعدل وأقرب إلى الحق فليقض بما رأى إن حفظ أثر هو أعدل من الحكم الذي كان حكم به فله أن يرجع عن حكمه ويرد الخصم في الخصومة وقد فعل عمر بن الخطاب_ رحمه الله_ في عدة المرأة فحكم في الأول بحكم ثم رأى بعد ذلك الرأي فحكم في غير هذه المرأة بخلاف ما حكم به أولا وأمضى الحكم الأول.
قال أبو المؤثر: لا أعرف هذا الذي ذكر عن عمر ولا ما يزيد به.
ومن غيره: قال الذي يوجد في الخبر عن عمر بن الخطاب _رحمه الله_ في المرأة التي تزوجت في عدتها فقضى فيها بقضيتين. أما القضية الأولى فانه جلدها، وجعل الصداق في بيت المال. وأما القضية الآخرة:
فان ابن عثمان بن عامر تزوج طلحة بنت عبد الله في عدتها ففرق بينهما عمر ولم يجلدهما وجعل لها صداق بما أستحل من فرجها فقضي بهذا الحكم الآخر وأمضى الأول.
ومن غيره: وان رضي رجلان خصمان برجل يحكم بينهما بعدل فليمضه القاضي ولا يرده.
ومن غيره: وكذلك لو تحاكما الى ضرير البصر وفيه رأى آخر ومن سمعت بينته في بلده سمعت بينة خصمه حيث سمعت بينته في بلده سمعت بينة خصمه حيث سمعت بينته ومن كان لا يقدر على حمل البينة الى الحاكم وهي في بلد غير بلده أجبر الخصم ان شاء أن يخرج يسمع بينته في موضعها خرج فسمعها فان كره كتب الحاكم الى الوالي أن يسمع البينة ويسأل عن تعديلهم ويكتب بما صح من كل ذلك مع ثقة. وقال أبو المؤثر: اذ نزل الخصم الى ان يحمل بينة خصمه ويقوم بمؤنتها حتى تكون شهادتهم مع الحاكم فله ذلك. وقيل ليس يكلف الناس حمل البينة الى الحاكم اذا كان في غير بلادهم في الدين ولا في النسب ولا في الوكالات، وقيل تقبل البينة بالوكالة والنسب بلا أن يحضر الخصم قال أبو المؤثر: أما الوكالة فنعم.
وأما النسب فان كانت المنازعة بين اثنين في مياريث لم تسمع البينة أحدهما على ... /151/ (4/139)
صفحة 1634
ذلك الا يحضر خصمه أو وكيله وللحاكم اذا كان موت الميت قريبا نحو سنة أو أقل وطلب أحد من ورثته قسم ماله أن يكتب للولي أن يقسم ماله على ورثته على عدل كتاب الله اذا صح ماله وورثته عنده بشاهدي عدل. فان اختلفوا رفع الوالي بينهم الحكم الى الحاكم.
وكل من أراد أن يوكل وكيلا ينازع عنه فذلك له. ومن كل عبدا فلا يجوز الا باذن سيده ولا يجوز اقرار الوكلاء على من وكلهم وأن يحلف الوكيل على الموافاة أو يتبرأ من وكالته أو ينقض وكالة الذي وكله فلم يواف لأجله سمع الحاكم البينة على الموكل. وكذلك إن سمع الوكيل البينة وقد كان الموكل نزع وكالته ولم يعلم فقد جاز سماع البينة على الموكل وإن ذهب عقل الوكيل أو عقل الموكل بعد أن وكل بطل تلك الوكالة.
وقال أبو المؤثر: أما إذا ضاع عقل الوكيل فنعم تبطل وكالته وان ضاع عقل الموكل فالوكالة جائزة.
واذا نازع الصبي فحكم له فذلك جائز وان حكم عليه لم يجز عليه وله الحجة اذا بلغ واذا ادعا خصم الى خصمه مالا في يده من أصلا أو عروض وأقام عليه شاهدي عدل أنه له احتج الحاكم على الذي هو في يده فان لم يكن له فيه حجة حكم به لصاحب البينة، فان احتج أن معه بينة يهدم بينة الطالب فهذا هو مكان الوقف ويوقف ذلك المال في يد ثقة ويؤجل الذي كان في يده المال في احضار بينته على ما احتج به ولا يكون الوقف قبل هذا لأن الوقف أول الحكم الا أنه اذا كان شيء مما يفوت أو يغيب معرفته فاذا أحضر المدعي البينة فلا أرى بأسا أن يتقدم الحاكم الى الذي ذلك في يده أن لا يزيله وان كان بمعرفة من عدلين في يده من هو في يده الا أن يسأل هو عن عدالة الشهود وقد كان الحكام عندنا يفعلون ذلك.
ومن غيره: قال أبو الحواري في جوابه وقد سأل عن توقيف المال. وكيف يوقف؟ فقد قال من قال: إذا شهد به شاهد واحد للطالب على مال في يد غيره وطلب الطالب أن يوقف المال وأن معه شاهدا آخر ضرب الحاكم له أجلا في ذلك ووقف المال. وقال من قال: لا يكون الوقف لا بشاهدي عدل فيحتج المطلوب اليه الذي شهدت عليه البينة بزوال هذه الشهادة وتحقيق هذا المال. فقد قيل أن هذا ... /152/ (4/140)
صفحة 1635
المال يوقف على هذا. وكذلك اذا وقعت المنازعة في شيء من المال مثل الحيوان فقد قيل يجعل في يد ثقة أو يسلم الى أحد الطالبين بضمان أن حتى ينفذ فيه رأي الحاكم. وكذلك الأصول أيضا إذا شهدت البينة ثم كان الحاكم في النظر في إنفاذ الحكم وقف المال حتى ينفذ فيه الحكم برأي المسلمين.
ومن غيره: قال من قال: انه إذا شهد شاهدان وكان الحاكم في السؤال عن الشاهدين وقف المال على هذا الى أن يسأل الحاكم عن عدالة الشاهدين.
وقال أبو الحواري في جوابه: إن توقيف المال حكم من الحاكم فاذا أراد الحاكم توقيف المال ولو لم يطلب ذلك أحد الخصمين لأن ذلك من الحكم الحكم الذي يلزم الحاكم النظر فيه. /153/ (4/141)
صفحة 1636
رجع وقيل في إنسان أقر لآخر بنخلة أو غيرها من الأشجار وزعم أنها وقيعة أنها للذي أقر له بها وأصلها الا أن يكون مع الذي أقربها وادعى أنها وقيعة، بينة أنها وقيعة والا فلها أصلها ولا يمنع ما أخذت أغصان الشجرة في الأرض التي هي فيها المسقط ثمرتها. وأما اذا باع له نخلة ولم يبعها بأرضها فله أرضها أيضا. وإذا ادعى الطالب ببينة أجله الحاكم في ذلك ما يؤجل لأنه هو الطالب لما في يد خصمه الا أن يكون أجل مما يضر بالخصم لحال ما يؤمر به من إحضار ما يطلب اليه فلا يكون الأجل الا بما يراه الحاكم عدل. وكذلك إن كان شيء مما يقدم عليه أن لا يغيبه ويؤخذ بفيئه فيكون الأجل بقدر ما يرى الحاكم وما لم يكن فيه شيء من هذا فله ما تأجل ويكتب أجله في بينة ويأمر خصمه أن يوافيه الى ذلك الأجل ويكتب ذلك الحاكم فاذا وافا بينته سمع الحاكم البينة بمحضر الخصم أو وكيله بعد أن تصح وكالته وان لم يواف الأجل سمع الحاكم البينة بمحضر الخصم أو وكيله بعد أن تصح وكالته وان لم يواف الأجل سمع الحاكم البينة وأثبت شهادتهم واحتج على الخصم وان صح عذره بمرض أو مصيبة موت فيمن يلزمه أمره أو عذر يعرفه الحاكم غير ذلك أمر صاحب البينة بردها حتى يسمعها الحاكم يحضر من خصمه أو وكيله فان يصح له عذر جاز عليه سماع البينة فاذا صحت عدالتهم احتج عليه فان كان عنده ما يزيل به ما قد صح والا أنفذ عليه الحاكم بينة من مكة الى وقت مجيء الحاج وعليه أن يعلم الحاكم بشاهديه وفي نسخة بشهوده.
ومن غيره: قال: وان لم يسم بينة لم يؤجل في ذلك./154/ (4/142)
صفحة 1637
رجع وان ادعى شهادة من لا تجوز شهادته لم يؤجل في ذلك. وذلك مثل صبي قد راهق الحلم فليس يؤجل حتى يبلغ وان تولى عن الحاكم لما بلغ الأجل أنفذ عليه الحكم وان طرحت بينته واحتج ببينة أخرى أجله أيضا واحتج عليه أن يحضر جميع بينته عند القضاء أجله. وقيل أكثر ما يؤجل ثلاثة آجال. ويحتج عليه الحاكم في الثالث أني لا أجلله أكثر من هذا ثم تقطع حجته وينفذ ما صح معه.
ومن جواب أبي عبد الله_ رحمه الله: قال: ما دام يجيء ببينة ويطرح ويطلب الأجل يؤجل وإما إذا لم يحضر بينته وعند انقضاء أجله فانما يؤجل ثلاثة آجال فان لم يحضر بينته أنفذ الحكم وينبغي للحاكم أن يكتب في كل ما قطع من أمور الناس في الأحكام بينهم كتابا ويشهد على ذلك عدولا. وان وصف الصفة على وجهها كيف فعل ذلك أتم وأصلح وأجلا للعمى. وان كتب أني فرضت لفلان اليتيم في ماله كذا وكذا أو على ورثته ان لم يكن له مال أو لفلانة على زوجها أو صحت معي هذه الأرض أو البداية لفلان بن فلان وحكمت له بها على فلان بن فلان فذلك جائز. وليس ينبغي لمن يأتي من بعده من الحكام أن يتوهموا على الحاكم العدل لأنه قد اجتهد ويستنصح لنفسه وان كتب الكاتب في كتابه كيف طلب الطالب اليه وكيف صح الأمر عنده بالبينة العادلة وكيف قطع حجة الخصم وحكم للمحكوم له فهذا أحب الينا، والذي ينبغي للحكام ان يشهدوا والعدول على أحكامهم التي حكموا بها للناس في الفرائض والايمان والأموال ونحو هذا في أيام جواز ذلك لهم ويؤخذ بذلك بعد زوالهم وكان أبو مروان وان قبل ارتفاعه من صحار يكتب للناس ما ورد عليه من أمورهم ويشهد على ذلك.
ومن غيره: قال: نعم وإنما يؤخذ هذا بذالك إذا صح هذا مع الحاكم الذي يلي ذلك، ومما كان يشهد به أحكاما لم تتم فيشهد بذلك لأهله على قدر ما ورد عليه ومما يفعله الحكام أيضا إذا أنفذ من عند الحاكم حكم الى بعض القرى كتب نظير ما يكتب به كتاب عنده لأن في ذلك الاستحاطة اذا احتاج من بعد أن يعرف كيف صح ذلك عنده وكيف أمر فيه وحده ثابتا عنده على وجهه. /155/ (4/143)
صفحة 1638
((الادعاء على الميت)) وإن ادعى رجل أرضا في يد رجل وأقام شاهدي عدل أن هذه الأرض كانت لفلان الميت وأنه باعها بألف درهم وأستوفى منه الثمن وكان أحد الشاهدين هو ابن الميت البائع فيقول: وان كان الميت ترك مالا لم تجز شهادة ابنه هذه وان لم يترك مالا جازت شهادة ابنه هذه وحكم بالمال للذي اشتراه وذلك لأنه اذا ورث من أبيه مالا فانه يدفع عن نفسه أن يرجع عليه المشتري فيما ورث من أبيه بالثمن الذي أخذ به الأرض اذا لم يصل اليها وان لم يكن ورث من أبيه شيئا جازت شهادته لأن المشتري لا يرجع عليه بشيء.
ورجل ادعى عند الحاكم أنه استودع رجلا الف درهم فانكر المستودع انه ليس معه له شيء فاقام عليه شاهدي عدل أنه استودعه الف درهم فلما حكم بها عليه الحاكم جاء بشاهدي عدل أن اللصوص لقوه وسرقوا هذه الدراهم الذي كان استودعها، فنقول: إن على الحاكم أن يسأل الشاهدين فإن شهد أنها سرقت من قبل الوقت الذي أنكرها فيه مع الحاكم فقد بريء ولم يكن معه له شيء كما قال. وان كان في تاريخها أنها سرقت من قبل الوقت الذي أنكرها فيه فهو له ضامن لأنه كان لها غاصبا حتى سرقت_ وفي نسخة حين سرقت_3_ ... /156/ (4/144)
صفحة 1639
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب_ رحمهما الله_ أنه ليس سواء من ادعى أن له حقا على رجل غائب من عمان كمن ادعى حقا على رجل ميت ووارثه من عمان فاذا أحضر المدعى شاهدي عدل أن له حقا على فلان الميت كذا وكذا من الحق ولا يعلمان له وارثا بعمان وله ورثة في غير عمان فان الحاكم يحكم له ويوصله الى حقه من مال الميت اذا حلف على حقه وان أقام البينة أن له حقا على رجل غائب في بلاد كذا وكذا فلا يحكم له حتى يحتج على الذي عليه الحق اذا كان حيث تناله الحجة وكذلك ان أقام شاهدي عدل أن له حقا على رجل خارج من عمان ولا يعلمان في أي بلاد هو فان الحاكم يقيم له وكيلا يقوم بحجته ويسمع عليه البينة ثم يحكم عليه بالحق ويوصل الطالب الى ما يصح له من الحق من ماله والغائب اذا صح انه تولى عن المسلمين وعن الحاكم ولو كان بعمان فانه يثبت عليه البينة ويباع من ماله بالنداء ويقضي الدين الذي تولى عنه بعد أن يحلف عليه صاحبه وأما من كان خلف البحر ولم يتولى فحتى يحتج عليه ان عرف موضعه وتناله الحجة ويحتج عليه بشاهدي عدل، واذا لم يعرف أين موضعه وصح أنه خرج من عمان فيباع من ماله بالنداء إذا صح الحق عليه وطلب ذلك أهل الحقوق وحلفوا على حقوقهم ويستثنى للغائب حجته.
وقال أبو عبد الله_رحمه الله_ يتولى عن المسلمين لا يباع من ماله الا بحق من كان رفع عليه بحقه وتولى عنه فمن أثبت عليه بعد ذلك حقا لم يبع ماله الا بعد الحجة عليه. ... /157/ (4/145)
صفحة 1640
((حكم من أفلس)) قال أبو الحواري: اذا كان بموضع تناله الحجة وإلا بيع من ماله في حق من أصبح عليه حقا واستثنى له حجته وان كان ماله ليس فيه وفاء للدين الذي صح عليه لمن تولى عنه_ وفي نسخة ثم تولى عنه_ وللدين الذي صح من بعد فيقوم المال قيمه عدل وتنظر الحقوق فيأخذ الذي تولى عنه بقدر حقه ويوقف للذين أثبتوا حقوقهم بقدر الذي لهم من ماله حتى يحضر المتولى ويحتج عليه الا أن يصح أنه قد خرج من مصر عمان أو يعرف مكانه أو حيث لا تناله الحجة فان أصحاب الحقوق يثبتون حقوقهم مع الحاكم ويحلفونهم عليها ثم يقضي كل واحد منهم ما صح له مما يصح ومن مال ذلك الغائب.
وقال أبو المؤثر: اذا تولى المدعي عليه من المسلمين وكان توليه بحق رجل ثم ادعى عليه قوم آخرون حقوقا واصحوها عليه ولم يكن في مال وفاء لحقوقهم جميعا وكان الذي تولى بحقه يتعرف ماله فهو عندي أولى بماله فيوفيه الحاكم حقه ويكون دين أولئك على صاحبهم فان عرف موضعه وكان حيث يمكن الحجة عليه من المسلمين فانه لا يعجل في بيع ماله حتى يحتج عليه المسلمون في موضعه كما أمكن لهم بكتاب اليه مع ثقة أو رسول ثقة يحتج لهم عليه برأي الحاكم.
قال أبو عبد الله: ويقوم الرجل الذي أمره المسلمون مقام شاهدين اذا كان ثقة وكذلك كل من حكم بماله لديانة يتحاصصونه بحقوقهم فان كان في الحقوق حق أُجل من صداق أو غيره فانه ينظر ما يقع لذلك الحق الآجل بحصته من ذلك المال فيكون موقوفا الى محل أجل ذلك الحق وتكون علة ذلك الموقوف لصاحب المال حتى يحل الحق أو يكون بين الديان الذين حقهم عاجل ان لم يكن لهم وفاء فيما صار اليهم. /158/ (4/146)
صفحة 1641
قال أبو المؤثر: يكون لفلان بين الديان أصحاب العاجل والآجل بالحصص ويحبس لأصحاب الأجل حصصهم اذا لم يكن في المال وفاء. ومما يجوز للحاكم انفاذ الحكم فيه بلا حضرة من المحكوم عليه الذي صح عليه حق لآخر مع حاكم ويأمره بالدفع اليه ويخرج على ذلك ويتولى فان الحاكم يبيع من ماله بقدر ذلك الحق ويوصل صاحب الحق حقه. وان حبسه بدين صح عليه فهرب من الحبس باع الحاكم أيضا من ماله وقضى عنه ذلك الحق وكذلك ان أجله أجلا بحق قد يثبت عليه وصح فتوى عن الحاكم باع من ماله وأعطى الحق الذي ثبت عليه كان الحق لزوجته من صداق أو فريضة أو غير زوجته، وكذلك في جميع ما يلزمه من الحقوق وان أمره أن يوافي خصمه فلم يواف لغير عذر يصح له سمع الحاكم عليه البينة فان تولى أنفذ الحكم عليه.
وإن وكل وكيلا وغاب فكره وكيله أن ينازع سمع الحاكم عليه البينة وأنفذ عليه الحكم وأشباه هذا واذا شهد شاهدا عدل عن مريض أنه أشهدهما فان للحاكم أن يسألهما كان صحيح العقل أم لا؟ فان شهدا أنه صحيح العقل فذلك الثابت وان قالا كان مريضا أو شديدا أو لا نعلم أن في عقله نقصا وفي نسخة ولا نعلم في عقله نقصانا_ وكانا يعرفان من قبل بصحة العقل فذلك جائز أيضا. ومن صح عليه حق_ نسخة دين _ لآخر وله مال فلم يعط الذي صح عليه وطلب حبسه فللحاكم أن يحبسه حتى يؤدي ما صح عليه وان عرض له من ماله فكره صاحب الحق أن يتعرض فللحاكم أن يؤجله بقدر ما يرى من مقدرته وكثرة دينه وإن لم يصح له مال وكان مُعدما فرض عليه الحاكم فريضة في كسبه لجميع ديانة.
ومن غيره: وقيل ليس في القرض أجل ولا عرض إلا أن يشاء صاحب القرض وأما في بيع الأصول ففيه الأجل والعروض. وقال: ليس في بيع الأصل أجل الا أن يكون الى أجل وكذلك ليس فيه عروض الا أن يشأ رب المال. /159/ (4/147)
صفحة 1642
رجع وكذلك في جميع جواب محمد بن محبوب_ رحمه الله_ الا يبدي مثل هذا بالحبس حتى يسأل عنه من يثق به من أهل المعرفة به. وقال من قال: يحبس حتى يصح إعدامه. وقال من قال: عليه يمين ما عنده ما يؤدي الحق الذي صح عليه. وقال من قال: ليس عليه في هذا يمين وفي نسخة أخرى وإذا صح اعدامه وفلس وفرض فريضة لغرمائه فلا حبس عليه_ فان كان لولده دين لم يدخل ولده في الفريضة مع الأجنبيين حتى يستوفوا حقوقهم قبل ذلك. وإن كان له عبيد بينه وبينهم رضاع ما لا يحل لهم وطئهم لم يجبر علي بيعهم وليبيعهم الحاكم.
قال أبو المؤثر: اذا لم يكن له مال غيرهم أجبر_ وفي نسخة جبر على بيعهم في دينه وإن قعد الذي له المال في الحبس. فقد قيل أن الحاكم يحبسه حتى يبيع ماله ويعطي لما صح عليه.
وقال من قال: إذا تماجن في السجن باع الحاكم ماله واعطى الحقوق التي صحت عليه. وقال من قال يحجز عليه في ماله بقدر ما يصح عليه من الحق.
وقال أبو المؤثر: يحجر عليه بقدر ما يصح عله.
ومن غيره: وأظنه عن أبي علي موسى بن علي _ رحمه الله_ أنه يحبس حتى يؤدي فاذا لم يبق له من المال الا بقدر الدين باع الامام والحاكم في قضى الدين. ... /160/ (4/148)
صفحة 1643
رجع ومن نسخة أخرى قول سليمان بن عثمان _رحمه الله_ وروى هذا القول: الوضاح بن عقبة عن أبي عثمان أنه يحبس شهرا فان باع والا باع الحاكم.
وقال من قال: ثلاثة أشهر، وقال من قال: شهر والقول الأول: أحب الى، فان صحت الحقوق مع الحاكم فله أن يحجر على صاحب المال ماله الا يزيله حتى يؤدي الحقوق التي صحت عليه.
وقال من قال: يحجر عليه من ماله بقدر ما صح عليه من الحق.
وقال أبو المؤثر: يحجر عليه بقدر ما صح عليه. وقال من قال: في الكفيل اذا كفل بنفسه فليس عليه الا أن يحضر نفس صاحبه الا أن يشترط عليه انك تقبل بالحق الذي عليه.
وقال من قال: اذا كفل بنفسه ثم لم يأتي بنفسه فعليه الحق.
وقال أبو المؤثر: اذا كفل نفسه أن يوافي به لأجل معلوم فلم يواف به لذلك لأجل لزمه الحق فان أحضره بعد ذلك لم يبرء من الحق وللطالب أن يأخذ أيهما شاء بحق. واذا قال: قد كفلت عليه بالحق ولم يقل لحق ولا بنفسه فعليه الحق ان غاب أو أفلس، واذا كفل بالنفس فليس عليه الا نفسه ولو أفلس.
وقال من قال: اذا كفل بنفسه الى الأجل فان لم يحضره فالحق عليه فاذا حل الأجل ولم يحضره إياه عند الحاكم فقد صار الحق على الكفيل فان أراد صاحب الحق أن يأخذه ولا ينتفع باحضاره من بعد.
وقال من قال: اذا أحضره إياه ولو من بعد الأجل فقد أحضره ولا يؤخذ بالحق وهو رأي من قدر الله من رأي فقهاء أهل أزكي. وان مات المكفول عليه أو صح أنه قد خرج من عمان فقد بريء منه أيضا الكفيل.
قال أبو المؤثر: نعم إذا صح موته أو غيبته قبل محل الأجل. وفي نسخة أخرى قال: وهذا معنى إذا كفل بنفسه فان أفلس فليس عليه الا إحضار نفسه وان مات /161/ (4/149)
صفحة 1644
أو غاب من عمان فليس عليه شيء لأنه لا قدرة له في إحضار نفسه.
((مدى الكفالة في الدماء)) ولا كفالة في وقود ولا قصاص الا من كفل بانسان فقد لزمه ذلك وانما يلزمه ما وجب في الارش.
ومن قال لانسان عامل: فلان أو داينه فانه وفي فداينه فاذا هو مفلس أو تعلق به وهو يريد أن يغيب فقال له: دعه وأنا أقضيك حقك فتركه فذهب ثم احتج إني لم أكن أعرف الحق وانما توهمته يسيرا فان ذلك لا يقبل منه ويلزمه الحق الذي يصح عليه.
قال أبو المؤثر: لا أرى أن يلزمه من الحق الا ما عرف. وكذلك كل من أوقع انسانا في شيء وقال: فالزمك منه فهو على فهو عليه اذا فعل ولو لم يعرفه لأنه أوقفه.
قال أبو المؤثر: لا يلزمه الا ما عرف.
((مسألة ففي المفلس)) وقال أبو عبد الله_رحمه الله_ إنا نأخذ بقول من قال في الذي عليه دين وله مال فلم يبعه ولم يدفع الى صاحب الدين حقه أنه يحبس حتى بيع هو ماله ويقضي عن نفسه ويحجر عليه ماله. واذا كان لرجل على رجل دين فأحال به على رجل فأفلس الذي أحيل عليه فله أن يرجع على الذي كان عليه أصل حقه ولو كان الذي له الحق هو الطالب الى الذي عليه الحق أن يحيله بحقه هذا عليه إلا أن يكون أصل مبايعته على أنه يحيله بحقه هذا على هذا الرجل فانه ليس له أن يرجع على الآخر، فاذا لم يكن كذلك فله أن يرجع على الذي عليه أصل الحق.
وكذلك اذا مات ولا مال له ولم يكن مفلسا فانه يرجع بحقه على صاحبه الأول.
ومن غيره: قال الحوالة غير الضمان لأن الحوالة يحتال الحق كله على المحتال فلا يرجع على الغريم الأول الا أن يفلس أو يموت ولا وفاء له فانه يرجع بحقه الى الأول الا أن يكون ابراه والمحتال حي غير مفلس فلا يرجع على الأول بشيء والضمان لصاحب المال الخيار وان شاء أخذ الأول ان شاء أخذ الآخر بحقه. ... /162/ (4/150)
صفحة 1645
رجع وان كان الطالب ابرء المطلوب وقبل الذي قبل له بحقه فلا رجعة له على الأول.
ومن غيره: ((مسألة في الحوالة)) نعم. الا أن يكون ابرأه والمستحال مفلس والمفلس يترك له من منزله بقدر ما يكفيه لسكنه في الحر والبرد ولا يباع ذلك.
ومن غيره: قلت: فانه يجد ما أوسع منه ببعض ثمنه. قال: لا يباع في الذي عليه الدين وليس له مال غير منزلة. /163/ (4/151)
صفحة 1646
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: ق ((مسألة في زواج المزني به)) ال (؟؟؟) أبو معاوية فيما رفع علي بن أبي طالب أن رجلا ملك امرأة ثم زنا قبل أن يدخل بها فقضى فيها علي بأربع قضيات: أولها: أنه فرق بينهما وأقام عليه الحد حد الزاني ثم فرق بينهما ثم قال الرجل ردوا علي مالي. فقال علي: ردوا عليه ماله. فكره الرجل أن يأخذ متاعا.
فقال علي: ليس لك الا ذلك لأنك أذنت لهم بذلك. والوجه عندنا أن عليا إنما قضى بنصف الصداق ثم أمره أن لا يتزوج الا محدودة مثله وعن الحاكم اذا بعث الى أحد رسولا ثقة أو غير ثقة ليوافي خصمه فلم يواف في الوقت الذي أرسله اليه الحاكم ووافا بعد ذلك فسأله الحاكم. فقال: انه كان مشغولا في الوقت الذي كان أرسل اليه. قلت هل للحاكم حبسه أم يكون أنه كان مشغولا عذرا ولا حبس عليه فأما الثقة فاذا جعله الحاكم لذلك فأحب أن يكون حجة وأما غير الثقة فلا أعلم مقام تقوم به حجة. وأما شغله ذلك فان كان مما له العذر منه قبل ذلك منه ولا أحب أن يعجل عليه بالعقوبة ما اعتذر حتى لا يكون له عذر ويعجبني ان كان ذلك الشغل مما يخاف فوته من أمر دينه أو دنياه ويكون عليه فيه الضرر بما يسعه الاشغال فيه وتركه يضره فأحب أن يكون له في ذلك العذر وقلت إن حبسه الحاكم هل يكون منه ذلك جورا. فالله أعلم بذلك ولا أدري على ما حبسه وان لم يكن له ذلك في الاجماع وهو حقيق بالجور، وقلت وكذلك اصابة رسول القاضي أو شاريه في ضيعة أو متجر عند غيره في ضيعة هل للشاري أو لرسوله أن يأخذه ويعطله من ضيعته ويذهب به الى موافاة خصمه فقد مصى القول عندي في ذلك ولا أحب أن يعطل مما يلزمه من ذلك ويمدد لأن ذلك واجب عليه القيام به وتركه يزيل أجرته فذلك عندي مضرة ولا ضرر ولا ضرار عندي في الإسلام. /165/ (4/152)
صفحة 1647
ومن غيره: وسألت أبا سعيد رحمه الله_ عن رجل ادعى على رجل أنه ضربه وفيه الأثر وادعى أن مولى العبد أمره بذلك هل يحبس المولى بالتهمة إذا لحقته. قال هكذا عندي.
قلت: لم ذلك وهو غير فاعل. قال: لأنه يضمن ذلك إن لو صح عليه ذلك. قلت: فلو أمر صبيا فضرب آخر وادعى عليه ذلك هل يكون مثل العبد. قال: هكذا عندي. قلت له فلو أمر بالغا صحيحا فضرب رجلا هل يضمن. قال: اذا كان ذلك مطاعا ضمن. قلت: إن لم يصح ذلك عليه، هل يحبس بالتهمة اذا كان ذلك ضمن. قلت: إن لم يصح ذلك عليه هل يحبس بالتهمة إذا كان مطاعا وادعا أمره في ذلك. قال: هكذا عندي قلت له: فان ادعى أمره في ذلك هل يحبس بالتهمة على قول من يلزمه الضمان فيخرج عندي في ذلك وعلى قول من لا يلزمه الضمان لا حبس عليه والله أعلم بالعدل في هذا وغيره.
قال محمد بن خال: سمعنا أن من قبل على رجل بحق والرجل هو مقر بالحق غير أنه لم يسم كم هو ولا ما هو الا قوله كل شيء كان عليه فهو علي ثم ذهب الرجل فانما على الكفيل أن يحضره نفسه فان أحضره نفسه فلا شيء عليه وان لم يحضر نفسه لزمه ما صح على الآخر الا أن يكون حقا معروفا مسمى فهو على الكفيل مأخوذ به. وان قيل على رجل غير مقر لم يلزمه الكفالة. /166/ (4/153)
صفحة 1648
((جواب من أبي الحواري)) جواب من أبي الحواري _ رحمه الله_ وعن رجل كان يطلبه رجل بحق فجاء رجل آخر فكفل على المطلوب بغير رأيه هل يثبت الحق لصاحب الحق على الذي كفل بغير رأي صاحب الحق. فعلى ما وصفت فان كان المطلوب في الحبس أو صح عليه الحق بين يدي الحاكم فكفل عليه هذا الكفيل وبكفالته أخرجه غريمه من الحبس أو تركه من بعد ان صح عليه الحق مع الحاكم برأي الكفيل فالذي له الحق الخيار ان شاء إتبع الكفيل وان شاء اتبع الذي عليه الحق وقد ثبت الحق على الكفيل رجع أو لم يرجع وإذا أراد الكفيل الحق الى صاحبه كان المطلوب بالخيار ان شاء أدا الى الكفيل ما أدا عنه وان شاء لم يعطه شيئا اذا كفل بغير رأيه اذا أدا الى الكفيل ما أدا عنه، وان كان كفل من غير ضغطه من سلطان ولا حبس ثم رجع عن كفالته كان له ذلك الا أن يموت المطلوب أو تموت بينة الطالب لم يكن للكفيل رجعة كفل عليه برأيه أو بغير رأيه.
ومن غيره: قال: وقد قيل ان كانت الكفالة عن ميت فله الرجعة ما كان في المال وفاء وصار صاحب الحق الى حقه. وان لم يكن في المال وفاء أو عدم ذلك صاحب الحق بشيء يبطل به حقه لم يكن له رجعة.
وعن رجل في يده دابة إدعاها اليه رجل فأقر الذي في يده الدابة للآخر بالنصف أو أقل أو أكثر وادعاها الآخر كلها. قال: ان كان الذي في يده الدابة عنده ببينة أن له نصفها والا فالآخر أولى بها وعليه يمين ما يعلم له فيها حقا بوجه من الوجوه. /167/ (4/154)
صفحة 1649
ومن غيره: وقال آخرون: ليس عليه الا ما أقر به وهو أكثر القول والمعمول به وبه يأخذ أبو المؤثر. والله أعلم.
قلت: فالرجل يكون له على رجل دين من ثمن متاع فيكفل به حالا ثم ان صاحب الحق آخر الذي عليه الأصل بالمال، قال: يكون تأخيرا عن الكفيل وان آخر الكفيل وأخذ الذي عليه الأصل بالمال حالا. وقال ذلك أبو محمد كذلك قلت. فان أفلس الكفيل يرجع بحقه على صاحبه الأول. قال: نعم الا أن يكون أصل مبايعتهما على أن يكفل له بحقه ذلك الكفيل.
وسألت أبا محمد الفضل بن الحواري: عن رجل ادعى على رجل أن له عليه أربعمائة درهم فقال رجل من الناس: خذ مني مائتي درهم، ووخر عليه مائتي درهم الى سنة ففعل بلا محضر من المطلوب اليه وعلم منه فوزن مائتي درهم ثم رجع الطالب يطلب مائتي الدرهم التي أخرها: قال: ليس له ذلك فان رجع يطلبها الى المطلوب الأول ونقص ما كان بينة وبين الدافع مائتي الدرهم اليه، لم يكن له ذلك.
وكذلك للدافع أن يرجع عليه بما دفع اليه. فان قال المطلوب أنا ليس علي له شيء ولم تكن مع الطالب بينة تشهد له عليه. فأراد الدافع المائتي الدرهم أن يرجع عليه فيها فان له ذلك. قلت: فان قال الطالب للدافع أنت قررت أنك تعلم أن لي عليه أربعمائة درهم وقد دفعت الى من قبله مائتي درهم برأيك فقال الدافع: نعم. انما أنا شاهد لك عليه وإنما دفعت أنا برأي ولم يصح لك عليه فان أردت أن أشهد لك عليه فعلت ورد علي ما أعطيتك عنه. قال: فعليه أن يرد عليه ما دفع إليه عن المطلوب. والله أعلم. /168/ (4/155)
صفحة 1650
((مسألة في الكفالة)) وفي رجل كفل عنه رجل بأمره لرجل بمال فقال المكفول له للكفيل قد برئت الي لعله أراد اليك من هذا المال. قال: هذا قبض ويرجع الكفيل الى المكفول عليه بالمال. وان قال: قد أبرأتك من هذا المال فهو بري ولا يرجع على المكفول عنه بشيء. وفي رجل لزم رجلا ادعى عليه مائة دينار أو يلزمه ولم يدع عليه مائة دينار. فقال له رجل: دعه وأنا كفيل بنفسه الى غد فان لم أوفك به غدا فعلى مائة دينار فرضي بذلك فلم يوافه به بعد الغد. قال يلزم الكفيل مائة الدينار اذا صحب بالبينة على المكفول عليه واذا أقر بها قبل الكفالة وأما إذا أقر بها بعد الكفالة فلا يلزم الكفيل اقراره وعن الرهن والكفيل هل يجوز في الخراج. قال: الخراج لا يجوز فكيف يجوز فيه رهن أو كفيل. قلت: فهل يجوز في الصدقة قال: نعم.
وعن رجل ضمن لرجل بحق على رجل ثم مات الضامن أو مات المضمون عنه والضامن جميعا فطلب الذي له الحق الى ورثة الضامن أو مات المضمون عنه والضامن جميعا فطلب الذي له الحق الى ورثة الضامن بالحق سهل له على الورثة ذلك. فعلى ما وصفت فقد أثبت بعض الفقهاء أن له ذلك على ورثة الضامن. ويلحق ورثة الضامن المضمون عنه وسألته عن رجل ادعى على رجل أن له عليه مائة دينار مثاقيل فقال له المدعي عليه: علي له مائة دينار عدنيه أو ادعى عليه مائة درهم. فقال له: علي له مائة درهم مزيقة (؟؟؟) أو قال: مائة دينار بهرجة فان كان كلامه هذا أو إقراره متصلا فالقول قوله وان كان قطع بسكوت بين قوله مائة دينار أو مائة درهم ثم قال: عدنيه أو بهرجة أو مزيقة لم يقبل قوله وعليه نقد البلدة. وعن رجل يدعي على رجل حقا هل يسعك أن تفتح لأحدهما حجة على الآخر إذا سألك عن ذلك أو لم يسألك. فعلى ما وصفت فأما الحاكم فقد قالوا: لا يجوز له ذلك وأما غير الحاكم فيجوز له اذا كان في غير موضع الحكم وذلك كله بالحق اذا كان يرى هذا عاميا في حجته ويخاف أن يلزمه ما ليس عليه ويؤخذ منه ما هو له. /169/ (4/156)
صفحة 1651
((مسألة في الصلح)) مسألة في الصلح ومن غيره: ومما وجدت في الآثار عن أصحابنا رحمهم الله ويقال انما يمضي الصلح بين الناس فيما يختلف فيه من الأمر أو أمر ملتبس لا يعرف وجهة، وسألته عن رجل اصطلح هو وخصمه على شيء مما يطالبه اليه ولم يقر بما يطلب اليه. قال: لا يجوز الصلح على إنكار من المطلوب اليه بعد الاقرار بما يطلب اليه ومعرفة الطالب بما يطلب فاذا اصطلح من بعد معرفته والاقرار له جاز الصلح ولم يكن له رجعة فيما صالح على هذه الصفة وكذلك ان صالح وهو جاهل بما صالح كان منتقضا. /170/ (4/157)
صفحة 1652
الباب التاسع
في مؤنة المرأة على زوجها
رجع الى كتاب أبي جابر: وإذا طلبت المرأة الى زوجها نفقتها فإن عليه أن يحضرها نفقتها لكل شهر فان ضاق فلكل أسبوع فإن لم يمكنه إلا في كل يوم أعطاها في كل يوم مؤنتها. وقد قال من قال: شبعها من الخبز والتمر. وان كانت رغيبة فعليه أن يشبعها فإن اختلفوا ولم يتفقوا في النفقة فالذي مضى عليه الحكام عندنا ما يفرضون لها النفقة المعروفة عندهم لكل يوم ربع الصاع حبا ومنا من تمر والأدم في كل شهر والدهن على ما يرى الحاكم، وقد فرضوا لكل جمعية كياس دهن. وقال من قال: لا أدم لها وأن طلبت أن يأتيها بطعام معمول للغداء والعشاء فذلك لها وعليه أن يحضرها الماء وما يكون فيه الماء وما تشرب به. وكذلك الماء لطعامها وشرابها وغسلها وغسل ثيابها. وإن كانت ممن يخدم فعليه أن يحضرها خادمة أنثى اذا كانت ممن يخدم أو أبوابها.
وقال من قال: أو نسائها وعليه نفقة الخادم.
وقال أبو المؤثر: انما عليه أن يخدمها إذا كانت ممن تخدم والا انظر في أبوها ولا نسائها فان أحضرها جميع ما تحتاج اليه فليس عليه خادم وإن أحضرها الخادم فان الخادم يقول في ذلك من أمر العجين والخبز وليس ذلك عليه بعد أن يحضرها الخادم وعليه أن يحضرها حصيرا تكون عليه أو ما يشبه ذلك. وإن قنعت إن تولى عمل طعامها فعليه احضار التنورة والحطب والإناء الذي يعجن فيه ويأكل وليس عليه أن تعمل له عملاً وليس لها أن تعمل هي أيضا لنفسها ولا لغيرها عملا من غزل ولا غيره إلا برأيه.
ومن غيره: وعليه لها من الكسوة أربعة أثواب لكل سنة إزار ودرع وخمار وجلباب. وقد قيل على الموسر أن يصبغ لها ثيابا بورس والمعسر بالعودة. وقال من قال: ليس عليه أن يصبغ لها ثيابا بها كان موسرا أو معسرا. /171/ (4/158)
صفحة 1653
قال غيره: ستة أبواب قميصان وجلبابان سداسيان وخمار وملحفة ثمانية وعليه خياطة القميصين الذين يعطيهما فما تخرق بعد ذلك من قبلها فعليها هي إصلاحه. وإن عناها هي سرق أو غرق أو حرق أو نحو هذا ذهب فيه ما أعطاها من الكسوة والنفقة فعليه أن يحضرها أيضا ما يلزمه لها وإن أتلفته هي لم يكن عليه لها كسوة ولا نفقة إلى الوقت الذي هو أعطاها.
ومن غيره: قلت: فإذا انخرقن قبل السنة فهل عليهم بدلهن قال: نعم. وترد عليه إخلاقهن وإن لم ينخرقن إلى أكثر من سنة فأحب أن يكسوها غيرهن ثيابا جديدة فإذا حالت السنة فطلبته أن يبدلهما بهن كسوة أخرى ردت عليه الكسوة الأولى فكساها غيرهن فإذا سرقت كسوتها أو نفقتها التي كساها وأنفق عليها فأما الكسوة إذا حكم عليه الحاكم بها فدفعت اليها ثم سرقت أو احترقت، فلا أرى عليه بدلها. وإن كان إنما كساها بغير حكم من حاكم فعليه بدلها.
ومن غيره: قال محمد بن المسبح لا ألزمه أن يكسوها ثانية إلا أن يكون لها مال فإن لم يكن لها مال وكان لها صداق فمن صداقها. وأما النفقة فأرى عليها.
قال الناسخ: لعله أراد عليه بدلها أيضا. إذا أنفق عليها من حكم حاكم. والله أعلم.
قال أبو على الحسن بن أحمد: إذا سلم اليها نفقتها لسنة ثم تلفت من غير أن تتلفها هي فعليه بدلها أنفق عليها بحكم أو بغير حكم والله أعلم. /173/ (4/159)
صفحة 1654
رجع ومن كتاب موسى بن علي رحمه الله: إلى بعض الولاة فيما أحسب في امرأة: أن سعيدة بنت محمد وصلت الي وقد كتبت لها كتابا في أمر الفريضة فان كان الكتاب قبلك فأنظر فيما فيه وإلا فإن فريضتها معنا من الكسوة درعان من كتان وجلبابان من كتان سداسيان وخمار من حرير أسود وملحفة لينة ثمانية وإزار. وأما النفقة فعشرة مكايل حبا ولابنيه خمسة عشر مكوكا حبا فان كانت هي وابنيها فمرة يأكل البر أبدا فله البر من التمر لها ثلاثون منا. فان احتاجا إلى أكثر من ذلك فلهما، ومن الدراهم لها في كل شهر ستة دراهم ولابنيها لكل واحد منهم ثلاثة دراهم.
قال أبو المؤثر: ليس لها عندي الا سبع مكايل ونصف، وثلاثون منا تمر في كل شهر ولها ما يكفيها من الأدم.
ومن مختصر الشيخ أبي الحسن_ رحمه الله_ في أدم المرأة: أن لكل شهر درهمين إلى ثلاثة دراهم لأدمها ودهنها على ما يرى الحاكم وفي وقت البر بر وفي وقت الذرة ذرة. /174/ (4/160)
صفحة 1655
رجع ((نفقة الزوجة)): ولخادمها سبع مكايل ونصف ذرة وثلاثون منا من تمر ودرهم فضة.
قال أبو المؤثر: إن للخادم من الأدم ما يكفيه كما بأدم مثله. وذكرت أنها في منزل خرب فأسكنها سكنا حسنا رافقا بها لا مضرة عليه فيه. وذكرت أنه لا يأتيها ولا يأوي إليها ولا يعاشرها فخذه بمعاشرتها وأمره بذلك، فان كره وكان يقول هي حقا فلترجع إلى منزلها أو بلادها وعليه نفقتها وذلك بعد أن يحتج عليه ثم يستبين لك هجره إياها. وذكرت أنه يمنعها الداخل عليها من الرحم أو السائل أو الطالب معروف أو جار فلا يمنع أولئك في الدخول عليها إلا من علمت أنه يفسد. وللخادم نفقته معها وفيما مضى وفيما يستأنف. ولا يمنع أيضا أن يدخل عليها أبنائها للصلة والعبادة والتعاهد وخدمها معها أيضا لا يمنعون عنها. وقال من قال: إذا جار الزوج بزوجته وجب صداقها الأجل. وقال من قال: حتى يتزوج عليها أو يطلقها أو يموت هو عنها، ثم يستوجب أخذ الصداق الآجل وهو أكثر القول عندنا.
قال أبو المؤثر: بالقول الآخر نأخذ. وكل امرأة لم يكن لها مال فلها عندنا أن نأخذ من صداقها الآجل لما تحتج به عن نفسها حجة الفريضة التي عليها وتحج عن ابنها وتأخذ من أجلها._ نسخة لما يلزمها من نفقة والديها وأولادها الذين يلزمون نفقتهم_ وتأخذ أيضا ما تشتري به خادما لها أو خادما لوالدها. وقال من قال: وتأخذ ما تقضي به دينها.
ومن غيره: ليس تأخذ للدين.
قال أبو المؤثر: ليس لها أن تأخذ من صداقها الآجل شيئا من هذا وهو آجل حتى يتزوج عليها أو يطلقها أو يموت عنها أو تموت هي ثم حينئذ يحل كله ولا لها أن تأخذ لشيء من النوافل من حج أو غيره، وللمرأة أيضا أن تأخذ من صداقها الآجل صدقة الفطر عنها وعن عبيدها. /175/ (4/161)
صفحة 1656
قال أبو المؤثر: ليس لها ذلك وذا (؟؟؟) أيسرت فليس لها أن تأخذ من صداقها الآجل شيئا. وأي الزوجين والمتساكنين في موضع مات أحدهما فادعى الباقي منهما ما كان في الموضع الذي يسكنان فهو للحي الذي ادعاه ولو كان عبدا فالقول قوله إذا ادعاه فهو له مع يمينه. وإذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها وأخذه الحاكم به لها وإن لم تكن لها بينة ونزلت إلى يمينه فان حلف ما كان مسيئا إليها فقد برئ وإن نكل على اليمين أو رد اليمين إليها فحلفت أنه كان مسيئا إليها ثم أخذه لها بحقها.
وقال أبو عبد الله_ رحمه الله تعالى_ انما تدعى المرأة بالشاهدين على الإساءة إذا لم يكن الزوج أعرض عليها الإحسان والإنصاف بعد الإساءة فأما إذا أعرض عليها ذلك فذلك يهدم الإساءة.
ومن أعطى امرأته بصداقها نخلا أو حيوانا فأتت عليها جائحة ذهبت به ثم فارقها من قبل أن يحوز بها، فأما الحيوان فقيل عليها أن ترد عليه نصف ما دفعه إليها. وأما النخل والأرض فإنما عليها أن ترد نصف ما بقي في يدها من الأصل.
وقال أبو المؤثر: الأصل وغيره سواء ترد عليه النصف مما بقى ومما تلف وأما النخل فإنما عليها أن ترد نصف ما بقى في يدها قول أبي المؤثر أحسن أن يكون بعد هذه المسألة وإن دفع إليها جارية فولدت أولادا وتجرت (؟؟؟ بما دفع إليها حتى ربحت فيه الضعف ثم فارقها فعليها أن ترد نصف كلما صار عندها.
ومن غيره: قال من قال: إن تجرت (؟؟؟) بذلك ضعفه فعليها أن ترد الجميع. وقال من قال: إنما تدفع إليه نصف ما دفع إليها. ... /176/ (4/162)
صفحة 1657
رجع: وقال أبو عبد الله_ رحمه الله تعالى_ في رجل أخذه الحاكم بكسوة زوجته فكساها لسنة مستقبلة ثم فارقها أنه يرجع عليها الزوج من الكسوة بقدر ما بقى من السنة إن كانت الكسوة أسلمها دراهم أو كانت لم تلبسها فإنها تقوم قيمة ولها بقدر ما مضى إلى أن فارقها وعليها يمين ما لبستها. وإن كانت لبستها فللزوج بقية ما بقى من الثياب فان مات فلورثته وأما إن كان الزوج كساها من قبل نفسه بلا حكم لم يرجع عليها بقليل ولا بكثير.
ومن غيره: وقد قيل ما كساها بحكم حاكم أو غير حكم فهو له ويرد عليه والله أعلم. /177/ (4/163)
صفحة 1658
رجع: وعن هاشم بن غيلان _رحمه الله_ في الرجل يشتري الأمة ولها زوج فيذهب بها السيد إلى بلد آخر فتبلى كسوتها. قال: على الزوج الكسوة ولو ذهب السيد إلى البصرة ما كانت امرأته وذلك بعد أن يعرض عليه السيد الخلع فيأبى الزوج. وإن طلب الزوج الخلع فكره السيد لم يكن على الزوج كسوة إذا خرج بها السيد إلى بلده، وقال بعض الفقهاء إذا تزوج عبد أمة بإذن سيدهما _ وفي نسخة بأمر سيدها_ ثم باع سيد الأمة أمته في غير البلد فعليه أن يرد على الزوج ما كان معها له. قال أبو المؤثر: نعم يرد ما كان معها له من مال. وأما الصداق فلا يرده ولا يرد الكسوة.
ومن غيره: وعن أبي عبد الله قال: ليس على سيد الأمة إذا باعها في بلد آخر أن يرد على الزوج شيئا. وإن أراد هو أن يحلق زوجته فذلك إليه. فان بيع العبد فأخرج من المصر فإن شاء سيده طلق وإن شاء أحضرها مؤنتها انما (؟؟؟) يلزمه من ذلك. وإن كان عبد تزوج حرة بإذن مواليه كانت مؤنتها مؤنة الحرة وكسوتها ككسوتها. فإن أعطاها ذلك السيد وإلا كانت في رقبة العبد، وإن كان حر تزوج أمة فإن خلاها سيدها له الليل والنهار. فعلى زوجها مؤنتها وكسوتها وإن حبسها الليل والنهار فلا كسوة ولا نفقة على الزوج. وإن حبسها النهار وخلاها الليل، فعلى زوجها كسوتها ونفقتها بالليل. ونفقة الأمة من تمر وربع صاع حبا ولكل يوم ولكل شهر درهمان والكسوة على المولي ثوب وعلى الزوج ثلاثة أثواب، وليس له أن يحبسها عنه من العتمة إلى طلوع الفجر.
وعن أبي عبد الله ونفقة الأمة من وربع لكل شهر درهمان والكسوة على المولى ثوب وعلى الزوج ثلاثة أثواب. /178/ (4/164)
صفحة 1659
(رجع إلى الكتاب)
((أصناف من النساء ليس لهن صدقة)) وكسوة الأمة إن كانت من الزنج الذين لا يشترون قميص، وقال بعض: وجلباب. وإن كانت من الأماء (؟؟؟) من الهند والبيض _ وفي نسخة من الهند البيض_ الذين يكتسيون (؟؟؟) الثياب ويستترون فإزار وقميص ورداء على قدر سعته.
قال أبو المؤثر: كسوة الأماء (؟؟؟) كلهن سواء ليس إلا لها قميص وما يدفيها من البرد. ومن عجز من الأحرار عن نفقة زوجته وكسوتها أجبر حتى يطلقها. وإنما يلزمه ذلك إذا أجازها أو أجابته أن يجوز عليها فكره أو أجل في عاجلها من الصداق أجلا وانقضى الأجل. وإن حبست المرأة لسبب غير ذلك من حدث أحدثته. فقال من قال: لا نفقة عليه. وكذلك كل منع للجماع جاء منها أو من أحد فعله بها غيره فلا نفقة عليه. وإن خرجت بحجة الإسلام ولم يخرج معها هو فلا نفقة عليها ولا على زوج الصغيرة حتى تبلغ الجماع.
قال أبو المؤثر: لا نفقة للصغيرة حتى تبلغ فيكون حكمها كحكم غيرها من النساء إن رضيت به. وإن جامعها وهي صغيرة ثم نشزت عنه عزلت عنه وحكم لها عليه بالكسوة والنفقة حتى تبلغ فان رضيت به فلها صداقها وهي زوجته ولم يتبعها بشيء مما أنفق عليها وكساها وإن لم ترض به فرق بينهما وأخذت منه /179/ (4/165)
صفحة 1660
وكذلك الرتقاء والمطلقة التي تجب لها النفقة في مثل هذا كمثل الزوجة.
قال أبو المؤثر: أما الرتقاء فإذا أجلت في إصلاح نفسها فليس عليه نفقة في الأجل. وان رضي بها وعاشرها فعليه الكسوة والنفقة.
وأما المطلقة فلها النفقة ما دامت في العدة ولا كسوة لها ولا أدم.
وقيل إذا كانت للمجنون امرأة وليس له مال وطلبت إليه كسوتها ونفقتها فهذا يؤمر وليه أن يطلقها.
قال أبو المؤثر: لا يطلقها أحد وهي على حالها. قال أبو الحواري: إلا أن يكسوها وليه وينفق عليها من مال المجنون أو من ماله. وإن لم يكن للمجنون مال طلقها وليه إذا لم يكسوها وينفق عليها. وإن كان للمجنون مال وكان لها فيه كسوة ونفقة لم يطلقها وليه وأنفق عليها من مال المجنون وكسيت فإن أبى وليه من مال المجنون أو ماله فعل ذلك السلطان هكذا حفظنا. وقيل يطلق الحاكم زوجة المفقود إذا صح فقده واعتدت زوجته أربع سنين وإن كره وليه أن يطلقها طلقها القاضي. وإن طلق ولي المفقود فهو أولى بذلك من الحاكم. /180/ (4/166)
صفحة 1661
وإذا تزوج عبد حرة بإذن سيده ثم هرب العبد فقيل إنه يلزم السيد كسوتها ونفقتها فإن طلقها سيده لها صداقها فإن كان صداقها أكثر من قيمة رقبة العبد لم تلزم السيد فوق ذلك إلا أن يكون السيد حد لعبده حدا يتزوج عليه فلا يلزمه إلا ذلك الحد زاد فوق رقبته أو نقص عنها وإنما يلزمه إذا باعه أو أبق. وأما إذا مات فلا يلزمه شيء.
قال أبو الحواري: إذا مات العبد وقد حد له السيد حدا في الصداق فما زاد على رقبة عبده فهو على السيد هكذا حفظنا. والمملوك إذا لم يكن له ثوب يستره فعلى الحاكم أن يأخذ مولاه أن يكسوه ولو لم يطلب العبد.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد_ رحمه الله_ وقد قيل أنه ليس على الحاكم أن يأخذه بذلك حتى يطلب ذلك. وللحاكم أن يحول بين الوالد وبن مال ولده أن يبيعه فإن باعه جاز بيعه وإن كان ثمنه معه وقف في نفقة إبنه إذا كان مع أمه وهي مطلقة وذلك إذا لم يكن ثقة وإن كان الوالد ثقة وقف في يده وأمر أن يجري منه على ولده نفقته. وإن ماتت الأم جعل مال الولد في يد والده كان ثقة أو غير ثقة. وقال أبو المؤثر: لا يمنع الوالد من مال ولده كان في حجره أو حجر والدته ولا يحال بينه وبين بيعه ولا ينتزع منه ثمنه ولا يوقف عليه. وعلى الوالد كسوة ولده ونفقته إذا نفذ مال الولد. وإذا باع الوالد شيئا من مال ولده وللوالد مال حكم للوالد على والده شروى ما باع. وأما ما باع من مال ولده فالبيع تام.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: قال أبو سعيد _رحمه الله_: في المرأة إذا أعدمت الحكم في فرض الربابة على ولدها وفي يدها له مال أنه يجوز لها أن تأخذ من ماله بقصد الفريضة على سبيل الإنتصار عند عدم الحكم ولا يجوز لها أن تنتصر لغيرها أن لو كان في يدها مال لم ينتصر لغيرها إذا كانت له والدة غريبة وله في يدها مال وليس انتصارها لغيرها مثل انتصارها لنفسها.
/181/ (4/167)
صفحة 1662
ومن غيره: وأرسل الغطريف بدراهم ليصالح امرأته منه ويبرئه من بقية ما عليه من مهرها ويطلقها وقد كان أساء إليها وحبس ما عنده عنها وتزوج عليها.
وقال أبو الشعثاء: في المرأة التي يكون زوجها غائبا فيدان وتنفق على نفسها فتطلب بذلك. قال: لها أن تأخذ بذلك
ومن غيره: قال بلغنا أن هند ابنة الوليد بن عقبة بن أبي معيط وصلت إلى رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ شاكية من زوجها فأمرها رسول الله _صلى الله عليه وسلم _أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أولادها. وهذه أيضا حجة لمن قال: أن للإنسان أن يأخذ من مال من ظلمه من غير جنس ما أخذ منه والله أعلم.
وعرفت أن المرأة إذا غاب زوجها ثم مات وهي تستنفق من ماله ثم صح عندها أنها استنفقت من ماله بعد موته، وبعد زوال نفقتها عنه إنها تكون ضامنة.
وأما في الطلاق فلا ضمان عليها لأنه كان عليه أن يعلمها بذلك فيما قيل.
وأما الميت فقد انقطعت حجته كتب المعني وينظر في ذلك.
وسألته عن المرأة إذا غزلت مع زوجها في منزله لمن يكون غزلها في الحكم لها أو له؟ قال: إذا غزلت على أنه لها فهو لها وإن غزلت على أنه له فهو له. والله أعلم.
قال أبو بكر أحمد بن عمر بن المفضلي _ حفظه الله _ وجدت أنها إذا لم يكن لها بينة أنه لأحدهما كان للزوج والله أعلم. /182/ (4/168)
صفحة 1663
رجع: وفي المرأة لها ولد من رجل وكان قد تزوجها ثم طلقها وإن هذا الرجل لم يعط هذه المرأة ربابة ولدها مما كان قد خلا لها من الشهور. قلت: هل يؤخذ بما كان قد خلا من الشهور؟ فعلى ما وصفت: فليس لها عليه إلا حين تطلب وما كان في الشهور ولم يطلب إلى مطلقها شيئا فلا يؤخذ لها بما مضى ويؤخذ بما يستقبل إذا طلبت ذلك. وكذلك تقول في المطلقة لا يكون لها إلا ما يستقبل إذا طلبت وما كان قد تقدم من الأيام والشهور فلا يحكم عليه لها نفقة ما مضى.
((نفقة الحامل)) وأما الحوامل فلهن النفقة لما خلا ولما يستقبل
قال غيره: إذا طلبته في العدة وأما إذا لم تطلب المرأة نفقة في العدة ولو طلبت من بعد فلا شيء لها كانت حاملا أو غير حامل وإنما يؤخذ لها إذا طلبت في العدة.
ومن غيره: وعن المطلقة تدعي أن في بطنها حملا وينكر الزوج ذلك. سألت إذا استبان الحمل أيكون لها النفقة من يوم طلقها أم من يوم استبان الحمل فأنا نرى لها النفقة من يوم طلقها.
ومن غيره: قال فيما قول آخر عندنا: أنه مذ يوم استبان الحمل. وقول ثالث: من يوم أن طلبت. وسئل مسلم عن الرجل يطلق امرأته وليس معه سعة أينفق عليها؟ قال: لا. وقال: أيما رجل طلق امرأته وهو فقير لا يقدر على شيء فلا نفقة لها عليه، وان استغنى بعد ذلك فإنه لا يغرم لها نفقتها في عسره.
ومما سئل عنه عزان بن الصقر _ رحمه الله_ وما تقول في المطلقة إذا ادعت أنها حامل هل يكون القول قولها وتكون لها النفقة؟ قال: ينظرن النساء إليها فإن قلن إنها حامل فلها النفقة وإن لم تعلن أنها حامل فلا نفقة لها. قلت: فإن جاءت بولد فقالت إني كنت حاملا وقد ولدت وقد طلبت النفقة فلم أعط فأعطوني نفقتي من طلقني. قال: عليه أن يعطيها نفقتها منذ طلقها وادعت أنها حامل. قلت فما تقول إن اشتبه على النساء فلم يقلن حامل ولا غير حامل وطلبت هي النفقة، وقالت إنها حامل هل تعطى نفقتها؟ قال: نعم. قلت: إلى متى ينفق عليها؟ قال: إلى سنتين. /183/ (4/169)
صفحة 1664
قلت: فأكثر من سنتين. قال: لا .. فإن جاءت بولد إلى سنتين فالولد ولده، وإلا فالولد ولدها إذا جاءت به لأكثر من سنتين وترد عليه ما أنفق عليها. قلت: فإن لم تلد، وقالت ضرب في بطني. قال: فليس لها بعد انقضاء السنتين نفقة ولا يرجع عليها بما أنفق عليها لأنه لا يدري لعله كما تقول ضرب في بطنها. والله أعلم /184/ (4/170)
صفحة 1665
ومن غيره: وعن الحامل إذا طلبت النفقة وأنكر المطلوب حملها ما علامة حملها. قال: تنظر لمرأة (؟؟؟) عدلة ممن يبصر ذلك. فإذا قالت أنها بحد الحامل أمر بالنفقة عليها، فإن لم تضع حملها حتى يمضي لها سنتان مذ يوم طلقها كلفت بأن ترد عليه ما أنفق عليها. وإن لم تشهد المرأة أنها تجد الحمل كتب الحاكم وقت ما طلقها أو أشهد على ذلك البينة فإن استبان حملها أمر بالنفقة عليها وكان على ما وصفت لك فإن لم يتبين حملها فإن وضعت لسنتين منذ طلقها أو أقل مذ طلقها حكم لها بنفقتها منذ طلقها إلى أن وضعت. فان وضعت بعد سنتين فلا نفقة لها ولا يلحقه الولد. قلت: جاءت بصبي لأقل من سنتين وقالت: إنها ولدت هذا يقبل ذلك منها ويلحق نسبه وتلزمه النفقة.
ومن غيره: وعن المطلقة يضرب ولدها في بطنها ألها النفقة على مطلقها ما لم تضع حملها فإنا نرى لها النفقة عليه إلى أن تضع ما في بطنها لأنها في حبسه وليس لها له أن تتزوج مادام الحمل في بطنها. فإذا انقضى الوقت الذي يلزمه الولد فأنكر هو الحمل وكره أن ينفق عليها فلا نفقة لها عليه والوقت سنتان مذ طلقها فإذا جاءت بولد على أكثر من سنتين منذ يوم طلقها وانتفى هو منه لم يلزمه إن شاء الله.
وممن غيره: قال: وقد قال الذي مضى وهو أكثر القول فيما عرفناه وقد حفظنا قولا ثانيا أنها إذا انقضى الوقت الذي يلزم المطلقة فيه الولد وهو سنتان جاز لها التزويج فإن ولدت بعد ذلك فقد حرمت على زوجها الآخر إن كان دخل بها وإن لم تلد شيئا فهي زوجته ويطأها ولم يحفظ في العدة شيئا. غير إنا نقول إنها تعتد بعد السنتين عدة المطلقة ثم تزوج على القول.
سئل عن هذا القول صحيح أم لا. وقيل فيما جاء في الآثار أن على الرجل أن يحضر إلى زوجته الطعام مفروغا منه من طعام مثلها في لونها وغناها وليس عليها هي في الحكم أن تخبز له ولا لنفسها إلا أن تكون ممن تداري ذلك لنفسها وليس هي بأهل الخدمة فعليه أن يحضرها ما تداري به طعامها لنفسها وليس عليها أن تخبز له ولا تطحن ولا تغزل له شيئا ولا تعمل له ضيعة من ضياع الدنيا الا ما طابت به نفسها وانشرحت له. /185/ (4/171)
صفحة 1666
ومن جواب أبي عبد الله_رحمه الله_: وعن رجل عليه حق لزوجته من نفقة أو كسوة ثم تولى وخرج إلى مكة ولم يخلف إلى منزله هل يباع منزله وتقضي زوجته أم لا يباع منزله؟ قال: فأقول: نعم. يباع منزله في نفقة زوجته وكسوتها ولا يباع في غير ذلك من الديون لها ولغيرها.
قال غيره: نعم. هو كذلك معنا. وقيل في الأثر ليس على الرجل أن ينفق على زوجته الصبية ولو كان يطائها (؟؟؟) إذا كان لها مال ونفقتها في مالها إلى أن تبلغ.
ومن غيره: قلت له: فإن غاب رجل عن زوجته ولم يترك لها شيئا فطول الغيبة قدر ثلاثة أشهر ثم رجع هل عليه أن يؤدي إليها ما استحقته من النفقة عليه في غيبته لم تجزئه التوبة. قال: أما في الحكم، فمعي أنه قد قيل يحكم بذلك ولو صح إلا أن تكون رفعت عليه وطبت نفقتها إليه. وأما فيما يجب عليه فيما بينه وبين الله فلا يتبين لي برأته من ذلك لأنه كان متعلقا عليه عند الله فأخاف أن يكون عليه عند الله إلا أن تبرءه (؟؟؟) منه. قلت له: فان أبرأته منه أو أحلته بمطلب منه إليها، هل يثبت ذلك عليها وإن رجعت لم يكن لها رجعة. قال: إذا ثبت عندي لها فطلبه إليها بمطلب وأحلته ثم رجعت فيه فلا يبين لي على بعض القول له براءة من ذلك إذا كان قد ثبت لها عليه. لأنه قد قيل أن الزوج إذا طلب إلى زوجته مالها فأبرأته منه ثم رجعت كان لها ذلك، وأحسب أنه قيل إنما ذلك في الصداق وليس في سائر الحقوق.
وقال أبو عبد الله _رحمه الله_: إذا تزوج الرجل امرأة من بلد وهو من بلد آخر فحملها إلى بلده ثم طلقها وقد أصاب ولدا ثم أرادت الرجعة إلى بلدها وتحمل ولدها منه إلى بلدها وعليه أن يؤدي إليها الفريضة فكره أن تخرج بولده من بلده إلى بلدها. فقال: ليس له ذلك ولها أن تحمل ولدها منه إلى بلدها وعليه أن يؤدي إليها فريضة في بلدها. قلت: فإن كانت هي وهو في بلد واحد، فلما طلقها أرادت أن تخرج بولده تطلب من فضل الله، فكره أن تحمل ولده معها. قال له ذلك عليها وليس لها أن تحمل ولده على ما وصفت. قال: وإذا كان تزوجها من بلده وبلدها من غير بلده وكانت هي تقصر الصلاة إلى أن تزوج بها فلها الرجعة بولدها إلى /186/ (4/172)
صفحة 1667
بلدها وعليه أن يؤدي إليها الفريضة في موضعها. وإن كان تزوجها في بلده وقد أتمت الصلاة فيه ثم طلقها فليس لها أن تخرج بولده إلى بلدها الآخر ولا إلى غيره إلا برأيه.
((نفقة من لم يدخل بها)) وعن رجل ملك امرأة فلم يدخل بها ثم غاب فأقام السنين ورفعت في نفقتها ومؤنتها (؟؟؟) فإن كان يمكن أن تحتج عليه احتج عليه وإن لم يكن ذلك احتج على أهله ومن يقوم بأمره فإن أحضروها عاجلها ونفقتها فليس لها الا ذلك، وإن كرهوا أوفاها الحاكم عاجلها من ماله وفرض لها نفقتها وكسوتها وصيره لها في كل شهر من ماله وله حجته للغائب.
ومن غيره: وأما المرأة التي تزوجها الرجل ولم يدخل بها فلا كسوة ولا نفقة إلا بالمعاشرة، غاب عنها أو لم يغب إلا أن تطلب هي المعاشرة ويأتي هو فإني أخاف عليه أن تلزمه الكسوة والنفقة على هذا الوجه إذا لم يكن له وجه عذر عن معاشرتها وطلبت هي ذلك، والله أعلم. /187/ (4/173)
صفحة 1668
الباب العاشر
في الأحكام: المضار ونحوها
رجع الى كتاب أبي جابر: وللحاكم أن يأمر بصرف المضار عن طريق المسلمين والمساجد ومال الأيتام والأغياب ويقيم لذلك من يقوم به، ويحجر الناس أن يضر بعضهم ببعض وكل جدار ونخلة أو شجرة مالت كلها على أرض قوم أو شيء من أغصانها فإن ذلك يصرف. وأما الفسل فمن الحكام من رأى فسح ثلاثة أذرع. ومنهم من رأى أن يفسح عن الحد ذراعا وكل من لم يفسح واستفرع حده فإن قام فسله فدخل في غير حده فهو مصروف. وكذلك يصرف عن الجدار ما يضرها من الزراعة والماء ويفسح ذلك حتى يرى العدول أنه لا مضرة عليه.
وعن أبي عبد الله_رحمه الله_ إذا مات الذي بنى الجدار، فعلى صاحب الأرض أن يصرف الماء حتى لا يضر بجداره وإن كان الذي أحدث البناء حيا وكان محدثا له ولم يترك لجداره عزا فليس على صاحب الأرض أن يترك من أرضه عزا للجدار. قلت فإن باع صاحب البناء بناءه وزال من يده. قال: هو محدث ما كان الذي أحدثه حيا ولو زال من يده.
قال أبو المؤثر: الوارث والمشتري في هذا إن كان للجدار عز فهو على ما اشترى المشتري وورث الوارث إلا أن يكون مع صاحب الأرض بينة أن العز كان عارية ولم يكن للجدار أن كان له عز. /188/ (4/174)
صفحة 1669
((بعض آداب الجوار)) وكذلك كلما سبق في مثل هذا الذي يحدث في الطرق وغيرها ومات المحدث له فقد توقف لأكثر من الحكام عن صرفه ولا يجوز لأحد أن يحدث في شيء من الطريق الجائزة حدثا في أرضها ولا سمائها. وكذلك لا يحدث إلى حينها كنيفا ولا تنور يخاف منه ضرر النار. وكل هذا مرفوع عن الناس أيضا إذا طلبوا رفعه وكان محدثا عليهم وما سبق من ذلك. فإنما يرفع منه ما حدث منه من المضرة ويأخذ صاحب العلو في المنزل سترة حتى يستر القائم الطويل ويشرف على من كان تحته من المنازل ولو كان محدثه، قال أبو المؤثر: يستر القائم الطويل على السرير.
ومن غيره: فإن أحدث رجلا دارا له جديدة وله جار علو من غرف أوسط يشرف عليه داره، فعلى صاحب العلو إن يستر وإن كان منزله قبل.
قال غيره: وقد قيل السترة يكون بسطة. ويرفع يده على المرسة.
قال أبو سعيد: قال من قال: بسطة. وقال من قال: قامة الطويل.
ومن غيره: قال: وقد قيل ما لم يتخذه سكنا فلا لوم عليه، ولو نام في الليل وقعد في النهار لبعض مصالح ظهر بيته أو جعل تمرا أو حبا أمضاه وانتفع بظهر بيته، فإن أشعر جيرانه عند صعوده في النهار فلا حصن عليه في ذلك والله أعلم.
/189/ (4/175)
صفحة 1670
رجع: وكان من قدر الله من الحكام يكتبون أن السكن بالطين _وفي نسخة ويحكمون أن يكون الستن بالطين_ وعلى الناس أن يؤخذ بعضهم بعضا بالمباناة فيما بينهم من المنازل والبساتين المسكونة ويكون على كل واحد النصف لعله أراد النصف، ولو كان منزل واحد أصغر من منزل الآخر. ومن قال أنه يخرب ما كان له ولا يسكنه ولا بنى عليه فإن رجع سكن غرم حصته من البناء وليس لأحد أن يحدث بابا في أرض غيره ولا يشرف منه على من تحته ولا يحدث بابا قبالة بابه ولو كان في الطريق جائزة، فإن أحدثه في الطريق بلا أن يقابل باب أحد وكان من بعد خمسة أبواب لم يمنع.
قال أبو المؤثر: إذا كان بعد ثلاثة أبواب لم يمنعه أن يفتح الرابع. وكذلك الأجائل في السواقي. قال أبو المؤثر: الأجائل فالله أعلم. أرى أن يمنع بعد أربع أجائل أن يفتح الخامسة. وكذلك ليس لأحد أن لا يحضر أرضه حتى يعلو أرض جاره وتنهام عليه. وعليه أن يترك من أرضه بقدر ما يرى العدول أنه لا مضرة على أرض جاره لأن في ذلك الزيادة والنقصان وليس كصاحب الأرض الخافعة أن يعق _وفي نسخة أن يخفق الساقية ويضر بأصحاب الأرض الطالعة والساقية بحالها.
ومن غيره: جواب من أبي الحسن رحمه الله: وعن رجل أراد أن يعق أرضه قرب منزل رجل فكره ذلك صاحب المنزل. فقال: أنا أترك لك ذراعا واحدا قلت: هل يحكم له بذلك عليه، فعلى ما وصفت فقد وجدنا في ذلك اختلافا من قول الفقهاء. فقال من قال: إذا أراد أن يعق أرضه ترك من أرضه مقدار ما يرى العدول أنه لا مضرة على أرض جاره في ذلك لأن في ذلك الزيادة والنقصان. وقال من قال: يترك ذراعين والذي معنا نحن أنا عرفنا في هذا وأحسب أنه عن الشيخ أبي الحواري رحمه الله فيما قد رفع عن غيره أو مما قد قيل أنه يترك من أرضه بقدر ما يعق منها. /190/ (4/176)
صفحة 1671
قال غيره: إن عليه أن يترك بمقدار ما يقطع من أرضه إلى ثلاثة أذرع. وليس عليه أن يترك أكثر من ثلاثة على القول الذي نعمل عليه_والله أعلم_ وإن كان حدق منها مقدار ذراعين ترك مقدار ذلك، وإن كان أقل فأقل وإن كان أكثر فأكثر فالله أعلم. فأنظر في عدل هذا القول واعمل بما بان لك صوابه، وأنا آخذ بهذا القول الآخر وقلت ما تقول إن كان إذا ترك خمسة أذرع أو أقل أو أكثر لم ينج صاحب المنزل من المضرة في ذلك هل تصرف عنه هذه المضرة وهذا يرجع فيه إلى نظر العدول فإن رأوا على صاحب المنزل من المضرة ففي ذلك صرفت عنه المضرة.
ومن غيره: قلت له: فإذا قاطع رجل رجلا أن يبني له جدار بجنب الطريق والجدار كان في مال المقاطع فتقدم عليه أنك لا تدخل بناءك في الطريق وجد له في ذلك أو أقر الذي بنى أنه يعرف معناه، فلما بني الجدار وقف عليه صاحب الجدار فإذا هو داخل في الطريق هل يسعه تركه ولا يلزمه إزالته ويكون ذلك على الذي بناه أم كيف يكون الوجه فيه. قال معي: إن إزالته على من أحدثه فيما معي في معنى اللازم فيما بينه الله، وبين الله في الحكم، وإذا كان الجدار لهذا فهو مأخوذ بمعنى الحكم بإزالته على من أحدثه لثبوت الحجة له في الطريق وأرجو أن لا يكون عليه إثم ما لم تأخذه الحجة في ذلك. /191/ (4/177)
صفحة 1672
رجع: وحفظ عمر بن القاسم عن أبي علي رحمه الله في الجدول خلف الجدار أنه هو بحاله إلا أن يقم صاحب الأرض شاهدين أن الجدول له فله أن يعمره إلى منتهى ما لا يضر بجدار الرجل فإن لم تكن معه بينة ولا مع صاحب الجدار بينة فالجدول بحالة. وقال أبو الحواري: عن نبهان أنه قال: أنه لصاحب الأرض لأن الجدار قواطع. وقال من قال: هو بينهما. وقال من قال: ليس لأحدهما أن يحدث حدثا فيه وليس على الناس حمل البينة في القرى إلى الحاكم في المضار ويسمع البينة في موضعها ويكتب الوالي بذلك مع ثقة إلى الحاكم. /192/ (4/178)
صفحة 1673
الباب الحادي عشر
في الطرق وحفر الأفلاج
((هندسة الطرق)) والطرق في القرى أربع. فأما الطريق الجائزة. فقال بعض ثمانية أذرع وقال بعض: ستة أذرع. فان وجد الطريق أوسع من ذلك فهو بحاله وطريق المنازل عرضه أربع أذرع، وطريق الأموال والسنامد وغير ذلك ثلاثة أذرع. وطريق التابع على الماء ذراعا. وقال من قال: طريق التابع على الماء ثلاثة أذرع. وما وجد في الطريق أوسع فهو بحاله. وأما الطريق في غير القرى. فقال: إن حريم الطريق أربعون ذراعا. لا يحدث فيه حدث وحريم البحر أربعون ذراعا لمرافق الناس. وقال أبو معاوية عزان بن الصقر رحمه الله. قال: حريم البحر أربعون ذراعا من حد ما يصل مد البحر راجعا. أربعون ذراعا ثم الطريق ثم البيوت بعد ذلك. وحريم البئر أربعون ذراعا وحريم النهر ثلاثمائة.
ومن غيره: قال: وقد قيل كما يرى العدول ووجدت أن حريم الفلج بعد استفراغ ماء الأصل ثلاثمائة ذراع. وقال من قال: مقدار ما لا يضر به فهو حريمه معي أنه مقدار ما يضر به فهو حريمه. وقال من قال: خمسمائة ذراع.
ومن غيره: عن أبي معاوية قال: يفسح النهر عن النهر، قال من قال: خمسمائة ذراع.
ومن غيره: قال من قال: ثلاثمائة ذراع. وقال من قال كما يرى العدول المضرة، وقال: يفسح الطوى عن النهر ثلاثمائة ذراع.
ومن غيره: قال: وقد قيل كما يرى العدول. وقال قوم: أربعون ذراعا.
ومن غيره: قال وقد قيل كما يرى العدول. وقال قوم: أربعون ذراعا. ((هكذا تكررت العبارة في الأصل))
وقال قوم: حتى تصح المضرة. وفي موضع حتى تصح بشاهدي عدل. /193/ (4/179)
صفحة 1674
رجع: يوجد في الأثر ليس لأحد أن يحفر نهرا دون ذلك. وكذلك في حريم البئر. وعن موسى بن علي _رحمه الله_ أنه قال: ((لا يمنع من فعل ذلك حتى يعلم أن ذلك ينقص هذا النهر. قال أبو المؤثر: أنا آخذ بقول أبي علي في البئر خاصة. وأما النهر فآخذ فيه بما جاء في الأثر.
رجع: ((هندسة الأنهار والأفلاج)) وعن أبي معاوية_رحمه الله_ أنه سئل عن الأنهار كم يفسح بينهما إذا أرادوا أن يحدثوه حفر فلج. فقال من قال: خمسمائة ذراع قلت: فكم يفسح الأطوى عن النهر. فقال من قال: ثلاثمائة ذراع. قلت فكم يفسح بين الأطوى للمزارع. قال: أربعون ذراعا. ويقول قائلون بقدر ما لا يضر البئر بالبئر وبالنهر، إذا كانت البئر إذا نزحت نقص النهر صرفت.
وكذلك النهر إذا حفر إلى جانب نهر صرفت عنهم.
ومن غيره: ويؤخذوا أهل البلاد بعمل مسجدهم الجامع إذا خرب ويؤخذون أيضا بإصلاح أنهارهم التي لهم ويحدث فيها الفساد. فأما ما يقترح فليس يحكم عليهم به إلا أن يتفقوا هم على ذلك والحفر على جميع أهل الأفلاج وعلى الأغياب واليتامى على كل واحد بقدر حصته. /194/ (4/180)
صفحة 1675
قال أبو الحواري: ليس على اليتامى قطع الصفا وإنما عليهم حفر الطين هكذا حفظنا عن نبهان.
ومن غيره: وقد قيل كما يرى العدول. ووجدت أن حريم الفلج بعد استفراغ ماء الأصل ثلاثمائة ذراع. وقال من قال: مقدار مالا يضر به وهو حريم.
ومن غيره: قال: ويوجد عنه في موضع آخر، ليس على اليتامى والأغياب قطع الصفا ولا قطع الجبال وإنما عليهم قطع الطين. وقد وجدنا عن محمد بن محبوب_ رحمه الله_ إن (؟؟؟) كان الصفا يمنع الماء عن حريمه ويحبسه كان إخراج هذا الصفا على الجميع. ويجبرون على ذلك إذا كان هذا الصفا يحبس الماء ولا يجري ويوجد عنه رحمه الله إذا كان في الفلج عيب قديم من جبل أو حجر أنه إذا كان هذا الجبل وهذا الحجر يحبس الماء أجبروه على إخراج ذلك العيب وعلى إصلاحه. /195/ (4/181)
صفحة 1676
رجع: وفي جواب إلينا من محمد بن محبوب_ رحمه الله_ وعن قوم ممن خلف البحر لهم أموال وما في فلج من الأفلاج فوقع في هذا الفلج خراب وفساد فاجتمع أهل الفلج واستأجروا للحفر_ نسخة لحفره_ وطلبوا أن يأخذوا من أموال الأغياب بقدر حصصهم في إجارة الحفار، فإن كان لهؤلاء الأغياب الذين خلف البحر وكلاء أمروا أن يؤدوا عنهم ما يلزمهم في حفر الفلج من أموال الأغياب. وذلك إذا كان الفلج إسلاميا وقد كان يجري وعليه الأموال ولم يزل حيا إلى أن وقع فيه فساد أو خراب من غير أن يقرحوه إن لم يكن لهم وكلاء فلا أرى بأسا أن يقيم لهم الوالي وكلاء ثقات منهم أن يدخلوا في معرفة المقاضاة حتى يعرفوا ما هو أصلح للأغياب. ثم يعطوا من ثمرة أموال الأغياب بقدر حصتهم فإن لم يكن في الثمرة وفاء باعوا من الأصل برأي الوالي فأعطوا عنهم ما يلزمهم بقدر حصتهم إن شاء الله إلا أن يكون هذا الحفر يحتاج أموال الأغياب كلها في حصتهم في الحفر فلا أقوى على أن يباع جميع أموالهم في حصصهم من فلج قد هلك ولا يدري أيرجع أم لا والله أعلم. /196/ (4/182)
صفحة 1677
وللحاكم أن يأمر بإصلاح الطرق وإن لم يرفع إليه. وقيل في رجلين بينهما دار العلو لواحد والسفل لواحد فإنهدم العلو والسفل فطلب صاحب العلو إلى صاحب السفل أن يبني ما كان له حتى يبني هو علوه عليه إن ذلك لازم له ويؤخذ به. فإن كان لا يقدر على ذلك وأراد صاحب العلو أن يبنيه وله غلته حتى يستوفى ما غرم فذلك له. وكذلك إن كره أن يبني صاحب السفل بنى ذلك كله صاحب العلو وله الغلة حتى يستوفى.
قال أبو الحواري _رحمه الله_: وإن رد صاحب السفل عليه ما غرم سلم إليه سفله.
ومن غيره: وحدث في كتاب منثور أن الجذوع والدعون التي للسفل على صاحب السفل ليس على صاحب العلو. والله أعلم.
تم الباب من كتاب أبي جابر ومن غيره:
وسألته عن الطريق إذا كان فيها ساقية جائزة فهل يجوز أن يحدث على الساقية قنطرة لهذه الطريق. قال: إذا لم يكن الساقية محدثة فقد أجازوا ذلك وذلك إصلاح مصالح الطريق، وقد كره ذلك في الطريق إذا لم تكن أولا. وقال أبو سعيد_رحمه الله_: معي أنه قيل في الذي يستدع الحجر من الطريق والسلاخطاء (؟؟؟) حتى يزيله من موضعه باختلاف. فقال من قال: عليه إخراج ذلك ويضعه حيث أمن عليه من المضار كان خطأ أو عمدا.
((إزالة الأذى عن الطريق)) وقال من قال: عيه إخراج ذلك في العمد ولا يلزمه في الخطأ ما لم يتعمد لذلك. قلت له: فإن أخذهما في الطريق هل له أن يطرحهما في جانب الطريق. قال معي: أنه قد قيل في ذلك لما يوجد من معاني إجازته إذا وضعها حيث لا تضر في جانب الطريق أو غير ذلك، قال: ليس له ذلك إلا في ماله وماله من أجاز له طرحه. أو في موضع مباح بغير ذلك. /197/ (4/183)
صفحة 1678
قال غيره: أما السلاء فقد يوجد إنه لا يجعل إلا في جنسه من السلاء وإن كان السلاء قرط طرح في القرط وكذلك سائر الأجناس يطرح بعضها على بعض. وقال من قال: حيث ما جعل من ذلك جاز فينظر في ذلك ويؤخذ بالحق منه.
ومن السيرة المنسوبة إلى جابر بن زيد _ رحمه الله_ وكان جابر رحمه الله_ يذكر أن معاذ بن جبل _رحمه الله_كان يمشي في الطريق وهو ينحي الأذى عن الطريق فرآه رجل يفعل ذلك فجعل يصنع كصنعته فالتفت إليه معاذ بن جبل_رحمه الله_ فقال: إنما فعلت ذلك لشيء بلغني فلأي شيء فعلت ما تفعل. قال: رأيتك تفعل فأحببت أن أصنع كصنعتك. قال معاذ رحمه الله نعم. سمعت رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ يقول من نحى الأذى عن طريق المسلمين كتب الله له حسنة، ومن كتب الله له حسنة أدخله الجنة، ثم تلى (؟؟؟) معاذ_رحمه الله_ {اِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}.
ومن غيره: يا موسى أتريد أن أباهي بك الملائكة فامط الأذى عن طريق المسلمين. وسئل عن طريق نافذ بين الأموال تضيق في موضع وتتسع في موضع. أحتسب (؟؟؟) محتسب من المسلمين فادعى أن رجلا من أرباب الأموال التي قرب هذا الطريق أنه أخذ من هذا الطريق وضيقه وهذا الطريق نافذ غير مقطوع. قال معي: إنه يدعوه بالبينة فإذا صح بينة على ما يدعي ألزم الحكم المحدث ما يلزم في تجديد ذلك من البينة فأخذه بإخراج ذلك على ما تحده البينة أو تصفه بصفة مدروكة وإن لم يصح بينة للحاكم أن يحكم في ذلك بدعوى المحتسب إلا أن يصح في ذلك معنى تهمة ويلحق المدعي عليه أسباب التهمة في ذلك فإنه يعجبني أن يأخذ بالتهمة ويشدد عليه بأشد ما يمكن ويجوز ويغلظ عليه في ذلك من طريق المسلمين. /198/ (4/184)
صفحة 1679
ومن غيره: سمعت مالكا يقول إذا عدا البعير على الرجل فخاف على نفسه فقتله فلا شيء عليه إذا جاء على ذلك ببينة وأما بقوله فلا يصدق.
وقل (؟؟) معمر عن الزهري: أنه ضامن للبعير. قال أبو معاوية_رحمه الله_ قد اختلف في هذا وأحب إلينا أن لا يضمن لأنه ليس بمعتمد إنما هو دفع عن نفسه إلا أن يكون الجمل يندفع بدون القتل فإنه يضمن.
ومن غيره: قال: نعم. كذلك جميع الدواب المخوفة، فقد قيل إذا اعتدت فقلت لعله فقتل، فقد قيل في ذلك بالضمان لأنه لا حجة على العجماء وقال من قال: لا يضمن لأنه دافع عن نفسه، وقد قيل أيضا أنه إذا دفع عن ماله بجهده ولم يرد قتلا فقتلت فلا ضمان عليه. وقال من قال: يضمن عن دفعه من ماله ولا يضمن عن دفعه عن نفسه، وكذلك دفعه عن غيره مما يخالف عليه إذا دفع ذلك عن مال أو نفس ففي ذلك اختلاف، وإنما الإختلاف في ذلك لأنه لا حجة على العجماء إلا هو مطلق له أن يدفع عن نفسه. وعن غيره، وعن مال غيره وعلى القائم لله بالإنكار. /199/ (4/185)
صفحة 1680
ومن غيره: ((مسألة في السواقي)): قلت فرجل له ساقية تسقى مالا له ينفذ من ساقية جائزة تحت قنطرة على طريق جائز هل يجوز له أن يسقي مالا آخر من ماله هذا الذي يسقي هذه الساقية التي تنفذ على الطريق الجائز أم لا يجوز له ذلك؟ ... قال: معي إنه لا يجوز له أن يثبت على الساقية التي في الطريق غير ما أدرك عليها وهي عندي أشد من المال المربوب بثبوت الحجة عليها. وسألته عن القائم بمصالح الطريق إذا رأى نقصة مبناه إلى جدار في الطريق ولا يعرف حي محدثه أو قد مات محدثها هل له أو عليه أن يسأل عنها. فقال: معي إنه ليس عليه أن يسأل عن ذلك إلا على معنى الإحتساب وابتغاء الفضيلة وإذا لم يعرف أنها محدثة أو محدثها حي أو قد مات فهي بائنة غير مزالة حتى يصح أنها باطل. قلت فإن مات محدثها ثم وقعت النقصة من بعد ثم أراد الوارث أن يبني مكانها على ما بناها الميت هل له ذلك قال: لا يعجبني أن يكون له ذلك إذا كانت آخذة للطريق نفسها أو لشيء منها والله أعلم.
وقال أبو سعيد:_ رحمه الله_ إن الطريق أولى بخراب ما بينهما وبين العمار إذا كان بين الخراب وبين المال ما يقطع مثل الجدار والسواقي كما كانت الأموال والصوافي أولى بما يليها. وقال: لو كان الخراب بين المال وبين الطريق كان للطريق نصف ذلك الخراب وللمال نصفه على قول من يقول بذلك. ... /200/ (4/186)
صفحة 1681
وعن رجل ورث من والده مالين بينهما طريق جائز أو غير جائز فخثت كرمة في أحد المالين على الطريق إلى المال الثاني في حياة والده أيلزم الوارث إزالة هذه الكرمة أم لا؟ قال معي: إذا ورثها ولم يعلم باطل ذلك، فأحسب أنه قيل لا يزال حتى يعلم باطله. قلت له: فالقرظ والسدر والزام والأثب وغيره من الأشجار مثل هذه الكرمة. قال: لا أعلم أنه قد قيل في هذا مثل هذا وهو مزال إذا حدث إذا كان مضرة وأنه يوجد أنه إذا ثبت مثل هذه الأشجار على الأموال ومات من كانت له نبت في أيامه وخلفها على ورثته أنها لا تزال إلا أن يكون باطلا.
ومن غيره: ويوجد فيمن خشي كرمة في أرض غيره ولم يظهر من صاحب الأرض نكيرا ولا تغير إلى أن مات صاحب الكرمة أنه يثبت للوارث على صاحب الأرض ما قد ثبت ويصرف عنه ما أراد من الكرمة كتبت ذلك المعنى فينظر فيه إن شاء الله.
وأما السدر فإذا ثبت على أرض غيره ففي صرف ذلك اختلاف كتبته على المعنى فينظر في ذلك. وأما المائل من ذلك بعد موت الهالك كان حدوثه بذلك مزالا إذا طلب ذلك الورثة ولا أعلم في ذلك اختلاف. وهذا كله على معنى ما يوجد فينظر فيه إن شاء الله. /201/ (4/187)
صفحة 1682
وسئل- أبو سعيد_ رحمه الله_ عن رجل فسل في ماله فسلا فأناف خوصه على مال جاره. هل يلزمه إزالة ما أناف على أرض جاره فإن لم يطلب ذلك إليه إزالته.
قال معي: إنه إذا كان ذلك خوصه مما يضر بجاره وكان هو المحدث لذلك فما تولد من فعله من مضرة كان عليه إصرافه ولو لم يطلب إليه جاره صرف ذلك.
وسئل عن رجل له منزل على طريق جائز، والرجل يقعد على بابه ويحضر من يحضر من الرجال معه وقرب منزله منزل القوم هل لهؤلاء القوم أن يمنعوه من القعود على باب منزله كان قعوده لذلك لمعنى أو لغير معنى. قال معي: إنه ليس له أن يقعد في الطريق الجائز بغير معنى إلا أن يكون لمعنى قريب.
ومن غيره: وسألته عن رجل وقفت له نخلة في الطريق أو جدار فلم يخرجه حتى عطب به إنسان أو سدغ أحدا هل يضمن الرجل ما عطب بجداره أو بنخلته، قال: أما في الحكم بالظاهر فلا أراه يلومه حتى يحتج عليه أو يتقدم عليه في ذلك. وأما فيما بينه وبين الله فإذا علم بجداره أو بنخلته بأنها قد وقعت في الطريق فعليه أن يخرجه من حيثما علم وإن لم يخرجه حتى عطب به شيء فلا أبرأته من الضمان. والله أعلم بالصواب. /202/ (4/188)
صفحة 1683
ومن جواب أبي سعيد: وليس للنخلة العاضدية في الجائز شيء والطريق أولى من النخلة، وأما طريق التابع فإنما هي للنخلة العاضدية وإنما الذراعان للنخلة وهما للطريق إلا أن يكون الطريق مطرق باين عن أسباب النخلة فهو معي مثل الطريق والطريق ما كانت أولى عندي من أسباب المربوبات إلا أن يصح للمربوبات حق وترك مجاري الطريق بحاله ولو اتسع ولا تدخل الأملاك تدير ما وصفت لك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
مسألة في المشيء على السواقي:
قلت: وإذا كانت الأجايل كلها على وعب الساقية هل يحكم على أصحاب الوعب الآخر بطريق وإنما يكون الطريق على الوعب الذي تكون فيه الأجايل فعلى ما وصفت فقد جاء في الأثر وفي ذلك باختلاف. فقال من قال: يكون الطريق على أصحاب المالين الذين يستحقون الساقية ولو لم يكن على الأخرى أجايل فافهم ذلك. وقلت له: فرجل له نخلة على ساقية جائزة كم تستحق من وعب الساقية، فقلت: ولصاحب النخلة أجالة في وعب الساقية ولرجل آخر أجالة أسفل من ذلك هل يكون أجالة الذي له النخلة فقطع قياس النخلة أو تكون النخلة الوعب كله إلى أن يلقاها أجالة صاحب النخلة أو جدار أو شجرة أو نخلة. فعلى ما وصفت فقد جاء في ذلك اختلاف من القول والذي أدركنا عليه أصحابنا أنهم يجعلون لهذه النخلة وجين الساقية مما علا وسفل إلا أن ينقطع القياس مما ذكر شيء. وأما أجالة صاحب النخلة التي ذكرت فلا يقطع عليه عندنا قياس نخلة وله حقه إلا أن يصح أن إجالته هذه استحقها بغير حق نخلته هذه فإنه يقطع عليه وإلا فالقياس بينه وبين النخلة التي أعلا منه وأسفل منه إلى ما تستحق وإن كانت هذه الأجالة استحقها بغير حكم هذه النخلة فهي تقطع قياسه فافهم ذلك. /203/ (4/189)
صفحة 1684
ومن غيره: وقال: إذا شهدت البينة بطريق جائز في خراب من الأملاك ولم يجد في أي موضع هي أمر صاحب المال الخراب أن يخرجها من أقصر المواضع من ماله بلا مضرة عليه ولا على الطريق. ومعي أنهم قد اختلفوا في عرض الطريق في هذا المعنى. فقال من قال: ثمانية أذرع. وقال من قال ستة أذرع للطريق الجائز. وقال من قال: إذا اختلفوا في ذلك جعلت سبعة بين الستة والثمانية. وإن أدرك الطريق أوسع من ذلك ترك ذلك بحاله ولا أعلم في ذلك اختلافا، وسألت عن رجل له سقي من ساقية تمر في منزل قوم ثم إن صاحب الساقية زرع أرضه وجعل السقي كل يوم قال صاحب المنزل إنما كنت تمر على كل ثمانية أيام مرة فلا أدعك تمر على كل يوم هل له ذلك؟ قال: ليس له أن يمنعه ويسقي كلما أراد.
ومن غيره: وسئل عن وجين بين ساقية وطريق وخلف الساقية مال وخلف الطريق صافية لمن يكون حكم هذا الوجين. قال معي: إنه إذا لم يجعل بين هذا الوجين وبين الطريق مال كان حكمه للطريق لاتصاله له بالطريق إلى ما يقطعه من القواطع أو يصح فيه حكم لغيره. قلت له فإن كان في هذا الوجين عمار لرجل يدعيه مثل جدار أو مال كيف الحكم في ذلك. قال معي: أنه على ما أدرك ويدعي من ادعاه بالبينة. وعن رجل له نخلة على وجين الفلج والطريق على وجين الآخر هل يسع هذا الرجل أن يحضر على نخلته بالشبق إذا كان يلحقه مضرة. قال معي: إذا كان يلحق الطريق مضرة لم يكن له ذلك أن ينفع نفسه ويضر المسلمين في طريقهم إلا أن يكون الطريق له هو خالصا أو لمن يبح له ذلك ويوسع له.
ومن غيره: قلت له: فما تقول في الجدار على الطريق الجائز هل يجوز أن يكمم بالشوك إذا كان رفع ذلك بمقدار ما لا يضر بالراكب. ويكون مثل ما أناف من الأشجار. قال معي: أنه لا يجوز ذلك. وذلك حدث مزال لا يكون مثل ما أناف من الأشجار. قلت له فما تقول في الجدار إذا كان عليه كمام بالشوك ثم مات محدثه، هل يثبت ما لم يصح باطله. قال: هكذا عندي، قلت له: فإن وقع الجدار ثم عاد الوارث انساه (؟؟؟) هل له أن يكممه مثل ما كان الأول. قال معي: أن ليس له ذلك. قلت له: فإن فعل هل يحكم عليه الحاكم بصرفه. قال: هكذا عندي.
وعن رجل له ممر مائي في أرض رجل يمر في أرضه حتى ينتهي إلى أرض ونخل لرجل وكان صاحب الممر يمر ماؤه على الرجل في الشهرة مرة ويسقي نخله /204/ (4/190)
صفحة 1685
وأرض ثم زاد صاحب الأرض والنخل نخلة إلى نخله وأرضا إلى أرضه، فعلى ما وصفت فإن كان هذا الرجل الذي له الممر زاد في أرضه ونخله نخلا وأرضا لم يكن يسقيها على الرجل وإنما له حملان على هذا الرجل فليس له أن يسقي على هذا الرجل إلا ما كان يسقي عليه من قبل فيسقي عليه كما أراد وليس لذلك حد ولو سقى في اليوم والليلة مرارا كثيرة وهذا في المسقى خاصة وإن كان فسل الأرض التي سقاها على هذا الرجل فليس له، فاحتاجت إلى الماء فله ذلك أن يسقيها كما أراد وإن كان المسقى في ساقية جائزة فيها خمس أجايل فليس له أن يمنعه إن زاد نخلا إلى نخله أو أرضا إلى أرضه وهذا في المسقى خاصة. وأما الطريق إذا كان إنما عليه هذا الطريق إلى هذا المال فأراد أن يمر في تلك الطريق التي عليه إلى مال غير ذلك المال وليس الطريق كالمسقى فهذا الذي حفظنا من قول المسلمين.
وعن ساقية تمر في مال رجل في أرضه ونخله عليه ممر الماء في ماله إلى أرض أسفل منه حقيقة لهم عليه فغابت الساقية فأراد الذين يجرون فيها الماء أن يصلحوها بالتراب من أين يكون هذا التراب من مال الرجل ومن مالهم. فعلى ما وصفت فإنهم يحملون التراب من أرض الذي عليه الساقية بلا مضرة على أصحاب الأرض فإن كانت هنالك مضرة كانت التقوية من الساقية فإن لم يكن في الساقية كفاية كان على أصحاب الساقية إصلاح الساقية ويأتوا بالتراب من حيث شاؤوا. /205/ (4/191)
صفحة 1686
الباب الثاني عشر
فيمن يلزمهم الضمان من العمال والحمال وغيرهم
رجع الى كتاب أبي جابر: وحفظنا عن أبي عبد الله_ رحمه الله_ فيمن حمل جمالا متاعا، فجاء به قد انكسر فقال: إنه انكسر حين برك الجمل أو حين نهض أو فزع. قال: عليه البينة بما يدعي وإلا غرم، وكذلك كل من عمل شيئا بكراء فتلف.
ومن غيره: قال أبو المؤثر: نعم، وعليه اليمين. وقال أبو المؤثر: ما انكسر من المتاع بنهوض الجمل أو بركه أو بفزعه فعليه الضمان، ولا يبرأ من الضمان إلا بالسرق والحرق والغرق. قول أبي المؤثر.
ومن غيره: قال: أما إذا برك الجمل أو زحمه بعير أو زحم هو بعيرا من غير أن يحمله عليه فذلك لا ضمان عليه فيه. وأما العثار، فإن كان الجمل لا يعثر فذلك أيضا لا ضمان عليه وإن كان الجمل فيه العثار، ولم يعلمه أن جمله يعثر فهو عيب وقد قيل إنه ضامن.
وقال من قال: لا يضمن إلا أن يسأله عن ذك فيكتمه ... /206/ (4/192)
صفحة 1687
رجع: وكذلك الصانع وغيره من أصحاب الصناعات إذا ادعى أنه سرق أو تلف لم يصدق إلا أن يصح عليه علامة السرق من ثقب أو غيره أو تستبين أنه عنته جائحة من حرق أو غرق أو لصوص أو نحو ذلك فعند ذلك لا يلزمه الضمان.
ومن غيره: قال أبو المؤثر: وعليه اليمين.
ومن غيره: ((مسائل في الكراء)): ومن جواب أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله ما تقول رحمك الله في رجل طرح إلى صقيل سيفا يصقله له بالكراء وادعى الصقيل أن بيته نهب وأن السيف ذهب في ذلك النهب ما يلزمه في ذلك. وقلت إن كان يلزمه السيف وادعى أن عنده بينة. فعلى ما تشهد البينة على نهب البيت أو على ذهاب السيف. وما تقول إن طلب الصقيل أن تكون المحاكمة بينه وبين خصمه في أدم عند القاضي بها لأن بيته نهب بأدم وشهوده من أهل أدم وطلب خصمه أن تكون المحاكمة بينهما بنزوى أو غيرها فأين يكون المحاكمة بينهما. وما تقول إن نزلا إلى اليمين وكيف تكون الأيمان بينهما ومن يلزم اليمين وكيف تلزمه.
الجواب: فالذي نأخذ به من القول: أن الذي يأخذ بالأجر على الأعمال إذا ادعى ذهاب الشيء من يده بغضب أو سرق أو حرق يلزمه البينة على دعواه وإلا فهو غارم له إذا أنكر صاحب الشيء أنه ما يعلم أنه غصب أو سرق أو حرق من يد الصانع، وإذا شهدت البينة بذهاب هذا السيف من يده بأحد الآفات التي لا تعرضه للذهاب فيها برئ من ضمانه ولا يجيز بشهادة الشهود على نهب البينة لأنه يمكن أن ينهب شيء من البيت ويسلم السيف على القول الذي نأخذ به. وأما الحكم بينهما فهو إلى الحاكم الذي يحكم بينهم إذا كان له الجبر على الخصوم على ما يلزمهم. وإذا لم يكن حاكم يجوز خبره للخصوم فهو على تراضي الخصمين فمن رضيا به في ذلك حكم بينهما. وإذا نزلا إلى الأيمان كانت اليمين على رب السيف أنه لا يعلم أن سيفه ضاع إلا أن يرضى بيمين الصقيل فيحلف له يمينا بالله لقد ضاع هذا السيف وما عرضه للضياع. والله أعلم. /207/ (4/193)
صفحة 1688
ومن غيره: وذكرت في رجل أعطى رجلا يبيع له سلعة بالربع أو أقل أو أكثر أو أجرة معروفة كل يوم بكذا وكذا فلما باع له أن الدراهم سرقت قلت عليه غرم فقد اختلف في ضمان البائع بالأجر، فقال من قال: يضمن وقال من قال: لا يضمن وأنا أحب أن لا يضمن. وأما إذا كان بغير أجر فلا ضمان عليه إلا أن يضيع. قلت وكذلك إن قال له: أن السلعة سرقت أو تلفت بأحد وجوه التلف، هل عليه غرم فقد مضى القول وأحب في البائع أن يكون القول قوله مع يمينه ولا يضمن. قلت وكذلك النساج والصانع والحداد وأمثالهم ممن يعمل بيده إذا ادعوا أنها تلفت هل عليهم غرم، فإذا كان بأجر فقد اختلف في ذلك، وأحب أن يضمن إذا كان صانعا بيده الأجر. ... /208/ (4/194)
صفحة 1689
رجع: فإذا عمل هذا الصانع عملا ثم ضاع فله كراه فيما يلزمه فيه الضمان وما لم يلزمه فيه ضمان لم يكن له في عمله كراء، وقيل إذا قرض الفأر الثوب من بيت القصار ضمن. وقال: كان يجعله في صندوق لأن البيت حصين من السارق وليس بحصين من الفأر. وقال من قال من قومنا: إنه يضمن من كان من فعل نفسه وأما فعل غيره فلا أرى، ورأي أصحابنا أحب إلي.
ومن غيره: قال أبو الحواري: قال: إن نبهان لم يكن يرى عليه ضمانا إذا قرضها الفأر من بيته. قال أبو سعيد: نعم. قد قيل هذا. وقال من قال: لا ضمان على أحد من أهل الصناعة إلا ما جنت أيديهم، ويوجد ذلك في كتاب معروض على أبي معاوية رحمه الله.
وقال من قال: يلزم الصناع الذين يصنعون بأيديهم ولا يلزم الحمال على أنفسهم ولا على دوابهم بالكراء إلا ما أحدثوا أو ضيعوا. وقال من قال: لا يلزم أحد من أولئك ضمان إلا ما أحدث وضيع بيده. وقال من قال: يلزم العمال والحمال ولا يلزم الباعة بالكراء لأنه عمل بأعينهم. وقال من قال: يلزم الضمان إلا الراعي والراقب وصاحب السجاد ونحو هؤلاء الذين إنما هم يرقبون بأعينهم ولا ضمان عليهم إلا على سبيل التضييع. /209/ (4/195)
صفحة 1690
رجع: وعن رجل استأجر رجلا أن يبني له ستة آثار على نخل له فبنى له ثلاثة آثار ثم جاء الغيث فهدمه. فقال: إنما عليه أن يزيده ثلاثة آثار ولم نر هذا كاللبن إذا استأجره يعمل له ألف لبنة فعمل له خمسمائة ثم كسرها غيث أو غيره كان عليه أن يوفيه ألف لبنة إلا أن يكون قد سلم إليه ما عمل وقبضه منه.
ومن غيره: قال أبو المؤثر نعم إذا سمى ذرع الأثار من العرض والطول والرفع أن يذرعه ويقبضه ويعلمه المكتري فعليه رد الشقوق. وإن انشق اللبن فعليه بدله لأن اللبن إنما انشق منه فعليه بدله والجدار يرد منه ما انشق. /210/ (4/196)
صفحة 1691
رجع: وأعلم أنه إذا أقر العامل من أصحاب الصناعات والمعمول له أنه قد عمل له عملا بأمره فإن له أجر مثله. وكذلك صاحب الدابة الذي يعرف أنه يكريها فأخذها منه رجل وركبها إلى بلد ولم يذكر أحدهما الكراء فله كراء مثله. وإن قال العامل: أنه عمل ذلك بأجر قد ادعاه وقال صاحب العمل إنه عمله بأجر قد سماه أقل من ذلك فحفظت عن سليمان بن الحكم أن القول قول صاحب العمل وعلى العامل البينة بما ادعاه من الأجر، وكذلك وجدنا عن محمد بن محبوب رحمهما الله وقال أبو عبد الله_ رحمه الله_ وكذلك لو استأجر في عمل فقال الأجير: لم يسم لي أجرا. وقال صاحب السلعة: بل استأجرتك بدرهم. إن البينة على الذي قال استأجره بدرهم فإن عجز البينة فله أجر مثله. وكذلك القياس من غير الحفظ لو ادعى العامل أن عمله بدرهم. وقال صاحب العمل أنه لم يشارطه على شيء إن البينة على العامل وإلا كان له أجر مثله لأنه قد تقاررا على العمل فأيهما ادعى أن الأجر كذا وكذا فعليه البينة. والله أعلم.
وعن أبي عبد الله_ رحمه الله_ إذا أعطى رجلا سلعة يبيعها له بأجر فلما باعها قال صاحبها أمرتك أن تبيعها بعشرين درهما. وقال الآخر لم تأمرني بشيء مسمى. قال: القول قول البائع والبينة على صاحب السلعة وعلى الآخر البينة على ما قال. قال أبو المؤثر: إذا أحضر صاحب السلعة البينة أنه قد وقت فباع البائع نخلا فسمى أجره فالبيع باطل. ومن ادعى الجمال أعار جمله. وكذلك أصحاب الصناعات الذين يعملون بالكراء فعلى المدعي البينة أنه أعاره. /211/ (4/197)
صفحة 1692
ومن غيره: وسأله سائل وأنا عنده عن الرجل يرسل الآخر في فيض مال بقرية يوصله إليه ويجعل له على ذلك جعلا فخرج الرجل ثم رجع. فيقول من يدي أو سرق فيقول المرسل غرم لي لأنك أخذت عليه جعلا ويقول المرسول لم يعطني جعلا، فقال أبو الحسن: القول قول المرسول مع يمينه أنه ما جعل له هذا الشيء جعلا.
قال غيره: إذا كان الحامل ممن يحمل بالأجرة معروفا ذلك له ومنه بقدر ما لو استعمله رب المال بغير مقاطعة على أجر ثبت عليه الأجر فإنه تكون أحكامه أحكام من يعمل بالأجر حتى يصح غير ذلك لأنه ممن يعمل بالأجر وإذا صح أنه يعمل أنه ممن يعمل بغير أجر فلا أجر له ولا ضمان وإذا لم يصح دعينا على ذلك بالبينة أيهما طلب إلى صاحبه حقا دعي على ذلك البينة. ... /212/ (4/198)
صفحة 1693
رجع: وقال أبو عبد الله_رحمه الله_ كل شيء يلزم الذي في يده غرامته مما يكال أو يوزن فعليه أن يأتي بمثله فإن كان عرضا مثل السيوف والثياب فعليه القيمة والقول قوله مع يمينه فيه إلا أن يأتي صاحب ذلك ببينة أنه يسوي كذا وكذا وأما الراعي وكل أجير لا يعمل بيده فليس عليه إلا الإجتهاد ولا يضمن حتى يضيع أو يزيل ما استرعى إلى يد غيره فيضيع وإن قال صاحب الدابة الذي يكتريها أعطني دابتك إلى موضع كذا وكذا، أو قال لصاحب العمل اعمل لي كذا وكذا فعليه الكراء حتى يقول أعرني أو اعمل لي بلا كراء، فإن قال صاحب الثوب للخياط: أمرتك أن تعمله قميصا فعملته سروالا أو قال للصابغ أمرتك أن تصبغ الثوب أصفر فصبغته أحمر. وكذلك الصانع والنساج فيقول العامل أمرتني أن أعمله كذا وكذا ويقول المعمول له بل أمرتك أن تعمله كذا وكذا فالقول في كل هذا قول صاحب البضاعة والعامل ضامن لقيمة ذلك لصاحبه وعمله ذلك له. قال أبو المؤثر: القول قول العامل في الصناعة وأما في الأجرة فالقول قول صاحب السلعة المعمول له. وكذلك النساج إذا عمل الثوب وأفسد عمله كان عليه أن يضمن لصاحبه مثل غزله ويأخذ هو ذلك الذي عمله إلا أن يتفقا أن يأخذه صاحبه ويلحق العامل بما بقي عليه من قيمة ما لزمه. وأما الصباغ الذي صبغ الثوب بغيره ما أمره به صاحبه حتى لزمه ضمانه. فإذا طلب صاحب الثوب أن يأخذ ثوبه وطلب الصباغ كراءه فإن الثوب يقوم أبيض مصبوغا ثم للصباغ على صاحب الثوب ما زاد الصبغ فيه.
ومن غيره: وإن كانت قيمته ناقصة عن الأبيض. قيل له: إن شئت فدع الثوب للصباغ وخذ قيمته أبيض. وإن شئت فخذه وما نقص من قيمته. ورد الصباغ قيمة صبغة لأنه في ثوبك. وقال من قال: لا شيء للصبغ لأنه أثر ليس بعين والعين ما قدر على إخراجه. ... /213/ (4/199)
صفحة 1694
رجع: وإذا قال العامل لا أدفع إليك حتى تدفع إلى كراء فإن ذلك له فإن ضاع قبل أن يقبض الكراء فعليه الضمان ويذهب كراءه من الثمن ويدفع ما بقى من ثمنه إلا أن يصح العذر في ذلك فلا يضمن ولا يكون له كراء. وكذلك في البيوع وليس لأحد من العمال والحمال أن يأخذ كراءه حتى يؤدي عمله كله. ومن اكترى إلى العراق أو الشام أو خراسان أو نحو ذلك فذلك فاسد لأنه يتسع الأمر فيه ولا يعرف الموضع بعينه.
وأما إذا كان الكراء إلى قرية معروفة عند الحامل والمحمولة له فذلك جائز، وعلى الحامل عندنا في البر أن يبلغ الذي حمله إلى منزله من القرية التي حمله إليها فإن كان إنما حمله من غير عُمان إلى عُمان، فعمان مصر واحد. فإذا كانا عارفين بها فذلك جائز. ويوجد قال أبو المؤثر: كراءه (؟؟؟) إلى عمان مثل كراءه إلى الشام وخراسان ينتقض لأنه مجهول لأن عُمان متسعة. وأما إذا حمله إلى الشرق أو إلى الجوف أو إلى الغرب فهذا مجهول ولهما الرجعة فيه. وإن حمله حتى بلغه على هذا فله بقدر ما يراه العدول من الكراء. وإن حمله إلى السر أو إلى توام أو إلى قرية هكذا تنسب وبهذا تعرف ولها قرى متفرقة فهو إلى منزله من تلك القرية_ وفي نسخة من قرى تلك القرية_ وكذلك في سائر هذه القرى المشهورة بهذه الأسماء. ... /214/ (4/200)
صفحة 1695
فإن اكترى إلى نزوى ومنزله سعال فبلغه إلى الغنتق وأراد أن يدعه فعليه أن يبلغه إلى منزله سعال وإذا كان إلى قرية معروفة فإلى منزله منها من أهل تلك القرية فإلى السوق فإن لم يكن سوق فإلى المسجد الجامع فإن لم يكن جامع فإلى محضر الناس والجماعة حيث يقعدون والله أعلم.
قال أبو المؤثر: توام والسر مثل الجوف، ولكن إذا اكتراه إلى قرية معروفة فعليه أن يبلغه إلى منزله من تلك القرية. وإذا كان الكراء والموضع غير مجهول فليس لأحدهما رجعة فإن أراد المكتري أن يتخلف فيعطي الكراء كراءه إلا أن يبرئه برائه، وكذلك صاحب السفينة وعلى الكراء إحضار دأبته (؟؟؟) إلى المكتري بما يحتاج إليه من الحبال والآلة التي يعرف عند الناس أنه لا يصلح رحلة تلك الدابة الا بها. /215/ (4/201)
صفحة 1696
وإذا اكترى رجل دابة أو منجورا أو غلاما فانكسر ذلك فلا ضمان عليه ما لم يصح أنه حمل عليه فوق طاقته في عمله. وإذا قال سرق الغلام أو الدابة أو ماتا فهو ضامن حتى يصح ما ادعاه. وإن قال المكتري للكري أعطني كفيلا فإني لا أثق بك ولا أعرفك فليس ذلك عليه إذا كان الكراء على أمر صحيح فإن أراد أن يخرج مع متاعه فذلك إليه وليس عليه أن يحمله يعني يرفعه الدابة والمسير والنزول في الموضع. وفي نسخة على المواضع_ التي ينزل فيها الناس وليس لأحدهما مضارة صاحبه في ذلك والمسير على قدر مسير الناس قد اختلف ويكون الوسط من ذلك وأحب أن يكون على صاحب الدابة قودها، وإن عثرت الدابة أو صرعت فسقط المكتري فلا شيء على صاحبها في ذلك إذا لم يكن هو نسخها ولا أفزعها. وأما إذا كانت الدابة معروفة بالذعر ولم يعلمه حتى ذعرت به فعطب الراكب فإن صاحبها ضامن لذلك. وإن كان الكراء لرجل أو امرأة فللراكب أن يحمل مكانه رجلا أو إمرأة ما كان، وأما إذا اكترى لنفسه فليس له إلا أن يحمل مكانه رجلا كمثله إلى من دونه.
قال أبو المؤثر: وقد سمعنا أن المكتري إذا اكترى لنفسه فليس له أن يحمل مكانه غيره الا برأي صاحب الدابة وبهذا نأخذ. وليس للمكتري أن يزيد على حمل الدابة إلا ما كان القضاء عليه. وإن أكرى المكري الدابة إلى الموضع الذي اكتراها إليه بفضل فالفضل لصاحب الدابة ولا شيء عليه إلا أن تتلف الدابة فيضمنها والله أعلم. /216/ (4/202)
صفحة 1697
والقول في الموضع قول الحامل والقول في الكري قول المحمول والبينة على الذي يطلب الفضل، فإن قال الحامل حملتك من السر إلى نزوى، معي أنه إلى السر من نزوى بعشرة دراهم، وقال المحمول بل حملتني إلى توام بعشرة دراهم فإنه يحمله إلى السر وله من الكراء بقدر ما يكون السر من طريق توام فإن كانت النصف فله نصف العشرة، وإن كانت أقل أو أكثر فله مثل ذلك، قال أبو المؤثر إذا اختلفا قبل أن يحمله ولم يكن معهما بينة تحالفا وانتقض الكراء وإن كان قد حمله إلى موضع ثم اختلفا أعطاه كراءه إلى الموضع الذي حمله إليه كما يرى العدول وينتقض الكراء بعد أن يتحالفا. وإن اختلفا كان القول قول المحمول مع يمينه_ وفي نسخة وإن اختلفا بعد أن بلغه إلى الموضع الذي اتفقا أنه حمله إليه فالقول قول المحمول مع يمينه_ وقد قال من قال، أنهما إذا اختلفا رد إلى العدول وبالقول الأول نأخذ، إلا أن يكون ادعى أنه حمله بشيء لا يشبه أن يحمل بمثله ما يعرف الناس أن الكراء إلى موضع بعشرة دراهم فيدعي أنه حمله إليه بدرهم، فإن كان هكذا فأحب أن يرد إلى العدول في ذلك. وعن رجل يستأجر رجلا يأتيه بمال من موضع فضاع المال، فقيل عليه الضمان وله الكراء إلى الموضع الذي ذهب منه المال فإن أتى بعذر من لصوص أو سلب أو مكابرة وأقام على ذلك فلا ضمان عليه ولا كراء له.
ومن غيره: قال أبو الحواري: الكراء له إلى الموضع الذي ضاع منه المال كان متاعا أو غيره هكذا وجدنا عن ابن محبوب_رحمه الله_. /217/ (4/203)
صفحة 1698
رجع: وقيل في الذي يحمل متاعا من عند رجلا من بلد إلى بلد إلى رجل فيكره المحمول إليه أن يقبضه ولا يعطى الكراء. قال: فإن الحاكم إذا رفع إليه الكراء أمر بالمتاع يكترى له ويرد على صاحبه ويستودعه من يستودعه ويكتب للكري إلى صاحب المتاع بالكراء. وقال من قال: يرده إليه وعليه الكراء في ذلك أيضا وينظر في ذلك. وقال أبو المؤثر: إذا صح تحميله إياه بالبينة مع الحاكم وأبا المحمول إليه أن يقبضه استودع الحاكم ثقة فإن كان يحتاج أن ينظر له موضع أكترى له وكتب إلى والي البلد أن يأخذ الذي حمل المتاع للكراء بحقه إلا أن يكون له حجة.
ومن غيره: وعن رجل من صحار بعث رجلا إلى السر إلى رجل معروف بحمل له جرابين من تمر بكراء معروف فأتاه بالجرابين إلى صحار وطلب منه الكراء قال: ليس هذين الجرابين لي، ولا أقبضهما ولا أعطي الكراء ولم تصل إلي بالذي لي. قال أبو معاوية: الكراء على الذي وجهه حتى يقر الذي حمله من السر أن الجرابين ليس للذي بعثهما إليه فإن أقر بذلك كان عليه كراء الجرابين وعلى الذي بعثه من صحار كراءه من صحار إلى السر غير حامل شيء. /218/ (4/204)
صفحة 1699
رجع: ومن استأجر أجيرا يستقي له الماء في التراب حتى يصير طينا فجاء الغيث فسقاه حتى صار طينا. فذلك للأجير وله كراء. وقال أبو المؤثر: إنما للأجير أجره ما استقى وليس له غير ذلك.
ومن غيره: وسألت أبا معاوية غزان بن الصقر _رحمه الله_ عن جل يتجر رجلا يبل له ترابا ليبني به فسواه الأجير ليبله فجاء الله بالغيث فبله هل للأجير أجره. فقال: ليس له إلا عناه بقدر ما سوى التراب والغيث لصاحب التراب. قال أبو الحواري: أنا آخذ بالقول الأول في هذا أنه للأجير. ... /219/ (4/205)
صفحة 1700
رجع: وكذلك الثور يستأجره الرجل من الرجل كل يوم أو كل شهر بحب مسمى فأصاب الغيث في أول ذلك اليوم أو بعد ما جر على الثور أياما من الشهر ثم أتى الله بالغيث فسقا الزرع فإن الغيث لصاحب الثور وإجارته تامة.
وقال أبو الحواري: إن استأجره يسقى له هذا الزرع كل شهر أو كل يوم بكذا وكذا فالغيث لصاحب الثور وإجارته تامة. وإن استأجره يزجر عليه كل يوم أو كل شهر بكذا وكذا ولم يقل هذا الزرع فأصاب الغيث فإنما له إجارة يوم أو إجارة شهر والله أعلم. هكذا حفظنا. وكذلك العمال في الزراعة والشركاء الذين على كل واحد منهم أن يسقي وقتا من الزمان. فمنهم من يسقي بالآخر وغرم في ذلك ثم جاء الغيث في وقت الآخر وطلب الأول الذي غرم أن يرد عليه الذي لم يغرم فقيل إن الغيث للذي جاء في وقته وليس عليه أن يرد شيئا. وقيل في رجل استأجر رجلا لعمل معروف بعشرة دراهم فاستأجر له الأجير أيضا بخمسة دراهم. فقال: ليس له ذلك فإن فعل فالخمسة التي سقطت لصاحب العمل.
ومن غيره: وسألت عن رجل استأجر دارا من رجل بخمسين درهما كل سنة ثم أجرها بمائة. قالوا: لا يصلح ذلك ولا يحل هذا والفضل لصاحب الأصل دارا كانت أو غلاما. وكذلك العامل ليس له فضل. قال أبو سعيد_ رحمه الله_ قد قيل إذا أدخل في الدار شيئا من المنافع من بناء أو باب أو سبب من الأسباب أو صلح صلاحا أن له الزيادة. وقيل أن له الزيادة على حال لأنه ثبت له الأجرة فله زيادته وعليه نقصانه.
وقيل ليس له ذلك على حال وأكثر ما يؤخذ من قول أصحابنا إن كان أصلح صلاحا كان له الزيادة من الأجرة وإذا لم يكن سلم لم يكن له زيادة. /220/ (4/206)
صفحة 1701
رجع: وكره كراء الميزان والمكيال وأما رد ذلك على من قبض فعسى على أن يكون لازما.
ومن غيره: قال أبو المؤثر: أرى أن يرده الا أن يكون هو الذي وزن به أو كال فلا بأس وله أجره لأن الكراء وقع على عمل يده وليس على المكيال والميزان. /221/ (4/207)
صفحة 1702
رجع: ووجد أن كراء الميزان والمكيال والدلال على البائع. والله أعلم.
رجع: وقيل من سرق عبدا قيمته يوم سرقه مائة درهم فبقى عنده إلى أن يساوي وفي نسخة يساوي ألف درهم ثم أدرك فيه. قال: هو لمن صح له وإن تلف فعليه درهم ألف التي كان بلغ إليها. وقال أبو المؤثر: إذا كانت الزيادة التي زادها العبد في شبابه فهو كما قال. وإن كانت زيادته من قبل صلاح جسده أو غلاء ثمنه فهو له يوم عهده. وإن تلف أو نقص فليس له إلا قيمته يوم سرق منه.
قال غيره: وجدت في جامع الشيخ عبد الله بن محمد بن بركة أنه إذا رده عليه أو زايده قيمته أو ناقصة فقد رد العين التي كان غصبها وليس معصيته تحسنه إياه يوجب عليه حكما غير رد العين التي كان غصبها إذا كانت قيمته. /222/ (4/208)
صفحة 1703
رجع وجدت في نسخة أخرى زيادة.
قال أبو المؤثر: وقد سمعنا أن المكتري إذا اكترى السفينة فليس له أن يحمل مكانه غيره إلا برأي صاحب (؟؟؟) وبهذا القول نأخذ، وقيل من أجر نفسه أو دابته في عمل بحب فلا يأخذ إلا ذلك الحب بعينه وإن كان الأجر بدراهم فله أن يأخذ بها ما أراد.
ومن غيره قال: عبد الله إذا كانت الأجرة إلى أجل وكانت المقاطعة صحيحة فهو كما قال وهو أكثر القول عندي. وإن كانت الأجرة إلى غير أجل فيوجد أنه أقرب إلى الإجازة أن يأخذ منه عوض ما استأجره من الحب وشبهه ولله أعلم. فينظر في ذلك.
ومن غيره: وعن النساج إذا طرح إليه رجل سداة وقاطعة على عملها مقاطعة ثانية هل تستحق الكراء قبل أن يعمل الثوب. قال معي: إنه قد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: لا يستحق كراء حتى يعمله. وقال من قال: إنه يلزمه أن يسلم الكراء على معنى المقاطعة الثابتة ويؤخذ الصانع بعمل الثوب. وكذلك ما يشبهه من الحدادة والصياغة ونحوهم إذا كان ذلك على معروف لعله أراد على أمر معروف لا تدخله الجهالة.
وقال أبو علي الحسن بن أحمد بن عثمان _رحمه الله_ أنه كلما عمل شيئا استحق بقدر ذلك من الأجرة. والله أعلم.
وسئل عن رجل استعمل رجلا في عمل مجهول فاتفقا على درهم لم يعطه إياه في الوقت ثم افترقا ثم أراد أن يعطيه بعد ذلك عروضا أيعطيه العروض بعناه أم الدرهم الذي اتفقا عليه. قال معي: إنه يعطيه بالعني (؟؟؟) لأنه إنما متعلق عيه العنى لأن اتفاقهما على الدرهم لا يثبت عليهما حكما وإنما يثبت لهما بالتسليم بعد الإتفاق في الوقت قيل له فإن اتفقا على درهم وأعطاه بالدرهم عروضا في الوقت هل يثبت ذلك في الحكم. ... /223/ (4/209)
صفحة 1704
قال: عندي أنه لا يثبت القضاء إذا لم يأخذ ذلك بعناء.
ومن غيره: قلت له فما تقول في رجل قاطع رجلا يسوق له قطعة معروفة بكراء معروف معلوم بحب هل يثبت ذلك إلى أن يجز الزراعة.
قال: أما في الحكم فلا يثبت عندي، وقيل إنه ثابت ويخرج ذلك عندي على التعارف. قلت له فإن مات قبل دراك الثمرة يكون له الحصة من الأجرة أما أجر مثله، قال: إذا ثبت معنى ذلك كان له الحصة من الأجرة وإذا انتقض كان له أجر مثله. ... /224/ (4/210)
صفحة 1705
ومن غيره: وعن رجل أشاف رجلا زرعا بمقاطعة صحيحة ثابتة ثم ذهبت الزراعة، هل يلزمه شيء. قال إذا جاء العذر من قبل الله عز وجل ولم يكن في الشائف ولا المشيف. فمعي أنه يكون للشايف بقدر ما شاف من الزمان. وإذا كان الشايف هو الذي تركها من غير عذر لم يكن له شيء حتى يتم ما قوطع عليه عندي. وفي بعض القول أنه يكون له عناء لأنه يذهب إلى أن هذه الأجرة والمقاطعة كلها تدخلها الجهالة بموت الشائف أو موت المشيف. ومن جهة أنهما لا يحيطان بجميع المقاطعة. قيل له كانت المقاطعة مجهولة ثم شاف شيئا من الزمان ثم تركها من غير عذر.
قال معي: أنه له بقدر عناءة إذا كان العمل مجهولا.
ويوجد في جواب أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي_ رحمه الله_ أن الأجرة إذا كانت في شيء محدود من الأوقات لزجر هذه الزراعة بشيء من الإجارة من حب أو غيره، ثبت ذلك، فإذا كانت على أن تزجر هذه الزراعة إلي (؟؟؟) أن يحصدها فإن كان وقت حصادها معروف مع المستأجر والأجير بأنها إنما تزجر كذا أو كذا شهرا فالإجارة أيضا ثابتة وإن كان ذلك مجهولا عند المستأجر والأجير وعند أهل المعرفة بالزراعات في ذلك الموضع كان للأجير قيمة العناء برأي العدول. فيما قد عناه إذا كان ذلك الذي قد عانا (؟؟؟) فيه مجهولا ليس له وقت معروف عند أهل الزراعات.
وأما إذا كان معروفا عند أهل الزراعات فهو ثابت ولو جهله الأجير والمستأجر والله أعلم.
فلولا أن مثل هذا يثبت لما يلزم الكراء من يخرج إلى مكة من القرويين أي سكنى القرى حول مكة إذا لم يكونون يعرفون مكة قبل ذلك، لكنه يثبت عليهم فيما قد جهلوه إذ هو معلوم عند غيرهم من أهل السفر إلى مكة والكراء من الإجارات. ... /225/ (4/211)
صفحة 1706
ومن غيره: وقال: وإن حفر الرجل حول حرثه وداره حفارا عن الفساد من غنم تربض حول الدار أو تأكل الزروع. فأما ما كان في ماله فلا ضمان فيما نوى ذلك. وأما ما كان في غير ماله حول زرعه فهو ضامن.
قال: وأخبرني محمد بن محبوب_رحمهما الله_ عن نزار وكان واليا بفرق وأن مسعدة بن تميم رأى عليه الضمان. قال: وأما محمد بن محبوب رحمهما الله_ فقال: وأما الذي يعرفه فيمن حفر في غير ماله كان عليه الضمان. وأما من حفر في ماله لم يكن عليه ضمان. قال: والذي أقول على حد الوجه أن البهائم لا تعقل وإذا حفر في زرعه فلا شيء عليه وإذا حفر حول زرعه فإن كان الحفرة خفية فعليه الضمان وإن كانت متبينة تنظره الدواب والبشر فلا ضمان عليه.
ومن جواب من: نجده بن الفضل النخلي: وفيمن استأجر أجيرا ثم يرى بعضهم يسوي عمله ضعف ذلك. ومنهم من سوى عمله نصف ذلك هل عليه أن يعطي كلا على قدر عمله ويزيد بعضهم وينقص بعضهم ويكون سالما بذلك.
وكذلك استخدمهم بغير أجر معلوم وهل كون المعنى في ذلك واحدا. الذي عرفت أنه إذا استأجرهم بغير أجر معلوم. جاز له أن يعطي كلا كأجر مثله. وأما إذا استأجرهم بأجر معلوم أعطاهم والله أعلم وسئل عن ذلك. /227/ (4/212)
صفحة 1707
وسئل أبو سعيد_رحمه الله_ عن رجل من أهل سلوت اكترى جمالا من سلوت على أ يحمل له امرأته من نزوى ويأخذ كراءه دراهم فلما وصل الجمال إلى نزوى أبت المرأة أن يلحق الجمال هل يلزم الزوج الكراء الذي قاطع الجمال عليه. قال معي: أنه يلزمه كراءة ذاهبا إلى نزوى ولا يلزمه كراءه راجعا إذا امتنعت الزوجة عن الحمول ولم يكن ذلك من فعل الجمال ولا من فعل المكتري. وإذا كان ذلك من فعل الجمال لم يكن له شيء إذا كانت المقاطعة معروفة. وإذا كان ذلك من جهة المكتري كله، وقال في رجل استأجر من رجل أيضا بحب بر فزرعها بر أو طلب صاحب الأرض أن يعطيه من حب القطيعة. وقال المستأجر أعطيك من حيث شئت أن له أن يعطيه من حيث شاء إلا أن يشترط عليه.
قلت له: وكذلك الشايف والأجير إذا لم يعين لهم سهم معروف قال: نعم. يعطيه من حيث شاء.
وعن رجل استعار من رجل دابة ليحمل عليها برا فحمل عليها ذرة، وكذلك قال أنه يحمل عليها برا فعطبت، فإذا عطبت من تلك الذرة التي حمل عليها فإنه ضامن لأنه خالف أمره به. /228/ (4/213)
صفحة 1708
الباب الثالث
في أجرة البقر
من جواب أبي عبد الله محمد بن أبي المؤثر أنه إذا أجرة البقرة بعينها في زراعة معروفة بأجرة معروفة ولم يشترط كفاية الزراعة ثم رزمت البقرة أن الأجرة جايزة وليس على صاحب البقرة إلا بقرته ولا ينحط في أجرته بالرزام.
ومن غيره: وقال من قال: إنه إذا كان الأمر من قبل الله تعالى ولم يضيعها المستأجر لها فإنما له بقدر ما زجرت من الثمرة على الحساب ن الأجرة، وعمن كان عليه لرجل مكوك رطب فذهب فدعاه إلى أن يعطيه منوي تمر في الشتاء، فطلب أن يعطيه مكوك رطب. وكذلك مالا يوجد في وقته ما لا يطلبه صاحبه ويقول للمديون أعطني قيمته أله ذلك؟ فعلى ما وصفت فإذا كان هذا الرطب من غير السلف والإجارة فإن لهما أن يتفقا على ما شاء فان لم يتفقا على شيء لم يكن لصاحب ذلك الشيء إلا قيمة ذلك الشيء المعدوم من الرطب يقومه العدول وإنما له قيمته في وقته لا قيمته في عدمه أو ننظر في مجيء ذلك الشيء. وأما السلف فليس له إلا رأس ماله. وأما الإجارة فله بقدر عناءه بما يراه العدول ليس قيمة ذلك الشيء المعدوم وذلك أنهم قالوا أن السلف في الشيء الذي لا يبقى في أيدي الناس منتقض. وقالوا في الإجارة لا تباع ولا تعطى قيمتها ولا يعطى إلا ما اكترى به من الكيل والوزن ولا يجوز بيعها إلا بعد قبضها، وعن أهل البئر اكتروا منجورا يزجرون عليه فزجروا أياما ثم صرع المنجور من تركيبهم جوف البئر فكسر فأخرج مكسورا فتركوه وأخذوا غيره ولم يعلموا صاحبه حتى جاء الصيف، وجاء صاحبه يطلبه يطلب منجوره وكراءه فقالوا: كسر ولم يزجر عليه إلا يومين أو ثلاثا فعليهم شاهدان أنه انكسر في الزجر وإلا أعطوه كراه ومنجوره. ... /229/ (4/214)
صفحة 1709
ومن غيره: وعن رجل اكترى منجورا من رجل يزجر عليه ثم كسرها هل يلزمه؟ فإن انكسر في عمله لم يضمن.
ومن غيره: قال: نعم. وذلك ما لم يحمل عليه فوق ما يحمل على مثله من الزجر. قال أبو المؤثر: رفع إلي في الحديث أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال: لا يستعمل الأجير يقطع له أجره. وقالوا: يعطى الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. أي يبس عرقه بعد فراغه من عمله وكلا القولين يرجعا إلى معنى واحد. /230/ (4/215)
صفحة 1710
رجع: وقالوا: قال أبو سعيد_رحمه الله_ الدابة المعروفة بالنطاح والعقر إذا أصابت أحدا فمعي أنه في بعض القول أن على ربها الضمان. وقال من قال: لا ضمان عليه إلا أن يحتج عليه بالإلزام، وأما إذا لم يكن معروفا بذلك فأصاب أحدا فلا أعلم أنه يلزمه ذلك. وقال أبو سعيد: في رجل أمر رجلا أن يرفع ميزانه فرفعه فطرح الآخر فيه دراهم. فقام الآخر يزنها أنه يكون وازنا بغير إذنه. قلت له: فإن تلفت الدراهم. هل يضمن الوازن. قال معي: أنه لا ضمان عليه. قلت له: فإن كان عنده دراهم أمانة ففتحها ليزن منها شيئا ليستقرض ثم ندم فردها وشدها كما كانت فتلفت هل يضمن؟. قال معي: إنه قيل عليه الضمان إذا وزنها على ذلك وقال من قال: عليه الضمان بفتحه لها _ نسخة إياها_ قلت له: وكذلك اللقطة إذا مسها ولم يزنها. قال معي: إنه قيل يضمنها. وقيل لا يضمنها حتى يزيلها من موضعها أو يقبضها. قلت له: فإذا كان في منزله أمانة وكان يقبلها من موضع إلى موضع في المنزل فتلفت بعد ذلك هل يضمن؟ قال: إن أراد بذلك إحرازها أو لحاجة منه إلى منزله فوضعها حيث يأمن عليها في منزله لم يبين لي عليه ضمان على هذا المعنى. قلت له: أرأيت إن كان في منزله لقطة لقطها غيره فحولها من موضع إلى موضع من المنزل ولم يرد إتلافها. فمعي أنه يختلف في ذلك. فقال من قال: يلزمه الضمان. وقال من قال: لا يلزمه الضمان.
وسألته عن رجل يعطي امرأة مكوكا من حب تطحنه وتخبزه وتأخذ ثلثه فأخذت المرأة ثلث الحب لها وطحنت ثلثيه وخبزته للرجل. قال: لا يجوز لها ذلك لأنها لا تستحق الثلث إلا بكمال العمل. /231/ (4/216)
صفحة 1711
الباب الرابع عشر
في الوديعة والعارية
رجع إلى كتاب أبي جابر: روي عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال لصفوان: ((عارية مؤداه)) ويروى أنه استعار منه أربعمائة درع والله أعلم.
وأما المستودع: فإذا قال: دفعت وأنكر الآخر: فالقول قوله مع يمينه إلا أن يكون دفع إليه ببينة فعليه هو أيضا البينة بما ادعاه ولا ضمان على المستعير إذا لم يزل المستعار إلى غيره ولا ضيعه ولم يستعمل بغير ما استعاره له ولو لم يستعر ذلك لشيء معروف، واستعاره لينتفع به فاستعمله بغير ما يستعمل به مثله. مما يتلف فتلف فعليه الضمان أيضا.
ومن غيره: من جواب نجده بن الفضل النخلي: وما عندك فيمن يستعير المسحاة ليرضهم بها هل له أن يسلمها إلى من يعينه على ذلك. وكذلك من يستأجر حمارا أو يستعيره هل له أن يسلمه إلى بيادير كان يأمنهم أو لا يأمنهم ثم يأتوا به وقد غاب منه شيء ما يلزمه في ذلك الذي عرفت أنه إذا كان المستعير ممن يعمل له ولا يعمل هو بيده وكان المعير يعلم ذلك أنه لا ضمان على المستعير وهذه عادة الناس في المسحاة والدابة وغير ذلك مما يجري بين الناس من العارية./232/ (4/217)
صفحة 1712
رجع: ((ضامن المستعير)): وإن عاره على أنه إن ضاع فهو ضامن ولو لم يضيعه.
ومن غيره: وقال من قال: أنه لا ضمان عليه ولو شرط عليه الضمان.
ومن غيره: وقال: لا ضمان على الراعي ولو اشترط عليه الضمان. قال: لأن من كان عليه الحفظ بعينه لا ضمان عليه وإنما الضمان على من عمل بيده.
وقال أبو سعيد:_ رحمه الله_ معي أنه يخرج على نحو هذا إذا لم يشترط عليه الضمان، فإن اشترط عليه الضمان فمعي أنه يختلف في تضمينه، وأحسب أن في بعض القول أنه يضمن لأن الضمان شرط لازم والضامن غارم.
وكذلك العارية والأمانة والوديعة يخرج معاني الاختلاف إذا شرط الضمان لأن في الأصل لا ضمان والأمور مبنية على أصولها والشرط فيها واقعة بمعاني الاختلاف فمنهم من يثبتها ما لم تكن باطلة يحرم لعله أراد إلا أن يكون شرط يحرم حلال أو يحل حراما. ومنهم من يبطل الشروط المدخلة خلاف الأحكام الأصلية، ويثبت الأصول على ما هي عليه قول أبي سعيد_ رحمه الله_.
وكذلك أن قال استعمله ورده فضاع ولم يرده فقيل إأنه يضمن وقيل في الذي يستعير الكتاب من صاحبه فيقول له أقرأه ولا تنسخ منه شيئا إنه لا بأس عليه لأن العلم لا ينبغي لأحد أن يمنعه والقرآن بمنزلته وقيل في رجل ركب بعير رجل بلا إذن منه ثم دفعه إلى آخر فركبه فتلف إن الضمان لصاحبه على الراكب الأول. والضامن على الآخر أيضا للذي دفعه إليه، فلا ضمان عليه له. /235/ (4/218)
صفحة 1713
وفي حفظ أبي صفرة: في رجل استعار من رجل متاعا أيسعني أن أستعيره وإن كان لا يتحرج. قال: نعم. لأنك ما تدري ما رخص له فيه. قال أبو المؤثر: ليس لأحد أن يستعير من المستعير إلا أن يكون المستعير ثقة ويقول: قد أذن لي أن أعير فعسى أن يجوز والله أعلم.
قال أبو عبد الله _رحمه الله_ يسع ذلك إذا كان ثقة. وقيل في المستعير إذا رد الدابة أو غيرها مع الذي جاء بها إليه من عند صاحبها فضاعت فلا ضمان عليه. وكذلك ردها مع ثقة وإن رده مع غير هذين فتلفت ضمن.
تم الباب من كتاب أبي جابر_ رحمه الله_
ومن غيره: وذكرت في قوم استعاروا جرة خل من عند رجل ثم أن الرجل هلك وخلف أولاد فيهم يتيم وطلبوا أولاده جرتهم، فعلى ما وصفت فإن كان هذا المستعير طبخ هذه الجرة في حياة الذي أعاره ثم مات الذي أعاره الجرة ولهذا الذي استعاره فيها خل فليس لهذا أن يرد عليهم جرتهم حتى يفرغ خلها الذي جعله فيها في حياة صاحبها ثم ليس له أن يجعل بعد موته فيها شيئا وليس له أن يحتال في ترك الخل فيها يريد بذلك أن تكون الجرة معه ولكن يعمل في فراغها فإذا أراد أن يدفعها فلا يدفعها إلا أن يكون لليتيم وكيل وما لم يبلغ اليتيم فهو يتيم ولا ينظر إلي قياسه ولا إلى جودته. وفي نسخة إلى حوزته. /236/ (4/219)
صفحة 1714
ومن جواب محمد بن الحسن: وذكرت فيمن استعار كتابا من عند رجل وإن الرجل المعير مات وخلف يتيما وليس له وكيل. قلت إلى من يتخلص من هذا الكتاب. قلت: وكذلك إذا كان معه وضيع أو عليه له دين. واليتيم محتاج أو غير محتاج ولليتيم أم وأخوة. فعلى ما وصفت فأما الوضيع والكتاب فإن كان اليتيم محتاجا إلى كسوة ونفقة وإلى بيع الوضيع والكتاب أقيم له وكيل ثقة وباع الوضيع والكتاب وأطعمه وكساه أو يفرض له فريضة لمن يعوله ويطعمه من عنده حتى إذا استحق الفريضة سلم إليه من فريضته فإن لم يدرك ذلك كله، وكان اليتيم محتاجا والأم والأخوة يؤمنون على ما سلم إليهم فدفع إليهم ذلك الوضيع والكتاب بمؤنة اليتيم كذا أو كذا شهرا على ما يستحق من فريضة نفقته وضمنوا بمؤنتهم بذلك مما سلم إليهم جاز ذلك، وإن كان اليتيم غير محتاج فالوضيع والكتاب بحاله في يد من هو في يده حتى يجعل الله له مخرجا أو يقام لليتيم وكيلا ثقة فيسلم إليه. وأما الدين فيطعمه به الغارم إن أراد الخلاص، فإن كان غنيا عن الطعام أطعمه به موزا وإن كان محتاجا للطعام أطعمه به خبزا حتى يستوفى ما عنده، وإنما يطعمه قدمه لا يغيب منه بشيء. وإن احتاج إلى كسوة كساه به ثوبا أو قميصا إن كانت جارية، ... /237/ (4/220)
صفحة 1715
وسئل عن مجنون وضع شيئا من ماله في مال رجل ولم يقبضه الرجل منه إلا أنه وضعه شاء الرجل أو أبى ومر المجنون وترك ماله يلزمه هذا أن يفعل فيه. قال معي: إن بعضا يلزمه حفظ ذلك إذا كان إن تركه ضاع وإنما يكون عنده أمانة لا ضمان عليه فيها إلا أن يضيعها، وأرجو أن بعضا يقول: ما لم يتعرض له فهو عنده بمنزلة اللقطة إن أخذها احتسابا وسعة وإن تركها خوفا وسعة ما لم يكن تعرض بها بمثل ما تلزمه اللقطة. قلت له فإن وضعها في بيت رجل ثم رجع يريد أخذها والباب مغلوق هل يجوز لصاحب البيت أن يفتح له الباب. قال معي: إنه إن كان يعرف بتضييع ماله لم يعن على تضييعه بتسليمه إليه ولا بمعونته على ذلك فإن فعل فهو ضامن من معه ولكن يفتح بابه لحاجته ولا تكون نيته أن يفتحه ليأخذ المجنون ماله على معنى قوله. وعن رجل يستعير الدابة فيردها مع ولده أو مع بعض أرحامه فتذهب الدابة، هل يعليه ضمان. قال: إن ردها مع الذي جاء بها إلى المستعير لم يكن عليه ضمان. وإن ردها مع غير الذي_ لعله أراد مع غير الذي جاء بها إليه_ فعليه الضمان، إلا أن يردها مع ثقة فتذهب الدابة ولم يحدث فيها الثقة حدث ركوب ولا غيره فلا ضمان عليه.
وفي رجل أعار رجلا وعاء فلما رآه المستعير شبهه إلى وعاء لرجل آخر فأرسل إلى الرجل الذي شبهه بوعائه فلما أن جاء الرجل عرف الوعاء لمن رده، المعير الأول عليه الطلب.
الجواب: فعلى من استعار منه رده إليه وضمانه والله أعلم. /238/ (4/221)
صفحة 1716
الباب الخامس عشر
اللقطة والأمانة
رجع إلى كتاب أبي جابر
ومن غيره: ((حكم أخذ اللقطة)): وأما أخذ القطة فهفوة من أخذها ومغالطة وقد كان منها سالما فصار بأخذه لها غارما وعليه أن يطلب البراءة على ما يفتيه العالم ويراه. فأما مثل العصا والشيء الذي يستدل أن صاحبه لا يرجع إليه فلا بأس بأخذه، وأما مثل الذي يرجع إليه صاحبه في طلبه فإن أخذه أو رفعه من موضعه فقد لزمه.
ومن غيره: عرفت في اللقطة إذا رفعها رافع ثم وضعها ولم يدل عليها أحدا فيأخذها اختلافا. بعضا يلزمه ضمانها، ومنهم من يلزمه ضمانا في ذلك.
قال أبو علي الحسن بن أحمد_رحمه الله_ إلا أن يغيب بها مقدار ما لو جاء صاحبها يطبها لم يجدها فعليه الضمان، ولا أعلم في ذلك اختلافا والله أعلم. /239/ (4/222)
صفحة 1717
رجع ((مدة تعريف اللقطة)): وإن مسه ولم يرفعه لم يلزمه إلا أن يكون شيء قبضه هو استعماله مثل حصير قعد عليه أو نحو ذلك فإنه يلزمه. وإن أعلم باللقطة غيره أو دل عليها أو أخذ ينظر إليها حتى أبصره غيره فأخذها فقد قيل أنها تلزمه أيضا. ومن لز مته (؟؟؟) اللقطة عرفها سنة وسأل عن صاحبها فإن لم يقدر عليها باعها واجتهد وتصدق بثمنها على الفقراء فإن جاء صاحبها خيره بينها وبين الأجر فإن طلبها فعليه له غرمها. وقالوا: إن كانت شيئا يسيرا لم يكن عليه أن يعرفها سنة ويعرفها ما فتح الله له فإن لم يجئ صاحبها تصدق بها على فقير أو ثمنها كل ذلك جائز. قال أبو المؤثر: اللقطة مختلفة فيها منها ما يعرف سنة ومنها ما يعرف أقل ومنها ما يعرف أكثر على قدر عظم اللقطة ودنائتها.
ومن غيره: قال: وقد قيل أن اللقطة إذا كانت قيمتها ثلاثة دراهم فصاعدا عرفت سنة. وإن كانت قيمتها درهمين عرفت شهرين وإن كانت قيمتها درهما أو أقل عرفت شهرا وهو أكثر القول وعليه العمل والله أعلم.
وتعرف اللقطة حيث يكون جامع الناس من الأسواق والمساجد وحيث قد ينتهي الأخبار إلى من أذهبه إلى ذلك الشيء. والله أعلم. /240/ (4/223)
صفحة 1718
واللقطة الدراهم إن كانت في خرقة وجاء رجل بعلامتها دفعت إليه.
وقد قال من قال: وإن لم تكن خرقة وقد جاء طالبها بعلامة معروفة فقال فيها درهم من صفته كذا وكذا دفعت اليه. وأما إن قال وزنها كذا وكذا فليست تلك بعلامة.
ومن غيره: وقال من قال: إذا أتى أحد بصفة وزنها عشرة دراهم أو درهم وهي كذلك. فمعي أنه يختلف في ذلك، فقال من قال إنها علامة. وقال من قال: ليس بعلامة. وقال من قال: حتى يجتمعن العلامات ويأتي بصفتهن وهو الوعاء_ يعني الكيس_ والوكاء_ وهو الخيط الذي يشد به والوزن، فعلى هذا القول لا يكون علامة إلا باجتماعهن كلهن. وعن الرجل يجيء بالشيء ببيعه ويقر أنه لقطة وإنه قد عرفه فلم يعرفه أحد، هل يجوز لي أن أشتريه منه. قال: نعم.
ومن غيره: وقال من قال: لا يشتري منه والله أعلم. /241/ (4/224)
صفحة 1719
رجع: وقد كتب عمر بن الخطاب_رحمه الله_ إلى عماله: لا تعرضوا للضوال فكانت تتناتج هملا ترد المياه، فلا يعرض لها. وقال الربيع_ رحمه الله_ من قبض ضالة فهو لها ضامن إلا أن تموت أو يأكلها سبع من غير ضياع.
ومن غيره: ويوجد أن رجلا جاء من ناحية فيقا إلى موسى بعبد فقال: إن رجلا وصف لي غلاما له أبق وطلب أن يأتيه به فوجدت هذا العبد فأتيته به. فقال لي: ليس لي هذا، كيف لي بالبراءة منه. فقال موسى وبشير ومنازل قاعدان معه أن خذ شاهدي عدل ثم ذهب العبد معهما حتى يأتي الموضع الذي وجدته فيه، فاستشهدهما على سلامته وخل سبيله ثم أنت بريء منه. قلت له: ثم وكذلك الدواب. قال: نعم. هي عندي مثله. ... /242/ (4/225)
صفحة 1720
رجع: وأما من وجد شيئا في منزله حيث يسكن فهو له إلا أن يكون شيئا يعلم أنه ليس هو له ولم يملكه فلا يأخذه. قال عبد الله بن حازم الهلالي إنهم قد أخرجوا سمادا من دار خرب بينه وبين ورثة معه فوجدوا فيها دنانير كثيرة فما يجب فيها الزكاة؟ فاختلف الورثة فيها فسألت أبا عبد الله_ رحمه الله_ عنها لمن تكون. فقال: إن كانت هذه الدار كان يسكنها ساكن بعد ساكن من الناس فهذه الدنانير لآخر من سكن فيها. وان كان يسكنها الساكن منهم حتى يموت ثم سكنها وارثه من بعده هي لآخر من سكن كنها من الورثة.
قال أبو عبد الله: فنظرنا فإذا آخر من سكن سكنها جدنا الأغلب فقسمناها على ورثته.
قال غيره: وهذا إذا كان بمنزلة الكنز فتوارثه عن حكم الساكن لعله متوارثة عن حكم الساكن وقيل أيضا ذلك بمنزلة اللقطة. ... /243/ (4/226)
صفحة 1721
ومن غيره: وعن رجل في يده أمانة ولقطة فضاعتا منه ثم وجدهما في يد رجل فقيل أما الأمانة فهو خصم فيها حتى يفكها ويأخذها للذي ائتمنه عليها. وأما اللقطة فإنها لا خصومة بينه وبين الذي هي في يده لأنه هو قد برئ منها إذا ضاعت وليس له فيها حق فيدعيه.
ومن غيره: قال أبو سعيد_ رحمه الله_ وقد قيل إنها إذا ضاعت من يده ضمنها، فعلى هذا يكون خصما لمن هي في يده. /244/ (4/227)
صفحة 1722
رجع: وللذي في يده لقطة أن يدفعها إلى الذي يدعيها ويجيء بعلامتها فإن دفعها إلى الذي جاء بعلامتها ثم جاء آخر بعلامتها فلا أرى له شيئا إلا أن يصح أنه له. فعلى الذي دفعها غرمها له. وإن ادعاها اثنان فأكثر وكلهم يأتي بالعلامة فلست أرى عليه أن يدفعها إلى أحدهم إلا بصحة أو يتفقون هم فيها بينهم بلح.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وفي رجل اشترى شاة فوجد في بطنها خاتم ذهب أن للبايع الخاتم، وقال مسبح: إن عرفها فهو له وإن لم يعرفها فهي مثل اللقطة.
قال غيره: قال وقد قيل هي بمنزلة اللقطة والبايع لها بمنزلة غيره قال أبو سعيد: عندي أنه قد قيل في الأمانة أنها مضمونة مثل الدين. وقال من قال: ليس بمضمونة عندي أنه قيل لو مات رجل وصح عليه بالبينة أن زيدا أتمنه على ألف درهم أنها ثابتة عليه، في ماله على قول من يقول أنها مضمونة. وقال من قال: إنها قبل الدين. وقال من قال: إنها مثل الدين، وقال من قال: أنها بعد الدين، وعلى قوله من يقول: أنها ليست بمضمونة فلا يلحق المؤتمن الورثة في مال الهالك بشيء ولو صح ذلك بالبينة ما لم يصح الأمانة بعينها.
وسأل عن رجل له غنم يرعاها راع فآوت مع الغنم شاة فقال الراعي: هذه الشاة لبني فلان وقالوا لي احلبها فحلبها وخلط لبنها في الغنم قال: لا بأس به. قلت فإن قال إنها لبني فلان ولم يقل انهم أذنوني بحلبها قال: لا يأكل من اللبن شيئا. /245/ (4/228)
صفحة 1723
قال غيره: وأما الذي فرق اللقطة على الفقراء بعد التعريف ثم حضرته الوفاة فقد قيل عليه الوصية بذلك والإقرار به. وقيل الوصية عليه في ذلك وأنا أحب إن كان أخذها احتسابا ليسلمها إلى أهلها أو يفرقها على الفقراء إن لم يجدهم على ما جاءت به السنة لا ضمان عليه ولا وصية على هذا السبيل، وإن أخذها بجهل أو تجاهل على أن يأخذها لنفسه ثم ندم وفرقها على الفقراء أنه يلزمه على هذا الوجه الضمان والوصية مع التفرقة، تدبر ما وصفت لك ولا تأخذ من قولي إلا ما وافق الحق والصواب.
ومن غيره: وقال في رجل لقط دراهم مجتمعة أو متفرقة غير أنها ليست بمصرورة (؟؟؟) فتعرف بعلامتها فقال: لا يشدوا بها لأن ليس لها علامة تعرف بها. وقال أبو زياد: يتصدق بها لأنها ليس لها علامة تشتبه بها. وقال في رجل أتى ببضاعة فاستودعها رجلا فقال له صاحب المنزل ضعها هنالك ووضعها صاحب المنزل ثم حولها من بعد إلى غير المنزل حفظا منه لها أو لحاجة عنت في موضعها فتلف المال فلا ضمان على صاحب المنزل وإن كان صاحب البضاعة وضعها بأمره بلا أمر من صاحب الدار فحولها صاحب الدار ولزمه الضمان. /246/ (4/229)
صفحة 1724
((الأمانة)): رجل هلك وخلف ورثة فيهم يتيم ولهم دراهم على مجوسي أخذ الورثة حصتهم وبقى حصة اليتيم فهل يجوز لوالدة اليتيم أن تقبض ماله وتصرفه في مصالحه وهي مأمونة أم لا يجوز ذلك؟ فقد نظرت في مسألتك هذه فإن كانت هذه الدراهم لهذا الميت المسلم عند هذا المجوسي على وجه الوديعة فلا يجوز تسليمها ولا شيء منها إلى ورثة هذا الميت إذا كان فيهم يتيم حتى يبلغ. فإن كان على وجه الضمان أو الدين فقد اختلف في ذلك، وقد قبل أنه لا يجوز له أن يسلم إلى البالغين من ذلك شيئا لأنه كلما سلمه إلى واحد منهم فلليتيم فيه حصته، وإن سلم إلى البالغين كل واحد منهم حصته وبقى حصة اليتيم فإن كان له وصي ثقة من قبل والده سلم إليه حصة اليتيم بموت المجوسي أو غير ذلك، رجع علي البالغين فيما أخذوه كل واحد بقدر ما يقع لليتيم من حصته. وأما الوالدة فليس عليها أن تلزم نفسها ضمانا لليتيم احتاج اليتيم أو لم يحتج ولو طلب ذلك المجوسي. فإن أرادت هي ذلك وساعدها المجوسي فذلك إليهما وحصة اليتيم على المجوسي على كل حال حتى يبلغ ويتخلص إليه المجوسي. والله أعلم.
وعن رجل أتمن بأمانة فغاب وتركها في بيته أو خاف على بيته فحولها إلى بيت رجل آخر فضاعت هل يلزمه ضمان فعلى ما وصفت فإذا تركها عند متاعه وجعلها حيث حول متاعه أو جعلها حيث يرجوا السلامة أو مع من يأمنه على متاعه فضاعت، فلا ضمان عليه. /247/ (4/230)
صفحة 1725
جواب من أبي الحواري: أما بعد: أصحّك الله وهنّاك وجعل في عافيته بقاك. سألت عن رجل معه لرجل مال وطعام وغلة. وقال صاحب الغلة لأمين كل من وصل إليك برقعة مني فسلم إليه ما في الرقعة، فوصل إليه صاحب الرقعة برقعته فيعطيه ثم يتناكر بعد ذلك. قال صاحب السفتجة لم يعطني شيئا، وقال الأمين قد سلمت إليك أو أعطاه شيئا وبقى شيء فقال الأمين: قد وفيتك الذي في رقعتك ما على من الحق وتمامه والبينة واليمين فعلى ما وصفت: فإذا قال صاحب الرقعة أن الأمين لم يعطه، وقال الأمين أنه قد سلم إليه ما في رقعته فقول الأمين مقبول على نفسه مع يمينه ولا ضمان عليه ويتبع صاحب الرقعة الذي له الحق الذي عليه الحق وعلى الذي عليه الحق أن يسلم إلى الذي له الحق في الرقعة إلا أن يكون مع الأمين بينة، فالبينة على الأمين يسلم الحق إلى صاحب الرقعة واليمين لصاحب الرقعة الذي له الحق إن شاء حلف وليس للذي عليه الحق أن يتبع الأمين بشيء إذا قال الأمين أنه قد سلم إلى صاحب الرقعة ما في رقعته فافهم هذا فعلى هذا حفظنا. وعن رجل وضع مع رجل حبا أو غيره. وقال للذي وضع معه إن ضاع شيئك فأنا منه برئ لا أضمن إلا به أو وضعه ولم يقل له فيه شيئا ثم رجع قال له: أحمل حبك عني فأبا أن لا يحمله، فقال: أعلم أني برئ منه ولا أتعرض به فإن شئت فاحمله وإن شئت فدعه فخرج الذي وضع معه في منزله وعزل شيئه فتركه وضاع، هل يلومه شيء. فعلى ما وصفت فلا ضمان عليه إذا دعاه إلى حمله فلم يحمله ووضعه برأيه أو بغير رأيه إلا أن وضعه برأيه فدعاه إلى حمله فلم يحمله فلا ضمان عليه. وإن لم يدعه إلى حمله فعلى هذا إذا أنقل متاعه من منزله وتحول إلى موضع آخر كان عليه أن يحول هذا الشيء الذي وضع معه حيث يضع متاعه. وهذا إذا وضع برأيه ولم يدعه إلى حمله وإن دعاه إلى حمله فلم يحمله، فلا ضمان عليه إذا تحول من ذلك المنزل وليس عليه أن يتحول من ذلك المنزل لم يكن عليه تحويل ذلك المتاع الذي وضع في منزله بغير رأيه فافهم ما كتب به إليك وأعلم أني ما آمن على نفسي الخطأ والغلط واله الموفق للحق والصواب. وقد اجتهدت في طلب السلامة لي ولكم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وإليه المصير. ... /248/ (4/231)
صفحة 1726
جواب إلى أبي الحواري إلى من كتبه إليه:
أما بعد: عصمك الله وإيانا بالتقوى وجنبك وإيانا مضلات الأهواء وسلك بنا وبك سبيل الهدى برحمته ومنه أنه على كل شيء قدير. سألته رحمك الله عن امرأة لقطت لؤلؤة قريبا من الساحل غير أنها في موضع لا يناله البحر إذا فاض ولا يقاربه أيكون بمنزلة اللقطة أم هي لمن لقطها؟ فعلى ما وصفت فالذي نحفظ من قول الفقهاء أن اللؤلؤة إذا كانت حيث لا يصل ماء البحر فهي بمنزلة اللقطة تعرفها سنة فإن عرفها أحد وإلا باعها وفرق ثمنها على الفقراء. وإن كانت اللؤلؤة حيث يصل ماء البحر فهي لمن وجدها وأخذها إلا أن تكون مثقوبة وفيها خيط فهي بمنزلة اللقطة وكذلك إن لم يكن فيها خيط وكان ثقبها من قبل الناس فهي بمنزلة اللقطة. وقلت إن الذي لقطها يقول أنه وجدها في سلح سبع لا يدري ذئب أو كلب فإن كان وجدها حيث يصل ماء البحر فهي لمن وجدها، وإن كان وجدها حيث لا يصل ماء البحر فهي بمنزلة اللقطة فلعلها لم يخرج من بطن السبع ولعله إنما يطرح السبع عليها.
وعمن أتمن بأمانة فغاب وتركها في ببيته أو خاف على بيته فحولها إلى بيت رجل آخر فضاعت هل يلزمه ضمان؟ فعلى ما وصفت فإذا تركها عند متاعه أو حولها حيث حول متاعه أو جعلها حيث يرجو لها السلامة أو مع من يأمنه على متاعه فضاعت فلا ضمان عليه وذكرت في اللقطة هل يجوز لمن قطعها أن يأخذها لنفسه بأكثر مما يعطي بها فإذا فرق ثمنها على الفقراء بعد أن يعرفها جاز له ذلك إن شاء الله. وإن أراد هو أن ينتفع بها ويفرق ثمنها على الفقراء جاز له ذلك لأنه هو لها ضامن متى جاء صاحبها فوجدها بعينها أخذها وإن لم يجدها بعينها أخذ ثمنها ... /249/ (4/232)
صفحة 1727
إذا طلب ذلك كان اللاقط لها غنيا أو فقيرا إلا أن الفقير يجوز له أن يأخذها ويأخذ ثمنها إن أراد ولا يجوز للغني أن يأكل منها شيئا.
ومن غيره: قلت له: فإن لقط دينارا فعرفه فقيل له إن مكتوبا عليه {قل هو الله أحد} وهو كذلك أتكون هذه علامة؟ قال معي: إنه قيل أنها علامة. وقيل أنها ليست بعلامة. قلت له وكذلك إن كان فيه شق من عند العروة أو فيه موضع فيه قد وصف به وهو كذلك أتكون هذه علامة؟ قال: لا يبين لي أن هذه علامة. والله أعلم. قلت له: فإن كان فيه خيط (؟؟؟) أسودا وأحمر أو خرقة سوداء وحمراء وقيل له أنه فيه وهو كذلك أتكون هذه علامة. قال: يعجبني أن تكون هذه علامة، ومعي أنه قد قيل ذلك ضاق الموضع عن تمام المسألة_ في النسخة الأولى إلا أنه يقول ما يشبه هذا فهو علامة اذا لم يتسرب_.
وقيل في رجل سلم إلى رجل شيئا وقال له: إن هذا اليتيم ثم أتاه يطلب ذلك أنه ليس له أن يسلمه من بعد أن يقر به لليتيم كان ذلك الإقرار من بعد أن جعله معه أو حين ما سلمه إليه فليس له أن يسلمه إليه ويترك بحاله فإن تلف فلا ضمان عليه إلى أن يسلمه على ما يجوز له من أمر اليتيم.
ومن غيره: وأحسب ردا عن أبي سعيد قال: قد قيل أنه يجوز له أن يسلمه إلى الدافع إليه ذلك على وجه رد الأمانة لا على وجه الاستحقاق له وإنما هو يُسلم إلى اليد التي أعطته. ... /250/ (4/233)
صفحة 1728
جواب من محمد بن الحسن_ رحمه الله_: وعن من يصل إليه رجل غريب لا يعرف بلده أو يعرفه بلده يسأله أن يرفع له دراهم عنده أو غيرها والمسئول يخاف إن فعل ذلك لهذا أن يحدث به حدث ويرجع يطلب الخلاص فيعسر عليه ذلك فما ترى إحرازه إلى هذا الغريب أفضل على رجاء السلامة أفضل أم تركه أسلم له. فعلى ما وصفت فإذا قصد هذا في نيته لله في إحراز مال الغريب ملتمسا بذلك الثواب من الله فقبض ماله على ذلك وصح اعتقاده في أداء الأمانة وترك الخيانة فهذا له الثواب من قبضها إلى أن يؤديها بفضل الله عليها لأن المحافظة عليها من الطاعات، وعمل الحسنات، وكذلك إن تركها خوفا من الله ألا يقوم بأمانته مع ما قد علم من ضعفه لأداء أمانته وذلك من خوف الله ورهبته مع صدقه في سره وعلانيته فإن أخذها فمأجور وإن تركها فمعذور والله خبير بعباده.
ومن غيره: قلت له: فما تقول في رجل جعل مع رجل وديعة أو أمانة ثم أقر أنه سرقها هل يجوز له أن يسلمها إلى الدافع بعد أن أقر معه أنها مسروقة لفلان فقال له الخيار إن شاء دفعها إلى هذا وإن شاء دفعها إلى هذا، قلت له فإن أقر عنده أنه سرقها قبل أن يقبضها منه فقال: لا يقبضها منه. قلت له: فإن قبضها بجهل منه ثم أراد التوبة، قال: يسلمها إلى المسروقة من عنده. قلت له: فإنه لا يقدر عليه. قال: يسلمها إلى الذي سلمها إليه ويقول له: قد قلت كذا وكذا فإن كان كما قلت فتخلص منها إلى أهلها. قلت له الخيار في تسليمها. قال: أقول لمحضرها جميعا ثم يسلمها إلى أيهما شاء ويقول: أنا شاهد على هذا أنه قال أنه سرقها من فلان هذا ثم يسلمها إلى الذي سلمها إليه. /251/ (4/234)
صفحة 1729
ومن جواب أبي الحسن_رحمه الله_ في رجل عليه لرجل حق:
فقال له: سلمه إلى رجل فقال: إنه قد سلمه وأنكر ذلك الآمر له، قال: إنه أمين. فالقول قوله مع يمينه لقد سلمه إليه على ما أمره، وكذلك إن أمره أن يسلمه إلى يتيم. فقال: إنه قد سلمه إليه كان القول قوله مع يمينه. وقال من قال: أنه لا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة لأنه مدعي إزالة ذلك عن نفسه إلا أن يكون ذلك أمانة في يده فهو مصدق في ذلك. وأما الأول فلا يقبل قوله إلا أن يصدقه الذي أمر أن يدفعه إليه أو يصح له ذلك بالبينة أو يقر الأمر له بذلك.
ومن غيره: عن النبي _صلى الله عليه وسلم _ أنه قال ((من استودع رجلا وديعة فلا ضمان عليه)) وهو قول أبي عبيدة والربيع. وإذا قال أن صاحب المال أمره أن يتصدق به فإنه يصدق وذلك أن الأصل أمانة والأمانة مصدق.
قال الناظر: وهذا إذا أقر المؤتمن أنه أمره أن يتصدق بها وإن أنكر أنه لم يأمره فلا يصدق والله أعلم. وما كان أصله ضمانا فلا يصدق إلا بالبينة. /252/ (4/235)
صفحة 1730
وعن رجل دفع إلى رجل دراهم وقال ادفعها إلى فلان فإنها دين علي فقال الرسول: قد دفعتها إليه. وقال للطالب: ما دفع إلي شيئا فزعموا أنه ضامن إلا أن يقيم بينة.
وقال أبو علي (حفظه الله) _ رحمه الله. وقد قيل: لا ضمان عليه. لأنه أمين.
وعن أبي سعيد: وسمعته يقول: فيمن كان في يده لرجل مال أمانة فأقر به الوارث لغيره أترى أن يسلمها إلي من أقر له بها. وقال من قال: له أن يسلمها إلى الوارث وإقراره له بها لغير دفع لأنه كان مستحقا لها بعد موت الهالك.
ومن غيره: قلت لأبي سعيد: محمد بن سعيد أسعده الله_ إذا كانت قيمة اللقطة خمسة دراهم كم على اللاقط لها أن يعرفها من الزمان. قال: قد قال بعض: أن اللقطة إذا كان قيمتها درهم فما دونه عرفها شهرا وعن اللقطة: أيتصدق بها بعينها أو يبيعها ويتصدق بثمنها. قال: كل ذلك جائز ويضعها حيث شاء، إن شاء في فقراء المسلمين فإنه ضامن متى جاء صاحبها.
رجع إلى كتاب أبي جابر _ رحمه الله_ ... /253/ (4/236)
صفحة 1731
الباب السادس عشر
في الهدية:
رجع وأعلم أن كل هدية وصلت من المهدي فهي للمهدى إليه فإن مات قبل أن تصله فهي لورثته وكذلك إن مات الذي أهداها وقد وصلت من عنده فهي للذي أهديت إليه أو لورثته إن كان مات من بعد أن وصلت.
قال أبو علي الحسن بن أحمد _ رحمه الله_ وقد قيل إن مات المهدي قبل أن يقبضها المهدى إليه فهو لورثة المهدي. وإن مات الذي أهديت إليه قبل أن تفضل الهدية من يد المهدي فهي لمن أهداها أو لورثته إن كان قد مات. وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: (تهادوا تحابوا). وللناس أن يقبلوا ما وهب بعضهم لبعض ويجوز أن يقبل ذلك من يد العبد والصبي فيما يكون بين الناس من الجواز في مثل هذا وذلك إذا قال سيده بعثه بذلك أو والده بعثه بذلك أو غيرهم _ وفي نسخة وذلك إذا قال العبد أن سيده بعثه بذلك أو قال الصبي إن والده بعثه بذلك أو قال غيرهم ممن يدخل في الجواز. /254/ (4/237)
صفحة 1732
((الهدية إلى الحاكم)) وأما الحاكم فليس له أن يقبل هدية قلّت أو كثرت الأمر عند من عود من يهدي له قبل أن يكون حاكما مثل رحم أو غيره. قال أبو الحواري قال نبهان في الرواية عن عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه_ إن كان بينه وبين صديق له مهاداة. فلما ولي عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه_ أهدي إليه صديقه هدية فردها عليه عمر. فقال الرجل: أظننت يا عمر أني طمعت في سلطانك. فقال له عمر: لا ولكنه حدث ما تعرف.
وسألت أبا عبد الله محمد بن محمد رحمه الله عما يحل للحاكم من ذلك وما يحرم عليه. فقال معي: للحكام أن يتنزهوا عن كلما (؟؟؟) يلطخهم من ذلك ولا يقبلوا هدايا أهل المنازعات ومن يتقرب بذلك إليهم ليقووا على الناس بلى أن يكون حرام عليهم. وإنما الحرام أن يهدي الخصم هدية على أن يحكم له خصمه وأما الذي لا بأس به فهو ما يجوز بين الناس والجيران والأرحام ولا ينسب إلى الهدية مثل ما يترفق به الناس عند بعضهم بعض. وقلت: أرأيت إن أهدي رجل غريب من الرعية ممن لا ينبغي له أن يختصم إلى القاضي والوالي أو بعض أصحابه هدية تساوي مائة درهم أو أقل أو أكثر فأخذها من عنده ثم ندم وأراد أن يردها فلم يجده قال: لا أقول أنها حرام ولا أبريء (؟؟؟) منه وهو معي في ولايته ولا أبريء (؟؟؟) على أخذ ما وصفت، والذي هو حرام الذي يأخذه الوالي على أن يعينه بظلم. أو بحكم له بغير الحق فهذا هو الحرام. وأما الذي يتنزه المسلمون منه ويأمرون برده فهو أخذ الوالي للهدايا من الغرباء والخصماء وأهل المنكر وفي نسخة: النكر والأوساخ بلا أن يقول أنه حرام. تم كتاب أبي جابر. ... /255/ (4/238)
صفحة 1733
ومن غيره: ((أمثلة على نزاهة الولاة)) وقد قيل أن الهدية إذا فصلت من يد المهدي إليه فوجده قد مات رجعت الهدية إلى المهدي. وإن مات المهدي من بعد فصلت الهدية من يده إلى المهدى إليه فهي إلى المهدى إليه. قال غيره: نحب التنزه لمن كان له سلطان في الحق عن قبول الهدية والإجابة إلى الدعوة والانتفاع بشيء من عند الرعية من أهل عمله بقرض ولا غيره فإن ذلك أطهر للقلوب وأبعد للعيوب لما عرفناه عن النبي_صلى الله عليه وسلم_ ووجدنا في آثار المسلمين رحمهم الله_ بالتنزه عنه وينقذهم عن ذلك ومن ذلك ما وجدناه في الرواية عن أبي زياد عن أبيه عن عروة عن أبي حميد الساعدي أخبره أنه قال: استعمل رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ ابن اللتيبة رجلا من الأزد على صدقة بني سليم، فلما جاء إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت إلى، وهذا الذي لكم: فقال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ خطيبا ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني استعمل رجلا على أعمال مما ولاني الله فيأتي أحدهم فيقول هذه هدية أهديت إلى (؟؟؟) وهذا الذي لكم. أفلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه حتى تأتيه هديته، فو الذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه إلا جاء يوم القيامة يحمله. ولأعرفن ما جاء أحدكم بعيرا _ يحمل بعيرا له زدعا أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء إلا جاء يوم القيامة يحمله ألا هل بلغت فرفع يده حتى لأنظر إلى بياض أبطه ثم قال: ألا هل بلغت بصر عيني أو سمع أذني. ... /256/ (4/239)
صفحة 1734
موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: استعمل رسول الله_صلى الله صلى الله عليه وسلم_ أبا بكر على صدقه سعد هذيم ثم قال: يا أبا بكر لا تأتي يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء ولا بقرة لها خوار ولا شاة لها ثغاء. فقال: يا رسول: أعفني. فأعفاه. ثم دعي سعد بن عبادة فاستعمله فقال له مثل ذلك. فقال له سعد: إني لأرجو أن يغني الله. ووجدنا في حديث معاذ بن جبل رحمه الله_ لما بعثه رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ إلى اليمن فلما قدم إلى اليمن صعد (؟؟؟) على منبر صنعاء، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى الله على النبي _صلى الله عليه وسلم_ فما فرغ من خطبته أتته صنابر بداهار صنعاء فقالوا له: يا معاذ بن جبل هذا منزل قد فرغناه لك فانزل بين أظهرنا فبكى معاذ بن جبل بكاء شديدا أو قال: يا أهل صنعاء ليس بهذا أوصاني رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ إنما أوصاني أن أجالس الفقراء والمساكين وأن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج العطوف وأن أعلم الجاهل الخير وآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر ولا تأخذني في الله لومة لائم. فبهذا أوصاني وأمرني حبيبي رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ فمكث معاذ بن جبل على ولاية اليمن أربع لا يراهم بشيء يعمل على راحلته ويأكل من كسبها. ... /257/ (4/240)
صفحة 1735
ووجدت في الأثر: قال محمد بن أبي بشير وأبو سعيد: ذكر أن رجلا من المسلمين سأل أبا عبيدة_ رحمه الله_ قال وليت قرية فأحسنت الولاية فيها ولم أظلم فيها أحد فلما أردت أن أخرج منها أو صلني أهلها بستمائة درهم مكافأة لصنيعي وحسن ولايتي عليهم فتجرت (؟؟؟) في المال حتى أثراه وكثرت فتزوجت منه النساء واشتريت منه العقد، قال: فقال أبو عبيدة_رحمه الله أرأيت لو كنت في بيتك قاعدا أكان القوم يعطونك شيئا قال: قلت لا قال فرد عليهم قال قلت كيف أما بعثت فيه قال أفلا ترض أن يكون ما قد أكلت وشربت وتمتعت من النساء وأصبت فهو لك فرده قال: فخرج الرجل ورد المال إلى أهل القرية. ... /258/ (4/241)
صفحة 1736
ووجدت في باب أدب الحاكم مما ينبغي له عند القضاء. ولا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري مالا من قاضيا ولكن يولي ذلك غيره ممن يثق به ولا ينبغي للقاضي أن يقبل من أحد هدية ممن يخاصم إليه إلا أن يكون صديقا ملاطفا من قبل ذلك. وليس يخاصم إليه فلا بأس أن يقبل منه كما كان يقبل من قبل أن يستقضي. وقد نهى عمر بن الخطاب_رضي الله عنه_ عن ذلك ولا ينبغي للقاضي أن يستقرض من أحد من الخصوم ولا من عند أحد من أهل عمله دنانير ولا دراهم ولا من أخذ من غير الخصوم وهذا يرى ويظن أن ذلك أخذ من الخصوم. ولا بأس أن يستقرض من صديق له أو خليط له لم يزل خليطا له من قبل أن يستقضي ولا يخاصم الله في شيء يتهم أنه يغير حقها ممن يخاصم إليه ولا ينبغي للقاضي أن يستعير من أحد من أهل عمله ممن يخاصم إليه دابة أو ثوبا ولا مما يستعير الناس من بعضهم بعضا ولا بأس أن يستعير ذلك من صديق كان يستعير منه قبل أن يستقضي فليس يخاصم إليه في شيء.
ووجدت في سماع مروان بن زياد تقيد الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان _ رحمهم الله_ فقال: ولا يشتري إمام ولا وال ولا قاض الشراء لنفسه ولكن يأمر من يشتري له من غير أن يعلم البائع لمن يشتري، وكذلك إن باعوهم شيئا يباع لهم ولا يعلم إنما يباع لهم. /259/ (4/242)
صفحة 1737
((كتاب الفضل)) ومن كتاب الفضل: وقد سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب_ رحمه الله_ وقال لا بأس أن يشتروا هم لأنفسهم، وحفظ الوضاح بن عقبة عن هاشم بن غيلان _ رحمهم الله_ أن الإمام والقاضي إذا اشترى لهم شيئا لا يخبر أنه لهما. قلت فهل يجوز للوالي أن يتجر في الولاية. قال: لا. وقد سمعت في بعض الحديث أن الأمير التاجر ملعون. قلت فيجوز للشراة قال: قد كان الصلت بن مالك يأمرني أن أتقدم إليهم أن لا يتجروا ووجدت في عهد الإمام الصلت بن مالك لغسان بن جليد_ وفي نسخة غسان بن جليندا_ حين بعثه واليا على رستاق هي عهده ولا تبيع شيئا في ولايتك إلا ما لابد لك من بيعه من طعام الصدقات من غير أن تخبر أحدًا أن يشتري منك شيئا ولا يعلم أحدا أنك متخذ عندك بذلك يدا ولا تخبر أحدا على أن يحمل طعاما من بلد إلى بلد استكراها منك لهم ولا تقبل من أهل ولايتك الهديات ولا تجبهم إلى الدعوات وامر بذلك ولاتك وأصحابك فإن ذلك من المعايب ومما يدعوا إلى الأدهى (؟؟؟) والإصغاء والركون إلى الهوى فعاذنا (؟؟؟) الله وإياكم من الشيطان.
ووجدت في عهد ولاته قاض وكتاب إليه: وإن شرف على أصحابك وأعوانك ومن تجري أمورك على يده من حلفائك وأنسابك أشرافا يمنعهم من ظلم الرعية وتقبض أيديهم عن المآكل الردية ويدعوا إلى تقويم أودهم وإصلاح فاسدهم ويزيدهم في بصيرة ذي الأمانة والقوة منهم والنزاهة. /260/ (4/243)
صفحة 1738
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب إلى أهل المغرب: وعن الإمام والقاضي أو العامل يقبل الهدايا من رعيته وينتصف منهم ويكون لمن أهدى إليه عندهم بمنزلة ليس لغيرهم هل لذلك من سيرة أهل العدل. فإن الذي أخذناه من أسلافنا العلماء أن الإمام والقاضي والوالي لا يجوز لهم الهدايا ولا يقبلونها إلا من كانت بينه وبينهم الخلطة متقدمة من قبل الإمامة والقضاء والولاية، فذلك لا بأس عليهم أن يتموا على مخالطة أولئك، فأما ما كان من بعد ولايتهم فلا يجوز لهم قبوله فإن قبلوه قبولا يعتذرون فيه بعذر يقبله المسلمون منهم قبلوا معاذيرهم وإن كانوا يقبلون ذلك من أوجه أهل الرشا على الحاكم فإنه يتضح لهم في ترك ذلك فإنه ليس من أخلاق المسلمين فإن قبلوا النصيحة قبل ذلك منهم وإن أبوا كان ذلك منتقضا عند المسلمين ولو استدلوا بهم وأزالوهم عن أمر المسلمين كانوا أهلا لذلك والرشا على الحكم حرام. وقد فسر المسلمون في قول الله تعالى أكالون للسحت. قالوا: أكالون للرشا. وقلتم إن تاب فهل عليه أن يرد ما كان يهدي إليه الناس. فإنا نرى ذلك له وعليه إلا أن يزول عن الحكم فيطيب الناس له نفسا فعسى أن يسعه ذلك. فأما ما كان حاكما فعليه رد ذلك. وأما الإمام الذي يلي من بعده فيأمره برد ذلك إلى أهله فإن طاب له به أهله نفسا وأحلوه رجوت أن يحل له ذلك إن شاء الله من بعد أن يزول عنه الحكم. وإن قال أنه يرده وسع المسلمين أن يجعلوا ذلك إلى قوله ويتولوه عن إظهار التوبة إليهم. ... /261/ (4/244)
صفحة 1739
وعن قوم نسب لهم صلاح وبعض معروفة أي ما فضل لهم عند المسلمين القعود في منازلهم من استفتائهم أخبروه بما بلغ علمهم أم ينبغي لهم أن يشيعوا في السواد والقرى. يأمرون الناس بالمعروف وينهون عن المنكر وينصفون على الناس في ذلك ويجتمع إليهم الرجال والنساء فإذا حضر انصرافهم جمعوا لهم طعاما يحملونه إلى منازلهم وأموالا أم الكف عن ذلك أمثل لهم في رأي المسلمين فإن كانوا إنما يخرجون لمنكر ظهر لينهوا عنه أو معروف أبطل ليأمروا به فهو أفضل وإن كانوا وإنما يخرجون ليسألهم الناس فيفقهوهم في قراهم وليعطوهم طعاما وأموالا فالقعود في منازلهم أفضل إن شاء الله. إلا أن يكون أحد من المسلمين فقيرا يخرج إلى المسلمين إلى قراهم ومنازلهم للصلاة فيعطونه فلا بأس عليه في ذلك مدان (؟؟؟) سئل عن شيء يعلم الحق فيه في خروجه فلا بأس عليه في ذلك. وإن كانوا أغنياء من ذلك فالقعود في منازلهم أفضل فإن فعلوا ذلك بغير مسألة ولا أخذوا ذلك على وجه الصدقة فلا يبلغ ذلك لهم عند أحد من المسلمين إلى إخراجهم من الإسلام.
ومن جواب منه إلى أهل المغرب: وعن الرجل إذا كان عنده علم وفقه فجعل الناس يكرمونه ويهدون إليه وهو يظن إأنما (؟؟؟) يفعلون به ذلك من أجل العلم هل عليه في ذلك بأس؟ فنرجوا أن لا بأس عليه ما لم يتسبب لعله أراد ما لم يكن يسبب سلطان أو كان لا يعلم علمه إلا لطلب دنيا فلا يحل له ذلك وقد كان الأشياخ المسلمين والعلماء ويأتيهم الهدايا والصلات والكرامات من إخوانهم من الأفاق إلى مكة فيقبلونها وإن كان ذلك من وجه الكرامة والصدقة عليه فلا بأس ما لم يكن بموضع سلطان فإن السلطان لا يجوز له الهدية إلا فمن كان يهدي إليه من قبل سلطانه هذا وأهل العلم لهم تنزه عن هذا إجلال العلم عن الدنيا ولو كان حلال ففكروا في هذا وانظروا في قول من يرخص في الهدية. ولو كان له سلطان في الحق فهذا أبو عبد الله رحمه الله_ يقول: أن أهل العلم لهم تنزه وإجلال للعلم عن الدنيا وإن كان حلالا. وكيف من كان له سلطان في الحق ويستحب لمن كان له سلطان في الحق إذا قبل هدية ممن عود يهاديه قبل أن يكون له سلطان في ... /262/ (4/245)
صفحة 1740
الحق من صديق أو من أخ أو رحم أن يكافيه عما أهداه إليه إذا لم يمكن من ذلك لأني عرفت أن ترك المكافأة من التطفيف فينظر في ذلك إن شاء الله.
ومن سيرة أبي جابر محمد بن جعفر:
ومن ذلك أنكم تقبلون الهدايا أو تستعطفون الناس وأنتم حكام عليهم وقد أخبر الله عن قوم غضب عليهم ولعنهم فوصفهم بأعمالهم القبيحة فقال: {وَمَن يُّرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا اُولئِكَ الذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُّطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} _ وهي الرشا_ وقد يقال إنما الهدية لحكام من السحت وقد حرم المسلمون الهدايا على جميع الحكام. ... /263/ (4/246)
صفحة 1741
ومن جواب أبي المؤثر الصلت بن خميس: إلى الرجل الذي قدم إلى بيت الله الحرام واستشاره في الوصول إلى عمان. وسألت عن قاضي قضاة المسلمين يقبل هدايا الناس ويستلف منهم ويبيع أو يشتري ما منزلته: فأما الهدايا فليس لقاضي المسلمين قبولها من الناس إلا أن بعض المسلمين قد رخص في قبول هدية من تجري بينه وبينه المهاداة قبل أن يدخل القضاة فأما غير ذلك فلا. ومنزلته في قبول الهدايا خسيسة ولا نتقدم على البراءة منه غير أنه ينهي عن ذلك فإن كانت تلك الهدايا مما يبلغ به إلى تضييع حق أوجبه الله هلك بذلك وبريء منه إلا أن يتوب ويرد ما أخذ على ذلك وذلك من السحت وهو حرام حرمه الله. وأما ما ذكرت فإنه يستلف من الناس فما نرى له ذلك غير أنهم إن أوفاهم حقوقهم ولم يبلغ بذلك عندنا إلى خروج من الولاية ما لم يدعه بسلفه منهم إلى وضع حق يجب عليهم عنهم.
وأما البيع والشراء فإن كان مما يعينه فلا بأس أن يشتري ما يحتاج إليه وبيع ما يحتاج إلى بيعه من غير أن يدخل له في ذلك ربح من قبل قضائية وأما التجارة فمكروهة للقضاء في موضع سلطانهم ولا يبلغ به ذلك عندنا إلى براءة ما لم تكن تجارته يزاد فيها ربحا من أجل سلطانه وقضائه، وقضاه المسلمين وأئمتهم لهم نزهة عن هذه الأمور وأشباهها وطهارة عن الأوساخ وصيانة لدينهم وأنفسهم فليتقوا الله وليصلحوا أسرارهم ولا يحملوا الرعية شيئا من مؤنتهم ولهم في مالهم غنى وفي مال الله كفاية فإنه لا يحل لهم من أموال الرعية شيء يأخذونه بسبب سلطانهم إلا ما أوجبه الله لهم عليهم من الحقوق التي أمر الله بقبضها من أهلها وقسمتها بأمره فيمن يستحقها كما افترض الله تبارك وتعالى.
وقد سمعت أنه ليس للقاضي والإمام أن يشتريا ولا يبيعا لأنفسهما إلا أن يكون شيء يعينهما من قبل أمور لعله أراد أمور الصدقات، وأمور اليتامى والأغياب، ونحو هذا مما يجري فيه الأحكام والصدقات، فإنهما يقومان ذلك البيع والشراء بأنفسهما. وقد كان بعض مشايخ المسلمين عندنا واليا على بعض الأمصار فاشتريت له جارية فعلم أن بايعها قد علم أنها اشتريت له فردها. وأعلم أن من قبل هدايا الناس شيئا من حكام المسلمين فعليه رد ذلك إلى أهله الا ما قد أعلمتك من ترخيص من رخص من الفقهاء فمن يهاديه قبل ذلك. /264/ (4/247)
صفحة 1742
وقد كان إمام المسلمين بعمان الصلت بن مالك رحمه الله_ سار مسيرا يريد به حرب رجل بغى على المسلمين يقال له: خشعم فنزل قرية يقال لها: بهلا. وهي من عمله فأهدى إليه أهلها هدايا من الطعام فقبلها وأكلها الناس ثم رجع الإمام وبعث إلى الباغي سرايا، فلما رجع إلى منزله أمره فقاء المسلمين برد تلك الهدايا فحسب قيمتها وردها إلى أهلها. /265/ (4/248)
صفحة 1743
ومن الكتاب المرفوع إلى الفضل بن الحواري _رحمه الله_
وليس لحاكم من إمام ولا قاض ولا وال أن يقبل من رعيته الهدية إلا من قد كان يجوز بينهما من قبل إلا من والد أو ولد أو أخ أو عم أو خال أو جد أو ولد أو مثل ذلك يجوز له وقد فسر أهل التفسير قول الله تعالى {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أنه الرشاء. وبلغنا أن المختار _رحمه الله_ قال في كلام له وهو يعيب الجبابرة، سمو الخمر طلاء فشربوها والرشا هدية فأكلوها فأما من لم يكن حاكما أو بسبب من السلطان يجوز أمره ونهيه وحكمه فالهدية جائزة بين المسلمين والأرحام والناس إلا أن يعني المسلمين عناية في حرب أو سفر أو غيره فتعينهم الرعية لعامة المسلمين في معناهم فذلك جايز من طعام أو غيره. فإن قبل هدية فعليه أن يردها فإن كان قد أتلفه رد مثله أو ثمنه لعله أراد تلفها رد مثلها أو قيمتها وقد فعل ذلك الصلت بن مالك حين خرج إلى بهلاء في أمر خشعم فقبل الهدايا على عهد بقايا من الأشياخ فأمر ببعث أثمانها إلى أهلها وبعث بها إليهم. فإن احتج محتج برسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم_ لم يكن يجوز عليه الحيف ولا يجوز عليه الطمع وكان يجوز له ما لا يجوز لأمته وقد نزل الكتاب على لسانه في أكل السحت وليس له أن يقبل منهم ممن نزل إليه من أهل المواشي في البوادي أن يقبل الهدية منه وقد قيل أن ذا الدين يحسب ما أكل مع دينه من حقه إلا أن يكون ذلك بينهما قبل ذلك وقد كان موسى_ رحمه الله يكون بنزوى ويعتل فلا يقبل من أحد شيئا وقد بلغني عن بعض مشايخ المسلمين في علة له بعث إليه باعث بسخون فرده. /266/ (4/249)
صفحة 1744
وعن أبي الحسن محمد بن الحسن رحمه الله_ فيما أحسب، وقلت هل للإمام أو الوالي أو القاضي أو الشاري أن يشتروا أو يبيعوا أمر الناس فيما يعينهم من مصالحهم. قال: أما الإمام والوالي والقاضي فيكره لهم الشراء والبيع وأما الشاري فله أن يبيع ويشتري إذا كان معه أنه لا يبقى فيما يبيع ويشتريه وله ما لغيره من الناس.
وفي وصية سفيان لأخيه وبلغنا عن عمر بن الخطاب_ رحمه الله_ أنه قال: في خطبته: من عمل منكم حمدناه، ومن لم يعمل اتهمناه. وقال: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم لا يزيد الخشوع على ما في القلوب واستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على الناس فقد وضح الطريق وقيل أنه بعث إلى المداين إلى سليمان: أنه بلغني أن عندكم قوما من حملة القرآن والعلم يأخذون من الناس الرشاء فافهم منها أو يرجعون فإن رجعوا فأقرهم فمن أعطاهم بعد ذلك فضع عليه الجزية فإني أخاف أن يصير أمرهم مثل ما قال الله تعالى في أحبار بني إسرائيل كما قال الله تعالى {إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الاَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}.
عقبة بن عبد الله قال: حدثنا حبان الأعرج قال: قال أرسل يزيد بن أبي مسلم إلى جابر بن زيد ابتع لي غلاما بألف قد قريء (؟؟؟) القرآن أعتقه. قال: فابتاع له جابر غلاما بدون الألف. فقال جابر للغلام أذهب فتهيأ حتى أبعثك إلى أبي مسلم فيكتب لك عتقك ونصيب منه معروفا. قال: فذهب الغلام فصنع جديا فأتاه به فلما رآه جابرا انتهره. فرجع العبد بالجدي ورأى أنه استقله فجاء بجديين، فقال جابر: إني لم أستقل الأول ولكن ليس لأحد أن يعمل عملا يريد به وجه الله يأخذ عليه شيئا من عرض الدنيا إلا كان حظه منه. /267/ (4/250)
صفحة 1745
الباب السابع عشر
في اليتيم وما يعطى من ماله ومن غيره
والمعتوه والمنتقص العقل
رجع إلى كتاب أبي جابر: وللحاكم والوصي والوكيل أن يجري على كل واحد من هؤلاء من ماله لنفقته وكسوته ما يكفيه على قدر سعة ماله. وقيل اليتيم يكسى الكسوة الحسنة ويعطى عنه أجرة المعلم ويضحى له في النحر ويخدم وتتخذ له المنيحة للبنها وكل ذلك من ماله إذا كان ماله واسعا، وكذلك الأعجم والمعتوه والمنتقص العقل.
وفي جواب من محمد بن محبوب_ رحمه الله_ فأقول إذا كان في عالة مال اليتامى _اليتيم سعة للخادم والضحية والثياب للعبد فإن ذلك يعطونه بالقصد وإن لم يكن في مالهم سعة فليس لهم إلا نفقتهم وأدمهم وكسوتهم ولكن يعطى عنهم المعلم الذي يعلمهم القرآن إن كانوا من أهل التعليم، وعن وكيل اليتيمة هل يحيلها في مالها، فلا أرى بأسا أن تحلى من مالها من غير إسراف، وإذا كان مال اليتيم لا شرب له أطنى له مال وإن لم يوجد طنا اشتري له مال. فكذلك تصلح له أرضا بالسماد كما يصلح الناس. ... /268/ (4/251)
صفحة 1746
ومن غيره: وقال جائز لمن احتسب لليتيم ولوصيه ولوكيله من المسلمين أن يزرع له أرضه ويفسل له صرمه ولا ضمان عليه فيما مات من الصرم والزرع إذا كان في ذلك صلاح لليتيم ويبيع له صرمه ويطعمه إذا احتاج إلى ذلك ولا ضمان عليه فيما تلف من الزرع. وقال: جائز أن يفسل فسلا في أرض المسجد. وقلت ويعطى الذي يفسل الأرض الكري في مال المسجد. قال: إذا كان ذلك المسجد مستغنيا عن ذلك المال في الوقت وكان ذلك أصلح للمسجد فجائز أن يعطى منه. قلت: ويشتري له الصرم ويفسل له ويعطي الأرض من يزرعها ويستغلها بسقي الصرم. قال: نعم. وكلما كان في ذلك أصلح للمسجد وأوفر ويقلع من صرمها ويفسل فيها وإن مات فلا ضمان عليه. /269/ (4/252)
صفحة 1747
رجع: ((درجات الحضانة)) وقال بعض الفقهاء لوالدة اليتيم وإخوته إن كان يعقل أن يؤدبوه ويزعوه عن الحرام ولهم الشد عليه بالكلام ولا بأس أن يؤدبوه بلا إسراف ولا ضرب يؤثر فيه، واليتيم إذا لم يكن له رحم جعله الحاكم حيث يؤمر عليه وعلى ماله ولو تاجر فإن لم يكن له مال أنفق عليه من مال الله وأولى بالصبي في صغره أمه وعلى أبيه مؤنته إن كان يرضع فربابته من ثلاثة دراهم إلى أقل أو نحو ذلك أجر مثله لوالدته لرضاعه.
قال أبو الحواري عن نبهان عن ابن محبوب: أنه قال: على الفقير درهمان وعلى الأوسط درهمان ونصف وعلى الغني ثلاثة دراهم ولا يزاد على أحد أكثر من ذلك إلا برأيه. وإذا احتاج إلى النفقة فرض له ما يستحق مع والدته فإذا ذهبت أمه بموت أو غيره فالأب أولى به. فإذا ذهب الأبوان فالجدان أولى به. وقال من قال: الجدة أولى من الأب. وقال من قال: الجدة أم الأب أولى من الجدة أم الأم.
قال أبو الحواري: قد قيل هذا. وقال من قال: الجدة من قبل الأم أولى من أرحام الأم. وأرحام الأم أولى من أرحام الأب من النساء هكذا قال نبهان. ثم الإخوة أولى به من الأعمام الذكور منهم والإناث. ومن الأخوال والأعمام أولى به من الأخوال الذكور منهم والإناث ما كان في حد الصغر. /270/ (4/253)
صفحة 1748
قال أبو المؤثر: أم الأم أولى من أم الأب والخالة أولى من العمة والعم أولى من الخال. فإذا كان في حد من يعقل الخيار خير بين أبويه إذا كانا سالمين فأيهما اختار كان معه. وقال من قال: بل الجدة من قبل الأم ثم الخالة أولى به من العمة، ومن الرجال ولو كانوا إليه أقرب وذلك أحب إلي.
وكذلك إذا ذهب الأبوان فاختار أحدا من أرحامه كان حيث اختار إلا الأنثى إذا كانت في حد يخاف عليها وكانت أمها غير مأمونة في نفسها أو معها من الرجال من زوج أو أخ أو غيرهما ممن لا يؤمن كان أبوها أولى بها ولو اختارت أمها غير الأبوين.
وإذا كان الزوج مع زوجته فعلى الزوجة رضاع أولادها وليس لها تركهم إلى أن تفصلهم ولا يفصلهم قبل السنتين إلا أن يتفق هي وأبوهم على ذلك.
وأما المطلقة فإن كرهت أن ترضع ولدها فذلك لها إذا ردته إلى أبيه إلا أن لا يجد له مرضعة فإن لم يجد له مرضعة حكم عليها بأخذ ولدها ورضاعه فإن والده وطلبت والدته أو غيرها ممن يكون معه أن يأخذه بالفريضة فإذا صح هذا مع الحاكم فإن كان غلاما وقف بين يديه ونظر هو ومن حضر من العدول، قدر ما يستحق من نفقة ففرض له./271/ (4/254)
صفحة 1749
وفي مختصر الشيخ أبي الحسن: ونفقة الصغير في حال الطفولية إذا كانت أمه مطلقة أو زوجة أيضا ثلث نفقة إذا فطم وفصلاه من الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار ثم له نصف نفقة حتى يصير إلى ستة أشبار ثم يكون له ثلثا نفقة حتى يبلغ وفي ذلك قول إلى نظر العدول فيه. /272/ (4/255)
صفحة 1750
رجع ((صيغةكتان الحضانة)): وإن كانت جارية لا تحضر بين يدي الحاكم أشهد على قياسها عنده شاهدا عدل. ثم فرض لها وكتب في ذلك كتابا وأشهد على ذلك عدولا ويكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب كتبه الإمام فلان بن فلان أو القاضي فلان ابن فلان. وإذا كان واليا للإمام كتب أشهد الوالي فلان والي الإمام فلان بن فلان على قرية كذا وكذا أنه قد صح معي معرفة فلان اليتيم وموت والده بشاهدي عدل فطلبت والدته فلانة بنت فلان أن تأخذه تعوله بفريضة يفرض له في ماله وإني قد فرضت برأي ورأي من حضر من الصالحين لفلان بن فلان اليتيم، لنفقته في كل شهر كذا حبا وكذا وكذا منا من ثمرة وكذا وكذا فضه لأدمه ودهنه وله الكسوة إذا احتاج إليها برأي العدول. وأثبت فلان بن فلان هذا اليتيم بما فرضت له مع والدته فلانة بنت فلان وجعلت لها أن تجري هذه الفريضة على ولدها هذا اليتيم من عندها وهي لها دين في ماله أن يقبضها أو يحتاج هذا اليتم إلى زيادة أو يحدث له أمرا، وأول هذه الفريضة يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما. ذلك وإذا كتب الحاكم أني قد فرضت كذا وكذا ولم يكتب كيف صح معه ثبت أيضا ولم يتوهم عليه. وإن لم يكن حاكم قائم أو كان سلطان يخاف منه عليه أو يغلظ عليهم الوصول إليه. فقد قيل أنه يجوز أن يفرض لليتيم جماعة من المسلمين.
((تصرفات وصي اليتيم في مال اليتيم)): وعن رجل في يده مال يتيم ولليتيم فريضة فقال الوكيل أني قد أديت الفريضة من مالي خاصة فلا يقبل قوله إلا بشاهدي عدل، وإن أقام بينة أنه أعطاه حبا ولم يكن لليتيم زراعة وقال هذا من زراعتي فالقول قوله في ذلك وهو مصدق لأنه هو المعطي. قال أبو المؤثر: إذا قال الوصي قبل أن يسلم هذا من مالي وأشهد على ذلك فالقول قوله كان لليتيم زراعة أو لم تكن له وإن سلم الفريضة إلى من يكفل اليتيم حبا أو غيره ثم قال هو مالي لليتيم لم يقبل منه الا ببينة ولو لم يكن لليتيم زراعة.
وعن أبي علي_ رحمه الله_ في عمة ليتيم وأجرت عليه النفقة من غلته وغلته لا تقيمه فتنفق عليه من عندها، فلما بلغ الغلام طلب غلته ولم تكن العمة أنفقت عليه برأي قاضي ولا وال إلا برأيها فإن أقام الغلام شاهدي عدل بما صار إلى العمة من /273/ (4/256)
صفحة 1751
غلته كان عليها، فإن كانت نفقتها عليه برأي قاض أو وال طرحت النفقة من الغلة فإن أعجزت ذلك وكان معها من يعلم إأنها (؟؟؟) تقول أنفق على ابن أخي من غلته ومن مالي كان لها كل شيء أنفقت عليه ويطرح غلته، وما بقى من نفقتها عليه فهو لها عليه. وإن طلبت العمة أن يأخذ الغلام بالفريضة وطلبته خالته بلا فريضة، فإن كان الغلام لا يعقل الخيار جعل حيث يعلم أنه أصلح له ويعلم أنه أرفق به وينفق عليه من ماله. وإن كان يعقل الخيار كان حيث اختار. وإن أعجزت المرأة البينة في الفريضة وكانت عند نفسها أنها تنفق عليه من مالها كم يكن عليها فيما بينها وبين الله تبعة إن لم يصح للغلام بينة فعليها أن تحلف ما في يدي اليوم لك حق إذا كانت تنفق عليه من مالها لم يكن عليها عند نفسها من غلته.
ومن غيره: قال أبو سعيد_رحمه الله_ أن الحسبة على المسلمين والقيام بأمور اليتامى جائزة من كل ثقة أو غير ثقة إلا في التسليم لمال اليتيم وقبض ماله فلا يجوز ذلك إلا من ثقة. وللحاكم أن يحكم بما أصحه المحتسب بالبينة من المنكر وإنما يثبت الحسبة منه لهؤلاء بالقيام بالمصالح لما يرجى من التوفير عليهم بقيامه إذا كان ثقة في الحكم، وأما في الجائز فإذا احتسب وقام بالعدل جاز لكل محتسب إذا قام القسط في ذلك. ... /274/ (4/257)
صفحة 1752
رجع: وليس لوالي ولا وصي اليتيم أن بيع (؟؟؟) بماله أصل مال إذا رجى الوصي أن ذلك أفضل له. وكذلك يبيع له ويشترى ما هو أفضل منه ولا يشتري له أيضا الوصي بدراهم مالا فإن فعل فاليتيم إذا بلغ بالخيار وإذا باع الوصي مال اليتيم من الحيوان والرقة بالنسيئة فإن خرج له وإلا فهو ضامن. وإن باع بمساومة وكان في ذلك غبن العشر ونقضه انتقض البيع وإن كان أقل من العشر فأرجو أن يتم البيع.
((مسائل في إعانة اليتيم)): ومن جواب أبي علي_ رحمه الله_ فيمن اتجر بمال من عنده لرجل أو ليتيم حتى كثر أو لقط دراهم فاتجر بها ثم أدرك اليتيم أو جاء صاحب المال فما أحب إلا أن يعطيه المال وربحه. وقلت إن أشهد به على نفسه دينا يوم يطلب إليه أيكون له الربح أم لا، فأرجو إن شاء الله أن يكون الربح له. وكذلك إذا اشترى به مالا فصاحب الدراهم في ذلك بالخيار إن شاء أخذ المال وإن شاء أخذ دراهمه، إلا أن يكون اشترى لنفسه ثم اقترض ذلك وقضى الدين _ وفي نسخة وقضاه في الدين الذي عليه من ثمن المال_ فإن اتجر بدراهم ثم جاء صاحبها أو صارت إليه كلها فله أجر عناءه إذا كان فيها ربح. وقيل ليس للحاكم أن يبيع مال اليتيم إلا بمناداة ((ولا يجوز لوصي اليتيم أن يزوج أمة اليتيم ولا يطلق زوجة اليتيم ولا زوجة عبده)) ولا يجوز ذلك لليتيم حتى يبلغ على الأصول أربع جمع. وعلى الرثة والحيوان جمعة واحدة وأما الوصي فله أن يبيع كما يرى، أصلح بمناداة أو غير مناداة ولا يجوز لوصي اليتيم أن يزوج أمة اليتيم ولا يطلق زوجة اليتيم ولا زوجة عبده، ولا يجوز ذلك لليتيم حتى يبلغ أيضا، ولا يجوز له أن يأذن لعبد اليتيم أن يتزوج، وسل عن ذلك فإن بعضا يرى له أن يزوج ولا يرى له أن يطلق.
قال أبو الحواري وكيل اليتيم لا يزوج عبده لأنه يلزم اليتيم نفقة زوجة عبده، قال أبو المؤثر: لا أرى بأسا أن يزوج الوصي أمة اليتيم. فأما عبد اليتيم فإن أذن له الوصي ففي التزويج جاز له النكاح وضمن الوصي ما يلزم العبد من الصداق والمؤنة وليس له أن يطلق زوجة عبد اليتيم، ولا يدفع مال اليتيم إليه حتى يؤنس /275/ (4/258)
صفحة 1753
رشده. وقيل إذا شهد شاهدا عدل أنه قد بلغ وأنه حافظ لماله فذلك رشده. قلت لأبي الحواري، فكيف ذلك قال: إذا عرف الغبن من الربح، ومعرفة بلوغه أن يصير في حد ذلك، ويقول أنه قد بلغ الحلم فيصح أنه قد بلغ ويقبل قوله وإن أنكر هو البلوغ واحتج أن يشهد عليه بذلك _ وفي نسخة واحتج فإن شهد عليه بذلك _ ففي ذلك ثلاثة أقاويل، قال من قال: لا يعرف بلوغه حتى تخرج لحيته، وقال من قال: حتى يبلغ الصبي خمسة عشرة سنة، وقال من قال: سبع عشرة سنة. وأحب ذلك إذا بلغ سبعة عشرة سنة وبلغ أترابه وكانت علامات الرجال ظاهرة فيه أن يحكم عليه بالبلوغ ويشهد عليه بذلك ولم تخرج لحيته.
((بلوغ اليتيم وترشيده)): قال أبو الحواري: عن نبهان عن ابن محبوب: أن الجارية من خمسة عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة والغلام من ثماني عشرة سنة إلى عشرين سنة. فإن تزوج وصار إليه ماله ولم يؤنس رشده فقيل إذا تزوج على تلك الحال بصداق فلا يجوز عليه إلا بقدر صدقات نسائها ولو أنس رشده من بعده. /278/ (4/259)
صفحة 1754
((نفقة البنات)): وإذا باع ماله واشترى مالا أو شارك في ماله أو قايض به فكذلك جائز ولو غبن مثل ما يتغابن الناس به، فأما غبن أكثر من ذلك فلا يجوز وتجوز عطيته أيضا. وكان من رأي الإخوة اليتامى الذين لا مال لهم وهم يتوارثون ولهم أم وعم، أن على أمهم وعمهم من فريضته نفقتهم وكسوتهم بقدر ميراثهما. وقال من قال: على الأم من نفقتهم السدس والباقي على عمهم. وكذلك الكسوة أيضا بقدر ميراثهما. وقال بعض أهل الرأي: إذا كان إخوة يتوارثون لم يكن على وارثهم من بعد نفقتهم حتى يصير إلى الحد الذي يرثهم. ومن كان وارثه يتيما وليس له مال وجبت نفقته على اليتيم وكان ذلك في ماله. وكل من زمن أو مرض وصار في حد العجز عن نفسه وليس له مال فنفقته وكسوته على ورثته على قدر ميراثهم منه إن لو كان له مال، وذلك إذا كان لهم مال وإن لم يكن لهم مال ففي ذلك اختلاف قال أبو الحواري: نفقته لازمة لهم وكذلك الوالدان يطعمونهما مما يأكلون ويكسونهما مما يكتسبون وإن لم يكن لهم مال فلا يكلفون فوق طاقتهم. والغلام إذا بلغ فلا نفقة على والده. وأما الجارية فما كانت في حجر والدها فعليه نفقتها وكسوتها ولو كانت بالغة ولو تزوجت ثم مات زوجها فعادت إلى والدها فعليه نفقتها وكسوتها /279/ (4/260)
صفحة 1755
وإن كانت معتزلة عن أبيها وطلب أن تكون معه فكرهت فلا نفقة عليه لها وإن كره هو أن يكون معه فعليه نفقتها حيث كانت إذا لم يكن لها مال ولا زوج. وقال من قال: إذا بلغت المرأة فلا نفقة لها على أبيها والرأي الأول أحب إلي. وأما الوالدان فإذا لم يكن لهما مال فعلى أولادهما نفقتهما وكسوتهما ولو كانا صحيحين إذا كان لأولادهما مال وان لم يكن لأولادهما مال استرزقا الله لأنفسهما إلا أن يكونا في حد لا يقدران على المكسبة من الضعف وكان أولادهما يقدران على ذلك فعليهم القيام بأمرهما، وقال أبو المؤثر: لا أرى على الوالدين أن يحمل عليها الغنى ولو لم يكن لأولادهما مال ولكن يكتسب أولادهما وينفقون عليهما فإن اكتسبا شيئا أو وهب لهما طرح ذلك عنهم، هذا إذا كان أولادهما يقدرون على المكسبة وإن لم يكونوا يقدرون على ذلك فلا شيء عليهم، وإن كان للأم زوج فنفقتها على زوجها وليس على أولادها شيء والذي يجب لليتيم وإن كان والده مات ولم يجعل له وصيا ولم يقم الحاكم له وكيلا إلى أن بلغ أو كان والده قد مات وهو بالغ فهو أولى بماله ولا وكالة عليه، وله أن يفعل في ماله ما أراد إلا أن يصح أنه معتوه أو ذاهب العقل، وأما إن مات والده وتركه يتيما ولم يوصي به وصيا فإن الحاكم يقيم له وكيلا ويكون ماله في يد الوكيل ولا يجوز فعليه هو فيه حتى يؤنس رشده ثم حينئذ يدفعه الوكيل إليه وإن لم يؤنس رشده بعد أن بلغ ورفع إليه الوكيل إليه ماله فأتلفه فقيل أن الوكيل ضامن لذلك. وفي الأثر في امرأة لها ولد يتيم وله مال هل يأكل من ماله. قال: يأكل ويلبس بالمعروف. ولا تأكل ولا تشرب على شبع وذلك إذا لم يكن لها مال.
تم الباب من كتاب أبي جابر. (4/261)
صفحة 1756
ومن غيره: ومن جواب أبي الحواري _ رحمه الله_ ((من يكون وكيلا للمعتوه)): وعن اليتيم والمعتوه والمنتقص العقل إذا لم يكن لهم وكيل يقوم بحاجتهم ويحفظ مالهم ويدفع عنهم ويقوم بحجتهم وينفق عليهم. هل للحاكم أن يجبر رجلا على الوكالة لهم؟ فعلى ما وصفت: فليس للحاكم ذلك على الناس ويكون الحاكم يلي ذلك بنفسه إلا أن يأتي أمر لا يمكن الحاكم ذلك. فله أن يأمر أهل الثقة بالقيام في ذلك ويجبرهم على ذلك لأنه جاء الأثر أن السلطان ولي من لا ولي له. ومن غيره: من الأثر في المرأة تحتاج إلى مال ولدها تبيع من أصله وتأكل وتكتسي وهو يتيم أو غير يتيم. فقال الربيع: تبيع وتأكل وتكتسي منه وتطعم يتيما كان أو مدركا ولا بأس عليها.
ويوجد عن أبي علي الحسن بن أحمد _ رحمه الله_ أنها إن كانت مسكينة فقيرة محتاجة أن لها أن تأكل بالمعروف من مال ولدها. والله أعلم فأنظر في ذلك.
وعن رجل في حجره يتيم، هل يصلح له أن يشتري من ماله إذا ابتاع؟ قال: نعم: إذا أعطاه الناس بجهده ... /279/ (4/262)
صفحة 1757
رجع ((أخذ الأجرة للقيام على اليتيم)): وقال فيمن يلي أمر مال يتيم وهو فقير إن أقبل على مال اليتيم احتاج وإن أقبل على مكسبته ضاع مال اليتيم قال: يأخذ أجرا على عمله من مال اليتيم مثل ما لو أن رجلا طلب رجلا يستأجره لم يجده إلا بذلك أيتجر بنفسه، فلا بأس. فقال له الرجل: أرأيت إن كان غنيا أترى له أن يأكل إذا أتى أرضه في بطنه من بسرها ورطبها. قال: أنا أحب أن يستعفف عن ذلك فإن أكل في بطنه فعسى أن لا يكون عليه بأس.
ومن غيره: وعن رجل وكل زوجته في أولاده بعد موته وأنها باعت قطعة فيها صرم. كانت شركة بين اليتامى وعمهم في غير حاجة لهم إلى بيعها أيجوز لمن اشتراها من عندها وهي وكيلة أم لا يجوز إلا أن يحتاجوا إلى كسوة ونفقة فعلى ما وصفت في هذه المسألة فلا يجوز بيع مال اليتامى في غير مؤنتهم وحاجتهم وذلك مردود. وسألته عن اليتيم الذي يعمل بالأجرة هل يجوز لمن استعمله أن يسلم إليه أجرته أم لا يجوز له ذلك ويجعلها في صلاحه؟ قال معي: إنه يختلف في ذلك. فقال من قال: إذا كان يجد من يحفظ ما سلم إليه ذلك. قال من قال: إجازته مال كماله، وليس له أن يسلمها إليه إلا أن يجعلها في صلاحه. وسئل عن رجل قبله تبعة لليتامى وهم مع والدتهم وهي التي تلي عولهم أيجوز لهذا أن يسلم إليها. قال: نعم. يسلم إليها إذا كان يثق بها ويأمرها أن يجعله في مؤنتهم. قيل له: فإن كان قبله دراهم فأراد أن يدفع إليها حبا بسعر الدراهم. قال: لا أحب ذلك. ولكن يدفع إليها دراهم. قيل له: فإنها غير وصية لهم. إلا أنها تعولهم. وأرادت أن تبيع من مالهم. وقال: إنها تبيع من مؤنتهم. يجوز هذا البيع بغير نداء. قال: نعم. إذا كان ذلك أصلح لليتامى./280/ (4/263)
صفحة 1758
ومن غيره: قال: وقد أنه يجوز لها أن تبيع أيضا الأصل ونحو ذلك لمن اشتراه إذا قالت أنها تجعل ذلك في نفقة الأيتام كانت ثقة أو غير ثقة. وقال من قال: لا يجوز له ذلك إلا بعلم كعلمها. وقال من قال: لا يجوز له ذلك الا أن يكون ثقة وتكون والدة أو من الأرحام. وقال من قال: يجوز بيع المحتسب بغير وكالة فيما دون الأصول وثبت ذلك من الحكم. وقال من قال: لا يثبت من المحتسب بيع الحيوان ولا الأصول إلا بوكالة، ويجوز فيما سوى ذلك من العروض والأمتعة ولا يجوز الإحتساب إلا لمن صحت ثقته مع المسلمين وذلك في الحكم وأما فيما بينه وبين الله فإذا قام بالعدل فلا غرم عليه.
ومن غيره: أرجوا أني وجدت أن والد الصبي يقبض له ما يعطى له من كفارة اليمين ويبرأ صاحب الكفارة بقبض الوالد كان ثقة أو غير ثقة ولو أصرفه الوالد في منافع نفسه، وعلم صاحب اليمين بذلك على قول من يجيز ذلك بالقبض وكذلك جميع من يجوز له القبض من والدة تعوله أو وكيل أو وصي أو من يعوله ويقوم بعوله فالقبض عندي يجزي عن صاحب اليمين، وإن أتلفه القابض فيما لا يسعه فهو ضامن لليتيم لا لصاحب الكفارة عندي فيما أرجوا وكذلك يسلم الصبي إذا كان يحرز ماله ولا يتلفه ولو اشترى به جوزا أو لوزا أو شيئا من الفاكهة ليس هو من أهلها لموضع فقره وأكل الذي اشتراه. فمعي أنه يجزئ ذلك صاحب اليمين إذا علم ذلك على قول من يجيزه تسليم ذلك والذي يبين لي أن هذا في بعض القول فينظر في ذلك ولا تأخذه منه إلا ما وافق الحق والصواب. وأرجو أني عرفت أنه يجوز دفع مال الصبي إليه إذا بلغ ست عشرة سنة أو خمس عشرة سنة ولو لم يقر بالبلوغ في بعض القول. وذلك إذا كان من تبعه لزمت الدافع وعرفت أنه إذا صار بهذه المنزلة جاز حله وذلك في بعض القول والله أعلم. وفي الوالد إذا كان عليه فريضة لولده وهو معسر هل يحبسه الحاكم حتى يصح عدمه فإذا كانت الفريضة للولد لم يحبس على حق ولده وإن كانت الفريضة للوالدة على الوالد قد استحقتها من قبل للولد وصارت لها دينا على الوالد يحكم الحاكم كان على الوالد الحبس للوالدة فافهم الفرق في ذلك إن شاء الله.
والذي يكون معه أولاده في حجرة فيحتاج بعضهم إلى أكثر مما يحتاج الآخر فأرجوا أنه قد قيل أن يفعل لكل واحد منهم ما يحتاج إليه بغير قصد إلى أثره ... /281/ (4/264)
صفحة 1759
له ويجوز له ذلك. وأما إذا لم يبين ذلك من حاجة ولا مصلحة يلزم الوالد فيما تجري به العادة بين الناس في أولادهم من إصلاح الأنثى وتعليم الذكر منهم وأشباه ذلك. فلا يفعل ذلك، فإن فعل كان عليه فيما عندي من القول والتسوية فيما قيل. /282/ (4/265)
صفحة 1760
ومن غيره: ((حكم الخطأ في إصلاح اليتيم واليتيمة)): قلت له فما تقول في امرأة معها يتيمة قائمة بمصالحها وليس لها ولي حاضر فأرادت أن تقص لها قصتها فقطعتها فقصت الناصية هل يلزمها إرش ذلك. قال معي: أنه يشبه في معاني ما عندي أنه قيل إنها إذا فعلت ذلك على وجه الصلاح والمباح فأخطأت فعقرتها أنه لا ضمان عليها في بعض القول لأن ذلك كأنه يخرج من فعل غيرها في مثلها ولا يكاد يتعرى من ذلك فكان القصد إلى المباح أشبه زوال الضمان لهذا المعنى كما قيل في الحجام والختان أنه إذا مات أحدهم من فعلهم أو تولد منه مضرة أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون تعدى فعل مثله بالمعروف ويخرج عندي في هذا ما يشبه معنى الضمان لأنه إنما كان المباح القص للشعر للمحجور للبدن وهذا هو الأغلب من الأمر فلما أرادت المباح فأخطأت بالمحجور وكان معنى الضمان على سبب الخطأ وهذا يشبه الخطأ لأن الخطأ ما أريد بشيء فأخطأ بغيره، وعن رجل هلك وترك ولدا صغيرا وله أم ووكل وكيلا هل يجوز للوكيل أن يصالح في مال اليتيم في صداق أو خصومة. فإذا علم أن الصلح أوفر لليتيم جاز الصلح والله أعلم. /283/ (4/266)
صفحة 1761
ومن غيره: معي أنه قد قيل لا يجوز ويخرج ذلك عندي في الحكم وهذا في النظر في الجائز. وسألته عن رجل رأى صبيا يخرف نخله قال له: انحدر فصرع الصبي. قلت: هل عليه دية. قال معي: إن أراد إفزاعه وإلى ذلك قصد فأخافه فعليه الضمان وإن أراد أن ينهيه عن ماله ففزع وهو من ذلك فأرجوا أن لا ضمان عليه. قلت له: أرأيت إن أراد إفزاعه ديته عليه أو على العاقلة. قال: أخاف أن تكون عليه لأن هذا عندي لا يشبه الخطأ وهو يشبه بالعمد، قلت له فإذا لم يرد إفزاعه وأراد نهيه. وقال له: انحدر هل يلزمه بقدر ما استعمله في الانحدار أم لا يلزمه شيء. قال معي: أنه إن أراد بذلك صلاحه ونهيه عن سوء خلقه وبسط يده في ماله فأرجوا أن لا ضمان عليه. وإن أراد استعماله بذلك فلا نبرئه من الضمان بقدر ما استعمله بصعود أو انحدار.
ومن مختصر الشيخ أبي الحسن _ رحمه الله_ في الطالع النخلة فإن كان الطالع رب المال أو الأجير والداخل دخل بإذن رب المال، فعلى الذي صرع عليه الضمان، فإن دخل بغير رأي رب المال لم يلزمه له شيء. وإن مات الذي صرع على غيره لم يضمن.
وعن رجل في منزله سدرة فدخل عليه يتيم وطلب إليه أن يصعد السدرة يأكل من نبقها فأذن له الرجل فصعد فصرع فهلك فأرجوا أن لا يلزمه إذا لم يأمره يصعد وإنما هو أذن له ولم يمنعه.
وفي الأثر عن أبي معاوية_ رحمه الله_ في يتيم وصل إلى رجل يستعير منه حمارا يركبه إلى موضع فصرع. قال: إن كان اليتيم في حد من يركب فلا شيء على الذي أعطاه وإن كان ليس في حد ذلك فعليه الضمان. وكذلك إذا أعطاه وإن كان ليس في حد ذلك فعليه الضمان. وكذلك إذا أعطاه النار أو الحديد وهو لا يعقل وهذا أشد لأنه هو الذي أعطاه. ... /284/ (4/267)
صفحة 1762
ومن غيره: وعن صبي يأتي بوعاء في يده يطلب خلا أو لبنا هل يأخذ المطلوب إليه الوعاء من يد الصبي ويجعل له فيه حاجته ويسلمه إليه كان يتيما أو غير يتيم. فإذا كان الصبي مرسلا في ذلك بما تطمئن إليه القلوب ممن يجوز له رسالته كان المستعمل له في ذلك المرسل ولا بأس بذلك. وكذلك إذا كان ذلك أصلح له جاز ذلك. وقال من قال: في ذلك أنه يجعل له في إنائه ذلك ويجعل في الأرض حتى لا يكون الفاعل له ذلك مستعملا له بشيء وذلك من أبواب الورع وهو حسن إن شاء الله.
ومن غيره: وسئل عن رجل وجد صبيا طالعا نخلة أو شجرة فقال يا غلام: إهبط أو قال: يا غلام إنزل. فصرع الغلام من فوق لعله أراد من فوقها قال: عليه ديته. قلت له: فما تقول في رجل جاء إليه فقير وهو في نخله يطلب رطبا والفقير يتيم. فقال له صاحب النخلة إطلع هذه النخلة أخرف منها لنفسك فطلع اليتيم فصرع منها فمات وكسر أعضاؤه. ما يلزمه في ذلك. قال معي: أنه إذا كان ذلك من مصالحه وهو ممن يقدر على ذلك ويؤمن عليه في مثله فلا يبين لي عليه ضمان على هذا الوجه. وإن كان على غير هذا خفت عليه الضمان.
وعن رجل يمر على يتيم وهو على الطريق في حاجة وغيرها ومعه حطب فيقول له اليتيم: ارفع علي هذا الحطب فرفع عليه هل عليه بأس إذا كان اليتيم من أهل ذلك مما قد برز لذلك أو يعود ذلك بنفعه ومصلحته وهو ممن يلي ذلك لنفسه وكان مما يقدر عليه اليتيم ولا يخاف في ذلك ضرر جاز ذلك إن شاء الله. ... /285/ (4/268)
صفحة 1763
وسألت أبا الحسن _رحمه الله_ عن الصبية هل تأمر أمها بختانها أو من يقوم بأمرها أن يختنوها وهي صبية يتيمة. قال: نعم. قلت: فإن ماتت اليتيمة من ذلك هل يلزم من أمر بختانها ممن يقوم بأمرها شيء من ذلك قال: لا. قلت: أفليس. قال: إنما الختان في النساء مكرمة وليس بواجب قال: نعم. ولكن يختنوها، وليس عليهم في ذلك شيء. وعن يتيم لا مال له ففرض له الحاكم على وارثه فريضة فكان الوارث ينفق على الفريضة فلما بلغ اليتيم طلب الوارث إلى اليتيم ما كان ينفق عليه.
قال أبو عبد الله_ رحمه الله_ ليس له ذلك لأن ذلك كان حقا لزمه إلا أن يكون لليتيم مال لم يعلم به الوارث في الوقت الذي كان يؤدي إليه فريضته فله أن يأخذ ما أداه. وحفظت في رجل اجتاز في طريق وفي الطريق صبيان يلعبون بجوز فوطئ على جوزهم فكسره على غير عمد أو كسرته دابته التي كان راكبها. فقال: عليه ضمان ما كسره لمن هو له يتيما كان أو بالغا. وحفظت عنه في اليتيم المراهق إذا طلب حمارا من رجل وكان ذلك الحمار مما يخاف على ذلك الصبي منه، أإنما (؟؟؟) أحدث الحمار في الصبي أن صاحب الحمار ضامن لما أحدثه الحمار إذا كان يخاف على الصبي منه. وإن كان مما لا يخاف على الصبي منه فلا ضمان عليه، ولو أحدث الحمار فيه حدثا إذا كان يؤمن على الصبي في ركوبه لذلك الحمار على هذا المعنى لا يحيط بالفظ كله فمن احتاج إلى شيء منه فلا يأخذ منه إلا بالحق إن شاء الله.
وعن اليتيم إذا خيف من بروزه من منزله عليه أو على ماله وهده بالإساءة والضرب والقيد وأقام نفسه مقام المحتسب له إن ذلك جائز له إذا كان ذلك من مصالح اليتيم، ولو أنه ربطه وأراد بذلك صلاحه لم يكن عليه الرابط شيء ولو أثر الحبل في اليتيم من تحدب اليتيم لم يضمن له الرابط شيئا.
ورجل مر بصبيين يتقاتلان فأخذ أحدهما ورفعه الآخر وأمسكه عن ضربه فلما قام المصروع ضرب الصبي والرجل ممسكا له لئلا يضربه من غير أن يعلم الرجل، هل على الممسك شيء أم لا. فليس عليه شيء وكان عليه أن يمسكه لئلا يضربه. قلت له: فإنه لما رآه يضربه نهاه عنه وخصمه على ضربه ثم قال له: على سبيل الهد /286/ (4/269)
صفحة 1764
له أإضربه (؟؟؟) الساعة فهوى الصبي على الآخر فضربه أيلزمه شيء أم لا. فإذا لم يرد ذلك أمرا فليس عليه شيء. وإن أراد بذلك أمرا له. فقد قيل إن أمر البالغ لصبي كأمره لولده الصبي في بعض القول. وقيل غير ذلك. فعلى هذا القول الآخر فلا ضمان عليه وعلى القول الأول فعليه الضمان. والله أعلم.
وذكرت في صبية إذا خيرت بين أبيها وأمها فاختارت مرة أباها ومرة أمها. فعلى ما وصفت فهذه إذا اختارت أباها ردت إليه وإذا اختارت أمها ردت إليها، وكلما اختارت أباها ردت إليه وإن اختارت أمها ردت إليها.
وعن مال يتامى أو مال فيه شبهة هل يسع من اقترض منه شيئا أو أعطى منه شيء أخذه، قال: لا يجوز له ذلك. قلت فإن كان لهذا الرجل عامل بقارض (؟؟؟) عامل مال اليتامى أو يقترض من المال الذي فيه شبهة يعلم صاحب المال.
قال: نبهان عن ذلك: ويقول له لا يعود إلى شيء منه إلا أن يكون مقارضة اليتامى فيها صلاح لهم ومنفعة ويوفيهم ما اقترض منهم فلا بأس. وأما المال الذي فيه الشبهة فنهاه عنه. قلت فإن كان قد فعل ذلك عامله بعلمه ولم ينهه عن ذلك ما يلزمه. قال: لا يعود إلى ذلك. وأما ما مضى فلا أرى عليه غرما.
ومن كان في حجره يتيم فضحى له ضحية سمينة وضحى هو ضحية مهزولة ويريد أن يخلط لحم اليتيم في الطبخ، فنحب له أن يعزل لحم شاة اليتيم عن لحم شاته ولا يخلطهما. وإن علم أن فضله على اليتيم أكثر فخلطه في الطبخ لم نر حراما.
/287/ (4/270)
صفحة 1765
الباب الثامن عشر
في صدقات النساء
رجع من النخل وغيرها وكيف يكون القضاء في ذلك.
وأعلم أنه قد ثبت في صدقات النساء ما لم يثبت في غير ذلك من الشراء أو العطاء لأن المرأة قد نكحت على ذلك فإن تزوجها على مائة نخلة خيار. فلها مائة نخلة خيار من خيار نخل البلد الذي تقضي منه. وإن تزوجها على مائة نخلة خيار من ماله فهو مثل الأول ينظر العدول مائة نخلة خيار ثم يقضي مثلها من ماله. وإن تزوجها على مائة نخلة خيار ماله فلها مائة نخلة خيار ماله لا يعدو ذلك. وقيل إذا كان بين كل نخلتين مما يقضي في الصدقات ستة عشر ذراعا فذلك للمقضي وما زاد على الستة عشر ذراعا فهو للمقضي وفي نسخة للقاضي.
قال أبو الحواري عن أبي المؤثر أن المرأة يقضي صداقها من ثلاثة مواضع من الخيار ثلث. ومن الوسط ثلث ومن الركن ثلث. فإن كان في موضع نخل قاصية برؤوسها تعد عدا قضيت نخل ذلك الموضع حتى تستولى (؟؟؟) ولا يفرق عليها القضاء. وإن كان في موضع ليس فيه ما يعد برؤسته (؟؟؟) قضيت من كل موضع ثلثا بالقيمة من الخيار والوسط والوكس هكذا حفظت وكذلك إن تزوجها على غلام أو جارية فإن كانت من عمان فإن خدمهم الزنج فلها زنجية وغلام زنجي وسط برأي العدول وأهل المعرفة بثمن الرقيق، وإن تزوجها على غلام فارسي أو أبيض فلها غلام من الهند والسند أو غيرهم من الأجناس البيض. ولو تزوجها على جارية لا تموت فإنه ما في الدنيا جارية لا تموت إلا أنه إن تزوجها على جارية كلما ماتت من عندها فعليه لها جارية مكانها. فإنه لجهول وما يحرمها ما شرط لها لأن كل شروطها هذه مجهولة وقد أثبتها المسلمون.
وإن تزوجها على سن من الدواب أو الرقيق أو شيء محدود من العروض فلها شرطها وتعطي الوسط من ذلك، قال أبو الحواري: إذا تزوجها على غلام ولم يسم كم طوله فقال من قال: ربع خماسي وربع سداسي وربع أمرد وربع ملتحي. وقال من قال: ثلث سداسي وثلث أمرد وثلث ملتحي هكذا قال أبو المؤثر. وإن تزوجها على نخل بشربها فسواء قال من الماء أو لم يقل لأن شربها هو الماء. وفي نسخة: قال من قال: إذا تزوج الرجل المرأة على نخل فهي لها بشربها وإن لم /288/ (4/271)
صفحة 1766
تشترط الشرب ولم يعلم أن أحدا من فقهائنا الذين شهدناهم أخذوا بذلك، وأما الأرض إن تزوجها على مائة نخلة أو أقل أو أكثر فهي بأرضها ولو لم تشترط الأرض وليس عندنا في ذلك اختلاف. فإذا عدت النخلة وعرفت كان لها شربها من الفلج الذي يشرعها وتشرب منه فينظر العدول عند ذلك فإن كان محل قد نقص منه الماء أو خضب قد طغا (؟؟؟) الماء فيه فإن لها شرب هذه النخل وريها في ماله. فإذا كان الماء وسطا من ذلك رضمت (؟؟؟) النخل ثم أخرج لكل نخلة ثلاثة أذرع بدور جذعها ثم تسقي شربة أو شربتين حتى يعلم أنها قد تورطت أرضها ثم يترك من بعد أن تشرب إلى آدها وما يسقي مثلها ثم يساق إليها الماء في وقت معروف يقلب فيه من الأجالة التي تشرب منها جميع تلك النخل ويساق الماء حتى يدخل النخل وقد تكون الأفلاج مختلفة، فإن كان فلج كثير الماء جعل في كل أجيل ثلاث نخلات أو أكثر على ما يرى العدول ويكون بين كل أجيلين ساقية وإن كان الماء قليلا فنخلتان ونخلة في كل أجيل فإذا دار الماء بأجيل النخلة فإن من المسلمين من قال: إذا ضرب الماء في وسط الأجيل إلى ركبتي الرجل ومنهم من لم يجعل له حدا وهو رأي موسى بن علي رحمه الله_إلا ما رأى العدل وأنه ري لها. فتسقي النخل على هذا جميعا ثم ينظر العدول من قلب إليها الماء من الأجالة العليا إلى أن روي آخرها كم هو من آثر فيقطع ذلك لها ويكون هو شربها. وقال من قال: تسقي شربتين آد ليل آد نهارا ثم تعطي النصف من ذلك وليس لها من النخل غرفة فانية ولا فسلة مأكولة تنالها الدواب والأيدي من الأرض فإن كان شرطها عند النكاح أن هذه النخلة من صداقها تعطي. وفي نسخة من صداقها فتعفاها من بلد من البلاد فهي لها من ذلك البلد وإن لم يكن لها شرط فإن صداقها من بلدها الذي تزوجها هذا الرجل منه. ... /289/ (4/272)
صفحة 1767
فإن كان زوجها ميتا فأراد الورثة أن يعطوها من غير ماله بلا رأيها فليس لهم ذلك، ولها صداقها من مال زوجها. قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله وقد قيل ذلك لهم وليس عليهم إلا أن يعطوها حقها ولهم يفدوا مالهم بغيره من المال من البلد وإن كان الزوج حيا قضاها صادقها من حيث شاء من ماله أو من غيره إذا ملك ذلك. وإن كان ميتا فقال بعض المسلمين أإن (؟؟؟) الورثة أن يقضوها. وفي نسخة يعطوها حيث أرادواهم (؟؟؟) من ماله ويكون الذي لها في موضعين أو ثلاثة أو أربعة مواضع إن كان للميت قطع يمكن ذلك ولا تلجأ إلى طرق من البلاد ولا إلى نخل لا يشرعها الماء ولا إلى موضع غايب. ونساء الجبال لا يقبضن من نخل الباطنة وإن كانت هذه المرأة من بلد تزوجها منه زوجها والزوج من بلد آخر وفي نسخة وماله في بلد وليس له في بلدها مال. فقال من قال: أإن (؟؟؟) لها صداقها من ماله من بلده وأحب آخرون أن يؤخذ _وفي نسخة يأخذ حقها من ماله من بلده بقيمة نخل بلدها لأنه ربما كانت النخل في بلدها أعلا.
قال أبو الحواري عن نبهان أنه إن قضيت من بلدة بقيمة بلده وإن قضيت من بلدها فبقيمة بلدها. وإن كانت هذه المرأة غريبة من عمان فلها حقها من البد الذي تزوجت فيه وإن كنا غريبين جميعا قدما إلى عمان ثم مات الزوج أو فارقها فحيث وجب لها حقها أو حكم لها به الحاكم أخذته وينظر في ذلك. ... /291/ (4/273)
صفحة 1768
وإن كان رجل تزوج إمرأة من نزوى وأصلها من أهل الغابة والرجل أصله من أهل الرستاق وكان مقامهما وفي نسخة مقامها في ذلك _ وكان بنزوى إلى أن مات الرجل وترك مالا بنزوى فرأينا أن تقضى صداقها من ماله من نزوى واحتج وارثه أن له مالا بالرستاق وهو من أهل الرستاق والمرأة من الغابة، لا مال له بالغابة وطلب أن تقضي المرأة من ماله من الرستاق فأشرنا في ذلك فلم نعرف فيه رأي ولم يصح المال الذي في الرستاق فمضا (؟؟؟) القضاء من ماله من نزوى.
قال أبو الحواري: تقضي حيث كان مقامه ساكنا بزوجته ورجل أيضا من أهل نزوى تزوج إمرأة من أهل نزوى ثم ماتت أو طلقها فطلبت صداقها فباع ماله من نزوى أو ألجأه أو لم يكن له مال ودعا إلى أن يعطها من ماله له بسعال فكرهت واحتجت أن نخل نزوى أغلا من نخل سعال فرأى بعض أن تقضي من سعال بقيمة نزوى. ثم بلغنا أنهم رجعوا عن ذلك ورأوا أن نزوى وسعال قرية واحدة ولا يعدم أن تكون المواضع موضع أغلا من موضع وإنما لها نخل قاضية فإذا أخذتها فقد استوفت ولا ينظر في زيارة ثمنها ولا قلته ولا نرى في هذا الرأي بأسا. وامرأة لها على زوجها مائة نخلة وقد مات وليس له نخل وله أرض ودور وغير ذلك. فقال الورثة نحن نبيع أرضه أو نأخذ بها أو نقضيها نخلا فإن كرهت ذلك فليس لهم ذلك ولها أن تأخذ من مال زوجها وما كان من أرض أو غيرها برأي العدول. وننظر في قيمة صداقها من نخل ذلك الموضع فتأخذه من أرضه بقيمتها. وامرأة ملكها رجل فمن قبل أن يدخل بها اختلفوا في الحق فقال ولد المرأة: بأمرها أن حقها أربعة آلاف درهم. وقال الزوج ألف درهم فقالوا: إن كان قد دخل بها فالقول قول الزوج وعليها هي البينة. وفي ذلك قول آخر. وإن كان لم يدخل بها فالقول قولها. ويقال للزوج إن بدا له. وفي نسخة إن أراد أن يدخل بها على أربعة آلاف كما ادعت فذلك إليه وإن كره فيفارقها ويعطيها نصف الألف التي أقر بها. /292/ (4/274)
صفحة 1769
وامرأة تزوجها رجل وعقد له الولي عقدة النكاح ودخل بها بلا صداق مفروض فإن اختلفا في الصداق من قبل أن يدخل بها انتقض النكاح وإن دخل بها ثبت النكاح ولها في مثل صداق واحدة من نسائها وهن هن وفي نسخة أمها وأخواتها وعماتها. وإن اختلف صدقاتهن فلها الوسط من ذلك وإن كانت هي قد تزوجت زوجا من قبل زوجها على أقل من صدقات نسائها فقالوا: ليس لها على زوجها هذا إلا مثل صداقها الأول الذي كانت تزوجت عليه هي ولا ترد على صدقات نسائها إن كان صداقها الذي تزوجت عليه أكثر من صدقات نسائها فما نحب أن يكون لها إلا مثل صدقات نسائها إلا أن يكون مع أهل العدول من أهل المعرفة بها أنها مستحقة في قدرها كمثل الصداق الذي تزوجت عليه من قبل فما نحب أن يحرم ذلك وإن كان زائدا على صدقات نسائها إن قدرها أولى بها من قدر نسائها.
قال أبو الحواري: لها مثل صداقها الذي تزوجت عليه قليلا كان أو كثيرا هكذا. قال لي نبهان رحمه الله.
وفي جواب من أبي مروان إلى أبي جابر إني كنت أسمع أن من شرط عليه شرب من نهر ليس يقسم على المال وهو على الرؤوس وللمرأة الشرب عليه فرأوا أن يقوم الماء قيمة في يوم يكون قيمة الماء وسطا وتعطي المرأة وكذلك رأينا. وإذا قضيت المرأة خمسين نخلة عن مائة نخلة فليس لها إلا ضرب الخمسين التي قضتها ونحب أن يقضوها العدول يوم القضاء هذه الخمسين نخلة بشربها عن مائة نخلة بشربها، وكذلك إذا قضيت مائتي نخلة عن مائة نخلة. وإن قضيت مائتي نخلة عن مائة بشربها فلها المائتي نخلة. وإن قضيت نخلا عاضدية أو نخلا لا تشرب فلها الشرب كذلك يصنع به ما أرادت.
قال أبو الحواري يوجد عن محمد بن محبوب رحمهما الله: أن النخل العاضدية إذا كان الماء يجري في أصلها على قدر آد البلد قضيت هذه النخل وليس لها شرب وإن كان الماء يجري في أصلها على أكثر من آد البلد فلها شربها. قال نبهان ينظر فيها العدول فإن كانت قاضية بالأصل الذي هي فيه بشربها قضيتها يقال لها إن شئت خذي هذه النخلة عن نخلة بشربها وإن شاءت ضعفت عليها النخل كما ريى (؟؟؟)) العدول. وإن شاءت أن تأخذها برأسها ولا شرب لها وإن كانت نخلة تشرب بثلاثة أذرع من جانب واحد لأنها ملتجئة إلى الجبل أو غيره. فطلبت أن يكون حوضها من جانب واحد ستة أذرع فذلك لها والله أعلم. ... /294/ (4/275)
صفحة 1770
ومن جواب أبي جعفر سعيد بن محرز عن رجل لزمه صداق لامرأة أربعون نخلة فقضاها العدول خمسين نخلة عن أربعين نخلة أو ثلاثين نخلة عن أربعين نخلة. وسألت عن الشرب وشرط المرأة شرب صداقها فقد أحسب أن أبا علي رحمه الله كان ينقض مثل هذا إذا وقعت المنازعة ويرد فيه القضاء حتى ينظر العدول في كل ذلك ويقطعوا لها لما قضوا شربه حتى لا يكون فيما قضوا من ذلك اختلاف وما أحسن ما قال. هكذا في الجواب وكذلك رأينا أن يكون العدول ينظرون في مثل هذا عند القضاء ويقطعونه على ما يرجعون من العدل. وقيل في بعض آثار المسلمين أن الخيار في النخل في شرط الصداق أفضل من الكرم وهذا زيادة من نسخة أخرى.
وعن أبي علي _رحمه الله_ في رجل تزوج امرأة من قرية ثم خرج بها إلى قرية أخرى فطلقها هنالك وكان مهرها عليه مائة نخلة قال: فأقول أن يعطيها حقها من بلدها الذي تزوجها منه. وإن كان له في بلدها مال أعطاها منه وإن لم يكن له في بلدها مال أعطاها من بلده إلا نخل الخط إن كانت من أهل الخط. وقيل أيضا عليه أن يعطيها من البلد الذي تزوجها منه بقيمة فإن لم يكن له مال في بلدها فله أن يعطيها من بلده على قيمة بلدها وإن لم يكن له مال في بلدها ولا غيره فلها قيمة بلدها الذي تزوجها منه.
وقيل عن أبي محمد بن محبوب رحمه الله: أنه كان يرى أن من لزمه من أهل القريات بنزوى صداق فله أن يعطيه من حيث شاء منها من نزوى أو سمد أو سعال برأي العدول حتى ينازع إليه في ذلك من ينازع من أهل نزوى والجأ (؟؟؟) المطلوب ماله من نزوى، وقال لا مال له بنزوى وأراد أن يقضي من مال سعال فرأى أبو عبد الله أن يقضيها نخلا من نزوى برأي العدول وإن لم يكن له مال ولم يشترط لها من نزوى صداقها فلها قيمة صداقها كما يقوم العدول عدول أهل نزوى الوسط من نخل الصدقات، ثم قال أبو عبد الله رحمه الله_ قد كنت رأيت أن تقضي من حيث يشاء من القريات التي بها وقد رجعت عن ذلك لأني تفكرت فيه فرأيت أن يقضي أهل نزوى من نزوى وأهل سمد من سمد وأهل سعال من سعال. كما أنه لا يلزم أهل نزوى ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل سمد، ولا تلزم أهل نزوى ولا أهل سمد القسامة التي تلزم وأهل سمد ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل نزوى. وإنما يلزم من أهل نزوى عمارة مسجدهم الجامع وحدهم. وكذلك يلزم أهل سمد عمارة مسجدهم الجامع وحدهم. ... /296/ (4/276)
صفحة 1771
وذكر عمرو بن القاسم عن أبي علي موسى بن علي رحمه الله أنه من قضى زوجته صداقها في مرضه أن لها ما قضاها لا تزال عنه وتدخله العدول فإن رأوا فيه فضلا أخرجوا الفضل، وإذا كان في شرط النكاح أن الصداق من بلد وهو في ذلك البلد ولو مات المطلوب وأوصى أن يقضي من غيره فليس له ذلك في حياته ولا مماته. وقيل عن الذي ملك امرأة فأعطاها من صداقها نخلا وحيوانا فأتت عليه جائحة من ريح أو موت ثم فارقها من قبل أن يدخل بها. فأما الحيوان فعليها أن ترد عليه نصف ما دفع إليها، وأما الأرض والنخل فلها نصف ما بقي. وقال آخرون ما ذهب قيمتها وعليها نصف ما دفع إليها. وعن رجل ملك امرأة ودفع إليها من عاجلها ألف درهم وجارية، فاتجرت بالألف فصارت ألفين وولدت الجارية ثم طلقها من قبل أن يدخل بها. قال: فيرى أن تردد على زوجها النصف مما في يدها.
ومن غيره: وعرفت أن الرجل إذا دخل بزوجته كان القول قوله في العاجل بأنه أوفاها وكان مدعيا في الأجل لأنه لم يحل وقته وقد قيل أنه مدع أيضا في العاجل مسبح بن عبد الله عن أبي عثمان في المرأة تموت فيطلب الورثة إلى زوجها صداقها فيقول الزوج أما العاجل فقد استوفته قبل الدخول أن عليه تم الباب من كتاب أبي جابر. ... /298/ (4/277)
صفحة 1772
الباب التاسع عشر
قضاء الصدقات (الصداق)
قال أبو عبد الله_ رحمه الله في قضاء الصدقات الوسط إذا وجد في نخل الرجل نخل يقضي عن رؤسها في ثلاثة مواضع أو أربعة لم يكن له أن يجاوز بالقضاء إلى غير هذه المواضع فما فيه زيادة أو نقصان وإن لم يوجد ذلك فله أن يقضي مما يراه العدول والنصف مما هو فوق الوسط ويزيد فيه العدول والنصف مما هو دون الوسط ويزيد عليه العدول حتى تستوفي ولا تأخذ المرأة دون الوسط كل صداقها ولو ضعف لها، ولا لها أن تأخذ فوق الوسط كل صداقها ولو زاد العدول في قيمته. قال: وكذلك الحي إذا كان في ماله ما بقي من النخل عن رؤسها فإن لم يكن فيه وفاء أوفى شيء مما بقي عمل برأي العدول. قال: وليس للعدول أن يقضوا في الصداق إلا ما يغل ويحمل. قلت فإن كانت تحمل كل نخلة عذقا. قال: لا يقضي ولكن حتى يكون نخلا تحمل أكثر من ذلك.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وسألته عن رجل طلق زوجته ولها عليه صداق نخل وله نخل في فلجين أحدهما يبس (؟؟؟) والآخر لا ييبس. من أين تقضى. قال: تقضى من الفلج العد الذي لا ييبس حتى تفرغ نخله فإن بقي لها شيء لم يحكم عليها أن تأخذ من الفلج الذي ييبس ويحتال لها بالوفاء من الذي لا ييبس. قال: وأما إذا مات وعليه لزوجته نخل وترك نخلا على فلجين أحدهما ييبس والآخر عد (؟؟؟) قضيت من الفلج الذي لا ييبس فإن بقي لها شيء خيرت إن أحبت أن تقضي من أرضه التي له من الفلج الذي لا ييبس بقيمة النخل وإلا قضيت من ماله حيث كان. وأما التي تزوجت على نخل ولم يشترط لها شرب أنه يخرج في أكثر معاني القول أنه ليس لها شرب إلا أن تستحق النخل من فلج يكون فيه الماء تبعا للنخل في سنة أهل البلد. وأحسب أنه في بعض القول أنه يكون لها الشرب لئلا يدخل الضرر عليها حتى يشترط عليها أن لا شرب لها. وإذا ثبت ذلك كان عندي على سبيل سنة البلد في الشرب. /299/ (4/278)
صفحة 1773
وعن رجل قضى امرأته قطعة من ماله بصداقها حيث لم تعلم حتى توفي ثم علمت فقد رأوا أنها مجبرة إن شاءت قبلت ما قضاها وإن شاءت ردت ذلك وليس للورثة خيار وسألت عن رجل تزوج امرأة على صداق مائة درهم وأنه قضاها وإن شاءت ردت بالمائة أرضا وفسلتها المرأة وقام في الأرض ما يسوي ألف درهم ثم طلقها قبل أن يجوز بها. ما يكون لهذه المرأة من هذا المال. فعلى ما وصفت فإن للرجل نصف المائة خمسين درهما والأرض بنخلها للمرأة وليس للرجل في الأرض ولا في النخل شيء وهذا بمنزلة البيع. وإن كان تزوجها على الأرض بعينها ثم طلقها من قبل أن يدخل بها فلها نصف الأرض بلا نخل ونصف الأرض للمرأة بنخلها ويرد على المرأة قيمة النخل التي في الأرض صارت إليه إلا أن تريد المرأة أن تأخذ نخلها وتقلها فلها ذلك. وللمرأة الخيار في ذلك إذا كانت قد فسلتها على هذا الوجه وبين الدراهم والأرض فرق فإذا كان الصداق دراهم واقتضوا منه عروضا فإنما يرد عليه دراهم. وإن كان التزويج على عروض فإنما يرد عليه نصف العروض.
ومن غير الكتاب: عن أبي محمد عبد الله بن محمد: أن قيمة المثقال الذهب الصداقي في الصداق من سبعة إلى ثمانية دنانير على بعض القول وفي بعض القول تسعة. وقد قل (؟؟؟) أن النخلة الصداقية قيمتها عشرة دراهم وشربها ثلث قيمتها فتبلغ ثلاثة عشر درهما وثلث درهم هذا أصح ما عندنا والمعمول به واله أعلم. ... /300/ (4/279)
صفحة 1774
الباب العشرون
في الشفع
رجع إلى كتاب أبي جابر
وأعلم أن ليس لأحد أن يشتري مالا يشفعه شفيع إلا برأيه. وأوجب الشفع المشتركة في الأصول. ثم من بعد ذلك ما يشفع بالمضار مثل الذي عليه ساقية المال في ماله. أو طريق غير جائز أو طرح الميزاب ومجاري المياه من الأمطار إذا جرت على المنازل واجتماع الجذوع على الجدار بين الدارين ونحو هذا.
وفي النخل إذا كانت تقايس وفي المياه المشتركة وفي الخبورة من الماء الذي يفعل في اليوم والليلة ومن والاه في الماء أولى.
وقد قال بعض الفقهاء أن الشفعة في الحيوان. وقال بعضهم لا شفعة فيها. ... /301/ (4/280)
صفحة 1775
ولا فيما يكال ويوزن ولا شفعة في الصوافي ولا شفعة لها.
((الشفعة في الثمار)) قال أبو الحواري: الصافية تشفع ولا تشفع. والثمار التي بين أصحاب الأصل والعمال. قال من قال: الشركاء في ذلك هم أشفع. وقال من قال لا شفعة في ذلك إلا بشريك في الأصل.
قال أبو عبد الله_ رحمه الله_ الشفعة في الثمرة من النخل لمن له حصته في أصل النخل فأما من ليس له حصة في أصل النخل وإنما له في الثمرة فلا شفعة له. وقال من قال: له في ذلك أيضا الشفعة. ... /303/ (4/281)
صفحة 1776
وليس فيما يباع في النداء شفعة. وقال أبو الحواري قد قيل هذا في النداء. وقال من قال: أن (؟؟؟) الشفعة في المناداة وترد بالعيب وبه نأخذ. وأما في الإقالة فإن هو أقال من بعد أن طلب الشفعة فله شفعته وإن قال قبل أن يطلب الشفيع فلا شفعة له فيه هكذا حفظنا. وأما الشروي فلا شفعة فيه ولا في الإقالة شفعة. ... /304/ (4/282)
صفحة 1777
((حكم ميراث الشفعة)) وإذا مات طالب الشفعة أو المطلوبة إليه لم يكن لوارثها أن يطلبها من بعده وقيل الشفع لا تورث.
ومن غيره: وعن رجل اشترى أرضا ثم طلب الشفيع شفعته ثم مات الشفيع من قبل أن يحكم له بها هل لورثته فيها شفعة. فقالوا: إذا طلب الشفيع ثم مات وهو في مطالبته فلورثته أن يطلبوا تلك الشفعة ولمهم ذلك، فإن مات الشفيع ولم يطلب الشفعة فقد قالوا: إن الشفع لا تورث ولا تباع ولا توهب. وكذلك إن مات المشتري من بعد أن طلب الشفيع فهو على مطالبته بشفعته. وإن المشتري قبل أن يطلب الشفيع فلا شفعة للشفيع وقد مات المشتري وماتت حجته. /305/ (4/283)
صفحة 1778
رجع ((حكم الشفعة بين الزوجين)) وليس فيما بين الزوجين فيما باع أحدهما لصاحبه شفعة.
ومن غيره: فإذا باعت المرأة شيئا لزوجها كان الزوج أولى من الشفيع. وإذا باع الزوج شيئا لزوجته كانت زوجته أولى من الشفيع. قال أبو علي حفظه الله في هذا إذا باع أحدهما لصاحبه. وأما إذا باع أحدهما لغيره فالشفيع أولى من الزوج.
/306/ (4/284)
صفحة 1779
رجع ولا فيما باع الإبن لأبيه ولا العبد لسيده. وعن أبي عبد الله _رحمه الله_ وسئل إذا باع ولد الرجل شيئا فأراد الوالد أخذ ما باع ولده كان له ذلك دون الشفيع. وإذا باع الوالد شيئا وأراد الولد أخذ ما باع والده كان الشفيع أولى من الولد.
((الشفعة للغائب)) والغائب من عمان لا يدرك الشفعة في المقسوم وأما في المشاع فله الحجة في ذلك إلا الوالي والحاج والغازي. فقد قيل أن لهؤلاء الشفعة في المقسوم أيضا فإن قام الحاج إلى العاشور أو بعد ذلك فقد قيل إنه لا يدرك في المقسوم.
((شفعة اليتيم)) واليتيم إذا بلغ لم تدرك شفعته من المقسوم ويدرك في المشاع فإن علم وصية ببيعها فتركها لم يدركها اليتيم إذا بلغ أيضا. وكذلك شفعة الصبي إذا علم والده ببيعها فلم يطلبها وتركها لم يدركها الصبي إذا بلغ واليتيم بالخيار إذا أخذ له وصية أو وكيله من الشفع في المقسوم إن شاء أخذه وإن شاء تركه وأخذ من الوكيل قيمة الذي أعطاه من ماله والغالة لمن أخذ وقول من يجعل الخيار إذا كرهها ولم يكن شفيع يأخذها فهي ثابتة على الوصي وهي له بالشراء الأول والله أعلم. وإن طلب المال الشفيع الذي كان من بعد اليتيم لما كره اليتيم أخذه حيث بلغ فهو أولى به إذا كان طلبه كما أخذ اليتيم. وقال إن لم يرده اليتيم فهو لي. وما أخذ الوكيل لليتيم من الشفعة المشاعة بماله فذلك يلزمه وليس له فيه خيار. /307/ (4/285)
صفحة 1780
((حكم الشفعة لأهل الذمة)) وقيل إن الشفع يؤخذ من أهل الذمة بشفعة الإسلام إذا طلبها المسلم من حين ما علم بالشراء فإن علم ولم يطلب من حينه فلا شفعة له وقال من قال: للذمي أن يأخذ شفعته بالمضرة من غير المشاع.
وقال من قال: ليس في المشاع. وقال من قال: الشفعة له في المشاع ولا في غير المشاع إذا كان المشتري من المسلمين. وقول من نرى له الشفعة في المشاع هو أوسط الأقاويل له شراء في المشاع لا يؤخذ منه الشفعة والذي يقول لا شفعة للذمي يقول إن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وهو من قول النبي _ صلى الله عليه وسلم_
وأما موسى بن علي_ رحمه الله_ فقد قيل أنه لم يكن يرى أن ينتزع من الذمي ما اشتراه إلا أن يكون شفيع بشفعه مثل أهل الإسلام وكان يرى للذمي أن يأخذ المال الذي باعه المصلي بالشفعة إذا كان يشفعه وبه نأخذ. أبو الحواري. /308/ (4/286)
صفحة 1781
وفي جواب أحسبه لأبي عبد الله_ رحمه الله_ في بالغ باع لرجل مالا بألفي درهم ثم ترك له ألف درهم أنه إن أراد الشفيع أن يأخذ الشفعة فإنه يأخذها بألف درهم على قول من قال من الفقهاء. وقال من قال من الفقهاء إنما وهب ذلك البائع للمشتري وعلى الشفيع أن يأخذ إذا أراد بأصل الشراء. وهذا القول أحب إلينا، قال: وأما من سمى حظا من الثمن فللشفيع مثل ذلك إلا أن يهب له الثمن كله فللشفيع إذا أخذ الشفعة أن يرد على المشتري الثمن تاما وقيل أن (؟؟؟) العلم بالشفعة أن يعلمه المشتري أو البايع أو أحد الشهود أو ثقة آخر فما لم يكن كذلك فلم يعلم وإذا علم فلم يطلب من حينه بطلت الشفعة.
قال غيره: يوجد في رجل خرج إلى قرية فقال الرجل: إني قد اشتريت شفعتك فلم يصدقه وعسى أن يكون حقا قال: لا يثبت ذلك عليه حتى يعلم هو بالشراء قال أبو علي حفظه الله: وقد قيل عليه أن يطلب شفعته حين أعلمه وليس عليه تسليم الثمن حتى يصح معه البيع فإن طلب المشتري أن يجعل الثمن على يدي عدل إلى أن يصح البيع كان له ذلك. وإن لم يطلبها على هذا القول بطلت شفعة والله أعلم. /309/ (4/287)
صفحة 1782
ومن غيره: ((متى تستحق الشفعة)) وهذا إذا كان البائع غائبا فقيل ليس عليه أن يصدقه حتى يقدم الغائب ويقر بالبيع. وقال بعض إنه ينزع من مدعي الشراء وليس عليه تسليم الثمن بدعواه إلا أن يطلب المدعي للمشتري على أن يكون الثمن على يدي ثقة فله ذلك على الشفيع وليس للشفيع أخذ المال بدعواه حتى يقدم الغائب ويقر بالبيع وقيل إذا كانت الشفعة في بلد والشفيع في بلد آخر، فقال بعض: عليه أن يخرج إلى المشتري ينزع الشفعة. وقال بعض يخرج إلى بلد الشفعة يشهد على انتزاعها وليس عليه خروج إلى المشتري. وقيل ليس عليه وينتزع الشفعة في بلده في هذا كله خروج. ويوجد أن الشفيع عليه أن يطلب من حين ما علم إلا أن يكون في ضيعة إذا فاتته لم يدركها.
قال غيره: ويوجد أنه إذا سلم الشفيع بعض الثمن وسلم إليه المشتري الشفعة لا يضره تأخيره عن ثلاثة أيام إذا كان قد سلم إليه الشفعة وعليه أن ينقد الثمن ولا يضره تأخيره وإن كان أخذ منه بعض الثمن ولم يسلم إليه الشفعة. وإنما أخذ بعض الثمن بلا تسليم الشفعة فلم يتم الثمن إلى ثلاثة أيام فلا شفعة له.
قال غيره: وهذا قول حسن وقد قيل إن لم يسلم الثمن في الثلاث بطلت شفعته. /310/ (4/288)
صفحة 1783
رجع ((متى تنتهي الشفعة)) وقال من قال: إذا علم وهو يصلي فريضة فليس له أن يصلي نافلة حتى يقول قد أخذت شفعتي. وقال بعضهم إن عليه إذا علم ببيعها أن يقول قد أخذت وليس على المشتري رد غلة قد استغلها إلا ثمرة مدركة قد اشترى المال وهي فيه فإنها من الشراء وإن رجع المشتري على الشفيع بنفقة أنفقها في المال فإنه يطرحها مما استغل وقال موسى بن علي رحمه الله عن موسى بن أبي جابر _ رحمه الله_ الشفع لا تطلب بالليل.
قال غيره: الذي عرفت أن الرجل ليس عليه أن يطلب الشفعة بالليل وأن المرأة ليس عليها أن تطلب بالنهار شفعتها والله أعلم. /312/ (4/289)
صفحة 1784
رجع ((الأشياء المختلف عليها في الشفعة)) وعن أبي علي رحمه الله _ قال: أما السيف والعبد والثوب والحيوان ففيه الشفعة معنا وأما الحب فالله أعلم. قال أبو الحواري ما يكال ويوزن فليس فيه شفعة. وقال في رجل من أهل إزكي كان بالسر فباع لرجل منها مالا له بإزكي شفعة لرجل له فعلى صاحب الشفعة أن يخرج من حينه في طلب شفعته.
ومن غيره: قال أبو علي حفظه الله وقد قيل ليس عليه خروج إذا كانت الشفعة في بلده والله أعلم. ومن باع ماله له الذي كان يشفع به الشفعة التي يطلبها. فقال من قال: قد زالت عنه الشفعة وقال من قال: هي له بأنها قد وجبت له من قبل. ومن اشترى مالا ثم بيع مال أيضا شفعة ذلك المال الذي اشتراه فأخذه بالشفعة ثم علم الذي يشفع ذلك المال الذي اشتراه المشتري أولا فطلبه وطلب ما اشترى بشفعته. فقيل إن ذلك كله له وقول ليس له إلا الأول إلا أن يكون يشفع الآخر بشيء غير الأول. ومن طلب أن يأخذ بعض شفعته ويترك بعضها فقيل ليس ذلك له. وإذا كانت شفعته لناس عدة كلهم فيها سواء فمن سبق لها فهو أولى إذا أخذها وإن طلبوا جميعا فهي بينهم على الرؤوس ولو طلب واحد قبل واحد ما لم يحكم لهم بها ولو كانت الأموال أقل أو أكثر وإذا تنازل الخصمان في الشفعة الأيمان (؟؟؟) وتركا البينة ولم يقر المشتري بشيء من ذلك فإنه يحلف يمينا بالله ما اشترى ما لا يعلم للمدعي فيه حقا من قبل هذه الشفعة وإن أقر بشراء مال وأنكر أنه شفعة للمدعي فيه. فعلى المدعي البينة فإن نزل إلى يمين خصمه فنقول أن اليمين على المدعي إليه الشفعة وهي أن يجد الطالب ما ادعى ثم يحلف المدعي إليه بالله أن هذا المال له ما يعلم الساعة لهذا المدعي فيه حقا من قبل ما يدعي أنه شفعة له ولا من قبل ما يدعي أنه شفعة له ولا من قبل ما يدعي أني اشتريته بدراهم ولا يعرض ولا شفعة له وفي نسخة ولا عروض ولا هو شفعة له. ... /313/ (4/290)
صفحة 1785
وإن قامت بينة وأقر الخصم أنه شفعة لخصمه إلا أنه هو يقول أنه قايض به أو أعطيه فإنه يحلف قطعا مثل تلك اليمين سواء لا يحلف بعلمه لأنه قد صح أنه شفعة لهذا فإنما بقي أن يصح أنه اشترى بدراهم ثم هو له بالشفعة وأنكر الشراء فيحلف أنه له ما هو لهذا من قبل ما يدعى أنه شراه. وإن رد اليمين إلى الطلب حلف لقد اشترى هذا المال الذي يجده وهو شفعة له ثم هو له بالشفعة وينظر أيضا في اليمين. وأما القياض الذي لا شفعة له فيه قال أبو المؤثر: إذا كان العروض مما يكال ويوزن فلا شفعة فيه. قال أبو الحواري أرى فيه الشفعة إذا كان مما يكال ولا يوزن. وقال من قال: مما يكال ويوزن فلا شفعة فيه. وإذا صارت الشفعة من واحد إلى واحد فقيل إن لم يعلم صاحبها بكل ذلك فإذا علم وطلب أخذها بأي العقد شاء إذا طلب من حين ما علم وأما إن كان علم بالبيع الأول فلم يطلب فله في البيع الذي طلب فيه كان الثاني أو الثاني أو الثالث. وقال بعض إنما يأخذها من الذي هي في يده. وقيل إذا ارتفع إلى الحاكم رجل يطلب الشفعة في أرض أو دار فأقام شاهدا عدل على المشتري أنه اشتراها بمائة درهم وشهد شاهد آخر أنه اشتراها بمائتي درهم وقال المشتري أنه اشتراها بألف درهم فإنه ينبغي للحاكم أن يبطل شهادة الشاهدين ويقول للطالب إن شئت فخذ الشفعة بما قال المشتري وإلا فدعها وكذلك عندنا أن القول قول المشتري حتى يصح الشراء بشاهدي عدل وقال بعض الفقهاء في أب باع لابنه بيعا رخيصا أن ذلك يقومه العدول ثم يأخذه الشفيع القيمة وفضل الثمن للإبن وإذا احتج صاحب المال إأن (؟؟؟) طالب الشفعة إنما يريد لغيره فقل أن عليه يمين أنه إنما يأخذها لنفسه ولا يأخذها لغيره. وإنما أقر الشفيع أنه يأخذها لنفسه ولغيره فليس له ذلك. وإنما يأخذها كلها لنفسه أو يدعها كلها للمشتري. ومن باع نصيبا له من عبد بعبد فللشريك الشفعة لأنه بيع وقال من قال: ليس في العبيد والحيوان شفعة وهو أكثر القول والمعمول به والله أعلم. ... /314/ (4/291)
صفحة 1786
مسألة: من المصنف: فيمن باع عبدا بعبد وزاده دراهم فلا شفعة له فيه. وإذا قال الشفيع علمت بالبيع ولم أعلم أني شفيع لم يعذر بذلك وليس له فيه حجة ومن اشترى شفعة لآخر واحتج أنه أخذها لغائب فإن كان لغائب حيث تناله الحجة أو صبي فللشفيع شفعته، وإن كان حيث تناله الحجة احتج عليه والقول في ثمن الشفعة قول المشتري فإن أحضر بينة بالشراء وأحضر صاحب الشفعة بينة شهدت عليه ثمن أقل فالبينة بينة المشتري. وقيل في رجل باع مالا لرجل وأحسن إليه فأدرك في الشفعة فبدأ لصاحب المال أن يحبس ماله. قال: إن أقالةه (؟؟؟) قبل أن يخاصم صاحب الشفعة فليس له عليه سبيل. وإن خاصم فيها قبل الإقالة فالشفعة له وعليه أن يرد على البائع بقية الثمن إن كان فيه رخص لا يتغابن الناس في مثله إذا كان قد حط له من الثمن شيئا يعرف أنه أثره بذلك وأحسن إليه فيه. ... /315/ (4/292)
صفحة 1787
ومن غيره: وإذا طلب الشفيع شفعته إلى المشتري فادعى أنه اشتراه من البائع على أنه متى رغب إلى ماله أخذه بالثمن وادعى ذلك أيضا البائع فقيل إن ادعيا ذلك عند البيع وقبل المطلب إلى الشفيع قبل قولهما وإن ادعيا بعد أن طلب الشفيع ولم يقبل قولهما إلا بالبينة.
وفي مسائل عن أبي علي رحمه الله_ وعن رجل باع من رجل مالا بمائة درهم والمال يساوي ألف درهم إحسانا منه إليه فإن كان ذا رحم منه أو أظهر عند البيع ذكر الإحسان إليه فبالقيمة يأخذ الشفيع وإن لم يكن شيء من ذلك فما على الشفيع غير ما عقد عليه البيع. وقيل إن أعطاه مالا على أن يعوضه شيئا أو لا يشترط ذلك فإن أخذها على شرط سماه_ وفي نسخة على غير شرط سماه أو لم يسمه_ أخذها الشفيع بالذي أعطى المعطي والبيع ضعيف حتى يعطيه ويقبل منه ثم على طالب الشفعة مثل ذلك بغير أساس بينهما ولا إرادة ذلك فما أحسب أن في المكافأة الشفعة وهذا هو الرأي في هذا عندنا ولا شفعة في الوصية. وأما إذا أوصى له بنخلة بحق أو أوصى له بغيرها فالنخلة للشفيع بذلك الحق المسمى فإن لم يكن مسمى فإنما يؤخذ بالقيمة.
وعن رجل اشترى من رجل أرضا على أن ليس له على صاحب الشفعة لا ساقية ولا طريق ثم طلب صاحب الشفعة شفعته وقد اشترى المشتري على هذا الشرط. فقال أبو علي: لا شفعة له إذا كان قد أبرأه قبل البيع وإن أبرأه بعد البيع فله شفعته.
ومن غيره: وقد قيل لا شفعة له ولو أبرأه قبل أن يخاصم فيها الشفيع. /316/ (4/293)
صفحة 1788
رجع وقيل عن موسى بن علي_ رحمه الله_ في الأجايل أن الشفعة في خمس أجايل اجالة (؟؟؟) طالب الشفعة منها واجاله (؟؟؟) البائع وثلاث بينهما فتلك خمس أجايل يدرك فيها الشفعة وما كان أكثر من ذلك فلا ندرك فيه الشفعة لأنها تصير ساقية جائزا.
وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب_ رحمهما الله_ أنه إذا كان ثلاث أجايل أسفل والرابعة المبيوعة فقل بطلت شفعة الشفيع الذي أعلا ولا شفعة له،. وقال في صاحب المال الذي باعه لو كان له أجايل عدة حسبها أجالة واحدة ولو كانت متفرقة ما لم يقطع ما بينهن أجايل لغيره.
ومن غيره: ويوجد أنه إن كان الرجل له أجايل كثيرة فهي أجالة إلا أن يكون بين كل أجالتين (؟؟؟) قطعة لغيره ولها أجالة بين أجالتين (؟؟؟) له فإن ذلك بحسب أجايل بعدد ما فيها من الأجايل. 317/ (4/294)
صفحة 1789
رجع وإذا لقي صاحب الشفعة المشتري فأنكره البيع فله في ذلك الحجة ويدرك بعد الثلاث. وإذا كان بين كل نخلتين مما يتقايس ستة عشر ذراعا قيس ما بين النخل وأعطيت كل نخلة أرضها فإن زادت على ستة عشر ذراعا رجعت كل نخلة إلى ثلاثة أذرع. وقيل عن أبي علي رحمه الله في خمسة نفر لهم خمس نخلات في أجيل واحد والأرض مشتركة والأجالة واحدة إلا أن كل رجل منهم يعرف نخلته ثم اشترى رجل مالا يسقي من تلك الساقية فطلب إليه الشفعة فاحتج أن تلك الساقية فيها خمس أجايل لحال الخمسة الشركاء في هؤلاء النخل. فقال أبو علي: أنها خمس أجايل على هذه الصفة إذا عرف كل رجل نخلته ولا شفعة للشفيع قلت: فإن كانت النخل ساعة تقسم ثمرتها بالمد. فقال أبو عبد الله _ رحمه الله_ ما لم يقسم الأصل فهي أجالة واحدة.
قال غيره: ويوجد عن أبي الحواري أن الأرض إذا كانت بين خمسة أنفس أنها تحسب خمس أجايل إذا كان يقع بكل منهم ما يقيم فيه نخلة ويجبر الشركاء على قسمة هذه الأرض وكانت خمس أجايل. ويوجد لو كان أصل واحد فيه خمس نخلات كل نخلة لرجل فهي خمسة أموال وتكون جايزا (؟؟؟) وكذلك يوجد أن العواضد التي لا حياض لها هي بمنزلة الأموال على السواقي والله أعلم. ... /318/ (4/295)
صفحة 1790
رجع وقال من قال في رجل اشترى أرضا ثم ولاها رجلا فأخذها الشفيع وطلب أن يكتب له صكا بشرائه من الرجل فكره. قال: يأمره الوالي أن يكتب له وعمن اشترى مالا فحاول حجة الشفيع في ذلك فاتفق هو البائع على المال بفص خاتم أو سيف وزيادة كذا وكذا ثابت له ذلك. فعلى ما وصفت فهذا يدرك الشفيع شفعته فيه بقيمة الفص وقيمة السيف وزيادة الدراهم وهو معنى أكثر القول وبه نأخذ من المعمول فيما علمنا ولا يزيل الشفعة إلا القياض بالأصول فإذا كان أصلا بأصل فكيف ما قال، فلا شفعة فيه. وعن رجل عرض عليه رجل أرضا يشتريها فهل يجوز له أن يقايضه فإذا كان أصلا بأصل فكيف ما قال فلا شفعة فيه. وعن رجل عرض عليه رجل أرضا يشتريها فهل يجوز له أن يقاصصه بنخلة ثم يشتري منه النخلة من أجل الشفعة. فعلى ما وصفت فإذا كان القياض والبيع في مجلس واحد أو يوم واحد فلا يجوز ذلك. وكذلك إذا كان الشرط عند القياض إنما يقايضه بهذه النخلة ثم يبيع له النخلة فهذا قياض فاسدة وكذلك إن كان القياض جائز أو البيع جائز. قال أبو علي _ حفظه الله_ أنه إذا كان القياض بعد قطع الثمر كان للشفيع الشفعة وإذا كان قبل قطع الثمرة لم يكن له شفعة. وأما المرأة إذا قضيت صداقها من مال زوجها فلا يدرك في ذلك شفعة إلا أن يكون صداقها درهم وتقضي بها أصلا فإن للشفيع في ذلك الشفع.
قال غيره: ويوجد أنه ليس بين الزوجين إذا باع أحدهما لصاحبه شفعة ولعل هذا إذا كانت قد طلقها أو مات عنها. وينظر في ذلك. /319/ (4/296)
صفحة 1791
رجع ومن نسخة أخرى وقد قال بعض الفقهاء أن الشفعة تجب في المشاع في كل شيء كان مشاعا من نخل أو أرض أو ماء أو رقيق أو حيوان أو منزل أو سفن أو خشب. وقد قال من قال من الثقات عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه (؟؟؟) أنه قال: يأخذ بذلك لأن فيه مضرة. وقال من قال: ليس الشفعة إلا في الأصول. وأما إذا كان بعوض ففيه الشفعة. وقيل عن الذي يأخذ الشفعة أن يرد على المشتري مثل ما اشترى به من تلك الأنواع إذا كان وزنه أو وكيله معروفا فإن لم يكن يعرف كان مثل سيف أو نحوه فإن الشفيع يرد قيمة المال برأي العدول على المشتري، وقيل على المشتري يمين بالله ما يعلم أن الثمن الذي اشترى به أقل من هذه القيمة التي قومها العدول. وزيادة أيضا من نسخة حيان. وقيل في رجل أعطى رجلا شفعته وأمره أن يسلم الثمن إلى الذي اشتراها منه فلم يدفع إليه إلى أن خلا ثلاثة أيام فلا شفعة له. وعن أبي علي _ رحمه الله_ في رجل طلب شفعته فلم يسلم إليه المشتري حتى حلت الشفعة. قال: يدركها وقال محمد بن محبوب_ رحمه الله_ إن كان قال له حين طلبها لا أعطيكها فإنه يدركها وإن كان قال له: إن كان ذلك حق فاطلب إلى المسلمين فتوانا حتى حلت الشفعة فلا يدرك وجاء في الأثر أن الشفيع لا يطلب في الليل حتى يصبح وقد أعجب ذلك أبا علي _ رحمه الله_ وقال من بلغه أن شفعته قد بيعت فليخرج من حينه أو يرسل من حينه فقال له قائل فكيف بالكراء. قال: يطلب بالكراء ويجتهد فيه ويشهد أنه يأخذ بها ويأتي الوالي ويقول له أيضا فإن ذلك عذر له.
قال غيره: وقد يوجد أن رسول الشفيع للشفعة يقوم مقامه إذ أرسل من حين ما علم في طلب شفعته وقيل لا يقوم مقامه إلا أن يكون مريضا لا يستطيع الخروج أو خائفا لا يستطيع الظهور. ... /320/ (4/297)
صفحة 1792
رجع وقال محمد بن هاشم بلغني بيع شفعة لي وأنا بالقلعة فسألت سعيد بن المبشر، فقال لي سعيد أرجع. وقال ذلك موسى بن علي رحمه الله أيضا. وفي جواب من أبي علي _ رحمه الله_ عن باد من بادية الشرق دخل ازكي فاشترى شفعة لرجل من أهل ازكي ثم بلغه بعد خروج البادي فغير ساعة علم فلما كان اليوم الثالث حمل الدراهم إلى الوالي وأعلمه وزن الدراهم حتى جاء البادي بعد شهر قد كنت قريبا بروضة سمد وقد علمت مكاني فهلا حملت دراهمك وجئت إلى (؟؟؟). هل للشفيع هذا فلا نرى أنه يدرك حتى يخرج في طلبه أو يرسل فلا يعرف له مكانا.
ومن غيره: قال أبو المؤثر إذا أشهد من حين ما علم أنه يطلب شفعته فليس عليه أن يسير على أثر المشتري أما إن كان الذي اشترى شفعته حاضرا فعليه أن يطلب شفعته من حين ما علم إلى المشتري أو إلى الحاكم وله في إحضار الدراهم أجل ثلاثة أيام فإن لم يحضر الدراهم حتى يذهب هذا الرجل بطلت الشفعة وذلك إذا صحت له وأخذ بالثمن وأما في المطلب فليس له أجل وإن لم يطلب من حين ما علم فلا شفعة له. وقيل في رجل اشتري منزلا بعلم الشفيع فلم يطلب ثم ان (؟؟؟) المشتري ولاه رجل آخر فطلب الشفيع إلى الذي استولاه فإن ذلك له. /321/ (4/298)
صفحة 1793
((مسائل في الشفعة)): وعن أبي عبد الله _ رحمه الله_ قال: الشفعة على عدد السهام وذلك أحب إلي قال: وأن (؟؟؟) بطل بعض الشفعاء ليس على عدد روس (؟؟؟) أهلها.
وقال غيره من المسلمين الشفعة على عدد الأهل ليس على عدد السهام وذلك أحب إلي. قال: وإن أبطل بعض الشفعاء شفعته لرجل فطلب الشفيع شفعته فقال المشتري له خذه كله، فإنه عقدة واحدة فإنما يأخذ الشفيع ما يشفع. وقال آخرون غير ذلك. ومن قضى رجلا مالا بحق فإنه يدرك بالشفعة إلا أن يقضيه بحق ويقول ليس هو له بوفاء فلا شفعة فيه على هذا الحد الذي قضى أو مات.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد: قال بعض: أن فيه الشفعة. قلت له فإن قضاه بحق أو أوصى له بحق موضعا معروفا فطلب الورثة أن يفدوه وطلبه الشفيع الذي يشفعه أن الورثة أولى في الشفيع. ... /322/ (4/299)
صفحة 1794
رجع: وما قضى ففيه الشفعة بقيمته وأشباه ذلك مما يدرك فيه القيمة وقيل في رجل تصدق على رجل بماله وأثابه فطلب الشفيع شفعته، فقال المعطى لم يشترط على إثابة وقد أثبت. فقال: إن كان قال أعطيتك هذا المال وتثيبني كذا وكذا فإن لصاحب الشفعة شفعته فينظر في ذلك. فيعطى بقدر ثمن المال ليس بالذي أثاب .. وفي موضع آخر عن أبي علي رحمه الله وإن أعطاه مالا على أن يعوضه شيئا أو لا يشترط ذلك فإذا أخذها على شرط سماه أو لم يسمه أخذها الشفيع بالذي أعطى المعطى والبيع ضعيف حتى يعطيه ويقبل منه. ثم على طالب الشفعة مثل ذلك. وأما إذا أعطاه بغير أساس شرط بينهما ولا أراد هو ذلك فما أحسب أن في المكافأة شفعة وهذا هو الرأي في هذا عندنا. وعن رجل باع مالا من رجل بنقل أو بتأخير إلى أجل. فقال الشفيع: أنا آخذ شفعتي إلى ذلك الأجل وكره المشتري فإن للشفيع أن يأخذ شفعته على ما اشتراها الرجل، وعن رجل بيعت شفعة له فلم يعلم فسأل: فقال المشترى: إنها بألف درهم فلم يطلب ثم سأل فإذا هي بخمسمائة درهم فإنه يدرك شفعته إذا كان المشتري أعلمه أنها بألف درهم وهي بخمسمائة درهم وإن يكن أخبره على المشتري وأعلمه ذلك فضيع طلب شفعته بطلت شفعته وإن أعلمه ذلك البايع أو رجل ثقة أو الشهود فقد فاتته إلا أن يكون المشتري قال له ذلك القول والشفعة فيما باع الأب لأبينه (؟؟؟) ولا شفعة فيما_ لعله أراد فيما باع الإبن لأبيه_ لأن الأب أولى من الشفيع.
ووجدت عن عمر بن محمد بن القاسم بخطه عن محمد بن محبوب رحمهما الله أنه إذا كان ثلاث أجايل والرابعة المبيعة فقد بطلت شفعة الشفيع الذي أعلا ولا شفعة له وقول: له الشفعة وهو أكثر القول.
ومن جواب محمد بن محبوب_ رحمه الله_ وأما الذي عندنا ونحفظه في الأجايل أنها إذا كانت هي الخامسة وكان أربع أجايل أسفل منها فهذا في أمر الشفعة .. وأما ... /323/ (4/300)
صفحة 1795
الأبواب فإذا كانت أربعة أبواب في طريق فهي طريق قايد ويجوز لمن أراد أن يفتح فيها أجالة في أرضه أن يفتحها.
وعن أجيل واحد فيه خمس نخلات وكل واحدة منهن لرجل أهن أجالة واحدة أو خمس أجايل. فأقول أنها أجالة واحدة ما لم يفتح كل واحد منهم أجالة لنخله فإذا فتحوا جميعا فهي خمس أجايل. ومن اشترى نخلا لا يقايس نخله من نخله وقد باع البائع نخلات أخرى تقايسهن أن له شفعتهن كلهم فإذا كن يقايسن. ولو كان له عاضد من نخل تقايس عاضد نخل البائع وللبائع عواضد أخرى تقايسها فقيل أنه يشفعها كلها. وقيل في عاضد على ساقية في _ لعله أراد فيه نخل أخذت مفاسلها_ باع البائع منها نخلة ولطالب الشفعة نخلة في أعلى النخلات يقايس التي تليها والنخلات أخذت مفاسلها إن لطالب الشفعة النخلات كلهن بالشفعة وإنما لا تكون له الشفعة إذا باع صاحب النخلات نخلة من نخله لا تقايس نخلة هذا الطالب الشفعة.
وفي جواب أبي علي موسى بن علي _رحمه الله_ إلى أبي مروان: وأما الذي سألته عنه يا أخي من شفعة طلبها صاحبها ولا يشك الحاكم أنها له والمشتري غائب وفي الشفعة ثمرة ثم سألت هل توقف الثمرة إذا طلب الشفيع النفد (؟؟؟) في ذلك فما ترى بتوقيفها على ما ذكرت بأسا.
وعن رجل اشترى نخلة من أرض تقايس نخلا في أرضه فطلب الشفيع فقال المشتري إنما اشتريتها وقيعة قال: هو المصدق ولا شفعة لهذا فيها إلا أن يأتي ببينة إن (؟؟؟) هذا اشتراها بأرضها. قلت: فإن أقر البائع أني بعتها بأرضها وبرئ إليه من البائع اللأرض (؟؟؟). قال هو المصدق ولهذا شفعته.
وعن أبي على _رحمه الله_: وعن جدار بين دارين هل يشفع أحدهما الأخرى بالجدار. قال: نعم. وإن كان فيه جذوع وغير جذوع إلا أن يقيم من يطلب إليه الشفعة بينته أن الجدار له دون الآخر وكل مال قضى بحق مسمى ففيه الشفعة
/324/ (4/301)
صفحة 1796
ويأخذه الشفيع بذلك الحق وإن لم يكن مسما (؟؟؟) بالحق _ نسخة الحق_ فله أن يأخذه بقيمته إلا أن يقول الذي قضاه أنه ليس له بوفاء. فقيل إذا قال ذلك فلا شفعة للشفيع حتى الذي قضى ومات. والبيوت تشفع بعضها بعضا إذا كانت مشاعة ومجاري ماء الغيث من طهورها. وكذلك الحيطان إذا كان حائط بين اثنين ودعوتهما وجذوعهما عليه فإنهما يشفعان بعضها بعض. والمنزل الذي يطرح فيه الميزاب يشفع المنزل الذي يطرح منه. وحفظت أنا عن سليمان بن الحكم عن من طلب شفعته إلى مشتر فدفعه عنها إلى أن صار أمرهما إلى الحاكم فحكم لطالب الشفعة بشفعته فسألته عن الأجل فقال: إذا حكم الحاكم أو دعاه المشترى إلى شفعته فإنما مدته ثلاثة أيام فإن لم يحضر الدراهم فيها فقد فاتته الشفعة.
تمت نسخة حيان من كتاب أبي جابر. ... /325/ (4/302)
صفحة 1797
ومن غيره: وعن النخلة العاضدية على السواقي هل يكون لها ذراع من أسفل منها ومن أعلى منها وهل يكون لها ذرع إلى الطريق وهل تقايس النخلة العاضدية؟ فعلى ما وصفت فإن لها من الذرع إلى منتهى ما يلقاها من الحدود من أعلى ومن أسفل أو يلقاها شيء من النخل أو من الشجر فلها نصف ذلك الذرع من الشجر مثل السدر والقرظ والكرم وأشباه ذلك فإذا كانت النخلة على الساقية فلها ذلك الوعب كله إلا أن يلقاها ما وصفت لك وليس لها في الطريق شيء إلا أن يكون الطريق أوسع مما يجب فاللنخلة (؟؟؟) ذراعان من الخراب. وعن نخلة عاضدية إلى كم يشفعها من النخل من أسفل ومنها ومن أعلى منها فإذا كان النخل على ساقية جائز لم يشفعها إلا التي أعلى منها أو النخل الذي أسفل منها ما لم يكن يقطع بينهن الحدود. فإذا كان قد عرف لكل نخلة أرضها لم يكن لها شفعة. وإن كانت النخلة على ساقية غير جائز كانت الشفعة إلى أربع نخلات غيرها من أعلى وإلى نخلة واحدة من أسفل إذا قايسها وتكون الشفعة في هذا الموضع بالمضرة بطريق أو ساقية والذي يكون عليه الطريق والساقية أولى من صاحب الساقية القياس فإذا كان على واحد طريق وعلى واحد ساقية فكلاهما يشفعان أيهما سبق كانت له الشفعة وكذلك إذا اشترى أحدهما وإن اشترى غيرهما فطلباها جميعا كانت الشفعة بينهما جميعا.
ومن غيره: قلت فما تقول في رجل باع لرجل أرضه وشرط عليه المشتري الشروي إذا استحقت منه الأرض هل فيه شفعة. قال: قد قيل فيما يوجد أن لا شفعة فيه. /326/ (4/303)
صفحة 1798
ومن غيره: من الأثر أن من اشترى مالا واشترط الشروي ففيه الشفعة وإن اشتفع فلا شروي له باستحقاق الشفعة إنما له الشروي بالإستحقاق من غير الشفعة وإن استحق من يد الشفيع فللمشتري الشروي ولا للشفيع فهذا هو المعمول به والله أعلم. والحمد لله وحده.
وعن رجل اشترى شفعة لرجل تساوي مائة درهم فاشتراها بألف درهم وقضى بها رجل ثوبا أو دابة وإنما تسوي (تساوي) مائة درهم فإنما رأينا في الآثار في مثل هذا عن الفقهاء أنه إنما يعطى الشفيع ما وقع عليه البيع ليس عليه ولا له ما عرض بالثمن وذلك على أنه عرض به ما يشبه أن يكون كنحو الذي عليه. وأما على ما وصفت فهذا يشبه أن يكون كنحو الإحتيال على الشفعة وعلى الشفيع وحجتي في هذا أن يعطي الشفيع قيمة ما أعطى أو قيمة الشفعة. وعن رجل باع مالا لرجل هو شفعة لرجل هل للشهود أن يكتموا صاحب الشفعة البيع إذا طلب إليهم البيع وكان المشتري قد أمر الشهود أن يكتموا شهادتهم فعلى ما وصفت فلا يجوز ذلك للشهود أن يكتموا شهادتهم والشفعة حق واجب حكم بها النبي _ صلى الله عليه وسلم_ على ما بلغنا.
وعن رجل اشترى شفعة لرجل ثم أدرك فيها ومنها ثمرة مدركة قد أكلها المشتري. قال: الثمرة المدركة للشفيع. وإن كانت غير مدركة فهي للمشتري وعن بستان محاط عليه جدار هل فيه شفعة على ما يجب فيه حكم الشفيع. وقلت: أرأيت إن كان لرجل ملة نخل وما تستحق هل يشفع صاحب النخلة بها. فنعم إذا كان لها أرض فإنها تشفعه كله. وقلت أرأيت إن كانت وقيعة هل تشفع فالوقيعة تشفع ولا تشفع. وعن رجل اشترى شفعة لرجل بمائة درهم ثم باعها المشتري بمائتي درهم قبل أن يعلم الشفيع ثم علم الشفيع شفعته بالمائتي درهم ولم يعلم بالبيع الأول. قلت ما يكون على الشفيع الثمن الأول والآخر. فقد قيل أن الشفيع يأخذ شفعته بأي العقدتين أراد فإن أخذها بالأول رجع المشتري الآخر على البائع الثاني بالثمن الذي باعها به. وإن أخذها بالثمن الذي اشتراها من هي في يده. والقول الأول أحب إلي إلا أن يكون حال يوجب النظر. في مثل ذلك مثل غيبة المشترين أو موت فقد بينت لك الإختلاف وكل ذلك جائز إن شاء الله. /327/ (4/304)
صفحة 1799
قال أبو سعيد محمد بن سعيد رحمه الله في الشفيع إذا أخره بيع شفعته البايع أو المشتري أو أحد الشاهدين على البيع أو شاهد عدل من غير شهود البيع أو شهرة لا شك فيها في تواتر الأخبار لا شك فيها فهي حجة عليه. فإن توانى بعد ذلك في طلب شفعته بطلت شفعته.
وقد قال من قال: أنه إذا أخبره شاهد واحد ثقة من غير شهود البيع فهو حجة عليه إذا كان عدلا. وقد قيل أن أحد الشاهدين حجة لا يفسر ثقة ولا غير ثقة. وأما أنا فيعجبني أن لا تقوم الحجة من ثقة عدل في هذا كائنا ما كان من شهود البيع أو غيره. وذكرت رحمك الله في رجل اشترى شفعة لرجل غائب وهي أرض ثم فسل فيها نخلا وجدر عليها جدار أو قامت النخل ثم أن الرجل وصل ورد في شفعته. قلت أيكون له غرم ما غرم في هذه الأرض وما فسل. وكيف يكون الفسل أيحكم له بالفسل ويكون بالخيار إن شاء قلعه وإن شاء أخذ ثمنه. وقلت كيف يكون الوجه في ذلك. فإذا استحق عليه الشفعة وقد عمر فيها عمارة فهو بالخيار إن شاء أخرج عمارته وإن شاء أخذ قيمة ما عمر وفسل لأنه عمل بسبب وقد قيل له قيمة ذلك ولا خيار له وليس بمنزلة من عمل بسبب وليس بمستحق للأرض في الأصل وإنما استحقها بالشفعة فهي له بما فيها وليس لأحدهما خيار على صاحبه إلا أن يشاء الشفيع أن يدع الشفعة لموضع الغرم فذلك إليه إذا كان مجهولا.
ومن غيره: في رجل اشترى شفعة وأراد الشفيع أخذها وأحضر الدراهم فقال: إنه اشتراها بدنانير، فعلى ما وصفت فإن كان قد صح مع الشفيع أخذها وأحضر الدراهم فقال: إنه بدنانير، فعلى ما وصفت فإن كان قد صح مع الشفيع أن المشتري اشتراها بدنانير ثم مضى من عنده في المدة فأحضر دراهم ولم يحضره دنانير حتى حلت المدة بطلت الشفعة في الحكم. وإن كان قال له المشترى أحضرني الدراهم حتى أخذها بقيمة الدنانير فأحضره في المدة عن رأي المشترى (؟؟؟) فلما حضرت الدراهم امتنع عن أخذها وقال له: يختار له دنانير وأخره عن وقت مدته في ذلك عن رأيه وامتناعه لخيار الدراهم رأيناه مدركا بعد شفعته فإن أعدم الدنانير ولم يقدر عليها فقيمتها من الدراهم.
ومن غيره: وأحسب أنه يوجد عن أبي علي _ رحمه الله_ فيما قيدنا أنه لو كان بين المنزلتين جدار ثم بيع أحدهما استحق الآخر بالشفعة ولو لم يكن عليه جذوع ولا غماءه (؟؟؟) وهو قول حسن ومجاز ذلك معنا. والله أعلم بالصواب. /328/ (4/305)
صفحة 1800
ومن غيره: وهنا في بعض القول، وعن رجل له إجالتين هل تحسب إجالة واحدة. فقد قيل إذا كان بيعهما لعله أراد بينهما مال لغيره حسبنا آجلتين وإن كان ليس بينهما مال لغيره حسبت أجالة واحدة.
ومن غيره: قال: نعم وقد قيل أجالة واحدة إن كانت في ساقية واحدة ولو كان يقطع بينهما ساقية أو مال.
ومن غيره: وقيل انهما (؟؟؟) يحسبان أجالتين ولو لم يقطع بينهما مال لغيره إذا استحق كل أجالة بسبب أزال إليه كل أجيل من موضع والله أعلم. ويوجد أنه إذا ألقى الشفيع المشتري فنسى (؟؟؟) وقت ما لقيه أن يطلب إليه شفعته حتى افترقا ثم ذكر من بعد ذلك فقد بطلت شفعته ولا عذر في النسيان ويوجد أنه إذا سلم طالب الشفعة على مشتريها أو صافحه ثم بطل بعد ذلك أتبطل شفعته بالتسليم والمصافحة إلا أن يستغل بكلام أو غير ذلك. ولو عزاه في ميت أو سأله عن الشراء بعد العلم لبطلت شفعته.
قال غيره: وقد قيل إن ابتدأه بالسلام قبل الرد بطلت شفعته. وأما رد السلام فلا يبطل بالشفعة ولا نعلم في ذلك اختلافا. ويوجد إنه (؟؟؟) إذا كانت الشفعة لرجلين فإنهما سبق كان له الشري ولا يدرك الآخر بالشفعة إذا كان أحدهما هو المشتري. ويوجد من اشتريت شفعته في هذا الزمان لعله يعني زمان الجور ولم يطمع بأخذها ثم قام الحق لسنين ثم طلب هل له ذلك فله ذلك إذا طلبها ولم يدركها وإن لم يكن طلب فلا يدرك وسألته عن المنازل على الأموال هل يشفع بعضها بعضا لمجرى المنازل على الأموال. قال معي: إنها لا تشفع بعضها بعضا لأن المجاري من المنازل على الأموال يخرج مخرج المنافع لها ولا تخرج على المضار على ما قيل عندي. والله أعلم. ... /329/ (4/306)
صفحة 1801
وقال أبو سعيد _ رحمه الله_ في رجل اشترى شفعة لرجل وغيرها بثمن واحد أن للشفيع شفعته برأي العدول في قيمة الشفعة. ومعي أن صاحب الشفعة يطلب إلى الحاكم أن يوصله إلى أخذ شفعته بالقيمة أو جماعة المسلمين إن عدم الحاكم فإن جهل ذلك ولم يطلب حتى خلال ثلاثة أيام فاتته شفعته. وإن طلب شفعته وقومها العدول ولم يجد الحاكم الذي يوصله ودفعه الآخر ولم يوصله إلى حقه على معنى الظلم فمتى قدر على أخذ شفعته كان له أخذها في الحكم. فإن طلب شفعته إليه فقال: قد اشتريتها بثمن لا أعرف ما هو ولم يخل بينه وبينها فلم يطلب الآخر إلى ثلاثة أيام ولا وصل إلى الحاكم ليوصله إلى حقه فلا شفعة له عندي إذا انقضت ثلاثة أيام.
ومن غيره: وقلت كيف تكون هذه الثلاثة أيام التي تؤجل فيها بإحضار الثمن أيكون كوامل أرأيت إن ثبت له الشفعة بالرد نصف النهار أو بعد العصر أو بعد المغرب. قلت أيكون الأجل في الثلاث وبالثلاث إلى حول ذلك الوقت الذي يثبت به الشفعة. فمعي أنه ثلاثة أيام بساعاتهن وبكمال انكسارهن بغيرهن حتى تكون ثلاثة أيام بساعاتهن لأن الحق عليه وله إنما هو لكمال ما جعل له وعليه من تمام الثلاثة أيام. كذلك في العدد بالأيام إنما يستكمل ثلاثة أيام بلياليهن وساعاتهن وخيار الساعات والأيام تقضي خيار الأيام في الشهور إذا استقبل الهلال انقضى الهلال إذا كان شهرا وإذا استقبل الأيام أكمل عدد الشهر من الأيام نقص ذلك الشهر من الأيام أو زاد. /330/ (4/307)
صفحة 1802
ومن غيره: وقلت الشفيع إذا استودع شفعته في آخر النهار قبل الغروب وسلم الدراهم يوم رابع غير ذلك اليوم الذي انتزع فيه شفعته أيدرك شفعته أم ذلك اليوم يكون من الثلاث. فعلى ما وصفت فقد فاتته شفعته وليس له إذا رد شفعته أجل في تسليم الدراهم إلى ثلاثة أيام باليوم الذي علم فيه بيع شفعته وردها ردا يثبت به له شفعته. وذلك اليوم الذي رد فيه شفعته فهو محسوب من الثلاثة الأيام إذا كان ذلك قبل غروب الشمس قال محمد بن خالد: سمعنا أن من بيعت شفعته فاشتراها رجل فبناها مسجد يصلي فيه ثم جاء الشفيع يطلب أنه لا يدرك لأنه لله.
ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد _ حفظه الله_ وقد قيل أنه يدرك شفعته والله أعلم. ووجدت عن أبي الحسن أنه إن بنى فيها مسجدا وجعلها وقفا على المسجد في شيء من صلاحه أو شيء من البر والسبيل أو تصدق بها على الفقراء أو قضاها بدين أن الشفيع في كل ذلك يدرك إذا كانت شفعته صحيحة.
قال أبو يحي ولو كان رجلان بينهما دار فأمر أحدهما صاحبه ببيع حقه فباعه ثم طلب منه الشفعة فلا شفعة له لأنه هو البايع فلا يجوز له أن يشفع عن نفسه ما باع.
قال غيره: وقد قيل هذا. وقال من قال: أنه إذا رد بالشفعة من حين ما قبل المشتري البيع كان له الشفعة وهو قول حسن.
ومن غيره: وإذا كان جدار بين رجلين شركة في بيتين فبيع أحد البيتين فإن الجدار يشفع به الشريك في الجدار بحصة الجدار ويشفع البيت بالجدار فيشفع البيت كله. قال: وكذلك البساتين التي ليس هي بمنزلة الإسكان فإذا كان الجدار الذي بينهما مشاعا فإنه يشفع الجدار نفسه إن أراد لأنه شريك في الجدار فإذا بيع المال فله أن يأخذ الجدار بالشفعة إن أراد وليس له أن يأخذ البستان أو المال إلا أن يكون عليه مضرة في ذلك. وعن رجل له شفعة وله وكيل محاضر في القرية والذي له الأرض في أرض أخرى غير أنه بعمان وقد علم الوكيل هل يقطع علم الوكيل حجة صاحب المال فإن كان الوكيل وكيلا جائز (؟؟؟) الأمر يأخذ ويعطي ويأمر وينهي فعلم فلم يأخذ فلا شفعة للغائب. ومن قضى مالا من ماله بحق عليه في حياته أو قضى عنه بعد وفاته ففي ذلك الشفعة للشفيع إلا أن يقول وحقه أكثر من هذا أو يقول ليس هو له بوفاء. وإن كانت امرأة لها صداق نخل فلا شفعة في ذلك. وإن كانت دراهم ... /331/ (4/308)
صفحة 1803
قضيت به أصلا ففي ذلك الشفعة. وعن أبي علي الحسن بن أحمد إذا كان صداقها دراهم فقضاها به أصلا فلا شفعة فيه لأحد. وإن قضاها الورثة بعد موته ففيه الشفعة والله أعلم. /332/ (4/309)
صفحة 1804
رجع: ووجدت أن الشفيع إذا طلع الفجر كان عليه أن يطلب شفعته إلا من عذر الا (؟؟؟) أن له أن يصلي صلاته ثم يخرج في طلب شفعته ولا يتشاغل بغير ذلك من أسبابه من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة. وإذا لم يجد الشفيع صاحب الشفعة في منزلا (؟؟؟) فلا يبين لي أن يطلبه من غير منزله إلا أنه يصح معه أنه في موضع غيره من القرية التي هو فيها. ومما عرض على أبي سعيد _رحمه الله_ وعن رجل استأجر رجلا يبني له دارا ويحفر له ركيا أو يخرج له إلى بلد وله قطعة قد سماها من ماله فطلب الشفيع في تلك الشفعة. فقال: هي له وترد على هذا قيمة ما يعني فيه.
قال أبو سعيد هذا قول. وقول أن ليس له فيها شفعة لأن هذا يخرج على غير عوض وإنما هو عناء. قلت أنا لأبي سعيد أرأيت إن استأجره أن يحج عنه وله هذه القطعة كيف يكون قيمة عناءه والحج مختلف. قال: إذا قاطعه أن يحج عنه بهذه القطعة بعينها ثبت ذلك.
ومن غيره: وسألت أبا علي الحسن بن أحمد _ حفظه الله_ أن أوصى الهالك أن يحج عنه بموضع معروف من ماله ثبت ذلك للأجير وليس فيه شفعة وليس للورثة فدا ذلك الموضع. /333/ (4/310)
صفحة 1805
ومن غيره: ويوجد أنه قال من قال من العلماء الفقهاء إنما وهبه البائع للمشتري فهو منهدم على (؟؟؟) لعله أراد عن المستحق للشفعة. وقال آخرون: بل الهبة للمشترى (؟؟؟) لأنها لم توهب إلا له وإما يأخذ الشفيع شفعته بأصل الشروي وهذا القول أحب إلي. وإن سماه حطا من الثمن فللشفيع مثل ذلك إلا أن يهب له الثمن كله فهذا المشتري أن يأخذ من الشفيع الثمن تاما.
قلت: أرأيت إن قال البايع عند البيع أو بعده قد تركت لك ألفا إن لم تدرك بالشفعة فهذا عندنا بيع منتقض غير ثابت. وعن رجل اشترى شفعة رجل وأراه الدراهم ودعاه إلى أخذها وأشهد عليه ولم يرفع عليه حتى خلت سنة ثم رفع وطلب شفعته. فقال القاضي: أنه قد أحيا شفعته وهو يدركها حين طلبها فدفعه عنها.
ومن غيره: قال نعم قد قيل هذا. وقال من قال: أن الشفعة بالمداينة فإذا لم يرفع عليه ويطالبه حتى انقضت أيام الشفعة وقصر في المطالبة فقد فاتته الشفعة.
وعن الساقية إذا كان عليها عاضد من نخل لكل رجل نخلة أو نخلتان كيف تكون الشفعة فيها. فالشفعة فيها بالقياس من قايست نخلته المبيوعة فله الشفعة ومن حيث يجيء الماء هو أولى من الذي انتقل منه.
وكذلك إذا كانت النخل بين نخلتين فإن لم يأخذ الأعلى فأراد الأسفل أن يأخذ كان له ذلك إلا أن يكون قد قسمت النخل قبل ذلك وقطعت بالحدود بطلت الشفعة بالقياس وذلك إذا كانت ساقية جائزة وإن كانت غير جائزة كانت الشفعة بالمضرة وبالطريق وبالمسقا فاذ (؟؟؟) رفع المشتري المضرة عن الشفيع قبل أن يطلب شفعته فلا شفعة له. وإن رفع المضرة من بعد ما طلب الشفيع فللشفيع شفعته.
رجل في يده مال كان قد اشتراه ثم بيعت شفعة يستحقها هذا الرجل المال الذي في يده فانتزعها ثم استحق عليه المال الذي استحق بالشفعة وأراد الذي استحق عليه المال أخذ الشفعة لمن تكون هذه الشفعة للذي كان في يده المال الأول أو لمن استحقها فالذي عندي أنه إنما يأخذ المال الذي استحقه من يد هذا الذي انتزع منه هذا المال. /334/ (4/311)
صفحة 1806
وأما الشفعة فليس له أخذها على هذا الوجه وقد بطلت الشفعة من يد من استحقها بهذا المال الذي انتزع منه وهي للمشتري الذي انتزعت منه بسبب هذا المال والله أعلم.
وعن الشفعة أتجب في الماء يسد منه الماء أو الذي يسد من الأول فقد قيل في بعض قول المسلمين أنه لا شفعة في الماء إلا في الآجال من المياه المربوطة على الدوم، هذا يسد من هذا يسد من هذا أبدا على الدوم فأيهما باع كان لصاحبه الشفعة إذا ردها. وعن من اشترى شفعة لرجل غائب أو يتيم فلما قدم الغائب أو بلغ اليتيم أدرك شفعته وقد ثمر المشتري ثمارا كثيرة وأصلح إصلاحا كثيرا مثل فسل أو غيره من الصلاح هل يرد ما ثمر ويرد عليه ما أصلح؟ فعلى ما وصفت: فليس على المشتري أن يرد ما ثمر على الشفيع إلا أنهم قد قالوا: إذا كان المشتري أصلح في المال شيئا كان على الشفيع أن يرد ما أصلح على المشتري ما أصلح في المال ويحسب ذلك فما استغل المشتري من المال فإن كان المصالح أكثر من الغلة لحق المشتري الشفيع بالباقي وكان على الشفيع أن يرد على المشتري ما فضل من الصلاح من بعد الغلة وإن كانت الغلة أكثر من الصلاح لم يكن على المشتري أن يرد فضل الغلة على الشفيع ولم يكن على الشفيع أن يرد على المشتري شيئا من قيمة الصلاح. /335/ (4/312)
صفحة 1807
ومن غيره: وعن رجل اشترى أرضا وكان في ذلك شراء شاهر تحدث الناس به فيما بينهم وبلغ ذلك الشفيع من أحاديث الناس أيكون ذلك حجة عليه بمعرفة البيع أم لا. فعلى ما وصفت فإذا كان هذا البيع مشهورا مع الناس والشفيع يسمع ذلك شاهرا فلم يطلب فقد بطلت شفعته.
ومن غيره: وسأله سائل وأنا معه عن يتيم باع ماله لرجل والمال الذي باعه اليتيم شفعة لرجل آخر هل على الرجل أن يطلب شفعته إذا علم ببيع اليتيم. قال: نعم. عليه ذلك شهد من حين ما علم أنه إن بلغ اليتيم وتمم هذا البيع فأنا مطالب شفعتي. قلت له وبيع اليتيم بيع يجب على الشفيع المطالبة فيه. قال: نعم. هاهنا ثبت. /336/ (4/313)
صفحة 1808
الباب الحادي والعشرون
في الوكالة وغيرها
رجع إلى كتاب أبي جابر: الوكالة عندنا جائزة. فمن وكل وكيلا في مطلبه من رجل أو امرأة أو صحيح أو مريض أو حاضر أو غائب في الذي يوكل فيه إلا في الحدود والقصاص والدماء وفي الأنفس وفي الجراحات فلا تجوز في ذلك إلا من وكل من يقتص به وهو حاضر. وقال أبو عبد الله _ رحمه الله_ إنه يحفظ في رجل وكل رجلا في بيع ماله ثم غاب وأشهد بنزع الوكالة من يد الوكيل في وقت معروف ولم يعلم ذلك الموكل إلى أن باع الوكيل المال من بعد أن نزعت الوكالة من يده أن بيعه جائز وكذلك في الطلاق.
قال غيره: وقال بعض: إذا نزع الوكالة وصح ذلك قبل عقد البيع والطلاق فلا يقع فعله بعد ذلك. /337/ (4/314)
صفحة 1809
رجع: ومن اشترط الشروي في البيع فله الشروي وإن لم يشترط فإنما له الثمن الذي أعطاه إذا أدرك في البيع وقيل يجزى (؟؟؟) الواحد الثقة بخبر الحاكم عن العجمي بما يدعي ويحتج به. وأما ما يقر به على نفسه فلا يثبته عليه الحاكم إلا باثنين عدلين. وإن كان الشاهد عجميا فعلى المشهود له أن يحضر شاهدي عدل يشهدان على شهادته وهو حاضر وليس للحاكم أن يأمر بقسم مال بين قوم وإن حضروه جميعا وتقارروا عليه إلا أن يشهد عليه شاهدا عدل أنه لهم وأنه يجري قسمته على كذا وكذا السهام التي لهم ثم يأمر بقسمة بينهم. وقال من قال: فلان وكيلي في مالي ولم يقل غير ذلك فهو وكيل في القيام والمطلب بلا قبض ولا يمين حتى يجع له ذلك.
ومن غيره: قال: وقد قيل أنه إذا جعله وكيلا في ماله ولم يسم له في شيء بعينه فليس له في ماله أمر ولا قبض ولا إتلاف ولا شيء حتى يجد له شيئا بعينه. فإن قال وكيلي في مالي يقوم مقامي. معي: أنه أراد كان له القيام في الأمر والنهي والمطالبة بلا قبض ولا بسط ولا عطاء ولا أخذ حتى يجد له ما يفعل فيه. فإن قال وكيلي في مالي يفعل فيه ما يشاء أو ما أراد فذلك جائز يفعل فيه ما شاء من الأمر والنهي والأخذ والبيع والهبة وما أراد. /339/ (4/315)
صفحة 1810
رجع: وقيل فيمن باع لآخر شيئا مما هو في يد البائع من العروض فهو أولى بقبض الثمن وإن لم تصح وكالته في القبض، فإذا باع شيئا من الأصول فليس للمشتري أن يسلم إليه الثمن إلا حتى تصح وكالته في القبض أو حتى يكون ثقة فيرسل بالثمن عنده إلى صاحبه وهو له ضامن حتى يصل إليه. وليس للوكيل إن أمر غيره ببيع ما وكل إليه إلا أن يجعل له ذلك له الذي وكل. وكذلك إذا وكل في شراء شيء فليس له أن يوكل في ذلك غيره ولا يجوز على الموكل إقرار الوكيل فإن أقر أن صاحب الحق قد استوفاه فلا يقضي في ذلك للوكيل بشيء فإن أقر أنه قد استوفى في ذلك فإقراره جائز على نفسه ويبرئ (؟؟؟) الذي عليه الحق.
ومن وكل رجلين في خصومة في دين وفي القبض فقيل يجوز أن يخاصم واحد دون واحد. وأما القبض فحتى يقبضا جميعا إلا أن يكون جعل لكل واحد منهما مثل ما جعل لهما. وقال من قال يقبض كل واحد منهما النصف.
ومن وكل رجلا يبيع داره فباعها بنصف ثمنها فغير الموكل فقبل البيع جائز إلا أن يصح أن البائع أقر أنه باع هذا الثمن محاباة للمشتري فينتقض البيع. قال أبو الحواري: إن أقر البائع انه باعها محاباة فعليه الغرم الذي نقص من الثمن إلا أن يصدقه المشتري فإن البيع منتقض. وإن حد له حدا فباعه بغيره فالبيع منتقض، وكذلك إذا قال له بع بألف درهم فباع بألفي درهم. فقيل لا يجوز إذا غير الأمر. فإن قال له: بع ولم يحد له فباعه بمائة درهم ولا صح أنه باعه بمائة وآخر يدعوه إلى مائتين فإن البيع تام وعلى البائع أن يغرم تلك المائة لصاحب المال. وقيل في رجل دفع إلى رجل عبدا من البصرة وقال له بعه في عمان بألف درهم إلى سنة فلما خرج الوكيل وجد من أخذ منه العبد بألف درهم نقدا في البصرة ولم يخرج فلما وصل إلى صاحبه بالثمن ونقص فله ذلك. والبائع ضامن لذلك العبد أو مثله إذا مات فإن قال صاحبه: أنا آخذ ثمنه الذي قد بعته به إذ فات فكره البائع وقال: دفع إليك قيمة متاعك وأنا آخذ ذلك الثمن الأول فقال من قال من الفقهاء: إن ذلك له والربح للضامن وهو البائع. وقال من قال غير ذلك. /340/ (4/316)
صفحة 1811
ومن غيره: قال: وقد قيل لرب المال الخيار إن شاء أتم البيع وله الثمن وإن شاء لم يتمه فله العبد أو مثله إن عدم (؟؟؟) أو قيمته. ومن وكل وكيلا في قبض دراهم له على رجل أو امرأة فقبضها وادعى أنه صيرها إلى الموكل قيل إن كان دفعها إليه دفعها ببينة أو بأمر حاكم فعلى الوكيل شاهدان أنه دفعها إلى صاحبها وإن كانت صارت إليه بلا بينة ولا حكم فلا بينة عليه وإنما يلزمه يمين بالله. وشهادة الوكيل جائزة إذا زالت وكالته. ومن وكل وكيلا بعد وكيل في شيء واحد فكلهم وكيل حتى ينتزع من ينتزع منهم. وإذا جعل الموكل للوكيل أن يوكل فيما وكله فيه من شاء من الوكلاء أو جعل من يوكله الوكيل ذلك أيضا فذلك جائز إلى حد ما جعل لهم من ذلك.
عن أبي عبد الله_ رحمه الله_ في رجل غاب وله مال ولم يعلم أين توجه ولم يكن وكل وكيلا فطلب بعض ورثته توقيف ماله. قال: إن صح أنه خرج من حدود عُمان وقف الحاكم ماله وجعله في يد ثقة حتى يرجع أو يصح موته فيكون ماله لورثته وإن لم يصح خروجه من عُمان لم يوقف ماله إلا أن يتقادم ذلك ولم يصح أنه خرج من عُمان فعسى أن يوقف ماله على يد ثقة. ... /341/ (4/317)
صفحة 1812
ومن غيره: قلت أرأيت إن وكل رجل رجلاً في بيع ماله فباعه فطلب صاحب المال إليه الثمن فاحتج أنه دفعه إليه أو دفعه فيما أمره أيكون القول قوله أم عليه البينة. قال: إذا قال أنه دفع إليه الثمن فالقول قوله مع يمينه. وإذا قال: أنه أنقده فيما أمره فعليه البينة إنه (؟؟؟) أمره أن ينقده في كذا وكذا فإذا قال أنه أنقده في كذا ذلك فالقول قوله مع يمينه وليس هذا عندي يشبه ما قيل أنه إذا دفع مالا أيتمنه عليه بالبينة فعليه البينة أنه رده عليه. قلت فإذا أمره أن يبيع ماله ويدفع الثمن إلى غرمائه فادعى المأمور أنه دفع ثمنه إلى غرمائه وأنكر ذلك الغرماء. قال: القول في ذلك قول المأمور مع يمينه فإذا أنكر الغرماء فعلى الذي عليه الحق أن يدفع إليهم حقوقهم قلت: أرأيت إن باع الوكيل مال الموكل له في بيعه على خلاف ما أمره وقبض الثمن ثم تلف من يده وطلب صاحب المال أن يرجع في ماله أله ذلك؟ ويرجع المشتري على البائع بما دفع إليه من الثمن. قال: نعم.
ومن غيره: وإذا أمر رجل رجلا أن يبيع له عبدا فباعه ثم أخذ بالثمن رهنا فضاع من يده أو أخذ كفيلا فالبائع ضامن في ثمن العبد ويلحق هو الكفيل والرهن يذهب من مال البائع.
من غيره: وامرأة وكلت أباها أو غيره بقبض صداقها من النخل من وجها أو من ورثته وقالت: كل ما فعل وكيلي فقد رضيت وأجزته فأخذ لها الوكيل فسلا وعوانا برؤسه وأخذ ما لا يراه العدول يجوز في القضاء فأنكرت المرأة ذلك وغيرت هل يجوز عليها فقولنا في ذلك على ما وصفت أنه يلزمها. /342/ (4/318)
صفحة 1813
الباب الثاني والعشرون
في أمر العطية وأخذ الوالد مال ولده
وغير ذلك مما يشبهه
فالعطية جائزة في الصحة وهي ضعيفة في المرض وكل العطايا لا تثبت إلا بالإحراز من المعطي. وهو أن يقبضها ويحرزها أو يزيلها أو يستعمل فيها أو نحو هذا إلا الزوجين فإنه قيل أن القبول يكفيهما عن الإحراز إذا أعطى أحدهما صاحبه شيئا ولم يكن في يد المعطي فإحرازه أن يقبله وإن ترك له شيئا عليه أو أعطاه شيئا في يده فهو له وإن لم يقل قد قبلت. وكذلك ليس على الوالد من ولده إحراز، وأما الوالدة فهي كغيرها في ذلك وعليها أن تحرز ما أعطاها ولدها. وكذلك الولد من والده ووالدته والصبي لا إحراز عليه، وعلى الجد الإحراز فيما أعطاه ابن ابنه والله أعلم. وكل من أعطى الصبي شيئا ثبت له وليس له فيه رجعة إلا أن يبلغ ثم لا يحرز إلى أن يرجع المعطي فله عن ذلك الرجعة إلا عطية الصبي من أبيه وجده فإن ذلك لأبيه الرجعة وهي عطية ضعيفة. وكلما باعه الوالد من مال ولده أو أتلفه فهو جائز فإن كان للوالد مال فإن الولد إذا طلب ذلك رجع عليه بقيمة ما أخذ عليه من ماله وإن لم يكن له مال فلاشيء له عليه. وقال أبو علي _ رحمه الله_ إنما يلزم الوالد لولده قيمة ما أتلف من مال ولده يوم أتلفه فينظر في ذلك لعل معناه أنه إذا استفاد مالا من بعد لم يلزمه وله أن يبرئ (؟؟؟) نفسه من حق ولده ويبرئ (؟؟؟) منه إلا ما كان من قبل الأرش فقيل لا يبريء (؟؟؟) منه. ومن كان أبرأ نفسه من حق ولده وهو مريض ثم مات الولد. فقال من قال: يبرأ. وقال من قال: لا يبرأ.
قال غيره: وأما ما ذكرت هل للوالد أن ينتزع مالا لولده صار إليه من عنده أقر له بحق كان والده صحيحا أو مريضا فذلك جائز إلا أن يكون قضاه ذلك المال من قبل أرش (؟؟؟) فليس له أن ينزعه. /343/ (4/319)
صفحة 1814
رجع: إلا من كان والده من أهل الذمة وهو مسلم فليس لوالده شيء من ماله في الحياة ولا بعد الموت، ومن كان ابراء (؟؟؟) نفسه من حق ولده وهو مريض ثم مات الولد. فقال من قال: يبراءه (؟؟؟) وقال من قال: لا يبراء (؟؟؟)، وإن ابراء (؟؟؟) نفسه من حق ولده فلما حضره الموت رد عليه فعن هاشم أنه يعود على الولد.
وفي جواب سعيد بن محرز وعن رجل قضى مال ولده في دينه ثم مات وله مال. فمنهم من رأى أن الولد يعطى شروي ما أخذ منه. ومنهم من قال: ما مات عليه الوالد وأذهبه فلا شروي لابنه من بعده.
وقال بعض الفقهاء أيضا: من باع والده ماله وأخذ ثمنه وللوالد مال ثم توفى الوالد. قيل إن كان الوالد طلب إلى والده ما باع من ماله في حياة الوالد فله مثل ذلك يأخذ من ماله وإن لم يطلب ذلك إلى والده إلى أن مات الوالد فليس في ماله شيء.
وفي حفظ أبي زياد عن هاشم وغيره لو أن رجلا كان عليه لابنه مهر ثم قضاه إياه ثم نزعه منه حتى مات أن للولد أن يأخذ ما كان أبوه قضاه ثم نزعه.
وعن رجل أعطى أبيه عطية ثم أحرزها الولد ثم اشهد بأنه قد نزعها فلم يقبضها الأب حتى مات. فقال: العطية للإبن إذا لم يقبضها والده. وعنه أيضا: إذا قبضها الوالد وأكلها حتى حين حضره الموت أشهد أنه قد رد على ابنه ما كان أعطاه إن العطية ترجع إلى الولد. وكل العطايا لا تثبت إلا بالإحراز أن يقبضها آو يزيلها أو يستعمل منها آو نحو هذا إلا الزوجين فإنه قيل أن القبول يكفيهما عن الإحراز إذا أعطى أحدهما صاحبه. وكذلك ليس على الوالد من ولده إحراز والصبي لا إحراز عليه وكل من أعطاه شيئا ثبت له وليس له فيه رجعة إلا أن يبلغ ثم لا يحرز حتى يرجع المعطي إلا عطية الصبي من والده فإن له في ذلك الرجعة. ورجل نحل ابنه ثم أشهد أني قد نزعته، والولد يأكل ذلك حتى مات أبوه. قال أبو الوليد قضى عبد الوهاب إبن جيفر بذلك للولد وأتمه له.
ومن غيره: قال أبو سعيد _ رحمه الله_ حسن ما قال وقد قيل أنه ما أعطى الوالد ولده بغير حق ثابت وإنما هو عطية أو نحل فقد قيل أن له الرجعة فإذا رجع فيه فقد قيل ليس عليه قبض ولا إحراز وبرجعته فيه يخرجه من يد الولد. /345/ (4/320)
صفحة 1815
رجع: وذكر غسان عن أشياخه في رجل أعطى أخته مالا ولم يعلم حتى مات وقد كانت تأكل ماله حتى هلك ثم قام الشاهدان بشهاداتهما لهما بعد موته فزعم أنهم أجمعون أن المال مالها لأنها لم تعلم أنه أعطاها فتقبض فنازعه في ذلك ابن المبشر وكره. وقول ابن مبشر في هذا أحب إلي حتى تعلم وتقبض. قال أبو الحواري ليس لها شيء حتى تعلم وتقبض.
وعن محمد بن محبوب _ رحمهما الله_: عن رجل عليه دين لابنه فقضاه ما عليه له من دين في صحته ثم مات الأب وطلب الديان دينهم هل يرجعون على الإبن بما اقتضى. قال: لا، وكذلك عندنا في كل مديون أعطى ولده أو غيره ماله في الصحة أو باعه أو قضاه إياه إن (؟؟؟) ذلك جائز لمن صار المال إليه في الحكم والمضرة على الذي أشهد به وقيل في رجل أقر عند موته أني كنت أعطيت فلان بن فلان قطعة كذا وكذا وقد أحرزها علي، فقال أبو عبد الله _ رحمه الله_ كان أبو علي _ رحمه الله_ يقول: إقراره جائز عليه وعلى ورثته من بعده وذلك في الصحة.
ومن غيره: قال أبو سعيد _ رحمه الله_ وهذا إذا قال أنه قد أعطى في الصحة وأحرز في الصحة وفي ذلك اختلاف.
/247/ (4/321)
صفحة 1816
ومن غيره: وكذلك ولو أقر أني قد بعت لفلان قطعة كذا وكذا بكذا وكذا من الثمن واستوفيت منه الثمن فإقراره جائز عليه وعلى ورثته والقطعة لمن أقر له ببيعها وللورثة إن أرادوا أخذوا تلك القطعة ويردون عليه الثمن الذي اقر به أو قيمة المال إن لم يقر بالثمن وذلك في المرض. فأما إذا أقر في الصحة فهو ثابت. ومن أعطى إنسانا حقا له على رجل وجمع بين المعطي والذي عليه الحق. فقال له: اعط (؟؟؟) الحق الذي عليك فلانا، فقال الذي عليه الحق: نعم وجب للمعطي ما أعطى في قول من قال من أهل العلم وإن لم يجمع بينهما فلا يثبت وإن جمع بينهما فقيل إنه جائز ولو لم يقل المعطي قد قبلت.
قال أبو الحواري: قد قيل هذا. وقال أبو عبد الله _ رحمه الله_ عن نبهان أن هذه العطية ليست بشيء ولو جمع بينهما وقبل المعطي حتى يقبض. ورجل أقام شاهدين عدلين فشهدا أن فلانا أشهدهما أن الدنانير والدراهم التي له على فلان وهي كذا وكذا هي لفلان بن فلان يعني هذا الطالب ولا حق له هو فيها ومن مال هذا الرجل داين هو ذلك الرجل هو الذي عليه الحق ولا يعلم بذلك ثم رجع هذا الذي أقر بهذا إلى الغريم فيقبض منه الذي عليه ثم مات القابض وأفلس وهو حي، وجاء المشهود له يطلب الذي عليه الحق فنقول: إن الحاكم لا يحكم عليه بشيء. وإذا دفع الحق الذي عليه إلى الذي كان داينه على هذا الوجه فقد برئ ويرجع الذي له الحق على الذي أقر له. وكذلك في جواب علي إلى أبي مروان.
وشاهد (؟؟؟) شهد لرجل بمال ثم أقر المشهود له أن هذا المال كان لابن فلان الشاهد وأنه باعه له واستوفى منه الثمن. فنقول: قد بطلت شهادة الشاهد ولا يصدق المشهود له._ وفي نسخة: شهادة المشهود له_ أن ابن الشاهد باع له ذلك المال. ومن وجه آخر إذا أقر الشاهد أو المشهود له أن ابن الشاهد باع له ذلك المال فإن الشاهد يدفع بشهادته عن ابنه ضمان ما يدرك المشهود له إذا أخذ منه المال وذلك إذا كان الإبن حيا وكان له مال فإن كان الإبن قد مات ولا مال له يرثه أبوه. فنقول: إن شهادة والده هذه جائزة والله أعلم. /248/ (4/322)
صفحة 1817
وإذا أعطى أحد الشريكين صاحبه حصته من منزل يسكنانه فقيل إذا كانا جميعين (؟؟؟) ساكنين فيه فقد أحرز المعطي نصف ما أعطاه من ذلك صاحبه وسل.
وعن منزل بين رجلين فهما ساكنان في المنزل. فأعطى أحدهما نصيبه شريكه ولم يتحول منه المعطي والمعطي (؟؟؟) ساكن قلت: أيحرز ما أعطى أم لا؟. الجواب: أنه لا يثبت الإحراز إلا إذا تحول المعطي ثم سكن المعطى والله أعلم.
ومن منح إنسانا أرضا له فلما انقضت زراعته نظرت من بعد فلا حق للمنتج في النظر ولا الجذور، وهي لصاحب الأرض. وقال من قال: للمنتج الجذور وهو عندي مثل العامل.
وفي مسائل عن أبي علي _ رحمه الله_ في رجل أشهد لأحد أولاده بمال من ماله وأحرزه المعطي وكان يشهد الوالد أن للباقين من أولاده لكل واحد منهم مثل ما أعطيت فلانا الذي أحرز بالقيمة وأولاده صغار وكبار وهلك الوالد ومال المعطى في يده يستغله والمال شايع بحاله لم يصل إلى إخوة المعطي جعل لهم والدهم والغلة تؤدي في دين الوالد إلى أن طلب الإخوة وصار إليهم بالقيمة فطلبوا الغلة فرأينا في ذلك إن كان في المال وفاء للدين إذا أخذوا الغلة فلهم غلة أموالهم وإن لم يكن وفاء فإنه بالدين ولهم الباقي والذي أحرز بماله يدخل عليه فيه.
وعن رجل أعطى رجلا عطية من ماله وأشهد على نفسه أنه قد أحرز عليه هذه العطية. قال: لا يجوز ذلك على ورثته حتى تقوم بينة عدل أنه قد أحرز وإنما هو بمنزلة الرهن إذا أقر الراهن أن المرتهن منه قبض هذا الرهن ثم رجع لم يجر عليه ولا على ورثته حتى تقوم بينة عدل أن المرتهن قد قبض هذا الرهن وذلك عندنا إذا أقر عند الموت. فأما إذا أقر في الصحة فإقراره هذا جائز عليه وإن مات جاز على ورثته. ويوجد عن أبي علي الحسن بن أحمد _ رحمه الله_ أنه كان يجيز إقراره بهذا في الصحة ولو لم تصح بينة أنه أحرزه. وكذلك على قول من يرى أن لا يقبل ذلك عند الموت إلا ببينة عدل أن المعطى قد قبل في صحة المعطي. /349/ (4/323)
صفحة 1818
وإذا أعطى أحد الزوجين صاحبه عطية واقر عند الموت أنه قد قبله مني فقالوا: لا يثبت إلا أن يصح ببينة عدل. وأما الذي يترك لآخر حقا عليه أو يعطيه إياه فإذا قال له ذلك براء منه وليس عليه قبول لأنه في يده إذا كان ذلك في الصحة. قال أبو الحواري. قال نبهان إذا ترك صاحب الحق للذي عليه حقه فإن قال الذي عليه الحق قد قبلت فقد براء (؟؟؟). وإن لم يقل قد قبلت ورجع الطالب فيما ترك كان له ذلك وهذا إذا كانت العطية والتركات في الصحة. وأما في المرض فلا يجوز. وأما الزوجان فإنه قال عن ابن محبوب _ رحمه الله_ أنه ليس عليهما قبول إذا ترك أحدهما لصاحبه حقا له عليه وأعطاه إياه فليس عليه قبول وهو له كان صداقا أو غيره من الدين إذا ترك له أو أعطاه في الصحة وأما في المرض فلا يجوز وإنما عليهما القبول إذا أعطى أحدهما الآخر شيئا من ماله فعليه القبول إذا كانت العطية في الصحة وأما في المرض فلا يجوز.
ومن غيره: ((هبة الوالد لولده)): ورجل وهب لولده الصغير غير البالغ ما لا (؟؟؟) يثبت له ذلك أم لا. قال: الهبة من الوالد لولده لا تثبت عند الأكثر من أصحابنا.
ومن غيره: رجل أعطى إنسانا مالا وقال المعطي (؟؟؟) قد قبلت ولم يحرز ثم باع المعطى العطية ثم رجع المعطي قبل أن يقبض المشتري وقبل أن يحرز فلا رجعة له وهي للمعطى له حين باعها وهي للمشتري. والله أعلم. /350/ (4/324)
صفحة 1819
رجع إلى الكتاب:
وهذا في العطية أيضا وفي الحل والفسالة في موضعين من الإضافة:
ومن أعطى رجلا عطية على أن لا يخرج المعطى من قريته وأحرز المعطى ثم رجع المعطي والمعطى لم يخرج فعطيته جائزة. وقال من قال: لا يجوز ذلك. ورجل وهب لولده الصغير غير البالغ مالا يثبت ذلك أم لا. قال: الهبة من الوالد لولده فلا يثبت عند الأكثر من أصحابنا.
رجع: قال أبو الحواري كل عطية فيها شرط فلا تجوز. وإن قال: على أن يخرج من هذه القرية فخرج فالعطية له وهذا ثابت. قلت لأبي الحواري: أليس هذا شرطا أيضا. قال: هذه إجارة وهذا جائز. وإذا أعطى رجل رجلا عطية وأحرزها ثم ردها عليه المعطي فلا إحراز عليه في ذلك. وكذلك قال من قال: أنا أحب أن يكون عليه إحراز. قال غيره: قد قيل عليه الإحراز لأنه قد زال من ملكه وهو الأكثر والله أعلم.
((العمرى)): قال أبو الحواري: ليس عليه إلا القبول. وهو قول بعض الفقهاء، وإذا كان المعطي يأكل ما أعطى فليس بإحرازه. وإذا قال المعطي للذي أعطاه الأرض ابني (؟؟؟) واسكن حتى تموت فبنى وسكن حتى هلك المعطي فقيل ليس لورثة المعطي في ذلك رجعة حتى يموت المعطي إلا أن يكون أعطاه إلى أن يموت صاحب الأرض، فإذا مات فهي لورثته. وقيل العطية في الغضب لا تجوز. ومن قبض عطية أو حقا ابراء (؟؟؟) منه في الصحة ثم رد ذلك في مرضه على أصحابه لم يجز ذلك في المرض. قال أبو الحواري عن نبهان: قد قيل ذلك في الحقوق أنه إذا ردها عليه في المرض أنها لا تجوز. وقال من قال: يجوز وقولنا أنها لا تجوز وكذلك المرأة إذا أبرأت زوجها من حقها ثم رد عليها في مرضه فهو جائز وأما العطية فلا يجوز ردها في المرض. وعن امرأة أعطت رجلا صداقها الذي على زوجها عاجلا أو آجلا نخلا أو دراهم فقبل المعطى وأشهدت _ وفي نسخة وأشهد _ بذلك على زوجها إحرازا منه أم لا. فقال: نعم أرجوا أن يكون هذا إحرازا. قال أبو الحواري عن نبهان: لها الرجعة فيه ما لم تقبض منه شيئا فإن قبض شيئا تم له ما قبض. /351/ (4/325)
صفحة 1820
ومن حفظ أبي صفرة في امرأة أعطت أباها أو أخاها ما على ظهر زوجها من المهر. فقال: جائز. قال أبو عبد الله: نعم، إذا كان حقها حالا وليس على الأب إلا قبول ما أعطت، وعلى الأخ قبول ذلك أيضا ولا يتم إلا أن يحضر الزوج وتقر له. وأما الأب فإن لم يحضر الزوج ولم تقر فهو جائز له وأما الآجل فلا تجوز العطية فيه للأب ولا لغيره وإن حضر الزوج. وعن رجل قال لامرأته أعطي ابنك كذا وكذا فأعطته ثم رجعت عن ذلك. وقالت: طلب إلي. هل لها رجعة؟ قال: لا ومن أعطته امرأة عطية ثم تزوجها قبل أن يحرزها. هل يكون إحراز؟ قال: لا.
ومن غيره: قلت: فإن انتزع من ابنه ما أعطته أمه ثم قضاها ذلك المال بحقها يجوز هذا القضاء ويبراء (؟؟؟) من حقها فذلك جائز وامرأته كغيرها والله أعلم.
ومن غيره: قال أبو سعيد _ رحمه الله_ قد قيل إذا رضيت بالتزويج فذلك إحراز ولا إحراز بينها بعد صحة التزويج وإن كانت العطية من قبل. /352/ (4/326)
صفحة 1821
رجع: ((رجوع الوالد في هبته لولده)): وعن رجل أعطى ولده مالا وأحرزه عليه، فإذا غضب عليه رجع وإذا رضي أشهد له بتمام العطية، فلما حضره الموت أشهد شهودا أنه قد رجع فيما أعطى ولده. فإن كان أتم له العطية وهو صحيح وأحرزها ثم مرض فنزعه فما نرى له ذلك. وإن كان قد انتزعه وهو صحيح وأتم نزعه في المرض فهو في الميراث.
وإن أعطى ولده عند التزويج وأحرزه وزوجه القوم على ذلك ثم رجع فلا رجعة له فيه. وإن أعطى ولده مالا وأشهد أنه يحق له عليه واستثنى مأكله (؟؟؟) المال إلى موته فنرى ذلك جائز والمال لابنه إلا نسخة إلى أن يرجع عليه. ومن أعطى ولدا له عطية في صحة وأحرزها فلما حضره الموت أعطى الباقي مثل ما أعطى الأول فذلك جائز.
ومن غيره: قلت فإن إنتزع من إبنه ما أعطته أمه ثم قضاها ذلك المال بحقها يجوز ذلك القضاء ويبرئ من حقها فذلك جائز وامرأته كغيرها والله أعلم. ... /353/ (4/327)
صفحة 1822
رجع: ومن نحل أولاده الصغار نحلا فالنحل عطية، وعطية الصغار من الوالد لا تجوز وذلك بين الورثة والصدقة والنحل مثل العطية. وقيل كل إثارة كانت لقوم وفيها أصل لأحد فالرم (؟؟؟) لأهله وإنما لأصحاب الأرض ما عمروا عليهم البينة بما عمروا فما حدث شهودهم فهو لهم والباقي لأهل الإثارة.
وعن أبي علي _ رحمه الله_ في امرأة أعطت زوجها نصف مالها ولها عليه صداق قال: فلا أبصر أن صداقها داخل في العطية إلا أن يكون قد سمت. والله أعلم.
وعن امرأة أعطت زوجها على الإحسان صداقها ثم ماتت على ذلك فقد ضعفت أن أجيزها وقد نظرت فيها فلم أبصرها قوية هذا أحب في جواب أبي علي.
ومن غيره: قال أبو سعيد _رحمه الله_ إن أعطته على الإحسان فلا تجوز العطية على الإحسان. /354/ (4/328)
صفحة 1823
رجع: ((إقرارات المريض وتصرفاته)) والمريض يجوز إقراره في ماله كله ووصيته في ثلث ماله ولا يجوز بيعه ولا شراءوه (؟؟؟) ولا قضاءوه وعطاءوه (؟؟؟) وللورثة أن يتموا ذلك أو ينقضوه ويعطوا ثمن المال الذي باعه إن كان قبض الثمن وقيمة المال الذي قضاه إياه.
ومن غيره: وإذا أعطى العبد عطية تمت له أوامر السيد العبد أن يحرز جاز له أو أحرزها وتم له ذلك سيده قبل أن يرجع المعطي فيها تمت له العطية. وإن رجع المعطي قبل أن يتمم له السيد إحرازه كان له ذلك والله أعلم. /355/ (4/329)
صفحة 1824
رجع: وأما العطية في المرض. فقال من قال: إنها بمنزلة الوصية وتجوز في ثلث ماله وبعض ضعف ذلك وهو رأينا. وكذلك أهل الزحف إذا وقفوا للحرب وراكب السفينة إذا غابت أو كان خب خافوا الغرق منه. وكذلك الحامل إذا ضربها المخاض عند الميلاد. وقال من قال: إذا دخل شهرها الذي فيه ميلادها. وقال من قال: إذا حملت والذي نأخذ به إذا ضربها المخاض للميلاد فإن تركت هذه الوالدة في وقت ميلادها حقا لها على زوجها أو غيره أو أعطت شيئا من مالها وهي ثابتة العقل فمن أخذ برأي من جعل ذلك مثل الوصية واجازة (؟؟؟) إلى ثلث مالها فلا نرى به بأسا.
قال أبو الحواري: الزوج وارث ولا تجوز له الوصية ولا العطية في المرض هكذا قيل عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ إن الله قد أتى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث وقد أجاز بعض المسلمين لهذا المريض أن يبيع من ماله في مرضه لمؤنته ومؤنة عياله. وفي قضاء دينه فأن باع بأقل من ثمن ذلك المال فللورثة الرجعة في ذلك على المشتري بما نقص من الثمن يسوي به ذلك المال وإن (؟؟؟) بلى وباع من ماله وقضى بعض ديانه (؟؟؟) وترك بعضهم أو قضاهم من عين عنده ولم يترك وفاء لمن بقى من ديانه (؟؟؟) فإن جميع ديانه (؟؟؟) يتحاصصون جميع ما قضى في مرضه وما بقى له بعد موته فهم فيه سواء على قدر حقوقهم.
وأما المحموم ما كان يحمل الحمى. والمسلول: الذي يجيء ويذهب. والمفلوج ففي الأثر أن لهؤلاء في أموالهم ما للأصحاء. وكذلك المجذوم الذي يحمل نفسه ويجيء ويذهب. ... /356/ (4/330)
صفحة 1825
((رجوع الواهب في هبته)): وعن أبي عبد الله في رجل أقام شهودا عدولا أن أباه أعطاه عطية وأحرزها وأقام الورثة بينة أن أباهم لم يزل يأكل هذا المال ويمنع إلى أن مات فلا نرى شهادتهم إلا معارضة والحق للمعطى إذا كان شهوده عدولا. وكل عطية أو صدقة في المرض لا تثبت. وعن رجل أعطته زوجته نصف مالها ثم تعايشا نحو عشرين سنة ثم هلكت الزوجة. واختلف الزوج وورثة زوجته فالبينة على الورثة بما أحدثت الهالكة من بعد العطية. ولم ترا (؟؟؟) أن الصداق من المال حتى تسمي به مع الشهادة، وأما الحلي والكسوة فالله أعلم. أنهما يدخلان في العطية إلا ما كان على ظهرها من الكسوة. وقسناه بالذي على الحالف بالصدقة والله أعلم فأنظر (؟؟؟) فيها، هذا في جواب لأبي علي رحمه الله. وعن رجل أعطى رجلا ثوبا أو نخلة أو عبدا فلما كان من الغد. قال له: أن بعض ذلك الذي أعطيتك هو لفلان فإذا كان الذي أعطاه في يده أو ملكه لم يقبل قوله وعليه هو أن يغرم لذلك الذي قال له بما اقر له به لأنه أتلف الذي له فإن كان أعطاه شيئا لم يكن في يده وعلم المعطى أنه له فيقبل قوله فيه. والنحل عطية والعطية من الوالد لولده الصغير لا تجوز وإن مات الوالد رجع ذلك إلى الميراث.
تم الباب من كتاب أبي جابر _رحمه الله.
ومن غيره: وعن رجل حلى بناته حليا وكسوة كثيرة ومتاعا ودراهم والجارية بالغ أو غير بالغ ثم مات الأب. قال: هذا جائز للمعطى وليس هذا مثل الأصل عندي ما لم يكن إسرافا وقصد إلى أثره.
ومن غيره: وعن الصبية إذا حلاها والده في صباها بدراهم أو دنانير وحلي إلى أن تبلغ ثم لم يطلبه إليها حتى مات ولم يقر لها به هل يكون لها دون ورثته. فقد قيل لها دون ورثته ما لم يصح أنها عارية. وقيل أنه للورثة ما لم يثبت لها بعطية بعد بلوغها. وأما عطيته بعد بلوغها عندي أنه أراد قبل بلوغها فلا يثبت. وأكثر القول أنه للورثة. /357/ (4/331)
صفحة 1826
ومن غيره: وعن رجل مرض ولده فنذر إن عوفي أن ينحله قطعة من ماله فعوفي فنحله والغلام صغير لم يحرزه وأكلها الأب حتى مات. فقال: قال أبو عثمان: هو له لأنه نذر وما كان من النذر فهو جائز. وقال مسعدة: لا حتى يحرز. قال هاشم الشيخ: هو جائز له كان ذلك في الصحة أو عند الموت ولو لم يحرز في رأي المسلمين. قال: وقد قيل أنه جائز ولا إحراز عليه لأن ذلك وفاء بنذره. وكذلك ليس له رجعة إن رجع فيه وانتزعه.
ومن غيره: وسألته فيمن لزمه أرش الصبي هل يبراء (؟؟؟) إن أبراءه (؟؟؟) الوالد.
وقال الذي عرفت أنه لايبراء (؟؟؟) إن أبراءه (؟؟؟) الوالد، وقد قيل أنه يبراء (؟؟؟) وبالقول الأول أنا آخذ ومن أخذ بالقول الآخر لم أره هالكا.
ومن غيره: قلت فهذا الذي يلزمه حق من عقر أو جرح إذا استحل من ذلك من له الحق ولم يصرح واستحل من قيمة ذلك وأرشه وحقه أتراه يبراء (؟؟؟). قال: قد قيل يبراء (؟؟؟) وقيل لا يبراء (؟؟؟) وفرق من فرق بين الأموال والأبدان في هذا وقد قيل أن الأموال والأبدان سواء ولا يجوز الحل من جميع ذلك إلا بعد التبين من أي وجه كان ذلك منه. وأحب إلى الفرق بين الأموال في هذا أن يكون يسعه الحل في الأموال إذا استحل إلى قيمتها وأن لا يجزئه ذلك إلا بعد التوقيف على أصل ذلك الذي لزمه فيه الحق في الأبدان.
ومن غيره: قال: وقد عرفت أنه إذا سأل الحل عما لزمه من الأموال وهو يعلم أنه لو أوقفه على أصل ما سأله الحل منه لم يبره أنه لا يبراء (؟؟؟) إذا جعله في الحل بغير وقوف على الأصل. ومثل ذلك لو أن رجلا قلع أقباب نخلة رجل ثم لقيه فسأله الحل من قيمة ذلك. وكذلك ما يشهد والله أعلم وينظر في ذلك إن شاء الله. ... /358/ (4/332)
صفحة 1827
ومن غيره: قلت فعطية الوالد لولده الصغير هل تجوز. قال معي: إن بعضها لا يثبتها، وأحسب أن بعضا يثبت ذلك والمعمول به لا يثبت للولد الصغير والله أعلم.
ومن غيره: وقال من قال من الفقهاء: يجوز للوالد أن يعطي من مال ولده وليس له أن يجعل أحدا في حل مما عليه لولده منّ وإنما له أن يبرئ نفسه من حقوق ولده.
ومن غيره: وقال من قال أن له أن يبرأ من حق ولده في بعض القول.
ومن غيره: وعن رجل أعطى رجلا عطية ولم يحرز المعطى ولم يرجع بها المعطي حتى مات ثم طلب ورثته هل يدركون؟ فما نرى العطية تجوز في مثل هذا إلا بالإحراز. قال أبو المؤثر: العطية جائزة ما لم يرجع فيها المعطي قبل الموت ولو لم يحرز المعطى إلا أن يكون المعطي لم يفصل العطية من يده وهو يعلمها ويستغلها حتى مات. فعلى هذا ليس للمعطي شيء.
ومن غيره: رجل أعطى رجلا مالا وغلام المعطى يعمل ذلك المال فلا أرى ذلك إحراز إلا أن يكون سيده أمره بعمله بعد العطية فذلك إحراز منه والله أعلم. /359/ (4/333)
صفحة 1828
ومن غيره: وعن المريض إذا وهب شيئا في مرضه ثم صح ولم يرجع فيما وهب ثم مرض من بعد ذلك تثبت الهبة لمن وهب له قال: لا. وأكثر القول لا يثبت وبه نأخذ.
قال أبو سعيد_ رحمه الله_ معي أنه قد قيل هذا. وقيل إنها ثابتة ويشبه ذلك عندي ما قيل في عطية الوالد للولد الصغير إنها لا تجوز فإن لم يرجع فيها الأب حتى بلغ الصبي ومات الأب بعد بلوغ الصبي إنها ثابتة ويشبه ذلك عندي قيل في تزويج الصبية إذا دخل بها في صبائها (؟؟؟) فبلغت فلها التغير ما لم ترضى بعد بلوغها أو يصح وهذا كله مما يختلف فيه من أصل المسألة وما شهد إليه. وجدت عنه أنه قال: ومعي أنه قبل في عطية الأب لولده الصغير جائزة ولا إحراز عليه وذلك عندي في بعض القول. ويروى عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: {الراجع في هبته كالراجع في قيئه}. فخرج من التأويل أن الراجع في قيئه كالراجع في الحرام لأن القيء حرام ولا أعلم مما يجتمع عليه بل قد قيل فيما عندي أن العطية موجبة ثبوتها للمعطي مزيلة حكمها من المعطي إلا أنه من وجه الحلال وقد ثبتت به السنة كمثل البيوع وغيرها من أبواب الحلال. ولولا كثرة ما قيل بالإحراز كان ثبوت ذلك بغير إحراز أبين معنى وأثبت للحجة عندي، كتبت بعضها مما يأتي على المعنى لضيق الموضع في النسخة الأولى فينظر في ذلك. /360/ (4/334)
صفحة 1829
رجع: قال فيمن وهب مالا وهو عارف بما وهب فلم يرجع في هبته حتى هلك أنه ليس لورثته أن يرجعوا. قال وإنما يكون له ذلك إذا رجع في حياته.
قال أبو سعيد _ رحمه الله_ معي أنه قد قيل هذا. وقيل أنه لهم الرجعة ولو مات المعطي والمعطى ما لم يصح الإحراز، وقيل أن موت المعطى بمنزلة الإحراز لأنه قد ماتت حجته ولا يكون موت المعطى في ثبوت العطية كموت المعطى، وقد قيل إن نفس الهبة يوجب الملك ولا إحراز على المعطى فذلك جائز.
ومن غيره: ومن جواب لأبي الحواري _ رحمه الله_ وعن رجل يعطي أولاده كل واحد منهم شيئا من ماله فيحوز البالغون منهم لما أعطاهم فيكون فيهم الصغار الذين في حجره فلا يقبض الذي أعطاه أبوه ثم يموت أبوه من بعد فيطلب من بعد ما بلغ ما أعطاه أبوه وأبوه حي، هل له ذلك؟ فعلى ما وصفت. فعلى الأب التسوية في أولاده في المحيا والممات، فإذا كان قد أعطاهم في حياته فأحرز البالغون ولم يحرز الصغار فإذا مات الأب كان للصغار مثل ما أعطى الكبار إلا أن يكون للأب وارث غير أولاده الصغار والكبار فإن الوارث مثل الزوجة والأم يدخلون في جميع ما للأب وما أعطى أولاده الصغار فيؤخذون ميراثهم منه ثم لا يأخذ الكبار شيئا حتى يأخذ الصغار مثل ما يأخذ الكبار وأحرزوا في حياة أبيهم ومن بعد ذلك يكونون شركاء في الميراث وما أحرز البالغون في حياة أبيهم فهو لهم ولا يدخل عليهم أحد من الورثة فيما أعطاهم وأحرزوه.
وعن أبي عبد الله_ رحمه الله_ في الوالدة إذا أعطت ولدها وهو صبي أنه إذا بلغ فأحرز جازت له العطية فإن ماتت من بعد بلوغ ولدها من قبل أن يحرز فلا عطية للصبي فإن ماتت قبل أن يبلغ فالعطية جائزة.
قال أبو جابر محمد بن علي: في رجل أعطى ولده مالا أو أعطى والده فقال: إذا قبل أجزي عنه وكان بمنزلة الإحراز. (؟؟؟) وكذلك الزوجان من بعضهما بعض فإن القبول منهما يجري ويكون بمنزلة الإحراز. /361/ (4/335)
صفحة 1830
((عطية المرأة لزوجها)): قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: وعلى الولد الإحراز من الوالد وبه نأخذ.
ومن غيره: وعن امرأة أعطت زوجها عطية في مرضها ثم صحت فلم ينتقضه حتى ماتت، فإن كان قبض عطيته في صحتها ومرضها وهي محصنة له. فنعم.
ومن غيره: وقال من قال: إن عطية المريض لا تجوز له ولا شيء حتى يجدد العطية في صحته. وقال من قال: إذا صح فلم يرجع في العطية حتى عاد فمرض فمات فالعطية جائزة. وعن امرأة أعطت زوجها صداقها بغير مطلب منه فلما حضرته الوفاة رده عليها. فعندي أنه يوجد في ذلك في الأثر اختلاف. فقال من قال: ليس له ذلك إلا بحق يوجب عليه ذلك.
ومن غيره: وسألته عن رجل طلب إلى امرأته حقها فأعطته فلما أن طلقها طلبته هل يكون واسعا أكله. قال من قال: له ذلك بحق.
فقال من قال: ليس له ذلك ويرده عليها وبهذا القول الأخير نأخذ.
ومن غيره: من جواب محمد بن محبوب_ رحمه الله_ وعن رجل أراد أن يتزوج امرأة فقال: لا أتزوجها حتى تعطوها مالكم كله أو بعضه أو أرضا معلومة ففعلوا وكانت العطية مع عقدة النكاح وعلى ذلك تزوجها ولم يقبض المرأة حتى مات والدها وعليه دين أو لا دين عليه وله ورثة سواها أو ماتت المرأة وتركت المرأة ورثة وقد كان الأب رجع في العطية أو لم يرجع ولا قبضت المرأة فإني أقول: إذا كان على هذا الشرط عقدوا النكاح وعلى ذلك تزوج الرجل بها فإني أرى العطية للجارية قبضتها أو لم تقبضها وهي لها دون الغرماء ودون الورثة والله أعلم. إلا أن ترد الجارية على أبيها والله أعلم. وقال أبو زياد والله أعلم.
قال أبو سعيد: محمد بن سعيد_ رحمه الله_ معي أنه قيل نحو هذا وهو حسن لأن في خلافه يوجب معنى الغدر. وأحسب أن في بعض القول أن العطية على هذا كالعطية على غير شرط فإن جازت المرأة ثبتت عطيتها على من ثبتت عطيتها عليه وتم النكاح على شروط. وإن رجعوا في العطية وانتقضت بوجه من الوجوه وقد وقع التزويج على معنى لم يثبت فيه الشرط فإن زادها فوق صداق مثلها أو صداقها الذي كان معروفا من قبل العطية رجعت إلى صدقات مثلها وصداقها الذي كان معروفا وإن كان الصداق صداق مثلها أو دونه ثبت على ما هو عليه. /362/ (4/336)
صفحة 1831
ومن غيره: وقلت إذا قال الوالد اشهد أني قد انتزعت كل مال كان لولدي هل يقع هذا الإنتزاع بهذا اللفظ على جميع ما يملك الولد. فمعي أنه إذا ثبت الإنتزاع ثبت على شيء إلا ما كان مضمونا على غيره من الحقوق فأحسب أنه يختلف فيه مع من يثبت الإنتزاع.
ومن غيره: أما انتزاع الوالد مال ولده ففيه اختلاف. فقال من قال: إنه يزيله عن ملك الولد الوالد. فعلى هذا يكون مال للوالد وأحكامه أحكام مال الوالد. وقال من قال: لا يزيل ذلك ملك الولد عنه وهو مال للولد ولا يجوز للوالد من ذلك إلا ما يجوز له من مال ولده فافهم. وعن أبي علي في الوالد إذا انتزع مال ولده وهو مريض أنه لا يصح انتزاعه. والمال لجميع الورثة. وكذلك بيعه مال ولده وهو غني فقد قيل فيه اختلاف إذا باعه في غير المصلحة ولده وإنما قصد إلى إتلافه. فقيل يجوز ويضمن للولد ماله في ماله وقيل أن بيعه لا يجوز وكل ذلك جائز في قول أصحابنا. وعن رجل أشهد لرجل بجميع ما يملك ويلزم الشاهد للمشهد بيعه إن أراد أن يتخلص منها. وقلت إلى من يتخلص إلى صاحب المال الأول الذي لزمته أو إلى الذي أشهد له بالمال فله في ذلك الخيار ما لم يمت صاحب المال الأول. فإذا مات لم يكن لورثته في ذلك حق.
وقيل عن أبي سعيد _ رحمه الله_ في رجل أحل رجلا في شيء من ماله طلبه إليه إلى قيمة معروفة من الدنانير والدراهم أو شيء معروف من قبل ميراث ورثه (؟؟؟) من والده قبل حله من غير تقية يتقيه في ذلك أنه يثبت عليه ولا يكون له رجعة. قلت: فإن لم يقل الطالب للحل قد قبلت حلك هل يبرأ مما قد أحله ولد الهالك. قال إذا لم يقبل حتى رجع المحل. فقد قيل إن له الرجعة ولا يثبت الحل إلا بالقبول في الحكم وأما فيما بينه وبين الله فيسعه ذلك إن شاء الله وقد قيل ليس عليه قبول إذا كان الشيء عليه ومستهلكا له وأحب الأول في الحكم. وأما في الخلاص وكله واسع إن شاء الله. قلت له: فإن أحله وهو قائم في يده فقبل في نفسه ولم يظهر القبول حتى رجع صاحب الحق هل يسعه ذلك على قول من يقول أن ليس عليه قبول. قال: لا. حتى يقبله بلسانه ويعلمه أنه قائم بعينه ويحله منه على وجه العطية والهبة له وإلا فلا يجوز له ذلك. وسألته عن رجل يقول لامرأته إذا أرادت أن تعطيني شيئا ... /363/ (4/337)
صفحة 1832
من مالك فاشهدي لي بحق وليس لي بوفاء يريد بذلك التثبيت لنفسه. فعلى ما وصفت فليس له أن يعلم أن عليها له حقا. وسألته عن رجل طلب إلى امرأته حقها فأعطته فلما طلقها طلبته هل يكون واسعا له أكله؟ قال من قال: ليس له ذلك ويرده عليها وبهذا القول نأخذ. قلت له: فإن ماتت وطلب الورثة بعد موتها وأحضروا البينة بأنه طلبه إليها هل يدركونه بشيء. قال: لا يدركونه بشيء إنما ذلك إذا طلبت المرأة كان لها ذلك وسألته عن رجل طلب إلى زوجته نخلة فأعطته نخلة ثم أن الرجل أعطى النخلة ولدا بالغا ثم رجعت عليه زوجته في النخلة هل يجوز له أن يجذبها من يد ولده وقد أحرزها. قال إذا رجعت عليه زوجته في النخلة جذبها من ولده وردها إليها.
ومن جواب لأبي الحواري: وعن رجل إذا طلب من زوجته شيئا من مالها فأعطته ثم باعه ولم يطلبه حين باعه فلما كان بعد ذلك طلبته فإذا طلب الرجل إلى زوجته شيئا من مالها فأعطته إياه ثم لم ترجع حتى أفاته ثم رجعت تطلب إليه ما أعطته فلا شيء لها إلا أن يكون قائما بعينه في يده أو ثمنه. وكذلك إن لم تطلب حتى مات إحداهما فلا شيء لها إلا أن يكون قائما بعينه في يده حتى مات أو ثمنه فهي أولى به. وعن رجل أعطى رجلا أرضا يفسلها بالثلث. وقال له صاحب الأرض كل شيء زرعته في مالك لعله أراد فيها لك النصف من الزراعة ثم لما فسلها مات الفسل فالأرض تكون لصاحب الأرض أو تكون للذي فسلها حصته من الأرض تركها أو تمسك بها. فإذا مات الفسل من قبل الوقت الذي شرط عليه لم يكن للفاسل في الأرض شيء والأرض لصاحبها تركها الفاسل أو تمسك بها فإذا مات الفسل بعد الوقت الذي وقته له صاحب الأرض كان للفاسل حصته في الأرض يعمل فيها ما يشاء. وعن رجل له ولدان فأعطى أحدهما عند الموت عطية. وقال له: أنه أعطى الآخر مثل هذه العطية وأنكر الولد أنه لم يعطه شيئا في حياة أبيه أو بعد موته هل يثبت قول أبيه عليه. وهل يثبت للآخر ما أعطي أو حتى يصح ذلك. فعلى ما وصفت فإذا أنكر الوالد الآخر أنه لم يعطه أبوه شيئا لم يثبت لهذا المعطى عند الموت ولم يقل قول الأب في ذلك عند المرض إلا بالبينة العادلة وتلك العطية من الأب لولده في مرضه باطل وهي راجعة إلى جميع الورثة. /364/ (4/338)
صفحة 1833
وقلت إن قال أبوه أنه قد غرم عن ولده ثلاثين دينارا في تعليم القرآن والأدب وقد أعطى ولده هذه مثل ذلك. هل يثبت له ويكون عدلا منه لأنه قد علمه القرآن صغيرا أو كبيرا. فعلى ما وصفت فإذا أنكر الولد ذلك. وقال: إن أباه لم يفعل له شيئا من ذلك. ورجعوا إلى المحاكمة لم يقبل ذلك من الأب إلا بالبينة العادلة وتبطل عطية الأب لولده في مرضه وأما بينه وبين الله فقد قيل عدل ولا تبعة عليه في ذلك. وعن امرأة أعطت ولدها عطية وهو صبي هل يجوز للولد الصبي أن يحرز عطية ولده. فعلى ما وصفت. فقد قيل أن ذلك للوالد كله الإحراز والإنتفاع لابنه الصبي ولا يجوز ذلك إلا للوالد. وقد قيل إن كان للصبي وكيل _ وفي نسخة أخرى وصي _ من قبل أبيه فأحرز له فقد قيل أن ذلك جائز. وإن لم يحرز له وصية ورجع المعطي فله الرجعة وقيل يوقف إلى بلوغ الصبي فإن بلغ ولم يحرز ورجع المعطي فله الرجعة، وأما الرحم فقد اختلف فيه. فقال من قال: إحراز الرحم جائز. وقال من قال: لا يجوز إحراز الرحم كانت من والدته أو غيرها. ومن قال بغير الإحراز أحب إلينا.
ومن جواب لأبي الحواري: وعمن أعطى صبيا شيئا يوقف عليه إلى بلوغه أو ينتفع به في صباه. فعلى ما وصفت: بل ينتفع به صباه. فإن هلكت العطية في صباه فقد هلكت وذهبت وإن لم تهلك حتى بلغ الصبي فإن رجع المعطي قبل إحراز الصبي بعد بلوغه رجعت العطية إلى صاحبها.
ومن غيره: والنحل عطية والعطية من الوالد لولده الصغير لا تجوز وإن مات الولد رجع بذلك إلى الميراث. /365/ (4/339)
صفحة 1834
ومن غيره: ((مسائل في العطية)): قال: وله أن يفضل أولاده من الكسوة والطعام لما يحتاجون إليه، وأما غير ذلك فلا يفضلهم. وسألته عن المحتسب لليتيم إذا لزمه أرش أو تبعة من قبل اليتيم ثم أطعم اليتيم به أو كساه هل يبرأ قال: نعم إن شاء الله على قول من يقول إن الطعم والكسوة خلاص. قلت: فإن لزم الوالد أرش لولده. هل يجوز له أن يبرئ نفسه؟ قال: لا يجوز له أن يبرأ نفسه معنا ولا نعلم في ذلك اختلافا. وقيل أيضا إنه لا يجوز أن يبرأ نفسه من أرش لولده قد انتقل إلى ولده من ميراث من غيره وذلك مثل أن الأرش كان على أخيه أعني الصبي فمات أخوه من قبل أن يصير حقه _ لعله أراد إليه_ فورثه والده فلا يبريء (؟؟؟) نفسه من هذا الأرش. هكذا عرفنا والله أعلم.
قال: وأحسب أن في بعض القول أنه له أن يبريء (؟؟؟) نفسه مما يكون عليه لولده من أرش في ماله الذي ورثه من غيره لأن الأرش يتحول في المال ولا يتحول على نفسه كما كان ثابتا عليه في نفسه ومن فعل يده والقول الأول أصح عندي في المعنى والله أعلم.
ومن غيره: في الأعجم والمعتوه إذا أعطاهما أحد عطية أن ليس عليها إحراز وكذلك إن أعطاهما والدهما عطية وهما على تلك الحالة لم يجز ذلك لأنهما بمنزلة الصبي الذي لم يبلغ الحلم. والله أعلم. ... /366/ (4/340)
صفحة 1835
رجع: وعن رجل قالت له زوجته في مرضها أنت من حقي الذي عليك لي أو من صداقي الذي عليك لي في حل وقد كان قد طلبها إليها ذلك أو لم يطلب. فقال لها: إن هذا لا يثبت فقال لها: كل حق قبلي لك أو علي هو لي. قالت: نعم. قلت: هل يثبت عليها وله ذلك في المرض والصحة وإن رجعت عليه من بعد إن صحت من مرضها ذلك معي: أنه قيل في مثل هذا أنه ثابت ويخرج مخرج الإقرار والإقرار عندي يجوز في بعض القول في الصحة والمرض يثبت ولا يكون للمقرر حقه.
وحفظ أبو المؤثر عن أبي عبد الله_ رحمه الله_ في رجل يكون عليه لرجل حق يعلمه أو لا يعلمه ثم لقيه فاتسعه واستحاط لنفسه ولم يسم له الحق أنه واسع له إلا الفروج والجروح. قال: والفروج أو كذا حفظي أنه لا يسعه إلا أن يبين له أنه وطئ ابنته أو أخته أو يبن له أنه جرحه.
ومن غيره: ويعجبني أن يتوب عنده ثم ستحلفه. والله أعلم.
ومن غيره: وقد قيل ليس عليه أن يبين في أي وجه إذا أخبره أن عليه له من جهة عقر أو أرش جروح أو دية من قتل أو غير ذلك. فإذا قال: أنه من وجه الصدقات أو العقور والأرش لم يكن عليه أن يبين على نفسه من أي وجه ذلك والله أعلم بالصواب. وقال: إذا كانت أرض بين رجلين ففسل أحدهما فسلا أو عمل فيها عملا فإنه يكون بينهما وليس للذي فسل ذلك أن يخرجه من الأرض ولكن يكون له قيمة الفسل يوم فسله ويكون له بقدر عناءه (؟؟؟) لأنه شريك. وإذا لم يكن له شريك فليس له شيء في عناءه وله قيمة نخله يوم فسله برأي العدول قلت ارأيت إن كان فسل بادلال (؟؟؟). قال: يكون له بقدر عناءه (؟؟؟). /367/ (4/341)
صفحة 1836
وعن رجل أحرق منزل قوم أو ذبح شاة لهم ثم قال: أني قد أحدثت في مالكم فأحب أن تجعلوني في الحل إلى قيمة كذا وكذا درهما فأحلوا له ولم يعلمهم: أني أحرقت منزلكم وذبحت شاتكم هل يسعه ذلك أو حتى يعلمهم. وكذلك إن أكل شيئا من ثمرة أموالهم فاستحلهم ولم يعرفهم. فعلى ما وصفت وكان أبو المؤثر يقول: إذا كان الحدث عارفا به أهله ويتظلمون ممن أتى إليهم ذلك في أمواله لم يحز الحل في ذلك حتى يعرفهم أن ذلك الحدث كان منه فإذا أحلوا له ذلك بعد المعرفة فقد برأ إليه منه لأنه لا يجوز أن يبرأ من حق وهم يطالبونه وإن كانوا لا يعرفون ذلك الحدث ولا يعلمون أنه أخذ من أموالهم شيئا جاز الحل على ذلك ويبرأ إذا أحلوا له إلى قيمة معروفة والله أعلم بالصواب.
وعن رجل فسل عشرين فسلة في أرض امرأة أخرى حتى عاشت ثم توفي وبلغ المرأة بعد موته أن فلانا فسل موضع كذا وكذا فغيرت وقالت:: لا أعلم فنحن نقول أنه لا ينزع من أيدي اليتامى ما كان في أيدي أبيهم حتى تأتي المرأة بحجة سوى ما ذكرت أنها لم تعلم. وسألته عن رجل أعطى رجلا بصلا أو حبا يبذره بينهما فما أرى بذلك بأسا.
ومن الأثر: وعن رجل حضرته الوفاة فقال لامرأته أتتركين لي نصف صداقك وأعطيك نصفه فقالت: نعم. فقضاها نصف الصداق وأبرأته من النصف الباقي ثم توفي ورجعت المرأة في ذلك. وقالت: طلب إلي هل لها شيء؟ فليس لها إلا ما قبضت وهو رأيهما وأحسبه قول هاشم بن غيلان وقول أبي الوليد وأبي عبد الله مسبح بن عبد الله.
وسئل أبو سعيد _رحمه الله_ عن رجل يأخذ في عمل البر والذرة ويأخذ الرجل في عمل ويشترط عليه أعمالا ليس له فيها عمل أن يعملها له بذلك الجزؤ (؟؟؟) الذي يعطيه من البر والذرة. قال: فلا يجوز ذلك عليه وهو ثابت بالشرط إن شاء الله.
ومن غيره: قال أبو علي حفظه الله: وذلك إذا شرط عليه أن يعمل هذه المواضع بجزء ومن ثمرة موضع منها معروف ثبت عليه ذلك. وأما إذا أشرط عليه عمل موضع معروف بجزء منه معروف على أن يعمل له غيره ولا عمل له فيه لم يثبت ذلك عليه وإن كان له عناء فيما عمل والله أعلم.
ومن غيره: وقال موسى يحفظ أنه من أعطى امرأته شيئا أو من يجوز له العطية بغير إحراز أنه لا يكون له العطية إلا أن يقول قد قبلت ورأيته يستحسن ... /368/ (4/342)
صفحة 1837
القبض والسكن وإن لم يكن قال: قد قبلت. وقالت في الرجل يريد الدخول بامرأته فتمتنع الدخول إلا أن يعطيها شيئا أو ينحلها أو يشهد لها بذلك فلم ير تلك عطية لحال المنع وحفظ ذلك فيما أحب. قال: وهو رأي المسلمين. وسئل عن امرأة تركت لزوجها صداقا الذي عليه لها بغير مطلب منه ثم عادت إليه وقالت قد رجعت في حقي هل تكون لها رجعة فيما تركته له. قال: قد قيل ليس لها رجعة إذا لم يطلبه إليها أو لم يكن موضع تقية منها.
ومن غيره: والذي يطلب إلى امرأته شيئا من مالها وتعطيه على وجه ما يجري بين الناس من غير جبر ولا تقية. فأرجوا أن يطيب له الانتفاع وكذلك عندي مطلبه إليها أن تعمل له وتنفعه على وجه ما يجري بين الناس إذا كان ذلك بغير جبر ولا تقية ظاهرة جاز ذلك عندي. وإذا جرى شيء من ذلك على وجهه ثم حرمت عليه بعد ذلك وقد مضى ذلك فأرجوا أنه لا تبعة عليه لها.
ومن غيره: وأبي عبد الله وسأله رجل وأنا عنده عن امرأة مرضت وأشهدت لزوجها بقطعة من مالها وقالت بقيامه على في (؟؟؟) مرض وهو يعلم أن مرضها إنما كان شهرا أو شهرين والقطعة يبلغ ثمنها خمسمائة درهم أو أكثر لا يكون قيامه عليها كنه (؟؟؟) ما أعطته. قال: هو جائز له وذلك لا يعلم قدره لأنه قد ولي (؟؟؟) منهما في مرضها أشياء _ فلعله أن يكون قد نبهها لصلاة واحدة فتكون تلك الصلاة وحدها أفضل مما أعطته. ثم روى عن أبي علي _رحمه الله_ أنه كان يرى ذلك. قال أبو سعيد: وقد قيل فيه أن للورثة إتمام ذلك أو يفدوه بقيمته إلا أن تقول وليست له بوفاء. وقيل أن ليس لها خيار فيما أوصى به له في القيام لأن القيام لا يبلغ فضله مثل الحق. وقد قيل ليس له هو أن يأخذ إلا بقدر قيامه نسخة القيام ويحتاط على نفسه. وقيل أن له أن يأخذ بقدر قيامه نسخة بالقيام ويحتاط على نفسه. وقيل إن له أن يأخذ ما أوصي له به حتى يعلم أنه الجاء (؟؟؟) بغير حق أو سبيل باطل. ... /369/ (4/343)
صفحة 1838
رجع: وعن رجل أعطى رجلا في مال ولده وأولاده صغار فلما أدرك الولد طلب له ماله فله ماله وليس لوالده عطية. وعن رجل أعطى رجلا قطعة له مأكلتها عشر سنين ثم هلك قبل انقضاء العشر فأراد الورثة أن لا يمضوا ذلك.
قال: أرى لهم ذلك أنه هو لو رجع في حياته لرأيت له ذلك إلا أن يكون قال: يأكلها في حياته وبعد موته.
ومن غيره: وسأله الحواري بن محمد وأنا عنده عن رجل نحل ابنه نحلا ثم أشهد أني قد نزعته منه والولد يأكل النحل حتى مات أبوه. قال هاشم قد قضى بهذا وأنا شاهد معه عبد الوهاب بن جيفر للغلام وأتمه له.
وقال أبو سعيد: حسن ما قال: وقد قال أنه ما أعطى الوالد لولده بغير حق ثابت وإنما هو عطية أو نحل. فقد قيل أن له الرجعة فيه فإذا رجع. فقد قيل ليس عليه قبض ولا إحراز ورجعته فيه تخرجه من يد الولد. وسأله حواري عن رجل قضى بينه مالا بصداق أمهم ثم أشهد بعد ذلك أني قد نزعته لأن صداق أمهم أقل من ذلك ولي ولد غيرهم وأنا أريد أن أعدل فباع من المال أو قضى ما باع منه أو قضى بدين فإنه يذهب وما بقى فهو لهم ولا يضرهم رجعته.
ومن غيره: قال: الذي عرفنا في الحامل اختلافا، فقال من قال: من حين ما تحمل لا يجوز منها ذلك. وقال من قال: إذا خلى لها ستة أشهر، وحجة صاحب هذه الأقوال قول الله تعالى: {فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} فقال من قال: من يوم يدخل شهرها. وقال من قال: إذا جاء الميلاد والله أعلم. /370/ (4/344)
صفحة 1839
ومن غيره: وصل كتابك تذكر في رجل طلب إلى زوجته إن لها حقا فودعته هل يجوز له ذلك. وهل يجوز له أن يسألها أن يدع لها حقها، فعلى ما وصفت فقد جاء الأثر أن الرجل سلطان على زوجته وأنه يقال. إن طلب الرجل إلى زوجته حقها هد منه لها قر غير (؟؟؟) أنه يختلف الناس في ذلك. فإذا كان ذلك على وجه ما يرجو أن يطيب له بذلك نفسا_ نسخة نفسها_ على ما قال الله تعالى {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} كذلك هذا إنما يراعى الأمر بما يرجوا منها في ذلك فإذا لم يخف إن تركها له إذا طلب ذلك إليها تقية ولا خفية ولا حياء يضربها فذلك جائز له ما لم يرجع عليه في ذلك، فأحرى إن كان قد فعل ذلك وإن لم يكن فعل ذلك وكان قادرا على أداء حقها فأحب أن يؤدي إليها حقها ولا يطلب إليها حقها فإن لم يكن قادرا وهو معه أنه إذا ذكرها في حقها طابت له نفسا بذلك بغير تقية ولا خفية من أمره مما يدخل عليها فيه الضرر والمشقة فطلب إليها على هذا السبيل رجوت أن هذا لا يأثم إن شاء الله. وإن رجعت هي أيضا وقد تركته له كان لها في الحكم فافهم. والجاهل في هذا أعذر وإن لم يكن معذورا إلا أن يكون يوافق في جهله ما لا يأثم فيه من قول أو فعل وكل من ارتكب ما لا يسعه. فغير معذور جهله أو علمه. إلا أن العالم أعظم جرما.
وسألت أبا سعيد_ رحمه الله_ عن رجل عليه لرجل أجرى حب بر من غير أجرة ولا سلف ولا بيع نسيئة إلى أجل ولا من ربا هل يجوز له أن يأخذ به حب ذرة على ما اتفقا من الذرة بما عليه من البر. فنعم يجوز له ذلك وإن هو كان صال إليه. هذا الحب من غير هذه الأربعة الوجوه وكان مما أخذه على وجه الحرام مثل الغصب والربا أو أشباه ذلك مثل الحاكم إذا حكم بغير الحق أو شهد شاهد بزور فأتلف مالا على هذا. فقال من قال: يجوز له في هذا أن يأخذ ما اتفقا عليه. وقال من قال: لا يجوز له أن يأخذ إلا رأس ماله لأن هذا من طريق الحرام فحكمه أحكام الحرام والتوبة والتسليم والقول الأول أحب إلينا. أنه يجوز أن يأخذ بما كان من هذا الوجه ما اتفقا عليه. وأما ما كان من الحرام مما يدخل فيه الرشا والسحت فلا يجوز فيه الحل ولا يجوز إلا أخذ رأس ماله. وذلك مثل أجر (؟؟؟) الزانية والنائحة /371/ (4/345)
صفحة 1840
والمعلم المشترط على تعليم القرآن وآكل الرشا على الأحكام والمستعجل على عمل شهادة الزور وأشباه هذا. فهذا لا يجوز فيه الحل ولا يأخذ به شيئا غيره.
وعن رجل كان له على رجل حب لعله أراد حق _ فعرض عليه أن يأخذ بحقه شيئا من ماله فأبى ثم خاف هذا أن يخرج صاحب الحق ويبقى عليه. فقال له: أخاف أن تخرج. فقال: إن خرجت مكانا فأنت في الحل أو أنت مما عليك لي في حل فخرج من بعد ما قاله فلم يعلم (يعرف) أين ذهب هل يكون قد برأ من حقه. فقد قيل في ذلك باختلاف وأحب أن يجزئ بالبراءة ما لم يتحاكموا. وأما في الحكم فلا أحب أن يثبت هذا. وما يوجد في الأثر اختلاف في مقاصصة المريض كان له وارث ولم يكن له وارث. فقال من قال: تجوز مقاصصته بما عليه من مال وجعله بمنزلة بيع المريض لماله في قضاء دينه، والذي يقول بإجازة ذلك، فإذا قال المريض لمن عليه دين أو حق قد قاصصتك بالحق الذي علي عن الحق الذي عليك لي. إذا لم يعلم الحق كم هو واحتاط على نفسه بما يجوز له فيه الإحتياط من غير حيف على الوارث وإن عرف الحق سماه به. وكذلك إذا كان عليه حق لغيره وأراد أن يقضيه مالا في ماله فالقول فيه واحد بما كان من عروض أو أصل. وإن كان الحق لغير المريض وأراد أن يطلب من المريض الحل كيف يكون ذلك. فقد قال من قال: إذا قال المريض لمن طلب إليه الحل من الناس قد جعلتك في الحل من جميع ما عليك لي من حق وهو كذا أو كذا وقد جعلته لك وصية من مالي أو في مالي، أو في ثلث مالي، أو من ثلث مالي فأرجوا أنه إن قال هذه المقالة. أو قال للمريض الذي يطلب إليه الحل. فقال المريض: نعم. فقد برأ إن شاء الله في بعض قول المسلمين. /372/ (4/346)
صفحة 1841
ومن غيره: وحفظ ابو القاسم بن الصقر الهلاني في غير الوارث اختلافا وأما الوارث فليس له ذلك لأنه وارث، وقد يروى عن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: لا وصية لوارث قد أتى الله كل ذي حق حقه والله أعلم. وأنظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب. وعن رجل عليه لي مائة درهم فطلبتها منه فقال لي خذ هذه النخلة التي لي بمائة درهم وإلا لم أعطك شيئا والنخلة تسوى خمسين درهما وليس لي عليه بينة فأخذت النخلة على ما قاله فهل يبقى عليه لي شيء. فعلى ما وصفت فليس لك عليه فضلة في المائة درهم وليس لك إلا النخلة لأنك بالخيار إن شئت أخذت النخلة بما لك. وإن شئت تركتها وليس هذا بمنزلة من لك عليه دراهم. وقال لك إن أخذت مني دونها وإلا لم أعطك شيئا فأخذت منه دون حقك من الدراهم فذلك لا يبرئ ولهذا ما بقى عليه إذا لم يأخذ إلا من لقى إذا لم تطب له نفسه بترك ما بقى والله أعلم.
وسوف يتبع هذا الجزء _ إن شاء الله_ الجزء الخامس أوله: ((في قياس النخل وعمل الأرض)). والله الموفق. /373/ (4/347)
صفحة 1842
الكشافات
1 - الآيات.
2 - الأحاديث.
3 - المدن والبلدان.
4 - الأسماء والأعلام.
5 - الموضوعات. (4/348)
صفحة 1843
كشاف الآيات
الآية ... الصفحة
(حرف الألف)
{إنما يخشى الله من عباده العلماء} ... 5
{وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ... } 19
{إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} 38
{أكالون للسحت} 261، 266
{إن كثيرا من الأحبار والرهبان} 267
{إن الله لا يظلم مثقال ذرة} 198
(حرف الفاء)
{فلما أثقلت دعوا الله} 320
{فإن طبن لكم عن شيء منه ... } 371
(حرف القاف)
{قل هو الله أحد} 255
(حرف اللام)
{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} 78
{لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} 18
(حرف الميم)
{ممن ترضون من الشهداء} 106
(حرف الواو)
{وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} 18
{ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ... } 43
{ومن يرد الله فتنته فلن تملك} 263
(حرف اللام)
{لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} 19
(حرف الياء)
{يا داود إنا جعلناك خليفة} 18 (4/349)
صفحة 1844
(أ) (4/350)
صفحة 1845
كشاف الأحاديث
الحديث ... الصفحة
(حرف الألف)
«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في أصحابه فقال 10
«ألا أنبئك بأكبر الكبائر الإشراك 27
«أنت ومالك لأبيك 35
«أن رجلين ادعيا بعيرا 78
«أن تأخذ من ماله ما يكفيها 182
«أما بعد فإني أستعمل رجلاً 256
«إن الأمير التاجر ملعون 266
«الإسلام يعلوا ولا يعلى عليه 308
«أن الله قد أتى كل ذي حق حقه فلا وصية 356
«أن الأمير التاجر .. 260
(حرف التاء)
«تعلموا العلم فإن ... 5
«تهادوا تحابوا 254
(حرف الراء)
«الراجع في هبته 360
(حرف السين)
«السلطان ولي من لا ولي له 279
(حرف العين)
«عارية مؤداة 232
(حرف الميم)
«من أراد الله به خيرا يفقهه في الدين 5
«ما من ولي يلي على عشرة 11
(ب) (4/351)
صفحة 1846
كشاف الأحاديث
الحديث ... الصفحة
«من نحى الأذى عن طريق المسلمين ... 198
«من جعل قاضيا ... 89
«من نحى الأذى عن طريق المسلمين 204
«من استودع رجلا وديعة 258
(حرف الهاء)
«هذا لكم وهذا أهدي إلي
(حرف اللام)
«لا يحكم حاكم بين الناس 13
«لا تجوز شهادة الخصم ولا دافع مغرم 23
«لا تجوز شهادة الشريك والخصم 84
«لا أحكم بما يوحي وإنما أحكم 137
«لا يستعمل الأجير يقطع له أجره 230
«لا تأتي يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء 263
«لا وصية لوارث 373
(حرف الياء)
«يا رسول الله أمرني 10
(ج) (4/352)
صفحة 1847
كشاف البلدان والمدن
البلد ... الصفحة
(حرف الألف)
أزكي 138، 160، 313، 321
أدم 27
(حرف الباء)
البصرة ... 184
بهلاء 265، 266
(حرف التاء)
توام 214، 215، 217
(حرف الجيم)
الجوف 214، 215
(حرف الخاء)
خراسان 214
(حرف الدال)
دما 126
(حرف الراء)
الرستاق 260، 292
(حرف السين)
سمائل 123
سعال 221، 292، 302
السر 214، 215، 217، 218، 296،
313، 323
سلوت 228
سمد 296، 321
(حرف الشين)
الشام 214
(د) (4/353)
صفحة 1848
كشافة البلدان والمدن
البلد ... الصفحة
(حرف الصاد)
صحار ... 218
صنعاء ... 220، 257
(حرف العين)
العراق ... 214
عُمان ... 214
(حرف الغين)
الغنتق ... 215
الغابة ... 292
(حرف الفاء)
فرق ... 227
فيقا ... 242، 302
(حرف القاف)
القريات ... 296
(حرف النون)
نزوى ... 213، 214، 215، 217، 218،
228، 266، 292، 296
(حرف الميم)
مكة ... 186، 225، 262
المغرب ... 154، 262
(حرف الياء)
اليمن ... 263
(ه) (4/354)
صفحة 1849
كشاف الأسماء والأعلام
الإسم ... الصفحة
(حرف الألف)
ابن جعفر: 5، 136، 263، 294
أنس بن مالك: 5
ابن اللتيبة: 256
ابن المبشر: 347
أبو بكر بن أبي قحافة: 49
أبو الحسن: 5، 48، 90، 141، 174، 190، 212، 267، 282، 284، 331
أبو الحواري: 21، 30، 40، 56، 68، 69، 72، 80، 84، 86، 97، 108، 11، 121،125،126، 135، 139، 145، 184،
150، 153، 167، 180، 181، 190، 192، 195، 197، 209، 217، 219، 220، 248، 255، 275، 276، 277، 279، 288، 291، 292، 294، 303، 304، 308، 313، 314، 318، 340، 348، 350، 351، 356، 361، 366، 364، 365.
أبو جابر بن محمد بن علي: 361
أبو جابر: 49، 72، 91، 136، 138، 181، 167، 206، 236، 239، 253، 255، 263، 278، 299، 325، 357.
أبو حميد الساعدي: 256
أبو الدرداء: 13، 78
أبو ذر: 10
أبو سعيد: 43، 52، 61، 72، 78، 92، 94، 96، 97، 109، 122، 126، 127، 128، 138، 142، 148، 166، 181، 189، 197، 200، 202، 203، 209، 220، 228، 230، 235، 244، 245، 250، 253، 258، 274، 328، 330، 333، 352، 360، 361، 362، 363، 369، 370، 371.
أبو سليمان: 65
أبو صفرة: 236، 255، 252
أبو بكر بن احمد بن عمر المفضلي: 182
أبو زياد: 245، 256، 345، 362
الأزد: 255
أبو علي: 104، 107، 129، 162، 253، 275، 292، 306، 313، 318، 319، 320، 321، 323، 324، 342، 347، 348، 349، 354، 357، 363، 369، 370. (4/355)
صفحة 1850
أبو عثمان: 161، 298، 359 ... (و)
كشافة الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
أبو علي الحسن بن أحمد بن عثمان: 223
أبو علي الحسن بن أحمد: 36، 38، 58، 59، 76، 107، 123، 174، 181، 222، 239، 245، 271، 291، 309، 332، 334، 349.
أبو عبد الله عثمان بن أبي الأصم: 6
أبو عبيدة: 5، 34، 252، 258
أبو عبد الله: 57، 90، 1225، 123، 128، 155، 158، 162، 176، 177، 178، 186، 188، 211، 236، 243، 263، 286، 296، 299، 303، 306، 309، 337، 341، 352، 357، 361، 367
أبو عبد الله محمد بن احمد السعالي:59
أبو القاسم بن صقر الهلاني: 373
أبو محمد بن عبد الله بن أبي المؤثر: 43، 139،، 230، 300
أبو المؤثر: 14، 29، 34، 40، 42، 46، 68، 69، 77، 79، 80، 81، 84، 86، 88، 89، 90، 107، 108، 111، 112، 114، 116، 118، 120، 121، 128، 130، 131، 132، 135، 143، 144، 148، 149، 150، 151، 152، 159، 160، 161، 162، 168، 171، 174، 175، 176، 177، 179، 180، 181، 188، 189، 190، 206، 207، 210، 211، 212، 215، 216، 217، 218، 219، 220، 221، 223، 229، 236، 240، 264، 271، 273، 275، 278، 314، 321، 359، 367
أبو الوليد: 331، 368
أبو معاوية: 165، 209، 218، 284
أبو مروان:103، 155، 294، 324، 348
أبو يحي:331
(حرف الباء)
بشير: 50، 242
بشير بن محمد بن محبوب: 41، 59. (4/356)
صفحة 1851
بني قريظة: 121
بني سليم: 155
(ز)
كشافة الأسماء والأعلام
الإسم ... الصفحة
(حرف الجيم)
جابر بن زيد: 5، 13، 34، 182، 198، 267.
(حرف الحاء)
حذيفة: 18
حبان بن الأعرج: 267
الحواري بن محمد: 370
(حرف الخاء)
خشعم: 265، 266
(حرف الدال)
داود النبي _صلى الله عليه وسلم_: 14، 19
(حرف الراء)
الربيع: 34، 242، 252، 279
(حرف الزين)
الزهري: 199
(حرف السين)
سليمان بن الحكم: 46، 211، 325
سعد بن معاذ: 121
سليمان بن عثمان: 123، 161
سعيدة بنت محمد: 174
سعد هذيم: 264
سعد بن عبادة: 257
سفيان: 267
سليمان: 267
سعيد بن محرز: 296، 345 (4/357)
صفحة 1852
سعيد بن مبشر: 327، 355
(حرف الشين)
شريح: 15، 18، 157
(ح)
كشاف الأسماء والأعلام
الإسم الصفحة
(حرف الصاد)
صقر بن محمد بن زيد: 122، 128
صفوان بن امية: 232.
الصلت بن مالك: 26، 265،
حرف الطاء)
طلحة بنت عبد الله: 151، 152
حرف العين
عبد الوهاب بن جيفر: 345، 370
عمر بن الخطاب: 12، 18، 49، 103، 150، 151، 242، 255، 259، 267
علي بن ابي طالب: 49، 165
عزان بن تميم: 122، 126
عفان: 135
عيسى عليه ال135، 136 سلام:
عزان بن الصقر:183، 193، 194، 199، 219
عمر بن القاسم: 192، 298، 323
عبد الله بن محمد بن بركة: 222
عبد الله بن حازم الهلاني:243
عقبة بن عبد الله: 267
عثمان بن عامر: 151
عروة: 256
حرف الغين
غسان: 123، 128، 260، 347
حرف الفاء
الفضل بن الحواري: 111، 144، 168، 260
حرف الميم (4/358)
صفحة 1853
محمد _صلى الله عليه وسلم _: 5، 9، 11، 13، 14، 19، 27، 30، 78، 84، 103، 121، 136، 137، 146، 182، 232، 256، 263، 223، 308، 327، 373
محمد بن الحواري: 17
(ط)
كشاف الأسماء والأعلام
الإسم ... الصفحة
محمد بن محبوب: 157، 160، 164، 195، 196، 217، 227، 253، 260، 261، 268، 270، 223، 347، 350، 351، 352، 370
محمد بن محبوب: 43، 47، 68، 84، 86، 89، 98، 105، 107، 110، 135، 142، 143، 146، 217، 276، 294، 296، 317، 320، 329
محمد بن يعقوب: 5
موسى بن أبي جابر: 9، 50، 77، 312، 355
أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الوليد السمدي: 59
أبو عبد الله محمد بن احمد السعالي: 207
محمد بن سعيد: 65، 96
موسى: 96، 273، 378، 242
مسبح: 99، 245
مسبح بن عبد الله: 304، 368
محمد بن مسبح: 100، 101، 103، 112، 126، 135، 143، 146، 173
أبو عبد الله محمد بن روح: 121، 136، 225
موسى النبي عليه السلام: 135، 136، 198
محمد بن سيرين: 15
محمد بن الحسن: 244، 257، 274
محمد بن خالد: 139، 166، 331
أبو عبد الله محمد بن محمد: 255
موسى بن علي: 21، 67، 72، 88، 92، 97، 98، 103، 114، 135، 174، 194، 288، 291، 296، 298، 308، 312، 317، 321، 324
موسى بن محمد بن إبراهيم: 257
محمد بن أبي بشير: 258
مروان بن زياد: 259
محمد بن هاشم: 321
مالك: 199
معاذ بن جبل: 198، 257
المختار: 266 (4/359)
صفحة 1854
معمر: 199
(ي)
كشافة الأسماء والأعلام
الإسم الصفحة
مسعدة بن تميم: 277، 358
منازل: 242
(حرف النون)
نزار: 227
نجدة بن الفضل النخلي: 227، 232
نبهان بن عثمان: 17، 84، 97، 110، 125، 126، 135، 148، 150، 192، 195، 209، 255، 270، 276، 287، 289، 348، 350
(حرف الهاء)
هاشم بن الجلنيدي: 122
هاشم بن غيلان: 178، 259، 260، 345، 358، 368، 370
هند بنت الوليد بن عقبة: 182
(حرف الواو)
وضاع بن عقبة: 161، 259، 260
(حرف الياء)
يزيد بن أبي مسلم: 267 (4/360)
صفحة 1855
(ك) (4/361)
صفحة 1856
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
1 - المقدمة: ............................................................................ 5
الباب الأول في الأحكام: ................................................................ ... 9
التحذير من الولاية: ................................................................ ... 10
آداب القاضي: ..................................................................... ... 13
اهمية البينة: ... ......................................................................... ... 14
الباب الثاني في الشهادات والقسم: ............................................................ 20
أنواع الشهادات: ............................................................................. 20
1 – شهادة المرأة ....................................................................... ... 20
2 – شهادة كل ملت على ملتها .......................................................... 22
3 – شهادة الخصم ..................................................................... ... 23
4 – الشهادة في الحدود .................................................................. 25
5 – شهادة الزور ...................................................................... ... 27
6 –شهادة العبد والصبي .................................................................. 29
7 – شهادة الضرير ........................................................................ 30
8 – شهادة الأقلف ....................................................................... 31
9 – الشهادة على السماع ................................................................. ... 32
10– شهادة الأصول للفروع والعكس ....................................................... ... 34
11 - شهادة الوكلاء ..................................................................... ... 36
12 – شهادة التائب من المعصية ......................................................... ... 38
13 – الرجوع عن الشهادة ............................................................... ... 40
14 – كتب الحاكم ...................................................................... ... 46
15 – الشهادة على النكاح .............................................................. ... 48
16 – التعريف بالشاهد ....................................................... ... 51 (4/362)
صفحة 1857
(ل)
كشاف الموضوع
الجزئية ... الصفحة
جواب الأزهر بن محمد ....................................................................... 52
17 – كتاب محمد بن محبوب للإمام الصلت بن مالك ........................................ ... 54
18 – مسائل في الشهادة .................................................................. ... 56
19 – جواب من أبي سليمان في الشهادة .................................................... ... 65
الباب الثالث في الأموات والشهادة والقسم: ................................................. ... 67
الشهادة على الميت بحقوق ................................................................... ... 67
القضاء على الغائب ......................................................................... ... 70
سماع الدعوى من الغائب ....................................................... ............. ... 72
الباب الرابع ما لا يكون لصاحبه حجة ولا دعوى ............................................... ... 76
ميراث من جهلت وفاته ...................................................................... ... 76
تصرفاته المريض .............................................................................. ... 89
جواب محمد بن سعيد بشان قسمة ............................................................ ... 96
الباب الخامس في التعديل: ................................................................... ... 100
تعديل العبد ................................................................................. ... 102
تقادم الشهادة ............................................................................... ... 103
التزكية ...................................................................................... ... 106
الباب السادس في الأيمان: ................................................................... ... 108
حكم يمين الأعمى ........................................................................... ... 109
يمين وصي اليتيم ............................................................................. ... 111
صيغة اليمين ................................................................................. ... 113
الباب السابع في النصب: ..................................................................... ... 114
المنازعة في الفروج ............................................................................. ... 115
اليمين على الوصية ............................................................................ ... 119 (4/363)
صفحة 1858
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
اليمين على مسائل متعددة ................................................................ 120
فصل المنازعات عند اختلاف المتبايعين ..................................................... ... 128
أيمان غير المسلم ............................................................................ ... 135
الباب الثامن في القضية والكفالة: .............................................................. ... 142
معاملة الحاكم للخصوم في مجلسه .............................................................. ... 142
تلقين الخصم (الفتح على المذعور) ............................................................. ... 143
كتاب القاضي للقاض ....................................................................... ... 145
علم القاضي وأثره على الحكم ................................................................. ... 148
نقض حكم القاضي .......................................................................... ... 150
الإدعاء على الميت ............................................................................ ... 156
حكم من أفلس ............................................................................... ... 158
مدى الكفالة في الدماء ........................................................................ ... 162
مسألة في المفلس .............................................................................. ... 162
مسألة في الحوالة .............................................................................. ... 163
مسألة في زواج المزني بها من الزاني ............................................................. ... 165
جواب من أبي الحواري في الكفالة ............................................................. ... 167
مسألة في الكفالة ............................................................................ ... 169
مسألة في الصلح ............................................................................ ... 170
الباب التاسع في مؤنة المرأة على زوجها: ....................................................... ... 171
كتاب موسى بن علي لسعيدة بنت محمد ...................................................... ... 174
نفقة الزوجة ................................................................................ ... 175
أصناف من النساء لا تجب لهن النفقة ......................................................... ... 179
نفقة الحامل ................................................................................. ... 183 (4/364)
صفحة 1859
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
نفقة من لم يدخل بها ............................................................................. ... 187
الباب العاشر في أحكام المضار ونحوها: ............................................................ ... 188
بعض آداب الجوار ................................................................................ ... 189
الباب الحادي عشر في الطرق وحفر الأفلاج: ....................................................... ... 193
هندسة الطرق .................................................................................... ... 194
إماطة الأذى عن الطريق ........................................................................... ... 197
مسألة في السواقي ................................................................................. ... 200
الباب الثاني عشر فيمن يلزم الضمان من العمال والحمال: ............................................ ... 206
مسائل في الكراء .................................................................................. ... 207
الباب الثالث عشر في اجرة البقرة: ................................................................... ... 229
الباب الرابع عشر في الوديعة والعارية: ................................................................ ... 232
ضمان المستعير .................................................................................... ... 235
جواب محمد بن الحسن ............................................................................. ... 237
الباب الخامس عشر في اللقطة والأمانة: .............................................................. ... 239
اللقطة (حكم أخذها) ............................................................................. ... 239
مدة تعريف اللقطة ................................................................................. ... 240
الأمانة ............................................................................................ ... 247
جواب إلى أبي الحواري في اللقطة .................................................................... ... 248
جواب من محمد بن حسن في اللقطة ................................................................ ... 251
الحسن في رجل عليه لرجل حق ..................................................................... ... 252
الباب السادس عشر الهدية: ......................................................................... ... 254
الهدية إلى الحاكم .................................................................................. ... 255
أمثلة على نزاهة الولاة .............................................................................. ... 256_257 (4/365)
صفحة 1860
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
من كتاب الفضل في عمل الحكام ................................................................... 260
من جواب أبي عبد الله محمد إلى أهل المغرب ......................................................... ... 261
جواب آخر ....................................................................................... ... 262
من جواب أبي المؤثر الصلت بن خميس ............................................................... ... 264
كتاب مرفوع إلى الفضل بن الحواري .................................................................. ... 266
الباب السابع عشر في اليتيم وما يعطى من ماله: ....................................................... ... 268
درجات الحضانة .................................................................................... ... 270
صيغة كتاب الحاكم للحضانة ......................................................................... ... 273
تصرفات وصي اليتيم في مال اليتيم .................................................................... ... 273
مسائل في إعانة اليتيم ................................................................................ ... 275
ترشيد اليتيم وبلوغه ................................................................................... ... 276
نفقة البنات .......................................................................................... ... 277
وكيل المعتوه ........................................................................................... ... 279
أخذ الأجرة للقيام على اليتيم ........................................................................... ... 280
حكم الخطأ في إصلاح اليتيم واليتيمة .................................................................... ... 283
الباب الثامن عشر في صدقات النساء: ................................................................... ... 288
جواب أبي جعفر بن سعيد بن محرز ...................................................................... ... 296
الباب التاسع عشر في قضاء الصداق: ................................................................... ... 299
الباب العشرون في الشفعة: ............................................................................. ... 301
الشفعة في الحيوان ..................................................................................... ... 301
الشفعة في الثمار ...................................................................................... ... 303
حكم ميراث الشفعة ................................................................................... ... 305
حكم الشفعة بين الزوجين .............................................................................. ... 306 (4/366)
صفحة 1861
كشاف الموضوعات
الجزئية الصفحة
حكم الشفعة للغائب واليتيم .............................................................................. ... 307
حكم الشفعة للمسلم من الذمي والذمي من المسلم ............................................... ... 308
متى تستحق الشفعة ............................................................................ ... 310
متى تنتهي الشفعة (وقت الشفعة) ............................................................... ... 312
الأشياء المختلف عليها في الشفعة ............................................................... ... 313
مسائل في الشفعة ............................................................................. ... 322
الباب الحادي والعشرون في الوكالة وغيرها: ....................................................... ... 337
الباب الثاني والعشرون في أمر العطية واخذ الوالد مال ولده: ........................................ ... 343
هبة الوالد لولده ................................................................................ ... 350
إضافات للعطية ................................................................................ ... 351
العمري ........................................................................................ ... 351
رجوع الوالد في هبته لولده ....................................................................... ... 253
إقرارات المريض وتصرفاته ......................................................................... ... 355
رجوع الواهب في هبته ........................................................................... ... 357
عطية المرأة لزوجها ............................................................................... ... 362
مسائل في العطية ................................................................................ ... 366
الكشافات ...................................................................................... ... 374 (4/367)
صفحة 1862
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الجامع
لابن جعفر
العلامة الشيخ أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوى
الجزء الخامس
1414ه _ 1994م (5/1)
صفحة 1863
الباب الأول
في قياس النخل و عمل الأرض
وأما العامل إذا أخرجه صاحب الأرض و طلب حصته, من نظار الثمرة التي كان يعملها, فلا شيء له في النّظار ولكن له حصته في الجذور فإن كانت قد نظرت فله قيمتها.
من قال: فيمن استعمل رجلا يعمل له مالا بجزؤ منه معروف أنّ هذا مجهول و العامل عناؤه متى ما أخرجه صاحب العمل أو رجع العامل, و أكثر القول عندنا, و المعمول به أنه إذا دخل في عمل مال معروف بجزؤ من ثمرته معروف أن ذلك جائز و ليس لأحدهما أن يرجع على صاحبه حتى تنقضي تلك الثمرة, ولا يخرجه إلا في وقت الأخراج قبل أن يدخل في عمل السنة الثانية.
ومنه قال: وقد قيل أن له أن يخرجه و للعامل أن يخرج ما لم يحضر فإذا احضر لم يكن لأحدهما ذلك حتى تنقضي الثمرة.
وقال من قال: ليس له أن يخرجه اذا دخل في العمل و لا للعامل ذلك عوضا لم يدخل في العمل كان لهما ذلك.
وقال من قال: إذا قال: قاطعه بجزؤ معروف في مال معروف, فقد ثبت عليهما جميعا دخل في العمل أو لم يدخل.
«متى يجوز إخراج العامل من العمل» وليس لصاحب المال أن يخرج العامل إلى تمام الثمرة و كذلك ليس للعامل أن يخرج إلا أن يتهم رب المال العامل في ماله, فله أخراجه ما لم يحضر فإذا حضر فليس له اخراجه أتهمه أو لم يتهمه حتى يؤدي تلك الثمرة. /5/ (5/3)
صفحة 1864
ورجل (1) يعمل لرجل زراعه و قطع شوطا و حضر على زراعته لما انقضت الزراعة, أخذ صاحب الأرض عمله منه, أله أن يأخذ الشوك الذي قطعه وحضريه أم ليس له ذلك؟ فإن كان الشوك من ارض صاحب الزراعة فهو له و للعامل عناؤه (2) , وإن كان من غير ارض فهو لمن قطعه, إلا أن يكون صاحب المال استعانه (4)./6/
(1) قال أبو سعيد في الجامع المفيد 3/ 205: قياس النخل: هي المسافات بين النخلة و النخلة المجاورة و ما يعرف عند العلماء بحريم الجوار. سواء كان بعد البيت عن جاره, أو حريم الطريق ...
(2) عمل الأرض: أو عمال الأرض على النسخ الأخرى: المحافظة على النخل والعناية به من حرث و تسميد و سقي وجني الثمر وما إلى ذلك من أعمال و هذه الأعمال تطلق عند العلماء بعقد المساقاه.
نقل عن الرصاع في شرح الحدود عن الجوهري: أن المساقاة: استعمال رجل رجلا. في نخل أو كرم يقوم بإصلاحها ليكون سهم معلوم من غلتها.
وقال في القياس: لعله إن زاد على ستة عشر ذراعا فيما بينها و بين ما يقايسها كان لها ثلاثة أذرع. وقال من قال: يكون لها ثمانية أذرع.
وقال القاضي عياض: رحمه الله- إنها مشتقة من السقي للثمرة لأنه معظم عملها و أصل منفعتها.
وقيل لأن أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي لأنهم يستقون من الآبار فسميت بذلك.
وفي الاصطلاح: دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره.
وهي عقد بين العامل ورب الشجر والأجر هو جزء من الخارج من شرائط صحة مثل المزارعة. انظر الى شرح ميارة الفاسي عن تحفة الحكام 2/ 108, المغني 5/ 391, بدائع الصنائع 6/ 185. وتقريبا جميع المذاهب الفقهية متفقة في التعريف وسوف نوضح أكثر عند المساقاة. بدائع الصنائع 6/ 185, حاشية الشرقاوي 7/ 384.
(3) هل يجوز اعطاء القيمة بدل الناتج أم لا يجوز:
هذا حسب الاتفاق فالاتفاق إذا كان من الأساس إعطاءه القيمة المالية فهذه إجاره و ليس عمل بالثمر لأن عقد المساقاة يفسد إذا اشترط صاحب الأرض كل الثمر لأنه عقد إجاره. وأما إذا نفد قبل أن يأخذ فعندها حالة ثانية حتى لا يضيع حقه لا مانع أن يأخذ القيمة.
(4) الاستعانة: طلب العون و المساعدة دون أجر معين وذلك من صفات الكرم و الرجولة, فلا مانع من ذلك و الله أعلم. (5/4)
صفحة 1865
و أما القت (1) و الموز ومثل هذا الذي لا ينقطع فقيل في عامل القت لا يخرج حتى تخلوا سنة.
وقال أبو عبد الله عن أبي علي _ رحمهم الله في عامل الاتبرح و الرّمان الفاسل لهما إذا انتزعه صاحب الأصل رجع إلى عنائه (2).
وقال أبو عبد الله _ رحمه الله في عامل الموز و الرمان و القت بنصيب معروف أن ليس لصاحبه أن ينتزع العامل من هذه الاشجار إذا شارطه على سهم معروف حتى يأكل نصيبه منها سنة بعد ادراكها. وأما إذا استعمله بلا سهم معروف فله عناؤه إذا أخرجه صاحب الأصل.
و قال: ينبغي للمبتلي بأمور الناس من حاكم أو فقيه إذا ورد عليه شيء من ذلك, أن ينظر المصلحة للناس ولا يحمل على أحد منهم مضرة لأنه قد ربما تجيء حال قد يدخل على العامل الضرر وحال يدخل على صاحب المال الضرر, ولا يطلق الاختلاف بذلك, ونزوله لصرف الضرر عن الناس وعن رجل أعطى رجلا مالا له يعمله له, و كان يستقي من عند العمال وغيرهم, وقد يكون في المال شركاء, غير أن صاحب المال لا يأمره بذلك. /7/
(1) القت: الفصفصة إذا يبست, وقال الأزهري: القت: حب بري لا ينبته الآدمي فإذا كان عام قحط وفقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه, دقوه وطبخوه واجتزؤا به على صافيه من الخشونة وفي عمان: يطلق على نبات تأكله الحيوانات فقط ويعرف في بعض البلاد باسم البرسيم.
(2) عناؤه: أي تعبه و أجرة التعب.
ولم يتقدم عليه, هل يسعه ما يفعل العامل من غير أن يأمره؟ فعلى ما وصفت فلا بأس عليه في ذلك. وذلك على العامل إذا كان ذلك بغير رأي صاحب المال. وإذا غاب العامل حيث تناله الحجة وخاف شريكه المضرة في القيام بالعمل احتج عليه إلى الحاكم أو إلى جماعة المسلمين, إن لم يكن حاكم حتى يقوموا عليه في ذلك بما يلزمه من العدل, فإن اعدم الحاكم أو الجماعة أشهد شاهدين على غيبته عن القيام بعمله, واتجر عليه اجيرا بعدل الأجرة من البلد وكان ذلك في مال العامل إذا صح ذلك عليه, وليس له في ذلك حق, لأنه اذا استعمله على كمال العمل. (5/5)
صفحة 1866
«فسخ عقد المزارعة» وقال من قال: إذا ترك ما يلزم من العمل مما لا تقوم الزراعة إلا به أو شيء منه, فله اجرته فما مضى ولا حق له في الزراعة (1).
وقال قوم: لا عمل له ولا اجرة, لأنه لم يوف بما عليه, عومل فلا شيء إلا بعد الوفاء, وهي بمنزلة الأجرة, فلا شيء له إلا بكمال العمل, من أوله إلى آخره, وذلك إذا أعلمه رب المال فذلك جائز له فيما بينه وبين الله خالقه, إلا أن تقوم عليه حجة في الحكم مع لا يرى ذلك, فيكون القول فيه بثبوت المشاركة /8/
(1) فسخ عقد المزراعة: انتهاء المزارعة إما أن يكون أمر طبيعي أو اضطراري.
ففي الأحوال العادية:
أ – انقضاء مدة الزراعة, وقد ادرك كل واحد منهما حقه فلا خلاف هنا.
ب – انتهاء مدة المزارعة و الزرع لم ينضج بعد, فهنا يتحول العقد كما في عقد الإجارة.
الأحوال الاضطرارية:
أ – موت أحد العاقدين قبل انقضاء مدة العقد. هنا ينفسخ العقد كما تنفسخ الإجارة, سواء حدث الموت قبل الزراعة أم بعدها وسواء ادرك الزرع أم لم يدرك بأن كان بقلا أي طربا.
وقال الجمهور: لا تنقضي المزارعة بموت أحد العاقدين. والراجح والله أعلم أن العقد يستمر للضرورة استحسانا لانتهاء الزرع إذا مات أحد العاقدين.
(2) فسخ العقد بالعذر:
أ – لحوق دين فادح لصاحب الأرض, فيحتاج لبيع الأرض التي تم الاتفاق على مزارعتها, ولا مال له سواها. فيجوز له فسخ العقد. ضمن شروط معينة.
ب – طروء أعذار للمزارع: مثل المرض, لأنه معجز عن العمل. والسفر لأنه يحتاج إليه, وترك حرفة إلى حرفة, طلبا للكسب الذي يوفر المعيشة والمانع الذي يمنع من العمل كالتطوع للجهاد في سبيل الله.
فإذا حصل خلاف بين المزارع ورب الأرض وعلى المزارع ينتهي الأمر بالتراضي أو يرفع إلى القاضي لوجود الضرر على رب الأرض وعلى المزارع. فالقاضي يحكم بما يتوافق مع مصلحة الجميع. والله أعلم.
بحصته وعليه القيام بعمله فإذا ضيع كان عليه الأجرة على ما يراه العدول من القيام بمصالح عمله على ما يتعارف من العمل في بلده مع أهل بلده, ممن يعرف ذلك من عدول البلد وإن أعدم الحاكم و الجماعة و الثقات الذين شهدهم, كان هذا حكما منه لنفسه على العامل وجاز له فيما بينه وبين الله أن يتجر عليه بعدل السعر إذا كان لا يقدر عليه في الحجة, أو لا يقدر على الحجة, وذلك في الحكم, وأما فيما بينه وبين الله فاذا لم يوف عمله وعلم توليه عن عمله فله أن يتجر عليه على قول من يرى الأجرة عليه ويرى له العمل ثابتا إذا كان ذلك في العمل الذي يتعارف من العمل في تلك الزراعة.
و قال من قال: إذا لم يقم العامل العمل الذي زورع عليه إلى تمامه وكماله وترك منه شيئا وعطل منه شيئا وضيع منه شيئا فليس له عمل لأنه لم يتم العمل فيستحق الأجر, فإذا ضيع وترك زال عنه عمله.
وقال من قال: يثبت عليه عمله, وعليه غرم ما ضيع من ضيعه صاحب المال.
وقال من قال: لا عمل ولا ضمان عليه إنما هذا الرأي قيل في حكم الظاهر في بعض القول. (5/6)
صفحة 1867
وأما إذا تولى هو عما يلزمه وبما عمل, علم ذلك رب المال فليس عليه أن يحتج عليه, وله أن يستأجر عليه فيما بينه وبين الله إذا علم توليته مما يلزمه, لأنه قد ترك ضيعته التي يستحق بها العمل ولا يستحق العمل إلا أنه فقد علم هو ذلك منه, وهذا كله على قول من يقول: أن العمل أجر وعلى قول من يقول أنه مشارك فهو على القول الأول. /9/
وعمن كان له عامل يعمل له ماله وشرط عليه أن يسقى له شيئا من زراعته أو من ماله, وليس له فيه عمل, هل يجوز ذلك؟ فلا يجوز له ذلك. وليس له أن يبطل عناءه إلا أن يستعمله في شيء من ماله ولا يشترط عله هذا, فإن استعان به بعد ذلك أن يعينه في شيء من ماله, ولا عمل له فيه جاز ذلك إن شاء الله, وإذا لم يكن هنالك شروط.
في العمل, وقلت ما تقول لو تقاطعا على زراعة البر والذرة فلما دخل العامل في العمل استعمل رب المال العامل في زراعة قت واشجار فلما ادركت الزراعة اعطاه ما كان قاطعه عليه من زراعته البر والذرة وأوفاه ولم يعطه من القت, ولا من الأشجار, فعلى ما وصفت فللعامل العمل في هذا كله على معاملة البلد, فإن لم يكن في البلد معاملة معروفة, وكانت مختلفة رجع إلى العنا بما يرى العدول إلا أن يكون صاحب المال الشرط على هذا العامل إن كل شيء استعمله به من بعد هذا الذي سما له فيه العمل, فلا عمل له فيه, فعمل هذا العامل على ذلك الشرط فليس له فيما استعمله فيه بعد ذلك عمل, والشرط ثابت, فإن كره العامل أن يعمل له شيئا بعد الذي شرط له فيه العمل لم يكن على العامل أن يعمل له شيئا بعد الذي شرط له فيه العمل. وهذا الجواب يأتي على معرفة ما بعد ذلك من هذه الشروط. مات العامل أو مات صاحب المال, فما عمل منه فلا شيء له فيه, وما كره أن يعمله فليس على العامل ذلك إلا أن يشترط له فيه نصيب. فإن له فيه العمل إذا عمل على ذلك. وعن رجلين تعاملا بينهما بالحصة هل للعامل حصته في عسّى (1) النخل وحطب القطن وعسى الذرة والتبن من البر. /10/ (5/7)
صفحة 1868
(1) عسّي النخل: هو عسيب النخل وهي جذوع النخل إذا يبست وتسمى في بعض البلاد جريد النخل وفي بعضها عسيب النخل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل عصى من عسيب النخل. من عَسُوْ: العذق إذا يبس عسا النبات عساء, وعسواء – غلظ ويبس, وعسي الذرة- سيقان الذرة.
تبن البر: قش البر بعد درسه و أخراج الحب منه. يستفاد منه في أمور كثيرة. منها يخلط مع علف الماشية و الدواب.
انظر إزاحة الأعيان عن لغة أهل عمان. أحمد بن حمد بن سلمان الحارثي ص92.
فعلى ما وصفت فإن له العمل في هذا كله, إلا أن يشترط عليه صاحب المال في هذا, فإذا اشترط عليه أن ليس له في هذا عمل فإن الشرط ثابت و كذلك إن كان سنة البلد ليس للعامل في هذا شيء, فلا شيء له في ذلك إلا أن يشترط العامل.
وسألته عن العامل سهم هل له حصته في التبن والقصب؟ قال نعم. قلت: فإن كان رسم البلد أن العامل لا يأخذ من التبن ولا من القصب. قال: لا شيء له.
وعن أبي عبد الله في رجلين تشاركا في زراعة ذرة فحصدها ثم نظرت فالنظار بينهما إذا كان شريكين. وأما إذا كان عاملا بيده ولم يكن شريكا بالبذر لا عليه, غرم وليس له في النظار شيء وإنما له حصته من الجذور والحجة في ذلك بين العامل و الشريك بغير عمل أن العامل إنما يستحق العمل بعمله وعنائه, فلما انقضت الثمرة وخرجت نظرت الذرة من غير سقيه لم يكن له في النظار شيء لأنه لم يعمل فيه, فيستحق ذلك بعمله وأما الشريك بغير العمل فإنه يستحق بأصل المشاركة إذا لم يكن قطع حجته من رب المال بتسمية ثمرة بعينها أو طلب منه اخراج جذوره من ارضه ولا كأن حكم ولا قطع حجة فتلك الجذور له وما جاء منها, ولو لم يكن منه في ذلك عمل لأنه ليس عليه في ذلك عمل, ولأن النظار هو من أسباب الذرة وقد تشاركا على الذرة ولو حدا عند المشاركة ثمرة كانت المشاركة على ذلك أن يزرع هذه الأرض ذرة لما كان الشريك في النظار معنا حق و كانت له قيمة جذوره فأفهم الفرق بينهما. والله أعلم. /11/ (5/8)
صفحة 1869
ومن منح انسانا أرضا فلما انقضت زراعته ثم نظرت من بعد فلا حق للممتنح في النظار ولا في الجذور, وهي لصاحب الأرض.
للمتنح الجذور وهو عندي مثل العامل.
وعن رجل يعمل لرجل نخلا أو يزرع زرعا بسهم معروف ثم تعبوا النخل أو يدوي الزرع, هل للعامل على صاحبه عناء في النخل أو الزرع؟ فعلى ما وصفت فإما النخل فإن له العناء فيها إذا لم يستعمل منها بقدر عنائه, وذلك إذا عبت جميعها, فإن عبا بعضها وحمل بعضها فإن كان ذلك الذي حمل منها يصير إلى العامل بقدر عنائه لم يكن له إلا ذلك.
وإن صار إليه منها أقل من عنائه كان له العنا فيما لم يحمل منها ولا عناء له فيما حمل من قليل أو كثير. وأما الزراعة إذا ذهبت بآفة صغيرة أو كبيرة فقد قالوا: لا عناء له فيها. وعن رجل يعمل لرجل مالا له وعني القرية خوف حتى خرج أهلها منها: فقال صاحب المال للعامل: وإن شئت اذهب إلى القرية اسق لي مالي و أنبته و إن شئت فدعه حتى أطلب له من يعمله.
فقال العامل: فإني لا اتبرى من عملي و لا أسقي و لا أنبت ما دمت خائفا. فعلى ما وصفت: فذلك واجب على العامل أن يقوم حتى يؤديه إلى أهله وإن أراد أن يدعه ودعه وبريء منه إلى أهله فأن اراد صاحب المال أن يقبل برآته فذلك إليه وإن لم يقبل براءته فليس ذلك عليه, وعلى العامل أن يقيم عمله إلا أن يأتي حالة يخاف على نفسه الهلاك أو الضرب أو السلب فإذا كان ذلك معروفا مع الناس فبريء إلى صاحب المال من العمل لم يكن عليه أكثر من ذلك لأن العامل بضامن إلا لما قبض, فإن امتنع العامل أن لا يبرئ لزمه القيام بالعمل, ولا عذر له, ولو خاف على نفسه و إن طلب عناه لم يكن له ذلك إلا برأي /12/ (5/9)
صفحة 1870
صاحب المال, وليس قوله أنه كاهل البلد يكون له في ذلك حجة ولا عذر له في ذلك, وإن قل الماء فسقى بعض النخل ولم يسق بعضا, فعلى صاحب النخل أن يحضر الماء إلى العامل فإن لم يحضره الماء وكان قد سقى قبل ذلك النخل جميعا فله عمله في جميع النخل وإن لم يكن سقاها وسقى بعضها فله العمل فيما سقى وما كان له فيه عمل فعليه أن يقوم بإصلاحه إلى أن يحصده. وعمن دفع إلى رجل ماله يعلمه له وشرط عليه أني متى اردت نزع مالي نزعته من عندك وليس لك فيه عنا فنزعه منه من بعد ما سقاه. هل يجوز له ذلك؟ فلا يجوز ذلك وذلك شرط باطل.
وسئل عن نخلة على ساقية وأسفل منها وأعلا طريق أو مال يقطع الوجين التي هي عليه بسبعة عشر ذراعا ما يكون لها؟
قال معي: إنه قد قيل في ذلك إختلاف.
فقال من قال: لها الوجين ولو (1) كان أكثر من ستة عشر ذراعا ما لم يلقها شيء مما يقطع قياس النخل كانت على ساقية جائز أو غير جائز وقال من قال: يكون لها ثمانية اذرع في الوجين, ويقف عما سوى ذلك, كانت على ساقية جايز أو غير جايز وقال من قال إنما ذلك في الساقية الجايز وأما غير الجايز فلا.
وقال من قال: يكون لها في الوجين ثلاثة اذرع ويقف عما سوى ذلك, كانت جائزا أو غير جايز. قلت: فإن كان بينها وبين ما يقطع عليها أو يقايسها أكثر من ستة عشر ذراعا أو رجعت هذه النخلة إلى ثلاثة اذرع أو ثمانية اذرع, الفضل الذي بقى من الأرض لمن يكون وما حكمه قال معي إنه إن كان /13/.
(1) الوجين: شاطيء الساقية, والوجين أيضا شاطيء الوادي, والوجين أيضا: الأرض الصلبة 3/ 85 جوهر النظام تعليق ابراهيم العبري (5/10)
صفحة 1871
مما يليه أموال تشتمل عليه فقطع ما تستحق من القياس كان حكم ما بقى حكم الأموال التي تشتمل بالبينة عليه. وقيل إنه بمنزلة الموات بين المالين يستحقانه المالان نصفين إذا خرج معنا ذلك في النظر على هذا وقال أبو سعيد رحمه الله- في الذي فسل في مال والدته على غير دعوى منه تصح عليها بحضرتها ولا بغير ذلك ولا ينكره ويصح ذلك من فعلهما حتى ماتا جميعا. فيعجبني أن يكون المال للأم لأن الفسل تبع الأصل حتى يصح أنه منتقل عن الأصل, فلما غابت حجتها جميعا اعجبني أن تكون الأحكام للأصل حتى يصح غير ذلك.
وقيل لرجل قال لرجل: كلما فسلت في مالي فهو لك فكلما فسل هذا في مال القائل فهو ثابت له من طريق الإقرار ولا رجعة للمقر ولا عذر له بالجهالة. وإن قال كلما فسلت في مالي فقد اعطيتك إياه فهذا فيه الجهالة فإن أتم له العطية فهو أحب إلينا, وإن رجع في عطيته كانت له الرجعة وكان للفاسل الخيار إن شاء أخذ قيمة نخله نخلا بلا ارض وإن شاء أخرج ما فسل والخيار في ذلك للمعطى او إنما الفرق ما بين هذين لموضع افتراق موضع الأقرار وموضع العطية قال محمد بن هاشم عن أبيه عن موسى في رجل له في حائط رجل نخلة أو اثنتان أو ثلاث متفرقات في خلال قال: ليس لكل نخلة فهن إلا خوصها قال: وقضى ذلك إبنه من بعده فرده عن ذلك علي بني عزره قال: لكل نخلة حصتها من الارض تقايس بينها وبين كل نخلة تليها. قال أبو سعيد: قد قيل هذا على حال بأن النخل تقايس وقيل إنها لا تقايس إلا أن يصح أنها كانت من مال واحد ثم زالت النخل ولم تقسم ارضها فإنها تقايس على سبيل الملك الأول.
وقيل لا تقايس حتى يصح أنها كانت من مال واحد. ويعجبني أنه إذا لم يعرف كيف كان أصلها أن يكون لكل واحد نخلة بارضها /14/
التي هي لها في نظر العدول في الوقت ولا تقايس في الحكم حتى يصح أنه كان مالا واحدا. (5/11)
صفحة 1872
وذكرت في رجل هلك وخل مالا على ورثته لم يقسم وكان في يد أحدهم يحوزه ويمنعه ويأكله إلى أن مات شريكه ثم مات شريكه ثم مات الآكل يعلم أحد أن هذا المال جرى فيه قسم ولم يعلم أحد أنه اشتراه من شريكه ولا وهب له ولا أزاله اليه بوجه من الوجوه, قلت: كيف يكون سبيله؟ فسبيله ان الأكلة حجة للورثة ورثة الآكل في قول بعض المسلمين. إذا مات الآكل حتى يصح أنه أكله باطل بغير حق, وقال بعض: إن أكله الورثة و الشريك ليس كغيرهما, والمال بحاله على الورثة حتى يصح أنه أكله بوجه حق من بيع أو هبة أو وجه من الوجوه.
وقال أبو عبد الله- رحمه الله- إذا كان رجل يأكل مال رجل ويدعيه بعلم منه ولم يغير ذلك ولم ينكره ثم احتج أنه لم يكن عالما أن هذا المال له فله حجته وعليه يمين بالله ما كان يعلم أن هذا المال له, فإن شهد شاهدا عدل أن هذا المال له فلا حجة في قوله أنه لم يكن يعرف أن هذا المال له وثبت المال للآكل عليه وإن شهد أن هذا المال كان لأبيه أو لأخيه أو لمن هو وارثه وأوصى له به فلان أو أقر له به فإن في هذا له حجته مع يمينه أنه لم يكن عارفا بماله هذا أنه له.
وقال عمر بن القاسم: كان أبو علي – رحمه الله يقول: إذا كانت نخلة لرجل في قطعة نخل القوم وكانت آخذة المفاسل النخل فالقياس بين نخلته ونخلهم إذا كانت آخذة مفاسلها على ستة عشر ذراعا.
قال: وقد كان سأله سائل. فقال له: أرأيت إن كان بين نخلة الرجل وبين نخلة القوم سبعة عشر ذراعا هل تقايسهم؟ فقال أبو علي: لا احرمها القياس /15/
(1) علي بني عزرة: عالم من آل عزره من بني سامة بن لؤي بن غالب وله من الأبناء أزهر وأبو علي موسى بن علي, كان في عهد الإمام الوارث بن كعب الخروصي وشاوره في قتل عيسى بن جعفر أو حبسه فقال: إن قتلته وإن تركته فكله واسع لك, فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن. أنظر كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ص 255.
لحال ذلك الزرّاع. قال عمر: كان أبو علي قال في رجلين تنازعا اليه, كانت نخلة لأحدهما في ارض الآخر وكان صاحب الأرض يزرع أرضه وما حول النخلة أو يحوزه إلى أن سقطت النخلة فاراد صاحبها أن يفسّل أرضها وطلب إلى صاحب الأرض أن يخرج له ثلاثة اذرع من ارضه لمكان نخلته فلم ير له أبو علي إلا موضع حفرة نخلته سواء. (5/12)
صفحة 1873
وقال: إن النخل إذا كان بينها أكثر من ستة عشرة ذراعا رجعت كل نخلة إلى ثلاثة اذرع وما بقي نظر فيه, فإن كان مال واحد كله كان لرجل رجع كل واحد إلى سهمه من أصل الحصة التي دخل بها في هذا المال. وإن كان مال لا يعرف كيف هو قسّم بين النخل فيما بينهن كل نخلتين ما بينهما نصفين بالمقابلة.
وعن النخلة الوقيعة كم لها من الذرع في الأرض التي هي فيها إذا طلب صاحبها لها حوضا تشرب منه, فقيل لها ثلاثة اذرع لصلاحها وسقيها ولا يحدث عليه رب المال في هذه الثلاثة اذرع حدثا إلا برأي ربها.
وعن نخلة بين ساقيتين بين النخل والساقيتين أقل من ثلاثة اذرع كانت الساقيتين جائزتين أو غيرهما جائزتين هل تقايس هذه النخلة من أعلا منه وأسفل من جميع الساقيتين من نخل أو شجر من ذوات السوق.
قال: نعم وسألته عن نخلة لها قرين تحتها هل يكون للقرين مما يليه من الارض وللام ما يليها. قال: هو أصل واحد والارض بينهما. قلت: فإن فسل صاحب القرين مما يلي نخلته هل له ذلك. قال: لا. إلا أن يقسم الارض فيقع ذلك في سهمه وسألته عن رجل له نخلة على ساقية جائز فجاء آخر ففسل /16/
تحتها وادّعا الوعب (1) لنفسه, وطلب أصحاب النخلة قلع الصرمة (2) واحتج أنها في ارضه لأن نخلته قائمة هل يكون على صاحب النخلة بينة أن نخلته تستحق موضع هذه الصرمة.
قال: إن كان لا يلقي هذه النخلة شيء يقطع ما بين النخلة وما بين الصرمة كان لصاحب النخلة الوعبُ كله إلى أن يلقها شيء وعلى الصرمة قد عاشت ثم طلب بعد ذلك صاحب النخلة قلع الصرمة واحتج أنا فسلت في ارضه فليس له ذلك, وعليه البينة أيضا أنها فسلت ارضه وعلى صاحب الصرمة اليمين. قلت: فإن كان صاحب النخلة غائبا وكان لا يعلم هذه الصرمة حتى عاشت. قال: إن كان غائبا فإدعى أنه لم يعلم بها فالقول له. وإن كان حاضرا فلا يقبل دعواه أنه لم يعلم بها. وسألته عن رجل بينه وبين شركاء له أخوة ميراث نخل وارض وقع على طرف من الارض فسلة حتى صارت نخلا ثم طلب القوم صحتهم من هذا النخل. فأما الشاهد إن سعيد (3) بن مبشر كان يقول: (5/13)
صفحة 1874
يقسمون الارض ويجعلون النخل ايضا فإن وقعت النخل في حصة الفاسل فهي له, وإن وقعت في سهم غيره فسل له ذلك الرجل صاحب السهم في سهمه حتى يصير مثل نخلة ثم يصير كل واحد منهما إلى سهمه, وقال بعض من حضر المسئلة أنهم سمعوا أن يفسل الباقون مثل ما فسل ثم يقسمون إذا قلعت النخل. وأما الغائب واليتامى فليس عليهم في ذلك شيء يأخذون حصتهم من النخل و الأرض /17/
(1) الوعب: جدار الجانبين بين الساقية.
(2) الصرمة: من باب ضربة, والصرم بالفتح الجلد وهو معرب أصله بالفارسية حرم والصرمة بالكسر القطعة من الأبل ما بين العشرة إلى الأربعين ... والصرمة في النخل: القطعة والجمع أصرام. وهي التي تخرج حول النخلة والله أعلم
(3) سعيد بن مبشر: من علماء عمان هو ووالده مبشر وسليمان وهو معاصر لعدد من العلماء منهم هاشم بن غيلان وأبو مودود والقاسم ...
قال أبو علي حفظه الله: وقال بعض: يقسمون المال ويجعلون النخل أرضا فإن وقع في سهم الفاسل كان له وإن وقع في سهم غيره كان للفاسل الخيار إن شاء أخرج نخله وإن شاء أخذ قيمتها وقايع بلا ارض, وذلك اذا فسل برأيهم, وإن فسل بغير رأيهم كان الخيار للشريك إن شاء رد عليه قيمة وقايع بلا ارض وإن شاء أمره باخراجها. وقال بعض المسلمين أن له قيمة صرمه وعناءه والفسل للشركاء فإن كان قد استغل الأخير من ذلك بقيمة فسله وعناءه لم يكن له إلا ذلك والفسل للشركاء.
وقال أبو المؤثر: إن الشريك يعطى ما فسل بالقيمة بلا سهم كان فسله في خيار الارض أو في شرارها إذا كان الذي فسله من الارض بقدر سهمه والله أعلم.
وسئل عن رجل غرس في ارض امرأته وهي تراه. فقال: لا حق له فيها من أجل أن الرجل معين لامرأته يعمل لها وينفق عليها إلا أن تقيم بينة أنها اعطته إياها.
ومن جواب أبي عبد الله أحمد السعالي حفظه الله – فيما أظن: وما تقول في قطعة نخل لكل واحد نخلات متفرقات في القطعة ولم يصح أنها من مال واحد في الأصول هل يجوز في هذا النخل القياس؟ الجواب: فأما النخل التي وصفت فإن صح بينهن حدود لم يكن لكل نخلة إلا ما لها والحدود قواطع وإن لم تصح ذلك فالنخل قائمة بنفسها (5/14)
صفحة 1875
ولكل نخلة ذرعها من الأرض إن كانت من ذوات الحياض فلها ثلاثة أذرع, وما بقي من الارض فهو في حكم بين الأموال إذا لم يكن هنالك مال واحد غير أصحاب النخل, وإنْ كن النخل لقوم والأرض لقوم لم يكن للنخل إلا ذرعها. والله أعلم. وأنظر فيما عرفتك ولا تأخذ من جميعه إلا ما وافق الحق إن شاء الله. /18/
الباب الثاني
في الرهن ونحوه
وقال من قال من الفقهاء: لا يجوز الرهن في الحيوان. وقال من قال: وكذلك في الزرع.
والرهن المقبوض هو الذي يقبضه المرتهن ويصيره في يده فلا يشاركه فيه الغرماء, وما لم يقبضه فهو ثقة, وهو بين الغرماء إذا لم يكن للمديون مال غيره, يكون لهم فيه وفاء.
وعن الرهن في الثمرة والحيوان هل يثبت؟ فعندي أنه يوجد في الأثر ذلك اختلاف. فقال من قال: يثبت.
وقال من قال: لا يثبت. وهو أكثر القول, وبه نأخذ. /19/
(1) الرهن في اللغة: الثبوت والدوام, يقال ماءٌ راهن, أي: راكد, ونعمة راهنة, أي ثابتة دائمة, وقيل هو من الحبس قال تعالى {كل امرءٍ بما كسب رهين} (سورة الطور آية 21) , وقال عز وجل {كلّ نفس بما كسبت رهينة} (سورة المدثر آية 38) وجمعه رهان, كحبل, وحبال, ورهن كسقف وسُقف, عن أبي عمرو بن العلاء. قال الأخفش: وهي قبيحة, وقيل: رهن جمع رهان. ككتاب وكتُب, ويقال: رهنت الشيء و أرهنته. قال الشاعر:
فارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأضحى الرهن قد غلقا
فهنا الشاعر شبه لزوم قلبه لها واحتباسه عندها لشدة وجده بها بالرهن الذي يلزمه المرتهن فيبقيه عنده, ولا يفارقه, وغلق الرهن استحقاق المرتهن إياه لعجز الراهن عن فكاكه. أنظر المطلع على أبواب المقنع ص247, المهذب 1/ 312.
الرهن اصطلاحا: هو المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفي من ثمنه إذا تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم. (5/15)
صفحة 1876
(2) عقد لازم لا ينقل الملك قصد به التوثيق في الحقوق. (انظر إلى كتاب الفقهاء في باب الرهن).
الأدلة على مشروعية الرهن: من الكتاب والسنة والإجماع.
من الكتاب: قال تعالى {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} (سورة البقرة آية283) تدل على جواز الرهن في السفر.
من السنة:
أ – عن إبن عباس – رضي الله عنهما – قال: قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاع من شعير أخذها رزقا لعياله. الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل 15/ 98 - 99.
ب – وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «الظهرُ يركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدّرِّ يُشربُ بنفقته إذا كان مرهونا, وعلى الذي يركبُ ويشرب النفقة». رواه البخاري. عن سبل السلام ... 3/ 869. وهناك أحاديث أخرى ...
الإجماع: قال ابن حزم: رحمه الله: اتفقوا على أن الرهن في السفر في القرض الذي هو إلى أجل مسمى أو في البيع الذي يكون ثمنه إلى أجل مسمى إذا قبضه المرتهن بإذن الراهن قبل تمام البيع وبعد تعاقده وعاين الشهود قبض المرتهن له, وكان الرهن مما يجوز بيعه وكان ملكا صحيحا للراهن فإنه رهن صحيح تام. عن مراتب الإجماع لإبن حزم ص60, والإجماع لأبي بكر محمد بن ابراهيم المنذر النسابوري ص120.
ومما سبق نقول إن الرهن مشروع وجائز وله اركان وهي:
(1) الراهن: هو العاقد المدين. فلا يصح إلا ممن يصح منه البيع وهو البالغ العاقل المالك.
(2) الرهن (المرهون) وله شروط في كتب الفقه.
(3) المرتهن: الذي يكون ذلك المال معلقا له في حقه.
(4) الصيغة: وهي الإيجاب والقبول.
(3) الرهن في الحيوان:
اشترط العلماء –رحمهم الله- في المرهون شروطا منها: أن تكون العين المرهونة قابلة للبيع عند حلول الأجل, ورهن الحيوانات من الأعيان القابلة للبيع عند حلول الأجل.
ولقد ورد في السنة أدلة على جواز ذلك منها:
1 – وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا, وعلى الذي يركب و يشرب النفقة) رواه الجماعة إلا مسلما و النسائي, وفي لفظ: إذا كانت الدابة مرهونة, فعلى المرتهن علفها, ولبن الدُرّ يشرب وعلى الذي يشرب نفقته. رواه أحمد.
2 – يؤيد هذا الحديث: ما وقع عند حماد بن سلمة في جامعه بلفظ: إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها فإذا استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا) (5/16)
صفحة 1877
3 - قبض الرهن: من شروط الرهن: القبض اتفاق الفقهاء على أن القبض شرط في الرهن, واختلفوا هل هو شرط صحة أم شرط تمام.
/20/
وإن قبضه واكراه صاحبه أو غيره فهو قبض.
وإن ضاع (1) رهن فهو بما فيه يضيع من حقه بقدر قيمة الرهن فإن بقى شيء من حقه كان له. وإن كان الرهن أكثر من الحق ثم ضاع فليس على المرتهن تبعة لأنه أمين في الباقي إلا أن يكون اتلفه عمدا فإنه يضمن ما بقى على حقه. وكذلك إن ضاع من الرهن شيء ذهب من الحق بقدر ما نقص من الرهن. /21/
(1) أثر ضياع الرهن:
جاء في كتاب النيل و شفاء العليل 11/ 184/186: إن ضاع رهن بيد مرتهنه, فقيل: لا يرجع أحدهما مع الآخر بشيء مطلقا. وقيل: يترادّان الفضل, وقيل يرجع المرتهن على الراهن لا عكسه إن زاد الرهن على الدّين, لأن المرتهن أمين وهو حسن وإن لم يشترط لقوة الحجة.
وقال في الشرح: عن القول الثالث: وهو قول حسن عليه العمل وعليه جمهور أصحابنا. وهناك أقوال أخرى في المذهب.
وذكر المذاهب الأخرى تلف الرهن: فقالوا:
(1) القول الأول:
إذا تلف الرهن عن غير تعد منه ولا تفريط. فلا ضمان عليه وهو من مال الراهن ويروى هذا عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه – وقال به عطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وإبن المنذر والحنابلة. واستدل هذا الفريق بما روى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال «لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه» ورواية ثانية «الرهن من صاحبه للذي رهنه وباقيه سواء»
(2) و القول الثاني:
الرهن من المرتهن ومصيبة منه (أي يضمن المرتهن تلف الرهن) وبهذا قال أبو حنيفة وجمهور الكوفيين. وهؤلاء انقسموا إلى قسمين:
الأول: منهم من رأى أنّ الرهن مضمون بالأقل من قيمته أو قيمة الدين وبه قال أبو حنيفة وسفيان وجماعة.
الثاني: هو مضمون بقيمة قلت أو كثرت وإنه إن فضل للراهن شيء فوق دينه أخذه من المرتهن وبه قال: علي بن أبي طالب وعطاء واسحاق –رضي الله عنهم. واستدل هؤلاء بالسنة والمعقول: بالنسبة: بما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أن رجلا ارتهن فرسا من رجل, فنفق في يده, فقال عليه الصلاة والسلام للمرتهن ذهب حقك». السنن الكبرى للبيهقي 6/ 39.
من المعقول: الرهن عين تعلق بها حق الاستيفاء ابتداء فوجب أن يسقط تبلغه, أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى يستوفي الثمن. والله أعلم.
انظر: بداية المجتهد 2/ 276, القوانين الفقهية ص213, المغني لابن قدامة 4/ 438, المهذب 1/ 439, زاد المحتاج. (5/17)
صفحة 1878
ومن الجامع المنسوب إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركه (1) رضي الله عنه.
واختلف أصحابنا في الرهن إذا ضاع من يد المرتهن. فقال بعضهم: إذا ضاع لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء زاد الحق على قيمته أو نقص. وقال آخرون: يتراددان الفضل.
وقال بعضهم: يرجع صاحب الدين على صاحب الرهن ولا يرجع صاحب الرهن تفضل قيمة الرهن, وهذا القول عليه جل أصحابنا والعمل عليه بينهم.
وروى أبو معاوية (2) –رحمه الله- قولا رابعا أحسبه كان اختياره مع أنه إذا ضاع الرهن رجع صاحب الحق على الراهن بجميع حقه وأنه أمين في الرهن كتبته بغير احتجاج فينظر في ذلك.
1) أبو محمد عبد الله بن محمد بن كة –رضي الله عنه-: هو الشيخ العلامة الأصولي أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي, مسكنه الضرج من قرية بهلا ولا زال مسجده وبيته وأثار مدرسته باقية معروفة إلى الآن وهو من علماء القرن الرابع ومن أشياخه سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب –رضي الله عنه- والعلامة أبو مالك غسان بن الخضر بن محمد الصلاني وأبو مروان وفي الأثر رفع عن أبي محمد بن بركة أنه كان يتردد إلى أبي مالك طالبا للتعلم منه وهو يدافعه فلما تصور عنده رغبة وتحقق ارادته أقبل إليه فعلمه وأكرمه. وكان غنيا –رحمه الله- وإذا أراد أن يتفقد أمواله في البلد ركب فرسه. من تلاميذه: الشيخ أبو الحسن البسيوي. وكان ابن بركة وأبو سعيد في عصر واحد وقد وقع خلاف كبير بينهما وشنع كل منهما على الآخر وذلك في قضية موسى وراشد والإمام الصلت إمام بالإجماع والخارج على إمام بالإجماع باغ بالإجماع والبراءة من الباغي بالإجماع واجبة بالإجماع فألزم الناس مالم يلزمهم. وقال أبو سعيد إن هذا الفعل يجوز فيه الولاية والبراءة والوقوف كما تجوز فيه ولاية المتولي والمتبرئ والواقف لأنها دعا ومحتملة الحق والباطل وكل منهم قد أخذ برأي ولكل رأي مخرج و أصل في الحق ودان بذلك بتخطئة من خالفه. له عدة كتب: أشهرها الجامع والشرح لجامع ابن جعفر, وكتاب الموازنة, وكتاب المبتدئ ورسائل وأجوبة وكتب كثيرة. رحمه الله رحمة كثيرة.
2) أبو معاوية رحمه الله: هو الشيخ الفقيه العلامة أبو معاوية غزان بن الصقر النزوي العقري مسكنه غليفقه من عقر أنه ازدي يحمدي, وبني خروص من اليحمد, وكان في عصره أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي, وللشيخ غزان آثار كثيرة وتوفي قبل وقوع الفتنة في صحار سنة ثمان وستين ومائتين –رحمه الله- أنظر أتحاف الأعيان ص195 - 196 وهومن علماء القرن الرابع ومن أشياخه: سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب وكانت قبل وجودها بزمن طويل فقال فيها ابن بركة «إن الصلت إمام بالإجماع. (5/18)
صفحة 1879
«غلة الرهن»: وغلة (1) الرهن في الرهن: فإن كان الحق أجلا فإن تلك الغلة ترفع وتحسب من الحق. وإن وإن كان الرهن في يد ثقة غير صاحب الحق فليس هو بما فيه إذا ضاع ولصاحب الحق حقه إذا ضاع على الراهن.
قال أبو سعيد -رحمه الله- وقد اختلف في الرهن إذا كان في يد الثقة. قال من قال: هو رهن.
وقال من قال: ليس هو برهن. وقيل: إن طلب ذلك المرهن أن يجعل ذلك على يدي ثقة فليس برهن, وإن طلب المرتهن فهو رهن. /23/
(1) غلة الرهن في الرهن: الرهن ينقسم إلى قسمين:
الأول: الدور والأرض والثمار.
الثاني: الحيوانات.
فالمتفق عليه بين العلماء أن غلة الرهن من حق الراهن أي صاحب الرهن فله الحق أن يدخل أرضه ويحرثها ويزرعها ويقطف ثمرها, ومن حقه أن يسكن الدار المرهونة أو يؤجرها لمن يريد. ومن حقه أن يدخل البستان ويقطف الثمر ويبيعه لمن يريد وبالسعر المناسب.
وأما الحيوان: فيحتاج إلى حراسة (مرابض) وإلى مؤنة وينتج الحليب واللبن والصوف ... فلمن هذه الأشياء ومن الذي ينفق عليه.
جاء في شرح النيل وشفاء العليل: «لا ينتفع مرتهن برهنه» لأنه ليس ملكا له ولا مجعولا بيده لينتفع به شرعا ولو جعله بيده لينتفع به أو أذن له في الانتفاع «وينفسخ بذلك» الانتفاع الصادر «منه» أي من المرتهن بالذات أو بواسطة المأمور.11/ 220.
وقال في شرح النيل: وزعم المالكية أنه يجوز للمرتهن أن يشترط الانتفاع بالرهن كالسكنى والحرث إلا في ثلاث مسائل.
الأول: الشجر: فلا يشترط ثمارها لأن ذلك من بيع لم يخلق, وقد نهى –صلى الله عليه وسلم- عن بيع مالم يخلق, فلو بدا صلاح الثمرة فله شرطه لتلك الثمرة.
الثانية: أن يكون الرهن في سلف لأنه نهى عن سلفا جرّ منفعة ولو بعد العقد.
الثالثة: أن يكون الرهن مما يختلف فيه انتفاع الناس كلبس ثوب, فربّ رجل يبلي الثوب بلبسه ثلاثة أيام ما لا يبلى بلبس غيره عشرة أيام.
وقول آخر في شرح النيل وشفاء العليل: (وقيل) لا ينفسخ إذا أمر المرتهن من ينتفع به (حتى ينتفع) المأمور (به) ... ولزم غرم ما انتفع به ... وخرج من حكم الأمانة على قول الراهن أمانة بيد المرتهن لا يذهب الدّين بذهابه لحكم ضمانه.11/ 222. (5/19)
صفحة 1880
وقد وردت أحاديث توضح الانتفاع بالرهن منها:
(1) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا. وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» عن سبل السلام قال رواه البخاري رقم 809 ص3/ 869.
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عامر الشعبي, عن أبي هريرة, وقد روي غير واحد هذا الحديث عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة موقوفا, والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم, وهو قول أحمد واسحاق, وقال بعض أهل العلم: ليس له أن ينتفع من الرهن بشيء (عن الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى بن سورة الترمذي 3/ 555 رقم 1254. قال المحقق: أخرجه البخاري ق: 48 –كتاب الرهن» 4 باب الرهن مركوب ومحلوب حديث 1238 وأخرجه أبو داود في (22 كتاب البيوع, 26 باب في الرهن, حديث3526
(2) عن ابن عمرو أبي هريرة مرفوعا (الرهن محلوب مركوب).
وهناك حديث يقول بأن للراهن الغنم والغرم. أي لا يحق للمرتهن الإنتفاع به. وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه, له غنمه وعليه غرمه» رواه الدار قطني والحاكم ورجاله ثقات, إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
/24/
«إغلاق الرهن»: وما كان في الأصول في الرهون فإنه ينادي عليه ثلاثة جمع متوالية ويوجب في الرابعة. وأما في غير الأصول فيباع في يوم واحد بالنداء في جمعة أو غير جمعة.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد –رحمه الله- وليس يرى في الخضرة و الحيوان رهنا والغرماء فيه شركاء إذا لم يكن للمطلوب وفاء وليس قبض الزراعة والحيوان بشيء عندنا إلا أن يكون له مال فذوا الرهن أولى برهنه, وإذا (5/20)
صفحة 1881
صاب الرهن انخراق, فإنه يقوم الرهن سالما ومحدوقا أو مخروقا ثم يطرح من صاحب الرهن بقدر ما نقص من الرهن للراهن.
قال أبو سعيد: وقد قيل إذا صح ذهاب الرهن بجائحه لم يبطل حق المرتهن. /25/
(1) بيع الرهن: جاء في شرح النيل شفاء العليل: جاز له بعد حلول أجل دينه بيع رهنه, ويأتي حاكما إن كان أصلا, ويقول له: فلان بن فلان لي عليه كذا وكذا من قبل بيع كذا وكذا, لأجل كذا, وقد حلّ الأجل. 11/ 263_ 264.
وهذه المسألة تعرف عند الفقهاء غلق الرهن:
كانت أعراف الجاهلية تقضي للمرتهن بأن يمتلك الرهن إذا لم يؤد الراهن اليه ما يستحق في الوقت المضروب. فجاء الإسلام وأبطل هذا العرف بقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- «لا يغلق الرهن لصاحبه غنمة وعليه غرمة» وجعل هذا الحق للراهن إما أن يوفي الثمن المطلوب أو يأذن إلى المرتهن بيعه فإن لم يأذن رفع الأمر للقاضي فهو يقوم بالبيع ويعيد الحق لصاحبه وهذا عند الجمهور –رحمهم الله- وعلة ذلك أنه حق تعين عليه فإذا أمتنع من أدائه قام الحاكم مقامه في أدائه كالإيفاء من جنس الدين وإن وفى الدين من غير الرهن أنفك الرهن.
وعند الحنفية لا بيبيعه الحاكم لأن ولاية الحاكم على من عليه الحق لا على مالة فلم ينفذ بيعه بغير إذنه.
(2) أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله- هو الشيخ العلامة الفقيه القاضي على الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان العقري النزوي –رحمه الله- وهو من علماء القرن السادس ومن أشهر علماء عمان في زمانه سكنه بالعقر من نزوى وقد بنى بها مدرسة على نفقته الخاصة لطلاب العلم وتصدر للتدريس بها وأراد اخوانه مساعدته فرفض. وهو شيخ العلامة محمد بن ابراهيم الكندي مؤلف بيان الشرع وأيضا كان قاضيا للإمام الخليل بن شاذان, توفي الشيخ –رحمه الله- 576هـ وهناك خلاف في وفاته ... أنظر أتحاف الأعيان في تاريخ بعض أهل عمان 1/ 248 - 249
وإن شرط المرتهن على الراهن إنْ الرهن ضاع فحقي ثابت لا يذهب فذهب الرهن فالشرط ثابت (1).
قال أبو سعيد –رحمه الله- وقد قيل لا يثبت الشرط في هذا والرهن ثابت.
وإن كان الرهن أكثر من الحق وشرط صاحب الحق على المرتهن أنه إن ضاع فعليه ضمان الفضل فله شرطه فينظر في ذلك, قال أبو الحواري (2) له شرطه لأنهم قالوا عليه ضمان الفضل وهو قول بعض الفقهاء.
قال أبو سعيد –رحمه الله- وقد قيل لا يثبت له شرط. /26/
(1) الشروط على الرهن: أنظر شرح النيل وشفاء العليل 11/ 186. (5/21)
صفحة 1882
(2) أبو الحواري: هو الشيخ الفقيه العلامة أبو الحواري محمد بن الحواردي بن عثمان القري من علماء النصف الثاني من القرن الثالث وربما ادرك أول القرن الرابع, ربما هو من قبيلة بني قرة بن مالك بن عمرو بن وديعة من عبد القيس أحدى قبائل ربيعة بن نزار المشهورة أو أنه منسوب إلى الموضع المسمى جبل قري بنزوى أشتهر أنه من قرية تنوف القريبة من نزوى, ونشأ وعاش بنزوى وبها أخذ العلم عن شيوخه وهم الشيخ محمد بن محبوب ومحمد بن جعفر الأزكوي صاحب الجامع (كتابنا هذا) ونبهان بن عثمان و أبو المؤثر الصلت بن خميس وهو أخص شيوخه وأكثرهم ملازمة له. وكان أبو الحواري أعمى. من مؤلفاته (جامع أبي الحواري) وتفسير آيات الأحكام. توفي في أوائل القرن الرابع. أنظر أتحاف الأعيان بتاريخ بعض أهل عمان 1/ 209 - 210.
«أنواع الرهن»: ومن أرهن طلاق (1) امرأته فطلق المرتهن (2) جاز طلاقه, ويرفع له بقدر حقه من الصداق (3) وتعطى المرأة بقية حقها, فإن كان حقه أكثر من الصداق فقد ذهب, ويأخذ الراهن بقية حقه. وإن كان حقه أقل من صداقها فقد ذهب حقه ولا تبعة عليه فيما بقى ذهب الرهن بما فيه.
قال أبو الحواري: إن كان حقه أكثر من الصداق رجع على الراهن بما بقى من حقه وإن كان حقه أقل من صداقها فلا يتبعه عليه فيما بقى ذهب الرهن بما فيه فلا شيء له ولا شيء عليه» ثم الباب من كتاب أبي جابر. /27/
(1) الطلاق:
لفظ من ألفاظ الجاهلية, كانوا يستعملونه في الفرقة بين الزوجين, فلما جاء الإسلام أقر استعماله ضمن شروط معينة. وهو في الأصل: اسم مصدر لطلّق بالتشديد. يقال: طلّق الرجل امرأته. أو هو مصدر طلُقت بضم اللام والفتح أشهر.
والطلاق له معنى حسي وهو رفع الوثاق والترك كقيد الفرس, والأبل ومعنى معنوي: كقيد الزواج. يقال طلق الرجل زوجته ولا يقال أطلق ...
اصطلاحا: جاء في شرح النيل و شفاء العليل 7/ 449: وهو حل العصمة المنعقدة بين الزوجين.
وقيل: هو صفة حكمية ترفع حلية منعه الزوجة لزوجها موجبا تكرارها مرتين للحرة, ومرة لذي رق, وحرمته عليه قبل زوج (التعريف الأخير عند المالكية).
ووردت آيات كثيرة توضح أحكام الطلاق وحكمه عند العلماء –رحمهم الله. (5/22)
صفحة 1883
(2) رهن طلاق الزوجة:
جاء في شرح النيل وشفاء العليل 11/ 17 ولا يصح رهن ما بذمّة ولا طلاق أو شفعة عند بعض (لأنهما ليسا شيئا متعينا في الخارج, بل الطلاق حق مترتب في ذمة الزوج إذا أراده منها زوجها.
وأوقعه وقع وكذا نائبه ... وأجاز بعضهم رهنها, فإذا حل أحل أجل الدين طلق المرتهن زوج الراهن, ولا يفوت الطلاق بالتأخير, وإن لم يكن الأجل فمتى شاء طلق, وإذا طلق فقد تخلص الراهن من الدين, ويكون طلاقا بائنا لا يملك رجعتها إلا بإذنها على ما يظهر, لأن ذلك تضييق على المدين فهو كالطلاق الذي يوقعه الحاكم بالإلجاء إلى الحق, وكتطليق نفسها إذا علق لها فالواضح فيه البائن, وإن كان يملك رجعتها فما فائدته؟ ...
(3) الصداق:
الصداق في اللغة بفتح الصاد المهملة وكسرها مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق الزوجين في موافقة الشرع, ولإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجه وله أسماء متعددة.
صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق
من الآيات التي ورد فيها الصداق: قال تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (النساء)
قال تعالى {وآتوهن أجورهن فريضة} (النساء24)
ومن الأحدايث روى النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «أدوا العلائق. قيل يا رسول الله وما العلائق؟ قال: ما يتراض به الأهلون».
واصطلاحا: اسم للمال الذي يجب للمرأة عقد النكاح في مقابلة الاسمتاع بها, وفي الوطء يشبهه ... وهو فريضة على الزواج لزوجته هبة من الله.
واذا ارهن رجل مع رجل ثوبا وأذن له في لباسه فتخرق أوضاع. وكذلك الدراهم إذا أذن له المرهن والمستودع فلا ضمان عليه, وفي نسخة في القرض منها -فان أذن له المرهن والمستودع فلا ضمان عليه ولا يذهب من حقه شيء.
وإذا استعمل الرهن المرتهن لم يسعه ذلك وليس عليه أجرة فيما استعمله إلا أن يتلف الرهن وسألت عن رجل ارهن في يد رجل ايضا له رهنا غير مقبوض ثم اعطاه من حقه شيئا فقد بطل الرهن وما بقى من الحق دين على الراهن ويعترض صاحب الحق من ماله برأي العدول, أو يجعل له بقدر الحق ويكون الغرض حيث ينفق المعترض من غير القطعة. وكذلك إذا كان مقبوضا إذا اقتضى منه شيئا فقد بطل الرهن و الله أعلم.
وسئل عن رجل ارهن عند رجل رهنا وأذن له أن يستعمله هل يجوز له لأن الغريم لا يجوز حله لغريمه ولا يأكل عنده لأنه عنده بمنزلة التقية إلا أن يكون بحد من قد جرت بينهما خلطة تزيل التقية التي تكون بين الغرماء فذلك جائز على هذا.
وقال من قال: يجوز ذلك لأنه قد أذن له في ماله على علم منه بذلك وليس بمجبور ولا مقهور على ذلك. قلت له: فإن تلف الرهن من بعد أن استعملته برأي ربه هل يكون الرهن بما فيه. قال: هكذا عندي, قلت له. فهل عليه أجرة لما استعمله على قول من لا يجيز له استعماله, قال: هكذا عندي. قلت له: فعلى قول من يقول أنه لا يجوز له استعماله لم لما استعمله على قول من لا يجيز استعماله. قال: هكذا عندي. /28/ (5/23)
صفحة 1884
ويوجد رجل ارهن في يد رجل رهنا نخلا أو ارضا رهنا مقبوضا وجعله مسلطا في بيعه ويستوفي حقه أيبيعه برأيه أم برأي المسلمين فإن كان قد جعله وكيله في بيعه فباعه جاز له ذلك, وقوله جعله مسلطا في بيعه فهو عندي من أسباب الوكالة وإن باعه جاز له.
وسألته عن رجل رهن في يد رجلا منزلا بعشرين دينارا (1) إلى أجل معلوم فلما كان قبل تمام الأجل اعطاه عشرة دنانير هل ينفك الرهن قال: في ذلك إختلاف. فقال بعضهم: الرهن في يد المرتهن ما لم يستوف حقه. وقال بعضهم: إذا سلّم البعض نقض الرهن.
وإذا قال الراهن للمرتهن إذا لم أتك بحقلك إلى يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا فبيعه واستوف حقك. فهذا يجوز في بعض القول أن يبيع الرهن ويستوفي حقه. قلت له فإن قال له: إذا لم أتك إلى يوم كذا وكذا فهو لك بمالك على. هل ثبت هذا للمرتهن؟ فلا يثبت هذا للمرتهن ولا نعلم في ذلك إختلافا (2). /29/
(1) التسلط على الرهن: قال في شرح النيل 11/ 99:يجوز قبول التسليط بلا شرط وبشرط مثل أن يشترط: أن لا يبيع أو أن لا يبيع إلا بمحضر فلان أو بإذنه أو برأيه أو إلا في وقت كذا أو في مكان كذا, ومثل أن يقول: أنا مخير, أو قبلت إن شاء فلان أو الأمر إلى مشيئته.
وإن رهن رجلان رهنا واشترطا أن يكون واحدا منهما مسلطا على بيع الرهن فلا يجور, وجاز أن يسلط كل منهما على بيع سهم صاحبه.
وجاء في النيل: فكل من صحت وكالته جاز تسلطه ...
(2) هذا الحكم استنادا إلى حديثه -صلى الله عليه وسلم-: (لا يغلق الرهن الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه) سبق ذكره. (5/24)
صفحة 1885
وقلت ارأيت إن حجر (1) عليه بيعه وخرج من البلد واحتاج هذا إلى أخذ حقه كيف يصنع حتى يصل إلى حقه. قال: عندي أنه ينتصر منه. قلت له: فيجوز له الانتصار إذا كان في موضع لا تناله الحجة. قال: نعم. قلت له فالموضع الذي لا تناله الحجة هو أن البحر خارجا من عُمان أما إذا كان في القرب من قريات (2) عمان ولم يقدر هذا أن ينتصر منه بحكم الحاكم قال: جائز له أن ينتصر وإنما يكون القول فيه خاصا أنه إذا كان في موضع لا تناله الحجة, هو أن لا يقدر الخصم على أخذ حقه منه. قال: عندي أنه كذلك قلت له: ولو كان ببهلا (3) وصاحب الحق بنزوى (4) ولم يقدر صاحب الحق أن يأخذ حقه منه بالحكم جاز له أن ينتصر منه على هذا قال: نعم. معي أنه كذلك قيدت هذا على المعنى فينظر فيه. /30/
(1) إن حجر عليه: أي منع من التصرف: فالحجر: منع التصرف.
(2) قريات: مدينة ساحلية كانت ضمن ولاية مسقط والآن ولية لوحدها لها تاريخ عريق في محاربة البرتغاليين والغزاة, بها كثير من القلاع والحصون تربطها بمسقط طريق معبد يتفرع منه طرق إلى ولايات الشرقية والداخلية وطريقها متعرج يتفرع منه طرق إلى ولايات الشرقية والداخلية وطريقها صعب متعرج شق وسط الجبال التي تحيط بالمدينة والمعروف أن ساحل عمان ضيق بعدها سلسلة من الجبال الصخرية العالية بألوانها المتعددة يكثر فيها المزارع والبساتين وسكانها رجال من خيرة الرجال يوجد بها نادي رياضي تقافي من نتائج النهضة المباركة.
(3) نزوى: عاصمة عُمان الأولى وهي همزة الوصل بين المواصلات بين عدد من مناطق السلطنة كمنطقة الظاهرة و الجنوبية. يبلغ عدد قراها 43 قرية ومدينة وهي في قلب داخلية عمان, تبعد عن مسقط 180كلم تشتهر قديما وحديثا بمركزها التجاري الهام وتشتهر بقلعتها التاريخية, وتشتهر فلجها المسمى (دارس) ويعد من أكبر افلاج السلطنة يكثر فيها المساجد القديمة منها: المسجد الجامع وجامع سعال, وجامع الواذنة وهي مدخل الجبل الأخضر.
(4) بهلاء: مدينة من مدن عُمان المشهورة وكانت عاصمة البلاد أيام النباهنة, ومن أهم المدن عند اليعارية, تشتهر بهلاء بآثارها التاريخية فهي مدينة التاريخ الماضي والحاضر تجمع الماضي التليد والحاضر المزدهر. من معالمها حصن جبرين الذي تم انشاؤه عام 1657م منذ سنة335 وبناه الإمام بلعرب بن سلطان وحصن بهلا التاريخي القديم وبهلاء لها أهمية تجارية في المرتبة الثانية بعد نزوى وبها أشهر الصناعات القديمة كالفخار والفضة وغيرهما. أنظر نشرة وزارة الإعلام سلطنة عمان مسيرة الخير المنطقة الداخلية والوسطى ص32. (5/25)
صفحة 1886
الكتاب: الجامع لابن جعفر
المؤلف: أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) وقيل ليس في الرهن والثقة تأخير إذا حل الأجل في الرهن والثقة ويباع من مال المديون الثقة والرهن فما أخرج من الثمن ولا يؤخر بكسر أن السعر كما يؤخر المديون إذا أنكسر من ثمن ماله الربع أو الثلث, فرض عليه في الثمار ولم يؤخذ ببيع ماله والرهن والثقة لا ينظر فيهما رخص ولا غلا لأنهما مستهلكان وإن صاحبهما قد أوجب عليهما الاستهلاك وكذلك مال الهالك لا ينظر به رخص ولا غلا, ولا يؤجل الورثة ولا الوصي في ذلك مثل رب المال الحي إذا لم يكن ماله رهنا.
أبو علي أنه قال الذي أقول به: أنّ الثقة يشرع فيها الغرماء. وقد قيل في ذلك بإختلاف.
وأما الرهن في حياة المرهون فلا يشرع فيه الغرماء إذا كان مقبوضا ولا نعلم في ذلك إختلافا وكذلك بعد موت المرهن لا يشرع فيه الغرماء وأحسب أن في ذلك إختلافا. وسألته عن رجل رهن وفي يد رجل مالا رهنا مقبوضا ثم أراد أن يبيعه أو شيئا منه قبل محل أجل الرهن, هل يجوز له ذلك؟ قال: قد قيل لا يجوز البيع فإن باعه كان باطلا حتى يستوفي المرتهن حقه أو يأذن بالبيع. وقيل إن باعه رب المال فليس للمرتهن حجة إلا أن لا يوفي حقه, فمتى أوفى حقه ثبت البيع فإن لم يوفه حقه كان الحق في الرهن بحاله حيث ادرك ويباع في الحق المسترهن به.
وقيل لا يجوز البيع وقد أوفاه حقه حتى يجدد البيع من بعد وفاء الحق, ويعجبني أن لا يجوز بيع الرهن من رب المال إلا أن يوفي المرتهن حقه قبل البيع ... /31/ (5/26)
صفحة 1887
أو يأذن المرتهن ببيع الرهن. وكذلك المرأة إذا ثبت حقها في مال زوجها أيكون بمنزلة الرهن. قال: نعم (1).
وفيمن ارتهن رهنا لم يعرف له ربا (2) وخلا له عنده مدة طويلة أنه إذا اعدم الحكم أقام نفسه مقام الحاكم واباعه واستوفى ماله, وما بقى من الثمن يكون عنده بمنزلة الأمانة فاذا أيس من معرفة صاحبه فرقه على الفقراء. قلت أرأيت الرجل يرتهن من رجل رهنا ثم دفع الرهن إلى المرتهن حقه ثم ضاع الرهن من يد المرتهن, ما القول في ذلك؟.
قال: يرد المرتهن على الراهن ما أخذ منه الفضل. وقلت لم صار هذا هكذا وإنما قبض المرتهن حقه. قال: لأن المرتهن ضامن للرهن حتى يرده إلى الراهن قبض حقه أو لم يقبضه فلا بد أن يرد عليه رهنه.
واختلفت في الرهن إذا كان بشيء من الحق فسلّم الغريم شيئا من الحق ثم ضاع الرهن. فقال من قال: يكون الرهن بما بقى من الحق وعليه تقع المحاسبة وقال من قال: يكون الرهن بأصل الحق ويذهب الرهن بما جعل فيه من الأصل وقال من قال: بما بقى فيه (3). /32/
(1) حق المرأة: للمرأة حق في مال زوجها إذا كانت محبوسة على منفعته فلها النفقة والسكنى والكسوة ...
(2) من المتعارف عليه أن الرهن لا يكون إلا ممن استدان من المرتهن فلا بد أن يكون معروفا والله أعلم.
(3) من المتفق عليه عند الفقهاء أن المرتهن لا يتصرف بالرهن إلا بعد إذن صاحب الرهن, ومن المتفق عليه أيضا أن غلق الرهن من تصرفات الجاهلية كما جاء في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وفي هذه المسألة: يقدر الباقي من الدين ويقوم الرهن فإذا كان لا يساوي القيمة الباقية فله التصرف في ذلك بإذن الحاكم وإذا كان أكثر فما بقي فالزيادة بعد البيع تعود على صاحب الرهن الأول لأن الزيادة في قيمة الرهن على الدين من حق صاحبه وليس من حق المدين. والله أعلم.
وعن رجل رهن رهنا عند رجل ثم طلب أن يحلفه يمينا ما عنده له كذا وكذا درهما وكان قد ارهن عنده دراهم هل للحاكم أن يسأل الطالب من أين كان صار له هذا الحق عليه ويحّلفه على ذلك. فعلى ما وصفت على الحاكم ذلك إلا أن طالب ذلك المطلوب إليه اليمين, فإذا قال للحاكم اسأله ما هذه الدراهم التي لي عنده من أي سبب فقد قالوا: إن ذلك للمطلوب وعلى الحاكم أن يسأله عن ذلك, وذلك, إذا قال الطالب: عنده لي كذا وكذا أو معه له كذا وكذا (5/27)
صفحة 1888
وإذا قال الطالب عليه له كذا وكذا يحلف المطلوب ولا يحلف الطالب, وإذا طلب المطلوب كيف هذا الحق الذي عليه له وما سببه لم يكن له ذلك, ولا ذلك على الحاكم فأفهم الفرق في هذا. /33/
الباب الثالث
في البيوع وغيرها
رجع إلى كتاب أبي جابر: في البيوع (1) وغيرها وما يرد منها بالعيب قال الله تعالى {واشهدوا إذا تبايعتم} (2) إنما ذلك إذن من الله لهم ولو لم يشهدوا على البيع لم ينتقض.
وكل شيء من البيوع جائز حضرت أو غابت عند البيع إذا أقر المشتري والبايع بمعرفته, وليس لهم نقضه فإذا إدعى مشتر أنه أقر بالمعرفة وهو جاهل به لا يعرفه فله على البايع يمين ما يعلم أنه إشترى منه وهو جاهل به لا يعرفه. (5/28)
صفحة 1889
وكذلك للبايع أن يحلف له المشتري أنه أقر بمعرفته, وما يعلم أنه جاهل به لا يعرفه حين باعه ثم يتم البيع إلا الحيوان من الرقيق والدواب, فإن بيعه لا يثبت حتى يحضر ويقف عند عقدة البيع ولو أقروا بالمعرفة. وقال من قال: إذا كانا جمعين قد عرفا ما تبايعا عليه فهو تام إلا أن يجده المشتري متغيرا عما عرفه فللمشتري الرجعه. وكذلك إن وجده البايع زايد فله الرجعة وكل شيء لا يحيط النظر بجميعه مثل الحب والتمر والأرز وأشباه ذلك كان مصبوبا أو في وعاء فرأيا ظاهره فبيعه جائز إلا أن يخرج داخله مخالفا لظاهره أشرّ منه أو خيرا منه فلهما أن ينقضاه. وكذلك الجرب (3) المكنوزة إذا ابصر منها شيئا ولم يخرج خلا ما ابصر فهو جائز, وكذلك الغزل المكبوب يجوز بيعه إلا أن يخرج ما استتر مخالفا لما ظهر منه وبيع ألاترج (4) و الرمان وكل شيء من الثمار مما ... /34/
يزيل فاسدا إذا طناه (5) على أن له مما يخرج من ثمره تلك الشجرة في ذلك الوقت إلا أن يأخذ ذلك الذي ظهر بعينه على أن يقطعه فإذا أجاز له البيع أن يتركه إلى وقت آخر فلا بأس وكذلك قبل بيع قطعة الجزر فاسد لأن العروق داخلة في الأرض فمن أشترى شيئا من هذا ومثله فعليه أن يرد ثمنه على البايع وهو له بربحه وإن كان خسر فعلى البايع أن يرده على المشتري إذا عرف ذلك وصدقه. /35/
(1) البيوع جمع بيع: والبيع مصدره يقال: باع يبيع بمعنى ملك وبمعنى اشترى وكذلك شرى يكون للمعنيين. وقال غير واحد من الفقهاء اشتقاقه من الباع لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والاعطاء. وقالوا: ضعيف لوجهين:
(1) أحدهما: أنه مصدر والصحيح أن المصادر غير مشتقة.
(2) الثاني: أن الباع عينه واو, والبيع عينه ياء. وشرط صحة الاشتقاق موافقة الأصل والفرع في جميع الأصول.
وقالوا: البيع مطلق المبادلة, يقال باع الشيء يبيعه والشيء مبيع ومبيوع وبايعه من البيع جميعا وأباع الشيء عرضه للبيع واستباعه الشيء سأله أن يبيعه منه. (5/29)
صفحة 1890
والبيع من الأضداد أي من الألفاظ التي تطلق على الشيء وعلى ضده, فيقال: باع الشيء يبيعه وباعه أيضا اشتراه. وقال في النظم المستعذب: لأن كل واحد من المتابعين يأخذ عوضا ويعطي عوضا فهو بائع لما أعطى ومشتر لما أخذ فصلح الاسمان لهما جميعا ومنه قوله-صلى الله عليه وسلم- المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا. أنظر لسان العرب مادة باع, والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب والبيع في الأصلاح: هناك تعارف كثيرة منها:
(1) عقد معاوضة على غير منافع ولا متعه لذة. أخرج هذا التعريف الإجارة, والنكاح. وأدخل الصرف والمراطلة والسلم والهبه.
(2) أخرج ذات من الملك بعوض والشراء ادخالها في الملك بعوض.
(3) نقل ملك إلى ملك بعوض معين على وجه صحيح.
والتعريف الجامع لعقد البيع هو: (والله أعلم)
عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه»
(2) سورة البقرة جزء من آية 282. وهناك أدلة كثيرة على مشروعية البيع من الكتاب والسنة. منها: قال تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} 275 وقال تعالى {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} (سورة يوسف 20) من السنة: عن رافع بن خديج قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[أفضل الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور] حديث صحيح.
(3) الجراب المكنوزة: الجراب: إما من القماش أو الجلد مثل كيس يضع به المواد الغذائية مثل الحبوب وأيضا التمر يكنز أي يحفظ إلى مدة طويلة دون فساد أو جفاف.
قال أبو الحواري «بيع المغيبات»: إذا أقلع الجزر كله فباعه ثيت عليه ولم يكن له رد الثمن خسر أو ربح هكذا حفظنا (6).
ويوجد عن أبي حنيفة في رجل باع لرجل قصيلا له في ارض له او باعه تمرا في نخل له وهو بلح أوكقري والبلح البسر الاخضر والكفري أقباب الغيظ والقصيل الزرع, فإذا باعه شيئا من هذه الثمار ادركت أو لم تدرك وأشترط المشتري على البايع أن يدعه إلى أن يدرك فالبيع في ذلك فاسد كله. وإن اشترط أن يقطعه أو لم يشترط وسكت فالبيع في ذلك جائز.
قال أبو سعيد –رحمه الله- معي إنه ما كان من بيع الثمار قبل دركها على معنى حصادها بعد الدرك فيدخله الفساد من طريق الربا وما كان مدركا إلا أنه غائب فيدخله الفساد من طريق النقض بالجهالة لا من طريق الربا, وما كان من المنتقض كله جائز فيه المتاممة والحل, وفي بعض القول ما لم ينقض جاز وإنما يفسد إذا اشترط أن يدعه إلى أن يدرك فإن تركه برأي صاحب الأرض إلى أن يدرك فالبيع تام وقد طاب له الفضل, وإن تركه إلى أن يستحصد إلى وقت التمر تصدق بالفضل على الفقراء. /36/
(4) الاترج: نوع من الحمضيات من أنواع السفرجل. والله أعلم. والصحيح نارنجة.
(5) الطنا: هو المزاد. وفي العبارة تم البيع والعقد بالمزاد.
(6) بيع الجزر: ذكرت هذه المسألة في كتب الفقهاء باسم المغيب من المقاثِى والخضروات إختلف العلماء في ذلك حتى في المذهب الواحد: (5/30)
صفحة 1891
فعند المالكية: يجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعوا إليه الحاجة, أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود, حتى يجوز بيع المقاثي جملة, وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل ونحو ذلك. وقريب من هذا عند الشافعية والحنفية وأما عند الحنابلة: قال إبن تميمة المنصوص عنه: أنه لا يجوز بيع المغيب في الأرض كالجزر ونحوه إلا إذا قلع. وقال: هذا الغرر-
شيء ليس يراه كيف يشتريه؟ والمنصوص عنه: أنه يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان ونحوه إلا لقطة لقطة, ولا يباع من المقاثي والمباطنح إلا ما ظهر دون ما بطن, ولا تباع الرطبة إلا جزة, وقال: كقول أبي حنيفة والشافعي لأن ذلك غرر, وهو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها , ثم اختلف اصحابه فأكثرهم أطلقوا ذلك في كل مغيب كالجزر والبصل والفجل وما أشبه ذلك , كقول ملك رحمه الله , قال أبو داود: قلت: لأحمد بيع الجزر في الأرض؟ قال: لا يجوز بيعه إلا ماقلع منه. هذا الغرر شيء ليس يراه كيف يشتريه, فعلل بعدم الرؤية. أنظر: القواعد النورانية ص122المهذب 1/ 287. شرح منهج الجليل على مختصر خليل 5/ 282. 294.
بيع القصيل: جاء في المصباح المنير ص 611 قصل: قصلاً من باب ضرب قطعته فهو قصيل و مقصول ومنه القصيل وهو الشعير يجز أخضر لعلف الدواب, قال الفارابي: سمي قصيلا لأنه يقصل وهو رطب, وقال ابن فارس لسرعة انقصاله وهو رطب, وسيف قصال أي قطاع ومقصل بكسر الميم كذلك ولسان مقصل أي حديد درب.
بالنسبة إلى بيعه: قال الفقهاء –رحمهم الله.
يجوز بيع حزما أو مع الأرض, أو بشرط القطع وخالف سسفيان الثوري وإن أبي ليلى وقالا: لا يجوز بيعه بشرط القطع وأطلق إبن حزم.
لا يجوز بيعه على التبقيه
بيع الثمار قبل أن تدرك: وقاد جاء النهي عن هذا البيع في السنة النبوية بأحاديث كثيرة منها:
عن ابن عمر أ النبي – صلى الله عليه وسلم-: نهى عن بيع الثمار حتى يبدوا صلاحها نهى البائع والمبتاع, رواه الجماعة إلا الترمذي وفي لفظ نهى عن بين النخل حتى تزهو وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد» رواه الخمسة إلا النسائي. (5/31)
صفحة 1892
وعن أنس أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى, قالوا: وما تزهى؟ قال: تحمر, وقال: إذا منع الله الثمرة فلم تستحل مال أخيك» البخاري ومسلم.
هذه الأحاديث من نيل الأوطار للشوكاني 5/ 172 - 173.
وقال إبن أبي ليلى: البيع في ذلك جميعا فاسد وقد صار له الفضل وفي نسخة القصيل. إلا أن يكون تمرا قد احمر أو اصفر بعضه قإنه يجوز بيعه. وإن اشترط أن يدعه إلى وقت معروف فهو جائز.
قال أبو الحواري: أنا أخذ بقول إبن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة: إذا اشترط أن يدعه ولو وقت وقتًا فهو فاسد. قال أبو الحواري: وما كان يزيد فهو فاسد إذا كان فيه شرط وإن لم يكن فيه شرط فزاد البايع بالخيار إن شاء رد الثمن على المشتري ونقض البيع وإن شاء أتم له. وإن كان قد تمت زيادته ثم اشتراه وهو ثابت إذا اشترط عليه إلى وقت وإن لم يشترط عليه وقتا وكان بيعا –نسخة يانعا- وطلب البائع قطعة كان له ذلك على المشتري.
ومن غيره: وقد قيل هذا.
«بيع الثمار» وقال من قال: إذا اشترى ثمرة من قبل أن تدرك على شرط أن يتركها حتى يدرك فهذا شرط فاسد والبيع فاسد, ولا تجوز فيه المتاممة وإن باع ثمرة لم تدرك على أن يقطعها في حينه، فتركها حتى زادت فللبايع في ذلك الخيار إن شاء أتم ذلك وإن شاء نقضه، فإن تركها في مال /38/ (5/32)
صفحة 1893
البايع بأمر وأتم له ذلك حتى يدرك. فقال من قال: البيع فاسد فلا يجوز له وله رزيته. وقال من قال: البيع منتقض إن شاء أتم ذلك وإن شاء نقضه البايع أو المشتري.
وقال من قال: البيع جائز وإن اشترط أن يقطعه إلا أنه اشترط قطعه إلى وقت معروف إلى أجل معروف, فإن زادت الثمرة فالبايع بالخيار إن شاء أتم ذلك وإن شاء نقضه وذلك إن كان الشرط دون دراك الثمرة, فإن كان شرطه ما يكون يدرك فيه الثمرة فذلك فاسد ولا تجوز فيه متاممة. /39/
رجع (1): وفي جواب هاشم ومسبح: عن رجل اشترى زرعا أو علفا لدوابه فادرك وبلغ فيه الزكاة, فقالا (2): فيه الزكاة, على البايع إلا أن يشترط البايع على المشتري أنه إن بقي منه شيء يكون فيه الثمرة فعليك زكاته.
وعن أبي علي (3) –رحمه الله- إن كان الثمر قد ادرك فالزكاة على البايع وإن لم يكن مدركا فالزكاة على المشتري. (5/34)
صفحة 1894
ومن كتاب أبي زياد: يحفظه من كتاب محمود سألت الربيع –رحمه الله- عن رجل اشترى شجرة قائمة ليتخذ منها حطبا فشغل عن قطعها حتى أثمرت. قال: إن اشترط المشتري إن أدعها في ارضك فهذا مكروه, وليس للبايع الثمرة ولا هي أيضا للمشتري. قلت فلمن؟ قال: للفقراء.
قلت: فإن لم يشترط. ورضي البايع بتركه لها حتى اثمرت. قال: فإن الثمرة لصاحب الشجرة. قلت: والرطبة مثل ذلك. قال: نعم.
قال أبو الحواري: أنا آخذ بقول من قال: أن الثمرة للبايع, والبيع منتقض ومن اشترى ثوبا ثمانيا فيجده سداسيا, أو يأخذ سداسيا فيجده سباعيا, فإن كان مخالفا لما اشترى فهو منتقض إذا نقضه أحدهما إلا أن يكون بايعه على ذلك الثوب بعينه. /40/
(1) في أ: ومن غيره.
(2) في أ, ب: فقال: فيه الزكاة.
(3) في ب: وعن أبي علي الحسن بن أحمد رحمه الله قال:
(4) في أ, ب بخطه ... (5/35)
صفحة 1895
ومن غيره (1): قال: إن كان بلغه (2) ذلك ولم يسم ذرعا معروفا. فهو جائز وإن تبايعا على هذا الثوب لعله بالمذارعة مخرج مخالفا لما شرط , انتقض البيع و الله أعلم وقال بعض الفقهاء: في رجل مات وعليه دين ألف درهم وليس له الا عبد اعطاه ذمي الف درهم واعطاه مصلى خمسمائة. قال: يباع للمصلى ولا يباع عبد أهل الاسلام لأهل الذمة, وبعض أهل العلم لم ير بأسا بأخذهم للذكور من العبيد إذا لم يحولوا بينهم وبين دينهم.
وعن رجل أخذ من تاجر ثلاثة أثواب على أن ثمن كل واحد منهم عشرة دراهم وله واحد (3) بعشرة دراهم يختاره من تلك الأثواب فتلفت الأثواب من يده. فقيل يضمن ثلث (4) ثمن ثلاثة الأثواب , ولا يضمن الباقي لأنه أمين فيه.
وقال من قال من أهل الفقه: في رجل اشترى دارا وكفل له كفيل بما ادرك فيها من درك ثم ادعى الكفيل أن الدار له ونازعه فيها. فقيل إن كفالته تسليم للبيع. وإذا باع المأمور مالا واشترط للمشتري الشروى فلا يلزمه إلا أن يكون قد (5) ادعى الوكالة في ذلك وشرطه فإن يثبت عليه. /41/
(1) ... :من قوله ومن غيره ... إلى وقال بعض الفقهاء غير موجود في ب.
(2) في أ ... : إن كان باعه. بدل وإن كان بلغه.
(3) في ب ... : وله واحد منهم بعشرة.
(4) في أ ... : ثلثا ثمن.
(5) ... : حذفت (قد) من أ.
ومن اشترى دارا على أنه بالخيار ثلاثة أيام فاشترى دارا تشفعها هذه الدار بالشفعة قبل إنقضاء اجل الثلاث فهو رضي منه بالبيع وقد ثبت عليه. وكذلك كل من أخذ ارضا على أنه بالخيار إلى مدة فبنى في الأرض أو عرضها للبيع أو دابة فركبها أو ثوبا فلبسه, وكل هذا أرض منه (1) بالبيع وقد لزمه. وقال بعض: لا يلزمه البيع إذا عرضه حتى بيعه.
وقال بعض: ولو باعه أنه لا يلزمه والثمن للبايع إذا كان في المدة ما لم يكن رضيه. والله أعلم. (5/36)
صفحة 1896
وكذلك إذا انقضت المدة التي جعل له الخيار فيها, ولم يرد فيها البيع لزمه إلا أن يصح أنه نقض البيع في المدة وإن كانت جارية فوطئها فقد لزمته. وقال من قال: إن وطئها ولم يرضها فعليه عقرها ويردها إن صدقه البائع وإن لم يصدقه لم يكن عليه والرأي (2) أحب إلي.
وقيل إن لم يطأ ومس فرجها أو نظر اليه لم يلزمه بذلك. وإذا (3) كان الخيار إنما هو للبايع أو للمشتري فهو لمن جعل له وليس للآخر.
(1) في أ ... : رضى منه له بالبيع.
(2) في أ ... : والرأي الأول أحب إلي في أ, ب.
(3) في أ, ب: وإن كان الخيار ... بدل إذا ...
قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله: وقد قيل إذا كان الخيار لأحدهما كان لهما جميعا والقول الأول هو الأكثر والله أعلم.
وإن مات الذي له الخيار في المدة. فقال من قال: لورثته مثل ما كان له.
وقال من قال: لا يورث ذلك وهو أكثر القول عندي. وإن كان الخيار للمشتري في العبد فلما رده في المدة أنكره البايع أنه ليس عنده (1) , فالقول في ذلك قول المشتري. وإن مات في يد المشتري و الخيار له فقد لزمه. وإن مات في المدة في يد المشتري و الخيار للبائع. فقال من قال لا ضمان عليه. وقال بعض الفقهاء من قومنا ذلك أيضا. وقال من قال منهم أيضا: على المشتري قيمة العبد حيث مات في يده وأما الثمن فلا. وإن وقع في العبد أيام الخيار وجع نسخة مرض مع المشتري أو جنى جناية فإن اختاره فقد لزمه البيع وإن اختار رده فبعد أن يخلصه من تلك الجناية ويبرء من المرض والعيب الذي اصابه في يده, وإن مات ذلك فمن ماله. (5/37)
صفحة 1897
وقيل في رجل باع رجلا وهو يقول أنه عبدي والذي يبع يقول: نعم. أنا غلامه فباعه وقبض ثمنه وذهب البايع فلم يوجد ثم قال الذي بيع أنه حر وقامت به البينة أنه حر فهذا حر ويرجع عليه المشتري بدراهمه التي أعطاها في ثمنه لأنه أقر أنه غلام للذي باعه وغره وإن لم يقر بشيء وباعه وهو ساكت ثم صح أنه حر فهو حر ولا يلحقه المشتري بشيء و المشتري يدرك به لذلك الذي باعه له. /43/
(1) في أ ... : أنه: ليس عبده ... بدل عنده.
قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله: وقد قيل إذا باعه وهو ساكت ولم يغير أنه يلزمه الثمن. وكل بيع تلف قبل أن يسلمه البايع إلى المشتري فهو من مال البايع وذلك حبسه (1) حتى يشهد له أو حتى يستوفي بقية الثمن أو قال له: خذ دابتك وكانا في معالجة أخذها حتى تلفت فكل ذلك ومثله على البايع حتى يتلف من يد (2) المشتري. ومن أمر رجلا أن يبيع عبده فباعه بقليل أو كثير فذلك جائز إلا أن يكون فيه غبن فاحش مما لا يتغابن الناس بمثله ويعرف أنه مضار فلا يجوز. وإن أمره ببيع مال له فباعه بعرض. فقيل لا يجوز ذلك إلا بالدراهم والدنانير. وكذلك إن باع بنسيئة إلا أن يتم صاحب المال ذلك. /44/
(1) في أ, ب ... : وذلك إن حبسه ... زيادة إنْ.
(2) في أ , ب ... : حتى يتلف في يد المشتري ... في بدل من .... (5/38)
صفحة 1898
قال أبو الحواري: البيع تام إلا أن يشترط بيعه بالنقد فلا يبيعه بنسيئة هكذا حفظت عن نبهان عن محمد بن محبوب –رحمه الله- وإن أمره أن بيع عبده فباع نصفه أو أمره أن يشتري له عبدا فاشترى له نصفه فلا يجوز له ذلك على الآمر اذا رجع فيه قبل أن يتم له ما أمره به, وقيل أيضا في رجل دفع إلى رجل دراهم وقال له: خذلي بها عبدا فقال له: أخذته ومات أنه مصدق, وإن كان الثمن (1) عنده ولم يتسلمه وطلب أن يسلم الثمن وادعى أن العبد قد مات ولم يصدق إلا بصحة. وفي نسخة بالصحة.
ورجل إن اشتريا عبدا فوجدا فيه عيبا فأراد أحدهما رده. فقال من قال: حتى يرداه جميعا.
وقال من قال: يرد حصته وهو أحب القولين إلي.
قال أبو الحواري: إن كانا اشترياه في صفقة واحدة فذلك إلى البايع إن شاء ارتده كله وإن شاء ارتد من الذي طلب النصف. هكذا حفظنا, وكذلك شريكان باعا عبدا لهما ثم غاب أحدهما فوجد المشتري فيه عيبا فقال من قال: يرد بالعيب على البايع الحاضر. وقال من قال: حتى يحضر الغايب ويحتج عليه.
وقال أبو الحواري: قد قيل هذا, وهذا وانا ارى إن كان اشتراه منهما بصفقة واحدة فحتى يحضر اجمعاً, وإن اشترى المشتري عبدين بثمن واحد فباع أحدهما أو مات ثم ظهر في الباقي عيب فله أن يرده بقيمته وكذلك إن ظهر العيب في واحد, فبدا له أن يرده ويمسك الآخر رده بالقيمة. ... /45/
(1) في ب ... : وإن كان الثمن من عنده ... زيادة «من» (5/39)
صفحة 1899
ومن غيره (1): قال: وقد قيل هذا, وقال من قال: ليس له أن يرد احدهما بالقيمة وله الخيار إن شاء ردهما جميعا وإن شاء أمسك وأخذ ارش العيب. فإن مات أو غاب أو باع أحدهما كان له ارش العيب. وليس له رد الباقي منهما. وقيل, إذا اشترى ثوبا أو عبدا أو شيئا لا ينقسم بثمن واحد أو صفقة واحدة ثم ولي منه واحد أو أشرك فيه (2) غيره ثم ظهر في ذلك عيب فأراد الشريك رد نصيبه فليس له ذلك لأن هذا شيء واحد بصفقة واحدة لرجل واحد ولا نعلم في ذلك إختلاف.
(1) في أ ... : حذفت من غيره.
(2) في أ, ب: ثم ولي منه أحدا أو أشرك فيه غيره. (5/40)
صفحة 1900
رجع: ومن أشترى عبدا فوجده زانيا أو شارب خمر مع البايع فهو عيب يرد به وقال بعض: الزنا عيب في الأمة وليس في الذكر, والرأي الأول أحب إلي. إلا أن يكون زنا وهو صغير غير بالغ فليس ذلك بزنى, وأما السرقة و الآباق فهو عيب إذا كان ذلك فيه مع البايع ولو كان صغيرا, والجارية إذا كان لها زوج فهو عيب ترد به.
وقال من قال: كذلك العبد إذا كانت له زوجة. وإن رد المشتري العبد بعيب فأنكره البايع فالقول قوله وعلى المشتري البينة في هذا. وإن كان العيب في الجارية باطنا حيث لا ينطره الرجال فينظرها من تثق (1) به من النساء فإذا رأين العيب قُبل قولهن في ذلك.
ومن العيوب أيضا في الحيوان: حرق النار وأثر الجراحة وأثر الوشم بالنار إلا ما يكون من النار التي تعرف بها الأبل والآثار التي تكون في الرقيق من الحديد والنار التي يزينون بها أولادهم وأنفسهم فقيل إن ذلك ليس بعيب أيضا. ومن باع عبدا مريضا أو ارمد المشتري عارف بذلك فهو جائز ولو ابيضت عيناه من ذلك.
ومن غيره: قال وقد قيل هذا. وقال من قال: إذا حدث من الرمد شيء أو من المرض كان للمشتري ارش ذلك حتى يبري المشتري البايع من الرمد وما جر الرمد من المرض وما جرّ المرض. ... /47/
(1) في أ ... : يثق بدل تشق. (5/41)
صفحة 1901
رجع «رد العبد»: وكل عيب حدث في الحيوان مع المشتري ثم ظهر فيه عيب كان مع البايع لم يكن للمشتري رده حتى يتخلص من العيب الذي أحدث له مع المشتري وسواء ذلك أحدثه المشتري فيه أو حدث له فيه بلا فعله. وقال من قال: يعطى المشتري البايع ارش المرض أو العيب الذي حدث به عنده ويرده بالعيب الذي كان فيه, والرأي الأول أحب إلي. وإن رأى المشتري العيب فاراد أن يرده به ثم لم يرده حتى مضت أيام فلا بأس وله رده ما لم يستعمله أو يرض به إلا أن يتطاول ذلك ويكثر فإنه قد (1) قيل أن ذلك رضي به وإذا ادعى المشتري العيب وأنكر البايع, فعلى المشتري البينة أن العيب كان به وهو مع البايع فإن أعجز فعلى البايع اليمين, لقد باعه ولم يعلم هذا العيب فيه إلا العيب التي يعلم الناس أنها لا تحدث في مثل هذا الوقت الذي اشتراه فتلك (2) إذا ظهرت بالمبيع رد البيع بها حتى تصح أن البايع اراها المشتري عند البيع أو أعلمه بها قال (3) أبو عبد الله: إذا كان العيب لا يحدث في ساعة كان على البائع البينة أن حدث مع المشتري.
قال الناسخ (4): وجد في هامش الكتاب مكتوب فيها: ومن غير الكتاب وزياداته من جوابات الشيخ سليمان بن محمود بن سليمان بن أبي سعيد-رحمه الله- وعن رجل باع عبدا أو شيئا من الحيوان على رجل بيع خيار فتلف المبيع في يد المشتري والخيار له كان له ذلك من ماله, وإن تلف من يده والخيار للبايع كان في ذلك اختلاف. وأكثر القول والمعمول به إن التلف على البايع وللمشتري دراهمه لأنه لا خيار له ولا يملك حل ذلك العقد وذلك للبايع دونه فلذلك لزم البايع والله أعلم. وإن كان الخيار لهما جميعا وتلف من يد المشتري أن عليه القيمة و فهذا ما حفظه من قول المسلمين يعرض على الأثر ويؤخذ صوابه والله أعلم وبه التوفيق. /48/
(1) في أ, ب ... :قد محذوفه
(2) في أ ... : فذلك إذا اظهرت.
(3) في أ, ب ... : فمكتوب (رجع ومن غيره قال أبو عبد الله ... )
(4) ... : من قال الناسخ والله أعلم وبه التوفيق غير موجدود في أ, ب.
وقال مسروق: فأما ما يعلم أنه لا يحدث في ليلة فإنه يرد منه وليس فيه بينة ولا يمين. (5/42)
صفحة 1902
ومن غيره (1): إذا ادعى البايع بالبينة أن هذا العيب حدث مع المشري وهو ما لا يمكن أن يحدث فإن طلب البايع يمينه إذا أعجز البينة حلف ما يعلم أن هذا العيب حدث له بعد أن أشتراه منه ثم رد عليه. وأما إذا كان يمكن أن يحدث معه فعليه البينة أنه كان ذلك العيب مع البايع فإن أعجز البينة كان اليمين (2) للبايع , لقد باع له هذا العبد وما يعلم به هذا العيب فإن رد اليمين إلى المشتري حلف يمينا بالله أن هذا العيب كان فيه وما حدث معه منذ اشتراه منه.
وقال من قال: أنه يحلف في المسئلة الأولى أيضا لقد اشتراه وبه هذا العيب, وما حدث معه بعد إن اشتراه إذا طلب منه البايع اليمين ولو كان فيه العيب الذي لا يمكن حدوثه. /49/
(1) في أ, ب ... : قال غيره ...
(2) في أ, ب ... : كانت اليمين على البايع.
رجع: فإن شهد المشتري على نفسه أنه قد عرف عيوبه كلها ثبت عليه في الحكم كل عيب في ذلك البيع.
قال أبو الحواري: حتى يضع البايع يده على العيب ويريه المشتري هكذا حفظت عن نبهان عن محمد بن محبوب –رحمه الله- وإن كان الذي حدث في العبد مع المشتري شيء ليس هو بعيب من حلق رأسه أو حجامة أو نحو ذلك فللمشتري أن يرده بما ظهر فيه من العيب ولا يمنعه ذلك إلا أن يكون جارية من صاحبات الشعور فحلقها عيب (5/43)
صفحة 1903
فيها. وإذا امات العبد مع المشتري بعد أن ظهر فيه من العيب الذي أراد أن يرده به أو أن حدث له عيب لم يتخلص منه, فإن البايع يرده على المشتري ارش ذلك العبد الذي كان فيه عنده.
وقال من قال: في الجارية إذا وطئها المشتري ثم ظهر العيب بها فله أن يردها وترد على البايع ما نقصها الافتضاض إن كانت بكرا.
وقال من قال: يرد نصف العشر في البكر. وأما في الثيب فلا ينقصها الوطئ ويردها بالعيب, وإن شاء أمسكها وأخذ ارش العيب. وقال من قال: إذا وطئها فليس له أن يردها وله ارش العيب وذلك رأينا وبه نأخذ.
ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد –حفظه الله- وقال من قال: يرد في البكر العشر وفي الثيب نصف العشر. وقال من قال: يرد في البكر الخمس وفي الثيب العشر. وقال من قال: يردها بالعيب ويرد صداق مثلها والله أعلم. وقال من قال: من باع من رجل غلاما بألف درهم فاستعمله المشتري عشر سنين ثم وجد فيه عيبا كان عند البائع فرده المشتري وكان قيمته مائتا درهم يوم رده, فذلك له, وغلة الغلام للبايع إذا كان المشتري هو الذي رده بالعيب وينظر فيها. وقد قيل أن الغلة للمشتري وقال من قال: إن كان النقص من قبل المشتري كانت الغلة للبايع وإن كان النقص من قبل البايع كانت الغلة للمشتري. ... /50/
وقيل في رجل باع جارية لمجنون فوطئها المجنون فولدت ولدا فالولد حر وهو ابن المجنون ويرد الجارية على (1) سيدها الذي باعها ولا شيء له على المجنون لا ثمن ولا ولد ولا مهر لأنه ضيع ماله.
والجارية إذا كانت حاملا فهو عيب يرد به. وأما البهائم فقيل إنها لا ترد بذلك لأنه زيادة فيها وليس بنقصان.
وإذا كانت جارية تحيض مثلها وهي لا تحيض. فقيل إن ذلك من العيوب. قال أبو الحواري: قد قيل هذا.
وقال من قال: ليس هو بعيب وبه نأخذ. وقيل من اشترى صبيا لم تخرج اسنانه لصغره فصار بحد من تخرج اسنانه لصغره فصار بحد من تخرج اسنانه ولم يخرج فهو عيب يرد به. (5/44)
صفحة 1904
وقيل من أخذ عبدا فوجده عنيدا فليس ذلك عيبا. وأما المخصي والمجبوب فذلك عيب لأنه نقصان في جوارحه, وإن اشتراه وهو أمرد ولم تخرج لحيته. فقيل ليس ذلك بعيب. وقيل إن أهل العراق يرون البراءة من العيوب جائزة إذا قال المشتري للبايع قد ابرأتك من كل عيب فيه ولم يوقفه البايع على العيوب ولم يبصرها به وفي نسخة ولم ينظرها.
قال أبو الحواري: حتى يضع البايع يده على العيب ويريه المشتري حفظت هذا نبهان عن محمد بن محبوب –رحمه الله- وأما غير أولئك فيقولون إن ذلك لا يجوز على المشتري وله إذا أبصر العيب الذي لم يكن يعرفه أن يرده بذلك وذلك رأينا. وقبل إذا اشترى رجل عبدا, فقال له البايع إن فيه من العيوب كذا وكذا ورجل آخر حاضر مع المشتري يسمع ذلك ثم إن ذلك الرجل عرفه إياها أو اراد أن يرده بشيء من ذلك. فقالوا: ليس له أن يرده لأنه كان قد عرف بها. ... /51/
(1) في أ, ب ... : ويرد الجارية إلى سيدها.
قال أبو الحواري: حتى يضع البايع يده على العيب ويريه المشتري هكذا حفظت عن نبهان عن محمد بن محبوب –رحمه الله- وأما غير (1).
وقال من قال: إذا قال البايع للمشتري إنما بعتك القميص أو الحبل أو نحو هذا فيما يرده بعيب من العبيد أو الدواب فإن ذلك لا يجوز وللمشتري أن يرده بالعيب.
قال أبو الحواري: قد قيل هذا عن موسى. وقال ابن محبوب إذا باع له الحبل ولم يبع له الدابة (2) لم يكن له نقض في الدابة هكذا قيل عن إبن محبوب وإذا شهد شاهد ان بعيب في دابة أو عبد كل واحد يشهد بعيب لا يشهد به الآخر فلا يجوز ذلك حتى يتفقا على عيب واحد. وإذا عرفت الدابة بالعثار أو الذعار أو الرباض أو القماض و العضاض أو الدكاص فكل هذه من العيوب التي يرد بها.
ومن غيره: هكذا عرفت في هذا (3) وأما النفاد فليس هو بعيب فيما عندي أنه قيل هكذا يوجد عن أبي سعيد –رحمه الله- ... /52/ (5/45)
صفحة 1905
(1) في أ ... : زيادة: وأما غير ذلك فيقولون أن ذلك لا يجوز على المشتري إذا أبصر العيب الذي لم يكن عرفه أن يرده بذلك وذلك رأينا, وقيل إذا اشترى رجل عبدا فقال له البايع: إن فيه من العيوب كذا وكذا أو رجل حاضر مع المشتري ولم يوفقه على تلك العيوب ولا عرفه إياها واراد أن يرده بشيء من ذلك, فقالوا ليس له أن يرده لأنه قد عرف بها.
قال أبو الحواري: حتى يضع يده على العيب ويريه المشتري.
(2) في ب ... : إنه لم يكن له.
(3) في أ ... : هكذا عرفنا هذا.
رجع: وفي المسائل التي عن أبي علي الحسن بن أحمد (1) –رحمه الله- في امرأة تقاضيت نخلا فيها صرم قد نضج وبلغ أشجر من سدر أو قرظ أو غيره, و البايع أيضا مثل ذلك فكل صرم كان في نخل تقضاه امرأة قد بلغ ونضج فهو للورثة يخرجونه. وكذلك الشجرة وكذلك ما بيع (2) من النخل إلا أن يشترط المشتري, فإن طلب البايع اثبات الفسل والشجر الذي قضي الصداق فهو عندنا قضاء وبيعا ضعيفان و الصداق والبيع منتقضان وأما الذي باع الارض وفيها حرث فإن كان الحرث يوم البيع قد ادرك فهو للبايع وإن لم يدرك يوم البيع فهو للمشتري. وفي نسخة وإن كان غير مدرك يوم البيع فهو للمشتري.
ومن باع شجرة لرجل ولم يحد له (3) حدا مثل سدرة أو قرظة فللمشتري على البايع أن يوصله إلى جنائيها ويجعل لثمرتها مسقطا في الارض حتى لا تضيع ثمرتها والمسقط للبايع, وإذا انكر المشتري القبض من البايع فعلى البائع أن يصح أنه قد دفع إليه ما باع له.
وعن أبي علي الحسن بن أحمد رحمه (4) – أيضا في ملك من ملوك أهل الشرك اغتصب غلام رجل من المسلمين فرفع الرجل إلى ولاة المسلمين فكتبوا إلى الغاصب بالاحتجاج عليه بأن يبعث الغلام إلى سيده فكره ولم يلتفت إلى ما كتبه المسلمون, فكتب إليه الوالي إنك إن لم تبعث بالعبد إلى سيده قومه عليك قيمة عدل واعطيت سيده ثمنه من مالك فكره أن يبعث بالغلام وحبسه سنين وللغلام غلة معروفة يعرف بها فيكل شهر فقوم الوالي الغلام قمة عدل (5/46)
صفحة 1906
برأي من عرفه, وعرف غلته وثمنه وسلم إلى سيد العبد بعض الثمن ثم أن الغاصب بدا له أن يبعث بالغلام إلى سيده أو هرب الغلام وصار إلى سيده فقد /53/
(1) في أ, ب: وفي المسائل التي عن أبي علي –رحمه الله-
(2) في أ ... : وكذلك ما يقلع من النخ ... ... وفي ب: وكذلك ما يبلغ من النخل ...
(3) في أ ... : ولم يحد له في ارضها حدا.
(4) في أ, ب ... : عن أبي علي –رحمه الله-.
نظرت في كل ذلك فرأيت أن الغلام لسيده, وهو أحق به, وأما الغلة فلا اعرف على المشرك منها شيئا إلا ما قامت به البينة أنه استغل منه. وإن شهدت البينة أن العبد كان في خدمة كذا وكذا من سنة فإن خدمته تسام سوم خدمة خادم ثم يؤخذ (1) وقال الغاصب من يوم اغتصبه وليس من يوم احتج عليه. ثم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: محمد بن محبوب –رحمه الله- عن رجل دفع إلى رجل ثوبا يبيعه له فباعه إلى أجل بثمن معروف وقبض بعض الثمن وبقي بعض, هل يضمن ما بقى فليس عليه ضمان إلا أن يكون امره أن يبيعه بالنقد فإنه يضمنه إذا باعه إلى أجل والذي أحفظ في الفاجرة والنائحة والمعلم المشترط على تعليم القرآن أنه لا توبة لهم حتى يودوا أجرة ما أخذوه. وأنا أقول: إن علمهم الخط واشترط على تعليم الخط أجره فلا بأس لأن الخط صنعة.
قال أبو المؤثر: رفع إلي في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الأرض لله فمن احيا منها مواتا فهو له قال: وقد أخبرني من أخبرني من المسلمين أن محمد بن محبوب –رحمه الله- اراد بيع دار لهم بالبصرة أخواه سفيان ومحبّر ارادا أن يوكلا بيع حصتهما وكان محبر اصغر سفيان (2) ... /54/
(1) في أ, ب ... : ثم يؤخذ من مال الغاصب من يوم اغتصبن.
(2) في أ, ب ... : محبر أصغر من سفيان فبلغ محبر قبل سفيان ... وهذا صحيح. (5/47)
صفحة 1907
فرفعوا ذلك إلى أبي صفرة فقال أبو صفرة: إذا بلغ الذي أصغر جاز الحكم على هذا الذي هو أكبر وإن لم يبلغ.
وعن رجل باع زنجيه لوالدته ثم غيرت عليه ثم عادت من بعد ذلك أخذت من الثمن شيئا واذهبته هل يكون هذا تماما للبيع. قال: إذا قبضت من الثمن شيئا فهذا إتمام للبيع ولا ارى لها رجعه فيها إذا أخبرها أن الذي اعطاها من ثمنها. قلت فإن قالت: إني خشيته (1) على نفسي قرضها. قال: ليس لها ذلك إلا أن يقرضها الذي أعطاها.
قال أبو محمد –حفظه الله: في رجل باع مالا بغير حجة يجوز بها البيع ثم انتقل اليه ذلك المال بسبب ميراث أن لو يبعه فرجع يطلب نقض ذلك البيع واحبح أني بعته بغير حجة يجوز لي بيعه وليس يلزمني إلا رد ما أخذت. فقال: في ذلك اختلاف. منهم من لم يجز له الرجعة في ذلك والبيع تام. وقال سليمان ابن عثمان أن له الرجعة في ذلك.
وقال أبو سعيد -رحمه الله- البيع باطل إلا أن يتمه رب المال قبل موته.
ومن غيره: وعن رجل اشترى من رجل تمرا فوجد فيه شيئا من الحشف, فليس له رده إلا أن يكون ذلك خارجا من التعارف بكثرة الفساد ثم له رده. /55/
(1) في أ, ب ... : إني حسبته على نفسي ... وهنا اصح من 1. (5/48)
صفحة 1908
قال ابو سعيد رحمه الله: معي أنه قيل أن له رده ولو بحشفة واحدة لأن قليل العيب وكثيره سواء في معنى العيب ولا يبين لي غير هذا في قول أصحابنا. و أما في قول قومنا فيما عندي فإنه يخرج نحو ما ذكر ويعجبني ذلك في معنى التعارف لا في معنى الحكم.
قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله- يبدله بالحشف والبيع ثابت.
ومن غيره: وعن مسافر مرض فمر به رجل معه دابة فسأله أن يحمله فكره أن يحمله إلا بكراء فلم يحمله إلا بخمسمائة درهم. الذي معي: أنه ليس له الخمسمائة درهم وإنما له مثل كراءه في الأمان, مثل رجل وقع في البحر فخافوا عليه الغرق, فطلب إلى صاحب السفينة أن يخرجه ويحمله في سفينته فلم يخرجه إلا بألف درهم لم يكن له ذلك وكان له أجر مثله في ذلك الموضع وكذلك لو أن رجلا احاطت به النار فخيف عليه أن تأكله فأخرجه رجل بألف دينار لم يكن له ذلك وإنما له أجر مثله. ولو أن صاحب السفينة لم يخرج هذا الغريق من البحر وهو قادر على اخراجه ويحمله في سفينته حتى غرق الرجل ومات كان عليه ديته. وكذلك صاحب النار لو لم يخرجه من النار وهو قادر على إخراجه حتى أكلته النار لكانت عليه ديته.
وأما من خاف مثل القراطمة وغيرهم من أهل المظالم واكترى من رجل ... /56/ (5/49)
صفحة 1909
سفينة إلى دما بعشرة دنانير وهي في (1) الإمكان كراها درهمين لكان عليه عشرة دنانير, لأن هذا خلاف الذي أحاطت به النار وأحاط به الغرق. وكذلك لو أن رجلا كان في الشمس لا يقدر نحي ويذهب ولا يتحول منه أصلا وليس معه ما يتقي به الشمس, فإن هو ترك فيها قتلته فحمله رجل على دابته أو على نفسه بعشرة دنانير أو أكثر لم يكن ذلك له وكان له أجر مثله لأنه لو تركه وهو نظر إليه حتى قتلته الشمس وهو قادر على إخراجه منها لكانت عليه ديته, ولو أن رجلا كان في سفر فأصابه العطش فمر به رجل معه ماء فسأله أن يسقيه فأبى وباعه شربة بألف درهم ثم طلب الألف. فأعلم أنه أخبرني نبهان بن عثمان وأبو المؤثر عن محمد بن محبوب رحمه الله- في صاحب الماء أن له قيمة مائه الذي سقاه إياه في ذلك الموضع وإنما له قيمته في ذلك الموضع الذي سقاه إياه فيه لأنه ليس له أن يدعه بعطشه ومعه ماء, ولو تركه لم يسقه حتى مات كانت عليه ديته. ولو أنه اشترى منه هذه الشربة في القرية حيث يجد الماء بألف دينار لكان عليه الف دينار, لأنه اشتراه وهو يجد غيره وقد بلغنا عن محمد بن محبوب-رحمه الله أن رجلا اشترى رسن دابة وأظن أنه حمار بثلاثمائة درهم فأجازه عليه فأفهم ذلك (2).
ويقولون (3) الكراء ليس مثل العطشان والذي خيف عليه الغرق في البحر ولا الذي خيف عليه الحر ولا الذي خيف عليه أن يموت في الشمس. وعن رجل اقترض ... /57/
(1) في أ, ب ... : وهي في وقت الامكان ..
(2) في أ, ب ... : زيادة: وبلغنا أن رجلا اشترى شدة من كبة. ثمن كثير فأجازه عليه, فأفهم ذلك.
(3) في أ, ب ... : ونقول ان الكراء ... بدل: ويقولون الكراء.
من رجل جربا من بر فقومه عليه عشرة دراهم ثم رجع صاحب الحب فطلب الجري, قال: البيع جائز. (5/50)
صفحة 1910
ومن غيره (1): عرفت أن هذا لا يثبت في أكثر القول إذا افترقا. وإنما يجوز إذا قوماه عند تسليم الثمن وسلم المقترض الثمن في الوقت. والله أعلم.
وعن الذي اشترى شيئا لم يره ثم تركه حتى ضاع. قال: لا يلزمه حتى يراه. وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب –رحمه الله- عن رجل باع الآخر حمار بعشرين درهما فأعترض منه سيفا بعشرة دراهم, ثم رد الحمار بعيوب فيه لم يرها المشتري فأمره برد الحمار, وأمره برد السيف بعينه, فجاء به وقد صقله وطلب ثمن الصقالة لم ير له ذلك أبو عبد الله. فقيل لأبي عبد الله-رحمه الله- كيف لا يكون لمن اعترض قال: لا يكون له إلا السيف بعينه. وإن لم يقدر عليه فقيمته لأن أصل المبايعة فاسدة فانتقض ذلك كله إلا أن يكون اشترى منه السيف بعشرة دراهم, قلت وكذلك الذي اشترى ثيابا فقصرها ثم انتفض البيع فلا يكون له كراء القصارة. قال: نعم.
وفي المسائل التي عن هاشم بن غيلان –رحمه الله- ومسبح بن عبد الله –رحمه الله- عن رجل اشترى دابة بمائة درهم واعطاه بها عشرة أجربة حب (2) ثم ادرك في الدابة أوردها بعيب. قالا ليس له إلا مائة الدرهم وكذلك في الشفع.
وسئل أبو سعيد –رحمه الله- عن رجل اشترى من رجل ثمرة نخل لم تدرك فثمر المشتري الثمرة, هل يجوز له (3) ذلك. قال: لا يجوز ذلك. قال: قد قيل ذلك. وقال من قال لا يجوز ذلك. قال وأما إذا باعه ثمرة (4) بدراهم حاضرة ... /58/
(1) في أ ... : قال غيره.
(2) في أ, ب: حب غير موجود. ... في أ: عشرة أجربة ثمر ...
(3) في أ, ب: حذفت له.
(4) في أ, ب: وأما إذا باعه ثمرة لم تدرك بدراهم ... وهنا أصح.
صفقة لم تجز المتاممة فيه, في قول أصحابنا, وكان على البايع رد الدراهم وعلى المشتري رد الثمرة إذا حصدها وإذا تلفت كان ضامنا لها. وإن باعه ثم نقده الدراهم بعد العقد فقد قيل يجوز المتاممة, وقيل لا يجوز فيه المتاممة وعلى كل واحد منهما رد مال صاحبه. وعن رجل اشترى من رجل حبا بنظرة فلما اكتاله منه وصفه معه ثم رجع يقبض حبه فحبسه البايع بدراهم له من طلب أجر غير ثمن الحب حتى حضرت المدة ثمن الحب ثم أنه تقاضى ثمن الحب. قال: ليس للبايع شيء لأنه حبسه حتى جاءت المدة. (5/51)
صفحة 1911
وسألت أبا الحواري عن رجل باع عبدا بعشرة أجرته (1) حب, فلما قال له: اعطني حقي. قال: ليس معي حب, ولكن خذ مني دراهم على سعر البلد. هل يكون هذا جائز للبايع أن يأخذ دراهم بحبه؟ فقال: قد أجاز ذلك بعض الفقهاء.
قلت له: فإن باعه بعشرة أجربه إلى أجل معلوم. فلما حل الأجل جاء لرجل يطلب حقه. قال: ليس معي حب ولكن خذ مني دراهم على سعر البلد. هل يكون هذا جائز؟ قال: قد قال من قال: إن هذا لا يجوز.
ومن غيره: ومن أشترى ثوبا أو غيره بحب أو بثمن (2) إلى مدة فله أن يأخذ قيمة دراهم. وإنما الكراهية في الأجارات والسلف.
وعن رجل يبيع سيفا او ترسا أو ارضا أو شيئا من العروض في غيبة منه غير الحيوان, غير أن البايع والمشتري يعرفان السيف والترس والارض بحدودها هل ثبت البيع, فعلى ما وصفت فإذا كان المشتري والبايع عارفين بالسيف والترس والارض فالبيع تام وليس لأحدهما رجعة, وأما العروض فلا يجب الثمن إلا بعد التسليم مثل السيف وغيره. وأما الأصول مثل الأرض والنخل إذا كان البيع على المعرفة فالبيع واجب (ثابت) فإذا وقعت الواجبة وقد ... /59/
(1) الصحيح والله أعلم: بعشرة أجربة حب.
(2) في أ, ب ... : بحب أو تمر.
وجب الثمن وتسليم الأصول هي الواجبة إذا كانا عارفين بالأصول وحدودها فإن الأصول معنى فإن كان المعنى من قبل البيع كان من (1) مال البايع وإن كان من بعد البيع كان من مال الشركاء (2) المشتري والله أعلم بالصواب. وازداد من سؤال المسلمين.
ومن غيره: وقيل إذا لم يعلم التلف كان من قبل البيع أو من بعده كان من مال البايع حتى يصح أنه كان من بعد البيع. والله أعلم.
وإن قال: قد بعتك عبدي هذا بألف درهم فلم تقبل قال: بلا قد قلبت فقال: القول قول المشتري.
وفي جواب منه –أظن أنه أبو الحواري- رحمه الله: وعن رجل باع شاة بثمن معروف وله شحمها أو كبدتها أو رأسها أو مسكها. فعل ما وصفت فهذا بيع مجهول إلا أن يتتامموا من بعد ذبح الشاة وقد قيل إن هذا الشرط باطل (5/52)
صفحة 1912
إلا أن يكون. قال: أبعتك هذه الشاة إلا رأسها أو مسكها ثم تذبح الشاة من حينها. فقد قيل أن هذا شرط تام والبيع تام. وإذا قال قد (3) بعتك هذه الشاة إلا شحمها وكبدتها (4) ثم ذبحت هذه الشاة من حينها لم يجد بها شحم وكبدها فاسدة أو صغيرة أو كبيرة فإن تتامما بعد ذلك تم البيع وإن تناقضا فالبيع منتقض والشاة لصاحبها البايع. فإن كان النقض من قبل المشتري كان عليه قيمة الشاة حية إن نقصها ذلك الذبح ويرد على البايع النقصان ويأخذ البايع شاته وإن لم ينقصها الذبح ... /60/
(1) في أ, ب ... : حذفت كلمة مال.
(2) في أ, ب ... : كان من المشتري –أي حذفت (من مال الشركاء)
(3) في أ, ب ... : حذفت قد.
(4) في أ, ب ... : أو كبدتها.
لم يكن على المشتري رد شيء على البايع ويأخذ البايع شاته. وإذا قال البايع: ابعتك هذه الشاة ولي رأسها أو مسكها فهذا بيع فاسد حتى يقولا بعتك هذه الشاة إلا رأسها أو مسكها.
وعن أبي عبد الله محمد بن بركة –رضي الله عنه- فيما أظن. وسألته عن رجل باع لرجل ثوبا بعشرة دراهم فلما احضره الدراهم. قال: لا ارضى بهذه الدراهم فزاده المشتري درهما آخر. قال: هذا لا يجوز. قلت لم لا يجوز. قال: لأن له عشرة فلا يجوز أن يأخذ أحد عشر درهما. قلت: أوليس الصرف جائز عندك. قال: هذا لم يكن له أن يصارفه لأن البيع وقع على دراهم مجهولة غير معلومة لهما وإنما هي على صفقة غائبة, فإن شاء أخذ عشرة يتفقان عليها أو يرفعان إلى الحاكم حتى يجبرها على دراهم تنظرها العدول ويرون أنها قاضية على الصفة التي كانت بينهما إلا أن يكون صفة مجهولة لا تنضبط فهو نقض لأن الحاكم ينقض البيع.
وهذا جواب يوجد لأبي أيوب وائل بن أيوب –رحمه الله- وسألته عن رجل باع عبدا وكان من عادته الفرار فلم يعرّفه ذلك فأبق العبد ثم صح عند المشتري أنه كتمه ذلك. ما الحكم بينهما؟ قال: اختلف أصحابنا في ذلك. ... /61/ (5/53)
صفحة 1913
فقال بعضهم له ارش العيب إذا أبق العبد. وقال آخرون: يرده حثما كان ويأخذ الذي له. وقال آخرون: يأخذ الثمن ويكون البايع هو الذي يطلب عنده لأنه كتمه. وعن رجلين تبايعا دراهم بفضة على زيادة فأحضر البايع الفضة, وسلمها إلى المشتري ثم جعل يستوفي الدراهم الأول فالأول حتى استوفى منه ثم عرفا أن ذلك ربا فاراد التوبة, فقال كل واحد منهما لصاحبه إنا فعلنا ما لا يحل لنا, ونحن نستغفر الله وأن كل واحد منهما لصاحبه برد ما في يده اليوم, ثم انهما بعد ذلك تصارفا. فقال الذي له الفضة وهو الذي كان باعها إن عندك لي كذا وكذا وقد بعتك الفضة التي معك بالدراهم التي معي لك, والدراهم والفضة غائبة فقبل صاحب الدراهم البيع فهل يكون هذا بيعا ثابتا أم حتى يرد كل واحد منهما. فأرجوا أنهما إذا فعلا هذا جائز إن شاء الله.
وإن كان أحدهما تجر بما كان في يده فربح فيه رد رأس المال والربح جميعا على الذي كان أخذ منه ولا يجوز له أن يمسك منه شيئا.
ومن غيره: قال نعم. قد قيل هذا. وقال من قال: لا تجوز المقاصصة ولا البراءة حتى يرد كل واحد منهما ما أخذ إلى صاحبه, وأما الربح في الربا فقد قال من قال: أن عليه رد الربح وله أجر مثله لأنه ليس بمغتصب. ... /62/ (5/54)
صفحة 1914
وقال من قال: يرد كل شيء ولا عنا له. وعن رجل اراد أن يبيع على رجل فضة بدراهم فلم يحضر معه الدراهم فدفع إليه فضة واقترض منه الدراهم وجعل الفضة معه رهنا أو وديعة أو قرضا ثم جعل يقترض منه الدراهم الأول فالأول حتى صار معه قدر قيمة الفضة, ثم قال له: قد بعتك الفضة التي معك لي بالدراهم التي على ذلك, فقيل ذلك الذي معه الفضة هل يكون هذا واسعا لهما وتثبت هذه العطية فنعم, هو واسع لهما وإن شاء الله والمبايعة أيضا ثابتة إذا عرف كل واحد منهما وزن الذي عندهما.
ومن غيره: قال نعم. إذا كانت الفضة قائمة غير مستهلكة احضرها, وكانت المبايعة عليها بعينها قضاء منه له بما قدر صار اليه من الدراهم وإن سماه بيعا جاز (1) ذلك أيضا والقضاء أحب إلي لأن الدراهم قد صارت دينا على المقترض وإنما يقع البيع على قائم العين أو بصفة غير مضمونة.
ومن جواب محمد بن هاشم بن غيلان –رحمهما الله- وعن رجل أعطى رجلا دراهم يشتري له شيئا. وقال: اشتر لي بنقد فاشترى له ثم ذهب لينحي بالدراهم فإذا الدراهم قد ذهبت. وسألت: هل عليه غرم للذي أعطاه الدراهم فما أرى عليه غُرما إلا أن يكون ضيع الدراهم فذهبت من ضياع (2) قال غيره: قال نعم. هذا حسن وذلك أنه لم يشترط عليه أن يشتري بها ولو اشترط عليه أن يشتري له بها كان عليه الضمان لأنه اذا قال له: ذلك كان عليه أن يشتري له بها صفقة, فإن لم يفعل ذلك فهو ضامن إذا ضاعت الدراهم ولا يقع له اسم البيع. والمشتري يلزمه الشري يفعل فيه ما يشاء إلا أن يجب أن يأخذ ما اشترى له. /63/
(1) في أ ... : جذفت جاز. فالعبادة: وإن سماه بيعا بها فذاك أيضا.
(2) في أ, ب: ومن غيره. (5/55)
صفحة 1915
وقال غيره: وقد قيل أنه لا ضمان عليه ولو قال له يشتري له بها والله أعلم.
وقال غيره: معنى أنه إذا أعطاه دراهم وقال له: اشتر لي بهذه الدراهم كذا وكذا فاشترى له بها صفقة أن ذلك ثابت ولا اختلاف معنى في ذلك فإن اشترى له ذلك على غير صفقة ونيته أن ينقد الدراهم فذلك جائز عليه (1) لأن هذا فعل الناس فإن تلفت فالله أعلم.
ومن غيره: عن جراب من تمر بجراب من تمر يدا بيد فلا بأس. وإن لم يجمعها وبغير تغير (2) وإن لم يجمعها فلا بأس. إذا كان قد رضيا ونظرا.
ومن غيره: سئل عن هذه المسألة إن شاء الله حتى تصح (3).
ومن غيره: قال: نعم. قيل هذا إنه إذا كان مثلا بمثل إنه جائز وقال من قال: أنه لا يجوز حتى يسمى قياضا إذا كان غير حاضر. وقال من قال: لا يجوز لو سما قياضا حتى يحضر والنوعين جميعا ويكون يدا بيد هاوها وهذا أصح على ما عرفناه.
ومن غيره: وكذلك عرفنا أن البدل جائز في بعض القول, وقال بعض لا يجوز حتى يكون قرضا وعرفنا الكراهية في القرض اذا أجر منفعة فينظر في ذلك إن شاء الله تعالى.
هاشم بن غيلان: أنه يرى في الرجل يبيع للرجل شيئا أو يهب له, قال: أن ينقض (4) أحدهما قبل أن يقوم من مجلسه فيفترقا فلا بيع ولا هبة. ويوجد ... /64/
(1) في أ ... :العبارة كالتالي (فذلك فعل الناس فإن تلفت فالله أعلم)
(2) في أ ... : حذفت العبارة: وإن لم يجمعها بغير تغير.
(3) في أ ... : حذفت حتى يصح.
(4) في أ ,ب ... : إن نقض. وهذا أصح (5/56)
صفحة 1916
قال أبو الوليد هاشم: الصفقة الواجبة باللسان أحببنا قول من قال بثباته. وإن لم يفترقا وإن تسالما البيع بالقبض والرضا وما لم يفترقا حتى رجع أحدهما احببنا نقضه. وإن (1) افترقا على التسليم والرضى على أسباب البيع أحببنا ثبات ذلك. ولا يكون لأحدهما رجعة وقال أبو عثمان: البيع في ذلك جائز وبلغنا ذلك عن سعيد بن المبشر مثل قول سليمان.
ومن غيره: قال أبو سعيد –رحمه الله- معي أنه قيل كل بيع دخله النقض في الحكم وثبت في الاطمنانه وافترق المتبايعان ورض أحدهما بذلك البيع ثم اراد الذي رضي نقض ذلك والأخذ بالحكم إذا كان منتقضا بالحكم لأن له ذلك. ويوجد عنه في موضع آخر.
وقال أبو سعيد –رحمه الله- إذا افترق المتبايعان على بيع يجوز في التعارف بين الناس أنه لا رجعة لأحدهما.
ومن غيره: وقيل لها الرجعة متى رجعا أو أحدهما ما لم تكن واجبة البيع بالكلام. وعن رجل باع لرجل ارضا وكان المشتري يزرعها ويعملها ويؤدي ثمرتها إلى صاحبها ثم قال له: لم توقفني على حدودها قال: نعم لم أوقفك عليها ولكنك قد كنت بها عارفا أفيجوز البيع أم حتى نطيفه على حدودها (2) فإذا عرف حدودها ولو لم تطفه عليها, فقد جاز البيع. وإن قال البايع لم أعرف ما بعت وقد كان يأكل هذا المال ويزرعه ويأكله لم يقبل ذلك منه.
ومن جواب أبي علي إلى هاشم بن الجهم: وعن رجل بيع حبا أو تمرا فيبيع بيعا مختلفا مكوكا ونصفا أو مكوكا وثلثا ولكل إنسان على قدر ما يريد فما أرى فيه بأسا. ... /65/
(1) في أ, ب ... : ولو لم يفترقا.
(2) في أ ... : غير موجودة العبارة: أفيجوز البيع حتى تطيفه على حدودها. (5/57)
صفحة 1917
وعن أبي عبد الله –رحمه الله- وعن رجل أخذ من رجل حبا أو تمرا أو سمنا مجازفة فاستغبن أحدهما. وطلب النقض. فأما إذا كانت مبايعتها وقد نظرا إلى أسفله وأعلاه فقد وجب البيع عليها وهو تام. وإما إذا تبايعا عليه ولم ينظر إلى جميعه انتقض البيع إذا طلب أحدهما نقضه فإن كان احدهما قد نظر إلى جميعه وعرفه فيمسك عليه الآخر بالبيع ولم يطلب نقضه ثبت عليه.
ومن غيره: قال: وقد قيل يثبت ذلك إلا أن يخرج متغيرا غير ما نظر من ذلك. وإن خرج متغيرا كان لهما الرجعة.
وعن رجل باع لرجل دابة أو أمة أو دارا أو نخلا على أنه –لعله اراد أن له سكنى الدار وغلتها سنة أو على أن يركب الدابة أو على أن يحمل عليها طعاما أو يزجر عليها ثمرته وعلى أن يخدمه (1) الجارية سنة, وعلى أن له ثمرة هذه النخلة سنة أيجوز البيع؟ قال: فأما إذا اشترط عليه سكنى الدار سنة فهو جائز. وكذلك خدمة الخادم سنة جائز. وإذا اشترط عليه أن يحمل على الدابة شيئا معروفا (2) إلى موضع معلوم فهو جائز, وأما الزجر والغلة فهذا مجهول ينتقض فيه وقال من قال: هو فاسد وهو قول.
ومن غيره: وقال من قال: يجوز بيع الليل إذا عرفنا ما تبايعا عليه كمعرفتهما في النهار, وذلك على قول من يجيز الشهادة بلا أن تخضرك نارا إذا عرفته كمعرفته بالنهار. وقد قيل: لا يجوز ذلك لأن الليل لباس.
قال أبو سعيد –رحمه الله- في رجل يبيع على رجل جراب تمر على أنه بلعق فيخرج صرفانا أن للمشتري أن يأكل الجراب حتى ينقضي عليه البايع ... /66/
(1) في أ, ب ... : تخدمه. وهذا أصح.
(2) في أ, ب ... : شيئا معلوما.
البايع. وهذا في بعض القول منتقض, ولا يجوز له أكله حتى يتتامما عليه, فإن أكله فقد أكل مال غيره وعليه غرم ما أكل وقيمته إن اعدم المثل والقول الأول أجب إلينا لما عليه الناس من التعارف فيما بينهم في بيوعهم. (5/58)
صفحة 1918
قال غيره: يعجبني أنه إذا اشترى من جنس من التمر فخرج خلاف الجنس الذي اشتراه من جنس أفضل منه أن لا يأكله حتى يستتمه ممن اشتراه. منه والله أعلم. فينظر في ذلك.
سأل (1) هاشما –رحمه الله- عن رجل لي عليه مائة درهم وهو سوقي فجأني رجل فقال لي: اشتر لي متاعا فاشتريته من الرجل الذي عليه المائة وحسبت الدراهم لنفسي ولم أخبر الرجل الذي قال: اشتري لي متاعا قال: إذا صححت النية (2) ولم تأخذك (3) من صاحبك بالغلا وأعلمت الذي تشتري له أن لي عليه دراهم وأنا احبس الدراهم لنفسي فرضي فلا بأس وسألت هاشما عن رجل دفع اليه ثلاثة أناس كل واحد منهم درهما على أن يشتري لهم لحما فاخلط الدراهم من غير امرهم فاشترى بكل درهم على حدة ثم أنه ضاع واحد منهم. هل عليه غرم؟ قال: إذا كانوا أذنوا له أن يخلطهما فما بقي من اللحم بينهم بالسوية, وإن كانوا لم يأذنوا له فالغرم عليه.
وعن رجل يشتري السلعة ولا يكون عنده ثمنها فيأتي إلى رجل آخر فيقول أنفذ علي (4) ثمنها وهي بيني وبينك. هل يجوز ذلك له؟ قال: لا يجوز ذلك. لأن هذا سلف جر منفعة.
(1) في أ, ب ... : سألت ها.
(2) في أ, ب ... : حذفت النية من أ, ب.
(3) في أ, ب ... : ولم تأخذ من صاحبك.
(4) في أ, ب ... : أنفذ عني ... وهذا أصح.
وعن الذي حمل الطعام فزاد في النداء. قال: يحط ما زاد في المطر والغبار للمشتري.
وعن رجل يشتري مالا وقد كان يعرفه وهو عنه غائب فكره حين نظره قال: سمعنا في ذلك اختلافا. فمنهم من قال: إذا لم يتغير عن حاله جاز عليه ومنهم من قال: المشتري بالخيار وليس للبائع خيار وأما موسى فقال: كلاهما بالخيار.
ومن غيره: ومن جواب عن العلاء بن أبي حذيفة ومحمد بن سليمان إلى الهاشم بن الجهم. وعن رجل طرح في أرضه مائة مكوك حبا ثم شارك رجلا في زراعته طلب اليه أن يبذر مثل ما بذر. قال: ليس معي حب ولكن احب (5/59)
صفحة 1919
هذا الحب ثمنا كما يباع فخذ مني ثمنه, فما يرى بذلك بأسا ولكن الثمن معجلا مع الحساب وسألت إن قوم به قيمة ثم أخذ بها عرضا مما يتيسر فليس فيه بأس إن شاء الله, وليس فيه تأخير.
ومن غيره: ومن باع عمله من قبل أن ينبت الزرع فلا بأس.
وعن رجل اشترى من رجل غلامه وخشبه الذي يعمل به. ثم قال البايع هذا مجهول لا يعرف. فقال المشتري: أن آخذ العبد وترك الخشب واعطيك الثمن تاما, وهذا أيضا فيه اختلاف. قال من قال: الخيار للمشتري إن شاء أن يأخذ وإن شاء أن يترك لأنه جاهل بما اشتري ولا خيار لأنه عالم بما باع. وقال من قال: أصل البيع إذا كان أحدهما على الجهالة فهو منتقض. وسألت أبا عبد الله عن قوله في ذلك, فقال: إذا رضي المشتري أن يأخذ بما عرف البايع ويترك ما جهل بالثمن تماما ويترك ما احتج فيه البايع أنه /68/
يجهله ولا ينتقض منه شيئا فالقول في ذلك قوله. وعن رجل باع سمكات بشاه هل يجوز فيقول إذا كانت الشاة هي الأجل وفعل لها شيئا معروفا فلا بأس بذلك وإن كانت الشاة هي المدفوعة بالسمكات إلى أجل وسميا السمكات من سمك معروف ووزن معروف. فلا بأس بذلك إن شاء الله. وإذا لم تسميا وزنا معروفا ولا سمكا معروفا لم يجز ذلك لأنه مختلف في الوانه وصغره وكبره وحدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: إذا تبايعا الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعا أو يجبر أحدهما الآخر فإن جبر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن كانا تفارقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما فقد وجب البيع.
قال غيره: الافتراق معنا على وجهين والمبايعة تقع بالمساومة فإن وجب البيع بالقول وقع البيع كان ذلك هو الافتراق. والفرق بين ترك البيع والبايع, وإن افترقا على البيع وقبض البيع والثمن أو بيع ذلك على تراض بالبيع ثبت ذلك وكان افتراقا على البيع. وإذا قال رجل لرجل قد بايعتك ثمرة هذه النخلة وهي ... /69/ (5/60)
صفحة 1920
(1) في أ, ب ... : أو يخير أحدهما الآخر فإن خير احدهما الآخر ... » وهذا النص أصح.
غير مدركة إذا ادرك (1) بعشرة دراهم أو أقل أو أكثر فقد قيل أن هذا جائز إذا ادركت ولصاحب الدراهم أن يأخذ الثمرة ويعجبني مالم يرجع عليه في ذلك قبل دراك النخلة والله أعلم. وكذلك يعجبني إن رجع صاحب الدراهم كان له الرجوع كما لصاحب النخلة الرجعة وهذا برأي من غير حفظ والله أعلم.
وإن رجع أحدهما بعد دراك ثمرة النخلة فعسى أن يكون قد ثبت البيع ولا رجعة لأحدهما والله أعلم. وسئل عن ذلك. و فيمن باع مالا لامرأة برأيها وهو جاهل ببعضه أيكون بيعا ثابتا أم لا؟
الجواب: فإن كان (2) البايع لهذا المال من هذه المرأة لهذا المشتري صفقة واحدة, وهو عارف به ثبت البيع (3) أم لم تتمه وإن كان البايع هو الجاهل بمعرفة المال انتقض البيع. وإن كان باعت المرأة المال وهي جاهلة بمعرفة شيء من المال ونقضت البيع بجهلها بمعرفة ما باعت انتقض البيع إلا أن يصح أنها باعت ما عرفت والقول قولها مع يمينها في أكثر القول والله أعلم.
وحفظت في (4) رجل باع مالا لآخر فيه حصة على سبيل الجهل بذلك أنه إذا لم يتم الشريك البيع أن له ماله وثمرته ويلحق المشتري الذي له الحصة بما أصلح به المال إذا كان زايدا في المال.
وفيمن اشترى جبنا من عند مسلم أيجوز له ذلك من غير سؤال أم لا؟ فعلى من وصفت والذي عندي أنه لا يجوز أن يشتري منه إلا حتى يسأل عنه. فإن قال له إنه مضمون جاز له شراءه (5) وقال له: إنه من عمله أو عمل ... /70/
(1) في أ, ب ... : إذا ادركت. (5/61)
صفحة 1921
(2) في أ ... : فإن كان هذا البايع لهذا المال.
(3) في ب ... : ثبت البيع اتمت البيع أم لم تتمه.
(4) في ب ... : وحفظته عن رجل.
(5) في ب ... : فإن قال له.
المسلمين جاز له شراءه وكذلك اليهودي إن سأله فقال له: انه من عمله جاز له شراءه, وإن قال: إنه من عمل المسلمين لم يجز له شراءه منه.
«بيع مال الغير»: جواب من أبي سليمان (1) إلى من كتب إليه وعن الوالد إذا باع مال ولده مما ورثه من أمه. قلت: أيجوز ذلك أم لا؟ فقد عرفنا فيما قيل عن بعض الفقهاء أن للحاكم أن يحول بين الوالد وبين بيع مال ولده إلا في حاجة لابد له منها إذا لم يكن له مال واحتاج إلى بيع مال ولده. وقال من قال (2): أنه إذا باع مال ولده ضرارا فذلك بيع لا يجوز فعلى الوجهين جميعا لا يجوز بيع مال ولده إذا كان له مال وللولد مال حيثما كان. وللمشتري على الوالد ما أخذ منه من ثمن هذا المال الذي باعه لولده كان الصبي صغيرا أو كبيرا إلا أن يصح للوالد بينه أنه باع مال ولده هذا في قضاء دينه أو في مؤنته ولم يكن له مال غيره. وما تقول في امرأة عمياء يعطيها الناس متاعا لهم تبيعه هل يجوز الشراء منها أم لا؟ فعلى ما وصفت فلا يجوز ذلك, ولا يجوز بيع الأعمى ولا شراءه والله أعلم.
ومن غيره: وأما الذي باع مالا لغيره فيه شركه ولم يغير عليه شريكه فما باع من مالها المشاع حتى مات البايع وترك أيتاما فليس لهذا الشريك رجعة على الأيتام فيما خلف والدهم شيئا بسبب ما باع والدهم شركه في هذا المال بعلم منه ولم يغير والله أعلم.
وأما من باع مالا لغيره ثم أقر أن هذا المال لغيره فيه حصة فلا يقبل قوله والمال للمشتري إذا لم يعرف المشتري حينما اشترى هذا المال أن لغيره فيه شيئا والله أعلم. أرأيت إن كان الذي اعترف له هذا البايع بهذه الحصة من هذا ... /71/
(1) في أ ... : جواب من أبي عبد الله إلى من كتب إليه.
(2) في أ ... : مال ولده ضرار. ولا يوجد في أ: قال من قال. (5/62)
صفحة 1922
المال وصل إلى المشتري بعد أن اشترى جميع المال فأتمم له البيع وأجاز له ثم رجع هل له رجعة بعد ذلك في الحصة أم له رجعة في الثمن. فإذا علم أن ماله قد باعه غيره وأتم البيع بعد العلم فقد تم وله الثمن إذا صح له أنّ له في هذا المال شركة وصح مع المشتري ذلك أو صدّقه, وإن لم يصح على المشتري له شيء ولا صدقه فليس له شيء, وليس له فيه رجعة, والمال للمشتري, فإذا أتم البيع وابرئ المشتري من ثمن المال (1) فقد تم البيع وبرئ المشتري من صح أنه له في المال حصة أو لم يصح والله أعلم.
وأما الذي ادعى هذا المال الذي قد باعه غيره أنه أحب لعله أخبر المشتري أن له فيه حصة وأنكر المشتري ذلك, فعلى المدعي البينة فإن صحت له بينة وصح له المال وإلا لم يقبل منه فإن اراد يمين المشتري أنه (2) أخبره قبل الشرى أن له فيه حصة فلا أرى عليه يمينا إذا كان المشتري إنما اشترى (3) من هذا الرجل وهو في يده ويحوزه ويمنعه ويدعيه ملكا لنفسه لأنه لا يقبل قوله فيما ادعى ولا يحجر على الرجل بيع ماله بسبب دعوى هذا وله أن يبيع ماله وللمشتري أن يشتريه (4). فإن صح لأحد فيه شيء ببينة عدل كان على (5) المشتري الرجعة على البايع لما ادرك في هذا المال الذي قد اشتراه والله أعلم. وأنظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب إن شاء الله.
وعمن اشترى دابة وفيها عيب مثل وسم نار أو غير ذلك, ولم يعلم به المشتري ثم علم به. وقلت فإن لم يردها في حين ما علم بالعيب ثبت عليه أو له أن يردها ما لم ينتفع بها بعد العلم بالعيب. وقلت ارأيت إن العلم بالعيب وهو /72/
(1) في أ, ب ... : وبرئ المشتري من الثمن صح أن له في المال حصة أو لم يصح والله أعلم.
(2) في أ, ب ... : أنه ما أخبره. زيادة ما.
(3) في أ, ب ... : إنما اشترى هذا المال من هذا الرجل ... أي زيادة هذا المال.
(4) في أ ... : زيادة: قال: فإن صح ...
(5) في أ, ب ... : كان للمشتري الرجعة ... (5/63)
صفحة 1923
في سفر حامل عليها بضاعة له أو لغيره يدعها من حينه أو حتى يصل بالبضاعة إلى البلد الذي خرج اليه. فعلى ما وصفت فإن علم بالعيب فإن استعملها من بعد أن علم بالعيب ثبت عليه البيع. وكذلك إن حبسها من بعد أن علم بالعيب ثبت عليه البيع. إلا أن يحبسها من عذر من اشتغال بعرض له معذور فيها وليس ذلك مما يوجب البيع عليه إلا أن يستعملها فإن علم بالعيب وهو راكب عليها أو حامل عليها بضاعة فإن لم ينزل من حينه ويطرح الحمل من عليها ثبت البيع عليه وإن كان وقت لا يمكنه النزول ولا طرح الحمل فمضى على ركوبه وعلى حمله ثبت على (1) البيع وطرح عنه ارش العيب. وقد قيل إذا كان على هذه الصفة فله ردها وعليه كراء الحمال والله أعلم.
وسألته عن رجل باع لرجل صرمة على من قلعها على المشتري أو على البايع قال: على البايع. قال (2) غيره: وقال بعض على المشتري قلعها.
(1) في أ, ب ... : ثبت عليه البيع.
(2) في أ ... : ومن غيره. وحذفت في ب. (5/64)
صفحة 1924
رجع (1): وعن رجل أمر رجلا يشتري له شاة فاشترى له تيسا أنه ثبت عليه ما اشترى له. قال: قد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: لا يثبت عليه, والقول الأول أحب إلي, إلا أن يقول (2) اشترى منيحة فإنه لا يثبت عليه.
وعمن باع بيتا فيه سماد ولم يشترط البايع ولا ألمشتري لمن يكون فعلى ما وصفت فإن كان السماد مجموعا فالسماد للبايع إذا لم يشترط المشتري (3) ترابا أو غير تراب مثل البعر والكنيف فهو للبايع.
ومن جوابات لنجدة بن الفضل النخلي: وما تقول فيمن باع على الظلمة وأعوانهم أصل مال بمطلب منهم (4) أو بغير مطلب, هل يكون هذا بيعا جائزا؟ ولا يجوز لربّه أن يتملكه إذا ظفر به. الذي عرفنا أنهم (5) إذا كانوا هم الذين طلبوا اليه شراء ذلك فهذا البيع لا يجوز. وإن كان هو الذي طلب إليهم أن يشتروا منه فباع عليهم برغبة منه بوفاء من الثمن وقبض منهم الثمن فذاك جائز وقد أحل الله البيع للبر والفاجر, والله أعلم وبه يكون التوفيق.
وعنه: وما تقول فيمن يحين دابته ثم يبيعها, و فيمن يمدح عند البيع ويذم عند الشراء حتى يستزيد فيما يبيع ويستنقص فيما يشتري. وفيمن يقول إنّ ... /74/
(1) في ب ... : ومن غيره.
(2) في أ, ب ... : إلا أن يقول له اشتر لي ...
(3) في أ, ب ... : كاترابا أو غير تراب.
(4) في أ ... : منهما. والصحيح منهم ...
(5) في أ, ب ... : الذي عرف أنه إذا كانوا.
متاعه طلب منه بمطلب كثير وهو كاذب في ذلك حتى يبيعه بثمن وافر, وفيمن يلتقي الأجلاب وفيمن يبيع للبادي وإن كان جاهلا للنهي وعالما به ما يلزمه إذا اراد التوبة, فإن كان يلزمه في ذلك ضمان ولم يكن يعرف من باع له ولا من اشترى منه فما يلزمه في ذلك. (5/65)
صفحة 1925
الجواب: أما من مدح عند البيع أو ذم عند الشراء والذي يحين دابته لترى ذات لبن كثير, فهذا مما جاء فيه النهي وهو من الغرر, وأقول بغير حفظ على سبيل المذاكرة أنه ضامن لما زاد على ثمنه في الأصل والله أعلم.
وسئل عن ذلك, وأما الذي يقول: طلب مني كذا وكذا ولم يكن كذلك فهذا كذب وهو آثم في قوله. وإذا اشتراه المشتري وهو يراه ويعاينه فلا ضمان على البائع سوى الاثم. وكذلك الذي يبيع للبادي ويلتقي الأجلاب فهو آثم لإرتكابه النهي ولا ضمان عليه. وحفظت عن أبي علي: أن الأجلاب إذا استقبلت إلى السوق ولم يكن في التقائها بأس ولا نهي والله أعلم.
ومن لزمه ضمان لمن لا يعرفه فرّقه (1) صاحبه على الفقراء, وأوصى له إن عرف يوما ما هو بالتخيير بين الأجر والغرم والله أعلم.
(1) في أ, ب ... : وعن صاحبه ...
وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله: وما تقول فيمن اشترى جاعدة بعشرين درهما فجزّ من عليها صوفها ثمنه عشرة دراهم أو أربعة دراهم ثم اراد بيعها, فقال لمن اراد ان (1) يشتريها منه, أنه اشتراها منه المشتري بعشرين درهما (2) وهي تسوي ذلك الثمن أو أقل أو أكثر ثم اراد الخلاص ما يلزمه في ذلك وهل تجزئه التوبة. وكذلك الذي يبيع المتاع فيقول: طلب مني بعشرين درهما يريد بذلك نفاقه ثم يبيعه بخمسة دراهم وهو يسوي ذلك ما يلزمه. فالذي عرفت أن من مدح ماله عند البيع حتى باعه بأكثر من ثمنه فعليه التوبة من ذلك ويرد الزيادة على المشتري. وإن مدحه حتى باعه بثمنه أجزته التوبة ولم يكن عليه رد ثمنه والله أعلم.
من الأثر وسألته عن رجل اراد أن يشتري من رجل طعاما فلما أن رآه قال هذا طعام رديء (3) فإن فعل ذلك وكان كما قال: فبئس ما قال. ولا شيء عليه. وإن كان قد تلف اعطاه مثل ثمنه يوم اشتراه إن كان اشتراه بدون ثمنه. وإن كان اشتراه بثمنه فليستغفر ربه (4) والله أعلم. ... /76/ (5/66)
صفحة 1926
(1) في أ, ب ... : لمن يشتريها منه.
(2) في أ, ب ... : زيادة وهي: وكتمه ما جز منها من صوف فاشتراها منه المشتري بعشرين درهما.
(3) في أ, ب ... : زيادة: واخاف أن يكون هذا الطعام رديئا ثم اشتراه من عنده بعد قوله هذا وكذلك معه أنه رديء ومع الناس أو كان مع الناس ليس برديء أو كان معه رديء ثم اشتراه بعد قوله هذا ما تقول في ذلك قال: أكره إذا اراد أن يشتري وكان أن يشتري شيئا بأن يقول إنه رديء فإن فعل ذلك ...
(4) في أ, ب ... : لا شيء عليه والله أعلم.
سألت رحمك الله عن رجل أخذه السلطان وصادره على دراهم وازمه أن يبيع شيئا من ماله. قلت هل يجوز هذا البيع؟ فعلى ما وصفت فقد قيل لا يجوز ذلك ولا يصح البيع إذا أجبره على بيعه ولا أعلم في ذلك اختلافا. وقل إن طالبه بدراهم فباع هو شيئا من ماله بكبيران (1) من ثمنه هل يفسد ذلك؟ فقد قيل إذا باعه بنقصان من الثمن أن البيع ينتقض إذا انقضه البايع وفيها قول آخر. وقلت إن باع ماله إن كلفه السلطان بدراهم بقدر ثمنه هل يجوز ذلك؟ فقد قيل فيه باختلاف. فقال من قال: لا يجوز ذلك ولا يثبت البيع فأنظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب إن شاء الله.
وعن أبي عبد الله بن عثمان حفظه الله- فيما أحسب وما تقول رحمك الله في رجل في يده عبد. قال: إنه مملوك له ولأخوته, أقر بذلك عندي وعند رجل آخر ثم إنه وكلني في بيعه على الرجل الذي أقر عنده وعندي أن العبد له ولغيره ما بعته عليه على وجه الأطمنانة أيجوز لي ذلك أم لا؟ وأما (2) يلزمني الآن ويلزم المشتري إذ قد علم في إقراره أنه له ولإخوته.
الجواب: فإذا أقر معك هذا الرجل الذي في يده العبد أنه له ولإخوته وأن تعلم أن له أخوة وكان إقراره عندك وعند المشتري للعبد منك بوكالة المقر للعبد ولأخوته والمشتري يعلم ذلك من اقراره فهذا بيع باطل لا يجوز أن يشتري عبدا من رجل له ولغيره ولا يجوز ذلك بيعه فإذا قد كان ذلك وأنت عالم أن العبد له ولغيره والمشتري يعرف ذلك فالضمان على من في يده العبد بوجه الشراء الباطل وليس على البائع فيما عندي إلا التوبة والله أعلم. ... /77/ (5/67)
صفحة 1927
(1) في أ ... : بكسران. ... وفي ب: بكفران.
(2) في أ, ب ... : وما يلزمني ... وهو الصحيح.
ومن غيره: وإن باع رجل أمة لرجل ووطئها وولدت أولادا ثم استحقت عليه فإنه يرجع على من اشتراها منه بذلك الثمن وله أن يأخذ أولاده منها وقيمتهم قيمة عبيد وهم أحرار وليس عليه أن يرد على سيدها الذي استحقها عقرها والله أعلم.
وأما السارق والغاصب للأمة وتلد منه أولادا فإن سيدها يأخذها وأولادها, وأولادها وهم عبيد وله أن يأخذ عقرها من السارق والغاصب. وقد قيل للسيد أن يأخذ أمته وعقرها من الغاصب, وأما أولادها من الغاصب فهم أحرار وعليه قيمتهم قيمة عبيد لسيد الأمة. فإما إذا باعها الغاصب لرجل واستحقها سيدها فإنه يرجع المشتري لها الغاصب بما أخذ منه من قيمتها وقيمة أولاده منها قيمة عبيد وليس لسيدها أن يأخذهم من أبيهم وقد قيل أن هكذا جاء الأثر ولا يرجع المشتري على غاصب الأمة بعقرها لأن ذلك قضى نهمته واستمتاع منه والله أعلم.
وعن رجل باع غلاما وعلى الغلام قميص وعمامة وخفان, قال البايع الخفان والعمامة والقميص لي, وقال المشتري بل هو لي. فقال أبو عبد الله إذا كان ذلك الذي عليه لباس مثله فهو للمشتري إذ (1) يستثنه البايع وإن كانت الثياب زيادة لحال نفاقه ولبسها لباس مثله فهو للبايع إلا أن يستثنيها المشتري وقال بعض أنها للبايع على حال ما لم يستثنيه المشتري.
وعن يتيم باعت أمه شيئا من ماله فبلغ اليتيم وخلاله مدة وماله يثمر ثم أراد أن يطلب هل له ذلك. فذلك في بعض قول المسلمين ما لم يمت اليتيم أو البايع أو المشتري بعد بلوغ اليتيم (2). فإذا مات اليتيم بعد بلوغه أو البايع أو المشتري ثبت ذلك في الحكم ما لم يصح أنه بيعا باطلا. ... /78/
(1) في أ, ب: إذا لم يستثنه ...
(2) في أ ... : حذف من قوله فإذا مات اليتيم ... أو المشتري. (5/68)
صفحة 1928
وقال من قال: إذا علم ببيع ماله بعد بلوغه ولم يغير ذلك ثبت عليه في الحكم والقول الأول أحب إلي.
وسئل أبو سعيد رحمه الله –عن رجل باع ثوبا نجسا ولم يعلم بنجاسته. فقال إنه عيب يرد به وعليه أن يُعلم المشتري بنجاسته, فإن رضي به وإلا كان له رده قلت له ما العلة في ذلك. قال: العلة عندي فيما يخرج معي في ذلك بحدوث النجاسة في الطهارة ويعلق الغسل للثوب من النجاسة.
ومن كتاب فيما معنى أنه صحيح, وهل ينبغي للرجل أن يأخذ جملا قرضا أو دابة بدابه؟ قال: لا بأس بذلك وعن أبي معاوية (1).
وعن رجل باع مال امرأته من غير أن يعلم أنه وكيل لها ولا امرأته بذلك وعلمت ببيع مالها ولم يغير ذلك ولم تنكره والمال في يد المشتري سنين ثم غيرت وطلبت مالها. فقال: لعلها أن تكون مقهورة أو خافت من الزوج شيئا فلها أن ترجع في مالها وتأخذه ويلزمها يمين ما امرته ببيع مالها ولا كان من رأيها ولا رضيت ببيعه بعد أن علمت. ... /79/
(1) في أ, ب ... : وعن أبي معاوية في رجل: وهنا أصح من (1) (5/69)
صفحة 1929
ومن غيره: إن ذلك يجوز على رب المال إذا علم ببيع ماله ولم يغير ذلك ولم ينكره فقد بطلت حجته كان البايع زوجا أو غيره. فإن ادعى التقية كان مدعيا لذلك وكان عليه البينة بتغير ذلك, وأنه لم يغيره شاهرا تقية منه فمن باع ماله أو ممن اشتراه. وقول آخر أنه إن كان البايع أو المشتري في منزلة التقية وصح ذلك انهما أو احدهما بمنزلة التقية مما يتقيه رب المال فله حجته وله الرجعة في ماله.
وقال من قال: له الرجعة على حال ما لم يمت هو أو البايع أو المشتري فإن مات هو أو البايع أو المشتري وقد علم هو بالبيع ثبت البيع على هذا الوجه. ... /80/ (5/70)
صفحة 1930
مسألة مختصرة في بيع النيل: قلة له فإن باعه فقوشا من النيل كسر منه فقشا واحدا ووقع البيع على ذلك الفقش الواحد هل يثبت البيع على جميع الفقوش. قال معي: إنه إنما يثبت من بيع (1) الفقوش ذلك الفقش الواحد إذا كان ذلك لا يستدل على جميعه إلا بكسرة كما لا يستدل على الجراب الا بفتحه ولو كان من جنس واحد (2).
وعن الرجل إذا أقر أن والده اعتق غلاما لوالده ثم أن والده باع الغلام ومات الوالد وورثه الولد هل يكون على الولد فدا الغلام إذ علم أن والده باعه وهو حر. قال هذا عندي يشبه الاختلاف, مثل الحقوق التي يعلم أنها تلزم والده ولم يعلم أنه قضاها حتى مات ففي بعض القول إنما عليه في ماله حتى يعلم أنه قضاها. وفي بعض القول: أنه إذا أمكن خروجه منها في حياته وزوالها عنه لم يكن عليه هو شيء إلا أن يوصي بذلك الهالك. وسئل عن رجل سلم إلى قصاب دينارا بثلاثين منا لحما على أن يقبض منه كل يوم منا واحدا هل يكون هذا ثابتا؟ قال معي إنه لا يثبت في الحكم فإن تتامما على ما قد عرفناه. (وفي نسخة على ما عرفناه) ولم يسمياه سلفا فهو تام وثابت.
وسئل عن رجل اشترى شاة ولم تأكل النوى هل يكون عيبا ترد به قال معي: إن هذا ليس بعيب يرد به البيع. قلت فإن كانت تأكل النوى, وتفلحه إذا اجترت هل يكون هذا عيبا يرد به البيع. قال يشبه ذلك أن يكون ذلك عيبا وفلح الشاة للنوى إنما تخرج عندي في خصوص في مواضع التي تكون فيها ذلك. /81/
(1) في أ ... : إنما يثبت من جميع الفقوش.
(2) في أ, ب: زيادة ومن غيره: في بيع السكر عن الشيخ عبد الله بن مداد: إذا أحاط المشتري النظر بجميع سافاتها وعرفه ووقف عن الزيادة كان بيعه جائزا كبيع القت والعظلم وغير ذلك مما يتشابه عليه قياسا والله أعلم.
وعن رجل باع سيفا بعشرة دراهم وهو لا يعرف جوهره لا ماه فإذا هو يسوى مائة درهم وطلب أن ينقض فيه البيع هل له ذلك؟ قال: لا أعلم له في مثل هذا نقضا من طريق الجهالة لأن هذا ظاهر جوهره لمن (5/71)
صفحة 1931
عرفه وظاهر عيبه لمن عرفه ولو وقف واقف على عيب شيء من البيوع ولم يعرف أنه عيب فلما اشتراه علم أنه عيب فاراد رد البيع بذلك العيب الذي قد رآه وجهل ما يلزم فيه لم يكن له ذلك عندي. وقد جاء في الأثر في الحيوان والعروض فيما دون الأصول إنه يشتري ممن هو في يده ولو كان يقربه لغيره أو يعرف غيره (1) أنه ادعى أنه اشتراه أو زال إليه بميراث أو غيره أو هبة أو أمر ببيعه, فإذا اشتراه على ذلك جاز له أخذه على ذلك مالم يعارض الذي هو له وقد أقر له به أو علمه هذا له فإن عارضه في ذلك وادعى عليه إنه لم يأمره ببيعه وإنه لم يبعه له. فقال من قال: أن ذلك لا يجوز. ويكون القول قول رب المال. وقال من قال: إن ذلك جائز حتى يصح كذب المدعي لأنه كان في يده لأن ذلك هو المتعارف من أمر الناس في العروض والحيوان أو اشباه ذلك. وأنا أحب أن يكون له لعله اراد أحب أن يكون له في ذلك حجة, ويكون القول قوله في ذلك لأنه ماله إذا لم يقر أنه جعل له في ذلك سببا من الأسباب.
ومن غيره: وقال: عندي أنه قيل في الشريك أنه لا يجوز له أن يبيع حصته من المال المشترك إذا كان شريكه يتيما إلا على من يأمنه على شريكه قال أبو علي حفظه الله- ويجود عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة –رضي الله عنه- أنه يجوز له بيعه إلا على المتغلب أو المغتصب أو من يعرف بظلم الناس وأخذ أموالهم والقول الأول أحب إلينا, إلا أن يكون المشتري شريكا والله أعلم. /82/
(1) في أ ... : لا يوجد الحق. وواحد أصح.
وعن رجل اشترى مالا واستغله سنين ثم حمله السيل فاحتج أنه لم يكن يعرف حدوده بل الشراء وطلب نقض البيع هل له ذلك؟ فالذي يوجد في الأثر أن له نقضه إذا طلب ذلك وسألته عن رجل قال لرجل قد اشتريت مني هذه السلعة بكذا وكذا قال الآخر: نعم وقبضها هل يثبت البيع. قال عندي أنه ثابت. وعمن باع من أحد متاعا نظره ثم اشتراه منه بنقد قد علما انهما سيفعلان فقد رأيناهما في الاثم سواء.
قال أبو سعيد –رحمه الله- لا نعلم هاهنا معنى لا يقع لعله اراد يقع قبل الفعل إلا على الظن أو الشرط فإن كان الظن فإن الظن لا يغني من الحق (1) شيئا. (5/72)
صفحة 1932
وإن كان شرطا فلا يجوز أن يبيعه على أنه يشتريه منه بنقد. وقد قيل عن بعض أهل العلم أنه أجاز ذلك إذا لم يكن شرط. وإن كان ثم نية من أحدهما فنحب له التوبة من ذلك القصد إلى الباطل.
ومن غيره: وعن أبي عبد الله إلى موسى بن علي: سلام عليك فإني أحمد الله إليك لا إله إلا هو وأوصيك بتقوى الله أما بعد: فإنك إن سألت عن رجل باع من ارض هي رم بين أهل القرية, وشرط له الشروي (2) في قطعة أرض له, ثم إن البيع انتقض فإن كان قد علم أنها رم فلا شروي له, وإن كان لا يعلم في الشروي, قال أبو سعيد: يعجبني أن لا يكون الشروي يثبت إلا بالاستحقاق من غير نقض البيوع, وأما إذا كان البيوع منتقضة أو فاسدة فذلك دخل على البايع والمشتري جميعا في الحكم ولا يعجبني أن (3) يكون فيه شروي /83/
(1) في أ, ب ... : باع سهمه.
(2) في ب ... : بدل فيه «فله»
(3) في ب ... : أن لا يكون فيه.
علم أو لم يعلم. وعن رجل اشترى غلاما فأعتقه ثم أطلع المشتري عل عيب في الغلام الذي أعتقه هل يرجع البايع بقدر العيب. فقال: لا يرد عليه شيئا. قال أبو سعيد –رحمه الله-أنه قد قيل يرجع عليه بأرش العيب. وفي (1) جواب أبي سعيد –رحمه الله- قلت: وما تقول في رجل يقول لرجل اشتر لي من فلان كذا وكذا بدرهم أو أقل أو أكثر؟ فالجواب (2): واجب لمن أمره أن يشتري منه أو الذي أمره أن يشتري له, ويسلم الثمن إلى من أمره أن يشتري له أو سلم الثمن إلى أمره أن يشتري له منه. قلت فإلى أيهما يجب عليه أن يدفع الثمن. فمعي أنه إذا أمره أن يشتري له من فلان فهو ضامن لفلان إذا أمره أن يشتري له منه. وإن أمره أن يشتري له ولم يحد له من فلان كان ضامنا للمشتري, ولا ضمان عليه للبايع.
ومن (3) جواب لأبي الحواري: وطنا النخل بالحب جائز يدا بيد. قلت: فإن اطناه هذا اليوم وقبض منه بالغد. قال جائز. ولكن لا يتعرض بالنخل حتى يدفع إليه الحبّ ويقول له هذا بهذا. ... /84/ (5/73)
صفحة 1933
(1) في أ ... : ومن غيره: ومن أبو سعيد ... ... في ب: ومن جواب لأبي سعيد ... والصحيح من أبي
(2) في أ, ب: فالحق واجب. بدل فالجواب ... ... و أ, ب أصح.
(3) في ب ... : ومن غيره أبي الحواري ...
ومن غيره (1): قال من قال: لا يجوز ذلك وإنما يكون الطّنا بالحب وغيره من الماكول من الطعام معا يكون الطنا والتسليم لأن القبض في الطنا إنما هو التسليم والبيع وذلك هو اليد باليد. سألت أبا سعيد محمد بن سعيد رحمه الله –عن رجل صوغا مثقالين ذهبا بخمسة عشر درهما وجربين من بر نسيئه. هل يجوز هذا. قال معي إنه إذا كان إلى أجل مسمى إنه جائز إذا كان البيع بالدراهم يدا بيد والحب إلى أجل مسمى صفقة واحدة. قلت له: فإن لم يكن للحب أجل مسمى أهي مثل الأولى أم بينهما فرق قال معي إنه إذا لم يكن إلى أجل فأخاف أن يضعف وارجو أن تتامما على ذلك تمّ إذا كانت الدراهم نقدا قلت له: فإذا اشترى رجل من رجل دينارا او قبضه ثم وزن له الثمن من حينه قبل أن يفترقا. هل يجوز هذا البيع. قال معي: إنه قيل لا يجوز إلا يدا بيد. وأحسب أن بعضا قال: مالم يفترقا حتى ينقده انه لا بأس بذلك. ... /85/
(1) في أ ... : قال غيره ... (5/74)
صفحة 1934
ولا يعجبني ذلك إلا أن يكون بدراهم حاضرة فيبيع له هذا بهذا, أيقبض (1) حتى يفترقا كان ذلك حسنا عندي أن يجوز. وسئل عن رجل سلم إلى رجل دراهم يشتري بها حبا فقاول على حب من عند رجل وكال له بتلك الدراهم حبا ولم تكن صفقة البيع, ودفع المأمور إلى صاحب الحب الدراهم وقبض الحب لصاحب الدراهم, هل يجوز هذا ولا يضمن المأمور شيئا إلا بالتوبة من ذلك. قال معي: إن هذا لا يجوز في أموال الناس وإذا أمره أن يشتري الا شراء ثابتا تاما والإفكان البيع منتقضا والدراهم مضمونة على الدافع لها عندي وعلى المدفوعة له للدافع حتى يتم ذلك رب المال بعد علمه.
وسألته عن رجل باع لرجل سيفا فيه حلية ذهب أو فضة فنقده بعض الثمن وتأخر بعضه ووقعت صفقة البيع على السيف وحليته بلا تميز هل يفسد هذا البيع (2) أن البيع تام إذا كان الباقي من الثمن يخرج قيمة السيف من جملة الثمن, ومعي أن بعضا يقول إنه فاسد ما تأخر منه حتى يقصد بالذي تناقداه قطعا ثمنة للحلية وما بقي فمن ثمن السيف ويعجبني هذا.
ومن غيره: قلت له: ما تقول في قوم اغصبوا رجلا مالا وهم وراثة فباعوه على رجل ثم مات وورثوه هل يتم ذلك البيع (3). قال: عندي أنه لا يتم إلا أن يتموه قلت له: فهو يكون كمن زرع بسبب ويكون له عناؤه ونفقته. قال عندي إذا (4) استعمله قبل أن يموت المغصوب فعندي أنه بمنزلة الغاصب إذا علم كعلمهم وأما ما استعمله بعد موت المغصوب فيعجبني أن يكونوا كمن زرع ... /86/
(1) في أ, ب ... : لا يقبض.
(2) في أ, ب ... : زيادة: هل يفسد هذا البيع أم ينتقض وإن تتامموا ثم قال معي: إنه قد قيل رذا نقده بقدر ثمن الحلية مع صفقة البيع إن البيع تام ... (5/75)
صفحة 1935
(3) في أ, ب ... : البيع الأول؟
(4) في أ, ب ... : بدل إذا ... ما استعمله ...
بسبب. قلت له: فإن أتموا له ذلك البيع الأول يوم باعوه, هل يتم؟ قال: عندي أنه يتم البيع إن شاء الله. وهذا المعنى في قوله (1).
وسئل عن رجل اشترى غزلا او غيره مما يوزن هل يجوز أن يطرح في الوزن لكل من, من ذلك قياس طرحان لا يحسب له ثمن, هل يجوز ذلك. قال: عندي إنه إذا كانت قد جرت السنة بذلك في ذلك الموضع. فعندي أنه جائز على من عرف ذلك ودخل فيه من المتابعين, فأما من جهل ذلك ممن يبيع سلعته فلا أحب أن يثبت عليه ذلك حتى يعرف من قبل بيعه لسلعته سنة الموضع فإذا عرف وباع على ذلك وطرح من سلعته على ذلك. فمعي أنه يثبت عليه سنة الموضع إذا دخل على معرفة ذلك. قلة له فالسنة تثبت في الموضع إذا اجتمع عليها أهل الموضع ولو لم يكن من قبل ولا يثبت بين السنن من الناس إلا ما تقدم منها. قال: عندي أنه ما اجمعوا عليه من بيعهم وشرائهم وما يطلقونه من ايديهم على ذلك. فلا أقول أنه حرام إن شاء الله. ما لم يجمعوا على حرام في الأصل. وعمن ينتقي خيار قطعته (2) ويبيع الباقي والمشتري يرى ما اشترى. قلت: هل يجوز ذلك؟ فقد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: يعلم ذلك وقيل ليس عليه ذلك حتى يسأل فيكتم ذلك بعد السؤال. وسئل عن رجل يعلم أنه لا يخرج زكاة ماله هل يجوز أن يشتري من ثمرته ومن حبه أو من مال في يده يعلم أن فيه حراما. فأما في التنزه فإذا كان في يده حراما لا يعرف أين هو من ماله فقد يلحقه في بعض القول أنه لا يجوز بيعه لثمرة ماله الذي تجب فيه الزكاة وإنما يجوز من بيعها تسعة أعشارها. ... /87/
(1) في أ, ب ... : وهذا المعنى من قوله ... ... وفي ب: وهو المعنى من قولهم ...
(2) في أ, ب ... : خيار فطنه. (5/76)
صفحة 1936
وقال من قال: يفسد البيع كله لأنه بيع مشترك صفقة واحدة. وقال من قال: إنه عيب إن اتمه المشتري وإلا انتقض بيع (1). وقال من قال: أنه جائز وللمصدق الخيار إن شاء لحق المشتري بالثمرة وإن شاء أخذ الزكاة من الثمرة.
ومن غيره: وقد قيل أنه يجوز أن يشتري من عنده بقدر الحلال والله أعلم.
ومن غيره (2) «بيع الجزاف»: محمد بن حبوب –رحمه الله- إلى بعض أهل خرسان: وعن رجل له أرض فزرعها بصلا أو ثوما أو جزرا فلما ادرك باعها من رجل بالجزافة من غير أن يقلعها فقلعها المشتري وبيع بالكيل والميزان. سألت: الكم أن تشتروا من ذلك أم لا. فما نرى بشرائه بأسا وهو جائز إن شاء الله. وقال أبو مروان في رجل وضع في يد رجل شيئا يبيعه ووقت له أنك تبيعه بمائة أو سبعين أو ثمانين فلما طلب المشتري البيع. قال: البايع للمشتري أن صاحب السلعة قد وقت لي أن لا أبيع إلا بالمائة فأبى المشتري أن يأخذ بالمائة, فقال البايع: أنا أبيعك بسبعين أو ثمانين بدون ما وقت به البايع.
قال محمد بن بارسة (3) لأبي مروان ترى عقد البيع منتقضة حتى حين أخبر البائع المشتري أنه وقت له فخالفه. فقال أبو مروان: البيع جائز ولصاحب ... /88/
(1) في أ, ب ... : وإلا انتقض. (دون بيع)
(2) في أ, ب ... : بدل ومن غيره: ومن جواب محمد بن محبوب –رحمه الله-
(3) في ب ... : محمد بن ياسرة. (5/77)
صفحة 1937
السلعة حجته إن شاء نقض وإن شاء تمم إلا أن يجعله وكيلا جائزا الأمر أو وصيا جائزا عليه ما باع الوكيل. وجائز على الورثة ما باع الوصي. قال غيره (1): ارجعوا أني عرفت البيع منتقض إذا سمي من وقت له وأمره البيع. وأما إذا لم يسم من وقت له أن الشراء منه جائز لأنه ربما كان المبيع لولد البائع فأمره عليه نافذا وبيعه عليه جائز والله أعلم, ونظر في ذلك ولا نأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
محمد بن سعيد في الرجل يشتري من الرجل سلعة ويشترط عليه أني إنما أخذ منك على أن تعترض مني, فزعم أنه له عليه شرطة. قال أبو سعيد –رحمه الله- قد قيل هذا «وقال من قال: لا يثبت إلا أن يتفقا على ذلك بعد البيع ولا يختلفان في العرض» (هذه في أ, ب) غير موجودة في 1.
وقال من قال: إنه لا يثبت ولا يجوز لأن فيه شرطين وإن تتاما على ذلك كان ذلك أعجب إلي, أن يتم وإن اختلفا اعجبني أن ينتقض البيع. وعن الذي حمل طعاما فزاد في النداء, قال: يحط ما زاد من المطر والغبار للمشتري (2).
قال أبو المؤثر: من اشترى حبا ثم باعه قبل أن يقبضه فليس له ربحه والربح الأول إلا أن يتتامما على البيع وإن نقضوه فهو منتقض نقضه البائع أو المشتري فأراه منتقضا. ... /89/
(1) في أ ... : ومن غيره ...
(2) في أ, ب ... : من وعن الذي حمل ... للمشتري. غير موجود (5/78)
صفحة 1938
ومن غيره: وقال من قال: الربح للفقراء لا للبايع ولا للمشتري. وعن أبي الحواري وعمن يرسل خادمته (1) أو جاريته يشتري له الجارية (2) من السوق ولا يعجبه ذلك الشيري فيرسله ليرده فلا يجوز له رده إلا أن يظهر فيه عيب لم يعلم به المشتري.
وسئل عن رجل باع مال رجل حاضر لا يغير ولا ينكر أيكون هذا بيعا تاما أم لا؟ فمعي أن فيه اختلافا, قال من قال: بيع جائز. وقال من قال: إنه لا يجوز, وكذلك قال إذا باعه مع ادعائه أنه له أن البيع جائز والثمن للبايع. وقال: إنه إذا لم يكن في يد المدعي قيل معنى الاختلاف في دفع الثمن وثبوت البيع, ولو كان باعه بادعاء والله أعلم.
وسئل عن رجل باع رجلا خمس مكايل حب بخمسة دراهم إلى الصيف, قال معي إنه قال من قال: يثبت أجلا. وقال من قال: إنه أجل مجهول وينتقض البيع إلا أن يتتاما على ذلك. ومعي أن في بعض القول إنه تام حتى تناقضا, قلت له: فإذا مات البايع قبل أن يتتامما هل يكون المشتري مخيرا إن شاء رد الورثة حبا مثل ذلك الحب وإن شاء دراهم. قال معي: إنه يختلف في ذلك إذا كان البيع منتقضا ثم مات البايع أو المشتري.
ومن غيره: قلت في رجل باع على رجل ثوبا مطلوبا (3) قد وقفا على صفحته من ظاهره وقال البايع للمشتري إن فيه عيوبا كثيرة فلما قبض المشتري نشره فإذا فيه عيب واحد. فقال البايع أنا لا أعلم أن ليس فيه إلا عيب واحد, وإنما كنت أظن أن فيه عيوبا كثيرة, فأنا آخذ ثوبي, هل له ذلك؟ إذا رضي المشتري.
قال معي: أن ليس للبايع ذلك. قيل له: وكذلك أن لو كان البايع علم بعيب في السلعة ولم يخبر المشتري بذلك فلما نظره المشتري رضي به على عيبه وطلب البائع النقض هل له ذلك. قال معي: أن ليس له ذلك عندي لأنه باع ما هو عارف به واشترى المشتري ما هو معلق برضاه فلما رضي المشتري ثبت البيع كان مردودا على البايع (4). ... /90/
(1) في أ, ب ... : خادمه وهذا أصح.
(2) في أ, ب ... : له الحاجة. وهذه أصح لأن المعنى يكون سليم.
(3) في أ, ب ... : ثوبا مطويا ... وهذا أصح لأن المعنى يكون سليم.
(4) في أ, ب ... : غير موجودة: كان مردودا على البائع.
(1) ومن غيره: وإذا قال البائع أو المسلف قد سلفتك وقد بعت لك فذكر ما يصح به السلف أو البيع. فقال: نعم. فقد صح بلا رجعة إذا قال: نعم وإذا لم يكن منه خطابا غير هذا القول. وقد قيل أن البيوع على ما عقدت, وقيل على ما اسست يخرج عندي في الحلال والحرام, وعلى ما عقدت يخرج عندي في الأحكام. وعرفت أنه يجوز بيع الليل إذا عرف المتبايعان على ما تبايعا عليه كمعرفتهما في النهار, وقيل ويوجد فيمن باع مالا له مواتا يستحق في المعنى على قول من يقول بالموات فأرجعوا أنه في بعض القول أنه تبع للمال حتى يشترط البايع. وفي بعض القول أنه (5/79)
صفحة 1939
للبايع حتى يحده المشتري وقال أبو سعيد –رحمه الله- معي أنه يختلف في ثبوت بيع المغيبات من الأصول وغيرها إذا عرفها المتبايعان قبل ذلك. فقال من قال: إن ذلك ثابت البيع فيه على غيبته إلا الحيوان خاص في ذلك وحده مالم يحدث في ذلك زيادة أو نقصان. وقال من قال: إن ذلك ثابت في الحيوان أيضا لأنه على أصله حتى يعلم تغيره عن حاله أو زيادته. وقيل اختلف فيما كان في بيع الخيار فعرضه للبيع. فقال من قال: إن ذلك رض منه وقال من قال: لا يكون رض إلا أن ينوي أنه قد رضيه عند ذلك العرض. وأما إذا باعه فهو رض بالبيع. وقال من قال: إذا لم يرض فلا يوجب البيع رضي وقد باع ما ليس له وللبايع الخيار في الثمن الأول والآخر. واختلف في وطئه للأمة. فقال من قال: وطئه إياها رض وهي له. وقال من قال وطئه إياها حدث وقد فسد عليه وطئها وهي رد على صاحبها. ... /91/
(1) في أ, ب: زيادة فقرة كاملة قبل ومن غيره: وسئل عن رجل قال لرجل قد بايعتني سلعتك هذا بكذا وكذا درهما. فقال آخر: نعم. هل يكون هذا بيعا تاما لا رجعة لأحدهما؟ قال معي: هذا قرار من البايع بالبيع, فإن قبل المشتري ثبت البيع بينهما وان رد البيع كان مردودا على البايع.
وسألته عن قول الإنسان عند تزويج أو سلف أو بيع أو شراء. عند العقد يقول: قد قبلت إن شاء الله, إنه يهدم ما كان من عقده.
وعن رجل باع طعاما بمائة درهم إلى أجل وقال له: إذا حضر الأجل فاشتري بالدراهم كذا وكذا فاشترى له كما أمر فضاع المتاع. قال: هذا لا ينبغي حتى يقبض دراهمه ثم يعطيه يشتري له, فأرى أن يأخذ دراهمه من يده قال أبو علي الحسن بن أحمد –رحمه الله- ويوجد إن الشراء للذي له الدين فإن تلف كان من ماله إذا صح أنه اشترى له والله أعلم.
وعن رجل باع حبا أو غيره بربح إلى الذرة أو القبض واتما جمعين ورضيا به ولم ينقضاه. قلت يثبت على هذه الصفة, فعلى ما وصفت فقد قيل إن ذلك ثابت إذا تتامما على ذلك وإن نقضاه انتقض على ما وجدناه في الأثر من جواب أبي الحواري –رحمه الله- (5/80)
صفحة 1940
مسألة (1): وعن أهل قرية لهم بيع قد عرفوه وجرى لهم بذلك كل جري بعشرين درهما إلى الأجل, فإذا حل الأجل أخذ بالعشرين درهما جرنين بغير شرط يكون عند البيع, ولكن هذا رسم وبيع قد عرفوه وجرى لهم ذلك بالقلوب يعرفونه ولا يشترطونه بألسنتهم. قلت: هل هذا بيع حلال لا يدخل فيه ربا؟ فعلى ما وصفت فأما في (2) الظاهر فإذا رجعوا فيه إلى إنفاذ حكم الحق, ولم يكن بينهما فيه شرط فهو حلال في ظاهره. وليس له إلا الثمن الذي تبايعا عليه أو تعدم الدراهم, فيتفقا على الحب حين ذلك بسعر يومه فهو جائز. واما ضماير القلوب والنيات الخبيثة فإن كان اعتقادهما على ذلك أصل بيعهما فإن ... /92/
(1) في أ, ب: مسألة: غير موجودة.
(2) في أ, ب: فأما في حكم الظاهر ...
العشرين باطلة معهما وإنما هو كأنه جري بجرنين فهذا في الربا بالنية. وإن قدرا أن يطهرا قلبيهما من هذه النية فذاك حلال طيب إن شاء الله. وإن داخلتهما (1) هذه النية وعليها اعتقادها فإن أخذ منه نقدها وترك ذلك فهو حلال وكذلك إن زال طمع الجرنين من قبله. على ما وصفت ورد اعتقاده إنها دراهم ويأخذها منه بثمن الجري أو لم يجده معه دراهم واتفقا على سعر الحب أو غيره من السلع اعترض منه في موقفهما ذلك. فعلى هذا زالت بينهما إلى ما يسعها جاز ذلك إن شاء الله.
والنيات النيات هن بها المهلكات وبها هن المنجيات (2) وقد قيل النية أحب إلى الله من الأعمال تعالى ذو الجلال وذلك نية الصادقين لا نية الفاسقين ولو كانوا باعمال الصدق متحلين وبنيات الفسق ممازحين. نعوذ بالله من غلبة الشقي ومن حب ملكة الدنيا (3).
ومن غيره: وذكرت إن كان الجند أو غيرهم من أهل الظلم قد اغاروا على قوم فأخذوا لهم غنما أو إبلا أو متاعا فجاؤوا به إلى سوق المسلمين فباعوه في البلد أو في السوم. قلت: هل يجوز الشرى من عندهم والمشتري لا يعلم هذه الغنم والإبل التي أخذوها أم غيرها. فإذا كان ذلك شاهرا أن هذه هي تلك الغنم وتلك الابل فلا يجوز ذلك عندي لأن الشهرة تقوم مقام الصحة ومرافعة اليقين من تجارات الفاسقين. وإن كان لا يعلم ذلك ولا شهر ذلك فما كان في (5/81)
صفحة 1941
أيدي الناس كلهم من سلطان أو غيره, ففي الحكم جائز أن يشتري منه وينتفع به من يده. وأما في الاطمئنان فذلك إلى المبتلى والمعنى به وقلت إن اشترى من أحد ... /93/
(1) في أ, ب: وإن داخلته هذه النية ...
(2) في أ, ب: هن المهلكات وهن المنجيات.
(3) بين أ, ب: هذه الفقرة فيها اختلاف والمعنى واحد.
ونقد الثمن ولم يعلم أنها غصبت بعينها إلا ما يدخل قلبه أنها تلك الابل أو الغنم أو المتاع. فمعي أنه إذا لم يعلم ولا قامت عليه حجة بذلك فذلك لا يضيق عليه ذلك في الحكم. وأما في الورع فذلك إليه ومعي أنه إذا شهر منهم هذا الغصب الذي من مثله هذا الذي يبيعونه ولم يشهر هذا بعينه هو منه فلا أحب لمسلم أن يدخل في مثل هذا الذي ينظره بقلبه إنه لعله منه على حقائق الظنون. وأما في الحكم فلا أوجب عليه حكم الظنون ما لم يعلم أن هذا بعينه من ذلك أو شهر معه ذلك.
وعن أبي عبد الله –رحمه الله- وسألته عن رجل باع متاعا إلى أيام أن ذلك جائز. قلت له: فكم الأيام؟ قال: ثلاثة أيام. قلت فإذا سلم إلى أيام قال: جائز. قلت: فإني حفظت عنك أن السلف لا يجوز والبيع يجوز.
قال: إن كنت حفظت عني فخذ به. قلت: فإن باع إلى الأيام. قال: منتقض, قلت له: ولم. قال: لأن الأيام قيل الدهر.
ومن غيره: وقد قيل أن أيام السبوع وهو سبعة أيام.
ومن غيره: وإذا باع سمنا أو غيره من الأدهان وفيه نجاسة ولم يعلم بذلك فخلطه (1) المشتري على الذي له فالبايع ضامن لما أفسد من ذلك (2) , وسألته عن رجل اشترى من رجل مالا غير عارف به بكذا وكذا من الثمن وسلم اليه بعض الثمن ثم ادعى المشتري الجهالة ونقض البيع هل ينتقض ذلك البيع. قالا إذا كان جاهلا به واراد النقض كان له ذلك, والقول قوله إلا أن يصح أنه عارف به أو تقر بذلك وعليه اليمين وإن طلب اليه البائع الثمن وهذا أكثر ما عرفنا وعليه عوام الناس وأكثر أهل العلم. ... /94/ (5/82)
صفحة 1942
(1) في أ, ب: وخلط.
(2) في أ ... : ومن غيره ...
وقيل إنه إذا أقر بالشراء ثم اراد نقضه بالجهالة لم يكن له ذلك لأنه يريد نقض بيع قد ثبت وهو لمدع في ذلك فالقول الأول أحب إلينا لثبوت الجهل في العلم بالأشياء حتى يصح علمه بها.
ومن غيره: فما تقول في رجل أخذ من عند آخر شيئا ليشتريه فأخذه بثمن من غير إيجاب, على أنه ينظره, فإن صلح له بذلك أخذه بالثمن الأول, فتلف من عنده هل عليه ضمان؟ قال معي: إنه إذا أخذه على أسباب البيع فمعي أنه مضمون عليه إذا تلف من يده, من قبل أن ينظره وبعد ذلك كله سواء عندي.
وسئل أبو سعيد أيضا: عن بيع الماء إذا كان الفلج يابسا. هل يجوز؟ قال: نعم. وقد قال من قال: أن بيع الماء لا يثبت كان الفلج قائما أو يابسا لأنه مجهول. فيمن اشترى وقال من قال يثبت الشروي ولا الخلاص ولكن يثبت عليه الضمان ما استحق فما سلم من الثمن على كل حال إذا أخذ بحق وحكم من أحكام العدل وأما الأصول فيعجبني أن يثبت فيها الشروي لأنها ثابتة لا تزول ولا تغير كتغير الحيوان. وإن كانت الحجة قد تدخل فيه الزيادة والنقصان فإنه يعجبني قول من قال: أن شرط الشروي فيها ثابت, أما الخلاص فلا يعجبني خلاصة في حيوان ولا أصل. وعن الثوب السوجي إذا قصر. قال هذا غش لا يجوز. ... /95/
(1) في أ, ب: مدع. (5/83)
صفحة 1943
«البيوع المنهي عنها» ومن جامع أبي الحسن البسياني: ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الملاقيح والمضامين, وحبل الحبلة. فالمضامين ما تضمنه بطون الأنعام. والملاقيح: أن يشتري الرجل من صاحبه ولد الناقة في بطنها وما في صلب هذا الفحل من اللقاح. ... /96/ (5/84)
صفحة 1944
ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-عن الملامسة والمنابذة.
وهو أن يقول الرجل إذا لمست كذا وكذا هو لك بيعا بكذا وكذا. والمنابذة: أن يقول الرجل: انبذ إلي وأنبذ اليك في البيع.
ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن بيع المعاومة وبيع السنيين وهما سواء, وهو أن يشتري الرجل ما في رؤوس النخل من الثمر بمكيلة من التمر إلى أجل لأنه حرام بيع التمر إلا مثلا بمثل إلى أجل.
ونهى عن المحاقلة: وهو أن يشتري الرجل ما في الارض من الحقل وهو الزرع من البر والشعير والمستحصد بمكيله من الثمرة أو مجازفة, وقد اختلف في الحقل وهو أيضا أنه كراء الأرض. ... /97/
في أ, ب ... : وهو أن يشتري الرجل ثمرة نخل الرجل أو ثمرة بستانه. ونهى عن المزانبة وحرم ذلك وهو ... (5/85)
صفحة 1945
وقال قوم: بيع الزرع قبل دراكه.
ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن بيع ما ليس عندك من كل بيع إذا لم يكن سلفا. وهو أن يطلب الرجل من الرجل السلعة أو العبد فيصف له ذلك ويبايعه عليه وليس ذلك عند البايع ثم يمر البايع فيشتريه ويدفعه إلى المشتري, وكذلك يبايعه على حب ليس عنده ويعطيه دراهم على غير سلف, لأن السلف جائز وهو ما ليس معك.
ونهي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن ربح مالم يضمن وهو أن يأخذ الرجل من الرجل السلعة على يبيعها بما قد اتفقا عليه, على أن ما استفصل بعد ذلك الثمن فهو له من ربح ما لم يضمن. وكذلك يشتري السلعة ثم يبيعها بربح ويأخذ الربح قبل أن يقبض من البايع ما اشترى منه لأنه متى ما لم يقبض ما لم يضمن الثمن. ... /98/
(1) وعن بيع الكاليء بالكالي: وهو الدين بالدين.
ونهى عن النجش في البيوع وعن الخلابة وعن الخداع. (5/86)
صفحة 1946
و النجش: أن يزيد على السلعة ولا يريد شرائها ليرغب المشتري ويزيد في الثمن.
ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن تلقى الأجلاب, وأن يبيع حاضر لباد وهو أن يتلقى الجلوبة يحرفها ويتحكم في بيعها على الناس. أو يتلقى الجلوبة فيأخذها من البادي فيبيعها له. وقال: دع الناس يرزق بعضهم من بعض والفاعل لهذا قد قيل أنه أثم والبيع ثابت غير منتقض. قال أبو علي (2) حفظه لله: وقد قيل أن البيع منتقض والله أعلم. /99/
(1) في أ, ب ... : ونهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن بيع ...
(2) في أ, ب ... : قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله ..
وفي الحديث عن بعض الصحابة أنه قال: كنا نخابر حتى نهانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعني المزارعة. وحجة أخرى يثبت قول من لا يجيز ذلك في المزارعة: أن النصيب مجهول لا يعرف العامل كم له. انقضى ما نسخته من جامع أبي الحسن البسياني.
ومن غيره: وسألته عن رجل باع لرجل جراب تمر والمشتري من أهل البلد فاراد حمله إلى قرية هل له ذلك؟ قال: ليس له حمل التمر إلا برأي البايع. قلت له: فإن إذن له بحمله إلى قرية أخرى, ثم نقض المشتري على البايع أيكون على المشتري كراء حمل التمر. قال: نعم. قلت له فيكون عليه رده إلى البايع إن طلب ذلك البايع أو لم (5/87)
صفحة 1947
يطلبه ولم يأذن له بتركه في موضعه. قال: إذا كان حمله بإذن البايع لم يكن عليه رده. قلت له: فإن حمله من غير إذن المشتري من أهل البلد أترى عليه كراء حمله ورده إلى البايع؟ قال: نعم هكذا معي. قلت له: أرأيت إن كان المشتري من الغرباء الذين يشترون للحمل إلى القرى فحمل التمر من غير إذن البايع إلى قرية ثم نقضي البيع. أترى على المشتري كراء حمل التمر ورده؟ قال: الذي يبين لي: أن عليه كراء حمله وليس عليه رده لأنه المتعارف أنه إنما يشتريه للحمل. قلت له: فإن حمله برأي البايع إلى قرية معروفة أو إلى بلد لم يعرفه البايع ولا اشترطه فنقض البيع أترى حمل التمر على المشتري؟ قال: نعم. وليس عليه رده وهو للبائع في موضعه ذلك. وقال: للبايع أن يمنع المشتري حمل ما باع له مما هو غير ثابت البيع عليهما ولهما أو لأحدهما نقض البيع في البلد الذي هو فيه, أعني البايع لأنه يدخل /100/
عليه الضرر في جملة ماله, ولأحدهما فيه الرجعة. وسألته عن رجل باع لرجل ذهبا وشرط أنه ذهب زنجي, فظهر عن (1) أهل المعرفة أنه ليس بزنجي. هل يفسد البيع؟ قال: إذا صح بالبينة أنه غير ما شرطه كان البيع (2) منتقضا. قلت له: أرأيت إن أقر بالبيع وادعى أحدهما الشرط بخلاف اللون. قال: قد قيل أن البيع ثابت والشرط باطل. وقيل لا يثبت. القول الأول أحب إلي.
وذكرت في رجل باع من ماءه شيئا وقال البايع للمشتري خذ من حيث شئت من مائي, ثم مات المشتري من قبل أن يقبض من الماء شيئا وخلف ورثة إيتاما وبالغين. قلت فما يفعل هذا البايع في هذا الماء الذي باعه على ما وصفت, فإن كان هذا باع بيعا ثابتا قد عرفه إياه من ماءه من يوم معروف في آد معروف, فهذا بيع ثابت وهذا شريك للورثة.
وأما إن باعه ماء من أيام متفرقة فهذا بيع منتقض إذا لم يحد له ما يقع عليه الحكم فإن كان قد قبض في حياته فقد تم ذلك للورثة, وإن لم يقبض في حياته فالبيع منتقض ولا يقع عليه تسمية فقد اختلف المسلمون في ذلك. فقال من (5/88)
صفحة 1948
قال: موت المشتري مثبت للبيع, وكذلك موت البايع إذا كان من المنتقض بالمجهول. وقال من قال: للورثة ما للبايع والمشتري من النقض والبايع على الورثة ماله على المشتري. فأفهم والله أعلم بالصواب.
وسأل موسى بن مخلدة أبا سعيد محمد بن سعيد –رحمه الله- عمن يبيع نخلة بجميع ما تستحق ثم ادعى احدهما الجهالة, وطلب النقض وقال: له ... /101/
(1) في أ, ب ... : فظهر عند أهل.
(2) في أ, ب ... : غير مكرر. مكرر في واحد
النقض قال: وإن باعه هذه النخلة ولم يشترط جميع ما تستحق ثبت البيع وللمشتري جميع ما تستحق النخلة حتى يشترط البايع أنها وقيعة. وقال أبو سعيد في رجل باع على رجل سلعة بحبّ ثم بدا له أن يأخذ بقيمة الحب دراهم أو عروضا غيرها. فقال من قال: إن ذلك جائز. وقال من قال: لا يجوز. قلت له: فإن كان بيعا إلى أجل وحل الأجل هل له أن يأخذ غير الحب؟ قال معي: إنه لا يجوز وقالوا: إنه مثل السلف, وقد قيل إما أن يأخذ الحب وإما أن يأخذ راس ماله.
ومن غيره: وسألته عن رجل باع مال زوجته وهي عالمة بذلك لا تغيره ولا تنكره هل يجوز عليها ذلك إذا لم تغيره؟ قال نعم. قلت له: وما حد غيارها؟ قال: إذا لم تغير ذلك حتى افترقوا من المجلس الذي قد علمت فيه بالبيع, فقد ثبت عليها. قلت له: فإن كان زوجها في موضع تقية وادعت أنما سكتت ولم تغير ذلك تقية. هل هي مدعية (1) ذلك في الحكم وعليها البينة إنها إنما تركت الغيار في ذلك الموضع تقية فإن لم تقم على ذلك بينة ثبت من البيع للمشتري.
قلت له: فيما (2) بينه وبين الله أيجوز له أن يأكل ذلك المال؟ قال: إذا كان في موضع التقية فلا أحب له أن يأكل من ذلك المال إذا كان في موضع التقية قلت له: فهل يجوز بيع البنات من الذكارة من النخل بالطعام نظرة: قال: نعم قلت له: فهل يجوز بيع الفيض (3) من الأقباب من الذكارة من النخل بالطعام نظرة قال: نعم قلت له: فهل يجوز بيع الفيض من الأقباب من الذكارة من النخل بالطعام. قال: لا (4). ... /102/ (5/89)
صفحة 1949
(1) في أ, ب ... : لذلك في الحكم ....
(2) في أ, ب ... : ففيما (ففي ما) ...
(3) في أ, ب ... : بيع الغيض ...
(4) في أ ... : العبارات: من قلت له فهل يجوز بيع الغيض ... مكررة واحدة قال: لا. وواحدة قال: نعم. وفي أ, ب: نص واحد غير مكرر يختم قال: لا.
قلت فإن باع رجل لرجل حمل ذكر لم يدرك نباتا ما تقول في ذلك؟ فقال: هذا بيع فاسد. وله رأس ماله. فإن اتفقا عليه ببيع ثان بغير ذلك البيع جاز ذلك إذا ادرك. قلت له: فاذا (1) فعله على ذلك أيضمنه بالبيع الأول إذا جهل ذلك. قال نعم. قلت له: وهو بمنزلة البصل والجزر في ذلك. قال نعم.
ومن غيره: قلت (2) فهل الورثة إذا ارادوا أن يفدوا أموالهم إذا بيعت في الوصايا أو الحقوق إذا طلبوا المدة في ذلك. قال: نعم لهم في ذلك ما يشفع ثلاثة أيام بعد أن يرد في المال ويأخذه فله المدة في الثمن ثلاثة أيام وإلا فليس له شيء بعد الثلاث وثبت البيع للمشتري.
وسئل عن بيع السمسار يشتري المتاع ويشترط في كل الف كذا وكذا. قال كره الفقهاء ذلك إلا أن يشترط أجرة يوما أو شهرا أو يشتري له بغير شرط ثم يكافئه أو ترضيه من قليل أو كثير. ومن غيره في الطنا, وأما الوصومة فإن كان لا يعرف ذلك من الأرض فهو عيب. وإن كان يمكن أن يعرف ذلك من الأرض فهو ثابت على المطني ولا يقبل قوله إذا أنكر أنه لا يعرف الوصومة.
ومن غيره: من بعض المسلمين أنه وجد في الأثر عن بعض الفقهاء أنه يجوز أن يشتري منه الحب على أن يقبضه بالنقد وأما بالنسيئة على أن يقبضه فلا يفعل ذلك. فإذا فعلا ذلك فلم يقل أنهما أكلا حراما فلا. وأما بالشرط فذلك جائز بالنقد وبالنسيئة. ... /103/
(1) في أ, ب ... : فإن قلعه. (5/90)
صفحة 1950
(2) في أ, ب ... : قلت له: ...
وسألته عن رجل يقرض رجلا دراهم بوزن هل له أن يقبض منه روابح؟ قال: لا, إلا بوزن.
وعن رجل أعطى (1) رجلا ثوبا, وقال له: بع هذا بنقد فباعه الرجل بنسيئة والثوب النقد يسوي عشرة دراهم فباعه هذا بعشرين درهما فجاء صاحب الثوب يسأله عن الثوب فأخبره أنه باعه بنسيئة فأبى عليه ذلك. فقال له البايع: أنا أعطيك ثمنه الساعة كما يسوي؟ وأنا آخذ من الرجل الدراهم إذا حل الأجل فاتفقا على ثمنه بالنقد ووزن له ثمنه أيجوز له هذه الدراهم فعلى ما وصفت. فنعم جائز له لأنه ضامن للثوب بما خالف فيه أمر صاحبه. وعن عبد الله بن محمد بن بركة –رضيه الله (2) - فيما أظن وسألته عن رجل باع لرجل ثوبا بعشرة دراهم فلما أحضره الثمن, قال لا أرض بهذه الدراهم فزاده المشتري درهما آخر. قال هذا لا يجوز. قلت له: لم لا يجوز. قال: لأن له عشرة فلا يجوز أن يأخذ أحد عشر درهما. قلت: أوليس الصرف جائز عندك قال: هذا لم يكن له أن يصارفه لأن البيع وقع على دراهم مجهولة غير معلومة لهما وإنما هي على صفقة غائبة فإن شاء أخذ عشرة يتفقان عليها أو يرتفعان إلى الحاكم حتى يجبرهما على دراهم يخترها العدول ويرون أنها قاضية على الصفة التي كانت بينهما إلا أن تكون صفقة مجهولة لا تضبط فهو نقض, لأن الحاكم ينقض البيع. وسألته عن رجل أمر رجلا أن يشتري له دابة من حمارا أو غيره فاشترى له وبعث بها اليه, فلما وصل إليه لم يرض به ورده فتلفت. قال: هو من مال الآمر دون المشتري والرسول. وعن رجل اشترى مالا واستغله سنين ثم حمله السيل فاحتج أنه لم يكن يعرف حدوده قبل الشراء, وطلب نقض البيع, ... /104/
(1) في أ, ب ... : على أن يقضيه ...
(2) في أ, ب ... : غير موجودة من قوله وعن عبد الله بن محمد بن بركة ... أن يشتري له. (5/91)
صفحة 1951
هل له ذلك؟ فالذي يوجد في الأثر أنه لم نقضه إذا طلب ذلك. وسألته عن رجل اشترى من رجل مالا غير عارف به كذا وكذا من الثمن وسلم إليه بعض الثمن, ثم ادعى المشتري الجهالة ونقض البيع هل ينقض ذلك البيع؟ قال: إذا كان جاهلا به واراد النقض كان له ذلك (والقول قوله إلا أن يصح أنه عارف به أو يقر بذلك وعليه الثمن, وعليه اليمين إذا طلب اليه البايع اليمين, وهذا أكثر ما عرفناه وعليه عوام الناس وأكثر أهل العلم. وقيل إنه إذا أقر بالشراء ثم اراد نقض بالجهالة لم يكن له ذلك لأنه يريد نقض بيع قد ثبت وهو مدع في ذلك. والقول الأول أحب إلينا لثبوت الجهل في العلم بالأشياء حتى يصح علمه بها (1). ... /105/
(1) في أ, ب ... : من القوس إلى نهاية الفقرة لا يوجد. (5/92)
صفحة 1952
الباب الرابع
في التجارة والبيع
رجع إلى كتاب أبي جابر.
واعلموا أن مما من الله وأنعم, وهدي خلقه له وفهم. أن عرفهم ما أحل لهم وحرم, وأوضح لهم منهاجه, إذا لزمتهم اليه الحاجة. فقال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} {وإلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم وأشهدوا إذا تبايعتم} {وأحل الله البيع وحرم الربا} , وهدي من الله وموعظة وتنبيه ويقظة, وحق الله وأمانة بلا غش منه ولا خيانة. فمن تبع الآثار واستضاء بالأنوار, وفقه الله للخيار, وكان عند الله من الأبرار, فاتعظوا يا أولي الألباب والأيدي والأبصار, ولا تفسدوا حلالكم بالحرام, وتحاربوا ذا الجلال والإكرام, واعلموا أن كل من تجر فهو ممتحن مختبر, فأما أن يصدق في أمره ويبر, فيلحق الصالحين السابقين, ويرافق الصديقين والصادقين, وإما أن يخون الأمانة ويرجع إلى الظلم والخيانة, فيكون مع الخاسرين ويحشر مع الجبارين.
ومن التجارة الصرف والسلف والمضاربة والمقايضة والبيع والشراء. وقد يجوز في كل نوع من ذلك مالا يجوز في البيوع الآخر. ... /106/ (5/93)
صفحة 1953
فأما الصرف فهو بيع الفضة بالفضة, والذهب وسع (1) الذهب بالذهب وبالفضة, فال يجوز ذلك إلا يدا بيد.
وأما السلف: فهو مجهول, إلا أنه قد اتفق على جوازه الفقهاء وهو أن يسلف بنوع مما هو موجود فإن كان من الطعام فيوزن, أو كيل أو سن من الدواب أو بذراع من أصناف الثياب إلى أجل معلوم, وقبضه من مكان معلوم فأجازوا ذلك, ورده إلى الوسط مما أسلف فيه إلا أن يشترط جيدا فله جيد برأي العدول. /107/
(1) في أ, ب ... : وبيع الذهب بالذهب ... (5/94)
صفحة 1954
والمضاربة تشبه ذلك وإنما تجوز في المضاربة والسلف بالدراهم والدنانير, وأن يعطي رجل رجلا يتجر له بدراهم ودنانير فيما رأى ورجى أن له فيه جزاء مما يربح فيها, والشراء والبيع والمقايضة مخالف لذلك ولا يجوز منه شيء حتى يراه البايع والمشتري ويعرفاه فإذا وجب المبيع بنسيئة أو نقد, ولو استأجر الثمن على المشتري ولم يقبض الذي اشترى إلى وقت آخر فلا يفسد ذلك وسنفسر كل باب من هذه الأبواب إن شاء الله في هذا الكتاب.
وقال تبارك وتعالى في كتابه {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين, فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} فإياكم وما خالط البيوع من هذا الربا فإن الله قد وسع هذا الحال (1) في الحلال وطيبه ولم يحكم (2) إلى معصية ولا إن تعرضوا لمحاربته, وليس يبن المملوك وسيده ربا ولا بين الولد ووالده ربا. ... /108/
(1) في أ, ب ... : فإن الله قد وسع هذا الحلال ...
(2) في أ, ب ... : ومل يلجئكم إلى معصية ... وهذا الأصح.
ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله- وأما الاختلاف إذا اربى الوالد على الولد. وأما إذا اربى الولد على الوالد فلا يجوز ذلك والله أعلم.
ومن غيره: قال: قد اختلف الناس في ذلك معي أيضا فقيل لا ربى بينهما وقيل بينهما الربا كسائرهما من الأجنبين أعني الوالد وولده. وأما السيد وعبده فلا ربا بلا اختلاف. والله أعلم فيما علمت. ... /109/ (5/95)
صفحة 1955
رجع: وبلغنا عن عبادة بن الصامت صاحب النبي –صلى الله عليه وسلم- وكان عقبيا بدريا أحد نقباء الأنصار. قام خطيبا بالشام. فقال: يا أيها الناس إنكم قد احدثتم بيوعا لا أدري ما هي إلا أن الذهب بالذهب وزنا بوزن, ألا أن الفضة بالفضة وزنا بوزن, ألا ولا بأس بيع الذهب بالفضة يد بيد, ولا يصلح نسيئة, وكذلك الفضة بالذهب, والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير ولا بأس بكل هذا وما كان مثله يدا بيد وإن استأخر شيء من أحدهما فسد. ولا يكون الربا إلا في النسيئة إذا استأخر أحد هذين النوعين ولم يك يد هذا مع يد هذا (1).
وقيل: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر وهو بيع الأشجار قبل إبانها. (5/96)
صفحة 1956
ونهى –صلى الله عليه وسلم- عن بيع جمل بجملين وحمار بحمارين وشاة بشاتين ودينار بدينارين وثوب بثوبين, ثم قال: إلا هاء وهاء, يعني يدا بيد فما كان يدا بيد فلا بأس أن يكون واحد بمثله ومثله وأقل وأكثر ويجوز الواحد بالاثنين وأكثر نسيئة في الحيوان إذا اختلف النوعان مثل بعير بحمار أو بغنم أو بقر أو نحو هذا, فإذا كان من نوع واحد فلا يجوز إلا يدا وإن كان عند أحد النوعين فضل دراهم ... /110/
(1) في أ ... : ولم يكن يد بيد ... وفي ب: ولم يكن يد هذا مع يد هذا.
وكانت معجلة أو نسيئة فلا بأس وإن تعجلت الدراهم واستأخر شيء من الحيوان فلا يجوز إذا كان من نوع واحد. وقد كرهه من كرهه ولو اختلف النوعان.
وكذلك لا يجوز الوزن بالوزن من الطعام نسيئة ولا ما يكال من الطعام بما يكال. وكذلك ما يوزن بما يوزن إذا كان من نوعه مثل الحبوب المأكولة كلها والتمر لا يجوز شيء من هذا إلا يد بيد. وكذلك الأدهان بعضها ببعض, ويجوز السمن بالعسل في الحنطة والسمن والزيت في العنب, لأن هذا من الأدهان وهذا من الفاكهة. وكذلك اللحم بالتمر والحب نسيئة جائز, ورفع ذلك إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه اشترى من اعرابي جزورا بتمر ويرى أن التمر عنده فنظر فكم يكون عنده, فقال له: هل لك أن تؤخر إلى الجداد يعني حتى يدرك التمر الجديد. فقال الأعرابي: واغدراه يقولها ثلاثا فزجره أصحاب النبي ... /111/ (5/97)
صفحة 1957
-صلى الله عليه وسلم- وقيل إن ذلك الأعرابي لم يكن أسلم يومئذ فأرسل النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى خولة بنت حكيم السلمي فأسلفته ذلك التمر –أي أقرضته إياه- إلى الجداد واستوفى الأعرابي. وقيل إن الصفر بالحديد والحديد بالرصاص نسيئة جائز وفيه رأي آخر أيضا. وكذلك الذهب بالفضة جائز نسيئة, وقيل لا بأس أن يسلم الرجل الدراهم في إخلاط الجوهر في الفضة والنحاس واشباه هذا لأن الفضة قد تحولت عن جوهرها.
وكره النبق بالطعام نظرة فيما يكال ومن ذلك وكره من كره الملح بالبر نظره حيث لا يصلح إلا به.
ومن غيره: ومما وجدنا عن أبي عبد الله –رحمه الله- وعن الملح والحرض والنبق والبوت والشوع وما يستلان من الفاكهة بالطعام نظرة فلم ير به بأسا. ... /112/ (5/98)
صفحة 1958
ومن غيره: وعن الملح بالبر والتمر نسيئة, قال هاشم عن موسى: لا بأس بذلك. ويوجد أن القزح والفلفل والجلجلان ليس هو بطعام لأن الطعام عندي ما يعصم ويعزا عليه (1) والله أعلم بالصواب.
وفي جواز بيعه بالطعام نظرة اختلاف وكأني أراه ليس بطعام والله أعلم. /113/
(1) في أ ... : ما يعصم ويغذوا ويعرا عليه ... ... وهذا أصح من أ, ب. (5/99)
صفحة 1959
رجع: وكذلك التمر بالنوى نسيئة.
وقال من قال: إن ذلك جايز وذلك أحب إلي, وما خيف فساده من الاشجار مثل القثاء والبقل يجوز بيعه بالطعام نسيئة. وأما البصل فلا إلا الورق الذي يخاف فساده فإنه مثل البقل. وقال من قال: ما كان يفسد إلى ثلاثة أيام, وقال بعض أهل العلم في الثياب, إذا اختلف أنه يجوز ثوب حرير بثوب من القطن نسيئة. وقال بعض الفقهاء: لا يجوز الثياب لأن الثياب بعضها من بعض ولكن يجوز منا من كتبان بمنوين من قطن. وكذلك الغزل ما ينسج وهذا الرأي أحب إلي. وكذلك يجوز الشوران بالزعفران نظره والثوب بالتمر أيضا جائز.
وعن أبي عبد الله –رحمه الله (1) - في حب الرمان اليابس والرطب, واللوز والجوز والفاكهة اليابسة بالطعام نسيئة. قال: أما حب الرمان عندنا فلا يجوز, وأما الجوز واللوز والفاكهة اليابسة فما أرى في ذلك بأسا وقيل إنه يجوز بيع الزيت بالخل نظرة وعن بيع الشوع بالقطن إلى أجل والرمان اليابس ورطب بالقطن, وحب الشوران أو فراخه بالقطن والثوب والنبق بالقطن, والصوف بالقطن والثباب أو بالشعر. قال: فذلك كله جايز. وكره بعض أهل العلم فراخ الشوران بالقطن إلى أجل, وكذلك الوزن بالوزن, ولا يجوز الشحم بالسمن والشحم باللبن أيضا نسيئة. وقد قيل أيضا أنه جائز ويجوز اللبن بكيل معلوم والشحم بوزن معلوم. ... /114/
(1) في أ, ب ... : عن أبي علي –رحمه الله- (5/100)
صفحة 1960
(1) وعن أبي عبد الله –رحمه الله- في الزعفران بالورس والورس بالشوران أو أحدهما بألفوة نظرة. قال هذا بيع لا أحبه وقال أبو عبد الله –رحمه الله- من الربا السمن باللبن نظرة والخل بالعسل, والعسل بالتمر, والزيت بالسمن, وأما الزيت بالعسل والخل جائز وكذلك السمن بالخل والسمن باللحم لا يجوز نظرة, واللحم بالحب والطعام نظره جائز, وقال بعض أنه لا يجوز اللحم والسمك نظره بالطعام والأول أحب إلي.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي –رحمه الله- وما تقول في رجل عليه لرجل دينار هل له أن يعطيه دراهم وذهب صوغ عن هذا الدينار وكذلك إن كان عليه دراهم شجاعية, هل له أن يعطيه طريه بنقصان أو كان عليه له دراهم طريه هل له أن يعطيه شجاعيه وزيادة منها.
الجواب: فأما من وجب عليه لآخر دينار وقضاة دراهم أو صوغا برضاهما جاز ذلك, وكذلك يقضيه شجاعية عن الطرية بزيادة ويقضه بثمانية عن عشرة إذا كان ذلك قيتها على نحو ما عرفت لأن ما كان في الذمة جاز عنه القضاء وينظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا بالحق. ... /115/
(1) في ب: قبل هذه الفقرة فقرة كاملة ومن غيره قال أبو المؤثر: بلغني عن بشير أنه لا يجوز أن يباع القت بنبات الأرض نظره, حتى يخاف فساده. قال أبو المؤثر: ما الشوع والحرض فقد أجازهما بعض المسلمين وكرهه بعضهم أن يباع ما يكال بما يكال وما يوزن بما يوزن نظره وأما البوت وأشباهه مما يوكل لا يجوز بيعه بالطعام نظره, وإنما سمعناهم رخصوا في البطيخ والموز
الذي يخاف فساده, حفظ عن هاشم بن غيلان عن موسى بن ابي جابر انه أجاز الحرض و الشوع والبوت والحنّا وكل شيء زرعه الناس إذا ترك للذخيرة فسد جائز بنبات الأرض نظره وقوله أبو عبد الله ما بين القوسين غير موجود في ب. (5/101)
صفحة 1961
(1) روى قلت له: وهل يجوز بيع دست قرطاس هروي بدست قرطاس شفق؟ قال: لا. قلت وكذلك لا يجوز بيع طبق قرطاس مكتوب فيه بطبقين بياض. قال: لا. وذلك أن القرطاس يجري اسمه اسم واحد وسألته عن رجل باع لرجل نصف شاة بثلاثة دراهم على أن المشتري يعلف الشاة إلى شهر معلوم وتكون الشاة بينهما نصفين. وعلى الآخر علفها فقال: إن لم يتناقضا فجايز ذلك. وإن تناقضا انتقض. وقال بعد ذلك إن هذا بيع فيه شرط وهو فاسد. قلت له: فلو أن رجلا باع لرجل نصف شاة وعلفها إلى وقت معروف بثلاثة دراهم أيجوز ذلك؟ قال: نعم, ذلك جائز. وقلت له وكذلك لو باع رجل ثوبا أو سلعة بعلف دابة إلى أجل معروف, أيثبت ذلك. قال: نعم. فذلك على قول من يقول أن علف الدابة إلى وقت معروف بشيء معروف جائز. قال: وبعض لم يثبت ذلك (2) وتقاررا جميعا أنه سلفه إلى رمضان , ثم قال المسلف اسلفتك إلى رمضان من هذه السنة. وقال المستلف: اسلفتني إلى رمضان من السنة الثانية, قال: القول قول المسلف إذا أقر الآخر أنه أسلفه إلى رمضان. قال: وإذا أقر البايع والمشتري بالبيع ثم قال البايع: البيع حال. وقال المشتري إلى أجل كذا وكذا أبعد من ذلك. فإن القول قول البائع مع يمينه في هذا. قال: وكذلك إن أسلفه سلفا فأقر المتسلف وادعى أنه لم يكن له أجل فإن القول في ذلك قول المسلف أن له أجلا لأنه أقر بالسلف بالبيع كأن دعواه لذلك دعوى منه وعليه في ذلك البينة.
وعن رجل باع مالا لرجل بحضرة صاحب المال وصاحب المال لا يغير ذلك ولا ينكره ولا يعلم هذا المشتري بأي وجه بيع مال هذا الرجل. إلا أن هذا الرجل صاحب المال حاضر لا يغير ذلك ولا ينكره على البايع, هل يجوز ... /116/
(1) في أ, ب ... : ومن غيره .... ولم يذكر روي.
(2) في أ, ب ... : زيادة: ويرى له عناه فهذا القول على قول من يجيز ذلك ومن غيره قلت: ما تقول في رجل سلف رجلا إلى رمضان وتقارر ..
للمشتري شراء هذا المال. قال: نعم يجوز للمشتري شراء هذا المال في الحكم بالظاهر. ويجوز للشهود أن شهدوا على بيع ذلك المال ويكون بيع ذلك المال حجة على صاحب ذلك المال الأول إذا لم يغير ذلك البيع ولم ينكره. قلت (5/102)
صفحة 1962
له: ويجوز لهذا المشتري أن يأكل هذا المال فيما بينه وبين الله. قال: نعم إلا أن يعلم أن البائع فعل ما لا يجوز له. وسألته عن رجل سلف رجلا دراهم وشرط على المتسلف أنه رد عليه شيء من هذه الدراهم رد عليه هل يفسد هذا الشرط السلف.
قال: نعم. قلت له: فان شرط عليه أنه إن رد عليه من تلك الدراهم شيء أبد له بها هل يفسد هذا السلف. قال: لا. قلت له: فإن باع له سلعة بدراهم صفقة على أنه إن رد عليه من تلك الدراهم شيء فإنه يردها عليه, هل يفسد البيع بذلك؟ قال: لا. وذلك له شرط عليه أو لم يشترط.
وسألته عن رجل أعطى مناديا شيئا يبيعه ثم شرط عليه أنه إن اخرج ما أحب وما ارض وإلا فليس لك على شيء هل يثبت ذلك على المنادي. قال: نعم. يثبت عليه في الحكم. قال: وأما بعض فليس يجب أن يذهب عنا الأجير إذا غير على حال اذا عنا.
وسئل أبو سعيد –رحمه الله- عن رجل أقرض رجلا حبا وفي نيته أنه إنما يقرضه من طمع أن يعطيه أطيب من حبه. قال قد قيل ذلك من الربا وعليه التوبة ولا يأخذ إلا مثل حبه. وقال من قال: يتوب من نيته تلك وما لم يقع الشرط في الكلام فلا يفسد القرض. ... /117/
الباب الخامس
أيضا في التجارة والبيع
رجع إلى كتاب أبي جابر (5/103)
صفحة 1963
قال الله في كتابه: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وذلك أن المشركين قالوا إنما البيع مثل الربا وأخبر الله ذلك عنهم يقولون في البيع إذا كان إلى أجل وحل الأجل يقول المطلوب للطالب زدني في المدة وازداد من الحق. فقيل لهم إن هذا ربا فاحتجوا كما جاز في أول البيع أن يتفقا على ما زاد من ذلك فكذلك يجوز في آخره وهما سواء فكذبهم الله فقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى له ما سلف} أي ما مضي قبل التحريم.
وقيل عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من غشنا فليس منا» وقال: «ولا يلتقي الأجلاب, ولا يبيع حاضر لباد» فقد جاء الكراهية في ذلك, ولا نقول إنه حرام.
وقيل عن النبي –صلى الله عليه وسلم- و جبريل عليه السلام: مرا بطعام فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- لجبريل: ما أطيب هذا الطعام. فقال له جبريل: ادخل يدك في جوفه فأدخل يده فوجده متغيرا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لصاحب الطعام: أما أنت قد جمعت خصلتين –وفي نسخة خطيئتين- خيانة في دينك وغشا للمسلمين. ... /118/
وقد قيل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفع يده عنهما» وقال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} يقول يؤجله إلى أن ييسر عليه: {وأن تصدقوا خير لكم} ومن لم يتصدق لم يأثم. وقيل «من حبس معسرا في السجن فهو آثم» ومن كان عنده ما يستطيع أن يؤدي عن دينه فلم يفعل كنت (1) ظالما. ومن كان عليه دين في غير ما أثم وهو مهتم بقضائه فهو في أجر وحسنات ما كان ذلك الدين عليه. وكذلك قيل من كان له دين على مسلم فكل يوم آخره وانتظره فله من الأجور والحسنات ما لا يحصى وقيل كان بعض أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا كان له حق أطال فيه التأخير ثم يتركه من بعد. وقيل أن القرض يزيد على الصدقة في الأجر أضعافا كثيرة ويكره كل قرض جر منفعة.
(1) في أ, ب ... : كتب ظالما. وهو الصحيح. (5/104)
صفحة 1964
ومن غيره: وقد قيل إنما جر القرض من المنفعة من بعد عقد القرض ففي ذلك اختلاف. فقال من قال: يجوز. وقال من قال: لا يجوز ونحب إجازته. ... /120/ (5/105)
صفحة 1965
رجع: وقال من قال: إنّ طالب الحق لا ينزل على غريمه و لا يأكل طعامه ولا يقبل منه هدية إلا أن يحسب له ذلك من حقه. وارجعوا إذا كان ذلك بطيبة نفس المطلوب أن لا يكون به بأس.
ومن غيره (1): قال: وقد قيل أن ذلك من الربا أن يأكل الغريم مع غريمه وقال من قال: إنما ذلك إذا جاء يطالبه بحقه. وأما في غير ذلك الوقت فلا بأس. وعن الرجل هل له أن يأكل مع غريم ولده. وإن كان ولده بالغا كان له ذلك ... /121/.
(1) في ب ... : رجع. بدل من غيره. (5/106)
صفحة 1966
رجع (1): ولا بأس عندنا في الذي يقترض برا فقبل منه صاحب القرض شعيرا أو ذرة أو دراهم أو غير ذلك. وكذلك فيما كان من نحو هذا وبعض شدد فيه. وبعض أحب أن يكون بالقيمة أن يقوم ما عليه من ذلك دراهم ودنانير ثم يقضيه بذلك وذلك أحب إلينا, وإنما تكون القيمة عند القضاء ولا يكون في ذلك تأخير فإن تأخر ثم رجع أحدهما فله الرجعة وهم (2) على الأمر الأول وبعض كره في ذلك إلا أن يأخذ مثل ما أقرض أو بثمنه دراهم ونحن نأخذ بالرأي الأول.
ومن غيره: ويجوز أن يأخذ في القرض إذا لم يكن في القرض شرط فيجوز أن يأخذ أفضل منه من النوع الذي منه القرض أو غيره من الأنواع و القرض بائن عن السلف والبيع إلى أجل في هذا والله أعلم. /122/
(1) في أ ... : ومن غيره. بدل رجع.
(2) في أ, ب: وهما. بدل وهم.
(3) في أ ... : رجع بدل ومن غيره. (5/107)
صفحة 1967
رجع: أما الأجير بحب أو تمر فليس (1) يأخذ إلا ذلك, ولا يأخذ به أيضا دراهم وإن كان الأجير بذهب أو فضة فله (2) يأخذ بذلك ما اراده.
ومن غيره: وقال من قال: من العلماء (3) أنه يجوز أن يأخذ بأجرته من العروض وغيرها من العروض والدنانير والدراهم وذلك جائز. ولولا ذلك جائز ما جاز للمرأة أن تأخذ بصداقها من النخل وغير ذلك من العروض, وإنما صداق المرأة اجرة وليس ذلك من وجه البيوع وإنما هو من وجه الاجرة. والقول الأول هو الأكثر والله أعلم. /123/
(1) في أ, ب ... : فليس له أن يأخذ. وهنا أصح وأسلم.
(2) في أ, ب ... : فله أن يأخذ ... وهنا أصح.
(3) في أ, ب ... : وقال من قال من أهل العلم. (5/108)
صفحة 1968
رجع: وقيل عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: يعطي الأجير أجرته (1) قبل أن يجف عرقه. وقيل فيمن اشترى عشرة دراهم بدينار فيجد فيهما درهما زائفا. قال: يرده على صاحبه ويأخذ درهما غيره. قلت وهكذا القياس في هذا. قال: لا. القياس يرده ويكون شركا في الدينار. قلت فإن وجد فيها خمسة دراهم قال: يردها. ويكون له نصف الدينار. وقال: إذا كان الدرهم أو نحوه استحسنته وإن كان النصف أو الثلث فإنه يكون شريكا في الدينار. وقال الربيع: يرد عليه ما كان لا ينفق ولا يكون شريكا في الدينار.
وقال أبو عبد الله –رحمه الله- بقول الربيع –رحمه الله- نأخذ. وكذلك رأينا. وعن رجل صارف رجلا بدراهم فخرج نصف ما قبض أحدهما أصفرا هل ينتقض الصرف. قال معي: إنه قيل إن تتاما على البدل فأبدله متى ما كان ذلك, فذلك جائز. وإن لم يبد له في بعض القول: إنه ينتقض من الصرف بقدر الفاسد من النقد وثبت الباقي. وفي بعض القول أنه يفسد الصرف كله ويتراددان.
ومن غيره: الذي معنا أنه اراد أنه يبدله بما لا يجوز من النقد ويرد عليه مثله من الدراهم ويكون الصرف تماما والدينار لصاحبه, والله أعلم. وينظر في ذلك ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب.
ومن غيره (2): وعن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن بيع ما ليس عندك نسيئة. قال غيره الذي معنى أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده بنقد ولا نسيئة (3) لأنه جاء مجملا. وعرفنا ذلك في النقد والنسيئة, وهو داخل في الحرام على ما وجدناه وقد وجدت عن أبي عبد الله –رحمه الله- أنه إن باع ما ليس عنده أن ذلك ربا, وبعض يرخص في ذلك. وتفسير مبيع ما ليس عنده أنه يسأله ... /124/
(1) في أ, ب: أجره.
(2) في أ ... : رجع. بدل من غيره.
(3) في أ, ب: زيادة: وذلك لا يجوز وذلك مما قد نهى عنه في النقد والنسيئة لأنه جاء مجملا ... (5/109)
صفحة 1969
المشتري شرى شيء وهو ليس في ملكه فيبايعه بثمن معروف ويؤكد عليه في الشراء المنقطع ثم يمر فيشتري له من عند غيره بذلك السعر وبدونه أو بأكثر منه فكله سواء ويلحق هذا المعنى عندي. قال غيره (1): وقيل لا بأس أن يقول الرجل للرجل معك متاع كذا وكذا في ضرب كذا وكذا, فإن وقع في يدك فأعلمني فإنه من حاجتي وكان يكره أن يقول اشتراه حتى اشتريه منك.
ومن غيره (2): وكل من اشترى بيعا فعلى البايع أن يسلم وعلى المشتري أن يقبض وينقد الثمن. وقيل إن رجلا إبتاع من رجل طعاما وقال (3) إذا أوفيتني أنقدتك الثمن فجعل المشتري لا يقبض مخاصمه البايع إلى شريح فقال شريح اربطوه إلى هذه السارية حتى يستوفي.
ومن غيره: وقال من قال: يحكم بتسليم الشراء أو تسليم الثمن معا لا قبل ولا بعد يؤمر البايع أن يسلم ويؤمر المشتري أن يسلم. /125/
(1) ومن غيره: بدل قال غيره. في أ, ب.
(2) في أ, ب ... : رجع ...
(3) في أ, ب ... : وقال له.
رجع: ورأينا أن يجبر أن يقبض ما اشترى ويعطى ثمنه. وقيل لا بأس أن يقول الرجل للرجل بعت إلي من طعامك بسعر ما تبيع فيرسل اليه بالطعام ولم يسعره وكره من كره ذلك حتى يبعث اليه بطعام ويقول هذا بكذا وكذا ثم يقبض الثمن وليس أرى في الأول بأسا إذا لقيه من بعد واتفقا على الثمن وإن لم يتراضيا على شيء وحسب البائع الثمن كما باع وكره المشتري فهو عندي ضعيف ولصاحب البضاعة بضاعته أو مثلها إن كانت قد تلفت. وأما إذا علم البايع المشتري بالسعر ورضى بذلك بعد القبض فليس لأحدهما رجعة. (5/110)
صفحة 1970
ومن غيره: وقال من قال: أنه بيع منتقض على هذه الصفة فإن تتامما على ذلك تم. /126/
رجع: وقيل لا بأس أن تولي ما اشتريت قبل أن تقبضه. وعن الربيع –رحمه الله- قال: أما ما يكال ويوزن فلا تبعة حتى تقبضه.
ومن غيره: نعم. وهذا إذا أولاه إياه وأشركه فيه على سبيل الجزاف وأما إذا أشركه فيه على سبيل الكيل على حساب كذا وكذا فهو كما قال الأول.
ومن غيره: ويكره أن يقول الرجل للرجل اشتر لي متاع كذا وكذا حتى أشتريه منك. ولكن إن قال له إن وقع في يدك فأعلمني فإنه من حاجتي فلا بأس. وقال الربيع –رحمه الله- إذا ابتعت شيئا عددا فلا تأخذه كيلا, وإذا ابتعت كيلا فلا تأخذه عددا وقال بعض الفقهاء أن من باع بيعا من الطعام أو حيوان إلى أجل بدراهم فإذا حل الأجل اعترض بحقه ما أراد سوى ذلك النوع. وقال بعض الفقهاء وله أن يعترض من ذلك بدراهمه من ذلك النوع الذي كان اشتراه وهذا أحب إلي. ومن باع شاة جاز له أن يستثني ما في بطنها. (5/111)
صفحة 1971
ومن غيره: وقال من قال: إذا استثنى ما في بطنها من شحم إن ذلك لا يجوز. /127/
(1) في أ, ب ... : رجع. بدل من غيره.
(2) في أ, ب ... : رجع: قال من قال: قال الربيع ...
(3) في أ ... : وهذا من المصنف: ولا يقولن أحدكم لصاحبه اشتر كذا بنقد وانا اربحك فهذا حرام.
(4) في أ ... : ومن باع شاة. ما في بطنها.
رجع: وإن اشترى ما في بطنها من شحم من قبل أن تذبح لم يجز لك. وقال: لا بأس أن يقول: أبيعك بكذا وكذا نقدا وكذا نسيئة فيشهد عليه في أحد البيعتين أو أحد الأجلين. وكان أبو عبيدة –رحمه الله- فيما قيل: يقول في هذا أدنى الأجلين وأعلى الثمينين. وقال أبو عبد الله –رحمه الله-أبعد الأجلين وأقل الثمنين.
ومن غيره: وقال من قال: إنه بيع منتقض فإن ادركه بعينه رده وإن لم يدركه وتلف كان له أبعد الأجلين وأقل الثمنين وقال من قال: قيمته لأنه أتلفه على غير بيع منقطع فإنما له سلعته فإن تلفت فقيمتها أو مثلها. /128/ (5/112)
صفحة 1972
رجع: وقال: إذا باع الرجل بيعا, وقال للمشتري أنا شريكك فيه فللبايع منه نصفه, ويضمن كل واحد النصف.
وعن رجلين اشتركا مع كل واحد الف درهم فقال أحدهما: أبصر البيع منك فلا ارض حتى يكون الربح بيني وبينك بعد أن تفضلني بعشرة دراهم كل شهر. قال هما على شرطهما له عشرة دراهم كل شهر وما بقي من الربح بينهما.
وعن رجلين اشتركا ورأس مال واحد منهما أكثر من رأس مال الآخر فلحقهما دين. قال: هم على رؤوس الأموال إلا أن يكون شرطا إن الربح والوضعية بينهما سواء فإن اشترطا فالربح بينهما سواء فإن اشترطا فالربح بينهما والوضعية على رأس المال.
وقيل في رجل إبتاع ثوبا ثم ندم فقال لصاحبه: أعطيك عشرة دراهم وخذ ثوبك فذلك مكروه. /129/ (5/113)
صفحة 1973
ومن غيره: وقال إن ذلك له لأنه لم يكن عليه أن يرد عليه ثوبه من استحقه عليه أبدا. إلا بما يزيد, فإن شاء أقاله وأخذ ما شاء وإن شاء لم يقله. والقول الأول أحب إلينا. /130/ (5/114)
صفحة 1974
رجع: وكذلك إن قال له: بع هذا الثوب بدينار فما فضل عن ذلك فهو لك فقد كره من كرهه أيضا حتى يقول لك من كل عشرة دراهم درهم أو نحو ذلك كذا وكذا, أو يقول له: بعه بكذا وكذا, ولك من الكرى كذا وكذا.
وقال من قال: في رجل اشترى طعاما وعرف كيله ثم استشركه فيه رجل فأشركه وقبض منه الثمن ولم يقسماه حتى يقسما ثمنه أنه لا تثبت شركة حتى يقاسمه بكيل أو وزن.
«بيع المرابحة» وقال أبو عبد الله –رحمه الله- إذا ارياه وعرف كيله ثبتت الشركة فيه. وقال بعض الفقهاء: الشركة بيع وتجري مجرى البيع في المعرفة والتسليم فإن هلكت البضاعة قبل أن يسلم المشتري إلى الشريك حصته فهو من مال المشتري وإن أشركه قبل البيع فالشركة فاسدة إلا أن يكون أمره أن يشتري ذلك بنية فاشتراه له. وقال لي رجل ابتاع سلعة: فقال رجل حضرنا شريكك يا فلان فيها. قال: نعم. قال: فإن كان قبض السلعة قبل أن يشركهم فللذي أشركه أولا نصفها والثاني ربعها. والثالث ثمنها, ويبقى للمشتري ثمن واحد. وإن كانت الشركة قبل قبض السلعة فالشركة باطلة إلا أن يكونوا عاقدوه على الشرى (1) على ذلك ثم اشترى فهي بينهم على عددهم ومن اشترك في سلعة فوجد فيها عيبا فله أن يرد ذلك بالعيب على الذي أشركه وقيل من اشترى شيئا نسيئة فلا يبعه مرابحة حتى يبين للمشتري أنه أخذه نسيئة, وإن أصاب البيع بعد أن أخذه عيبا وعتق فعيبه (2) مضرة من السوس أو نحو ... /131/
(1) في أ, ب ... : عاقدوه قبل الشراء.
(2) في أ, ب ... : أو عنته مضره. ... بدل: فعيبه مضرة. و أ, ب أصح. (5/115)
صفحة 1975
ذلك فقيل لا بأس أن بيع المرابحة لأن المشتري آخذ ما يبصره وإن كان دابة أو خادما فمرض أو ذهب عينه فله بيع ذلك مرابحة ويخبر أنه أخذ ذلك صحيحا. فإن اراد المشتري أخذه أخذه. ومن أخذ طعاما فذهب منه ما عنده ما ذهب باع باقي ما بقى مرابحة بثمنه على قدر ما بقي منه. وكذلك كل ثوب لبسه أو خادما استعمله حتى نقص من خدمته فلا يبيعه مرابحة حتى يبين ذلك للمشتري. فإن لم ينقضه ذلك فله أن يبيعه مرابحة ولو كان قد استعمله. وكذلك ما يشبه ذلك. فإن كانت جارية فولدت ومات ولدها ولم ينتقض هي فله أن يبيعها مرابحة وإن كان هو يريد حبس ولدها أو باعه أو وهبه فلا يبيعها مرابحة حتى يبين ذلك للمشتري أن ذلك منها. وكذلك الشاة في نتاجها. وأما في شرب لبنها وبيع شعرها فإن كان قد اتفق عليها مثل ما أصاب منها باعها مرابحة وإلا فحتى يجبر المشتري. وكذلك المال الذي يثمر إن ذهبت الثمرة باعه مرابحة وإن كانت في يده أو باعها أعلم بذلك المشتري؟ وقيل كل شيء أنفقه ... /132/
(1) في أ, ب ... : فإن كان قد انفق عليها. (5/116)
صفحة 1976
على البيع من كراء أو غيره فهو محسوب من ثمنه, ويقول: قام علي بكذا وكذا, وأما نفقته على نفسه فقيل إنه لا يحسب ذلك من الثمن. وقال ابن عمر في الذي له دين إلى أجل. فقال: عجل إلي وأحط عنك. قال: إنه يريد أن يطعمه الربا.
ومن غيره (1): وقال من قال من أهل العلم: إن ذلك جائز إذا حط عنه من الثمن أن يأخذ قبل الأجل في جميع ذلك إلا السلف فإنه لا يجوز قبل الأجل.
ومن غيره: وقال من قال: إن ذلك جائز إذا رضي الذي عليه الدين أن يقضيه قبل الأجل ولو لم يحط عنه. ويروي في ذلك في الحط والأخذ قبل الأجل في الحقوق عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في نبي النظير: أنه لما اراد اخراجهم فقالوا: إنه لنا على الناس حقوقا إلى أجل. قال: ضعوها منها وتعجلوا والله أعلم بالصواب. /133/
(1) في أ ... : الفقرة الأولى غير موجودة.
رجع «أخذ الأجرة على الأرض»: وفي الآثار: أنه يكره أخذ الأجرة على الأرض أجر وللماء وفي ذلك تشديد عند الفقهاء. وقد رخص في ذلك أيضا من رخص منهم وأجازوا قعادة الأرض عندنا وعملوا بذلك. وكذلك طناء الماء (5/117)
صفحة 1977
وأحب إلينا لمن غير بذلك أن يكون على وجه المشاركة. وعن رجل احترث حرثا فقال له رجل قبل أن يدرك الحرث اعطيه واعطيك النفقة فذلك مكروه إلا أن يبيعه إياه بعد أن يطعم ويشتريه بقلا لعلف فإن بقيت منه طائفة فلا بأس.
ومن غيره: وقد قال من قال: إذا رد عليه نفقته التي انفق وبرئ اليه من العمل يرد النفقة لا على وجه البيع وإنما هو يرد عليه ما رزئ في ذلك الحرث فذلك جائز. وإن كان إنما يرد حبا مسمى على وجه البيع أو نفقته تلك على وجه البيع فذلك لا يجوز والله أعلم بالصواب. ... /134/
رجع: ومن باع ثمرة أرضه فاشترط على المشتري أن يعطيه زكاتها فذلك مكروه أن يولي زكاته من يثق به.
ومن غيره: وقال من قال: إن كان ذلك من جهة التقية في النفقة على الزكاة فذلك كذلك, وإن كان من وجه الشرط فذلك لا ينقض البيع فإن وقع البيع يثبت, فإن كان الرجل المشتري ثقة وإلا كان على البايع أن يؤدي الزكاة. /135/ (5/118)
صفحة 1978
رجع: وكره بيع لبن الشاة كل شهر بكذا وكذا ومن باع طعاما قد عرف كيله فلا يبيعه إلا كيلا. وإن قال: قد اكتله وهو كذا وكذا فلا ادري زاد أو نقص فباعه جزافا فلا بأس.
وعن رجل ابتاع من رجل طعاما فأعطاه ما كان عنده وبقيت بقية فقال له: أنظرني ببقيته فذلك مكروه.
رجع (1): قال ذلك جائز أن ينقد ما أمكنه وينظر فيما بقي إذا اتفقا على ذلك. وذلك إذا كان إنما بقي من الثمن وأما من السلعة فهو كما قال.
رجع: وعن رجل اشترى ثيابا بعشرة دراهم كل واحد فوجد في ثوب منها عوار فإنه يرده بالقيمة. وعن شريكين افترقا وكان لهما دين فاتبع كل واحد منهما طائفة من الغرماء ورضي بذلك فتوى ما توى لأحدهما فما أصاب فهو لهما وما توى فعليهما. وعن رجل دفع إلى رجل ثوبا وقال له: بعه بعشرة دراهم فما زاد فهو لك. فذلك مكروه (5/119)
صفحة 1979
ويكره أن يشارك المسلم الذمي في التجارة إلا أن يكون المسلم يلي الشرى والبيع فلا بأس بذلك. وإذا قال أحد الشريكين لصاحبه لا تبع نسيئة فما بعت فأنت له ضامن فهما على «شروطهما والربح بينهما. وإن باع نسيئة فذلك على البايع.
وعن رجل قال لرجل إن عند فلان بيع كذا وكذا فخذه بيني وبينك فإذا أخذه فهو بينهما والربح لهما والوضعية عليهما. وإن كان الشرط بين الشريكين أن لأحدهما من الربح كذا وكذا ثم الباقي من الربح بينهما فهما على شرطهما. وإن كان رأس مال أحد الشريكين ألف درهم ورأس مال الآخر خمسمائة درهم /136/
(1) في أ, ب ... : ومن غيره بدل رجع.
وشرطا أن الربح والوضعية بينهما سواء فهما على شرطهما وإن لم يكن (1) شرط فهما على رؤوس الأموال في الدين والربح والوضعية. ومن اشترى ثوبا أو غيره له فيه خيار ثم باعه فإن كان قد رضيه فالربح له وإن لم يكن رضيه فالربح للأول. ولا بيع عليه. وفي نسخة له أو يبيعه. وفي نسخة ولا ينبغي له يبيعه –حتى يرضى البيع ويكره أن يباع الشحم من بطن الشاة وإن استثنا البايع فلا بأس.
وكل بيع لم يره المبتاع فهو بالخيار إذا رآه, وإن كان قدراه جاز عليه إلا أن يجد عورا أو عيبا ولم يكن رآه وليس مما يحدث فهذا مردودا. ويكره أن يفرق بين الأمة وولدها إذا كان لا يستغني, وأما غير هذين فلا بأس. ومن اشترى جارية فوطئها ثم رأى عيبا فقد لزمته إذا وطئها وله ارش العيب, وإن وطئها بعد أن علم بالعيب فليس له أيضا ارش العيب. وعن رجل كانت له جارية فتقاضها غرماؤه وارادوا أخذ الجارية فقال: قد اعتقها فقال بعض الفقهاء في ذلك إن لم يكن له وفاء لم يجز له عتقها قال أبو عبد الله –رحمه الله- في التقاضي –الله أعلم. وأما إذا رفع عليه غرماءه أو أحدهم لم يجز بعد ذلك عتقه ولا هبته إذا لم يكن فيما بقي من ماله وفاء ومن أخذ مال قوم ثم أفلس فهو ... /137/ (5/120)
صفحة 1980
(1) وإن لم يكن لهما شرط فهما ...
«حكم المفلس» بين الغرماء وإن أخذه بعد أن أفلس ولم يعلموا فتلك حياته (1) , وصاحب المال أحق بماله له إذا ادركه بعينه, وعن رجل كان له دين على رجل فأحاله على رجل فأفلس فليس يذهب حقه ويرجع به على الأول الا أن يكون إنما بايعه على أن يحيله على هذا الرجل أو كان البايع هو الطالب إلى المشتري على أن يحيله على هذا الرجل فأحاله عليه ثم أفلس فليس له أن يرجع على المشتري بشيء إلا أن يكون يوم أحاله عليه وهو مفلس لا يعلم بإفلاسه فإن له أن يرجع بحقه على المشتري منه ويكره أن يشتري ارض المشركين وعقارهم لأن على ارضهم الخراج للمسلمين ويكره بيع المصاحف واجر كتابها وعرضها ولا بأس بشرائها.
ومن غيره: وقال من قال: لا بأس ببيع المصاحف إذا قصد إلى بيع القرطاس والرق والدفتين ولا يقصد إلى بيع الكتاب ولا يجوز ذلك ولا بأس بنسخها بالكراء لأن ذلك من الصنع, وإنما يأخذ على عمله أجرا واستعمالهم له واستعماله بذلك ولا يقصد إلى الأجر على سبب من أسباب القرآن, وكذلك العرض. /138/
(1) في ب ... : ولم يعلم بتلك الجناية ... (5/121)
صفحة 1981
رجع: ويكره أجر الذين يقسمون الأرضين والرجل يحسب للقوم أن يأخذ ذلك أجرا.
ومن غيره «أخذ الأجرة على تعليم القرآن» قال: وقد أجاز من أجاز من المسلمين أجرة القسام وأخذ الأجرة على الحساب, لأن ذلك عمل وليس من التعليم ولا يأخذ الأجر على التعليم. وقد قالوا: إن الفرائض لا يجوز أخذ الأجر عليها, وأما حسابها فقد أجاز ذلك أن يأخذ على حسابه اجرة. ... /139/ (5/122)
صفحة 1982
رجع: والذي يعلم القرآن من أخذ على ذلك أجر العناية, فلا بأس. وقيل: ليس على الباكية رد ما اعطيت إذا لم يكن شرط وإن كانت تشترط فقال من قال: أنها ترده.
وإن كانت نائحة فقد قيل عليها رد ما أخذت بشرط أو بغير شرط, وقيل على من أخذ أجر المكيال والميزان فلا بأس بذلك. وإن أخذ شيئا من أجر بيوت مكة على أنه إنما أجر الخشب والبناء الذي هو له فأرجعوا أنه لا يلزمه رده وقد كرهه أيضا من كرهه. و يكره أن يأخذ الراقي جعلا إذا كان يرقى من كتاب الله تعالى واسمائه. وإن كان اشترط أجر عنائه فلا بأس, وكذلك الذي يخرجه بالسرقة ويحكم له بذلك إذا كان قد رقاه كل يوم بكذا وكذا, ولا يرقى الراقي إلا بكلام يعرفه أنه لا بأس به ولا يقول قد أخذت (1) بكذا وكذا إلا أن يقول أخذت بالله. ولا بأس بكراء الحجام. وقيل أن النبي –صلى الله عليه وسلم- احتجم واعطى الحجام وقيل (2) إن مقاطعة الحجام من السحت. ولكن إذا فرغ من عمله كان له أجر مثله إن اختلفا, وإن لم يختلفا فما رضي به جاز ذلك بلا مقاطعة إلا أن يقال له إذا سلم إليه قد رضيت هذا بعتك فإذا ارضى أو قال: نعم, فلا بأس بذلك. وعن الذي ينظر طعاما لا يعرف جملته فاشترى كل جري بكذا وكذا أو كل كرّ بكذا وكذا ثم بدا له أن لا يبيع أو للمشتري أن لا يأخذ, فقيل إذا رجع أحدهما ثبت من ذلك جري واحد وكرّ واحد على ما كان بينهما. /140/
(1) في أ, ب ... : ولا نقول قد أخذت كذا وكذا ...
(2) في أ, ب ... : زيادة: وقيل لا تجوز مقاطعة الحجام قبل العمل, وقيل إن مقاطعة الحجام قبل العمل من السحت ... (5/123)
صفحة 1983
ومن غيره: قال: وقد قيل أنه لا يثبت من ذلك شيء لأنه لا يعرف كم كرولاكم (1) من جري. وإن قال: قد اشتريت منك جريا من هذا الحب فذلك ثابت وله جري. وقد قيل إنه لا يثبت لأنه لا يعرف ذلك الجري من الحب وتدخله فيه الجهالة. /141/
(1) في أ, ب ... : لأنه لا يعرف كم من كر ولا من جري ... وهذا أصح. (5/124)
صفحة 1984
رجع: ومن رجل اشترى من رجل مائة مكوك برّ بمائة درهم إلى أجل وأمره أن يدفع الثمن لعله اراد البر إلى وكيل له فدفع بعضه فلما حل الأجل احتج المشتري فقد قال بعض أهل الرأي أنه لا ينقض ولكنه يعطيه من الدراهم بقدر من قبض من الحب إذا كانوا سموا لكل درهم كذا وكذا وفي جواب أبي علي رحمه الله: وسألت إن أشهد عليه بكذا وكذا درهما, بكذا وكذا اجريا فقبض بعض الحب ولم يقبض بعضه حتى حل الأجل, فإن كان باعه مفصلا لكل درهم كذا أو كذا ثبت ما كيل وفسد ما لم يكل, وإن باعه جملة واحدة فسد جميعا والله أعلم.
وعن رجل اشترى من رجل متاعا إلى أجل واستوجب البيع فلم يقبضه حتى بلغ الأجل الذي جعل له, فقال من قال: ليس له أن يأخذه بالثمن حتى يقبضه فإذا قبضه نظره من يوم قبضه إلى الأجل الذي جعله له. فله إلى ذلك الأجل وأما حاجب فإنه بلغنا عنه أنه قال: يأخذه بثمنه قبضه أو لم يقبضه لأنه لم يحسب عليه وهذا الرأي أحب إلي. إذا كان قد قبض ما عرف ببيع ثابت ثم تركه برأيه قال: إذا قبضه ثم تركه برأيه (1).
ومن غيره: قال: إذا قبضه ثم تركه برأيه فلا اختلاف في ذلك أنه يلزمه لأن القبض قد وقع, وإنما الاختلاف فيما لم يقبض. فقال من قال: إن الواجبة هي البيع وإن لم يقبض. وقال من قال: القبض من العروض والمتاع لأنه لم يحكم عليه بقبض ولا بتسليم على البايع حتى يسلم إليه الثمن إذا كان حالا. /142/
(1) هذه العبارة زيادة. (5/125)
صفحة 1985
رجع: وعن أبي عبد الله (1) –رحمه الله- في رجل باع لرجل برا بنسيئة ولم يكل له البر حتى بلغ الأجل فإن كان البايع هو الحابس للبر فالبيع فاسد.
«نزع الوكالة» وقال أبو عبد الله –رحمه الله- إنه يحفظ في رجل وكل وكيلا في بيع ماله وغاب وأشهد بنزع الوكالة من يد الوكيل في وقت معروف, ولم يعلم بذلك الوكيل حتى باع المال من بعده أن نزع الوكالة من يده, أنه بيعه جائز وكذلك الطلاق وغيره من الأحكام.
قال غيره: وقال بعض إذا نزع الوكالة وصح ذلك قبل عقد البيع والطلاق فلا يقع فعله بعد ذلك. ومن كل وكيلا بعد وكيل في شيء فكلهم وكلاء حتى ينزع منهم, وإذا جعل الموكل للوكيل أن يوكل من شاء فليوكل من شاء ومن اشترط الشروي في البيع فله الشروي وإن لم يشترط فله الثمن الذي اعطاه إذا ادرك (2) البيع.
وقيل (3) يجزئ الواحد الثقة بخبر الحاكم عن العجمي بما يدعيه ويحتج به وأما ما يقر به على نفسه فلا يثبت عليه إلا باثنين عدلين, وإن كان الشاهد اعجميا فعلى الشهود له أن يحضر شاهدي عدل يشهدان على شهادته. ويروى عن أبي عبد الله –رحمه الله- في رجل غاب وله مال ولم يعلم اين توجه وله ورثة وطلب الورثة أن يقام لهم وكيل لحفظ ماله. قال: إذا صح أنه خرج من عمان, أقام له الحاكم وكيلا ثقة إلى أن يرجع أو يصح موته, فيكون (4) الورثة وإن لم يصح خروجه من عمان فلا يقام له, وعسى أن لم يصح خروجه من عمان وتقادم ذلك فعسى أن يوقف ماله على يد ثقة. وشهادة الوكيل جائزة لمن وكله ... /143/
(1) في أ, ب: عن أبي عبد محمد بن محبوب –رحمه الله-
(2) في أ ... : إذا أدرك في البيع.
(3) في ب ... : غير موجود من قوله وقيل يجزئ ... إلى ... ويروى عن أبي عبد الله ...
(4) في أ ... : فيكون ماله لورثته. ... وفي ب: فيكون الورثة.
إذا زالت وكالته, وقيل لا بأس أن يشتري الجبن بالرطب ويأكله وإن لم يكن مضمونا, وأما اليابس فلا حتى يكون مضمونا, ومن أمر رجلا فمن يثق به أن يشتري له جبنا مضمونا فاشترى له, فزعم أنه اشتراه مضمونا فإنه يقبل قوله. وقيل ضمانه أن يقول للذي بيعه إنه عمله المسلمون وأهل الكتابين, وإن كان البائع يهوديا أو نصرانيا فحتى يقول أنه عمله هو وإلا فلا وإن هداه إليك مهد فإن كان ثقة فكله ولا تسأله, وأما غير الثقة فحتى تسأله. (5/126)
صفحة 1986
وعن رجل اشترى طعاما بمش مسمى وعلى البايع حماله إلى البصرة وكراه كذا وكذا, فقال بعض أهل العلم اكره ذلك إلا أن يقول الثمن كذا وكذا وكراه كذا وكذا.
وفي جواب أبي علي –رحمه الله- عن رجل اشترى طعاما بثمن مسمى واشترط على البايع أن يحمله له إلى البصرة فله شرط وعلى البائع يحمله له كما شرط على نفسه وانظر فيها.
ومن غيره: قال: وقد قيل أن ذلك بيع لا يجوز لأن فيه شرطين وقال من قال: ينتقض الشرط ويثبت البيع. /144/
رجع «بيوع الآجال»: وعن رجل باع من رجل حبا مكوكا بدرهم إلى ثلاثة أشهر وإن المشتري بعد أن مضى ما مضى. قال للبايع هل لك أن تجعله نصف مكوك بدرهم إلى ستة أشهر أو مكوكا ونصفا إلى شهرين ففعلا ذلك ثم عرفا الخطأ فرجعا إلى الشراء الأول والأجل الأول. هل يفسد ذلك بيعهما؟ قال: أخاف ذلك.
ومن غيره: قال الأول ثابت والآخر فاسد ويرجعان إلى بيعهما الأول وهو تام ولا يفسده الآخر. ... /145/ (5/127)
صفحة 1987
رجع «معاملة القاصر»: عن الشرى والبيع والمعاملة مع الصبيان والنساء والمملوكين إذا كان ذلك سنة أهل البلد أن الموالي لا يبعثون الجارية والمملوك والصبي للشرى فلا بأس. ولا ينقصهم عما بيع للكبير الذي يماكسه- ثم قال بعضهم أيضا: هم كما قال. وأحب أن يكون هذا البيع من الصبيان والمماليك ليس له كثير ثمن مما يوكل واشباه ذلك. وأما غير ذلك من المتاع والدواب والاشياء التي لها خطر ويستكثر شرائهم فيكون ذلك برأي موالي المماليك وآباء الصبيان.
ومن غيره: قال: نعم. وقد قيل لا يجوز البيع للعبد إلا بأمر مواليهم ولا الصبيان إلا برأي آبائهم بقليل ولا كثير. وقال من قال: لا يجوز ذلك إلا في الأسواق والحوانيت المعروفة بالبيع بقدر ما يطمئن اليه القلب أنه مرسول بذلك أو مملكه من أهله أو مواليه. والله أعلم. /146/ (5/128)
صفحة 1988
رجع: وعن رجل اشترى ثوبا قدمه حين اشتراه ثم جاءه مشتر فمدحه وهو مكروه وفيه تشديد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وبلغنا أن عبد الله بن القاسم وهو أبو عبيدة الأصغر شارك قوما في متاع اشتروه فذموه حين اشتروا ومدحوا حين باعوا, فزكوا شيئا فقال: ما هذا؟ قالوا: عمل التجارة فقال: ردوا علي رأس مالي ولم يأخذ من الربح. وكره شرطان في بيع وهو أن يبيعه الثوب على أن يقطعه له قبا أو قميصا أو نحو ذلك أو بيعه الطعام على أن يحمله إلى موضع كذا وكذا.
قال غيره «البيع مع الشرط»: قال: قد قيل في الشروط المعروفة في البيع باختلاف. فقال من قال: يبطل الشرط والبيع. وقال من قال: ثبت كله. وقال من قال: يبطل الشرط ويثبت البيع هكذا عرفنا. وقيل يكره أن يوكل ما ينبت على القبور.
وعن الذي باع جرابا أو ثوبا بعضه بنقد وبعضه بنسيئة فعن أبي علي أنه لا بأس بذلك. ويوجد أيضا أنه منتقض ورأى من أجازه أحب إلي. ... /147/ (5/129)
صفحة 1989
ومن غيره: قال أبو علي (1) –رحمه الله- وقد قيل أنه إذا باعه هذا الجراب أو الثوب أو الدابة نصفه بكذا وكذا نقدا, ونصفه بكذا وكذا إلى أجل أن ذلك لا يجوز (2). وقيل أيضا بإجازته. وأما رذا باعه هذا الجراب أو الثوب أو الدابة بكذا وكذا درهم نقد وكذا وكذا درهم إلى أجل فذلك جائز والله أعلم وعن الذي اشترى حبا من رجل ولم يكلمه ثم باعه من آخر بربح فالربح للمشتري. ويوجد في موضع آخر في هذا الكتاب أن الربح للبايع.
(1) في أ ... : غير موجود من قوله وقيل أيضا ... وعن الذي.
(2) في أ, ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (5/130)
صفحة 1990
وقال من قال: الربح للفقراء. ولا يخلط البر بالشعير للبيع ولا يخلط بر فاسد ببر جيد. وقال صاحب الربا لا يقبل منه شيء من العمل ما كان قيراط من ربا من ماله عارفا به.
تم الجزء.
ومن غيره: وعن الخادم يكون بيعا في السوق للمتاع أو يعمل للناس بالجعل ويرعى لهم بالجعل. أيجوز لك أن تستعمله وتعطيه كراءه أو تدفعه إلى مولاه فعلى ما وصفت فإن كان مولاه قد برزه لذلك جاز لك أن تستعمله في جميع ما برزه سيده وسلم إليه الذي يجب عليك في ذلك إلا أن يكون السيد الذي يقبض وعن الخادم إذا أجر نفسه للناس في الليل في ضيعتهم وأخذه لنفسه وجمعه حتى يشتري نفسه أو يدخره لنفسه أولا يجوز ذلك. فعلى ما وصفت فلا يجوز له ذلك إلا بإذن سيده. وكذلك لا يجوز لأحد أن يستعمل الخادم في الليل إلا بإذن سيده, وكذلك لا يجوز للسيد أن يستعمل عبده بالليل بعد صلاة العشاء الآخرة, وعن رجل بيع لرجل حبا أو تمرا أو سمادا ولم يكله ولم يقبضه المشتري وإنما رآه مجموعا. وكذلك الحب مصبوبا أو التمر على دعن المصطاح ثم نقض أحدهما بحجة أو بغير حجة؟ فعلى ما وصفت فإذا كان باعه جزافا وقد وقفا جميعا على هذا النوع ونظرا إليه فليس لأحدهما رجعة على صاحبه والبيع تام. لا أن يظهر عليه من داخله خلاف ما كان ظاهرا منه فعند ذلك يكون لهما الحجة في ذلك من النقض والتمام. /149/ (5/131)
صفحة 1991
وإن باع بكيل معلوم فقال: بعتك هذا على كذا وكذا. فقال من قال: إن هذا بيع تام وليس لأحدهما رجعة على صاحبه. وقال من قال: مالم يكله فلهما جميعا الرجعة في ذلك والقول الأول أحب إلينا. وأما إن قال إن النهي قد جاء في بيع ما يكون قبضه بالمكيال والميزان إلا حتى يكون الكيل والوزن فليس هذا له حجة وإنما جاء النهي الذي يعرف فيما كان قبضه بالمكيال والميزان في المرابحة ليس له ربح مالم يكتل أو يتزن, وكذلك جاء النهي لا ربح لمن لم يضمن وذلك إذا اشترى الحب والتمر أو أشباه ذلك مما يكال أو يوزن ثم باعه من آخر بربح من قبل أن يكتال أو يتزن فإنما نعرف النهي في هذا (1). ... /150/
(1) في أ, ب: زيادة والله أعلم. (5/132)
صفحة 1992
الباب السادس
في البيع من الوكيل أو غيره
قال بشير بن محمد بن محبوب عن عزان بن الصقر –رحمهم الله- في الرجل يبيع الأصل من المال لرجل آخر والمشتري لا يعلم أن ذلك المال للبايع قال: قال عزان بن الصقر: لا يشتريه, وأحسب أنه قال: حتى يكون في يده ذلك (1). قال بشير: وقال الفضل بن الحواري إن له أن يشتريه لأنه إذا باعه البايع فقد صار له ذلك ببيعه إياه قد صار ذا يد ببيعه إياه. قال بشير: إذا ادعى الرجل الوكالة من رجل في بيع ماله جاز أن يشتري منه. قلت له الأصل؟ قال: نعم.
قال غيره (2): وقد قيل لا يجوز ذلك كان المدعي ثقة أو غير ثقة وقيل يجوز إذا كان ثقة ولا يجوز إذا لم يكن ثقة وذلك في الأصل. قال بشير: عن الفضل بن الحواري في الرجل يبيع ثوبا ويقر أنه لرجل آخر أمره أن يبيعه له فإشتراه رجل قال: إن اجتمعوا بثلاثتهم وطلب البايع الثمن وطلب الذي أقر له بالثوب الثمن أيضا. قال: إن البايع للثوب أولى بالثمن ويحكم على المقر أن يدفع الثمن إلى الذي أقر له بالثوب وأما إذا لم تقع الحكومة فالمشتري بالخيار إن شاء دفع الثمن إلى البايع وإن شاء دفعه إلى الذي اقر له بالثوب.
وقال غيره: البايع أولى (3) أن يدفع إليه. وبيع النبق وسويقه والنارجيل والبيض بيض الدجاج نظرة لا بأس به, وبيع القطن وبذر البصل وبذر القل والقثاء بالطعام نظرة لا بأس به. وكذلك القت وقال موسى بن حمد: إن المعلم يأخذ من اليتيم ما اعطاه. /151/
(1) في أ, ب: في يده ذلك المال.
(2) في ب ... : نقص من قوله: قال غيره: وقيل ... إلى قال بشير ...
(3) في أ, ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله ... (5/133)
صفحة 1993
قال أبو علي (1) حفظه الله: قال إن في الآثار وهو قوله في الرجل عليه لرجل حق فقال لصاحب الحق للذي عليه الحق: اشتر لي بذلك الذي عليك غلاما أو متاعا فغاب عنه ثم رجع اليه فقال له: إني قد اشتريت ما امرتني به وتلف المتاع أو مات العبد إنه يصدق فيما قال.
قال أبو علي (2) –حفظه الله- وقد قيل أن لا يصدق إلا بالبينة لأنه يدعي زوال الحق عن نفسه والله أعلم.
(1) في أ ... : قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) في أ, ب: ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله ...
رجع: قلت فإن أمره أن يشتري له ويزن له الثمن من عنده فرجع إليه فقال له: إني قد اشتريت لك ووزنت الثمن من عندي وتلف المتاع وجاء يطلب الثمن من عنده فلا يلزمه له شيء وإن بعث عنده الثمن وأمره أن يشتري له وتلف فإنه مصدق في هذا وفي الأول. قلت: فإن أمره أن يقبض الثمن من رجل آخر فرجع إليه فقال له: إنه قد قبض واشترى وتلف المتاع فإنه مصدق أيضا في هذا وفي الأول (1) قلت فإن أمره أن يقبض الثمن من رجل (5/134)
صفحة 1994
فرجع إليه, فقال: إنه قد قبض واشترى وتلف المتاع فإنه مصدق أيضا في ذلك. قال: فإن دفع إليه الثمن ثم رجع إليه فقال له. فإنه اشترى المتاع قبل أن يزن ثم نظر فإذا الثمن قد تلف قبل ان يزن. قال: فلا يحق بشيء ولا يلزمه المتاع والمتاع لازم للمشتري.
ومن غيره: قال أبو علي حفظه الله (2): وقد قيل أنه بالخيار إن شاء سلم الثمن وكان المتاع له وإن شاء تركه للمشتري ولا يلزمه البيع. والله أعلم.
قال أبو علي الحسن بن أحمد: وقد قيل لا يصدق إلا بالبينة لأنه مدعي زوال الحق عن نفسه والله أعلم.
وسألته عن رجل أقر لرجل بثلث ثمن ماله وفي شيء من المال ثمرة ومنه شيء لا ثمرة فيه. فقال: هذا إقرار ويثبت للذي أقر له به ويكون له ثلث ثمرة المال الذي كانت فيه الثمرة, وفي وقت ما أقر به له تلك الثمرة وحدها ويثبت ثلث ثمرة ما بقي من المال الذي لم يكن فيه ثمرة ما أثمر ذلك المال. قلت له: فهل يلزمه للذي أقر له بثلث الثمرة مؤنة الزراعة وعمالة العمال بقدر الثلث الذي أقر له به أم يأخذ الثلث وافرا لا مؤنة عليه. قال: بل يلحقه من مؤنة المال, ما لابد أن يقوم به. قلت: فإن قال المقر ثلث ثمرتي ولم يقل ثلث ثمرة مالي أكله سواء؟ قال نعم. /153/
(1) ... : في هذه الفقرة تكرر.
(2) في أ, ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
مسألة (1): قال: فإن قال ثلث غلة مالي فهذا مخالف للأول لأن الثمرة إنما هي في الأصول من الأموال من النخيل والارض والغلة كل شيء كان له غلة من الأصول وغيرها مما له غلة. قلت له: فما تقول في رجل يقول: قد جعلت نخلتي هذه لفلان أو ثمرة قطعتي هذه أو عندي هذا يثبت هذا. قال: نعم. وهو من جهة العطية فإن أحرز الذي جعل له ذلك قبل رجوع الذي جعل له ذلك يثبت ذلك له.
وإذا باع رجل ارضا له لرجل, وقال: قد بعت له هذه الأرض أو أوصى بها هالك وفي الأرض نخل أو شيء من شجر مثل سدرة أو غيرها فإنما تقع الوصية أو البيع على الأرض وحدها حتى يقول بما فيها. وإن قال: قد بعت له هذه القطعة أو أوصي له بقطعة فإنها تثبت وما فيها من شجر ونخل ولو لم يقل بما فيها, وكذلك إن كان بستان فإنه يثبت بما فيه من نخل أو شجر وأثبت ذلك أن يقول إنما فيه (2). (5/135)
صفحة 1995
وعن رجل أمر رجلا أن يشتري له بضاعة من صحار أو غيرها أو عبد أو يزن الثمن من عنده فلما رجع الرجل من سفره (3) قال له: قد اشتريت لك ما أمرتني وتلف وطلب إليه الثمن. قال: فإنه يلزمه الثمن إذا صح أنه اشترى له بضاعة وتلف وأقر الآمر أنه أمره فإن اتهمه وطلب يمينه لزمته اليمين.
ومن غيره: قال أبو علي (4) –حفظه الله- وإنما تلزمه اليمين إذا صح أنه اشرى له. وأما دعواه فلا يلزمه ذلك إلا أن يصدقه ولا أعلم في هذا يمينا والله أعلم. /154/
(1) في ب ... : ومن غيره ...
(2) في أ, ب: يقول بما فيه ...
(3) في أ, ب: عدم وجود (من سفره)
(4) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
وقال في رجل اشترى من رجل شيئا من العروض أو الحيوان وسلم الثمن إلا شيئا يسيرا من الثمن بقي من قبل أن يقبض ما اشترى من البايع وكان ذلك من قبل البايع أو قبل المشتري ثم تلف ذلك الشرى في يد البايع أنه لا يلزم البايع شيء مما سلم اليه من الثمن ولا يلحق البايع المشتري بما بقي من الثمن (1) ولو كان الثمن بحاله على المشتري وتلف البيع في يد البايع لكان من مال البايع وبطل الثمن على المشتري, والله أعلم.
ومن غيره: قال أبو علي (2) –حفظه الله- وذلك إذا حبسه البايع ولم يأمره بقبضه وأما إذا أمره البايع بقبضه وكان على مقدرة من قبضه فركبه (3) برأيه حتى تلف كان من ماله ولزمه الثمن والله أعلم.
وعن رجل (4) اشترى جلبه بصل بحب ثم يتركها في موضعها وجعل يقعش منها ويأكل فعلى ما وصفت فإذا كان البصل يزيد لم يجز له ذلك إذا استبانت زيادته وهذا بيع فاسد فإن كان قد فعل فلا يرجع إلى مثل ذلك ويستحل صاحب البصل ويزيده على الثمن بقدر زيادة البصل. (5/136)
صفحة 1996
ومن غيره: وقيل كيف يكون بيع المرابحة (5) إذا قال المشتري للبايع كم تربح علي؟ أو كم تأخذ ربحا على رأس مالك واستثنى أساس المرابحة؟ وأما إذا سأله عن الثمن ولم يذكر مرابحة فقد اختلف في ذلك؟ فقال من قال: إنه يكون على سبيل المرابحة إذا باعه على ذلك حتى بينه أنه ليس يبايعه مرابحة. /155/
(1) في أ, ب ... : زيادة: وكان ذلك الذي تلف من مال المشتري لأنه قد سلم الثمن وكان ما بقي من الثمن على المشتري بمنزلة الرهن لم تلف البيع بطل ما بقي من الثمن ولو كان الثمن بحاله ...
(2) في أ, ب ... : قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(3) في أ, ب ... : فتركه برأيه.
(4) في أ, ب ... : رجع: وعن رجل ...
(5) في ب ... : زيادة: فقد قيل إن بيع المرابحة.
وقال من قال: لا يكون مرابحة حتي يسميا شيئا يذكر أن فيه المرابحة وهذا القول أحب إلي, وكذلك الحب في ذلك مثل الثوب وقد مضى الجواب في ذلك إذا أوقفه على البيع ولم يذكر المرابحة. قلت له: فإن باع رجل على رجل مالا وفيه حجارة. هل تكون الحجارة تبعا للأرض. قال معي: إنه قيل ما كان ثابتا في الأرض الا تفه فهي للمشتري حتى يشتريها (1). وعن رجل باع وليدة ولم يعلمه أنها وليدة زنا. قال: يردها إن شاء المشتري.
ومن غيره: قال: وقد قيل أن ولد الزنا ليس بعيب ولكن الزنا عيب وعن رجل اشترى اكرارا من طعام ثم إن رجلا سأله أن يوليه بعضه. قال: لا يكيله له. وقال أبو نوح, لا أرى بأسا أن لا يكيله عن مسابح في البحر يصطاد منها السمك, هل تصلح لأهلها أن يؤجرها سنة بأجر معلوم؟ قال: يكره ذلك وأن شاءوا باعوها من أصلها ويأكلوا ثمنها وأما أجرها فلا.
ومن جواب أبي علي –رحمه الله- إلى هاشم بن الجهم: وعن رجل يبيع حبا وتمرا فبيع بيعا مختلف مكوكا ونصفا, مكوكا وثلثا ولكل إنسان على قدر ما يزيد قال: ما أرى فيه بأسا.
قال غيره: لعل هذا إذا كان المشتري مماكسا وأما المستلم فلا يبتدي تقلب السعر وإنما يبايع كما يبايع العامة والله أعلم. وينظره في ذلك. ... /156/ (5/137)
صفحة 1997
(1) في أ, ب ... : زيادة قال معي: إنه قيل ما كان ثابتا في الأرض مثل الأنتفه فهي للمشتري حتى يشترطها البايع وكان غير ثابت فهو للبايع حتى يشترط المشتري وعن رجل ...
ورجل يبيع حبا أو تمرا أو غيره ثم يأتيه من يماكسه فيبيع له بسعر ثم يأتي آخر لا يماكسه فيبيع له بسعر ثم يأتي آخر لا يماكسه فيبيع له بسعر أقل من هذا, هل له ذلك؟ قال: إن كان لهذا الرجل أصل في هذه السلعة بيع للعامة أولها بسعر معروف يتواطأ عليه بيعها باع للمسترسل –لعله اراد للمسلم- كبيع العامة فيما قيل وليس عليه أن يبيع له كبيع الخاصة مماكسه فأحسن إليه ولا ممن ماكسه هو فزاد عليه في السعر بالمماكسة. /157/ (5/138)
صفحة 1998
الباب السابع
في البيوع
«المضاربة» سألت أب الحسن محمد بن الحسن رحمه الله- عن المضارب إذا أخذ المال بلا شرط محدود ثم اشترى به سلعة واراد صاحب المال أخذ ماله هل له ذلك؟ قال: لا. إذا اشترى به سلعة فليس له أن يأخذه حتى يبيع تلك السلعة, ينظر مقدار ما ينفق منه تلك السلعة. قلت له: فإذا أخذ المضارب المال على أنه يعمل عشر سنين فمات المضارب قبل العشر واراد ورثته أن يعملوا بالمال إلى تمام العشر هل لهم ذلك؟ قال: لا أرى لهم ذلك إلا أن يتم لهم ذلك صاحب المال. قال: وكذلك إن مات صاحب المال لم يكن للمضارب أن يعمل في المال إلا برأي الورثة ولو كان لهم مدة لأن الموت هاهنا ينقض المدة. قلت له فإن اشترى سلعة من بعد أن مات صاحب المال. هل يضمن. قال: نعم يضمن ما أنفذ من ماله من بعد موته وهو بحاله يضمنه للورثة. قلت له: فإن كانت في يده سلعة قد اشتراه هل له أن يبيعها بعد موت صاحب المال؟ قال: نعم (1). إذا كان كذلك بيع البلد. جاز له ذلك. فإن كان بيع البلد معروفا بالدراهم والدنانير فأخذ سلعة, فلا يجوز له ذلك على معنى قوله: ... /158/
(1) في أ, ب ... : زيادة على ما في واحد: قال: نعم, له أن يبيعها بالدراهم ولا يشتري سلعا بعد موت صاحب المال. قلت له: فإن كان في بلد تجارته المعروفة ان يأخذ عروضا من عبيد او حب أو حيوان أو غير ذلك, هل له أن يبيع تلك السلعة بسلعة؟ قال: نعم. إذا كان كذلك بيع البلد ... (5/139)
صفحة 1999
إنه ضامن لذلك إذا كان ذلك بعد موت صاحب المال. وقال: إذا أتت على الدراهم في يد المضارب آفة من سلطان أو سرق ثم لم يأذن له صاحب المال أن يعمل بما بقي ولم يستشره في ذلك وعمل هو بالدراهم. قال: رأس المال يخرج عند القسمة على رأس المال الأول وإن أذن له بعد أن اعلمه أن المال قد تلف منه شيء فإنما يكون رأس المال ما كان باقيا في المضارب (1) , وقال بعض: ولو أذن له حتى يقبضه منه صاحب المال ثم يرده اليه يعمل فيه فحينئذ يكون رأس المال ما بقي في يد المضارب والله أعلم. /159/
(1) في أ, ب: قال غيره ولو اذن ... (5/140)
صفحة 2000
رجع «بيع النخل» وقال أبو الحسن –رحمه الله- في رجل اشترى نخلة وشرط عليه صاحب الأرض إنها وقيعة أو باعها البايع واشترط الأرض واشترط أنها وقيعة فقال: علي صاحب الوقيعة أن يخرج ما كان تحت الوقيعة من صرم ولا يترك تحت الوقيعة صرم. وقال: وصرم النخلة الوقيعة لصاحب النخلة الوقيعة. قال: وإذا باع رجل نخلا من نخله واشترط أنها وقيعة فما كان من فسل يصلح للأخراج وللفسل فهو للبايع, وما كان من فسل لا يصلح للفسل وليس ببالغ فهو لصاحب النخلة وعليه أن يقعشه ولا يترك لصاحب الوقيعة فسلا يستحقه تحت الوقيعة بسبب إلا أن يكون الفسل قد حمل وصار حاملا فإنه يتركه لصاحب الوقيعة إذا استحقه. وكذلك قال: في رجل سرق فسلة فغرسها في أرضه أو ارض غيره إن الفسلة وما نبت منها من فسل فهو لصاحب الفسلة إذا استحقها بالحكم أو بغيره إن قدر على أخذها فيما يجوز له أخذها. قال: وعلى صاحب الصرمة المسروقة إذا استحق الفسل أن يخرجه من الأرض. قلت له: فهل لصاحب الصرمة المسروقة أن يحشي هذه النخلة ويتركها بحالها. قال: لا. إما يخرجها وإما يأخذ قيمتها يوم قشعت وقال من قال: يوم استحقها حين ذلك له قيمتها في حين ذلك. وقال أبو الحسن رحمه الله- في رجل كان له نخل كثيرة في قطعة أو موضع غير العواضد, فواقفت النخل أو شيء منها ثم باع تلك النخل لرجل نخلة ولم يجد له شيئا من الأرض إنه لم يحد شيئا من الارض فلهذه النخلة القياس إلى القائم من النخل ولا يقاس بالقلل إلا أن يكون تحت القلل فسل بمنزلة الدحايل وليس في حد الإخراج فإنه يقاس به القلل مما يليها, وكذلك يقاس بها بالفسل من الفسل صغير أكان أو كبيرا وذلك أنه مال كله قال: وإن لم يكن فسل ولا كان تحت الفسل فسل بمنزلة /160/ (5/141)
صفحة 2001
ما لا يخرج فإن هذه النخلة تقايس مما يليها من النخل القائمة إن كان بينها ستة عشر ذراعا أو أقل وإن كان أكثر من ذلك رجعت هذه النخلة إلى ثلاثة اذرع ما دار بها. قال: وإن كانت هذه النخلة عاضدية وكان له نخل في ذلك العاضدية ثم باع لرجل هذه النخلة فإن لهذه النخلة قياس إلى القلل قليلا كان أو كثيرا وسألته عن رجل يبيع لرجل سلعة إلى أن يخرج إلى دما ويرجع يعطيه أو إلى مكة أو إلى أن يصل إلى البيت أو إلى السوق, أو نحو هذا من اللفظ أيكون البيع ثابتا منتقضا. قال: هذا البيع ثابت ما لم يطلب أحدهما نقضه بالجهالة فإن طلب أحدهما نقضه رأيته منتقضا لأنه مجهول لا يدري يخرج أو لا يخرج يرجع أو لا يرجع, قلت له: فإن باع له سلعته إلى أن يبيعها ويعطيه ما يكون ذلك البيع؟ قال: لا أقول أن هذا البيع ثابت –وفي نسخة أقوال إن هذا البيع ثابت- فإن كان السلعة قائمة بعينها أخذ ببيعها حتى يعطيه ولا أرى عليه أن يعطيه حتى يبيعها. فإن تلفت أو فاتت فهو ضامن للثمن في ماله. وسألته عن رجل باع لرجل سلعته بدرهمين نقد وخمس مكايك بر إلى أجل هل يجوز ذلك؟ قال لي: في ذلك اختلاف منهم من يجزه ومنهم من لا يجزه فإن أخذت بإجازته جاز ذلك إن شاء الله. قال: وكذلك قالوا في الذي يبيع شيئا نصفه كذا وكذا ونصفه بكذا وكذا, إن ذلك مختلف فيه. وأما إذا باع سلعة بعشرة دراهم إلى أجل كذا وكذا أو بعشرين درهما إلى أجل كذا وكذا فذلك ثابت.
وقال من قال: له أبعد الأجلين. قال: وأقل الثمنين, وقال أكثر الثمنين, وأقرب الأجلين وقال: وإذا باع سلعة له بمكوك حب أو بدرهم فضة أو بشيء مثل هذا, فهذا ينتقض وله سلعته أو قيمتها إلا أن يأخذها على أحد المعنيين.
وقال أبو الحسن –رحمه الله- إذا اختلف البايع والمشتري في الأجل والنقد قال البايع: الثمن نقد. وقال المشتري: هو إلى الأجل. فالقول قول البايع ... /161/
وعلى المشتري البينة. فإن حضر كل واحد منهما بينة على ما يدعي كانت البينة بينة العاجل والأيمان بينهما على ما يدعيان. وكذلك كل من كان القول قوله في شيء فالبينة بينته إلا أن يكون المدعي يجر إلى نفسه مغرما أكثر من المدعا عليه, وعمن يشتري من رجل شراء ثم يرده عليه في المقام فإذا وقعت الواجبة لم يكن لأحدهما رجعة على صاحبه إلا من عيب. وعمن اشترى شيئا من المال أو غيره فأنفق عليه وبايعه له على أن له إن أحضر الدراهم (5/142)
صفحة 2002
إلى يوم كذا وكذا, وإلا فلا بيع بيني وبينك, فهل ثبت هذا بينهما. وكذلك العامل بالأجر إذا كان المدة بينهما فقد قال من قال: إن هذا شرط ثابت والبيع تام. وقال من قال: البيع منتقض والتمام أحب الينا. وأما العامل فذلك شرط ثابت ولا نعلم في ذلك اختلافا, فإن جاء إلى الوقت وإلا فلا عمل له ولا أجرة.
ومن غيره: روى بعض قومنا من عطاء وعن ابن جريج وعن غيرهم من فقهاء قومنا: أنه لا ربا إلا في النسيئة, وهو قول لأصحابنا أهل عمان أنه لا ربا إلا في النسيئة. وكذلك المعقول الربا في الجاهلية قبل الإسلام مع العرب بأنه إنما كان الربا في النسيئة. وكذلك المعقول الربا في الجاهلية قبل الإسلام مع العرب بأنه إنما كان الربا في النسيئة ولم يكونوا يعرفون الربا إلا في النسيئة ولم ينزل القرآن إلا بما يعرفون من لغتهم, وذلك قول الله تعالى {وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وحجة المسلمين في كل أمر استحلوه قائمة ثابتة في شريعة الإسلام وإن جهلها الجاهلون وأبطلها المبطلون.
ومن جواب أبي المؤثر وعن رجلين يتبايعا على دينار بدراهم ولم يستوف منه إلا بعد أيام وهما جاهلان, وأحدهما من شرق عمان والآخر من غربها أو كان احدهما من حضرموت والآخر من عمان وكانت قيمة الدينار مثل تلك الدراهم وقبض كل واحد منهما ثم علما بفساد ما صنعا فأرادا التوبة ولم يكن أحدهما الوصول إلى صاحبه إلا بتعب شديد ومؤنة ثقيلة, هل يجزئه التوبة؟ فأرجوا أن /162/
تجرئه التوبة إلا أن يشتري مما أخذ من صاحبه مثل ما دفع إليه ويستوفي لنفسه فإن بقي في يده فضل بعثه إلى صاحبه وهو ضامن له حتى يصير إليه فإن لقيه بعد ذلك أعطى كل واحد منهما ما كان أخذ منه، أو يوسع بعضهما بعضا وإن (1) تابا لم أر عليهما إثما إن شاء الله، إذا كان تابا وفعل من ذلك كما وصفناه، وسألت أبا المؤثر عن رجل باع لرجل درهما بدرهمين إلى أجل فحل الأجل وقبض الدرهمين ثم تابا مما فعلا واستغفر الله، وعلما أن فعلهما ذلك كان باطلا، وقال صاحب الدرهمين لصاحب الدرهم إمسك من الدراهم التي كنت قبضت مني درهما مكان درهمك الذي قبض منك ورد الدرهم الباقي إلي ففعل ذلك. ما القول في ذلك؟ فقد قال الله تبارك وتعالى (فإن ..... ) فإن (2) هذا منهما بعد التوبة والاستغفار والرجوع عملا (3) فعلا فلا أرى بذلك بأسا لأنه إنما أخذ رأس ماله، قلت لأبي المؤثر: وكذلك لو دفع صاحب الدرهمين إلى الآخر الدرهم الذي كان قبض منه وتصدق عليه بالدرهمين الذي كانا قبله من بيع الربا أو وهبها له وأمره بدفعها إلى أحد من الناس. فقال: نعم ذلك جائز لأنه حين تاب كان له رأس ماله وهو الدرهمان وله أن يصرفهما – فيما ذكرت وإن لم يقبضهما قلت له كذلك لو (5/143)
صفحة 2003
تصدق هذا على هذا، وهذا على هذا، بعد التوبة، فقال: نعم ذلك جائز إذا كانا فعلا ذلك من باب المعروف وليس من باب إثبات الربا، ومما أحسب عن أبي المؤثر: وعن رجل باع من رجل دينارا بثلاثين درهما إلى أجل مسمى ثم قبض الدراهم ثم أرادا جميعا التوبة وقد غاب كل واحد منهما عن صاحبه وقد نقصت قيمة الدينار أو زادت فإن على كل واحد منهما التوبة ورد ما في يده إلى الآخر فإن لم يقدر على صاحبه استوفى مما في يده قيمة ماله ورد المفضل إلى من يقوم بأمر الغائب، وإن كان له فضل على ما دفع والله أعلم. /163/
(1) - في ب: فإن ماتا
(2) - في أ، ب: فإن كان هذا منهما ...
(3) - في أ، ب: عما فعلا ....
مسألة (1): في قرض جر منفعة: وقيل: قال هاشم: سمعنا أبا الحسن يقول كنت أريد الخروج مع أبي المنصور إلى الجرجانية وقد لزمت غريما لي فجاءني الأشعث فقال: أن أبي (2) أرسلني إليك لأن الديان أخذوني فأريد بيع القدر الذي أعمل به ومعيشتي منه. فقلت له: هذا غريمي يقول: ض غدا الدراهم فخذ منه حاجتك والبقية اذهب به إلى منزلي، فادفعه إلى جاريتي فأنكر على ذلك أبو منصور. وقال: أما بلغك أنه يكره كل قرض جر منفعة وأنت تريد أن يتقاضا لك الأشعث، فقلت له لنطلق إلى منزلي فقل للجارية تعطيك حاجتك من الدراهم. قال هاشم: وذلك يكره كل قرض جر منفعة فلو بعثه فهو في حاجته.
ومن سيرة لأبي عبد الله: وقال لي رجل اشترى من رجل شيئا من العروض والحيوان وسلم الثمن إلا شيئا يسيرا من الثمن بقي من قبل أن يقبض ما اشترى من البايع وكان ذلك من قبل البائع أو من قبل المشتري، ثم تلف ذلك الشري من يد البائع لأنه لا يلزم البائع شيء مما سلم إليه من الثمن ولا يلحق البايع المشتري بما بقي من الثمن وكان الذي تلف من مال المشتري لأنه قد سلم الثمن وكان ما بقي من الثمن على المشتري بمنزلة الرهن، لما تلف البيع بطل ما بقي من الثمن (3) ولو كان الثمن بحاله من المشتري وتلف البيع في يد البايع لكان من مال البايع وبطل الثمن على المشتري والله أعلم. /164/ (5/144)
صفحة 2004
(1) - في ب: ومن غيره.
(2) - في ب: إن أمي أرسلتني ....
(3) - في ب: نقص: من قوله: ولو كان الثمن ... والله أعلم.
ومن سيرة لأبي عبد الله (1) - رحمه الله – وعن رجل اشترى من رجل بيعا ربا أو بيعا مكروها إلى أجل ودفع الثمن بعد محل الأجل ثم علم بحرام ذلك هل عليه أن يرجع إلى صاحبه فيخاصمه في استرداد الثمن؟ نعم يلزمه أن يخاصمه ويحاكمه حتى لا يأكل حراما ولا يطعمه.
محمد بن سعيد في الرجل يشتري من الرجل السلعة ويشترط عليه أني إنما آخذ منك على أنك تقترض مني. فزعم أن عليه له شروطه.
قال أبو سعيد: قد قيل هذا. وقال من قال: لا يثبت إلا أن يتفقا على ذلك بعد البيع ولا يختلفان في العروض
فقال من قال: إنه لا يثبت ولا يجوز لأن فيه شرطين وإن تتامما على ذلك أعجب إلي أن يتم وإن اختلفا أعجبني أن ينتقض البيع. /165/
(1) - في ب: ومن غيره لأبي عبد الله محمد بن محبوب – رحمه الله – (5/145)
صفحة 2005
قال أبو سعيد: يعجبني أن يكون (1) يكون بالشروي إلا في الاستحقاق من غير نقض البيوع أما إذا كان البيوع منتقضة أو فاسدة فذلك دخل على البايع والمشتري جميعا في الحكم، ولا يعجبني أن يكون فيه شروي علم أو لم يعلم.
ومن غيره: وأما الذي يشتري ويبيع فيشتري من الناس بنسيئة وليس في يده نقد. فأما إذا كان بأداء ما يلزمه ولا يقصد بذلك إلى إتلاف أموال الناس ولم يكن فلس وبطل بيعه فلا يبنى لي عليه في ذلك إثم. وأما المفلس فلا يجوز له بيع ولا شرى، وإنما هو متلف لأموال الناس وما لم يحكم بتفليسه فلا يحجر عليه بيع ولا شرى إن شاء الله.
قال أبو عبد الله – رحمه الله – وقد قيل إذا ظهر الفضح في قطعة نخل جاز طنائها إذا ظهر في عامتها وإن لم يظهر في جماعتها فيجوز طنائها كلها. وخبرنا محمد بن باستة بعد موت أبي عبد الله أنه سأله عن هذه المسألة وقال له: إن طلب المطني النقض هل له ذلك؟ قال: له نقض ما لا يجوز طناؤه منها. ثبت عليه طناء ما جاز طناؤه ولم يفسر غير هذا.
وعن علي البسنياني وعن الطواف بالبقلاء وغيره مطبوخا أو غير مطبوخ ببيعه سدس بقلاء بمكوكي تمر أو حب فيقعد بباب قوم ويكتالون منه الباقلاء ويدخلون منزلهم ثم يجيئونه بالتمر. قال: هذا جائز، وليس هو من بيع النظرات، وهذا يدا بيد، وهو كالبدل أعطوه بدل ما أعطاهم وإن أعطاهم الباقلاء وانصرف فجاءهم بعد وقت فأعطوهم حقه فذلك جائز إن شاء الله. وإن باعه نظرة ففيه اختلاف فاعلم ذلك. /166/
(1) - في أ، ب: يعجبني أن لا يكون .... (5/146)
صفحة 2006
" أنواع البيوع " قلت يجوز بيع العنب بالطعام نظرة أم لا؟ قال: إذا كان رطبا لم أر به بأسا فقد أجاز بعضهم ولم يجز آخرون. فأما الزبيب فلا يجوز بالطعام نظرة وعن رجل باع لرجل شاة فقال له: إنها تحلب في كل يوم مكوك لبن واشتراها على ذلك فحلبت أقل أو أكثر ينتقض البيع بينهما أم لا؟ قال: قد قيل أن البيع لا ينتقض ولا أعلم نقضا والله أعلم. وليس هو شيء يبصر بالعين وإنما هو يعرف بالعادة.
قال أبو علي (1) حفظه الله: وأما إذا باعه إياها على أنها تحلب كل يوم مكوك لبن فلم تحلب ذلك كان له النقض والله أعلم – وأجاز بعضهم بيع الموز الغض والأترج بالحب إلى أجل ولم يجزه آخرون. قلت له: فيمن باع ضصطرا بثلاثة دراهم وله جلده أوله سوداه أو رأسه أو له فيه منا لحم وأعطى (2) المشتري شرطه هل يجوز هذا البيع ويكون حلالا أم لا؟
قال معي: إنه قد قيل إن هذا لا يجوز ومثله ويخرج ذلك عندي من وجه منتقض للجهالة، فإن تتامما عليه لجبر بين لي فساده من وجه حرام. وسئل عن رجل أراد بيع تمر لقاط مكنوزا هل عليه إعلام؟ فقال: على معنى قوله أنه ليس عليه إعلام إلا أن يخرج من التمر حال ينقضه عن حال التمر قيل له: فرجل أراد بيع شاة بثمانية ثم لقيه رجل فقال له: تبيع الشاة بعشرة. قال: لا. هل يكون كاذبا. قال عندي إنه يكره له ان يقول ذلك إلا أن يقدم نية إنه إن لم يكن إلا ذلك بعتها فإذا نوى ذلك فلا بأس عليه عندي.
ومن غيره: قلت له: فما تقول في رجل لقي آخر معه شيء فقال: هذا من مال فلان، هل لهذا أن يأكله منه أو يشتري منه. قال عندي أنه إذا كان في يده واحتمل أن يزول إليه بوجه حق ولم يكن ممن معروف أنه لا يزول ذلك (3) إلا بوجه لا يجوز أو مستراب أنه يسعه ذلك لموضع اليد منه./167/
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) في أ، ب: أعطاه.
(3) في أ، ب: مثل ذلك. (5/147)
صفحة 2007
الباب الثامن
في المضاربة من الجامع
رجع: إلى كتاب أبي جابر
" شروط المضاربة " ولا تكون المضاربة إلا بالدراهم والدنانير، والمضاربة: أن يدفع رجل إلى رجل مالا يتجر فيه. وما كان فيه من ربح للمضارب جزء منه ما اتفقا من ذلك عليه. وإن دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن لرب المال ربح نصف المال أو ربح مائة درهم فقيل إن هذه المضاربة جائزة، وإن قال للمضارب ربح هذه المائة نفسها أو هذه المائة نفسها أو هذا النصف بعينه. فقال من قال: إنها مضاربة فاسدة، وله أجر مثله. وإذا شرط الربح كله للمضارب فهو للمال ضامن وهذا دين. وإن كان الربح كله لرب المال فهذه بضاعة لرب المال ولا ضمان على المضارب.
وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة على أن ما رزق الله في ذلك من شيء للمضارب من ذلك مائة درهم أو أقل أو أكثر إلا أنه قد سمى دراهم معلومة فهذه مضاربة فاسدة لا تجوز. فإن ربح المضارب أو وضع فإنما له أجر مثله وليس له من الربح شيء. وكذلك لو تلف المال فلا ضمان عليه لأنه أمين. وإن دفع المضارب المال إلى أحد فهو ضامن وإن كان ربح فهو للمضاربين ربحهما ولصاحب المال رأس ماله وربحه فإن تلف المال فالأول ضامن وليس على الآخر شيء، وإذا باع المضارب بيعا ثم حط من ذلك المبتاع فذلك من جميع المال لأنه ناظر لنفسه ولصاحبه.
وقيل: إن قال صاحب المال للمضارب لا تأخذ نسيئة فأخذ بيعا يكون بألف درهم بألفي درهم نسيئة فربح. قال: فإن أخذه على المال فالربح بينهما والوضعية على المضارب (1) وقيل إذا كان قرضا فهو (2) له مضاربة أو مضاربة فحولهما قرضا. وكذلك الوديعة فهما على الأمر الأول حتى يقبضه منه يرده /168/
(1) - في أ، ب: زيادة: وإن صاحب المال أمره أن يأخذ على ماله فالوضعية على المال والربح بينهما
وإن لم يأمره فالربح بينهما والوضعية على المضارب. وقيل .....
(2) - في أ، ب: فحوله وهذا أصح. (5/148)
صفحة 2008
إليه كما أراده. وقيل نفقة المضارب وكسوته ومؤنته فهو على نفسه. وأما ما يعني المال من الكراء والأجر أو جمع مؤنته فذلك من رأس المال. وإن اشترط المضارب أيضا على صاحب المال أن نفقته منه فذلك له. وكذلك كلما اشترط من الكسوة أو غيرها.
وقال من قال: كان المضارب يعمل بيده في المال فيكره له أن يأخذ أجر ذلك، وأما كراء المنزل أو الدابة إذا كانت له فلا بأس أن يأخذ كراء ذلك كما يكون لغيره. وقيل: إذا قال له أن يضعه بضاعة فذلك مكروه. وإذا شرط صاحب المال على المضارب الضمان انتقضت المضاربة وكان الربح للمضارب كله والضمان عليه. وإذا دفع رجل إلى رجل مالا مضاربة فضاع بعضه وذهب فلم يخبر صاحب المال بما كان من أمره حتى ضرب بالمال وربح فليس له ربح حتى يكمل رأس المال، ثم إن فضل شيء فهو بينهما وإن أخبره بالوضعية أو ما ضاع أو ما ذهب فجعل (1) عنده الباقي بعد أن قبض فالوضعية على رأس المال ثم ما ربح بعد ذلك بينهما، وليس على المضارب ضمان حتى تعدوا ما أمره صاحب المال وليس يلحق صاحب المال بعد رأس ماله شيء إلا أن يقول للمضارب خذ نسيئة وما كان من دين (2) فهو عليه وإن قال: علي وعليك فهو أيضا على ما شرطا. وإن كان في المضاربة ربح فقسماه بينهما ثم اتجر الباقي فخسر الباقي، فعن أبي عبد الله على (3) – رحمه الله – أن الربح قد جاز إذا أعلمه أني حسبت فوقع الربح كذا وكذا.
وعن رجل أعطى رجلا مالا مضاربة ولم يحد له فيها شيئا فذهب الرجل فزرع بها فذهبت الزراعة هل يلزمه شيء؟ قال: لا.
وفي الآثار في رجل كان معه مال مضاربة فربح فيه فمر على عامل فقال: أرى رأي في مال صاحب المال ففرق منه فأعطاه رأس المال فلما قدم، قال /169/
(1) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله ...
(2) - في أ، ب: وما كان من دين فعلي ....
(3) - في ب: فعن أبي علي – رحمه الله - ...
قتادة والحسن قاسم الرجل الربح فما ذهب فهو من رأس ماله. فقال جابر بن زيد – رحمه الله – لا ربح له حتى يوفيه رأس ماله ثم يكون الربح فضلا وما ذهب فهو ظلم ظلمه من المال. قال أبو أيوب – رحمه الله – القول قول جابر. (5/149)
صفحة 2009
وعن رجل أعطى رجلا مالا مضاربة واشترط عليه شروطا قال ابن عباس: نقول لا يبرح المال ولا يخاطر به. فأما أن يقول اشتر كذا وكذا فلا. وقال أبو عبد الله - رحمه الله – له أن يحد له وكذلك رأينا وإذا قسم الشريكان فإن أراد أحدهما أن يشتري حصة حصة صاحبه فما حضر وما كان على الناس فيقسمانه إذا حضر. قلت أعطي كمالي منافقا يتجر فيه. قال إن خشيت أن يدخل في مالك ما لا يحل فلا تعطيه. قلت: إن كان أبا أو أما (1) وهما فاسقان. قال: إن يكونا ثقتين ولا يتحرجان ويبيعان بالحرام أو الربا فلا تدفع إليهما مالك. وأما إذا لم تعلم ذلك فلا بأس أن يتجر له ولو لم يكن عنده ثقة، وأما الذمي فلا يتجر بمال المسلم ولا يشاركه المسلم في تجارة إلا أن يكون المسلم هو المتولي لذلك، أو تكون التجارة بين يدي المسلم لا يغيب عنه حتى يعلم – وفي نسخة حتى علم أنه لا يدخلها شيء من حرام – وعن بيع اشتريته وأشركت فيه رجلا وإنه تخوف النقصان فحجد الشركة ثم بعثه بربح قال: قد برئ منه حين حجده. وقال: أبو عبد الله – رحمه الله – له حصته من الربح وعليه حصته من الوضعية إلا أن يقول: قد جعلت إليك نصيبي من هذا البيع وبرئت إليك منه، وقبل ذلك شريكه فهو للشريك، وكذلك رأي وعن رجل أخذ مالا مضاربة فاشترى به بيعا ثم باعه وقبض ثمنه ثم اشترى به متاعا وقبض المتاع ولم ينقد ثمنه وسرق المتاع من الليل والدراهم جميعا. قال: ذهب رأس المال. والوضعية على الذي اشترى المتاع ولم ينقد ثمنه، وقيل إذا اشترى المضارب بالمال متاعا ثم حمله بالكراء فعطب فالكراء على المكتري إذا قال صاحب المال (2) أمرك أن تدين علي وكذلك إذا دفع المضارب ثيابا إلى الصباغ بجعل فتلفت فليس برب المال تبعة بعد رأس المال حتى يأمره بالدين. وقيل يكره لمن دفع مالا مضاربة أن يحمل صاحبه بضاعة. وكذلك الذي يقرض أناسا يكره أن يدفع إليه مالا مضاربة ولا بضاعة ويكره كل قرض جر منفعة. /170/
(1) - في أ: وإن كان أبا أو ابنا ... بدل أما.
(2) - في ب: قال صاحب المال: لم آمرك أن ...
وعن مضارب باع لرجل بيعا فخشي أن يمطله فوضع عنه على أن يعطيه أو جعل لرجل كراء كذا على أن يدله على بيع. فقيل إن ذلك على رأس المال ولا تجوز المضاربة على شيء من العروض إلا (1) من خصلة واحدة وهو أن يدفع متاعا إلى رجل يبيعه بدراهم أو بدنانير فإذا حصل ذلك كان مضاربة بينه وبين ذلك على صفة المضاربة./171/
تم الباب من كتاب أبي جابر (5/150)
صفحة 2010
(1) - في أ، ب: غير موجود .. إلا من خصلة واحدة .... إلى صفة المضاربة.
ومن غيره: وقد اختلف في البيوع المنتقضة إن لو أتمت إذا مات المشتري قبل الإتمام. فقال من قال: موته ثبوت للبيع وليس للورثة خيار في نقض ذلك ولا إتمام. وقال من قال لا يثبت ذلك وللورثة ما للمشتري في إتمام ذلك ونقضه، وهذا في البيوع المنتقضة التي غير فاسدة.
وسئل رجل وصل إلى رجل فقال له: بعني حبا لزيد عشرة أجربه بمائة درهم. فقال: نعم. وكان له الحب. وقال: قد بايعتك هذا الحب لزيد بمائة درهم، أيكون الثمن يلزم المشتري أم يلزم زيدا أم البايع بالخيار إن شاء أخذ ذلك من المشتري أم من زيد إذا كان زيد معترفا بذلك.
قال معي: إنه إذا كان على هذه الصفة أو اعترف (1) المشتري له أن البيع له كان له الخيار أيهما شاء أخذ حقه. قلت له: فإن جحد المشتري له أيلزم المشتري الثمن. قال: هكذا عندي والمشتري له ضامن للمشتري إذا كان حقا قد أمره بذلك وثبت على معنى الشرى بما يجب عليه به الحجة وسئل أبو سعيد – رحمه الله – عمن باع على رجل دابة وسلم حبلها في يد لمشتري ليقودها به لمن يكون حكم الحبل للمشتري أو البايع. (5/151)
صفحة 2011
قال معي: إنه للبايع. وسئل عمن يطعم دابة يريد بيعها ويشبعها يريد بذلك تحميد وتنفق هل يجوز ذلك له؟ قال معي: إنه لا يجوز له ذلك، قلت له أنا: فيكون (2) البيع مردود. قال: وكذلك الذي يحين لبنها إذا حينت للبيع فبيعها مردود معي. الله أعلم. /172/
(1) في أ: واعترف المشتري ...
(2) في ب: أيكون البيع مردودا؟
وعن رجل باع لرجل (1) شيئا بالعشر ثم قال: إنه تلف أيلزمه في ذلك غرم أم لا شيء؟ قال أبو سعيد: عن أبي الحسن – رحمهما الله – يرفعه إلى أبي الحواري أنه لا غرم عليه، ولو لم يصح ذلك إلا قوله ولم يجعله كمن يعمل بيده بالأجر. قال: ويوجد عن أبي علي – رحمه الله – أن عليه الغرم في ذلك. ويجعله كمثل الذي يعمل بيده بالأجر إلا أن يصح له في ذلك عذر بين فلا يلزمه في ذلك غرم، وإذا أعطاه جرابا يبيعه له بعشرة فذلك ثابت وله عشرة إذا باعه. وإن لم يبعه لم يكن له شيء فمن أجل هذا.
قال صاحب القول الأول: إنه لا غرم عليه إذا تلف لأنه شريك، وإن أعطاه شيء يبيعه له على أن له عشرة ما باعه فهذا مجهول ولا يثبت له عناؤه في ذلك. وعن رجل باع لرجل بيعا وجعل الخيار للمشتري أو للبايع ثلاثة أيام فتلف ذلك البيع في المدة. قال: إن كان الخيار للمشتري فتلف البيع في يده فعليه الثمن، وإن كان الخيار للبايع فتلف ذلك البيع من (2) يد المشتري كان له قيمته يوم تلف لا ثمنه يوم باعه. وقال بعض (3): ليس عليه شيء لأنه بمنزلة الأمين وإن تلف في يده وله الخيار لم يكن له شيء، وإن كان الخيار للمشتري وتلف في يد البايع ففيه اختلاف. قال من قال: قد لزمه هذا البيع. وقال من قال: ليس عليه شيء، وهذا القول هو أكثر والله أعلم وإن تلف في يده وله الخيار لم يكن له شيء وإن كان الخيار للمشتري فمات المشتري في الأجل الذي جعل له فيه الخيار فقد ثبت عليه وليس لورثته في ذلك خيار لأن الخيار لا يورث كما أن الشفع لا تورث. وسألته عن رجل اشترى عبدا ثم جاءه رجل يدعي أنه عبده سرق منه وأقر العبد أنه عبد الرجل المدعي (4) الحكم بالعبد المقر أنه عبد. قال: نعم. إلا أن تكون مع المشتري بينة يشهد له أن هذا العبد أقر أنه مملوك للبايع له أو /273/ (5/152)
صفحة 2012
(1) - في ب: ثيابا بالعشر ...
(2) - في أ، ب: يد المشتري.
(3) - في أ، ب: ومن غيره: وقال بعض.
(4) - في أ، ب: أيحكم عليه بالعبد.
للذي في يده. وسئل عن الذي يقرض ما لا يمكن كيله ولا وزنه مثل الجذع والثوب والجراب أن يكون هذا قرضا ويجوز؟ قال من قال: لا يجوز ذلك ولا يقع على هذا اسم القرض لأن القرض مثل بمثل. وقال من قال: يجوز ذلك على التراضي منهم فيما يكون مثل هذا لأنه قد ضمنه والله أعلم وذكر أبو سعيد عن أبي الحسن – رحمه الله – مقيدا عنه في بيع عسل النخلة بالطعام (1) فقد قال من قال: يجوز ذلك لأنه شفا. وقال من قال: لأنه طعام فلا يجوز الطعام بالطعام نظرة. وسألته عن رجل قال لرجل قد بعت لك هذه الشاة بعشرة دراهم. قال: نعم. أيثبت البيع؟ قال: نعم هذا بيع ثابت. قلت له وكذلك لو قال له: قد رضيت هذه الشاة بعشرة دراهم قال: نعم. قال: هذا بيع جائز ثابت عليه أيضا. قلت له: فإن قال (2) أخذت هذه الشاة بعشرة دراهم. قال: نعم. قال: فهو ثابت أيضا عليه. قلت له: فإن قال له: قد قبلت هذه الشاة بعشرة دراهم. قال: نعم فهذا أيضا ثابت عليه، وعمن اشترى مالا فأكله ثم اشتك فيه فلم يدر أكان شراءه على ما يجوز ويثبت أو كان غير ما يثبت. وكذلك في التزويج إذا عارضه الشك في عقدة التزويج من بعد ذلك ولم يدر أكانت صوابا أو كانت على غير ما يثبت.
قال محمد بن سعيد – رحمه الله – فعلى ما وصفت في هذا الحال إذا نص نفسه إلى علم ما مضى من أموره وغاب عنه صورة ذلك الأمر بجميع ما ذكره وكان يعرف نفسه أنه لا يدخل في شبهة ولا يتعمد في بيعه وشراه ونكاحه إلا سبيل الحق بذلك يعرف نفسه وكان في يد ه مال قد أكله أو كان في ملكه فرج قد ارتكبه على ما عنده أنه من الحلال ثم عارضه الشيطان بوسواسه ليضيق عليه أمر ماله ويكدر عليه الصافي من حلاله الذي لا يذكر هو كيف كان / 174/
(1) - في أ، ب: بالطعام نظرة، فقال من قال .. (5/153)
صفحة 2013
(2) - في ب: فإن قال له قد أخذت ....
أمره ولا يحضره في حاله هذا ذكره فهذا لا يلتفت إلى هذا الشك ولا إلى هذه المعارضة ولا يثبت عليه في هذا إن شاء الله. إلا أنه إما أن يكون قد أخذه بوجه حلال فتركه للحلال ضرب من الضلال إذا تركه على وجه التحريم على نفسه لما لا يعلم حقيقة حرامه. وإما أن يكون قد دخل فيه بباطل فقد غاب عنه علمه ونسيه فقد وجب له عذر النسيان إذا أدان بالتوبة والخلاص، في الجملة ما يلزمه الله من التوبة والخلاص وكان ذلك داخلا فيه على وجه التحريم. فعلى هذا يكون اعتقاده إذا عارضه هذا الخاطر الوحش أنه ارتكب هذا الفرج الحرام، وأخذ هذا المال حراما ولا يعلم ذلك إلا أن يتهم نفسه فليس عليه أكثر من الاعتقاد أنه إذا كان ذلك حراما فهو دائن لله بالتوبة منه وداين لله بتركه ودين الله بأدائه إلى أهله متى ما بلغ ذلك وعلمه وبلغ إلى ذلك قوته وصح ذلك معه ما يوجب عليه ترك ذلك.
ومن غيره: وعن أبي الحواري – رحمه الله – وعن رجل قدم بشاة يبيعها فقال: هذه لفلان أمرني أن أبيعها. ثم رجع فقال: هي لي وليس لفلان عندي شيء. فعلى ما وصفت فإذا قال هذا لم يجز شري هذه الشاة من عنده على هذا لأن هذا قد استبان كذبه في هذه الشاة حتى صح أنه له، أو فلانا أمره ببيعها.
وعن رجل اشترى من عند رجل مالا ثم أراد أن يشهد عليه، قال البايع لا أعرف ذلك المال ثم رجع في قوله ذلك. فقال: بلى أنا عارف بالمال هل يثبت عليه أنه عارف به؟ فعلى ما وصفت فنعم يثبت عليه البيع إذا رجع. فقال: أنا عارف هذا المال وقد كان أنكر معرفته قبل قوله في معرفته وعن أبي عبد الله – رحمه الله – فيمن اشترى شيئا من الحيوان ثم أقال فيه ومن غيره أن يحضر أنه لا تكون الأقالة ثابتة إلا أن يحضر الدابة أو العبد./ 175/ (5/154)
صفحة 2014
ومن غيره: قال أبو علي (1) – حفظه الله – وقيل أنه لا تثبت الأقالة لو لم يحضر والله أعلم.
وعن أبي الحواري (2) وعمن اشترط الشروي والخلاص ثم أدرك ولا يقدر على ذلك. قال: يؤخذ بذلك فإن لم يقدر فعليه رد الثمن. وقال في رجل اشترى شاه فوجد في بطنها خاتم ذهب إن للبايع الخاتم. قال مسبح: إن عرفها فهي له، وإن لم يعرفها فهي مثل اللقطة.
ومن غيره (3): قال: وقد قيل هي بمنزلة اللقطة والبايع لها بمنزلة غيره.
مسألة (4): وعن رجل دفع لرجل حبا وأمره أن يبيعه له وأن يأتي له بالثمن فخرج الأمين فباعه على رجل ولم يسلم إليه الرجل ثمن الحب وأنكره إياه (5). فاعلم رحمك الله: أنه إن (6) باعه إلى رجل لزمه الغرم لأنه تعدى أمره. وإن كان باعه بنقد فقد وجدت في الأثر في الوصي إذا باع من مال الهالك على وفي ولم يكن وزن له ثم هلك المشتري ولم يصح لهذا بينة أو هلكت البينة فليس عليه غرم، فإن باع على غير وفي لزمه الغرم وليس هذا عندي بأشد من الهالك إلا أن يكون باعه ولم يشهد عليه بينة لم أئتمن عليه الغرم أو باعه لغير وفي، أو باعه لمن يعرف بقطع أموال الناس، والله أعلم بالصواب.
ومن غيره: قال: يوجد عن أبي الحواري – رحمه الله – فيمن باع على رجل صرمة على أن يقعشها من حينة أنه على البايع أجرها وتسليمها إلى المشتري كذلك يكون القياس على قول أن يكون على البايع الجزءان كان على حبل أو صرم أو غير ذلك. والله أعلم بالصواب./176/
(1) - في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله ..
(2) - في أ، ب: أنه إن كان ...
(3) - في أ، ب: بياض.
(4) - في أ، ب: ومن غيره. بدل مسألة.
(5) - في ب: وأنكره إياه المشتري. (5/155)
صفحة 2015
وسئل عن رجل اشترى منه شاة وقبضها ثم أرسلت الثمن مع رجل غير ثقة وقلت للرجل ادفع إليه حقه ولم أعلم أنا ذلك ولم أر الرجل صاحب الحق فأسأله عن ذلك قال: قد برئت إلا أن يطلب إليك صاحب الحق وتنكر أنه لم يعطه حقه.
ومن غيره: قال: نعم قد قيل هذا. وقال من قال: حتى يكون ثقة صاحب الحق ويرضى به.
" التوبة من الغش " ومن جواب (1) أبي عبد الله محمد بن روح – رحمه الله – عن رجل كان معه حب يبيعه للناس ثم بدا له أن يخلط عليه حبا رد ما يريد بذلك الغش ثم ندم على ذلك من قبل أن يبيع منه شيئا. قلت: هل يجوز له أن يعود يبيع منه شيئا (2) ويعلم المشتري من عنده أنه قد غش ذلك الحب؟، فعلى ما وصفت: فنعم يجوز له ذلك. ومن أعلم بغشه قبل عقده البيع فهو غير غاش والله أعلم.
ومن غيره: قال: نعم. وقد قيل لا يجوز له ذلك إلا بعد التوبة ولا يمكنه غير ذلك. وعنه: عن رجل باع حبا فيه نجاسة ثم ندم على ذلك ورجع يعلم من أباع عليه ذلك الحب النجس، ويستحله فأحل له المشتري ثمن ذلك الحب على هذه الصفة فعلى هذه الصفة فإذا أوسعه على دينونة من البايع للمشتري بما يلزمه له في ذلك اختيارا من المشتري للحل من غير أن يلزمه شيء ولا شبهة في ذلك مع صدق التوبة إن شاء الله.
وقلت له: إن لم يقدر على الجميع الذين باع عليهم ما يلزمه في ذلك. فاعلم أن كل فريضة لم يمكن القدرة عليها، الذي قد لزمه فرضها فله العذر عند الله بصدق الدينونة وإخلاص المجهود ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولولا كذلك لما كان لعاص توبة إذا لا يقدر العاصي على درك الأيام الماضية الذي عارضته فيها أن يقم تلك الفرائض التي كانت في تلك الأيام لزمته وضيعها لكن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون من معصية أو طاعة وهو بكل شيء عليم./177/
(1) - في أ، ب: ومن غيره: من جواب ....
(2) - في ب: ولم يعلم المشتري من عنده ...
ومن غيره: قال: نعم. إذا لم يدرك ذلك فرق على الفقراء بقدر ما ينقص من ثمن تلك السلعة وإن هو تكلم به فحسن، وسألت عن رجل باع لرجل مالا لا يعرفانه جميعا، قلت: حلال ذلك أم حرام فإذا كان المال للبايع واتفقا على ذلك وتراضيا فهو حلال وليس في ذلك حرام، وإن رد أحدهما النقض فهو منتقض. (5/156)
صفحة 2016
" العلم بالمبيع " وعن رجل باع أرضا لرجل وكان المشتري يزرعها أو يعملها ويؤدي ثمرها إلى صاحبها ثم قال له: لم توقفني على حدودها. قال: نعم. لم أوقفك عليها ولكنك قد كنت بها عارفا أفيجوز بيعه أم حتى يطفيه على حدودها. فإذا عرف حدودها ولم يطفه عليها فقد جاز البيع وإن قال البايع لم أعرف حدود ما بعت وقد كان يأكل هذا المال ويزرعه ويأكله لم يقبل ذلك منه. وعن رجل أتى رجلا يريد (1) أن يشتري منه فرسا فقال: ثمنه خمسمائة درهم. فقال: اذهب وانظر فيه فإن رضيته إلى خمسة أيام فقد أخذته يذلك الثمن فمات الفرس معه قبل خمسة أيام. قال: يجب على الرجل ثمنه وذلك حين أعلمه رب الفرس الثمن وأما إذا لم يعلمه ثمنه فإنه أن مات في يده (2) يضمنه. وعن رجل أتى رجلا فقال: بعني بعيرك فقال: ثمنه مائة درهم. فقال: أخذه يكون معي فإن رضيته ساومتك على ثمن يكون بيني وبينك فإن مات على هذا الوجه فلا ضمان عليه. وسألته عن رجل اشترى من رجل وصيفا قدراه فقال: إن كان لي بثلاثمائة درهم إن رضيته فانطلق فنظر إليه فرضيه وأظهر للرجل أنه لم يرضه فاستعوضه فوضع له عشرين درهما. قال: ما يعجبني هذا إن كان رضيه، وإن كان وجد قد تغير عليه لمرض حدث به فلك أن تستوضعه وإن كنت ترضاه بثلاثمائة درهم أن البيع انتقض بالمرض./178/
(1) - في أ، ب: لم يضمنه ...
(2) - في أ، ب: وعن رجل يريد أن يشتري ...
ومن غيره " بيع الرهن " قال: واختلف في الرهن إذا باعه المرهن قبل أن يستوفي المرتهن حقه ثبت البيع، وقال (1) من قال: يجوز البيع وليس للمرتهن إلا حقه، فإن صار إليه حقه تم البيع. وإن لم يصل إليه حقه وجاءت حالة لم يصل إلى حقه بوجه من الوجوه ولم يكن أتم البيع رجع إلى رهنه وكان أحق به.
وفي جواب أبي عبد الله محمد بن روح – رحمه الله – وعن الذي يكون له الأخ من الرضاعة تركه عليه والده ميراثا. هل يجوز له بيعه؟ فلا يجوز له بيعه إلا في دين يحيط بجميع ماله.
" بيع الرحم " ومن جواب أبي الحسن – رحمه الله – وعمن باع أخاه من الرضاعة أو غير ذلك فمن يحرم عليه نكاحه. قلت ما يلزمه في ذلك. فعلى ما وصفت فقد وجدنا في بيع الأخ من الرضاعة أن البيع مردود إن قدر على (5/157)
صفحة 2017
المشتري منه وإن لم يقدر عليه ولم يعلم أين توجه، فقد أساء فيما صنع ويستغفر ربه في ذلك ويتوب إليه أرجوا أن يكفر الله عنه، وهكذا وجدنا في الأثر عن أهل البصرة وهو قولنا والله أعلم بالصواب.
ومن غيره: وعن امرأة باعت غلامها وقد كانت أرضعته وأكلت ثمنه. قال: إن قدرت عليه فتشتريه ثم تعتقه فإنه بمنزلة ولدها.
ومن غيره: وإنما ينزع من يد المشتري السرقة والغصب والمظالم ونحو ذلك.
ومن غيره: قال: نعم. وقد قيل في الغصب أيضا إنه لا سبيل له إلى انتزاعه أن يجمع بين البايع والمشتري ثم حينئذ يأخذ ماله، لأن المشتري ليس بغاصب وإنما اشترى بسبب دخل فيه المشتري فلا يبطل ماله فافهم ذلك والله أعلم./179/
(1) - في أ، ب: زيادة وهي: فقال من قال: لا يجوز البيع فيه، وممن يوجد عنه ذلك محمد بن محبوب
– رحمه الله – وقال من قال: موقوف، فمتى استوفى المرتهن حقه فقد وجب البيع، وقال
من قال: يجوز البيع ....
ومن جواب أبي الحسن – رحمه الله – وذكرت فيمن نصف دابة بكذا وكذا دراهما. قلت هل يكون هذا البيع ثانيا لا رجعة لأحدهما فيه إلا ما أقاله إذا كان البيع على حضرة الدابة فليس فيه رجعة إلا بالأقالة أو بعيب يظهر في الدابة مما يرد به البيع.
ومن غيره: قال: نعم. وقد قيل إن ذلك لا يجوز لأنه لا يباع لأحد (1) حصته من الدابة إلا بعد ذبحها ويكون في ذلك الضرر، وكل ما كان في الضرر كان فيه الحكم إن لو كان تحاكما أجبر على بيعه وتخليصه ولا يقدر على أخذ البعض دون البعض ولا يعرف النصف بالتعبير والتحري، ولا هو مما ينقسم في حال الشري فلا يجوز ذلك وهو من المجهول والغرر، والله أعلم بالصواب.
وعن أبي الحواري – رحمه الله – وذكرت فيمن نواشي (2) من شاة من ناسا ويأخذ دراهم. فلما ذبحوا الشاة فإذا عجفا فلم يعجبهم، على ما قال إنه يزن لهم بالدراهم كانوا أبصروا الشاة أو لم يبصروها أو منهم من أبصر ومنهم من لم يبصر هل لهم رجعة على هذا الرجل إن لم يريد لحم هذه الشاة. فعلى ما وصفت فإن كانوا أمروه أن يذبحها برأيهم يأخذون من لحمها على سعر معروف فذبحها عن رأيهم فلما ظهر لحمها لم يرضوه فهذا بيع مجهول (5/158)
صفحة 2018
وعليهم له أن يقوم شاته مذبوحة وتقوم غير مذبوحة، فإن فضلت قيمتها حية على قيمتها مذبوحة ردوا عليه القيمة وله شاته وإن لم يفضل قيمتها حية على قيمتها مذبوحة فليس له عليهم شيء وله شاته./180/
(1) - في أ، ب: لأنه لا يبلغ إلى أخذ حصته من الدابة. وهنا أصح من واحد.
(2) - في أ، ب: وذكرت فيمن يساوي إناسا من شاة معه ناسا ...
" بيع العنب " وذكرت فيمن يبيع التمر فيجيء إليه رجل يعرف أنه يشرب النبيذ فيقول المشتري للبايع أنا أريد أن أطبخه نبيذا هل يجوز لمن بايعه (1)؟ فنعم. إذا كان يريد طبخه خلا لعله أراد حلالا فلا بأس وإن كان يعلم أنه يطبخه حراما فلا يعنيه على شرب الحرام إذا كان يعلم أنه يشربه حراما. والله أعلم بالصواب.
ومن جوابه: وقلت: ما تقول في رجل له جارية تسراها فولدت منه ولدا ثم احتاج إلى بيعها بلا دين عليه، والولد معه فعلى ما وصفت فقد وجدنا عما يرفع عن أبي عبد الله محمد بن محبوب – رحمهما لله – أن له يبيعها إن شاء. والذي نحبه في ذلك أنه إن احتاج إلى بيعها في دين عليه أو لحاجة منه لم يجد بدا من ذلك باعها، وإن استغنى عن ذلك وهي أم ولده والولد معه فلا يفرق بينهما وبين ولدها. والله أعلم بالصواب.
وقول المسلمين أولى من محبتنا نحن وإنما ينبغي لنا أن نتبع ولا نبتدع. /181/
(1) - في أ، ب: هل يجوز لمن يبايعه .... (5/159)
صفحة 2019
ومن غيره: قال: نعم. وهذا كله إذا كان الولد صغيرا ولا غنى له عن أمه وأما إن كان كبيرا فلا كراهية في ذلك لأنه ليس بين أصحابنا اختلاف في بيع أم الولد في الدين وغير الدين، وإنما يقول: لا تباع أم الولد المتفقهون من قومنا والله أعلم بالصواب.
ومن غيره وقال: لا يفرق بين الأمة وولدها إذا كان مملوكا وكان صغيرا ولا يبيعه سيده وحده ويمسكها ولا يبيعها وحدها ويمسكه حتى تصير ولدها في حد الاكتفاء عنها، لا يضيع ولا يلتفت عليه مولاه، ولكن إذا كان ولدها منه فأراد بيعها كان له ذلك لأنه أولى بولده ولا يضيعه إن شاء الله ومن غير الكتاب: ووجدت نسخة أن الاكتفاء: قال بعضهم: إذا بلغ سبع سنين أو ثمان، وقال آخرون: إذا استغنى عن أمه، وقال آخرون: إذا استنجى بنفسه ولبس ثوبه. وعندي إن قول من قال: إذا استغنى عن أمه أشبه بأصولهم. ووجدته عند عبد الله بن بركة (1). /182/
(1) - في أ، ب: زيادة: الاكتفاء عنها. (5/160)
صفحة 2020
رجع (1): ولا يلتفت عليه مولاه ولكن إذا كان ولدها منه فأراد بيعها كان له ذلك لأنه أولى بولده ولا يضيعه إن شاء الله.
ومن غيره: وحفظ الثقة عن أبي مروان عن رجل باع لرجل جارية عليها حلي ذهب وفضة. قال البايع للمشتري: وما كان عليها من حلي فهو لها فأخذها المشتري على ذلك، ثم أن المشتري باعها ثم أراد أن يأخذ حليها فقال أبو مروان: ليس له أن يأخذ حليها.
ومن غيره: قال: نعم لأن البايع الأول أقر لها بالحلي إقرارا والإقرار فيه اختلاف من قول المسلمين إذا أقر العبد بشيء. فقال من قال: هذا للعبد وليس للسيد أن يأخذه. وقال من قال: هو للسيد وليس للعبد شيء وقال من قال إن شاء السيد أن يأخذه لم يمنع منه وهو للعبد. وقال من قال لا يسلم إلى السيد ولا إلى العبد ويشترى به العبد وهو بمنزلة ميراث العبد وهو موقوف. فإن مات العبد قبل أن يعتق أو يباع فهو لسيده. ومنه العطية والوصية في هذا بمنزلة.
قال أبو علي (2) حفظه الله: إن أملاك العبد على ثلاثة أوجه، فمنها ما اكتسبه العبد فهو للسيد ولا أعلم في ذلك اختلافا ومنها ما ورثه العبد فهو موقوف عليه حتى يباع ويشترى به أو يعتق فيسلم إليه فإن مات قبل ذلك رجع الميراث إلى غيره وممن كان يرث الميت وليس للسيد (3) في ذلك شيء ولا أعلم في ذلك اختلافا. ومنها ما أقر العبد به وصار إليه على وجه الإقرار والعطية أو الوصية ففي جميع ذلك اختلاف. وقال بعض إنه (4) للعبد وإن شاء المولى أن يأخذه أخذه. وقال بعض: إن كان قليلا دفع إليه وإن كان كثيرا اشترى به، وقال بعض: إنه للسيد دون العبد والله أعلم. وقال سعيد بن محرز أن العبد إذا بيع أو أعتق فله ماله الظاهر.
/183/
(1) - في أ، ب: نقص الفقرة رجع ولا يلتفت ... ومن غيره ....
(2) - ... : قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله.
(3) - في أ، ب: وليس للعبد في ذلك شيء .... (5/161)
صفحة 2021
(4) - في أ، ب: وقال بعض وذلك للعبد .....
ومن غيره: وقد يوجد في العتق اختلافا في المال الظاهر وأما البيع ففيه اختلاف. وقد يوجد أنه إذا بيع العبد فماله الظاهر والباطن للبايع إلا أن يشترط المشتري، ووجد ذلك عن أبي الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله فالعتق أولى من البيع (1).
ومن غيره: قال قد اختلف في ذلك، فقال من قال: في العتق أنه للسيد ظاهره وباطنه. وقال من قال: الظاهر للعبد في العتق والباطن للسيد وهذا القول أحب إلينا في العتق. وأما في البيع فالقول الأول أحب إلينا، والمال كله للبايع إلا أن يشترط المشتري ظاهرا وباطنا.
وعن امرأة ورثت عن أبيها سدس ماله ثم قالت: لأحد بنيها: تراني يا بني بايعت أخاك فلانا سدسي كما اشترى من فلان وقد كان اشترى من فلان حصته له من ذلك الميراث من زوجة أو ولد ثم ماتت الأم بعد ذلك. قلت: هل يثبت قولها بالبيع إذا لم يسم من أي الأنواع باعت ويكون حدة على الآخرى الذي قالت له: إنها باعت سدسها على أخيه ولم تسم السدس مالا ولا غيره أم له ميراثه من ذلك السدس وتكون على الآخر البينة إذا ادعى الشراء. فيعجبني في الحكم أن لا يثبت هذا القول منها حتى يسمى. وأما في اطمئنانه فذلك إليه. وقالت: هل يسعه أخذ الميراث ولو اطمأن قلبه إنها باعت سدس مالها على ابنها مما ورثت من أبيها أم لا تضره تلك الاطمئنانة إذا لم يرتب في معانيها وإن أخذ معاني الحكم لم أقل إنه أخطأ في الحكم والله أولى من مخالفة حكم الاطمئنانة.
قال أبو سعيد حفظه الله – إنه جاء في الأثر وحفظناه ذلك عما أخذنا عنه أن الرجل إذا قدم رجلا دراهم بشيء من الطعام مما يكال ويوزن ولم يسميا ذلك سلفا وإنما قصدا الشراء إلا أن الحب لم يكن حاضرا وكذلك غيره من /184/
(1) - في أ، ب: فالعتق أولى من البيع في هذا. (5/162)
صفحة 2022
الطعام. فقالوا إن هذا من البيوع المنتقضة. فإن تتامما على ذلك على ما دخلا فيه بعد أن يبصرا البايع والمشتري ما يتفقان ويقع القبض على ذلك. واختلفوا فيمن علم ذلك من أحد المبايعين أنه منتقض فقال من قال: لا يقبض هذا البيع إلا حتى يعلم صاحبه أنه منتقض كان ذلك طيبا لا شكر فيه. وإن تاممه حين يقبض ذلك البيع منه ولم يعلمه أنه منتقض فقد أخذ ما هو في ظاهر الأمر جائز ولا ينبغي له أن يكتمه ما يكون عنده أنه لو كان عالما به لم يتمه له وإن هذا شيئا يشبه كتمان العيب في المبايعة، ولا نقول أنه أخذ حراما ولا ظلمه إلا أن يعلم أن صاحبه جاهل بما يلزمه وماله وعليه في البيع فهذا عندنا أفحش المعنيين إذا علم جهالة صاحبه ما دخلا فيه وأخذه على وجه الاغتنام من ماله فهذا إذا أخذه على هذا كان عليه معنى أن يتاممه من بعد أن يعلمه إن ذلك الأمر كان لك فيه نقض أن لو نقضته ولا يحكم عليه بذلك إذا كان قد تاممه حين القبض إلا أن هذا احبننا له على بعض مذهب المسلمين فهذا إذا كان مع هذا أنه لو أعلمه بأن له النقض لنقض. وأما إذا كان تاممه حين القبض وكان معه علم جهالته بذلك ولكنه لو كان عالما بالنقض لم ينقض عليه واطمأن قلب هذا إلى هذه الصفة فهذا معنى جائز ولا شبهة فيه إن شاء الله. أما إذا قبضه على غير متاممة حين القبض فهذا عليه في بعض القول أن يرجع يتاممه فإن لم يتاممه رد عليه ماله وقبض ماله الذي عليه له. وقال من قال: إذا كان في قبضه على ذلك ولم يرجع عليه يناقضه فيترك ما مضى ما يستأنف. وقال من قال: لو قبضه على غير المتاممة إلا أنه قد سلم ذلك من غير أن يخبره على السبيل الذي كان عليه النقض مما كان بينهما فهذه متاممة بتسليم ماله على الأساس الذي كان بينهما إذا لم يغير ذلك ولم ينقضه والذي يتوسطه أن يكون متاممة عند القبض له فإن لم يتاممه وجهل ذلك ولم يرجع عليه فيترك ما مضى ويصلح ما يستأنف./185/
مسألة (1) " البيوع المنتقضة " واختلفوا في البيوع المنتقضة التي لا يدخل فيها الربا وإنما هي من وجوه النقض وكان الإجماع على نقضها إن لو نقضت والإجماع على متاممتها إن لو أتمت. فقال من قال: ليس للبايع ولا للمشتري أن يمسك بهذا البيع ولا يعلم صحة تمامه ولا يطيب له إذا علم النقض فيه إلا أن يتامم صاحبه فيتم له ذلك. وقال من قال: إذا هو ليس من طريق الربا أو علم صاحبه بنقض كما علم هذا ويحتمل طيبه مع علمه ومتاممته أن لو علم بصاحبه بنقضه بما قد دخل فيه من مال وجاز عليه أو جعل له السبيل إلى قبضه فإن هذا على (5/163)
صفحة 2023
المذهب جائز لمن تمسك بالبيع فهما حتى من صاحبه نقضا له فيها كان من صاحبه نقض يوجبه عليه الإجماع كان عليه أن يسلم إليه ماله ويكون حاكما على نفسه له لأنه من حكم عليه الإجماع من المسلمين كان محجوبا وإن كان في هذا البيع اختلافا من المسلمين. مما ينقضه بعض المسلمين ويتمه بعض المسلمين فلو وقع النقض من البايع قبل أن يقبضه المشتري لم يكن للمشتري أن يجبر البايع على قبضه لأنه متمسك بقول المسلمين غير محجوج ولا مقطوع عذره ما تمسك بأحد قول المسلمين أو حكم عليه بذلك حكم عدل يجوز حكمه على الرعية من إمام منصور أو قاض إمام قد جعل له الإمام إنفاذا لأحكام وجعل له في ذلك ما جعل على نفسه من اختيارات الرأي فإنه إذا حكم عليه الحاكم بشيء كان عليه السمع والطاعة ولم يكن له مع الحاكم توسع برأي أحد من المسلمين لأن الحكم بالرأي لهذا الحاكم واجب وعلى الرعية السمع والطاعة له في ذلك و الرضى بحكمه مل لم يخرج حكمه من كتاب الله أو سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن إجماع المسلمين وأما إن حكم عليه بذلك حاكم من غير أن يكون له السمع والطاعة على الرعية بالقرض فليس عليه في ذلك حجة لأنه أحد الرعية وليس له حجة على الرعية إلا أن يكون فيه /186/
(1) - في أ، ب: لا يوجد كلمة مسألة.
حكم من كتاب الله تبارك وتعالى أو من سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن إجماع المسلمين فما كان هذا الخصم محجوجا وكان القائم عليه بهذا الحكم ممن قام عليه وقدر بالقيام عليه حجة عليه وكان القائم عليه بهذا الحكم وقدر بالقيام عليه حجة فكان هذا على وجه الإنكار ولكن من قدر على الإنكار بما يكون له اليد بالإنكار والقدرة على الإنكار حجة، على من قام بذلك عليه وإن كان قد صار المشتري إلى قبض ذلك الشرى. فليس للبايع عليه حجة بهذا الحكم وقدر بالقيام عليه حجة وهذا في تسليم ما قبض من ماله إذا توسع بشيء من قول المسلمين وكان القول فيه كما مضى في الحجة في أمر البايع ما لم يتسلم والله أعلم بالصواب. (5/164)
صفحة 2024
وحفظ أبو عبد الله – رحمه الله – فيمن اشترى جارية من رجل ثم جحد الشراء أو اشترى مالا ثم جحد الشراء وطلب إليه البايع الثمن فجحده وأنكره إنه لم يشتر منه شيئا. فإذا لم يكن عند البايع بينة وحلف المدعي إليه الشراء فإنه يجبر على أن يبرئ البايع من ذلك البيع إن كان اشتراه منه.
قال أبو عبد الله في رجل اشترى من رجل جرابا من تمر بلعق فوجد فيه صرفان وطلب نقض البيع، إن البيع تام ونبدله مكان ذلك التمر صرفان تمر بلعق، قلت: فإن كان أكثره تمر صرفان. قال: نعم. إلا أن يكون كله تمر صرفان. قلت أوليس وجد فيه غير ما شرط له. قال: هكذا جاء الأثر.
ومن غيره: وقال أبو محمد في رجل يعطي الرجل حصته من دار يقول قد أعطيت فلانا حصتي أو بعت لفلان حصتي. قال: يكون له حصته ما كان إذا صحت ثلث أو ربع أو خمس ما صح له فهو للمعطى وللمشتري إذا كان البايع أو الواهب ميتا. وإن كان حيا فرجع عن البيع والعطية وادعى الجهالة كانت له الرجعة وعن موسى بن علي وعن رجل باع أرضا فيها شجر مثل الحلف والأسل فباعها الرجل من حد إلى حد ثم أحرقها المشتري فلما ظهرت احتج البايع إني / 187/
بعتك شيئا مغطى لم أحط به علما وقلت إن باعها أرضا معمورة تزرع ومعها خراب فيه حجارة فباعه من حد إلى حد بثمن معروف عمارها وخرابها فعمرها المشتري وأخرج من ذلك الخراب مثل العمار فما نرى لمن احتج في مثل هذا حجة إذا نظر إلى جملة الأرض وعرف حدودها، وقد يعمر الناس ويصلحون من بعد الشراء فما ترى له حجة في مثل هذا والله أعلم.
وعن رجل اشترى من عند رجل شراء وأشهد شاهدين إني اشتريت من فلان كذا بكذا وكذا من الثمن. ولم يسم الثمن فلما طلب البايع الثمن قال المشتري: لم أقبض ما بايعتك عليه فادفع إلي وأعطيك الثمن. فالرأي معنا أن على البايع شاهدين أنه قد دفع إليه ما باع.
ومن غيره: عن محمد بن محبوب: وقال: إذا أقرض رجل رجلا دنانير لم يكن له أن يأخذ إلا دنانير، وإذا أقرضه دراهم كان له أن يأخذ دنانير بالصرف قال أبو علي الحسن بن أحمد - حفظه الله – وقد قال بعض أن ذلك جائز كله أن يأخذ بالدنانير دراهم وبالدراهم دنانير، وأحسب أن ذلك يوجد عن أبي أيوب رحمه الله وعن قتادة عن (5/165)
صفحة 2025
سعيد بن المسيب أنه قال: في رجل اشترى بيعا مما لا يكال ولا يوزن أيبيعه قبل أن يقبضه، قال: لا بأس به هكذا قال الربيع وأما ما يكال أو يوزن فلا يبيعه حتى يقبضه، وليس للوكيل أن يأمر بيع ما وكل إلا أن يجعل له ذلك الذي وكله. وكذلك إذا وكل في شراء شيء فليس له أن يوكل في ذلك غيره./ 188/
ومن غيره: وعن رجل أن يبيع ثوبا فيطرحه إلى غسال يغسله بالبيض. قلت هل يكون ذلك غشا. فمعي أنه من الغش إذا كان ذلك مما يزيد في صفحته غلظا ويسد (1) فيه وإن كان خلاف ذلك إنما يزيد في بياضه وحسنه ولم يكن عندي غشا، وعن بيع ثمرة السدرة بحب مسمى إلى أجل أو في حين ذلك. قلت هل يجوز فإذا ادركت فقد اختلف في ذلك فأجاز ذلك بعض ورده بعض وأما الذي يرى الشيء مع يتيم ومال غائب ثم يراه في يد من يزعم أنه اشتراه فمعي أنه في بعض القول أنه إذا أمكن تحوله إلى من هو في يده ببعض معاني الحلال بما يدعي فإنه يجوز تصديقه في ذلك ما لم يزال حال تصديقه بمعنى يغلب عليه. وفي بعض القول عندي أنه بحاله حتى يصح له ما يدعي بوجه صحيح. وعن رجل يسلف دراهم فقال له آخر أولني تلك الدراهم أو شيئا منها فقال له: قد وليتك هذه الدراهم ولم يقل قد أسلفتك. فعلى ما وصفت فإن كان هذا المستلف أعلم الآخر بكم تسلف هذه الدراهم فولاه الدراهم على معرفة الدراهم من الطعام ومعرفة الأجل فهذا ثابت على المتولي والتولية معنى في السلف غير المبتدئ بالسلف (2) وإن لم يكن أعلمه كم السلف ولا متى الأجل فليس له إلا رأس ماله على المتولي. قلت لأبي سعيد: ما تقول في هذا؟ قال: هكذا يشبه عندي لأنه كأنه بيع حاضر وليس هو ببيع غائب وإنما قيل لا يجوز تولية السلف أن (3) يكون له على الرجل سلف مائة درهم فيوليه إياها وهي غير حاضرة لأنه هنا بيع الدين ولا يجوز بيع الدين. (5/166)
صفحة 2026
ومن غيره: وعن علي البيساني: رجل سلف رجلا سلفا ثم ولاه رجلا آخر وأعطاه رأس ماله يجوز ذلك أم لا. قال: قد روى أن ذلك جائز وأحب إجازته إذا كان ولاه ذلك السلف قبل محله، وأما إذا حلى ولا يجوز حتى يقبضه لأن السلف ضرب من البيوع والتولية في البيوع جائزة والله أعلم بذلك./189/
(1) - في أ، ب: ويشتد فيه.
(2) - في أ، ب: والتوالية في السلف غير المبتدي بالسلف.
(3) - في أ، ب: إلا أن يكون ....
وعن رجل سلف رجلا بطعام فلما حل عليه باعه له بدراهم مسماة عاجلة أو آجلة يجوز ذلك أم لا. قال: لا يجوز ذلك البيع ولا لغيره حتى يقبضه منه قلت له فإن أخذ بهذه الدراهم نخلا أو حيوانا يجوز ذلك لهما أم لا؟ قال: الأصل في ذلك فاسد والقضاء لا يثبت وهو منتقض أيضا. قلت: فإن استغل من النخل غلات يلزمه ردها أو رد ما استغل منها أم لا. قال: الله أعلم فإذا لم يكن قضاء جائز في الأصل وكان فاسدا فرد الغلة عليه على قول بعض الفقهاء. وبعض لم يرد ما كان بيعه فاسدا فانظر في ذلك.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح - رحمه الله – عن الذي يكون له أخ من الرضاعة ترك عليه والده ميراثا يجوز له بيعه. فلا يجوز له بيعه إلا في دين يحيط بجميع ماله.
ومن جواب أبي الحسن - رحمه الله – وعمن باع أخاه من الرضاعة أو غير ذلك ممن يحرم عليه نكاحه. قلت: ما يلزمه في ذلك فعلى ما وصفت، فقد وجدنا في بيع الأخ من الرضاعة أن البيع مردود إن قدر على المشتري وإن لم يقدر عليه ولم يعلم أين توجه فقد ساء صنع ويستغفر ربه في ذلك ويتوب إليه فإني أرجو أن يكفر الله عنه، وهكذا وجدنا في الأثر عن أهل البصرة، وهو قولنا والله أعلم بالصواب.
وعن امرأة باعت غلامها وقد كانت أرضعته فأكلت ثمنه. قال: إن قدرت عليه فتشتريه ثم تعتقه فإنه بمنزلة ولدها، ومما يوجد أحسب أنه عن أبي عبد الله / 190/ (5/167)
صفحة 2027
- رحمه الله – وعن الودك بالودك والدهن بالدهن نظرة أو بالسمن أو بالشحم فكل هذا لا يجوز بعضه ببعض نظرة، ولا يجوز الشحم باللحم لأنه منه.
ومن غيره: قال: وقد قيل لا يجوز اللحم بشيء من الأوداك نظرة لأنه أيضا من الأوداك والله أعلم. /191/ (5/168)
صفحة 2028
ومنه: وقلت: وكيف إذا اختلف النوعان أهو إذا كان كل شيء أصله من شيء وإذا اختلف أصلها أو إذا اختلف حالهما ونظرهما فليس ذلك عندنا كذلك في الأدهان والأوداك والأطعمة. وقد يكون الزيت أصله ولونه غير أصل السمن فلا يجوز أحدهما بصاحبه نظرة ويكون أصل البرولونه غير أصل الذرة ولونها. وكذلك التمر فلا يجوز شيء من ذلك بشيء نظره ولكن إذا اختلف النوعان من غير الأطعمة والأوداك والأدهان نظرة وكذلك ما تنبت الأرض.
ومن غيره: من جواب أبي علي الأزهر بن محمد فيما أحسب، وعن رجل اقترض من رجل قفيز ذرة فلما طالبه. قال الحسبه (1) على ثمنا إلى أجل. قلت: هل يجوز ذلك؟ فإن فعلا ذلك وتتامما عليه فلا أراه حراما وإن نقضه أحدهما فهو منتقض عندي.
قال غيره (2):قال: قد قال من قال: ولا نعلم في ذلك اختلافا إلا أنه فاسد وذلك من الربا الذي نهى عنه النبي (ص) وهذا مما نهى عنه (ص) وعن بيع الكالي بالكالي والله أعلم. /192/
(1) - في أ، ب: قال: أحسبه علي.
(2) - في ب: ومن غيره. (5/169)
صفحة 2029
وسألت عمن أراد أن يشتري اترجا أو بطيخا فقلبه أو مسه بغير رأي صاحبه قال: لا حتى يستأذن.
قال أبو الحواري: لا بأس بذلك ما لم يحدث فيه حدثا وعن رجل يبيع شاة فيقول هذا تأكل النوى أو تحلب صاعا من لبن فلما صارت في يد المشتري أو هي – لعله فإذا هي – لا تأكل النوى ولا تحلب صاعا فالبيع تام وإنما هذا خبر منه إلا أن يكون شرط له ذلك عند البيع وكذلك إن قال له ثنية فإذا هي مسنة.
وقال بن محبوب: إذا اسود العنب جاز بيعه.
ومن غيره: وحفظ أبو عبد الله محمد بن أبي غسان عن أبي المؤثر. وفيمن اشترى شجرة فلما قطعت ظهر في داخلها عيب أنه لا نقض في البيع وهي لازمة لمن اشتراها.
ومن غيره: قال: وقد قيل ينتقض البيع إلا أن يمكن أن يكون يحدث العيب بعد البيع فلا نقض فيه. وإذا انتقض البيع كان على القاطع للبايع ما نقص من قيمتها قائمة غائبة.
ومن جواب العلاء بن أبي حذيفة ومحمد بن سليمان إلى هاشم بن الجهم. وعن رجل بينه وبين عبدا أو دابة فقال أحدذ الشريكين: أما بع لي وأما بعت لك. قال هذا: لا أبيع لك ولا أشتري. فأما موسى فيقول لا يجبر على البيع ولا على الشراء. وقال غيره في شركة الحيوان إما ببيع وإما يشتري، وإن كان / 193/ (5/170)
صفحة 2030
عليه دين هل عليه أن يبيع آلة صناعته إذا لم يكن له مال. فنعم تباع آلة صناعته. وقال من قال: للغرماء ما فوق الإزار نقول لا يتركه له إلا الإزار ليواري عورته.
قال (1) أبو علي حفظه الله: وقد قيل ليس أن تباع آلة صناعته والله أعلم. /194/
(1) - في ب: هذا القول غير موجود. (5/171)
صفحة 2031
الباب التاسع
في السلم
رجع إلى كتاب أبي جابر
(1) ومن غيره: باب في السلم:
وهو عندنا السلف، والسلف عندنا بالدراهم والدنانير ومعرفة وزن ما يسلفه من ذلك. وإن سلفه مثقالا حاضرا بكذا من الطعام فجائز إلى وقت معلوم، وأما إن قال هذا المثقال صرفه كذا وكذا من الدراهم وكل درهم من ذلك بكذا وكذا فلا يجوز وإن دخل في السلف خيار ولو ساعة فقيل إنه يفسده ولايجوز في السلف قبل محله الحوالة والتوالية وإذا رجع صاحب السلف إلى رأس ماله لبعض الأسباب فلا يأخذ به شيئا من العروض ولا يأخذ إلا رأس ماله.
ومن غيره: ومن جواب لأبي عبد الله بن محمد بن عثمان فيما أحسب وأما البيْدار الذي أسلفه جراب تمر بحنطة فقيل إنه لا يجوز فهو عندي كذلك لأن بيع الطعام بالطعام لا يجوز نسيئة، وأما ما ذكرت أنك لقيته. وقلت له: إن ذلك لا يجوز، فقال: تحسبه عليه إلى الصيف كما تحسبه على أصحابك وإنكما اختلفتما في وقت القضاء فإن اتفقتما على الثمن فجائز أن يأخذ منه بقيمته حبا على ما يتفقان عليه. وقال قوم: لا يجوز ويعجبني إجازة ذلك إذا وقع / 195/
(1) - في أ، ب: لا يوجد من غيره.
الاتفاق بينك وبينه دراهم وقضاك بالدراهم حبا وعروضا وأما إن اختلفتما ولم تتفقا على الثمن كان عليه أن يرد عليك تمرا مثل التمر الذي أخذه منك أو جرابا مثله. وإن اختلفتما في الجراب ولو لم يعرف وزنه كان القول في مقدار قوله مع يمينه. (5/172)
صفحة 2032
ومن غيره: وسألته عن رجل عليه لرجل جري حب ثمن سمك باعه له حالا وعلى الرجل له جري حب له (1) سلف هل يقاصصه. قال: لا. قال: وليس أعلم في ذلك اختلافا. قلت: فإن كان عليه لرجل حب من قبل شيء باعه له إلى أجل ومن قبل سلف أو على الرجل له جري حب سلف، هل يقاصصه بسلف.
قال: قد أجاز ذلك بعض ولم يجزه بعض (2) وقال كذلك عليه له جري حب سلف أيقاصصه به أم لا؟ قال: وهذا قد اختلف فيه أيضا بعض أجازه وبعض لم يجزه./196/
(1) - في أ، ب: لا يوجد (له).
(2) - في أ، ب: قال: قد أجاز ذلك بعض ولم يجزه بعض، وقال: وكذلك عليه جري حسب من قبل إجازة
وعلى الرجل له جري حسب سلف أيقاصصه به أم لا؟ ....
ومن غيره: " المقاصصة " (1): قال من قال: إن السلف لا تجوز فيه المقاصصة بوجه من الوجوه ولا يجوز إلا قبضه ولا تجوز فيه المقاصصة بسلف ولا غيره. وقال من قال: قد تجوز المقاصصة في السلف بالسلف. فعلى قول من يقول ذلك. فلعله تجوز المقاصصة بالسلف في الإجارات لأنه لا يجوز له أن يأخذ إلا حبا وإنما أجاز سلفا بسلف لأنه لا يجوز له أن يأخذ السلف إلا حبا فكأنه قاصصه بحب فلم يكن هنا والله أعلم. وأنا لا أحب المقاصصة.
وعن رجل طلب إلى رجل سلف عشرة دراهم. فقال له: ليس معي إلا درهمان فقال: اسلفني إياهما وانا أشتري بهما من عندك حبا، واستلفهما حتى استوفى عشرة دراهم فتعاقدا على ذلك (2) ما ترى هذا السلف؟ قال: هذا سلف منتقض وليس للمسلف إلا رأس ماله إذا تعاقدا على هذا./197/ (5/173)
صفحة 2033
(1) - في أ، ب: من قوله ومن غيره. إلى قول والله أعلم. وأنا لا أحب المقاصصة ..... هذه الفقرة كاملة
لاتوجد.
(2) - في أ، ب: فتعاقدا على هذا ....
رجع "فيما يجوز فيه السلف" ولا تجوز المضاربة بشيء من العروض، وأما السلف فيجوز أن يسلف ثوبا بشاة بسن معروف وأجل معلوم ويسلف بالذهب والفضة بوزن معلوم في شيء من الأنواع معلوم إلى أجل معلوم ولا بأس بالسلم وهو عندنا السلف في العنب وزنا وصفة معروفة وفي الزبيب كيلا ووزنا، وكذلك في النبق كيل معلوم. وكذلك لا بأس به في الفلوس. فقال بعض لا يجوز السلم باللحم. وقال الربيع في سلف اللحم: إذا سمى لكل درهم وزنا معلوما فلا بأس به.
(1) زيادة من كتاب الضياء: وجدته في الحاشية فأدخلته في الكتاب: واتفق علماؤنا بعد اختلافهم بنقد سبابك الذهب والفضة أنه لا يجوز السلف بها. وكذلك الدراهم والدنانير إذا لم يكن معلوم الوزن، لهما كان موسى بن علي ممن يجيز ويحكم بإجازته حتى ناظره محمد بن هاشم فقطعه فرجع على قوله فلم يجوز ذلك السلف إلا بثمن معلوم ووزن معلوم ولم اعلم بعد ذلك أن أحدا من أصحابنا خالف هذا القول، والنظر يوجب هذا وفي موضع منه لا يجوز السلف بالذهب الربحي والصوغ المكسور وسبائك الفضة والنقر وما لم يكن عليه سكة لأن هذا متاع والسلف (5/174)
صفحة 2034
به متاع قيل أليس السبايك والنقر هي عين وإن لم تكن مصروفة به قيل بلا ولكن إذا رجعوا لم يرجعوا إلى شيء معروف. /198/
(1) - في أ: هذه الزيادة في الهامش. ... وغير موجودة في ب.
رجع إلى الكتاب: وعن أبي عبد الله – رحمه الله – أنه لا يجوز السلف في السمك طريا ولا مالحا مثل اللحم إلا أن يكون أسلفه في اللحم والسمك ولا عظام فيه بوزن معلوم (1). وكذلك إذا أسلفه في لحم معلوم من ضأن أو معز أو إبل أو بقر ولا عظام فيه فإنه يجوز. وقال: يجوز السلف في لبن الغنم وغيرها إذا سماه محضا أو مخيضا إلى أجل معلوم بكيل معلوم فإن لم يبين ما هو ولم يمسه فلا يجوز. قلت فالسلم في الزعفران ويشترط همدانيا أو يمانيا قال: لا خير فيه إذا اشترط من أرض واحدة مثل الطعام والزعفران لأنه لا يبقى في أيدي الناس. وقال أبو عبد الله – رحمه الله – يجوز إذا موجودا ولا خير في السلم فيما ينقطع ولا يوجد. وقلت ما ترى في رجل أسلم في طست أو توزا (2) وقمقم أو مقلا أو سراج نصف وضرب ووزن، وأجل معروف معلوم. قال: جائز. وكذلك في الجلود على شيء معروف فالسلف جائز. وكذلك قيل في الصحف والأخفاف إذا كان على كل شيء معلوم وأجل معلوم والسلف في الأدهان جائز على وزن وأجل معلوم وصنف معروف وكذلك في الخل إلى أجل معلوم وكيل معلوم ويشترط خل تمر معروف أو عنب، وقال أبو عبد الله – رحمه الله – في الذي يشتري السيف المحلى بفضة فيأخذه بدراهم بعضها بنقد وبعضها إلى أجل. قال: لا يجوز إلا أن يكون الذي انقده إياه جعله للفضة ثمنا وما تأخر فهو من ثمن الحديد. وأما إذا أرسل ذلك ولم يجعله هكذا فلا يجوز. قلت: فإن وجد بالسيف عيبا رد النصل بعينه أو رد السيف بحليته. قال: وإن لم يسم بثمن الفضة رد السيف كله. وقال في رجل إن سلف في طعام فصالح أحدهما وأخذ حصته من رأس المال ويأتي ذلك الآخر. قال: صلحهما ذلك باطل ويرد ما أخذه منه من الطعام عليه كما هو ولا يجوز ولا يرضى ال آخر. فإن / 199/ (5/175)
صفحة 2035
(1) - في ب: غير موجودة (بوزن معلوم)
(2) - في أ، ب: غير موجودة.
رضي بذلك يكون ما أخذه بينهما وما بقي بينهما. وقال في الذي سلف في شقة فيجدها ناقصة عن الذرع فيقول: خذها ورد علي دراهم من رأس المال لحال نقصانها فذلك لا يجوز في ثوب واحد يأخذه ويأخذ رأس المال ولا يعلم أن تلك الدراهم رأس مال بقي من الثوب فإن كانت شقة أجود من شقة. فقال له: اعطني هذه وأزيدك لحال جودتها فذلك جائز وكذلك كلما كان من مثل هذا من الدواب يأخذ المسلف ما كان أفضل ويرد على صاحبه ثمن فضله ولا يأخذ دون الذي له ويرد على المتسلف نقصان ذلك إذا كان في شيء واحد إلا أن يقبل ذلك المسلف ويأخذه على نقصانه ويبرئه من الفضل فذلك جائز. والذي سيلف عشرة دراهم في ثوبين معروفين كل ثوب من صنف غير صنف الآخر ولم يجعل لكل ثوب رأس مال معروف فذلك فاسد، وإن قال عشرة دراهم منها ببر وعشرة دراهم منها بذرة وعشرة دراهم منها بتمر فذلك جائر ولو لم يميزها إذا سمى لكل عشرة من ذلك النوع فإن كان فيها درهم رديء وكان السلف لكل درهم شيء معروف فسد من كل نوع درهم فإن لم يكن لكل درهم شيء معروف فسد السلف كله.
سئل ومن كان له رجل سلف حب فقال له: قد كلت لك ها هنا كذا وكذا صاعا فصدقه وأخذه فذلك جائز. وإن قبضه ثم رجع يطلب الكيل فقيل له ليس له ذلك بعد القبض إلا أن يكون صدقة وقبله ولم يقبضه ثم رجع طلب كيله فإن ذلك له وعلى المستلف أن يكيله له وعن رجل عليه سلف حب ولم يكن معه فأعطى المسلف دراهم وقال له: قد وكلت لك فلانا فادفع إليه الدراهم حتى يشتري لك ويقضيك فذلك جائز. وإن قال: اشتر لي أنت واستوف فذلك جائز. وقال من قال: لا يشتري له من عنده ليوفيه إلا أن لا يجد مع غيره. وقال من قال: يجوز أن يشتري من عنده ولو كان يجد ذلك مع غيره ويوفيه إياه ويأخذه /200/ (5/176)
صفحة 2036
بكيل ويوفيه بكيل إذا لم يشتر منه بلا شرط ثم كاله على المستلف و أوفاه فلا بأس.
وعن أبي علي – رحمه الله – في رجل يطلب رجل بسلف ثم كال له الحب وباعه منه في موضعه بنسيئة وقد كان بينهما الشرط أن يكيل له حقه، ثم يبيعه له. قال: هذا بيع لا أحبه، ولا أقدم على نقضه. وقال في رجل عليه سلف لرجل وقد نهب المتسلف فاشترى رجل حبا ثم قال للمتسلف اذهب فاكتل حقك من فلان فقد اشتريت منه حبا ولم يكله لي. قال: فلا بد من كليتين، فإذا كان المتسلف قد اكتال الحب من البايع وذهب به وقت ذلك. فإن حيان الأعرج كتب إلى جابر (1) إ نما قد سبق وذهب فاتركوه، واصلحوا فيما استقبلتم وعن رجل سلف رجلا عشرين درهما بعشرين مكوكا أو عشرين مكوك شعيرا إلى رجل معلوم فذلك جائز. وإن أسلف الدراهم بذرة مسماة في جابرية أو غيرها. أو قال: قطعة كذا وكذا فهو جائز إلا أن تصيب القطعة آفة فليس له إلا رأس ماله. وقال من قال: حتى يكون في تلك القطعة مثل تلك الثمرة مرة أخرى ثم يقضيه.
وعن أبي علي – رحمه الله – في رجل أسلف رجلا بحب واشترط عليه أن يعطيه من قطعة فلانة فلما داس افات حبها وأذهبه هل يجوز لصاحب الحق أن يقبض من سوى تلك القطعة فأرجو أن لا يكون يابسا.
وقال غيره: لا يجوز إلا أن يقبض منها. قلت فإن فاتت تلك الثمرة فمن ثمرة أخرى، ورأى أبي علي هذا أحب إلي.
وقال من قال: فإن فات ذلك الحب بآفة فله رأس ماله. وإذا أسلف الرجل دراهم بطعام إلى أجل مسمى وكان لكل درهم كذا وكذا من ذلك فإن كانت (2) في تلك الدراهم التي صارت إليه كسر أقل من درهم، فلا شيء له ويرده على /201/
(1) - في أ، ب: إلى أبي جابر.
(2) - في أ، ب: فإن كان في الدراهم ... (5/177)
صفحة 2037
صاحبه إلى أن يسلفه أيضا ذلك بشيء معروف إلى أجل، وعن موسى بن أبي جابر- رحمه الله – وغيره في الذي يسلف الرجل ويفرض عليه كيل الطعام وأجله ولم يقبض منه شيئا ويقول له: أسلم وفي نسخة سلم الدراهم إلى رسولي أو فلان أن السلف باطل ويرجع إلى رأس ماله إن كان قبض منه شيئا (1) وعنه أيضا فيمن أسلف وشرط الكراء في حمله قال: إن السلف فاسد، وقيل عن المسبح: فيمن جعل المدة في السلف إلى الصيف. قال: أحب أن يجعل له أجلا معلوما فإن لم يفعل فلا ينتقض. ومن كتب أبي علي موسى بن علي – رحمه الله – وعن رجل أسلف رجلا مائة درهم ثم احتاج إلى دراهمه فأحب أن يولي ذلك السلف غيره ويأخذ رأس ماله. قال: لا يوليه حتى يقبضه وفي موضع أخر قال المسلف ما لم يبلغ مدته فليس فيه تولية، فإذا حلت المدة ولاه من شاء. وعن أبي علي – رحمه الله – وعمن أسلف آخر بر فقال المسلف للآخر اعطني رأس مالي و أحيلك بالسلف على الرجل وقد حل السلف فقال: لا يجوز ذلك وعن رجل سلف رجلا دراهم ولم يزنها بين يديه ثم أشهد عليه إني قد أسلفته عشرة دراهم بكذا وكذا مدا، فقال: نعم ثم طلب النقض إذا لم يزنها بين يديه. فقال: إذا أشهد على نفسه ولم يزنها بين يديه فهو ضعيف ولا أقدر على نقضه وإن صدقه فلا بأس وأما سلف الدراهم عددا فلا يجوز./202/
(1) - في ب: ومن غيره أيضا ... (5/178)
صفحة 2038
ومن غيره: ومما يوجد عن هاشم ومسبح: هل يجوز أن يسلف الرجل الدراهم عددا بكيل مسمى. فقال أبو عبد الله: وقال أبو الوليد: لا أدري.
ومن غيره: قال: نعم. وقد قال من قال (1): يجوز ذلك إلا بوزن ولو كانت صحاحا ولا يجوز السلف بها بالعدد حتى يكون على وزن. وقال من قال: يجوز ذلك إذا كانت عددا، ومما يوجد عن الشيخ أبي إبراهيم اسلف تبيرا فلما حل السلف، قال الذي عليه السلف: ليس عندي إلا سريعا. قال له: أن يأخذ دون شرطه. قلت له: فإن أسلفه ببر سريعا (2) أيجوز له أن يأخذ تبيرا. قال: نعم. نعم. (3)./203/
(1) - في أ، ب: وقد قال من قال: لا يجوز ...
(2) - في أ ... : سريع مجرورة ....
(3) - في أ، ب: نعم واحدة ..
رجع: وعن رجل طلب إلى رجل سلفا فأخبره بالسوق واتفقا وقال إذا أتاك رسولي فادفع إليه فجاء رسوله فدفع إليه الدراهم ثم رجع الأول يطلب نقض ذلك وقال: إن الدراهم نقصت ولم تزن قدام رسولي ولا معي. قال: فإذا لم يزنها قدامه انتقضت إلا أن هو رسوله ويمضي فعله، وعن رجل كتب إلى رجل كتابا أن يسلفه دراهم ببر أو (5/179)
صفحة 2039
تمر فأرسل إليه الدراهم وكتب إليه إني قد سلفتك كل درهم بمكوكين فأجاز ذلك موسى بن علي – رحمه الله – ولم يره نقضا وكذلك في رجل أرسل رسولا إلى رجل يسلفه دراهم ببر فأعطاه رسوله الدراهم، وقال للرسول: إني قد أسلفته على مكوكين بدرهم فرآه موسى جائزا. وعنه: في رجل كان معه دراهم يسلفها لرجل فأحتاج إلى شيء منها فأخذه وكتبه على نفسه كما يسلف. قال: جائز ذلك وأحب إلى أن يعلم صاحب الدراهم. وعنه في رجل عليه دين لرجل فطلب إليه حقه، فقال: تسلف علي فتسلف عليه من رجل آخر، ولم يعلم حتى بلغ الأجل، ثم جمع بينه وبين صاحب السلف. قال: جائز. قال مبشر عن أخيه سليمان أنه كان يطلب إنسانا بدراهم، فقال له: تسلف علي فزعم سليمان أنه تسلف من ابنه (1) سعيد وأخبره سعيد بن المبشر السلف فقال موسى: في هذه المسألة أن ذلك جائز وقيل في مثل هذا أن المتسلف يجمع بين الذي أمره وبين المسلف. فإذا جمع بينهما وقبل الرجل جاز وأن أبا لا يقبل وصح أنه أمره أن يتسلف عليه جاز عليه.
وعن رجل أمر رجلا أن يتسلف له فتسلف له من عنده شريك له في الدراهم قال: يعلمه. قال وقال أيضا في رجل أرسل رجلا يتسلف له فأسلفه ذلك من عنده فلم يرو ذلك يجوز. ولو أتمه المتسلف وأنا أرجو إذا علم ذلك المتسلف وأتمه أنه يتم./204/
(1) - في أ: من أبيه.
وعن أبي علي: - رحمه الله – في الذي أسلف ببر فأخذ شعيرا بطيب نفسه قال: فما يرى بذلك بأسا، وكره السمن والشحم بالخل نسيئة، وكذلك يكره ما يوزن بما يوزن. وقال في رجل يسلف الناس فيأتيه رجل فيقول له ادفع إلى فلان مائة درهم علي وهي علي سلف، فقالوا: لا نبصر أن هذا سلف واجب. وأما إذا اتفقا على السلف كل درهم بشيء معروف وعرفا جملة الدراهم وقال له: ادفعها إلى فلان. فقال من قال من الفقهاء: إن ذلك جائز. وكذلك قيل إن سليمان بن مبشر كان يطلب رجلا بحق، فقال: المطلوب لأبيه سعيد أسلفني هي قال نعم. ولكن ليس معي دراهم فتوافقا على السلف وأمره المطلوب أن يدفعها إلى سليمان. وقال له (1): ادفعها إليه فاكتبها علي فحين ايسرها سعيد دفعها إلى سليمان وكتبها على المطلوب. هذا حفظ مبشر عن أخيه سليمان. (5/180)
صفحة 2040
وأما في التمر فمن أسلف دراهم في جراب (2): فقيل إن ذلك جائز، وهو جراب تلك البلاد، فإن كان مكنوزا، قال لصاحبه: إنه جراب وصدقة المسلف (3) وأخذه فذلك جائز أيضا. وقال من قال: إذا سلف بتمر ولم يسم من أي دقل إن ذلك فاسد. وقال من قال: يأخذ تمرا ولم نر التمر مثل الحب لأن الحب حبوب كثيرة والتمر هو صنف واحد إلا أنه يختلف في الجودة واللون ورأي من يقول أيضا إنه فاسد إذا لم يسم من أي تمر فهو أكثر وأحب إلي. ومن كان شرطه في التمر طيبا فليس له إلا طيب فإن طابت نفس المسلف أن يأخذ من ذلك النوع دون شرطه فلا بأس بذلك إذا كان من ذلك النوع الذي أسلف فيه، وأما إن كان من نوع آخر من التمر فلا يجوز. وعن أبي علي – رحمه الله – في رجل قال لرجل / 205/
(1) - في أ، ب: وقال له: إذا دفعها ..
(2) - في أ، ب: فقد قيل ...
(3) - في أ، ب: لا فيه بسر ولا رطب ولا بسرة واحدة ولا رطبة واحدة.
يطلبه تمر كل لي وأكثر لي، ففعل فإن تتامما تم. وإلا انتقض وإذا قال المطلوب للطالب قد كلت لك هذا التمر والحب فقيل إذا (1) كان إنما كاله له فجائز. وإن كان لا يريد به له فليكله له.
وقال في رجل يطلب رجلا من قرية بسلف فوجه إليه الحق، وقال له: كله لنفسك فإن فعل لم يفسد وأحسن منه بأن يأمر المطلوب من يكله له وليراجع الطالب المطلوب يأمر من يكله له إن كان قد كاله لنفسه فأرجوا إن شاء الله أن يجوز. وقال محمد بن علي قال موسى بن علي حدثني العلاء بن أبي حذيفة قال مروان بن الحاكم إنه عناه في رجل عليه جراب وفي نسخة سلف جراب – تمر كيل خمسة أجربة فأراد أن يعطي جرابا مكنوزا فرفع ذلك إلى الإمام غسان فروى في ذلك عن بعض أشياخ المسلمين عن الجلندا بن مسعود
- رحمه الله – أنه كان يحكم ويرى في هذا الوجه أن يكال من المكنوز ثلاثة أجربة أو خمسة أقفزة بكل فذلك مكان خمسة أجربة. ويوجد عن موسى بن أبي جابر – رحمه الله – أنه كان له سلف تمر نحو هذا فأعطاه المطلوب مكنوزا فنكل منه واكتاله وأبره من الباقي. وعندنا أنه إذا صدقه وقبله وهو مكنوز أنه جائز إن شاء الله. (5/181)
صفحة 2041
وفي حفظ هاشم أن بشيرا كان معطيا لابنته دراهم يسلف لها بتمر بلعق فسأل بشير الربيع هل له أن يأخذ دون شرطه؟ قال له الربيع: لا إلا من البلعق، ثم سأل بشيرا أشياخنا المكيين فقالوا: بل يأخذون شرطه إن أراد من صرفان أو قش أو غيره إذا كان دون حقه فأرسل بشيرا إلى الرجل برأي أهل مكة فأخذ لابنته من تلك الأنواع دون حقها. فأما الربيع فقال: لا إلا من البعلق وذلك أحب إلينا. /206/
وقال هاشم: إن بشيرا أخبره بهذا كله، قال هاشم: إن الربيع قال البر كالبعلق، فمن أسلف بنوع من البر ثم أعطاه من نوع غيره من البر فراءه جائزا كلها.
وعن بشير في رجل أسلف في جراب من تمر ثم أراد أن يعطيه مكنوزا قال: إذا وثق به فلا بأس بذلك وإن لم يكن مع المتسلف فاشترى من عنده ثقة فلا بأس بذلك فهو جائز.
ومن غيره: قال أبو سعيد - رحمه الله – كان الشيخ أبو الحسن – رحمه الله – يقول عن أبي الحواري
- رحمه الله – إن المتسلف لو قضى صاحب السلف عذوقا من سلف أو تمر في قفيز جاز ذلك إذا كان دون حقه أو مقدار حقه ولا يجوز له أن يأخذ أكثر من حقه، قال غيره وذلك إذا اتفقا من بعد أن صار تمرا صحيحا ما يجوز فيه قضاء السلف لا فيه بسر ولا رطب ولو بسرة (1) واحدة أو رطبة واحدة وكانت العذوق دون حقه أو مثله وليس أن يزداد تمرة واحدة ولا يجوز ذلك أعسى تلك (2) العذوق لا يجوز للمسلف أخذها ونحو هذا يوجد عن أبي الحواري. كتبت معناه فينظر في ذلك إن شاء الله./207/ (5/182)
صفحة 2042
(1) - في أ، ب: لا فيه بسر ولا رطب ولا بسرة واحدة ولا رطبة واحدة.
(2) - في أ، ب: وكذلك المسما العذق.
رجع: وعن رجل أسلف رجل ببهار من تمر هل يكون له أن يوفيه خمسين قفيرا فإذا أسلفه وشرط عليه الوزن فليزنه لأنه (1) ربما زاد الكيل. وإن أعطاه كيلا فلا بأس. وقيل في رجل يطلب رجلا بسلف (2) فبعثه إليه، وقال له كله لنفسك فإن فعل فلا بأس وأحسن أن يأمر المطلوب من كيله له. وإذا سلف الرجل رجلا وهو يعرف بلاده فليقبض من بلاد المتسلف إلا أن يكونا شرطا شرطًا.
قال أبو علي الحسن بن أحمد: وقال بعض في بلد المسلف. وقال (3) بعض حيث وقع السلف. وعن أبي علي – رحمه الله – أيضا في الذي سلف في طعام ولم يسم المكان الذي يقبض فيه. قال: السلف تام وعلى المسلف أن يقبض من بلد المتسلف وقيل إن أسلفه في طعام قبضه من بلده. وفي نسخة في بلده. فإن للذي عليه السلف أن يعطيه حيث شاء من ذلك البلد وهو رأينا.
وأما في حفظ أبي صفرة في رجل أسلم إلى رجل في طعام بكيل معلوم وأجل معلوم وضرب معلوم ولم يشترط المكان الذي (4) أسلمه إليه فيه. قال: إن كان أسلمه إليه في سفينة البحر أو في جزيرة ينبغي له أن يوفيه فيها فإذا لم يشترط مكانا فسد. وقال (5) الفقهاء من قبلنا ما قد وصفنا وبذلك نأخذ إن شاء الله. ولا يجوز الرهن في السلف حتى يحل ثم لا بأس إن ارتهن. وأما الكفيل فلا بأس به في أول السلف وآخره، وإن ارتهن الكفيل من المكفول عنه فلا بأس بذلك وعن أبي علي - رحمه الله - في رجل أطلبه بسلف فأراد أن /208/
(1) - في أ، ب: فليزنه له لأنه ...
(2) - في ب: عدم وجود بسلف.
(3) - في أ، ب: زيادة: في أ: وعن أبي علي رحمه الله: أنه إذا لم يكن في السلف شرط في القبض
ووفاه حقه حيث أعطاه إذا كان من أهل البلد وكذلك عن أبي عبد الله رحمه الله أيضا في (5/183)
صفحة 2043
الذي أسلف في طعام ولم يتم ....
(4) - في أ، ب: ولم يشترط المكان الذي يوفيه فيه في ب لا يوجد (أسلمه إليه فيه وفي ب زيادة قال يفسد
السلم لأن الأصل وقع على غير مكان معلوم فقلت له لم تجعله في المكان الذي
أسلمه إليه فيه)
(5) - في أ، ب: وقال بعض الفقهاء ....
يستلف ويقضي فلم يجد أحدا يثق به، هل لي أن أقبل عليه، فقال: ليس له ذلك. وقال من قال: ليس له أن يعينه بمساومة السلف. ووجدت أنه إذا قال الكفيل للذي عليه الحق أنا أسلفك وأبيع عليك هذا السلف الذي كفلت عليك به فادفعه إلى صاحبه وخلصني مما كفلت عليك به أنه جائز لأن ليس الحق له وإنما يطلبه لغيره.
ومن غيره: سألت هاشما عن الرجل يكون عليه السلف فيشتري من عند المسلف الحب لا يعلمه أنه يقضيه إياه فلما قبضه. قال: أقبض مني حقك قال هاشم أحب أن يحمله من منزل البايع ثم نقضه إياه بعد ذلك. قلت فإن لم يحمله وقضاه إياه فرأى القضاء جائزا.
ومن غيره: قال: نعم وقد قيل أنه لو أعلمه أنه يريد أن يقضيه جاز ذلك ولو وجد الحب عند غيره وأعلمه أنه يريد أن يقضيه إن ذلك جائزا إذا لم يكن هنالك شرط وذلك في النقد. وأما في النسيئة فلا. وقال من قال: يجوز ذلك ولو كان على شرط إذا كان بالنقد. وأما النسيئة فلا يجوز ذلك./209/ (5/184)
صفحة 2044
رجع " الحقوق المتعلقة بالتركة ": وجدت هذه المسألة عن موسى بن علي. ومن مات وعليه حق إلى أجل (1) يأخذ الطالب حقه، وإن لم يحل إلا السلف، فإنه إلى أجله وإن قدموا له كفيلا إلى أجله كان كذلك. وإلا فلا يقسموا (2) المال حتى يبلغ ويقضوا الطالب.
ومن غيره (3) وقال من قال: الحق لأجله لا يحل بموت وهو في مال الغريم على ما يوجبه الحق. ووجدت هذا القول الثاني عن أبي الحواري ويرفعه عن نبهان. وقال: رأيته يعجبه ذلك فينظر في ذلك إن شاء الله./210/
(1) - في أ، ب: فقال: يأخذ الطالب ...
(2) - في أ، ب: وإلا فلا يقسمون المال حتى يبلغ الأجل.
(3) - في أ، ب: زيادة: وقال من قال: لهم أن يقسموا المال ويتركوا له من المال موقوفا بقدر حقه، وقال
من قال ....
(4) - في أ، ب: لا يحل بموت الغريم ... (5/185)
صفحة 2045
رجع: وعن رجل أسلف رجلا بطعام وقدم رجلا فكفل عليه فلما حل الأجل طلب الرجل طعامه إلى الكفيل فأسلمه الكفيل إليه من عنده الكفيل أن يأخذ من الرجل مثل (1) ما أعطى عنه دراهم أو حيوان أو زيادة أو نقصانا فله ذلك إلا أنه لا يأخذ منه أكثر مما أعطاه عنه وله أن يأخذ منه العروض بسوق يومه يوم يأخذ. وعن رجل كفل على رجل بسلف طعاما فلما حل الأجل دفع المتسلف إلى الكفيل الذي عليه من الطعام وأن الكفيل باع الطعام وقبضه وكان رأيه أن يدفع إلى صاحب الحق من عنده إذا طلب إليه صاحب الحق حقه اشترى الكفيل له حقه من الطعام بنصف ثمن الطعام الذي قبضه من المتسلف فرأينا أن الفضل للمتسلف لا يرى للكفيل وللطالب منه شيئا ولو كان الكفيل هو الطالب إليه أن يدفع إليه حق الرجل فهو سواء، وقال أبو عبد الله إذا قبض الكفيل الطعام فهو ضامن له ولا ربح له إلا أن يكون قد كان دفع الحق. إلى صاحب الحق فإنه يكون الربح للكفيل.
ومن غيره: وعن رجل يطلب رجلا بشاة فطلبها إليه فلم يجدها فكفل عليه بها رجل إلى أجل فلما حل الأجل دفع المطلوب الشاة إلى الكفيل فلم يدفعها الكفيل إلى الطالب حتى نتجت الشاة مع الكفيل فقد قيل في ذلك باختلاف. منهم من قال: إن نتاج الشاة للمطلوب ما لم يدفع الكفيل إلى الطالب، وقال من قال: النتاج للكفيل لأن الشاة للكفيل على المطلوب. ومنهم من قال: النتاج للطالب.
وقال أبو معاوية: إن كان المطلوب بالشاة حين دفعها إلى الكفيل. قال: هذه الشاة التي كفلت بها على فخذها فأخذ الكفيل فحبسها عنده حتى نتجت فالنتاج له لأنها لو تلفت من يد الكفيل كان لها ضامن لأن الحق قد زال عن المطلوب وثبت على الكفيل، وإن كان حين دفعها إليه قال له: هذه الشاة إلي يطلبني بها فلان فادفعها إليه عني فالنتاج المطلوب بالشاة لأن الحق لم يزل عنه حتى يدفعها الكفيل إلى الطالب فهذا قولنا فيه والله أعلم.
/211/
(1) - في أ: زيادة: مثل الذي أعطى ...
رجع " من العقود الفاسدة " عن أبي عبد الله - رحمه الله – أيضا في رجل ارتهن بسلفه رهنا من بعد شهرين ثم علم بفساد ما صنع فرد الرهن، فقولنا أن السلف تام وإنما ينتقضه إذا أسلفه وارتهن منه بالسلف في مقعد واحد انتقض السلف والرهن. (5/186)
صفحة 2046
ومن غيره: وقال من قال: إنه لا يفسد السلف بالرهن معا في عقده واحدة أو يكون السلف على أساس الرهن على ذلك عقد السلف فهنالك يفسد السلف وينتقض الرهن والسلف جميعا، فأما إذا كان الرهن بعد عقدة السلف انتقض الرهن وثبت السلف. وقد قيل أن الرهن يفسد الرهن (1) في وقت عقد السلف وبعده إلى وقت محله، وإن كان الرهن بعد عقد السلف وبعد حلول أجله ثبت الرهن والسلف، وقد قيل عن أبي علي – رحمه الله – أنه يحفظ: أنه إذا كان السلف أخذ فيه الرهن، ثم اتفق المسلف والمتسلف على نقض الرهن وقبضه المتسلف وأعفاه منه قبل الأجل في السلف واتفقا على ذلك انتقض الرهن وثيت السلف (2) وقال أبو سعيد
- رحمه الله – إذا كان الرهن في السلف مع عقدة السلف موصولا بشرطها. فقد قيل يفسد الرهن والسلف، وإن كان الرهن في السلف بعد تمام عقدة السلف ثبت السلف وانتقض الرهن إذا كان قبل محل السلف، فإن كان الرهن في السلف بعد محل السلف ثبت الرهن والسلف ولم أعلم في قول أصحابنا إثبات السلف إذا شرط عند الرهن بالنص في إثباته إلا أنه قد روى عن بعض أهل العلم أنه قال: حفظ عن موسى بن علي أو حفظت عن موسى بن علي – رحمه الله – مسألة خير من دنانير ونحو هذا. فقيل له: وما ذلك. فقال من قال: إن أحل المتسلف السلف المرتهن في السلف وأتم له ذلك معناه جاز السلف أو ثبت السلف إلا أنه قد يروي معنا إجازة السلف عند إتمام المتسلف ذلك للمسلف./212/
(1) - في أ، ب: وقد قيل أن الرهن يفسد في وقت عقدة السلف.
(2) - في ب: ومن غيره.
رجع: وإذا أخذ الكفيل رهنا من المكفول عليه بالسلف فهلك عنده فقد استوفى من المكفول عليه إذا كان الرهن بقد الحق أو أكثر. وإن أقل كان له ما بقي من حقه بعد الرهن. وقيل في رجل أمر رجلا أن يستلف له بجراب من تمر فتسلف له الرجل ثم تلف الدراهم من قبل أن يصيرها إلى الذي أمره أن يستلف له. فالجراب للمسلف على الآمر ولا ضمان على الرسول في الدراهم إلا أن يكون صنيعها. وكذلك إن قبض الرسول الجراب من المتسلف فضاع في الطريق فلا شيء على الرسول وعلى المتسلف أن يقضي الجراب. وإن كان الرجل إنما تسلف من عند رسوله والمرسول يسلف على نفسه أو كان الرسول قد قضي الجراب من ماله ثم قبض هذا لنفسه فتلف من عنده فقد برئ الأول يدفعه إليه ولا شيء عليه غير ذلك. وعن رجل أقر على نفسه وأشهد قد أمرت فلانا أن يستلف علي وقد (5/187)
صفحة 2047
تسلف علي سلفا و أرهنت في يده كذا وكذا من مالي فإن أديت إليه حقه وإلا فهو المسلط في هذا الرهن يبيعه برأيه ويؤدي عن نفسه ثم رجع يحتج أن السلف له ويريد نقضه لحال الرهن. قال بعض الفقهاء: إقراره ثابت عليه وليس على المتسلف أن يذكر اسم الذي تسلف من عنده. وإن باع الرهن فأدى عن نفسه جاز له ذلك.
وقال محمد بن علي: قال موسى بن علي – رحمه الله – في رجل عليه ثلاثون مكوكا سلفا فأعطاها بها نخلة (1). قال: ذلك لا يجوز. وإن باع له النخلة بثلاثين مكوكا مرسلة لا يشترط حب السلف جاز ذلك ويكيلان (2) لبعضهما بعض. وقال أيضا في رجل عليه لرجل سلف حب بر فحل الأجل فباع الذي عليه السلف نخلة للذي يطلبه بالحب واقتضى – نسخة وأقرض الذي عليه الحب بالدراهم بسعر يومه فرأى أنه لا يجوز ويأخذ ثمن النخلة ويدفع إليه حبه ولا نقض في السلف ولا في بيع النخلة. وكذلك عندنا أن السلف لا يعترض به ولا / 213/
(1) - في أ، ب: ثلاثون مكوكا حبا سلفا ...
(2) - في أ، ب: ويكلان ذلك لبعضهما بعض.
يأخذه إلا من النوع الذي أسلفه به ولا يأخذ غير ذلك إلا أن يتفقا على مبايعة في أصل وعروض فلكل واحد حقه ولا على الآخر نقضه منه.
" الاختلاف في السلف " وعن أبي علي – رحمه الله – في رجل أسلف رجلا بثوب بذرع معلوم واحد (1) معروف فأتاه بثوب أطول من ثوبه أو بنقض ذراعا فله أن يأخذ الذي هو أطول ويرد عليه بفضله ولا نرى له أن يأخذ ناقصا ويزداد عرضا ولا دراهم، وقلت: إن كان الثوب على ما شرط من الذرع غير أنه أفضل رقعة وأجود من شرطه هل له أن يأخذه ويعطيه فضل القيمة فما يرى بذلك بأسا، وكذلك في الطعام والحيوان. قلت فرجل أسلم إلى رجل في شقة حرير بذراع معلوم وصفه معلومة وأجل معلوم. قال: جائز. وقلت إذا جاءه عند الأجل على تلك الصفة، غير أنها أقصر ذراعا فقبلها. قال: جائز. قلت: فإن كان أطول بذراع ووهب له الفضل قال: جائز وعن أبي عبد الله (2) أيضا في جواب له عن رجل أسلف رجلا بثوب وسمي سقطه إثنى عشر تركا فقيل الذي عليه الثوب ثم إنه أراد أن يعطيه ثوبا من ثمانية برايج ويعطيه بالباقي غزلا. قال يوفيه شرطه إلا أن يتراضيا فلا أرى بذلك بأسا وقال في رجل طلب إلى رجل سلف دراهم فأتاه بالدراهم وهي في ضيعة له فقال له: قد جئتك بالدراهم. قال له المتسلف: ضعها على ذلك الثوب فوضعها الرجل واشتغل هذا في ضيعته ثم رجع إلى الدراهم (5/188)
صفحة 2048
فلم يجدها. قال: إذا قال له قد جئتك بالدراهم وهي كذا وكذا، فقال له: ضعها فهي لازمة له. وقال: إذا قال المسلف قد كان للسلف وقت. وقال الآخر: لم يكن له وقت فهو منتقض (3) وسئل محمد بن محبوب إذا اختلف المسلف والمتسلف في الوقت الذي يحل فيه الحق. فقال القول قول / 214/
(1) - في أ، ب: وأجل معلوم.
(2) - في أ، ب: عن أبي علي – رحمه الله – بدل أبو عبد الله ...
(3) - في أ، ب: تأخير وسئل محمد بن محبوب بعد قوله وأما إن اختلفا.
المتسلف وعلى صاحب السلف البينة به وكم (1) الحق. وأما إن اختلفا وقال المتسلف لم يدفع إلى ثمن السلف ولم يوفني الدراهم. وقال المتسلف افترقنا على وفاء فالقول قول صاحب السلف، وأما غيره من الفقهاء فإنه قال: إذا قال المتسلف لم يجعل له أجلا، وقال المسلف قد جعلت له أجلا فالبينة على المسلف واليمين على المتسلف إن عجز الآخر البينة ما كان هذا السلف إلى وقت كذا وكذا فإن قامت بينة على الأجل أو تخافا عليه فهو إلى أجله وإن أقرانه لم يكن بينهما أجل في هذا السلف فهو منتقض وهذا الرأي أحب إلي. ومن أسلف رجلا سلفا فظن أن السلف منتقض فأخذ رأس ماله ثم علم أن السلف ثابت. فقال من قال: إذا أخذ رأس ماله فقد انتقض السلف.
وقال هاشم في رجل أسلف رجلا ثم طلب إليه حقه فأفلس فطلب إليه حقه أن يأخذ منه رأس ماله. قال له: أعطني رأس المال ثم بدا له أن لا يأخذ منه رأس المال أتراه قد نقض سلفه. قال: أما إنهما تفاضلا فقد انتقض السلف كأنه يقول إذا استقاما على أن جعلاه رأس ماله فقد نقض السلف، متفاضلا وليس له إلا رأس ماله. قلت له: فإن قال له: إن وجدت رأس مالي إلى عشرة أيام أخذته منك ونقضت السلف عنك وإن لم تأتني به إلى ذلك الوقت فسيلغي عليك. قال: هذا إن لم يتفاضلاه وكذلك عندنا في مثل هذا أن السلف لا ينتقض بعد عقده حتى يجتمعا على نقضه ويبرئه منه ويرجع على رأس ماله ثم ينتقض. ومن أمر رجلا أن يتسلف له فتسلف له ثم تلفت الدراهم من الرسول قبل أن تصل إلى الذي أرسله فهي من مال المرسل والسلف عليه إلا أن يكون الرسول ضيعها فعليه ضمانها. وقال من قال: في رجل له على آخر جراب من تمر أو جري من حب سلفا فلا (2) أحل ما كسبه حتى يتفقا على كذا وكذا ثمن / 215/ (5/189)
صفحة 2049
(1) - في أ، ب: وتم الحق ...
(2) - في أ، ب: فإذا حل ما كسبه ....
ذلك ثم يسلفه بتلك الدراهم بقدر حقه إلى ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر فيكون لكل واحد منهما على صاحبه مثل ما للآخر فإن لم يكن في ذلك شرط جاز ويكيل كل واحد منهما لصاحبه الذي عليه وذلك إذا أسلفه بالدراهم وقبضها، ومن أسلف دينارا بجراب ثم رجع إلى رأس ماله وأخذ يصرف الدينار درهم فلا بأس بذلك، وذلك يجوز في الذهب والفضة ولا يجوز في غيرها إلا أن يأخذ رأس ماله إذا رجع إليه.
ويوجد عن أبي عبد الله – رحمه الله – أنه يجوز العروض من رأس مال السلف والله أعلم. وقد كره أيضا من كره من الفقهاء أن يأخذ من الدينار دراهم.
ومن غيره: وعن رجل أسلف بطعام وكان أمرا فاسدا فرجع إلى رأس ماله فله أن يعرض له برأس المال عرضا حتى يستوفي إن لم يكن معه دراهم (1) ومن كتاب أيضا أو كان السلف لاثنين فرجع أحدهما إلى رأس ماله فأبى الآخر فلا يثبت الصلح إلا أن يرضى الآخر فيكون مال أحد بينهما من الصلح برأس المال لأنه مشترك وعلى السلف أن يكيل للمسلف والمكيال أيضا على المتسلف حتى يدفع ما يلزمه كان السلف حبا أو تمرا، وكذلك على المسلف الميزان أن يوزن الدراهم والله أعلم./ 216/
(1) - في أ، ب: من قوله ومن كتاب أيضا .... إلى والله أعلم. هذه الفقرة لا توجد. (5/190)
صفحة 2050
رجع " أنواع لا يفضل فيها السلف "وقيل لا خير في السلف في القثاء كله والخيار والرمان و الأترج والسرفجل والموز والبيض والنارجيل والجوز وما يشبه هذا لأنه مختلف عند العدد ومستتر غائب في الوزن أيضا، وأما بيعه جائز على النظر إن كسر المشتري شيئا منه عند البيع فبان عيب في داخله فله رده عليه، وعليه غرم ما نقص من قيمته وهو مكسور عن قيمته قبل أن يكسر على أنه قائم معيوب. وقيل عن محمد بن محبوب – رحمه الله – في رجل أسلف رجلا دراهم ثم إن المتسلف رجع إلى صاحب الدراهم فقال: ضع عني من كل درهم سدسا. فقال المسلف: نعم. وقد وضعت عنك فرآه منتقضا وأحب أن لا ينتقض إذا حط له من حبه. وفي نسخة حقه الذي عليه حتى يبطل السلف الأول ويرجع يعطيه على هذا السعر فذلك لا يجوز إلا أن يحضر الدراهم ويحدد السلف على ما اتفقا عليه.
وعن رجل أسلف رجلا بجراب من تمر عشرة دراهم. وقال له: المتسلف تكون معك حتى أخذها فأخذ منها بعضها أو لم يأخذ حتى حل السلف فإذا لم يسم لكل درهم منها شيئا معروفا انتقض السلف. وإن سمى لكل درهم منها ثبت عليه سلف ما أخذ من الدراهم وانتقض ما لم يأخذه مدان كان لما أسلفه وقبض الدراهم وصارت إليه أيتمنه عليها فهي للمتسلف وثبت عليه السلف.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – في رجل طلب إلى رجل سلف دراهم. فقال: ليس عندي دراهم. فقال الطالب: فإن عندي دراهم أقرضك إياها وأسلفتني فأخذها منه قرضا ثم أسلفه إياها. قال: أخاف أن يفسدهن السلف لأن هذا قرض جر منفعة. وعن أبي زياد وأبي عبد الله – رحمهما الله – عن المسلف بحب أو تمر ولم يسم أي نوع أن الحب فاسد. وأما التمر فإن أعطاه تمرا وقبل منه جاز وإن اختلفا فهو نتقض وإن أسلفه بتمر فرض وبلعق تمرا. وقال ابن محبوب - رحمه الله – إن اتفقا على ذلك فهو جائز وإن اختلفا فهو فاسد، وأما إن أسلفه ببر وشعير ولم يسم فهو فاسد. /217/ (5/191)
صفحة 2051
ومن غيره: وعن أبي الحواري وذكرت فيمن سلف بالشوران كذا وكذا مكوكا بكذا وكذا منا. فاعلم أن الحب والتمر يجوز بالشوران وبالقطن نسيئة. فإذا أخذ منه كذا وكذا منا شوران إلى أجل مسمى جاز ذلك. وعنه وذكرت فيمن كان عليه سلف لرجل ولم يمكنه حب وقد حل قبضه وهو كذا وكذا مكوكا، فقال صاحب الحق للذي عليه الحق أعطني حقي. قال: ليس معي شيء إلا هذه الدابة خذها بكذا وكذا مكوكا، فعلى ما وصفت فهذا لا يجوز ولا يجوز العرض في السلف وليس له أن يعطيه إلا من النوع الذي سلفه به أو يرجع إلى رأس ماله فيأخذ دراهم ودنانير إن كان سلفه دنانير فافهم ذلك.
ومن غيره: وقد قيل يجوز يقاصصى السلف بالسلف وما أشبه الإيجارات بالسلف يجوز فيه المقاصصة.
ومن غيره: وقال من قال: إنه يجوز المقاصصة في السلف بالسلف فعلى قول من يقول بذلك: فلعله يجوز المقاصصة بالسلف بالإيجارات وأنا لا أحب المقاصصة بالسلف وإنما أحب فيه القبض. يسلم هذا إلى هذا ويسلم هذا إلى هذا، وكذلك في الإجارات والسلف، وكذلك في الأجارات والأجارات ولا أحب المقاصصة بذلك ولا أحب إلا قبض كل واحد منهما حقه والله أعلم بالصواب./218/ (5/192)
صفحة 2052
رجع: وذكرت فيمن سلف بصوف أو شعر وكذا وكذا منا بكذا وكذا مكوكا فهذا جائز إذا كان له أجل مسمى.
ومن غيره: وقيل في المسلف إذا رجع إلى رأس ماله فأخذ من عند المتسلف عرضا فاختلف القول من أهل العلم. فقال بعض: ويرد ذلك ولا يجوز. وقال من قال منهم بإصلاح ما يستقبل أو ترك ما مضى، وأجاز ذلك بعض أهل العلم ورفع ذلك عن منير بن النير الجعلاني – رحمه الله – ولا نقول أن من فعل ذلك حراما إن شاء الله.
وسئل عن رجل أسلف رجلا ببر فلما حل الأجل لم يكن يقع المتسلف بر. فقال للذي له الحق: بع لي لأقضلك أو عسى أن أقضيك أو قال: أريد أن أقضيك فباع له بر بنقد ونسيئة فالبيع جائز ولا بأس بذلك.
ومن غيره: عن رجل يطلب رجلا بسلفه ثم كال له الحب وباعه له في موضعه نسيئة وقد كان بينهما الشرط أن يكيل له حقه ثم يبيعه له. هل يجوز ذلك فعندي إني وجدت عن الشيخ أبي سعيد في مثل هذا أنه يجوز. قال من قال: يكيله ثانية. وقال من قال: إذا كاله له في وقته وقبضه بكيله جاز وأرجوا أن بعضا كره ذلك على الشرط.
ومن غيره: وسئل عن رجل سلف رجل بجربين من بر كل جري بخمسة دراهم فأعطاه جريا وبقي جري فأعدم، هل له أن يأخذ رأس ماله من الجري الآخر الباقي. قال: عندي أنه يجوز ذلك. قلت له: فإن سلفه خمسة دراهم بجري من حب منهم فأعطاه ثلاث مكايل ثم أعدم بقية الجري هل له أن يرد رأس ماله بقية (1) ما بقي من الجري؟، قال معي: إنه قد قيل في ذلك اختلاف على معنى قوله فقال من قال: يجوز ذلك. وقال من قال: لا يجوز ذلك والله أعلم./219/
(1) - في أ، ب: ماله بقيمة ما بقي ....
رجع: وأخبرنا الوضاح بن عقبة عن موسى بن علي – رحمهما الله – في رجل له على رجل سلف خمسة أجربة حبا ثم كال له المتسلف الحب وقال للمسلف: هذا حبك قد كلته لك فقال أبو علي: إن كان المتسلف لما إن كان الحب أراد أن يكيله ذلك ليسلمه إليه ثم سلمه إليه وصدقه فذلك جائز. وإن كان المتسلف ساعة كال إنما كال الحب لكي يعلم كيله ولم يرد به كيلا للرجل أنه لا يجوز وعليه أن يكيله له ثانية.
تم الباب من كتاب أبي جابر (5/193)
صفحة 2053
ومن غيره: وعن الأزهر بن محمد بن جعفر: وعن رجل سلف بغير حق هل له أن يأخذ جذعا أو سلفه بجذع هل له أن يأخذ الحق فله أن يأخذ دون حقه ويبرئ المطلوب من الباقي أو يأخذ الأكثر بطيبة نفس الدافع أو يعطيه قيمته وأما أن يأخذ الأقل ويطالبه بالباقي فلا يجوز ذلك. وعمن يعطي ثلاثة أثواب ببعير إلى أجل هل يجوز ذلك فقد قيل إن ذلك يجوز إذا كان بسن معروف. وقلت له كذلك إن أعطاه بعيرا بيدا بيد وزيادة ثوب سداسي إلى أجل أو زيادة عشرة دراهم هل يجوز ذلك فلا يجوز ذلك. قال غيره: قد قيل هذا وقال من قال: إن ذلك جائز إذا كان البعير والثوب والدراهم نسيئة هكذا حفظنا.
ومن غيره: قلت له: فإذا أسلفه سلفا دراهم بحب أو غيره ونسيا أن يجعلا له أجلا إلا النية أن أجله بينهما إلى شهر معروف فيما يقدم من الذكر بينهما قبل العقدة هل يجزي ذلك ويكون سلفا ثابتا. قال معي: إنه إن تتامما على ذلك أرجو أنهما يجزئهما وإن تناقضا كان عندي في الحكم منتقضا. قلت له: فالمتاممة تثبت منهما عند القبض وقبله قال عندي أنه لا تكون المتاممة إلا عند القبض أو يد وما على المتاممة إلى أن يجئ القبض /220/
ومن غيره: ومما يوجد عن بشير بن محمد بن محبوب – رحمهما الله – وعمن سلف دراهم ثم نظر فإذا فيهما دانق رديء. قال إن كانت سلفت جملة انتقضت كلها. وإن كانت سلفت على كل درهم بكذا وكذا انتقض منه ما كان (1) للدرهم. قال أبو الحواري – رحمه الله – نعم هذا إذا لم يبدله قبل محل الأجل وإذا أبدله قبل محل الأجل تم السلف. وعن رجل سلف رجلا بطعام إلى مدة، وقال له: إذا حضرت المدة فكل الطعام وأشهد عليه شهودا وضعه عندك حتى أبعث له، فإذا كلته وأشهدت عليه فقد برئت منه ففعل الرجل كما أمره فكال الطعام وأشهد على كيله ووضعه عنده فهلك الطعام. فقال: قد برئ منه لأنه إنما صار أمينا من بعد الكيل والشهادة على ذلك ولو لم يفعل ذلك ضمن./ 221/ (5/194)
صفحة 2054
(1) - في أ، ب: انتقض منه إلى الدرهم ...
الباب العاشر
في
الإقرار في العبيد وغيرهم
ووقيل في الرجل يكون في يده العبد الكبير فيدعيه أنه له ويدعيه رجل آخر ويقر العبد أنه للآخر، فهذا للذي أقر له، ولو أقر أنه لإنسان غائب إلا أن يصح أنه عبد لهذا الذي هو في يده، فإن صح ذلك لم يلتفت إلى إقرار العبد. وإن كان العبد صبيا صغيرا ويقول الذي هو في يده هو عبدي ويقول هو: أنا حر، فهو حر حتى تقوم بينة أنه عبد له. وكذلك كان أحد يدافع عن الصبي فقال: هذا حر. وإن كان الصبي لا يتكلم ولم يكن أحد يدفع عنه لم يكن على الحاكم أن يسأل الناس عما في أيديهم ولا يعارض الذي في يده. وقيل في رجل اشترى جارية فتلد عنده، وقد كان أصل الحبل عند البايع وادعى أنه ولده قال: لا يجوز دعواه ولا يجبر السيد على بيع عبده ويقال للبايع إن كنت صادقا فخلص ولدك من الملكة فإن خلص يوما ما ومات المدعي أنه ولده ورثه. وقيل في رجل في يده غلامان توأم – وفي نسخة تؤمان- ولدا عنده فباعهما فأعتق المشتري أحدهما ثم إن البايع ادعى الغلام الذي في يده. قال: (5/195)
صفحة 2055
لا يصدق في الذي في يد المشتري، وأقبل قوله في الذي أعتق وأورثته إياه وإن اعتق هذا يوما ما قبل موت المدعي له أنه ولده أو ورثته إياه وعليه أن يخلصه ولا يجبر على ذلك ولا يجبر السيد على بيعه أيضا. والإقرار بكل من أقر به الموصي أنه وارثه جائز إذا لم يكن له رحم ولا عصبة إلا الجنس وماله حيث الجاه أو لمن أقر أنه وارثه وهو أولى في الجنس فإذا كان هناك وارث من رحم أو عصبة فلا يجوز الإقرار عندهم بوارث إلا أن يصح نسبة بشاهدي عدل إلا الوالد والوالدة، والولد فإن إقراره لهؤلاء جائز إلا أن تقر بشيء يعلم أنه خلاف ما أقر به وإن كان أحد /222/
هؤلاء مملوكا حبس عليه ميراثه فإن بيع اشترى به وإن اعتق دفع إليه. وإن ماتوا على الورثة غيرهم. وفي نسخة – رد ذلك على الورثة غيرهم – وقال من قال: إذا قدر الله لعبد رقا من وصية أو غيرهما فما كان له فهو لمولاه. وقال من قال: لا يدفع إلى المولى ويحبس عليه حتى يعتق فيدفع إليه أو يشتري به أن يبيع بيع وقال من قال: إن كان يسيرا دفع إليه.
وقيل في رجل هلك وترك ولدين فأقر أحدهما بولد من جارية أبيه أنه ولده. وأقر الثاني أنه ولد أبيه وهو أخوه فهذا الولد ثلث نصيب هذا الذي أقر أنه أخوه، ويلزم الذي أقر أنه ولده كما أقر به. وقال أهل الرأي: إن الرجل يصدق في أربعة أشياء: إذا قر بها إذا قال: هذا ابني وهذا أبي وهذه زوجتي أو هذا مولاي. وقال بعضهم: إن المرأة إذا قالت: هذا ابني لم تصدق إلا أن تجيء بمن يشهد على ولادتها وقال من قال: إلا أن تقول هذا ابني وأبوه فلان ويحضر أبوه فيصدقها. وقال من قال: هي مصدقة فيما يصدق فيه الرجل إذا ادعى الولد وهو أحب القولين إلينا صح إن شاء الله.
ومن غيره " إقرار المريض " وعن المريض إذا أقر بزوجته في المرض هل ترثه؟ قال في ذلك اختلاف في الميراث. وأما في الصداق فحتى تصح.
قال أبو الحسن بن أحمد – حفظه الله – قال بعض المسلمين ثبت الصداق والميراث. وقال بعض لا يثبت لها صداق ولا ميراث. وقال بعض (1): يثبت لها الصداق ولا يثبت لها ميراث (2) ويوجد عن أبي معاوية أنه يستحب هذا القول. وهو كذلك معنا والله أعلم./223/ (5/196)
صفحة 2056
(1) - في ب: وقال بعض: لا يثبت لها صداق ولا ميراث.
(2) - في ب: وقال بعض يثبت لها الصداق ولا يثبت لها ميراث .....
(فيها تعليقات المحقق فقط) /224/ (5/197)
صفحة 2057
رجع: وعن رجل ادعى إلى رجل مالا أنه له فصدقه وقبض الرجل المال أو لم يقبض ثم رجع الرجل في ماله، فقال: ظننت أنه حق فصدقته وتورعت عن ذلك ما ترى؟ قال: إذا أقر أن هذا المال له وصدقه على دعواه على مال معروف فلا رجعة له في ذلك قبضه الآخر أو لم يقبضه.
تم الباب من كتاب أبي جابر (1)
ومن غيره: وسئل عن امرأة أقرت أنها مملوكة لفلان، كيف للشهود أن يشهدوا. قال معي: إنهم يشهدون بإقرارها له بالملكة ولا يشهدون أنها أمته لأن شهادة الإقرار غير شهادة القطع والتفريق بين ذلك بين في الأحكام. قيل له: فلو جاء شاهدان شهدا أنها أمته وأقرت أنها لغيره. قال معي: أن شهادة الشاهدين أولى من إقرارها لغيره. قلت له: فلو كانت هذه الأمة في يد من (2) /225/
(1) - (لم يحل إليها)
(2) - (لم يحل إليها) (5/198)
صفحة 2058
سنين تخدم ثم قالت بعد: أنها حرة كان القول قولها وتكون الحرية أولى ما لم يحضر هو بينة أنها أمته. قال: هكذا عندي. وقلت له: وإن أحضر هو بينة إنها في يده أو كانت في يده. قال معي: إن اليد لا تثبت في (1) الأنفاس بالملك كما تثبت في سائر الملك. قلت له: فهل لا (2) تثبت اليد في الحيوان من الدواب غير البشر. قال: هكذا عندي. قلت له: فما الفرق في ذلك ولكلها أنفاس. قال معي: إن الفري في ذلك أن البشري يعبر عن نفسه ويدفع عنها ويقر بها ما يثبت لها وعليها في الأحكام قلت له: فإن كانت في يده يدعيها أنها له وهي لا تغير ذلك هل يثبت عليها بذلك معنى العبودية بالملكية. قال معي: إنه يختلف في ذلك. فقال من قال: يثبت عليها لسكوتها إذا لم تغير ما ادعاه عليها من الملك. وقال من قال: لا يثبت عليها ذلك قلت: فلو كانت في يده وتقر أنها أمته فولدت في ملكه ولدا هل يسعه أن يستخدمه قبل بلوغه (3). قال: هكذا عندي والحرية أولى به إلا أن يحضر الذي يدعيه بينة أنه له. قلت له: فإن بلغ الصبي فأنكر العبودية هل له ذلك؟ قال: هكذا عندي. والحرية أولى به إلا أن يحضر الذي يدعيه بينة أنه له. قلت له: فإن طلب أجره ما استحق في صغره وأصح البينة بذلك. هل له ذلك إذا حكم له بالحرية؟ أولى به إلا أن يحضر بإنكاره ولم يكن عند المدعي بينة.
قال معي: إنه لا يحكم له بشيء مما مضى من عمله. قلت له: فإن أقرت أنها أمة زيد وأنها لزيد وصح لها بنون، هل يلحقهم الرق إن أقرت بنفسها له بإقرارها قال: معي إنه يختلف في ذلك فقيل يثبت عليهم الرق. وقال من قال:/226/
(1) - في ب: قال معي: إن اليد لا تثبت بالأنفس في الملك ...
(2) - في أ، ب: فهل تثبت اليد في الحيوان ... وهنا أصح.
(3) - في أ، ب: هناك خلاف بين أ، ب ففي أ: خلط وفي ب: اتفاق بين أ، ب إلا في آخر سطر من هذه الصفحة
ففي ب: هل له ذلك إذا حكم له بالحرية بانكساره ولم يكن عند المدعي بينة
(حذفت: أولى به إلا أن يحضر). (5/199)
صفحة 2059
لا يثبت عليهم ذلك. قلت له فإذا اشترى أمة فولدت في ملكه بالشرى هل يسعه أن يستخدمه في الحكم.
" الاختلاف في الحرية " قال معي: إنه يسعه في الاطمئنانة أن يستخدمه حتى يحول ما بينه وبين ذلك من حجة (1). قلت له: فإذا أنكر العبودية بعد البلوغ أو كان اشتراه وهو صبي فلما بلغ أنكر ذلك وحكم له بالعتق لعدم المدعي له بالبينة بأنه له هل يسع المدعي له في السريرة أن يستخدمه ويسعه في السريرة إذا قدم أم لا. قال معي: أن ليس له ذلك لأن حجة الحرية أولى. قلت له: فإذا أراد شراءه من رجل هل عليه أن يسأله قبل أن يشتريه أنه للذي يبيعه أم ليس عليه ذلك ويسعه أن يشتريه. قال معي: إنه إذا كان بالغا فمن الاحتياط له أن يسأله ويقارره لتثبت عليه الحجة بإقرار فأما الصبي فلا يجوز إقراره على نفسه على حال ولا يثبت عليه الرق بذلك قلت له: فإذا أقر له أنه للذي يبيعه فلما اشتراه قال له: أنا كذبت في إقراري وأنا حر، ما الحكم فيه؟ وهل يسع هذا بيعه ما لم يمنعه حكم يزيل عنه حكم ملكه ودعواه له. قال: هكذا في معنى الحكم أن يسع هذا المشتري التمسك به ما لم يصح كذبه لأن إقراره على نفسه جائز ما لم يصح بينة بالقطع تخالف معنى إقراره على نفسه. قلت له: فإن قال إني إنما أقررت له لأني إنما خفت أن تقتلني أو تسيء إلي واتقيته. هل يكون هذا حجة له ولا يسع المشتري أن يستخدمه ولا يبيعه.
قال معي: إنه إذا كان في حال التقية في الاعتبار في حين ذلك كان هذا له حجة وإن لم يكن في حال التقية لم يكن له حجة. قلت له: فإن غاب أمر البائع على المشتري أنه في حال التقية أو ليس بحال من يتقي وارتاب في أمره هل يسع المشتري استخدامه أو بيعه ما لم يصح أنه في حال من يتقي في حين باعتباره لعله أراد في حين ذلك باعتبار صحيح أو اطمئنانه أو حكم أولا، قال /227/
معي إنه إذا كان أصله على البيع ولم يكن على حال الجبر ولا الغضب فأرجوا أن يسعه ذلك ما لم يعلم كيف الأصل. قلت له: فإذا اشترى أمة فقالت: إني سبيت ولم أكن من أهل الحرب، وإنما كنت عندهم بأمان فأخذت جبرا. هل يكون هذا موجبا لها الحرية ما لم يصح عليها الرق بالبينة؟ قال: هكذا عندي أو بإقرار منها، حيث (5/200)
صفحة 2060
يجوز إقرارها. قلت فإذا علمت أنها مغصوبة أو أنها بيعت وهي ساكتة فلم تنكر هل يسعها ذلك أم يجب عليها أن تدفع عن نفسها الملكية ولا يسعها السكوت. قال معي: إنه يجب عليها ذلك ما لم تتق على نفسها تقية. قلت: فإذا اتقت تقية وأقرت بالعبودية، هل عليها أن تهرب من يد من اشتراها بغير علمه والحجة عليها أنها حرة في الأصل أم يسعها الكينونة عنده قال معي: إنها ما لم تتق تقية يسعها في ترك الإنكار والخروج فلها ذلك وعليها عندي. قلت له: فإذا اتقت تقية وولدت أولادا في حال ما هي فيه، في يد من اشتراها هل عليها إعلامهم أنها في الأصل كانت حرة.
قال معي: إنه إذا كان سباؤه على ما يسع في الأصل كان عليه ذلك. وإذا كان سباؤه على معنى الباطل لم يكن عليه ذلك. وقال: يجوز السباء لأهل الشرك من أهل الشرك إذا كان الأصل منهم على وجه الحرب ولم يكن بينهم عهد بأمان أو غير ذلك من العهود ولو لم تكن الحرب قائمة كان السباء من بعضهم بعض لبعضهم بعض. جائز في أصل الحق في معنى ما يجوز الشراء/228/
منهم لما سبوا. وكذلك أهل الإقرار يجوز السباء منهم لعله أراد لهم على غير محاربة من أهل الشرك، إذا لم يكن عهد ولا ذمة. قلت له: فإذا كانت الأمة أصلها على الحرية عند نفسها وهي في يد من اشتراها على وجه الملك وهي في حال التقية أن ينكر ذلك وطلب وطئها على وجه السرية هل لها أن تمكنه من نفسها إذا كان قد اشتراها ولم يعلم هو ما أصل أمرها.
قال معي: أن ليس لها ذلك لأنها في الأصل حرام عليه. قلت له: فإن زوجها برجل هل يجوز لها أن توطيئه نفسها إذا كان لها أب أو عصبة إذا رضيت بتزويجه أم يكون ذلك بمنزلة المشتري منه لها. قال معي: إنه إذا لم (5/201)
صفحة 2061
يكن أب ولا عصبة في ذلك المصر، ورضيت به زوجا أعجبني أن يجوز لها ذلك. وإن كانوا في المصر حيث تنالهم حجتها أو تدرك مشورتهم لم يعجبني ذلك إلا بإتمامهم.
قال غيره: وكذلك سمعت أن المملوك إذا اغتصب من سيده أنه لا يجوز له أن يخدمه لأن خدمة المملوك لمن اغتصبه فعل والتقية لا تجوز في الفعل لأنه يروي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه من قول ما حدثوا به أنفسهم من فعل فينظر فيما سمعته ولا تأخذ منه إلا ما وفق الحق والصواب.
ومن غيره: وعن رجل في يده عبد مقر له بالملكة فشهد شاهدان أنه حر. هل تكون هذه شهادة معارضة ويكون العبد لمن هو في يده. قال: إذا صحت البينة فيخرج عندي تأويل ذلك أنه حر (1) ولا تكون عندي هذه شهادة معارضته ولا يقبل إقرار العبد بالملكة بعد أن تصح له الحرية، والحرية أولى وهي لله.
قلت له: فرجل تعلق برجل يدعيه أنه عبده والآخر ينكر فشهد شاهدان أنه عبد له ما يكون. قال: أقول إنه عبد له إلا أن تصح له الحرية قلت له: فإذا شهد شاهدان بالحرية له وشهد شاهدان أنه عبد والآخر يدعيه أنه عبد أي البينتين أولى. قال عندي أن الحرية أولى./229/
(1) - في أ، ب: فلا تكون عندي ...
ومن غيره: وسألته عن رجل كان (1) معه غلام له قدم به أرض غربة قال الغلام: أنا حر. قال على من تكون البينة، قال: على العبد. ومن غيره: فعبد سلم إلى شيء هل يجوز لي أن أدفع ذلك إلى سيده قال: لا تدفعه إلى السيد ولن تسلمه إلى العبد.
قال أبو سعيد – رحمه الله – معي قد قيل ما كان في يد العبد ما لم يعلم أصله كيف هو: فسيده أولى به ولا يجوز لمن صار ذلك إليه من يد العبد أن يرده إلى العبد فإن فعل ضمن إلا برأي السيد. ومعي أنه قد قيل أن له الخيار إن شاء دغعه إلى العبد لموضع يده التي دفعت ولما يمكن من تفويض ذلك إليه، وإن شاء دفعه إلى السيد وأخبره القصة فيه. قلت: وكذلك الصبي إذا دفع إلي شيئا هل لي أن أدفعه إليه على قول من يرى ذلك في العبد أو لا، قال معي: إنه يخرج معنا ذلك إذا كان مأمونا عليه وعلى حفظه فيحمل فيه هذا.
وقال غيره: أرجو أني عرفت عن جابر أنه يجوز شراء العبيد إذا باعوهم آبائهم في وقت المجاعة فينظر في ذلك إن شاء الله. (5/202)
صفحة 2062
قال: النظر فيه عندي أنه إذا كانوا أهل شرك أهل حرب ممن يجوز سباؤهم./230/
(1) - في ب: لا يوجد كان
ومن غيره: الذي يوجد عن جابر أنه قال: يجوز لأهل الحرب بيع أولادهم عند المجاعة.
ومن غيره " الوصية للعبد " جاء الأثر بالاختلاف في الوصية. فقال من قال: هي للعبد ولا يسع المولى أخذها هذا قول منير بن النير – رحمه الله – فيما يوجد. وقال من قال: يدفع إلى العبد وإن شاء السيد أن يأخذها فله ذلك. هذا قول هاشم - رحمه الله – فيما يوجد. وقال: هي للسيد لأن مال العبد لسيده. وقال من قال: توقف للعبد إلى أن يعتق أو يشتري بها وكذلك الإقرار له والهبة مثل الوصية، والسيد يضرب عبده فيتعدى الأدب فليس عليه ضمان في ذلك فعليه التوبة من التعدي إلى ما لا يحل له. وقال من قال: يرضي العبد بشيء ويستحله، وعن رجل تزوج امرأة فولدت له ولدا ثم أقرت أنها أمه لفلان وصدقها المقر له، فقال: يقبل إقرارها على نفسها بأنها أمه ولا يقبل إقرارها على فسخ النكاح ولا على الولد بل نكاحها ثابت والولد حر وهي أمه لذلك كما أقرت على نفسها فإن جاءت بولد بعد إقرارها بذلك فإنها إن جاءت به لأقل من يوم أقرت وهو مملوك إلا في قول محمد بن الحسن وجده فإنه قال: أولادها أحرار ما ولدت قبل الإقرار وبعد الإقرار./231/ (5/203)
صفحة 2063
ومن غير الجامع " قطع الطريق " من جواب محمد بن الحسن – رحمه الله – إلى محمد بن زايدة وعن قوم لصوص يقتلون الناس ويسرقون أموالهم ويسلبونهم. قلت: هل يجوز أن تكتب في أمرهم إلى السلطان أو تكتب إلى من يكلم السلطان في أمرهم حتى يكيدهم فيقتلهم أو ينفيهم من البلاد وهؤلاء (1) يقطعون السبيل ويسفكون الدماء، هل يجوز قتلهم (2) غيلة؟ فعلى ما وصفت فإن كان السلطان الذي تكتب إليه في أمرهم يحكم عليهم بحكم الحق وما يستحقونه في حكم المسلمين. جاز ذلك. وإن كان يحكم عليهم بأحكام الجور لم يجز أن ينكر المنكر بالمنكر ولا الباطل بالباطل. وأما قتلهم غيلة، فلا يكون ذلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم لأنهم بغاة وذلك في الأتباع. وأما القائد للبغاة فإن كان قادهم إلى أحد من المسلمين حين سفكوا دماء المسلمين وهو القائد لهم وهو رأسهم في قتل المسلمين يقتل غيلة. وأما أتباعه فليس إلا بعد الأعذار أن يكفوا بغيهم وإلا قتلوا غيلة، بعد الأعذار إليهم وهكذا سبيل البغاة من أهل القبلة. قلت: أو يعين عليهم فنعم يتعين عليهم بما يحكم فيهم الحق وأما التعين عليهم لمن يحكم عليهم بالجور فلا يجوز أن ينكر الجور بالجور.
ومن جواب منه آخر. عن رجل دفع إلى رجل نساج سداة (3) له وتقاطعا على الكراء ثم قال (4):لا أعلمها وقد كان أخذ من الكراء شيئا أو لم يأخذ والحكم في هذا النساج. فعلى ما وصفت فقد قيل في هذا أنهما إذا تقاطعا على عمل هذا الثوب بكراء معلوم بعد معرفتها بذرع طوله وعرضه وسقطه ووزن غزله وهما ينظران إلى غزله فأخذ النساج على هذا فلا رجعة لأحدهما ويؤخذ النساج بعلمه /232/
(1) - في أ، ب: وهؤلاء القوم .....
(2) - في أ، ب: قتلهم عليه. وفي واحد أصح لأن المعنى سليم. (5/204)
صفحة 2064
(3) - في أ، ب: سداة ليعملها له.
(4) - في أ ... : ثم قال النساج.
إلا أن تنزل به عاهة تعذر عن عمله فإن كانا لم يعرفا وزن الغزل ولا سقطه ولا طوله ولا عرضه ثم لم يعلمه النساج ورجعوا إلى الحكم لم يحكم على النساج بعمله وهو مخالف (1) في جنسه لثوبه هذا الرجل وترك عهدة إلا أن يكون له عذر، وأما في الحكم فكما وصفنا إلا الزيادة في لفظنا والنقصان عنه.
" كراء الكلب " وعمن سرق سنور لينتفع به أو كلبا ما يلزمه في ذلك؟ فيلزمه أن يرد السنور إلى أهله، فإن كان نقص منه شيء يحبسه عنده كان عليه قيمة ما نقص من السنور، وإن لم يكن نقص منه شيء فلا شيء عليه إذا رده، وإن تلف السنور عنده أو ضاع فعليه رد قيمته إلى أهله. وأما الكلب فيرده إلى أهله وليس عليه ضمان في الكلب إلا أن يكون كلب راع أو كلب صيد فعليه الضمان في ذلك الكلب إلى أهله إذا تلف أو ضاع ولا كراء للكلب ولا للسنور وقلت ما تقول إن دخلا منزلا لرجل فأكل طعامه أو حمامه فقتلهما ولا يعرف لمن هما ما يلزمه؟ فأما الكلب فلا ضمان عليه إلا أن يكون كلب راع أو كلب صيد. فعلى أهله قيمة ما أكل من طعامه وعليه رد قيمة الكلب على أهله قيمة ما أكل (2) السنور من طعام الناس وعلى من قتله رد قيمته إلى أهله، هذا إذا قتلهما من بعد الأكل، وإن كانا أراد أن يأكلا طعامه فمنعهما من ذلك بالرمي والضرب فلا ضمان عليه (3) ودية كلب الصيد أربعون درهما، ودية كلب الرعي والجري ثمانية دراهم. ودية النسور أربعة دراهم وقيل ثمانية وعشرون درهما والله أعلم./233/
(1) - في أ، ب: وهو مختلف ....
(2) - في أ، ب: وكذلك النسور على أهله قيمة ما أكل من طعام الناس وعلى من قتله ...
(3) - في ب: غير موجود من قوله ودية كلب الصيد ... إلى .... والله أعلم. (5/205)
صفحة 2065
(فيها تعليقات المحقق فقط) /234/ (5/206)
صفحة 2066
الباب الحادي عشر
في
الدراهم وجوازها من الجامع
" سرقة الدراهم " وإذا سرق رجل من رجل ألف درهم وهي جواز الناس يومئذ ثم استهلكها ثم طرحت تلك الدراهم فصارت لا تساوي شيئا. فنقول إن لصاحبها على الذي استهلكها أفضل قيمتها يوم سرقها أو يوم استهلكها دنانير وإن كانت الدراهم التي سرقها باقية بعينها " وقد طرحت (1) وسواء استهلكها أو كانت باقية معه وعليه أن يقضيه ألف درهم فردها على صاحبها فقد رد (2) عليه الذي عليه وهو آثم إذا كان سرقها. حسن ما قال.
قال غيره: في السرق (3)، وقد قيل ليس له إلا دراهم مثل دراهمه. ورجل أقرض رجلا ألف درهم وهي جواز الناس يومئذ ثم طرحت تلك الدراهم فصارت لا تسوي شيئا، فأقول: إن هذه مخالفة للسرقة لأن هذه قد صارت دينا عليه فليس له أن يقضيه إياها بعينها وقد طرحت وسواء استهلكها أو كانت باقية معه وعليه أن يقضيه ألف درهم نقد الناس يوم يطلب حقه إليه، ولا أنظر في غلاء الدراهم في وقت ورخصها في وقت إلا إنا أحببنا إن كانت الدراهم التي أقرضه مكسرة تسوي ثلاثين درهما بدينار فرجع نقد الناس صحاحا يسوي عشرين درهما بدينار أو كان نقد الناس يوم أقرضه الصحاح وهي / 235/
(1) - في أ، ب: لا يوجد في العبارات التالية: ما بين القوسين، وقد طرحت ...
(2) - في ب: فرد إليه الذي له. وهي نفس المعنى.
(3) - في أ، ب: لفظ آخر (في الصرف) ...... (5/207)
صفحة 2067
تسوي عشرين درهما بدينار فرجع النقد إلى المكسرة ورجع ثمنها ثلاثين درهما بدينار، فهذا ليس معنا غلا في السعر ولا رخص ولكن هذا قد اختلف الثمن في الجودة والرداءة فأحببنا أن يكون لهذا المقرض ثمن دراهمه، ولو كانت تجوز لأمرناه أن يقضيه مثل ما أخذ منه غير أنها كانت يوم أقرضه جائزة وهي اليوم لا ينفع فلم نر أن يقضيه ما لا ينفع.
قال أبو الحواري إن أقرضه مزيقة ثم رفعت المزيقة فليس له إلا مزيقة كما أقرضه. وإن أقرضه نقاء ثم جاءت المزيقة ليس له إلا نقاء هكذا حفظنا وليس القرض مثل البيوع./236/
رجع " القرض وحكمه ": ومثل ذلك معنا. لو أقرضه حبا أو تمرا فإنا نرى أن يوفيه مثل ما أقرضه ولا ينظر في غلاء السعر ولا رخصة. ولكن قيل إن أقرض حبا نقيا جيدا وميسانيا فأراد أن يقضيه حبا ضامرا متغيرا فإنا نرى أن يقضيه مثل ما أخذ منه. وإن اتفقا على القيمة ولم يقدر على الحب فله قيمة مثل ما أقرضه يوم القضاء وسل (5/208)
صفحة 2068
عن ذلك. وكذلك قال أبو الحواري. وقال أبو الحواري إن أقرضه برا فأعطاه ذرة كان جائزا إذا تراضيا بذلك وكذلك إن أقرضه ذرة فأعطاه برا فجائز. وكذلك مثال هذا في القرض هكذا حفظنا.
وفي جواب أبي معاوية:- رحمه الله – في رجل أقرض رجلا دراهم مزيفة وكانت يوم ذلك المزيفة جائزة وبها كان بيعهم وشراؤهم جائزة بينهم ثم رفعت المزيفة فلم يجيزوها وصارت الدراهم نقاء وطلب الذي أقرض المزيفة أن ترد المزيفة فكره المقرض وطلب دراهم تجوز منه.
وقال: أقرضتك والمزيفة جائزة، واليوم لا تجوز. فقال: ليس له إلا مثل قرضه يرد عليه مزيفة مثل ما أقرض./237/
رجع: وعن رجل باع لرجل مالا أو طعاما بألف درهم إلى وقت أو حالة فلم يقيه حتى طرحت الدراهم التي كانت تجوز يوم البيع فصارت لا تسوي شيئا. فنقول: إن هذا له نقد الناس يوم يقبضه حقه.
قال أبو الحواري: يقال للمشتري إن شئت فاعطي البائع مثل نقد هذا اليوم وإن شئت رد عليه الذي (1) اشتريت منه. ويجبر البايع أن يأخذ من المشتري إن أراد المشتري أن يرد عليه مثل ما أخذ منه من أصل أو طعام كان باعه له، وإن كان باع له في أيام تجوز المزيقة بعد فرجعت نقا فيقال للمشتري: إن شئت فاعطه نقا، وإن شئت فاعطه مثل الذي اشتريت منه، ويقال للبايع: إذا أبا المشتري أن يعطيه نقا وقال يعطيه مزيقا إن شئت فخذ منه مزيقا وإن شئت فخذ منه مثل الذي بعت له ويجبر البايع أن يأخذ مثل الذي باع له هكذا حفظنا. (5/209)
صفحة 2069
وقال أبو الحواري: عن امرأة لها على زوجها صداق ثم هلك زوجها وطلبت أن تأخذ صداقها منه وهو ألف درهم وطلبت دراهم نقا فقال الورثة تعطى مزيقة وقد تزوجها في أيام كان النقد نقا ثم رجع النقد إلى المزيق أو تزوجها في زمان يجوز المزيق ثم حدث الحدث فماتت أو مات الزوج أو طلقها والمزيف أيضا جائز وطلبت النقا أو ورثتها، فقال الزوج أو ورثته تعطى مزيقة. فقال أبو الحواري عن أبي عبد الله نبهان بن عثمان أن لها نقد البلد يوم القضاء، إن كان تزوجها في النقا (2) فلها نقا ما لم يشترط عند التزويج فهذا حفظي عنه (3) وقد كنت سألته عن صداق امرأة من سمد فكان هذا قوله ثم / 238/
(1) - في أ، ب: رد عليه ما استقرضت منه إذا كان البيع في أيام النقا فرجع مزيفة فيقال للمشتري
أن يرد عليه .....
(2) - في أ، ب: زيادة: ثم تغير النقد من بعد ذلك وعاد إلى المزيق فلها مزيق وإن تزوجها في أيام المزيف
وتغير النقد فرجع إلى النقا فلها النقا ما لم يشترط ...
(3) - في ب: من قوله وقد كنت .... إلى مزيقة ..... لا توجد
رأيته من بعد ذلك يتفكر في ذلك ولا أعلم أنه رجع عن هذا وسألت عنها أبا المؤثر. فقال: إن كان تزوجها في أيام النقا فرجع النقد إلى المزيفة فلها النقا وإن تزوجها في أيام المزيق فلها نقد البلد، فهذا حفظي عنه. فأن كان يوم التزويج لم يعرفوا كان لا يجوز المزيق أم لا، وجهلوا ذلك ما يكون لها اليوم تقضي نقا أو مزيفة.
قال أبو الحواري: إن كانوا لا يعرفون نقد ذلك اليوم فلها نقد البلد يوم القضاء فقد بينت لك الذي أحفظ فانظر في ذلك وعدله.
رجع: وقيل من قتل لرجل غلاما أو جملا أو حرق له زرعا أو تمرا أو قطع له نخلا أو شجرة أو هدم له دارا فعليه قيمة ما أتى من ذلك يوم فعله إلا أن يكون غصب شيئا من ذلك في وقت ثم حبسه في يده إلى وقت ثم استهلكه فإن لصاحبه أفضل قيمته على الغاصب يوم استهلكه.
وعن رجل سرق من رجل جملا وهو ابن مخاض وكان قيمته يوم سرقه مائة درهم فبقي في يده حتى صار قيمته ألف درهم ثم ذبح هذا الجمل أو مات أو سرق من عنده، فنقول: إن ذبح هذا الجمل أو أتلفه فعليه لصاحب الجمل أفضل قيمته يوم سرقه أو يوم اتلفه لأنه غاصبا له وعليه أن يرد له الجمل وما ركبه إلى صاحبه ولا علف له لأنه غاصب وإن مات الجمل أو سرق فلعل بعضا يراه مثل الذي أتلفه هو وبعض يقول إذا مات أو سرق منه فإنما عليه (5/210)
صفحة 2070
قيمته يوم سرقه قال أبو الحواري عن نبهان أنه قال: ما ابريه من أفضل القيمتين وإن كان الجمل حيا فعليه أن يرده بعينه ويرد غالته إلى صاحبه. وفي /239/
نسخة (على صاحبه) وإن كانت قيمته يومئذ قد نقصت لعيار فيه عن قيمته يوم سرقه فإن عليه أن يرد فضل ما بين القيمتين. وكل هذا إذا كانت حال الجمل تزيد وتنقص، وأما إذا كانت حال الجمل واحدة إلا ان السعر يزيد وينقص فيغلوا في وقت وينقص في وقت فليس له إلا جمله إذا رده عليه، وإن اتلفه فعليه ما وصفنا في أول المسألة من القيمة وفي نسخة (هذا رأينا) في الجمل وغيره من الحيوان وما يكون مثل هذا.
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: وعن أبي الحواري وعن رجل ضرب دابة لرجل حتى ثوت ومرضت فرأى العدول قيمتها في مرضها عشرة دراهم ورأوا أن لو كانت صحيحة قائمة كان قيمتها عشرين درهما فأخذ الرجل أفضل القيمتين، ثم ذبح الدابة فأخرجت له عشرين درهما. هل يحل له فضل القيمتين؟
فعلى ما وصفت فإن كان خير الضارب فأختار الضارب رد العشرة ويدع الدابة لصاحبها فالربح له. وإن كان لم يخير الضارب وإنما غرموه عشرة دراهم لنقصان قيمتها، فإنما تكون القيمة من بعد أن تصح الدابة ثم ينظر ما نقص من قيمتها من بعد صحتها، فهذا يرد على الضارب تلك العشرة ويكون هذا لصاحب الدابة أجر مثله في ذبحها وعمل لحمها. والله أعلم بالصواب إلا أن تكون هذه الدابة ليست متخذة للمنفعة فضربها ضربا لا يرجى حياتها فذبحها صاحبها، فإن العشرة لصاحب الدابة وعمن كان عليه لرجل حق فأعطاه صرة دراهم، وقال هذا حقك وهو كذا وكذا فقبضه صاحب الحق ثم ادعى صاحب الحق أنه وزن الدراهم فنقصت عما قال، فالقول قول من؟ فعلى ما وصفت فالقول قول صاحب الحق مع يمينه إذا لم يكن وزن الذي /240/ (5/211)
صفحة 2071
عليه الحق الدراهم قدام الذي له الحق لما سلم إليه الدراهم قبضها لعله أراد وإن كان قبضها على التصديق منه له وأظهر ذلك بلسانه، وقال: إنه قبض ذلك منه وصدقه على ذلك فليس له بعد ذلك رجعة على الغريم.
ومن غيره: قال أبو علي الحسن بن أحمد – حفظه الله – إلا أن يكون وزنها قبل أن يتفرقا فنقصت كان له ذلك ولو كان قبضها على التصديق والله أعلم. وذكرت في درهم المعاملة، وما يختلفون فيه فإن اتفقوا على شيء فهو ما اتفقوا عليه وإن لم يتفقوا على شيء نقضت البيع والكراء من ذلك كله وإن كان العامل قد عمل من نساج أو غيره رجع إلى أجر مثله مما يرى عدول تلك الصنعة، وأما البيع فينتقض إذا اتفقوا على شيء من ثمن السلعة وإلا رددتها إلى أهلها ونقضت البيع، وكذلك إن قال صاحب الثوب شرطت عليك بالدراهم شيئا من الطعام، وقال النساج بل شرطت الدراهم فالقول قول النساج في هذا لأن صاحب الثوب يدعي القضاء فعليه البينة وعلى النساج اليمين./241/ (5/212)
صفحة 2072
الباب الثاني عشر
في
الرجلين يكون على الرجل ما حل فقبض أحدهما كيف يشركه الآخر أو لا يشركه في موضع
رجع إلى كتاب أبي جابر.
رجل استقرض من رجلين ألف درهم فأقرضاه إياهما ثم أخذ أحدهما حصته فإن كان دفعا إليه الألف من مال كان بينهما فما قبض أحدهما من غريمه فهو بينه وبين شريكه، وإن كان أعطى كل واحد منهما خمسمائة درهم على حدة ثم قبض أحدهما حصته لم يشركه فيها الآخر. ولو أن رجلا أمر رجلين ان يضمنا عنه لرجل بألف درهم عليه فضمناها له بأمره ثم أنهما أديا الألف إلى الذي ضمنها له برأيهما من مال بينهما أو أدى كل واحد منهما حصته من مال له خاصة فهو سواء لهما أن يرجعا على الذي ضمنا عنه بالمال الذي أدياه عنه وإنهما أخذ حصته منه لم يشركه الآخر في شيء مما أخذ منه وذلك أنه ألزمهما الضمان فقضى كل واحد حصته من المال بحق لزمه فافترق المال. ولو أن الذي عليه الحق أمرهما أن يؤديا عنه إلى الطالب ألف درهم للطالب عليه فأدياها للطالب أن لهما إن يرجعا بها على المطلوب الذي أمرهما إن كانا أدياها من مال بينهما فما قبض كل واحد منهما من الحق أشركه فيه شريكه لأن هذا قرضا أقرضاه إياه من مال بينهما تطوعا به ولم يكن لازما لهما حين دفعاه فهو على شركته والأول لزمهما الضمان فيه. ولو أن الذي عليه الحق ثم رجع المطلوب. فقال لهما: لا تدفعا إلى صاحب الحق عني شيئا وأخذهما بها الطالب فدفعا إليه فإنهما لا يرجعان على الذي عليه الحق بشيء لأنهما فعلا من الضمان خلاف أمرهما.
ولو أن رجلين اشتريا جارية من مال بينهما ونقد كل واحد منهما حصته من مال له خاصة ثم إن البائع استقالهما فأقالاه أو ردها بعيب فاعلم أنها إذا كانت /242/ (5/213)
صفحة 2073
الإقالة أو التوالية أو البيع أو الرد بالعيب فهما جميعا معا فإن الثمن على شركته وما قبض كل واحد منهما شركه فيه شريكه، ولو كان ثمن الجارية في الأصل متفرقا لأنهما قد اشتركا فيها فإن كان البيع أو الإقالة كل واحد باع حصته أو أقال فيها على حدة في موطن أو موطنين لم يشرك أحدهما لصاحبه فيما قبض من حصته ولو كان ثمن الجارية في الأصل كان مشتركا ولكن إذا أقامت الجارية البينة بأنها حرة في الأصل أو أدرك فيها أحد بحكم حاكم فإن البيع يبطل ويرجعان بالثمن إن كان مشتركا فهو مشترك. وإن كان كل واحد دفع حصته على حدة فكل واحد يأخذ حصته ولا يشركه فيها الآخر. وإذا اختلف الطالب والمطلوب في قبض الحق فيكون قبضه عند الحاكم بينهما وعلى المطلوب إحضاره إلى موضع الحكم وأحب أن يكون الميزان على الطالب. قال أبو الحواري: الميزان على المطلوب إليه الحق. قال: هكذا حفظنا، وكذلك المكيال على المطلوب والله أعلم.
وقال من قال من أهل الفقه: في رجل ملك ابن عمه وهما ورثاه وليس له مال غيرهما، فلما جاءه الموت أعتقهما أو اعتق أحدهما ووهب له الآخر فإن أعتقهما عتقا، وإن وهب أحدهما لأخيه عتق إذا ملكه أخوه. وإن مات السيد من مرضه فقد عتقا على الوجهين جميعا ولا سبيل عليهما إلا أنهما عطية عند الموت، ولا يجوز ذلك وقد ورثاه ولا مال له غيرهما وكانت قيمة الأول ستمائة درهم وقيمة الآخر الموهوب ثلاثمائة درهم فرأينا أن الذي قيمة ثلاثمائة درهم إلى الذي قيمته ستمائة درهم بمائة وخمسين درهما حتى يكون قيمتها بينهما نصفين./243/ (5/214)
صفحة 2074
ومن غير الكتاب: وقال بعض: إنه لا يرجع على أخيه بشيء إذا كان عتقه بسبب هبته له والله أعلم.
ومن ظلمه رجل في ماله أو دين له عليه فإن ظفر بمال يستوفي منه فذلك له، فإن كان من النوع الذي يطلبه به فهو أصلح وإن كان من غير ذلك باعه واستحاط في ذلك لصاحبه، واستوفى حقه وأعلمه فيما بينهما أنه قد استوفى منه، وقال من قال: ويشهد أيضا شاهدين أنه قد استوفى من فلان ما كان له عليه ولا يطلبه بحق لحال الحدث، وذلك إذا كان منكرا له مبعدا له عن حقه.
قال غيره: أرجوا أنه إذا كان يخافه فليس عليه أن يخبره نولكن يشهد له أنه قد استوفى منه ما عليه لأنه ربما تاب وقد مات المظلوم فسلم ما عليه إلى ورثته، والله أعلم. فينظر في ذلك./244/
رجع: وقال من قال من الفقهاء: إذا كان الذي في يده للذي ظلمه أمانة فلا (1) يأخذ حقه من أمانته. (5/215)
صفحة 2075
ومن غيره: قال أبو سعيد – رحمه الله –مع أنه قد قيل ما يشبه هذا، وقيل أن له أن ينتصر من أمانته عند الظلم له كما له أن ينتصر من ماله من غير الأمانة، وليس الانتصار بالعدل من الخيانة وليس بعد أخذ الحق الواجب إذا تلف المال فيه بثبوت معنى أمانة، وإنما يصح معنى الرواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أن يرد الأمانة إلى من ائتمنه إذا كانت في يده باقية ولا يخن من خانه بظلم وإنما الخيانة بالظلم، وقد قال الله تبارك وتعالى " ولمن انتصر بعد ظلمه فألئك ما عليهم من سبيل " وقال: " وجزاء سيئةِ سيئةٌ مثلها " ففي المعنى أن المكافأة تخرج على معنى فعل الفاعل، وإن كان ليس عند الانتصار سيئة./245/
(1) - في أ، ب: فلا يجوز يأخذ حقه من أمانته .... (5/216)
صفحة 2076
رجع: ومن اقترض من أمانة عنده ثم ضاعت فليس عليه إلا ما اقترض إلا أن يكون ضيع الباقي.
قال أبو الحواري: عن أبي عبد الله محمد بن محبوب – رحمهما الله – أن عليه ضمان الجميع وبه نأخذ. وقال آخرون: إذا أخذ منها شيئا ورد مثله في الدراهم ضمن الكل وإن لم يرد لم يضمن إلا ما أخذ لأنه خلط الأمانة مع غيرهما أنه استهلك دراهم أمانته بدرهمه لما خلط بعضها ببعض فصار متعديا في الباقي لأن صاحب الأمانة لا يعرف أين ماله لما خلط به وعن أبي عبد الله بن محمد بن بركة – رضيه الله – ومن أقر بمتاع أنه باعه لاثنين وهو في يد أحدهما وأقر أن البيع كان للآخر من قبل فإنه يلزمه للأول مثل ما أقر له به، وإن قال: بل هو للآخر فلا شيء عليه.
ومن جواب لأبي مروان: في رجل ادعى انه من بين أسيد. فإذا صح نسبه أنه من بني أسيد أحد من بني أسيد من رحمهم وما يجمعهم وقد أعلمتك أنه من اغتاب المسلمين فلا شهادة له، وهو قولي والجهد مني وقال وأبو عبد الله – رحمه الله – من اشترى نخلا فيها ثمرة قد عرفت بألوانها فهي للبايع، فإن طلب المشتري أن يقطعها البايع عن نخله فليس له ذلك وكذلك جاء الأثر .. /246/
(1) - في أ، ب: فلا يجوز يأخذ حقه من أمانته .... (5/217)
صفحة 2077
ومن غيره (1): وسئل عن رجل باع نخلا فيها ثمرة قد عرفت بألوانها عن الثمرة إذا لم يكن شرط. قال معي: إنه في قول أصحابنا إنها للبايع قلت له: فإن طلب المشتري إلى البايع أن يقطع عنه تلك الثمرة قبل دركها هل له ذلك؟ قال: إنه يخرج في قول أصحابنا اختلاف.
فقال من قال: إنها تترك بحالها إلى أن تدرك. وقال من قال: إنه يقال للمشتري إن شئت فدعها للبائع إلى أن تدرك. وغن شئت فانقض البيع ولا ضرر عليك في ذلك ولا عليه أيضا. ويقال للبايع: إن شئت فاقطع الثمرة على المشتري وإلا فانقض البيع لصرف الضرر عن الجميع وذلك إذا تبين الضرر عندي. وقال من قال: إنه يحكم بقطعها من حينها لأنه لا حجة للبايع على المشتري في نخله التي استحقها بواجبة البيع الصحيح إذا طلب صاحب النخل./247/
رجع: وإذا كان في النخل صرم وعند البيع ولم يكن فيه شرط بينهما فهو مثل الزرع والثمرة. فإن كان قد نضج فهو للبايع وإن كان صغيرا لم يدرك لقلعه وفي نسخة (للقلع) فهو للمشتري وإن اختلفا فيه من بعد ذلك وقد نضج فقال المشتري: كان البيع قبل أن يدرك. وقال البايع: كان بالغا فهو على ما هو عليه في وقت اختلافهما حتى يصح أنه كان يوم البيع غير مدرك. ومن كان عليه حق لصاحبه إلى أجل فرفع عليه وطلب يمين. فقال من قال: يحلف (5/218)
صفحة 2078
ما عليه له حق حال. وقال من قال: بل يحلفه ما عليه له حق، وإن أقر أنه إلى أجل فعليه البينة بذلك ولا يستخلف الطالب أن حقه هذا عليه كذا وكذا وهو حال./248/
الباب الثالث عشر
في
المسقا والحوار ونحو ذلك (5/219)
صفحة 2079
ومن باع لآخر نخلة من وسط نخلة وأراد البايع أن يقطع عنها (1) الساقية والطريق فليس له ذلك ولو لم يشترط عليه وتشرب وتسلك إليها صاحبها حيث كان ذلك لها من قبل ومن كان له مسقا في مال رجل فأباح له صاحب الأرض ماله يمضي فيه ولا (ولو لم) يوطيه طينا ولا وعوثه فليس عليه غير ذلك. فإن أراد أن يقطع أرضه أو يوطيه وعوثه فليخرج له طريقا مسلما. ومن كان له مسقا معروفا في مال رجل فهو على حاله في موضعه وليس لصاحب المال أن يحوله إلى موضع آخر في ماله فيمشي الذي يأمره الحاكم ويمشي الذي معه الماء شيئا لا يسرع فيه ولا يبطئ فإن سبقة الماء إلى ماله فليس له غير ذلك وإن سبقة الماء إلى مال غيره رجع إلى طريقه الأول.
وهذه المسألة لها شرح في غير هذا إلا أن يكون شيئا لا مضرة فيه.
قال أبو الحواري عن أبي المؤثر – رحمه الله – له أن يحولها إلى أربعين ذراعا ورأيت نبهان كتب بذلك بين قوم من كدم وأحسب أن هذه المسألة التي أكتبها الآن لها شرح وجدتها في موضع آخر من الجامع./249/
(1) - في أ، ب: أن يقطع عليها.
وفي جواب من عمر بن القاسم إلى محمد بن علي ذكرت أني أعرفك برأي لرجل يقر لرجل بساقية وينكره الجواز على الساقية، فأعلم رحمك الله أن الذي معنا وكان يكتب به أبو علي – رحمه الله – وغفر له على أن الطالب للطريق على السقاية البينة بطريقة فإن أعجز البينة واحتج أنه لا سبيل له إلى أرضه فكان يكتب إن كان أرض هذا الرجل تتصل بطريق جائز أو طريق لا يمنع منه أو بواد أو شرجة أو ظاهرة مما يجوز الناس فيه ويمكنه أن يدخل إلى أرض من بعض تلك المواضع وإن كان أرضه محصورة (1) مديرة بها أرض الناس فله أن يجوز على ساقيته التي يجري ماؤه فيها وإن أباح له الرجل أرضه (2) من بعض تلك المواضع وإن كانت أرضه فليس عليه إلا ذلك بلا أن يوطيئه طينا ولا عثة لمنافعه وحمل السماد وحمل الثمرة ولو لم يكن في الساقية أجالة. وإن كان في الساقية أجالة لم يكن له بد أن يجوز على مائة على الساقية لسد الأجالة إذا لم يصل إليها من طريق ولا سبقه ماؤه وإن سبقه الماء تبع الساقية فسد الأجالة ولو كان له طريق غير ذلك كان ماؤه يسبقه إلى أجالة أخرى غير أجالته وقد (3) بلغني أن بعضا يجبره بثمن وفي نسخة (بالثمن) ولم يحكم أبو علي إلا بما وصفت لك هكذا في الجواب والذي عندنا نحن وعرفناه من رأي الفقهاء إن كانت له أرض بين أرض معمورة وظل طريقها فإذا صح ذلك حكم (5/220)
صفحة 2080
له بطريق يأخذه بثمنه من الأرض التي تواليه ثم التي يليها إلى أن يخرج. وإن كان يدعي طريقة في أرض معروفة فمنعه أو لم يكن له طريق في الأصل فلا يحكم له بطريقة على الناس بالثمن ويطلب طريقه إلى من حال بينه وبينها./250/
(1) - في ب: وإن كان أرضه محظورة ..... ... وفي أ: واحد أصح.
(2) - في أ، ب: نقص وهو: من بعض تلك المواضع وإن كانت أرضه فليس ....
(3) - في أ، ب: بلغني – دون حد – أن بعضا يجيزه بالثمن.
ومن غيره: وفي جواب لموسى بن علي – رحمه الله – في صاحب ساقية عليها جدار له مقحمة ويفوته الماء إلى أن يدور. قال: يقحم حيث عود ويجبر عن كسر الجدار المقدمة.
ومن غيره: قال الحسن بن زياد النزواني: أن من كان له ساقية حملان على أحد في ماله ثم هجرها جبرا على أن يسقى منها أو يبطل مطلبه منها. قال وذلك بعد الحجة عليها./251/ (5/221)
صفحة 2081
رجع: وإذا قسم الورثة دارا ولم يشترطوا يوم القسم أن هذا المورد لمن وقع له في حصته وكلهم محتاج إليه فالقسم منتقض إذا طلب أحدهم ذلك ويخرجون لهذا المورد طريقا من جماعة هذه الأرض ويخرج كل واحد من حصته إلى ذلك الطريق ويستر كل واحد على نفسه مما ولاه منه وليس عليهم أن يجعلوا بابا على باب الدار الذي يجمعهم إلا أن يتفقوا على ذلك. ورجل يدخل ماؤه في بستان رجل وإلى أن يدور إليه يسبقه ماؤه في أموال الناس. فرأينا أن الجدار القائمة لا تكسر وتكون على مثل حالها وتحتال في أجالته ومائه ما كان يحتال من قبل.
ومن غيره: وسئل عن رجل له مال خراب فيه ساقية لرجل يسقي (1) فيه ماله كان يمشي على مائه في مال رجل وهو خراب ثم إن صاحب المال الخراب بنى على ماله وعمره، وجعل لصاحب المسقا ساقية مسلمة وأزال طريقه إلى طريق جائز يرتد على الطريق التي كان يمشي فيها على مائه في المال وهو خراب زيادة كبيرة وليس يسبقه ماؤه.
قال معي: إنه قيل إذا لم يكن لصاحب المسقا طريق معروف ثابت متقدم وإنما المدروك أنه كان يمشي في المال فحوله إلى الطريق لا ينقطع في حال ولا يخاف انقطاعه مثل طريق جائز لا يموت وكان إذا سد (2) ماؤه من الأجالة التي حول عنها الطريق ثم يمشي بعد سده مائه في ساقية من أقرب الأجايل إليه التي شن منها ماءه ومشاه مشيا رافقا لم يسبقه ماؤه إلى مال غيره ولا مال لم يكن عليه أكثر من ذلك.
ومن غيره: من كتاب الأصفر: قال الأزهر ومسبح: ليس على تالي الماء مقاحم ولا باب يغلق إلا أن يكون باب لا يغلق سكك قول مسبح. وقالا: طريق التالي للماء تكون ذراعين يبسا. وقال مسبح وجوازي، وأما ابن مبشر فإنه حكم بها ثلاثة أذرع./252/ (5/222)
صفحة 2082
(1) - في ب: يسقى منها ماله.
(2) - في أ، ب: وكان إذا شد ماءه.
رجع: وعن رجل فسل على وجين ساقية قائدة عضدا من نخل وفسح عنها قدر ذراع ثم حوض عليها حياضا وفتحها إلى الساقية واحتج أن هذه ساقية قائدة فأنا أفتح منها ماءً إلى نخلي فإذا جاء ماؤكم فسدوا عن نخل، واحتج أن هذا حدث عليهم وشق بهم سد تلك الأجايل كلها فهذا ضرر يصرف عنهم وله أن يفتح في أرضه أجالة واحدة ثم يفتح من نخلة إلى نخلة، وكذلك ليس لأحد أن يفتح في حبيل (1) الساقية القائدة من أول الفلج إذا كره ذلك أهل الساقية.
قال أبو علي – حفظه الله – (2) قد قيل ليس لأحد أن يفتح أجالة من رأس الفلج إلا من بعد ثلاث أجايل. وقال بعض إلا من بعد أجالة واحدة. وكذلك قيل في السواقي الفوارق التي تفرق من الساقية الكبيرة أنه ليس لأحد أن يفتح فيها أجالة إلا من أجالة تفرق (3) منها السقي شيء من الأموال والله أعلم وهذا المعنى ليس اللفظ (4).
رجع: ولا يحدث متفرقا يضر بالساقية إلا أن يكون شيء لا مضرة فيه.
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: وقال أيضا: إذا أراد رجل أن يفتح من ماله أجالة في ساقيته جائزة تضر تلك الأجالة بأهل الساقية وتسرق ماءهم وكان هو المحدث لها فطلب أحد من أهل هذه الساقية أن يسدها عنهم فإنه يلزمه أن يسد هذه الأجالة التي تضر بهم وقد دفع ذلك إلى أبي عبد الله – رحمه الله – بنزوى وحكم به. فأمر صاحب هذه الأجالة أحدثها أن يسدها فسدها. قال: وأما إذا كانت هذه الأجالة قديمة لم يحدثه هو إنما أحدثها غيره وهي ملك ثم صارت إليه فليس عليه أن يسدها./253/
(1) - في أ، ب: في خبيل الساقية ....
(2) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن احمد حفظه الله ..
(3) - في أ، ب: تفرق منها السواقي شيء من الأموال ....
(4) - في أ، ب: هذه الفقرة غير موجودة.
(5) - في أ، ب: الأجالة التي أحدثها. (5/223)
صفحة 2083
ومن غيره (1): قال: نعم قد قيل هذا، وإنما له أن يحدث أجالة في ساقية جائزة إذا أخرج الاجالة ولم يدخلها في ملكه بجدار أو بحضار وليس له أن يدخل أجالة في حصته ولو كانت على ساقية جائزة. وكذلك الساقية السارقة ليس له أن يفتحها في حصن ولا غيره.
وسألته عن رجل عليه لرجل ساقية لمال له معروف أراد أن يسقي من ماله هذا مالا له آخر فكره ذلك الرجل. أيحكم عليه بذلك. فقد اختلف في ذلك. فقال من قال: جائز ذلك في الجوايز وغير الجوايز. وقال من قال: أنه يجوز في الجوايز ولا يجوز في غير الجوايز.
وعن رجل أراد أن يطرح ماء من ساقية مرتفعة تمر في ساقية أخرى إلى ماله يسقيه من هذه الساقية. هل له ذلك؟ قال: إذا كان يطرح من ماله في ماله والساقية له خالصة جاز له ذلك. وإن كان لغيره أو لغيره فيها حق لم يكن له ذلك إلا برأيه.
قال أبو مروان في رجل له قطعتان شربهما من موضعين فأراد أن يسقيهما من شرب أحد القطعتين. فقال: رأي موسى بن علي – رحمه الله – كان يرى أن يسقي كل قطعة من شربها إذا كرهوا الذين عليهم شرب القطعة التي أراد أن يسقي قطعته منها.
قال: وأما سعيد بن المبشر وأزهر بن علي: فقالا: له أن يسقيهما من شرب واحدة لقطعتيه من حيث شاء. قال: وإذا كانت الساقية جائزة امددت /254/
(1) - في ب: من الجامع وغيره.
الأجايل من وسط الساقية بلا مضرة على الساقية. وإذا كانت هذه الساقية مملانا على قوم فليس له أن يسدها من أرضهم إذا كرهوا ذلك. ولا يسدها من أرضهم إلا برأيهم. (5/224)
صفحة 2084
وعن رجل له مماء في فلج والفلج يجري على جذع ليتيم وأرض لغائب. فعلى ما وصفت فينبغي أن ينظر هذا لنفسه خلاصا من ذلك ولا يمر بمائه على هذا الجذع ولا في هذه الأرض.
ومن غيره: وعن أبي عبد الله محمد بن عثمان – رحمه الله – في رجل له مسقا إلى ماله ولأخيه فاختلفوا وترك أحدهما المسقا لأخيه وطلب مسقا من عند قوم فأعطوه ولم يشترطوا عليه عارية فزرع وثمر ثم فسل النخل ثم ثمرها هدكوا عليه المسقا وقالوا علينا لك مسقا أصل يثبت عليهم المسقا إذا غسل وتمر وصارت نخلا أم لا يثبت عليهم له مسقا إذا رجعوا عليه. فعلى ما وصفت فقد قيل إذا أعطوا مسقى فزرع وفسل فقد ثبت المسقا ولا رجعة لهم فيه بعدما أن جرى فيه ماؤه والعطية إلا ان يصح أنهم أعاروه هذا المسقا يسقي منه فإذا صح ذلك رجع إلى مسقاه الأول فإن لم يصح ذلك بالبينة فالمسقاه بحالة ثابت حيث كان ولا رجعة لهم فيه. وقلت: أن طلب مسقا وزرع عليه وأجرى فيه ماءه فليس لهم منعة إذا زرع حتى يحصد الثمرة. وإن كان فسل عليه فسلا فقد قيل إذا لم يجد مسقا غيره كان لهم قيمة المسقا برأي العدول. ولا تعطل النخل بعد أن فسلها وأحدث الأرض والنخل (1) ولهم عليه قيمته إن كان عارية، وإن لم يشترطوا عليه عارية فالمسقا ثابت له عليهم من غير ثمن والله أعلم.
ومن الأثر مسألة (2): وقد بلغنا أن أرضا بسمائل وأحسب أنها صافية وأن شربها على قوم الصيف وحده فبلغنا أنهم تحاكموا إلى محمد بن محبوب فقال محمد بن محبوب لأصحاب الأرض يزرعوها من البر ما شاؤوا إلا الميساني يبطي على صاحب المسقا./255/
(1) - في أ، ب: الأجالة التي أحدثها.
(2) - في ب: من الجامع وغيره.
باب مسائل من الجامع منثورة
ومن غيره (1):وإذا تحاصص الغرماء الذين صحت حقوقهم في مال الهالك ثم صح حق رجل من بعد لحقهم بحصته على قدر ما يلزم كل واحد. وفي شاهدين شهدا الرجل على رجل أن هذا المال الذي في يد فلان لفلان ثم شهد أحدهما أن فلانا الذي له المال قد باعه لفلان المشهود عليه وأنكر ذلك المشهود له أولا. ففي ذلك اختلاف منهم من قال: يكلف المدعي للبيع شاهدا آخر مع شاهدة هذا وإلا فالمال للأول. وقال أخرون بطلت شهادة الشاهد بالبيع لأنها بطل أولها بآخرها. وإن شاء أن تصدق بشهادة شاهده (2) هذا فيما قد شهد له أن هذا المال له ثم شهد (5/225)
صفحة 2085
له عليه إنه باعه للذي هو في يده، وإن شاء أن يكذبه فقد أبطل شهادته له ويحتاج إلى شاهد آخر وقال أبو عبد الله – رحمه الله – وأنا أخذ بقول من أبطل شهادة هذا الشاهد الأول بشهادة الآخر، وهذا القول أحب إلي في هذا وفيما يشبه من الشهادات.
" شهادة النساء " وتجوز شهادة امرأة واحدة عدله إذا كانت قابلة والمرأة المرضعة والمرأة القايسة جراحات النساء برأي الحاكم ونحب أن يكون /256/
(1) - في أ، ب: لا يوجد من غيره. وهذا الصحيح لأن هذه المسائل من الجامع.
(2) - في أ، ب: أن يصدق شهادة هذا فيما شهد أن له هذا المال.
(3) - في أ، ب: زيادة: وكذلك نحب أن يكون امرأتين على عيب الأمة وشهادة النساء في كل شيء جازة
إلا في الزنا فلا يقبل لهن فيه شهادة، وقيل في امرأة أحضرت ....
امرأتين، وكذلك (3) في امرأة أحضرت شاهدين أن لها على زوجها الهالك صداقا مائة نخلة وشهد لها آخر أن بمائة وخمسين نخلة. وقالت هي لها عليه مائة وخمسون نخلة فلها الأكثر مع يمينها. وإن ادعت الجميع فذلك لها مع يمينها إلا أن يشهد الشهود جميعا أن الزوج أشهدهم على نفسه بما شهدوا أنه شهادة واحدة في مجلس واحد حضروه جميعا فلا نرى لها غير مائة وخمسين نخلة. وإن قال: كل شاهدين أن الآخرين لم يكونا معهم كما أشهدهما فلها الحق كله إذا ادعته مع يمينها. وكذلك عن أبي عبد الله – رحمه الله – وزعم عمرو بن سعيد أن رجلين من أهل سوق صحار تنازعا إلى أبي عبد الله – رحمه الله – ادعى أحمد بن شاذان الحرزي على إبراهيم بن محمد جنيد. أن عليه له دراهم فأقر له مع أبي عبد الله أن عليه (1) كذا وكذا كما كان ادعى عليه وأقام عليه شاهدي عدل بأنه كان أقر عند أبي عبد الله – رحمه الله – في مجلس حكمه أن لأحمد بن شاذان عليه كذا وكذا درهما وهو أقل ما كان أقام به البينة ثم طلب أحمد إلى أبي عبد الله أن يأخذه بالدراهم التي أقام بها عليه البينة وبالدراهم التي شهد بها عليه الشاهدان بإقراره بها فاحتج إبراهيم أن هذه الدراهم التي أقررت بها معك هي من الدراهم التي أقام بها على الشاهدين بالأصل فلم يرد عليه أبو عبد الله إلا ما شهد به عليه الشاهدان وهو الأكثر ولم يأخذه بذلك الإقرار وحكم بذلك بينهما وأكثر عليه /257/ (5/226)
صفحة 2086
(1) - في أ، ب: زيادة: أن له عليه كذا وكذا درهما أقل مما كان ادعى عليه أحمد. ثم أقام عليه أحمد
شاهد عدل فشهد أن له عليه كذا وكذا.
(2) - في أ، ب: أهل بلد .... بدل وعن .....
أحمد فقال: هو رأي وقد أطلت النظر فيه. وقال لو كان هذا يلزم الناس لضرهم إقرارهم بالحق. ولو أن رجلا ادعى على رجل ادعى على رجل ألف درهم فأقر أن له تسعمائة درهم ثم أقام عليه شاهدي عدل أن له عليه ألف درهم وطلب إلى الحاكم أن يأخذه بالألف وبالتسعمائة لكان لكان لا يقر أحد عند الحاكم ولكنه يأخذه بالأكثر ويبطل الباقي. وكذلك إن أقر هو بالأكثر وقام الشاهدان عليه بالأقل واحتج أن الذي شهدت به البينة من الحق الذي أقر به فلا يأخذه إلا بالأكثر إلا أن يصح أن إقراره ذلك من ثمن كذا وكذا وشهد الشاهدان بذلك من ثمن نوع آخر فهنالك يؤخذ بهما جميعا. وكذلك إن كان له عليه ألف درهم فأشهد الذي له الحق أني قد قبضت منه مائة درهم ثم أشهد أني قد قبضت منه مائتي درهم ثم أشهد أني قد قبضت منه ثلاثمائة درهم فادعى المعطى أنها ستمائة درهم واحتج القابض أنها ثلاثمائة درهم وأنه كلما قبض منه شهد على نفسه بجملة ما صار إليه فأرى هذا خلاف ذلك وآخذه برأي من رأى عليه جملة ما أقر به أنه قد قبضه أن يؤخذ بإقراره كما أقر حتى تبين عند الشهادة أن ذلك الذي أشهد به من قبل هو من هذا وإنما جملة ما قبض من الأول، والآخر كذا وكذا. ومن أقر مع الحاكم أنه اشترى هو وفلان جرابا من فلان وعليه نصف ثمنه، ... أو قال: على وعلى فلان له مائة درهم فطلب الذي له الحق أن يؤخذ المقر بالجملة فإنما عليه النصف كما أقر والله أعلم وقال بعض الفقهاء في حفار حفر لقوم فلجهم على أن له ماءه عشرين سنين فعمل ما شرط عليه ثم وقع في الفلج هيام فقال لهم: أخرجوه حتى استوفى شرطي فقال: إن ذلك للحفار عليهم أن يخرجوا عنه ما أفسده إلى أن ينقضي شرطه./258/ (5/227)
صفحة 2087
ومن غيره: من جواب أبي جابر إلى سعيد بن محرز وغيرهم: وعن (1) أهل بلد اجتمع منهم قوم فقاضوا على فلج دمير حفارا على أنه يسيحة وجدوا في قلة الماء وكثرته حدا على أنه إذا ساح الماء إلى حد معروف من الماء فالحفار ما أكله الفلج عشر سنين وكتبوا على ذلك كتابا فيما بينهم وبين الحفار وقرأ الكتاب يوم الجمعة على الناس أهل الفلج فلما حفر الحفار وساح الفلج طلب بعض أهل الفلج نقض تلك المقاضاة، واحتج بعضهم أنه لم يحضر يوم القضا والفلج دم وأنه لما قرأ عليه الكتاب، فمنهم من رضي بالقضى، ومنهم من أنكر (2) على الحفار فرأينا أنه إذا تقدم مساند أهل الفلج فقاضوا عليه فإن قضائهم جائز على من حفر ومن لم يحفر، وعلى اليتيم وعلى من أنكر إلا أن يكون طلب المنكرون، قبل عمل الحافر ففي ذلك نظر. فأما إذا سكتوا ولزموا منازلهم حتى حفر الحافر فليس ذلك لهم./259/
(1) - في أ، ب: أهل بلد .... بدل وعن ...
(2) - في أ، ب: زيادة: ومنهم من أنكر وقال: لا أرض ومنهم من سكت يوم ذلك الحفار يحفر إلى أن ساح
الماء سألت أيكون لهم حجة للغائب أو لليتيم أو من أنكر على الحفار ..... . (5/228)
صفحة 2088
رجع: وقيل كان رجل يقال له جيفر بن عبد الله دعا (1) شاهدين ليشهد بهما لبينة بصدق والدتهم ويقضيهم من ماله. فقال للشاهدين سرا عن بينة إن هؤلاء قد أذوني حتى أقضيهم فلا تشهدوا علي بما أشهدكم به لهم ثم أشهدهما بمحضر منهم إنه قد قضاهم موضع كذا وكذا من ماله بصداق أمهم ثم رجع واحتج بما قال للشاهدين سرا، فرأي أبو عبد الله – رحمه الله – الشهادة ثابتة عليه ولم ينفعه بما كان سر إليهما أن لا يشهدا عليه. وقيل عن أبي عبد الله – رحمه الله – في رجل قضى رجلا حقا عليه آجلا ثم بدا له أن يرجع فيه. فقال من قال: إن ذلك له ويرجع يأخذ من ذلك الذي كان قضاه إياه من حقه ذلك فينتفع به بقدر ما انتفع به صاحب الحق قبل محله.
قال أبو الحواري: إلا أن يكون الطالب ترك المطلوب شيئا من حقه فإنه ليس للمطلوب أن يرجع على الطالب بما قضاه. وقال: هكذا حفظنا.
وقال موسى: في رجل مات وعليه لرجل حق إلى أجل فإذا مات حل الحق الذي عليه فإذا كان سلفا إلى أجل من بر أو تمر لم يحل فلا يأخذه إلا إلى وقته. قلت: فإن الورثة يقسمون المال، قال: فلا يقسمونه حتى يأخذ الرجل حقه. وقال: وإذا قدموا لصاحب الدراهم كفيلا ثقة في الدراهم فلا يأخذها حتى يحل أيضا. وفي جواب محمد بن محبوب إلى الصلت بن مالك وذكرت في رجل هلك وأوصى بدين وأوصى إلى رجل في قضاء دينه وإنفاذ وصاياه، وله أولاد منهم يتيم ومنهم بالغ ومن الغرماء أغياب. ومنهم من حضر، فالذي أقول /260/
(1) - في أ: لا يوجد. (5/229)
صفحة 2089
أن ليس على ورثة الهالك أن يباع مال صاحبهم بديون الأغنياء، وإنما يباع بديون من حضر إلا أن تكون الديون تحيط بجميع ثمن ماله فيخرج حصته الأغياب. وتوقف على يدي عدل حتى يجيئ الأغياب أو يصح موتهم فيكون لورثتهم. وأما إذا كان في المال وفاء فليس يباع منه بحقوق الأغياب ولكن يترك في أيدي الورثة يستغلونه ويحجر عليهم بيع الأصل.
ومن غيره: وقد قيل له أن يبيع المال ويجعله دراهم إذا خاف فوت المال والأحداث فيه، باع لجميع الدين والوصايا على ما يجوز أن ينفذ الوصايا في الثلث والدين من جملة المال./261/ (5/230)
صفحة 2090
الباب الرابع عشر
في
العمرى في الدار والمضاربة والقعادة والمعادن
ومسائل مختلطة
الخيار (1) والفسالة:
" العمرى في الدار " وقيل العمرى (2) في الدار: إذا قال هي لك عمرك صارت له ولورثته من بعده وإن قال: أسكنتك هذه الدار ما عشت فإنما له سكنى الدار ما عاش ثم ترجع إلى صاحبها، والرقبة إذا قال هذا الدار أو هذا العبد رقبة على فلان له غالته إلى كذا وكذا فذلك له. وإن قال: هو عليه رقبة ولم يبين غير ذلك فهذا ضعيف عندنا حتى يبين ذلك. وكذلك في العمرى وإنما يثبت ذلك إذا مات ولم يرجع والمضاربة والقعادة في الأرض والمعادن، ومما يشبه مجهول إذا رجع أحدهم قبل أن يدخل لها الأخذ في عملها فهو منتقض وإذا عمل جاز عليهم إن صحت الشركة وإن كان الأصل مجهولا، وإذا اختلف رجلان في أرض نخلتين فإن صح أن هذه النخل من قطعة واحدة فالنخل تقاس إذا كانت أخذه مفاسلها. وإن لم يصح أنها من قطعة واحدة كان لكل نخلة أرضها وما عمر صاحبها ولم أقل في الباقي شيئا إلا لمن صح أنه له./262/
(1) - في أ، ب: باب في العمرا في الدار والمضاربة والقعادة ومسائل مختلطة والختان والعسالة.
في ب: باب في العمل في الدار والمضاربة والقعادة ومسائل مختلطة.
(2) - في أ، ب: العمر بدون ألف .... (5/231)
صفحة 2091
ومن غيره: قال محمد بن خالد سمعنا أن الحفر تقايس كما تقايس النخل بعضها ببعض والنخلة الوقيعة قيل ليس لصاحبها أن يسقيها إلا أن يصح أنها كانت تشرب من قبل. وإذا أوصى موصي لفلان بن فلان من بلد كذا وكذا بوصيه أو وكله بوكالة ثم صح بشاهدي عدل أنهما لا يعلمان في هذه البلاد فلان بن فلان إلا هذا فهو جائز وإن نسبة إلى أب ثالث وكان في البلاد من يواطن في اسمه واسم أبيه ولا يوطئه في الأب الثالث، وصح أن ليس في هذه البلاد فلان بن فلان بن فلان إلا هذا فذلك ثابت. فإن كان له صفة أيضا يعرف بها فنسباه إليها. وقال الشاهدان العدلان أنهما لا يعلمان في ذلك الموضع لان بني فلان على هذه الصفة إلا هذا فهو جائز. ولمن اشترى مالا وأراد أن يرده حيث استغلاه أن يرجع فيه إذا لم يعرفه أو لم يعرف شيئا من حدوده، أو لم يعرف حيث ينتهي بشيء من حدوده ما اشترى إلى الحد الذي يواليه لغيره فيه (1) في كل هذا الرجعة فإن شهد على نفسه بالمعرفة لزمه ذلك.
وقال من قال: إن شهد انه عارف هذه الأرض التي اشتراها ولم يقر بمعرفة حدودها ثم احتج أنه عارف بالحدود فله في ذلك لرجعة، وأما إن أقر بماله من أرض كذا وكذا لفلان أو بماله كله لفلان ثم احتج أنه غير عارف بماله له فلا حجة له في ذلك لأنه إقرار وقد كان خالفنا في ذلك من خالف وكان هذا الرأي هو الأكثر./263/
(1) - في أ: فله في ......
رجع: وعوفي جواب من أبي مروان إلى أبي جابر وامرأة تركت ميراثا من مال زوجها من درهم إلى مائة درهم إلى مائة ألف درهم لأولاده ثم طلبت ميراثها واحتجت أنهم لم يعرفوها المال. وإن كان تركها من أصل أرض أو نخل فعسى أن يكون لها حجتها.
ومن غيره: قال أبو الحواري: إذا قالت من قيمة درهم إلى مائة ألف درهم لم يكن لها رجعة في الأصل، وعن امرأة هلكت وتركت زوجها وابنتها وأختها فطلبت الأخت ميراثها من صداق أختها الذي على زوجها فأنكر الزوج ثم أشهد لبنته بمال بصداق أمها واحتج (1) أقر بذلك أيجوز لها؟ فأقول إن إقراره مأخوذ به، فإن يكن المال الذي (5/232)
صفحة 2092
سماه لابنته صداق أمها أكثر مما نكحت خالتها وأخواتها وأخوات أمها رد إلى عدل ذلك فللأخت عندنا ميراثها من ذلك المال الذي أشهد به لابنته بالصداق الذي عليه وسئل عن ذلك. وفي الرأي (2) عندنا أنه إذا شهد لأحد بنيه بمال بصداق أمهم كان للورثة كلهم ميراثهم من ذلك وإن شهد بمال من صداق أمهم ثبت لمن أشهد له ...
وعمن اشترى من رجل بيعا ومات البايع فادعى رجل ذلك البيع وأقام عليه البينة، وأقام المشتري البينة بأن الهالك باعه منه. فإن كان هذا الطالب قد كان يذكر هذا ويسأل عنه ويقول: إنه سرق فبالحرا (3) أن يدركه إذا قامت له بينة مع يمينه. فإن أعجز ذلك وقد مات البايع وذهب حجته والله أعلم. وعندنا في هذا أن كل من باع شيئا فأدرك فيه المشتري فالبيع لمن صح له، ويرجع المشتري على البايع بما أخذ منه. وإن كان البايع ميتا رجع في ماله إلا أن /264/
(1) - في أ، ب: واحتج إنه إنما أقر بذلك.
(2) - في أ، ب: وفي الذي عندنا.
(3) - في أ، ب: فالتحري وفي نسخة فبالحر.
يكون المشتري أسلم البيع بلا حكم فلا يرجع بشيء. وعن رجل ادعى أن فلان باع منه بيعا واستوفى الثمن وأحضر البينة بإقراره بذلك في الصحة والبايع يأكل المال إلى أن طلب المشتري وقد مضى لذلك سنون فإقراره يجوز عليه. فإن جحد البايع فعلى المشتري أن يخرج المال بالبينة وعن رجل ادعى إلى هالك حقا فقيل له به بعض أرحامه ثم رجع فلا يلزمه ذلك إلا أن يكون دفعه عن حقه حتى يذهب المال والبينة التي له بالحق.
وعن رجل قضى إخوته مالا عند موته بحق أقر لهم به ثم هلك وطلبت امرأته صداقها الذي صح لها. فالمرأة والإخوة عندنا أسوة في المال بالحصص فإن لم يكن سمى حق الإخوة ما هو لهم ضرب بقيمة المال الذي شهد لهم به.
هذا وفي جواب لأبي جعفر. ورأى ذلك الموضع الذي اختلفا فيه لمن صح له. وعن طريق جائز وساقية جامعة بين قطعتين لرجلين أراد صاحب القطعة التي تلي الطريق أن يأخذ وجين الساقية التي تلي الطريق. قال صاحب (5/233)
صفحة 2093
القطعة التي تلي الساقية كلها لي لأنها تلي أرضه. فالذي عندنا لا يمنع صاحب القطعة ما يليه والساقية الجائزة أقرب إلى قطع ذلك لأن الشفيع لا يقطع شفعته الطريق عندنا والساقية الجائزة قد يمتنع الشفعة في الوجين الذي يحول دونه الماء وعن شاهد شهد أن فلانا أشهده لفلانة بداره وبستانه بحقها، وشهد الثاني أن بيته وبستانه لفلانة ولا يذكر بحق. فقد رجونا أن تكون شهادتهما متفقة وقد وقع في أنفسنا إذا قال بيتي وبستاني لفلانة فنرددها. وقال أبو سعيد: وقد قيل أن هذه شهادة مختلفة لاختلاف اللفظ اما اتفقت المعاني. فهذا في الجواب منه إلى أبي جابر.
وقد كنا عرفنا الاختلاف في ذلك، إذا قال: بستاني وداري أو مالي لفلان، وإن من أهل الرأي من لم يحب ذلك. ومنهم من أحبه وممن أحب ذلك أبو علي – رحمه الله – وبذلك نأخذ.
قال أبو سعيد – رحمه الله – وقد قيل أن قوله داري وبستاني لفلان إن ذلك إقرار منه له ويجوز ذلك في الصحة والمرض ولو لم يقل يحق له ويكون ذلك إقرارا./265/
وقال من قال: إذا قال بستاني وداري وأضافه إلى نفسه لم يكن ذلك إقرار حتى يقول هذه الدار وهذا البستان لفلان فإذا قال ذلك كان ذلك إقرارا ولا نعلم في ذلك اختلافا. وأما إذا شهد شاهد بإقرار المشهد لرجل بنخلة أو غيرها، وشهد الثاني أنه قضاه إياها بحق أو باعها له أو أعطاه إياها وأحرزها فهي عندنا شهادة متفقة. قال أبو سعيد – رحمه الله – وقد قيل في هذا كله أنه مختلف لاختلاف الألفاظ وقال من قال: إذا اتفقت المعاني ولو اختلفت الألفاظ فهي متفقة.
ومن باع ميراثه ممن يرثه لرجل أو أعطاه إياه أو قضاه وهما به عارفان وميراثه مشاع فذلك جائز إذا سمي كم هو المال من ثلث أو ربع أو نحو ذلك
((قسمة المعادن)) ... وعن دراهم المعدن وقسمتها: فقال من قال: إنه إذا خرج شيء من الجواهر فحصة المولود فيه. وكذلك من مات بعد خرج شيء من الجواهر وإن لم يستعمل بالنار وإذا وقع القسم وحسب المال على السهام وعرف كم يقع لكل إنسان وأخذ منهم من أخذ سهمه ملم يدركه المولود وإنما يكون له فيما يستقبل فيه وكذلك الكبير الذي يصح سهمه بعد القسم فيدخل فيما يستأنف ولا يبصر أنه يدرك ماقسم، وكذلك كلما كان على نحو هذا من الروم
وفي جواب أيضا عن رجل ضم قطعة رجل وسمدها و أعطاه إياها لزراعة الذرة فقل الماء فلم يزرع القطعة فكره صاحب الأرض أن يمضيها. فحفظي والذي معي أن العامل أولى بعملها إذا كان إنما قصر بهم عن زراعتها (5/234)
صفحة 2094
إلا (1) قلة الماء إلا أن يكون صاحب الأرض حين أعطاها العامل قال له: إنما أعطيك تعملها ذرة فإن لم يزرع ذرة فلا عمل له فيها ويرد عليه عناه./266/
1) - أ، ب: عن زرا عتها فله الماء.)
وقال في عامل الرجل سمد أرضه وأصلحها فلما قضى تلك الثمرة أخرجه فذلك لصاحب الأرض، إلا أن يعلم أن عناءه أكثر مما أصاب من تلك الثمرة فله تمام عنائه. وإن عمل العامل نخلا لرجل سنة أو أكثر ولم تحمل ولم تصب بقدر عنائيه. وإن أراد صاحب النخل أن يتركه يعملها حيث يصب عناه فسبيل ذلك وإن أخرجه قبل ذلك فيوفيه بقدر عنائيه.
((العمل بالأرض)) وقال من قال فيمن اخذ أرضا من صاحبها مفاسلة ففسل بعضها. ثم هلك الفاسل فقيل لورثته أن يأخذوا حصته مما فسل وليس عليهم فيما بقى إلا أن يرغبوا في ذلك. وقال من قال: إذا لم للمفاسلة شرط معروف في حوض أو سنين و الحوض عدد الزور لم يثبت. فإن كان قد فسل شيئا فعاش أو عاش ثم مات فله قيمته. فسألته وعندنا أن له عناءه في ذلك. و إذا كان على شرط معروف فهو ثابت على الفاسل والمفسول له إذا أدخل في عمل الفسالة أو لم يدخل فإن مات صاحب الأرض وبقى الفاسل فله شرطه على ورث صاحب الأرض، وليس لهم نزع ذلك منه، وقيل في رجل فسل في الذي له فسلا ففاسله الذي يحاوره في تلك الأرض قرضا أن له في ذلك فيقطع عن الرجل ما أناف عليه من ذلك.
وعن أبي علي فيما أحسب. قلت أيكون الشجرة عاضدية مثل قرظة أو غيرها ذراعان مثل ما يكون للنخلة العاضدية. قال: قال ما أبعدها من ذلك والله أعلم. قلت: فشجرة قرظة أو سدرة أو أثبة لرجل في أرض رجل ما يكون لها من الأرض. قال: يكون لها ما أناف عليها من أغصانها إذا كانت الأرض التي تحتها
خرابا وإن كانت عمارا لمن عمره وقيل في نفر بينهم بستان اتفقوا على بنائه بعد أن قسموه. فقال بعض الفقهاء على كل واحد منهم جعل ما يلي ماله من البناء ولو كان نصيب احدهم مما يلي الحائط أطول من نصيب الآخر. وقال في رجل آخر دارا له وأذن للذي استأجرها أن يبني فيها غرفا وغير ذلك. فقيل هي وما أحدث فيها بالأجر الأول ومن أشهد (1) بحق عليه زوجته أو /267/ (5/235)
صفحة 2095
(1) _ في أ، ب: عليه بحق عليه بزوجته ..... .
غيرها من ديانة في ماله ونفسه فذلك ضعيف والغرماء شركاء في ماله ولا يمنع هو أيضا من بيعه. و أما إذا أشهد أن ذلك الحق في مال معرفا فليس له بيعه، وإن تزوج المرأة على مال معروف فذلك لها. ومن باع بيعا من أصل أو حيوان فجعل الثمن فيه فهو فيه ولا يبيعه المشتري حتى يؤدي الثمن. وكذلك إن قال البايع بيعك كذا وكذا على على أن يبع لك فيه ولا هبة حتى توفيني الثمن. فقال أبو علي: إن ذلك جائز وبعض كره ذلك وضعف البيع على هذا الشرط. ومن جعل حقا عله لزوجته أو غيرها من الغرماء ماله من قرية قد سماها أو في ميراثه أبيه أو في موضع سماه من ماله فعن موسى بن علي أن هذا الحق في الموضع سما به ولا يشاركه فيه الغرماء حتى يستوفي حقه. ومن أنزل رجلا في أرضه يسكنها ثم بدا له أن يخرجه واحتج الساكن أن الجذوع له فقيل إذا عرف أنه أعطاه أرضا براحا فانبتها للساكن فالقول قوله. وإذا كانت بيوتا مسقفة فأنزله فيها فالقول قول رب الأرض. وأما ما كان في البيت الذي يسكنه الساكن من المتاع والجذوع له و الدعون والعروض التي يبناها، وفي نسخة التي بناها فادعاها صاحب الأرض وادعاها الساكن فالساكن أولى بها لأنها في يده إلا ما كان من الخشب ونحوه قد ثبت في البناء فالقول فيها على ما قلنا في أول المسألة ن وكذلك قيل في الذي يبيع الدار أيضا وفيها الخشب وغيره، فما كان ثابتا فيها فهو من البيع وما كان مطروحا فيها فهو للبايع حتى يبيعه. وأما إذا بنى الساكن في أرض الذي أسكنه برأيه فالخيار للساكن إن شاء النقض وإن شاء ثمنه إذا أخرجه رب الأرض. وإن بنى بلا رأي صاحب الأرض فالخيار في ذلك لصاحب الأرض.
ومن أشهد بثمرة ماله أو ثمرة مال معروف. فقال: هي لفلان كذا وكذا سنة أو حتى يموت، فهذا إقرار وهو جائز وإن لم يسم بذلك إلى وقت يحده وكان في ذلك الأرض المال الذي يحده ثمرة فليس له إلا ثمرة تلك السنة، وإن لم يكن فيه ثمرة فله ثمرته فيما يستقبل. وقيل أيضا إن قال بحق له علي فهو /268/ (5/236)
صفحة 2096
جائز. وقيل من باع مالاً ليس له وشرط الشروى للمشتري فإن كان البايع قال: إن صاحب المال وكله في بيعه أو وهبه له أو ابتاعه منه فإن صاحب المال يأخذ ماله ويرجع المشتري على البايع (1) أيضاً رداً على صاحب المال.
(الكسب المشروع) وقيل ليس لأحد أن يمنع أحداً من الكلأ والمرعى ولا موارد الماء ولا بأس بالحطب اليابس وكذلك قيل لا بأس بأخذ الحجارة من الأثارة ولا بأس بأخراج الملح إذا كانوا أهله لا يمنعوه ولا يحمونه وكذلك ما كان مثله فإن منعوه فلا يجوز إلا برأي أهله.
ومن غيره وعن عمر بن محمد وعن اخراج المغرة من رم لقوم والمخرج من غير أهل الرم فلا بأس بذلك ما لم يمنع ويحفظ./269/
(1) - في أ، ب: زيادة: ويرجع المشتري على البائع بالشروى كما شرط له وإن كان لم يقل له ذلك لم يدركه ... بالشروى وإنما يأخذ منه الثمن الذي دفعه إليه المشتري وعلى البايع أيضاً الغلة. (5/237)
صفحة 2097
رجع: وكان أبو علي يقول إذا باع الرجل مالًا لرجل فادرك في شيء منه بحق أثبت في يد المشتري ما بقي منه يقومه العدول، ولم ينقض البيع (1) كله وكذلك إذا ادرك بشيء يكون فيه مضرة على جميع البيع فسد.
(نقض البيع والقسم) وكذلك في القسم إذا وقع الطريق أو المورد أو نحو هذا مما ينتفع به جميع أهل الدار وقع في سهم أحد الشركاء بلا شرط ثم اراد أحدهم النقض فالقسم منتقض. وقيل من أشترى من رجل مالاً له في موضعين وعرف الذي في أحد الموضعين ولم يعرف الآخر أنّ البيع منتقض ولو طلب المشتري أن يأخذ الموضع الذي يعرفه بجملة الثمن ويترك الآخر لأن الأصل فاسد حيث دخلت الجهالة في بعضه والعقدة واحدة. وقيل إنه كان في مثل هذا الاختلاف وإنما يكون النقض للجاهل منهما البايع والمشتري. فأما العارف فلا نقض له إذا أتم (2) الحاكم يأخذه إذا صح ذلك عليه حتى يخرج ذلك الذي أقر به بعينه ويكون القول قوله فيه إنه هو هذا. وأما إذا أقر بهذا الأقرار ثم مات، فإن ذلك النوع الذي أقر به يجري اجرا على قدر ما أقر به ثم يعطى الذي أقر له به جزؤه منها (3).
(4) قال غيره: وقد قيل لا يثبت له شيء من هذا حتى يصح ذلك بالبينة أو حده المقر بعينه. / 270/
(1) - في أ، ب: زيادة: ولم ينتقض البيع إلا أن يكون فيما أدرك به طريق أو ساقية فإنه ينتقض البيع كله ....
(2) - في أ، ب: زيادة: إذا أتم الجاهل فإذا أقر رجل أن لفلان كيس دراهم في منزلي أو جملا في إبلي أو ثوبا ... في ثيابي ولم يقد هذا بعينه ثم رجع ينكره فإن الحاكم يأخذه إذا صح ...
(3) - في ب: وفي نسخة: ومن عنده وقد قيل أن له الأكثر من الكيسة إذا لم يعرف ذلك بعينه.
(4) - في ب: غير موجوده: قال غيره. (5/238)
صفحة 2098
رجع (1): وإذا أقر أن له في منزله دراهم أو غيره فوجد في منزله كيسان في كل واحد دراهم سواء أو وزن واحد أقل من الآخر فله من كل واحد منهما النصف لأنه أعدل، وإن وجد من النوع ثلاثة فله الثلث، وإن كان أربعة فله الربع، وقال من قال: والرأي الأول اعدل عندي.
قال أبو الحواري: إن لم يعرف هذا الكيس بعينه فليس له شيء هكذا حفظنا قال: أو تقوم بينة بالكيس بعينه. وإذا أقر أن له في منزلي كيساً فيه دراهم فوجد كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم ودنانير فلا شيء له حتى يوجد كيس فيه دراهم خالصة وكلما كان من هذا النحو على هذا القياس. ومن ادعى على رجل متاعاً فأقر أنه في يده رهن بحق له على صاحب المتاع فالمتاع لصاحبه وعلى المقر البينة به بما يدعي، وقيل لو (2) لي عبداً استعمل عبداً برأيه في عمل فتلف أو باعه (3). وقال له: أخرجني فخرجه كان ذلك له في رقبة العبد الفاعل لأنها خيانة – نسخة. ومن غيره.
ومن جواب أبي علي قيل – رحمه الله – إلى محمد بن محبوب – رحمه الله – عن عبد أعار عبداً ثوباً فذهب بالثوب العبد وقامت به البينة فإن العبد يبلغ اليه في القول، فإن قدر على الثوب عنده وإلا فلا أرى على سيده غرماً ما يجب أن يحبس غلامه على هذا (4) وأعلم أنّ كل من أشهد على نفسه بحقوق مختلفة ليست متوطئة إلى أوقات مختلفة أو وقت واحد، فإنه يؤخذ بجماعة تلك الحقوق التي شهد له بها، ولو كان وقتها واحد إذا أشهد بها كلها في مجلس واحد. وكذلك إن أشهد على نفسه لرجل على نفسه بألف درهم إلى شهر رمضان. والف درهم إلى شعبان فقال المطلوب هي واحدة فعليه الفان لأن /271/
(1) - في أ، ب: لا يوجد رجع.
(2) - في أ، ب: لو أن لي عبداً.
(3) - في أ، ب: أو باعه فتلف.
(4) - في ب: رجع ... وهذا أصح.
الوقتين قد اختلفا ولكن أشهد عليه بألف درهم إلى رمضان ثم أشهد بألف درهم إلى شهر رمضان من تلك السنة فهو الف واحد والأيمان بينهما إذا اختلفا وذلك حيث تؤطت الشهادة. وإن اختلف التاريخ أو كان الألف الأول في رمضان من سنة تسع واربعين والألف الثاني محله سنة خمسين فهما الفان حيث اختلف التاريخ. وإذا أشهد بألف درهم ثم اشهد بألف درهم ولم يكن لذلك وقت أو كان وقته في شهر واحد بلا تاريخ فهي الف واحدة وإذا كانت (5/239)
صفحة 2099
المدة في الحق إلى شهر رمضان، فقال: المطلوب هو شهر رمضان. إلى خمس سنين، وقال الطالب: هو شهر رمضان من هذه السنة فالقول قول الطالب مع يمينه.
وكذلك في السلف ولا ينتقض، وإذا شهد شاهد بألف درهم لفلان على فلان ولم يوقت لها وقتا وشهد الثاني له بألف درهم إلى أجل لم يحل فهذه شهادة متفقة ويكون محل الألف إلى الأجل الذي شهد به الشاهد وقيل فيمن إيتجر أحداً ليشور له خشبة يشورها فانصدعت من موضع آخر. فقيل إنه ضامن لأنه لا يدري كيف كان ذلك (1) وعلى مائتي درهم أو مائة درهم فطلب الطالب المائتين. وقال المقر: إنما هي مائة فإنه يؤخذ له بمائتي درهم كما أقر له. أولاً.
قال غيره (2):وقد قيل يؤخذ له بالمائة ويدعي الآخر بالبينة على المائة الأخرى، فإن لم يحضر بينة حلف له فإن لم يحلف أخذ بالمائة الأخرى كما أقر أولاً. /272/
(1) - في أ، ب: وإذا أقر المقر أنّ لفلان عليّ ..... .
(2) - في أ، ب: نسخة: مال غيره وقد قيل يؤخذ بالمائة ويدعي ..... والصحيح قال غيره. وهذه الفقرة غير موجودة في أ.
رجع (1): ومن باع لرجل عبداً أو ثوباً فلما طلب إليه الثمن أنكر المشتري البيع وهو في يد البايع، فإن صح ذلك عليه أخذه الحاكم بقبض شرائه ونقد الثمن، وإن لم تكن صحة احتج عليه البايع أني أبيعه واستوفي حقي إذا لم يعطني فإن اعطاه وإلا كان للبايع أن يبيع ذلك البيع ويستوفي حقه منه فإن فضل من الثمن شيء بعد وفاء حقه رده على المشتري، وقيل في رجل اشترى سمكة بدانق فوجد فيها لؤلؤة ثمنها مائة دينار أو غيره (2) فهي وما في بطنها للمشتري. قال أبو علي (3) حفظه الله – وقد قيل أنها للبايع وقيل أنها للصايد الذي صادها أولاً والله أعلم.
وكذلك الذي يشتري الصدقة بدرهم لؤلؤة تسوي ألف درهم فهي للمشتري. قال أبو الحسن بن احمد – رحمه الله-: وكذلك إن اشترى منه هذه الصدقة وأما إذا اشترى منه ما في هذه الصدقة فهذا بيع لا يجوز وما كان فيها فهو للبايع والله أعلم. وقيل أنه مما يجوز بيعه وهو مجهول لأنه غائب مثل الجوز وللوز والرمان والنارجيل (3) وما يكون على نحو هذا فإذا ذهب به المشتري ثم كسره فوجد فاسدا فليس له رده بعد أن يعترفا (4) لأنه مما يحدث فيه (5/240)
صفحة 2100
الفساد في يد المشتري وإذا كسره من حينه من قبل أن يتفرقا فوجده فاسدا فهو مردود على البايع وإذا أقر وأقام عليه شاهدي عدل إنه هو الذي اشتراه منه ويقوم سالما ومكسورا فيلزم المشتري البايع فضل ما بينهما. وقيل من اشترى من رجل ثيابا أو عبيدا ونحو ذلك مما ينقسم ويتجزى بثمن واحد فادرك في شيء منه رجع على البايع بقيمة ما ادرك به وثبت بيع الباقي. وقال بعض ينتقض البيع والرأي الأول أحب إلينا./273/
(1) - في أ، ب: لا يوجد رجع.
(2) - في أ ... : أو عشرة.
(3) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد – رحمه الله - .... .
(4) - في أ، ب: بعد أن يتفرقا.
وإذا كان نوعا واحدا مثل عبد أو ثوب أو نخلة فادرك بجزء منها له أن ينتقض البيع لأن هذا لا ينقسم ولا يتجزى.
وإذا قتل رجل دابة لرجل وأقر بذلك فلم يصح قيمتها فالقول في ذلك قول الجاني مع يمينه./274/ (5/241)
صفحة 2101
الباب الخامس عشر
في
السرق والغضب
ومن سرق من رجل شجرة أو نخلة فغرسها في ماله حتى كبرت فإنه يردها على صاحبها.
ومن غيره: وقال من قال: يرد مثلها.
ومن غيره: وقال من قال: يرد مثلها أو قيمتها. وقال من قال: قيمتها يوم يستحقها مفسولة بغير أرض، والقول الأول هو الأكثر./275/ (5/242)
صفحة 2102
(فيها تعليقات المحقق فقط) /276/ (5/243)
صفحة 2103
رجع: وقيل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ليس لعرق ظالم حق ولصاحبها الخيار إن شاء أخذها بعينها ويقلعها بترابها ألا تموت، ويرد على صاحب الأرض ترابا مثل ما خرج فيها من التراب. وإن شاء أن يأخذ منه قيمتها اليوم حيه ليس يوم أخذها. وقال بعض في الحديث أنه ليس لعرق ظالم حق. وقيل إن ثمرة الزراعة كلها لصاحب الأرض وليس للزارع عنا ولا رزية وحبه الذي قد بذره قد أكلته الأرض. قال أبو الحواري: له بذره وقال من قال: بل له أيضا بذره. وأما العنا فلا. وهذا في الغاصب، وأما الذي يزرع بسبب ينتقض فله عناؤه.
ومن غيره: حفظ الحواري بن محمد عن أبي عثمان أن رجلا أخذ فسلة من مال رجل بلا رأيه ففسلها ثم أراد التوبة، فقد قال أبو عثمان: إن أمكن قلعها فهي لمن أخذت منه، وإن لم يمكن قلعها، فعلى الذي قلعها أن يحيي لصاحبها في أرضه مثلها يوم قلعها حتى يحيي في أرضه.
قال أبو سعيد – رحمه الله – معي أنه قد يوجد نحو هذا وفي بعض القول عندي أنه إنما يكون على الغاصب فسلة مثل الفسلة يوم قعشها أو قيمتها والخيار له بين القيمة أو المثل. وقال من قال: الخيار لصاحب الفسلة بين القيمة والمثل إن أدرك لها مثل. وفي بعض القول أن عليه قيمة الفسلة يوم أدركت وقيعة ويحط عن رب الأرض ما انتقضت الفسلة من الأرض وله الخيار في ذلك أعني رب الفسلة إن شاء أخرجها وإن شاء أخذ قيمتها على هذه الصفة وفي بعض القول إن الخيار للغاصب بين الفصلين من الغرم./277/ (5/244)
صفحة 2104
رجع: والغاصب إذا فسل أرضا لرجل فصارت نخلا فهي لصاحب الأرض وللفاسل على صاحب الأرض فسل ما فسله يوم فسله أو قيمة ذلك اليوم لأنه قائم بعينه وليس له عنا. وإذا بنى في أرض رجل دارا والطني من هذه الأرض فهو لصاحب الأرض فإن أدخل فيها خشبا من عنده قائما بعينه فلصاحب الأرض الخيار إن شاء أن يدفعه إليه أو يعطيه قيمته إن كان في إخراجه مضرة عليه. وإن كان الطين جاء به الغاصب من غير هذه الأرض فبنى فيها بلا رأي صاحب الأرض. فصاحب الأرض مخير إن شاء أن يعطيه قيمة ذلك، وإن شاء أن يدفع إليه نقضه وكذلك لو سرق غزلا وعمله ثوبا واحتفر في أرض قوم بئرا أو نهرا أو معذبا فكل ذلك لصاحبه ولا عنا له في ذلك وإن أخذ مالا فتجربه فالمال وربحه لصاحبه وإن تلف الربح أو تلف المال كله فإنما يضمن رأس المال، وأما إن سرق عبدا أو دابة فاستعملها فالدابة وغالتها لصاحبها وإن استعمل العبد والجمل حتى أنكر ثمنه فإنه يرده بعينه وغالته وينظر قيمته يوم سرقه وقيمته يوم رده فيرد عليه أيضا فضل (1) القيمتين إن كان في قيمته الأولى فضل.
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: ويوجد قال أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب كل من استحق منه مالا قد أكله بسبب أنه لا يحكم عليه بالغلة، وإنما يلزمه ذلك عند المغتصب فقط (2)./278/
(1) - في أ ... :فضل ما بين القيمتين.
في أ، ب: قال: وقد قال غيره من أصحابنا أنه يلزم ذلك المغتصب وغير المغتصب ... . - (2)
ومن غيره: وعن من سرق صرمة أو قورة كرم أو قورة شجر من الأشجار، فأما الصرمة فقد اختلفوا فيها فمنهم من يقول: عليه (1) صرمة مثل الصرمة التي سرقها ومنهم من يقول عليه قيمتها يوم تستحق. ومنهم من يقول (5/245)
صفحة 2105
لصاحب الصرمة الخيار إن شاء قلعها وإن شاء أخذ قيمتها هذا اليوم. قلت له: أنا بعد ذلك فما يعجبك أنت من (في) هذه الأقاويل. قال يعجبني أن يكون عليه قيمتها يوم سرقها. قال: وأما الأشجار فعليه أن يرد قيمتها يوم اقتلعها. وكذلك النبقة وغيرها من البذور يرد مثلها إذا كان مما يكال أو يوزن. ومعنا أن الأكثر من القول أن الخيار لصاحب الصرمة يوم سيتحقها، وكذلك أصحاب الأرض المفسول في أرضهم إن أرادوا رد قيمتها يوم يستحقونها وإن أرادوا قالوا لصاحبها أن يقلعها.
وعن رجل اغتصب عبدا أو دارا أو دابة أو ثوبا ثم باعه لرجل أو وهبه لرجل أو أعاده رجلا فركب المشتري أو الموهوب له أو المستعير وسكن واستغل ولبس ثم استحق من يده العبد أو الدار أو الدابة أو الخادم استحق المغصوب أيضا قيمة ذلك مع الغلة وهل يلزم الغاصب البايع شيئا من قيمة اللباس والسكن والركوب والخدمة والغلة. فإنا نقول: إن ذلك كله للمغصوب على المشتري والموهوب له والمستعير فإن كان المشتري والموهوب له والمستعير قد عملوا بغصب البايع لهذه السلعة التي صارت إليهم وامتهنوا واستغلوا فلا رجعة لهم على البايع بشيء وإن لم يعلموا أن البايع مغتصب فإنهم يرجعون عليه بما أدركهم به المغصوب من الخدم والسكن والركوب ويرجع المشتري أيضا بالثمن الذي دفعه إليه مع الغلة./279/
(1) - في أ، ب: فمنهم من يقول عليه قيمتها يوم تستحق ... ولم يجد في ب: ما سبق من عبارات.
ومن غيره: وأما الذي ينبت نخلة فيجيء آخر فيأخذ النبات من نخله فتقرمد النخل أولا تفرق (1) فمعي أنه قيل: لا يلزمه ضمان إلا قيمة النبات بسعر البلد في نظر العدول. وقال من قال: ما أضر عليه بسبب ذلك النبات فعليه ضمانه وأكثر القول عندي هو الأول.
وعن رجل سرق من محال غيره فلقح ماله قال: يعطيه قيمته يوم سرقه كما يباع. قلت: فإنه يقول: أفسذدت علي نخلتي ولم أقدر على النبات إلا نباتا أفسد علي. قال: ينظر في فساد ما فسد بسبب ذلك فهو عليه. (5/246)
صفحة 2106
ومن غيره: ومن جواب أبي عبد الله محمد بن روح – رحمه الله – وعمن توقع على صرم فسرقه وفسله في ماله وصار الفسل (2) نخلا ما يلزم من عمل وأكل من ثمرة وما يلزم هذا الرجل إذا أراد التوبة والخلاص فأعلم أن المغتصب غير المتوقع والمغتصب الذي يأخذ شيئا ليس له فيه حجة بوجه من الوجوه ولا له فيه حصة (3) فهذا المغتصب ولأصحاب الصرم عليه الخيار إن شاؤا أخذوا صرما مثل صرمهم وإن شاؤا قلعوا ذلك الصرم بعينه ولو صار نخلا وردوا مثل تراب أرضه مما علق صرمهم من تراب أرضه وأحب لمن أكل من ثمرة النخل المغتصبه في الاحتياط أن يتلخص إلى أصحاب الصرم وإلى المغتصب هذا (4) على الاحتياط لا على الحكم، وكذلك أحب للمغتصب التخلص من الثمرة وأحب لصاحب الصرم أن لا يأخذ من ثمرة النخل شيئا وإن يجعله في الحل إذا كان المغتصب تائبا. وإن كان أخذ منه شيئا فعن صلح وتراض بينهم وحل (5) من بعضهم لبعض من جميع ذلك والله أعلم بالصواب./280/
(1) - في أ، ب: أولا تفرقد فمعي ... .
(2) - في أ، ب: وصار نخلا.
(3) - في ب: رخصة بدل حصة.
(4) - في ب: في الاحتياط .... .
(5) - في أ، ب: عدم وجود وحل في ب.
أما في حقيقة الحكم وقضي القضاء فلا يكون في هذا الذي وصفت لك. ولا يحل لحاكم أن يحكم بين الناس في شيء من هذا إلا بأثر أو بيان يراه من اجتهاد رأيه إنما ذلك البيان هو عنده الصواب إذا كان ممن يجوز له الرأي وممن يجوز له الحكم بالرأي. ويجوز له الحكم بالرأي الذي يلزم الناس طاعته في حكمه عليهم، ومما يلزم الناس مخاطبة في حكمه عليهم إن رضي الخصمان بحكمه وجعلاه على أنفسهما حاكما ورضيا بحكمه عليهما ولو لم يكن حاكما عن إمام عدل يلزم الناس طاعته وقد حكم الخصمان من المسلمين ومن اليهود في بني قريظة سعد بن معاذ بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض الفريقان بسعد حاكما عليهم فثبت حكمه من بعد تراض الفريقين به أن يكون فيما بينهما حاكما فكفى بهذا أثرا وبرهانا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه متبعين لحكم سعد بن معاذ وأثبتوه على أنفسهم والله أعلم.
ومن غيره: وإنما ينزع من يد المشتري السرقة والغصب والمظالم ونحو ذلك. (5/247)
صفحة 2107
ومن غيره: قال: نعم وقد قيل في الغصب أيضا أنه لا سبيل له على انتزاعه إلا أن يجمع بين البايع والمشتري ثم حينئذ يأخذ ماله لأن المشتري ليس بغاصب وإنما اشترى بسبب دخل فيه المشتري فلا يبطل ماله فأفهم ذلك والله أعلم.
قال أبو الحواري: رحمه الله إذا طرح السلطان الماء في الرحى وجه الغصب والجبر لأصحاب الماء فلا بأس على من طحن له بذلك. قلت له: ولو علم بذلك إنما طرح على كراهيتهم. قال: نعم ولو علم ليس عليه هو في طرحها مأثم إنما ذلك على من فعل. قلت وكذلك قد علمت بجار لي اغتصب حطبا حراما ثم أردت أن استنفع من النار التي قد وقدت بذلك من جمر وضوئها وجمرها. قال: لا بأس بذلك الجمر (1) فإني أكره ذلك. وأما حمو التنور والقبس من تلك النار فلا بأس بذلك./281/
(1) - في أ، ب: إلا الجمر.
ومن غيره: وجدت في الرجل يبني في أرض الرجل دارا من جذوعه وطينه ودعانته أعني من مال المغتصب ثم قدر صاحب الأرض المغتصبة على إخراج الغاصب أنه لا نقض له ورفع هذا عن أبي الحسن رحمه الله. وقد قال من قال: أن لصاحب الأرض الخيار إن شاء أخذه وأعطاه قيمته وإن شاء أخذه بإخراجه وكان له ذلك عليه.
وعنه في رجل يزرع أرضا لرجل مغتصبا أن يكون له قيمة البذر.
وقال من قال: لا شيء له لأن العين قد زالت. وعنه إنه ليس للمغتصب في عنائيه فيما غصبه إلا العين القائمة من ماله. فقال له أبو عثمان بن مشقي بن راشد فإن استأجر أجرا عملوا معه بأجرة هل يكون له تلك الأجرة؟ قال: لا. وهذا عرق ولا عرق لظالم. قال له ابن مشقي فإني قد سمعت في بعض القول أنه تكون له تلك الأجرة. ولا تكون له عنا نفسه ولا عنا غلمانه. قال: قد يوجد في الأثر أنه يكون له تلك الأجرة التي انفقها على الاجراء وأكثر القول أنه لا عناء له في جميع ذلك إلا العين القائمة بعينها ويجب على هذا القول أن يكون له عنا غلمانه وإلا فلا فرق في ذلك وعن رجل له كتاب فيه حساب ديون على الناس والشهادات أخذها أخذها رجل فأتلف ذلك الكتاب وذهبت الديون التي كانت على الناس. وقد عرف الآخذ بما في الكتاب أو لم يعرف. فعلى ما وصفت فإن كان هذا الرجل أتلف الكتاب عمدا منه فإن كان الشهود يحفظون شهادتهم التي في الكتاب وقاموا بها فليس عليه إلا ضمان القرطاس وإن كان الشهود لا يشهدون إلا على ما في هذا الكتاب كان على الرجل ضمان تلك الديون والقرطاس (5/248)
صفحة 2108
عرف ما في هذا الكتاب من الديون أو لم يعرف إذا كان يعرف أن في الكتاب ديونا للقوم وائتمنوه عليها، وإن كان الشهود يقولون لا نحفظ ما في /282/
الكتاب ولو حضر الكتاب لم يشهدوا على ما فيه لم يكن على الرجل إلا ضمان القرطاس إلا أن يقول أصحاب الكتاب الذي لهم فيه الديون لا يحفظون ديونهم إلا بما في الكتاب فنقول إن عليه ضمان الكتاب وما فيه من الديون لأصحاب الديون إلا أن يستوفي أصحاب الكتاب من غرمائهم فإنما على الرجل ضمان القرطاس وكذلك إذا أقرت الغرماء بما عليهم من الديون لأصحاب الديون مع الحاكم أو مع الشهود لم يكن على الرجل إلا ضمان القرطاس وإذا لزم الرجل ضمان الديون فأداها إلى أهلها لحق الرجل الغرماء بما أدى عنهم من الديون.
قال غيره: إذا جاء المغتصب تائبا أحببنا له أن يبذل له الرخصة في هذا أو غيره، ويعان على توبته. وعلى الخلاص مما قد حصل فيه وتستر الرخص عن الجهال الذي يخاف منهم التجري بها والله أعلم (1).
ومن غيره: وسألته عمن اغتصب موضعا فبنى فيه مطهرة وكانت قبل ذلك مباحة. هل لأحد أن يتطهر في تلك المطهرة ويغسل فيها ما جاز ذلك على معنى الإباحة للموضع؟ قلت له: وكذلك من أحدث على قوم في فلجهم ثقبة لم يكن مثل ما أحدث السلطان في فلج الغنتق من فتح أفواه لم تكن، هل لأحد أن يتطهر فيها ويغسل في تلك البيوت التي هي فيها فأجاز ذلك لمن فعله إذا لم يكن هو منه مضرة تحدثه هو. قلت له فمن اغتصب أرضا فبنى فيها بيتا هل لأحد أن يسكن فيها؟ قال: لا. قلت له: وحكمه حكم العمار المغتصب. قال: نعم قال: هو لمن اغتصب أرضه. قلت له: فإذا كان لي رحم تلزمني صلته وأحب أن أدخل عليه وهو مغتصب بيتا. هل لي أن أدخل عليه لغير الصلة؟ فلا يجوز ذلك إلا لمعنى الصلة. قلت: فهل لي أن ادخل عليه إذا جعلت ذلك الصلة /183/ (5/249)
صفحة 2109
(1) - في أ، ب: وزيادة: وينظر في ذلك.
كما أردت في وقت الفرج والغم. فإذا جاز ذلك إذا كان على معنى الصلة. وأما لغير معنى فلا. قلت له: فإذا دخلت عليه للصلة هل لي أن أقعد معه اليوم أو نصف اليوم؟ قلم يجز ذلك إلا بمعنى لا بد منه. وقال: اقضي حاجتك وأخرج من البيت. قلت فإذا كان مغتصبا وهو فيه ساكن فيعطني منه الشيء الذي لا أعلم أنه مغتصب له، إلى أن أخذه منه في ذلك البيت فأجاز ذلك.
ومن غيره: قال: وقد أجاز ذلك للناس أن يصلوا إلى السلاطين في حوائجهم إلى البيوت المغتصبة، وكذلك يعاد المريض في البيت المغتصب، وينكر المنكر ويخرج الميت منه وتقضى الحوائج اللازمة وإنما ارادتهم قضاء الحاجة نفسها، وقد أجازوا الصلاة في المسجد المغتصب "ارضه إلا لمن اغتصبها فلا تجوز فيه صلاته هو فيه" (1) والاغتراف من النهر المغتصب والبئر المغتصبة وذلك أنه لا (2) يجوز له ذلك أن يصلي في الأرض ولو كانت غير أرضه ولا يتخذه مسجدا وكذلك يغترف من النهر وكذلك قالوا من البئر بدلوه. وسألته عن رجل اغتصب حطبا فأوقده في بيت رجل أو في المسجد كيف يصنع في ذلك الرماد. قال: هو لصاحب الحطب ويشاوره فيه ويستحل منه ويستأذن فيه. وكذلك إن أخذ علفا فأطعمه دوابه مغتصبا له. فإذا علم أن الروث من ذلك العلف فهو لصاحب العلف. قلت له: فإذا لم يعلم صاحب البيت إن ذلك الروث ثمن ذلك العلف فرأيته يجب أن لا يتعرض به. قلت له: فكيف يصنع فيه إذا احتاج إلى الموضع من بيته، قال: يحيله إلى بعض المواضع من بيته وكأنه لا يجعله لصاحب العلف على الشبهة ولا يجعله لصاحب الدابة على الشبه ورأيته يذهب أن يجعله لصاحب الدابة حتى لا يشك أنه من العلف وسألته عن رجل أخذه السلطان فأرادوا قتله ثم وصلوا به إلى أهل البلد فقال لهم: إن لم تعطونا كذا وكذا قتلناه. وهم يقدرون على أن يعطونهم ذلك. هل عليهم ذلك؟ /284/
(1) - في أ، ب: ما بين القوسين لا يوجد ... .
(2) - في أ، ب: وذلك إنه يجوز. (5/250)
صفحة 2110
قال: أرى عليهم ذلك، إذا كانوا يقدرون على ذلك. قلت له، فما حد قدرتهم في ذلك. فهل عليهم أن يبيعوا أصول أموالهم قال: إذا كانوا إذا باعوا من أصول أموالهم (1) ما تقوم غلته بعولهم وعول من يلزمهم عوله. رأيت ذلك عليهم. قلت فإن لم يفعلوا ذلك وتركوه وهو بهذه المنزلة اتراهم آثمين. قال: ما ابرئهم من الاثم. قلت: افترى عليهم الدية. قال: ما أبرأهم من الدية إذا كانوا قادرين. قلت له: وكذلك من كان معه مال إذا أنفقه قدر على إخماد الباطل وإحياء الحق على هذه الصفة إذا كان باع من ماله وانفق بقي منه ما يكفيه عوله وعول من يلزمه عوله كان عليه القيام بذلك. قال: نعم ثم تلى هذه الآية (إنما السبيل على الذين يستئاذونك وهم أغنياء) ورأي عليه أن يقوم بذلك (2) ولا عذر له في ذلك أن يترك القيام بالقسط وهو يقدر عليه. قلت له: فهل يعطى هذا الرجل الذي يراد به القتل، وطلب منه الفدا، هل يعطى الزكاة؟ ما يفدي به نفسه؟ قال: أرجوا أن له ذلك.
" قتل الغاصب " وقال أبو سعيد – رحمه الله – في امرأة غصبها رجل وغلبها على نفسها. الذي معي أنه قد قيل ليس لها قتله إلا إذا جاءها يطائها فلها قتله في حين الوطء وليس لها في غير ذلك إلا أن تمتنع منه ومن ملكته فجازها على ذلك فإن قتلته في حال المحاربة جاز لها ذلك. وقال من قال: إذا اغتصب الحر العبد فما جناه العبد من جناية قتل أو غيره فهو ضامن على الغاصب ولا يكون ذلك في رقته والعبد مسلم إلى سيده وليس للعبد عندي أن قتل الغاصب إلا عند المحاربة منه على ما يستحق من بغية عليه. فإن قتله غيلة فقد
/285/
(1) - في أ، ب: زيادة: وفدوه بقى لهم من أصول أموالهم ... .
(2) - في أ، ب: زيادة: ورأى عليه أن يقوم بماله إذا كان قام بماله استجاش إليه نصف أهل الحرب كان عليه
أن يقوم بذلك. (5/251)
صفحة 2111
يوجد في الأثر (1) أو خبر من أهل البصرة وإلا فالجناية متعلقة على الجاني بأمر يبرئه منها.
ورجل طلب إليه سلطان إصلاح طعام له فأخذه وأصلحه مثل لحم قطعة أو سمك فشواه أو طبخه ثم صح عنده أنه مغتصب ذلك من رجل هل يلزمه ضمان ذلك لرب الطعام قال: الله أعلم. ما يبين لي أنه يبرأ من الضمان وأخاف أن يضمن. قلت له: فإن قبض منه إناء أو ثوبا أو غير ذلك على وجه الأمانة ثم رد ذلك إليه، ثم صح عنده أنه كان ذلك غاصبا من رجل ما يلزمه. قال: الله أعلم. وما أشبه ذلك أنه لا يلزمه ضمان إذا لم يكن علم بذلك إلا بعد الدفع، وأما إن علم ذلك وصح معه قبل الدفع لم يكن له دفع ذلك إلى الغاصب إلا باعتقاد الضمان.
وسألت أبا سعيد – رحمه الله – عمن اغتصب ماء لقوم فرأيته واقعا في حال غصبه هل يجوز لي أن أقول له أن الماء واقع أم لا يجوز لي ذلك. قال معي: إنه لا يجوز ذلك ولا بين لي أن تدله على غصبه ولا يعنيه عليه قلت له: فإن فعلت ذلك أكون شريكه في الإثم وحده أم في الإثم والضمان قال معي: إنه إذا وقع ذلك منك موقع الدلالة فأخاف عليك الضمان. وإذا وقع موقع الأمر. فمعي أن في الضمان اختلافا ما لم يكن مطاعا في ذلك. فإن كنت مطاعا فمعي أن عليك الضمان، إذا كنت مطاعا في مثل ذلك. قلت له: فإن كان ذلك مني على نسيان وهفوه، ثم إني ذكرت فرجعت عن ذلك هل تراني أسلم من الضمان وتلزمني التوبة من ذلك. قال: أما الأمر إذا رجعت عن أمرك فأرجوا أن تسلم من الضمان إذا رجعت قبل أن يفعل ما أمرت به والدلالة فمعي أنه إذا فعل بدلالتك رجعت أو لم ترجع فلا يبين لي براءة من الضمان./286/
(1) - في أ، ب: يوجد في الأثر أنه لا شيء عليه ولا أعرف تفسير ذلك من أي وجه يلزمه ولا يبين لي معنى
براءة القاتل من ذلك إلا لمعنى بين صوابه من أثر أو خبر من أهل التفسير ... . (5/252)
صفحة 2112
وسألته عن رجل هلك والده وترك مالا صح معه أن ذلك المال مغتصب في يد والده، فقال له حلال. ثم قال: وما يدريه لعل والده أخذه بحله. قلت له: إن والده معه في الولاية وإن كان والده معه غير ثقة. قال ... أبو معاوية: السبيل واحد كان في الولاية ولم يكن في الولاية. وسألت أبا عبد الله عن رجل مات وترك ولده وترك له مالا فقال الناس: إنه مغصوب (1) هل عليه أن يسأل عن ذلك قال هاشم: وأخبرنا بشير أن رجلا من المهرة كان يعقر دواب الناس ويسلب وأشباه ذلك. قال: ثم تاب. قال: فكان يسترفد ويؤدي إلى الناس حقوقهم قال قلت لبشير ذلك عليه. فقال: فإن قدر على ذلك وإلا فالله أولى بالعذر.
ومن غيره " المتاجرة بالمغصوب " قال أبو سعيد – رحمه الله – في رجل تجر بمال غيره حتى ربح فيه ربحا فعندي أنه قد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: الربح له، والضمان عليه وقال من قال: الربح والمال لربه وللمتجر عناؤه في ذلك. وقال من قال: الربح للفقراء وله عناؤه والمال الأول لربه. وقال من قال: إن كان اشترى المال على نفسه كان له الربح والمال لربه. وإن اشترى المال صقة واحدة كان المال والربح لربه وله عناؤه من ذلك. وقال من قال: من قومنا إن كان المال من النقود وما يحكم بمثله مما يكال أو يوزن فسواء اشترى به صفقة أو على نفسه فلا يكون الشرى تبعا للمال وهو للمتجر به وعليه ضمان وله ربحه وهو قول حسن عندي. وقال من قال: في هذا إن كان أخذ المال على وجه الاغتصاب غير وتجرته فلا عناء له ولا ربح له وعليه الضمان، وإن كان ثم سبب غير الاغتصاب فله عناؤه. فيما مضى من القول الذي يرى له العنا. ولا أرى (2) له إبطال عنائه ممن يرى له العنا إلا إذا كان مغتصبا، وأما أصحابنا فلا يفرقون في ذلك عن نقد ولا غيره عندي والله أعلم./287/
(1) - في أ، ب: إنه نقض عليه .... بدل: إنه مغصوب .... .
(2) - في أ، ب: ولا نعلم إبطال عنائه ... .
وسألت أبا سعيد – رحمه الله – عمن زرع أرض رجل وليس هو موضع ادلال فهو بمنزلة المغتصب إلا أن يصح أنه زرع بسبب إقرار أو بينه وهذا على قول من يجيز الادلال. وأما على قول من لا يرى الادلال ولا يجيزه فمن زرع مال غيره بلا رأيه فهو بمنزلة المغتصب إلا أن يصح له في زراعته هذه الأرض بسبب يجوز له، فلا يكون غاصبا. (5/253)
صفحة 2113
وسألته عن رجل أقعد رجلا أرضا له، وقال له: لا تزرع فيها إلا برا وذرة فزرع فيها المقعد غير البر والذرة بغير رأي صاحب هذه الأرض. قلت لمن هذه الزراعة. قال أبو سعيد – رحمه الله – هذه الزراعة لصاحب الأرض ولأنه يكون بهذا زارعا بمنزلة المغتصب إذا حجر عليه صاحب الأرض أن يزرع فيها إلا برا وذرة فزرع فيها غير ذلك فهي لصاحب الأرض ولا يكون هذا زارعا بسبب إذا حجر عليه صاحب الأرض، وإنما يكون زارعا بسبب إذا أقعده أن يزرع برا أو ذرة، ولم يحجر عليه أن يحجر غير ذلك فزرع غير البر والذرة رأيناه زارعا بسبب ولم نره بمنزلة المغتصب والله أعلم بالصواب. ولا تأخذ بشيء منه حتى تفرضه على المسلمين وعن رجل اغتصب أرضا لأخر فزرعها ثم أراد التوبة أو أظهر عليه ما يلزمه في ذلك. فقد قيل يلزمه في ذلك ما أنقص الأرض من الزراعة والزراعة لصاحب الأرض. وقد قيل للزارع بذره وما أنفق وعناؤه وقيل ليس له من ذلك كله شيء.
ومن جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب – رحمه الله – إلى أهل المغرب: وعن قوم بينهم أرض تغل وكانوا يقسمون الماء الذي يسيل إليهم من الأكام فأصرفه رجل إلى أرضه كله بغير قسمة أو غصب ذلك منه فأصرف الماء أرضه أيؤكل ما أخرجت تلك الأرض أم لا. فما يجب ذلك على ما وصفتم إذا وجدت غيرها.
/288/
ومن غيره: وأما الذي زرع زراعة على حقوية بمنزلة الزجر ثم ترك زراعته فجاء غيره فسقاها حتى أثمرت بغير رأي صاحبها فالزراعة وما أثمرت للزارع الأول لأن هذا الساقي والقائم بها حتى أثمرت إنما هو متطوع على صاحب الزراعة حتى يصبح غير ذلك والله أعلم. وأما الذي زرع أرض غيره بغير رأيه وهو حاضر ولم يحتج عليه فهذا الزارع بمنزلة المتوقع إذا كان يقدر أن يحتج على صاحب الأرض الشريك لزوجته في هذه الأرض. وقد قيل إن المتوقع ليس له إلا بذره وما بقي لصاحب الأرض والله أعلم.
وعمن سرق غزلا ونسجه ثوبا وأدرك في العمل. هل عليه أن يرد غزلا. مثل الغزل الذي سرقه أو يدرك الثوب الذي نسجه. فعلى ما وصفت لصاحب الغزل الخيار إن شاء أخذ الثوب ورد على النساج كراه، وإن شاء أخذ غزلا (5/254)
صفحة 2114
مثل غزله، وإن شاء قيمة غزله وسواء ذلك كان سرقا أو غلظا، ومن غير هذا الكتاب: وقد قيل لا عرق للنساج والثوب لصاحب الغزل الأول والله أعلم. /289/
باب السادس عشر
في
المعادن والأمانة والأجرة والمشاركة وغير ذلك
قلت له (1):فإن لم يكن من شروطهم أنهم يعلمونها إلى وقت معروف أيثبت في أيديهم أبدا. قال: نعم.
قلت: فإن كان لشروطهم أجل معروف فانقضى الأجل وقد عمل المتقلبون بالمعادن ما عملوا فيها وأصابوا منها جواهر أو لم يصيبوا فطلب أرباب الأرض أن يأخذوا أرضهم. ألهم ذلك؟ قال: نعم. قلت له تردوا عليهم قيمة عنائهم حيث لم يصبوا منها جوهرا كثيرا كان (2) ولم تنزع من أيديهم ويدفع إليهم قيمة عنائهم. (5/255)
صفحة 2115
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – وسألته عن رجل خرج يطلب عبدا آبقا بأجر فأخذه ثم أفلت منه. أبه ثمن (3)؟ قال: لا.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – قال: وجدت في بعض الكتب إن الحيوان كله لا يضمن إلا أن يعلم أنه ضيع. قلت: فهل عندك حسن. قال: نعم. وسئل عن رجل بعث رجلا بكتاب إلى قرية بأجر ويأخذ له الجواب وخرج الرجل حتى كان قرب القرية التي فيها صاحب الرجل الذي يأخذ منه الكتاب ورجع فقال: سلبت ونزع الكتاب وما عليه من كسوة فاعطوني كرائي أشتري به كسوة فإني استحيت أن أدخل القرية وليس علي كسوة فكره أن يدفع إليه شيئا. فقال: إن كان معه بينة فليعطه أجرة بقدر ما بلغ من الطريق وإن لم يكن له بينة فليس له شيء.
وعن رجل له في بلد دراهم فبعث رجلا يأتيه بأجر فلما وصل الرجل إلى البلد فإذا الدراهم قد ضاعت وقد بعث بها إليه قبل قدوم الرسول. هل ترى للرسول أجر؟ أو ليس له شيء؟ فله أجره كاملا إلا أنه يطرح عنه عنا حمل تلك الدراهم في الطريق، برأي أبي عبد الله – رحمه الله -./290
(1) - في ب: لا يوجد قلت له ... .
(2) - في أ، ب: زيادة: أو شيئا قال: بلى لهم عنائهم لأنهم كانوا أصابوا منها جوهرا كثيرا .... .
(3) - في أ، ب: أفلت منه أيضمن ..... .
وقال أبو الوليد: أرى أن له أجر مثله إذا ينج بالدراهم فله أجر مثله من الرسل. قلت: أرأيت إن أصابها فحملها وأقبل بها إلى الرجل فضاعت في الطريق. هل على الرسول شيء. وهو بأجر فهو لها ضامن إلا أن يكون جاءه شيء لا يقدر على دفعه من لص أو سيل أو مثل ذلك مما يعذر الناس به. فإن ذهب بشيء عذر عليه كان من الأجرة بذهوبه ورجعته إلى الموضع الذي ذهبت فيه السلعة. والراعي لا ضمان عليه إلا أن تقوم بينة أنه ضيع اجتمعنا على هذا.
ومن حفظ عزان بن الصقر – رحمه الله – عن أبي عبد الله عن رجلين نساجين يقول أحدهما لصاحبه اعمل لي ثوبا سداسيا وأعمل لك إلى شهر ثوبا سباعيا هل يجوز ذلك؟ فإني لا أراه جائزا يرجع كل واحد منهما إلى أجر مثله في عمل ذلك الثوب.
وعن رجلين زارعين يقول أحدهما لصاحبه احرث لي على ثورك اليوم وأنا أحرث لك على ثوري ثلاثة أيام أو أربعة أيام فإن ذلك لا يجوز وهذا عندي الشيء إلى أجل فهذا لا يجوز وعن رجل استأجر طاحونة بمائتي خريب (5/256)
صفحة 2116
من الحنطة للمسلمين أن يشتروا من كرائها بالذي استأجروا من صاحب الطاحونة فما ترى بذلك بأسا. عن مسبح وهاشم.
وعن رجل معه مائتا درهم مضاربة لكل رجل مائة درهم فخلطها وعمل بهما وأتى عليها الحول هل فيهما زكاة وعن رجل عمل لامه فسل شيئا تعطه (1) من نخل ثم توفي وطلب بنوه الفسالة إلى جدتهم فكرهت ذلك. فهل ترى لهم شيئا فليس لهم شيء إلا أن تقوم بينة إنها فاسلت أباهم على شيء (2) ومما عرض على أبي علي رحمه الله.
وعن الذي أخلط الوديعة في ماله فضاع ماله مع الوديعة أعليه ضمان؟ لأنه لم يستأذنه في ذلك غير أنه يرى أنه أسلم. فلا نرى عليه ضمانا حتى يخرجها من يده إلى غيره./291/
(1) - في أ، ب: وعن رجل لامه فسل شيئا من قطعة نخل.
(2) - في أ، ب: تكرر على شيء. وعدم تكرار في أ، ب.
ومن غيره: وقال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله وقد قيل أنه إذا خلطها فيما لا يتجزى منه ألا يقسمه كان عليه ضمان والله أعلم./292/ (5/257)
صفحة 2117
(توجد فيها تعليقات المحقق فقط) /293/ (5/258)
صفحة 2118
رجع: وعن رجل أئتمن رجلا على أمانة فلما طلبها حجده، فقدر الرجل على شيء بقدر ما كان له من النوع أو غيره، هل له أن يستوفي منه؟ فله ذلك فيما نرى وليعلمه أنه قد استوفى، وقلت كل مستودع ثقة أو غير ثقة قلت: إذا أراد المستودع أن يحلفه هل له ذلك؟ فرأينا نحن فيحلف. قلت: فالذي عنده مال غيره وديعة أو وصية أو مضاربة أو شبه ذلك أو عليه دين فبعث إليه صاحب المال أن ابعث الذي عليك لي والذي عندك ولم يقل على يدي من شئت أو قال إلا أنه لم يقل على يد فلان. فبعث المال فضاع ولم يصل إلى صاحبه أهو له لزم في هذا كله أو قال على يدي أمين فبعث على يدي هو عنده أمين فضاع فأنا نأمره أن لا يبعثه إلا عند أمين وإن لم يشترط عليه فإذا بعث عند أمين اشترط عليه أو لم يشترط لم يضمن لأنه قد أمره أن يبعثه، وإن قال على يد فلان فبعثه مع غيره ضمن.
وعن رجل مرض مرضته خاف على نفسه من مرضه فأراد أن يعتق عبدا له فقال له ولده: إذا اعتقت عبدك فلان اضررت بي فقال له أبوه: فأنا اترك عتقه على شرط أن لا تبيعه أو على أن لا تملكه غيرك. فقال ... له ولده: نعم. ثم عوفى الرجل من مرضته تلك وعاش ما شاء الله من السنين ثم توفي وترك هذا العبد على ولده هل للولد أن يبيع؟ على ما وصفت لك ذلك، فعلى ما وصفت فأما في الحكم إذا صح هذا المريض وقام من مرضه فقد انتقضت أحكام وصيته إلا ما أقر به على نفسه من حقوق الناس التي هي تخرج من رأس ماله. وأما ما أقر به في هذا العبد فهو معنا من الوصية وينتقض فيه قوله بعد صحته.
وعن رجل باع عبدا له وهو أخوه من الرضاعة ما يلزمه في ذلك فعلى ما وصفت فإنه يجتهد في طلبه ورده فإن أعجزه ذلك فيندم على ما كان منه ويستغفر ربه ويصدق في توبته ونرجوا له الخلاص إن شاء الله.
" كيفية إسلام المشرك " حدثنا أبو المؤثر أن محمد بن محبوب – رحمه الله – أنه كان يدخل الهند المشركين في الإسلام وأنا حاضر. قال: وكان يقول /194/ (5/259)
صفحة 2119
لهم: قل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أن ما جاء به محمد بن عبد الله من عند الله حق، كما جاء به من فرائضه وما نهى عنه في محارمه، وأن ثواب أهل طاعة الله رضاه وهو الجنة، وأن عقاب أهل معصيته سخطه وهو النار وقد دخلت في الإسلام بجملته وقد خرجت من الشرك بجملته، وقد خلعت كل معبود من دون الله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله فلما تلى عليه هذا القول سماه باسم غير اسمه الذي كان يسما به في الشرك وكان يقول له: هذا اسمك وكان الذي سما منهم هندي ومنيب وصالح وسلمان هذا ما حفظت مما كان يسميهم به ثم يقول لهم اذهبوا صلوا وقولوا سبحان الله في قيامكم وركوعكم وسجودكم حتى تعلموا وكان يقول لهم اتقوا الأجناس من البول والغايط والغسل من الجنابة. قال: وكان يعلمهم كلمة كلمة. قال وكان الهند الذين أدخلهم في الإسلام بالغين.
" أثر النظر في الوضوء " ومن جواب محمد بن الحسن – رحمه الله – ذكر في رجل نظر إلى عورة نفسه أو إلى فرج زوجته عامدا وهو على وضوء. قلت هل عليه نقض وضوءه فليس عليه نقض وضوءه على ما وصفت. وعن رجل مس بدن أخته لشهوة أو غير شهوة، قلت: هل يلزمه وضوء. فعلى ما وصفت فإن مس من بدنها من الركبة إلى السرة لشهوة أو غير شهوة نقض وضوءه. وإن مس من سائر بدنها لغير شهوة لم ينقض ذلك وضوءه. وإن نظر لشهوة متعمدا فيعيد وضوءه ويستغفر ربه إن كان شهوته لها حرام فيستغفر ربه وإن كان لما نظر إليها اشتهى غيرها للحلال فليس عليه بأس في شهوة غيرها للحلال، والله أعلم بالصواب./295/ (5/260)
صفحة 2120
ومن غيره: وقال أبو عبد الله – رحمه الله – في رجل دفع إلى رجل سدرة قائمة يعمل له أبواب بسهم معروف فعمل ثم اختلفا إن ذلك شيء ضعيف مجهول فإنما يأخذ العامل عناءه. قال: وكذلك عمل الجذوع. وعن رجل أكثرى أرضا بكراء معلوم إلى وقت معلوم على أن يبني فيها ويرفع عنه ما أنفق من الكراء الذي عليه. قال ذلك جائز. وهو مصدق فيما أنفق مع يمينه.
قيل طلب رجل يقال له دلان بن شاذان إلى أبي عبد الله – رحمه الله – أن تعطيه والدته عناه على ما نازع لها بني جعفر بن شاذان فلم ير أله ذلك؟ أبو عبد الله وقال الولد يقوم لوالدته ويعني لهما وليس له عليها عنائه./296/ (5/261)
صفحة 2121
وعن العلاء بن أبي حذيفة: وعن رجل استأجر عبدا بمائة مكوك للذرة والصيف فعمل النصف من الزمان ثم فر (1) العبد ومولاه في بلد آخر غير بلد المستأجر ورفع المستأجر إلى الوالي بالاستئجار عليه أم حتى يحتج على مولاه، فإن كان موضع المولى قريبا حيث لا يضر الاحتجاج عليه بالزراع احتج عليه قبل الاجارة، وإن كان بعيدا أمر الولي بالاجارة واحتج على المولى وأعلمه بذلك إن وافا بعامل كان له عمله وعليه ما استؤجر عليه وإن لم يوف بعامل كان عليه الاجارة. وعنه: إن شهد الرجل على ذهاب العبد واستأجر برأيه أن ذلك عنده لا يجوز إذا كان قريبا من المولى والوالي أولى بذلك.
وعن رجل شارك رجلا في عمله فعمل معه ما قدر ثم خرج من غير إذنه (2) فأبطأ عليه فرفع عليه الوالي يأمره الوالي بالايجارة عليه إذا علم ذهابه، أو حتى يطلب ويحتج عليه وعسى لا يعلم أين توجه فهذا مما يأمر الوالي بالايجارة عليه ولا يطلب ولا يحتج عليه.
وعنه: إن قدم بعد دخول الزرع هل له في ذلك حجة فله حجته إن قال: برأني من بقية العمل أو أدرك اليف وجاء على ذلك ببينة عادلة وعنه: وإن استأجر الرجل برأيه من بعد أن اشهد على ذهاب شريكه أيجوز؟ قال في ذلك نظر من ذوي العدل، فإن كان قد اجتهد ولم يشط (3) لزم الذاهب، وإن كان قد شط لزم الذاهب بقدر ما يرى العدول من الاجارة في مثل من غاب ورفع ذلك إلى الوالي احزم وأحب ذلك إلي واوجب.
وعن رجل استأجر رجلا يعمل معه إلى الصيف وعليه النفقة فأصاب الغيث واكتفى الزرع عن السقي. قال له الآخر: انفق عليك واستعملك، قال: إنما استأجرتني لعمل الصيف وقد ساق الله الغيث ما يرى: يستعمله وينفق عليه فعليه نفقته ولا يستعمله إلا في عمله الذي استأجره له فيه. وقال: إذا عمل الأخذون بالمعادن والمتقلبون بها شيئا من عملها وضربوا أيديهم في شيء ... /297/
(1) - في ب: ثم أقر العبد .... الصحيح فر ... .
(2) - في أ، ب: نقص عن هذه الفقرة.
(3) - في ب: ولم يشترط ..... .
من عملها وحفرها فهي ثانية في أيديهم على ما تشارطوا عليه أهل تلك الأرض ولو كان شروطهم مجهولة لأن في الشروط المجهولة ما يثبت مثل المضارب في مال رجل بحصته مسماة من الربح لا يدري كم ربحه ولعله لا يربح شيئا فهذا مجهول وهو ثابت إذا ادخل في شيء من عناؤه في المضاربة فإن رجع احدهما على صاحبه من قبل دخول المضارب في شيء من عنائه كانت له الرجعة وانفسخت المضاربة لحال ما دخل فيه من الجهالة. (5/262)
صفحة 2122
وعمن يعرف بغسل الموتى فيدعونه قوم إلى ميت عندهم وذلك الميت أولياؤه نساء فينحصر (1) ذلك الرجل فيأمر بنزع ما على الميت من لباس وربما كان به خاتم فيأمره بنزعها من يده ويضمن ما قد نزع من عليه، وفي ورثته أيتام أو نساء لا يخرجن إليه ولا يراهن وربما احتاج الميت إلى شراء كفن فيأمرن النساء من ورثة ذلك الميت بشراء الكفن فيشتري الكفن ويدفع إلى ذلك الرجل الذي يحسن غسل الميت فيكون الثوب واسعا لعل فيه فضلا بعد أن يلف على الميت هل يجوز لهذا الرجل أن يترك تلك الفضلة ويردها على الميت أم يأمر بقطعها ولا يسعه بردها على الميت بعد أن استكفى إذا كان في الورثة الصبي ومن لا يجوز حله. فعلى علي ما وصفت فهذا الرجل إذا قبض الثوب ممن يدفعه إليه من البالغين من النساء والرجال فيوكد عليه في ذلك الثوب أنه قد أجاز له أن يكفن به هذا الميت وأن يفعل فيه ما أراد من مصالحة من خرق الثوب وغير ذلك مما لا يقوم الكفن إلا به. وكذلك ما فضل منه وأنه لا ضمان عليه فيه ويترك لنفسه على ما يريد هو، فإذا وسعه الذي دفعه إليه وأجاز له ذلك الثوب جاز له ذلك إن شاء الله وما نزع من الميت وله ورثة أيتام فهو أمين فيه حتى يسلمه على سبيل حق يكون له فيه السلامة وهكذا سبيل تجارات الاخرة في أعمال البر محفوفة بالمكارة فمن ترك ذلك المكروه لما يخاف منه فيما لا يسعه إلا بالقيام به لم ينل ما يرجوا من ثوابه ولا توفيق إلا بالله./298/
(1) - في أ، ب: فيحضر .... .
الباب السابع عشر
في
الأمانة
مسألة (1):وقيل في رجل سلم إلى رجل دراهم أو غير ذلك على وجه الأمانة وقال: إنها لفلان غيره حين سلمها إليه (2) وليس له ولا عليه أن يسلمها إلى الذي أقر له بها إذا أنكر الإقرار وادعاهه لنفسه وإن لم يكن ينكر الاقرار ويدعيها لنفسه فهو بالخيار إن شاء سلمها إلى المسلم لها وإن شاء سلمها إلى المقر له بها. وقد قيل هو بالخيار إن شاء سلم إلى هذا وإن شاء سلم إلى هذا أنكر أو لم ينكر رجع عن إقراره أو لم يرجع. وقيل ليس له أن يسلمها إلا إلى المقر له بها لأنه لا حجة للمقر فيها، وقد ثبت عليه إقراره ولا يجوز تسليم مال غيره إليه وسواء ذلك معنى أنكر أو لم ينكر وهذا قول حسن صحيح. وقيل إنه يسلمها إلى الذي سلمها إليه إلا أنه يجمع بينه وبين الذي أقر له (5/263)
صفحة 2123
بها ثم يعلمه ويسلمها إليه بحضرته ويكون شاهدا له عليه بإقراره فإن طلبها جميعا إلى الحاكم فاجتمعا فأنكر المقر الاقرار وأقر القابض لها بالقبض (4) وادعى الاقرار منه لهذا لم يقبل قوله وأمر بتسليمها إلى المسلم لها. وإن صدقه في الاقرار حكم بها الحاكم للمقر له ولا نعلم في هذا (5) اختلافا./299/
(1) - في أ، ب: مسألة بدل باب.
(2) - في أ، ب: زيادة: حين سلمها إليه أو بعد ذلك ثم أراد صاحب الأمانة التي معه بأن يتخلص من ذلك فقيل
أنه يسلمها إلى الذي سلمها إليه .... .
(3) - في أ، ب: زيادة: سلمها بجمع أنكر إذا طلبها إلا أنه لا يسلمها إليه حتى يشهد عليه وقيل إنه يسلمها إلى
الذي سلمها إليه إلا أنه يجمع بينة ... .
(4) - في أ، ب: وأخفى لعله أراد وادعى .... .
(5) - في أ، ب: في ذلك اختلافا.
ومن غيره: وعن أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة قلت له: فإن دفع إليه شيئا وقال سلمه إلى فلان فوجد فلانا قد مات. قال: يرده إلى الذي سلمه إليه. قلت (1):فإن رجع ليرده إلى الذي سلمه إليه فوجده قد هلك فقال: يدفعه إلى ورثة المقر له به. وإذا قال سلم هذه السلعة إلى فلان وذهب ليسلمها إليه فوجده قد هلك فرجع ليردها إلى الذي سلمها إليه فوجده أيضا قد هلك فقال: يسلمها إلى ورثة الذي سلمها إليه.
وسألت عن رجل يطلب إلى رجل حقا له عليه وأمانة في يده وهو يقدر على تسليمها إلا أنه له شغلا فدافعه عن أمانته وعن حقه وهو يريد دفعه إليه هل يكون آثما بذلك. قال: إن لم يكن له عذر فهو آثم وعليه ضمان تلك الأمانة إن تلفت منعه إياها حين طلبها احبها. وهو يقدر على تسليمها.
ومن غيره: قال أبو عبد الله – رحمه الله – في رجل ادعى إلى رجل أن له معه ألف درهم. فقال الرجل كانت معي ثم دفعتها إليك. قال: القول قوله إلا أن يأتي الطالب بالبينة (2) فعليه في ذلك البينة أنه دفعها إليه. قلت لأبي سعيد: ما تقول في هذا. قال معي: إنه كما قال أبو عبد الله لأنها تخرج مخرج الأمانة والأمين مصدق فيما قال من الدفع وعليه اليمين إن طلب المدعي منه اليمين ومعي أنه يخرج في بعض القول ما معي أنه قيل لا يمين على الأمين وليس عندي أنه من قول أصحابنا قلت: فإن ادعى أنه له عليه عشرة دراهم فقال المدعى عليه: قد كانت علي ثم دفعتها إليك متصلا هل يكون مدعيا في قوله ذلك. قال: هكذا عندي أنه قيل أنه إذا كان متصلا قوله بالتسليم مع الاقرار كان القول قوله مع يمينه إذا قال: كانت علي وسلمتها إليك أو قد سلمتها إليك أو قضاتك إياها./300/ (5/264)
صفحة 2124
(1) - في أ، ب: زيادة: قلت: فإن قال له: هذا الشيء لفلان سلمه إليه وذهب إليه ليدفعه إليه فوجده قد مات قال
يرده إلى الذي سلمه إليه. قلت فإن رجع.
(2) - في أ، ب: إلا أن يأتي الطالب ببينة فعليه.
الباب الثامن عشر
في
مسائل مختلطة في الإقرار والمضاربة والقعادة
في الأرض والمعادن والقسم والبيع والخيار
وغير ذلك
رجع إلى كتاب أبي جابر:
" ادعاء الحرية والعبودية " وقال من قال: إذا أقرت جارية أنها مملوكة لرجل ولها أولاد بالغون يقرون أنها أمهم ويقولون أنها حرة. فقال من قال: إذا أقروا أنها أمهم فهم مماليك لمن أقرت هي أنها مملوكة له (1) وليس يرى أن يكون أولادها مماليك وهم بالغون إلا أن يقروا بذلك هم. وأما الذين ليسو ببالغين فالقول قولها فيهم إذا كانوا في يدها وهم مماليك لمولاها. فإن بلغوا فادعوا أنهم أحرار وأنكروا أنها ليست أمهم كان القول قولهم حتى يقيم المدعي لهم البينة أنهم عبيده.
وقال من قال: إذا قال رجل: هؤلاء عبيد وهم يسمعون فلم يغيروا ذلك ولم ينكروا ثم أنكروا من بعد فهم عبيده إذا كانوا في يده ولا أحب أن تلزمهم الملكة بالسكوت حتى يصح أنهم عبيده لأن هذا غير الأصول، ومن (2) ادعى رجلا أنه عبده وأقر الآخر أنه مملوك له ثم باعه ثم صح بالبينة أنه حر فهو حر ويرجع المشتري عليه بثمنه لأنه قال: أنه عبده وغره حتى أعطى ثمنه وإن لم يقر بشيء واشتراه المشتري من البايع ثم صح أنه حر فهو حر ويلحق المشتري الذي باعه له بالثمن. /301/ (5/265)
صفحة 2125
(1) - في أ ... : الجواب: فليس نرى.
(2) - في أ، ب: زيادة: وأما إذا ادعى رجل على رجل أن مال المسمى كذا وكذا فهو ماله وهو حاضر يسمع
ولم ينكر عليه فهو للمدعي لأنه لم ينكر عليه فهو أكثر القول وهو غير العبيد والله أعلم.
ومن ادعى رجلا.
وقال أبو عبد الله – رحمه الله – إذا كانت شجرة بين شركاء فطلب أحدهم قسمتها (1) وكره الباقون ذلك فإنها لا تقسم قائمة ولكن تقطع ثم يقسم بينهم وهي مقطوعة، وإن لم يتفقوا على قطعها وكانت من صاحبات الثمار قسمت الثمرة، وكذلك عندنا النخلة تقسم ثمرتها إذا لم يكن غيرها. قال: وقد قالوا في العبيد أيضا إذا كانوا بين شركاء أنهم يباعون ولا قسم فيهم إذا اختلفوا.
" بيع العبد المشرك " وقال من قال: إذا كان عبد بين شركاء فإنه يخدم كل واحد منهم بقدر حصته إلا أن يكون الشركاء في قرى مختلفة فإنهم يجبرون على بيعه. ولا يختلف بين القرى إذا طلب العبد ذلك. وأما الدواب بين الشركاء فإذا طلب أحدهم بيعها بيعت ولو كانوا في قرية واحدة، وضمان على الراعي ولو قبل بالضمان إلا أن ينام عن رعيته فتضيع أو يكلها على غيره فتضيع. ومن استرعى راعيا في دابة شهرا ثم باعها قبل ذلك فيوفيه أجره، وأما إن ماتت واستحقت عليه بشاهدي عدل فعليه أجر ما رعيت لأن هذا لم يجيء منه.
قال أبو الحواري إذا استرعى راعيا شاة فقال شهرا بكذا فرعاها عشرة أيام ثم حبس صاحب الشاة شاته فعليه للراعي أجرة شهر. وكذلك إذا قال هذا الشهر وقيل إذا قال شهرا والشهر ثبت له مقدار ما رعى وعلى العامل أن يتم عمله إلا أن يقيم عاملا مثله في الجزاء والأمانة، والذي عمل مع نساج ثوبا بنصيب أو مع صاحب بئر بجزء معروف، فلما عمل طلب النساج معه ما ينوبه من أجر الخشب، وكذلك إن طلب صاحب البئر أجر المنجور والآلة التي له على /302/
(1) - في أ، ب: وطلب أحدهما قسمها. (5/266)
صفحة 2126
البئر، فقال: لا شيء له على الأجير في ذلك حتى يكون اشتراط عليه الكراء لذلك أو كان هو قد أخذه بأجر من غيره فعند ذلك يكون على كل واحد منهما من الأجر بقدر حصته. وكذلك ما يكون مثل هذا والنجار الذي يعمل الخشب بالأجر إذا انكسر أو توى فعليه الضمان. وقيل الختان إذا ازال فقطع شيئا من الحشفة ضمن ولو لم يتعمد لذلك./303/ (5/267)
صفحة 2127
الباب التاسع عشر
في
القسم
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – في رجل له شركاء في مال مشاع وأنه أعطى أحد الشركاء حصته وقسموا المال ثم رجع الذي أعطى يحتج أنه لم يعرف الذي أعطى ويطلب نقض القسم فلم ير له نقض القسم ورأى له الرجعة في العطية إذا لم يعرف ويأخذ السهم الذي وقع للذي أعطاه بذلك القسم. وقيل أيضا إذا كان نخل أو أرض أو ماء في خباير فباع أحدهم حصته من شيء من ذلك مشاعا غير مقسوم وبقيت حصته في شيء من ذلك أو باع حصته من جميع هذا المال لناس شتى لكل واحد منهم شيئا، فإني أرى أن يعدل العدول هذا المال من هذه الخباير بالقيمة ثم يقسطونها وفي نسخة يقسمونها على سهام هؤلاء الشركاء فإن وقع سهم البايع بحصته بالتاليف في الموضع الذي باعه ثم يبيعه. وإن وقع سهمه في غير ذلك الموضع الذي باعه فإني أرى بيعه هذا منتقضا لأن هذا ضرر على شركائه ويرجعون ويقسمونه ويألف لكل واحد حصته في موضع. ةكذلك في الأرض والنخل والمنازل. وإذا كان مال بين شركاء في أفلاج فأرادوا أن يقسموه فإنه يقسم كل فلج على حياله ما كان فيه من نخل وأرض ولا تحمل الأرض على النخل ولا يحمل مال (1) فلج آخر نخلا أو أقل أو ما لا يقع منهن لكل صاحب سهم ما ينتفع به فإن هذا النخل لا تحمل على غيرها من فلج آخر ولكن يقسم مع الأرض من ذلك الفلج بالقيمة على الأرض./304/
(1) - في أ، ب: ولا يحمل مال فلج على مال فلج آخر نخلات أو أقل ... .
وقيل في قوم قسموا قسما فبقيت نخلة وحفرتان في فلج آخر ليس لهم فيه إلا ذلك. والقسم على ثمانية أسهم أو أقل أو أكثر فقيل تحمل هاتان الحفرتان والنخلة على ما كان في الفلج الآخر إذا لم يمكن أن يقع من ذلك لكل سهم ما ينتفع به. وإذا لم يحضرا القسم جمع الشركاء أو وكلائهم في ذلك فهو منتقض. (5/268)
صفحة 2128
مسألة (1): وإذا شهد شاهد عدل على مال أنه لجميع بني فلان ولا يعرفان إلا أنه مشاع، وشهد شاهدا عدل أنه قد قسم وبان لكل واحد سهمه ولم يعرفا ولا أبانا لكل واحد حصته وفيهم هالك عليه صداق لزوجته فعن أبي عبد الله – رحمه الله – أن شاهدي القسم لهذا المال أولى من الشاهدين أنه مشاع./305/
(1) - في أ، ب: هذه المسألة غير موجودة ... .
رجع (1): وبلغنا عن أبي عبد الله في ثلاثة نفر بصحار ورثوا مالا خلفه أبوهم ولهم مال اشتروه والثمن مما يجمعهم وليس لأحد منهم في ذلك فضل على أحد ثم قسموه واحدة وحملوا نخل الشرى على نخل الميراث ثم طلب أحدهم النقض فرأى أبو عبد الله أن ذلك قسما منتقضا وقال (2):إذا جمع فوقع ما اشتروه في سهم واحد ثم استحق فليس يرجع عليهم في الذي ورثوه ولكن يقسم الميراث قسمة والذي اشتروه قسمة أخرى فإن أدرك أحد منهم رجع على أخوته فيما في أيديهم من الميراث (3).
ومن غيره (4): قال أبو الحسن: إذا كان المال كله لقوم والسهام في هذا كالسهام في هذا وهم ورثة الجميعين قسم المال كله قسمة واحدة وأجاز ذلك (5). (5/269)
صفحة 2129
ومن غيره: وفي بعض الآثار من المسلمين قال: إذا كان مال بين شركاء في أفلاج فأرادوا أن يقسموه، فإنه يقسم كل فلج على جباله ما كان فيه من أرض أو نخل ولا يحمل مال كل فلج على فلج آخر ولكن يقسم مع الأرض من الفلج بالقيمة على الأرض ويألف لكل واحد من الشركاء ما كان له ولا يفرق عليه. وإن أراد بعض الشركاء أن يتألفوا ليكون السهم واحدا وكره ذلك عليهم من بقي منهم فقيل ليس ذلك لهم أن يتألفوا ويستهم كل واحد منهم بسهمه. وفي بعض الرأي أنه إذا لم يكن في ذلك ضرر على أحد الشركاء فذلك جائز له. وأما إذا وقع الضرر على واحد منهم لم يلتفت إلى من فعل من ازالته بحصته ويقسم بالعدل بينهم فإذا بان سهمه فليدفعه إلى من شاء. /306/
(1) - في ب: ومن غيره. ... وفي أ: لم يذكر شيء.
(2) - في أ، ب: وقال: إذا جمع .... بعد ومن غيره قال أبو الحسن.
(3) - في أ، ب: في أيديهم مما اشتروه من الشراء وكذلك إن أدرك فيما وقع له من الميراث رجع عليهم فيما
في أيديهم من الميراث. والقول الذي يضاف إلى أبي الحسن أن يكون بعده هذه له كله.
(4) - في أ، ب: مسألة .... بدل ومن غيره.
(5) - في أ، ب: زيادة: وإذا شهد شاهد عدل على مال أنه لجميع بني فلان ولا يعرفان أنه مشاع، وشهد شاهد ... عدل أنه قد قسم وبان لكل واحد منهم سهمه ولم يعرفا ولا أبانا لكل واحد حصته وفيهم هالك
عليه صداق لزوجته فعن أبي عبد الله – رحمه الله – أن شاهدي القسم المال أولى
من الشاهدين أنه مشاع. ومن غيره: وفي بعض الآثار .... .
ومن جواب أبي مروان في رجل هلك وترك أولادا وترك دارا فطلبوا قسمها فدخلها القاسم فقسمها بينهم ثم أن بعض الشركاء شكوا الغبن فادخلت الدار عدولا مع القاسم لينظروا في ذرع الدار والغبن فوجدوا موضعا فيها اجملوه فوصل مائتي ذراع أو أقل ثم لم يقوم في شيء من السهام وكان ذلك في سهم اليتيمة وأخيها وليس ذلك في سهم البالغين شيء فطلب النقض ورد القسم وكان رأي ورأي من حضر لي من الإخوان النقض لأن الباقي الذي لم يخر له قيمة للشركاء كلهم فمن كره منهم أن يخرج منه إلا بالسهم فذلك له. وإنما يكون السهام ثابتة ويرد من السهام إلى بعضها البعض إذا أحصى المال بالقيمة والذرع ورفع الغلظ ثم أدرك معرفة ذلك بعد طرح السهام فذلك يرد إلى السهام من بعضها لبعض، فأما هذا فحق العامة أن يردوه جميعا.
ومن غيره: في قوم قسموا بينهم مالا فلما قضوا القسم نظروا أو إذا هم قد نسو نخلة مما يجري عليه القسم قال: القسم منتقض وعن قوم بينهم أرض متفرقة ومنازل ودكاكين وكل موضع من مالهم فهو ضيق إذا فرق بين (5/270)
صفحة 2130
السهام غير أن القوم تراضوا أن يقسموا موضعا من مالهم ووقفت العدول القسام وطرح السهم وبان لكل واحد منهم سهمه وهي قسمة عدل غير أن واحدا منهم رجع من أن طرح السهم. نقول: إن الذي بقي من مالنا لا يصلح قسمه وفي قسم الذي يبقى وحده ضرر، وطلب نقض ما قسم وبعض أهل السهام تمسك بسهمه وكره نقض القسم فما نرى قسم القطعة التي قسموها إلا جائز إلا ينقض ولو كان قسم ما بقي فيه ضررا. إذا كان قسمه على ما وصفت. وسألته عن مال مشترك بين أيتام وبالغين، عدم البالغون من يقسم لهم هذا المال بالمقاسمة والنظر وطرح السهام على كل نخل وأرض في موضعها، هل يجوز أن ينظر لليتيم بقدر حصته من المال ويقاس له وكيلة بجانب من المال بحصته ويكون ذلك ثابتا في بلوغه ويتمه قال معي: إذا كان مما يختلف فيه ويعجبني إذا كان ذلك عند عدم المقاسمة على الوجوه التي تثبت في الأحكام إذا كان في النظر يرجى صلاح هذا اليتيم أكثر من المشاركة أو طلب ذلك الشركاء وكان لا ضرر عليه في مثل ذلك أعجبني أن يكون ذلك جائزا على الاجتهاد في /307/
النظر لليتيم والشركاء. قلت له: فإذا رأوا أن ذلك أوفر لليتيم فكيف صفة ذلك وتفسيره في بقية المال والقيمة فيه.
وقال معي: إن أحسن ما يخرج في ذلك أو ينظر ذلك على حسب الاجتهاد في القسم فمعنى بالقياس والقيمة على حسب ما يكون ذلك في القسم في الأرض والنخل ثم يؤلف لليتيم ما له من كل أرض فلج في موضع على حسب ما يكون القسم وكذلك في النخل، وكذلك في المنازل، فيكون النظر على حسب المقاسمة.
وفي الأصل وعلى شئت في الحكم من قسم كل أرض فلج قسمة واحدة ونخلة كذلك فإذا ثبت معاني ذلك كانت واجبة القياض على هذا السبيل أن تقايض لليتيم بهذا الذي يوجد له من جميع حصصه من نخل هذا الفلج ومن أرض هذا الفلج بما يؤخذ له بما يستق ويقاس له به وكذلك المنازل، قلت له: فإن كان المال على أفلاج عدة هل يجوز أن يؤخذ له من فلج واحد بجميع ما يقع له من تلك الأفلاج. قال: إذا رأوا أن ذلك أصلح له وأوفر له رجوت إجازته إن شاء الله./308/ (5/271)
صفحة 2131
الباب العشرون
في
مسائل مختلطة من ضروب من الشرع كثيرة
وقال: مات رجل من أهل عمق (1) وأوصى بدين عليه ووصايا ثم ماتت زوجته وأوصت أيضا بدين عليها ووصايا وخلفا ولدا يتيما وللأب مال في عمق وللأم مال في توام وأوصيا جميعا إلى رجل واليتيم بعمق وبها منزل والده فرأى الوصي أن يبيع من المال الذي بتوام في جميع ما على والد اليتيم ووالدته ورأى (2) أن يستقي له ماله الذي بعمق من المال إذا كان حيث يسكن، فرأى أبو عبد الله ذلك بيعا منتقضا وقال: إنما يباع بما على والدته اليتيم من مالها الذي بتوام وعلى والده من ماله الذي بعمق لأنه إذا بيع لجميع ذلك بيعا منتقضا (3) وقال: إنما يباع من مالها من توام فادرك فيه المشتري لم يرجع على المال الذي بعمق لأن دينها ووصيتها إنما يكون في مالها. وكذلك الزوج إنما يكون دينه ووصيته في ماله. والله أعلم.
قال أبو علي حفظه الله (4):وقد قيل أن ذلك وإذا شهد يهوديان لمسلم بحق على يهودي هالك، وشهد يهوديان بحق ليهودي أيضا فإنه يقضى للمسلم قبل الذمي فإن فضل شيء كان للذمي حقه كذلك قال بعض الفقهاء: وإن شهد اليهوديان للمسلم بحق على اليهودي وشهد /309/
(1) - في ب: من أهل عتق .... . (5/272)
صفحة 2132
(2) - في أ ... : وأراد أن يستقي ... .
(3) - في أ، ب: لا يوجد: بيعا منتقضا ... .
(4) - في أ، ب: وقال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
المسلمان للذمي تحاصصا ما ترك اليهودي إن لم يكن في ماله وفاء لهما كلا منها. وقيل إذا أقر رجل فقال: إن علينا وهم ثلاثة لفلان ألف درهم فإذا رجع فإنما يلزمه ثلث ذلك. وإذا وضع رجل مع رجل مالا وقال له: إن لم أجي إلى وقت كذا وكذا فهو لك فلم يج أو جاء بعد ذلك. فقال بعض الفقهاء: هو بحاله فإن جاء صاحبه فطلبه فهو له لأن هذا بمنزلة عطية فيها مثنوية. وإذا باع أيضا رجل أرضا معروفة بشر بها من الماء فذلك مجهول ولا يجوز البيع ولا يجوز مثل هذا إلا في الصدقات إلا أن يقول: وبشر بها من الماء من فلج معروف يدور يوم معروف أو ليلة معروفة وهو كذا وكذا من الماء سياس يوم أو ليلة أو ربع أو ثلث أو أثر من كذا وكذا أثرا من يوم وليلة فهذا بيع جائز ولا يفسد بيعه لأنه لو فسد بيع هذا لبطل بيع الماء.
وإذا مات رجل وترك ألف درهم وترك ابنين وأخذ كل واحد منهم خمسمائة درهم فأتلف أحدهما الخمسمائة درهم (1) فإن له عندنا أن يأخذ الخمسمائة الباقية التي في يد أحد الوارثين ويرجع على شريكه بنصفها.
وقيل في رجل اكترى دابة يحمل عليها متاعا له فعقرت أو كسرت وهي في يده حاملة متاعه فشهد على رجل أنه عقرها أو اعترض لها فكسرها إن شهادته جائزة إلا أن يقوم عليه بينة عدل أنه حمل على هذه الدابة غير ما اكترى حاله (2) وأما الذي استأجر دارا إلى وقت معروف ثم توزع فيها صاحبها ثم شهد هذا الساكن بالدار أنها للذي أسكنه فإن شهادته لا تجوز عندنا في الوقت الذي له سكن هذه الدار ولكن تجوز شهادته للآخر. ورجل له على رجل ألف درهم فقال (3) للطالب هذا كيس فيه ألف درهم فخذه فأخذه ثم رجع إليه. فقال له: إنما الدراهم خمسمائة. وكذلك وجدتها فله أن يرجع عليه /310/
(1) - في ب: من أهل عتق ... .
(2) - في أ ... : وأراد أن يستقي .... .
(3) - في أ، ب: لا يوجد: بيعا منتقضا ... . (5/273)
صفحة 2133
بخمسمائة درهم إذا لم يكن وزنها عليه حين دفعها إليه إلا أن يشهد عليه شاهدا عدل أنه صدقه على قوله إنها ألف درهم وقبلها منه فليس له أن يرجع عليه بشيء. وعلى الدافع يمين بالله لقد دفع إليه ألف درهم التي كانت عليه. وكذلك في (1) المسألة على الذي دفعت إليه. وقال إنها خمسمائة ورجع بخمسمائة الباقية أن يحلف يمينا بالله ما أزال هذه الدراهم من يده ولا خانه في شيء منها، وما وجدها إلا خمسمائة درهم. وإذا كان رجلان بينهما أرض وفي تلك الأرض نهران بكل واحد منهما نهر وليس بينهما حد وأحدهما يغشى من الآخر (2) رضي ما لا يغشى الآخره فليس لكل واحد منهما إلا النصف من الأرض إذا كان شريكين فيها.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – في رجل غاب وله مال ولم يعلم أين توجه ولم يوكل وكيلا، فطلب بعض ورثته توقيف ماله. قال: إن صح أنه خرج من حدود عمان وقف الحاكم ماله. قال وجعله في يد ثقة حتى يرجع فيكون له أو يصح موته فيكون لورثته وإن لم يصح خروجه من عمان لم يوقف ماله إلا أن يتقادم ذلك ولم يصح أنه خرج من عمان فعسى أن يوقف ماله على يد ثقة.
وفي جواب أحسبه من أبي علي – رحمه الله – إلى بعض الولاة أن جودا أحضرني فلانا وفلانا فشهدا أن جود بن عبد الرحمن وبشر بن النظر الهالك بالجميل حدا بين من ولد حازم وحازم بجمع جودا وبشرا إلا أنهما لا يعرفان عدد الآباء إلى حازم فقد قبلت شهادة الشاهدين ورأيت أن الميراث لجود ابن عبد الرحمن ولا قطع على أحد حجة ولا دعواه وإنما رأيت لجود هذا الميراث إذا لم /311/
(1) - في أ، ب: وكذلك في أول المسألة .... .
(2) - في أ، ب: وأحدهما يعشى من الأرض مال يعشى الآخر .... . (5/274)
صفحة 2134
يثبت أحد مثل ما أثبت. وقد أخبرني جود أن لبشر والد وأخوين من أمه فلهم ميراثهم وله الباقي. قال أبو الحواري: إن كان هذا عن أبي علي صحيحا فهو كما قال إلا أن نبهان حدثنا عن رجل في بلادهم يقال له: عبد الواحد بن محمد بن محفوظ نسبه وهو أخوه النعمان بن عثمان إلى محفوظ وبقي بينه وبين حسين أب لم يعرفاه وكان عبد الواحد يدعي ميراث رجل يقال له عبد الله بن عبد الله يلقاه إلى حسين ولم يعرف الأب الذي بين محفوظ وحسين يسقط نسبه.
وأحسب أنهم أبطلوا ميراث عبد الواحد من عبد الله بن عبد الله هكذا معي وبه نأخذ وقيل عن موسى بن أبي جابر- رحمه الله – في امرأتين ولدتا في وقت واحد معهما قابلة واحدة فوضعت ولد هذه على حدة وولد هذه على حدة ثم رجعت فأعطت إحداهما الذكر وإحداهم الأنثى فادعت التي عنده الذكر وقالت التي هو في يدها هابل هو ولدي فقال كل واحد أولى بما في يدها وليس ذلك كذلك حتى تأتي المدعية بالبينة وقيل من شهد له شاهد أن فلانا أقر له بقطعة وشهد له آخر بأنه أعطاه إياها وأحرزها إن تلك شهادة واحدة. وذلك جائز.
وأما الحفار الذي حفر قراحا لأهل فلج قاطعوه عليها فلما حفر بعض عمله جرى السيل ودخل الفلج ودفنه بالحدث الذي حدث من السبيل على أهل الأصل اخراجه حتى يرجع الفلج إلى حالة التي كان عليها قبل السيل ثم يستتم الحفار عمله. وإذا شهد القاسمان أنا قسمنا هذا المال وأنكر بعض الشركاء سقطت شهادتهما وكذلك كل من شهد على فعله.
ومن وكل رجلا في تقاضي دين له ثم قدم قولي ذلك لنفسه فشهد الوكيل له بشهادة على بعض ما كان يتقاضا منه فشهادته جائزة إذا زالت وكالته، وكذلك القاسم إذا شهد بسهم أنه لفلان ولم يذكر أنه قسمه له فشهادته جائزة.
وعن أبي علي فيمن باع أرضا فيها شجر مثل الحلف والأثل فباعها من حد إلى حد ثم أن المشتري أحرقها أو باعه أرضا معمورة تزرع ومعها خراب فيه حجارة فعمر المشتري فأخرج من ذلك الخراب مثل العمار واحتج البايع أني بعتك شيئا مغطا لم أحط به فلا ترى لمن احتج في هذا حجة إذا نظر إلى جملة الأرض وعرف حدودها، وقال في رجل أعطى رجلا عملا يعمله له ثم جحده العامل /312/ (5/275)
صفحة 2135
فاستحلفه فحلف ما عنده له شيء ثم له رده عليه معمولا أن له جعله (1) على ما تشارطا ومن ادعى له وكيله حقا إلى رجل فانظر أنكر المطلوب وأراد الوكيل أن يحلفه فنزل إلى أن يحلف الطالب على حقه فإنه لا يؤخذ شيء حتى يصل الطالب من غيبته ويحلف على حقه. فإن قامت على المطلوب بينة بالحق أخذ به إذا صح عليه فإن طلب يمين الذي له الحق كتب هذا الحاكم الذي يتنازعان عنده إلى ولي البلد الذي فيه الطالب أن يستحلفه على حقه الذي صح له فإن أراد المطلوب أن يخرج يحضر اليمن أو يوكل فذلك له وإلا حلفه الوالي وكتب بذلك مع ثقة إلى هذا الحاكم ثم يأخذه بذلك الحق، وإن كان الذي صح له الحق خارجا من عمان وأقام وكيله بحقه شاهدي عدل أخذ الحاكم المطلوب بما صح عليه بالبينة ولا يبطل الحق لحال اليمين فإذا وصل الغايب وأمكن أن يحلف حلف.
وقيل في شريك (2) في زراعة جاء كل واحد يبذر نبت بذر واحد ولم ينبت بذر فهما على شركتهما وما أصاباه فهو بينهما. وعن قوم قسموا أرضا فيها سدرة أو غيرها من الشجر وهي يومئذ صغيرة فوقعت الأرض لرجل والشجرة لغيره فعظمت الشجرة واتسعت أغصانها فرأي أبو علي أن ليس لها إلا قدرها يوم القسم وما زاد على ذلك قطع عن الأرض إذا علم ذلك. وإذا كانت عند امرأة في ميلادها قابلتان وماتت المرأة في ميلادها، فقالت أحد القابلتين خرج الولد حيا ومات بعد ولادته. وقالت الأخرى خرج ميتا فالقول قول الذي شهدت بالحياة ومن طلق امرأته ثم تزوج أخرى ثم رد الأولى في العدة وطلبتا المهر جميعا فحق الأخرة عليه كما كان وللأولى صداقها./313/
(1) - في أ، ب: وقيل شريكين ... .
وقال غيره: وقد قيل أن الحق للآخرة منهما. وقال من قال: الحق لهما جميعا وقال من قال: ليس يحمل عليه حقهما جميعا والله أعلم. (5/276)
صفحة 2136
ومن استأجر رجلا يحفر له بئر إلى الماء فذلك مجهول. وأما الذرع فإذا كان الحفر على ذرع معروف ومعرفة أنواع الأرض من تشديد ذلك وهينة فذلك جائزة. وكذلك يوجد عن أبي علي – رحمه الله – وبعض رأي ذلك مجهولا أيضا.
ومن الشروط مثل المعادن وغيرها مما يشبه ذلك إذا دخل العامل في عملها يثبت تلك الشروط وإن كانت مجهولة. وإن رجع أحدهما قبل أن يدخل العامل في العمل فهو منتقض.
وقيل في رجل اشترى من رجل جرابا من تمر وأشركه فيه رجلين أو ثلاثة فلما قسموه وجدوا التمر فاسدا فتمسك بعضهم بنصيبه وأراد بعضهم أن يرد حصته. فقال بعض الفقهاء: له أن يرد حصته على الذي شاركه وللذي يشاركه أن يرد على الذي اشترى منه. وقيل في الذي يشتري الجراب فيجده فاسدا ثم يأكل منه بعد ذلك ما أكل ثم يرد رد الباقي فقال البايع: قد أكلت وأبصرت ولا اقيلك، فقيل له أن يرد ما بقي ويعطي ثمن ما فات من التمر ولا يلزمه ما بقي لحال ما أكل وهذا غير ذلك وقال بعض الفقهاء: يلزمه إذا أكل منه أن رآه
فاسدا./314/
ومن غيره: قال أبو الحواري: من أقر لرجلين أن لهما عليه ألف درهم فلما كان بعد أيام قال: لهذا كذا ولهذا كذا، فإن القول قوله في ذلك إلا أن يموت ويحكم عليه لهما. قبل أن يخبركم لكل واحد منهما فإنه حينئذ ينصفان وإذا شهد شاهدان على شاهد أنه يأخذ الرشوة أو في يده حرام. فقيل إن ذلك لا يخرج ولايته (1) حتى يعلما أنه أكل ذلك متعديا. وزعم عمرو بن سعيد وحفظ لنا عن أبي عبد الله أنه كان رائيه لا يخزن الطعام الذي يجلب إلى الأسواق (5/277)
صفحة 2137
مثل الحب والتمر والأرز وأشباهه وهذا يؤمر صاحبه أن يصبر عليه ثلاثة أيام ثم يبعه بعد ذلك كيف أراد، وأما ما كان من الأدام مثل السمك والحرض والملح فلا يؤمر صاحبه أن يحبسه ولا أن يبيعه كيف ما أراد.
جواب إلى أبي الحواري: أما بعد وفقك الله وإيانا للعدل والصواب.
وصل كتابك تذكر في رجل أوصى لولد له في مرضه التي مات فيها أن عليه لزوجته ستين نخلة وله بنات من غيرها وولدا أيضا ليس منها ثم أن البنات أنكرت الزوجية والولد مقر ثم إن البنات هلكن ورجع المال إلى الولد والمال لم يجر فيه قسم إلى أن رجع المال إلى، ثم إن المرأة طلبت إلى الولد حقها فما ترى يلزمه الحق كله أو لا يلزمه إلا في نصيبه إذا كن اخواته منكرات، فعلى ما وصفت فإن كان وقع هنالك حكم على البنات بشيء وعلى ذلك جرى الحكم لم يكن للمرأة إلا في نصيب المقر قسم المال أو لم يقسم وإن لم يكن جرى في ذلك حكم ولم يقسم المال حتى صار المال كله إلى المقر كان للمقر صداقها تاما في هذا المال الذي خلفه زوجها، فإن كان مع المرأة بينة عدل على صداقها ولم يكن جري في ذلك حكم كان لها صداقها تام ولم تقسم إذا لم يكن جري في ذلك حكم ورجع المال كله إلى الصداق ومن أوصى أنه يفرق عنه كذا وكذا ولم يسم به للفقراء والأقربين لمن يكون. فعلى ما وصفت فهذه وصية باطلة ويرجع إلى الورثة./315/
(1) - في أ، ب: زيادة: حتى يبين الحرام والرشوة وإن نظراه وهو يأكل من قطعة قد عرفاها لغيره فلا يسقط
ذلك بشهادته ولا ولايته .... .
الباب الحادي والعشرون
في
المحتكر
وسألت أبا عبد الله – رحمه الله – عن محتكر الطعام الذي جاء فيه الحديث. قال: الذي يشتري الطعام من بلده ثم يحبسه ويتربص به الغلا فهذا هو المحتكر، وهو يكره له ذلك ولا يمنع، وقيل لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحتكر. (5/278)
صفحة 2138
وأما الذي يشتري الطعام من بلد آخر غير بلده ثم يحمله إلى بلده فينظر به الغلا والزارع الذي يزرع ويحبس حبه ثم ينتظر به والتاجر الذي يسلف بالطعام فيحبسه فهؤلاء ليس محتكرين ولا ينكر عليهم حسبه.
ومن غيره: سألت عمن يشتري (5/279)
صفحة 2139
الباب الثاني والعشرون
في
المديون
رجع إلى كتاب أبي جابر:
والمديون إذا صح اعدامه وفلس وفرض عليه فريضة لغرمائه فلا حبس عليه وإن حضر أجل الفريضة واجتمع ذلك عليه ولم يؤده واحتج أنه لم يقدره فقد قيل إنه لا يحبس إلا أن يكون له صناعة فكره. أن يعمل فإنه يحبس حتى يعمل ويعرف عذره، والمفلس ليس عليه كفيل. وأما الذي له مال فيعرض (1) منه فكره التحريم أن يعترض فإنه يؤجل أجلا لبيع ماله.
وقيل عن محمد بن محبوب – رحمهما الله – إن لم ينفق ماله إلا بالكسر لم يحمل عليه بيعه وفرض عليه الحق وفي الثمار والكسر أن ينحط من ثمن ماله الثلث أو الربع.
ومن غيره: وقيل إنه يباع ما له بما نفق ولا يحده في ذلك (2) حدا لأنه مستهلك في الدين./322/
(1) - أ، ب: ويفرض .... بدل: فيعرض.
(2) - أ، ب: ولم يحد في ذلك ... . (5/284)
صفحة 2140
رجع: والمفلس إذا بعث بدراهم إلى بعض غرمائه فهي بينهم كلهم بالحصة، وأما إن بعث بهدية إلى أحدهم، فقال من قال: هي لمن اهديب له، فإن خرج أحد الغرماء إلى المفلس (1) حقه. فقيل إن الغرماء أسوة في ذلك، وله عليهم قدر عنائه ونفقته على قدر حصصهم.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وعن الصانع (2) إذا كان عليه دين. (3) عليه أن يبيع آلة صناعته إذا لم يكن له مال. فنعم تباع آلة صناعته وقد قال من قال للغرماء ما فوق الإزار لا يترك له إلا الإزار ليواري عورته به.
ومن غيره (4):وقد قيل لا تباع له صناعته ويفرض عليه فريضة في مكسبة صناعته لديانة والله أعلم./323/
(1) - في أ، ب: فاعطاه حقه .... .
(2) - في ب: وعن الصايغ ... .
(3) - في أ، ب: هل عليه دين ... .
(4) - في ب: ومن غيره .... والله أعلم غير موجودة.
مسألة: وعن أبي عبد الله محمد بن عثمان – رحمه الله – في رجل له مسقا إلى ماله ولأخيه فاختلفا فترك أحدهما المسقا لأخيه وطلب مسقا من عند قوم إلى ماله فأعطوه ولم يستثنوا عليه عاريته ويمر (1) فزرع وفسل النخل وثمرها ثم هدكوا عليه المسقا وقالوا: ليس لك علينا (2) مسقا أصلا، أفثبت عليهم المسقا إذا فسل وثمر وصارت نخلا، أم لا يثبت عليهم له مسقى إذا رجعوا عليه؟ فعلى ما وصفت. فقد قيل إذا أعطوه مسقا فزرع وفسل فقد ثبت (5/285)
صفحة 2141
المسقا ولا رجعت لهم فيه بعد أن يجري فيه ماءه. والعطية ثابتة في المسقا وغيره إذا أحرز المعطا وأجرى ماؤه على العطية إلا أن يصح أنهم أعاروه هذه المسقا يسقي منه فإذا صح ذلك رجع إلى مسقاة الأول، إن لم يصح ذلك بالبينة فالمسقا بحاله ثابت حيث كان ولا رجعة لهم فيه. وقلت إن طلب مسقا وزرع عليه وأجرى فيه ماءه فليس لهم منعه إذا زرع حتى يحصد الثمرة. وإن كان فسل عليهم فلًا فقد قيل إذا لم يحد مسقا غيره كان لهم عليه قيمة المسقا برأي العدول ولا تعطل النخل بعد أن فسلها وأحدث الأرض ولهم عليه قيمته إن كانت عارية وإن لم يشترطوا عليه عارية فالمسقا ثابت له عليهم بغير ثمن. والله أعلم.
ومن غيره: في الصلح: مما أجاب به الحواري: حضرنا فلان بن فلان وفلان بن فلان وهما يتنازعان في هذا المال وكل واحد منهما يدعوا نفسه بالبينة على ما يدعي في هذا المال فاصطلحا بينهما عن تراض منهما واتفاق منهما على أن لكل واحد منهما نصف هذا المال الذي يتنازعان فيه وسلم كل واحد منهما نصف هذا المال إلى صاحبه برأيه وطيبة نفسه غير مجبور ولا /324/
(1) - في أ، ب: فزرع وثمر ثم فسل.
(2) - ... : كلمة مسقى في رقم واحد كلها بألف ممدودة والصحيح أنه ألف مقصورة.
مكروه ولا مخدوع ولا مغرور، وقبل كل واحد منهما هذا الصلح من هذا المال وهما عارفان بهذا المال بعد القدرة منه على الأخذ لما يجب له في هذا المال وعلى ذلك اتفقا وعلى ذلك افترقا، وبهذا اشهدنا فلان وفلان بن فلان على أنفسهما وبرئ كل واحد منهما إلى صاحبه بما تراضيا عليه من الصلح وهو كذا وكذا نصف هذا المال أو ثلثه أو ربعه على ذلك شهدنا وكفى بالله شهيدا.
مسألة في الصلح: وعن رجلين تنازعا في مال أو حق ثم أراد الصلح وطلبا ذلك أو طلبه أحدهما يصلح صاحبه على شيء كيف ترى يثبت الصلح حتى لا يكون لأحدهما رجعة على صاحبه. يقول: قد أصلحتك على كذا وكذا درهما أو كذا من النخل والأرض والحب والتمر عن الذي يدعيه إلى. فيقول الآخر: قبلت وقد برئت إليك من هذا المال الذي يدعيه إليك، فإذا قال: هذا وهو على مقدرة من الذي يطالبه إليه وهو عارف به ومقر له المدعا إليه (5/286)
صفحة 2142
يثبت هذا الشرط وهذا الصلح وهذا البران، وإن كان هذا الصلح على شيء لا يقدر عليه الطالب ولا يعرف كم هو ثم قدر عليه بعد ذلك أو عرفه لم يثبت ذلك الشرط ولا يتم ذلك الصلح وكانت له الرجعة إلى طالبه وعليه يمين بالله ما علم ولا كان عارفا بالذي صالحه عليه. فقلت أرى إن قال: قد اشتريت حصتك من هذا المال الذي تدعيه إلى كذا وكذا وقد برئت منه أو أشهد على ذلك.
فالجواب في هذا كله كالجواب في المسألة الأولى./325/
الباب الثالث والعشرون
في مسائل منشورة
رجع إلى كتاب أبي جابر
وبلغنا أن أبا عبد الله – رحمه الله – تنازع إليه رجلان باع أحدهما مالا له للآخر وقبض منه بعض الثمن وبقي بعضه وكان ولاة البلد يأخذون منه زكاة ثم احتج المشتري أن البايع شرط عليه في البيع ما ينقضه وصح ذلك ونقضه أبو عبد الله وأمر المشتري بأن يرد المال وأمر البايع أن يرد على المشتري ما قبض منه ورأى للبايع أن (5/287)
صفحة 2143
يرد عليه المسلمون من الثلثين الثلث مما قبضوا منه من الزكاة من ثلث الفقراء، ورأى على المشتري ما قبض الذي له الدراهم زكاتها لما خلا من السنين.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – في أهل الذمة إذا بنوا وعلوا على دور أهل الصلاة فما عندنا في ذلك أثر ولا نحب أن يحال بين أهل الذمة وبين مرافقهم في رفع البناء إذا هم ستروا وحصنوا بناءهم. فحتى لا يخاف من قبلهم خيانة بابصارهم. وكذلك كره من كره أن يشتري أهل الذمة عبيد أهل الصلاة وأما أبو علي فجاء عنه إجازة الذكر أن منهم. وأما موسى بن أبي جابر فرخص أيضا في الآماء من الزنبح على ما بلغنا إذا كن عندهم لا يجبرون على بيعهن، ورأى موسى بن علي أحب إلي في ذلك.
وقال محمد بن علي، قال موسى بن علي رحمهما الله في رجل ادعى أن امرأة اقترضت هي وزوجها منه دراهم ومات وأنكرت المرأة فحلفها يمينا بالله ما تعلم أن زوجها اقترض من فلان قرضا عليه اليوم منه شيء لحال ما يلزمها فما ترث منه ورأى أن يحلف في هذا يمينا واحدة ما عليها له كذا وكذا من قبل ما تدعي أنه عليها من قبل ما أقترض من زوجها./326/
وقال من قال: في رجل رفع عليه رجل بحق واحله الوالي ثم انصرف فقضى امرأته ماله أن له ذلك. ليس له والغرماء شرع في ذلك المال بالحصة. وقال من قال: حتى تقدم عليه السلطان في ماله ويحجر عليه ثم لا يجوز قضاؤه عليه وهذا الرأي أحب إلي. وإذا كان المال للمديون دون الحقوق التي صحت عليه وقد حكم به الحاكم لأصحاب هذه الحقوق لم يجز إحرازه في هذا المال لغيرهم إذا أنكروا ذلك إلا ببينة عدل ويكون هذا المال بين هؤلاء بالصحة والحق الذي أقر به عليه. وكذلك إذا أقر وهو مفلس ولا مال له وعليه فريضة لديان قد صحت حقوقهم وأنكر ذلك الديان لم يحاصصهم الذي أقر له في هذه الفريضة إلا بإقرارهم أو ببينة عدل. والإقرار بالحقوق جائز على من أقر به وكذلك الجنايات. إلا أن يكون إقراره في سجن أو قيد أو إحاطة في السرايا به بذلك السبب والذي به أقر فإقراره لا يجوز إذا أنكره من بعده.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – عن المشتري يشتري الحيوان من العبيد والأماء والدواب فيستغل منها غاله وينفق عليها نفقة ويطاء الآماء ثم يدرك بالبيع أو يظهر فيه عيب أو يقيله البايع. سألت ما الرأي في ذلك؟ فأما ما أدرك به في ذلك البيع وقد أنفق فيه نفقة واستغل منه، فإن نفقته تطرح له من الغلة فإن كان في الغلة فضل عن نفقته رد ذلك الفضل على صاحب الدابة والعبد والأمة وفي نسخة (على صاحب العبد والأمة) المدرك له بها. وأما إذا رد شيئا من ذلك بعيب فإنه لا يرد ما استغل ولا يعطي ما أنفق لأن الدابة أو الأمة أو العبد كان له والتلف عليه (5/288)
صفحة 2144
ومن ماله. وكذلك في الأقالة تكون الغلة للمشتري لأن الأقالة بيعة ثانية. وأما الأمة إذا وطيئها المشتري ثم أدرك فيها بدرك في رقتها فإنه يرجع بما أعطى من الثمن على من باع له الأمة. وعلى الواطئ عقر الأمة لمن ادركة بها. وأما إذا ردها على البايع بعيب وقد كان وطئها المشتري فليس له أن يردها بالعيب بعد وطئه إياها ولكنه يلحق بالبايع له الأمة بإرش ذلك العيب ويثبت الأمة في يده وكذلك الرأي في الأرض والنخل إذا أنفق عليها واستغل منها كنحو ما وصفت لك من الغلة والدرك والعيب فقد قيل أن الغالة له لأنه كان ضامنا فلو تلف كان من ماله والله أعلم بالصواب./327/
وقيل في رجل باع لرجل نخلة بإقرار أو ببينة فقال المشتري إنه اشتراها بعشرة دراهم. وقال البايع بمائة درهم فصح البيع ولم يصح الثمن. فالقول في الثمن قول من كانت النخلة في يده وعلى الآخر البينة إلا أنها إن كانت النخلة في يد البايع فالقول قوله وينتقض البيع إلا أن يشاء المشتري أن يأخذها بما قال البائع. وإذا أقام رجل مع الحاكم شاهدي عدل على مال أنه كان لجده وإن جده مات وترك هذا المال ميراثا ببينة وهم فلان وفلان ومنهم أبو هذا الطالب ثم مات أبوه فورثه هذا الطالب ولا يعلمان لهؤلاء جميعا وارثا إلا هؤلاء الذين سميا ولا يعلمان أن مال أحدهم جرى فيه قسم إلى اليوم فلعل في هذا اختلافا، ونحن نأخذ بقول من قال أنهما إذا شهدا بهذه الشهادة وساقا هذا الميراث من الجد إلى أن يبلغ إلى ذرية هؤلاء إنه لهم بينهم على عدل كتاب الله إلا أن يجيء من يدفع ذلك ببينة أنه قد قسمه حاكم أو حضر الورثة فقسموه فيما بينهم فعند ذلك يرجع كل واحد منهم إلى سهمه فيطلبه حيث صح له، وفي الأثر المعروف أن كل حر بالغ من أنثى أو ذكر أقر على نفسه بحق فإقراره جائز عليه مأخوذ به، إلا أن يقرحو معروف النسب والحرية على نفسه بالرق أو بعد صحة عتقه. وكذلك الولاء يقربه لغير من هو له. فإن ذلك غير جائز ولا يثبت إقرار أحد بنسب إلا بالوالدين والولد ما لم يدفع ذلك الذي أقر به. ومن أقر بغير ذلك لم يثبت له نسبه إلا بصحة إلا أن يقر بدين على الذي ورثه فإنه يلزمه من الدين حصته على قدر ميراثه. وقال بعض أنه ليس له ميراث حتى يؤدي جميع الدين الذي أقر به، والرأي الأول أحب إلي.
ويجوز إقرار السيد على عبده بالجنايات التي تكون في رقبته إلا القتل وما يلزمه فيه القصاص فلا يجوز إقراره عليه ولا يلزم السيد إلا ما أمره به وما أقر به العبيد ثم اعتقوا لم يلزمهم ما أقروا به في حد الملكة، وكذلك الصبيان والمجانين والمقهور والمحبوس. ومن أقر على غيره في مال لهم ازال ذلك المال إليه بميراث ثبت إقراره على نفسه في ذلك المال بما كان أقر به فيه على غيره./328/ (5/289)
صفحة 2145
قال غيره (1):نعم. كذلك في الميراث، وأما إذا أقر بمال غيره لأحد ثم انتقل إليه بشراء أو هبة أو نحو ذلك فلا يثبت عليه إقراره علي هذا كما ثبت في الميراث عليه هكذا حفظته عن أبي سعيد – رحمه الله -.
والإقرار على ما يتعارف الناس من معاني الأسماء في بلدهم مثل الرجل يقر للرجل بديناره أو دنانير أو دراهم أو مكاييل فإنما له نقد البلد من الدنانير والدراهم وإنما له مكيال البلد وبالقفيز والصاع فإن كانت مكاييل مختلفة أو مثاقيل فله الوسط منها والذي عليه اعتماد الناس. وكذلك النقود المختلفة له الوسط وكل من أقر لغيره بنوع من جميع الأموال فنرى لم يقبل منه ثم وصف ذلك النوع بصفة من جميع الصفات متصلا بالصفة لم يكن عليه إلا ما أقر به إلا أن يصل ذلك بدعوى على المقر له مثل قوله عليه له ألف درهم إلى وقت كذا وكذا كان ألف عليه وهو في الأجل مدع ونحو هذا من الأشياء مثل قوله عليه له ألف درهم عدينه أو غيرها فإن عليه حكم البلد إذا قطع بين الإقرار والصفة بسكوت أو كلام ليس من الإقرار. وإن قال ذلك متصلا فالقول قوله، وإن أقر بعرض من العروض مثل ثوب أو عبد ثم قال: هو من جنس كذا وكذا أو من نوع كذا وكذا لم يكن عليه إلا ما أقر به وإن أضاف ذلك إلى جنس من الثياب أو العبيد كان عليه الأوسط. وقال بعض الفقهاء في رجل شهد بزور مع شاهدين أو شهود فحكم بشهادتهم كلهم ثم أقر أنه شهد بزور أنه لا يضمن إذا كان شهد معه شاهدان لأن شهادتهما يجتزي بها عن شهادته، وإن كان إنما حكم بشهادته وشاهد معه ضمن النصف. وإن شهد معه شاهدان ولم يحكم بشهادته هو قبلت شهادته فيما يستأنف وإن كان إنما حكم بشهادته لم تقبل شهادته من بعد./329/
(1) - في أ، ب: الفقرة المشار إليها غير موجودة. (5/290)
صفحة 2146
باب في مسائل منثورة
أحسب أنها من غير الجامع
" الزواج أثناء العدة "وعن امرأة اعتدت بالأشهر وهي ممن تحيض وتزوجت على ذلك. فقد قالوا: إنها ليست بمعذورة في ذلك ويفرق بينهما وقد حرمت على زوجها أبدا إذا كان جاز بها، إذا كان عدتها بالحيض فاعتدت بالشهور أو كان عدتها بالشهور فاعتدت بالحيض، إنما يعذر بالغلط في العدد إذا كان الغلط في العدد فرق بينهما ولا تحرم عليه إذا انقضت عدتها إذا أراد أن يرجع إليها بنكاح جديد.
قال أبوعلي الحسن بن أحمد – حفظه الله – وقد قيل إن جهل العدة التي يحرم بها على زوجها إذا جهلت العدة وظننت أن ليس عليها عدة فتزوجت ولم تعتد شيئا وأما إذا كان عدتها بالشهور فاعتدت بالحيض لو كان عدتها بالحيض فاعتدت بالشهور فتزوجت على ذلك لم تحرم على زوجها ويعتزلها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها إذا كان انقضى على ذلك والقول الأول هو الأكثر والمعمول به عندنا والله أعلم./330/ (5/291)
صفحة 2147
وعن امرأة وطئها رجل في الليل فظنت أنه زوجها ثم بان لها أنه ليس زوجها وأنه فجر بها فجاءت بولد. لمن الولد منهما؟ فرأى المسلمون في ذلك أن "الولد للفراش" وهو الزوج وللعاهر الحجر وهو الزاني وهذا إذا كان الزوج قد جاز بها، فإن كان الزوج مفقودا قد قدم وقد تزوجت امرأته فالولد للزوج الآخر. إذا كان قد جاز بها وجاءت بولد منذ ستة أشهر منذ جاز بها. فإن جاء بولد لأقل من ستة أشهر منذ جاز بها الآخر فالولد للزوج الأول. وعن رجل تزوج لابنه زوجة بلا علم منه، وعرض لولي المرأة شيئا من ما له من نقدها ثم لم يعلم من الزوج ولا من الزوجة رضا ولا كراهية حتى مات أحدهما. أيثبت التزويج؟ فعلى ما وصفت فهذا التزويج باطل ولا ميراث بينهما ويرجع على الوالد ماله.
وعن المفاسلة: هل تكون على أجل يحدونه الناس بينهم فلا تكون المفاسلة إلا بأجل وحد ينتهون إليه. فإذا كانت المفاسلة على غير حد ينتهون إليه كان للمفاسل أجر مثله يوم المحاكمة.
" المزارعة " وعن رجل دفع إلى رجل أرضا يفسلها له وشرط عليه أن كل فسلة مضت حياتها فله فيها الربع، وما مات فليس له عنده شيء في أرضها هل يجوز ذلك. فعلى ما وصفت فهذا شرط ثابت إذا كان لتلك الحياة حد معروف إلى أجل معلوم. وإن لم يكن لذلك أجل فالشرط باطل وللفاسل عناؤه فيما حيي وفيما مات ولا شيء له /331/ (5/292)
صفحة 2148
في الفسل ولا في الأرض إلا أن يتفقا على شيء من ذلك عن تراضي منهما كان في الفسل بجعل أو بنصيب فلا يتم الشرط إلا بالأجل فإذا أراد ذلك جعلا لحياة هذا الفسل أجلا معلوما من السنين، فما حيي إلى ذلك كان له نصيبه فيه وكراؤه وما لم يحيي إلى ذلك فلا شيء له. فعلى هذا يثبت الشرط والمفاسلة.
وعن رجل دفع إلى رجل أرضا يفسلها له بالربع وشرط عليه أن عليك صلاحها وصلاح الفسل إلى عشر سنين فهذا شرط ثابت وإن شرط الفاسل على رب الأرض ماكلة الأرض إلى أن يحمل الفسل فهذا الشرط المجهول وهذا الشرط تجوز فيه الجهالة وله ماكلة الأرض إلى أن يحمل الفسل، وكذلك إذا جعل له ماكلتها سنين معروفة فله ماكلة ذلك الأرض إلى تلك السنين.
وسألته عن رجل أمر رجلا آخر أن يفسل له أرضا ويزرعها ولم يكن بينهما مشارطة فله عناؤه أم سنة بلده، فإن كان للبلد سنة معروفة فقد قيل أن له مثل سنة بلده وإن كان ليس للبلد سنة معروفة كان له أجر مثله في ذلك كله.
وعمن أوصى إليه في دين لقوم لم يجد منهم أحدا ولا استقام له قسم ذلك فهل له أن يفرقه على الفقراء من تلك القرية أو يوصي بذلك أنه لم يجد ورثة فلان ويفرق ذلك على الفقراء فإذا لم يوجد ولم يقدر له على وارث فرق ذلك على فقراء تلك القرية، فإن صح له وارث من بعد من عصبة أو رحم خير بين الأجر /332/
والغرم، فإن اختار الغرم كان له الغرم على المفرق إلا أن يكون التفريق برأي الحاكم أو رأي الميت أو رأي الورثة فإن الغرم في مال الميت إلا أن يكون الميت لم يبقى له فإن الغرم على المفرق برأيه وإن كان برأي الحاكم كان على الحاكم وإن كان ذلك برأي الورثة فهو على الورثة. وما لزم الحاكم في هذا فهو في بيت المال.
واللقطة مثل ذلك إلا أن اللقطة إنما يفرقها اللاقط برأي نفسه دون رأي الحاكم. وليس للحاكم فيها رأي. (5/293)
صفحة 2149
وعن مال يستغله إنسان ويدعيه أنه اشتراه من بني فلان ثم رجع أولئك الذين يقول هذا أنهم باعوا له هذا المال يعرضونه للبيع فاشتراه إنسان غيره وأراد انتزاعه منه. فعلى ما وصفت فعلى الذين باعوا هذا المال التسليم إلى المشتري فإذا سلم إليه ذلك المال فمن عارضه فيه. فإن كان هذا الرجل الذي في يده هذا المال يأكل هذا المال ويدعيه بعلم من أربابه فهو أولى به فإن لم يكن كذلك فالمال لأربابه وهو لمن باعوا له فمن ادعى منه دعوى كان عليه الصحة في ذلك المال. وعن رجل تزوج امرأة ثم ماتت قبل أن يجوز بها أو مات هو هل يتوارثان، فإن كانت المرأة قد رضيت بهذا التزويج حتى مات الزوج ثم رضيت من بعد موته كان لها الميراث منه والصداق كامل وعليها يمينا بالله أن لو كان حيا لرضيت به زوجا. ثم ترثه./233/
(1) - في أ، ب: إنما يعرفها اللاقط ... وهنا أصح.
" الزواج بعد الإيلاء والظهار " وعمن حنث في إيلاء أو ظهار هل يتزوج بامرأته من بعد آلا عنها أو ظاهر منها أو خالعها تزويجا جديدا وإنما يكون ذلك تطليقة واحدة فإذا كانت باقية معه بشيء من الطلاق رجع إليها بنكاح جديد ولا يطؤها حتى يكفر كفارة الظهار. ولا أجل عليه والخلع تطليقة، والظهار تطليقة، والإيلاء تطليقة فإن آلا عنها وظاهر فأيهما بانت به قبل الآخر فإنما تبين بتطليقة وكذلك إذا خالعها ثم طلقها فإنما تبين بتطليقة. وكذلك إن خالعها وآلا عنها أو ظاهر منها فإذا لم يتراجعا حتى تنقضي العدة لم تبن إلا بالخلع تطليقة واحدة، فإن راجعها في العدة ثم مضى أجل الظهار أو أجل الإيلاء بانت بتطليقتين الخلع والإيلاء أو الظهار./234/ (5/294)
صفحة 2150
(توجد فيها تعليقات المحقق فقط) /335/ (5/295)
صفحة 2151
" المعتدة من وفاة " وعن المرأة يكره لها إذا كانت مميته أن تكتحل أو تطيب أو تلبس الصبغ.
وكذلك جاءت السنة. وقد قيل أن ذلك كان في الجاهلية فتمت بذلك السنة. وعن الرجل يقر عند الموت لرجل بجري من حب أو نخلة أو خادم أو ثوب أو مدخرات أو عشرة أمنا قطن أو بذر مكوك أرض ولا يفسر شيئا من ذلك ما الحكم. فأما الحب فيقال للورثة يأتون من الحبوب ما شاء الله واثم عليهم يمين بالله ما يعلمون أن الحب الذي أقر به هو غير هذا، وأما الخادم فينظر إلى خادم وسط، وكذلك النخلة ينظر إلى نخلة وسطة مثل ما يقضي من الصدقات من ماله. وأما المدخرات فالمدخرات معروف كيله علي كيله أهل البلد. وأما الثوب فينظر إلى ثوب وسط من لباس ذلك البلد مثل ذلك الذي أقر له به. فكذلك القطن يقال للورثة احضروا ما شئتم من هذا القطن. وأما بذر مكوك أرضا فينظر إلى ذلك البلد وما بذر منها ثم يعطي من زراعة أو نخل هل للنخل لعله أراد للنخلة أرضها على كل حال. فنعم فالنخلة لها أرضها على كل حال ما لم يكن هنالك تسمية وقيعة أو غير وقيعة. وعن كرمة أصلها في موضع حلال. ومحشاها في موضع حرام. هل يجوز (1) لأحد أن يشتري منها؟ فالكرمة لمن أصلها في أرضه يؤكل منها برأي من هي في أرضه./336/
(1) - في ب: هل يحل لأحد .... (5/296)
صفحة 2152
"تأديب الدابة والعبد"وعمن ضرب خادمه أو دابته ليؤدبها فأما الدابة فلا أدب عليها. وعن أبي علي قد قيل له أن يؤدب دابته. وأما أن يضربها ليحمل عليها فوق ما لا يقدر عليه فلا يجوز ذلك والله أعلم.
وأما العبد فيضرب ضرب الأدب. وإذا ضربه الأدب جاز له ذلك، فإن ضربه بالنار فاثرت فيه النار عتق. قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه، وقد قيل إذا ضربه بالنار عتق أثرت أو لم تؤثر ولا يعتق إلا بالمثلة، وإن جرحه لم يعتق حتى يمثل به يقطع به إصبعا أو بعوره أو يقطع أذنه أو اشباه ذلك فإن جرحه كان عليه التوبة من ذلك. وتطيب نفس العبد بشيء من عنده، قلت له وإن ضربه بحديدة من وسط النار وقد صارت بمنزلة الجمر فرأيته كأنها يجعلها مثل النار./337/
(1) - في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) - في أ، ب: لا يوجد والله أعلم.
(3) - في أ، ب: من قوله قلت له وإن ضربه .... مثل النار غير موجود. (5/297)
صفحة 2153
ومن غيره (1):يقال أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مر عليه بحمار قد وسم على وجهه فقال لهم – صلى الله عليه وسلم – أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة في وجهها إلا فهي عن ذلك إلا لعلة تكون لعلاج شفاء.
ويقال أنه – صلى الله عليه وسلم – مر بقوم وقد غسلوا مجدورا لهم فكز فمات. فقال – صلى الله عليه وسلم – قتلوه قتلهم الله إنما كان يكفيه يجزئه التيمم.
وعمن يأخذ الدرن من الداري من عند الثقة أو غير الثقة وخمر به العجين قال: الدرن لا يؤخذ إلا من ثقة. ويكره الداري وتعوذ بالله من ثقة يشرب النبيذ.
قال غيره: نسأل الله تعالى أن يمن علينا بثقة مثل أبي الشعثاء جابر بن زيد – رحمه الله – فقد بلغنا عنه أنه كان يشرب النبيذ.
وكذلك غيره من المسلمين وبلغنا عنهم ذلك./338/
(1) - في أ، ب: من قوله ومن غيره: يقال أن النبي – صلى الله عليه وسلم – إل ..... قوله يجزئه التيمم. غير
موجود. (5/298)
صفحة 2154
"الشمس مطهرة" رجع إلى المسائل: وعن بول في موضع تظهر عليه الشمس وتصيبه الريح والشمس ثلاثة أيام يكون موضعه طاهرا. فقد قيل إذا تغير موضع البول من الريح والشمس فقد طهر.
وعن رجل وكل رجلا في ماله أمره أن لا يخرج زكاته وأمره أن يتركها في جملة الطعام أو الدراهم أيجوز له أن يدخل له فيه على هذا، فإن كان الوكيل يعلم، أن الذي وكله لا يخرج الزكاة فلا يدخل له في هذه الوكالة، وقد قيل عن بعض الفقهاء قبح الله مالا لا يزكى وقبح أهله. وعن ثلاثة شركاء في مال وجبت في ثمرته الزكاة أيجوز للمسلم أن يقاسمها ويعطيهما حصتهما من الزكاة وهما غير أمينين على الزكاة؟ فنعم يجوز ذلك المسلم أن يأخذ حصته يسلم إلى شريكه حصتهما بزكاتهما وهما أولى بذلك.
"آداب عامة" وعن رجل عليه حق لإنسان فلم يعطه الحق إلا بعد سنين فخرج عليه صاحب الحق وكذلك أن يرى أحد من رجل على خطأ أو دخل بيته بلى إذن رب البيت فلم يحل له في كل هذا. فهذا كله يأتي عليه الندم والاستغفار وليس في هذا الاستحلال ولا عزم وهذا كله ظلم ومأثم وأشد ذلك من يرى من رجل من /339/ (5/299)
صفحة 2155
المسلمين خطأ والتوبة منه كما وصفنا لك من الندم والاستغفار فإن مات وهو على البراءة من المسلم بالخطأ مات هالكا. وعن رجل أسكن عبده أو أمته بيتا هل له أن يدخل عليه بلا إذن منه. فإن كان لأمته زوج ولعبده زوجة لم يدخل عليهم إلا بإذن ولم يكن لهما أزواج فلا يدخل عليهم حتى يكون منه ما يعرفون بدخوله فيستترون عنه إلا أن يكون له أمة يحل وطئها فإن تلك يدخل عليها كما شاء.
وعن رجل دعى رجلا إلى طعام فلم يأمره بأكل، فإذا أمره بالأكل أكل ما شاء وليس في ذلك حد. وكذلك الشرب (1).
وعن رجل تزوج امرأة بإذنها أو بلا إذنها فلما بلغا التزويج أنكرته. فالقول من المسلمين المجتمع عليه حتى ترض المرأة بالتزويج من بعد عقدة النكاح كان التزويج بإذنها أو بغير إذنها فإن غيرت من بعد العقد ثم رجعت فرضيت بالتزويج، فقد قال من قال من الفقهاء إن التزويج قد انفسخ. وقال من قال: إذا كان الزوج مستمسكا رد الشهود على شهادتهم، وهم يطلبون إلى المرأة حتى رضيت فالتزويج تام. ويروي ذلك عن موسى بن أبي جابر – رحمه الله – وأحسب أن ذلك ما دامت المرأة في مجلسها./340/
(1) - في أ، ب: من قوله: فلم يأمره بأكله أياكل أو حتى يأمره بذلك وهل له أن يأكل ويشرب إلى حد محدود
فليس له أن يأكل حتى يأمره صاحب الطعام بالأكل فإذا أمره بالأكل أكل ما شاء .... "
"آداب عامة"وعن رجل دعى إلى منزل رجل وإذا فيه قوم بين أيديهم طعام أو قريب منهم في جانب المنزل ثم جعلوا الطعام بين أيديهم واقبلوا يأكلون أياكل معهم ولا يعلم لمن الطعام لرب البيت أم لأولئك وإنما جاء يدعوه (5/300)
صفحة 2156
رسول رب المنزل. فإذا أمره رب المنزل أو رسول رب المنزل جاز له أن يأكل من ذلك الطعام فإن لم يأمره رب البيت ولا رسوله فليس له أن يأكل من ذلك الطعام حتى يعلم لمن الطعام أو يأمره جميع من على ذلك الطعام.
وعن الماء يكون في البطحاء قدر جرة أو عشرة جرار أو أقل أو أكثر أو هو مما يجوز له أن يغسل فيه من الجنابة أو يستنجي فيه من الغايط والبول أم لا؟ فلا يجوز أن يستنجي في مثل هذا وإنما يكون قالوا إذا كان مقدار أربعين جرة وذلك شرب في البطحاء لا ينظر إليه وإنما ينظر إلى الاجتماع مما ظهر من الماء وينظر إلى جري الماء وإذا القي فيه حمله مقدار بعرة.
وعن الاترنج بالحب نظرة أو بالقطن، فأما الطعام فقد كره ذلك إلا أن يخاف فساده وأما القطن فلا بأس بذلك.
وعمن لعن ضحيته هل له أن يأكلها فقد أساء ولا تحرم عليه ضحيته./341/
"مسائل في الميراث" وعن المرتد من يرثه. فقال من قال: ميراثه لأهل دينه. وقيل للفقراء. وقال من قال: ميراثه لأولاده والصغار الذين خلفهم في دار الإسلام.
وأما الذمي: فميراثه لأهل ملته. وقول للفقراء. وقول لبيت مال المسلمين. وقول لأولاده الصغار وهذا القول أحب إلينا./342/ (5/301)
صفحة 2157
وعمن يكون عليه لإنسان عشرون درهما نقا فأتفقا على أن يعطيه أربعة عشرة درهما صحاحا أو يعطيه دينارا بلا أن يحضر الدراهم التي وقعت عليها المبايعة فلا يجوز ذلك إلا عند القبض فإن لم يكن قبض لم تجز تلك المصارفة ولا تلك المبايعة ولا يشتري دينا بدين.
وعمن أسلف بحب أو تمر ولم يسم بأي نوع من ذلك. فأما الحب فذلك سلف فاسد، وأما التمر فقد قال من قال: إن اتفقا على تمر جاز السلف وإن اختلفا انتقض السلف وعن الذي يصفي الحب فيخرج الطيب ويشتري الدون حوايجه أو يخلط في البر شعيرا أو يخلط قديما وحديثا وينفذ ذلك. ولا يعلم الذي دفع إليه. فأما الذي يصفي الحب ويشتري بالدون حوايجه فلا بأس بذلك لأن البائع ينظر ما يأخذ. ومن نسخة المشتري ينظر ما يأخذ، وأما أن يخلط القديم بالحديث أو الشعير بالبر فلا يجوز ذلك لأن هذا من الغش وعليه أن يعلم الذي بيع له ذلك. (5/302)
صفحة 2158
وعن حصاة فيها دم قملة وقعت في بئر ينزحها الدلاء. قال: إن قدروا على الحصاة أخرجوها من البئر ونزحوا البئر أربعون دلوا. وإن لم يقدروا على الحصاة نزحت البئر وأجزاها إن شاء الله. ولو نزحت البئر ولم تخرج الحصاة أجزأ ذلك إن شاء الله. لأن الدم يذهب في الماء./343/
"الولي في الزواج"وعن امرأة طلبها كفؤها فامتنع وليها أن تزوجها أو كان وليها غائبا وأرادت التزويج فالسلطان في كل هذا أولى أم الصالحين؟ فالذي جاء به الأثر أن السلطان ولي من لا ولي له. كان جائرا أو عادلا. فإذا لم يكن سلطان كان بعد ذلك جماعة الصالحين، وقلت إن امتنع الصالحون، وقلت أراد ولي أبعد، أقرب من ولي (1) أن يزوج ولا ينظر ما يقوله الولي الأدنى. فأما الصالحون فإذا لم يكن هناك سلطان وعنا مثل هذا امرأة لا ولي لها أو يتيما يحتاج إلى فريضة فطلب ذلك إليهم فلا يسعهم أن يمنعوا من ذلك إذا كان معهم معرفة بذلك. وأما الولي الذي بعد الولي، فإذا أبى الولي الأول أن يزوج وطلب ذلك إلى الولي الذي بعده جاز تزويجه ولا يسعه أن يمنع ذلك لأن الله تعالى يقول: {تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} وإنما هذا فيما قيل في الأولياء أن ليس لهم أن يمنعوهن من التزويج إذا أرادت ذلك. وعن الجماعة التي يذكرها المسلمون هم ثقاة أولياء للمسلمين، وإن عدموا ذلك فهل يجزيء أن يكونوا ثقاتا جائزي الشهادة وليسوا بأولياء فلا يكون الجماعة الذين بحوزتهم التزويج إلا عدولا أولياء علماء. وقلت إذا كانوا لا يتولى بعضهم بعضا فهؤلاء ليس كلهم بصالحين لا بد لأحد الفريقين أن يكون مخطئا إذا كانوا مختلفين في أمر الدينونة حتى يكونوا صالحين جميعا يتولى بعضهم بعضا./344/ (5/303)
صفحة 2159
(1) - في أ، ب: وقلت إن أرادوا ولي أقرب من ولي معي أنه أراد أبعد من ولي أن تزوج.
(2) - في أ، ب: التي بحوزتهم ....
وعن من عنده ليتيم دراهم أو حب أو تمر أو حصة في مال كيف بخلاصه منه؟ فإن كان لهذا اليتيم وصي من أبيه أو وكيل من قبل السلطان سلم ذلك إليه الذي معه ثم قد برئ وإن لم يكن لليتيم وصي ولا وكيل أطعمه ذلك الشيء الذي معه أو يكون له فريضة ليسلمه إلى من يعوله وليس له أن يسلم وليه شيئا من ذلك كان قليلا أو كثيرا أو يغيب عنه ولو كان مراهقا لأن الله تعالى يقول {فإذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} وإنما رخص المسلمون في ذلك أن يطعمه به ويأكله بين يديه أو يعطيه من يأمنه على ذلك فيطعمه به أو يحتاج اليتيم إلى كسوة فيشتري له به كسوة فإذا سلم إليه الكسوة فقد برئ إن شاء الله. وقد رخصوا أيضا أن يشتري منهم ويباع لهم في الأسواق من المتاع والطعام إلا الأصول أو الذي له الثمن الكثير من الحيوان وأشباه ذلك فيجوز أن يشتري من الصبيان من ذلك، وكذلك العبيد المماليك يباع لهم ويشتري منهم في الأسواق.
وعن رجل يشتد به حال الموت فيقول موضع كذا وكذا من مالي حرام أو هو على غير الوجه أيقبل الورثة؟ فليس على الورثة أن يقبلوا منه ذلك إلا أن يقر بذلك المال لأحد من الناس فهو لمن أقر له به.
وعن رجل يريد شراء المال فيقول له ثقة أو وليه لا تشتريه فإنه حرام أو لبني فلان فيه حصة أولي أنا فيه حصة فليس عليه أن يقبل من أحد كذلك عن محمد بن محبوب – رحمهما الله – ولا يقبل إلا من اثنين عدلين. ولو كانا عدلين وادعيا لأنفسهما لم يقبل ذلك منهما./345/ (5/304)
صفحة 2160
وعمن تقول لمن لا يتولاه رحب الله بك وأدخلك الله الجنة فهذا لا يجوز إلا أن يعني بقوله رحب الله بك المنزل أو الأرض أو الدنيا.
وعمن يكون له ميراث من امرأته وعليه لورثتها صداق فيقول الورثة لا نعطيك سهمك من هذا المال حتى تعطينا حقنا الذي عليك فنعم لهم ذلك عليه. إلا أن يحتج الزوج بحجة فيقول إذا أتيتم لي ميراثي قضيتكم منه وأنا لا أملك على جروا من نخله فإن احتج بهذه الحجة كان له ذلك يبيون له نصيبه ثم يقبضون منه بعد ذلك.
وعن الذي يلقى في البلد أن من يبيع الأموال أو مثل ما يكون بين ورثة فيسمع في البلد أن فلانا وقع له موضع كذا وكذا أيجوز له أن يشتري من ذلك؟ أو من الذي قيل اشترى من مال بني فلان أو يقال هو وكيل لبني فلان أو يقول: هو هذا كان ثقة أو غير ثقة أيقبل قوله ويشتري منه أو تقايض أم لا حتى يشهد بكل ذلك بينة عدل. فعلى ما وصفت: فكل ذلك جائز إلا الوكيل فإذا كان ذلك شاهرا وكالته عند الناس جاز ذلك. وإن لم تكن وكالته شاهرة مع الناس لم يجز أن يشتري منه شيئا ولا يقايض حتى يصح ذلك بالبينة العادلة ولو قال ذلك هو أنه وكيل لم يقبل منه ذلك في بيع الأصول كان ثقة أو غير ثقة إلا أنه ادعى أنه أمر ببيع شيء من العروض أو الحيوان أو الطعام أو أشباه ذلك. فقد قيل إن ذلك جائز لمن أراد أن يشتري منه إلا الأصول كان ثقة أو غير ثقة./346/ (5/305)
صفحة 2161
"مسائل في الزكاة" وعن الزكاة مما يكال أهو من عشرة واحد؟ فنعم إذا كان ذلك من الزراعة التي تجب فيها الزكاة. ومن الثمار من كل عشرة أصواع صاع ولم يخرج من كل شيء فيه كسر إلا من عشرة أصواع تامة صاع تام. وأما الطنا بدراهم فيخرج من كل عشرة دراهم درهم، فأما ما كان أقل من درهم فإن كان يبلغ ثمن ذلك القيراط والدانق والجزء ثمن صاع أخرجه. وإن كان لا يبلغ صاعا لم يخرجه إلا أن يكون معه من تلك الثمرة ما يجبر به ذلك الكسر فإنه يخرج ذلك الكسر إن شاء من الدراهم وإن شاء من التمرة.
وعن الزكاة هل يرفعها من تحب عليه إلى والديه إذا كان ليس لهما يسار أو يدفع الرجل زكاته إلى ولد رجل غني أو إلى امرأة رجل غني. فأما الوالدان فلا يجوز الزكاة لهما لأنه عليه عولهما إلا أن تكون والدته لها زوج غير أبيه وزوجها فقير فجائز أن يدفع زكاته إليها لأن ليس عليه عولها ولها زوج وكذلك لو كان زوجها غنيا ولا يمونها جاز له أن يدفع زكاته إليها لأن ليس على ولدها عولها ولها زوج. وذلك امرأة الغني فقد قالوا إن الزكاة تدفع إليها إذا كان لا يمونها. وكذلك أن الغني إذا كان بالغا ولم يكن في حجر والده لم يشاركه دفعت إليه الزكاة./347/
(1) - في أ، ب: وكذلك ابن الغني. وهذا أصح من واحد (5/306)
صفحة 2162
وعن من له مال واسع وعليه عيال كثير وثمار لا يدرك بعضها بعضا أيستحق الزكاة؟ فقد قالوا: إذا عجز ماله عن مؤنته ومؤنة عياله ولو وجبت عليه الزكاة سلم زكاته إلى الفقراء وجاز له أخذ الزكاة من غيره، وجاز ذلك لمن يسلمها إليه.
وعن امرأة خرجت في سفر عند قوم وحضرت صلاة الصبح في غير موضع المال فقال لها الحمارون: إن قدامنا الماء فاصبري فصبرت حتى وصلت الماء فتوضأت وصلت الفريضة ونظرت فإذا الشمس على رؤوس الجبال. فإن علمت أن الشمس قد طلعت قبل أن تقضي الفريضة فعليها الكفارة، وإن لم تعلم أن الشمس طلعت قبل أن تقضي الفريضة فلا كفارة عليها ولا إعادة.
وعن ضفدعة ماتت في خل أو خرجت منه وهي حية فإذا أخرجت حية فإنها لا تفسد وقد قالوا: إن الضفدعة تفسد كل شيء ماتت فيه إلا الماء.
وعن امرأة أن يعطي من ماله رجلا من الناس ثم بدا له أن يرجع عن ذلك فإذا لم يحرز المعطى فللمعطى الرجعة فيها.
وعن السكران يأمر الرجل والمرأة أن يعتق أو يطلق زوجته فكل ذلك جائز على السكران إذا فعل ذلك المأمور وطلق السكران أو اعتق. فقد قالوا: يجوز طلاقه وعتاقه ولا يجوز بيعه ولا شراؤه./348/ (5/307)
صفحة 2163
وعن الحب يكون فلوقا من أكل الفأر، وكذلك الأرز يكون فيه وفي الحب من بعر الفأر قليلا أو كثيرا. فقد قال بعض الفقهاء: إن بعر الفأر لا يفسد قليله ولا كثيره وكذلك سؤره.
وعن رجل فتح باب منزله فكلم رجلا على الباب فالتفت الرجل فنظر داخل منزله أو سلم عليه من ظاهر بيته ونظر ظاهر منزله. فقد قيل إن ذلك لا ينقض صيامه ولا وضوءه حتى ينظر حرمة مما لا يجوز له أن ينظر إليها في الطريق. وقالوا: يسلم على المرأة إذا عرضت فإذ لم يسلم عليها فلا بأس، وكذلك الصبي، وكذلك المملوك. وأما أهل الريب فإذا رأتهم على منكر فلا يسلم عليهم ولا كرامة لهم بل المقت لهم والإعراض عنهم أولى بهم.
وعن رجل أخرج ساقية في أرض قوم عارية أو اغتصابا أو هي واجبة له وأنكره القوم ولم تكن معه بينة بذلك وقد خضر خضرة وقد قطعوا مسقاة كيف الوجه في قتل الخضرة؟
فعلى ما وصفت فإن كانت عارية فليس لهم أن يقطعوا المسقا إلى أن يقضي ثمرته فإن كانت الخضرة مما يحصد مثل البر والذرة فإلى أن يحصد وإن كان مثل الرمان والأترنج فإلى سنة، وكذلك القت إلى سنة بعد الجزة الأولى، وأما الموز فحتى تؤكل الأمهات والأبكار.
وإن كان هذا المسقا إنما أخذه اغتصابا فلا مسقا له، ولو هلكت خضرته وعلى أصحاب الأرض أن يدعوه حتى تنقضي خضرته ويكون ذلك بالكراء/349/
بقيمة العدول على ما يرون كراء ذلك المسقا لتلك الخضرة فأفهم هذا وأنظر الفرق بين الاغتصاب وبين ادعاء العارية. (5/308)
صفحة 2164
ومن غيره: ومما وجدت عن أبي عبد الله محمد بن عثمان – رحمه الله – من آخر مسألة في السواقي. وقلت إذا طلب مسقا وزرع عليه وسقا شربتين أو ثلاثا وغيروا عليه وهدكوا مسقاه ما يجب له حتى يتم قيمة ثمرته أم ليس لهم الرجعة. فقد قيل إذا أعطوه مسقا وزرع عليه وأجرا فيه ماءه فليس لهم عليه رجعة إلا أن يكون عارية فليس لهم منعة إذا زرع حتى يحصد الثمرة. وإن كان قد فسل عليه فسلا فقد قيل إذا لم يحد مسقا غيره كان لهم عليه قيمة المسقا برأي العدول ولا يعطل النخل إن فسلها وأحدث الأرض ولهم عليه قيمته إن كان عارية وإن لم يشترطوا عليه عارية فالمسقا ثابت له عليهم بغير ثمن./350/
(1) - في أ، ب: ويسقي خضرته من حيث شاء، وكذلك إذا صح الاغتصاب أو أقر بذلك فإن كان لم تصح بذلك
البينة فليس على هذا أن يقبل خضرته وعلى أصحاب ......
رجع إلى المسائل المنثورة "الحلف بالطلاق" وعن رجل كان يعمل لقوم ثم وقع بينه وبينهم كلام فقال الرجل: امرأته طالق إن عملت لكم شيئا. فعلى ما وصفت فإذا حلف بطلاق امرأته إن عمل لهم فمتى عمل لهم عملا. طلقت امرأته عمل لهم بنصيب أو أجرة أو بمعونة وقع عليها الطلاق بعد العمل وقبل العمل أنه عمل لهم عملا وإن لم يكن سما بالطلاق ثلاثا ثم عمل لهم عملا طلقت امرأته مرة واحدة، فإن ردها ثم رجع عمل لهم لم تطلق امرأته ولا يقع عليها الطلاق إلا مرة واحدة، فإن كان سما ثلاث تطليقات طلق ثلاثا إذا عمل لهم عملا وعن رجل ملك جارية بالغة أو غير بالغة فأمسكها سنين هل يجوز أن يؤخذ لها منه كسوة أو نفقة ولم يدخل بها. فأما البالغ فإنه يضرب له (5/309)
صفحة 2165
أجل فإن أوفاها نقدها إلى ذلك الأجل فإنه يجوز بها وعليه مؤنتها، وإن لم يوفها إلى ذلك الأجل كان عليه كسوتها ونفقتها وهي في منزلها ولا يجوز عليها حتى يوفيها نقدها عاجلها. وأما التي ليست ببالغ فلا مؤنة لها عليه حتى تبلغ.
"الوصية بالحج" وعن رجل مات وليس بعمان وارث إلا أن له زوجة وأوصى إليها بحجة فإن المرأة تستوفي صداقها فإن كانت هذه المرأة قبلت أن تخرج عنه حجة من ثلث ماله لزمها ذلك وإن لم تقبل له بذلك استوفيت المرأة صداقها فإن لم يكن لهذا الرجل وارث كانت الحجة فيما بقي من بعد الدين. فإن كان له وارث كانت حجة من ثلث المال بعد الدين. فإن كان هذا الرجل قد /351/
فرض للحجة دراهم معروفة فما كان له على أحد من دين على أحد أو مال مع أحد أخرجت الحجة كما سما من بعد الدين. فإن لم يكن سما للحجة دراهم معروفة نظرة المرأة من يخرج له لحجته بما قدرت من قليل أو كثير من بعد الدين ثم ما بقي من الحجة من المال للمرأة ولو أصابت هذه المرأة من تحج عنه من أهل الأمانة بعشر دراهم كان ما بقي من المال هو للمرأة إذا لم يكن له وارث غيرها. وإن لم يوجد من يحج عنه من أهل الأمانة إلا ما بقي من ماله بعد الدين أخرجت الحجة بذلك.
وعن رجل يجامع امرأته ثم يعزل عنها وليس يحب أن تلد منه فإذا كان ذلك برأيها فلا بأس.
"الهيئة في الصلاة" وعن رجل يصلي جالسا ويومئ في مثل النافلة والوتر فمرة يومئ ومرة يسجد هل يجوز ذلك في ركعة واحدة. فأما النافلة فجائز له ذلك كله إذا كان يصلي قاعدا وأما الوتر مثل الفريضة ولا يجوز له أن يصلي قاعدا إلا من عذر وصلاة القاعد إيماء إلا من عذر. وصلاة القاعد إيماء إلا أن يكون في مصلى أو مسجد فإن أومئ وسجد في الوتر أو /352/ (5/310)
صفحة 2166
(1) - في أ، ب: وقال أبو المعلى
الفريضة فصلاته تامة ولا يؤمر بذلك، فإن كان في مصلى أو مسجد فاستطاع إن يسجد سجد في جميع ذلك، وإن كان في غير مصلى أو مسجد أومئ ولم يسجد ولو أومئ في مسجد أو مصلى وهو يصلي قاعدا تمت صلاته. وكذلك لو سجد في غير مصلى أو مسجد تمت صلاته. وأخبرنا أيضا عن الربيع – رحمه الله – في رجل تقول له امرأته قد أبرأتك من مالي على أن تبرئ لي نفسي فقال: قد قبلت المال ولا أبرأ لك نفسك. فقال الربيع: قد قبلت المال، بانت عنه ولا يغني عنه قوله ولا أبرئ لك نفسك إذا قدم القبول.
ومن جواب أبي الحواري – رحمه الله – وعمن ابتلي بهؤلاء القرامطة فسقى من مائهم شيئا ولهم مال مثل نخل هل يبرأ إذا سقى في نخلهم مثل ما سقي من مائهم فنعم، يبرأ إن شاء الله. إذا سقا مالهم مثل ما سقي من مائهم.
وعن رجل من القرامطة له مال، فلما أراد الخروج معهم خلف ماله في يد رجل وقال: أنت في الحل من مالي حييت أو مت رجعت أو لم أرجع ولم يحد له حدا إن مات هذا الرجل هل لورثته أن يأكلوا المال بعده، فإنما يجوز هذا إلى الحل لهذا الرجل مادام صاحب المال حيا، فإذا مات صاحب المال بطل ذلك الحل، وإن مات هذا قبل صاحب المال لم يكن لورثته هذا المال أن يأكلوا من ذلك المال شيئا.
وعن رجل له ماء في يوم معروف وله شركاء غفل عن وقت مائه حتى ضاع مع شركائه هل عليهم غرم. فنعم عليهم الغرم إذا سقوه برأيهم وإن ردوه في الساقية أو لما انقضى الوقت انصرفوا وتركوا الماء فلا غرم عليهم حتى يسقوه برائهم./353/ (5/311)
صفحة 2167
وعن رجل في الصلاة قال: لا إله إلا الله أو سبحان الله والحمد لله في غير موضع ذلك ما يلزم؟ فإذا قال ذلك في صلاته في غير موضعه فقد قالوا إن عليه بدل صلاته إلا التسبيح فلا بدل عليه فيه. وقد قيل جائز ذلك ولا تفسد به صلاته والأول أحب إلينا. ولا بأس بهدية الجندي إذا لم يعلم أن ذلك حرام والناس أولى بما فيه أيديهم من بر وفاجر حتى يعلم حراما بعينه إلا أني سمعت الصلت بن النظر يقول: لنبهان بن عثمان وقد أخبره أنه أكل مع بني بور شيئا من الطعام. فقال له: أطعم مثل ذلك الفقراء ولا أعلم أني سمعت أحدا يقول مثل هذا القول وهذا معنا في التنزه والاحتياط. وعن عامل الجندي يجيء إلى من ينظر الماء في الليل هل يجوز له أن يعرفه الوقت؟ فلا يجوز ذلك وهو معين للجندي على غصب أموال الناس وعلى ظلمهم إذا كان إنما يسقي مياه الناس فمن أراد الخلاص من ذلك بعد أن فعل فإن قدر على أهله تخلص منه من ذلك إلى أهله استحلهم وإن ذكر أن يسد الماء فعليه الغرم لأصحاب الماء وإن كان إنما قال له قد حان الوقت أو قد طلع نجم كذا وكذا فلا يرى عليه في ذلك غرما وعليه التوبة والاستغفار والندم.
"حكم القملة" وعن رجل لمس القملة ويجدها على بدنه هل عليه أن يغسل ذلك الموضع من يده فليس عليه غسل ذلك الموضع من يده إلا أن يرى رطوبة من القملة. وكذلك لا تغسل يده إلا أن يكون فيها رطوبة وما مست الرطوبة من ثوب وغيره فهو فاسد وقيل على من مس القملة أن ينتقض وضوءه على حال لأن من عادتها إذا مست ذرفت. والله أعلم./354/ (5/312)
صفحة 2168
"مسائل في الطلاق" ومن (1) جواب لأبي الحواري أيضا: وعن رجل تزوج صبية لم تبلغ ثم طلقها وهي صبية هل يلحقها الطلاق؟ وتستوجب منه نصف الصداق إذا طلقها وهي صبية لم تبلغ. فعلى ما وصفت فهذا كله موقوف إلى بلوغ الصبية وإن بلغت الصبية وأتمت التزويج فقد وقع الطلاق ووجب للصبية نصف الصداق. فإن أراد أن يرجع إليها بنكاح جديد عن تراض منهما بصداق ثان ذلك وكانت معه على تطليقتين، وإن لم تتم الصبية التزويج إذا بلغت بطل ذلك الطلاق ولم يكن لها صداق فإن تراجعا بعد ذلك بنكاح جديد يرضاها كانت معه على ثلاث تطليقات وبران الصبية ليس شيء ما دامت صبية حتى تبلغ وتتم التزويج والبران.
ومن مختصر الشيخ أبي الحسن – رحمه الله – بران الصبية لا نثبته عليها والحق له ويلزم الزوج من ذلك ما ألزم نفسه من أجل الطلاق. وإن قال: قد ابرأت لها نفسها أو ابراتها بالطلاق فقد لزمه الطلاق وعليه الحق وإن كان قال ابرأت لها نفسها إن برئت، وإذا برئت ومتى برئت، فإنه لا يقع بران حتى تبلغ فتتم البران وتنقض أو تتم التزويج أو تغيره وتفسده والحكم في ذلك إليها إلى حد بلوغها موقوف. ولها التعبير في التزويج والبران بعد البلوغ والله أعلم.
وقلت: إن بلغت وكرهت المقام معه. غيرت التزويج واحتجت أنه غلبها على نفسها وهي صبية حتى وطئها طائعة او كارهة، فإن كان أرخى عليها/355/ (5/313)
صفحة 2169
سترا أو أغلق عليها بابا، وخلا بها في موضع يمكن فيه الجماع فادعت ذلك الصبية عليه فالقول قولها مع يمينها إذا بلغت فإن ماتت قبل أن تبلغ وكانت قد ادعت عليه فالقول قولها وصداقها عليه ولا ميراث له منها. فإذا مات الزوج قبل بلوغ الصبية فإذا بلغت الصبية وأراد الوارث أن يحلفها على ما ادعت كان له ذلك فإن حلفت وجب لها الصداق والميراث إن كان لم يطلقها أو طلقها ولم تنقض عدتها واتمت النكاح فعليها اليمين بتمام النكاح فإن لم تحلف فلا صداق لها ولا ميراث.
قال أبو علي – حفظه الله (1) - وقيل أنه لا يقبل قولها إلا أن تصح الخلوة بعد بلوغها، وقيل أيضا ولو لم تصح الخلوة بها في صبائها وادعت الوطء إن قولها مقبول، والقول المضاف إلى أبي الحواري أحب إلينا. والله أعلم.
وعمن غاب عن زوجته سنين فلما قدم طلبت إليه الكسوة والنفقة فيما غاب عنها هل يلزمه إن كان بينهما شقاق أو غاب عنها ولم يكن بينهما شيء فلا يلزمه ذلك إلا أن يكون فرض للمرأة حاكم أو جماعة من المسلمين فإن كان فرض للمرأة كسوتها ونفقتها كان ذلك لها عليه فمتى ما قدرت عليه أخذته بجميع ما وجب لها عليه من الفريضة وإذا رفع الرجل إلى امرأته شيئا من الثياب أو من الكسوة ولم يشترط عليها في ذلك شرطا ولا كان ذلك برأي حاكم فذلك للمرأة فمتى ما طلبت الكسوة كان عليه أن يحضرها الكسوة ولا يحسب له ما أعطاها من الكسوة إذا أعطاها بلا رأي حاكم ولا شرط منه عليها فيما دفع إليها من الكسوة./356/
(1) - في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (5/314)
صفحة 2170
"مسائل في الزواج"وإذا كان للمرأة على زوجها صداق عاجل وأمكنته من نفسها وجاز بها ثم طلبت عاجل صداقها كان لها ذلك، وليس لها أن تمنعه نفسها إذا أحضرها كسوتها ونفقتها، فإن لم يحضرها كسوتها ونفقتها كان لها أم تمنعه نفسها حتى يحضرها كسوتها ونفقتها. (1)
وإذا طلبت المرأة عاجل صداقها وقد جاز بها الزوج حكم عليه باحضار عاجلها وحكم على المرأة بالسكن معه ويضرب له في آداء العاجل أجل إن كان له مال أو نقد، فإذا بلغ الرجل ولم يحضرها عاجلها حبسه الحاكم حتى يحضرها عاجلها على قدر اصابته من عمله. وإن كان ليس له عمل كتب عليه إلى ميسوره وليس لها أن تعتزل عنه إذا أحضرها كسوتها ونفقتها وليس له عذر في الكسوة ولا في النفقة كان مؤسرا أو معسرا ولا بد من الكسوة والنفقة والطلاق وعلى الحاكم أن يجبره على ذلك. وكذلك جماعة المسلمين إذا لم يكن حاكم جاز لهم أو يجبروه على ذلك ويكتبوا لها عليه المؤنة (2).
وعن رجل قضى زوجته نخلا أو أرضا بكسوتها ونفقتها وقبضته ورضيت به ثم رجعت وغيرت وطلبت كسوتها ونفقتها. هل يحكم عليه أن يحضرها كسوتها من الثياب ونفقتها من الطعام. فنعم لها كسوتها ونفقتها عليه وينظر إلى ما مضى لها من الكسوة والنفقة إن كان قد مضى لها كسوة ونفقة فيما مضى.
فتعطي بقدر ذلك من المال الذي اقبضته لكسوتها ونفقتها بالقيمة من المال. وإن لم يكن مضى لها شيء من الكسوة والنفقة رجع المال إلى الزوج أو ما بقي من المال ويحضرها كسوتها ونفقتها لما يستقبل./357/
(1) - في أ، ب: زيادة: أتعتزل عنه حتى يحضرها كسوتها ونفقتها.
(2) - ... واللفظ الصحيح يحضر لها كسوتها ... وهذا مكرر عند الناسخ (5/315)
صفحة 2171
وعمن قال لزوجته اقتضي مني صداقك الذي لك علي وهو عاجل أو آجل فأبت واحتج عليها فلم تأخذ حقها منه ثم مات ولم يوصي لها بحقها أو أوصى لها ووكل غير ثقة. هل يسعه ذلك. فعلى ما وصفت. فإن كان قضى المرأة حقها فقد برئ الزوج من حقها، وإن أبى الوصي أن تقضى المرأة حقها فالزوج غير معذور في ذلك إلا أن يكون لا يجد ثقة. وهذا إذا كان حقها آجلا، وإن كان حقها عاجلا وعرض عليها قضاء حقها فأبت أن تقبضه منه حتى مات. فإن كان ترك الوصية عمدا فلا يسعه ذلك ولا بد له أن يوصي لها بحقها. وقد كان أبو المؤثر يقول: من عرض عليه حقه فلم يقبله كان عليه أن يقبل حقه أو يبرئ غريمه فإن لم يفعل كان على الغريم أن يوصي له إذا حضره الموت، ونقول إنه لا يسعه أن يوصي إلا إلى ثقة إلا أن لا يجد إلا ذلك الذي هو غير ثقة فأوصى إليه وقد احتج على المرأة تقبض حقها فلم يقبل فنقول: إنه قد برئ إن شاء الله. وكذلك من كان عليه حق لرجل فدعاه إلى أخذ حقه فأبى فقد وجدنا عن محمد بن محبوب – رحمهما الله – يرفع ذلك إلى بعض المسلمين: أن من كان عليه حق لأحد فدعاه إلى أخذ حقه فأبى فلا حق له ويبرئ الذي عليه الحق إذا دعى صاحب الحق إلى أخذ حقه فأبى فقد برئ من حقه على قول محمد بن محبوب – رحمهما الله – وأما عن أبي المؤثر فكما وصفت لك./358/
الباب الرابع والعشرون
في
المواريث من كتاب أبي جابر (5/316)
صفحة 2172
قال الله في كتابه (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله).فثبت الميراث للأرحام بعضهم الأولى منهم فالأولى ونسخ ما في الميراث للأرحام بما أنزل الله في ذلك من قبل قوله (الذين عاقدت إيمانكم فآتوهم نصيبهم).وذلك أن الرجل في الجاهلية وفي أول الإسلام كان يرغب في خلة لرجل فيعاقدة فيقول: ترثني وأرثك فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط فنسخت هذه الآية وكان وارث الرجل يرث أيضا زوجته وإن كرهت فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) وقال الله تعالى (وإذا حضر القسمة ألوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) يقول للورثة أعطوهم ثم يقسم وليس شيء مؤقت ثم نسختها آية المواريث قال الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) فالابن أولى من ابن الابن وابن الابن أولى من الأخ لأب والأم. والأخ للأب والأم أولى من الأخ للأب. والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم. وكذلك في الأعمام على هذا، والأب يحجب كل أخ عن الميراث ولا يرث معه جدولا عم، وكذلك أب الأب يقوم مقام الأب. إلا إذا مات الميت وترك أبويه وزوجته فللأم ثلث ما يبقى بعد ميراث الزوجة وهو الربع وما يبقى للأب. وإذا ترك زوجته وأمه وجده أبا أبيه فلزوجته الربع ولأمه الثلث وما بقي للجد والأم تحجب الجدات عن الميراث، ولها الثلث إلا أن يكون للميت ولد ولد أو إخوان إلى ما أكثر فعند ذلك ترجع إلى السدس ويحجبها الإخوة عن الثلث وإن لم يرثوا شيئا. والأخ للأم أو الأخت إذا لم يكن أب ولا جد ولا ولد ولد فلكل واحد من الأخوة للأم السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث للذكر والأنثى سواء، وإذا لم يكن للزوج والزوجة ولد فله منها النصف ولها الربع، وإن كان /359/
للميت منها ولد أو ولد ولد فللزوج منها الربع وللزوجة منه الثمن. وإن كن أربعا فالثمن بينهن وللبنت النصف لا تزداد عليه فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان، وإن كن فوق اثنتين فليس لهن إلا الثلثان. وابنة الابن بمنزلة البنت إذا لم تكن ابنة صلب، وإن كانت ابنة صلب وابنة ابن فلابنه الصلب النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ولا شيء لبنات الابن مع بنات الصلب إذا ذهب الثلثان، إلا أن يكون معهن أخ فيرد عليهن للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخوات عصبة وحدهن مع البنات فإذا كانت ابنة فلها النصف وما بقي للأخت للأب والأم. وإن لم يكن لأب وأم وكانت لأب قامت مقام الأخت للأب والأم. وإن لم تكن بنت ولا ابنة ابن وكان له أخت للأب والأم أو للأب فلها النصف فإن كانتا اثنتين إلى ما أكثر فهما الثلثان وما بقي للعصبة وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللأخت لأب والأم النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين. وكذلك إن كن أخوات عدة للأب فإنما لهن مع الأخت للأب والأم السدس وإن كان مع الأخت للأب أو الأم أخت لها من الأب وللأم فلهما الثلثان، وليس للأخوات للأب عندهن (5/317)
صفحة 2173
شيء، وللجدة السدس أم الأم أو أم الأب إذا لم تكن أم. فإن كانتا الجدتان جميعا فالسدس بينهما وقال من قال: إن الأب لا يحجب أمه عن السدس وإنما تحجب الجدة أم الهالك فإن لم يكونا هاتين الجدتين أم الأم وأم الأب. وارتفع الميراث إلى الجدات الأربع وهن جدتا الأب وجدتا الأم فالسدس بينهن. وقال من قال غير ذلك وهذا أحب إلينا وكذلك إذا لم يكن هؤلاء وكان أعلا منهم فلهن الميراث وفي إذا استوين فأيتهن كانت أقرب فلها الميراث.
ولا يتوارث أهل، ملتين ولا يتوارث، الحر والعبد ولا المسلم والمشرك ولا يحجب من لا يرث، ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ.
والمجوسي إذا كانت زوجته وهي (1) ابنته أو أخته أو نحو هذا ومات أحدهما ورث من الآخر بميراث الأرحام ولا يرث من قبل الحرام./360/
(1) - في ب: وهو ابنه .... .
/361/ (فيها تعليقات المحقق فقط) (5/318)
صفحة 2174
/362/ (فيها تعليقات المحقق فقط) (5/319)
صفحة 2175
جدول أصحاب الفروض
الوارث ... حالاته ... البيان ... ملاحظات
الأب ... ثلاث حالات ... - السدس فرضا مع الفرع الوارث المذكر ... لا يحجب حجب حرمان ... 2 - السدس فرضا والباقي تعصيبا ما مع الفرع الوارث المؤنث. ... 3 - التعصيب المحض عند عدم الفرع الوارث مطلقا.
الجد الصحيح ... أربع حالات عند أبي حنيفة وخمس عند الصاحبين ... 1،2،3،أحوال الأب السابقة عند عدم الأب. ... يحجب حجب حرمان ... 4 - يحجب بالأب وبالجد الصحيح لأقرب منه. ... 5 - يقاسم الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب على رأي الصاحبين إذا كانت المقاسمة خيرا له من السدس، ويرث الباقي تعصبا.
الإخوة والأخوات لأم ... ثلاث حالات ... - السدس للواحد مذكرا كان أو مؤنثا. ... يحجبون حجب حرمان ... 2 - الثلث للأكثر من واحد مذكرا كان أو مؤنثا. ... 3 - يحجبون بالفرع والوارث مطلقا وبالأصل والوارث المذكر.
الزوج ... حالتان ... - النصف عند عدم الفرع الوارث للزوجة. ... لا يحجب حجب حرمان ... 2 - الربع عند وجود الفرع الوارث للزوجة.
الزوجة ... حالتان ... - الربع عند عدم الفرع الوارث للزوج. ... لا تحجب حجب حرمان ... 2 - الثمن عند وجود الفرع الوارث للزوج.
البنت ... ثلاث حالات ... - النصف للواحدة إذا لم يكن معها معصب. ... لا تحجب حجب حرمان ... 2 - الثلثان للاثنتين فأكثر إذا لم يكن معهن معصب. ... 3 - التعصيب مع الابن للذكر مع نصيب اثنتين.
بنات الابن ... ست حالات ... - النصف للواحدة إذا انفردت، ولم يكن للمتوفى ابن ابن في (5/320)
صفحة 2176
درجتها، ولا بنت صلبية.
/363/
تابع جدول أصحاب الفروض
الوارث ... حالاته ... البيان ... ملاحظات
- الثلثان للاثنتين فأكثر إذا لم يكن للميت بنت صلبية، ولا ابن ابن في درجتهن. ... تحجب حجب حرمان ... 3 - التعصيب إذا كانت مع الواحدة أو الأكثر ابن ابن في درجتها ولم يكن للمتوفى ابن صلبي. ... 4 - السدس للواحدة مع البنت الصلبية الواحدة وعدم وجود معصب. ... 5 - تحجب بالبنتين الصلبيتين، وبنتي الابن الأعلى منها في الدرجة، إذا لم يوجد معها معصب. ... 6 - تحجب بالفرع الوارث المذكر الأعلى.
الأخت الشقيقة ... خمس حالات ... - النصف للواحدة إذا لم يكن معها معصب. ... تحجب حجب حرمان ... 2 - الثلثان للاثنتين فأكثر إذا لم يوجد معها معصب. ... 3 - التعصيب بالغير إذا كان معها أخ شقيق. ... 4 - التعصيب مع الغير وذلك مع الفرع الوارث المؤنث فتأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض. ... 5 - تحجب بالأب وبالابن وابن الابن وإن نزل اتفاقا، وتحجب بالجد عند أبي حنيفة خلافا للصاحبين.
الأخت لأب ... سبع حالات ... - الصف للواحدة عند عدم البنت الأصلية. ... تحجب حجب حرمان
2 - الثلثان للأكثر من واحدة عند عدم البنت الصلبية وبنت الابن والأخت الشقيقة. 3 - التعصيب إذا كان معها أخ لأب. ... 4 - التعصيب مع الغير مع البنت أو بنت الابن فتأخذ الباقي. ... 5 - السدس إذا كان معها أخت أخت شقيقة واحدة تكملة للثلثين. ... 6 - تحجب بالأب والابن وابن الابن وإن نزل وبالأخ الشقيق وبالأخت الشقيقة التي صارت عصبة. ... 7 - تحجب بالأختين الشقيقتين إذا لم يكن معها معصب.
/364/ (5/321)
صفحة 2177
تابع جدول أصحاب الفروض
الوارث ... حالاته ... البيان ... ملاحظات
الأم ... ثلاث حالات ... - السدس مع الفرع الوارث مطلقا ومع الاثنتين فأكثر من الاخوة والأخوات مطلقا. ... لا تحجب حجب حرمان ... 2 - ثلث كل التركة عند عدم من ذكروا وعند عدم اجتماع أحد الزوجين مع الأبوين. ... 3 - ثلث الباقي عند اجتماع الأبوين مع أحد الزوجين.
الجدة الصحيحة ... حالتان ... - السدس للواحدة أو أكثر إذا تساوين في الدرجة. ... تحجب حجب حرمان
2 - تحجب مطلقا بالأم وبالجدة القربى. وتحجب الأبوين بالأب وبالجد الذي تدلى به.
/365/ (5/322)
صفحة 2178
ومن الجدول الآتي يتضح حجب العصابات ومن يحجب بهم
العاصب ... الحاجبون له ... المحجوبون به
الابن ... لا يحجبه أحد. ... سائر العصبات. فيحجب الأب والجد من الميراث تعصيبا، وأولاد الأم، وبنت الابن، والأخوة.
ابن الابن ... يحجبه الابن وكل ابن ابن يحجب من هو أنزل منه درجة. ... كل من يحجبهم الابن ما عدا بنت الابن، ومن في درجته من أبناء الابن.
الأب ... الفرع الوارث المذكر يحجبه عن التعصيب فقط. ... يحجب به الأجداد والجدات اللاتي من قبله فقط ومن بعدهم من العصبات والأخوات لأم، والإخوة لأم.
الجد ... يحجب بالأب، والفرع الوارث المذكر يحجبه عن التعصيب، وكل جد يحجب من فوقه. ... يحجب به من هم أعلى منه من الأجداد والجدات من جهته فقط، وسائر من يحجبهم الأب ما عدا أم الأب.
الأخ الشقيق ... يحجب بكل الفروع والأصول والعصبات. ... يحجب به الأخ لأب، والأخت لأب، وكل من يليه من العصبات.
الأخ لأب ... الاخ الشقيق وكل من يحجبه، والشقيقة إذا صارت عصبة مع الفرع الوارث المؤنث. ... يحجب به ابن الأخ الشقيق، وكل من يليه من العصبات.
ابن الأخ الشقيق ... الأخ لأب وكل من يحجبه والأخت لأب المعصبة مع الغير ... ابن الأخ لأب، وكل من يليه من العصبات. ... ابن الأخ الشقيق وكل من يحجبه ... ابن الأخ لأب ... ابن الأخ الشقيق، وكل من يليه من العصبات وهكذا.
العم الشقيق ... الجهات الثلاث من العصبات ... يحجب العم لأب ومن يليه.
(البنوة، الأبوة، الأخوة)
/366/
تابع حجب العصبات ومن يحجب بهم (5/323)
صفحة 2179
العاصب ... الحاجبون له ... المحجوبون به
العم لأب ... العم الشقيق وكل من يحجبه ... ابن العم الشقيق ومن يليه. ... ابن العم الشقيق ... العم لأب وكل من يحجبه ... ابن العم الشقيق ومن يليه.
ابن العم لأب ... ابن العم الشقيق وكل من يحجبه ... ابن ابن العم الشقيق، ومن يليه.
عم الأب الشقيق ... ابن العم لأب وكل من يحجبه ... عم الأب لأب، ومن يليه.
عم الأب لأب ... عم الأب الشقيق وكل من يحجبه ... ابن عم الأب لأب، ومن يليه.
ابن عم الأب الشقيق ... عم الأب لأب وكل من يحجبه ... ابن عم الأب لأب، ومن يليه.
ابن عم الأب لأب ... ابن عم الأب الشقيق وكل من يحجبه ... ابن عم الأب الشقيق، ومن يليه.
/367/
والخنثى لها نصف ميراث انثى.
ومن أقر بوارث ثبت إقراره عليه ولم يثبت على من بقي من الورثة إذا أنكروه، فإن كان له الربع على إقراره كان له ربع ما (1) في يد الذي أقر به وإن كان له السدس أو أقل أو أكثر فعلى ذلك أن يأخذ مما في يده. (5/324)
صفحة 2180
والغرقى (2) والهدما ونحوهم من هؤلاء الذين يموتون جميعا ولا يصح أيهم مات قبل صاحبه فإن كان واحد منهم لهم ميراثه من صلب مال الآخر وما ورث من بعضهم بعض كان لمن بقي من ورثتهم الأحياء ولا يرثون هم من ذلك شيئا وقيل إذا سبق بول الخنثى من الذكر فهو ذكر وإن بال من مبال الأنثى فهو أنثى. ومن بال منهما جميعا فهو خنثى له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى ومن لم يكن له عصبة فأرحامه أولى بميراثه ذكرا كان أو أنثى فالميراث له ومن كان منهم أقرب بدرجة فهو أحق به. وقال من قال: لهم الميراث على قدر ميراث آبائهم./368/
(1) - في أ، ب: ربع ما بقي في يده .... وواحد أصح.
(2) - في أ، ب: وأما الغرقى ... .
ومن ترك ثلاث بنات أخوات متفرقات فلابنة الأخت من الأب و الأم ثلاثة أسهم ولابنة الاخت من الأب سهم. ولابنة الأخت من الأم سهم. فإن ترك ثلاثة بنات إخوة متفرقين:"فقيل لابنة الأخ من الأم ولابنة الأخت من الأب سهم، ولابنة الأخت من الأم سهم. فإن ترك ثلاثة إخوة متفرقين" (1) فقيل لابن الأخ من الأم السدس على قدر ميراثه وما بقي لابنة الأخ من الأب والأم وسقطت ابنة الأخ للأب. لأنه لم يكن له ميراث. وأما إذا ترك ثلاثة خالات متفرقات وعمات متفرقات فالميراث للتي هي من الأب والأم فهن، وإن ترك عمته وخالته فللعمة الثلثان وللخالة الثلث، فإن كن عمات وخالات. فكذلك للعمات الثلثان قللن أو كثرنا وللخالات الثلث قللن أو كثرنا. وإن ترك خالا وخالة. فقال من قال: الميراث بينهما للذكر مثل حظ الانثيين. وقال من قال: بينهما نصفان وهو قول أبو الحواري (2).وإن ترك ابنة عم وابنة عمه فالمال لابنة العم. وإن ترك الجد أبا الأب معي أن الجد أبا الأم وابن أخ لأم. قال من قال: المال لابن الأخ لأنه من ولد الأم وقال من قال: للجد الثلثان ولابن الأخ الثلث قال أبو الحواري نحن نقول: المال كله للجد أب الأم. وإن ترك عمة الأب وأم وجده أبا أمه فقال من قال: المال للعمة. وقال من قال (5/325)
صفحة 2181
:للعمة الثلثان وللجد الثلث. ونحن نقول المال كله لجده أب أمه قول أبي الحواري. وإن ترك ابنة بنت وجد أبا أم. فقال من قال: المال لها. وقال من قال: بل المال له. قال أبو الحواري قد قيل هذا. وقال من قال بينهما نصفان. وقال من قال: للجد وهو قول أبي الحواري. وإن ترك /396/
(1) - في أ، ب: لا يوجد ما بين القوسين.
(2) - في أ، ب: هو قول أبو الحواري.
جد أمه أبا أمها وجد أبيه أبا أمه. فقال من قال: بينهما نصفان. وقال من قال: للجد من الأم الثلث وللجد من قبل الأب الثلثان وهو قول لأبي الحواري. وإن ترك ابنة بنت وابنة بنت ابن فقال من قال لابنة البنت ثلاثة أسهم ولابنة الابن سهم. وقال من قال: لابنة البنت لأنها أقرب. وإن ترك ابنة بنت وابن أخ لأب وأم، فالمال لابنة البنت وقال من قال: بينهما نصفان، ولعل القول الأول أكثر. وإن ترك بني أخت أو بني عمة أو خالة أو خالا أو نحو هذا وهم ذكران وإناث فكلهم سواء في الميراث لأنهم إنما يرثون بالأرحام ولم يكن له وارث من عصبة ولا رحم فالميراث لجنسه إن كان من أهل الأجناس.
وإن ترك زوجا فالزوج أولى من الختن (1) والباقي في الزوجين أحق بالميراث إذا لم يكن وارث من عصبة ولا رحم، فإن كان أحد من الأرحام لم يكن للزوج إلا ميراثه. وما بقي فهو للوارث.
ومن أسلم من الورثة قبل أن يقسم الميراث أدرك ميراثه. وقال أبو الحواري إلا الزوجين لا يدركان قسم المال أو لم يقسم. هكذا حفظنا. وإن قسم شيء وبقي شيء أدرك ميراثه فما بقي لم يقسم وقال من قال: إذا قسم منه شيء فقد قسم ولا ميراث له. وكذلك العبد إذا أعتق قبل القسم أدرك الميراث /370/ (5/326)
صفحة 2182
(1) - في أ، ب: فالزوج أولى من الجنس ... "الختن أصح"
الذي يجب له إلا الزوجين، فقيل إنها ليست بمنزلة الأرحام إذا اعتنق العبد أو اسلمت الذميه بعد الزوج فلا يورث لها، ولو كان لم يقسم وسمعنا أن من يتوارث بالأجناس الزنج والهند.
ومن غيره: أحسب أنه قد قيل جميع ولد حام – هكذا وجدت – ومعي أنه قيل في السند أنهم مثل العرب لا يتوارثون بالجنس./371/ (5/327)
صفحة 2183
رجع: فإن أقر الميت منهم بزنج أو هند أنه جنسه فالمال لهم الذكر والأنثى سواء ولا يفصل بعضهم على بعض والجنس إذا كان من قبيلة، فإن لم يكن أحد من قبيلته وبلاده فلسائر الزنج الذين كانوا من بلده يوم مات من جنسه. فمن وجد من أقرب القرى إليه ومن حضر القسمة من جنسه من أقرب القرى وغيرهم فالميراث بينهم. فإن كان من المولدين من عمان – وفي نسخة بعمان – فميراثه كذلك لجنسه من أهل بلده وقبيلته فإن كان الذين اعتنقوه موالي من جنسه قد اعتقوهم فهم أولى بميراثه على ما قيل والله أعلم. وسئل عن ذلك.
قال أبو علي (1) –حفظه الله – يوجد في جواب محمد بن أحمد السعالي – رحمه الله – إنما يتوارث بالجنس الغتم الملودون وفي نسخة فالغتم المجلوبين، وأما البياسرة المولودون فلا يتوارثون بالجنس والله أعلم.
وكذلك إن كان في الغتم المجلوبين المولدون فقيل إن موالي الذين اعتقوه من ذلك الجنس أولى بميراثه من غيرهم من ذلك الجنس أيضا. وإن كان أبوه من جنس الزنج وأمه من جنس من الزنج فقيل إن ماله لجنسه من قبل أبيه. وكذلك إن كانت أمه من الزنج وأبوه من الهند فماله لجنس أبيه من الهند. قال أبو الحواري: حفظت أن الثلث لجنسه من قبل أمه، ولجنسه من قبل أبيه الثلثان. وقيل إنه يعطى ميراثه من في بلده من جنسه. فإن ادعى واحد منهم بأنه من جنسه وبها غيره فعليه البينة بما ادعاه. ومن أقام البينة أنه من قبيلته أو بلده فهو أولى بماله. وإن كان واحدا ولا يشاركه غيره إلا أن يصح ذلك كما صح هذا أيضا قبل أن يكون لهذا وإن كان الذي صح له صبي مرضع فالميراث له فإذا مات فالميراث لورثة هذا الوارث وإن قدم أحد ممن هو كمثله. فقيل إن المال للأولى الذي ورثه وإن لم يكن قبض المال.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وصلى الله على نبيه محمد وآله الطيبين وسلم تسليما كثيرا.
(1) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله ... . (5/328)
صفحة 2184
قال الحواري بن محمد بن الأزهر: هذا ما أجاب به أبو الحواري أبا جابر اعطاني رقعة في عبد الله بن محمد بن عمر وزوجته أخت أبي إبراهيم حين ذهبا جميعا فإن كنت اردت أن عبد الله وابنه وزوجته فقدوا جميعا ولعبد الله مال تسوي ألف درهم وورث من زوجته مالا يسوي ألف درهم وعليه دين ألف درهم فقلت إنك تقضي الدين مما ورث من زوجته ويبقى ماله القديم ليرث منه زوجته وترث أنت. وقال ورثته: تقضي دينه من أصل ماله ويكون له ميراثه من زوجته فيأخذه ورثته. فإن كنت اردت ذلك فأنا نحب أن يكون دينه كله في جميع ماله القديم. وما ورث من زوجته فيكون من ماله القديم من الألف التي عليه خمسمائة درهم وهو النصف. وفيما ورث من زوجته خمسمائة درهم وما بقي من المال فكل واحد منهما فهو لورثته. وإن أحد المالين أكثر وأحدهما أقل حمل على كل واحد منهما بقدر ما يلزمه من الدين على قلة المال وكثرته، وذلك أن الدين على المال ولم يكن معنى فيه حفظ. فقد قلنا برأي ومحبتنا الحق حيث كان.
وكتب إلينا أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر أن رأي مروان ومكرم أن يقضى الدين الذي وجب عليه من ماله الأصلي فإذا أنفذ ذلك فهو من مال الذي ورثت.
وعن امرأة هلكت وبنوها وتركت أبوها وزوجها فللأبوين الثلث من مال ابنتها وللزوج الربع وللوالدة ما بقي وترث من بنيها فريضتها وبقية ما بقي لأبيهم. قال: لا أعرف هذا وإنما ميراث الأم من صلب ميراث الأولاد وليس للجدة من بني ابنتها ميراث، لأن الأم تحجب الجدة ولا يجتمع ميراث أم وجدة.
وقال من قال: أما من صلب مال الولد الذي ورثت منه الأم فلا حق للجدة فيه. وأما ما ورث الولد من الأم فإن للجدة السدس وهذا أحب إلينا./373/ (5/329)
صفحة 2185
بسم الله الرحمن الرحيم
ومن جواب لمحمد بن الحسن – رحمه الله – إلى محمد بن شادان. أن ذكرت رحمك الله في رجل هلك وترك بنات ابنه وبني عمه. فعلى ما وصفت فالثلثان من هذا الهالك لبنات ابنه والثلث لبني عمه، إذا كانوا من عصبته، وعن امرأة هلكت وتركت ابنتها وبني اختها وبنت عمها وليس لها عصبة من يرثها. فالمال كله لابنتها وليس للباقين مما ذكرت شيء إلا أن يصح لها عصبة. وذكرت في صبي هلك وترك اخته لأمه وأبيه وترك أمه حاملا قد خلا لها منذ حملت شهران أو ثلاثة قلت أيجب للحمل شيء. فعلى ما وصفت. فإن وضعت أمه حملها لأقل من ستة أشهر منذ مات هذا الصبي دخل في ميراثه. وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر لم نره وارثا وبهذا نأخذ، والله أعلم بالصواب.
قال غيره: وقد قيل إن ولدته لأقل من تسعة أشهر دخل في الميراث وهذا كله وإذا كان أبو الحمل حيا فأما إن كان ميتا فإن ولدته لأقل من سنتين منذ مات أبوه دخل في الميراث وقد قيل أنه لو كان أبو الحمل حيا وأشهد على ترك وطئها منذ مات الصبي وإن ولدته لأقل من سنتين منذ مات أخوه دخل في الميراث والله أعلم بعدل هذا القول./374/ (5/330)
صفحة 2186
رجع: وعن رجل هلك وترك عمتيه أختي أبيه لأمه وترك أخواله رجالا ونساء فعلى ما وصفت فللعمتين الثلثان وللأخوال الثلث للذكر والأنثى فيه سواء وللعمتين لكل واحدة الثلث.
ومن جواب لأبي الحواري: وعن رجل املا ماء لرجل يكتبه في البيضاء وإنه غلط فزاد قياسات وظن أن ماء الرجل كذلك وإذا هو دون ذلك واثبته في البيضاء وتبين له الغلط بعدما نقلت البيضاء ثم إن الرجل صاحب الماء مات وخلف أيتاما، فعلى ما وصفت فإن كان الرجل الذي املا هذا الماء يقدر على طرح هذه الزيادة فذلك له لازم وإن لم يقدر على طرح هذه الزيادة لزم الغرم لأصحاب هذا الفلج ونظر كم قيمة ذلك الماء فيجعله في صلاح ذلك الفلج إن كان له صلاح يوما ما. وإن لم يكن للفلج صلاح كان عليه الغرم لأصحاب الفلج.
"تربية الأبناء"وعن رجل يعلم الصبيان يريد بذلك الثواب وفيهم أيتام أو غير أيتام أيجوز له ضربهم على التعليم أم لا؟ فإذا كان في ذلك صلاح لهم جاز ضربهم على التعليم ولا يضربهم إلا برأي الأولياء، فإن أذنوا له بذلك جاز له ضربهم وليكن الضرب ضربا رقيقا ولا يظهر له أثر في أبدانهم وإن لم يضربهم فهو أصلح له والله المعلم الهادي.
وعن رجل جعل نخلا له للسبيل أيحل للفقراء من أهل ذلك البلد الذي جعل فيه هذه النخل للسبيل أن يأكلوا منها وإنما هي للمسافرين وحدهم. فعلى ما وصفت فهذه النخل يأكل منها المسافر والفقراء وهي بمنزلة الصافية يأكل منها الغني والفقير حتى يجعل لابن السبيل فإذا قال ذلك لابن السبيل فإنما هي للمسافرين./375/
ومن جواب لمحمد بن الحسن – رحمه الله – وعن رجل من أهل عمان كان عليه دين لرجل غريب كان يسكن بعمان أو كان الرجل الغريب قد وضع مع هذا الرجل وضيعا ثم مات الرجل الغريب ولم يصح له رحم ولا يعلم له وارث. فعلى ما وصفت فإذا صح موت هذا الرجل وكان له بلد معروف استقضى هذا المعنى بهذا وعن السؤال عن وارث هذا الرجل فإن صح له وارث سلم إليه ما عنده له من وضيع أو دين. وإن لم يصح له وارث من رحم ولا (5/331)
صفحة 2187
عصبة فإن شاء هذا الرجل ترك هذا الشيء بحاله وكتبه في وصيته على نسبه وصفته واعتقد الدينونة فيه لأهله متى صح ذلك عنده على ما يلزمه فيه وإن شاء فرقه على فقراء قرية هذا الرجل الغريب إن كان تعرف قريته والزم نفسه الغرم فيه إن صح له وارث يوما ما خيره بين الأجر والغرم وكذلك إن حضره الموت كتبه في وصيته أنه قد فرقه على الفقراء بعد أن استقصى عن السؤال عن وارثه فإن صح له وارث خير بين الغرم والأجر والله أعلم بالصواب. وهذا على قول بعض لمن لم يصح له وارث وقد وجدنا على حسب هذا عن أبي المؤثر – رحمه الله – يرفعه إلى محمد بن محبوب – رحمه الله – أن محمد بن محبوب أفتاهم في تجار كانوا في سوق نزوى وأحسب أنه على ما قال ماتوا ولم يتضح لهم وارث.
ومن غير الجامع: أخبرنا أبو زياد عن عمر بن المفضل وعباس بن زياد في الجدات إذا كن من قبل الأم أقرب حجبن الجدات من قبل الأب السدس. وإن كن الجدات من قبل الأب (1) أقرب لم يحجبن الجدات من قبل الأم السدس. قال أبو المؤثر: قد قيل هذا قولنا أنه ينتهي كانت أقرب حجبن السدس./376/
(1) - في أ، ب: النص الآتي: وإن كن الجدات من قبل الأم السدس، وحفظ عن هاشم بن غيلان - رحمه الله –
أنه قال: من حيث كن الجدات أقرب حجبن السدس. ومن جواب ... .
ومن جواب لأبي علي – رحمه الله – عن رجل تزوج أمة ثم عتقت ثم مات الزوج وليس له وارث فإنها تحميه إذا لم يكن له رحم وكذلك إن كان هو عبد فعتق ثم مات وليس لها وارث فإنه يحميها إذا لم يكن لها رحم.
وعن رجل حبسه الكبر عن زوجته أو زمن أو مرض فطلب إليها أن تقوم به لوضوئه ولطعامه وغير ذلك من الشراب وتقوده إلى الخلاء فلا تفعل ذلك وتطلب منه أن يعطيها على ذلك كراء لقيامها، هل يسعها أن تأخذ على ذلك أجرا؟ وهل لها عليه ذلك؟ فعلى ما وصفت فإن الذي كلفها من هذا كله ليس عليها ذلك فإن لم تفعل له ذلك إلا بالكراء جاز لها ذلك الكراء وليس له أن يكرهها على ذلك إلا ما طابت به نفسها. وقد قال بعض الفقهاء: إن طلبت إليه الأجر أن ترضع ولدها منه وهي زوجته، كان لها ذلك.
وعن محمد بن محبوب – رحمه الله – أنه لم ير لها الأجر على رضاع ولدها منه ما كانت زوجته. وحفظ عمر بن القاسم عن أبي علي – حفظه الله – في الجد أنه لا يجوز وكالته في ابن ابنته إلا أن يكون ولده وقد وكله في ولده وأجاز له فيه وقد حكم بذلك أبو علي – رحمه الله – قال عمر بن القاسم برأيه والجد وغيره في ذلك سواء. /377/ (5/332)
صفحة 2188
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: وعن رجل طلق امرأته من غير أن يدخل بها ومن غير أن يسمى لها مهرا وماتت لعلة أراد ومات. قال: إن طلقها من قبل أن يدخل بها فلا ميراث لها ولا عدة عليها. قال أبو عبد الله – رحمه الله – ويمنعها إلا أن يكون طلقها في مرض فإذا حبست نفسها عن التزويج بقدر عدة المطلقة فلها الميراث. ولا مهر لها ولا متعة.
ومن غيره: قال أبو سعيد – رحمه الله – في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداق ومات قبل أن يدخل بها. فعندي أن عامة قول أصحابنا أن لها الميراث وعليها العدة. ومعي أن في بعض قولهم أن لها صداق المثل ولها الميراث وعليها العدة.
ومن غيره: وعن رجل طلق امرأته في مرضه ولم يكن دخل بها في مرضه الذي مات منه هل عليها عدة أو لها الميراث وما تستحق من الصداق، فالذي عرفنا من قول المسلمين أنهم قد اختلفوا في ذلك. فمنهم من قال لها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدة عليها وقال آخرون لها الميراث إذا مات حبست نفسها بقدر العدة ولم تتزوج وإن تزوجت فلا ميراث لها وقال قوم إن لها الصداق كاملا ولها الميراث وعليها العدة. والذي نحب الأوسط من ذلك، قلت إن لم يكن فرض لها صداق فإذا لم يكن فرض لها صداقا وطلقها قبل أن يدخل في مرضه الذي مات فيه فلها المتعة ولها الميراث إذا مات في عدة مثلها.
ومن غيره: ربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداق ثم طلقها في مرضه قبل أن يدخل بها. قال: لا ميراث لها ولا عدة عليها ولا صداق لها./378/ (5/333)
صفحة 2189
قال غيره: نعم كما قال في الصداق لأنه لم يفرض لها صداق. وأما الميراث فلها الميراث منه على القول الأول الذي نعمل عليه.
ربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ثم مات فقال: لا صداق لها وعليها العدة ولها الميراث. قال ضمام: فقلت لأبي الشعثاء إن ناسا يزعمون أن ابن مسعود قال: لها الميراث وعليها العدة ولها الصداق. قال: لو نجد هذا عن ابن مسعود عن ثقة لأخذنا به. قال غيره لعل هذا الرد على المسألة الأولى.
وزعم أزهر أن رجلا بنزوى ضرب امرأته بمفتاح فماتت من ذلك وتركت ابنتها وأبويها فاختلف أهل نزوى وأهل أزكي في ذلك. الأزهر بن علي فقال أهل نزوى الفضل للأب. وقال أهل أزكي ذهب ميراث الزوج بحدثه. وهو كما هو فانقسم المال خمسة للبنت ثلاثة أسهم وللأبوين سهمان على ميراثهم الذي كان مع الزوج.
وسئل عن امرأة هلكت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأمها وأخوتها لأبيها وأمها. قلت كيف الميراث بينهم؟ قال معي: إنه في أكثر قول أصحابنا أن للزوج النصف وللأم السدس والثلث الباقي يشترك إخواتها لأبيها وأمها وأخوتها لأمها الذكر والأنثى فيه سواء. وهذا إذا كان الأخوة للأب والأم ذكرانا وإناثا والثلث الباقي من نصف الزوج وسدس الأم بينهم الذكر والأنثى فيه سواء إذا كانوا ثنين فصاعدا. وإن كان الأخوة لأب والأم إناثا فإن كانت واحدة فلها النصف وتكون الفريضة من ستة أسهم وتعول إلى تسعة أسهم. وإن كانتا اثنتين فصاعدا فلهما الثلثان وتكون الفريضة من ستة وتعول إلى عشرة أسهم./379/ (5/334)
صفحة 2190
وإذا عالت الفريضة إلى عشرة أسهم كان السدس منها عشرا وكان لصاحب النصف منها خمس ونصف من جملة المال ولمن كان له الثلثان كان له الخمسان من جملة المال. وإذا كان الأخوة للأب والأم إناثا واحدة أو أكثر كان الثلث خالصا حكمه للأخوة للأم إذا كانتا اثنتين فصاعدا الذكر والأنثى فيه سواء.
وسئل عن ثلاث أخوات متفرقات أخت لأب وأم وأخت لأب، وأخت لأم. ليس معهن غيرهن. قال معي إنه قيل للأخت لأب والأم. وللأخت لأب السدس تكملة الثلثين وللأخت لأم السدس وأصلها من ستة أسهم وتقسم على خمسة أسهم لأجل الرد عليهم. ومعي أن بعضا لا يرد على الأخت للأب والأم وعلى الأخت للأم ما بقي./380/ (5/335)
صفحة 2191
وعن امرأة مرض زوجها فتباريا أن الخلع والطلاق ومات الرجل من مرضته تلك قبل أن تنقضي عدتها. قلت هل ترث منه شيئا؟ فقد قيل في ذلك باختلاف، والذي معنا أنها لا ترث منه شيئا لأنها هي المتبرئة وهي الصحيحة والبرآن واقع ولا يتوارث المتبارئان. وقلت: أرأيت إن كانت هي المريضة وتبارئا وماتت قلت: هل يرث منها شيئا؟ فقد قيل أيضا باختلاف، والذي معنا أن هذا لا يقع موقع البرآن لأن المريض لا يجوز برائه ويقع ذلك موقع الطلاق وترثه ويرثها ويكون عليها حقها والله أعلم.
وقلت أرأيت إن طلقها في مرضه ثلاثا فمات قبل أن تنقضي عدتها. قلت: هل ترث منه شيئا؟ فنعم إذا طلقها في مرضه ورثته ما كانت في العدة منه إذا كان قد دخل بها. قلت أرأيت إن طلبت إليه الطلاق فطلقها هل بينهما ميراث. والذي معنا أنها ترثه لأنها لا تملك الطلاق وإنما طلبت ما لا تملكه وطلبها لما لا تملكه لا يقع عليها في ذلك أحكامه لأنه قد قيل لو جعل طلاقها في يدها فطلقت نفسها ثلاثا وذلك في المرض أنها ترثه. وقال من قال: لا ترثه وهو عندي أبعد من ذلك. والذي أحبه أنا في هذه أنه إذا ملكها الطلاق وجعله إليها فطلقت نفسها إنها لا ترثه. وأما إذا طلبته إليه فطلقها هو فذلك فعله هو وترثه عندي الله أعلم.
وسألت أبا سعيد – أكرمه الله – في رجل مات ولم يعرف له أب ينسب إليه وخلف أمه وعم أمه أخا أبيها، كيف ترى يكون الميراث؟ قال: عندي أنه قيل يكون لأمه الثلث وما بقي فلعمها أخ أبيها، وهذا على قول من يقول أن عصبته عصبة أمه فأثبت الميراث للعصبة وأثبت عليهم العقل يعقلون عنه لئلا يسقط حكمه. وقال من قال: يكون للوالد الميراث كله وهذا على قول من يضعف ذلك ويسامي مواريث الأرحام. وقال من قال: يكون لأرحامه من قبل أبيه الثلثان ولمن كان من قبل أرحام أمه الثلث وهذا إذا عدمت أمه، والله أعلم./381/ (5/336)
صفحة 2192
وكذلك يخرج عندي على معناه. من المصنف (1) ولما الذي يعرف بأمه ولا يعرف بأبيه. فذلك عصبته ما دامت حية فإذا ماتت أمه كانت عصبته عصبة أمه إن كان أولى بعصبة أمه كان أولى بعصبته.
واختلف في رجل خلف ابنة ابنته وجده أبا أمه. فقال من قال: المال للجد دونها وقال من قال: لها دونه. وقال من قال: له السدس ولها ما بقي. وقال من قال: له الثلث ولها ما بقي. وقال من قال: له النصف ولها ما بقي. وقال من قال: له الخمسان ولها ما بقي. قلت قلت فإن خلف ابنة أخته خالصة وجده أبا أمه كيف الميراث. قال معي: إنه يخرج (2) في أكثر القول لأن المال للجد ولا يتغير عندي من الاختلاف في مثل ما مضى لأن الخال أقرب منه على حال لأن الخال من ولد الجد وهو من ولد جد الجد.
وعن امرأة ادعت إلى زوجها أنه طلقها وأنكر هو ذلك فلما حضره الموت أقر أن الطلاق الذي كانت تدعيه إليه حق وقد خلت عدتها. وقالت هي: أيضا أنها كانت كاذبة فيما كانت ادعت من الطلاق وطلبت الميراث. فقال: لها الميراث من ماله وعليها يمين بالله ما تعلم أنه كان طلقها كما ادعت.
وسألته عن رجل أقر عند موته بولد من زنا. هل يرثه؟ قال: إن كان أقر بولد من امرأة ليس لها زوج فإنه يرثه. وإن أقر بولد من امرأة لها زوج فإنه لا يرثه. لأنه جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الولد للفراش وللعاهر الحجر يعني العاهر الزاني. قلت فإني قرأت في كتب بعض الخراسانيين (3) وقال ذلك أيضا أبو صفرة
/382/
(1) - في أ، ب: من المصنف .... إلى ...... أولى بعصبته غير موجود.
(2) - في أ، ب: زيادة: قال معي: إنه يخرج على مثل هذا مثل ابنة البنت وجدة قلت له: فإن خلف خاله وجده
أبا أمه: قال معي إنه يخرج في أكثر القول .... .
(3) - في أ، ب: أنه لا ميراث لولد الزاني. قال: وقد قال ذلك من قال من الخراسانيين وقال ذلك أيضا أبو صفرة.
عن محبوب والذي عندي أنه لا ميراث لولد الزنا ممن أقر به كان على فراش أحد أو لا. كان للمرأة زوجا أو لم يكن. وإنما قال بالقول الأول موسى بن أبي جابر وكان موسى بن علي يأخذ به أنه إن كان للمرأة زوج فلا ميراث للولد الذي ولدت فهو زوجها ومعها ممن أقر به من غير والده. وإن لم يكن لها زوج فإنه يرثه.
ومن غيره: وسألته عن الوالدين والولد إذا كانوا مماليك هل يحجبون فيحجب البنون الأم عن الثلث (1)،والزوجة عن الربع. قال: اختلفوا فيمن لا يرث من المماليك وعن بعض الفقهاء يعني إلى أبي عبد الله – رحمه الله – قال: وأظن أن المرتدين المدبرين والمشركين والقاتلين. فقال من قال: لا يحجب ممن (2) يرث. وقال من قال: يحجبون ولا يرثون. ولا يحجب من لا يرث. قلت فما تقول أنت أكل ذلك صواب؟ قال: نعم إن شاء الله. (5/337)
صفحة 2193
عن أبي عبد الله – رحمه الله – وسألته عن امرأة اختلعت من زوجها في مرضها التي ماتت (3) به أيجوز خلعها؟ قال: قد عنا ذلك أبا علي – رحمه الله – فتشاور فيه فاختلفوا عليه فيه فمنهم من قال: عليه الصداق ولا ميراث له. وقال بعض لا صداق ولا ميراث له. وقال بعض له الميراث وعليه الصداق. قال: وأنا أقول عليه الصداق وله الميراث وعن أبي سعيد – رحمه الله – قلت هل بين القاتل الذي يلزمه القود والذي تلزمه الدية فرق في الميراث. وما العلة في ذلك فقد قيل لا يرث قاتل عمد ولا خطأ بعد صاحب البقرة وإنما ذلك لئلا يرثه.
/383/
(1) - في أ، ب: يحجب البنون الأم عن السدس والزوجة ... .
(2) - في أ، ب: لا يحجب من لا يرث.
(3) - في أ، ب: ماتت فيه .... .
وأحسب أن بعضا ذهب أن قاتل الخطأ لا يحرم الميراث لأنه لم يرد ثبات الميراث لنفسه بفعله والأول أحب إلي. ولعله في القول (1) عند من يذهب إلى ذلك قصد إلى ما به يجر الميراث إلى نفسه وسلامة الآخر. قلت ولو شهد رجلان عن رجل يرثانه فقبل شهادتيهما ثم رجعا عن ذلك هل يرثانه. فقد قيل فيما أحسب أنهما يرثانه. وقيل لا يرثانه وأحب في ذلك إن رجعا وقالا تعمدنا لقتله أنهما لا يرثانه وإن قالا: شبه لنا أو ظنناه أنهما يرثانه. قلت: فإن قال: أحد من أهل العلم أنهما يرثانه ما العلة في ذلك فلعل من علتهم أنهما ليس بقاتلين وإنما هما شاهدان وإنما القاتل من قتل بيده أو أمره من إذا أمر فأطيع في ذلك.
وعمن (2) أمر بقتل من يرثه فقتل بأمره وكان الأمر مطاعا أو غير مطاع. قلت هل يرث من قتل؟ فمعي أنه لا يرثه لأن الآمر قاتل، وعن أبي علي وقد قيل له الميراث إذا لم يكن مطاعا. وقلت لن أشير إليه فأشار بذلك هل يرثه فمعي أنه لا يرثه إذا أمر بذلك على حسب ما معي أنه قيل.
ورجل قال في صحته إن فلانا عمي، ثم إنه مرض ومات وترك أرحاما غير ذلك ولم يبين عمه وابن عمه لأب وأم أو أب وأم. قلت ما يكون؟ فمعي إنه قد قيل لا يجوز الإقرار بوارث مع وارث صحيح النسب من رحم أو غيره إلا والد أو ولد وعن الإقرار يأخذ من الورثة في المرض قلت: أهو باطل كله إلا بالوالدين كان للميت ورثة غير ذلك أو لم يعرف له غيرهم أم ذلك مختلف فمعي أنه إذا لم يكن له وارث جاز إقراره بوارث ممن كان وسواء كان ذلك في الصحة أو في المرض./384/ (5/338)
صفحة 2194
(1) - في أ، ب: لعله يذهب ..
(2) - في أ، ب: الفقرة المشار إليها لعدم وجود هذه الفقرة أصلا في الأصل.
(3) - في أ، ب: هذه الفقرة أصلا في الأصل.
ومن غيره: وقد اختلف في الذي يطلق امرأته في مرضه ثم يصح ثم يمرض ثم يموت وهي في العدة ولم يكن دخل بها فقال من قال: ترثه. وقال من قال: لا ترثه وعن المريض يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فيموت من مرضه ذلك أهو بمنزلة الصحيح في الميراث قال: نعم إذا حسبت نفسها حتى تنقضي عدة مثلها ورثته. وقال بعض الفقهاء لها نصف الصداق. وقال بعضهم: لها الصداق كله وعن المرأة يطلقها زوجها في مرض عند الموت ولا يعمه عين (1) حتى يعلم أنه ليس بمضار إلا أن تزوج المرأة ويطول مرضه حتى تنقضي العدة فتزوج وقد قال ابن عمر ابن عباس أن ذلك ضرارها، وأما ما تربصت فلها الميراث إذا علم أنه مضار.
ومن غيره: وقال من قال: من أمر بقتل أحد ممن له ميراثه فقتل بأمره إنها لا يرث، وإن وضع خشبة في الطريق أو جناحا فعطب به بعض من هو وارثه إنه يرثه. وإن أمر بولده المؤدن أن يضربه في الأدب فضربه فمات. إنه وإن قتله بحق إنه يرثه. قيل له: فإنه تبن أن الحاكم أخطأ ولم يكن له قتله. قال له ميراثه وعلى الحاكم دينه في بيت مال المسلمين. والمجنون والصبي إن اقتتلا من يرثانه؟ فإنهما يرثانه أيضا على قول أبي عبد الله
- رحمه الله -.
وعن رجل هلك وخلف من الورثة زوجته وبني أخته لأمه وبني أخته لأبيه وأمه. قال: نجد فيها أقاويل كثيرة. قال من قال: الميراث للخالص منهم ومنهم من قال الميراث لهم كلهم على عددهم بالسواء. ومنهم من قال: الميراث بينهم على قدر ميراث آبائهم. وهذا الذي رويناه عن أبي عبد الله ورأينا أن هذه المسألة تخرج من أثني عشر وعن رجل هلك وترك ابنة أخ لأم وابنة أخت لأم./385/ (5/339)
صفحة 2195
(1) - في أ، ب: لا ولا يعمه عين حتى يعلم. والصحيح لا يعلم غيره.
وكذلك إن كانت بنت أخ لأم أو بنت بنت أخت لأم وجد أبا أم. فقال: للجد أب الأم المال كله دون إبني الاخوة من الأرحام. وقد كنا نسمع أبا الحواري – رحمه الله – يذكر بأن مسلم ابن كريمة كان يقول: إن للجد أب الأم السدس إذا لم تكن الأم حيه ولا أحد من الجدات ويدخله في الميراث فيزاحم أهل ذوي الفرائض ويوجب له الميراث مع العصبة ونحن نقول: أن من وجب له الميراث مع ذوي فرض أو عصبة فمن له رحم وهو أولى بالمال كله دون غيره من ذوي الأرحام. وسألت أبا عبد الله محمد بن محبوب – رحمه الله – عن المرجوم والمرجومة هل يتوارثان. فقال من قال: يرثها ولا ترثه. وقال من قال: يتوارثان. وقال من قال: لا يتوارثان. قلت فما قولك أنت قال: لا يتوارثان. ويرى عن محمد بن محبوب رحمهما الله وفي امرأة تركت ابني عمها أحدهما زوجها والآخر أخوها من أمها. قال محمد بن محبوب: رحمهما الله: إن للزوج النصف بميراث التزويج، وللأخ السدس بفرض ميراث الأخ من الأم وما بقي بعد ذلك كان بينهما نصفين. وأما موسى بن علي – رحمه الله – فروى عنه أنه قال: للزوج النصف وما بقي من مال فهو لأخيها من أمها ولو لم يكن ابن عمها زوجها ما ورث منها شيئا ولو كان ابن عمها لأن أخاها من أمها إذا كان ابن عمها فهو أولى ممن بقي من بني عمها الذين في درجته من العصبة.
وسئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مرضه ثم صح ثم مرض ويموت وهي في العدة هل ترثه؟ قال أبو عبد الله: لا ترثه لأنه قد صح ثم مرض ثم مات ولو أنه مات في مرضه الأول لورثته، لأنه طلقها مضارا ثم قال: وكذلك الرجل يقول وهو مريض إن حدث بي حدث الموت فغلامه حر فإن حدث به /386/ (5/340)
صفحة 2196
في مرضه ذلك فإن الغلام يعتق من الثلث، وإن صح هو ثم مرض ثم مات كان الغلام من رأس المال.
قال أبو سعيد – رحمه الله – في رجل علم من أحد زنا فليس له أن يزوجه حرمته إذا تاب وأصلح ولا يحضر له تزويجا بغير حرمته في بعض القول. وقال من قال: يجوز ذلك، ويعجبني أن يجوز ذلك، لأن الأصل نكاح جائز للمرأة حتى تعلم هي الزنا. قلت فإن علمت المرأة من رجل زنا ثم تاب. هل لها أن تزوجه؟ قال: لا يجوز ذلك ولا يعجبني ولا أعلم في ذلك اختلافا في قول أصحابنا. قلت له فإن علم الولي بزناه ثم تزوجت به المرأة، زوجها به ولي غيره ثم ماتت المرأة وهذا الولي الذي علم بزناه هو أولى بميراثها. هل له أن يرثها مما أخذت من زوجها من صداق أو ميراث؟ قال: هكذا يعجبني وقد يلحقه الاختلاف في قول أصحابنا فذهب بعض إلى إجازة ذلك. وبعض لم يجزه لأن الولي قد علم بزناه فعلمه عليه حجة. قلت فإن علم الزوج بزنا امرأته وعلمت المرأة بزنا زوجها ثم مات الزاني هل للآخر ميراث. قال معي إنه في بعض قول أصحابنا أن الحي لا يرث الزاني. وعن رجل مات ولم يخلف من الورثة إلا زوجته وعمته كيف الميراث بينهما، فعلى ما وصفت فللزوجة الربع وللعمة ما بقي بعد الربع.
مسألة: قال أبو عبد الله – رحمه الله – إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها وأبرأ لها نفسها وهي مريضة فبرأته لها تطليقة يملك فيها رجعتها إن كان بقي بينهما شيء من الطلاق ولا يبرئ من صداقها فإن ماتت من قبل أن يردها وهي في عدتها فإنه يرثها وإن انقضت عدتها من قبل أن يردها ثم ماتت لم يرثها وإن كان أبرأ لها نفسها في الثالثة ثم ماتت في عدتها لم يرثها أنه لم يكن عليها رجعة. وإن كان هو مريضا وهي صحيحة وأبرأته من مالها والبراء/387/ (5/341)
صفحة 2197
لها نفسها برأ هو من مالها وبرئت منه لأن طلاقه لها وهو مريض أو صحيح جائز عليه. وإن مات من قبل أن تخلو عدتها منه ومن قبل أن يردها إن كان بقي بينهما من الطلاق شيء فإنها لا ترثه لأنه برأ من وقع بينهما.
ومن غيره: وسئل عن رجل يبارئ زوجته ثم يموت في العدة هل ترثه؟ قال: لا ترثه. وقال من قال: إن أبرأها وهي مريضة فماتت إنه يرثها والله أعلم. وإن أبرئه وهو المريض ومات وهي في العدة إنها لا ترثه.
قال غيره (1):"الذي نعمل به إن كانت هي الميته وأبرأته فإنه لا يبرأ لأن برأنها وهي مريضة لا يثبت عليه وهي تطليقه وله منها الميراث وإن كان هو الميت فإنه يبرأ لأن برأنها له وهي صحيحة ثابت عليها ولها الميراث ولا عدة عليها والله أعلم ".
وعن امرأة ماتت في بطنها ولد يتحرك ثم خرج من بعد موتها ميتا ولم يخرج هل يرث أمه. فعلى ما وصفت فلا يرث من أمه إلا أن يخرج حيا قبل موتها أو بعد موتها وليس تلك الحركة في بطنها من بعد موتها بشيء حتى يستهل حفظت عن أبي سليمان حفظه الله. وفي رجل سرق شيئا لم يعرف له بأنه إذا أيس من معرفة ربه فرقها على الفقراء أو يؤمر أن يوصي به على الصفة، وأما الوالدة التي ذكرت في أمر الوصية إليها من الولد لما يرجوا أنه أقرب وأصلح فإذا لم تكن ثقة ولا مأمونة فلا يكون ذلك عندي (2) له واجب أن يدع الأمر بحاله إذا لم يجد لأني أرجو له الله عند العدم أن لا يسأله عن ذلك وأخاف عليه إذا جعل الأمانة في غير موضعها لأنه قيل عن النبي – صلى الله عليه وسلم –"كفى من خيانة المرء أن يكون أمينا لخائن، أو من يكون أمينه خائن ولم يؤتمن لحقه التهمة أو الخيانة./388/
(1) - في أ، ب: ما بين القوسين غير موجود.
(2) - في أ، ب: فلا يكون ذلك عني من وجه الصلاح له واجب.
وعن أبي زياد في الرجل يوصي إلى رجل ويقول إن حدث بي حدث موت ففلان وصي في مالي وولدي وقضاء ديني. قال: إن تزويج الوصي جائز إذا رضيت به المرأة ابنة الهالك قال: وقد قال من قال: حتى يقول الهالك هو وصي في تزويج بناتي. قلت فهل يزوج الوصي نفسه بابنة الهالك؟ قال: يوكل من يزوجه. قلت: فإن لم يوكل وزوج نفسه بشاهدي عدل ورضي من المرأة. قال: جائز إن شاء الله. وإن وكل فهو أحب إلي. (5/342)
صفحة 2198
وعن رجل وصى لرجل وللميت أموال ومنازل فأراد الوصي أن يبيع شيئا من المال ويقضي بعض الديان ويطعم اليتامى ويكسوهم. هل له ذلك؟ فعلى ما وصفت. فليس له ذلك حتى يعلم أن اليتامى بفضل مالهم من هذا المال بعد قضاء الدين ما يريد أن ينفقه عليهم. وإن كان لا يرجوا أن يفضل لهم بعد قضاء الدين شيء فليس له ذلك والميت أحق بماله. والله أعلم.
أرأيت إن انحط سعر المال فلم يبلغ الدين بعد أن أطعم اليتامى من ثم مالهم أو كساهم أو أتت عليه جائحة فأهلكته ما يلزم هذا الوصي فإذا كان الذي باعه وأنفقه على اليتامى لم يبق بعده شيء من المال من طريق هذه الجائحة وانحطاط السعر لم آمن على الوصي والله أعلم.
وذكرت في أمر هذا الميت الذي أوصى إلى أخته ولم يجعل لها أن توكل فعلى ما وصفت فلها أن توكل فيما لا يمكنها البروز فيه من قضاء الصداق وغيره من الحقوق. وكذلك بيع المال والتسليم والتجديد لها أن توكل في ذلك كله في حياتها ولم – لعله ولو لم يجعل لها ذلك الهالك./389/
وهذا في الوصية من غير الجامع:
وسئل أبو سعيد محمد بن سعيد – رضي الله عنه – عن رجل مات وترك وخلف على نفسه دينا ولم يوصي بقضائه وكان له على رجل حق، هل يجوز أن يقضي عنه بغير أن يعلم الورثة ويسعه ويبرئ مما عليه. فكان الجواب منه على معنى ما أجاب في هذه المسالة باختلاف. فقال من قال: لا يجوز ذلك إلا برأي الورثة إن شاء اقضوا وإن شاؤا لم يقضوا. وإن فعل بغير رأيهم فلعل صاحب القول يلزمه الضمان. وقال من قال: ورخص في ذلك أنه يقضي عن الميت الدين الذي يعلمه على الميت مما عليه له من الدين الذي يذهب صاحب هذا القول يذهب أنه (5/343)
صفحة 2199
يبرأ بذلك ولو لم يعلم الورثة. ورأيته يروي ذلك عن أبي عبد الله محمد بن روح – رحمه الله – إنه كان يرخص في ذلك وقال: إنه كان يرويه عن رجل من الخوارج من أهل العلم أنه لعله كان يذهب إجازة ذلك.
وسئل عن رجل عليه حق لرجل ميت فقال له رجل ثقة مأمون إنه وصى ذلك الميت في دينه. هل يجوز لهذا الذي عليه الحق أن يسلمه إلى وصية هذا على تصديقه في قوله أنه وصيه في دينه. قال: نعم، إذا كان ثقة مأمونا على ما حمله. وقال: إنه باق عليه دين يقضيه كان ذلك وجها من الخلاص إن شاء الله فيما بينه وبين الله./390/
ومن كتاب فيه مسائل عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله: وهذه المسألة على أثر مسائل أرجوا أنها عنه: وقال في الكتاب للوصية أنه إذا كان بمنزلة من يستفتي ولم يكن بمنزلة من يرفع عنه خطأه في الفتيا وكتب الوصية ولم يقل لهم أعرضوها على المسلمين ولا تأخذوا بها حتى تعرضوها على المسلمين. فإن كان كذلك وكان فيها شيء مخالف للحق ليس فيه اختلاف ولا مخرج فهو ضامن. وإن كان فقيها بمنزلة من يرفع عنه الخطأ في الفتيا لم يكن عليه ضمان. وكذلك إن كان جاهلا فإنما عليهما التوبة من ذلك ولا ضمان عليهما إذا كانا بتلك المنزلة. قال: وكذلك المعروضة عليه الوصية فإن كان بمنزلة من يرفع عنه الخطأ الفتيا أو جاهلا فليس عليه ضمان. وأما إذا كان غير فقيه ولا جاهل فعليه الضمان إذا أثبت في الوصية شيئا مخالفا للحق بلا اختلاف. قال: وكذلك الوصي إذا أنفذها ولم يعرضها وكان فيها شيء مخالف للحق ليس فيه مخرج ولا اختلاف إنه مخالف للحق فهو ضامن قال: وأما الشاهدان على /391/ (5/344)
صفحة 2200
الوصية فعليهما الإثم وليس عليهما ضامن وإذا أنفذها الوصي بعد أن عرضها وكان فيها شيء خالف الحق وقد عرضها على من لا يضمن في الفتيا (1) فهو ضامن في ماله الذي عرضت عليه فثبتها وهي مخالفة للحق. قال: وإذا أنفذ الوصي الوصية بمعرفته وهو ممن لا يلزمه الضمان في الفتيا من منزلة في المعرفة، فلا ضمان عليه في ذلك، وهو في ثلث المالك الهالك وكذلك إذا كان المعروضة عليه بمنزلة من لا يلزمه الضمان في القتيا من منزلة في المعرفة فلا ضمان على الوصي ولا على الكاتب. وكذلك إذا كان الوصي بمنزلة من لا يلزمه الضمان في الفتيا وأنفذها بمعرفته وقد كتبها الكاتب وهو بمنزلة من يلزمه الضمان وعرضت على من يلزمه الضمان في الفتيا فلا يلحق أحدهم ضمان إذا كان أحدهم بمنزلة من لا يلزمه الضمان في الفتيا من منزلة المعرفة. وإذا كانوا كلهم ممن يلزمه الضمان في الفتيا فإنهم يلزمهم الضمان جعله على الأثلاث فأيهم تاب كان عليه رد الجملة وعلى الآخرين أن يردوا عليه إلا أن يردوا جملة لكل واحد منهم ما يلزمه فذلك إليهم. وإذا كان أحد الثلاث فقيها فأنفذت الوصية بمعرفته وكان فيها ما هو مخالف للحق زال الضمان عنهم جملة وكان في ثلث المال. وإذا عرضها الوصي على من هو في موضع الفتيا وكان مما يلزمه الضمان في الفتيا فلا ضمان على الوصي.
قال غيره: لعله أراد فالضمان على الوصي ويضمن المعروضة عليه للوصي./392/ (5/345)
صفحة 2201
(1) - في أ، ب: على من لا يضمن في الفتيا فلا ضمان على الوصي ولا على الفقيه وهو في ثلث مال الهالك
وإن نفذها الوصي وقد عرضها على من يلزمه الضمان في الفتيا فهو ضامن من ماله .... .
قال غيره: لعله أراد فالضمان على الوصي ويضمن المعروضة عليه للوصي قال: وليس لمن في يده وصية الميت أن يدفعها إلا برأي الشهود لأن فيها شهادتهما.
ومن غيره: وقلت: هل يجوز أن يعطي الفقراء حبا أو تمرا أو قطنا أو عروضا بسوق ساعة التفرقة عن الدراهم أم لا يجوز إلا الدراهم؟ فقد اختلف في ذلك. فقال من قال: يجوز ذلك إذا تراضى الفقراء والمعطى وقال من قال: لا يجوز ذلك لأن الحق ليس لهذا الفقير بعينه وهذا القول أحب إلي.
وعن رجل أوصى إلى رجل مأمون وأشهد على وصيته إليه رجلين من أهل القبلة لا يعرفان بثقة ولا خيانة. قلت ثبت ذلك ففي الحكم لا تثبت إلا بشهادة العدول والثقات. وقلت إن لم يكن ثابتا في الحكم من أجل الشهادة هل له أن يأخذ شيئا من مال الموصي وينفذ عنه ما أوصاه به. فنعم قد قيل ذلك. ورجل لقيك ثقة أو غير ثقة، فقال لك: فإن فلانا مات وجعلني وصيه وأوصاني أن أدفع إليك هذا الألف الدراهم أو هذا الشيء قلت هل يجوز لك أن تأخذه. فعلى ما ذكرت فمعنى أنه يجوز ذلك إذا لم تعلمه.
وقال غيره: وعنه فما لم يحتمل حلاله فهو حرام حتى تعلم حلاله.
ومن غيره: وأما الذي لا يقيم الكتاب فليس عليه بأس أن يأتي إذا ادعى لكتاب الوصية وإن كتب فلا بأس حتى يعلم أنه يجوز في الوصية. وإذا كان هو مخطئ الكتاب فلا يجوز له ذلك.
وعن رجل أوصى بمائة مكوك حب للفقراء ولم يسم من أي نوع من الحبوب فعلى ما وصفت فقيل في هذا باختلاف. قال من قال: يجبر الورثة أن يأتوا بما شاؤا من الحبوب ولا بد لهم من ذلك. وقال من قال: إذا لم يسم بنوع من الحبوب فليس هذا بشيء. وقال من قال: النصف من ذلك من حب الذرة والنصف من حب البر، وأما أنا فيعجبني هذا القول والله أعلم./393/ (5/346)
صفحة 2202
الباب الخامس والعشرون
في الوصايا
رجع إلى كتاب أبي جابر:
بسم الله الرحمن الرحيم
واعلموا أن الوصية حق من الله وقضيه، وعطية من الله هنية، لعبد أولاه الله إفضالا، ورزقا أعطاه الله وأموالا فشح بها عن زاده، ولم يقدم (1) منها لمعادة حتى إذا فرغت أيامه واكتربت انسامه، وجاء (2) حمامه، فعند أضيق حاله. وانقطاع أعماله. أغاثه الله بجزء من ماله. فجلي به عنه السكره، ولم يدعه الله في حسرة فتدارك به ما فات. وأسعده الله به عند الممات وشقي (3) لم يحسن في حياته، وعصى ربه عند مماته، فخالف الله فيما أمره فإما حاف وإما قصر. ولم يقبل الله منه معذرة وفاتته الدنيا والآخرة وقد أنذره الله وحذره الافادوا إلى الله فرضاه. وأقرضوا الله مما أولاكم قرضا، يثيبكم الله عليه ويرضي، وإنما يجوز للموصي عند الموت في ماله إلى الثلث ولا يجوز له أكثر من ذلك وإنما يوصي به في أبواب البر، وقال الله تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} فأما الوالدين فإنه نسخ مالهما من الوصية بما فرض الله لهما من الميراث وثبت ما للأقربين وقيل عن ابن عباس أنه قال: قال: من كان له فضل مال فلم يوصي لأقربيه الذين لا يرثون، فقد ختم عمله بمعصية وضيع من فرائض الله حقا عليه إن كان من المتقين إلا أن يكون معذورا. وإنما ترك ذلك /394/
(1) - في أ، ب: وليستقدم .....
(2) - في أ، ب: وجاء موته وحمامه ....
(3) - في ب: وشقي لمن لم يحسن في حياته ..... (5/347)
صفحة 2203
لسبب له فيه عذر فقد رفع الله من وفي نسخة عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وقال الله تعالى فيمن بدله بعدما سمعه {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} وعلى الوصي ويبرأ منه الميت. ثم قال للأوصياء {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} وهو الخطأ والظلم والإثم والتعمد للجور في الوصية، فقد أحل الله لوصيه أو لمن ولاه أمرهم أن يصلح بينهم على عدل كتاب الله تبارك وتعالى وترك جور الميت فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم يعني للوصي حين أصلح ونهى الله من يحضر وصية الميت أن يأمرون إلا بالحق وبالعدل فقال تعالى {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا فخافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا}.
وقيل من عدل في وصيته عند الموت فكأنما وجه ماله في سبيل الله فهو عظيم الأجر وقيل سأل ابن أبي وقاص
النبي (1) - صلى الله عليه وسلم – إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة لكم في أعمالكم وقال أبو بكر الصديق – رضي الله من الغنائم بالخمس، وأنا أوصي بخمس مالي. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – {ألا لا تجوز وصية لوارث} وقيل لا للمولك لوارث (ولا لمملوك وراث) وقال الربيع عن أبي عبيدة أن أحق ما صدق الناس عند الموت فيمن أقر لوارث بحق أو دين فهو جائز. فمن أوصى لإنسان بشيء ويحسب أنه حي فإذا هو ميت قبل أن يوصي له فذلك هو مردود إلى ورثة الموصي وإذا عقل الغلام وأوصى بالمعروف جازت وصيته ولم يحتلم وقد أجازها عمر بن الخطاب – رحمه الله – وأجاز عمر بن عبد العزيز وصية جارية ابنة تسع سنين. وصية غلام ابن عشر سنين. وقال من قال: إذا أوصى بالمعروف جازت وصيته إلى الثلث. وقال من قال: إلى الخمس من ماله وهو أحب القولين إلي، وإن أوصى الغلام بشيء من الحقوق أو /295/
(1) - في أ، ب: زيادة حديث: وقيل سأل ابن وقاص النبي – صلى الله عليه وسلم – بكم يوصي من ماله. قال:
بالثلث والثلث كثير لئن تدع عيالك في غنى خيرا من أن تدعهم يتكففون الناس، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم -:إن الله .... (5/348)
صفحة 2204
أوصى لإنسان بقيامه عليه فلا يجوز عليه الحقوق إلا بنية واضحة، ومن أوصى بوصيتين جازتا جميعا من الثلث وإن رجع عن شيء منها كان له ذلك، ما لم يكن إقرارا أو شهادة بحق. ومن أوصى في مرضه ثم صح انتقضت تلك الوصية وكذلك إن أوصى عند سفر أراد أن يسفره ثم رجع، فقيل إنه مثل المرض./396/
قال أبو علي (1) حفظه الله: وقد قيل أنها مثل وصية الصحة لا تنقض إلا أن ينقضها أو يقول عند الوصية ويقول: إن حدث على حدث موت من سفري هذا. (5/349)
صفحة 2205
ومن أوصى في صحته فتلك ثابتة ما لم يرجع عنها ولو يرجع عنها ولو مرض بعدها وسفر ثم صح حتى ينقضها. وقيل درهم يقدمه من ماله لنفسه في الصحة خير من ستمائة درهم عند الموت. وإن جعل الميت رجلا وصية، فقال: فلان وصي فقيل في تعينه إنه وصية في كل شيء بهذه اللفظة، فإن قال: وصي في كذا وكذا لم تكن وصيه إلا في الذي ذكره سواء.
وللوصي أن يوكل في حياته من يعنيه على القيام بما هو فيه وليس له أن يوصي (2) أيضا فله ذلك إلى منتهى ما جعل لهم. وإن كان الميت جعل رجلين وصيين فادعى الوصيان أن الميت جعل رجلا آخر وصيا معهما وادعا ذلك الرجل فلا ينبغي للحاكم أن يجيز الوصية بشهادتهما، وإنما دفعا عن نفسهما وأراد أن يكفيهما المؤنة وإنما لم تجز شهادتهما أنهما يدفعان إليه المال. فإن ضاع لم يضمنا فدفعا عن أنفسهما بشهادتهما الضمان.
وعن رجل حضرته الوفاة وأوصى عند الموت وله ثلاثة أولاد أن فلانا رجلا من أرحامه له قطعة قد سماها من ماله من بعد أن يأكلها ولدى هذا عشر سنين. قال الإخوة: لا نمضي لأخينا الاكله فلا يجوز للوارث وصية وهذه الأكلة للورثة عشر سنين ثم هي للموصى له بها./397/
(1) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد – رحمه الله -.
(2) - في أ، ب: زيادة: وليس له أن يوصي إلا أن يكون الميت جعل له ذلك فإذا جعله له، فله أن يوصي،
وكذلك إن جعل لوصي وصية أن يوصي أيضا فله ذلك إلى ...
ولمن أوصى بثلث ماله ثم حدث له مال لم يكن علم به من ميراث ونحوه. فقال من قال الثلث في جميع ذلك. وقال من قال: إنما للذين أوصى لهم بثلث ماله الذي علم أنه له وأوصى فيه. ولعل هذا رأي موسى بن علي – رحمه الله – ومن أوصى في ماله بوصايا وأوصى من ذلك لإنسان بشيء معروف فتلف الذي أوصى به لذلك الإنسان فلا شيء له غير ذلك. فإن تلف المال كله وبقي الشيء الذي أوصى به لذلك الرجل فإن كان تلف من بعد موت الموصي فذلك الشيء لمن أوصى له به وإن تلف المال قبل موت الميت رجع الورثة على الذي أوصى له بثلثي ما أوصى له به. وإن كانت الوصايا أكثر من ثلث المال ردت إلى الثلث وكان الثلث بين تلك الوصايا بالحصة. ومن أوصى لأجنبي أو غيره والفقراء بوصية ولم يوصي للأقربين فإن للأقربين ثلثي تلك الوصية وللذين أوصى لهم الثلث من ذلك. وقال من قال: إذا أوصى لواحد من الأقربين ولو بدانق جاز للأجنبين ما أوصى لهم به. وقال من قال: للأقربين ثلثا ما أوصى وإن كان أوصى لهم أيضا بوصية تجمع ما أوصى به لهم إلا ما أوصى به للأجنبي من الفقراء وغيرهم ثم كان لهم الثلثان من جميع ذلك إلا أن يكون الذي أوصى لهم به أكثر من الثلثين من ثلثي الثلث (5/350)
صفحة 2206
فلهم ما كان أوفر. فإن أوصى الميت للأقربين بوصية وخص واحدا منهم أيضا بوصية كان بالخيار إن شاء أن يجمع ما أوصى له به إلى ما أوصى به لجماعة الأقربين ثم يكون له سهمه من ذلك، وإن شاء كانت له وصية ولم يدخل فيما أوصى له لبقية الأقربين، إلا أن يوصي الميتان يدخل معهم فله ذلك. قال أبو علي (1) حفظه الله وقد قيل له وصيته وله حصته من وصية الأقربين والله أعلم./398/
(1) - في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد – رحمه الله -.
ومن أوصى بعتق وحجة وكفارة أيمان وزكاة كانت عليه فإن هذا من ثلث ماله ولا يدخل فيه الأقربون وإن كانت من غير واجب فالأقربون يدخلون في هذه الوصية. وقال من قال: في حجة الفريضة أيضا من ثلث ماله.
وقال من قال: بل هي رأس ماله، وكل رأي الفقهاء جائز لمن أخذ به ومن أوصى بدراهم للأيمان والفقراء والأقربين فإن للأيمان ثلث ذلك من الرأس ثم للأقربين ثلثي ما بقي والثلث للفقراء.
ومن أوصى لحمل في بطن أمه فذلك جائز إذا كان الحمل قد استبان وقيل يجوز للحمل الوصية ولا تجوز له العطية.
رجع: ومن أوصى لرجل بربع ماله وقال هو: موضع كذا وكذا فلما مات وجد ذلك الموضع أكثر من ربع ماله أو أقل فله ربع ماله زاد أو نقص. ومن أوصى بشيء يطعم عنه في المأتم فلم ينفذ ذلك حتى انقضى المأتم رجع إلى الورثة. ومن أوصى أن عليه حجة أو نذرا أو أيمانا ولم يقل أدوها عني فقيل ليس هذا بشيء ثابت إنما هو كأنه أقر ولم يوصي بإنفاذه إلا أن يقول إني أوصي بحجة أو بأيمان أو بنذر فإن هذه وصية (1)،وقال أبو عبد الله رحمه الله – في رجل أوصى في مرضه إني كنت بعت مالي من موضع كذا وكذا لفلان واستوفيت منه الثمن ثم مات الموصي فإن شاء ورثته نقض هذا البيع كان ذلك لهم، ويأخذون من المال ويؤدون ما أقر به من الثمن إلى الذي (5/351)
صفحة 2207
أوصى صاحبهم أنه باع له هذا المال. وفي نسخة رجع. فقال: وعليهم أن يردوا على الذي أوصى له صاحبهم، وأقر له بالبيع والوفا قيمة ذلك المال./399/
(1) - في أ، ب: ومن أوصى بشيء يطعم عنه في المأتم فلم ينفذ ذلك حتى انقضى المأتم رجع إلى الورثة.
ومن أوصى لفلان بعشرة نخلات أو كذا وكذا ولم يقل في ماله فهو في ماله وكذلك كل من أوصى بشيء فهو وصية ولو لم يقل من مال. وقال من قال في رجل أوصى للفقراء أو لفقراء قريته بثلاثين درهما ولم يوصي لا قريبه بغير ذلك. فقيل لفقراء قريته عشرون درهما وللفقراء من غيرهم عشرة دراهم، وإن كانوا أقربائه كلهم يدخلون في حد الفقراء فالوصية لهم كلهم. وقيل في رجل أوصى إلى رجل وجعل له ألف درهم في إنفاذ وصيته إنه يرجع إلى جعل مثله. ورجل من الأقربين أوصى له بوصية فجحده الورثة فإنه يأخذ مع الأقربين من وصيتهم فإن صحت من بعد وصيته رد ما أخذ على الأقربين. وإن ترك الميت دينا يحيط بماله وأوصى بشيء لقرابته فأجاز ذلك ديانة فطلب ورثته أن يدخلوا في وصية الأقربين فقال من قال: إن ذلك لهم. وقال من قال: ليس لهم ذلك على حال وراي إن كان الديان جعلوا ذلك في مالهم لقرابة الميت فهو الذي جعلوه لهم على ما جعلوه وإن كانوا أجازوا فعل الميت في ذلك وتركوا من أموالهم للميت بقدر ذلك فهو للميت ولورثته ثلثاه والثلث في وصيته لأنهم تركوا من حقهم بقدر ذلك وأبرؤ الميت.
ورجل أوصى لرجل بمائة درهم بعينها وله ديون على الناس فقيل إنما له ثلث هذه المسألة ويوقف الثلثان منها، فإذا استخرجوا من هذا الدين ما يكون جميع هذه المائة والوصايا لا تجاوز الثلث فهو أولى هذه المائة وإن زاد ذلك على الثلث كان الثلث في الوصايا بالحصة وإن كان المال غير الدين يكون جميع الوصايا أقل من ثلثه كانت المائة لمن أوصى له بها.
"الوقف"ومن وقف مالا على مسجد فخرب المسجد فقيل لا يباع الأصل وليس للمملوك وصية في والده الحر ولا في ماله وسيده أولى بتزويج ابنته/400/ (5/352)
صفحة 2208
الحرة منه فإن زوجها أبوها المملوك ودخل بها لم يتقدم في ذلك على الفراق ومن أوصى لأمته بوصية فالوصية للورثة. وقيل إن كفن الميت من رأس المال فإن لم يكن له مال إلا كفنه وعليه دين يحيط بالكفن فطلب غرماؤه أخذ الكفن ويدفن عريانا. فقال من قال: لهم ذلك. وقال أبو عبد الله – رحمه الله – ليس لهم ذلك ويكفن بثوب واحد وسط، وقال أيضا في رجل قال في وصيته وأعطوا فلانا حتى مائة درهم من مالي، فقال: جائز ذلك ويعطى مائة درهم وإن قال إلى مائة درهم قال يعطى مائة درهم إلا شيئا يسيرا إذا قال من مالي. وقال في رجل هلك وأوصى أن يباع من ماله من موضع كذا وكذا في حجة عنه أو عليه أوله فذلك جائز في هذا الموضع لهذه الحجة ويكون من ثلث ماله مع وصاياه.
وإن قال رجل لرجل أنفق على عيالي أو زوجتي أو خادمي هذا إلى ألف درهم من مالك ومن عبدك وادعا أنه أنفق كما أمره فعليه البينة على ما أنفق حتى تقول الزوجة والخادم أنه قد أنفق ما ادعاه من هذه النفقة. وإن قال أنه أنفق عليها عشرة آلاف درهم في شهر. فقال: القول في ذلك قوله مع يمينه وإذا أقرت الزوجة أو خادمه هذا بما ادعى وهو مثل رجل قال لرجل ادفع إلى غلامي هذا ألف درهم فقال الغلام إنه قد دفعها إليه فالقول قوله. وإن أنكر./401/ (5/353)
صفحة 2209
الغلام فعلى الدافع البينة أنه قد دفع إليه ألف درهم قال: ولو قال رجل لرجل ادفع إلى هذا الرجل أو أعطه ألفا ففعل فلما طلبها إلى الأمر قال: ليس شيء علي لك وإنما أردت أن تعطيه من مالك. فقال: هي علي الأمر للدافع إلا أن يقول هب لهذا ألف درهم من عندك له وإلا فلا تغره.
ورجل يقول – وفي نسخة قال في صحته أو في مرض قد صح منه أو مات فيه إني جعلت للفقراء أو لله وفي أنواع البر كذا أو كذا وكذا من مالي ثم هلك ولم يوصي بإنفاذها عنه من ماله. فقال بعض الفقهاء إني استضعفت ذلك وهو عندي بمنزلة الأيمان إذا احنثت فيها فلا يؤخذ بها الذي حلف ولا ورثته من بعده إذا لم يعرض بإنفاذها، ومن أوصى بوصية للفقراء أو لأيمانه فرقت في قريته التي فيها سكنه ومقامه ولو مات في غيرها وأحب أن يبدأ بجيرانه، ولو فرق ذلك في غير قريته لأجزأ عنه أيضا. وقيل إن الوصية على ما يكون ساقه مبتدأ الكلام فإن قال: أوصيت بكذا أو كذا لفلان ولفلان كذا وكذا أو لفلان وفلان فكل ذلك وصية. قال أبو سعيد حتى يقول: ولفلان بكذا وكذا.
وكذلك الدين إذا قال لفلان علي كذا وكذا ولفلان ولفلان فكل ذلك دين. قال أبو سعيد: نعم، وكذلك إذا بدأ فأقر بشيء حتى يقطع تلك الصفة بصفة غيرها والكلام الذي يشهد ويوصي هو من بعضه بعض، ولو قطعه لنفس تنفسه إذا أتم الكلام الباقي. وإن قطعه بسكوت أو كلام في غير ذلك فالأول ثابت والثاني غير متصل به إلا أن يكون قد تم وفي نسخة كلام قدم أيضا في موضعه وثبت.
وعن محمد بن محبوب – رحمهما الله – في رجل أوصى لبني فلان بثلث ماله وامرأة الموصى لأولاده حامل. قال: إن ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم /402/ (5/354)
صفحة 2210
أوصى الهالك فهو داخل مع إخوته في هذه الوصية وإن ولدته لستة أشهر أو أكثر من يدخل معهم في هذه الوصية. وقال ذلك ابن أبي ميسرة إلا أنه قال من يوم مات الموصى. وقال أيضا إن كان أوصى لولد رجل قد مات وكانت امرأة الذي أوصى لوالده حاملا فإن وضعته لأقل من سنتين من يوم مات أبوه فهو يدخل في الوصية لأن النسب يثبت من الأب ولو كان حيا لم يلحقه. وقال ذلك الفضل بن الحواري وهو رأينا فافهم الفرق بين ولد الحي وبين ولد الميت.
إذا أوصى الذمي لأقربيه وفيهم مسلمون فلهم حصتهم من ذلك. وإن أوصى مسلم وله قرابة من أهل الذمة. فقال من قال من الفقهاء: لا يعطون. وقال من قال: يعطون حصتهم وهذا قول أبي الحسن فيما يوجد. وقال من قال: يعطون كآخر ما يأخذون واحد من القرابة من المسلمين ولو كانوا هم أقرب.
وقال أبو عبد الله – رحمه الله – في رجل قال لرجل: قال في وصيته ثلث مالي لبني أخي فلان وهم ثلاثة فوجد لأخيه خمسة أولاد فالوصية للخمسة كلهم لأن الوصية قد تثبت لولد أخيه وقوله وهم ثلاثة صفة. وإذا قال: أوصيت لبني أخي فلان وهم خمسة فوجدوا ثلاثة فإنه يكون لبني أخيه ثلاثة أخماس الوصية ويرجع الخمسان على ورثته لأن الخمسة في المسألة موجودون وهم في هذه المسألة معددمون إلا ثلاثة. وإذا قال: قد أوصيت لبني أخي فلان بثلث مالي وهم بالبصرة فلم يكن بالبصرة بنوا أخيه وكانوا بمكة فالوصية لهم وقوله بالبصرة صفة. وإذا قال: أوصيت لأحمد ومحمد وعبد الله بني أخي بثلث مالي، فوجد له خمسة أولاد منهم ثلاثة محمدون وواحد أحمد وآخر عبد الله فالذي /403/ (5/355)
صفحة 2211
نحب في هذه المسألة من غير جواب محمد بن محبوب – رحمهما الله – أن يكون هذا الثلث على ثلاثة ولأحمد ثلثه ولعبد الله ثلثه والثلث الباقي بين المحمديين الثلاثة وسل عن هذا. فإذا أوصى لبني فلان فإن كانوا ذكورا و إناثا فهو للذكر والإناث وفيها رأي آخر.
ومن غيره: قال أبو سعيد – رحمه الله – الرأي الآخر إنها للذكور دون الإناث.
ومن غيره: ومن أوصى لبني فلان ولم يكن له ولد ذكر فلا شيء للإناث ورجع إلى الورثة (1).
ومن غيره: قال معي: إنه قد قيل إذا ثبت لهم الوصية كانت لهم على عددهم ومعي أنه يختلف في مثل هذا. فقيل إنه تكون الوصية للذكران دون الإناث وقال من قال: للجميع الذكران والإناث./404/
(1) - في أ، ب: ومن غيره ... إلى الورثة غير موجودة. (5/356)
صفحة 2212
رجع: فإن كن إناثا ولم يكن معهن ذكور فالوصية راجعة للورثة.
وإن أوصى بثلث ماله لأحد بني أخيه فإن الوصية تكون لهم جميعا وعلى كل واحد يمين الله ما يعلم أن هذه الوصية للآخر دونه إذا طلبوا ذلك. وإذا أوصى بثلث ماله لبني أخيه ولم يسم أي بني أخيه فوجد له أخوان ولهما أولاد فإن الوصية لبني أخويه جميعا على عددهم. وقال أبو عبد الله – رحمه الله – في رجل أوصى بألف درهم لفلان بن فلان ولبني فلان وبنوا فلان وبنوا فلان خمسة أنفس فهذه ألف درهم تكون بين فلان بن فلان وبني فلان نصفان لأن ها هنا اسم مفرد.
قال أبو سعيد – رحمه الله – وقد قيل هي بينهم على عددهم وإذا أوصى بها فقال: لبني فلان وبني فلان، وكان بعضهم أكثر عددا من بعض فالوصية بينهم على قدر عددهم تقسم على العدد، ويوجد عنه أيضا في هذه المسألة خلاف هذا وهذا أحب إلينا وإذا أوصى لأحد من أقربيه بشيء وأوصى لغيرهم بشيء لم يدخل الأقربون عليه وذلك أنه يجمع ما أوصى به للأقرب وللأجنبي ثم ينظر، فإن لم ينل هذا الأقرب هذه الوصية كان له ما أوصى به وللأجنبي ما أوصى له به ولا يدخل أحد على أحد.
وإذا أوصى لفقراء قريبين فلفقراء كل قرية النصف. وإذا أوصى لرجل يجمع ماله ولآخر بنصف ماله وللآخر بثلث ماله ولآخر بسدس ماله فإنما يجوز لهم جميعا ثلث ماله فللذي أوصى له بجميع المال سهمان (1) وللذي أوصى له بالسدس سهم وذلك أنه أبطل ما زاد على الثلث ورده إلى الثلث وأثبت ما كان أقل من الثلث وهذا الرأي أحب إلي. وقال من قال: يضرب بينهم على قدر ما أوصى لهم به. ثم يكون للذي له النصف كنصف ما أخذ صاحب الجميع ولصاحب الثلث كثلثي ما لصاحب النصف. ولصاحب السدس كنصف ما /405/
(1) - في أ، ب: سهمان من ثلث ماله وللذي أوصى له بالنصف ماله سهمان وللذي أوصى له بالثلث سهمان
وللذي أوصى له بالسدس سهم واحد. (5/357)
صفحة 2213
يكون لصاحب الثلث وكل ذلك يكون بينهم، وفي نسخة ابن مسلم وأحسب أن هذا غلظ وأنه على الرأي الذي يضرب بينهم الثلث على قدر ما أوصى لهم يكون لصاحب النصف كنصف ما لصاحب الجميع ولصاحب الثلث ما لصاحب الجميع ولصاحب السدس كسدس ما لصاحب الجميع وإنما هو الثلث بينهم على هذا، قال: ومن نظر في هذه المسألة ما أرى في هذا غلط أو هذا والقول الذي قبله سواء والله أعلم.
وقال إذا أوصى رجل لرجل بعشروقال إذا أوصى رجل لرجل بعشر نخلات من ماله فإذا قبضها الموصي له من قبل درك ثمرتها فهي وثمرتها له – وإن قبضها من بعد درك ثمرتها فثمرتها للورثة، وفي الآثار عنه.
"صدقة الحي عن الميت"وعن غيره: إن الثمرة للموصى له وليست الوصية مثل البيع، وقيل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه أمر سعد بن عبادة أن يتصدق عن أمه فتصدق عنها بحائط وقال بعضهم قال لطاووس أصدقة الحي عن الميت جائزة. فقال بخ بخ. ولم يختلف الفقهاء أن صدقة الحي عن الميت وصدقة الحي عن الحي جائزة. وللمصدق عنه أجر إن شاء الله واختلفوا بعد ذلك فيما يعمل الحي عن الميت مثل الصلاة والصيام والطواف، وقال أكثر الفقهاء إن ذلك لا يجوز عن ميت ولا عن حي. وروي عن عطاء أنه كان يقول لابن له ولمولى له قم طف عني./406/
والحج عن الميت جائز. وعن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه أمر امرأة أن تصوم عن أختها. وقد توفيت وعليها صيام، وإذا أوصى رجل بثلثه إلى أبيه (1) أو زوجته أو غيرها من الناس نصفه حيث أراد فالوصية جائزة وللموصي أن يجعله حيث أراد ولا يضعه على نفسه ولا على عبده. (5/358)
صفحة 2214
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – أنه لا يحب له أن يضعه على نفسه فإن فعل فلا (2) يحرم ذلك عليه. وإن لم يضعه حتى مات الموصى إليه رجع إلى ورثة الأول. وإن أوصى الوصي أن ينفذ ذلك عن الميت في كذا وكذا فذلك جائز وإن أوصى بثلثه إلى صبي يضعه حيث أراد فقيل إن ذلك الثلث يحبس إلى بلوغ الصبي (3) وما لم يبلغ الصبي فلا تجوز الوصاية إليه. لأنه لا يجوز فعله وإن أوصى الميت فقال: رقيقي لفلان ثم مات وقد حدث (في وجد) له رقيق بعد الوصية. فقال من قال: ليس للموصي له إلا الرقيق الذي كانوا في ملكه يوم أوصى إلا أن يقول /407/
(1) - في أ، ب: إلى أمه ....
(2) - في أ، ب: فلم يحرم ....
(3) - في أ، ب: زيادة: فإذا بلغ فعل فيه ما أراد فإن مات قبل أن يبلغ رجع الثلث إلى ورثة الميت الأول وإن كان
الميت الأول وصي فقال من قال: يكون الثلث على يدي وصيه إلى بلوغ الصبي وإن لم يكن
وصي وضع السلطان الثلث على يدي عدل إلى بلوغ الصبي وما لم يبلغ الصبي .....
يوم أموت فرقيقي لفلان فيكون ما كان له يوم يموت. وعن أبي علي – رحمه الله – في رجل أشهد في صحته أنه إذا حدث به الموت فمماليكه أحرار لوجه الله وذلك قبل موته بسنين ثم مات فهم أحرار عندنا. قلت إن قال الورثة إن ما كان له يوم أشهد غلام أو أكثر وقال المماليك نحن له يوم أشهد بهذه الشهادة فالقول عندنا ما قال العبيد وعلى الورثة البينة على ما قالوا لما استفاد بعد هذه الشهادة، وكذلك قال في رجل أعطته زوجته نصف مالها ثم تعايشا نحو عشرين سنة ثم هلكت الزوجة. واختلف الزوج وورثة زوجته. فأقول والله أعلم: إن البينة على الورثة بما أحدثت الهالكة بعد العطية. وقيل من أوصى بما بقي من ثلث ماله لفلان ولم يوصي منه لأحد بشيء فالثلث كله للموصي له لأنه باق كله. وإن أوصى منه لأحد بشيء قبل هذه الوصية وبعدها وهو سواء يخرج ذلك منه والباقي (5/359)
صفحة 2215
للموصى له، وإذا أوصى الغلام وفي نسخة الغلام بجزء ومن ماله وبسهم فقال من قال: ذلك للورثة يعطونه ما أحبوا.
مسألة (2) من الحاشية معلقة من جواب أبي الحواري: قيل أن أبا مروان وأبا علي سليمان بن الحكم وموسى بن علي كانوا بالبصرة يريد والحج فأرسل إليهم القاضي في مسألة وقعت في رجل مات فأوصى الرجل بجزء من ماله ولم يسم غير هذا فقال موسى بن علي إلى أبي مروان بن الحكم، فقال أبو مروان له الربع ثم تلى هذه الآية: {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} وقال: فأعجب القاضي فيما أحسب. فذكرت لأبي الحواري في هذه المسألة فناظرني فيها حتى قالوا: وجعلوا من عبادة جزء./408/
(1) - في أ، ب: هذه المسألة غير موجودة.
رجع: وإذا قال جارتي (1) الحاملان لفلان وما في بطنها لفلان فهو على ما قال والوصية جائزة في ذلك. وإذا قال ثمرة نخلتي هذه لفلانة والنخلة لفلان فذلك جائز فإن كان في النخلة ثمرة يوم أوصى فتلك الثمرة وحدها لفلان، وإن لم يكن فيها ثمرة يوم أوصى وتوفي ولا ثمرة فيها فثمرتها لفلان أبدا والنخلة للآخر.
مسألة قد تقدمت التي معلقة في الحاشية (2).
ومن غيره: وإذا أوصى رجل لرجل بحائط هذا وأوصى لرجل آخر بنخل حائطه ذلك ثم مات وهو يخرج من الثلث فإن للذي أوصى له بالحائط نصف النخل وما بقي من بياض الحائط ولصاحب النخل نصف النخل خاصة كذلك لو أوصى لرجل بسيفه هذا وأوصى لآخر بنصل ذلك السيف كان النصل بينهما لأنه أوصى لهما جميعا به والجفن وما سوى ذلك لصاحب الأصل خاصة. قال الشيخ أبو سعيد: وقد قيل أن وصيته بالنخل بعد وصيته للآخر بالحائط يرجعه منه في الوصية لصاحب الحائط والنخل كلها بما تستحق للذي أوصى له بها وما بقي من الحائط فهو لصاحب الحائط وكذلك السيف (4).وإذا أوصى الرجل لرجل بنفقة خمسة دراهم كل شهر ما عاش ولآخر بثلث ماله فإن الثلث بينهما يأخذ الذي أوصى له بالثلث نصف الثلث يصنع به ما شاء ويوقف نصف الثلث النفقة ينفق عليه من ذلك خمسة دراهم في كل شهر ما عاش وإن مات قبل أن يستنفذ نصف الثلث رد ما بقي على الموصى له بالثلث الأول. وإن استنفذ صاحب النصف ما عزل له وفي نسخة صاحب النفقة ما عبل به (5) قبل أن يموت فليس له (5/360)
صفحة 2216
غير ذلك، وإذا أوصى لرجل فقال ثلث مالي لفلان ولفلان وللفقراء ثلث الثلث ولفلان ثلث الثلث ولفلان الباقي ثلث الثلث. وقال /409/
(1) - في أ، ب: رجع ويوجد: وإذا قال جارتي الحامل ... وهذا صحيح ...
(2) - في أ، ب: لا توجد المسألة
(3) - في أ، ب: لا يوجد من غيره. فيكون تابع لكلام ابن جعفر.
(4) - في أ، ب: زيادة: لأنه أوصى لهما جميعا والجفن وما سوى ذلك لصاحب الأصل خاصة
(5) - في أ، ب: الصحيح ما عزل له ... والله أعلم.
إذا أوصى رجل لآخر ببيت في داره فله ذلك البيت وطريق إلى أن يخرج من باب الدار ولا يعطي بيتا مذبوحا. لا ينتفع به إذا أوصى بثمرة بستان له لرجل يأكلها عشر سنين فأكلها نصف سنة ثم مات ففي بعض القول أنها ترجع إلى الذي أوصى له بها أو إلى ورثته حيث مات الموصى له، ولعل بعض الفقهاء أن يقول: هي لورثة الموصى له إلى تمام وقته وذلك أحب إلي.
وإذا أوصى رجل لرجل بغلام له مرهون أو بثوب له عند الغسال أو بعدل بر قد كان اشتراه ففداؤه على الموصى في ماله لأن ذلك دين عليه ثم ينظر فإن كان يخرج من الثلث بعد أن يخرج فداءه فهو للموصى له، وإن لم يخرج فله منه ما يخرج من الثلث وإذا أوصى رجل يجمل أو بدابة غايته لآخر فإن خرج من الثلث فالوصية جائزة وعلى الموصى له أن قبل الوصية أن يأخذ بها من حيث كانا وليس على الورثة يجلبونهما إليه ولكن يوكلون من يسلم ذلك إليه. وقال بعض الفقهاء إذا أوصت امرأة بثياب جسدها لفلانة وتركت الموصية ثيابا مقطعة أو ثيابا لم تقطع ولم تلبس. فإنما لها ما كان قطع. وأما ما لم يقطع فليس هو من ثياب البدن إلا أن يكون أردته فقيل هي من ثياب البدن لبستها أو لم تلبسها وفي نسخة أخرى ومن غيره: عن رجل سأل ورثته عند الموت أو في الصحة بأن يأذونوا له في وصيته إلى أكثر من الثلث فأجازوا له ذلك ثم رجعوا بعد موته فغيروا الزيادة على الثلث هل لهم ذلك؟ فعلى ما وصفت فقد قال من قال: ليس لهم ذلك. وقال من قال: لهم ذلك. والقول الأول أحب إلينا إذا عرفهم ما قد أوصى به وأجاز لهم ذلك. وإن لم يكن عرفهم ما أوصى به ولا أوقفهم/410/ (5/361)
صفحة 2217
عليه فلهم الرجعة في ذلك من بعد موته. وإن أوصى للفقراء بشيء ولم يسم لفقراء قريته وأوصى في غير بلده ومات فيه فأين تفرق. فعلى ما وصفت فإذا لم يسم لفقراء قرية فرق على فقراء قريته التي يتم فيها الصلاة كانت الوصية في بلده أو غير البلدة وكذلك إن مات في بلده أو في سوا بلده إلا أن يكون مات في قرية أخرى يتم فيها الصلاة وأوصى فيها ومات فيها فرق على فقرائها وإن أوصى في قرية يتم فيها الصلاة ومات في قرية أخرى يتم فيها الصلاة فحيث ما فرقت الوصية جاز ذلك إن شاء الله./411/
تم الباب من كتاب أبي جابر (5/362)
صفحة 2218
وسألت الربيع – رحمه الله – عن رجل أوصى لبعض ورثته – نسخة قرابته – فأقرت به الورثة. فقال: إذا رضوا به في حياته فإنه يجوز عليهم بعد موته إذا قيل لهم أنه لا يقضى له فقالوا: قد رضينا فليس لهم أن يرجعوا بعد موته وعن الوصي يبيع مال من وصاه ثم يستحق ذلك المال وقد أنفذ ما أخذ ممن باع له فالضمان في مال الموصي. قلت له أنا: فإن فرغ مال الموصي. فأحسب أنه قال فالضمان في مال الوصي والله أعلم.
فيمن أراد الوصية من مسألة طويلة: اختصرت هذا منها. قلت له: فإن وجد وصيا فجهل أن يقيمه وقد أشهد على الحقوق. هل يسعه إذا أشهد إذا مات على ذلك. قال: إذا كانت الحقوق لازمة لا اختلاف فيها وكان قادرا على أدائها وفرط في ذلك ثم لم يوصي وهو قادر على الوصية خفت أن لا يسعه ذلك. ولا أقطع عليه في الحكم بشيء والله أولى به. قلت له: فإذا حضر الميت ناس طلب إليهم أن يقيم وصيا فامتنعوا عن ذلك هل يلزمهم ذلك أم لا؟ قال: لا يعجبني أن يمتنعوا عن ذلك كلهم ما لم يخافوا مضرة في دين أو نفس أو مال. قلت له: فهل يكون كل واحد منهم معذورا في خاصة نفسه ومع نفسه حتى يعلم أن غيره يعجز عن ذلك إذا كان هو قادرا على ذلك. قال معي: إنه إذا ظهر الامتناع من الجميع وخيف على المريض أن يهلك على غير وصي وفي القوم من يقدر على ذلك بغير سبب يعرض له من أحد هذه الوجوه لم يبين لي أن يجمعوا على ذلك ويسعهم الإجماع عليه بمعنى الامتناع بغير سبب لثبوت الوصية على الميت بمعنى الاتفاق بما يلزم من الوصايا والحقوق ولا أقدم على هلاكهم وتأثيمهم ولو لم يجيبوا ولا أحد منهم إلى ذلك الموضع إنه إذا أوصى أو أشهد على الوصية لم تبطل وكان على الحاكم إنفاذها. وكان للجماعة إنفاذها وعليهم إن قدروا على ذلك وكان على الورثة أيضا إنفاذها اذهم الورثة وهم أولى بذلك. فلما إن كان هكذا لم يعجبني تأثيمهم إذا لم يوافقوا في تركهم ما ليس فيهم مخرج من هلكة الموصى ولا من بطلان وصيته وحقوقه ولا ينبغي الإجماع على ترك الفضايل والخيرات بالامتناع والاستخفاف بفضلها فإن كان القصد إلى هذا وما يشبهه خفت عليهم الهلاك والإثم، بل ينبغي لكل واحد امتنع عن فضل /412/ (5/363)
صفحة 2219
أن يكون خائفا على ذلك متأسفا على ثوابه إذا حرمه. ثم قال: لو خاف على ضيعته أن يعطل لم يكن عليه أن يتوصى له. وكذلك إن خاف التبعة. قلت له فإذا لم يتوصى له أحد وأشهد ثقتين أيبرأ بذلك أم حتى يقضي عنه دينه وجميع ما لزمه من وصايا. قال معي: إنه إذا عدم من يستوصي له فليس عليه أكثر من الأشهاد مع التوبة لأنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا يكلف هذا فوق طاقته فإذا كان له عذر في الأصل في تخلف الحقوق عليه أو تاب من تقصيره في ذلك قبل أن يحضره الموت وأوصى بذلك وأشهد عليه ولم يمكنه الوصي كان ذلك عندي عذرا له وقد يوجب أنه لا تبرأ حتى تقضى عنه الحقوق ولا يبين لي هذا لأنه إذا مات تائبا معذورا فلم يعاقبه الله بعد ذلك تخلف الدين عليه ولا يستقم بهذا عندي والله أعلم. وهو على ما فارق الدنيا من إيمان أو كفر أو إصرار أو توبة ولم تتحول حكمه عندي بعد ذلك ولن يكون المؤمن معتقلا بشيء من أسبابه من أحكام الله والله أعلم. وإذا لم يكن تائبا ومات مصرا فالمصر كافر ومن مات كافرا فلم يرجع مؤمنا أبدا اقضي عنه الحقوق أو لم يقضي، قلت له: وإذا كان مفرطا في قضي دينه حتى تاب عند الموت ولم يجد من يشهد ولم يجد ثقات أيكون مثل الأول. قال معي: إنه إذا تاب قبل الموت في وقت تنفعه التوبة فعندي أنه مثل الأول. قلت له: فالتوبة تنفعه قبل معاينة الموت قال: هكذا قيل فيما عندي، قلت له: وكذلك إن تاب عن تفريطه وكتب وصية بغلط لا تثبت وأشهد عليها هل يكون معذورا إذا لم يجد من يقم له الوصية بما تثبت في الحكم ولو لم يقض عنه بعد موته.
قال معي: إنه إذا اجتهد فلم يجد غير ذلك لم يكلف فوق طاقته وهو عندي ثابت وأرجوا أن يكون معذورا. قلت له فإن جهل أن يطلب من يقيم له وصيته ولو طلب لوجد هل يكون معذورا إذا لم يعلم أنه يلزمه ذلك إذا اعترف بالحق وتاب من تفريطه أم لا؟ قال: عندي أنه غير سالم في ذلك وإذا خالف الحق وكان الذي أوصى لازما له ما استحال عن أصل ما كان يثبت عليه من التفريط /413/
في أحكام الوصية لأن الوصية خاتمة العمل فإذا ختم العمل بما لا يسعه فقد ختم عمله بالمعصية وأما إذا كانت الوصية غير لازمة له فمعي أنه لا شيء عليه. وأحسب أنه يخرج في بعض قول قومنا أن المتحري سالما، وأما في (5/364)
صفحة 2220
قول أصحابنا فلا أعلم اختلافا أنه غير سالم بالتحري إذا خالف أصل ما يجب عليه، ومعي أنه إذا لم يدرك في الوقت الذي تلزمه فيه الوصية من يبلغ به إلى أحكام وصيته من كاتب أو معين بلفظ ولم يكتب ولو لم يبلغ هو في كتابته إلى إبطال حق بسبب كتابته ولا تحقيق باطل بسبب كتابه فارجوا له السلامة عند العجزة قلت له: أرأيت إن كان معه من يبلغ به إلى ذلك إلا أنه جهل ذلك. قال معي: إنه ليس له أن يترك ذلك لجهله إذا كان يدرك بعينه معه إن لو كان طلبها واجتهد في البحث عنها وهو في نفس لذلك ولبغيته لأن هذا مخاطب بالعمل ومن حيث أدركه كان حجته عليه فليس أن يجهل لموضع جهله موضعا له بعد الحجة عليه فيضع ما لزمه طلبه لجهله. ومعي أنه يجب في معنى إلزام الشهادة على الوصية اللازمة أن يلزم الموصي أن يشهد كل من قدر عليه وأجابه إلى الشهادة حتى يوافق بجهله ما يعذره الله. بإشهاده إذا كان جاهلا لموضع الحجة التي تجزئه وتلزمه حكم الإشهاد على اللازم له ولا يبرأ عندي بأقل من هذا إلا أن يكون بحد من يعرف من يقوم به الحجة في الشهادة أو يسأل من يبصر العدالة في الوقت فيدله على موضع الحجة فيجزئه من ذلك بينته وهما شاهدان ممن تجوز شهادته في مثل ذلك في حكم الحق وليس عليه أكثر من ذلك على هذا الوجه كما كان عليه في طلب معرفة (1) اللازم أن يسأل كل من قدر عليه حتى يبلغ إلى الحجة التي يقبلها الله منه ويؤدي اللازم الذي عليه بما بلغ إليه من السؤال هكذا عندي يخرج في معاهدة الأسباب والله أعلم وينظر في ذلك./414/
(1) - في ب: في معرفة طلب اللازم ......
ومن غيره: وعن الوصي يلقى من له على الموصى أو الموكل دين أو وصية هل له أن يعطيه من مال نفسه ويقضيه لنفسه من مال الموكل أو الموصى فنعم له ذلك إذا كان إنما فعل ذلك في أمله على أن يأخذ من مال من عليه ذلك. مثل الذي قضى عنه فله أن يأخذ ذلك من ماله ما لم يمنعه مانع من ذلك بحجة من حاكم أو خصم. وأما الوكيل فليس له ذلك والله أعلم. ومن جواب لأبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله فيمن حضرته الوفاة وطلب من يتوصى له فلم يجد إلا رجلا واحدا هل يسعه الامتناع عن الوصاية له بذلك. وقلت إن كان لا يجوز له ذلك وكان على الموصي ديون لأناس لا يعرفهم ولأناس قاطعين البحر إلا أنه يعرفهم بأسمائهم هل يلزمه أن (5/365)
صفحة 2221
يتوصى له بذلك فلا يبن لي أن يلزم هذا الرجل أن يتوصى بحق قد لزم غيره وإنما قيل يكتب له وصيته ويشهد عليه بما يقر به أو يوصي إذا لم يجد غيره يشهده، وأما أن يقبل له بقضاء الحق الذي وجب عليه فلا يلزمه ولا سيما إذا كان الحق لغائب أو مجهول المعرفة والله أعلم.
ومن غيره: وعن رجل مات بعمان وهو غريب وأوصى بثلث ماله للفقراء والرجل من أهل البصرة أو من أهل خرسان لا ندري من أي خرسان ولا نعلم له في بلاد أقرباء أولا أيعطى الفقراء الثلث تاما أو ما ترى؟ قال: يعطي الفقراء ثلث هذا الثلث الذي أوصى لهم به ويوقف الباقي حتى يسأل عنه وعن أقربائه فإن وجدهم دفع ذلك إليهم وإن صح أنه ليس له أقربون دفع الباقي إلى الفقراء.
أرأيت إن ترك ابنة أتعطى المال كله. قال: نعم إذا لم يصح لها وارث غيرها.
ومن غيره: وسألته عن البلد المغتصب مثل البحرين وغيرها. قلت: هل يجوز أن يوكل الطعام عند من سكن فيها إذا كانوا هم المغتصبين للبلد، قلت: وهل يمكن أن يكون الطعام الذي في أيديهم من غير هذه البلد. قلت: أولا يجوز /415/
الأكل من عندهم وما يجوز أن يؤكل من عندهم من الطعام والبقل وماذا يجوز. قال: يجوز أن يؤكل من عندهم ومن أيديهم كلما لم يعلم أنه المال المغتصب مما يمكن بوجه من الوجوه أن يصلوا من غير ذلك المال المغتصب وكلما علم أنه من المغتصب ولا يمكن أن يملكوه بوجه من الوجوه إلا من المغتصب في ذلك الموضع فلا يجوز أكله من أيديهم إلا من ضرورة يخاف على نفسه فيها الهالك وما يتولد عليه منه هلاك فإنه يأكل على الدينونة منه بأدائه إلى أربابه على ما يوجبه الحق من مثل أو قيمة. قلت: فإن لم يقدر على أربابه أيفرقه على فقراء ذلك الموضع ويوصي لهم بقدر ذلك أو حيث شاء يفرقه إن أراد تفريق ذلك على الفقراء في بلده أو غيرها من البلدان. قال: إذا أراد تفريق ذلك على الفقراء. فقد قيل يفرق على الفقراء في ذلك الموضع، وقيل حيث شاء فرق على الفقراء. قلت: فإن فرقه على الفقراء ولم يوصي به عند موته أيكون سالما، قال: إذا أعجزه علم ذلك وأيس من معرفة الأرباب من علم وعلم غيره. فقد قيل إن ذلك خلاصة ولا وصية عليه لأنه عدم معرفته بنفسه فأحرى أن تقدم معرفته غيره، وقيل إنه يوصي به بالصفة وهذا عندي أحوط لأن المال مضمون عليه في الأصل لا براءة له منه إلا بآدائه إلى أربابه (5/366)
صفحة 2222
أولا يقدر على ذلك فهو حال العذر عن التعبد بالأداء مع ثبوت الضمان عليه أني قدير ومن قدرته الوصية به في ماله والإقرار به على الصفة فإن أمكنه ذلك فهو المحبوب له وإن أعجزته الوصية من الوجوه رجي له العذر إن شاء الله. وإذا لم يعلم الله منه تقصيرا أو لا خداعا.
ومن غيره: وفيمن أوصى بدينار ولم يحد فيه حدا ما هو؟ فالذي يوجد في الآثار أن لكل بلد من الكيل والوزن والنقد ما هم عليه فدينار عمان هو الدينار عندهم الذي يتعارفون وهو عندنا مثقال. وكذلك الدرهم هو المعروف عندهم.
ومن غيره: وسئل عن رجل أوصى بعشرة دراهم فعدم الوصي له ولم يجد له وارث، قال: إن كان الوصية في المال بينهم كانت بحالها إلا أن يصح من أوصى له بها. وإن كانت الوصية بدراهم معلمة كانت عندي بحالها إلا أن يصح من أوصى له بها. فإن حضر الوصي الموت أيتمن عليها ثقة وأشهد على ذلك. قيل له: فإن إتمن عليها أمينا ولم يشهد على ذلك فتلف فهل عليه الضمان؟ قال معي: إنه إذا أتمن عليها أمينا ثقة يأمنه فأرجوا أن لا ضمان عليه إن شاء الله./416/
وسئل عن رجل سلم إلى رجل دراهم في مرضه وأمره أن يفرقها على الفقراء إن حدث به حدث موت، ومات الوصي الآمر هل يجوز ذلك؟ قال معي: إنه قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: يجوز إذا مات الآمر على حال وقال من قال: لا يجوز حتى يجعله وصيا في ذلك. وقال من قال: لا يجوز حتى يجعل ذلك وصية منه ولو جعله وصيا في ذلك.
وعن رجل حضرته الوفاة فقال: كتاب وصيتي وديني مع فلان فما كان في الذي معه فخذوا به. قال: لا يجوز إلا أن يكون مع الرجل الذي في يده كتاب شاهدا آخر بما في الكتاب. قال أبو سعيد – رحمه الله – معي أنه حتى يصح الوصية شاهدان عليه أو يقربها بنفسها ويشهد عليها شهود.
ومن جواب لأبي الحواري – رحمه الله – وعن من يوكل رجلا في وصيته وقضى دينه ففرط ولم يقض عنه مات. هل يسلم عند ربه ولو لم يوصي بتلك الوصية. فعلى ما وصفت: فإذا فرط الوصي من غير عذر"فليس بمعذور ويخاف عليه الهلاك في الآخرة. والله أعلم.
ومن غيره: وسئل عن رجل كان عليه لرجل دين فقال إن حدث بي حدث موت فسلمه إلى فلان. قال معي: إن بعضا لم ير له تسليمه إليه بعد موته وبعض رأي له ذلك، وجعل ذلك وصية منه له بذلك، يأمره له. وسأله عن (5/367)
صفحة 2223
الوصي إذا باع بغير مشورة على وارث وقبض المشتري الشرى هل للوارث نقض في ذلك. قال: عندي أن له أن يفدي ما باع البايع. قلت له فله مدة في إحضار الدراهم إذا علم. قال: قد قيل ذلك. وقيل ليس له في ذلك مدة.
مسألة من كتاب المصنف: وإذا علم الوارث بالبيع وأراد أن يفدي البيع فله المدة في إحضار الدراهم فإن فداه من حينه وإلا جاز البيع (1)./417/
(1) - في أ، ب: زيادة: وقال من قال: ليس له مدة في إحضار الدراهم فإن واره من حينه وإلا جاز البيع.
رجع (1):قال: وإذا أقر المريض أن عليه كفارة أو زكاة ولم يوصي به وإنما هو أقر بذلك قال بعض الفقهاء: قالوا على الورثة أن يخرجوا ذلك وفيهم سليمان بن عثمان. وقال آخرون: ليس عليهم إخراجه إلا أن يوصي به وهو قول موسى بن علي ومحمد بن محبوب - رحمهما الله – وعرفت فيمن أوصى بجزء من ماله ولم يسم غير هذا إلا أن له الربع والحجة في ذلك قول الله تعالى {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} وقد قيل بالسبع من ماله. والحجة في ذلك قول الله تعالى {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزؤه مقسوم} والله أعلم
وقال من قال (2):وعرفنا ذلك من قول الشيخ أبي الحسن – رحمه الله – إن ذلك إلى الورثة يعطوا ما شاؤا من المال وهذا القول أحب إلينا.
ومن غيره: وفي الموصي وقيل إذا قال: قد جعلت فلانا وكيلي ولم يجز ذلك بعد الموت، حتى يقول وكيلي بعد موتي فإذا قال بعد موتي فقد قال من قال: يكون بهذه اللفظة بمنزلة الوصي في كل شيء من الوصايا ما لم يحد له شيئا بعينه. وقال من قال: حتى يجعله وكيله بعد موته في كل يسميه له وإلا فلم يجز ذلك. وقال من قال: ولو جعله وكيله بعد موته في كل شيء يسميه له وإلا فلم يجز ذلك.
وقال من قال: ولو جعله وكيله بعد موته وحد له شيئا لم يجز له بعد ذلك حتى يجعله وصيه أو وصيا له. قال والوصية بعد الموت والوكالة في الحياة. (5/368)
صفحة 2224
ومن غيره: وعن عبد الله بن محمد بن بركة – رضيه الله – وقال في الوصية أنه يجوز له أن يقضي من مال الميت إذا كان وصيا في قضي الدين /418/
(1) - في أ، ب: لا يوجد رجع.
(2) - في ب: قال من قال ... أحب إلينا غير موجودة.
ولو أمره الموصي أن يبيع موضعا فباع غيره إنه جائز له لأنه يقوم مقام الموصي بعد موته.
ومن كتاب أبي المؤثر – رحمه الله – قال أبو المؤثر – رحمه الله – لوصي اليتيم أن يأكل من مال اليتيم ما كان في ضيعة اليتيم، ويركب دوابه في حالة اليتيم وقد قالوا أيضا: أنه لا بأس عليه فيما أكل من شيء يفضل من طعام اليتيم لا يحتاج إليه اليتيم ولا يدخر ولا يباع ويفسد. وقالوا أيضا -:لا بأس على الوصي في فضل خادم اليتيم وفي فضل اللبن ما لا ثمن له من خدمة الخادم ولا يشغله عن عالة اليتيم ولا عن قيامه على ضيعته ويقترض من ماله ويرد إلا أن يكون قد اشتغل عن طلب المكسبة بمال اليتيم وضيعته وخاف أنه إن اشتغل بالمكسبة ضاع مال اليتيم. وإن اشتغل بمال اليتيم ضاع عياله، فهذا يقترض بالقوت ويقوت عياله فإن أيسر فليرد وإن مات قبل أن يؤسر رجونا أن لا يكون آثما ولا مطوبا وليس له أن يضر اليتيم ويجوع اليتيم ويشبع لعله أراد هو في مال اليتيم إلا أن يكون في مال اليتيم فضل عن نفقته وكسوته وصلاح ماله فإن اقترض على هذا فنرجوا أن لا يكون عليه بأس على ما وصفنا وكذلك المحتسب ومن غيره: وقال فيمن يلي أمر مال اليتيم وهو فقير إن أقبل على مال اليتيم ضاع ماله واحتاج وإن أقبل على مكسبه ضاع مال اليتيم. قال: يأخذ أجرا على عمله من مال اليتيم. مثل ما لو أن رجلا يستأجره لم يحده إلا بذلك يتجره بنفسه. قال له الرجل أفرأيت إن كان غنيا أترى له أن يأكل إذا أتى أرضه في بطنه من بسرها ورطبها. فقال: أنا أحب أن يستعفف عن ذلك فإن أكل في بطنه فعسى أن لا يكون عليه بأس./419/ (5/369)
صفحة 2225
وعن رجل أوصى إلى رجل في نفقة من ماله قد حدها الموصي في ماله وإن الورثة حالوا بينه وبين ذلك الذي فيه الوصية أو بينه وبين الوصية قال معي: إنه إذا حالوا بينه وبين ذلك بحق قاطع أو بباطل مانع ولم يكن منه تقصير في ذلك، إلا ما قد عرض له من المنع ولم يكن عليه في ذلك أن يوصي به في ماله. وأما الوصية به في مال الموصي الأول فإنه كان قد جعل له ذلك أن يوصي في ذلك وقيل له بذلك كان عليه الوصية بذلك وله وإن لم يكن جعل له ذلك فمعي أنه يختلف آله أن يوصي بذلك أم لا؟ قال من قال: إنه له أن يوصي بذلك في مال الهالك الأول ويثبت وصيته فيه إلى من أوصى إليه وإذا صحت وصية الأول إليه أو أقر بذلك الورثة. وقال من قال: لا يجوز ذلك حتى يجعل له ولا أعلم أحدا قال عليه ذلك وأن يوصي به (1) إلا أن يجعل له ذلك ويقبل به. وإن كان قصر في الوصية وقد كان قادرا عليها حتى أتى حال ذهب ذلك عن حال القدرة منه ومنع بعد ذلك. فمعي أن في بعض القول أن عليه الضمان وفي بعض القول أنه قد أسي وإن كان على نية الانقاذ حتى حيل بينه وبين ذلك فلا ضمان عليه ويستغفر ربه ويعجبني هذا القول ما لم يكن قصد إلى تعطيل وصيته أو تضييع أمانته ويستخف بذلك ويتهاون به في حال قدرته حتى يعجزه.
ومن غيره (2):عن أبي الحواري وعمن يوصي إليه بوصية ودين ويكون عاميا من الناس فيقضي الدين وينفذ الوصية ولا يعرض ذلك على المسلمين. هل يسعه ذلك؟ فعلى ما وصفت فإذا كان قد مضى الدين وأنفذ الوصية ولم يعرض ذلك على المسلمين فقد قصروا، وقد أساء وقد مضى ما فعل حتى يبين له أنه قد أخطأ في شيء من ذلك، فإذا عرض ذلك على المسلمين وتبين له خطأه وأنه قد جعل شيئا من مال الميت في غير موضعه فعليه رد ذلك إن أدرك ذلك إلى من دفعه إليه وإلا كان غرم ذلك عليه في ماله دون مال الميت فإن كان شيء/420/
(1) - في أ، ب: لا يوجد"وأن يوصي به"
(2) - في أ، ب: لا يوجد من غيره. (5/370)
صفحة 2226
يغرم للورثة وإن كان ذلك في الوصايا أو في الدين جعله حيث يرى المسلمون ويصح ذلك، فإن كان لم يعرض ذلك على المسلمين وأنفذ الدين والوصايا كما أقر وأوصى إليه الميت بذلك ثم مات على ذلك فلا نقول مات هالكا إذا فعل كما أمره الميت ولم ينظر في التناقص والتمام والله أعلم بالصواب.
وعن رجل هلك وأوصى إلى رجل في قضاء دينه وإنفاذ وصيته وكان الوصي عارفا بشيء من الدين، أيجوز له أن يقضي عن الهالك ما عرف من دينه ولا يجوز له إلا أن يشهد شاهدان على الهالك غيره لصاحب الحق بحقه، فعلى ما وصفت فلا يجوز للوصي ذلك إلا أن يقول له الهالك أقضي عني كل دين علمته علي أو لم تعلم إني قضيته فإذا قال له ذلك جاز له أن يقضي عنه ما عرف أنه عليه وإن لم نقل له ذلك لم يجز ذلك له.
ومن جواب محمد بن سعيد – رحمه الله – وذكرت رحمك الله في رجل أوصى إليه رجل في قضاء دينه وإنفاذ وصاياه وولده وترك الموصي ولدا يتيما أراد الوصي أن يقضي عن الرجل الهالك دينه. قلت: هل يجوز له أن يسلم إلى أحد ممن له دين قد أقر به الهالك على نفسه. فنعم يجوز له ذلك فيما بينه وبين الله وإن كنت تعني بغير يمين فقد اختلف في ذلك، فقال من قال: لا يجوز أن يعطي الوصي الحقوق إلا بعد اليمين أقرها الهالك وصح بالبينة، وقال من قال: يجوز ذلك ما لم يرفع أمرهما إلى الحاكم فإذا رفع إلى الحاكم لم يجزه إلى ذلك إلا بعد اليمين.
وعن رجل أوصى إلى رجل وأقر لرجل آخر بشيء من العروض. قلت: أراد الوصي أن يسلم من العروض إلى الذي أقر له بها، وقلت: وكذلك إن أقر الرجل بدراهم هل يجوز أن يعطه الوصي بالدراهم عروضا من الموصى له. فإذا أوصى لرجل بشيء من العروض بعينه أو أقر له بشيء فليس للوصي أن يسلم من مال الهلالك إلا ذلك وكذلك إن أوصى بدراهم دين عليه أو وصية مبهمة فقد أجاز بعض القفهاء أن يقضي الموصى له بذلك عروضا عن تراض منهما إذا كان الورثة أيتاما وبعض لم يجز ذلك./421/ (5/371)
صفحة 2227
وعن رجل أوصى أن يكفر عنه ثلاث كفارات. قال: يكفر عنه في بعض القول كفارة واحدة، إطعام ستين مسكينا ولا نعلم في ذلك اختلافا. وإذا أوصى الموصي بجزء من ماله فقد عرفنا في ذلك اختلافا. فقال من قال: يثبت له ربع ماله واحتج صاحب هذا القول بقول الله عز وجل على ما وجدنا {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} وقال من قال في ذلك سبع ماله واحتج صاحب هذا القول بقول الله عز وجل {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} وقال من قال: وعرفنا ذلك من قول الشيخ أبي الحسن رحمه الله أن ذلك للورثة يعطونه ما شاؤا من المال. وهذا القول أحب إلينا.
ومن غيره: وقيل في رجل أتى إلى رجل بعشرة دراهم. فقال له: فلان هلك وأوصى إلي بهذه العشرة دراهم لك أنه لا يجوز لهذا أن يقبضها منه حتى يعلم أنه قد أوصى بهذه العشرة دراهم له ويصح تصديق هذا الرجل إلا أنه إذا كان هذا الرجل ثقة. وقال: إن فلانا أوصى إليه فلم أر في أخذ هذه الدراهم بأسا.
ومن غيره: قال: نعم. وذلك إذا قال له: أوصي لك بهذه من ماله أو أوصي لك بهذا من عنده، وأوصى لك بهذا فهذا من ماله فإذا أقر أنه من مال الهالك بوجه من الوجوه وكان القول فيه ما قال. وإذا لم يقر أنه من مال الهالك فقد قيل يجوز، أخذه لأنه يمكن أن يوصي له بذلك ويعطيه الوصي من غير ماله إذا أوصى بتسليم ذلك إليه من غير ماله. ومنه: قلت له (1):فقول الرجل أوصى ووصى يجوز قال: نعم يجوز إن شاء الله. قلت قضى وأقضى فلانا./422/
(1) - في أ، ب: زيادة: ومنه: قلت له: فإن أوصى الموصي بصلاة، فمعي: إنه لا يثبت في ماله شيء، ويوجد في
القول أنه يكون كفارة صلاة في ماله.
أما إذا قال قضى فجائز، وأما أقضي فإذا كان لغتهم في الموضع كذلك جاز وإلا فليس هو عندي يشبه الأجارة في معاني الكلام. وسألته عن أمه لأيتام إذا أذتها ضربتها، قال: يجوز لأحد أن يقعشها برأي وصيه. قال معي: إنه إذا كان مما يرجى فيه نفعها وبتركه يخاف ضرر جاز ذلك عندي. قلت له: فإن لم يكن لليتيم وصي أيجوز لأحد أن (5/372)
صفحة 2228
يقعشها برأيها إذا كان أنفع لليتيم في الوقت فيما يرجى ذلك من قيام ضيعته. قال معي: إن ذلك جائز إذا رجي في ذلك الصلاح، وخيف في تركه الضرر. قلت له فإن أصابها شيء أضر بها من قعش ذلك الضرس هل يلزمه ضمان إذا كان إنما قصد إلى الصلاح. قال معي: إنه إذا كان بنظر ذلك وإنما قصد إلى الصلاح ولم يتعد فعل مثله في ذلك فلا شيء عليه.
ومن غيره: وأما الذي قال لرجل في مرضه فرق عني هذه الدراهم للفقراء أو فرق هذه الدراهم على الفقراء فهذا يجوز له أن يفرقها على الفقراء في حياة الآمر وصحته.
ومن غيره: وقال في الوصي أنه يجوز له أن يقضي من مال الميت إذا كان وصيا في قضاء الدين، ولو أمره الموصي أن يبيع موضعا فباع غيره أنه جائز له لأنه يقوم مقام الموصي بعد موته.
ومن جواب أبي الحسن – رحمه الله – إن الوصي إذا عدم الموصى له بالحقوق واعدم (1) ورثتهم فصار بالحد الذي يقول بعض المسلمين أن يفرق الحق الذي يكون على الغريم على الفقراء أن للوصي في هذا أن يفرقه على الفقراء فإن صح بعد ذلك بالبينة العادلة خير بين الأجر والغرم وعلى نحو هذا يوجد عن أبي الحواري وقال من قال من الفقهاء: لا يكون هذا إلا برأي الورثة الحاضرين البالغين فإن فرقه برأي نفسه كان ضامنا للورثة لإتلاف مالهم في موضع لا يحكم له فيه براءة من المال الذي في مال صاحبهم. وسألته عن رجل خاف على نفسه الموت ولم يجد في البلد أحدا يثق به ويخاف إن وكل أحدا من غير أهل البلد لم يدعوه أن ينفذ عنه وصيته. قال: يلتمس ثقة أمينا من غير/423/
(1) - في ب: إذا عدم الموصي له بالحقوق والوصايا ة وعدم ورثتهم ...
بلده ويشهد له شهودا عدولا فإن وصل الوصي إلى إنفاذ الوصية فقد أجزي عنه وإن لم يصل الوصي إلى إنفاذ الوصية فالله أولى بالعذر. وإن وجد من بلده رجلا يأمنه على نفاذ وصيته فليفعل ولو كان غير ثقة إذا أشهد على ذلك ببينة عدولا في الوصية، وعمن يوصي بوصايا أو يقدم في ذلك وكيلا ووصيا في إنفاذ وصيته وقضاء دينه غير أن في القلوب منهم أن في الوصية جورا من الموصي كيف ترى يكتب الكاتب ويشهد في ذلك الشهود فليس على الكاتب ولا على الشهود في ذلك في ظنون قلوبهم حرج لأن الله عز وجل يقول: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} وقال: {إن بعض الظن إثم} غير أنا نختار لكل مسلم أن يبذل النصيحة لمن ظن قلبه أنه يريد خلاف الحق إذا (5/373)
صفحة 2229
أمكن المسلم النصيحة في ذلك ولا يحكم على باد ولا فاجر بظنون القلب. وإن كان الظن كاد أن يكون في كثير من الأمور صوابا. فإن الله حرم الحكم به كما حرم الحكم بادعاء المدعي وإن كان المدعي صادق في ادعائه.
محمد بن هشام عن أبيه في رجل حضره الموت، فقال فلان مصدق فيما ادعى على من دين، فزعم موسى أنه قال: يحلف ثم يعطي ما حلف. وقال هاشم وقال سعيد بن الميسر (1) لا شيء له إلا ما أقام به البينة. قال محمد. وقال أزهر: وأنا أقول بقول سعيد. وقال غيره: أرجو أني عرفت أنه إذا قال أنه مصدق إلى حد قد حده فهو مصدق فيما قال إلى ذلك الحد فينظر في ذلك إن شاء الله.
ومن غيره: مما يوجد عن أبي إبراهيم في رجل أوصى لجماعة قال: ليس لأحدهم أن يأخذ حصته من ذلك حتى يعلم أن شركاءه قد أخذوا حصتهم إلا أن يكون الوصي ثقة وقال: إذا شهد عند العامة أن فلانا وصي فلان جاز ذلك ولو لم يشهد لوصايته شاهد عدل./424/
(1) - في أ، ب: سعيد بن ميسرة والصحيح سعيد بن المبشر الأزكوي ....
ومن غيره: وأعلم أنه لا ترك عند الموت ولا عطية ولا بيع ولا شرى إلا أن يبيع المريض في مرضه لما يحتاج إليه من مؤنته ومؤنة عياله.
قال أبو سعيد: وكذلك بيعه في جميع ما يلزمه من دين أو كفارة أو جميع ذلك فهو مثله وقد عرفت عن أبي سعيد في ذلك اختلافا.
ومن غيره: وقلت إذا أوصى المريض في الليل بالظلام واطمأنت القلوب أنه هو ولم يرتابوا فيه إنه هو كما لو كان في النهار إلا أن الظلام حائل بينهم هل يسع الوصي إنفاذ جميع ما أوصى به الهالك على هذا أتم الورثة ذلك أو غيروا، فأما في الحكم فلا يجوز ذلك وأما في الاطمئنان إذا لم يشك ذلك ولم يحل بينه وبين ذلك حائل بحجة خوف أرجوا أن لا يضيق ذلك عليه.
قال أبو سعيد: والرجل إذا أسلم إلى رجل دراهم حين حضره الموت وقال له: إنه حدث على حدث موت فسلم هذه الدراهم إلى بني أخي وللميت إخوان لهما أولاد فهلك واطمأن. قلت هذا: إن الميت عني بذلك أحد بني أخيه الكبير أو الصغير أنه إذا لم يشكل قلبه في ذلك في حكم الاطمئنان فلا يضيق ذلك عليه عندي. وأما في الجائز في الحكم فأرجوا أن قيل لورثيه الميت ولا يثبت من ذلك شيء. وقال من قال: يكون للقاضي هذه الدراهم من الميت أن يسلمها إلى جميع بني أخوته بني الصغير والكبير كلهم فيه سواء أنه يسلم ذلك فلا شيء ولا يستحق أحد منهم شيئا (5/374)
صفحة 2230
إلا أن يسلم إليهم كلهم على وجه إنفاذ الوصية له في ذلك إن كان ممن يجوز له في ذلك إن كان ممن تجوز وصيته لهم. وعن رجل أوصى بدراهم يجعل في صلاح فلج من الأفلاج قلت: هل يجوز للوصي أن يتجر في صلاح ذلك الفلج ويعطي عروضا باتفاق منه أم لا يجوز إلا أن يعطي إلا دراهم ولو رضي الآخر بالعروض. فمعي: أنه مما يختلف فيه فأحسب أن بعضا أجاز ذلك وبعضا لم يجزه ويعجبني إن كان لا ينقض عن معنى الصلاح وكان ذلك برأي الورثة جاز ذلك قال أبو سعيد في الموصي في المرض أنه يثبت عليه ما أقر به إذا صح بعد ذلك ولا ينتقض ذلك./425/
وأما في الوصايا فقد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: إنه إذا صح انتقضت الوصية وقال من قال: إنه ثابت عليه ما أوصى به ما لم يقل أن حدث لي حدث موت من هذه المرضة.
ومن غيره: وقال في رجل أقر أو أوصى له بماله. قلت أيدخل الدين في المال قال: قد اختلف في ذلك فمنهم من يقول الدين من المال. ومنهم من يقول ليس من المال قال: وكان أبو الحواري – رحمه الله – يقول: إن كان المقر حيا واحتج في ذلك بحجة لم يكن الدين من المال وإن كان ميتا أو لم يحتج بحجة كان الدين من المال. قيل له فيدخل في هذه اللفظة جميع المال من الأصول وغيرها من السلع والحيوان قال: نعم قلت له: فإن أقر له بماله من نزوى أيدخل ما كان له من دين على أهل نزوى في الإقرار؟ قال: نعم. إذا لم يحتج بحجة أو كان ميتا. قلت له فإن كان له على رجل من كدم أو من غيرها من القرى دين وكان ذلك الرجل يوم أقر أو يوم أوصى بنزوى أيدخل الدين في الإقرار. قال لا.
ومن غير الجامع (1):قال أبو سعيد ينظر في هذه فإنه معي أنه ثابت إذا كان الغريم بنزوى جواب من نجده بن الفضل النخلي: وما تقول فيمن كان يعرف أن علي والده دينا ثم غاب عنه إنه قضي أو بعد ثم مات والده بغير وصية أو أوصى بديون ووصايا ولم يذكر هذا الذي يعرفه الولد هل على الولد أن يقضيه. وكذلك إن استشهد رجل في وصيته بديون ووصايا ثم صح الموصى أو قدم من سفره الذي أوصى لأجله فلبث ما شاء الله ثم طلب أصحاب الحقوق حقوقهم وطلبوا الشهادة من ذلك هل يجوز للشاهد أن يشهد عليه بذلك أم لا؟ الذي عرفته أنه إذا بقى في الدنيا بقدر ما يقضي الذي عليه فلا شيء على وارثيه ما لم يطلب منه أصحاب الحقوق. وكذلك لا يلزمه أداء الشهادة إلا أن يطلب منه صاحبها أن يشهد له بها فهنالك يلزمه أداؤها والله أعلم. (5/375)
صفحة 2231
ومن غيره: وعن رجل أقر أن والده اعتق غلاما لولده ثم أن والده باع الغلام ثم مات الولد وورثه الولد هل يكون على الولد فداء الغلام إذا علم أن والده باعه وهو حر؟ قال: هذا عندي يشبه فيه الاختلاف مثل الحقوق التي يعلم/426/
(1) - ومن غير الجامع .... إلى بنزوى غير موجودة في أ، ب
أن والده قضاها. وفي بعض القول أنه إذا أمكن أن يكون الولد قد قضاها وأمكن خروجه عنها وزوالها عنه، لم يكن عليه هو شيء إلا أن يوصي الهالك بذلك. قلت له: وكذلك حقوق الله مثل الحج والأيمان، والزكاة والكفارات هل يكون مثل حقوق العباد إذا علم أنها عليه ولم يعلم قضاها أو لم يقضها. قال معي: إن بعضا يقول إنها سواء وهي في ماله على قول من يقول أنها من الثلث فهي من الثلث وعلى قول من يقول: إنها من رأس المال فهي من رأس المال. وفي بعض القول حتى يوصي. ثم هنا لك يكون الاختلاف. وفي وجوبه من الثلث أو من رأس المال. قلت: فإذا أقر الوالد بشيء من حقوق العباد ومات ولم يكن زوال ذلك عنه بوجه من الوجوه هل يكون ثابتا في مال الهالك. قال: هكذا عندي ولا أعلم فيه اختلافا. قلت: فإذا كان الذي أقر به من حقوق الله، وحقوق العباد إذا لحق حقوق الله الاختلاف ولم يشبه الاختلاف في حقوق العباد قال: يشبه عندي إذا ليس مأخوذا في الحكم بأداء حقوق الله كما مأخوذ بأداء حقوق العباد في حياته وإذا مات لم يحكم أيضا في ماله إلا بما يحكم عليه في حياته وإن كانت الزكاة قد يجبر على أخذها إذا كانوا أهلها فليس ذلك كجبره على أداء حقوق العباد.
ومن غيره: والوصي يجوز له أن يقضي دين الموصي إليه بما قدر عليه وذلك جائز له ولا يحرم مع الله وإنما ذلك مع الحاكم./427/ (5/376)
صفحة 2232
الباب السادس والعشرون
في
الرجوع في الوصية
رجع إلى كتاب أبي جابر:
وإذا أوصى رجل لرجل بثوب ثم أمر به أن يغسل أو يهدب أو يرقى فقيل ليس ذلك برجوع، وإن أمر به فصبغ فهو رجوع منه فيه إذا كان الصبغ زائدا في الثوب إلا أن يكون ذلك ينقض الثوب فلا يكون برجوع.
وإذا أوصى له بثوب ثم أمر بذلك الثوب فقطع نصفين فذهب نصفه وبقي نصفه فإن هذا النصف لباقي للذي أوصى له به لأن هذا نقص وليس بزيادة وإذا أوصى لرجل بثلث ماله ثم أوصى لرجل آخر من الغد بنصف الثلث أيضا فالثلث بينهما على ثلاثة يضرب لكل واحد بوصيته صاحب الثلث بالثلث وصاحب النصف بالنصف هذا إذا أوصى بنصف ثلث آخر، وأما إذا أوصى له بنصف هذا الثلث الذي كان أوصى به للآخر فذلك جائز له وله أن يزيد في وصيته وينقص (1) فيها فالثلث بينهما نصفان وهذا رجوع منه على الأول بنصف الثلث. وإذا أوصى لرجل بثوب ثم قطعها قميصا فهذا رجوع منه فلا شيء للموصى له، وكذلك لو أوصى له بمكوك من حب فأمر به فطحن وخبز وانظر في ذلك.
وإذا استأذن الرجل ورثته في الذي يوصي به وأذنوا له قبل موته ثم رجعوا بعد الموت فذلك لهم. لأنهم أذنوا فيما لا يملكون. وكذلك حفظت عن سليمان بن الحكم وإن أتموا ما أوصى به للموصى له بعد موته ثم رجعوا بعد أن أتموا فهو تام عليهم./428/
(1) - في أ، ب: أو ينقص ويرجع فيها ... وفي ب. (5/377)
صفحة 2233
ومن أوصى بثلث ماله لبني أخيه أو لبني فلان فهو لهم يوم يموت الموصي ولا أنظر إلى عددهم يوم أوصى فإنما أنظر إلى عددهم يوم يموت وتجب الوصية، لأنه لم يسم بأسمائهم وإن سمى بأسمائهم فإنما هي للذي سمى فمن مات منهم قبل الموصي رجعت وصيته إلى ورثة الميت الذي أوصى. وإذا أوصى فقال: ثلثي لبني فلان وفي بيتي لبني فلان فهو لأعيان بني فلان ولا يكون لولد الولد شيء مع أعيان ولد الرجل إلا أن يكون الذين قال لبني فلان جد ينسب إليه ولد وولد ولد وقد توفي الجد فيكون الثلث وفي نسخة ويكون البيت لمن انتسب إليه جميعا إذا كان الجد قد صار كهيئة الفخذ والقبيلة فهو للجميع للبطن الأعلى والبطن الأسفل، وإن قال ثلثي وفي نسخة بيتي لآل فلان فهو بينهم على عددهم إن كانوا يحصون وإن كانوا لا يحصون فالوصية باطل.
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: وسألته عن معنى الله تعالى {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} قلت له: فهذا فرض واجب عليه أن لا يمتنع من ذلك إذا ادعى إليه قال معي: إنه إذا كان في حد الضرورة كان عليه ذلك قلت له: فأين يخرج عندك حال الضرورة في ذلك. قال معي: إنه إذا انعدم من يقوم مقامه في الكتاب وإثباته في ذلك. قلت له: فإن كان في حضرته من يكتب غير أنه لا يعلم ما حاله في إثبات الكتاب وحضر المريض. قال معي: إنه لا يضيق عليه ذلك إذا كان الحضرة ولم يجمعوا على ترك ما يلزمهم في ذلك: قلت له: فالقول في الشهادة كالقول في الكتاب والكاتب قال: هكذا عندي. قال معي: إن معنى قول الله تعالى {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} إلى أدائها وحملها وقال أبو سعيد – رحمه الله – في رجل أوصى في مرضه وأوصى إلى غيره في ضقاء دينه وإنفاذ وصيته ثم صح ثم مات. ففي بعض القول تنتقض وصيته وتثبت الحقوق التي أقر بها وقال من قال: تثبت الوصية والحقوق./429/ (5/378)
صفحة 2234
قال أبو سعيد: في الموصي في المرض أنه يثبت عليه ما أقر به إذا صح بعد ذلك ولا ينتقض ذلك وأما الوصايا فقد قيل في ذلك باختلاف. فقال من قال: إنه إذا صح الوصية (1) وقال من قال: إنه ثابت عليه ما أوصى به ما لم يقل أن حدث لي حدث موت من هذه المرضة. قلت: إذا كان (2) المدعى للكتابة والشهادة أو للوكالة أن يدخل فيما لا يسعه من جهة عامي هل له أن يمتنع ذلك. قال معي: إنه له أن يمتنع إذا أرادوا أن يدخلوه فيما لا يبصر عدله أو استراب أمره ولا أحب له أن يمتنع قبل المشاهدة لذلك إذا كانوا يدعونه إلى شيء من الحق قلت له: فإن تبين أن ذلك الذي كتبه حيف وكان في وقت ما كتبه مما يحتمل حقه هل عليه في هذا شيء؟ قال معي: أن ليس عليه إذا كان إنما خيفة في السريرة قلت له: فإن كان خيفة ظاهرا غير أن الكاتب عمي عليه في وقت الكتابة هل يلزمه في هذا شيء؟ قال: إذا كان خيف باطل فلا يسعة أن يكتب الباطل ولا يسعه جهل ذلك ولا يبين لي. وسألته عن معنى قول الله تعالى {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} قلت (3) فهذا فرض واجب عليه أن لا يمتنع عن ذلك إذا ادعى إليه. قال معي: إنه إذا كان في ضرورة قلت له: وإن يخرج عندك حال الضرورة في ذلك. قال معي إنه إذا عدم من يقوم مقامه في الكتاب وإثباته في ذلك.
وعن رجل أوصى لفلان بسكنى بيته وغلة ماله حياته أو ما دام حيا أو إلى أن يموت قال: جائز وكذلك إن قال: قد أوصيت لفلان فغلة مالي ما عاش. قال له: غلته ما عاش إلى أن يموت./430/
الباب السابع والعشرون (5/379)
صفحة 2235
في
الإقرار بالوارث والوصايا وغير ذلك
قال بعض الفقهاء في رجل هلك أبوه وليس له وارث غيره فأقر الابن أن أباه أوصى بثلثه لفلان ثم قال نسيت بل إنما أوصى به لفلان فإنه يدفع الثلث إلى الذي أقر به (1) ولا يدفع إلى الثاني ثلثا آخر أيضا لأنه استهلك الثلث الأول فعليه أ يضمنه للثاني. ولو قال: أوصى أبي لهذا بثلثه ثم سكت ثم قال وأوصى لهذا بثلثه فإنه يدفع إلى الأول كاملا ويدفع إلى الثاني نصف الثلث الثلث لأنه زعم أن الثلث بينهما ودفع إلى الأول أكثر من حقه فاستهلكه ذلك فضمن للآخر نصف الثلث. وقال من قال: في رجل له حق على رجل، فقال له إن لم أكتبه عليك فهو وصية لك مني ثم مات الذي له الحق فهو وصية كما أشهد به إن كان يخرج من الثلث، وعلى الورثة البينة أنه كتبه وإلا بيمين الوصي له، ومن أوصى لرجل بثلث ماله ثم قتل الموصي فإن قتل خطأ فللموصى له ثلث ماله وثلث الدية. وإن قتل عمدا فلا حق له في الدم إلا أن يعفوا الورثة عن القتل ويصالحوا فإن رجع العمددية كان للموصى له ثلث الدية، وقال من قال: في رجل قال: لك عندي يا فلان مائة درهم. فقال فلان: لا ما عندك (2) لي شيء ثم رجع فقال: بلى إن لي عندك مائة درهم. فجحدها المقر فليس له عليه شيء من قبل أنه قد أبرأه إلا أن يرد المقر كلامه فيقول بلى لك عندي فيقول الآخر صدقت أو نعم. فيكون قد أقر بعد الإبراء فيلزمه ذلك. وإن قال: عندي مائة دينار لأحد هذين الرجلين وهما فلان وفلان لا أدري لأيهما هي فإنه يقال له: لا بد أن تبين لأيهما هي ثم يدفعها /431/
(1) - في أ، ب: أولا يدفع ...
(2) - في أ، ب: لا ما عليك لي شيء.
إليه ويحلف للآخر فإن أبى أن يحلف حبسه السلطان حتى يحلف أو يدفع إليه مائة دينار. وقال: في رجل قال: كل شيء بيدي من دنانير أو درهم أو متاع فهو لفلان ليس لي منه شيء فلا يجوز هذا الإقرار حتى يعلم الشيء الذي كان بيده يوم أقر، وعن رجل قال في صحته أو في مرضه قد تصدقت أو جعلت أو أعطيت أو وهبت نخلي هذه أو شيئا من ماله في سبيل الله أو للفقراء أو لأرحامه فأحرز عليه أو لم يقع احراز حتى مات ولم يرجع فليس لورثته الرجعة في ذلك وهو كما جعله لأنه إنما جعله في باب بر وإنما لا يجوز ذلك إذا جعله في شيء غير أبواب البر. أو لرجل بعينه من فقير أو غير فقير في المرض فهذا لا يجوز في المرض ولا في الصحة إذا لم يكن احراز وإنما يجوز هذا الذي قلنا أنه يجوز لمن لا يكون عليه احراز في الحصة مثل السبيل والفقراء والشذاء أو نحو ذلك. (5/380)
صفحة 2236
وقال من قال: في رجل ادعى أن أباه أعطاه عطية وأحرزها وأقام على ذلك شهودا عدولا. وأقام الورثة بينة أن أباهم لم يزل يأكل هذا المال ويبيع إلى أن مات فلا نرى شهادتهم إلى معارضة فإن كان شهودا الاعطاء عدولا فالحق له. وعن رجل يوصي بمائة درهم للفقراء أو لأقاربه فشهدوا من هؤلاء رجلان عدلان على الوصية فشاهدتهما جائزة ويطرح نصيبهم من تلك الوصية.
ومن غيره: قال أبو علي (1) حفظه الله لا تجوز شهادتهما لأنهما شريكان وكذلك إن أوصى بشيء للشراة فشهد على ذلك فهم عدلان حازت شهادتهما ولا نصيب لهما. وكذلك إن شهد للفقراء وهما من الفقراء جازت شهادتهما وأما إذا شهد على أرض إنها رم لأهل أزكى أو أهل نزوى وهما من أهل تلك البلاد الذي لهم ذلك الرم فلا تجوز شهادتهما. وقيل: إن شهد شاهدان على أرض أنها رم لقوم وشهد شاهدان أنها أصل لقوم. فقال من قال: شهود الرم أولى بالقبول. وقال من قال: الأصل أولى وقيل الرأي الأول أكثر وكذلك إذا شهد شاهدان على أرض أنها صافية (2) وشهد شاهدان أنها لإنسان فشهود الإنسان أحب إلي./432/
(1) -: في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله وقال من قال ...
(1) -: في ب: وشهد شاهدان على أرض أنها صافية.
وعن أبي عبد الله – رحمه الله – في رجل وجد في أرض كنزا من كنوز الجاهلية، قال: هو لمن وجده ظاهرا أو باطنا وفيه الخمس إن كان ذهبا أو فضة وذلك إذا كان الكنز جاهليا. وعن رجل هلك وأوصى لامرأته بكسوتها ومعاشها في مالها حتى يموت إلا أن يحدث حدثا قال لها ذلك في ثلث ماله والمعقول أن المعاش هو الطعام. قلت: فإن قال الورثة إنها قد أحدثت تزويجا أو قتلت نفسا أو ما أشبه هذا من الأحداث قال: ما أبطل وصيتها حتى يسمي بهذا الحدث ما هو عند وصيته لأن حركتها وقيامها وقعودها كل ذلك مما يحدث. وعن رجل يقول في صحته إذا ما مت فلفلان من مالي كذا كذا لا يقول عطية ولا وصية فهي وصية إذا قال: فلان كذا وكذا
وعن أبي مروان في رجل أوصى لبعض أولاده بشيء في مرضه وأمضى ذلك الباقون من أولاده واحرز الموصى له من قبل موت الوالد، فلما مات الوالد طلب الذين لم يوصي لهم أن يشاركو الذي أوصى له. قال لهم على أخيهم ذلك وهم شركاء في الوصية ولا يضرهم أمضاؤهم ذلك لوالدهم ولا إحراز عليهم إلا أن يكون أحرز في صحة أبيهم. قال أبو علي حفظه الله وقد قيل إذا عرفهم ما أوصى له به واتموا ذلك في حياة أبيهم، لم يكن لهم (5/381)
صفحة 2237
رجعة بعد موته،"وأكثر القول والمعمول به أن لهم الرجعة لأنهم أتموا ما لا يملكون إلا أن يكون الإتمام بعد موت أبيهم، فليس لهم رجعة بعد ذلك لأن المال قد انتقل إليهم والله أعلم" (1).
وإذا شهد شاهد على ميت بمائة درهم أوصى بها للفقراء وشهد الثاني أنه أوصى بمائة درهم للمساكين فهي شهادة متفقة وهي للفقراء. ومن قال علي حق أو دراهم لفلان فإن مت فله قطعة كذا وكذا من ماله في خ من مالي فقيل إن تلك وصية لأنه قال: إن علي حق ولم يبين كم الحق إلا أن يقول هي له بذلك الحق. فذلك قضاه.
وعن رجل أشهد في صحته أنه قد وقف دريزا له للمسجد تكون غلته في مؤنة المسجد وصلاحه فما فضل فهو في بطون أهل الجوع. وعن أبي علي /433/
رحمه الله أن ذلك جائز على وقفه عليه. وكذلك إن قال: في صحته هذا الدريز وقف تكون غلته في مؤنة المسجد لله، هل له رجعة فإنا لا نرى له الرجعة في الخصلتين، وإذا أوصى الموصي لواحد من الأقربين بوصية ولم يوصي لمن بقي منهم لم يدخول عليه في وصيته، وكذلك إذا أوصى لفقراء أقربيه فهي لهم وانتحل عطية، وعطية الوالد لولده الصغير لا تجوز، وإن مات الوالد رجع ذلك إلى الميراث وإن أوصى رجل لرجل وفي نسخة وصية أو دين فلم يطلب ذلك حتى قسم المال ثم طلب فإنه يدرك وصيته ودينه في هذا المال حيث وجده ويرجع الذي اشتراه على من باعه بقدر ما أدرك فيه وعن امرأة لها أخ من أمها فقالت في صحتها يوم أموت فلأخي ثلث مالي وأشهدت على ذلك أيضا يوم ماتت وقد ولدت المرأة فقال ورثة المرأة استحققته بعد موتها والوصية لي جائزة فله وصيته (1) ...
ومن غيره: وقد قيل أن الوصية تبطل. وأما إذا أوصت له وهو غير وارث ثم صار وارثا ثم مات الموصي والموصى له غير وارث فله وصيته لا اختلاف./434/ (5/382)
صفحة 2238
رجع: والوصي إذا قبل الوصاية ممن أوصى إليه لم يكن له ترك ذلك من بعد. ولو أوصى إليه وهو غائب فقبل ذلك وأما إذا لم يقبل وأمر في ذلك ونهى ما أراد وترك ما أراد فذلك له. قال أبو سعيد: إذا أدخل يده في شيء من الوصايا بعد موت الموصي فذلك رضي بالوصية.
ومن غير الجامع: من جواب الأزهر بن محمد بن جعفر: وعن الوصي إذا أرأى بيع المساومة أفضل وأوفر فباع كذلك واجتهد فلما بلغ اليتيم طلب نقض ذلك أو نازع في ذلك من نازع قبل بلوغ اليتيم فطلبوا أن يردوا ذلك بالنداء فأقول ليس لهم ذلك وبيع الوصي بالمساومة جائز إذا كان ذلك أوفر إلا أن يكون من يزيد على ذلك ويطلب المال بأكثر وينازع في ذلك لليتيم فقد كان بعض الحكام يأمر بالنداء في ذلك وأبطل البيع الأول على أنه إن نقص عن البيع الأول فهو لازم للمشتري بالبيع الأول، وإن زاد كان لمن زاد وكان على المشتري الأول رد غلته تلك الزيادة. وأما الإقالة فليس للوصي أن يقيل ولكن إن طلب المشتري إلى الحاكم ورأى له النقض حكم له بذلك على الوصي.
ومن غيره: وإذا أوصى للأقربين وللفقراء ولتحلة إيمانه ولابن السبيل بدراهم معلومة ولم يفرضها قسمت الدراهم على أربعة لللأقربين الربع و للفقراء الربع و لتحلة إيمانه الربع ولابن السبيل الربع. ثم قسمت ربع الأقربين وربع الفقراء على ثلاثة فيكون للأقربين الثلثان من ذلك وللفقراء الثلث. فإن كان أوصى للأيمان ولم يوصي للأقربين لم يدخل الأقربون في وصية الأيمان بشيء، وإن أوصى لتحلة أيمانه ولأقربيه كان الأقربين النصف ولتحلة أيمانه النصف، أو إن أوصى لتحلة أيمانه وللفقراء كان للأيمان النصف وللفقراء النصف ثم يكون للأقربين ثلثان نصف الفقراء./435/ (5/383)
صفحة 2239
وإذا قال: الحب الذي عند فلان فرقوه على الفقراء ولم يوصي للأقربين بشيء دخل الأقربون في ذلك الحب بالثلثين وسواء ذلك قال الحب الذي عند فلان أو قال دراهمي أو حبي. وأما ما كان من الوصايا من أبواب البر فهو من الثلث وذلك مثل الفقراء والأقربين وأشباه ذلك.
ومن غيره: إنه إذا قال الموصي للوصي وقد جعلت له أن يشتري من مالي ما شاء بما شاء من الثمن جاز ذلك للوصي أن يشتري ما شاء. وقال: إنه يوجد عن أبي علي – رحمه الله – أنه يجوز للوصي أن يشتري مما يكال ويوزن (1).وكذلك ما لا يكال ولا يوزن ولا فرق بينهما.
ومن غيره: وعن رجل يقول عند موته لي ابن أخ وابن عم في بلاد كذا وكذا ولا يعرف ذلك إلا قوله وأنكر ذلك سائر الورثة أيوقف له حصته أو يصير ميراثه إلى المعروفين من ورثته فأقول لا يجوز إقراره لمن وصفت. والباقون من ورثته الثابت نسبهم أولى بجميع ميراثه من عصبة أو رحمهم إذا شهدت الشهود العدول أن هذا وارثه لا يعلم له وارثا غيره.
ومن غيره: وزعم هاشم أن بشيرا قال في الرجل يقول: فلان وارثي من غير أن يعرف نسبه إن الميراث له. وقال خالد بن سعوه كذلك كان يقول بشير إن القول قوله حتى يجيء في ذلك بنسب وبينة يعرف خطأ ما قال.
وعن رجل من الغرباء قدم عمان ومعه غلامان فأشهد أنهما ابنا أخيه وليس له وارث غيرهما فلما حضره الموت أشهد أن له ولدين آخرين في بلد آخر لطالب يطلب فلا بأس. وإن لم يكن أحد منهما أحق به./236/
(1) - في ب: فرق في النص: مما يكال ويوزن ما شاء من الوصى ولو لم يجعل له ذلك قلت له وما يقبل بذلك؟
قال: لأنهم قالوا: يجوز له أن يشتري مما يكال ويوزن وكذلك مما لا يكال ولا يوزن ولا فرق بينهما. (5/384)
صفحة 2240
رجع "سداد الديون" وأما ما أوصى به من حقوق الله التي قد لزمته في حياته وبعد موته وذلك مثل الحج والزكاة والصلاة وكفارة الأيمان فقد قال من قال من الفقهاء: أن ذلك من رأس المال وهو مثل الدين ويرفعونه إلى موسى بن أبي جابر - رحمهما الله - وقال من قال: هو من الثلث ما كان من حقوق الله ويرفعونه إلى الربيع بن حبيب رحمه الله. وما كان من حقوق العباد فهو من رأس المال. وإذا أوصى بتمر ولم يسم به قيل للورثة يخرجون التمر ما أرادوا من التمر وليس عليهم إلا ذلك أخرجوا خطيا أو جبليا وهو تمر و لا يحكم عليهم بغير ذلك وقيل في رجل هلكت ابنة له ولها ولد فلما حضره الموت أوصى وأشهد أن لبني ابنته فلانه مثل ميراث أمهم من ماله فأما قوله مثل ميراث أمهم فهو لهم. وأما قوله ميراث أمهم فرأيناه وصية وفي رجل نذر إن صح ابنه من مرضه فله عشرون نخلة ثم تمادى في عطيته حتى حضره الموت وأوصى أن يعطي ما كان نذر له في حياته إن ذلك له من الثلث. وذلك قول أبي عثمان. وفي حفظ أبي صفرة في ثوبين أوصيت بهما امرأة بأرض بعيدة وخاف الذي عنده الوصية أن تتأكل الثوبان. وقال: إن باعهما فهو خير لهما ولكن أرى عليه إن هلكت الدراهم الضمان. قال أبو عبد الله رحمه الله إذا كان وصيا جاز بيعه لهما ولا ضمان عليه إذا خاف فسادهما وعن أبي علي أن الأمين إذا خشي على أمانته أن تتلف من ذاتها فباعها برأي المسلمين أن لا ضمان عليه. وعن أبي الحواري. وعن رجل أوصى إلى رجل وترك مالا وليس للميت وارث يعلمه الميت ولا الوصي فقال له الوصي: اجعل بعض مالك في المساكين وبعضه في الرقاب، ففعل وقال له: حج عني ببعضه ففعل ما قال له. ثم جاء بعد ذلك وارث، قال: ما أرى على الوصي شيئا فإن أدرك الوارث شيئا بعينه فله أن يأخذه، وأحب أنا أن يبيع هذا الوارث ما ترك صاحبه من المال فيأخذ من كل ثلثي ما في يده ويترك الثلث لمن أوصى له به والله أعلم./437/ (5/385)
صفحة 2241
وقال في رجل أوصى رجلا أن يبيع غلاما ويتصدق بثمنه على المساكين ففعل ومات الموصي ورد الغلام بعيب. قال: يغرم الوصي إلا أن يكون قال لهم أن هذا الغلام أمرني من أوصى إلى أن أفرق ثمنه على المساكين ولا علم لي بشيء من أمره فإن شئتم فاشتروا وإن شئتم فاتركوا. فعلى هذا قال: لا أرى عليه شيئا. قال أبو عبد الله – رحمه الله – أرى على الوصي أن يرد عليه الغلام والدابة بالعيب إذا كان فيهما عيب كان قبل أن يبعهما وأرى إن كان للميت مال غير ذلك أن يكون رد ذلك من ماله ولا يكون على الوصي أيضا.
وعن جابر بن زيد – رحمه الله – وعن رجل أوصى لامرأته بمتاع البيت فإن لم يعرف فماسد هذا الباب فهو لفلانة فهو عندي إقرار فما كان فيه من متاع فهو لها. وعندي أن المتاع كل شيء يتمتع الناس به وينتفعون به من الأمتعة في بيوتهم ولست أرى الثياب ولا الحلي ولا الذهب ولا الفضة ولا الدواب ولا العبيد ولا الحب ولا التمر ولا شيئا من الأطعمة ولا الأصول من متاع البيت إلا إني أحب أن يرجع في هذا إلى قول العدول من أهل ذلك المكان فما قالوا أنه عندهم من متاع البيت فهو متاع البيت.
وعن محمد بن محبوب – رحمهما الله – فيما أحسب في رجل اتيجر منزل رجل وجعل فيه متاعا له ثم غاب فلا يعرف له وارث. قال صاحب المنزل هو المعنى بذلك إذا صح معه بالبينة العادلة موت الرجل فنرجوا أن يكون له واسع له بيع المتاع وحفظه حتى يصح له وارث. وإن لم يصح موته فمتاعه في المنزل والأجارة تجري عليه.
وعن رجل أوصى لابنه بمثل ما أعطى ابنه الآخر. وبثلث ماله لرجل قال: يخرج الدين من رأس ماله ثم يأخذ الرجل ثلث بقية المال ثم الولد مثل ما أعطى أخاه، إذا قال: قد جعلت فلانا وصي ولم يقل بعد موتي فهو وصي بعد موته. وإن قال قد جعلت فلانا وكيلي في مالي وولدي بعد وفاتي فهو بمنزلة الوصي، وإن لم يقل بعد وفاتي لم يقم مقام الوصي./438/ (5/386)
صفحة 2242
ومن أوصى بغلة ربع ماله للفقراء فللورثة أن يقسموا المال ويتبع الفقراء كل واحد بربع غلة ماله وليس لهم أن يبيعوا هذا المال. ويقيم الولي وكيلا بقبض حصة الفقراء ويقسمها بينهم وقول يباع ويقسم. وإذا قال الموصي: قد أوصيت لفلان بغلام من غلماني أو نخلة من نخلي فلان يعرفها فهذا لا يجوز إلا أن يجعله مصدقا وإلا فهو شاهد.
وقال من قال: إن الأقربين يدخلون في الذي أوصى به للشذا (1) أو الحج النوافل إذا لم يوصي للأقربين بشيء. وعن رجل مرض وأعجم وذهب كلامه فدعى بدواية وقرطاس وكتب علي من الدين كذا وكذا وللأقربين كذا وكذا وصية مني وأشهدنا فلان وأنت يا فلان على بهذا فإنه قد أمسك على لساني وأنا ثابت العقل أعرف ما أكتب وخط هذا كله بيده.
فعن أبي علي إنا نحن نجبن عن إمضاء ذلك، ونطلب فيه الأثر وضعف ذلك عندنا حيث لم يتكلم. قال أبو علي حفظه الله: ويوجد عن أبي الحسن محمد بن الحسن إجازة ذلك. وأما إن كان هو ممن يكتب وكتب وصيته ودفعها إلى الشهود. وقال: اشهدوا علي بما في هذا الكتاب فإنها من وصيتي فقد قيل إن ذلك جائز ويشهدون عليه بما في هذا الكتاب ولو لم يقرؤا عليه إذا كان هو يكتب ويقرأ، فإن كان لا يكتب فلا يجوز ذلك إلا أن يقرؤا الكتاب عليه ويشهدهم بذلك ويكون الكتاب في أيديهم ويعرفوا كلما فيه.
وعن رجل حلف بصدقة ماله في المساكين وفي نسخة على المساكين على شيء ثم حنث ثم لم يفسره حتى مات ثم أوصى بذلك وصايا تزيد على الثلث فكل ذلك إنما هو في ثلث ماله وقيمة المال يوم حنث. ومن أوصى إلى إنسان بعد/439/
(1) - في ب: أوصى به للنسك.
موته وجعله مصدقا فيما أوصى فقيل في الدين هو مصدق إلا أن يحيط بماله وفي الوصايا إلى ثلث مالي وإذا قال الموصي إن فلانا وصي قد عرفته ديني وهو مصدق فما قال أنه علي له أو لغيره فهو عندنا مصدق في ذلك كما جعل له وهو رأي موسى بن علي – رحمه الله – وأقول إذا صح ذلك فله أن يقبض من مال الهالك جملة المال الذي يدعي أنه دين الهالك، وكذلك ما كان من الوصايا إلى ثلث ماله ولو لم يفسر لمن ذلك.
وأما عن محمد بن محبوب – رحمهما الله – فقال في رجل قال: فلان مصدق فيما ادعاه علي من دين قال: لا يصدق في شيء قاله إلا أن يحد له حدا فإن حد له إلى كذا وكذا فهو جائز. وإن أوصى إلى اثنين ثم مات فإن جعل لكل واحد منهما من الوصاية مثل ما جعل لهما جميعا فذلك ثابت وكل واحد منهما حضر فهو وصي، فإن لم يجعل (5/387)
صفحة 2243
ذلك لكل واحد منهما فهما وصيان جميعا غاب أحدهما لم يجز للثاني وفي نسخة الثاني. إلا إلى قبض النصف من ماله قبضه من مال الهالك وفيها رأي آخر وهذا أحب إلي. وإن جعل لهما التصديق فيما أوصى به فمات أحدهما بطل التصديق.
وقد قيل في رجلين أقر بوطئ جارية وولدها وصار الولد لهما ثم مات أحدهما وأوصى وصيا بحصته من أبيه، فإنه لا يكون وصيا مع الأب الباقي فوصى الأب الأول على وصيته لهذا اليتيم، فإن أوصى فيه الأب الباقي ويوجد في نسخة الأب الثاني إلى وصي أيضا فهو له ويكونان وصين جميعا./440/
الباب الثامن والعشرون
في
وصية الأقربين
وأما وصية الأقربين فإنها يقسمها بينهم من يلي ذلك إلى أن يصل إلى آخرهم في بعض القول درهم. وقال من قال: أربعة دوانيق وقال من قال: دانقان. وقال من قال: دانق ونصف.
وبلغنا عن بعض المسلمين أنه قسمها إلى أقل من دانق ونصف ذلك أنه انفتح بطن كثير العدد ولم يحب أن يطرحهم. وإن أدخله وفي نسخة فلما أدخلهم لم يصلهم إلا كذلك، ومن أخذ بأحد آراء المسلمين هذه رجونا له السلامة إن شاء الله وأما إن أوصى بشيء معروف بين قوم معروفين فإنه يقسم بينهم قليل ذلك وكثيره فإذا اجتمع الأقربون جميعا فإنما يعطى منهم الأقرب ثم الأقرب، وإن عدم بطن منهم فالبطن الذي يليه يقوم مقامه فالأقربين (5/388)
صفحة 2244
ولد الوالد فيهم يبدأ يعطي كل واحد منهم سهما ويعطي كل واحد نصف ما أعطى أبوه ثم كذلك يعطي كل واحد منهم من أولادهم أسفل وفي نسخة سفل أعطى نصف ما يعطي أبوه إلى أن تفرغ الوصية ما دام منهم أحد فإذا بلغت إلى آخرهم فوقع إلى آخرهم أكثر من دانق ونصف وبقي من الوصية شيء فإنه يبدأ بجد الميت أبي أبيه فيعطي نصف ما أخذ واحد من ولد الولد. فإن /441/
بقي من الوصية شيء وإنما يعلم أنها بقي منها شيء إذا أخذ من يعطيه أكثر من دانق ونصف وبقيت الوصية بعد ذلك فمن بعد الأجداد الأربعة فإنها ترجع الوصية إلى إخوة الموصي والذكر والأنثى منهم سواء فيما فيعطي كل واحد من الأخوة كنصف ما أخذ الجد. ثم كذلك يعطى كل واحد من أولادهم كنصف ما أخذ أبوه ولا تعدوهم الوصية وإن سفلوا. وإن فرغوا وبقي من الوصية شيء على ما وصفت كذلك فإنها ترجع إلى الأعمام والأخوال وهي درجة واحدة فإن بلغتهم الوصية دخلوا فيها جميعا وإن لم تبلغهم لم يعطوا جميعا وبنوا الخال وبنوا العم درجة للعم سهم وهو كنصف ما أخذ آخر واحد من ولد الأخوة وللخال نصف ما أخذ العم ثم كذلك أولادهم وإن سفلوا فيأخذ ولد العم كنصف ما يأخذ العم ويأخذ ولد الخال كنصف ما يأخذ الخال. ثم هم كذلك وإن سفلوا. يأخذ كل واحد منهم كنصف ما أخذه أبوه الذكر والأنثى منهم سواء فإن بلغت الوصية إلى آخرهم وبقي من الدراهم شيء رجعت الوصية إلى الأجداد وهم أبو جد الميت وأمه وأبو جدة الميت وأمها، فيأخذ أب جد الميت وجدته كل واحد منهما كنصف ما أخذ آخر آخر واحد من ولد الأعمام ويأخذ جد أم الميت وجدتها كل واحد منهما كنصف ما أخذ واحد من ولد الأخوال ثم هم كذلك ما ارتفع النسب وبقي الدراهم فإنه يأخذ أب كل واحد من الأجداد كنصف ما أخذ ابنه وهم آخر الأرحام. (5/389)
صفحة 2245
ومن استحق الوصية برحمين له إلى الميت فإنه يأخذ بأي رحميه كان أوفر لسهمه ولا يأخذ بهما جميعا، وكل مولود ولد ولم تقسم الوصية فإنه يدخل فيها وكل ميت مات بعد ما وجبت له الوصية فإن الذي له لورثته من بعده لأنه قد استحقه إلا ميتا ولد بعد موت الموصي ثم مات أيضا من قبل أن تقسم الوصية فلم يروا له شيئا في الوصية ولا لورثته، منهم من يقول إن أخوال الأب يحسبون مع أخوال الميت ومنهم من يقول لأنهم من الأعمام وبهذا الرأي نأخذ إن شاء الله./442/
وقال أبو عبد الله: إذا أوصى الرجل وكان في وصيته هذا ما أوصى به فلان للفقراء كذا وكذا تحذف وللأقربين كذا وكذا ولفلان مائة درهم ولفلان نخلة وأمثال هذا فإن هذه وصية جائزة في ماله ولو لم يقل في مالي ولا من مالي لأن الوصية إنما تكون في مال الموصي. قال: هكذا قالوا: فإذا جاء شيء آخر فقال لزوجتي صداق مائة نخلة فليس لها شيء حتى يقول علي أو في مالي فهذا من أسباب الأقرار بالحقوق.
تم الباب من كتاب أبي جابر
ومن غيره: وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب – رحمهما الله – فيمن أوصى للأقربين وله أرحام غيب فإن كان أرحامه الغيب معروفا مواضعهم كان لهم حصتهم من الوصية وإن لم يعرف لهم موضع قسمت الوصية على من حضر من أرحامه.
ومن غيره: وسألته عن رجل أوصى لأقاربه بوصية فكان منهم واحدا قاطعا للبحر يوم وجبت الوصية ويوم قسم الوصية هل يقسم له سهمه ويرفع له إلى أن يحضر أو يموت فيدفع إلى ورثته. قال معي: إنه قد قيل إنه إذا كانت الوصية مبهمة للأقارب أنه لا يدخل فيها منهم ما كان قاطعا للبحر. وأحسب أنه قد قيل أنه إذا كان في موضع ترجى أوبته أو موضعه ويمكن بلوغ ذلك إليه أنه يجعل من ذلك حصته.
ومن غيره: وسألته عمن أوصى للفقراء ولأقاربه بوصية وكان في ورثة قوم فقراء لعله أراد في قرابته قوم فقراء مستحقين هل يجوز للوصي أن يعطيهم من وصية الفقراء لفقرهم أم لا؟ قال معي: إن في ذلك اختلافا. فقال من قال: يجوز. وقال من قال: لا يجوز ويعجبني التنزه عن ذلك. (5/390)
صفحة 2246
ومن غيره: وقد قيل إذا فرق الرجل في حياته عن الأقربين والفقراء وجعل ذلك مكان الوصية التي يلزمه للأقارب إلا أنه أحب تعجيلها فقد أجاز ذلك بعض الفقهاء. ومن أعطى الأقارب ونسي منهم رجلا فقد قيل إنه يرجع فيأخذ من الذين/443/
أعطاهم من كل واحد بقدر ما ينوب هذا الذي نسيه، فإن لم يقدر على ذلك فليس على الذي قسم في ذلك غرم ولا بأس. قال أبو الحواري – رحمه الله – من قطع البحر فلا شيء عليه.
وهذا مختصر: وكذلك يجوز للبالغين من الأقربين أن يأخذوا من سهامهم من الأقربين ما اتفقوا عليه من العروض على ما اتفقوا عليه في ذلك.
ومن غيره: وعن أبي الحواري – رحمه الله – وعن رجل أوصى للأقربين بثلاثة أجزية حب النصف بر والنصف ذرة، فعلى ما وصفت فإنه يقوم الحب دراهم على صرف البلد ثم تقسم الدراهم على الأقربين. ثم يعطى كل واحد منهم بقدر ما وقع له من الدراهم فيعطى بقيمة ذلك حبا. فإذا وقع لكل واحد منهم نصف درهم وسعر الحب على مكوكين بدرهم، كان له مكوك وإن كان أقل أو أكثر فعلى حساب ما وصفت لك.
وقيل في جواب الأشياخ: إلى القاضي في الوصية للأرحام إنها لا تعدوا من كان من أرحامه بعمان ولا ينظر بها من كان غائب من عمان. وقال من قال: إذا كان الغائب في موضع ترجي أوبته ووجد من يخرج إليه بعث إليه، ما كان له وحبس له حتى يقدم فأما من لا ترجى أوبته فلا حبس له من الوصية شيء وتقسم على من حضر. وقال أبو الحواري – رحمه الله – من قطع البحر فلا أشركه في الوصية وفي نسخة فلا شيء له إذا قسمت من قبل أن يقدم إلا أن يكون حاجا أو غازيا ومن أعطى الأقارب ونسي منهم واحدا رجلا، فقد قيل إنه يرجع فيأخذ من الذين أعطاهم من كل واحد بقدر ما ينوب الذي كان يشبه، فإن لم يقدر على ذلك فليس على الذي قسم في ذلك غرم ولا بأس. وإن فضل من الوصية شيء قليل لا ينقسم من بعد القسم فإن صيره القاسم إلى ضعيف من الأرحام الذين التهم تلك الوصية أو أحد ممن تنله الوصية فلا بأس بذلك. قال /444/ (5/391)
صفحة 2247
أبو الحواري لا يجعلها إلا فيمن تناله الوصية. ومن أوصى لأرحامه من قبل أمه فقيل إن أجداده من قبل أمه يدخلون في تلك الوصية. وإن أوصى لأخواله لم يدخل الأجداد من قبل الأم في ذلك. فكذلك أحسب في أرحامه من قبل أبيه، وإذا انقرض أعمام الميت وأخواله ونسولهم وبقيت الوصية رجعت إلى أعمام أبيه وأخواله وكلهم سواء إلى أعمام الأم وأخوالها لكل واحد من هؤلاء كنصف ما أخذ الذي في درجته من أخوال الأب وأعمامه. وقيل إنها لا تجاوز فيهم أربعة آباء غير الميت. واحتج من احتج في ذلك بقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله وعليه وسلم {وأنذر عشيرتك الأقربين} فأنذره إلى أربعة آباء. وقال من قال: ما بقيت الدراهم وصح النسب فهي لهم وهذا الرأي أحب إلي. قال أبو الحواري: أربعة بالميت وبهذا نأخذ. وعمن أوصى بدين لأقربيه كيف يقسم مثل الوصية أم على عددهم. قال الشيخ: نعم إنه رأي عن أبي عبد الله أنها تقسم بينهم مثل الوصية. وهذا من غير الجامع.
وذكرت في وصية الرجل لأقربيه وليس له أقربون إلا الخولة وبنوا بني عم أبيه إلى ستتة آباء وخمسة فقلت اتفرق الوصية على أخواله أو على الجميع فقد أرجو أنك عارف بالرأي المعروف أن الوصية إنما تفرق إلى أربعة آباء لقول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} فأنذرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إلى هاشم. وقال من قال: أيضا يفرق إلى الدراهم، وقال من قال: يفرق إلى أربعة دوانيق وبأي أحد هذه الآراء أخذت أصبت إن شاء الله. وعلى هذا يبدؤا بخولة الميت حتى ينقرضوا فإن بقي من الوصية شيء أعطيت أقربي أبيه إن شاء الله، ولا يكون لأولهم كآخر ما يقع للآخر من هؤلاء وعن الذي أوصى للفقراء بمذاخير تمر فالمذخر (1) أن المعروف خمسة وعشرين قفيرا ومن الكبار مائة منن./445/
(1) - في أ، ب: فالمذخر وهناك بعض الاختلاف في مواقع الكلمات لا يضر في قول الأشياخ. (5/392)
صفحة 2248
الباب التاسع والعشرون
في
ما يقع في الاختلاف
رجع إلى كتاب أبي جابر:
أن يكون عم وابن خال أو خال وابن عم وربما سفل البطن الأسفل منهما بآباء كثيرة فقال من قال: إن العم وما سفل عليه يقومون مقام آبائهم، ولكل واحد منهم إذا مات أبوه أن يأخذ مثل سهم أبيه. وقال: أو قيمه مقام أبيه لا أحرمه وأعطيه سهم نفسه أن لو كان أبو حيا وقد اجتمعوا أن للأعمام الثلثين وللأخوال الثلث وقالوا: إن كثر الأعمام وقل الأخوال أعطينا العم سهما والخال نصف سهم ثم على ذلك يجري القسم بين أولادهم لابن العم نصف سهم ولابن الخال ربع سهم وإن كانوا الأخوال كثير أو كان الأعمام قليلا قطع للأخوال الثلث وكان للأعمام الثلثان فنظرنا في هذا القول فأحببنا الأخذ به. قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء للعم سهمان وللخال سهم كثر الأخوال أو قلوا وبهذا نأخذ. ونظرنا إن كان خال قائم أو ابن خال وكان ابن بنوا العم نسولا إنما يصل أولهم إلى الميت بعد خمسة آباء ونحو ذلك. وإذا أعطينا أولهم ما يقع له إن لو كان أبوه حيا فإنما يقع له جزء من أجزاء ما يقع للخال أو لابن الخال فرجع الأخوال أخذون أكثر من الأعمام. فعلى هذا جلا في أنفسنا رأي من رأي الأعمام الثلثين وينظر القاسم فإن اعتدلوا عند القسمة فإذا أعطى بني العم سهامهم في مواضعهم إن لو كان آباؤهم أحياء ولم يعطهم سهام آبائهم ثم نظر فوجدهم قد يأخذوا على ذلك ثلثي الوصية أو أكثر من الثلثين فإنهم يعطون سهامهم في مواضعهم ولا يعطون مثل سهام أبائهم على رأي من رأى لهم ذلك وقد استوفوا الثلثين، فعلى ذلك يحسب إن شاء الله. وإن كان الأخوال كثيرا وهم أعلا/446/ (5/393)
صفحة 2249
والأعمام قليلا وهم أسفل فإذا أعطيناهم سهامهم في مواضعهم لم يصل إليهم الثلثان وذهبت الوصية للأخوال لأنهم أعلا. فإذا كان كذلك أعطينا الأعمام سهام آبائهم الذين هم في درجة الأحياء من الأخوال ولا يرفعهم إلى آباء أرفع من ذلك ثم على ذلك يكون لابن العم وإن سفل سهمان وللأخوال سهم فهذا أعلى أحد الآراء وإن رجع إلى الرأي الآخر أعطي الأعمام الثلثين وأعطي الأخوال الثلث على الرأي الذي وصفت لك فأرجوا أن يكون عدلا إن شاء الله.
واختلفوا في بني الأخوة وبني الأخوات. فقال من قال: إن لابني الأخ سهمين ولابن الأخت سهم. إذا كان أبوه ممن تناله الوصية فهما سواء.
وكذلك قالوا في بني الأعمام وبني العمات. وقال من قال: إن كل من تناله الوصية من الأعمام والأخوال فالرجال والنساء والأخوة من الأب والأم أو من الأب أو من الأم وحدها فكل من دخل في الوصية فالأنثى والذكر سواء، وإذا استوت درجتهم وبهذا الرأي نأخذ إن شاء الله.
وأما الأجداد. فقال من قال من المسلمين: فإن فضلت الوصية عن آخر ولد الولد فإنه يعطي الأخوة قبل الجد. وقال من قال: بل يعطى الجد لأب وحده قبل الأخوة وله كنصف ما يأخذ آخر من ولد الولد وبهذا الرأي نأخذ.
وقال من قال: الأجداد الأربعة الأربعة كلهم ثم يأخذ الأخ من بعدهم كنصف ما يأخذ الجد فإن بقي من الوصية شيء رجعت إلى الأجداد (1) الأول فالأول ولعل في بعض القول أن أجداد الميت ثلاثة وهم أب أمه وأم أمه أم أبيه/447/
(1) - في أ، ب: فإن بقي من الوصية شيء بعد الأخوة وأولادهم رجعت إلى أعمام الميت وأخواله فإذا انقطع
وبقي من الوصية شيء رجعت إلى الأجداد ....
والأخوال فإذا انقرض الأعمام والأخوال ونسولهم رجعت أيضا الوصية إلى آباء هؤلاء الأجداد الثلاثة ثم أجدادهم والرأي الأول أحب إلي. أنه إذا انقرض أعمام الميت وأخواله ونسولهم رجعت إلى هؤلاء الأجداد. وإن فضلت (5/394)
صفحة 2250
الدراهم ضعفت الوصية (صعدت) فيهم وإن كان وفي نسخة وكان لكل طن صعدا (ضعفا) أخذ كنصف ما أخذ البطن الذي قبله – وقد كنا قلنا في مسألة قبل هذه أنه إذا انقضى ولد الأعمام والأخوال أخذ أب جد الميت وأمه أب جده الميت وأمها وذلك إذا رأينا عن بعض المسلمين أنه أحب أن يكون جده الميت أم أبيه وجده أبو أمه وأم أمه مثل الجد أب الأب ولم نحفظ نحن ذلك عنه أنه يكون بعد ولد الولد إلا الجد أب الأب. ومن تولى قسم الوصية نظر في حفظه عمن شاء الله من الفقهاء إن الأجداد الأربعة وهم أب الأب، وأمه وأب الأم وأمها. كلهم سواء ولكل واحد منهم كنصف ما يأخذ آخر واحد من ولد الولد ثم الأخوة من بعدهم لكل أخ كنصف ما للجد ورجع ما حفظ من ذلك وكتب به لأهل حضر موت وغيرهم.
وهذا وغير الجامع من الحواري بن عثمان: ذكرت في ابن خال الميت وان عم أبيه فأخذ ابن خال الميت ولم يأخذ ابن عم أبيه. قلت: هل يسقط ابن الخال بسقوط ابن العم أب الميت؟ فقد شاورت أبا عبد الله أرجو أنه شاور محمد بن روح – رحمه الله – في ذلك فرأينا جميعا أن ابن الخال يأخذ ولا يسقط بسقوط ابن العم أب الميت. وكذلك ذكرت أن فضلت الوصية إلى ابن عم أبي الميت فإن له /448/
مثل ما لابن الخال. إلا أن يكون من بني الخال أحد أسفل من درجة ابن الخال فإنه يأخذ مثل أسفل رجل منهم وسل المسلمين. والسلام عليك ورحمة الله.
ومن غيره: وعن الذي أقر لآخر بغلة ثلث ماله أو ثلث غالة ماله وليس في المال في ذلك الوقت زراعة فأما الوصية بثمرة هذه النخلة وغيرها فقالوا: إن كان فيها في ذلك الوقت ثمرة فليس إلا تلك حتى تقول كل ثمرة كانت (5/395)
صفحة 2251
لها مني كانت وإن لم تكن فيها ثمرة في ذلك الوقت فله ثمرتها فيما يستقبل كان وكأني أرى هذا خلاف ذلك. وأرى له ثلث غالة ماله فيما يستقبل أيضا مع ثلث هذا الذي حضر والله أعلم بالصواب. وفي هذا في جواب الأزهر بن محمد بن جعفر.
وعن رجل أوصى أن يقاس لزوجته من أرض له حدها بذر أحد عشر مكوكا وتقضي ذلك من قبل أرض لها باعها. ومات زوجها وترك يتيما ولدا له وإن المرأة أخذت الأرض واستغلتها سنين ثم أراد الوكيل أن يقضيها. قلت: هل يحلف أولا يمين عليها؟ فأرى اليمين عليها لحال اليتيم أن تحلف أن لها عليه كذا وكذا من الأرض وإذا احتجت أنها لا تعلم إلا ما أقر لها به حلفت لقد أقر لي بكذا وكذا ولا أعلم أنه الجاء ذلك إلى بلا حق ثم تقضى.
وأما ما استغلت من الأرض قبل القضاء، فإن كان الذي لها وإنما كان قبضها له على أنها استوفيت كما أشهد لها فأنا واقف عن إلزامها ضمان ما استغنت وإن لم يكن على هذا فذلك عليها للوارث إلا ميراثها هي. وقلت إذا كان له مال في فلجين وكان لها عليه صداق نخلا يجوز للوكيل أن يقضيها من فلج واحد من النخل والأرض حتى يستوفي أم لا يجوز ذلك؟ فأقول: إن كان لها نخل فتقضى برأي العدول من نخله حيث كان من الأفلاج والقرى حتى تستوفي فإن لم يكن له نخل بقدر حقها قضيت من الأرض بالقيمة حتى تستوفي. وعن رجل يريد أن يجعل ماله في يد وصيه بعد موته حتى ينفذ عنه وصاياه كيف يثبت ذلك حتى لا يكون للوارث سبيل إلى ذلك. فالحكم في هذا إذا صح دين الرجل الهالك/449/
ووصاياه فالمال موقوف يوقفه الحاكم ولا يقرب الورثة إليه حتى ينفذ عن الهالك ما صح من وصاياه ودينه ثم ما بقي للوارث، وكذلك قال الله عز وجل {من بعد وصية يوصي بها أو دين} فإن لم يكن حاكم يوقفه وأشهد الميت في حياته إن مالي قد جعلته في يد وصيي فلان حتى يقضي ديني وينفذ وصايتي فذلك جائز إن شاء الله. وهذا من جواب الأزهر أيضا.
وعن رجل يريد أن يوقف مالا من قرية على ابنته إلى بلوغها وتزويجها ثم هو للفقراء. قلت: كيف يثبت ذلك فعندي أنه إن أقر أن غالة ماله من موضع كذا وكذا هو لابنته فلانا إقرار منه لها بذلك لها إلى أن تصير في حد النساء أو تزوج أو تموت، ثم هذا المال أصله وغالته بجميع حدوده للفقراء إقرارا معه لهم بذلك، فعندي إن ذلك ثابت إن شاء الله./450/
تم بحمد الله تعالى (5/396)
صفحة 2252
الانتهاء من تحقيق الجزء الخامس
بتاريخ 29/ 5/1994
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
وسوف يتبع هذا الجزء – إن شاء الله –
الجزء السادس وأوله: باب العتق
الكشافات
1 - الآيات.
2 - الأحاديث.
3 - البلدان والمدن.
4 - الأسماء والأعلام.
5 - الموضوعات.
/451/ (5/397)
صفحة 2253
كشاف الآيات
الآية ... الصفحة
(حرف الألف)
{أحل الله البيع وحرم الربا} ........................................................... ... 118
{إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء} ..................................... ... 285
{الذين عاقدت إيمانكم فأتوهم} ........................................................ ... 359
{إن الظن لا يغني من الحق شيئا} .................................................... ... 424
{إن بعض الظن إثم} .................................................................. ... 424
(حرف الفاء)
{فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} ....................................................... ... 163
{فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ... } .............................................. ... 344
{فإذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا .... } ......................................... ... 345 (5/398)
صفحة 2254
{فخذ أربعة من الطير ..... } ........................................................... ... 408،418،422
{فمن خاف من موص جنفا أو إثما} .................................................. ... 395
(حرف الكاف)
{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} ................................................ ... 394
(حرف اللام)
{لها سبعة أبواب .... } .................................................................. ... 422
(حرف الميم)
{من قتل نفسا بغير نفس .... } .......................................................... ... 318
{من بعد وصية يوصي بها أو دين ... } ............................................... ... 450
/452/
كشاف الآيات
(حرف الواو)
{وأشهدوا إذا تبايعتم ... } .............................................................. ... 34
{ولا تأكلوا أموالكم بينكم .... } ........................................................ ... 106
{وإلا أن تكون تجارة حاضرة .... } .................................................. ... 106
{وأحل الله البيع وحرم الربا .... } .................................................... ... 106
{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ... } ......................................... ... 119
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ... } ......................................... ... 162
{ولمن انتصر من بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ... } ....................... ... 245
{وجزاء سيئة سيئة مثلها ... } ........................................................ ... 245
{ومن أحياها كأنما أحيا الناس جميعا ... } .......................................... ... 319
{وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض ... } .......................................... ... 319،359
{وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ... } ..................................... ... 359
{ولا يأب كاتب أن يكتب ... } ........................................................ ... 428،429،430 (5/399)
صفحة 2255
{وأنذر عشيرتك الأقربين ... } ....................................................... ... 445
{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ... } ........................................... ... 388
{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ... } ....................................... ... 395
(حرف الياء)
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا وذروا ما بقي من الربا ... } .............................. ... 108
{يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ... } ...................................... ... 359
{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ... } .............................. ... 359
/453/
كشاف الأحاديث
الحديث ... الصفحة
(حرف الألف)
«إذا تبايع الرجلان فكل واحد ... » ..................................................... ... 69
«أنه اشترى من أعرابي جزورا بتمر ... » ...................................... ... 111
«بأنه نهى عن بيع ما ليس عندك .... » .......................................... ... 124
«احتجم وأعطى الحجام .... » .................................................... ... 140
«أن يرد الأمانة إلى من أئتمنه ... » .............................................. ... 245
«إن التاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة ... » .......................... ... 317
«إن الله جعل ثلث أموالكم عند الموت ... » ....................................... ... 395
«ألا لا تجوز وصية لوارث .... » ................................................ ... 395 (5/400)
صفحة 2256
«إنه أمر سعد بن عباده أن يتصدق عن أمه ... » ................................ ... 406
«أنه أمر امرأة أن تصوم عن أختها» ............................................ ... 407
«الأرض لله فمن أحيا منها مواتا فهو له» ....................................... ... 54
«الولد للفراش وللعاهر الحجر» .................................................. ... 382
(حرف الراء)
«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... » .............................................. ... 229
(حرف السين)
«السلطان ولي من لا ولي له .... » ................................................ ... 344
(حرف القاف)
«قتلوه قتلهم الله .... » ............................................................... ... 338
/454/
كشاف الأحاديث
(حرف الكاف)
«كفى من خيانة المرء أن يكون أمينا لخائن ... » ............................... ... 388
(حرف اللام)
«ليس لعرق ظالم حق» .......................................................... ... 277
«لعن الله المحتكر» .............................................................. ... 316
(حرف الميم)
«من غشنا فليس منا ... » ......................................................... ... 118
«مرا بطعام فقال النبي - عليه السلام - لجبريل: ما أطيب ... » ............................. ... 118
«مر عليه بحمار قد وسم على وجهه فقال - عليه السلام -» ........................... ... 338
(حرف النون)
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن الملاقيح والمضامين» ............................ ... 96
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن الملامسة والمنابذة» .............................. ... 97
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع المعاومة» .................................... ... 97 (5/401)
صفحة 2257
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع المحاقلة» ..................................... ... 97
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع ما ليس عندك» ............................... ... 98
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن ربح ما لم يضمن» ............................... ... 98
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع الكالئ بالكالئ» .............................. ... 99،192
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع النجش» ...................................... ... 99
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن تلقي الأجلاب» .................................. ... 99
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن أمر كان لنا نافعا ... » ............................ ... 100
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع الغرر» ...................................... ... 110
/455/
كشاف الاحاديث
«نهى رسول الله - عليه السلام - عن بيع جمل بجملين وحمار بحمارين
وشاة بشاتين ... » ............................................ ... 110
(حرف الواو)
«ولا يتلقي الأجلاب ولا يبيع حاضر لباد» ................................... ... 118
(حرف الياء)
«وقد قيل عن النبي - عليه السلام - أنه قال: يد الله على الشريكين» ................... ... 119
«يعطى الأجير أجره "أعطي الأجير أجره"» ................................. ... 124
/456/ (5/402)
صفحة 2258
كشاف البلدان والمدن
البلد أو المدينة ... الصفحة
(حرف الألف) أزكي ................................................................ ... 379،432
(حرف الباب) البصرة .................................................................. ... 403،315
البحرين .................................................................. ... 415
(حرف التاء) توام ....................................................................... ... 309
(حرف الجيم)
الجرجانية .................................................................
الجميل .................................................................... ... 311
(حرف الحاء)
حضرموت ............................................................... ... 162،448
(حرف الخاء)
خرسان ................................................................... ... 88،415
(حرف الدال)
دما ........................................................................ ... 57،161
دمير ...................................................................... ... 259
(حرف السين)
سمد ....................................................................... ... 238 (5/403)
صفحة 2259
سمائل ..................................................................... ... 255
(حرف العين)
عمان ...................................................................... ... 162،416،436،444
(حرف الكاف)
كدم ........................................................................ ... 249،426
(حرف النون)
نزوى ..................................................................... ... 379،432
(حرف الميم) مكه ............................................................. ... 161،316،403
/457/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
(حرف الألف)
أبو عبد الله: ... 7،15،66،68،78،83،94،114،115، ... 124،131،137،143،164،165،166، ... 169،175،181،187،199،203،211، ... 212،216،217،246،253،256،257، ... 260،290،291،296،302،304،306، ... 309،311،315،316،326،378،383، ... 385،386،401،403،405،433،437، ... 338،445.
أبو عبد الله أحمد السعالي: ... 18،76،115،415.
أبو علي: ... 7،15،16،18،31،40،65،82،99،142 ... 144،147،152،153،154،155،156، ... 164،167،170،173،176،184،194، ... 201،202،205،208،212،219،220، ... 249،250،266،268،269،271،273 ... 291،309،311،312،313،314،326 ... 337،356،377،384،397،398،408،
432،433،437،439.
أبو علي الحسن بن أحمد:
25،43،44،50،53،56،109،153،188
/458/ (5/404)
صفحة 2260
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
أبو سعيد: ... 14،25،26،36،52،55،56،58،65،79، ... 83،84،85،89،91،95،101،102،165 ... 166،172،173،174،189،207،212، ... 230،245،266،267،277،285،287 ... 288،329،378،381،387،390،402، ... 4،405،417،425،426،429،430،
435.
أبو الحواري: ... 62،27،38،40،45،50،51،52،59،60،
75،84،90،92،173،175،176،180،
193،207،210،221،236،248،239،
240،243،246،249،260،264،271،
277،281،312،315،353،355،356،
375،386،408،409،417،423،426،
437،444،445،446.
أبو حنيفة: ... 36،38.
ابن أبي ليلى: ... 38.
أبو زياد: ... 40،217،376.
أبو المؤثر: ... 45،57،89،162،163،193،239،249،
294،358،376،419.
أبو صفرة: ... 55،208،438. (5/405)
صفحة 2261
/459/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
أبو محمد: ... 55،187.
أبو أيوب: ... 61،188،170.
أبو الوليد هاشم: ... 65،203،291.
أبو عثمان: ... 65،277،437.
ابن عمر: ... 69،385.
أبو سليمان: ... 71،388.
أبو المؤرج: ... 353.
أبو عبد الله بن عثمان: ... 77.
أبو معاوية: ... 79،223،237،287.
أبو مروان: ... 88،183،146،245،264،307،409،433،
أبو الحسن البستاني: ... 96،100.
أبو عبيدة: ... 128،395.
أبو نوح: ... 165.
أبو الحسن محمد بن الحسن: ... 158،159،161،164،174،179،180،
190،207،231،232،403،418،422،
423،439.
أبو منصور: ... 164.
الأشعث: ... 164.
/460/ (5/406)
صفحة 2262
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
ابن عباس: ... 107،385،394.
أبو علي الأزهري بن محمد: ... 192،22،252،435،449.
أبو عبد الله محمد بن غسان: ... 193.
أبو عبد محمد بن عثمان: ... 195،255،324،35.
أبو إبراهيم: ... 203.
أبو الحسن علي بن أحمد: ... 233،241،273،282،292،306،33،
337،355،391.
ابن مبشر: ... 252.
أزهر بن علي: ... 245،379،424.
شاذان الحرزي: ... 257.
إبراهيم بن محمد جنيد: ... 257.
أبو جابر: ... 259،264،266.
أبو جعفر: ... 265.
أبو عثمان بن مشقي: ... 282.
ابن العلاء: ... 353.
ابن مسعود: ... 379.
أبو بكر: ... 395.
أبو إبراهيم: ... 424
/461/
كشاف الأسماء والأعلام (5/407)
صفحة 2263
الاسم ... الصفحة
حرف الباء:
بشير بن محمد بن محبوب: ... 151،221،278،436.
بشير: ... 206،207،317.
بني جعفر بن شاذان: ... 296.
حرف الجيم:
جريج: ... 162.
جابر بن زيد: ... 170،174،201،230،231،338،378،
379،438.
جود بن عبد الرحمن: ... 311،312.
جيفر بن عبد الله: ... 260.
جابر بن عبد الله النخلي: ... 319.
حرف الحاء:
الحسن: ... 170.
حيان الأعرج: ... 201.
الحسن بن زياد النزواني: ... 251.
/462/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة (5/408)
صفحة 2264
الحواري بن محمد: ... 277،324.
حازم: ... 311.
حسين: ... 312.
الحسن (البصري): ... 319.
الحواري بن عثمان: ... 448.
حرف الخاف:
خالد بن مسعود: ... 436.
خولة بنت حكيم: ... 112.
حرف الدال:
دلان بن شاذان: ... 296.
حرف الراء:
الربيع: ... 40،124،167،188،198،206،353،378،
371،395،416،437.
حرف السين:
سعيد بن مبشر: ... 17،65،204،205،245.
سليمان بن محمود بن سليمان: ... 48.
سفيان: ... 54.
/463/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة (5/409)
صفحة 2265
سليمان بن عثمان: ... 55،418.
سليمان: ... 65.
سعيد بن محرز: ... 183،259.
سعيد بن المسيب: ... 188.
سليمان سعيد المبشر: ... 204،205.
سليمان بن الحكم (أبو علي): ... 409،428.
سعيد بن ميسرة:
حرف الشين:
شريح: ... 125.
حرف الصاد:
الصلت بن مالك: ... 260.
الصلت بن النظر: ... 354.
حرف الضاد:
ضمام: ... 378،379.
حرف العين:
علي بني عزوه: ... 14.
عمر بن القاسم: ... 15،16،25،377.
/464/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة (5/410)
صفحة 2266
العلاء بن أبي حذيفة: ... 68،193،206،297.
عبد الله بن محمد بركة: ... 86،104،182،300،418.
عبادة بن الصامت: ... 110.
عزان بن الصقر: ... 151،211،291.
عطاء: ... 162.
علي السنياني: ... 166،189.
عمرو بن سعيد: ... 257،315.
عمر بن محمد: ... 269.
عبد الواحد بن محمد بن محفوظ: ... 312.
عبد الله بن عبد الله: ... 312.
عمرو بن قائد: ... 319.
عباس بن زياد: ... 376.
عمر بن المفضل: ... 376.
عمر بن الخطاب: ... 395.
عمر بن عبد العزيز: ... 395.
حرف الغين:
غسان: ... 206.
/465/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
حرف الفاء: (5/411)
صفحة 2267
الفضل بن الحواري: ... 151،403.
حرف القاف:
قرامطة: ... 56،353.
قتادة: ... 170،188.
حرف الميم:
محمد بن هاشم: ... 4،198،424.
مسروق: ... 49.
موسى: ... 14،260.
مسبح بن عبد الله: ... 58.
محمد بن بركة (أبو عبد الله): ... 61،246.
محمد بن سليمان: ... 68،193.
موسى بن علي: ... 83،187،198،204،206،210،212،213،
22،251،254،268،326،383،386،398،
409،418،440.
محمد بارسية: ... 88،166،
محمد بن سعيد: ... 89،165،174،421.
/466/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
موسى بن مخلدة: ... 101.
موسى بن حمد: ... 151.
موسى بن أبي جابر: ... 202،206،312،326،340،383،437. (5/412)
صفحة 2268
مبشر: ... 204،205.
محمد بن علي: ... 206،213،250،326.
مروان بن الحاكم: ... 206.
منير بن النير الجعلاني: ... 219،231.
محمد بن زايدة: ... 232،319.
محمد بن خالد: ... 263.
محمد بن الحسن: ... 295،374.
محمد بن شاذان: ... 374،376.
مسلم بن أبي كريمة: ... 386.
محمد بن روح: ... 449.
مسبح: ... 40،176،202،203،252،291.
محمود: ... 40.
محمد بن محبوب: ... 45،50،52،54،57،58،88،193،214،
217،246،255،260،270،288،294،
322،345،358،376،377،383،386،
402،404،418،438،440،443.
/467/
كشاف الأسماء والأعلام
الاسم ... الصفحة
موسى: ... 52،113.
محبر: ... 45.
حرف النون: (5/413)
صفحة 2269
نبهان: ... 45،50،51،52،57،210،238،239،249،
312،354.
نجدة بن الفضل النخلي: ... 74،426.
نافع: ... 69.
حرف الهاء:
هاشم: ... 67،113،140،164،203،206،207،209،
215،287،291،317،424،436.
هاشم بن غيلان: ... 58،63،64.
هاشم بن الجهم: ... 65،68،156،193.
النعمان بن محفوظ: ... 312.
حرف الواو:
الوضاع بن عقبة: ... 220.
/468/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
الباب الأول: في القياس النخل وعمل الأرض .............................. ... 5
فسخ عقد المزارعة ........................................................... ... 8 (5/414)
صفحة 2270
الباب الثاني: الرهن ونحوه .................................................. ... 19
غلة الرهن .................................................................... ... 23
إغلاق الرهن ................................................................. ... 25
أنواع الرهن .................................................................. ... 27
الباب الثالث: في البيوع وغيرها ............................................ ... 34
بيع المغيبات في الأرض .................................................... ... 36
بيع الثمار ..................................................................... ... 39
الرد بالعيب ................................................................... ... 48
بيع مال الغير ................................................................. ... 71
جوابات نجدة بن الفضل ..................................................... ... 74
بيع النيل ..................................................................... ... 81
بيع بيع الجزاف .............................................................. ... 88
البيوع المنهي عنها ........................................................... ... 96
الباب الرابع: في التجارة والبيع ............................................. ... 106
أنواع البيوع ................................................................... ... 107
الباب الخامس: في التجارة والبيع ........................................... ... 118
تحريم الغش .................................................................. ... 118
الحث على القرض والتعامل الحسن ........................................ ... 120
/469/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
نوع من الشركة ................................................................. ... 129
الإقالة ........................................................................... ... 130
بيع المرابحة .................................................................... ... 131
أخذ الأجرة على الأرض ....................................................... ... 134
حكم المفلس ....................................................................... ... 137 - 138
الأجرة على تعليم القرآن ........................................................ ... 139
نزع الوكالة من الوكيل .......................................................... ... 143 (5/415)
صفحة 2271
بيوع الآجال ...................................................................... ... 145
معاملة القاصر .................................................................... ... 146
البيع مع الشرط ................................................................... ... 147
الباب السادس: في البيع من الوكيل أو غيره ................................... ... 151
الباب السابع: في البيوع .......................................................... ... 158
المضاربة ......................................................................... ... 158
بيع النخل ......................................................................... ... 160
في قرض جر منفعة ............................................................. ... 164
أنواع البيوع ....................................................................... ... 167
الباب الثامن: في المضاربة ...................................................... ... 168
شروط المضاربة ................................................................. ... 168
التوبة من الغش ................................................................... ... 177
العلم بالمعيب ..................................................................... ... 178
/470/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
بيع الرهن ........................................................................ ... 179
بيع الرحم المحرم ................................................................. ... 179
بيع العنب لمن يتخذ خلا .......................................................... ... 181
البيوع المنتضقة ................................................................... ... 186
الباب التاسع: في السلم ............................................................. ... 195
المقاصصة ........................................................................ ... 197
فيما يجوز فيه السلف ............................................................. ... 198
الحقوق المتعلقة بالتركة .......................................................... ... 210 (5/416)
صفحة 2272
من العقود الفاسدة ................................................................. ... 212
الاختلاف في السلف .............................................................. ... 214
أنواع لا يفضل فيها السلف ....................................................... ... 217
الباب العاشر: في الإقرار في العبيد وغيرهم .................................... ... 222
إقرار المريض ..................................................................... ... 223
تعريف الإقرار ..................................................................... ... 224
الاختلاف في الحرية ............................................................... ... 227
الوصية للعبد ........................................................................ ... 231
قطع الطريق ......................................................................... ... 232
كراء الكلب ........................................................................... ... 233
الباب الحادي عشر: الدراهم وجوازها ............................................. ... 235
سرقة الدراهم ......................................................................... ... 235
القرض وحكمه ....................................................................... ... 237
/471/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
الباب الثاني عشر: في الرجل يكون على الرجل ما
حل فقبض أحدهما ...................................... ... 222
بيع النخيل ................................................................... ... 247
الباب الثالث عشر: في المسقى والجوار ونحو ذلك ........................ ... 249
أحوال السقي .................................................................. ... 250
مسائل منثورة من الجامع .................................................... ... 256
شهادة النساء ................................................................... ... 256
مسائل متنوعة ................................................................. ... 257
الباب الرابع عشر: العمرى والمضاربة والقعادة والمعادن .................. ... 262 (5/417)
صفحة 2273
العمرى في الدار .............................................................. ... 262
قسمة الدراهم .................................................................. ... 266
العمل بالأرض ................................................................. ... 267
الكسب المشروع ............................................................... ... 269
نقض البيع والقسم .............................................................. ... 270
الباب الخامس عشر: في السرق والغصب .................................... ... 275
غصب الأرض واستغلالها .................................................... ... 277
قتل الغاصب .................................................................... ... 285
المتاجرة بالمغصوب ........................................................... ... 287
الباب الخامس عشر: المعادن والأمانة والأجرة والمشاركة .................. ... 294
كيفية إسلام المشرك ............................................................ ... 294
أثر النظر في نقض الوضوء ..................................................
/472/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
الباب السابع عشر: في الأمانة .............................................. ... 299
الباب الثامن عشر: في مسائل مختلطة ...................................... ... 301
ادعاء الحرية أو العبودية .................................................... ... 301
بيع العبد المشرك ............................................................. ... 302
الباب التاسع عشر: في القسم ................................................. ... 304
الباب العشرون: في مسائل مختلطة من ضروب الشرع كثيرة ............ ... 309
الباب الحادي والعشرون: في المحتكر ....................................... ... 312
الباب الثاني والعشرون: في المديون ........................................ ... 322
مسائل في الصلح ............................................................ ... 324
الباب الثالث والعشرون: في مسائل منثورة .................................. ... 326 (5/418)
صفحة 2274
باب في مسائل منثورة ......................................................... ... 330
الزواج أثناء العدة ............................................................. ... 330
مسألة: الولد للفراش ........................................................... ... 331
مسألة: المزارعة ............................................................... ... 331
الزواج بعد الإيلاء والظهار .................................................. ... 334
تصرفات المعتدة من وفاة .................................................... ... 336
تأديب العبد والدابة ............................................................ ... 337
مسألة: طهارة الأرض ........................................................ ... 339
آداب عامة للمسلم ............................................................. ... 340
مسائل في الميراث ............................................................ ... 342
الولي في الزواج ............................................................... ... 344
/473/
كشاف الموضوعات
الجزئية ... الصفحة
مسائل في الزكاة ............................................................. ... 347
الحلف بالطلاق ............................................................... ... 351
الوصية بالحج ............................................................... ... 351
الهيئة في الصلاة ............................................................ ... 352
حكم القملة .................................................................... ... 354
مسائل في الطلاق ............................................................ ... 355
مسائل في الزواج ............................................................ ... 357
الباب الرابع والعشرون: في المواريث ...................................... ... 359
جدول أصحاب الفروض .................................................... ... 363
جدول الحجب ................................................................ ... 366
تربية الأبناء .................................................................. ... 375 (5/419)
صفحة 2275
مسائل في الوصية ........................................................... ... 390
الباب الخامس والعشرون: في الوصية ..................................... ... 394
الوقف على المسجد .......................................................... ... 400
صدقة الحي عن الميت ...................................................... ... 406
جواب أبو الحسن في الوصية ............................................... ... 423
الباب السادس والعشرون: في الرجوع في الوصية ........................ ... 428
الباب السابع والعشرون: في الإقرار بالوارث والوصايا
وغير ذلك ........................................... ... 431
كيفية سداد الديون ............................................................... ... 437
الباب الثامن والعشرون: في وصية الأقربين .................................. ... 435
الباب التاسع والعشرون: في ما يقع فيه الاختلاف ............................. ... 446
/474/ (5/420)
صفحة 2276
الجامع
لابن جعفر
العلامة الشيخ
أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
تحقيق
الدكتور جبر محمود الفضيلات
أستاذ مشارك بجامعة الزرقاء الأهلية
وأستاذ مساعد سابقاً بجامعة السُّلطان قابوس
الجزء السادس
الطبعة الأولى
1422هـ-2001م (6/1)
صفحة 2277
الباب الأول
في العتق
مقدمة:
رجع إلى كتاب أبي جابر: واعلموا أنَّ من حجج الله وآياته، وما عاد على عباده من جزيل هباته، أن خلقهم من نفس واحدة، وأنفسهم جميعاً إلى الله واردة، وكل نفس تكسبها (1) إلى الله وافدة، ففي الجنة أو في النَّار خالدة، ثم ملكها من إخوانهم (2) رقاباً، فإمَّا يكسبون بهم ثواباً وإمَّا عذاباً، فسارعوا لما لكم فيه صلاح (3)، وفك رقابكم وسراح، وكونوا لهم بالحقِّ أنصاراً، وتخيَّروا لهم من الآراء خياراً (4)، فإنَّ من ردَّهم عبيداً بعد أن صاروا أحراراً فقد استحقَّ من الله عذاباً وناراً، وقد قال الله في كتابه تبارك وتعالى: {فلا اقتحم العقبة وما أدريك ما العقبة فكُّ رقبة أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبة} (5) [البلد] وقيل: من أعتق رقبة فهي فداؤه من النَّار كل عضو منه بعضو منها.
أفضل الرقاب:
وأفضل الرقاب أغلاها ثمناً، وقيل: من أعتق عبداً لوجه الله فليس له أن يستعمله بشيء بعد قليلاً ولا كثيراً، ومن أعتق غلاماً ثم استخدمه حتى مات العبد، فإنَّه يلزمه (6) ديته اثني (7) عشر ألفاً لورثة العبد، فإنَّ لم يكن له ورثة فلجنسه، وقيل: عليه عتق رقبة مثله، وأجر ما (8) استعمله لورثته. وقول: إن (9) مات فعليه ديَّته. وقول: إن كان استعمله بعمل عطب فيه فعليه ديَّته والعتق.
__________
(1) في أ، ب: يكسبها.
(2) في أ، ب: ثم ملككم من إخوانكم.
(3) في أ، ب: الصلاح.
(4) في أ، ب: أخباراً.
(5) في ب، خطأ في الآية. (أو إطعام يوم في ذي مسغبة) والآية في 1 صحيحة.
(6) في أ: تلزمه.
(7) في أ، ب: أنا عشر. وهذا أصح.
(8) في أ، ب: أجرة ...
(9) من قوله: وقول: إن مات ... ديَّته والعتق) غير موجود في ب. (6/2)
صفحة 2278
وقال بعض الفقهاء: في جارية من ولد زنا، أعتقها أفضل أم تباع ويجعل ثمنها في سبيل الله؟ فقيل: إنَّ عتقها أفضل. وإنَّما يعتق العبد إذا قصد مولاه إلى عتقه (1)، وإذا أراد ذلك خطأ بالعتق فلا شيء في ذلك.
وقيل: لا غلت (2) على مسلم. وأمَّا إذا تكلَّم بعتقه وحاكمه العبد /07/ لزمه في الحكم ما صحَّ عليه./08/
__________
(1) في أ، ب: وإن أراد
(2) في أ: ما غلت. (6/3)
صفحة 2279
حكم من قال لغلامه أنت حر:
وقال من قال: في رجل قال لغلامه: أنت حر يريد (1) بذلك أنَّ العبد صلف عليه، إنَّ ذلك إلى نيَّته إذا لم يرد (2) به عتقاً فلا يعتق، وفي نسخة فلا عتق، وأمَّا (3) في الحكم فإنَّه يلزمه إذا صحَّ ذلك عليه.
ومن أعتق غلامه إن لم يفعل كذا وكذا، فهو عبده ما كان للمولى سبيل إلى فعل ذلك الشيء حتى تجيء منزلة (4) يعلم أنَّها لا يقدر عليها (5)، على ما أعتق عليه العبيد، فعند ذلك تقع العتق وليس عندنا في ذلك وقت محدود.
قال أبو الحواري: وليس له أن يبيعه ولا يخرجه من ملكه حتى يفعل الذي حلف بعتقه عليه.
ومن أعتق مملوكه عند الموت وعليه دين يحيط بماله؟ فقال من قال: إذا لم يكن له مال غير ذلك المملوك لم يجز عتقه وهو في ديَّته، وقال من قال: يعتق ويرد ثلثي ثمنه (6)، وقال من قال: يستسعى بثمنه كلّه وهو أكثر القول عندنا.
وعن رجلين لهما غلام شهد كل واحد منهما أعتق نصيبه منه؟ قال: يعتق من كل واحد نصف حصَّته فذاك نصف العبد ويستسعي لهما في النصف الباقي، ونحن نقول: يعتق كلّه ولا سعاية عليه لهما./09/
__________
(1) في أ، ب: يريد بذلك. يعني بذلك.
(2) في أ: ب: فإنَّ لم يرد به _ وهذه أصح- والله أعلم.
(3) في أ، ب: فأمَّا في الحكم ...
(4) في ب، حتى يجيء منزلة. وفي أ: يجيء منزلة يعلم أنَّه لا يقدر على ما أعتق عليه العبد.
(5) في: أعتق عليه العبد. بدل على ما أعتق عليه. وفي ب، أ: أصح. (6/4)
صفحة 2280
من شهد عليه بالعتق:
وأمَّا إذا شهد أحد الشريكين على الآخر أنَّه أعتق حصَّته وأنكر المشهود عليه، فإنِّي أرى أنَّ هذا الشاهد إذا كذَّبه الآخر لم يصدق عليه، إلا أنَّه أقرَّ على نفسه أنَّ نصيبه قد عتق حيث قال إنَّ شريكه أعتق حصَّته فقد أقرَّ أنَّ العبد قد عتق كلَّه وهو الذي أدخل ذلك على شريكه فالعبد حر كلّه ويرجع عليه شريكه بقيمة حصَّته من العبد ويستسعىهو العبد بالثمن كلّه، وهكذا أحببت وينظر الأثر في ذلك إن شاء الله. وأنَّ الشيخ أبا الحسن لا يلزم العبد شيئًا./10/ (6/5)
صفحة 2281
حكم العبد إذا أعتق بعضه:
قال أبو الحواري: وجدنا في الأثر أنَّ المدَّعى عليه العتق هو الذي بيع العبد بحصَّته، وكلُّ عبد بين شركاء فأعتق أحدهم نصيبه منه فقد عتق العبد بكلِّه، وعلى الذي أدخل ذلك على شركائه أن يردَّ على كل واحد قيمة حصَّتين من العبد ويستسعى هو العبد بذلك. وإن أحبَّ الشُّركاء أن يستسعوا العبد ذلك لهم. وأمَّا من أعتق من عبد ثلاثة (1) (ثلثيه) أو جزء منه، فإنَّه يعتق وليس عندنا أن يستسعاه (2) بشيء؛ لأنَّه هو الذي أدخل ذلك على نفسه. ومن قال يوم يشتري فلاناً فهو حر ثم اشتراه فليس ذلك بعتق، لأنَّه لا يعتق إلا بملك.
وإن قال: إذا باع فلاناً، فهو حر فقد قالوا: إذا وجب البيع عتق قبل أن يصير إلى المشتري، ومن أعتق عبد ابنه (3) عتق وقد أتلفه، وإن نزعه من ابنه (4) ثم أعتقه الابن والأب عتق أيضًا.
ملكية الرحم المحرم:
وكلُّ من ملكه منالأرحام من يحرم عليه نكاحه عتق ساعة ملكه وذلك مثل الأب والابن وولدهما وما سفلوا أو الأخ وولده وما بلغوا والعم والخال (5)، فإن ملك أولاد هؤلاء مثل ابن العم وابن الخال ومن كان منهم مثلهم من الأرحام ويجوز له نكاحه، فإنَّه يجوز له ملكه وخدمته ولا يبيعه وليس يعتقون إذا ملكهم، وكذلك الأخوة والبنون من الرضاعة ومن كان مثلهم يحرم نكاحه، فإنَّه يملكهم من كانوا له وليس له بيعهم وليس يعتقون (6) إذا ملكهم. وقيل: وإن ملك/11/
__________
(1) في أ، ب: ثلثه.
(2) في أ، ب: أن يستسعيه بشيء.
(3) في ب: ومن أعتق عبد أبيه
(4) في ب: وإن نزعه من أبيه.
(5) لا يوجد في ب، والخال إلى قوله مثل ابن العم.
(6) في أ، ب: ولا يعتقلون إذا ملكهم. (6/6)
صفحة 2282
الأخوة من الرضاع شركاء، ولهم قسمتهم (1) بلا قيمة، وأمَّا القيمة فقال بعض الفقهاء: إنَّها بيع وكرَّه ذلك، وإن كان في الشركاء من ليس بينه وبين أحد العبيد رضاع، فإنَّهم إن قسموا ووقع ذلك العبد في سهم من بينه وبينه رضاع لم يجز له بيعه، وكذلك إن كانوا إخوة في الأصل عتق، وإن وقع في سهم من ليس بينه وبينه رضاع ولا رحم فهو له وله بيعه.
قال أبو الحواري: الأخ من النسب لا يقسم ولا يعتق من حينه بحصه أخيه، وقيل: من كان له أخ من الرضاعة وكان عليه دين ولم يكن له مال سواه جاز له بيعه في الدين، ولا يجوز بيعه لشيء غير الدين، وكذلك المدبَّرُيباع في الدين في البلد ويباع لمن يعتقه ولا يجوز لغير ذلك./21/
__________
(1) في أ، ب: فلهم قسمهم. (6/7)
صفحة 2283
أم الولد:
ومن ترك جاريَّته من بعد موته ولها ولدمنه، فإنَّها تعتق إذا ملكها، فإن كان معه ورثة غيره عتقت من حصَّته، فإن بقي له ميراث غيرها كان عليه في ميراثه ما بقي من حصَّة الورثة، وإن لم يرث شيئًا غيرها استسعاها بقية الورثة بحصصهم من غير ولدها، وإنَّما ذلك على الولد في ميراثه لبقية الورثة في الأم وحدها وليس عليه ذلك للأب (1)، ولا لغيره ممَّن يعتق بسببه على أولئك أن يسعوا لبقية الورثة لكلِّ واحد منهم حصَّته.
الحريَّة بشرط المعلَّق:
وفي جواب أبو علي-رحمه الله- في رجل قال لغريمه إن لم أعطك إلى شهر فغلماني أحرار فمات قبل شهر، فنرى أنَّ غلمانه أحرار لأنَّه لم يُعطه (2).
وإن قال لجاريَّته يوم تفصيلي ولدك فأنت حُرَّة ثم مات الولد قبل ذلك، وقبل تمام وقت الفصال فلا يجوز عتقها إذا مات قبل أن تفصله.
وقال من قال: في الذي قال لغلامه إذا أخدمه سنتان (3) فهو حر فمات السيد قبل السنتين ثم هو حر، وقال من قال: إذا مات السيد فهو حر، ومن حلف (4) (5) على غير فعل العبد والعبد في غير ملك الحالف عتق العبد من مال الحالف- هكذا وجدته في جامع الأديان الذي لأبي جعفر- /13/
__________
(1) في أ، ب: وليس ذلك عليه للأب.
(2) في أ، ب: أو قال: إذا فصلت ولدك فأنت حرة ثم مات ...
(3) في أ، ب: إذا أخدمه سنتين. وهذا أصح.
(4) لا يوجد في أ، ب، من قوله (ومن حلف ... وجدته جامع الأديان الذي لأبي جعفر.
(5) لا يوجد في، أ، ب: من قوله: (هذه ردة في نسخة ... إلى قوله لورثة. (6/8)
صفحة 2284
وإذا قال له: إذا حفرت هذا البئر فأنت حر، وإذا بلغت هذا الكتاب إلى فلان فأنت حر ثم مات السيد قبل ذلك فإنَّ العبد إذا فعل ذلك من بعد عُتق، وإن لم يفعله لم يعتق، فإن باعه قبل أن يفعل ذلك جاز له بيعه، وإذا فعل ذلك في ملك غيره لم يدركه عتقه ونظر في هذه المسألة أيضًا – (هذه ردة في نسخة- هذا غير موضعها وقد تقدَّم قبل هذه المسألة أيضًا غفلة منا وهي ومن قال لعبده إذا خدمتني سنتين فأنت حر فمات السيد قبل أن يخدمه فهو مملوك، وقيل: ليس تغني عنه خدمته الورثة) وقال الناسخ./14/ (6/9)
صفحة 2285
العتق الموقوف على فعل الشيء:
رجع: قال أبو الحواري: إذا جعل السيد عتق عبده على فعل نفسه فحنث، والعبد في ملك غيره لم يعتق، فإذا (1) جعل السيد عتق العبد على فعل العبد فمتى ما فعل العبد عتق، ولو كان في ملك غيره، هكذا حفظنا والله أعلم.
وإذا قال: العبد إ ذا جاء القيض فأنت حر فلا يبيعه، فإذا جاء القيض (2) فهو حر حيث كان.
عتق الجارية الحامل:
وعن أبي علي: في الذي أعتق جاريته وهي حامل واستثنى ما في بطنها وقد تحرَّك الولد أو لم يتحرَّك في بطنها فله ما استثنى في قولنا، وفي المسألة رأي آخر، عن أبي علي وينظر فيها.
قال أبو الحواري: إذا ولدت لأقل من ستة أشهر فله ما استثنى، وإن ولدت لستة أشهر منذ يوم أعتقها فالولد تبع لأمة وهو حر.
وقال من قال: في الذي يقول لغلامه أنت حر وعليك ألف درهم، إنَّ الغلام حر ولا شيء عليه إلا أن يقول أنت حرٌ على أنَّ عليك لي ألف درهم حتى جاءه بالألف فله شرطه. وقال من قال: ليس على الغلام في هذا كلّه شيء وهو حر إلا أن يقول أنت حر إذا أعطيتني ألف درهم فمتى ما جاءه بالألف وأعطاه إياه عتق قبل المولى الألف أو لم يقبل، فمتى (3) جاءه الألففله شرطه (4)./15/
__________
(1) في أ، ب: وإذا بدل فإذا.
(2) في أ، ب: القيظ وهذه لغة. ورقم 1 لغة أخرى.
(3) في أ، ب: فمتى ما جاءه بالألف.
(4) في أ: لا توجد (فمتى جاءه الألف فله شرطه) ... /19/ (6/10)
صفحة 2286
وفي جامع أبي الحسن: إذا قال: إذا أعطتني ألف درهم فله شرطه، ويعتق إذا أعطى قبل المولى أو لم يقبل. وإذا قال: فلان حر من مالي لعبد في ملك غيره، قال: يشتري به ويعتقه (1)، وأمَّا أن يموت العبد فقيمته يوم يموت يشتري بها رقبة ويعتقها. وقال بعض: قيمته يوم قال وهو أحب إلى أن يشتري بها رقبة ويعتقها، وإمَّا أن يموت الرجل فليوصي في مالك في ثمن العبد أن بيع يوماً (2) ما، فإن أشهد بذلك في صحَّته أخذ العبد بعد موته ولو بجملة (3)، وإن أوصى بذلك في مرضه كان من ثلث ماله مع وصاياه، وقيل: لا شيء عليه، ومن قال: كل ولد تلده أمته فهو حر ثم باعها فقيل: كل ولد تلده فهو حر ما بقيت، وإن لم يعلم المشتري بذلك، وأراد أن يردَّها بذلك فله ردُّها. وقال بعض أصحابنا. لا يعتق من مال أحدهما ولا يكون ذلك عتقاً، لأنَّه أعتق مالاً لا يملكه (4)، ولم يكن في ملكه إلا أن يكون باعها وهي حامل حملاً بيناً، وإذا قال: إذا ولدت فأنت حرة، فإذا ولدت صارت حرة وولدها ذلك مملوك، فإن طرحت آخر في ذلك البطن أيضًا فهو حر، لأنَّها أطرحته وهي حرة، فإن قال: إذا وضعت ما في بطنك فأنت حرة فحتى تضع ما في بطنها ذلك ثم تصير حرة، والذي وضعهم في ذلك البطن مماليك.
عتق الحمل بعد الولادة:
وقيل: إن قال لجاريته إن ولدت فولدك حر، ثم قال: نوى ما في بطنها ذلك فله نيَّته، وإن مات ولم يعلم له نيَّة وأرسل القول إرسالاً فأخاف أن يتحرَّر كل ولد ولدته. وقال موسىفي الرجل يقول: /16/
__________
(1) في أ، ب زيادة: فإن كره مولاه أن يبيعه فلا بأس أن يتربَّص به، فإمَّا أن يبيعه فيعتقه وإما أن ...
(2) في ب: فأمَّا إن شهد بذلك.
(3) في أ، ب: بجملة ماله ...
(4) في أ، ب ما لا يملك، وهنا أصح من مالا يملكه (6/11)
صفحة 2287
إن فعل كذا وكذا فغلامه حر وهذا أو هذا أو هذا، فإن كان أوقع النيَّة على عبد عند القول وهو كذلك، وإن لم يوقع النيَّة ذهب العبيد كلُّهم واستسعوا في أثمانهم. قلت لموسى: إن قال: نويت عند قولي إن اختبار في العبيد على من أوقع بعد القول، قال موسى: ما لم يوقفه (1) عند اليمين لا تنفعه نيَّته أن توقعه بعد ذلك، وإذا قال لغلامه: إن فعلت كذا وكذا فأنت حر، فقال الغلام بعد المجلس قد فعلت فالقول قوله. وعن رجل قال: إذا بلغ ابني فغلامي حر، فمات ابنه قبل أن يبلغ الغلام، لا يعتق. وإذا أشهد شاهد على فلان أنَّه دبر غلامه وشهد عليه الثاني أنَّه أعتقه، فإذا كانا عدلين كان الغلام مدبراً يعتق إذا مات السيد، وكل من قال في مرضه إذا مت فغلامي عتيق، فإنَّه يكون عتيقاً إذا مات من ثلث ماله، وإن دبره في صحبته فهو من رأس ماله. وقيل: إن قال في مرضه إني كنت دبرت غلامي في صحتي، فإنَّه يكون من ثلث ماله أيضًا، ومن دبر عبده فليس له بيعه وحده (2) أنَّ له أن يبيعه لمن يعتقه أو في دين عليه إذا لم يكن له مال غيره، وإنَّما بيعه (3) على أنَّه مدبر، فإذا مات هو عُتق العبد من المشتري./17/
__________
(1) في أ، ب: ما لم يوقعه عند اليمين لم تنفعه.
(2) في أ، ب: وقد قيل أنَّ له. وهنا أصح.
(3) في أ، ب: وإنَّما يبيعه. (6/12)
صفحة 2288
ومن غيره: ويوجد قال جابر بن زيد_ رحمه الله_: لا يباع المدبر في الدين.
تدبير العبد:
رجع: وكذلك إن باعه لنفسه فهو جائز، وإن مات السيد قبل أن يؤدي الغلام إليه الثمن كان الثمن لورثته، لأنَّه إنَّما اشترى نفسه على أنَّه مدبِّر. وعن رجل دبَّر نصيبًا له من عبد فقال شركاؤه أنَّا نريد أن نبيع غلامنا وقد أفسدته علينا أو كان يتيماً لا مال له. قال: إن كان شريك المدبّر يتيماً ((يؤدي على العبد فإن كان تدبيره ينتقص من ثمنه يرد المدبّر على اليتيم حصَّته من النُّقصان ممَّا قومه العبد وهو غير مدبر، وإن كان شريك الدبر مدركاً فباعه فقال: من ينظر ثمنه رد المدبر على اليتيم حصَّته من النقصان ممَّا قومه العبد وهو غير مدبر، وإن كان شريك المدبر)) (1) مدركاً فباعهفقال: من ينظر ثمنه رد المدبر على اليتيم حصَّته من النُّقصان فما قومه العدول وهو غير مدبره، وإن كان شريك لمدبر مدركاً فباعه (2) إنَّ عليه في ذلك مضرة لحال تدبيره فله ما رأوا أنَّ عليه المضرَّة، والله أعلم.
وإن قال في مرضه غلامي مدبر أو لا يملكه أحد من بعدي أو قال: لا يستخدم من بعدي ثم هلك؟ فقيل: في كل هذا إذا مات سيده فالغلام حر. ومن دبر غلامه في صحبته وعليه دين يحيط ثمنه وليس له مال غيره، فقد قيل: إنَّه إذا مات السيد صار الغلام حر أو لا يلحقه الغرماء بشيء، وإن دبره في مرضه استسعاه الغرماء ثمنه، قال أبو علي (3) _ رحمه الله_ وقد قيل: أنَّه إذا دبره في مرضه يباع في الدين./18/
__________
(1) ما بين القوسين زيادة في واحد، وتوجد هذه الزيادة في أصل أ، ب.
(2) في أ _زيادة: فقال من ينظر ثمنه
(3) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/13)
صفحة 2289
رجع: وفي مسائل عن أبي علي _ رحمه الله_ في رجل أقرَّ بتدبير جارية له بعدما باعها وصارت في ملك غيره فهذه جاريَّة قد لزمته في ماله وعليه أن يعالج في خلاصها، فإن أدرك ذلك فهي أولى بالتدبير وإن مات فليوصي في ماله.
وفي الذي اختلف فيه أبو حنيفةوابن أبي ليلى، قال أبو حنيفة: أو ضمن الذي دبره أو ضمن الذي دبره (1) أو ضمن الذي دبره لشريكه نصف قيمته (2)، فإذا مات كان العبد حراً، وإن بلغ الشريك أنَّ شريكه قد نصيبه فدبر هذا نصيبه فيكون مدبراً لهما فأيهما مات صار العبد حراً واستسعى الحي بنقص نصف قيمة مدبره. وقال ابن أبي ليلى: هو مدبر كلُّه من مال الذي دبره أوَّلاً ويرد على شريكه نصف قيمته. وقال بعض أصحابنا: إنَّه يرجع الشريك على الذي دبر العبد فيأخذ منه قيمة ما يرى العدول لأنَّه (3) دخل عليه فيه من الضرر ليدبره إيَّاهُ ثم هو بحالة بينهما إلا (4) أنَّه يموت الذي دبره، فإن مات العبد عتق ويرجع الشريك بقيمة ما كان له في العبد مدبراً في مال الذي دبره وعتق كل من ماله. وقال أبو حنيفة: فإن دبر أحدهما نصيبه فلمَّا بلغ الآخر أعتق نصيبه، فإن للذي دبر نصيبه أن يرجع على الذي أعتق نصيبه بنصف قيمة العبد مدبراً. وقال بعض أصحابنا: إنَّه يرجع المدبر على الذي أعتق بقيمة ما كان له ويعتق العبد من مال الذي أعتقه ويرجع المعتق على شريكه/19/
__________
(1) لا يوجد تكرر في أ، ب.
(2) لا يوجد في أ، من قوله (فإذا مات العبد إلى وقال بعض أصحابنا)
(3) في أ، ب: إنَّه دخل. بدل: لأنَّه دخل عليه.
(4) في أ، ب: إلى أن يموت ... بدل إلا أنَّه يموت ... (6/14)
صفحة 2290
بقيمة ما ضرة في العبد أولاً بتدبيره إيَّاهُ من قبل أن يعتقه فكأنَّه يرجع إليه (1) المعتق بقيمة ما كان له مدبراً ((وكذلك رأي، ومن دبر (2) شيئاً من عبد في جل قال: كل جارية له يتسرَّها، فهي حرة فما تسرا ممَّا يملك من الجواري يوم حلف فهي حرة وما تسرى ممَّا يشتري (3) من بعد لم يعتق، وإذا قال كل مملوكة له، فهي حرَّة إلا أمهات أولاده، فإن قال هذه أمُّ ولدي (4) ولم يعلم ذلك إلا بقوله يصدق على هذا، فإن كان مع كل واحدة منهنَّ ولد قد ولدته في ملكه، فقال ولد هذه وولدُ هذه مني، فإنَّ الجواري يعتقن جميعاً ولا يصدق على أمهات أولادُه ولا يصرن إماء بعد يمينه، ويثبت نسب أولاده منه جميعاً ويعتقن حتى يعلم أنَّه قد كان ادَّعى أولادهنَّ قبل يمينه، فإمَّا بعد يمينه فلا يصدق وينظر في ذلك.
حكم العتق والاستثناء:
وقال من قال: لو أنَّ رجلاً قال: كل مملوكة له، فهي حرة إلا خراسانيةثم قال: الثلث منهنَّ، أو ربعهن خراسانيات ولا يعلم ذلك إلا بقوله؟ كان القول قوله مع يمينه ولا يشبه هذا ما مضى قبله، وأنا أحب أن يكون هو المدعي في هذا ويعتقن حتى يصحَّ ما ادَّعاه، ولست أدري خراسانيات هنَّ أم غير خراسانيات وفي نسخة حتى يعلم أنَّهن غيرخراسانيات _ ولو قال رجل كل جارية له حرَّة إلا خيارة ثم قال: هذه خياره وهذه خياره وقلن هنَّ ما نحن بخيارات فهنَّ حرائر ولا يصدق إلا بنيَّة ولو قال كل جارية له حرة /20/
__________
(1) في أ: فكأنَّه يرجع عليه المعتوق. وفي ب: فكأنَّه يرجع على المعتق ما كان له مدبر _ دون كلمة بقيمة ...
(2) في أ، ب: ومن دبر شيئًا منه عتق كلَّه، بدل ما بين القوسين في (1)
(3) في ب: ممَّا يتسرَّى.
رقم (1) النَّاسخ يكتب يتسرَّى بألف ممدوة ..
(4) في أ، ب: فإن قال هذه أم ولدي، وهذه أم ولدي، وهذه، وهذه .. (6/15)
صفحة 2291
إلا جارية بكراً ثم قل: هنَّ أبكار فالقول قوله، فإن أصبن ثيبات فقال: أصابهنَّ هذا بعد يمينه فالقول قوله، لأنَّ الجواري أبكار حتى يعلم أنَّهنَّ غير (1) ذلك، ولو قال: كل جاريَّة لم تلد مني فهي حرَّة فقال: هذه ولدت مني وهذه لم تلد لم يكن القول فوله ولا يصدق إذا لم تلد منه فيها نظر، وكذلك ل وقال: كل جاريَّة لي لم أطأها البارحة أو غير خيارة فهي حرة ثم قال: وطئت هذه وهذه خيارة فالقول قولهنَّ حتى يصحَّ ما ادَّعاه هو فأنظر فيها، ولو قال: كل جارية إن كانت لم تلد مني فهي حرَّة
ثم قال: هذه ولدت مني وهذه قد ولدت مني فلا يصدق (2) إلا بصحَّته ولو قال: كل جاريَّة لي فهي حرَّة إلا جارية اشتريتها من فلان عتقن جواريه كلَّهن. ولم يصدق على جارية أنَّه اشتراها من فلان إلا بالبينة، وكل من أعتق صبياً عن ظهار أو حفظته غير ظهار فعليه نقضته حتى يصير رجلاً يلزمه لنقضه إلى أن يبلغ في الفقراء أو في رقبة بعتق، قد قيل: كل ذلك أو يعول صبياً مثله حتى يبلغ ويكفي نفسه.
وإمَّا الصبي الذي عتق (3) عن غير الظهار، فإذا مات فلا أرى أن يلزمه شيء وأمَّا المكاتب فحينما كاتبه سيده صار حراً والثمن عليه ولو كان البيع ضعيفاً، وكذلك لو باع الرجل عبده لرجل فأعتقه المشتري وكان البيع منتقضاً ببعض الأسباب ثم أعتقه عتق واكن الثمن للذي باعه ومن كاتب أمته ولها أولاد فهم مماليك حتى يجري البيع عليهم أيضاً، وأمَّا إذا ولدت من بعد المكاتبة فهم أحرار، ومن كاتب عبده أو أعتقه وله مال ظاهر ولم يستثنيه المولى/21/
__________
(1) في أ، ب: الإخبارة – بالباء وليست بالياء. والله أعلم.
(2) في أ، ب: فلا يصدق بصحَّته إلا بصحَّته. وهنا أصح.
(3) في أ، ب: وأمَّا الصبي الذي يعتق ... (6/16)
صفحة 2292
فهو للعبد (1) (من مال باطن أو ظاهر فهو للمولى الذي باعه حتى يشتريه) وما كان من ذلك مستخف فهو للسيد، فهو للسيد، وقد قيل: غير ذلك وهذا الرأي أكبر (2) عندنا، وأمَّا إذا باعه فقيل: ما كان للعبد من مال باطن أو ظاهر فهو للمولى الذي باعه حتى يشتريه أيضاً المشتري أو يشترطه، وقيل: في رجل قال لغلامه اخدمني سنة وأنت حر، أو أنت حر واخدمني سنة. قال الربيع: له شرطه قدم الكلام أو آخره.
وقال قتادة: وإذا قال: اخدمني سنة وأنت حرفلة شرطة، وإن قال: أنت حر واخدمني سنة، فهو حر، وليس له شرطه، قال أبو عبد الله: نأخذ بقول قتادة وذلك رأينا./22/
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في أ، ب ..
(2) في أ، ب: أكثر عندنا (6/17)
صفحة 2293
حكم العبد إذا عتق نصفه:
ومن أعتق شقصاً له في مملوك له عند موته فالمملوك حر كلُّه وعلى المعتق لبقيَّة الشركاء قيمة مالهم في العبد وذلك له على العبد يستسعاه (1) به، وإن مات كان ذلك للشركاء في رأس ماله؛ لأنَّه دين عليه. وقال من قال: في رجل كاتب غلامه على دراهم مسماه وقصارة ثوب ما بقي كل شهر. قال: لا يجوز ذلك ورأي أن الغلام جائز (2) عتقه حيث وقعت المكاتبة وأحب أن يكون للبائع عليه ثمنه يقومه العدول، لأنَّ هذا بيع مجهول، وعن رجل قال: إن حدث بي حدث الموت فغلامي حر وله في مالي ألف درهم ثم صحَّ ورجع عن ذلك فله الرَّجعة في الألف وليس له رجعة في عتق الغلام إلا أن يكون قال بلسانه إن حدث بي حدث موت من مرضي هذا فصحَّ منه، ورجع في الغلام فليس هنالك عتق، وعن رجل عليه عتق واجب من كفارة أو غيرها، هل له أن يشتري رقبة يشترط عليه فيها العتق فلا نحبُّ له ذلك.
لمن الولاء:
وقال من قال: إذا أوفاهم الثمن فعسى أن لا يكون بأس في ذلك، وقال شريح: إنَّ العبد إذا أعتق وله أولاد من حرَّة إنَّه يجر ولاءهم وهو أيضاً قول الربيع.
وقال غيره: يجر ولاءهم./23/
__________
(1) في أ، ب: يستسعه به ....
(2) في أ، ب: تام عتقه. (6/18)
صفحة 2294
ومن غيره (1): ومن أعتق جاريَّة في بطنها ولد كان الولد تبعاً لها في العتق وعن رجل أعتق مملوكة واستثنى ما في بطنها. عن الحسن أنَّهما حران وقال الربيع: والله أعلم. أمَّا في البيع أنَّ له أن يستثني.
وقال أبو عبد الله: له مثنوية إذا جاءت بالولد لأقلَّ من ستة أشهر مذ أعتقها وهو مملوك، وإن جاءت على ستة أشهر أو أكثر فهو حر وهذا الرأي أحب إلي. وقال من قال: في رجل قال لجاريَّة إذا ولدت غلاماً فأنت حرَّة، فإن ولدت غلاماً أو جاريَّة فكان الغلام قبل الجارية فهو مملوك، وهي والجاريَّة حرتان، فإذا ولدت الجاريَّة قبل الغلام فهي حرَّة إذا ولدت الغلام والغلام والجاريَّة مملوكان، وإن ولدت غلامين فالأول مملوك وهي والثاني حران./24/
__________
(1) من قوله ومن غيره ... إلى وعن رجل أعتق. غيره موجود في أ، ب. (6/19)
صفحة 2295
وعن رجل اشترى مملوكاً على أن يعتقه، قال قتادة: إن أعتقه وإلا فليردَّه. وقال الربيع: يكره أن يحبسه.
وفي عبد بين اثنين كاتبة واحد ثم أعتقه الآخر، قال من قال: ولاؤه لمن أعتقه، وقال أبو عبد الله: ولاءه للذي كاتبه لأنَّه ضامن لشريكه، ومن دبر أمته فلا بأس عليه في وطنها، وأمَّا إن كان عليه دين باعها فيه فقيل: ليس للذي يشتريها أن يطأها.
وقال من قال: له وطئها والقول الأول أكثر، وكذلك الذي يقول يوم يموت فجاريَّته حرَّة أو يقدِّم فلان فهي حرَّة فذلك لا يطائها، فإن وطئها في يوم سلَّم أن يموت فيه ولا يقدِّم فلان فأرجو أنَّه لم يطأها حراماً والذي لا بأس عليه في الوطء الذي يقول إذا مت فهي حرَّة وعن رجل قال لجاريَّته إن لم يخرج إلى مكَّةفأنت حرَّة ثم لم يخرج وقال: لا أخرج، قال: يستخدمها حتى يموت ثم يعتق فهي حرَّة (1).
قلت له: هل يطأها؟ قال: لا.
وعن رجل قال لغلامه إن لم يفعل كذا وكذا فأنت حر فقال العبد: لا أفعل فهو مملوك حتى يموت السيِّد ثم هو حر، أو يعلم أنَّ الشيء الذي هو حر، أو يعلم أنَّ الشيء الذي قد قاله قد فات فعله، فإنَّه يعتق بذلك أيضاً قبل موت السيِّد.
حكم تحرير والد العبد من مال ابنه العبد:
وعن أبي عبد الله _ رحمه الله في الحرَّة تموت وتترك والدها (2) وإخوتها عبيداً وتركت مالاً إنَّه يتشري والداها (3) ويدفع إليه ما بقي ولا يشتري الإخوة وإن لم يبع حبس عليه الميراث، فإن مات ولم /25/
__________
(1) لا يوجد في أب، ب: فهي حرة. فقط ثم تعتق.
(2) في أ، ب: والدها.
(3) في أ، ب: والدها. (6/20)
صفحة 2296
بيع رجع إلى الوارث من بعده، وكذلك الوالد وأولاده.
وعن رجل قال لعبيد أحدكم حر وفيهم له غلام (1) فقيل: عتق غلامه علم (2) به عند القول أو لم يعلم به، وكذلك إذا مرَّ على عبيد فقال لهم: أنتم أحرار وفيهم له مملوك عتق مملوكه.
الولاء لمن أعتق:
وقال من قال: الولاء لمن أعتق فمن أعتق عبداً فهو مولاً له ولقومه يعقل عنهم ويعقلون عنه في الجنايات الخطأ، فإن كان له أبٌ قد أعتقه قوم آخرون جرَّ أبوه ولاءه إلى موالي الأب، فإن كان أب الأب لقوم آخرين جر أنَّ الأب ولاء ابنه إلى مواليه وجرَّ ابن أبيه أيضاً (3) فصار ولاؤهم كلُّهم الموالي الأب الأكبر، ويعقل بعضهم عن بعض وقال بعض: إنَّ ولاء كل واحد لمن أعتقه وهذا الرأي أحب إلي./26/
__________
(1) في أ،: وفيهم له مملوك فقيل: عتق مملوكة
(2) من قوله علم به ... وقال من قال: لا توجد.
(3) في ب: وجرَّ ابنه أيضاً. (6/21)
صفحة 2297
لمن ولاء أبناء الأم:
والأم لا تجرُّ ولاء بنيها إلى مواليها وولائهم لمواليهم إلا أن يكون أبوهم مملوكاً أو مات مملوكاً فيكون ولاؤها وولاء بنيها لمواليها، فإن كان العبد هو الأب مات عبداً وأبوه حر فقد قيل إنَّ الحرَّ يجر ولاء بني ابنه ويكونون موالي لمواليه.
ولاء العبد المشرك:
وإن كان العبد بين رجلين فأعتقاه جميعاً وكل واحد منهما من قبيلة فولاءه لهما جميعاً ولقومهما يعقل عنهما جميعاً ويعقلان عنه، وكذلك إن كانوا ثلاثة ويتحوَّل ولاؤه إلى ولاء أبيه، كما يتحوَّل مع الواحد في رأي الذي رأى أنَّ الولاء للأب، وإن كان الولاء لامرأة فالولاء لعصبتها وهو (1) قومها وليس ذلك لأولادها إلا أن يكونوا من عصبتها، وإن كان الذي أعتق أمة ذميَّة (2) فالولاء له ولقومه، ومن لم يعرف له أب في الأحرار وكان الذي أعتق أمة أم أم أمه، أو جدَّة أمِّه، وإن بعدت حتى تناسلوا منها لا يعرف لهم أنَّه حر كان جميع أولاد تلك الأمة موالي للذي أعتق جدَّهم أو أمَّهم ولزمهم أن يعقلوا عنهم، وإن كان له شريك في العتق عقل عنه كل قوم بقدر حصَّته صاحبهم على عدد المعتقين وعن رجل قال لغلامه فلان حرٌّ من قبل أن يقدم فلان بشهر، قيل: يوقف عن خدمته وعن بيعه فإن قدم فلان فقد عتق، وإن كان استخدامه بشيء كان له أجر ذلك الذي استخدمه قبل قدوم فلان بشهر، وإن مات فلان في غيبته قبل أن يقدم فهو مملوك ولا عتق فيه./27/
__________
(1) في أ، ب: وهم بدل وهو.
(2) في أ، وإن كان الذي أعتق ذمي ... (6/22)
صفحة 2298
وعن رجلين شريكين في عبد قال أحدهما لصاحبه: إن ضربته أو استعملته فهو حرٌّ ولا يرجع على شريكه بشيء لأنَّه هو الذي فعل، وإن استعمله بما هو له فالأوَّل هو الذي أعتقه ويرجع عليه هذا.
ومن أوصى أن يشتري له فلان بقيمة حصَّته ويستسعي الآخر العبد بما أعطى شريكه فيعتق فلم يبعه أهله.
فقال من قال: يوقف الثلث أبداً ما دام حيًّا مملوكاً، فإن أعتق العبد أو مات رد الثلث إلى الورثة، ومن أوصى أن تبيعوا غلامي هذا لفلان فإن لم يشتره فهو حرٌ، فيعرض الغلام على فلان فإن اشتراهُ بما يشبه الثمن من ساعته لا يؤخر إلى وقت آخر فهو له، وإن لم يشتره صار حُرًّا.
وقيل: في رجل (1) عتق نصيباً له في مملوك فرفع ذلك إلى النبي (ص) فجعل خلاصة في ماله وقال: إنَّه ليس الله شريك.
ومن أعتق نصيباً له مملوك عند الموت ليس له غيره عتق العبد واستسعى بثمنه لبقيَّة الشركاء، فيكون لورثة هذا الموصي أن يستسعوا بثلث نصيبه منه ويجوز له الثلث.
ومن أعتق غلامه وعليه دين؟ فقال من قال: الدين عليه، وقال أبو عبد الله: دينه على مولاهُ إذا كان قد أذن له بالتِّجارة، وقال أبو عبد الله: لا يجوز إقرار العبيد بذلك الدين الذي يرجع على مولاه إلا بشاهدي عدل./28/
__________
(1) في أ، ب: وقيل: إنَّ رجلاً عتق ... (6/23)
صفحة 2299
وقال في الذي يعتق شقصاً عند موته فعليه في رأس ماله ما ضمن لشريكه، فأمَّا حصَّته من العبد فهي (1) على مولاه، ويتبع ورثة ما زاد على الثلث بما ضمنه لشركائه، وعن رجل له ثلاثة عبيد دخل عليه اثنان فقال: أحدكما حر ثم خرج واحد ودخل الثالث مع أحد العبدين، فقال: أحدكما حر، فقال: يعتق من كل واحد نصفه إن قال ذلك في صحبته، فإن قال ذلك في مرضه عتق من كل واحد ثلثه إذا لم يكن له مال غيرهم ويستسعون ببقية أثمانهم، وإن كان له مال يخرجون من الثلث عتق من كل واحد نصفه، وقيل: في رجلين بينهما عبد فقال أحدهما:
إن لم يدخل إبراهيم غذاً هذه الدَّار فعبدي حرٌ، وقال الآخران: إن دخل إبراهيم غذاً هذه الدَّار فهو حر، فمضى غد ولم يعلم دخل أو لم يدخل، فالقول في هذا قول الذي قال إنَّه لم يدخل الدَّار، فإن قال العبد إنَّه قد دخل كانت عليه البيِّنة، وإذا قال لجاريَّته أول ولد تلديه غلاماً فأنت حرة، فولدت غلاماً وجاريَّة ولم يعلم أيُّهما أولاً فالبيِّنة في ذلك على الجاريَّة إذا ادَّعت أنَّ الغلام أولاً فهي مدعية ورجل قال لعبده: إن ضربتك الليلة فأنت حر أو قال: إن لم أخرجك الليلة فأنت حر، فقال الغلام: إنَّه لم يضربه فالقول قول العبد إنَّه لم يضربه وعليه البيِّنة أنَّه قد ضربه، وقال في رجل قال: كل مملوك لي ذكر فهو حرٌ وجاريَّته حامل فولدت ذكراً، قال: إن كان قد نفخ فيه الروح يوم قال فهو حرٌ، وقيل: إنَّ الروح تنفخ فيه على أربعة أشهر.
وقال بعض الفقهاء: في الذي يشتري أبيه إن كان الأب قد علم/29/
__________
(1) في أ، ب: فهي من ثلث ماله. بدل: فهي على مولاه. (6/24)
صفحة 2300
أنَّ ذلك ابنه وقد علم أنَّه إذا اشترى ابنه عتق ضمن ثمنه للبائع، وإن كان لا يعلم فلا ضمان على العبد ثم باعه له فقد عتق، ولست أرى أن يدركه بشيء، وإذا كان عبد في يد رجل وادَّعاه رجل وأقام عليه البيِّنة أنَّ عبده ولد في ملكه وأقام الذي هو في يده البيِّنة أنَّ عبده ولد في ملكه وأقام الذي هو في يده البيِّنة أن عبده ولد في ملكه، فإنَّه يقضي به للذي هو في يده، وعلى قول أنَّ البيِّنة بيِّنة المدَّعي والقضاء له واجب، وإن أعتقه أحدهما فقيل: إنَّه يقضي به للذي أعتقه.
ومن قال لعبده: إذا خدمتني سنتين فأنت حرٌ، فمات السيد قبل أن يخدمه فهو مملوك وقال ليس تغني عنه خدمة الورثة.
فإذا (1) قال: خدمتك لي سنتين ثم أنت حرٌ، فمات السيد قبل أن يخدمه خدم الورثة تمام السنتين ثم هو عتيق، ومن قال: أوَّل ولد تلده أمته فهو حرٌ فولدت ولدين في بطن لم يعلم أيُّهما قبل (2)، فقال: يعتقان جميعاً ويستسعيان في نصف أثمانها، وعن رجلين ورثا من والدهما عبداً فأقرَّ أحدهما أنَّ أباه أعتقه وهو صحيح، وأقرَّ لآخر أنَّ أباه حرره في مرضه، فقيل: يعتق من رأس المال إلا أن يحضر المدَّعي بينه أنَّ أباه أعتقه وهو مريض فيكون من الثلث.
وقيل: في صبي في يد رجلين مسلم ونصراني ادَّعا المسلم أنَّه عبده، وقال النَّصراني أنَّه ابنه، فقيل: عن أبي عبد الله أنَّه حرٌ مسلم ويسعى للمسلم في نصف ثمنه، فإن مات النَّصراني مسلماً ورثه الصبي، وإذا أوصى الموصي أنَّ غلامي هذا لفلان يخدمه سنة فقيل: /29/
__________
(1) في أ، ب: فإن قال.
(2) في ب: أيُّهما قبل صاحبه. (6/25)
صفحة 2301
هو له أبداً إن شاء باعه، وإن شاء أمسكه، فإن أوصى له بخدمته سنة، فإنَّما له خدمته سنة، وإذا أوصى لفلانة بغلامه هذا ما لم تزوَّج فقيل: هو لها ولورثتها تزوجت أو لم تزوج، لأنَّه قد ملكها إيَّاه وشرطه باطل واجب النَّظر في هذه المسألة.
ومن غيره: وقيل: إنَّ الوصيَّة يهدمها الاستثناء وقيل: لا يهدمها (1).
وفي جواب محمد بن محبوب_رحمه الله_ خ محمد بن روح: في امرأة أوصت عند وفاتها ولها عبيد قالت: إن تزوَّج بعد وفاتي امرأة فعبيدي هؤلاء أحرار، فتزوَّج زوجها بعد موتها من قبل أن يقسموا العبيد أو من بعد ما قسموا، قال: لا يجوز الحنث بعد موتها ونظر في هذه المسألة وفي التي أعلى منها فإنَّهما يخالفان والرأي الأول أحبُّ إلي.
ومن غيره: وعن امرأة أوصت عند موت الموت ولها عبيد فقالت: إن تزوَّج زوجي بعد موتي بامرأة فغلماني هؤلاء أحرار فتزوَّج زوجها بعد موتها قبل أن يقسم العبيد أو بعد ما قسموا فليس عندنا فيها حفظ غير أنِّي أنا أرى أنَّهم يعتقون يوم يتزوَّج الرجل قبل القسم أو بعده انظر فيها (2).
قال أبو سعيد: قد قيل: إنَّهم يعتقون، وقيل: إنَّهم لا يعتقون ووالذي يعتقهم يرى أنَّهم بمنزلة المدبر فيما قيل، والذي لا يعتقهم يقول إنَّها بمنزلة اليمن وإنَّ اليمين وقعت وقد ماتت فيما عندي ولا يقع الحنث بعد الموت في الإيمان إلا في التَّدبير/30/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: نص ومن غيره كاملاً.
(2) في أ، ب: فانظر فيها. (6/26)
صفحة 2302
رجع: ومن قال: رقيقه أحراراً إذا مات ثم صحَّ بعد ذلك حتى أفاد إليهم رقيقاً آخرين ولم يغيِّر وصيَّته.
فقال من قال: يعتق رقيقه يوم يموت لأنَّ الوصيَّة إنَّما تجب عند الموت.
وقال غيره: يعتق الذي (1) كانوا له يوم أوصى والقول في ذلك قول العبيد أنَّهم كانوا له يوم أوصى حتى يصحَّ أنَّه استفادهم من بعد (2)، وهذا الرأي أحبُّ إليَّ، وقال بعض الفقهاء: في ميِّت كان له ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم فقال: إنَّه (3) أعتق أبي هذا في مرضه لا بل هذا، فإنَّهم يعتقون جميعاً من قبل زعم أنَّه إذ الثلث (4) لواحد منهم فأقرَّ به للأول ثم أعتق فأقرَّ به للثاني فعتق لأنَّه استلك الأول ثم يعتق الثالث أنَّه (5) استهلك الأول، ثم يعتق الثالث أنَّه استهلك الأول والثاني فزعم أنَّه هو الثالث، وإن قال أعتق أبي هذا في مرضه ثم قال: أو هذا ثم قال أو هذا وبين ذلك سكتات (6). قال الأول: يعتق ونصف الثاني وثلث الثالث.
وعن أبي علي في رجل قال: إن تزوَّجت امرأة فغلامه حر فتزوَّج أمه قال: إن كانت له امرأة لم يعتق غلامه لأنَّه لا يجوز له أن يتزوَّج الأمة على الحرة وإن لم يكن له امرأة وكان لا يقدر على تزويج الحرَّة، وهو مضطر إلى تزوُّج الأمة فتزوَّجها فقد عتق غلامه.
وعن محمَّد بن محبوبفي الذي يبيع الحر؟ قال: يبيعه حيث تبع ويستعين بالنَّاس حتى تفكه.
وذكر قتيبة بن درهم فقال: إنَّ (7) المسلمين لم يعذروه إلا أن يخرج في طلبه يفكه، وقد كان اعتذر إليهم أنَّه لا يعرف أين هو فلم /31/
__________
(1) في أ، ب: يعتق الذين ...
(2) في أ، ب: من بعد ذلك ...
(3) في أ، ب: فقال ابنه أعتق أبي هذا .. وهذا أصح.
(4) في أ، ب: فإنَّهم يعتقون جميعاً من قبل أنَّه زعم أنَّ الثلث. وهذا أصح.
(5) في أ، ب: لأنَّه ... وهذا أصح.
(6) في أ، ب: فإنَّ الأول. وهنا أصح.
(7) في ب: فقال: المسلمين ... (6/27)
صفحة 2303
يقبلوا منه.
ومن غير الجامع: أنَّ الرقبةعلى الوارث لا تثبت، وكذلك الوقف؛ لأنَّه شبه الوصيَّةهذا عن أبي عبد الله.
وإن قال غلامه سريح أو سراح إلا أن ينوي به العتق، وغن قال: سرَّحتك لوجه الله فإنَّه عتق والله أعلم. في رجل قال: غلامي حرٌ ونوى إن دخل دار زيد هل يعتق العبد إن لم يدخل دار زيد قال: نرى أنَّ العبد يعتق وبعض لم ير عليه العتق. تم الباب من كتاب أبي جابر. /32/ (6/28)
صفحة 2304
ومن غيره: وعن رجل باع جارية بيعاً فاسداً فأعتقها المشتري فالعتق جائز، وعلى المشتري رد ثمنها وليس هذا مثل الغصب والسرق. وإن كانت قيمة الجارية أكثر ممَّا سميا من الثمن كانت القيمة على المعتق. وفي رجل قال حين حضرته الوفاة: جاريته إذا مات لوجه الله، ولم يقل أنَّها حرة لوجه فما كان لوجه، فهو تحرير وأجازوا تحريرها.
من كوى عبده بالنَّار:
ومن غيره: وسئل عن رجل كوى عبده بالنَّار لعلة فيه، هل عليه في ذلك تبعة؟ قال معي: إنَّه لا يؤمر بذلك، فإن فعل برأي العبد وكان بالغاً ممَّن يعقل فأرجو أنَّ في بعض القول أنَّه لا يعتق، وفي بعض القول: أنَّه يعتق، وأمَّا إن كان فعل فيه ذلك بغير أمره فأرجو أنَّه قيل يعتق على حال.
قلت له: فإن شاوره من يريد كيه فلم يمنعه وسامح في القول من غير أن يصرح له بالأمر، هل يسعه ذلك ويسلِّم؟ قال معي: إنَّه لا يسعه ذلك إذا قدر على النهي، وإذا كان إنَّما فعل ذلك بمسامحته فقد روي في ذلك أنَّ رجلاً كان به علَّة فأشير عليه بالكيِّ فأحسب أنَّه شاور النبي (ص) في ذلك فنهاه ثم راجعه المشاورة (1) في ذلك فنهاه عن ذلك ثم كرَّر عليه ثالثه فنهاه، ففي معنى الحديث أنَّ الرجل فعل ذلك برائه ورأى في ذلك خفا العلة شفا (2) وعافية وأخبر النبي (ص)، ففي معنى الحديث أنَّ النبي (ص) قال له على وجه الإنكار لنفع ذلك كانت العافية والنَّار يستبقان على بدنك فوافقت العافيَّة النَّار أو نحو هذا كان المعنى من قوله أن لو لم يفعل ذلك كانت العافيَّة قد أقبلت على بدنك./33/
__________
(1) في أ، ب: ثم راجعه في المشورة في ذلك.
(2) في أ، ب: في ذلك خفا وعافية. بدل: في ذلك لعلة شفا وعافية. (6/29)
صفحة 2305
جزاء من لطم عبده:
ومن غيره: قال النبي (ص) من لطم وجه عبده فكفَّارته عتقه.
وقال ابن عبَّاس: من حلف على عبد ليفر به فكفَّارته تركه.
ويوجد في بعض الحديث أنَّ امرأة كانت لجابر بن زيد _ رحمه الله_ عرضت لها علَّة فوصف لها لكي وأشارت عليه بالكي فنهاها. وفي بعض الحديث أنَّه خرج في (1) بعض خرجاته فاكتوت في غيبته فعوفيت ورجع فأخبرته بذلك فوجد عليها وهجرها إذ فعلت ذلك واتَّفق لهم خروج إلى الحجِّ فخرجت معه، فقيل: إنَّه لم يكملها وكان مهاجراً لها في سفره ذلك كلِّه على ذلك الذي فعلته حتى بلغوا إلى مكَّة وشقَّ ذلك عليها من هجرته (2) وعتبه عليها وسأله لها، ففي معنى الحديث أنَّه قال: إنَّ هذه لم تتوكَّل على الله أو نحو هذا من قوله (3) هذه الآية: {ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغٌ أمره} [الطلاق] ويروى عن جابر أنَّه يتلو على ابن عبَّاس، فقال له ابن عبَّاس: أتمَّ الآية كأنَّه يقول له: [قد جعل الله لكلِّ شيء قدراً]./34/
__________
(1) في ب: وفي بعض الحديث أنَّه غاب.
(2) في أ، ب: من هجرانه وهنا أصح.
(3) في أ، ب: وقراء. (6/30)
صفحة 2306
فأحسب أنَّه كان بمعنى هذا رجع جابر إليها وكان رضاه عنها.
قلت لأبي سعيد: فما تقول فيمن كوى نفسه برأيه ما حاله؟ قال: معي: إنَّه على معنى الحديث عن النبي (ص) أنَّه يلزمه معنى التوبة ولا يرجع إلى مثل ذلك، وأرجو أنَّه في بعض القول (1) إذا كان يؤمن شر ذلك ويُراحا خيره في معنى التَّعارف ممَّا جرت به العادة لم نصف ذلك (2)، وكان ذلك كغيره من المعالجات بالأحداث في الأبدان من قطع العروق والفصد الذي في الأصل محجوز في البدن مثله إلا لالتماس الصلاح بذلك، فإذا ثبتت الرُّخصة ولم يتَّفق على المعنى التهم فأرجو أن لا يأثم في ذلك إذا أتاه على وجهه.
قلت له: فالحرج (3) الذي يفجر بالنَّار يكون مثل هذا أم لا؟ قال معي: أنَّه إذا كان في موضع غير مخوف وكان الجلد قد مات ورجا النفع بغير ضرر، فأرجو أن لا بأس بذلك.
وقيل: في رجل طلَّق سريَّته؟ فقال من قال: تعتق. وقال من قال: لا تعتق إلا أن يريد العتق. وقال من قال: يستخدمها ولا يطاؤها، فإذا مات عتقت. وقال من قال: (4) يستخدمها وهي بمنزلة العبد ثم تعتق من بعده.
وقيل: في رجل قال لزوجته: أنتِ علي حرام ينوي بذلك الطَّلاق، فقال من قال: هو طلاق لا يمين عليه. /35/
__________
(1) في أ، ب: في بعض معاني القول.
(2) في أ، ب: لم يضق ذلك.
(3) في أ، ب: فالجروح بدل فالجرح.
(4) زيادة في أ، ب: وقال من قال: يستخدمها ويطأها، فإذا مات عتقت. (6/31)
صفحة 2307
وقال من قال: طلاق وعليه كفارة يمين وهو مؤول. وقال من قال: مؤول وعليه الكفارة ولا يقع عليه الطَّلاق./36/ (6/32)
صفحة 2308
وقال محمد بن محبوب: _ رحمه الله_ إنَّه يوجد في كتاب عن ابتداء في أهل حضر موت عن الأمة تعتق ولها صداق، قال: صداقها لها، وكذلك إن كان لها مال ظاهر، فهو لها ما لم يستثنه السيد (1).
ومن غيره: من جواب أبي عبد الله _ رحمه الله_ وعن رجل قال لغلامه يا ابني أو أنت ابني أو إذا عدت ابني (2) أو إنَّما أراك ولداً أو أنت ولدي أو أنت ولدي، أيبلغ هذا به إلى تحريره؟ فعلى ما وصفت أنَّ هذا كلُّه فلا أراه تحريراً إلا أن يكون نوى شيئًا من قوله هذا عتقاً فهو ما نوى.
وعن رجل باع جاريَّة واشترط ما في بطنها أو أعتقها واشترط ما في بطنها فله ذلك، إذا كان قد نفخت فيه الروح، وعن رجل اشترى غلاماً فأعتقه ثم اطلع المشتري على عيب في الغلام الذي أعتقه، هل يرجع على البائع بقدر العيب فقال: لا نرى عليه شيئًا.
ومن غيره: قال: وقد قيل: يرد عليه بقدر العيب في العتق والموت، وقال من قال: والموت، وأمَّا البيع فلا. وسألته عن رجل حلق رأس غلامه وهو من البيضان أو من الهند يريد بذلك يمثل به، هل يعتق الغلام؟ قال: لا.
قلت له: فإن حلق جاريته وهي من الهند أو من البيضان، هل تعتق إذا كانت من صاحبات الشعور السبطة من البيضان عتقت، وأمَّا السود فلا تعتق.
__________
(1) في أ، ب: زيادة كبيرة هي:
ومن غيره وسألته عن رجل عتق غلاماً حين حضر الموت فقال: إن مت فأنت حر وللغلام مال، هل للورثة أن يأخذوا مال الغلام يقولون لم يعتق مالك؟ قال: ليس لهم ذلك إلا أن يكون الرجل اشترط ماله حين أعتقه وقال: لو أعتقه في حياته قال: أنت حر لم يكن له أن يأخذ ماله بعد ذلك إلا أن يستثني عبد عتاقه في حياته قال: أنت حر لم يكن له أن يأخذ ماله بعد ذلك إلا أن يستثني عبد عتاقه إياه ماله فله أن يستثني.
ومن جواب أبي الحواري: وعن عبد مدبر قد كسب مالاً ثم يموت الذي دبره لمن يكون ماله؟ الذي اكتسبه وهو في الرق؟ فعلى ما وصفت، فإنَّ ماله الذي اكتسبه وهو في الرق لورثته سيده الذي دبره، وإإنَّما قالوا في الذي يعتق عبداً وله مال. فقال من قال: العبد الظاهر بقوله وماله الباطن هو لسيده الذي أعتقه، وقال من قال: الظاهر والباطن لسيده والقول الأول أحب إلينا أنَّ ماله الظاهر له إلا أن يستثنيه السيد عند العتق. ومن الأثر ومن كاتب عبده أو أعتقه وله ماله ظاهر لم يستثنه فهو للعبد، وما كان من مال مستخف فهو للسيد وقد قيل: غير ذلك، وهذا الرأي أكثر عندنا وأمَّا إذا باعه فقيل ما كان للعبد من مال ظاهر أو باطن فهو للمولى الذي باعه حتى يشتريه أيضاً المشتري أو يشترط.
ومن غيره: أرجو أنَّه عن أبي سعيد: وعن رجل اشترى من رجل عبداً له مال لا يعلمه مولاه الذي باعه ولا الذي اشتراه؟ قال: أخبرني نجله أنَّ مولاه باعه قال: فأتيت جابر بن زيد فأخبرته بالدراهم. قال: هي لك وكذلك رأيه في العبد إذا باعه مولاه، فإنَّ العبد وما ظهر منه ما خفي للذي اشتراه إلا أن يستثنيه مولاه الذي باعه عند البيع.
(2) في أ، ب: إذا عدت ابني أو مثل ابني. (6/33)
صفحة 2309
قلت له: وكذلك الحبش لا تعتق؟ قال: نعم.
قلت: فإن كانت من الهند؟ قال: إذا كانت من ذوات الشعور السبط (1) عتقت.
وسألت عن رجل يضرب زنجية كيف يتخلَّص من ذلك؟ قال أبو المؤثر: إنَّه كان يقول يرضي العبد إذا ضربه بشيء، وعمَّن حلف بعتق غلامه ليضربنَّه قال: لا يعتق/37/
__________
(1) في أ، ب: من السبطة البيضات. (6/34)
صفحة 2310
الغلام حتى يجيء حال لا يقدر على ضربه.
وقال أبو عبد الله_ رحمه الله_ أنَّه من قتل عبده فعليه العتق ومن قتل عبد غيره، فلا عتق عليه، وقال أبو معاوية: قد قال غير أبي عبد الله أنَّ من قتل عبده أو عبد غيره فعليه العتق رقبة مؤمنة وبه نأخذ.
قال أبو سعيد: - رحمه الله_ في رجل قال لعبد غيره أنت حر من مالي؟ فقال من قال: لا يلزمه في هذا شيء. وقال من قال: يلزمه أن يعتقه، فإن مات أو عتق فعليه قيمته على هذا القول، فإنَّ عليه أن يشتريه فإن لم يبعه به مولاه فلينظر به البائع (1)، فإن مات العبد فعليه أن يشتري شرواه ويعتقه (2)./38/
__________
(1) في أ، ب: فلينظر به البيع.
(2) في أ، ب زيادة: وقيل: لا شي عليه. (6/35)
صفحة 2311
رجل له أمة أوجعها ضرسها وأرادت قلعها فأذن له سيدها، وأذن لمن يقلعها لها غيره، هل له (1) ذلك أم لا؟ الجواب (2): إذا طلبت الأمة ذلك، فذلك جائز إن شاء الله، وكذلك الوسم والكي والرش بالنَّار، فأمَّا الوسم والكي فلا يجوز، وأمَّا الرش فقد اختلف في ذلك، فقال من قال: إذا كان من طريق علَّة قد عرضت له وطلب هو ذلك، فأرجو أنَّه قد قيل: أنَّه لا يعتق والله أعلم. وإذا أحدث رجلٌ حدثاً في عبد له على سبيل الخطأ فما يجب بذلك الحدث العتق، هل يعتق أم لا؟ الجواب: فإن كان الحدث ممَّا يلزم فيه ديَّة العبد كلها عتق بذلك، وإن كان الحدث ممَّا لا يلزم فيه ديَّة العبد كلِّها فلا يعتق، إذا كان الحدث من سيِّده عليه على وجه الخطأ وأمَّا العمد، فإذا مثل به ولو كانت المثلة أقل من ديَّته عتق بذلك، وإذا قطع منه أذناً أو عور عيناً أو ما يشبه ذلك من المثلة على العبد (3) عتق بذلك، وأمَّا الخطأ فحتى يقطع أذنيه جميعاً أو ما يشبه ذلك والله أعلم.
كيفية الرقبة المعتقة:
وعن رجل يلي بقتل غلام (4) له وأراد أن يعتق رقبة كيف تكون هذه الرقبة من الجنس أو من سائر الأجناس؟ فعلى ما وصفت، فإنَّه يعتق رقبة مثله إن كان من الزنج أعتق من الزنج، وإن كان من /39/
__________
(1) في ب: هل يجوز له ذلك
(2) في ب: ومن غيره: بدل الجواب
(3) في أ، ب: على العمد. بدل على العبد. وأ، ب أصح.
(4) في أ، ب: لا يوجد في ب: يلي ... وجودها أصح. (6/36)
صفحة 2312
البياسرة أعتق من البياسرة، ولو كان مثله أو أقل ثمناً أجزاه بذلك.
ومن غيره: وأمَّا إن قال هذه النَّخلة صدقة (1) وما لي والنَّخلة لغيره فليس عليه في هذا شيء وليس هو بمنزلة العبد.
ومن غيره: رجل أعتق غلامه عند موته ولم يوصي لأقاربه (2) لعلَّه بشيء؟ قال: يمضي ثلث العبد ويستسعى للأقربين بثمن الثلثين.
قال أبو علي (3) حفظه الله: وقد قيل: إنَّ الأقربين لا يدخلون في العتق وهو المعمول به عندنا والله أعلم./40/
__________
(1) في أ، ب: صدقة من مالي ... وهذا أصح
(2) في أ، ب: لأقاربه شيئًا ...
(3) في أ، ب: أو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/37)
صفحة 2313
رجع إلى الجامع: وهذه مسائل من اختلاف الأشياخ:
بسم الله الرحمن الرحيم: قوله {إنَّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال}؟ قال الأمانة: الذين عرض على الخلق حمل الأمانة فأبين أن يحملنها ويؤدين حقها، وقلن أنَّهنَّ لا يقدرون لأداء ذلك الحقِّ وحملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً (1) لحقها جاهلاً لما يلزم فيها ليعذِّب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين لم يؤدُّوا حق الأمانة ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات الذين أدُّوا حقَّها.
ما يقطع الصلاة:
وعن أبي عبد الله قال: الضبع يقطع الصلاة، وكذلك الكلب المكلب، وعن أبي علي: إنَّ الكلب المكلَّب لا يقطع الصَّلاة ولا فساد على من مسَّه وهو رطب.
مقدار الإطعام في الظهار:
ومن أطعم في الظهار عبيداً أو من (2) فقراء أهل الذمة من اليهود والنَّصارى أو صبياناً آباؤهم أغنياء أو امرأة فقيرة زوجها غني، قال: أمَّا العبيد، فإذا وطئ فسدت امرأته، وأمَّا فقراء اليهود والنَّصارى فلا أرى أنَّها تفسد وأمَّا الصبيان والمرأة التي زوجها غني، فإن كان لم يطئ (3) فليطعم غيرهم، وإن كان قد وطئ فالله أعلم./41/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: جهولاً.
(2) في أ، ب: أو فقراء من وهنا أصح.
(3) في أ، ب: لم يطأها. (6/38)
صفحة 2314
مسائل في السلف:
وعن السلف بالذهب والفضة الكسور؟ قال: لا يجوز، وكذلك المضاربة إلا بالدَّارهم والدَّنانير.
مسألة في الإيجارة:
وعن أجير مؤتجر بحب قال: لا يأخذ بذلك غيره (1)، وإن كانت الأجرة بفضة أخذ بها ما اتَّفقا عليه من الأشياء، وقيل: يجوز أن يعترض بالحب والله أعلم، وعن رجل له حق على مفلس وله عليه فريضة وشهد له بدراهم على آخر قال: لا تجوز شهادته.
مسائل في الأيمان:
وعمَّن حلف لا يأكل الرؤوس فأكل رؤس السمك؟ قال: لا يحنث، لأنَّ الرؤوس عند النَّاس معروفة.
ومن حلف لا يأكل الشواء؟ قال: هو الشواء اللحم المعروف إلا أن يريد غير ذلك، وإذا حلف لا يأكل الفاكهة؟ قال: يأكل الرطب والرمان، لأنَّ الله أخرجهما من الفاكهة، وكذلك البطيخ والأترنج والجوز وما يشبه هذا ليس من الفاكهة، وإذا حلف عن الأدم؟ قال: يأكل البيض والجبن وما يشبه ذلك، وإنَّما الأدم ما يتأدَّم به، وعمَّن حلف لا يأكل البيض؟ قال: لا يتنكَّب إلا بيض الدَّجاج والطير، وإذا حلف لا يركب حملاً فركب ناقة ولا يركب فرساً فركب برذوناً؟ قال: لا يحنث، فإن حلف عن الحمار (2) مرسلاً والخيل لم يركب/54/ لأنَّ إلى العشرة ينتهي عدد الأيام، وكذلك إذ قال أعطيه في هذه الأيام، وإن حلف ليفعلنَّ أوَّل النَّهار؟ قال: هو إلى نصف النَّهار، وكذلك العشى هو من الزوال والمساء والعشاء إذا جاء الليل، وإذا حلف لا يظله ظل بيت فاستظلَّ بظل ظهره؟ قال: لا يحنث حتى يسنظل في داخله، وإن حلف لا يفارق غريمه وفرَّ منه الغريم لم يحنث، وإن
__________
(1) في أ، ب: مباشرة: وقيل: يجوز أن يعترض الحب والله أعلم.
(2) في أ، ب: فإن حلف على الجمال مرسلاً. (6/39)
صفحة 2315
حلف لا يقعد على الأرض (1) فمشي على نعليه أو خفه حنث، وإن مشي على بساط لم يحنث، وإذا حلف لا يشتري من هذا السوق طعاماً؟ قال: إذا أرسل القول فلا أراهُ تنكب إلا الخبر وحده وفيها نظر، وإذا حلف لا يحمل السِّلاح أو لا يشتريه فحمل مديَّة أو خنزرة أو خصيناً أو مخلباً؟ قال: لا يحنث، والسلاح السيف والرمح والدرع ونحوه./42/
__________
(1) في أ، ب زيادة: فقعد على بساط ما كان لم يحنث، وإن قعد على ثيابه التي كان لابس حنث إذا قعد بها على الأرض، وإن حلف لا يمش على الأرض فمشى ... (6/40)
صفحة 2316
حكم مس الذكر:
وعن امرأة مست ذكر رجل؟ فقال أبو عثمان: لا بأس بمسِّها ذكره إن أراد الرجل أن يتزوَّجها. وقال أبو موسى بن أبي جابر: إنَّ مسَّها ذكره كمسِّه فرجها وكره تزويجه بها.
حكم مسّ الكلب:
قال أبو موسى بن علي: إذا مسَّ كلب الصيد لا يفسد من مسِّه وهو رطب ولا يقطع الصلاة. قال محمد بن محبوب: إنَّه يقطع الصلاة ويفسد مسّه وهو رطب.
مسائل في الأيمان: مؤجل الصداق:
وعن رجل حضره الموت فقال: إنَّ لابنتي علي ثلاثين نخلة من صداق أمِّها، فلمَّا مات أبوها أحضرت البيِّنة أنَّ صداق أمِّها كان على أبيها مائة نخلة، هل لها أن تزداد (1) ما أوصى لها به أبوها؟ أخبرك أنَّ أبا عثمان قال: إنَّ موسى قال: ليس لها شيء إلا ما قال أبوها. وقال بشير: لها ما قامت به شهودها. أبو عبد الله مسبح: أنَّ للنَّاس أن يكفِّروا أيمانهم حيث أرادوا.
قال غيره: قال لا يطلب رخص السعر. قال سليمان بن عثمان: من حلف بصدقة ماله على الجنِّ والشَّياطين أنَّه يرد إلى المساكين. قال عمر بن المفضل: إنَّما فيه يمين./43/
__________
(1) في أ، ب: هل لها أن تزداد غير ما أوصى لها به أبوها. (6/41)
صفحة 2317
ميراث الرحم:
رجل هلك وخلَّف بني أخته ذكوراً وإناثاً لا وارث غيرهم؟ قال هاشم الشيخ: الذكر والأنثى سواء. وقال مسبح: للذكر مثل حظِّ الأنثيين.
وعن رجل مرض فأوصى إنِّي إن متُّ فعلي لفلان ألف درهم؟ قال هاشم: ما أراهُ إلا ضعيف حيي أو مات وهو قول مسبح.
وعن رجل نسي صلاة لا يدري أي الصَّلاة (1)؟ قال مسبح: إنَّ احتاط فصلى الصلوات الخمس فحسن.
قذف زوجته بالزنا:
أبو عبيد: لا ينبغي لرجل قذف امرأة بالزنا أن يقيم معها. قال ضمام: إن أكذب نفسه فلا بأس عليه ما لم يرتفعا إلى السُّلطان.
الحلف بالطَّلاق:
قال أبو عبيدة مسلم: في الرَّجل يحلف بطلاق زوجته إن لم يقتل أباه؟ قال: إن قتله لم تطلَّق زوجته. قال أبو المؤرج: إن قتله /44/
__________
(1) في أ، ب: أي الصلوات. (6/42)
صفحة 2318
طلِّقت. قال أبو عبيدة مسلم: في رجل كانت عنده أمانة فاقترض منها شيئًا ثم تلفت؟ قال: لا يضمن إلا ما اقترض. قال أبو الؤرج: عليه ضمان الجميع./59/
من شكَّ في صلاته:
أبو عبيدة مسلم في رجل يختلط عليه أمر الصَّلاة ولا يدري كم/60/ صلَّى؟ قال: يمضي على الحسن (1) ظنّه، فإذا انصرف استقبل الصَّلاة؟ قال أبو نوح: ليهمل ما مضى ويستقبل صلاته.
من أسماء الطَّلاق:
قال أبو عثمان: إنَّ الفراق اسم من أسماء الطَّلاق. قال سعدة: ليس بطلاق إلا أن ينوي طلاقاً.
كفارة الإفطار في رمضان:
قال شبيب: من أكل يوماً من شهر رمضان فعليه صيام شهر. قال سليمان بن عثمان: عليه بدل ما مضى ويومه ذلك وصيام شهرين كفارة. قال مسعدة: عليه صيام ثلاثة أشهر وبه قال موسى بن علي وحمَّد بن محبوب _رحمها الله_.
هاشم الشيخ: من نظر إلى فرج ابنته وهي صغيرة متعمِّداً فسدت عليه أمُّها. قال هاشم الخرساني: حتى ينظر لشهوة متعمِّداً.
مسألة في الوصيَّة:
وعن رجل أوصى بمائة درهم في كفارة أيمانه للفقراء والأقربين؟ قال هاشم: للأيمان الثلث، والفقراء ثلث ما بقي والثلثان للأقربين. قال مسبح: الوصيَّة بينهم على ثلاثة.
وعن رجل قال لامرأته إذا جاء غد طلَّقتك؟ قال أبو زياد: طلَّقت. قال أبو عبد الله محمَّد بن محبوب_ رحمهما الله_ إذا جاء غد فلم يُطلِّق فلا تطلَّق. قال أبو/45/
__________
(1) في أ، ب: على أحسن ظنه. وهنا أصح. (6/43)
صفحة 2319
زياد الزانيات: لا يتولَّى كل واحد منهما لصاحبه. قال محمَّد بن محبوب: إذا تابا تولَّى كل واحد صاحبه (1)./46/
__________
(1) في أ، ب: تولى كل واحد منهم صاحبه. (6/44)
صفحة 2320
مسائل متعدِّدة في العتق والطَّلاق والدين:
وعن رجل قال لجاريَّته: إن ولدت غلاماً فهو حر فولدت غلامين؟ قال أبو عثمان: يعتق الأول. قال مسعدة: يعتقان جميعاً.
وعن طلاق الذميَّة؟ قال هاشم. قال أبو عبيدة: واحدة. قال ضمام: ثلاث.
وعن رجل وطئ أمة رجل وهي مطاوعة له؟ قال الشيخ أبو الوليد: لا عقر لها إلا أن يجيزها، فإن جبرها فلها نصف عشر ثمنها، فإن كانت بكراً فعشر ثمنها. قال أبو علي موسى بن علي: يلزمه العقر كانت طائعة أو جبورة.
قال سليمان بن عثمان: من قضى شيئًا من ماله في دينه في مرضه الذي مات فيه، فإنَّ للورثة أن يردُّوا الثمن ويأخذوا المال.
وقال أهل إزكي: بدخله العدول، فإنَّ كلَّه فيه فضل رد الفضل ومضى القضا لمن قبضه (1). قال هاشم: ورأي مع رأي أهل إزكي.
وعن رجل قطع نخلة لرجل؟ قال موسى: يفسل له نخلة مكانها لعلة أراد يأكلها حتى تدرك هذه. قال الموصلي: لعلَّه أراد أبو بكر يحي بن زكريا يعطيه نخلته بلا أرض ولا شرب.
وعن رجل طلَّق سريَّته؟ قال موسى بن أبي جابر: تعتق، وقال سليمان بن عثمان: يستخدمها، فإذا مات عتقت وبه قال جابر بن زيد_رحمه الله_. قال مسعدة بن تميم: بل له أن يطأها ويستخدمها إن شاء ولا يعتق إلا أن ينوي عتقاً. قال محمد بن محبوب عن مسعدة (2): إن نوى عتقاً عتقت. قال ورأى موسى بن علي رأي/47/
__________
(1) في أ، ب: لمن قضيه. ورقم 1 أصح.
(2) في أ، ب: بدل مسعدة والدة. (6/45)
صفحة 2321
سليمان بن عثمان.
مسائل متعدِّدة:
وعن رجل خرجت امرأته إلى أهلها فحلف لا يأتيها إلى أهلها حتى خلت أربعة أشهر؟ قال علي بن عزرة: تذهب بالإيلاء. قال سليمان بن عثمان: لا تذهب لأنَّه حلف على أمر هو له فجادله حتى أنَّ علياً انكسر.
قال موسى بن علي: إن بلغ المصلي إلى عبده ورسوله فقد تمت صلاته. قال محمد بن محبوب_رحمه الله_ إذا بلغ والطيِّبات ثم أحدث فقد تمت صلاته.
قال هاشم بن غيلان: إذا تزوَّج الرجل عن زوجته فقد حلَّ لها صداقها الآجل. قال أبو بكر الموصلي: الله تبارك وتعالى قد جعل له أن يتزوَّج أربعاً ولم نر أن تأخذ أجلها إذا تزوَّج عليها (1). قال بشر: إذا جاز بها حلَّ لها أن تأخذ أجلها ولو لم يتزوَّج عليها. /48/
__________
(1) لا يوجد في (أ) من قوله قال بشر: إلى عليها ... (6/46)
صفحة 2322
أيمان الصبي:
وعن صبي حلف أيماناً ثم حنث هل يكفرها؟ قال سليمان: إذا بلغ (1) عليه ذلك قال أبو زياد: إذا حلف وحنث وهو صبي لم يكفر، وإذا بلغ حلف وحنث حين بلغ كفره.
طلاق الثلاث بلفظ واحد:
وعن رجل ملك امرأة ثم طلَّقها بكلمة واحدة قبل أن يدخل بها؟ قال عبد المقتدر: ليس له أن يرجع إليها بنكاح جديد حتى تنكح زوجاً غيره. قال سليمان بن عثمان: بل له أن يرجع إليها بنكاح جديد، وإنَّما تخرج بواحدة. قال سليمان بن عثمان: من حلف بصدقة ماله ثم حنث لم يرفع له من دينه شيء.
قال الربيع: يرفع له دينه عاجله وآجله. قال هاشم الخرساني: مثل ذلك عن رجل طلب إلى رجل سلفاً فوعده أن يسلفه من عنده، فقال له: إنَّ علي لفلان مائة درهم أقرض علي السلف وأدفع مائة درهم إلى فلان فقال: قد أسلفتك مائة درهم إلى فلان، فقال: قد أسلفتك مائة درهم بكذا وكذا من الطَّعام إلى كذا وكذا ثم يدفع المسلف الدرهم إلى الذي أمره المتسلف فأجاز ذلك عمر بن المفضل وأبو عثمان.
مسألة في الطَّهارة:
قال هاشم: إنَّ موسى لم يقرب إلى ذلك (2)، ويعصيه وعن رجل أصابته الجنابة ثم غسل ولم يرق البول ثم أتبع بعد ذلك شيئًا ورأى رطوبة؟ قال: عليه بدل الغسل والصَّلاة. قال موسى بن أبي جابر: لا غسل عليه إلا أن تخرج نطفة بيضاء، فأمَّا ما يشبه المذي فلاو عليه /49/
__________
(1) في أ، ب: قال سليمان: ليس عليه ذلك.
(2) في أ، ب: إنَّ موسى لم يقرب ذلك ونقضه .. (6/47)
صفحة 2323
أن يعيد الوضوء. قال سليمان بن عثمان: إنَّ النَّاس لا يجبرون على البيِّنات في الدور والمنازل، وأمَّا في البساتين فلا. قال موسى: يجبرون على البيِّنات في الحرم والبساتين، وأمَّا في سائر النخل وأشباه ذلك من البعد فلا يجبرون عليه، وقال ذلك عبد المقتدر.
مس الذكر:
قال سليمان بن عثمان وبشر بن أبي عبيدة الكبير: إنَّ من مسَّ موضع حيث يضرب الذكر نقض وضوءه. وقال محمَّد بن محبوب: من مسَّ الذكر انتقض وضوءه. وقال أبو نوح: لا ينتقض الوضوء حتى يمس موضع البول والغائط وبه قال موسى بن أبي جابر وموسى بن علي./50/ (6/48)
صفحة 2324
النُّعاس في الصَّلاة:
قال موسى بن أبي جابر: من نعس وقت الصَّلاة ثم ذهب به النوم حتى فات وقتها؟ قال: يستغفر ربه ولا بأس عليه وبه قال: سليمان بن عثمان، وقيل: يصنع معروفاً والمعروف يطعم مسكيناً أو مسكنين أو يصوم يوماً أو يومين، وقيل: ثلاثة أيام أو إطعام ثلاثة مساكين.
مسألة في النكاح:
عن سليمان بن عثمان في رجل تزوَّج بامرأة فأنكرت النِّكاح ثم رضيت؟ قال: يفسد النكاح. قال مسبح: قال موسى: إذا رجعت فرضيت بحضرة الشهود جاز النِّكاح، وقد قيل: إذا رضيت بعد الإنكار والشهود على شهادتهم ولم يتفرَّقوا، فالنِّكاح تام والله أعلم.
قال أبو زياد الوضاح بن عقبة: في رجل أجنبي تزوَّج امرأة فدخل بها الزوج وتمم الولي؟ قال: يفرَّق بينهما ويأخذ صداقها. قال موسى بن علي: لا يفرَّق بينهما إذا رضيت المرأة وجاز الزوج. قال موسى بن علي: من وطئ فرجاً بخطأ في بقيَّة العدَّة إنَّه يفرَّق بينهما ولا يرجع إليها بنكاح جديد. قال سليمان: إنَّه لا بأس بذلك وتعتدُّ من بقيَّة الأيام التي كانت بقيت عليها.
مسألة في الصوم:
يذكر هاشم في الرجل يقدم من سفره والحائض تطهر في بقيَّة يومها أنَّهما يأكلان في بقيَّة يومهما. قال الربيع: لا يأكلان في بقيَّة/60/ (6/49)
صفحة 2325
يومهما.
عن رجل قرأ في صلاته فلمَّا فرغ من القراء قال: صدق الله.؟ قال مسعدة: صلاته تامَّة. قال سليمان: صلاته منتقضة. وقال: كره حاجب ال مشعل قال مسلم: لا بأس إذا كان موكاً.
وعن رجل قال لابنته: قد جعلت طلاقك بيدك وهو يريد أن يسمع امرأته أنَّه لا طلاق؟ قال هاشم: هو طلاق إذا كان يريد أن يسمع امرأته.
صلاة المنفرد:
قال في رجل صلَّى خلف القوم وحده ولم يخرج أحداً ثم جاء رجل فصفَّ معه؟ قال بشير: صلاتهما فاسدة. قال سليمان: الداخل أصح للأول صلاته. قال هاشم: إنَّ الرجل إذا يجرُّ أحد ثم صلَّى وحده وهو يقدر على ذلك فصلاته فاسدة.
رجل صلى ليلة إلى الصُّبح في ثوب جنب؟ قال هاشم: أحب أن يبذل، لأنَّه أراد الله. قال عمر بن المفضل: إنَّه لا يصلي خلف نائم ولا متحدث./61/ (6/50)
صفحة 2326
مسائل في الصَّلاة:
وأمَّا هاشم فقال: لا يصلي خلف النَّار حتى يكون سترة سبعة عشرة ذراعاً كذلك المقابر. قال أبو مهاجر: إنَّ الصدقة معروف أهلها. وقال بعض: إذا جعل ماله صدقة ولم يسم لأحد بعينه أنَّه لا شيء عليهما رجع، وقال موسى: وبشير يكفِّر يميناً.
كلفة الحاج:
وعن حجَّة الفريضة أهي من رأس المال أم هي من الثلث؟ قال: موسى بن أبي جابر: إنَّها من رأس المال. قال سليمان بن عثمان: إنَّها من الثلث.
مسائل في الزواج والنَّفقة:
وعن رجل طلب امرأة إلى أهلها ليتزوَّجها فانغموا له ثم بداله فحلف بطلاق زوجته إنَّه لوارد أن يتزوَّجها لفعل. قال سليمان: إنَّه لا يحنث إذا كان معناه أنَّ القوم قد انغموا له. قال هاشم: إنَّ امرأته تذهبه ليس الإرادة إليه (1). قال مسبح: يعطى سهماً في ماله كسهم أحد ورثته وسهامهم مختلفة. قال هاشم والحواري: يُعطى أقلَّ السهام. قال مسبح: يعطى سهماً وسبطاً يحسب له وينظر في ذلك.
وعن المطلَّقة ثلاثاً هل لها نفقة؟ قال ابن المعلا عن ربيع وسليمان: لها النَّفقة. قال موسى ومنير: لا نفقة لها.
مسائل متنوعة:
عن ابن معلا عن ربيع أنَّه من استنجى في النَّهر أفسده ذلك؟ /62/
__________
(1) في أ، ب زيادة: رجل أوصى لرجل من أرحامه أنَّ له سهماً من ماله كسهم أحد ورثته وسهامهم مختلفة، قال هاشم والحواري: يعطي كأقل سهم. (6/51)
صفحة 2327
قال بشير: لا يفسده ذلك. وعن رجل أخذ بقرن شاة ثم قال: أنت طالق وسمعته امرأته؟ قال سليمان: تطلَّق حتى يقول أنت يا شاة. قال موسى بن علي: له نيَّته.
وعن الصَّلاة على السجم قال إنَّ سليمان صلَّى عليها وكره ذلك القاسم بن شعب، محمد عن أبيه هاشم الشيخ أنَّ موسى كره الصَّلاة على الدعن إلا أن يفرش على الدَّعن من حوض أو غيره.
رجل هلك وأوصى بدين عليه لرجل فشهد اثنان من أولاد الرجل من الورثة؟ قال بشير: يعطيان الحقَّ من ميراثهما. قال موسى بن أبي جابر ومسعدة بن تميم وسعيد بن مبشر: تجوز شهادتهما على الورثة ويعطى الرجل حقَّه من جملة المال وما بقي كان بينهم جميعاً.
وطء الدَّابة:
وعن دابَّة وجد عليها رجل يأتيها. قال سليمان: تذبح وتدفن حتى لا يأكلها سبع ولا طائر. قال موسى: لا بأس بحبسها. وعن رجل أعطى أخته ماله بشهادة شاهدين وكان المال في يده يستغلُّه حتى ماتت أخته ولم تعلم بالعطيَّة، قال غسَّان الإمام عن الأشياخ: أنَّه لها ولم تعلم فتقبض. قال سعيد بن المبشر: هذا لا يجوز إذا لم تقبض/63/ (6/52)
صفحة 2328
حكم سؤر الحيوانات:
قال موسى بن أبي جابر: إنَّه يشرب من سؤر الفرس والحمار والشاة ويتوضئ منه إلا البقرة. قال سليمان: يشرب من سؤر البقرة ويتوضئ منه. قال: ولا يشرب من سؤر الفرس والحمار، ولأنَّه لا يؤكل لحمها والإبل مثل البقر في ذلك. قال الربيع بن حبيب: إنَّ أسوار الدَّواب كلُّها لا بأس بها إلا البقرة الجلالة التي تأكل الوضيء (العذرة) (1).
وعن رجل اشترى أرضاً (2) وقال يرضى بها وبها نقض ولم يشترطه أحدهما قال أبو عثمان: إنَّه للبائع وليس للمشتري إلا ما اشتراه؟ قال: وأمَّا موسى فرأيته مشيء إلى ما جرا فيه القسم فأعطى الأرض بما يليها من النَّقض الذي لم يكن فيه عمران. قال سليمان بن عثمان: فيمن وجبت عليه زكاة وعليه دين يعطي زكاته من بعد دينه؟ قال هاشم: يعطي زكاته من الجميع إلا أن يريد قضاه دينه في تلك السنة من ذلك المال.
حكم الهبة للولد:
وعن رجل مرضي ولد له فنذر عليه إن صح أن ينحله قطعة له فصحَّ فنحله القطعة والغلام صغير ولم يحرز والأب يأكلها حتى مات؟ قال أبو عثمان: هو له لأنَّه نذر نذره وما كان من النُّذور، فهو كذلك. وقال مسعدة: حتى يحرزه. قال هاشم الشيخ: هو جائز له كان ذلك في الصِّحَّة أو عند الموت ولو لم يحرز./64/
__________
(1) في أ، ب: من سؤر الجمل والفرس ...
(2) في أ، ب: وعن رجل اشترى أرضاً وقايض بها ولها نقض. وهنا أصح. (6/53)
صفحة 2329
الباب الثاني
الذبائح والصيد والأشربة والمسائل في نحو ذلك (1)
بسم الله الرحمن الرحيم: واعلموا أنَّ الله يحكم ما يريد، وحكمه واجب على العبيد وليس لأحد أن ينقص منه ولا يزيد، وقد عرَّف الله أهل الإسلام، كيف أحل لهم بهيمة الأنعام ونزل (2) بلغات وفي نسخة بإيجاب ما حرَّم الله من الشراب، وفسَّره أهل العلم والآداب، وأحل لكم صيد البر والبحر على ما بينه أهل البصر، فمن أقرَّ لله واعترف وأمسك عن محارم الله ووقف، واتَّبع أمر الله به ووصف فله من الله الرضا وخير القضا، وهداه للحق العظيم، وآواه (3) جنات النَّعيم وأمَّا من كان على ذلك ناكصاً، أو زائداً في أمر الله وناقصاً، فقد بارزه بالمحاربة واستحقَّ من الله غضبه وقال الله تبارك وتعالى: {أُحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة] وقال: {فكلُوا ممَّا ذكر اسم الله} [الأنعام] {وما لكم ألاَّ تأكلوا ممَّا ذُكر اسم الله عليه وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم إلاَّ ما اضطررتم إليه} [الأنعام] وقال: {حُرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمخنقة والموقودة والمتردِّيَّة والنَّطيحة وما أكل السَّبع إلا ما ذكَّيتم وما ذُبح على النُّصب وأن تستقسموا بالأزلام} /65/
__________
(1) في أ، ب: كتب بسم الله الرحمن الرحيم قبل الباب.
(2) في أ، ب: ونزل الكتاب.
(3) في أ، بب: وآوه إلى ... (6/54)
صفحة 2330
المائدة، وأمَّا ما أهل به لغير الله، فما ذبح لغير الله.
المحرمات من الذبائح:
والمنخقة كانوا يخنقونها حتى تموت ثم يأكلونها. والمتردِّية: التي تردَّى في بئر أو تقع من شرف فكانوا يأكلونها. والنَّطيحة: الكبشان يتناطحان فيقتل أحدهما صاحبه فكانوا يأكلونها. والموقودة: كانوا يضربونها بالحنث حتى تموت جوعاً (1) فيأكلونها. وما أكل السبع إلا ما ذكَّيتم من هذا كلّه فما أدرك من هذه فيه حياة من غير تطرف أو قائمة ترتكض أو ذنب يتحرَّك وذكر اسم الله عليه ثم ذبح وتحرّك من بعد الذبح، فإنَّه ذكاته إلا الخنزير، فهو حرام إلا لمن اضطرَّ إليه وخاف على نفسه فيأكل منه بقدر ما يحييه (2) ويقوم به لعلة أراد ويقوم جسمه ولا يسع أحداً جهل ذلك.
وقيل: من استنكر دابة ممَّا يكون نحو الخنزير ولم يعرف الخنزير فلا يأكلها حتى يعلم أنَّها ليست بخنزير، وأمَّا اللحم فله أكله من بلاد المسلمين حتَّى يعلم (3) أنَّه ميتة أو خنزير ولو كان قد علم أنَّه قد دخل في اسم (4) تلك البلاد لحم ميتة وخنزير./66/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: جوعاً
(2) في أ، ب: ما يحي به ويقوم به.
(3) في أ، ب: حتى يعلم أنَّه لحم ميتة أو لحم خنزير
(4) لا يوجد في أ، ب: اسم. (6/55)
صفحة 2331
وقوله: {ولا تأكلوا ممَّا لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام] وذلك أنَّ مشركي العرب قالوا للمسلمين أتزعمون أنَّكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم تأكلونه _ يعنون الميتة_ وما قتلتم أنتم_ يعنون الذبح _ تزعمون أنَّه حلال، فالله أفضل صنعاً أم أنتم فنزلت: {لكلِّ أمَّة جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا ينزعنَّك في الأمر} [الحج] فكلُّ ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها فهي حرام، فغن ذبح ذابح ممَّن يدين بالتَّسميَّة ثم اشتك من بعد الذبح في التَّسميَّة فلا تفسد ذبيحته (1) بالشَّك، لأنَّه من يدين بالتَّسميَّة حتى يعلم ويستيقن أنَّه لم يذكر اسم الله على تلك الذبيحة ثم لا يأكلها.
من الذي يتولَّى الذبح:
والذي نحبُّه أن يتولَّى الذبح ممَّن يحسنه بشفرة حادَّة ورفق ورحمة، ويستقبل القبلة ثم يذكر اسم الله ويذبح، فإن لم يستقبل القبلة بالذبحة عند الذبح بلا تعمُّد فلا تفسدها ذلك، وإذا ذكر اسم الله بما ذكره عند ذبحه فقد اكتفى، والذي عليه النَّاس عدنا أنَّهم يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فإن قال قائل: لا إله إلا الله، والحمد لله والله أكبر أو سبحان الله أو استغفر الله أو صلَّى الله على رسوله أو بسم الله أو نحو هذا من ذكر الله، فإذا ذكر الله فقد اجتزى بذلك، وإن لم يجهر (2) بذلك وأحبَّ إلي أن نتبع الآثار في ذلك ولا يعتمد على غيرها، فإذا حرَّك لسانه بذكر الله أجزاه، وإن لم يحرِّك (3) يجهر بذلك، وإن لم يحرِّك بالتَّسميَّة لسانه وأسرها في نفسه فليس هي عندي تسميَّة، وبما ذكر الله من اللُّغات أجزاء، وإن كان يحسن العربيَّة./67/
__________
(1) في أ، ب: فلا تفسد الذبيحة بالشك.
(2) لا يوجد في أ: وإن لم يجهر بذلك.
(3) في أ، ب: وإن لم يجهر بذلك، وإن لم يحرك بالتسمية لسانه ... (6/56)
صفحة 2332
التَّسميَّة بغير العربيَّة:
وقال من قال: فيمن ذبح وسمَّى بالفارسيَّة أنَّه كان ثقة أكلت ذبيحته، وإن لم يفهم ذلك إلا قوله لم يقبل قوله إلا أن يكون ثقة (1)، ولا يكون الذبح إلا بحديدة لها شفرة أو مروة أو قصبة هي الحجر.
الحجارة التي تذبح بها:
وقال من قال: هي الحمراء والبيضاء ولا يذبح بما سواها من الحجارة وأرجو أن يذبح بغير ذلك من الحجارة أن لا يفسد عليه ذبيحته وأن يجزئه، وقيل: إنَّما يذبح بقصب الذرة والسكر والروغ، وأمَّا القنا فلا يذبح به وكرَّه الذبح ببادرة السيف، وقيل: يترك من بادرته شبر، وقيل: يترك من أصله شبر (2)، قول أبي الحواري ثم يذبح بما بقي منه، وقيل: أنَّه لا يحلُّ أن يذبح بالعظم والسِّن والقرن والظفر ولا يذبح بالزُّجاج والخزف، وقيل: القصبة يذبح بها العصفور وهي أخفُّ عليه، وأمَّا المروة وهي الحجر فيذبح بها الشَّاة وغيرها وهي تجري مجرى الحديدة وما ذبح به من الحديد إذا كان له حرف (3) وحد هو جائز في مخلب أو غيره.
قال أبو علي (4) حفظه الله: إذا ذبح بالمخلب فلا يشرط شرطاً ولكن يحز حزًّا هكذا وجدنا والله أعلم، وتجوز ذبيحة الجنب ولو توضئ _ وفي نسخة ولو توضئ وذبح فهو أحبُّ إليَّ، وإن ذبح قبل أن يغتسل أو يتوضَّئ لم يفسد بذلك ولا بأس بذبيحة المرأة/68/
__________
(1) في أ، ب: نسخة ومن غيره: قال أبو الحواري –رحمه الله- عن أبي المؤثر –رحمه الله- أنَّ اسم الله بالهندية السماك.
قلت له: فلو أنَّ ذابحاً ذكر اسم الله على ذبيحته فقال السماك وذبح أتجوز ذبيحته؟ قال: نعم.
(2) لا يوجد في أ، ب: وقيل: يترك من أصله شبر، قول أبي الحواري.
(3) في أ، ب: له حد فهو جائز من بدل له حرف ...
(4) في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/57)
صفحة 2333
إذا أحسنت الذبح وإن كانت حائضاً حرة أو أمة.
ومن غيره: قال نعم: قد قيل ذلك، وقد يوجد في بعض قولهم أنَّهم لا يستحبُّ ذلك إذا وجد غيرها من الرِّجال ولا بين لي في ذلك (1) معنا فرق بين حكمها وحكم الرجال في ذلك./69/
__________
(1) في أ، ب: معنى وهذه كتابة أصح. (6/58)
صفحة 2334
رجع: فإن كان الذابح لابساً فهو أحب إلي، وإن اضطرَّ إلى ذبح وهو عريان لم تفسد ذبيحته بذلك، ولا تجوز ذبيحة الأخرس إلا أن يتكلَّم بالتَّسميَّة، ولا بأس بذبيحة الصبي إذا اختتن وأحسن الذَّبح وإن لم يبلغ.
وقال من قال: إذا أحسن الذبح وكان ممَّن يعرف الصَّلاة جازت ذبيحته، وإن لم يختتن والقول الأول أحبُّ إليَّ، وهو أكثر لأنَّه لا تجوز ذبيحته حتى يختن، وأمَّا من اليهود والنَّصارى فقد قيل: إنَّ ذبيحة الغلام الذي لم يبلغ منهم جائزة وإن لم يختتن، وقال من قال أيضاً: لا تجوز.
قال أبو علي (1) حفظه الله: أمَّا النَّصارى فجائز ذبيحتهم ولو لم يختنوا، لأنَّهم لا يدينون بالختان، وأمَّا اليهود فسبيلهم سبيل المسلمين، لأنَّهم ممَّن يدين بالختان هكذا وجدنا _ رجع_.
وكذلك المرأة تجوز ذبيحتها إذا أحسنت الذبح وإن لم تختن، ولا بأس بذبائح اليهود والنَّصارى الرجال منهم والنِّساء إلا العرب من النَّصارى، فقد قيل: إنَّه من لم يقرأ الإنجيل لم تؤكل ذبيحته ولا تؤكل ذبيحة المجوسي، وإن تحوَّل إلى اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة ولا ذبيحة الأقلف من أهل القبلة، وأمَّا اليهودي: إذا تحوَّل إلى النَّصرانيَّة أو النَّصراني إذا تحوَّل إلى اليهوديَّة أكلت ذبائحهم وقد جاء في الأثر في نصراني يذكر ثلاثة آلهة منهم الله لا بأس بذبيحته، وأمَّا المشركون إذا ذبح لهم المسلم ذبيحته لأصنامهم فقد قيل: أنَّها لا تؤكل ولا يؤكل ما ذبح لغير الله ولو ذكر اسم الله عليه، وقيل أيضاً/70/
__________
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/59)
صفحة 2335
إذا ذبح المسلم للمشركين أرادوها لآلهتهم وذكر اسم الله عليها إنَّها تؤكل وهذا الرأي أحبُّ إلي أنَّها تؤكل إذا ذكر اسم الله عليها ولم يردَّها لآلهتهم، وقد قيل: في الذي يسرق الشاة ويذبحها إنَّها لا تؤكل إلا أن يسمعه صاحبها يذكر اسم الله عليها عند ذبحه أو يعلمه بذلك الثقة.
وعن أبي سعيد (1) في معاني القول: إنَّه لا تجوز ذبيحته لما (2) سرق وذكر اسم الله عليها أو لم يذكر لأنَّها ذبحت على الغضب.
قال غيره: وقد يوجد أو يقال عن منير: إنَّ سائلاً سأل محبوباً _ رحمه الله_ عن أكل ذبيحة السارق فلم يجز ذلك، فقال له السَّئل: فإنِّي سألت (3) (4).
قلت له: فإن ذبح غنماً كثيرة بمدية واحدة بلا غسل لها؟ قال معي: إنَّه يوجد فيه كراهيَّة من بعض المسلمين والذي أظنُّه الأكثر من قولهم أنَّه جائز.
قلت (5): فعلى قول من كره ذلك، فإذا كان في موضع لا يجد الماء مثل الصيد وغيره كيف يفعل؟ قال: يتربها ويمثها بالتراب عند عدم الماء.
وعن رجل ذبح شاة أوصيداً ولم يقدر على ماء وأحبُّ أن يأكل من لحمها؟ قال: يجوز له أكلها ما سوى المذبحة وما مسَّته النَّجاسة من دم أو غيره.
وعن رجل ذبح بمدية فجبنت مديَّته وأدخلها في أوداج الذبيحة ثم رفعها، فإنَّ ذلك ربح يكره مع أنَّه فرى أوادجها حسناً، أكلت، قال أبو معاويَّة ما كنت أكلها./71/
__________
(1) في أ، ب: قال غيره.
(2) في أ، ب: فيما سرق ولو ...
(3) في أ، ب: أو نحو هذا.
(4) في أ، ب: زيادة عنها منيراً فأجاز لي أكلها فقال له: محبوب فخذ بما أفتاك به منير أو نحو هذا المعنى من الرواية. نسخة ومن غيره، وأمَّا على وجه الغصب والقهر والغلبة من السلطان وغيره، فإن ذبيحتهم توكل ولو لم يعلم أنَّه ذكر اسم الله عليها إذا وجدها صاحبها أو رجعت إليه بوجه من الوجوه أو إلى غيره، فهي ذبيحته جائزة حلال، وكذلك إذا كانت على وجه الدلال والأخذ لها بسب بيع أو قال غيره: هذه المسألة التي في ذبيحة السارق والغاصب والآخذ لها بسبب بيع أو والقهر العمل على أنَّها ذبيحته حرام ولا يأخذ المسلمون بتحليها.
رجع: قلت له
(5) في أ، ب: قلت له. (6/60)
صفحة 2336
ذبائح المجوس:
رجع: وقال من قال: في مجوسي ذبح بمدية ثم ذبح بها مسلم وفيها دم من ذبح المجوسي إنَّها لا تؤكل إن كان المجوسي قد مسَّ ذلك الدم بيده.
وعن بعض الفقهاء في الصابئين تؤكل ذبائحهم وتزوَّج نساؤهم. قال يوجد عن جابر بن زيد _رحمه الله_ فإذا أحلَّ تزوَّج نسائهم وأكل ذبائحهم وفي نسخة إذا حال تزويج نسائهم حل أكل ذبائحهم ولا بأس عندنا بذبائحهم.
وقال من قال من الفقهاء: فيمن ذبح شاة أو غيرها قد كانت مريضة ولم يقطع الكربة ولا الوريد وقد سما أنَّه إذا قطع من الأوداج ما لا يعيش منه أكلت لذبيحة، وإن ذبح وقطع الأوداج ولم يذكر اسم الله إذا استفرغ ذبحها ثم شقَّ ذنبها أكلت الذبيحة وإن ذبح وقطع وهو يرى أنَّها قد ماتت ولم تمت فتذبح من أسفل ويذكر اسم الله، فإن تحرَّكت بعد ذبحه الثاني فلتأكل، وقيل عن موسى بن أبي جابر في ديك (1) سنَّور رأسه فأجاز ذبحه من عنقه دون الرأس إذا أدركوه حيًّا.
قال غيره أيضا: في الذي ذبح شاة سخلاً فوقع في ماء جارٍ فأخرجه من الماء فتحرَّك فأجرى المدية على حلقه فإنَّه يؤكل.
وعن محمَّد بن محبوب أيضاً: في الذي ذبح شاة فبان رأسها بلا (2) أن يتعمد؟ فلا بأس، وإن قطع رأسها ونسي أن يذكر اسم الله عليها، قال: يعيد الذبح أسفل من ذلك، فإن تحرَّكت بعد الذبح الآخر/72/
__________
(1) في أ، ب: في ديك أكل سنور.
(2) في أ، ب: بلا. (6/61)
صفحة 2337
أكلها وإن لم تتحرك لم تؤكل.
حكم قطع الرأس مع الذبح:
وإن (1) تعمَّد لقطع رأس الذبيحة فقطعة، فقيل: إنَّها لا تؤكل وإن لم يتعمَّد لذلك وسبقته الشفرة فلا بأس بأكلها، وإن كانت الذبيحة صحيحة ثم لم تتحرَّك بعد الذبح فلا بأس بها، وإن ذبحت وهي مريضة ولم يتحرَّك منها بعد الذبح ضلف ولا أذن ولا ذنب ولا عين ولا شيء من ذلك فلا تؤكل، وإن اختلجت أيضاً ولم يكن منها حركة بينة غير ذلك، فإنَّها لا تؤكل ولا تفرش الذبيحة ولا تبجع حتى تبرد وتموت، فإن فعل ذلك بها لم تؤكل إلا من سبقته شفرته فأبان الرأس بلا عمد فلا بأس. والنجع هو قطع الريش.
ومن غيره: وأمَّا الضحية فلا تجوز ضحية إذا نتجت في العشر كانت نتاجها في أول العشر، أو آخرها بمنى ولا بغيرها ولا الهدي ما كان من الهدي فهو يجوز في الهدي.
قلت له: ويجوز هدي المتعة؟ قال: نعم. /73/
__________
(1) في أ: ومن تعمد .. (6/62)
صفحة 2338
مسائل في الذبح:
رجع إلى الجامع: وقيل: لو أنَّ رجلاً ذبح شاة فوق سطح البيت ثم وقعت من فوق البيت من قبل أن تموت فإنَّه يكره أكلها.
قال أبو علي: كنا نحسب أنَّها إذا تحرَّكت من بعد الوقوع، وإذا خرج الطير حيًّا من الماء فلا بأس وكذلك هذه (1) عندنا وإذا كان ذلك منها بلا أن يكون هو الذي طرحها هنا (2) وأمَّا طير الماء فلو ذبحه ثم وقع في الماء لم يفسده ذلك، ولو لم يتحرَّك من بعد خروجه من الماء، لأنَّ الماء لا يقتله ومن ذبح شاة ثم مرط شعرها قبل أن تموت أو شق ذنبها أو نحو ذلك فلا أحب أكلها.
ومن ذبح شاة فيها ولد فتحرك بعد الذبح أكل، وإن لم يتحرَّك لم يؤكل وقيل أيضاً هو بضعة منها وذكائه ذكائها.
ذكاة الجنين:
ومن غيره (3): سئل عن الجنين هل يجوز أكله إذا خرج من بعد ذكاة أمّه ميشاً أو بعد أن خرج من بطنها؟ قال معي: إنَّه قيل أنَّ جنين الأنعام تبع لها في الذكاة ويروى ذلك عن النبي (ص) أنَّ ذكائها وفي بعض التأويل: أنَّه قيل: فيه كتاب الله تبارك وتعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة] أريد جنين الأنعام، وإن كانت ميتة كقوله {إلا ما يتلى عليكم} ومعي: أنَّهم اختلفوا في معناه الذي يكون تبعاً لأمه وحالته؟ فمعي: أنَّه في بعض القول أنَّه تبع لها على حال لمعنى ظاهر الحديث، وأنَّه بمنزلة بضعة منها، فإذا صحَّت ذكاتها فهو تبع لها، وقيل: إنَّه إنَّما يكون تبعاً لها إذا تم خلقه وما لم /74/
__________
(1) لا يوجد في أ، هذه .. بل: وكذلك عندنا.
(2) لا يوجد في أ: هنا ... فقط الذي طرحها.
(3) في أ، ب: زيادة ومن جامع الشيخ أبي الحسن –رحمه الله- ومن ذبح شاة فوقعت في الماء فماتت لم تؤكل وأمَّا إذا خرجت حية وماتت من بعد فلا أقدم على تحريم أكلها، وإن لم تذبح ثانية فأرجو إن تحركت بعد أن تخرج إنَّها تؤكل لأنَّ الماء لم يقتلها. (6/63)
صفحة 2339
يتمَّ خلقه فلا يكون تبعاً لها، وقيل: حتى ينبت الشعر ولو تمَّ خلقه ولعلَّ الشعر من تمام خلقه في معنى القول، وقيل: إنَّه حتى يعتبر (1) أمره أنَّه كان في حدِّ ما قد نفخ فيه الروح وكان حيًّا بنفسه ثم هنالك تكون الذكاة فيه، وإلا فهو بمنزلة الميتة إذا لم يكن حيًّا، وإذا لم يصحَّ له معنى الأقاويل الأولى إلا بمعنى هذا القول، عارضة معنى العلَّة أنَّه يمكن أن يموت بعد أن نفخ فيه الروح قبل الذكاة، قال من قال: حتى تصحَّ حركته من بعد موتها، والقول الأول من هذين القولين عندي أصح معنى إذا لم يثبت إلا معنى بهما، لأنَّ الحركة بعد الذَّكاة صحة للحياة واستحقاق للذكاة.
قال من قال: هذا كلُّه لا يجوز حتى يخرج حيًّا ويذكي نفسه، وثبوت هذا القول يبطل بمعنى ما قيل عن النبي (ص) إن ذكاته ذكاة أمِّه (2) ضدّ لتلك الأقاويل كلِّها./75/
__________
(1) في أ، ب: في أمره.
(2) لأنَّه ضد لتلك الأقاويل كلِّها. (6/64)
صفحة 2340
ذبح الشاة بعد الولادة:
ومن غيره: وسألته عن الشَّاة إذا نتجت ثم ذبحت من حينها هل يؤكل لحمها؟ قال: إن لم يعلم أنَّها لمضت شيئًا من النجاسات فلا بأس بلحمها.
قلت له: فإن خرج من نتاجها شيء ولم يسم خروجه وذبحت وترجع بعد أن ماتت أتؤكل هي وهو؟ قال: نعم. وقالوا: أنَّه إذا تحرَّك بعد ذبحها فهو ذكاتها وذكاته.
قلت له: فهذا قد خرج منه شيء؟ قال: هذا لم يخرج كلّه فحكمه أنَّه لم يخرج. ومن ذبح الشاة وهي قائمة فلا يفسدها ذلك ولا نحبُّ أن يفعل ذلك، وأمَّا الذبح من القفا فلا يجوز، وإذا أكلت الشاة من الميتة أو شربت من ماء نجس فيه ميتة أو شربت دماً، فقال محمَّد بن محبوب _ رحمه الله_ أمَّا لبنها فلا بأس به، لأنَّه يخرج من بين الفرث والدم، وأمَّا لحمها فلا يؤكل إلا بعد ثلاثة أيام، والبقرة والجمل بعد سبعة أيام، والدجاجة بعد يوم وليلة، وعن أبي زياد يلقي ما في بطنها ويؤكل سائر لحمها. وعن أبي علي: لا يفسد لحم مثل هذا إذا ذبحت من حينها أكلت ذلك إلا لجلالة وهي التي تكون العذرة طعامها ولا تخلط الشجر. تم الباب من كتاب أبي جعفر.
متى يفسد لحم الذبيحة:
ومن غيره: وعن محمد بن الحسن وعن الذبيحة، هل يفسد لحمها إذا كان فيه دم؟ قال: إذا غسل الذبح فلا بأس بما سواه، فذلك جائز إذا لم يغسل.
قلت: فيغسل المذبح حتى يخرج الماء صافياً؟ قال: لا يمكن ذلك، ولكن ذلك، ولكن يغسل بقدر ما يغسل الدم العبيط. /76/ (6/65)
صفحة 2341
وعن رجل ذبح شاة ثم رفع برجلها؟ قلت: أيجوز ذلك فذلك ما ينهى عنه، وإن فعل ولم يكن بذلك يعين على قلتها، فأرجو أن لا يفسدها ذلك.
وفي (1) رجل ذبح شاة ثم يعصر ذنبها لينظر ماتت أم لم تمت فتحرك ثم ينظرها من بعد الحركة، فإذا هي قد ماتت فهي طيبة أم خبيثة فأقول: إن كان عصر ذنبها عصراً شديداً ممَّا يكون قد أعان على قتلها فلا بأس بأكلها وهي طيبة ولا تحرم الذبيحة إلا ما يكون من الأحداث التي تعين على قتلها./77/
__________
(1) في أ، ب: وعن رجل. (6/66)
صفحة 2342
الخطأ في الذبح:
وسألت أبا الحسن_ رحمه الله_ عن رجل أراد أن يذبح شاة من حلقها فأجرى السكين فانقلبت الشاة فجرى السكين على قفاها فذبحها من قفاها هل تؤكل؟ قال: إذا أراد ذبحها من الحق فانقلبت من ذات نفسها من غير إرادته هو وقد أجري هو السكين فسبقته السكين حتى قطع رأسها فلا بأس بأكلها.
قلت له: وكذلك إن سبقه السكين على أحد الجانبين؟ قال: نعم، إذا لم يتعمَّد لذلك فأرجو أن لا يقاس بذلك.
ومن غيره قال: وقد قيل: لا تؤكل، لأنَّه لا يجوز الذبح من القفا وقد وقع الذبح من القفا فسواء كان عمداً أو خطأ.
قال غيره: بهذا نأخذ.
وعن أبي معاوية، وسألته عن رجل ذبح ذبيحته ثم أمسكها بيده حتى بردت أتأكل؟ قال: نعم، وسأل عن الأعجم إذا (1) سمى على ذبيحته ذبح هل تأكل ذبيحته؟ قال معي: إنَّها لا تؤكل قيل له: فإن كان أعمى لا يعرف العربية؟ قال: تأكل والأعجمي غير الأعجم.
ومن غيره (2): قلت فما تقول في ذباحة الأعجم إذا سمَّى على الذبيحة غيره وذبح هو هل تأكل؟ قال معي: إنَّها لا تأكل ولا أعلم في ذلك اختلافاً./78/
__________
(1) في أ، ب: وسئل عن الأعجم، هل تؤكل ذبيحته؟ قال معي: إنَّها لا تؤكل.
(2) في أ، ب: نسخة ومن غيره ... (6/67)
صفحة 2343
وعمَّن لم يغسل مذبحة الذبيحة من الغنم والإبل والبقر والطير، هل يجوز له أكل تلك الذبيحة؟ فنعم يجوز له أن يؤكل منها ما لم يسمه دم الذبيحة ولا شيء من أبوالها، فإن مسَّ شيئًا منها ذلك لم يجز له أن يأكله إلا بعد أن يغسله بالماء أو يضطرَّ إليه كما يضطرُّ إلى أكل الميتة فقد أحلَّ الله له الدم في ذلك الوقت.
وعن أبي معاوية (1) وسألته عن رجل ذبح ذبيحة ثم أمسكها بيده حتى بردت أتأكل؟ قال: نعم. /79/
__________
(1) في أ، ب: لا توجد الفقرة المشار إليها .. (6/68)
صفحة 2344
صور من الذبح:
ومن غيره: قلت له: فما تقول في الذابح إذا أمسك الشاة بعد الذبح ولم يدعها ترفس حتى ماتت وهي في يده هل تأكل؟ قال معي: أنَّه قد كره ذلك إلا لمعنى يرجى فيه السَّلامة أكثر من تركها، فإن كان ذلك الإمساك ممَّا يعين على موتها في الاعتبار فهو عندي من الأحداث المفسدة لها، وإن كان لا يعين على قتلها ولا موتها فلا يبلغ به إلى فساد عندي والله أعلم.
ومن غيره: وسألته كيف يجوز الذبح؟ قال: قالوا: الذبح شحطاً ولا جرًّا.
قلت: فإن ذبح بالجر لا يفسدها (1)؟ قال: أرجو أن لا يفسدها وعمَّن شق ذنب ذبيحته ثم تحرَّكت من بعد أهي حرام؟ قال: لا تأكل وهي بمنزلة الميتة.
ومن غيره: وسأله سائل وأنا معه عن الرجل يذبح الذبيحة ثم يضع يده عليها أو يمسكها حتى تموت؟ قال أبو الحواري: ذلك مكروه ولكن يدعها تضطرب إلا أن يخاف عليها أن تقع في موضع تصير فيه بمنزلة المتردِّية ثم قال: بعد ذلك يدعها ولا يمسكها، لأنَّ ذلك أيسر عليها لعلة في خروج روحها يعني الاضطراب.
زيادة من كتاب المصنف: وكل الرقبة مذبح من الرأس إلى استفراغ الرقبة من أسفل، لأنَّ الذبح يجوز في الرقبة كلِّها (2)./80/
__________
(1) في أ: ولا جزاً، قلت: فإن ذبح بالجز أيفسدها؟ قال: أرجو أن لا يفسدها.
(2) هذه الزيادة لا توجد في أ، ب. (6/69)
صفحة 2345
الباب الثالث
رجع إلى كتاب أبي جابر: باب الأضاحي.
فضلية الأضحية:
قيل: عن النبي (ص) قال: بكل شعرة من الضحايا حسنة وقال ابن عمر: ما أنفق النَّاس نفقة أعظم أجراً من دم مسفوح في هذا اليوم يعني يوم النَّحر.
وعن أبي عثمان أنَّه قال: لا تجوز الضحيَّة قبل ولا بعد إلا في يوم النَّحر إلا بمنى، فإن وجد ضحية بعد النحر في أيام التَّشريق فذلك جائز وإنَّما يكون الذبح بعد الصلاة والخطبة يوم النحر لا يذبح قبل ذلك، وأمَّا أهل البادية ونحوهم ممَّن لا يصلي مع أهل تلك يوم النَّحر، فإذا طلعت الشمس فارتفعت قليلاً وكان نحو ما يصلي النَّاس في القرى صلوا وذبحوا.
ومن غيره: قلت: فإن ذبح يوم الأضحى قبل الصلاة يجوز له (1) ذلك؟ قال: الضحيَّة لا تجوز قد كره بعض الفقهاء إراقة الدم يوم النَّحر بعد طلوع الفجر حتى تقضي الصَّلاة إلا في الليل ويكره الأكل له قبل صلاة العيد يوم النحر والذبح، ويؤمر بالذبح والأكل قبل صلاة العيد يوم الفطر ويستحب له/81/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: له. (6/70)
صفحة 2346
ذلك./82/ (6/71)
صفحة 2347
رجع: ولا يذبح اليهودي ولا النصراني نسك المسلم، ولا نحب أن يذبح في الضحايا البتراء ولا العرجاء ولا العوراء ولا مقطوعة الأذن إلى الثلث ولا الجرباء ولا مكسورة القرن إلى المشاش، فإن انكسر القرن فبقى ما يلوي الحيل والأصبع جازت ضحيَّته، وإذا أكسرت ثم جبرت فبلغت المرعى جازت ضحيَّة، وإذا بقي من ضروسها ما يتعلَّق به جازت ضحيَّة وعن أبي زياد قال: رأيت في كتاب من كتب وارث في البصرة إذا قطع ذنبها فبقي منها (1) الثلث تذب به عن نفسها إنَّها تجوز ضحيَّة.
وقيل: عن أبي علي_ رحمه الله_ إنَّ الشَّاة إذا خلقت جداً لم تجز ضحيَّة. قال غيره: إذا خلقت الشاة جداً ليس لها ضرع جازت ضحيَّة، فإذا يبس ضرعها من علَّة حدثت لها، فإن خرج منه من اللبن شيء ولو قل جازت ضحيَّة ومن ذهبت ضحيَّته التي نواها واشترى سواها ثم وجدها، ففي ذلك أقاويل واجب أن يذبح الأفضل منها.
ولا بأس ببيع جلود الأضاحي، وإن تصدَّق بثمنها فهو أفضل، وإن احتاج إليه فهو له، ومن سرقت ضحيَّته بعد أن ذبحها فقد أجزت عنه.
وقال من قال: إذا ذبحها الذبح الذي لا تحيا منه ثم سرقت قبل أن تموت فقد أجزت عنه. وقال من قال: لا يجزي عنه وهو أحبُّ إلي، وصاحب الضحيَّة يأكل منها ويطعم ما شاء من ذلك وليس عندنا فيه حد محدود/83/
__________
(1) في أ، ب: فبقي من الثلث. (6/72)
صفحة 2348
مقدار الأكل:
وكل ما أطعم المساكين القانع والمعتر كان أجره أكثر، وقيل: أنَّ النبي (ص) قال لعلي بن أبي طالب حين بعث معه الهدى لا يعطى في جزرها منها شيء يعني كراء ذبحها.
وقال من قال من الفقهاء: من أكل ضحيَّته ولم يطعم منها أحداً من الفقراء لم تجز عنه. وقال من قال منهم: إنَّها تجزئ عنه وقد أساء ويجوز من الإبل في الضحايا ابنة مخاض وابنة لبون وحقة عن واحد والجذعة من الإبل عن خمسة فالثنيَّة عن سبعة وما فوق الثنيَّة عن سبعة ولا يجزء ما دون ابنة مخاض عن واحد، وجذعة البقر عن ثلاثة والثنية من البقر عن خمسة فأمَّا من المعز فقيل: لا تجوز إلا أن يكون جذلاً قارحاً، وأكثر القول عندنا أنَّه لا يجوز من المعز شيء للضحايا حتى يثني.
كيفية نحر الإبل:
وقيل: إنَّ أصحاب النبي (ص) كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها وكان ابن عمر ينحر بدنه يصف بين أيديها قياماً بالقيود مستقبلات القبلة، وقال ابن عبَّاس: ينحر قياماً. وقال أبو الشَّعثاء: تنحر قائمة صواف، وقيل: كان من مضى يذبحون البدنة بعدما تنحر، وإن كان النَّحر في الشق الأيمن.
وقال من قال: من ذهبت عين هدية قبل محله فلا يجوز وفي: /84/ (6/73)
صفحة 2349
نسخة يجزئ عنه، وقال أبو علي _ رحمه الله_ الذي سمعنا أنَّ ضحيَّة الرجل الذي أوتيت منه كان عليه بدلها وإن أوتيت من غيره اجتزى بها، وكذلك رأينا. وعن هاشم بن غيلان رحمه الله في تيس خصي ولم يصحَّ خصاه وليس به وليس به مرض، قال: لا يجوز ضحيَّته، وقال ذلك غيره أيضاً، وعن شاة ذبحت فاضطربت فانخرق بطنها، قال: تؤكل لأنَّها أوتيت من قبل نفسها، وعمَّن ذهبت ضحيَّته هل له أن يضحي يوم النحر، قال: لا يجوز ذلك إلا بمنى، وعن من مات وقد سمَّى ضحيَّته (1) لم تذبح عنه قال: لا يلزمه ذلك، وعمَّن ذهبت ضحيَّته في العشر أو غيرها ماتت أو باعها، فإن ماتت أو ذهبت فليس عليه بدلها، وإن باعها فعليه أن يبدل مثلها أو أفضل منها، ولا بأس بجز صوف الميتة وشعرها ويستنفع بذلك، وبضروسها وأنيابها ومتى ما أردت ذلك فلا بأس، وقد أجاز بعض الفقهاء الانتفاع بشعر الخنزير، لأنَّ التَّحريم إنَّما جاء في لحمه وكره بعض وهو عندي مثل الميتة يجوز صوفها (2) وشعرها ولا يجوز لحمها إلا في الاضطرار.
وقال من قال من الفقهاء: أنَّ الشَّاة إذا أنتجت في العشر لم تجز ضحيَّته بمنى ولا في غيرها إلا الهدي، فقد قيل: إنَّه يجوز وأمَّا مسح الضحيَّة فقد قيل ذلك من فعله من المسلمين ولم يفعله بعضهم، فإن مسحها وقال ما يؤمر به محسن، وإن لم يفعل ذلك وذبح جاز له إن شاء الله، والله أعلم بما نوى وأراد بها./85/
__________
(1) في أ، ب: أتذبح عنه.
(2) في أ، ب: وهو عندي مثل الميتة يجوز جز صوفها وشعرها. (6/74)
صفحة 2350
كيفية التَّسمية:
ومن غيره: والرجل يمسح الضحية ويقول بعد ما يمسحا بسم الله وبالله، اللهم تقبل مني إنَّك أنت السميع العليم، فإذا أوجبت جنوبها وجرى على حلفها بسم الله اللهم منك وإليك، وفي نسخة ولك، ومن سبقته شفرته فأبان رأس الذبيحة فلا بأس وذلك بينما العرس (1) والبخع. وعن رجلين اجتمعا على ذبيحة أمسكاها جميعاً وأمسكا المديَّة وذكر اسم الله عليها وذبحا جميعاً فهذا (2) جائز وكذلك إذا أرميا صيداً واحداً بسهم واحد وذكر اسم الله عليه فأصابه فهو حلال، وإذا وقعت الدابة الجمل أو البقرة، ولم يمكن للذبح فينحره في موضع المنحر أو بين المنحر والمذبح وذكر اسم الله، فقيل: يؤكل، وإن طعنه فقيل: يؤكل وإن طعنه في غير ذلك فمات لم يأكله، وعسى قد أجاز ذلك من أجازه، إذا لم يقدر على موضع المذبح والمنحر وخاف أن يموت، وما ذبح أهل الكتاب ثم وجدوا في الذبيحة شيئًا حرموها به، فقيل عن منير إنَّها حلال، وأمَّا غيره فقال: لا يأكلها لأنَّها ليست من طعامهم.
وقال من قال: وما حرموا من جهة الذبح فلا تؤكل وما حرموا من جهة العروق ونحو ذلك، فلا بأس بأكله وهذا أحب إلينا، وإذا نزع حياً الشاة كلَّها فلا يضحى بها، فإن قطع منه شيء فأمسكت البول فلا بأس أن يضحي، وإن لم تمسك البول لم يضح بها، وإذا انتزع جلد ذكر التيس وبرئ ذلك فلا بأس أن يضحي به، وإن قطع من ذكره شيء فأمسك البول فلا بأس أن يضحي به، وإن لم/86/
__________
(1) في أ، ب: الفرس والبخع.
(2) في أ، ب: فذلك جائز. (6/75)
صفحة 2351
يمسك البول فلا يضحي به والعسماوالعرجاء والمقطوع ظلوفها فلا بأس أن يضحي بها إذا مشت مشياً تبلغ به المرعى، وإذا سمى الرجل بضحية في أيام العشر ثم بدالة في يوم النحر أن يدعها من غير غلة ويضحي غيرها فلا بأس إذا ذبح مثلها أو أفضل منها، وإذا كان مع الرجل تيس ذخر فأراد أن يضحيه وضربه يوم النحر أو أجراه حتى لهث ليخرج ذفره ثم ذبحه فليس عليه أن يضحي مكانه إلا أن يكره أن يضربه أو يريه إجراء لا يحتمله التيس، وإذا كان في عين (1) الشَّاة بياضة وكانت تنظر بتلك العين نظراً تعتلف به فلا بأس أن يضحي بها. ذبح الصبي:
ولا تؤكل ذبيحة الصبي إذا لم يختن، وإذا كان في عين الشَّاة وإذا دحس الرجل الشاة فأجرى يده على موضع البول وموضع البول رطب ويده رطبه فليغسل ما جرت يده عليه من اللحم إلا أن تكون رطبة رطوبة من تلك اللحم فليس عليه غسل./87/
__________
(1) هذا مكرر غير موجود في النسخ الأخرى. (6/76)
صفحة 2352
الباب الرابع
المسائل في الصيد
قال الله تبارك وتعالى: {أُحلَّ لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة] وقال: {وحُرِّم عليكم صيد البرِّ ما دمتم حُرماً} [المائدة] وقال: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة] وقال: {يا أيُّها الذين آمنوا ليبلونَّكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم اللهُ من يخافه بالغيب} [المائدة] وقال: {أُحلَّ لكم الطيِّباتُ وما علَّمتم من الجوارح مُكلِّبين تعلمونهنَّ ممَّا علَّمكم الله} [المائدة] وقال: {فكُلوا ممَّا أمسكن عليكم} [المائدة] وهو الكلب الذي يحبس ويحفظ ويعلم أخذ الصيد. وعن النبي (ص) قال: «إذا ذبحتم فأحدُّوا وإذا قتلتم فأحسنوا، فإنَّ الله محسن يحب الإحسان».
ما يحلُّ من الصيد وما يحرم:
وجاء في الحديث أنَّ أبا ثعلبة الحبشي قال للنبي (ص) يا نبي الله اكتب لي بأرضي، وقال نبي الله: كيف أكتب لك بأرض الشَّام أو بالرُّوم وهي أرض حرب. فقال: يا نبي الله ليمكن ما تحت أقدامهم. قال: فأعجب ذلك النبي (ص) وجعل ينظر إليه وإلى أصحابه فكتب له كتاباً فقال يا نبي الله: إنَّا بأرض صيد فما يحل لنا من ذلك وما يحرم علينا، فقال رسول الله (ص) إذا أرسلت كلبك/88/ (6/77)
صفحة 2353
المعلم أو المكلب الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكله وما لم تدرك ذكاته فلا تأكله، وإذا أرسلت كلبك المعلم أو المكلب وفي نسخة المعلم المكلب وذكرت اسم الله فأخذ وفي نسخة وذكرت اسم الله عليه فأخذ أو قتل فكل (1)، وما رد عليك سهمك فكل وذلك رأينا أيما أخذ الكلب المكلب، فإن أكل منه شيئًا فقد جاءت الكراهية في أكله، وإن أدركته حياً فدكه ولكه، فإن مات قبل أن تذكية فلا أحب أكله، وأمَّا الكلب الذي هو غير مكلب فما أخذ من الصيد فما أدركته حياً فدكه وكله وإن لم تدركه حياً فلا تأكله، وقيل: إنَّ حال بينك وبين الصيد ظلام الليل فلا تأكله لأنَّك لا تدري قتله كلبك أو غيره.
وعن أبي معاوية في كلب الصيد إذا قتل الصيد وشرب من دمه ولم يأكل من اللحم شيئًا فقال: قيل: إذا ولغ في الدم فلا يؤكل، وقيل: يؤكل حتى يأكل من اللحم وبهذا نأخذ والله أعلم.
غيره إذا قتله وقد كان يمسك ولا يأكل ثم أكل من بعد أن مات وعلم ذلك فلا بأس، وإن أكل قبل الموت فقد فسد أو كان يعرف بالأكل فلا يجوز، وإذا انتهى الرجل إلى الصيد ومعه كلب آخر غير كلبه والصيد بينهما قتيل فلا تأكله، وكذلك إن وجد فيه سهماً غير سهمه. وقال بعض الفقهاء في الذي يرسل كلبه على الصيد ولم يذكر اسم الله عليه إنَّه إن زجر الكلب فانزجر لزجره وذكر اسم الله عليه أكل الصيد، وإن لم ينزجر فلا تأكله، وقيل أيضاً: في الذي طعن (2) /89/.
__________
(1) في أ، ب: لا يوجد قوله [وما رد عليك سهمك فكل]
(2) لا توجد في أ، ب: العبارة [وقيل ... ] (6/78)
صفحة 2354
ومن غيره (1): وقيل: كان أبو عبيدة يتأول هذه الآية {قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير} [الأنعام] وكذلك عندنا لا يحرم من هذا إلا ما أعلمنا الله أنَّه حرام، وما يأخذ المعراض وما يؤخذ بالشباك ويرمى بالبندق أو بالخشب أ وبالحجارة فكل ذلك لا يؤكل إذا مات إلا أن تدرك ذكاته ويذكي وإنَّما يجوز ما يرمي بالسهم فمن رما صيداً بسهم وذكر اسم الله على الصيد أكله، وإذا أصابه السهم وجده مقتولاً ولم يغب عنه بليل ولا غيره، فإن أصاب السهم غير ذلك الصيد الذي ذكر اسم الله عليه فلا يأكله وإن ذكر اسم الله على السهم ثم أرسله أكل ما قتل من الصيد من قليل أو كثير، وكذك الكلب المكلب، وإن نسي أن يذكر اسم الله على السهم أو الكلب فلا يأكل ما قتلا إلا أن يدركه حياً فيذكيه ويذكر اسم الله عليه، وقد قيل: إذا ذكر اسم الله على الصيد ما لم يصل إليه السهم أو الكلب فليأكل.
وفي الآثار أيضاً: فيمن رمى صيداً فغاب عنه ثم وجده؟ قال: يأكل ما لم يجد فيه أثراً غير سهمه أو يجده في الماء أو يغيبه الليل ومن رمى صيداً فتردَّى بعد الرمية من جبل أو شرفه فلا يأكله.
ومن غيره (2): قلت أرأيت من يرمي الطير فيصيبه وهو على الجبل فيقع في ذلك ولم يصبه شيء حتى وقع إلى الأرض فمات أيأكله؟ قال: نعم./90/
__________
(1) في أ، ب: لا يوجد ومن غيره.
(2) في أ، ب: ويوجد. قلت ... (6/79)
صفحة 2355
صيد المجوسي:
رجع: ولا يجوز أن يأكل ما أصاب كلب المجوسي ولا صقره وسئل (1) الصقر عندنا سبيل الكلب المكلب في الصيد وقال محمد بن محبوب_ رحمه الله_ في مجوسي رمى بسهم فقتل به صيداً ومس بيده رطوبة ذلك ثم رمى به مسلم فقتل بذلك السهم، فإنَّه لا يؤكل ما قتل لحال الدم الذي كان فيه من رمية المجوسي.
وفي جواب أبي علي رحمه الله: في رجل رمى طيراً في شجرة وسماً فوقع الطير فمات، هل يؤكل فما يحب ذلك، فقيل: من رمى طيراً بحجر أو سهم فوجد بالحجر أو السهم دم وقد سمَّا أكله، وإن لم يجد في السهم ولا في الحجر دم فلا يأكله وأمَّا ما يأخذ النَّاس من الصيد والحمير الوحشية التي لا يقدر على ذبحها فلهم أن يأكلوا ما نالوا قتله بأسيافهم ورماحهم وما كان من حديدهم إذا ذكروا اسم الله عليه عند ذلك، وقد قيل: إن قطعه نصفين أكلهما كليهما، وإن كان الذي يلي العجز أكبر فكلهما وفي نسخة أكلهما أيضاً جميعاً، وإن كان الذي يلي العتق والرأس أكثر وهو المقدَّم فكلُّ ذلك وأترك الباقي، وقيل: في الذي طعن وحشياً ثم سمَّا بعدما طعن فإن سمَّا أن ينزع وقبل أن يموت بالطَّعنة، فإنَّه يؤكل إذا مضى السنان بعد التَّسميَّة، فإن لم يمض السنان بعد التَّسميَّة، فإنِّي أكره أكله، وقال بعض الفقهاء: في الرجل يكون له كلب مكلَّبٌ قد علَّمه الصيد، فإذا أرسله فذكر اسم الله عليه حين يرسله فما أمسك فمات وهو ممسكه ولم يأكل الكلب منه شيئًا فليأكل ذلك إن شاء الله، فإن أكل الكلب منه شيئًا فلا يأكله، وإن وجده قد قتله ولم يأكله وليس هو ممسكه/91/
__________
(1) في أ، ب: وسبيل الصقر، وهذا أصحُّ لأنَّه يتفق مع المعنى. (6/80)
صفحة 2356
وقد وقع في الأرض فلا يأكله، فإن وجده حياً فليذبحه وإن تركه في فمه حتى يموت فلا يأكله.
ومن غيره: وقال أبو عبد الله _رحمه الله_ إذا أدرك الرجل الصيد به الحياة فذكاة، فإن لم يدركه حتى يموت بعد أن وجده حياً لم يأكله وإن وجده ميتاً أكله. وقال أبو زياد ذلك. /92/ (6/81)
صفحة 2357
رجع: قال: وكذلك القبض (1) إذا وقع في الشبك فجعل يطعنه حتى يموت في الشبك من طعنه فلا يأكله، وإن طعنه حتى إذا أوهاه ذبحه وذكر اسم الله عليه أكله إذا تحرَّك من بعد الذبح وإن لم يكن في الشبك فلحقه وطعنه وذكر اسم الله عليه فمات من تلك الطعنة أكله ما لم يذهبه في الليل.
أكل السمك والجراد:
وأمَّا السمك كلُّه والجراد، فهو ذكي ويؤكل إذا وجد ميِّتاً أو طرح في النَّار وهو حي وكان بعضهم قيل يأمر أن لا يطرح في النَّار حتى يموت من قبل الرحمة بل أن نقول ذلك حرام، وأمَّا السمك الميت الذي يلبثه البحر فقيل: كان الفقهاء لا يكرهون منه شيئًا إلا [ ... ] قذروا منه لتنه فتركوه من غير تحريم، وإذا ضرب القنص وذكر اسم الله عليه فقطع يداً أو رجلاً فلا يؤكل ذلك ويؤكل الباقي، وكذلك إن بقيت تلك الجارحة التي انقطعت متعلِّقة بجلده فلا تؤكل ويؤكل ما بقي.
ذبح ما أكل السبع:
ومن أدرك شاته قد أكل الذئب بطنها أو غير ذلك فأدرك ذكاتها فجائز له أكلها إذا تحرَّكت بعد ذبحه إيَّاها، وإذا كسر القرن [ ... ] يستأصل جازت للضحيَّة ولو لم تلوه الأصبع والحيل، وإذا قطع ذنب الشَّاة فجاوز القطع الربع لم تجز ضحيَّة وهو مثل الأذن إلى الربع، ومن أراد أن يذبح لعياله ذبيحة للحم قبل الصلاة فقد [ ... ] بعض المسلمين وأجاز ذلك بعضهم وبه نأخذ وعن جابر في الصبحي/93/
__________
(1) في أ، ب: وكذلك القنص. (6/82)
صفحة 2358
يحل ذباحه إذا لم يختن ما لم يبلغ الحلم، فإذا بلغ الحلم لم يحل ذباحه حتى يختن ومن اعترضت ضحيَّته فليذبحها ولا يأكل منها شيئًا إلى يوم النَّحر، فإذا نحر فليأكل وسئل عن رجل اشترى ضحيَّة وسمَّاها فمات الرجل قبل يوم الأضحى فليذبح عنه، وعن إخصاء الخيل والبراذين والثيران فقال: يخصى منها ما يخاف، وإذا اضجع الرجل الشَّاة وذكر اسم الله عليها فلا بأس إذا لم تبرح مقامها.
وعن محمَّد بن الحسن: ولا يفسد ما في جوف الشَّاة إلا ما كان في الكرش وهي التي فيها الفرث، وهي الفحت وهي التي متضعفة بعضها على بعض وهي التي تؤكل بالملح،/94/ (6/83)
صفحة 2359
وأمَّا كرش السطر الذي لا يأكل الشجر ولا يشرب الماء، فإن لم تغسل فلا بأس، والمتعلِّق لعلَّه أراد أو المنحلق تنتف شعرها من غير جرب لا بأس أن يضحي بها، وذكره بعض الفقهاء أن يخصى التيس بالنَّار وبعضهم لم يرط (1) به بأساً، والبقرة والشَّاة في كسر القرن سواء وذلك إذا بقي منه ما يمسك الحيل، وإذا ذبح الرَّجل الشاة وهي قائمة فتردَّت من قيامها فلا بأس بأكلها ولو اضَّجعها كان أحسن ومن ذبح أضحيَّته قبل انقضاء الخطبة يوم الأضحى فحب له أن يضحِّي مكانها غيرها إن قدر على ذلك يوم الأضحى حتى تنقضي الخطبة ولو لم يخرج إلى الصَّلاة يوم العيد إلا الأعراب الذين لا يحسنون الصَّلاة والمسافرون، فإنَّهم ينحرون إذا طلعت الشَّمس، ومن كان في حجره يتيم فضحَّى له ضحيَّة سمينة وضحَّى هو ضحيَّة هزيلة ويريد أن يحط لحم شاة اليتيم في الطبخ فنحبُّ له أن يعزل لحم شاة اليتيم عن لحم شاته ولا يخلطها .. وإن علم أنَّ فضله على اليتيم أكثر فليخلطه في الطبخ لم نر حراماً .. وإذا ذبح الرجل الشَّاة ثم غسل موضع المذبحة ولم يودجها بعد ذلك ثم قطعها فاختلط ما بها من دم فلا بأس بأكلها ومن جرَّ ضحيَّته يوم النَّحر فاجترحت جرحاً ليس بشديد فلا بأس بذلك وإن جرَّبها في العشر فانجرحت جرحاً شديداً ثم صحت قبل يوم النَّحر فلا بأس أن يضحِّي بها./95/
__________
(1) في أ، ب: لم يرو به بأساً. (6/84)
صفحة 2360
من كتاب أبي الحسن محمد بن الحسن: والمثانة تلقى، وإذا كانت شاة في خلقها زيادة ثلاثة ضروع أو كراع فلا بأس أن يضحي بها، وإن كانت جدًّا وليس فيها إلا ضرع واحد خلقت كذلك ويقطع ضرعها فلا يضحَّى بها، وإذا كان ضرعها قالصاً ولا يدري أيخرج منه لبن أم لا؟ فلا بأس أن يضحى بها، وإذا علم أنَّه لا يخرج منه لبن ولا يضحَّى بها وإذا مست الضحيَّة النار يوم النَّحر فيكون لها أثر فيها، فإن كان شيئًا خفيفاً فلا بأس بذلك، وإذا ضرب الرجل الشَّاة بالنَّار فتحرق منها وينجرح جرحاً شديداً ثم صح وبرأ قبل يوم النَّحر ثم أراد صاحبها أن يضحي بها فلا بأس بذلك، وإذا أكلت الأضحيَّة العذرة يوم النَّحر وشربت الخمر أو التيس شرب بوله ما قلَّ من ذلك أو كثر فلا يضحَّى بها ولا تذبح حتى تأتي ثلاثة أيام، ولا بأس أن يذبح الرجل بإزار وليس عليه رداء والإزار يجزئه عن الرداء في الربح، وعن جابر: أنَّه لم ير بأساً بذبيحة المرأة ولم ير بذبيحة الغلام بأساً إذا عقل الصَّلاة.
وعنه قال: ذبيحة اليهودي والنَّصراني إذا خلا بذبيحته فلم يدر سم عليها أو لم يسم قالوا: تؤكل ولم ير بأساً بذبيحة الصبي للنسك إذا عقل الصَّلاة ولم ير بأساً بذبيحة ما ذبح لغير القبلة خطأ ولم يوجه ذبيحته للقبلة.
عدد المضحين بالجزور:
وعنه قال: البقرة والجزور عن سبعة في مضجعين ولو كان ثمن الشاة أكثر من ثمن الجزور./96/ (6/85)
صفحة 2361
وعنه: أنَّه كره أن يضحَّى بالأبتر ولم ير بأساً بذبحة العجم وإن كان زنجياً إن كان مسلماً رفع عن حيان العمرى (1) قال: سألت أبا الشعثاء قال: إنِّي خرجت إلى السباخ فوجدت كبشاً قد كسر له قرن والدم يجري على وجهه قال: انطلق فاشتره وضحِّه (2)، وبيع عن أبي الرحيل قال: ذبحنا يوماً بمكَّة أضحيَّة نسكاً فاشتركنا فيه قال لي أبو الشعثاء: بع جلده. ربيع عن أبي الوليد عن أبي الشعثاء لم ير بأساً ببيع جلود الأضاحي. ربيع عن يحي بن أبي مرة (3) أنَّ أبا الشعثاء نهى عن العضبا المستأصل ذنبها من البقر والإبل المضرمة أخلافها والعرجا ولم ير بكسر القرن بأساً. همام بن يحي عن قتادة عن جابر بن زيد (4): عن امرأة لا تخرج إلى المصلَّى أتذبح ضحيَّتها قبل أن يصلي الإمام؟ قال: لا بأس أن تذبح أضحيَّتها. قال الرَّبيع: لا تذبح. وسئل جابر قال: لا يذبح من يصلي مع الإمام في المصلَّى يوم النَّحر حتى يصلي الإمام./97/
__________
(1) في أ، ب: العامري ..
(2) في أ، ب: ربيع.
(3) في أ، ب: ربيع عن يحي بن أبي فزرة.
(4) في أ، ب: زيادة عن جابر بن زيد –رحمه الله- أنَّ عمر قال: النون ذكى والجراد ذكى، والنون هو السمك سئل جابر عن امرأة لا تخرج إلى المصلى. (6/86)
صفحة 2362
الباب الخامس
في الأشربة وغيرها من المسائل
قال الله تبارك وتعالى: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للنَّاس وإثمهمها أكبر من نفعهما} [البقرة] فذمهمها الله في هذا المكان ولم يحرِّمهما وهي لهم يومئذ حلال ثم أنزل الله بعد هذه الآية في سائر الخمر وهي أشدُّهما {يا أيُّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء] ثم أنزل (1) الآية التي في المائدة: {إنَّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة] وما لم يسكر، فمن شرب من الخمر قليلاً أو كثيراً فقد شرب حراماً وعليه الحد، وإن لم يسكر، وإن شرب من النَّبيذ المنهي عنه أو غيره فسكر فعليه الحدُّ وإن لم يسكر فلا حدَّ عليه. وفي الحديث فيما ذكر الله إذ ذم الخمر والميسر فقال: فيهما إثم كبير ومنافع للنَّاس يعني لذة وتجارة، والفصل الذي يصيبه في القمار وهو الميسر فكان المسلمون يشربونها على المنافع وهي يومئذ حلال.
مناسبة تحريم الخمر:
فصنع رجل من أصحاب رسول الله (ص) صنيعاً ودعا إليه أناساً من /98/
__________
(1) في أ، ب الله. زيادة عن (1). (6/87)
صفحة 2363
أصحاب النبي (ص) _ فسقاهم من الشَّراب حتى أخذ فيهم فلمَّا حضرت الصَّلاة تقدَّم رجل من خيارهم في صلاة المغرب فقرأ قل يا أيُّها الكافرون فأخطأ في أوَّلها وآخرها فصار شرابها في مواقيت الصلاة منسوخة نسختها هذه الآية {ولا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى} فكانوا يشربونها بعد صلاة الغداة ثم ينامون، فإذا حضرت الصَّلاة الأولى وقد ذهب عنهم السكر فصنع أيضاً رجل من الأنصار صنيعاً ودعا سعد بن أبي وقَّاص وكان شاوياً رأس بعير فأكلوا وشربوا قبل تحريم الخمر، فأخذ فيهم فافتخروا وانتسبوا وقالوا الشعر فقام الأنصاري فأخذ لحى البعير وضرب به رأس سعد بن أبي وقَّاص، فإذا الدم على وجهه فانطلق إلى النَّبي (ص) مستعدياً فنزل تحريم الخمر في الآية التي في المائدة، وقيل: إنَّ رسول الله (ص) قال: يا أيُّها النَّاس إنَّما الخمر قد حرمت فمن كان عنده شيء منها فلا يطعمها ولا يبيعها فأهرقها النَّاس حتى جعل يوجد ريحها في طرق المدينة زماناً.
ما كان في المدينة من أنواع الخمر:
وقيل: إنَّها كانت يومئذ من التمر والبسر وكانوا يسمون كل شيء اختمر فهو عندهم خمر وهي التي أهريقت يومئذ فيما بلغنا وقيل: قام عمر بن الخطَّاب -رحمه الله- على منبر رسول الله (ص) فقال: يا أيُّها النَّاس إنَّ الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء من التمر والعنب والحنطة والعسل والشعير، والخمر ما اختمر، وقيل: سأل سائل ابن عمر عن الخمر فقال: من أي الخمر تسألني فوالله إنَّ من العنب لخمراً وإن من التَّمر لخمراً، وإن من /99/ (6/88)
صفحة 2364
الشَّعير لخمراً وإن من الأرز لخمراً وإن من العسل لخمراً، واكن يقال لعن الله عاصرها وبائعها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه.
وعن النَّبي (ص) أيضاً أنَّه قال: الخمر من هاتين الشجرتين النَّخلة والعنب، ويكره أن يسقى الدَّواب والصبيان الخمر.
وقال من قال: لو شربته دابة ثم ماتت من ساعتها لم آكل لحمها إذا ذكيت، وقيل: كتب عمر إلى عمَّار بن ياسر إلى الشَّام أمَّا بعد: إيتنا عير من الشَّام تحمل شراباً كأنَّه طلاء الإبل، وفي نسخة كأنَّه أكباد الإبل وفي نسخة كأنَّه الفضيح رطب يسدح وينبذ، قد طبخ حتى ثلثاه الخبيثان اللذان فيهما ريح الشَّيطان ونفثه وبقي الثلث الطيب وأمر من قبلك أن يتَّخذوه، وقيل: إنَّ عمر بعث عمران ابن الحصين الخزاعي إلى الكوفة أن يطبخ عصير العنب يعلِّمهم حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث.
قال غيره: إذا طبخ حتى يصير العشرة ثلاثة ويصيب على الأرض فلا تشفه ولا يعلِّق بها فلا بأس، وقيل: لا بأس إذا أنبذه في السقاء من الزبيب غدوة فشرب من الليل، وينبذ بالعشي فيشرب غدوة، وقيل: كذلك أمر عمر ولا يجعل فيه درّدياً، وأمَّا من يفضخ فهو حرامٌ أيضاً، وقيل: إنَّ أنس بن مالك كان يأمر بالبسرة المنصفة فيقطعها إذا أراد نبيذاً ولا يجوز ذلك في النَّبيذ وأمَّا البسر للخل فلا بأس به، وأمَّا نبيذ البسر فلا يصلح.
وصف ماء البسر:
وعن أبي علي_ رحمه الله_ في رجل وصف له ماء البسر الأخضر للدَّواء ينفع ويشرب قال: فما ترى بذلك بأساً، وأمَّا نبيذ الجرّ فهو/100/ (6/89)
صفحة 2365
أيضاً حرام، وجاء الحديث عن ابن عمر وعن ابن عبَّاس أنَّ النبي (ص) حرَّمه، وأنَّ عمر بن الخطَّاب_رحمه الله_ قال للأسنة تختلف في بطني أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجرّ، ولأن أشرب من قمقم مغلاً فحماً فيقطع ما قطع ويدع ما يدع لأحبُّ إلي من أن أشرب نبيذ الجرّ، وإذا عمل النبيذ في سقاء حتى إذا أدرك ثم صبَّ في جرَّة النبيذ أو خل فلا بأس به ما لم يزداد النبيذ في الجرَّة، وإن عمل في جرَّة حتى إذا أدرك ثم حوَّل إلى السقاء فذلك لا يشرب، وكذلك كلَّما عمل للخل في جرَّة فلا بأس بشربه إذا صار في حدِّ لنبيذ وما عمل للنَّبيذ في جرَّة حتى أدرك فلا يجوز أن يجعل خلاًّ إلا أن يكون عمل في الجرَّة ثم حوّل من حينه قبل أن يغلا ولا يحمض.
وعن أبي علي في جواب منه عن رجل عرض عليَّ نبيذاً وهو ليس ثقة فزعم أنَّه من قرية أشرب منه أم لا؟ فإن كان منهما فلا أحب لك أن تشرب منه والذي نحب إن كان صاحب النَّبيذ ثقة فأشرب من عنده ولا تسأله وإن كان غير ثقة فلا تشرب نبيذه حتى تسأله عنه، فإن أعلمك أنَّه على ما يستحلُّ شربه فأشربه، وإن كان منهما فقد جاء عن أبي علي أنَّه لا يحب أن يشرب نبيذه إلا أن تعلم أنت أنَّه لا بأس به.
ما أمر به النبي (ص) من أسلم من مضر:
وقيل: إن وفد عبد القيس قدموا على النبي (ص) فيهم الأشجُّ فقالوا: يا رسول الله إنا حي من ربيعة وبيننا وبينك قفار كفار مضر/101/ (6/90)
صفحة 2366
ولن نقدر عليك إلا بالأشهر الحرام فأمرنا بأمر ندعوا به من ورائنا، فإن عملنا به دخلنا الجنَّة، قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة وصوموا شهر رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم».
صورة النَّبيذ المحرَّم:
وأنهاكم عن أربع: عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت. قال: يا رسول الله ما يدرينا بالنَّقير؟ قال: جذع ينقرونه ثم يقذفون فيه من القطيعا والماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أنَّ أحدكم يضرب بني عمِّه بالسيف قال: وفي القوم من قد أصابته جراحة. قال: فجعلت أخبِّئها من رسول الله (ص)، فقال: فيما تشرب؟ قال: في أسقيه.
كيفية عمل النَّبيذ:
الأدم التي يلاث على أفواهها، وقال: «كل مسكر حرام» فلا يجوز عمل النَّبيذ إلا في الأسقيَّة والمشاعل وهي من جلود المعز والضأن سواء، وقيل: لا يجوز في غير ذلك، وإنَّما يجوز في ذلك أيضاً أن يكون الجلد طاقاً واحداً ويوكأ السقا والمشعل ويشد رأسه.
وقال من قال: يكون الوكاء من حيث بلغ النَّبيذ، وقال من قال: يوكاء من رأسه وكل ذلك جائز إن شاء الله. (1)
(2) وعن أبي عبد الله في النَّبيذ كيف يكون حلالاً؟ قال: فالذي عندنا أنَّه يشرب من الأسقيَّة ويوكاء من حيث بلغ ويشرب وهو مستقبل منه ما لا يغير العقل./102/
__________
(1) في أ، ب زيادة فقره: ومن غيره: وقال: كره حاجب المشعل. وقال مسلم: لا لا بأس به غذا كان موكاً.
(2) في أ، ب: رجع: وعن أبي عبيد الله. (6/91)
صفحة 2367
وقيل: كل وعاء يجوز الشراب فيه فلم يوكاء فنبذه حرام، وحبُّ الوادي قيل: لا بأس به أن يجعل في النَّبيذ للدَّواء، وأمَّا لغير الدوي فلا. وقيل عن الرَّبيع قال: لا يجوز الشراب في المشعل إذا كان من جلود الإبل أو البقر أو كان مضعوفاً (1) من جلود الماعز، فإن كان فيه وصل (2) أو رفع في موضع فلا بأس، ولا بأس بنبذ الزبيب والتمر جميعاً والزَّبيب وحده ولا بأس بعصير التَّمر ما لم يقبض الأرض. ولا بأس بشراب النَّارجيل. وقيل: إنَّ الكوز الذي يحلب فيه اليوم لا يردُّه إليه، وقيل: ليس لأهل الذمة أن يدخلوا الخمر في أمصار العرب، وقيل: عن أبي علي في حليب النَّارجيل إذا حمض في سقاء أو غير سقاء أو عصير الرُّمان، هل يشربان إذا غلِّيا فلا نرى بأساً في السِّقاء، وأمَّا غير السِّقاء فلا، وقيل أيضاً يشرب العصير ما لم يغل وغليانه أن يرى يزبد، فإذا غلا فهو الحرام فإذا غلا فهو الخمر./103/
__________
(1) في أ، ب: مصنوعاً. وهذا أصح.
(2) في أ، ب: أو رقع من وهذه أصح. (6/92)
صفحة 2368
ومن غيره: في غير هذا المعنى، وعن رجل أوصى إلى رجل وأشهد أنَّ فلاناً مصدق في مالي فما ادَّعى على نفسه، أو لأحد من النَّاس إلى كذا أو كذا درهم ولم يقل مصدَّق علي في مالي أو كلّه سواء؟ فعلى ما وصفت فهذا تصديق تام إذا كان جعل له ذلك في ماله، وكذلك لو قال: هو مصدَّق فيما ادَّعى علي إلى ألف درهم ولم يقل في مالي كان تصديقاً تامًّا، وكذلك لو قال فيما أقرَّ به عليَّ كان إقراراً تامًّا إلى الحد الذي حدَّه له، فإذا قال إلى ألف درهم كان التَّصديق في الدَّراهم ولا يكون في غيرها إلا أن يقول وقيمتها كان ذلك جائزاً في الدَّراهم وفي غير الدَّراهم من العروض والأصول.
الطَّلاق المعلَّق:
وعن رجل قال لزوجته هي طالق إن خرجت من هذا البيت الليلة وهي عليه كظهر أمِّه إن خرجت فخرجت من حينها. قلت: أيرى أن يردَّها من الطَّلاق قبل أن يكفر الظهار أو يكفِّر لظهاره قبلاً؟ فعلى ما وصفت فهذا له أن يردَّها في العدَّة وعليه الأجل ولا يقربها حتى يكفِّر كفار الظِّهار، فإن انقضى الأجل قبل أن يكفِّر بانت بالإيلاء.
وعن من (1) ظاهر من امرأته إن لم يفعل كذا وكذا فلم يفعل حتى بانت بالإيلاء ثم تزوَّجها بنكاح جديد قبل أن يكفِّر، هل له أن يطأها قبل أن يكفِّر، فإن وطئها قبل أن يكفِّر هل تحرم عليه، وإن كان/104/
__________
(1) بدل ((من)) في أ، ب: وعن رجل. (6/93)
صفحة 2369
وليس له أن يطأها هل تبين بالإيلاء؟ فعلى ما وصفت فإذا لم يفعل هذا حتى بانت المرأة بالإيلاء ثم ردَّها بنكاح جديد فعليه كفَّارة الظهار ولا وقت عليه وليس له أن يطأها حتى يكفِّر، فإن وطئها فلا تحرم عليه إلا أن يفعل الذي حلف، فإن فعل فلا كفَّارة عليه وله أن يطأها./105/ (6/94)
صفحة 2370
وعن رجل طلَّق زوجته إن لم يفعل كذا وكذا ثم لم يفعل حتى بانت منه بالإيلاء ثم تزوَّجها بنكاح جديد، هل له أن يطأها قبل أن يفعل ما حلف عليها؟ وإن وطئها قبل أن يفعل، هل تحرم عليه؟ وهل عليه إيلاء ثانٍ؟ فعلى ما وصفت فإذا بانت بالإيلاء وراجعها بنكاح جديد فقد انهدمت اليمين وله أن يطأها من قبل أن يفعل.
وعن رجل تزوَّج بامرأة ثم طلَّقها ثم تزوَّج بأختها أو عمَّتها أو خالتها أو ابنة أختها وهي بعد في العدَّة منه وظنَّ أنَّ ذلك لا بأس به واعتمد على ذلك إن كان (1) جاز بهنَّ أو لم يجز؟ فعلى ما وصفت فإذا تزوَّج أختها في عدَّة أختها متعمِّداً فقد قال من قال: قد حرمتا عليه جميعاً، وقال من قال: تحرم عليه الآخرة ويكره له أن يجمع ماءه في فرج أختين. وكان الشيخ أبو المؤثر يذهب إلى التَّحريم، وأمَّا الخالة والعمَّة فإنَّه يفرَّق بينهما ولا تحرم عليه امرأته الأولى.
وليس أعلم في هذا اختلافاً وإنَّما حرَّموا الخالة والعمَّة إذا تزوَّجها على بنت أختها ولا تحرم الأولى./106/
__________
(1) في أ، ب: إن كان قد جاز. (6/95)
صفحة 2371
صور من الإيلاء:
وعن رجل له أربع نسوة فحلف أن لا يطأ واحدة منهنَّ، ثمَّ وطئ واحدة منهنَّ ولم يقصد إلى واحدة بعينها هل يحنث؟ وهل عليه في التي يطأ بأساً؟ فعلى ما وصفت فإذا وطئ واحدة منهنَّ فقد خشيت عليه الكفَّارة ولا حنث عليه بعد ذلك إذا وطئ من بقي.
وقلت: إذا حلف لا يطأهنَّ فوطئهنَّ إلا واحدة، هل يحنث وهل تبين من التي لم يطأ بالإيلاء؟ فعلى ما وصفت فإذا حلف على (1) وطئهنَّ جميعاً لا يطأهنَّ كلُّهنَّ فليس عليه في هذا إيلاء إذا حلف لا يطأهنَّ لم يدخل عليه إيلاء، فإذا وطئ واحدة أو اثنتين لم يدخل عليه إيلاء حتى يطأ الثالثة، فإذا وطئ الثالثة دخل عليه الإيلاء في الرَّابعة، فإن لم يطأ الرَّابعة حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء وحدها ولا كفَّارة عليه في يمينه حتى يطأ الرَّابعة.
صورة من الزَّواج الفاسد:
وعن رجل كان له أربع نسوة ثم طلَّق واحدة منهنَّ ثم تزوَّج خامسة (2)؟ فعلى ما وصفت فإن تزوَّج الخامسة فقد حرمت عليه الخامسة أبداً ولا يعذر بجهالته إذا كان قد جاز بها.
قال أبو علي (3) _حفظه الله_: وقد قيل: إذا جاز بها حرمن نساؤه كلّهن والله أعلم.
وعن رجل أعطى رجلاً أرضاً في حياته وصحَّته يزرعها لنفسه فزرع قتًّا وبقلاً أو قطناً وغير ذلك من الأشجار مثل: الفجل/107/
__________
(1) في أ، ب: فإذا حلف عن وطئهنَّ
(2) في أ، ب زيادة: وهي بعد في العدَّة. هل تحرم عليه التي تزوج بها أو تحرم عليه نساؤه كلهنَّ إذا كان غلط في ذلك فظنَّ أنَّه جائز واعتمد على ذلك.
(3) في أ، ب: قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/96)
صفحة 2372
والباذنجان؟ فعلى ما وصفت فإذا كان إنَّما أعطاه إيَّاها منحة فإنَّ له القتاء إلى أن يصف والقطن إلى حول السنة وكذلك الباذنجان وأمَّا الفجل فله وقت ينتهي إليه، فإن سقى القطن من بعد الفضيحة في حياته كان له تمام ذلك إلى أن يصيف القصم والقت إلى حول السنة ثم يخرجه وله تمام الثمرة التي تكون بعد عنائه من بعد الجزَّة الأولى، وكذلك البقل وقد قالوا في البقل له وقت ينتهي إليه، فإذا انتهى إلى وقته فليدعه (1) وأمَّا الموز فله ذلك إلى أن يأكل الأمهات والبنات بطنين الأمهات بطن والبنات بطن، وأمَّا الرمان فإذا أصاب منه مثل ما غرم فيه ثم يقلعه والله أعلم بالصَّواب.
وإن لم يكن غرم فيه شيئًا، فقيل: له عناؤه ثم يخرجه وله تمام الثمرة التي تكون عناؤه وغرمه فيها./108/
__________
(1) في أ، ب: زيادة فليدعه ثم يخرجه وله تمام الثمرة التي كون بعد عنائه. (6/97)
صفحة 2373
من الولي الذي يزوَّج:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم: من جواب لأبي الحواري، وعن امرأة لها عم أخ أبيها فزوَّجها ابن ابن عمِّها أو أسفل من ذلك بلا حجَّة على عمِّها، فإذا وقع الجواز لم يفرَّق بينهما، وإن لم يكن وقع الجواز جدَّد العم العقدة، فإن أبى العمُّ أن يجدِّد العقدة زوَّج الولي الذي هو أسفل منه وجاز ذلك، كذلك جاء في الأثر وذكرت في تزويج الولي بعد الولي إلى ما ينتهي، فقد قال من قال: إذا كان مثل عم وأخ وابن عم، فالعمُّ بعد الأخ وابن العمِّ بعد العم، فإذا زوَّج ابن العمِّ وهنالك عم أو أخ فقد قيل: يفرَّق بينهم.
قال من قال: إذا لم يكن هنالك أب فما صحَّ النسب ووقع الجواز لم يفرَّق بينهما، وفي هذا اختلاف كبير من الفقهاء.
وعن رجل تزوَّج امرأة زوَّجه بها رجل أجنبي على رضى وليِّها ودخل بها الزَّوج وبلغ الولي التزويج من بعد الجواز، هل يكون ذك التَّزويج تامًّا كان الولي أباً أو غير أب؟ فعلى ما وصفت فإذا وقع الجواز من قبل تمام الولي فعن محمَّد بن محبوب قد وقعت الحرمة ويفرَّق بينهما، أتمَّ الولي أو لم يتمَّ، كان أباً أو غير أب. وعن موسى بن علي _رحمه الله_ أنَّه إذا أتمَّ الولي من بعد الجواز لم يفرَّق بينهما، فهذا الذي سمعنا معنا في تزويج الأجنبي، وأمَّا عن موسى في الأب فالله أعلم./109/ (6/98)
صفحة 2374
معنا (1) أنَّ الأب والولي وغير الأب على قول موسى سواء ومن جوابه إلى نجم بن عزَّان، وعن رجل هو يعلم أنَّه يعمل بالمعاصي ولا يرتدع عن المحارم ويأتونه النَّاس يطلبون إليه أن يشهدوه بالشَّهادات على الحقوق فيما بينهم، فإذا شهدوا أجازوا شهادته وحكم بها أو لم يحكم لهذا بها، هل يجوز لهذا الرجل أن يشهد ولا إثم عليه أو ترك (2) ذلك أفضل له وأسلم؟ فعلى ما وصفت، فهذا إذا دعي إلى الشَّهادة وأجاب فهو أفضل له ويشهد بعلمه وقد أدَّى ما حمل من الشَّهادة ولا إثم عليه، وليس عليه أن يقول هو لا تقبل شهادته والإجابة إلى الشَّهادة أفضل من التَّأخير عنها في المعاني التي تحدث بين النَّاس في البيوع والوصايا وما يرى ويسمع وعمَّن دعي إلى شهادة فحضر المجلس وقد دعي أو حضر ويدع وأحب أن لا تحمل الشهادة فوضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع تلك الشَّهادة، هل يجوز له هذا أو إن دعي أن يؤدي الشَّهادة؟ قال: فإنِّي لم أسمع هذه الشَّهادة، هل يجوز له ولا إثم عليه أو هو آثم حتى يعلمهم إنَّه لا يحمل هذه الشَّهادة؟ فعلى ما وصفت، فإن كان هذا الرجل قد دعي إلى الشَّهادة وحضر المجلس، فإن كان قد فعل ذلك وجعل أصبعه في أذنيه ولم يسمع الشَّهادة فليس له أن يشهد ولا ذلك عليه، فإن كان قد قام بالشَّهادة غيره وصحَّ الحق بغيره فنرجوا أنَّه قد نجا من الإثم ولم يكن له أن يغر القوم، وإن كان الحق قد بطل ولم يصحَّ إذا لم يشهد هو بذلك، وقد غرَّ القوم فقد أثم فيم فعل وما يبرئه من الغرم من قبل أمر الآخرة، وأمَّا في الحكم في الدنيا فلا يحكم عليه بالغرم في ذلك وأخاف أن يكون/110/
__________
(1) في أ، ب: والذي سمعنا
(2) في أ، ب: أو يرد له ذلك. (6/99)
صفحة 2375
منزله هذا بمنزلة من كتم الشَّهادة ولو كان ولياً ثم فعل هذا ما توليناه على ذلك إلا من بعد توبة عندنا ولا تصحُّ توبته عندنا إلا بالعزم والله أعلم بالصَّواب.
وإن كان هذا الرجل في المجلس ولم يدع وكان في المجلس جماعة من الثلاثة فصاعداً ففعل ذلك لم يلزمه ما لزمنا الذي دعي إلى الشهادة، وإن كان قد أبى (1) في ذلك وقد قصَّر ولا نقول أنَّه أثم في ذلك ولا غارم ولا تزول ولايته والله أعلم بالصَّواب.
وعن رجل دُعي إلى شهادة فشرط على الذي يحمل له الشَّهادة إني أحمل لك هذه الشَّهادة على أني (2) أردت حملها لك، وإن أردت لم أشهد بها لك وليس علي أن أشهد بها لك إلا أن أحب ذلك، وإلا فلا شهادة لك عندي؟ فعلى ما وصفت فهذا شرط باطل إذا كان الحكم في البلد، وإن كان الحكم في غير البلد الذي أشهد عليه وشرط عليهم إنِّي لا أخرج بهذه الشَّهادة إلى بلد غير البلد، فإنَّ هذا الشرط ثابت ولا تقول لا إثم عليه في ذلك أيضاً (3)، وإن أداها في القريب والبعيد، فهو أفضل وأسلم./111/
__________
(1) في أ، ب: وإن كان قد أساء ...
(2) في أ: على أنِّي إن أردت ...
(3) في أ، ب: لا إثم عليه في ذلك إن شاء الله ... (6/100)
صفحة 2376
الباب السادس
فيمن ترك وطء زوجته
وعن رجلترك وطء زوجته سنة أو أكثر أو أقل، هل يسعه ذلك إذا لم تطلب إليه هي الجماع؟، فإن طلبت الجماع فتركها سنة أو أقل أو أكثر، هل يجوز له ذلك؟ فإذا تركها ولم يرد بذلك ضراراً لها جاز له ذلك، وإن طلبت الجماع إلى زوجها؟ فقد من قال من الفقهاء: يحكم عليه أن يطأها في كلِّ حيضة مرَّة وذلك يجب عليه، وإن لم يحكم عليه بذلك كان عليه إذا طلبت الجماع أن يطأها في كلِّ حيضة مرَّة، الذي عرفنا من القول في هذا الرجل أن يطأ امرأته كلَّما أرادها وليس لها أن تمنعه نفسها إلا من عذر من مرض أو برد تخاف على نفسها منه من عناء الغسل، فهذا في أمر الرجل، وأمَّا المرأة فقد عرفتك ما قيل فيها ولعلَّه قد قيل: غير ذلك أنَّ لها من كل أربع ليال ليلة، فقد قيل: هذا، وقد قيل: غير هذا. والقول الأول الذي عرَّفتك وأرجو أن يكون كلامها صواباً إن شاء الله، والقول الأول هو أقوى عندنا للجماع ولا يجوز له أن يتركها أكثر من حيضة إذا طلبت ذلك إليه وليس على المرأة أن تعرض نفسها إذا لم يطلب ذلك إليها./112/
(1)
__________
(1) في أ، ب: ومن غيره: قال حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن ميسرة الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر قال: (6/101)
صفحة 2377
ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «لا يحلُّ لمرأة تبيت ليلة لا تعرض نفسها على زوجها قيل: وكيف تعرض نفسها على زوجها؟ قال: إذا نزعت ثيابها ودخلت في فراشه تلزق جلدها بجلده».
وعن شريح بن يونس قال: قال علي بن ثابت عن جعفر بن ميسرة الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «لعن الله المسوقات قيل: وما المسوقات؟ قال: الرجل يدعو امرأته إلى فراشه فتقول سوف وسوف حتى تغلبه عيناه فينام».
(1) وعن رجل تزوَّج امرأة بغير صداق أو بأقلَّ من أربعة دراهم ثم مات أحدهما قبل الجواز، هل يتوارثان؟ فعلى ما وصفت فنعم يتوارثان، فإن كانت المرأة الميِّتة وكان ذلك قبل الجواز؟ فقال من قال: على الزَّوج صداقها ويرثها. وقال من قال: يرثها ولا صداق عليها، وإن كان قد جاز بها فعليه الصداق وله الميراث منها، وإن كان الرَّجل الذي مات ورثته المرأة فلا صداق لها إلا ما سمَّاها لها وإن لم يكن سمَّا لها شيئًا فلا صداق لها ولها ميراثها منه، وإن كان قد سمَّى لها بأقل من أربعة دراهم فهو كمن لم يسم شيئًا على قول البعض، وكان يقول بذلك محمد بن محبوب رحمه الله وغير ذلك من آثار المسلمين. وقال من قال: إذا سمَّى لها بأربعة دراهم فليس لها إلا ما سمَّى لها دخل بها أو لم يدخل بها وكان يقول بذلك موسى بن علي رحمه الله.
وعن رجل يغسل فرج ابنته إذا كانت صغيرة؟ فقد قالوا: يضع/113/
__________
(1) في أ، ب: رجع. (6/102)
صفحة 2378
على يده خرقة ويغسل لابنته، فهذا الذي يؤمر به، وإن غسل لابنته ولم يضع خرقة لم تحرم عليه امرأته حتى يمسَّ فرج ابنته لشهوة.
وعن امرأة تجعل جلبابها رقيقاً فينظر ذلك من نحرها أو ما شاء الله من صدرها فلا يجوز ذلك لها ولا لمن ينظر إليها إلا أن تكون ذا محرم، فإن فعلت ذلك ونظر إليها النَّاس فهي آثمة في ذلك منافقة.
وهل يجوز للنِّساء أن ينظرن أيدي النِّساء وأرجلهنَّ؟ فنعم يجوز ذلك للنِّساء أن تنظر المرأة من المرأة من السُّرة فصاعداً، ومن الرُّكبة فهابطاً (1) (وجد النَّاسخ عن الشيخ أبي محمَّد أنَّه لا يجوز للمرأة أن تفلي المرأة. قيل وكيف تفعل؟ قال: المشط فينظر في ذلك. ويكره لهنَّ التَّبرج إلا مع أزواجهنَّ، وهل يجوز للرَّجل أن يخرج فخذه للضيعة؟ فلا يفعل ذلك ولا يجوز له إلا أن يكون مستتراً عن النَّاس ولا يراهُ أحد إلا زوجته أو أمة يطأها./114/
__________
(1) في أ، ب: ويكره لهنَّ التبرج إلا مع أزواجهنَّ. (6/103)
صفحة 2379
ومن غير الجامع: ومن جواب لأبي الحواري رحمه الله، وعن رجل دخل في الليل على امرأة رجل فجامعها وهي تظنُّ أنَّه زوجها فلمَّا علمت أنَّه غير زوجها صاحت من ذلك وأعلمت زوجها بذلك فله أن يصدِّقها أم لا؟ فعلى ما وصفت فليس عليه أن يصدِّقها، وإن صدَّقها على ذلك لم تحرم عليه زوجته وليس هذا بمنزلة الزنى.
(1) قلت: فإن أتت بولد لمن يكون الولد؟ قال: للزوج لأنَّ الولد للفراش وللعاهر الحجر والله أعلم.
وعن رجل قذف امرأته وهو لا يعرفها بذلك ثم أكذب نفسه واستغفر ربه؟ فقال: سمعنا أنَّهما يستران ذلك ولا يرفعانه ولا بأس عليهما إلا قول موسى، فإنَّه قال: قد فسدت عليه امرأته، والذي نظر إلى فرج امرأة فلم يعرف موضع الفرج أين هو؟ قال: إذا نظر شيئًا من جنوب الفرج من تحت الثوب فلا يجوز له أن يتزوَّجها.
ومن جواب لأبي عبيد الله في رجل قال لامرأة أن تخرج من زوجها وهو يأخذها فخرجت أيحلُّ له أو لغيره؟ قال: لا تحلُّ له وهو الذي واعدها، وأمَّا غيره: فلا بأس أن يتزوَّجها، وكذلك الذي يتزوَّج امرأة تحلة للمطلِّق، فإنَّه لا تحل للمحل ولا للمحلول له، ولا بأس بها لغيريهما. وقال: إن تزوَّج غيرها فهو أحبُّ إلي.
ومن غيره: وقال أبو علي: المرأة تسبى فتكره على الوطء؟ قال: قال جرير إن لم يقدر زوجها فلا بأس، وذكر أنَّه تسأل أواقعها ذلك أم لا فما وجدت في الكتاب عنه.
قلت: فعلم رجل أنَّ امرأته زنت، أيسعه أن يحتال في إزالة حقِّها/115/
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في أ، ب. ففي (1) زيادة على أ، ب. (6/104)
صفحة 2380
عنه وإخراجها؟ قال: نعم.
قلت: فإن علمت هي أنَّه زنى أيسعها أن تحتال في أخذ حقِّها منه وخروجها منه؟ قال: نعم إذا أطلقت على ذلك. قال: نعم.
قلت: فإن أقرَّ معها أنَّه زنى؟ قال: إذا أقرَّ معها أنَّه زنى فإنَّما لها أن تمنعه نفسها أن يطأها حتى يكذِّب نفسه.
قلت: فإن علمت أنَّه زنى واطَّلعت على ذلك، أيسعها المقام معه على ذلك؟ قال: لا.
قلت: فإن أقرَّ معها ولم يكذِّب نفسه، أيسعها المقام معه؟ قال: نعم./116/ (6/105)
صفحة 2381
الباب السابع
في النِّكاح
رجع إلى كتاب أبي جابر: بسم الله الرحمن الرحيم واعلموا أنَّ من رحمه الله وحقّه، وما عاد به على خلقه أن أولاهم إنعاماً، وأفضلهم إكراماً، وشرع لهم إسلاماً، وبيَّن لهم حلالاً وحراماً وأزوجاً من أنفسهم وأرحاماً، رحمة من الله لهم واختباراً (1)، أنَّ ملكهم كرائم لهم وأحراراً على عهد وشريطة ووثائق محيطة قد بيَّنتها السور وأوضها النُّور لأهل البصر وما يأخذ العاقل وما يذر، فمن تبعها سوي ولم يمل به عنها الهوى، فهو بها في الدنيا سليم وله عليها جنات النَّعيم وأمَّا إن تعدا فيها حداً، كانت النَّارُ له ورداً، وقال الله تبارك وتعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء مثنى وثلث ورباع} [النساء] وذلك أنَّه كان يكون تحت أحدهم من النِّساء ثمان وعشر لا يعدل بينهنَّ فسألوا النبي (ص) عن مخالطة اليتامى وما يحلُّ لهم من ذلك ولم يسألوه عمَّا هو أعظم منه من أمر النِّساء فنزلت هذه الآية: {وإن خفتم ألاَّ تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء مثنى وثلث ورباع فإن خفتم ألاَّ تعدلوا فواحدةٌ} [النِّساء] ثم قال: {أو ما ملكت أيمانكم} [النِّساء] يعني فإن خفتم ألا تحسنوا (2) في واحدة فاتخذوها وفي نسخة فاتخذوا من الولائد ذلك أدنى أن لا تعولوا/117/
__________
(1) في أ: واختياراً.
(2) في أ، ب: فإن خفتم ألا تقسطوا فواحدة ... وهنا أصح من (1). (6/106)
صفحة 2382
فحرَّم عند ذلك على الرجل (1) أن لا يعدل حرم عليه أن تتزوَّج إلا واحدة محرم ذلك أن يتزوَّج الرجل أكثر من أربع من المسلمات أو من أهل الكتاب إلا النبي (ص) قيل أنزل الله عليه {لا يحلُّ لك النِّساء من بعد ولا أن تبدَّل بهنَّ من أزواج ولو أعجبك حُسنهنَّ إلا ما ملكت يمينُك} [الأحزاب] فأمره الله بهذا وله تسع من الأزواج، وقال الله له أيضاً: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنَّبي إن أراد النَّبي أن يستنكحها خالصةً لك من دون المؤمنين} [الأحزاب] فالهبة إنَّما جازت للنَّبي (ص) خالصةً وكذلك نساء النبي كن حراماً أبداً على غيره، وقيل: أنَّه ذكر من ذكر منهم أخذهنَّ بيده من بعده فاشتدَّ ذلك على النبي (ص) فأنزل الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إنَّ ذلكم كان عند الله عظيماً} [الأحزاب] وقال تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكحَ المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنت والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ} [النِّساء] فمن خاف على نفسه العنت ولم يستطع أن يتزوَّج حرة فله أن يتزوَّج أمة بإذن سيِّدها أو أمتين ولا يتزوَّج من الإماء أكثر من ذلك ولا يتزوَّج الحر ولا العبد من إماء أهل الكتاب، والنِّكاح من سنن المرسلين./118/
__________
(1) في أ، ب: محرم عند ذلك على الرجل أن يتزوَّج أكثر من أربع ويتزوَّجهنَّ من بعد ويتزوَّجهنَّ من المسلمات الحرائر ومن النِّساء (نساء) أهل الكتاب إلا النبي (ص) ... في أ، ب النص متَّسق سليم فهو أولى بأخذه. (6/107)
صفحة 2383
ومن غير كتاب محمَّد بن جعفر (1): حفظ سعيد بن الحكم عن بشير بن محمَّد بن محبوب عن عزَّان بن الصقر قال: روي عن النبي (ص) أنَّه قال: «تزوَّجوا الأبكار فإنَّهنَّ أعذب أفواهاً وأنتق أرحاماً وأقنع بالبضع اليسير».
ومن غيره: قال: روي عنه (ص) أنَّه قال: «من أحبَّ يلقى الله طاهراً فليتزوَّج الحرائر».
ومن غيره: وسألته عن الرجل يخطب المرأة أيحلُّ له أن يوصف محاسنها؟ قال: يكره ذلك إلا أن يقال أنفها وعينها حسن وهي ناعمة البدن وما سوى ذلك من الصفة مكروه
وسألته عن الرَّجُل يخطب فيقول: لا أتزوَّجها حتى أنظر إليها، هل يجوز أن تستر وتلمح وجهها وينظر إليها؟ قال: إذا هي ليست ثيابها واختمرت وتجلبت ومن فوق الجلباب رداء حتى لا يرى منها إلا وجهها فلا بأس بذلك ولا تقعد في شيء من الثياب يصف جسدها له./119/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: محمد بن جعفر، بل ومن غيره. (6/108)
صفحة 2384
رجع: وقيل عن النبي (ص) قال: حبب إلي النِّساء والطيب وجعل قرَّة عيني في الصَّلاة. وقيل: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليِّها وليس لوليِّها أن ينكحها إلا برضاها.
أركان النِّكاح:
وقيل: لابد في التَّزويج من أربعة: الزوج والمزوج والشاهدين، ولا يكون أقل من ثلاثة المزوج وشاهدان، وإن لم يكن شاهدان رجلان مسلمان حران ورجل وامرأتان من أهل الصَّلاة فالنِّكاح فاسد، وإن كان المزوَّج هو الولي وأشهد لنفسه فذلك جائز وأحب إلينا أن يؤكل من يزوجه، ويستحبُّ كثرة الشُّهود وشهرة النِّكاح، وقيل: فرق ما بين النِّكاح والسفاح ضرب الدُّف واختلف في النِّكاح إذا لم يشهد الولي الشاهدين جميعاً بالنِّكاح في مجلس واحد وأشهد بالتَّزويج مع واحد في مجلس ثم جلس في مجلس آخر فأشهد بالتَّزويج مع الشاهد الثاني.
قال من قال: إنَّ النِّكاح فاسد. وقال من قال: إنَّه يجوز، وإن كان الولي أشهد الشاهدين قبل الجواز ثم جاز هذا لم أقدم على فساده ولا نقضه ولا (1) من رضى المرأة بعد الزوج ولو رضيت من قبل ذلك ثم أنكرت بعد التَّزويج كان لها ذلك، والثيب تستأذن في تزويجها حين تزوَّج لمن ترضى به، والبكر تعلم أيضاً، وإذا زوِّجت الثيب عرف رضاها، والبكر قيل يقال لها سكوتك رضاك وتعلم بالتَّزويج، فإن لم تنكر فقد أجاز المسلمون ذلك عليها./120/
__________
(1) في أ، ب: ولابد من رضى .. وهنا أصحُّ. (6/109)
صفحة 2385
رضى الزوجة:
وقال من قال من الفقهاء: إنَّ أوَّل ما تقول في ذلك يتمُّ عليها إن قالت: لا أرضى انتقض النِّكاح ولم ينفع رضاها من بعد، وإن قالت: رضيت لزمها النِّكاح. وقال من قال: إن كان الشهود الذين أعلموها بالتَّزويج في مجلسهم وكلَّموها حتى رضيت فهو تام، وبلغنا أنَّه كان من رأي أبي عثمان أنَّه قال: إذا قالت أولاً لا أرضى انتقض النِّكاح، وكان من رأي موسى بن أبي جابر: أنَّها إذا رجعت رضيت والزَّوج متمسِّكٌ يتم النِّكاح.
وكان موسى بن علي يأخذ برأي أبي عثمان حتى حدث مثل ذلك فجبن عن الفراق بينهم ورجع إلى رأي جده موسى بن أبي جابر ونحبُ في مثل هذا إذا كرهته أولاً ولم ترضى ثم رجعت رضيت أن يجدِّدوا النِّكاح، فإن لم يجدِّدوه وجاز بها على النِّكاح الأول فقد قالوا: إنَّه تام. وقيل: وقال موسى بن علي رحمه الله وأفتى في امرأة زوجها ابن عمِّها في قرية فرضيت فلمَّا قدم العمُّ غيَّر ذلك؟ قال: إذا كان ذلك برضى المرأة فأرادُ جائزاً ولا يفرق بينهما دخل الزوج أو لم يدخل بها. وقال موسى حدَّثني مسعدة قال: خرجنا حُجَّاجاً فلمَّا كُنَّا بتوأم سألونا عن رجل زوَّج أخته ووالدها محاضر فلم يجيزوا أن يفرِّقوا بينهما حتى أتوا مكَّة فسألوا بعض أشياخ المسلمين فلم يروا أن يفرِّقوا بينهما وأولى بالتَّزويج الأب، ولا يجوز تزويج غيره إذا أحضر إلا برأيه ثم من بعده الابن والأخ. وقال من قال: الابن أولى والأخ أكرم. والابن أولى عندي./121/ (6/110)
صفحة 2386
درجات الأولياء:
قال أبو سعيد: قال بعضهم: إنَّ الأخ أولى وأكرم أنَّه عصبة وإنَّما التَّزويج للأولياء من العصبة والأخ أولى بدمها وتزويجها والابن أولى بميراثها، وإن كان الولي صغيراً لا يعقل فلا تزويج له. وقيل: حتى يكون سداسياً، وإن كان يعقل ما يريد به وفي نسخة ما يزيده وما ينقصه ويعرف يمينه من شماله والسمَّاء والأرض فتزويجه جائز وبعده الإخوة للأب والأم أو للأب وبنوهم من بعدهم ثم عصبتها من كان أقرب فهو أولى بتزويجها والعبد إذا كانت ابنته حرة، فقيل: إنَّ سيِّده أولى بتزويجها وإن زوَّجها هو فقد قال من قال: من الفقهاء: أنَّ النِّكاح لا ينتقض. وقال أبو الحواري: إذا كانت أمُّها حرة فولاءها إلى موالي أمِّها وهم أولى بتزويجها إلا أن يعتق الأب، فإن لم يعتق الأب ومات مملوكاً فولاؤها إلى مولى أمِّها إن كان الذي أعتقها غير الذي أعتق أمَّها فولاؤها إلى من أعتقها وهو أولى بتزويجها، فإن لم يكن لها ولياً من قبل عتقها أو عتق أمِّها والسلطان أولى بتزويجها من أبيها وموالي أبيها، فإن أعتق الأب ومات حُرًّا تحوَّل ولاؤها إلى موالي أبيها، إذا كانت إنَّما عتقت بعتق أمِّها، وأمَّا الذمي إذا كانت ابنته مسلمة (1) تزامن في ذلك ويؤمر أن يأرم مسلماً بزوجها ولا يزوجها هو.
قال أبو الحواري: إذا كان لها ولي مسلم من أخ أو ابن أخ أو عم (2)، فهو أولى بتزويجها من أبيها. فقال أبو المؤثر: يؤمر أبوها أن يحضر، فإن لم يحضر ولم يكن لها ولي مسلم زوجها السلطان/122/
__________
(1) في أ، ب: فقيل يوآمر في ذلك ويومران ... هكذا والصحيح: فقيل يأمر في ذلك.
(2) في أ، ب: من أخ أو ابن عم .. (6/111)
صفحة 2387
تحضره، وإن لم يحضر أبو الأب (1) جاز التَّزويج.
أذن السيد للعبد:
وقيل: لا يجوز تزويج عبد ولا أمة إلا بإذن سادتها (2)، فإن لم يكن برأيهم، فالنِّكاح فاسد وإن تزوَّج العبد بلا رأي سيده ثم علم السيد فأتم ذلك فالنِّكاح تام ولو كان العبد قد جاز قبل ذلك. قال أبو الحواري بهذا نأخذ. وقال بعض الفقهاء: لا يجوز. وإن علم السيد فلم يرضى ولم يغير، فالنِّكاح غير تام حتى يرضى، وهو قول أبي الحواري، وقيل: إن أعتق العبد قبل أن يتمَّ سيده، فقد قيل: أنَّ النِّكاح يتمُّ إذا عتق العبد وتمسَّك بالنِّكاح وكذلك إذا عتقت وهي مع العبد أو الحر فلها الخيار، فإن علمت بالعتق ولم تختر نفسها حتى وطئها فلا خيار لها، وإذا ملكت المرأة زوجها أو شيئًا منه فقد حرم عليها، وكذلك إذا ملكها أو شيئًا منها فقد انفسخ النِّكاح.
ولي المعتقة:
والمعتقة أولى بتزويجها من أعتقها، ومن أعتق أباها أو من كان إليه ولاؤها وإن زوَّجها سلطان فجاز، ومن لم يكن له من النِّساء ولي فالسُّلطان ممَّن كان أولى بتزويجها من عادل أو جائز والذي تملكه زوجته ويبطل النِّكاح إن رضيت به وأعتقه واتَّفقا على نكاح جديد فذلك لهما، وإن وطئها قبل أن يحدد والعقدة حرمت عليه أبداً، والأب إذا أوصى في تزويج بناته وجعل الوصيَّة أن يوصي في تزويج حرمته إلا الأب، وأمَّا الوكالة للأحياء من الأحياء وكل من /123/
__________
(1) في أ، ب: وإن لم يحضر الأب ...
(2) في أ، ب: ساداتهما ... (6/112)
صفحة 2388
غاب من الأولياء ووكل في ذلك جائز.
البعد عن الطِّيبات:
وقال الله تبارك وتعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا طيبت ما أحلَّ اللهُ لكم} [المائدة] وذلك أنَّه قيل: إن اجتمع عشرة من أصحاب النبي (ص) منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود في دار ابن مظعون فذكروا القيامة وبكوا واتَّفق رأيهم على أن يكونوا في الزُّهاد وحرموا على أنفسهم طيِّبات الطَّعام واللِّباس والجماع وهمُّوا أن يقطعوا مذاكيرهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك النبي (ص) فأتا منزل عثمان بن مظعون وقد كانوا تفرَّقوا، فقال النبي (ص) لامرأة عثمان: أحق ما بلغني عن عثمان وأصحابه فكرهت أن تُكذِّب النبي (ص) قول لزوجك إذا جاءك أني أكل وأشرب وأنام وأصلي وأصوم وأفطر، وآتي النِّساء فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي فلمَّا جاء أخبرته فرجعوا عن الذي كره النبي (ص)، ونزلت هذه الآية {يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا طيِّبات ما أحلَّ الله لكم ولا تعتدوا إنَّ لا يحبُّ المعتدين} [المائدة] يقول: لا تُحرِّموا حلالاً ولا تقطعوا المذاكير وقال الله تبارك وتعالى في كتابه.
حكم نكاح المتعة:
{ولا جُناح عليكم فيما تراضيتم} [النساء] وذلك قيل في أوَّل الإسلام أحلَّ لهم النبي (ص) نكاح المتعة وكان يتزوَّج الرجل المرأة بكذا أو كذا على شرط أيام معروفة، فإذا يتم الأجل أعطاها أجرها الذي/124/ (6/113)
صفحة 2389
فرض لها، فإن أحبَّ أن تزيده في الأيام قال له: أزيدك في الأجرة وتزيد في الأيام قال له: أزيدك في الأجرة وتزيديني في الأيام شاءت المرأة فعلت ذلك وكانوا إذا تمَّ الأجل الذي تزوَّجها إليه تركها.
الناسخ للمتعة: وقال من قال: إنَّه الطلاق والعدَّة والميراث نسخت المتعة، وقال من قال: إنَّ المتعة ليست بمنوسخة وإنَّها حلال وجائز لمن عمل بها. قال أبو الحواري: عن نبهان عن محمَّد بن محبوب: إنَّ تزويج المتعة جائز، وقال لي نبهان عن سليمان بن سعيد عن أبي صفرة أنَّه قال: لو أجد تزويج المتعة لتزوَّجت، وتزويج المتعة معنا بوليّ وشاهدين يسميان من الأجل ما اتَّفقا عليه، وقال من قال: أبو سعيد _رحمه الله_ وإن مات أحد الزوجين بالمتعة في أيام الزوجية ورثا بعضهما بعضاً، وإن طلَّقها وقع الطَّلاق وإذا طلَّقها أو انقضى الوقت فعليها عدَّة المطلَّقة، وأمَّا إذا مات في أيام الزوجية فعليها عدَّة المتوفَّى عنها زوجها، وأحكام تزويج المتعة في أيام الزوجية بين الزَّوجين./125/ (6/114)
صفحة 2390
حكم الزواج من الزَّانيَّة:
رجع: وقال الله تبارك وتعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانيةً أو مشركً والزَّانية لا ينكحها إلا زان أو مشركٌ وحُرِّم ذلك على المؤمنين} [النور] قيل المحدود على الزنى لا ينكح إلا محدودة على الزنى غير التي زنى بها (1) والمحدودة لا ينحكها إلا محدود.
ومن غيره: قال أبو سعيد: وإنَّما قيل أن يتزوَّج المحدود على الزنى المحدودة على الزنى إذا لم يعلم هو بزناها ولم يعاين هو زناها، لأنَّ ذلك حرامٌ على المؤمنين (2)./126/
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: على الزنى غير التي زنت بها.
(2) في أ، ب: المحدود على الزنا بمحدودة على الزنا غير التي زنا بها ولا يجوز تزويج الذي زنا بها ولو حداً جميعاً، وكذلك لا يجوز تزويج من علم زناه من النِّساء ولو حداً على الزنا وإنَّما يجوز له تزويج محدودة على الزنا إذا لم يعلم هو زناها ول ميعاين هو زناها ذلك ... (6/115)
صفحة 2391
المحرَّمات من النِّساء:
رجع: وقال الله تعالى: {حُرِّمت عليكم أُمَّهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمَّاتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبناتُ الأخت وأُمَّهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتُكم من الرَّضاعة وأُمَّهاتُ نسائكم وربائبُكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ فإن لم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جُناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النِّساء] ويحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب، ومن تزوَّج امرأة ثم فارقها جاز بها أو لم يجز بها، فلا يجوز له أن يتزوَّج أُمَّها، لأنَّه قد قال وأُمَّهات نسائكم مبهمة، وقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ، فإن لم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جُناح عليكم، فمن تزوَّج امرأة ثم فارقها من قبل أن يدخل بها جاز له أن يتزوَّج ابنتها، فإن جاز بالأم حرمت عليه ابنتها أبداً. وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم يعني حرم نساء الأبناء على الأباء دخل بها الابن أو لم يدخل، فهي حرام أبداً على الأب (1)، وكذلك الربيب يتزوَّج من نكح زوج أمِّه، وحرام نساء الأبناء على الآباء إلا ما قد سلف يعني ما قد مضى قبل التَّحريم، هذه قبل هذه المسألة، ويكره أن يتزوَّج الرجل بامرأة ربيبة التي دخل بها أيضاً. قال أبو الحواري: أن يتزوَّج امرأة ربيبه لم تحرم عليه.
قال أبو سعيد: إنَّما عفى لهم عمَّا مضى قبل أن يقع التَّحريم فلمَّا وقع التَّحريم كان ذلك محرَّماً ولو كان التَّزويج إنَّما وقع قبل/127/
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في أ، ب: على هذا الشكل إنَّما يؤخر عن القوسين. (6/116)
صفحة 2392
ذلك، فإنَّ ذلك يفسد حين ذلك. وفي نسخة في ذلك التَّحريم فلو كان قد تزوَّجها قبل ذلك، ويكره للرجل أن يجمع بين المرأة وامرأة أبيها وقد فعل ذلك من فعل فلم يروه حراماً، وكذلك قيل يكره للرجل أن يتزوَّج أو يطأ ما تزوَّج أو وطئ زوج أمِّه بلا حرام نبصره، وكذلك يكره أن يجمع المرأة وربيبتها وقد فعل ذلك من فعل في عصر الفقهاء فلم ينكروه، ويكره للرَّجُل أن يتزوَّج بتريكة جدِّه أبي أمِّه ولا أبي أمِّه وأبي أبيه حرام مفرَّق بينهما. قال أبو سعيد وقول: أبو الحواري أصحُّ في هذا، قال أبو الحواري حرام عليه تريكه جده أبي أم أبيه، وقول أبي الحواري: أصحُّ في هذا.
النظر إلى فرج المرأة:
ومن نظر إلى فرج امرأة عمداً أو مسَّه عمداً فلا يحلُّ له تزويجها أبداً.
ومن غيره: وقال من قال: لا يفسدها النَّظر والمسُّ على العمد ما لم يكن بشهوة والله أعلم. ومن الأثر عن موسى بن علي، وقيل: إنَّ حدَّ الفرج الذي ينقض الوضوء للزَّوجيَّة والذي يفسد به النِّكاح وهو موضع الجماع وهو موضع الختان ليس موضع ملتقى الدَّفتين والشقّ إنَّما هو موضع الثقب مع الجماع. /128/ (6/117)
صفحة 2393
رجع: وكذلك إن مسَّ فرج أمِّها أو نظره عمداً فلا يتزوَّجها، وإن
أثر النظر إلى الفرج المحرم:
مس أو نظر خطأ فلا بأس أن يتزوَّجها، وإن نظر ثم لم يدر أكان ذلك خطأ أو عمداً فحفظت عن محمَّد بن محبوب _رحمه الله_ أنَّه لا بأس عليه أن يتزوَّجها حتى يعلم يقيناً أنَّه نظر فرجها عمداً. ومن نظر إلى فرج ابنته أو ربيبته أو مسَّه وهي صغيرة متعمِّداً الشَّهوة فسدت عليه بذلك امرأته، وإن كانت ابنته أو ربيبته امرأة بالغة ثم نظر فرجها متعمِّداً فسدت عليه بذلك امرأته. قال النَّاظر في هذه المسألة: وذلك إذا كانت امرأته أم البنت التي نظر فرجها على العمد على ما وصفت في هذه المسألة من التَّحريم والله أعلم. ولو لم يكن لشهوة.
قلت لمحمد بن محبوب: فإن كان نظر إلى فرج ابنته الصغيرة متعمِّداً ثم غلبته الشهوة بعد؟ فقال: لا تفسد عليه امرأته حتى يكون النَّظر بالعمد والشهوة معاً. وقال محمد بن محبوب -رحمه الله-: إنَّ آخر ما كان من رأي موسى بن علي_ رحمه الله_ أنَّه لا بأس على من نظر إلى فرج ابنته الصغيرة متعمِّداً ولا تفسد عليه أمُّها إلا أن يكون نظره لشهوة فتفسد أمُّها. قال: وكان أبو علي يرى غير ذلك بعلمه فرجع إلى ذلك الرأي، وكذلك حفظ لي عمر بن محمد عن أبي علي: سأل أبا موسى بن علي -رحمه الله- عن صبي ضرب يده على فرج صبيَّة لشهوة أو لغير شهوة أو نالها بذكره فلمَّا بلغها أراد أن يتزوَّجها؟ فقال موسى بن علي: ما كانا صبيين فلا نرى بذلك بأساً.
قلت له: فما حدُّ الصبي؟ قال: هو صبي حتى يبلغ. وقال لنا غيره من الفقهاء: لا فساد في ذلك إلا أن/129/ (6/118)
صفحة 2394
أن يولج الصبي في الفرج، قال أبو الحواري: ولو أولج أنَّها لا تحرم عليه هكذا قال أبو المؤثر عن بعض الفقهاء: وبهذا نأخذ. وقال محمد بن الحسن_رحمه الله_ قال من قال من الفقهاء فرج الصبي كأصبعه فلا بأس بتزويجها، وأمَّا الرجل البالغ إذا نظر إلى فرج صبيَّة عمداً فقد قيل: في ذلك باختلاف، منهم من شدَّده ومنهم من لم يحرِّم نكاحها عليه إذا بلغت إلا أن يكون نفسه دعته إلى تزويجها لما نظر منها فلا ينبغي له تزويجها ومن أخذ بذلك فلا بأس. قال محمد بن الحسن _رحمه الله_ الذي نأخذ به في نظر البالغ فرج الصَّبيَّة إن كان إنَّما تزوَّجها لتلك النَّظرة فلا يتزوَّج، وإن كان لغير تلك النَّظرة فلا بأس.
ومن غيره: في الأثر وسألته عن رجل مسَّ فرج جاريَّة صغيرة أيتزوَّجها إذا هي شبَّت؟ قال: لا بأس بذلك./130/ (6/119)
صفحة 2395
رجع: وعن امرأة مسَّت فرج رجل بيدها أيجوز له تزويجها؟ فنعم يجوز له تزويجها، لأنَّ مسَّ المرأة غير مسِّ الرجل، وإن جاءت إليه وهو ناعس فأخذت فرجه وأهدته إلى فرجها فمسَّ فرجه فرجها ثم انتبه فدفعها عنه، فلا يجوز له تزويجها.
ومن مسَّ فرج أم امرأته خطأ أو عمداً حرمت عليه امرأته. قال أبو علي حفظه الله: وقد قيل: أنَّه إن مسَّ فرج امرأته خطأ لم تفسد عليه امرأته إلا أن يجامعها خطأ أو عمداً، فإنَّه تفسد عليه امرأته.
وعن أبي علي رحمه الله: أنَّها لا تحرم عليه بالمسِّ على الخطأ ما لم يتعمَّد، وأمَّا النظر فحتى ينظر إلى فرج أم امرأته عمداً ثم يحرم عليه امرأته ولا بأس بالخطأ وليس والد امرأته مثل أمِّها ولا تفسد عليه امرأته بنظره إلى فرج والدها ولا مسِّه، وإن جامعه فسدت عليه امرأته وهي ابنته الذي وطئ دبره من قبل فلا يحلُّ له تزويج ابنته، وكذلك دبر أم امرأته ووليس هو مثل الفرج ولا تفسد عليه امرأته بالنظر إلى فرج أمِّها ولو تعمد، ومن نظر إلى فرج امرأة عمداً قيل: لا يحلُّ لابنه تزوُّجها، فإن نظر الوالد إلى فرج امرأة ابنه لم يفسدها ذلك على الوالد، لأنَّها ذات محرم منه، وهو يكره للأب وكذلك إن نظر إلى فرج أمِّه متعمِّداً لم يضر ذلك أباهُ، وكذلك قيل عن ابن عثمان أنَّ عبد الله بن جناح كان ملك امرأة فتسوَّر عليها جدار الدَّار في الليل فوجدها وأمَّها نائمتين وقد انحسرت الثياب عن فرج أمِّها فنظر إلى فرجها متعمِّداً وهم بها ثم رحع ثم عاد إليها فلم يزل كذلك حتى أدركه الصبح ولم يصنع شيئًا قال فسأل الرَّبيع عن ذلك؟ فقال: لا بأس، وكذلك عنه: لا بأس فيما يكون من نظر/159/ الليل ولو كانت قمراً، لأنَّ الله قال: {وجعلنا الليل لباساً} [النبأ] وقد علم أن يكون فيه ظلام وقمر، فأمَّا نظر بالنَّار أو النَّهار في الماء عمداً فلا يتزوَّجها، وقد بلغنا عن الوضاح بن عقبة رحمة الله عن علي بن عزرة في رجل نظر إلى فرج امرأة في الماء عمداً قال: لا يحلُّ له نكاحها وينتقض وضوءه وصيام يومه ذلك، وسمعنا أنَّه نظر إلى فرج امرأة (6/120)
صفحة 2396
بالمرآة لم يحلَّ له نكاحها، وقيل: في الذي يملك امرأة ثم ينظر إلى فرجها في ظل الماء ثم يطلِّقها أنَّه ليس لها إلا نصف الصَّداق.
وقال من قال: لها الصداق كامل، قال أبو الحواري: إن نظر إلى ظل فرجها في الماء فلها نصف الصصدق، وإن نظر الفرج في الماء وهي في الماء فلها الصداق كاملاً ويفسد فرج الأم والبنت والربيبة وما علا من ذلك من أمهات الأم، سفل من بنات البنت والربيبة إذا نظر إلى فرج الأمهات أو نظر إلى فرج البنات أو بناتهنَّ عمداً لشهوة.
ومن غير الجامع: وجدت أنَّ مسَّ فرج امرأته ولم يطأها ثم طلَّقها إنَّ عليه صداقها كاملاً. وقيل: لها نصف الصداق حتى يجامع. وقيل: في رجل نكح غلاماً تم تزوَّج بأخته أو بأمِّه؟ فأمَّا الأخت فلا بأس عليه في تزويجها وأمَّا الأم فتزويجها حرام، وكذلك البنت بنت الغلام.
ومن مختصر الشيخ أبي الحسن رحمه الله ومن زنا برجل لم يجز له أن يتزوَّج بأحد من أمَّهاته ولا بناته وإن سفلن./160/
(1) قال غيره: قيل: لا يحلُّ للفاعل أن يتزوَّج ابنته المفعول به ويتزوَّج ابنة الفاعل به، وبعض أجاز أن يتزوَّج المنكوح ابنة المفعول يه ويتزوَّج ابنة الفاعل به. وبعض أجاز أن يتزوَّج المنكوح ابنة النَّاكح، ولا يجوز للنَّاكح أن يتزوَّج ابنة المنكوح أبداً، ورجل زنى بامرأة ثم تزوَّجت المرأة وولدت أولاداً ثم أراد ابن هذه المرأة أن يتزوَّج بابنة الزَّاني بأمّه أنَّه جائز له ذلك، وكذلك ابن الرجل الزَّاني بها أن يتزوَّج ابنة هذه المرأة التي زنا بها أبوه، والله أعلم.
وفي الضياء عن مسبح: أنَّه لا بأس أن يتزوَّج الفاعل بأم المفعول به.
__________
(1) من قوله قال غيره إلى نهاية الصفحة لا يوجد في أ، ب. (6/121)
صفحة 2397
ومن غيره: ويوجد عن الشيخ أبي محمَّد لعلَّه أجاز تزويج الناكح ابنة المنكوح في بعض الرِّوايات عنه. وفي موضع آخر: أنَّه لا يجوز، وكره بعض تزويجها ولم يرى حراماً. /161/
رجع إلى كتاب أبي جابر: وحفظ عن هاشم عن موسى أنَّ من وطء فرجاً بخطأ في العدَّة بتزويج أن يفرَّق بينهما ثم لا يعود إليها بنكاح جديد ولا غيره.
حكم الزواج في العدَّة:
وفي رأي آخر عند الفقهاء في رجل تزوَّج امرأة في بقيَّة عدَّتها من مطلَّقها وهما جاهلان بذلك أنَّه يفرَّق بينهما، فإن ردَّها الأول في بقيَّة عدَّتها فلا يطأها حتى تنقضي عدَّتُها من الآخر ثم يطأها، فإن لم يرجع إليها، فإذا انقضت عدَّتها منه فأرادها الأخير فبنكاح جديد وإن لم يردَّها أتمَّت عدَّتها منه وتزوَّجت إن شاءت وإنَّما يدركها الأول على حال في الوقت الذي يعلم ذلك من بعد أن فارقها الآخر ولا ينظر في تمام العدَّة وهي مع زوج، فإذا قضت عدَّة الأول ولم يردَّها الآخر اعتدت أيضاً منه عدَّة تامَّة ثم تزوَّجت إن شاءت وإنَّما تبتدي بعده الأول على حال إذا علم ذلك واعتزلها الآخر إلا أن تكون حاملاً من الآخر فإنَّما تبتدي بعده الحمل، فإن انقضى (انقضت) عدَّتها قبل أن تضع حملها ثم تعتد من الأول بقيَّة عدَّتها منه وليس تدخل عدَّة الأول في عدَّة الآخر في الحمل.
فقال أبو الحواري: وهذا إذا كان تزويجها بالأخير ومعها أنَّ عدَّتها قد تمت من الأول فلمَّا نظروا من بعد أن تزوَّجت بالأخير إذا هي باق عليها في عدَّة الأول أيام أو شيء من الحيض فعند ذلك يجتنبها الأخير من حينما علمت بقيَّة العدَّة، فإن أرداها الأول راجعها فيما بقي من العدَّة إن كانت بقيت عنده شيء من الطَّلاق، وإن كانت تزوَّجت بالأخير في عدَّتها متعمَّدة إلا أنَّها جاهلة بالعدَّة فقد/162/حرمت على الأخير أبداً ولا تحلُّ للأول أبداً هكذا حفظنا، وإذا أذن المولى لعبده أن يشتري جاريَّة ويتسرَّاها فقيل: ليس له ذلك إنَّه لا يحلُّ امرأة إلا بتزويج أو ملك يمين فليس للعبد ملك يمين ولا تزويج إلا بإذن مولاهُ. (6/122)
صفحة 2398
حملت من غيره مكرهة وهي على ذمَّة زوجها:
وقيل في رجل وقع آخر على امرأته فوطئها وهي كارهة لذلك فحملت فلا تحلُّ لزوجها أن يطأها حتى تضع حملها.
قلت: فإن وطئها من قبل أن تضع حملها أتفسد؟ قال: الله أعلم. وأرجو أن لا تفسد عليه، ومن تزوَّج الأمة ثم طلَّقها تطليقتين ثم اشتراها فلا يطأها بملك يمين حتى تزوَّج زوجاً غيره ويفارقها وتعتَّد منه، ومن تزوَّج امرأة على أنَّها حرة فصحَّ أنَّها أمة فاشتراها فكره من كره أن يطأها بملك يمين لحال ذلك الوطء. قال أبو الحواري: إن كان أتمَّ له سيدها الذي وطئها في ملكه بذلك التَّزويج جاز له أن يطأها بملك اليمين، وقيل: عن محمَّد بن محبوب-رحمه الله- له أن يطأها وأمَّا إذا تزوَّجها على أمة ثم اشتراها من بعد فقد صارت له وينفسخ النِّكاح ويطأها بملك اليمين وليس عليه استبرائها على هذا، وقيل: في الذي يملك المرأة ثم ينظر إلى فرجها في ظلِّ الماء ثم يطلِّقها أن ليس لها إلا نصف الصداق.
وقال من قال: صداق كامل. وفي جواب موسى بن علي إلى اليمان (1) بن الحكم عن رجل نظر إلى امرأة عريانة ونظر إلى الفرج وهي قائمة ثم أراد تزويجها إن كان نظر إلى امرأة عريانة ونظر إلى/163/ الفرج وهي قائمة ثم أراد تزويجها، فإن كان نظر إلى نفس الفرج فسدت عليه، وإن كان لم ينظر إلى الفرج نفسه إلا موضع الشعر وما ظهر من جوانبه فلا تفسد عليه إن شاء الله. وعن محمد بن محبوب رحمه الله:
حكم مسِّ الفرج المحرم:
فيمن ملك امرأة ثم فارقها قبل أن يدخل بها وقد كانت جاءته وهو ناعس فأخذت يده فوضعتها على فرجها من تحت الثوب ثم انتبه فدفعها عن نفسه فعسى أن لا يلزمه إلا نصف صداقها، لأنَّ هذا جاء منها، وكذلك إن فعلت ذلك أمُّها فلا تحرم عليه ابنتها، لأنَّ
__________
(1) في أ، ب: سليمان بن الحكم (1). (6/123)
صفحة 2399
هذا جاء من أمِّها وقد اختلف في مسِّ الذكر؟ فقال من قال: مسّها كمسّه، وقال من قال: ليس مسّها كمسّه.
وقال من قال: في رجل تزوَّج بصبيَّة ثم نظر إلى فرجها ومسَّه بيده ثم عزل عنها إلى بلوغها فلمَّا بلغت كرهته؟ قال: يفرَّق بينهما ولا صداق لها إلا أن يطأها، وإن اتَّفقا على أن يتزوَّجها بعد ذلك فلا بأس.
وقال من قال: لا يرجع بتزوّجها والرأي الأول أحبُّ إليه. وكذلك قال من قال: إذا مسَّ فرج الصَّبيَّة أو نظر إليه ثم كرهته إذا بلغت فعليه صداقها لما نظر منها، ولعلَّ ذلك رأي موسى بن علي رحمه الله. قال أبو الحواري: بقول موسى بن علي: نأخذ أنَّ لها صداقها عليه إذا نظر إلى فرجها أو مسّه بيده ومن تزوَّج امرأة ثم علم أنَّها أخته من الرضاعة وقد نظر أو مسَّ فلا نرى عليه صداقاً إلا أن يكون قد وطئها، ومن تزوَّج امرأة و نظر إلى فرجها ثم فارقها/164/ فلا عدَّة عليها في ذلك ولها صداقها كامل بالنظر والمس وعن أبي علي في رجل غسل فرج ابنته وهي صبيَّة فلا فساد على امرأته إن شاء الله، إلا أن يكون ذلك لشهوة، ومن نظر دبر امرأة عمداً أفلا يتزوَّجها ولا تحلُّ له أبداً.
وأخبرنا أبو زياد عن عزان بن أسيد (1) في رجل كان ناعساً فجاءت ختنه أم امرأته فأدخلت يدها فقبضت على فرجه فانتبه حين قذف فأدخل يده فمسَّ جسدها ما خلا العورة، فسأل سليمان بن عثمان ومحبوباً فوقفا ولم يجيبا ثم هو اليوم معها وقال أبو عبد الله: لا تحرم عليه.
وعن أبي علي: في امرأة وقال أيضاً: في رجل ضم أم امرأته ولمس منها غير الفرج ووضع الفرج على الفرج من فوق الثوب حتى أنزل؟ قال أبو عبد الله: لا يحرمها عليه، فإذا أراد أن يتنزَّه فذلك إليه.
__________
(1) في أ، ب: عزان بن راشد (2). (6/124)
صفحة 2400
وعن أبي علي: في امرأة مسَّت فرج رجل حتى أنزل؟ فالسَّلامة من تزويجها أسلم لحال مطاوعته وإنزاله.
قال أبو الحواري: إن تزوَّجها لم تحرم عليه هكذا حفظنا. ومن زنى بامرأة في الشرك ثم أسلما فله أن يتزوَّج بها إذا أسلما.
وعن رجل ملك امرأة في عدَّتها خطأ منه فتركها وتزوَّج أمَّها من بعدما مسَّ من البنت ما مسَّ غير الفرج؟ قال هاشم: على أن أفرق بينهما./165/
حكم الولي في التَّزويج:
وقيل: تزويج كل ولي دون ولي جائز إلا الأب، وكذلك عن موسى بن علي إلا أن يكون الأب خارجاً من عُمان فيجوز للولي من بعد أن يزوج.
وإن كان الأبُ بعُمان وزوَّج غيره بلا رأيه، فالنِّكاح منتقض ولو جاز الزوج، فإن زوَّج غيره وبلغ الأب فأتمَّ النِّكاح فعندنا أنَّه تام ولو جاز الزوج قبل تمام الأب، وكذلك قال بعض المسلمين: قال أبو الحواري، وقال بعضهم: هو حرامٌ وبه نأخذ وهذا إذا كان الأب حاضراً في البلد.
ومن غيره: وقيل فيما يوجد كل ولي دون ولي جائز الأب دون الأب، ويوجد ذلك عن موسى بن علي وغيره، وقال من قال ذلك في الأب وغيره، إذا زوَّج الأخ للأب والأب شاهد ولم يقل شيئًا فلا يرد نكاحه وهو ولي بعد ولي، ومعنى هذا يوجد عن محمَّد بن محبوب _ رحمه الله_ /166/
رجع: وعن بعض الفقهاء في امرأة سافرت (1) في جماعة من المسلمين فمرضت وليس لها فيهم ولي، هل يزوجها أحدهم؟ وقال: نعم يزوِّجها أفضلهم.
قلت: فإنَّها في قرية ليس فيها (2) سلطان وليس لها رحم يزوِّجها رجل من المسلمين أصلحهم وأفضلهم. قال محمد بن الحسن رحمه الله: إن لم يكن لهذه المرأة ولي يتولَّى
__________
(1) في أ، ب: سافرت مع جماعة.
(2) الصحيح فيها. (6/125)
صفحة 2401
تزويجها ولا كان ببلدها سلطان عدل ولا جائر يتولَّى تزويجها فجماعة المسلمين في تلك الفرية يتولَّون ذلك، ثلاثة يزوِّج واحد ويشهد اثنان وهم أولى بتزويجها إذا كانت كما وصفنا، وإذا كره الأب أن يزوِّج ابنته جبر على ذلك، وإن لم يفعل زوج الولي دونه وإذا بلغ أتراب الجاريَّة وقالت: إنَّها قد بلغت وكان في حدّ ذلك قُل قولها وجاز تزويجها، فإذا طلبت المرأة أن تزوّج بعبد بإذن سيّده وكانت من جنسه، فعلى وليِّها أن يزوِّجها.
وقال من قال: الولي أن يرد واحداً وأحب إلي إذا طلبت المرأة التزويج بكفؤها أن يؤخذ وليها بتزويجها وإلا فزوجها الولي من بعده. قال أبو الحواري: لا يرد أحد فإذا طلبها كفؤها زوجها. وعن أبي الحسن رحمه الله: إذا طلبت المرأة كفؤها فلا يرد الولي وهو مأخوذ بتزويجها إذا طلبت هي ذلك وليس له رده معناه، وإذا زوَّج ولي دون ولي الذي هو أولى منه أو زوج أجنبي والولي حاضرٌ غير الأب، فقد قال من قال: لا يجوز ذلك ويفرَّق بينهما جاز الزوج بها أو لم يجز. وقال من قال: إذا جاز الزوج لم ينتقض النِّكاح وهو تامٌ إذا لم يكن الأب حاضر وهذا الرأي أحبُّ إلي.
وهو ممَّا يشدد فيه السلطان على من فعله ويكون منه فيهم النَّكير/168/ والتَّغيير. وكذلك ينبغي لهم حتى يؤتى بالأمر في ذلك على وجهه قال أبو الحواري: إذا زوَّج ولي دون ولي جاز ذلك إذا دخل بها الزوج إن شاء الولي الذي هو (1) من بعده أو لم يتمَّ، وإذا زوَّجها أجنبي ثم دخل بها الزوج من قبل أن يتمَّ الولي فقد حرمت عليه أبداً ويفرَّق بينهم أتم الولي من بعد الجواز أو لم يتمَّ هكذا حفظنا وبه نأخذ، وتأخذ صداقها.
حكم تولي المرأة عقد النِّكاح:
وقال بعض الفقهاء: إنَّ المرأة لا تعقد عقدة النِّكاح لنفسها ولا لأمتها ولا لبناتها ولا غير ذلك، إذا كانت هي الوصيَّة في ذلك، وتولي ذلك رجلاً. قال بعض الفقهاء: إذا زوّجت لم أقوى على الفراق، وكذلك أحبُّ إليَّ إذا زوّجت هي نفسها من غير وكالة وليِّها فرِّق
__________
(1) في أ، ب: الذي هو من بعده يتم أو لا يتم ... (6/126)
صفحة 2402
بينهما، وإن كان وكَّلها وليُّها وزوّجت هي نفسها أو ابنتها أو المرأة التي هي الوصيَّة في تزويجها ألا ينتقض ذلك، فإن أمرت بذلك رجلاً فهو أحبُّ إلي، قال أبو الحواري: إذا زوَّجت هي نفسها من غير وكالة وليِّها فرِّق بينهما، وإن كان وكَّلها وليُّها وزوَّجت هي نفسها جاز ذلك، وإذا قال الزَّوج: فقد زوَّجت أو ملَّكت أو خطبت أو أنكحت فكلُّ ذلك جائز، وإن قال: قد زوَّجت فذلكما أوكد.
وكذلك عن محمد بن محبوب وغيره: (1) قال أبو المؤثر: أمَّا قوله قد أخطبت، فإن كان قد جاز لها لم أفرق بينهما، وإن كان لم يجزها فأحبُّ إلي أن يجددا النِّكاح، وإن قال: قد زوَّجت فذلك أوكد وكذلك عن محمد بن محبوب./169/
الكفاءة في الزَّواج:
وقال: لا يجوز تزويج المرأة العربيَّة بالمولاة ولا النّساج ولا الحجام ولا البقَّال، إلا أن يكون مثله وذلك مردود، ولو جاز الزوج بها إذا كان هو الذي يعمل ذلك بيده أو كان يعمله هو من قبل، وأمَّا إذا كان يعمله والده ولا يعمله هو وجاز بها فلا ينتقض النِّكاح. وقال من قال: لا ينتقض ذلك، وهو تزويج تام إذا كان الزَّوج مسلماً ولا يرد إلا تزويج الكافر والعبد. وقال بعض الفقهاء: تزويج العبد مردود إذا لم تكن هي من جنسه، ومن يردُّ نكاح هؤلاء فهو يرده ولو طلبت المرأة تمامه إذا طلب ذلك أحد من العشرة. قال أبو الحواري: تزويج الحجام والبقَّال والنُّساج والمولى حلال، جائز إذا زوَّج الولي، فإن طلب ولي غيره أن يفرِّق بينهما كان له ذلك، إذا كانت من العرب وجبر الزوج على طلاقها، وأمَّا تزويج الصغار بعضهم ببعض فهو غير تام حتى يتمُّوه بعد بلوغهم وإن كان أحدهم بالغاً ثبت عليه ما ألزم نفسه وكان الخيار للصبي منهما إذا بلغ، ولا ينبغي أن تزوَّج اليتيمة وأمَّا الصَّبيَّة إذا كان والدها حياً فزوجها فقد أجاز ذلك الفقهاء ولها الخيار إذا بلغت.
__________
(1) في أ، ب: قال غيره: قال أبو المؤثر ... (6/127)
صفحة 2403
وقال من قال: إذا كانت الجاريَّة سداسيَّة زوِّجت، وقد تزوَّج النبي (ص) عائشة بنت أبي بكر الصِّديق (ض) وهي بنت ست سنين، وبلغنا أنَّ عمر (ض) قال في خطبته يا أيُّها النَّاس إنَّ غلاء المهور لو كان مكرمة لخصَّ الله به نبيَّه وإنَّه والله ما نعلم أنَّ النبي (ص) أنكح أحداً من بناته أكثر من اثني/170/ عشر وقية وهي أربعمائة درهم وثمانون درهماً.
ميراث الصغيرة من الزوج:
ومن تزوَّج صبيَّة فماتت قبل أن تبلغ ولم يعلم رضاها فلا شيء له فيها ولا شيء عليه، وإن مات هو فإذا بلغت وطلبت الميراث منه فعليها أن تحلف يميناً بالله لو كان فلان حياً لرضيت به زوجاً، ثمَّ لها صداقها الذي شرطه الميِّت على نفسه وميراثها في ماله.
ميراث الزوج الصغير من البالغة:
وكذلك الصبي إذا ملك امرأة بالغةً ثم ماتت المرأة، فعلى الصبي يمين بالله إذا بلغ أن لو كانت فلانة حية لرضي بها زوجةً له ثم يرثها وذلك إذا كانت المرأة راضيَّة به زوجاً. وقال أبو عبد الله: في رجل تزوَّج صبيَّة لم تبلغ ثم دخل بها وتزوَّج عليها امرأة وطلبت آجل صداقها فلم ير لها ذلك أبو عبد الله عليه حتى تبلغ ولم ير لها نفقة حتى تبلغ ونفقتها في مالها، إلا أن يكون لها مال وإن لم يكن لها مال لزمته نفقتها إذا أدخل بها، فإذا بلغت رضيت به زوجاً فهي امرأته، وإن لم ترض به زوجاً كان ما أنفق عليها من صداقها. وقيل: فيمن ملك امرأة صبيَّة فنظر إلى فرجها من تحت الثوب أو مسَّه ثم فارقها فلها عليه صداق كامل إذا بلغت فقالت: إنَّها لو لم يطلِّقها لرضيت به زوجاً وعليها يمين بالله بذلك وإن كرهته بعد بلوغها، فإنَّ عليه صداقها بالنَّظر إلى فرجها والله أعلم.
قال أبو الحواري: لها صداقها تام من يوم فارقها وليس عليها يمين بعد بلوغها إذا كان قد نظر إلى فرجها أو مسَّه بيده، وإن لم/171/ يكن نظر إلى فرجها ولامسه ثم فارقها وهي صبيَّة وحلفت إذا بلغت أنَّه لو لم يطلِّقها لرضيت به زوجاً كان عليه نصف صداقها، وإن كرهته بعد بلوغها، فإنَّ عليه صداقها بالنظر إلى فرجها والله أعلم. (6/128)
صفحة 2404
قال أبو الحواري: لها صداقها تام من يوم فارقها وليس عليها يمين إذا بلغت إذا كان قد نظر إلى فرجها أو مسَّه بيده، فإن لم يكن نظر إلى فرجها ولامسه فعليها اليمين إذا بلغت أنَّها متممة ذلك التزويج ثم يكون لها نصف الصَّداق هكذا حفظنا والله أعلم.
خيار البلوغ:
وقال أبو علي: وعن جاريَّة صغيرة زوجها أبوها ودخل بها الزوج وبلغت وأنكرت هل يجبر على طلاقها؟ فإنَّها تخرج من غير طلاق ولها صداقها عليه بما أصاب منها ولا نعلم على أبيها غرماً، إلا أن يكون غره. وعن رجل زوَّج ابنه صغيراً أو كبيراً أو غائباً، فقال: إذا بلغ الصبي وقدم الغائب فأمضي النكاح وإن أنكرا غرم نصف الصداق، وإذا زوَّج ابنه صغيراً أو ضمن المهر فهلك الأب قبل أن يدرك الصبي؟ فصداق المرأة في مال الأب مع دينه، لأنَّه ضمنه وإذا ملك الصبي امرأة ومسَّ فرجها ثم كرهها لما بلغ لم يحل لأبيه، وكذلك كل من مسَّ فرج امرأة غير زوجته فلا تحلُّ له ولا لأبيه ولو جاز الصبي بيده فقال من قال: لا صداق لها إذا كرهها إذا بلغ، لأنَّها هي أمكنته من نفسها وإذا دخل الرجل بالصَّبيَّة بعد بلوغها برأيها فلا كراهيَّة لها بعد ذلك، فإن لم يدخل بها فمتى ما كرهته فذلك لها قبل الرضى وإذا كرهته بعد البلوغ قبل الدُّخول خرجت /172/ منه بلا طلاق ولا عدَّة ولا صداق، فإن تزوَّجها من بعد بنكاح جديد كانت معه على ثلاث تطليقات.
موت الصبيَّة من الوطء:
وقيل: إذا تزوَّج الرجل بصبيَّة زوجة بها فماتت الصَّبيَّة من وط الرجل فعليه ديَّتُها في ماله وكذلك قيل عن أبي علي في ذلك إذا علم أنَّها صبيَّة وإذا لم يعلم أنَّها صبيَّة فديَّتها على عاقلته، وكذلك المرأة البالغة إذا ماتت من وطيئة فديتها على عاقلته، وإذا تزوَّج الصبي بالمرأة فخلا معها ثم بلغ فلم يرضاها زوجة فيدعي أنَّه دخل بها فلا يقبل قوله، وإنَّما يقبل قولها في الرجل الذي تجري عليه الأحكام، وإذا تزوَّج الرجل امرأة بصداق وقبلت والدته (6/129)
صفحة 2405
بالصَّداق إلى موتها ثم طلَّقها الزوج فقيل: لا يجب لها الصداق إلا موت والده مطلِّقها كما كان الشرط ولكن يوقف لها من مال والدته بقدر صداقها الآجل ويكون مأكلته للأم.
عدم الرضى بالزَّوج:
قول أبي الحوراي: وإذا أنكرت المرأة الرضى بزوج تزوَّجها واستحلفها ما رضيت به ثم رجع يقيم عليها البيِّنة بالرضى قبلت بيِّنته وهي أولى من يمينها والفروج ليس مثل الأموال وسل عن ذلك وهو قول أبي الحواري وإذا جاء الرجل بشاهدين برضى المرأة به زوجاً وجاءت بشاهدين إنَّها أنكرت فشهود الرضى أولى من شهود الإنكار حتى يحدوا أنَّ الإنكار كان قبل الرضى./173/
عطيَّة الزوجة لزوجها:
ومن طلب إلى زوجته أن تترك له صداقها فتركته ثم رجعت فلها الرَّجعةُ ولا يحلُّ له إلا أن يعطيها حقَّها أو تتركه له بطيبة من نفسها بلا مطلب منه، فإن طلبه فتركته ثم ماتت ولم تطلبه فليس لورثتها أن يطلبوه، وإن طلبته وهي حيَّة ولوالي ورثته من بعده، فقال من قال: لها ذلك، وقال أبو علي حفظه الله: والذي يجعل عليها اليمين للورثة يحلف بالله ما أعطته صداقها إلا بمطلب منه إليها وبعض لا يجعل لها ذلك إذا مات الزوج ولم ترجع عليه في حياته، وكذلك الاختلاف إذا طلَّقها والله أعلم.
وإن طلبها إليها فكرهت أن تتركه له ثم تركته له من بعد ولم تطلبه فلا رجعة لها حتى يكون طلبه إليها في وقت تركها له، إلا أن يكون يتبعها منه غضب أو عتب فأعطته الصداق لحال ذلك فلا يجوز ذلك له، وإن لم يكن شيء من ذلك فأعطته برأيها في هذه المرة بلا مطلب منه فهو له ولا يضرُّه المطلب الأول الذي منعه فيه.
الزواج بالأمة على أنَّها حرَّة:
وقيل: في رجل تزوَّج أمة نمرُّ بها على أنَّها حرَّة وولدت منه أولاداً قال: عليه صداق مثلها إذا صحَّ أنَّها أمة ولا يلزمه الصَّداق الذي تزوَّجها عليه إذا كان أكثر من صداقها ويكون (6/130)
صفحة 2406
صداقها لسيِّدها ويأخذ سيِّدها منه قيمة أولاده منها قيمة عبيد ويأخذهم والدهم ويرجع هو على من غرَّه بها بمثل ما غرم من صداقها وقيمة أولاده منها قيمة عبيد./174/
(1) قال أبو علي حفظه الله: وإنَّما عليه قيمة أولاده منها يوم والدوا وهو أكثر القول (2). قال بعضهم: يوم استحقُّوا والله أعلم. وإن كان سيِّدها هو الذي زوَّجه بها على أنَّها حُرَّة، فهي حرَّة وصداقها له وهذا نكاح جائز وإذا باع رجل أمة لرجل على أنَّها أمته فوطئها المشتري وولدت منه أولاداً ثم استحقَّت عليه، فإنَّه يرجع على من اشتراها منه بذلك الثمن وله أن يأخذ أولاده منها بقيمتهم قيمة عبيد وهما أحرار وليس عليه أن يردَّ على سيِّدها الذي استحقَّها عقرها. وأمَّا السَّارق والغاصب للأمة ثم يطأها وتلد له أولاداً، فإن سيِّدها يأخذها وأولادها وهم عبيده وله أن يأخذ عقرها من السَّارق والغاصب. وأمَّا إذا باعها الغاصب لرجل فاستحقَّها سيّدها، فإنَّه يرجع المشتري لها على الغاصب بقيمتها وقيمة أولاده منها قيمة عبيد ويأخذ سيدها من المشتري لها الأمة ويأخذ منه قيمة أولاده منها قيمة عبيد وليس له أن يأخذهم من أبيهم. وقيل: هكذا جاء الأثر وقيل: أيضاً ليس للمشتري أن يرجع على الغاصب الذي باع على الأمَّة بعقرها الذي أخذته، لأنَّ ذلك قضاء منه لتهمته قال أبو الحواري رحمة الله ويرجع على السارق والغاصب بعقرها إذا كان المستحق للأمة أخذ من المشتري عقرها.
باع العبد بعدما تزوَّج:
وإذا تزوَّج عبد أمة أو حرة بإذن سيده ثم باعه، فإنَّ صداقها يكون في ثمنه الذي باعه ولا يلزمه المشتري، فإن لم يعلم المشتري بذلك وأراد ردَّه فله ذلك، ومن تزوَّج على صداق معروف ولم يشترط عاجلاً ولا آجلاً، فهو آجل وإن اختلف أهل البلد في ذلك، فهو /175/ عاجل، وأمَّا إذا دخل ولم يفرض لها صداقها فالنِّكاح ثابت.
أثر العرف في الحكم:
__________
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) في أ، ب: أكثر القول عندنا. (6/131)
صفحة 2407
وقال من قال: هو عاجل، وقال من قال: يرجع في ذلك إلى سنة بلدها، فإن كان صدقات النِّساء عاجلة فهو عاجل وإن كان آجلاً، فهو آجل وإن اختلف أهل البلد في ذلك فهو عاجل، وأمَّا إذا دخل الزوج ولم يفرض لها صداقها كان لها كأوسط صدقات نسائها وهنَّ أخواتها وعمَّاتها، وإن كانت هي قد تزوَّجت زوجاً قبل ذلك على صداق فلها مثله، كان قليلاً أو كثيراً ورجل ملك امرأة ولم يدخل بها ثم جاءت وهو ناعس فوضعت يده على فرجها من تحت الثوب فانتبه بها فدفعها عن نفسه ثم طلَّقها فعسى أن لا يلزمه إلا نصف صداقها لأنَّ هذا جاء منها.
أثر المسِّ في التَّحريم:
وكذلك إن جاءت أم امرأته وهو ناعس فوضعت يده على فرجها من تحت الثوب فانتبه فدفعها عن نفسه فلا تحرم عليه بذلك امرأته، وكذلك إن مسَّ دبر أم امرأته متعمِّداً لم تحرم عليه امرأته، وأمَّا إذا مسَّ فرج أم امرأته خطأ أو عمداً، فقيل: تحرم عليه، وأمَّا في نظره إلى فرج أم امرأته، فإنَّها تفسد عليه امرأته بالعمد من ذلك.
طلاق من لم يسم لها المهر:
وإذا تزوَّج رجل امرأة على حُجُ* في ذلك ولم يكن سمَّى بشيء، فإن طلَّقها قبل أن يدخل بها فإنَّما عليه المتعة ولا صداق لها ولها/176/ من ماله الميراث، وإن كان دخل بها فلها عليه صداق كان وسط صدقات نسائها، وإذا طلبت المرأة التَّزويج إلى الحاكم ووليها في بلد وطالب التَّزويج في بلد آخر، فعلى طالب التَّزويج أن يخرج إلى الولي حتى يزوِّجه والمريض إذا تزوَّج المرأة في مرضه فتزويجه جائز، فإن كان زادها في صداقها فليس لها إلا كأوسط صداق نسائها، وقيل: إنَّ رجلاً تزوَّج امرأة وضمنت أمه أنَّ الصداق في ماله فيما عجز من ماله فعليها تمامه ثم إنَّ الرجل تزوَّج امرأة أخرى فأرادت الأولى أن تعيد حقَّها فالمال الذي للرجل بينهما وما بقي من حق الأولى فهو على الأم، فإن قالت الأم إنَّما قبلت على مال ابني وقد عرفته يومئذ، ويقول القوم إنَّما قبلت بما بقي عليه بعد ماله ولم تقل بعد (6/132)
صفحة 2408
ماله هذا، فقالوا: يقضي ابنها من ماله يوم يريد القضاء فما بقي عليه في ماله ذلك وفي نسخة بعد ماله ذلك فهو على أمِّه إلا أن يقول ما بقي عليه بعد ماله هذا فهو علي فعند ذلك يكون عليها بعد ذلك المال يوم تزوّج امرأة على عطيَّة لزوجته من والدها ثم رجع الوالد عن عطيَّته فليس له رجعة، فإن كانت الزَّوجة هي التي ردَّت على الوالد فذلك جائز وليس للزَّوج في ذلك حجَّة ولا نقصان عليها في صداقها، وقيل: في رجل زوج أخته من رجل وهو وليها وقبض العاجل ولم يواصله إلى أخته وطلبت حقَّها ورجع الأخ يقول لما علم أنَّه مأخوذ أتأني بعاجلها ولم أطلبه إليه، فذهب عني وفي نسخة فذهب مني فقوله لازم إلا أن تقوم بينه بأنَّ الزوج أتاه بالعاجل ليدفعه إلى زوجته فهو أمين الزوج وحق المرأة على زوجها، وقيل: من أعتق أمة على شرط أنَّه يتزوَّجها، فذلك شرط باطل وفي نسخة يبطل إلا أن تشاء هي أن/177/ يتزوَّج به إذا طلب وقد تمَّ عتقه، ومن تزوَّج امرأة على رضى فلان فرجع الزوج قبل أن يبلغ فلاناً فيرضى أو يكره فليس له رجعة فالنِّكاح تام إذا رضي فلان، فإن مات فلان أو غاب فلم يقدر عليه فيعلم رضاه ورأيه، فهذا نكاح ضعيف ولا نتقدَّم على تمامه.
ومن تزوَّج امرأة وشرط عند عقد النِّكاح عليها أنَّه يعزل عنها وقبلت ذلك الشرط، فقيل: إن طلبت نقض ذلك الشرط انتقض وليس للزوج أن يعزل عن زوجته.
وقال من قال: وكذلك إن كانت زوجته أمة وأمَّا أمته فله أن يعزل عنها. /178/
ومن غيره: كتاب محمَّد بن جعفر في جواب من محمَّد بن محبوب_رحمه الله_ وعن رجل تزوَّج امرأة زوجته نفسها وأمرت من زوجه بها أو زوجته أمَّها أو خالتها أو أخوها من أمِّها أو رجل من سائر النَّاس ورضيت به زوجاً ودخل بها ولها ولي فأمضى النِّكاح بعد الجواز أيطيب هذا أم هو حرام؟ فعلى ما وصفت فإنِّي لا أتقدَّم على تحريمه ولا على الفراق بينهما وغير هذا النِّكاح أحب إلي منه، ومن تزوَّج امرأة على أنَّه لا نكاح فيه فلمَّا جاز أراد النِّكاح له ذلك، وإن كان أنقصها من صداقها لذلك فعليه تمامه لها. (6/133)
صفحة 2409
مدَّة إمهال العنِّين:
ومن جاز بامرأة ولم يقدر على نكاحها أجل سنة، فإن قدر على نكاحها فهي امرأته، وإلا فلها الخروج منه إذا أرادت ويفارقها ولها صداقها كامل بما مسَّ من فرجها أو نظر إليه، وإن كان قد جامعها مرة ثم ذهب ذلك عنه فليس لها خروج إلا أن يفارقها هو برأيه.
وفي جواب أبي علي: في رجل أوصى إلى عمِّه وزوجته في ماله وولده وإنَّ العمَّ زوج ابنة أخيه فأنكرت الجاريَّة والأمُّ النِّكاح فأقام الزوج البيِّنة بنكاح العمِّ ورضى الجاريَّة وبلوغها، وقلت: إن كان الوصي أجنبياً وزوج العم وهو غير وصي ورضيت الجاريَّة وقد بلغت ثم رجعت إلى الإنكار وكرهت الأم والوصي وانقضى النِّكاح فقد نظرنا في ذلك وشاورنا فأمَّا الجدُّ فقد بلغنا عن موسى أنَّه قال: إنَّ زوج الجدّ فجائز، وإن زوَّج الوصي جاز وقد رجونا أن يكون نكاح العمِّ على ما وصفت في الوصاية له والأمر جائز على كراهيَّة/179/ الأم إذا رضيت الجاريَّة وليس لها كراهيَّة بعد الرضا.
تم الباب من كتاب أبي جابر.
الوكالة في التَّزويج:
ومن غيره: وسألته عن رجل وكَّل رجلاً في تزوّج حرمته على صداق ألف درهم، هل للوكيل أن يزوِّجها على ما اتَّفقا عليه من الحقِّ بأمرها ولا يعلم الولي بذلك؟ قال: ليس له ذلك عندي.
قلت له: فإن زوَّجها ورضيت، هل يقع التَّزويج ويلحقهم (1) التَّقصير أم لا يقع التَّزويج على حال؟ قال: فإن دخل بها أعجبني أن يثبت التَّزويج ما لم يكن شرط عليه أن لا يزوِّجها إلا بكذا وكذا.
قلت له: فإذا كان وكَّله على أن يزوِّجها على ألف درهم فزوَّجها برضاها (2) جائز إلا أن يكون قال له: على أن لا يزوِّجها إلا على ألف درهم، فإذا قال هكذا لم يقع التَّزويج
__________
(1) في أ، ب: ويلحقهم ويلزمهم التقصير.
(2) في أ، ب: زيادة: فزوجها برضاها على خمسمائة درهم، هل يقع التَّزويج؟ قال: عندي أنَّه قد قيل: في ذلك باختلاف ففي بعض القول أنَّ التزويج على رضاها جائز. (6/134)
صفحة 2410
وفرَّقوا بين قوله على أن وعلى أن لا هذا القول، وفي بعض القول: أنَّ التزويج لا يقع لأنَّه قد خالف أمر الولي ولكنَّه يحتجُّ على الولي أن يزوِّجها بما طلبت، فإن فعل لم يكن قد التزمنا لأمر دونه، وإن لم يفعل قطعت حجَّته وجاز للأولياء بعد أن يزوِّجوها على ما طلبت أو من يقوم مقام الأولياء على ما يوحيه الحقُّ.
قلت: فهل يجوز للوكيل أن يزوِّجها قدام رجلين من أهل القبلة ممَّا يلي من النَّاس من غير أن يطلب ثقات يزوِّج (1) أن تقبل شهادتهم على الصداق؟ قال: ينبغي له أن يجتهد في أمانته حتى يجعلها في أبلغ مواضعها.
قلت له: فإن فعل وزوجها قدام رجلين من أهل القبلة، أيكون في ذلك إثماً ويلحق معنى الخيانة أم لا؟ قال: عندي إذا قصد بذلك إلى تضييع أمانته خفت أن لا يسلم من مخالفته الحق، وإن كان قصد إلى ما يسعه على قول من يجيز شهادة أهل القبلة فأرجو أن لا بأس /180/عليه في ذلك إن شاء الله.
وقلت له: إذا لم تقم للمرأة حجَّة من طريق الشهادة بصداقها هل يلحقه ضمان في ذلك إذا لم يقصد إلى إتلاف مالها في ذلك فلا يلحق عندي ضمانٌ في ذلك إن شاء الله. وقال له (2): إن لم يجز للوكيل إلا الثقات لم يجز للولي فإذا لم يجز ذلك ضاق ذلك على النَّاس ورأيته يذهب إلى قول من يقول: إنَّ التزويج قدام أهل القبلة جائز إذا كانوا موحدين لسهولة ذلك على النَّاس.
ومن غيره: وسألته عن رجل زوَّج امرأة ممَّا يلي تزويجها رجلاً مع شاهد واحد في مجلس ثم إنَّ ذلك الشاهد مات ثم زوَّجها مع شاهد آخر بعد موت الشاهد الأول ما يكون هذا التَّزويج. قال: تزويج تامٌّ فيما بينهم وبين الله، وأمَّا في الحكم فلا يثبت.
__________
(1) في أ، ب: يرجو أن يقبل شهادتهم ... وهنا أصح من (1).
(2) لا يوجد في أ: له. (6/135)
صفحة 2411
ومن غيره: في تزويج الوكيل لنفسه، قلت له: فإذا جاز للوكيل أن يزوِّج نفسه، هل يجوز أن يزوِّج نفسه قدام الولي الذي وكَّله ويكون أخد الشاهدين على التَّزويج؟ قال: عندي إنَّ ذلك جائز إن شاء الله.
وإذا كان الولي ممَّن تجوز شهادته على التَّزويج وغر امرأة تزوَّجت بأخيها من الرضاعة وهما يعملان جميعاً أن إحداهما أخ للآخر من الرضاعة غير أنَّهما لا يحسبان ذلك يحرم عليهما. قال: لا مهر لها لأنَّ النَّاس لا يعذرون بجهل ذلك.
ومن غيره: وعن رجل تزوَّج امرأة على شهادة الله وملائكته ولم يشهد على ذلك أحداً من العباد، فهو نكاح حرامٌ لا يثبت ولها صداقها عليه والولد /181/ ولده، فإن علمت هي أنَّ ذلك لا يجوز لها فلا صداق لها عليه.
ومن غيره: وقال: إنَّ الصبيَّة إذا زوجت ثم بلغت فهي مغيرة حتى يعلم أنَّها راضيَّةٌ. ومن الأثر: واختلفوا في المرأة يتزوَّجها الرجل فولدت على أقل من ستة أشهر. فقال من قال: لا صداق لها عليه، ولا يلزمه الولد لأنَّها قد استحقَّت التهمة.
وقال من قال: لها عليه الصَّداق لأنَّه تزوَّج على شبهة ويدرء عنها الحد بذلك للشبهة، وأمَّا الولد فلا يلزمه على حال ولا نعلم في ذلك اختلافاً، وعن رجل تزوَّج صبيَّة لم تبلغ وماتت، أيلزمه لها صداق ويرثها؟ فأمَّا الميراث فلا ميراث له من مالها، وأمَّا الصداق فإن كان وطئها أو مسَّ الفرج من تحت الثوب أو نظر إليه فعليه صداقها وإن لم يكن وطئها ولا مسَّ فرجها ولا نظر إليه من تحت الثوب لم يلزمه لها صداق.
وقلت: فإن طلَّقها وهي صبيَّة ثم ماتت من قبل أن تبلغ، أيلزمه صداقها، فإن لم يكن دخل بها ولا مسَّ فرجها ولا نظر إليه من تحت الثوب لم يلزمه لها صداق والله أعلم.
وسألت محمد بن الحسن_ رحمه الله_ عن رجل تزوَّج صبيَّة ثم مات عنها ولم يدخل بها ثم تزوَّجها آخر قبل بلوغها ودخل بها أو لم يدخل فلمَّا بلغت رضيت بالزَّوج الذي توفي عنها. (6/136)
صفحة 2412
قلت: وما يكون لها من الصَّداق وهل عليها عدَّة المتوفَّى عنها زوجها، وهل لها الميراث؟ قال: إن رضيت بتزويج الرجل الأول الذي مات عنها فلها صداقها كامل وعليها العدَّة ولها الميراث.
وقلت: هل لزوجها الآخر مراجعتها إن كان لم يدخل بها (1)؟ قال: ليس له مراجعتها دخل بها أو لم يدخل، وقد حرمت ولا تحلُّ له أبداً ولو نكحت زوجاً غيره، سئل عن أمر (2) مراجعة الزوج لها وقد قيل: لها الميراث من /182/ الأول وتزويج الآخر تام إذا تمَّ تزويج الأول وحلفت أن لو كان حيًّا لرضيت به زوجاً.
ومن غيره: معي أنَّه إذا لم يدخل بها في حال النِّكاح الذي لم يثبت له ولم يكن نكاحاً فلا تحرم عليه بالعقدة.
الزواج من الغائبة:
ومن غيره: ولو تزوَّج رجل امرأة غائبة ولم تعلم بالتَّزويج وعقد على نفسه بالتَّزويج لها من وليِّها ولم تعلم ثم طلَّقها كان الطَّلاق يلزمه. وعن محمَّد بن الأزهر عن سليمان بن الحكم: في امرأة زوَّجت أمتها من رجل فقال: إن دخل بها جاز، وإن لم يدخل بها أمرت السيدة رجلاً يجدد له التَّزويج. فقال: قال الوضَّاح إذا أشهدت له فقد جاز النِّكاح. يحفظ.
وقلت: إن مسَّ فرج امرأة من فوق الثوب بيده أو بفرجه حتى أمنى من فوق الثوب يجوز له تزويجها أم لا؟ فمعي: أنَّه قد قيل: إذا عرف ما مسَّ أنَّه الفرج سواء كان مسَّه من تحت الثوب أو من فوقه فلا يجوز له تزويجها، وقد قيل: في ذلك بترخيص ما لم يمسَّه من تحت الثوب والأخذ بالوثيقة في الفروج ما لا ينكر فضله ولا يجهل عدله، وإذا تزوَّج الرجل امرأة من بلده وبلدها غير بلده وكانت هي تقصير الصَّلاة إلى أن تزوَّج بها ألها الرجعة (3)
__________
(1) في أ: زيادة: أو لم يدخل بها ..
(2) لا يوجد في أ، ب: أمر.
(3) في أ، ب: فلها الرجعة. (6/137)
صفحة 2413
بولدها إلى بلدها وعليه أن يؤدي لها الفريضة إلى موضعها، وإن كان تزوَّجها من بلده وقد أتمَّت الصلاة فيه ثم طلَّقها فليس لها أن تخرج بولده إلى بلدها الآخر ولا إلى غيره إلا برأيه وقال بعض أهل المعرفة: يرفع ذلك أنَّه وجد عن أبي عبد الله إذا تزوَّجها من بلده فليس لها أن تخرج بولده إلا أن يكون تزوَّجها من بلدها كانت تقصر في بلده أو تتم هكذا قال والله أعلم./183/
إلى أي مدى تصديق المرأة في الولي:
وعن رجل يريد أن يتزوَّج امرأة ولا يعلم وليُّها فأحضرت إليه رجلاً وقالت له هذا ولي أيجوز له أن يصدِّقها أم لا؟ قال: إذا كان لا يجد لها ولياً ولم يجد من يقدِّمه جاز له أن يصدِّقها إذا قال هو أيضاً أنَّه وليُّها وزوجها ذلك فجائز ذلك على قول بعض المسلمين والتوفيق من رب العالمين. وقال بعض: لا يصدِّقها على قولها (1)، ((وكذلك لو ادَّعت أنَّ فلاناً وكيلها جاز له أن يُصدِّقها وفيه اختلاف ولعلَّ هذه أقرب من الأولى وسألت أبا علي هن هذه المسألة فقال: جائز له أن يزوِّجها أو يتركها حتى يعلم أنَّ لها زوجاً أو في عدَّة من زوَّج وليس عليه أن يسأل عنها. وأمَّا الحاكم فليس له أن يزوِّجها إلا أن يكون معه بينه أن ليس لها زوج ولا هي في عدَّة من زوَّج)) قال: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن ميسرة الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): قال: «لعن الله المسوفات، قيل وما المسوفات قال: الرجل يدعو امرأته إلى فراشه فتقول سوف سوف حتى تغلبه عيناه فينام» ورجل تزوَّج امرأة ثم تزوَّج عليها امرأة أخرى فطلبت الأولى صداقها كلَّه؟ قال: ليس لها إلا نصف صداقها فإذا دخل بها كان عليه الصَّداق كلّه وحفظ الفضل بن الحواري عن زياد بن وضَّاح عن موسى بن علي قال: إذا تزوَّج عليها استوجبت صداقها كاملاً وإن لم يكن دخل بها.
أيُّهما أفضل الزواج أم طلب العلم:
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في أ. (6/138)
صفحة 2414
ومن باب النفل: وقلت له: ما أفضل التزويج والالتماس والعزوبية والصبر؟ قال معي: أنَّه إذا خاف العنت على نفسه فالتَّزويج أفضل، وإن رجى السَّلامة وكان تفرغه عن ذلك أقدر، لأمر /184/ أخرته كان ذلك أفضل.
ومن غيره: وعن نجدة بن الفضل النخلي: وعن رجل آتاه رجل فوكَّله في تزويج أخته وهو بها عارف غير أنَّه لا يدري أنَّ لها زوجاً ولا أنَّها في عدة من زوَّج ولا أنَّها حامل من زوج، هل له أن يزوِّجها وإن كان ليس له أن يزوِّجها وقدفعل هو ذلك ما يلزمه في ذلك أن تبين له أنَّ لها زوجاً وليس لها زوج؟ فالذي عرفت أنَّ ذلك جائز وإنَّما معنا لا يجوز تزويج امرأة حتى يعلم أنَّها ليس لها زوج ولا هي في عدَّة من زوج إذا أراد هو تزويجها لنفسه، وأمَّا إذا كان يعرف الولي فوكَّله فجائز، فإن كان لا يعرف الولي فلا يجوز له أن يتوكَّل ويجوز أن يشهد على العقد والله أعلم. وسألت أبا علي عن هذه المسألة فقال: جائز له أن يزوِّجها ويتزوَّجها حتى يعلم أنَّ لها زوجاً أو في عدَّة من زوج وليس عليه أن يسأل عنها إلا الحاكم، فليس له أن يزوِّجها إلا أن تقوم معه بيِّنة أن ليس لها زوج ولا هي في عدَّة من زوج.
عدم القدرة على النَّفقة:
وذكر أبو جعفر أنَّه سأل الوليد عن الرَّجل يضعف عن نفقة زوجته فقال: تبرئه ويفارقها، قال: قلت: فإن كرهت أن تبرئه وقالت: لا أبرئك إمَّا أن تنفق علي وإمَّا أن تطلِّقني؟ قال: تبرئه فإنَّه يرجى له أن يبرأ بعد الموت، قال: فإن هو أيسر أعطاها مالها. /185/
ومن جامع أبي الحسن:
مسألة: وإذا تزوَّج الرجل امرأة على أنَّها حرَّة فولدت منه أولادًا ثم صحَّ أنَّها أمة فعليه صداق مثلها من الإماء ولا يلزمه الصَّداق الذي تزوَّج عليه وينفسخ النِّكاح ويأخذ منه المولى صداقها صداق أمة وقيمة أولادها قيمة عبيد يوم ولد ويأخذه والدهم.
رجوع المغرر وعلى من غرَّه في النِّكاح: (6/139)
صفحة 2415
ويرجع هو على من غرَّه بها على أنَّها حرة كمثل ما غرم من قيمة أولاده والصَّداق الذي غرم وقيمة أولاده منها، وقال قوم: لا يرجع بالصَّداق ويرجع في قيمة أولاده على من غرَّه، وإن كان سيدها هو الذي زوَّجه بها على أنَّها حرَّة فهي حرَّة وصداقها لها والنكاح جائز، وامرأة تزوَّجت رجلاً على أربعين نخلة ونفقة ولدها ومؤنته وكسوته من غيره.
قلت: فهل يثبت ذلك؟ فذلك ثابت على قول بعض من عرفنا لعلَّه أراد وعرفنا غير ذلك.
حكم الهدايا قبل النِّكاح:
ومن غيره: وعن رجل يخطب المرأة فقبل أن يتزوَّجها يكون منه إليهم أشياء يدفعها إليهم لم يكن يجري منه قبل مثل الشاة واللحم والحب والثوب والدراهم، وكذلك بعد أن يتزوَّجها من قبل الجواز بها ثم يفترقان قبل الجواز أو بعد الجواز. قلت له: ما دفع إليها وإلى والديها أو أحدهما ويحسب له من صداقها ونقدها إن اتَّفقوا على ذلك. قلت: أو ما يكون عليهم من ذلك وما يكون لهم؟ فمعي: أنَّه قد قيل: أنَّه كلَّما كان منه إليهم ممَّا إذا /187/ اعتبر أمره بينهم وخرج لمعنى التَّزويج الحادث لا لغيره فيما كان بينهم فكلُّ ذلك مردود عليه إلا أن يستحقَّ ذلك الشيء من حقِّها. ومعي: أنَّه قد قيل: أنَّه ما كان من الطَّعام المعمول الخبز واللحم المطبوخ والمشوي وما كان من الفواكه ونحو ذلك فليس فيه رد ويرد ما سوى ذلك مثل الحب والتمر والضحايا والهدايا حتى التي تخرج من سبيل هذا. ومعي: أنَّه قد قيل: أنَّه لا يرد عليه من ذلك إلا ما كان متعارفاً أنَّه من سبيل الصداق والحقِّ وما كان مثل ذلك. ممَّا يتعارف أنَّه لا يكون إلا من الحقِّ فهو مردود عليه، وأحسب أنَّ بعضاً قال: إنَّه لا يرد عليه من ذلك كلّه شيء إلا ما شرط لنفسه وسلَّمه على معنى المعروف فينظر في ذلك كلّه ونأخذ منه بأحسنه إن شاء الله، إن كان فيه شيء يوافق الحق.
وعن رجل كان خاطباً إلى قوم حرمة لهم وكان يصوغ ويشتري الثياب والكتَّان ويعطي كراء الثياب التي تنسج ويشتري الشوران والزعفران ولم يقل لهم أنَّ كل شيء هاتيه هو من حقِّها، هل له أن يحاسبهم عليه إن أرادت المرأة البرآن وماتت وطلب ورثتها صداقها؟ (6/140)
صفحة 2416
فعلى ما وصفت فكلُّ شيء صار قليل أو كثير حتى الضحايا التي يضحَّى لها، فإنَّه يحسب له عليها وما كان بعد الدُّخول لم يحسب له عليها إذ أبانها وكانت معه أو كان معها إلا أن يشترط عليها وما كان قبل الدُّخول فهو له شرطه أو لم يشترط.
ما كانت تقوم به عائشة_ رضي الله عنها_:
ومن غيره: ويروى عن عائشة أنَّها كانت تخطب إذا أرادت تزويج بنات أخيها لأنَّها كا (1) وكيلة في ذلك، فإذا فرغت من الخطبة قال لرجل أنكح فإن /188/ النِّساء لا ينكحن، وكذلك المرأة إذا أوصى إليها جاز لها أن توكِّل من يزوِّج، وأمَّا إذا وكَّلت في النِّكاح فليس لها أن توكِّل وتفعل هي والله أعلم.
وقال بعض: لها أن توكل من يزوِّج والله أعلم.
ومن غيره: قال أبو سعيد_رحمه الله_ في رجل خرجت منه امرأته بحرمة أو بطلاق ثلاث أو بخروج لا يملك فيه الرَّجعة وأراد أن يتزوَّج أختها أو عمَّتها قبل أن تنقضي عدَّتُها؟ فعندي: أنَّ ذلك فيه اختلاف على ما يخرج في معاني قول أصحابنا فيخرج أنَّ له ذلك ويخرج في بعض القول أنَّ ليس له ذلك حتى تنقضي العدَّة، لأنَّها تعتُّد منه بسبب التَّزويج.
أثر الزنى بالمحارم:
ومن غيره: قال: هاشم قال: بشير، في رجل زنى بأخت امرأته من الرضاعة أنَّها لا تحرم عليه امرأته؟ قال: يروى عن أبي عثمان قال: الأخت مثل غيرها من النِّساء.
وسئل عن رجل قال: إذا مات فلان أخذت امرأته وسمعت المرأة قوله ثم مات زوجها، هل للرجل أن يتزوَّجها؟ قال معي: أنَّه قيل في معنى قول أصحابنا أنَّه لا يتزوَّجها في مثل هذا.
قلت له: فإن خرجت هذه المرأة من هذا الرجل بوجه من الوجوه هل للطالب أن يأخذها؟ قال معي: إنَّه قيل عن محمَّد بن محبوب_ رحمه الله_ أنَّه قال: في مثل هذا ليس له أن يتزوَّجها إلا أن يقذفها الزوج الأول أ ويلاعنها فتبين منه فلهذا أن يتزوَّجها بعد ذلك.
__________
(1) في أ، ب: لأنَّها كانت وكيلة. (6/141)
صفحة 2417
قلت له: فإن أقرَّ الزوج بالزنى وحد على ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك إنَّه مثل قذفه لها بالزنا.
قلت له: فما الفرق؟ قال معي: إنَّه يمكن أن توطئه نفسها متنكِّرة على سبيل ما يكون عنده أنَّه زنى وهذا على قول من يحرمها.
قلت له: فإن /189/ أوطئت نفسها وهي متنكِّرة مشتبهة بغيرها؟ قال معي: إنَّها تحرم عليه وأكثر القول أنَّها لا تحرم عليه. وقال أبو سعيد_رحمه الله_ في امرأة وقع بينها وبين زوجها كلام ظنوا أنَّ الطلاق قد وقع بذلك ثم علموا لما سألوا المسلمين أنَّ ذلك لا يقع به الطَّلاق وقد دخل بها الزوج الآخر؟ فمعي: أنَّه يختلف في فسادها على الأول، فقال من قال: يفسد عليه لأنَّ النِّكاح وقع على نكاح فاسد. وقال من قال: لا تفسد وأكثر القول عندي أنَّها لا تفسد عليه ويرجع إليها بالنِّكاح الأول ويعتزلها حتى تعتدَّ من وطء الآخر ولها صداقها على الآخرين بدخولها بها، فإن طلَّقها الأول وفارقها وأرادها الآخر؟ فمعي: أنَّه تختلف في فسادها عليه لوطئه إيَّاها على ثبوت النِّكاح، فقال من قال: تفسد عليه. وقال من قال: لا تفسد وأكثر القول عندي أنَّها تفسد عليه أبداً للوطء الفاسد.
قال له قائل: إذا أراد الأول تركها وتأخذ أقل الصداقين مثل المفقود، هل له ذلك؟ قال: لا يبين لي ذلك. والمفقود غير هذا. وقال معي: إنَّه كل وطء وقع بسبب غلط أو جهالة في العدَّة أو طلاق يظنُّ الفاعل أنَّه جائز ووقع التَّزويج على معنى فاسد من مثل هذا، فمعي: أنَّه يختلف في فساد المرأة على الزوجين الأول والآخر ما لم يكن الوطء على تزويج لا يجوز مثل أنَّه تزوَّج امرأة قدام صبيين أو ذميين أو شاهد واحد وظنَّ أنَّ ذلك جائز له ثم عملوا الوجه في ذلك، فمعي أنَّها تفسد بهذا على الزوج الآخر ولا أعلم في ذلك اختلافاً في قول أصحابنا./190/
خيار البلوغ: (6/142)
صفحة 2418
مسألة في تزويج الصبيان، وسئل عن رجل تزوَّج يتيمة لم تبلغ فرضيت به زوجاً ثم كرهته بعد البلوغ؟ فلها صداقها وإن اطمأنَّت قبل البلوغ فلا نرى لها إنكاراً (1)، وأمَّا رضاها وسخطها قبل البلوغ غير أنَّه إذا كانت تحمل الرجال ثم بلغت فغيرت فقد قيل: ليس لها تغيير./191/
ومن كتاب ابن الأصفر: وزعم بن المعلا أنَّ الجاريَّة إذا حملت، الزوج يجوز نكاحها وصلحها في صداقها وخلعها ورواه عن الربيع. ورجل تزوَّج صبيَّة لم تبلغ وهي أكثر من ستة أشبار وكان يطأها ثم غيَّرت فقد قيل: تم على السداسية فصاعداً، وقيل لا يتمُّ إلا بعد البلوغ.
حكم من تزوَّجت دون إذن وليها:
ومن غيره: فيما أحسب وقال: بلغني عن عمر بن الخطَّاب-رحمه الله- ضرب رجلاً تزوَّج امرأة في طريق مكَّة زوجها به غير وليها بغير إذنه ووليها في الرفقة فلمَّا رجعوا رفع ذلك إلى عمر بن الخطَّاب وأمر بهما فضربا بسوط جميعاً المتزوج والمرأة. وقال أبو عبيد الله في التي تزوَّج في عدَّتها متعمِّدة لذلك إنَّه لا صداق لها على الآخر، وإن كان بغلط منها فلها الصداق.
الزواج قبل انتهاء العدة من الأول:
وعن رجل تزوَّج امرأة في بقيَّة من عدَّتها ولم يعلم فقال: يعزل عنها حتى تنقضي العدَّة ثم يرجع إليها بنكاح جديد.
قلت له: فما التي تحرم عليه؟ قال: تلك التي يتزوَّجها الرجل ولم تعتد مثل امرأة ملكها رجل ثم مات قبل أن يدخل بها وكانت تظنُّ أنَّها لا عدَّة عليها حيث لم يكن دخل بها وظنَّ ذلك الرجل فتزوَّج الرجل فهذا لا يسعه جهله، فإن كان قد دخل بها غلطاً أعطاها صداقها وفرَّق بينهما وإن لم يكن دخل بها فرِّق بينهما ولا شيء لها.
__________
(1) في أ، ب: بمثل ما غرم. (6/143)
صفحة 2419
قال غيره: المعنى أنَّه أراد بينهما، وأمَّا الأولى فتلك قد اعتدت وألزمت ذلك نفسها والزوج الذي يزوِّجها ولكن ملكها ودخل بها وقد بقي من العدَّة /192/شيء لم يكمل وظنَّا أنَّها قد أكملت عدَّتها فهذه لا تحرم عليه ويعتزلها حتى تكمل عدَّتها ثم ترجع إليه بنكاح جديد وولي وشاهدين إن كان لم يدخل بها.
ومن غيره: وقال: فلو دخل بها فاعتزلها حتى خلت العدَّة ثم تزوَّجها بنكاح جديد، فقد قيل: إنَّ ذلك جائز.
العيوب التي يفسخ بها الزواج:
وقال من قال: تفسد عليه، وأمَّا الجهالة تفسد عليه وكذلك إذا تزوَّج الرجل المرأة وكان فيه جنون أو جذام أو برص فاحش، أيكون للمرأة ذلك ما يكون للرجل قال: نعم.
ومن غيره: عن أبي سعيد-رحمه الله- أنَّه قيل في ذلك أنَّه لا يرد به على حال، وقيل: إنَّه يرد به ما لم يدخل فإذا دخل لم يرد، وقيل: إنَّه لو دخل وطلبت المرأة الخروج، قيل لها إن شاءت خرجت ولا حقَّ لها، وإن شاءت قعدت ولها حقُّها، وإن ظهر فيها شيء من هذه العيوب من قبل دخوله بها فادَّعت أنَّ ذلك حدث لها من بعد أن ملكها فالقول قولها مع يمينها إلا أن يقيم الزوج شاهدي عدل عليها إنَّ هذا العيب كان فيها قبل أن يملكها، وسألته عن الرَّجُل إذا تزوَّج امرأة ثم صحَّ بشاهدي عدل أنَّها كانت صَرعتْ مرة من جنون ثم لبثت من بعد ذلك عشرين سنة صحيحة لم يرجع ذلك إليها، هل يكون هذا ممَّا يرد به نكاحها إذا لم يكن الزوج دخل بها؟ قال: نعم. أقول: أنَّ هذا يرد به نكاحها إذا كانت قد عرفت كذلك مرة واحدة.
حكم قيام الوكيل بالتَّوكيل لغيره:
ومن الأثر: عن أبي سعيد-رحمه الله- وسئل عن رجل وكل/193/ وكيلاً في تزويج أخته وابنته، هل يجوز للوكيل أن يوكِّل وكيلاً في ذلك؟ قال: لا. قال أبو الحواري -رحمه الله- بلغنا عن محمد بن محبوب-رحمه الله- أنَّه جاز ذلك وبه نأخذ. قال أبو سعيد: إذا (6/144)
صفحة 2420
جعله وكيلاً في تزويج حرمته جاز له أن يوكِّل غيره، وإذا جعله وكيلاً أن يزوِّج حرمته أو أمره أن يزوِّج حرمته لم يكن له أن يوكِّل غيره.
حكم صداق المثل:
ومن غيره: فيما أحسب في امرأة ثيب أو بكر زوَّجها وليها بصداق أقل من صدقات أمهاتها ثم طلبت من بعد ذلك صدقات نسائها، هل لها ذلك؟ فقد اختلف في ذلك فيما قيل ليس لها إلا ما فرض وليها لها إذا كان ممَّا يجوز به التَّزويج كانت بكراً أو ثيباً صغيرة أو كبيرة، وقيل: لها صداقها على حال، وقيل: إن كانت بكراً فلها صداق مثل نسائها، وإن كانت ثيباً فلها ما فرض لها وليُّها، وقيل: ذلك في الصَّبيَّة خاصَّة وليس البالغ إلا ما فرض لها. ويعجبني أن يكون لها ما فرض لها وليها إذا كان مسمى معروفاً ممَّا يجوز به نفسها فلمَّا دخل بها علمت بالصَّداق فغيرت، هل لها ذلك فقد مضى القول وإنَّما الجواب على هذا وقيل إذا طلبت ذلك بعد الجواز لم يقبل منها، وكان يجب عليها أن لا تبيح نفسها حتى تعلم كم صداقها.
حكم شهادة العبد:
ورجل تزوَّج بامرأة عند عبدين ثقتين أو غير ثقتين من أهل القبلة قلت: هل ثبت التَّزويج؟ ففي أكثر القول إنَّه لا يثبت، وقيل: إنَّ شهادة العبد جائزة./194/
حكم فض المرأة بأصبعه:
ورجل افتض امرأة بأصبعه، هل يلزمه في ذلك صداق كانت صبيَّة أو بالغاً؟ وقد قيل: ذلك إذا كان على الإكراه، وقيل: لا يجب ذلك إلا بالوطء.
وقلت: لو أنَّه قام يكابرها فمن حيث تقابله صارت ثيباً وقد كانت بكراً هل يلزمه صداقها؟ فقد قيل ذلك إذا كان من فعله على ما قد مضى.
قلت: وكذلك المرأة إذا ادَّعت أنَّ وليَّها أعطاها وكالتها، هل تصدَّقُ كانت ثقة أو غير ثقة؟ فقد قيل في ذلك باختلاف. وهذا عندي أشدُّ من دعوى الولاية. (6/145)
صفحة 2421
أثر الزنى على المحارم:
وفي جواب لأبي سعيد-رحمه الله- إلى من كتب إليه، وعن رجل زنى بامرأة هل يجوز له أن يأخذ أختها أم لا؟ فقد قيل: في ذلك باختلاف وأحب أن يجوز له.
قلت: وكذلك إن كان قد تزوَّج بأختها وجاز بها ثم زنى بأختها أتحرم عليه امرأته أم لا؟ فقد قيل: في ذلك باختلاف، وأحبُّ إلي أن لا تحرم عليه.
وعنه: وعن رجل نظر إلى فرج صبيَّة بزنى لم تستحي، هل تحلُّ له؟ فقد قيل لا تحلُّ إذا أخذها لتلك الشهوة والنظرة، وإن كان لغير ذلك، فقد اختلف فيه.
أثر انقضاء الحيضة الثالثة ولم تغتسل بعد:
قال أبو الحسن: في التي تطهر من الحيضة الثالثة ولا تجد ماءً فتيمم بالصَّعيد أنَّها لا تفوت زوجها حتى تيمم لصلاة فريضة، وقال من قال: حتى تيمَّم لصلاة ما كانت، قال: وأمَّا نحن فنقول: حتى تتيمَّم لصلاة فريضة. قال غيره: وقد قيل: إذا تيمَّمت بالصَّعيد فقد فاتت زوجها وذكرت رحمك الله/195/ في رجل ثقة أو مأمون أو متهم رد امرأة بغير حضرتها ثم أعلمها ولم يخبرها الشاهدان ولا أحدهما فصدقته ووطئها على ذلك.
قلت: فهل يجوز لها ذلك؟ فهذه مقصِّرة ولا أقول إنَّ ذلك يضيق عليها إذا صدَّقته ولم تشك في صدقه.
الولي يزوِّج نفسه:
ومن جواب أبي سعيد -رحمه الله- فيما أظنُّ. وأمَّا إن أمره أن يزوِّج حرمته ولم يتقدَّم أن يزوجها أحداً بعينه فزوَّج نفسه فقد أجازوا ذلك أن يزوَّج نفسه ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
حكم شرط الرجل في النِّكاح:
ومن غيره: من الأثر في رجل تزوَّج امرأة على ألف درهم على أن تعطيه مائة دينار؟ ففي بعض القول أنَّ شرطه عليها باطل وشرطها عليه جائز، لأنَّ شرط الرجل على النِّساء (6/146)
صفحة 2422
باطل. وقال من قال: إن كان قيمة المائة الدينار أكثر من ألف درهم أو سواء، فإن كان سواء فلها عليه أقل الصَّدقات وهو بأربعة دراهم وإن كان قيمة مائة دينار أكثر من ألف درهم فلها عليه صداق مثلها. فعلى هذا يكون وقد نظرت ولدي في رفعتك هذه، فأمَّا الذي تزوَّج امرأة بأمر وليِّها بغير رأيها ثم علمت النِّكاح فكرهت في نفسها ولم تغير ذلك بلسانها. فمعي: أنَّه لا بأس إذا لم تكن كراهية تتغير لأنَّ الكراهيَّة قد تكون لوجوه وعلم وهو إذا كانت متمسِّكة بالنِّكاح ولو كرهت منه ما كرهت حتى أظهرت الرضى منه، فهو عندي جائز إن شاء الله./196/
وإذا طلبت المرأة ما يجب لها من الكسوة والنَّفقة أو أحدهما فلم ينصفها في ذلك على ما يجب لم يجب عليها في الحكم عندي معاشرة له.
حكم الكفاءة في الزَّواج:
وعن بنات الزنا، هل ينكحن ممَّن لا يعلم؟ قال: يكره الفقهاء ذلك. قال أبو معاويَّة: لا بأس بتزويج بنات الزنا. رجل خطب امرأة فزعم أنَّه عربي فزوَّجوه ثم سألوا عنه فإذا هو مولى؟ قال: نكاحه جائز وإن غرَّهم بلغنا ذلك عن جابر بن زيد، وبلغنا عن سليمان تزوَّج، وتزوَّج بلال من قريش، وأمَّا الإمام غسانُ بن عبد الله. وقال غيره من الفقهاء المسلمين: لا يجوز ذلك ونفرِّق بينه وبينها، فإن كان قد دخل بها فلها صداقها كامل وإن مسَّ فرجها أو نظر إليه فلها صداق كامل، وإن كان لم يدخل بها فرِّق بينه وبينها ولا صداق لها عليه. قال أبو معاوية: لا أرى أن يفرَّق بينهما.
ومن غيره قال: إن محبوباً قال: إنَّه حفظ في الرجل تطلب إليه ابنته للتَّزويج فيكره أن يزوجها إلا بصداق كبير ورجل كفؤ وترضى هي بدون ذلك الصداق فيزوجها عمها لمن ترضى.
أثر خيانة المرأة لزوجها في المهر: (6/147)
صفحة 2423
ومن غيره: وامرأة خانت زوجها في نفسها؟ فلا صداق لها عليه، إلا أن تعلمه بالخيانة فلا يصدقها ويقيم معها بعد ذلك فلها الصداق عليه إذا وطئها من بعد أن أعلمته، وممَّا وجدنا عند أبي المؤثر في الرقاع سألته عنها/197/ وعرضتها عليه وصحَّت إن شاء الله.
أثر الخيار على المهر والميراث:
وفي الرجل يتزوَّج الصبيَّة فيموت أحدهما قبل بلوغ الصبيَّة؟ قال: إن كانت الصبيَّة هي التي ماتت فلا ميراث لزوجها منها كان بالغاً أو صبياً، فإن كان دخل بها وهو بالغ حكم عليه بالصَّداق لورثتها ولا يكون له منها ميراث، وإن كان الزوج هو الميِّت وكان بالغاً ينظرها حتى تبلغ، فإذا ادَّعت الرضا وطلبت الصداق والميراث استحلفت لقد رضيت به لو كان حياً ولقد رضيت به زوجاً ثم يقضي لها بالصداق والميراث، وإن لم تحلف لم يقضى صداقاً ولا ميراث إلا أن يكون دخل بها كان صداقها على الذي أجازه عليها وأمكنه منها لا أرى على الصبي صداقاً، لأنَّه لم يستنكرها، وقد كان محمد بن محبوب -رحمه الله- يقول إذا استكره الصبي الصبيَّة فغلبها على نفسها حتى يقتضها وصداقها في ماله وليس على عاقلته من ذلك شيء، وإن اقتضها بإصبعه فعقرها على عاقلته إذا شهدت بذلك البيِّنة.
وإذا جعل الرجل زوجته وصيَّة أو إلى أحد من النِّساء في تزويج بناته لم يكن لهنَّ أن يلين التَّزويج بأنفسهنَّ ولكن يأمرن من الرجال من تزويج بنات الرجل الذي جعلها وصيَّة في تزويجهنَّ.
عضل الولي:
وسألت هاشماً عن رجل طلب تزويج امرأة ورغبت فيه وهو كفؤ لها فكره أبوها أن يزوِّجه؟ وقال: يزوِّجه القاضي إلا أن يكون أبوها يخاف من شرِّه عليها وعلى نفسه إذا كان معروفاً بالخصومة /198/ والشر فإذا كان كذلك لم يزوِّجها القاضي. (6/148)
صفحة 2424
وعن رجل تزوَّج امرأة على امرأة على أنَّ طلاقها بيدها فقال لها: شرطها إذا جعل ذلك من حقِّها.
ومن جواب: أبي عبد الله إلى أبي المؤثر رحمهما الله ولا ينبغي للقاضي أن يزوِّج صبية لم تبلغ إذا لم يكن لها ولي. وممَّا
من صيغ الطَّلاق:
أفتى به أبو عبد الله محمد بن محبوب- رحمهمها الله- فيمن قال: الحلال عليه حرام فأفتاه مفت أنَّ زوجته تطلَّق ولم يكن هو نوى زوجته بطلاق فأفتاه مفت أنَّ زوجته تطلَّق وقد كان طلقها قبل ذلك اثنين فأخذ بقول المفتي وتركها ولم ير أنَّ عليها رجعة وتزوَّجت ثم سأل فرأى أنَّها لا تطلَّق وإنَّها زوجته فرفع على الذي أفتاه بالخطأ.
فقال أبو عبد الله: ما أقرب المفتي له أن يضمن له الصداق ويحاول فيها حتى يخرجها من زوجها الآخر، فإن قال له الزوج الآخر أخرجها حتى تضمن لي الصداق والذي أديت إليها، قال: فعليه أن يضمن له بالصداق أيضاً.
قلت له: وله عذر أن يأخذ بقولي وهو يعلم أني لست بفقيه وأنَّ الفقهاء غيري؟ قال: فإن قلت له: إني ليس بفقيه فلا تأخذ برأي، فإن قلت له: ذلك فلا شيء عليك.
قلت: فإن قلت له: أنا ليس بفقيه والفقيه غيري، فإن أحبت أن تأخذ برأي فرأي كذا وكذا؟ قال: فأنت ضامن على هذا القول. قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله وقد قيل: إنَّه يضمن إلا أن يقول له هذا قول المسلمين والله أعلم حتى يقول: سل ولا تأخذ برأيي./199/
وعن رجل تزوَّج امرأة فولدت فيما دون الستة أشهر؟ فلا يلزمه ذلك الولد، وقالوا لا يلزمه من الصداق شيء، لأنَّها قد استحقَّت التهمة. (6/149)
صفحة 2425
وعن امرأة ملكها رجل فرضيت في نفسها وأظهرت الكره فوطئها الرجل ثم قالت من بعد إنِّي كنت راضية في نفسي؟ قال: هي زوجته وإنَّما يؤخذ بما في النفس. وسئل عن رجل
عربي وصل إلى قوم فطلب إليهم أمهتم أن يزوجوه بها فزوجوه فولدت منه أولادًا ما يكون ما يكون أولاده منها أحراراً أم مماليك؟ قال معي: لا تجري عليهم أحكام الرق بالملك كما لا يجوز سباؤهم عند أثخالهم (1) إذا كانوا أهل شرك. قال له قائل: فهل يلزمه قيمتهم؟ قال: لا أعلم ذلك إذا أعلمه أنَّه عربي حرص على قول من يقول: أنَّهم أحرار ولم أره يبعد ذلك.
قلت له: أرأيت إن لم يشترط عند التَّزويج أنَّه حر عربي؟ قال معي (2): على قول من يقول: لأنَّهم لا يملكون إذا صحَّ أنه عربي فهم أحرار وعليه قيمتهم للسيد، وقال من قال: إنَّهم مماليك إلا إن شاء سيدهم أن يبيعهم له، وقال بعضهم: إنهم مماليك حتى تشترط حريتهم عند التَّزويج أو بعد ذلك ويثبت شرطه له (3).
وعن رجل قال لرجل: قد تزوَّجت لك امرأة على كذا وكذا من الحقِّ فقال الرَّجل قد رضيت (4)؟ قال: لا يجوز ذلك. وقال أبو علي الحسن بن أحمد فيها: إنَّ ذلك جائز والله أعلم./200/
سقوط النفقة:
وعن رجل إذا كسا زوجته من غير شرط ثم نشزت من عنده لمن تكون الكسوة التي عليها لها أو له كان النشوز منها أو منه؟ فمعي: أنَّه قيل: إذا لم يكسها من حكم حاكم ولا
__________
(1) في ب: اتخانهم.
(2) في ب: أنَّه على قول.
(3) في ب: ويثبت له شرطه.
(4) في أ، ب: رضيت – دون ((قد)) (6/150)
صفحة 2426
شرط أنَّه كساها عن هذا فهو لها حتى يشترط عليها. ومعي: أنَّه قد قيل: هو على سبيل الكسوة حتى يشترط عليه، والأول عندي في الحكم، وهذا عندي في التعارف (1).
ومن غيره: وأمَّا الصبية إذا دخل بها زوجها ثم امتنعت عن معاشرته؟ فأحسب أن بعضاً يوجب عليه النفقة؛ لأنَّه قد وجب عليه حكم المعاشرة ولا حجة على الصبيَّة ولعلَّ بعضاً لا يوجب عليه ذلك فانظر في ذلك.
قال غيره: وقد قال من قال: إذا كان لها مال لم يكن لها نفقة ونفقتها في مالها، وإن لم يكن لها مال أخذ لها بالنَّفقة، فإن أتمَّت التَّزويج كان قد أنفق على زوجته، وإن لم يتمَّ التَّزويج حسب عليه من صداقها. وسألته عن الرجل بنصف امرأته في حالٍ ويعدم في حال، هل يكون عليها طاعته في حال الإنصاف ولا يكون عليها طاعته في حال عدمه إذا لم تجد ما (2) ينصفها؟ قال: هكذا عندي في الحكم، وأمَّا في الإحسان فلا أحبُ أن تمنعه نفسها.
قال أبو علي الحسن بن أحفظه الله: وقد قيل ليس لها أن تمنعه نفسها إذا كانت في منزله إلا أن تحتجَّ عليه وتعتزل عنه (3). والله أعلم./201/
التوكيل في قبض الصداق:
وعن امرأة استأجرت رجلاً يستخرج لها صداقها بحصَّة منه؟ فلها ذلك، إذا كان إنَّما أعطته على أصل قد تقدم بينهما.
قلت له: فهل تجوز عطيَّة آجل الصداق من المرأة؟ قال: عندي أنَّ بعضاً لا يثبت ذلك، وبعضاً يثبته فما أرجو أنَّه يوجد في بعض الآثار.
قلت له: وكذلك جميع الحقوق المؤجلة من الديون من غير الصداق أكل ذلك، سواء؟ قال: يعجبني ذلك إذا كان لا يملك قبضه لم تملك عطيَّته.
__________
(1) في أ، ب: وهذا في التعارف.
(2) في أ، ب: إذا لم تجد من ينصفها.
(3) في أ، ب: ويعتزل عنها إلى منزل غير منزلها والله أعلم. (6/151)
صفحة 2427
وقلت له: الذي يجيز ذلك في الصداق، يجزه في هذا؟ قال لا فرق عندي في ذلك.
قال أبو سعيد-رحمه الله-: سمعت أنَّه لا يجوز للمؤمن أن يقطع نيَّته عن التزويج وعليه الاستغفار في قطع في ذلك، لأنَّه من السنة.
أثر الزنا في الكفاءة:
من جامع أبي الحسن (1): مسألة في تزويج الزاني وقد اختلفوا فيمن رأى رجلاً يزني؟ فقال قوم لا يزوجه ولا يشهد تزويجه ولا يزوجه حرمته، وقال قوم: إذا رآه يزني زنى ثم تاب وأصلح تولاه وزوَّجه بحرمته وصلى على جنازته. قال: لأن توبته تأتي على ذلك، وقول: هذا يدلُّ على أنَّ التائب جائز له أن يتزوَّج المسلمة الحرَّة غير المحدودة، فأمَّا المحدود فلا يتزوَّج لعله عند أصحابنا إلا محدودة ولو تاب عندهم في ذلك (2). أمَّا الذي يتزوَّج امرأة في/202/عدتها من طلاقه الذي يملك فيه رجعتها تزويجاً جديداً فذلك جائز وهي امرأته والتَّزويج أقوى من الرد على كل حال.
وعن الرَّجل يتزوَّج الصَّبيَّة التي لم تبلغ المحيض فلا ترض به في صبائها فيتزوَّجها رجل آخر قبل أن يطلِّقها الزوج الأول ولا بلغت هي بعد فيجوزها، فإذا بلغت رضيت بالتَّزويج الآخر. قلت: هل يتمُّ هذا التَّزويج وينفسخ (3)، وقلت: إن تزوَّجها الأخير وجاز بها فلمَّا بلغت أتمَّت هذا التَّزويج الأول وقد جاز هنا الأخير أعليها منة عدة أم لا لي في ذلك اختلاف؟ وأمَّا العدَّة فأحب أن لا يطأها الزوج الأول بعد وطء الأخير حتى تعتدَّ عدة المطلَّقة استبراء لرحمها.
وفي امرأة تزوَّجها رجل وشرط عليها أنَّ كل ما سلَّمه إليها، فهو من حقِّها وكذلك هي لم تقل أنَّ هذا لها ثم أخرجها وطلبت حقَّها فادَّعى أنَّه سلَّم إليها ثياباً وصاغ لها صوغاً؟ وقال: إنَّه فعل ذلك لها على أنَّه من حقَّها في نفسه، هل له ذلك؟ فقد قيل: أنَّه ما سلم
__________
(1) في أ، ب: في في أ، ب. ومن جامع أبي الحسن ومن غير في تزويج ..
(2) في أ، ب: ولو تاب عند في ذلك ثم.
(3) في أ، ب: وينفسخ التزويج الأول فنعم وقد قيل ذلك أن الآخر تزويج تام والأول تزويجه على قيد أينفسخ. (6/152)
صفحة 2428
إليها من ذلك، فهو لها إذا كان قد جاز بها، إلا أن يشترط هو عليها وما سلَّم إليها قبل الجواز، فهو له حتى يشترط عليه فافهم ذلك وليس ما يمكنه صدره إذا كان فعله محكوماً عليه في ظاهر الأمر أنَّه لها بنافع ما أسر والله أعلم.
ومن غير الجواب: وقال من قال: وذلك عن أبي سعيد-رحمه الله- أيضاً أنَّه إذا سلَّم إليها من مال ولم يشترط عليها فيه شرطاً، فهو مال له بمنزلة الأمانة عندها حتى يشترط عليها فيه شرطاً والله /203/ أعلم بعدل ذلك فينظر فيه.
صور من العلاقات الزوجية:
وعن رجل يصيبه البلاء فتخاف منه امرأته؟ فقال: تعزل عنه إذا خيف عليها منه وينفق عليها من ماله. وذكرت في رجل يطلب إلى رجل جاريَّته يزوِّجه فيشترط سيد الأمة كسوتها ونفقتها وقبل بذلك الزوج غير الحقِّ الذي يزوجه بها لا يثبت عليه هذا الشرط؟ فعلى ما وصفت فما ضمن له به على نفسه على تزويجها يثبت عليه ممَّا يسعه الضمان.
قال غيره: قد قيل: أنَّه ما شرط في التَّزويج للمرأة من ماله معرفة بصفة أو تدرك معرفته ولو كان مجهولاً فهو جائز.
وعن امرأة زوجها ولي من رجل وخلا لذلك نحو نصف شهر أو أقل أو أكثر ثم قالت البيِّنة إني مغيرة هذا التَّزويج فلمَّا بلغ الزوج رغب في ذلك وأحبَّ الزوج أن يستريح من حقِّها ثم إنَّها قالت من بعد إنَّما غيرت من بعد الرضى وأحضر الزوج البيِّنة أنَّ فلانة غيَّرت التَّزويج من بعد التَّزويج بنحو من نصف شهر واحتجَّت المرأة أنَّها غيَّرت من بعد ما رضيت؟ فعلى ما وصفت فإذا شهدت البيِّنة العادلة على تغيير هذه المرأة للنِّكاح من بعد العقد ثم ادَّعت ما ادَّعت من بعد ذلك الرضا بالتَّزويج، فقد قال بعض الفقهاء إنَّ النِّكاح قد انفسخ ولا يقبل قولها من بعد ذلك إلا أنَّها إذا قالت قد رضيت من قبل التغيير أمر الزوج أن يطلِّقها لتحلَّ للأزواج ولا صداق عليه لها./204/
المخالعة: (6/153)
صفحة 2429
ومن غيره: وسألته عن رجل باع زوجته تلطيقه وقبلت البيع وطلَّقت نفسها، هل يملك الرجعة؟ قال: لا.
قلت له: فما العلَّة وقد كانت زوجته إلى أن طلَّقت نفسه؟ قال: لأنَّه عندي خلع لأنَّهم قالوا: كل شيء أخذ الزوج عليه فدية فهو خلع. فلمَّا باع لها طلاقها كانقد أخذ على الطَّلاق فدية.
قلت: فكيف إذا كان خلعاً لم يقع الخلع من حينه؟ قال: قد قيل: إنَّه يقع من حينه، وقيل: إنَّه حتى تطلَّق نفسها فلمَّا طلَّقت نفسها كان خلعاً لسبب قبول الفدية.
حكم المفسد الزوجة على زوجها:
ومن غيره: من جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمهما الله- معروض على أبي الحواري، وعن رجل قال لامرأة: زوجني ابنتك فلانة (1) فقالت: نعم. فقال: بكم زوجنيها؟ فقالت: بكذا وكذا، فقال: لو علمت أنَّك تعطينها بها الرخص لتزوَّجت بها ثم إنَّ الذي تزوَّج المرأة طلَّقها أو بارأها؟ قال: لا تحلُّ لهذا الذي قال ذلك القول أن يتزوَّج بها أبداً، إلا من باب واحد إن لاعنها زوجها التي كانت معه وبانت منه على اللِّعان فله أن يتزوَّجها، وإلا فليس له أن يتزوَّجها إلا من باب اللعان.
سألت أبا عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله عن جاريَّة كان مالكها رجل ثم إنَّ رجلاً آخر هواها فقال لامرأة إنِّي هاو فلانةفلو كانت خلية لخطبتها فبلغ ذلك القول إلى أهلها فعملوا في إخراجها حتى أخرجوها من زوجها وهي لم تبلغ بعد، هل تحلُّ للرجل أن يتزوَّجها؟ قال: أكره له ذلك ولا أبلغ له تحريماً والله أعلم./205/
ومن غيره: قلت له: فإن طلب إلى الرجل حرمته فلم يزوِّجها ما تكون منزلته إذا كانت له ولاية؟ قال: إن شاء وليه أنزله على حسن الميعاد، وإن شاء سأله عن ذلك فلم يكن له حجَّة فهو ظالم.
__________
(1) في أ: وعن رجل قال لامرأته زوجت ابنتك فلانة ... (6/154)
صفحة 2430
تزويج الكفؤ:
وقال من قال: يرد واحداً أو لا يردّ أكثر من واحد، وقال من قال: ليس له أن يردَّ الطالب إذا كان كفؤاً. قال: ونحن نقول لا يرد الطالب إذا كان كفؤاً.
قلت له: فإنَّه فعل ثم أراد التَّوبة فما توبته من ذلك؟ قال: يتوب ويرجع يقول لها أنَّه يفعل لها ما منعها.
قلت له: وليس عليه أن يقول ذلك للطالب فلم نر عليه أن يقول ذلك للطالب؟ وقال: إنَّما الحق للمرأة.
قلت له: فهل يرد الطَّالب إذا لم يقبل له ما يريد من الصداق إذا رضيت المرأة بدون ذلك؟ قال: ليس له هو في ذلك حق، وإنَّما الحق لها هي وليس له في ذلك حجَّة.
قال غيره: أرجو أنَّه حتى يكون الطالب كفؤاً وتطلب ذلك المرأة.
وعن رجل وطء امرأة على أنَّه زنى فوافق امرأته أيحلُّ له ذلك أم لا؟ فلا يحلُّ له ذلك الوطء بتلط النيَّة، وأمَّا امرأته فلا تفسد عليه في أكثر قول المسلمين. وقد قيل: أنَّها تفسد عليه وأمَّا التوبة فلابد منها./206/
الباب الثامن
رجع إلى كتاب أبي جابر: ما يرد به من النِّساء:
ويرد من النِّساء في النِّكاح المجنونة والبرصاء والنخشة والعفلاء والمجذومة إذا كان البرص فاحشاً (1).
ومن غيره: قال أبو عبد الله البخر أترد في النِّكاح والعمياء لا ترد في النِّكاح ولا ترجع (2) على الأولياء إلا أن يسألهم عن العيوب فيقولون لا عيب فيها./208/
رجع: وإن (3) جاز الزوج بها فعليه الصداق كامل، وإن لم يخبر خرجت بلا صداق إذا أكرهها الزوج، وقيل: إذا ادَّعى ذلك بها فعليه البيِّنة أنَّها كان بها قبل تزويجه إلا أن يكون
__________
(1) في أ، ب: زيادة: كثيراً.
(2) في أ، ب: يرجع بدل ترجع. وهذا أصح.
(3) في أ، ب: فإن بدل من (وإن). (6/155)
صفحة 2431
شيء ممَّا لاشكَّ أنَّه كان قبل ذلك وما حدث ذلك بعد عقدة النِّكاح، فهو لازم للزوج وكذلك للمرأة على الرجل إذا كان به شيء ممَّا ترد هي به لم يثبت عليها نكاحه، فإن جاز بها أن علمت بذلك فقد لزمها تزويجه، وإن جاز بها بلا رأيها بعد أن كرهته فعليه صداقها وهي أملك بنفسها، وكذلك إن كرهته بعد أن وطئها ولم يكن قد علمت بالدَّاء الذي فيه فلها أن تخرج بلا صداق.
ممَّا يرد النكاح من العيوب:
ومن غيره (1): وعن رجل تزوَّج امرأة، فإذا هو مجنون أو مجذوم أو أبرص ودخل بها ثم قالت المرأة لا حاجة لي فيه لم أعلم؟ فأمَّا إذا دخل بها فلا حجة لها ولا يجبر الرجل على طلاقها، وأمَّا إذا لم يدخل بها فقد قال من قال: إنَّ الذي لها مثل الذي (2) عليها تخرج منه بلا صداق، وقال من قال: ليس لها أن تخرج على كل حال، والقول الأول أحبُّ إلي وإنَّما قالوا في البرص إذا كان فاحشاً.
ومن غيره: قال: تعم. وقد قيل: لها الخيار بعد الدُّخول أن تخرج بلا صداق وإن شاءت قعدت ولها صداقها، وقال من قال: لها الخيار بين الخروج والمقام ولها حقُّها./210/
رجع: وذلك أنَّهم قد (3) قالوا: أنَّه إذا اغترَّ الولي فيمن يرد نكاح بعد الدُّخول كان لها صداقها، وإن تزوَّج الرجل امرأة مجنونة أو بها داء ولم يعلم فلمَّا دخل بما اطَّلع على ذلك الداء فطلب في ذلك إلى وليها، وقال له (4): لم تسألني فأخبرك وإنَّما طلبت لأزوجك (5) ففعلت فقيل: إن أراد أن يقيم معها فذلك إليه، وإن أراد تركها فعليه مهرها إذا كان قد دخل بها وكان عليه أن يسأل الولي عنها، فإن سأل الولي عنها فكتمه فقد غرَّه ولزمه له ما لزمه لها.
__________
(1) في أ، ب: لا يوجد ومن غيره.
(2) في أ، ب: لا يوجد الذي: إنَّ لها مثل ...
(3) لا يوجد في أ، ب قد.
(4) في أ، ب: فقال له.
(5) في أ، ب: وإنَّما طلبت أن أزوجك (6/156)
صفحة 2432
السلامة من العيوب:
وأمَّا الرتقاء فقال من قال: هي مثل الصفاة وتلتحم (1) فرجها باللحم ولا يكون فيها جماع فتلك تؤجل في علاج نفسها سنة منذ تختلف هي زوجها في ذلك أن تعالج نفسها أو يعالجها ممن يبصر به ذلك من النِّساء بموس أو غيره، فإن برئت من ذلك في هذا الأجل فهي زوجته وإن لم تبرئ فله تركها وأحب إلي أن يطلقها وليس عليه صداق، ولو كان لم تبرئ فله تركها وأحبُّ إلي أن يطلقها وليس عليه لها صداق، ولو كان نظر إلى فرجها أو مسه ولم نسمع لها بأجل غير سنة، فإن مات أحدهما قبل أن ينقضي الأجل فالميراث بينهما، وقال من قال: إنَّ زوج الرتقاء إن كتموه أهلها أو لم يكتموه إن طلَّقها قبل أن تعالج نفسها وهي في العدَّة بعد أم مسَّ أو نظر فعليه لها الصداق لأنَّه عجل، وإن كان ذلك قبل أن يمسَّ ولا ينظر فعليه نصف الصداق، وإن رضي بها على أنَّها رتقاء فرجع فكره لم تكن رجعة، /212/ وقال من قال: إذا أنكرت المرأة أنَّها ليست برتقاء فعليها اليمين ما تعلم أنَّها رتقاء وإلا فعليه صحَّة ذلك لمن يثق به من النِّساء أو شاهدين رجلين عدلين كانا قد تزوَّجاها من قبل وعرفا ذلك وعرفاها بالرتق وهي صبيَّة، فإن كانا على هذا جازت شهادة رجلين (2) وأمَّا غير ذلك فلا يجوز شهادة الرجال في هذا.
وكلَّ تزويج كان على غير شرط معروف مثل ألف درهم عاجل أو ألفي درهم آجل أو قال مائة نخلة أو قال مائة دينار أو عشرة وصفاً أو قال قد زوَّجته فلانة، فإن كرهته فقد زوَّجته أختها فلانة فما كان من نحو هذا ولم يكن جواز فعليهم تجديد النِّكاح على شرط معروف، فإن جاز الزوج تتمّ النكاح وللمرأة من الصداقات كأوسط صدقات نسائها على قول من قال من الفقهاء.
أثر الكفاءة:
__________
(1) في أ، ب: ويلتحم
(2) في أ، ب: إن كانا على هذا أجازت شهادتهما. (6/157)
صفحة 2433
وقيل: في رجل انتحى إلى قوم فقال أنا فلان بن فلان الأنصاري لرجل شريف وليس هو ذلك الرجل (1) وزوَّجه القوم حرمتهم ثم إذا هو من قريش ولم يجز بالمرأة؟ فإنَّها تخرج منه ويفرق الحاكم بينهم. وقال من قال: لا شيء عليه إذا لم يجز بها، وقال من قال: عليه نصف الصداق، وإن قال إنِّي رجل من الأنصار ولم ينتسب إلى رجل شريف من الأنصار وكان من قريش فلا يفسد النِّكاح إن شاء الله، والنِّكاح جائز وكذلك إذا انتسب إلى رجل شريف من قريش فقال: أنا فلان بن فلان القرشي إذا هو من الأنصار فهو مثل ما قلنا./213/ في المسألة الأولى، وإذا قال إني من قريش فزوَّجوه على ذلك وإذا هو من الأنصار، فالنِّكاح جائز، وكذلك إذا قال إنَّه من ربيعة أو من مضر أو نسب نفسه إلى قبيلة وهو من قبيلة غيرها من العرب وزوَّجوه على ذلك فليس ذلك ممَّا يفسد به نكاحه، وإذا جاء رجل إلى قوم قوم فقال: إنِّي من الأنصار أو من المهالبة فزوَّجوه على ذلك، فإذا هو من ربيعة أو من مضر فلا يفسد عليه نكاحه إن شاء الله.
مسائل في الصداق:
وقال من قال: أيُّما رجل تزوَّج امرأة ولم يفرض لها الولي عليه مهراً فلمَّا أجيز إليها قبل أن يمسَّها قال: إنَّ وليك زوجني بلا مهر وقد فرضت الآن على نفسي عشرة دراهم فرضيت بذلك فقال: إن ليس لها غير عشرة دراهم، وقيل: عن أبي علي: في الزوجين إذا تراضيا على درهمين وتزوَّج الزوج على ذلك إنَّه لم ينتقض ذلك إذا تراضيا به وأقل الصداق عندنا الذي يجوز عليه النِّكاح أربعة دراهم، وقال من قال: عشرة دراهم والأربعة أكثر والقول فإن كان التزويج على أقل من ذلك أو على غير صداق فهو منتقض إذا نقض أحدهما قبل الدخول وإن دخل بها الزوج على هذا التَّزويج ولم ينقضوه فهو تام، وإن تام الزوج وقد تزوَّجها على غير شيء فلها أيضاً كأوسط صدقاتها وصدقات نسائها، وإن ماتت قبل أن يجوز بها عندي أنَّه أراد فلا صداق لها وفي نسخة فلا شيء لها. قال أبو علي حظه الله:
__________
(1) في أ، ب: فزوجه القوم بحرمتهم .. (6/158)
صفحة 2434
وقد قيل: أنَّه مات الزوج قبل أن يجوز بها كان/ 214/ لها الميراث، ولا صداق لها وإن ماتت هي كان له الميراث منها، وعليه صداق مثلها وهو أكثر ما عرفنا والله أعلم. وإن فارقها قبل أن يجوز بها فهذه التي لها المتعة، وقيل: إنَّ جابر بن زيد- رحمه الله_ متَّع بخمسين درهماً وعسى قيل غير متَّع بثوبين وليس ذلك شي معروف وأحبُّ أن يكون النظر في ذلك أن يكون على قدر سعة الرجل وقدر المرأة. قال الله تعالى: {على المُوسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة] وأمَّا إذا فارقها قبل أن يجوز بها ولها صداق مفروض فلها عليه نصف الصداق، وأمَّا إذا فارقها قبل أن يجوز بها فلا عدَّة عليها، وإن مات هو فحسبت نفسها عمداً عن التزويج بقدر العدة، فقيل: إنَّ لها الميراث أيضاً ونصف الصداق وعسى في بعض القول لها الصداق كلّه والميراث، وإن تزوَّجت فلها نصف الصداق ولا ميراث لها.
قال أبو الحواري: وهذا إذا طلَّقها في مرضه، فأمَّا إذا طلَّقها في صحته ولم يكن دخل بها فلا عدة عليها وليس لها إلا نصف الصداق ولو مات في العدَّة فلا ميراث لها أيضاً، وإن مات عنها قبل أن يجوز بها ولم يكن طلَّقها ولها صداق مفروض فلها الصداق كلَّه والميراث وعليها عدَّة الميتة.
وعن أبي عبد الله: قلت: فهل عليها يمين بالله ما أرادت أن تزوَّج من قبل أن تخلو عدَّة مثلها وإنَّها قد حبست نفسها بعدة مثل ما المدخول بها؟ قال: ما أرى عليها يميناً والله أعلم.
وعن رجل له امرأة ثم ظهرت له امرأة أخرى فطلبت إليه الأخرى أجل صداقها واحتجَّ أنَّه تزوَّج بهذه المرأة التي ظهرت قبل الأخرى/215/ ثم يؤخذ لها بصداقها الآجل، فإن أرخت بينة عادلة وحده، ولم تؤرخ بينة الأخرى جعلت التي أرخت بينتها على تزويجها بها هي الأولى منهما. (6/159)
صفحة 2435
وعن رجل تزوَّج امرأة على صداق ولم يسم عاجلاً ولا آجلاً؟ فقيل: هي مثل نسائها وسنة أهل بلدها، فإن كان صداقاتهنَّ عاجلاً فصداقها عاجل، وإن قام هو شاهدين أنَّه تزوَّجها على صداق كذا وكذا وهو آجل وأقامت عليه شاهدين عدلين أنَّه عاجل عليه، فهو في هذا الموضع عاجل، وإن كان صدقات نسائها آجل فبينتها أولي وصداقها عاجل، لأنَّ المدَّعي منهما عليه البينة، فإذا كان في حال يجوز صداقها عاجلاً وأقام هو بينة أنَّه آجل فبينته أولى، وإن كان في حال يكون صداقها آجلاً فبينتها أولى، ولعلَّ ذلك يوجد عن أبي عبد الله.
وعن رجل ملك امرأتين أختين ثم هلك في بلد لم يعلم أنَّهما أختان ولم يسمهما، فأمَّا الأولى فلها الميراث والصداق، وأمَّا الآخرة فلها نصف الصداق ولا ميراث لها.
وقال أبو الحواري: ليس للآخرة شيء ولا يجمع بين المرأة وعمتها وخالتها.
نكاح الشغار:
وقد نهى عن الشغارة وهو أن يقول الرجل للرجل أنكحي أختك بأختي، ويكره للرجل أن ينكح عنه والده ولا خاله ولا والده من /216/ النسب ولا الرضاع؟ قال النَّاظر في هذا الكتاب: هذا كره تحريم والله أعلم./217/
مسألة في الطلاق:
رجع: (1) ولا تحل مطلقة أحلت لمطلقها ولا تحلُّ لمن أحلَّها له، ومن طلَّق امرأته فلا يتزوج بأختها ما كانت تلك في عدَّة منه، وأمَّا إن ماتت فلا بأس أن يتزوَّج بأختها من حينه.
متى يجوز أن يتزوَّج أخت الزوجة:
وقال أبو سعيد: فإن تزوَّج بأختها من حينه لم تحل له أن يطهر الميتة ولا ترى ينظر منها محرماً. قال أبو عبد الله: فيمن تزوَّج أخت امرأته في بقيَّة من عدَّتها؟ قال: يفرِّق بينه وبين
__________
(1) في أ، ب: لا يوجد رجع. (6/160)
صفحة 2436
الآخرة، وإن كان دخل بها حرمتا عليه جميعاً وإذا تعمَّد لتزويجها وإن كان دخل بها حرمتا عليه جميعاً، وإذا تعمَّد لتزويجها وإن كان لم يدخل بالآخرة فرق بينهما، فإذا أكملت الذي طلقها عدَّتها منه فله أن يرجع إلى الآخرة بنكاح جديد إذا كان تزويجه بها غلطاً منهم أو في العدَّة، وفي نسخة غلطاً منهما في العدَّة، وإن كان لم يدخل بالآخرة فأراد أن يرد الأولى في بقية عدتها فله ذلك.
الجمع بين الأختين:
وعن أبي علي في الذي يتزوَّج امرأة ثم يتزوَّج أختها وهو لا يعلم فدخل بهما جميعاً أو دخل بالآخرة أو الأولى أو نظر إليهما جميعاً أو إلى الآخرة أو إلى الأولى؟ فإنَّ في كل هذه الصفة تخرج الآخرة منهما، وقيل: لا يكلم الأخت في التزويج حتى تنقضي عدَّة أختها منه، فإن فعل لم يبلغ به ذلك إلى فساد نكاح بها. وقيل: في رجل طلب إليه تزويج امرأة هو وليها فارتشى من الزوج على أن يزوجها وإن ذلك الذي ارتشى/218/ للمرأة. قال أبو الحواري: إن كان أنقصها من صداقها شيئًا وإلا فهو للزوج، وإن كان ارتشى من الزوجة فهو لها أنقصها من صداقها أو لم ينقصها.
وعن رجل طلب إلى رجل أن يطلِّق امرأته فيتزوَّجها هو ففعل الزوج؟ فقيل لا بأس عليه في تزوُّجها وفي نسخة بتزويجها وذكروا أنَّ عمران بن حطَّان ورجلاً تذاكر في الدِّين حتى وقع بينهما كلام حتى قالت امرأة الرجل لزوجها حجك عمران فغضب زوجها ثم لقيت المرأة عمران فقالت له.
مسألة في الطَّلاق:
قل لزوجتي يطلقني، ففعل عمران ذلك وأبلغ زوجها، فقال ذلك إليها ثم لقيها زوجها، وقال: أحق ما يقول عمران أنَّك أرسلتيهإلى أن أطلقك فقالت: نعم. قال: فذلك إليك فطلقت نفسها فتزوجاه عمران وهي امرأته التي يقال لها حمرة، وأمَّا إذا قال لامرأة الرجل (6/161)
صفحة 2437
أنَّ يجب أن يتزوجها أو عرض لها في ذلك ثم مات زوجها أو فارقها فلا يتزوَّجها وهو وقد تقدم ذلك إليها عنه.
وعن رجل تزوَّج امرأة هي غائبة في بلد آخر فأتاها فطلب إليها نفسها ولم تعلم أنَّه تزوَّج بها فطاوعته فوطئها وهي ترى أن وطئها حراماً وهو يرى أن وطئها حلالاً أعليه في المقام معها بأس وإن لم يكن له أن يقيم معها لها عليه مهر؟ فما أخوفنا أن تكون قد فسدت عليه، لأنَّها أباحت حرمتها طائعة وما نبرئه من مهرها لتقدُّمه على حلال يراهُ.
وعن رجل تزوَّج امرأة وكان يلامسها ولا يفضي إليها ويقذف/219/ على الفرج ويلج الماء فيه أو لا يلج ثم طلَّقها، هل له أن يردَّها؟ قال: نعم إذا حملت منه وأمَّا إذا لم تحمل منه فلا. تم الباب من كتاب أبي جابر./220/
ومراجعة الزوجة:
ومن غيره: وسألته عن الرجل إذا أراد أن يرد زوجته فقال للشهود اشهدوا أنِّي قد رددت فلانة بنت فلان؟ قال: جائز
قلت: فإن قال: قد رددت فلانة بنت فلان بحقِّها بما بقي من طلاقها؟ (1) قال: جائز.
قلت (2): فإن قال: قد راجعت فلانة بنت فلان بحقِّها بما بقي من طلاقها؟ قال: جائز.
ومن غيره: قال محمَّد بن الأزهر عن سليمان بن الحكم، في امرأة زوَّجت أمتها من رجل فقال: إن دخل بها جاز، وإن لم يدخل بها أمرت السيدة رجلاً يجدد له التَّزويج؟ وقال من قال: الوضاح إذا شهدت له فقد جاز النِّكاح بحفظه، وقال لي الوضاح بن عقبة الدعي تقبل شهادته ويصلي خلفه إذا كان صالحاً وإن (3) مات دخل الجنَّة.
وعن رجل تزوَّج امرأة ثم ماتت من بعد أن دخل بها، هل له أن يتزوَّج بأختها من حينه؟ قال: لا بأس أن يتزوَّج أختها من حينه، فإن كان قد تزوَّج بها وهي لم تطهر فلا أرى له
__________
(1) لا يوجد في أ، ب بما بقي من طلاقها.
(2) في ب: بدل قلت قال.
(3) في أ، ب: وأمَّا إذا مات. (6/162)
صفحة 2438
أن يطهِّرها، فإن طهرها وقد تزوَّج بأختها ولم ينظر الفرجين ولا يمسُّهما فما أفرق بينه وبين التي تزوَّج.
ومن غيره: ولو تزوَّج رجل امرأة غائبة ولم تعلم بالتَّزويج وعقد على نفسه التَّزويج لها من وليها (1) ولم تعلم ثم طلَّقها كان الطلاق يلزمه.
ولاية التأديب:
وسألته عن قول الله تعالى: {والتي تخافون نشوزهُنَّ فعظوهُنَّ واهجروهُنَّ في المضاجع واضربُوهنَّ} [النساء] ما هذا الضرب؟ قال: اختلف في ذلك، منهم من قال: الضرب باللسان، ومنهم من قال: الضرب غير مبرّح يضربها/221/ بالمسواك وبالقلم.
الوكالة في الزواج:
وسألته عن رجل يصل إلى رجل فيقول قد وكَّلتك في تزويج ابنة عمِّي من فلان؟ قال: إن كان يعرف له أخت أو ابنة عم هي تلك فله أن يزوجها، وإلا فلا يجوز له ذلك.
قلت له: فله أن يخطب ويكون الولي هو الذي يلي عقدة النِّكاح؟ قال: نعم قلت: فإن قال زوَّج ابنتي من فلان وهو لا يعلم أنَّ له ابنة قال ذلك جائز.
قلت: فإن قال زوَّج ابنتي واسمها فلانة واسمي فلان وهو لا يعرف الأب ولا الابنة؟ قال: لا يجوز أن يزوج فلانة بنت فلان حتى يعرف الأب لأنَّ لا ينعقد النِّكاح إلا على فلانة بنت فلان فيكون على غير ابنته وغيره.
الوكالة على الوكالة:
قلت له: فإن قال: إنَّ وليَّها قد وكلني وأنا أوكلك، هل يجوز ذلك؟ قال: لا يجوز إلا لمن وكّله الولي.
__________
(1) في ب: لا يوجد من وليها. (6/163)
صفحة 2439
قلت له: فإن قال: قد وكَّلني وليها في تزويجها وأنا لا أعلم ذلك، هل لي أن أكتب الصك وأخطب؟ قال: إذا قال الزوج أنَّه قد صحَّ عنده أنَّه وكيل فذلك جائز أن يشهد عليهما، وإن قال الزَّوج لم يصحَّ عندي لم يجز لك أن تدخل في ذلك.
قلت له: فإن قال الولي إنَّه قد قبض المهر؟ قال: لا يكتب عليه إلا كذا وكذا مثل أن يقول صداقها ألف درهم أو قد قبضت منه خمسمائة درهم، هل يجوز أن أكتب وقد قبضت فلانة من زوجها خمسمائة درهم وبقي لها خمسمائة درهم؟ قال: إذا كنت لا تعلم أنَّها قبضت فلا يجوز ذلك أن تكتب عليها بغير علم ورأيته قد كتب في صك امرأة قد استوفت عاجلها وذكر هو بقيَّة صداقها الذي تزوَّجها عليه ولم يسم/222/ العاجل ولا يرسمه عليه في الكتاب. (1)
وعن رجل أراد أن يأخذ امرأة فأهدى إليها قطناً أو كتَّاناً فغزلته وعملته ثم أبت أن يأخذ الرجل، لمن الثياب؟ فعلى ما وصفت فالثياب للرجل عليه للمرأة أجر غزلها كما يتغازل النَّاس مثل ذلك الغزل.
ومن غيره: وقال عن امرأة تزوَّجها أمها ووليها بعمان لم تشاوره وجاز بها الزوج؟ فقال بعض: يفرَّق بينهما وبعض وقف عن الفراق فانظر في ذلك.
قلت: فما تقول في رجل وكَّل رجلاً في تزويج امرأة والوكيل يعلم أنَّه وليها ولم تعلم البيِّنة أنَّ وليَّها يجوز لهم أن يشهدوا على تزويجها أم لا؟ قال: يجوز لهم أن يشهدوا على العقد على قول بعض.
الشهادة بالسَّماع:
وسألت أبا علي حفظه الله في رجل قال: فلان وكَّلني في تزويج ابنته أو أخته وأراد أن يزوِّجها، هل للشُّهود أن يشهدوا على التَّزويج بقوله من غير أن يعلموا بالوكالة؟ (2) فقال: نعم يجوز لهم أن يشهدوا على التَّزويج إذا كان ثقة أو أميناً. قال: وأمَّا إن ادَّعى أنَّه
__________
(1) في أ، ب: نقص من قوله (وعن رجل إلى ... فعلى ما وصفت ... ).
(2) في ب: من غير أن يعلموا له بالوكالة. (6/164)
صفحة 2440
وكَّله أن يزوِّج نفسه فيوجد أنَّهم لا يشهدون بدعواه لنفسه حتى يكون مثل محُبّر رحم الله محبراً. ولعلَّه يعني إذا كان ثقة جاز والله أعلم.
الوكيل وكَّل غيره:
قلت: فإنَّ وليَّها وكَّل وكيلاً في تزويجها فوكَّل الوكيل وكيلاً آخر فزوَّجها الوكيل الثاني وكيل الوكيل يثبت هذا أم لا؟ قال: إنَّه زوَّج وكيل الوكيل يحضره الوكيل الأول، فهو فعل الوكيل الأول ولم يثبت على أكثر القول. وعن رجل تزوَّج مملوكة ثم اشتراها ثم طلَّقها تحرم عليه أم لا؟ قال: فيها قولان/223/، فمنهم من قال: لا يلحقها الطَّلاق، لأنَّ الملك فسخ العقد، ومنهم من قال: حرمت عليه وفيها قول: أنَّها تعتق، وقال قوم: حرّم فرجها عليه وله أن يستخدمها وإذا مات رجل من قبل أن يجوز بامرأته، فإنَّ لها الصداق والميراث وعليها عدَّة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام. وإن كان قد طلَّقها في مرضه فقد قيل: إنَّ لها الميراث.
طلاق الفار من الميراث:
ومن هرب من الحقِّ ردَّ إليه. ومن حديث أبي سفيان قال أبو سفيان: أخبرني المليح بن حسَّان قال: دخلت أنا وعبد الملك على أبي عبيدة، فقلنا يا أبا عبيدة، ما قلت في رجل دخل على امرأة فأدخل يده من تحت ثيابها فلمس فرجها فقبضت -لعلَّه أراد فغضبت- (1) المرأة وأنكرت إنكار الحرَّة أله أن يتزوَّجها؟ قال: لا. قال: فبينما نحن عنده إذ دخل أبو نوح صالح الدَّهان، فقلنا: من يسأله قال: فقال الفضل أنا أسأله، قال: فسأله الفضل. قال: نعم له أن يتزوَّجها ويعطيها ماله إن شاء الله.
قال أبو عبيدة: لا. قال: أبو نوح: قال أبو عبيدة: لا. قال أبو نوح: هل أدركت حيَّان الأعرج؟ قال: نعم. قال: فإنَّه أخبرني عن جابر أنَّه يتزوَّجها ويعطيها ماله إن شاء الله.
__________
(1) في أ، ب: فغضبت المرأة (6/165)
صفحة 2441
فقال: أبو عبيدة: فإنَّها الفروج يا أبا نوح. قال: صدقت ثم قال: يا معاشر الفتيان ألم أنهكم أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضراً.
وعن أبي سعيد رحمه الله:
المرأة ينعى إليها زوجها:
وسئل عن امرأة نعى إليها زوجها-نعى- بمعنى الموت فاعتدت وتزوَّجت وولدت من الزوج الآخر (1) وصحَّ حياة الأول، أو قدم لمن يكون/224/ حكم الوالد؟ قال معي: إنَّه قد قيل: حكم الولد للآخر (2).
قلت: فهل يحلُّ للزوج مراجعتها بعد خروجها من الأول بموت أو طلاق إذا انقضت عدَّتها؟ قال: عندي أنَّه لا يتعرَّى من الاختلاف في قول أصحابنا ويعجبني أن لا تحلَّ له.
وقال: ما تقولون في رجل زوَّج ابنتين له أخوين فدارت فرقته كل واحدة منهما إلى غير زوجها فوطئها واعتزلها لمن يكون حكم الولد إن جاءت بولد؟ قال: عندي أنَّه يثبت حكمه من الوطء.
قلت: فإن بانت من زوجها بطلاق أو غيره وانقضت عدَّتُها، هل يجوز للواطئ تزويجها أم لا؟ هي مثل الأولى؟ قال: عندي أنَّه لا يبعد من ذلك وهذا عندي أشد من الأول ولا يتعرَّى من الاختلاف عندي. وعن رجل تزوَّج صبيَّة ثم طلَّقها ثلاثاً قبل الدُّخول وقبل بلوغها فلمَّا بلغت غيَّرت التَّزويج ولم ترض به، هل عليه صداقها بالوطء، وهل يثبت الطلاق، وهل قيل إنَّه لا يقع الطَّلاق؟ وإنَّ الطَّلاق هاهنا باطل؛ لأنَّه لم يقع تزوَّج وإنَّما كان التَّزويج موقوفاً.
فهل يكون الطلاق موقوفاً كما يكون التزويج موقوفاً، وإن لم يكن فما الفرق بينه وبين البرآن؟ وقد كان البرآن طلاقاً في قول أصحابنا، فأمَّا الصداق فمعي: أنَّه قد قيل: يثبت بالوطء، وأمَّا الطَّلاق فيختلف فيه عندي أنَّه قيل: فبعض يوجبه من حينه إذا كانت زوجة
__________
(1) في أ، ب: ثم صح حياة.
(2) في أ، ب: للأخير. (6/166)
صفحة 2442
في حين ما طلَّقها يجوز له وطئها، وبعض: لا يوجب إذا انفسخ النِّكاح، وإذ لا طلاق إلا بعد النِّكاح ولا أعلم أنَّه قيل: أنَّ الطلاق موقوف هاهنا ولا برآن الطَّلاق، وإنَّما معي قيل: يوقف برآن الشريطة.
صيغة البرآن:
ومن غيره: وقد قيل: أن برآن الشرطة هو أن يقول: إن كان بريء من حقِّها أو بريء من حقها أو ما برئ من حقها والله أعلم.
وقال أبو سعيد: /225/-رحمه الله- على حسب ما قد وجدنا في كتاب سماع أبي زياد -رحمه الله- إنَّه كان رجل يقال له حسين الظريف وكان على حسب ما وجدنا أنَّه من ضعاف المسلمين وكانت له أخت من أمه وكان لها ولي بنخل فاحتاجت إلى التَّزويج وسألت التَّزويج فأحسب أنَّه سأل أخوها أحد الفقهاء من أهل الزمان وأحسب أنَّه أبو عثمان -رحمه الله- عن تزويجها فأجاز له أبو عثمان تزويجها بالموضع صفقتها وحاجتها إلى التَّزويج.
صور من الطَّلاق والرجعة:
وعن رجل له امرأة في قرية وهو في قرية أخرى ثم طلَّقها ثم أشهد على ردِّها فوصل إليها خبر الطَّلاق ولم يصل إليها خبر الرَّد حتى انقضت عدَّتها وتزوَّجت زوجاً آخر ثم أتاها زوجها الأول فأقام بينة بأنَّه قد ردَّها في العدَّة قال الزوج الآخر أحق بها إذا لم تعلم بردِّه قبل انقضاء عدَّتها أو يعلمها الشاهدان أو أحدهما وهي أولى بنفسها تزوَّجت أو لم تزوَّج.
مسألة في الرتقاء: وممَّا أحسبه عن أبي عبد الله -رحمه الله- وسألت عن الرتقاء التي معها زوجها راض بها إلى أن مات عنها، أيحلُّ لها أن تأخذ من صداقها؟ قال: لا يحل لها إذا أقرت أنَّها رتقاء.
قلت: إنَّه مسَّ فرجها بيده أو بفرجه؟ قال: ولو مسَّها إنَّما قيل هي مثل الصفاة لا يعمل فيها شيئًا، قال: ولها الميراث إذا مات عنها. (6/167)
صفحة 2443
وممَّا يوجد عن أبي معاوية: قلت: فإن علم أنَّها رتقاء فمكث بعد ذلك وهي معه راضياً بها ثم كره؟ وقال: إمَّا أن يعالجها أهلها، وإمَّا أن تخرج ولا صداق لها وقد كان لمس الفرج ونظر إليه /226/ ويقضي شهوته وهي رتقاء فعولجت فلم تصلح أعليه صداق إذا خرجت؟ قال: لا. إذا لم تصلح للنِّكاح.
وعن أبي معاوية أيضاً: سألت أبا معاويَّة-رحمه الله- عن المرأة إذا تزوَّجها رجل فوجدها رتقاء ولم يصل إليها وطلَّقها؟ قال: عليه نصف الصداق على المطلَّق الأول.
قلت: فإن كابرها رجل وهي رتقاء حتى يمسَّ فرجها أو ينظر إليه؟ قال: لا مهر عليه وعليه العقوبة./227/
الباب التاسع
في المواعدة
حكم التعريض بالنِّكاح:
رجع إلى كتاب أبي جابر: فيكره التَّعريض للمطلَّقة ثلاثاً ما دامت في العدَّة، ولا بأس بالتَّعريض للمتوفى عنها زوجها بالقول المعروف بلا مواعدة، فمن واعد امرأة في عدَّتها للتَّزويج بها فقد حرم عليه تزويجها أبداً. وفي نسخة أخرى المواعدة في العدَّة. قال وائل رحمه الله: المواعدة التي نهى الله عنها أن يكلمها في نفسها فتعده إذا انقضت العدة أن يتزوَّجها وتنعم له بذلك.
قيل له: فكيف التعريض؟ قال: يقول الرجل إنِّي أحب أن يقضي الله بيننا وبينكم معروفاً، وتقول هي: ما شاء الله كان وما شاء قضى، أو تقول: يعلم الله إني لا أحبُّ.
وعن أبي علي: إنَّه لا يرى المواعدة التي يحرم بها التَّزويج (1) إلا حتى يطلب إليها تزويجها وتوعده ذلك فأمَّا من طلب ذلك إلى بعض من يلي أمرها غيرها أو كلمها في ذلك حتى تواعده أو كلَّمها في ذلك، فلا تعدُّه فلا ينبغي له ذلك، وفي نسخة فلم تكلِّمه فلا ينبغي له
__________
(1) في ب: تزويجها نفسها. (6/168)
صفحة 2444
ذلك ولا نقول إنَّه حرام عليه تزويجها إلا بالمواعدة منها. وأمَّا غير أبي علي فشدَّد في كلِّ هذا وكرَّه له تزويجها إذا طلبها في العدَّة. وقيل: إنَّه جهل ذلك ولم يعلم أنَّها في /228/ العدَّة، فلمَّا علم رجع إليها، فقال: إنَّ الذي كان منه بجهل قد رجع عن ذلك وليس له رأي في تزويجها ثم تزوَّجت بغيره ثم مات (1) أيضاً وفارقها فعسى أن يجوز لهذا الأول أن يتزوَّجها إن أراد، وأمَّا إن كان على غير ذلك ثم رجع إليها ورجع عن قوله ذلك وتزوَّجت بزوج بعد زوج فليس له هو أن يتزوَّجها وإن تواعدا جميعاً للتَّزويج في عدَّتها بلا جهالة فقد حرم عليه تزويجها قول أبي الحواري وهذه زيادة من نسخة الشيخ سلمة بن مسلم على ما قيل: وعن أبي علي رحمه الله في رجل واعد امرأة في عدَّتها قال: إذا خلت عدتك تزوَّجتك فلمَّا خلت عدَّتها تزوَّج بها فما تقوى على الفراق حتى تعطيه ذلك بلسانها. وعنه -رحمه الله-؟
وإن قال: رجل لامرأة وهي في العدَّة لا تفوتيني نفسك؟ قال: لا تفسد عليه.
قلت: فما يفسدها من الكلام؟ قال: إن تعاقدا على ذلك.
وعمَّن كلَّم أخت مطلَّقته وهي في عدة منه، فقال: لا يتزوَّجها أختها، قلت: فإنَّه قد فعل؟ قال: لا أقدم على أن أفرِّق بينهما، وكذلك إن كان معه أربع نسوة فطلَّق واحدة منهنَّ ثم كلَّم خامسة في العدة التي هي فيها، فإنَّه لا يتزوَّجها فإنَّ تزوجها لم أقدم على أن أفرَّق بينهما وقال في التي يقول لها الرجل أخرجي من زوجك وأنا أتزوَّجك فتخرج فلم يتزوَّجها فتزوَّجت بغيره زوجاً بعد زوج ثم يطلِّق أو يموت زوجها، فالذي رأيت في قوله أنَّه لا يتزوَّجها ولم يجعلها كالأولى.
تم الباب من كتاب أبي جابر./229/
ومن غيره: وسألت عن رجل واعد امرأة في عدَّتها أنعمت له وهو لا يعلم أنَّها في عدة وهي جاهلة، فذلك لا يفسد في العدَّة ولا بعد العدَّة ثم علم بعد ذلك قبل تزويجها أنَّه
__________
(1) في أ، ب: مات عنها. (6/169)
صفحة 2445
واعدها في العدَّة وأنعمت له، هل تحلُّ تزويجها؟ فأرجو أنَّه قيل لا بأس بهذا إذا كان هو جاهلاً ولم يعلم حتى انقضت العدَّة.
وقلت: إن تزوَّجها على ذلك ثم علم أنَّه طلبها وأنعمت له في العدَّة، هل يفرَّق بينهما؟ قال: لا أعلم ذلك على هذا الوجه.
وقلت: إن لم يعلم هو أيضاً أنَّها كانت في عدَّة ثم علمت هي بعد أن جاز بها أنَّ المواعدة في العدَّة حرام، هل عليها أن تفتدي منه بجميع صداقها، ومالها وما قدرت إن لم يقبل منها أنَّه واعدها وأنعمت له أم ليس عليها ذلك ويسعها المقام معه إذا كانت إنَّما أنعمت له جاهلة بالحرمة؟ فمعي: أنَّه قيل لا تضرُّ مواعدتها هي وإنَّما تضرُّ مواعدته هو. قال الله تعالى: {لا تُواعدهنَّ سرًّا} [البقرة] وإنَّما الفساد إنَّما هو منه إذا كانت المواعدة على علم منه والله أعلم.
خطبة المرأة في العدَّة:
ومن جواب أبي معاوية: وعن الرَّجل يخطب المرأة وهي في العدَّة ويوافقها على الصداق ولم يعقد عقدة النِّكاح حتى انقضت العدَّة. أيحلُّ له أن يتزوَّجها؟ فإن كان لم يتزوَّجها فلا يتزوَّجها لم أتقدَّم على الفراق بينهما، وقال: قال بعض المسلمين يفرَّق بينهما.
ومن غيره: وقال في رجل طلب امرأة في عدَّتها وهو يعلم أنَّها مميتة أو مطلَّقة وواعدته ثم رجع إليها فتاب من ذلك وأعلمها أنَّه لا يأخذها وقد رجع عن ذلك في العدَّة؟ أنَّه قال من قال: في ذلك إنَّ له أن يتزوَّجها. وقال من قال: لا يتزوَّجها حتى تزوج زوجاً غيره فيموت عنها أو /230/أو يطلِّقها. ووجدت في جواب موسى بن علي_ رحمه الله_ إلى محمد بن محبوب رحمه الله عن رجل واعد امرأة في عدَّتها فقال لها: إذا خلت عدتك تزوَّجتك فلمَّا خلت عدَّتها تزوجها، هل يفرَّق بينهما؟ فلا نقوى على الفراق حتى يعطيه ذلك بلسانها. وعنه أنَّه قال: إن انقضت عدَّتك تزوَّجتك فسأل المسلمين فقالوا: لا ينبغي ذلك فرجع، فقال: إنِّي قد سألت المسلمين عمَّا وعدتك وإنِّي قد رجعت عن ذلك الميعاد (6/170)
صفحة 2446
وليس لي فيك حاجة فتزوَّجي من شئت ثم تركها حتى انقضت عدَّتها ثم خطبها في الخطاب، هل يجوز ذلك فما نراها تفسد عليه.
ومن غيره: عن أبي علي _رحمه الله_ يُسأل عن رجل قال لامرأة في عدَّتها أريد أن أتزوَّجك ولم يقل شيئًا، ثم تزوَّجها؟ قال: لا بأس بذلك.
قلت: فإن قالت نعم. ثم تزوَّجها؟ قال: لا يفرَّق بينهما.
قلت: فما القول الذي يفرَّق بينهما عليه؟ قال: كما قال الله: لا تواعدوهنَّ.
الأصل في هذا الباب قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النِّساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنَّكم ستذكرونهنَّ ولكن لا تواعدُوهنَّ سرًّا إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النِّكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أنَّ الله غفورٌ رحيمٌ} [البقرة]./231/
رجعة المطلقة ثلاثا:
رجع: ومن الجامع: ومن طلَّق امرأته ثلاثاً ثم تزوَّجها زوج غيره وجاز بها، فلزوجها الأول أن يرجع إليها إذا انقضت عدَّتها بنكاح جديد، وإن تزوَّج بها صبي أو رجل صح من بعد أنَّه أخوها من الرضاعة أو ذو محرم منها، فليس ذلك بتزويج، فإن كان عبداً فقال من قال: إذا كان برأي سيده فهو زوج وللأول أن يرجع إليها بنكاح جديد وذلك رأي.
وقال من قال: لا يجري العبد على حال، ومن كانت زوجته يهودية أو نصرانية ثم فارقها وتزوَّجت بذمي مثلها وفارقها فللمسلم أن يرجع أن يتزوَّج بها، لأن ذلك زوج حلال لها. وقال من قال: الذي يكون مشركاً فيكون له عشر نسوة في الشرك ثم يسلمون جميعاً إنَّ له أن يمسك الأربع الأوائل منهنَّ ويدع البواقي.
وقال من قال: يختار منهنَّ أربعاً من نسوته، وكذلك قيل في مجوسي تحت أختان ثم أسلموا جميعاً. قال من قال: الأولى امرأته. وقال من قال: حرمتا عليه جميعاً. (6/171)
صفحة 2447
وعن أبي علي في المجوسي الذي طلَّق امرأته ثم أسلما أنَّ له أن يتزوَّجها ولو لم تزوَّج زوجاً غيره. وينظر في ذلك، لأنَّه قد قيل أيضاً إذا كان ذلك الطلاق جائز في دينهم جاز عليه. قال أبو الحواري: إذا كان ذلك الطلاق جائزاً في دينهم جاز عليه. قال أبو الحواري: إذا كان الطلاق جائزاً في دينهم لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. وحفظ أبو جعفر عن علي في المرأة تقرُّ عند /232/ الموت أنَّه كان بيني وبين زوجي قبل النِّكاح على أن ما عليه لي كذا وكذا وبذلك تقدم إلي وقد وفيت له وقد تركت له ذلك وهو كذا وكذا وهو في مرض الموت، فقال: يجوز ذلك.
تنازل المرأة عن صداقها:
وحفظ أيضاً عن امرأة قالت في مرضها وعدت زوجي كذا وكذا ولم تقل قبل الملك وقد تركتُ له، فإن ذلك لا يجوز له. وعن أبي علي أيضاً في امرأة تقول في وصيَّتها إنِّي وعدت زوجي أن أترك له كذا وكذا من صداقي وعلى ذلك تزوَّجني وقد تركت له فذلك عندنا جائز له.
وقلت: إن قالت وعدته ولم تقل على ذلك تزوجني فما يوجب على الورثة ذلك. وإن تركت له صداقها عند موتها بوجه يجوز له في الحكم أيسعه ذلك أم لا؟ فلا (1) نرى له سعة في ذلك إذا علم أنَّها كذبت فيما قالت.
وعن رجل له أربع نسوة طلق واحدة منهنَّ ثم تزوَّج أخرى ثم مات ولم يدر أيتهنَّ طلَّق؟ فقيل: للتي تزوَّج أخيراً ربع الربع أو ربع الثمن ميراثها والثلاثة الأرباع الباقية بين الأربع الأوائل، فإن أردت استحلاف بعضهنَّ بعضاً فعلى كلِّ واحدة منهنَّ للبواقي يمين بالله ما تعلم أنَّها مطلَّقة.
وعن رجل تزوَّج بثلاث نسوة في عقدة واحدة وتزوَّج امرأتين في عقدة أخرى، ثم طلَّق إحدى نسائه الذي يملك (2) ثم مات ولم يكن دخل بواحدة منهنَّ ولم تعلم التي طلَّقت
__________
(1) في أ، ب: نرى له ذلك – دون فلا.
(2) في أ، ب: التي ملك. (6/172)
صفحة 2448
ولا من أي العقدتين من تزويجه الثلاث أو اثنتين كانت قبل الأخرى؟ فأخبرك أنَّ على/233/ الخمس جميعاً عدَّة المتوفَّى عنها زوجها ولهنَّ الميراث من ربعاً كان أو ثمناً بين الخمس جميعاً، وأمَّا صدُقاتهنَّ فإنَّهنَّ خمس فبطلت العقدة الآخرة، وفسد نكاح من عقدت له من الثلاث واثنتين، لأنَّه ليس له أن يختار واحدة من العقدة الأخيرة من بعد العقدة الأولى وهو لم يعلم أي العقدتين المؤخرة فتكون مني (1) الفاسدة فأعطينا الثلاث النسوة التي في عقدة صداقاً وربع صداق بينهنَّ على ثلاثة، وأعطينا اثنتين اللتين في عقدة ثلاثة أرباع صداق فيما بينهما وأفسر لك ذلك إن شاء الله، أمَّا الثلاث النسوة فجعلنا أن لو كان صداق كلُّ واحدة أربعة دنانير لكان لهنَّ اثنتي عشر ديناراً على أحسن أحوالهنَّ إن يكن في العقدة الأولى الصديحة وقد وقع الطَّلاق على واحدة منهنَّ، فبقي لها ديناران وسقط عنها ديناران فبقي في أيديهنَّ عشرة دنانير ثم رجعنا إلى سوء أحوالهنَّ إن يكن هنَّ صاحبات العقدة الأخيرة فلا يكون لهنَّ من الصَّداق شيء، فلمَّا التبس ذلك أعطيناهنَّ نصف العشر دنانير وهو خمسة دنانير فما بينهنَّ وهو صداق وربع صداق لكلِّ واحدة منهنَّ ثلث صداق وثلث ربع صداق وفي نسخة وربع ثلث صداق اتَّفقت صدقاتهنَّ أو اختلفت. وعلى هذا التَّفسير اثنتين أيضاً لهما ثمانيَّة دنانير على أحسن الأحوال ووقع الطَّلاق على أحدهما فسقط عنها ديناران وهو نصف الصداق وبقي ستة دنانير وعلى أسوء الأحوال أن يكون نكاحهما جميعاً باطلاً ولا يكون لهما شيء فرددناهما إلى ثلاثة دنانير نصف السنة وهو نصف صداق وربع صداق فذلك بينهما لكلِّ واحدة ربع صداق ونصف ربع صداق استوى الصداق أو اختلف فهو على هذا إن شاء الله./234/
قال أبو سعيد-رحمه الله- هذا إذا لم نعرف اثنتين اللتين في عقدة والثلاث اللواتي في عقدة وعمي أمرهنَّ كلَّهنَّ، وأمَّا إذا عرف اللواتي في عقدة واحدة والاثنتين اللتين في عقدة واحدة وأمَّا الصداق فكما قال: وأمَّا في الميراث فإنَّه يكون للثنتين المعروفتين في عقدة
__________
(1) في أ، ب: هي الفاسدة. (6/173)
صفحة 2449
نصف الربع أو نصف الثمن بينهما نصفان وللثلاث اللواتي في عقدة نصف الربع أو نصف الثمن بينهنَّ أثلاثاً وإن أردن يمين بعضهنَّ بعض كان لهنَّ ذلك، وأمَّا في العدَّة فكما قال للزوم الشبهة، وذلك إنا وجدنا أنَّه لا شكَّ أن يكونا هاتين هما زوجتيه والثلاث ليس بزوجات له وكل نكاحهنَّ باطل، وأمَّا إن يكن الثلاث هن زوجاته والثنتان باطل نكاحهما لا محالة /235/
الزواج بلا شهود:
ومن غيره: وعن امرأة زوجها وليها بغير شهود ثم خرج أخبرته وأعلنه؟ قال: جائز.
قال غيره: لا أعلم التَّزويج يجوز إلا بالشَّهادة ويوجد عن محمَّد بن الحسن -رحمه الله-؟ فعلى ما وصفت فأمَّا حكم الاختيار مع الإيرار أنَّ الكافر للنعم ليس هو كفؤ للحرم (1) ولا أمين لغدره بالذمم.
وأمَّا جواز النكاح في الأثر وما هو جائز أنَّ العرب أكفاء لبعضها لبعض وسألته عن امرأة إذا عرض عليها زوجها آجل صداقها، هل عليها أن تقبله وتأخذه؟ قال: يروى عن محمَّد بن محبوب-رحمه الله- أنَّه قال: يجبر على ذلك إذا عرض عليها حقها. قال: وإنِّي متعجِّب من ذلك تجبر على صداقها الآجل أن تأخذه. وكنت أنا حفظت قبل ذلك أنَّه لا يجبر هو أن يدفع إليها ولا تجبر هي أن تأخذه إذا عرض عليها./237/
الباب العاشر
العقر والجمع بين الأختين
من يستحقُّ الصداق:
رجع إلى كتاب أبي جابر: قال من قال: كل من استكره امرأة حتى يمس فرجها فعليه عقرها. وقال من قال: لا صداق عليه حتى يطأ وذلك أحبُّ إلي. قال أبو الحواري: أنا آخذ بالقول الأول وعن أبي علي في رجل قامت عليه بيِّنة أو (2) أقرَّ أنَّه مسَّ فرج امرأة
__________
(1) في ب: للمحرم.
(2) في هذه النسخة زيادة على أ، ب ((فإذا ... )). (6/174)
صفحة 2450
بيده أو بفرجه من غير أن يقضي إليها أو نظر بعينه فما يلزمه من الحدِّ، فما يلزمه عندنا بمثل هذا حدّ، وإن رفع ذلك إلى الحاكم كان عليه عقوبة أن كان استكرهها وإن طاوعته فعليهما جميعاً وليس لها شيء إذا طاوعته وإن اغتصبها حتى مسَّ أو نظر فالعقوبة عليه وحده. قال أبو الحواري: وعليه صداقها تاماً، وكل من وطء امرأة مجنونة أو ناعسة، فهو كمن استكرهها حتى تكون في حدِّ من يعقل وتطاوع فلا صداق لها، وقيل في رجل استكره امرأة بكراً أو ثيباً حتى أدخل أصبعه في فرجها، فإن كان اقتض البكر بأصبعه فعليه مهرها وإن لم يكن افتض البكر فما نبصر عليه لها ولا للثيب صداقاً إلا الوزر. وكذلك عن /238/ أبي علي: قال أبو الحواري عليه الصداق هكذا وجدنا عن محمَّد بن محبوب ومحمَّد بن المعلا، وأمَّا الصبي والمجنون فإذا استكرها امرأة حتى وطئها فقال من قال: جنياتهما على العشيرة، وقال من قال: عقرها في مالهما خاصَّة، وكذلك كلَّما أكلاه في بطنيهما أو أتياه بفرجيهما فهو في مالهما خاصَّة. قال أبو الحواري: أنا آخذ بقول من قال في مالهما. والذمي إذا استكره المصلية قتل وأخذ من ماله عقرها وإن طاوعته فلا عقر لها.
وعن رجلين مشتركين في جاريَّة فوطئها أحدهما، فقيل: يعطي صاحبه نصف عقر الوطء ونصف ثمن الولد.
وعن رجل وطء جاريَّة قوم بكراً أوثيباً فللبكر عشر ثمنها وهو عقرها والثيب نصف عشر ثمنها.
وقلت: أرأيت إن تابعته الأمة؟ فما أحب أن متابعة الأمة وعصيانها إلا سوى؛ لأنَّها مال ولا تملك من نفسها شيئًا.
وعن أبي علي أيضاً: في رجل زنى بامرأة طائعة ثم أرادها فكرهت فأكرهها على العادة؛ لأنَّها كانت تطاوع قبل ذلك، فأمَّا المطاوعة فلا أرى عليه عقراً، وأمَّا الإستكراه فعندنا عليه فيه العقر للحرة والأمة، والأمة لا يبطل ذلك عنه طاعتها قبل ذلك ما يلزمه في الاستكراه. وقال في رجل طلَّق امرأته أو حرمت عليه ولا يعلم ثم وطئها فعسى أن لا (6/175)
صفحة 2451
يكون عليه في الجهالة شيء ولا يحفظ فيها شيئًا. قال أبو الحواري: ليس عليه شيء إلا أن يكون سكران فإنَّ عليه صداقها ثابتاً إذا طلَّقها في حال سكره. وقال في امرأة اقتضت امرأة بأصبعها فأمَّا البكر فلها الصداق إذا كانت استكرهتها وأمَّا الثب فالله أعلم. وقال أبو علي: لو أنَّ رجلاً دخل بيته فوجد/239/ أخت امرأته على فراشه فحسب أنَّها امرأته فباشرها، فإن كانت ذاهبة العقل إلى أن فرغ فعليه مهرها، وإن انتبهت فأمكنته فلا مهر لها، وأخت امرأته وغيرها من النِّساء عندنا سواء إذا زنى بها ولم تبصره زوجته، فإن رأته يزني بها أو بغيرها فسدت عليه أبداً. ومن زوَّج على رجل غائب فإن قال: فلان أرسلني أو أمرني أن أتزوَّج له، فإن زوَّجوه على هذا وجعلوا الصداق على الآخر ثم أنكر الزوج ذلك ولم تقم عليه بينة عدل أنَّه أمره؟ فإنَّه يجبر على طلاقها ولا يلزمه صداق ولا يلزم الرسول أيضاً شيء، فإن لم تقبل أنَّه أرسله وإنَّما تزوَّج هو عليه وأنكر الآخر فإنَّ على المتزوِّج الطالب لها نصف الصداق، وقيل: يجبر الآخر على طلاقها أيضاً خوفاً أن يكون أمره والذي يتزوَّج على إنسان نحب أن تكون الشَّهادة من المشهد أني قد زوَّجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على صداق كذا وكذا والمتزوِّج له فلان بن فلان، وإن ضمن بالصَّداق أشهد بذلك. وقيل: إذا أرسل رجل رجلاً منزوِّج عليه ثم مات المرسل، فإن مات قبل أن تقع عقدة التَّزويج لم يلزمه ذلك، وإن مات بعد العقدة كان لها صداقها وميراثها من ماله إذا صحَّ أنَّه أمره بذلك وإن كان المرسل أمر الرسول أن يتزوَّج له بشيء حدَّه من الصداق فزاد على ذلك فهو ضامن لتلك الزيادة.
وقال من قال: الذي بيده عقده النكاح هي المرأة وتعفوا عن النصف الذي وجب لها. وقال أبو عبد الله الزوج الذي بيده عقدة النِّكاح أن يعفوا فيعطي الصداق تماماً./240/
نكاح الوليين لرجلين:
والمرأة إذا زوجها وليان برجلين فنكاح الذي رضيت به أولى من نكاح الآخر، إلا أن يكون هو الأب، وإن أمرتهما جميعاً أن يزوجاها، فالذي رضيت به أولاً فهو أولى بها، فإن (6/176)
صفحة 2452
دخل بها الذي رضيت به آخراً فسدت عليه أبداً، وللأول أن يرجع إليها بالعقدة الأولى، ولا يطأها حتى تنقضي عدَّتها من الذي كان دخل، وإن كرهت وفي نسختين كرهها الذي رضيت به أولاً ولم يكن لها عذر في إجازة الأخير على نفسها وجبر الأول على طلاقها ولا صداق عليه، وإن كانت لها حجَّة تعذر بها طلقها الأول إذا كرهها وأعطاها نصف الصداق. وكذلك عن أبي عبد الله ولها على الذي دخل الصداق كامل.
وقيل: في امرأة تدفع إلى رجل دراهم يتزوَّجها بها؟ فإذا أوهبتها له فلا بأس (1)، وإن كانت أعطته يتزوَّجها بها ولم يتزوَّجها بشيء من عنده فهو كمثل من تزوَّج على غير صداق. فإن جاز بها فلها الصداق كصداق وسط من صداقاتها أو صدقات نسائها.
زواج العبدة بالحرة:
وقيل: في عبد تزوَّج بحرَّة لم تعلم ثم علمت من بعد ما دخل بها؟ فإن كان بإذن سيِّد فهي بالخيار إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فلها الصداق في رقبته، وإن كان بغير إذن سيده فرق بينهما. وقال من قال: لها الخمسان من الصداق وقال أبو عبد الله: لا صداق لها. قال أبو سعيد رحمه الله إن كان التزويج بغير إذن سيده/241/ولم يتمَّه سيده ولم تعلم هي بذلك؟، فقد قيل: إنَّهما يفرَّق بينهما. وأمَّا الصداق فقال من قال: لأنَّه في رقبته بمنزلة الخيانة، وقال من قال: إنَّه عليه في ذمَّته إن عتق يوماً ما. ولا يجرُّ على سيِّده من ذلك شيئًا في رقبته ولا في غيره، وقال من قال: في الذي تزوَّج امرأة ثم أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً أو طلَّقها ولم يكن وطئها إنَّه إذا نظر فرجها ومسَّه من تحت الثوب فلها عليه الصداق ولا عدَّة عليها إذا صدقته على ذلك، فإن قالت إنَّه جامعها فالقول قولها إذا صحَّ أنَّه أغلق عليها باباً أو أرخى عليه ستراً، وقال من قال: إذا أرخى عليها ستراً أو أغلق عليها باباً ثم قالت: لم يمسَّها ولم يجامعها صدقت في مالها ولا تصدق في الذي فيه عليها
__________
(1) في أ، ب: وعليه بدل فعليه. ويتكرر هذا. (6/177)
صفحة 2453
ويكون عليها العدَّة وهذا أكثر القول عندنا، وإن كان العبد بين شركاء فتزوَّج بلا رأيهم كلّهم فهو نكاح فاسد حتى يكون برأيهم أو يتمُّوا ذلك النِّكاح.
وقال من قال: ليس لوصي اليتيم أن يزوِّج أمته ولا عبده، وقال من قال: يجوز ذلك واليهوديَّة والنَّصرانية إذا تزوَّجها المسلم على الحرة المسلمة لم يكن للمسلمة في ذلك الخيار كما يكون لها في الأمة وعليه أن يكون مع المسلمة يوماً ومع الذميَّة، وكذلك في الليل وأمَّا الجماع فلم نسمع أنَّ عليه لهما في ذلك شيئًا محدوداً، لأنَّ ذلك ممَّا لا يملك، وكذلك إذا أحضر لكلِّ واحدة ما يجب عليه لها فإن أراد أن يزيد أحدهما شيئًا فلا بأس وأمَّا الأمة إذا جمعها مع الحرَّة، فإن كان تزوَّجها عليها فإن للحرَّة أن تختار نفسها وتخرج/242/ منه وهي أملك بنفسها وهي تطليقة وليس له أن يردَّها إلا برأيها، وإن رغبت في المقام عنده أو وطئها قبل أن تختار نفسها فليس لها خيار ويكون للحرة المسلمة والذمية ثلثان من المساكنة وللأمة الثلث، وإن تزوَّج الحرَّة على الأمة فليس للحرَّة الخيار؛ لأنَّها هي الدَّاخلة على الأمة، وإذا اختارت نفسها قبل دخوله بها فلها نصف الصداق، وأمَّا بعد الدُّخول فلها الصداق كلُّه وهي تطليقة بائنة ولا ميراث بينهما في العدَّة، وإن اتَّفقا على الرجعة فبنكاح جديد، فإن قالت لم أعلم أنَّ لي الخيار حتى وطئها فلا خيار لها وليس لها حجّة في ذلك، وإذا اتَّفقا على الرجعة فبنكاح جديد في العدَّة أو بعد العدَّة.
شروط المسلم على الذميَّة:
وقيل: لا يتزوَّج المسلم الذميَّة حتى يشترط عليها خمس خصال: لا تشرب الخمر، ولا تأكل لحم الخنزير ولا تعلَّق الصليب، وأن تغتسل من الجنابة وأن تحلق العانة وإن كرهت أن تضمن له بهذه الخصال؟ فقيل: لا يتزوَّجها المسلم، فأمَّا من أخذ أمة من السباء لم يطأها حتى يعلمها الصَّلاة والغسل من الجنابة وحلق العانة.
استبراء الأمة: (6/178)
صفحة 2454
ويستبرئها بحيضتين إذا كانت ممَّن تحيض، وإن كانت ممَّن لا تحيض من كبر أو صغر استبرائها بأربعين يوماً وقيل على البائع حيضة، وعلى المشتري حيضة، فإن استبرئها المشتري بحيضة واحدة فليس عليه غير ذلك حتى يعلمه البائع أنَّه لم يستبرئها بشيء فعليه/243/ عند ذلك أن لا يطأها حتى يستبرئها بحيضتين وذكر بعض الفقهاء واستحسن أن لو كان أيضاً على البائع عشرون يوماً وعلى المشتري عشرون يوماً. ومن استبراء الأمة بلا عزيمة عرفناها من أحد الفقهاء في ذلك. قال أبو الحواري: على المشتري أن يستبرئها بأربعين يوماً هكذا حفظنا وإن كان البائع ثقة. وقال: إنَّه استبراء الأمة بحيضتين ثم باعها فللمشتري أن يقبل ذلك ويطأها، قال أبو الحواري: بلغنا عن أبي عبيدة-رحمه الله- أنَّه قال: حتى يكون مثل محبر رحم الله محبراً وعلى المشتري أن يستبرئ الأمة ولو اشتراها من امرأة أو غيرها ممَّن لا يطأها، وكذلك إذا وهبت له أو صارت إليه من قبل غيره ببعض الوجوه.
مدة الحمل:
وأمَّا إن كانت له وولدت في ملكه فليس عليه فيها استبراء إذا أراد أن يطأها وكل من وطئ جارية، ثم أمسك عن وطئها وجاءت بولد، فإنَّه يلحقه ولو جاءت به لسنين كثيرة ما لم يخرج من ملكه ووجدت في الأثر عن محمَّد بن إبراهيم السمدي أنَّه من كانت له سريَّة يطأها ثم رفع يد عن وطئها فأشهد على ذلك واستبرأها بحيضتين وهي بعد في ملكه ثم أتت بولد فقال: يلزمه إذا ولدته فيما دون السَّنتين، فإن باعها على هذه الصفة وقد كان استرئها، فإنَّه يلزمه إذا جاءت فيما دون الستة الأشهر والله أعلم./244/
وإذا وطئ المولى أمته ثم أراد أن يزوِّجها فيستبرئها بحيضتين، ثم يزوِّجها وليس على الزوج استبراء وعدَّتها من الزوج نصف عدَّة الحرة في الأيام وفي الحيض حيضتين. وأمَّا التي يموت سيدها وقد كان يطأها وتعتق من بعده فعدَّتها من بعده ثلاث حيض إلا التي يدبرها فتعتق من قبل التَّدبير أو يكون لها منه ولد فتعتق من سببه فعدَّتُها أربعة أشهر وعشر مثل عدَّة (6/179)
صفحة 2455
المميتة، وإن لم تعتق وبقيت أمة فبيعت أو ورثها ممَّن يجوز له وطئها، فإنَّ الذي أخذها يستبرئها بحيضتين ومن وطئ أمته التي عليه أن يستبرئها أو نظر إليه عمداً فقد حرم عليه وطئها وإذا حرم عليه وطئها فليس له أن يتجرَّد عندها ولا تنظر إلى عورته ولا ينظر إلى ذلك أيضاً منها، وأمَّا إن مسَّ بدنها غير الفرج أو عبث بها في غير الفرج من بدنها حتى أنزل قبل أن يستبرئها ولم تكن حرمت عليه، فإنَّ ذلك يكره له وليس عليه فيه عندنا أيضاً تحريم والله أعلم.
وعن رجل تزوَّج امرأة على ما تراضيا عليه؟ فذلك جائز وإن تراضيا على شيء فهو لها، وإن اختلفا قبل الجواز وانتقض النِّكاح وإن جاز ولم تتفقا فلها كأوسط صدقات نسائها، وإن ادَّعت هي أنَّهما تراضيا على شي قال هو أقل فعليها البيِّنة بما ادَّعت، وإن قالت هي لم يتراضيا على شيء فعليه هو البيِّنة بما ادَّعى، ومن اشترى جاريَّة مصليَّة فقالت له إن لي زوجاً فلا يطأها وهاهنا ورع. وأمَّا في الحكم فالله أعلم. وأمَّا المشركة التي يغنمها المسلمون ولها زوج فتلك يطأها وذلك ليس بزوج: /245/
وقيل: في رجل تزوَّج امرأة وشرط عليها إن ولدت منه فمهرها منه كذا وكذا، وإن لم تلد فمهرها كذا وكذا؟ فقيل: هذا شرط لا يجوز ولها صداقها الأكثر ممَّا شرط لها بأكثر من أوسط صدقات نسائها إن ولدت منه، وإن لم تلد منه حتى مات عنها أو فارقها فصداقها عليه كأوسط صدقات، وإن شرط عند عقدة النِّكاح ليس عليه نفقتها فكسوتها فذلك شرط لا يثبت فعليه نفقتها وكسوتها، وقيل: في امرأة لم تعلم بصداقها فلمَّا دخل بها زوجها، علمت فقالت لا أرضى إلا بصداق نسائي؟ فقيل: إنَّ موسى كان يرى لها صدقات نسائها، وأمَّا أبو عثمان فقال: ليس لها إلا ما فرض لها وليها ولو شاءت سألت لما أجازت الزوج وكان يجب عليها أن لا تبيح نفسها حتى تعلم كم صداقها. عن أبي الحواري: إن كانت بكراً فلها صدقات نسائها، وإن كانت ثيباً فليس لها إلا ما فرض وليها هكذا. قال أبو المؤثر: وقال من قال: في رجل استرقى لامرأة حتى صرف وجهها (6/180)
صفحة 2456
ورضيت بصداق مثلها أقل ما يكون؟ فقيل: عليه صداقها كامل وإن استرقى حتى رضيت به فقال من قال: لا أمره بالمقام عندها ورأي أن علم أن عقلها يرقى به قد زال حتى أجابت إلى أقل من صداقها أو حتى رضيت به، فلا يجوز له ما رجعت إليه من الصداق ولا المقام عندها، وفي نسخة ولا أجيز له المقام عندها بهذا التَّزويج، وإن لم تعلم بذلك وكانت صحيحة العقل كما فعلت ذلك فليس فعله ذلك بشيء./246/
مسائل في النِّكاح:
ومن غير الجامع: قال أبو الحواري: إن كانت هي هذه المرأة تعرف الربح من الغبن والصلاة والصيام وعقلها ثابت فجائز عليها ما فرضت على نفسها وهذا الرقا والقبلة معنا باطل. ورجل ملك على رجل امرأة من غير أن يرسله ثم بدا له ولهم أن يتِّفقوا على فسخ النِّكاح من قبل أن يصل إلى الذي ملك عليه علم ذلك فذلك لهم، فإن قال: الذي ملك عليه كل امرأة له فهي طالق من قبل أن تعلم بالملك فإنَّها لا تطلق إلا أن يكون أرسله أن يتزوَّج عليه وقال ذلك بعد الملك، وإن ماتت المرأة قبل أن تبلغه فرضي بها فهو يرثها وعليه يمين أن لو بلغه الملك لرضي وإن مات هو قبل أن يبلغه، فإنَّها لا ترثه قال أبو سعيد-رحمه الله- إن كان لم يرسله أن يتزوَّج عليه فرضيَّت المرأة بالتَّزويج ثم مات المتزوِّج عليه قبل أن يعلم رضاه فلا صداق لها عليه ولا ميراث لها منه، وإن ماتت هي وقد رضيت بالتَّزويج فبلغه هو النِّكاح فأتمَّه فله الميراث منها وعليه الصداق وعليه يمين بالله أن لو بلغه النِّكاح وهي حيَّة لرضى بها زوجة، وإن كان أرسله ليتزوَّج عليه فأي أحدهما مات إذا رضيت المرأة بالتَّزويج كان للآخر منه الميراث.
المحبوس في السجن أو بالمرض عن الزَّوجة:
وفي جواب لموسى بن علي رحمه الله في رجل ملك امرأة ثم حبس في الحبس ثم طلبت أن يؤدي إليها؟ قال: يؤجل في الحبس ثم ينفق ويكسوا بعد الأجل. قلت: فالمريض الذي لا يقدر على /248/ العمل ولا مال له، قال: يؤجل فإن لم يقدر على شيء طلَّق. (6/181)
صفحة 2457
قلت: أرأيت إن كان أعطيا النقد وقد مرض هذا وحبس هذا فلا يقدران على الجماع وطلبت المرأة أن يدخل أو يطلق، فأمَّا المريض، فإنَّه يجاز عليها فإن لم يقدر فهي امرأته وينفق ويكسوا وكذلك المحبوس إذا أنفق وكسا، ومن لزمه أن يطلق فأبي طلَّق الإمام عنه صداقها رجعت إلى صدقات نسائها وإن طلَّقها قبل الجواز فلها نصف الصداق، وإن مات كان لها الميراث منه.
الزواج بالسكرانة والسكران:
وتزويج السكران لا يجوز عليه وينفسخ عنه قبل أن يدخل بها، فإن دخل بها فقد جاز النِّكاح ولا تستحق أكثر من صدقات نسائها، وأمَّا المرأة السكرانة فليس رضاها بشيء حتى تصحوا والنِّكاح منتقض ولو جاز بها الزوج إلا أن تكون رضيت من بعد أن صحَّت ثم جاز بها.
قال أبو سعيد: -رحمه الله- وإن جاز بها وهي سكرانة فسدت عليه وكان لها عليه صداقها صداق مثلها، لأنَّ رضى السكرانة لا يجوز. ومن تجوز امرأة مريضة فإنَّها ترثه ويرثها. وإقرار الزوج بالزوجة أو الزوجة بالزوج في المرض، فهو جائز إذا كان تزويجهما مشهوراً عند جيرانهما. وقاما على شهرته شاهدا عدل، فإن كان الأمر لا يعرف إلا بالإقرار في المرض، فإن أقر بصداق فهو دين عليه، وأمَّا الميراث فلا يتوارثان إذا كان للهالك عصبة أو رحم/249/يدفع عنه. وقيل: إذا ادَّعت امرأة إلى زوجها أنَّه تزوجها وطلبت الإنصاف فأنكر أنَّها ليست بزوجته فعليه أن يجبره الحاكم على طلاقها إن كانت زوجته أو يقر فتأخذه بحقِّها. قال أبو علي (1) حفظه الله: وقد قيل: إنَّ الحاكم لا يجبره على طلاقها إلا أن تطلب هي إليه والله أعلم. وأمَّا التي أنكرت أنَّها لم ترض بالذي يدعي أنَّه زوجها، فقيل: هي أملك بنفسها وليس عليه جَبرُ أنْ يطلق. فإن علمت أنَّها رضيت به فلا يحلُّ لها أن تزوَّج وحفظت عن أبي مراون حفظه الله في رجل زوج ابنة أخيه وأخوها محاضر وبقي
__________
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد. (6/182)
صفحة 2458
المالك يدخل إلى القوم إلى أن مات ولم يعلم أنَّه دخل بالمرأة، فقال: أولياؤه إن أخا المرأة لم يزوِّجها ولا أمضي ذلك في حياة الهالك، وقال: المرأة أنَّها راضية وقال أخوها إنَّه كان راضياً بالذي صتع عمه قبل موت الهالك إلا أن لم يُسئل ولم يدر معه. قال أبو مروان: إنَّ لها حقَّها على الهالك وميراثها منه وعليها يمين بالله أنَّها كانت راضية به في حياته وليس على أخيها يمين أنَّه كان راضياً بالنِّكاح في حياته ولا شاهدان، فإن كان مع الورثة شاهدان أنَّ الأخ كان كارهاً لما صنع عمه قبل أن يقول بالرضى ولم أكره فلمَّا مات الهالك رضيت فلا ميراث لها ولا صداق، إذا لم ترضى بالنِّكاح في حياة الهالك. قال أبو الحواري: إذا زوجها عمها ورضيت المرأة بالتَّزويج لم يكن لأخيها خيار، فإن مات الزَّوج بعد أن رضيت به فلها منه الميراث وعليه صداقها كره الأخ أو رضي هكذا حفظنا./250/
إسلام أحد الزوجين:
وعن أبي عبد الله -رحمه الله- في اليهودي والنصراني يكون له زوجة يهودية أو نصرانية فيغيب كل واحد منهما عن صاحبه مشركين فتسلم المرأة ولم تعلم زوجها أسلم أو لم يسلم لتزوج؟ قال: نعم. إذا أسلمت وانقضت عدَّتها منه ولم تعلم أنَّه أسلم فإنَّها تزوَّج.
قلت: فإن علمت أنَّه أسلم بعد أن أسلمت وقد تزوَّجت بعد أن أسلمت وانقضت عدَّتُها، وفي نسخة قبل أن تتزوَّج بعد أن أسلمت انقضت عدَّتُها؟ قال: يتمَّ تزويجها في هذا ولا ترد إلى الأول؛ لأنَّ عليه أن يعلمها إذا أسلم وكذلك لو أسلم زوجها الأول قبل أن تسلم المرأة ثم أسلمت وانقضت عدَّتُها وتزوَّجت ولم تعلم بإسلام الأول كان الآخر أولى بها، قيل: وكذلك إذا أسلم الرجل ولم يعلم أنَّ المرأة أسلمت فتزوَّج أختها ثم علم أنَّها كانت أسلمت قبله فإنَّه يتم نكاحه بأختها إذا لم يعلم. قال أبو الحواري: وهذا إذا كانا مشركين من غير أهل الكتاب، فإن كانا من أهل الكتاب فأسلم الزوج ولم تسلم أو لم يعلم بها إلا أن يطلِّقها وهذا إذا كانوا من أهل الكتاب من أهل العهد، وإن كانوا من أهل الكتاب من (6/183)
صفحة 2459
أهل الجرب فهو كما قال. والأمة ليس في هذا كالحرَّة إذا كان للذمي ذمية مثله ثم غاب وأسلمت لم تُبَع حتى تعلم أنَّه مشرك، فإن بيعت لمولى وطئها وقد كان سيدها الأول أسلم من قبل ردت إليه وكذلك إن أسلم من بعده. قال أبو الحواري: إذا باعها الإمام من بعد أن صحَّ أنَّه مشرك فقد مضى البيع أسلم اليهودي من بعد أو لم /251/ يسلم، وإذا سبا المسلمون امرأة من أهل الحرب وصارت لمولى وسبي زوجها فأرادها فالأمر في ذلك إلى سيدها إن أراده يتم لها نكاحهما أتمَّه، وإن كره ذلك فهو إليه، وقيل: من سبا المشركون له زوجة أو سريَّة ثم سبُّوه هو أيضاً. فقال من قال: يكره له وطئها، وإن أمكنه ذلك أن يشركوه في الولد.
ارتداد الزوجة:
فإذا ارتدت المرأة وتزوَّجت من أهل الحرب ثم أسلما فهماً على نكاحهما وأيُّهما أسلم قبل الآخر وأدرك الزوج زوجته لم تزوَّج فهما على نكاحهما ولو خلا لذلك سنون كثيرة ما لم يتزوَّج الزوج أربعاً أو يتزوَّج بعضهم بعض، وإن تزوَّج رجل مشركة ولم يدخل بها حتى أسلمت، فإنَّها لا تزوج بابنه ولا بأبيه في الإسلام وكذلك هو إذا أسلم لا يتزوَّج أمها في الإسلام وكذلك الذمي إذا وطئ الأمة المصلية أو مسَّ فرجها بيده أو نظر إليه وهي في ملكه فقد حرمت عليه، إذا أسلم فلا يتزوَّجها ولا يطأها بملك اليمين.
قال أبو الحواري: قد قال من قال: إن استكرهها فقد عتقت وبهذا نأخذ، وأمَّا إن أخذ ببيعها فباعها قبل أن ينظر إلى فرجها ثم أسلم فله أن يطأها بتزوج أو بملك اليمين.
زواج المرتد:
والمرتد إذا تزوَّج بأخت امرأته في الشرك ثم رجع إلى الإسلام ولم يتزوَّج الأولى فقد انقضت عدَّة هذه العصمة الأولى وانفسخت/252/ عقدتها حيث تزوَّج بأختها، إلا أن يفارقها ويتزوَّج الأولى بنكاح جديد إذا انقضت عدَّة الأخت. قال أبو الحواري: وهذا إذا دخل بالآخرة. وقيل: للرجل أن يزوِّج جاريَّته ولو كرهت وليس في مثل الحرَّة في ذلك. (6/184)
صفحة 2460
ومن زوج جاريَّته ولم يفرض لها صداقات (1)، فإن جاز للزَّوج بها فلها عليه كأوسط صدقات مثلها من الإماء وهذا أيضاً في الذي يجمع بين الأختين. وفي رجل يزوِّج امرأتين كل واحدة على صداق فدخل بهما أو بأحدهما أو لم يدخل بهما وكان تزويجه بهما في عقدة واحدة أو كل واحدة في عقدة ثم علم ذلك أو لم يعلم أيُّهما كانت الأولى ثم مات وصحَّ بشهادة شاهدي عدل أنَّهما أختان إلا أنَّه كان ذلك بجهالة منه؟ فأقول إن كان تزويجهما بعقدة واحدة ولم يدخل بهما فلا صداق لهما منه ولا ميراث ولا عدَّة عليهما، وإن كان دخل بهما فلكلِّ واحدة صداقها عليه ولا ميراث لهما منه، لأنَّهما لم يكونا زوجين، فأمَّا العدَّة فإن كانتا حاملتين فعدَّة كل واحدة منهما أن تضع حملها، وإن لم يكونا حاملتين فعِدَّة كل واحدة منهما ثلاث حيض، وإن كانتا ممَّن لا تحيض فثلاثة أشهر؛ لأنَّهما لم يكونا زوجتين، وكذلك إذا دخل بواحدة منهما ولم يدخل بالأخرى فللتي دخل بها صداقها منها بوطئه إيَّاها ولا صداق في ماله للتي لم يدخل بها، وإن كان تزوَّج بواحدة ودخل بهما ثم مات فإنَّ للأولى صداقها عليه وميراثها في ماله وعليها عدَّة المتوفى عنها زوجها. والثانية لها صداقها ولا ميراث له منه، وإن كان دخل بالآخرة ولم يدخل بالأولى فإنَّ لكلِّ واحدة منهما صداقها منه والميراث للأولى منهما ولا ميراث /253/ للآخرة وعليها عدَّة المطلَّقة، وإن لم يعلم أيُّهما تزوَّج قبلا إلا أنَّه تزوَّج بواحدة قبل واحدة، فإن كان قد دخل بهما فلكلِّ واحدة صداقها أو الميراث بينهما، وإن كان دخل بواحدة ولم يدخل بالثَّانية فلهما صداق واحد فيما بينهما وعليهما جميعاً عدة المتوفى عنها زوجها.
عدم التأكد من المهر:
قال أبو الحواري-رحمه الله-: التي دخل بها لها الصداق تام، والتي لم يدخل بها لها الصداق تام ولهما الميراث بينهما وهذا إذا لم يعلم أيُّهما ملك قبل الأخرى، فإن كان صداق واحدة ألف درهم وصداق الأخرى مائتا درهم وقد دخل بواحدة منهما أو لم يدخل بهما وفي
__________
(1) في أ، ب: صداقاً بدل صداقات. (6/185)
صفحة 2461
نسخة بها ثم مات ولم يعلم التي دخل بها هي الأولى أم المؤخرة، أم هي التي صداقها ألف درهم أو التي صداقها مائتا درهم فقد نظرنا في ذلك فرأينا إن كان لم يدخل بهما فلهما صداق واحدة وهو صداق الأولى منهما، إلا أنَّه لم يعرف فرأينا أنَّه بينهما فأحببنا أن يكون هو أقل الصداقين حتى يعلم أنَّ صداق الأولى هو الأكثر، لأنَّ المؤخرة لا صداق لها في هذا الموضع ولعلَّ صداقها هو الأكثر. قال أبو الحوراي: لها نصف الأكثر ونصف الأقل فذاك ستمائة لصاحبه الألف خمسمائة ولصاحب المائتين مائة، وإن كان قد دخل بواحدة منهما لم يعلم هي الأولى أم المؤخرة فلم نبصر لهما إلا صداقاً واحداً حتى يعلم هي الأولى أم المؤخرة فلم نبصر لهما إلا صداقاً واحداً حتى يعلم التي دخل به هي المؤجرة، فيكون الصدقات جميعاً لهما وعلى هذا رأي من يرى بأنَّ الرجل إذا/254/ وطئ امرأة خطأ أو حراماً، وكانت أختها زوجته إنَّ ذلك لا تحرم عليه زوجته وبهذا الرأي نأخذ.
قال أبو الحواري: لكل واحدة منهما صداقها تام إذا دخل بواحدة منهما ولم يعلم أيُّهما الأولى من الآخرة، وإذا لم يعلم أيُّهما لها ألف ولا التي لها المائتان قسمت الصداقة بينهما وجمعت الصداقين ثم قسمتها بينهما نصفين إذا كانت كل واحد منهما تقول إنَّها صاحبة الألف./255/
الباب الحادي عشر
في الرضاع
بسم الله الرحمن الرحيم: وقال الله عزَّ وجل فيما حرَّم من النِّكاح {وأمَّهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرَّضاعة} [النساء] ويحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب ولا رضاع بعد فصال.
وقال من قال: إذا خلا للصبي سنتان وفصل فما رضع بعد ذلك فليس بشيء. وقال ابن مسعود_رحمه الله_ لا يحرم من الرضاع إلا ما أنشأ العظم وأنبت اللحم. وذلك يعني ما كان الرضاع غداء. (6/186)
صفحة 2462
مدَّة الرَّضاع:
ووجدنا أيضاً في بعض الآثار أنَّ النَّاس في الرضاع مختلفون؟ فمنهم من قال: لا رضاع بعد فصال، وآخرون يقولون: حولين، وأمَّا أوثق الأمر في أنفسنا من جعل وقت ذلك إلى أربع سنين فما زاد على ذلك فليس برضاع ولم نأخذ نحن بذلك، لأنَّ أكثر القول أن الرَّضاع ما كان في الحولين يقول الله عزَّ وجل: {حولين كاملين لمن أراد أن يُتمَّ الرضاعة} [البقرة] وبلغنا في قول أبي حنيفة وستة أشهر بعد الحولين هو رضاع. وقال أبو عبد الله-رحمه الله-: وقال/256/ بعض الفقهاء: وزيادة أربعة أشهر بعد الحولين هو رضاع ولا نأخذ بذلك، إلا أن يكون قد اكتفى عن الرضاع بعد الحولين بالطَّعام فما رضع بعد الحولين فليس برضاع، وعلى رأي من قال: وزيادة ستة أشهر قال: إذا أتمَّ الحولين وستة أشهر لم يكن رضاعاً بعد هذه المدَّة إن كان فطم أو لم ينفطم. وكذلك الرأي فيمن جعل المدَّة أقل من ذلك أو أكثر. وقيل: في امرأة فارقها زوجها وقد ولدت فأراد هو أن يفطم ولده ولده في سنة وقالت أمه حتى يستكمل رضاعه؟ فقيل: ليس له أن يفطمه دون الحولين، إلا أن يتراضيا جميعاً على ذلك؛ لأنَّ الله تبارك وتعالى يقول: {فإن أردا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} ولم يجعل ذلك إلا عن تراض منهما وتشاور، وكذلك للأب على الأم إن أرادت الأم أن تفصله ومنتهى الرضاع الحولين، وقال بعض: لو زاد على الحولين ولو يوم فليس برضاع وما قطر من لبن المرأة في ماء أو قدر أو غير ذلك من الطَّعام أو الشراب وأكله الصبي أو شربه فليس ذلك برضاع حتى يكون اللبن ظاهراً في ذلك الشيء الذي وقع فيه غالباً عليه أكله أو شربه، فإنَّه يكون رضاعاً.
خلط اللبن بغيره: (6/187)
صفحة 2463
وقال أبو عبد الله-رحمه الله-: إنَّه (1) إذا كان اللبن قائماً في الطَّعام فهو رضاع مثل اللبن يطبخ به الأرز واللحم وأشباه ذلك إلا أن يكون قد خلط فيه ماء وكان الغالب على اللبن ولا يرى اللبن فذلك لا يفسده، ولو عجن عجين بلبن امرأة وخبز بالنَّار ثم أكل منه صبي وفي نسخة الصبي لم يكن بمنزلة الرضاع، وكذلك لو/257/ عجن باللبن ثم عمل خبزاً بالقدر خلط فيه العسل فغلب اللبن العسل حتى لا يرى من اللبن شيء هو بمنزلة الرضاع، وكذلك وضع لبن امرأة في سويق ثم وضع فيه الماء فغلبه الماء ولم يرمن اللبن شيء فلا بأس به. ولو قطرت قطرة في كوز ماء فغلب الماء تلك القطرة لم يكن برضاع إذا شرب منه الصبي، وإذا جعل لبن امرأة في دواء فأوجر منه صبي أو أسع طبه واللبن الغالب، فهو رضاع، والرضاع في دار الحرب والشرك كهيئته في دار الإسلام. والبكر إذا أرضعت صبياً فلا بأس بما رضع منها من الماء حتى يعلم أنَّه قد خرج منها لبن رضعه ثم يكون رضاعاً. وأمَّا الثيب فإنَّه ما رضع منها من لبن أو ماء فهو رضاع.
ومن غير الكتاب:
رضاع البكر:
والبكر فقد قالوا: أنَّها إذا أرضعت صبياً وكان فيها لبن فقالوا: إنَّه رضاع وإن كان من ماء فليس برضاع، وقال من قال: اللبن والماء من الرَّضاع وكذلك كان يقول أبو المؤثر وبه نأخذ، وأمَّا الثيب فقد قيل: إنَّ الماء فيها رضاع واللبن ولا أعلم في ذلك اختلافاً، وأمَّا التي قد زوَّجت ولم تلد، فهي مثل التي قد ولدت والماء واللبن منها رضاع والله أعلم بالصَّواب./258/
رجع: وقيل في امرأة لا تعلم أنَّ فيها لبناً ألقمت صبياً ثديها ترضعه تلهيه بذلك أنَّه لا يكون رضاعاً حتى يعلم أنَّه قد رضع منها شيئًا والمرأة المتزوِّجة ما لم تلد فهي مثل البكر في
__________
(1) لا يوجد في ب: إنَّه. (6/188)
صفحة 2464
الرضاع. وقال أبو عبد الله:_رحمه الله_ قالوا: إذا وضعت المرأة لبنها في الدَّواء وسقتيه الصبي إنَّه رضاع وكذلك إن أسعطته إيَّاه أو قطرته في أذنه أو لمظته الدواء.
قلت: فإن حقنته إيَّاه؟ قال: لا.
ورضاع لبن الرجل إذا خرج منهم لبن فليس برضاع وإنَّما الرضاع الذي يحرم من المرأة.
لبن الفحل:
وقال من قال من الفقهاء: إذا كان للمرأة لبن من زوج فطلَّقها فتزوَّجها آخر فحملت من الآخر ونزل بها لبن، فأمَّا اللبن من الأول بعد حتى تلده، وقال من قال: إذا عرف أنَّ هذا اللبن من الحمل فهو من الآخر وقد انقطع لبن الأول. وقال أبو عبد الله _ رحمه الله_ اللبن للزوج الأول حتى يستبين حملها من الزوج الآخر، فإذا (1) استبان فقد اختلط لبن الأول بلبن الآخر وهو لهما جميعاً حتى تلد من الزوج الآخر، فإذا ولدت فقد انقطع الأول وصار فيما يستأنف للزوج الآخر، واللبن للزوج فإذا رضع مرضع من لبنه فهو ولده.
شهادة غير المسلمة:
وقيل يصدق في الرضاع في الشَّهادة بالرضاع اليهوديَّة والنَّصرانية/259/ والمجوسية والأمة، إلا أن تكون متهمة فلا تصدق والمتهمة. وقال من قال: هي التي جمعت على حرام أو فرقت عن حلال، وقال من قال: إذا كانت متهمة بنفسها بالزنا.
شهادة النساء على الرضاع:
فإذا عقد النكاح فلا يجوز في ذلك إلا شهادة امرأة عدلة حرة مسلمة فتشهد هي عن نفسها بالرضاع بينهما ثم يفرق بينهما ولا يجوز أن تشهد امرأة بالرضاع عن (2) امرأة ولا يقبل في ذلك إلا شاهداً عدل من المرأة، وإنَّما جاء الأثر في قبول شهادة الواحدة المرضعة إذا شهدت إنَّها هي التي أرضعت، وقال من قال: إن شهدت امرأة عدلة برضاع بين رجل وامرأته، فإن كانت التي شهدت غائبة عن التَّزويج حتى حين علمت قالت
__________
(1) في أ، ب: بدل إذا: إن.
(2) في أ، ب: بدل عن: على. (6/189)
صفحة 2465
صدقت، وإن كانت محاضرة عالمة بالتَّزويج ذلك الرجل بالمرأة ولم تقل شيئًا ثم قالت من بعد لم تصدق.
متى تكون الشهادة:
وقيل: عن هاشم في امرأة مسلمة شهدت برضاع بين زوجين بعد أو ولد أولاداً؟ قال هاشم: إن كانت غائبة عن ذلك فشهدت أنَّها أرضعتهما فرق بينهما وإنَّ ولدا أولاداً، وإن كانت حاضرة فقد كانت امرأة بقيقا هي ممَّن صنع عرساً لرجل وامرأته ثم قالت من بعد الدخول إنِّي أرضعت ونسيت فقال أبو عثمان: إنَّها لا تصدق إذا كانت حاضرة وقد دخل بالمرأة زوجها ولم يقل شيئًا حتى دخل بها.
قلت لهاشم: ما تقول إن كانت غائبة وهي غير مسلمة فقالت: /260/قد أرضعتهما؟ قال: قد قالوا إذا كانت غير متَّهمة فالله أعلم.
قيل: عن امرأة عمدت إلى جاريَّة لزوجها فوجرتها من لبنها على عهد عمر بن الخطَّاب-رحمه الله- فأتى الرجل عمر بن الخطَّاب (ض) فسأله فقال عمر بن الخطَّاب -رحمه الله-: حرمت عليك ليوجعنَّ رأس امرأتك ولتكوننَّ جاريَّتك أول من يقع عليه؛ لأنَّه "لا رضاع بعد فصال" إلا أن تكون جاريَّته في حد الرضاع.
وقيل: في امرأة أرضعت جاريَّة بلبن رجل ثم فارقها ذلك الرجل وتزوَّجها رجل آخر ثم فارقها أيضاً؟ فإن دخل بها فلا تحلُّ له الصبيَّة التي أرضعها؛ لأنَّها من ربائبه وإن كانت لم يدخل بها حتى فارقها فهي له حلال لأنَّها من الربايب التي لم يدخل بأمِّها.
ما يحرم من الرضاع:
وقيل: لا بأس أن يتزوَّج بنوا الظئر بأخوات الغلام التي أرضعته أمُّهم؛ لأنَّه ليس بينهم نسبٌ، فإن كانت التي أرضعته أمهم جاريَّة، فلا يحلُّ لبني الظئر تزويجها بعينها؛ لأنَّها أختهم من أمِّهم ولو أنَّ زوج الظئر الذي كان من قبله اللبن تزوَّج أربع نسوة وتسرَّى عشراً فولدت له جوار لم يحللن للغلام الذي أرضعته امرأته؛ لأنَّ اللبن من قبله والغلام ابنه (6/190)
صفحة 2466
وأخ لبناته، وإذا تزوَّج الرجل امرأة فقالت زوجته الأولى إنَّها أرضعتها فإن كان قبل الجواز فلا يتزوَّجها وإن كان بعد الجواز وكانت الشَّاهدة عدلة قبل قولها وإن لم تكن عدلة لم يكن عليه أن يصدِّقها وإن تنزَّه فقد أحب ذلك من أحب من الفقهاء، وقيل: إنَّ امرأة سوداء قالت لرجل وامرأته أرضعتكما في أيَّام رسول الله (ص) «فسأل رسول الله (ص) فعرض عنه فقال: إنَّها /261/ امرأة سوداء فقال النبي (ص) فكيف وقد قالت ما قالت» والذي نأخذ به أنَّها يقبل قولها ما كانت قبل الجواز وقبل العقد، فإذا عقد النِّكاح فأقلُّ ما يقبل في ذلك قول امرأة حرة عدله قال أبو عبد الله: إذا شهدت امرأة عدلة برضاع بين الزوجين فرق بينهما، وإن كان دخل بها أو نظر إلى فرجها أو مسَّه من تحت الثوب فلها كأوسط صدقات نسائها، وقال بعض: ليس لها صداق بالمسِّ والنظر حتى يدخل بها، وإن شهدت بذلك امرأة قبل عقدة النِّكاح فالذي يأمر به أن لا يتزوَّجها ولو كانت أمة أو مشركة. قال: فإن بلي وتزوَّجها فلا أتقدَّم على تحريمها وإذا رضع صبي من لبن امرأة فلا بأس أن يتزوَّجها والده إن أراد ذلك، ولا ينبغي للرجل أن يتزوَّج امرأة أبيه من الرضاعة ولا امرأة ابنه من الرضاعة، وكذلك ولده وولد ولده وأجداده.
رضاع الميتة:
ولا بأس أن يتزوَّج الرجل المرأة التي أرضعت أخاه، وإن حلبت المرأة لبناً من ثديها ثم ماتت فسقى ذلك اللبن صبي، فهو رضاع وكذلك لو حلب من بعد موتها أو رضع الصبي منها وهي ميتة فهو رضاع، ولو أنَّ صبيين رضعاَ من لبن شاة أو غيرها من الدَّواب، لم يكن ذلك رضاعاً وإنَّما هو بمنزلة الطَّعام أكلا جميعاً من إناء واحد، وإذا جامع الرجل المرأة لم تحلَّ لابنه من الرضاع ولا لأبيه، ولا تحلُّ له أمها من الرضاع ولا ابنتها وكذلك إن نظر إلى فرجها لشهوة، فإن أمَّها وابنتها من الرضاعة عليه حرام وإذا فارق الرجل المرأة فلا يتزوَّج في عدَّتها أختها من الرضاع ولا عمَّتها ولا/ 262/ خالتها ولا ابنة أخيها والرضاع والنسب في هذا سواء، وكذلك الأمتان من الرضاعة لا يحلُّ لرجل أن يطأهما (6/191)
صفحة 2467
جميعاً، وكذلك الأمة وعمَّتها وخالتها وبنت أختها وبنت أخيها، وإذا جمع المرأة وامرأة أبيها فلا بأس. وإذا تزوَّج الرجل صبيَّة فأرضعتها أمه من الرضاعة وأمه التي ولدته بلبن أبيه من الرضاعة أو امرأة أبيه من الرضاعة بلبن أبيه، فإنَّها حرام عليه ويفرِّق بينهما ولها نصف المهر ويرجع الزوج بذلك على التي أرضعتها إذا تعمَّدت لذلك هكذا في بعض قول أهل الفقه. وقال أبو عبد الله:-رحمه الله- ينظر الجاريَّة حتى تبلغ، فإن رضيت به زوجاً فرَّق بينهما ولها نصف المهر ويرجع هو به على التي أرضعتها وأدخلت عليه الحرمة وهي متعمِّدة وإن ماتت الصبيَّة من قبل أن تبلغ فلا صداق لها وإن لم تتعمَّد (1) المرضعة إلى الفساد لم يكن عليها في ذلك شيء، وقيل: إنَّ القول قولها في ذلك إن لم يظهر منها تعمد لفساد (2)، وكذلك قيل: إذا تزوَّج الرجل الصبيَّة ثم تزوَّج عمَّتها فلا يجوز نكاح العمَّة وإذا تزوَّج بالعمَّة بعد الصبيَّة ودخل بها فرق بينه وبينها يعني العمَّة، فإن أرضعت أم العمَّة المرأة (3) الصبيَّة لم يفرق بينها وبين زوجها لأنَّ الصبيَّة قد كانت ذا محرم (4) العمَّة (5) حتى تبلغ بنت أخيها، فإذا بلغت ورضيت به زوجاً فلها نصف صداقها وفسد نكاح عمَّتها عليه ولا صداق للعمَّة إن لم يكن دخل بها وإن لم ترض به الصبيَّة زوجاً إذا بلغت تم نكاحه بعمَّتها، وإن كان دخل بعمَّتها فلها صداقها عليه ويفسدان عليه جميعاً وإذا تزوَّج الرجل صبيَّتين فأرضعت امرأة ليست من الزَّوج في شيء أحدهما ثم أرضعت الأخرى صارتا أختين وحرمتا عليه ولكلِّ واحدة منهما عليه نصف المهر وترجع بذلك/263/على المرأة التي أرضعتها إن كانت تعمد المفسد (الفساد)، وقيل: إذا تزوَّج الرجل ثلاث صبايا فأرضعتهنَّ بعضهنَّ قبل بعض حرمت عليه اثنتان الأوليان وصارتا أختاً معاً وحرمتا عليه جميعاً، وصارت الثالثة أختاً لهما بعد ما تابتا ولا يفرَّق بينه وبينها ولو
__________
(1) وإن لم تتعمَّد المرضعة لفساد.
(2) في ب: إن لم يظهر منها تعمد لفساد ولا تحلُّ لها الصبيَّة أبداً.
(3) في أ، ب: لا يوجد ((المرأة)) وهو الصحيح.
(4) في ب: ذات فحرم من العمة.
(5) في أ، ب: وقال أبو عبد الله: لوقف نكاح الصبية والعمة ولا يطأ العمة حى تبلغ بنت أخيها. (6/192)
صفحة 2468
أرضعتهنَّ جميعاً معاً حرمن عليه جميعاً، وقال: يتزوَّج أيتهما (1) شاء، وإذا تزوَّج امرأة وصبيَّتين فأرضعت المرأة الصبيَّتين أحدهما قبل الأخرى ولم يدخل بالمرأة، فإنَّه يفرَّق بينه وبين المرأة والصبيَّة الأولى والآخرة امرأته ولا مهر للمرأة؛ لأنَّها أفسدت عليه نفسها وللصبيَّة الأولى نصف المهر على الزوج ويرجع بذلك على المرأة إن كانت أرادت الفساد ولا تحلُّ له أبداً، فأمَّا الصبيَّة فإنَّها تحلُّ له إذا فارق التي عنده أو ماتت، وإن كان قد دخل بالمرأة فإنَّه يفرق بينه وبين الصبيَّتين جميعاً ولكل واحدة منها نصف المهر على الزوج. ويرجع بذلك على المرأة إن كانت أرادت الفساد وللمرأة المهر بما استحلَّ من فرجها ولا تحلُّ له واحدة منهنَّ أبداً، فأمَّا الأم فإنَّها أم امرأته ولا تحلُّ له أبداً، وأمَّا الابنة فإنَّها ابنة امرأته وقد دخل بها فلا تحلُّ له ولا تحلُّ له أم امرأته من الرضاعة، إن كان دخل بها أو لم يدخل بها وقال بعض الفقهاء إذا أقرَّ رجل أنَّ امرأة هي أخته من الرضاعة ثم أراد بعد ذلك أن يتزوَّجها وقال: وهمت أو نسيت أو أخطأت وصدَّقته المرأة فإنَّهما مصدَّقان وله أن يتزوَّجها إن شاءت وإن ثبت على قوله الأول فقال حق كما قلت ثم تزوَّجها، فإنَّه يفرَّق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم يكن دخل بها. وقال أبو عبد الله: إذا أقرَّ أنَّها أمه وأخته من الرضاعة ثم رجع عن إقراره فأكذب نفسه لم يقبل ذلك منه، ولا تحلُّ له فإن كان قد دخل بها فلها صداقها عليه/264/كامل وإن لم يكن دخل بها فلا صداق لها عليه، فإن لم تصدِّقه فإنَّه يلزمه لها نصف صداقها إن كان لم يدخل بها ويفرَّق بينهما وتقبل إقراره في الحرمة ولا يقبل ذلك عليها في صداقها وقالوا: كذلك أيضاً إذا أقرَّ قال: هي بنتي من الرضاعة وإذا أقرَّت المرأة بذلك فأنكر الزوج ثم أكذبت نفسها وقالت أخطأت فتزوَّجها الرجل، فقيل: إنَّه جائز. وقال أبو عبد الله: لا يقبل قولها عليه إن لم يصدِّقها إن يكذب نفسها قبل منها وعليه أن تقتدي منه إن كانت صادقة فإن أكذبت نفسها قبل منها فلا بأس عليها. وقال أيضاً من قال: إذا قالت المرأة هو ابني من الرضاعة أو أخي وأبي ثم تزوَّجها الرجل
__________
(1) في أ، ب: أيتهنَّ بدل أيتهما. (6/193)
صفحة 2469
قبل أن تكذب نفسها كان النِّكاح جائزاً ولا تصدِّق المرأة على هذه المقالة، لأنَّ المرأة ليس في يدها شيء من الفراق، فإذا قال الرجل هذه المقالة وثبت عليها وأشهد الشهود ثم تزوَّجته المرأة ولم يعلم بذلك ثم جاء بهذه الحجَّة بعد النِّكاح فرق بينهما.
وقال من قال: إذا تزوَّج الرجل المرأة ثم قال بعد النِّكاح هي أختي من الرَّضاعة وابنتي أو أمي من الرضاعة ثم قال: أخطأت أو وهمت وليس الأمر كما قلت استحسنت أن لا يفسد نكاحهما والقياس في هذا أن يفسد النِّكاح ألا ترى أنَّه لو كان أعمى عنده امرأته وأخته من الرضاعة فأراد أخته فأخطأ بامرأته، قال: هذه أختي من الرضاعة ثم قال: أخطأت صدقته، قال أبو عبد الله: الأعمى في هذه لا يشبه الذي يبصر، والأعمى له الرَّجعة عن إقراره هذا وليس للذي يبصر الرجعة ويفرِّق بينه وبينها ويأخذ صداقها ولا تقبل رجعته/265/ ولو قال وهمت أو نسيت وادَّعت هي ذلك أو لم تدعه ولو قال لعبد له أو لأمة له هذه ابنتي أو هذا ابني أوقعت العتق وأخذت في هذا بالقيَّاس وتركت الاستحسان، وإذا قال لامرأته يا بنيَّة لم يكن هذا بشيء ولم يفرّق بينهما، ولو قال لامرأة له معروفة النسب هذه ابنتي من نسب وثبت على ذلك لم أفرِّق بينهما، وكذلك لو قال: هي أمي إذا كانت أمه معروفة ويصحُّ خلاف ما قال. وكذلك إذا قال هي أختي إذا كان لها أبٌ معروف. ولو قال هي ابنتي وليس لها نسبٌ معروف ومثلها يولد لمثله ويثبت على ذلك فرق بينهما وإذا أقرَّت المرأة أنَّها ابنته ابنة النسب لم يفرَّق بينهما، وقال أبو عبد الله رحمه الله: نعم إذا صحَّ أنَّها هي أكبر منه إذا كانت عجوزاً كان هو من اثنا عشر سنة ونحو هذا ألا ترى أنَّه قال لامرأته وهي صبيَّة هذه أختي أو جدَّتي علمت أنَّ هذا باطلاً ولم يفرَّق بينهما، قال أبو عبد الله: يمكن أن تكون أخته ولا يجوز أن تكون جدَّته وهي صبيَّة، وكذلك إذا قال: أرضعتني إذا كان مثلها لا يرضع ولا يكون لها لبن، فإنِّي أفرِّق بينهما ولو ثبت على ذلك. تم حرف الرضاع والنِّكاح من جامع أبي جعفر محمد بن جعفر رحمه الله./266/ (6/194)
صفحة 2470
الإخبار عن الرضاعة:
ومن غيره: وقيل: إذا تزوَّج رجل بامرأة فقالت امرأة ثقة إنَّها أرضعتهما جميعاً، فإنَّه يفرق بينهما فإن لم تكن ثقة لم يفرَّق بينهما قبل الجواز أو بعد الجواز (1) وإذا كانت متهمة لم تصدَّق في ذلك قبل الجواز أو بعد الجواز قبل النِّكاح أو بعد النِّكاح.
ومن سيرة لأبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله إلى الإمام الصلت بن مالك أكرمه الله: وأخبرك رحمك الله أنَّ موسى بن علي قال برأيه في شيء ألحقه بالأثرولم يأت به الأثر وذلك في المرضعة إذا شهدت فالذي جاء به الأثر وحمله أهل العلم والبصر أنَّ المرضعة تقبل شهادتها بالرضاع ولو كانت مجوسية لا تتهم، فقال موسى-رحمه الله- رحمنا الله وإيَّاه: إنَّ هذا الرضاع قد كثر وقد جعلوا إذا أرادوا الفساد فأحضروا المرأة فشهدت بالرضاع فقال: لا أقبل في هذا الزمان لما ظهر من الفساد بعد عقدة النِّكاح إلا عدله فلم يعب عليه في ذلك أهل عصره من المسلمين، فأدخل الله به على المسلمين فرجاً، وعلى أهل الفساد حسماً ثم صار ذلك مأخوذاً عنه.
ومن غيره: وعن امرأة شهدت برضاع بين رجل وزوجته بعد العقدة وهي ليس بعدلة، وقال الزوج أنا أصدِّقها ولا أقيم على الشبهة ولم يدخل بها، هل عليه صداقها، فإن صدقت هي أيضاً هذه الشهادة بينهما بالرضاع وأرادت الخروج من الشبهة ولم تأخذ منه صداقاً فذلك إليها، وإن حاكمته لزمه أن يطلِّقها ويعطيها نصف صداقها، وإن أرادت المقام معه ولم يطلِّقها لم أحرمها عليه حتى تكون هذه الشاهدة عدلة.
ومن غيره: وعن أبي الحواري وعن رجل جعل طلاق المرأة في يدها فلم/268/ تطلِّق نفسها حتى انصرف الزوج من ذلك الموضع ثم طلقت نفسها بعد ذلك فوصلوا إلى من وصلوا إليه من أهل التَّعسف. فقال لهم: قد وقع الطلاق فتركها الرجل واعتدت المرأة فلمَّا فرطت (2) عدتها تزوَّجت برجل آخر ثم إنَّ الزوج الآخر طلَّقها هل تحلُّ للأول ولا تحرم
__________
(1) من وإذا كانت متهمة – إلى ومن سيرة لا يوجد في ب.
(2) فلمَّا خرجت. (6/195)
صفحة 2471
عليه امرأته لأنَّ هذا لا نعرف فيه اختلافاً بين أحد من العلماء في هذه المسألة، وإن كان هذا المفتي من أهل الفتيا فعليه صداق هذه المرأة الذي زوجها الآخر وإن كان هو ليس من أهل الفتيا فلا شيء عليه من الصداق وهذا سفيه من السفهاء./269/
الباب الثاني عشر
في الطلاق
رجع إلى كتاب الجامع: بسم الله الرحمن الرحيم: واعلموا أنَّ من أنوار الإسلام الساطعة، ورحمة الله الواسعة، التي أكمل الله بها الدين، وأكرم بها المؤمنين أن عصمهم بالزواج، ولم يدعهم في أمر مريج، ثم عرفهم أنّ َ حل الوثاق، إذا أرادوا الفراق، فإنَّه واقع بالطلاق، وعندما يبتلون به من الإيلاء والظهار، وما يُكفر به الفقير وذو اليسار وإنّ َ للنساء عدة إلى غاية قد عرفها ومدة وبيانا ً للنَّاس وضياء من الالتباس، وموعظة للمتَّقين وحجَّة على المعتدين، وقال الله تعالى في كتابه: {الطلاق مرَّتان فإمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة] يعني بعد المرتين إمَّا أن يمسك بمعروف أو يسرحها بإحسان، وقال الله تبارك وتعالى: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوج وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بُهتاناً وإثماً مُبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثقاً غليظا} [النساء] يقول لا يسيء إليها لتفتدي إليه بما أعطاها والقنطار ألف ومائتا دينار. وقال بعض: ألف دينار. وقال بعض: ملء مسك ثور. وقال تعالى: {وبُعولتهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ في ذلك} [البقرة] قيل: إذا كان الرجل إذا طلَّق زوجته ثلاثاً في أول الإسلام كان/270/ أحقُّ بردها ما كانت في العدَّة ثم صارت هذه الآية منسوخة نسختها التي قال لفيها: {الطلاق مرَّتان}.
عدَّة الطلاق للحرَّة والأمة:
فطلاق الحرائر من المسلمات أو من اليهود والنَّصارى ثلاث وطلاق الإماء ثنتان، قال أبو الحواري: قد قيل هذا، وقد قال من قال عن أبي عبيدة: أنَّ الطلاق الذمية من اليهود (6/196)
صفحة 2472
والنَّصارى واحدة وعدَّتُها بالشهور شهر وعدَّتها بالحيض حيضة واحدة وبهذا نأخذ. وكلُّ من طلَّق امرأته قبل أن يجوز بها، فقد قيل: أنَّ الواحدة تبينها ولا يلحقها طلاق في العدَّة وليس له ردُّها إلا نكاح جديد، والثلاث أيضاً إذا طلَّقها إياهنَّ جميعاً فهذا واحدة. وقال من قال: هي ثلاث والرأي الأول أكثر عندي أنَّ الثلاث كالواحدة والواحدة تبينها وليس له ردُّها إلا بنكاح جديد.
حكم الثلاث:
فإن طلَّقها ثلاثاً قبل أن يمسَّها (1)، فقد بانت منه ولا سبيل له إليها حتى تزوج برجل غيره، فإن فارقها وانقضت عدَّتُها كان منه لهذا أن يتزوَّجها بنكاح جديد وهذا في التي لم يجزيها. وقال: من بانت منه زوجته بثلاث ولو نوى في دخوله النيَّة وإنَّما يفسدها عليه النيَّة من الزوج والمرأة كذلك إذا علم الزوج الأول منهما ذلك ولم يرجعا عن ذلك ولم ينويا منه حتى دخل بهاوالله أعلم.
وقال تبارك وتعالى: {يا أيُّها النبي إذا طلَّقتم النِّساء فطلِّقوهنَّ لعدَّتهنَّ وأحصوا العدَّة واتَّقوا الله ربكم لا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ولا يخرجن إلا أن /271/ يأتين بفاحشة مبيِّنة} [الطلاق].
سيئة الخلق:
قال من قال: إذا شتمه وآذته وساء خلقها فله أن يخرجها وقال: {أسكنوهنَّ من حيث سكنتم} [الطلاق] يعني للمطلَّقة واحدة أو اثنتين.
هل للمطلَّقة ثلاثاً سكنى:
وقال من قال: ليس للمطلَّقة ثلاثاً سكناً ولا نفقة في عدَّتها، إلا أن تكون حاملاً وقد عصى ربه حتى يطلِّق كما قال الله تعالى طلاق السنة، وقيل: ليس للمطلَّقة ثلاثاً أن تخرج من بيتها أيضاً حتى تنقضي عدَّتُها.
__________
(1) في أ، ب: نقص: وإن نقص: وإن طلقها ثلاثاً بانت منه ثم تزوجها تزويجاً جديداً. (6/197)
صفحة 2473
المطلقة واحدة أو اثنتين:
والمطلَّقة واحدة أو اثنتين لا تخرج إلا بإذن زوجها ولا تبيت عن بيتها وتدخل بإذن ما لم يردها ولا بأس عن قول بعض الفقهاء أن تبيتا جميعاً في بيت واحد.
طلاق السنة وكيفية الرجعة:
والسنة في الطلاق أن يطلِّق الرجل امرأته واحدة إذا طهرت من الحيض بشاهدي عدل قبل أن يجامعها ثم يتركها حتى تنقضي عدَّتُها إذا أراد مراجعتها في العدَّة أشهد شاهدين رجلين مسلمين حرين أنَّه قد ردَّ زوجته فلانة بحقِّها بما بقي من طلاقها، فإن كان الطلاق يعلمها كان الردُّ بعلمها، وإن كان الطَّلاق بلا علمها فلا بأس أن/272/ يكون الرد أيضاً بلا علمها أيضاً، وإن كان الطَّلاق دون الثلاث ولم تفتد منه بشيء من مالها فله أن يردَّها، وإن كرهت وما لم تنقض عدَّتها وإن انقضت عدَّتُها لم يكن له إليها سبيل إلا برأيها ورضاها ويكون بنكاح جديد ومهر وولي وشاهدين، وتكون عنده بما بقي من الطَّلاق وإن طلَّق الرجل زوجته تطليقة ولم يردَّها حتى حاضت ثلاث حيض أو خلا لها ثلاث أشهر إن كانت ممَّن لا تحيض من كبر أو صغر ثم تزوَّجها بنكاح جديد ومهر جديد فيكون عليه لها الصداق الأول والثاني وتكون عنده بما بقي من الطَّلاق إن كانت واحدة أو اثنتين، فإذا طلَّقها ثلاثاً لم يكن له إليها سبيل حتى تزوَّج زوجاً غيره ويجوز بها وتنقضي منه عدَّتُها إذا فارقها ثم لهذا الأول أن يتزوَّجها وتكون عنده بثلاث تطليقات كما كانت من قبل.
الإضرار بالطلاق:
والضرار أن يطلِّق الرجل امرأته ثم يمسك عنها حتى إذا دنا انقضاء عدَّتها راجعها ثم طلَّقها من بعد ذلك فذلك هو الضرار الذي نهى عنه.
الطلاق السني: (6/198)
صفحة 2474
وإن كانت المرأة قد قعدت من الحيض وفي نسخة من المحيض أو جاريَّة لم تحض، فإذا أراد طلاقها أمسكها حتى إذا هل الهلال فليطلِّقها واحدة ويشهد على ذلك شاهدي عدل ثم يمسك عنها حتى تخلوا ثلاثة أشهر فهو انقضاء عدَّتها، فإذا أراد مراجعتها في العدَّة فذلك إليه وإن كرهت ما لم تحرم عليه بثلاث تطليقات او فدية فإذا/273/ خلت الثلاثة الأشهر حَلت للأزواج، وإن كانت حاملاً فليطلِّقها واحدة ويشهد على ذلك ذوي عدل ولا يقربها حتى تضع حملها، وقال الله تعالى: {وأولاتُ الأحمال أجلُهُنَّ أن يضعن حملهنَّ} [الطلاق] فإذا أراد مراجعتها فله ذلك وإن كرهت ما لم تضع حملها أو تبين منه بثلاث تطليقات وفدية، وللمطلقات كلُّهنَّ النَّفقة والسكنى على ما وصفنا من طلاق السنة حتى تنقضي العدَّة والميراث بين الزوجين ما لم تنقض العدَّةُ على طلاق السنة.
طلاق الإماء:
وكذلك السنة في طلاق الإماء غير أنَّ طلاق الإماء تطليقتان وعدَّتُها حيضتان إن كانت ممَّن تحيض، وإن كانت ممَّن لا تحيض فخمسة وأربعون ليلة، والمطلَّقة لا تعتكف ما كانت في عدَّتها ولا تبيت عن بيتها ولا تحج إلا التي عليها حجة الفريضة، فإنَّها تحج إذا أرادت، وأمَّا التي يموت عنها زوجها والمختلعة والملاعنة فإنَّهنَّ يخرجن من بيوتهنَّ.
التعريض بالخطوبة:
ولا بأس بالتَّعريض للمتوفى عنها زوجها في العدَّة بالقول المعروف بلا مواعدة، ويكره التَّعريض للمطلَّقة وكذلك التي تختار لنفسها والتي يجعل طلاقها زوجها بيدها وتطلَّق نفسها فإنَّهما أيضاً يخرجان من بيوتهما عند الطلاق. وبلغنا عن عمر بن الخطاب إذا سئل الرجل ألك امرأة قال: لا. إنَّها كذبة ولا تطلَّق امرأته إذا لم يرد بذلك طلاقاً./274/
التلفظ بالطلاق خطأ: (6/199)
صفحة 2475
وكذلك إن أراد أن يقول لها إنَّني كذا وكذا كلمة غير الطلاق فغلط فقال: أنت طالق فلا غلت على مسلم ولا يلزمه الطلاق إذا لم يرده، وأمَّا في الحكم فإذا صحَّ لفظه بطلاقها فحاكمته ولم تصدقه على نيَّته حكم عليه بالطلاق، وإذا قال الرجل لزوجته أنا منك طالق، فقيل: ليس هذا بشيء، لأنَّ الزوج لا يكون طالقاً وكذلك عن بعض الفقهاء فيمن يجعل طلاق زوجته في يدها فتطلَّق هي زوجها إنَّه طلاق. وقال بعض: ليس ذلك بطلاق حتى تطلِّق هي نفسها وهذا الرأي أحب إلي. وإذا نظر الرجل إلى امرأته وامرأة أخرى فقال: إحداكما طالق، فإن أرسل القول منهما طلِّقت زوجته وإن عنا المرأة الأخرى فلا طلاق على زوجته والقول قوله وعليه يمين، وإذا طلَّق الرجل زوجته ثلاثاً إن دخلت هذه الدَّار ثم قال لها أنت طالق ثلاثاً فبانت منه ثم تزوَّجت غيره ثم فارقها فتزوَّجها الأول ثم دخلت الدَّار. فعن أبي علي_رحمه الله_ إنَّ الطلاق لا يقع عليها من قبل إنَّ الطلاق طلاق ذلك الملك كله وقد انقضى.
صور من الطلاق:
وقال غيره: بل يقع عليها الطلاق إن دخلت هذه من بعد أن تزوجها في التزويج الثاني، فإن كانت قد دخلت تلك الدَّار وهي في ملك غيره فقد وقع الحنث وهي ليس بزوجة له ولا يضرُّها إذا دخلت من بعد وهي في ملكه.
ومن حجة صاحب هذا الرأي الأول أنَّه لو قال لها: أنت طالق/275/ تسعاً في كل سنة ثلاثاً فطلِّقت ثلاثاً في السنة الأولى، ثم تزوَّجت زوجاً وتزوَّجها الأول من بعد لم يقع عليها في السنة الثانية ولا الثالثة طلاق، ولو كان على ذلك إنَّما طلَّقها واحدة أو اثنتين ثم تزوَّجها زوج ثم تزوَّجها من بعده لوقع عليها ما بقي من الطلاق الملك الأول، ولو قال الرجل لامرأته إذا طلَّقتك فأنت طالق فطلَّقها، فهي طالق أخرى أيضاً في القضاء. وأمَّا فيما بينه وبين الله فإذا كانت عنى فأنت طالق تلك التطليقة فهي واحدة، وكذلك إن قال: متى طلَّقتك وأمَّا إذا قال: كلَّما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثم طلَّقها واحدة وقد دخل (6/200)
صفحة 2476
بها كانت طالقاً أخرى ثم صارت طالقاً أخرى فيقع عليها ثلاث وليس هذا مثل الأول. وإذا حلف بالطَّلاق عمرة لا يحلف بطلاق زينب أبداً ثم حلف بطلاق زين لا يحلف بطلاق عمرة أبداً كانت عمرة طالق، لأنَّه حلف بطلاق زينب، ولو قال: زينب طالق ثلاثاً إن دخلت الدَّار كانت عمرة طالقاً. قال أبو الحواري: لأنَّه حلف بطلاق عمره لا يحلف بطلاق زينب وإنَّما وقع الطلاق على عمرة باليمين، وإذا دخلت عمرة الدَّار وقع عليها طلاق ثاني إن كان إنَّما حلف إن دخلت عمرة الدَّار، وإذا حلف على زينب إن دخلت الدَّار وقع على زينب تطليقة باليمين، وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثاً للسنة وليس له نيَّة فكلَّما حاضت حيضة وطهرت فهي طالق واحدة حتى تستكمل ثلاث تطليقات ولا تحسب الحيضة الأولى من عدَّتها، وإذا نوى أن يكون طالقاً مكانه فهو ما نوى، وإذا قال: أنت طالق للسنة ولم يسم ثلاثاً فهي طالق واحدة إذا طهرت من أول حيضة وهو يملك الرجعة في هذا ما كنت في العدَّة ولم تقع التطليقة الثالثة، وإن لم/276/ يدخل بها في جميع هذا لم تقع عليها من الطلاق إلا واحدة، وإن كانت لا تحيض من كبر أو صغر وقد دخل بها فقال: أنت طالق ثلاثاً للسنة وليس له نية فهي طالق مع كل شهر واحدة من يوم تكلَّم. وقال بعضهم: إن كان غشي فلا تطلَّق حين تكلَّم، وإذا كانت حاملاً وقال: أنت طالق واحدة للسنة فهي طالق ساعة تكلَّم بذلك. وإن قال لامرأة لا تحيض من كبر أو صغر أنت طالق للسنة ولا نيَّة له، فهي طالق حين يمضي شهر من يوم قال ذلك القول، فإذا قال لها: إذا حضت حيضتين فأنت طالق فهو كما قال إذا حاضت أخرى فهي طالق ولا يحسب هما من العدَّة، وإذا حاضت أخرتين بانت بتطليقة أخرى وتحسب بهما من العدَّة، وإذا حاضت أخرتين بانت بتطليقة أخرى وتحسب بهما من العدَّة، وإذا حاضت أخرتين بانت وليس عليها الطلاق الطلاق إلا ثنتان، لأنَّها بانت منه من حين حاضت الحيضة الأولى من آخر حيضها الذي احتست به. قال أبو الحواري: وهذا إذا قال كلَّما حضت حيضتين فأنت طالق، فأمَّا إذا قال إذا حضت حيضتين فأنت طالق فإذا (6/201)
صفحة 2477
حاضت حيضتين طلقت واحدة وليس يعود تقع عليها الطلاق بعد المرة الأولى، وإذا قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق ثم قال: إذا حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت واحدة، فهي طالق واحدة ولا تحسب بها من عدَّتها، وإذا حاضت أخرى فهي طالق أخرى، لأنَّ الحيضة الأولى مع الثانيَّة حيضتان وتحسب بالثانيَّة من عدَّتها وعليها حيضتان من بعد ذلك ونقول إن كان نوى بالحيضتين غير الحيضة الأولى فلا يقع طلاق حتى تطهر من الحيضتين المؤخرتين جميعاً ثم يقع بها تطليقة من بعدهما والحيضتان جميعاً من عدَّتها./277/
وإذا قال الرجل لامرأته إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك فقالت: قد حضت، فإنَّه ينبغي في القياس أن يقع عليهما جميعاً. وقد قال بعضهم: يصدِّقها على نفسها ولا يصدِّقها على صاحبتها.
قال أبو الحواري: يقع عليها وعلى صاحبها الطلاق لأنَّ هذا لا يمكن فيه النيَّة. وقال: هكذا حفظنا والله أعلم. وإذا قال الرجل لزوجته كلَّما ولدت ولداً فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد، فإنَّه يقع عليها تطليقتان وتنقضي العدَّة بالولد الثالث وذلك إذا ولدتهم في بطن واحد ولا يقع بالثالث طلاق ولو ولدتهم في بطون متفرِّقة ولم تنقض العدَّة فيما بين الأولاد وقع عليها ثلاث تطليقات وكان عليها ثلاث حيض بعد الولد الثالث.
قال غيره: وهو أبو علي الحسن بن أحمد -رحمه الله- وهذا إذا كان يردها في كل تطليقة كان كما قال والله أعلم. وإذا قال الرجل لامرأته إذا ولدت غلاماً فأنت طالق واحدة وإذا ولدت جارية فأنت طالق اثنتين فولدت غلاماً وجاريَّة لا يعلم أيُّهما أولاً، فإنَّه يقع في القضاء الأول من ذلك إذا تصادقا ولم يعلم أيُّهما ولد أول مرة فينبغي لهما فيما بينهما وبين الله أن يأخذا بأكثر ذلك بتطليقتين وقد انقضت العدَّة بالولد الآخر ولا يقع به الطلاق ولو أنَّها ولدت ثلاثة أولاد في بطن واحد غلاماً أو جاريتين غير أنَّه يعلم أنَّ الغلام هو الأول وقع عليها ثلاث تطليقات بالغلام واحدة وبالجاريَّة الأولى اثنتان وانقضت العدَّة (6/202)
صفحة 2478
بالجارية الثالثة، وكذلك إن كانت إحدى الجاريتين أولاً ثم الغلام، وإن كان الغلام هو الآخر وقع عليها تطليقات بالجاريَّة الأولى ولا يقع عليها بالجارية الثانية شيء وانقضت العدَّة بالغلام ولا يقع به طلاق، وإذا قال: وفي نسخة، وإذا كان لا يعلم أيُّهما أولاً، فإنَّها يقع عليها/278/ بالثقة ثلاث تطليقات وقد انقضت العدَّة بالولد الآخر ولا يقع به طلاق، وأمَّا في القياس فيقع عليها تطليقتان والثقة أفضل، وإن كان الغلام أولاً أو أوسط وقع عليها ثلاث تطليقات وقد انقضت العدَّة، وفي القياس وإن كان الغلام آخراً وقع عليها تطليقتان والأخذ في هذا بالثقة أحب إلينا.
صور من الطَّلاق المعلَّق:
وإذا قال الرجل لزوجته إذا ولدت فأنت طالق، وإذا ولدت غلاماً فأنت طالق فإذا ولدت غلاماً فقد طلقت اثنتين، لأنَّه غلام وهو ولده ألا ترى لو أنَّ رجلاً قال: إن كلمت إنساناً فأنت طالق ثم قال: إن كلمت فلان فأنت طالق فكلمت فلاناً كانت طالق اثنتين من قبل أنَّه فلان وأنَّه إنسان، وكذلك إن قال: إن دخلت دار فلان ثم قال: إنَّ دخلت داراً فإذا دخلت دار فلان وقع عليهما تطليقتان، ولو قال رجل إن تزوَّجت فلانة فهي طالق ثم قال: كل امرأة أتزوَّجها فهي طالق ثم تزوَّج فلانة بعينها لم يقع عليها طلاق، لأنَّه لا يطلق ما لا يملك. وقد بلغنا عن رسول الله (ص) أنَّه قال: «لا طلاق ولا عتاق فما لا يملك (1)». وإذا قال الرجل لامرأته كلَّما ولدت غلاماً فأنت طالق فولدت غلماً وجاريَّة في بطن واحد لا يعلم أيُّهما أولاً، فإنَّه يقع عليها تطليقة وعدَّتها ثلاث حيض بعد الولد الآخر ولا يملك الزوج الرجعة في هذا الباب ولا يبرئ من قبل إنَّا لا ندري لعلَّ الغلام الأول فتكون قد انقضت العدَّة حين ولدت الجاريَّة فأخذنا في هذا بالثقة وجعلنا عليها ثلاث حيض.
__________
(1) في أ، ب: قال أبو الحواري: ليس ليس هنا بشيء ولا يحكم عليهما بمنع الرجعة. (6/203)
صفحة 2479
قال أبو الحواري هذا ليس بشيء ولا يحكم عليها بمنع الرجعة إن طلب الزوج الرجعة لم يحل بينه/279/ وبينها وإن طلبت في النفقة إلى زوجها لم تحرم، وإذا قال الرجل لامرأته إذا ولدت فأنت طالق فأسقطت سقطاً، فإن كان قد استبان بعض خلقه أو تمَّ خلقه كان هذا ولداً وكانت أم ولده وإن لم يستبين خلقه أو بعض خلقه لم يقع به الطلاق ولم تنقض العدَّة ولا تكون أم ولده، وإذا قال الرجل لامرأته إن كان أول ولد تلديه غلاماً فأنت طالق فولدت أول ولد غلاماً وجاريَّة في بطن واحد ولم يعلم أيُّهما الأول، فإنَّ في الثقة إنَّها بائن منه بتطليقة لا يملك الرجعة وانقضت العدَّة ولا تحلُّ لزوج إلا أن يتزوَّجها هو إن كان بقي من الطلاق شيء لأنَّا لا ندري لعلَّها ولدت جاريَّة أولاً، فتكون هي امرأته فلا تبين منه إلا بطلاق مستأنف ففي القياس لا يقع عليها شيء من الطَّلاق حتى يعلم أنَّها ولدت الغلام أولاً والتنزه والثقة أحب إلينا وبذلك نأمر وبه نأخذ. قال أبو الحواري: القول في مثل هذه مثل القول في الأولى في الرجعة والنفقة.
مسألة (1): من الأثر: سألت أبا الحواري عن الرجل إذا قال لزوجته: إن كلمت الرجال فأنت طالق. قال: إذا كلمت واحداً طلقت، قلت له: فإن قال: إن كلمت رجالاً؟ قال: لا تطلق حتى تكلِّم اثنين فصاعداً. قال: وكذلك قال النَّاس أو قال ناسٌ؟ فعلى هذه الصفة (2) وإذا قال الرجل لامرأته إن أكلت الرغيف فأنت طالق فأكلت في غير ملكه عامة الرغيف ثم أكلت في ملكه ما بقي منه؟ وقع الطلاق عليها لأنَّا إنَّما ينظر إلى الذي يكون به الحنث، فإذا كان في ملكه وقع به الحنث. وإذا قال الرجل لامرأته كلَّما حضت فأنت طالق فولدت، فإنَّ الطلاق لا يقع عليها بالولد ولا يكون دم الولد /280/ حيضاً وانظر فيها، قال أبو الحواري ليست حيضاً.
((وإذا قال الرجل لامرأته إذا حملت فأنت طالق ثلاثاً، فإنَّه يطأها مرة ثم يدعها حتى تحيض ثلاث ثم يطأها مرة، فهو على هذا ما دامت عنده، فإذا ولدت ولد لأقل من ستة أشهر مذ
__________
(1) في أ، ب: ومن غيره.
(2) في أ، ب: رجع. (6/204)
صفحة 2480
قال هذا القول لم يقع به الطلاق، لأنَّ الحمل قد كان قبل الحلف وإذا جاءت به لستة أشهر وأكثر وقع به الطلاق وانقضت به العدَّة)) (1)، وإذا قال الرجل لامرأته إن كان حملك هذا جاريَّة فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فأنت طالق اثنتين فولدت غلاماً وجاريَّة، فإنَّه لا يقع الطلاق من قبل لأنَّ الحمل لم يكن غلاماً ولا جاريَّة كما قال: ألا ترى لو أنَّه نظر إلى جوالق فقال: إن كان ما فيه بر فهي طالق وإن كان ما فيه ذرة فغلامه حر وكان في الجوالق بر وذرة، فإنَّه لا يقع بذلك الطلاق ولا العتاق، لأنَّه لم يكن فيه كما قال إنَّما كان بعضه، وإذا قال لامرأته أنت طالق ما لم تلدي فهي طالق حين سكت إلا أن يكون ذلك منها مع سكوته فلا يقع الطلاق، وإذا قال لها: أنت طالق إن لم أطلقك ثلاثاً ثم مات أو ماتت قبل أن تنقضي عدَّتُها من يوم تكلَّم ولم يمض له أربعة أشهر فلا ميراث بينهما، لأنَّها تعلم أنَّها قد بانت منه ساعة تكلَّم حين مات ولم يفعل. قال أبو الحواري: هذا إيلاء فإذا مات أو ماتت قبل أن تخلوا أربعة أشهر فبينهما الميراث، لأنَّ الطلاق إنَّما وقع بعد الموت وقد وجب الميراث إلا أن يكون طلَّقها ثلاثاً في حيضة واحدة لعلَّه أراد في صحَّته من قبل الموت، وإذا قال الرجل لزوجته متى ما لم أطلِّقك فأنت طالق، فإنَّه يقع عليها الطلاق حين سكت من هذا المنطق، وإذا/281/ قال الرجل لامرأته أنت طالق إن لم أطلقك أو ما لم أطلِّقك أو حين لم أطلِّقك، فإنَّ هذا كلُّه وجهان فإن عني به إن لم أطلِّقك فهو على الوجه الذي يوجب عليه الإيلاء، فإن لم يطلِّقها إلى أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وإن عني به متى ما لم أطلِّقك، فهي طالق حين سكت وقوله إذاً وإذا ما ومتى ومتى ما لا يكون مثل قوله إن لم. وإذا قال الرجل لامرأته كلَّما لم أطلِّقك فأنت طالق ثم سكت وقد دخل بها فهي طالق ثلاثاً يتبع بعضها بعض ولا يقعن جميعاً ولكن يقعن متتابعات في ساعة واحدة، وإذا قال الرجل لزوجته متى ما لم أطلِّقك واحدة فأنت طالق ثلاثاً ثم قال على إثر ذلك: أنت طالق فواحدة فقد برت يمينه ولا يقع الثلاث.
__________
(1) الأصل ما بين قوسين مكرر. (6/205)
صفحة 2481
وكذلك استحساناً وينبغي في القياس أن يقع عليها الثلاث حين سكت فيما بين فراغه من اليمين إلى قوله: أنت طالق ألا ترى أنَّه لو قال متى لم أقم من مقعدي هذا فأنت طالق ثم قام حين سكت أنَّها لا تكون طالقاً وكان ينبغي في القياس أن يقع عليها فيما بين سكوته إلى قيامه.
قال أبو الحواري: طلقت على هذا ثلاثاً إذا طلَّقها واحدة طلِّقت ثلاثاً، وإذا قال لها: أنت طالق زماناً أو حيناً لا أطلِّقك. فقال من قال: إذا جاءت ستة أشهر طلِّقت وقيس ذلك على قول ابن عباس في الحين ستة أشهر، وكان يقيس ذلك على قول ابن عبَّاس في الحين ستة أشهر وكان يقيس ذلك بالنَّخلة تؤتي أكلها كل حين. وذلك مثل قوله يوم لا أطلِّقها فهي طالق أنَّه لا يقع طلاق حتى ينقضي اليوم وينظر فيها، فإن فيها نظراً. قال أبو الحواري: ليس له أن يطأها فإذا خلا يوم وليلة طلِّقت، لأنَّ الزمان يوم وليلة هكذا قال أبو المؤثر: وأمَّا الحين فقد قال من قال: إنَّه ثلاثة أيام لقول الله تعالى في ثمود: {إذ قيل لهم تمتَّعوا حتى حين} [الذاريات] فكان ذلك/282/ثلاثة أيام.
وقال من قال: ستة أشهر، وقال من قال: إلى يوم القيامة لقوله تعالى: {ولتعلمنَّ نبأه بعد حين} [ص] وقد قالوا غير ذلك في الحين.
ومن غيره: وإذا قال لها أنت في الطَّلاق أنَّها تطلَّق، وإذا قال مع الطلاق أو عند الطلاق لا تطلَّق إلا أن يريد به الطلاق./283/
رجع إلى الكتاب (1): وإذا قال يوم أدخل دار فلان فأنت طالق، فإذا دخل دار فلان ليلاً أو نهاراً فهي طالق. وذلك مثل قول الله تعالى: {ومن يولِّهم يومئذ دُبُره} [الأنفال] فإذا أولاهم دبره ليلاً أو نهاراً فهو سوء، فإن نوى النَّهار دون الليل كان القول قوله وهو مصدق إلا أنَّه لو قال: ليلة أدخلها فأنت طالق ثم دخلها نهاراً لم يقع الطلاق. وإذا قال
__________
(1) لا يوجد في أ، ب رجع إلى الكتاب. (6/206)
صفحة 2482
الرجل لامرأته أنت طالق إلى حين أو زمان أو قريب، فأمَّا الحين والزمان قال: هي ستة أشهر إن لم يكن له نية، وإن كان له نيَّة فهو ما نوى.
وقال من قال: في القريب أربعة أشهر ولا نبصر ذلك، ولعلَّ موسى بن علي-رحمه الله- نحب أن يحنث في الحين والزمان إذا لم تكن له ابنة (1) لوقت معروف، ولا يجد في ذلك حداً، وكذلك في الدهر أيضاً. قال أبو الحواري: قد قالوا في الدهر أنَّه سنة هكذا قال لي أبو المؤثر: -رحمه الله_ وإذا قال أنت طالق إلى حين طلَّقت من حينها، لأنَّ الحين ليس له وقت، وإذا قال: أنت طالق إلى قريب طلَّقت من حينها أيضاً على ما قال لي نبهان، لأنَّه قال: ليس للحين وقت، لأنَّ الإنسان يقول حين لقيتك وحين تكلَّمت وأشباه هذا، وإذا قال: أنت طالق غذاً ولا نيَّة له، فهي طالق حين يطلع الفجر من الغد، وكذلك إن قال في غد، وكذلك إن قال في رمضان ولا نيَّة له، فهي طالق في أول يوم منه عند طلوع الفجر. قال أبو الحواري: إذا أهل رمضان طلِّقت، وإذا قال: أنت طالق الساعة غذا ً، فهي طالق الساعة وغذاً حشو، وإذا قال أنت طالق اليوم/285/ إذا كلَّمت فلاناً فلا يقع عليها الطلاق حتى تكلِّم فلاناً، وإذا قال: أنت طالق غذاً فهو طالق اليوم وغداً حشو، وإنَّما يقع الطلاق في هذا على قول أول الوقتين الذي تكلَّم به أولاً. والوقت الثاني لا ينظر فيه، ورجل حلف بطلاق امرأته ثلاثاً لا يباريها حتى يقضي غريمه أو إلى أجل سمَّاه فبارأها قبل ذلك، فإنَّها لا تطلَّق بالثلاث؛ لأنَّه لما برأها لم تكن له بامرأة ولم يدركها الطلاق، ومن جعل طلاق امرأته في يدها فطلّقت نفسها فالإرسال منها كالثلاث منه، وإن قالت نويت قامت من مجلسها أو تفرقاً قبل أن يحكم بشيء خرج من الطلاق من يدها إلا أن يكون جعله في يدها إلى أجل أو بحقٍّ، فإنَّه يجوز طلاقها في ذلك الأجل، فإن قال لها طلِّقي نفسك ثلاثاً فطلَّقت نفسها واحدة، فقد قيل: إنَّ ذلك لا يجوز./286/
__________
(1) الأصل نية. (6/207)
صفحة 2483
ومن غيره: وقال من قال: إنَّه يجوز لأنَّ الواحدة داخلة في ثلاث إلا أن يقول: قولي أنا طالق ثلاثاً مني فقالت: أنا طالق واحدة؟ فمعي: إنَّه يخرج أنَّها لا تطلِّق شيئًا، فإن قال لها طلِّقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثاً، فإن ذلك لا يجوز أيضاً لأنَّه خلاف ما جعل لها. وقال من قال: تكون واحدة لأنَّه جعل لها أن تطلِّق نفسها واحدة فتكون هي إحدى الثلاث التي قالت بهنَّ والرأي الأول أحبُّ إلي.
بيع الطلاق:
وبيع الطلاق جائز للمرأة ولغيرها فإن طلَّق -وفي نسخة ومتى طلَّق- المشتري أو الزوج مضى طلاقه، وإذا طلَّق الزوج رجع عليه المشتري بالثمن، وإذا كانت الزوجة المشترية للطَّلاق ثابت بذلك من حيثما صار في يدها وإذا لم تطلِّق وصار خلعاً.
قال أبو الحواري: قد قيل هذا، وقال من قال من الفقهاء: إنَّها لا تطلق حتى تطلق نفسها وبه نأخذ، وكلُّ من طلَّق امرأته في نفسه فليس ذلك بطلاق حتى يتكلَّم بذلك كلاماً يتحرَّك به لسانه ولا يكون طلاقاً حتى يستيقن أنَّ لسانه قد تحرَّك بذلك وتكلَّم به، ومن حلف بطلاق امرأته إنَّه لا يبيع بيعاً فأقال.
وفي بيع فقيل: إنَّ امرأته تطلَّق، لأنَّ الإقالة بيع وكذلك القياض، وإذا شهد شاهداً عدل على رجل أنَّه طلَّق امرأته ثلاثاً ففرَّق الحاكم بينهما ثم رجع الشاهدان أو أحدهما عن شهادته هذه من قبل أن تزوج المرأة، فإن كانت هي ادَّعت عند الحاكم أنَّ زوجها طلَّقها /287/ وسمعت الطَّلاق وحكم عليه الحاكم شهادة الشاهدين فقد مضى الحكم ولو رجعا أو أحدهما ولا يجبر أن يرجع إليه ويلزم الشاهدين الصداق للزوج إذا رجعا إن كان عزم لها صداقاً، وإن كانت هي لم تدع الطَّلاق وإنَّما شهد هذان الشاهدان بذلك ثم رجعا أو أحدهما ولم تكن تزوَّجت المرأة فأراد الزوج الرجعة إليه فله ذلك عليها ويجبر على الرجعة إليه، وإن كانت هي قد تزوَّجت فقد مضى الحكم ولا سبيل له إليها، فإذا علمت المرأة أنَّ (6/208)
صفحة 2484
زوجها لم يطلِّقها فلا يحلُّ لها أن تزوَّج ولو حكم لها الحاكم بالفراق إلا أن يتزوَّج أختها، فإنَّ لها أن تتزوَّج، قول أبي الحواري.
وإذا علمت أنَّ الشاهدين بذلك شهدا بالزور فإنَّ أراد زوجها أن يطأها سرًّا إذا لم يكن طلَّقها وحكم عليه بشهادة شاهدي زور فله وطئها، ومن جعل طلاق امرأته في يدها وهو مريض فطلّقت نفسها ثلاثاً ومات من قبل أن تنقضي عدَّتُها لم ترثه، لأنَّ ذلك منها، وكذلك ليس لها نفقة في عدَّتها وإنَّما لها ذلك إذا فعل هو ذلك.
قال أبو الحواري: قد قال من قال: أنَّ لها الميراث، لأنَّه هو ملكها ذلك وبه نأخذ، والذي له زوجتان فطلَّق أحدهما واحدة، ولم يعرف أيتهما طلَّق وقد كان دخل بواحدة منهما ولم يدخل بالأخرى فمات في العدَّة ولم تعرف المطلَّق، فأمَّا التي دخل بها فلها صداقها تام، وأمَّا التي لم يدخل بها فلها أيضاً صداقها تام حيث لم يصحَّ أنَّه طلَّقها، وأمَّا الميراث فيكون بينهما مع يمين كل واحدة ما تعلم أنَّها هي التي طلَّقها، وإن كان إنَّما طلَّق تطليقة واحدة فليس على التي دخل بها يمين، لأنَّها ترثه على حال إذا مات وهي في العدَّة/288/ وإن طلَّق ثلاثاً حلفت كل واحدة والميراث بينهما وأيتهما لم تحلف كان الميراث كله للأخرى. وقيل: عن أبي عبد الله -رحمه الله- في رجل حلف لا يلبس من غزل امرأته ثوباً فلبس ثوباً فيه من غزلها فيقال: إذا كان فيه من الغزل بقدر ثوب حنث وفي موضع آخر لا يحنث. وفي نسخة عنه حتى تلبس ثوباً من غزلها كما حلف هذا الرأي أحبُّ إلي، وعن رجل طلَّق امرأته تطليقة ثم ماتت وطلب ميراثه من مالها واحتجَّ أنَّ عدَّتها لم تنقض حتى ماتت وهي ممَّن تعتدُّ بالحيض. قال: له الميراث منها ولو خلا سنة أو أكثر إذا لم يصحَّ بشاهدي عدل أنَّها أقرَّت أن عدَّتها قد انقضت منه. وقال: من طلَّق امرأته فحاضت ثلاث حيض ثم مات من قبل أن تغسل من الحيضة الثالثة، فإن طلَّقها طلاقاً يملك فيه رجعتها ثم مات من قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، فإنَّها ترثه إلا أن تكون طهرت طهراً بيناً فلم تغتسل حتى جاوزت وقت الصلاة، فإنَّها لا تدرك الميراث منه. وكذلك قيل في رجل طلَّق امرأته وهي (6/209)
صفحة 2485
حامل ثم مات وهي في ميلادها وقد خرج ولدها كلَّه إلا قدمه، هل ترثه؟ قال: نعم. ترثه وعليها عدَّة المتوفى عنها زوجها. قلت: وترثه وعليها العدَّة ما لم يستتم خروج الولد كلَّه؟ قال: نعم. وقيل: من قال لامرأته أنت طالق واحدة إلى واحدة أو تطليقة فهي واحدة إلا أن ينوي كثيراً.
ومن غيره (1): وقال من قال: إذا قال تطليقة في تطليقة فهما اثنتان ولا يكون مثل حساب الضرب، فإن قال: من واحدة إلى اثنتين فهما اثنتان، وإن قال: أنت طالق أشدَّ الطلاق أو أكثره أو أعظمه./289/
وقال من قال: هي واحدة إلا أن ينوي أكثر، وإن قال أكثر الطلاق فقال من قال: ثلاثاً. وقال من قال: أكثر الطَّلاق اثنتان وذلك عن موسى بن علي_رحمه الله_ وإذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت بيت فلان وفلان فلا تطلِّق حتى تدخلهما جميعاً، فإن قال بيت فلان أو فلان فكلَّما دخلت بيت أحدهما ثم طلَّقها قبل أن تدخل بيت الثاني ثم ردَّها واحد وقعت تطليقة وكذلك ما يكون من نحو هذا. وإن قال: أنت طالق إن دخلت بيت فلان وفلان فدخلت بيت أحدهما ثم طلَّقها قبل أن تدخل بيت الثاني ثم ردَّها في العدَّة أو تزوَّجها من بعد ودخلت البيت الثاني، فإنَّ الطلاق يقع بها لأنَّ الحنث لم يكن وقع، ومن قال لامرأته أنت طالق عام أول أو أمس أو نحو هذا طلَّقت حين قال. ومن قال لامرأته أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقة، فإنَّها تطليقتين، فإن قال: ثلاثة أنصاف تطليقتين فهنَّ ثلاث، فإن قال: نصف تطليقة أو جزء من تطليقة فهي تطليقة تامَّة. وإن قال ثلث الطَّلاق. فقال من قال: واحدة. وفي بعض القول: إنَّها ثلاث لأنَّ الطلاق لا يتجزَّى، والمطلَّقة إذا ولدت من بعد الطلاق بيوم أو أقل أو أكثر فقد حلت للأزواج ويطأها زوجها إذا طهرت من نفاسها، وأمَّا التي يطلِّقها زوجها من بعد أن ولدت فعدَّتُها بالحيض من بعد أن تطهر من النِّفاس، فإن هي طهرت من نفاسها ثم حاضت ثلاث حيض فقد
__________
(1) تقديم وتأخير والمعنى واحد. (6/210)
صفحة 2486
حلت للأزواج ويطأها زوجها كانت قد فصَّلت ولدها أو لم تفصِّل ولا طلاق للصبي حتى يبلغ ولا للعبد إلا بإذن مولاه وكذلك المعتوه الذاهب العقل والأعجم كل هؤلاء لا طلاق لهم إلا أن يكون الأعجم يتكلَّم بالطلاق/290/ ويفصح به كلاماً معقولاً وأمَّا السكران فيجوز عليه الطَّلاق والعتاق ويؤخذ بحد ما أتى في سكره ولا يجوز بيعه ولا شراؤهُ، وإذا قال الرجل لامرأته إن لم أفعل كذا وكذا فأنت طالق فقالت: لم يفعل وقال هو قد فعلت فالمرأة المدعيَّة في هذا ومثله وعليها البيِّنة، وإن قال إن لم تفعل هي في هذه الليلة كذا وكذا فأنت طالق، فقالت: قد فعلت فالقول قولها إذا قالت ذلك في الليل، وإن قالت ذلك من بعد أن يذهب الوقت الذي قاله فعليها البيِّنة أنَّها قد فعلت.
قلت: وكيف ذلك؟ قال أبو الحواري: لأنَّه موضوع في يدها. ومن طلَّق امرأته إن ذبحت هذه الشاة وإن صلَّت صلاة الغداة أو إن لم تصلها وقد كانت صلَّتها وذبحت تلك الشَّاة، فإنَّها تطلَّق، وإن قال: إن لم تدخلي بيت فلان فحتى تدخله من بعد اليمين فلا يضرُّها ما كانت دخلت من قبل، وكذلك كلَّما كان يمكن فعله مرَّة أخرى فلا يقع الحنث حتى يفعل من بعد اليمين. وما لم يمكن أن يفعل إلا مرة واحدة مثل الذبح والصَّلاة ونحو ذلك، فإذا كانت قد فعلته قبل اليمين وقع الحنث، وإن قال لامرأته أنت طالق وأشار بأصبعه إليها ثلاثاً ولم تكن له نيَّة أو قال: إنَّما أردت واحدة فله نيَّته، وإن لم تكن له نيَّةٌ فهي واحدة حتى يريد الثلاث. وقال من قال: كل شيء من الكلام أراد به الزوج الطلاق فهو طلاق، ولو قال سبحان الله ولا إله إلا الله والحمد لله، أو كلمة غير ذلك. وقال من قال: لا يكون الطَّلاق حتى يتكلَّم بكلام الطَّلاق، قال/291/ أبو الحواري عن أبي المؤثر: لا تطلَّق إذا قال: سبحان الله أو لا إله إلا الله أو الحمد لله أو أشباه هذا من ذكر الله وغيره حتى يقول اذهبي أو مري أو أبعدك الله أو أشباه هذا أو ينوي به الطَّلاق، ومن كتب طلاق امرأته في الأرض أو في غيرها فقيل: إنَّ ذلك طلاق ولو محاه إذا عرف ما كتب. (6/211)
صفحة 2487
وقال من قال: إذا قرئ طلَّقت قال أبو الحواري: لا تطلَّق إذا كتب طلاق امرأته في الأرض، هكذا قال أبوالمؤثر واحتجُّوا بقول الله تعالى: {قال ءايتك ألاَّ تُكلِّم النَّاس ثلاث ليالٍ سويَّا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بُكرةً وعشيَّا} [مريم]، فقالوا: كتب إليهم كتاباً فبهذا لم يروه طلاقاً، وفي نسخة كلاماً، ولا تطلَّق امرأته حتى يتكلَّم بلسانه. ومن كتب إلى امرأته بالطَّلاق طلَّقت إذا كتب إلا أن يكتب إذا وصلك كتابي فأنت طالق فلا تطلَّق حتى يصلها الكتاب. ومن قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله أو شئت فإنَّها تطلَّق ولا ينفع الاستناء في الطَّلاق ولا في العتاق ولا في الظهار.
قال أبو الحواري: وينفعه الاستثناء في مشيئتها إذا قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: لا أشاء فإنَّها لا تُطلَّق، وإن قالت: قد شئت طلَّقت هكذا حفظنا، وكذلك إن قال: إن شاءت هذه الدَّابة أو من لا يتكلَّم ولا يعرف ما عنده طلَّقت. قال أبو الحواري: إذا قال لمن لا مشيئة له في الطَّلاق مثل الشَّاة والجدار وما يشبه هذا من الدَّواب والشجر فإنَّها لا تطلَّق (تطلّق) هكذا حفظنا./292/ وقال من قال: إن شاء جبريل ووقف من وقف عن هذه المشيئة وفي نسخة المسألة في جبريل، وإن قال لها أنت طالق إن شئت يعني لها هي فقالت: لا أشاء فلا يكون طلاق، وإن شاءت الطَّلاق طلِّقت وإن قال أنتِ طالق شئت، فقالت: لا أشهاء طلقت؛ لأنَّه لم يبين الاستثناء، ومن طلَّق امرأته إن لم تصعد إلى السماء أو تنقل هذا الجبل أو على فعل لا تقدر عليه طلقت من حينها. وقال من قال: هي إيلاء ولا تطلَّق حتى يمضي أربعة أشهر.
قال أبو الحواري: هذا عن أبي المؤثر-رحمه الله- وقال لامرأته طلقكك الله، وقال من قال: هو طلاق وقال من قال: ليس بطلاق وهو كنحو الدعاء حتى تقول قد طلقك الله ثم تطلق. قال أبو الحواري عن نبهان أنَّها لا تطلق، وكذلك إذا قال لغريمه أبراك الله فحتى يقول قد أبرك الله وقد أعجبني ذلك. قال أبو الحواري: لا يبرئ إذا قال: قد أبارك الله أو (6/212)
صفحة 2488
أقالك الله إنَّه لا يبرئ في الحكم هكذا قال لي نبهان. وقال من قال: ليس في ذلك كلّه طلاق ولا براءة ولو قال قد حتى يقول هو.
ومن قالت له امرأته يابن الزانية فقال: إن كانت أمُّه زانية فأنت طالق؟ فقال من قال: إن كان عني إن كانت أمه زانية مع النَّاس فلم تكن تعرف بذلك فلا طلاق عليه، وإن لم تعن شيئًا من ذلك الطلاق واقع عليها لأنَّه حلف على غيب./293/ وقال من قال: حتى يعلم أنَّ أمه زانية ثم طلَّق امرأته، وكذلك كلَّما كان مثل هذا أو كذا الرأي أحبُّ إلي، قال أبو الحواري: لا تطلَّق حتى يجيء بأربعة شهداء أو يعلم هو أنَّ أمَّه زانيَّة، وإن علمت هي أنَّ أمَّه زانية فلا تقعد معه ولتفتدي بما قدرت ولا تغريمه إلى نفسها. ورجل قال لامرأته قد ضرب شاة له إن ماتت فأنت طالق فلمَّا خاف عليها الموت ذبحها. فقيل: لا طلاق في ذلط، ولو قال إن ماتت من هذا الضرب إذا عني من هذا الضرب وإن لم تكن له نيَّة طلقت، لأنَّها قد ماتت قول أبي الحواري.
وقال من قال: إنَّ الفراق اسم من أسماء الطَّلاق، وقال من شاء الله من الفقهاء ليس الفراق بطلاق حتى ينوي به الطَّلاق وذلك رأينا.
وقال من قال: في الذي يطلِّق امرأته واحدة، وهو ينوي به ثلاثاً إنَّهنَّ ثلاث. وقال من قال: هي واحدة حتى يقول ثلاثاً وهو قول أبي الحواري. قال أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله وهذا إذا سمَّى واحدة، وأمَّا إذا قال لها أنت طالق ثلاثاً إلى إن حاكمته حكم عليه. ومن قال لامرأته أنت طالق فهو ثلاث والله أعلم. و أمَّا إذا أراد أن يقول أنت طالق واحدة فغلظ فقال: أنت طالق ثلاثاً فذلك إلى نيَّته وإن حاكمته حكم عليه. ومن قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً لا اثنتين فإنَّها تطلَّق واحدة وينفعه الاستثناء، لأنَّ الله قال: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} [العنكبوت] وإن قال: أنت طالق ثلاثاً/294/ إلا ثلاثاً طلِّقت ثلاثا وليس يكون الاستثناء بالكل. (6/213)
صفحة 2489
ومن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق ثم قال نويت واحدة؟ فقال من قال: ثلاث. وحفظ موسى بن علي حفظه الله عن بعض من حفظ له عن بعض فقهاء خراسان إنَّها واحدة وأخذ بذلك وهو رأينا.
ومن غيره: ووجدت عنه-أعني أبا علي--رحمه الله- في موضع آخر قال: إذا كان متَّصلاً لم يقطع بين كلِّ تطليقة بكلام ولا سكوت./295/
نماذج من صيغ الطَّلاق:
رجع: وقيل: في الذي يقول لامرأته أنت طالق تطليقة بعد تطليقة أو تطليقة قبل تطليقة، فهي واحدة حتى يقول تطليقة بعدها تطليقة وكلك تطليقة قبلها تطليقة، وأمَّا الذي يقول أنت طالق كل الطَّلاق فثلاث تطليقات، وإن قال: أنت طالق كلّه أو كلهنَّ طلقت امرأتي واحدة أو اثنتين أو ثلاث ولم يكن كما قال. فقالوا: إنَّها كذبة ولا شيء في ذلك إلا أن تحاكمه المرأة فيؤخذ بإقراره، وإن لم يقل كنت لزمه الطَّلاق، وعن رجل قال لرجل إن فعلت كذا وكذا فامرأتي طالق فقال الرجل: قد فعلت فلا تطلّق امرأته حتى يقيم الرجل البيِّنة أنَّه قد فعل إذا لم يصدِّقه الزوج إنَّه قد فعل وأمَّا إن حلف الرجل بطلاق امرأته ثلاثاً أنَّه قد فعل لها كذا وكذا أو فعلته له فأنكرت ذلك المرأة أنَّ البيِّنة عليه لقد فعل لها ما حلف عليه أو فعلته له على ما حلف، وإلا فالطَّلاق واقع وليس ذلك إلى قوله وإذا حلف بطلاق زوجته على شيء فعله لرجل أو فعل له الرجل فأنكر ذلك الرجلن، فهذا خلاف المرأة والزوج مصدَّقٌ في هذا إذا قال: قد فعلت ما حلفت عليه أو قد فعله من قد حلفت عليه ولا يقبل قول الرجل عليه ولا إنكاره، وإذا غسلت المطلقة بماء نجس من آخر حيضة عند طهرها، فقيل: إنَّها تفوت الذي طلَّقها وعليها أن تغتسل بماء نظيف ولا تزوِّج حتى تغتسل بماء نظيف. قال محمَّد بن محبوب_ رحمه الله_ في رجل قال لامرأته لو قلت أنت طالق لكان ذلك لي؟ قال: قد فرغ وطلقت وفي حفظ محمد بن علي بن/296/موسى بن علي-رحمهما الله- ذلك وقعت مسألة مع الأشياخ بدما في رجل قال لامرأته ما تقولين لو (6/214)
صفحة 2490
أني يا فلانة طلقتك ثلاثاً، فقال الأشياخ: تطلق وقال علي بن موسى (موسى بن علي) إنَّما قال الرجل ما تقولين ولم يفعل وفي نسخة ولم يقل فلا أرى طلاقاً. قال: فرجع الأشياخ إلى رأيه إنَّها لا تُطلَّق. قال محمد بن محبوب -رحمه الله- إنَّها لا تطلَّق، ومن جعل طلاق امرأته في يدها إلى الليل أو إلى وقت قريب وبعيد، فهو في يدها إلى ذلك حتى ينتزعه ولا يخرجه من يدها الجماع ولا الفراق ولا يخرجه إلا الارتجاع، وأمَّا إن جعله في يدها مرسلاً ثم افترقا أو جامعها فذلك رجوع منه وقد خرج من يديها، وكذلك إن رجع فيه ولو لم يفترقا ولم يجامعها، وإن جعله في يدها بحق فهو في يدها إلى ذلك الوقت ولا يزيله الجماع ولا الفراق ولا الارتجاع. وحفظ عن رجل طلَّق امرأته رجلٌ ثلاثاً فأمضى له الزوج في نفسه ورضي ولم يتكلَّم بلسانه فقيل: قد طلَّقت حين تكلَّم بذلك الرجل وأمضاه هو في نفسه، وكذلك كتبه الرجل وأمضاه هو في نفسه. قال أبو الحواري: إذا تحرَّك به لسان الرجل الكاتب وإلا لم يقع طلاق حتى يتكلَّم الرجل بلسانه، وعن رجل قال لرجل قد جعلت أمر امرأتي هذه وفي نسخة طلاق امرأتي هذه بيدك غير أنَّك لا تطلقها فليس للرجل أن يطلِّقها، ومن جعل طلاق امرأته في يد صبي، فإن تكلَّم الصبي فهو ما قضى وإن لم يتكلَّم فليس بشيء، وعن رجل جعل طلاق امرأته في يدها إلى أجل مسمى ثم أشهد شاهدين أنَّه قد انتزع من يدها الطلاق فطلقت نفسها من قبل أن يخلو الأجل الذي جعله لها./297/صور من الطلاق: قال بعض الفقهاء: إن أعلمها زوجها من قبل أن تطلِّق نفسها إنَّه قد انتزع من يدها الطلاق، فقد خرج من يدها الطلاق ولا طلاق لها، وكذلك أن أعلمها الشاهدان أو أحدهما أنَّه قد انتزع من يدها الطلاق من يدها فلا يجوز طلاقها بعد ذلك، وإن كان الشاهدان ليس بعدلين وقد أعلماها بانتزاعه الطلاق من يدها وكان أحدهما ليس بعدل وأعلماها قال: ليس ينفع ذلك حتى يكون اللذان أشهدهما على انتزاع الطلاق من يدها عدلين ويعلماها ذلك أو يعلمها أحدهما وهو عدل من قبل أن تطلَّق نفسها. قال: فإن أعلمها ذلك الزوج أو الشاهدان أو أحدهما فقالت: إنَّها قد طلقت (6/215)
صفحة 2491
نفسها من قبل ذلك الوقت الذي جعله لها، فالقول في قولها مع يمينها. وقال أبو عبد الله: في رجل له امرأتان فجعل طلاق أحدهما في يد رجل لا يسمي أيُّهما، وإن طلَّق أحدهما فقال الزوج إنَّه جعل في يده طلاق الأخرى غير الذي طلَّق الرجل. قال: القول قول الزوج قال أبو زياد رحمه الله القول قول المطلق. ورأى من قال: القول قول الزوج أحبُّ إلي، وقال من قال: في الذي جعل طلاق امرأته في يد رجل إلى هلال شهر قد سمَّاه وخرج مسافراً. فقال من قال: الأمر في يده ليلة الهلال وصباحها. وقال آخرون: له تلك الليلة وأمَّا صباحها فلا، وفيها رأي آخر أيضاً وإن لم يفعل/298/ في هذا الوقت المؤرخ خرج من يده.
ومن غيره: وقد قيل: إن لم تطلَّق نفسها حين يرى الهلال حتى تقادم مجلسها خرج الطلاق من يدها. وقال بعض: إذا جعل طلاقها إلى مدَّة، فإذا خلت المدَّة متى ما شاءت طلَّقت نفسها وليس لذلك حد محدود (1). وعن رجل دعى امرأته إلى فراشه فكرهت فقال: إن لم تجيء فأنت طالق ثلاثاً، كذلك إلى أن يغشاهم النَّعاس ثم أتته من آخر الليل فأتته المرأة ملبية لدعائه أول الليل. قال: إن كان نوى أن يأتيها في تلك الساعة التي دعاها فيها أو احتاج إليها فيها فلم يفعل فقد وقع الطلاق.
قلت: فإن لم يكن له نية ولم تبرح من فراشه من أول الليل إلى آخره إلى أن أجابته فقال: الله أعلم قال أبو الحواري: متى ما جاءت إليه فهي امرأته ما لم تمض أربعة أشهر ولم تجيء إليه، ولا يطأها حتى تجيء هي بنفسها إليه دعاها أو لم يدعها. والأمة والحرَّة في ذلك سواء إذا جعل زوجها طلاقها في يدها. وكذلك من جعل طلاق زوجته في يد عبده فطلَّق جاز ذلك. وأعلم أنَّ الزوجة ليس كغيرها ممَّن يجعل الطَّلاق في يده لأنَّ الزوجة إذا قامت من مجلسها لم تلق نفسها الطلاق من يدها، والرجل الذي في يده الطلاق متى ما طلَّق حتى انتزع من يده، وإن جعل الزوج طلاقها في يدها أو في يد رجل أن يطلِّق ثلاثاً فطلَّق
__________
(1) ومن غيره إلى محدود لا يوجد في أ، ب. (6/216)
صفحة 2492
واحدة ثم بدا لهما بعد ذلك أن يتمَّا الطَّلاق لم يكن لهما إلا أن يقولا بالثلاث في أول مرة، وإذا أرسلت الزوجة الطلاق فهو منها ثلاث ولو قالت إنَّها نوت واحدة حتى تسمى بها والإرسال من الرجل واحدة حتى يطلِّق ثلاث أو/299/ اثنتين. وعن رجل حلف بطلاق زوجته لقد أجره فلان بن فلان وأنكر الرجلان أنَّهما لم يخبراه بذلك وهما عدلان فالقول في هذا قول الزوج ولا تطلَّق. وكل شيء حلف عليه فيما بينه وبين غيره، فالقول قوله فيه وكل شيء حلف عليه إنَّها فعلته هي به أو فعله هو بها وأنكرته فعليه هو البيِّنة فيه وإلا طلَّقت. وعن أبي عبد الله-رحمه الله- في رجل لفظ لفظة فلمَّا جاوزها شكَّ في تلك اللفظة أنَّها طلاق ولم يدر ما هي طلاق أو غيره فقال: لا طلاق حتى يستيقن أنَّ ذلك اللفظ الذي لفظ به طلاق. وحفظت أنا عن بعض فقهاء المسلمين الذين نأخذ عنهم في رجل كان منه عليه فيه فساد في زوجته ونسي عند المسألة الفعل الذي يجب فيه الفساد فسأل عن جميع ما علم فلم ير المسلمون عليه فساداً في زوجته.
ورجع إليها إلى أن مات، فقالوا: لا بأس عليه ولا يؤاخذه الله بالنِّسيان، وكذلك رجل رأى في الرؤيا أنَّه ناعس، أنَّه يقول أنَّه كان قد طلَّق زوجته ولم يكن طلَّقها ثم شكَّ فلم يدر أكان ناعساً أو يقظان وتحرَّك بهذا لسانه أو لم يتحرَّك، فقالوا: إنَّه لا يدخل على ما عناه بهذا طلاق ولا بأس، لأنَّه لم يستيقن أنَّ ذلك كان منه في اليقظة ولأنَّ لسانه تحرَّك به./300/
وفي جواب بعضهم: ولو أنَّ رجلاً أومئ لامرأته بأصبعه ونوى بقلبه (1) الطلاق إلا أنَّه لم يتحرَّك به لسانه لم يلزمه الطلاق، وقالوا في رأي بعض الفقهاء إنَّه من تكلَّم بكلام غير الطلاق ويريد به الطلاق فليس بطلاق حتى يسمى الطلاق نفسه والرأي الأول في الذي يتكلَّم بشيء من ذكر الله أو غيره وهو يريد به طلاق زوجته أنَّه طلاق وهذا هو أكثر القول أنَّه من كان يعني بالشك في كلامه ويعارضه الشيطان أنَّه يريد بذلك طلاق زوجته،
__________
(1) لا يوجد في أ، ب بقلبه. (6/217)
صفحة 2493
فإن التجأ إلى هذا الرأي وأخذ به فأرجو أنَّه لا بأس بذلك إن شاء الله، وليس للذي يجعل في يده الطلاق أن يولي ولا يظاهر، وإن طلَّق وقال: نويت واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً. فليس له فيه ولا تكون النيَّة إلا للزوج ومن جعل أمر امرأته في يد رجل ليطلِّقها ثم مات الذي الطلاق في يده ولم يعرف أنَّه طلَّق فلا بأس على الزوج في زوجته ولا نرى طلاقاً حتى يعلم أنَّ الذي كان في يده الطلاق قد طلَّق. وقال بعض: خلاف ذلك وهو رأينا في هذا.
صور من الطلاق:
وعن أبي زياد (1) -رحمه الله- قال: حفظ محمد بن محبوب عن موسى بن علي رحمهما الله أنَّ من جعل طلاق امرأته في يدها إلى أجل فإن أخبرته في الأجل أنَّها طلَّقت نفسها كانت هي المصدقة وإن أخبرته بعد انقضاء الأجل إني كنت قد طلَّقت نفسي في الأجل لم يصدِّقها إلا بشاهدي عدل. وفي رجل جعل طلاق امرأته في يدها فقالت: لا ولا كرامة لك لا أطلِّق نفسي ثم طلَّقت /301/ نفسها في مجلسها؟ فقيل: إنَّ طلاقها ليس بشيء حيث لم يقبل، وإذا جعل الزوج طلاق امرأة في يد رجل فقال الرجل للمرأة قد فارقتك أو أبرأت لك نفسك أو قد خليت لك سبيلك أو أنت عليه كظهر أمه، وقال: أردت بذلك الطلاق؟ فليس يلحقها طلاق ولا نيَّة له وليس له إلا الطَّلاق كما جعل في يده، وإن طلَّقها وقال: نويت ثلاثاً فليس له نيَّة، وإن طلَّقها ثلاثاً. وقال الزوج: أردت واحدة، فإذا جعل الطلاق في يده فقد فاتته والذي جعل طلاق امرأته في يدها فنعساً في مكانهم ثم انتبهت المرأة فطلَّقت نفسها فقالوا: إنَّ النُّعاس افتراق ولا يكون طلاقها ذلك طلاقاً وكذلك رأي.
ومن غيره: قلت لهاشم: ما تقول في رجل جعل طلاق امرأته في يدها ثم ناما فنعسا في مكانهما ما شاء الله ثم انتبهت المرأة من نومها فطلَّقت نفسها؟ قال: نجد في كتب أهل القبلة إنَّ النعاس افتراق ولا تطلَّق.
__________
(1) في ب: وعن أبي ذر -حمه الله-. (6/218)
صفحة 2494
قلت له: فقبلت أنت ذلك؟ قال: نعم. قد قبله قلبي عن أبي علي رحمه الله-أبي عبد الله- في رجل جعل طلاق امرأه في يدها ثم افترقا من مجلسهما ولم يعلم أنَّها طلّقت نفسها فلمَّا أرادها من الغد قالت: إني طلقت نفسي في ذلك المجلس ولم أسمعك فالقول قولها وعليها يمين.
صور من صيغ الطلاق:
وفي حفظ أبي عبد الله عن أبي علي -رحمهما الله- في رجل قال لامرأته إن لبستي هذا الثوب فأنت طالق والثوب عليها، أو قال: إن دخلت هذا البيت فأنت طالق وهي فيه؟ قال: إن طرحت الثوب أو كان خروجها من البيت وفراغه من الكلام معاً فلا طلاق، وإن كان فرغ من كلامه ذلك من قبل/302/ أن تطرح الثوب أو تخرج من البت طلقت إذا لم يبق من كلامه شيء من قبل أن تخرج.
وعن أبي عبد الله في رجل حدث رجلاً حديثاً ثم قال له: لا تحدث بهذا الحديث أحداً فقال: المحدث إن حدثت به أحداً فامرأتي طالق ثم إنَّه حدث رجلاً لبعض الحديث لم يكمله ثم لقي آخر فحدَّثه بقية الحديث؟ فقال: لا تطلَّق امرأته ولم يحدث به أحداً. وكذلك لو حدَّث به الرجل الذي أخبره به وتقدَّم عليه فيه، وقال موسى بن علي -رحمه الله- في رجل طلبت إليه امرأته الطلاق فقال لها: قد طلَّقتك وهو كان قد طلَّقها وردها ثم قال لها قد طلَّقتك، وقال: إنَّه عنى الطلاق الأولى الذي كان ردَّها منه. قال موسى: إنَّ الحكام إذا رفع إليهم لم يروا له عذراً أو إن لم يرفع إلى حاكم وصدَّقته، فهي امرأته، وقيل أيضاً: في رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إن خرجتي من منزلي، قال ذلك مراراً ثم قال في آخر كلامه إلا بإذني؟ قال: فهذا كلام متَّصل. ورأينا أنَّ له ما استثنى إلا أن يكون إنَّما حضرته النيَّة في الاستثناء في آخر قوله، فإنَّ ذلك لا ينفعه لما مضى من الطَّلاق قبل نيَّته حتى تكون له نيَّة قبل ذكره الطَّلاق، وفي ذلك قول آخر وهذا القول أحبُّ إلي، وقيل: إذا كانت المخاطبة بين الرجل وزوجته ثم طلَّق ولميسم باسمها واحتجَّ أنَّه لم يردها لم يقب (6/219)
صفحة 2495
ذلك منه، وإن لم يكن بينهما مخاطبة قبل ذلك منه وقبل قوله، وإن طلَّق وقال: أردت النخلة أو الدَّابة أو الثوب. فقال من قال: لا يقبل قوله، وقال من قال: حتى يسمي أو يقول أنت طالق يا دابَّة أو يا نخلة أو نحو ذلك ثم لا يقع على زوجته./303/
قال أبو علي الحسن بن أحمد رحمه الله وقدقيل أنَّها تطلَّق ولو سمَّا باسم الدَّابة أو النَّخلة، إذا كان ذلك بحضره زوجته والله أعلم.
وعن موسى بن علي رحمه الله أنَّه كان يرى إذا صدقت المرأة زوجها على نيَّته فيما يقول أنَّه نواه من نحو هذا إنَّه يسعها المقام معه.
ومن (1) غيره: لا يجوز ذلك، وقال من قال: لا يصدِّقه إلا أن يكون هو ثقة معروف بالصدق، وإلا فلا يجوز لها أن تصدِّقه ورأي موسى بن علي هو أوسع وأكبر عندنا. وعن رجل حلف بطلاق امرأته أن لا تذهب إلى بيت فلان إلا بإذنه وأراد سفراً وطلبت منه الإذن فأبى ثم قال: اللهم إنِّي قد أذنت ولم تسمع هي قوله ثم خرج وذهبت هي إلى بيت فلان؟ فقيل: قد وقع الطلاق ولا ينتفع بذلك الكلام الذي قال حتى يقوله لها أو يرسل به إليها.
والذي يقضي على امرأته أنَّه رأى في النوم أنَّه طلَّقها ثلاثاً ولم يكن رأى فعن أبي علي رحمه الله أنَّها كذبة ولا بأس إذا حال ذلك إلى الرؤيا وعن محمد بن محبوب رحمه الله في رجل حلف بطلاق امرأته لايمسي في هذا البيت فقال: المساء الليل فإن خرج قبل الليل لم يحنث، فإن قال: لا أفعل العشيَّة فمتى تدخل العشيَّة قال: أقول إنَّه الزوال إلا أن يكون للحالف نية في وقت فله نيَّته، وعن رجل قال لامرأته إن لم تعطيني كذا وكذا اليوم فأنت طالق فلم تفعل ثم ذهبت إلى من ذهبت إليه فأشهد لهم أنَّها قد أعطته في ذلك اليوم الذي جعل طلاقها فيه إن لم يعطه ثم لم يعلموا الشهود حتى خلا ذلك الوقت ثم أعلموه هم أو هي. قال ابن محبوب رحمه الله إذا كان/304/ الشهود عدولاً فهذه عطيَّة ولو لم تقبل
__________
(1) في أ، ب: وقال غيره. (6/220)
صفحة 2496
العطيَّة. وعن رجل قال لامرأته إن بت الليلة في هذا البيت فأنت طالق فباتت حتى إذا كانت في بعض الليل خرجت؟ قال: لا يقع الطلاق إلا أن تبيت الليلة كلَّها في البيت، وإن قال: إن نمت هذه الليلة فأنت طالق فإن نامت بعض الليل، فإني أخاف أن يقع عليها الطلاق والله أعلم. وينظر فيها. قال أبو الحواري: إن كان نوى النعاس فلا تطلَّق حتى ينعس الليل كله، وإن ونوى النوم الانطراح فإن انطرحت قليلاً أو كثيراً طلقت، وأمَّا إن قال: إن بت في هذا البيت فأنت طالق ولم يقل هذه الليلة، فقال من قال: إذا بانت فيه أكثر من نصف الليل بشيء فهو مبيت ويقع الطلاق وإن حلف بطلاقها إذا دخلت دار فلان فذهبت تلك الدَّار سبيل أو غيره ثم مرت المرأة في أرضها، فإن كان إنَّما قصدا إلى موضع البيت ودخلت ذلك الموضع وقع الحنث، وإن لم يقصد إلى ذلك الموضع لم يحنث.
طلاق المكره:
ومن حلف لا يدخل بيتاً فأدخل فيه مكرهاً لم يحنث، وكذلك إذا حلفه سلطان جائر يخاف منه الظلم أن يفعل أو لا يفعل، أو ما فعل فحلف لما خاف منه بالطَّلاق أو غيره ما فعل وقد كان فعل أو لا يفعل وكان ذلك أولى به ففعله فقد جاءت الآثار في كل هذا أنَّ ذلك لا يلزمه، وكذلك قيل: في عبد أو ثقة سيده [لعلَّه في سيد أوثقه عبده] ثم قال له: أعتقني وإلا قتلتك فأعتقه، فإنَّه لا يعتق. وقيل: إن حلفه له حاكم حلف أنَّه عبده ما خرج منه بعتق، وقيل: في رجل كان هو وامرأته على جبل فدلته امرأته بجبل لينحدر برأيه فلمَّا صار في بعض المنحدر قالت له: طلِّقني وإلا أرسلت بك الحبل حتى تسقط فطلَّقها فقالوا:/305/ لا تطلَّق، وإن طلَّقها ثلاثاً فقال أبو عبد الله -رحمه الله- تبقى عنده بواحدة لأنَّا أبطلنا عنه تطليقة لقولها له طلِّقني ويلزمه تطليقتان. وقال أبو زياد رحمه الله: يطلِّقها واحدة، فإن قبلت فسبيل ذلك، وإن قالت زدني زادها واحدة.
وروي عن أبي عبيدة رحمه الله في رجل قال لامرأته إن دخلت موضع كذا وكذا فأنت طالق فلمَّا كان بعد ذلك قالت له: قد دخلت قال: قد طلَّقت ثم قالت له: بعد ذلك لم (6/221)
صفحة 2497
أفعل؟ قال: هي امرأته. ثم قالت له بعد ذلك: قد فعلت؟ قال: هذه كاذبة. وقال أبو عبد الله: بهذا القول ولا يقبل قولها بعد ذلك، وأمَّا إذا حدَّ لها أن تدخل في ذلك الموضع في وقت معروف. فقيل: إن قالت في ذلك الوقت أنَّها قد دخلت صدقت ولا تصدَّق بعد الوقت، وقال من قال: أيضاً إذا حلف بطلاقها فيما لا يمكن فيه البيِّنة فيما يلجئه فعلها فالقول فيه قولها ولو ادَّعته بعد فوت الوقت مثل قوله لها: أنت طالق إن بت هذه الليلة عريانة لا ثياب عليك فقالت من الغد إنِّي بت الليلة عريانة فالقول قولها، وأمَّا إذا قال إذا حلف بطلاقها لتبيتنَّ الليلة عرياناً فقالت قد بات عرياناً وأنكر الزوج فالقول قوله وهي مدعيَّة والبيِّنة عليها والأيمان بينهما.
وفي رجل له أربع نسوة فقال لهنَّ: إن وطئت واحدة منكنَّ فواحدة منكنَّ طالق ولم يسم واحدة ثم وطئ واحدة منهنَّ فقيل: إن كان نوى واحدة وهي غير التي وطئ فلا يقع الطلاق إلا على التي نواها عند قوله، وإن كانت هي التي وطئ فطعن طعنته بقدر ما يوجب الغسل ثم نزع طلِّقت، وإن أمضى فوق ذلك فسدت عليه وحدها، وإن كان مرسلاً (1) لم توقع البيِّنة على واحدة منهنَّ طلقت كلهنَّ والتي وطئ منهنَّ، وإن كان أمضى وزاد فوق الحشفة/306/ فسدت وحدها، فإن قال: إن وطئت فلانة فواحدة منكنَّ طالق فوطئها مثلها أيضاً، وعن موسى بن علي رحمه الله في رجل جعل طلاق امرأته إن دخلت بيت أخيها، وإنَّ امرأة الرجل مرضت فحملتها حتى وضعتها على ظهر البيت الذي حلف زوجها عليه ولم تدخل المنزل ولا شيئًا من أبواب ولا صفافه؟ قال: فلا نراها دخلت ما حلف زوجها عليه ولا نرى طلاقاً. وعن الأزهر بن علي في رجل قال لامرأته إن خرجت من هذه الدَّار فأنت طالق فصعدت فوق البيت فقال: لا تطلِّق. وفي بعض الآثار: في رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أنقلك من هذا البيت أو لم أنتقل ونقل أهله
__________
(1) في أ، ب: وإننوى مرسلاً لم توقع النية. (6/222)
صفحة 2498
ومتاعه حتى يتحوَّل هو من ذلك المنزل، ويبيت في غيره؟ وقد برت يمينه وإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينتقل بانت منه بالإيلاء وإن قربها قبل ذلك فسدت عليه أبداً.
وعن رجل قال لامرأته طالق وله أربع نسوة وقال: أردت منهنَّ فلانة فهو مصدق في نيَّته عندنا مع يمينه، وإن قال مرسلاً ولم تكن له نيَّة طلقن نساؤه جميعاً. وفي الآثار أيضاً: في رجل خرف جباناً من رطب فوجد امرأته قد أكلت منه ما شاء الله فحلف بطلاقها إن لم تخبره كم أكلت من رطبة وكانت تأكل وتطرح النوى في البحر فزعم أنَّها تعد من الواحدة واثنتين إلى الثلاث، فإنَّه يقول له واحدة اثنتين ثلاثاً أربعاً حتى ينتهي في العدد إلى أكثر ممَّا أكلت فتكون قد أخبرته في عددها ما أكلت ولا تطلَّق، وعن رجل قال لامرأته إن شئت أن أقول أنت طالق. قلت: ولكن لا أقول. فقال من قال: قد وقع الطلاق وهو ما نوى. وقال من قال: لا طلاق وهو أحبُّ إلي./307/وكذلك الذي قال: ماذا علي لو قلت فلانة طالق، وقال أيضاً: في مسألة وقعت مع الأشياخ في الذي قال فماذا علي لو قلت: أم عمرو طالق ثلاثاً؟ فمنهم من رآه طلاقاً وأنا أحبُّ من لم يره طلاقاً.
قال أبو الحواري عن أبي المؤثر: أنَّها تطلَّق وكذلك الذي قال لقد أعطيتني وفي نسخة أغضبتني أمس حتى أردت أن أقول أنت طالق ثم الله دفع ذلك؟ فقال من قال: ليس في ذلك طلاق، وقال من قال: تطلَّق والأول أحبُّ إلي. وقال أبو الحواري: أنا أقول بالأول. وعن أبي علي رحمه الله في رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم تعطني كذا وكذا فقالت: قد أعطيتك إيَّاهُ فأعطيته إيَّاه ثم قالت قد رجعت فيه ولم يكن الزوج قبل ما أعطته فقال قد أعطته ولا طلاق وعن رجل قال ثلاث نسوة له اقتسمن بينكنَّ ثلاث تطليقات فقال يقع على كل واحدة منهنَّ ثلاث تطليقات، وكذلك إن قال اقتسمن بينكنَّ تطليقتين فيقع على كل واحدة منهنَّ تطليقتان، وكذلك إن قال اقتسمن بينكنَّ تطليقة وقع على كل واحدة منهنَّ تطليقة، وكذلك لو قال اقتسمن بينكنَّ ثلاث تطليقات لكل واحدة منكنَّ واحدة، وكذلك إن نوى لكلِّ واحدة تطليقة فعلى كل واحدة تطليقة. وعن أبي عبد الله رحمه الله (6/223)
صفحة 2499
في الذي قال: كنت طلَّقت امرأتي تطلقتين إنَّها كذبة، فإن لم تحاكمه فلا بأس عليه إن لم يكن طلَّقها.
وقال غيره: تطلَّق قال أبو الحواري أنا أقول بقول أبي عبد الله، وعن رجل حلف على صبي أو رجل بطلاق زوجته إن لم يأكل هذا الطعام وخرج به ثم قال: قد أكلته إنَّه لا يقبل قوله وتطلَّق امرأته/308/ إلا أن تقوم بينة عدل أنَّه قد أكله. وعن رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخل القيض وانقضى الصيف. قال أبو الحواري: إذا دخل أول القيض فليس له أن يطأها حتى يدرك القيض مع العامَّة ثم هنالك يقع الطلاق، وأمَّا الصيف فليس له أن يطأها إذا دخل أول الصيف حتى يدرك الصيف مع العامَّة ثم يقع الطلاَّق. والقيض والصيف في هذا واحد، وامرأة العبد المشترك قيل: تطلَّق إذا طلَّقها أحد الشركاء.
قال أبو الحواري في العبد الذي بين الشركاء إن طلَّق أحد الشركاء جاز طلاقه، وكذلك كان عليه الصداق وفي نسخة وكذلك عليه الصداق، وقال من قال: لا يجوز طلاقه حتى يطلِّقوا جميعاً وبهذا نأخذ والعبد إذا طلَّق زوجته بغير رأي سيده لم يجز طلاقه فأمَّا من وكل وكلاء في طلاق زوجته فلا تطلَّق حتى تطلِّقها الوكلاء كلَّهم، وإن وكَّل رجل رجلاً في طلاق زوجته عند أجل حده له فقال الوكيل اليوم هي طالق إذا جاء ذلك الأجل، فإنَّ ذلك لا يجوز ورجل حلف بطلاق زوجته لا يشتري لها صبغاً ثم اشترى لها من دين عليه لها، فقيل: إنَّ كان نوى لا يشتري من عنده فلا شيء عليه، وإن أرسل القول فقد اشترى ويحنث. (1) ورجل حلف بطلاق زوجته على شيء لا يفعله وكانت يمينه على غضب فلم يدر كيف حلف أو نسي ذلك من بعد أن حلف فأخبره ثقة قد سمعه حين حلف أنَّه استثنى في يمينه أنَّه لا يفعل إلى وقت قد وقته وقد انقضى ذلك الوقت، فإنِّي أرجو أن تسعه ذلك أن يأخذ بقول الثقة وأن لا يكون عليه حنث إذا فعل الذي حلف عليه بعد انقضاء/309/الوقت الذي أخبره فيه الثقة وفساد ذلك أن يأخذ بقول الثقة وأن لا يكون
__________
(1) في أ، ب: وعن رجل. (6/224)
صفحة 2500
عليه حنث بما حفظنا عن أهل العلم في المرأة في الذي تحفظ عليه المرأة الثقة، صلاته فإذا قالت قد تمت قبل قولها ولو كانت أمُّه، وكذلك إذا قال الرجل أو امرأة ثقة لآخر أنَّه قضى عنه ديناً يعلم أنَّه عليه فقد برئ منه، وكذلك إن قال له إنَّ صاحب الدين قد أبراه منه أو وسع له فيه، فإنَّه يقبل قوله إلا أن يجيء صاحب الحقِّ ويطلب حقَّه فهو له، وكذلك الذي يبعث إطعام المساكين من كفارة الظهار الذي عليه مع ثقة واحد ويخبره أنَّه قد سلَّمه إليهم، فقالوا: إنَّه يجتزئ بذلك فلمَّا أجاز الفقهاء كل هذا بقول الواحد الثقة رأينا أن يقبل قوله أيضاً في الاستثناء ونحوه بما يخبر به أنَّه قد نطق به إذا كان هو شكَّ في ذلك ونسيه، فإن كان هو حافظاً ليمينه ولا يشكُّ في ذلك أحد بحفظه.
مسائل مختلفة:
قال غيره: ويوجد في جواب لمحمد بن جعفر في هذا الجامع هكذا وجدت في نسخة تمام هذه المسألة فلمَّا أجاز الفقهاء قول الثقة الواحد أن يؤخذ عنه الولاية ويستكفي المصلي بصلواته وهو شكٌ فيها إذا حفظها عليه ويبرئ من كفارة الظهار ويرجع إلى أهله إذا قال أنَّه قد أدَّاها عنه، ويبرئ من ديون النَّاس التي يطلبونه بها إذا قال له أنَّهم قد استوفوها أو وسعوا له منها فعند ذلك رأينا أنَّ كل شيء أخبره به الثقة الواحد من أمانة الله أنَّه قد صار إلى وجه قد حلَّ له أن يأخذ بقوله، ومثل ذلك المشهور الجائز مع النَّاس أنَّه إذا رجع إلى رسول له ثقة فأخبره أنَّه قد اشترى له هذا المال أو/310/ هذا العبد وهذا المتاع والدواب من عند فلان وأعطاهم الثمن فيقبل ذلك من الرسول ويأخذ هذه الأموال (1)، فهذا الجائز مع النَّاس، ولو لم يقبل قول الواحد فأخبره بذلك عشرة رجال ثقات فأراد الصحَّة على وجه الحكم ما كان له أن يحكم لنفسه ولا أن يحكم على غائب في ماله حتى يحضر ويسمع البيِّنة ولو لم يجز هذا ما جاز لأحد أن يرسل من يشتري له بضاعة من سوق ولا غيره حتى يحضر بنفسه وكلُّ هذا ما لم يكن في ذلك مناكرة، فإن تنازع فيه خصم لم يجز
__________
(1) في أ، ب: زيادة: ويأخذ هذه الأموال بقول هذا الواحد الثقة ولا يعلم ما مع هذه الأموال وهذا الجائز مع النَّاس. (6/225)
صفحة 2501
مع الحاكم إلا بشاهدي عدل، وهذا وجه آخر في الشكِّ فنظرنا فيما أوجب الله على عبده من الوضوء والصَّلاة والزكاة وما يشبه ذلك من الفرائض أنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك أنَّ عليه أن يقضيه ولو بعد مائة (1) سنة ولا عذر له في ذلك. فنظرنا في رجل عمر خمسين سنة فينظر فيما أكل ولبس وتوضئ وصلَّى وصام من شهر رمضان فيما مضى من عمره فلم يدر من أين أكل ولبس ولا كيف توضئ وصلَّى وصام، لأنَّه قد نسي ذلك فرأينا أنَّ المسلم الذي يدين بالإسلام، وبما فيه من الحلال والحرام، لم يستحل أن يأكل ويلبس إلا حلالاً ولم تذهب أوقات تلك الفرائض التي لزمته إلا وقد أدَّها.
أفعال الشَّاك:
وقد قال موسى بن علي -رحمه الله- في رجل يتوضئ فكلَّما غسل جارحة من وضوءه شكَّ في الجارحة التي قبلها إنَّه لم يغسلها؟ فقال: يمض ولا يرجع إليها، وكلَّما دخل في شيء من صلاته شكَّ في الحدِّ الذي من قبله أنَّه لم يصله فقال: يمض ولا يرجع إليه. ومعنى ذلك عندنا أنَّه يدين بذلك الحد فلم يدعه في وقته إلا وقد أحكمه وقضى الذي عليه فيه. وروي عن/311/ محمد بن محبوب رحمه الله فيمن ذبح شاة فلمَّا ماتت شكَّ إنَّه لم يذكر اسم الله عليها وقد علم أنَّ ذابحها يدين بذكر اسم الله عليها عند ذبحه إيَّاها وقد انقضى ذلك الوقت فأحلَّها ولم يخرجها بالشكِّ حتى يعلم يقيناً أنَّه لم يذكر اسم الله عليها عند ذبحه ثم نظرنا في هذا الرجل الشَّاك فقد علم أنَّه قد خرج إلى الدنيا (2) ولم يملك منها شيئًا وله اليوم زوجة وجاريَّة يطأها وعبيد يستعبدهم ونخل وأرض ومتاع وبنيان ودواب فلمَّا طال به العمر نظر في كل واحد ممَّا ملكت يده كيف ملكه ولم يكن له من قبل وكيف صار إليه حتى حلَّ فنسي كثيراً من تلك العقد والوجوه التي صيَّرت له هذا حتى حلَّ له فرجع يشكُّ في هذا، فقد كان يستحلُّه فنظرنا في هذا أيضاً فقسناه بما مضى في رزقه وصلاته وصيامه وذبيحته وقد شكَّ في هذا جميعاً فيما مضى من عمره فعلمنا أنَّه قد كان
__________
(1) في أ: ولو بعد ألف سنة.
(2) في أ، ب: ولا يملك. (6/226)
صفحة 2502
واجباً عليه غير أنَّه انقضى لم ير المسلمون عليه بدله بالشكِّ؛ لأنَّه قد كان يدين به في وقته فرأينا إنَّما كان قد استحلَّ من هذا جميعاً الذي هو في يده اليوم أنَّه مثل الذي مضى، لأنَّ أصل ديانته أنَّه لا يأخذ من هذا شيئًا حراماً فلم أر أنَّه يحرم عليه بالشكِّ وهو قد ملكه واستحلَّه وهو في ملكه فلا نأخذه بالشكِّ ولا يأخذه إلا بيقين أنَّه له حلال، وأعلم أنَّك إنَّما شككت أنت فيه حيث انقضى وغاب عنك معرفة الوقت الذي أخذته فيه فكان غيبته ساعة أخذك لما في يدك اليوم مثل غيبة ما مضى من أكلك وصلاتك وصيامك فيما مضى من عمرك فلو فسد عليك الذي تملكه اليوم بالشك لوجب عليك قضاء ما مضى من فرائض الله التي كانت قد وجبت عليك بالشكِّ وقد عاب الله قوماً فقالوا وحرَّموا ما رزقهم اله افتراءً على الله/312/ قد ضلُّوا وما كانوا مهتدين، وكان ذلك تشديداً من الشيطان إن أراد أن يلبس عليهم الحلال فإذا سدَّ عليهم أبوابه ضاقت عليهم المسالك وألجأهم إلى أبواب الحرام فيرى المسلمين فيتفرَّجوا به النَّاس من الشيطان فأخرجوا أو هدوا في دينكم باليقين وتوكَّلوا على الحق المبين. تمت المسألة./313/
الطلاق المعلَّق:
رجع: وقيل: في الذي يحلف بطلاق امرأته إن لم يحج العام، فإنَّه واسع له الوطء حتى يحضر خروج أهل بلده الذي إذا خرجوا منه وافوا الحجَّ ثم يمسك عن الوطء ويخرج فإن لم يحجَّ حنث، وأمَّا قوله إن لم يخرج حاجاً، فإنَّه يمسك عن الوطء من حينه فإن خلت أربعة أشهر ولم يخرج حرمت منه بالإيلاء، وأمَّا إن قال: إن لم يخرج إلى موضع كذا وكذا، فإذا خرج فقد خرج من يمينه ولو رجع قبل أن يصل إلى ذلك الموضع، وعن رجل يقول يوم يقدم أبوه فامرأته طالق فهذا لا يطأ ويدخل عليه الإيلاء إذا خلا أربعة أشهر، فإن قال إذا قدم أبوه فهي طالق فهو يطأ وهي زوجته فإذا قدم أبوه طلِّقت. وكذلك إذا قال قبل قدومه بيوم أو نحو ذلك فهذا لا يطأ والإيلاء يدخل عليه، ومن حلف بطلاق امرأته إن (6/227)
صفحة 2503
دخل بيته هذا التمر فعمل ذلك التمر خلاً وأدخل بيته الخل فلا عليه إذا كان قد ذهب ولم يدخل كله، وكذلك إذا حلف عن شيء لا يأكله فلا حنث عليه حتى يأكله كلَّه.
ومن غيره: قال أبو علي (1) حفظه الله: وقد قيل أنَّه يحنث إلا أن يكون نيَّته أنَّه لا يأكله كله. وقال بعض: إنَّه لا يحنث إلا أن يكون نيَّته أنَّه لا يأكل منه والله أعلم (2). وقيل: فيمن حلف لا يدخل هذا البيت صوف فدخل كبش (3) أنَّه لا يحنث. قلت: رجل وقع بينه وبين زوجته شقاق فطلبت إليه البرآن فحلف بثلاثين حجَّة أنَّه لا يبرئها ولا يطلِّقها فطال أمره وأمرها ثم أحبَّ أن يفارقها إذا خاف أن يأخذه بالكسوة والنَّفقة وهو يقدر على ذلك/314/ قال: قال نبهان بن عثمان عن أبي الله أنَّه يتزوَّج بأمة ثم تختار نفسها وعن رجل تزوَّج أمة ثم قال لها: أنت طالق اثنتين مع عتقك وقد دخل بها فقال مولاها أنت حرَّة إلى سنة، فإنَّما يقع الطَّلاق مع التَّحرير إذا أخرجت من حد الرَّق وتخرج بتطلقتين وتبقى بواحدة، فإن أرادها فلها الخيار فإن أحبت الرجعة إليه وردَّها كانت معه بتطليقة وهما يتوارثان إذا مات أحدهما في العدَّة إلا أن تختار نفسها قبل موته، وإن لم تختر نفسها ومات قبل أن يردَّها فعليها يمين بالله أن لو كان حدًّا لاختارته، ثم ترثه، وأمَّا قبل أن يقع عليها التَّحرير فلا يكون طلاق وزوجها يطأها في ذلك، وإن مات أحدهما لم يتوارثا لأنَّها مملوكة. وعن رجل قال لزوجته إن دخلت هذا البيت فأنت طالق ثم خاف أن تدخل ولم يعلم بها فأشهد أنَّها يوم تدخل هذا المنزل فقد رددتها وفي نسخة فقد ردَّها وثم دخلت ووطئ فقال أبو عبد الله رحمه الله يكتفي بذلك الردِّ من قبل الحنث وهي زوجته. وقال في حفظي عنه ثم بلغني أنَّه رجع عن ذلك والله أعلم. قال أبو الحواري: لا يجزيه حتى يردَّها بعد الدُّخول هكذا حفظنا.
__________
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) في أ، ب: رجع
(3) في أ، ب: فإنَّه لا يحنث (6/228)
صفحة 2504
ومن غيره: قلت له: أرأيت إن قال رجل لامرأته أنت طالق إن فعلت كذا وكذا ثم أشهد برجعتها، هل ينفعه هذا الرد إذا وقع الطلاق بفعلها؟ قال (1): يروى عن محمد بن محبوب رحمه الله فيها قولان، أحدهما أنَّه ينفعه ذلك ويكون ردًّا ثابتاً متى وقع الطَّلاق، وله أن يطأها ولا يمنع وطئها في حال إذا أشهد ويردَّها رفع ذلك عنه محمد بن جعفر. والقول الثاني: أنَّه لا ينفعه ولا يقع الردُّ إلا بعد وقوع الطَّلاق وروى ذلك أبو الحواري عن محمد بن محبوب رحمهم الله. وقال محمد بن محبوب قد رجع عن القول الأول بصحار وروايته يعجبه إثبات القولين جميعاً؟ قال: قد قيل عن/315/ بعض المسلمين في رجعة العلماء من رأي إلى رأي أنَّ ذلك لا يكون ناسخاً للأول ويكون الأول قولاً مهم والآخر قول ثاني وهكذا يعجبني./316/
صور من صيغ الطلاق:
رجع: وعن رجل ادَّعت عليه زوجته الطلاق، فقال: إن قالت إنِّي طلَّقتها فقد صدقت. فقالت: قد طلَّقني. فقال هو: كذبت؟ لا أرى طلاقاً يقع؛ لأنَّه صدَّقها وهو لا يدري ما تقول، ولكن إذا قالت هي بين يديه طلِّقني ثلاثاً فقال هو: قد صدَّقت فقد أقرَّ وثبت عليه، وإن قال: هي صادقة، ثم احتجَّ أنَّها صادقة في غير ذلك فله حجَّته. وقيل: في رجل حلف بطلاق امرأته إن لم تأكل طعاماً قد حدَّه فأكلت دابة ذلك الطعام كلّه فأكلت المرأة تلك الدَّابة كلَّها أنَّ الحنث واقع عليه، لأنَّ ذلك ذهب ولم تأكله، وعن رجل طلب إلى رجل حقاً فقال المطلوب إليه امرأته طالق إنَّ هذا الرجل ما يطلب إليَّ إلا باطلاً فأقام الرجل شاهدي عدل بحقِّه ذلك وحلف بطلاق امرأته ما عليه له هذا الحق. فقيل: إنَّه لا حنث عليه، لأنَّه قد يمكن أن يكون قد برئ من ذلك الحقِّ ولم يعلم الشَّاهدان وإنَّما شهدا بالأصل وحلف هو على علمه، وإن طلبت زوجته يمينه فعليه يمين بالله لقد صدق فيما حلف بطلاقها عليه في دعوى هذه المدعى إليه هذا الحق إلا أن يحلف بطلاقها لقد شهدا
__________
(1) في ب: بدل قال. فقد يروى ... (6/229)
صفحة 2505
عليه هذان الشاهدان زوراً، فإنَّ امرأته تطلَّق على قول من يرى أنَّ شهادة الشَّاهدين أولى من قوله. وعن أبي عبد الله -رحمه الله- في رجلين قال كل واحد منهما أحسدنا لصاحبه امرأته طالق، فإن قال كل واحد منهما إنَّه لا يحسدُ صاحبه فليس عليهما طلاق، وإن (1) قال أحدُهما لصاحبه أنا أحسدك ولا أدري أينا أكثر حسداً فقد دخل بينهما شبهة ونخاف عليهما الطلاق، وقال أيضاً: في رجل قال لامرأته طالق بعد غد/317/ أو غداً بعد غدٍ؟ قال: تطلَّق في الأقرب من ذلك. وفي رجل قال لامرأته طالق إن باع فلان هذا العبد إلا بأمري أو إلا أنَّ آمره أو إلا بإذني أو إلا أن آذن له ثم أمره بذلك وأذن له ثم رجع نهاه وباع فلان العبد بعد ذلك؟ قال: قد أذن له ولا تطلَّق في الوجهين من قبل أنَّه رجع عن قوله إلا بإذني، وأمَّا في قوله هي طالق لا تخرج إلا بإذنه، فإن أذن لها مرَّة، وقال: قد أذنت لك في الخروج فهو إذن لكلِّ ما يستقبل وليس عليها أن تستأذنه كلَّما أرادت أن تخرج، وكذلك حفظت عن سعيد بن محرز عن موسى بن علي -رحمهما الله- وقيل: من باع لامرأته تطليقة أو الطَّلاق كلَّه بأكثر من صداقها ولم تكن لها عليه صداق فله ثمن ذلك عليها وليس هذا مثل الذي قيل إنَّه لا يزداد عليها في الخلع، لأنَّ هذا بيع. قال أبو علي (2) حفظه الله: وقد قيل: إذا كان هو الطالب إليها البيع لم تثبت عليها الزيَّادة وإن كانت هي الطَّالبة إليه ذلك ثبت عليها الزِّيادة والله أعلم. وعن أبي عبد الله -رحمه الله- في الرجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إن خرجتي من منزلي قال: ذلك ثلاث مراراً ثم قال على إثر كلامه الآخر إلا بإذني؟ قال: هذا عندنا كلام متَّصل فرأينا أنَّ له الاستثناء إلا أن يكون حضرته النيَّة في الاستثناء في آخر قوله فإن ذلك لا ينفعه لما مضى من الطَّلاق من قبل نيَّته حتى يكون له نيَّة قبل ذكره الطَّلاق. وعن رجل جعل لامرأته طالق إن أتت أحداً
__________
(1) في أ، ب: وإن قال كل واحد منهما لصاحبه إني أحسدك ..
(2) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله. (6/230)
صفحة 2506
في مأتم فخرجت إلى امرأة تعودها، فلمَّا دخلت وجدت المرأة قد ماتت فلمَّا علمت بذلك خرجت فلم يرو (1) بأساً إلا أن تكون قعدت بعد العلم.
وقيل: عن هاشم وأزهر في رجل قال لامرأته أنت طالق إن طلبت إليك (2) نفسك إن طلب إليها نفسها فركضها برجله متعمِّداً/318/ حتى جاءته فجامعها؟ فقال: لا نرى أنَّه إن جامعها فقد طلب إليها نفسها إلا أن يكون له نيَّة أن يكون المطلب بلسانه أو تكون هي التي تأتيه فتنام عنده على فراشه.
وقال من قال: لولي الذي يغلب على عقله أن يطلِّق زوجتهن وقال من قال: ليس له ذلك. وقيل: لا يجلُّ لرجل طلَّق امرأته أن يتزوَّجها إذا كان الذي تزوَّجها بعده إنَّما تزوَّجها ليحلها له ولو كان هو لا يعلم ذلك إذا علم من بعد التَّزويج إنَّه تزوَّجها ليحلها له، وأمَّا إذا تزوَّجها ليحلها للأول ولم يعلم بذلك الرجل والمرأة فقيل: لا بأس أن يتزوَّجها الأول، وإن قال هذا الآخر أنَّه إنَّما تزوَّجها ليحلها للأول ولم يعلم بذلك الرجل ولا المرأة، فقيل: لا بأس أن يتزوَّجها الأول، وإن قال: هذا الآخر إنَّه تزوَّجها ليحلها للأول، فإن شاء أن يصدِّقه وإن شاء لا يصدِّقه في ذلك. وقال: من بانت منه زوجته بثلاث فجائز له أن يأمر وليها بتزويجها وأن يدخل هو في تزويجها ولو نوى في دخوله في تزويجها النيَّة، وإنَّما يفسدها عليه النيَّة من الزوج والمرأة. كذلك إذا علم الزوج الأول منهما كذلك ولم يرجعا عن ذلك ولم يتوبا منه حتى دخل بها والله أعلم.
وعن رجل طلبت إليه امرأته طلاق امرأة له أخرى وكل واحدة منهما اسمها مثل اسم الأخرى فقال فلانة زوجته طالق ثلاثاً وزعم أنَّه إنَّما عنى للأخرى، فقيل: أنَّه يقبل في ذلك وعليه يمين، وإذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً إن دخلت هذا البيت اليوم وإن لم تدخله فأنت طالق ثلاثاً فالحيلة في ذلك أن تختلع إليه ثم إن شاءت أن تدخل حتى يقع الحنث وهي ليست بامرأة له ولا تدخل في ذلك اليوم ثم/319/ يردُّها إن اتَّفقا على ذلك
__________
(1) في ب: فلم يرو بذلك بأساً.
(2) في أ، ب: إن طلبت إليها نفسها. (6/231)
صفحة 2507
وعن أبي علي -رحمه الله- في رجل جعل فراق امرأته في جرَّة أعارتها فذهبت لتردَّ الجرَّة فوجدتها قد كسرت، فإن جاءت بالكسور فلا عليها وإن لم تجيء بالكسور فقد وجب عليها غير أنَّ القول قوله إنَّما أرادت ارهابها. وفي غيره: إنَّه إن قال: إنِّي أردت أنَّي أهنتها (1) بالفراق فذلك إليه وكان ممَّن يوثق به أو ممَّن لا يوثق به. قال أبو الحواري: في هذا إذا قال هي فرقتك أو قال فارقتك أو فراقك إذا أراد بهذا أن يهدوها ولم يرد طلاقاً فلا يقع طلاق، وأمَّا إذا قال: قد طلَّقتك أو قال أنت طالق ثم قال: إنَّما أردت أن أهينها فلا تصدَّق في هذا الطَّلاق واقع عليها.
وعنه في رجل قال لامرأته أنت طالق إن أسلف في هذه القرية درهماً ثم قال: نويت إلى شهر، ففي الوجهين جميعاً يسعها المقام معه، وإن حاكمته حكم عليه، وعن رجل ادَّعت عليه امرأته أنَّه طلَّقها فقال: طلقها واستثنيت إن لم أفعل كذا وكذا فأنكرته فإن صدَّقته وسعها المقام معه، وإلا فعليه البيِّنة بالاستثناء. وذكر أبو زياد رحمه الله عن هاشم بن غيلان-رحمه الله- عن رجل قال: إن أكلت من ثمرة هذه النَّخلة فكل امرأة يتزوَّجها فهي طالق. فلم يأكل من ثمرتها حتى تزوَّج ثم أكل قال هاشم بن غيلان: تطلَّق. وعن موسى بن علي -رحمه الله- في رجل قال: إن فعل كذا وكذا فكلُّ امرأة يتزوَّجها فهي طالق ولم يكن له يومئذ امرأة فلم يفعل حتى تزوَّج ثم فعل من بعد فليس عليه في الوجهين شيء ولا طلاق عليه فيما لا يملك وهو قولنا، وقد قال من قال: غير ذلك ولا نأخذ به وهذا الرأي أحبُّ إلي./320/قال أبو الحواري: نأخذ بقول موسى (2)، وكذلك وجدنا عن جابر بن زيد-رحمه الله- وعن رجل حلف بطلاق امرأته لا يأكل من خبزها فطحنت المرأة وعجنت وصفحت ودعت امرأة أخرى فطرح لها الخبز في التنور وأنطجته وأخرجته قال: تفسد عليه، لأنَّها قد خبزته والخبز ما خبز باليدين، وإن قال لامرأته أنت طالق إن طحنت أو خبزت لفلان فطحنت وخبزته في بيتها لنفسها، ولعيالها ثم دخل إليهم الرجل فأكل من
__________
(1) في ب: أن أهيبها بالفراق. والمعنى غير سليم.
(2) في أ، ب: موسى بن علي .. (6/232)
صفحة 2508
ذلك الخبز أو أعطته من ذلك الخبز فلا حنث عليه في ذلك، لأنَّها لم تطحن له ولم تخبره. وقيل: عن هاشم فيمن حلف لا تخبز له امرأته وكانت هي تعجن وهو يطرح على المضباة فلم ير حانثاً. وعن رجلاً أخذت منه امرأته درهماً من حيث لا يعلم فقال لها: إن لم تردي الدرهم فأنت طالق ثلاثاً ثم نظر فرأى خرقة في الجدار فأخذها فوجد فيها الدرهم فعاد ردَّه في مكانه ثم قال لها خذيه ورديه فأخذته وردَّته عليه، فإن كان اعتقاد نيَّته أنَّك لم ترديه على من فقده هذا فقد حنث، وإن كان قال: إن لم ترديه علي ولم تكن له نيَّة فأخذت الدرهم وردَّته عليه فقد خرج من يمينه، قلت: فإن قالت له: قد أخرجنا الدرهم من الجدار هذا الذي أخذته منك فخذه فقد رددته عليك. فقال: أرجو أن يكون قد خرج من يمينه ولا حنث عليه. وعن رجل قال لامرأته إن لم تردي الكبة فأنت طالق فردَّتها وقد سُدَّيْت؟ فقال بعض الفقهاء: نخاف أن تفوته. قال أبو الحواري: إن نوى الكبة بعينها فقد طلقت، وإن نوى الغزل فقد ردَّت عليه الغزل فلا تطلَّق. وعن محمد بن محبوب
-رحمه الله- في رجل قال لزوجته إن لم تتركني أو تدعيني أو تعطيني حتى أبيع أرض كذا وكذا فأنت طالق، فقالت: قد تركتك/321/ أو قد ودعتك أو أعطيتك تبيعها جواب، ما قال لها ثم وطئها ولم يبع ذلك، فقال: لا بأس عليه في امرأته. قال أبو علي (1) -حفظه الله-: وذلك إذا قال لها إن لم تتركيني أو تعطيني أبيعها ولم يقل حتى أبيعها كان كما قال والله أعلم (2)، إلا أن يكون نوى أو قال بلسانه إن لم تتركيني حتى أبيعها فلا يطأها حتى يبيعها ولا تطلَّق إلا أن لا تدعه يبيعها أو تمضي أربعة أشهر ولم يبعها، فإنَّها تبين بالإيلاء، وإذا حلف بطلاقها إن لم ترد الدرهم الذي أخذته ولم تكن أخذته فلا طلاق في ذلك، وإن كانت أخذته فردته مخلوطاً مع دراهم غيره وأعطته الدَّراهم كلَّها فلا حنث في ذلك وإن لم ترده وذهب وقع الحنث، فإن وجدته قبل أربعة أشهر وردته فقد بر، وإن خلا أربعة أشهر قبل أن تردَّه فسدت عليه أبداً إذا كانت أخذته. وعن أبي عبد الله-رحمه الله-
__________
(1) في أ، ب: أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله.
(2) في ب: رجع إلا .. (6/233)
صفحة 2509
في رجل قال لرجل إن لم آتك إلى كذا وكذا فامرأته طالق فأتاه فلم توافقه؟ قال: فإنِّي أخاف أن يحنث إلا أن يكون الرجل هلك قبل الوقت فجاءه فوجده هالكاً فأرجو أن لا يحنث؛ لأنَّه لم يحلف على الموت. وعن رجل وقع بينه وبين امرأته شيء لا يبلغ به طلاق فكرهت المرأة أن ترجع إليه حتى يشهد على رجعتها فقال: اشهدوا أنَّها قد ذهبت بواحدة وإنِّي قد رددتها باثنتين وهو لا يريد بذلك طلاقاً فقال: هي امرأته ولا يدخل عليه شيء من الطَّلاق، وعن رجل لعن امرأته ثم قال: إن رددتي هذه اللعنة فأنت طالق فلم ترد عليه تلك اللعنة الساعة فلا خلا أيام لعنته فقال: لا أراها تطلَّق إلا أن تقول قد رددت عليك هذه اللعنة أو تلك اللعنة التي لعنتني عليك/322/ وقيل: في رجل قال: إن لم أقتل فلاناً يوم الجمعة فامرأته طالق فضربه وفي نسخة فضرب هذا الرجل يوم الخميس ومات يوم الجمعة؟ إن امرأته تطلَّق إذا كان ضرباً هوى فيه حتى مات، وعن رجل قال لامرأته أنت طالق إلا أن يقدم زيد حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، فإن قال أنت طالق إن كلمت فلاناً إلا أن يقدِّم فلان، فإن كلمت فلاناً قبل أن يقدم فلان طلَّقت وإن لم يكلِّمه ولم يقدِّم فلان حتى تخلوا أربعة أشهر لم تطلَّق ولم يكن في هذا إيلاء.
وعن رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثاً، إلا أن يرى فلان غير ذلك فبلَّغه فلم يقبل شيئًا، فإذا بلغه فلم يقبل شيئًا طلقت فإن بلغه فرأى واحدة، فإنَّها تطلَّق ما رأى. وقال من قال: في رجل قال لامرأته إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، وإن حلفت بطلاق فأنت طالق، قال: أمَّا في قوله الأول إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، فهي يمين عقدها على نفسه، وأمَّا قوله الثاني إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فهي يمين وقد حنث في يمينه الأول ويقع بها تطليقة.
وكذلك قوله في المرَّة الثالثة يقع بها تطليقة أخرى فذلك تطليقتان، وقال بعض الفقهاء: في الذي يقول لامرأته أنت طالق غداً أو اليوم. (6/234)
صفحة 2510
قال أبو الحواري: تطلَّق واحدة، فإن قال: أنت طالق غداً لا بل اليوم، فهي طالق تطليقتان، وإن قال: أنت طالق اليوم وغداً فهي واحدة وله نيَّته في ذلك، إلا أن يكون أرادها طالق غداً أيضاً، فهي ثانيَّة وإذا قال: أنت طالق غداً واليوم فهي اثنتان وإن قال الرجل لامرأته أنا عليك طالق فليس ذلك بكلام ولا يكون ذلك طلاقاً إلا/323/أن ينوي به طلاقاً، وإن قال: علي طلاق إن فعلت كذا، وإن حلفت بكذا وكذا فحنث؟ فقال من قال: لا طلاق في ذلك، وقال من قال: يلزمه الطَّلاق ورأي من لم يلزمه الطَّلاق أحبُّ إلي حتى يريد به هو طلاقاً، وقال من قال من الفقهاء: في الذي يقول لامرأته أنت طالق تطليقة صغيرة أو كبيرة أو ملاء قفير أو ملاء بيت فكلُّ ذلك لم يكن له نيَّة فهي تطليقة واحدة، وإذا قال: فلانة طالق أو فلانة لا بل فلانة؟ قال من قال: التي قال لا بل فلانة تطلَّق ويجبر في الأولتين أن يطلِّق أحدهما.
وقال من قال: طلقهنَّ كلَّهنَّ وذلك رأي. قال أبو الحواري: يطلقن كلهنَّ هكذا حفظنا، وكذلك إذا قال امرأته طالق أو مملوكة حرٌ إن فعل كذا وكذا ثم حنث، فقال من قال: بل يجبره (1)، وقال من قال: بل تطلَّق المرأة ويعتق المملوك إذا حنث وذلك رأي، وفي الذي حلف على أبيه لا يحضر له فرحاً ولا حزناً فيموت أخوه وهو ابن الأب فيحضره فلا حنث عليه، إذا كان إنَّما حضر لنفسه ولما يلزمه وهو من ذلك، وإن قال: لا يحضر لأخيه فرحاً ولا حزناً فمات أخوه وحضره فلا حنث عليه، لأنَّ الميت لا فرح له ولا حزن.
وقيل: في الذي يقول لامرأته طالق ليدفعنَّ إلى فلان حقَّه من أيامه هذه فإنَّها ما بينه وبين عشرة أيام، وإذا تمَّ عشرة أيام ولم يدفع إليه حنث إلا أن يكون له نيَّة، فهو ما نوى وذلك أنَّه يقال: ثلاثة أيام أم أربعة وخمسة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة أيام، فإذا أتمَّ عشرة أيام فليس يقال أيام إنَّما يقال أحد عشر يوماً أو اثني عشر/324/ يوماً، وإذا حلف ليوفيه حقه إلى قريب؟ فقال من قال: إن لم يوفه حقه ساعة حلف حنث، وقال من قال: القريب ما لم
__________
(1) في ب: فقال من قال: يخبر. (6/235)
صفحة 2511
يقع عليه اسم حين ولا زمان ولا دهر، فإنَّه قريب وأقصى الحين ستة أشهر، وأقل الحين غدوة ووعشيَّة وأقل زمان. ما قال العلماء ستة أشهر.
وقال من قال: أربعة وأقصاه سنتان وأوسطه سنة، والحين ليس له وسط، وكذلك الدهر ليس له حد فهذا في بعض القول، وعن أبي عبد الله-رحمه الله- أنَّه قال: ليس يجعل المثل هذا حد. قال أبو الحواري: في الذي قال: إن لم يوفه حقَّه فامرأته طالق، فإن لم يوفه حقَّه حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ولا يطأها في أربعة أشهر حتى يوفيه حقه، وأمَّا الحين فهو كما قال. وقال من قال: في الذي يقول لامرأته أنت الطلاق إنَّه لا طلاق في ذلك إذا لم يرد به الطلاق، وقال من قال: هو طلاق، والقول الأول أحبُّ إلي. وفي رجل قال لامرأته إن بدأتك بكلام فأنت طالق ثلاثاً، وقالت هي إن بدأتك بكلام فكلُّ مملوك لي حر لوجه الله.
قال بعض الفقهاء: يكلِّمها الزوج إذا حلفت هي بذلك ولا يحنث أحدهما، لأنَّه لما حلف هو ابتدائه هي بكلام حنث حلفت أن لا تبتدئه فخرج هو من يمينه وإذا كلَّمها بعد يمينها فقد ابتدأها ولا حنث عليها أيضاً. وعن رجل قال لامرأته: إن دخلت موضع كذا وكذا إلا من أمر شديد فأنت طالق، فكان ذلك الأمر الشديد فدخلت فسألت أتسقط اليمين إذا دخلت الثانية من غير أمر شديد في كل مرة؟ فقولنا: أنَّ ليس لها أن تدخل ذلك الموضع إلا من أمر شديد /325/ في كل مرَّة، وكذلك إن قال: أنت طالق إن دخلت موضع كذا وكذا إلا بإذني فأذن لها في الدُّخول مرة واحدة، فإن دخلت الثانية بغير إذنه، فهو حانث إلا أن يأذن لها إذناً مباحاً متى شاءت دخلت فيكون لها الدُّخول./326/
ومن غيره: وقد قيل: ولو أذن لها إذناً مباحاً فليس لها أن تدخل كلَّما أرادت إلا بإذنه والله أعلم (1).
__________
(1) غير موجود في ب: ... قال. (6/236)
صفحة 2512
قال أبو الحواري: إذا أذن لها مرَّة فقد أجزئها وتدخل كلَّما شاءت هكذا حفظنا، وكذلك في المسألة الأولى إن دخلت من غير أمر شديد فهو حانث وإذا حنث فليس يحنث إلا مرَّة واحدة فيدخل فيما يستأنف، وكذلك لو قال لها: أنت طالق إن دخلت منزل فلان إلا في غرَّة هلال فدخلت في غرة هلال، أو قال لها: إن دخلت هذا المنزل إلا يوم الجمعة فدخلت في يوم الجمعة لكان دخولها يوم الجمعة ممَّا يصلح لها لا دخول يوم السبت، وإذا دخلت في غرة الهلال كان لها أن تدخل في نصف الشهر فلا يضر ذلك ولا يقع الحنث حتى تدخل في غير الوقت الذي حدَّه لها، فإذا وقع الحنث وردَّها ثم فعلت ذلك من بعد في أي وقت شاءت لم تحنث مرة أخرى، وعن رجل طلَّق امرأته واحدة فقالت له: اطلقتني فقال: نعم مائة ثم قال: إنَّما نويت بنعم تلك الواحدة وقولي مائة لم أنوه طلاقاً فله نيَّته ولا يقع عليها إلا تطليقة وإن طلبت يمينه فقالوا: إنَّ عليه اليمين ما نوى بقوله مائة طلاقاً. وعن محمد بن محبوب-رحمه الله_ في رجل قال لامرأته إن دخلت اليوم هذا المنزل أو إن فعلت اليوم كذا وكذا فأنت طالق، فإنَّها إن فعلت طلقت ثم إن فعلت أيضاً في اليوم طلِّقت، وكذلك إن قال في هذا الشهر وقاسه بالذي حلف بطلاق امرأته إن وطئها في هذه السَّنة والذي كان عندنا وحفظناه عن غيره، وقال: ألا ترى أنَّهم قالوا إنَّه إن تزوَّجها بنكاح جديد ثم خلا أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وذلك/327/ أنَّه قال هذه السنة والذي كان عندنا وحفظناه عن غيره أنَّه إذا فعل ذلك مرَّة فقد حنث ولا يحنث من بعد ذلك كلَّما دخل ولو حدَّ في يوم أو شهر. قال أبو الحواري (1): -رحمهما الله- أيضاً في رجل حلف لا يساكن زوجته إنَّه وطئها أو نام عندها أو أكل فقد حنث، وكذلك غير زوجته إذا أكل أو نام فنعس، فأمَّا ما لم ينعس فلا يحنث، وقال: إن كان في سفر أو طريق أو موضع غير بيت فلا يحنث ولو جامع إلا في بيت أو خباً أو قبة أو خيمة.
__________
(1) في أ، ب بدل محمد بن محبوب، أبو الحواري. (6/237)
صفحة 2513
قال أبو الحواري: (1) -رحمه الله- إنَّه لا يحنث في مثل هذا حتى ساكنها السكن المعروف، فإذا إذا وصل إلى الذي حلف لا يساكنه على وجه الزيارة فنام عنده ولو قال أو بات ثم رجع إلى موضعه لم يحنث، واعلم أنَّ الرجل إذا حلف بطلاق أو غيره لا يدخل دار فلان ولا فلان ولا يكلِّمه فلان ولا فلاناً ولا فلاناً، فإنَّه إذا كلَّم أحدهم حنث الأول والآخر كلُّه سواء، وكلَّما كلَّم واحداً منهم وقعت عليه تطليقة، وكذلك إن قال فلان أو فلان أو فلان فهو مثل ذلك، وإن قال: امرأته طالق إن كلَّم فلاناً وفلاناً وفلاناً، فإنَّه لا يحنث إن كلَّم أحدهم ولا اثنين منهم حتى يكلِّمهم/328/ جميعاً. وبأيِّهم بدأ إذا كلَّمهم جميعاً حنث، وإن قال امرأته طالق إن كلَّم فلاناً ثم فلاناً ثم فلاناً، فإنَّه لا يحنث حتى يكلِّمهم جميعاً الأول ثم الثاني ثم الثالث، فإن لم يكلِّمهم جميعاً أو بدأ بالآخر أو بالأوسط فلكلَّمه أولاً لم يحنث أيضاً حتى يكلِّمهم على ما لفظ وهذا خلاف الأول، وكذلك إن قال إن كلَّمت فلاناً ثم إن كلمتك ثم لم تكلمني فأنت طالق فلا يحنث إذا كلَّم فلاناً ثم كلَّمها حتى يكلِّم فلاناً ثم يكلّمها فلا تكلِّمه فهنالك يحنث وذلك مثل الذي قال: إن أكلت خبزاً ثم رزاً كما وصفت، وإن أكل أحدهنَّ وبدأ بالآخر أو بالأوسط لم يحنث حتى تبدأ بالأول ثم الثاني ثم الثالث وإن قال: أنت طالق إن لم تعطيني غلامك حتى أبيعه أو هذا الطَّعام حتى آكله، فأعطته الغلام فلم يبعه او الطَّعام فلم يأكله حنث حتى تعطيه الغلام ويبيعه والطَّعام ويأكله وإن حلف بالطَّلاق لا يكلِّم فلاناً وفلاناً ثم فلاناً ولا فلان، فإذا كلَّم أحد الأولين لم يحنث ولو كلَّم الذي قال له ثم فلاناً حتى يكلِّم فلاناً وفلاناً والذي قال وفي نسخة الذي قال ولا فلاناً، وإن قال لامرأته إن لم تدخلي دار فلان اليوم أو غداً فأنت طالق فدخلتها اليوم أو غداً لم تطلَّق وإن لم تدخلها في اليومين جميعاً طلَّقت. وكذلك إن قال لها: إن لم أطئك اليوم أو غداً فأنت طالق فدخلتها اليوم أو غداً لم تطلّق وإن لم تدخلها في اليومين جميعاً طلّقت، وكذلك إن قال لها: إن لم أطئك اليوم أو غداً
__________
(1) في أ، ب: قال أبو الحواري حسبما جامعها أو وأكلها فقد حنث، وأمَّا النوم فحتى يكون في بيت أو جنا أو قبة أو خيمة وينعس معها.
وعن أبي علي - رحمه الله- هذا حتى تساكنه السكن. (6/238)
صفحة 2514
فأنت طالق فلم يطأها اليوم ووطئها غداً لم يحنث وكذلك إن قال: إن لم أكلم فلان اليوم أو غداً أو بعد غد فامرأته طالق فإنَّها لا تطلَّق حتى تنقضي بعد غد، فإن انقضت الأيام ولم يكلِّمه حنث وطلِّقت، وكذلك وجدنا عند بعض الفقهاء وقال بعضهم خلاف/329/ ذلك. وقيل: من أغضبته امرأته فقال (1): يجعل الطَّلاق بتمام الكلام ثم أمسك وقصر دون التَّمام فلا طلاق في ذلك إلا أن يكون أراد أن يجعل تلك اللفظة هي الطَّلاق. وقيل: في رجل طلب إليه فرض فقال: إنَّه حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أنَّه لا يقرض أحداً ثم أقرض رجلاً آخر، وقال: إنَّ الأول مطوَّل فدفعه عن نفسه ولم يكن حلف فقالوا: إنَّ هذه المسألة وقعت مع أبي علي_رحمه الله_ بدما فنظر هو والأشياخ فيها وقالوا: إن صدَّقته المرأة وسعها المقام معه، وإن حاكمته وصحَّ ذلك فرق بينهما. وبلغنا أنَّ أبا عبد الله _رحمه الله_ قال: نظر في هذه المسألة فقال: ليس لها أن تصدِّقه وإنَّه حفظ عن أبي علي -رحمه الله- في رجل قال لامرأته قد طلَّقتك وقد كان طلَّقها قبل ذلك وقال: إنَّما عنيت التطليقة الأولى، فقال: تطلَّق ولا يصدَّق حتى تقول قد كنت حلفتً بالطَّلاق ثلاثاً ولم يكن حلف فهذا منه كذب يلزمُه الاستغفار ولا يلزمه الطَّلاق والرأي الأول أحبُّ إلي.
قال أبو الحواري: أنا آخذ بقول محمد بن محبوب-رحمهما الله-وعنه أيضاً في رجل وقع بينه وبين زوجته كلام، فقالت: إنِّي أذهب وأشكو منك إلى الوالي، فقال له: أما لو ذهبت إلى الوالي فقلت لك إني أطلقك وإني قد طلَّقتك؟ فما نرى في ذلك طلاقاً إلا أن يكون أراده، فأمَّا قوله: فقلت لك إنِّي أطلِّقك فذلك لا يكون/330/طلاق فيه، وأمَّا الثاني فهو الذي في مثله الاختلاف، وكذلك قيل في رجل قال لامرأته إنَّه لا تنتهي عن الوصول إلى بني فلان حتى يقال لك أنت طالق أو حتى أوقل لك أنت طالق فأمَّا قوله حتى يقال لك أنت طالق فقال من قال: لا طلاق في ذلك وذلك رأي وأمَّا قوله حتى أقول لك أنت طالق فقد قيل أنَّه لا تطلَّق.
__________
(1) في أ، ب: فقال لها: أنت طائر يدان يقول لها أنت طالق ثم أمسك فلا طلاق إذا أراد أن يجعل الطلاق ... (6/239)
صفحة 2515
قال أبو الحواري: وقد قيل: إنَّها لا تطلَّق وبه نأخذ، ومن قال لامرأته إن خرجت إلى أهلك فأنت طالق، فإذا خرجت من باب الدَّار تريد أهلها طلقت، وإن لم تجاوز باب الدَّار لم تطلَّق وإن قال: إن ذهبت إلى أهلك فإن انقلبت ذاهبة إلى أهلها طلقت إذا خطت ذاهبة ولو لم تخرج من باب الدَّار، وعن أبي عبد الله (1) -رحمه الله- في رجل ادَّعت عليه امرأته أنَّه طلَّقها فقال: طلَّقتها واستثنيت إن لم أفعل كذا وكذا فأنكرت، فإن صدَّقته وسعها المقام معه وإلا فعليه البيِّنة بالاستثناء، وإن لم تقم القيامة في هذا الشهر، فقيل: في هذا ومثله تطلَّق امرأته من حينها ولا يكون إيلاء. قال أبو الحواري: أمَّا الجبل والسماء فقد قيل: إنَّه إيلاء وإذا خلا أربعة أشهر بانت منه وبهذا نأخذ وأمَّا القيامة، فإنَّها تطلَّق من حينها؛ لأنَّه غيب، وقيل: في رجل قالت له امرأته: إنَّ أمَّها خير من أمِّه. فقال الزوج إن كان أمُّها خير من أمِّه فهي طالق، قال الزوج: مقلد لما قال حتى يعلم كذب ما قال بالبيِّنة وعن أبي علي-رحمه الله- /331/ في رجل طلَّق امرأته ثلاثاً، ثم قال: أردت واحدة فغلظت فهي ثلاث إلا أن يقول غلظت وتصدِّقه وتجلس معه، فإنَّها يسعها المقام معه، وعن غير أبي علي-رحمه الله- في رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم تهاني كذا وكذا في هذه السَّاعة أو السَّاعة، فإن كان يعلم وقت تلك السَّاعة فجاءت بذلك الشيء قبل أن خلوا تلك السَّاعة فلا حنث عليه، وإن كان لا علم له بوقت السَّاعات فإنِّي لا آمن عليه الطَّلاق، وكذلك إن خلت السَّاعة قبل أن تأتي بذلك الشيء، فإنَّها تطلَّق والله أعلم.
وقال بعض أصحاب الرأي في رجل قال لأزواجه وهنَّ أربع: أيتكنَّ لم أنم عندها هذه الليلة فالأخرى طالق فبات مع واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، فقال: إن بات مع الأربع لم يقع على إحداهنَّ طلاق؛ لأنَّه قال: أيتكنَّ لم أبت عندها فالأخرى طالق فوجدناه قد بات معهنَّ جميعاً ولما بات مع ثلاث منهنَّ ولم يبت مع واحدة أصاب كل واحدة من الثلاث اللاتي بات عندهنَّ تطليقة من هذه التي لم يبت عندها ولم يصبها هي
__________
(1) في أ، ب: عن أبي علي رحمه الله بدل من أبي عبد الله. (6/240)
صفحة 2516
شيء وإن بات مع اثنتين وقع على كلِّ واحدة منهما تطليقة، وعلى اللتين (الاثنتين) بات معهما كل واحدة تطليقتان؛ لأنَّه يقع على كلِّ واحدة بات معها من كلِّ واحدة تطليقتان، لأنَّه يقع على كلِّ واحدة بات معها من كلِّ واحدة من هاتين تطليقة وإن بات مع واحدة ولم يبت مع ثلاث أصاب الواحدة التي بات معها ثلاث تطليقات بسبب كل واحدة لم يبت معها تطليقة، وأصاب الثلاث اللواتي لم يبت معهنَّ كل واحدة تطليقتان، لأنَّه يصيب كل واحدة من التي لم يبت معها/332/ تطليقة فيصيب كل واحدة من صاحبتها من كل واحدة تطليقة فذلك أصاب كل واحد من هؤلاء الثلاث تطليقتان والتي بات معها أصابها من الثلاث جميعاً من كل واحدة، لأنَّه لم يبت عندهنَّ وقال: أيتكنَّ لم أبت عندها فالأخرى طالق وقد بات معها فلم يصبها منهنَّ شيء فهذا رأينا في المسألة، وعن امرأة قالت لزوجها أنت على أهون من التراب وأشر من الكلب فقال: إن كنت كذلك عندك فأنت طالق ثلاثاً، فقالت هي: ليس هو عندي كذلك، وإنَّما كنت أرسلت القول، فالقول قولها ولا يكون في ذلك طلاق، وأمَّا الذي قال لامرأته طالق ما طلعت الشمس وما غربت، فقال أبو الحواري إذا طلعت الشمس طلقت واحدة وإذا غربت طلِّقت ثانية، قال أبو علي - حفظه الله- وذلك إذا قال لها أنت طالق إذا طلعت الشمس وإذا غربت كان كما قال، وأمَّا إذا قال: ما طلعت الشمس وما غربت كانت واحدة إلا أن ينوي أكثر والله أعلم (1) إلا أن يقول كلَّما طلعت الشمس وكلَّما غربت، فإنَّها تطلَّق كلَّما طلعت الشمس وكلَّما غربت حتى تبين بثلاث تطليقات ((تم الباب من كتاب أبي جابر.))
ومن غيره (2): وقال: من أراد أن يغيب إلى البحر وطلبت زوجته أن يجعل طلاقها في يد رجل فذلك لها إلا أن يخرج غازياً.
__________
(1) في أ، ب: في ب: رجع.
(2) لا يوجد في ب: ومن غيره. (6/241)
صفحة 2517
ومن غيره: قال أبو سعيد: -رحمه الله- قد قيل: إذا حلف رجل بالطَّلاق إن كلَّم فلاناً فمضى على جماعة وهو فيهم فسلَّم عليهم فقيل: إنَّه يحنث حتى ينوي بالتَّسليم عليهم غيره ويعزله (1) في نيَّته، وقيل: لا يحنث حتى يريد بالتَّسليم الجماعة في نيَّته ويدخله فيهم. وقيل مجملاً أنَّه يحنث، وقيل: /333/ مجملاً أنَّه لا يحنث، ويعجبني إذا أراد التَّسليم عليهم فأرادهم جميعاً أعني الجماعة كلَّهم أنَّه يحنث، وإن كان مرسلاً السلام فيعجبني أنَّه لا يحنث وأمَّا إذا لقيه فسلَّم عليه، فإنَّه يحنث ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
وقال أبو معاوية: إذا طلَّق الرجل امرأته واحدة وهي صبيَّة ولم يكن دخل وأراد أن يتزوَّجها بنكاح جديد ومهر جديد فله ذلك، فإذا بلغت فأتمَّت النِّكاح الأول كان لها نصف الصَّداق الذي تزوَّجها به أولاً وعليه صداقها الذي تزوَّجها عليه أخيراً وتكون معه على تطليقتين، وإن كان طلاقها ثلاثاً بكلمة واحدة من قبل أن يدخل بها فقد بانت منه وليس له أن يتزوَّج بها حتى تنكح زوجاً غيره، وإذا بلغت فأتمَّت النِّكاح فلها عليه نصف صداقها فإن بلغت ولم تتم النِّكاح الذي كان لم يكن لها عليه شيء وله أن يتزوَّجها، فإن تزوَّجها كانت معه على ثلاث تطليقات، وسئل عن المطلَّقة التي لم يدخل بها تطلَّق ثلاث. فقال سليمان: إنَّها واحدة ويخطبها في الخطاب. قال: وعلى ذلك النَّاس وإنَّما قال تطلَّق ثلاثاً الحسن البصري فاستحلاه بعض المسلمين فأخذ به. وعن عبد الله محمد بن بركة (ض) فيما أحسب، وسألته عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام يعني به الطلاق، قال أصحابنا في هذه المسألة: /334/ثلاثة أقاويل وبعضهم قال: طلاق. وبعضهم قال: يكون طلاق وكفارة يمين. وقال آخرون: يلزمه كفارة يمين ولا يكون طلاق.
ومن غيره: وقال بعض: لا يلزمه كفارة ولا طلاق وسألته (2) عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أقتل أبي فقال: امرأته طالق ولا يقتل أباهُ، وإذا قال ذلك فامرأته طالق قتل أباهُ أو لم يقتله.
__________
(1) في أ، ب: ويغر لهم.
(2) في ب: رجع. (6/242)
صفحة 2518
قال غيره: يوجد في هذه المسألة اختلاف اختلف فيها أبو عبيدة وأبو نوح فقال أبو نوح: تطلَّق قتل أباه أو لم يقتله، وقال أبو عبيدة: إن قتل أباه لم تطلَّق امرأته وهذا على معنى ما يوجد (1). ورجل نكح امرأة ثم طلَّقها قبل أن يدخل بها ثم نكحها ثم طلَّقها قبل أن يدخل بها ثلاث مرات فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فإن تزوَّجها زوجاً غيره ثم طلَّقها حلَّت له دخل بها الزوج الآخر أو لم يدخل بها، قال أبو علي الحسن بن أحمد -حفظه الله- /335/،وقد قيل: أنَّه لا يجوز له أن يرجع إليها حتى يدخل بها الثاني وذلك يوجد عن عبد الله بن محمد بن بركة رضيه الله وغيره من المسلمين وهو أصح القول معنا، والمعمول به عندنا والله أعلم. وأخبرنا بن المعلا عن الرَّبيع عن جابر أنَّه قال: إذا قالت المرأة لزوجها قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني فقال: قد قبلت فقد طلَّقت وإن لم يذكر طلاقاً.
وعن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله- فيما أحسب، وأمّا الذي طلَّق زوجته ثلاثاً ثم غابت بقدر ما تزوَّج ويجوز بها الزوج وتنقضي عدَّتها من الزَّوج الآخر من موت أو طلاق ثم جاءت فقالت ذلك له فمعنى أنَّه قيل: إنَّ قولها يقبل في ذلك. وذلك معي لا يخرج إلا على الاطمئنان وحكم الاطمئنانة لا غير ذلك، لأنَّها في هذا كلِّه مدَّعيَّة من وجهين مدَّعيَّة إباحة ما حرَّم الله إلا أن يصحَّ حلاله لأنَّ الله يقول: حتى تنكح زوجاً غيره فهذا محرم عليه في الأصل في علمه وقولها هي حجَّة لها إن كانت صادقة ولا حجَّة له هو إذا هي مدَّعيَّة، وقال من قال: لا تصدَّق في ذلك إلا أن يعلم أنَّها تزوَّجت زوجاً غيره وأنَّه أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً أو صار منها في موضع الخلوة بها واحتمال المجامعة لها ثم يموت عنها أو يطلِّقها فتدَّعي الوطء ومنه لها وطئياً يوجب الغسل والعدَّة أو تلد على فراشه مولوداً يحكم عليه به، فإذا كان أحد ذلك حلَّت للأول وإنَّما كانت عندهم حجَّة في قولها في الخلوة إذا هي مصدَّقة على الزوج الذي خلا بها فيما تدَّعي عليه فيه الوطء، لأنَّه لا يطلع
__________
(1) في ب: قال الناسخ: حفظت من كتاب الضياء: قال أبو المؤثر: فأخذ برأي أبي عبيدة هكذا حفظته من كتاب الضياء والله أعلم. (6/243)
صفحة 2519
على ذلك سواهما فإذا خلا بها فادَّعت عليه الوطء ممَّا يوجب تمام/336/ الصداق بعد الصداق كان هذا ممَّا قولها فيه حجة، لأنَّه لا يطلع عليه سواهما وهذا في معنى الحكم عليه هو، وكذلك قيل له عليها الحجَّة في الردِّ إذا طلَّقها بعد الخلوة فادَّعت أنَّه لم يطأها، وقال هو إنَّه وطئها؟ فمعي: أنَّه يقبل قوله مع يمينه، وكذلك القول قولها مع يمينها ممَّا هي حجَّة فيه وعامة من أحكام الرأي من قول أهل العلم تخرج على معنى الاطمئنانة لا على معنى الحكم في النظر، وعن رجل قال لامرأته ليسك لي بامرأة ينوي الطلاق مرسلاً، فإذا كان مرسلاً فهي تطليقة وإن نوى ثلاثاً فبثلاث.
قال أبو سعيد: -رحمه الله- أرجو أنَّ في بعض القول أنَّ قوله ليسك لي بامرأة يخرج كذباً ولا يقع به الطلاق ولو أراد به الطَّلاق وعن رجلين مرَّا برجل يصلي فحلف أحدهما بطلاق امرأته أنَّه يصلي الظهر، وحلف الآخر بالطَلاق أنَّه يصلي العصر ولم يعلم أحدهما ما كان يصلي وإنَّما قالا بالظنِّ فيسئل الرجل فقال على قول أحدهما فإنَّهما يطلَّقان جميعاً حيث طلَّقا ما لا يعلمان.
وعن رجل تزوَّج امرأة ثم طلَّقها ثلاثاً وقد دخل بها وتزوَّجت غيره ونقلت إليه فلبثت عنده ليلة أو أكثر ثم طلَّقها ثلاثاً بعد أن صحَّ عليه أحكام الجواز بها واستوجبت الصداق وتزوَّجها الأول من ذي قبل هل عليه أن يسلها قبل أن يتزوَّج بها، فإذا لم يصحَّ دخول الزوج الآخر بها ممَّا لا شَّك فيه بحمل أو ولد أو نحو ذلك من إقرار منها بالوطء أو شيء من ذلك فلا يجوز له تزويجها معي حتى يسألها عن ذلك ويصحَّ معه ذلك، وقلت: وإن قيل: إن قالت أنَّه قد /337/ وطئها وطئًا يوجب الغسل، هل يجوز ذلك؟ فإذا قالت إنَّه قد وطئها وطئًا فيه الختانان ويجب فيه الغسل أجزأه ذلك ما لم يصحَّ كذبها في ذلك، وقلت: وقيل: إن لم تسل حتى دخل بها ثم سألها بعد ذلك فقالت أنَّه قد وطئها، هل يكون التَّزويج تامًّا؟ فنعم هو تامٌّ ما لم يصحَّ كذبها. (6/244)
صفحة 2520
ومن غيره: وقلت: في قول الله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جُناح عليهما أن يُضلحا}؟ [النساء] فمعي: أنَّه قد قيل: إنَّ هذا في الرجل يكون عنده الزوجة فيتزوَّج عليها غيرها ويميل إليها عنها بمحبَّته فوسع الله للرجل ذلك، إذا كان عن رأي زوجته ورضاها أن يتزوَّج عليها إذا اصطلحا ذلك على ما اصطلحا عليه في إيثار الآخرة عليها في معاشرة أو مؤنة إذا رضيت بذلك وأخبر أنَّ الصُّلح على ذلك إن اتَّفقا خير من المشاحنة والفراق، فإن لم يتَّفقا ولم يصطلحا فليس إلا الحكم من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان بين الزَّوجين.
وحفظ محمد بن الأزهر عن الوضَّاح بن عقبة في امرأة بكى ولدها فقامت إليه من عند زوجها لتسكته فقال الزوج أنت طالق يا خشبة أو يا علق قد سمَّى به ووضع يده عليه. قال الوضَّاح: فكتبتها فيها إلى مسعدة بن تميم فأجابنا أنَّ امرأة الرجل قد طلَّقت على هذه الصفة، قال: حفظ الوضَّاح أنَّه من قال بالطَّلاق ليسمع امرأته وقع عليها الطَّلاق، وقال أبو علي الحسن بن محمَّد بن أحمد حفظه الله وقد قيل: إنَّها لا تطلَّق ولو لم يسم بالخشبة إذا قال أنَّه نوى الخشبة أو الشَّاة أو غيرهما وهذا إذا لم يكن بينه وبين زوجته مخاطبة وأمَّا إن كان/338/ بينهما مخاطبة فقال لها: أنت طالق لم يقبل له نيَّة والله أعلم. وأمَّا الذي كتب طلاق زوجته في الأرض أو في كفِّه أو على وساد عامداً أو ناسياً، فأمَّا المتعمِّد فقد قال من قال: تطلَّق.
وقال من قال: لا تطلَّق حتى يقرأ ذلك هو أو غيره، وقال من قال: لا تطلَّق حتى يقرأه هو ولو قرأه غيره لم تطلَّق زوجته والله أعلم بالصَّواب. وأمَّا إذا أراد غير ذلك فكتبه فما لم يقرأه بعد ذلك فلا تطلَّق امرأته، وأمَّا إن كتب ذلك متعمِّداً الكتابة ناسياً لما يجب من الطَّلاق فذلك مثل المتعمِّد.
صيغ مختلف عليها: (6/245)
صفحة 2521
وسئل عن رجل له زوجتان أحدها اسمها هند، والأخرى زينب فدعى هند فاستجابته زينب فقال: أنت طالق وهو يريد طلاق هند، ولم يعلم أنَّ التي استجابته زينب من يقع عليها الطَّلاق منهما؟ قال معي: إنَّه يختلف فيه، وقال من قال: إنَّه إنَّما تطلَّق التي أراد لها الطلاق وقصد إليها وهي هند وعلى معنى قوله. وقال من قال: تطلَّق التي استجابته لأنَّ الخطاب وقع عليها وهي زينب، وقال من قال: إنَّهما يطلَّقان جميعاً، لأنَّه نوى بالطَّلاق لواحدة وخاطب الأخرى أيضاً بالطَّلاق، وقال من قال: لا يطلَّق إحدهما لأنَّ التي أرادها وقصدها بالنيَّة أزال عنها بالخطاب، والتي خاطبها بالطَّلاق لم يزد طلاقها وإنَّما هو لم يعلم أنَّها هي. وعن رجل طلَّق امرأته ثم أبى أن يردَّها حتى يضمن له بشيء ففعلت ذلك التي قال لها وردها على ذلك، هل يثبت عليه الضمان، فقد قيل في ذلك/339/ باختلاف، فقال من قال: إنَّ ذلك جائز له عليها لأنَّه لم يكن عليه أن يردَّها ولا كان ذلك عند عقد تزويج وإنَّما هو ردَّه، وقال من قال: إنَّ ذلك جائز ما لم يردَّ عليها أكبر من صداقها الذي صار إليها منه، فإذا كان أكبر من ذلك لم يثبت عليها وهذا القول أحبُّ إلي، وقد وجدنا عن محمد بن محبوب-رحمهما الله- إنَّه قال فيمن طلَّق امرأته إن كان سفلة قال: إن كان ولياً لم تطلِّق وليسه بسفلة، وأحسب أنَّه وقف فيما سوى ذلك إذا لم يكن ولياً، وعن جابر بن زيد_رحمه الله_ في رجل قال: إنَّه طلَّق امرأته في نفسه ثلاثاً قال له جابر السَّاعة طلَّقت حين تكلَّمت بذلك.
ومن غيره: وسألته عن رجل طلَّق امرأته رجل والزوج يسمع فرضي بقلبه ولم يحرِّك لسانه أتطلَّق زوجته؟ قال: نعم وحدَّثني أبو سفيان يرفع الحديث إلى أبي عبيدة أنَّه سأل عن امرأة فلمَّا أعارت امرأة حليها فلم علم زوجها جعل طلاقها إن قبلته وجعل زوج الأخرى طلاقها إن لم يرده فقال أبو عبيدة ذهبتا سلَّمت واحدة سلَّمتا جميعاً ترد الحلي هذه ولا تقبله هذه وسلَّمتا جميعاً من الطَّلاق. قال أبو المؤثر: قال محمد بن مخلد عن موسى بن علي (6/246)
صفحة 2522
-رحمه الله- في رجل حلف بطلاق امرأته إن أعطت أمَّها شيئًا فأعطت أمَّها شيئًا لم تقبضه، فقال: وقد وقع الطَّلاق ولا تثبت العطيَّة لأنَّها لم تقبضها ولم تحرزها.
الطلاق قبل الدُّخول:
وقال: اختلفوا فيمن طلَّق زوجته ثلاث تطليقات من قبل أن يدخل بها، فقال بعضهم: لا يتزوَّج بها حتى تنكح زوجاً غيره، وقال آخرون: يتزوَّجها /340/وتكون عنده تطليقتين. قلت: فإن طلَّقها واحدة من قبل أن يدخل بها، هل يردُّها بغير تزويج؟ قال: لا يردُّها إلا بتزويج جديد. ومن حديث أبي سفيان: سئل أبو عبيدة عن امرأة أعارت حُلياً لها امرأة أخرى. قال: فسألها زوجها أين حُليّك؟ قالت: أعرته فلانة. قال: أنت طالق إن أخذتيه منها. قال: وقال زوج المرأة التي استعرت الحلي لامرأته إن لم ترديه فأنت طالق. قال: فقال: طلقتا، طلقت إحداهما لم تطلق ترد هذه ولا تأخذه هذه. قال أبو سفيان كأنَّه وقع في وهمه أنَّه أول ما سمع المسلمة أنَّهما يطلَّقان جميعاً ثم استدرك ووقع في وهمه أنَّ أحدهما تطلَّق. فقال أحدهما تطلَّق ثم استدرك وتبيَّن المسألة فقال: لم يطلقا ترد هذه ولا تأخذ هذه وكان هذا أعجب ما جاء منه.
الحلف بالطَّلاق:
وعن رجل حلف بطلاق زوجته لا تدخل بيته أبداً فدخلت ثم ردَّها ثم دخلت ثانية، هل يقع طلاق ثاني؟ فقال من قال من الفقهاء: لا يقع عليها الطَّلاق إلا مرة واحدة، وقال من قال: كلَّما دخلت وقع عليها الطَّلاق والذي نأخذ به القول الأول لا يقع عليها الطَّلاق إلا مرَّة واحدة.
طلاق بالمئة:
ومن غيره: قلت: فرجل طلَّق امرأته في القيض (1) مائة تطليقة بكلمة واحدة تبين منه بثلاث أم يرد الطَّلاق إلى تطليقة واحدة؟ فأقول: إنَّها قد بانت منه بالثلاث والعدد
__________
(1) في ب: في الغيط (6/247)
صفحة 2523
معروف ولا يكون الكثير واحدة وهو عاصٍ لربه فيما زاد على الثلاث من الطَّلاق، ولسنا نأخذ بقول من أوجب ذلك واحدة وعن رجل نكح امرأة ثم طلَّقها من قبل أن يدخل بها ثم نكحها ثم طلَّقها من /341/قبل أن يدخل بها ثلاث مرات فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فإن تزوَّجها غيره ثم طلَّقها حلت له دخل بها الزَّوج الآخر ولم يدخل بها.
قال أبو علي الحسن بن أحمد -حفظه الله- وقد قيل: أنَّه لا يرجع إليها حتى يدخل بها الثاني وذلك يوجد عن عبد الله بن محمد بن بركة رضيه الله وغيره من المسلمين.
ومن غيره: ورجل يطلب رجلاً بدراهم فقال له: إن لم أدفعها إليك إلى رأس الهلال فامرأته زعم طالق فلمَّا أتاهُ بدراهم إلى رأس الهلال لم يجده، قال: لا تفوته امرأته حين وفى وكان ذلك من قبل غريمه فأمَّا هو فقد وفَّى ولا تفوته امرأته، وعن رجل حلف بطلاق زوجته لا يكلِّم زيداً فجاء زيد فناداه فقالت المرأت لغيرها. قل له ليس هو هنا؟ فقال من قال من أصحابنا: إنَّ فيها اختلافاً والله أعلم. وأمَّا أنا فلا أراها كلمته وإنَّما كلَّمت غيره والله أعلم.
وفي امرأة أخبرها رجل ثقة أنَّ زوجها طلَّقها فأنكر الزوج وطلبت المرأة يمينه أيلزمه ذلك أم لا؟ فليس عليه يمين في هذا المكان، لأنَّ الثقة وحده ليس بحجَّة والله أعلم.
((وعن أبي علي أنَّ عليه في ذلك اليمين والله أعلم)) (1). وانظر في جميع ما كتبت به ولا تأخذ منه إلا ما وافق الحقَّ والصَّواب. وعن الطَّلاق، هل فيه أيمان بمثل امرأة ادَّعت على زوجها الطَّلاق وأنكر الزوج ذلك، هل تحلف أنَّه ما طلَّق أو تردُّ اليمين إليها على ما ادَّعت من الطَّلاق فتحلف المرأة، فإذا حلفت بانت منه على ما ادَّعت من الطَّلاق، فأعلم أنَّهم قد قالوا أنَّ الأيمان في الطَّلاق على الزَّوج،/342/ فإن ردَّ الزوج اليمين إلى المرأة حلفت على ما ادَّعت عليه من الطَّلاق (2)، فإذا حلفت المرأة فقد قال بعض الفقهاء أنَّها قد بانت منه فيما أن حلفت عليه من الطَّلاق إلا أن نقول إنَّ الحاكم يشترط على الزوج
__________
(1) لا يوجد ما بين قوسين.
(2) هذه الفقرة غير موجودة في أ. ما بين القوسين. (6/248)
صفحة 2524
إذا ردَّ اليمين إلى المرأة أنَّ يمينها طلاقها، فإذا حلفت المرأة على هذه طلَّقت ولا شكَّ في ذلك.
وجواب من أبي الحواري: إلى من كتبت إليه أمَّا بعد: فما زلت مكرماً وبنعم الله سالماً سألت عن رجل قال لزوجته أنت طالق ما شئت أو كما شئت فقالت المرأة إلا أشاء شيئًا، هل يقع في ذلك طلاق؟ فعلى ما وصفت فقد وجدنا في بعض الآثار أنَّها تطلَّق واحدة، إذا لم تشأ شيئًا؛ لأنَّه قد عزم الطَّلاق، وإن شاءت المرأة أكثر من ذلك فهو ما شاءت وإن لم تشأ شيئًا وقالت: لا أشاء شيئًا من الطَّلاق فلابدَّ من تطليقة. وسألت عن ذلك أبا المؤثر فقال: لا يقع شيء من الطَّلاق إذا قالت المرأة لا أشاء شيئًا وقد كنت أنا ناظرهُ في ذلك وقد رأيته كشبه الذي يتردَّد حتى فارقته ولا أعلم أنَّه عزم على شيء من الطَّلاق، وأمَّا أنا فقد كان يذهب قلبي إلى القول الأول والله أعلم. وعن امرأة قالت لزوجها أنت طالق فقال الزوج: قد أمضيت ذلك أو طلاقك، هل يكون ذلك طلاقاً؟ فعلى ما وصفت فإنَّ ذلك طلاق إذا قال: أمضيت ذلك لك وأمضيت لك طلاقك.
ومن غيره: قال أبو الشَّعثاء لو أنَّ رجلاً أعرض بوجهه عن امرأته يريد بذلك أن تدع له مهرها فاختلعت يحرم عليه ذلك، وإذا قال: إن دخلت دار/343/ فلان فأنت طالق لم تطلَّق حتى تدخل، وإن قال: إن دخلت دار فلان طلِّقت لأنَّه فعل ما مضى./344/
الباب الثالثعشر في الخلع
رجع إلى كتاب أبي جابر:
قال الله عزَّ وجل في كتابه: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوج وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بُهتاناً وإثماً مُبيناً} [النساء] والقنطار قيل: ألف دينار ومائتي دينار، وقيل: ملؤ جلد بعير، وقيل: ملؤ جلد بقرة.
والخلع: هو أن تفتدي المرأة بشيء ولو قل من مالها وتدعه لزوجها ويبرئ لها نفسها فذلك هو الخلع، وهي تطليقة واحدة تصير فيها أملك بنفسها وليس له ردُّها في العدَّة إلا برأيها (6/249)
صفحة 2525
ولا موارثة بينهما ولا لها نفقة إلا أن تكون حاملاً فتخرج من بيتها فإذا ردَّها بدون حقِّها لم يجز ذلك ولها حقُّها كلَّه./345/
ومن غيره: ويوجد قال أبو المؤثر _رحمه الله_: توهَّم أنَّ هاشم بن غيلان رحمه الله قال في امرأة اختلعت ثم ردَّها زوجها بدون صداقها؟ فقال: لها أن تزداد ولا تنقص. قال: وكذلك بلغنا عن الرَّبيع وعن بشير رحمهما الله وأمَّا محمد بن عبد الله بن حسَّاس (1) فأجاز ذلك ولم ير به بأساً. قال أبو المؤثر: نأخذ برأي الرَّبيع./347/
من صور المخالعة:
رجع: إلا أن يتزوَّجها بنكاح جديد في العدَّة أو بعد العدَّة فليس لها إلا المهر الذي تزوَّجها به وتكون عنده بما بقي من الطَّلاق حتى تتزوَّج زوجاً غيره ويفارقها، وتكون مع هذا إذا تزوَّجها بثلاث تطليقات. وقيل: المختلعة تزاد ولا تنقص والمطلَّقة واحدة وثنتين وفي نسخة: أو اثنتين إن ردَّها برأيها على أقل من صداقها الأول فذلد جائز، وقيل: إذا وقع بين المرأة والزوج التنازع ثم أبرأته من حقِّها أو أبرأ لها نفسها ثم رجعت في حقِّها لم يسعه فيما بينه وبين الله إلا أن يعطيها حقَّها وهو الذي قال الله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئًا} [النِّساء].
قال أبو الحواري: إذا رجعت في حقِّها فله الرجعة في نفسها إن كان بقي من الطَّلاق شيء إلا فأعطاها حقَّها هكذا حفظنا.
قلت لأبي الحواري: كيف إذا تباريا الزوجان ولا يكون للزوجة رجعة في مالها؟ قال: حتى تقول إنِّي كارهة لدراك ولا أبر لك حنثاً ولا أغسل لك من جنابة، فإذا قالت له هي هذا فهي ناشز وتحلُّ له فديتها وليس عليه في هذا رجعة، وأمَّا في الحكم فإذا صحَّ ذلك جاز عليها، وقيل: لا يسع الزَّوج أخذ حق المرأة إذا أبرأته منه عند الشقاق إلا أن تكون مبغضة له أو لجماعة أو لداره فذلك هو النُّشوز، فإذا عرف ذلك جاز له ما أبرأته عنه، ثم قال الله
__________
(1) في ب: ومحمد بن عبد الله بن حبَّاس. (6/250)
صفحة 2526
تعالى: {إلا أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله فإن خفتم ألاَّ يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة] وذلك إنَّه يخاف على المرأة الفتنة إذا كنت مبغضة لزوجها فتعصي الله فيه وتخاف من الزَّوج إن/348/ لم تطعه أن يعتدي عليها، فإن علمتم يعني الحُكَّام ألا يقيما حدود الله يعني الرجل والمرأة فلا جُناح عليهما يعني لا حرج عليهما فيما افتدت به، وإذا قعد الرجل والمرأة للخلع وأراداه وأشهدا بذلك، فقد قيل: إنَّه خلع ولو قصرا عن الكلام الذي فيه بيان ذلك، فإذا قالت المرأة لزوجها قد أبرأتك من مالي على أن تبرئ لي نفسي فقال: قد قبلت ولا أبرئ لك نفسك فلا شيء في ذلك والحقُّ عليه.
ومن غيره: وقال: ويوجد وأخبرنا عن الربيع في الرجل تقول له امرأته قد أبرأتك من مالي على أن تبرئ لي نفسي. فقال: قد قبلت المال ولا أبرئ لك نفسك؟ فقال الربيع: هذا وسخ ولا يفرَّق بينهما. وقال ابن المعلا قال: ابن المؤرج: إذا قالت له هذا فقال: قد قبلت المال بانت منه ولا يغني عنه قوله ولا أبرئ لك نفسك إذا قدم القبول. قال أبو سعيد-رحمه الله- وقيل: أنَّها لا يقع عليها برآن إذا قال: قد قبلت لك مالك ولا أبرئ نفسك واصلاً كلامه. وقد قيل: يقع البرآن ولا ينفعه الاستثناء (1)، فإن قال: قد قبلت وسكت وقاما على ذلك، فقيل: إنَّه خلع، وكذلك إن أبرأته على أن يطلِّقها ثلاثاً فقال: قد قبلت وقد طلَّقتها واحدة، فهو خلع./349/
ومن غيره: وأخبرنا ابن المعلا عن الربيع عن جابر أنَّه قال: إذا قالت المرأة لزوجها قد أبرأتك من مالي على أن تطلِّقني فقال: قد قبلت فقد طلَّق وإن لم يذكر طلاقاً، وإن قالت: زدني فعليه أن يزيدها ثلاث تطليقات. وقال: إذا أبرأته على أن يطلِّقها ثلاثاً فطلَّقها واحدة، فإنَّه يبرئ من حقِّها فإن رجعت فلها حقّها وهو أملك برجعتها.
__________
(1) في ب: رجع: إن قالت. (6/251)
صفحة 2527
ومن غيره: وعن رجل وامرأته وقع بينهما كلام فقالت المرأة قد أبرأتك من حقِّي إن أبرأت لي نفسي، فقال: قد قبلت الحقَّ ولا أبرئ لك نفسك، أو قال: قد قبلتولم ينو لها برآناً؟ فعلى ما وصفت: فإن كان قد قال قبلت الحقَّ ولا أبرئ لك نفسك كلاماً متَّصلاً ولم تقطعه بسكون فلا يقع البرآن وهي امرأته، وإن كان قال: قد قبلت وسكت فقد وقع البرآن، فإن كان وطئها فقد حرمت عليه أبداً، وإن كان شكَّ في نفسه بعد ذلك ولم يعرف أي القولين قال، فقد وقع البرآن حتى يعلم ويستيقن أنَّه قال قد قبلت الحقَّ ولا أبرئ لك نفسك. ولا ينبغي له أن يقيم مع هذه المرأة على الشَّك والشبهة والأخذ بالوثيقة هو أحوط وأقرب للسَّلامة وأعلم أنَّ البرآن أنَّه واقع حتى يعلم أنَّه استثنى في قوله قد قبلت الحقَّ ولا أبرئ لك، وإن لم يكن استيقن على ذلك فقد وقع البرآن ولو نوى قبول الحقِّ ولم ينو البرآن في نفسه فقد وقع البرآن ولا تنفعه النيَّة هاهنا.
قول أبي الحواري وقال: هكذا حفظنا، وإن قال: قد قبلت وقاما على ذلك، فقال من قال: إنَّه خلع، فإن قال قد قبلت ولا أطلِّقك فلا شيء في ذلك، ولو قال رجل لامرأته قد أبرأتك وخلعتك ولا يريد بذلك طلاقاً فلا شيء في ذلك. قال أبو الحواري: إذا لم/350/يكونا قعدا للخلع. (1) ((وقيل عن أبي الشعثاء لو أنَّ رجلاً أعرض بوجهه عن امرأته يريد بذلك أن تترك له مهرها فاختلعت لحرم ذلك عليه.)) وممَّا كره بعض المسلمين للرجل والمرأة إذا أراد الخلع أن تبرئه من مالها على شرط من الشروط غير براءة نفسها، وكره له هو أن يقول قد أبرأت لها نفسها ما برئت من حقِّه وربَّما قال: فإن لم تبرئه من مالها الذي عليه لها، فهو راجع في نفسها وضروب كثيرة من هذه الشروط التي يخالطونها في شروطهم ولكن الوجه في ذلك إذا اتَّفقا على الخلع أن تبرئه من مالها عليه أو تعطيه كذا وكذا من مالها على أن يبرئ لها نفسها بالطَّلاق (2). وهكذا ينبغي أن يقول إذا اتَّفقا على الخلع، لأن لا يكون في ذلك مسألة ولا ارتياب.
__________
(1) ما بين القوسين غير موجود في أ، ب.
(2) في أ، ب زيادة: ويشهد هو أنَّه قد قيل أنَّه الذي أعطه من مالها وأبرأها نفسها بالطلاق فهكذا. (6/252)
صفحة 2528
ومن غيره: قال أبو سعيد-رحمه الله- إذا أراد الزوجان أن يتخالعا فيعجبني أن يكون لفظهما في ذلك إذا قعدا للخلع أن تقول المرأة قد برأت زوجي فلان بن فلان من حقِّها الذي عليه لها أنه تبرئ لها نفسها برآن الطَّلاق، ويقول الزوج إنَّه قد أبرئ لفلانة بنت فلان هذه نفسها برآن الطلاق. وقد قيل: برآنها هذا على هذه الصفة وهذه الشريطة وذلك يوم كذا وكذا من شهر من سنة كذا وكذا./351/
صور من المخالعة:
رجع: وقد قال بعض المسلمين: أنَّهما إذا قعدا للخلع وأراداه فلفظ لفظاً من برأتها له وبرأته لها هو نفسها وكان قولهما ذلك ممَّا فيه نقصان ولا يجب الخلع على من لم يردَّه إلا أنَّهما هما إذا قعدا للخلع وأوجباه على أنفسهما بقولهما ذلك فقد وجب عليهما بذلك القول الخلع. وقد ينبغي التثبت عند مثل هذا وأن يشار فيه على أهل البصر وكل امرأة اختلعت إلى زوجها من حقِّها أو أبرأته منه وأبرأ لها نفسها ثم ادَّعت أنَّها إنَّما خرجت من الإساءة وصحَّ ذلك بشاهدي عدل أنَّه كان مسيئًا إليها، فإنَّه يحكم عليه لها بحقِّها ولا سبيل له إلى الرجعة في نفسها إلا برأتها ولو كان إنَّما أبرأها ما برئ من حقِّها، لأنَّه قد أبرأته ووقع الخلع وهذا صداقها الذي كان أوجب لها عليه وطئها، وقال بعض الفقهاء: في امرأة تجوع عند زوجها فاختلع إذا جاعت ولم يقدر لها على الشبع، فقال: لها صداقها إذا هو أيسر وكذلك إذا كان موسراً فأجاعها ومنعها شيئًا ممَّا يجب لها عليه أو أذاها بيده أو بلسانه وكلُّ هذا من الإساءة إذا صحَّ بعد الخلع وطلبت ذلك كان لها حقُّها.
وبلغنا عن موسى بن أبي جابر رحمه الله في رجل وامرأته بينهما الشقاق فتطلب منه الخروج فيقول الرجل إنِّي كنت مسيئًا في أمرك وأنا أستغفر الله وراجع إلى الحقِّ فيك أنَّها لا تتبعه بشيء تعني إذا أبرأته بعد هذا القول. وقال أبو عبد الله مثل ذلك وأمَّا موسى (1) بن علي -رحمه الله- فقيل إنَّه كان يدعوها بشاهدي عدل على الإساءة، فإن أحضرت
__________
(1) في أ، ب: أبو علي موسى بن علي ... فقد قيل. (6/253)
صفحة 2529
شاهدي عدل إنَّه كان مسيئًا إليها فإنَّها/352/ تلحقه بالصداق (1). قال أبو عبد الله -رحمه الله- إنَّما تدَّعي المرأة بشاهدي عدل على الإساءة إذا لم يكن الزوج عرض إليها الإحسان والإنصاف بعد الإساءة، فأمَّا إذا عرض عليها ذلك فذلك يهدم الإساءة، ولعلَّ غيره أن يرى لها حقها على حال إذا صحَّ أنَّه كان مسيئًا إليها واحتجت أنَّها لم تثق بذلك القول منه.
أبو الحواري: وأنا أقول بقول من رأى لها حقَّها ولو عرض عليها الإحسان، وقالت هي لا أثق بقوله، ومن اختلعت إليه امرأته وليس تطلبه بشيء، فقال من قال: أنَّه خلع، وقال من قال: هي تطليقة وهو أملك بردها والخلع إنَّما يكون بفدية شيء وهو قول محمد بن محبوب- رحمهما الله- وله الرجعة عليها.
الخلع عند الموت:
وأمَّا إذا كان الخلع عند موت أحدهما، فقال من قال: لا يبرئ الزوج وهما يتوارثان، وقال من قال: إن كانت هي الميتة؛ فإنَّه لا يبرئ وهي تطليقة وله منها الميراث، وإن كان هو الميِّت فإنَّه يبرئ ولها الميراث في ماله وعليها عدَّة المتوفى عنها زوجها، وهذا الرأي أحب إلي، فإن ضمن والد الزوج أو غيره بالصداق ثم تخالع الزوج وزوجته ثم ردَّه في العدَّة فالصداق على الذي كان ضمن به أولاً، وإن لم يردَّها/353/في العدَّة حتى تزوج بها تزويجاً جديداً فالصداق على الزوج وقد برئ صاحب الضمان الأول، وإن أبرأت المرأة الزوج من صداقها فقد برئ منه الذي ضمن عليه إذا أبرأته منه عند الخلع برآناً صحيحاً، وإن كان الضمين قد دفع الصداق إلى المرأة من عنده ثم ردَّته هي على الزوج وتخالعه، فقد قيل: أنَّه للزوج، وإن وكَّل رجل رجلاً في طلاق زوجته، وقال له: كلَّما أبرأتني من ثلث الصداق فطلَّقها واحدة فإذا أبرأته من شيء من الصداق فطلَّقها واحدة فذلك كخلع وهي أملك بنفسها ولا يلحقها الطلاق من بعده، وقيل: في رجل طلبت إليه امرأته أن يبرئ
__________
(1) في أ، ب: وقال أبو زياد رحمه الله، وإن لم تكن بينة حلفته ما كان مسيئًا إليها، فإن لم يحلف حلفتها وأعطيتها مهرها. (6/254)
صفحة 2530
إليها نفسها وقالت: قد أبرأتك ممَّا أطلبك به فقال: قد أبرأت لك نفسك إن كان معك دراهم ترديها علي، وكان قد أوفاها بعض الصداق وقاما على ذلك ثم طلب الدراهم منها فقالت: حتى أجيء بها. قال: فإذا لم يكن عندها دراهم في ذلك الوقت حتى تحتالها فليس ذلك لها ولا يقع البرآن بينهما.
الخلع على الحرام:
من خالع امرأته على شيء من الحرام مثل الخمر أو لحم الخنزير أو نحوه فقيل له: شروي ذلك. وعن رجل خالع امرأته ثم أشهد على رجعتها على غير محضر منها وأعلمها بذلك وصدَّقته وأمكنته من نفسها، قال: كان عليها أن لا تمكِّنه من نفسها حتى تشهد برجعتها على محضر منها، لأنَّه لا يجوز له أن يردَّها إلا برضاها، فأمَّا إذا جهل ذلك فلا نرى فساداً إن شاء الله.
وعن رجل وامرأة قعدا للخلع وأراداه فقالت امرأته قد أبرأتك/354/قال: أبرأت لك نفسك ما برئت من حقك قال: نسأل المرأة، فإن قالت إنَّ قولها قد أبرأتك تريد أنَّها قد أبرأته من ماله على أن يبرئ لها نفسها فقد وقع الخلع إن صدَّقها زوجها على ذلك، لأنَّ المرأة ليس لها نية، إلا أن يصدِّقها زوجها ويتَّفقا على أنَّهما إنَّما أرادا الخلع فهو خلع وإن قالت لم أرد بقولي ذلك قد أبرأتك شيئًا ولا أردت الخلع فلا يقع الخلع، وكذلك رأينا في هذا وإذا أبرئ الزوج لزوجته نفسها على برآته من مؤنة ولده منها عشر سنين أو أقل أو أكثر من درهم إلى عشرة آلاف درهم أو نحو هذا من الشروط، فإنَّ لها في كلِّ هذا الرجعة لأنَّه مجهول وليس له هو رجعة في نفسها.
صور من المخالعة:
قال أبو الحواري: إن كان لها عليه صداق فأبرأته منه ومن هذه المؤنة التي لولدها ثم رجعت في مؤنة ولدها كانت لها الرجعة في المؤنة على الزوج ولم يكن لها رجعة في الصداق ولم يكن للزوج عليها رجعة، وإن لم يكن لها على زوجها صداق وأبرأته من مؤنة (6/255)
صفحة 2531
ولدها وأبرئ لها نفسها ثم رجعت في مؤنة ولدها كان لها الرجعة في مؤنة ولدها وكان له هو الرجعة في نفسها، وإذا وقع الخلع بين الزوجين ثم اتَّفقا على العودة على إنَّ طلاقها بيدها فذلك جائز وطلاقها بيدها وليس له نزعه ولكن إن طلَّقها هو جاز أيضاً، وإذا قال الرجل لزوجته إن أبرأتني من صداقك فأنت طالق، فإن أبرأته من صداقها ذلك الوقت، فإنَّه يبرئ وهو خلع وإن افترقا من مجلسهما ولم تبره ثم أبرأته من بعد ذلك لم يكن لهما، وفي حفظ أبي/355/زياد_رحمه الله_ في المختلعة لو أنَّ زوجها أشهد بردها وأعلمها شاهداً عدل ثم وطئها قال: قال هاشم وطئها رضاها وعن زياد-رحمه الله- أيضاً عن عبد المقتدر -رحمه الله- في الذي قال لامرأته إن دخلت دار فلان فأنت طالق إلا أن يشاء الله، فإنَّها لا تطلَّق وهو قول أبي زياد، وإذا قال: إن دخلت دار فلان فأنت طالق إن شاء الله فقال: تطلَّق ولا ينتفع بقوله إن شاء الله، ومن قال إلا أن يشاء الله ينوي إلا أن يشاء الله أن يدخل، فقال من قال: إن لم تكن له نية أيضاً تطلّق، وقال: في امرأة قالت لزوجها أبرأ لي نفسي وعلي لك ألف درهم فأبراها نفسها على ذلك فإنَّه لا يتبعها بأكثر من صداقها. وقال من قال: في رجل طلبت إليه امرأته نفسها فقالت: دعني هذه الليلة فقد تركت لك من صداقي كذا وكذا إنَّ ذلك خلع، وقال من قال: ليس بخلع وذلك رأي.
قال أبو الحواري: عن أبي المؤثر أنَّه قال: ليس بخلع. وعن رجل اختلعت إليه امرأته على أن يطلِّقها فقال قد قلت ثم بقيا أياماً ثم طلَّقها ثلاثاً؟ فعلى هذه الصفة لا أرى الطلاق يلزمها وقد وقع الخلع ولا مال لها. وعن أبي عبد الله (1) -رحمه الله- أنَّه من إساءة الرجل إلى امرأته التي يلزمه صداقها إذا افتدت منه أن يضربها أو يشتمها أو يصر على ترك وطئها فيضارها متعمِّداً أو يمنعها كسوتها ونفقتها أو أحدهما./356/
ومن غيره: قال أبو عبد الله-رحمه الله- إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها وأبرأى لها نفسها وهي مريضة فبرآنة لها تطليقة يملك فيه رجعتها إن كان بقي بينهما شيء من
__________
(1) في أ، ب: وعن أبي علي رحمه الله. (6/256)
صفحة 2532
الطَّلاق ولا يبرئ من صداقها، وإن ماتت من قبل أن يردَّها وهي في عدَّتها لم يرثها، لأنَّه لم يكن له عليها رجعة، وإن كان هو مريضاً وهي صحيحة وأبرأته من مالها وأبرئ لها نفسها برئ هو من مالها وبرئت هي، لأنَّ طلاقه لها وهو مريض أو صحيح جائز عليه، وإن مات من قبل أن تخلوا عدّتها منه ومن قبل أن يردَّها إن كان بقي بينهما من الطَّلاق شيء، فإنَّها لا ترثه لأنَّه برآن وقع بينهما. تم الباب من كتاب أبي جابر.
صور المخالعة:
ومن غيره في الخلع: قلت له: فإن قالت قد خالعتك على ما تزوجتني عليه وقبل الزوج؟ قال: عندي أنَّه يقع البرآن بذلك.
قلت له: فإن قالت قد باريتك على ما تزوجتني عليه، هل يقع البرآن؟ قال: عندي أنَّه يقع البرآن. قال: عندي أنَّه لا يقع البرآن لعلَّه أراد أنَّه يقع البرآن بهذه اللفظة أيضاً.
قلت له: فإذا وقع الخلع ممَّا خالعته على ما تزوَّجها عليه، هل عليه رد كلَّما استهلكته ممَّا نقدها من حقِّها أو كان شيئًا منه في يدها بعد، هل عليها رد ذلك كلِّه؟ قال: نعم هكذا يخرج عندي.
قلت له: فإذا قالت له قد أبرأتك من حقي ما أبرأت لي نفسي ووقع البرآن، هل عليها رد ما استهلكته؟ ممَّا سلَّمه إليها من نقدها أو كان في يدها شيء منه باق لم تتلفه؟ هل عليها رد ذلك كلّه؟ قال: لا يبين لي ذلك.
قلت له: ولا يقع برآنها له إلا ما بقي على ظهره لها من نقدها فقط؟ قال: هكذا عندي. ومن الأثر، قلت لهاشم: ما تقول في امرأة أبرأت زوجها فقال: إذا سمعها أبرأته أنت طالق ولم يقل قد /357/ قبلت فما تقول في مهرها إن طلبته وقالت أنت طلّقتني ولم تقبل فديتي وقال هو: إنَّما طلَّقتك إذا أبرأتني؟ فقال هاشم: فقد اختلف في ذلك، فمنهم من قال: عليه مالها إذا لم تقبل، ومنهم من قال: قد برئ إذا أبرأته واقطع رحمك الله. (6/257)
صفحة 2533
المختلعة بالحامل:
وقرأ علينا أبو سعيد-رحمه الله- في بعض آثار أصحابنا في المختلعة الحامل يموت مطلّقها، قال في الأثر: قال من قال: لها النفقة في ماله حتى تضع حملها، وقال من قال: لا نفقة لها إذا مات، وكذلك المطَّلقة الحامل لها النَّفقة في مال مطلّقها لأجل الحمل إلا أن تبرئه فلا نفقة لها ويحاصص الديان بنفقتها على ما قال في الأثر. وعن امرأة تقول لزوجها قد أبرأتك من حقّي على أن تطلّقني فقال: إن طلَّقها كان خلعاً. وسئل عن رجل يسيء إلى زوجته حتى تفتدي منه بصداقها وتختلع منه. قال: عليه صداقها ولا براءة له منه، إذا كانت إنَّما اختلعت من الإساءة.
قيل له: فإذا طلبت إليه صداقها بعد أن اختلعت منه واحتجَّت بالإساءة أله أن يردَّها ما كانت في العدَّة بغير رأيها؟ قال: نعم، إذا طلبت إليه صداقها، كان له أنيردَّها بغير رأيها وإنَّما ذلك البرآن طلاق وعليه هو الصداق.
قلت له: أنا فتطلب إليه أو إلى الحاكم؟ قال: إن طلبت إليه أو إلى الحاكم فكلُّ ذلك سواء إذا طلبت إليه صداقها وردها في العدَّة.
وعن امرأة جرى بينها وبين زوجها كلام ما يشبه البرآن فظنَّا أنَّه قد وقع البرآن وهو غير برآن في رأي المسلمين فجهلاً ذلك وتزوَّجت/358/ المرأة زوجاً غير الأول وحملت منه وولدت معه لمن يكون الولد للأول أو للثَّاني؟ قال معي: إنَّه إذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً فهو عندي ولد الآخر.
قيل له: وهل تفسد على الأول؟ قال: عندي أنَّه قيل أنَّ المرأة لا يفسدها على زوجها إلا الزنا الفحت. وأمَّا ما كان على مثل هذا من التَّزويج على سبب الشبهة من ظنِّهم أنَّ البرآن قد وقع الطَّلاق قد وقع فلا يبنى لي أنَّها تحرم على الأول وعندي أنَّها تحرم على الآخر إذا صحَّ أنَّها زوجت الأول على معنى قوله. (6/258)
صفحة 2534
ومن جواب أبي عبد الله إلى أبي حفص-رحمه الله-: وعن رجل اتَّفق هو وزوجته على الخلع فكره أن يبرئ لها نفسها حتى تعطيه نقدها الذي أدَّاه إليها وتبرئه من صداقها فلم يبرئ لها نفسها حتى أبرأته من كلِّ شيء جعله لها من ماله فردته عليه أيضاً وضمنت له عند الخلع بربابة ولده عشرين سنة ثم رجعت تطلب الشيء الذي زادته على نقدها أو أبرأته منه؟ فعلى هذا الشرط فإنَّه لا يبرئ من ربابة ولده وترجع بها عليه وترجع عليه أيضاً بالذي ردَّته عليه ممَّا كان جعله لها من ماله ولم يبر لها نفسها حتى ردَّته عليه، فذلك لها أن ترجع به عليه إلا أنَّ ذلك من مالها وليس له أن يزداد منها شيئًا غيرصداقها.
المخالعة بالدين:
وفي جواب أبي عبد الله إلى الإمام الصلت بن مالك-رحمه الله- وعن رجل خالع زوجته ولا صداق لها عليه وتركته له من قبل/359/ وكان لها عليه دين فداينته به ليس من صداقها وأبرأته من دينها ذلك وأبرئ لها نفسها ثم رجعت تقول لا أبرأته من ديني وليس هذا من صداقي، فأقول لها عليه الرجعة في هذا الدين على ما وصفت ويكون هذا البرآن بتطليقة يملك رجعتها منها، وإن لم تكن معه إلا بهذه التطليقة فقد بانت منه وترجع عليه بدينها هذا إلا أن يكون قد أوفها صداقها الذي لها عليه ولم تكن تركته، فإنَّه يبرئ من دينها هذا إلا أن يكون دينها أكثر من صداقها الذي دفعه إليها فإنَّ لها أن ترجع عليه بالفضل وتكون هذه تطليقة يملك رجعتها إن كان بينهما شيء من الطَّلاق.
وسأل سائل أبا الحسن-رحمه الله- وأنا عنده عن امرأة تقول لزوجها قد أبرأتك من حقِّي على أن تطلقني فقال: إن طلَّقها كان خلعاً.
ومن غيره: وسئل عن رجل تقول له امرأته أنت بريء من حقي الذي تزوجتني عليه وكان تزوَّجها على ثلاث مئة درهم، وكان أوصلها المئتين أنَّه لا يجوز برآنها له إلا من المئة التي بعد عليه، وأمَّا المئتان فليس هما عليه فيكون يجوز برآنها منه.
كيفية رد المخالعة: (6/259)
صفحة 2535
وعن أبي الحسن البستاني: وعن رجل تخالع هو وزوجته ثم ردَّها مع رجلين ثم وصل إليها فوطئها من قبل أيعلماها الشَّاهدان؟ قال: لا يجوز ردُّ المختلعة إلا برأيها وليس لها تصديقه حتى يصحَّ لها الردّ، فإن وطئها قبل ذلك فقد اختلفوا فيها والذي عرفت أن أعلمها الشاهدان أنَّ الرَّد قبل الوطء مع إعلامه لها في العدَّة/360/ ورضاها لم تحرم عليه على ما قال بعضهم.
أبرأ الصبيَّة:
ومن غيره: في الذي أبرأ الصبيَّة وأبرأته من حقِّها قبل بلوغها وهي صبيَّة ثم رجعت إليه وهي صبيَّة فرضيت به وجاز بها وكانت معه حتى بلغت، هل تحلُّ له ذلك؟ فعلى ما وصفت إن كان الرجل أبرأها برآن الطلاق ثم رجعت إليه ووطئها بلا تزويج جديد فقد وقع الفساد لبرآنه لها بالطَّلاق هو تطليقة، فإذا مضت ثلاثة أشهر من عدَّتها فقد حلت للأزواج هذا إن كان أبرأها بشرط أنَّه يبرئها إن أبرأته من حقِّها فذلك برآن موقوف والتَّزويج موقوف حتى يبلغ ولا يطأها إلى بلوغها، فإن وطئها بعد برآن الشرط وبلغت وأتمَّت التَّزويج ولم تتم البرآن ففي نفسي من وطئها هذا حرج ولا أقوى على تحريمه والله أعلم بالصَّواب.
ومن غيره: قال أبو علي: برآن الشريطة إذا قال إن كان بريء من حقِّها وما بريء من حقّها والله أعلم./361/
صيغ مختلف فيها:
رجع: وممَّا يوجد أنَّه عن الفضل بن الحواري عن رجل قالت له امرأته أريد فرولة (1) دوأ فخذ مني كذا وكذا ولا تقربني ففعل فقد قال من قال: إنَّه خلع، وقال من قال: ليس بخلع.
__________
(1) في أ، ب: أريد مناولة دواء ... وهذا أصح والله أعلم. (6/260)
صفحة 2536
مسألة: وعن امرأة طلَّقها زوجها فلمَّا خلا ما خلا من انقضاء شهر أو شهرين أشهد بردِّها. فقالت هي: قد حضت ثلاث حيض، ثم عادت فقالت: إنَّما حضت حيضة أو حيضتين، فهي مصدقة إذا رجعت وإن شاء رجع إليها على الذي وصفت، إلا أن يتم على قولها أنَّها قد انقضت عدَّتُها ولا يضرُّها قولها قد حضت ثلاثاً إذا رجعت عن ذلك. وعن رجل تزوَّج امرأة قبل أن تبلغ مبالغ النِّساء ثم طلَّقها قبل أن تحيض كيف يكون عدَّتها.
عدَّة غير الحائض الصغيرة:
قال أبو عبد الله: إذا كانت في حدِّ البالغات وقد حضن أترابها بعدَّتها (1) أبعد الأجلين.
قلت: فكيف؟ قال: تعتد تسعة أشهر للحمل لعلَّها حملت، فإذا انقضت تسعة أشهر اعتدَّت أيضاً ثلاثة أشهر فذلك سنة ثم تحلُّ للأزواج.
قلت: فإن حاضت قبل أن تكتمل السنة بيوم؟ قال: تهمل ما كانت فيه وترجع تعتدُّ ثلاث حيض.
وعن رجل وقع بينه وبين امرأته بعض الأمر فدخل عليه في نفسه شبه شكِّ في تطليقة ولم يستيقن، فهل له أن يقول أنَّه قد كان بينه وبين امرأته أمرٌ لا يدري بلغ فيه تطليقة أم لا؟ وإنَّه يشهد القوم أنَّه كان بلغ تطليقة فقد راجع امرأته؟ قال: كان صالح يكره حتى يسمى /362/ تطليقة ثم يشهد على ردِّها ورأيي مع رأي صالح في ذلك. وعن من بانت منه امرأته بالإيلاء أو بالظِّهار هي تنقضي عدَّتُها بذلك؟ فنعم تنقضي عدَّتُها بذلك ولا عدَّة عليها بعد ذلك وقد حلَّت للأزواج.
وعمَّن طلَّق امرأته واحدة ثم تركها حتى إذا بقي من عدَّتها عشرة أيام ألحقها الطَّلاق كلّه، هل لها أن تتزوَّج إذا انقضت العشرة الأيام أم تستأنف العدَّة من الطَّلاق الآخر؟ فعلى ما وصفت فقد قال من قال: تستأنف العدَّة من الطَّلاق الآخر، وقال من قال: العدَّة من
__________
(1) في أ، ب: فعداتها ... وهذه أصح. (6/261)
صفحة 2537
الطلاق الأول، فإذا مضت العشر التي ذكرت الباقية من عدَّتها تزوَّجت وجاز لها ذلك، وهذا القول معنا هو الأكثر والمعمول به./363/
جواب في مسألة البرآن:
فعلى ما وصفت، فإن كانا اتَّفقا على أن يبرئ لها نفسها وتبرئه من صداقها أو أبرئ لها نفسها وترد ما أخذت منه أو على أن ترد عليه ما أخذت من مال له وقبلت ذلك وأبرأها على ذلك وعلى ذلك قاما وتفرَّقا فقد وقع البرآن وترد عليه المرأة مع يمينها أو يكون مع الرجل بينة على ما يدَّعي فعليها أن ترد عليه ذلك وقد وقع البرآن أعطته شيئًا أو لم تعطه شيئًا وهو دين عليها.
وعن امرأة أشهدت بصداقها الذي على زوجها وهو عاجل أو آجل لأحد من أرحامها أو لرجل أجنبي، ثم اتَّفقت هي وزوجها على البرآن على ما برئ لها نفسها وأبرأته من صداقها؟ فعلى ما وصفت فالبرآن واقع برئ الزوج من الصداق وبرئت المرأة من الزوج ولا يلحق الزوج أحد ممَّن شهدت له بذلك وتلك الشهادة باطلة، لأنَّها أشهدت بشيء لم تقبضه، وكذلك لم تقبضه أيضاً الذي أشهدت له به، وعن رجل طلبت إليه زوجته أن يبرئ لها نفسها وقد كان أوفاها صداقها قبل ذلك فأبرئ لها نفسها ما برئ من صداقها ولم يكن لها صداق، هل يبرئ منه؟ فعلى ما وصفت فقد وقع البرآن.
وعن محمد بن محبوب-رحمهما الله- فقال هي تطليقة ويملك رجعتها. وعن موسى بن علي-رحمه الله- أنَّه خلع ولا يملك رجعتها إلا برأيها كذلك روى لنا عنهما رحمهما الله. وعن رجل تزوَّج امرأة فأنجزها شيئًا من ماله ثم تباريا وتمسكت المرأة/364/بالذي أنجزها وقال المال مالي ولم يشترط عند البرآن. وقالت هي هو لي وأنت أنجزتني ولم يشترط عند البرآن؟ فعلى ما وصفت فإن كان قد جاز بها فالمال مال المرأة إلا أن يشترط الزوج عند البرآن وإن كان لم يجزيها، فإن أنجزها أكثر من نصف الصداق كان للمرأة نصف الصداق وللزوج ما زاد على نصف الصداق، وعن المرأة إذا اختلعت إلى زوجها من صداقها ثم (6/262)
صفحة 2538
أراد الرجعة، هل لها زيادة على صداق أو نقصان منه إن اتَّفقا على ذلك، فقد جاء الأثر أنَّ لها أن تزداد وليس لها أن تنتقض هذا في المختلف خاصَّة، فإن أنقصها من صداقها واتَّفقا على ذلك قبل الرجعة ثم راجعها على النُّقصان فقد قالوا إنَّ لها صداقها تاماً وذلك الشرط باطل، وإن اتَّفقا على الزيادة ثم راجعها على الزيادة ثم طلَّقها من قبل أن يدخل بها من بعد الرجعة، فقال من قال: لها الزيادة تامَّة وصداقها تام، وقال من قال: لها صداقها تام ولها نصف الزيادة وكلا القولين صواب إن شاء الله.
ومن غيره: قال أبو علي حفظه الله وقد قيل: أن نصف الصداق ونصف الزيادة، وقال: ولو تزوَّجها في العدَّة لم يكن لها إلا نصف الصداق. والله أعلم./365/
المخالعة مع الطلاق:
رجع: وعن رجل اصطلح هو وزوجته على شيء من حقِّها وأبرأته من الباقي فلمَّا أن تبارئًا أتبعها الطلاق، فقد قال بعض الفقهاء: إذا كان كلاماً متَّصلاً لحقها الطلاق وذلك إذا قال قد أبرأت لك نفسك وأنت طالق فقد قيل على هذا يلحقها الطلاق بعد البرآن، وقال من قال: لا يلحقها الطلاق بعد البرآن وبعد الصلح وهذا القول أحب إلينا وهو المعمول به./366/
الباب الرابع عشر
في الإيلاء
رجع إلى كتاب أبي جابر:
قال الله تعالى: {للذين يولون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر فإن فاءُوا فإنَّ الله غفورٌ رحيم وإن عزموا الطَّلاق فإنَّ الله سميعٌ عليمٌ} [البقرة] والإيلاء أن يحلف الزوج وفي نسخة الرجل يميناً بطلاق أو عتاق بالله أو بالصدقة أو يمين غير ذلك ما كان من الأيمان تردعه عن وطء، ومن ذلك يحلف بطلاقها إن لم يفعل كذا وكذا، فإن فعل ذلك قبل أن تمضي (6/263)
صفحة 2539
أربعة أشهر مذ حلف فقد بر ولا شيء عليه، وينبغي له إذا بر أن يفيء إلى زوجته ويطأها وإن كان مريضاً أو مسافراً أو مستجراً (1) أو في سبب لا يمكنه أن يفيء إليها فقيل: إنَّه يشهد أنَّه قد فاء إلى زوجته ولم يمنعه عن وطئها إلا ما هو فيه، وأمَّا المريض فقال من قال: ينبغي له أن يلمس فرجها بيده أو كيف أمكنه وإن لم يفعل فلا بأس إن شاء الله، وإن لم يفعل حتى تمضي أربعة أشهر فهو عزم الطلاق وقد بانت منه بتطليقة واحدة وانقضت بها عدَّتها منه وحلت للأزواج ولا موارثة بينهما إلا ما كانت في الأربعة أشهر، فإذا انقضت الأربعة أشهر فقد بانت منه وبان منها ولا/367/ موارثة بينهما أيضاً.
قال أبو الحواري واحدة بائنة وقد انقضت عدَّتها وتحلُّ للأزواج من حينها إلا أن تكون حاملاً قول أبي الحواري، فإن تزوجها تزويجاً جديداً فذلك لهما وتكون معه بما بقي من الطلاق إلا أن تزوَّج بعده زوجاً غيره ويفارقها، فإن تزوجها هو بعد زوج غيره كانت معه بثلاث تطليقات ونحن ممَّن يرى أن الحنث لا يقع في مثل هذا إلا مرة واحدة، وإذا حلف بطلاقها واحدة ألا يطأها فإذا مضت أربعة أشهر ولم يطأ فقد بانت منه بالإيلاء وإن وطئها وأتمّ الجماع فسدت عليه أبداً، ولكن الذي يؤمر به أن يطعن بذكره في موضع الوطء طعنة بقدر ما يبلغ الختان وتغيب الحشفة وحدها ويجب الغسل ثم ينزع، فإذا فعل ذلك فقد حنث في يمينه، وإن كان بطلاق واحدة أو اثنتين فقد وقع عليه ذلك الطلاق وهو أملك بردها فيه إذن (2)، وإذا ردها كانت زوجته بما بقي من الطلاق، وإن هو تركها ولم يفعل كذلك حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء وهي تطليقة بائنة، وأمَّا إذا آلى منها بثلاث تطليقات فهذا إن طعن تلك الطعنة وقع الحنث وبانت بالثلاث كما حلف، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر؟ فقال من قال: تبين أيضاً بالثلاث، وقال من قال: تبين بالإيلاء وهو أكثر القول عندنا وهي تطليقة واحدة بانت بها. وكذلك كل يمين حلف بطلاقها إن لم تخرج إلى موضع كذا/368/ وكذا، وإن لم يفعل كذا وكذا فإن
__________
(1) في أ، ب: أو مسجوناً.
(2) لا يوجد في أ، ب: إذن. (6/264)
صفحة 2540
وطئها قبل أن يفعل ذلك فسدت عليه أبداً وإن لم (1) يطئها ولم يفعل ذلك حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن جاءت حال قبل مضي الأربعة أشهر يعلم أنَّه يعلم أنَّه قد فات فعل ذلك الذي حلف أن يفعله فقد وقع الحنث بما حلف وإذا حلف بالله لا يطأها ولا يرجع إليها أو يمين من غير الطلاق والظهار واستثنى إن شاء الله متَّصلاً بكلامه في اليمين ثم تركها أربعة أشهر، فإن الاستثناء ينفع في هذا ولا يلزمه الإيلاء قبل أجل الطلاق ثم تزوَّج حتى ينقضي أجل الطلاق، وإذا انقضى أجل الإيلاء لم يتوارثا.
الظهار في مدَّة الفيئة:
وكذلك من آلا بطلاق ثلاث إن فعل كذا وكذا ثم ظاهر من ساعته، فإن انقضت عدَّة الظهار قبل أن يجب الإياء بطلاق فقيل تذهب بتطلقتين وإن آلا بطلاق ثلاث فانقضت عدَّة الإيلاء بالطلاق وقد كان ظاهراً بعد ذلك بأيام، فإنَّها تبين بالإيلاء فهي تطليقة واحدة. فقال من قال: تبين بالثلاث والرأي الأول أحبُّ إلي، وإن انقضت عدَّة الظهار قبل عدَّة الإيلاء بالطلاق خرجت بتطلقتين وهو خاطب من الخطاب. وقال من قال: ولكن لا يطأ حتى يكفّر ولا عدَّة في ذلك، فإن وطئ حرمت عليه.
وقال أبو الحواري قد قيل هذا، وقال من قال من الفقهاء: إن وطئها من بعد أن (2) يردَّها بنكاح جديد من قبل أن يكفِّر أنَّها لا تحرم عليه وبهذا القول نأخذ، وإن /369/ كان فعل الذي آلاعنه بالظهار فهي امرأته ويطأ إن شاء الله والذي يولي من امرأته سنة ثم يتركها حتى تبين بالإيلاء ثم يتزوَّجها في السنة أيضاً وهو قد حلف عن وطئها تلط السنة؟ فقال من قال: إن مضى أربعة أشهر ولم يطأها لحال يمينه بانت أيضاً عنه بالإيلاء ولكن إذا خلا أول مرة أربعة أشهر وبانت بالإيلاء فيمسك عن تزويجها حتى تبقى من السنة أقل من أربعة أشهر ثم يتزوَّجها، فإن لم يطأها حتى تنقضي السنة فقد بر في يمينه وله وطأها ولا حنث عليه.
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: وإن لم يطئها.
(2) في أ، ب: ما بدل إن. (6/265)
صفحة 2541
وعن أبي عبد الله-رحمه الله- في هذا قال: إن تزوَّجها ثانية ثم أمسك عن وطئها أربعة أشهر لم تخرج منه بالإيلاء ثانيَّة ولا تخرج منه إلا بالأول، ولكن عليه كفارة يمينه إذا وطئها في السنة وهذا لمن حلف بغير الطلاق، وهذا الرأي هو الأكبر مع فقهائنا وبه نأخذ، وإذا حلف بالله لا يقرب امرأته إن لم تدخل دار فلان وهي عليه كظهر أمِّه فمضى أجل الإيلاء والظهار في يوم واحد فقال: هي تطليقة واحدة.
قلت له: فكيف بالكفارة إن كان آلى وظاهر إن لم تدخل بيت فلان فلم يقربها أربعة أشهر؟ قال: عليه كفارتان كفارة الظهار وكفارة الإيلاء ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار.
وقال من قال: وأمَّا كفارة الإيلاء، فإن شاء كفر قبل الوطء وإن شاء بعده.
وقال أبو عبد الله: -رحمه الله- إذا جمع الإيلاء والظهار فليس/370/ له أيطأها حتى يكفر وإنَّما يجوز له أن يطأها إذا آلا منها بالله وبتحريمها عليه ولم يظاهر ولم يؤل بطلاق وإذا آلا من امرأته إن لم تدخل بيت فلان وظاهر منها إن لم تدخل بيت فلان يعني لرجل آخر بيمينين متفرِّقين، فقيل: يخرج باليمين الأول وتنهدم الثانية وأمَّا الذي يولي من امرأته قبل الجواز، فإن كان يقدر أن يطأ ولا تمنعه نفسها أو كان على مقدرة من حقِّها فلم يدفعه إليها ولم يطأها حتى تمضي أربعة أشهر فتخاف أن تبين بالإيلاء، وأمَّا إن كانت لا تقربه إلى نفسها حتى يصير إليها حقها فذلك لها، وإذا لم يقدر على حقها ولم يدفعه إليها فلا يدخل عليه الإيلاء، وإذا حلف لا يقرب امرأته إلى خمسة أشهر أو نحو ذلك فلم يقربها وبانت ثم تزوَّجها فقد بر في يمينه ولا كفارة عليه، وإذا حلف لا يقربها ولم يوقت وقتاً فتركها حتى بانت بالإيلاء ثم تزوَّجها، فإذا راجع قربها حنث في يمينه وعليه الكفارة، ومن طلَّق امرأته طلاقاً يملك فيه الرجعة ثم آلى منها أو ظاهر ذلك كما يلحقها الطلاق ما كانت في العدَّة، وإذا حلف لا يأتي امرأته في أهلها فإذا كانت ذهبت إليهم وهو كاره لم يلزمه الإيلاء حتى يحلف لا يأتيها إلى موضع لها عليه الكينونة فيه. (6/266)
صفحة 2542
قال أبو الحواري: قال من قال من الفقهاء: إن كانت خرجت إليهم بإذنه وقع عليه الإيلاء، وقال من قال من الفقهاء: إن كانت شرطت عليه السكنى مع أهلها وقع عليه الإيلاء، وإن لم تكن شرطت عليه السكنى لم يقع/371/عليه الإيلاء خرجت برأيه أوبغير رأيه هكذا يوجد عن ابن محبوب وبه نأخذ، ومن آلا من أربع نسوة له يمين واحدة، فهي كفارة واحدة وعليه أن يفي إليهنَّ جميعاً، وإن فرَّق أيمانه وآلى من كل واحدة منهنَّ فعليه أربعة أيمان وليس للعبد إيلاء، ولا ظهار ولا طلاق إلا بإذن مولاه وإذا أذن له بذلك فلا يكفر إلا بإذن مولاه ومن آ لاء من امر أته وهي أمة.
الإيلاء من الأمة:
فقال من قال: أجلها في ذلك شهران، وقال من قال: بل تتربص أربعة أشهر كما قال الله تعالى، لأنَّ هذا، قول من سئل وهذا أكبر القول عندنا. وأمَّا إذا آلا من أمته التي يطأها فليس الأمة المملوكة له لعلَّه أراد كالحرة ويطأها بالملك في هذا مثل الزوجة ويطأها بالملك ولا يكون عليه في هذا إيلاء، ولكنَّه إذا وطئها كفر يمينه إن كان حلف عن وطئها، وقيل: في الذي يحلف لا يقرب امرأته شهراً أو ثلاثة أو أقل أو أكثر.
فقال من قال: إن كان الوقت الذي حلف عليه أقل من أربعة أشهر وانقضى لم يكن عليه حنث ولا يلزمه الإيلاء في ترك الوط من بعد، لأن ذلك مباح له. وقال من قال من الفقهاء عن الربيع –رحمه الله- وغيره إذا تركها جُنة ليمينه تلك فلم يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ولو كان الوقت الذي حلف عليه أقل من أربعة أشهر. /372/
قال أبو الحواري: بقول الربيع نأخذ ومن جعل امرأته عليه حرام ولم ينو طلاق فهي يمين مثل الأيمان إن وطئها قبل أن يكفِّر أو بعد ذلك فكل ذلك جائز، وإن ترك وطئها إلى أن تمضي أربعة أشهر ولم يُكفِّر بانت منه بالإيلاء، وقيل: إنَّ كفارة هذه اليمين خاصة على ما قال عزَّ وجل في سورة المائدة {فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} وهو مخير في ذلك. (6/267)
صفحة 2543
قال أبو الحواري: مخير في الطعام والكسوة والعتق أيهنَّ كفر أجزأه فإن لم يجد من هؤلاء شيئًا صام ثلاثة أيام، هكذا حفظنا، وقال من قال: كفارته عتق رقبة، فإن لم يجد فكسوة عشرة مساكين ثوباً ثوباً، فإن لم يجد فإطعام عشرة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وهذا الرأي هو أحبُّ إلي، وفي بعض القول أيضاً: إنَّها يمين مثل الأيمان المرسلة والكفارة واحدة، وقيل: إنَّ النبي (ص) لما حرَّم جاريته مارية على نفسه وأنزل الله عليه {لم تُحرِّم ما أحل الله لك} وقال: {قد فرض الله تحلة أيمانكم} [التحريم] فأعتق النبي (ص) رقبة في تحريم مارية وجامعها بعد ذلك وولدت له إبراهيم، وأمَّا إذا قال الرجل لزوجته إن وطئتك سنة إلا مرة واحدة فأنت طالق فما لم يطأها فلا يدخل عليه الإيلاء، وإن بقيت لم يطأها أربعة أكثر وأكثر حتى تنقضي السنة، لأنَّ في كل وقت له وطأها، فإن وطئها تلك المرة التي استثناها في أول تلك السنة أو بعد ذلك ثم تركها لحال يمينه حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء ولا يحنث/373/ في يمنيه بالطلاق، لأنَّ الحنث لم يقع بعد، فإن وطئها ثانية بقدر ما يجب فيه ويلتقي الختانان فقد وقع الحنث بالطلاق وخرج من الإيلاء، وإن مضى الجماع قبل أن يردَّها بما بقي من الطلاق، لما طعن ووقع الحنث فسدت عليه أبداً ولكن هذا ينبغي له إذا حلف بطلاقها أن لا يطأها سنة إلا مرة واحدة أن يمسك عن وطئها فإذا بقي من السنة أقل من أربعة أشهر وطئها تلك المرة التي استثناها ثم أمسك عن وطئها حتى تتم السنة ولم يطأها إلا مرة كما حلف./374/
الزواج بعد الفيئة:
ومن جواب أبي علي_رحمه الله_ وعن رجل آلا من امرأته ثم غاب عنها فخلت أربعة ثم تزوَّجت برجل ثم جاز زوجها الأول، إنَّه قد فاء إليها في الأربعة أشهر وهي تقول: لم يف إلي، فإن الأول أولى بها وعليه اليمين، والقول قوله، وكذلك عندنا إذا طلَّق الرجل امرأته وقالت إنَّها قد تزوَّجت زوجاً غيره وجاز بها وفارقها، فهي مصدقة ولزوجها الأول أن يتزوَّج بها إذا كان في مثل ما ينبغي أن تقضي عدَّتها من الأول ثم يأخذها الثاني وتنقضي (6/268)
صفحة 2544
عدَّتها منه، وإن حلف بطلاقها ثلاثاً ليتزوجنَّ عليها فقال: إنَّه قد تزوَّج فهو عندنا مصدق في ذلك أيضاً وعليه يمين إن أردات ذلك.
ادعاء التكفير:
وكذلك المظاهر إذا قال: إنَّه قد كفَّر مصدق في ذلك أيضاً وعليه يمين إن أرادت ذلك، وكذلك المظاهر إذا قال: إنَّه قد كفر فهو مصدق، ومن آلا من امرأته وهي حامل، فإذا مضت أربعة أشهر ولم تضع حملها فقد فاتت زوجها إذا لم يكن فاء إليها ولا تزوَّج حتى تضع حملها، وقال: في رجل حلف بطلاق امرأته إن لم يطأها الليلة في هذا البيت فوطئها في الحائط ثم وطئها في البيت فاختلف بعض فقهائنا في ذلك وكان أكثر القول قول من رأى أنَّها حرمت عليه حيث وطئها قبل أن يطأها في البيت.
وعن أبي عبد الله-رحمه الله- في الذي يولي من امرأته أن لا يطأها فلم يطأها حتى انقضت أربعة أشهر وهو في السجن/377/ كيف يصنع؟ قال: قيل: إنَّه يشهد أنَّه يمنعني أنْ أفي إليها بالوطء إلا ما أنا فيه من السجن، وكذلك إذا كانت هي المسجونة.
قلت له: فإن لم يشهد وجهل ذلك؟ قال: أخاف أن تخرج منه بالإيلاء لأنَّه قد جاء في الأثر أنَّه يشهد، فإن لم يشهد فقد ترك الأثر.
الفيئة من النَّاشز:
وكذلك قيل يشهد إذا نشزت منه امرأته إنَّه لم يمنعه في وطئها إلا هربها عنه، وكذلك إن قدر عليها وكلَّما أراد أن يطأها قاتلته فإن خاف الفوت، فإنَّه يشهد أنَّه لم يمنعه من وطئها إلا ذلك، وكذلك كل أمر عاقه عن وطئها، فالقول في ذلك قوله مع يمينه، وكذلك إن قال: إنَّه وطئها وأنكرت في ذلك فالقول قوله مع يمينه لقد وطئها بعد أن آلا منها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن أشهد شاهداً لم يجزه، وإن أشهد شاهدين غير عدلين فقيل: إن صدقتهما أدركها وإن حاكمته لم يدركها إلا بشاهدي عدل. (6/269)
صفحة 2545
وعن أبي عبد الله-رحمه الله- قلت: فهل تصدّقه على إشهاده؟ قال: ليس لها أن تصدقه حتى يعلماها الشاهدان ولا يمكنه من وطئها، فإن أمكنته وأحضرها الشاهدين فشهدا وأرخى وقتاً يدركها فيه وإلا فإنَّها تحرم عليه ويفرق بينهما، ومن آلا من امرأته بطلاق فليس له أن يردَّها ولا يطأها حتى يفعل ذلك الذي حلف عليه أو تمضي أربعة أشهر فتبين منه بالإيلاء، وليس لمن قال هذا إيجاب الطلاق قبل وقته ولا فيه رداً لها أيضاً. وعن رجل آلا من امرأته ثم كفر ليمينه ولم يباشر حتى مضت أربعة أشهر فلا يدركها إلا أن/378/يكون غائباً بعيد السفر أو محبوساً أو مريضاً لا يستطيع النِّكاح فإذا أشهد على ذلك فإنَّه يدرك، وإن لم يشهد فلا يدرك شيئًا ولو كفر.
وفي بعض الجوابات: قال: اجتمعوا على ذلك وروى لهم الحواري عن محبوب عن الربيع رحمهما الله، ومن خرجت امرأته من الإيلاء بتطليقة ثم راجعها بنكاح جديد ولم يدخل بأهله ثم مضت أربعة أشهر لم يقع عليها في ذلك طلاق، وعن محمد بن محبوب-رحمهما الله- أيضاً في رجل قال لامرأته إن تجيء تنامي معي فأنت طالق ثلاثاً ورأى معي إلى شهرين فكرهت المرأة أن تنام معه، فإذا لم تنم معه كما قال حتى تمضي شهران من حينما حلف بطلاقها، فإنَّ الطلاق يقع عليها وإن نامت معه كما قال من قبل انقضاء الشهرين ولم يطئها جنة (1) ليمينه حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. وقال من قال من الفقهاء: إذا لم يطأها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بثلات تطليقات كما طلَّقها ونحن نأخذ بالقول الأول، لأنَّه إيلاء وإذا وطئها على ما وصفت من يمينه من قبل أن تنام معه كما قال فقد فسدت عليه أبداً، وإن قال: هي طالق ثلاثاً لم تنم معه ورأيه إلى شهرين يعني فهي طالق ثلاثاً بعد شهرين، فإنَّ له أن يطأها ولو لم تنم معه، فإذا انقضى شهران من حين حلف بطلاقها ولم تكن بانت معه، فإنَّها تطلق ولا يدخل عليه الإيلاء على هذه الصفة، وإن كان نوى بقلبه إن لم تنامي معي يعني فيطأها فنامت معه ولم يطأها حتى
__________
(1) في أ، ب: حنث. (6/270)
صفحة 2546
مضت شهران من حين ما حلف، فإنَّها تطلَّق ثلاثاً/379/ تم باب الإيلاء، ويتلوه باب الظهار/380/
الباب الخامس عشر
في الظهار
قال الله تعالى في كتابه: {والذين يُظهرون من نسائهم ثم يعودُون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمَّاسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبيرٌ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدُود الله وللكافرين عذاب أليم} [المجادلة] فهذه كفارة الظهار وليس فيها تخيير وإنَّما بدا بالعتق، فإن لم يجد فعليه الصوم، فإن لم يستطع الصوم أطعم ستين مسكيناً، فإن فرط في الكفارة حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء والظهار، وكان يملك رقبة ولزمه كفارة الظهار فعليه العتق، فإن لم يملك رقبة وكان له مال فقد قيل: إن كان له من المال ما إذا باع منه واشترى رقبة كفارة غالة تقية ماله وكفى عياله إلى أن تدرك ثمرة أخرى عليهم فيبيع ما فضل من ذلك ويشتري رقبة يعتقها، وإن لم يكن له مال تكفيه ثمرته وتكفي عياله إلى إدراك ثمرة أخرى ويفضل منها شيء أيضاً فليس عليه أن يبيع ولا يضر بعياله ويجزيه الصوم ومن لم يجد العتق فصام ثم وجد العتق وهو يصوم فعليه العتق ما لم يكن قضى الصوم، فإذا قضى الصوم فلا عتق عليه ولو وجد/381/
ماهية الرقبة المعتقبة:
ويجوز في العتق عن الظهار رقبة يهودية أ ونصرانية ويجوز أن يعتق صبياً إذا عاله الذي أعتقه إلى أن يبلغ، فإن مات قبل بلوغه كان عليه الذي يلزمه لنفقته إلى بلوغه ويجعل في ثمن رقبته تعتق. وقال من قال: يعول به صبياً إلى بلوغه.
قال أبو الحواري: هذا الذي يأخذ به صبياً مثله في مثل حدّه يوم مات، وقال من قال: يتصدَّق به على الفقراء، ويجوز أن يعتق في الظهار، أعور بعين ولا يجوز أن يعتق في ذلك (6/271)
صفحة 2547
إلا سليم غير ناقص الجوارح فإن كان فيه نقصان يحرره عن نفسه وما يقوت به نفسه، فقد قيل: إنَّه يجزي، ولا يجوز عتق المدبر معه عتق أعتقها عن نفسها ولا يجزئه الصيام وهو يملك عتق رقبة.
قال أبو الحواري عن أبي المؤثر: أنَّه قال: يجزئه الصيام إذا لم يجد غيرها وبه نأخذ. وقال من قال: رجل ظاهر من امرأته ثم كفر قبل أن يخلو أجل الظهار ثم تركها لم يطئها حتى خلت أربعة أشهر في غير حُنة لظهاره. قال: تبين بالظهار فإن كان له عذر بمرض أو سفر أو حبس فأرجو أن يدرك ويشهد أنَّه قد فاء إلى زوجته ولا يمنعه عن وطئها إلا ما هو فيه، ومن أعتق عن ظهاره عبداً له فيه شريك فذلك جائز وينوي عند عتقه أنَّه يضمن لشريكه حصته./382/
ومن غيره: حفظ محمد بن خالد أنَّ من قال لامرأته إن وطئتك الليلة فأنت عليَّ كظهر أمي أو هذا الشهر فلم يطأها الليلة ولا ذلك الشهر ثم وطئها من بعد ذلك لا كفارة عليه ولا يكون مظاهراً.
ومن غيره: وسئل زياد بن الوضاح عن رجل طلب إلى امرأته نفسها فكرهت فقال لها: إن ذهبت إليك قبل أن تجيء إليها؟ قال: لا بأس عليه.
قلت: أرأيت إن عاد هو فذهب إليها من أن جاءته أترى الظهار قد وجب عليه؟ قال: لا. إذا ذهبت إليه المرأة مرة من قبل أن يذهب إليها، ومن أعتق عبد ولده عن ظهار أجزأ عنه، لأنَّه قد أتلفه. وقيل: من ظاهر وله عبيد ولم يكفّر حتى مات عبيده فلا يجزئه الصوم، ومن كان يقدر على الصوم فمضى شهران فلم يصم حتى مرض في الشهرين الآخرين من الأجل لم يجزئه أيضاً الإطعام، قال أبو الحواري: يجزيه الإطعام إذا بقي ما يجزئه إن هو صام هكذا حفظنا، ومن لم يجد العتق وكان عليه الصوم فلم يصم حتى مضى ثلاثة أشهر أو أرجح من شهرين مذ حلف وهو صحيح ثم أراد أن يطعم حيث ضاق به الأمر عن الصوم فهذا مفرط وهو غير معذور إلا أن يكون له عذر من مرض. (6/272)
صفحة 2548
العجز عن الكفارة:
وقيل: من خاف أن لا يقدر على الصوم لضعف في بدنه بلا مرض، فقد قيل: إنَّه لا يجزيه إلا طعام حتى يصوم ويجهده الصوم فيخاف على نفسه ثم يكون له أن يفطر ويطعم، ومن صام كفارة ظهار شهراً ثم مرض فليطعم ستين مسكيناً وقد اكتفى.
قال أبو الحواري: يطعم ثلاثين مسكيناً وقد اكتفى، وهكذا /384/ حفظنا، ومن أفطر لمرضه شهراً ثم مرض أو أقل أو أكثر ثم صح فأدرك إن صام الشهر الثاني من حينما صحَّ في الأربعة الأشهر وهو في مرضه ولم يصم ولم يطعم بانت منه امرأته. وقال من قال من الفقهاء: إنَّه إذا صام شهراً من أول الأربعة الأشهر ولم يفرط ثم مرض ولم يقدر على الصيام ولم يجد عتق رقبة وخاف الفوت، فإنَّه يطعم ثلاثين مسكيناً، فإذا صحَّ فليصم شهراً مكان ذلك الشهر الذي لم يصمه، وقال آخرون: فليطعم ستين مسكيناً وإذا صحَّ فليصم شهراً.
وقال أبو عبد الله-رحمه الله- وهذا القول قول والدي رحمه الله وأنا آخذ به.
قال أبو الحواي: إن لم يصح حتى يخاف فوت وقت الأجل أطعم بقدر ما بقي من الأيام كان شهراً أو أقلَّ أو أكثر ويجنزي به وليس عليه صوم بعد ذلك إذا انقضى الأجل، هكذا حفظنا وبه نأخذ./385/
وقال بعض الفقهاء: في رجل يصوم كفارة الظهار ثم بلي بأمر خاف منه على نفسه واحتاج أن يفطر، فقيل له: أن يفطر كما يجوز في شهر رمضان إذا خاف على نفسه بقدر ما يحي به، ولكنَّه يجعل البدل متألفاً إلى صيامه وإلا فسد عليه صيامه وعن أبي علي في مثل هذا أنَّ ذلك ليس بأشدَّ من شهر رمضان ويجوز البدل الأربعة أشهر، وإن لم يبدل على أثر صومه. (6/273)
صفحة 2549
قال أبو الحواري: أنا آخذ بالقول الأول أنَّه يتابع الصوم هكذا حفظنا (1)، وقيل: من كان تمام صومه في الظهار يوم النَّحر فلا عذر له وتبين امرأته إذا انقضى وفي نسخة إذا انقضت الأربعة الأشهر ولم يُكفِّر.
قال أبو الحواري: هذا إذا فرط في الصيام فإن لم يفرط في الصيام وتركه من عذر فأطعم ستين مسكيناً يوم النحر قبل أن تنقضي أربعة أشهر، فقد قيل: إنَّه يدرك امرأته هكذا حفظنا وبه نأخذ. وقيل: إن صام المظاهر شعبان ثم دخل رمضان وأفطر يوم ثم صام من حينه شهراً إلى شعبان، وكان ذلك في الأربعة أشهر فقد أجزئ ذلك عنه، وإن لم يكن بقي من أجل الظهار ما يكون صومه بعد شهر رمضان داخل فيه بانت منه امرأته إذا لم يكفِّر في الأربعة أشهر، فإن هو أفطر أيضاً يوم الفطر لم يتم صومه وزاد فطراً انتقض عليه ما كان صام لكفارة الظهار، وإذا صام المظاهر شهراً من كفارته ثم طلَّق امرأته وأتمَّ صيام الكفارة وهي بائنة عنه ثم ردَّها أجزئته تلك/386/ الكفارة، وكذلك لو كفر الكفَّارة كلَّها من بعد أن طلَّق ثم رجع فردَّها أو تزوَّجها أجزئته تلك الكفارة، وإذا ترك المظاهر صوم شهرين وصام الباقين أجزأه ذلك، فإن كان قد تسحر في الشهرين وهو مصبح أو كان عليه بدل من الشهرين، لأنَّه قد كان صامه غير أنَّه انتقض عليه لسبب عذر، فلا بأس أن يبدله في الشهر الخامس، وأمَّا المعتمد فلا عذر له.
وعن رجل ظاهر من امرأته ثم لبث شهراً لم يصم ثم صام الشهر الثاني ثم مرض حتى بقي أقل من شهر وخاف الفوت، فقالوا: فاتته امرأته وليس له أن يطعم لأنَّه فرط ولم يصم من حين ما ظاهر.
قال أبو الجواري: يطعم ثلاثين مسكيناً وقد أجزأه استأنف الصوم وباقي عليه من الوقت ما يجزيه هكذا حفظنا، وكذلك قيل المظاهر إذا ضيع يوماً واحداً من أول الأجل فقد ضيع فإن عاقه أمرٌ عن تمام الصيام لم يجز بالإطعام، ولو أنَّه أنه صام من أول ذلك ثم مرض
__________
(1) في أ، ب: وبه نأخذ. (6/274)
صفحة 2550
فخاف الفوت ولم يطق الصوم وقد صام شهراً أجزأ أن يطعم ثلاثين مسكيناً في بعض القول. وقال من قال: ستين مسكيناً.
قال أبو الحواري: بهذا الرأي نأخذ به إذا استأنف الصوم وباق عليه من الوقت ما يجزئه.
المزج بين الصوم والإطعام:
وفي الآثار أيضاً: في مظاهر لا يستطيع الصيام إلا صوم شهر ولا/387/ يستطع النفقة إلا نفقة شهر أنَّه إذا صام شهراً وأطعم ثلاثين مسكيناً فقد مضى كفارته، فإن وجد بعض ذلك أطعم ثلاثين مسكيناً وذلك عندنا إذا لم يضيع وصام من أول الأجل شهراً ثم لم يقدر على الصيام ولم يقدر إلا على طعم ثلاثين سكيناً.
قال أبو الحواري: إذا اطعم ثلاثين مسكيناً لم يكن بعد ذلك طعم. قال من قال: المضيع الذي لا يجزئه الإطعام هو الذي يتوانا في الصوم بلا عذر حتى يبقى من أجل الظهار أقل من شهرين ثم تحدث له أمر لا يقوى على الصيام، فإنَّه إن لم يعتق فاتته امرأته ولا يجزئه الإطعام وما لم يكن كذلك أجزأه الإطعام إذا لم يقدر على الصوم وهذا الرأي أحبُّ إلي.
قال أبو الحواري: وبهذا نأخذ، وأمَّا الإطعام لمن لا يستطيع الصوم، فإنَّه يطعم ستين مسكيناً أكلتين غداء وعشاء أو يعشيهم مرتين أو يغديهم مرتين، وإن أطعمهم أكلة ثم تركهم أياماً، ثم أطعمهم الأكلة الثانية فلا بأس، وإن جهل وظنَّ أنَّه يجوز له وطء امرأته إذا أطعم ستين مسكيناً أكلة واحدة ووطأها فلا فساد عليه في الجهالة ويرجع يطعمهم بأعيانهم أكلة ثانية، فإن ماتوا أو غابوا ولم يقدر على أحد منهم حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه امرأته.
قال أبو الحواري: يطعمهم أكلة ثانية بأعينهم، فإن غاب أحد منهم أو أكثر ولم يقدر عليه أو مات حرمت عليه امرأته أبداً هكذا حفظنا، وكذلك إن أريد ممَّن أطعم واستغنى فلا نأمن أن تكون قد/388/ فسدت عليه امرأته إن كان قد وطئها، وأمَّا قبل الوطء فيبتدئ إطعام غير أولئك. (6/275)
صفحة 2551
قال أبو الحواري: أمَّا المرتد، فإن أطعمه أكلة ثانية أدرك امرأته وأمَّا إذا استغنى أحد منهم، فإنَّه لا يدرك امرأته وقد حرمت عليه امرأته. وقال من قال أيضاً: في الذي يطعم ستين مسكيناً أكلة واحدة ثم وطئ بجهالة وأراد أن يطعم ثانية فغلبوا أو ماتوا، فإنَّه يطعم ستين مسكيناً أكلتين.
من أخطأ في الكفارة:
وروي عن النبي (ص) أنَّ رجلاً ظاهر من امرأته على عهد النبي (ص) ولم يجد عتق رقبة فأطعم ستين مسكيناً غدائهم ثم وطئ زوجته ثم جاء النبي (ص) فقال: «أنا ظاهرت من زوجتي فغديت ستين ثم عجلت فواقعتها فقال له النبي (ص) فما كنت جديراً أن تصنع اذهب اذهب فعشهم ثم ارجع فعشهم ولا بأس عليك من أهلك» وإنَّما ذلك لمن أطعم ستين مسكيناً كما قال الله، وأمَّا من أطعم أقل من ستين مسكيناً ولو أكلتين ثم وطيء من قبل أن يطعم الستين فسدت عليه امرأته، وقيل: يستحب أن يطعهم غداء وعشاء ولا يطعم أكلة في أثر أخرى ولا يجوز أن يطعم في كفارة الظهار إلا من قد أخذ حوزته من الطعام أو من الصبيان، وكذلك في كفارة الأيمان وليس في ذلك حدّ من السنين ولكن بالمنظر إذا /389/ نظر إليه ورأى أنَّه أخذ حوزته من الطعام، وأمَّا البالغ فهو جزي لمن أطعمه ولو كان قليل المرزية إذا كان صحيحاً، وأمَّا المريض فلا يجزئ إطعامه ولكن يعطى هو بالكيل، وكذلك يعظى للصبي الذي لم يأخذ حوزته من الطعام، إذا كان يأكل الطعام بعد حولين يحولان عليه ثم يعطى له مثل ما يعطى لغيره من يطعمه ولا بأس أن يعطى له من يطعمه إذا كان يأكل الطعام ولو لم يحل له حولان، لأنَّه إذا أراد عليه ذلك استفرغه.
قال أبو الحواري: الذي حفظنا أنَّه لا يعطي في الكفَّارة إلا الفطيم وبه نأخذ ولا يجوز أن يعطى الصبي الذي لا يأكل، وإن أطعم ثلاثين مسكيناً وأعطى ثلاثين مسكيناً حباً، فإنَّ ذلك يجزيه أيضاً، والإطعام يطعم ما يشبعهم ولا ينقص عليهم وإذا قالوا أنَّهم قد شبعوا يصدقون، وأحب أن يسألهم حتى يقولوا ذلك، وإن أطعمهم حتى بقي عليه شيء من (6/276)
صفحة 2552
المساكين ثم قدر على الصوم، فإنَّه يصوم وإن كان قد أطعم كلهم ثم قدر على الصوم فقد اكتفى بالإطعام ويعطى من الب نصف مكوك لكل مسكين، ومن الذرة أربعة أسداس ونصف. وقال بعضهم: إن كانت ذرة طيبة أربعة أسداس، وكذلك إذا علم أن أربعة أسداس من ذلك يجزي المسكين بطعامه منها وأدامه لغداء وعشاءه./390/
وقال من قال: ذرة الباطنة يعطى منها مكوكًا لكل مسكين. وقال من قال: يعطى من الشعير نصف مكوك مثل البر. وقال من قال: بل هو مثل الذرة. ومن أطعم مساكين ثمَّ علم أنَّ منهم غنيًّا أو مملوكًا ثمَّ وطيء زوجته ولم يعلم إلاَّ بعد الوطء فسدت عليه امرأته، وإن علم بهما قبل الوطء أطعم مكانها قبل أن تنقضي أربعة أشهر ويدرك زوجته، وأماَّ الذميُّ ففيه اختلاف من المسلمين منهم من قال يطعمون في الظهار ومنهم من قال: لا يطعمون.
وعن محمد بن محبوب رحمهما الله أنَّه قال: أحبُّ إلينا أن لا تحرم المرأة على زوجها بإطعام الذَّمي إذا كان فقيراً.
ومن غيره: قلت: في رجل ظاهر من امرأته فأطعم المساكين ثمَّ دخل على مسكين فأكل معه ولم يدر ما أطعمه. قال: عليه أن يبدل المسكين ما أكل منه، وإن قال رجل لامرأته أنت الليلة علي حرام فعليه كفارة ولا تحرم عليه إن وطئها إن كفر أو كفَّر ثم وطئها./391/
ومن جواب أبي عبد الله أيضاً: إلى الوضاح بن عقبة-رحمه الله- عن رجل ظاهر من امرأته ولا يجد عتقاً ولا يقدر يصوم فأطعم ستين مسكيناً لكل مسيكن ربع من حب ثم وطء؟ قال: فهذا عندي والذي أطعم أكلة واحدة سواء إلا أن يكون معكم أثر فالأثر في ذلك أولى، وكذلك أرجو في القياس إذا وطئ بجهالة أن لا تفسد عليه إذا أتمَّ لهم الباقي. وقال أيضاً: لو أنَّ رجلاً كانت عليه كفارة من ظهار فأعطى ثقة واحدة لطعام المساكين وأخبره ذلك الثقة أنَّه قد دفع إليهم أنَّه يقبل قوله ويغني عنه ذلك، ومن لم يجد في القرية (6/277)
صفحة 2553
ستين مسكيناً أطعم من فقراء قريته من وجد وأطعم من بقي في أقرب القرى إليه، والمظاهر إذا صام ثم مرض فأفطر ثم صام حين ما يبرئ وذلك ليس بأشدَّ من شهر رمضان، وأمَّا في السفر؟ فقال من قال: لا يسفر المظاهر إذا صام إلا أن يتمَّ صومه أو يكون ظاهر وهو مسافر، وقيل: في رجل ظاهر ثم مرض شهرين ثم صام شهراً ثم مرض فلم يقدر أن يصوم.
قال بعض الفقهاء: يطعم ثلاثين مسكيناً قبل أن تمضي أربعة أشهر ولا يقرب امرأته حتى يصوم شهراً إلى الشهر الذي كان صام من حينما صحَّ ثم يجامع، فإنَّه عسى أن لم يدرك بالصيام أدرك بالطَّعام.
قال أبو عبد الله-رحمه الله- إن وطئها من قبل أن يصوم وقد كان أطعم لم تفسد عليه، لأنَّه إنَّما أطعم وقد صار في حدّ عذر والمعنى في قوله تبارك وتعالى: {من قبل أن يتماسَّا} [المجادلة] يعني الوطء./392/
قال أبو الحواري: إذا أطعم ثلاثين مسكيناً أجزأه عن صيام الشهر الثاني، وإن عبث المظاهر بزوجته دون الفرج حتى قذف ولم تلج النطفة في الفرج فلا فساد عليه، وكذلك إن مسَّ فرجها أو نظر إليه من قبل أن يكفِّر فلا فساد عليه إلا بالوطء، وإن عبث بها في غير الفرج فسألت النطفة حتى دخلت في الفرج بلا أن يدخلها فليس ذلك مثل الوطء، وإن تعمَّد لإيلاج النطفة في الفرج فذلك كمن وطء، ولا بأس بنومه عندها في أربعة أشهر قبل أن يكفِّر إذا لم يجامع والله أعلم./393/
صيغ الظهار:
والمظاهر (1) هو أن يقول: زوجته عليه كظهر أحد ممَّن لا يحل له أبداً نكاحه (2) قال: ذلك ولو ظاهر منها يوماً أو ساعة لزمه الظهار ولم يجز له وطئها حتى يكفِّر كفارة الظهار، فإن وطئها قبل أن يكفِّر فسدت عليه أبداً، وإن خلا أربعة أشهر قبل أن يكفِّر
__________
(1) في أ، ب: والمظهار بدل المظاهر.
(2) في أ، ب: فإذا قال. (6/278)
صفحة 2554
بانت منه بالظهار وهو أن يقول هي عليه كظهر أمّه أو أبيه أو أخته أو عمَّته أو خالته أو كجدَّته أو كرجل أو دابَّة أو نفسه، ونحو ذلك (1) إذا أراد بذلك الظهار، وقوله هي عليه كأمه أو كظهر أمه أو كبطن أمه كل هذا ظهار إذا أراد به الظهار، وإن قال كأمّه أو كأبيه يريد في ذلك كقدرها وحقّها فله نيَّته لا تحل له أبداً إلا أن يقول كهذه المجوسية الواقفة، فإن ذلك لا يكون ظهاراً، لأنَّه يمكن أن تسلم تلك المجسوية ويتزوجها.
وقال من قال: يكون عليه في مثل هذا كفارة يمين، وأمَّا إذا قال: كيهودية أو نصرانية، فإن ذلك لا يكون ظهار؛ لأنَّه يجوز له أن يتزوَّج اليهودية والنصرانية، وكذلك إن قال: هي عليه كظهر امرأة ميتة أو كأزواج النبي (ص) وكل هذا ظهار لا نكاح هؤلاء لا يحلُّ له أبداً، وكذلك إذا جعل امرأته عليه كأمّها أو كامرأة وطئها حراماً ومجلودة في الزنا./394/
وقال من قال: أيضاً في الملاعنة والمجلودة والتي كان قد وطئها حراماً أن يكون ذلك ليس بظهار.
وقال أبو الحواري: أمَّا المجلودة والملاعنة فليس فيهما ظهار، وأمَّا التي وطأ حراماً، فإن فيها الظهار حراماً لأنَّها لا تحلُّ له أبداً، وإن قال امرأته عليه كيد أمه أو جليها (2) أو كعضو من أعضائها أو كظفر أو كشعرة ممَّا هو غير باين منها يريد به الظهار فكلُّ هذا وما كان مثله فهو ظهار، وكذلك إذا قال: هو مظاهر من امرأته وفي نسخة لامرأته يريد بذلك الظهار فهو ظهار.
وفي جواب لأبي عبد الله-رحمه الله- في رجل قال لامرأته هي عليه كأمه مرتين ولم ينو طلاقاً ولم يوقت وإنَّما لفظ به، فهذا قد ظاهر فليكفِّر كفارة واحدة وليس عندي فيها غير كفارة واحدة.
__________
(1) في أ، ب: أو نحو هذا.
(2) في أ، ب: أو رجلها وهذا أصح. (6/279)
صفحة 2555
وعن أبي عبد الله في رجل قال: فلانة عليه كظهر أمه ألف مرة إن تزوَّجها. قال: أمَّا على قول من يقول: أنَّ الكفارة على من ظاهر ممَّن لا يملك فإنَّه يلزمه كفارة ألف مرة.
وأمَّا قول من قال: إنَّه لا يكون الظهار ممَّن لا يملك ولا يعتق ما لا يملك، فإنَّه لا يقع عليه الظهار، وقال إنَّ قوله: إنَّ عليه الظهار ألف مرة ولا وقت عليه، فقلت له: هل له أن يلابس؟ قال: أكره له ذلك، فإن فعل فلم أر بأساً عليه في ذلك.
قال أبو الحواري: إن كان هذا ظاهر من هذه المرأة وليست له/395/ بزوجة ثم تزوَّجها من بعد فليس عليه كفارة هكذا.
حكم صيغ الجمع:
قال أبو المؤثر وأبو جعفر ونبهان بن عثمان عن جابر بن زيد رحمهم الله ومن ظاهر من أربع نسوة له فقال لهنَّ بكلمة واحدة أو قال لهنَّ جميعاً كلمة واحدة بعد كلمة هنَّ عليه كظهر أمه فقد ظاهر منهنَّ وعليه كفارة واحدة، وإن كان أفرد كل واحدة منهنَّ بالظهار فعليه في كل واحدة منهنَّ كفارة، ومن ظاهر من امرأته في مقاعد شتى في شيء واحد، فإنَّما عليه كفارة واحدة ويكون وقت الأربعة أشهر من أول ما ظاهر، وإن ظاهر منها في أشياء مختلفة في كلمة واحدة فقال: هي عليه كظهر أمِّه إن كلَّم فلاناً أو دخل إلى فلان أو أعطى فلاناً كذا وكذا فكلَّما فعل واحداً في ذلك حنث، فإن فعل ذلك جميعاً وأراد أن يكفِّر كفر لكل واحدة من ذلك كفارة، وإن تركها حتى تبين بانت بالأول، فإن مضى الأجل الثاني وهي بائنة منه يلزمه الظهار، وإن مظهر الثاني وهي معه وقد ردَّها من الأول بتزويج جديد لزمته أيضاً الكفارة، وإن مضى الأجل ولم يكفِّر بانت منه بالظهار. وقال من قال: لا وقت عليه. وإن قال: هي كظهر أمه إن فعل كذا وكذا ثم قال: هي عليه كظهر أمه إن فعل كذا وكذا الشيء آخر في مجلس واحد وفي مجالس مختلفة كانت عليه الكفارة إذا حنث لكلَّما حلف، وإن لم يكفِّر حتى تبين بالأول انهدم الباقي إذا مضى أجله وهي بائنة منه إلا أن يردها بتزويج جديد ويمضي الأجل /396/ الباقي وهي معه، فإن (6/280)
صفحة 2556
كفارة الظهار تلزمه أيضاً، وكذلك الذي ظاهر من امرأته ثم ارتدَّ عن الإسلام وتزوَّجت زوجاً غيره ثم رجع إليها وقد بقي من أجل الظهار شيء فمرَّ عليه الأجل وهي عنده، فإنَّها تبين بالظهار، وكذلك لو طلَّقها فانقضى أجل الطلاق قبل أجل الظهار وتزوَّجها في أجله ومرَّ عليه أجل الظهار وهي عنده بانت بالظهار، وإنَّما قيل إذا ظاهر منها وطلَّقها فسبق أجل الطلاق أجل الظهار انهدم الظهار، فإذا سبق أجل الظهار أجل الطلاق بانت بتطلقتين وذلك إذا بانت بالطلاق ثم لم يردَّها حتى يمضي أجل الظهار وهي بائنة منه، فإنَّه ينهدم ولا يلزمه فيه شيء ولو رجع فتزوَّجها من بعد وإذا (1) انقضى أجل الطَّلاق ثم رجع فتزوَّجها ومضى أجل الظهار الذي حلف به وهي معه بانت بالظهار إلا أن يكفِّر كفارة الظهار قبل أن يخلوا الأجل. وقال من قال: يلزمه في كلِّ هذا كفارة الظهار ولا يطأ حتى يكفّر، ولا وقت عليه ولو كفَّر عنها بعد أن مضى أجل الطلاق بانت منه ثم تزوَّجها لأجزأته تلك الكفارة، وإذا ظاهرت المرأة من زوجها فعليها كفارة الظهار وليس في ذلك وقت ولزوجها أن يطأها في الليل وهي تصوم تلك لكفارة وإذا قال لامرأة ليست له بزوجة هي تزوِّجها فعليه الكفَّارة إذا تزوَّجها ولا وقت عليه. وقال من قال: لا ظهار في غير زوجته./397/
وقال من قال: هو ظهار ووقته إذا تزوَّجها كوقت الظهار والرأي الأول أحبُّ إلي، وإذا ظاهر منها أن يتزوَّجها أن يكون عليه كفارة الظهار إذا تزوَّجها ولا وقت عليه. قال أبو الحواري: لا ظهار عليه وهو قول جابر -رحمه الله-
ظهار العبد والظهار من الأمة:
ومن ظاهر من زوجته وهي أمة فأجلها عندنا في ذلك كأجل الحرة، وكذلك الكفارة، ومن ظاهر من أمته التي يطأها لزمه الظهار، فعليه أن يُكفِّر قبل أن يطأها ولا وقت عليه، وإن وطئها قبل ذلك فسد عليه وطئها أبداً، وإن ظاهر من أمته التي لا يطأها فإذا أراد أن
__________
(1) في أ، ب: وأمَّا إذا. (6/281)
صفحة 2557
يطأها فليكفِّر قبل ذلك كفارة الظهار ولا ظهار للعبد إلا بإذن مواليه ولا يلزمه ذلك إذا ظاهر أو آلا بإذن سيده وفي نسخة فإذا ظاهر وآلا بإذن سيده فقد لزمته الكفارة في مال سيده ويلزمه في ذلك ما يلزم الحر في الوقت والكفارة، وإذا ظاهر الرجل من امرأته ثم آلا منها، فإذا خلا أربعة أشهر وبانت بالظهار انهدم بالإيلاء إذا مضى أجله وهي بائنة بالظهار، ومن لزمته كفارة الظهار فمات قبل أن يكفِّر فلا شيء عليه ولامرأته منه الميراث ما لم تنقضي أربعة أشهر أجل الظهار.
وفي جواب أبي عبد الله: -رحمه الله- في التي تنقضي عدَّتها من الإيلاء والظهار والطلاق في يوم واحد فهما تطليقتان.
وقلت: إن كان ظاهر منها في أشياء متفرقة ثلاث مرات أو في شيء واحد ثم انقضت عدَّتُها من ذلك كلّه في يوم واحد فسألت بكم تبين فالله/398/ أعلم. ولاشكَّ في واحدة.
قال أبو الحواري: تبين بتطليقة واحدة وعليه لكل ظهار كفارة، وقيل: في رجل ظاهر من امرأته ثم خرج ولم ينقض أجل الظهار، ولم يعلم أين خرج وانقضى أجل الظهار؟ قال: لا تبين بالظهار لأنَّ القول بالكفارة قول الرجل وكذلك لا تزوَّج حتى يصحَّ موته أو إقراره إنَّه لم يكفّر حتى انقضى الأجل.
وعن سعيد بن محرز رحمه الله في رجل تزوَّج امرأة رجل مفقود ثم ظاهر منها وكفَّر فلمَّا أراد ردها علم بحياة المفقود فاعتزلها الآخر حتى مضت الأربعة أشهر؟ قال ابن جعفر: قول برأي أنَّها تتم العدَّة من حين اختار الأول الصداق وأمَّا الوضاح بن عباس ومحمد بن محبوب-رحمه الله عليهما- فقالا ذهبت. قال أبو الحواري: ذهبته لأنَّه لم يف إليها حتى انقضى الأجل.
من صيغ الظهار والطلاق: (6/282)
صفحة 2558
ومن قال لامرأته هي عليه كظهر أمِّه وينوي الطلاق، فهو طلاق ولا ظهار عليه ولو قال: هي طالق وينوي الظهار كان عليه الطلاق والظهار جميعاً يلزماه قول أبي الحواري. ولو قال: هي طالق وينوي الظهار فهو طلاق ويلزمه الظهار، فإن انقضى أجل الطلاق قبل أجل الظهار لزمه تطليقة واحدةٌ، وإن انقضى أجل الظهار قبل أجل الطلاق بانت بتطليقتين قول أبي الحواري. وإن قال: هي عليه حرامٌ وينوي الطلاق فهو طلاقٌ وعن بعض الفقهاء في رجل قال لامرأته:/399/ إن دخلت بيت فلان أنت طالق وإن وقفت على باب داره فأنت عليَّ كظهر أمي، وإن قضيت من عنده حاجة فو الله لا أقربك إلى سنة، فإن لم يردها بعد الطلاق حتى تنقضي عدَّتُها من الطَّلاق بانت بواحدة، فإن لم يردَّها بعد الطَّلاق حتى تنقضي عدَّتُها من الطلاق بانت بواحدة، وإن لم يكفِّر كفار الظهار حتى تمضي أربعة أشهر من قبل أن تنقضي عدَّتُها من الطلاق بانت بتطلقتين، وإن انقضت عدَّةُ الطلاق بل ذلك بانت بواحدة وينهدم الظهار، فإن تراجعا فعليه كفارة الظهار، وكذلك اليمين إن تركها حتى تمضي أربعة أشهر انقضاء أجلها وأجل الطلاق في يوم واحد ما لم يكن هدفها أجل الطلاق، فهي تطليقة واحدة بائنة، وإن وطئها قبل انقضاء السنة فعليه كفارة اليمين، وأمَّا إذا ظاهر الرجل من زوجته إن لم تفعل له كذا وكذا فلا يطأها حتى تفعل له بانت بالإيلاء وهي تطليقة بائنة، وإن اتَّفقا على الرجعة تزوَّجها بنكاح جديد وصداق وولي وشاهدين، فإن فعلت له ما حلف عليه من قبل التَّزويج أو بعده فقد بر، وأرجو أن تكون زوجته ولا تكون عليه كفارة، ولعلَّ في هذا رأي آخر فينظر في ذلك (1). قال أبو الحواري بهذا نأخذ.
وعن محمد بن محبوب-رحمه الله- في رجل قال: إن لم يفعل كذا وكذا وامرأته عليه كظهر أمِّه، فإن تركها أربعة أشهر بانت منه بالظهار، وإن تزوَّجها بنكاح جديد، ودخل بها قبل
__________
(1) في أ، ب: إن شاء الله. (6/283)
صفحة 2559
أن يكفِّر لم تحرم عليه، ولكن يؤمر أن لا يطأها إذا تزوَّجها حتى يكفِّر كفارة الظهار ولا أجل عليه ولا فساد/400/
ومن غيره: وتحفظ للرجل إذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي إنَّ له أن يطعن بفرجه في فرجها حتى يلتقي الختانان وتجب عليهما الغسل ثم ينتزع ويكفِّر وهي امرأته، وإن لم يكفِّر حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ولا ينتفع بالطعنة، وإن قال رجل لامرأته إن لم يطأها فهي عليه كظهر أمه، فإن وطئها قل أن تخلوا أربعة أشهر فهي امرأته ولا كفارة عليه وإن دخلت أربعة أشهر ولم يجامعها بانت منه بالإيلاء، فإن خطبها من بعد بنكاح جديد برأيها ورأي الأولياء فعليه الكفارة من قبل أن يدخل بها ولا وقت عليه متى شاء دخل بها./401/
الباب السادس عشر
في الخيار وما أشبه ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم:
وقيل: أنَّ النبي (ص) خير نساء فاخترته فلم يكن ذلك طلاقاً، والخيار أن يخبر الرجل امرأته أن تختاره أو تختار نفسها ويريد بذلك الطلاق، فإذا خيرها على أنَّه يريد الطلاق فاختارت نفسها فهي تطليقة واحدة. وقال من قال غير ذلك: ولو لم يرد طلاقاً فهو طلاق، وهذا أحب إلينا، وهو أملك بردها في العدَّة وإن اختارته ولم تختر نفسها فليس ذلك بطلاق.
صيغ التخيير:
وإن خيَّرها نفسها أو قال: تختاره أو تختار فلاناً ولا يريد بذلك طلاقاً فليس ذلك بطلاق، ولم تختر نفسها ماكانا في مجلسهما حتى يفترقا أو يطأها أو يرجع عليها، وإن كان في مجلسهما وصلت هي أو أكلت أو نحو هذا من الأعمال فذلك في يدها وليس هذا ممَّا يخرجه./402/ (6/284)
صفحة 2560
وقال من قال: إن كانت قالت هي: قد طلقت نفسي ثلاث تطليقات فذلك إلى الزوج، وإن كان إنَّما جعل لها الخيار في واحدة فليس لها إلا واحدة، وإن لم يرد واحدة جاز ما فعلت.
قال أبو عبد الله -رحمه الله-: إذا قال لها اختياريني يريد الطلاق فاختارت الطلاق فقد طلقت، وأمَّا قوله أمرك بيدك، فإن عني الطلاق وطلقت نفسها طلقت وإلا لم يكن بشيء، وإذا قال لها: أمرك بيدك إذا، هل هذا الشهر يريد بذلك الطلاق، فإن لم يرجع في ذلك عليها أو يطأها حتى، هل الهلال فقيل: إنَّ لها أن تطلق نفسها ساعة ترى الهلال وإلا فلا شيء في يدها.
وعن أبي علي حفظه الله أنَّه قال: قد قيل: لها أن تطلق نفسها بعد الهلال متى أرادت ما لم ينزع الطلاق من يديها والله أعلم، وأمَّا إذا قال لها: أمرك بيدك يريد الطلاق فطلقت نفسها مرسلة من قبل أن يفترقا، فهي ثلاث تطليقات إلا أن تسمي هي واحدة أو اثنين فهو ما سمت وما سماهو كما جعل في يدها وليس لها في ذلك نية، وكذلك إن جعل طلاقها بيد رجل ولم يسم له فطلق الرجل ثلاثاً فاحتجَّ هو أنَّه إنما واحدة ولم يقبل ذلك منه وقد طلقت ثلاثاً.
وفي الآثار من خير أمته التي يتسرَّاها فاختارت نفسها، فإنَّه يجري مجرى الطلاق، واختلف في طلاقها. فقال من قال: إذا طلَّقها فهي حرة، وقال من قال: لا تعتق ولا يلزمه شيء./403/ وقال من قال: لا يطأها وتخدمه حتى يموت ثم هي حرة وهذا الرأي أحب إلينا وبه نأخذ قال أبو الحواري.
وأمَّا الذي خيَّر زوجته وهي أمة ولم تكن بقيت إلا بواحدة فاختارت نفسها فقيل: الخيار إلى سيدها إن أمضى ذلك بانت منه، وأمَّا عن أبي عبد الله _رحمه الله_ فإنَّه قال: إذا خير الرجل زوجته وهي أمه وجعل طلاقها بيدها فاخترات نفسها أو طلقت نفسها فكره السيد أن يمضي لها فقد وقع الطلاق، والأمة إذا أعتقت وهي مع الحر أو العبد، فإن لها (6/285)
صفحة 2561
الخيار أن تختار نفسها، لأنّها صارت أملك بنفسها وتخرج بتطيقة بائنة وليس له ردها، وإن اتَّفقا على الرجعة لم يكن إلا بنكاح جديد، وتكون عنده بتطلقتين حتى تزوَّج بزوج غيره، فإن تزوجها هو من بعد ذلك كانت عنده بثلاث تطليقات.
وقال من قال: في هذه المختارة نفسها أنَّها تخرج بغير طلاق وليس نرى ذلك، والرأي الأول أحب إلي يعني الأمة، فإن لم تختر نفسها حتى يطأها زوجها فلا خيار لها إلا أن تكون لم تعلم بالعتق ولا يزول الخيار عنها حتى تعلم بالعتق، ثم تختاره أو يطأها قبل أن تختار نفسها فلا خيار لها، وإن علمت بالعتق ولم تعلم أنَّ لها الخيار لم يكن لها بذلك حجة وكذلك الحرة إذا تزوَّج عليها الزوج أمة فسبيلها أيضاً سبيل هذه. وقيل أيضاً: أنَّه كذلك العبد إذا كان متزوِّجاً بحرة ثم أعتق هو أنَّ لها الخيار.
وفي بعض الآثار: في عبد مملوك تزوَّج بثلاث نسوة برأي سيده تزويجاً صحيحاً أنَّه أعتق فطلبن الخروج منه فلهنَّ ذلك./404/
قال أبو الحواري: ليس لهنَّ خيار إذا أعتق الزوج، وقال: إنَّما لهنَّ الخيار، إذا كن إماء فأعتقهنَّ، وإذا ملكت المرأة أيضاً زوجها أو شيئًا منه فقد انفسخ النِّكاح، فإن أعتقت ورضيت بتزويجه تزوَّجها بنكاح جديد، ولم يكن عليها منه عدَّة، وإن وطئها قبل تجديد النِّكاح حرمت عليه أبداً./405/
الباب السابع عشر
في المفقود
من هو المفقود:
بسم الله الرحمن الرحيم: واعلموا أنَّ المفقود هو الذي يكون في السفينة فتكسر ولم يعلم هو نجا أو غرق والذي يحضر الحرب فتنجلي ولم يعلم هو حي أو قتل، وكذلك إن انجلت الحرب وفيه كلامة جراحة مشوية له وترك صريعاً في مكانه، والذي يحمله سبع فلم يُدر ما حالُه والذي يحمله أيضاً السيل فلم يدر ما كان فيكُون من أمره فكل هؤلاء من (6/286)
صفحة 2562
المفقودين، وكذلك الحريق والسيلُ فيكون في الدَّار فيهدمها وهو فيها ويفقد ولا يدري ما معه فهو مفقود.
ومن غيره: وقيل إذا كان الحرب في الصف الأو فهو مفقود، وإذا كان في الصف الثاني، ففيه اختلاف وإذا كان في الثالث يكون غير مفقود بلا اختلاف والله أعلم.
روى هذه المسألة الفقهية أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى /406/
متى تقسَّم أموال المفقود:
رجع: والمفقود إذا خلا له أربع سنين من يوم فُقد فلورثته قسم ماله ولكلِّ واحد ميراثه منهم على عدل كتاب الله، فإن كانت له زوجة حرة فإذا تربَّصت أربع سنين من يوم فقد طلقها وليه فإن كره أو لم يكن له ولي طلَّقها الحاكم ثم تعتدُّ أربعة أشهر وعشراً بعد أربع سنين عدَّة المميتة وتأخذ صداقها من ماله وميراثها ثم تزوّج إن شاءت ولها ميراثها من ماله وصداقها عليه إذا خلا أربع سنين مذ فُقد وقسّم ماله، وأمَّا التزويج فلا تروج حتى يطلّقها وليه وتعتدَّ أربعة أشهر وعشراً بعد أربع سنين، وإن علم للمفقود حياة وقد تزوَّجت امرأته اعتزالها زوجها الآخر حتى يقدم زوجها الأول، فإذا قدم خير بين أن يأخذ امرأته وبين أن يأخذ أقل الصداقين وهما الصداق الذي عليه هو والصداق الذي على الزوج الآخر، فإن اختار أقلَّ الصداقين كانت المرأة عند زوجها الآخر على نكاحهما الأول، وإن اختارها فهي امرأته ولا يطأها حتى تعتدَّ من الآخر ثلاث حيض إن كان الآخر وطئها، وإن كانت ممَّن لا تحيض فثلاثة أشهر وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها ثم يطأها إذا طهرت، وأمَّا إذا كانت زوجته أمة فهي والحرَّة في انتظار الأربع سنين سواء، فإذا انتظرت أربع سنين مذ فقد زوجها طلَّقها وليه ثم تعتدُّ بعد الأربع سنين والطلاق شهرين وخمسة أيام عدة الأمة المميتة وتأخذ صداقها وتزوَّج إن شاء سيدها، وإن كان المفقود عبداً فالعدَّة فيه والحر سواء، ويطلَّق زوجته سيده، فإن قدم وقد تزوَّجت زوجته أو كانت أمة فوطئها سيدها فله مثل ما للحر أن يختارها أو يختار أقل/408/ الصداق، وإن كان أزواج عدة (6/287)
صفحة 2563
فأقلُّ الصداقات ما كان من ذلك عاجل وآجل، واليهودية والنَّصرانية مثل الحرة المصلية في ذلك، فإن توفي المفقود بعد أن صحَّت حياته بعد أن طلَّق الولي، فإنَّما العدَّة من يوم مات، فإن كانت تزوَّجت وفرق بينها وبين الآخر وتعتدُّ يقبة عدَّتُها من المفقود عدَّة المميتة ثم تزوَّج زوجها الآخر إن شاء بنكاح جديد ولا عدَّة عليها منه بعد انقضاء عدَّتها من الأول، وإن أرادت أن تزوِّج زوجاً غير الزوج الآخر، وكان قد دخل بها فلا تزوج حتى تعتدَّ منه بعد انقضاء عدَّتها من الأول ثلاثة قروء إن كانت ممَّن تحيض وإن كانت ممَّن لا تحيض فثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فحتى تضع حملها، ولو كانت تزوَّجت أزواجاً فماتوا وورثتهم ردت المواريث إلى ورثتهم. وقال من قال: الميراث لها، لأنَّها تزوَّجت على السنة والقول الأول أكثر أنَّ عليها رد المواريث.
قال أبو الحواري _رحمه الله_: وأنا أقول بقول من يقول لها مواريثها منهم.
قلت: فإن كانت حاملاً من الآخر، فإنَّها تنتظر حتى تضع حملها ثم تعتد بقية عدتها من الأول ثم تزوَّج، وكذلك الحامل تنقضي عدتها من الآخر قبل أن تنقضي عدَّتُها من الأول، وأمَّا المرأة التي تفقد إن شاء زوجها انتظر أربع سنين ثم يتزوَّج أختها أو يزوِّج رابعة غيرها إن كان له بها أربع نسوة، وغ، شاء طلَّقها واعتدَّ تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر لثلاثة قروء ثم يتزوَّج أختها أو يتزوَّج رابعة إن أراد وإن كان لم يجز بها وطلَّقها فله أن يتزوَّج أختها من حينه أو رابعة غيرها لأنَّ المطلَّقة التي لم يجز بها لا عدَّة/409/ عليها، وإن مات أحد ممَّن يرثه المفقود في الأربع سنين فللمفقود ميراثه منه يكون لورثة المفقود حتى تنقضي الأربع سنين ثم لا يكون له ميراث ويمات هو وماله وبين ورثته ولو لم يطلّق (1) قسمه، وأمَّا امرأته فإذا خلا لها ذلك طلَّقها وليه إن كان له ولي، وإلا فالإمام ثم تعتد عدة المميتة بعد الطَّلاق ثم تزوَّج، وإن طلَّقها وليه بعد الأربع سنين بلا رأي الحاكم فذلك جائز، والولي الذي يطلّقها هو الذي له الدم، فإن كره ذلك من الحاكم الولي الذي من بعده.
__________
(1) في أ، ب: ولو لم يطلبوا قسمة وهذا أصح (6/288)
صفحة 2564
قال أبو علي (1) حفظه الله: ويوجد في جواب أبي عبد الله (2) إلى الإمام الصلت بن مالك أنَّه ليس للولي الذي طلَّقها أن يتزوَّج بها والله أعلم. وكذلك إن كان الولي صبياً طلق الولي الذي من بعده، وإن لم يكن له ولي إلا نساء ولم يكن له ولي من الرجال طلَّق من كان أولى بميراثه من النِّساء وأولى بطلاق امرأة المفقود أبوه قبل كان أحد ثم ولده من بعد الأب كان منها أو من غيرها ثم هو أولى به من عصبته الذين يلون الصلاة عليه والأخذ بدمه، فإن لم يكن له عصبة وكان أمره إلى الأرجام والجنس فالإمام أولى بطلاقها أو يأمر من يطلِّقها وإن تزوَّجت من غير أن تطلِّق فرق بينهما.
قال (3) أبو علي (4) -حفظه الله- اختلفوا في الفراق بينهما. فقال /410/قوم: لا يفرَّق، ومنهم: من فرَّق. قال: وفي نفسي من الفراق ولا أقدم عليه، لأنَّ ذلك الطلاق لا يوجب حكماً.
لو (5) قدم الزوج لم يقع موقعه، وإن مات لم يحتج إلى طلاق والله أعلم، وإن كان أولياءه مستوين فإنَّ الإمام يأمر أحدهم أن يطلِّق ويكون جائز أو قال: فإن لم يكن له ولي من النِّساء ولا من الرجال طلَّقها الحاكم، وكذلك إن كان له ولي فكره أن يطلِّق طلَّقها الحاكم، ولو طلَّقها الحاكم وله ولي قائم، فلا يجوز طلاق الحاكم حتى يحتجَّ على الولي، فإن لم يطلِّق الولي طلَّق الحاكم قول أبي الحواري، ولا يأكل من مال المفقود إلا في أربع سنين إذا صحَّ الفقد.
قال أبو الحواري: فإن لم يصحَّ الفقد فهي تأكل من ماله حتى يصحَّ الفقد، فإذا صحَّ الفقد أكلت من ماله مذ يوم فقد إلى أربع سنين، فإن كانت أكلت أكثر من أربع سنين مذ يوم فقد ردَّت ما أكلت بعد الأربع سنين ويطرح لها أربع سنين.
__________
(1) أبو علي الحسن بن أحمد في أ، ب.
(2) في أ، ب: ويوجد في جواب أبي عبد الله محمد بن محبوب.
(3) في أ، ب: ومن غيره.
(4) أبو علي الحسن بن أحمد في أ، ب.
(5) في أ، ب: رجع. (6/289)
صفحة 2565
ومن غيره: ويوجد عن أبي المعلا أنَّ امرأة المفقود تستنفق من ماله أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً.
قلت لهاشم: إذا قدَّم المفقود وزوجته قد تزوَّجت فأختار/411/ الصداق متى تعتدُّ منه؟ قال: إذا قال: قد تركتها، وقال: يكلِّف أن يقول قد تركتها، وإن صحَّ أنَّه مات في الأربع سنين أو قبلها ردت ما أكلت من ماله من بعد أن صحَّ موته، وأمَّا الذي يفقد زوجته وهي صبية فقيل: ينتظر إذا أراد أن يتزوَّج أختها أو أربع غيرها حتى لا يشكَّ في بلوغها ثم يتربص أربع سنين ثم ييتزوَّج أختها أو امرأة رابعة غيرها هي لأنَّه منذ وقت بلوغها تثبت عقدتها، وإن شاء طلَّق وتزوج أختها أو رابعة من حينه إذا كان لم يطأ.
متى يقسم الميراث:
وإن كان الزوج المفقود وزوجته صبية، فإنَّه إذا صحَّ فقده، وخلا له أربع سنين قسم ميراثه ووقف لها هي ميراثها حتى تبلغ، فإذا بلغت حلف يميناً بالله لو كان حاضراً أو حياً لرضيت به زوجاً، فإن حلفت أخذت الصداق والميراث، وإن لم ترض ولم تحلف لم يكن لها صداق ولا ميراث وإنَّما تطلَّق من بعد أن تبلغ وترضى ثم تطلَّق ثم تعتدَّ للوفاة أربعة أشهر وعشراً، وأمَّا الأربع سنين فمذ حين فقد، وكذلك إذا كان الزوج صبياً ثم فقدته امرأته وهي بالغة انتظرت حتى لا تشُكَّ في بلوغه حتى تعتدَّ أربع سنين ثم يطلِّقها وليه ثم تعتَّد أربعة أشهر وعشراً ثم تزوَّج إن شاءت وإنَّما أثبتنا عليه عقد النِّكاح ولزمته العدَّة حيث رضيت به وهي بالغة وليس يرى لها الصداق والميراث حيث لم يعلم رضاه بها بعد بلوغه، فإن فقد رجل امرأته جميعاً فإنَّ مالهما يقسم على ورثتهما بعد أربع سنين ويورث كل واحد منهما من صاحبه من صلب ماله ولا يورث ممَّا ورث من/412/ صاحبه وفي نسخة ولا يورث ممَّا ورثه من عند صاحبه ثم يقسم ميراث كل واحد منهما على ورثته الأحياء، فإن كان أحد الزوجين صبياً لم يورث أحدهما من صاحبه ويقسم مال كل واحد منهما على ورثته، فإن قدم أحدهما كان الميراث على ما وصفنا في المسألة الأولى، وإن (6/290)
صفحة 2566
كانت زوجة الفقود أمة ثم أعتقت في الأربع سنين ولو قبل أن تنقضي كذلك وأمَّا الذي دبَّر أمة وكان يطأها ثم فقد فلا تزوَّج حتى تخلو أربع سنين ثم يقسِّم ماله، ثم تعتق ثم تعتدَّ أربعة أشهر وعشراً ثم تزوَّج، فإن قدم المفقود وهي مع زوج فهي أمةٌ وتأخذ الصداق، فإن أجاز نكاحها فهو جائز لأنَّه كان على السنة، وإن كان السيد والأمة يهوديين وهي أم ولد ثم أسلمت وهو مفقود فإنَّه يحرم عليها وطئها ولا تزوَّج إلا بإذنه إلا أن يبيعها الحاكم المسلم حيث أسلمت وتعتد ثلاثة قروء.
كيفية زواج الأمة:
قال أبو الحواري: تعتد حيضتين أو شهراً ونصفا ثم تزوَّج بإذن سيدها أو يطأها إذا استبرئها، وإن قدم الذمي فلا سبيل له إلى الأمة وقد سلمت وباعها الحاكم، وإن كان أسلم وقدم مسلماً فهي أمته وترد إليه إنْ أراد ذلك، وقيل: إن تزوَّج الرجل بأخت امرأته المفقودة من بعد العدَّة أو بأحد ربائبه إن لم يكن دخل بالأم ثم قدمن المفقودات، فإن الأخرات يخرجن بلا طلاق، وإن لم يجز بهنَّ خرجن أيضاً بلا صداق، وإن دخل بهنَّ فلهنَّ الصداق وإن متن/413/ ورثهنَّ ثم قدمن الأوائل، فإنَّه يرد الميراث، وأمَّا اليهودي إذا فقد وأسلمت امرأته بعد وتزوَّجت ثم قدم، فإن صحَّ أنَّه أسلم قبل أن تزوَّج ردت إليه وإن أسلم من بعد أن تزوَّجت لم ترد إليه.
وعن المفقود يقدم وامرأته قد تزوَّجت فيموت ولا يعلم قوله ويموت الثاني أيضاً، هل تدخل عدَّة الأول في عدَّة الثاني فأعلم أنَّ عليها من المفقود عدَّة الوفاة، فإذا أكملتها اعتدَّت من الثاني ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر إن كانت ممَّن لا تحيض ثم تحلُّ للأزواج، وإن كانت حاملاً والثاني اعتدت منه وعدَّتُها أن تضع حملها، فإذا وضعت حملها استأنفت عدَّتها من زوجها الأول أربعة أشهر وعشراً من يوم ولدت. وعن امرأة فقد زوجها فبقيت عشر سنين ثم تزوَّجت ولم ترفع إلى الحاكم ولم يطلِّقها ولي المفقود؟ فقال من قال من الفقهاء: لا نقدم على فسادها وقد ذكر أنَّ نساءً فقدن أزواجهنَّ في وقت واحد واعتدَّ (6/291)
صفحة 2567
بعضهنَّ برأي المسلمين وطلَّق الأولياء، وبعضهنَّ تزوَّج بلا أن ترفع أمرها إلى المسلمين ثم رفع ذلك فلم يروا فساد على من تزوَّج على تلك الحال، وذلك في زمان كان الأشياخ فيه كثيراً، وفي نسخة أكثر عدداً وأكثر علماً وقال بعض الفقهاء: إنَّ المرأة إذا تزوَّجت بلا أن تطلِّق فرق بينها وبين الذي تزوَّجها، ولعلَّ هذا الرأي هو الذي كان يعمل به في هذا العصر.
قال أبو الحواري: وبهذا الرأي نأخذ. وقال من قال من الفقهاء: إذا قدم الأول وقد تزوَّجت امرأته/414/ بزوج ومات الآخر، فإن اختارها المفقود فهي امرأته وترد الميراث على ورثة الآخر، وإن اختار المفقود الصداق عليها فميراثها من الثاني لها.
وعن أبي عبد الله رحمه الله في رجل فقدت امرأته فأراد أن يتزوَّج أختها فقال: يتربص أربع سنين ثم يتزوَّج أختها إن أراد فإذا قدمت الأخرى بعد الأربع سنين اختار أيُّهما شاء.
قلت له: ولو كان قد دخل بهما جميعاً؟ قال: نعم.
قلت: فإن بينت (قدمت) المفقودة ومات الزوج قبل أن يعلم خياره؟ قال: يرثانه جميعاً./415/
الباب الثامن عشر
في العدد والرَّد
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر وبُعولتُهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ في ذلك} [البقرة] والثلاثة قروء ثلاث حيض، وإن كانت ممَّن لا تحيض من كبر أو صغر فثلاثة أشهر، فهذه عدَّة الحرَّة المطلَّقة في الطلاق البائن، والطَّلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ: أي لا يكتمن انقضاء العدَّة، وبعولتهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ في الذي يُطلّق واحدة أو اثنتين. وقال الله تعالى: {للذين يولون من (6/292)
صفحة 2568
نسائهم تربُّص أربعة أشهر} [البقرة] وهي عدَّة الإيلاء والظهار، فإذا خلا أربعة أشهر مذ آلى وظاهر الزوج بانت زوجته وانقضت عدَّتُها وحلَّت للأزواج وقال الله تعالى في كتابه أيضاً: {والذين يتوفَّون منكم ويذرون أزواجاً يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعة أشهُر وعشراً} [البقرة] فهذه عدة الممميتة الحرة من الحر والعبد. وقال الله تبارك وتعالى في كتابه: {يا أيُّها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلَّقتموهنَّ من قبل أن تمسوهنَّ فما لكم عليهنَّ من عدَّة/416/ تعتدُّونها} [الأحزاب] وكل امرأة لم يجز بها زوجها ثم طلَّقها قبل الجواز فلا عدَّة عليها ولها أن تتزوَّج من حينما طلَّقها، وإن مات عنها قبل أن يجوز بها ولم يطلِّقها فعدَّتُها عدة المميتة أربعة أشهر وعشر أيام ولها الميراث منه أيضاً فعدَّتُها عدة المميتة أربعة أشهر وعشرا أيام ولها الميراث منه أيضاً والصداق تام، فإن طلَّقها قبل الجواز ثم مات وهي في حين العدَّة فحبست نفسها على قدر العدَّة عن التَّزويج، فقيل: إنَّ لها منه الميراث ونصف الصداق. وقال من قال: لها الصداق تام والميراث إذا حبست نفسها.
قال أبو الحواري: وهذا إذا طلَّقها في مرضه فحبست نفسها ولم تزوَّج كان لها الصداق تام والميراث، وإذا طلَّقها وهو صحيح ثم مات فلها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدَّة هكذا حفظنا، قول أبي الحواري: أصح وهو الذي يؤخذ به في هذه المسألة، والمطلَّقة التي يملك الزوج رجعتها إذا مات زوجها وهي في العدَّة رجعت إلى عدَّة المميتة وتستأنف مذ مات.
وعدَّة الحامل المتوفى عنها زوجها والتي يؤلي عنها أبعد الأجلين إن وضعت حملها فلا تنقضي عدَّتُها حتى تضع حملها، وقيل ما لم تضعه فلا سبيل إليها ومن ملك من الرجال امرأة ثم أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً أو خلا بها في ذلك ثم طلَّقها فقالت هي وهو أنَّه لم يطأها فقيل: تصدق فيما لها من الصداق ولا تصدق فيما لله عليها من العدَّة ويكون عليها العدَّة وهذا الرأي أكثر عندنا وقد قبل غير ذلك، ومن المعنى عندنا أنَّه لا عدة عليها، (6/293)
صفحة 2569
وكذلك عرفت من بعض الآثار:/417/والمطلَّقة (1) ثلاثاً والمختلعة إذا مات زوجها وهي في العدَّة، فإنَّما عدَّتُها من الطَّلاق ثلاث حيض أوثلاثة أشهر إن كانت ممَّن لا تحيض، وأمَّا المطلَّقة الحامل، فإذا وضعت حملها فقد انقضت عدَّتُها ولو أسقطته إذا كان السقط يستبين شيء من خلقه، وإن كان في بطنها ولدان أو ثلاثة فأجلها أن تضع كل ولد في بطنها، وإن خرج بعض الولد وبقي شيء منه فلا ينقضي عدَّتُها حتى يخرج كله العدة مثل ما على الحرَّة المسلمة وكذلك المكاتبة.
وقال من قال: على الذميَّة من أهل الكتاب من العدَّة ثلث عدَّة الحرة المسلمة والرأي الأول أكثر عندنا وبه نأخذ.
قال أبو الحواري: طلاق الذميَّة ثلث طلاق المسلمة وعليها ثُلث عدة المرّأَة المسلمة، وهو قول أبي عبيدة وبه نأخذ، وكل امرأة أتاها وفاة زوجها أو طلاقه وهو غائب فعدَّتُها آخر يوم مات أو طلَّق، وإن لم يعلم اليوم الذي مات فيه فإنَّما تعتدُّ في يوم يستبين ذلك، وإذا طلَّقت المرأة وهي حائض فلا تعتدُّ بتلك الحيضة من عدَّتها وعليها ثلاث حيض من بعدها، فإن طلَّقها أخرى من بعد ذلك، فإنَّ عدَّتها من التطليقة الأولى ثلاث حيض غير الحيضة التي طلَّقها فيها، وأمَّا إذا أرادت أن تزوَّج فأحب أن لا تزوَّج حتى تحيض ثلاث حيض بعد الطَّلاق الآخر./420/
قال أبو الحواري: تعتدُّ ثلاث حيض بعد الطَّلاق الأول غير الحيضة التي طلَّقها فيها ثم تحلَّ للأزواج إلا أن يكون ردها ثم عاد طلَّقها، فإنَّها تعتدُّ من الطلاق الآخر هكذا حفظنا، وبه نأخذ.
وعن أبي علي حفظه الله وإذ اعتدت المطلَّقة الصغيرة بالشهور ثم حاضت من قبل أن تكمل العدَّة رجعت تستأنف العدَّة بالحيض، وإذا اعتدت بالحيض فلمَّا حاضت حيضةً أو حيضتين انقطع عنها الحيض فهذه لا تعتدُّ بالشهور حتى تصير في حد من يأس من المحيض
__________
(1) في أ، ب: رجع: والمطلقة. (6/294)
صفحة 2570
وإياستها من الحيض أن تبلغ السن من بلغ إليه من النِّساء لا تحيض، فإن أتاها بعد ذلك حيض اعتدت بما حاضت من قبل وتعتدُّ ثلاث حيض.
وقال من قال: إذا بلغت ستين سنة فقد آيست من المحيض وتعتدُّ بالشهور، وإذا جاءها المحيض في وقت تحيض فيه بعض النِّساء، وبعضهنَّ لا تحيض فيه فعدَّتُها بالحيض والتي لم تحض قط قيل عدَّتُها سنة للحمل والحيض، فإذا مضت ثلاثة أشهر بانت من مطلّقها ولا تحلُّ للأزواج حتى تمضي سنة ونحبُّ أن تأخذ في الحيض بالاحتياط، وإذا اختلف حيض المرأة لحال العدَّة فتنقضي العدَّة من مطلّقها إذا حاضت ثلاث حيض بين كل حيضتين عشرة أيام هي فيهنَّ تُصلي ولو كانت كل حيضة أقل من ثلاثة أيام، ولا تزوَّج إذا اختلف وقت حيضها ولم يقف لنفسها على وقت حتى تحيض ثلاث حيض، وكذلك إذا كان للرجل امرأتان فطلَّق إحداهما ثلاثة ثم مات ولم يعلم التي طلَّق فقيل عليهما جميعاً أن يعتدَّ ثلاث حيض ويستكملا أربعة أشهر وعشراً وذلك أنَّه لا يدري أيتهما هي /421/ التي هي صاحبة العدة بالحيض ولا التي هي صاحبة الأيام فيؤخذ في ذلك بالثقة، وكذلك كل رجل مات عن امرأته وكان في وجه يجب عليها العدَّة بالحيض ووجه بالشهور اعتدت العدَّتين جميعاً.
الفار من الميراث:
ومن طلَّق امرأته في المرض ثلاثاً، فإنَّها ترثه لأنَّه ضرار حتى يعلم أنَّه غير ضرار، وأمَّا العدَّة فعدَّتُها عدَّة المطلَّقة، وممَّا يعلم أنَّه غير ضرار إذا كان قد جعل طلاقها في الصحَّة في شيء إن فعلته ففعلته وهو مريض فهذا ومثله ممَّا يعلم أنَّه غير ضرار ولا ترثه ومن طلَّق ثلاثاً في المرض ثم صحَّ ثم مرض ومات وهي في العدَّة فاختلف في ذلك أحبُّ إلينا أن لا ترثه.
قال أبو الحواري: أنا أقول بقول من يقول أنَّها ترثه، وكذلك المطلَّقة ثلاثاً إذا مات زوجها وهي في العدَّة فعدَّتُها عدَّة المطلَّقة.
من لا ميراث لهنَّ: (6/295)
صفحة 2571
والمختلعة والملاعنة والمختارة نفسها إذا تزوَّج عليها أمة والأمة تعتق فتختار نفسها فكلُّ هؤلاء بائنات لا ميراث لهنَّ في العدَّة ولا للأزواج منهنَّ ميراث وعدَّتُهنَّ على كل حال ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، وقيل: في رجل أسلم من شركه ولم تسلم زوجته فتزوَّجت بعد إسلام زوجها في عدَّتها ثم أسلمت من قبل انقضاء العدَّة أو من بعد انقضائها، فإن كانت في دينها لها عدَّة فتزوَّجت فيها فذلك نكاح باطل وهو بالخيار إن شاء تمسَّك بها، وإن شاء خلاها وكذلك إن أسلمت هي وهو مشرك فتزوَّجت فهي مثل الأولى وإن جاز بها/422/ الآخر اعتدت منه ثم وطئها الأول، وإن تزوَّجت بعد انقضاء العدَّة من الأول فلا سبيل للأول إليها وإن كانت لم تزوَّج فإن الأول يدركها ويكونان على نكاحهما ولو بقيت على ذلك سنين كثيرة فالمرأة مصدقة في انقضاء عدَّتها، فإذا قالت إنَّ عدَّتها قد انقضت بسقط أسقطته قبل ذلك منها وانقضت عدَّتها، وقيل: إنَّه لا يمين عليها في ذلك، وإن قالت بالحيض فأقل ما سمعنا أنَّه يقبل منها بعد شهر مُذ طلَّقت على أنَّها قد حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ثلاثة أيام فذلك تسعة وعشرون يوماً.
أقل حيض العدة:
وقال من قال: أقلُّ ذلك أن تكون طاهراً عشرة أيام ثم تحيض ثلاثة أيام ثم تطهر عشرة أيام ثم تحيض ثلاثة أيام ثم تطهر عشرة أيام ثم تحيض ثلاثة أيام فذلك تسعة وثلاثون يوماً. وكذلك إذا طلَّقها زوجها ثلاثاً.
متى تنقضي العدَّة:
ثم قال (1) من بعد أنَّها قد تزوَّجت زوجاً غيره وانقضت عدَّتها قبل ذلك منها إذا كانت قد خلا لها ما يمكن أن تنقضي عدَّتها من الأول ثم تزوَّج فتنقضي عدَّتها من الآخر وما لم تغسل فرجها ورأسها من الحيضة الآخرة بعد الطهر فلزوجها أن يردَّها فإذا غسلت/423/
__________
(1) في أ، ب: ثم قالت. (6/296)
صفحة 2572
ذلك فقد فاتته وإن غسلت بماءٍ نجس، فقيل: إنَّها تفوتُ الأول ولا تزوَّج حتى تغسل بماء طاهر.
قال أبو المؤثر: إذا غسلت بماء نجس فهي لا تعلم أنَّه نجس لم يدركها، وأمَّا إن كانت اغتسلت بالماء النجس عمداً وهي تعلم أنَّه نجس فهو يدركها ما لم تعد الغسل، وإن أخرت الغسل بعد الطهر حتى يمضي وقت الصلاة التي حضرت لحال رد زوجها فقد فاتته ولا تنتفع بذلك، ومن وطئ امرأته بعد أن فارقها قبل أن يشهد على رجعتها فقد حرمت عليه أبداً، وأمَّا إن مسَّ أو نظر فرجها بلا وطئ في طلاق واحدة أو اثنتين قبل أن يشهد بردِّها فلم نبصر في ذلك فساداً عليه، وإذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً يملك فيه رجعتها بعلمها، فقيل: يردُّها بعلمها مع شاهدين، وإن طلَّقها بلا علمها فله أن يردَّها أيضاً بلا علمها، وأمَّا المختلعة فليس له ردُّها إلا برأيها لأنَّها أملك بنفسها، وإذا قال الرجل لامرأته بعد انقضاء العدَّة قد كنت راجعتك في العدَّة فكذَّبته لم يصدِّق هو إلا بصحَّته ولا يكون في الرَّجعة ولا في النِّكاح يمين، وأمَّا إذا قال الرجل لامرأته في العدَّة قد راجعتك، فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي، فقيل: إنَّ قوله ذلك رجعة إذا كانت بينة ولا تصدق المرأة بعد أن يردَّها إذا اعتدت المطلَّقة بالشهور ثم حاضت في آخر أيامها رجعت إلى عدَّة الحيض ولزوجها أن يردَّها ما لم تحض ثلاث حيض، وإن كان طلاقاً يملك رجعتها فيه ثم مات من قبل أن تتم ثلاث حيض رجعت أيضاً إلى عدَّة المتوفى عنها زوجها وورثته./424/
كيفية الرجعة:
وقيل كان عمر بن الخطاب (ض) إذا أراد أن يردَّ زوجته التي طلَّقها لم يدخل عليها حتى يشهد بردِّها، وكان النبي (ص) قد طلَّق زوجته حفصة بنت عمر وأشهد على ردِّها، فإذا أراد الرجل أن يردَّ مطلَّقته حضرت ودَّعى بشاهدين رجلين بالغين حرين مسلمين أو رجلاً وامرأتين فأشهدهما أنَّه قد ردَّ زوجته هذه وإن لم تكن حاضرة فلا بأس ويقول قد ردَّ زوجته فلانة بنت فلان بحقِّها بما بقي من طلاقها ثم يعلمها الشاهدان بذلك في العدَّة (6/297)
صفحة 2573
قبل أن يطأها، وإن كانت لم تعلم بالطَّلاق فردَّها مع الشاهدين بلا عملها فلا بأس، وإن لم يكن الشاهدان عدلين فلا بأس.
وعن أبي علي -حفظه الله-: في رجل طلَّق امرأته بعلمها وأشهد على رجعتها من غير علمها وأعلمها أنَّه قد أشهد على رجعتها وهي في العدَّة فصدَّقته ووطئها ثم أعلمها الشاهدان وهي في العدَّة بعدما وطئها أو لم يعلمها حتى خلت العدَّة ثم أعلمها، هل يدركها؟ فإنَّه يدركها.
قال غيره: وذلك عندي إذا أرَّخا أنَّ الردَّ كان في العدَّة قبل الوطء والله أعلم.
متى يكون الرد:
وعن محمد بن محبوب-رحمهما الله- في رجل طلَّق امرأته تطليقة ثم أشهد شاهدين على رجعتها فرضيت منه بخبره فأمكنته من نفسها. قال: يدعا الشاهدان فإذا حضرها شاهدين أنَّه أشهدهما على/425/ رجعتها في العدَّة فلا بأس، وإن أعجز البيِّنة فرق بينهما وأعطاها صداقين وذلك عندي إذا علم تأريخ، وفي نسخة على تأريخ الشاهدين أنَّ الرد كان قبل الوطئ، وقيل: إذا ردَّ الرجل زوجته في البرآن وهي حاضرة فلا تجزئ حضرتها حتى تقول بعد المراجعة قد رضيت. قلت: فإنَّها لم تقل ووطئها فوقف ولم يتقدَّم على تحريم وأقول إذا كان الرَّد برأيها وعلمها فهو رد وإن لم تقل هي شيئًا، وإن قالت قد رضيت وأتمت ذلك فهو أوكد وذلك أحبُّ إلي.
وقال من قال: أيضاً في رجل طلَّق امرأته فانقضت عدَّتُها ثم زعم أنَّه قد ردَّها وأنكرت هي ذلك؟ قال: ليس في هذا إيمان إلا بالبيِّنة.
قلت: فإنَّه قد قال: قد أشهدت بردِّها شاهدين بعلمها والشاهدان قد ماتا أو غابا؟ وقال: ليس هاهنا يمين إلا البيِّنة وقد بانت منه، وكذلك الذي طلَّق امرأته وأشهد بردِّها فأعلمها بأنَّه قد ردَّها في العدَّة ثم أتاها بالشَّاهدين بعد انقضاء العدَّة فشهدا بالردّ فهذا يدركها إذا (6/298)
صفحة 2574
كان أعلمها بالردّ في العدَّة، وإن علمت بالطَّلاق ولم تعلم بالردِّ حتى نقضت عدَّتها، فقيل: إنَّه لا يدركها ولو أتاها بالبيِّنة بعد انقضاء العدَّة شهدوا أنَّه ردَّها في العدَّة.
ومن غيره: وقد قيل: إن أتاها بالشُّهود بعد انقضاء العدَّة وشهدوا أنَّ الرد كان في العدَّة، فإنَّها يسعها المقام معه ما لم تحاكمه./426/
أنكرت المرأة الرجعة:
رجع: فإن أتاها الطلاق والمراجعة معاً بعد انقضاء العدَّة، فإنَّه يدركها إذا لم تعلم بالطَّلاق، وإن أتاها الطَّلاق قبل المراجعة بانت منه، وأمَّا إذا قال: إنَّه أعلمها بالردّ في العدَّة وأنكرت هي ذلك فالأيمان بينهما أن تحلف هي ما أعلمها أنَّه قد ردَّها في العدَّة وقد بانت منه، أو يحلف هو إن ردت إليه اليمين لقد أعلمها بذلك في العدَّة ثم هي امرأته، وأمَّا إذا تزوَّجت المرأة في بقيَّة من عدَّتها فإن أخطأت في العدَّة في الأيام أو الحيض فتزوَّجت مثل المرأة تعتدُّ ثلاثة أشهر فلمَّا اعتدت ثلاثة أشهر إلا يوماً أو يومين أو ثلاثة أو نحو ذلك ظننت أنَّها قد أتمت ثلاثة أشهر، وكذلك إذا كان عدَّتها ثلاث حيض، فحاضت ثنتين ثم ظنت أنَّها قد حاضت ثلاثاً فتزوَّجت ثم علمت فإنَّها يفرَّق بينها وبين الآخر بردِّها الأول ما علم ذلك ولا يطأها حتى تعتدَّ من الآخر إن كان قد جاز بها، وإن لم يردَّها الأول فإذا أتمت عدَّتها منه وأرادها الآخر وتزوَّجها بنكاح جديد ولا عدَّة عليها منه له، وإن لم يردَّها أيضاً الآخر، فإذا انقضت عدَّتها من الأول اعتدت من الآخر ثم تزوَّجت بغيرهما إن شاءت، وأمَّا إذا كانت عدَّتُها بالحيض فرأت أنَّ العدَّة عليها بالشهور واعتدت ثلاثة أشهر ثم تزوَّجت أو كانت عدَّتُها بالشهور اعتدت بالحيض حيضتين وظنت أنَّه كذلك عدَّتُها مثل عدَّة الأمة أو كانت مميتة فاعتدت بالحيض أو بأقرب الأجلين إن كانت حاملاً ففي هذا لا عذر فيه، وإذا تزوَّجت على ذلك وجاز بها الزوج حرمت عليه.
وفي جواب لموسى بن علي -رحمه الله- وفي امرأة لم /427/ تحض تزوَّجها رجل ثم فارقها فاعتدت وتزوَّجت ومطلَّقها غائب وكان قد بقي عليها من عدَّتها خمسة أيام فلبثت (6/299)
صفحة 2575
مع الزوج سنة ثم حاضت وحملت وقدم المطلق وطلبها يوم استبانت له العدَّة ووضعت يومها ذلك وأصبح الأول يشهد بردِّها في الأيام الباقيَّة من عدَّتها فأمَّا الولد فإنَّه للزوج الآخر على ما وصفت، فإن كانت المرأة وهمت وأخطأت في عدَّتها ثم اطَّلعوا على ذلك وفارقها الآخر ووضعت حملها ومن ثم أشهد الأول رجعتها فيما بقي من العدَّة عليها، فهي امرأته وإن كرهها الأول واختر لها الآخر حتى تنقضي تلك الأيام وأوَّلها يوم يطلع عليها، فإذا انقضت كان للآخر وللأول أن يخطبها أيُّهما شاء وشاءت بنكاح جديد ومهر جديد، وكذلك عندنا غيرهما من الخطاب، وقيل: في المرأة التي تحيض فيكون حيضها يوماً وليلة عادة لها تعرف بذلك نفسها، فإن طلّقت ولم تكن حاضت قط ثم حاضت يوماً وليلة أو يوماً واحداً، فإنَّ عدَّتها تنقضي بثلاث حيض في ثلاثة أشهر، وإن حاضت ثلاثاً في أقل من ثلاثة أشهر لم تنقض بها العدَّة ولا يدركها زوجها بعد انقضاء ثلاث حيضاتها أولئك، وإن كانت تحيض حيضاً كاملاً فطلَّقها زوجها فحاضت حيضة غير تامَّة أقل من ثلاثة أيام، فإنَّها تبين من مطلَّقها ولا تحلُّ للأزواج حتى تحيض ثلاث حيض كوامل إلا أن تتابع لها ثلاث حيض ناقصة مثل ما ذكرنا، فإنَّ ذلك يكون حيضاً/428/وتعتد به، لأنَّه صار وقتاً لها. تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: قال أبو سعيد -رحمه الله- ادَّعت المرأة الطلاق من زوجها وأنكر هو أنَّه لم يطلِّقها وأنَّها امرأته يحبف أنَّ فلانة هذه امرأته وما طلَّقها كذا وكذا طلاقاً يبينها عنه عن حكم الزوجية إلى هذه الساعة فيما يعجبني، وأمَّا أن يردَّ إليها اليمين فتحلف على ما تدَّعي إليه.
عدَّة الزانية:
ومن غيره: وما تقول في الزانية إذا تابت، هل عليها عدَّة إذا أرادت التَّزويج تؤمر أن تستبري نفسها بحيضة ثم تزوَّجت إن أرادت. (6/300)
صفحة 2576
ومن غيره: وسألته عن المرأة إذا زنت هل عليها عدَّة؟ قال: يوجد أنَّ عليها معنى العدَّة وذلك على قول من يقول: أنَّ العدَّة يثبت حكمها من الوطئ ويوجد عن أبي الحواري أنَّها إن تزوَّجت قبل أن تنقضي عدَّتها من ذلك كان النِّكاح فاسداً وقد يوجد ترخيص من غيره ولعلَّه لا يفسد النِّكاح بذلك إذا قصرت في كمال العدَّة ولعلَّ هذا على قول من يقول أنَّ العدَّة لا يثبت حكمها إلا من وطئ عقد نكاح حلال، لأنَّه قد قالوا في المرأة إذا كرهت على الوطء وأعلمت الزوج بذلك أمر أن يتركها مقدار العدة لاستبراء الرحم، فإن وطئها قبل كمال العدَّة لم تحرم عليه فيما قيل، ولا أعلم أنَّهم قالوا بفسادها مثل الأولى.
عدَّة الصبية:
وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد السعالي حفظه الله وقفت على مسألتك هذه والذي عرفت أنَّ الصبيَّة إذا وطئها زوجها ثم بلغت وفسخت/429/ التَّزويج كان عليها العدَّة بالحيض ثلاث حيض والله أعلم. وعن الرجل يطلب المرأة ليتزوجها فتقول له: إنِّي في عدَّة، هل له أن يراجع فيطلبها إذا خلت عدَّتها؟ الجواب: في هذا أنَّه إذا لم يعرف ولم تواعده وأعلمته أنَّها في العدَّة فله أن يتزوَّجها بعد انقضاء العدَّة والله أعلم بالصواب.
وقال أبو عبد الله -رحمه الله- لو أنَّ امرأة زنت ولها زوج فأسرا زناها كا واسعاً لها المقام معه ولا يحلُّ لها أن تأخذ صداقها منه، لأنَّها قد خانته وعليها أن تمنعه حتى تستبرئ نفسها ثلاث حيض، ولو أنَّها زنت بأبيه أوبابنه أو ممَّن لا يحلُّ لها نكاحه بعد [] وجهاً لم يسعها المقام مع زوجها وعليها أن تفتدي منه بمالها الذي عليه وبما تملكه من غيره، فإن لم تقبل فلتهرب منه حيث لا يراها وليس عليها أن تعلن بما ستر الله من عورتها ولتقل له في السريرة بينهما وتعلمه بما كان منها من الأمر الذي ضاق عليها المقام معه.
ومن غيره: قال: ويعجبني أن تتوب إلى الله تعالى وتستغفره ممَّا فعلت عند إعلامها له لئلاَّ تبيح البراءة من نفسها له فتهلك بذلك والله أعلم. (6/301)
صفحة 2577
ومن غيره: قال معي: إنَّه قيل في الصبيَّة إذا طلَّقت وهي في حد البالغ واستر يبت إنَّ عدَّتها سنة بالاحتياط وثلاث أشهر بالحكم؟ وقال معي: إنَّه قد قيل أنَّ المرأة البالغ إذا لم تحض وهي في حد من تحيض إنَّ عدَّتها سنة ثم قد حلت للأزواج، وقالوا: إنَّ المطلَّقة إذا لم تر الدم إلا دفعة ثم طلّقت إن عدَّتها سنة ثم قد حلَّت للأزواج، وكذلك لو رأت الدَّم يوماً أو يومين فعدَّتها سنة على هذا إلا أن أقلَّ الحيض ثلاثة أيام./430/
وعن امرأة طلَّقها زوجها وهي ممَّن تحيض فقعدت عن الحيض ثلاث سنين أو أكثر. قلت: هل يجوز لها أن تعتدَّ بالشهور، وإن كانت لم تصر بحد المؤيسات؟ (1).
عدة المسترابة:
ففي أكثر أصحابنا فيما عندي أنَّ عدَّتها بالحيض حتى تصير بحدّ من ييأس من المحيض. وقلت: لها كانت قعدت عن المحيض سنة أو أكثر اعتدت بالشهور وتزوَّجت. قلت: هل يجوز لها ذلك أم يفرَّق بينها وبين زوجها؟ قلت: وإن لم يتفارقا عن ذلك واجتمعا وكانت لهما ولاية، هل يكونان على ولايتهما، فإذا كان قد خرجا من قول أهل العلم إلا مالاً اختلاف فيه؟ فليس لهما عندنا ولاية على مخالفتهما للمسلمين، وإن كانا قد وافقا في ذلك قول أحد من أهل العلم فهما على ولايتهما، وقلت: هل تعلم أنَّه قال أحد من أهل العلم إنَّها تعتدُّ بالشهور إذا خلا لها سنة لم تر دماً، فأحب أنَّه قد قيل إنَّها إذا مضت سنة وهي على سبيل الريبة فيما جاء من آثار أصحابنا القديمة، إذا زنا بالمرأة فلم تر حيضاً ولم يبن لها حمل وقعت الريبة لم يبن لها حيض ولا حمل، فهي مسترابة وعدتها بالشهور ولقول الله تعالى: {إن ارتبتم فعدتُّهنَّ ثلاثة أشهر} [الطلاق] قال غيره: قد قيل هذا.
وقال من قال: إنَّها تعتدُّ تسعة أشهر لريبة الحمل ثم تعتدُّ بالشهور وهو قول جابر ومسلم وعمر بن الخطاب -رحمهم الله- فيما/431/ يوجد عنهم. ((وعن قتادة عن سعيد بن
__________
(1) لا يوجد في أ، ب (ما بين القوسين) (6/302)
صفحة 2578
المسيب من قومنا مثل ذلك.)). وقال من قال: تعتدُّ سنتين لأنَّ الولد يلحق إلى سنتين ثم تعتدُّ بالشهور بعد ذلك والله أعلم.
لحوق الولد:
ومن الأثر في لحوق الولد ممَّا يوجد أنَّه عن أبي عبد الله بن محبوب -رحمهما الله- وقيل: في امرأة تزوَّجت في بقية من عدَّتها فجاءت بولد لمن يكون الولد؟ قال: إن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ تزوُّجها الآخر، فإنَّ الولد ولد الأول، وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر من تزوجها الآخر فالولد ولده، وفيها قول آخر: إن ولدت لأقل من سنتين فالولد ولد الأول، وإن ولدت لسنتين أو أكثر فالولد ولد الآخر والقولا الأول هو الأكثر.
وعن أبي علي: وقال بعض: إنَّها إذا جاءت به لأكثر من سنتين مذ فارقها الأول ولأقل من ستة أشهر مذ نكحها الآخر فالولد ولدها لا للأول ولا للثاني ولا يلحق نسبتهم.
ومن غيره: وامرأة مات عنها زوجها وهي حامل فوضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشر فتزوَّجها رجل في ذلك الوقت على الجهالة منهما بحكم العدة وجاز بها الزوج أو لم يجز ما حكم هذه العقدة، وهل يجوز له أن يتزوَّجها بعد انقضاء عدَّتها؟ فإن كانا علما مدَّة أربعة أشهر وعشر لم تنتقض بعد وتوهما إنَّ المتوفَّى عنها زوجها/432/ بوضع الحمل لا يفسد النكاح، فإنَّ النكاح بينهما بطال وينفسخ ولا ينتفعان بالجهل فيه ولا يجوز له تزويجها أبداً إن كان دخل بها أو لم يكن يدخل لأنَّ الجهل شيء على وجهين أحدهما وجوب الشيء بمعرفته وجهل بمعرفة حكم مع العلم والقصد إلى فعله، فهذا الضرب من الجهل لا يعذر صاحبه بفعله، لأنَّه قاصد إليه متعمد لفعله جاهل بحكمه وكان جائز أن يتَّخذ من فعله بالسؤال عنه واستنباط حكمه ممَّن يعلمه الأيامى التي لا أزواج لهنَّ والأيم من الرجال الذي لا زوجة، وسألته عن الرجل إذا أراد أن يردَّ زوجته فقال للشهود: اشهدوا أنِّي قد رددت فلانة بنت فلان؟ قال: جائز. (6/303)
صفحة 2579
وعن رجل طلَّق امرأته واحدة ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض وطهرت واغتسلت بماء نجس، هل يدركها ما لم تغتسل بماءٍ نضيف؟ قال: لا يدركها وقد فاتته إذا لم تعلم أنَّه نجس.
قال أبو المؤثر: نعم إذا لم يعلم أنَّه نجس، فإن علمت أنَّه نجس فإنَّه يدركها ما لم تغسل بماءٍ نضيف أو يفوت وقت الصَّلاة فإن لم يعلم أنَّه نجس وكان معها أنَّه طاهر لم تفسد عليه وعليها في كلا القولين الغسل ولا يجزي بذلك.
ومن غيره: قال الحسن بن أحمد: حتى تعلم هي بنجاسة الماء ويعلم هو أيضاً فحينئذ تفسد عليه، لأنَّ الفساد إنَّما يقع عليه بتعمده لا يتعمَّدها هي ويعجبني ذلك والله أعلم)) (1).
ومن غير الكتاب: وعن امرأة طلَّقت واحتبس عنها الدم وهي ممَّن تحيض، هل لها أن تزوج إذا عالجت نفسها حتى تحيض؟ فعلى ماو صفت فإنَّ ذلك/433/ ليس من أمر المخلوقين والله الذي يأتي بالحيض وهو الذي يرفعه كذلك. قال من قال من المسلمين: فإذا حاضت ثلاثاً للأزواج، وجائز تزويجها إن شاء الله./434/
الباب التاسع عشر
في عدَّة الإماء من السيد والزوج (2)
رجع: وأعلم أنَّ الأمة التي كان سيدها يطأها ثم يموت فيتركها فتلك أمة وعدتها حيضتان.
وقال من قال: حيضة واحدة، وإن أعتقها قبل موته فتعتدُّ ثلاث حيض ثم تزوَّج إن شاءت إذا مات وهي في العدَّة، وأمَّا التي دبرها فعتقت بسبب التدبر أو بسبب ولدها منه، فهذه عدَّتها عدَّة المميتة أربعة أشهر وعشرة أيام، والأمة عدَّتها للزوج كنصف عدَّة الحرة، وقال بعضهم: لو استطعت أن أجعل لجعلت لها حيضة ونصف ولكن ذلك لا يصلح فجعلت عدَّتها في الحيض حيضتين وفي الشهور شهر ونصف أو خمسة وأربعون يوماً إذا كانت لا تحيض من كبر أو صغر إلا الذي يشتري الأمة، فإن كانت تستبرئ بالأيام فإنَّما عليه أن
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في أ، ب.
(2) في أ، ب: زيادة في الطلاق والوفاة. (6/304)
صفحة 2580
تستبرئها بأربعين يوماً، وعدَّة الأمة من زوجها الحر والعبد إن كانت ممَّن تحيض فحيضتان، وكذلك طلاقها تطليقتان، وإن كانت ممَّن لا تحيض من كبر وصغر فعدَّتُها شهر ونصف.
ومن غيره: وقال محمد بن محبوب -رحمهما الله- إنَّ التي لم تحض/435/تستبرئ بخمسة وأربعين يوماً ((والتي قد أدبرت من الحيض تستبرئ بخمسة وأربعين يوماً)) (1). وقال عن محبوب بن الرحيل _رحمه الله_: إنَّ مخلد بن أيُّوب اشترى جاريَّة فجرَّدها ونظر إلى فرجها قبل أن يستبرئها فسأل أبا عبيدة _رحمه الله_ فقال له: بعها. وقد قال بعض فقهاء المسلمين أنَّ له أن يستخدمها ولا يبيعها إن شاء وأمَّا في الإيلاء. فقال من قال: تعتدُّ أربعة أشهر.
وقال من قال: شهرين وأمَّا الأمة المميتة فعدَّتُها شهران وخمسة أيام، وإن كانت حاملاً فعدَّتُها أبعد الأجلين إن خلالها شهران وخمسة أيام ولم تضع حملها، وإن وضعت حملها قبل فلا تنقضي عدَّتُها حتى تضع حملها قبل شهرين وخمسة أيام لم تنقض عدَّتُها حتى تبلغ شهرين وخمسة أيام، وإن طلَّق الرجل زوجته الأمة تطلقتين ثم مات وأعتقت في عدَّتها فعدَّتُها عدة المطلَّقة ثلاث حيض، لأنَّها قد كانت بانت كما تبين الإماء بتطلقتين، وإن طلَّقها واحدة فهو يملك الرجعة، وإن اعتدت في عدَّتها فإنَّ عدَّتها ثلاث حيض عدَّة الحرَّة، وإن مات وهي في العدَّة وقد عتقت ورثته إذا عتقت قبل موته وعدَّتُها عدة الحرة المميتة أربعة أشهر وعشرة أيام.
وقال من قال: إذا اختارته بعد العتق والعدَّة على الأمة هي عدَّتُها من العبد والحر سواء، وكذلك الحرَّة تعتدُّ عدَّة الحرَّة من الحر والعبد وقيل: إذا قال زوج الأمة المطلَّقة إني كنت راجعتها في العدَّة، وقال ذلك بعد انقضاء العدَّة، وقال المولى صدق. وقال (2): الأمة لم يراجعني كأنَّ القول قول سيدها إذا كان على ذلك نيَّته، لأنَّه لو/436/ زوجها جاز النِّكاح عليها ولو كرهت وهو أملك بها من نفسها، وقال بعض الفقهاء: في التي كان
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في أ، ب.
(2) في أ، ب: وقالت وهو الصحيح. (6/305)
صفحة 2581
مولاها يطأها ثم مات وهي حامل منه أنَّها تعتق بولدها إذا ولدت وعدتها أبعد الأجلين، فإن وضعت قبل أربعة أشهر وعشر لم تنقض عدَّتها حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر، فإن خلالها أربعة أشهر وعشر لم تضع حملها فحتى تضعه ثم تنقضي عدَّتها.
وقال من قال: لأنَّها عتقت مع موته بما في بطنها. وعندي أنَّها تعتق إذا ولدت وورثها ولدها، لأنَّه قد قيل: إن خرج ميتاً ولميكن لها منه ولد غيره أنَّها أمة، وإذا طهرت من نفاسها حلَّت للأزواج وإن أعتقها في حياته فعدَّتُها أن تضع حملها./437/
في عدة الإماء إذا أراد سيدهنَّ بيعهنَّ والاستبراء:
وقيل: على البائع حيضة وعلى المشتري حيضة، فإن استبرأها المشتري بحيضة واحدة فليس عليه غير ذلك حتى يعلمه البائع أنَّه لم يستبرئها فعليه عند ذلك أن لا يطأها حتى يستبرئها بحيضتين، وذكر بعض الفقهاء واستحسن أن لو كان أيضاً على البائع عشرون يوماً وعلى المشتري عشرون يوماً من استبراء الأمة بلا عزيمة عرفتها من أحد الفقهاء في ذلك.
قال أبو الحواري: على المشتري أن يستبرئها بأربعين يوماً هكذا حفظنا، وإن كان البائع ثقة، وقال: أنَّه قد استبراء الأمة بحيضتين ثم باعها فللمشتري إن فعل (1) ذلك ويطأها.
قال أبو الحواري: بلغنا عن أبي عبيدة -رحمه الله- أنَّه قال: حتى يكون مثل محبر رحم الله محبراً، وعلى المشتري أن يشتري الأمة ولو اشتراها من امرأة أو غيرها ممَّن لا يطأها، وكذلك إذا وهبت له أوصارت إليه من قبل غيره ببعض الوجوه، وأمَّا إن كانت له وولدت في ملكه فليس عليه فيها استبراء إذا أراد أن يطأها.
ومن غيره: قال أبو سعيد: -رحمه الله- في رجل ورث أمة من امرأة أو رباها أو ولدت عنده أو اشتراها وهي صغيرة؟ فمعي: أنَّه قد قيل: في ذلك باختلاف. فقال من قال: ليس عليه استبراء في ذلك وإنَّها بمنزلة الأمانة/439/ معها، وإنَّما يكون عليه استبراؤها ممَّن كان يطأها.
__________
(1) في أ، ب: فللمشتري أن يقبل ذلك ويطأها. (6/306)
صفحة 2582
وقال من قال: إنَّ عليه الاستبراء فكلُّ ذلك والأمر للاستبراء من الكل./440/
رجع: وإن وطئ المولى أمته ثم أراد أن يتزوَّجها فيستبرئها بحيضتين ثم يزوجها وليس على الزوج استبراء. تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره: وعمَّن كانت معه أمة في منزله وهي غير ثقة جامعها ولم يستبرئها أيحلُّ له وطئها أم تحرم عليه أبداً، فإن كانت هذه الجارية رباها في ملكه بقدر وقت الاستبراء أو أكثر من ذلك وكان حافظاً لها عن جولانها (1) قاسراً لها ولا حافظاً لها عن جولانها ثم وطئها ولم يكن استبرائها للوطء، فإنِّي لا أرى عليه بأساً بوطئها فيما بقي ولا تفسد عليه إن شاء الله، وإن لم يكن قاسراً لها ولا حافظاً لها عن جولانها ثم وطئها من قبل أن يستبرئها فلا أحب له أن يطأها وله أن يستخدمها، وعن وليدة وقع عليها مولاها ثم باعها فعدَّتها حيضة واحدة قال أبو سعيد -رحمه الله- وقيل: حيضتان على المشتري، وقيل: حيضة على البائع وحيضتان على المشتري، ويعجبني إذا صحَّ أن البائع قد استبرائها بحيضة أخرى المشتري حيضته فيما قيل.
وجواب من أبي عبد الله -رحمه الله- وذكرت في كتابك أنَّه كان منك خطبة في تزويج جارية كنت اشتريتها (2). فقال: لو كنت إذا أرادت شرائها تزوَّجتها ثم اشتريتها بعد أيام وظننته جائزاً ففعلته وفعله معك رجلان إلى أن أخبرك محمد بن يوسف عني بتغير ذلك وإنكاره فأحببت معرفة رأي، فأعلم أنَّه ليس كما قال لك الحسن بن عبد الله فمن فعل ووطئ قبل أن يستبرئ فقد حرم عليه وطئها ولا بأس عليه في استخدامها وإن شاء (3) لإبطال/441/ الاستبراء هو أصل أراد به الاستبراء، فإنَّ التزويج هاهنا مخادعة واحتيال في الظاهر والباطن وغير ذلك والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهكذا يروى عن رسول الله (ص) أنَّه قال: إنَّما الأعمال بالنيان ولكلِّ امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى
__________
(1) لا يوجد في أ، ب: عن جولانها ..
(2) في أ، ب: أو كنت سمعت عن الحسن بن عبد الله النزواني.
(3) في أ، ب: وثمنها له حلال وليس على من فعل ذلك كفارة إلا انعقاد التوبة ممَّا فعل والتَّزويج الذي أدخله سبباً لإبطال ... (6/307)
صفحة 2583
الله ورسوله كان له الأجر على مانوى، ومن كانت هجرته إلى مال يكتسبه أو إلى جارية يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه وهذا إذا أراد أن ينبطل ما نهى عنه رسول الله (ص): بحيلته ومخادعته، وفي رجل يتزوَّج بأمة ثم استبرئها ثم أعتقها حين اشتراها، هل يجوز له وطئها بالتَّزويج الأول أم لا؟ فعلى ما وصفت فليس له أن يطأها بالتَّزويج الأول الذي كان قبل شرائها والله أعلم.
وإن كان لما اشتراها أراد وطئها بملك اليمين، وقد كان تزوجها قبل ذلك ووطئها، هل يجوز له وطئها أم حتى يستبرئها.
فقال من قال: له وطئها. وقال من قال: لا يطأها بملك اليمين حتى يستبرئها، لأنَّ التزويج قد انفسخ والله أعلم (1).
قال أبو علي (2): -حفظه الله- وقد قيل: إن كانت زوجته ثم اشتراها جاز له وطئها بملك اليمين وهو الذي نأخذ به. وقال بعض: إن كان اشترائها بعد وطئه لها بالتَّزويج جاز له وطئها بملك اليمين، وإن كان اشتراها قبل وطئه لها بالتَّزويج كان عليه الاستبراء ونحن نأخذ بالقول الأول ما لم يكن على وجه حيلة كما ذكر عن أبي/442/ عبد الله والله أعلم.
وعن الرجل يشتري الجارية التي تحيض أو التي لا تحيض وتمكث عنده سنين ثم يريد وطئها، هل تجتزئ بما مضى من الحيض ومن الشهور ويكفي ذلك عن الاستبراء؟ فعلى ما وصفت فليس يكتفي بذلك عن الاستبراء ولابد من استبرائها إذا أراد وطئها كانت صغيرة أو كبيرة، وسألت عن رجل كانت له جارية صغيرة رباها على يده ثم أنَّه وطئها بجهل منه من قبل أن يستبرئها وظن أنَّ ذلك جائز له وأنَّه لا استبراء عليه إذا كانت في حجره ورباها على يده، وهل يفسد عليه وطئها فلا أقدم على تحريمها وقد حفظت عن محمد بن
__________
(1) من قوله وقد كان ... إلى ... لا يطأها بملك اليمين)) غير موجود في أ، ب.
(2) أبو علي الحسن بن أحمد حفظه الله في أ، ب. (6/308)
صفحة 2584
خالد أنَّه قال يستبرئها ولو أخذها من عند أمها، فأمَّا إذا رباها على يده لم أقدم على تحريمها./443/
الباب العشرون
في الذي يجوز للمطلَّقات من اللِّباس والطيب ولا يجوز للمميتات وفي الخروج
لباس المعتدة:
ويكره للمتوفى عنها زوجها أن تطيب أو تلبس ثياب الصبغ بالقصر لعصفر والزعفران ولا الحرير إلاَّ أن يكون معها إلاَّ ثوب مصبوغ فلا بأس أن تلبسه لغير الزينة. وكذلك قيل: لا تكتحل بالأثمد إلاَّ من علَّة في عينها. وأمَّا الصبية. فقيل: ليس ذلك عليها ولا على الأمة والذميَّة وإنَّما ذلك على الحرة المسلمة. وللمتوفى عنها زوجها أن تخرج حيث أرادت وتبيت وتنتقل حيث شاءت
لباس المطلَّقة
وأماَّ المطلَّقات فقيل كلهنَّ لا بأس أن يزين ويطيبن ويلبسن ما أردن من الثياب. وقال من قال: ذلك للتي يطلِّقها زوجها طلاقاً يملك فيه رجعتها وليس له أن يخرجها من بيته ولا يخرجوهنَّ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة من زنى أو تشتمه أو تؤذيه بسوء خلقها، فقد قيل: أنَّ له أن /444/ يخرجها بهذ، قال الله تعالى: في المطلقة واحدة واثنتين {أسكنوهنَّ من حيث سكنتم من وُجدكم ولا تُضاروهنَّ لتضيقوا عليهنَّ} [الطلاق]] فعليه أن يسكنها في منزل رافق بها ولا تخرج إلا بإذن ولا تبيت عن بيتها ويدخل عليها بإذن ما لم يردها. وقال من قال من الفقهاء: لا بأس أن يبيت في بيت جميعاً، فهذه التي لها السكنى والنفقة.
حكم نفقة المطلقة ثلاثا:
وأمَّا المطلَّقة ثلاثاً: (6/309)
صفحة 2585
فقال من قال: لا سكنى لها ولا نفقة إلا أن تكون حاملاً. وقال من قال: لها السكنى والنفقة. وقال من قال: لها النفقة والسكنى وبهذا القول نأخذ. والمختلعات والملاعنات لهنَّ أن يخرجن ولا نفقة لهنَّ إلا أن يكن حوامل.
وقال من قال أيضاً: ليس للمطَّقة ثلاثاً أن تخرج من بيتها حتى تنقضي عدَّتُها، وإن سافر زوجها وقد طلَّقها طلاقاً يملك فيه رجعتها قبل أن يردَّها أو تحول إلى موضع آخر، فقيل: لها أن تحول معه، وإن غاب عنها وبقيت في منزله تخاف منه فلها أن تحول عنه، وكذلك إن أخرجها أهل المنزل الذي يسكنه أو خافت ذلك منه، وإن كان الزوج حاضراً فالسكنى عليه ويحولها حيث أراد، وأمَّا الأمة فإنَّها تخرج وليس هي في هذا كالحرَّة إلا أن يتركها سيدها./445/ لنفقة مطلِّقها فعليه السكنى والنفقة مثل ما يكون عليه قبل أن يطلِّقها، وأمَّا إذا جاءت المطلَّقة والمتوفى عنها زوجها بولد وادَّعت أنَّه من زوجها ذلك فإنَّه يلحقه ما جاءت به إلى سنتين ما لم يكن تزوَّجت ولو أنكره المطلّق والورثة.
وقال من قال: أنَّ المطلَّقة في هذا غير المميتة وهما عندي سواء، إذا كان الزوج قد جاز بالمرأة أو صحَّ أنَّه أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً أو خلا بها، وكذلك إن كانت قالت قد انقضت عدَّتي ثم رجعت عن ذلك لما جاء الولد فاعتذرت في ذلك ببعض المعاذير فأحب أن يقبل قولها.
متى يلحق الولد بأبيه من المطلّقة:
وقال من قال: إنَّه يحلقه ولو جاءت به إلى أكثر من ثلاث سنين، وقال من قال: سنتين وأربعة أشهر، وأكثر القول عندنا أنَّه يلحقه إلى سنتين. وقال من قال: إن ولدت المرأة في طلاق بائن لا يملك فيه الرجعة لأكثر من سنتين من يوم طلَّقها زوجها لم يكن الولد للزوج إذا أنكره، وإن أخذت النفقة حتى وضعت فقد قال بعضهم: ترد من ذلك نفقة ستة أشهر وهو نفقة أقل الحمل، لأنَّه جعله لغيره. وقال بعضهم: لها النفقة كلَّها لأنَّها كانت في العدَّة حتى وضعت وينظر في ذلك. (6/310)
صفحة 2586
قال أبو الحواري: أنا آخذ بقول من قال: ترد نفقة ستة أشهر إذا كان طلَّقها طلاقاً يلزمه فيه النَّفقة، وقيل: إذا كانت المطلَّقة تعتدُّ /446/ بالحيض كان على زوجها نفقتها ما لم تنقض عدَّتُها وهي التي يملك الزوج رجعتها وهي مصدقة في ذلك إلى منتهى ما قالت إن عدَّتها قد انقضت.
وقال من قال: له عليها يمين في انقضاء عدَّتها كل ثلاثة أشهر أنَّها ما حاضت ثلاث حيض، ثم عليه نفقتها حتى تصير في حدّ من ييأس من المحيض وإن ادَّعت أنَّها حامل فلها النَّفقة إلى منتهى سنتين ثم لا نفقة لها، وإذا مات رجل فقالت مطلَّقته بعد موته لم تكن انقضت عدَّتي، فإنَّها تصدَّق في ذلك وترثه، وإن هي ماتت قبله وطلب ميراثها صدق وورثها أيضاً إلا أن تصحَّ بينة عدل أن عدَّتها قد انقضت، وإن ادَّعت المرأة على زوجها الطلاق وأنكرها وكانت تطلب الخروج منه إلى أن مات فكذَّبت نفسها في الذي كانت تدَّعي ورثته.
قال أبو علي-حفظه الله- وقد قيل: أنَّها لا ترثه والله أعلم.
ومن طلَّق امرأته ثم كتمها الطلاق حتى مات؟ فقيل: إن كان معها ولم يفارقها فلها الميراث إذا كانت البيِّنة حاضرة والرجل مع المرأة، وقيل: لا شهادة لهم، وكذلك إن أقرَّ بذلك عند الموت تم الكتاب.
متى يحقُّ للرجل مراجعة زوجته:
ومن غيره: وإذا أغلق الرجل على امرأته باباً أو أرخى ستراً، وإن لم يلابسها فطلَّقها تطليقة فله الرجعة من غير إذن الولي، وإذا لم يرخ ستراً ثم طلَّق فليس له رجعة إلا بإذن الولي./447/
قال أبو علي: -حفظه الله- الذي نأخذ به أنَّه ليس له عليها رجعة ما لم يطأها وطئًا يوجب الغسل ولو صحَّت الخلوة إلا بتزويج جديد إلا أن يكون ادَّعى الوطء بعد صحَّة (6/311)
صفحة 2587
الخلوة وأنكرت هي، فالقول قوله وله الرجعة عليها في الحكم، وأمَّا عند الله فلا، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم: جواب من الشيخ أبي إبراهيم -رحمه الله- إلى محمَّد بن شاذان. سألت عن امرأة طلَّقها زوجها تطليقة واحدة أيجب لها نفقة عليه، فإنَّ النفقة واجبة عليه بلا أدم وإنَّما يستوجب ذلك من طلبت إليه ولها عليه السكنى. قال الله تعالى: {لا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة} [الطلاق] إلا أن تؤذيه. وعن رجل عجز عن نفقة زوجته وهو صحيح البدن وليس له مال أو له مال فقال لها: فإنِّي لا أقدر على مؤنتك، فإن أعجبك أن يكون معي، عندي بلا نفقة ولا مؤنة وإن شئت أعطيتك حقَّك وأخرجتك قلت: فقالت له: نعم إنِّي أجعلك في الحل من مؤنتي ولا يخرجني؟ فعلى ما وصفت فإن هدمت عنه نفقتها وكسوتها وهي بذلك عارفة وطابت بذلك نفسها فقد سمعنا أنَّه جائز له ذلك إن شاء الله، وكذلك إن أخرجها وأعطاها حقَّها فذلك أيضاً جائز له إذا أدَّا إليها ما يجب لها عليه من الحقِّ ولم نظلمها في فعله بها، والذي يتزوَّج بامرأة ولها ولد من غيره ووجبت عليه صدقة فأراد أن يعطي ولدها من صدقته شيئًا والولد صبي أو بالغ وهو عندها أو بابن عنها؟ فعلى ما وصفت في هذا فإنَّ له أن يعطيه من صدقته إذا كان فقيراً ويجعل ذلك في كسوته /448/
الباب الحادي والعشرون
في الحائض والمستحاضة والنفساء
رجع: قال الله تبارك وتعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله إنَّ الله يحبًّ التوابين ويحبُّ المتطهِّرين} [البقرة]
مدة الحيض:
وقال بعض الفقهاء: أكثر الحيض خمسة عشر يوماً. (6/312)
صفحة 2588
مدة النفساء:
وقال بعض في النُّفساء تسعون يوماً، وقال بعض: ستون يوماً. وقال الربيع: أكثر الحيض عشرة أيام وأكثر النفاس أربعون يوماً وبهذا الرأي نأخذ. وقال من قال: كل دم جاء من بعد طهر خمسة عشر يوماً فهو حيض. وقال الربيع: كل دم جاء من بعد طهر عشر أيام فهو حيض، وبهذا الرأي نأخذ. وقد قيل: هذا كله عن المسلمين ويؤخذ بهذا كلِّه وإنَّما/451/ هذا في الأبكار التي تلد أول ولد وبرأي الربيع نأخذ.
أقل الحيض:
وقال من قال: إذا رأت الدم يومين ثم طهرت فليس بحيض حتى يكون ثلاثة أيام ثم هو حيض. وقال من قال: إذا رأت الدم يومين وكان ذلك لها عادة فهو حيض، وكذلك كل امرأة أسقطت سقطاً بيناً ثم أسقطت آخر بعد ثلاثة أيام ففي هذا وفي الأول اختلاف، ونحن نحبُّ أن يؤخذ في هذا بالاستحاضة في العدَّة والصلاة والرجعة أن تكون إذا طهرت على ما كان وصلت وفي نسخت وصلت وصفت وتنقضي عدَّتُها بذلك الحيض، وإن كان يومين مذ طلَّقها ولا يمكن له أن يراجعها ولا تزوَّج حتى تحيض ثلاث حيض كل حيضة ثلاثة أيام تامَّة لحال الاستحاضة، وكذلك يكون عدَّتُها من السقط الأول لحال الصلاة وأمَّا للذي طلَّقها ولا يمكن له ردها، وكذلك في الأربعين يوماً في النفاس من السقط الأول لحال الصلاة، وأمَّا التزويج والوطئ فحتى تنقضي الأربعون يوماً مذ أسقطت الآخر.
حكم السقط في العدَّة:
قال أبو الحواري: قال من قال: إذا أسقطت سقطاً بيناً فقد فرطت وعدَّتها وحلت للأزواج. وقال من قال: حتى يستبين من السقط جارحة أو يد أو أذن. وفي نسخة أو رجل أو شيء من جوارحه ثم تفرط عدَّتُها بهذا وتحلَّ للأزواج وكلا القولين مأخوذ به وأنا آخذ بهذا القول الأخير/452/ فإن أسقطت سقطاً ولم تستبين له جارحة ولا تحلُّ (6/313)
صفحة 2589
للأزواج ولا يدركها زوجها وليس عليه لها نفقة وتعتدُّ ثلاث حيض ثم تحلَّ للأزواج وأمَّا المطلَّقة التي كانت تعتدُّ بالحيض ثم ارتفع حيضها فلم تحض، فمنهم من قال: تربص تسعة أشهر ثم تعتدُّ بالشهور ثلاثة أشهر، ومنهم من قال: حتى تيأس من المحيض ثم تعتدَّ بالشهور وهذا أكثر القول عندنا. وقال من قال: إذا بلغت الكبر ستين سنة ولم تحض قول آيست من المحيض.
وقالوا كل صفرة أو كدرة كانت في أيام حيض المرأة فهو من حيضها، وقالوا: كل امرأة كانت تحيض أياماً معروفة فتقدَّمت فيها صفرة قبل وقت حيضها حتى يتقدَّمها من الدم العبيط وفيه أيضاً اختلاف. وأنا أحبُّ ذلك الرأي.
وقال أبو الحواري: كل صفرة لم يتقدَّمها دم فليس بحيض وبهذا نأخذ، وإذا أتمَّت أيام حيضها وانقطع الدم وبقيت الصفرة، فإنَّها تغتسل إذا انقطع الدم تتوضأ من تلك الصفرة ولا غسل عليها منها إذا انقطعت.
وقال من قال: إذا انقطع الدم وبقيت الصفرة فليس لها أن تنتظر في ذلك يوماً ولا يومين كما تنتظر في الدم وتغتسل إذا انقضى وانقطع الدم إلا الصفرة، فإذا انقطعت الصفرة اغتسلت أيضاً على قول من قال: وإن كان وقتها لم ينقض وانقطع الدم إلا الصفرة والكدرة/453/ فلها أن تنتظر في ذلك إلى آخر وقت حيضها وقالوا: في امرأة ضربها الطَّلق فرأت حمرة أو صفرة أو كدرة؟ قال: توضأ وتصلي، فإن هذا ليس بحيض ولا نفاس فإن كان دماً سائلاً، فإنَّها تغتسل وتصلي.
متى تدع النفساء الصلاة:
وقال من قال: إذا جاءها الدم على رأس الولد تركت الصلاة، وقال من قال من الفقهاء: بل إذا ضربها المخاض للولد ورأت الدم تركت الصلاة ومن أخذ بذلك فجائز إن شاء الله.
الحامل إذا رأت الدم: (6/314)
صفحة 2590
قال أبو الحواري: قال نبهان: حتى تركّز للولد ثم تترك الصلاة، وقال الربيع: في امرأة حامل جاءها الدم فتركت الصلاة؟ قال: عليها بدل ما تركت من الصلوات، وعلى الحامل إذا رأت الدم أن تصنع كما تصنع المستحاضة. والمستحاضة إذا رأت الدم السائل اغتسلت بين كل صلاتين مرة وتجمعهما وتغتسل لصلاة الفجر غسلاً، وإن كانت صفرة توضأت لكل صلاة.
وقال من قال: إنَّ الحامل إذا كان الحيض عادة لها يأتيها وهي حامل، فهي على منزلة الحائض. وقال من قال: تكون على منزلة المستحاضة ولا يطأها زوجها لحال الاستحاضة. وقال من قال: هي بمنزلة المستحاضة. وقال من قال: هي بمنزلة المستحاضة لكلِّ شيء وما جعل الله/454/حيضا ً مع حمل وهذا رأي أحبُّ إلي، وكرَّه من كرَّه من الفقهاء للمستحاضة أن يأتيها زوجها في الدم السائل، ولكن إذا انقطع عنها الدم. وقال من قال: يجب في هذا التنزه عن إتيان المستحاضة، وقال من قال: تنظف المرأة لزوجها مثل ما تصنع للصلاة ويطأها زوجها، وهذا الرأي الذي يؤمر به وكيفما وطئها وهي مستحاضة فلا فساد عليه وليس المستحاضة مثل الحائض.
كيفية صلاة المستحاضة:
والمستحاضة إذا غسلت وأرادت الصلاة لفت على الفرج بثوب أو خرقة لحال الدم، وصلت بالثوب الطاهر من الدم، وإن كان الدم سائلاً وتخاف أن يقع في الثياب التي تصلي بها، وفي نسخة فيها؟ فقيل: تحفر من تحتها حفرة للدم يسيل فيها وتصلي قاعدة وتتاشجا بثيابها عن الدم، وإذا غسلت وهي ترى الطهر وصلت ثم لم تر دماً بعد ذلك فليس عليها غير ذلك الغسل، وإن غسلت وفيها دم وصلت ثم رأته بعد الصلاة منقطعاً فأحب أن تغسل إذا تمَّ لها انقطاعه، وإن ولج بها الدم تفعل كما تفعل المستحاضة والمستحاضة إذا جمعت الصلاتين إن أرادت أن تبدل صلوات عليه، فإذا قضت تلك الفريضة اغتسلت أيضاً لقضاء الصلوات غُسلاً، فإذا جاءت الفريضة رجعت فاغتسلت لها، فإذا قضت أيضاً تلك (6/315)
صفحة 2591
الفريضة وكان قد بقي عليها شيء من البدل رجعت فاغتسلت للبدل فهكذا تفعل في هذا وغذا أرادت أن تصلي تطوعاً في رمضان أو غيره اغتسلت./455/ للتطوع غسلاً أيضاً.
وقال من قال: ما كانت في مصلها صلت نافلة بذلك الغسل، وإن تحوَّلت إلى موضع آخر اغتسلت غسلاً للنافلة وإن كانت صفرة توضأت للنَّافلة وإن كانت صفرة توضأت للتطوع أيضاً.
وقال من قال: إذا كان وقت الحائض أقل من عشرة أيام والنفساء أقل من أربعين يوماً وبلغت إلى وقتها ثم مد بها الدم بعد وقتها، فإنَّها تنتظر في الحيض يوماً أو يومين وفي النفاس يوماً أو ثلاثاً ثم تغتسل وتصلي، وإن كان وقتها في الحيض عشرة أيام وفي النِّفاس أربعون يوماً ثم مد بها الدم بعد ذلك، فإنَّها لا تزيد شيئًا لأنَّها تزيد على وقتها ولا تزيد على الوقت الذي جعل لها، وكذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله.
وقال من قال: ولو انقطع الدم فلا يطأها زوجها حتى تخلوا لها ثلاثة أيام في الحيض، وكذلك في النفاس إذا كان وقتها أربعون يوماً ثم انقطع الدم عنها وطهرت فلا يطأها زوجها حتى تتم أربعين يوماً، وعليها أن تصلي مذ طهرت وكذلك يوجد في الآثار ونحب ذلك، فإن وطئها زوجها في ثلاثة أيام من بعد أن طهرت من الدم واغتسلت لم تفسد بذلك عليه، وكذلك حفظنا. والذي نحبُّ إذا انقطع الدم وهي في وقتها ولم تبق هناك ولا كدرة أن تغتسل وتصلي وكذلك في النفاس إذا كان وقتها أربعين يوماً ثم انقطع الدم عنها/456/ وطهرت قلا يطأها زوجها حتى تتم أربعون يوماً وعليها أن تصلي مذ طهرت.
وقال من قال: عن موسى بن علي -رحمه الله-: أنَّه رأى للحائض إذا انقطع عنها الدم وهي في وقتها أن تنتظر يوماً أو ليلة ثم تغتسل وتصلي ويراجعها الدم فتعتدَّ له إلى آخر وقتها ولم يحفظ نحو ذلك وينتظر في ذلك، وقيل: ليس على المرأة أن تنتظر الطهر بالليل (6/316)
صفحة 2592
ولا يطلب ذلك حتى تصبح. وكل امرأة كان لها وقت معروف لحيضها ثم اختلف من بعد عليها، فقال من قال: حيضها على الوقت الذي كان لها أول مرة جاءها الدم.
كيفية معرفة المعتادة:
وقال من قال: إذا كانت على وقت ثلاث حيض متوالية من بعد الأول فقد صار هذا الوقت وقتاً لها، وقد تحوَّلت إليه وما لم تتفق ثلاث حيض على وقت معروف، فهو مختلف ووقتها هو الأول وهذا الرأي هو أحبُّ إلي إلا أنَّه إن كان الأول عشرة أيام وانقطع الثاني والثالث أو بعد ذلك في ثلاثة أيام، فإذا رأت الطُّهر غسلت وصلت وإذا راجعها الدم تركت الصلاة ما كانت في هذا الوقت.
حكم الصفرة:
وعن أبي عبد الله: في امرأة كان حيضها في كل شهر سبعة أيام فلبثت على ذلك ما قدر ثم رجعت ترى سبعة أيام صفرة ثم ترى سبعة دماً والصفرة تأتي قبل الدم فالذي أقول: إنَّها توضأ في الصفرة وتصلي وتدع الصلاة في السبعة أيام التي ترى فيهنَّ الدم/ 457/ كما عودت لحيضها وقد وافقنا هذا الرأي.
وكذلك قال من قال من المسلمين غيره، ولم يروا على من وطء في مثل هذه الصفرة التي قبل الدم في زوجته فساداً. وقال أيضاً: أبو عبد الله إلا أن يعتادها ذلك ثلاث مرار في كل شهر تتصل الصفرة والدم، فإذا دام هكذا (1) ثلاثة أقراء كانت للصفرة والدم حيضاً، لأنَّه قد قال بعض المسلمين أنَّ أكثر الحيض خمسة عشر يوماً فلعلَّ في هذا الرأي الآخر اختلافاً، فينطر فيه لأنَّه كان قال: لا تكون الصفرة حيضاً حتى يتقدَّمها الدم، وكذلك قال غيره، وذلك أحب إلي. وعن امرأة يثيبها الدم بعد الطهر بثلاثة أيام أو أربعة أيام، هل تدع الصلاة بتلك الإثابة، فإذا كانت تلك عادتها فإنَّها إذا طهرت من الدم الأول طهراً بيناً اغتسلت وصلّت وصامت فإذا جاءها في العودة الدم تركت الصلاة والصوم حتى تطهر ثم
__________
(1) في أ، ب: فإذا دام ذلك بها بدل ((هكذا)) (6/317)
صفحة 2593
تغتسل وتصلي وتصوم ولا يقربها زوجها فيما بين الطهر الأول وبين العودة حتى تطهر من العودة وعليها بدل ما صامت بين الدمين فلو وطئها وهي طاهر بعد الغسل بين الدمين ما رأينا أنَّها تفسد بذلك، ولكنَّه يؤمر أن لا يطأها حتى ينقضي آخر وقتها وتطهر، وقد حفظت أنا أيضاً عن عبد الله في امرأة كان يأتيها الدم وقت حيضها بالنَّهار وينقطع عنها بالليل فتغتسل وتصلي ويطأها زوجها بالليل ثم تصبح فيأتيها الدم بالنَّهار فكانت على ذلك أيام حيضها فلم نر عليهما فساداً في ذلك والذي كان ينبغي ويؤمر به أن لا يطأها حتى ينقضي آخر وقتها وتطهر.
حكم إتيان الحائض:
وأمَّا من جامع امرأته دون الفرج وهي حائض ثم أدخل النطفة في/458/ الفرج فهو كمن جامع، فإن لم يرد ذلك فسالت النطفة حتى دخلت الفرج فأرجو أن لا يكون عليه بأس، والذي ينبغي للرجل إذا أراد ذلك من زوجته وهي حائض أن تستنفر بثوب على الفرج فمن أراد وهي حائض فلا بأس في الخطأ ولا فساد، وكذلك من أخطأ في الدبر فأمَّا من تعمَّد في الدبر، فإن امرأته تفسد عليه ومن تعمَّد للوطئ في الحيض فأكثر الفقهاء من أصحابنا قالوا: لا تحلُّ ولا تحرم، ومنهم: من حرَّمها عليه وفرَّق بينهما، فأمَّا فقهاء قومنا فلم يروا في ذلك حراماً، ورأى من رأى منهم: أن يتصدَّق الذي فعل ذلك بدينار أو نحوه على المساكين إذا كان في أول الحيض وفي آخره بنصف دينار ورأينا كما رأى أسلافنا وإخواننا في ذلك إن شاء الله.
قال أبو الحواري: نقول بقول من يفرق بينهما وهو قول ابن محبوب إذا وطئها في الحيض متعمِّداً.
وفي جواب لموسى بن علي: -رحمه الله- سألت عن الذي أحببت بيانه ومعرفته في أمر ما دخل عليك فيه الشك في أمر من امرأتك أنَّك أن تقضي منها شهوة وهي حائض وأنَّك شككت في نفسك أنَّك أو لجت وقالت هي إنَّك أو لجت، فإن تك هي قد استقينت على (6/318)
صفحة 2594
أنَّك أو لجت وصدقتها أنت وشككت أنت في ذلك فاصنع معروفا، وإن كان الأمر عندنا يقيناً بأنَّك أولجت بلا تعمدٍ فاصنع معروفاً، وإن كانت هي لا تستيقن على ذلك ولم تقنع في نفسك أيضاً أنت من ذلك، بيقين فما أرى بأساً، وقيل: في امرأة ظنت أنَّها حبلى وترى نفسها النساء فتقل لها إنَّك حبلى فمكثت/459/ بذلك ستة أشهر أو أقل أو أكثر ثم ذهب عنها، وقد كانت في ذلك ترى دماً فتظن أنَّه من غيض الأرحام ويجامعها زوجها. قال: لا تحرم عليه زوجته بمثل ذلك ولا يعود لمثل هذا، وأمَّا التي مكنت زوجها من نفسها وهي حائض فوطئها هو ولم يعلم فأثم ذلك عليها وينبغي لها أن تطلب الخروج منه بما قدرت، فإن كره هو ذلك ولم يصدقها أيضاً، فذلك له وعسى أن لا يكون عليها هي أيضاً شيء وإذا تابت إلى الله من ذلك واجتهدت في طلب الخروج فلم يفعل ذلك زوجها.
قال أبو الحواري: وعليها أن تفتدي بما عليها من الصداق وليس عليها أن تفتدي بمالها غير الذي لها من غير صداقها الذي عليه لها، فإن قبل فديتها وصدَّقها وإلا وسعها المقام معه، وأمَّا التي أعلمت زوجها أنَّها حائض وكذبها ووطئها وهي حائض، فإن كان عنده أنَّها كاذبة وقد عودت ذلك فوطئها على أنَّها طاهر فقد بلغنا عن موسى بن علي -رحمه الله- أنَّه رخص في ذلك ولم ير عليهم فساداً إذا كانت عودت تكذبه وأمَّا غيره من الفقهاء فقال: إن كانت كذبته فقد صدقته وهو كمن وطئ في الحيض.
قال أبو الحواري: أنا آخذ بقول موسى بن علي رحمه الله وقيل: إذا رأت ارمأة الطهر في وقت صلاة فليس عليها إلا قضاء تلك الصلاة التي رأت الطهر فيها، وإذا طهرت بعد نصف الليل الأول فليس عليها صلاة العتمة، وإن طهرت في النصف الأول فعليها صلاة العتمة وتؤثر ولو طهرت في النصف الآخر وإذا طهرت في العصر، فإنَّها تصلي العصر./460/
حكم صلاة الحائض: (6/319)
صفحة 2595
وقال أبو عبد الله: إذا طهرت من بعد أن تصفر الشمس للمغيب فليس عليها صلاة العصر، وإنَّما تصلي العصر إذا طهرت والشمس بيضاء نقية، وأمَّا الذي جاءها الدم في وقت صلاة، فإن كانت لم توانا في ترك الصلاة وجاءها الدم في أول الوقت، فلا بدل عليها وإن كان مضى من أول الوقت بقدر ما تصلي تلك الصلاة ثم جاءها الدم ولم تكن صلَّتها فتصليها، وأمَّا التي لم يذهبها من أول الوقت بقدر ما تصلي تلك الصلاة ثم جاءها الدم ولم تكن صلَّتها بقدر صلاة فلا بدل عليها ولو جاءها الدم فقد وصلت من الفريضة ركعتين، وإذا رأت المرأة الدم في وقت حيضها أو غيره ولو دفعة ثم انقطع عنها فعليها الغسل، لأنَّها قد رأت الدم، وإذا رأت الحائض الطهر في وقت صلاة فقامت من حينها للغسل ولم تفرغ من غسلها حتى فات وقت تلك الصلاة ولم توانا فليس عليها قضاء تلك الصلاة.
وعن أبي علي: وعن امرأة كان وقتها في الجيض ستة أيام فطهرت في ثلاث فظنت أنَّ عليها أن تحبس عن الصلاة حتى تبلغ الست فلم تصل إلى تمام الست ولم تصم فلتبدل الصلاة والصوم ونرجو أن لا يكون عليها غير ذلك، لأنَّها جهلت ولم تتعمد، وامرأة حاضت لقرؤها وكان قرؤها ثلاثة وأربعة أيام ثم تمادى بها الدم، وهي تأكل حتى بلغت عشراً ألا ترى ذلك إلا حيضاً ثم سألت فقد أساءت فيما صنعت ونرجو أن لا يكون عليها غير البدل فلنبدل ما أفطرت وتقضي ما تركت من الصَّلاة بعد أيام قرؤها يوماً أو يومين وتبدل/461/ صلاة ما بقي من العشر في مقام واحد إلا أن تضعف فتؤخر ما بقي حتى تبدله إذا قويت، وعن امرأة رأت دماً في غير أيام حيضها فتركت صلاتين وهي تنظر وفي نسخة تظن أن يكون حيضاً ثم توضأت من بعد ذلك وأخذت تصلي، فإن استبان لها إنَّ ذلك الدم ليس من الحيض وقد تركت الصلاة فعليها أن تبدل ما تركت من الصلاة وعليها أن تغتسل، وإن رأت ذلك الدم في أيام حيضها ثم لم تصله بشيء فذلك حيض. وعن امرأة يأتيها الدم في أيام قرؤها ثم تطهُرُ في دون ما كانت تطهر ثم ترى الدم في اليوم (6/320)
صفحة 2596
الواحد خمس مرار ثم تراه ينقطع كيف تصنع في الصلاة والصوم؟ قال: تقعد حتى ينقضي أقصى قرئها فإن دام بها الدم صنعت كما تصنع المستحاضة.
وقال من قال: في امرأة جاءها الدم يوماً أو يومين ثم انقطع عنها؟ قال: هذا ليس بحيض وتقضي ما تركت من الصلاة وهو قول من يقول: أنَّ الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ونحن نأخذ بقول من لم ير عليها بدلاً إذا كان ذلك في وقت حيضها، وكذلك المرأة إذا تركت الصلاة وتحسب أنَّها حائض ثم استبان لها أنَّها حامل فعليها بدل ما تركت من الصلاة، وعن رجل جامع زوجته في الليل فلمَّا أصبح رأت المرأة في الخرقة دماً فلا شيء عليهما ما لم يعلما بالحيض ولا يطأها بعد العلم.
صوم المستحاضة:
وفي جواب لمحمد بن الحسن-رحمه الله-: وعن امرأة طهرت من حيضها فمكثت خمسة أيام طاهراً ثم راجعها الدم فجعلت/462/تغتسل وتصلي حتى خلا لها تسعة أيام ثم أكملت يوم عاشر وتركت الصلاة، وهذا في شهر رمضان وكان ذلك بجهل منها ونسيت عدد الأيام فأكلت يوم تاسع أو يوم عاشر؟ فعلى ما وصفت فإن كانت هذه المرأة جهلت فأكلت يوماً من الأيام التي هي فيهنَّ مستحاضة وظنَّت أنَّه حيض أو نسيت عدد الأيام، فأمَّا في النسيان فإن أمكست عن الأكل حين ذكرت فليس عليها إلا بدل ذلك اليوم، وإن لم تذكر حتى فات ذلك اليوم فليس عليها إلا بدله تلحقه بالأيام التي كانت عليها حين تطهر من الحيض، فإنَّ ذلك بالجهل فتبدل ما مضى من صومها وإن كان غلطاً منها في العدد فتبدل ذلك اليوم والله أعلم بالصواب.
قلت: وكذلك إن كانت تعرف أيام طهرها وأيام حيضها فتركت الصوم والصلاة أيام حيضها واغتسلت عشرة أيام وكانت تصوم وتصلي فيهنَّ ثم تركت الصلاة وأفطرت في أيام طهرها أكثر من عشرة أيام قلت ما عليها؟ فعلى ماوصفت فإن كانت مستحاضة قعدت عشرة أيام لتغتسل وتصلي وتصوم ثم طهرت بعد العشر فتركت الصلاة والصيام (6/321)
صفحة 2597
متعمدة في شهر رمضان وقد طهرت من الدم فهذه عليها كفارة الصيام وبدل الصَّلاة والكفارة للصَّلاة.
وهذا من غير الجامع من جواب الأزهر بن محمد بن جعفر: وسألت عن رجل أراد أن يتزوَّج على امرأته بنت ابن أخيها، فلا يعقل ذلك.
وعن رجل وهب لابنه جارية أو ولد وهب لأخيه جارية فلمَّا أراد وطئها قالت: إنَّ الأب أو الابن قد وطئها فينبغي إذا قالت ذلك ألا /463/ يطأها حتى تسأله، فإن قال: إنَّه قد وطئها أو مسَّ فرجها فلا يتعرض لها بذلك، وإن أنكر ما قالت قبل قوله على قولها، وأمَّا الذي يزني بجارية قوم ثم يريد الخلاص، فإن كانت بكراً فعليه عقرها وهو عشر ثمنها، وإن كانت ثيباً فنصف العشر.
قال أبو علي حفظه الله: وقد قيل: للبكر خمس ثمنها وفي الثيب عشر ثمنها، و قال بعض: يلزمه صداق مثلها من الإماء كانت بكراً أو ثيباً والله أعلم.
وعن أبي علي: إن استكراه الأمة وطاعتها سواء.
ومن غيره: قالوا يلزمه للبكر على كل حال، وأمَّا الثيب فلا شيء عليه إذا طاوعته وينبغي أن يستحيط لنفسه ويقول لسيدها الزمني لك كذا وكذا فإمَّا أن يُحله له وإمَّا أن يأخذه منه وليس عليه أن يبينه وكذلك في الذي يسرق لأحد متاعاً أو يقتل له دابة إن أراد أن يكنى عن تفسير ذلك. قال له: علي كذا وكذا والاستغفار على كل حال لابد منه والندامة.
وعن رجل تزوَّج امرأة: على أن يوفيها جميع حقِّها والمرأة لا تظهر ولا تعرف. قلت: يسلم الزوج ذلك إلى الولي وكيف يتخلَّص فإن كان أبٌ أو ولي غير ثقة وهو الذي زوجه، فإذا سلَّم إليه ذلك بريء إن شاء الله إلا أن يكون يرسله بذلك إليها وهو نحو الأمانة ولا يبرئ حتى يعلمه أنَّه قد صار إليها، وعن رجل يرسل عبيده للسماد والحطب (6/322)
صفحة 2598
ويومئ لهم أن يأتوا ذلك من الموضع الذي ليس في يد أحد فيأتون بذلك على أنَّه كما أمرهم فذلك جائز ولا أرى عليه في ذلك بأساً وهذا من غير جواب الأزهر./464/
قال أبو صفرة أيضاً: إنَّه سأل أبا أيوب وائل بن أيوب-رحمه الله- عن الحائض إذا طهرت في السفر أيغشاها زوجها ولم تغتسل وقد تيممت؟ قال: لا. قال: فسألت محبوب بني الرحيل -رحمه الله- عنها قال لي أيوب. فقال: لا.
صبغ من الطَّلاق:
وعن رجل كانت له زوجة وقد بان بها وقعدت معه ما شاء الله ثم وقع بينهما بُرآن وانقطع الذي بينهما وصارت أملك بنفسها ثم قضى الله أن يردَّها ثم طلَّقها من قبل أن يدخل به؟ فعلى ما وصفت فإنَّ لهذه المرأة صداقها كاملاً، لأنَّه قد كان وطئها وإنَّما ردَّها بذلك الحقُّ الذي كان وطئها به وهذا إذا كان الرد في العدَّة وإنَّما يكون نصف الحقِّ للتي لم يجز بها زوجها.
مسائل في الحيض:
وقال من قال: إذا انقطع الدم وبقيت الصفرة في أيام الحيض فهو حيض وتفعل لذلك كما تفعل الحائض، وإن كان في غير أيام الحيض، فإنَّها تغسل إذا انقطع الدم وبقيت الصفرة وتصلي فإذا انقطعت الصفرة فعليها أن تغتسل منها أيضاً إلا أن تكون الصفرة لم تكن متَّصلة بالدم وإنَّما جاءتها بعد الطهر، فإنَّها توضأ من ذلك.
قال أبو الحواري: إن كانت الصفرة متصلة بالدم انتظرت قرؤها ثم تغتسل وتصلي مثل ما تصنع المستحاضة إلى عشرة أيام ثم نوى/465/ الدم النساء، فإن قلن أنَّه دم حيض قعدت، وإن قلن أنَّه داء فهي مستحاضة حتى تبلغ العشرين.
وقال الربيع: -رحمه الله- إذا صلت المرأة عشرة أيام ثم رأت الدم فإنَّها حائض. وقال غيره: خمسة عشر يوماً. (6/323)
صفحة 2599
قال أبو الحواري: نحن نأخذ بقول الربيع. وقيل: في امرأة مطلقة رأت الدم في الحيضة الثالثة يوماً ثم طهرت وصلت أيام حيضها كله فليس لزوجها الأول أن يراجعها وقد انقضت عدَّتها بذلك منه، وقيل: ليس لها أن تزوج حتى تحيض الثالثة حيضة تامة وتغتسل ثم تزوَّج إن شاءت، ومطلَّقة كان حيضتها في وقتها عشرة أيام فجاءها الدم في حيضتها في وقتها ثلاثة أيام، فإذا كان ذلك في الحيضة الثالثة فليس لزوجها أن يراجعها ولا نحب أن تزوج حتى تحيض حيضة تامَّة عشرة أيام كما عودت وأحب أن تتم عشرة أيام بتلك لعلَّه أراد بتلك الثلاث التي كانت في الدم.
وعن هاشم في مطلقة كان وقت حيضها سبعة أيام فحاضت يومين ثم انقطع عنها الدم قال: فإن لم يراجعها الدم فقد انقضت العدَّة، والتي يكون في سفر ولم تجد الماء، فإذا تيممت من طهر الحيضة الثالثة فقد انقضت عدَّتُها ولها أن تزوَّج إن شاءت وليس لزوجها الأول أن يراجعها، وإن راجعها بعد أن طهرت قبل أن تتيمَّم فذلك له إلا أن تكون أخرت التيمم والغسل حتى فاتها وقت صلاة وقد رأت الطهر ولم تغتسل فلا يدركها زوجها.
وقال أبو الحواري: حتى تتيمم لصلاة فريضة أو نافلة هكذا/466/ حفظنا، وقال من قال: حتى تتيمم لصلاة فريضة ثم لا يدركها، وإذا كانت امرأة قرؤها خمسة أيام فانقطع عنها الدم في آخر وقتها ثم رأت صفرة، هل تزيد كما تزيد في الدم؟ فقيل: كان أبو منصور يقول ليس الزيادة إلا في الدَّم المتصل.
مسائل في عبادات المستحاضة:
والتي تمَّت أيام حيضها ولم تنقطع عنها الدم فزادت يوماً أو يومين في رمضان ولم تنقطع الدم، فهي مستحاضة وليس عليها أن تعيد صيام اليوم واليومين إن كانت صامتهما، وإن انقطع الدم في اليوم واليومين فعليها في اليوم واليومين البدل إن كانت أفطرتهما أو صامتهما في رمضان لأنَّهما من حيضها إذا كان ذلك عادة لها، وإن كان وقتها معروفاً (6/324)
صفحة 2600
ولم يعود يراجعها شيء ثم لم ينقطع الدم عنها في هذه الحيضة فلا أحبُّ لها أن تزيد شيئًا على وقتها وتصلي وتصوم وتفعل كما تفعل المستحاضة حتى تتم لها تلك الزيادة ثلاث حيض ثم يكون ذلك الذي عادت إليه هو وقتها.
وعن محمد بن محبوب -رحمه الله-: في امرأة عالجت نفسها في شهر رمضان حتى ذهب عنها الحيض في شهر رمضان كيلاً يلزمها البدل إنَّها حاضت بعد شهر رمضان فعليها بدل أيام حيضها في شهر رمضان، لأنَّ دم الحيض إنَّما انقطع عنها بالعلاج.
وقال غيره من الفقهاء: إن عالجت الحيض بعد أن جاءها في/467/ وقتها حتى قطعته عن نفسها فعليها بدل تلك الأيام، وإن عالجت قبل ذلك وانقطع عنها الدم في ذلك الشهر فلا بدل عليها وصيامها جائز وهذا الرأي أحبُّ إلي.
قال أبو الحواري: قال عن نبهان بن عثمان إن عالجت نفسها في الحيض أوقبل الحيض فانقطع عنها فلا بدل عليها.
صوم المستحاضة:
وكل امرأة طهرت قبل تمام قرؤها وصامت ثم راجعها الدم في أيامها بتلك انتقض الصيام الذي بين الدمين، وإن لم يراجعها الدم في الوقت تمَّ لها ما صامت والتي تبدل ما عليها من شهر رمضان إن أفطرت في أيام البدل من غير عذر أو كان منها ما ينقض الصيام، فإنَّما تنتقض عليها تلك الأيام التي صامت من البدل ولا يضرُّها ذلك في شهر رمضان، وإن مرضت في البدل أو في البدل أو سافرت أو حاضت أفطرت تم من حين ما تغسل من الحيض أو تصحُّ من المرض أو ترجع من السفر فتتم صيامها، وإن أفطرت بعد ذلك يوماً أو أكثر انتفض عليها ما كانت صامت، وكل صفرة أو كدرة أو يبوسة بعد الدم في أيام الحيض، فهي من الحيض وقيل: للطهر هو البين لا شبهة فيه مثل الفضة ومثل القطن الأبيض. والمرأة إذا آيست من المحيض ثم جاءها الدم من بعد فهي مستحاضة ولا بأس على المرأة أن تأكل في اليوم الذي تحيض فيه من شهر رمضان بعد أن أصبحت فيه صائمة، (6/325)
صفحة 2601
وكذلك إن انقطع عنها الدم وغسلت فلها أن تأكل في بقيَّة يومها./468/ وقال من قال: يكره ذلك لها. وقال من قال: يكره ذلك في بقيَّة اليوم الذي تطهر فيه، وأمَّا اليوم الذي تحيض فيه فلا، وليس عليها عندنا بأس في الأكل فيهما جميعاً، والحائض والنفساء إذا مدَّ بها الدم بعد وقتها، فإنَّها تكون مستحاضة وتصنع كما تصنع المستحاضة، فإذا جاء وقت حيضها الذي عودت تحيض فيه أمسكت عن الصَّلاة والصيام وأمسك زوجها عن مجامعتها في الدم الذي بعد قرؤها وبعده أيضاً بيوم أو يومين، فإذا انقضت أيام حيضها اغتسلت ورجعت إلى حال المستحاضة، وقيل: في المستحاضة إذا أفردت الصلاة ينبغي لها أن تجمع وإن أفردت فصلاتها تامَّة إذا غسَّلت عند كل صلاة.
مسائل فيما تقوم به الحائض:
وعن أبي عبد الله في حائض غمست يدها في دهن؟ قال: إن كان يدها طاهرة فلا بأس. قلت: لا أدري طاهرة أم لا؟ قال: سلها وأرجو إن لم تسلها أن لا يكون عليه فساد حتى يعلم أنَّ في يدها شيئًا من نجاسة. وعن امرأة رأت الدم في وقت حيضتها يوماً واحداً ثم رأت الطهر فاغتسلت وصلت أيام حيضها ثم رأت بعد ذلك دماً سائلاً؟ قال: فهي مستحاضة، وقيل: في المستحاضة إذا غسلت بين الصلاتين ثم أحدثت فليس عليها غسل ولكنَّها توضأ، وكذلك إذا وقع منها دم بعد الغسل فليس عليها إعادة غسل لتلك الصلاتين، فإذا جمعتهما فلا تصلي من بعد ذلك فريضة ولا نافلة إلا بغسل. ودم الفرج الذي يكون في فرج المرأة ويسيل منها فلا غسل عليها منه، /469/ ولكن توضأ وإنَّما الغسل في دم الحيض والمستحاضة والنفساء والحائض التي يدوم بها الدم في أول ما يأتيها تقعد ما كان أقصى أمهاتها يقعدن وأخواتها، وإن كانت هي قد ولدت قبل ذلك ولها وقت تعرفه في النِّفاس أو في الحيض فوقتها هو الذي كان لها هي ولو كان مرة واحدة، وأمَّا السقط فإذا كان قطعة لحم أو دم فقلن النِّساء أنَّه ولد فعليها عدَّة النفاس إذا استبان (6/326)
صفحة 2602
أنَّه ولد. وأمَّا التي ينقضي وقتها وترى الطهر البين فلا يغسل ولا تصلي حتى تفوت الصلاة انتظار الرجعة الدم لسبب غير ذلك فعليها بدل الصلاة والكفارة.
وعن أبي علي أو غيره: إلا أن تكون عود يراجعها بعد انقضاء وقتها فأرجو أن لا يكون عليها كفارة.
وقال من قال: في امرأة حاضت بعد أن صلَّت العتمة في أول الليل قبل أن توتر؟ قال: إن صلَّت الوتر إذا طهرت لم أر بذلك بأساً.
وقيل: في امرأة أيام طهرها مختلفة تصلي مرة شهراً ومرة خمسة وعشرين يوماً أو أقل أو أكثر؟ قال من قال: تصلي حتى تبلغ أقصى أيامها ثم تترك الصلاة قدر ما كانت تحيض.
حيض الحامل:
ومن غيره: وعن امرأة كانت حاملاً واستبان حملها ثم إنَّ الحيض راجعها فجعلت تعتدُّ في كل شهر أيامها التي كانت تعتدهنَّ حتى خلالها في ذلك ستة/470/ أشهر ثم طرحت بعد ذلك سقطاً؟ فعلى ما وصفت، فإنَّ على هذه المرأة بدل تلك الصلوات التي كانت تتركهنَّ في أيام الدم، فإن قدرت أن تعتدهنَّ في وقت واحد جاز لها ذلك، وإن لم تقدر وعسر عليها ذلك أبدلت عند كل صلاة صلاة ولا يلزمها أكثر من ذلك.
وعن أبي منصور قال: تترك الصلاة أيام حيضتها ثم تصلي بقية الشهر، واختلف النَّاس في التي لا تدري أيام طهرها ولا أيام حيضها، فمنهم من قال: تنتظر إلى وقت أمهاتها وأخواتها كم طهرهن وحيضهن.
قال أبو الحواري: تنتظر عشراً وتصلي عشراً هذا إذا لم تدر كم أيام طهرها ولا أيام حيضها.
التي لا تعرف مدة حيضها:
وكذلك امرأة أول ما جاءها الحيض مد بها الدم وهي بكر أو كانت تحيض قبل ذلك غير أنَّه قد ذهب عليها فلا تدري أيام حيضها كم هو ولا في أي وقت من الشهر ولا تعرف (6/327)
صفحة 2603
كم وقت أمهاتها أو تعرف بعض ذلك ولا تعرف بعضه ثم مد بها الدم لم ينقطع عنها فسألت عن هذه المرأة كم تدع الصلاة وكم تقعد لحيضها وأي وقت تكون حائضاً، وهل يطأها زوجها، وإن كانت في عدَّة فكيف تعتد، فأمَّا ما تقعد لحيضها؟ فقد قال من قال: إنَّها تقعد لحيضها كأيام حيض أمها ولعلَّ في ذلك قولاً آخر، وإن عرفت أيام حيضها وفي أي وقت يكون حيضها/471/ من الشهر فوقتها أولى بها وتقعد لحيضها، فأمَّا إذا لم يكن يعرف ذلك، وفي نسخة إذا لم تعرف كل ذلك، فقد يقال دم الحيض له زيادة ولون يعرف به من دم المستحاضة، فإن لم تعرف ذلك، فقد قال من قال: إنَّها تقعد من كل شهر عشرة أيام حائضاً ثم تغتسل وتصلي عشرين يوماً فتكون على ذلك إلى أن يقطع عنها الدم وروي ذلك من رواة عن موسى بن علي. وقال من قال: بل تقعد أيضاً حائضاً من كل شهر ثلاثة أيام، فهي فيها حائض ثم تغتسل وتصلي كأنَّها طاهر سبعة أيام فذلك عشرة أيام بالثلاث الأوائل ثم ترجع وتغتسل كأنَّها كانت حائضاً، ثم قد طهرت من الحيض ورجعت مستحاضة إلى أن يرجع إليها وقتها هذا فتفعل فيه مثل ذلك إلى أن ينقطع عنها الدم، وهذا القول أحب أن آخذ الآن فيه احتياطاً، وإن أرادت أن تبتدئ فتدع الأيام للحيض فلم يعرف فرأي موضع تدعهنَّ من الشهر، فإنَّها تنظر فإن كان الدم جاءها بعد طهر عشرة أيام، فإنَّها تجعل الحيض من أول ما جاءها الدم فتحسب في ذلك أيام حيضها، وإن لم يعرف أيام حيضها فثلاثة أيام فهي في ذلك الدم أول ما جاءها مستحاضة حتى تم منه عشرة أيام إلى ما طهرت من قبل ثم ترجع إلى حال الحائض.
قال أبو الحواري: إذا لم تعرف أيام حيضها اغتسلت وصلت عشراً وتركت الصلاة عشراً ما دامت على هذه الحال، وإن كانت تعتدُّ من زوج فحتى تخلوا لها ثلاثة أشهر إذا استمرَّ بها الدم فعدَّتُها ثلاثة أشهر هكذا قال أبو المؤثر: وأمَّا وطئ زوجها لها فقد حفظت عن /472/سليمان بن الحكم أنَّ المستحاضة إذا لم تعرف وقت حيضها فلا يطأها زوجها وذلك أنَّه لعله أن يطأها في وقت حيضها، وأمَّا أحسن ما قال غير أنَّه إن وطئ في الوقت (6/328)
صفحة 2604
الذي قد رأى المسلمون لها أنَّها فيه مستحاضة فأرجو أن لا يبلغ به ذلك إلى فساد وسل عن ذلك.
قال أبو الحواري -رحمه الله-: إذا وطئها في الوقت الذي تغتسل فيه وتصلي لم تفسد عليه امرأته ويكره له أن يطأها في الدم، فإن وطئها لم تفسد عليه في الأيام التي تصلي فيهنَّ كذا حفظنا، وأمَّا العدَّة فاعلم أنَّه: قد قال من قال: إنَّها إذا أردات أن تزوج فإنَّما تعتد مذ جاءها الدم خمسة عشر يوماً لحيضها وعشرة أيام لطهرها، ثم خمسة عشر يوماً لحيضها وعشرة أيام لطهرها ثم خمسة عشر يوماً لحيضها ثم عشرة أيام لطهرها ثم قد انقضت عدتها للزوج وهذا على رأي من رأى أنَّ أكثر الحيض خمسة عشر يوماً.
وكذلك روى عن محمد بن محبوب عن والده -رحمهما الله-:وقال: إنَّه يأخذ بهذا الرأي ولعلَّ في ذلك رأياً آخر. وعسى أن يقول من قال: أنَّ عدتها ثلاثة أشهر.
قال أبو الحواري: إذا استمرَّ بها الدم اعتدت ثلاثة أشهر وكذا قال أبوالمؤثر: وقال الله تعالى: {إن ارتبتم فعدَّتُهنَّ ثلاثة أشهُر} [الطلاق] وقال: هذا ممَّا يرتاب فيه، وأمَّا الحيضفقد قال من قال: تترك الصلاة خمسة عشر يوماً وتصلي خمسة/ 473/ عشر يوماً. وقال من قال: تترك الصلاة عشرة أيام وتصلي عشرة أيام. وقال من قال: تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل وتصلي خمسة عشر يوماً ولا أعرف أنَّ أحداً جعل الحيض أكثر من الطهر، والذي قال لنا أبو المؤثر عن محمد بن محبوب -رحمه الله- أنَّه أمر أم الخيار تترك الصلاة خمسة عشر يوماً وتصلي خمسة عشر يوماً ونحن نأخذ بقول من يقول تترك الصلاة عشراً وتصلي خمسة عشر يوماً ونحن نأخذ بقول من يقول: تترك الصلاة عشراً وتصلي عشراً وهو قول الربيع -رحمه الله- وأمَّا في صلاتها فإنَّها تقعد حائضاً ثلاثة أيام ومذ جاءها الدم وهو أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي إلأى أن يخلوا لها شهراً بأيام حيضها ثم تقعد لحيضها ثلاثة أيام ما دام بها الدم ولعلَّ في هذا رأياً آخر، وإنَّما قلنا في كل شهر ثلاثة أيام، لأنَّ جعل عدتها ثلاث حيض، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. (6/329)
صفحة 2605
مسائل في عبدات الحائض والمستحاضة:
وقال من قال: فقد علم أنَّ مكان كل شهر حيضة ومكان كل حيضة شهر والله أعلم وسل عن ذلك، فإن قالت هذه المرأة المستحاضة إنَّ الدم مدَّ بها ولا تدري متى أول الوقت الذي جاءها فيه الدم وقد كانت تعلم أنَّ لها اياماً معدودة تحيض فيها غير أنَّها نسيت ذلك ولا تدري كم عدد أيامها، ولا أي وقت كان يجيها فيه الدم في أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره أو بين الشهرين. فأحب أن يعرف الأيام التي تقعد فيها للحيض والأيام التي تصلي/474/ فيها وتصوم، وإن أرادت أن تقضي أيامها من رمضان فكم تقضي من يوم، فهذه امرأة لا أرى أن يطأها زوجها لأنِّي أخاف أن يطأها في وقت حيضها ولا نرى أن تدع الصلاة ولا الصيام مخافة أن تدعمهما في وقت ذلك عليها وأمَّا في أيام حيضها من شهر رمضان، فإذا قضت ذلك وهي مستحاضة بعد، فإن بعض الفقهاء يلزمها أكثر الحيض فمن قال: أن أكثرهخمسة يوماً لزمها أن تصوم شهراً لأيام حيضها. ومن رأى أن الحيض أكثره عشرة أيام لزمها أن تصوم عشرين يوماً وذلك أنَّه لا يدري هذه العشر التي تريد أن تصومها من الشهر هي في أيام طهرها أو حيض فرأى أن تصومها مرتين ولابد أن تكون في واحدة منهما طاهراً، وقد خلا في نفسي ذلك الحال الاحتياط وسل عن ذلك.
قال أبو الحواري: تغتسل وتصلي وتصوم عشرة أيام وتترك الصلاة والصيام عشرة أيام وهذا إذا لم تعرف أيام حيضها ثم تبدل ما أفطرت في رمضان.
وفي جوابات إلينا من محمد بن محبوب-رحمه الله- سألت يا أخي عن امرأة ولدت فدام بها الدم أكثر من أربعين يوماً وهي بكر ولم تدر كم وقت نفاسها، وكذلك إن كانت حائضاً أخبرك أنها إذا جاوزت أربعين يوماً وجاوزت في الحيض وقت حيضها، فإنَّها تصلي شهراً تغسل لكل صلاتين وتصلي وتترك الصلاة والصيام ثلاثا، وهو أقل الحيض. وأمَّا العدَّة فتجعل الطهر شهراً والحيض خمسة عشر يوماً فيكون حسابها على ذلك حتى تكمل العدَّة ثم /475/ تزوَّج فتكون لكل حيضة شهر ونصف وأمَّا في الواطئ فيطأها زوجها في (6/330)
صفحة 2606
الصفرة والكدرة وعند قيامها من غسلها ويتركها عند كثرة الدم وزيادته ولا يطأها في الدم السائل العبيط.
وقال من قال: إذا رأت المستاحضة يوماً دماً وثلاثة أيام طهر ويومين دماً فهذا كلّه في الأقاويل كلَّها إلا قول واحد. قال: إذا كان بين الدمين طهر ثلاثة أيام لم يكن الدمان دماً، وقالوا إنَّ الحيض يرفعه الكبرُ والريح والمرض والحمل والرضاع، فإذا ارتفع عن المرأة الدم لهذه الأحوال ثم عاودها الدم، وفي نسخة عاد إليها فلا تبالي، فإن وقتها يوم يعودها وعدد أيامها هي الأيام التي كانت تحيض فيها.
وقال من قال: إذا تحوَّل من وقت إلى وقت أو عدد ثم دام على ذلك بدائها هو وقتها ولا يتحوَّل عنه، ولو زاد من بعد أو نقص. وقال من قال: حيضتين فقد صار لها وقتاً وتدع الوقت الأول. وقال من قال: إذا دام بها قولاً مرسلاً وإذا تحوَّل في الثاني إلى شيء. وفي الثالث إلى شيء آخر فذلك حيض مختلف فاسد لم تستيقن على شيء معروف وهو على الوقت الأول. وقال من قال: إذا بلغت المرأة فأول ما رأت الدم مد بها ثلاثة أشهر، فإن عشراً من أول ما رأت الدم حيض وهو أكثر الحيض وعشرين طهراً حتى ينقطع الدم. وقال من قال: إن هي نسيت أيامها التي كانت تحيض فيها فيما /476/مضى فلم يعرف عددها ولا في أي وقت هي، وقد مد بها الدم بعد ذلك، فإنَّها تدع الصلاة ثلاثة أيام من أول ما رأت الدم ثم تغسل كأنَّها قد طهرت وهو أقل الحيض ثم ترجع فتغسل من بعد الثلاث وتصلي سبعة أيام فتم لها عشرة أيام ثم تغسل غسلاً، وقد طهرت من أكثر الحيض ثم هي مستحاضة إذا مدَّ بها الدم بعد ذلك إلى أن يرجع وقتها هذا فتفعل مثل ذلك إلى أن ينقطع عنها الدم وتبدل ما عليها من الصوم إذا أرادت تبدل وهي في تلك الحال ضعفين على أكثر الحيض، وكذلك إن عرفت عدد أيامها ولم تعرف وقتها أبدلت أيامها مرتين، وإن كان عليها صيام شهرين متتابعين، فإنَّها تصوم شهرين ثم تزيد بعد ذلك شهراً وتجعل كل عشر منها بدل حيضها من الشهرين وتيفي عشر وهي أيام حيضها في ذلك الشهر، (6/331)
صفحة 2607
وإن كان عليها بدل صلوات وهي مستحاضة، فإنَّها تبدلها في كل عشرة أيام من الشهر الذي تبدل فيه مرة.
وقال من قال: في امرأة كانت ترى الدم يوم أحد وعشرين من الشهر ثم استحيضت ولا تدري كم كانت أيامها؟ قال: إذا بلغت إلى وقتها أمسكت يوم واحد وعشرين يوماً واحداً ثم تغتسل وتصلي تسعة أيام ثم تغتسل بعد ذلك أيضاً من الحيض، فإن قالت: أنَّها لا تدري أكان الحيض يجيئها في أول ذلك اليوم أو في آخرها أمرناها بالثقة لأنَّا لا ندري لعلَّه كان يجيئها في ذلك اليوم بعد العصر فلم نأمرها بترك الصلاة فيه، وقال في امرأة كان حيضها سبعة أيام من العشر الأواخر من الشهر ولا تدري في أي وقت من هذا الشهر أيامها، فإذا جاوزت العشرين يوماً من الشهر، فإنَّها تغتسل وتصلي/477/ ثلاثة أيام ثم تدع الصلاة أربعة أيام ثم تغسل وتصلي ثلاثة أيام وهو آخر العشر، لأنَّ الأيام الأربع التي في وسط العشر لا تخلوا من أن تكون من الحيض مع الثلاث التي صلتها في أول العشر أو مع الثلاث التي في آخر العشر وذلك إذا كانت الشهر كله مستحاضة، وإن كان قرؤها ثمانية أيام من العشر الآواخر صلَّت بعد عشرين يوماً من الشهر يومين ثم تمسك عن الصلاة ستة أيام ثم تغتسل بعد ذلك وتصلي، وكذلك ما يكون على هذا إذا عرفت أن أيامها في موضع من الشهر ولم تدر في أول ذلك الوقت ولا في آخر.
وقال من قال: في امرأة رأت الدم أول ما بدا لها يوماً ثم انقطع ثمانية أيام ثم جاءها الدم يوم تمام العشر أن يومئ الدم وثمانية أيام الطهر التي بين الدمين كل هذا حيض، وكذلك رأت الدم أول ما رأت يوماً ثم انقطع عنها تسعاً ثم رأته يوماً عاشراً ويوم أحد عشر أو ثلاثة عشر، فإن عشراً من أولها حيض، وما زاد على العشر فهي فيه مستحاضة.
وقال من قال: لا يكون أيضاً هذا حيضاً حتى يكون الدمان جميعاً أكثر ممَّا بينهما من الطهر أو مثله وإنَّما تكون وفي نسخة كان الطهر حيضاً إذا كان قبله حيض وبعده حيض واجتمع رأي من قدر الله من أهل الفقه في امرأة أول ما رأت الدم رأته أربعة أيام ثم انقطع (6/332)
صفحة 2608
عنها خمسة أيام ثم رأته يوماً وهو يوم العاشر إن كان ذلك حيض كله، لأنَّ اليوم العاشر حيض فيصير الطهر الذي قبله حيضاً، وفي امرأة رأت يوماً دماً ثم طهراً فتم لها الطهران هذا حيض كلُّه/478/، وإن كان الطهر أكثر من الدم لأنَّ كلَّ دم من هذا لم يكن بينه وبين صاحبه طهر ثلاثة أيام، فهذا كأنَّه دم كلُّه.
وقال من قال: إذا بلغت المرأة فأوَّل ما رأت الدم وحاضت رأته ثلاثة أيام ثم انقطع عنها سبعاً ثم رأته ثلاثة أيام ثم انقطع عنها حتى رأته ثلاثة أيام من آخر تمام العشر أو بعد العشر. فقال من قال: اليوم الأول الذي رأت فيه الدم إلى تمام العشر حيضها وما سوى ذلك استحاضة. وقال من قال: ثلاثة أيام التي حاضت فيها أول العشر وآخرها أو بعد العشر فهو الحيض وما سوى ذلك فهي مستحاضة، وقال: في امرأة كان حيضها خمسة أيام في أول الشهر من كل شهر معروف فرأت دماً خمسة أيام قبل الخمسة أيام التي كانت تحيض فيها ورأت الطهر أيامها المعروفة ثم رأت الدم بعد يوماً أو يومين أو ثلاثة ورأت ثلاثة أيام من أيام حيضها طهراً ثم رأت يومين من أيام طهرها دماً ثم رأت من بعد الثلاثة الأيام دماً ثم انقطع الدم فقال: إنَّ الخمسة أيام التي رأت فيهنَّ الدم قبل أيامها الأولة هي الحيض وهو دم منتقل وما سوى ذلك استحاضة لأنَّها لم ترد دماً ثلاثة أيام من حيضها الأول.
وقال من قال: لو أنَّ امرأة كان حيضها في أول الشهر خمسة أيام فتقدم حيضها خمسة أيام ثم رأت ثم رأت في أيام حيضها ثلاثة أيام دماً من أول أيامها القديمة وآخرها ثم رأت الطهر يومين ثم رأت بعد ذلك ثلاثة أيام دماً فصار ذلك كلَّه ثلاثة عشر يوماً، فهي مستحاضة في/479/ ذلك كله في الأول والآخر إلا الثلاثة الأيام التي رأت فيها الدم في أيام حيضها خاصة كانت الثلاثة في أول أيامها أو آخرها.
وقال من قال: أيامها الأولى هي أيام حيضها رأت فيها دماً أو لم تر فيها دماً، ولا نقول ذلك ولو أنَّ امرأة كان حيضها أربعة أيام من أول كل شهر فحاضتها من أول الشهر ثم (6/333)
صفحة 2609
طهرت خمسة عشر يوماً الأربعة، فإنَّ الأربعة أيام من أول إحدى عشر يوماً التي رأت فيها الدم حيض وما سوى ذلك استحاضة، فإن رأت الدم في أيام حيضها الأربع أو الثلاث منهنَّ فهو حيضها والإحدى عشر يوماً التي قبلها استحاضة، وإن رأت الدم في يومين من أول الأربعة أيام أو آخرها ثم طهرت فلا يكون ذلك حيضاً وحيضها أربعة أيام من أول الأحد عشر الأولة وباقي ما رأت الدم استحاضة.
وقال غيره: إذا رأت الدم في يومين من آخر أربعة أيام التي كانت وقتها فالأربع كلها حيض وما سوى ذلك استحاضة وينظر في ذلك. وقال: لو أنَّ امرأة كان حيضها من أول الشهر ثلاثة أيام فرأت الدم يومين وانقطع يوماً ورأته يومين وانقطع يوماً فلم تزل كذلك، فإن خمسة أيام من أول كل شهر حيض، وما سوى ذلك استحاضة وقال: لأنِّي لو لم أجعلها حيضها ولم تنتقل إلى غيره ولم يكن أحد اليومين حيضاً إلا بصاحبه ولو أنَّها رأت يومين من أول الشهر حيضاً ويوماً طهراً ثم مد بها الدم بقية الشهر كله/480/ فحيضها ثلاثة أيام من الدم الذي مد بها مكان الثلاثة أيام الأولى وسقطت تلك الأيام حيث لم تتم ثلاثاً ولو أنَّها رأت الدم يوماً من أول يوم من الشهر ثم رأت الطهر يوماً يوماً ثم رأت الدم ثلاثة أيام ثم انقطع، فهذا كلَّه حيض فإذا انقطع الدم ولو مدَّ أن امرأة بها لكان على ما وصفت لك في المسألة الأولى، ولو أنَّ امرأة كان حيضها خمسة أيام فرأت الدم ثلاثة أيام ثم انقطع خمسة أيام ثم رأت الدم ثلاثة أيام أخر رأت فيهنَّ -وفي نسخة- ثم رأت الدم ثلاثة أيام أخر، فإنَّ حيضها ثلاثة أيام الأولى لأنَّها لم تر بعدها دماً يكون حيضاً ولا يكون شيء ممَّا سوى ذلك حيضاً كأنَّه يعني إذا زاد عدد الأيام على العشرة ولو أنَّ امرأة كان حيضها من أول الشهر خمسة أيام فرأت الدم في أول الشهر يوماً أو يومين ثم انقطع حتى زادت يوم عاشر الدم أو يوم أحد عشر ثم انقطع، فإنَّه لا يكون شيء من هذا حيضاً، لأنَّ الدم الثاني استحاضة مكانها فيه طاهر والدم الآخر في أيام حيضها لم يتم ثلاثة أيام فلم يجعله حيضاً، لأنَّ الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وقال بعض غير ذلك. وقال: لو أنَّ (6/334)
صفحة 2610
الدم الثاني تم ثلاثة أيام لجعلناه حيضاً منتقلاً وكان اليومان الأولان استحاضة وفي رأي آخر أنَّ هذه الأيام الثلاث التي رأت فيهنَّ الدم في الوقت المؤخر استحاضة واليومان الأولان هما من حيضها، ولو لم تر الدم في وقتها الأول إلا ساعة.
وفي قول من قال منهم أيضاً: في امرأة كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فرأت أول يوم من الشهر حيضاً والثاني طهراً ثم مرت على ذلك حتى بلغت تسعة أيام وأصبحت يوم وعاشر/481/طاهراً ثم انقطع الدم بعد ذلك، فقالوا: هذه التسعة أيام كلُّها حيض واليوم العاشر التي طهرت فيه طهر وقالوا: إن كانت رأت أول يوم من الشهر من أيامها طهراً أو رأت في اليوم الثاني دماً ثم مرت على ذلك يوماً ترى طهراً أو يوماً ترى دماً حتى رأت الدم يوم عاشر ثم انقطع؟ فإنَّ اليوم الأول طهر وهذه التسعة أيام فإنَّ اليوم الأول من الشهر ليس بحيض وثلاثة أيام بعد اليوم الأول حيض وما سوى ذلك استحاضة، وإن رأت الدم يوماً قبل وقتها وقبل رأس الشهر فرأت دماً ويوماً طهرا ثم مرت على ذلك عشرة أيام ثم انقطع الدم عنها، فإنَّ اليوم الذي تقدَّم فيه الدم قبل الشهر والثمانية أيام التي بعده حيض كلُّها واليوم العاشر الذي لم تر فيه دماً وما بعده طهر كله، وينظر في هذه المسائل إن شاء الله.
قد حفظ لنا الثقة عن محمد بن محبوب-رحمهما الله- في امرأة أول ما جاءها الدم كان أول يوم من شهر رمضان فلم ينقطع عنها حتى انقضى الشهر لم يكن لها وقت قبل ذلك إنَّها تبدل عشرة أيام من آخر الشهر أيضاً لقول من قال: إنَّ ما جاء من الدم من بعد عشر فهو حيض فرأى أنَّ العشر الأواخر قد جاءها فيها الدم بعد العشر التي كانت فيها مستحاضة في وسط الشهر.
وفي جواب منه أيضاً: في بكر لج بها الدم وقد علمت وقت أمها فنظرته ثم لج بها الدم، هل تنتظر بعد ذلك؟ فأقوال تنتظر بعد انقضاء وقت أمها يوماً أو يومين إذا لم تعرف لنفسها وقتاً. (6/335)
صفحة 2611
وقال في النفساء إذا رأت صفرة انقضاء الأربعين وعشر من بعد الأربعين/482/، هل تكون حائضاً؟ قال: لا. حتى يبدأ دم أحمر عبيط فهو حيض بعد العشر التي قعدت فيها بعد الأربعين، وأمَّا الصفرة فلا شيء فيها فإن جاءها دم ثم صفرة فهو حيض.
وعن موسى بن علي-رحمه الله- عن امرأة لها وقت تسعة أيام في نفاسها قد ولدت على ذلك ثلاثة أولاد ثم ولدت الرابع فطهرت على تسع وصلت ثم راجعها الدم من بعد أنْ وصلت عشرة أيام وقد أصاب منها زوجها فما نرى فساداً وقع نرى إنَّما كان بعد العشر حيض والله أعلم.
وقال في علقة سقطت من امرأة صلت ولم تغسل فلم نر بدلاً. وقال بعض الفقهاء: في امرأة طهرت من حيضها على وقتها ولبثت نصف نهار أو يوم ثم راجعها الدم، فإنَّها إذا انقطع عنها الدم ثم راجعها لم يكن لها أن تنتظر وكانت مستحاضة، فإن كان بقي صفرة على إثر الحيض انتظرت. وقال بعض: لا تزيد في الصفرة فإن رأت دماً سائلاً عيطاً بعد انقضاء وقت حيضها زادت يوماً أو يومين، فإن لم ينقطع عنها الدم أبدلت صوم اليوم واليومين وصلاتهما، وإن انقطع عنها فيهما فلا بدل عليها فيهما في صوم ولا صلاة، وقال بعض أصحابنا: في امرأة رأت الدم في وقت حيضها يوماً واحداً ثم طهرت وصلت حتى انقضى وقتها ثم رأت بعد ذلك دماً سائلاً قال: هي مستحاضة وقيل: إذا استنجت وفي نسخة استحيضة وفي نسخة استنجيت المرأة أدخلت أصبعها في فرجها وغسلت داخله إلى موضع الولد، وفي نسخة لعلَّه أراد إلى موضع الجماع ولا يجاوز /483/ ذلك. وليس على المرأة فيما غمض من الدم في الفرج غسل، ولكن تستنقي عند الوضوء. وفي كتب بعض المسلمين قال أنس بن مالك والربيع بن حبيب: إذا طهرت المرأة عشرة أيام ثم جاءتها الدم فهو حيض.
وقال من قال: في امراة طهرت من الحيض ولم تغتسل ووطئها زوجها إنَّها لا تفسد عليه إذا عدت بعد طهرها وقت صلاة. (6/336)
صفحة 2612
ومن غيره: وممَّا يوجد عن أبي المؤثر عن أبي عبد الله بن محمد بن محبوب-رحمه الله-: وعن امرأة حاضت ثم انقطع عنها الدم وتكرت الغسل والصلاة واحتاج زوجها إلى وطئها فوطئها؟ لا أراهُ كمن وطئ في الحيض ولا تفسد عليه وقد انقطع عنها الحيض إذا عدت وقت صلاة وهي طاهر منه.
قال غيره: وأرجو أني عرفت أنَّه لو كان محجوراً عليه وطئها كان ذلك معونة لها على ظلمه أرأيت لو قعدت أتغسل في الحيض الزمان الطويل إذاً لكان عليه أن يمتنع عن وطئها فينظر في ذلك./484/
رجع: وقال من قال: تفسد عليه إذا وطئها ما لم تغتسل، وقال عطاء وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ومحبوب بن الرحيل-رحمهم الله- حتى تطهر خمسة عشر يوماً ثم ما جاءها بعد ذلك فهو حيض.
وقال بعض الفقهاء: في امرأة ظنت أنَّها حامل الشيء في بطنها فتركت الصلاة ثم جاءها الدم فوطئها زوجها فيه وكانت تصوم وتصلي؟ قال: عليها بدل ما لزمها من الصيام وتفسد على زوجها إذا وطئها متعمداً في الحيض ولا عذر في ذلك لها ولعلَّ بعض أهل الرأي لا يفسدها عليه إذا وطئها على أنَّها حامل والمستحاضة إذا غسلت تجمع الصلاة وهي لا ترى دماً فغسلت بعد ذلك وتم لها الطهر فلا غسل عليها غير ذلك، وإن كانت قد علمت أنَّ فيها الدم ثم اغتسلت ولا تعلم أنَّها طهرت ثم نظرت من بعد غسلها، فإذا هي طاهر فأحبُّ إلينا أن ترجع تغتسل لطهرها، لأنَّها إنما رأت الطهر بعد غسلها.
وعن أبي عبد الله -رحمه الله-قال: إذا كانت عادة المرأة في وقت حيضها إنَّما يجيئها صفرة وليس ترى الدم فتجلس له كما تجلس للحيض، وعن امرأة طهرت من النفاس على عشرة أيام وصامت رمضان كله ثم راجعها الدم فقد تم لها صيامها إذا صامته وهي طاهرة، وقال من قال: غير ذلك، وهذا الرأي أحبُّ إلينا. (6/337)
صفحة 2613
ومن غيره: وعن امرأة كان وقت نفاسها أربعين يوماً فطهرت في عشرين يوماً ولم يراجعها الدم، هل لها أن تصوم أو تتم صومها إذا لم يراجعها الدم/486/في الأربعين أو هل لزوجها أن يطأها إذا احتاج إليها؟ فإذا طهرت اغتسلت وصلت وصامت فإن لم يراجعها الدم حتى تنقضي الأربعون فصيامها تام، وإن راجعها الدم في الأربعين وهي في شهر رمضان كان عليها بدل ما صامت من بعدما غسلت وليس لزوجها أن يجامعها حتى تنقضي الأربعون، فإن جامعها وهي طاهر فقد أساء ولا تحرم عليه امرأته راجعها الدم أو لم يراجعها، فإن انقضى شهر رمضان وهي بعد في الأربعين ثم راجعها الدم من بعد الفطر في الأربعين فصيامها تام.
ومن غيره: وعن امرأة طهرت من نفاسها بعد خمسة أيام ووقتها هو أربعون يوماً فلمَّا طهرت صامت شهر رمضان فلمَّا راجعها (1) الدم في الأربعين، فهذه المسألة معروفة موجودة فمن الفقهاء من قال: إذا تمَّ صيامها للشهر كله وهي طاهر فهو تام لها. ومنهم من قال: ذلك الصيام منتقض إذا راجعها دم النِّفاس في الأربعين./487/
رجع: وكذلك التي تطهر في أيام حيضها وتصوم، فإذا تم لها الطهر حتى تنقضي أيام حيضها وهي صائمة تم صومها، وإن راجعها الدم في ذلك الوقت الذي هو وقت حيضها بعد أن صامت منه ما صامت انتقض ذلك عليها.
وفي بعض الآثار: قال المستحاضة ما دامت ترى دماً يظهر على الخرقة فلتصلي عشرة أيام وتصلي الغداة يوم الأحد عشر ثم تمسك عن الصلاة الأيام قرؤها أو تزيد يوماً أو يومين.
وقال لي: امرأة اشتبه عليها الطهر في أيام حيضها فربما رأت مثل البزاق أو مثل الصفرة ولا تدري أطهر أم غير طهر، وذلك في شهر رمضان كيف تصنع في الصوم والصلاة؟ قال: ليس على هذه المرأة صلاة ولا صيام في أيام حيضها إذا اشتبه عليها أمر الطهر حتى ترى طهراً بيناً لا شبه فيه.
__________
(1) في أ، ب: فلمَّا أكملته. وهذا صحيح. (6/338)
صفحة 2614
وفي مسائل عن محمد بن محبوب -رحمه الله- عن امرأة يأتيها الحيض في شهر رمضان أول الليل وتطهر في آخر الليل فتغسل قبل الصبح وتصبح صائمة فلم تزل على لك ليالي وأياماً حتى انقضت عدَّة أيام حيضها قال: تم لها صيامها على هذه الصفة ولا أرى عليها الدل، قلت: وسواء ذلك كانت عادتها من قبل أنَّها تحيض بالليل وتطهر بالنهار أو لم تكن كذلك عادتها من قبل؟ قال: لا. إذا كانت عادتها أنَّها تحيض بالليل وتطهر بالنَّهار ولم يختلف عليها ذلك فأرى أنَّ الأيام التي تصومها في عدَّة أيام حيضها/488/ لا تعتد بصيامهنَّ وعليها بدلهن ولا تفطر فيهنَّ، لأنَّه عسى أن يتم لها الطهر وقد أفطرت فتؤمر بالصيام، وإن تم لها الطهر تم لها ما صامت مُذ طهرت ولم يرجع إليها الدم في الليل، وإن راجعها الدم في الليل فعليها بدل صيام تلك الأيام.
مسائل في الحيض والطهر:
وقال أبو عبد الله-رحمه الله- حفظ لنا أبو صفرة أنَّ العجوز المدبرة التي يست منه إذا راجعها الدم تركت الصيام والصلاة بقدر أيام حيضها وليس ذلك برأي متَّفق عليه.
وعن رجل أراد أن يطأ امرأته، وكانت حائضاً فقالت له اليوم غسلي من الحيض؟ فقال: أرجو أن لا يكون عليه فيها بأس إن شاء الله.
وقال أبو عبد الله-رحمه الله- في امرأة انقطع عنها الدم شهرين وكان عندها أنَّها قد حملت ثم جاءها دم رأت ذلك من أسباب السقط ولم يخرج منها لحم؟ قال: تترك الصلاة والصيام بقدر أيام حيضها، فإن دام بها الدم كانت مستحاضة. قلت: فإن خرج منها لحم لم يبن فيه خلق؟ قال: تقعد كما كانت تقعد لنفاسها من قبل ولا تنقضي عدَّتُها ولا تحلُّ للأزواج حتى تسقط سقطاً بين الخلق.
ومن جواب منه أيضاً: وسألت في التي تتربص في الدم عشرة أيام وقول من قال: أكثر الدم عشرة أيام ماهي؟ قال: هي البكر أول ما تحيض يدوم بها الدم، فإن عرفت وقت أمِّها فهو لها وقت وإن كان وقت دمها مختلفاً أخذت به، وإن لم تعرف وأدم بها (6/339)
صفحة 2615
الدم/489/ فلتجعل طهرها عشرة أيام وحيضها خمسة عشر يومً فتمسك عن الخمسة عشر ليوم الحيض وعن الصلاة وعن الصوم عشرة أيام وتصلي خمسة عشر يوماً وتصوم، فإذا قضت الصوم على ذلك وأرادت البدل بدل العشر التي كانت تحسبها حيضاً ألحقت معها بدلاً خمسة أيام حتى تتم خمسة عشر يوماً فيكون ذلك استحاضة منها، وأمَّا إذا عتدت فعناها هذا جعلت حيضها خمسة عشر يوماً والطهر عشرا؟ قال: فإذا عرفت وقت أمها فهو لها وقت وبه نأخذ في العدَّة والصلاة والصوم، وقال: لا يطأ الزوج امرأته إذا بليت بهذا في عدة قرؤها في العشر ولا في الخمس للحق (للواحق) بها، وقال: وسبيل من اختلف حيضة من النساء سبيل هذه البكر، وقال: في التي رأت الدم دفعة في وقت حيضها ثم ارتفع عنها تغتسل وتصلي والتي تراهُ وتدركه بيدها لا غير ذلك تستنجي وتوضيء وتصلي.
أقل الحيض وأكثره:
ومن غيره: ذكرت في الحيض فأقل الحيض على ما قيل ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، وإذا حاضت المرأة وكان عدتها في حيضها ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام أو ستة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام أو تسعة أيام، فأكملت عدتها من الأيام التي عرفت نفسها بها ممَّا وصفنا دون العشر واستمر بها الدم ولم ينقطع نظرت يوماً أو يومين، فإن انقطع عنها غسلت لطهرها وصلت، وإن لم ينقطع عنها كانت مستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلاً لصلاة الظهر وصلاة العصر وتكون في ذلك في آخر صلاة الظهر وأول صلاة العصر وتجمعهما بالتمام، وكذلك صلاة المغرب وصلاة عشاء الآخرة وتجمعهما /490/ بالتمام وتغتسل لصلاة الفجر غسلاً وتصليها تفعل هذا إلى عشرة أيام بعد أيام حيضها، فإذا استمرَّ بها الدم، فإذا كان يوم أحد عشر يوماً غسلت لصلاة الفجر وصلت، فإن استمرَّ بها الدم من بعد صلاة الفجر يوم أحد عشر يوماً تركت الصلاة بقدر أيام حيضها، فإن استمرَّ بها الدم حتى تنقضي أيام حيضها ودام بها بعد ذلك فعلت كما وصفنا تغتسل وتصلي (6/340)
صفحة 2616
عشراً وهي مستحاضة فيهنَّ وتدع الصلاة في أيام حيضها تفعل هكذا ما دام الدم متصلاً بها، وإن كان حيضها عشراً واستمرَّ بها الدم بعد العشر غسلت وصلت كما وصفنا عشر أو تدع عشراً مقدار حيضها، وإن لم تعرف أيامها كم هي تركت لحيضها عشراً وغسلت وصلت عشراً، وإن كانت أيامها معروفة بالحيض كان عشراً دون عشر ثم تحوَّلت من قرء إلى قروء آخر غير أيامها الأولة في ثلاث حيض وذلك يكون قرؤها ثلاثاً ثم تحول إلى أربعة أيام أو خمسة أو أكثر من ذلك إلى عشر أيام فيدوم عليها ذلك في ثلاث حيض على يوم واحد لا يختلف، فإذا كان في الحيضة الرابعة تركت عدتها الأولة، ورجعت إلى عدتها هذه فأخذت بها، فإن عادت تحوَّلت عن هذه العدة إلى أقلَّ منها ولا يكون الأقل أقل من ثلاثة أيام، أو إلى أكثر منها ولا يكون الأكثر أكثر من عشرة أيام فتحوَّلت ثلاث حيض على حال واحد كما وصفنا لك رجعت إلى هذه العدَّة وتركت الأولتين هذا سبيلها، وإذا تحوَّلت ثلاث حيض كان الرابع قرءاً لها، وإذا عرفت المرأة أيام حيضها ثم غسلت وصلت ثم راجعها الدم يوماً أو يومين، وكان يأتيها في كل حيضة من بعد غسلها وطُهرها فهذه إثابة وهي من الحيض وتدع الصلاة فيها، وإن كانت يأتيها مرة ومرة لا يأتيها فتغسل وتصلي ولا تدع الصلاة وليس من الحيض، وهذا إذا كانت أيامها أقل من عشرة أيام/491/، وإن كانت أيامها فليس بعد العشر إثابة على القول الذي يأخذ به، فإذا آتاها الدم يعد قرؤها وقرؤها عشرة أيام فهذه مستحاضة تغتسل وتصلي كما وصفنا لك بالجمع والتمام إلى أن ينقطع الدم أو يخلو بها عشر وهذه الحائض إذا طهرت في أيام حيضها طهر بيننا عند وقت الصلاة غسلت وصلت ولا تدع الصلاة، فإن راجعها الدم تركت الصلاة وهكذا تفعل حتى تنقضي أيام حيضها ولا يقربها زوجها في أيام حيضها ولو طهرت وصلت حتى تنقضي أيام حيضها وإن طهرت الحائض في أيام حيضها وجهلت أن تصلي وتركت الصلاة حتى تنقضي أيام حيضها جهلاً منها فعليها بدل تلك الصلاة، وكذلك (6/341)
صفحة 2617
النفساء إذا طهرت في أيام نفاسها غسَّلت وصلت، فإن راجعها الدم تركت الصلاة هكذا حفظنا تفعل حتى تنقضي أيام نفاسها.
قلت: فإن فعل بجهل منه وظن أنَّه لا فساد عليه فقال: قد أساء ولا فساد عليه، فإذا انقضى وقت نفاسها وهو أربعون يوماً أو أقل من ذلك أو أكثر واستمرَّ بها الدم نظرت يومين أو ثلاثاً، فإن انقطع عنها وإلا اغتسلت وصلت وجمعت الصلاتين كما وصفنا لك في المستحاضة إلى عشرة أيام فإن استمرَّ بها الدم بعد العشر التي تغسّل فيهنَّ وتصلي تركت الصلاة وهي حائض بعد ذلك والنفساء عدَّتها في أول مواليدها على ما طهرت عليه من أول ولد حتى تتحوَّل عن ذلك الوقت إلى ثلاثة مواليد أقل أو أكثر عن وقتها الأول، فإذا جاءها الولد الرابع بعد ثلاثة مواليد كان ذلك وقتاً لها وتركت الأول./492/
أقل النفاس:
وقال من قال: أقل النِّفاس أسبوعين. وقال من قال: ليس له أقل إلا ما طهرت عليه في أول ولد حتى تتحوَّل عن ذلك الوقت إلى ثلاثة مواليد كما وصفنا لك. وقال من قال: إذا ولدت ولم تر الدم غسَّلت وصلت ولم يقربها زوجها إلا بعد ثلاثة أيام. وقال من قال: إذا ولدت المرأة أول ولد ثم استمرَّ بها الدم فلم ينقطع.
مسائل في النفساء:
قال من قال: وقتها إلى الأربعين يوماً ثم تكون بعد ذلك مستحاضة تغتسل وتصلي إلى عشر ثم هي بعد العشر حائض إذا استمر بها الدم. وقال من قال: وقتها إلى ستين يوماً. وقال من قال: وقتها إلى تسعين يوماً ونحن نأخذ بقول من قال: إلى ستين، فإذا بلغت إلى ستين ولم تنقطع الدم غسَّلت وصلت عشرة أيام كما وصفنا لك في الجمع والتمام، فإن مرت العشر ودام بها الدم تركت الصلاة مقدار أيام حيضها تفعل، كذلك ما دام بها الدم تغسَّل وتصلي عشراً وتدع مقدار حيضها بعد العشر حتى ينقطع الدم، فإذا صارت ستون لها وقتاً على ما تأخذ به فه ووقتها حتى/493/تحول عنه إلى ثلاثة مواليد كما وصفنا لك، (6/342)
صفحة 2618
ثم يكون الرابع وقتاً لها وتدع الوقت الأول الذي في أول ولد، وأمَّا الحامل إذا جاءها الدم في وقت الحيض فليس مع الحمل حيض في بعض القول وتغتسل وتصلي حتى ينقطع عنها الدم. وقال من قال: لا يقربها زوجها حتى ينقطع الدم. والحامل إذا ضربها الطلق وركَّزت للولد وأنفقا الهادي ودعت الصلاة. وقال من قال: إذا ركزت للولد ورأت الدم تركت الصلاة، وأمَّا إذا رأت الماء ولم تر الدم فعليها الصلاة، وإذا غلب المستحاضة الدم بعد أن غسَّلت لتصلي فتقعد وتحفر لها في الأرض وتسرحه في الأرض وتصلي بالإيماء وكره من كرَّه لزوجها أن يطأها في أول الدم، إذا كانت تغسّل وتصلي. وقال من قال: إذا أراد زوجها أن يطأها غسَّلت له وطئها. وقال من قال: كيف ما وطئ المستحاضة فلا بأس عليه والمستحاضة غير الحائض والمستحاضة يلزمها الصلاة والغسل والحائض التي تدع الصلاة وتلك لا يقربها زوجها كما قال الله تعالى: {ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم اللهُ (1)} [البقرة] معناه الفرج، ولو أنَّها طهرت من الدم ولم تطهر بالماء ثم وطئها زوجها فقد وطئ حائضاً، ولو أنَّ هذه المرأة كان حيضها /494/ خمسة أيام أو ستة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام أو تسعة أيام إلى عشرة أيام فحاضت ثلاثة أيام وطهرت بقية أيامها فهذه حائض وقد كملت عدتها إذا حاضت ثلاثاً في أيامها، ولو حاضت يومين ثم طهرت في بقية أيامها لم تكن حائضاً، وأقلُّ الحيض معنا ثلاثة أيام ولو حاضت يوماً ثم طهرت يوماً ثم حاضت يوماً كان الطهر أكثر من الحيض لم تكن حائضاً، وإن كان الحيض أكثر من الطهر كانت حائضاً وهذا في أيام حيضها، وإذا كانت المرأة في أيام حيضها فأتاها وفي نسخة تأتيها صفرة؟ قال من قال: حائض. وقال من قال: ليس ذلك بحيض حتى يتقدَّم لها دم ونحن نأخذ بهذا القول أنَّ ليس الصفرة في أيام الحيض بحيض حتى يتقدَّم الصفرة دم، فإذا تقدَّم لها دم في أيام حيضها ولو يوماً واحداً أو دفعة واحدة ثم كانت بقية أيامها صفرة حيضها ولو يوماً واحداً أو دفعة واحدة ثم كانت بقية
__________
(1) في أ، ب: زيادة في التأويل حتى يطهرن من الدم، فإذا تطهَّرن معناه في التأويل بالماء (فأتوهنَّ من حيث أمركم الله) معناه الفرج. (6/343)
صفحة 2619
أيامها صفرة، فهي حائض والحائض إذا طهرت من حيضها وقد دنا وقت الصلاة فقامت من حينما طهرت للغسل، فإن اغتسلت –وفي الهامش- (فإن اشتغلت) في الغسل من غير توان منها حتى فات وقت الصلاة صلتها ولا كفارة عليها وينبغي لها أن تعجل في الغسل لئلا تفوتها الصلاة، وإن طهرت في أوَّل النَّهار وتوانت عن الغسل حتى قامت تغتسل بعد ذلك وفاتها وقت الصلاة فتلك تصليها وعليها كفارة تلك الصلاة، لأنَّها توانت عنها، وإذا كانت الحائض في أيام حيضها واحتاج زوجها إليها وأراد أن يقضي حاجته دون الفرج فقيل: تستنفر على الفرج، فإن /495/ وطئها في الدبر خطأ وذلك أنَّه يريد الفرج فأخطأ في الدبر، فإن نزع من حينما علم فلا فساد عليه في الخطأ، وإن وطئها في الدبر متعمداً فقد حرمت عليه أبداً وأدبار النساء حرام.
ومن غيره: عرفت في الوطء في الدبر أنَّه يخرج في معاني أكثر قول أصحابنا أنَّه لا يفسد وطئ الخطأ في الدبر، وإنَّما يفسد الوطء في الدبر على العمد والقصد إليه، ومعي: أنَّه قد قيل: أنَّه يفسد الوطء في الدبر على الخطأ، لأنَّ الدبر محرم على الأبد لا ينتقل حكم تحريمه لا يكون في وقت مباحاً، وأمَّا في الحيض فلا أعلم في قولهم فساداً بوطء الخطأ وإنَّما يفسد عندهم فيما عندي بوطء العمد./496/
الوطء في الحيض:
رجع: وكذلك من وطء الحائض متعمِّداً فقولنا قول من يحرمها أبداً، وقد قيل: لو طئها ليقضي حاجة في سائر بدنها فسالت النطفة حتى دخلت في الفرج فلا فساد عليه، وإن تعمَّد هو ليولج النطفة حتى دخلت في الفرج فهو كمن وطئ حائضاً، ولا بأس بما مسَّته الحائض وعالجته من الرطوبات إذا غسَّلت يديها، فإن لم تعلم بهما نجاسة ولو لم تغسِّلهما، ويكره للحائض أن ينال المصلي ظلها أو بدنها، فإن فعلت ذلك واضطرَّت إليه لحاجة فلا بأس، ولا تدخل المسجد في أيام حيضها وإن حملت المصحف سيره الذي يعلق به فلا (6/344)
صفحة 2620
بأس، وإن كانت ثيابها التي تلبسها في أيام حيضها لم تعلم أنَّها أصابها دم ولا نجاسة، فإن شاءت غسلتهما وإن شاءت لم تغسلهما إذا لم تعلم أنَّ فيها نجاسة.
طهارة الحائض:
وكذلك إذا أرادت الغسل من الحيض، فإن حضرها الغسل غسلت به، وإن لم يحضرها الغسل غسلت بالماء واستنقئت وإن لم يحضرها الماء وتيممت بالصَّعيد الطيب لغسلها والصعيد التراب والطيب الطاهر، ولا يجوز التيمم بالتراب النجس ولا برماد ولا بنورة، وإن تيممت وصلت ثم أتت الماء من بعد ما فاتت الصلاة التي صلَّتها بالتيمم فوجدت الماء فلا بدل عليها وتغتسل، وكذلك الجنب إذا تيمَّم للصَّلاة في سفره أو حضره حيث لا يجد الماء ثم وجد الماء من بعد ما فاتت الصَّلاة فلا بدل عليه ويغسل لجنابته وإذا أدرك الماء في وقت تلك الصَّلاة اغتسل وأعاد تلك الصلاة، وكذلك/498/ الحائض إذا أدركت الصلاة في وقت تلك الصلاة التي صلَّتها بالتيمم غسَّلت وأعادت الصلاة، وإذا حاضت المطلقة الحيضة الثالثة وهي في العدَّة من مطلقها الذي يملك رجعتها وأراد أن يردَّها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة فله ذلك، وإذا أخرت هي الغسل ليدركها ليردها حتى فات وقت الصلاة فلا يدركها وعليها كفارة تلك الصلاة التي ضيعتها تصوم شهرين متتابعين أو تطعم ستين مسكيناً.
عدَّة الحامل:
وإذا طلَّقت المرأة وهي حامل فعدَّتُها أن تضع حملها، فإذا وضعت حملها ولو من يومها الذي يطلِّقها فيه زوجها فقد انقضت عدتها منه وقد حلت للأزواج، وإن أدركها زوجها وهو يملك رجعتها وأراد ردَّها وهي في ميلادها وقد خرج بعض ولدها أو خرج إلا جارحة منه ولم تخرج فله ردُّها إن أراد ذلك ما لم يخرج الولد كله. وكذلك جاء الأثر.
عدَّة المتوفى عنها زوجها وهي حامل: (6/345)
صفحة 2621
الكتاب: الجامع لابن جعفر
المؤلف: أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
عدد الأجزاء: 6
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) وأمَّا التي يموت زوجها وهي حامل فعدتها أبعد الأجلين، وإن وضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشر فلا تنقضي عدتها حتى تخلوا أربعة أشهر وعشر، وإن خلا لها أربعة أشهر وعشر قبل أن تضع حملها لم تنقض عدَّتُها حتى تضع حملها، وإذا طلَّقها زوجها ثلاثاً في صحَّته ثم مات فعدَّتُها بالحيض ثلاث حيض ولا ترثه، وإن طلَّقها اثنتين أو واحدة ثم مات قبل أن تبلغ عدَّتها وهي ممَّن تحيض رجعت إلى عدَّة المميتة أربعة أشهر وعشر أو ورثته/499/، وإن طلَّقها ثلاثاً في مرضه فهذا ضرار وترثه وعدتها ثلاث حيض، وأمَّا المختلعة من زوجها التي تبرئه من حقِّها ويبرئ لها نفسها فهذه إن ماتت وهي في عدَّتها لم ترثه، وكذلك إن ماتت هي في عدَّتها لم يرثها، وكل امرأة لزمتها العدَّة من زوجها إذا طلَّقها أو خالعها أو حرمت عليه من قبل حرمة وقعت بينهما ووطئها في دبرها متعمداً أوحيضها متعمداً أو عاينته في زنا أو عاينها أو أقرت عنده بزنى ولم ترجع عن إقرارها وصدقها أو أقرَّ عندها بزنى ولم يرجع عن إقراره وصدقته أو بان من بعدما وطئها أنَّها أخته من الرضاعة أو أخته من النِّساء أوتزوَّجها على أختها ووطئها كل هذا تقع به الحرمة وتحرم عليه، وكل هؤلاء عليهنَّ العدَّة بالحيض والعدَّة بالحيضض ثلاث حيض، فإن كن قد آيسن من المحيض فثلاثة أشهر ولا بأس أن تبلغ المرأة ستين سنة وهو الإياس من المحيض على ما وجدناه في الأثر من قول أهل البصرة واختلفوا في الخمسين. وقال من قال: بحد الإياس. وقال من قال: لا إياس ونحن نأخذ بقول من قال: ستين سنة فإذا آيست المرأة من الحيض فعدَّتُها بالشهور ثلاثة أشهر. وقال من قال: إذا جاءها الدم وقد آيست من المحيض فتلك تغسَّل وتصلي وتجمع الصلاتين بمنزلة المستحاضة حتى ينقطع الدم، وأمَّا التي تبلغ من النِّساء ولا تحيض، فقد قيل: عدَّتُها سنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدَّة فإذا انقضت السنة حلت للأزواج وإذا طلَّق الرجل زوجته فأنت بحمل أو ولد لحقه ذلك إلى سنين/500/ ما لم تتزوج، وإذا حاضت المطلَّقة حيضة أو حيضتين فلا تنقضي عدَّتها حتى تنقضي ثلاث حيض، فإذا انقطع عنها الدم بعد أن حاضت حيضتين، فهي بعد في (6/346)
صفحة 2622
العدَّة حتى تحيض الثالثة، فإذا حاضت الثالثة حلت للأزواج، وإن لم تحض الثالثة فهي بعد في العدَّة إلى أن تيأس من المحيض، فإن آيست من المحيض من قبل أن تحيض الثالثة اعتدت بالشهور، فإذا اعتدت ثلاثة أشهر فقدخلت عدَّتُها وقد حلت للأزواج، وإن حاضت المرأة في شهر رمضان وطهرت ولم يراجعها الدم ثم صيامها، فإن راجعها الدم في أيام حيضها فسد عليها ما صامت في أيام حيضها.
صيام القضاء:
وإذا أفطرت المرأة في شهر رمضان وعليها منه أيام لزمها صيامهنَّ فيستحبُّ لها التَّعجيل مخافة الحدث وليس عليها في ذلك حد وتقضي متى ما يسر الله ولا تتركه حتى يدخل شهر رمضان الثاني، فإذا أخذت في القضى فلا تقضي أيامها إلا متتابعة، فإن انقطع عنها الدم فإذا طهرت ألحقت ما بقي عليه، فإن أفطرت من بعدما طهرت فسد عليها صيام ما قضت وتستقبل أيامها كلها، وإذا أصبحت صائمة في شهر رمضان وآتاها الحيض في ذلك اليوم فلا بأس عليها إن أكملت في بقية ذلك اليوم، وأمَّا اليوم الذي تظهر فيه من حيضها وتغسّل فيه وتصلي ويستحبُّ لها أن تمسك فيه عن الأكل، فإن أكلت فلا بأس عليها والإمساك أحبُّ إلينا، وإذا طلَّقت المرأة وحاضت ثلاث حيض كل حيضة أقل من ثلاثة أيام فلا/501/ تنقضي عدتها حتى تحيض ثلاث حيض كوامل، وإذا طلَّقها زوجها وهي حامل؟ فقال من قال: إنَّ تلك الحيضة لا تحسبها من حيضها وعليها ثلاث حيض من غيرها. وإذا طلَّقت المرأة وهي حائض فأسقطت سقطاً فتتبين منه جارحة؟ فقد قيل: تنقضي به العدَّة وإن طرحت منه لحمه لا تستبين به جارحة. فقد قال من قال: لا تنقضي به العدَّة ولا يدركها زوجها ولا تزوَّج حتى تحيض ثلاث حيض ولعلَّ في بعض القول إذا دام بها الدم في ذلك السقط ثلاثة أيام جعلته حيضة وحيضتين من بعده وانقضت عدَّتُها، وإن كان حيض المرأة يومين عادة لها من أول ما حاضت أو يوم من أول ما حاضت تعرف نفسها بذلك إلى أن تزوَّجت ثم طلَّقت، فإن حاضت حيضها هذا الذي هو يوم أو (6/347)
صفحة 2623
يومان الذي هي عادة لها قبل أن تنقضي ثلاثة أشهر فلا تنقضي عدَّتها حتى تمضي ثلاثة أشهر، وإن مضت ثلاثة أشهر قبل أن تحيض حيضها هذا ثلاث حيض على عادتها لم تنقض عدَّتُها حتى تحيض حيضاتها هؤلاء.
مدَّة الإسقاط:
وإذا أسقطت المرأة قعدت في سقطها إن دام بها الدم كما تقعد في نفاسها ولا يقربها زوجها حتى تنقضي أيام عدتها من نفاسها، وإن انقطع الدم عن النفساء في أيام نفاسها وطهرت طهراً بيناً اغتسلت وصلت ويؤمر زوجها أن لا يطأها حتى تنقضي عدَّتها، فإن/502/وطئها من بعد ما طهرت غسلت وصلت ووطئها زوجها وهي طاهر في بقية أيامها بجهالة فقالوا: قد أساء ولا تحرم عليه، وكذلك الحائض إذا طهرت في أيامها فعجل زوجها فوطئها وهي طاهر بعد غسلها وصلاتها في بقية أيامها بحالة منه فقالوا: قد أساء ولا تفسد عليه ولا يرجع إلى ذلك، وإذا صلت المرأة عشراً من بعد طهرها من حيضها، وكمال عدَّتها منه وكل دم جاء من بعد العشر التي تصلي فيهنَّ فهو حيض وبه نأخذ.
وقال من قال: غير هذا إنَّ طهرها خمسة عشر يوماً، ونحن نأخذ بقول من قال: عشر وإذا طلقت الصبية التي لم تحض فعدَّتُها ثلاثة أشهر ولو أنَّها اعتدت ثلاثة أشهر فأدركها الحيض في آخر يو من الثلاثة أشهر رجعت إلى عدَّة الحيض فاعتدت ثلاث حيض، وعدَّةُ الأمة التي يطأها سيدها ثم يموت وهي حامل منه فعليها من عدَّة المميتة أبعد الأجلين وتعتق بولدها إذا وضعته حياً، وإذا دبر السيد أمته إلى أن يموت ثم هي حرة فكل ولد ولدته في تدبيرها، فهو مملوك، وقالوا: ولو مات سيدها وهي في ميلادها أو خرج بعض الولد في حياته إلا جارحة منه لم تخرج ثم خرجت بعد موته، فهو حر ولو ولدته قبل أن تخرج روح سيدها، فهو مملوك ولو ولدت واحداً في حياته وآخر بعد وفاته كان الذي ولدته في حياته مملوكاً والذي ولدته ولدته بعد وفاته حراً، وإذا ادَّعت المرأة على زوجها أنَّه وطئها في الحيض متعمداً بعد أن علم أنَّها حائض وبعد أن علمته أنَّها حائض، والوطء أن يطأها (6/348)
صفحة 2624
حتى تغيب الحشفة ويلتقي الختانان، فإذا علمت منه ذلك وأنكرها هو وارتفعا إلى الحاكم فادَّعت مع/503/ الحاكم أنَّه وطأها في الحيض متعمداً سأله الحاكم عن قولها، فإن أقرَّ بذلك فرق بينهما، وإن أنكر حلف لها ما وطئها في حيضها (1).
قال أبو علي الحسن بن أحمد يحلف بالله ما وطئها بفرجه في الحيض متعمداً (2)، وإن حلف قال لها الحاكم إن كنت صادقة فافتدي منه بصداقك الذي عليه إن قبل فديتك وخلي سبيلك واخرجي، وإن لم يقبل فديَّتك فجاهد به على نفسك ويأمرها بتقوى الله عزَّ وجل (3).
قال أبو علي الحسن بن أحمد: وإنَّما لها أن تمنعه نفسها وتجاهد بالغلبة وليس له قتله، وأمَّا إن أراد وطئها في الحيض متعمداً فلها أن تجاهده على نفسها وتقتله على ذلك إذا لم تقدر عليه إلا بذلك فيحال الواطئ والله أعلم.
وإنَّ المرأة كتمته حيضها حتى وطئها ولم يشعر هو أنَّها حائض ولا علم بالدم فالفساد عليها هي وحدها، وإن أرادت التوبة إلى الله فلتفتدي منه بصداقها وتعلمه يكتمانها، فإن صدَّقها وسرَّحها وقيل: فديَّتها فسبيل ذلك، وإن لم يصدِّقها ولم يقبل فديَّتُها فتستغفر ربها وتتوب إلى الله تعالى من ذنبها ولا تمنع زوجها من نفسها إذا لم يعلم هو كعلمها./504/
معالجة المرأة زوجها إذا حرمت عليه:
وكذلك إذا وطئها في دبرها متعمِّداً ثم أنكرها ذلك فسبيلها في الحكم كما وصفنا في الحيض، وأمَّا إذا وطئها ثم أنكرها الطلاق وأراد وطئها حراماً وهي صادقة فلتفتدي منه بكل ما ملكت بعد أن تحلفه، فإن قبل فديتها وسرَّحها فسبيل ذلك وفديتها عليه حرام إذا كانت صادقة، وإن أراد نفسها أن يطأها حراماً جاهدته حتى تقتله أو يقتلها وذلك إذا أراد نفسها أن يطأها وتحتجَّ عليه قبل ذلك وتقول له إن أردت وطئ حرماً فقد أجاز
__________
(1) في أ، ب: قال غيره.
(2) في أ، ب: رجع.
(3) في أ، ب: قال غيره. (6/349)
صفحة 2625
المسلمون إلى أن أجاهدك عن نفسي وأقتلك وإنَّما تقتله إذا غلبها في الجماع ما دام في جماعها أن تقتله إذا لم تقدر تمنعه إلا بالقتل، وإن اعتزل عنها فلا تقتله، وكذلك إن كان في جهادها قبل الجماع فتجاهده على نفسها ولا تقتله، ولا تعمد لقتله، فإن قتلته في جهادها عن نفسها قبل أن يطأها بعد الحجَّة عليه فدمه هدرٌ، وأمَّا إذا صار منها في موضع الجماع فجائز لها أن تدفعه عن نفسها بقتل وغيره، فإن تحوَّل عنها فلا تقتله لعلَّه تاب، وكذلك لا تقتله غيلة ولا تسمه وهذا القتل على ما وصفنا بعد الحجَّة يسعها فيما بينها وبين الله، وأمَّا إن صحَّ عليها في حكم الدنيا إنَّها قد قتله أخذت به إذا لم يصحَّ ظلمه إذا ارتفع ذلك إلى الحاكم، فإن صحَّ أنَّه أراد نفسها الجبر فتقتله على ذلك فدمه هدر، كذلك الباغي إذا قتل على بغيه بعد الحجَّة فقتاله قتال الدفع ليكف ظلمه عن النَّاس ولا يتعمَّد لقتله، فإن قتل في ذلك القتال بعد الحجَّة عليه فدمه هدر وتبعة على قاتله./505/
ومن غيره: قال الحسن بن أحمد هذا معي إذا كان بعد ثلاث تطليقات والله أعلم./506/
كذب المرأة على زوجها:
رجع: وأمَّا المرأة إذا عودت تكذب زوجها في حيضها، فإذا أراد وطئها فقالت: إنَّها حائض وليس هي بحائض وقد جربها بذلك حتى إذا عرف ذلك عادة منها أتاها في وقت أراد وطئها فقالت: إنَّها حائض ومنعته نفسها وكذبها على ما عوَّدها من معرفته بكذبها فلمَّا واقعها وجدها حائضاً.
فقال من قال من الفقهاء: إن نزع من حينما علم بالحيض فلا فساد عليه إذا عوَّدت تكذبه، وإن أمضى الوطئ بعد علمه فسدت عليه.
ومن نسي واقع في الحيض:
وقال من قال من الفقهاء: إن عوَّدت تكذبه فقد صدَّقته ولا عذر له، وأمَّا التي يطأها زوجها في وقت حيضها وهي ناسية حيضها وهو ناس حيضها حتى قام عنها بالنسيان فلا فساد عليهما إنَّما الفساد على العمد، كذلك الذي يطأها وهي ناعسة ولا يعلم بحيضها (6/350)
صفحة 2626
ولا تعلم هي إلا بعدما استيقضات فلا فساد عليهما إنَّما الفساد على العمد، كذلك عرفنا في الوطء في الحيض.
ويروى عن النبي (ص) أنَّه قال: «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه من قول وما حدَّثوا به أنفسهم من فعل»، فالنَّاسي معذور حتى يذكر ما نسيه، فإذا ذكر ما نسيه كان عليه أداؤه إلى أهله إن كان من أموال النَّاس وأمَّا من فرائض الله التي فرضها عليه، فإن مات على نسيانه وهو صادق في توبته رجى له من الله رحمة أن يخلصه من الذي عليه أنَّه لو ذكره لتخلص منه والله بعباده/507/ رؤوف رحيم الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلِّم تسليماً.
وسألت أبا الحسن محمد بن الحسن -رحمه الله- عن المرأة التي رأت الدم في أول حيضة يومين ثم انقطع عنها الدم طهرت مثل ما رأت الدم ثم راجعها الدم اليوم الرابع أو الثالث، إن كانت رأت الدم يومين، أيكون هذا الدم من أيام حيضها؟ قال: إذا لم يكن الطهر أكثر من الدم، فهذا حيض محسوب وتعتدُّ به.
قلت له: وكذلك إذا كان لها أيام قد عرفتها فرأت الدم في أيام حيضها يومين ثم انقطع عنها يومين، ثم جاءها يوم ثالث أيكون الأول دم حيض؟ قال: نعم. قال: وإن كان الطهر ثلاثة أيام وكان الدم يومين في أيام حيضها فذلك ليس بحيض. قال: وإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها أقل من ثلاثة أيام ثم ترى دماً في الرحم أو صفرة مكمنة في الرحم أو يبوسة أو شيء ممَّا يكون في أيام الحيض فذلك لا يكون حيضاً، حتى ترى الدم السائل والقاطر والصفرة التي تظهر مثل الدم الظاهر والحمرة والكدرة الظاهرة ثلاثة أيام من بعدما رأت دماً سائلاً أيام فهو حيض من اليبوس أو الدم المكمن في الرحم والصفرة التي في الرحم وكل شيء ما لم ترى الطهر البين. قال: وهذا على قول من يقول: أقلُّ الحيض ثلاثة أيام.
أقل النِّفاس: (6/351)
صفحة 2627
وقال من قال: لو رأت الدم يوماً واحداً لكان ما بقي من ذلك وهو حيضها ولو كانت طاهرة وهو محسوب من أيام حيضها/508/ وقالوا: نحن نأخذ بالقول الأول ولا يُخطأ من فعل ذلك. وقال من قال: ليس النفاس أقل وهو على ما طهرت عليه المرأة أول مرة. وقال من قال: أقلُّه أسبوعين. وقال من قال: أقلُّ النِّفاس ساعة واحدة. وقال من قال: إذا كان دم المرأة في ميلاد تليه أكثر من طهرها التي طهرت فيه ولم يكن الطهر الذي رأته بعد الأيام أكثر من الدم حتى راجعها الدم، فإن كان هذا الدم من النِّفاس ما لم يتعدَّى في ذلك أربعين يوماً. وقال من قال: إذا جاءها الدم على طهر أقل من عشرة أيام وذلك في الأربعين مذ ولدت فذلك دم نفاس. وقال من قال: إذا جاءها الدم على طهر أقل من عشرة أيام وذلك في الأربعين مذ ولدت فذلك دم نفاس. وقال من قال: كلُّ ذلك على كل حال دم استحاضة إلا أن تكون فقدت من بعد الطهر من الدم عشرة أيام فيكون ذلك دم حيض. وقال من قال: أقل ما يكون عشرين يوماً، فإذا طهرت المرأة على عشرين يوماً في أول ولد فذلك وقتها فإذا رأت الدم بعد عشرة أيام فذلك دم حيض، وإذا رأته قبل عشرة أيام فذلك دم استحاضة إلى عشرة أيان، فإن دام بها الدم على ذلك الذي آتاها الوقت الذي أتاها عليه بثلاثة مواليد صار ذلك نفاسها واعتدت به وتركت العشرين وكان ذلك الطهر الذي يأتيها في حال ذلك طهراً في أيام نفاسها./509/ وقال من قال: لا ترجع إليه حتى يستمرَّ بها الدم ولا تر فيه طُهراً ثلاثة مواليد حين ذلك تجده نفاسها./510/
فيمن يطأ امرأته في الحيض والدبر: (6/352)
صفحة 2628
(1) بسم الله الرحمن الرحيم: سألت أبا الحسن عن رجل جامع امرأته وهي في نيَّته لا يبالي أجامعها في القبل أو الدبر على هذه النية، ولم يعلم أنَّه يجامع في الدبر فوطئ على هذه النيَّة وهو لا يتعمَّد حتى أهدي ذكره إلى امرأته أنَّه يجامع في الدبر فجامع امرأته على هذا، هل تحرم عليه امرأته قال: لا تحرم عليه امرأته حتى يتعمَّد في حين مجامعتها أنَّه يُجامعها في الدبر عامداً لا يريد غير ذلك فهناك تفسد عليه امرأته.
قلت له: وكذلك لو جامعها ونيَّته إنَّه لا يبالي ولو جامعها في الحيض غير أنَّه لم يعلم أنَّها حائض فجامعها على هذه النيَّة وهو لا يبالي كانت طاهرة أو حائضاً فوافق حيضها فوطئها على ذلك، أتفسد عليه امرأته؟ قال: لا. حتى يتعمَّد لوطئها في الحيض بعد علمه بالحيض أو بأنَّها حائض ويطأها بعد ذلك.
قلت له: فإن وطئها وهو لا يعلم أنَّها حائض فلمَّا فرغ من وطئها، فإذا بها الدم، قال لها: ما هذا؟ قالت: إنِّي تعمَّدت لذلك، وقد رأى الدم صحيحاً غير أنَّه هو لا يعلم ما يلزمه في ذلك؟ قال: ليس في ذلك ولو قالت تعمَّدت لذلك.
قال له قائل: فما يلزمها هي في ذلك؟ قال: تفتدي منه بصداقها إن قبل فديتها./511/
ومن غيره: عرفت أنَّ المرأة الحائض إذا وطئها زوجها وهي حائض وهو لا يعلم بذلك إنَّه لا حجَّة عليه لها بادِّعائها ذلك، وإنَّما هي فأحب أن تعلمه وتسأله الفدية وتفتدي منه بما عليه له، فإن قبل فديتها كان ذلك أحبُّ إلي ولها، وإن لم يقبل فديتها فقد قال من قال: في مثل هذا إنَّها يسعها المقام معه ويسعها منه ما يسعه منها وذلك أحبُّ إلي. وقال من قال: إنَّها آثمة ولا إثم عليه هو. وقال من قال: ترجو أنَّها يسعها منه ما يسعه منها. وقال من قال: إنَّها معذورة بالتوبة وتستحب لها أن تفتدي منه ومعي أنَّه قد قيل: ليس عليه فدية./512/
مسائل في الحيض والنِّفاس:
__________
(1) لا يوجد في أ، ب فاصل بين الباب السابق وهذا الباب. (6/353)
صفحة 2629
رجع: وقال من قال: في التي تطهر من حيضها وهي بموضع لا تجد الماء فتيممت بالصَّعيد، فإنَّ لزوجها أن يطأها.
قلت له: فإن لم تتيمم بالصَّعيد وجهلت التيمم ووطئها على ذلك؟ قال: أراه قد وطئ حائضاً.
وسألت أبا الحسن عن المرأة إذا ولدت ولم تر دماً إلا صفرة أو كدرة أو ما دون الطهر، هل يكون ذلك كلُّه نفاساً ما لم تر الطهر البين؟ قال: هكذا عندي إنَّ ذلك نفاس ما لم تر طهراً فهي نفساء، وعن امرأة جاءتها دفعة من دم فتوضئت فيها ولم تغتسل، فقد قالوا: إذا فاض الدم من الفرج وقطر وجب الغسل، وإن لم تفعل ذلك وجهلت اغتسلت وأعادت ما صلت ولا كفارة عليها.
قال أبو الحسن: في التي تحيض أول حيضة أقل من عشرة أيام فتطه وتترك الغسل والصلاة بعد أن طهرت إلى العشر، لأنَّها سمعت أنَّ الحيض عشرة أيام فظنت بأنَّها ليس عليها أن تصلي إلى عشرة أيام ويكون ذلك دأبها في أيام حيضها تترك أياماً إلى تمام العشر أنَّ عليها البدل في صلاتها وليس عليها كفارة إذا ظنَّت أنَّ ذلك جائز لها، وكذلك المرأة إذا طهرت من نفاسها على أقل من أربعين فتركت الصلاة وهي طاهرة إلى تمام الأربعين، لأنَّها نظن أنَّ ذلك لها، وإنَّ عليه في ذلك البدل وليس عليها كفارة ولو تركت ذلك مواليد على ذلك، وكذلك في الحيض. وقال: لا يسعها جهل الصلاة ولا الغسل من الحيض، وإنَّما يلزمها إذا ظنَّنت أنَّ ذلك جائز لها./513/
ومن غيره: وعن امرأة اغتسلت من الحيض على بئر ثم وطئها زوجها، وإذا كانت البير نجسة ولم تعلم هي؟ فعلى ما وصفت فقد يوجد في الكتب عن محمد بن محبوب -رحمه الله- إنَّها لا تفسد عليه امرأته وقال: أخاف أنَّها تفسد عليه ولم يصحَّ معنى ذلك، وأمَّا الذي أخذ به، فهذا من الغلط ولا تفسد عليه امرأته إلا أن تغتسل بالماء النجس وهي عالمة (6/354)
صفحة 2630
بنجاسة الماء ثم يطأها زوجها فهذه بمنزلة الحائض ولو لم تطهر وبهذا القول نأخذ والله أعلم بالصواب.
وعن غيره (1): عن أبي الحسن بن أحمد-رحمه الله- حتى تعلم هي بنجاسة الماء ويعلم هو أيضاً فحينئذ تفسد عليه، لأنَّ الفساد إنَّما يقع عليه فيها بتعمُّده هو لا بتعمُّدها هي، ويعجبني الأخذ بهذا والله أعلم./514/
مسائل في الوطء في الحيض:
رجع: ومن نسخة أخرى وعن رجل جامع امرأته في أول الليل على أنَّها طاهر ثم مثت الخرقة ذلك الوقت فلمَّا كان آخر الليل رجع جامعها ولم يعلم أنَّ فيها دماً فاستبان له أنَّه وطئها في آخر الليل وقد جاءها الدم الذي في الخرقة ولم يتعمَّد هو لوطئ الحيض ولا علم منه بالدم أو على علم من المرأة، ووجدت في امرأة أتاها الدم يوم عاشر من طهرها دفعة ثم لم تر غير ذلك فهذه قد لزمها الغسل، فإن لم تغسل وتوضئت ووطئها زوجها لم تفسد عليه إذا كانت قد غسَّلت من طهرها من الحيض الأول وينظر في ذلك. تم الباب من كتاب أبي جابر.
ومن غيره (2): وسئل عن المرأة إذا علمت زوجها أنَّها حائض وكابرها على الوطء في الحيض فوطئها عليه، هل تفسد عليه؟ قال: هكذا عندي.
وقلت: هل يفسد هو عليها؟ قال معي: إنَّه لا يفسد عليها إذا جاهدته وإنَّما وطئها غلبته، وكذلك كان الشيخ أبو الحسن يقول في مثل هذا.
وعن السكران إذا وطئ زوجته ولم يكن يعقل، فذلك عندي لا يكون مثل الطلاق لأنَّه جاء في الحيض من الأقاويل والاختلاف غير ما جاء في الطَّلاق، والأصل في الحيض أنَّه لا فساد عليه حتى يطأها في الحيض متعمِّداً، والله أعلم.
__________
(1) في أ، قال غيره.
(2) في أ، ب زيادة: وجدت في امرأة أتاها الدم يوم عاشر من طهرها دفعة ثم لم تر غير ذلك، فهذه قد لزمها الغسل، فإذا لم تغسل وتوضئت ووطئها زوجها لم تفسد عليه إذا كانت قد غسلت من الحيض الأول وينظر في ذلك. (6/355)
صفحة 2631
قال أبو سعيد: قد قيل: هذا أنَّها لا تفسد عليه هو وقيل: إنَّها تفسد عليه؛ لأنَّه مأخوذ بجناياته وهذه فروج والأخذ بالثقة فيها أولى./515/
مسائل في غسل الحيض والجنابة:
ومن غيره: قيل له: وهل في الإجماع من المسلمين أنَّ على المرأة أن تدخل يدها في الفرج ما استطاعت لمبالغة غسل الخيض أم في ذلك اختلاف؟ قال: لا يقع لي ذلك مجمع عليه، وأحسب أنَّ في ذلك اختلافاً على ما قيل، والذي أدركنا عليه أصحابنا أنَّ عليه أن تدخل يدها، وإذا جاء الاختلاف فواسع لها الاختلاف إلا أنَّه يعجبني أن تدخل يدها، وإذا جاء الاختلاف فواسع لها الاختلاف إلا أنَّه يعجبني أن تدخل يدها في الحيض، والجنابة عندي أشدُّ من الحيض وسألته عن امرأة كانت تدخل يدها في الفرج لغسل الحيض وتغسل من فوق الفرج، وكان الزوج يجامعها ولا يعلم بذلك وهي تظن أنَّه ليس عليها غسلة من والج الفرج، ثم عرفت الوجه في ذلك، هل عليها فدية، قال: إن افتدت فحسن عندي لتأخذ بالوثيقة.
قلت له: فإن لم تفتد وتابت، هل يسعها الإقامة عنده؟ قال: عندي إذا تابت ولم يعلم الزوج بفعلها فأرجو أن لا يضيق عليها إن شاء الله، إذا تابت وإنَّما العمد من الزوج وليس فعل المرأة كفعل الزوج، والله أعلم.
ومن غيره: قلت له: فالغسل من الاستحاضة ليس هو من السنة اللازمة؟ قال: لا أعلم أنَّه من المجتمع على وجوبه.
قلت له: فإن وطئ امرأته وهي مستحاضة من غير أن يغسل بالماء أو تتيمم بالصَّعيد، أتكون امرأته ولا بأس عليهما؟ قال: نعم. قال: يروى عن النَّبي (ص) قول أنَّ أحدهما أنَّه قال: إنَّها تستنقي وتصلي وتجمع الصلاتين واحدهما أنَّه أمرها أن تغسل وتجمع الصلاتين فأخذ أكثر النَّاس في ظاهر الأمر استحاضة وهو حسن ولا نأمر بغيره، فإن فعلت ولم (6/356)
صفحة 2632
تغسل وصلت فلا نعلم أنَّ أحداً ألزمها الكفارة من أصحابنا. واختلفوا في البدل فألزمها بعض البدل وبعض لم ير عليها البدل/516/ إذا استنجت وتوضئت وصلت.
ومن غيره: سألنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسن عن بكر تزوَّجها رجل كان إذا جامعها وارث الغسل توضئت كما يتوضئ المصلي للصَّلاة ولم تولج الأصبع في الفرج؟ قال في ذلك اختلاف.
أمَّا أبو القاسم-رحمه الله- فكان يرهُ كالحيض إذا لم تولج وتنضف منه، وكان يرى فيه البدل والكفارة، وأرجو أنَّه قيل عنه أنَّها تفسد على زوجها وأظنُّ أنِّي أنا كنت عرفت ذلك عنه أيضاً، وأمَّا غيره فلم ير ذلك ولعلَّه يوجب عليه البدل بلا كفارة ولا فساد على نحو هذا أيضاً يوجد عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بركة فينظر في ذلك إن شاء الله.
مسألة في الطَّلاق:
وحفظ محمد بن جعفر عن محمد عن موسى بن علي أنَّ من طلَّق زوجته ثم شكَّ فلم يدر تحرُّك بذلك الطلاق لسانه أو لم يتحرَّك به لسانه، فقال: قال أبو علي: -رحمه الله- لا يلزمه ذلك الطلاق حتى يعلم يقنا أنَّ لسانه تحرك بالطَّلاق، وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي -رحمه الله- أنَّ من طلَّق زوجته بعض الطَّلاق ثم نظر إلى فرجها ومسَّه بيده قبل أن يردَّها ثم ردَّها من بعد إنَّها حلال ولا يفسدها ويستر ذلك عن الجهَّال.
وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي/517/ -رحمه الله- أنَّ من تبارى هو وامرأته وهي امرأته أنَّه خلع ولا يتوارثان والصداق عليه ولا يبرئ منه إذا أبرأته في المرض.
ومن غيره: وعن موسى بن علي-رحمه الله- إنَّ البرآن في مرض المرأة تطليقة ويتوارثان ولا ير برئ من الصداق.
الضحك والقهقهة في الصَّلاة: (6/357)
صفحة 2633
وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي -رحمه الله-: أنَّه من ضحك وقهقهه في صلاته انتقض وضوءه وصلاته، ومن ضحك حتى تكشَّر أسنانه انتقضت صلاته ولا ينتقض وضوءه، ومن ضحك ما دون هذه القهقهة وهو الكشر الذي وصفنا لم ينتقض وضوءه ولا صلاته.
ومن غيره: عن أبي المؤثر: فيما أحسب وقال: إنَّ أبا عبيدة رحمه الله كان في الصَّلاة، فسمع من رجل كلاماً فوجد الضحك أبو عبيدة فأمسك على شفتيه بيده لئلا يتكشَّر وهو الصلاة وذلك أنَّه لما ازدحم النَّاس في مسجد البصرة دفع بعضهم بعضاً. فقال قائل: إن دمنا على هذا وقعنا في البحر أو أوقعنا في الماء. قال: فلمَّا سمع ذلك أبو عبيدة جاءه الضحك فأمسك على شفتيه بيده وهو في الصَّلاة ومضى على صلاته.
سمعت أبا المؤثر يحدث بذلك، فإذا كان على هذا فلو أسفر الوجه وتحرَّك القلب واللحى لم تنتقض صلاته حتى تبدوا أسنانه./518/
متى ينتقض الوضوء:
وحفظ محمد بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي -رحمهما الله- أنَّه من وجد ريحاً تخرج من دبره وهو على وضوءه ثم أشبه عليه ذلك، إنَّهه لا ينتقض ذلك وضوءه حتى يسمع صوتاً أ ويشمَّ ريحاً وإلا فوضوءه تامٌ.
قال محمد بن جعفر حصرها أقرأت المسالات على عمر بن محمد. وقلت له: أخذ عنك هذا؟ قال: نعم./519/
تفسير أكل الأموال بالباطل:
ومن الجامع: وما تفسير ما رخص الله للمؤمنين الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض، فإنَّه لماَّ نزلت: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء] قيل: قالت الأنصار ما بالمدينة مال أعزُّ من الطعام، وكانوا يتحرَّجون أن يأكلوا مع الأعمى الذي لا يبصر موضع الطَّعام، ويتحرَّجون أن يأكلوا مع المريض، يقول لا تستطيع الأكل (6/358)
صفحة 2634
كالصحيح والأعرج يقولون الصحيح يسبقه إلى المكان ولا يستطيع أن يزاحم ويتحرَّجون أن يأكلوا في بيوتهم وأصدقائهم فنزلت هذه الآية {ليس على الأعمى حرجٌ ولا على الأعرج حرجٌ ولا على المريض حرجٌ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم} [النور] إلى آخر القصَّة، وقال: {ليس عليكم جُناحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً} [النور] وذلك أنَّهم كانوا سافروا جعلوا طعامهم في مكان واحد، فإذا غاب أحدهم فليأكل إذا جاء، وقوله تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} [الإسراء] لغيركم {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الشعراء] الميزان بلغة الروم. وقال: {ليس عليكم جُناجٌ أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاعٌ لكم} [النور] قيل: هي الخاتان على طريق النَّاس فيها متاعٌ لكم من البرد والحر.
وقال ابن عباس-رحمه الله-: ترك النَّاس من كتاب الله عزَّ وجل آيات لا يعلمون بها من ذلك {يا أيُّها الذين آمنواليستئذنكم الذين /520/ ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلم منكم ثلاث مرات} [النور] إلى آخر الآية: فإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا يعني كلَّما دخلوا. وقيل: يسلم القليل على الكثير والصغير على الكبير والراكب على الماشي والماشي على القاعد، والماشيان أيُّهما ابتدأ بالسَّلام كان أفضل، وقيل: إذا سلَّم الرجل على الجماعة فردَّ أحدهم فقد أجزء عنهم، وكانوا جماعة فسلَّم أحدهم فقد أجزئ عنهم، وقيل: غير ذلك فهو أحبُّ إلي.
وفي وصيَّة عن النبي (ص) لأنس بن مالك: وسلم على أهلك إذا دخلت إليهم بكثير خير بيتك، ولا تسلم على قوم وهم يصلون ولا على المشرك. فقال: السلام عليك فردَّ وقال: وعليك فإنَّ الله هو السلام والحمد لله ربه العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلَّم تسليماً كثيراً. تم الجامع منبع الخيرات ومعدن البركات، وهو جامع الأحكام تأليف الشيخ العالم الأجل الثقة الأكمل محمد بن جعفر الأزكوي رحمه الله وهو كتاب جليل المقدار عديم من الخلل فيما احتوى عليه من الأنوار يشفي العليل والسقيم من الذنوب الصغار (6/359)
صفحة 2635
والكبار لمن رجع إلى ما به انطوى وصدف عن نفسه الهوى، واستقام على منهاج الحقيقة ولازم الطريقة، إلا أنَّ ناسخه في زمانه مشغول البال ق داشتغل بالدنيا عن أن يلتفت إليه بالكليَّة بالإقبال فيحتاج حينئذ إلى تصحيح من نسخه، وردود ما شذَّ من شردته، وبالله التَّوفيق لما فيه التَّحقيق لأقوم الطريق وناسخه عبيد الله مبارك عبد الله النزوي، لسيده ومولاه وسنده المجلل المعظم محي الدين وقامع المشركين المشافق بالمسلمين سالم بن سلطان الإمام/521/ أحمد بن سعيد بن أحمد البوسعيدي أقام الله بوجوده الدين وجعله عضداً للمسلمين ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على رسول سيدنا محمد النبي وآله وسلِّم تسليما كثيراً. أمين رب العالمين.
وقد وردت في حواشيه كلمات مفسرة عسى الله أن ينفع بها المسلمين وأنا أستغفر الله تعالى من الزيادة والنقصان والغلط والنسيان، إنَّه كريم منَّان رحيم رحمان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان تأريخ إتمامه يوم لأربع ليال خلون من شهر رجب سنة 1223هـ والله أعلم.
فكلُّ مسألة من العلم أفضل من جواهر الأرض والياقوت والذهب إني كنية أهل العلم من أصحابنا إذا وجدهم القارئ من أصحابنا مذكورين بكتبهم ولم يسمعوا بأسمائهم فأبو الشعثاء هو جابر بن زيد، أبو أيوب وائل بن أيوب، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصري، وأبو سفيان هو محبوب الرحيل وأبو عبد الله هو محمد بن محبوب والثقة، وأبو المنذر بشير بن المنذر من حملة العلم ويكنَّى بالشيخ وأبو محمد إذا لم يذكر باسمه هو عبد الله بن محمد بن بركة -صاحب الجامع- وأبو الحواري محمد بن الحواري وأبو معاوية عزان بن الصقر وأبو جابر هو محمد بن جعفر صاحب الجامع وأبو سعيد هو الكدمي- هو محمد بن سعيد، وأبو مالك محمد بن الخضر الصلاتي- وأبو الحسن علي بن محمد البسياني والله أعلم./522/
الصبية إذا مات زوجها: (6/360)
صفحة 2636
مسلمة بن عبيد أنَّ في الصبية إذا مات عنها زوجها فتزوَّجت بغيره في صباها قبل أن تعتدَّ من زوجها الأول عدَّة الوفاة فلمَّا بلغت رضيت بالميت ولم ترض بالآخر إنَّ لها ميراثها منه وعليها عدَّة الوفاة.
قلت له: وكيف تحلف؟ قال: إنَّها نحلف أنِّي قد رضيت زوجي الميت زوجاً.
قلت له: إن رضيت بهما جميعاً في حين بلوغها؟ قال: يقع لي أنَّها إذا رضيت بهما جميعاً في وقت واحد إنَّ النكاح الأول يثبت في ترتيب النكاح وعليهما الصداق إذا كانا قد دخلا بها، وإن لم يدخلا بها أو أحدهما فلا صداق لها على الآخر عندي.
قيل له: إن تزوَّجت في صباها بالآخر بعد انقضاء عدَّتها من الميت، فلمَّا بلغت رضيت بهما جميعاً، هل يثبت نكاحهما ويكون لها ميراثها من الميت وتكون زوجة الآخر؟ قال معي: إنَّه يثبت نكاحهما جميعاً ولو رضيت بهما في وقت واحد ويكون لها الميراث من الميت وتكون زوجة الآخر، لأنَّها تزوَّجت على السنة بعد انقضاء وعدَّة الوفاة من الميت والله أعلم.
اليتيمة إذا مات عنها زوجها:
الشيخ سعيد بن بشير واليتيمة إذا مات عنها زوجها، فإنَّ أهلها يأخذونها بالعدَّة فإن اعتدت جاز لها التَّزويج وحبسوا لها من المال مقدار ميراثها، فإن بلغت ورضيت بالميِّت زوجاً صحَّ لها ميراثها بعد يمينها ولا يضير رضاها بالزواج الأول ولا الزوج الثاني ونكاحه ثابت إن رضيت به، وأمَّا إذا لم تعتد من الأول فلا تتزوَّج، فإن تزوَّجت ولم تعتد ورضيت بالأول زوجاً خفت أن يحرم عليها الثاني والله/523/ أعلم.
ومنه: الذي استحسنه من آثار السلف أنَّ للصبيَّة المزوجة الخيار في رد التزويج وثبوته على كل حال كانت يتيمة كانت أو لها أب ولا يملك الأب إجبارها بعد بلوغها، فكذلك في صباها وهذا أوكد القولين، وإن كان قد قيل: بغيره وخالقنا فيه عامة شيوخنا المتأخرين والذي قلناه أقوى وأرجى ولو ماتت في حبال هذا الزوج لم يكن له ميراث منها وعليه (6/361)
صفحة 2637
الصداق إن كان قد دخل بها وهي بمنزلة اليتيمة وفيه اختلاف كبير بين الأمة وأهل الاستقامة قولي في جميع الأمور قول أهل الحق من الأمة والله أعلم.
تأريخ نسخة أ= 1053هـ.
وكان الفراغ من نسخه عصر الإثنين لثلاث عشر ليلة خلت من شهر الحج الحرام المندرج في سنة ثلاث وخمسين سنة من ألف سنة لهجرة سيدنا محمد النبي (ص) وعلى آله وصحبه وسلم.
وأمَّا نسخة ب ففيها نقص من آخرها ولم يظهر تأريخ النسخ ومسائل قبل ذلك. والله أعلم./524/
كشاف الآيات
الآية ... الصفحة
الألف:
أحلت لكم بهيمة الأنعام ................................................................ 76، 89
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنَّصارى .......................................................... 88
إلا ما يتلى عليكم ........................................................................... 89
أحل الله لكم صيد البحر وطعامه ............................................................ 106
أحل الله لكم الصيبات وما علَّمتم من الجوارح ................................................. 106 (6/362)
صفحة 2638
إنَّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ...................................................... 118
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ............................................................ 141
أسكنوهنَّ من حيث سكنتم من وجدتم ................................. 272، 283، 445، 450
آيتك ألاَّ تُكلِّم النَّاس ثلاث ليالٍ سويا ........................................................ 292
إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ............................................. 348
إن ارتبتم فعدَّتُهنَّ ثلاثة أشهر ......................................................... 431، 473
إنَّ المنافقين في الدرك الأسفل ................................................................ 237
إذ قيل تمتعوا حتى حين ..................................................................... 282
الحاء:
حرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ......................................... 76/ 525/
حرِّمت عليكم أمَّهاتكم وبناتكم وأخواتكم ................................................... 160 (6/363)
صفحة 2639
حولين كاملين لمن أراد أن يتمَّ الرضاعة ........................................................ 256
الزاي:
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ............................................................ 152
الطاء:
الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ....................................................... 270، 271
الفاء:
فلا اقتحم العقبة ............................................................................. 07
وفدينه بذبح عظيم ........................................................................... 78
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .................................................................. 88
فمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج .................................................................... 88
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك .......................................................... 103 (6/364)
صفحة 2640
فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء مثنى وثلاث ......................................... 141، 235
فخذ أربعة من الطير فصرهنَّ إليك ........................................................... 166
فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما ............................................................. 257
فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ....................................................... 294
فلا تأخذوا منه شيئًا ........................................................................ 384
فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ..................................................... 373
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ........................................... 381/ 526/
القاف:
قل إنَّ صلاتي ونسكي وحياي ومماتي ........................................................ 103
قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً ............................................................. 109
اللام
لكلِّ أمَّة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ............................................................ 79 (6/365)
صفحة 2641
للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر .................................................... 367
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ................................................. 520
ليس عليكم جناحٌ أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً .................................................. 520
ليس عليكم جناحٌ أن تدخلوا بيوتاً غير ....................................................... 520
لم تحرم ما أحلَّ الله لك، قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ........................................ 373
الواو:
ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه ................................................................ 41
وما لكم ألا تأكلوا ممَّا ذكر اسم الله عليه ....................................................... 76
ولا تأكلوا ممَّا لميذكر اسم الله عليه ........................................................... 79
وإذا حللتم فاصطادوا ....................................................................... 106
وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي .......................................................... 142 (6/366)
صفحة 2642
وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا .................................................. 142
ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات ............................................... 142
ولا جُناح عليكم فيما تراضيتم ....................................................... 149/ 527/
وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره .......................................................... 215
واللاتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنَّ ............................................................. 221
وأن تجمعوا بين الأختين ..................................................................... 236
وجعلنا الليل لباساً .................................................................... 160
ولا جُناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النِّساء ............................................. 231
وأمَّهاتكم اللاتي أرضعنكم .................................................................. 256
وإن أردتم استبدل زوجٍ مكان زوج ............................................................ 270
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ................................................. 270 (6/367)
صفحة 2643
وبعولتهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ في ................................................................... 270
وألات الأحمال أجلهنَّ ...................................................................... 274
ولتعلمنَّ نبأه بعد حين ...................................................................... 283
وإن كنَّ أولات حمل فأنفقوا عليهنَّ .................................................... 284، 450
ومن يولهم يومئذ دبره ....................................................................... 285
وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ................................................... 338
وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم .................................................... 345
ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا ممَّا آتيتموهنَّ شيئًا .................................................... 346
وللمطلَّقات متاعٌ بالمعروف حقاً على المتَّقين ................................................... 365
ولا يأتلُ أولي الفضل منكم .................................................................. 374
ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان فكفَّارته ..................................................... 376 (6/368)
صفحة 2644
والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ................................................. 381
والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ لهنَّ .................................... 416/ 528/
والذين يتوفَّون منكم ويذرون أزوجاً يتربَّصن بأنفسهنَّ .......................................... 416
وسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا .................................................... 451
ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله ................................ 494
وأوفوا الكيل إذا كلتم ....................................................................... 520
وزنوا بالقسطاس ........................................................................... 520
الميم:
من قبل أن يتماسَّا ......................................................................... 392
اللام:
لا يحلُّ لك النِّساء من بعد ولا أن تبدَّل بهنَّ ................................................... 142 (6/369)
صفحة 2645
لا تواعدوهنَّ سراً ........................................................................... 230
لا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ولا يخرجن إلا ......................................................... 448
لا جُناح عليكم إن طلَّقتم النِّساء ما لم تمسُّوهنَّ ............................................... 365
الياء:
يا أيها الذين آمنوا ليبلونَّكم الله بشيء من الصيد .............................................. 106
يسألونك عن الخمر والميسر ................................................................. 118
يا أيُّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاة وأنتم سكارى ...................................... 118، 119
يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات .......................................................... 149
يا أيها النبي إذا طلَّقتم النِّساء فطلقوهنَّ لعدتهنَّ ........................................ 271، 450
يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلَّقتموهنَّ من قبل ........................... 416/ 529/
يا أيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ............................................ 520 (6/370)
صفحة 2646
يا أيُّها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت ................................................... 520
يا أيُّها النبي قل لأزواجك إن كنتم تردن الحياة الدنيا ................................... 405/ 530/
كشاف الأحاديث
الحديث ... رقم الصفحة
الألف:
إنَّ ذكاته ذكاة أمه ........................................................................... 90
إذا ذبحتم فاحذروا وإذا قتلم فأحسنوا ......................................................... 106
إن أبا ثعلبة الحبشي قال للنبي (ص) ........................................................... 106
إذا أرسلت كلبك المعلم أو المكلب .................................................... 106، 107
آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ................................................................ 122
إنَّ رجلاً ظاهر من امرأته على عهد النبي (ص) ................................................. 319
إنَّما الأعمال بالنيات ....................................................................... 442 (6/371)
صفحة 2647
التاء:
تزوج الأبكار .............................................................................. 143
الحاء:
حبب إليَّ النساء والطيب وجعلت قرَّة عيني الصلاة ............................................. 145
حديث تحريم مارية ................................................................. 373/ 531/
الخاء:
الخمر ..................................................................................... 120
الفاء:
فمن رغب عن سنَّتي فليس مني .............................................................. 149
القاف:
قال: بكل شعرة من الضحايا حسنة ........................................................... 98
قال لعلي بن أبي طالب حين بعث معه الهدي ................................................. 101
قال: إنَّها تستنقي وتصلي وتجمع الصلاتين .................................................... 516 (6/372)
صفحة 2648
العين:
عفي عن أمتي الخطأ والنسيان ............................................................... 507
الكاف:
كانت العافية والنَّار .......................................................................... 40
كيف وقد قالت ما قالت .................................................................. 262
اللام:
لعن الله عاصرها وبائعها .................................................................... 120
لعن الله المسوفات ................................................................... 136، 184
ليس لله شريك ...................................................................... 32/ 532/
الميم:
من لطم وجه عبده ........................................................................... 41
من أحب يلقى الله طاهراً .................................................................. 143 (6/373)
صفحة 2649
اللاء:
لا يحل لامرأة تبيت ليلة لا تعرض نفسها ..................................................... 136
لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ............................................................. 279
واو:
وسلم على أهلك إذا دخلت إليهم ........................................................... 521
الياء:
يا أيها النَّاس إنَّما الخمر قد حرمت ........................................................... 119
يا رسول الله: إنِّي حي من ربيعه ..................................................... 121/ 533/
كشاف البلدان والمدن
البلد ... رقم الصفحة
الألف:
إزكي ........................................................................................ 63
التاء:
توأم ....................................................................................... 146
الحاء: (6/374)
صفحة 2650
حضر موت ............................................................................ 45، 47
الخاء:
خراسان ................................................................................... 265
الدال:
دماً ....................................................................................... 330
الشين:
الشام ..................................................................................... 120/ 534
العين:
عُمان ..................................................................................... 166
القاف:
قيقا ....................................................................................... 260
الكاف:
الكوفة .................................................................................... 120
الميم: (6/375)
صفحة 2651
مكة .................................................................................. 29، 30
منى ......................................................................................... 88
الهاء:
الهند .............................................................................. 450/ 535/
كشاف الأعلام
العلم
الألف:
أبو جابر: 05، 29، 238، 357، 429، 441، 515
أبو الحواري: 09، 12، 13، 17، 46، 80، 96، 131، 139، 147، 150، 154، 155، 158، 160، 162، 163، 164، 165، 166، 168، 169، 170، 171، 172، 173، 175، 194، 215، 216، 219، 229، 232، 238، 239، 244، 246، 248، 250، 251، 252، 253، 254، 255، 268، 271، 276، 278، 279، 280، 281، 282، 285، 287، 288، 291، 293، 294، 299، 305، 308، 309، 315، 320، 321، 324، 227، 328، 330، 331، 333، 348، 350، 353، 355، 356، 368، 369، 372، 373، 379، 382، 384، 385، 387، 395، 398، 399، 400، 404، 405، 409، 414، 417، 429، 439، 446، 452، 453، 452، 459، 460، 465، 467، 468، 471، 472، 473، 475، 422.
أبو علي: 15، 17، 21، 22، 37، 49، 51، 63، 80، 83/ 536/ (6/376)
صفحة 2652
العلم
89، 92، 100، 102، 111، 120، 121، 121، 123، 129، 139، 157، 159، 165، 172، 173، 175، 179، 182، 214، 223، 228، 229، 231، 232، 233، 238، 239، 275، 294، 302، 304، 308، 314، 318، 320، 322، 330، 331، 333، 335، 338، 342، 362، 377، 304، 330، 331، 333، 335، 338، 342، 362، 377، 403، 410، 421، 425، 432، 442، 447، 448، 461، 464، 470، 504، 517.
أبو جعفر: 15، 232، 266، 396.
أبو الحسن: 18، 94، 116، 160، 168، 195، 199، 200، 201، 202، 360، 507، 511، 513، 515.
أبو حنفية: 22، 256، 486.
ابن أبي ليلى: 22.
أبو عبد الله: 25، 28، 29، 32، 38، 45، 46، 51، 112، 122، 165، 171، 183، 199، 215، 216، 218، 226، 241، 251، 256، 258، 262، 263، 264، 265، 266، 289، 298، 300، 302، 303، 306، 308، 315، 317، 318، 322، 325، 300، 331، 352، 353، 356، 357، 359، 362، 371، 377، 385، 392، 395، 398، 403، 404، 410، 420، 429، 441، 443، 457، 461، 486، 489، 489، 517، 522. ... /537/
العلم
أبو عبد الله مسبح: 57، 58. (6/377)
صفحة 2653
أبو سعيد: 35، 43، 46، 47، 84، 147، 150، 154، 155، 189، 190، 193، 194، 195، 196، 202، 203، 218، 224، 225، 235، 241، 248، 249، 323، 336، 337، 349، 351، 358، 439، 441، 515.
أبو زياد الزينات: 62.
أبو عبيدة: 57، 61، 63، 224، 244، 271، 206، 335، 340، 341، 421، 436، 439، 518، 522.
ابن الأصفر: 192.
أبو سفيان: 340، 341.
أبو المؤثر: 45، 128، 147، 158، 169، 197، 199، 246، 258، 282، 285، 292، 293، 308، 340، 343، 347، 356، 396، 434، 472، 473، 474، 484، 484، 518، 525.
أبو عثمان: 57، 58، 63، 66، 74، 98، 146، 189، 226، 246.
أبو موسى بن علي: 157.
أبو نوح: 58، 61، 67، 224، 335.
أبو الوليد: 63، 117. ... /538/
أبو بكر الموصلي: 64.
أبو زياد: 65، 69، 92، 100، 112، 165، 226، 298، 301، 305، 320، 356.
أبو المهاجر: 72.
ابن المعلا: 72، 192، 239، 336، 349، 350، 411.
أبو محمد: 137، 161، 522.
أبو بكر الصديق: 149. (6/378)
صفحة 2654
ابن مسعود: 149، 256.
ابن مظعون: 149.
أبو صفرة: 150، 465، 489.
ابن المؤرج: 349.
أبو أيوب وائل بن أيوب: 522.
ابن عباس: 41، 101، 121.
أبو معاوية: 46، 84، 94، 107، 197، 226، 227، 230، 334.
ابن عمر: 98، 119، 121، 136. ... /539/
أنس بن مالك: 120، 484، 521.
الأشج: 121.
أبي عبيد الله: 192.
ابن عثمان: 159.
الأزهر بن علي: 307، 318.
أبو حفص: 359.
ابن جعفر: 399.
أبو إبراهيم: 448.
الأزهر بن محمد بن جعفر: 463، 464.
أبو صفرة: 465.
أبو منصور: 471.
أبو يوسف: 486.
أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسن: 517.
أبو القاسم: 517. (6/379)
صفحة 2655
الباء:
بشير: 57، 72، 73، 143، 189، 347، 522. ... /540/
بيشير: 64، 67.
الجيم:
جابر بن زيد: 19، 41، 43، 47، 63، 86، 101، 116، 116، 117، 197، 215، 224، 321، 336، 340، 343، 350، 351، 396، 398، 522.
جعفر بن ميسرة: 136.
جرير: 139.
جابر: 431.
الحاء: حاجب: 70.
حيان الأعرج: 224
الحسن الطريف: 226.
الحسن البصري: 334.
الحسن بن أحمد: 433.
الحسن بن عبد الله: 506، 514. ... /541/
الربيع: 25، 27، 28، 66، 69، 72، 74، 117، 123، 159، 192، 336، 349، 350، 373، 379، 451، 452، 454، 466، 474، 484.
الزاي:
زياد بن وضاح: 164، 384.
السين:
سعيد بن الحكم: 143.
سليمان بن سعيد: 150. (6/380)
صفحة 2656
سليمان بن الحكم: 183، 221، 473.
سالم بن سلطان الإمام: 521.
سعيد بن بشير: 523.
سعيد بن أبي وقاص: 119.
سعدة: 61.
سعيد بن مبشر: 73.
سعيد بن محرز: 399. ... /542/
سليمان بن عثمان: 57، 61، 63، 64، 66، 67، 69، 70، 72، 73، 74، 165، 334.
سلمة بن مسلم بن علي: 229.
سعيد بن المسيب: 432.
الشين:
شريح: 27.
شريح بن يونس: 136.
شبيب: 61.
الصاد:
الصلت بن مالك: 359، 268، 410.
الضاد:
ضمام: 58، 63.
العين:
عبد الله محمد بن بركة: 334، 336، 342.
عمر بن المفضل: 66، 70. (6/381)
صفحة 2657
علي بن عزرة: 64، 160. ... /543/
عبد المقتدر: 65، 356.
عمر بن الخطاب: 119، 120، 121، 149، 170، 192، 261، 274، 431.
عمار بن ياسر: 120.
عمران بن الحصين: 120.
علي بن ثابت: 136.
عزان بن الصقر: 143.
عمر بن محمد: 157.
عبد الله بن جناح: 159.
عزان بن أسيد: 165.
عائشة بنت أبي بكر الصديق: 170، 188.
عطاء: 486.
عمر بن محمد بن موسى بن علي: 517، 518، 519.
عبيد الله بن مبارك: 521.
الغين:
غسان الإمام: 73، 197. ... /544/
الفاء:
الفضل بن الحواري: 184، 224، 362.
القاف:
قتادة: 25، 432.
قتيبة بن درهم: 38، 37.
الميم: (6/382)
صفحة 2658
موسى: 18، 19، 63، 69، 72، 179، 246.
محمد بن محبوب: 35، 37، 44، 45، 57، 61، 62، 63، 64، 67، 84، 86، 92، 111، 136، 157، 163، 164، 165، 166، 169، 179، 194، 197، 198، 205، 230، 237، 239، 268، 296، 297، 301، 304، 312، 315، 321، 327، 330، 340، 353، 364، 379، 391، 399، 400، 425، 436، 456، 467، 473، 475، 475، 482، 489، 514، 522.
محمد بن روح: 35.
محمد بن مخلد: 340.
موسى بن أبي جابر: 57، 63، 66، 67، 69، 72، 73، 74، 86، 146، 352. ... /545/
مسعدة: 61، 63، 70، 74، 146، 338.
موسى بن علي: 61، 64، 67، 69، 73، 131، 132، 136، 139، 146، 155، 157، 163، 164، 166، 184، 231، 248، 268، 285، 290، 301، 303، 304، 307، 311، 320، 321، 340، 343، 352، 364، 427، 459، 460، 472، 483، 518، 522.
محمد بن الحسن: 92، 158، 168، 237، 297، 463، 486.
مسبح: 69، 72، 161.
هاشم الشيخ: 57، 63، 64، 69، 70، 72، 74، 102، 165، 189، 198، 260، 302، 318، 320، 347، 356، 357، 358، 411، 467.
هاشم الخرساني: 61، 65.
محمد بن يوسف: 441.
محمد بن شاذان: 448. (6/383)
صفحة 2659
محمد بن خالد: 443.
محبوب بن الرحيل: 436، 486، 522.
منير: 72، 84. ... /546/
مضر: 121.
محمد بن جعفر: 143، 179، 310، 315، 517، 518، 519.
محمد بن الأزهر: 183، 221، 338.
محبر: 223، 244، 439.
محمد بن إبراهيم السمدي: 244.
محمد بن إبراهيم بن موسى بن علي: 296.
محمد بن عبد الله بن حساس: 347.
مسلم: 431.
مخلد بن أيوب: 436.
النون:
نبهان بن محمد بن محبوب: 150، 293.
نبهان بن عثمان: 315، 396، 454، 468.
نجم بن عزان: 132.
نجدة بن الفضل النخلي: 185.
الواو:
وائل: 228. ... /547/
الوضاح بن عباس: 299.
الوضاح بن عقبة: 160، 183، 221، 338، 392.
الياء: (6/384)
صفحة 2660
يحي بن أبي زمرة:: 117.
يحي بن زكرياء: 63. ... /448/
فهرس الجزئيات
الجزئية ... رقم الصفحة
الباب الأول: في العتق .............................................................. 05
أفضل الرقاب ................................................................................ 05
حكم من قال لغلامه أنت حر ................................................................ 07
من شهد عليه العتق .......................................................................... 10
حكم العبد إذا أعتق بعضه .................................................................... 12
ملكية الرحم المحرم ............................................................................ 12
الحرية بشرط معلق ........................................................................... 15 (6/385)
صفحة 2661
العتق الموقوف على فعل الشيء ................................................................ 17
عتق الجارية الحامل ........................................................................... 17
عتق الحمل بعد الولادة ....................................................................... 18
تدبير العبد .................................................................................. 21
حكم العتق والاستثناء ........................................................................ 23
حكم العبد إذا أعتق نصفه .................................................................... 27
حكم تحرير والد العبد من مال ابنه العبد ....................................................... 29
الولاء لمن أعتق .............................................................................. 30 (6/386)
صفحة 2662
ولاء العبد المشترك ................................................................... 31/ 549/
من كوى عبده بالنار ......................................................................... 40
جزاء من لطم عبده .......................................................................... 41
كيفية الرقبة المعتقة ........................................................................... 48
مسائل من اختلاف الأشياخ .................................................................. 51
ما يقطع الصلاة ............................................................................. 51
مقدار الإطعام في الظهار ..................................................................... 51
مسائل (في السلف، والإيجارة، والإيمان) ....................................................... 54
حكم مس الذكر، والكلب (مسائل في الإيمان) ................................................. 57 (6/387)
صفحة 2663
مسائل: في ميراث الرحم، وقذف الزوجة، والحلف بالطلاق ....................................... 58
مسائل: في الصلاة والطلاق ورمضان والوصيَّة ................................................... 61
الجزئية ... رقم الصفحة
مسائل متعدِّدة في العتق والطلاق والدين ........................................................ 63
مسائل: في الصلاة والنِّكاح والصوم ............................................................ 69
صلاة المنفرد ................................................................................. 70
مسائل متنوعة ............................................................................... 72
حكم سؤر الحيوانات ........................................................................ 74
الباب الثاني: .................................................................... 76
الذبائح والصيد والأشربة ..................................................................... 76 (6/388)
صفحة 2664
المحرمات من الذبائح .......................................................................... 79
من الذي يتولَّى الذبح ........................................................................ 79
التسمية بغير العربية .......................................................................... 80
آلة الذبح .......................................................................... 80/ 550/
ذبائح المجوس ................................................................................ 86
حكم قطع رأس الذبيحة ...................................................................... 87
مسائل في الذبح ............................................................................. 89
صور من الذبح .............................................................................. 96 (6/389)
صفحة 2665
الباب الثالث: الأضاحي ............................................................ 98
صفات الضحية ............................................................................ 100
مسائل في الأكل والنحر .................................................................... 101
كيفية التَّسمية ............................................................................. 104
ذبح الصبي ................................................................................ 105
الباب الرابع: في الصيد ........................................................... 106
ما يحلُّ وما يحرم ............................................................................ 106
صيد المجوس ............................................................................... 111 (6/390)
صفحة 2666
أكل السمك والجراد وما أكل السبع ......................................................... 113
عدد المضحين بالجزور ...................................................................... 116
الباب الخامس: في الأشربة وغيرها ................................................ 118
الجزئية ... رقم الصفحة
ما كان في المدينة من أنواع الخمر ............................................................. 119
كيفية عمل النبيذ .......................................................................... 122
الطلاق المعلَّق .............................................................................. 126
صور من الإيلاء ........................................................................... 129
الولي في الزواج .................................................................... 131/ 551/ (6/391)
صفحة 2667
الباب السادس: فيمن ترك وطء زوجته ........................................... 135
الباب السابع: في النكاح ....................................................... 141
أركان النِّكاح .............................................................................. 145
درجات الأولياء ............................................................................ 147
أذن السيد للعبد ........................................................................... 148
حكم الزواج من الزانية ...................................................................... 152
أثر النظر إلى فرج المرأة ...................................................................... 155
حكم الزواج في العدَّة ....................................................................... 162
حكم الولي في التَّزويج ...................................................................... 166 (6/392)
صفحة 2668
الكفاءة في الزوج ........................................................................... 170
ميراث الزوجة والزواج الصغير ................................................................ 171
موت الصبية من الوطء ..................................................................... 173
مسائل في المس ............................................................................ 176
الوكالة في التزويج ........................................................................... 180
مسائل في الزواج ........................................................................... 184
مسائل من جامع أبي الحسن ................................................................ 187
أثر الزنا بالمحارم ............................................................................. 189 (6/393)
صفحة 2669
مسائل من كتاب ابن الأصفر ...................................................... 194، 195.
مسائل متعدِّدة في الزواج .................................................................... 196
من صيغ الطلاق ........................................................................... 199
مسألة من جماع أبي الحسن .......................................................... 202/ 552/
الجزئية ... رقم الصفحة
صور من العلاقات الزوجية .................................................................. 204
الباب الثامن: ما يرد به النساء ..................................................... 208
أثر الكفاءة ................................................................................ 213
مسائل في الصداق ......................................................................... 214 (6/394)
صفحة 2670
النهي عن نكاح الشغار ..................................................................... 216
مسائل في الطلاق والزواج ................................................................... 218
ولاية التَّأديب .............................................................................. 221
الوكالة في الزواج ............................................................................ 222
مسائل في الطلاق والزواج .................................................................. 224
الباب التاسع فيالمواعدة ......................................................... 228
حكم التعريض بالنِّكاح .................................................................... 228
الخطبة في العدَّة ............................................................................ 230
مسائل في الطلاق والمخالعة ................................................................. 232 (6/395)
صفحة 2671
الزواج بلا شهود ........................................................................... 237
الباب العاشر: ...................................................................... 238
العقر والجمع بين الأختين ................................................................... 238
مسائل في الولي ............................................................................ 241
شروط المسلم على الذمية وكيفية التَّعامل معها ................................................. 243
مسائل في النكاح .......................................................................... 248
الباب الحادي عشر: في الرضاع ............................................. 256/ 553/
مدة الرضاع ................................................................................ 256 (6/396)
صفحة 2672
لبن الفحل ............................................................................... 259
الشهادة على الرضاع ....................................................................... 259
ما يحرم من الرضاع ......................................................................... 261
الباب الثاني عشر: في الطلاق ...................................................... 270
عدة الطلاق للحرة والأمة ................................................................... 271
الجزئية ... رقم الصفحة
مسائل في الطلاق والنفقة والسكن والسني والبدع .............................................. 272
صور من الطلاق ........................................................................... 275
بيع الطلاق ................................................................................ 287 (6/397)
صفحة 2673
صور من الطلاق ........................................................................... 287
نماذج من صيغ الطلاق ..................................................................... 296
طلاق المكره ............................................................................... 305
مسائل مختلفة .............................................................................. 310
الطلاق المعلق .............................................................................. 314
الطلاق قبل الدخول ........................................................................ 340
الحلف بالطلاق ............................................................................ 341
الباب الثالث عشر في الخلع ........................................................ 345 (6/398)
صفحة 2674
صور من المخالعة .......................................................................... 348
صيغ مختلف فيها .......................................................................... 362
جواب في مسألة البرآن ............................................................. 364/ 554/
الباب الرابع عشر: في الإيلاء .................................................... 367
الإيلاء من الأمة ........................................................................... 372
مسائل في الإيلاء .......................................................................... 377
الباب الخامس عشر: في الظهار .................................................. 381
ماهية الرقبة المعتقة .......................................................................... 382
المزج بين الصوم والإطعام .................................................................... 387 (6/399)
صفحة 2675
صيغ الظهار ............................................................................... 394
الباب السادس عشر: في الخيار وما أشبه ذلك ....................................... 402
صيغ التخيير ............................................................................... 402
الباب السابع عشر في المفقود ...................................................... 406 تقسيم أموال المفقود ........................................................................ 408
الباب الثامن عشر: في العدد والرد ................................................... 416
الجزئية ... رقم الصفحة
مسائل في الميراث .......................................................................... 422
مسائل في العدة ............................................................................ 423 (6/400)
صفحة 2676
مسائل في الرجعة ........................................................................... 425
الباب التاسع عشر: ...................................................................
عدة الإماء من السيد والزوج ................................................................ 435 عدة الأمة إذا أراد سيدها بيعها ...................................................... 439/ 555/
الباب العشرون: في الذي يجوز للمطلقات من اللباس والطيب ...................... 444لباس المعتدة والمطلقة ....................................................................... 444 متى يلحق الولد بأبيه من المطلقة ............................................................. 444
الباب الحادي والعشرون: في الحائض والمستحاضة والنفساء ........................ 451
مدة الحيض والنفاس ........................................................................ 451 كيفية صلاة المستحاضة .................................................................... 455
مسائل متعدِّدة في الحيض والنفاس ........................................................... 457 (6/401)
صفحة 2677
معالجة المرأة زوجها إذا حرمت عليه ........................................................... 505
مسائل في الحيض والنفاس ................................................................... 507
مسائل متنوعة ............................................................................. 518
1 - الضحك والقهقهة في الصلاة ...................................................... 518
2 - متى ينتقض الوضوء .............................................................. 519
3 تفسير أكل أموال الناس بالباطل ..................................................... 520
4 - الصبية إذا ماتت زوجة ............................................................ 523
5 - اليتيمة إذا مات عنها زوجها ........................................ 523
الكشافات
كشاف الآيات .............................................. 525
كشاف الأحاديث ..................................................... 531
كشاف البلدان والمدن .............................................. 534/ 556/ (6/402)