صفحة 1
الكتاب: السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان
المؤلف: غير مذكور
تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
تاريخ النشر: 1406هـ - 1986م
الطبعة: الثانية
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
السير الجوابات
لعلماء وأئمّة عمان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
الجزء الأوّل
تحقيق وشرح
الأستاذة الدكتورة:
سيدّة إسماعيل كاشف
أستاذة التاريخ الإسلامي
كلّية البنات – جامعة عين شمس (القاهرة)
الطبعة الثانية
1406ه – 1986م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
السير الجوابات
لعلماء وأئمّة عمان
الجزء الأوّل
تحقيق وشرح
الأستاذة الدكتورة:
سيدّة إسماعيل كاشف
أستاذة التاريخ الإسلامي
كلّية البنات – جامعة عين شمس (القاهرة)
1406ه – 1986م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
بقلم حضرة صاحب المعالي، سمو السيّد: فيصل بن علي بن فيصل، وزير التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان: إنّه لمن دواعي الفخر والاعتزاز، أن تشمل النهضة الحالية في عمان، حركة إحياء التراث العماني، ونشره نشرا علميا. ومخطوط (السير والجوابات لعلماء وأئمّة عمان) الذي نقدّمه للقارئ والباحث العماني، ولقرّاء العالم أجمع، يفصح عن الكثير، من جوانب الحضارة العمانية الإسلامية الزاهرة، كما يثبت ويدوّن تاريخها الإسلامي العظيم. دوّن هذا التاريخ، أئمّة وعلماء عمان، من القرن الأوّل، إلى القرن السادس الهجري (السابع إلى الثاني عشر الميلادي)، وذكروا أنّهم يريدون أن يفيد منها الأعقاب والذرّية، كما أفادوا هم من أسلافهم. (1/3)
صفحة 4
ونحن إذ نقدّم للعالم اليوم، تاريخنا الصحيح، الذي دوّنه أبناء عمان أنفسهم، من خلال السير والجوابات، نحرص أشدّ الحرص على ربط ماضينا العريق، بحاضرنا المتطوّر الناهض، وأن نستمد من تراثنا المجيد، ما يجعلنا ننهض بمسؤوليتا الجسيمة، في عصرنا الحاضر، وفي مستقبلنا الزاهر، إن شاء الله. وإنّنا نسأل المولى –عزّ وجلّ- التقدّم والازدهار، لعمان الحبيب، في ظل حضرة صاحب الجلالة، السلطان قابوس بن سعيد المعظّم –حفظه الله-.
فيصل بن علي بن فيصل – وزارة التراث القومي والثقافة (سلطنة عمان). (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد خاتم الأنبياء، وسيّد المرسلين، وعلى عباده الذين اصطفى.
مقدّمة بقلم الأستاذة الدكتورة سيّدة إسماعيل كاشف
عمان قطر عربي أصيل، له جذور ممتدّة في أعماق التاريخ قبل الإسلام، بآلاف السنين. وازدهرت عمان ازدهارا كبيرا، في ظل الإسلام، وقامت عمان بنشر الإسلام والحضارة الإسلامية، في أجزاء متفرّقة ونائية في المعمورة، بفضل أئمّتها وعلمائها، وتجارتها وعامّة شعبها. وتراث عمان الإسلامي ضخم ووفير ومتنوّع، وهو في مجموعة يعبر عن صفحة مشرقة ناصعة، ومشرقة في تاريخ العروبة والإسلام. وهذه السيّر والجوابات، التي نقوم بنشرها، كتبها أئمّة وعلماء عمانيون وإباضيون، في فترة تبدأ منذ أوائل العصر الإسلامي، أي منذ القرن الأوّل الهجري، إلى القرن السادس الهجري، والسير منسوبة إلى كتّابها، وأحيانا لا تنسب لأحد، لعدم معرفة أسماء كاتبيها (1/5)
صفحة 6
ووجدنا من خلال بعض هذه السير، أنّ فريقا من العلماء والفقهاء، لا يصرّحن بأسمائهم، ولا بأماكن التي يقيمون فيها، وربّما يرجع ذلك إلى ظروف سياسية وحربية معيّنة، كانت تملي عليهم، تعمد إخفاء الاسم والمكان. كذلك وجدنا أنّ السير، كما جمعت في المخطوط، لم ترتّب ترتيبا تاريخيا زمنيا. وتعنى هذه السير ما روي عن الأئمّة والعلماء العمانيين خاصة، والإباضية عامّة، من قول وفعل. فمن رواية للأحداث التاريخية، أو الحروب في سبيل الاستقلال، عن الدول المستبدّة، والحكّام المستبدّين، أو المعاملات الاقتصادية والسياسية، أو تقرير لمبادئ وقواعد دينية، أو شرح للعقيدة والأحكام الإسلامية، أو بحث وتفسير قيّام الخلافة والإمامة، وحقوق الأئمّة وواجباتهم، أو بيان مفصّل للجهاد وأحكامه. كذلك نجد فيها تفصيلا دقيقا، لمعاملة المسلمين لأهل الذمّة وللمشركين، إلى غير ذلك ممّا يسجّل تاريخ شعب أولا بأوّل. وأمّا الجوابات، فهي ردود على الاستفسارات، التي كان يرسلها المسلمون إلى الأئمّة والعلماء الإباضية والعمانيين، عن حقيقة المذهب الإباضي، وعن العقيدة الإسلامية، وعن التوحيد، وعن المعاملات، وعن الجهاد، إلى غير ذلك من مسائل الدين، وأمور السياسة والحرب، ومشكلات الاقتصاد، وشؤون السياسة الخارجية، والمعاملات المختلفة في الحياة، ولا تتضمّن هذه السير والجوابات، رسائل الأئمّة والعلماء، إلى (1/6)
صفحة 7
من لا يصل مرتبتهم في السياسة والعلم والمسؤولية، أو إلى من هم دونهم في مستوى الفكر والعلم فقط، وإنّما تتضمّن كتابات بين العلماء فيما بينهم، لتفسير مسائل معيّنة، ولتبادل الرأي، مثل سيرة من أبي المؤثر، الصلت بن خميس، إلى أبي جابر محمّد بن جعفر. وهناك أيضا سيرة الإمام عبد الله بن إباض، إلى عبد الملك بن مروان، ردّا على كتاب عبد الملك له. وقد عنونت هذه السير في المخطوط باسم: كتاب في السير والجوابات عن العلماء والأئمّة –رحمهم الله تعالى-. وقد ضمنت هذه السير والجوابات، في مجلّد واحد، في غلاف واحد، مع مخطوط كتاب الجوهر المقتصر، ومع مخطوط كتاب الاهتداء، وصلة كتاب الاهتداء، والمخطوط كلّه محفوظ في مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، في سلطنة عمان، تحت رقمين: الرقم العام 1854، الرقم الخاص 02. وقد بدأ المخطوط السير والجوابات، بفهرس في صفحتي 195 - 196 في المخطوط، ثمّ جمعت السير والجوابات في المخطوط، من صفحة 197 إلى نهاية صفحة 669، وهي آخر صفحات المخطوط أيضا. وعدد السير التي وردت في هذا المخطوط 34 سيرة، وقد رأينا تسهيلا للباحث وللقارئ، أن نقسّمها إلى جزأين: الجزء الأوّل، ويبدأ من السيرة الأولى إلى نهاية السيرة الثامنة (1/7)
صفحة 8
عشرة، وذلك لارتباط السير 16 و17 و18 بعضها مع بعض، ويبدأ الجزء الأول من صفحة 197 إلى صفحة 429 في المخطوط. أمّا الجزء الثاني، فيبدأ من السيرة التاسعة عشرة، إلى نهاية السيرة الرابعة والثلاثين، وهي التي تنتهي بها المخطوطة أيضا. وظاهر من المخطوطة، أنّ هذه السير جمعت، ولهذا كتب في فهرس المخطوطة، في صفحة 195. (معرفة عدد ما جمع في هذا الكتاب، من السير والجوابات، عن العلماء والأئمّة –رحمهم الله-). ثمّ يقول: من جمعها أوّل ذلك، كتاب الأحداث والصفات، تأليف أبي المؤثر. وفي آخر الفهرس، وفي صفحة 196 من المخطوطة، نرى جامع هذه السير أو غيره، يكتب عنوانا آخر لهذه السير، أكثر تفصيلا فيقول: كتاب سير الأئمّة القائمين بالحق في الأمّة، الكاشفين لكلّ غمّة الذابين عن دينهم، كلّ طخيا مدلهمة، على أصول مذهب أهل الحق والاستقامة، من الإباضية المحقّة –رحمهم الله تعالى-). وهنالك ثلاث سير في آخر المخطوط، لم تدرج في فهرس المخطوط، أوّلها سيرة الإمام عبد الله بن إباض، إلى عبد الملك بن مروان (1).
__________
(1) -صفحة 613 – 623 في المخطوط (1/8)
صفحة 9
والسيرة الثانية، سيرة شبيب بن عطية العماني (1) ثمّ ينتهي المخطوط، بكتاب الموازنة عن الشّيخ العالم أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة العماني البهلوي –رحمه الله- (2) هي آخر صفحة في المخطوط. ولم نتبيّن على وجه التحقيق، من الذي قام بجمع هذه السير والجوابات، ولا في أيّ عصر جمعت، ولكنّنا لاحظنا أنّ الغالبية العظمى من هذه السير، التي كتبت منذ القرن الثالث الهجري، كتبها أئمّة وعلماء عمانيون، من الفرقة الرستاقية، أي من هؤلاء الذين كانوا يستنكرون، ما قام به موسى بن موسى ومن معه، ومن عزل الإمام الصلت بن مالك، وتولية راشد بن النظر. وهذا ممّا يدعونا إلى أن نرجح، أنّ جامع هذه السير والجوابات، هو نفسه مؤلّف كتاب الجوهر المقتصر، وكتاب الاهتداء والسير، الملحقة بكتاب الاهتداء، أعني العالم الفقيه أبا بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني. وفي هذه السير والجوابات، نجد أحيانا كثيرة من سيرة، أو كاتب للعالم الواحد، وأحيانا نجد مشاركة العالم لغيره من العلماء، في سيرة بعينها.
__________
(1) - صفحة 623 – 642 في المخطوط
(2) - صفحة 642 إلى نهاية صفحة 669 (1/9)
صفحة 10
ومنهج الكتابة في هذه السير والجوابات، منهج علمي يستند قبل كلّ شيء إلى القرآن الكريم، وإلى الأحاديث النبوية الشريفة، كما يستند إلى كافة الأصول والمصادر التاريخية. ويتبع بعض كتاب هذه السير، طريقة طرح الأسئلة وإعطاء أجوبتها. وقد أراد كتّاب هذه السير، أن يفيد منها الأعقاب والذّرية، كما أفادوا هم من أسلافهم. ووردت هذه الفكرة في عدّة سير، ومثال ذلك ما ذكره العالم العماني الجليل، منير بن النير الجعلاني، في سيرته إلى الإمام غسّان بن عبد الله اليحمدي، إمام عمان، في فترة القرن الثاني الهجري، وأوائل الثالث الهجري (192 –207 ه). واهتمّ أصحاب السير والجوابات، بشرح المذهب الإباضي، وهم يؤكّدون أنّ هذا المذهب هو الإسلام، القائم على القرآن الكريم، والسنّة النبويّة الشريفة، وغالبا ما نقرأ في السير عبارة: نحن نتّبع ولا نبتدع. ويتّضح من السير والجوابات، أنّ العمانيين عملوا على إماتة كلّ بدعة خارجة على الإسلام (1/10)
صفحة 11
والحق، أنّ تاريخ عمان، يبيّن أنّ الإباضية في عمان، وقفوا ضد الآراء الدخيلة على الإسلام، وضدّ البدع وضدّ التطرّف والغلو، فلم يقبل العمانيون القول بخلق القرآن، الذي فرضه المأمون على العالم الإسلام، وتكاثفوا على الوقوف أمام المحنة، بخلق القرآن، ووقف إباضية عمان ضدّ القرامطة، كما وقفوا ضد غلاة الخوارج، وضد أصحاب الفرق والمذاهب الغالية. ولم يكن وقوفهم ضد هذه البدع والنحل والفرق، عن جهل أو عن تعصّب، وإنّما كان عن تديّن ووعي ودراسة وعلم. وقد أمدّنا التراث العماني، ما نشر منه وما لم ينشر بعد، بعلماء درسوا الفرق المختلفة، التي ظهرت في الإسلام، وقبل الإسلام، لدى الأمم والشعوب القديمة شرقا وغربا، وكانت دراسات أولئك العلماء العمانيين، دراسات علمية جادّة مستفيضة، لم يكن الكتّاب المعاصرون، يعلمون عنها شيئا، وإنّما اكتفى المعاصرون بكتابات البغدادي والأشعري وابن حزم والشهرستاني، وغيرهم من أصحاب الكتب المتداولة المعروفة. ونكتفي هنا بالإشارة إلى أبي عبد الله بن سعيد الأزدي القلهاتي، صاحب الكشف والبيان، وإلى أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي الأزدي، صاحب الجوهر المقتصر، وإلى ما كتبه الشّيخ أبو الحسن، في هذه السير التي نقوم بنشرها، تحت عنوان (أصل ما اختلفت فيه الأمّة، بعد نبيّها صلى الله عليه وسلم صفحة 499 – 512 من مخطوط السير والجوابات، وما كتبه أبو المؤثر الصلت بن خميس، عن الفرق المختلفة (1/11)
صفحة 12
صفحة 583 - 585 من مخطوط السير والجوابات، وغير ذلك ممّا ورد في المصادر العمانية المختلفة. وإن كان تاريخ عمان في العصر الإسلامي، لم يحظ بعناية الكتّاب والمؤرخين المعروفين، مثل: اليعقوبي والطبري والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم، فهذا أمر طبيعي؛ لأنّ مثل هؤلاء المؤرّخين، الذين وصلت إلينا مصنّفاتهم، منذ القرن الثالث الهجري، أرّخوا للدول الحاكمة وللبلاد الخاضعة لها، أو أنّهم أرّخوا لتاريخهم القومي، مثل مؤرّخي مصر الإسلامية والشام والمغرب. ومن هنا كانت الأهمّية، البالغة للمصادر العمانية الإسلامية، التي تكتب عن تاريخها القومي، بيد أبنائها وعلمائها. والمعروف أنّ كثيرا من المصادر العمانية، من بينها كتب السير، كانت معاصرة للأحداث التي ترويها، علمية كانت أو دينية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أدبية أو فنّية أو حربية، فهي سجل لتاريخ عمان، في العصور الإسلامية المختلفة. ونحن لا نبالغ، إذ نشير إلى الأهمّية القصوى، لنشر المخطوطات العمانية، ومن بينها السير العمانية، فالعمانيون أقدر من غيرهم على تسجيل تاريخهم، ومواقفهم البطولية وجهادهم، للحفاظ على استقلال عمان، وعلى تسجيل وقوفهم ضد تيّارات التطرّف (1/12)
صفحة 13
والبدع الغريبة على الإسلام، وعلى مساندتهم للدول التي تقوم على أساس إسلامي، خارج قطرهم، والعمل على نشر الدين الحنيف، مهما ناءت البلاد، وقست الأجواء، فأين تاريخ عمان من هذا، الذي كتبه أعداؤهم، أو ممّن لا يعرف عنهم شيئا، أو ممّن لا يهتم بتدوين تاريخهم. ومن خلال السير التي نقوم بنشرها، تعرف أنّ الإباضية أو المسلمين، كانوا يؤكّدون على وحدة الدين، وليس على وحدة العصبية القبلية (صفحة 326 من مخطوط السير). ولهذا كانت الصل وثيقة بين عمان وبين إباضية جميع العالم الإسلامي. وفي سيرة الشّيخ محبوب بن الرحيل، وهو من العلماء العمانيين، في القرن الثاني الهجري، يقول: وكانت المحكّمة واحدا، لو حكم رجل من المغرب تولاه من كان منهم بالمشرق، ولو حكم بالمشرق، تولاه من كان بالمغرب (1). كذلك يتّضح لنا من دراسة هذه السير، أنّه كان من واجب الإباضية أو المسلمين، الدعوة خارج مصر، إلى الدخول في دين الله، كما نجد في سيرة محمّد بن محبوب
__________
(1) - صفحة 356 من مخطوط السير (1/13)
صفحة 14
إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب (1). وظهر ذلك صراحة، في سيرة الشّيخ أبي المؤثر، الصلت بن خميس، فيقول: فإن استطاعوا أن يتعدّوا مصرهم إلى غيرهم، وجب ذلك عليهم، كلّما قدروا عليه، فليدعوا الناس إلى الدخول في دين الله والتسليم للعدل. وقد فرّق الإباضية بين السائر والقاعد، أو بين الذين يقعدون عن الجهاد، والذين يسيرون للجهاد (2). وتظهر مسألة الدعوة والجهاد في سيرهم المختلفة، ففي سيرة محمّد بن محبوب، إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من المغرب، يبيّن الواجب على الدعاة السائرين في الأرض المجاهدين (3). وليس أبدع من وصف منير بن النير الجعلاني، في القرن الثاني الهجري، للشراة رجالا ونساء، وفي سيرته للإمام العماني غسّان بن عبد الله (192 – 207ه) فقد وصفهم بأنّهم أنوار في الأرض، وأفاض في ذكر تمسّكهم بالدين، وجهادهم في الإسلام رجالا ونساء، كما أعطانا صورة صادقة لمعيشتهم وسلوكهم في الحياة، وتنظيم جيوشهم، ومؤدّبي ومعلّمي أفراد تلك الجيوش، والعطاء المخصّص لكلّ فرد
__________
(1) - صفحة 572 في مخطوط السير
(2) - صفحة 329 من مخطوط السير
(3) - صفحة 579 من المخطوط (1/14)
صفحة 15
من المجاهدين والمجاهدات، وتسابقهم في الإنفاق وفي دفع الزكاة، ولم ينس أن يصف ملابسهم رجالا ونساء، كما استشهد بأسماء بعض الإباضية، إلى غير ذلك من التفاصيل الدقيقة (1). وإذا كان مؤرّخو ديار الإسلام، قد كتبوا عن الخلافة والإمامة، مثلما فعل السيوطي في تاريخ الخلفاء، وإذا كان الفقهاء قد درسوا الخلافة والإمامة، مثلما كتب الماوردي في الأحكام السلطانية. وإذا كان أصحاب كتب الفرق والنحل، قد تعرّضوا للكلام عن الخلافة والإمامة، مثلما فعل عبد القاهر البغدادي، وابن حزم الأندلسي والشهرستاني، وغيرهم. فإنّنا نجد في المخطوطات العمانية، وفي كتاب السير، الذي نقدّمه للقرّاء والمؤرّخين والباحثين، العديد من الأبحاث عن الخلافة والإمامة. وقد عنى الخوارج والإباضية بموضوع خلافة وإمامة المسلمين، فهم أوّل من أعلن الخروج على خلافة علي بن أبي طالب، بعد قبوله التحكيم، وأعلنوا إمامة عبد الله بن وهب الراسبي، في 10 شوّال سنة 37 ه. وفي هذه السير والجوابات، العديد من الأبحاث عن الإمامة، كيف يكون تأميم أو اختيار الإمام، وكيف تكون صيغة عقد البيعة، وأخلاق الإمام، والشورى في انتخابه، وأثناء إمامته، وواجبات الأئمّة وحقوقهم تجاه الشعب، والإباضية يفرّقون بين الإمام العالم، وبين الإمام غير العالم، بل أنّه وردت في السير سيرة بأكملها حول
__________
(1) - صفحة 319 – 330 من المخطوط (1/15)
صفحة 16
هذا الموضوع (1)، جاء في هذه السيرة، للقاضي أبي عبد الله محمّد بن عيسى: إنّما المخالفة على ضعيف لا يدري أنّه ضعيف، فيتأوّل الآثار على غير تأويلها، ويعدل بها عن جهتها، فيقتدي به من هو أضعف منه، ويتّبعه على خطئه فيصير، الجهل عندهم علما والباطل حقا. ولا تجوز بيعة الإمام غير العالم إلا بشروط، أمّا الوالي الذي هو دون الإمام، فإذا لم يكن عالما، فلابد من وجود مشرف، عالم إلى جانب الوالي، الذي ليس له علم وبصر، وفيه جلدة وقوّة. وحرص الإباضية على عدل الأئمّة ونزاهتهم، وأكّدوا أنّه يجب أن يختار الأئمّة الولّاة للولاية، ولا يختارون الولاية للولاة. وأنّه يجب على الإمام أن يولّى الحرب من يعرف سيرة الحرب في العدوّ، وأن يولّي الصدقات من يعرف عدلها ولا يأخذها، إلا بحقها ويضعها في أهلها، وأن يولّي الحكم بين الناس من يحسن الحكم. كذلك أكّد الإباضية، على أنّه ليس للإمام حق في جباية صدقة أو جزية من لا يحميه، وبيّنت السير موضوع استقالة الإمام أو إقالته، وأنّه لا يجوز قيام إمامين في القطر الواحد أو المصر الواحد، وأنّه لا يكون أمير مؤمنين واحد، حتّى يملك أهل القبلة كما ملك أبو بكر وعمر.
__________
(1) - صفحة 412 – 420 من المخطوط (1/16)
صفحة 17
والواقع أنّ كتاب السير والجوابات، عرضوا لموضوع الإمامة عرضا دقيقا، وافيا شاملا من جميع نواحيه، ووضّح من السير اهتمام الإباضية بالإمامة، فقد قالوا: إنّ الإمامة من الدين، ولا أمان إلا للإمام ولا أمان دون الإمام، كما ذهبوا إلى أنّ الأئمّة أمناء الله وخلفاؤه في أرضه. وكما وضّح في السير الاهتمام بالأئمّة، وضّح أيضا الاهتمام بولاتهم وقضاتهم، وببيان مصادر أحكامهم. كذلك نقرأ في السير موضوع نقل العلم، وأحكام الأخبار والروايات، واختلاف أحكامها (1). والحق أنّ كتاب السير والجوابات، إلى جانب كافة التراث العماني، لهو أصدق من يقدّم للباحثين والمؤرّخين تاريخ عمان، وأصدق من ينفض الزيف، ويكمّل النقص الذي ارتبط بالتاريخ العماني، إمّا للجهل بتاريخه أو لعدم الاكتراث به، أو للتعصّب الأعمى ضدّه. أمّا مخطوط كتاب السير والجوابات، فقد كتب بالخط النسخ العادي، وإن اختلفت الخطوط أحيانا، ولم يكتب اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ. وإن كنّا نجد في آخر المخطوط، الذي ينتهي بكتاب الموازنة، لأبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة العماني
__________
(1) - صفحة 642 – 669 من المخطوط (1/17)
صفحة 18
تاريخ النسخ، وهو عشية الثلاثاء، السابع من شهر جمادى الأولى 1009ه، ولعلّ هذا التاريخ مرتبط بالمخطوط كلّه، الذي بين أيدينا، أو بكتاب الموازنة لابن بركة العماني. وكتب في كلّ ورقة من المخطوط صفحة واحدة، وعرض الورقة 20،5 سنتيمترا، وطولها 30 سنتيمترا تقريبا. أمّا المكتوب من كلّ صفحة، فهو 13،5 سنتيمترا عرضا، و21،5 سنتيمترا طولا تقريبا، وعدد الأسطر المكتوبة في كلّ صفحة 22 سطرا تقريبا، وفي كلّ سطر حوالي 15 كلمة تقريبا. وفي بعض الصفحات يترك الناسخ بياضا، مكان ما وجده مطموسا في أصل المخطوط، وقد أشرنا إلى ذلك في هوامشنا أسفل الصفحات، واجتهدنا أحيانا، أن نضع محلّها ما يستقيم معه المعنى، منوّهين بذلك في هوامشنا. ووجدنا أحيانا الكتابة باهتة جدا، لا تكاد تقرأ، واجتهدنا أن نوضّح مثل تلك الكتابة، حسب سياق النص. وأحيانا يضيف الناسخ بعض العبارات أو الكلمات أو الآيات القرآنية، التي سقطت منه أثناء النسخ في يمين الصفحة أو في يسارها، أو في أعلاها أو أسفلها. وكثيرا ما نجد الناسخ يكتب حرف ض بدلا من ظ والعكس، وقد أشرنا إلى بعضها في هوامشنا أسفل الصفحات. (1/18)
صفحة 19
كذلك أثبتنا أرقام بداية، كلّ من صفحات المخطوط داخل مستطيل صغير في الكتاب المطبوع. وبعد فإنّنا بذلنا أقصى الجهد لنشر هذا المخطوط، نشرا علميا، لينهل منه المؤرّخون والعلماء والكتّاب، ما يساعدهم على تدوين تاريخ عمان، وكتابته كتابة علمية صحيحة، من واقع تاريخها، الذي دوّنه علماؤها وأبناؤها، في مختلف العصور والقرون، ولا يفوتني أن أتقدّم بشكري الخالص، وتقديري العميق، إلى حضرة صاحب المعالي، سمو السيّد فيصل بن علي بن فيصل، وزير التراث القومي والثقافة، في سلطنة عمان، الذي أتاح لي فرصة الاشتراك، بجهدي العلمي، لتحقيق ونشر هذا المخطوط، وغيره من المخطوطات العمانية الثمينة، حفظه الله ووفّقه في نشر التراث العماني العظيم، في ظل ورعاية حضرة صاحب الجلالة، السلطان قابوس بن سعيد المعظّم –حفظه الله-. دكتورة: سيّدة إسماعيل كاشف. 23 رمضان 1406ه / 31 ماي 1986م. (1/19)
صفحة 20
01/ كتاب الأحداث والصفات تأليف أبي المؤثر.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد خاتم النبيئين، وسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى جميع من سلّم الله عليه من أهل السماوات والأرضين، إلى من بلغه كتابنا هذا من أهل الفهم والعقل، سلام عليكم. أمّا بعد، فإنّ المسلمين حجّة الله في أرضه، وحجّته على عباده وعيونه، في بلاده وأمناؤه بعد رسله على أممهم، واتباعهم حق والاقتداء بهديهم فريضة. وقال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم من بعد أن ذكر قصص النبيئين قبله قال: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وليس الاقتداء بعامّة من صلّى وصام، ولكن القدوة بأهل العلم بكتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم. (1/20)
صفحة 21
وآثار السلف من أولي الأمر، الذين حملهم الله الحكمة، وجعلهم للناس أئمّة، يفرّقون بين الحق والباطل، بقول مشروح وباب مفتوح، لا يلبسون الحق بالباطل، ولا يكتمون الحق وهم يعلمون، يمضي على ذلك أوّلهم ويقفوهم على آثارهم آخرهم، ليس بينهم فرقة ولا اختلاف، ويدينون بالإرجاف ولا بالاعتساف، حجّتهم واضحة ودعوتهم شارحة، فكلّما مضى منهم قرن، خلفهم بعدهم من هو في دونهم بالفقه والعلم، إلا أنّ الديانة واحدة، لا يستحل آخرهم شيئا حرمه أوّلهم، ولا يحرم منهم الخلف شيئا أحلّه السلف، وإن اختلفوا في الرأي في المسائل، فليس بينهم اختلاف في الدين، وليّهم واحد وعدوّهم واحد، يتولّى بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من محدث على أمر واحد، ولربّما وقف ضعفاء المسلمين، من غير أن ينصبوا الوقوف دينا، وهم مع ذلك يقولون قول المسلمين ودينهم دينهم، على ذلك تبايعوا وتشايعوا وتواصلوا ولم يتقاطعوا، إلى أن انتهى الأمر إلى قرن من أهل عمان، فيهم بقية من أهل العلم والرأي والصلاح والحلم، وكان المشهور فيهم يومئذ محمّد بن علي القاضي، وسليمان بن الحكم، والوضاح بن الحكم، والوضاح بن عقبة، ومحمّد بن محبوب، وزياد بن الوضاح، ومنهم أناس من أهل العلم والفضل، وإن لم يبلغوا مبلغهم في العلم، منهم بشير بن المنذر، كان سيّدا من سادات المسلمين، بعزمه وقوّته، على الأمر بالمعروف والنهي (1/21)
صفحة 22
عن المنكر، وزياد بن مثوبة، والمنذر بن بشير، ورباط بن المنذر، ومحمّد بن أبي حذيفة، وهاشم بن الجهم، وعبيد الله بن الحكم، وعلي بن صالح، وعلي بن خالد، والحسن بن هاشم، منهم من شهد البيعة، ومنهم من غاب عنها، ولم يعلم منهم خلاف عليهم، إلا أنّ محمّد بن علي، وبشير بن المنذر، ومحمّد بن محبوب، والمعلا بن منير، وعبيد الله بن الحكم، كانوا المقدّمين في البيعة، للصلت بن مالك –رحمه الله-، مع من حضرهم من المسلمين، فبايعوا الصلت بن مالك –رحمه الله-، وقدّموه إماما، وسلّم الناس لهم وسمعوا وأطاعوا، وسار بهم الصلت بن مالك –رحمه الله- بسيرة يعرفونها، إلا ما قد يكون من الهفوة والزلّة، والمسلمون لا يغتنمون العثرة، ولا يردّون التوبة، وقد كان متماسكا، وهو في ذلك، دون من كان قبله، من أهل الفضل من أئمّة العدل، والآخر دون الأوّل، إلا أنّ المسلمين، كانوا متمسّكين بولايته، يلون له إذ ولاهم، ويعينونه إذا استعان بهم، لا نعلمهم يعصونه ولا يتناهون عن معونته، إلى أن مضوا لسبيلهم، رحمة الله عليهم، وتوفّي عامّتهم. فإن ادّعى مدّع، أنّ أحدا ممّن سمّينا، كان يبرأ من الصلت بن مالك، قيل له: لا ينبغي لنا (1/22)
صفحة 23
أن نصدّق لك إلا ببيّنة عدل، تشهد به، ولا تكون براءتهم في السريرة، إلا بأمر يوضّحون فيه كفره، لمن سمع منهم البراءة. منه بحجّة على من لم يطّلع على ذلك، ولم يتوضّح معه، ولا يجب على الناس تكفيره، إلا على ما لا يسعهم فيه ولاية من تولاه، ممّن علم مثل علمهم، وإذا كان ذلك مستترا، لم يكن لمن برأ من الإمام، على حدث أطلعه وعلمه منه، لزمته مباينته فيه، أن يكفّ عن ولاية أوليائه، ممّن يتولّى الإمام، دون أن يعرف منهم، أنّهم قد عرفوا مثل ما عرف من الإمام، من معاينة أو شهادة بيّنة عادلة، بتسمية الحدث بعينه، فتولّه على حدثه المكفّر له، فحينئذ يستحقّون البراءة، وهذا هو الحق والفريضة، إلا أن يشهر حدث الإمام، شهرة لا يسع أحدا أن يردّه، ويكون ممّا يلزم به اسم الكفر، كما شهر حدث عثمان وعلي وإصرارهما. فإذا نزل الإمام في اشتهار الحدث، الذي لا يسع المقام عليه بإصراره، على حدثه، بعد أن يعرض المسلمون التوبة عليه، بالمنزلة التي لا يعذر أحد بردّ حدثه، ويكون من أنكره، مستدلا على كذبه بالعيان، باشتهار ظلم الإمام وكفره. فإذا كان بتلك الحال، لزم تكفير من تولاه على حدثه ذلك، وتكفير من تولاه على إنكار منه بحدثه. وذلك بيان الإشهار وعلم الظهور، أن تجب البراءة من المنكر للحدث، لردّه للمعاين كنحوها من المتولّي، الراكب الحدث على الإقرار بحدثه المكفّر له، فافهموا هذا. ثمّ خلف من بعدهم خلف قليل علمهم، فجعل الصلت يولّي ولاة يتوهّق بهم، ويشكون (1/23)
صفحة 24
ويرتاب فيهم بعض المسلمين، وينهونهم من غير أن يصح عليهم بيّنة عادلة، فتقوم الحجّة على الصلت، وتلزمه اللائمة أن يعزلهم، وقد كان يولّي ويعزل وينصح له ويقبل، وربّما دافع إذا لم تقم بيّنة على ما يستحقّون به العزل، فتلحقه بذلك اللائمة، وهو مع ذلك لم تنقطع مع عامّة المسلمين ولايته، ولم يزل معهم إماما، ثابتة إمامته فيما علمنا، إلا أن يكون أحد منهم أطلع على شيء، لم يعلم ولم يشهد، إلى أن برز موسى ابن موسى، فجعل يتكلّم ويدّعي أنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يسمّي بحدث منه، ولا ذنب مكفّر، ولا حجّة يقيمها على الإمام، تعلمها العامّة، إلا أنّه كان يطلب عزل بعض الولاة، وعزل بعض الوزراء فيما ذكر لنا، وعزل بعض المعدلين، وأن يولّي بعض الناس فيما ذكر لنا، وكان يقول فيما بلغنا: إنّ الدولة في أيدي الفسقة، ولا يسمّي الذنب الذي به فسقوا، وكان حقا عليه أن يسمّي ذنوبهم، قبل أن يفسقهم، وهم في ذلك يلقونه ويأتونه، ويقرب مجالسهم إذا أتوه، ولا يبعدهم حدثهم، إن كان لهم حدث فيما يزعم، وهو في ذلك خطيبهم يوم الجمعة، يصلّي الناس بخطبته ركعتين، فلم يسأل عن ذلك. وقيل له: لم كنت خطيبا لهم، يصلّي الناس بخطبتك ركعتين؟ قال: قد كان المسلمون يصلّون الجمعة خلف الجبابرة. فهذا خطأ منه، وجهل بآثار المسلمين؛ لأنّ المسلمين (1/24)
صفحة 25
لم يختلفوا، في أنّ صلاة الظهر يوم الجمعة، مع غير أئمّة العدل، أربع ركعات، إلا في الأمصار الممصرة، وإنّما صلّى المسلمون الجمعة مع الجبابرة في الأمصار الممصرة، وأمّا غيرها فلا. فهذا من جهله بآثار المسلمين، وضعف علمه، مع أنّ المسلمين لم يكونوا خطباء الظلمة ولا أعوانا، ولا يتولّون أعوانهم، فإن قال قائل: إنّما تولّينا أعوان الصلت؛ لأنّ أحداثه لم تشهر، ولم يعلموا منه مثل ما علمنا، فقد ألزم نفسه من حيث لا يشعر؛ لأنّ المسلمين كانوا إذا عرفوا من الأئمة أحداثا مستترة، يخافون إن أشهروها، وقع الاختلاف ستروا ما علموا وبرئوا في السريرة، ولم يكلّفوا المسلمين علم ما وسعهم جهله، وتولّوا الصالحين من أعوانهم، إذا لم يعلموا منهم مثل ما علموا، ولم يسارعوا في معونتهم، وإذا صلّوا الجمعة معهم ركعتين، أعادوها أربعا، على هذا أدركنا أشياخنا، وأهل الفقه من أسلافنا، ففعل موسى خلافهم معتذرا بغير عذر، ثمّ جعل رعاع الناس، الذين لا يعقلون ولا يفقهون قوله، منهم أهل فتنة، يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ومنهم أهل طمع بدولة، ينالون منها أكلة، ومنهم أهل إحنة، ومنهم أهل تنسل، لا علم لهم، يحبّون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (1/25)
صفحة 26
ولا يعرفون المعروف ما هو، والمنكر ما هو، وفيهم من قد حسمه الإمام بكلمة، لو قيلت في غيره، لم يعبأ بها، فلمّا قيلت له أسرها في نفسه عداوة، ومنهم ناس من الصالحين، لهم فهم ومعرفة، رجوا أن تؤتى الأمور من جهتها، وتوضع النصيحة في موضعها، فكثر على ذلك جمعه، وعظمت حلقته، ثمّ جعل يخطب ويتكلّم، ويسب ويشتم، ولا يسمّي حدثا ولا ذنبا بعينه، فإذا أتاه بعض الذين يشتمون ويفسقهم قربهم، وأدنى مجالسهم، وفي ذلك ارتياب من فعله للغافلين، وكان يسمّيهم العيارين ويقول: لأبعثن عليهم من أهل عمان، رجالا يعكسون أدبارهم، فليس هذا من كلام الحكماء، ولا من نصائح العلماء، وكان من أولى به أن يسمّي ذنوبهم، قبل أن يفسقهم ويشتمهم، وجعل أهل الدنيا والأطماع والإحن، يستولون عليه ويتقرّبون منه، وجعل الصالحون يبتعدون عنه إلا قليلا. فلمّا سمع القوم منه، ما سمعوا استوحشوا منه، ولم يستأنسوا بصحبته، وفي ذلك ينصرف ويكر عليهم، فلمّا بلغ الكتاب أجله، وأراد الله تنفيذ ما سبق به علمه، من ابتلاء أهل عمان، كما قد ابتلى غيرهم، ليرى الصادق في حال صدقه، والكاذب في حال كذبه، والعالم في حال علمه، والجاهل في حال جهله، وهو العالم بالأمور قبل كونها، فكان من قدره، إن أراد موسى الانصراف، وقد تقدّم منه إلى أصحاب الإمام الشتم والوعيد، ما أوحشهم (1/26)
صفحة 27
فسار وسار أخلاط الناس معه، وأكثرهم لا يعقلون، وكان طريقه في العسكر، فخافوا منه وظنّوا أنّه يريدهم، فقاموا في العسكر بالأسلحة، مشهرين إلى أن سار بمن معه من طغام الناس، فتجاوزوا العسكر، ولم يكن من الفريقين إلا خير، ودفع الله الشرّ وكفّ الناس، فاتخذوا هذا حجّة على الإمام. وحدثنا الثقة، أنّ الإمام كان في بيته، لم يعلم بشيء من هذا إلا من بعد، وأصحاب الإمام في هذا بين عذر وملامة، يلومهم اللائم، لما شهروا من السلاح، وبارزوا الرجال، متجاوزا عنهم، ويعذرهم من عذر، لقد سمعوا من الشتم والوعيد، وخافوا أن يعاجلهم بالحدث قبل الحجّة، فقد كان هذا قريبا، ممّا بلغنا أنّ نفرا من المسلمين، دخلوا إلى موسى فقالوا: لا نجيبك إلى ما تريد، حتّى تحتجّ على الإمام، ثمّ انطلقوا فدخلوا على الإمام فكلّموه، فقال لهم: أنا تبع للمسلمين، ما احتجّ على به المسلمون أجبتهم إليه، فقبلوا منه، ثمّ انصرفوا من عنده إلى موسى فأخبروه، فقال لهم: ما أنتم فاعلون؟ قالوا: قد قبلنا منه. قال لهم موسى: وأنا قد قبلت أيضا. هكذا فيما أخبرنا الثقة، وكلّ هذا، ولا أعلمهم يسمّون للصلت ذنبا بعينه، يقفونه عليه، ويستتيبونه منه، غير أنّهم يطلبون إليه عزل واليا، ويعزل أمينا ويعزل كاتبا، وكان من أشنع ما يعيبون من الولاة (1/27)
صفحة 28
محمّد بن فيض، فعزله الإمام عن سوق صحار، وولاه جرفار، وكان ذلك من علم موسى بن موسى، فلم ينكر ولايته، ولم يعدّها من المعائب، إلى أن كتب إلى موسى، من كتب يعاتبه في ذلك، فكان جوابه: إنّي لم آمر بولايته ولا أنكرت، فمن لم ينكر فقد رضي، إلى أن جعل يكاتب أهل الدنيا وأهل الأطماع وأهل الإحن. من قد حسمته كلمة فأسرها حنة، ومن قد جرى عليه حكم، فأسره ظلما، وكان أقوى من طمع فهم بن وارث، وهو كان رأس الفتنة، ومدّد البغي فيها. ذكر لنا أنّ سفيها ممّن كان يتقرّب من موسى، يوقعون في الكتب إلى فهم يوهمونه، ويطمعونه بالإمامة، وكان غير رشيد ولا حميد، فخرج معه السفيه عبيد الله بن سعيد، فسار بناس من اليحمد، منهم طغام لا يعرفون حقا من باطل، ومنهم من يتحرّى الحق، ويظنّ أنّ الأمر يؤتى من جهته، فساروا بأخلاط الناس، والرعاع سراعا إلى الفتنة، ينساقون لسائقهم، وينقادون لقائدهم، لا يسألون عن حق، ولا ينكرون الباطل، إلى أن بلغوا (1/28)
صفحة 29
إزكي، فأخذوا فيما بلغنا حبا، كان جمعه والي إزكي، ووالي مطي من الصدقة، فيما ذكر لنا، فأنفقوه على جيشهم، فإن يكن صلت معهم إماما، لم تزل إمامته، وإنّما ساروا إليه، ناصحين، فقد حرم عليهم غلوله، وأخذ ما جمعه ولاته. فقد خرج المرداس –رحمه الله- على عبيد الله بن زياد الفاسق، فمرّ بالمرداس مال للسلطان، فلم يستحل أخذه، إلا من كان له عطاء من أصحابه، فقد أمرهم بأخذ أعطياتهم، ثمّ خزن المال وسلّمه إلى من كان في يده، فقيل: إنّهم وزنوه، فما نقص منه شيء، إلا ما أخذ منه أصحاب المرداس من أعطياتهم. (1/29)
صفحة 30
فقد استحلّ موسى وأصحابه من الصلت، ما لم يستحل المرداس من عبيد الله بن زياد. فإن زعم موسى، أنّه منع المرداس من أخذ المال، أنّ أصله كان حراما؛ لأنّه من جمع الجبابرة، فمن جهل موسى على المرداس، كيف يستحلّ المرداس أن يأمر أصحابه، أن يأخذوا أعطياتهم من مال حرام، ولو كان لهم ديون عليه، ما استحلّوا أخذ ديونهم من المال الحرام، بل كان حلالا، وما أخذوا عطاءهم إلا من الحلال، وهم كانوا أيسر ورعا وأكثر علما، ومن عابهم، فهو أولى بالعيب منهم، ما كانوا يستحلّون غصب مال السلطان ولا غيره، وهذا من خطأ موسى وأصحابه. ولو كان لموسى علم بآثار المسلمين، وبصر بسيرتهم، لم يستحلّ ما قد استحلّه. فإن زعم أنّ الوالي أعطاهم إيّاه، فما كان جائزا للوالي. وهل يجيزون هم اليوم لبعض ولاتهم، يعطي جبايته ثمرة قرية؟ لو فعل ذلك، لعسى أن يعاقبوه ويعاقبوا من أعطاه؛ لأنّه لا يجوز لوالي الإمام يدي بطاعته، يقوى بما في يده من مال الله، من خرج محاربا للإمام، ولكن هذا الجهل وقلّة العلم. فإن زعموا أنّ الصلت، لم يكن إماما لهم، يحلّ لهم أخذ ما جمعه ولاته، وهم في محاربته، كما لم يستحل المرداس أخذ مال السلطان، ثمّ ساروا حتّى نزلوا فرقا قريبا، من عسكر الإمام، بمقدار أو نحو ذلك، ثمّ أمر بهم الأعراب وأهل الجفا، وأصحاب الحنات، وأكثر الناس يسرعون إلى الفتنة، وناس من ضعاف الناس، لا يعرفون الحق من الباطل، فلمّا خذل الصلت، واجتمع عليه أخلاط الناس، إلا بقية بقيت معه في العسكر، وهم الأقل، خرج الصلت من دار الإمامة، فتنحّى عنها إلى منزل قريب منها، وظنّ من بقي من المسلمين، أنّ موسى لا يعجّل (1/30)
صفحة 31
وأنّه سيأتي إلى موضع الإمامة، ويجمع المسلمين ويشاورهم في الأمر، وينظرون في حدث الصلت، ويحتجّون عليه. فإن كانت له ذنوب وقفوه عليها، وسألوه على ما اعتزل وتبرّأ من الإمامة. أمن ضعف؟ أم من إصرار على ذنب؟ أم تحول من دار إلى دار، انتظارا منه لرأي المسلمين؟ فلم يفعل موسى شيئا من هذا، إلى أن أرسل إلى راشد بن النظر، فبايعه على غير مشورة من المسلمين، وما حضره يومئذ أحد ممّن يثق هو به، لفتيا مسألة إلا من شاء الله، وقد كان فيما بلغنا، بعضهم كارها لفعله، مشيرا بغير ما فعل، ولكن غلبتهم الكثرة. وكان ساعد فهم بن وارث، وعبيد الله بن سعيد، وهما غير أمينين ولا رشيدين، فأمّا فهم بن وارث، فقد كان ابنه أحدث حدثا، اتهم أنّه كابر جارية بكرا على نفسها، حتّى استأجرت منه، فيما ذكر لنا بغلامه، فامتنع وما تعوطي منه حق فيما بلغنا، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله». وأمّا عبيد الله بن سعيد، فسفيه جاف بين السيّئات في رأسه، قبيح أن يكون في جيش المسلمين مثله، قريب من الفتنة، جاهل بالسنّة، وهو رئيس معهم كبير، فبايعوا لراشد، في غير موضع البيعة، وعقدوا له في غير موضع عقد الإمامة، والله أعلم كيف (1/31)
صفحة 32
كانت بيعتهم، أحسنوا عقدها أم لا؟ ثمّ ساروا به حتّى أنزلوا دار الإمامة، وقبض خزائن المسلمين، وأنفق الأموال. فأمّا أهل الفقه والعلم، فيحتجّون أنّهم لم يرضوا، ولم يروا عدل ما فعل، فغلبهم الناس فقهروهم، وبعض تحيّر ووقف، ثمّ احتجّ باعتزال الصلت لا بحدثه، ثمّ أرسلوا إلى خاتم الإمامة، فأخذوه منه، فإن يكن الصلت اعتزل متبرّئا بلا مخافة، وسلّم الأمر طائعا بلا تقية، فقد انخلع من إمامته، فقد أخطأ إذا اعتزل بلا مشورة من المسلمين، وبراءة منه إليهم، حتّى يقبلوا ذلك منه، أم لا يقبلوا؛ لأنّ المسلمين قد اختلفوا في هذا بالرأي لا بالديانة. (1/32)
صفحة 33
فمنهم من يقول: ليس للإمام الشاري أن يعتزل، إلا أن يتغيّر عقله فلا يعقل، أو يتغيّر سمعه فلا يسمع، أو يذهب بصره فلا يبصر، أو يذهب لسانه فلا يتكلّم، فحينئذ يسعه أن يعتزل، وليس للمسلمين أن يعزلوه، إلا بحد يصيبه، فلابد أن يقيموا عليه إماما غيره، أو بذنب مكفّر، ليسمّوه بعينه، شاهرا في البلد الذي هو فيه، مع عامّة المسلمين، فيحتجّوا عليه، فإذا أصرّ ولم يتب، حلّ عزله ومحاربته، وقتله إن قاتلهم، كما فعل المسلمون بعثمان، سمّوا بحدثه وتنادوا به في وجهه قبل محاربته، فلم يفعل موسى شيئا من ذلك، وقد قال بعض المسلمين: إنّ للإمام أن يعتزل إذا ضعف عن الأحكام، وعن محاربة العدو، وللمسلمين أن يستبدلوا من هو أقوى منه، من غير أن تزول ولايته. فلمّا أقاموا راشدا إماما، أثبت ولاة الصلت في مواضعهم، منهم من كانوا يطعنون عليه، وينكرون ولايته، ومنهم من لم يكن يطعن عليهم، ولم يعزلوا منهم إلا قليلا، منهم من عزلوه ومنهم من عزل نفسه، من غير أن يعزلوه، واستعانوا بأعوان الصلت (1/33)
صفحة 34
وقوّدوا قواده. منهم الحواري بن بركة، بعثه الصلت قائدا إلى والي سمائل، ليمنعه منهم في مسيرهم إلى الصلت، فلمّا ظهروا استعانوا على الصلت بحواري بن بركة، على ما كان يستعين عليه الصلت، ولوه على الماشية وجعلوه قائدا، ومنهم الحسين بن سعيد، كان وفدا للصلت إليهم، وحجّة له عليهم فيما بلغنا، فلمّا ظهروا عزلوه عن الرستاق، وولّوه جرفار اختيارا منهم له، وثقة منهم به بلا توبة. فلمّا ولوا الأمر، لم يظهروا للصلت ذنبا، ولم يعنفوا له حكما، أو وجدوا له مظلمة فيردّوها، فإن يكن ظالما، فقد ظلموا، إذ لم يردّوا المظالم، وإن يكن بريئا، فقد كفروا ببغيهم عليه، ومسيرهم إليه. وقد قال الله تبارك وتعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا). وإن يكن الصلت كافرا، فقد كفروا بوطئهم أثره، واستعانتهم أعوانه، وإن قالوا: قد كان المسلمون يبرؤون من بعض الأئمّة، ويتولّون ولاته. قيل: لهم نعم وليس على ما فعلتم، إنّما كان الإمام يحدث حدثا، لا يعلمه إلا الخواص من المسلمين، فينزلون الإمام منزلة (1/34)
صفحة 35
الحدث، ويتولّون من تولاه من أعوانه من المسلمين، إذا لم يعلموا منه مثل ما علموا. وأمّا مثل ما فعلتم أنتم، خرجتم عليه، وسرتم إليه محاربين، فلمّا أخرجتموه بالقهر والغلبة، وأنتم ولاته، فبئس الولاة هؤلاء الولاة، أن يكونوا ظالمين للصلت، فما ينبغي أن يلوا لكم، ولا يتولّوكم وهم يتولّون الصلت، وكانوا له عمالا. وإن يكن الصلت هو الظالم، وخرجتم أنتم عليه، من بعد ما ظهر ظلمه، فما ينبغي لكم أن تتولّوا ولاته، ولا تستعملوهم على شيء من أمركم، فإن زعموا أنّ المسلمين قتلوا عثمان، ثمّ أثبتوا بعض ولاته على مواضعهم، منهم أبو موسى الأشعري، أثبته المسلمون على الكوفة. قيل له: أخطأتم على المسلمين وجهلتم سيرتهم، أنّ المسلمين لما قتلوا عثمان، استتابوا الناس من ولايته، فمن هنالك استحلّ المسلمون استعمال من تاب، ورجع إلى الحق. ولقد كان ناس من أصحاب عثمان، الذي كان المسلمون يطعنون عليهم، ما لبثوا في المدينة، بعد قتل عثمان، ولقد خرجوا طردا شردا، حتّى لحقوا بمكّة، وخرجوا منها إلى البصرة، مع طلحة والزبير، ثمّ لحقوا بمعاوية بعد وقعة الجمل، منهم الوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم فيما بلغنا. ولقد بلغنا أنّ المغيرة بن شعبة، كلّم عليا في أن يثبت معاوية على الشام، رجاء طاعته، فأبى علي ذلك، وقال: (وما كنت متّخذ المضلّين عضدا). (1/35)
صفحة 36
فإنّ الصلت سبيله سبيل عثمان، حيث استعانوا بأعوانه بغير توبة. ولقد كان المسلمون يستتيبون عثمان من الذنب، فيتوب ثمّ ينكثه، فيقع فيما هو أعظم منه، وكان دأبه ذلك حتّى ختم عمله بأسره. فهؤلاء الخارجون على الصلت، ما أوقفوه على ذنب ولا استتابوه، ويسمّونه كاذبا ومخلفا، ولا يسمّون كذبه ما هو، فإن زعموا أنّه قد أوعدنا أن يعزل واليا، ثمّ لم يعزله، فذلك خلفه، فإن الصلت يحتجّ فيما بلغنا، أنّه كان يجيبهم إلى عزل واليا، ثمّ لم يعزله فذلك خلفه. فإنّ الصلت يحتج فيما بلغنا، أنّه كان يجيبهم إلى عزل الوالي، ويريد أن يعزله، ثمّ ينظر، فلا يرى لذلك البلد أصح من ذلك الوالي، فلا يعزله، فهذا ليس هو منه خلف، وإنّما هذا منه نظر منه، وهم اليوم يولّون ولاة الصلت بن مالك، ويولّون ولاة، كان يولّيهم الصلت، ثمّ تركهم ويولّون، ولاة كانوا يصحبون الصلت، وهو خلعوا الصلت وعزلوه. فإن قالوا: برئنا منه وعزلناه، فقد لزمتهم الحجّة، إذ لم يسمّوا حدثه ولا ذنبه الذي برئوا به منه، فيعلم ذلك العامّة قبل خروجهم عليه، كما فعل المسلمون بعثمان. فإن قالوا: نحن اليوم نسمّي حدثه الذي برئنا منه. قيل لهم: أخطأتم اليوم، ولا تقبل شهادتكم؛ لأنّكم بمنزلة قوم قتلوا رجلا، ثمّ شهدوا عليه من بعد ما قتلوا، بأنّه كان قتل، فلا تقبل شهادتهم، ولو شهدوا عليه قبل أن يقتلوه، لقبلت شهادتهم. فإن قالوا: مال المسلمون قاتلوا أهل الشام وضلّلوهم، حيث لم يقبلوا شهادتهم على عثمان. قيل لهم: جهلتم السنّة واحتججتم بغير الحجّة، أنّ عثمان شاعت أحداثه في الأمصار، قبل قتله بسنين، فلم يخف على أهل الشام ولا غيرهم، منها صلاة الظهر أربع ركعات بعرفات، في مجتمع (1/36)
صفحة 37
الحاج خلافا لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها وسنّها قصرا صلى الله عليه وسلم ركعتين، وأمر عتاب بن أسيد حين ولاه على الحج، أن يصلّي ركعتين، وكان عتاب من أهل مكّة، فقد عرف في الأمصار سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا خلاف عثمان للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد آوى عثمان طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص، عصى عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يقول: (ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبدا) فحق لإمام وجبت له النار، أن لا يلي من أمور الناس شيئا، وإن كابر عزل أو قتل، وليس كمن دعا إلى مشاورة المسلمين، فردّ موسى ذلك من بعد ما كان قبله، فيما حدثنا الثقة، وتفرد بالأمر وحده، وأعانه على ذلك رعاع من الناس، من لا علم لهم، ولا معرفة بسنن الدين، وسيرة المسلمين. وإذا قيل لموسى: إنّ عثمان أحدث كذا. قال: ومن يعلم ذلك؟ يريد أن يكذّب المسلمين حين جهل سيرتهم. وعلمنا ذلك والحمد لله من أخبار المسلمين، فصدقناهم ووطئنا آثارهم. ومن الحجّة على موسى، حين جهل أحداث عثمان، أن يقال له: إنّ الذين أخبرونا عن اسم عثمان، فثبتنا معرفته بأخبارهم، وهم الذين أخبرونا بأحداثه، فإن كذّبناهم في خبرهم باسمه، فإذا عثمان ولا أحداث. فإن قالوا: إنّ الأمّة قد أجمعت على (1/37)
صفحة 38
معرفة عثمان. قيل لهم: إنّ الأمّة لم تجهل أحداث عثمان، ولكن تولاه من تولاه، منهم على أنّه معذور معهم، فيما أحدث كذبا على الله، وعلى كتابه؛ لأنّ الله لم يخلف أحكامه؛ لأنّ الله تبارك وتعالى، لم يعذّب عبدا على أمر ويرحم عبدا، قد عمل به، إلا على التوبة والاستغفار، وإنّما جهل موسى سنن المسلمين، فرارا عن الحجّة. وقد بلغنا عنه أنّه يقول: الغلبة هي الحجّة، وقد عظمت خطيئته في هذا؛ لأنّ الدين لا يعتبر بالدولة، وقد دالت الجبابرة على المسلمين، فقاتلوهم وهزموهم، لتعظم أجور المؤمنين، ويشتدّ غضب الله على الفاسقين، وقد قال الله تعالى: (يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشّرهم بعذاب أليم). فإن قال: إنّ الصلت قد تبرّأ من الإمامة، وجدّدنا لراشد البيعة، من حيث لا يعلم الناس، فهذا هو الخطأ وأجهل الجهل، ولأنّ الإمامة من الدين، والدين لا يحكم ولا يكتم، والإمامة لا تختلس ولا تغتصب. فإن قال قائل منهم: فإنّا نجد في بعض رأي المسلمين، أنّه لو أنّ رجلا من المسلمين، قدم إماما، كان حقا على المسلمين، أن يجيزوا إمامته، قلنا لهم: ليس كلّ رأي شاذ معمولا به، ويترك ما اجتمع عليه فقهاء المسلمين وعلماؤهم. إنّ الإمامة لا تكون إلا عن مشورة من علماء المسلمين، ولو أنّ الإمام مات، لكان جائزا لمن حضر من فقهاء المسلمين، أن يقدّموا إماما، ولا ينظروا من غاب، وكان حقا على (1/38)
صفحة 39
من غاب أن يسلّم لمن حضر من فقهاء المسلمين، فأمّا إذا كان إمام يعزل أو يحارب، فليس إلا بمشورة من المسلمين، من أهل المصر، حتّى يكونوا شهودا عليه وحجّة، ثمّ يكون حقا على عامّة المسلمين الرعية اتباعهم وتصديقهم. فلم يفعل موسى بن موسى، شيئا من ذلك، وزعم أنّه لا حجّة فيما بلغنا. وقال الله: (وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه) وقال: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين). قيل في التأويل: والله لا يهدي القوم الظالمين للحجّة؛ لأنّ الظالم لا يلقي حجّة، فإن احتجّ بحجّة الباطل، غلبته حجّة الحق، وقال الله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ممّا تصفون) وقال: (فأيّدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين) بالحجّة لا بالدولة، وما بعث الله نبيّا إلا بحجّة، ولا خرج خارج من المسلمين، إلا بحجّة بيّنة، فمن لم يقتد بكتاب الله، ولم يكن على سنّة رسول (1/39)
صفحة 40
الله صلى الله عليه وسلم، ولا سنن المسلمين، فليس هو من المسلمين بإمام، وإنّما هو إمام البغاة، وليس الإمام في الدين من قص وخطب ودعاء ورغب، إنّما الإمام في الدين من علم التأويل، وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وفقه سنن المسلمين، وآثار أهل الفضل في الدين. وقال الله: (ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتّقون). قيل في التأويل في هذه الآية: (أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) أن يقوم المصلّي يصلّي على غير تقوى. فلمّا ظهر موسى وراشد على عمان، واستويا على الأمر، اتخذ راشد موسى قاضيا، ولم يكن الناس يقولون: إنّ موسى يطلب شيئا لنفسه، إلا ما شاء الله، فتحققت التهمة عليه في طلب الدنيا، ثمّ أثبتوا ولاة الصلت على مواضعهم، منهم من كان يطعن عليه، ومنهم من لم يكن يطعن، ولم يعزلوا منهم إلا الأقل، ومنهم من اعتزل قبل (1/40)
صفحة 41
أن يعزل، ووطنوا في ذلك أثره. فإن يكن الصلت ظالما، فقد ظلموا بوطئهم أثره، واستعمالهم أصحابه على غير توبة. وقال راشد: لم يكن رأى عزل أحد من ولاة الصلت، فإن يكونوا غير مبرئين، فإنّما بقي قدر شهرين، ولم يكن له أن يولّي أحدا من الخونة ساعة واحدة، وقد أخطأ في هذه اللفظة، وقد استعملهم إن كانوا عنده غير صالحين أكثر من ثلاثة أشهر على غير توبة. وإن يكن الصلت مؤمنا، فقد كفروا ببغيهم عليه، وليس لهم والحمد لله روح أينما توجّهوا، فليس كما قال من لا علم له: إنّ المسلمين يبرؤون من الإمام، ويتولّون ولاته، وهم لا يعلمون أنّ الولاة قد علموا منه مثل ما علموا هم منه. فمن روي هذا من المسلمين، فقد أخطأ وجهل، وإنّما كان ترخيص من المسلمين في ولاية عمّال إمام يبرأ منه المسلمون، من غير علم من عمّاله، بما علم المسلمون منه، وذلك أنّ المسلمين يطلعون من الإمام على مكفرة مستترة، ويخافون عند إظهارها الفرقة، فبرئوا من الإمام، وتولّوا ولاته، إذا لم يعلموا مثل ما علموا. وأمّا إذا خرجوا عليه وحاربوه، فلا يسعهم أن يظهروا محاربته، حتّى يظهروا أحداثه ويسمّوها، كما فعل المسلمون بعثمان، فإذا قتلوه أو عزلوه، استتابوا الناس من ولايته، كما استتاب المسلمون الناس من ولاية عثمان مرّتين بعد قتله، وبعد وقعة الجمل (1/41)
صفحة 42
استتابوهم من ولاية عثمان وطلحة والزبير، وهكذا وجدنا في آثار أسلافنا، فلم يفعل موسى وراشد شيئا من هذا. فإن يكن حقا، فقد كتماه، وإن يكن باطلا، فقد ركباه وحمموا الأمر، وألبسوا بعضها ببعض، وقد غيّر الله أقواما فقال: (لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) فلمّا استوليا على الأمر، دخل داخل على راشد، فقال: انصحوني فإنّي أقبل النصيحة، فظنّ أنّه عند قوله فقال له الناصح: أرسل إلى نفر من المسلمين، لم يكونوا شهدوا أمر موسى وراشد، وهم خيار أهل بلدهم، معهم شيء من علم وفقه، فقال له: أرسل، فإذا اجتمعوا عندك فقل لهم: إنّي قد دخلت في هذا الأمر، فإن كنت مصيبا فعينوني وآزروني، وإن كنت مخطئا فتوّبوني. فقال له: اكتب هذا الكلام في كتاب، فأملاه على صاحب له يقال له: عمرو بن عباد، فلمّا فرغ ممّا يريد من نصيحته، فأطلع موسى على ذلك الكتاب، فردّ تلك النصيحة، ولم يرض رأي المسلمين، والشورى حق في كتاب الله، فمن ردّها ردّ الحق. قال الله تعالى: (والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون) فذكر فضل الشورى بين الصلاة والزكاة، ولو كان لموسى علم لشاور أهل العلم، ولكن شاور في أمر الإمامة، من لا يرضى أن (1/42)
صفحة 43
يستشيره في أمر حكم، فصار أمر الإمامة مع موسى أصغر من أمر حكم يحكم به بين خصمين، فسبحان الله عن هذا. كيف لا يستحي، ثمّ أعظم من ذلك قوله: إنّه لا نعلم إماما اجتمع عليه، مثل ما اجتمع على هذا الإمام، وقد صدّق ما نعلم إماما اجتمع عليه من أهل الجهل والعنف والضعف، ما اجتمع على بيعة هذا الإمام، فسبحان الله، كيف لا يستحي هذا الرجل أن يوهم الناس، أنّ هؤلاء أفضل ممّن بايع الإمام، يكذّبه في ذلك أصحابه؛ لأنّ محمّد بن علي، ومحمّد بن محبوب، وبشير بن المنذر، ومن كان معهم في أقرانهم ونظرائهم، فهؤلاء الذين، ولو بيعة الصلت، والذين من قبلهم، كانوا أفضل منهم، وليس في أصحاب موسى من يداني أدنى واحد من أهل الفقه والعلم، من الذين شهدوا بيعة الصلت ورضوا به. فلمّا ردّ موسى تلك النصيحة، قال لهم قائل: إنّ الإمامة لا تقوم بمشاورة أهل الإحن، ولا بأهل المعصية ولا بسفكه الدماء، وكلّ هؤلاء قد حضروهم في حشدهم، وأهل الأطماع، فلمّا قال له ذلك، غضب على أهل العلم وسحقهم، تشهد عليه البيّنة العادلة، ثمّ أتى من قبلهم الذي أهدى إليه النصيحة، جند من جنود الشيطان، فأخافوه وأرعبوه ودخلوا منزله، فكف الله شرّهم وبأسهم، ثمّ أنّه أتى إلى راشد، فما استتاباه من ذنب ولا لزمته عندهما عقوبة، إلا أن قالا له: بائع. فقال لراشد: أبايعك على كذا وكذا شروط الله على الأئمّة، ولم يكن موسى يبصرها ولا يعلمها، فأبى راشد أن يبايع على ذلك، وقبض كلّ واحد منهما على غير بيعة، فقال جلساء السوء: بايعه على الجملة. فقال (1/43)
صفحة 44
الرجل: لا، لكلّ زمان حكم، ولا أبايعه إلا على التفسير، وهم لا يعلمون تفسيرا، ولا جملة، لو سئلوا عن ذلك لم يهتدوا له، ثمّ أنّ الرجل قال لموسى: بعثتم إلينا من أخافنا وأرعبنا. فقال: إنّا لم نبعث أولئك، فألزم نفسه الحجّة من حيث لا يعلم، فإن كان لم يبعثهم، فحقيق عليه أن يعاقبهم إذ تعدّوا أمره، وطلبوا رعيته. وإن كان بعثهم، فقد شارك في وزرهم، وليس له والحمد لله روح أينما توجّه. فإن قال موسى وراشد: قد تبنا واستغفرنا من
ذلك، فإنّما كانت توبتهما سرا، فأظهر ذنوبهما وأسرّا توبتهما، إلى أن وقعت رمية في الدار، التي سكنها راشد، فقالوا: كسرت جرة، وقد كان الرمي يقع في دور الأئمّة، فيما بلغنا من صبي يرمي سدرة، أو يرمي طائرا، فتقع الحجر، فلا يكون من الأئمّة إلا الخير، وأئمّة العدل أهل رأفة ورحمة واحتمال في أنفسهم، ما لا يحتملون في غيره، فاتهموا بتلك الرمية ابني محمّد بن الصلت بن مالك، على غير سبب فيما بلغنا، وقد قيل: إنّ غيرهما الذي رمى، ولا نبرئهما ولا نحقق عليهما، فعظم شأن تلك الرمية، فأحرقوا بها دار عمّهما شاذان، وكان البعث إليه إلى داره، زعموا أنّهما كانا معه. (1/44)
صفحة 45
ولم يكن راشد ينهى عن منكر ولا يأمر بمعروف. فإن قال قائل: إنّهم امتنعوا وشهروا الأسلحة، فحق من طاف بداره آلاف من غواة الناس، أن يفزع منهم، وأن يدفع عن نفسه بما قدر. ولقد بلغنا عن الثقة، وصح معنا، أنّه كان بعض من هو حزب الصلت، يقول لموسى: نحن نأتيكم بالغلامين، فكفّوا عنا هذ البعوث، فلم يلتفت موسى إلى ذلك. ولقد بلغنا أنّ عزّان بن تميم، كان يقول: يا قوم نحن نأتيكم بهما، فلم يلتفتوا إلى ذلك حتّى أحرقوا بهم، وما حارب المسلمون عدوّهم من أهل القبلة بالنار قط. فإن قالوا: نحن لم نحق، وإنّما حرق الغوغاء وأخلاط الناس. قيل لهم: ومن أغرى الغوغاء وأخلاط الناس إلا أنتم، فلا عذر لكم، ثمّ لم ينظر في ذلك الحرق، ولا عمل فيه بإنصاف، ثمّ أنّ موسى جعل يستكتب كاتب الصلت، الذي كان يعيبه، وأجاز شهادته على ثلاثمائة نخلة صداقا لامرأة، شهد بها وحكم بشهادته على غير توبة، وهو كان يعيبه ويطلب (1/45)
صفحة 46
عزله، رفع إلينا ذلك الثقة، واستعانوا بسعيد بن محمّد على قصاص وجروح، لا يؤتمن عليها إلا أهل العلم والبصر والأمانة، وهو اليوم كاتب لراشد، وموسى كان يعيب الصلت بصحبته. فإن قال: إنّي لم أستعن بهم كل الاستعانة، ولم أثق كلّ الثقة. قيل له: القليل من الأمانة الفاسقين والكثير سواء، وليس هذا بمنزلة نهر طالوت، يحلّ قليله ويحرم كثيره. ثمّ أنّ موسى قرب شاذان بن الصلت، وكان يعيبه ويعيب أباه، فجعل يهاديه، يهدي هذا إلى هذا، فيما رفع لنا ذلك ثقة موسى، الذين يثقون هم به. ولقد رفع إلينا، أنّ موسى كان يكتب لشاذان إلى بعض ولاة الغلفة، واستخرجوا له ديونا، كانت على الناس، فسبحان الله، ما كان يحسب أنّ أبا شاذان كان يفعل هذا لشاذان. فهل كانوا يعيبون الشّيخ إلا بمثل هذا؟ ولقد ذكر لنا أنّ موسى كان يقول لشاذان: اكتب إليّ بحاجتك، فإنّ قضاء حاجتك من (1/46)
صفحة 47
المروءة. فسبحان الله، ما ينبغي لحكيم أن يقول هذا لتهيم، ولكن غفرت ذنوب شاذان وأصحابه، على غير توبة، حين عزلوا الصلت، وخلفوه في موضعه، ثمّ أنّ فهم بن وارث، ومصعب بن سليمان، خرجا بمن معهما من إخلاط الناس، أهل الرستاق وغيرهم من أخلاط، منهم من لا يدري حقا من باطل، ومنهم من ظنّ أنّهما يطلبان حقا، وسار فيهم ممّن كانوا هم يثقون به، مثل زجر بن سليمان وغيره، على نحو ما كانوا ساروا مع موسى، وكان راشد بن النظر يقول: إنّه يثق بفهم بن وارث، ولا يعرف مطلبهم ما هو، إلا أنّ فهما ومصعبا، ليسا بإمامين في الدين، ومصعب كان من عيون صلت، وعيون موسى؛ لأنّه كان غير رشيد، إلا أنّ الصلت كان عزله وتجنّبه، ولم يكن لهم في مصعب على الصلت حجّة، وثبتت الحجّة على موسى في مصعب، حين اتّخذه عضدا، ثمّ أوقع الله بينهم الفرقة والعداوة والبغضاء، وثار بعضهم لبعض بالشنآن. وكذلك جزاء من خالف السنّة، فسار فهم ومصعب، حتّى نزلا موضعا يقال له: الروضة، قريب من نزوى، نحو فرسخين ويزيد بشيء، وراشد بنزوى، وقد كان خروجه إليهم قوادا، وليس فيهم فقيه ولا أمين على حجّة، ولا بصير بسير المسلمين في الحروب، فلقولهم قبل وصولهم إلى الروضة، ثمّ سايروهم حتّى نزلوا جميعا الروضة، جند راشد وجند فهم، وهم قد أمن بعضهم عند بعض، وكلا الفريقين بحمد الله، غير موافقين للحق إلا ما شاء الله، فلمّا نزلوها، لئلا بات الفريقان آمنا بعضهم من بعض، ثمّ أنّ راشدا بعث من عنده جندا، وعندهم قواد لا فقه لهم ولا فهم، وفيهم عبيد الله بن سعيد، قائد (1/47)
صفحة 48
ورأس فتنة، والخطيئة في عدد أخلاط، منهم متمسّك، يحسب أنّ الطاعة قد لزمته، فخرجوا بين فاسق ومارق، لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون، فهجموا عليهم في بعض الليل، ففزع بعضهم من بعض، ووقع بينهم مهايجة من القتال، فقتل رجل فيما بلغنا في الليل، ممّن خرج من جند راشد، ثمّ تحاجز الفريقان، إلا أنّه بقي بقية من الرماة فيما بين العسكرين. ودار أصحاب راشد بفهم وأصحابه، شرقا وغربا، وأعلى وأسفل، فلمّا أصبحوا لقيهم رجل من صحار يقال له: غيلان بن عمر، وقد كان غزا في سرية من قبل والي صحار، فلقي القوم فسار حتّى نزل معهم الروضة، ولقي منهم فهم بن وارث وغيره من أصحابه، فجعل يكلّمهم ويكلّمونه، ويدعوهم ويدعونه إلى السلم، وهم يجيبونه إلى ذلك، والناس متفرّقون إلى أن شبت الحرب فيما بينهم، من ناحية العسكرين، بعيد من موضع فهم وغيلان، فتواضع الناس بالقتال، فحدّثنا غيلان، وكان صدوقا فيما علمناه، أنّه كان يكف الناس عن القتال، ويحجزهم حتّى تعب بدنه وصوته، من شدّة ما كان ينهى عن القتال، إذ لم ير وجه قتال، وغلبه الناس على أصحاب فهم، وتفرّقوا عليهم وقتل من قتل في المعركة، وفرّ فهم فأدركوه وأسرّوه، وناسا من أصحابه، وقتل نصر بن منهال، شيخ ضعيف كبير ضعيف عن القتال، فيما ذكر لنا، وكان قد سار مع فهم، وقد ذكروا أنّه قتل وهو نائم، وقد سألنا واجتهدنا وتبحّثنا من شهد الوقعة، فلم يكن مع أحد منهم خبر، ولا علم أيّ الفريقين بدأ بالقتال، وأخذ مصعب وأخوه كلاهما، وأقبلوا على (1/48)
صفحة 49
الجمال، يعقرونها فعقروا فيما بلغنا ستّة عشر جملا وفرسا، ونهبت أموالهم وأدواتهم وثيابهم، فيما ذكر لنا، وليس هذا من سيرة المسلمين في عدوّهم من أهل القبلة، لم يعقروا دابة، ولم ينهبوا مالا، ولم يستحلّوا سلبا، ولم يقتلوا مولى، ولم يجهّزوا على جريح. وهؤلاء قول قتلوا المولى فيما ذكرنا لنا، وقد رفع إلينا عن الثقة، أنّ الرجل من أصحاب فهم، كان يتلجّأ فتوضع عليه السيوف، وكان الرجل يأتي مستسلما، فيدفع إليهم سيفه، فيأخذونه منه، ثمّ يقتلونه، ولم يظهر لموسى في ذلك إنكار ولا تغيير. فإن قالوا: إنّما نهب وسلب وعقر الدواب، من ناس ليسوا ممّن بعضنا، وإنّما من فعل ذلك غوغاء الناس، فقد خصموا أنفسهم، وألزموا الحجّة، إذ اختلط فيهم من لا يستطيعون أن ينهوه عن المنكر، فكان الحق عليهم أن يظهروا إنكار ذلك، ويغيّروه على من فعله، من أصحابهم وغيرهم. ولقد دخل من دخل من المسلمين فيما بلغنا على موسى، فقال له: أنكر هذا المنكر وغيره. فقال: لا أظهر إنكار هذا ولا أغيّره (1/49)
صفحة 50
لأنّا نخاف، ولكن من استنصف إلينا نصفناه، ومتى يعلم الضعيف المظلوم ما في قلب موسى، أنّه يريد إنصافه، وما يغني ما في القلب اللسان، ولقد بلغنا أنّ لحوم الجمال المعقورة، كانت تباع في سوق بنزوى، قريبا من موسى وراشد، فلم يستطع المسلمون إنكار ذلك، وكانوا يعيبون على صلت، ذكر أحداث من سرايا، كانت تطرو في أطراف عمان، لا يدري كانت أو لم تكن، ولم يعيبوا على أنفسهم الأحداث الشنيعة، وهي قريبة منهم، يكادون يعاينونها بأعينهم، فهذا ما كان من أحداثهم وأخبارهم، في وقعة الروضة، والحمد لله رب العالمين. وإذا سئل موسى عن تلك الأحداث، قال: ومن يرضى بذلك؟ فالحجّة عليه، أنّه قد رضي بذلك؛ لأنّ من لم يغيّره ولم ينكره، وهو قادر على إنكاره وتغييره، فقد رضي، وقد اشتبهت أمورهم، غير أنّ الفريقين جميعا غير راشدين، ولا نعرف أنّ إحدى الفئتين، سارت بسيرة المسلمين، وكلّ بحمد الله عندنا غير معذور؛ لأنّ فهما ليس هو بإمام في الدين، ولا سار مسيرا يرجو فيه (1/50)
صفحة 51
المسلمون خيرا، وقواد راشد وجنوده أصلهم ضعيف، ورأيهم عنيف، ليس فيهم فقيه يقوم لله بحجّة، والحمد لله ربّ العالمين، والله ينتقم من الظالمين، وقد ينتقم الله من الظالم بالظالم، ثمّ ينتقم منهم جميعا. ثمّ استقام الأمر لراشد، واشتدّ سلطانه بعمان، وقد تكون الأحداث من قبل مهرة، في طرف من سفل عمان، فربما يضربون الرجل، ويستاقون للناس بعض الإبل، فلا أخذ رجل منهم على ذلك، ولا بعث إليه سرية، وإنّما بأسه وشدّته على الرستاق، ومن أخذ أخذهم. وفيما يصح عندنا من الخبر، أنّ رجلا وقف على باب السجن، فناول كتبا إلى الحواري بن عبد الله، والأشعث بن محمّد بن النضر، هما يومئذ من أصحاب راشد ومن حزبه، فأطلع بعض جنود راشد، فأخذوه فاهتدوه بالكتب إلى راشد، فلمّا عرف الكتب إلى من هي، فأمر به فحبس في السجن، فبلغنا أنّه ضرب مع ذلك، فلبث في السجن إلى ما شاء الله، ثمّ خرج فدخل من دخل على راشد، ممّن أنكر حبسه فقال لهم: حبستم الرجل، وليس عليه حبس؛ لأنّه إنّما حمل الكتب إلى أصحابكم، فقال: إنّما حبسناه ساعة، ثمّ أخرجناه ولم نبيّته في السجن، والله لا يرضى بقليل الظلم ولا بكثيره. ولقد بلّغنا أنّ (1/51)
صفحة 52
قوما من أهل سلوت، دخلوا على رجل في منزله، فكسروا بابه وضربوه بالسيوف، فحمل الرجل مضروبا إليه منتصفا، وأن يبعث سرية عنده إلى الذين ضربوه، فلم ينصفه منهم، وقال: من أجل رجل واحد، أبعث إلى قوم هم أنصار، فلم يفعل ولم ينصف الرجل من أعوانه، وكان حقا على راشد، لو كان إمام عدل، لأنصف من نفسه، ومن أعوانه كإنصاف أعوانه ونفسه. وقد قيل: لا يكون الحاكم حاكما، حتّى يكون إنصافه من ذنبه، إذا أكل جاعدة غيره، كإنصافه من ذنب غيره، إذا أكل جاعدته، فإن لم يفعل، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأخطأ راشد السنّة، وجهل العدل، وكفى بهذه من أحداثه، ولم يجعل ضرب السيوف كرمية في داره. قد بلغنا أنّ إماما من أئمّة المسلمين، يقال له: سليمان بن عبد العزيز، في حضر موت، أنفق مائة ألف درهم، على لطمة، حتّى أنصف المظلوم، فلو رأى أنّ دون هذا يسعه، أو يحلّ له، لاتسع بدون هذا، وما كان لراشد أن يتغافل عن الحق، ولا عن إنصاف المظلوم، ولو من ولده، ثمّ بعثوا قائدا يقال له: زائدة بن خطاب، فيما ذكر لنا، أنّه معروف باللصوصية والسرق، فبعثوه في نفر من أعوانهم، إلى حي الرستاق، يقال لهم: بنو غافر، ولا نعلم لهم حدثا يستحقّون به، أن يبعث إليهم سرية، فلمّا دخل واديهم، تلقّاه بعض من سرعان الناس وسفهائهم، فيما بلغنا، فهايجوه وكان بينهم هناك شيء من قتال، (1/52)
صفحة 53
حتّى جرح بعض أصحابه، ولم يقتل في تلك الوقعة أحد، وفرّ منهم هو أصحابه، فأتى الخبر إلى راشد، فجهّز إليهم سرايا وقوادا حفاة عماة، ولم يسيروا بقصد، ولم يهتدوا برشد، فذكر لنا أنّهم أكلوا من ثمرة نخلهم، وأكلوا من سوقمة كانت لهم في أرضهم، ودخلوا بيوتهم وكسروا أقفالهم. فإن يكن أهل سلم، فقد حرم الله عليهم ما انتهكوا منهم. وإن كانوا أهل حرب، فقد رحم الله ما أكلوا من أموالهم؛ لأنّ الحرب من أهل القبلة، لا يحلّ للمسلمين أن يأكلوا من ثمرة تسقط من نخلهم. ولقد بلغنا أنّ خوارج المسلمين من أسلافنا، دخلوا قرية من قرى أهل البغي، فالتقط أحدهم ثمرة، فالتهمها فزجره المسلمون، فألقاها ولفظها، فقود من لا علم له، ولا فقه بسيرة المسلمين، فلم ينكر ذلك موسى ولم يغيّره. فإن قالوا: لم يصح هذا معنا ولم نعلمه. قيل لهم: كيف كنتم تعيبون هذا على صلت؟ قيل: قواده في طرف من أطراف الأرض، وهو لا يعلم، فله من العذر مثل ما لكم، فهذه سيرتكم في بني غافر، والحمد لله ربّ العالمين. وعمّر في سجن راشد، أناس من بني غافر، وأناس ممّن شهد وقعة الروضة في القيود والهوان، وكان أبو خالد سليمان جريحا مريضا، فيما ذكر لنا نازلا في بعض دور نزوى، فأمر به راشد فقيّد في منزله، كبعض العبيد، وما يعرف المسلمون هذا القيد، فإن (1/53)
صفحة 54
يكن يستأهل السجن، فكان يحبسه، وإن كان معذورا من السجن، فهو من القيد أعذر، ولا نعلم أحدا من سلطان العدل والجور، سبق راشدا إلى هذا الفعل، يقيد رجلا في بيته وهو مريض، وهذه من عجائبهم، وأنّ ناسا من كلب اليحمد، كتبوا إلى شاذان، يسألونه الخروج على راشد، فكتب إليهم شاذان فيما ذكر لنا العدل، يقول لهم في كتابه: أمّا أنا يستأهل السجن، فكان يحبسه، وإن كان معذورا من السجن، فهو من القيد أعذر، ولا نعلم أحدا من سلطان العدل والجور سبق راشدا إلى هذا الفعل، يقيّد رجلا في بيته وهو مريض، وهذه من عجائبهم، وأنّ ناسا من كلب اليحمد كتبوا إلى شاذان، يسألونه الخروج على راشد، فكتب إليهم شاذان، فيما ذكر لنا العدل يقول لهم في كتابه: أمّا أنا رجل من المسلمين، لا أنفرد بالأمر دونهم، ولا أريد أن أكون في هذا الأمر رأسا، فإن قام المسلمون، فأنا معهم ونحو هذا من القول فيما رفع إلينا الثقة من المسلمين، فخرج إليه يمان بن مصعب بن راشد، وأبو خليد وأبو النضر بن أبي خليد، وأبو النضر راشد إلى أبي خليد، في ناس بايتوهم حتّى هجموا عليه ليلا، فأخذوه وخرجوا به، فاجتمع من اجتمع معهم من اليحمد، ولا ندري ما أرادوا في اجتماعهم ودعوتهم ما هي. فلمّا بلغ راشدا اجتماعهم، بعث من قبله قوادا جفاة، لا علم بحرب المسلمين، ولا بصر لهم بحجّة على عدوّهم، فساروا حتّى نزلوا قرية يقال لها: عيني، وأقبل شاذان بمن معه من وادي عمق متجرّدا، يريد فيما قيل لنا قرية يقال لها: سوني قريبا من عيني، فلمّا كان فيما بين القريتين، حدّثنا بذلك الثقة، وثب عليه أصحاب راشد بلا حجّة، ولا (1/54)
صفحة 55
مناظرة، وتداعوا بدعوة الجفاء، وقالوا: شأنكم خذوهم، ورأس شاذان خذوه، فيما رفع إلينا، وتحدّث الناس بهذا، فابتدرهم سرعان الناس، فاقتتلوا فيما بينهم، وقتل من قتل من أصحاب راشد وفر عامّتهم، وسار شاذان حتّى دخل الباطنة، ثمّ رجع إلى الرستاق، ودخل وادي عمق، وتراجع أصحاب راشد واجتمعوا، وجاء عبيد الله بن سعيد، بمن أجابه من أخلاط الناس، ثمّ ساروا حتّى لقوا شاذان وأصحابه في موضع يقال له: الطباقة من أسفل وادي عمق، فاقتتلوا وقتل من قتل، وانهزم شاذان بن صلت وأصحابه، فلم يظفروا بشاذان، وجعلوا يلقطون الناس، البريء وغير البريء. ولقد حدّثنا الحكم بن سليمان، وهو ثقة مأمون، أنّه قال لموسى: كم من مظلوم في هذا الحبس؟ فأسرّوهم ورفعوهم إلى سجن نزوى، فحدّثنا بعض من يتولّى راشدا وموسى، أنّ رجلا من الأساري ضعف من المشي، فسحبوه سحبا، حتّى مات في مسحبه. وقد حدّثنا الرجل أنّه أخبر موسى بهذا، فما ظهر مه إنكار ولا تغيير، ولو أنّ مشركا محاربا سحب على وجهه، حتّى مات في مسحبه، لكان منكرا عظيما؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل المثلة فيما بلغنا، وهذا من المثلة. فإن قالوا: لم نعلم ولم يصح معنا، فهذه حجّة صلت فيما كانوا يعيبونه، مع أنّ الحجّة عليهم، أنّ قوادهم غير ثقة (1/55)
صفحة 56
ولا عدل من المسلمين. فإن قالوا: هم ثقة معنا. قيل لهم: هذه حجّة صلت في قواده، مع أنّ عامّة من الناس وغيرهم، يعلمون أنّ قواد هؤلاء، ليس خيرا بقواد صلت، وقد علم خاصة من المسلمين، أنّ هؤلاء أشرّ، والشاهد دليل على الغائب. ثمّ استأذن أنّ شاذان هرب وبعثوا قوادا من قبلهم إلى الرستاق ثانية، منهم أبو الجندي بن معدان، معروف بالطيش والسفه، وإنّما كان من جنود الشيطان مع ابن واصل، في فارس فيما بلغنا، من غير رشد ولا صلاح يظهر، ومنهم محمّد بن أبي فضل، معروف بسفك الدم من الحرام، قبل ذلك لا برشد يعرف ولا باقتصاد، ومنهم عبيد الله بن سعيد، سفيه أحمق لا يستر عورته، ويعرفه بذلك الثقة من المسلمين، وأخلاط الأعراب الجفاة، فساروا حتّى دخلوا الرستاق، فيما بلغنا، فقطعوا الزراعة فيما ذكر لنا. ولقد بلغنا أنّ أبا الجنود، كابر امرأة على شيء من حليّها، واستفاض هذا الخبر، فإن قالوا: لا نقبل هذا إلا ببيّنة عدل، قيل لهم أيضا لصلت من العذر، مثل ما لكم. فهل حكمتم به لأنفسكم؟ ومن الحجّة عليهم، أنّه من أمن الذنب على الغنم، ثمّ كلّف الغنم بيّنة عدل على الذنب، فهو الآثم الظالم، مضى مثل أنّ المفرط نام، وأنّ الذي يستصحب الذنب ظالم، ثمّ بسطوا لعبيد الله بن سعيد يده بعمان، من غير صلاح ولا وقار ولا عفاف، وأن لو شهد شهادة مع موسى، ما قبل شهادته فيما عرف موسى منه، ثمّ سار عبيد الله بن سعيد إلى صحار، فعمل فيها أعمالا قبيحة، فيما (1/56)
صفحة 57
ذكر لنا، من استرهاب الناس، وأخذ أموالا فيما رفع إلينا، وأذعن له والي صحار وسلّم له فيما بلغنا، ولقد ذكر لنا وشاع ذلك وشهر، أنّه أرسل إلى شيخ ضعيف، يقال له: عبد الرحمن بن الوليد، وهو مؤذّن الوالي، إلى صاحب حرسه بصحار، وأمين له على بعض ضياعه، فأرسل إليه عبيد جندا من جنوده، ليجروه إليه بغير حق، فاستجار بالوالي فيما ذكر لنا، فلم يجره. وقال الوالي: أنا كفيل له كفيل به، فلم يكفلوه، وجر إليه كرها ليسأله تأخير حق له، على بعض من استعان بعبيد الله عليه، ثمّ هدّده عبيد الله، وأوعده فيما بلغنا، حيث لم يشفعه، وقد بلغنا أنّ والي صحار، كان يرفع إليه الخصماء، وهو غير فقيه ولا بصير بحكم، وما فعل ذلك والي صحار، إلا تعظيما لأمر الدنيا ومهابة للسلطان. وبلّغنا أنّ عبيد الله، خطب إلى رجل كثير المال، ضعيف القوى بنته، فأبى أن يزوّحه، فأغرى سفهاء من الناس بماله، فزوّجه الرجل تقية ومخافة فيما يرى، فلمّا تزوّج إليه، استولى على كثير ماله أو على جملته. ولقد بلّغنا أنّ الرجل احتاج إلى قفيزين من تمر، فما نالهما من ماله، وله مال كثير، حتّى اشتراها (1/57)
صفحة 58
شراء. ولقد بلغنا أنّ والي نخل، أراد أن يدخل في شيء من إنصافه، وكتب إليه راشد، فيما ذكر لنا ورفع إلينا بعض أصحاب والي نخل، أنّ هذا قصور منك إلى الدولة، فسبحان الله، أيّ دولة لا ينصف فيها إلا دولة الجبابرة، ولقد ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا قدست أمّة لم تأخذ لضعيفها من قويّها الحق إلا تعنّفا. فكيف إذا بطلت الحقوق بمرّة، وقد قال من قال: لا يكون الحاكم حاكما، حتّى يكون إنصافه من ذنبه، إذا أكل جاعدة غيره، كإنصافه من ذنب غيره، إذا أكل جاعدته، فإن لم يفعل، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. والإمام لا يكون ضعيفا ولا مداهنا، وإذا ضعف عن إعطاء الحقوق، وتنفيذ الأحكام، فقد زالت إمامته، وإن داهن فقد كفر، وقد كانوا يعيبون الصلت بابنه، شاذان يوم كان، والعين ترى والأذن تسمع، وقد علم أهل العقل على المعاينة، أنّ الظاهر من شاذان، خير من الظاهر من عبيد الله، فإن عابوا بالباطل، فالباطل أقبح وأشنع، فيما بلغنا. وكانوا يعيبون أصحاب صلت بالرشاء، وقبول الهدايا بالحكايات، فقد حكي عن هؤلاء أقبح ما حكي على أولئك، فقد ذكر عن ابن موسى، أنّه يكتب إلى تجّار صحار، يسألهم القرض ويسألهم أن يتجروا له، ولم يكن من قبل يسألهم هذا، ولكن تقوى عليهم بسبب السلطان. (1/58)
صفحة 59
ثمّ خرج موسى إلى صحار، فروي عليه من أخذ أموال الناس، أشنع ممّا كان يروى على شاذان. فإن كان شاذان من عيوب الصلت، فابن موسى من عيوب راشد، فإن قالوا: لم يصح قيل لهم، وكذلك الحكايات على أصحاب صلت لم تصح، ومن عاب صلتا وأصحابه، وأنكر عليه شيئا، رضي بمثله عن راشد وموسى، فهو مع المسلمين، تهيم كاذب مكذّب. ومن جعل لموسى وراشد على حدث جعله من صلت منكرا، فهو خائن جائر، ولو بلغ في علمه عام الربيع؛ لأنّه لا يجوز على الله في صفته، أن يعذّب رجلا ويرحم رجلا واحدا، على عمل واحد على غير توبة، فاعقلوا يا أهل العلم، وأبصروا يا أهل البصر، وتفكّروا يا أهل الفكر. فإن قالوا: إنّا لا نبحث عن الدقائق، ولا نهيج فتنة بغير تسكين الأمور. قيل لهم: كيف وسعكم البحث عن الدقائق على صلت (1/59)
صفحة 60
وتهييج الفتنة، وقد كانت الأمور ساكنة، والمسلمون يومئذ أحسن ألفة وأبعد من الريبة، ثمّ جعل موسى يفسق أصحاب صلت، حين كان من شاذان، ما كان ولا يميّزهم ولا يسمّيهم، ولا يسعى بهم، وعامة أصحاب صلت هم أصحابه، وولاة صلت هم ولاته، لم يستعمل إلا من هو شر منهم، ومن يعص ولاة صلت وقوّاده وأعوانه، يعرف ذلك أهل العقل بالمعاينة لا بالظن، وقد كان موسى يقرب أصحاب صلت، ويجيز شهاداتهم ويستكتبهم، ويستعين بهم على بعض الأحكام، ويهدي إليهم ويهدون إليه، رفع إلينا ذلك الثقة مع موسى، وقد كان يعيب صلتا بهم، فسبحان الله كيف كانوا كفّارا متّهمين، ثمّ صاروا بعد اعتزال الصلت أمناؤه بغير توبة. وإن كان هذا الأمر مرتجى، ما كانوا يعيبون به على صلت، أنّهم قالوا: كان له أصحاب يسجنون بغير رأيه، فسليمان بن محمّد بن أبي حذيفة، سجن رجلا ضعيفا بغير حق، حتّى أطلع على ذلك راشد، فأخرجه ولم يغيّر على سليمان ما فعل، ثمّ نصحهم في أمر شاذان، فقال لهم: أفدوا إليه وفدا من أصحابكم، يحتجّون عليه قبل سفك الدماء، وتسألونه ما يطلب فردّوا النصيحة، وجعلوها غشا، وتعجّبوا من الحق وجهله سيرة المسلمين. وقد كان المسلمون يوفدون الوفود، إلى من خرجوا عليه، أو خرج عليهم، فمن جهلهم إن جهلوا بين المختار، وبين عبيد الله، لحرب (1/60)
صفحة 61
أبي خالد سليمان، وجهلوا وفد المسلمين إلى هناه، من وفدهم الحكم ابن بشير وأبو الحواري فيما ذكر لنا، وجهلوا عدل السيرة في المحاربة. ولقد بلغنا عن بسطام الصفري، خرج على عمر بن عبد العزيز، فبعث إليه عمر بن عبد العزيز قائدا، فأمره أن يسايره ولا يهايجه، حتّى يحدث حدثا من سفك دم حرام، أو أخذ مال بغير حلّه، فجهلوا هذه السيرة، قد كان في أصحاب شاذان من يثقون هم به، منهم يمان بن مصعب، ونصر بن صغير فيما بلغنا، وقد كان في الحق عليهم، أن يطنوا أثر المسلمين، فقد تركوها جهلا منهم، وتهاونا منهم عليها، وقد قال الله تعالى: (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون) وقال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فإن قالوا: ما لصلت لم يكن يوفد وفدا، قيل: إنّما كان صلت يبعث إلى قوم قد أحدثوا (1/61)
صفحة 62
أحداثا من سفك الدماء، وأخذ الأموال وقطع الطرق وقوم لصوص، ومع ذلك أيضا لو كانوا مجتمعين، لم يعجل عليهم بالقتال، حتّى يبعث إليهم وفدا، ويحتج عليهم، فإن يكن صلت مؤمنا، فقد كفر من بغى عليه وقهره، حتّى اعتزل بغير إقامة حجّة، فإن يكن صلت كافرا، فقد كفر من عمل بعمله، وسر بمثل سيرته، فإن قالوا: إنّما وليّنا ولاة صلت، واستعنّا بأعوانه؛ لأنّهم لم يكونوا يعلمون كيف يسعهم إلى إمام يحاربونه، ويأخذون بعض ما جمعه، ولاته من الحب، وأنّهم لا يظهرون ذنوبه ولا عيوبه. أرأيتم لو أنّ ولاته، اجتمعوا إليه فقاتلوكم معه وهم أولياؤكم، من كان أضلّ. وهل سمعتم بأبين ضلالة، ممّن دعا إلى حق لا يسمّيه، وأنكر منكرا لا يبيّنه؟ ولا يجيبه إلى هذا، إلا الضلال الغواة، الذين هم بمنزلة الشكاك والمرجئة والحشوية، يدينون بطاعة الإمام، حتّى إذا خرج عليه خارج فغلبه أو عزله، فرجعوا دخلوا في طاعته، منهم من تبرّأ منهم، ومنهم من تولاهما، وكلا الفريقين ضال الحمد لله. وأنّ رجلا من خيارهم من أوثق أصحابهم، كان مرّ عليه ولاة، قال: إنّ الصلت لم يزل إماما، حتّى اعتزل قم هو يجمع صلتا وراشدا في الولاية جميعا، ويعيب من عاب صلتا، ويطعن من طعن على الصلت، وينكر على من عاب على الصلت فيما بلغنا، وهو من فقهائهم معهم. فقال الذي يحتجّ عليه، أن لا يجمع بين صلت وراشد في الجنّة أبدا، على غير توبة، ثمّ من عجائبهم، أنّهم زعموا أن قد دولوا ونصروا الحق معهم (1/62)
صفحة 63
على غير التسمية بحقهم، وقد دوّلت الجبابرة على المسلمين، والدين لا يعتبر بالدولة، وقد قال عمّار بن ياسر –رحمه الله- فيما بلّغنا: والذي نفسه بيده، أنّي أرى سواد قوم ليضربن فينا ضربا، يرتاب منه المبطلون، والذي نفسي بيده لو ضربونا، حتّى يلحقونا بالشغفات من هجر، لعلمنا أنا على حق، وأنّهم على باطل، يقول –رحمه الله-: ليس في ديننا ولو هزمونا. ومن عجائبهم، أنّ الجن تكتب إليهم، راضية بفعلهم تعرض عليهم النصرة، منكرا وخداعا وسخريا بالطغام من الناس، والجن لم تكاتب أبا بكر –رحمه الله-، ولا كاتبوا عمر –رحمه الله-، ولا كاتبوا المرداس، ولا كاتبوا المختار، ولا كاتبوا عبد الله بن يحيى –رحمهم الله-، ففضّلوا أنفسهم على خطيئتهم، على أشراف المسلمين –رحمهم الله- (1/63)
صفحة 64
ومن عجائبهم، أنّ موسى يتكلّم، فيطعن على المسلمين، ويقول: ما هم؟ وما القرآن؟ وأيّ علم هاهنا؟ وأنّ شربة النبيذ والأعراب، لا من عندي، من علماء هذا الزمان، وهو في ذلك لا يستغنى عنهم، وجهله وقلّة علمه ظاهر بيّن، ومن ذلك أنّه لم يحسن إقامة الجمعة، ومن ذلك أنّ المؤذّن كان يفرغ من الأذان الآخر يوم الجمعة، وموسى في بيته وحيث شاء الله، حتّى يخلو وقت طويل، ثمّ يأتي فيخطب بالناس ويصلّي ركعتين يوم الجمعة، ومن السنّة في الجمعة، أنّ الخطبة متّصلة بالأذان، والأذان متّصل بالإقامة، متّصلة بالصلاة، لا فرق بينهن. ولقد كان بعض المبتدعين صلّي ركعتين بعد الأذان، واتبعه الناس على ذلك، ثمّ أنّ محمّد بن محبوب –رحمه الله- غيّر تلك البدعة، وردّ الناس إلى الأمر الأوّل، وأنّ صلاة الجمعة ركعتين، بعد الأذان أهون من انفساح الوقت، لانتظار الأذان والخطبة، حتّى تبيّن موسى فرجع ذلك، ومن قلّة علمه أنّه خطب الناس يوم الجمعة، ثمّ نزل عن المنبر، وإمامهم في بيته، أو حيث شاء الله، فانتظروه وليسوا في صلاة ولا خطبة، مقدار ما استمرّ الإمام من بيته إلى المسجد مرّتين، وبيت الإمام منفسح عن المسجد، بما شاء الله، ثمّ صلّي بالناس ركعتين، بلا إعادة خطبة خلافا للسنّة. وقد قال الفقهاء: لو أنّ الخطيب خطب يوم الجمعة، ثمّ اشتغلوا عن الصلاة بأمر عناهم، كان عليهم أن يعيدوا الخطبة لو خطبة موجزة، ومن خطاياهم أنّ إمامهم سافر، فجاوزوا الفرسخين، ثمّ كتب إلى موسى أن يصلّي بالناس الجمعة ركعتين خطأ وغلط، والذي أدركنا عليه أشياخنا وعرفناه من رأي فقهائنا، أنّ الإمام إذا سافر صلّى الناس (1/64)
صفحة 65
أربع ركعات من بعده، حتّى يرجع، لم نعلم بينهم في هذا اختلافا، فغلط الآمر والمأمور، وكلاهما والحمد لله، قليل العلم، فتفرّق الناس من المسجد على صلاة ركعتين، لا يعلمون ما فعل بهم، والناس همج طغام، لا يعقلون إلا ما شاء الله، فمن بعد ما تفرّقوا ما خلا ما شاء الله، ثمّ أتاهم آت فأخبرهم أنّ صلاتهم غير جائزة، فحينئذ أقاموا الصلاة، فصلّوا أربعا، وعسى قد غاب من غاب، فلم يعلم ما فعلوا، وتحمّلوا أمر صلاتهم بخطاياهم، فمن لم يكن عالما بأمر الجمعة، فكيف يكون عالما بأمر الإمامة؟ فإن قالوا: إنّا نحفظ أنّ الإمامة تجوز بعقد رجلين مسلمين، قيل لهم: كتاب الله وآثار السلف، حاكم على حفظكم، وعلى من تحفظون عنه، ولو كان كما يقولون، لبطلت الشورى وتماكر المسلمون، ولو كان إذا عنّ أمر لم يجتمعوا ولم يتشاوروا، ومكر كلّ اثنين منهم للسبق بالإمامة، وفاحتاجوا إلى حاكم وشهود، وصار بعضهم خصما لبعض، حاشا لله من الرأي الشاذ، وأين فضل الشورى؟ والله يقول: (الذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون) فذكر الله تعالى فضل الشورى بين الصلاة والزكاة، فإن قالوا: إنّ الشورى في غير الإمامة، قيل لهم: إنّ الإمامة من أعظم أمور المسلمين، فإذا لم يجز أمر إلا شورى، كذلك الإمامة لا تجوز (1/65)
صفحة 66
إلا بالشورى. فإن قالوا: إنّ الشورى باثنين، قيل: إن كان كما زعمتم، كان كما وصفنا من التماكر والتجالس للاستباق والخصومة، وما قدم المسلمون إماما، إلا بمشورة من عامة من حضرهم من المسلمين، أهل العلم والفقه في ذلك المقدّمون، ما بايع المسلمون أبا بكر –رحمه الله-، إلا عن مشورة من المسلمين، ورضي من المهاجرين والأنصار، وطلب إليهم أن يقيلوه، فقال له علي فيما بلغنا: هيهات لا تقال ولا تستقال، وما استخلف أبو بكر عمر –رحمهما الله- إلا بمشورة من المسلمين، وقد قطع على الناس في مرضه فيما بلغنا فقال: يا أيّها الناس إنّي عاهد إليكم عهدا، فهل أنتم راضون؟ فقال له علي: إلا أن يكون ابن الخطّاب، فعلم –رحمه الله- رضي المسلمين بعمر، ولو اجتمع المسلمون على خلافه، فما خالفهم، ولقد قال علي فيما بلغنا: لا تكون الإمامة إلا برضا المهاجرين والأنصار. فإن قال هؤلاء: إنّ موسى قد شاور من حضره. قيل لهم: إنّ موسى ليس بفقيه، ولا من حضره بفقهاء، والذين استشارهم موسى بالإمامة، لا يثق بهم إن شاورهم في حكم، فسبحان الله عمّا يفعلون، كلّ هذا مكاثرة للحق، وجهل بآثار المسلمين، فإن قالوا: إنّ موسى بن أبي (1/66)
صفحة 67
جابر عزل ابن أبي عفّان، من بعد ما بايع لوارث، قيل لهم: إنّ موسى بن أبي جابر –رحمه الله-، كان أعلم بالله وبآثار المسلمين، من أن يتفرّد بأمر وحده، لمبايعتهم لابن أبي عفّان، فإنّ المسلمين كانوا مستضعفين متفرّقين، لا يولوّن أحدا من أصحاب راشد، ولا من ولاته، خرجوا عليه من قرى شتّى، ومن قبائل شتّى، حتّى جمعهم الله بعد الفرقة، وكثرهم بعد القلّة، لا يطلبون ملك الدنيا، وإنّما يطلبون نصر دين الله، وإظهار سنن العدل، فلمّا ظهروا لم يقتدوا بشيء من آثار راشد، ولا بجند من جنوده (1/67)
صفحة 68
إلا من تاب ورجع عن خطاياه. وأظهروا من الإسلام، ما كان مستخفيا، فبايعوا لابن أبي عفّان، حتّى تضع الحرب أوزارها من عمان، ثمّ الأمر شورى بين المسلمين؛ لأنّ المسلمين لا يجهلون فضل الشورى، فلمّا بايع المسلمون ابن أبي عفّان، على التماسك والنظر، ظهرت منه أمور حفا فيها، وجعل يستخفّ بحقوق أشياخ المسلمين، ويفسق عليهم، والمشهورين فيهم. نظر المسلمون في عزله، مع ما كان من الشرط، والذين تولّوا بيعته، هم الذين عزلوه، وهم كانوا أعلم به، كما قال عبد الرحمن بن عوف، فيما بلغنا لعثمان: أنا أوّل من يبايعك، وأوّل من يخلعك إن عشت لك، ولم يقل ذلك إلا بحدثه. وهؤلاء الذين خرجوا على الصلت، ولم يحضر أحد منهم بيعته، وهم مع ذلك يولّون ولاته ويطنون أثره. وزعموا أنّ موسى كان يقول فيما بلغنا: إنّما أريد أن أغيّر هذه الآثار، فما غيّر أثرا ولا مظلمة، ولا عقب حكما ولا استبدل خيرا بشر، بل قد اجتمع من اجتمع (1/68)
صفحة 69
من المسلمين، فقالوا: إنّ القواد اليوم والأعوان اليوم، دون أولئك القواد والأعوان، ثمّ ثارت العصبية فميّزوا وجعلوا ينكرون بالعشائر، قم جعلوا يولّون ولاة، ما اختاروهم لله، وإنّما ولّوهم رضا وتقية ومصانعة، ذلك ممّا تراه العيون وتسمعه الأذن، وهم يعرفون ذلك مع أنفسهم، فيما يظنّه المسلمون بهم، وقد يتوهّم أنّهم يولّون بعض الولاة، وهم كارهون لهم، إلا المصانعة والدارة، فسبحان الله، أي دين تكون فيه المصانعة والمداراة، أقبح من هذا، ثمّ لم يحيوا سنّة ولم يميتوا بدعة. فإن قالوا: إنّ صلتا ولّى محمّد بن جعفر، على صحار، ثمّ عزله قبل أن يتمّ شهرين، قيل لهم: إنّ الصلت لم يعزل محمّد بن جعفر، ولكن أبا جابر كره بعض الأمور فاستأذن فأذن له، فإن يكن ذلك إثما، فقد وقع أمامكم في أعظم من ذلك، إنّما قد ولّى محمّد بن جعفر على صحار، فقبل أن يخرج إليها، أتاه من أربحه فولاه، وترك محمّد بن جعفر، ولقد بلغنا أنّ محمّد بن جعفر، كان يأخذ أصحابه ووالي صحار، الذين ولّوه عليها، يسير إليها، ومحمّد بن جعفر لا يشعر، فمكر راشد بخيار أصحابه، وما فعل أئمّة المسلمين العدل، فأتى آت إلى موسى، فعاتبه في ذلك لمحمّد بن جعفر (1/69)
صفحة 70
فقال: كيف أصنع؟ ليس أهل عمان إلى اليوم، كما كانوا بالأمس، حدّثنا بذلك الثقة عن بعض أنصارهم، فصارت بمنزلة ولاته الأمراء، من يقبل القرية بأكثر ولّوه، ثمّ الله أعلم بالآثار والأخبار، فإن يكن حقا ما حكي على صلت وأصحابه، فحق ما يحكى على هؤلاء. أمّا المعاينة، فهي أشنع، وأمّا الأخبار فهي مثل الأخبار وأقطع، وقد صارت مأكله لفسّاق السلطان؛ لأنّ فيها تجّارا وذمة ضعفاء. ومن عجائبهم أنّ موسى رأى رجلا ضعيفا، ليس بإمام من أئمّة الدين، ولا يخاف على دولة، رآه جالسا خارجا من المسجد يوم الجمعة، قبل الصلاة، ثمّ بصر به يصلّي بعد ما انقضت صلاتهم، فاتهمه أنّه لا يرى الصلاة معهم، ففسقه ودعا عليه، وشهر به وأغرى به السفهاء، فساروا إلى منزله، قريبا من فرسخ من المعسكر، فشدّوا يديه وراء ظهره وضربوه، فيما بلغنا، حتّى أدموه، ثمّ جاءوا به، كأنّه سافك دم أو قاطع طريق، حتّى أتوا به إلى السجن. فحدّثنا عدل ثقة من المسلمين، أنّه كان قاعدا في المسجد، وقد جاءوا به، فقال: إنّه كان يسمع شيئا، ليس يشبه الضرب، ولكنّه يشبه الدوس من شدّة الضرب، فلمّا أدخلوه السجن قال: واقتلاه فيما بلغنا، فلبث في سجنهم مريضا شديدا، فيما بلغنا وقال لهم: ارفقوا فشدّوا يديه وراء ظهره، أتوا به السجن، فسبحان الله من فعلهم، فلا براءة لموسى ولا لراشد من ضربه، ولا من قتله، ولولا أنّ موسى أغرى به، وراشدا أمر به، ثمّ لم ينكروا على من ضربه، ولا منعوا عنه، فإن كان حقا، ما ظنّوا به من الخلاف عليهم، ما كان لهم أن يفعلوا به ما فعلوا، وقد ذمّ الله أقواما فقال: (وإذا بطشتم بطشتم (1/70)
صفحة 71
جبّارين) وإنّ الجبابرة لم يبطشوا بأيديهم، إنّما بطش بأمرهم سفهاء متاريف، أفرطوا في حدثهم. وممّا عابوا على صلت، إذ لم يعاقب السجين يوم يونمو* أو تحيّلوا فيما فعل، وهو ليس أشدّ ممّا فعل بالسجين؛ لأنّ هؤلاء، قد ضربوا من ليس عليه ضرب، وأولئك لم ينالوا أحدا بشيء فيما بلغنا. فإن قالوا: إنّ صلتا لم يحبس ابن ابنه، حين حبس موسى وسبّه. قيل لهم: قد فعل رجل سفيه من أصحاب موسى أمرا، بئس بهين، وفي الظن أنّ موسى لم يكن ليقرب إلى حبسه. وممّا عابوا على الصلت، أنّهم قالوا: إنّ ابن أبي المقارش، يسعر السوق برأيه، ولا ينكر عليه الصلت، وقد يمكن أن يكون الصلت لم يعلم بذلك، وقد فعلوا هم ما هو أعظم من ذلك، إنّما أمر راشد ولاة القرى، أن لا يدعوا الناس يشترون من طعام أهل القرى، وهو (1/71)
صفحة 72
وولاته يشرونه لأنفسهم، وهذا تحليل لما حرّم الله (وأحلّ الله البيع وحرّم الربا) فإن يكن حلالا، فقد منعوا الناس من الحلال، وإن يكن حراما، فقد استحلّوا الحرام، والبيع والشراء جائز، وإنّما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار والمفاحشة، وأن تتلقّى الركبان بالجلوبة إلى الأسواق، ونهى الفقهاء عن حرق ما ورد إلى الأسواق من طعام، فإذا مرّ ثلاثة أيّام، أذن لهم بالبيع، وقد قيل: إنّ أهل البلد أيضا، إذا طلبوا أن لا يخرج طعامهم من بلدهم، مخافة القحط، وأن يكون طعامهم في بلدهم على فقرائهم، حكم لهم بذلك. فإن يكن أهل البلد طلبوا، أن لا يخرج طعامهم، فقد اشتروه هم وقد أخرجوه، وإن لم يكن أهل البلد، طلبوا ذلك، فقد منعوا طالب الرزق، وما أحلّ الله له. ولقد بلّغنا أنّ تاجرا خرج، إلى قرية يقال لها: أييل فاشترى منها برا، على حساب مكوك، وثلث إلا ربع السدس بدرهم، فأخذه والي ذلك البلد، فقطره حتّى ردّ بضاعته التي اشتراها، ثمّ الوالي رجع فاشترى ذلك الحب على حساب مكوك وثلث وزيادة على ما كان (1/72)
صفحة 73
اشتراه التاجر، فأضرّ بالبائع، وأضرّ بالمشتري، فإنّما كان عمله لنفسه، ثمّ أنّ التاجر أتى راشدا فشكا إليه، فكان إنصافه إيّاه، إن طرحه في السجن، ثمّ أخرج من السجن، ثمّ أتى إلى موسى فشكا إليه من الوالي، فطلب الإنصاف، فقال: نعم ننصف، فلم يرفع به رأسا، ولم يوصل إلى الإنصاف، ولم يكن منه شيء في هذا، إلا أنّ موسى تكلّم فقال: إنّ الإمام قد ترك ذلك، الذي كان يأمر به، فلم يكن منه إنصاف ولا توبة، إلا هذا، فسبحان الله عمّا يصفون، ثمّ هم فيما بينهم يتهامزون ويتطاعنون، يسمّى إمامهم حمارا حلبيا وتيسا عسفيا، ويسمون قاضيهم أبا السطور ويسمونه حمق سفهاء من أصحاب راشد، ومن أصحاب موسى يسمى بعضهم بعضا فيما بلغنا، وقد قال الله –عزّ وجلّ-: (جميعا وقلوبهم شتّى) إخوان علانية أعداء السريرة، إلا أنّهم قد اجتمعوا، على أنّهم قد قهروا المسلمين، وأخافوهم وأرعبوهم، وأخافوا عزان بن تميم، وأخرجوه من منزله، وداره بكفالة لا تلزمه، وهم يعرفون فضله، وقد كان موسى احتاج إلى رأيه، وحبسوا محمّد بن عمر بن أخنس، بلا ذنب ولا حدث منه، إلا بسوء الظن، أو ببغي أهل الكذب، وهو معروف فضله مع المسلمين، ثمّ بعد ذلك أخافوه وبعثوا له الخيل فخاف من منزله بلا ذنب ولا حدث، حتّى ضاقت عليه الأرض، واستلقى إليهم فلم يجدوا له ذنبا يستحق به العقوبة، فحبسوه في عسكرهم ولم يأذنوا له بالانصراف إلى منزله، حتّى (1/73)
صفحة 74
أخذوا عليه كفيلا، وما ذلك منهم بعدل، وهذا من عجائبهم، ما لا يحصى في تسعة عشر شهرا، مذ ملكوا ولديهم المزيد. وإنما ذكرنا هذا من أحداثهم؛ لأنّهم حاربوا صلتا وخرجوا عليه بدون هذا من الحدث، وقال الله تعالى: (أكفّاركم خير من أولئك أم لكم براءة في الزبر) وأنّ المسلمين مع هذا، لا يرون الخروج عليهم، ولا يستحلّون عليهم ما استحلّوا هم من الصلت، إلا من بعد إقامة الحجّة، وبذل النصيحة، وإن كانوا لا يقبلون نصيحة ولا يسمعون حجّة، يكابرون الحق ويدفعون العيان، وأنّ من دين الله الإمامة، وهي حق الله واجب عباده، لإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم والحكم بالعدل بين الناس عامّة، وقد قال الله: (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وقال: (وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا) فإذا ظهر المسلمون، اجتمع في الأرض فقهاؤهم وذوو الرأي وأهل الفضل منهم، واجتهدوا لله في النصيحة، واختاروا رجلا طاعة لله لا لطاعتهم، ولا يريدون أن يملكوه ويعملوا ما شاءوا، ولكن أرادوه أن يملك الأمور بالعدل، والاتباع لمرضاة الله، ثمّ يختارون لله أفقههم (1/74)
صفحة 75
وأعلمهم وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الحكم بالعدل، وعلى محاربة العدو، والذب عن الحريم، وعلى جباية مال الله، من حلّه وإنفاقه في أهله، وإن لم يجدوا عالما فقيها، فلابدّ من هذه الخصال، وأقلّ ما يكون من علم الإمام والوالي، أن ينظر الولاية والبراءة، ثمّ مع ذلك، ولا يدع التعليم ولا يدع مشاورة أهل الفقه من المسلمين. فإن شاءوا بايعوا على الشراء، وإن شاءوا بايعوه على الدفاع، وفيهما شروط لا يعلمها كثير من أهل هذا الزمان، وما ضيّعنا من صفتهما إلا ليقضى الأمور دون المسلمين، ولا يقوم رجلان يختلسان الإمام، أو يغتصبانها كما روي من روى، وأبطلوا الشورى بروايتهم، والله يقول: (وأمرهم شورى بينهم) فإذا اجتمع أهل العلم وأهل الفضل فبايعوه، لزمتهم طاعته، وكان حقا على العامّة من الرعيّة، أن يسمعوا ويطيعوا للإمام، وأن يسلموا لأهل العلم من المسلمين، فإن خرج على الإمام خارج، جمع جمعا، ونظر المسلمون في حدثه، فإن كان أحدث حدثا من (1/75)
صفحة 76
سفك دم، وأخذ مال، فإن أمكنوهم للحجّة، لم يعجّل المسلمون عليهم، حتّى يحتجّوا عليهم، ويدعوهم إلى إعطاء الحق، الذي امتنعوا به، فإن أجابوا إلى ذلك، حكم عليهم بكتاب الله، ولم يعرض لهم إلا سبيل خير، إن كرهوا وحاربوا، قوتلوا حتّى يفيئوا إلى أمر الله، وإن كان اجتماعهم بغير حدث يكون منهم، أوفد المسلمون إليهم وفدا من صلحاء المسلمين، يحتجّون عليهم، ويسألونهم ماذا يطلبون، كما أرسل زيد بن صوحان إلى طلحة، والزبير يسألهما ماذا ينقمون، فإذا طلبوا وجها من الحق، أجابوهم إلى ذلك، فإن لم يكن لهم حق إلا المكابرة والبغي، بعث المسلمون إليهم جيشا يسايرونهم، ولا يبدئونهم بالقتال، حتّى يحدثوا حدثا، فحينئذ يحتجّون عليهم ويسألونهم ردّ الحدث، كما فعل عمر بن عبد العزيز ببسطام الصفر، وكلّ هذا والمسلمون لا يبدؤون بالقتال، فإذا قاتلوهم فظفر الله المسلمين بالقتال على عدوّهم، ووضعت الحرب أوزارها لم يقتلوا مولى، ولم يجهّزوا على جريح يتشحّط بدمه، ولم يعقروا دابة ولم يغنموا مالا، ولم يسلبوا ولم يدخلوا منزلا إلا بإذن أهله، ولم يكسروا قفلا، ولم يهدموا بيتا، ولم يجبروا الناس على القتال، ولم يعترضوا الناس بالقتال، على غير دعوة يبيّنونلهم فيها الحق، ولا يعاقبون مذنبا حتّى يعرّفوه ذنبه، فهذه سيرة المسلمين في حربهم في أهل قبلتهم، فإن (1/76)
صفحة 77
أحدث الإمام حدثا، نظر المسلمون في حدثه. فإن كان حدثا، مثل قذف أو زنا أو شرب خمر أو سرقة، لم يكن بدّ من إقامة الحد عليه، ولا يقيم الحد عليه إلا الإمام، فحينئذ تزول إمامته، ويبايع المسلمون، إماما يقيم عليه الحد، ثمّ يستتيبونه، فإن تاب قبلت توبته، وقد زالت إمامته. وإن كان حدثه من غير الحدود، مثل جور في الحكومة، واغتصاب الناس أموالهم، نظر المسلمون في حدثه، ثمّ استتابوه، فإن تاب قبلت توبته على ردّ ما غصب، والعدل فيما جار، وعدل للظالمين والإنصاف بينهم، إذا صحّت عليهم الحقوق، لمن تعدّوا عليه، وإن أصرّ على ذنبه، وامتنع عن التوبة، أظهر حينئذ المسلمون حدثه وذنوبه التي أصرّ عليها إلى عامّة رعيته، حتّى يكون عامّة الرعية شهودا عليه، ولا يقتلونه خلسة ولا يعزلونه خلسة، فمتى فعلوا ذلك به، لزمتهم التهمة، مع عامّة الرعيّة، فإذا شاعت إحداثه في رعيته، ساروا إليه واستتابوه ما لم يقتل منهم أحد، فإن تاب، قبلت توبته، وفي أنفسهم عليه ريبة، فإن كابر المسلمين عزلوه، إن قدروا وإن قاتلهم قاتلوه، حتّى يقتلوه، كما فعل المسلمون بعثمان، ثمّ يستتيبون الناس من ولايته، كما استتاب الناس من ولاية عثمان، ولقد ظهر من أحداث عثمان، ما لم يظهر من أحداث الصلت، ولقد استتاب المسلمون عثمان، ما لم يستتب هؤلاء الصلت، وأنّ عثمان ضرب عمّار بن ياسر (1/77)
صفحة 78
-رحمه الله-، وقد فتق بطنه، وقد شاع ضربه، وضرب عبد الله بن مسعود –رحمهما الله-، حتّى مات من ضربه، وتحقيق ذلك قول عبد الرحمن بن جبل لعثمان:
ضربت الحبر عبد الله حتّى ... ثوى في قبره للترب ميّتا
وحرّقت المصاحف يا ابن أروى ... وولّيت الجبابر واعتديتا
وقال:
تعاطى ابن مسعود لينبش قبره ... ألا شلتا الكفان من كف نابش
تصلّي عليه بعد ما قد قتلته ... فيا شرّ ذي نيل ويا شرّ رائش
رويداك تلقى الله عن ذات قتله ... وتلقى ابن مسعود غداة التناوش
فهذا ما ثبت أنّ عثمان، قتل ابن مسعود –رحمه الله- ونفى أبا ذر –رحمه الله- وغيره من المسلمين، أخرجهم من ديارهم كرها، إذ بذلوا له النصيحة وأمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر، وما علمنا أنّ الصلت عزل أحدا ولا ضربه. فإن قالوا: إنّ الصلت حبس فلانا بغير حق، قيل لهم: فهل استتبتموه؟ وعرض التوبة على المسلمين واجب، إن قالوا: خفناه. قيل لهم: كيف خفتموه أن تستتيبوه ولم تخافوا أن تعزلوه. فإن قالوا: هو اعتزل، نحن لم نعزله. قيل لهم: حاربتموه وجمعتم الناس عليه، فاعتزل من دار إلى دار، لا تدرون كيف كان اعتزاله. فإن كان معكم إماما، فاعتزل من خوفكم، كان في الحق أن تؤمنوه وتضمنوه، وتحتجّوا عليه، وإن كان كافرا (1/78)
صفحة 79
فأظهر كفره إلى عامّة من استنصرتم به، حتّى تعلموا ما علمتم. فإن قالوا: إنّا صدقنا الناس، ودخلوا في طاعتنا، لم يكن علينا أن نبيّن لهم شيئا. قيل لهم: إنّ الصلت كان إماما مجتمعا عليه، فلا يزيل إمامته إلا حدث مكفّر، ويصح مع عامّة أهل الدار، وأنتم كان ولاتكم يدعون الناس إلى الطاعة، وتجبون الصدقات بإمامته، وخطباؤكم يدعون له وأولياؤكم، فكان هذا كلّه بالغداة، ثمّ عزلتموه بالعشي، فإن رجعوا وقالوا: نحن لم نعزله ولم نروّعه، وإنّما جئنا نصحا له. قيل لهم: أخطأتم وأنتم تعلمون الخطأ من وجهين: وجه لكم، أخذتم طعاما جمعه ولاته من الصدقة، من حب وتمر من إزكي، ومطي بالقهر والغلبة، وهو إمام معكم، فيما تزعمون حرام عليهم، غلوله وأخذ ما جمعه ولاته، وإن كان كافرا، فقد زالت إمامته، فقد خصمتم أنفسكم، إذ زعمتم أنّكم كنتم ناصحين، وقد أخطأتم في أخذكم ما جمعه ولاته من الصدقة، وخالفتم سيرة المرداس –رحمه الله-، لم يستحل أخذ مال السلطان، إلا ما كان لأصحابه عطاء، ولو أنّ المرداس –رحمه الله- استحلّ مال السلطان، لأخذه وتقوى به على محاربته، ودخل (1/79)
صفحة 80
عليكم الخطأ من وجه آخر، أنّكم لما ولّيتم الأمر وعزلتم، صلتا رجعتم ترسلون إليه، يتبرّأ من الإمامة، وهذا منكم جهل وعنف، كرجل تزوّج امرأة رجل، ثمّ أرسل إليه يطلّقها، فلا خير له في تزويجها، طلّقها أو لم يطلّقها، فقد استبان لكلّ ذي لب خطؤكم، والحمد لله ربّ العالمين. ثمّ جعل يظهر تفسيق أصحاب الصلت، ويسمّيهم الفسقة، ولا يسمّي للصلت حدثا بعينه، وهم يجيزون شهادات أصحاب الصلت، ويستعينون بهم على أحكامهم يستكتبونهم، وسعيد بن محمّد بن محبوب، هو اليوم لهم كاتب، وقد كانوا يعيبون صلتا به، وهو إن أراد أن يجوّز راشدا، في غلطه، في حكم أمكنه ذلك منه؛ لأنّ راشدا لا يعقل ولا يبصر، ويحسب الخطأ صوابا، ويولونهم من أحكام القصاص في الجروح، فسبحان الله عمّا يصفون، فقد استبان خطؤهم، لكلّ ذي لب، وقد لبسوا الحق بالباطل، وقد أفتاهم فيما بلغنا، ففيه من فقهائهم بالغلط، فممّا أفتاهم زعموا أنّه، إذا دخل الناس في طاعتهم، ولم يسألوهم عن شيء، فليس عليهم أن يبيّنوا لهم، فممّا يقول مفتيهم: أن لو كان الناس اختلفوا، فسألوهم ولم يدخلوا في طاعتهم، حتّى يبيّنوا لهم، فإن قالوا: قد (1/80)
صفحة 81
دخلنا في طاعتهم، ولا نسألهم عن شيء، فما كان حقا عليهم، أن يقفوا في الفريقين معا، فأيّ الفريقين كان أولى بالضلالة؟ من سأل بيان الحق؟ أو دان بالكتمان والجمجمة، وكان عند من غلب كفعل حشوية أهل العراق؟ فسبحان الله، لقد فرّق الله بين الحق والباطل، وما لموسى وراشد وأصحابهما من حجّة عن من يعقل ويعرف الحق من الباطل، إلا أنّهم يفزعون إلى اعتزاله، وهو يقولون: إنّه لا وعيد ولا تهديد، فأيّ وعيد أشدّ من غصبهم المال من إزكي ومطي، شيء لم يستحلّه أحد من خوارج المسلمين بله إمام جور، وهذا نقض لحجّتهم. ويروى عن عبد الله بن حازم، أنّ موسى بن موسى، أرسله الصلت بن مالك، أن يعتزل، فهذا من وعده المقدّم. وقال الصلت: فيما بلغنا، إن كان كائن عزلت، فلم يقولوا له: إنّ اعتزالك حق، ولم يقولوا له: إنّ تمسّكك بالإمامة باطل، ولا استتابوه من ذنب، فإنّما كانوا يقولون ولي واليا، وأعزل واليا ومعدّلا وكاتبا. (1/81)
صفحة 82
فإن قالوا: إنّ صلتا لما اعتزل وكفر، زالت إمامته. قيل لهم: إذا حملتم عليه أن يكفّر، وأخذتم الصدقات من جميع الولاة، واستوليتم على الأمر، فاتقوا الله ولا تكابروا الحق، وتدفعوا العيان قوما فتحسبوهم، وإذا احتاجوا إلى شهادتهم أخرجوهم على بيع الماشية، من بعض الناس، ويستشهدونهم على ما يحتاجون كفّار، فلا شهادة لهم، وأن يكونوا مؤمنين، فلا حبس عليهم، وليس إليهم حقا، فلا إله إلا الله. فما ينبغي أن يكون الإمام كذّابا ولا مخلّفا ولا حسودا ولا بخيلا ولا عجولا ولا مبذرا ولا غدّارا ولا مكّارا. وممّا ينبغي للإمام أن يكون صدوقا وافيا جوادا رحيما كريما عفيفا ورعا قنوعا، نزيها عن الطمع، مصلحا بين الناس بجهده، بين رعيته وبحكمه وقسمه، لا يتفاضلون معه، إلا بقدر فضلهم في الخلق وحسن المعرفة بالحق والنصيحة، نسأل الله لنا ولكم الهداية، كما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله. تم الكتاب والحمد لله، وصلّى الله على رسوله محمّد وآله وسلّم تسليما، إلا ما جدته منقطعا فيما بين الأسطر (1/82)
صفحة 83
02/ سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان –رحمه الله-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القهّار العزيز القادر، الباطن الظاهر، الأوّل الآخر، ذي العزّة والجبروت، والقدرة والملكوت، وكلّ شيء سواه هالك يموت، نحمده على آلائه، وجزيل عطائه وسابغ نعمائه، حمدا يوجب المزيد، وننجو به من العذاب الشديد، الفعّال لما يريد، ونستهدي الله للسنن، ونعوذ به من الفتن، ما ظهر وما بطن، والعصبية والإحن، وأنّه الجواد ذو المنن، وصلّى الله على محمّد الأمّي، خاتم النبيين وسيّد المرسلين، وآخرهم وخيرهم إلى يوم الدين، وعليه من الله السلام والصلوات، والرحمة والبركات، وسلّم على عباده وأوليائه، من أهل أرضه وسمائه، من الأوّلين والآخرين، إلى أن يبعث الله الخلائق ليوم الدين. (1/83)
صفحة 84
أنّ ممّا لا يسع جهله، ولا ينكر عدله، العلم بأنّ الله واحد فرد صمد، ليس له صاحبة ولا ولد، دائم حي قيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، ولا تحيط به الأفكار، ولا تكنفه الأقطار، ولا يحويه مقدار، ولا تحويه الأمكنة ولا تغيّره الأزمنة، ولا تقع عليه الحواس ولا يقاس بالناس، جبّار قهّار، عزيز غفّار، يوحّد ولا يبعض، يعرف ولا يكيف، يحقّق ولا يمثّل، لا تدور عليه الدوائر في الدنيا ولا في الآخرة، لم يزل عالما حيّا قيّوما، سميعا بصيرا، قديرا بائنا في ذلك عن صفة خلقه، لا يوصف في ذلك باختلاف ولا تكييف، ولا بشبيه ولا بمثيل، فيقال فيه ما يوصف في سواء، فهو عالم بعلم وحي بحياة، وقادر بقدرة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، والله تبارك وتعالى عن ذلك، بل هو العالم لا بعلم غيره، والحي لا بحياة غيره، والقادر لا بقدرة غيره، والسميع لا بسمع غيره، لم يزل عالما بما قد كان، وبما هو كائن، إلى آخر ما يكون، وعالم بما يكون قبل كونه، أن لو كان كيف كان يكون، المبتدئ خلق الأشياء، لا من شيء، ثمّ خلق الشيء من الشيء، ولو شاء تبارك وتعالى، لخلق كلّ شيء من لا شيء؛ لأنّه إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، كان ولا مكان ولا ملك ولا إنسان، ثمّ خلق المكان، فلم يتولج فيما خلق، ولم يبن ممّا خلق، ولم ينفصل عمّا خلق؛ لأنّه لو كان بائنا ومنفصلا، لكان محدودا، ولو كان ملاصقا ومتّصلا، لكان ممازجا لما خلق، والله (1/84)
صفحة 85
بر عظيم، جواد كريم، متعال عن التحديد والتكييف؛ لأنّه (ليس كمثله شيء) ولا يشبهه شيء (وهو السميع البصير). فهذا تعداد خلق الأشياء والأماكن، كما كان قبل أن يخلقها، لم يزل ولم يتحوّل، ولم تجز عليه زيادة ولا نقصان، ولا يشغله شأن عن شأن، وهو كلّ يوم في شأن، فلا إله إلا الله العزيز الحكيم، ثمّ أنّ الله تبارك وتعالى، شاء أن يظهر قدرته، وأن يرى العباد ملكه وعزّته، فخلق الأشياء التي سبق في علمه، أن يخلقها محصاة عنده كلّه، لا يحصيها إلا هو، ولا لأحد أن يعلم منها إلا ما شاء الله، وأراد ما ظهر لخلقه من خلقه ما أراد، وحجبهم عن رؤية من أراد تبارك وتعالى، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، وحجب خلقه رؤيته، ودلّهم على معرفته بالآيات، التي أوضحها والعلامات التي بيّنها من خلقهم وخلق غيرهم. وكذلك قال في كتابه: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحق). وأقام عليهم حجّته، وأوضح لهم معرفته، ولم يعذر أحدا، وأنّه حي غير هالك، فهذا لا يسع جهله على حال من الأحوال، وخلق العرش كما وصف، أنّه كان على الماء بقدرته، والله غني عن العرش؛ لأنّ العرش من خلق الله، اختبر من (1/85)
صفحة 86
اختبر من ملائكته، وخلق السموات والأرض، وما فيهن وما بينهن من الخلق، وأجرى ذلك بلطف قدرته وجزيل نعمته، وخلق الجبال والبحار والرياح والأمطار والليل والنهار، وما ذرأ وبرأ، ممّا يرى ولا يرى، وخلق الملائكة، وخصّهم بالسكن في سمائه، واستعملهم بعبادته، ونزّههم عن الشراب والطعام والجماع والأنجاس والأرجاس، واصطفى منهم رسلا، تفضيلا منه لمن شاء، لا يسأل عن ذلك تبارك وتعالى (وخلق الجان من مارج من نار) وخلق آدم من صلصال من حمئ مسنون، وخلق حوّاء من آدم. وكذلك قال في كتابه، الناطق على لسان نبيّه الصادق: (يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسّاءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبا) ثمّ أنّ الله اختبر الملائكة وإبليس لطاعته، ليعلم منهم الصادق في حال علمه، والعاصي في حال علمه، وقد سبق بذلك علمه بسعادة من سعد من خلقه، وشقاوة من شقى منهم، ولكنّه تبارك وتعالى، لا يعذّب أحدا على علمه، فتكون له الحجّة عليه حتّى يحتج عليه ويعذر، فعرض الله الإسلام على الملائكة، وإبليس والسجود لآدم. (1/86)
صفحة 87
وكان إبليس قد عبد الله ما شاء الله، قبل خلق آدم، فجعل السجود لآدم، طاعة له لا لآدم، فمن أطاعه فيما أمره، نجا من عقابه، ومن عصاه، وقع في عذابه، فسجد الملائكة كلّهم أجمعون، واستكبر إبليس، فلم يكن من الساجدين. وكذلك كان في علم الله، أنّه لا يطيع وأنّهم يطيعون، فكفر إبليس يومئذ، بمعصية الله، إذ ترك ما أمر به، كفر نعمة ونفاق، لا كفر شرك؛ لأنّه لم يكن ذلك الوقت أشرك بالله، وإنّما صار مشركا بعد ذلك، لما دعا إلى عبادة نفسه وعبادة الأوثان، فلم يعجّل الله عليه، لما ارتكب معصيته، وضيّع أمره، أن دعاه إلى التوبة. فقال تبارك وتعالى: (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين). قال إبليس: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فلم يعتذر من ذنبه، ولم يتب إلى ربّه، وأصرّ واستكبر وتولّى وأدبر، فأحبط الله عمله، وقال له: (فاخرج منها فإنّك رجيم وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين). (1/87)
صفحة 88
فطلب إبليس النظر إلى يوم البعث، حسدا منه لآدم وذرّيته، لكي يعصوا معصيته، فحرّم الله عليه رحمته، فصار إماما للمصرّين من الخلق أجمعين، فمن أمره الله بطاعته، أو نهاه عن معصيته، فارتكب ما* نهى الله أو ضيّع أمر الله، فقد كفر كما كفر إبليس، فإن لم يتب ويندم على الذنب الذي واقعه وأصرّ عليه، أحبط الله عمله، وكان مع إبليس في لعنة الله؛ لأنّ الله تبارك وتعالى، حكم عدل في عباده. ثمّ أسكن آدم وحوّاء جنّته، وأراما كرامته، وأباح أن يأكلا من الجنّة رغدا، حيث ما شاءا، إلا شجرة حرّمها عليهما، اختبارا منه لهما، وحذرهما عداوة إبليس لهما، وأن لا يخرجهما إبليس من رحمة الله وجنّته، كما خرج هو. وقد علم الله تبارك وتعالى، أنّهما سيعصيانه، فلم ينفعهما الحذر لهما، والنصيحة لهما، عمّا قد علم الله فيهما، فخذعهما إبليس وغرّهما، كما قال الله تبارك وتعالى: (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلمّا ذاق الشجرة بدت لهما سوآتهما). ووقعا فيما نهاهما ربّهما، فغويا بمعصيتهما إيّاه، فلم يعجل عليهما كما لم يعجّل على إبليس، قبلهما لما واقعا الذنب؛ لأنّ حكمه في عباده عدل غير جور (وناداهما ربّهما ألم (1/88)
صفحة 89
أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). فاعترفا بذنبهما، وأنابا إلى ربّهما، ولم يصرّا ولم يدبرا، فتاب عليهما الله، فصارا إمامين للتائبين، ولو لم يتوبا لكانا من الخاسرين، ولكن التوبة نجاة من الله لعباده، جعل الله ذلك رحمة منه، وكلّ من أمره الله بطاعة، أو نهاه عن معصية، فارتكب نهي الله، أو ضيّع أمر الله، فقد عصى الله، فإن تاب ولم يصر، كما تاب آدم وحوّاء، تاب الله عليه؛ لأنّ الله يحبّ التوّابين. فافهموا رحمنا الله، وإيّاكم أصل الدين، واعلموا أنّه لا صغير من الذنب مع إصرار، ولا كبير مع استغفار، ومن أصرّ على الذنوب، كان حقّا على الله، أن يحبط عمله ويلحقه بإبليس، ومن تاب من الذنوب مخلصا، كان حقا على الله أن يلحقه بآدم وحوّاء، وليس منزلة غير هاتين، فتيقّظوا وتفهّموا لدينكم، فتعلّموا ولا تكونوا كالذين آمنوا، أنفسهم الأماني الضالة، والروايات الكاذبة، وادعوا لأنفسهم الجنّة على المعاصي، وقد نهاهم الله عن ذلك، وقد زعموا أنّ أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم لا تخلد في النار، وأنّه يأتي على النار، وقت تصفق أبوابها، ليس فيها موحّد. وقال الله تبارك وتعالى (1/89)
صفحة 90
تكذيبا لقولهم، فيما أنزل على نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم فقال: (ذلك بأنّهم قالوا لن تمسّنا النار إلا أيّاما معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون) وقال في آية أخرى: (وقالوا لن تمسّنا النار إلا أيّاما معدودات قل اتّخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيّئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وإنّما ذم الله لهم من قال هذا القول، لأن لا تقول أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم مثل ما قال من قبلهم، فلم ينفعهم الله بذلك، الذي قد علمه منهم، وجعلوا لأنفسهم عند الله منزلة، لم تكن لأبيهم آدم صلى الله عليه وسلم، لو لم يتب ما شم رائحة الجنّة، وإنّما كان أخطأ، فلولا التوبة للحق بإبليس لعنه الله، ولكن أنقذه الله بالتوبة، فافهموا معاشر المسلمين، أنّ حكم الله واحد، وأن ليس لكم منزلة خلاف أبيكم عند الله، ولولا طول الكتاب، لأوضحنا من الحجج، على الحشوية والمرجئة، أكثر من هذا، وللعاقل في هذا كفاية، إن شاء الله. ثمّ أهبط آدم وحواء وإبليس من السماء إلى الأرض، للسابق في علمه، وأسكنهم الله الأرض، وجعل لهم ذرّية وجعلهم عمّارها، وأسبغ عليهم النعمة، واصطفى لهم رسلا حجّة منه عليهم، يحتج بعضهم على بعض، وقد علم تبارك وتعالى، من يعصيه منهم، ومن يطيعه، ولكن لا يعذّبهم بعلمه، لكيلا تكون لهم حجّة فيقولوا: (ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى) (1/90)
صفحة 91
فأرسل الله فيهما رسلا يدعونهم إلى الله، وتنذرهم وتوعدهم وتحذّرهم، فكان الرسول يأتي إلى قومه، يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنّه رسول من الله إليهم، وأنّ ما جاء به من الله، فهو حق، وأن يتّبعوا ما أمرهم الله به أو نهاهم عنه، فمن آمن بذلك الرسول منهم واتبعه اهتدى، ومن كفر به ضلّ وغوى، وكان الله ورسوله والذين آمنوا منه براء، ثمّ يبعث الله من بعده رسولا إلى قومه، يدعو إلى ما يدعو إليه الرسول، الذي قبله من التوحيد والتصديق بالرسول الأوّل، وأنّه رسول من الله، والعمل بما أنزل الله على هذا الرسول الآخر، فكان على أمّته ومن كان بعصرهم، ومن بقي من أمّة الرسول الأوّل، ويعلم أنّهم كانوا على حق، أن يعلموا بما أمرهم به هذا الرسول الآخر؛ لأنّ الله تبارك وتعالى، كان بأمر رسوله بأمر، وينهاه عن نهي، ثمّ يرسل رسولا من بعده، فيحلّ له شيئا، كان رحمه على الأوّل، ويأمره بما لم يكن أمر به الأوّل، فمان آمن بهذا الرسول الأوّل والآخر اهتدى، ومن كفر بهما أو أحدهما، ضلّ وغوى، فتتابعت رسل الله على ذلك رسول بعد رسول، كلّمتهم التي تجمعهم، شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّهم رسل الله، وأنّ ما جاءوا به من الحق، وقد يختلفون في الوظائف، يتولّون بعضهم بعضا، ويصدّقون بعضهم بعضا، يتولّون من (1/91)
صفحة 92
آمن معهم، ويبرئون ممّن كفر بالله، وجحد به وكذّب به وليّهم، من أطاع الله وعمل بما أمره، وعدوّهم من عصى الله وضيّع ما أمره به، صلّى الله عليهم أجمعين، إلى أن بعث الله محمّد صلى الله عليه وسلم، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، على حين فترة من الرسل، واقتراب من الأجل، في أهل جهل وجاهلية وعصبية، وحمية يستقسمون بالأزلام، ويعبدون الأصنام، ويأكلون الميتة والدم الحرام، ويرثون النساء كرها، ويأكلون مال اليتامى ظلما، ويقتلون الأولاد، ولا يؤمنون بالمعاد، ولا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا، فأنقذهم الله بمحمّد صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى ما دعا إليه الرسل من قبله، إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّ ما جاء به من الله، فهو حق عند الله، وأن يؤمنوا بالرسل التي خلت من قبله، وأن يعملوا بما أمرهم الله به، وينتهوا عمّا نهاهم الله عنه، ممّا أنزل. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله داعيا ومصدّقا برسل الله كلّهم، ومواليا لهم ولمن اتبعهم، ويبرأ ممّن كذّب بهم أو ببعضهم، وكان الله تبارك وتعالى يأمره بأمر وينهاه عن نهي، ثمّ حوّله إلى غيره، فيؤمن هو ومن اتبعه صلى الله عليه وسلم بالتنزيل، الذي كان يعمل به، ويرجع إلى ما أمر به، فيعمل به ويعلم أنّه حق (1/92)
صفحة 93
ويعلم أنّ الذي كان عليه، ثمّ حوله عنه حق، من ذلك القبلة، التي صرفه الله عنها، كان صلى الله عليه وسلم صلّى في أوّل مرّة إلى بيت المقدس، وحوّله الله إلى الكعبة، ومن ذلك الصيام الذي كان يصومه هو وقومه في أوّل مرّة، كان عليهم الصيام ثلاثون يوما، وكان الطعام والشراب والجماع، لهم حلال في الليل، ما لم يصلّوا العتمة، أو ناموا فنعسوا، فمن صلّى العتمة أو نعس، حرم عليه الطعام والشراب والجماع، فحوّله الله عن ذلك، وأحلّ له ولأمّته، الطعام والشراب والجماع في الليل، إلى طلوع الفجر. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤية الهلال وافطروا عن رؤيته فإن عمي عليكم فأتمّوا ثلاثين يوما». ومن ذلك أنّه كان يوادع من وادعه، ويحارب من حاربه، حتّى نزلت آية السيف، أشباه هذا كثير يطول تعديده، وكان صلى الله عليه وسلم لا يأمر قومه إلا بما أمره الله به، ولا ينهاهم إلا بما ينهاهم الله عنه، ولا يحلّ لهم شيئا ولا يحرّم عليه، إلا ما أمره الله، وكان القرآن ينزّل عليه شيئا بعد شيء، وهو يأخذ من الله ممّا أحدث الله من أمره، ويعلم أنّما كان ذلك عليه أو لا حق، والمسلمون يتّبعونه فيما يأمرهم، ويأخذون من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحداث (1/93)
صفحة 94
من أمره، ويؤمنون بالذي كانوا عليه، ويعلمون أنّه حق، والقرآن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، ومقدّم ومؤخّر، وحلال وحرام، وفرائض وأمثال، وأقسام ووعد، ووعيد وآداب، وفي القرآن ما يؤمن به، ولا يعمل به، وفيه ما يؤمن به ويعمل به. وكذلك حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ناسخ منسوخ ومقدّم ومؤخّر وحلال وحرام، ونهي وحرام، ونهي أدب. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ ممّا أحدث الله إليه ويعمل به، والمسلمون يتّبعونه وناظرون إلى ما يأمرهم به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيأخذون من أمره بالأحداث، حتّى أنزل الله: (أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وكان بين نزول هذه الآية وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتان وثلاثون ليلة، فيما أحسب أنّي حفظت، والله أعلم. فمنذ نزلت هذه الآية، لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، فحلال الله، منذ نزلت هذه الآية، حلال إلى يوم القيامة، وأنزل الله عليه قبل وفاته بليلتين: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد أن بلغ رسالته، وأظهر دعوته، وبيّن حجّته، وأخمد الكفر والنفاق، وأظهر دين الله على كراهية المشركين عليه والمنافقين، صلى الله عليه وسلم تسليما، فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن (1/94)
صفحة 95
استخلف على أمّته أحدا، علم المسلمون أنّه لا يسعهم، إلا أن يقيموا دين الله، وأنّهم لا يقدرون على إقامة دين الله إلا بإمام يعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فنظروا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يروا أفضل من أبي بكر، ولا أولى بالتقديم؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمره بالصلاة لما مرض. فقال المسلمون: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنه على ديننا، فنحن أجدر أن نأمنه على دنيانا، ولم يفعلوا ذلك إلا اجتهادا لله، فوفّقهم الله وجمع شملهم وألّف كلمتهم، ولولا أنّ الإمامة فريضة في كتاب الله، ما استبدع المسلمون، إذ تركهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكن الله يقول: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). فقد قال من قال من المسلمين: إنّهم أئمّة العدل، فقدّموا أبا بكر (ض) وكان لذلك أهلا، فلمّا اجتمع رأيهم عليه، لم يخالفهم أحد فقدّموه إماما على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، ووطئ أثره، فارتدّ من ارتدّ من العرب على فرقتين، فرقة منعت الزكاة، لم تر له طاعة، وفرقة رجعت إلى الشرك، فقاتلهما جميعا، حتّى ردّهما إلى ما كانتا عليه، ومنه خرجتا وأقرّتا بما أنكرتا. فسار أبو بكر –رحمه الله- بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووطئ أثره ولم يعب عليه أحد من المسلمين شيئا من أموره، لا من حكم حكمه، ولا من قسم قسمه، حتّى (1/95)
صفحة 96
قبضه الله إليه رحمة الله عليه، والمسلمون له مجامعون وموالون، وعنه راضون، ثمّ استخلف عليهم من بعده، عمر بن الخطّاب الفاروق –رحمه الله-، لما رأى فيه من القيام بحق الله، والعمل بكتابه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فوفّقه الله على اختياره للمسلمين. فوطئ عمر بن الخطّاب –رحمه الله- أثر صاحبيه، وسار بسيرتهما، وبلاه الله بفتوح المدائن، وغنائم الأموال، ففرض العطاء وجنّد الأجناد، ومصر الأمصار، وأنزل نفسه وأهل بيته، بمنزلة بيت من بيوت المسلمين، ولم يزل يسير بالحق ويعمل به، ويوالي عليه، ويعادي عليه حتّى أكرمه الله بالشهادة، على يد عبد للمغيرة بن شعبة، يقال له: أبو لؤلؤة، مشركا لعينا لعنه الله، فلمّا حضرته الوفاة، طلب إليه من طلب من المسلمين، أن يستخلف عليهم، فقال عمر –رحمه الله-: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير منّي، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن استخلفت عليكم، فقد استخلف عليكم من هو خير منّي، يعني أبا بكر –رحمه الله-، ثمّ جعل الخلافة شورى في ستّة نفر من المسلمين، عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفّان، وعليّ بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقّاص، وطلحة والزبير، وأمر صهيبا بالصلاة، حتّى يختار أهل الشورى، ثمّ (1/96)
صفحة 97
قبضه الله إليه، واختار له ما لديه، رحمة الله عليه، والمسلمون عنه راضون، وله مجامعون وموالون، لم يعيبوا عليه شيئا من أموره، ولا من أحكامه، من استشهد –رحمه الله- وجزاه وجزئ أبا بكر عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء، فما شقا عصا المسلمين، ولا فرّقا شملهم، ولا قطعا حبلهم، ولا شتّتا كلمتهم، ولا مال بهما عن دين الله، هوى ولا إيثار دنيا، رضي الله عنهما. فلمّا قبض الله عمر إليه، واختار له ما لديه، اجتمع أهل الشورى، الذين جعل عمر –رحمه الله- الشورى فيهم، فاجتمعوا على عبد الرحمن بن عوف؛ لأنّه كان أفضلهم، فولّى عبد الرحمن –رحمه الله- الخلافة عثمان بن عفّان، فاختاره على أصحابه، ورجا فيه القيام بحق الله، فعمل عثمان بن عفّان، ستّ سنين، أو ما شاء الله، والمسلمون له مجامعون، وكان في ذلك دون صاحبيه، فلمّا كان في الست الأواخر من عمره، أحدث أحداثا يكرهها المسلمون، ولم يعرفونها من سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا من سيرة أبي بكر وعمر –رحمهما الله-، فلمّا رأى المسلمون، ما نزل بعثمان، رأوا لأنفسهم أنّه لا يسعهم إلا دون أن يكروها عليه، فكانوا ينكرون عليه. فضرب عبد الله بن مسعود –رحمه الله-، حتّى كسر أضلاعه، فمات –رحمه الله- وحرمه عطاءه قبل موته، حتّى مات، وضرب عمّار بن ياسر، حتّى (1/97)
صفحة 98
فتق بطنه، ونفى أبا ذر إلى أرض الربذة، ونفى رجالا من المسلمين، يطول تعديدهم، وآوى طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم مروان بن الحكم، وأعطاه مائة ألف من بيت مال الله، وأبو بكر وعمر، لم يؤمناه لما طرده النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخافه، وآواه عثمان، وحمى قطر السماء لنفسه، والله يقول: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) واستعمل السفهاء من أقاربه، استعمل الوليد (1/98)
صفحة 99
ابن عقبة على الكوفة، فجعل يلعب بالسحرة، ولولا طول الكتاب، لقصصنا من أخباره أكثر من هذا، وفي هذا كفاية لمن عقل وتفكّر، وبصره الله الحق، فلم يعجل عليه المسلمون، ولم يغتنموا عثرته، ولا زلّته، بل أعذروا إليه، واحتجّوا عليه، وطلبوا منه الرجوع إلى الحق، بأن ينصف من نفسه، ويصبر للحق، وينزل نفسه حيث أنزله الحق، فمرّة يعدهم أنّه يعطيهم الرضا من نفسه، ويصبر للحق ومرّة يمتنع حتّى كان آخر ذلك، أنّهم ساروا إليه من أطراف الأرض، يسألونه التوبة والاعتزال عن أحكامهم، فقبل لهم بالرجعة إلى الحق، وردّ المظالم إلى أهلها، والإنصاف من نفسه، فقبلوا منه ورجعوا عنه، حتّى ينظروا فعله. وكذلك في الحق عليهم، ألا يردّوا التوبة على أهلها، فألحقهم يزيد في آثارهم بكتاب منه، إلى بعض عمّاله، أنّهم إذا وصلوا نهارا لا يمسّوا، وإذا وصلوا ليلا، فلا يصبحوا يأمر بقتل المسلمين، فأظهرهم الله على كتابه بخاتمه، فرجعوا إليه بالكتاب، وسألوه أن يعتزل عنهم وقالوا: قد كنّا نتّهمك في دين الله، وفي دنيانا، فاعتزل أمرنا فقال: لا أخلع سربالا كسانيه ربّي، يعني الملك فحاصروه، فرمى رجل من أصحابه رجلا من المسلمين، يقال له: دينار فقتله، فطلب (1/99)
صفحة 100
المسلمون أن يقيّد لهم قاتل صاحبهم، فقال: لا أقيّد لكم رجلا ينصرني، وأنتم تريدون قتلي. فلمّا امتنع من التوبة، وأصرّ من عطية الحق، وظهر كفره في الدار والدعوة، ولم يرتب أحد من المسلمين في قتاله، فقاتلوه فظفرهم الله به، فهزموا أصحابه فقتلوه خليعا من الإيمان، خارجا منه بحكم القرآن؛ لأنّ المسلمين إنّما قتلوه بحكم كتاب الله؛ لأنّ الله يقول: (فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون). فلمّا نكث عثمان عن دينه، وطعن في دين المسلمين، قتلوه بكتاب الله. كذلك كان في علم الله، أنّه يكون فكان، فلم يغنم المسلمون ماله، ولا سبّوا ذرّيته، ولم يستحلّوا منه سوى أن يعزلوه، فلمّا امتنع وحاربهم قتلوه، فلمّا أظهر الله المسلمين على عدوّهم، لم يكن لهم بدّ من القيام بدين الله، وأن يقدّموا إماما يقوم بالحق ويعمل به، فبايعوا علي بن أبي طالب على كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وعلى ما بويع عليه أبو بكر وعمر، والبراءة من عثمان وشيعته، لا اختلاف بينهم في ذلك؛ لأنّه أوّل من شق عصا المسلمين، وفرّق كلمتهم وشتّت شملهم، وطرح الفرقة في أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم، وكان طلحة والزبير، ممّن بايع علي بن أبي طالب، من بعد قتل عثمان، فقام علي بن (1/100)
صفحة 101
أبي طالب بأمر المسلمين، فولّى الأمصار واستتاب ولاة عثمان، ولم يكن يولي أحدا من ولاة عثمان، إلا بعد التوبة من ولاية عثمان، وكان يستتب الولاة والناس شاهرا ظاهرا غير سريرة؛ لأنّ الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: يا معاذ أحدث مع كلّ ذنب توبة السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية. فاستتاب على الناس من ولاية عثمان علانية، غير سريرة والمسلمون في ذلك أعوانه وأنصاره مجامعون له، ثمّ أنّ طلحة والزبير، نكثا نكثا ببيعتهما، وأغريا أمّ المؤمنين، وقالا لها: إنّ عثمان قتل من بعد ما تاب، وأنّ عليّا ابتزّ الإمامة لنفسه، من غير مشورة من المهاجرين والأنصار، فلم يزالا بها، حتّى خدعاها وغرّاها، وأخرجاها من بيتها الذي أمرها الله أن تقرّ فيه، لما سبق في علم الله، من فتنة من افتتن، وهداية من اهتدى، فلمّا سارت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، ويدعون الناس إلى قتال علي والمسلمين، ويظهرون إلى الناس (1/101)
صفحة 102
أنّ عثمان قتل مظلوما، وإنّما يطلبون بدمه، وأنّ عليا ابتزّ الإمامة، وإنّما يقاتلونه حتّى يردّوا الأمر شورى بين المسلمين، واتبعهم على ذلك من شاء الله من طغام الناس وغواتهم، وجاء البلاء والتمحيص والتمحيق، بأنّ الله يقول: (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) وقال: (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أنّ الله شديد العقاب) فحذّرهم الفتنة، ولكن لا محالة عمّا علم الله، وطلبت عائشة بدم عثمان، بعد أن كانت تظهر كفره، وتشهد عليه بالكفر، وتخرج مصحفها في حجرها فتقول: أشهد بالله أنّ عثمان قد كفر بما في هذا المصحف، مع قول غير هذا، ولكنّه يطول التعديد، وقد عهد الله إليها في كتابه، أن تقرّ في بيتها، وضرب رسول الله ص) عليها الحجاب وحذّرها الفتنة، وقال لها صلى الله عليه وسلم ذات يوم ولأم سلمة زوجته: أيكن تركب الجمل الأذنب، وتنبحها كلاب الحواب؟ وكان في يد أمّ سلمة إناء، فارتعشت يدها، حتّى سقط الإناء من يدها، وبسمت عائشة، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: أظنّك هي يا حمير الشفتين، فلم ينفعها ما أمرها الله؛ لأنّه لا محالة عمّا علم الله، كما لم ينتفع (1/102)
صفحة 103
من قد وصفناه في كتابنا، ممّن وقع في المعصية بعد التحذير. فلمّا عزمت هي وطلحة والزبير، على قتال المسلمين، وأخذوا البصرة، وقتلوا من قتلوا من المسلمين في البصرة، ونتفوا لحية عثمان بن حنيف، والي علي على البصرة، وأحدثوا في البصرة أحداثا، يكثر وصفها، لم ير المسلمين لأنفسهم السلامة على ترك قتالهم، للذي قد حملهم الله من كتابه من القيام بحقّه، ولم يتّسعوا بالقعود عن قتالهم، ولم يشكوا في دينهم، كما لم يسع أبا بكر القعود عن قتال من ارتدّ عن الإسلام، وخلع طاعته ومنع الزكاة، والمسلمون شهود على أعمال العباد، ويطنون آثار النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر (ض). وكذلك لم يتّسعوا بالقعود عن قتال عثمان، والإنكار عليه من بعد ما أظهر كفره في الدار، والدعوة حتّى قاتلوه فقتلوه بكتاب الله، وعلموا أنّ من نكث، فلا دين له، وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية في كتابه، فقال: (إنّ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنّ الله يحبّ المقسطين). فعلموا أنّه لا يسعهم إلا أن يقاتلوا من بغى في الإسلام على المسلمين، وقالوا: لو شكّ عن محاربة من بغى من أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم لشكوا في قتال عائشة؛ لأنّهم (1/103)
صفحة 104
كانوا يشهدون لها بالجنّة، للحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنّة». والله أعلم. فلمّا أحدثت عائشة البغي في الإيمان، علموا أنّهم قد اختبروا بقتالها، فقال قائل منهم، وأحسبه زيد بن حصن: أمّا أنا، فأشهد أنّها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنّة، ولكن الله قد ابتلاكم بها، لينظر أتطيعونه أم تطيعونها. فقالوا: إنّ طاعة الله أولى، فساروا إلى البصرة، فلم يعجّلوا على القتال، حتّى احتجّوا على عائشة وطلحة والزبير، وكان من حجّة علي عليهم، فيما رواه أبو المؤثر –رحمه الله- ما تنقمون علي، اغتصابا للإمامة أم جورا في حكم، أم استنثارا بفيء، فلم يقبلوا الحق، ولم يرجعوا عن غيّهم ممّا قد علم الله، فزحف الناس بعضهم إلى بعض. فأمّا الزبير ففرّ من بعدما أوقد نار الحرب، وضرب الرجال بالرجال، فقتله ابن جرموز بيّته في منامه، والمسلمون يبرؤون من الزبير؛ لأنّه لم تكن منه توبة، وظفره بالباقين، فقتل طلحة في المعركة معاندا للإسلام، وأخذ المسلمون بهودج عائشة، ودخل عليها من دخل من المسلمين، وفيهم عمّار بن ياسر –رحمه الله- فقال لها عمّار: السلام عليك يا أمّاه. قالت: ليست لك بأم، فقال لها عمّار: بلى وإن كرهت. قالت: لولا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك لأسمعتك ما تكره، قال لها: الله الله يا امّ المؤمنين فحرمي من شتمي الساعة، وابقي وإنّما أحللت دمي بقول قرّبنا، أتحلين قتلي؟ ثمّ قال لها عمّار: أخبرينا عن هذا القتال الذي تقاتلينا، أعهد عهد إليك رسول الله أم رأي رأيتيه؟ فقالت عائشة: بل رأي رأيته، ففرح المسلمون وقالوا: رأي امرأة، وبصروها بالحق. فقالت: إنّي أستغفر الله وأتوب إليه، فكبّر المسلمون، حتّى سمعهم (1/104)
صفحة 105
من كان في عسكرهم فكبّروا، والله أعلم، وتابت عائشة وأظهرت توبتها. وكذلك في الحق عليهم، أن لا يردّوا التوبة على أهلها؛ لأنّ في دين المسلمين، أنّ من أصاب الدماء والأموال بدين منه، يرى أنّه مصيب فيه، ثمّ تبيّن له أنّه مبطل، وأنّه كان على باطل فرجع، وندم وأقلع وتاب، ولم يكن عليه سوى ذلك، إلا أن يكون في يده مال قائم بعينه يؤدّيه إلى أهله. ومن أصاب الدماء والأموال، وهو يدين بتحريم ذلك، ويرى أنّه يرتكب حراما، كان عليه التوبة من ذلك، والإقلاع والندم وإعطاء الحقوق إلى أهلها، لا يجزيهم إلا أن يعطوا الحق، ولا يهدر عنهم ما أصابوا، فمن هنالك تولّى المسلمون عائشة، وقبلوا توبتها عن غير عطية حق، إذا كانت إنّما تدين بذلك، وترى أنّها على حق. فلّا بان لها ضلالها، استغفرت الله، ورجعت عن فعلها وتولاها المسلمون –رحمهما الله-. فافهموا –رحمنا الله- وإيّاكم آثار المسلمين، فإنّا قد شرحنا لكم أصل الدين، وأصل سيرة المسلمين، نفعنا الله وإيّاكم. فلمّا أظهر الله المسلمين على عدوّهم، استتابوا الناس من بيعة طلحة والزبير وعائشة، وردّوهم إلى الولاية، لعلي والدخول في طاعته، فخمد الكفر وأضاء الإسلام، ولم يغنموا مالا، ولم يسبّوا ذرّية. وكذلك فعلوا يوم الدار، لما قتلوا عثمان، لم يسبّوا ذرّيته، ولم يغنموا مالا له. ولو كان السبي والغنيمة حلالا من أهل القبلة، ما تركه المسلمون (1/105)
صفحة 106
ولا ضيّعوا سنّة نبيّهم، ولكن المسلمين يطئون آثار النبيّ صلى الله عليه وسلم، إنّما كان تغنّم أموال أهل الشرك، وتسبى ذراريهم، إلا العرب، فإنّه لم يكن يسبى ذراريهم، ولم يكن يسبى المنافقين، ولا تغنم أموالهم، إنّما كان أمر بجهادهم، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحرّم مواريث المنافقين، ولا مناكحتهم، ولا يستحلّ غنيمة أموالهم، ولا يسبى ذراريهم، وإنّما أمر بقتالهم. فإن قالت الخوارج، السبي من أهل القبلة والغنيمة حلال، واحتجّوا بعلي وبوالي أبي بكر، الذي وصل أهل دبا من عمان، فقد كذّبوا على علي، وأبي بكر؛ لأنّ الوالي الذي وصل إلى دبا، إنّما سبى أهل دبا، وغنم أموالهم برأيه، لم يكن برأي أبي بكر، فلمّا وصل بالسبي والغنيمة إلى المدينة، وجد أبا بكر –رحمه الله- قد مات، واستخلف عمر بن الخطّاب (ض)، فردّ عمر –رحمه الله- السبي والغنيمة إلى أهل دبا، من أهل عمان، وأنفق على السبي، حتّى وصلوا وقال للذي سباهم: لو أعلم أنّك سبيتهم بدين لقطعتك طوائف، ثمّ بعثت إلى كلّ مصر منك بطائفة. وقد أخبرناكم بسيرة علي في البصرة، فهذه آثار المسلمين واضحة، والحجّة على الخوارج لائحة، ولكن يطول الكتاب عن حاجتنا التي نريدها من هذه السيرة، وفيما (1/106)
صفحة 107
كتبنا كفاية إن شاء الله لمن هداه الله. فلمّا استقرّ الأمر لعليّ بن أبي طالب، خرج عليه معاوية بن أبي سفيان، يدعو الناس إلى قتال علي، ويظهر أنّه ليس يطلب الخلافة، وإنّما يطلب بدم عثمان، حتّى يدفع إليه قتلة عثمان، فيقتلهم بكتاب الله، ويردّ الأمر شورى بين المسلمين، خداعا منه، يطلب الملك وصحبه عمرو بن العاص اللعين، فسار معاوية بجيش عظيم، من طغام الناس، أهل الشام، فاقتتل هو وعلي، ما شاء الله، حتّى وقع بين الفريقين ألوف قتلى، فيما ذكر لنا والمسلمون أيضا، لعليّ وعمّار بن ياسر، ومن شاء الله من المهاجرين والأنصار، لا يشكّون في قتالهم، يدينون لله بقتالهم والبراءة منهم. وقد اعتزل من الحرب عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ووقفوا لما وقع القتال، فلم يكونوا مع علي، ولا عليه منذ قتل عثمان، فمن المسلمين من وقف عنهم، ومنهم من برأ، فلمّا بلغ الكتاب أجله، وأراد الله أن يظهر من عورة علي بن أبي طالب، ما أظهر من عورة عثمان، للذين سبق في علمه من الفتنة التي تكون، وقد حذّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتنة، وقال فيما سمعنا، والله أعلم: يبعث في أمّتي حكمان ضالان مضلان يضلان من اتّبعهما. وكان أبو موسى الأشعري، ممّن يروي هذا الحديث، (1/107)
صفحة 108
فلم ينتفع بروايته للسابق في علم الله، وكان أبو موسى أحد الحكمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى. فلمّا بلغ الكتاب أجله، كتب معاوية إلى عليّ يطلب الحكومة، فبلغ ذلك المسلمين، فأخبروا عمّارا، فقال لهم عمّار: ائتوا عليا فعاتبوه، فأتوا عليا فأنكر ذلك، فرجعوا إلى عمّار فأخبروه فقال لهم عمّار جرّوا الخطام ما اجتر، وقال عمّار فيما سمعنا لعلي: يا علي إلحق بالله قبل حكم الحكمين، ثمّ أنّ عمّارا –رحمه الله- نادى: هل من رائح إلى الجنّة؟ فانتدبت رجال حفظوا فيه الرواية فخرجوا معه، وكان علي قد طلب إلى عمّار، أن يقسم على ربّه، أن يهزم معاوية، كما فعل يوم الجمل، أقسم على ربّه أن يهزمهم فهزمهم الله؛ لأنّ الرواية في عمّار، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ربّ ذي طمرين لا يؤبّه له أو أقسم على الله لأبرّ قسمه. يعني عمّار بن ياسر –رحمه الله-، فطلب إليه أن يقسم على ربّه، أن يهزم معاوية فلم يفعل، وخرج هو ومن اتّبعه فقاتلوا معاوية، وكان قبل قتالهم معاوية، وقد عطش فاستسقى، فأوتي بشربة من ضياح، فقال عمّار: الله أكبر الله أكبر، اليوم ألقي الأحبّة محمّد وحزبه، هذا اليوم الذي وعدني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألقاه، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم
قد قال لعمّار، أنّ آخر زادك من الدنيا، شربة من ضياح، فلمّا شرب عمّار الشربة، قاتل معاوية وأصحابه، حتّى قتل هو ومن شاء الله من المسلمين –رحمهم الله-، فلمّا قتل عمّار، ركن علي إلى حكم الحكمين، وترك قتال الفئة الباغية، فأنكر المسلمون عليه ذلك، ونصحوه وأمروه بقتالهم، فخالفهم ولم يقبل نصيحتهم، فلمّا اعتزله، دعا نفسه إلى التوبة من الحكومة، وأنّه يقاتل هو وهم معاوية، فقبلوا منه ذلك، فنكث عن ذلك، وامتنع فاعتزلوه إلى موضع يقال له: النهروان، لما أتى الحكومة، وترك قتال الفئة الباغية، وركن إلى الدنيا واختدع من بعد ما كان يدين بقتال الفئة الباغية، ولا يرى أن يدع قتالهم، إلا حتّى يرجعوا عن بغيهم ويدخلوا في طاعته، فلمّا فارقه المسلمون، أرسل إليهم ابن عبّاس، أن يحتجّ عليهم، فاحتجّ عليهم ابن عبّاس بقول الله تبارك وتعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما (1/108)
صفحة 109
فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) فقال له المسلمون: إنّ كلّ حكم حكّم الله فيه الرجال، كان لهم أن يحكموا فيه، وما حكم الله فيه، لم يجعل لأحد حكما، فليس لنا ولا لأحد أن يحكم فيه، وقد حكم الله في الفئة الباغية، فقال: (فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله) فحكم في أهل الكتاب فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله لا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون (1/109)
صفحة 110
دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وحكم في المشركين من العرب: (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله) يقول: حتّى لا يكون شرك، فأخبرنا عن هؤلاء الذين كنّا نقاتلهم ما هم، فإن يكونوا مشركين، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم، حتّى يعطوا الجزية، وإن يكونوا أهل بغي، فليس لنا أن نرفع السيف عنهم، حتّى يفيئوا إلى أمر الله، والله ما فاءوا ولا أدّوا جزية، ولا أسلموا. فلمّا احتجّوا عليه بهذا، لم يقدر ابن عبّاس –رحمه الله- أن يردّ عليهم الحق، وقد جاءوا به، فرجع إلى عليّ فقال: خصمك القوم، وأخبره بقولهم فقال له علي: فما تقول يا ابن عبّاس؟ قال ابن عبّاس: إن لم أكن معهم لم أكن عليهم. فهذا ما جاءت به الروايات من أخبارهم الواضحة، التي لا تدفع؛ لأنّ أمورهم كانت واضحة غير ملتبسة، فلم يقبل علي نصيحة المسلمين، ولا نفعته الحجّة، للذي سبق في علم الله من الفتنة، فاعتزلوه وقدّموا على أنفسهم عبد الله بن وهب الراسبي، فأرادوا قتال معاوية (1/110)
صفحة 111
وكان علي ومعاوية، قد كتبا على أنفسهما، أنّ على كلّ واحد منهما كفاية، من خالف من أصحابه، فلمّا عزم المسلمون على قتال معاوية، كتب إلي عليّ يعلمه بذلك، أن تكفيني أصحابك، وإمّا أن تأذن لي في حربهم، فخرج علي إلى أنصاره وإخوانه وأعوانه، ومن كان يضرب بين يديه بالسيف، ويطعن بالرمح ويذب عن الإسلام، كلّهم أهل فضل، فيهم من يسمّى سواري المسجد، لطول قيامهم في الصلاة، جباههم وركبهم، كثقن الإبل، من طول السجود، فاختار علي قتال أهل الحق، الذين يقاتلون في عزّه وعزّ الإسلام، فلم ير أن يدعهم وعدوّهم معاوية، فإن ظفروا بمعاوية استراح منه بغير قتال منه له، وإن ظفر بهم معاوية، كان ذلك الذي أراد، ولكن سار إليهم بمن اتبعه باغيا عليهم، وهم يناشدون الله في دمائهم، فأبى وحمل عليهم بطغام الناس، ومن لا بصر له ولا دين، فقاتلوا على أنفسهم حتّى قتلهم –رحمهم الله- إلا أربعة نفر، أو ما شاء الله نجوا، فلم يقتلوا، فنجا أربعة نفر من أربعة آلاف رجل من المسلمين، أو ما شاء الله وخيار الناس، فلمّا قتلهم، استخفى الإسلام وضعف، واستبشر معاوية وعمرو بن العاص بالملك، لما قتل علي أنصاره وأعوانه، ثمّ أنّهم اتفقوا على الحكومة، فحكّم علي أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن (1/111)
صفحة 112
العاص، ورضي الفريقان بذلك، رضوا أن يحكم أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، فما حكما به رضوا، إن حكما لعليّ بالخلافة رضوا، وإن حكما لمعاوية رضوا، وإن حكما لغيرهما رضوا، على هذا اتفقوا، وليس هذا من دين الله في شيء، والحق من هذا واضح، ولكن سبق في علم الله الفتنة، لا محالة عمّا علم الله، فلمّا اجتمعوا للحكومة، تقدّم أبو موسى، فخلع عليّا ومعاوية، وقام عمرو بن العاص، فخلع عليا وأثبت معاوية، فاتفقوا على خلع علي، وكان لذلك أهلا، واختلفا في معاوية، فتلاعن الحكمان في المقام، فلم يرشد الله أمرهم جملة. فلمّا خلع علي، لم يرض بالحكم الذي أوجبه على نفسه، وطلب قتال معاوية، فخذل ولم يتبعه من يكون فيه لمعاوية قتال. وصار مخذولا قد خذله الناس، من بين رجل أنكر الحكومة، فخذله وآخر رضي بما حكم عليه فخذله، فلم يرض علي بما حكم عليه، فكيف هذا؟ فإن تكون الحكومة باطلا، فقد كان ينبغي له أن لا يحكّم، ولا هو رضي ممّن حكمه، ولا اتبع من نصحه، فانسلخ من رحمة الله ومن الملك، وبقي مخذولا حتّى بعث الله عليه عبد الرحمن بن ملجم –رحمه الله- فقتله غضبا لله، ثائرا بدم المسلمين. فلمّا قتل عليّ استقام الأمر لمعاوية، واستولى على الناس بغيه، وكان بقيّة من المسلمين، قدا اعتزلوا من بعد قتل أهل النهروان، إلى موضع يقال له: النخيلة وإمامهم يومئذ الحوثرة بن وداع، وكان الحسن بن علي، قد قام مقام أبيه، فكاتبه معاوية وخدعه، وبعث إليه بمال ووعده أن يجعله (1/112)
صفحة 113
الخليفة من بعده، فكف عنه، ثمّ أنّ معاوية سار إلى أهل النخيلة بنفسه، فقاتلوه فأعان عليهم الحسن بن علي معاوية بمن أجابه، حتّى قتلوا –رحمهم الله-، وذهب ركن الإسلام لما قتل أهل النهروان وأهل النخيلة، ورجع دين الله سريرة، بعد أن كان علانية. وكذلك كان في علم الله، والحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيرجع غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء». هذا ما سمعنا من خبر الحسن. وأمّا الحسن، فالذي سمعنا، أنّه أعان عبد الله بن جعفر، على قتل عبد الرحمن بن ملم ومثّلا به، واستقام الأمر لمعاوية، وظهرت دعوة أهل البغي، وطفئت دعوة أهل الحق، فلمّا خلّص له الملك، قبض الله روحه منافقا لعينا، واستخلف على الناس ابنه يزيد، فسار يزيد بسيرة شر من سيرة أبيه، قتل المسلمين بقتلى مشركي بدر، فاسقا مترفا لعينا، فلم يلبث إلا يسيرا في ملكه ثمّ مات، لعنه الله ولعن أباه، ثمّ تتابعت الخلافة بالجبرة والسيرة المخالفة للحق وأهله، لا يأتي واحد بعد الآخر، إلا (1/113)
صفحة 114
كان شرا من الآخر، أهل دنيا وملك، واضمحلّ الحق وأهله، إلا ناس تمسّكوا بدينهم، يعرفون ضلالة من ضلّ في قلوبهم، ولا يطيقون جهادهم، يؤذون في دينهم ويقتلون عليه، ويتولّون أهل النهروان وأهل النخيلة، ليس لهم ذنب عند من يؤذيهم ويقتلهم إلا هذا، عدوّهم من حاذّ الله، ووليّهم من والى الله، وهم قليل في كثير من خلق الله، فلمّا كثر القتل في المسلمين والأذى، خرج المرداس ابن حدير وأصحابه –رحمهم الله- بائعين أنفسهم لله غضبا واحتسابا، لرجاء الثواب يوم القيامة. ولم يكن خروجهم لفريضة لزمتهم؛ لأنّهم كانوا قليلا في خلق كثير، وإنّما فرض الجهاد على المسلمين، إذا كانوا نصف عدوّهم، فحينئذ لا يسعهم المقام، ويجب عليهم الخروج في سبيل الله، ولكن المرداس –رحمه الله- طلب الشهادة هو وأصحابه، وإنّما كان قتالهم وسيلة توسّلوا بها إلى الله، فقال –رحمه الله-:
ماذا نبالي إذا أرواحنا خرجت ... ماذا فعلتم بأجساد وأوصال
نرجو الجنان إذا صارت جماجمنا ... تحت العجاج كمثل الحنظل البالي (1/114)
صفحة 115
فأظهر المرداس وأصحابه دينهم، وأظهروا البراءة من الجبابرة، ودعوا إلى قتالهم، فقاتل المرداس –رحمه الله- على ما قاتل عليه أهل النهروان وأهل النخيلة، فخرج إليه ألفا فارس، وهو بموضع يقال له آسك، وكان المرداس وأصحابه أربعين رجلا، فاقتتلوا فأعطاه الله وأصحابه عليهم الظفر، فهزمهم وقتلوا منهم ما شاء الله، فقال قائل منهم، وأحسبه في ذلك عمران بن حطّان:
أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا
كذّبتم ليس ذلك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مسلّمونا
هي الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا
ثمّ خرج إليه وإلى أصحابه أربعة آلاف فارس، فاقتتلوا حتّى قتل المرداس وأصحابه شهداء سعداء، إن شاء الله. ولولا قتال أهل النهروان وأهل النخيلة والمرداس وأصحابه، لطفئ الإسلام، ولكن الله تبارك وتعالى، لا يجمع أمّة محمّد على ضلال، فهداهم الله لما ضلّت الخلائق، وهدى بهم، فأحيا سنن الإسلام بموتهم، حين صرعوا عقراء وماتوا نحراء، على إحياء دين الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم –رحمهم الله وغفر لهم-. (1/115)
صفحة 116
وخرج قريب، والزحاف –رحمهم الله- فلم يدعهما أهل البصرة، يخرجان من القرية، حتّى قتلوهما ومن شاء الله معهما، قبل أن يخرجا من البصرة، ولو كانت المسلمون تخرج جملة، لكان فيهم بأس شديد، وأسكنهم يخرجون نثرا للسابق في علم الله، ثمّ أنّ الخوارج أيضا، وقع بينهم اختلاف من قبل نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، خالفا المسلمين في سيرتهما، من بعد أن كانا على دين المسلمين، استحلا استعراض أهل القبلة بالقتل، وجعلوهم مشركين، واستحلا غنيمة أموال أهل القبلة بالقتل، وسبي ذراريهم، واستحلا الهجرة، وإنّما كانت الهجرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكّة، فلمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكّة، رفعت الهجرة، فخالفا المسلمين، واختلف الخوارج أيضا في بعضهم بعضا، يطول علينا تعديدهم وتعديد ضلالتهم. وخرج عبد الله بن يحيى، طالب الحق باليمين، فاتّبعه المختار بن عوف –رحمهما الله-، فسارا بسيرة أهل النهروان، وأهل النخيلة والمرداس وأصحابه، يطنون آثار النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر (ض)، ويتولّون خوارج المسلمين، ويبرؤون ممّن خالف المسلمين، فسار المختار بن عوف –رحمه الله-، حتّى أخذ مكّة والمدينة، وأقام (1/116)
صفحة 117
فيها الحق، وكان عبد الله بن يحيى في اليمن، هو الإمام قد أقام فلم تخرج خارجة من المسلمين، أقوى من عبد الله بن يحيى والمختار بن عوف، فجاهدا في سبيل الله، وأقاما دين الله بمن كان معهما من المسلمين، وكانت سيرتهم معروفة بالعدل، حتّى قتلوا شهداء سعداء إن شاء الله –رحمهم الله وغفر لهم-. وإنّما نكتب لكم خوارج المسلمين، ما لا يدفع بالروايات الصحيحة، والآثار البيّنة، إن شاء الله، ويطول الكتاب أن نكتب كلّ شيء خرج من المسلمين، فاستولت الجبابرة على الأرض، جبّار بعد جبّار، فجعلوا الخلافة إرثا، لا نعلم أنّ أحدا منهم عدل في سيرته، إلا أنّ عمر بن عبد العزيز، قد ولّي الأمر من بعد سليمان بن عبد الملك، فلم يبلغ كلّ الذي أراده المسلمون، وقصّر عن ذلك، وقد كانت سيرته سيرة عدل، ولم ينقم عليه المسلمون من سيرته، ولا من أحكامه شيئا، وإنّما طلبوا إليه إظهار البراءة ممّن خالف الحق، وإظهار دعوة المسلمين، والبراءة ممّن خالفهم، فلم يفعل وأمره ابنه بذلك، لما أمره المسلمون، فقال له: يا أبي، أبرأ منهم ولو غلّت القدور بلحومنا آخر الهار، فلم يفعل عمر بن عبد العزيز ذلك، فمن المسلمين من وقف عنه، ومنهم من برأ منه وتولّوا ابنه عبد الملك. (1/117)
صفحة 118
وقد كانت خوارج المسلمين، يخرج من يخرج، ويتخلّف من تخلّف، فيتولّى الخارج القاعد، والقاعد الخارج، على ذلك مضوا وانقرضوا –رحمهم الله وغفر لهم-، ثمّ خرج الجلندي بن مسعود –رحمه الله- بعمان، وقاتل هو وأصحاه، على ما قاتل عليه المسلمون، حتّى استشهدوا –رحمهم الله-، فلمّا قتل الجلندي وأصحابه بعمان –رحمهم الله- استولت عليهم الجبابرة، فأفسدت وكان ولاتها أهل جور، حتّى كان آخر من فيها من أهل الجور بنو الجلندي، وقد فهمتم سيرتهم في أهل عمان، ثمّ أنقذ الله أهل عمان بالفئة أهل الحق، فخرجت عصابة من المسلمين، فأزالت ملكهم، وملك المسلمون عمان، فأظهر الله دعوتهم فيها، وجعل يدهم العليا، فلمّا اجتمع الناس في العسكر بنزوى، واختلط الناس وحضر العسكر من أهل عمان رجال لهم أحدثه، لا يؤمنون على الدولة، خاف موسى بن أبي جابر على الدولة رئيسا من أهل عمان، كانوا قد حضروا أن يغلبوا على الأمر، ولا يكون للمسلمين قول وتقع الفتنة، فقال: قد ولّينا فلانا قرية كذا وكذا، وقد ولّينا فلانا قرية كذا وكذا، حتّى عدّد الذين خافهم، وولّينا ابن أبي عفّان نزوى، وقريات الجوف، وأحسب أنّه قال: حتّى تضع الحرب أوزارها، فقال بشير: كنّا نرجو أن نرى ما نحب، فقد رأينا ما نكره والحمد لله. فقال له موسى: (1/118)
صفحة 119
ما فعلنا إلا ما تحب، ثمّ أعلمه إنّما أراد أن يخرجهم من العسكر، ويفرّق بعضهم عن بعض. فلمّا خرجوا من نزوى، كتب موسى بن أبي جابر في آثارهم، فعزلوا قبل أن يصلوا القرى، التي ولاهم موسى –رحمهم الله-، وإنّما كانت حيلة منه –رحمه الله-، احتالها للمسلمين، حدّثني بهذا ثقة من المسلمين، من أهل العلم والورع، وبقي ابن أبي عفّان في العسكر، فظهرت للمسلمين منه أحداث، لم تعجبهم، فلم يرضوا بسيرته، وأخرجوه من نزوى عن وجوههم حيلة منهم، فلمّا خرج من نزوى، اجتمعوا واختاروا لأنفسهم إماما، فقدموا وارث بن كعب إماما، ولو كان لابن أبي عفّان، أصل إمامة، ما قدّموا عليه وارث بن كعب، حتّى يظهروا للناس ما يحلّ به عزله، ويحتجّوا عليه؛ لأنّهم كانوا أعلم بآثار المسلمين، من أن يقدّموا إماما على إمام، ولكنّه لم يكن عليهم أصل إمامة، والله أعلم، فمن هنالك استحلّوا تقديم إمام عليه، فوطئ وارث أثر السلف الصالح من المسلمين، وسار في عمان بالحق، وظهرت دعوة المسلمين بعمان، وعزّ الإسلام وخمّد الكفر، ودفع الله الجبابرة، فسار وارث في عمان، ما شاء الله بالحق، حتّى قبضه الله إليه، وكان سبب موته، أنّه غرق في سيل وادي نزوى، فغرق فيه –رحمه الله- والمسلمون عنه راضون. (1/119)
صفحة 120
ثمّ ولّى المسلمون من بعده عبد الملك بن حميد، فوطئ عبد الملك بن حميد، أثر المسلمين وسار بسيرتهم، وأظهر في عمان الحق، وصارت عمان يومئذ خير دار، لما ظهر فيها أهل الحق، فلم يزل على تلك الحال، حتّى ضعف وزمن، فذكر لنا أنّه، كانت تقع الأحداث في عسكره، وأنّه دخل عقله نقصان، والله أعلم. فتشاور المسلمون في عزله، فأشار موسى عليهم، أن يحضر العسكر، ويقوموا بالدولة، فحضر موسى بن علي –رحمه الله- العسكر، ومن شاء الله من المسلمين، فأقاموا الحق، ومنعوا الباطل، وشدّوا عسكر المسلمين، وعبد الملك في بيت المسلمين، لم يعزلوه ولم يزيلوه عن حاله، حتّى مات –رحمه الله- وهو لهم إمام. ثمّ سار المسلمون المهنئ بن جيفر، فوطئ المهنئ بن جيفر، أثر المسلمين، وسار بسيرتهم، وكانت هنالك أحداث، قد وقعت في إمامته من سفك ماء وحريق نار، وقد ذكر لنا أنّ محمّد بن محبوب وبشير، أطلعا من المهنئ بن جيفر، على حدث تزول به إمامته، واتّهماه وكانا يبرآن منه في السريرة. ولو كان محمّد بن محبوب وبشير أطلعا من المهنئ ابن جيفر، على حدث تزول به إمامته، وتلحقه البراءة ما وسعهما السكوت، فإن يكن الذي روي عنهما حقا، تزول به إمامته عليه بما يستحق معهما البراءة وحدهما؛ لأنّه لا (1/120)
صفحة 121
يجوز لهما إظهار البراءة منه، حتّى يظهر كفره في الدار والدعوة، فبرئا منه في السريرة، وإنّما علينا وعليهم الاتباع لآثار الأسلاف، وقولنا قول المسلمين، ومن تولّى المنهئ بن جيفر من المسلمين، فهو لنا ولي، ثمّ مات المهنئ بن جيفر، ولا نعلم أنّ أحدا من المسلمين، أظهر البراءة منه، ثمّ ولّى المسلمون الصلت بن مالك –رحمه الله-، وكان يومئذ بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم –رحمة الله عليهم-، وإمامهم يومئذ محمّد بن محبوب –رحمه الله وغفر له-، فبايعوه على ما بويع عليه أئمّة العدل قبله، فسار الصلت بالحق في عمان، ما شاء الله، حتّى فني أشياخ المسلمين جملة، الذين بايعوه لا نعلم أنّ أحدا منهم فارقه، وعمّر الصلت بن مالك في إمامته، ما لم يعمر إمام من أئمّة المسلمين فيما علمنا، حتّى كبّر ونشأ في الدولة شباب وناس، يتخشّعون من غير ورع، يظهرون الدين ويبطنون حب الدنيا، ويأكلون الدنيا بالدين، فلمّا طال عمر الصلت بن مالك، عليهم ملّوه لما كبّر وضعف، وإنّما كانت ضعفته من قبل الرجلين، فأمّا السمع والبصر والعقل واللسان، فلم نعلم أنّه ضاع منه شيء، ولا نقص منه شيء، فلمّا ذهب أعلام المسلمين وفقهائهم، وأهل الورع، ومن يطلب الآخرة، وبلغ الكتاب أجله، وأراد الله أن يختبر أهل عمان، بمثل ما اختبر به من كان قبلهم، ممّن قد وصفنا وعددنا في كتابنا، وإنّما كتبنا لكم يا أهل هذا (1/121)
صفحة 122
الكتاب، وشرحنا لكم فيه سير المسلمين، لكي تفهموا تفقّهوا ضلال من ثار على الصلت بن مالك وعزله؛ لأنّ حكم الله واحد في عباده، والمؤمنون شهود على أعمال العباد؛ لأنّ الله يقول: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) فاختبر الله أهل عمان، بما اختبر به من كان قبلهم، ليعلم منهم المطيع من العاصي، في حال عمله، وقد علمهم الله تبارك وتعالى، قبل أن يخلقهم، ولكنّهم لا يسأل عمّا يفعل. فابتلى الله أهل عمان، برئيس من رؤسائهم وعلمائهم، كما ابتلي غيرهم، فلمّا اختبروا، قلّ بصرهم، وزالت عقولهم، وحادوا عن الحق، وخالفوا سيرة المسلمين، إلا قليلا أنقذهم الله، أنّ الله لا يجمع أمّة محمّد على ضلال، والمؤمنون هم الأقل من الناس، وقد قال الله تعالى اسمه: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). فلمّا بلغ الكتاب أجله، فأراد الله أن يبدئ من عورة أهل عمان، ما أبدى من عورة غيرهم، ممّن وقد وصفنا لكم في هذا الكتاب، خرج موسى بن موسى من أهل بيت علم وورع، ووالده موسى بن علي –رحمه الله-، كان في أهل عصره، مقدّما على أهل عمان (1/122)
صفحة 123
-رحمه الله وغفر له-، ولم يبتل أهل عمان بدون من الناس؛ لأنّهم كانوا يطئون آثار أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختبروا بأمّ المؤمنين وبعثمان بن عفّان، وعلي بن أبي طالب، ممّن كان له العلم والفضل والسابقة في الإسلام، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام موسى بن موسى في أهل عمان، فتكلّم بلسان فصيح، ويهتف في مجالسه ويصيح، فمرّة يطعن في الإمام والقاضي، ومرّة يطعن في الولاة والشراة، ومرّة يطعن في غيرهم، ممّن يقوم بأمر الدولة، ولا يوضّح على الإمام حدثا أحدثه، ولا أحدا من أصحابه، ولا يسمّى للإمام بمكفرة، ولا يبيّن إلى ما يدعو إليه، إلا أنّه ناصح للدولة وأهلها، يصل إلى الإمام ويتكلّم ممّا لو كان غير الصلت بن مالك، لحبسه في السجن، أو يوضح على ما يقول برهانا، ويمسك لسانه عن شتم أهل الدولة، ولكن الصلت كان رفيقا حليما، وكان يجلّه لموضع والده، ولم يكن يؤمل فيه هدم الدولة؛ لأنّه يظهر أنّه ناصح للدولة وأهلها، وهو يسعى في فسادها وهدمها، وللذي قد سبق في علم الله، فلم تزل الأيّام ترقى به، ومجالسه تغلظ وهو يثب، على الدولة، حتّى انتهت به الأيّام، إن جمع الأعراب والطغام من الناس، ومن يسرع في الفتنة، فتبعهم الناس على منازل مختلفة، من بي رجل قد عضبه أحكام المسلمين وأوعرته، فهو يطلب عثرتهم، وآخر قد حسد من له في الدولة درجة رفيعة، يطمع أن ينال بمثلها، وآخر يتعبّد بلا بصر، فيظنّ أنّه محق، وأنّه يطلب حقا، ولا يدري أنّه قد افتتن، فجمع موسى بن موسى الناس، وسار بهم إلى فرق، فوقعت الفتنة في عمان، وكان موسى على أهل عمان، أشدّ فتنة ممّن افتتن بعلي أو مثله، وممّا فتن به من فتن (1/123)
صفحة 124
أن قالوا: إن وشل فرق، لما وصل موسى ودعا الله أن يتحوّل عذبا، فتحوّل عذبا، حتّى قيل: لو استنبى أحد بعد محمّد صلى الله عليه وسلم، لاستنبى موسى، ولا يمكننا أن نكتب كلّ الذي تكلّم به، فلمّا وصل فرقا وهو يرغب في دعائه، ويؤلب على الدولة، ولا يسمّي للصلت بحدث، كفر به، ولا أقام عليه حجّة تزيل إمامته، ولا دعاه إلى التوبة من ذنب، أصرّ وامتنع، ولم نعرف من سيرة المسلمين، التي وصفنا لكم، واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم-، أنّ الواجب علينا وعليكم، الاتباع لآثار أسلافنا وأئمّتنا في ديننا، ولم نخلق نحن ولا أنتم عبثا، ولم نترك سدى، فلمّا وصل موسى فرقا، يدعو إلى عزل الصلت بن مالك الإمام، لا يطلب غيره، اعتزل الصلت بن مالك من العسكر، إلى بيت ولده شاذان، واستخلف في العسكر من استخلف، والذي ذكر لنا عنه، أنّه قال: إنّما اعتزل، خوفا أن يقع سفك دم بلا حجّة، وأنّه لم يحضر من يحتج به. وفي كتاب الصلت بن مالك، إلى الجهور بن شيحة، يخبره كيف كان اعتزاله، وبالله التوفيق. وذكرت في الذي كان من قضاء الله وقدره، ومن مسير هذا الرجل ابن موسى، ومن كان معه إليّ، وقصودهم في ذلك، لما أراد الله، حتّى اعتزل من الموضع، وبلّغك من (1/124)
صفحة 125
نهب بيت مال المسلمين، وجعلوه دولا، وكلّ ما وصفته لك، فقد فهمته عنك إن شاء الله، واعلم يا أخي، أنّ هذه الدولة، قد كان لها رجال، كانت لهم حلوم راجحة عالمة، وصدور وقلوب سالمة، كانوا على أمر واحد، يطأ الآخر أثر الأوّل، وقد كانت بينهم الأعتاب، فلم يبلغ بهم الأمر إلى مثل هذه الغاية، فلم يزالوا على ذلك، حتّى مضوا وانقرضوا –رحمهم الله-، ثمّ خلفنا نحن، وأنتم من بعدهم، وبليت بهذا الأمر من غير محبّة منّي فيه، ولا طلب له، إلى أن طلب من طلب إليّ من أفاضل المسلمين، وأهل الفقه في الدين، ورغبت في طلب الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحق. ورجوت نصرة المسلمين لي على ذلك، وكان يومئذ من قد عرفت من أشياخ المسلمين، فقمت بهذا الأمر ما شاء الله، والمسلمون لي أعوان، ونحن وهم على أمر جامع، إلى أن ذهب أهل الفضل، ومن يحب الحق والعدل، ونشأ اليوم شباب وناس، ظهر رغبتهم في الدنيا، وطلبوا الرياسة فيها، وكان موسى هذا، يصل إلينا ويقول: إنّه يأتي ينصح ويكاتب الناس، ويؤلب على الدولة، ومرّة يطلب خلاف ذلك، فلم تزل الأيّام ترقى به، وهو يدعو الناس، إلى أنّه إنّما يطلب الصلاح، وإظهار الحق ولأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطلب إلينا مطالب لا أراها، ولا أعرفها من الحق، ولا مقاربة إلى ذلك، وأنا أدعوه إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، وآثار أئمّة المسلمين، وبما يجتمع عليه رأي المسلمين، فيقول ويرسل إليّ: أنا لا أنظر إلى قول فلان ولا أرضى إلا أن تنزل إلى قولي ورأيي، فلم أر ذلك من الحق، ثمّ حشد إلينا وسار بمن أجابه فكتب (1/125)
صفحة 126
إلى من شاء الله من المسلمين، فحضر من حضر، وزحف القوم إلينا، وتقارب الناس من بعضهم بعض، فأمرت الشراة، ومن كان عليه هذا العي بالشخوص، ومنع العسكر، وأن يجاهدوا عن الدولة فكرهوا، وأمرتهم بالتقديم، فتأخّروا ولم يصلوا إليّ، فكتبت إلى عمر بن محمّد القاضي في الخروج إليّ، وخرجت عليه فلم يخرج، وصرت أنا في حد من صار من الضعف، وخفت أن تصل القوم، ويدخلوا العسكر، وتلقاهم رجال، فيقع حرب وسفك دم، وأنا في البيت بلا حجّة ولا أمر يكون فيه إظهار الأمر، فخفت أن تسفك دماء الناس، فرأيت أن تحوّلت إلى منزل ولدي، بلا ترك للإمامة، ولا بخلع لما طوّقني الله من هذه الأمانة، وأمرت بحفظ بيت مال المسلمين، وحفظ السجين، وأمرت عزّان بن تميم بالقيام في ذلك، فلمّا بلغ إلى القوم ذلك، دخلوا الدار، وعزم موسى أنّه قد عقد للإمام برأيه، وكسّروا بيت مال المسلمين، ونهبوه وأذهبوا، وأطمعوا في هذه الدولة عدوّها، وفعلوا ما لم يرض الله به، وما اختلعت وما برئت. فهذا ما أخذنا من كتاب الصلت بن مالك، ولم نكتب لكم الكتاب كلّه، لطول الكلام، وهذا ما سمعنا في عذر الصلت بن مالك من الاعتزال؛ لأنّه كانت محاربته لهم لازمة، وقولنا فيه قول المسلمين، فمن تولاه بعذر، قبله منه، أنّه حلال له فعله، أو توبة عرفها منه، عن ترك حربهم تولّيناه على ذلك، ومن وقف عنه من المسلمين، لما لم يصح عنده (1/126)
صفحة 127
كيف كان اعتزاله، عن محاربتهم وترك الدعاء إلى قتالهم، وكيف عقدهم لراشد، ومن بعد ما عقدوا له؛ لأنّه كان يجب عليه لما عقدوا لراشد إماما، أن يحلّ ما عقدوا، ويهدم ما شيّدوا ويدعوا إلى ذلك، حتّى لا يجد أعوانا عليه، فيعذر من وقف عنه من المسلمين، لما لا يصح معه، وكان سائلا طالبا للحق، ولم يتّخذ الوقوف دينا، تولّيناه ما لم يبرأ، ممّن تولاه، أو يقف عمّن تولاه على ما وصفنا، ولما اعتزل الصلت بن مالك، اغتنم ذلك موسى بن موسى، وعقد لراشد إماما قبل أن يدخل نزوى، ويسأل الصلت عن اعتزاله، ويحتجّ عليه فيه، أعن خوفة اعتزل أم ضعفة عن القتال، والقيام بحق ما طوقه الله، وامتناع بحدث لزمه منه الحق، إن كان موسى يدّعي ذلك، ولا سأله حجّة، ولا عرض عليه توبة، ولا سمّى له مكفّرة، ولكنّه عقد لراشد إماما على أهل عمان، بالغلبة والجبرية، وقعد قاضيا له طالبا للملك والدنيا، فوطئ موسى وراشد، ومن اتبعهما أثر الصلت بن مالك، وولّوا ولاته، وأنفذوا أحكامه كأنّه ميّت، وليس نعرف هذا من سنن المسلمين، التي قصصناها عليكم في صدر كتابنا هذا، فإن يكن الصلت بن مالك محقا، فقد كفروا ببغيهم عليه، وإن يكن مبطلا، فقد كفروا بوطئهم أثره، مع أنا بحمد الله، لا نشكّ في بغيهم، وإنّما أوضحنا هذه الحجج، لكي تفهموا وتعلموا أنّ الخطأ من راشد وموسى لازم. على أيّ الوجهين كان ذلك (1/127)
صفحة 128
فانظروا يا أولي الألباب، وأهل الحلوم والآداب، فيما كتبناه لكم، وشرحناه وبيّناه، وأوضحناه لكم من أثر السلف الصالح قبلنا وقبلكم، وألزموا أنفسكم النظر فيه، وانظروا لأنفسكم نظر من أشفق على آخرته، واعلموا –رحمنا الله-، أنّ الذي وجدناه في آثار المسلمين، أنّ الإمام إذا بايعه المسلمون، فأعطوه صفقة أيديهم، وثمرة قلوبهم، على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى العمل بكتاب الله، وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، لم يحل لهم أن يزيلوه، إلا بحدث يكفره، وظهر به كفره في داره ودعوته، ثمّ يستتيبوه فيصر على ذنبه ولا يتوب، أو يركب حدثا يجب عليه فيه الحد، فيقيمون إماما يقيم عليه الحد، الذي أتاه مثل الزنا وما أشبهه، أو تحلّ به إحدى العاهات، أن يذهب سمعه، فلا يسمع أو يخرس لسانه، فلا ينطق، أو يذهب بصره فلا يبصر، أو يذهب عقله فلا يعقل، فعند ذلك يحلّ التقديم للإمام عليه. وأمّا ما دام يشف الشيء يبصره، أو يبيّن الكلام إذا تكلّم، أو يسمع إذا رفع له الصوت، أو يعقل، فليس لهم أن يعزلوه ولا يزيلوه، فقد بيّنا لكم حق الإمامة، فافهموها. (1/128)
صفحة 129
وفي كتاب محمّد بن محبوب –رحمه الله- إلى أهل حضر موت، لما بلغه، أنّهم يريدون عزل إمامهم، وتقديم إمام غيره، وكتب إليهم محمّد بن محبوب –رحمه الله-: قد بلغنا أنّكم تذكرون أو من ذكر منكم عزل هذا الإمام، وإقامة إمام غيره، فاتقوا الله، ثمّ اتقوا الله، أنّ هذا جور كبير، إن عزلتم إمام عدل، على غير حدث، وقد أعطيتموه عهدكم، وبيعتكم وميثاقكم، على أن تطيعوه، ما أطاع الله ورسوله، فهذا عقد لا يحل لكم أن تحلّوه إلا بحدث يكفر به الإمام، ويحلّ به دمّه ويستتاب فيصر على حدثه فلا يتوب، فعند ذلك يحل خلعه ويحرم نصره، ويستبدل من هو أعدل منه، فأمّا ما كان على عهده وعقده، غير مصر ولا ناكث، فحرام عليكم خلعه، واجب عليكم نصره بالحق، فإن خلعتموه بغير حق ولا إصرار على حدث يستحق به خلعه، فقد دخلت عليكم الفتنة، وسلكتم جور المسالك، وحللتم محل المهالك، ولا زكاة لكم ولا جمعة، ولا جهاد ولا نكاح، لمن لا وليّ له من النساء ولا ولاية، ولا تجوز إقامة الحدود ولا إنفاذ الأحكام للإمام، الذي تقيمونه، فاتقوا الله ولا تسفكوا دمائكم، وتعصوا ربّكم وتفرّقوا كلمتكم. فهذا ما وجدناه عن أبي عبد الله –رحمه الله-. فيا معشر أهل عمان، ويا حملة القرآن، نذكركم بالله، الذي أنتم إليه صائرون. هل تعلمون أنّ موسى بن موسى، شاور في الصلت بن مالك، يمثّل ما قد ذكرناه على (1/129)
صفحة 130
المسلمين، والذي كتبنا إليكم في هذا الكتاب، لم نكتبه أنفسنا، وإنّما كتبنا لكم من سيرة المسلمين، التي أنتم بها عارفون، وما كان آباؤكم وأسلافكم يدينون، فاتقوا الله، وانظرا الحق، فاتبعوه حيث وجدتموه، ولا تردّكم عنه عصبية ولا حمية، ولا هوى ولا شحناء، فإنّ موسى بن موسى وأشياعه، لن يغنوا عنكم من الله شيئا، إذا وقفتم بين يدي الله، وسألكم عن معونتكم لموسى على الصلت بن مالك، ولولايتكم لموسى، على عزله للصلت بن مالك، ولابدّ من السؤال، فأعدّوا للسؤال جوابا، تنجون من جبّار يحكم بالحق، ولا ينجي منه إلا بالصدق، فإنّه يقول في كتابه: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون) ولو يسع المسلمون الوقوف عن أحد، ممّن يستوجب البراءة عندهم، لأمسكوا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاربه وصهرته، ومن كانت له السابقة في الإسلام والفضل، فلمّا خالفوا عن ذلك، أنزلهم المسلمون، حيث أنزلوا أنفسهم، وخلعوهم على المنابر، وبرئوا منهم شاهرا ظاهرا، ولم يكن في ذلك خفاء ولا استتار ولا تحكّم، فهو أعلم وأحكم منّا ومنكم، يطأ آخرهم أثر أوّلهم، يدعون الناس إلى ذلك، فلمّا وقعت بين أظهرهم في عصرهم، أحداث مخالفة لكتاب الله، وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، لم يسعهم جهل كفر من أحدث ذلك؛ لأنّ الولاية والبراءة فريضتان، في كتاب الله، فبرئوا (1/130)
صفحة 131
ممّن خالف الحق، ولو وسع المسلمون الولاية لمن شك، لما وقعت الفتنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك عن اتباع أهل الحق، ووقف فلم يقل شيئا، ولتولّى المسلمون عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمّد بن مسلمة؛ لأنّهم كان لهم فضل في دينهم، فلم يتولّهم المسلمون لما وقفوا، ووقف عنهم من وقف من المسلمين وبرأ من برأ، وقولنا فيهم قول المسلمين، والمسلمون يأتمون بالبراءة، ممّن ارتكب ما لا يحل له، وخالف أهل الحق في ذلك، ولا يتولّون من وقف عن البراءة، ممّن ارتكب ذلك، ولنا لكم في آثار السلف الصالح هدى وبيان، فافهموا ما كتبنا لكم، ترشدوا وتسعدوا، فقد كتبنا على أنفسنا، وعليكم حجّة، ولم نكتب إلا ما نعرف من الآثار الواضحة الشاهرة، فهذا ما كان من خبر الصلت بن مالك –رحمه الله-، ومن خبر موسى بن موسى، فلمّا استقرّ الأمر لموسى وراشد، لبثا في ملكهما ما شاء الله، وهما وليّان لبعضهما بعض، راشد إمام، وموسى قاض له، يدعو له بالإمامة والنصر على عدوّه، وكان في قرب ولاية راشد، خرج عليهما نصر بن منهال، وفهم بن وارث، وأبو خالد ومصعب وخالد بن سعوة، وناس كثير، وكان فهم بن وارث وأبو خالد (1/131)
صفحة 132
ومصعب، ممّن خرج على الصلت بن مالك، وحضروا بيعة راشد وبايعوه، وكان مثلهم في ذلك مثل طلحة والزبير، نكث هؤلاء بعدما بايعوا، كما نكث هذان من بعد ما بايعا، ولم نقل هذا القول، إنّا نجعل بيعة راشد، كما بيعة علي، وإنّما سقنا لكم الخبر، فأرسل إليهم راشد الجيوش، وكان موسى وليّه على ذلك، يدعو إليه بالنصرة، والتقوا بموضع يقال له: الروضة، قريب من تنوف، فاقتتلوا فهزم فهم، وقتل نصر بن منهال على فراشه، على ما سمعنا، وقتل من شاء الله في تلك الوقعة، وأسرّ من أسرّ، فمن الأسارى فهم وأبو خالد، ومصعب وخالد بن سعوة، ووقع في تلك الوقعة عقر دواب ونهب وأسلاب، فاقتتل الفريقان على غير أمر واضح، وما تبيّن لنا رشد أحدهما؛ لأنّ فهما كان فيهن خرج على الصلت، وأبو خالد ومصعب، ثمّ رجعوا على راشد فحاربوه من بعد أن حضرا عقد إمامته وبايعوه، فرجعوا على بعضهم بعض، واشتدّت الفتنة، ووقع سفك الدماء، ويطول أن نعدّ لكم قصّة أهل عمان كلّها، فلم يزل موسى مع راشد، حتّى بلغ الكتاب أجله، وأراد أن يبدي من عورته، وأن يهتك سرّه، فرجع على راشد بعدما قدمه، واختاره خلعه وفسقه، وبرئ منه ودعا إلى حربه من غير مخالفة لراشد منه، له بحدث يستحق به معه الخلع في دينه؛ لأنّه كان يراه إماما، ففعل به مثل ما فعل بالصلت بن مالك سواء، ودعا إلى عزله وألّب عليه، وقد سمعنا أنّ راشدا خرج إليه إلى أزكي، يسترضيه فلم يدرك رضاه، وأخذ في عزله من غير أن يظهر عليه حدثا تعرفه الناس، إلا أنّه يدعو إلى عزله، كما دعا إلى عزل (1/132)
صفحة 133
الصلت بن مالك، بل كان الصلت معه، على ما كان يظهر منه خيرا من راشد؛ لأنّه خرج على الصلت بن مالك، ولا نعلم أنّه خلعه، وراشد كان يفسقه على ما سمعنا، فسار موسى ومن اتبعه، حتّى نزل فرقا واجتمع شاذان، ومن أجابه عند ابنة المجد، وكان الحواري بن عبد الله، والوليد بن مخلد، ومن أجابهم في موضع يقال له: سندان، في أعلى من الموضع الذي كان فيه شاذان، ومن كان معه ناصرين لراشد، وكان راشد في موضع الإمامة، وموسى في فرق ثائرا، على راشد، من بعد أن كان وليّه، وافترق موسى وراشد والحواري بن عبد الله والوليد بن مخلد، من بعد الألفة والأخوّة؛ لأنّهم كانوا تآلفوا على عزل الإمام الصلت بن مالك، وبايعوا راشدا، وصاروا حزبا وعادوا أعداء لموسى، يطلب عزل راشد، والحواري والوليد يطلبان نصره، فلو كان أمرهم رشيدا في الأصل، لكان الحواري والوليد مصيبين في نصرهما لإمامهما، ولكان موسى مخطئا، إذا نكث على إمامهم، ولكن أمرهم في الأصل، كان لغير الله، لم يجمع الله شملهم، وردّ بعضهم على بعض، واجتمع موسى وشاذان، على عزل راشد من بعد فرقتهما، وكان موسى يتكلّم في شاذان، ويعيب أباه، نعوذ بالله من الفتن. فسار الحواري والوليد ومن معهما، يريدان إلى راشد ولقتال شاذان وأصحابه، والله (1/133)
صفحة 134
أعلم ما أرادوا، فالتقوا من قبل أن يصلوا راشدا، فهزم الحواري والوليد وأصحابهما، وقتل من قتل من أصحابهما، فاقتتل الفريقان على غير أمر واضح، وما تبيّن لنا رشد أحدهما، ثمّ سار شاذان وأصحابه، وأخذوا راشدا من موضعه بلا حرب، وضربوه وحبسوه، ووصل موسى ومن معه إلى العسكر، وقد اجتمعوا بعد الفرقة من غير توبة، فاجتمعوا وقدّموا عزان بن تميم إماما، فالله أعلم بأمورهم وبيعتهم، وقد كان أبو المؤثر الصلت بن خميس، يقول: إنّ بيعة صفقة عزان صحيحة، ثمّ لم تحمد سيرته حتّى قتل، والله أعلم، وقولنا قول المسلمين، ومن برئ من عزان بن تميم تولّيناه على ذلك، فصار موسى وأولياؤه أعداء، وعاد هو وأعداه أولياء من غير توبة ولا رجوع إلى الحق، فهذا هو العجب العجيب، وذهبت سيرة المسلمين، وصار الناس أتباعا لمن غلب على بيت المال، لا ينظرون في ولاية ولا براءة، فاتقوا الله يا أهل عمان، وانظروا لأنفسكم ولآخرتكم، وانظروا إذا وقفتم غدا، حيث تشهد عليكم جوارحكم، فارجعوا إلى الحق، فما كتبنا إلا بما لم يخف عليكم، فلمّا استولى الأمر لعزان بن تميم، استقضى موسى من غير توبة، إلا أنا سمعنا أنّه (1/134)
صفحة 135
كان يستتيبهم سريرة، فإن يكن الذي سمعنا حقا، فما نعرف هذا من سيرة المسلمين، فقد أوضحنا لكم ذلك، لتعلموا خطأهم، فقد أعلمناكم أنّ المسلمين استتابوا الناس من ولاية عثمان وطلحة والزبير، علانية غير سريرة، وقد بيّنا لكم ذلك، فلمّا استقرّ الأمر لعزان، خرج راشد وعبيد الله إلى والي صحار، فاقتتلوا فهزم راشد وعبيد الله، وأسرا وسجنا وقيّدا، فسجن راشد وقيّد مع من كان يسجنه ويقيّده من قبل، فصار من بعد، إذ هو إمام بمنزلة أهل الأحداث، ولعلّ الذي كان قيّده وحبسه، ممّن كان يقيّد برأيه ويحبس، فصار أهل عمان بمنزلة الجبابرة، إذا هزم الأمر ابتع أصحابه الأمر الآخر، وذهبت الديانة، فلبث موسى وعزان ما لبثا، وليّين في الظاهر، وأمّا في السريرة، فالله أعلم بهما، ثمّ لم يجمع الله شملهما، ولم يرشد أمرهما، فحوّل عزان القضاء عن موسى لما خافه، وجمع الآخر في أزكى، فعاجله عزان، خوفا أن يفعل به ما فعل بمن كان قبله، فأخرج اللصوص من السجن، وجيّش جيشا فقتلوه، ثمّ وضعوا على أهل القرية، فقتلوا من قتلوا وسلبوا من سلبوا، وأحرقوا أنفسا بالنار وهم أحياء، وفعلوا ما لم يفعله أحد على ما سمعنا من أهل التوحيد، وكلّ ذلك حنات تقدّمت ووغر في الصدور؛ لأنّه منذ عزل (1/135)
صفحة 136
الصلت بن مالك، وقعت العصبية والإحن والدمن، فآوى عزان المحدثين من أصحابه، واتخذهم أعوانا وأنصارا، وأجرى عليهم النفاق، وطرح نفاق من تأخّر عن المسلمين، إلى إزكي، يعاقب من عصاه، وولّى من عصى الله، ولم يعاقبهم، والحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: من أحدث حدثا في الإسلام أو آوى محدثا فعليه لعنة الله. فحدثهم من أعظم الأحداث، وقال الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) والظالمون والفاسقون، فمن برأ من عزان بن تميم من المسلمين، تولّيناه على ذلك. فلمّا قتل موسى بن موسى، غضب الفضل بن الحواري، والحواري بن عبد الله، وسارا على عزان، فخرج الحواري بن عبد الله، غضبا لقتل موسى بن موسى، من بعد أن كان الحواري وموسى، كلّ واحد منهما، قد فارق صاحبه؛ لأنّ موسى يدعو إلى عزل راشد، والحواري يدعو إلى نصرته، فأيّ فرقة أشدّ من هذا؟ فعقد الفضل بن الحواري للحواري بن عبد الله، إماما في صحار، على فتنته وخطئه وعمائه، من غير توبة ولا رجوع إلى الحق، فبعث إليهما عزان بن تميم الجيوش، وكان أهيف بن حمحام من قوّاده وغيره، فالتقوا بالقاع، وسفكوا الدماء فيما (1/136)
صفحة 137
بينهم، على غير برهان ولا حجّة ولا بيان، فهزم الحواري والفضل، وقتل من قتل معهما، وأسرّ من أسرّ، وتفرّق الباقون، ولم نعلم رشد أحد الفريقين، فلمّا استقام الأمر لعزان بن تميم، بعث الله ابن بور على أهل عمان، فقتل عزان وقتل خلقا كثيرا، وقطع الأيدي والآذان، واستولى على البلاد، فذهبت عمان من أيدي أهلها، فأصبحوا في البلاء بعد النعمة؛ لأنّ الله يقول: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم). فغيّر أهل عمان إلا من شاء الله، وطلبوا الدنيا، وتنازعوا الدولة بينهم، لطلب الملك، فبعث الله عليهم من هو أطلب للدنيا والملك منهم، فما اعتبروا ولا عقلوا، ورجعوا إلى راشد، بعد أن كان في السجن خليعا مقيّدا أسيرا، عقدوه إماما، وقصّروا الجمعة وجبوا الزكاة، وباع راشد الصوافي، فهذا من العجب العجيب من أفعال أهل عمان، ثمّ خذلوه وتركوه، ثمّ جعلوا الإمامة وفرضها، وما أوجب الله فيها على أهلها لعبا ولهوا، كلّما أرادوا صافقوا رجلا ببيعة، ثمّ خذلوه حتّى بايعوا ست عشرة بيعة، أقلّ أو أكثر، لم يفوا لله بواحدة، ولا ساروا بحق الإمامة، ولا اتبعوا من قدّموه في بيعتهم بأثر الأسلاف من المسلمين، بايعوا راشد بن النضر ببيعتين، وبايعوا عزان بن تميم، وبايعوا الصلت بن قاسم ببيعتين، وبايعوا الحواري بن عبد الله، وبايعوا أبا سعيد القرمطي، وبايعوا محمّد بن الحسن، وبايعوا الحسن بن سعيد، وبايعوا محمّد بن يزيد، وبايعوا حكم بن ملا بيعتين، وبايعوا عزان بن الهزبر. (1/137)
صفحة 138
ولم نكتب بيعتهم أولا فأولا، وإنّما نحن سمّيناهم، وعزان بن الهزبر، كانت بيعته قبل الحكم بن الملا وغيره، فأمّا عزان، فلسنا ننقم عليه في بيعته، أكثر من أنّه لما وليّ الأمر، لم يظهر دعوة المسلمين، ولا بيّن للناس دينه، فكان من أهل دينه، وممّن يخالفه في عسكره، مجتمعين على غير بيان، والحق واحد، والمسلمون قد علمتم أنّهم لم يقبلوا من عمر بن عبد العزيز، وقد كانت سيرته معهم محمودة، إلا أن يظهروا دين المسلمين، ولم يقبلوا غير ذلك، والآخر تبع للأوّل، وإذا جاز لعزان الإمساك، جاز لغيره؛ لأنّ حكم الله في عباده واحد عدل، وقولنا فيه قول المسلمين، فلمّا أرجف من أرجف من أهل عمان، وغيّر أثر الأسلاف، واتخذ رأيه وهواه دينا، فيقدّمون رجلا ويسمّونه بالإمامة، ويقصّرون الصلاة خلفه، ويجبون الجزية والزكاة، حتّى إذا خرج عليه وعليهم العدو، وخذلوه وأقام من أقام منهم، مع من خرج عليه من الأجناد، يحث في صلاح البلاد والقيام بالخراج، وعدد الأموال، حتّى إذا خرج السلطان قدّموه، أو غيره إماما، وخطبوا له الخطب، ودعوا له بالإمامة، وقصّروا الصلاة، وجبوا الزكاة، فافهموا يا أهل عمان سيرتهم، واعرفوا غلطهم وخطأهم وفتنتهم وبلاهم، أنّهم إنّما يتذكّرون وينظرون، إذا جبى القائد الجوف، ثمّ يجعلون هو على الرعية، فيجبونهم (1/138)
صفحة 139
بالسلطان، يجبي أهل الجوف، وجباتهم يجبونهم حتّى، فقد اجتمعت جباتهم وجباة الأجناد، في أيّام الحواري بن مطرف، وما نعرف هذا من آثار الأسلاف في آثار أسلافنا، أنّهم قالوا: ولا جبي جزية ولا صدقة، حتّى نكون حكّاما على الناس، ولا نبعث جباتنا يجبون أرضا، ولم نحمها ويجر فيها حكمنا، ونمنع من جبينا من الظلم والعدوان. فهذا القول خلافا لفعلهم، وبهذا ندين، ومن خالف قول المسلمين، برئنا منه، وقد علمتم أنّهم لم يمنعوا أحدا ممّن جبوا، فالله الله يا أهل عمان، لا تؤثروا على أنفسكم من لا يغني عنكم من الله شيئا، واتقوا يوما لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، إنّ وعد الله حق، فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغرور. فلمّا علم المسلمون فتنتهم وخطأهم، اعتزلوهم وبرئوا منهم وضلّلوا، فلمّا علم المسلمون خلاف المسلمين، وأخذ الناس إذا أبصروا الحق، رجعوا إليه؛ لأنّ الله لا يجمع الأمّة على ضلال، أخذوا يظهرون إلى الناس، أنّ المسلمين أصحاب ضلال، وأنّهم يبرؤون من آبائهم وأمّهاتهم، ويلقبونهم بالألقاب، وهم يعرفون سيرتهم، ويعلمون علام فارقوهم، والله سائل كلا عمّا يقول ويعمل، وقد قال الله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) ولنا ولهم موقف أخير، النجاة من ينجو فيه. قال الله: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) وقد كان قولهم وأمرهم أهون من هذه الأيّام؛ لأنّهم لم يكونوا يسيرون سيرا، إنّما كانوا يلقون أخبارا وأقوالا إلى غواة الناس، وإنّما كانت السير للمسلمين، يسيرون في الفتنة (1/139)
صفحة 140
ويشرحون للناس دينهم، ويبيّنون ضلالة من ضلّ عن آثار المسلمين، إلى أن بلغنا أنّ فاسقا منافقا في دين الله، زالا عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخلعا في دينه، تابعا لكلّ ناعق ينعق، أو شيطان ينطق، ليس له دين يحجزه، إنّما هو تبع لمن كانت له دولة، أخذ يظهر سيره ويصوّب أمره، ويسمّى المسلمين السفهاء والضلال، ويدعو الناس إلى التمويه، وينكر على المسلمين الشراة، وينسبهم إلى البدعة، فأوّل ما سيّر سيرته، أظهر لمن سمعه من المسلمين، وسجع في ذلك سجعا، ولن نعجز عن السجع ولا عن الشتم، ولكن ليس من ديننا أن نسير السير بالشتم والسباب، وإنّما نبيّن للناس الحق، ثمّ من بعد ذلك دعا إلى التمويه، والروايات التي يلفظها، وبروايته برئنا منه، إذ قال ما لم يعلم، وروايته أكثرها فيه وشيعته، وإنّما فارقناهم لما جهلوا العلم، وارتكبوا الإثم، لما رووا الروايات عن الأسلاف، وخالفوهم بالأعمال، فليس الإيمان بالقول، إنّما الإيمان بالقول والعمل، فانظروا رحمنا الله وإيّاكم، سيرتنا وسيرته، وفعلنا وفعله، ثمّ أعرضوا ذلك على سيرة المسلمين من أسلافهم، فمن كان متّبعا لأثر السلف من المسلمين اتبعوه، ومن كان مخالفا للأثر، فأخلعوه وفارقوه، ففي الحق علينا وعليكم، أن نكون تبعا للأسلاف، مفارقين لأهل الخلاف، واعلموا أنّ هذا الذي سيّر إليكم سيرة، لم يوضّح لكم فيها دينكم، وإنّما يموّه عليكم، لكي يشكّككم، فتدبّروا سيرته، تجدوا ذلك فيما وجدنا من الآثار، عن محمّد بن محبوب، موسى بن علي –رحمهما الله- في كتاب كتبناه إلى عبد العزيز بن محمّد. وكذلك في الحق على من دعا إلى الله، وإلى (1/140)
صفحة 141
طاعته، أن يبيّن للناس الصواب، فيما يدعو إليه، والحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إذا ظهرت البدع في أمّتي فعلى العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». هذا خلاف لسيرة هذا الضال المارق المخلط؛ لأنّ في سيرته تمويها وتشكيكا وتخليطا وكذبا، وغير ذلك، وسيستبين لكم ذلك إن شاء الله، فأمّا التمويه الذي يموّه على الناس، وآياته التي يلفظها في سيرته، وعن المبرسم والمجنون من أهل الولاية، إذا تكلّما بما تجب به البراءة منهما، في هذيانهما، أنّهما في الولاية، فمعاشر المسلمين، انتبهوا من سنّتكم وتيقّظوا من رقدتكم، فإن كان موسى وأتباعه وأشياعه، لما ساروا إلى الصلت بن مالك، كانوا مبرسمين ومجانين، علمتم قوله قبلتم روايته، وإن كان غير ذلك، علمتم صدقنا أنّه يموّه عليكم، حتّى تكونوا بين خصلتين، إمّا أن تشكوا فتقفوا، أو تكونوا حيارى، كما قال الله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعد في السماء) قيل في التفسير شاكا حيران، فنعوذ بالله، أن نكون من أهل هذه الصفة، وإمّا أن يتولّى أهل (1/141)
صفحة 142
الفتنة، ومن يجب أن تبرّؤوا، فتكونوا مثلهم، كما قال الله: (ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين). وقد حفظنا عن بعض المسلمين، من أهل العلم والورع، أنّه قال: من تولّى يهوديا، فهو يهودي. وكذلك من تولّى ظالما فهو ظالم، فانظروا وتدبّروا، ولا تتّبعوا الأهواء فتخسروا، ومن تمويهه أيضا، عليكم في سيرته، أنّه قال: وفي وليّين قتل أحدهما صاحبه، لا يعلم كيف قتله، وفي عشرة نفر، كلّهم في الولاية، قتل بعضهم بعضا، لم يعرف كيف اقتتلوا، وفي قوله: «من لعن مؤمنا كمن قتله». فيا سبحان الله ما أعظم جهله وأشدّ مكابرته، كما قال الله: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون). فيا أولي الألباب وأهل العقول والآداب. هل تعلمون أنّ هذا الذي رواه لكم نظيرا، لما أوضحناه من فعل موسى وأشياعه، وإنّما كتب لكم هذه الروايات، لكي تتولّوا موسى وأشياعه، أو تشكّوا فتقفوا، فقد وضّحت الحجّة عليه في سيرته، والحمد لله، وألزم نفسه الحجّة، هلا كانت هذه الروايات تمسك بها هو وأصحابه، وأهل دينه في الإمام الصلت بن مالك؛ لأنّه كان إماما للمسلمين، فقد كان ينبغي لهم أن لا يخرجوا عليه، ولا يرهقوه (1/142)
صفحة 143
ولا يرعبوه؛ لأنّه أعظم حرمة من الولي، من سائر الناس، وإن يكن كافرا، ولم تكن له إمامة، فليوضّح هذا الضال وأشياعه، كفر الصلت، أو تغلّبه على الإمامة، وروايته التي رواها في سيرته، حجّة على نفسه، من حيث لا يعلم، وإنّما التشكيك الذي يشكّك الناس فيه، أنّه قال: وفي كتاب محمّد بن محبوب، إلى محمّد بن علي: وما بقي بينك وبين أحد من إخوانك حجاب، ولو غزل عنكبوت، فلا تهتكه بالظن، فإن شتم المؤمن أو لعنه كقتله، فيا سبحان الله ما أبي غلطه، فهلا تمسك بهذه الرواية، في الصلت بن مالك، فقد هتكوا في أمره الباطن والظاهر، فهذا وشبهه من تشكيكه، وأمّا التخليط الذي يخلط على الناس في سيرته قوله: إنّ الصلت بن مالك، اعتزل وبرأ موسى من الخطأ، في عزل الصلت، وأنّه قد استحلّ ذلك، وليس عنده فيه شك ولا ريب. روي عنه في سيرته، أنّه قال: قد رأيت على حال، أن يجتمع أهل عمان باللذين لا يختلف في تقديمهم، والثقة حتّى ينظروا في الصلت بن مالك وراشد بن النظر وعزان بن تميم، فما اتفق عليه الرأي، وكان الصواب عملنا به إن شاء الله، وتمسّكنا به، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، فهذا هو التخليط، أرأيتم يا أهل عمان، إذا جمع موسى الثقات وأهل العلم بالله، في أمر الصلت وراشد وعزان، فحرموا عليه ما استحلّه من الإمام الصلت بن مالك، كيف تكون توبة موسى وهو يروي في سيرته ما يشكّك الناس به، ويشهد عليهم أنّ شابا من بني إسرائيل، تعلم العلم ليطلب الشرف، فلم يبلغه فابتدع بدعا، أدرك بها ما طلب، ثمّ ندم على ذلك، ورجع إلى التوبة والاجتهاد، حتّى خرق ترقوته، وأوثق نفسه، بسلسة إلى سارية (1/143)
صفحة 144
في المسجد. قيل: فأوحى الله تبارك وتعالى، لو كان ذنبه فيما بيني وبينه، لغفرت له بالغا ما بلغ، ولكن كيف بعبادي اللذين أضلّهم؟ فيا معاشر أهل العقول، أيسع ما يصفونه على الناس؟ فكيف توبة موسى، إذا جمع أهل العلم، فقالوا له: إنّه أخطأ منذ عزل الصلت بن مالك، إلى أن عقد لعزان، وقد مات على ذلك من مات، ونشأ عليه من نشأ، فكيف باللذين أضلّهم؟ فهذا وما أشبهه من سيرته من التخليط، ممّا يشكّك الناس في سيرته، أنّه يروى عن عمر بن الخطّاب (ض) أنّه قال: ليس حد أعظم من تحريم ولاية المسلمين. وقولي فيما يروى عنه أيضا أنّه قال: أدرئوا الحدود ما استطعتم وإذا وجدتم للمسلم فرجا فخلّوا سبيله. فيا سبحان الله من هاهنا عجيبا؟ هل هو وأهل دينه للصلت بن مالك بروايته وعلمه؟ فحرمة الإمام العدل، أعظم حرمة من حرمة المسلمين، فهل أدرؤوا عنه الحد، وخلّوا سبيله؟ فقد كانوا يجدون للصلت بن مالك، رب مخرج، فاستحلّوا حرمته وحقروا ذمّته، ونقضوا عهده وحلّوا عقده، فإن يكن الصلت مؤمنا مسلما، فقد خالفوا الحق على ما روى هذا المأرق، وإن يكن كافرا، فيصح كفره، حتّى يعلم صدق قوله، فسيرته وروايته حجّة عليه، لمن كان له بصر، فهذا وأشباهه من سيرته، ممّا يشكّك الناس. (1/144)
صفحة 145
فافهموا –رحمنا الله وإيّاكم- أن يردّكم هذ المأرق لغير دين الله، فقد أوضحنا لكم الحجّة، وقد لبس عليكم الحق، ولم يوضّح لكم الصدق، ولم يأت على قوله ببرهان، وشاهد على ذلك من القرآن قوله: (لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) وقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون). وأمّا الكذب الذي في سيرته، الذي بدأت فيه، قوله: إنّ عدوّه من الناس شهدوا بما استحلّ موسى، عزل الصلت ثمّ صار في حال الزمانة، وتغيّر العقل في بعض الأوقات، فهذا هو الكذب الواضح، فقد علمتم يا أهل عمان، أنّ الصلت بن مالك، كان يحكم بين الناس بالعدل، فيبرز إلى الناس في ولايته، صحيح العقل واللسان والسمع والبصر، والله شاهد على قولنا وقوله، ومن كذّب في سيرته أنّه روى عن أبي المؤثر –رحمه الله- لما مات المهنا بن جيفر، أراد أبو المؤثر إظهار البراءة منه، حتّى منه ذلك، فهذا من كذبه، فقد صحبنا أبا المؤثر ما شاء الله من الدهر –رحمه الله وغفر له-، فما علمنا أنّه يذكر المهنا بسوء ولا أمر بالبراءة منه، ومن افترى الكذب على الله، أو على رسوله، أو على المؤمنين، فقد خسر خسرانا مهينا، والكذب فاتحة الكفر، وقد جاء عن المسلمين أن (1/145)
صفحة 146
الكذب ينقض الدين، فهذا وأشباهه من سيرته كذبا، فتدبّروا سيرته تجدوا ذلك. وأمّا قول هذا الضال في سيرته، وهذا كتاب فصل، وهذا كتاب أبي جابر، وهذا كتاب موسى وأشباهه، فليس له عندنا جواب إنّما هو هذيان منه، يكثر به سيرته، وليس قوله هذا كتاب فلان، وهذا كتاب فلان، من سير المسلمين في شيء، ثمّ العجب العجيب لمن يزيد، في سيرته قوله، أنّ راشدا كان ضعيف الفراسة، قليل التجربة للسياسة، فتباعد عه من ولاه، وأحاط به من عاداه، فأخذوه قسرا وحبسوه جبرا، فهذا هو العجب العجيب، فيا معاشر أهل عمان، كيف جاز له ولشيعته أن يعزلوا إمام عدل، قد أقام الحق في إمامته، أكثر من ثلاثين سنة، وقدّموا ضعيف الفراسة قليل التجربة للسياسة، فما عذرهم، إذا لقوا الله نسألهم عن فعلهم، فكيف الخلاص لهم، ممّا فعلوا مثله فيما أقرّ في سيرته هو وشيعته، كما قال الله: (فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير) وكما قال: (شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون). والعجب أيضا لمن ولاه، وقدّمه على الصلت بن مالك الإمام، ثمّ ضعفت فراسته وعنفت (1/146)
صفحة 147
سياسته، كيف يتباعد عنه ويتركه، ولم ينصره ويعينه حتّى تقوى فراسته، وتستقيم سياسته، فافهموا –رحمنا الله وإيّاكم- خليط هذا الضال المارق، فقد نقضنا بالحق سيّئته، وأبدينا عورته وفضيحته، فإنّا إنّما كتبنا الذي وجدنا في سيرته، ولم نقل عليه باطلا، وقد نظرنا فيه وفي سيرته، فوجدنا كما روى أهل العقل، أنّه قال: الحدث حدثان، فحدث من فيك وحدث من فرجك، فهذا المارق، قد أحدث من فيه في سيرته، من حيث لا يشعر. وقد روي أيضا عن بعض أهل الأدب، أنّه قال: لم أندم على ما لم أقل، وإنّما ندمت على ما قد قلت. وروي عن غيره أنّه قال: أمّا على ردّ ما لم أقل أقدر ولا أقدر على ردّ ما قد قلت. وروي عن غيره، أنّه قال: عجبا لمن يتكلّم بالكلمة، إن رفعت عنه ضرّته، وإن لم ترفع عنه لم تنفعه. وروي عن أبي سعيد الخدري، أنّه قال: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، ما لم يقلها، فإذا قالها، كان أسيرا في وثاقها. وممّا عجبنا منه أيضا في سيرته، أنّه لم يجز للصلت، يسع ما وسع الأنبياء، صلوات الله عليهم، دون أن يحارب وحده حتّى يقتل، فهذه على الطرفة من سيرته، أنّه لم ير أن يسعه إلا قتل موسى ومن معه في محاربتهم، ويقتل وإلا كفر، فأحلّ دمه ودم موسى، وشيعته في سيرته من حيث لا يدري. (1/147)
صفحة 148
ومن تخليطه وتعسّفه وتوريطه وضلالته، وعماه وكفره، وخطئه أنّه صوّب موسى وطهّره، وزكّاه ثمّ خطأه، وادّعى له التوبة، وقال في سيرته: قد أخطأ أبوه من قبله آدم صلى الله عليه وسلم قد أخطأت أمّ المؤمنين، فهذا من تخليطه أنّه أقرّ عليه بالخطأ، ثمّ ادّعى له التوبة، فأين قوله في سيرته، فيما شدّد وضيّق التوبة على الناس، فيما روى عن الشاب الذي أخطأ، أنّ الله أوحى لو كان ذنبه بيني وبينه، غفرت له بالغا ما بلغ، ولكن كيف بعبادي الذين أضلّهم، فكيف تجوز التوبة لموسى، وقد أضلّ خلقا كثيرا من خلق الله، فأجاز لموسى ما لم يجز لغيره، فافهموا سيرته، فإنّا قد أوضحنا حجّتنا وحجّته، ثمّ زعم هذا المأرق أنّه يسمّي المسلمين السفهاء والضلال، ومن أسفه وأضلّ منه، أنّه كان يخطب ويدعو في خطبته، لراشد ويتولاه ويحكم له، ثمّ عزل راشدا بالغداة، وهو وليّه وعقد بالعشي لعزان بن تميم، وتولّى عزان وفسق راشدا في خطبته، فقال قائل لما سمعه قد فسق راشدا: وبقايا ما أطعمه في أسنانه. والذي كتبناه لكم يا أهل عمان، كثير منكم يعرفه؛ لأنّهم كانوا مع راشد، فلمّا عزل كانوا مع عزّان، فنناشدكم الله يا أهل عمان، ويا حملة القرآن، ويا أصحاب الولاية والبراءة، ويا أصحاب الصلاة والزكاة، لا تضيّعوا أصل إيمانكم، ولا صلاتكم ولا زكاتكم، ولا تحبطوا أعمالكم بولايتكم أهل الفتن، ومن ضلّ عن السنن، ممّن قد سمّينا لكم في كتابنا، أو من قد عرفتم ضلالته من سوّى ذلك، فإنّ الله حرّم الولاية للكافرين، وأمر باتباع المؤمنين والولاية لهم. قال الله تبارك وتعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا) (1/148)
صفحة 149
ثمّ بيّن الذين آمنوا فقال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) ثمّ مدح من تولاهم فقال: (ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون) (ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا) (ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إنّي برئ ممّا تعملون. وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) إلى آخر الآية. وقال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون) وقال: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) وقال: (لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك (1/149)
صفحة 150
فليس من الله في شيء إلا أن تتّقوا منهم ثقاة ويحذّركم الله نفسه) يقول: يحذركم عقوبته وبأسه، فاتقوا الله يا أهل عمان، واحذروا عمّا حذّركم الله، وانتهوا عمّا نهاكم الله وزجركم، وارجعوا إلى دين أسلافكم وأمنائكم، تعوّذا بالله عليكم، لا يغرّنكم الطمع في سيرته، فإنّه إنّما يطلب منكم أن تمسّكوا، وأن تقولوا الحق فيه وفي شيعته وأوليائه، لما خاضوا في المعاصي وتورّطوا، ولا يغرّنكم بدعوته لكم الألفة من بعد ما طرحوا الفرقة في عمان، وأوقدوا فيها نار الحرب، لا تخمد وسلّوا فيها سيفا لا يغمد، فهلا كان هذا الاشتباك والتمسّك والألفة في الإمام الصلت بن مالك، حيث كانت تنفع الألفة، فلمّا فعلوا ما فعلوا، طلبوا ما لا ينالوا، ومتى يرجع الضرع الحلب، لقد باء بالفتنة إلى يوم القيامة، يموت على ذلك كبيرهم، ويولد على ذلك صغيرهم، نعوذ بالله من الفتنة معاشر المسلمين، انظروا إلى ما دعوناكم إليه ودعاكم هذا السفيه الزال عن الحق، يدعوكم إلى الألفة عن المعصية، ولباس الأمور بعضها ببعض، وترك إيضاح الحق فيما حدث من الفتنة بين أظهركم، وقد قال الله تعالى تكذيبا لهم: (الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعملون) (1/150)
صفحة 151
نحن ندعوكم إلى الرجعة إلى الحق، وإلى كتاب الله وسنّة نبيّه وآثار المسلمين، أن تتّبعوها وتنزلوا الناس حيث أنزلوا أنفسهم، وأنزلهم الحق، فقد علمتم أنّ في نسب الإسلام، وأنزلوا الناس حيث أنزلوا أنفسهم، والسيرة فيهم على قدر منازلهم، معشر المؤمنين المسلمين، قد كتبنا لكم أخبارا وقصصنا عليكم من السنن آثارا، ولم نأل في الرد جهدا على من ظلم وتعدّى وشتم المسلمين، وتولّى الظالمين، ولم نأل لكم نصحا، ولم نطلب على ذلك ثمنا ولا ربحا، فإن تقبّلوا فرشدا أصبتم، وأن تردّوا فخطأ حرمتم، ولن يضرّ الله ولا رسوله ولا المؤمنين، مخالفة من خالف الحق، واتبع غير أهل الصدق، والله غني عن عباده، فمن عبده بغير بصر، ولم يكن له فيما أمره، نظر فتخبّط العشواء وارتكب الأهواء، وقد احتجّ الله على عباده بالرسل، وجعل المؤمنين شهودا عليهم في الأعمال، فمن اتبع الحق سلم، ومن زال عنه خسر وآثم. جعلنا الله وإيّاكم ممّن قبل النصيحة، وأعاذنا الله وإيّاكم ممّن لم يقبل النصيحة، أعاذنا الله وإيّاكم يوم القيامة من الفضيحة، والحمد لله ربّ العالمين، ولا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وصلّى الله على محمّد خاتم النبيئين، وعلى آله الطيّبين وسلّم تسليما. (تمّت السيرة). (1/151)
صفحة 152
03/ كتاب البيان والبرهان
رد على من قال بالشاهدين تأليف أبي المؤثر –رحمه الله- من نسخة معروضة على أبي الحواري
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى، بعث محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، بالحق بشيرا ونذيرا (لينذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين) وأنزل عليه قرآنا مبينا، دليلا على نبوءته وعلما على رسالته، وحجّة على من أرسل إليه، وجعل نظمه، مخالفا لنظم الناظمين، وسرده مباينا لمعاني البشريين، ليفصل بين كلام المختلفين. قال الله: (لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه) ومنع جميع المطبوعين من الإنسانيين وسائر الحيوانيين، من الإتيان بمثله والمضاهاة له بشكله، وجعل ذلك برهانا لتصديقه، وبيانا لتحقيقه، فقال: (فليأتوا بحديث مثله) وقال: (فأتوا بسورة من مثله) ثمّ (ولن تفعلوا) فاتقوا الله في ردّه، وتضييع أحكامه، فأقرّ أهل التوحيد بتنزيله، أنّه من عند الله، وكذب (1/152)
صفحة 153
بذلك أهل الشرك، فاستبقى الله عند الذين آمنوا دليل بينهم، الذي فيه نسخة دينهم، وحجّتهم على الذين خالفوهم في عدلهم، وبيان حلال ربّهم وحرامه وفرائضه وأحكامه، فاختلف أهل القبلة في تأويله بعد الإقرار، منهم جميعا بتنزيله، فجهل بعضهم موقع الحق، وعمّوا عن سبيل أهل الرشد والصدق، فجعلوا الخاص عامّا، والعام خاصا، والمحكم متشابها، والمتشابه محكما، وبدّلوا كلام الله بتأويلهم، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، بأقاويلهم مضاهاة لمن سبقهم من الذين كفروا من قبلهم، إلا من ثبّته الله من الذين آمنوا، وأيّدهم بحججه المنيرة، كما هدى الذين اهتدوا من قبلهم، باتباع أمره، بما وفّقهم الله بمنّه ورحمته، وكان ممّا جرى في الاختلاف والتنازع، بين هذه الأمّة، أمر الأئمة إذا أحدثوا مخالفة كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم فتأوّلوا في ذلك تأويلات مختلفة، واحتجّوا بحجج متناقضة، فدخلت عليهم من قبلهم الشبهة، لتركهم ما أوضح الله من السنّة، والتماسهم بزعمهم العدل، من الروايات الكاذبة، وتركهم الآيات الواضحة، فقال بعضهم: الأئمّة أولياء الله وأمناؤه في أرضه، لهم العون من الله والتوفيق محال أن يكونوا مخذولين، ولكنّهم في جميع أمورهم مصيبين لعدل الله ودينه، ولو كان ذلك مخالفا لما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم من عند الله، واعتلّوا في قولهم، بعلل نكره ذكرها، للاشتغال بها عمّا له، قصدنا فنحتاج إلى نقضه. وقال بعضهم: بل لهم الطاعة على ظلمهم ولهم الأمّة والتسليم والرضا بحكمهم على المعرفة (1/153)
صفحة 154
بفسقهم وجورهم وغشمهم، وعطّلوا عنهم من الحدود، ما حكموا به على غيرهم، وقال بعضهم، بل هم بذلك مشركون، خارجون من ملّة التوحيد، داخلون في صفة أهل النديد، يحكم عليه بأحكام المشركين، ويحرم منهم المناكحة والموارثة والذبيحة، ما كان يحرم على المسلمين، من عبدة اللات والعزّى، فقصّر بهم قوم عن منازلهم، وغلا قوم فيهم، فحكموا عليهم بما لم تبلغه درجاتهم، فشهد المسلمون عليهم جميعا بالضلال، وأبصروا خطأهم من كتاب الله، وقالوا فيهم بما أنزل الله، من مخالفة أهل الغلوّ والتقصير، فقال: إنّ الأئمّة أمناء الله وخلفاؤه في أرضه، ما استقاموا على عدل الله، ووفّوا له بعهده، كما أخذ ميثاقهم، فإذا ركبوا الحدود فيهم، بمنزلة غيرهم من المسلمين، يقام عليهم حد ما أصابوا، وإن امتنعوا من إعطاء ما أوجب الله عليهم إعطاؤه، حاربهم المسلمون على ذلك، وأخذوهم كما كان ذلك الحكم واجبا على غيرهم، وليسوا بمشركين ما لم ينتضوا جملتهم، ولكنّهم كفّار منافقون ضلال فاسقون، وإنّما كانت لهم الطاعة، وعلى ذلك كانت بيعتهم، فكيف تكون لهم الطاعة، على قض ما عليه بويعوا، وإنّما جعل الله لهم الطاعة إذا وفّوا بما عهد إليهم، كما قال: (وجعلنا منهم أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون) وقال: (يهدون بأمرنا لما صبروا) ولم يجعل الله لأحد حقا في معصيته، وقد قال لنبيّه: (1/154)
صفحة 155
(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) وقال: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ولم يفوّض الله إلى أحد أمره، بل جعل ذلك إليه، وجعل المتخيّر على دينه كافرا، فقال: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء) وقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالا مبينا). وكان من سنّة المسلمين، إذا أحدثت الأئمّة انتهاك شيء من الكبائر، مستحلّين لها، دائنين أو محرمين مصرّين، منتهكين لها باتباع شهواتهم، وميلولة في أهواء أنفسهم، وتضييع حق لازم لله، ممّا يقرّون بحكمه فيه، استتابهم المسلمون من ذلك، وسألوهم الرجعة عن الهلكة، فإن تابوا قبلوا توبتهم، وأثبتوا لهم إمامتهم، ما لم يصيبوا حدا يقيمه عليهم إمامهم. وكذلك قال الله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) فذلك في المشركين، فكيف في غيرهم، وإن أبى الأئمّة إلا تماديا في غيّهم ومضيّا في كفرهم، وكابروا المسلمين، واعتزّوا على الله، وشهر ذلك في مصرهم، وقامت الحجّة على الرعبة، بكفر إمامها، وصارت الدار عندهم دار كفر، لا يتولّى فيها أحد، لم تتقدّم مع (1/155)
صفحة 156
المسلمين ولايته، إلا لمن أظهر تكفيره، ويكون من تولاه هالكا بولايته، فإنّ المسلمون هم الأكثرين، وهو وأولياؤه الأقلّين، سأله المسلمون الاعتزال عن أمرهم، والترك لإمامتهم، فإن فعل تولّوا أمره، وولّوا على أنفسهم من يقوم بدين الله، ويأمنوه على أمر الله، فإن أبى أن ينخلع من الإمامة، وحارب المسلمين، حاربوه وقتلوه كافرا حلال الدم، وقد مضت بذلك السنّة من المسلمين في عثمان. وإن كان المسلمون هم الأقلّين، والإمام الكافر وأولياؤه في أرضه، الأكثرين الأعلّين، وامتنع من الاعتزال والتوبة، وقدم المسلمون لأنفسهم إماما، وحاربوه مع إمامهم، وقد جرت سنّة المسلمين بذلك في عليّ، ثمّ قد حدث في أهل هذه الدعوة القريبة، أمر عظمت فيه البلية، وبطلت فيه الكلمة، واستبدلت فيه الفرقة في خروج موسى على صلت، وتقديمه لراشد عليه إماما، قبل قيام الحجّة على الرعية، وتحوّل الدار من الإسلام إلى الكفر، وادّعاء موسى للإمامة، وجبرهم للناس على طاعتهم، وادّعائهم أنّ ذلك دين الله، فوقع في ذلك التنازع، ووضح أنّ هذا أمر لم يسبق أحد من المسلمين موسى إليه، ولكنّه ابتدعه من تلقاء نفسه، ولم يتّبع سبيل من مضى من المؤمنين قبله. وقد قال الله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) وقال: (ومن يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا). (1/156)
صفحة 157
ورغب عن ملّتهم وملّة إبراهيم، وقد قال الله: (ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلا من سفه نفسه) فقال بعض من أراد أن يصح بدعة موسى: أرأيتم لو أنّ موسى جاءكم اليوم، هو وبعض من عنده، فشهدوا عندكم أنّ صلتا أحدث قبل خروجنا، عليه كذا وكذا، حدثا يلزم راكبه التفسيق، فاستتبناه فأبى وأصرّ، ألم يكن يلزمكم تصديقهم؟ قلنا لهم: إنّ هؤلاء قوم، قد علمتم أنّه يلزمنا في دين الله، الذي افترضه علينا، أن يزعم أنّهم كافرون؛ لأنّهم خرجوا على إمامنا، وقدّموا عليه إماما، فركبوا في ذلك ما حرّم الله عليهم، فيلزمنا أن نكفّرهم ونخلعهم، فكيف يحل لنا قبول شهادة قوم، الفريضة علينا تكفيرهم، الذي من أجله وجب الفريضة علينا في تكفيرهم، ونحن محرم علينا قبول شهادتهم في غير ذلك، وكيف في ذلك الذي به استحقّوا الكفر عندنا، فإن قالوا: أفلستم تجيزون شهادة قومكم؟ قلنا: إنّ هؤلاء كفرهم عندنا غير كفر قومنا، كان كفرهم بتأويل غالطوا فيه، وليس هؤلاء بمتأوّلين، ولكنّهم كابرون لنا جهرة بمخالفة الحق، مع أنّ قومنا لا تقبل شهادتهم، في حال المناصبة والمحاربة، ولا تقبل أيضا شهادتهم فيما يكفر المسلمين، وهؤلاء من كفّار المسلمين، فحرام علينا قبول شهادتهم، قالوا: أفرأيتم لو أنّهم جاءوا إليكم بشاهدين من الإيمان عندكم، ممّن لم يساعدهم على (1/157)
صفحة 158
حدثهم، ولم تظهر إليكم ولايتهم، فيشهدان معكم، أنّ صلتا أحدث كذا وكذا حدثا، يكفّر به من انتهكه، قالا: واستتبناه من ذلك، فأبى وأصرّ ولم يتب، وأرخا لكم الوقت الذي فيه كفر، فعلمتم أنّه كان قبل تقديم راشد، ألم تكن تلزمكم إمامة راشد؟ قلنا لهم: إنّ راشدا قد ادّعى هو وموسى وأولياؤهما، أنّ الله افترض علينا، أن نتولاهم على ذلك، وأن نسمّي راشدا بالإمامة، وجبرنا على قبض الصدقات من أموالنا، وتسليمها والفرض من الله علينا، أن نكفّرهم، فكيف تصح إمامة من ادّعى أنّ الله افترض تسميته بالإيمان، على من يعلم هو، أنّ الله افترض تسميته بالكفر، وإن لم يعلم ذلك من البعض. وكذلك المستحق من الله علينا، أنّ الله افترض تكفيره، على من كان صلت عنده مؤمنا، وهو على ذلك يجبرهم على الدخول في طاعته، ويسفك دماءهم على ذلك، وهو يلزمه أن يعلم أنّ الله قد أحلّ لمن كان صلت عنده مؤمنا، أن يخرج عليه؛ لأنّ حجّته قامت عليه؛ ولأنّه يعلم أنّ عليهم أن يكفروا من خرج على إمامهم، فكيف تصح إمامة من سفك دماء قوم، على ما يعلم أنّ الفريضة عليهم فعله، وعلى ما يعلم أنّه حلال لهم؟ وهذا يضطرّون إليه؛ لأنّهم لم يكونوا أقاموا الحجّة على الرعيّة في صلت، وإنّما تصح إمامته عندهم بعد بالشاهدين، وكيف تثبت الإمامة لمن حاله قصصنا؟ فإن قالوا: أفرأيتم لو أنّ راشدا تاب من جميع هذه الأمور التي ذكرتموها من الإدّعاء والجبر، وردّ (1/158)
صفحة 159
ما لزمه ردّه، وإعطاء جميع الحقوق من نفسه، أكانت إمامته تصح عندكم؟ قلنا: إنّ قد أقرّ على نفسه بهذا القول، أنّ دماء الذين قتلهم كانت حراما عليه، وسفكها محرّما لهذا، فيلزمه في هذا القصاص والأخذ بها، ولا يجوز أن يقيم تلك الحدود عليه في القصاص إلا إمام، فيلزمه أن يعزل، ثمّ يقدّم إمام يأخذ منه القصاص فيها لأولياء الدماء، فإن قالوا، أفرأيتم إن عفا أولياء الدم، ولم يقتصّوا، ولم يكن سفك شيئا من الدماء، وتاب من جميع ما ذكرتم، أكانت إمامته تصح عندكم؟ وقد كانت عفو الأولياء من قبل تقديمكم إيّاه إماما. قلنا: إنّ راشدا لا يستحقّ الإمامة، ولا يجوز من قبل أنّه عندنا عليه البيّنة، بأمور يكفر بها من ركبها، فإن قالوا: إنّ علمكم بذلك ليس بحجّة عامّة المسلمين، ولكن ما تقولون؟ أتلزم إمامته من لم يكن على ذلك، وارتاب أيضا من تلك الأمور، مع ما يتوب منه من غيرها؟ قلنا: إنّ راشدا، بيّن الجهالة مستدّلا على ذلك منه؛ لأنّه لا ينظر الأحكام، ولا يعرف ما عليه بتولّي المسلمون، لا ما عليه يبرؤون، ولا يقبل قوله في تعديل من شهد عنده، فكيف تصح إمامة إمام، إذا قال لواليه، أو لغيره من المسلمين، أنّه قد شهد معي شاهدا عدل بكذا وكذا، لم يسعه أن يقبل منه قوله، فبأيّ معنى كان الإمام إماما، إلا بإبانة في التصديق بالصحة معه، بمعرفة الشاهدين معه، ولزوم المسلمين قبول ذلك منه، وتقليد الحكم بالصحة معه، وكيف يجوز أن يقبل قول من لا يعرف ما تجب به العدالة في العدالة؟ فإن قالوا، فما الحدّ الذي من وصل إليه، وجب أنّه عالم بالولاية والبراءة (1/159)
صفحة 160
فإنّ ذلك مقبولا منه دون غيره. قلنا ذلك معروف مع المسلمين، غير خفي ولا ملتبس؛ لأنّ المسلمين، قد قالوا: إنّ الولاية لا تقبل إلا ممّن يبصر ما يتولّى عليه، وما يبرأ عليه، فهذا قد أعلمونا أنّ في المسلمين، ممّن يبصر ذلك، وأنّه مقبول منه، قالوا: ولا يقبل ذلك ممّن لا يبصر، فعلمنا أنّهم قد علموا من يبصر ممّن لا يبصر، ولو جاز أن يكون راشد في الحد الذي يقبل منه ذلك، في جميع المسلمين، ولما كان منهم ضعيف، لا يبصر ذلك؛ لأنّ راشدا أضعف الضعفاء، وأجهل الجهّال، ممّن أقرّ بالدعوة في معرفة ذلك وغيره، فهذا ما يبطل جواز الإمامة لراشد على حال من الحال. فإن قالوا: أرأيتم لو أنّ راشدا كان بحد من تجوز له الإمامة، في العلم والورع، وتاب من جميع ما ذكرتم، حتّى يصير في جميع أموره إلى منزله، يكون مثله مستحقّا للإمامة، ثمّ جاء بالشاهدين اللذين ذكرنا. أكنتم تجيزون إمامته، وتثبتون فرضها؟ قلنا: إنّ الذين قدموا راشدا، ليسوا في حد من تجوز به الإمامة؛ لأنّهم ليسوا من أهل العلم، ولا من مساند المسلمين، الذين يلون عقد الإمامة، وإنّما كانت بيعة من غير مشورة المسلمين ولا رضى منهم، فذلك عقد فاسد غير صحيح، فإن قالوا: ومن الذين تجوز لهم الإمامة؟ قلنا: إنّ المسلمين قد أجمعوا، أنّ الإمامة لا تكون إلا عن مشورة، وإنّما قدّم المسلمون أبا بكر وعمر (ض) وغيرهما من الأئمّة، عن تراض من المسلمين، ومشورة من أهل العلم والمساند، وقد علمتم أنّ مجيء الأمر من موسى، في راشد على خلاف ذلك، فليس يجوز أن يصح أمر قد وجب خلافه، لمن مضى من (1/160)
صفحة 161
المسلمين، مع أنا أخبرنا في كتاب الأحداث والصفات، ما تصح به الإمامة، وأخبرنا بمقالة المسلمين فيه، فليس نحتاج إلى القصد إليه في هذا الكتاب، دون ما إيّاه اعتمدنا من إبطال مقالة، فيمن قال بالشاهدين، وفيما ذكرنا في كتابنا، من مخالفة أمرهم، لما مضى عليه المسلمون، كفاية للذين يعقلون، ودليل على فساد عقدهم. فإن قالوا: أفرأيتم لو أنّ راشدا كان على الحق، الذي تجوز له فيه الإمامة، وكان الذي قدّموه هم العماد والسند، ومن لا يختلف في أنّ عقد الإمامة به صحيح، فقدّموا راشدا على مثل ما قدّموه عليه، وصلت إمام لغيرهم من المسلمين، وهم قد علموا منه الضلال والإصرار، ولم يقيموا على غيرهم من المسلمين الحجّة في ذلك، وكان راشد في حال ما تحبّون من الثقة والعلم، ولم تكن منه الأحداث التي ذكرتم، ثمّ جاءوا بالشاهدين اللذين ذكرنا في صدر هذا الكتاب، ويشهدان أنّ صلتا أحدث حدثا سمّيناه مكفّرا، لمن واقعه واستتاباه، فأصرّ على ذلك، وأبى الرجعة عنه، ووصفنا الوقت الذي فيه كفر وأصر، وشهدا أنّ الذين قدموا راشدا، قد عملوا منه مثل ما علما هما، ولم يدخلا في شيء من عقدهم الشاهدين، ولا في شيء منه، ولا علمتم منهما ولاية لهم، وهم على ما صفنا من الأمانة والعلم والثقة والورع عن الأحداث، وتابوا منها بعد شهادة (1/161)
صفحة 162
الشاهدين عندكم، أليس قد لزمكم إمامة راشد، ووجبت عليكم طاعته؟ فإنّا نقول في ذلك، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، إنّا نسأل هذين الشاهدين عن راشد، فإن زعما أنّه لهما إمام، وأنّه ومن معه مصيبون، فهما داخلان في جملتهم، يلزمهما ما يلزمهم؛ لأنّهما قد حكما أنّ إماما موجودا ثابت الإمامة، وإمامنا بحاله غير زائلة إمامته، فيلزمهما شاهدان أيضا كما لزمهم، ويسأل الشاهدان شاهدين، إلى ما لا يتناهى، فهذا شاهد في العيان والقياس، وإن قال الشاهدان: إنّا نبرأ من راشد ومن معه. قلنا لهم: إنّ شاهديكم قد برئا منكم، وشهدا عليكم بالكفر، فقبل شهادتهما بالكفر، فبكفرهم في قولكم؛ لأنّكم مصدّقون زعمتم لها، ثمّ تقبل شهادتهما على صلت، نستتيبه نحن ونظهر حدثه، أن لن يتب كما فعل المسلمون قبلنا، وإن قالوا: أرأيتم إن وقف الشاهدان وقالا: لسنا نقول شيئا، إلا هذه الشهادة، فما أنتم صانعون؟ قلنا: إنّ هذه لا يخلو أنّ في الحكم من الله، الذي حكم به عليهما، أن يكونا جاهلين لما لا يسعهما جهله، فهما كافران، أو يكونا جاهلين لما هما معذوران بجهله، والفريضة عليهما العلم ليس الجهل، وأحد الفريقين هم الحجّة عليهما، إمّا نحن وإمّا أنتم، فأنتم إن كنتم الحجّة عليهما، فقد هلكا بالجهالة، لما دعوتموهما إلى الدينونة بدينكم؛ لأنّهما عالمان من صلت مثل علمكم، وإنّا كنّا نحن الحجّة عليهما، فجهلا تكفيركم وجهلا أمانتنا، ونحن الحجّة عليهما، التي تقطع عذرهما، فهما هالكان بالجهالة؛ لأنّا قد دعوناهما إلى تكفيركم، وليس هاهنا فرقة ثالثة قاضية (1/162)
صفحة 163
بيننا وبينكم فتكون هي الحجّة، وليس أحد من أهل الأديان المائلين إلى شرع الفتنة بحجّة الصواب، لا يخلو أن يكون عندنا أو عندكم، فقد بطلت شهادة الشاهدين من هذه الجهة. فإن قالوا: فإن ضعف ضعيف من المسلمين، عن الإمضاء على أمر، فهو هالك عندكم. قلنا: إذا كان ذلك الأمر ممّا لا يعذر الناس على جهله، كفر من جهله. ومن الدليل على إبطال مذاهبهم في هذا، أنّهم إذا عذروا من علم بمثل علمهم، من إثبات عدلهم، فقد عذرنا نحن أيضا، إذا أعلمنا الشاهدان أن نعلم أنّهم مصيبون. فإذا كنّا معذورين، كان جميع الناس معذورين، بجهالة إمامة إمامهم، وإذا وسّعهم، ألا يسمّوه بالإمامة، وسّعهم، ألا يسمّوه بالإيمان، وإذا وسّعهم ذلك، وسّعهم ألا ينصروه على عدوّهم، وإذا وسّعهم ألا ينصروه وسّعهم، ألا يؤدّوا الصدقة، وإذا وسّعهم ألا يؤدّوا إليه الصدقة، لزمته ولايته على ذلك، وحرم عليه أن يكرههم قبض الصدقة، وحلّ لهم ألا يصلّوا معه الجمعة ركعتين في غير الأمصار، ووسّعهم ألا يقبلوا قوله، فإذا وسّعهم هذا فيه، فقد صح أنّه ليس هاهنا إمامة؛ لأنّه يسع الناس جميعا، ألا يتولّوه وألا يصدّقوه، ولا يصلّوا معه الجمعة ركعتين، في غير الأمصار، ولا يسلّموا إليه صدقة، ولا ينفذوا له حكما، ولا ينصروه على عدوّه، فإذا جاز لهم هذا فيه، لزمهم ألا يتركوا الأمور معطّلة من الحدود والأحكام، ووجب عليهم إقامة إمام غيره، ووجب عليه ألا يعارضهم في ذلك، فهذا (1/163)
صفحة 164
والحمد لله بيان، فبرهان (لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد) على أنّ أمر الشاهدين باطل، فإن قالوا: إنّه يلزم من علم، مثل علمهم الحكم لإمامهم بالإمامة، فعلى شاهديهم أن يأتيا بشاهدين، وعلى الشاهدين أن يأتيا بشاهدين، حتّى يكون ذلك صائرا كالشهرة، فيكون الحكم بالشهرة هو الأصل؛ لأنّه إذا جاء شاهدان بشاهدين وآخران بآخرين، ثمّ تتابع ذلك، فإمّا أن ينقطع دون ذلك الشهرة، فيكون ما ذكرنا من الفساد، وإمّا أن يكون يصير إلى الشهرة، لحد تتابع الكثرة، ولا يحتاج إلى ما زعموا من أمر الشاهدين، ويكون الأمر في الإمام، كما ذكرنا من فعل المسلمين في الماضين، من كفرة الأئمّة، مثل عثما وعلي، والحمد لله ربّ العالمين، ويقال لهم: ألستم تعلمون أنّ الفريضة من الله على المؤمنين، الذين لم يعلموا مثل علمكم في إمامكم وإمامهم، عندهم على العدل، فقدّمتم أنتم إماما، أن يشهدوا عليكم بالكفر والضلال، وأن يستحلّوا دماءكم على ذلك، فإن قالوا: إنّ الله لم يفرض ذلك على المؤمنين، فقد أحلّوا الخروج على الأئمّة، وأوجبوا على الناس طاعة، كلّ من تسمّى بالإمامة وخذلان إمامهم؛ لأنّهم إذا لم يكن ذلك فريضة عليهم، فحلال لهم ترك الإمام، فيكون كلّ من أراد الخروج على إمام جاز للمسلمين تركه، فهذا قول لم يسبقهم إليه أحد، وقد قاتل المسلمون من خرج على (1/164)
صفحة 165
أئمّتهم، قاتلوا الأشعت بن قيس مع أبي بكر، وقاتلوا آل الجمل مع علي، وقاتلوا معاوية مع علي، وقاتل المسلمون أيضا بعمان، من خرج على أئمّتهم، وقد قال الله: (فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله) وقد صح بغي الخارجي بالتسمّي بالإمامة، على إمام المسلمين. وإن قالوا: بل الفريضة تقديم؛ لأنّ هذا لا اختلاف بيننا وبينكم؛ لأنّه قد يسعه ألا يخبر بعلمه، ولا يقذف ولا يبرأ ولا يقتل، وأنّ ذلك خير له، وأنتم تزعمون أنّه ليس عليه فرض إظهار ذلك، وليس إظهاره بدين يلزمه الدعاء إليه، وأنتم تزعمون أنّ هذا دين وفريضة، يلزمكم الدعاء إليها. فإن قالوا: إنّا لسنا نقول: إنّها دين وفريضة، أمرنا الله بها، ولكنّا نقول: إنّه حلال من الله لنا، إن شئنا فعلنا، وإن شئنا تركها، مثل ما حلّ لنا أكل الخنزير وتركه، قلنا: فما الدليل على ذلك، أنّ المسلمين كانوا يخرجون على الجبابرة، وهم الأقلّون، ولا يكون ذلك فرضا عليهم، ولكنّهم كانوا يكونون مخيّرين، إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا لم يفعلوا. قلنا لهم: إنّ المسلمين كانوا، إذا خرجوا لم يتّسعوا بالتخلّف عن إظهار الحق، والدعاء إليه، ويزعمون في دينهم، أنّ على الناس إجابتهم، وأنّ (1/165)
صفحة 166
من خالفهم كافر ضار، وأنّ دعوتهم هي الحق والهدي، وأنتم تقرّون أنّ المسلمين مؤمنون، بولاية إمامهم، وأنّ الفريضة عليهم تكفيركم في حين عقدكم، فكيف تسوّون أنفسكم بمن مضى من المسلمين، والمسلمون قد كان الدين والفريضة عندهم من الله، قتال أهل الكفر والخروج على الجبابرة، ولكنّهم كانوا مستضعفين، أذلّة في دار تقية، فإذا ألزموا ذلك أنفسهم بالشراء، في سبيل الله، صبروا على غلبة ذلك، حتّى تفنى أرواحهم، ولم يكونوا يقولون: إنّ سعة ذلك عندهم، كسعة أكل الخنزير، ولا يشبهون ذلك بالعلم بالزاني؛ لأنّ العلم بالزاني قد يجب عليه الرجوع عند المسلمين، عن قذف صاحبهم، ولا يجوز للمسلمين الرجوع عمّا ألزموه أنفسهم من القيام بدين الله. فإن كان في دينهم، أنّ الله أحلّ لكم الرجوع عن ذلك العقد وتركه، وأحلّ لكم في الأصل، أن لا تقيموا به، وليس هو لله دين، ولكنّه زعمتم حلال، فقد زعمتم أنّ الإمامة غير مفترضة، وأنّه يجوز الرجوع عنها، وتعطيلها بعد إثباتها، وهذا ما قد سبقكم المسلمون إلى خلافه، ويعود النقض عليهم في ذلك، كالنقض عمّن أبطل فرض الإمامة، فكيف شبّهتم فعلكم بفعل المسلمين، في خروجهم على الجبابرة، وهم يقولون أنّ الله افترض على من خرجتم عليه سفك دماء من خرجوا عليه، وأنتم تقولون: إنّ الله افترض على من خرجتم عليه سفك دمائكم، وهذا ممّا لا يدلّ على إبطال في التخيير، وتشبيههم (1/166)
صفحة 167
ذلك بالعلم بالزاني والقاتل، وإن رجعوا فقالوا: بل نزعم أنّ الله افترض علينا القيام بهذا الأمر، وتقديم الإمام الذي قدّمناه.
قلنا: وافترض على المؤمنين تكفيركم عليه؟ قالوا: نعم.
قلنا: واستحلال دمائكم؟ قالوا: نعم، حتّى يأتي بالشاهدين.
قلنا: فلو وجدنا إن افترض على المؤمنين أمر، أو افترض على المؤمنين من غيرهم، أن يكفروهم عليه، ويسفكوا دمائهم، فليدلّكم ذلك، ويحكم ذلك، على أنّه كفر؛ لأنّ الله لا يفترض سفك دماء أحد، والدينونة بكفره على الإيمان، الذي افترضه عليه، بل الله أكرم من ذلك وأعدل، وإذا وجب أنّه حرام في الأصل، وجب أنّه لا يحلّه الشاهدان، كما قد ذكرنا في صدر كتابنا هذا، إنّما كان أصله حراما في أساسه، لم يحل إلا بتحوّل ذلك الأصل، الذي كان به حراما. وإن قالوا: إنّهم مخيّرون ورجعوا إلى ذلك. قلنا لهم: أرأيتم فعلكم هذا، هو إيمان أو كفر؟ فإن قالوا: إنّه كفر، فقد حكموا بفساد أصلهم. وإن قالوا: إنّه لا أيمان ولا كفر. قلنا: فما هو؟ فإن قالوا: لا ندري. قلنا لهم: وكيف لكم أن تدعونا إلى ما لا تدرون ما هو، وقد يمكن أن يكون كفرا. فإن قالوا: نعرف أنّه ليس بكفر ولا إيمان. قلنا: فليس على الناس الدخول فيه، أم عليهم الدخول فيه؟ فإن قالوا: إنّه يجب على الناس الدخول فيه، فقد كلّفوا الناس الدخول في غير الأيمان. وإن قالوا: لا يجب على الناس الدخول فيه على حال، فقد بطلت إمامة إمامكم، إذا جاز للناس أن يتركوه، وقد بيّنا فساد ذلك في صدر الكتاب. (1/167)
صفحة 168
وإن قالوا: إنّه ليس بإيمان ولا كفر، قبل مجيء الشاهدين، فإذا جاء الشاهدان، وجب أنّه إيمان في تلك الحال، التي يجيء فيها الشاهدان، ويلزم الناس الدخول فيه. قلنا: وما الدليل على تحوّله من الإيمان إلى إيمان، بمجيء شاهدين؟ قالوا: لأنّه يلزم تصديقهما. قلنا: فيكون إيمان في أوّل حال، يلقيان فيها أوّل إنسان يخبرانه، أو الإنسان الثاني أو الثالث، أو حتّى يلقيا جميع الناس. فإن قالوا: حتّى يلقيا جميع الناس، من أهل المصر، فقد زعموا، أنّ إمامهم باطل، حتّى يأتي شاهداهم إلى جميع أهل البلد كلّهم. وإن كان المسلمون مالكين للأرض جميعا، فحتّى يشهر لقاؤهما للناس، ويلقيا جميع أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا هو المحال. وإن قالوا: حتّى يشهر لقاؤهما للناس، فتعلموا أنّ الشهرة للحدث من الإمام، هي المحكوم بها، لا خبر الشاهدين، وهذا أوضح الدليل على انتقاض قولهم، فكيف يجوز أن يكون عقدهم لا إيمان عندهم، وهو عند المسلمين كفر بإقرارهم هم، أنّ ذلك فرض على المسلمين، فإذا شهر خبر شاهدين، تحوّل عقدهم إيمانا، وعندهم وعند المسلمين، أنّ هذا لهو الضلال البعيد. وليوجدونا أمرا هو كفر عند بعض المسلمين، لا إيمان عند بعضهم، ثمّ يتحوّل إيمانا بخبر مخبرين، وهو قائم غير زائل، وهل زاد هذان الشاهدان، على أن أخبر الذين كان عندهم لا إيمان ولا كفر، بمثل ما كانوا يعلمون، فيما تحوّل عندهم من اللاإيمان (1/168)
صفحة 169
إلى الإيمان؟ وكيف يتحوّل أيضا إيمانا عند قوم، كان وقوعه عندهم وقوع كفر؟ بل هو كفر حرام عند العالمين، مثل علمهم، إذا كان غير دين ولا فريضة ولا إيمان، وقد أباح الله ذم من ركبه للمؤمنين، وفرض عليهم سفك دمه وتكفيره، وهو عند غير العالمين مثل علمهم. قالوا: إنّه عند أوّل إنسان يلقاه الشاهدان، أن يتحوّل إيمان، وهو بعد مع غيرهم الحق من الله، أنّه كفر، فيأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين. وقد نقضنا ذلك في الشهر، من لقاء الشاهدين، فكيف بواحد أن يكون يلقى به يحول الله فرضا على العباد، أو عليهم خاصة، وإذا كان إيمانا، وجب فرضه على المؤمنين، ولكنّه كفر، فوجب الفرض على المؤمنين الحكم بأنّه كفر، وإذا جاز أن يكلّف الله المؤمنين، أن يتولّوا قوما على الكفر، الذي هو كفر عنده، وهم عالمون به، وإن سمّوهم بالإيمان عليه، كما جاز أن يبرؤوا من الذين آمنوا على إيمانهم، بفريضة الله عليهم، إذا أدّى الذين آمنوا فريضة الله، هذا هو الخسران المبين، ولا نعلم أنّ الله أمر المؤمنين، بأمر كلّف الناس بتكفيرهم عليه، وكيف يأمر الله الناس أن يبرؤوا من أوليائه، على أن فعلوا الإيمان، والله يقول: (الله وليّ الذين آمنوا) (والله ولي المتّقين) ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى (1/169)
صفحة 170
النور بالعون لهم على الإيمان، وكيف الله يأمر الناس، أن يبرؤوا من وقم الله وليّهم، إذ فعلوا الإيمان الذي فرضه عليهم، فإنّما مثلهم في عزلهم للإمام، وخروجهم وتقديمهم عليه إماما، ثمّ قالوا: نبيّن حدثه كقوم قتلوا رجلا، فلمّا قتلوه قالوا: نحن نشهد عليه، إنّما ارتدّ عن الإسلام فلا قود علينا فيه، لو قالوا: قتل أخانا، لكنّا نقبل شهادتهم، ولو جاز لهم ما ادّعوا على الإمام، لجاز للقاتلين دعواهم على المقتول، ومثلهم في قولهم، إذ جاءوا زعموا بالشاهدين على الإمام، ممّا يضلّه وبإصراره، أنّ ذلك سبب عقدهم، بمنزلة نفر من أهل العلم، جاءوا إلى إمام فقتلوه، ثمّ قدّموا إماما قبل أن يتبيّن حدثه، وأقاموا الحجّة بكفره، على رعيته، فجاءهم المسلمون ليأخذوهم بما صنعوا، وجاء أولياء دم الإمام يطلبون منهم القصاص، فأقاموا شاهدين، بأنّه قتل أخاهم، ثمّ قالوا للمسلمين: إنّه يجب عليكم الدخول في إمامتنا، وإنّما كان عقدهم لإمامهم، وهم مع المسلمين حلال الدم بالمنزلة، فأبرؤوا أنفسهم من القصاص، بما أقاموا من الشاهدين، وكيف يجوز عقد هؤلاء، وهو لا يقبل الشاهدان منهم، ولا ممّن قال: إنّ عقد إمامهم ثابتا، وأنّه دين، ولا يقبل إلا بشاهدين من المسلمين غيرهم، من أجل أنّهما إذا كانا متولّين إمامهما، فهما كافران عند المسلمين، ولا تقبل شهادتهما، فمثلهم كمثل ثلاثة نفر علماء، جاءوا إلى إمام فزعموا أنّه زان، ثمّ أخذوه فرجموه، وقدّموا لأنفسهم إماما، واتّبعهم على ذلك بعض (1/170)
صفحة 171
رعية الإمام، ثمّ جاءهم المسلمون ليأخذوهم ويقتصّوا منهم، وطلب ذلك أولياء المقتول، فجاءوا بأربعة شهداء، شهدوا على الإمام بالزنا. هل كانت إمامتهم تتمّ عند أحد من المؤمنين، الذين يعقلون كتاب الله، وهم في حد عقدهم قذفة كفّار، لازم الحد لهم، وإنّما أبرؤوا أنفسهم من حد القاذف، بما أقاموا من البيّنة. وكيف يثبت عقد قوم حال وقوع عقدهم، وهم مع المسلمين أئمّة فاسقون؟ وكيف يجوز عقد قوم أيضا، كان حال وقوع عقدهم الرجال استحقاقهم للكفر مع المسلمين، وإباحة دمائهم؟ حاش الله ومعاذ الله. ويقال لهم: أرأيتم هؤلاء القذفة والقتلة، اللذين قدّموا إمامهم، وهم في تلك الحال مع المسلمين كفّار. هل يسع المسلمين، أو يلزمهم تقديم إمام لأنفسهم، ليقيم على القاتلين حد ما أصابوا، وذلك قبل شهودهم؟ فإن قالوا: إنّ ذلك لا يجوز للمسلمين، فقد حظروا على المسلمين إقامة الأئمّة، وأباحوا لهم تعطيل الحدود وإمامهم ميّت، فقد بطلت الإمامة في هذا القول، وكفر من قبلها من المسلمين عندهم. وإن قالوا: بل يجب على المسلمين تقديم إمام لأنفسهم، وإقامة الحد على القاتلين، الذين قدّموا إماما لأنفسهم، قبل مجيء شاهديهم، ولكن إذا جاء شاهداهم حرم على المسلمين تقديم إمام غير إمامهم. قلنا: أفرأيتم لو أنّ المسلمين قدّموا لأنفسهم إماما، كما أمرهم الله، ولم يعلم بذلك القاتلون، ثمّ جاءوا بإمامهم ليأخذهم بالحد، فجاءوا بالشاهدين. أكانت إمامة إمامهم تبطل أم تبطل (1/171)
صفحة 172
إمامة إمام المسلمين، الذين لم يقتلوا، أم يثبتان معا؟ فإن ثبتوهما، فقد جوّزوا إمامين في مصر واحد. وإن قالوا: بل تبطل إمامة القائلين، فقد علمنا أنّها كانت باطلا؛ لأنّ كلّ إمامة لإمام، جاز بطلانها بمقام إمام، وهو الأخير، وتكون إمامته فرضا، فالأوّل لا شكّ أنّها كانت باطلا؛ لأنّه إنّما تبطل إمامة الأحداث. فإن بطلت إمامة الأوّل، فليست في أصلها بفرض ولا صحيحة؛ لأنّه لا تبطل إمامة بعدل، وحق تقدّم إمام، وبعد وجوبها، ولا يجوز أن يكون إمام موجود بحق وعدل في مصر، ويجعل الله فرضا على المؤمنين، تقديم إمام غيره فيه. وإن قالوا: إنّ إمامة المسلمين، الذين لم يقتلوا، لا تبطل إذا سبقوا، وقدّموا إمامهم؛ لأنّهم قدّموا إمامهم بفرض، ولكن أن لو لم يقدّموا، حتّى يأتي شاهدا القاتلين، حرم على المسلمين التقديم، وثبت عقد القاتلين. قلنا: وقد كان الفرض من الله على المؤمنين، تقديم إمام لأنفسهم، وإمام القاتلين موجودا. فإن قالوا: نعم. قلنا: فهل يمكن أن يكون إمام الله إذا بتقديمه ويفترض الله تقديم إمام عليه على المؤمنين؟ فإن قالوا: نعم. قلنا: نعم، وقد يجوز ذلك في اثنين وثلاثة وعشرة؛ لأنّه إذا جاز تقديم إمام على إمام، وكلاهما بإذن من الله، جاز ثلاثة وعشرون وألف، حتّى يكون أهل الدار كلّهم أئمّة لأنفسهم، وهذا هو حد بطلان الإمامة؛ لأنّه إذا كان كذلك، كان كلّ إمام ليس عليه إمام سوى نفسه، ولا يكون هاهنا وجود إمام. وإن كان على إمام إمام، فالإمام الأعظم هو الإمام الذي يأخذ هؤلاء، وليس هؤلاء بأئمّة، ولا حق لهم فيها؛ لأنّهم ليس لهم حقوق الأئمّة. فإن قالوا: إنّ إمامة المسلمين، هي التي تبطل، إذا جاء الشاهدان. قلنا: وكيف (1/172)
صفحة 173
تبطل والله أمرهم بها؟ قالوا: فإذا جاء الشاهدان قلنا: فهل وجب أمر لم يكن أخبر عه هذان الشاهدان، حتّى جاء هذا الوقت؟ قالوا: لا. قلنا: فما العلّة التي حض الله بها فرض الإمامة، أثبتها بفريضة وحكم بها، فالأمر الذي له حكم بها، أهو الأمر الذي له حكم بأنّها كفر؟ فإن قالوا: خبر الشاهدين أبطلها. قلنا: فهذه الإمامة نفسها، هي التي حكم الله بها، لا زيادة فيه ولا نقصان وهي حلال. قالوا: نعم. قلنا: فهي اليوم نفسها حرام، هي التي حلال، حكم واجب هي حرام كفر، والحلال الحكم الواجب، هو الحرام الكفر، ويفسد في هذا مقالهم. فإن قالوا: قد يجب الحكم، فيكون واجبا. قلنا: مثل هذا ماذا قالوا، يجد الرجل في يده مالا، فينتزعه منه رجل، فيحكم عليه الإمام بردّه، ويقاتله عليه، ويكون ذلك حكما واجبا فرضا عليه، ثمّ يقيم الآخر البيّنة به، فيكون الواجب على الإمام والفريضة، أن يقرّه في يده، وأن يحارب دونه إن عارضه، فيكون الذي هو حرام الذي هو حلال، ويكون الرجل يقذف الرجل، فيكون الحكم من الله على الإمام، أن يحدّه فيحدّه أو لا يحدّه، ثمّ يقيم القاذف على المقذوف البيّنة، على الزنا، فيكون الواجب على الإمام تركه، ويكون ذلك الفرض عليه. وكذلك قد يقتل الرجل الرجل، ويقيم البيّنة عليه، مع الإمام، فيجب على الإمام قتله، ثمّ يقيم البيّنة، أنّه قتل أباه، فيبرئه الإمام من القود، فتكون تلك الأحكام (1/173)
صفحة 174
الواجبة اللازمة مكفّرة، لمن حكم بها قبل مجيء البيّنة. قلنا: إنّ الذي ذكرتم في القياسات، مخالفة للحكم في الإمامة، وليس أنّ هذا الحكم الواجب، ينتقض، ولكنّه يجب بوجوب البيّنة، حكم غير ذلك الحكم نفسه، مصدّق للأوّل مثبّت له، ويكون ذلك الحكم نفسه الماضي، وأن لو كان مضي، كان غير منتقض، بل هو حق وفريضة، تلزم الناس ولاية من بعده من أئمّة المسلمين، وهذا الحكم حكم عقد الإمامة، أنتم تزعمون أنّه هو نفسه، يلزم نقضه، وحل عقده وتركه، ويكون التمسّك بذلك العقد والإقامة عليه هلكة، وهذا الحكم الذي قد ذكرناه من إقامة الحد، وأخذ المال، وقتل القاتل، وسفك الدماء، على ذلك أحكام جارية جائزة، وغير واسع القاذفين والقاتلين، والآخذين للأموال على الصفة. وإن كانوا غير كاذبين، فيما صنعوا عند الله، أن يمتنعوا من الإمام، إذا أراد أخذهم بذلك. فإن امتنعوا ضلّوا بالامتناع؛ لأنّ امتناعهم امتناع من حكم الله، والإمام مصيب عادل في ذلك، وترك الأخذ منه لهم بذلك مضل، ويلزم أنّ ذلك الحكم في الإمام، لا ينقض ولا يقال: إنّه نفسه حكم حرام، ولكنّه حلال جائز واجب وفرض، ثمّ قد وجب حكم آخر من الله تعالى، فعلى الإمام تنفيذه، وليس له أن يقول: إنّ الذي حكمت به من ذلك كان فاسدا، ولا أنّه اليوم فاسد، ولا أنّه حرام، بعد إذ كان واجبا، ولكن كان الحكم الذي وجب غير الأوّل. فإن قالوا: وكذلك لا يقال: إنّ ذلك الحكم في الإمام منتقض، ولكن وجب خلافه. قلنا: والخلاف الواجب مصدّق للأوّل مثبت له. فإن قالوا: نعم. قلنا: فهو واجب غير زائل (1/174)
صفحة 175
ولا منتقض. فإن قالوا: نعم. قلنا: فإمامة الإمام غير منتقلة، فإنّ حكمها لا يبطل. فإن قالوا: وكذلك أيضا ذلك الحكم ثابت، لا يبطل. قلنا: نعم. فإن قالوا: فامضوا عليه. قلنا: فنحن ماضون على تثبيته أنّه عدل، ألا ترو أنا لا ننقض ما حكمنا به من حد القاذف، وإنّما نحد المشهود عليه بالزنا حد آخر، والمال إنّما ننتزعه بحكم آخر، على نحو ما أنّه زال زوالا حادثا، وكذلك الدم. فإن قالوا: وكذلك أيضا نقول: إنّ الإمام زالت على نحو ما تزول به زوالا حادثا، من إصابة حدث مهلك وإصرار. قلنا: فإنّما وجب زوالها، إذا أتى من أكفر الإمام. فإن قالوا: نعم، مجيء بالشاهدين بكفر الإمام. قلنا: فقد كفر الإمام فعل غيره، ولم تجده أحدث أمرا، كان محرما عليه، وإنّما فعل ما أنتم مقرّن له، بأنّ الله فرضه عليه قبل مجيء الشاهدين. وكيف يكفّره مجيئهما؟ ولا نجد الإمام تزول إمامته، إلا بحدث من الإمام، أو عاهة تحل فيه، وهذا الإمام قد أزلتم إمامته، التي هي فرض عليه من قولكم وقولنا، بغير حدث من قبله ولا فيه، وقد صح أيضا، أنّ المال لم يكن للأوّل مفروضا، بمجيء الشاهدين. وكذلك القتل والقذف، ومجيئهما موجب، أنّ الفرض عليهما كان غير الظاهر عن الإمام فيما بينهم، وهذان الشاهدان غير موجبين، أنّ إمامة الإمام غير فرض، بل هما حاكمان بأنّها فرض في الباطن، والظاهر على قولكم وقولنا، وقد أجمعنا على أنّه يجب فيما وصفتم، بحكم غير الحكم الأوّل، ولم نجتمع على ذلك في الإمام، فالإمام حكم إمامته، التي هي فرض واجب بإجماعنا، لا تبطل إلا بإجماع ببطلان ذلك الفرض، ووجوب خلافه، كما قد اجتمعنا على وجوب (1/175)
صفحة 176
حكم غير الحكم الأوّل، فيما وصفوا من المال والقتل والقذف، أو يأتون بدليل من كتاب ناطق، أو سنّة مأثورة، ولن يجدوه، فهذا نقض لقولهم فيما عارضوا به، من تسوية الحكمين، وإثبات أنّ ذلك الحكم في المال غير منتقض ولا حرام، وإن حكمهم بإبطال الإمامة، يوجب أنّ ذلك الفرض الحلال هو الحرام الكفر، إذ صار باطلا، لا لعلّة دخلت من قبل الإمام. وإنّما وجدنا بطلان الإمامة بالعلل الدواخل من قبل الأئمّة، لا من غيرهم، أو يرجعون إلى قول المسلمين، من أنّ إمامة إمام المسلمين غير القاتلين ثابتة، لا تزول، وأنّ إمامة إمام الآخرين زائلة حرام من أصلها كفر باطلة، ويقال لهم: أرأيت لو أنّكم إذ قدّمتم راشدا إماما، وكان على الحال التي وصفتم، أن لو كانت فيه، لم جئتم بالشاهدين، لتقيموها وأنتم دماؤكم حلال للمسلمين، وأنتم عندهم كفّار ضلال منافقون، فماتا أو مات أحدهما. هل كان يجوز لكم الرجوع عن إمامتكم، والترك لها؟ فإن قالوا: إنّه لا يجوز لهم. قلنا: ويجوز لكم إمضاؤها. فإن قالوا: نعم، فقد جعلوا لأنفسهم التخيير في إمامهم، والتخيير في محاربة المؤمنين وسفك دمائهم. وإن قالوا: يجب علينا تركها. قلنا: وإذا كان يجب عليكم تركها، فهي ليست بإذن من الله؛ لأنّ الله لو أمركم بها، لم يأذن لكم في تضييعها، وإذا جاز لكم ذلك، جاز الرجوع عن كلّ إمامة بفريضة، وهذا ما قد نقضناه في صدر هذا الكتاب. وإن قالوا: بل يجب علينا المضي له. قلنا: (1/176)
صفحة 177
ويلزمكم محاربة الإمام ومن معه، بفرض من الله. قالوا: نعم. قلنا: وكذلك يجب على من مع الإمام من المؤمنين قبلكم؟ قالوا: نعم. قلنا: وأنتم مؤمنون وهم مؤمنون، ولا يجدون بدا من ذلك. فنقول: قد أمر الله المؤمنين، أن يحارب بعضهم بعضا، ويقتلون بفرض، وأنتم تستغفرون لهم، ويقتلونكم وهم يلعنونكم، فأيّ ضلال أبين من هذا؟ والله يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وهؤلاء يقولون: بعضهم أعداء بعض. وإن قالوا: إنّا إنّما يجوز لنا القصود بالمحاربة إلى الإمام نفسه، ومثله لعلمنا بحدثه، وليس لنا أن نقاتل المسلمين. قلنا: فإنّ الإمام لم يبرز إليكم، وجاءكم المؤمنون فحالوا بينكم وبينه. فإن قالوا: نقاتلهم ردّ عليهم الكلام الأوّل. فإن قالوا: نتركهم فقد تركوا إمامتهم. وكذلك افترض الله عليهم تركها. وإن قالوا: نمسك على ما نحن عليه، ونعتزل. قلنا: فإنّ الإمام بعث المؤمنين إليكم، فدعوكم إلى الدخول فيما خرجتم منه وإلا حاربوكم. وكذلك أمرهم الله عندكم. فما أنتم صانعون؟ فإن قلتم: ندخل في دعوتهم، فهو ما قلنا من أصل إمامتكم باطل، لوجوب نقضها عليكم. وإن قلتم: ندخل في دعوتهم، فهو ما قلنا من أصل إمامتكم باطل، لوجوب نقضها عليكم. وإن قلتم: ندخل في دعوتهم، فهو ما قلنا من أصل إمامتكم باطل، لوجوب نقضها عليكم. وإن قلتم نمتنع من ذلك ونقاتلهم، فقد قاتلتم المؤمنين، وأنتم تقرّون أنّ قتالكم فريضة عليهم، وهم يقولون: إنّ قتالهم حرام عليكم، فأيّ الفريقين أهدى سبيلا، وأولى بالأمر إن كنتم تعلمون (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). (1/177)
صفحة 178
وقلنا لهم: أرأيت أيضا، لو أنّ هذين الشاهدين لم يعرف المسلمون عدلهما، ولم يقبلوا تعديلكم لهما؛ لأنّكم عندهم كافرون، أو جاء الإمام أو غيره، بجرح أو شهد عليهما شهود بحد، فأقامه عليهما إمام المسلمين. أكنتم ترجعون عن إمامتكم أم تمضون؟ فإن مضيتم، كان ما ذكرنا من استحلالكم لدماء المؤمنين. وإن كان لكم الرجوع، كان الصحيح أنّهما باطل في أصلها، وما نجد الله أحلّ محاربة أحد إلا مشرك أو باغ، وكلاهما يسمّيان بالكفر، وهو لا يجب عليهم أن يسمّوا من يحاربونه مؤمنا، أنّ في هذا الشفاء من العمى. وكان ممّا سألونا عنه إن قالوا: أرأيتم لو أنّ قوما مؤمنين عندكم علماء، ممّن يثبت به عقد الإمامة، خرجوا على إمامكم، فقدّموا إماما مثله، يستحق الإمامة، فبرئتم منه، ثمّ جاؤوكم بشاهدين منكم على إمامكم بما يكفره، ما تصنعون؟ قلنا لهم: هو بمنزلة إمام خرج عليه قوم، وكفروا فبرئنا منهم، ثمّ كفر الإمام فبرئنا منه. فإن كنّا مغلوبين في حد تقية، لا نستطيع التكلّم بعلمنا، ولا نقدر عليه برئنا من الإمام، إذا كفر، وبرئنا من الذين كانوا خرجوا عليه، قبل أن تكفر رعيّته بولايته، ونتولّى من تولّى الإمام، ممّن لم يعلم مثل علمنا، ونتولّاهم على محاربتهم الخارجين على إمامهم. وإن كنّا نقدر على الإنكار، برئنا من الخارجين عليه، وإن أصرّوا أظهرنا كفره، وراجعناه فأطلعنا على ذلك (1/178)
صفحة 179
المسلمين، حتّى يشهر كفره، وتقوم الحجّة على أهل مصره، وتحول داره إلى الكفر، بعد الإيمان، ويهلك من تولاه، ثمّ نسأله الاعتزال عن الإمامة. فإن فعل قدمنا إماما لأنفسنا، وطلبنا إلى الخارجين أن يدخلوا فيما دخلنا من العدل. فإن أبوا قاتلناهم، فإن فعلوا قبلنا منهم، وإن أبى الإمام أن يعتزل، وكابر واغترّ، ومضى على إصراره وإبانه، وامتناعه من الحق، بعد ما وصفنا من ظهور حدثه، قاتلناه وقتلناه، وقدمنا إمام لأنفسنا، ونحن في جميع ذلك نبرأ من الخارجين عليه، قبل أن يكون ذلك لهم حلالا، من أحلّ ما وصفنا من العلل في كتابنا قبل الشهرة؛ لأنّهم كان خروجهم في حال يحل للمسلمين تكفيرهم، واستحلال دمائهم، ولا يكون مصيبا ولا عاقلا من كان بهذه المنزلة. فإن قالوا: أرأيتم لو أنّهم، إذ خرجوا على إمامكم، أطلع منكم رجل من المسلمين على كفره، أو رجال وهم لا يستطيعون إظهار ذلك إلى المسلمين، وجاء الخارجون عليه، وهم يعملون، أنّ الخارجين قد علموا مثل علمه، وكان علمه مساويا لعلمهم، يكفر الإمام قبل خروجهم عليه، وذلك مع المسلمين غير معلوم، وهم مسلمون بولايته، ما كان على هذا العالم مثل علم المقدّمين للإمام. قلنا: عليه أن يمضي على البراءة من الإمام، وأن يستتيب المقدّمين من صنيعهم، فإن تابوا وتركوا ذلك وتولاهم، وإن أبوا برئ منهم لتعدّيهم إلى ما لم يأذن به الله لهم. قالوا: فإن حاربوا الإمام على هذه الصفة، وحاربهم المسلمون مع إمامهم. أيتولّى الذين حاربوهم؟ قلنا: نعم؛ لأنّهم كذلك استحق الله عليهم. قالوا: فهل عليه أن يقاتل مع الإمام؟ (1/179)
صفحة 180
قلنا: فيأتي إلى الإمام فيستتيبه، فإن قدر على ذلك، فإن تاب عنده أخبر بذلك الخارجين العالمين مثل علمه، ودعاهم إلى الكف، فإن تابوا وكفّوا، تولاهم وتولّى الإمام، وإن كرهوا التوبة، قاتلهم مع الإمام، وتولّى الإمام. وإن لم يقدر على أن يستتيب الإمام، وأصرّ الإمام أيضا عنده، وأبى أن يتوب، فليس له أن ينصره؛ لأنّه عنده كافر، ونصرة الكافر حرام، وهو يتولّى الناصرين له من المسلمين، على علمهم، ويحرّم دماءهم، ويبرأ من الخارجي. فإن قالوا: فليس له أن يقاتل. قلنا: بلى له أن يقاتل عن إخوانه قتال دفع عنهم، وأمّا نصرة للإمام فلا. فإن قالوا: فكيف؟ قلت: إنّ قتاله دفع، وهو في جملتهم، وقتالهم فرض ونصرة، ومقامهم واحد. قلنا: إنّ ذلك يسمّى منه عند الابتداء بالمحاربة وعند الهزيمة، وذلك أنّه لا يبدأ بقتال أحد، ولكنّه ينظر، فإذا قصد أحد إلى قتله، وقتل أحد من المسلمين ضربه دونه، وهذا هو حدّ قتال الدفع، الذي قال الله: (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) فالدفع لهم هو المنع من قتل من حرّم الله عليهم قتله، وإذا وقعت الهزيمة بالكافرين الخارجين، لم يجز له أن يأخذ منهم أسيرا، ولا مولى يأتي به إلى الإمام، وهو يعرف كفره؛ لأنّه قد انقضى أمر الدفع، وإنّما كان دفعه عن أوليائه، فقد كفى الله ذلك، ويتولّى إخوانه إذا أخذوهم أسارى، وجاءوا بهم إلى إمامهم، ليقتلهم أو يعفو، كما كان المسلمون يأسرون المنهزمين من البغاة الكافرين. (1/180)
صفحة 181
قد بيّنا لكم فيه الهدى والشفاء، وأوضحنا الأدلّة والحمد لله ربّ العالمين، فافهموا ويحكم الله واتقوا الله ربّكم. وقلنا لهم: ألستم تعلمون أنّ الله حرّم على الناس دماء بعضهم بعضا، إلا بحلّها ممّن وجب عليه القتل بالحدود الواجبة، وقد قال الله: (ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق) وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حرمت دماؤهم وأموالهم إلا بحلّها وحسابهم على الله. وقد علمتم أنّ الله أوجب على المؤمنين نصرة أئمّتهم، ما كانوا معهم غير محدثين، فكيف يحلّ لكم الخروج على من أوجب الله له، أن يقتلهم وأن يكفرهم، ويستحلّ دماءهم من المؤمنين بفريضته وكتابه، وإنّما يتّبع في هذا العقد شهادة شاهد، أو مجيء آت، وقد عظّم الله حقوق المؤمنين، ورفع درجاتهم، وشرف منازلهم، وقال: هم أوليائي وقال: (الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). وأيّ ظلمة ممّن دعا إلى دين فيه مجاهدة المؤمنين، ومحاربتهم وسفك دمائهم؟ وأيّ نور أضوأ من نور من نصر إمامه، ودان بطاعته، ما لم يعلم منه ضلالا، وهو عنده مؤمن بأمّ العدل (1/181)
صفحة 182
فإن جاز أن يتقرّب هذا الإمام الأحدث راشد، أن لو كان كما وصفوا، جاز أن تكون توبة الكافرة مبطلة، لإمامة إمام سابق، من الأمر الذي به لزمت الأحدث التوبة، واستحقّ به الكفر، ويقال لهم الإمام الأوّل بالتوبة من الحدث، والرجعة إلى إمامته؛ لأنّه كان أصله على العدل والسنّة، وهذا كان أصل عقده به، لزمه الكفر عند المسلمين، فاتقوا الله ربّكم، ولا تجادلوا بالباطل، لتدحضوا به الحق، والله لا يهدي كيد الخائنين، وقد يجوز لأصحاب صلت عند راشد وأصحابه، ويجوز لغيرهم مثل ما جاز لغيرهم، مثل ما جاز لموسى وراشد في صلت، ويلزمكم اتباع كلّ خارج خرج عليهم، ويلزم ذلك في الذي يأتي إلى ما لا نهاية له، ولا انقطاع ولا غاية، وقد بيّنا لكم الآيات، إن كنتم تعقلون، فمن شرح الله صره للإسلام وهداه لنور الإيمان، انتفع بالموعظة، واهتدى بآيات الله، ومن ختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، لم يزدد من الحق إلا بعدا، وكان الذين لا يؤمنون عمّي للوقر الذي في آذانهم. نسأل الله المنّان برحمته، على من يشاء من عباده، أن يمنّ علينا بالهدى، له أولياءه الذين أورثهم الحكمة، أنّه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلّى الله على رسوله محمّد خاتم النبيئين وسلّم كثيرا. (1/182)
صفحة 183
4/ سيرة لبعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصلت بن مالك –رحمه الله-
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإمام الصلت بن مالك، المبتلى بأمور أهل عمان، ومن وصل إليه كتابنا، هذا من المسلمين، من أهل عمان، من أهل النصيحة لهم، والشفقة عليهم من إخوانهم، وأهل دعوتهم من أهل الستر في أمكنتهم، سلام عليكم، فإنّا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، وإليه المصير، ونوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، والعكوف على طاعته، وإصلاح ذات بينكم، وبذل النصائح فيما بيننا وبينكم، بصدور سالمة وحجور حليمة، وحجّة قائمة وأنفس غانمة، وقلوب صادقة، وأعمال موافقة، وكلمة جامعة، وعصمة مانعة، وتعاون على عظم الإسلام، وعقد مواثيقه، واستكمال فرائضه، باتفاق الكلمة، والوقوف عند الشبهة، وترك طلب المعائب، وسلوك أبواب المعاطب، والفشل والتنازع والفرقة بعد اتفاق الكلمة والجماعة، فإنّ التنازع والفرقة، أعظم المعصية وأشدّ الفتنة، فاحذروا التنازع والفتنة والتدابر والاختلاف والتشاجر، في أمر قد كفيتم مؤونته، وعرفتم عاقبته، فعاتبوا أنفسكم في خلواتكم، وارسلوها واعزلوها وذمّوها، فاعترفوا بذنوبكم، وتوبوا منها إلى ربّكم، وارجعوا إلى معالم دينكم، الذي أعزّ به الله نصركم، وقوي فيه أمركم، وأعلى به كلمتكم، وجمع ألفتكم، بمثل الذي كنتم عليه، وأفضل من المحبّة والمعونة (1/183)
صفحة 184
والمؤازرة، وترك قيل وقال، ومسالك سبيل الضلال، وأخلاق الجهال، وما التوفيق إلا بالله. أمّا بعد، أعاذنا الله وإيّاكم من الفتون واتباع حزب الملعون، والركون إلى كلّ مفتون، والندامة عند حلول المنون. كتابنا إليكم معاشر إخواننا، ونحن من الله في حرز كنين، وستر حصين، والله على ذلك، وعلى كلّ حال محمود. وقد بلغنا عن بعضكم خبر أراعنا، وبلغ إلينا، وثقل علينا الذي وقع بينكم من الاختلاف، والتشاجر والتقاطع وترك الاجتماع والائتلاف، والذي اختلفتم فيه أمر، لا اختلاف فيه، عند من يبصر دينه، ويعرف ربّه، ويخشى عقابه ومنقلبه، ولم يختلف فيه أحد من أهل هذه الدعوة، وإنّما اختلفت الأمّة في شيء، استحلّه قوم وحرمه آخرون، فاختلف المحلّون والمحرمون، ثمّ نصب كلّ قوم ما في أيديهم، دينا يوالون فيه، من تابعهم، ويفارقون عليه من خالفهم، والذي اختلفتم أنتم فيه، ليس به شيء من ذلك، والحلال والحرام عندكم مبصر يبصره من فكر في الدين، وعرف ما للمسلمين، وأنتم تريدون أن تختلفوا في شيء، ليس هو من الدين، ولا اختلف فيه، ولا في مثله المسلمون، وقد يكون الاختلاف في شيء يكفّر من جهله، ويضلّ من ترك معرفته، وردّ مقالة من يعرفه، فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله، إن كنتم مؤمنين، وكونوا إخوانا على طاعة الله ودين الله، وكلمة الله. (1/184)
صفحة 185
إن أوجب الأمور وأرضاها، وأقربها إلى الله وأعمّها نفعا للمسلمين، وأجمعها للمضافرة والمؤازرة، والتناصر على إحياء الحق والعدل، وقمع الجهل وأهل الجهل، وأنّ أبغض الأمور كلّها إلى الله، وأبعدها من الله، وأقربها من سخط الله، وأمقتها عند الله، وعند المسلمين، من شق العصا، وفرق الملأ، وصدع الشعب، واقترف الكذب، وخالف الكلمة، وفارق الجمعة، وأظهر المعصية والفتنة، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، ولا تختلفوا فيما يسع الناس جهله، ويسلمون بردّه إذا رددتموه، إلى أولي العلم بالله وبدينه، ممّن يقف على معرفته، وينتظر معناه وشرحه وتفسيره، وسنبيّن ذلك لكم، ونسهّل لكم في المسالك ونتحوّز إن شاء الله، بمعرفته من المهالك، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وسوف نضرب لكم فيه الأمثال، ونوضّح لكم فيه الهدى من الضلال، ونفسّر لكم مسائله، حتّى تعرفوه ولا تجهلوه، فاتقوا الله ولا تقطعوا بالبراءة، ولا تعجلوا عجلة أهل الخرق والحمق، وترك الحق والصدق، وكلّ من رأيتموه يدعو إلى الفتنة أعوانه، ويعيب إخوانه، فإنّه صغير المنزلة، ضعيف الحيلة، إذ قال: إنّي عاينت من رجل من المسلمين أمر، لا يسعني إلا البراءة منه، والمعاداة له، ممّن تولاه بعد أن يعدله، في الذي عرفت منه، فإن سئل القائل لذلك، إن كانت معه حجّة في دينه، أو مخرج فأبانه، وإلا فهو عندنا (1/185)
صفحة 186
ما تقولون في رجل مسلم، رأى رجلا مسلما يسرق أو يزني، أو يعمل عملا يستوجب به عداوة الله وعذابه؟ فقال: الذي رأى أنّي قد رأيت فلانا، يعمل كذا وكذا، عليه لعنة الله، وأنا أبرأ منه، ولم يره أحد غيره، فسأل الرجل عمّا قتل، فجحد ذلك، أتبرؤون منه كما برئ هذا الذي رآه أم لا؟ فإن قلتم: إنّكم تبرؤون منه، وتولون الذي قال عليه، ما قال بلا برهان منه في الذي قال، فقد أخطأتم الحق، وزغتم عن الطريق. وإن قلتم إنّكم لا تبرؤون منه بقول هذا وحده، وهو أولى بالبراءة ممّن قال: عليه ما قال، إن لم يكن معه بذلك برها، وهو الحق، وأنا سائلكم عن الذي رآه نفسه، ينتهك حراما، ثمّ لم ير منه توبة. كيف يصنع فيما بينه وبين الله؟ أتبرأ منه أم تتولاه؟ فإن قلتم: نبرأ منه في نفسه، فقد أصبتم، فإنّه لا ينبغي لمسلم، أن يتكلّم بأمر، ليس معه فيه برهان، ولكن يسعه الصمت، فإن قلتم: إنّه يتولاه في السر والعلانية، فقد أجزتم له ولاية أعداء الله، المنتهكين كبائر ما ينهون عنه، بغير إظهار توبة ولا ندامة، فقد وسعتم له ما لا ينبغي له أن يسعه، وألزمتموه ما لا يلزمه في ولايته إيّاه في السر، إذا لم ير منه توبة ولا ندامة. وإن قلتم: إنّه لا يسعه إلا البراءة منه في السر والعلانية، فقد ضيّقتم عليه وحملتموه ما لا يجب عليه البراءة عندكم؛ لأنّه إذا برئ منه في العلانية بلا برهان، برئتم منه، وإن وسعتم له البراءة في السر، فذلك الحق عند إخوانكم، وهو الذي نريد منكم، ونريد أن تكونوا عليه، وتدعون من خالفكم عليه، فلا تظهرون ما يتفرّق به ملؤكم، ويشتّت به ألفتكم (1/186)
صفحة 187
وتختلف كلمتكم، فإنّ المخطئ منكم يحمل وزره، ووزر من اتبعه، حتّى يلقى ربّه، قبل حسابه. وأعلموا –رحمنا الله وإيّاكم-، أنّه لم يهلك من هلك من الماضين من قبلكم، من أوائل الناس، إلا بالبغي والتكليف والاختلاف، والترك لما أمروا به، والوقوع فيما نهوا عنه، ألا وأنّ الله قد أخذ ميثاقكم، فأقررتم وأنتم تشهدون على أن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا، وأن تذكروا (نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلّكم تهتدون). وهذا الذي أمرتم ودعيتم إليه، ووجب عليكم العمل به والمعرفة له، فمن دعاكم إليه، فأجيبوه واتبعوه وأطيعوه، واعرفوا نصيحته، فإنّه قد أمركم الله بالذي أمركم به، من الاجتماع والألفة والأخوّة والعصمة بالطاعة، وهي الحبل المتين، والسبب المبين، والعروة الوثقى، والعهد الأوفى، ومن دعاكم إلى ما لم يكلّف الله العباد معرفته، ولم يؤاخذهم على تركه، ويسعهم جهله، ويسلّمون بردّه، وذلك قوله في محكم كتابه: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول). ولا تجيبوه وردّوا عليه مقالته، واحذروا كلّ متطلّع إلى الفتنة، وإلى المعصية، وإلى ما في إجابته، تشتيت أمركم وتفريق جماعتكم وإفساد ذات بينكم، فمن عرفتم ذلك منه، فاتهموه واهجروه، وأعرضوا عنه، ولا تقبلوا قوله، ولا تجيبوا دعوته، فإنّه أقرب (1/187)
صفحة 188
الناس إليكم ضرا، وقولوا له: إنّا لا نبرأ من أهل الولاية بقول عام، وإنّا قد أصبنا ذنوبا وخطايا، وركبنا أمورا لا يسعها إلا عفو الله وتجاوزه، ولكن نتوب إلى الله جميعا، ونستغفر الله من جميع ما اكتسبنا، ممّا لا ينبغي لنا، ونحن نتمسّك بالذي كنّا عليه قبل الاختلاف، في الحلال والحرام، ونتولّى من يتولّى المسلمون، ونبرأ ممّن برئ منه المسلمون، ورأينا رأيهم، ونحن أتباع لهم، نتّبع آثارهم، ونطأ أعقابهم، ونسأل الله التوفيق لذلك. فهذه دعوتنا لمن خالفنا، فمن أظهر الرضا بالإسلام، وأطاع المطيعين لله من الحكّام، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصيّام شهر رمضان، وحجّ البيت الحرام، من استطاع إليه سبيلا، قبنا ذلك منه، ولم نتلمّس ما وراء ظهره، ممّا ليس لنا كشفه، ولا ينبغي لنا بحثه، فمن قال: إنّ هذا لا يسعنا، حتّى نبرأ ممّن برئوا منه، وتولّى القائلين في أهل الولاية بالبراءة، فإنّا نسألهم الحجّة على ذلك. فإن قالوا: إنّ الذي وقفنا عن ولايتهم، ممّن تولّون أنتم، كانت منهم أمور استحقّوا بها الوقوف عندنا؛ لأنّهم ماتوا على غير توبة منها، ولا تنصل عنها، فإنّما نسألهم عن رجل أصاب ما يصيب الناس من الذنوب، التي تجب فيها الحدود، فأقيم عليه الحد، فمات من حد ذلك. فما منزلته؟ فإن قالوا: إنّه عدو، فقد صدقوا. فما تقولون في رجل من المسلمين، يسأل عن ذلك المحدود، وما هو عنده؟ فقال: والله ما أدري ما هو، ولكن لا أبرأ منه، ولا أتولاه. فإن قلتم: إنّ ذلك يسعه حتّى (1/188)
صفحة 189
يسأل ويعرف رأي المسلمين، فقد أصبتم. وإن قلتم: إنّه لا يسعه الشك في المحدود، والشاك فيه الرادّ، لعلم ما جهل من ذلك، إلى المسلمين هالك، فقد خالفتم جماعة المسلمين، وأنتم إذا ليس فيكم جاهل، ولا يسأل عندكم إلا عالم بالأمور كلّها، التي تردّ إلى غيره علم شيء، ينزل به، وهذا أضيق ما يصير الناس إليه، وهذا من القول، ينبغي شرحه وتفسيره. فمن أصاب ذنبا لا ينصبه دينا يدعو إليه، ويفارق من خالفه، والوقوف والإمساك واسع، ما لم ينصب الحرام دينا، ويدان به ويدعو إليه، فإن قلتم: يبرأ. فقد أصبتم ووافقتم، إن شاء الله، وهذا الذي يطلبه المسلمون إليكم، أفلا تتّقون الله وتخشون عقابه، وتخافون عذابه أن تختلفوا فيما يسعكم جهله، والصمت عنه خير لكم، والتكلّم فيه فسادكم، وتوغّر صدور بعضكم على بعض، ويحمي قلوبكم، وليس لكم فيه روح ولا راحة، وليس معكم فيه عذر ولا حجّة، إلا أن تفرّقوا كلمتكم، وتشتّتوا أموركم، وتفسدوا ذات بينكم، غرّة وجهالة واضحة، واستخفافا بحقوق المسلمين، وحرمتهم وجرأة على توهين أمركم، وإشمات عدوّكم، فخافوا الله وراقبوه، واحذروا ما حذّركم الله، وقصّ عليكم بنا من كان قبلكم، فإنّه يقول: (وجعلناهم أئمّة يدعون إلى النار ويوم القيّامة لا ينصرون). (1/189)
صفحة 190
وقال: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون). فليحذر كلّ امرئ منكم، أن يقول قولا فيه فساد، وفرقة بين المسلمين، وعيب لضعيفهم وجاهلهم، ووهن لأمرهم وجرأة لعدوّهم، وإثم وظلم، وإتيان ما لا ينبغي، ولا يجهل من الأمر، وما ليس من أخلاق المسلمين، ولا من آثارهم. فمن أتى ذلك، فقد أترى ذنبا عظيما، وقال أمرا جسيما، يسأله الله عنه، ثمّ لا يجد منه مخرجا، لكن المسلمين أهل تراحم وتعاطف، وبر ونصح لله في الخاصة والعامة، وفيما تجتمع كلمتهم، ويصلح ذات بينهم، وحمل ضعيفهم وقويّهم، وجاهلهم على الرفق وحسن النظر، فنذكركم بالله وبالإسلام، وحقّه وحرمته، لما أخذتم في أمركم، وفي الذي بينكم بالذي يجمع الله به كلمتكم، ويصلح ذات بينكم، ويذهب نزغ الشيطان عنكم، ويرد ألفتكم وجماعتكم، هذا الجهد بالنصح منا لكم، والشفقة عليكم، وأن تقبلوا فحص أنفسكم، ونسأل الله توفيقكم أن تردّوا، فقد أبلغنا إليكم، واحتججنا بالله عليكم، وما توفيقنا إلا بالله، عليه توكّلنا وعليه فليتوكّل المؤمنون. (1/190)
صفحة 191
واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم-، أنّ أبواب الوقوف والجهالة، معروفة بيّنة في كتاب الله، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافهموا ذلك، ولا يكون الوقوف إلا فيما دون الوظائف من الأعمال والأحكام، فإذا صارت المنازعة دون الوظائف، ما لم يترك فريضة يكفر أهلها، بتركها عند وقتها، فيدعها من جهالة منه أو عمد، فإذا جاء وقت فريضة، فتركها من جهالة منه أو عمد، فقد هلك وانقطع عذره، ومن انقطع عذره، ومن انتهك كبيرة، أوجب الله لأهلها عليها النار، عمدا فقد هلك، وما كان دون الفرائض، التي يكفر أهلها بتركها، أو دون الكبائر، التي يكفر منتهكها بجهالة، أو عمد من السيّئات، التي لا يكفر منتهكها، فإنّه لا يقطع عذره، إن انتهكها بجهالة أو عمد، ما لم يمتنع من التوبة عنها، إذا استتاب منها، فإن منع التوبة، فقد هلك وانقطع عذره، ومن ركب شيئا من الكبائر، التي أوجب الله عليها النار، أو ضيّع شيئا من الفرائض، التي يكفّر أهلها، يتركها عند وقتها خطأ، فهو معذور، ما لم يكن من جهالة منه أو عمد، والخطأ أن يرمي جاهلا، فيصيب مسلما، أو يريد شيئا فيخطئ بغيره، وهو يرى أنّه مصيب فيما فعل، ونظيره في كتاب الله في اللغو. قال الله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) واللغو أن يحلف الرجل على يمين، وهو يرى أنّه محق، وليس كما يرى، وذلك من الإيمان مرفوع عنه، وذلك لو أنّ رجلا نسي وقت الصلاة، أو صيّام (1/191)
صفحة 192
يوم من شهر رمضان، وكان ذلك منه نسيانا، كان مرفوعا عنه، إذا أداها حين يذكرها، والجاهل معذور بجهالته، ما دون الوظائف من الكبائر والفرائض، ما لم ينتهك كبيرة منتهكها، بانتهاكها كلّها، أو تضييع فريضة يكفّر بتضييعها، وتقع عليه الدعوة فيردّها، أو يرى علامتها، فيتولّى عنها، فهو فيما يجهل معذور، حتّى يعاين، ولا عذر له بعد المعاينة، إلا الوقوف على ما كان يجهله. واعلموا أنّ من دين المسلمين، البراءة ممّن انتهك الكبيرة، التي أوجب الله عليها النار، أو ضيّع فريضة يكفر أهلها بتركها، أو امتنع من التوبة من السيّئات، التي يكفّر منتهكها، وعلى الناس في معاينة ما كانوا يجهلون، الوقوف والبراءة ممّن عاينوا منه، ركوب الكبائر التي أوجب الله عليها النار، أو ضيّع الفرائض التي يكفّر أهلها معها، والوقوف ممّا يدري حتّى يدري، والوقوف على منازل وحدود، والوقوف في كلّ أمر من الشرائع، بعد معرفة الوظائف، وأهل الجهالة معذورون، ما لم تلزم الحجّة بالدعوة، أو المعاينة، أو المباشرة على حد ما وصفنا، وهو ممّا يجهل فيقف، حتّى يعرف ما كان يجهل، ويكون الوقوف على مسلم، تكلّم بشبهة يدّعي فيها العلم، فيوقف عليها، حتّى يستبين صدق ما تكلّم به من كذبه، ويكون الوقوف أيضا على مسلم، أحدث حدثا، فادّعى البيّنة فيما جنى، فيوقف عليه حتّى يصير إلى ما ادّعى من البيّنة، ويكون الوقوف على (1/192)
صفحة 193
مسلم تكلّم بشبهة، فادّعى في ذلك، أنّه حرام أو حلال، فيوقف عليه، حتّى يبصر صواب ما قال من خطئه، وتكون المنازعة بين الرجلين المسلمين، فيما يقع من المسلمين، فبرئ كلّ واحد منهما من صاحبه، فيوقف عنهما، حتّى يلزم أحدهما بالحجّة، وإنّما يراد بالحجّة، صواب ما اختلفا فيه من خطئه، ويكون الوقوف على رجل شهد على مسلم بالكفر، فيوقف عليه، حتّى ينظر إلى ما شهد به، فإن جاء معه شاهد آخر، مضت شهادته، على ما من شهد عليه بالكفر، فإن لم يأت بشاهد آخر استتيب، فإن تاب رجعت ولايته، وإن منع التوبة، سقطت ولايته، من تمنعه التوبة، بتكفير المسلم بغير حجّة تثبت له، وقد تكون الشبهة فيوقف على أهلها، حتّى يكون العلم والبيان والمعرفة، والشبهة أنّ الرجلين من المسلمين، يختلفان في حلال أو حرام، فقطع كلّ واحد منهما عذر صاحبه، ويبرأ كلّ واحد منهما من صاحبه، يدري من شهدهما حق، ما تفرّقا عليه من باطله، فيوقف عنهما حتّى يجيء العلم، فيبيّن لهما منزلتهما إسلاما أو كفرا، وإذا رأى الرجل رجلا يعمل عملا، لا يدري الذي شهده، أكفره ذلك العمل أو لم يكفّره، فهو معه على حاله، حتّى يعلم، ويكون في الرجل يتكلّم في الأحكام، لشيء لا يدري من شهده صدق ما قال من باطله، إذا كان ممّا يخشى عليه الكفر فيه، فهذا على حاله في الدعوة، وافهموا –رحمنا الله وإيّاكم- وباب آخر من الوقوف فيما دون الدعوة في شهادة الأحكام (1/193)
صفحة 194
فيما كان، من إمضاء الأحكام، من نحو الشاهدين والأربعة، فإذا ثبتت الشهادة، انقطع الوقوف، وذلك في رجلين شهدا مع الإمام، على رجل أنّ فلانا زان، لم تكن لهما شهادة، ووقف عليهما، فإن قالا في مجلس الحكم، لا شهود معهما غيرهما، جلدا الحد، واستتيبا، ورجعت ولايتهما، وانقطع الوقوف عنهما، وإن ادّعيا أنّ معهما شاهدين غيرهما، ووقف عليهما، فإن جاء الشاهدان في المجلس، فشهدا معهما، ويثبت الشهود الأربعة، أقيم الحد على من شهدوا عليه بالزنا، وانقطع عنهما حين تمّت الشهادة، ورجعت ولايتهما، ويكون في رجل شهد مع الإمام، أنّ فلانا قتل رجلا من المسلمين، وإن ادّعى أنّ معه شاهدا آخر، وقف عليه، حتّى يجيء بالشاهد الذي ادّعى، فإن جاء به، وتمّت الشهادة، لم يقف الإمام على شيء من الأحكام؛ لأنّ الوقوف بعدما قامت البيّنة العادلة الكاملة، تعطيل لحدود الله، ولا يسع الإمام أن يعطّل حدود الله، وما كان من شهادة الدين، فإنّ الواحد والاثنين وأكثر وأكثر من ذلك، بمنزلة سواء، يقطع بهم عذر الجاهل، ما دام على منزلة الجهالة، التي عذره الله بها، من صفة الواحد إذا وصفه. وفي القوم يختلفون في حكم، فيبرأ بعضهم من بعض، ويدّعي كلّ قوم الحق في أيديهم، ويشهدون على أسلافهم، أنّهم كانوا على ما شهدوا، واحتجّوا به، فإنّه لا شهادة للفريقين جميعا، فيما يدّعيان فيه للحجّة، ويوقف عنهما، حتّى يعرف حق ما قالا من باطله، فيصدّق أهل الحق وتجاز شهادتهم، والدعوة بمنزلة ينبغي أن يكون تصديقها، كتصديق (1/194)
صفحة 195
النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن ترك هذه المنزلة، لا يعذر ولا يعذر الجاهل بجهالة صفته، وكلّ صفة توصف، فيعذر الجاهل، إذا قال: لا أدري من هو بهذه الصفة ما منزلته، فإذا عاين تلك الصفة من أهلها، لم يكن له عذر فيما يروى، وتلك السيّئات التي أوعد الله المغفرة، مع التوبة منها، وكلّ صفة لا عذر للجاهل بجهالته، فإنّه إذا واصفها أو عاملها، لم يكن له عذر بجهالتها، وينقطع الوقوف عنه، وتلك الوظائف التي لا يسع الناس جهالة صفتها، وجهالة منزلة العامل بها، والوظائف معرفة الله وتوحيده، وشهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وجميع صفة الإيمان، وما اكن من الوظائف، التي لا يتمّ الإيمان إلا بمعرفتها، فهو مجهول، ما لم يقع العمل به، والمعاينة له، أن يبلى بالدعوة فيردّها، فإذا بلي بهذه الخصال الوقوف، ولم تسع الجهالة فيه، وينقطع الوقوف أيضا عن الميّت، إذا لم ترج له حجّة فيها حياة، وذلك لو أنّ رجلا قتل مسلما، فقال: إنّما قتلته؛ لأنّه كان قد كفر، وأقام على ذلك شاهدا واحدا، هلك قبل أن يقيم عليه الشاهد الآخر، أو رجل قتل مسلما، فادّعى أنّ له شهودا، على أنّه كان قد كفر، ولم تقم بيّنة حتّى هلك، أو رجل شهد على رجل بالكفر، وقال: إنّ معه شهودا، على ما قال، فوقف عليه حتّى هلك، ولم يقم الشهود، فيكون بمنزلة الوقوف عليه، بمنزلة براءة، عند من وقف عليه، ولا تجوز شهادته، إلا في الشيء الذي وقف عليه فيه، إذا كان معه غيره. (1/195)
صفحة 196
وقول المسلمين معاشر الإخوان، في المعاينة، ما دون الوظائف، ممّا يكفّر الناس البراءة، أو الوقوف، وفيما دون الكبائر من السيّئات، الوقوف أو الولاية، وما دون الوظائف من الصفة غير مجهول، ولا شهادة لأحد في الاختلاف في الدين، إلا لأهل الحق، إذا عرف أنّ الحق فيما دعوا إليه، والحمد لله ربّ العالمين. واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم-، أنّ دار الإسلام، كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، لم تزل ثابتة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلافة أبي بكر وعمر –رحمهما الله-، وبعض خلافة عثمان، حتّى أحدث، فلمّا أن أحدث عثمان ما أحدث، أنكر المسلمون عليه، فتحوّلت الدار من عثمان، وصارت الدار في يد من أنكر عليه الذي أحدث، وكانت الدار منذ قتل عثمان في يد من أنكر عليه، وعلى أهل الجور، وخالفهم ودعا إلى الحق والعدل. فإذا كفر الإمام بقول أو عمل، ولم ينكر عليه أهل الدار، تحوّلت الدار عنهم جميعا، وإن أنكروا عليه، فالدار كما هي، ونظير ذلك وقياسه، أنّ عثمان التي تحوّلت قصره، الذي كان فيه هو وأصحابه محصورين، وكانت الدار كما هي، إلا من فارق الجماعة، وطعن على المسلمين، مثل معاوية بن أبي سفيان وأصحابه، ففارقوا الجماعة، ولم تزل الدار ثابتة للمسلمين، حتّى حكّم علي بن (1/196)
صفحة 197
أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان الحكمين، فأحدث علي وأنكر عليه المسلمون، فتحوّلت الدار عنه، فإذا أحدث الإمام، وأنكر عليه بعض أهل الدار، ولم ينكر عليه بعض، واختلفوا فيما بينهم، صارت الدار مع من أنكر الجور، ودعا إلى الحق، حتّى يظهرهم الله على من أنكروا عليه، أو يفنوا، وإذا وقع الوقوف على الإمام، بقول أو عمل، لم يستطع أن يكون إماما، حتّى يبرأ منه، أو يستتاب فيرجع إلى التوبة، ويكون على منزلته، ولا يكون إماما موقوفا عنه؛ لأنّ الوقوف عنه، لا تجوز له شهادة ولا حكم، وجميع حقوق المؤمنين منقطعة منه، ولا يستطيع حينئذ أن يكون إماما، وليست له شهادة ولا قضيّة، وإذا اختلف الإمام وأهل الدار في حكم، فإنّ لهم ألا يقطعوا فيه شيئا، حتّى يراجعوا المسلمين في ذلك، فيخبرونهم بصواب ذلك وخطئه، وإذا كره الإمام الإمامة، وأراد الرجعة، وترك الإمامة، فليس ذلك له، ولا لأهل الدار، أن يكرهوه على الإمامة. وإذا شهد رجل عند الإمام، على أمر، والإمام شاهد على ذلك الأمر، لم يكن للإمام أن يقضي فيه بشهادة نفسه مع آخر، إلا بشهادة رجلين، وليست له شهادة فيما هو الحاكم فيه، إلا ما أقرّ به المقر معه، من الحق في مجلس الحكم، فله أن يحكم عليه بإقراره معه وهو حاكم، وإن أمر الإمام القاضي، أن يقضي في ذلك، أو في غيره، فإنّ شهادة الإمام مع شهادة آخر، غير جائزة على هذا الوجه. فإذا شهد رجلان من المسلمين، عند الإمام (1/197)
صفحة 198
على شهادة في دم أو غيره، وعلم الإمام أنّهما شهدا بباطل، فإنّه يقول لرعيّته: احتكموا إلى القاضي أو إلى غيري، فإنّ لي في هذا علما، لا يسعني إمضاء شهادة أحد فيه. وإذا عاب أهل الدار على الإمام، لم يبلغ به كفرا، فليس لهم أن يخلعوه بذلك، فإن عجز الإمام عن سياسة أهل الدار، وقصر بصره عن إمضاء أحكامهم، أو ضعف عن نكاية عدوّهم، فإذا كان بهذه المنزلة أمروه أن يعتزلهم، أو يجعلوا مكانه غيره، برضى من عامّة المسلمين. وإذا نزل بأهل الدار حكم، اشتبه على الأمام، أو قصر بصره عنه، فليس لهم أن يخلعوه، حتّى يثبت ويسأل علماء المسلمين عن ذلك، وليس لهم أن يقولوا: اقض برأيك فيما ليس عنده به قرآن ولا أثر، حتّى يسأل أهل العلم من المسلمين، وإذا حكم الإمام بحكم أكفره، وهو لا يدري، ولم يبصر أهل الدار كفره، وقصرت أبصارهم عنه، فخرجوا من الدنيا على جهالة كفر الإمام، وهم يتولّونه، فقد هلكوا لهلاك الإمام، وسقطت ولايتهم. وإذا شهد رجلان على رجل عند الإمام، أنّه قد كفر، فإنّه ينبغي للإمام أن يسألهما عن تفسير الأمر، الذي أكفره، ليعلم أيّ الحدود يقيم عليه، وليس للإمام أن يرجع في حكم أمضاه بحكم الله، وإن رجع الشهود عن شهادتهم، إلا أن يعاين كذبهم، وإنّما يكون المعاينة لتكذيب الشهود، إن شهد رجلان على رجل، أنّه قتل فلانا، ولم يقف عن المشهود عليه، فقبل شهادتهما، وبرئ الإمام منه، وذلك حكم الله عليهم، فيما ظهر لهم، فعاينوا الذي شهدوا عليه، أنّه قتل حيّا لم يقتل، فإنّ ولاية الذي قتل، ترجع بحياة من لم يقتل، وعاينوا كذب الشهود، فيكون الذي أمضى والذي ارتجّ فيه حكم الله، فينزل الشاهدين طاعنين في الدين. (1/198)
صفحة 199
وأفضل ذلك في رأينا، أن يقتلا لما جهلا الإمام من قتل الرجل المسلم، وإذا أقرّا أنّهما شهدا زورا، وطلب ذلك أولياء المقتول. وقال بعض الفقهاء: ليس لأولياء المقتول، أن يختاروا أحدهما، فيقتلوه ويردّوا على ورثة المقتول نصف الديّة، وتكون شهادة على رجل، أنّه قد مات، فيقسّم ماله، ثمّ يرجع الشهود عليه، في أشباه ذلك، ممّا يعاين فيه كذب الشهود، إذا ارتجعوا كانوا طاعنين في الدين، وعلى الإمام والوفاء بعهد الله، وإمضاء الأحكام، على من قتل متعمّدا، أو من له حرمة عنده من معاهد، أو مسلم وأهل جزية، وعلى الإمام، أن يسأل الشهود، إذا شهدوا على رجل مسلم بالكفر، ما أكفره، ليعلم أيّ الحدود تقام عليه، فإن وصفوا ما ليس بكفر، كفروا ببراءتهم من المشهود عليه، بما أثبتوا من اسم الكفر عليه، وبرئ منهم بما وصفوا، بما ليس بكفره، وهم بمنزلة الطاعنين، فيما برئ، والله أعلم بالصواب، وعليهم التوبة، ممّا أوجب الله لإمام المسلمين، على المسلمين أن يسمعوا له، ويطيعوه وينصروه، ويسدّدوا إمامته، ويتولّوه ما أقام فيهم بدين الله، وأحسن السيرة وعمل بالكتاب والسنّة، وكان لجميع المسلمين ناصرا، ولجميع الرعية حافظا. فإذا فعل إمام المسلمين فعلا، فلا يدري المسلمون أصاب فيه أو أخطأ، وحكم حكما لا يدري المسلمون، أصاب فيه فيما بينه وبين خالفه أم لا، فالحق على المسلمين، أن يتولّوه على الحال التي كان بها عندهم، ولا يبرؤوا منه، ولا يقفوا عنه، بعد إذ تولّوه؛ (1/199)
صفحة 200
لأنّ الوقوف ليس مزيلا ولاية أثبتها الله له بعلم وفريضة؛ لأنّ الوقوف جهل، والجهل لا يزيل علما، والوقوف ليس بضد الولاية فيزيلها. فإن بيّن الإمام للمسلمين ذلك العمل، الذي فعله وعملوا، حكم الله فيه، وعلموا أنّ الإمام تعدّى حكم الله في ذلك، مشى إليه المسلمون، فاستتابوه من ذلك الظلم. فإن أنكر ذلك الإمام، وزعم أنّه مصيب في حكم عادل في قضائه، بعدما تبيّن للمسلمين ظلمه فيه، وزعم الإمام أنّ ظلمه ذلك أصابه بحكم الله، والإمام مصر على معصية الله، غير تائب منها ولا نازع عنها، فإمامته زائلة عند المسلمين، ولا طاعة له عليهم، ولهم أن يخلعوه ويولّوا على أنفسهم رجلا يعدل عليهم، فإن أبى الإمام المحدث أن ينخلع من إمامته، من بعد ظهور حدثه، وإصراره على معصية الله، فقد حلّ للمسلمين قتاله وحربه ومناصبته، وصار عندهم ضالا منافقا. فإن قتله المسلمون على الآباء، من الاختلاع من إمامته، فقد سفكوا دم من أحلّ الله لهم سفك دمه، وهم لا يشكّون في ظلمه وعدوانه لله، فإن قتل المسلمين، فغير مصيب ولا موفّق. وإذا أحدث الإمام حدثا، فاستتابه المسلمون، فأقروه على أنفسهم، من بعد توبته ونزعوه، فهو على حالته الأولى، التي كان عليه من الولاية، إذا تاب ونزع. (1/200)
صفحة 201
وإذا بدأ الإمام من بعد حدثه ذلك، وظهوره منه بمنزلة يتّهم فيها على دماء المسلمين، ويسعى في طلب ذلك منهم، وفارق المنزلة التي يجوز للمسلمين، أن يتّهموه فيها لقتلهم، لسعيه في السبب الذي يجوز لهم التهمة عليه، ومقارفته الأحداث، التي يحلّ بها خلع الإمامة، فجائز للمسلمين عزله عنهم؛ لأنّه لا ينبغي للمسلمين أن يأتمنوا أهل الأحداث على الدماء والأموال، وأن يلي أمر المسلمين أهل الأحداث والتهمة، على الدماء والأموال، فإن أمره المسلمون أن يعتزل عنهم، فأبى ذلك عليهم، وزعم أنّ إمامته لا يجوز خلعها للمسلمين بالحدث، وموضع التهمة على الدماء، فإنّ الإمام محارب للمسلمين، وممتنع بحق الله، فللمسلمين قتاله ومناصبته وعزله. فإن أعزل عنهم طائعا، وأظهر توبة وصلاحا، تولّاه المسلمون، وعلى المسلمين أن يولّوا على أنفسهم، من يعدل عليهم أمينا مسلما، وإن أبى الإمام، أن يختلع عنهم من بعد مقارفته المنزلة، التي يحل بها خلعه عند المسلمين، فقد حلّ حربه وقتاله للمسلمين. فإن قتله المسلمون على إصراره، وتماديه على معصية الله، وامتناعه بحق الله، فغير ولي، بل هذا عدو لله، ظالم خليع من الولاية، وبهذه المنزلة كان معهم عثمان بن عفّان، بمقارفته الدماء وسفكها، فاستحلّ المسلمون دمه، ولو قتل المسلمين، لكانوا أولياء الله، وقتلهم ظالما متعدّيا، تاركا لحق الله. (1/201)
صفحة 202
وإذا أحدث الإمام حدثا، يعلم المسلمون أنّه ضال، فمشى إليه المسلمون فاستتابوه من ذلك الحدث، فأبى عليهم، وزعم أنّ الذي فعل من ذلك، جائز له وقال: بل أنتم المخطئون في إعابتكم عليّ، وأنا المصيب، فإنّ الإمام مصر على معصية الله محدث، ظاهر حدثه، وعلى المسلمين أن يخلعوه، وإن أبى ناصبوه وقاتلوه، وبهذه المنزلة استحلّ المسلمون قتل عليّ بن أبي طالب، والخروج عليه. وذلك أنّهم نقموا عليه التحكيم، في دماء المسلمين، من بعد سفكها، وفي دماء الظلمة لهم، وعلموا أنّ ذلك لا يجوز في الدين، فخرجوا إرادة أن يتوب من ذلك، فيقرّوه على إمامته، أو يمضي على حدثه، فيستحلّوا قتاله، فدعوه إلى كتاب الله، وإلى المحفوظ من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى ومضى على حدثه، واستحلّ قتل المسلمين، لخروجهم عليه، فبرأ منه المسلمون –رحمهم الله-، وكان حدثه ظاهرا، يستدلّون عليه بكتاب الله، والسنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولّى المسلمون أصحاب النهروان –رحمهم الله-، لالتماسهم منه الحق، ودعائهم إيّاه إليه، وكان الذي افترق عليه عليّ بن أبي طالب، وأصحاب النهروان وأصحابنا، كتاب الله، الحاكم فيه والموضّح له. (1/202)
صفحة 203
فقتل علي أصحاب النهروان، وهم خيار أصحابه، وكان إمامهم يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي –رحمهم الله-، ثمّ تغادر من بعدهم طوائف من المسلمين، فصاروا بالنخيلة، وإمامهم رجل يقال له: الحوثرة بن وداع، فسار إليهم معاوية وأصحابه، وأعانه على قتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب، فقتلوا –رحمهم الله-، ثمّ خرج من بعده زياد بن حراش، رجل من أهل الكوفة، فدعا إلى ما دعا إليه المسلمون، ثمّ خرج من بعده رجل، يقال له: تميم بن مسلمة وأصحابه من سواد الكوفة، ثمّ خرج من بعده علي الأعرج، بجمع عظيم، فنزل قرية يقال لها: حروراء، وإنّما سمّي الخوارج بالحرورية، على اسم القرية، التي نزلوها، يقال لها: حروراء، ثمّ خرج من بعدهم عصابة من أهل البصرة، أميرهم رجل يقال له: طواف، فقتلهم عدوّ الله عبيد الله بن زياد، ثمّ خرج من بعدهم قريب، والزحاف حتّى قتلوا جميعا –رحمهم الله-، كلّ هؤلاء (1/203)
صفحة 204
كانوا يدعون إلى الحق، ثمّ خرج من بعدهم أبو بلال المرداس ابن حدير التميمي، في فئة أربعين رجلا من أهل البصرة، فسار حتّى نزل الأهواز، في ولاية يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد على الكوفة، فأرسل عبيد الله بن زياد، إلى أبي بلال، قائدا يقال له: مسلم بن زرعة الباهلي، في ألفي رجل من الطغام، فدعاهم أبو بلا إلى الحق، ثمّ بعث إليهم عبيد الله بن زياد، قائدا آخر يقال له: عباد بن علقمة، فقتلهم –رحمهم الله-. ولم يزل المسلمون دعوتهم واحدة، يتولّى القاعد الخارج، والخارج القاعد، لم ينتحلوا هجرة، ولا اعترضوا الناس بالسيف، ولم يغنموا لأهل قبلتهم، ولا سبوا لهم ذرّية، وإنّما اختلف من اختلف قبلكم من أهل هذه الدعوة، على ما ادّعى كلّ فريق منهم من الرأي، ونصب رأيه دينا، ودعا إليه، وفارق من لم يجامعه عليه طلبا للرياسة، وسوء رأي في السياسة، وركونا إلى الدنيا، وفتنة بلوا بها، وجاروا فيها، فوقعت الفرقة بين من كان من بقايا المسلمين، وكان يومئذ عبد الله بن إباض –رحمه الله- (1/204)
صفحة 205
وعبد الله بن صفار، ونافع بن الأزرق، ومن شاء الله من المسلمين، فاختلفوا فيما بينهم، ودعا كلّ واحد منهم إلى رأي، وأوّل من فارق المسلمين، ودعا إلى الجور، نافع بن الأزرق، وكان من أشراف أهل البصرة، من خيار المسلمين، فخرج معه بشر كثير، فسار حتّى نزل الأهواز، وهو على الإسلام، فلمّا ظهرت له الدنيا، وأقبلت إليه، وأحدث عدو الله أحداثا، خلعه الله، ومن اتبعه من الإسلام، وكان لذلك أهلا، وهو أوّل من شقّ العصا، وفرّق الملأ، وصدع الشعب، واقتراف الكذب، وخالف الكلمة، وفرّق الجماعة، وانتحل الهجرة، وكفّر أهل القبلة، وبرئ من أهل التقية، وشرك المقيم، واعترض الناس بالسيف، وسبي ذراريهم، وغنم أموالهم، ثمّ كان من بعده نجدة بن عامر الفاسق، فسار سيرته، وكان من بعده نجدة بن عطية، وكان على طريقته وشرعته، ثمّ كان من بعده عطية وزياد الأعسم، فلا زاد ولا غنم، ثمّ كان من بعد زياد صالح، ثمّ كان من بعد صالح شبيب، ثمّ كان من بعد شبيب (1/205)
صفحة 206
أو بهيس، فاستحلّ هو وأصحابه الملاعين، أمورا تقشعرّ منها الجلود، استحلّوا نكاح المجوسية، ثمّ كان من بعدهم عبد الله بن صفار وأصحابه، وهم الصفرية الخبيثة الغوية، ثمّ من بعدهم الجهم وهم الجهمية، ومن بعد الجهمية الثعلبية، استحلّت الثعلبية، قتل الناس سرّا وعلانية، وكان هؤلاء أئمّة ضلال ودعاء إلى الضلال، ومنهم شعيب الكرماني، وداوود ومطر ومنصور والهيضم وعزيز وحمزة وأبو إسحاق وأبو عوف، ثمّ كان من بعد ذلك فرق كثيرة، فرق أهل الضلال، ضلّوا وأضلّوا كثيرا عن سواء سبيل، ومنهم المرجئة، والمعتزلة والمجبرة الزنادقة، ونحن نبرأ منهم جميعا، ولولا طول التفسير، لفسّرنا لكم معاشر الإخوان أحداثهم وآراءهم وقولهم ودعوتهم وأعمالهم، وما دانوا به في عباد الله، وساروا به في بلاد الله، من الغشم والظلم والجور، بعد أن كانوا على الإسلام، وثبتت الطائفة من المسلمين، على ما قال عبد الله بن إباض –رحمه الله-، من العدل والحق المعروف، ثمّ اقترفت الإباضية على ثلاث فرق: شعيب وأصحابه، وعبد الله بن زيد وأصحابه، ثمّ من بعدهم هارون المخالف للمسلمين، الخارج من عدل الحق ونوره، وهم الذين يقال له الشعبية، وفرقة ثانية، وهو عبد الله بن طريف، صاحب عبد الله بن يحيى الإمام –رحمه الله-، بلغنا أنّه خطب إلى عبد الله بن يحيى ابنته، وكان هو من الموالي، وعبد الله من العرب، فقال له عبد الله: ما أكرهك من ناس، وأنت أفضل منها، ولكن أخاف أن يكرهك (1/206)
صفحة 207
أهل بيتها، فأغضبه ذلك، وخرج من عسكر عبد الله بن يحيى، واعتزل عليه ورأى رأيا، وقال قولا، ونصب رأيه دينا، يدعو إليه، وأعانه على ذلك من أعانه من أهل الفسق، ووجد على ما دعا إليه أعوانا، ونحن نبرأ من هاتين الفرقتين الشعبية والطرفية، ونحن وأنتم معشر الإخوان، الفرقة الثالثة، الذي قلنا: إنّ الحق في أيدينا، وبرئنا من جميع أهل هذه الفرق، ولا شكّ في ديننا ولا في دعوتنا، وإنّما هلك من هلك، من أهل هذه الفرق، إذ أعجبوا بآرائهم، واتّبعوا أهواءهم، وغلبت عليهم دنياهم، ووجدوا على ذلك أعوانا وأنصارا، فنعق كلّ ناعق منهم بكفره، ومضى كلّ فاسق منهم على غيّه ومكره. ولو كان كلّ داع إلى ضلالة، أو ناعق نعق لصوب فتنة وجهالة، أو مبتدع لبدعة، وترك السنّة والشرعة، لم يجد على ذلك معيبا، ولا لدعوته مستجيبا، لخمدت الفتن، وظهر عدل السنّة، فإنّا نحذّركم الله ونذكركم بالله، وبآيات الله، ألا تكونوا لهم أمثالا، ولا ترجعوا بعد العلم جهّالا، ولا تشتروا بالهدى ضلالا، ولا يرضى أحدكم عن نفسه، أن يفارق إخوانه، ويعيب أعوانه من أهل دعوته، فإنّ الأمر بحمد الله بينكم سهل واضح، لم تختلفوا في شيء تعزّ فيه التوبة والرجعة. (1/207)
صفحة 208
وارجعوا إلى أنفسكم وإلى إمامكم وإخوانكم، بما فيه ألفة جماعتكم، وعزّ دعوتكم وإعلاء كلمتكم، يريكم ما تحبّون، ويكون لكم ما لا تحتسبون، ويغلب لكم من تحاربون، فإنّ لكم عدوّا في البر والبحر، يحبّون أن يطفأ نوركم، ويتغيّر سروكم، ويتشتّت أمركم، ويذلّ نصركم، وينفلّ حدّكم، وينتقض عهدكم، وينفك عمدكم، ويفرق جماعتكم، وتختلف كافتكم، وتفترق كلمتكم، فيرجعوا عليكم ويسيروا إليكم، فالحذر الحذر، معاشر أهل الدين والعلم والبصر، واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم-، أنّ الله قد أقام أئمّة العدل مقاما، لا يقوم بأدائه الرعية، إلا من عرف حقّهم وحرمتهم؛ لأنّ الله قد أقامهم مقامات الأنبياء، وهم ورثة الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم؛ لأنّ الأنبياء والرسل، لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا الكتاب والسنّة. ولو أنّ فرقة من المسلمين خرجوا على إمام المسلمين، يلتمسون منه أشياء، ويدعونها عليه، بما لا يستدلّ المسلمون، أنّهم فيه صادقون ولا كاذبون، والإمام ينكر ذلك، ويدّعي عليهم ظلما أيضا، لا يعرف المسلمون ما يذكر فيه، فخرجوا عليه واستحلّوا قتاله، من قبل أن يوضّحوا عليه تلك الأشياء، فهم بغاة على الإمام، ويحلّ للإمام قتالهم، وذلك أنّه لا ينبغي للمسلمين، أن يقاتلوا إمامهم بالأشياء التي يدعون عليه، حتّى يوضّحوا عليه ما ادّعوا، ويستتيبوه فيصرّ ولا يتوب، ويأبى الاختلاع عليهم، فإن تعدّوا عليه، فقاتلوه ورجعوا إليه، يطلبون إزالة إمامته بالدعوى، لا أكثر من ذلك، فقد حلّ للإمام ولجميع المسلمين قتالهم، بتعدّيهم سنّة المسلمين، وتركهم (1/208)
صفحة 209
رأي من كان قبلهم، وبهذه المنزلة، كانت الخارجة على عبد الوهّاب، لاستحلالهم الخروج عليه بالدعوى، للشروط التي يقرّون على أنفسهم بالظلم فيها، وقولهم: نعزلك؛ لأنّا أصبنا من هو أعلم منك. وقد كان المسلمون –رحمة الله عليهم- ولوا من ولّوا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الرعية من هو أعلم منهم في الأحكام، ولو كان لا يستحقّ قائم يلي على من هو أعلم منه إماما، ما تولّى إمام المسلمين عليهم، حتّى يخرج في رعيته، من هو أعلم منه، فيزيله ويلي ذلك الذي هو أعلم منه، فإن خرج أيضا من هو أعلم من ذلك، أزاله فيكون أمر المسلمين مختلطا أبدا، ويكونون ينظرون كلّ يوم من يأتي، فيزيل إمامة إمامهم، وقد تولّى المسلمون أبا بكر –رحمة الله عليه- من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ بن جبل حاضر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي معاذ أعلم العلماء». وقال في موضع آخر: «معاذ أعلم أمّتي بالحلال والحرام». فلمّا استحلّ الخارجون على عبد الوهّاب، الخروج عليه بالأشياء، التي يعلم المسلمون، أنّها بدعة وخطأ، وأنّها لا تزيل إمامته، علموا أنّهم مخطئون مبتدعون، فدعوهم إلى ترك ما دخلوا فيه من البدعة، ومراجعة الحق، فأبوا إلا تماديا وإصرارا على المعصية، ثمّ (1/209)
صفحة 210
رجعوا إلى المسلمين، وإلى إمامهم، فقاتلهم المسلمون وإمامهم عبد الوهّاب، على إصرارهم على المعصية، وادّعائهم أنّ إمامته زائلة، بلا حدث أوضحوا عليه، عند المسلمين، ثمّ كانوا لما أراد الله إكمال السنّة وبيان بغي، الخارجين عليه، والراجعين إليه، والمستحلّين لقتاله، على غير الوجه الذي يستحلّ المسلمون منه قتال أئمّتهم؛ لأنّ المسلمين –رحمة الله عليهم- إنّما كانوا يستحلّون قتل الأئمّة في الأمر الواضح، الذي يصدّقه كتاب الله والسنّة، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا –رحمهم الله- يستحلّون قتال الأئمّة، على الظن والشبهة واللبس والدعوى، بلا إيضاح، فقد خرجت هذه الفرقة الخارجية الخبيثة، على غير ما خرج عليه المسلمون، من ضلالهم وبغيهم، فاستكملوا السنّة، برجعتهم إلى المسلمين وإمامهم، فقتل الله تلك الفرقة الخبيثة المبتدعة، ونصر الله المسلمين عليهم، وأظهر أمرهم وهم كارهون. وأمّا الوجه الذي لا يكون الإمام فيه مصدّقا، من الوجه الذي يكون فيه مصدّقا، فكلّ منزلة ادّعاها الإمام، قبل أحد من الناس، ممّا لا يجوز أن يكون الحاكم فيه، فيقول: إنّ لي على فلان، كذا وكذا، وأنكر فلان ذلك، فإنّ عليه في ذلك البيّنة العادلة، ولا يصدّق على من ادّعى عليه؛ لأنّه لا يجوز أن يكون هو الحاكم لنفسه، بوجه من الوجوه، فكلّ ما لا يكون هو الحاكم فيه، فإنّه لا يعطى ذلك بالدعوى لنفسه، إلا أن يأتي على دعواه ببيّنة عدل، ويحكم له القاضي. (1/210)
صفحة 211
وأمّا الوجه الذي يكون فيه مصدّقا، فإذا ادّعى الإمام شيئا، لا يلي الحكم فيها غيره، ممّا هو فيها أمين الله، وأمين المسلمين، على إمضاء الحكومة، فهو في ذلك مصدّق، ولا يسأل عن ذلك، كيف فعله، وعلى المسلمين السمع والطاعة له. ألا ترى أنّ الإمام، لا يسأل البيّنة على يد سارق قطعها، أو زان جلده، أوّل قاتل قتله، ولا يجوز لأحد أن يسأله عن ذلك اتهاما منه له؛ لأنّ الإمام هو الذي يلي الحكم في ذلك، ولا يسأل البيّنة على حكم من الأحكام، يليه بوجه من الوجوه، إذا قال: قد قامت معي البيّنة العادلة، لم يكلّف أن يقال له: أحضر البيّنة، حتّى نسمعها؛ لأنّه في ذلك أمين الله، وأمين المسلمين، لا يسعهم أن يعصوه، فيما استحقّ الله عليهم أن يطيعوه فيه، ولا يسألونه عن ذلك كيف فعله، ولا يسعهم الإمساك عن ولايته والوقوف عنه، وليس على المسلمين من الأحكام، التي حكم بها الإمام مؤونة، ولا عليهم الكشف عن تحتها. فإن كان الإمام حكم في تلك الأحكام فيما بينه وبين الله بحق، فبحظّه ترك وربّه عصى، والله محاسبه بذلك، ووليّ القضاء فيه يوم القيامة، والمسلمون معذورون بولايتهم، على الذي أظهر لهم من دين الله، ولم يكلّفهم الله علم ما غاب من أمره، فهذا الذي مضت عليه أسلاف المسلمين –رحمة الله عليهم-، وقد أوضحنا لكم فاقتدوا بهم، وخذوا بهداهم تفلحون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. (1/211)
صفحة 212
يسعه الوقوف. قيل لهم: أفواسع له الخروج من طاعة الإمام، ولا يؤدّي إليه حقا؟ فإن قالوا: نعم، فقد زعموا أنّ الإمامة ليست بمفترضة، والإمام لا يخلو أن يحكم بحكم يسع الناس جهل ذلك الحكم، فواسع له، وزعم في قوة الوقوف عن الإمام، وإزالة إمامته، وترك السمع والطاعة له، فإن أعلمته العلماء، أنّ الذي حكم به الإمام في ذلك، حكم الله الذي وصف في كتابه، فإنّه غير حجّة عليه في ذلك، وواسع له جهل ما جهل من ذلك، إلى يوم القيامة، ولا تلزمه إمامته، فأيّ ضلال أضلّ من هذا؟ وإن قال: إنّ الوقوف لا يسع في الإمام إلا بحدث. قيل له: وما الحدث الذي تزعم؟ أظلم هو؟ فإن قال: نعم قيل: فالحقيق عليك أن تبرأ على الظلم، الذي هو كفر عندك. فإن قال: إنّ الحدث الذي رأيته، لم أعلم ما هو، كفر أو إيمان أو طاعة أو معصية؟ قيل له: فإذا رأى الرجل الإمام، وهو يحكم بأحكام الإمام، التي وصف في الكتاب، ويؤدّي الزكاة على حد ما افترض الله عليه. أفواسع له جهل ما رآه يعمل من ذلك؟ فإن قال: نعم. قيل له: أفواسع له الوقوف في الإمام، بما جهل من ذلك، أنّه لا يدري ما أصاب في ذلك أم أخطأ. فإن قال: نعم. قيل له: فإمامته زائلة؛ لأنّ حقوقها قد زالت في قولك. فإن قال: ليست بزائلة. قيل له: فهي ثابتة. فإن قال: نعم. قيل له: فحقوقها ثابتة. فإن قال: نعم. قيل له: فقد أثبت الإمامة، وحقوقها لمن لا يدري، ولم يسعك الوقوف فيه، فهذا في الاختلاط. وإن قال: لا يسع الوقوف في الإمامة، بالذي حكم فيه، ولا يدري ما هو، فهذا قول المسلمين. (1/212)
صفحة 213
ويقال لهم أيضا: أخبرونا أنّ قوما خرجوا على الإمام، فادّعوا عليه، أنّه ظلمهم واغتصبهم أشياء، ولم يقيموا عليه بيّنة، ثمّ رجعوا إليه، أي إلى الإمام، ألستم لا تدرون لعلّ الإمام فعل ذلك الشيء، الذي ادّعوا عليه، فإن قالوا: نعم. قيل لهم: أفواسع عندكم الشك في الإمام، والوقوف فيه؟ فإن قالوا: نعم. قيل: أويسعكم الشك أيضا، في الذين خرجوا عليه؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: أفواسع لكم أن تخذلوا الإمام، وأن تسلّموه إلى الخارجين عليه، إذا ادّعت الخارجة أمر، لا تعرفونه، ولا تدرون لعلّه فعله. فإن قالوا: نعم، فقد زعموا أنّ الله، لم يستحق عليهم نصرة الإمام، ولم يوجب عليهم القيام بإمامته، فأيّ خارجة خرجت على الإمام، وزعمت أنّه ظلمها. أيسلّم إليها الإمام، ولا يكون إماما يوما واحدا، حتّى يخرج عليه خارجة، تدّعي ظلمه، فيسلّم إليها فتقتله، فأيّ دين يقوم لله على هذا؟ وإن قالوا: لا يسعنا أن يخذل الإمام، حتّى يعلم بما خرج عليه من خرج. فإن أوضحوا كنّا معهم، وإن لم يوضحوا كنّا عليهم، فقد تركوا قولهم، ورجعوا إلى قول المسلمين، والحمد لله ربّ العالمين. ويقال لهم: أخبرونا عن رجل أجاب الإمام، ودخل في طاعته، ثمّ أنّه تولّى الإمام، ثمّ رآه بعدما تولّى يكرب دابة لا يعرفها، فجهل الذي رآه فعل الإمام من ذلك، أطاعة ذلك أم معصية؟ أيسعه الوقوف في ذلك أم لا؟ فإن قالوا: يسعه. قيل لهم: فيسعه إذا أن يقف في الإمام، إذا رآه فعل ذلك، فإذا وسعه أن يقف في الإمام، لم تكن عليه للإمام طاعة؛ لأنّ طاعة الإمام، لا تكون إلا على من علم أنّه إمام، وأمّا من يسعه أنّ إمامته زائلة، فلا يكون عنده. فأيّ دين أجهل من هذا؟ ويقال لهم أيضا: أخبرونا عن إمام المسلمين، قام خطيبا يوم الجمعة، فحمد الله، وأثنى عليه، وكان في مسجد عظيم، لا يسمع الناس كلامه، لا يدرون لعلّ الإمام دعا إلى الظلم والعدوان في خطبته. (1/213)
صفحة 214
فإن قالوا: نعم. قيل لهم: أفواسع لمن لم يسمع الإمام، أن يقف فيه، والخروج من إمامته لحال، أنّه لا يدري أشرك بالله وكفر به. ولو أنّ المسلمين قالوا لهم: قد سمعنا الإمام يقول عدلا، وسعهم أيضا الوقوف في المسلمين، وترك حقوقهم لموضع الشبهة. فإن قالوا: لا يسعهم الوقوف في الإمام، ولا في المسلمين، فقد تركوا قولهم، من أجل أنّهم زعموا، أنّ العلّة التي يجوز بها الوقوف، من أجل فعل لا يدري، أهو طاعة أو معصية أو كفر أو إيمان. فإن قالوا: إنّ الوقوف يسعهم في الإمام بذلك، فقد ذهبوا إلى إبطال الإمامة وإزالتها. فأيّ دين يقوم لله بهذا؟ ويقال لهم: الإمام حجّة الله على المسلمين وغيرهم، ما أقام الحق وأحسن السيرة، وعمل بالكتاب والسنّة، ولم تظهر منه الأحداث، التي تزيل الإمامة، وحجّة على من كان في سلطانه، أن يقرّ بإمامته، ويجاهدوا من جهاده، ويسمعوا له ويطيعوا، ولا يبحثوا اتهاما له عن الأحكام، التي ائتمنه الله عليها، وعلى المسلمين ولاية من كان في طاعته، ممّن أظهر الرضا واستقبل القبلة، حتّى ترى منه موبقة يفارق عليها، وليس على الناس معرفة، أنّ الإمام مصيب في الأحكام، عند الله، فيما غاب عنهم، غير أنّ الله كلّفهم الولاية له، ونصرته والقيام بإمامته، ما لم تظهر منه الأحداث، التي يعادى عليها. وللإمام منزلة ليست لغيره من المسلمين في تصديق أقواله في الأحكام، وإمضائها؛ لأنّ المسلمين ائتمنوه على ذلك، ولو أنّ غيره أراد ذلك، لم يطعه لما جعل الله من المنزلة للإمام، لما قدره المسلمون من إمامتهم، والإمام يتولّى على جهة، ما تولّى عليه المسلمون في الحكم الظاهر، ولم يكلّف الله (1/214)
صفحة 215
الناس، علم ما غاب عنهم من أمره، وليس على الناس فريضة، أن يعلموا أنّ الإمام، لا يظلم سرا ولا علانية، وليست هذه المنزلة، إلا للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والإمام حجّة على من كان في غير سلطانه، ممّن أبلغه المسلمون، الأخبار عن إمامته وعدله، فيما أن يرضى بإمامته، وأن يقولوا: إنّه عدل ولي مسلم، وأن يدين بعداوة من عاداه، وولاية من والاه، فعلى هذه الحجّة تقوم حجّة الإمام، وإنّما قلنا: إنّ الإمام حجّة، ما قام بدين الله ودعا إليه، وللإمام في حدّ الحجّة، ما ليس لغيره من المسلمين، من إمضاء أحكامه، وإجازة دعواه في الأشياء، التي يلي الحكم فيها، فإن ترك الإمام، الذي يكون لله في الناس به حجّة، لم يكن حينئذ حجّة على أحد، إلا أن يقوم بحد الحجّة، فيكون فيه حجّة، والمسلمون أيضا حجّة ما قاموا بدين الله، ودعوا إليه، فإن تركوا القيّام بدين الله، والقول بالعدل، لم يكونوا حجّة، والحجّة على معان شتّى لبعض الناس، فيها ما ليس لبعض، ألا ترون أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم في حد حجّة، ما ليس لغيره، من معرفة أنّه معصوم، موفّق في السر والعلانية، وأنّه لا يكذّب سرّا ولا علانية، وأنّ الله مثيبه ولا معاقبه، على هذا تقوم حجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالشاك في ذلك من حجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، من أحلّ أنّه لا يصير إلى معرفة الرب، إلا بمعرفة ذلك من النبيّ صلى الله عليه وسلم، فالشاك والمكذّب والراد عليه مشرك؛ لأنّه لو كان واسعا للناس في الشك، في حرف يسمعونه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، لوسّعهم الشك فيما يقول، وليس للإمام في (1/215)
صفحة 216
حجّته، ما للنبيّ صلى الله عليه وسلم من معرفة، أنّه معصوم موفّق، لا يسلّم سرّا ولا علانية، وإنّما حجّة على المعنى، الذي ذكرنا لكم من الطاعة والرضا بأحكامه، ونصرته والقيّام بأمره، ما أطاع الله، ووطئ آثار المسلمين –رحمة الله عليهم-، وليس للمسلمين في حجّتهم، جميع ما لإمام المسلمين، من تصديق أقوالهم في الأحكام، وإجازتها؛ لأنّ للإمام منزلة ليست لهم، للذي قلّده المسلمون من أماناتهم، وإنّما يكونون حجّة بما قاموا به، من دين الله ودعوا إليه، ألا ترون لو أنّ الإمام قتل رجلا، فقال: قتلته على ما استحقّ به عندي القتل فيه، لكان ذلك جائزا له، ما لم يتبيّن أنّه ظلمه، ولو أنّ رجلا من المسلمين، قتل رجلا، قال: إنّما قتلته على ما استحقّ به عندي القتل، لكان غير مصدّق في ذلك، ولم يكن له من ذلك ما يكون للإمام، وللنبيّ صلى الله عليه وسلم في حجّته، ما ليس للإمام، وللإمام في حجّته، ما لم ليس لغيره من المسلمين، والحجج تقع على المعاني التي وصفنا لكم، غير أنّ الحجّة جميعا القيام بدين الله، والناس يعرفون في حد الحجّة، ولبعضهم فيها، ما ليس لبعض، على قدر الخصال التي استحقّوا بها اسم الحجّة، فافهموا –رحمنا الله وإيّاكم- ما أوضحنا واستعينوا بالله على ذلك يعنكم. وإن قال قائل: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة على الناس جميعا، وأنّ الناس ليسوا بحجّة على أحد، فيقال لهم: ما العلّة التي بها زعمتم أنّ المسلمين ليسوا حجّة؟ فإن قالوا: إنّا أصبنا الناس يكونوا هالكين، بترك الإيمان من قبل، أن يلقوا المسلمين، فلمّا (1/216)
صفحة 217
أصبنا الناس، يكونون هالكين، ولم يلقوا المسلمين، علمنا أنّ المسلمين ليسوا حجّة، فيقول لهم: أليس من أصبناه، يكون هالكا بترك الإيمان، من قبل أن يلقى فلانا، ثمّ أتى فلانا فدعاه إلى الإيمان، فلا يكون حجّة عليه؛ لأنّه لا يكون هالكا، وإن لم تلقه الحجّة. فإن قالوا: نعم. فيقال لهم: أخبرونا عن أبي جهل وأبي سفيان وأبي معيط، الذين كانوا بالغين من قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم. هل كان يسعهم ترك الإيمان، قبل أن يبلغوا النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حجّة عليه، وقد أتاهم وقطع الله عذرهم، فيبغي أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم حجّة عليهم. فإن قالوا: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة، فقد تركوا قولهم، وقالوا بقول المسلمين. ويقال لهم: أخبرونا عمّن تزوّج ذات محرم منه، ولم يعلم أنّها ذات محرم منه. هل يكون هالكا بوطئه إيّاها، في حال الجهل منه بها، أنّها ذات محرم منه؟ فإن قالوا: لا يكون هالكا. فيقال لهم: فإن كان رجلان من المسلمين، أتياه فأعلماه، أنّها ذات محرم منه. هل يسعه وطؤها؟ فإن قالوا: لا يسعه وطؤها، إذا أعلمه الرجلان. قيل لهم: فالرجلان حجّة عليه. فإن قالوا: لا. قيل لهم: لم؟ فإن قالوا: لأنّهما شاهدان. قيل لهم: فمن الحجّة عليه أن يفارقا؟ فإن قالوا: النبيّ صلى الله عليه وسلم. قيل لهم: فلم يقطع النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه عذره بالأمس، من قبل أن يقوم عليه الرجلان. فإن قالوا: إنّ في حجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يقطع عليه، حتّى يقوم عليه رجلان. (1/217)
صفحة 218
قيل لهم: الرجلان عليه حجّة. فإن قالوا: لا. قيل لهم: وقد زعمتم في بدء كلامكم، أنّه لا يكون هالكا في حال الجهل منه بوطئها، فلمّا أعلمه الرجلان، أنّها ذات محرم منه، لم يسعه وطؤها بعد المعرفة، فهو هالك، فلا ترى ألا أنّ الرجلين إلا وهما حجّة عليه، وقد نقضوا قولهم. إذ قالوا: إنّ المسلمين ليسوا حجّة في الذي قاما به، على المتزوّج بذات المحرم منه. ويقال لهم: أخبرونا عن المتزوّج بذات محرم منه. أليس لا يكون هالكا، حتّى يأتي من يعلمه؟ فإن قالوا: نعم. قيل له: فإذا أتى من يعلمه، لم يكن الذي حجّة حجّة عليه. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإنّما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة؟ وإن قال المسلمان أو غيرهما عليه؟ فإن قالوا: نعم، فإن شاء قام المسلمان، فأمّا قطع الله عذره، وإن شاء لم يقوما، فلا يكن هالكا. وآية حجّة أعظم من حجّة المسلمين، الذي إن شاءوا أقاموا، فقطع الله عذر من قاموا عليه، وإن شاءوا لم يقوموا، فلم يقطع الله عذر من لم يقوموا عليه، وهذا الوجه؛ لأنّ المسلمين هم القاطعون عليه، بحجّة الله وحجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى قلنا: إنّ المسلمين حجّة، وأيّة حجّة أعظم من هذه الحجّة. ويقال لهم: أخبرونا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل يكون حجّة؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: وكيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة، ورسول الله هو الذي قطع على من بعثه الله إليه؟ فينبغي أن لا يكون في قولكم رسول الله حجّة؛ لأنّ رسول الله هو القاطع على من قام عليه. فإن قالوا: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة (1/218)
صفحة 219
وجاز لهم، جاز لمن قال: إنّ المسلمين حجّة ورسول الله، وهو القاطع عذر من قاموا عليه، كذلك في الدين الله والحمد لله. ويقال لهم: أخبرونا عن الحق. أحجّة هو أم لا؟ فإن قالوا: إنّ الحق ليس بحجّة. قيل لهم: فإذا كانت الأنبياء تحتجّ بغير حجّة، فلابد أن يقولوا: إنّ الحق حجّة. فإن قالوا: إنّ الحق حجّة؟ قيل لهم: أخبرونا عن الحق، الذي احتجّت به الأنبياء على الناس. أليس ذلك الحق عند المسلمين؟ فإن قالوا: بلى، فيقال لهم: فالحجّة إذا في أيدي المسلمين، والمسلمون القوام بها، وقد رجعوا عن قولهم: إنّ المسلمين ليسوا بحجّة. وإن قالوا: لا، فقد زعموا أنّ اليوم ليسوا مسلمين، لا هم ولا غيرهم، وقد خرج الناس كلّهم من الإسلام. فأيّ ضلال أضلّ من هذا؟ وإن زعموا أنّ المسلمين، لم يذهبوا بعد، فيقال لهم: أيكون المسلم مسلما، بلا حجّة في يده ولا حق عنده؟ فإن قالوا: بلى؟ الحجّة معه، غير أنّه ليس حجّة على غيره. قيل لهم: أفتكون الحجّة في يد من لا يكون بها حجّة؟ فما المعنى الذي سمّيتم به النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ أليس معناه يحتجّ بالحق؟ فإن قالوا: فقد هلكوا وزعموا، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحتجّ بغير الحق. فإن قالوا: معناه من سمّيناه حجّة لمحتج بالحق، فالحق حجّة، والقائم به حجّة، على معناه، أنّه محتج بالحق. فإذا أقرّوا بذلك، فقد زعموا، أنّ المسلمين حجّة من قبل أنّ الحق في أيديهم، وهم محتجّون بالحق، وهم حجّة على معنى، أنّهم يحتجّون بالحق. ويقال لهم: (1/219)
صفحة 220
أخبرونا عن المسلمين. أليسوا أهل دين الله؟ فإن قالوا: بلى. قيل لهم: فأهل دين الله، ليسوا حجّة في دين لله. فإن قالوا: لا؟ قيل لهم: فإذا جاز لقائل يقول: إنّ أهل دين الله، ليسوا حجّة في دين الله، جاز لمن قال: إنّ غير دين الله حجّة في دين الله. واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم- إنّما ضربنا لكم هذه الأمثال، وأقمنا عليكم هذه الحجج، كي تقرّوا أنّ المسلمين حجّة، وأنّ الحق هو الحجّة، وأنّ من دعا إلى الحق من المسلمين في الحجّة، ونحن نعلمكم آثار المسلمين، وممّن يقول بحجّة الحق، وندعوكم إلى الحق، وإلى الألفة والاجتماع، ولا تشذوا ولا تفرّقوا، ولا ينزغنّ الشيطان بينكم، فإنّا حجّة الله عليكم لكتابنا هذا إليكم. فإن قبلتم، فالحق قبلتم، وإلى الحق أجبتم، وإن رددتم، فالحق رددتم، وعن الحق صددتم، فاتقوا الله، ثمّ اتقوا الله، في قبول ما كتبنا به إليكم، وإنّما أردنا بهذا التفسير، من هذه الحجج، أن يقرّ المقام منكم، أنّ المسلمين هم الحجّة، وإن كنّا بذلك عليكم في ألفتكم وجماعتكم، وإصلاح ذات بينكم، ولم نغشكم، واعلموا –رحمنا الله وإيّاكم- أنّ الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت، والرحيل قد أزفّ، وأنّ الفرح والسرور من الإخوان، قد ذهب، وبقينا فيمن شاء الله، من الغوغاء والعجاج، ونحن كما قال (1/220)
صفحة 221
الأوّل وهو لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكفانهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
والنقص في أهل العلم والبصر والثبات والتدبّر، وفقد أهل البرّ والتواصل والتراحم، وقلّ أهل الورع والتنزّه والكرم والتثبّت، عندما اشتبه، وعدم أهل الوفاء والحفاظ واتقاء العيوب، وكلّ هذا قد ابتليناه مع الصمت والعجز والكسل والتواني، الذي دخلنا، والركون إلى الدنيا، ومنافسة أهلها فيها، فما أسوأ حالنا وأعظم خطرنا، إن لم يتداركنا أرحم الراحمين برحمته، فإنّ رحمته وسعت كلّ شيء، وهو كثير التجاوز، واسع المغفرة. ولعمري يا معشر الإخوان، لو أنّ أهل العلم، أعزّوا العلم، كما أعزّه الله، لقهروا به أهل الدنيا، ولكانوا لهم تبعا، ولكنّهم بذلوه لغيره أهله، فهانوا على الناس، فلذلك أجترأ الطغام (1/221)
صفحة 222
والجفاة والضعفة، ومن لا علم له، ولا رأي على العلماء، لتضييع العلماء علمهم، وقد أخذ الله على العلماء في علمهم، أن يقوموا به، ويعملوا به، ولا يتّبعوا فيه الأهواء، ولا يخشوا فيه أحدا، ولا يشتروا به ثمنا قليلا. وقد قال الله في كتابه: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا). فأعلم العلماء بالله أخوفهم لله، وأشدّهم تواضعا، وتذلّلا، وأعملهم بعلمه، وأتركهم عن معصيته، فمن لم يعمل بعلمه، كان عليه وبالا وحجّة وحسرة يوم القيامة، وهو الذي يسأل غدا مع الأشياء، التي يسأل عنها، من ماله وكسبه وقوته وعمره، وعن فيما استعمله. وقد جاء في الحديث، عن أبي ذر –رحمه الله- قال: أخوف ما أتخوّف على نفسي غدا، إذا وقفت على ربّي أن يقال لي: قد علمت فبماذا عملت، فلا يكون لي عذر ولا حجّة. وقال بعض الحكماء، في الزمن الأوّل، وأثنى على عالم، كان قبله فقال: إنّ هذا كان بالله عالما، وكان بعلمه عاملا، فأصبح علمه له اليوم نافعا، وعمله له من عذاب الله واقيا. (1/222)
صفحة 223
وهناك أحاديث كثيرة، يطول فيها الكتاب. وكذلك جاء في الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لا ينزع الله العلم فيقبضه من قلوب العلماء ولكن يميت العلماء فإذا ماتت العلماء اتخذ الناس رؤساء جهّالا فيسألون فلا يعلمون وقالوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا عباد الله». واعلموا أنّ العالم الخائف من الله، بمنزلة ومكان رفيع. فقال الله: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). يقال: سبعين درجة فضل العالم على العابد. وكذلك جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنّه قال: «موت الفقيه ثلمة في الدين لا يسدّها شيء ما اختلف الجديدان». وكذلك قال: «ما عند الله شيء أفضل من الفقه في الدين». وكذلك قال: «مثل العلماء مثل النجوم إذا ظهرت للناس اهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وإن تغيب عنهم حاروا عن الطريق فضلّوا عن سبيلهم». وفي أحاديث كثيرة، وفي تفسير هذه الآية: (أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها). يعني موت العلماء. وقال بعض العلماء: إنّما العلم قبضات، فكلّما مات عالم، قبضت قبضة من العلم. نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم، ممّن اتّعظ بعلمه وعمل به، ولم يرد به غير الله عوضا من الدنيا وأهلها. (1/223)
صفحة 224
دعانا إلى الكتاب، إليكم للودّ الذي يلقي الله في قلوب المسلمين لبعضهم بعض. وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: أوثق عرى الإسلام في الحب في الله والبغض في الله. ويقال: إنّ الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وجاء في الحديث، أن أويس القرني –رحمه الله- قال: إنّ للقلوب أسماعا وأبصارا، يتعارف بها أهل طاعة الله. وقال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم: (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنّه عزيز حكيم). وقد بلّغنا الذي جرى بينكم، فاشتدّ حزننا وإشفاقنا عليكم، وتخوّفنا أن يقع بينكم ما وقع بين الخوارج، قبلنا وقبلكم، وحسن بالله ظنّنا، ورجونا أن لا يشمت الله بكم عدوّكم، ولا يمكن الشيطان منكم، فعليكم بتقوى الله واحذروا الاختلاف والفرقة بين المسلمين، فإنّ الله يعلم إنّا لم نكتب إليكم طلبا، بكتابنا دنيا نستفيدها منكم، وما أردنا إلا نصيحة لله، ولكم معاشر المسلمين .. واعلموا إن افترقتم، لم يجد أحدكم أفضل من صاحبه، ولا تظنّوا أنّ بني جلندي الجبابرة، أعداء الدعوة والإسلام. (1/224)
صفحة 225
ألا وأنّ هذا يسرّهم منكم، ويطعمهم فيكم، ولو قدروا عليكم، ما استحيوكم يوما واحدا، بعد الذي كان منكم في أمرهم، فإيّاكم والبراءة من المسلمين، بغير حجّة، فإنّه من برئ من مسلم بغير حجّة، فهو أولى بالبراءة، فانقادوا لإمامكم وأهل الفقه فيكم، واعلموا أنّ التوبة ليست بضرب، فإنّما هي أن يقول صاحب الذنب، أنا أستغفر الله، وأتوب إليه من هذا الذنب، ثمّ لا يعود إليه. فإنّا نذكركم بالله معاشر المسلمين، واليوم الآخر في أنفسكم، ولا تعمّوا عن معرفة الولاية والبراءة، ولا تعمّوا عن نور الكتاب، وفصل أحكامه وبصائره، فإنّه أضوأ وأنور من نور الشمس وضوئها، ولا تعدلوا بين الحق والباطل، ولا تجعلوا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، كالمفسدين في الأرض، ولا المتّقين كالفجّار، وأن تعيبوا قوما لا ينقم عليهم، إلا فراق المعصية، وبغضهم والبراءة منهم على معصية الله، لم يستحلّوا حراما حرّمه الله، ولم ينقضوا عهدا، ولا يخونوا فريضة، ولم يقطعوا رحما، ولم يقطعوا حق جار، ولا ابن سبيل، ولم يخيفوا آمنا ولم يقتلوا معتزلا كافا، ولم يستعرضوا الناس ما مسكوا به من الحق، ولكن بما تركوا وضيّعوا تقوموا عليهم، ودعوهم إلى مراجعته، فمن أبى وعصى الحق، وأصرّ على المعصية، وردّ الدعوة واستحلّ قتالهم والبراءة منهم، فعند ذلك استحلّوا قتالهم، حتّى يفيئوا إلى أمر الله، أو تفنى (1/225)
صفحة 226
أرواحهم، على ذلك درجوا به من الدنيا، وخرجوا يتبع الآخر منهم الأوّل، ومن برئ من مسلم، بلا حجّة، فقد قتله، ومن قتل مسلما، فقد علمتم مصيره ومنقلبه. ومن قال في مسلم ما فيه، فقد اغتابه، ومن قال فيه ما ليس فيه، فقد بهته، وقد علمتم ما حرّم الله من دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، وشتم المؤمن كقتله. فاتقوا الله يا معاشر الإخوان، في الذي قد طلع بينكم، وذكر عنكم، أن تطفئوه وتميتوه وتخفوه، فقد سررتم بهذا عدوّكم وسؤتم به وليّكم، واعلموا أنّ سيرة المسلمين، قبلنا وقبلكم في أهل قبلتهم، أن يدعوهم إلى ما ضيّعوا من أمر الله، وعطلوا من حدود الله، وتركوا من أحكام الله، فإن أبوا قاتلوهم على الاعتداء عليهم، ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، ويوفّى لهم وتؤدّى إليهم الأمانة، وتصل منهم القرابة، وتبرّ الوالدين وتحسن الصحابة للرفيق والزوجة، وما ملكت اليمين، وابن السبيل، ويؤدّي إليهم جميعا، ما افترض الله عليهم، ممّا ألزم أداءه، ويتّبع في ذلك، سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده، أبي بكر وعمر –رحمة الله عليهما- وأئمّة الهدى من بعدهما، فهذا دين المسلمين، الذي ندين به، ونتولّى عليه من دان به، وتمسّك بجملته، من كان على هذا الذي وصفنا في جملة كتابنا، وأقرّ به لنا، وعرفه أنّه الحق من دين ربّنا، وقبله عنا، فهو منا ونحن منه، نستغفر له ونتولاه، ومن تولّى عن هذا وسخطه، وعابنا به، وفارقنا عليه، برئنا منه وفارقناه، على تركه للحق، وردّه على من دعا إلى عدل دين الله ونور بصائره. (1/226)
صفحة 227
الله مولانا، ومحمّد نبيّنا صلى الله عليه وسلم، الإسلام ديننا، ندين به لربّنا، غير حرجة به صدرونا، ولا كليلة عن وصفه ألسنتنا، ولا متواهنة فيه حجّتنا من كتاب ربّنا، بالله استعنّا وعليه توكّلنا. فنذكركم بالله والموقف الأشرف، الذي لا يكتمون الله فيه حديثا: (يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا). لما فكرتم في الأمور التي قصصناها عليكم، وكتبنا به إليكم، وحضرتموه أفهامكم وألبابكم، وأوعته آذانكم، وفهمته أذهانكم، فإنّا قد أطلنا في كتابنا عليكم، وقد علم الله ما أردنا بذلك إليكم، ولم يمنعنا أن نعرفكم أمكنتنا، ونسمّي لكم بأسمائنا، إلا خوفا من أن يقع في قلوب منكم، ما تحمله معرفة ذلك على الإنكار له، والردّ لصوابه، وقد كتبنا بما رجونا في ألفتكم ورجعتكم وإقبالكم إلى بعضكم بعض، وإنابتكم أن تكونوا إخوانا علانية وسريرة، ولا تكونوا إخوانا علانية أعداء سريرة، فقد قيل: إنّ ذلك سيكون في آخر الزمان، فأعاذنا الله وإيّاكم، أن نكون نحن وأنتم أهل ذلك الزمان، وارجعوا إلى معالم دينكم ورضا ربّكم، وعزّ دعوتكم وتمام نعمتكم وألفة جماعتكم، وأظهروا للناس ما قد بحثوا به عنكم، وتفرّق في الأمصار منكم من طعن بعضكم على بعض، وقطع (1/227)
صفحة 228
حقوق بعضكم لبعض، فإنّه وصل إلينا عن أفواه الخاصة، كما وصل إلينا عن أفواه العامة، ما قد وقع بينكم، فإن وصل إلينا خلاف ذلك ممّا نقله منكم، فتلك حاجتنا وفيه رغبتنا، لم تطلب على ذلك عوضا ولا عرضا ولا ثمنا، ولا نسألكم عن ذلك جزاء ولا شكورا، وإنّما أردنا بذلك الجزاء من الله، على ما قد علم من رغبتنا وإعزاز الإسلام وأهله، وإعلاء كلمته في داركم ومصركم، فإنّ هذا فيكم وأوعز عن الرجعة، إلى ما كتبنا به إليكم أحد منكم، فإنّ لنا رأيا في الخروج إليكم، والنزول عليكم إن كنّا كذلك، ولا قوّة إلا بالله. فإذا نظرنا حجّة المحق قويناها معه عليها، وتركنا حجّة أهل العلل، وطلب المعائب، فإنّ الذنوب كلّها لها توبة، إلا قاتل نبيّ أو من قتله نبيّ، وما دون ذلك ففيه توبة، ومن كان إنّما يريد بإخوانه العلّة، فإنّ الله لا يرضى بالاعتلال، فانظروا –رحمنا الله وإيّاكم- لأنفسكم، نظر من يعلم أنّ الكتاب أخذ عليه ميثاق العباد، أن يصدّقوا بعدل كتابهم، ولا يقولوا على الله إلا الحق، فإنّ الله سائلكم عن ما حملكم من ميثاق الكتاب، فإن أخذتموه بقوّة وتفكّرتم، في الذي كتبنا به إليكم، وجدتموه كالذي وصفناه من دين ربّنا، وقد أبلغنا في النصيحة إليكم، وأوعزنا في القول إليكم، وما توفيقنا وإيّاكم إلا بالله، هو حسبنا ومولانا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وصلّى الله على محمّد خاتم النبيئين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، أقوى معين وأهدى دليل، نسأل الله الموفّق. (تمّت السيرة) (1/228)
صفحة 229
05/ سيرة منير بن النير الريامي الجعلاني إلى الإمام غسّان بن عبد الله –رحمهما الله-
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم، أمّا بعد، فإنّي أحمد إليك الله وأوصيك ونفسي بتقوى الله، الذي خلق، فبرأك في خلقك، ورزقك فلم يرزقك معه رازق، وأنعم عليك نعما ظاهرة وباطنة، في خصال شتّى، يعجز عنها الإحصاء، ويضعف عنها الشكر، إلا ما وفّق الله من الخير، وحمل عليه من مكروه الطاعة، وذلك بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وأن نسأل الله الذي له مقاليد السموات والأرض، أن يفتح لنا ولك من رحمته، ومفاتيح فضله، وما يبلغنا وإيّاك لكرامة الآخرة، ويعصمنا وإيّاك به، ممّا نحاذر من فتن الدنيا، وشرور أهلها، فإنّما نحن به وله. (1/229)
صفحة 230
أما بعد، أحسن الله إليك في الأمور كلّها، وبارك لنا ولك في عواقبها، فإنّه ولي ذلك ومولاه، والقادر أن يهب لنا ولك ما نسأله، ويبلّغنا وإيّاك من رحمته، ما لم نبلغه بهمّتنا، ولم نمض فيه مسألتنا. فإنّي كتبت إليك، وأنا ومن قلبي من إخوانك وأهل رعيّتك من أهل خاصّتك، على ما تحب، والله المحمود حبّب إلينا سلامتك وصلاحك ورشدك ورضيك، وما زاد الله لك من مزيد رحمته، عزيز علينا عنتك وفسادك، حراص في الأمور كلّها، على ما يسرّك من موافقة الحق، ولا قوّة إلا بالله. أتاني كتابك تحثني على الإقبال إليك في الأمر، الذي عرفت قبل اليوم، رغبتي فيه، وحرصي عليه، للذي أرجو فيه من القوّة للدين وأهله، والبركة والعذر مع الله والمسلمين، من دنا منهم أو قصى، والمناصحة لله والحجّة على من شكّ وارتاب، أو عرض إلى شيء من الباطل، مع إظهار السنّة، وإطفاء البدعة، ونشر المعروف ونسب الدين، الذي أنزل الله به الكتاب، وأرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم ومضي عليه أئمّة المسلمين، وقاداتهم وخوارجهم، وما أثروا بأعقابهم من الحسن الجميل، الذي زيّنهم الله به في الدنيا، وأوجب لهم به عليه الكرامة في الآخرة، وذلك الذي طلبوا، لم يخرج من خرج منهم لأعراض الدنيا وباطلها، ولا رضوا لأنفسهم (1/230)
صفحة 231
بالوهن في الدين، والتقصير عمّا سمّى أسلافهم من المبالغة في دين الله، مناصحة لله وغيرة للدين، إذ ترك الدين وسنّة الدين، وشرعة الدين، واختلفت الأهواء، وتفرّقت بالناس السبل، فألقى الله البصر في صدورهم، فأبصروا من الحق ما جهل الناس، وعرفوا منه ما أنكر الناس، وحافظوا منه على ما ضيّع الناس، ولزموا ما ترك الناس، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخشون الدوائر، ولا ينظرون في عواقب أمور الدنيا، فسار من سار منهم في (دار العلانية)، بسيرة معروفة موصوفة، منسوبة غير مخزية لهم، ولا فاضحة لهم، ولا متعقّب عليهم، ما لا يوافق الحق، ولا يواطئ رضوان الله، حتّى مضوا على الصدق والوفاء، وما بدّلوا تبديلا، لم يزدادوا في أيّام الحياة، إلا زهدا بالدنيا ورغبة في الآخرة، قد تركوا الدنيا وراء ظهورهم، وجعلوا الآخرة بين أعينهم، للذي يرجون من موعود الله، الذي لا خلف له قوله: (ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفّار ولا ينالون من عدوّ نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إنّ الله لا يضيّع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). فشمّر القوم لا يألون تنافسا وسباقا إليه، مع الذي وفّوا الله من البيعة، التي اشترى عليهم (أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن). (1/231)
صفحة 232
ثمّ وصف الخصال التي جرت عليها البيعة، فيما بينه وبينهم، وثبتت بها لهم عليه الجنّة فقال: (التائبون) من كلّ ذنب وخطيئة وعيب وريب وعمى وشبهة وشك وفتنة وباطل ضلال. (العابدون) المخلصون لله العبادة، لا يريدون بها غير الله، ولا يريدون بها إلا ما عنده. (السائحون) في الصيّام والخيرات. (الراكعون) مع أهل الركوع بتمام ما فرض الله مع الركوع، على المصلّين الصلاة. (الساجدون) الحامدون. (الآمرون بالمعروف والنهي عن المنكر) (والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين). وسار أهل التقية، منهم في دار التقية، سيرة بيّنة معروفة غير ملبس عليهم فيها، ولا شكّاك ولا مرتابين، يعرفون بسيماهم وورعهم وتحريمهم وفضلهم، الذي فضّلهم الله به في الناس، وبما خصّهم به دون الناس، من معرفة الحق، وصدق الإخاء والوفاء بما كتب الله عليهم، واصلون لمن وصل الله بحقّه، كلمتهم واحدة بالحجج الواضحة، على من خالف الحق ولزم الباطل، وهم والناس (خصمان اختصموا في ربّهم فالذين كفروا قطّعت لهم ثيّاب من نار يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم (1/232)
صفحة 233
والجلود ولهم مقامع من حديد كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق). فمنهم المشرك بالله الكافر الخارج بشركه، ومنهم الحاكم بغير ما أنزل الله، ومنهم المعين عليه، ومنهم الشاك فيه المرتاب المتحيّر، ومنهم المبتدع المشرع في الدين، ما لم يأذن به الله، الخارج من الإيمان ببدعته، الداخل بها في الكفر، ومنهم ذو الطمع، البائع خلافه بالثمن القليل، ومنهم الجبّار الظالم، المتعدّي الظهير، على الله باستحلال المحارم، ومنهم ذو الشهرة، الذي تنازعه نفسه، إلى ما مباشرة ما يدين بتحريمه، فكلّ هؤلاء ما يدين بتحريمه، فكلّ هؤلاء يجمعهم الكفر، وبه دخلوا النار، وإن تفرّقت بهم المنازل، وتشتّتت بهم الأهواء، فهؤلاء قد عرفهم المسلمون، وفرقة أخرى دخلوا مع المسلمين، من الباب الأعظم، وخرجوا من النفق الأصغر، سمّاهم الله المنافقين بما استحقّوا به عند المسلمين، وأفضوا فيه إلى الله، فعظمت منونتهم على المسلمين، وكفى لهم بالله جازيا بعلمه فيهم، فكلّ هؤلاء سقاط قد سقطوا من الإسلام، خارجون من الإيمان، داخلون في الكفر، فإنّا نسأل الله أن يستنقذنا وإيّاكم من جميع الأخلاق الموبقة لأهلها. وذكر الخصم الذين أبصروا سبيل الحق، وعرفوا به جور الناس عنه، وأنكروا على (1/233)
صفحة 234
الناس ترك ما تركوا، من طاعة الله، وركوب ما ركبوا من معصية الله، وتضييع ما ضيّعوا من حقوق الله، واشتراع ما شرعوا ممّا لم يأذن الله به، فأنكروا ذلك وخصموا الناس بالحجج الواضحة، والحق المبين، فأفلجهم الله على خصمهم في الدنيا والآخرة، وذلك قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضلّ الله الظالمين) فلا يهديهم له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويفعل الله ما يشاء، فبالذي أبصروا من الحق، واستقاموا عليه من أمر الله، من بعد البصيرة والمعرفة، والتمسّك بجملة الطاعة، والانتهاء عن جملة المعصية، ثبت لهم الإيمان، ودخلوا به الجنّة، فعليك بتقوى الله، واتباع طاعته، التي وصف بها أولياءه، فإنّا وإيّاك قادمون على الله، ومسؤولون عن العمل والعمر والنعم والتقدمة، فأعد واستعد للقاء الله، ثمّ انظر فيما مضى عليه أئمّة المسلمين وقادتهم، فإن يكن الذي مضوا عليه هو الحق، فتركه ضلال، وقال الله: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنّى تصرفون). فقد بلغك إن كان بلغك الذي مضى عليه المسلمون، قبلنا وقبلك، عمّار بن ياسر، ومن أخذ أخذه من أصحاب صفّين، وأصحاب النهر وأصحاب حروراء، وأصحاب النخيلة، وقريب والزحاف، وأبو بلال، وعبد الله بن يحيى، والجلندي بن مسعود، وأصحاب الخطم، فإن كانوا خرجوا من بيوتهم، عن إخراج أو ضيم في دنياهم، أو (1/234)
صفحة 235
غضب لعشائرهم، أو طمع لعرض الدنيا، أو حمية أو عصبية، أو على عمى أو ضلال من سيرتهم، أو إرادة الملك، فقد خالفوا الحق، فعند من نرجو الحق بعدهم. وإن كانوا خرجوا جهادا في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، لا يريدون شيئا من أعراض الدنيا، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يخشون الدوائر ولا يهتمّون للعواقب، ولا ينزلون الناس عندهم لشرف ولا قوّة ولا أرحام ولا قرى ولا فقه ولا قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا منهم إلا بحيث أنزلوا أنفسهم من طاعة الله ومعصيته، حتّى مضوا لسبيلهم –رحمهم الله وغفر لنا ولهم-، ولهم على الصدق والوفاء. قلنا: ولكم فيهم أسوة حسنة، لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا. فقد بلّغني أنّ عمّار بن ياسر –رحمه الله- كان يقول لعلي بن أبي طالب: ويلك يا علي، الحق بالله قبل أن يحكم الحكمين، وذلك أنّه كان يتخوّف عليه الركون إلى الدنيا، وليس بين قوم وبين الهلاك، إذا أمكن لهم دينهم، واستخلفوا في الأرض، وأهلك عنهم عدوّهم، إلا أن يركنوا إلى الدنيا، بما يكون فيه وهن الدين وضعف عن الحق. وقد بلغنا عن عبد الله بن يحيى الراسبي –رحمه الله-، أنّه قال: لما حكم الحكمان في دين الله قال: لا حكم إلا لله، ولو حكم الحاكمون بغير ما أنزل الله، والله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين، وبها كانت لهم الحجّة، على من حكم في دين الله بغير ما أنزل، فأوضح الله عذرهم، وأفلج حجّتهم، وأعلى كلمتهم وجعلها كلمة باقية، في أعقابهم موروثة عنهم، يتبع فيها من أبصر الحق سبيلهم. (1/235)
صفحة 236
وبلغنا عن المرداس بن أدية –رحمه الله-، أنّه لما أراد الخروج، كان ينتخب أعلام المسلمين، وثقاتهم يشترط عليهم لله وللدين ولأهل الدين على الخروج في سبيل الله: إنّك تخرج جهادا في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، لا نريد شيئا من أعراض الدنيا، ولا لك في الدنيا حاجة، ولا لك إليها رجعة، أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها، الراغب في الآخرة الجاهد في طلبها، الخارج إلى القتل لا غيره، فاعلم أنّك مقتول وأنّك لا رجعة لك في الدنيا، وأنّك ماض أمامك لا شيء، إلا الحق حتّى تلقى الله، فإن كنت على هذه الحال، فارجع إلى ما وراءك، فاقض من الدنيا حاجتك ولبانتك، واقض دينك واستر نفسك وجد، في أمرك بالفراغ، وودّع أهلك، وأعلمهم أنّه لا رجعة لك إليهم، فإذا فرغت بايعتك. فما سمعنا بقوم قلّوا في كثرة الناس، أوفى بيعة ولا أمضى مقدّما، ولا أظهر دينا، ولا أوضح عذرا، ولا أفشى عدلا، ولا أكرم صبرا منهم، حتّى مضوا لسبيلهم –رحمهم الله غفر لنا- ولهم جزاهم عن الإسلام وأهله خيرا. وقد بلغنا عن أبي يحيى –رحمه الله-، المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وأصحابهم من مكارم الأخلاق، ما ليس لأحد من أهل الباطل، عليهم فيه متعلّق إلا من ظلم نفسه (1/236)
صفحة 237
وترك الحق ودخل في الباطل، فقد وضّح عذرهم واستبان سبيلهم لمن وطئ عنهم العدل، الذي أثروا بأعقابهم، وما انتشر في البلاد، من الفضل الفاخر في سيرتهم وخطبهم، وما نشروا من المعروف، حتّى مضوا لسبيلهم، فغفر الله لنا ولهم. وعن الجلندي بن مسعود، ومن معه من بوارع كلّ قوم، وما عرفوا به من المعروف، والعدل والإحسان والصدق والصبر والاقتصاد والبصيرة والمعرفة والورع والتزهّد والتحرّج والعبادة والسمت بالحسن الجميل، لم يأخذوا الصدقة بغير حقّها، ولم يضيّعوها في غير موضعها، ولم يستحلّوها من الناس، على غير الاثخان في الأرض، والحماية والكفاية والمجاحشة، عن حريم المسلمين، ولا على غير ذيادة عن حمى الله، بل أخذوها بحقها بعد إحكام الأمور، التي تعنيهم في دين الله، وأهل الرعية، ثمّ وضعوها في مواضعها، وقسموها على أهلها، بحكم القرآن فريضة من الله، والله عليم حكيم. ثمّ بلغنا عنهم، والذي استقام عليه رأيهم، أن يرفضوا بصدقة البحر، إلا ما طاب بأنفس الناس، أن يفعلوه لهم لما يتخوّفون من الدخل عليهم في سبيل الله، إذ لم يحموه، ولا يولّون أمرهم، ولا يبعثون في حوائجهم، ولا يستعملون على صدقاتهم وأهل رعيّتهم ولا يستقضون على أهل ولايتهم، إلا أهل الثقة وأهل العلم والفهم والورع والتحرّج. (1/237)
صفحة 238
المعروفون بالفضل، الموصوفون الخير من أهل البيوتات من قومهم، غير سقاط ولا أدعياء ولا متّهمين ولا مقترفين، منهم موسى بن أبي جابر، والحسن بن عقبة، والوليد بن خالد، وموسى بن سعيد، وجعفر بن بشير، ومعين بن عمر، ولوط بن سام، وحميم بن المغيرة، والهماس بن مغلس، والنير بن عبد الملك، وعبد الله بن أبي، وعمارة بن همام، ومحمّد بن عبد الله بن سوم، وعمر بن يحيى، وحميد بن عبد الله، ويحيى بن يزيد، وعمر بن عبد الله، وضرباؤهم من الناس، لا يتعلّق عليهم بالسيّئات، ولا يلجأ إليهم القبيح، ولا يتّهمون في دينهم، مرضيون في إخوانهم، متّبع رأيهم، معروف مضلّهم معروفون به، قد احتمت آراؤهم، في قوّة الحق وأحكام أمور الدين، على ما تبيّن من الشراة، إلى ثلاثمائة إلى أربعمائة، قائد من أهل الفضل والرحى والبصيرة والثقة والمعرفة والعلم والفقه والحزم والقوّة، له على كلّ عشرة من أصحابه، مؤدّب من أهل الفقه، يعلّمهم الدين ويؤدّبهم على المعروف، ويسدّدهم عن الزيغ ويقيمهم على الطريقة، ويهديهم سبيل الرشاد، ليس الدنيا من ذكرهم، ولا جمع المال من شأنهم، ولا الشهوات من حاجاتهم. وكيف لا يكون ذلك، كذلك من باع الله نفسه، ليجود بها على ترك الدنيا، ويزهد بما فيها، غير أن رجالا منهم، فيما بلغنا، تاقت أنفسهم إلى النساء، فلمّا ذكروا ذلك (1/238)
صفحة 239
استوحش منهم أئمتهم وقادتهم، فلم يكن من القوم إذ ذكروا النكاح، نظر إليه دون أن يعرضوا أمرهم، على أهل الفضل من أهل العراق، فلمّا وصل ذلك إليهم، فزعوا منه وساءهم ذكر الشراة، الذين باعوا الله أنفسهم للنساء، وطلب الشهوات، فكتبوا إليهم: إنّكم كتبتم إلينا تخبروننا عن الشراة أنّ أنفسهم تنازعهم إلى النساء، وهذا أمر عظيم، غير أنّهم إن لم يقدروا على الصبر، فليعرض الفقير مهم نفسه على النساء المسلمات الصالحات، فإن قبلته المسلمة بعشرة دراهم، ينجزها إيّاها، ولا يبقى لها عليه دين، بعد العشرة فليتزوّج، وإن صبر عن النساء، فهو خير له، فإن لم يقدر على وفاء حقّها، فلا يحمل على نفسه لامرأة ولا لأحد من الناس دينا، للذي طوّق نفسه من البيعة، وحمل على نفسه من الميثاق. فلمّا عرض القوم أنفسهم على النساء بذلك الشرط، لم يقبل منهم إلا قليل منهم، فصبر القوم على ما لم يقووا له، وقبلوا النصيحة واهتدوا بهدي أهل الفضل، واتبعوا أمرهم، ولو خالفوهم إلى ما نهوهم عنه، وكرهوا عليهم من ذلك، ما كان لهم واسعا، وكان المرء يرزق منهم في الشهر سبعة دراهم، في غلاء من السعر، فيصبر على القوت اليسير، رغبة في الآخرة والثواب من عند الله. وقد بلّغنا أنّه ربّما فضّل من (1/239)
صفحة 240
الرجل منهم الدرهم والدرهمان، فيتطوّع بذلك الفضل، فيردّه في فيء المسلمين –رحمهم الله-، وجزاهم خيرا مع ما أظهروا من السنّة، وإدناء الجلابيب على النساء، ورفع الخمر فوق الأذقان، وستر النواصي، وساتر الزينة، إلا الوجه والبنان، فما وراء ذلك، فهو حرام على من أبداه من النساء، أو نظر إليه من الرجال شهوة، والنطاق من تحت الدرع، إلا فقيرة لا تقدر على درع سابغة، فلها أن تتزر فوق درعها، ونهى النساء عن الجلوس في السكك، والخروج في يوم المطر، أو الريح العاصف، ورفع ذيول الرجال، وتقصير أشعارهم، إذا أسبغت على العواتق، والإنكار على أهل القبلة، أن يتشبّهوا بزي الذمّة، والإنكار على أهل الذمّة، أن يتشبّهوا بزي أهل الإسلام، ونهي الرجال، أن يبدوا ما فوق الركب، أهل فقه وأهل علم، وحلم وتودّد ووقار وسكينة ولب وعقل وبر ومرحمة وصدق ووفاء وتخشّع وعبادة وورع وتحرّج وصلة ونصيحة ظاهرة مقبولة، لا يطمعون بمطامع السوء، ولا يتعاطون من الناس الحقوق، ولا يدخلون في خصومات الناس، ولا يجتعلون على استخراج الحقوق، ولا يسترشون على طلب الحوائج، التي تعنيهم من أهل الرعية، ولا يستفضلون في الرزق على السعة، ولا يغتاب بعضهم بعضا، ليس من شأنهم الغيبة، ولا البغي ولا الحسد ولا التقاطع والتدابر ولا البغضة، ولا شيء من أخلاق أهل الريبة، يحرصون على ما رابهم في الدين، ومع أهل الدين، ويكرهون العيوب، ويهجرون أخلاق الفجور والمعاصي. (1/240)
صفحة 241
هم أنوار في الأرض وعودا في الناس، يعرفون بسيماهم، وكيف لا يكون كذل من باع الله نفسه، ينتظر حتفها صباحا ومساء، ليس لهم في شيء من الأمور، ولا لأحد من الناس، دنت رحمته أو بعدت، أو عظم خطره أو صغر، أو ارتفع شأنه أو تواضع، هو إلا ما وافق الحق، مع ما لا يحصى من أخلاقهم الحسنة الجميلة، التي زيّنهم الله بها في الدنيا، وترك عليهم الثناء الحسن الجميلة، في من خلف بأعقابهم، حتّى إذا خلفوا الدنيا وفتنتها، وتركوا وراء ظهورهم ما فيها، نزل بأقوام تسمّوا بعدهم بالإسلام، فاعتقدوا الشري في غير صدق أهله، فركنوا إلى الدنيا ومال بهم الهوى إلى باطنها، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة. قال الله: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل). فباعوا الكثير الباقي، بالقليل الفاني، وصغر الدين في أعينهم وهان عليهم، فأهانهم الله وأنزل بهم الخزي، وألبسهم شيعا، وأذاق بعضهم بأس بعض، فتركوا الدين ودعوة الدين، وتداعوا إلى القبائل، وأدخلوا قومهم في أمرهم، ودانوا بالحمية والعصبية، وعرضوا إلى أطماع الدنيا وباطلها، وركنوا إلى الحياة الدنيا، فقد رأيتم كيف فعل الله بهم، إذ بدلوا الدين ونكثوا البيعة، ونقضوا الميثاق، هتك الله سترهم وفضحهم، وسفك دماءهم على البغي والضلال والعمي والحمية، وتواكل أهل الرجاء والتقية في (1/241)
صفحة 242
الدين في أمرهم، تركت النصائح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممّن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين). فلمّا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعث عليكم شراركم، فقد رأيتم كيف دانوكم، وكيف كانت سيرتهم فيكم، وما أظهروا في الأرض من الفساد، وتعاونهم على الإثم والعدوان، وتطاولهم على الناس بالمعاصي، حتّى تقطّعت السبل، واستحلّت المحارم، ونكحت الفروج حراما، وأهرقت دماء المسلمين، بغير حلّها، ودخلت البيوت بغير إذن أهلها، وأكلت أموال اليتامى ظلما، وأموال الناس بالباطل، وحكم على الناس بغير ما أنزل الله، مع ما لا يحصى من جورهم وعداوتهم ولؤمهم وسوء سيرتهم، لا ينظرون لدين ولا لدنيا، ليس معهم من الدين شيء، ولا من أخلاق ذي الحفاظ، ولا يغارون لعربي إن اعتدى عليه علج منهم، بسبيل أو حر، ولا لعربية غلبها علج على نفسها حراما، حتّى صار الناس لا يدرون من يثقون، إذا صارت الأمة أميرة والعبد أميرا، وسائر أتباعهم من أعرابي جاف، لا يعرف لأسباب الأمور، طريقا في دين الله ولا دنيا، ومقطع من الناس، لا يعرف له أصل، ولا من أين مدّ إليهم، بعد أن يتّبع سبيلهم، فهو ما من الأمر في عشائرهم وأهل رعيّتهم، بما لا تستطيع (1/242)
صفحة 243
حمله السموات ولا الأرض ولا الجبال، وهم وأتباعهم وبنو عمّهم أخبث من الأتباع، وأسوأ سيرة وسبيلا، ثمّ أنّ الله تبارك وتعالى، ابتعث أقواما من بار وفاجر، فأظهرهم عليهم، فأزال بهم النعل، عن مملكتهم، وما كانوا فيه، ومكن للمسلمين دينهم الذي ارتضى لهم، وأبدلهم من الخوف أمنا، يبلوا بذلك أخبارهم، ويمحّص به من أراد به إرادة الخير منهم، ويمحق الكافرين وقال: (عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) فقد كانت في القوم سير ما نعرفها في الدين، ولا نقرؤها في كتاب الله، ولا نطأ عليها مأثورا من سنّة نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، ولا أثرا من التابعين بإحسان، ولا بقول أحد من الثقة في الدين والبصيرة، في الأمور والمعرفة بها، والتحرّج عن حرام الله، وضع لهم تلك السير، ولا كتبها لهم، ولا دلّهم عليها، فقد اعترضت الأمور وأخذت بغير الحق، واستحلّت الغنائم من أهل القبلة، وأخذت لأقوام أيديهم، ما ادّعوا من الحقوق بغير حكم، وأحرقت المنازل واشتريت المتع، واستعمل السفهاء، واعتقد الشر لعرض الدنيا وباطلها، في غير صدق، ولا حسن سمت، انتهكوا فيه ما زجر عنه غيرهم، من نكاح النساء بالكذب، وموعود الباطل، حتّى استحلّت فروج النساء، بما يعاب على اليهود والنصارى، فمن بعدهم من أهل الكفر والمعاصي (1/243)
صفحة 244
وبعث في الصدقات غير أهل الثقة، واستعمل أقوام أنفسهم بغير إذن الأئمّة، في طلب الدنيا والحرص على جمعها، وأخذت الصدقات بحقّها وبغير حقّها، وقسّمت في غير أهلها. وقال الله: (إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). غير أنّه قد استقام الحديث على ترك سهم المؤلّفة قلوبهم، وسهم المساكين من أهل الكتاب، وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم من الجزء الذي يؤخذ من أغنيائهم، واستقام قسم الصدقات، على ستّة أسهم، للفقراء سهم، وسهم للعاملين عليها، وسهم في السبيل، وسهم لأبناء السبيل، وسهم في الرقاب، وسهم للغارمين، فمن شهد الصدقة فيما بين الثمرتين، من ابن سبيل أو غارم أو شارع (1/244)
صفحة 245
في رقبة على قدر غرمهم وضعفهم، وبعد سعيهم، فإنّ فضل من هذه السهام، شيء إلى دراك ثمرة أخرى، ردّ الفضل فقسم على ثلاثة أسهم، للفقراء سهم، وفي السبيل سهمان، فترك ذلك وجمع في ثلاثة أسهم، غير ما فرض الله في كتابه. وصدقة البحر رأسا، فحرمها الفقراء، وابن السبيل، والغارمين، وفي الرقاب، وصدقة البحر والسواحل، لا تحلّ على غير الحماية والكفاية والذيادة عن حمى الله، وخمسون علجا في مركبين، قطعوا سبيل البحر، فيما بين البصرة وغروب عمان، وجاسوا سرب أهل البر، وأخرجوهم من صياصيهم ومعايشهم ومنافعهم، والسعاة في الصدقات، رصدا لهم، إنّما ينظرون ما صفا لهم، فيأخذون منه الصدقة، ويتركون ما كدر عليهم، وسلب العدو وسبي وقتل، لا يطلبهم طالب، ولا يتهيّأ لهم منهى، ولا ينفق في طلبهم مال، ولا تبذل فيه قوّة، ولا يوجف عليهم خيل ولا ركاب، ومصنعة السواحل من عساكر المسلمين، مرغد حماه الله، أن يذاد عنه، وإنّما الجهد والعمل في طلب جمع الصدقات، لتؤكل بغير حقّها، وأحد يرزق ثلاثين كلّ شهر، وآخر عشرين وآخر عشرة، والبقية كلّ واحد عشرة، لا يزاد عليها، وذلك أنّ الرجل والنفر (1/245)
صفحة 246
من الشراة، يبعثون إلى بلد من غروب عمان أو شروقها، فيكرّون أو يزاد لهم في الرزق، فيرون تلك الزيادة الذين خرجوا، زعموا جهادا في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، ويطلب المرء البيعة، على الشراء، حتّى يقضي دينه، فيذهب فيقضي ما كان عليه، ثمّ يبايع على الشرى، حتّى إذا اعتقد عليه الشرى، عمد إلى امرأة غنيّة، فقبل لها بثمانين نخلة، وشريها وثلاثمائة درهم أو أقل أو أكثر، وبأربعة وصفا، وليس وراء ظهره شيء، فمضى لهم ذلك وتركوا عليه، ولم ينزلوا حيث أنزلوا أنفسهم، فما حرّم عليهم دين عشرة دراهم، قبل الشرى، وأحلّ له قيمة ثلاثة آلاف درهم أو أكثر بعد الشراء، مع أشياء لا تحصى من رغبة أنفسهم، وشحا واختلافهم فيما بينهم، وتشتيت أهوائهم وقلّة بصرهم وشدّة عماهم، وأخذ القربان من الناس، الفقير منهم والغني، من بعد أن يفرض عليهم دراهم، ثمّ يؤاخذوا بها جبرا، وأخذ أقواهم الحقوق لأنفسهم، بلا وزن يعرف، ولا عدد يحصى، ولا كيال، ولا قيمة، ولا بصيرة (1/246)
صفحة 247
إلا الحراف، على الظن والهوى فهل لهذا مدّة أو انصرام؟ أو يعرف ميقات هذا وغايته؟ فانظر –رحمك الله- فيما كتبت إليك به، فإن يكون الذي عبت من هذا، ونقمت عيبا أو نقما، تبصر وجهه، فاتق الله وردّ الأمور عن الجور والعدوان، إلى قصد السبيل، فإنّه خير لك في المعاد، وأوضح لعذرك وأوفق للحق معك، واعلم أنّ الوهن والتقصير، وتألّف الناس على ما لا يوافق الحق، لا يزيد في الرزق، ولا يمدّ في العمر، ولا يزيد لأهله إلا مقتا ووهنا وخسارا، وأنّي لخائف إن لم تقبلوا الذي ساق الله إليكم بشكر، وتأخذوه بقوّة، وتمضوا فيه لأمر الله، وتعملوا فيه بفرائض الله، أن تكون عاقبة ترك ما تركتم، وتضييع ما ضيّعتم منه، ووهن وهتم منه، ذلا وصغارا، وأن يكون الذي نقمت وعبت ليس بعيب، وهو لكم واسع في الدين، فاكتبوا إلينا ببيان توسيعه، في كتاب الله، وسنّة نبيّه، وسنن المسلمين قبلنا، فإنّه يوطأ ما أثرنا بأعقابنا، كما وطئنا عن القوم، الذين خلوا قبلنا، ما أثروا لنا بأعقابهم، واعلم أنّ الذي كان ممّا كتبت إليك به، ونقمت وعبت ردّ عنا هداة المسلمين من اليمن، وخراسان وغيرهم، وحولهم أن أنكروا ما لا يعرفون، والذي أنكروا إن شاء الله منكر، فإن عرفت صوابه، ووثقت من نفسك، ومن أتباعك ووزرائك بالاستقامة عليه، فالتوبة خير لنا، ولكم من الإصرار على الذنوب والمضي على القبيح، والله يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين. (1/247)
صفحة 248
وإن استقام على المسير معك في الأرض، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فابدؤوا بمن معكم، ممّن تعرفون خطأه، وسوء سيرته من سائر وقاعد، فاعملوا فيه بالصلاح، ومراجعة الحق، وترك الباطل، وإيّاك أن تكثر بمن يشين ولا يزين، ويفسد ولا يصلح، فإنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وأنّ الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتّقين. نسأل الله أن يتولّانا وإيّاك، بما تولّى به المتّقين، وأن يردّنا وإيّاكم إلى الحق، وأهل الحق، ويجمعنا وإيّاك عليه، ويهدينا وإيّاك، لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنّ الله رؤوف رحيم. فإذا استعنتم أنفسكم ومن معكم، واستقامت أموركم على ما مضى عليه، من كان قبلكم من أسلافكم، واستقام على المسير مبارك بن جعفر، وسليمان بن عثمان، والحكم بن بشير، ومسعدة بن تميم، والأزهر بن علي، وعلي بن عزرة، وجعفر بن زياد، وعبد الله بن أبي قيس، وعبد الله بن نافع، ورايس بن يزيد، وأبو مالك بن هزبر، والأشعث بن محمّد، والأزهر بن عبد الملك، وعبد العزيز بن عبد الرحمن، وضرباؤهم من المسلمين، فاكتب إلينا، فيأتيك من أحببت منا، وكرامة لك ونعم عين، (1/248)
صفحة 249
فإن عرفتم حقّه ورفضتم به، فكيف تدعون الناس إلى الحق، وأنتم تاركون؟ وإن كره النفر الذين سمّيت لك في الكتاب السير، فنحن أضعف عنه، وأبعد دارا، وأكثر دينا، وأشدّ حاجة إلى المقام في صنعتنا ومعايشنا، ولو خلونا ما سرنا، إلا معهم، وإن عرفنا فضله؛ لأنّا نرهب تغيّر الناس وشرورهم، فذلك الذي يردّ عنّا عن المسير، وإن كنّا عنه ضعفاء، عافانا الله وإيّاك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. (1/249)
صفحة 250
06/ سيرة من أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى أبي جابر محمّد بن جعفر
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك، أمّا بعد، فإنّا نحمد إليك الله، الذي لم يزل فضله علينا عظيما، وإنعامه علينا قديما، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيّئات، الرحيم الغفور، يقضي بالحق، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فنحن بحمد الله على النعم السابغة، والحجّة البالغة، والبلاء المحمود، عند الخاص والعام، من نعمه العظام، وآلائه الجسام، التي منّ بها على عباده، في تقرير قلوبهم بربوبيته، وأخذ ميثاقهم بمعرفته، وإنزاله عليهم كتابا فيه الشفاء لما في الصدور، لما يمرضها من مشبّهات الأمور، فلم يدع لهم، ولا لشيء من خلقه، حاجة إلى ما سواه، واستغنى وكان الله غنيّا حميدا. (1/250)
صفحة 251
لعمري أنّهم ليرون الدلالات والعلامات الظاهران، في خلقهم وما يعاينون، من ملكوت السموات والأرض، والصنع العجيب المتقن، الدال على صانع له، ولكنّهم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهّلوا لها سبيل الشهوات، وغلبة الهوى على قلوبهم، واستحوذ عليهم الشيطان، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين، فالعجب لمخلوق يزعم أنّ الله سبحانه يخفى على عباده، وهو يرى أثر الصنع في نفسه، وتركيبا بتمييزه وعقله، وتأليفا ببطل حجّته، ولعمري لو تذكّروا في هذه الأمور الصغار، لعاينوا من أثر التركيب والتدبير الظاهر، ووجود الأشياء مخلوقة، قبل أن تكون، وتحويلها من صنعة إلى صنعة، وصنعة إلى صنعة، فدلّهم ذلك على الصانع لها، وأنّه لا يخلو شيء منها، من أن يكون فيه أثر تدبير، يشهد على أنّ له خالقا مدبّرا، وتأليف وتقدير هذا إلى واحد حكيم، أمّا بعد، فإنّي سأذكر لك أمرا، فلا يكن في صدرك حرج منه، ولا تتعدّ به عن القصد، ولا يستخفّنك الذين لا يوقنون. قال الله: (شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصيّنا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) وقال: (يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون (1/251)
صفحة 252
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلّكم تهتدون ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم). وقال: (ولقد وصّينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإيّاكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإنّ لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيّا حميدا). وقد دعا ربّنا فأسمع وأنذر، فأفزع وبشّر، فأطمع ووعظ، فأبلغ وأنعم، فأوسع وشرع، فبصّر وبيّن فيسّر، فلم يكن للعاصي على الله حجّة، ولم تكن لمطيع على الله منّة، بل لله الحجّة على من عصى، والمنّة على من أطاعه، والله عليم بالمتّقين. وإنّكم قد تفرّقتم بعد الألفة، وأنكرتم من بعد المعرفة، وأغفلتم كتاب الله، ونبذتموه على أهوائكم، فأنتم في ذلك تتردّدون، وفي غمرة ساهون، ونسيتم حظّا ممّا ذكرتم به واقتصرتم عمّا أمرتم به، وقد عهد الله إلى المؤمنين، فأخذ منهم ميثاقا غليظا، على حق تقاته والألفة على طاعته، والقيام بحقه، والاعتصام بحبله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأداء الأمانة إلى أهلها، والحكم بين الناس (1/252)
صفحة 253
بالعدل، فبذلك كانوا أولياءه، ودخلوا في محبّته، لما أقاموا حقوق الله، وحفظوا حدوده، لا بحسب ولا بنسب ولا برجال ولا بمال، وقد قال الله ردّا على من ادّعى القربة، للنجاة من عذابه، بكثرة الأموال والأولاد، فقال: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون). فقد تركتكم ما أمركم الله به، وركبتم ما نهى الله عنه، ونكثتم عن الحق، وأعرضتم عن سبيل الله، وغفلتم الآخرة، وركنتم إلى الدنيا، وشاركتم في طلبها، تتّبعون أهواءكم وتزيّنون آراءكم، نبذتم كتاب الله وراء ظهوركم، واشتريتم بعهد الله ثمنا قليلا، فبئس ما تشترون، وعمدتم إلى آثار المسلمين، فطمستموها، وإلى الأمور فألبستموها، وفرحتم بما أوتيتم فلججتم في طغيانكم تعمهون، تمنون على الله بإسلامكم، وتمنون على المسلمين بأحكامكم، عمدتم إلى صدقات الفقراء، فاستأثرتم بها دونهم، وقال الله: (إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) ففرضها الله لثمانية أسهم، فرددتموها إلى سهم واحد، وعمدتم إلى فلج من مال الله، فاقتطعتموه لأنفسكم وغلبتم عليه. (1/253)
صفحة 254
وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه لعن ثلاثة: الزائد في كتاب الله ومانع المسلمين حقوقهم والمستأثر بالفيء. وبلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، أنّه بعث عمّار بن ياسر –رحمه الله-، عاملا على الكوفة، وبعث معه عبد الله بن مسعود، يعلم الناس أمر دينهم، وبعث عثمان بن حنيف، على مساحة الأرض، ففرض لهم فريضة قاسطة، وقال: إنّي أنزلكم ونفسي من مال الله كوكيل اليتيم. قال الله: (ومن كان غنيّا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف). فلا بكتاب الله حكمتم، ولا بسنّة نبيّه وآثار أئمّة المسلمين، فقد سفه نفسه، وقد حكم بغير ما أنزل الله، وقال الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (والظالمون) و (الفاسقون) وقد قال الله: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وهم الأئمّة والفقهاء في الدين، الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فمن طاعة الله الإيمان به، والحكم بكتابه، ومن طاعة رسوله التسليم لأمره والعمل بسنّته، وقد قال الله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين). (1/254)
صفحة 255
ومن طاعة المؤمنين، أن يجابوا إلى ما دعوا إلى الحق، ويجامعوا عليه ويتّبع سبيلهم، وقال الله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا) وقد وصف الله المؤمنين بأعمال لا نراكم عليها ولا بها، فقال الله: (الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور). وقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيز حكيم). فهذا وصف الله المؤمنين به، وما به أمرهم، وإليه دعاهم، وفيه رغبهم، وعليه حضّهم، ليدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطا مستقيما، ثمّ بيّن ثوابهم وما أعدّ لهم على ذلك فقال: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) ثمّ أنتم هؤلاء تسمّون بهم، ولا تتّبعون سبيلهم، ولا تسلكون مناهجهم، ولا تعملون بأعمالهم (1/255)
صفحة 256
رضيتم بالحياة الدنيا، ودعيتم فيها باتفاق على ذمّها، ويقين منكم على تصرمها، وأنتم تمدون إليها بأبصاركم، فتحترشونها بأظفاركم، تسارعون فيها إلى الحظوظ الوافرة، وتأتونها من باب الآخرة، تتعلّمون لغير العمل، وتتخشّعون لغير العبادة، وتستغشون بالثياب على قلوب الذئاب، تتصنّعون بالعلم لتباهوا به العلماء، وتؤاكلوا به الأغنياء، وتستخدمون به الفقراء. وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: من تعلّم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء وليصرف وجوه الناس إليه فليتبوّأ مقعده من النار. تميلون مع من مالت الدنيا معه، فتزكّون أمره وترفعون ذكره، وتصوّبون خطأه، وتحملون عطاءه، وقد كان بالأمس خليعا، وتبرؤون منه وتحلّون دمه، وتظهرون شتمه، ثمّ عاد لكم إماما، وعاد ما كنتم تستحلّون منه حراما، وعاد لكم إماما مطاعا، وعدتم له أتباعا، لما نلتم من الدنيا سببا، وأقامكم على الناس خطبا، بلا توبة منه من الذنب، الذي فارقتموه، ولا رجعة منه إلى الحق، الذي دعوتموه إليه، فاتخذتم جنّة لدنياكم، تبتغون به المأكل والمراتب والرياسات في الأمر والنهي، ولبستم الحق بالباطل، وكتمتم الحق، وأنتم تعلمون، وليّكم من كانت الدنيا عنده، وعدوّكم من كانت عليه لا غير ذلك، زهّاد بالخدع، نساك للطمع، وبرأ الله المؤمنين من ذلك، ووصف المنافقين فقال: (ومن (1/256)
صفحة 257
الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) وقال: (إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنّم جميعا الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ثم قال: (إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا). وقال: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين هم الفاسقون). فمن أمر بترك المعروف، فقد أمر بالمنكر، ومن أمر بالمنكر، فقد عمل به، ومن عمل به فقد كفر، ثمّ بيّن ثوابهم وما أعدّ لهم فقال: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّار نار (1/257)
صفحة 258
جهنّم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم). فهذه صفة المنافقين، لا نراكم خارجين منها، ولا تاركين لها، ولا مبعدين من كان عليها، فالله يقضي بالحق بيننا وبينكم يوم القيّامة، وهو خير الفاصلين. أمّا بعد فإنّ الأخبار فيك تطول، والأحاديث فيك تعول، والقول فيك يتّسع، والأمر فيك يرتفع، إلا إنّا نضرب على الأكثر، ونكتفي بالأيسر، لعلّنا نرى منك توبة وإنابة، أو رجعة إلى الحق، واعلم بأنّ الله سائل عمّا أنت قائله، وموقفك عمّا أنت فاعله، وقد قال قولا غير غائب، وأقسم قسما غير حانث، قال: (فوربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون) و (إنّا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين). فأمّا ما قدّموا من عمل، وأمّا آثارهم فهو ما أثروا من سنّة يقتدي بها من بعدهم، فمن أثر خيرا، فله أجر ذلك، وأجر من عمل به، ومن أثر شرا، فعليه وزر ذلك، ووزر من عمل به، وهو قوله: (ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر) فهو ما قدّم من عمل وأخّر من سنّة يقتدي بها من بعد، فقد شرعت من الدين ما لم يأذن به الله، وينزّل به (1/258)
صفحة 259
سلطانا، ومن ذلك أنّ عزان بن الهزبر، لما جمع الناس ليشتري عليهم في محاربة الأجناد لما ساروا، كنت أنت المجيب له، فقلت له في المأثور، عن العلماء، أنّ الحرب إذا لم يرج نفعها، تركت لئلا يغري بالأرامل والضعاف، وأنّ هؤلاء القوم، لا يطلبون ثأرا ولا دما، ويطلبون المال، فيلي ذلك غيرك، ولا تدخل أنت فيه، واعتزل عنهم، فإذا انصرفوا، فارجع إلى مكانك، فهذا هو الإفك المبين، والبهتان العظيم، فأيّ المسلمين أثر الذين رويته، وأيّ المسلمين أشار بالرأي، الذي رأيته، كبر مقتا عند الله، أن يشار على إمام، قد قطع الشر في سبيل الله، وباع لله نفسه، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيشار عليه بترك حقوق الله، ويتولّى عن حرب عدوّه، ويضيّع إمامته، ويدع رعيته، التي قد لزمته ذمّتهم، ووجبت عليه حمايتهم. وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه لما أراد الخروج إلى بد الصغرى، اشتدّ ذلك على أصحابه، وكرهوا الخروج معه، وطلبوا إليه، أن يكفّ عن الخروج في عامه، ذلك لما خافوا من كثرة الناس وشدّة البأس، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لأخرجن إليهم ولو بنفسي وحدي. وما قال ذلك، إلا أنّه يفعل، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم (1/259)
صفحة 260
ومعه ناس قليل، فأثنى الله عليهم، ثناء حسنا، وقال: (الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتّبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم). وسمّى الله الذين خذلوهم شيطانا، فقال: (إنّما ذلّكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين). وأنت تأمر بالخذلان وترك الجهاد في سبيل الله، وتخذل المسلمين عن حرب عدوّهم، فنعوذ بالله أن نكون من شيعة الشيطان وحزبه. وبلغنا عن أبي بكر –رحمة الله عليه- لما بعث بجيش أسامة بن زيد، قال له المسلمون: لو حبت أسامة بن زيد، تقوى به فيما قبلك، فإنّ المسلمين اليوم قليل والإسلام ضعيف، فقال أبو بكر –رحمة الله عليه-: إنّ جيشا أمر النبيّ بإنفاذه لأنفذنه ولو أكلتني السباع بالمدينة. فبعث أبو بكر –رحمة الله عليه- الجيش إلى الشام، ولم ينظر في قولهم، وقد علمنا أنّ السباع لا تصل إلى أبي بكر، حتّى لا يبقى في المدينة أرملة ولا ضعيف. وقد وصف الله المؤمنين، الذين يقاتلون في سبيل الله، وأخبر عنهم أنّهم يقتلون ويقتلون فقال: (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم). (1/260)
صفحة 261
فإن كان لا يقاتل أحد، حتّى يعلم أنّه غالب، وأنّ الأمر له لم يقاتل أحد أبدا، وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه سار إلى حنين، في اثني عشر ألفا، فأعجبتهم كثرتهم، فظنّوا أنّ الأمر لهم، وكان عدوّهم على الثلث منهم، فما نفعتهم كثرتهم، ولا قدروا منعا لأنفسهم، وأخطأ ظنّهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثمّ ولّوا مدبرين، فالمسلمون يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه بعث المنذر بن عمر، في سبعة وعشرين رجلا إلى بن عامر، فلمّا ساروا بعض الطريق، تخلّف أربعة منهم، لأمر عرض لهم، ومضى القوم وهم ثلاثة وعشرون رجلا، فلقيهم عدوّهم، فقاتلوهم حتّى قتلوا جميعا، وأقبل الأربعة الذين كانوا تخلّفوا في آثار أصحابهم، وإذا هم بهم قد قتلوا على الماء جميعا، فتشاور القوم فيما بينهم، فقال بعضهم: نرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنخبره بخبر أصحابنا، وقال واحد منهم: لكنّي أتغذّى من غذاء أصحابي، فرجع ثلاثة منهم إلى نبيّهم، ومضى الرجل بنفسه وحده إلى القوم، فلم يزل يقاتلهم حتّى قتلوه، فما قولك في هؤلاء القوم القليل، الذين ساروا إلى قبيلة من قبائل العرب؟ وما قولك في هذا الرجل، الذي قاتل بنفسه حتّى قتل؟ وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يبعث القليل إلى الكثير. وكذلك فعل المسلمون من بعده، وقد أثنى الله على الفئة الصالحة فقال: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). (1/261)
صفحة 262
ومن ذلك تقول: إنّما كان الجهاد فريضة على النبيّ وأصحابه، وليس هو اليوم على الناس فريضة، وإنّما هو نافلة، فمن شاء قاتل ومن شاء ترك، فيا سبحان الله وبحمده، قال الله: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال: (كتب عليكم الصيّام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون). فإن كان الجهاد، إنّما كان فريضة على النبيّ وأصحابه، وهو اليوم نافلة، من شاء قاتل ومن شاء ترك. كذلك الصلاة والصيّام، إنّما كانا فريضة على النبيّ وأصحابه، وإنّما هما اليوم نافلة، فمن شاء صام، ومن شاء ترك على قولك، بل الصلاة والصيّام والجهاد فريضة، كان على النبيّ وأصحابه، ثمّ هو اليوم فريضة على الناس من بعده إلى يوم القيّامة في كتاب الله وسنّة نبيّه، وقد قال في كتابه: (قل للمخلّفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولّوا كما تولّيتم من قبل يعذّبكم عذابا أليما). فقد أجمع المسلمون، لا نعلم اختلافا، أنّ الداعي لهم أبو بكر، دعاهم من بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكيف يعذّبهم عذابا أليما، إن تولّوا عن النافلة، وأنّ الله لم يكن يعذّب (1/262)
صفحة 263
أحدا على النافلة، وإنّما يعذّب على الفرائض إذا ضيّعت، ولم يقم بحقّها، فهذا قول الله في كتابه، الذي أنزل على نبيّه، واقتدى به المسلمون من بعده، أنّ الجهاد على الناس جميعا، إلا من عذره الله، وأنت تقول، ليس هو على الناس فريضة، وإنّما هو نافلة، وبلّغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لو اجتمعت الأمّة على ترك ثلاث لكفروا: ترك الصلاة في الجماعة والخروج على الجنائز والجهاد في سبيل الله». وأنت لا تدري أن تصلّي في جماعة، ولا تخرج على جنازة، ثمّ عدت تخذل الناس عن الجهاد، فما أرى مثلك، إلا كما روي عن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أنّه قال: يا علماء السوء لا دخلتم الجنّة ولا تركتم الناس يدخلونها. ومن ذلك أن تزكّي أمرك وتنصب رأيك دينا، وتحكم برأيك في الفروج والدماء والأموال، فقلت لرجل وصل إليك، فسألك عن رجل قال لامرأته: أنت طالق سبعين، ولم يرد بذلك طلاقا، وإنّما أراد أن يغمّها ويهدّدها، فرويت عن موسى، أنّها إن صدّقته وسعها المقام معه، فنعيذ موسى بالله، أن يقول هذ، وإنّما قال موسى –رحمه (1/263)
صفحة 264
الله- في رجل جرى بينه وبين امرأته كلام، فقال: أنت طالق ثلاثا، ثمّ قال: إنّما عنيت للبقة والوسادة، فقال أبو علي –رحمه الله-: إن صدّقته وسعها المقام معه، وإن حكمته حكم عليه.
وقال غيره من المسلمين: لا يقبل منه ذلك، ولا تقيم معه. وقال محمّد بن محبوب –رحمه الله-: إن كان ثقة مع الناس، ومعها وصدقته على ذلك، وسعها المقام معه، وذلك إذا كان ثقة مع الناس ومعها، وإن حاكمته حكم عليه بالطلاق، وإنّما هذا إذا عنى إلى غيرها، وأمّا إذا قصد إليها بالطلاق، ثمّ قال: لم أنو بذلك طلاقا، وإنّما أردت أن أغمّها وأهدّدها بالطلاق، وقع عليها، وهكذا قال المسلمون: إذا قصد إليها بالطلاق. وقال أبو علي –رحمه الله- في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم .. وأراد أن يستثني فلم يصلّ إلى الاستثناء، أنّها تطلّق، هكذا قال أبو علي –رحمه الله-، وقد أراد أن يستثني، فلم يقبل أبو علي ذلك، إلا أنّه قال: لو عنى هذا في الحكم لعناه، ولم نقل: إنّه جائز ولم نقف. وقلت في رجل طلّق امرأته، ثمّ أراد أن يرجع إليها، فأنكرته الدخول بها، وقالت: إنّه لم يكن جاز بها، وقال الرجل: إنّه جاز بها، ليرجع إليها، فقلت لهم: ينظرنها النساء، فإن (1/264)
صفحة 265
كانت ثيبا، فالقول قول الرجل، وله الرجعة عليها، وإن كانت بركا، فالقول قول المرأة، وليس له عليها رجعة، فيا سبحان الله وبحمده، ما أكثر غلطك وأعظم فرطه، وقد يقال: إنّ المرأة ربّما وثبت الوثبة، فذهبت عذرتها وتصير ثيبا، وربّما قد ذهبت عذرتها من طول التعزّب، وعسى ربّما قد وقع عليها رجل، فاستكرها فافتضها، ثمّ تزوّج بعد ذلك، فما تقول: إن ادّعت هذه المرأة الدخول بها، وقد طلّقها زوجها، أعليه نصف صداقها؛ لأنّه قال: لم يدخل بها، ولم يرخ عليها سترا، ولم يغلق عليها بابا، وقالت المرأة: إنّه دخل بها، ونظرنها النساء فوجدنها ثيبا، تحكم على الرجل بالصداق، تامّا لها على قول النساء، فما قال أحد من المسلمين فيما سمعنا، ولا يجوز لها أن ترى فرجها أحدا، ولا يجوز لأحد أن ينظر إلى فرج امرأة، وقد يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «الناظر والمنظور إليه في النار». وأنت تأمر أن ترى فرجها النساء، وأجزت للنساء أن ينظرن إلى فرجها، فهذا حكمك في الفروج، ومن ذلك أنّ الميّت ويخلف ورثة يتامى، وعليه دين، وأحضرك أصحاب الحقوق البيّنات، فتقيم وكيلا من أصحابك، يسمعك الشهادة على الميّت، وأولياؤه حاضرون في البلد، لا ترسل إليهم، فيحضرون سماع البيّنة على صاحبهم، ويدفعون عن يتاماهم، لعلّ معهم معرفة بهذه الحقوق، التي على صاحبهم، أنّه قد زالت عنه بوجه من الوجوه، وقد كنّا نرى المسلمين في مثل ذلك، يرسلون إلى أولياء اليتامى، فيحضرون سماع البيّنة على صاحبهم، ويدفعون عن يتاماهم بما يعلمون، وأنت تقيم وكيلا من أصحابك، لعلّه (1/265)
صفحة 266
لا يعرف من هذا الميّت، ولا يدري من هو، ولا من أين هو، لم نر ولا سمعنا أنّ أحدا من المسلمين، فعل ذلك، فتحكم في الأموال والفروج برأيك، ثمّ تقوم على المنبر فتقول: من خطّأ رأينا وعاب أمرنا، اللّهم افعل فيه وافعل. تدعو عليه وتبتهل وتصوّب رأيك وتزكّي أمرك. وقد بلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه». وقد بلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله- أنّه حكم بحكم فقال له رجل: وفّقت يا أمير المؤمنين أو كما قال له، ثمّ أنّ عمر عاد فحكم بحكم آخر، وأعاد عليه الرجل المقالة الأولى، فأقبل إليه عمر، وهو مغضب فقال: أنا لا أدري أنّي وفّقت. وقال الله: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إنّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) وبلغنا عن أبي عبيدة –رحمه الله-، أنّه قيل له: إنّ أهل عمان، يفتون بالرأي (1/266)
صفحة 267
فقال أبو عبيدة: ما نجوا من الفروج والدماء. ومن ذلك أنّ رجلا وامرأة تحاكما إليك، فادّعت المرأة حقا لبنيها على الرجل، فأنكر الرجل، فنزلت إلى يمينه، فحملت عليه اليمين وجبرته على ذلك، ثمّ أنّ الرجل ادّعى حقا لنفسه من دين على المرأة، من غير الحق الذي ادّعته لنبيها، فأنكرته المرأة، فنزل إلى يمينها، إمّا أن تحلف وإمّا أن يحلف هو، فمنعته عن ذلك، ودفعته عن اليمين، لموضعها منكم، وقربتها إليكم، وقد قال الله: (إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إنّ الله نعمّا يعظكم به إنّ الله كان سميعا بصيرا). وقال: (يا داوود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله إنّ الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) وقال: (ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثمّ لا تجد لك علينا نصيرا). وبلغنا عن أبي بن كعب –رحمه الله-، أنّ عمر بن الخطّاب –رحمه الله- خاصم رجلا (1/267)
صفحة 268
إليه، فلمّا دخل إلى أبي، طرح أبي إلى عمر الوسادة، ليقعد عليها، فقال عمر: هذا أوّل جورك، وقعد موضع الخصم، فنزل الرجل إلى يمين عمر، فحمل أبي على عمر اليمين، فحلفه ومضى عمر في اليمين، وبلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله- أنّه لما أراد أن يحدّ قدامة في الخمر، وكان أخا لامرأته، وكان خال بنيه، فقال له بنوه: يا أبانا أتحدّ خالنا؟ فقال عمر: يا بني إمّا أن يحدّ وإمّا أن يكفر أبوكم. وقد استحلّ المسلمون قتل عثمان بن عفّان، لما طلبوا الإنصاف من صاحبه، فمنعهم فقتلوه واستحلّوا دمه، ومن ذلك أنّ السرايا، يخرجون في طلب المحدثين، فيأتون بالأسارى، فتعمدون إلى الأسارى، من كان فيهم من ناسكم، خليتم سبيله، ومن كان من غيركم، أطلتم حبسه وشددتم عليه، وقال الله: (يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهدان لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان). وبلغنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لما فكّ أسارى بدر، وأخذ منهم الفداء، ولم يضرب رقابهم، نزل عليهم من الله التهديد بالعذاب الشديد، فقال: (1/268)
صفحة 269
(تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب الله من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم). وقد أمر عمر بن الخطّاب –رحمه الله- أن يقتل ابنه عبد الله بقتله المرزبان، وهكذا حكم المسلمين، ومن ذلك أنّ ذا المال اليسار، يأتي إليكم فيدّعي حقا إلى الفقير، فتقبلون قوله، وتقرّبون مكانه، وتحيّزونه إلى مطلبه، ويأتي إليكم الفقير، فيدّعي حقا إلى الغني، فتعرضون عنه وتردّونه، وقال الله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا). وبلغنا عن أبي بكر الصدّيق –رحمه الله-، أنّه لما ولّى الأمر، خطب الناس فقال: يا أيّها الناس إنّي ولّيتكم، ولست بخيركم، فالقوي عندي ضعيف، حتّى آخذ له الحق. ومن ذلك أنّكم تقبلون الهدايا، وتستعطون الناس، وأنتم حكّام عليهم، وقد أخبر الله عن قوم غضب عليهم، ولعنهم فوصفهم بأعمالهم القبيحة، فقال: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سمّاعون للكذب أكّالون للسحت). وهي الرشوة، وقد يقال: (1/269)
صفحة 270
إنّ الهدايا للحكّام من السحت، وقد بلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، أنّه كان بينه وبين صديق له، مهاداة من قبل أن يلي أمر الناس، فلمّا ولي أمر الناس، أهدى إليه صديقه هدية فردّها عليه عمر، فقال له صديقه: أظننت أنّي طمعت بسلطانك يا عمر. قال له عمر –رحمه الله-: لا ولكن حدث ما تعرف. وقد رحم المسلمون الهدايا، على جميع الحكّام، فاتق الله يا هذا، واحكم بين الناس بالحق ولا تتّبع الهوى، وقد نلت الحياة الدنيا، وعرضت للمحنة، ولن تؤتى من قلّة معرفة، ولا ضعف صفة، ولكن أوتيت من الهوى بزيغ القلوب، وبعمى الأبصار، وأنّي أحذّرك يوما، لا تجزي نفس عن نفس شيئا، ولا تقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون، فأقبل الحق ممّن جاء به، لا تعد عيناك عنهم، ولا نبغ وراء ذلك سبيلا، فإنّ الله لا يرضى إلا بالحق، ولا يتولّى إلا عليه، والله حكم بيننا وبينكم يوم القيامة، وإلى الله تصير الأمور، فلا يخرجنّكم الغضب من الحق إلى الباطل، إذا بلغتم عيوبكم. وقد بلغنا عن عمر بن الخطّاب –رحمه الله-: رحم الله أمرئ أهدى إلينا عيوبنا والويل لنا يوم يخافنا الناس ولا يأمرونا بالحق. (1/270)
صفحة 271
وأنت في مقام عظيم، قد تطوّقت بأمر جسيم، فشاور المسلمين في أمرك، ولا تستغن برأيك عنهم، وقد أمر الله نبيّه بالمشورة، فقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) ووصف الذين رضي أخلاقهم، فقال: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون). فهذه أخلاق الصالحين وأفعالهم، فمن كان على سبيلهم، فهذا يعرف وبه يوصف، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين وسلّم تسليما. تمّت السيرة المنسوبة إلى أبي المؤثر، الصلت بن خميس –رحمه الله-. (1/271)
صفحة 272
07/سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من بلغه كتابي هذا، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وأوصيكم بتقوى الله العظيم، فإنّها وصيّته، إلى جميع خلقه، فها أمرهم وعليها نبيّهم، وبالتقوى نجا الناجون وفاز الفائزون، والتقوى من الله بمكان، فآثروها على ما سواها، واعتصموا بها، فإنّها ليس بين التقوى وبين الكفر منزلة، كذلك قال الله تبارك وتعالى: (ولقد وصّينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإيّاكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإنّ الله ما في السموات وما في الأرض) فمن لم يكن متّقيا، كان كافرا، فألزموا التقوى، وتمسّكوا بها، وزيّنوها، واعملوا بها تستوجبوا ثوابها، فإنّ الله تبارك وتعالى يقول: (1/272)
صفحة 273
(والعاقبة للمتّقين) وقال: (وجنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتّقين) وقال: (ولنعم دار المتّقين) ثمّ لم تزل منزلتهم تسنى حتّى قال: (المتّقين في جنّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فوهب الله لنا ولكم التقوى، والعمل بها، حتّى نلقى الله بالإسلام، على الوفاء والصدق، منا ومنكم، غير ناكثين ولا مغيّرين، ولا مبدّلين ولا ناقضين، ولا عن ذكر الله غافلين، أمّا بعد، عصمنا الله وإيّاكم من كلّ هلكة، وسلمنا وإيّاكم من كلّ فتنة وبدعة وحدث وضلالة وعمى وشك وحيرة، تورد أهلها النار برحمته، إنّ ربّي سميع الدعاء، وهو القريب المجيب. وصل إليّ كتابكم بسلامتكم، وسلامة من قبلكم، فسرّني ذلك، وحمدت الله على ما ابتلانا وأولانا ولكم، ونسأله الشكر له والزيادة منه، إنّه أرحم الراحمين. ذكرتم أنّه وصل إليكم كتاب من هارون، ذكر أشياء يزعم أنّه فرّق بها، وكذّب عليه فيها، واحتجاجه في الأمور التي خالف فيها فقهاؤكم وعلماؤكم، وأنّكم أحببتم منّي في ذلك بيان وقوّة، وردّ عليه وحجّة. (1/273)
صفحة 274
وذلك أمر يحق عليّ لكم، فاجعل الله بيني وبينكم من إخاء الإسلام والمودّة فيه، وقد أحببت أن لا أدع ذلك، فتغتتمون أو ترون، أنّ ذلك ضعفا وقلّة علم، بما مضى عليه المسلمون، وقد وصل إليّ كتابه وقرأته، وفهمت ما ذكر فيه، أنّي محدث مبتدع، مخالف للمسلمين، تارك لقولهم، وأنّي أحكم على المسلمين، ما لم يكن من قولهم، فيسأله الله عن ذلك، وأحاط به إن كان كاذبا، أنّ الله يعلم أيّنا المخالف المبتدع المحدث، وأنّي أسأل الله أن يبدئ صفحة من خالف المسلمين، وترك قولهم، إلا أن يندم أو يرجع ويتوب، وأعوذ بالله من الكذب على المسلمين، والخلاف لهم، والقول بغير قولهم، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، من كلّ قول خالفتهم فيه، أو تركت فيه آثارهم المخالف لهم غيري، فاسأل الله العافية والسلامة، ممّا ابتلي به هارون ومن يقول بقوله. إخواني، لو كان الأمر الذي حفظته عن الفقهاء، ورويته عنهم، لم يظهر ويعرفه المسلمون، وقد حفظوا مثل الذي حفظت، ورووا مثل ما رويت، لكان أجدر أن يكون لهارون فيه مقال ومدخل، غير أن بيّن ظاهر، وقد خالف المسلمين فيه سلف هارون، الذي يقتدي بهم، ويأخذ عنهم، وقد وجدت في كتابه إليكم بتصديق ما نفى عن نفسه، وزعم أنّه مكذوب عليه، أفرأيتم إن تفهّمتم كتابه، وتدبّرتموه، علمتم أنّه قد صدق عليه، وأنّ كتابه ينقض بعضه بعضا. (1/274)
صفحة 275
ووجدت في كتابه صفة التقوى، وأنّ الله جعل تقواه طاعته فيما أمر به ونهى عنه، ثمّ أثبت اسم التقوى لأهلها بوفائهم له بحقوقهم، وتسليمهم له الطاعة، فالمطيعون لله فيما أمره به ونهاهم عنه المتّقون، وهم أكرم خلقه عليه، وأبغضهم إليه المضيّعون للطاعة، وهم الخارجون من اسم التقوى، وحلّت بهم من الله البراءة، واستحقّوا العقوبة، وهم الذين وصفهم الله، هم شرّ البرية، فقد صدق الله فيما وصف، فأنشدكم الله. هل تعلمون أنّ امرأة ممّن تقول بقولكم: ابتليت وخذلها الله، حتّى شربت نبيذ الحلو، وسقته الشباب، ولعبوا بها وبفرجها، والنظر إليه، واللمس له بالأيدي والفروج، وقضاء الشهوة، حتّى وجب عليهم الغسل، ممّا لعبوا بها، من غير أن يبلغوا موضع الزنا، لا يمنعهم من ذلك، إلا مخافة الحد، وفضيحة الولدان هذه، ومن فعل ذلك بها، أنّهم مضيّعون للطاعة، خارجون من اسم التقوى، أو هو ثابت لهم، لم تزل عنهم، والطاعة لهم ثابتة. وإن فعلوا ذلك بأمّ أو أخت، فليس بينهما منزلة، إمّا أن يكون اسم التقوى والطاعة، قد زال عنهم أم هو ثابت لهم؟ فإن زعم أنّ القوم قد خرجوا من اسم التقوى، وحلّت بهم من الله البراءة، واستحقّوا العقوبة، فقد تمّ على ما كتب به، وصدق فيه قول المسلمين، وإن زعم أنّ القوم، لم يخرجوا من اسم التقوى، بما ضيّعوا من الطاعة، وما ركبوا من المعصية، فهم إذا متّقون، فانظروا عيب ما ذهب فيه، وإن زعم أنّه سلك متحيّر، لا يدري لعلّ اسم التقوى لهم ثابت، فإنّهم متّقون عند الله، فهذا هو الشك والعمى، فنعوذ بالله منهما، وللمسلمين (1/275)
صفحة 276
في ذلك قول نحمله نحن عليه، يقولون: من لم يقرأ القرآن، ويعلم ما قال المسلمون، فيمن فعل هذا، وفيمن يسع جهله للضعيف، الذي لم يقرأ كتاب الله، ولم يعلم ما قال المسلمون، أنّه إذا سأل المسلمين، عمّا جهل عنه، ولم يدر ما يحلّ له، فقال له المسلمون: إنّ هذا الفعل يكفر من فعله، إن علم في ذلك من كتاب الله، أو من قول الفقهاء، أن يقول بقولهم، وإن جهل ذلك، فلم يعمله، وضعف أن يكفره، فعليه أن يقول للمسلمين: أنتم أعلم منّي، وأبصرتم ما لم أبصر، وعرفتم ما لم أعرف، وعلمتم ما لم أعلم، وقويتم وضعفت فرحمكم الله وأنا سائل، وقولي قول المسلمين، وديني دينهم، فإذا قال ذلك، وسعوا له السؤال، إذ تولّوه لولايته إيّاهم، فهارون يزعم أنّه يسعه الشك والوقوف عند فقهاء المسلمين، إذا برؤوا من راكب هذه المعصية، ولو أنّه انتهى في ذلك إلى أبي بكر وعمر، فقالا: إنّه كافر بما ركب من المعصية، وترك من الطاعة، أنّه واسع أن يقف عن أبي بكر وعمر، فأنكرنا ذلك عليه، بما حفظنا عن الربيع بن حبيب، فقيه المسلمين وعالمهم، بعد (1/276)
صفحة 277
أبي عبيدة، وشيوخ من المسلمين بالبصرة، هم كانوا مفزع المسلمين وعالمهم ومسندهم –رحمهم الله-. والذي روي لنا عن جابر بن زيد –رحمه الله- عليه، أنّه سئل ما يسع الناس جهله. فقال: ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولّوه راكبه، أو يبرئوا من العلماء، إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم. وسئل أبو عبيدة عن الشاك، فقال: الشاك هالك والسائل معذور. والشاك هو الذي لا يتولّى أحدا، إلا من شكّ ووقف مثل ما شكّ هو ووقف، لا يتولّى أحدا برئ، ولا أحدا تولّى، وهذه هي الدينونة، من دان بالشك هلك عند المسلمين، وأخبرني الربيع بن حبيب، أنّه سأل أبا عبيدة، عن رجلين جارين له، كان أبو عبيدة يعرفهما، كانا ناسكين، فدعيا إلى الإسلام، فدخلتهما وحشة من عثمان وعلي. قال الربيع: فأخبرت بذلك أبا عبيدة، فقال: لا بأس، أنا يعني نفسه، أخلعهما فيبرأ منّي قوم (1/277)
صفحة 278
على خلعي إيّاها، ما يقولان يا ربيع فيمن خلعني؟ قال: قلت: يقولان: هو مسلم. قال أبو عبيدة: يهلكان؟ قال: قلت: فإن قالا: إنّ من خلعك هالك؟ قال: هما مسلمان، فلم يثبت ولايتهما، حتّى أثبتا ولايته وخلعا من خلعه. وكانت المعتزلة يسألون عن المسلمين، عن الشاك يسع جهله، فيقول لهم المسلمون: الشاك المسلم للمسلمين، الراضي بقولهم، المتولّي لهم مسلم. فهذه قولنا، وديننا وما مضى عليه سلفنا، نور وبيان وهدى، ليس في ديننا شك ولا عمى، نسأل الله لنا ولكم العصمة بالتقوى. وأمّا ما ذكرت في كتابه من أمر عائشة –رحمها الله- وما قال فيها أهل الإفك، ووقوف النبيّ صلى الله عليه وسلم ووقوف أبيها وأمّها، وقوله: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أهلي والله ما علمت منها إلا خيرا». وكذلك نجد في غير هذا الموضع: «ما علمت منها إلا خيرا». فكفى بهذا، ألا يعلم النبيّ منها إلا خيرا، وكيف يقف عن من لا يعلم منه إلا خيرا؟ فقد خصم نفسه والحمد لله. (1/278)
صفحة 279
والعجب منه وجرأته حيث يقول، وقف النبي، كأنّه يريد أن يشبه وقوفه بوقوف النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّما وقف النبيّ انتظار ما يأتيه من الله، وكذلك هو يريد أن ينزل نفسه، وإنّما وقوف هارون جهل وشك وعمى وحيرة، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، وما يأتيه من الله؛ لأنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لا يجهل شيئا، ممّا يعذّب الله عليه، وإنّما يقف من يجهل، فما أبعد قياسه، فليس له في هذا حجّة ولا قوّة، وذكر أمر عمر –رحمه الله- في الشهادة، التي شهد بها عنده، على المغيرة بن شعبة، وأنّه جلّد الثلاثة، ولم يجلّد الرابع، فقد وفّق الله عمر وسدّده للصواب والعدل، وقد أساء الظن بعمر، حيث يزعم أنّه لم يؤدّبه، ولم يستتبه، من تحديد المرأة، وقعوده منها، مقعد الرجل من أهل، فما أقبح ما وصف به عمر، بل علينا أن نحسن الظن به، وبجميع أئمّة المسلمين، ونرى أنّهم يؤدّبون بالضرب والحبس والاستتابة لهم منه، وضربهم عليه وحبسهم فيه، حتّى يعلم منه الندامة والرجوع، وكيف لا يرى أدبه على ما فعله، وهو –رحمه الله- حبس الخطيئة في بيتين من الشعر، أو أقل أو أكثر هجا بهما، رجلا من المسلمين، فحبسه فلم يخرجه حق ضمن له، أنّه لا يهجو أحدا من المسلمين أبدا، فهو يحبس على الهجاء، ولا يؤدّب على ترك طاعة الله وركوب معصية، فمن رمى عمر –رحمه الله- بهذه المنزلة، وظنّ أنّه نهى، فهو عندنا ظالم مبين، والله يلي حسابه. (1/279)
صفحة 280
وقد أخبرني الربيع بن حبيب –رحمه الله- أنّ المغيرة بن شعبة، حيث تلجلج الشاهد الرابع، قال: رأيت تجافيا أقبح ونفسا عاليا .. ولم يقل كما قال الثلاثة، قام المغيرة فقال: الحمد لله الذي برأني ببراءتي فقال له عمر: ويلك فأين براءتك؟ وقد رميت منها بالمقعد الذي رميت به، غير أنّ الحدّ لا يقام إلا بشهادة أربعة، وصدق –رحمه الله- وجزاه عن الإسلام وأهله الجنّة، ولو أوتي بهذه المرأة، ومن فعل بها ما وصفنا، وما وصفنا في كتابنا، ما شك فيها، ولا وقف عنها، وما ليتركها حتّى يؤدّيها بالضرب والحبس، ويستتيبها ممّا صنعت. كذلك يحق على المسلمين، أن يفعلوا ذلك بها، وأن يحسنوا الظن بأئمّتهم؛ لأنّ الجلندي –رحمه الله- كتب إلى أبي عبيدة، وحاجب ومن قبلهما من الفقهاء، في مسائل سألهم عنها فتيا: ما تقولون في رجل وجد على بطن امرأة، ولم يعد ذلك؟ فكتبوا: نرى أن (1/280)
صفحة 281
الإمام يعزرهما، وذلك إلى رأي الإمام في التعزير، ويفضحان ويقامان للناس. فهل تعلمون –رحمكم الله- أنّ هذا يصنع بمسلم؟ فانظروا في دينكم، وإيّاكم والفتنة، فإنّ هذه بلية ابتلى بها أهل الدين، على يدي من ذهب في توسعة الشك والمقام عليه، لا يقبل من المسلمين، ولا يصدّقهم، بل يقف عنهم، ولا يدري ضلال ببراءتهم، من هذه المرأة تقية ولية لله، فما يكون من الشك أقبح ولا أعظم من هذا. ولقد قال شيخ من المعتزلة، اشتهى شباب أصحابك معانقة النساء، فقلت له: مه لا تفعل، فإنّهم لا يعرفون بذلك. فقال لي: فهل رأيت أحدا من أهل الدين يقول بهذا القول؟ أسكتني. فقلت له: فما تقول أنت؟ فقال: إنّها فاسقة. فقلت له: هكذا تقول أصحابك؟ فقال: من لم يقل: إنّها فاسقة، فليس هو منّا بصاحب، فصاروا بلاء وشينا، على المسلمين، فالله نستعين عليهم. وقال هارون في كتابه: لو أنّ رجلا من المسلمين، برئ من هذه المرأة، وسعه ذلك وجاز له. (1/281)
صفحة 282
فانظروا إخواني. هل يجوز هذا وهي امرأة، قد ثبت لها اسم التقوى، عند المسلمين، ونسبوها إليه، وتولّوها عليه، ثمّ أحدثت هذا الحدث، لا يدري زال اسم التقوى عنها برأي، هذا ما لا يحلّ ولا يجوز لأحد أن يزيل اسم التقوى عنها، برأي حتّى يزيله الله، كما أثبته، فمن أثبت له اسم التقوى، فهو ثابت له، حتّى يزيله الله عنه، فمن قال غير هذا، فقد أخطا وخالف المسلمين، فإنّما هي فتنة ابتليتم بها، فدعوها ومن جابها، وعليكم ودينكم الذي دعيتم إليه، فتمسّكوا به زيّنوه، كما زيّنه الله به، فإنّ فيه شفاء ونورا، وضياء صافيا، لا كدر فيه ولا عيب، فاهتدوا إخواني بهدى الله، فإنّ الله يقول: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه). ولو كان أحد ينبغي له أن يزعم، ويجوز له الشك، لكان عبد الله بن عمر، لمنزلته ونسكه وعبادته، ومكان أبيه –رحمه الله-، وفيمن شكّ، إنّما أدخلته الوحشة والشك، أنّهم أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم وأهل الوحي والتنزيل والقرابة القريبة من الحبيب محمّد صلى الله عليه وسلم والصهر والمنزلة العظيمة، فقال: أراهم قد صنعوا أشياء بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم فشكّ فيهم وكفّ عنهم، فلم يقبل ذلك المسلمون منه، وألزموه الشك، وقالوا: أوّل من وضع الشك ابن عمر وخلعوه، وليس له عندهم ذنب غيره. (1/282)
صفحة 283
فلو أنّ المسلمين يجوّزونه لأحد، لأجازوا لابن عمر، فانظروا فقد تبيّن لكم كيف يجوّزون –رحمكم الله- ديني دين المسلمين، وأنا سائل. وقد زعم هارون في كتابه، أنّه لا يبرئ ولا يكفّر، إلا من ركب معصية، توجب عليه حدا، في الدنيا، وعذابا في الآخرة. فما تقولون أنتم فيمن باع حرّة، أو اشتراها متعمّدا، وهو يعلم ذلك، أو أكل لحم خنزير، من غير اضطرار متعمّدا، وهو يعلم أنّه لحم خنزير، أو ترك صوم شهر رمضان متعمّدا، أو هدم الكعبة البيت الحرام متعمّدا، وكلّهم يقول: أنا أعلم أنّ هذا الذي فعلت عليّ حرام، غير أنّي أشتهيه. هل تعلمون يا معاشر المسلمين، أنّ الذين مضوا، كانوا يتّقون عن أهل هذه المنزلة، ويبرؤون منهم حتّى يتوبوا. بل نعلم والحمد لله، أنا على نور الإسلام، أنّهم كانوا يبرؤون منهم، ولا يتّقون عنهم، ونحن لهم تبع راضون بقولهم، نسلك سبيلهم، ونطأ آثارهم، ونقول بقولهم، فنسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق، فإنّه من لم يتّق لم يعط الوفاء، ونحن لا نجد في القرآن، على أهل هذه المنزلة، حدّا في الدنيا، ولا عقوبة مسمّاة، غير أنّ المسلمين، قد علموا أنّ ما أشبه الكبير أو قاربه، فالكبير أولى به، وأنزلوه بمنزلته. وكذلك أنّهم رأوا في الكتاب المنزّل، أنّه يقول: (ولي للمطفّفين) ولم يوقّت في ذلك، كما هو وما مثله (1/283)
صفحة 284
فنحن نعلم هدى الله ونوره، أنّ من لزمه الويل، لم يلزمه إلا بكفر، وما ركب هؤلاء الذين وصفت أعظم من التطفيف، فنحن والحمد لله، نعلم إذا عذّب قوم على شيء منهم، من هو أعظم جرما، وقال الله: (يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). فنحن نعلم والحمد لله، أنّ من حبط عمله، فليس بمسلم، وأكل لحم الخنزير، وهدم بيت الله الحرام، أعظم جرما، ممّن رفع الصوت على النبي –عليه السلام-، ومن نزع الحجر الأسود، ووضع مكانه غيره، فما عليه من الجزاء والعقوبة، وأشباه هذا كثير، قال الله: (والذين اتّخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) فقد سمّاهم الله بالكفر، ولم يوجب عليهم حدّا في الدنيا، وصيرهم منافقين، وذلك أنّهم أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنّا قد عملنا مسجدا لليلة الشاتية، والشيخ الكبير، الذي لا يقدر أن يأتيك فيصلّي معك، فنحن نريد أن تأتينا، فتصلّي فيه، صلّى الله عليك، فقال لهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: إنّي على حال شغل وجناح سفر، ولو قد قدمت إن شاء الله، قد صلّيت فيه إن شاء الله، فأتاهم الوحي، أنّهم كذبة بما قالوا، وأنّهم أرادوا به غير ما قالوا، فأبدى الله صفحتهم، وأظهر عورتهم، وأمره ألا يقوم فيه أبدا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج منه أهله وأن يحرق، ففعل ذلك المسلمون، ففي القرآن هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، وإنّما هذه فتنة، فأبصروا فإن (1/284)
صفحة 285
العبد الصالح، قال لقومه: إنّما فتنتم به. وقال موسى مخاطبا ربّه: (إن هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء) وقال الله تعالى: (لا يفتننّكم الشيطان) إنّه لكم عدوّ مبين، فاتقوا الله يا معاشر المسلمين، فما لعمري ما نرى أنّ أحدا من المسلمين، يخفى عليه قول أهل الدين والعلماء والفقهاء، الذين قد مضوا لسبيلهم –رحمهم الله- وجزاهم عن الإسلام خيرا؛ لأنّهم قد دعوا إلى الحق وبيّنوه، وأوضحوه سبيله، وبيّنوا حلالهم وحرامه، ووليّهم وعدوّهم، ومن يكفون عنه، وذلك من لا يعرفون بإيمان ولا كفر، حتّى جنائز تمر بهم، لا يعرفون أهلها، وأهل منى وعرفات، والطائفين بالبيت الحرام، فدينهم الكف عنهم، حتّى يعرفوا الولي منهم والعدو، فهذا دينهم وديننا من بعدهم، نسأل الله أن يجعلنا من بعدهم خلفا، أمّا القول منّا، فهو لهم والحمد لله، وأمّا الفعل فنحن أهل التقصير والتواني والتضييع، إن لم يعف الله عنا. وذكر هارون في كتابه إليكم، أنّ الذنوب عنده ثلاثة: فذنب يكفر به من ركبه، وذنب لا يدري، أيكفر به أم لا، فيقف عن أهله فيه، ويقف عمّن برئ من أهله، فأراه قد نصب الوقوف، حيث زعم أنّه لا يتولّى، إلا من وقف مثل وقوفه، وقال مثل قوله، في أهل ذلك الذنب، الذي لا يدري ما بلغ بأهله، وأنّ من يرى برأي، فواسع له، إذا قال: ديني دين (1/285)
صفحة 286
المسلمين أبدا. وإن قال ذلك أبو بكر وعمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله أن يقف عنهم، حتّى يعلم هو أنّهم قد صدقوا، أو يقول له ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: جميع المسلمين حجّة، فأبى ذلك عليه فقهاء المسلمين، وقالوا: إذا أتاك بفعل منهم، فإن لم يقبل منهم، فهو هالك. وقال: ذنب يعفو الله عنه. فإن قال: إنّ عليهم فيه التوبة، بالتوبة يعفو الله عن الذنوب، فقد صدق وقال: بقولنا وقول المسلمين. وإن قال: مغفور بلا توبة، فقد كذّب؛ لأنّ الله تبارك وتعالى، يقول: (زينتهنّ وتوبوا إلى الله جمعيا أيّها المؤمنون لعلّكم تفلحون). فعلى الخلق التوبة من كلّ صغيرة وكبيرة، فمن دين المسلمين، أنّه لا كبيرة مع توبة، ولا صغيرة لمن أقام من الناس، على صغيرة فهو هالك، والذنب على منزلتين، فذنب يهلك به صاحبه، عند المباشرة والمواقعة، وذنب يهلك به صاحبه، بترك التوبة منه والمقام عليه، هذا ما حفظنا وسمعنا، ليس كما يصف هارون، فإنّه ليس له سلف يقتدي بهم، ولا يؤخذ عنهم، فإن رمى به أحدا من المسلمين، ليوثق بهم، لم يقبل ذلك منه عليهم، وذكر الجمعة والعطاء، وأنّي أروي عليه، أنّ الجمعة حرام عند أئمّة قومنا والعطاء، ولست أروي عليه أنّه حرّمها، غير أنّي أزعم أنّه يقول: قد جمع المسلمون (1/286)
صفحة 287
خلف أئمّة قومنا، ولم يختلفوا فيها، فزعم أنّه يجوز لهم ما فعلوا، وقد أدّى فريضة، وأنّ الرجل لم يجمع وتنزّه فهو أفضل، وكذلك أيضا قال في العطاء: إنّ من أخذه فجائز له، ومن تنزّه فهو أفضل، فهذا خلاف منه لقول المسلمين قبله، وترك ما مضى عليه أوائل المسلمين وسلفهم الموثوق بهم، المأخوذ عنهم، المقتدى بهم من الأئمّة والفقهاء، الذين مضوا على سبيل الهدى، ومنهاج المؤمنين، ليس بينهم اختلاف ولا تنازع، أنّ الجمعة خلف أئمّة قومهم فريضة، يرغبون فيها ويسارعون إليها، ويعظّمونها بالاغتسال، ولبوس ما حسن من الثياب والطيب، تعظيما لها، ورجاء لثواب الله عليها، وقد بلغنا أنّ أهل عمان، كتبوا إلى جابر بن زيد، يسألونه. هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر بن زيد، يسألونه: هل يأتي الجمعة، من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر بن زيد، لو لم يأت الجمعة، إلا من يسمع النداء، لقلّ أهلها، تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله، فعليه الجمعة. وبلغنا عن جابر بن زيد –رحمه الله- أنّه خرج يوما يريد الجمعة، فتلقّاه الناس منصرفين، فشق ذلك عليه يومئذ، وقال: اللّهم لك عليّ ألا أعود، وكان يجمع خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجّاج، وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين، ما لم يبلغه أحد من الناس، وقد كان الحجّاج، ربّما أخّر صلاة الجمعة، حتّى يصلّى الظهر والمغرب، في مقام واحد، ممّا يؤخّرها ويمسي بها، فلمّا هلك الحجاج، وصلّيت لوقتها قال صحار –رحمه الله- (1/287)
صفحة 288
وكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم، وهو معلّم أبي عبيدة الأكبر –رحمهم الله جميعا- بلغنا أنّه قال: الحمد لله الذي ردّ علينا جمعتنا، لو كانت الجمعة بخراسان، لكانت أهلا أن تؤتى، وكان ضمام بن السائب، وصالح الدهان، وأبو نوح، ونظراؤهم من فقهاء المسلمين ومشائخهم، إذا اشتدّ الحر عليهم في شهر رمضان بالبصرة، ركبوا السفن، لبعد منازلهم، حتّى يأتوا المسجد الحرام الجامع، فيجتمعوا به، ثمّ يرجعوا بالعشاء مشاة إلى منازلهم، وأخبرنا قرّة بن عمر الأزرق –رحمه الله-، وكان حبرا فاضلا، أنّهم تهيّؤوا للخروج إلى مكّة، حجّاجا لثمان بقين من ذي القعدة، بحاجب بن مسلم –رحمه الله- وهو يريد الخروج معهم، وذلك غداة الجمعة. فقال لهم: إنّ في نفسي من الجمعة لحاجة. فقال له أصحابه: رحمك الله، ذهبت الأيّام ونخاف الفوت. فقال لهم: أمضوا أنتم وتخلف هو عنهم، حتّى جمع، ثمّ خرج فلحقهم بموضع يقال له: الوبيل (مرحلتين من البصرة) كراهية لتركها، ورغبة في إتيانها، فانظروا –رحمكم الله-، أترون هذا حسنا مستقيما، أن يكون هارون هو المحق؟ أو جابر بن زيد وأبو بلال وضمام وصالح وأبو نوح وأبو عبيدة وحاجب، ومن فعل، وهم الفقهاء والعلماء، والمأخوذ عنهم والموثوق بهم، وأنّه خلافهم وصنيعه غير صنيعهم .. سبحان الله، ما أقبح هذا الخطأ، فانظروا إن كان لكم بصر، وإلا اقبلوا منّي، فوالله إنّي لناصح لكم، أحبّ رشدكم وما أخبرتكم إلا بقول المسلمين، وسمّيت لكم الربيع وعبد الملك الطويل والمعتمر وعمّار وأبا طاهر وأبا المضاء وأبا جمير وقرّة بن عمر والذبال بن يزيد، وعلمائهم الذين كانت الأمور تنتهي إليهم، بعد أبي عبيدة –رحمه الله-، وحاجب وشيوخ المسلمين، قد أدركوا الناس، وحفظوا عنهم، وعرفوا آثارهم وحفظنا ذلك عنهم، نسأل الله التمسّك بالحق والدعاء إليه (1/288)
صفحة 289
والرغبة فيه، والتزين له، والذب عنه، ما أبقانا برحمته، فإنّه لا ينال ذلك، إلا بالله ومنّه، وذكرتم في كتابه، الأمر الذي ذهب فيه، وتشريك من شرك، فزعم أنّي رويت عليه، أنّه شرك أهل القبلة، وأنّه لا يشرك أهل القبلة، فلو ثبت على هذا، كان قد أحسن وأصاب، غير أنّه يزعم في كتابه، أنّ أهل الكبائر من قومنا، ضلال منافقون، برّاء من الشرك، يحكم فيهم بحكم أهل القبلة، وأنّ أهل القبلة، وأنّ من قال: إنّ الله تعالى: (عمّا يقول الظالمون) ويصفه به الواصفون، أنّه تجلّى للجبل، وأنّه له نفس غير ما عنى الله، وعنى المسلمون، فلم نتوهّم في ذلك شيئا، أنّهم ليسوا بمشركين، وأنّه من وصفه وتأوّل في صفته، وكان معناه وتأويله غير تأويل المسلمين أنّه مشرك، والحكم فيه، إذا دان بذلك فقاتل عليه، أن يقاتل، وإن قتل سبي ذرّيته، وغنم ماله، فهذا حكم آخر، غير حكم أهل الكبائر، فصير قومنا صنفين، والحكم فيهم حكمين، وكلّهم يصلون إلى البيت الحرام، ويحجّون إليه، ويعتمرون ويصومون جميعا شهر رمضان، ويشهدون جميعا بالجملة، التي دعا إليها النبيّ صلى الله عليه وسلم من الإقرار بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكانوا بها عنده مقرّين، خارجين من الشرك، برّاء من التكذيب والجحود والإنكار، داخلين في جملة المقرّين، يأخذ منهم ما يأخذ من المقرّين الموحّدين، ولحكم نبيّ الله –عليه السلام- بحكمه على المقرّين، يستحلّ منهم من أحلّ الله من المقرّين، من المناكحة والموارثة، وأكل الذبائح والقصاص، وجميع الحقوق التي تجري بين أهل الإقرار (1/289)
صفحة 290
فزعم هارون أنّهم عنده صنفان، فصنف موحّدون، وصنف مشركون، خلافا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى من كان بعده من فقهاء المسلمين وأئمّتهم، وذلك بأنّ الله يقول في كتابه: (قولوا آمنّا وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما هم في شقاق) فمن أقرّ بهذه الآيات، خرج من الشرك، ونفى عنه الإنكار والتكذيب والجحود، وصار من المقرّين الموحّدين، لا يرجع إلى منزلة أهل الشرك، إلا بالتولّي عمّا أقرّ به من الوحدانية؛ لأنّه قد أقرّ بما أقرّ به الموحّدون، من وفى في إقراره لله، بطاعته واجتناب محارمه، فهو مسلم له، ما للمسلمين، عليه ما على المسلمين، ومن قصّر في إقراره، وركب محارم الله، وتأوّل القرآن، على غير تأويله، وحرّفه على غير مواضعه، صار بذلك منافقا كافرا بريئا من الإيمان وثوابه، وبريئا من الشرك وأحكامه، بمنزلة من وصف من أهل الإقرار، حيث قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فلم يردّهم ذلك إلى الشرك، ولم يثبت لهم الإيمان فقال: (مذبذبين (1/290)
صفحة 291
بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) يعني لا إلى المؤمنين في الاسم والثواب، ولا إلى المشركين في الاسم والحكم، خرجوا من الشرك بالإقرار، ولم يثبت لهم الإيمان بترك الوفاء بالطاعة، وقد نحلوا الله تبارك وتعالى، الكذب ووصفوه به، والله تعالى، بريء ممّا وصفوه به، فبرأ منهم، إذا وصفوه بالكذب، ولم ينسبهم بذلك إلى الشرك، وإن كانوا عظموا الفرى، والقول على الله بغير الحق، إذ وصفوه بالكذب، فانظروا ممّن وصف الله، سمّاهم منافقين، وقد سمّت الخوارج كلّها أهل قبلتنا بالشرك، وتأوّلوا في ذلك القرآن، وقالوا: نجد ذلك في كتاب الله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين) يعني بذلك، ألا تطيعوه، فمن أطاعه، فقد عبده، ومن عبده فقد أشرك، وقالوا: قال الله: (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذّب وتولّى) وقالوا: الناس صنفان: مشركون ومؤمنون. فأبى ذلك المسلمون عليهم، وحاجوهم بالقرآن، فقال المسلمون: أخبرونا عن هؤلاء، الذين وصفهم الله في القرآن فقال: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) ما هم؟ قالوا: مشركون. (1/291)
صفحة 292
قال لهم المسلمون: لو كانوا مشركين، لسمّاهم الله بالشرك بإقرارهم، وحجّة المسلمين واضحة، على غيرهم من كتاب الله؛ لأنّهم لو كانوا مشركين، ما حلّ أكل ذبائحهم، ولا جرت المواريث بينهم وبين المسلمين، ولا تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحجّون؛ لأنّ الله قال: (إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) فليس بين المسلمين والحمد لله اختلاف، وأنّ جميع قولنا، ممّن يقرّ بشهادة، أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بجميع ما جاء من الله، أنّهم مقرّون، وأنّهم بإقرارهم خارجون من الشرك؛ لأنّ الشرك، لا يكون إلا إنكارا، وتكذيبا وجحودا، والتوحيد إقرار وتوحيد. الجهمية عليهم لعنة الله، فإنّهم أشركوا من وصف الله، وكذّبوا في صفته، فأخذ منهم هارون وتعلّمه، وأعجب به ودان به، فلمّا عيّب عليه ذلك، طلب المخرج ممّا وقع فيه، فشنع بمن وصف ذلك، وحرفه عليهم، وزعم في كتابه، أنّه لا يشرك، إلا من بعّضه وجسده، وشبّهه بالمخلوقين، ولم نسمع أحدا من أهل الصلاة، يبلغ ما ذكر هارون عنهم، وإنّما ذلك من هارون، رجاء أن يجوز للمسلمين له تسميتهم بالشرك، وأن يحكم عليهم زعم بأحكام أهل الشرك، فلم يجبه المسلمون إلى ذلك، بل أنكروه عليه، وخالفوه (1/292)
صفحة 293
فيه؛ لأنّ الذين رماهم هارون بهذه الصفة، إذا قيل لهم: لله شبيه، أو مثل أو نظير أو عدل أو ند أو ضد. قالوا: معاذ الله، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، وليس له شبيه ولا مثل ولا نظير ولا عدل ولا ند ولا ضد، فإن زعم أنّ له شيئا من هذه الأشياء، فهو مشرك، فكيف يكون أهل هذا القول مشركين. وإن كان الذي وصفوا وقالوا: عندنا قول عظيم، غير من أقرّ للمسلمين بجملة التوحيد والقرآن، ثمّ تأوّل أو احتجّ به، فليس بمشرك عند المسلمين، إنّما هو كاذب مفتر على الله، والله بريء ممّا وصفوه به، وزعم هارون فيما روي من قوله: إنّه إنّما شركهم؛ لأنّهم كذّبوا في صفتهم، التي وصفوا بها؛ ولأنّهم قصدوا بعبادتهم، إلى الذين يزعمون، أنّهم مشركون حلال سبيهم وغنيمة أموالهم، وهم يشهون بما شهد به هارون، أنّه الله الواحد الأحد الصمد، ويصلّون حيث صلّى، ويطوفون حيث يطوف، ويحجّون حيث يحج، ويصومون الشهر الذي يصومه، فسباهم من مكّة، وهم يطوفون بيت الله، ويغنمون أموالهم، هذا والله الخلاف لدين الله ودين المسلمين، وما هذا إلا برأي الأزارقة والصفرية، ونذكركم الله معشر المسلمين، لما تدبّرتم قوله، فإنّه قد خالف المسلمين، وقد زعم هارون أنّه قد برئ من الإله، الذي قصد إليه هؤلاء الفسقة، بهذه الصفة. (1/293)
صفحة 294
قلنا له: إن أقرّ القوم بالربوبية لله، وقصدوا بها إليه، حيث واحد صمد، ونفوا عنه الأضداد والأنداد والشبه والمثل والنظير، ثمّ قصدوا إليه بصفة كذبوا عليه فيها، ولو كان ذلك منهم صدقا، لكانوا مسلمين، غير أنّهم كذبة مفترون، فيكذّبهم وافترائهم على الله، كفروا وضلّوا، ولو كان ما وصفت أعداء الله، إنّما قصدوا به إلى مخلوق مثلهم، لم يكفروا به؛ لأنّهم قد قصدوا وصفهم إيّاه، فزعم هارون أنّه برئ من الإله، الذي قصدوا إليه بهذه الصفة، فهذا قول عظيم جدّا. وقال إبراهيم –عليه السلام- لأبيه وقومه: (إنّي بريء ممّا تعبدون إلا الذي فطرني فإنّه سيهديني) وكذلك نحن نقول كقول إبراهيم –عليه السلام-، نحن برّاء ممّا وصفوه به إيّاه، نعبد وبه نستعين، وعليه نتوكّل، وهو ربّنا وربّ العرش العظيم، ويقول هارون: إنّما أشرك القوم؛ لأنّهم قصدوا بعبادتهم إلى الله، الذي وصفوا؛ لأنّهم كذّبوا في صفتهم، وكذلك ينبغي أن يكون من وصف الله بغير صفته، وكذب في صفته، وقصد بعبادته، إلى الذي وصف أن يكون عند هارون مشركا. فإن قال ذلك، فالقدرية قد وصفوا الله بصفة هو منها برئ، وهم كذبة على الله، مفترون عليه حيث يقولون: إنّ الله أراد فلم يكن ما أراد، فلا يكون هذا في القياس، إلا عجزا ممّن وصفه بالعجز، وعند الذين وصفوه بالعجز. هل يكون هذا عندكم مشركا؟ ووصفه إيّاه بالعجز كذب وافتراء على الله، غير أنّه يقصد بعبادته إليه. وكذلك المرجئة حيث وصفت الله، أنّه (1/294)
صفحة 295
يعذّب أولياءه، فهذ وصف الله عندكم بصفة، هو منها بريء، وكذب على الله، وافتراء على الله، ثمّ قصد بعبادته إلى الذي وصف. أفترون هذا عابدا لله أو عابدا لغيره؟ وأنتم تبرؤون الله من تلك الصفة، وتصفونه بغيرها. فما ترونه عند الذي وصفتم، والذي وصفوا، غير الذي وصفتم، وهو غير الله، وهو عند هارون، إذا ينبغي أن يكون يعبد غير الله. وكذلك الخوارج، حيث زعمت أنّ الله أمرهم، وفرض عليهم أن يسمّوه مشركا حلال دمه، وسبي ذريته وغنيمة ماله، وجميع المسلمين، لمنزلته عندهم، أفترونهم قد صدقوا على الله، أم كذبوا عليه، وهم يقصدون بعبادتهم إلى هذا الرب، الذي يزعمون أنّه أمرهم بهذا فيكم، وأحلّه لهم منكم. أفهارون يعبد ربّا سمّاه مشركا في كتابه؟ وأحلّ دمه وماله وذريته؟ أو يعبد ربّا حرّم الله ذلك منه؟ أفتكون الخوارج قد عبدت ربّا، غير الذي عبد هارون، فهم إذا مشركون. وكذلك جميع أصناف أهل الصلاة، ينبغي أن نسمّيهم بالشرك؛ لأنّه تعبّد غير الذي تصفون. فاتقوا الله معشر المسلمين، وانظروا دينكم، ولا يلبسه عليكم أهل اللبس والخلاف، لقد أخبرني شيخ من المسلمين، عن أمّها أنّها قالت: كان المتكلّم من المسلمين، يقول في مجالس الذكر، قبل خروج نافع بن الأزرق: أبصروا دينكم وتعلّموا دينكم، فيبكون ما (1/295)
صفحة 296
بقي المتكلّم يقول: أبصروا دينكم وتعلّموا دينكم، وأبصروا فقد أبصرناه وتعلّمناه. قال: قالت: حتّى أحدث نافع بن الأزرق، ما أحدث من تسمية الشرك، واستحلال السبي والغنيمة، وقطع عذر القاعد، الذي لم يخرج معه، فثبت أهل العلم والبصائر، وهلك من تبعه. وكانت المحكّمة واحد، لو حكم رجل من المغرب، تولاه من كان منهم بالمشرق، ولو حكم بالمشرق تولاه من كان بالمغرب. فلمّا خرج نافع بن الأزرق، وتسمّى بالشرك، وقطع عذر القاعد، واستحلّ في الدار التي خرج إليها، ما لم يكن يستحلّ في الدار، التي خرج منها، واستحلّ السبي والغنيمة، خلعه المسلمون وبرئوا منه، ولم يشهدوا عليه بالشرك، كما شهد عليهم به، وزعم هارون، أنّي أزعم أنّ المتناول في النبي صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنّ المتأوّل في الله، ليس بمشرك، فانظروا في قوله وقولي، وأنّ محمّدا رسول، ثمّ قال: ليس هو الذي يقولون، فهذا إنكار لمحمّد، وإنكار لنبوته؛ لأنّه إذا قال هو غير هذا، فقد جحد (1/296)
صفحة 297
وأنكر، وتكذيب لمحمّد، فمن جحد أو كذّب أو أنكر محمّدا، فهو مشرك، وليس هذا تأويل، إنّما هو إنكار منه، أن يكون محمّد رسول الله، فالمقرّ بمحمّد إذا لم يقر، أنّه الذي يعني في الطول والجسم واللون، أن يكون مشركا، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، يرفع من نسبه، غير مخالف للمسلمين فيه، يقول: هو الذي يعنون، لا يذهب في معناه إلى غيره، فمن أقرّ أنّه رسول الله حقّا، وأنّه خاتم النبيئين، ثمّ وصفه بغير ما انتهى إلينا، من صفة جسمه ولونه. هل يكون بذلك منكرا له، غير عارف به ولا مقر به؟ ويكون منكرا له جاحدا به؟ والمتأوّل في الله أعظم جرما، وهذا الواصف عدوّ الله، قد أقرّ بجملة ما أقرّ بها المؤمنون، ثمّ تأوّل القرآن، فقال: إنّي أجد في القرآن، أنّه: (وجاء ربّك والملك صفّا صفّا) و (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) و (وقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) و (إنّني معكما أسمع وأرى) وقوله لموسى: إنّي أنا الله ربّ العالمين (إنّي أنا ربّك) وأشياء في القرآن، وتأوّل ذلك عليه، غير تأويل المسلمين، غير أنّه مقر لا شبيه له ولا نظير ولا عدل له ولا ند ولا ضد، ينفي عنه هذه الأشياء، فهو مقر عندنا، حكمنا فيه حكم المقرّين، فمن قال: إنّ له (1/297)
صفحة 298
شبيه أو مثل أو نظير، فهو بهذا مشرك، فقد زعم في كتابه، أنّي أشرك من تأوّل في محمّد، ولا أشرك من تأوّل في الله، فقد تأوّل في الله، فمن تأوّل في الله، بما يعلم أنّه جاحد لله، أو منكر له، أو مكذّب له، فهو مشرك، ومن تأوّل، فلم يبلغ به تأويله جحود، ولا إنكار ولا تكذيب لله ولا ملائكته، ولا كتبه ولا اليوم الآخر، شهدنا عليه بالكفر والضلال والنفاق، وحكنا عليه بأحكام أهل قبلتنا، كما يحكم فيهم المسلمون قبلنا، لا نسمّيهم مشركين، ولا نستحلّ منهم سبي ولا غنيمة، بذلك جرت السنّة فيهم، ومضى السلف الصالح من أئمّة المسلمين عليه، وقاتلوا حتّى يفيئوا إلى أمر الله، كما قال الله تبارك وتعالى. هذا قولنا وقول من مضى من المسلمين –رحمهم الله-: مرداس بن أبي بلال، وعبد الله بن يحيى، والمختار بن عوف، والجلندي بن مسعود، وهم سلفنا وأولياؤنا وأئمّتنا، فقد دعونا وأدبونا ودلّونا على الطريق والسبل من المنهاج المبين، الذي فيه النور، فرحمهم الله ورضي عنهم، وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا، فنسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق، غير محدثين ولا مبدلين، ولا مخالفين الإسلام القديم، حتّى يجمع بيننا وبينهم، في جنّات النعيم. وقيل لأبي عبيدة: إنّ مقاتل، وكان من علماء قومنا، يقول: إنّ الله خلق آدم على صورته فقال: كذب مقاتل ولم يسمّه بالشرك، ولا نسبه إليه، فقولي قول أبي عبيدة –رحمه الله- (1/298)
صفحة 299
وقد أقرّ هارون في كتابه، أنّه ليس من دين المسلمين تشريك أهل القبلة، وأنّه لا شرك في أهل قبلتنا، وأنّهم موحّدون غير خارجين من التوحيد، فقد صدق هذا قول المسلمين، فليخبرونا عن الذين شهدوا عليهم بالشرك، وسمّاهم به ودان به فيهم، أين قبلتهم؟ وإلى أين يصلون؟ وأيّ شهر يصومون؟ فإنّه يعلم أنّهم لا يصلون إلا إلى البيت الحرام، ولا يصومون إلا شهر رمضان، فإن كان دينه دين المسلمين، فلا يسمّيهم بالشرك، وإلا فلا يكذبن إذا رويت عليه، أنّه سمّى أهل القبلة بالشرك .. فليظهر للمسلمين، ولا ينفيه عن نفسه، ولا يكذّب من رواه عليه وليصدّقه .. وما تقول في ذبائحهم ومناكحهم .. أخلال مناكحتهم وذبائحهم، وهم مشركون؟ وحرام إذا كان معهم في التقية. هل يجوز ذلك منهم لمن عرفهم؟ فقد بيّنت وفسّرت قول المسلمين، وأخبرتكم بحفظي عنهم، وطوّلت عليكم، ورددت كلامي لتفهموه، فانظروا فيه وتدبّروا واعرضوا على كتاب الله، واجمعوا بينه وبين ما عندكم من سنن المسلمين وكتبهم، فإن وجدتم أحدا من المسلمين، ينسب أهل الصلاة من أهل القبلة المصلّين إلى البيت الحرام إلى شرك، أو حكم عليهم وفيهم بالسبي والغنيمة، وإلا فاعرضوا من الموافق لهم ومن المختلف. انظروا في سيرة هلال بن عطية، وكتب جابر بن زيد، وكتب خلف بن زياد، وما وضع المسلمون من سيرهم وأحكامهم، فقد أثروا وبيّنوا ونصحوا، فرحمهم الله. وقد بلغنا عن عبد الله بن مسعود –رحمه الله- أنّه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. (1/299)
صفحة 300
فإنّكم إن أصبتم، فقد سبقتم سبقا بيّنا، وإن أخطأتم، فقد ضللتم ضلالا مبينا، فعصمنا الله وإيّاكم، من كلّ فتنة وشبهة وخلاف وبدعة، برحمته إنّه أرحم الراحمين. أخبرني الربيع، أنّ أبا عبيدة قال: لعن الله المحدثة. زعموا لو أنّ امرأة منهم طافت بالبيت في خامة رقيقة، لا تواري جسدها، ولا وجهها، أنّها مسلمة عندهم. أفترون –رحمكم الله- أنّ أبا عبيدة –رحمه الله- لعنهم على ولايتهم إيّاها، وهو يقف عنها، ويقول: لا أدري لعلّها مسلمة، بل الدليل عندنا على أنّها كافرة عنده، لعنه إيّاها، ولا تحلّ الولاية لها، وهارون يزعم أنّه يقف عمّن تولاها، وعمّن برئ منها، ولابدّ أن يكون أبو عبيدة هو المخطئ، وهارون هو المصيب، أو هارون هو المخطئ وأبو عبيدة المصيب. بل نعلم، والحمد لله، أنّ أبا عبيدة عندنا أولى بالصواب وأحقّ به، إنّما يتّبع هارون القياس، وليس في دين المسلمين قياس، إنّما هو كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم وآثار المسلمين، نتّبع ويؤخذ بها ويقتدى بها، وكان أبو عبيدة يقول: من ذهب في القياس ذهب في الدمار، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم، لا يزلّكم الشيطان فقد أزلّ، من كان قبلكم، فإنّما هي فتنة نصبها الشيطان لهذا الرجل، فخدعه حتّى قيل في هذ القول من الجهمية الفسقة، المفارقين للمسلمين، المخالفين عليهم، لعنة الله وغضبه، وحكم فيهم بأحكام الصفرية؛ لأنّه حيث سمّاهم بالشرك، لم يجد بدا، أن يحكم فيهم بأحكام أهل الشرك من القتل، والسبي والغنيمة، وهم أهل القرآن، القرّاء له، المتأوّلون فيه، لم يرضوا إلا بقراءته، وبتتبع حروفه، والقراءة والحفظ له، حتّى تعلموا تفسيره، فقاموا به الليل وتهجّدوا به، ويكون عند ذكر الله، الثواب والعقاب. (1/300)
صفحة 301
وأنا أنشدكم الله. هل تعلمون أنّ اليهود، ينسبون إلى التوراة، لإقرارهم بها، وأنّ النصارى ينسبون إلى الإنجيل لإقرارهم به، وينسبون في الصلاة إلى الصليب؛ لأنّهم جعلوه بين أيديهم، وصلاتهم إلى الشرق؛ لأنّهم وجّهوا وجوههم إليه، فالمشرق والصليب قبلتهم به، يقرّون وإليه ينسبون، وأنّ اليهود توجّهوا بصلاتهم إلى بيت المقدس، فيه يعرفون وإليه ينسبون. فأخبرونا إلى من ينسب هؤلاء، الذين سمّيناهم بالشرك. هل لهم كتاب غير القرآن، ننسبهم إليه؟ أو قبلة غير القبلة، ننسبهم إليها؟ فليتّق الله خصمنا ولنصفنا. هل علمتم أنّ أحدا من المشركين، ينسب إلى القرآن، بكون القرآن، ينسبون إليه، أو تكون القبلة هي قبلتهم، ينسبون إليها. فإن زعموا أنّهم ليسوا بأهل القرآن، ولا أهل القبلة، قيل لهم: لم؟ فإن قال: لأنّهم يقرّون بالقرآن، ويصلون إلى البيت الحرام. وإن قال: ليسوا من أهل ثواب القرآن، فقد صدق، وقد نسب إلى القرآن من ليس له من ثوابه شيء، بل عليه عقاب القول، وليس من أقرّ بالقرآن مشرك؛ لأنّه بإقراره بالقرآن، خرج من المشرك، ولا يرجع الشرك أبدا، أو يرجع عمّا أقرّ به من القرآن، فأبصروا دينكم واعرفوه وتعلمون وذبّوا عنه، وزيّنوا بما زيّنه الله، فإنّه سبيل واضح الطريق، منهج نور وهدى، فإنّا لا نقدر أن نفسّر لكم جميع حجج المسلمين، وقراءة القرآن، وتبيانه يطول ذلك علينا، وفي هذا إبلاغ، وأنا أقول كما قال العبد الصالح: ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وعليه فليتوكّل المتوكّلون، وتذكّروا –رحمكم الله-: (إنّما يتذكّر أولوا الألباب). (1/301)
صفحة 302
وقال الله تبارك وتعالى: (فذكّر إن نفعت الذكرى سيذّكر من يخشى) وقال: (وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين) قد اجتهدت جهدي، ونصحت لكم، وأبهجت سبيل المؤمنين وقولهم، وبيّنت وأوضحت طريقتكم، فاتبعوا إخواني ولا تبتدعوا، فقد كفيتم وأثر لكم أوائلكم أثرا، فإنّه لا يهلك إلا من خالف المؤمنين، وترك سبيلهم؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه، عمّن يتّبع غير سبيل المؤمنين: (ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا). تمّت السيرة سيرة محبوب. (1/302)
صفحة 303
08/هذه سيرة محبوب بن الرحيل، إلى أهل حضرة موت، في أمر هارون بن اليمان
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، العزيز الجبّار، والواحد القهّار، الذي علا فقدّر، والذي ملك فقهّر، والذي شاء فجبر، والذي كان عرشه على الماء، إذ لم تكن سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ولا قمر يسري، ولا نجم يجري، ولا جبل مرسي، ولا سحاب منشأ، ولا صوت يسمع، ولا دين يتّبع، ذلك الله الذي أحاط بكلّ شيء علما، وأحصى كلّ شيء عددا، وأتقن (خلق السموات والأرض) ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار، وهو اللطيف الخبير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، هو الله الذي لا إله إلا هو، الحي القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو العزيز الحكيم، القوي الرحيم، والودود الشكور، المؤمن المهيمن، العزيز الجبّار المتكبّر، سبحان الله عمّا يشركون، وتعالى عمّا يقول الظالمون، ويصفه به المنافقون. (1/303)
صفحة 304
سبحانه وتعالى علوّا كبيرا، هو الله الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، إيّاه نعبد وإليه ندعو، وهو ربّ العرش العظيم. أمّا بعد، فإنّا نخبركم –رحمكم الله- ونشكوا إليكم، ونستعين بالله لنا ولكم، على قوم أحدثوا في الإسلام، وخالفوا قول المسلمين، وابتدعوا عليهم أمورا، لم يقبل به من المسلمين قبلهم، وتركوا ما مضى عليه أوائل المسلمين، الموثوق بهم، المأخوذ عنهم، المقتدى بهم، من الأئمّة الفقهاء، الذين مضوا على سبيل الهدى ومنهاج المؤمنين، ليس لهم اختلاف ولا تنازع، أنّ الجمعة خلف أئمّة قومهم فريضة، يرغبون فيها، ويسارعون إليها، ويعظّمونها بالاغتسال، ولبس ما حسن من الثياب والطيب، تعظيما ورجاء ثواب الله عليها. وقد بلغنا أنّ أهل عمان، كتبوا إلى جابر بن زيد –رحمه الله-، يسألونه: هل يأتي الجمعة، من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر بن زيد: لو لم يأت الجمعة، إلا من سمع النداء، لأقلّ الله أهلها، بل تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله فعليه. وبلغنا من جابر بن زيد –رحمه الله-، أنّه خرج، يريد يوم الجمعة، فتلقاه الناس منصرفين، فشقّ عليه ذلك يومئذ، وقال: اللّهم لك عليّ ألا أعود، وكان يجمع خلف زياد وخلف عبيد الله بن زياد، والحجّاج وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين، ما لم يبلغه أحد من الناس، وقد كان الحجّاج ربّما أخّر صلاة الجمعة، حتّى يصلّي الظهر والعصر والمغرب، في مقام واحد، ممّا يؤخّرها ويمضي بها، فلمّا هلك الحجّاج، صلّيت الجمعة لوقتها. (1/304)
صفحة 305
قال ضمام –رحمه الله-: وكان من فقهاء المسلمين وعلمائهم، وهو معلّم أبي عبيدة الأكبر –رحمهما الله- جميعا، فبلغنا أنّه قال: الحمد لله، الذي ردّ علينا جمعتنا، لو كانت الجمعة بخراسان، كانت أهلا أن تؤتى، وكان ضمام بن السائب وصالح وأبو نوح، ونظراؤهم من فقهاء المسلمين ومشائخهم، إذا اشتدّ عليهم الحر، في شهر رمضان، يأتون المكلأ حيال المسجد الجامع، ثمّ يمشون إلى المسجد، ليجمعوا به، ثمّ رجعوا بالعشيّ مشاة إلى منازلهم. وأخبرني قرّة بن عمر بن الأزرق –رحمه الله-، وكان حبرا فاضلا، أنّهم تهيّؤوا للخروج إلى مكّة حجّاجا، لثمان بقين من ذي القعدة، ومرّوا بحاجب بن مسلم –رحمه الله-، وهو يريد الخروج معهم، وذلك غداة الجمعة، فقال لهم حاجب: إنّ في نفسي من الجمعة حاجة. قال أصحابه: يرحمك الله، ذهب الأيّام ونخاف الفوت. فقال: أمضوا أنتم وتخلّف عنهم حتّى جمع، ثمّ رجع فلحقهم بموضع يقال له: الرحيل، مرحلتين من البصرة كراهية، لتركها ورغبة في إتيانها. فقال هؤلاء المحدثون المخالفون: لا نرى أن نجمع خلف قومنا، وهذا منهم زهد فيها، وتصغير لها معهم، ولمن (1/305)
صفحة 306
رغب فيها من المسلمين، وخالف عليهم وطعن في الدين، فعاتبهم المسلمون في ذلك، وناشدوهم الله، وخلاف من مضى من فقهائهم، فأبوا وتمادوا ولجّوا في بدعتهم، أنّه قد أدّوا فريضة، وأنّهم صنعوا أمرا جائزا، لهم واسعا، وكان ذلك ممّا بان للمسلمين، وصح عندهم وعرفوا به خلافهم وبدعتهم وحدثهم، أنّهم يقرّون على أنفسهم، أنّهم يصنعون غير ما صنع فقهاء المسلمين وعلماؤهم، وكفى بذلك بلاء وسوءا، لمن عقل؛ لأنّه لا يكون من خالف وصنع غير صنائعهم، كمن تابعهم واتّبع سبيلهم؛ لأنّ الله تبارك وتعالى يقول: (ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا) وتكلّموا أيضا بالشك والعماء، والحيرة بأمر ما بلغته شكاك قومنا، إن زعموا أنّ امرأة منهم مقرّة بينهم، ثبتت ولايتها عندهم بدين، ثمّ رأوها في مجلس الشباب، تسقيهم نبيذ الحلو وتشرب معهم، وهي بين أيديهم في قميص رقيق، لا تستر من جسدها شيئا، يغمزونها بأيديهم وتلاعبهم، ثمّ يصيبون منها، حيث شاءوا بأيديهم من جسدها، ومن فرجها، إلا أنّهم لا يبلغون ما يشهدون عليهم، أنّهم زنوا بها، وقد قضوا منها حاجتهم وشهوتهم، ووجب عليهم الغسل فيما أصابوا منها، فزعموا أنّها لم تبلغ بذلك منزلة يبرؤون منها، وأنّهم لا يدرون لعلّها مسلّمة ولية لله، فقال المسلمون وأهل الفقه (1/306)
صفحة 307
والعلم، ومن يقتدى به، ويتّبع أثره، على هذه المرأة، لعنة الله عليها، وعلى من يتولاها، فقال أهل البدعة والخلاف: لا نتولاها غير أنّا نقف عنها، ولا ندري فما نحن عندكم؟ قالوا: نقف عنكم كما وقفنا عنها، فرفع المسلمون لهم، وباينوهم وطلبوا إليهم الرجوع عن قولهم هذا، وترك خلاف المسلمين، فأبوا وبلغ بهم قولهم وقياسهم، إن قالوا: لو أنّ رجلا فعل ذلك بأمّه وأخته وابنته، أو اشترى غلاما، فلعب به، وفعل ذلك بغلمان أحرار، ما بلغ ذلك كفؤا ولا براءة، بغضب المسلمون عليهم، وناشدوهم بالله، لما رجعوا إلى معالم دينهم، وتركوا العمى والشك والحيرة، فأبوا ولجّوا في طغيانهم يعمهون وقالوا: من برئ من هذه المرأة بدين، وقفنا عنه، ومن وقف عنها، فقال مثل قولنا، تولّيناه، فنصّبوا الشك فيها دينا، فهلكوا بذلك عند المسلمين، وقد قال المسلمون لهم: إنّ السائل الذي يقول للمسلمين فيما يسعه جهله –رحمكم الله-، وقد أبصرتم ما لم أبصر، وعلمتم ما لم أعلم وجهلت، فإنّهم عندي أفضل من نفسي –رحمكم الله- ديني دين المسلمين، وإذا أنا سائل تولّوه وعذروه بوقوفه. وقال أبو عبيدة الأكبر –رحمه الله-: الشاك هالك، والسائل معذور، إذا تولّى العلماء والفقهاء، الذين برئوا ممّا لم يعلم الضعيف، ما بلغ به فعله وعلمه الفقهاء، فليس له أن يقف عنهم. (1/307)
صفحة 308
وقال أبو عبيدة: لعن الله المحدثة، يزعمون لو أنّ امرأة طافت بالبيت، وعليها خامة رقيقة، لا تواري جسدها، أنّها عندهم مسلمة، وأنّ ذلك الفعل لا يخرجها من الولاية، فلعنهم أبو عبيدة، حيث تولّوها ولم يخرجوها من الولاية. وبلغنا عن ابن مسعود –رحمه الله- أنّه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وقد أثر الأوّل للآخر، فإنّكم إن أصبتم فقد سبقتم سبقا بيّنا، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا مبينا. وقالوا أيضا قولا عظيما، فيه خلاف للمسلمين وفراقهم، يزعمون أنّ قومهم صنفان، صنف هم أهل الكبائر منافقون، تجري عليهم أحكام أهل الإقرار؛ لأنهم مقرّون بالتوحيد، لم يتأوّلوا فيه ما وصفه المشركون، وآخرون برّاء من التوحيد؛ لأنّهم تأوّلوا فيه ووصفوا الله تبارك وتعالى، بما لم يصف به نفسه، وكذّبوا في صفته، والله تبارك وتعالى، برئ ممّا وصفوه به، وكذبوا عليه، فيه أعظم الكذب، والفرا على الله، غير أنّهم لم يبلغوا بذلك عند من مضى من سلف المسلمين وفقهائهم، منزلة جحود بالله، ولا تكذيب ولا إنكار له، فلم يسمّوهم بالشرك، ولا ينسبونهم إليه، ويحكمون عليهم به، ولم يلحق منهم سبي ولا غنيمة، ولا حرّموا مناكحتهم ولا موارثتهم ولا ذبيحتهم، ولا نزلوا عند المسلمين، بمنزلة قومهم من أهل القبلة، فزعم المخالفون أنّهم قد بلغوا من وصفهم، وكذبهم بمنزلة أهل الجحود بالله، والإنكار له والتكذيب به، وأنّهم برّاء من أهل القبلة، وإن صلّوا الصلاة وصاموا رمضان وحجّوا البيت، واغتسلوا من الجنابة واستنقوا من (1/308)
صفحة 309
المحيض، وأقرّوا بجملة ما أقرّ به المنافقون، من الإقرار بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهم مشركون عندهم حلال، سبيهم وغنيمة أموالهم، وهم يصلون إلى القبلة، البيت الحرام، ويطوفون حوله، فسمّوهم بالشرك واستحلّوا منهم السبي والغنيمة، قولا لم يسبقهم إليه أحد، وإنّما هو قول الجهمية عليهم غضب الله، وأخذوا بقولهم وتابعوهم عليه، وحكموا فيهم بأحكام الخوارج، من الأزارقة والصفرية، فاستحلّوا منهم السبي والغنيمة، في كلّ ذلك، ممّا خالفوا المسلمين، وقالوا بغير قولهم، فناشدهم المسلمون بالله، وحذروهم الفرقة، وترك ما مضى عليه السلف الصالح من أئمّة الدين، بذّلوا مهج دمائهم وقاموا بحق ربّهم، المريدين لله بعملهم، مهم مرداس أبو بلال –رحمه الله- وعبد الله بن يحيى والمختار بن عوف أبو حمزة والجلندي بن مسعود –رحمهم الله- جميعا، فكلّ هؤلاء قد أظهروا دعوته، وأفلجوا وحكموا على قومنا، فلم يحكم أحد منهم بحكم أهل الشرك، ولم يستحلّوا ذلك منهم، بل دانوا بتحريم سباهم، وغنيمة أموالهم وتسميتهم بالشرك، وضلّلوا من سمّاهم بالشرك، واستحلّ منهم السباء والغنيمة، وقد كانوا أوّل ما تكلّموا به يقولون هذا رأي منا، ليس نرى فيه شيئا، فقال لهم المسلمون: أنتم مخطئون عندنا في رأيكم بخلافكم للمسلمين، وترككم في قولهم، ما مضوا عليه، وطلبوا إليهم التوبة والرجعة عمّا قالوا، فأبوا وتمادوا ولجّوا، وبلّغوا في (1/309)
صفحة 310
كلامهم وقالوا: نقول بدين ليس برأي، ومن لم نعرف شرك ما سمّانا بالشرك، فهو مشرك مثله، فشركوا من مضى من المسلمين ومن بقي، وليس عندهم مسلم، إلا من قال بقولهم، وأنّ الذين سمّوهم بالشرك، ثمّ استحلّوا منهم السباء والغنيمة، زعموا أنّهم شبّهوا الله بالمخلوقين، وتوسّعوا على قومنا في ذلك، فزعموا أنّهم يقولون: إنّ الله تبارك وتعالى، يجيء ويذهب وينزل، وأشباه هذا من القول، الذي لا يجوز لأحد أن يذكر الفرية، فزعموا أنّ من قال هذه المقالة، فهو مشرك، فقيل لهم، وكذلك من قال: إنّ الله كلّم وقال تبارك وتعالى: فمن عبد غير الله من الأصنام البكم والحجارة الصم، وغير ذلك ممّا نجروا وصوّروا وعملوا، يقيس لهم ويصف لما عبدوا ونصبوا فقال: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثمّ كيدون فلا تنظرون). وفي أشياء كثيرة، خبّر الله بها عن نفسه، عن قول الله وأنبيائه ورسله، وقد بلغنا عن فقهاء المسلمين، أشياء كانوا يقولون بها. قال جابر بن زيد –رحمه الله- في رسالته الرجوف، وجاء في الفروج الأعظم، وأمر المنادي ينادي هلم إلى ربّكم، وذكر أهل الجنّة فقال: عبدوا ربّهم أحذانه، ونسبهم بالكرامة وقال تبارك وتعالى: (إنّ (1/310)
صفحة 311
المتّقين في جنّات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) وبلغنا عن بعض المسلمين، أنّه كان يقول في دعائه: أسألك بذلك المقعد الكريم، وكان يقول ضمام بن السائب، أنّه كان جابر يقول في دعائه وحديثه: إنّ لله يمينا لا شمال له. وكان أبو سفيان يقول في دعائه: اللّهم أرزقنا النظر إلى وجهك الكريم والخلود في دارك. فزعم أهل الخلاف والبدع والحدث، أنّهم يقولون: ما أمن المسلمون من هذا القول، على وجه يجوز ويمضي، فقال لهم المسلمون: أخبرونا عن قول الحسن بن أبي الحسن البصري، ومقاتل وفقهاء قومنا، إذا قالوا: إنّه تبارك وتعالى، ينزل ليلة النصف من شعبان، وعشية عرفة، وأنّه قد كلّم موسى تكليما، وتجلّى للجبل، وأنّه في السماء، وأنّه خلق آدم على صورته، وأشباه هذا من القول، وتأوّل منه وحاجّ بالقرآن، فهو مشرك يسبى ويغنم، وقد خرج من التوحيد، وإن أقرّ بالقبلة، وليس من أهل التوحيد، وإن (1/311)
صفحة 312
صلّى إليها، يحكم عليه بحكم أهل الإقرار بالإقرار؛ لأنّه ليس عندهم من أهل الإقرار، وإن قرأ القرآن، واحتجّ به وتهجّد به طول الليل، فأبى ذلك المسلمون، وردّوه عليهم، وأنكروه وخالفوهم فيه، وقالوا: ديننا لمن أقرّ بالقرآن، ثمّ تأوّله على غير تأويله، وحرّفه عن مواضعه، غير أنّه يحاجج بالقرآن وينازع به، فهو عندنا في حكمنا، من الموحّدين المقرّين، ما لم يجحد ما أقرّ به، أو يرجع أو يكذب به، فهو منافق ضال، كافر برئ من السبي والغنيمة، حكمنا فيهم حكم أئمّتنا مرداس أبو بلال، وعبد الله بن يحيى، والمختار بن عوف أبو حمزة والجلندي بن مسعود –رحمهم الله-، فبهم نقتدي وهم سلفنا وأولياؤنا وأئمّتنا –رحمهم الله ورضي عنهم- فيهم بحكم الموحّدين المقرّين، ولم يسبوا ذرية، ولم يغنموا مالا، وعابوا وشتموا جميع من سمّاهم بالشرك، واستحلّ منهم السبي والغنيمة، وفارقوا الخوارج إن قالوا: نحن برّاء من إلهكم الذي تعبدون، فما نحن عندكم بهذا القول. قال المسلمون: أنتم بهذا القول كفّار، لستم بمشركين، وقالوا: نحن نعبد الله، فإن برئتم من الله، فأنتم مشركون. قالوا: نحن نبرأ من إلهكم الذين تعبدون. قال المسلمون: أنتم متأوّلون في هذا علينا، تزعمون إنّا نعبد غير الله وأنّكم منه برّاء، فمن هنا لكم لم نسمّكم بالشرك، ونحن نقول لكم: إنّا نعبد الله فأنتم برّاء من الله. قالوا: لا. قال المسلمون: من هنالك لم نسمّكم بالشرك، وإنّما فارق المسلمون جميع الخوارج على تسميتهم أهل القبلة بالشرك. (1/312)
صفحة 313
وبلغنا عن جابر بن زيد –رحمه الله- قيل له: إنّ زياد الأعسم، كان مسلما له منزلة وفضل، فقيل لجابر: إنّه كان يسمّي قومنا بالشرك، فقال: أرسلوه إليّ. فقيل له: إنّ جابر بن زيد، يدعوك، فأتاه فقال له: يا زياد ما تقول في هدي لهم؟ فقال له: إذا أبرأ وأخلع، وأنّ هؤلاء المخالفين قولهم، وجاوزوا قول المسلمين، وما مضى عليه السلف الصالح منهم، وسمّوا بعض أهل القبلة مشركين، ونفوهم عن القبلة وهم يصلّون إليها، ونفوهم عن الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهم مقرّون بالجملة، بالله وملائكته وكتبه ورسله وثوابه وعقابه، فدانوا فيهم بدين الخوارج، ومن لم يشركهم فهو مشرك مثلهم. وقال بعضهم: من لم يعرف شركهم، فهو كافر لم يبلغ به ذلك شرك، فشركوا المسلمين وكفروهم، ونصبوا دينا، ليس ذلك دين المسلمين، وأنّ المسلمين كلّموهم وباشروهم بالله، وطلبوا إليهم أن يرجعوا إلى أصل قولهم، الذي مضى عليه سلفهم، وأن يجمعوا على أن يسمّوهم بأسمائهم، التي سمّاهم الله بها والمسلمون، من الكفر والنفاق والفسق والضلال، وأن ينفوا عنهم اسم الشرك، والحكم فيهم غير المباينة، بالسبي والغنيمة، فأبوا ولجّوا في طغيانهم يعمهون، وقالوا: من لم يقل فيهم مثل قولنا، فهو كافر، فخلعهم المسلمون عند ذلك وبرئوا منهم، وخالفوهم وفارقوهم، وأنزلوهم منزلة حيث أنزلوا أنفسهم، وذلك بعد التأنّي لهم، والرفق بهم، وأعذروا إليهم، ليس من دين المسلمين الاعتداء ولا الجور، ولا العجلة على بار ولا فاجر، وكان البراءة والفرقة (1/313)
صفحة 314
منهم، هم بدؤها بها، حيث نصبوا قولهم دينا، يدعون إليه ويكفرون من خالفهم، فاتقوا الله يا معاشر المسلمين، وأبصروا دينكم وتعلموه، وذبّوا عنه، وزيّنوه بما زيّنه الله، فإنّه سبيل واضح الطريق، منهج نور وهدى، وشفاء لما في الصدور، ونزل به الروح الأمين على صفيه، من العالمين محمّد صلى الله عليه وسلم، فبلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح لأمّته، وكان كما وصفه الله بالمؤمنين رؤوفا رحيما صلى الله عليه وسلم، ثمّ لم يزل الإسلام يقوم به قوم بعد قوم، فأحدث من أحدث، وبدل من بدل، وخالف من خالف، وترك من ترك، ونقض من نقض، وثبت الله المسلمين على القول الثابت، وهداهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فجمع الله المسلمين على الصواب والحق والعدل، ليس بينهم فيه اختلاف ولا تنازع، أنّ الناس عندهم صنفان، فنصف مقرون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والموت والبعث والثواب والعقاب، وصنف جاحدون منكرون مكذّبون بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والثواب والعقاب، فهم اليهود والنصارى والصابئون والمجوس ومشركو العرب، يعمّهم جميعا اسم الشرك، ويحكم عليهم بأحكام أهله، وكلّ فرقة منهم يحكم عليهم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم الأربعة فرق اليهود النصارى والصابئون والمجوس، إن قاتلتهم حتّى يقرّوا بالجزية عن يد وهم صاغرون، كما أمر الله في كتابه، فأقرّهم رسوله صلى الله عليه وسلم على دينهم، وحقنوا بذلك دمائهم وأموالهم، وأحلّ الله ورسوله أكل ذبائحهم، ثلاث فرق منهم، (1/314)
صفحة 315
اليهود والنصارى والصابئون ونكاح نسائهم، وحرّم نكاح رجالهم، وحرّم ذلك من المجوس، وكان حكمه صلى الله عليه وسلم في مشركي العرب، لا يقبل منهم، إلا الإسلام أو القتل، ولم يستحل سبيهم وغنيمة أموالهم، وحرّم أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم ورجالهم، وبذلك أنزل الله في القرآن، والمشركون جميع أصناف اليهود والنصارى والصابئين والمجوس، والمشركون عبدة الأوثان والأصنام، وهم مشركو العرب، ثمّ صار أهل الإقرار بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والموت والبعث والحساب والثواب والعقاب، صنفين: فصنف أقرّوا وأوفوا في إقرارهم، فهم مسلمون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وصنف أقرّوا ثمّ خالفوا وأحدثوا، ولم يفوا بما وفّى به المسلمون، وبدّلوا وغيّروا وتأوّلوا القرآن، على غير تأويله، وحرّفوه عن مواضعه بالتأويل، بلا رد منهم للتنزيل، ولا تكذيب به ولا جحود له، فهم منافقون كفّار ضلال فسّاق، برّاء من الشرك كما قال الله: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) لا في حكم الإسلام استقرّوا، ولا إلى الشرك رجعوا، لا إلى المسلمين في اسم الثواب، ولا إلى المشركين في الاسم والحكم، فليس بيننا وبين قومنا إلا منزلتين، البراءة منهم عند المعصية، والخلع لهم على خلافهم، وما ركبوا من المعاصي، واستحلال دمائهم عند المباينة، بعد دعائهم إلى العمل، والإعذار إليهم، وما سوى الأمور (1/315)
صفحة 316
التي أخبر الله من المؤمنين، من المناكحة والموارثة، وأكل الذبيحة وقبول الشهادة، إذا لم يذهبوا معهم، فهذه الأشياء جارية بيننا وبين قومنا بدين، ولو كان القوم مشركين، كما قال هؤلاء المخالفون، لانقطعت الأمور منهم، كما انقطعت الدماء والولاية، فهذا دين المسلمين، وما مضى عليه سلفهم، فنعوذ بالله من خلافهم، ونسأل الله أن يلحقنا بهم على الوفاء والصدق، غير محدثين ولا مخالفين، آمين يا رب العالمين. فاتقوا الله يا معشر المسلمين، واعتصموا بالله وبدينه ولأهل ولايته، وفارقوا من خالف الحق، ورغب عنه وخالف قول المسلمين، وطعن عليهم، وأحدث في الإسلام، ما لم يأذن الله به، فتلكن منكم الغلطة لهم، والشدّة عليهم، حتّى يرجعوا إلى الحق، وإلى معالم دينهم ودين المسلمين، وما مضى عليه السلف الصالح، مرداس وجابر وضمام وأبو نوح وأبو عبيدة عبد الله ابن القاسم، والمهنّأ بن مخلد بن المعمر، وأبو طاهر، وأبو نوح، وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم، والمهنّأ بن مخلد بن المعمر، وأبو طاهر، وأبو المضا وأبو الجميل، وأبو الفضل بن جندب، وقرّة بن عمر وغيرهم، ومن لم نسمّ هؤلاء كانوا أعلام المسلمين وشيوخهم وعلمائهم والموثوق بهم، المأخوذ عنهم، والمعتمد عليهم، رحمة الله عليهم، وجزاهم عن الإسلام، وأهله الجنّة، ولا جزاء أفضل منها، فقد أُثروا وبيّنوا وعلموا وأدّبوا وتركوكم على منهاج بيّن، مثل الشمس الواضحة، وهذه نصيحة لكم، فأقبلوا نصائحهم، فإنّ الله يقول تبارك وتعالى: (ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا)؛ لأنّ المؤمنين هي سبيل الله، الذي به يرضى عليه يتولّى، وبه أمر وإليه دعا، وفّقنا الله وإيّاكم، وجعلنا وإيّاكم من أهله حقا، فإنّنا إخواننا قد بيّنا لكم، وقدمنا إليكم النصيحة، وأبلغنا الموعظة، وإنّما ينفع الله بالذكر المؤمنين، فجعلنا الله وإيّاكم منهم برحمته، وإنّ ربّي سميع الدعاء، وهو (1/316)
صفحة 317
القريب المجيب. إخواننا عظّموا ما عظّم الله به نفسه، وأعظم عندكم الكلام في الله تبارك وتعالى، واستوحشوا من ذلك أشدّ الوحشة، وخافوا الله وراقبوه، فإنّه قال تبارك وتعالى: (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) فنحن نحذّركم ذلك ونخوّفكم ممّا حذّره الله، فإنّ الفقهاء كانوا ينهون المتكلّمين، أن يجيبوا الناس في ذنوب النبيين، إذا سألوهم عن ذلك ويقولون لهم: إنّ النبيين قد سبقت لهم من الله الحسنى، وأنّ لا يكلّموا أحدا في ذنوبهم إعظاما للنبيّين، وتجنّب الكلام في الله تبارك وتعالى، هم كذلك أشدّ كراهة وأشدّ نهيا، الله أعلا وأجل وأعزّ، من أن يتكلّم فيه الناس، فليس فيه تبارك وتعالى، متكلّم إلا من لا يتحرّج ولا يتورّع، ولا يعرف بخير، فإيّاكم والتكلّف بما لم تؤمنوا به، والدخول فيما لم يدخل فيه الفقهاء المسلمون، ولم يتعرّضوا به، وعليكم بما أمرتم به، فاعلموا به وما نهيتم عنه فدعوه، وعليكم بالصبر والورع والتحرّج، وأداء الفرائض وترك المحارم، ولعمري ما كان المسلمون يرضون عن أنفسهم بذلك، حتّى يجتهدوا في أنواع العبادة والعمل، ثمّ لم يرضوا بذلك، حتّى بذلوا مهج أنفسهم ودمائهم، وعرفت وجوههم بالتراب، طلبا أن يرضى الله عنهم، ورغبة في ثوابه، فرضي الله عن تلك الوجوه، ورحم تلك الأبدان والأوصال، التي تقطّعت، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. (1/317)
صفحة 318
اعلموا –رحمكم الله-، أنّ المسلمين ليسوا يتّهمون في شيء، ممّا أنزل الله في القرآن، من صفته، وما ذكر عن قول أنبيائه ورسله، ولا يتوهّمون في شيء من ذلك بصفته، ولا حد ولا معنى غير ما عنى الله، ولا يتأوّلونه على غير تأويله، يقولون: هو كما قال الله، ليس عندنا فيه تفسير، وأنّ من وصفه بغير ما وصف به نفسه، أو تأوّل فيه، فهو كافر كاذب عدو لله. وإن قال: إنّ الله له يد أو مثل أو ند أو حد أو نظير، فهو جاحد ومكذّب منكر مشرك، وليس أحد ممّن يقرّ بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويصلّي إلى القبلة، إلا وهو ينفي عن الله هذه الأشياء. ونقول: إنّ من قال: إنّ لله ندا أو حدا أو شبها أو مثلا أو نظيرا، فمن نفى عن الله الأشياء، وأقرّ بجملة ما أقرّ به الموحّدون، فهو مقر موحّد، تجري عليه أحكام المقرّين الموحّدين، وإنّما ملل الشرك خمس، يهود ونصارى ومجوس وصابئون ومشركو العرب، فليس هؤلاء المخالفين لنا، وليخبرونا من أيّ هذه الملل الخمسة التي وصفها الله في كتابه، هؤلاء الذين سمّوهم بالشرك، ممّن يقرّ بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويصلّي القبة، وبأيّ أحكام هذه الملل الخمسة، فليأت بتسميتهم في الشرك، مع كتاب الله والحكم فيهم، ولن يأتي به أبدا، ولن يقدر عليه. (1/318)
صفحة 319
فاتقوا الله وأبصروا دينكم، ولا يزلّكم عنه من زل، ولا يفتنكم من فتن وتزيّنت له شبهة فدعا إليها، عصمنا الله وإيّاكم، من كلّ هلكة وضلالة وبدعة، وسلّم لنا ولكم الدين والأمانة، حتّى يخرجنا وإيّاكم من الدنيا، سالمين ويدخلنا وإيّاكم في الآخرة غانمين، واستودع الله لنا ولكم، واستحفظه، فإنّه خير حافظا، وهو أرحم الراحمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/319)
صفحة 320
09/رسالة هارون بن اليمان إلى الإمام المهنأ بن جيفر في شأن محبوب بن الرحيل
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلّي على محمّد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأوصيك بتقوى الله، فإنّ تقوى الله، كفاية وغنى، عمّا سواهما، وقد جعل الله لأهلها العرفان، من كلّ لبس، والنور من كلّ شبهة، والبصر من كلّ عمى، ودرك ما طلب العباد، من الخير النافع، الدائم لأهله بعد الموت، والأمان ممّا يخاف ويحذر من العقاب الدائم، على أهله بعد الموت، ليس لهم راحة ولا يخفّف عنهم، فأبصر سبيل التقوى، ومنازل أهلها، وما الذي وصل به المتّقون إلى ولاية الله وثوابه، وما الذي استحقّوا به اسم التقوى، فإنّ الله جعل تقواه طاعته، فيما أمر به ونهى عنه، ثمّ اسم التقوى لأهلها، باتفاقهم لحقوقه، وتسليمهم له الطاعة، فالمطيعون لله، فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، هم المتّقون وهم أكرم خلقه عليه وأحبّهم، والمضيعون للطاعة، وهم الخارجون من اسم التقوى، إذ حلّت لهم من الله البراءة، فاستحقّوا العقوبة، وهم (1/320)
صفحة 321
الذين وصفهم الله (أولئك هم شرّ البرية) فانتفع بما أبصرت وأحسن قبول ما وصل إليك، من حجج الكتاب ونوره وبيانه، وتفضيل من فضّل من أهل الطاعة، في الأسماء والولاية والثواب، وذمّ من ذمّ من أهل المعصية، بما نفاهم به، بمعصيتهم من اسم التقوى، وما سمّاهم به من اسم الكفر، وبما استوجبوا به عداوته، وخرجوا به من ولايته، إلى ولاية الشيطان، حيث يقول: (إنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) وإنّ الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين. وقال: (إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين اتّبعوه وهذا النبيّ والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) فمن زال عن اسم التقوى، لم يكن من الله في ولاية، ومن خرج ودخل في عداوته، صار إلى ولاية الشيطان، وكان له وليا. أمّا بعد، دعاني إلى الكتاب، إليك النصيحة وأداء الحق، الذي أوجب الله للمسلم، على أخيه المسلم؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم. فبدأتك بأمر كنت أحقّ أن تبتدئني به أنت؛ لأنّك إمام وقد ألزمك الله من حقوق الرعية، ما لم يلزم أحد غيرك، فالأمر منّا تطوّع، والأمر عليك فريضة، وقد بلغني أنّ محبوب بن الرحيل، كتب إليك بكتاب يخبرك فيه (1/321)
صفحة 322
بأمر يجمع أهل الآفاق من المسلمين على ذلك، فإن كنت على بيّنة من أمرك، يعذرك الله به والمسلمون، فإنّ الله قال لنبيّه: (وشاورهم في الأمر) وإلا يجمع لك المسلمون في ذلك، كما أجمعوا لك في خلاف من خالفهم، من جميع أهل القبلة، فقبلت ذلك منهم، وكانوا أهل الحجّة علينا، وعليهم فيما قالوا به، من أمر الله، وأجمعوا عليه، فلمت ذلك بالذي يجمعون لك عليه، وإن لم يكن ما أنهى إليك، خلاف ما أجمع عليه المسلمون، وما يقولون به، كنت قد أخذت لنفسك بالخطأ، وأنزلت بمن أوطأك أمور المسلمين عشوة، وأباح لك منهم ما لو عجلت فيه، استحللت فيه سفك دمائهم، حرّم الله دمه ما ينزل بمثله، فيحلّ بالمنهي إليك خلاف الحق، ما هو أهله من الاستتابة، ممّا يعرف به أهل الحق، أو يتمادى في باطله، فيكون هو أولى بالترك والمفارقة، ممّن فرّق بغير الحق، مع أنّي لم أبتدع في هذا شيئا، وإنّما وطأت آثار من مضى من المسلمين، وقلت بما قالوا، ممّا أدّبوني وعلّموني، وهم الماضون –رحمهم الله-، وأنا كاتب إليك في أسفل كتابي هذا بالحجّة والبيان، فيما ذكر لي أنّه قد أفتى به عندك، فانظر في ذلك، وتثبت فيه لنفسك إن شاء الله، وفّقنا الله وإيّاك، لما يحب ويرضى من العمل (1/322)
صفحة 323
والقول، كان الذي اختلفا فيه نحن ومحبوب، ممّا ذهب فيه غير مذهب المسلمين، وممّا اتبع خلاف قول المسلمين ودينهم، ممّا يحكى عن المسلمين، ويقذف به، ممّا لا يقوله أحد من المسلمين، من ذلك أنّه زعم أنّهم شركوا أهل القبلة، وأنّهم يتولّون المرأة، التي تؤتى منها دون ما يجب به الحد، وأنّهم يحرمون أخذ العطاء من قومهم، وليس ذلك من رأي المسلمين، ولا من قولهم، وسأذكر لك بعض ما قذف به المسلمين، من ذلك، ممّا ليس من قولهم، ممّا يقوله عليهم مفسّرا، مع ما ابتدع من خلاف دين المسلمين، إن شاء الله، فليس من دين المسلمين تشريك أهل القبلة، ولكن قولهم: إنّه لا شرك في أهل قبلتنا، وأنّهم موحّدون غير خارجين من معرفة الله، ما أقرّوا بالوحدانية، ونفي الأضداد والأشباه عنه، وكان أعظم ما ابتدع محبوب، وخالف المسلمين فيه، أنّه زعم أنّه من شبه الله بخلقه، فزعم أنّه في صورة البشر، وقصد بعبادته إلى تلك الصورة، التي هي مبعضة، في مثل البصر أوصال، لا يقوم بعضها إلا ببعض، وبعضها يحتاج إلى بعض، فزعم أنّ هذا موحّد، عارف لله غير منكر له، وأنّه يلزمه من التسمية ما يلزم من أتى كبيرة من الكبائر، ممّا دون الشرك، فإنّه برئ من الشرك، يسمّى بالكفر والنفاق، وأنّ توحيده وتوحيد الموحّدين واحد، وله من التسمية بالتوحيد ما للموحّدين. (1/323)
صفحة 324
فقلنا له: وإنّا نقصد بعبادتنا وتوحيدنا، إلى الذي يقصدون أهل الكبائر، من أهل الإقرار بالتوحيد، وقد زعمت أنت أنّ حال المشبهة، كحال أهل الكبائر في كفرهم، وتسميتهم بالتوحيد، فهل تقصد بعبادتك وتوحيدك، إلى ما قصدوا إليه هذا، الذي زعمت أنّه موحّد، من يزعم أنّه عابد لمن عبد المشبهة، فيلزمه ما يلزم القاصد إلى عبادة البعض، أو أن يزعم أنّه غير عابد، لما عبد، فيقول بمثل ما قلنا؛ لأنّا نزعم أنّ كلّ من وصف الله بغير صفته، وشبهه بخلقه، وزعم أنّه يزول وتخلو منه الأمكنة، وأنّه محدود تحيط به الأشياء، وتحدّه الأماكن، وأنه مبعض أجزاء مختلفة، لا يستغني بعضها عن بعض، فهو خارج من التوحيد، ومن معرفة الله جاهل لله، غير عارف له، إذ كانت معرفته وقصده بالعبادة، إلى غير ما عرف الموحّدون، وقصدوا إليه، وهم المبرؤون لله، من أن يكون له شبيه من خلقه، وأن يكون أجزاء متفرّقة، وأن تحدّه الأمكنة، وأن يحيط به شيء من خلقه، بل هو المحيط بخلقه، فلمّا اختلفت المعرفة منهما، وكان كلّ واحد منهما عابدا لما وصف وعرف، وكانت عبادة الموحّدين لله، لما عرفوا من صفته التي وصف بها نفسه، بما نفوا عنه من شبه الأشياء والحدود، وكانت عبادة المشبهة للموصوف، الذي وصفوه بالتحديد والتبعيض، إذ جهلوا ما عرف الموحّدون، فلا يكون من عرف الله، ومن جهله (1/324)
صفحة 325
سواء في التوحيد، وإنّا نزعم أنّ كلّ من قال في الله، بما قال في كتابه من قوله: (خلقت بيديّ) وقوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) وقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة) وقوله: (الرحمن على العرش استوى) وقوله: (وجاء ربّك والملك صفا صفا) وأشباه هذا من كتاب الله، فكلّ من قال بهذا، لم نعده يتأوّل فيه خلاف الحق، وقال قولي فيه ومعاني ما عنى الله به، فهو موحّد غير خارج من التوحيد، ومن تأوّل ذلك، فزعم أنّ هذه الأشياء التي وصف الله في كتابه، هي منه كهيئة ما يكون من البشر، الذي لا غناية له، عن أن يكون له أعلى وأسفل ووسط، لا يقوم أعلاه إلا بأسفله، ولا يقوم وسطه إلا بأعلاه وأسفله، وأنّ منه ما يسمع، ومنهم ما لا يسمع، ومنه ما يبصر، ومنه ما لا يبصر، محتاج بعضه إلى بعض عاجز بعضه، بما يقوى عليه بعض، فمن زعم هذا، فقد خرج من معرفة الله؛ لأنّه لا يجوز التأويل في الله؛ لأنّه من تأوّل في الله، فأخطأ في تأويل صفته، كان جاهلا لله غير عارف له، ومن لم يعرف فهو غير موحّد. (1/325)
صفحة 326
ومن تأوّل فيما أمر الله به، ونهى عنه من الفرائض، فأخطأ في تأويله، وادّعى على الله في خطئه ذلك، أنّ الله أمره بذلك الخطأ، الذي أخطأ فيه، فهو كافر منافق موحّد، يلزمه من الحكم والاسم، ما يلزم الموحّدين، فلم يشك الموحّدون العارفون، بأنّ الله واحد (ليس كمثله شيء) ولم يشكّوا في أنّ من لم يعرف الله بما عرفه به الموحّدون، أنّه خارج من المعرفة إلى الإنكار له، فهذا أعظم ما خالفنا فيه محبوب، وممّا ابتدع ممّا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، ولا ممّن خالفنا من أهل القبلة، وقد علمنا الذي مضى عليه المسلمون، من أهل الفضل والفقه، ممّا لا يقدر على دفعه، ولا إنكاره، أنّهم كانوا يقولون: من تأوّل فزعم أنّ محمّد الرسول حق، ولكنّه غير الذي يعني، ليس برسول، أنّه مشرك حرام المناكحة والذبيحة، ثمّ زعم محبوب، أنّ من تأوّل في الله، فأخطأ في تأويله، لا يكون فيه مشركا، فكيف لا يكون من تأوّل وأخطأ في تأويله مشركا، وأيّهما أولى بالشرك؟ من أخطأ في صفة الله وجهله، أم من أخطأ في صفة غير الله وجهله. فأيّ الخطيئتين أعظم؟ المتأوّل في الله أو المتأوّل في محمّد؟ وكلّ يكون به عندنا مشركا (المتأوّل المخطئ في تأويله على الله، والمخطئ في تأويله على محمّد) كلاهما مشرك عندنا في خطئه، وتأويله عليهما مشرك. (1/326)
صفحة 327
والحكم في كلّ من كان عندنا موحّدا، فخرج عندنا من التوحيد بتأويله أو جحد، حكم المرتدّين، إن كان الحكم ممّا جاز عليهم، وهم في الدار مع إمام الهدى، فظهر ذلك منهم له، فعليه أن يستتيبهم من ذلك، فإن تابوا قبل منهم، ورجعوا إلى ما خرجوا منه من التوحيد، وإن أصرّوا وأبوا التوبة، وأقاموا على ما ظهر منهم، قتلوا وقسم ما تركوا من مال على أولادهم، ومن كان يرثهم، لو ماتوا على التوحيد، على قسمة الميراث، وذلك الحكم فيهم من أئمّة المسلمين، فليس بين أهل القبلة جميعا من خالفنا، ومن لم يخالفنا في ذلك اختلاف، فإن هم اتخذوها دارا، وأظهروا ما هم عليه، ونصبوه دينا، ودعوا إليه من أجابهم، ولم يقرّوا للمسلمين بحكم منهم عليهم، ولم تجر عليهم أحكام المسلمين، فقاتلهم المسلمون، فظهروا على الدار التي هم فيها، سبوا وغنموا، وبذلك جرت السنّة فيهم، وأمّا ما ذكر من قولنا في المرأة، التي يؤتى منها ما دون الفرج، إنّا نتولاها، فقد قال: علينا في ذلك خلاف الحق، وليست لنا هذه المرأة في ولاية، ولكنّه أمر أشكل علينا، وعلى من سبقنا من المسلمين، ممّن ذكر له أمرها، فلم نجدها بلغت حدّا، يجب عليها بفعلها كفرا ولا ضلالا، فوقفنا عنها وقلنا وقولنا فيها، وديننا دين الله ودين المسلمين، فإن تكن بلغت بذلك كفرا، من حيث لا نعلم، وكلّ ذلك دين الله، فقد دنا فيها بدين الله، إذ لم نتولّها، وإن لم يكن بلغ بها ذلك كفرا عند الله، في دينه، كنّا لم نهلك بالبراءة منها، وكنّا قد دنا فيها بدين الله، إذ قلنا: ديننا فيها دين الله ودين رسوله، وإنّما قال المسلمون في (1/327)
صفحة 328
إكفار من أكفر، وآمن أهل قبلتهم بحكم، جاء من الكتاب، في كلّ من أتى كبيرة، أوجب الله علينا النار، ومن أتى شيئا ممّا يجب به عليه حد في الدنيا، ممّا سنّ رسول الله عليه السلام، من الحدود، ممّا لم يجيء فيه حد في كتاب الله، مثل المحصن الزاني، الذي يجب عليه الرجم، وشارب الخمر، وكلّ ما أجمعت عليه أنّه كبيرة، فمن أتى شيئا من ذلك، فهو ضال مستوجب لاسم النفاق والكفر، وممّا لم يجيء فيه وعيد من الله في كتابه، ولا حدّ في الدنيا ولا سنّة من النبيّ –عليه السلام- يجتمع عليها، ففعل فاعل من ذلك شيئا، يتكاثر في أنفس المسلمين فعله، وقفنا فيه وقلنا: الله أعلم قولنا فيه، وديننا دين الله، ودين النبيّ ودين المسلمين؛ لأنّ الله قال: (ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا) وقال فيما ذكر من قول الملائكة، إذ قال: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا) فوقفوا عمّا لم يعلموا، وكان وقفنا فيما وقفنا فيه، ممّا يسع الناس جهله، ولو ضللها رجل وأكفرها برأي منه، ولم يدن على الله بذلك، أنّه أمره بذلك، كان ذلك أهون علينا؛ لأنّ الناس، إنّما هلكوا بما دعوا على الله، ما لا يأتون عليه ببرهان من كتاب الله، ولا سنّة نبيّه –عليه السلام-، مجتمع عليها؛ لأنّ الله (1/328)
صفحة 329
يقول: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة أليس في جهنّم مثوى للمتكبّرين) وإنّما هلكت الخوارج، وكلّ من خالفنا من أهل القبلة، بأنّهم دانوا بشيء، وادّعوا في ذلك، بأنّ الله أمرهم بذلك، فضّلوا بما ادّعوا على الله، ممّا لم يأتوا عليه ببرهان من كتاب الله، ولا من سنّة رسول الله، مجتمع عليها، فاستحقّوا عندنا، اسم الكفر والنفاق، بما ادّعوا على الله من خلاف الحق. وزعم محبوب، أنّ هذه المرأة كافرة عنده، بين يدين به على الله، وأنّه أمره أن يكفّرها، فسألناه من أين ادّعى ذلك؟ فقال في قوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا) فقلنا له: أكلّ معصية كفر؟ فقد أخبرنا أنّ للمؤمنين ذنوبا، فقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم) والسيّئات معاص، فمن أين زعمت أنّ كلّ معصية كفر؟ فلم يأت ببرهان، على ما قال: يعقله المسلمون من الكتاب، ولا من سنّة مجتمع عليها؛ لأنّا وجدنا المعاصي على ثلاثة وجوه: كبيرة مكفرة لأهلها، لما جاء فيها من الوعيد من الله في كتابه، أو الحدود في دار الدنيا الجميع عليه، ومعصية صغيرة مغفورة عن أهلها، وهم عن إصابتها مسلمون، وهو قول الله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم) فعلمنا أنّ للمؤمنين صغائر من ذنوبهم، معفو عنها، ما لم يصرّوا عليها، أو مشبهة بالكبيرة، لم يأت فيها حكم معلوم من (1/329)
صفحة 330
كتاب ولا سنّة، فوقفنا عمّن أصابها، وقلنا ديننا فيها دين الله، ودين النبيّ والمسلمين، فإن يكن أهلها بلغوا بها كفرا، لم تعلمه فلسوا لنا في ولاية، إذ زعمنا أنّ ديننا فيها دين الله، ودين النبيّ ودين المسلمين، وإن تكن غير مكفرة لأهلها، كنّا وقفنا، فلم نهلك فيما وقفنا، إذ لم نبرأ، فكان ديننا فيها ما دان النبيّ والمسلمون، ووجدنا أئمّة المسلمين المهتدين، وأئمّة الهدى يؤتى أحدهم بالمعاصي، فإذا لم تكن معصية، توجب عليها حدا، كف وتاب. ووجدنا المسلمين، إذا أقاموا الحدود على أحد، استتابوه من بعد أن يقيموها عليه، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسارق، إذا قطع أمر به، فحسمت يده بعد قطعها، ثمّ أتى به إليه، فقال له: تبت إلى الله؟ فقال: تبت إلى الله. فقال: اللّهم تب عليه، فرجعت ولايته إذا تاب من جرمه. فعلى الأئمّة، أن يستتيبوا كلّ من أقاموا عليه حدا؛ لأنّه قد بلغ به ذلك عندهم كفرا، فلا يسعهم أن يتركوه على كفر، قد بان لهم منه، ولا يستتيبوه منه. وقد أوتي عمر بن الخطّاب بالمغيرة بن شعبة، فشهد عليه أربعة، بأنّهم رأوه بين رجلي امرأة مجتهدة في الحركة، قد جلس منها مجلس الرجل من أهله، فقال ثلاثة منهم: رأينا فرجه في فرجها، مثل المرود في المكحلة، وقال الآخر: لم أره، ولكنّي رأيتهما متجرّدين، وهو جالس منها مجلس الرجل من أهله، فأجمعوا له جميعا على تجرّده، ومجلسه منها مجلس الرجل من أهله، وتفرّقوا في رؤية الفرج، فجلد الذين زعموا، أنّهم قد رأوا فرجه في فرجها، ورآهم قاذفين، فجلّد كلّ واحد منهم ثمانين جلدة، واستتابهم ولم يجلد المرأة، ولا المغيرة، ولا الشاهد الرابع، ولم يستتب المرأة، ولا المغيرة ولا الشاهد الرابع. (1/330)
صفحة 331
ولو كان ذلك بلغ بواحد منهم، عدد عمر كفرا لاستتابه، ولو كان ما ذكر من تجرّدهما وجلوسه منها، مجلس الرجل من أهله، مكفّرا لهما عنده، لكان الشاهد الذي شهد عليهما، بالتجرّد وبالجلوس منها مجلس الرجل، من أهله كفرا، عند عمر لما رماها به، ممّا لم يقبل قوله فيهما، واستتابه من إكفاره إيّاهما بما وصف منهما؛ لأنّ من أكفر مؤمنا فهو أولى بالكفر منه، ولم نجده استتابهما، ولا استتاب الشاهد الرابع، بما رماهما من التجرّد والاجتماع، ولم يجلده كما جلّد الثلاثة، الذين شهدوا عليهما، ولم يستتبه كما استتاب الثلاثة، الذين حدّهم، فوقفنا لوقفه، عن كلّ من كان مثله، فأمر في الوقف. قال الله للثلاثة الذين تخلّفوا: (وآخرون مرجون لأمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم). وهم ثلاثة نفر من الأنصار، مرارة بن ربعي، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، تخلّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، من غير عذر، فأمسك رسول الله عنهم، وأمر المسلمين أن يمسكوا عنهم، ولم يظهر منهم براءة، فوقف حتّى يأتيه الوحي من الله، ولم يكن رسول الله متكلّفا يقول بلا علم، وكان كما وصفه الله في قوله: (1/331)
صفحة 332
(إن اتبع إلا ما يوحى إليّ من ربّي) فما أمره الله ائتمر، وما زجره الله عنه ازدجر، وما سكت الله عنه سكت، حتّى يأتيه به البيان. فلمّا أن وقع حدث الثلاثة، أمسك عنهم، حتّى نبّأه الله من أخبارهم، ولو كان بان له كفر أحد منهم بفعله، لم يتركه رسول الله على كفر، قد بان له منه، لا يستتيبه ولا يقوم بحق الله عليه، فأمسك عمّا لا يعلم، حتّى جاء العلم من الله فيهم، وأنزل توبتهم فقال: (وعلى الثلاثة الذين خلّفوا حتّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثمّ تاب عليهم ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرحيم) وقد بيّن الله أيضا في كتابه، فيما أنزل في أمر عائشة، ما لم يستطيع أحد أيضا ردّه، إذ قال فيها أهل الإفك، ما قالوا وقذفوها بما قذفوها، فلم يقم رسول الله عليهم بحد، ولا قول، إذ لم يأته الخبر من الله فيهم، فاستشار رسول الله في أمر أهله علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، فقال عليّ بن أبي طال: يا رسول الله، النساء كثير، ولم يضيّق الله عليك، وقال أسامة بن زيد: يا رسول الله أهلك، فلا نعلم إلا خيرا، وإن تسأل الخادم يصدّقك، فاستعذر رسول الله على المنبر، فقال: يا معاشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، ووالله ما علمت إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت إلا خيرا، يعني صفوان بن المعطل، الذي وجد عائشة في المكان. (1/332)
صفحة 333
10/ سيرة أبي الحواري محمّد بن الحواري العماني إلى أهل حضر موت
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أبي عبد الله، وأبي عمر، وأبي يوسف محمّد بن يحيى بن عبد الله بن مرّة، وأحمد بن سليمان، ومحمّد بن عمر، وعبد الرحمن بن يوسف، إخواننا من أهل حضر موت، من أخيهم أبي الحواري محمّد بن الحواري العماني. سلام عليكم، أمّا بعد، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيكم بتقوى الله في سرّكم وجهركم، وأن تكونوا على ما أمر الله حريين، وأن تعملوا بالعدل في رعيتكم، وتقسموا بينهم بالسوية، وأن تأمروا بالمعروف، وتجلّوا أهله عليه، وتنهوا عن المنكر، وتردّوه على من عمل به، وتنزلوا كلّ ذي حدث، حيث أنزله حدثه، وفيهم حكم كتاب الله، وتحيوا فيهم سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسيروا فيهم بسيرة أئمّة الهدى في حد الغضب فيكم والرضى، ولا يخرجنّكم الغضب من الحق، ولا يدخلنّكم (1/333)
صفحة 334
الرضى في الباطل، ولا تعاطوا أمر الناس عن قدرتكم عليهم، ما لم يأذن الله لكم فيهم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، واجعلوا الناس عندكم في الإنصاف سواء، واحذروا أن يستميلكم إلى أحد منهم هوى، ولا تركنوا إلى أهل الطمع والجهل والعمى، فإنّ الله قد حذر نبيّه صلى الله عليه وسلم فتنتهم، فقال: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) وقال: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثمّ لا تنصرون). وقال: (ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر، فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الذين لا يعلمون إنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإنّ الظالمين بعضهم أولياء بعض والله وليّ المتّقين) ونوصيكم بطاعة الله، أن تعملوا بها، وتدعوا إلى الوفاء بها، وأن تحضوا على إقامة شرائع الإسلام، والرضا بالحلال، واجتناب الحرام، وأن تعلموا بفرائض القرآن، فيما ساءكم أو سرّكم أو نفعكم أو ضرّكم، وأن تسمعوا وتطيعوا لمن ولاه الله، أمركم فيما أطاع الله فيه، وأن تعاونوا على العدل، وتولّوا أهل طاعة الله، ولا تولّوا أهل معصية الله على معصيته، فإنّ الله قد قال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من (1/334)
صفحة 335
حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه). وازدجروا عن العصبيات والحميات، فإنّها من الأخلاق الجاهلية، وأدّوا إلى الله جميع ما افترض عليكم من فرائضه، وحملكم من أمانته من الصلاة والزكاة، وضعوها في مواضعها، واعلموا أنّ من وفى بها، فهو من الله على رجية، من الإثراء له في سعيه، والإيجاب له منه من ثوابه، والمزيد له من فضله، ومن سترها أو شيئا منها، فقد خان الله، ليس من الله في شيء، وقال الله: (ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير). وقد قيل: إنّ لمن بخل بما فرض عليه من الزكاة في ماله، فلا يقبل الله صلاة من كان في زكاته خائنا، وقد قال: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربّكم وليزيدنّ كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربّك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين). فمن لم يؤت زكاته، لم يقم بما أنزل الله إليه من فرائضه، وشرائع دينه، ومن يبخل فإنّما (1/335)
صفحة 336
يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء (والله هو الغني الحميد) وإيّاكم وتوليد الفتن، وتعاونوا على العمل بكتاب الله، وما أنزل الله من الكتاب والسنن، وما توفيقكم وإيّانا إلا بالله، وصلّى الله على محمّد النبيّ وعليه السلام، وقد وصل إليّ كتابكم تسألون عن خبر معرفة ما قد سبق من أهل عمان وغيرهم، وذكرتم من الأحداث والأمور السالفة، من أهل عمان وغيرهم، وذكرتم في أمر سعيد بن زياد، وكيف كان ذلك. فالذي بلغنا أنّ سعيد بن زياد، بعث قائدا إلى أهل الإحداث من الشرق، فلمّا وصل إليهم، وكان بينه وبينهم، ما قد كان، فلمّا ظهر سعيد عليهم، واستولى على بلادهم، وأراد دمارهم، فبلغنا أنّه بعث رسولا إلى موسى بن أبي جابر، وقال سعيد للرسول أن يقول لموسى بن أبي جابر. وقال سعيد للرسول، أن يقول لموسى بن أبي جابر: إنّ سعيدا يقطع نخيل بني نحو. فقال له موسى فيما بلغنا: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). فلمّا رجع الرسول إلى سعيد بن زياد، وأخبره ما قال موسى بن أبي جابر، أقبل سعيد (1/336)
صفحة 337
بن زياد، على قطع النخل وهدم المنازل، فهذا الذي بلغنا من خبر سعيد بن زياد، وقول موسى بن أبي جابر، وفي ذلك فيما بلغنا قول وائل بن أيّوب، وقد سألوه عن أحداث سعيد بن زياد، وقد قتل وأحرق، وأسد فقال وائل فيما بلغنا: أمّا من قتل سعيد ممّن قتل من المسلمين، فهو حقيق بالقتل، وأمّا من قتل ممّن لا يستحقّ القتل، وما أحرق من المنازل والأمتعة، فإن كان الذي بعثه إماما عدلا، كان ما صنع في بيت مال المسلمين، فبلغنا أنّه قال: فأمّا من حرق ممّن حرق من أصحاب راشد، فلو ألقي في النار، لكان لذلك أهلا، وأمّا من حرق ممّن لن يحرق، فلو كان الذي بعثه إماما عدلا، لكان ذلك في بيت مال المسلمين، فهذا الذي حفظنا من خبر سعيد بن زياد، وما كان من أحداثه، وما كان من قول موسى بن أبي جابر –رحمه الله- لرسول سعيد بن زياد، وحفظنا ذلك عمّن حفظنا من أهل العلم، المأمونين على ذلك، وذكرتم في أمر القادم، الذي قال فيه وارث بن كعب، أنّه لم يأمر بقتله، فالذي بلغنا عن خبر عيسى بن جعفر، القادم من العراق، في زمان الوارث بن كعب –رحمه الله-، فبلغنا أنّ عيسى بن جعفر، لما هزمه الله، وأظهر المسلمين عليه، وقتل من قتل من (1/337)
صفحة 338
أصحابه، وأخذ عيسى بن جعفر أسيرا، وحبسوه في سجن صحار، وخرج الإمام وارث بن كعب، إلى محاربة عيسى بن جعفر، فلمّا بلغ إلى بعض الطريق، إلى قرية يقال لها: سيفم، فلقيه الخبر بهزيمة عيسى بن جعفر، فرجع وارث بن كعب، الإمام إلى عسكر نزوى، فلمّا بلغه أنّ عيسى بن جعفر في السجن، فبلغنا أنّ الإمام وارث بن كعب، قام على الناس خطيبا: يا أيّها الناس، إنّي قاتل عيسى بن جعفر، فمن كان معه قول فليقل، فبلغنا أنّ علي بن عزرة، وكان من فقهاء المسلمين، قام فتكلّم فقال فيما بلغنا: إن قتلته فواسع لك، وإن لم تقتله فواسع لك، فأمسك الإمام عن قتله، وتركه في السجن، فلمّا كان بعد ذلك، بلغنا أنّ قوما من المسلمين، وبلغنا أنّ رجلا منهم يقال له: يحيى بن عبد العزيز –يرحمه الله-، وكان من أفاضل المسلمين، ولعلّه لم يكن تقدّم عليه أحد في زمانه بعمان، يشابه ذكر عبد العزيز بن سليمان بحضر موت، فبلغنا أنّهم انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام، حتّى أتوا صحار في الليل، فتسوّروا السجن على عيسى بن جعفر، لم يشم النار، فهذا الذي حفظنا من قول المسلمين، إذا قتل والي المسلمين في ولايته، أو قتل (1/338)
صفحة 339
قائد المسلمين في مسيره، أو قتلت سرية المسلمين، أنّ دماءهم للمسلمين دون أوليائهم، وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم، كيف ما قدروا عليه، في غيلة أو غير غيلة، وفي ذلك آثار المسلمين قائمة معروفة، فيمن مضى من أوائل المسلمين، وأنّي أكره ذكرها، مخافة ضياع الكتاب، من قبل أن يصل إليكم، وأرجو أنّ هذا ممّا لا يذهب عليكم إن شاء الله، فهذا ما حفظنا من قول المسلمين، وسألتم وكيف كان قتله؟ فالذي بلغنا أنّ الصقر بن محمّد بن زائدة، كان قد بايع المسلمين على راشد بن النظر الجلندي، وأعان المسلمين بالمال والسلاح، فلمّا أزال الله ملك راشد بن النظر الجلنداني الفاسق، وغير نعمته، وأظهر دعوة المسلمين وكلمتهم، فلمّا كان بعد ذلك، خرج قوم من أهل الشرق، من بني هناة وغيره، بغاة على المسلمين، فلمّا ذكروا ذلك للصقر بن محمّد بن زائدة، فلبغنا أنّ الصقر قال: ومن يقول ذلك، وأنّ أخاه مريض عنده في الدار، فلمّا هزم الله البغاة، وظفر المسلمون بهم، تحقّق على أخي الصقر بن محمّد، أنّه كان مع البغاة، فعند ذلك اتهموا الصقر بن محمّد، بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، وكان الإمام يومئذ غسان بن عبد الله –رحمه الله-، فبعث الإمام سرية إلى الصقر بن محمّد بسمائل، وكان ذلك اليوم الوالي بسمائل (1/339)
صفحة 340
رجل يقال له: أبو الوضاح، فرفع أبو الوضاح الصقر بن محمّد إلى الإمام، وخرج أبو الوضاح معه فيما بلغنا، وبلغنا أنّ موسى بن محمّد –رحمه الله- خرج مع السرية، فلمّا كان في بعض الطريق، في موضع يقال له: نجد السحامة، التقت السري وأبو الوضاح، في ذلك الموضع، والصقر بن محمّد، مع أبي الوضاح، وموسى بن علي، معهم فيما بلغنا، فبينما هم في مسيرهم، إذا اعترض قوم من الشراة للصقر بن محمّد، فقتلوه وهم سائرون في الطريق، ولم يكن لأبي الوضاح وموسى بن علي، قدرة على منه الشراة، من قتل الصقر بن محمّد، وبلغنا أنّ موسى بن علي –رحمه الله- خاف على نفسه، فقلت لمن حدّثني بهذا الحديث: فما قال موسى بن علي؟ فقال: إنّ موسى خاف على نفسه، فلو قال شيئا لقتلوه. فهكذا كان قتل الصقر بن محمّد فيما بلغنا وحفظنا، هذا عمّن حدثنا من أهل العلم، المأمونين على ذلك، وبلغنا أنّ الجلندي بن مسعود –رحمه الله- قتل جعفر الجلندي وابنيه النظر وزائدة، على كتاب بيعة كانت (1/340)
صفحة 341
منهم على المسلمين، فلمّا صح ذلك عند الجلندي –رحمه الله-، أرسل إليهم، ولم تكن بينهم محاربة فيما بلغنا، إلا ما ظهر من كتابهم، فقدمه الجلندي، فضرب أعناقهم على ذلك الكتاب فيما بلغنا، وبلغنا أنّ الجلندي فاضت عيناه دموعا، فلمّا نظر إليه أصحابه وعيناه تفيضان بالدموع، قالوا: أعصبيه يا جلندا. فقال لهم: لا ولكن الرحم فيما بلغنا، وكانوا من قرابته جعفر وابناه، فهذا الذي بلغنا من قتل الصقر بن محمّد بن زائدة، والذي بلغنا من خبر الجلندا، وقتله لجعفر الجلنداني وابنيه على كتاب البيعة، ولم يبلغنا ولا سمعنا، أنّ الإمام غسان، كان منه إنكار لقتل الصقر بن محمّد بن زائدة، وكان ذلك في أيّام صدر الدولة وقوّتها بأهلها، وكان في تلك الأيّام جمّة من العلماء، فهذا ما بلغنا من قتل الصقر بن محمّد بن زائدة، عمّن حدّثنا من العلماء بذلك. وسألتم عن المسير، الذي ساره المهنى، إلى بني الجلندي، فالذي بلغنا، أنّ المغيرة بن رسن الجلنداني ومن معه، من بني الجلندا، أو من غيرهم من أهل الفتنة، خرجوا بغاة على المسلمين، وكان أبو الوضاح واليا للمهنئ على توام، فقتلوا أبا الوضاح وهو وال على توام، فلمّا بلغ ذلك المسلمين، وكان أبو مروان –رحمه الله- واليا على صحار، فسار أبو مروان ومن معه من الناس، وسار معه المطار الهندي، ومن معه من الهند فيما بلغنا، فلمّا وصلوا إلى توام، وهزم الله الفاسقين، وقتل منهم من قتل، وهرب من هرب، وفرّق الله شملهم، عمد مطار الهندي، ومن معه من سفهاء الجيش، إلى دور بني (1/341)
صفحة 342
الجلندي، فأحرقوها بالنيران فيما بلغنا، وفي الدور دواب مربوطة من البقر وغيرها، فبلغنا أنّ رجلا من السرية، كان يلقي نفسه في الفلج، حتّى يبتل بدنه وثيابه، ثمّ يمضي يمشي في النار، حتّى يقطع حبال الدواب، وتنجو بنفسها من النار، فبلغنا أنّهم أحرقوا خمسين غرفة أو سبعين، فبلغنا أنّ نسوة من بني الجلندي، خرجن هاربات على وجوههن إلى الصحراء، فلبثن بها ما شاء الله من ذلك، واحتجن إلى الطعام والشراب، وكانت معهن أمة، فانطلقت الأمة فيما بلغنا إلى القرية في الليل، ووجدت شيئا من السويق، وسقاء من أسقية اللبن، فعمدت إلى الفلج، فاحتملت في سقائها من الماء، وأبصرها رجل من السرية، وقد توجّهت بذلك السويق والماء، فأدركها الرجل، فعمد إلى السويق فأخذه وصبه في الرمل، وعمد إلى الماء فأراقه، ثمّ انصرف عنهن خلى النسوة يصرخن، فهذا الذي بلغنا من أمر المسير، الذي سار فيه أبو مروان، إلى بني الجلندي بتوام، وما كان فيه من أمر الحريق وغيره من الأحداث، ولم يقولوا لنا: إنّ أبا مروان، أمر بذلك، ولا نهى عنه، ولعلّه قد نهى عنه، فلم يقدر على ذلك، ولم يقبل قوله، ثمّ بلغنا أنّ الإمام بعد ذلك بعث رجلين إلى القوم الذين أحرقت منازلهم، فدعوا إلى الإنصاف، وأن يعملوا ما وجب لهم من الحق، والله أعلم ما كان بعد ذلك، فهذا الذي حفظنا من المسير، الذي فيه أبو مروان، ولم نسمع أحدا من المسلمين يقول: إنّ (1/342)
صفحة 343
ذلك الحق كان صوابا، بل هو باطل معنا، والله أعلم بالصواب، ولم نعلم أنّ الإمام صار إليهم، وإنّما بعث إليهم قائدا، فيما بلغنا يقال له: الصقر بن عزان، وكان من المسلمين، فبلغنا أنّه توافى معه بتوام، اثنا عشر ألفا من الناس، وسألتم عن أمر دار راشد، هل كان فيها أحد من البغاة، أو لم يكن فيها، إلا أنّ دارا كانت بسمد نزوى، وكانت لقوم توارثوها، وكانت الدار عقودا على الطريق الجائز، وأحسب أنّه كان فوق العقود الغرف، وكانت تلك العقود يقعد فيها أهل الريبة، فبلغنا أنّ امرأة مضت في الطريق، في تلك العقود في الليل، وكانت تلك العقود مظلمة، فاعترض لها رجل من الفسّاق في تلك العقود، فبلغ ذلك غسّان الإمام –رحمه الله- فبلغنا أنّ غسان أرسل إلى أصحاب الدار، وأمرهم أن يهدموها، وحكم عليهم أن يسرجوا فيها بالليل، حتّى ينظروا من يكون فيها من أهل الريبة، فعمد أصحاب الدار فيما بلغنا، وأخرجوا خلف الدار طريقا للناس في أموالهم، وكان الناس يمرّون في تلك الطريق، فلمّا خرجت الدار بعد ذلك، رجع أصحاب الدار إلى الطريق التي كانوا أخرجوها للناس، فأخذوها وعمّروها، ورجع الناس إلى طريقهم الأوّل، ولو أنّ أصحاب الطريق، لم يفعلوا ذلك، لما أمرهم أن يسرجوا في العقود، ولعلّ الإمام كان يهدمها، وهو وجه الحق إن شاء الله، فهذا غسّان، قد أمر يهدم الدار، لما بلغه أنّ أهل الريبة، إنّما يقعدون (1/343)
صفحة 344
في تلك العقود، فكيف لو كان فيها أحد من البغاة، لكان أعظم وأشدّ عقوبة، وذكرتم في كتابكم، تسألون عن جميع ما كان من أوائل المسلمين وسيرهم، في أهل القبلة، من قتل وهدم، فهذا ما نعجز عنه، ويقصر علمنا، وقال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) إلا أن نجيبكم بما علمنا من قول المسلمين وآثارهم، وسألتم عن سلاح أهل البغي، إذا تلف لمن يضمنه المسلمون، ومن قال منهم، أنّه يغرق ويحرق وينهب، إذا استغنى المسلمون عنه، وتقطع عنهم المادة، وقلتم: إنّ هذا كلام وجدتموه عن أبي نضر، وقلتم: هل فرق بين أهل القبلة والمشركين في إتلاف المال، وقلتم: ما الفرق؟ لأنّ أموال المشركين لهم، حتّى تغنم، وهذه لهم، ولا غنيمة فيها. وذكرتم في أمر أبي بكر الصدّيق –رحمه الله- ووصيّته ليزيد بن أبي سفيان، لما بعثه إلى الشام، ألا يقتل شيخا كبير ولا صبيا صغيرا ولا امرأة، ولا تخرب عامرا، ولا تقطع مثمرا، فاعلموا –رحمكم الله- أنّ من الحق والعدل، والذي عرفناه ممّا مضى عليه سلفنا، أنّهم لا يستحلّون دم من خرج عليهم، أو خرجوا عليه من أهل القبلة، إلا بعد الدعوة والإعذار والإنذار، فإذا سار الإمام ومن معه من المسلمين، إلى عدوّهم، لم يبدؤوا بقتال عدوّهم، وليتأنّ لهم حتّى يبدؤوهم بالدعوة لهم، والإعذار إليهم، فإذا دعوهم، فأبوا أن يقبلوا الدعوة، ويكفّوا عن الحرب، جازهم أن يبيّتوهم بعد ردّهم الدعوة عليهم (1/344)
صفحة 345
ومبارزتهم لهم بالحرب. وكذلك المشركون إذا غزاهم المسلمون، ممّن كانت له ذمّة وعهد، أو لم يكن له، فإذا دعوهم فردّوا الدعوة، استحلّوا قتلهم وسباء ذراريهم، وغنم أموالهم، وقد بلغنا عن بعض فقهاء المسلمين أنّه قال: قد بلغتم الدعوة، فلا دعوة لهم، فإذا غزاهم المسلمون في بلادهم، فما دامت الحرب قائمة، ونارها مستعرة، وراية المشركين من أهل الحرب واقفة، فأموال أهل الحرب صرح للمسلمين، أن يأكلوا ممّا ظهروا عليه من أموال أهل الحرب، رغدا بلا حساب، ويطعموا دوابهم بلا حساب، ويغرقوها ويحرّقوها ويقطّعوها ويهدّموها، وتقطع عنهم المادة من بعد إبلاغ الدعوة إليهم، وإقامة الحجّة عليهم، ويردّوا دعوة المسلمين ولا يقبلوها، فإذا وضعت الحرب أوزارها، وقرت بالهدى أقدراها، وأطفأ الله بنصره نارها، حرم ذلك كلّه جميعا، وردّوا الخيط والمخياط، وصارت نارا وشنارا وغلولا، وقال الله –جلّ ثناؤه-: (ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيّامة ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). وقيل هذا في خيانة الغنيمة، فمن أكل من بعد ذلك شيئا، من قبل القسمة، أو أطعم دابته شيئا، من قبل قسمة الغنيمة، أو حرق شيئا من الغنيمة، أو غرقها، أو قطع مثمرا، أو خرب عامرا، فعليه غرم ذلك كلّه للمسلمين، ولا تكون الغنيمة، ولا يجب الخمس فيها، إلا من (1/345)
صفحة 346
بعد الهزيمة، وازدجار العدو، ثمّ تكون الغنيمة من بعد ذلك، في كلّ شيء، ما دون الأصول، إلا أن تكون ثمرة مدركة، فهي غنيمة وفيها الخمس، وإن كانت ثمرة غير مدركة، فهي تبع للأموال، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين وسيرهم، في أهل الشرك، ولا يقتل الشّيخ الكبير ولا الصبي الصغير ولا امرأة؛ لأنّهم ليس عليهم جزية، إلا أن يقاتلوا، فإن قاتلوا قوتلوا حتّى يفوا، وقد قال من قال من المسلمين: إنّ الصبيان إذا قاتلوا قوتلوا، حتّى ينتهوا أو يقتلوا، وإن أعان الشّيخ الكبير، والمرأة على القتال قتلا، وأمّا الصبيان، فلا يقتلوا حتّى يقاتلوا، وإن قاتلوا قوتلوا، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين في أهل الشرك من أهل الحرب، وقد قيل في أصولهم وقراهم، إذا ظهر عليها المسلمون، فقد قيل فيها ثلاثة وجوه، إن شاء الله ردّها على أهلها، وإن شاء الإمام أخرج منها الخمس، وقسمها بين المقاتلة، واحتجّوا بذلك بما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بخيبر، أخرج خمسها وقسم الباقي بين المقاتلة، وإن شاء الإمام جعلها صافية، تكون للآخر يأكلها بعد الأولى، واحتجّوا في ذلك بما فعل عمر بن الخطّاب –رحمه الله- بفارس، جعلها صافية، يأكلها الآخر بعد الأوّل، وإنّما كان عمر جعل فارس صافية فيما بلغنا، واحتجّ في ذلك بقول الله: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) إلى قوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربّنا إنّك (1/346)
صفحة 347
رؤوف رحيم) فبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب –رحمه الله- قال: استوعبت هذه جميع الناس، أو قال: جميع المسلمين، فلذلك جعلها صافية، وهذا هو المعمول به اليوم، فهذا ممّا لا يذهب عليكم إن شاء الله. وقد بيّنا كيف يجوز حرق أموال أهل الحرب، وإغراقها وقطعها وهدمها، خزيا لهم وصغارا، أو إنّما يكون هذا ما دامت الحرب قائمة، كما وصفنا وعرفنا، من قول المسلمين. وقال من قال من الفقهاء: إنّ من كان من أهل الشرك، يغزو المسلمين، فلا دعوة لهم، فإن دعوا فأجابوا فالدعوة حسنة، من أجاب الدعوة قبل منه، وحقن الإسلام دمه، وأحرز ذرّيته وماله. فأمّا أهل القبلة، فلابدّ من الدعوة، فإذا ردّوا الدعوة، حلّ قتلهم وتبييتهم، ولا يحلّ منهم سباء ولا غنيمة، وإنّما أحلّ الله السباء والغنيمة، وسار به رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/347)
صفحة 348
في أهل الشرك، وأمّا أهل التوحيد، فلا إلا ما كان يستعان به عليهم في قتالهم، من سلاح أهل البغي وكراعهم. وفي كتابكم تسألون: وما الفرق؟ لأنّ أموال المشركين لهم، حتّى تغنم وهذه لهم، ولا غنيمة فيها، فاعلموا –رحمكم الله-، أنّ الذي فرّق بين أموال أهل الشرك، وأموال أهل القبلة السنن الماضية، التي يهتدي بها، ليس لأحد فيها اختيار ولا قياس، كما أنّ أهل الشرك من العرب، تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا لهم عهد ولا ذمّة، ولا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام أو القتل. وأمّا أهل الشرك من العجم، تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم، ولهم العهد والذمّة، وكلا الفريقين مشرك، فجاءت بذلك الآثار والسنّة، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبطل هاهنا الرأي والقياس، وإنّما نحن نتّبع ولا نبتدع، وقال الله، وعلى المحصن الرجم، بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاهما زان، وكان على المحصن خلاف، ما على البكر. وقال الله: (الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) وكان طلاق الحرّة ثلاث تطليقات بكتاب الله، وطلاق الأمة اثنتان في الأثر، الذي تركه كفر. وكذلك الفرق بين أموال المشركين وأموال أهل القبلة؛ لأنّ الإيمان يجمع أهل القبلة جميعا، الباغي والمبغي عليه؛ لأنّ الله يقول: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله). (1/348)
صفحة 349
فلم يخرجهم بغيهم من الإيمان، فيحلّ من أموالهم [ما يحلّ] من أموال أهل الشرك. وهذا ممّا يذهب عليكم إن شاء الله، وأمّا قولكم في أموال المشركين، لهم حتّى تغنم، فهو كذلك، هم أملك بها، ما دامت في أيديهم، وليست بحرام على المسلمين، إذا قدروا عليها، إذا كانوا حربا للمسلمين، إنّما تكون أموال المشركين، وهي حرام على المسلمين، ما تمسّكوا بعهدهم وذمّتهم، فإن لم يكن لهم عهد وذمّة مع المسلمين، فأموالهم حلال للمسلمين، إذا قدروا عليها، فإذا غزاهم المسلمون، فقدروا على أموالهم حلال للمسلمين، إذا قدروا عليها، فإذا غزاهم المسلمون فقدروا على أموالهم بلا حرب من المشركين، علم المشركون منهم أو لم يعلموا، فهي غنيمة للمسلمين، وفيها الخمس، ولا يحدث فيها ما حدث من إتلاف لها، وإذا كان على هذه الحال، لم يجز للمسلمين إتلافها، حتّى يخرج منها الخمس، وإذا كانت الحرب قائمة بين المسلمين والمشركين، فلا تكن غنيمة، إلا بعد الهزيمة، وللمسلمين أن يحرقوها ويغرقوها ويخرّبوها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بهم، يخربون دورهم إذا تحصّنوا فيها، ويقطعون نخيلهم، خزيا لهم، وصغارا كما قال الله تبارك وتعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) فإذا وضعت الحرب أوزارها، حرم ذلك على المسلمين، وصارت فيئا وغنيمة، وبطل في ذلك الرأي والقياس. (1/349)
صفحة 350
فإذا قدر المسلمون على أموال أهل الشرك بلا حرب، فهي حلال لهم، وفيها الخمس، كما قال الله تبارك وتعالى: (كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق وإنّ فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) وإنّما كان خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا، يريد أن يلقي عيرا لقريش، وهي مقبلة من الشام، يريد أن يقطعها بلا محاربة، وفي ذلك قال الله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحقّ الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) فكان غنيمة المال بلا محاربة، ففاتهم عير المشركين، ولقوا الحرب من المشركين، فنصره الله عليهم، والشوكة هاهنا هي الحرب، ولسنا إنّا كتبنا إليكم هذا أنّكم جاهلون به، ولكن جوابا لما كان في كتابكم، إلا أن يكون معناكم لغير ما كتبنا به إليكم، فهذا ما عرفنا من قول المسلمين في أهل الشرك، وأمّا أهل البغي من أهل القبلة، فلا يحلّ منهم إلا دماؤهم، من بعد إبلاغ الدعوة، وإقامة الحجّة عليهم، فيدعون إلى حكم كتاب الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وإلى الدخول فيما خرجوا منه من الحق، وأن يلقوا بأيديهم إلى المسلمين، وأن يعطوا الحق من أنفسهم، الذي وجب عليهم، فامتنعوا عنه، فإذا ردّوا دعوة المسلمين، ولم يقبلوها، حلّ قتالهم ودماؤهم، ولا تحرق أموالهم ولا تخرب منازلهم، ولا تقطع أموالهم من قبل (1/350)
صفحة 351
المحاربة ولا من بعدها، ولا يحلّ منهم سبي ولا غنيمة، وإنّما أحلّ الله السبي والغنيمة، وسار به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الشرك، وأمّا أهل التوحيد فلا، فالذي عرفنا من قول المسلمين، عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب –رحمه الله-، في الإمام إذا سار بمن معه من النار، إلى أهل البغي، فكان من جيشه بسط أيديهم في نهب الأموال وإحراق المنازل، فإن ركب ذلك راكب من جيشه، أخذ الراكب لذلك بجنايته في ماله، دون بيت مال المسلمين، فإن لم يصح على فاعل بعينه، وكان جيشه هم الذين ركبوا ذلك بلا رأيه، وصح ذلك عليهم، كان على الفاعلين له، وإن كان ذلك بأمر الإمام ورأيه، وهو يعلم أنّ ذلك خلاف مسيرة المسلمين، ضمن ذلك هو، ومن فعل ذلك بأمره وإذنه في مالهم، دون مال المسلمين، وإن فعل ذلك بإذنه، ورأى أنّ ذلك حلال له، فهذا خطأ، وهو في بيت مال المسلمين، والذي أخذناه من آثار المسلمين الصحيحة، في رجل ولاه الإمام بعض أمور المسلمين، فحرق وعقر النخل والشجر، وقتل الدواب بغير أمر الإمام، الذي ولاه، وأنّ عليه ما عقر وقتل وحرق وأفسد، فغرم ذلك عليه في ماله، إلا أن يكون له في ذلك حجّة بيّنة، وأمره واضح يشهد به أهل الثقة، بأنّ الغرم، الذين صنع، كانوا امتنعوا أن يعطوا الحق (1/351)
صفحة 352
من أنفسهم، ونصبوا له الحرب وقاتلوه، فلم يقووا عليهم، ولم يقدروا على ما قبلهم من الحق، إلا بما صنع بهم، وأنّهم لم يعطوا الحق من أنفسهم، إلى أن يبلغ منهم ما بلغ، فإذا كان ما قتل من الدواب، وعقر من النخل والشجر، وأحرق على هذا الوجه، فعليه غرم ما قتل من الدواب، وعقر من النخل وحرق، وعلى الإمام في مال الله، إذا كان ذلك منه على الشبهة والخطأ، فعلى الإمام أن يؤدّي عنه خطأه، فهذا ما حفظناه من قول المسلمين وآثارهم، أنّهم لا يحلّوا حرق منازل أهل القبلة، ولا قطع أموالهم، امتنعوا ببغيهم أو لم يمتنعوا، والذي عرفنا من قول المسلمين وعلمائهم، أنّ أهل البغي من أهل القبلة، يستعان عليهم بسلاحهم، فما تلف منه في حال المحاربة، فلا ضمان على المسلمين، وهو أصحّ القول عندنا، وأكثر القول معنا، وفيه كفاية لمن أخذ به، وهو الذي نأخذ به، وما بقي منه، ولم يتلف في أيدي المسلمين، فهو أمانة في أيديهم، حتّى يؤدّوه إلى أهله، وإلى ورثتهم، وأمّا أن ينهب أو يحرق أو يغرق، فإذا استغنى المسلمون عنه، فلا نعرف هذا من قول المسلمين، أنّ أموال البغاة تنهب، والنهب هو بمنزلة الغنيمة وأموال أهل القبلة، لا غنيمة فيها، وبلغنا أنّ علي بن أبي طالب يوم الجمل، أمر ألا يجهّز على جريح، وألا يتّبعن موليا ولا غنيمة، في أموال أهل القبلة، ولا سباء على ذراريهم، فمن كان معه شيء (1/352)
صفحة 353
فليردّه، فهذا الذي جاء به الأثر، عرفناه من قول المسلمين، أنّهم على هذا، إلا أنّهم قد اختلفوا في بيوت خزائن الجبابرة، من أهل القبلة، إذا صح أنّه من جبايتهم، فوجدنا عن أبي معاوية عزان بن الصقر –رحمه الله-، أنّ علي بن أبي طالب، لما كان يوم الجمل، وظهر على طلحة والزبير، أخذ ما كان من جبايتهم، وفرقة على أصحابه، وكانوا اثني عشر ألفا، فصار إلى كلّ واحد خمسمائة درهم، فوجدنا هذا في التقييد عنه، وكان عزان بن الصقر، من فقهاء المسلمين، وسمعت فيها نبهان بن عثمان، وهو يقرأ جوابا عن أبي عبد الله محمّد بن محبوب –رحمه الله- في المسلمين، إذا ظهروا على الجبابرة، فما وجدوا في بيت مالهم، وصح أنّه من جبايتهم، واحتاج المسلمون إليه، جاز لهم أن يأخذوه، وسمعنا فيها قولا آخر، أنّ عبد الله بن يحيى، طالب الحق –رحمه الله-، لما ظهر على بلاد اليمن، عمد إلى خزائن الجبابرة من جبايتهم، ففرّقها على الفقراء، فقد بلغنا هذا، وهذا في جبايتهم من الناس، إذا صح أنّه جبايتهم، فأمّا أموالهم التي هي لهم، فلم نعلم أنّ أحدا من المسلمين، أجاز شيئا منها، وفيها قول آخر، وهو المعمول به، المجتمع عليه، أنّ ما في بيوت خزائن الجبابرة، هم أولى به، وذرّيتهم أولى به، وبلغنا أنّ المرداس –رحمه الله- مرّ به مال من جباية الجبابرة، محمول إلى عدوّهم الذي خرجوا عليه، فأخذ من المال عطاءه، وقال لأصحابه: من كان له عطاء، فليأخذ (1/353)
صفحة 354
عطاءه، وترك ما بقي من المال، وبلغنا عن الجلندا بن مسعود –رحمه الله- لما خرج عليه شيبان، فهزمه الله وأشياعه وأتباعه، وخرج خازم بن خزيمة، قال للجلندي: أن يسلّموا إليه سيف شيبان وخاتمه، فبلغنا أنّ الجلندي قال: سيف شيبان وخاتمه أمانة في أيدي المسلمين، حتّى يؤدّوها إلى ورثة شيبان، فأبى خازم أن يرجع عنهم، إلا بذلك، فحاربهم وحاربوه، حتّى قتل الجلندي –رحمه الله-. وقال بعض الفقهاء من المسلمين: إذا ظهر على الجبابرة، فوجد في بيت ما لهم مال وسلاح وطعام، ووجد خيل، فما وجد في أيديهم أو في بيت مالهم، فهم أولى به وذرّيتهم، ولا يحلّ أخذ شيء من ذلك، إلا أن يصح ظلمهم فيه، لأحد من الناس، ببيّنة عدل، فتردّ الظلامة بعينها على أهلها، فإن لم تعرف الظلامة بعينها، وصحّت بالبيّنة العادلة بوزن أو كيل، أخذ ذلك لأهل الظلامة، فما وجد في أيدي الجبابرة، أو في بيت، ما لهم أنّهم أولى به. ونحسب أنّ هذا عن محمّد بن محبوب أيضا، وهو الذي أدركناهم يعملون به، وهذا ما عرفناه من قول المسلمين وعلمائهم من أهل القبلة، وسألت أبا المؤثر، عن جبّار من أهل القبلة، خرج باغيا على المسلمين، وسار معه قوم من المشركين، فقال: إنّ المشركين الذين ساروا مع الجبّار، لهم من الحرمة كحرمة البغاة من أهل القبلة، إذا كان إمامهم من أهل القبلة، كان المشركون معه بمنزلة أهل القبلة، لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم، (1/354)
صفحة 355
وسألتهم: هل يجوز أن يهدم المسلمون مصنعة، قاتل عليها أهل البغي، بعد أن ظهر المسلمون على أهل البغي؟ فالذي عرفنا من قول المسلمين وعلمائهم: إنّ المسلمين إذا ظفروا بعدوّهم، وظهروا ولم يهدموا لهم دارا، ولم يغنموا لهم مالا، فإن كانت هذه المصنعة مرصدا للبغاة، يجتمعون عليها، ويحاربون فيها المسلمين، ويتّخذونها ويتمنعون فيها، فإنّها تهدم وتخرب، وقد قال الله تعالى: (والذين اتّخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله) فبلغنا أنّ المنافقين اتخذوا هذا المسجد مرصدا لقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا مرّ بهم، فبلغنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أحرقه، فإذا كانت هذه المصنعة مرصدا للبغاة، جاز هدمها ونسفها كما وصفنا لكم، ما فعل غسان الإمام –رحمه الله- بأصحاب الدار، وليس أموال أهل القبلة ومنازلهم، كأموال أهل الشرك ومنازلهم، وقد كان أبو المؤثر، يأمر الناس بحرق منازل القوم، الذين دخلوا في دعوة القرامطة، وذلك لما حاربوا القرامطة، وكان يأمر بحرق منازل قوم، دخلوا معهم في دعوتهم، لأن لا يرجعوا يسكنونها، فقلنا له: إن كان هؤلاء القوم بغاة، فعليهم غرم ما أحدثوا، وإن كانوا مشركين، فأموالهم غنيمة، فلم تحرق صوافي المسلمين، فأعرض عن كلامنا مغضبا، وقال: لابدّ لهم (1/355)
صفحة 356
من مخاصم، وكان يحرق منازلهم، لأن لا يرجعوا يسكنونها، وليس الذين أحرقوا منازل الناس، قوما يعرفون بأعيانهم، ولكن أهل دعوتهم، أحرقوا منازل الناس ودمائهم، وكان قد ألحقوا بالشرك، وقد يجمع أهل الشرك وأهل القبلة في أحكام، وفرق بينهم في أخرى، فإنّما الأحكام التي يجمعون فيها، مثل السرقة والزنا، وأمّا الأحكام التي تفرّق فيها، مثل القذف وشرب الخمر، الحد على أهل القبلة، ولا حدّ على أهل الشرك. وكذلك يقطع المادة عن أهل الشرك، من بعد الحجّة عليهم، والدعوة لهم، وكذلك إذا حاربهم المسلمون، وكانوا حربا لهم، وتقطع المادة عن البغاة، من أهل القبلة، من بعد إقامة الحجّة عليهم، وإبلاغ الدعوة إليهم، فيردّوها ولا يقبلونها. فإن قال قائل: ما الفرق بين أموال أهل الشرك، وبين أموال البغي من أهل القبلة؟ كان جوابنا له في ذلك، أن نقول له: إنّ أئمّتنا على ملّة، وإنّا على آثارهم مهتدون، وبالذي مضوا عليه مقتدون، وقد ينسخ التنزيل بعضه بعضا، وكذلك السنن تنسخ بعضها بعضا، وإنّما نعمل بآخر التنزيل، ونعمل بآخر السنن، وقد تنسخ السنّة (1/356)
صفحة 357
ما في الكتاب والسنّة تصديق للكتاب، وقد قال الله: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فديّة مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة) فنسخ الديّة في هذا الموضع، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملّتين». فمضت السنّة، هكذا سمعنا من فقهاء المسلمين، ووجدنا ذلك عن محمّد ابن محبوب –رحمه الله-. وبلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه حد على الخمر أربعين جلدة، وجلّد عمر ابن الخطّاب ثمانين جلدة بعدهما، فوجدنا عن الربيع –رحمه الله- أنّه قال: مضت سنّة من تركها هلك. والمسلمون على ذلك إلى يومنا هذا، يحدّون شارب الخمر ثمانين جلدة، ولو أنّ إماما حدّ على الخمر أربعين جلدة، وقال: هكذا فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر –رحمه الله-، ما قبل منه ذلك، ولزالت إمامته وخلع منها، ووجبت البراءة منه، وبلغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما وادع المشركين عام الحديبة، وكتب الهدنة فيما بينهم: (1/357)
صفحة 358
من محمّد رسول الله؟ فقال له المشركين، عام الحديبية: لو نعلم أنّك رسول الله، ما حاربناك، فضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم على الرسالة، أعني الاسم فيما بلغنا، وكتب: من محمّد بن عبد الله، فلمّا وقعت المكاتبة بين عليّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان في الحكمين، كتب عليّ بن أبي طالب: من علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، إلى معاوية ابن أبي سفيان، فكتب إليه معاوية: لو نعلم أنّك أمير المؤمنين، ما حاربناك فدع عنك اسم الإمارة. فبلغنا أنّ ابن عبّاس –رحمه الله- أشار عليه بذلك، وروي له ما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، ترك اسم الرسالة، لما كره ذلك المشركون، وكتب: من محمّد بن عبد الله. فلمّا أشار ابن عبّاس على علي بن أبي طالب بذلك –فيما بلغنا- فترك اسم الإمارة وكتب: من عليّ ابن أبي طالب، ومن معه من المسلمين، إلى معاوية بن أبي سفيان، فلمّا بلغ لك المسلمين، وصلوا إليه وأنكروا عليه، وقالوا: ما حملك على أن تخلع اسما سمّاك به المسلمون، ولم يقبلوا من ابن عبّاس ما أشار به عليه، وفارقوه على ذلك، حتّى رجع إلى اسم الإمارة. وكذلك هذا الذي حدّ على شرب الخمر، أربعين جلدة، ولم يقبل منه، وقد احتجّ بما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد يجوز للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز للناس، ويجوز للناس ما لا يجوز للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد يحلّ للنبيّ ما لا يحلّ للناس، وقد يحلّ للناس ما لا يحلّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد حرّم الله على النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافقين إذا ماتوا، وأحلّ ذلك للناس، وقد أحلّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم هبات النساء أنفسهن، وحرّم ذلك على الناس، وقد قيل: إنّه حرّم عليه الطلاق، وحلّل الطلاق للناس، لقول الله تعالى: (لا يحلّ لك النساء من بعد ولا أن تبدّل بهن من أزواج). (1/358)
صفحة 359
وإنّما كتبنا بهذا المعنى؛ لأنّه يغفله أهل الخاصة من أهل البصيرة، ويذهب عن العامة، فافهموا –رحمكم الله- المعنى في هذا، وأحاديث هذه الأشياء التي حدثت عليكم، وأغلقت المعنى على العامة، لما نرجو أنّه لا يكون فتنة تحلّ من أموال المشركين، ما لا يحلّ من أموال أهل البغي من أهل القبلة، إلا أن تحرّق البغاة منازل الناس، وتقطّع أموالهم، فإنّهم يعاقبون بمثل ما عاقبوا، وقد حفظنا عن بعض الفقهاء، فيمن يقطع نخل الناس على الحرام، أنّه يقطع من نخله، مثل ما قطع، واحتجّ بقوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وقد قيل: من أحرق بالنار أحرق، وليس لنا ولكم، إلا الحق واتباع آثار من مضى من فقهاء المسلمين، وقال الله تبارك وتعالى: (يا أيّهما الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا) (أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وقال: (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبيّنوا إنّ الله كان بما تعملون خبيرا) (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتّقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون) وقال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب). (1/359)
صفحة 360
وقال الله: (يريد الله ليبيّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم) (ويريد الذين يتّبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) (ولا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل) (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم) (وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتّقوا الله واعلموا أنّ الله بكلّ شيء عليم) (ولا تكونوا من المشركين من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيّعا) واختلفوا من بعد ما جاءهم الكتاب بغيا بينهم، والفرقة عقوبة من الله مهلكة، والألفة رحمة من الله، ونعمة أمر بها في الدنيا، وخصّ بها في الآخرة، وجعلها للذين يتّقون ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وآنوا بآيات الله، واتبعوا رسوله والنور الذي أنزل معه، وأمروا بالمعروف، وما أحلّ الله من الطيّبات، ونهوا عن المنكر، وما حرّم الله من الخبائث، واتقوا الله حق تقاته، وكانوا من المفلحين، فاتقوا الله وكونوا مع الصابرين، واتبعوا سبيل المتّقين، وما وتوفيقنا وإيّاكم إلا بالله، والحمد لله ربّ العالمين (1/360)
صفحة 361
11/ ومن آثار أهل نزوى جوابا من محمّد بن الحسن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال: الجاهل بحرمة الحدث، إذا وافق العالم على البراءة في شريعة اعتقاده في دينه، فقد برئ بما برئ به العالم، ومن لفظ محمّد بن روح فيما أحسب: إذا اتفق في دينونة الحق، بحكم البراءات في جميع المذكور والمسموع من الصفات، واختلفوا في الشهادات، والحكم فيه حكم أهل الدعاوي. ومن جواب محمّد بن الحسن أيضا، وعن إمام عقد له الثقات، وهو غير ولي لك، ثمّ صح عندك العقدة، وحملت لك الولاية على ذلك، ثمّ فسخوا عقدة ذلك الإمام، الذي عقدوا له الإمامة، بعقدهم لذلك الإمام حملت ولايته. قلت: ما حالهم معك جميعا؟ فحالهم (1/361)
صفحة 362
معك جميع من صح معك كفره، منهم برئت منه، ومن لم يصح معك لم تبرأ منه. وعنه أيضا: وعن ولي لك يتولّى من تبرّأ منه، وقد كان كفره شاهرا وغير شاهر، وكان وليّك ممّن يبصر الولاية أو لا يبصرها. أيجوز لك أن تتولّى بولايته؟ فإن كان وليّك يبصر الولاية والبراءة، تولّيت بولايته. وإن كان لا يبصر الولاية والبراءة، لم تتولّ بولايته، وإن تولاك على براءتك، ممّن تولّى هو، وكان من الضعفاء أهل نحلتك، قبلت منه. وإن كان من أئمّتهم، لم يقبل منه، وبرئت منه، إن لم يتب، إلا أن يقيم لك الحجّة في الولاية، من برئت منه، فإن لم يتولّك الضعيف على براءتك، ممّن يتولاه هو، ممّن تبرأ أنت منه برئت منه. وعنه أيضا، وكذلك إن تولاكم على البراءة من عدوّكم، وإلا برئتم منه، بعد إقامة الحجّة عليه، في أمر علي وعثمان، ومعرفة قول المسلمين فيهما. وعن رجل من ضعفاء المسلمين، طلب معرفة الحق، باجتهاد منه، لطلب السلامة والنجاة، فبحث عمّا يلزمه من دين المسلمين، فأرشد على قبول فرائض الله، والعمل بها، في حين وجوبها، وهي الصلاة والزكاة والصيّام والحج، والولاية لأولياء الله، والعداوة لأعداء الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، الذي أمر الله به ورسوله، وقبول نصائح المسلمين، وكان من اعتقاده الولاية لجميع من أطاع الله، وعمل بما يرضى الله، والبراءة لجميع من عصى الله، وعمل بما يسخطه الله. (1/362)
صفحة 363
ثمّ من بعد هذا، فمن صح معه منه، ما يجب عليه فيه البراءة، بحكم المسلمين، بريء منه، ومن صح منه معه، ما يجب عليه الولاية، بحكم المسلمين تولاه. فهل يكون هذا الرجل قد وافق المسلمين؟ وهل يجب على من عرف منه هذا الاعتقاد، أن يقول له: إنّه لا يجتزئ بهذا، حتّى يخرج إلى العلماء، فيبحث عن الأحداث التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأحداث التي كانت في أيّام الصلت بن مالك، وراشد بن النظر، ويسأل عن الباغي في الدين، والناكث فيبرأ منه، وعن الصادق المتمسّك بالحق فيتولاه، فهذا الرجل الضعيف، الذي طلب الحق، باجتهاد منه، على طلب السلامة والنجاة، على ما وصفت من صفته، فهذا على ما وصفت، موافق للمسلمين، فيما أقرّ لهم وظهر منه، ومن يحمل أن يخرج إلى العلماء، فيبحث عن الأحداث التي وصفت، فينبغي لمن حمل عليه، فيما لا يلزمه أن يتوب، ولا يحمل على هذا الرجل، ما ليس عليه في حكم المسلمين. وعنه أيضا: وذكرت في موسى بن موسى، وراشد بن النظر. هل يسع جهلهما؟ فنعم، يسع جهلهما، من لم يلق الحجّة فيهما، وفي حدثهما بأحد المعاني التي تلزم بها الحجّة فيهما، وفي جميع المحدثين من خلق الله في الحكم سواء. (1/363)
صفحة 364
ومن سيرة محمّد بن روح: واعلموا أنّ وقوف الشك، واسع للعالم والجاهل، ودين يدين الله به، وليس هو شك في الحق، ولا خروج منه، وذلك أنّ المسلمين استعملوه، ولا يكون وقوف شك أبدا، إلا فيما يسع جهله؛ لأنّه لا يحلّ الشك فيما يسع جهله؛ لأنّه من شك في البراءة من رجل، وتولّى من برئ منه، فقد برئ منه في حكم الدين، ولا يعتقد الشك دينا؛ لأنّه ليس في الدين شك، وإنّما يكون شك في الحدث، أنّه مهلك أو غير مهلك، وأنّ ذلك الحدث، أحدثه ذلك الرجل أو لم يحدثه، فشكّ في هذا وتولّى من برأ من المحدث، ولا يترك ولايته؛ لأنّه محتمل، أن يكون محدثا أحدث حدث فسق، فقد أصاب من برئ منه، فتولاه على براءته، ومحتمل أن يكون المحدث، لم يخرج حدثه من حكم، فلم يحل له هو أن يبرأ منه على هذا، ولم يحل له هو، أن يترك ولاية وليّه على براءته، ممّن أحدث حدثا، قد علم هو منه حدثه، وشكّ فيه حرام باطل، فقد وافق هو هذا المتبرئ من هذا المحدث بولايته للمتبرئ، وليس للمتبرئ أن يحمل عليه البراءة من المحدث؛ لأنّه لزمه في وليّه الذي أحدث الحدث، وقوف سؤال، ثمّ برئ منه هذا المتبرّئ منه، على حدثه، فظهر من هذا أمر يحتمل أن يكون باطلا.
ومن سيرة محمّد بن روح أيضا: وليس في ديننا إنكار على من تولّى علي بن أبي طالب، إلا على الشريطة، وكذلك ليس لنا إنكار على من برئ من عمر بن الخطّاب، إلا على الشريطة، أنّه كانت سريرة عمر بن الخطّاب (ض) موافقة لعلانيته، (1/364)
صفحة 365
والولاية لعلي بن أبي طالب، وشهرة فضله، لا يخطئ من تولاه على شهرة فضله، فمن تولّى علي بن أبي طالب، لم يحل لنا أن نخطئه، ولا نترك ولايته، بل يجب علينا أن نتولاه. (1/365)
صفحة 366
12/ سيرة سؤال في الولاية والبراءة لبعض فقهاء المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
قد اجتمعت كلمة أهل عمان بحمد الله ومنّه، على أمر واحد، ودين قيّم، وهو دين الله، الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من تولّى الصلت بن مالك –رحمه الله- وبرئ من موسى بن موسى، وراشد بن النظر، ومنهم من تولّى الصلت بن مالك، وتولّى من برئ من موسى بن موسى، وراشد بن النظر، ولم يتولّ من تولاهما، وقوف عنهما وقوف سائل، طالب للحق، مسلم للمسلمين، على دانوا به لله فيهما، وعلى إيجاب السؤال عن المحدثين، إذا علم بحدثهم في معرفة الحكم، إذا اختلف أهل الحق في ذلك، ووقعت التخطئة لبعضهم بعضا، حتّى يعرف المحق من المبطل، من جملة المختلفين، والحمد لله ربّ العالمين.
وإن سأل سائل فقال: ما تقول في أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب (ض)؟ قلنا له: إنّ أبا بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب (ض)، عند المسلمين في الولاية،
فإن قال: من أين وجبت ولايتهما على المسلمين؟ قلنا له: من وجوه شتّى، أحدهما الشهرة؛ لأنّ صحّة إمامتهما شاهرة مع المسلمين، ولا شكّ فيها ولا ريب ولا خلاف. (1/366)
صفحة 367
فإن قلت: فما قولكم في عثمان بن عفّان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين.
فإن قال: من أين وجبت البراءة من عثمان بن عفّان، وقد تقدّمت ولايته، وصحّت عقدة إمامته مع فضائله في الإسلام، وفي تزويج النبيّ له –عليه السلام- بابنتيه واحدة بعد واحدة؟ قلنا: إنّ الولاية والبراءة، هما فرضان في كتاب الله، لا عذر للعباد في جهلهما، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى، أن نحكم وندين له في عباده، بما يظهر لنا من أمورهم، ولم يكلّفنا علم الغيب، ثمّ وجدنا أصحاب النبيّ –عليه السلام- قد قدّموا عثمان إماما لهم، بعد عمر بن الخطّاب –رحمه الله-، ثمّ قصدوا إليه فقتلوه على ما استحقّ عندهم من الأحداث، التي زائل بها الحق وسبيله، فمن قال: إنّ عثمان قتل مظلوما، كان قد أوجب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم البراءة بقتلهم لعثمان بن عفّان، وألزم البراءة من علي بن أبي طالب؛ لأنّه وضعه المسلمون بعد عثمان إماما لهم، على الإمام إقامة الحدود، ولم يغيّر ذلك علي بن أبي طالب، ولم ينكره ولم يقم الحد على من قتل عثمان وحارب من طلب بدمه، وهو طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام، ولو لم يكن مستحقا للقتل، وأنّه مظلوم لكان علي قد كفر لقتاله، لمن طلب بدم عثمان بن عفّان، فلمّا قاتل علي والمسلمون، من طلب بدم عثمان، وصوّبوا من قتله، وأقرّهم علي بين يديه، وكانوا أعوانه وأنصاره، كان دليلا على أنّهم محقّون في قتله؛ لأنّ إجماعهم على ذلك حجّة لغيرهم ودليل، وأمّا قولك: زوّجه النبيّ ببنتيه، واحدة بعد واحدة، فإنّا لا ننكر ذلك، ولا (1/367)
صفحة 368
يكون عثمان مستوجبا للولاية، بتزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم له بابنتيه، ولو كان عقد النبيّ له بالنكاح، موجبا للرجل المشرك، الذي كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد زوّجه بابنته زينب، قبل التحريم بين المسلمين والمشركين، مع قول الله تبارك وتعالى: (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به) فهذا مبطل لاحتجاجك علينا، بتزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم له بابنتيه. وأمّا قولك: إنّه كانت له فضائل في الإسلام متقدّمة، فإنّ الأعمال بالخواتيم في الآخرة، لا بالفضائل الأولى.
فإن قالوا: فما تقولون في علي بن أبي طالب؟ قلنا له: إنّ علي بن أبي طالب، مع المسلمين في منزلة البراءة.
فإن قال: من أين وجبت عليه البراءة، وقد كان إماما للمسلمين، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه مع فضائله المشهورة، وقتاله بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم المشركين. قلنا له: أوجبنا عليه البراءة من وجوه شتّى، أحدهما أنّه ترك الحرب التي أمر الله بها للفئة الباغية، قبل أن تفيء إلى الله، وأحدها تحكيم الحكمين في دماء المسلمين، وفيما لم يأذن الله به الضالين المضلّين، الذين كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يحذّرهما ويخوّفهم أصحابه، (1/368)
صفحة 369
وأحدها بقتله أهل النهروان، وهم الأفضلون من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم الأربعة آلاف رجل، من خيار الصحابة –رحمهم الله-، والأخبار بذلك تطول، ويضيق بها الكتاب، ويتّسع بها الجواب، ولم نعد كتابنا هذا، لشرح جميع أخبارهم، وإنّما أردنا أن نلوّح لكم، ونذكر بعض الذي كان من أحداثهم، لتكونوا من ذلك، على علم ومعرفة، لتعلموا ضلال من ضلّ وخالف وشغب عليكم، وبالله التوفيق.
فإن قالوا: فما تقولون في طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام؟ قلنا له: إنّهما عند المسلمين، بمنزلة البراءة.
فإن قال: من أين وجبت عليهما البراءة؟ قلنا له: بخروجهما على عليّ بن أبي طالب والمسلمين، وطلبهما بدم عثمان بن عفّان، فإرادتهما إزالة علي بن أبي طالب، عن إمامته، وقالا: حتّى يكون الأمر شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم إماما غيره، بعد رضائهما به، وبيعتهما له، وأعطيا صفقة أيديهما، على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى قتال من خرج، يطلب بدم عثمان بن عفّان.
فإن قال: فما تقولون في الحسن والحسين ابني علي؟ قلنا له: هما في منزلة البراءة.
فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة، وهما ابنا فاطمة، ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا له: أوجبنا عليهما البراءة، بتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان، وليس (1/369)
صفحة 370
قرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغني عنهما من الله؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في بعض ما أوصى به قرابته: يا فاطمة بنت رسول الله، ويا بني هاشم، اعملوا لما بعد الموت، فإنّي ليس أغني عنكم شيئا، أو نحو ذلك من الخطاب، فلو كانت القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تغني عن العمل، لم يقل ذلك لهم النبيّ، فهذا نقض لقول من يقول: إنّ القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مغفور لهما، وقد وجدنا الله يهدّد نبيّه بقوله: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) فقد بطل ما خصمت به أيّها الخصم، واحتججت به من قبل القرابة، للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
فإن قال: فمعاوية بن أبي سفيان. في أيّ منزلة عندكم؟ قلنا له: في منزلة البراءة.
فإن قال: من أين أوجبتم عليه البراءة؟ فقلنا له: بمحاربته لعلي بن أبي طالب والمسلمين، وطلبه بدم عثمان بن عفّان، وتحكيم الحكمين، وباغتصابه الإمامة لنفسه دون المسلمين، وبسفكه دماء المسلمين، الذين حاربوه مع علي بن أبي طالب، منهم عمّار بن ياسر، الذي بشّره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجنّة، وغيره من أفاضل المسلمين، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قالوا: فما تقولون في أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص؟ قلنا: هما عند المسلمين في منزلة البراءة.
فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة؟ قلنا له: من وجوه شتّى، أحدها الحكومة، بين علي ومعاوية؛ لأنّهما كانا الحكمين في ذلك، ونبذا حكم (1/370)
صفحة 371
الله وراء ظهورهما، مع ما قد شهر من عدواتهما للمسلمين قبل ذلك، والبغض لهما والبراءة من دينهم والبغي عليهم.
فإن قال قائل: فيزيد بن معاوية. فما قولكم فيه؟ قلنا له: إنّ يزيد بن معاوية في منزلة البراءة.
فإن قال: من أين قلتم البراءة واجبة لازمة؟ قلنا له: من وجوه شتّى، أحدهما بدخوله مع أبيه في الفتن، التي قدّمنا ذكرها، وبولايته لأبيه، وبأخذه الإمارة بعد أبيه، وبقتله الحسين بن علي بكربلاء، وبقتله الأنصار، وأبناء الأنصار بالمدينة، وخرابه منازلهم، وسعيه في الأرض فسادا بعد أبيه.
فإن قال قائل: من أي قلتم: إنّكم أولى بالحق من غيركم، ما أنكرتم أن يكون المخطئون وغيركم المصيب للحق دوننا؟ قلنا له: زعمنا ذلك، وقلنا: وأنكرنا أن يكون الحق في غيرنا دوننا، وإنّا وجدنا الله تبارك وتعالى، قد فرّق بين أهل الصلاح وأهل الفساد في كتابه، في مواضع شتّى، من ذلك قوله –عزّ وجلّ-: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار) في غير موضع من كتاب الله –عزّ وجلّ- التفرقة بينهم، ثمّ وجدنا من خالفنا، يجمع بين أهل الصلاح وأهل الفساد، ويجمع بين القاتل والمقتول (1/371)
صفحة 372
وبين الظالم والمظلوم، فيتولّونهم ويستغفرون لهم، فعلمنا خطأهم من كتاب الله تبارك وتعالى، وضلالهم وخروجهم من الحق، وزيغهم عن سبيل المسلمين، إلا من دان بما ذكرنا، من جمع الجميع، من أهل الصلاح، وأهل الفساد، بمنزلة واحدة، بعد أن فرّق الله –جلّ وعلا- بينهم في المنازل، كان مخطئا متعدّيا آثما، فيما دان الله به في ذلك، معلوما خطؤه بما قدّمنا ذكره في الكتاب، فهذا من أوضح السبل، وأبين الأدلّة، وأقوى حجّة على من خالفنا، وبالله التوفيق. وأيضا فإنّا وجدنا أئمّة المسلمين، الذين هم الحجّة لربّ العالمين، على المستعدين، قد أجمعوا على البراءة، من هؤلاء الذين ذكرناهم بالبراءة، وإجماعهم حجة لنا، وعلينا التسليم لهم، والاتباع فيما دانوا به، إذا كانوا هم الحجّة البالغة؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (أمّتي لا تجتمع على خطأ) معنى قوله: أمّتي هم الذين اتبعوه وسلكوا سبيله، ولم يخالفوه، وليس أمّته كلّ من صلّى وصام وأقرّ بالإسلام، وقد قال الله –عزّ وجلّ-: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فعلمنا أنّ قوله –عزّ وعلا-: (لتكونوا شهداء على الناس) مخصوص؛ لأنّا وجدنا في أهل الصلاة الفسّاق والسرّاق، وسفّاك الدماء، (1/372)
صفحة 373
فعليه أنّ الله تبارك وتعالى، لا يجعل أعداءه هم الشهداء على عباده، ويكونون له حجّة، وإنّما الحجّة لله على عباده، أهل العدل منهم، والصدق والنوّام بالحق دون غيرهم، ممّن ذكرنا، فهذا أيضا دليل على ما قلنا، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فإن قال قائل من الناقضين: ما معنى قول الشّيخ أبي الحسن –رحمه الله-: لم نقلّد ديننا إلا الرجال. كيف تفسير ذلك؟ الذي عرفت من المسلمين، إنّما ذلك، أي لم نقلّد ديننا، الذين لا بصر لهم. وكذلك وجدت في كتاب ينسب إلى أبي المؤثر. قال: والاتساع في رأي العلماء فيما لم يأت فيه كتاب ولا سنّة. ووجدت في سيرة ابن زائدة، على مثل ذلك، وإن اختلف اللفظ. (1/373)
صفحة 374
13/ سيرة لبعض فقهاء المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على جميع آلاته ونعمه، ونعوذ به من حلول سطواته ونقمه، ونستهدي الله بالهدى، ونلجأ به من الضلالة والتسكّع في غمرات الجهالة. وبعد، فقد كانت لأهل عمان دعوة، أطاعوا بها الرحمن، وجامعوا عليها أهل الإيمان، وفارقوا بها حزب الشيطان، وكانوا يدعون إليها من أجابهم، ويظهرون الحق، حيث بلغ طولهم، وكان الحق الذي انتحلوه وقبلوه وفارقوا عليه أهل البدع، أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية خالقه، ولا ولاية لمن عصى الله بالإصرار منه على معصيته، ولم نقصد إلى شرح وظائف الإيمان، فنصف ذلك، وهم الذين كانوا بالحق، وبه يعدلون، حتّى عرض لهما ما يعرضون لأهل عمان من المحن، ونوادر الفتن، وقد قال الله (1/374)
صفحة 375
تعالى: (ولنبلونّكم حتّى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) وقال تعالى: (ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها) فعند ذلك اختبرهم الله بالفتنة النازلة فيهم، فضل كثير من الناس، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه، فحصل بعد ذلك الحق في أيدي بقية من العلماء، وميّز الله الخبيث من الطيّب، وكان الله على كلّ شيء شهيدا، وكان ممّا انفرد به أهل الحق، من جملة المختلفين، أنّه لا ولاية للشاكين في أمر المحدثين، ولا ولاية للمتولّين لأهل الحدث على حدثهم، المقدّمين إماما على إمامهم، بلا حجّة أقاموها عليه، الناكثين عليه الناقضين لعهده، وقد قال الله تعالى: (وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا) وقال تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) ثمّ خمدت بعد تلك الفتنة، دعوة الحق في عمان، وصار بقية من العلماء يظهرون الحق في سيرهم، ويدعون إليه من أجابهم، ويتولّون عليه من قبله منهم، ويطفئون البدع، ثمّ نشأ من بعد ذلك ضعفاء، لا علم لهم، فشكوا في الحق، وتحيّروا وادّعوا منازل العلماء، وكان ممّا دانوا به من الباطل، وانتحلوا من البدع أن قالوا: ليس علينا أن نتكلّف علم ما غاب عنا، لا نتعرّض لما يسعنا جهله، ممّا تقدّمنا، وأنّها قد كانت فتنة لم نعلم (1/375)
صفحة 376
ونعرف المحقّ منها من المبطل، ولا أقام فيها أحد من أهل الحق حجّة، تقطع فيها عذر مبطل، ولا تبيّن فعل مصيب، وأنّ أهل الدار فيها، كلّ مخصوص بعمله، فمن تولّى الجميع تولّيناه، ومن وقف منهم تولّيناه، فضلّوا بما انتحلوا والحم لله، وتركوا القيّام لله بالحق في عباده، ونقضوا عهد الله، الذي أخذه عليهم في القيام بالحق، وأن يبيّنوا للناس إذ كانوا قد ادّعوا منزلة العلماء، وادّعوا على المسلمين قولهم، ولم يروهم حجّة فيما أظهروا من الحق وبيّنوا، وكذّبوهم فيما قالوا، إذ لم يقبلوه، وقالوا: إنّهم يسعهم جهل معرفة ذلك، فنعوذ بالله من أهل هذه المقالة، ومن اتباع أهل الضلالة؛ لأنّهم قالوا: التماس الحق في ذلك، من جملة التجسّس وتحسّس العورة، وزعموا أنّ الله نهاهم عن ذلك، وشكوا في أمر المحدثين، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا». وقال المسلمون: من تولّى محدثا بعد معرفته بحدثه لحق بحكمه. وقد انتحت هذه الفرقة المارقة، عن الحق أقاويل، يوجد صفتها والرد عليهم فيها، في سير المسلمين، وقد بلغنا عنك يا أبا علي، أنّك قد جامعتهم على ذلك، وولّيتهم رقاب المسلمين، ورضيت منهم أن قالوا: إنّهم يتولّون المسلمين على براءتهم من موسى بن (1/376)
صفحة 377
موسى وراشد بن النظر، وأنّهم يتركون ولاية من تولاهما، ويقفون عنهما وقوف سائل مسلم للمسلمين، على ما دانوا لله فيهما، وعلى إيجاب السؤال عن المحدثين، إذا علم حدثهم، فاعلم أرشدك الله، إن كان الأمر على ما بلغنا، فقد ركنت إلى أهل الضلال، وأعيذك بالله من ذلك، وأعلم –أصلحك الله-، أنّ القوم أوهموك، ولم يصرّحوا لك ما عندهم، ولكن اختبرهم يتبيّن لك ما كتموك من باطلهم، وقد قال الله تعالى: (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم). أمّا قولهم: إنّهم يتولّون، فإنّهم إنّما فعلوا ذلك رغبة فيما عندكم من الدنيا، ووجدوا أئمّتهم يقولون: إنّهم يتولّون من يبرأ منه، فتوسّعوا بذلك وتولّوه، على أنّهم غير خارجين من مذهبهم على ذلك. وأمّا قولهم: إنّهم يتركون ولاية من تولّى موسى بن موسى وراشدا، فإنّهم يتولّون لا نعلم أنّ أحدا يتولاهما اليوم، ممّن تلزمنا ولايته، ولو تولاهما متولّ، لما برئوا منه، فافحصهم عن ذلك، وقل لهم ما تقولون فيمن تولاهما، من تولّى راشدا وموسى ممّن تقدّم؟ ما حاله عندكم؟ فإنّ ذلك من أقوى حججك عليهم، ويتبيّن عند ذلك، ما أوهموك من أمرهم. (1/377)
صفحة 378
وأمّا قولهم: إنّا مسلمون للمسلمين، فيما دانوا به فيهما، فاعلم أنّهم إنّما يقولون: إنّ المسلمين هم أئمّتهم، الذين يقولون: إنّ كلا مخصوص فيما يعلمه، وأنّ من خطّأ أولئك فهو المخطئ، فأولئك هم المسلمون الذين سلّموا لهم، فافهم ما غطّوا عليك من اعتقادهم، واعلم أنّ المسلمين إنّما قالوا: إنّهم يقبلون من الضعفاء، إذا جهلوا معرفة حكم الحدث، أن يقولوا: قولنا قول المسلمين، ورأينا رأيهم، وديننا دينهم، ونحن سائلون بعد أن يعرّفهم المسلمون، قولهم في المحدثين، فإذا تولّوهم على ذلك، ولم يكن لهم دين ينتحلونه على دين المسلمين، قبلوا ذلك منهم بعد الدينونة، بالسؤال والبراءة، من جميع أهل الضلال، وترك الشك والارتياب. وأمّا إذا كانوا أهل بدعة، وإنّما يظهرون إلى المسلمين أشياء يوهمونهم بها، أنّهم موافقون لهم، لم يقبل منهم ذلك، وقيل لهم كما قال أبو مودود، حاجب لحمزة القدري، لما قال له: يا أبا مودود، أقبل منّي أن أقول لك، أنّ الحسنة من الله والسيّئة من العباد، فقال له: هي من الناس مقبولة، وأمّا منك فلا، وأنا أعرف مذهبك وما تريد، وكذلك أنت يا أبا علي، إن كنت كما ترجو أنّك على مذهب المسلمين، فقل (1/378)
صفحة 379
لهؤلاء القوم: إنّ المسلمين لا يرون الوقوف عن أهل الإحداث، المستحلّين لإحداثهم، المحرّمة عليهم، واسعا إلا بالدينونة، والسؤال لمن جهل معرفة الحكم، وقل لهم: إنّ موسى وراشدا، قد استحلا ما حرّما بحدثهما، وخروجهما على الإمام، بغير حجّة أقاماها عليه، عند علماء المسلمين من أهل الدار، فلا يسع معرفة كفرهما، فمن قصّر علمه، عن معرفة الحكم، تولّى المسلمين على براءتهم، من هؤلاء المحدثين، وقبل منه المسلمون ذلك، إذا لم يكن له دين ينتحله، غير دين الحق، دان بالسؤال في معرفة الحكم. ويقال لهم: إنّ المسلمين يبرؤون من موسى وراشد، وممّن تولاهما ومن الشادين أعضادهما، ومن وقف عنهما وقوف دين أو شك، أو قال: إنّه يتولّى من تولاهما، ويتولّى من يبرأ منهما، ويتولّى من وقف عنهما، وقد قال: إنّ كلا مخصوص بعلمه فيهما؛ لأنّ هذا مذهب الإرجاء بعينه، فالله الله في نفسك، يا أبا علي، وفي المسلمين، أن يلبس على الضعفاء من المسلمين أمر دينهم، وتدخل في دولة المسلمين، من يتولّى وليّهم، ولا يعادي عدوّهم، فإنّي قد جشمت نفسي لك هذه النصيحة، على ضعف من معرفتي؛ لأنّه روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: إنّما الدين النصيحة. وكان إذا ألد شيئا كرّره، فإن رغب هؤلاء القوم إلى الدخول في مذهب المسلمين (1/379)
صفحة 380
وضعفوا عن البراءة من موسى وراشد، بحدثهم بمعرفة الحكم في ذلك، فأعرض عليهم سيرة المسلمين، التي فارقوا فيها أهل البدع، وبيّنوا فيها ضلالة من ضلّ، ممّن خالفهم، وهي السيرة التي توجد عن أبي المنذر بشير بن محمّد بن محبوب –رحمه الله-، وقل لهم: إنّ المسلمين، هذا قولهم، فإن تولّوهم على ذلك، فهو الحق، والحمد لله ربّ العالمين، وإلا فضع لهم كتابا، أشرح لهم فيه أمر دين المسلمين، على مثال ذلك، فإنّه أشفى وأبين لقطع معذرة الضالين، وليس بيننا وبين أحد من الناس شيء نبغضه عليه، إلا ترك الحق والركون إلى الباطل، وليس علينا أن نحملهم على البراءة، ممّن تقدّم ممّن دخل عليه الخطأ في دينه، ولا يكونون مسلمين إلا بذلك، ولكن إذا أقرّوا للمسلمين بدينهم، تولّوهم عليه، ولم تكن لهم نحلة يدّعون إليها الناس غيره، فهذا هو الحق، ويكون ذلك شاهرا، وتكتب به كتابا، لأن لا يظن ظان الحق، أن كان في أيديهم، كما زعم منهم من زعم، أنّك رجعت إلى مذهبهم، ولا تنبذنّ نصيحتي هذه، خلف ظهرك، وتركن إلى الذين ظلموا، فإنّ الله تعالى يقول: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار) وقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: (لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية. وقال تعالى: (ودّوا لو تدهن فيدهنون) فاستخبر القوم واستبرّ (1/380)
صفحة 381
أمرهم، فإذا وافقوك على مذهب المسلمين، فاجعل ذلك شيئا ظاهرا، يكون لك حجّة عند المسلمين؛ لأنّ المسلمين قد عرفوا موضع مخالفيهم، ولا تجامعهم بغير حجّة. فهل ترضى لنفسك أن تلقى غدا بين يدي ربّك الله تعالى، أئمّة المسلمين، مثل أبي المنذر، بشير بن محمّد بن محبوب، وأبي محمّد بن عبد الله بن محمّد بن محبوب، وأبي القاسم سعيد بن عبد الله، وأبي مالك غسّان بن محمّد بن الخضر، وأبي قحطان خالد بن قحطان، وأبي محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة، وأبي الحسن علي بن محمّد، وجميع أئمّة المسلمين –رحمهم- ضلالتهم، وأنت مجامع لمن خالفهم، وممّن قد بيّن فساد نحلته، وعرف الناس موضع ضلالته، فالله الله يا أبا علي في نفسك، وفي ضعفاء المسلمين، لا تلبس عليهم أمر دينهم، وتخالف على أئمّتك، فإنّهم قد بيّنوا ضلالة من جامعت وفارقوهم، وقد أراد مجامعتهم غيرك من المسلمين، فلمّا لم يقبلوا منه الحق، فارقهم ولم يقاربهم إلى تركه، ولا تدخل في دولة المسلمين، من لا يدين بدين الحق، فإذا أردت موافقتهم على سير المسلمين، الذين بيّنوا فيها الحق؛ لأنّ ليس سبيل هؤلاء، سبيل من يوافقك على دينك، ويريد أن تدخله في ولايتك، فتنسب عليه الإسلام، ثمّ تتولاه على ذلك؛ لأنّه قد بلغنا عن بعض المسلمين، أنّه إذا أدخل ممّن كان يدين بغير دين (1/381)
صفحة 382
المسلمين، ويدعو إليه أن يرجع إلى مذهب المسلمين، فلم يقبلوا منه ذلك، إلا بعد أن يصل إلى من دعاه إلى غير دين الحق، فيعلمه أنّه دعاه إلى غير الحق، ولم يقبلوا منه كما قبلت أنت من هؤلاء، وهؤلاء قوم كانوا يدّعون إلى غير دين المسلمين، فإذا أردت موافقتهم، فافعل كما فعل المسلمون، وإن كنت وافقتهم على الحق، ولم يكن الحق كما شرحنا، فاجعل في ذلك كتابا إلى جميع الصالحين، عن أهل عمان، وعرفهم موضع الحق، الذي اتبعوك عليه، يكن ذلك حجّة عند المسلمين، فهذه نصيحتي لك، فأعوذ بالله أن تنسبها إلى غير ما قصدت إليه، والله على ما نقول وكيل، واعلم أنّك إن ركنت إليهم، بغير حجّة ولا فحص منك لهم عن مذهبهم، وجمجمت الأمر فيه، دعونا المسلمين إلى غير ما دعوت، ووطئنا آثار أسلافنا، والحمد لله ربّ العالمين. فقد شرحت لك اعتقادهم، فافهم ذلك وتبيّنه منهم، وهذه نصيحتي لك إن قبلتها، وحجّتي عليك إن ردّدتها، جعلك الله ممّن يحبّ الناصحين. ونسأل الله أن يهدينا وإيّاك لما يحب ويرضى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على محمّد النبيّ وآله وسلّم تسليما. ورضيت منهم أن قالوا: تتولّى المسلمين على براءتهم منهما، فهلا أغمضت نظرك في الآثار، ورجعت عن ركونك إلى الفجّار، فقد علمت قول أبي سعيد الكدمي، وأبي (1/382)
صفحة 383
روح وأئمّتهم، إذ قالوا: نتولّى المتبرّئ منهما، والواقف عنهما، والمتولّي لهما، إذ حكموا في حكمهما بالدعاوي، فكيف جاز لك قبول هذا، وما نعلم أنّهم لم يروا منهما، لما صحّت الموافقة بينك وبينهم على ذلك، فكيف ولايتهم لمن برئ منهما، فاحذر سبيلهم، إذ أوهموك أنّهم يتولّون المسلمين على براءتهم منهما، وأحكامهم فيهما، فليس الأمر كما قالوا، وإلا فأوضح أمر المسلمين فيهما، الذي حكموا به واختبرهم. هل يتولّون من حكم بذلك الحكم، وأوضح لهم أنّ خروجهما هو البغي نفسه؟ فما قولهم فيمن حكم بذلك، واختبرهم عمّن حكم فيهما بأحكام البدع؟ ماذا يتولّونه؟ وكذلك من حكم في حدثهما بحكم دعاوي من أئمّتهم. ما حاله عندهم؟ وكذلك من حكم في حدثهما، بحكم دعاوي من أئمّتهم ما حاله عندهم؟ وكذلك من حكم في حدثهما بحكم دعاوي، من أئمّتهم. ما حاله عندهم؟ ولو أنّك أغمضت نظرك في مذهبهم، وتصفّحته، لوضح لك ما قلته، وكذلك سيرتهم في البلاد، لو استنبطت عنها لعرفتها، إذ كانوا يضمرون خلاف ما يظهرون، ومنهم من قد اختصصته وقربته وأهلته ليروي، والمعلوم خلاف ما تراه من أشياء تستنبطانها، فهلا فحصت عن سيرته في مال الله، ما يتظاهر عنه فيه، وكذلك استعماله من لا يؤمن من أهل بيته، فطريقته لأصحابه في العقوبات، في الناس من (1/383)
صفحة 384
غير أن جعلت له ذلك، ومنهم من يظهر لك الزهادة في الأمر، وهو أشهى إليه، وتلك شاهد بما أقرّ به، فيما يدخل نفسه فيما لا يعنيه، وله سرائر لو تصفّحتها لظهرت لك، ولا تغترّ بقطافة ألسنتهم، واحذر أن يفتنوك عمّا أنّهم الله به عليك، وانظر لنفسك السلامة، واهرب بدينك، ولا تكن كالسراج يضيء للناس، ويحرق نفسه، واذكر قول الله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار) وقوله: (وما كنت متّخذ المضلّين عضدا). (1/384)
صفحة 385
14/ سيرة لبعض فقهاء المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين، سلام عليكم، فإنّا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، ونوصيكم بتقوى الله والاجتماع على طاعته، وإصلاح ذات البين، وبذل النصائح فيما بينكم، بصدور سالمة، وقلوب صادقة، وكلمة جامعة، والألفة والتعاون، على عون الإسلام، وعقده وميثاقه، واشكروا نعمة الله عليكم، فإنّه قد أنعم عليكم بنعمة، لا تبلغون شكرها، ولا قدرها، إذ كنتم أعداء متباغضين، أذلّة مستضعفين، فمنّ عليكم بالإسلام، رحمة منه، واختصاصا بلا يد حسنة، قدّستموها إلا ما أراد أن يمن به، ويبلو أخباركم، وأنتم بين أظهر قوم، من أفصح ألسنة وأشدّ قوّة، وأبلغ قضية، وأدرى للكتاب، فهداكم الله على ما عندكم وبصركم بما تجهلون، وألّف بين قلوبكم، وجمع بين كلمتكم، وفلج حجّتكم على جميع أهل الملّة، وأعزّ نصركم بعد الذلّة، وكثركم بعد القلّة، وبلغكم ما لم تكونوا تأملون، وسفى صدوركم، وأذهب غيظ قلوبكم على عدوّكم بذنوبهم، وقذف الرعب في قلوبهم، فهذه أعظم نعمة، والتنازع في الأمر بعد الكلمة الجامعة، واليد الواحدة أعظم مصيبة، وأعجلها عقوبة، فاحذروه. (1/385)
صفحة 386
وقد بلغنا خبر راعنا وراع قلوبنا، ما لسنا نصف لكم، وإن جهدنا ممّا وقع فيه التشاجر بينكم، والاختلاف فيما لا يختلف فيه، من يبصر دينه، ويعرف ربّه، ويخشى عقابه، وما لم يختلف فيه أحد من هذه الأمّة قبلكم، فاعلموا أن أحبّ الأمور إلى الله، وإلى المسلمين، أعمّها منفعة وأجمعها كلمة، وأصلح لذات البين، وأنّ أبغضها عند الله وأمقتها عنده وعند المسلمين، ما فرّق الملأ وصدع الشعب وخالف الكلمة، وأنتم قد اختلفتم في رجلين، يلي الله القضاء بينهما عنده، إذا وقفا بين يديه، فاتقوا الله، ثمّ اتقوا الله، فإنّ كلّ من يدعو إلى الفرقة، ويعيب إخوانه، فإنّه صغير المنزلة، مفتن في الحالات، أرأيتم رجلا من أهل الفريقين، وصف الإسلام لبعض من يخالفه، من ظلمة هذه الأمّة، فقبل الرجل ما وصف له، ثمّ ذكر له أمر رجلين، قال المستجيب: أمّا ما وصفت لي فأقبله، وأمّا هذان الرجلان، فوالله ما أذكر أحدهما بولاية ولا ببراءة، ولكن أكف عنهما وأصمت. فإن قلتم كان ذلك يسع، فقد صدقتم. وإن زعمتم أنّه لا يسع حتّى يبرأ من أحدهما، ويتولّى الآخر، فقد علمتم أنّ جميع من خالفكم، ممّن ترضون برأيه، وتردّون إليه فقهه، ما ألبس عليكم، لم يصدّق واحد من الفريقين على الآخر، فيقطع عذره، لكنّا ومن قبلنا، لا نقطع بالبراءة، ولا نعجّل عجلة (1/386)
صفحة 387
خرق ولا نسفه سفه جاهل، كلّ براءة تدعو إلى الفرقة. فإن قال أحدهما: إنّي عاينت من أحدهما ما لا تسعني، إلا البراءة ممّن يتولاه، فإنّا نسأل كذلك، أرأيت إن رأيت رجلا مسلما يزني، أو يسرق، أو يعمل، ممّا يوجب به عداوة الله وعذابه، فجاء الذي رآه، فقال: إنّي رأيت فلانا يعمل بكذا وكذا، لعنه الله وأنا بريء منه، ولم يره أحد غيره، وينكر الرجل ما قيل فيه. أتبرؤون منه كما برئ منه الرجل الذي رآه؟ فإن زعمتم أنّه لا يسعه إلا البراءة في السر والعلانية، فقد ضيقتم وكلّفتموه، ما لا يطيق، وألجئ إلى الشر والضيق. وإن زعمتم أنّه لا يسعه إلا البراءة منه في السر، ويتولاه في العلانية، فذلك الحق وذلك الذي أردنا منكم. والذي نريد منكم، أن تكفروا شيعكم، وما تفرّقون به بين المسلمين، ويشتغل بعضكم ببعض عن عدوّكم، فإن كنتم لابد فاعلين، ففي أنفسكم، ولا تظهروا ما يفرّق به بلادكم ويبعد ويخالف بين كلمتكم. واعلموا أنّه لم يهلك من هلك من هذه الأمّة، إلا بالبغي والتكلّف والترك، لما أمر الله به، فأنا آمركم بما أمركم الله به، من الاجتماع من الألفة والأخوّة والعصمة بالطاعة، وهي الحبل المتين، ومن دعاكم إلى ما لم يكلّف الله العباد بمعرفته، وفي الإجابة إليه تفريق وتشتيت، وتفريق جماعتكم وفساد ذات بينكم، فاحذروه واتّهموه واهجروه واعرضوا عنه، ولا تقبلوا قوله، ولا تجيبوا دعوته، فإنّه أقرب الناس إليكم ضرا، وقولوا جميعا (1/387)
صفحة 388
نستعين بالله من جميع ما أصبنا ممّا لا ينبغي، ونحن نتمسّك بالدين، الذي كنّا عليه قبل الاختلاف، في الحلال والحرام، والدعوة التي كنّا عليها، وما اختلف الرجلان في رقابهما، والله ولي الحساب بينهما. ومن أظهر الرضا بالإسلام قبلنا منه، ولم نتعنّته ولم نلتمس ما وراء ظهره، ولم نكشف، ممّا ليس لنا كشفه، ولا ينبغي لنا بحثه. ومن زعم أنّ هذا لا يسعه، حتّى يبرأ من أحدهما، ويكلّف العباد البراءة منه، ويتولّى أحدهما، ويكلّف العباد ولايته، فإنّا نسأله الحجّة على ذلك، نسأله عن رجل أصاب بعض ما يصيب الناس من الذنوب، التي تجب فيها الحدود، فأقيم عليه الحد، فمات. فما منزلته؟ فإن زعمتم أنّه عدو لله، فقد صدقتم، ونحن نسألكم عن رجل من المسلمين، يسأل عن ذلك المحدود، وما منزلته؟ قال: والله لا أدري، ولكن أبرأ منه، ولا أتولاه، فإن زعمتم أنّ ذلك يسعه، فقد أصبتم، وإن زعمتم أنّه لا يسع الشك في المحدود، وأنّ السائل فيه هالك، فقد خالفتم جماعة المسلمين، وأنتم إذا ليس فيكم جاهل، ولا يسلّم عندكم إلا عالم بالأمور كلّها، وهذا أضيق ما يصير الناس إليه من القول، وما لم يسبقكم إليه أحد من (1/388)
صفحة 389
هذه الأمّة علمناه، وإن أبيتم ألا توسعوا لمن يجهل المسلمين، وقد قال الله تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيّامة ومن أوزار الذين يضلّونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون) فليحذر كلّ امرئ منكم، أن يقول قولا فيه فساد، وفرقة وعيب بضعيفهم وجاهلهم، فهل لأمره زجرة لعدوّهم، فقد أثم وأتى من الأمر، ما لا يحلّ، وليس من أخلاق المسلمين، بل المسلمون أهل ستر وتعاطف وبر ونصح ونظر لله في الخاصة والعامّة، فنذكركم الله وبالإسلام وحقّه وحرمته، لما أخذتم في أمركم في الذي بينكم، والذي يجمع الله به، شملكم وكلمتكم، ويصلح به ذات بينكم، ويذهب نزغ الشيطان عنكم، هذا جهدنا بالنصح والشفقة، فإن تقبّلوا حظ أنفسكم، وإن تردّوا فقد أعذرنا إليكم النصيحة والحجّة، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله محمّد النبيّ وآله وسلّم تسليما. (تمت السيرة). (1/389)
صفحة 390
15/ عن القاضي أبي عبد الله محمّد بن عيسى –رحمه الله- في الفرق بين الإمام العالم وغير العالم
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذي أوتوا الكتاب لتبيّننّه للناس ولا تكتمونه) ألا فاعلموا –رحمكم الله- أنّه قد ظهر في الإمامة بعمان، أمور وأسباب، تخوّفا معها وقوع الالتباس على منتحلي الدين والشبه على ضعفاء المسلمين، فرأينا أن نبيّن ما وجدناه في الأثر، وحفظناه عن أهل العلم والبصر، خوفا أن يضيق علينا، كتمان ما علمناه، وترك ما حفظناه، ووجدنا مع ضعفنا وقلّة بصيرتنا وعلمنا، فمن وقف على كتابنا هذا، فلا يأخذ منه، إلا ما وافق الحق والصواب، وأنا أستغفر الله من كلّ خطأ منّي فيه، وفي غيره، وما التوفيق إلا بالله، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله محمّد وآله وسلّم. (1/390)
صفحة 391
اعلموا أنّه قد بلغنا عن بعض أهل زماننا، أنّهم يقولون: من جاز لهم ولايته، جاز لهم عقد الإمامة عليه، وتفويض أمور الأمّة إليه، كان عالما أو غير عالم، وأنّه يجوز للإمام الذي هو غير عالم، أن يتصرّف في أمور المسلمين، تصرّف الإمام العالم، وأنّه لا فرق عندهم في ذلك، بين العالم وغير العالم، فهذا –رحمكم الله- فيه الفرق البعيد، والبون الشديد. قال الله تعالى: (قل هل يستوي الذين لا يعلمون والذين لا يعلمون). وقد وجدنا وحفظنا في الإمام، أن يكون عالما، وأقلّ ما يكون في منزلة من يجوز للإمام أن يجعله واليا، ولا يجوز للإمام أن يجعل واليا على التفويض، ولو كان وليّا، إلا أن يكون عالما، وأقلّ ذلك، أن يكون عالما بأحكام الولاية والبراءة، وأمر الإمامة أعظم من أمر الولاية، فمن كان لا يجوز للإمام أن يولّيه، على جانب من المصر، لقلّة علمه، وضعف بصيرته، وكيف يجوز للمسلمين أن يقلّدوا الإمامة على المصر كلّه، ويفرضوا إليه أمور الأمّة، وكيف يجوز له الدخول فيما لا يعرف عدله، ولا يهتدي سبيله، وهذا مشهور معروف في الآثار، إلا أنّه يوجد عن بعضهم، أنّ الإمام إذا لم يجد واليا كافيا، ممّن له علم وبصر، ووجد واليا فيه جلد وقوّة وكفاية، وله عنده ولاية، وهو قليل العلم، ضعيف البصر، جاز له أن يولّيه، ويجعل عليه مشرفا، ينظر صنيعه وسيرته، ويتفقّد أمره ورعيّته، فإن تبيّن له عنه، ما يوجب عزله عزله، وقيل: هكذا كان (1/391)
صفحة 392
يفعل عمر بن الخطّاب –رحمه الله- في شيء من ولاته. وأمّا إذا ولّى من له علم وبصر بعدل، ما يولّيه عليه، لم يلزمه أن يجعل عليه مشرفا، ولا يلزمه البحث عن أموره، ولا عن سيرته، إذا كان له إلا أن يطّلع منه، ويظهر إليه عنه، ما يوجب عزله، فإنّه يعزله، وهذا الفرق بين ولاية الوالي العالم، والوالي الذي هو غير عالم. وأمّا الفرق بين الإمام، الذي هو عالم، والذي هو غير عالم، فالذي يوجد في الأثر عن المسلمين، إذا قدروا على عالم، يصلح للإمامة عقدوا عليه، وفوّضوا الأمور إليه، وإذا لم يقدروا على عالم يصلح للإمامة، وخافوا على أنفسهم وبلادهم، أن يستولي عليها الجبابرة وأهل الخلاف، وتذهب دعوتهم، ولم يجدوا من يقدّمونه إماما، إلا رجلا قليل العلم، ضعيف البصيرة، وهم لهم ولي، وعندهم ورع، أنّهم يقدّمونه إماما على شروط يشترطونها عليه في العقد، فيما لا علم له به، من أمور المسلمين، أن لا يفعله إلا بمشورة أهل العلم من المسلمين، ويبيّنوا له جميع ذلك في شروطهم فصلا فصلا، وإنّما هذا عند الضرورة التي وصفناها، وإذا وجدوا إماما على هذا الوجه، لم يدخل في شيء، لا يعلمه ولم يفعل شيئا لا يعرف عدله، فإن وجد أحدا من أهل العلم شاوره، وولاه الأمور وجعله حجّة يلقى الله تعالى بها. (1/392)
صفحة 393
وإذا كان غير عالم بأحكام الولاية والبراءة، فإنّه يوجد أن لا يتولّى أحدا ببصر نفسه، إلا أعلام المصر، وإن وجد أحدا من الأعلام، فمن توجب له الشهرة والولاية، فلا يسع جهل ولايته. وكذلك يتولّى برفيعة عالم مصره، إذا رفع إليه ولاية رجل، وقال: إنّ فلانا بن فلان ولي له، أو قال: ولي المسلمين، أو قال: إنّه يعتقد ولايته، وألفاظ الرفيعة أكثر من هذا، فإن رفع إليه ولاية رجل، بلفظ لا يعرفه، أنّه رفيعة صحيحة، أو غير ذلك، فيسأل من قدر عليه من العلماء عن ذلك اللفظ، فإذا أفتاه العالم أو قال: إنّ تلك رفيعة يجوز له أن يتولّى بها، عمل يقول العالم وفتياه، وتولّى بحجّته. وإذا كان الإمام غير عالم بأحكام الولاية والبراءة، وهو من لا يجوز له أن يتولّى ببصر نفسه، لقلّة علمه، ثمّ رفع إليه العالم، ولاية رجل، بلفظ تام، يجوز له ولاية الرجل به، فتولاه برفيعته، فلا يولّيه على شيء من أمور المسلمين، من حرب ولا حكم ولا ولاية، على بلد، إذا لم يعلم أنّه عالم بعدل، ما يولّيه عليه، حتّى يقول له العالم بأنّه عالم بعدل، ما يولّيه عليه، أو أنّه ممّن يجوز أن يولّيه على الأمر، الذي يريد يولّيه عليه، ثمّ حينئذ يجوز له أن يولّيه على ذلك، وأمّا الرفيعة وحدها فلا، فهذا هو القول. وإن كان قد قال من قال: إنّه عند الضرورة، يجوز له أن يولّيه على بلد، إذا كان له وليّا، وجعل عليه مشرفا، ولا يجعل إليه الحكم، وإذا جعل الإمام واليا عنده، أنّه غير عالم بالأحكام ويخاف (1/393)
صفحة 394
أن يحكم بلا علم ولا بصر، فإنّه يتقدّم إليه ويشرط عليه، أن لا يحكم بين الخصوم، ويوجد أيضا في الأثر، أنّ الإمام لا يؤمر على حريه، ولا يولّي على رعيته، إلا من كان عنده، أنّه عالم بعدل ما يولّيه، أو على محاربة عدوّه، غير عالم بما يولّيه عليه، أنّه يستتاب من ذلك ويشدّ عليه، وقد قدّمنا ما يوجد عن بعضهم عند الضرورة، فاسألوا عن جميع ذلك، ولا تأخذوا منه إلا ما وافق الحق والصواب. وإذا عدم الإمام واليا عالما بعدل، ما يولّيه عليه، ووجد رجلا له ورع وفضل، وهو له ولي، إلا أنّه غير عالم بعدل، ما يولّيه عليه، فولاه على بلد، ورسم له في كلّ أمر يحتاج إليه، رسما وفسّره له وعرّفه وجه الحق فيه، وأن لا يعمل فيه إلا بمشورته، ولم يخف منه مخالفة فيما شرطه عليه، فلعلّ قد أجاز ذلك من أجازه، فاسألوا عنه المسلمين، والكتاب الذي يكتبه الإمام، ببيان ما يبيّنه له غير كتاب العهد، وأمّا كتاب العهد، الذي يكتبه الإمام للوالي، إنّما هو إذا كان الوالي عالما بعدل ما يولّيه عليه، فأمّا الضعيف، فقد بيّنا لكم ما عرفناه فيه، ولو كان الوالي العالم وغير العالم، والإمام العالم وغير العالم، بالسوية في الأمر والنهي، والحل والعقد، كما توهّم من توهّم، لاستوى العلم والجهل، ولم يكن للعلم فضل على الجهل، وقد قيل: من عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح. وأيضا: فقد بلغنا عن بعض أهل زماننا، كلام أوحشنا، أنّ الإمام إنّما يطلب لها، من كان له قوّة من المال والرجال، ولو كان معروفا بارتكاب الكبائر، وانتهاك المحارم، فإنّهم إذا (1/394)
صفحة 395
أرادوا أن يقدّموه إماما، طلبوا منه التوبة، فإذا تاب وافقوه على نسب الإسلام، واستداموه ثلاثة أيّام، وعقدوا عليه الإمامة، وفوّضوا إليه أمور الأمّة، وأوجبوا له على المسلمين الطاعة، ويحتجّون بما فعلته الجماعة، في تقديم الخليل بن شاذان، إماما بعد استتابتهم له، وموافقتهم إيّاه على نسب الإسلام، ولعلّهم أيضا يحتجّون بما يوجد في الأثر، أنّ رجلا من المسلمين، استبرأ رجلا واستدامه وتولاه، في ثلاثة أيّام، ولعلّهم يحتجّون أيضا، بما يوجد في الأثر، أنّ الولاية بالموافقة، في القول، والعمل من غير أن يجد واحدا، فاعلموا أنّه يوجد في الآثار، كثير على نحو هذا، وله تأويل وتفسير، فتخوّفنا أن يجهلوا تفسير هذه الآثار، وما فعله من تقدّم من الأخيار، فيوسعوا لأنفسهم ما لا يسعهم، ويستحلّوا به ما لا يحلّ لهم، وقد قيل: كلّ من تعسّف مذاهب السلف، بغير علم، حرم التوفيق، وقد قال الله تعالى: (يحرّفون الكلم من بعد مواضعه) وقال –عزّ وجلّ-: (وإنّ منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من (1/395)
صفحة 396
الكتاب وما هو من الكتاب) وقد قيل: إنّ للعلم تأويلا وتفسيرا، كما أنّ للقرآن تفسيرا، فليس كلّ من حفظ شيئا من العلم، أحسن تأويله، فنحن نضعف ونعجز عن تفسير الآثار المتقدّمة، غير أنّا نقول ما حفظناه ووجدناه، خوفا أن يضيق علينا كتمان ما علمناه، والله تعالى نسأله التوفيق والهداية، إلى أوضح الطريق. فاعلموا –رحمكم الله- أنّ للنّاس منازل مختلفة الأحكام في الولاية والبراءة، يطول شرحها، ويكثر وصفها، وقد بيّن المسلمون في آثارهم، ما فيه شفاء لمن تصفحه واعتبره، إذا أخلص لله تعالى نيّته، ولم يتأوّله على غير تأويله، ولم يحرف الكلم عن مواضعه، فأمّا من احتجّ بفعل الجماعة لما أرادوا تقديم من قدموه إماما، استتابوه ووافقوه، وعقدوا له الإمامة، فالذي سمعنا أنّ ذلك الرجل، كان قد ظهر منه صلاح وحسن طريقة ونزاهة ووفاء عهد وقبول من المسلمين، في أيّام إمام غيره، فلمّا حدث بالإمام ما حدث جدّدوا له توبة على صلاح، قد عرفوه منه، قبل حاجتهم إليه، وقبل تعريضهم له بالإمامة، فهذا وجه يرجى فيه السلامة، وأمّا أن يعترضوا رجلا معروفا بالفساد في دينه، ممّا يحرمه على نفسه، ويطلبوا منه التوبة والموافقة على نسب الإسلام، فيعطيهم ذلك طلبا للدولة والمملكة، فكيف تجوز (1/396)
صفحة 397
لهم ولايته على هذا؟ وكيف يجوز لهم عقد الإمامة عليه، وتفويض أمور الرعية إليه، وهو في موضع التهمة والارتياب؟ والموجود في الأثر، أنّ الإمام، إذا تظاهرت عليه التهمة، بما يعطي المسلمين من التوبة، جاز لهم عزله، ولا يكون إماما تهيما، فإذا كان الإمام الذي ثبتت إمامته، ونفذت أحكامه، ووجبت طاعته، يجوز عزله يتظاهر التهمة عليه، فكيف يجوز لهم عقد الإمامة على من هو موضع التهمة والارتياب؟ وقد قال الله تعالى: (أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسّس بنيانه على شفا جرف هار) ويوجد أنّ عثمان إنّما عزلوه وحاربوه، لما نزل عندهم بمنزلة التهمة، فيما يعطيهم من التوبة، وخافوه على دمائهم، فعند ذلك استجازوا عزله ومحاربته حتّى قتل، وكان من أفاضل الصحابة، فكيف يجوز لأهل هذا الزمان، أن يعترضوا رجلا، قد عرف بالفساد في دينه، وطمع بالإمامة والمملكة إذا أظهر التوبة؟ فهذا في النظر كأنّه إلى التهمة أقرب وأشدّ في النظر وأبعد، وإنّما الاستصلاح الذي ترجى فيه السلامة، أن يكون رجلا معروفا بالستر، والعفاف عند من يعرفه من أصحابه، ولم يشهر له فضل عند الناس، ولم تثبت له ولاية عندهم، فاستصلحوه ووافقوه، وتولّوه على قاعدة تجوز بها ولايته، فإنّا نرجو له السلامة، وهذا إنّما يبصره ويدخل فيه أهل العلم والبصر، وأمّا الضعفاء، فلا ولاية تؤخذ برأيه، ليس للضعيف أن يتولّى ببصر نفسه، إلا من قد قامت عليه الحجّة، وأوجبت له الشهرة الولاية، مثل إمام مصر (1/397)
صفحة 398
وعالم مصر ونحو ذلك، وإنّما قالوا: يتولّى بالموافقة من كان عالما، بأحكام الولاية والبراءة، وأمّا الضعيف فلا. وفي هذه المسألة وحدها كفاية، عمّا أردناه؛ لأنّه إذا كان عالما لم يخف عليه الوجه في ذلك، وإذا كان ضعيفا، وقف ولم يدخل في شيء، لا يعرف عدله، وإنّما المخافة على ضعيف، لا يدري أنّه ضعيف، فيتأوّل الآثار على غير تأويلها، ويعدل بها عن جهتها، فيقتدي به من هو أضعف منه، ويتّبعه على خطئه، فيصير الجهل عندهم علما والباطل حقا، أعاذنا الله وإيّاكم من هذه الصفة. ووجه آخر: أن يكون الرجل متديّنا بين ضلال، ويستحلّ شيئا من الحرام، وعنده أنّه حلال، ولا يعرف بفساد في دينه، إلا في مثل هذا، الذي ذكرناه، فإنّه إذا تاب من ذلك، ورجع إلى دين المسلمين، كان من التهمة أبعد، وإلى سكون النفس أقرب، فإن تولاه أحد بعد توبته لوقته، لم نعنفه ولم نعب عليه، إذا كان عالما، وأمّا الضعيف فقد تقدّم القول فيه. ووجه آخر: أن يكون الرجل يرتكب من المعاصي، ما يحرمه على نفسه، ثمّ تاب ولم يعرف أنّ توبته بنيّة صادقة، أو غير ذلك، فهذا خبيث النيّة، ويخاف منه المعاودة. ويوجد في الأثر: إنّه يستدام ويستبر أمره، حتّى يعرف حسن توبته، وإنابته وتطيب (1/398)
صفحة 399
القلوب من جهته، ولعلّ قد قال من قال: يستدام سنة كاملة، ثمّ حينئذ نرجو أن تجوز ولايته، لمن كان عالما بأحكام الولاية والبراءة. ووجه آخر: أن يكون الرجل يعرف بالصلاح، في أكثر أموره، وتنكر منه الخصلة والخصلتان، فهذا أيضا في الاستصلاح أقرب. ووجه آخر: أن يكون الرجل محافظا على دينه، وتجري منه الهفوة، وهذا يستر عليه، ويؤخذ بيده، وتقبل توبته، وتقال عثرته. وأمّا أن يكون الرجل يرتكب المحارم، ويتجرّأ على المظالم، مع علمه أنّها حرام عليه، ثمّ تاب لطمع إمامة أو مملكة أو تزويج بامرأة أو غير ذلك من أمور الدنيا، ويكون توبته لما ذكرناه، ولم تكن لله تبارك وتعالى، فهذه توبة كأنّها زيادة في ذنبه، فكيف تجوز ولايته؟ وكيف يجوز تقديمه إماما على رقاب المسلمين؟ فافهموا ذلك، ومنازل الناس وأحوالهم في التوبات والاستصلاح والولاية والبراءة، ممّا يكثر وصفه، ويطول شرحه، ولكلّ منزلة حكم خلاف، حكم منزلة الأخرى، فمن حمل الناس كلّها، على حال بغير دليل، خفنا عليه أن يضلّ عن سواء السبيل، فافهموا هذا الفرق في ذلك، ولا تحملّنكم الشهوة لصلاح دنياكم، بفساد دنيكم، وانظروا لأنفسكم ما فيه السلامة لها غدا، (1/399)
صفحة 400
فإن أردتم تقديم إمام، وظفرتم برجل منكم، له قوّة ورجال، على ما قد وصف المسلمون في سيرتهم وآثارهم، كانوا هم الشفاء والرجاء والصلاح، للدين والدنيا، وإن عدتم عدنا، فلا تجعلوها في غير موضعها، ولا تسندوها إلى من ليس هو لها بأهل، طمعا في قوته ورجاله وعشيرته وجاهه، ولكن توخّوا لها أفضلكم دينا وورعا، وأكثركم علما عقلا، وقد بيّنا لكم في أوّل الكتاب، ما يوجد في تقديم العالم وغير العالم، وتوكّلوا على الله، واستعينوا به، فإنّه القائل: (قل اللّهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شيء قدير). فمن وقف على هذا، فلا يأخذ منه، إلا ما وافق الحق والصواب، وأنا أستغفر الله تعالى، وتائب إليه من كلّ خطأ منّي فيه، وفي غيره. (1/400)
صفحة 401
16/ وعنه أيضا: شروط شرطها القاضي أبو عبد الله محمّد بن عيسى السري –رحمه الله- على راشد بن علي وأصحابه
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد، فإذا طلبتم منّي الاجتماع والألفة، وبذلتم من أنفسكم قبول النصيحة، فإنّي راغب في مقاربتكم وموافقتكم، وكاره لمباعدتكم ومفارقتكم، غير أنّه لا يصح اجتماع، إلا على طاعة الله وطاعة رسوله، فإنّه جعل في طاعته المحبّة والاجتماع والألفة، وجعل في معصيته العداوة والبغضاء والفرقة، فإن أردتم منّي اجتماعا في الظاهر، فإنّي لا (1/401)
صفحة 402
يمكنني من ذلك، غير ما أنا فاعل، وإن أردتم اتفاقا في الظاهر والباطن، فحتّى أرى منكم، غير ما أنتم عليه، والله لا يستحي من الحق ولا ادهان في الدين، ونحن غدا مسؤول بعضها عن بعض، وقد قال الله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإنّ الله كان بما تعملون خبيرا). وقد أنزل الله كتابه وأرسل رسوله وأوضح دينه، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام، وقد تقدّم من المسلمين خلفاء وقضاة وأئمّة وولاة أخبارهم شاهرة، وسيرهم معروفة، فمن اتبع سبيلهم اهتدى، ومن خالفهم ضل وغوى، وقد قيل: اتبعوا ولا تبتدعوا. وقيل: شر الأمور محدثاتها. وقيل: كلّ شيء ذهب منه شيء بقي منه شيء، إلا الدين، فإنّه إذا ذهب منه شيء، ذهب كلّه، والمسيء مخذول، والله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون، فأوّل ما اشترطه عليكم، أن تنصحوني وتعرفوني عيوبي، وأن تقبلوا نصائح المسلمين، ولا تردّوا الحق على من جاءكم به، بعيدا كان أو قريبا، بغيضا كان أو حبيبا، وأن تتوبوا إلى الله تعالى، من جميع ذنوبكم، وتتّقوه –عزّ وجلّ- في سرّكم وجهركم، مع العمل بطاعته، وأداء جميع فرائضه، واجتناب جميع محارمه، والاقتداء بالسلف الصالح من (1/402)
صفحة 403
المسلمين، مع الورع الصادق والوقوف عن كلّ شبهة، وأن لا تعملوا عملا إلا بحجّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتهاء عنه، والموالاة في الله والمعاداة فيه، ومشورة المسلمين، أهل العلم والورع، فيما يعرض عليكم من الأمور، وقد قال الله تعالى: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله) ولا تستبدّوا برأيكم ولا تعجلوا في أموركم، ثمّ أحسن الرأفة بالرعية عامّة، وبأهل الصلاح خاصّة، والرفق بهم، والعدل فيهم، وأن يتفقّد الإمام أمر رعيّته وقضاته وعمّاله، وإن أطلع على جور من عامل له، أو غيره أنكر عليه، وقام في ذلك بما يلزمه، ولا تطلبوا العلوّ والرفعة في الدنيا، ولا تستنكفوا ولا ترتفعوا أنفسكم عن أدنى منازل الدين، ولا يكون القاضي، إمّا أن يعطي الأمر كلّه، وإلا غضب وجذب يده، ووقف عمّا يلزمه، فإن من كانت هذه صفته، لم يجز تفويض أمور المسلمين إليه، إذ ليس ذلك من صفات المسلمين، فإن ولّى الإمام واليا على بلد بمشورة غيره من المسلمين، لا يغضب، وإن كان للقاضي وال على بلد، فعزله الإمام بغير رأيه، لم يغضب ولم يقف عمّا يلزمه، ولم يترك ما يجب عليه. وكذلك غير هذا من جميع الأمور، وأن تقتدوا بمن سبقكم من أئمّة المسلمين وقضاتهم وولاتهم، وأن تتّبعوا سبيلهم، وأن تهتدوا بهداهم، وقد قال الله تعالى: (ومن يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا) وأن لا يحلف القاضي الناس لنفسه، بما يحلف به الإمام، فإنّ هذا لا نعلم أحدا سبق إليه من (1/403)
صفحة 404
ولاة المسلمين وقضاتهم، وإن تردّوا الخيل التي أخذت من الرعية، ومع ردّها عليهم، فلا يجبرهم القاضي على الخروج معه في غزوة ولا غيره، إلا أن يتفق للإمام الخروج بنفسه، في أمر يجب عليهم الخروج معه، ولا يكون لهم عذر في ذلك، وأن تنصفوا الناس من أنفسكم في معاملاتكم ومدايناتكم، فإن كان لأحد عليكم حق، فلا تمطلوه ليرضى بدون حقّه، تقية أو ضرورة، أو تلجئوه إلى أخذ شيء من العروض، يأخذها بأكثر من قيمتها في البلد، ولا تبيعوا ولا تشتروا لأنفسهم، إلا أن توكّلوا في ذلك في ذلك غيركم من الرعية، ممّن هو غير داخل معكم في حرمة وأمر، ولا يعلم البائع أنّ الشراء لكم، ولا تقبلوا من الرعية الهدايا والعطايا، وأن تمنعوا خدمكم وأصحابكم من ذلك، ولا تقبلوا من الناس أموالهم على وجه المعونة، ولا ترسلوا إليهم في ذلك، إلا أن يسرعوا هم من تلقاء أنفسهم، أو يشير بعضهم على بعض، من غير رسالة منكم، ولا تتحمّلوا الديون إلا من ضرورة، في نفقة أو كسوة أو تقووا أمر المسلمين، ولا تبذّروا أموالكم ولا أموال المسلمين، حتّى تحتاجوا إلى أموال الرعية، وتأخذوا منهم على وجه القرض، أو المداينة، أو المعونة، وتحتجّوا أنّكم فعلتم ذلك ضرورة أو حاجة، فليس هذا ممّا يوجب لكم عذرا في أخذ أموال الرعية، وأن ترفعوا الطمع، فيما لا يجب لكم على الرعية، وأن تسووا في الحق، بين القريب والبعيد، والحبيب والبغيض، ولا (1/404)
صفحة 405
تصفحوا عن أحد وتؤمنوه، ثمّ تأخذوه وتعاقبوه بعد الصفح والأمان، ولا تخرجوا إلى النواحي والبلدان، بعسكر لا تضبطونه ولا تصدّونه عن الظلم والفساد، ولا تلزموا الناس، ما لا يلزمهم من الخروج، بل تعذروا من له عذر، من مرض أو غيره، ولا تفوّضوا أمر تجريح الناس إلى العرفاء والجهّال، فتعتدّوا وتأخذوا الرشا منهم، ولا تجبروا الناس على الخروج بلا زاد، اتكالا على الضيافة من عند الناس، ولا تجبروهم على الرباط بلا نفقة، ولا تستفتحوا بلدا من بلدان أهل القبلة، وأنتم لا تقدرون على أن تولّوا عليها وتحموها، وتأخذوها من ظالم، وتسلّموها إلى ظالم، وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر والسنينة، في حرق منازلهم وخراب أموالهم، وتعرّفونهم ذلك، وكذلك جميع النواحي التي تجري فيها الأحداث، من عساكركم وأصحابكم، وتظهروا إليهم الإنصاف، حتّى يعلموا أنّ الحق عندكم مبذول، لمن طلبه والباطل مردود، على من فعله، ولا تخرجوا إليهم بعسكر يفعلون، عندهم مثل ما فعل عسكركم الأوّل. وإذا شكّت الرعية عاملا من عمالكم، وطلبت عزله عنهم، أن تعزلوه عنهم، ولا تكلّفوهم عليه البيّنة، وأن تردّوا مكاتباتكم، إلى من كان عليه مكاتبات من سبقكم من المسلمين (1/405)
صفحة 406
وأن توفّوا بعدكم ووعدكم، وقد قال الله: (وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا) ولا تكتبوا لأحد رقاعا فارغة، فإنّ ذلك يخرج مخرج السخرية والهزل، وقد قال الله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) ولا تفوّضوا إلى أحد الحكم بين الناس، ولو كان لكم وليّا، حتّى يكون ممّن يبصر وجه الحكم، ولا تولّوا واليا على بلد، ولا على حرب، ولو كان لكم وليّا، حتّى يكون عالما بعدل، ما تولّونه عليه، ولا تأخذوا الزكاة من الناس بالقيد والحبس على التهم، ولا تقولوا لمن تتّهمونه بكتمان الزكاة، إنّا لا نقبل منك إلا بكذا وكذا، وهذا كأنّه حكم، ولا يجوز الحكم بالتهمة، وأن لا تبعثوا في طلب الزكاة من الناس غير الثقات، لتوكّلوهم في تسليمها إليكم، فإنّه قد قيل: إنّ هذا لا يجوز، وأن لا تزيدوا خدمكم فيما تعطونهم من أجرة خدمتهم، بخلاف سعر البلد، ولا تأخذوا أعطياتكم بغير حساب، فإنّ هذا لا يفعله صاحب دين ولا دنيا، إلا ما شاء الله، وأن لا تكتبوا إلى ولاتكم وأمنائكم رقاعا، لا يجوز أن يعملوا بها، وأن لا تنفوا المسلمين، ولا تعاقبوهم بالتهم والظنون، فإنّ العدول لا تهمة عليهم، وإن عاقبتم أحدا من المسلمين، فعرفوه خطأ، الذي أوجب عليه عقوبته عندكم، وإن بلغكم عن أحد من أهل الصلاح ما تكرهونه، فلا تعجلوا في عقوبته، حتّى تظهروا الحجّة عليه عند المسلمين، وأن (1/406)
صفحة 407
لا تعرضوا لأحد في فعل منكر، تأويلا منكم، أنّكم لم تأمروا تصريحا، لم يلزمكم في العريض، بل قد قيل: إنّ التعريض بقوم، مقام الأمر الصريح، وأن لا تعملوا بالآحاد من الأخبار، التي لا عملها عند المسلمين، ولا تحكموا بالشاذ من الأقاويل، التي لا عمل عليها عند المسلمين، وأن تقربوا أهل الصلاح، وتدنوهم من أنفسكم، وتبعدوا أهل الجهل والسفه، وتنزلوا كلا منهم، حيث أنزل نفسه، وأن تعتذروا إلى من لحقه منكم، جفاء من المسلمين، وأن ترجعوا في العبدة التي اشتريت من أبي الفرج، والبيت الذي اشترى من عند موسى الفرقاني، إلى قول المسلمين، وما يجب الحق في ذلك، وأن ترجعوا في حكم المال، الذي بمنح إلى قول المسلمين، ولا يستبدّ القاضي فيه برأيه دون المسلمين، وأن لا تعرضوا من عند أبي العرب، بن أبي جابر، بشيء من ماله بقرض، ولا معونة، ولا عارية، ولا تمنع ورثة إبراهيم بن عبد الله عن ماله، بغير حجّة ولا حكم، فإنّا لا نعلم أنّ في ذلك جوازا، وإذا سألكم أحد حاجة، فإمّا نعم منجزة، وإمّا لا مريحة، فإنّ الممطالة عند العطاء، تنغيص وتنكيل، والمماطلة مع الحرمان سخرية وهزل، وكلا الحالين مذموم عند ذوي الدين وذوي المروءة، وإنّما (1/407)
صفحة 408
يفعل ذلك من هانت عليه نفسه ودينه وعرضه، فإن قلتم: إنّ ذلك من خدمكم وأصحابكم، فلو علموا منكم الكراهية، لم يتجرّؤوا على ما تكرهونه، إلا ما شاء الله، فأمّا إذا كانوا يقربون بذلك إليكم، فإنّ عاره وإثمه، راجعان عليكم، ولا تحرموا الفقراء والمساكين، هذا المال، فإنّ لهم فيه سهما، ولا تقفوا عن شيء يلزمكم، من حق الضيافة، وتزيلوا عن أنفسكم اسم العذر والخلف في العهد والوعد والتهمة بذلك، وأن تؤمنوا من خوفتم من المسلمين، وتردّهم إلى منازلهم. فإن قلتم: إنّكم قد بذلتم لهم الأمان، فلم يثقوا بأمانكم، فلا أرى هذا يسقط به حجّة عنكم، ولا يوجب عند المسلمين عذركم، إذا كانوا قد عرفوا منكم الرجوع في وعدكم، والتخويف بعد بذل الإمام خطه لهم بالأمان، وخافوا أن يفعلوا معهم، من بعد كما فعلتم من قبل، وأن تبذلوا الإنصاف لأهل السر، في تلك الأحداث الشاهرة، وتفعلوا كما يوجد عن محمّد بن محبوب –رحمه الله- أنّه كتب إلى بعض الأئمّة: وعليك إظهار الإنكار في ذلك، والطلب لمن فعله، حتّى يعلم الناس، ومن فعل ذلك، أنّ الحق معك، والمعروف وأنّك مؤثره، على ما سواه، وتظهر الدعاء إلى (1/408)
صفحة 409
الإنصاف، حتّى تبسط لطالب الحق لسانه، وأنا أشير عليكم بذلك في الأحداث، التي جرت في السر وغيرها، من النواحي والبلدان، وجميع الأحداث، التي تجري من عساكركم وأصحابكم ورعيّتكم، حتّى يظهر عند الناس أنّكم أنكرتم الباطل، ولم ترضوا به ولم تواطئوا عليه، ولم تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتزيلوا عن أنفسكم الأوهام الفاسدة، فأمّا إذا كنتم تنادون بتخويفهم، وتظهرون الغضب على من تتّهمون، أنّه أراد أن يكتب إلى الإمام، ويعلمه بما جرى من الأحداث، وكيف يتجاسر الضعيف والمظلوم، أن يرفعوا إليكم، ويشكوا وينتصفوا ممّن ظلمهم، وإيّاكم والتفخّم على الأمور بغير حجّة ولا برهان، وإيّاكم وسوء التأويل، فإن يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: أخوف ما أخافه على أمّتي ثلاث: ذلّة العلماء وميل الحكماء وسوء التأويل. فانظروا لأنفسكم وسلوا المسلمين، عمّا يجب عليكم ويلزمكم، واتبعوا كتاب ربّكم وسنّة نبيّكم، وآثار الصالحين قبلكم، ولا تميلوا بالناس يمينا وشمالا، واحذروا يوما حذّركم الله إيّاه، فقال في محكم كتابه: (واتّقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). وأنا أستغفر الله ممّا خالفت فيه الحق والصواب، وصلّى الله على محمّد وآله وسلّم تسليما. (1/409)
صفحة 410
17/ توبة الإمام راشد بن علي عمل القاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا أستغفر الله وتائب إليه من جميع ذنوبي كلّها، قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، ما علمت منها وما لم أعلم منها، كان ذلك منّي، على العلم أو الجهل، أو الخطأ أو النسيان، أو التديّن أو الإستحلال أو التحريم، كنت متأوّلا فيه، أو دائنا به، وممّا ارتكبته وأمرت به، ممّا عملته جوارحي، أو تكلّمته بلساني، واعتقدته بقلبي، وتائب إلى الله تعالى، من السيرة التي سرتها، بغير العدل، مخالفة للحق، ومن كلّ خطأ منّي، في إلزام أهل النواحي الخروج منها، ومن تركي النكير على نجاد بن موسى، بعد علمي بالسيرة، التي سارها، مخالفة للحق والعدل، ومن ولايتي له على ذلك، وتوليتي إيّاه، بعد علمي بأحداثه وفعله، ومن الجبايات التي أمرت بها، وجبيت بغير حق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقها، ومن العقوبات التي عاقبت بها، بغير الحق أو (1/410)
صفحة 411
تعدّيت فيها غير الواجب، وأمرت بذلك من فعله، ومن أخلاقي لك وعد وعدته، ولم أوف به ورجعت عنه، ومن تقصيري عن القيام بما يلزمني من الحق والعدل، ودائن لله تعالى، بما لزمني في الأحداث، التي أحدثت في القرى، على أهل القبلة، من الخراب والحرق، وأخذ الأموال وعقر الدواب، والأحداث في تخريبها، وما جرى من العساكر التي خرجتها، ومن كلّ حرب حاربتها، وسفكت الدماء فيها بأمري، وملزم نفسي ذلك، ما لزمني من حق وضمان، وديّة وأرش وغير ذلك، فأنا دائن لله بالخروج منه، والخلاص إلى أهله ومستحقّيه، وقابل قول المسلمين، وراجع إلى قولهم، وقابل نصيحتهم، ونادم على ما سلف منّي في تخويفي أحدا من المسلمين، أو عقوبته بغير ما يلزمه، ومعتقد أنّي لا أرجع إلى ذنب أبدا، وإن علمت بذنب بعد هذه التوبة، ولم أتب منه، فهو داخل في هذه التوبة، وهذه لازمة لي إلى الممات، ومن كلّ تولية وال وليته، ولم يكن لي أن أولّيه، شهد الله وكفى بالله شهيدا، ومن حضر من المسلمين، وكانت هذه التوبة من الإمام راشد بن علي، بحضرة القاضي أبي عبد الله محمّد بن (1/411)
صفحة 412
عيسى، والقاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري، والشّيخ أبي بكر أحمد بن عمر بن أبي جابر، وأخيه أبي جابر بن عمر بن أبي جابر، وعلي بن داوود، وعبد الله بن إسحاق المنقالي، وغيرهم من المسلمين، وكانت هذه الشهادة يوم الاثنين، لإحدى عشرة ليلة خلت، من ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربعمائة 472ه، نسخة 01 وتسعين وأربعمائة (492) ه. (1/412)
صفحة 413
18/ جواب من أبي عبد الله محمّد بن عيسى –رحمه الله- إلى الإمام راشد بن علي، فيما سأله عن هذه التوبة وما ردّ عليه فيها
بسم الله الرحمن الرحيم
سألت عن التوبة التي دعاك الجماعة إليها، والكتاب الذي كتبوه لك فيها، فاعلم أنّي نظرت في ذلك على قدر ضعفي، وقلّة بصيرتي، فرأي الكتاب يشتمل على معان كثيرة، يطول شرحها، غير أنّي أذكر لك من ذلك، ما يسّر الله، والله أسأله التوفيق لذلك. أمّا توبتك من السيرة، التي سرتها بغير العدل، مخالفة للحق، فإن كان ذلك قد جرى منك، على الاستحلال والتصويب لنفسك، فلا أرى هذه التوبة تكفيك، ولا تصح لك، ولا يقبلها المسلمون منك، حتّى تفسّر ذلك تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك ذلك على التحريم، والتعمّد لمخالفة الحق عند فعلك، فما كان فيها من تلف نفس، أو مال، فعليك الضمان والخلاص من حقوق العباد، في الأموال والأنفس، مع التوبة، وإن كان ذلك منك جهلا بحرمته، وظنا منك أنّه واسع لك، من غير تعمّد للحرام، ولا قصد لمخالفة الحق والاستحلال لذلك، بديانة وتأويل، فقد يوجد مثل هذا، أنّه يخرج مخرج التحريم، وقد تقدّم القول في المحرم، وما يلزمه من الضمان في الأموال والأنفس، والخلاص من ذلك. (1/413)
صفحة 414
وأمّا توبتك من الجبايات، التي أمرت بها، وجبيت بغير الحق، وأنفقت في غير أهلها ومستحقيها، فالأمر فيه على نحو ما تقدّم من الكلام في المحرم والمستحل، فإن كان ذلك على وجه الاستحلال، لما حرّم الله، فلا أراك تكتفي بهذه التوبة، ولا تصح لك حتّى تفسّر تفسيرا غير هذا، وتتوب منه بعينه على التفسير، وإن كان منك على وجه التحريم، فقد تقدّم الكلام في المحرم، وعليك الخلاص من جميع ما أتلفته من الأموال والأنفس، وإن كان ذلك على وجه العمى والظن، أنّه واسع لك، فقد تقدّم القول في ذلك، أنّه يخرج مخرج التحريم، وأمّا توبتك من العقوبات، التي عاقبت بها، بغير الحق، فإنّها تجري مجرى ما تقدّم من القول به، والجواب واحد، وأنا توبتك من حرب حاربتها، وسفكت الدماء فيها بأمرك، فإن كنت حاربت حربا بعد حرب منها، ما هو بالحق، ومنها ما هو بالباطل، فتبت من جميع ذلك، فلا يجوز لك أن تتوب من الحق، وعليك التوبة من توبتك من الحق، وعليك أيضا التوبة من الحرب التي حاربتها بالباطل، وإن كان على الاستحلال، فقد تقدّم الكلام في المستحل، وإن كان على التحريم، فقد تقدّم أيضا الكلام في المحرم، وما يلزم في ذلك من الضمان، في الأموال والأنفس، وإن كنت مخطئا في جميع محاربتك، من أوّل إلى آخر، فقد أصبت من التوبة منها، وأمّا الضمان، فهو على ما تقدّم به من الكلام في المستحلّ والمحرّم. (1/414)
صفحة 415
وأمّا توبتك من ولايتك لصاحبك، فإن كنت علمت منه حالا، تحرم به ولايته عليك، أو توليته على أوّل وجه، لا يجوز لك أن تتولاه عليه، فقد أصبت في توبتك من ولايته، وإن كنت تولّيته من أوّل وجه، تجوز لك ولايته عليه، ولم تعلم منه حدثا مكفرا، فقد أخطأت في توبتك من ولايته، بغير حجّة، وعليك أن تتوب من توبتك من ولايته، وإن كان قد صح عليه حدث مكفّر بشهرة، لا دافع لها، أو بشهادة عدلين، مع تفسير الحدث، أو شهادة عالمين بالحدث، بتفسير أو بغير تفسير، أو شاهدت أنت عنه حدثا مكفّرا، أو أقرّ عندك بذلك وتوليته من بعد، فقد أصبت في توبتك من ولايته على هذا الوجه، ولكن استتبه من ذلك، فإن تاب وكان مستحلا، فقد قيل: إنّه يرجع إلى حاله الأولى من الولاية، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإن كان محرما، ففي أكثر القول: إنّه يرجع إلى ولايته. وقيل قول آخر، ولا أرى لك أن تهمل أمره، ولا أن تترك استتابته ولا الإنكار عليه، إذا قدرت على ذلك، فإن لم يفعل ولم تستتبه، فأخاف أن تكون أتيت، خلاف ما عليه، أهل الحق والعدل من المسلمين. وأمّا توبتك من توليتك إيّاه، بعد علمك في أحداثه وفعله، فإن كنت علمت منه حدثا مكفّرا، وولّيته على ذلك الرعية، فجاز عليهم في أنفسهم وأموالهم، وأنت محرم لذلك، فأخاف عليك ضمان ذلك في أحداثه، من تلف شيء من أموال الناس، أو أنفسهم، وإن (1/415)
صفحة 416
كنت مستحلا لذلك، فقد تقدّم من الكلام في المستحل والمحرم والجاهل، ما فيه كفاية، إن شاء الله. وأمّا قولك، وملزم نفسك للعباد من حق وضمان ودية وأرش، وأنّك دائن بالخلاص منه، فهذا هو الصواب، إن صدقته بفعل وقيام، في خلاص نفسك من حقوق الله وحقوق العباد، وأمّا القول وحده بلا فعل ولا قيام ولا اجتهاد في خلاص، فما النفع في ذلك؟ وقد قيل: لا ينفع التكلّم بالحق إلا بإنفاذه، وقال الله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). وإن كنت محقّا في هذه الفصول كلّها، والمعاني التي دعاك الجماعة إلى التوبة منها، ولم تكن منك خطأ في ذلك، في الظاهر ولا في الباطن، فثبت من الحق، ليرضوا عنك، فلم يكن لهم أن يدعوك إلى التوبة من الحق، ولا لك أن تجيبهم إلى أن تتوب من الحق، فإذا فعلتم ذلك جميعا، كان عليك وعليهم التوبة. ولو أنّ الجماعة عند استتابتهم لك، سلكوا بك مسلكا، غير هذا المسلك، الذي حملوك وحملوا أنفسهم عليه، ربّما كان أسلم لك ولهم، وأخفّ وأسهل عليك وعليهم، ولولا مخافتي أن لا يسعني السكوت ولا التغافل عن جوابك، فيما سألتني عنه، لم أذكر لك شيئا من هذا، ولكنّك سألتني عمّا يلزمك في تلك التوبة، فاستصعبت الإمساك عن ردّ جوابك (1/416)
صفحة 417
وقد ذكرنا لك ما قد ذكرته، على قدر ضعفي وقلّة بصيرتي، فإن كان حقا، فهو من الله تعالى، فخذ به، وإن كان فيه مخالفة للحق، فلا تأخذ به، وأنا أستغفر الله من كلّ ما خالفت فيه الحق والصواب، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على رسوله محمّد النبيّ، وآله وسلّم تسليما. (1/417)
صفحة 418
فهرس موضوعات السير والجوابات (الجزء الأوّل)
الموضوع ... الصفحة
تقديم حضرة صاحب المعالي سمو السيّد فيصل بن علي بن فيصل وزير التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ... 03
مقدّمة بقلم الأستاذة الدكتورة سيّدة إسماعيل كاشف ... 05
كتاب الأحداث والصفات تأليف أبي المؤثر ... 23
سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان ... 86
كتاب البيان والبرهان رد على من قال بالشاهدين تأليف أبي المؤثر –رحمه الله- من نسخة معروضة على أبي الحواري ... 155
سيرة لبعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصلت بن مالك –رحمه الله- ... 186
سيرة منير بن النير الريامي الجعلاني إلى الإمام غسان بن عبد الله ... 233
سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس إلى أبي جابر محمّد بن جعفر ... 254
سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان ... 276
سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل حضر موت في أمر هارون بن اليمان ... 308 (1/418)
صفحة 419
رسالة هارون بن اليمان إلى الإمام المهني بن جيفر في شأن محبوب بن الرحيل ... 325
سيرة أبي الحواري محمّد بن الحواري العماني إلى أهل حضر موت ... 338
من آثار أهل نزوى جوابا من محمّد بن الحسن ... 366
سيرة السؤال في الولاية والبراءة لبعض فقهاء المسلمين ... 371
سيرة لبعض فقهاء المسلمين ... 379
سيرة لبعض فقهاء المسلمين ... 391
عن القاضي أبي عبد الله محمّد بن عيسى –رحمه الله- في الفرق بين الإمام العالم وغير العالم ... 396
شروط شرطها القاضي أبو عبد الله محمّد بن عيسى السري –رحمه الله- على راشد بن علي وأصحابه ... 409
توبة الإمام راشد بن علي على عمل القاضي أبي علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري ... 419
جواب من أبي عبد الله محمّد بن عيسى –رحمه الله- إلى الإمام راشد بن علي فيما سأله عن هذه التوبة وما ردّ عليه فيها ... 422
تم وبحمد الله إتمام طباعة هذا الكتاب، على الشبكة، في ليلة الاثنين بتاريخ 14 من شهر ربيع الثاني، من هجرة النبيّ –عليه الصلاة والسلام-، نفع الله به المسلمين، ورزقهم علم ما فيه، من جواهر العلم المخزون، وجزى الله طابعه وناشره، خير الجزاء، وجعله ذخرا ليوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، والحمد لله ربّ العالمين. من إنجازات مجموعة (سرداب أبي عبيدة لرقن الكتب الإباضية). (1/419)
صفحة 420
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
السير الجوابات
لعلماء وأئمّة عمان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الصفحات من 321 إلى 512 لم ترقن]
الجزء الثاني
تحقيق وشرح
الأستاذة الدكتورة:
سيدّة إسماعيل كاشف (2/1)
صفحة 421
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
السير الجوابات
لعلماء وأئمّة عمان
الجزء الثاني
تحقيق وشرح
الأستاذة الدكتورة:
سيدّة إسماعيل كاشف (2/2)
صفحة 422
بسم الله الرحمان الرحيم
عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسياني (1) في حفص بن راشد (2) أيام خروجه على المطهر بن عبد الله (3) وعقده الأول
ما تقول أيها الشيخ رحمك الله في حفص بن راشد إن تاب ورجع وجددت إمامته، يرجع إمام المسلمين أم لا؟ فإن عقد له [430] من متعلمي أصحابنا وثقاتهم خمسة تنعقد له الإمامة، وإن بلينا به وطلب منا النصرة والخدمة ما نعمل؟ وما يقول قولنا له؟ قال: أما العقد الأول، فإنه لم يصح وعلى ما ذكر بعض من دخل فيه رأيته عقدا غير ثابت وأمرا مشكلا، وقد جرى بعد العقد الذي
__________
(1) الشيخ أبو الحسن علي بن محمد البسياني: سبق أن ترجمنا له وهو من الرستاقية الغلاة في أمر موسى بن موسى وراشد بن النظر. وكان يرى أن بيعه حفص بن راشد غير صحيحة؛ لنه اتبع طريقة والده الإمام راشد بن سعيد الذي حاول جمع الناس في عمان بعد فرقتهم بسبب عزل الإمام الصلت بن مالك.
(2) حفص بن راشد: ذكر في بعض السير أنه ولى الإمامة في عمان بعد وفاة والده الإمام راشد بن سعيد في سنة 445هـ. ولم يذكر أصحاب السير تاريخا لبيعة حفص بن راشد ولا لمدة إمامته، وفي بعض السير يظهر أنه توفي وهو في الإمامة، فقيل: مات ولم يعزله المسلمون (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 253).
(3) المطر بن عبد الله: هو الذي أرسله العباسيون لاستعادة عمان. (2/5)
صفحة 423
(هو) (1) غير ثابت، أحكام غير جائزة ومشهور فسادها، ودخل فيها من لم يكون يجوز أن يقدم بأمرها، ومع ذلك أيضا حدث قتل من قد علمتم فتكاً بغير صحة ولا حجة علمناها، وأوحشنا ذلك، وقد طلب منه تصحيح ذلك الحال أصحابنا فلم يبينه، وقولنا في ذلك قول المسلمين، ونحن نتوب إلى الله من كل خطأ، وأما إن اجتمع أمر المسلمين والمشورة على شيء ووقع التراضي على إمامته، فبعد التوبة وإظهار ذلك والإنصاف أو حجة، جائز أن يعقد له إن تاب (2) أفتنا أيها الشيخ- رحمك الله وغفر لك وغفر لمن اتبع آثارك واهتدى بأنوارك ولم يخالف سبيل المؤمنين عند ذلك في حفص بن راشد، كانت إمامته صحيحة أم لا؟ وقد بايعنا له محمد بن الحسن اللباني (3) على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، فبايعناه وخرجنا عندهم فلم نر من ذلك شيئا، وسلمنا إلى الثقات من أهل دعوتنا شيئا من الزكاة فقبضها وأنفق منها شيئا، فوقع الخوف فهرب وانتهبت، فضمنها ذلك الإنسان الذي قبضها، ألنا (4) من هذا براءة عند الخالق أم لا؟ وذلك أنا كنا دائنين بطاعته مسلمين جاهلين بالبحث عن الإمامة، وكذلك بينت أنا لهم إذا قبض شيء من الناس بأمر /6/
__________
(1) هو: زياد من عندما.
(2) وهذا سؤال آخر: قبل (أفتنا أيها الشيخ).
(3) يرد هذا السؤال في بعض المصادر العمانية: (اللياني).
(4) كتب في المخطوطة: (لنا). (2/6)
صفحة 424
أصحابه عليّ فيه ضمان، أما قبض بيدي فلا؛ ولكنى كنت أحضر ذلك وآمر فيه ما يلزمني في ذلك، بين لنا رحمك الله؟ قال: هذا شيء مستور وأمره كان مقبورا فلا أحب فيه ظهورا، وأما أنا فقد بلغت في الغاية وأفصحت في الأمور مع الريب الذي فيه، وطلبت تصحيح ذلك فوجدت الأمر فيه غير ثابت في العقدة والعمل غير مستقيم، ولم أكن دائنا لله بطاعتهم وكنت غرمت ما قبضوا مني وأبدلت صلاتي يوم صليت الجمعة عندهم، وأما أنت على ما سألت فإن [431] المستحل الدائن لله بالطاعة إذا أخطأ ثم علم خطأه، فأكثر القول (1) أنه لا ضمان عليه وعليه التوبة والرجوع من ذلك، وأما الشيخ (2) فرأيته يوجب الضمان على من دخل مستحلا بغلط، وقد كان ألزمني ضمان ما كان في أيام راشد بن الوليد، لعله أراد من الذي دفعت وقبضت سواء (3) في الاستحلال والدينونة، والذي أحب لك إن قدرت على الخلاص من ذلك أن تبدل مكان زكاتك، وتستعجل من أخذت منه شيئا إلا أن يكون رسولا لصاحب الزكاة إلى الوالي فلا ضمان، وأما الأحكام عند الخالق فذلك إليه، وإنما تعبدنا بالحكم ما نعلم في الظاهر فعلمناه والسلام./7/
__________
(1) (فأكثرالقول)، تعني هنا ما اتفق عليه أكثر العلماء والفقهاء.
(2) (الشيخ) يشير إلى أحد العلماء دون التصريح باسمه.
(3) كتب في المخطوط: (سوى). (2/7)
صفحة 425
مسألة: قال بعض المسلمين إن الإمام لا يحتاج إلى العقدة، إذا وقع الرضى عليه والتسليم ثبتت إمامته، ومن ذلك إمامة عمر (ض) إنما قدمه للإمامة على الناس أبو بكر وحده (ض)، فلما وقع التسليم والرضى بإمامته ثبتت له من غير عقدة. /8/ (2/8)
صفحة 426
عن القاضي أبي بكر أحمد بن عمر ابن أبي جابر المنحى (1)
وسألته عن إمام غير ثابت الإمامة ألزم رجلا من المسلمين المدخل عنده في أسباب، وكان يأمره أن يكتب إطلاق الجبايات.
قلت: إن كان إطلاق هذا الرجل له المال على سبيل الاحتساب إنه يطلقه للفقراء أو ابن السبيل، وكان اعتماد هذا الرجل على هذه النية لا لميضى أمر هذا الإمام ولا يعمل برأيه، وإنما هو على قدر ما يرى من يستحق هذا المال لفقره لا غير ذلك.
قلت: هل يسعه ذلك؟ قال: يسعه ذلك على هذه الصفة.
قلت له: فإن أمره أن يحلف له رجلا ممن يخشى كما تفعل الأئمة؟ قال: يحلفه للمسلمين لا له.
قلت: فإن أمره أن يبايع له أحدا من الناس هل له ذلك؟ قال: يبايعه على الحق لا له. /9/
__________
(1) كان (المنحى) من الغلاة في أمر موسى وراشد مثل الشيخ أبي الحسن، ويشير السالمي إلى أن هذه المسألة ربما تكون وقعت في أمر حفص بن راشد وسئل عنها القاضي المنحى (السالمي، تحفة ج 1 ص 256). (2/9)
صفحة 427
قلت: فإن أمره أن يشارى أحدا هل له ذلك؟ قال: يشاريه لله لا غير ذلك.
قلت: فإن أنفذه لغزو عدو للمسلمين أو (لقمع ملصة) (1)؟ قال: يكون احتسابه ذلك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن امتنع عليه من أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر وكان منكر الذي ارتكبه عيانا، كان له محاربته إن حاربه بعد أمره له بترك منكره الذي [432] ارتكبه، وإن كان على وجه التهمة له مثل قطعة الطرق والتعرض لمظالم الناس والتعدي عليهم، ولحقه هذا القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يحاربه إلا بعد الاحتياج عليه أن المسلمين قد رأوا إمساك في الحبس على الأشياء التي نسبت إليك وشهرت عليك من المناكر وقصدك إلى الظلم، فإن أجاب لم يكن إلا ما رآه المسلمون، وإن امتنع عن ذلك عملوا على الاستيثاق منه، فإن شهر السلاح وحارب على ذلك ولم يرجع إلى الحق كان قصدهم في مجاهدتهم هذه على أنهم يمسكونه عن الأشياء التي قد نسبت إليه من المظالم والقصد لها والمناكر والعمل بها، فإن تلقت نفسه في ذلك لم يكن تبعة على هذه الصفة. قلت: فإن أراد هذا الإمام الخروج إلى بعض النواحي لغزو قوم ظلمة متعدين وطلب صحبة هذا الرجل هل يصحبه؟ قال: إن شرط عليه أن /10/
__________
(1) أو (لقمع ملصة): كتب في المخطوط (أو ملصة)، وملص ملصا الشيء من يده: أفلت وانسل (2/10)
صفحة 428
لا يفعل ولا يقدم على شيء إلا برأيه وعرف صدقة في ذلك أنه يقبل منه ولا يعصيه في شيء، جاز له الخروج معه على هذه الصفة. وسألته عن الإمام إذا كان تثقل عليه النصائح من المسلمين وكانت النصائح التي ينصح بها هذا الإمام مما لا يجوز ردّها، أو مما لا يحسن، ويرى منه الناصح مع ذلك تغيرا عما كان يعهده من جفوة تلحقه من الإمام أو تغير عادة كان يعرفها، وبان على الناصح لهذا الإمام أن جميع ذلك من تلك النصيحة، والإمام يظهر القبول لذلك ثم لا يتم ما يوعد به من قبوله، وكلما نصحه إزداد تغيرا على الناصح.
قلت: هل تكون قد سقطت النصيحة عن هذا الناصح؟ أو هل عليه أن يعاوده بالنصيحة بعد أن كرهت ولم تقبل دفعة بعد أخرى وظنه أنها لا تقبل؟ قال: الذي عرفت أنه إذا علم الناصح الجفو من الإمام فقد سقطت النصيحة وكان حجة على الإمام فيما نصحه، والله أعلم.
قلت له: فإن لم يقبل هذا الإمام نصائح المسلمين فيما يحسن به، وفيما لا يجوز له دفعة بعد أخرى، هل تزول إمامته وولايته أم لا تزول؟ قال: الذي عرفت أن هذه مسألة تشتمل على معنيين فيما لا يحسن وفيما لا يجوز، فأما ما لا يحسن فلا تزول به إمامته، وأما فيما لا يجوز إذا نصح ولم يقبل ورد نصائح المسلمين زالت إمامته، والله أعلم.
قلت له: وكذلك إن كان هذا الإمام يظهر تقبل النصائح ثم يتحرز في وقت ذلك، ثم يعاود ثم ينصح ويقبل، ثم يعاود ثم ينصح ويقبل، ثم يعاود حتى يقع في النفس أنه لا يستقيم /11/ (2/11)
صفحة 429
على ما يعطي من نفسه [433] هل تزول إمامته وولايته؟ قال: الذي عرفت إن كانت النصائح فيما لا يجوز وهو إذا روجع فيها قبلها لم تترك بذلك إمامته ما لم تتهم فيما يعطى من نفسه، فإذا نزل بمنزلة التهمة، زالت إمامته، وإن كانت النصائح فيما يحسن فقد تقدم في ذلك فيما فيه كفاية، والله أعلم.
قلت له: ما تقول في الإمام؟ هل له يسأل رعيته أن يدينوه أموالهم كأن هذا الدين الذي يطلبه إلى الرعية لخاصة نفسه في مأكل أو ملبوس مما لابد منه، أو كان هذا الدين في سلاح أو خيل، أو كان هذا الدين في هذه الأسباب كلها للمسلمين من أخدامه ومعاضدته، أله ذلك أم لا؟ أو كان في خروجه على عدو المسلمين ولمناصبة حرب المعتدين، كان عدو المسلمين في المصر أو غير المصر، إذا كان يخاف دخوله إلى المصر؟ قال: الذي عرفت: إن كان شاريا لم يجز أن يتدين، (1) وإن كان غير شار جاز له أن يتدين برضى من يدينه، فإن دينّه من ديّنه على مال المسلمين ثم حصل شيء من مال المسلمين بعد الدين لم ينفق شيئًا من ذلك، حتى يخلص الدين الذي تدينّه على مال المسلمين، وإن كان عنده شراة وضعاف لم يستغنوا عن مال المسلمين ولهم ديوان متقدم في مال المسلمين، حاصص (2) الإمام بينهم وبين الديان ولم يهمل الأمر إهمالا؛ لأنه يوجد أن حاجبا مات وعليه دين لم يتدينه في مؤنته ومؤنة عياله وإنما إن تدين /12/
__________
(1) تدين: أخذ دينا.
(2) حاصص: قسم الحصص. (2/12)
صفحة 430
في سلاح وأوقية (1) وينفذ بذلك إلى أطراف الأرض ليقوى دعوة المسلمين، والله أعلم.
قلت: فإن تدين على هذه الصفة، أعني من يجوز له أن يتديّن، فلما صار عليه الدين؛ طلب ديّانه ما لهم فقال المتدين: إنما تدينه على مال المسلمين، وقال من له الدين: إنما ديتك على مالك لا على مال المسلمين، ولم يبق في بيت مال المسلمين ما يقضى به الدين.
قلت: القول في ذلك من، وهل في ذلك يمين؟ وكيف تكون اليمين؟ قال: الذي عرفت أن القول قول أصحاب الدين مع أيمانهم، وعلى من تديّن البينة على ما (2) يقول، فقد عرفتك أن في ذلك اليمين.
قلت له: وكيف تكون اليمين؟ قال: يحلف بالله لقد داينه هذا الدين وهو كذا وكذا وما اشترط عليه أنه في مال المسلمين أو على مال المسلمين.
قلت: فإن ردوا اليمين عليه، حلف يمينا بالله لقد استدنت منه هذا الدين وهو كذا [434] وكذا، واشترطت عليه أنه في مال المسلمين دون مالي ونفسي، والله أعلم.
قلت له: فإن كان الدين في مال المسلمين أو على مال المسلمين وذهب الأمر ولم يكن للمسلمين بيت مال.
قلت: هل يلزم الخلاص من هذا /13/
__________
(1) الأوقية: الأوقية الشرعية أربعون درهما، والأوقية الآن تختلف باختلاف الأقطار، والأوقية في هذا النص- في رأينا- تعني قدرا من المال لم يحدده النص.
(2) (ما): زيادة من عندنا حتى يستقيم الكلام. (2/13)
صفحة 431
الدين في مال من تدينه أو في مال من تدين بأمره مثل إمام، أو قاض أو لا يلزم ذلك إلا في مال المسلمين فقط، فإن لم يكن للمسلمين بيت مال على هذه الصفة المتقدمة أيسقط هذا عنهم أم لا؟ قال: الذي عرفت أنه إذا شرط الذي تديّن أن هذا الدين في بيت مال المسلمين، فليس على من تديّن شيء من ذلك إذا لم يبق للمسلمين بيت مال أو لم يصح للمسلمين مال، والله أعلم.
قلت له: فإن تديّن ولم يشترط في مال المسلمين وعدم مال المسلمين ببعض الأسباب، وكان هذا الدين بأمر الإمام وطلب صاحب الدين ماله؟ قال: على الآمر والمأمور الخلاص من أموالهم، وهم شركاء في خلاص ذلك.
قلت له: فإن خلص المأمور من ماله هل يرجع على الآمر بشيء؟ قال: الذي عرفت أنه يرجع عليه بجميع الدين الذي سلمه وهو عليه دون المأمور، والله أعلم.
قلت له: ما تقول في الإمام إذا اضطر المسلمون إلى عقدته مع ضعف معرفته وقلة علمه وبصيرته وشرطوا عليه شروطا لا تفعل شيئا ولا تقدم على شيء من أمور المسلمين إلا بأمر المسلمين أو إلا برأي للمسلمين، أكل ذلك عندك سواء أم بينهما فرق؟ قال: الذي عرفت أن كل ذلك سواء لا فرق عندي في ذلك، والله أعلم.
قلت: إن طلب منهم كتابًا يبينون له ما يأتي من ذلك وما يذر، وكتبوا له كتابًا بذلك، ثم تبين لهم أنه لم يأت من ذلك على حقيقة /14/ (2/14)
صفحة 432
ما كتبوا له به، وظهر عندهم وتبين وإنما يريد بذلك حجة من المسلمين ويعمل وهو ما يريد، هل لهم منعه عن استعمال الكتاب الذي كتبوه له ويكون عليه هو قبول ذلك منهم؟ قال: الذي عرفت أن لهم منعه وعليه قبول ذلك منهم.
قلت: فإن كتبوا له كتابًا أن الإمام يفعل كذا وكذا ونسبوا له أشياء تفعلها الأئمة ولم يجعلوا له هو ذلك، وإنما أثبتوا له أثرا؟ هل للإمام أن يفعل ذلك إذا لم يجعل المسلمون له ذلك إذا كان على المتقدمة؟ قال: الذي عرفت [430] أن ليس له أن يفعل ويعمل بذلك إلا أن يجعل له المسلمون أن العمل بذلك، فإذا جعلوا له ذلك جاز له أن يعمل به، والله أعلم.
قلت: وكذلك الإمام إذا كان قليل التعليم والقراءة لآثار المسلمين ولم يتقدم له على ولا معرفة بمعاني الآثار، وهو جسور على الأشياء من أمور المسلمين مع قله تحرز، يكاد أن يهجم على الأمر بغير صحة أثر إلا بتأويل يكاد يقع فيما ليس له وهو كثير استعمال الرخص والشواذ (1) من أقاويل المسلمين التي لا عمل عليها، وطلب إلى المسلمين أن يكتبوا كتابًا فيما يأتي وما يذر، لينفرد بالعمل به عن مشورة المسلمين، هل لهم ذلك؟ قال: الذي عرفت أن ليس للمسلمين ذلك مخافة أن يحصل فيما لا مخرج له منه، والله أعلم. /15/
__________
(1) الرخص والشواذ: الاستثناءات والأمر غير المألوفة (2/15)
صفحة 433
قلت له: فالإمام إذا كانت عقدته صحيحة ثم جرى من ذلك الإمام أحدث وأفعال زالت بها إمامته وولايته مع المسلمين، وهو العاقدون له ولم يحدوا من يصلح للإمامة إلا مثل ذلك الإمام المتقدم أو أشر منه، إلا أن الأمور مشتدة وأهل الفساد منقمعون مستمعون لأهل الصلاح خوفا من عواقب هذا الأمر.
قلت: هل يسع هؤلاء الجماعة العاقدون لهذا الإمام المقدم ذكره التغافل والسكوت وترك الأمر على جملته والتعامى وكتمان ما عندهم من العوام وتمشية الأمر؟ فما أشار عليهم هذا الإمام أشاروا عليه بما وسعهم، وإن أدخلهم في معنى دخلوا عنده فيما يسعهم، وإن تغافل عنهم وعمل برأيه أخطأ أم أصاب لم يعارضوه إلا على وجه النصيحة إذا رجعوا قبولها، وكان في غالب ظنهم أنه يقبلها، وما تبين لهم أنه لا يقبل تركوه مع خوفهم أن قاوموه في ذلك خشوا على أنفسهم وعلى الرعية وانكشاف الحال وقوة أيدي الظلمة وفساد البلاد، ويتولد عندهم من ذلك إشهار المناكر والظلم.
قلت: يسع هذه الجماعة مجاملة هذا الإمام وتغطية أمره أم لا؟ قال: الذي عرفت أنهم إذا خافوا على أنفسهم وعلى الرعية من المكاشفة وسعهم المدانة له في ذلك، ما كان إنكارهم عليه ماش وهم يأمنون على أنفسهم، والله أعلم.
قلت له: إن هذا الإمام لا يمشي له ولا يتم ما هو فيه إلا [436] بناموس هذه الجماعة وتغافلهم عنه، ولا يقوى على هذا إلا بهم ولو لا تغافلهم وتمشيهم لأمره وتغطيتهم عليه ما تم له، وهو يخلط الحق بالعدل؟ /16/ (2/16)
صفحة 434
قلت: يسعهم ذلك أم لا؟ يسعهم إلا القيام عليه والشد وإزالة أمره ولو كان ما (1) نسبناه من خشيتهم على العباد والبلاد من أهل الظلم والفساد؟ قال: الذي عرفت إن كانوا يقدرون على رد جوره إذا جار ولم ينش (2) بجوره عندهم ويعتمد على عمله بين ظهرانيهم باسم معونتهم جاز لهم ذلك وهذه من رخص الله تعالى، والله أعلم.
قلت له: فما تقول في الإمام إذا كانت فيه قساوة وجفوة وخشونة على المسلمين، وهو قليل المبالاة وهو لا يقبل منه ما يريدونه، وهو قليل العلم والبصيرة وجسور على الأمور بغير علم؟ قال: الذي يوجد في الأثر أن موسى بن أبي جابر ما عزل محمد ابن أبي عفان (3) إلابهذه الخصال التي شرحتها، وهو أيضا مخالف لكتاب الله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، وقوله عز من قائل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، فإذا كان على غير هذه الصفة كان مخالف لكتاب الله، والله أعلم. /17/
__________
(1) (ما): زائدة من عندنا.
(2) نشاء: عاوده مرة بعد أخرى، كتب في المخطوطة (ولم يتشا).
(3) عزل محمد بن أبي عفان في النصف من ذي القعدة سنة 179هـ. (2/17)
صفحة 435
قلت له: ما تقول في الإمام إذا قدمه المسلمون على شروط أن لا يفعل إلا برأي المسلمين، وكان ضعيفا ثم ذهب المسلمون بغيبة أو موت وبقي وحده، أو بقي عنده ضعفاء ليس لهم كثير علم غير أنهم ثقات أمناء، أيسع هذا الإمام ترك هذا الأمر ويلزم موضعه أو يقوم بما يقدر ويستعين بهؤلاء الضعفاء، فما عرفوه عملوا به، وما خفى عليهم اجتهدوا فيه ودانوا الله بما يلزمهم فيه ويقومون بطاقتهم وحيث بلغ طولهم، أم السلامة لهم من ذلك أسلم وتركهم لذلك أولى بهم؟ قال: الذي عرفت أن عليه القيام حيث بلغ طوله وعلمه واستعان بأهل العدل من ثقات المسلمين وضعافهم، ولا يتعدى كتابا ولا سنة، وإن لم يعلم وقف عما جهل حتى يعلم ويسأل المسلمين، ولا يفعل شيئا إلا بعلم، والله أعلم.
قلت: ما تقول في الإمام والقاضي والوالي إذا استخدموا في البلاد [437] من يقول بالحق وينفذ الأحكام ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ وقطعوا لهم دواوينهم وبينوا لهم فرائضهم واستخدموهم فيما امروهم به، فخدموا زمانا ثم عزلوا من رأوا عزله أو اعتزل برأيه.
قلت: هل يلزم في أموالهم إذا لم يشرطوا على من استخدموه ما يبرئهم من عنائهم (1)؟ قال: الذي عرفت، أنهم إذا استخدمهم المسلمون وفرضوا لهم على /18/
__________
(1) العناء: تستخدم هنا بمعنى العمل. (2/18)
صفحة 436
صفتك فرائض في مال المسلمين، فعليهم أن يوفوهم عناءهم من مال المسلمين إذا كان في أيديهم شيء من ذلك، فإن لم يكن في أيديهم شيء من مال المسلمين كانت أجرتهم موقوفة إلى حصول شيء من مال المسلمين، وأما إذا لم يفرضوا لهم في مال المسلمين شيئا وفرضوا لهم دواوينهم (1) ولم يبينوهم أنه في مال المسلمين فإن خرج من مال المسلمين، إلا كان على كل من استخدمهم وعناهم في ماله ونفسه.
قلت: وكذلك إن عزل الإمام والقاضي والوالي ولهم أخدام وكان ذلك بمشورة الإمام، أو جعل لهم ذلك ولم يقبض أحد من هؤلاء، أعني القاضي وأخدامه والوالي وأخدامه، شيئا من ديوانهم، حتى وقع عزلهم ولم يعلم بذلك إلا بقول القاضي أو بقول الوالي، أيلزم الإمام أن يوفى هؤلاء ديوانهم من مال المسلمين أم لا؟ قال: الذي عرفت أنه إذا وقع العزل أو الاعتزال بعذر أوجب ذلك ولم يكن ذلك بحدث، وقالوا إن خدم المسلمين الذين كانوا تحت أيديهم وجميع متصرفيهم في خدم المسلمين لم يستوفوا ديوانهم، كان على الإمام أن يوفى أولئك ديوانهم من مال المسلمين، وإن كان العزل بحدث طولب بصحة ذلك، فإن صح بالبينة وفاهم ديوانهم فيما مضى، وإن لم يصح لم يلزم الإمام ذلك في مال المسلمين، والله أعلم.
قلت: فإن اشترطوا على المستخدمين أن ديوانهم في مال المسلمين، /19/
__________
(1) الدواوين: نعمي هنا الأجور على العمل. (2/19)
صفحة 437
فإن اتفق في أيديهم شيء من مال المسلمين سلم إليهم، وإن لم يتفق في أيديهم من ذلك شيء لم يكن عليهم لهم ضمان ولا أجرة في مال ولا في نفس أيجتزون (1) بهذا اللفظ؟ قال: نعم.
قلت له: فالإمام إذا كان غير ثابت الإمامة أطلق لفقير من المسلمين كذا وكذا درهما أو كذا وكذا قفيز (2) حب وجعلها في زكاة فلان، يعني الرجل من أصحاب الأموال، وجعل له أن يقبضها من صاحب الزكاة، وكان [438] الرجل يأخذها لفقره من غير أن يعلم صاحب المال بذلك لا بأمر هذا الإمام.
قلت: هل يجوز؟ ويكون من الحلال الطيب؟ قال: الذي عرفت إذا كان الإمام أصل ثبوت إمامته صحيح، ثم أحدث حدثا أوجب بطلان إمامته، فإن كان هذا الحدث شاهرا مع المطلوقة عليه لا المطلوقة له لم يجز أن يقبض الزكاة منه إلا أن يبين أنها لفقره، وإن كان الحدث يعلمه المطلوقة له دون المطلوقة عليه، جاز أن يقبض لفقره ولا يعلم المطلوقة عليه، ولو كان قد علم بحدثه المطلوقة عليه دون المطلوقة له، فإن كان عالما بفقر المطوقة له وأنه من أصحاب الثمانية الذين لهم الصدقة (3) جاز له أن يقبضه إياه ولا يعلمه بشيء من ذلك، وإن كان /20/
__________
(1) يقال: جزيتك الجوازي: أي وجدت جزاء ما فعلت، والجزاء والمجازاة: المكافأة. وجزى جزاء الرجل: كافأه.
(2) القفيز: مكيال يسع ثمانية مكا كيك، والمكوك مكيال يسع صاعا ونصفا.
(3) إشارة إلى ما جاء في سورة التوبة: آية 60: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةًمِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (2/20)
صفحة 438
لا يعلم أنه مستحقها بوجه من الوجوه فعليه غرم ذلك للفقراء، وإن كان الأصل فاسدا عند الجميع، لم يجز ذلك بينهما إلا بإعلام مما يوجب براءة مما (1) ألزمه من الضمان وسقوط المفترض، وكذلك إن أعلم صاحب المال أني إنما أخذها لفقرى لا بأمرهم، فإن كنت تقبضني زكاتك على هذه الصفة وإلا لم أقبضها، وصاحب المال لولا أنه قد أمر هذا الإمام لهذا الرجل بهذه الزكاة، وإلا لم يكن يدفعها إليه، كان جاهلا لا يؤدي زكاة ماله؟ أو يريد أن يدفعها إلى بعض الفقراء غير هذا؟ يجوز لهذا الفقير قبض هذه الصدقة والانتفاع بها أم لا؟ قال: الذي عرفت أنه يجوز له ذلك؛ لأنه من أحد أصحاب الصدقة، والله أعلم.
قلت: إن أطلق هذا الإمام لرجل فقير من المسلمين على واليه صاحب الجباية فسلم إليه الوالي من بيت رجل حبا وتمرا أو دراهم من عند رجل، وعندي الذي أطلق له أنها زكاة ذلك الرجل لا يشك في ذلك، أيجوز له قبضها من عنده الوالي على هذه الصفة أم لا؟ قال: الذي عرفت أن ذلك اختلافا، من المسلمين منْ أجاز ذلك إذا كان فقيرا، ومنهم من لم يجز ذلك، والله أعلم. وكذلك هذا الإمام إذا خرج في غازية في تبع ملصة أحدثت في طريق المسلمين أو غير ذلك من المناكر، وليس عنده أحد من /21/
__________
(1) (مما): زيادة من عندنا. (2/21)
صفحة 439
المسلمين مما يلي [439] الأمر ويقبل منه، هل يسع هذا الرجل الخروج معه؟ قال: الذي عرفت أنه إذا خرج في إنكار مجتمع على إنكاره، وكان الخارج معه قد آمن أنه لا يتعدى المحجور، جاز للخارج أن يخرج عنده على هذه الصفة، والله أعلم. وما تقول، أللإمام أن يولي غير ثقة أمين يبيع له ما إحتاج إلى بيعه ويشتري له ما إحتاج إلى شرائه؟ قال: الذي عرفت أن الذي يؤمر به أن لا يولي بيعه ولا شراءه إلا من يأمنه على ذلك، وللإمام إذا لم يوف من استخدمه أجرته التي له على خدمة المسلمين، وكان في يده شيء من مال المسلمين مع مطالبة من له الأجرة، هل يكون بذلك آثما ظالما؟ قال: الذي عرفت أنه آثم ظالم إذا امتنع من تأدية الحق الذي عليه، انقضى جوابه. والموجود في بعض الآثار عمن ولاه الإمام بعض أمور المسلمين فأحرق أو قطع النخل والشجر وقتل الدواب بغير أمر الإمام الذي ولاه؟ قال: عليه ما قتل وأحرق وأفسد في ماله؛ إلا أن يكون له في ذلك حجة بيّنة وأمر واضح يشهد (1) له أهل الثقة بأن القوم الذين صنع بهم ما /22/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (يشد). (2/22)
صفحة 440
صنع كانوا امتنعوا أن يعطوا الحق من أنفسهم، وناصبوا الحرب وقاتلوه فلم يقو عليهم ولم يقدر على ما قبلهم من الحق إلا بما صنع بهم، وأنهم لم يعطوه الحق من أنفسهم إلا أن بلغ منهم ما بلغ، فإذا كان ما قتل وعقر وأحرق على هذا الوجه غرم ذلك، وهو على الإمام في مال الله إذا كان منه على السنة، والخطأ فعلى الإمام أن يؤدى عنه خطأه، فمن أصاب منهم أمرا يختلف فيه المسلمون فأخذه فيه بقول أحد الفقهاء المأخوذ (1) عنهم لم يلزمه شيء، وإن خالف جيمع الفقهاء ولم ياخذ بقول أحد فلا نرى عليه قصاصا وعليه الدية، فهذا الموجود في آثار المسلمين السابقين، وهو القدوة في هذا عن ابن الحوارى./23/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (الموجودة). (2/23)
صفحة 441
فصل في المحاربة
عند إمام تبرأ منه في السريرة، وقيل: إن هو لم يقدر على أن يستتيب الإمام الذي يبرأ منه واستتابه، فأصبر الإمام وأبى أن يتوب فليس له أن ينصره؛ لأنه عنده كافر ونصرة الظالم الكافر حرام. وهو يقولى المسلمين الناصرين له على علمهم، ويحرم [440] دماءهم وتبرأ من الخارجين، فإن قالوا: ليس له أن يقاتل، قلنا لهم: بلى، له أن يقاتل عن إخونه الذين يتوالاهم قتال دفاع، وأما نصرة الإمام فلا، فإن قالوا: وكيف أن قتالهم دفع وهو في جملتهم وقتالهم، فرض ونصرته دفع والله في مقام واحد؟ قلنا له: إن ذلك يتبين منهم عند الابتداء في المحاربة في أول القتال وعند الهزيمة، وذلك أنه لا يبدأ بقتال أحد ولكن ينظر، فإذا قصد أحد إلى قتله أو إلى قتل أحد المسلمين ضربه دونه، وهذا هو حد قتال الدفع الذي قال الله: {اْ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا}، والدفع لهم هو المنع لهم من قتل من حرم الله قتله، فإذا وقعت الهزيمة بالكافرين الجاحدين الخارجين لم يحل له أن يأخذ أسيرا ولا موليًا، يأتي به إلى الإمام، وهو يعرف أمره؛ لأنه قد انقضى أمر الدفع، وإنما كان دفعه عن أوليائه وقد كفاهم الله ذلك ويتولى إخوانه، ويوجد في الأثر، الإمام لا تترك ولايته حتى يظهر كفره، وقد أثر (1) عن /24/
__________
(1) (أثر): زيادة من عندنا. (2/24)
صفحة 442
أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله، في ولاة المسلمين على الأمصار أنهم على عدالتهم حتى يحدثوا حدثا تسقط به عدالتهم، والإمام أعظم حرمة.
فصل: وقد بلغنا عن المسلمين أنهم قالوا لهلال بن عطية أن يرجع إلى بلاده فيرد من كان قد استجاب إلى دعوته على دين الصفرية، وكذلك قالوا لأبي المررح فيما بلغنا أن يرجع إلى أهل قدم، ويرد من دخل في دعوته من الشعيبية (1)، فأما هلال رحمه الله فرجع إلى بلده ففعل ما أمره المسلمون وكان معهم في الولاية. وأما أبو المورح فبلغنا أنه مات قبل أن يصل، فوقف المسلمون عنه، وإنما نحن نتبع ولا نبتدع.
مسألة: وإذا كان الحدث من الإمام، فيما يكون خارجا من وجوه الأحكام؛ وإنما هو من أحداثه التي لم تجر له بها العادة عند رعيته في حكم الدين، أنه مصدق في ذلك مما يكون فيه الحق لله وللعباد، والحجة فيه لله وللعباد. /25/
__________
(1) يتفق الشعيبية مع الخوارج في الإمامة (انظر: الشهر ستاني: الملل والنحل ج 1 ص 232_233)، وقد كتبت في المخطوطة: الشعبية. (2/25)
صفحة 443
فالإمام والرعية في ذلك سواء فيما أتي العبد من ذلك، مما يكون فيه محجوبا في مواقعه ذلك أن لو قام عليه بذلك ذو الحجة ممن أحدث عليه ذلك، فالقول فيه في هذا الوجه في الأئمة والرعية سواء، وقد اختلف في ذلك ممن أتاه، فقال من قال: إذا [441] لم يعلم ذلك أحق أم باطل، فهو على ولايته؛ لأن ولايته يقين، وترك ولايته والبراءة منه بشبهة تحتمل الحق والباطل، وقال من قال: بالبراءة من المحدث بما أظهر على نفسه من الدخول في المحجور فيما يكون فيه محجوجا في حكم دين الله، والبراءة منه لازمة بظاهر الأمر من غير أن يشهد عليه في ذلك بباطل ولا يحل قذفه، وقال من قال: بالوقوف عنه لما أشكل من أمره بالولاية أصح في الحكم، ثم الوقوف عنه أسلم من البراءة، والبراء وجه من وجوه الحق فيه، وعلى كل من علم منه ذلك أن يتولى المتولي له والمتبرئ منه والواقف عنه، ولا يسع من علم منه ذلك أن يخطئ من قد علم منه ذلك في ولاية ولا براءة ولا في وقوف، والتظاهر فيه بالبراءة والولاية والوقوف لمن علم ذلك من الأولياء جائز، وليس لأحد ممن علم منه ذلك أن يخطوا فيه ببراءة على كل حال مع من لم يعلم منه كعلمه في ذلك، وكذلك لا يجهر فيه بوقوف مع أهل الدار حتى يشهر الحدث شهرة لا تناكر فيها ولا ريب مع جميع أهل الدار، فإذا كان ذلك كذلك فعلم بذلك جميع أهل الدار، جاز هنالك التظاهر في الحدث في الدار إذا كان حدثه على هذا الوجه من الأئمة ومن غيرهم ممن يستحق الولاية /26/ (2/26)
صفحة 444
على أهل الدار وعلى من خصه ولايته مع شهرة حدثه الذي لا ريب فيه ولا شك في الدار أو في موضع يشتمل عليه علم حدثه ذلك مع أهل الولاية له، فإذا برئ الفريق من الفريق وتظاهروا بالبراءة من بعضهم بعضا، فعند ذلك يضيق الشك ولا يسع الوقوف ويجب الفرض بالمعرفة بالمحق من البطل وزال الشك ولم يسع الوقوف، وحببت الدينونة بالمعرف وانقطع عذر الجاهل، وبالله التوفيق، وهذا إذا كان الحدث من الأحداث التي لا يسع الناس جهلها، فالعالم به من الإمام هو الذي يهلك بجهل ذلك من الإمام، ولا يهلك من لم يعلم بذلك عن الإمام، ولا معنى للبراءة من بعضهم بعضًا إذا كان الحدث مما يسع الناس جهله، فبالجهل للحدث يهلك الجاهل، وإذا كان الحدث مما لا يسع من عمله جهله ولم يشهر ذاك على الإمام شهرة تقوم بها الحجة على أهل الدار، فالبراءة بالسر لمن علم ذلك منه مع من علم ذلك منه، والشك فيه ممن علم حدثه مهلك لجميع من علم منه الحدث من ضعيف أو عالم، ولا يسع الجهر فيه بالبراءة على حال حتى يشهر ذلك منه شهرة تقوم بها الحجة على جميع [442] أهل مملكته ورعيته، أو حيث بلغت تلك الشهرة وقامت تلك الحجة ممن خصه ذلك من أهل مملكة الإمام ورعيته، فإذا قامت الحجة التي لا يسع جهل ضلاله فيه كان المتولى له والواقف عنه بعد علمه بحدثه الذي لا يسع جهله مما لا يختلف فيه، هالكين /27/ (2/27)
صفحة 445
والمتبرئ منه سالم، ولا تسع إلا البراءة منه إذا كان حدثه لا يسع جهله وجازت مع ذلك ممن تولاه بعد قيام الحجة عليه بذلك الحدث الذي لا يسع جهله، برأي أو بدين أو وقف عنه، وكان المحق هو المتبرئ من الإمام، والمبطل من وقف عن الإمام أو تولاه، وهناك يهلك أهل مملكته بولايته إذا علموا بحدثه الذي لا يسع جهله ولا جهل ضلاله الراكب له، ومن لم يعلم ذلك من الإمام لم تقم عليه الحجة من أهل الدار فلا يهلك بولايته، ولا يسع الجهر بالبراءة من الإمام عنده حتى تقوم عليه الحجة، بمعرفة حدث الإمام الذي لا يسع جهله، وسواء كان الحدث مما لا يسع جهله أو مما يسع جهله من علم به، فما لم تقم به الحجة على جميع أهل الدار بمعرفة الحدث، ويهلكوا بولايته فالبراءة منه مع من لم يصح معه حرام، ولا يحل ذلك حتى تقوم الحجة على الجاهل بعلم ذلك، فإذا علم الحدث الذي لا يسع جهله هلك بولاية الإمام وبالوقوف، فإذا قامت الحجة على جميع أهل الدار بالحدث كانت البراءة في جميع أهل الدار جائزة؛ إلا من لم تقم عليه الحجة منهم من غائب عن ذلك أو ذى عذر في ذلك لم يصح معه الكفر، فإذا احتمل أنه يبلغه ذلك ولم يصح معه بوجه من الوجوه بما يمكن أن لا يصح معه كفر الإمام، وادعى أنه لم يصح كفر ذلك من الإمام فقوله مقبول مأمون على ذلك، فالبراءة معه من الإمام بالجهر محجورة؛ لأنه مأمون على دينه /28/ (2/28)
صفحة 446
مسألة: وعلى المسلم إذا كان من سواد الرعية، فرأى في الرعية أو من العمال ما لا ينبغي مثله في الإسلام، ما أفضل؟ أن يرفع ذلك إلى الإمام إذا كان لا يقدر على تغييره بنفسه أو الإمساك عن ذلك أفضل؟ وأي وجه فيه من الغيبة والطعن إذا لم تكن بينة؛ لأن عامة المسلمين لا يعبأون بذلك، ولعلهم يسايرون العمال على أهوائهم، فإن الفصل في دفع ذلك إلى الإمام إنكارا له على العمال، وعلى من سايرهم على أهوائهم لله، فإن قبلوا ذلك قبل منهم ولم يرفع ذلك [443] عنهم وإن أبو رفع ذلك إلى الإمام، وليس إنكار المنكر من الطعن والارتياب، إنما الطعن والغيبة أن يطعن في المسلمين ويعيبهم بما ليس فيهم، وتحقيق الطعن بغير العلم فيهم. وقيل: للإمام أن يجير رعيته إذا احتاج إليهم.
قلت: أليس قد قال أبو بكر ولا يجير متخلفا (1)؟ قال: إذا استغنى عنهم بغيرهم.
قلت: فهذا مسير أو دفع؟ قال: مسير. قال: فإذا أرسل إلى غير شارٍ فليس له أن يتخلف عنه. تم ما وجدته عن المسلمين. /29/
__________
(1) لا يجبر متخلفا: أي لا يجبر متخلفا عن الحرب. (2/29)
صفحة 447
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة من الإمام أبي زكرياء يحي بن سعيد (1) رحمه الله إلى أبي عبد الله محمد بن طالوت النخلى (2)
سلام على من أذنب فرجع ودعى إلى الحق فاستمع، وادكر (3) لبيانه فاستجاب، واستغفر ربه فأناب.
أما بعد: فأني أوصيك بحمد الله وشكره، وأمرك بطاعته وذكره، أحق من شكر وحمد، وأعظم من ذكر وعبد، وأجل من مجد وعظم، وأفضل من قصد وحكم، ذي العزة والكبرياء والجبروت والآلاء، والجلال والإكرام والفواضل والأنعام، والطول، والأزلية والقدرة الربوبية، الأول بلا ابتداء ولا غاية، والآخر بلا مدى ولا نهاية، لا تدركه النواظر ولا تحصله الأوهام ولا البصائر، ولا تغيره الأزمنية ولا تحويه الأمكنة ولا تشبهه الصور ولا الأمثال ولا يعتريه التغير ولا الزوال. /30/
__________
(1) أبو زكرياء يحي بن سعيد: هو القاضي أبو زكريا يحي بن سعيد، قتل في سنة 472هـ في عهد إمامة راشد بن علي.
(2) أبو عبد الله بن طالوت النخلى: ينتسب إلى بلدة نخل، ونخل إحدى مدت الحجر الغربي في عمان وتشتهر بزراعة النخيل والفواكه وبها حصن مشهور.
(3) وادكر الشيء: ذكره. (2/30)
صفحة 448
أحمده على جزيل القسم، وعلى سبوغ الفواصل والنعم، وعلى جميل صنعه وبلائه وتواتر موارده وآلائه، وعلى أنواره الواضحة وحججه البينّة السارحة، (1) وضوء (2) الحق الساطع وبراهين الدين اللامع، القيم لمن اتبع وسلكه، والحجة على من زاغ عنه وتركه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة مخلص له بالإيمان، موحد له بالاخبات (3) والإتقان، استدل عليه بآثار صنعته وأعرفه ببدائع فطرته، معترف بحصولي في معاده، مصدق له في وعده وميعاده. وأشهد أن محمدا عبده ونبيّه ورسوله وصفيّه، أرسله واجتباه وبعثه واستنباه بالحق الواضح المبين، والبرهان النهج المستبين، على حين غفلة من الناس وظهور من الجور والالتباس، فبلغ الرسالة وحذر بالهلاك وأوضح الدليل والظاهر وبيّن البرهان الزاهر، فأنفوا من الإجابة [444] وكذبوا ونفروا من قوله، وغضبوا ورموه بالكهان والسحر ونسبوه إلى الجنون والشعر، فلم يزل على ما آذوه صابرا، وبالمعروف آمرا وزاجرا، حتى أظهر الله كلمته وأعز بالحق نصره ودولته، وأخذ الإسلام به يصول ويعرض في الأفاق ويطول، والباطل يخنع ويزهق، وتنطمس آثاره وتتمزق، حتى بلغت دعوته وقامت حجته، ثم قبضه الله إليه صلى الله وملائكته عليه صلاة تترادف مدى الأيام والعصور، /31/
__________
(1) كتب في المخطوط (السارخة).
كتب في المخطوطة: (وضياء).
(2) الخبت والأخبات والخبوت: هو ما اطمأن واتسع من الأرض، وأخبت إلى الله تعالى: اطمأن إليه تعالى وتخشع أمامه.
القار والباد: أهل القرار، أي أهل الحضر المستقرون، وأهل البدو المنتقلون. (2/31)
صفحة 449
وتتضاعف على مرور الأزمن والدهور، وعلى آله ومتبعيه وسالك سبيله ومصدقيه، الذين اتبعوا في دينهم المنهاج، وعدلوا عن الزيغ والاعوجاج، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}، وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}، وقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِي}، والسبل هي الأهواء الضالة، أعادنا الله وإياك من كل هوى وفتنة وعصمنا من حيرة ومهلك، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وبعد فقد أحطت علما بمعاني كتابك وأخذت النظر في شرح خطابك، وتفهمت معاني تلك الروايات والأخبار وما توليني فيه من المحنة والإيثار، وما رغبت فيه من قضاء حق الإخوان والمعونة لهم على الشدائد والأحزان، فقد تعلم يا أبا عبد الله أن الإخوان لهم ذلك مالم يميلون إلى الأهواء أو يركنوا إلى الضلالة والإغواء، فمتى مالوا إلى الهوى الضال واتبعوا سوء الفتنة والمقال بيّن لهم الحق ودعوا إلى التوبة مما ابتدعوا، فإن قبلوا النصيحة وتابوا واستمعوا للحق وأجابوا قبلت توبتهم ومعذرتهم، وأقيلت هفوتهم وعثرتهم، ولم ينظر في الذنب الذي ارتكبوه، وأزيل عنهم حكم /32/ (2/32)
صفحة 450
ما كانوا اكتسبوه، قال الله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، ومتى لم يتوبوا مما أحدثوا، وأصروا على الظلم ونكثوا ارتفعا عنهم حكم المحبة والولاء، وأزيل عنهم حكم [445] المشابعة والإخاء، وأما ما ذكرت أنه لم يصلح لك في هذه الدولة حال ولا يد ولا أحيال، ولا صار لك فيها حظوة ولا يقضي لك فيها وطر ولا شهوة، فلعمري لقد شملك أنت وسواك عدلها، وأعم كاف أهل عُمان فضلهاـ صغيرهم وكبيرهم غنيهم وفقيرهم، مع تحسن صنع هذا الإمام وأفعاله وطيب نيته وإقباله، فارتفع بذلك جميع الفساد وآمن القارئ فيها والباد، (1) مع أن هذه الدولة بحمد الله ما تقدم لك فيها مساعدة ولا معونة في أمرها ولا معاضدة، ولا كنت ممن حرص عليها ولا بذل نفسه فيها، فهلا جعلت ذلك كفافا ولزمت ما يعنيك تورعا وعفافا، فلا نرضى أن يكون غيرك يصلى حرها ويكابد أذيتها وشرها منغصة في دنياه عيشته، متخوف أن تفوته آخرته، وأنت سالم في رياض إنعامها، معتزل عن حرها وكلامها. وأما ما ذكرت أنك صحبت من صحبته فيها بمحبة، وألفته بمودة ورغبة، /33/
__________
(1) القار والباد: أهل القرار، أي أهل الحضر المستقرون، وأهل البدو المنتقلون. (2/33)
صفحة 451
وكنت (1) ترجو إن لحقك منها عناء أو دخل على قلبك فساد، ورحلت (2) مناصا، ومن الشدة خلاصا، فإنك الأن لو عدت (3) لم تجد معهم منها ولا لك عنها مدفعا، فهلا أعددت يا أبا عبد الله ما كتب إليك به الإمام، وكذلك كتاب أبي بكر القاضي (4) إليك وسيرته التي أوضحت لك وحجته، ولقد وقفت على معاني كتابك الوارد إليهما والوافد في معنى بني خروص عليهما، فرأيته عجبا لمن تدبره، وفكرا لمن تنظره، فوجدت فيها خلطا من الاحتجاج وركونا إلى الظنون والإعوجاج، حجة على من كتبه وانتحله، وبرهانا لمن كتب إليه عند من تأمله، أنكرته فيه وكرهته وشرحته وذكرته من تقديم أحمد بن الصلت شيخا على عشيرته والاستخدام له في بلده، وعقوبة من عاقبته من غير أن أهّل لشيء من العقوبات، ولا فوض إليه أمر الصدقات، ولا أدخل في شيء من أمور المسلمين التي لا يؤتمن عليها إلا أهل العادالة في الدين، فاعلم أنه كان الواجب في ذلك عليك واللازم فعله لك، ولديك ألا تهجم [446] على ما لا تعرف عدله، ولا تتقدم على ما لا تعرف صوابه وحلّه، وأن لا تتكلم إلا بعلم، ولا تأكل وتشرب ولا تنظر ولا تسمع ولا تبصر ولا تسر ولا تعلن ولا تذكر إلا بحق، قال الله تعالى: /34/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (وكتب).
(2) كتب في المخطوطة: (وحات).
(3) كتب في المخطوطة: (عبرت).
(4) القاضي أبو بكر: هو أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحى. (2/34)
صفحة 452
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}، وقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}، معناه، هل من طلب علم فيعان عليه، وقال {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}، فالإسلام في صدر المؤمن أكثر ضوءا من الشمس والقمر، له ضوء يتلألأ في قلبه، ومثل المنافق الأخرى يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء لا يعرف حرام الله حراما ولا حلاله حلالا، وقال النبي (ص): «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك شبهات، فمن تنزه عن الشبهات صفى عرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات كان كالراعي إلى جانب الحمى يوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله محارمه»، وقال المسلمون: إن من تكلم بما لا يعرف أنه إن وافق الصواب كان آثما وإن وافق المحجور كان هالكا، وقيل: العامل بلا علم كالطاحونة تدور على عينها الغطاء أو كمطيّ الطريق كلما ركضها شدا ازداد من رشدها بعدا، فإن كان عندك يا أبا عبد الله أن أحمد بن الصلت من أهل الظلم والنفاق والجور والشقاق .... (1) /35/
__________
(1) أشير في المخطوطة في الهامش الأيسر من هذه الورقة بقول الناسخ: انتقطع ما بقي من السيرة، ونحن طالبون تمامها إن شاء الله تعالى إن وجدنا لها نسخة.) (2/35)
صفحة 453
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة للشيخ هاشم بن غيلان إلى الإمام عبد الملك بن حميد رحمهما الله
للإمام عبد الملك بن حمد (1) من هاشم بن غيلان (2): سلامي عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأوصيك ونفسي بتقوى الله وطلب ما تخرج به من فتنة العلماء التي أصبح فيها كثير من أهل الشقاء وأستعين بالله. /36/
__________
(1) ولى الإمام عبد الملك بن حميد، إمامة عمان في سنة 208هـ، وقيل في سنة 207هـ، إلى أن توفي سنة 226هـ، وقد اتبع سيرة الحق والعدل، وصارت عمان يومئذ خير دار، وتمتعت بالأمات والإطمئنان، وعبد الملك بن حميد من بني سودة بن علي بن عمور بن عامر بن ماء السماء الأزدي.
ولما بويع بالإمامة كان كبير السن، وفي زمنه كانت تقع الأحداث في عسكره، فشاور المسلمون الشيخ العالم موسى بن علي في عزله مع كبره وضعه بدنه وذهاب قوته، فأشار عليهم أن يحضروا العسكر ويقيموا أود الدولة، وعبد الملك في بيته لم يعزلوه، ولم ينزلوه حتى مات، وهو لهم إمام برئ من الطعت والريب. (انظر: حميد بن رزيق: الشعاع الشائع باللمعان ص34، وحميد بن رزيق: الفتح المبين ص 228ـ 229. والسالمي: تحفة الأعيان ج1، ص 101ـ 114).
(2) هاشم بن غيلان: من علماء وفقهاء عمان في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وقد كتب النصائح إلى الإمام عبد الملك بن حميد بمفرده أو مع علماء عصره، وفي زمان الإمام عبد الملك بن حميد أظهر قوم من القدرية والمرجئة مذهبههم في صحار، ودعوا الناس إليه وكثر المستجيبون لهم، فخاف هاشم بن غيلان على المسلمين من ذلك فكتب إلى الإمام هذه السيرة، وهاشم بن غيلان من أهل سيجا من اعمال سمائل وفبره بها معروف إلى الآن ويكنى أبا الوليد (انظر: السيابي السمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص51). (2/36)
صفحة 454
أما بعد، أيها الإمام (1) .... مما العافية منه سلام عافاك الله في الدنيا والآخرة وإيانا برحمته، فإني كتبت إليك والعافية حالنا والحمد لله كثيرا، نحب سلامتك ونسرّ بصلاحك وصلاح ما قسم الله لك وما وفقك الله وأرشدك وأعزك ونصرك فنسأل الله لك ذلك من لدنه فضلا منه ورحمة، والله ذو الفضل العظيم، أعملك رحمك الله أنه كان قبلك من أئمة المسلمين، أدركنا من أدركهم، وأخبرونا أنه أول شيء ساروا به في الناس أن علموهم دينهم وأظهروا لهم نسب الإسلام وبيّنوا لهم ما يأتوا مما أمرهم به من طاعته ومما نهاهم (2) عنه من معصية ومن كان على غير دين المسلمين من أصناف الخوارج (3) والشكاك وغيرهم لم يدعوهم (4) على ذلك حتى دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل في الإسلام على أيديهم وأسنتهم بالصدق منه والرغبة في دين المسلمين، ومنهم من قبل دين المسلمين تقية منه ولم يظهر للمسلمين منه إلا ذلك، فلم يكن للمسلمين عليه سبيل، وكان حسابه على الله، حتى أماتوا كل بدعة وكل دين على خلاف الإسلام، وكانوا رحمة الله عليهم إذا بلغهم من أحد أنه (5) على غير دين المسلمين أرسلوا إليه وعرضوا عليه دينهم، فإن قبله كان له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى إلا أن يظهر غير ما عليه دين المسلمين /37/
__________
(1) بعد كلمة (الإمام) وقبل (مما)، يبدو أن هناك نصا محذوفا من الأصل.
(2) كتب في المخطوطة: (ناهم).
(3) نلاحظ أن كلمة: (خوارج) هنا تدل على الخروج على الدين الصحيح، وليس الخروج في سبيل الإسلام.
(4) يدع: يترك.
(5) (أنه): زيادة من عند. (2/37)
صفحة 455
أموره بالخروج من بلادهم، فإن خرج تركوه، وإن لم يتب ولم يخرج لم يقرروه (1) على ذلك وأكرهوه على قبول الإسلام، فأحيا الله بهم الدين، وأمات بهم البدع وأظهر بهم الحق وأطفأ بهم كل جور حتى مضوا عليهم رحمة الله [448] ورضوانه، وأنه بلغنا أن قوما من أهل القدرية والمرجئة بصحار قد أظهروا دينهم ودعوا الناس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم، ثم قد صاروا بتوام (2) وغيرها من عمان، وقد يحق عليك أن تنكر ذلك عليهم، فإنا نخاف أن يعلو أمرهم في سلطان المسلمين فأمر يزيدا واكتب إليه أن لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم (3) حتى يطفئ الضلال والبدع، واكتب إليه رحمك الله فيظهر الإنكار عليهم، ويرسل إلى كل من بلغه عنه شيء من ذلك فيعرض عليهم الإسلام ويصف لهم الدين وإثبات القدر وتكفير أهل الإصرار، (4) فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب، ومن بلغك عنه تمادى في ذلك فاحبسه (5) وعاقبه، وأطل حبسه. أحببنا أن نعلمك ونكتب إليك بالذي بلغنا من ذلك وضاقت به صدورنا، فانظر في ذلك نظر الله إليك وإلينا برحمته، والسلام عليك ورحمة الله. /38/
__________
(1) قرره بالأمر: جعله يعترف به، كتب في المخطوطة: (لم يقارروه).
(2) توام: هي البوريمى الحالية.
(3) في نسخة أخرى (يدعهم) بدلا من (دعوتهم).
(4) في نسخة أخرى (الضلال) بدلا من (الإصرار).
(5) كتب في المخطوطة: (حسبه). (2/38)
صفحة 456
23 بسم الله الرحمان الرحيم
تعليق في معنى عن الشيخ أبي المنذر سلمة ابن مسلم بن إبراهيم رحمه الله
أنكر على بعض المتحلية (1) في مسائل رفعت عني ولم يسمعوا بعضها مني فعجلوا عليّ بالغيب طاعنين وعجلوا الذنب تائبين، (2) واستوحشوا لذلك إكبارا وأوحشوا منه إنكارا ليتوهمهم الجاهل علماء ويتوسمهم الغافل فهماء، وأنا ذاكر للمسائل وقولي فيها، وما دللت به عليها ليعلم من وقف على مقالتي فعرف، وكان من أهل التميز والنظر والتحصيل والبصر، أينا بالعيب أحق، ومن منا في يده الحق ومن له الإنكار الحق وبالله الاعتصام والتوفيق، وبلغتي أني قلت فيمن نشأ في جزيرة من جزائر البحر فريدا من الناس فلم تقم حجة عليه، ولا بلغت دعوة إليه، ولا سمع بكتاب ولا رسول فحل سائر المفترضات ولم يأت بشيء من العبادات أنه معذور بذلك وسالم غير هالك، وما خلا معرفة الله تعالى، فإنه لا يعذر بجهلها، إذ لا عذر لذي عقل بها، فأنكروا ذلك شناعة ومسارعة بالذم إليّ بلا بيان أو جبوه، ولا /39/
__________
(1) التحلة: ما كفر به.
(2) كتب في المخطوطة: (ناس) (2/39)
صفحة 457
برهان أوردوه، وكذلك قلت، وأقول: الدليل على صحة ما قتله أن المعرفة بالله تعالى واجبة على المكلف البالغ العاقل من طريق العقل، فكل من كان العقل فيه موجودا فالمعرفة بالله تعالى له لازمه والحجة عليه فيها قائمة [449]، ومعرفة ما سواها من الشريعة لا تعلم بالعقل وإنما العقل علم بالنقل، فما لم يحصل للمكلف، لم نقل فهو معذور، وهذا الفرق بينهما، فإن قال المعارض، ولم كان العقل دليلا على معرفة الخالق دون غيرها من شرائعه؟ ولم لا كان التعبد في ذلك واحدا؟ قيل له: فإن الله تعالى خلق خلقه تحتمل معرفته، فلا يجوز أن يبيح لهم الجهل به لما ذكره عز وجل في كتابه بقوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}، وفي ذلك دليل على أنهم لم يخلقهم ممتحنين بمعرفته إلا والمعرف به لازمة، والحجة عليهم فيها قائمة، والجهل عليهم به محظور؛ لأن في أن لا يكلفهم معرفته إثبات الغيب، وإثبات الغيب عن الله منفى، ولو أنه خلقهم خلقه لا تحتمل معرفته؛ لأزال عنهم التكليف، ألا ترى أن البهائم وما هو في معناها لا تكليف عليها إذ هي لا تحتمل معرفته تعالى، وأيضا فقد قلت: إن التكليف يلزم عقلا ونقلا، فتكليف العقل معرفة الله تعالى من طريق النظر والاعتبار للأشياء الدالة على مدبرها، والعلامات القائمة بدلائل القدرة لمقدّرها، وأولها بالنظر وصحة الاعتبار نفس /40/ (2/40)
صفحة 458
الناظر المعتبر لقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، هذا إلى ما أمر الله به تعالى من النظر إلى الآيات الموجود في الأرض والسماوات الدالة على وحدانيته والملزمة اضطرارًا لمعرفته، فذلك لزم بالعقل معرفته سبحانه اضطرار أوجبت حجته على خلقه بتوحيده اعتبارا، فلم يعذر عاقلا جهلا بذلك ولا إنكاراً، وأما تكليف النقل فمعرفة النبياء والرسل والكتب والشرائع، ولن يصل أحد إلى علم ذلك إلا بناقل ينقله ومعلم له يفسره يحمله ويبيّن لتحريمه؛ لأنه ليس في فطرة العباد الاطلاع على علم الأشياء إلا بالتعليم، فذلك عذر من لم يحصل له دليل التعريف فيصل به إلى سبيل التكليف؛ لأنه لو كان ذلك لازماً لهم بوجود عقولهم لما كان لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر بالتعليم معنى، ولكانت العقول معلمة لذويها ومغنية لأهليها عن إرسال الرسل إليها بالبيّنات إليها، ولكن لم يكن أحد يعلم ذلك إلا بالتعليم والبحث والتفهيم، بعث الله تعالى إلى العباد رسلا منهم يعلمونهم ما لا يعلمون ويفهمونهم ما يجهلون، وهذا الفرق [450] بين حكم العقل والنقل، فإن قال: أليست دعوة الرسول عليه السلام قد بلغت الخلائق جملة وقامت عليهم بها الحجة؟ قيل له: لو قلنا ذلك إطلاقا لاجتمعنا عليه اتفاقا، ولكنا نقول: إن الدعوة بلغت من بلغه دون من لم تبلغه دعوة ولم تقم /41/ (2/41)
صفحة 459
عليه حجة فلا يبطلها بمداخلة الاعتراض لها، لولا أشراطنا في ابتدائها وتأصيل ثباتها لسقط الكلام بيننا فيها؛ لأنه لا خلاف في أن من بلغته الدعوة عليه الحجة، فلا عذر له بجهل ولا تجاهل، وإنما كلامنا فيمن لم يبلغه شيء من ذلك، أهو معذور أم هالك؟ ولهذا كان الكلام مسموعا، ولولاه لكان الكلام باطلا موضوعًا، وإنما عارض في هذا من تعلق بشهرة الدعوة فألزمها الخلق كافة وجميع فيها بين من علمها وبين من لم يعلمها فصعب السبيل وأعدم الدليل وأوجد المحال (1) وأما أيّد ما قال، ولا يخلو من ذكرنا من أن يكون سامعا للدعوة فالحجة عليه قائمة ولا خلاف (2) بيننا فيه، أو غير سامع لها فلا حجة عليه ولا كلام بيننا أيضا فيه؛ لأنه محال أن يسمى غير سامع للشيء سامعا له؛ لأن هذا هو المحال والخلف في المقال، على أن المعارض يسميه أيضا غير سامع للدعوة، لا تمكنه تسميته بغير ذلك فهو مفرق بين الإسمين ومخالف بين الحكمين، فالحجة من لسانه عليه، وإذا كانت الحجة من لسان الخصم كانت الغاية في التقويم عليه، فإن قال: أفيجوز أن يكون أحد من الخلق لم يسمع بالرسول (ص) مع شهرة أمره، وإذاعة ذكره ولا قامت عليه به الحجة؟ قيل له: جائز ذلك وغير منكر أن يكون مثل هذا موجودا فيمن نشأ في منقطع من البلاد وعزلة من العباد، فلم يبق إلا من هو كمثله وفي /42/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (المجال).
(2) كتب في المخطوطة: (ولا خلا). (2/42)
صفحة 460
صفته وجهله، فغربت عنهم المعرفة وشملتهم هذه الصفة فكانوا كلهم جاهلين، فأعلمه سواهم من رسالة الأنبياء وغيرها من الأشياء ولولا جواز ذلك لما جاز الكلام في هذه المسألة، ولكانت مسألة يجهل سائلها ويمنع من الجواب لها ولكن غير ممتنع أن يجوز ذلك ويكون، فإن قال: إن دعوة الرسول (ص) أشهر من أن تخفى على أحد، وإن حجته قد قامت على الناس كافة واحتج بقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}،وبقوله عز وجل: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ [351] لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، وبقول الرسول (ص): «بعث إلى كل أحمر وأسود»، وبقوله عليه السلام: «لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم»، وقال: ففي هذا ما يدل على أن دعوته قائمة وحجته ثابتة لكل أحد إلى يوم القيامة، فلا عذر لجاهل بها ولا متجاهل، قيل له: أما قولك إن دعوة الرسول (ص) أشهر من أن تخفى على أحد فذلك مستحيل؛ لأنه قد خفيت دعوته على قومه وهو بين أظهرهم موجوداً، حتى أظهرها بينهم قولا وفعلا ومحاربة وتأليفاً ودعاء وتلطفاً، وأقام بها، وبإظهارها المدة الطويلة، ولولا ذلك لما شهرت، ومحال أن تكون دعوته بعد وفاته أقوى منها به في حياته، كيف وقد قال عليه السلام: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً»، علماً منه عليه السلام /43/ (2/43)
صفحة 461
بدروس الإسلام، ويدل على ذلك قوله (ص): «يذهب الإسلام حتى لا يبقى إلا رسمه، ويذهب القرآن حتى لا يبقى إلا إسمه»، ولم يقل عليه السلام أنه يكون بعده على الازدياد فيكون حجته أظهر ودعوته أشهر، ويدلك على ذلك أيضاً قوله عليه السلام: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني»، فلو كان أمره بعد وفاته أشهر منه في حياته لكان تضعيف الثواب بسبعة أضعافه لمن آمن به بعده، هل هذا إلا دليل على أن دعوته كانت في حياته أشهر ووجوبها على الناس أكثر وأن الجاهل بها بعده لحقائقها (1) أعذر!! وهذا غير خاف على ذي فهم أو نظر، وأما احتجاجك بقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ}، فلا حجة به لمحتج هاهنا؛ لأن هذه الآية إنما يحتج بها على من بلغته دعوته وقامت عليه حجته فرام رد ذلك بجهل أو تجاهل، فإنه يقال له إن الله تعالى بعث هذا الرسول (ص) إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وأنت من الناس، وما هو يبشرك وينذرك فلا عذر لك في رد شيء من ذلك، ويتلى عليه الآية؛ لأن من الكفار من يقول إن محمداً عليه السلام رسول من الله إلى العرب خاصة دون غيرهم، فأما من لم يسمع به بشيراً ولا نذيراً ولا يعلم ما البشير ولا النذير ولا معناهما فلا موضع للاحتجاج /44/
__________
(1) كتب في المخطوطة (لحقائها) (2/44)
صفحة 462
عليه إلا به [452]، على أنه قد قال بعض المفسرين إن معنى (1) (كافة الناس) أي يكفهم ويروعهم، وقال آخرون: (كافة) أي عامة، وعلى المفسرين في الخطاب أنه (2) متوجه إلى أداء (3) الرسالة عموماً لا خصوصاً في التبليغ، فوجدت ذلك لازماً من أتاه دون من لم يأته؛ لأن من لم يأته الإبلاغ بعد كون الرسول عليه السلام، هو في العذر بمنزلة من لم يأته قبل كونه عليه السلام؛ لإستواء حالتيهما في تعذر العلم به؛ لأن الحجج لله تعالى على خلقه بالرسل بعد الإبلاغ عنه عليهم لا قبله إذ وجود الرسول من غير بيان وعدمه سيان (4)، وإنما كانت الحجة بهم لله تعالى على الناس بأداء الرسالة، وإبلاغ المقالة لا بكونهم رسلا موجودين غير مبلغين./45/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (معنى).
(أنه): زيادة من عندنا.
(2) كتب في المخطوطة: (أدى).
(4) كتب في المخطوطة: (وعدمهم شيان). (2/45)
صفحة 463
بسم الله الرحمان الرحيم
هذه سيرة عن الشيخ الفقيه وائل ابن أيوب (1) رحمه الله نسب الاسلام
الله ربنا ومحمد نبيّنا والقرآن إمامنا وبيت الحرام قبلتنا والاسلام ديننا، وهو من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان، والبر والوفاء من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه، وإقامة حدوده، والعمل بحقوقه، ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرائض الله ولا بالمقام على حرام الله، والإيمان هو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله، وأن حقا ما جاء به من الله، والإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين والجنة والنار، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، والأمر بالمعروف وإتيانه والنهي عن المنكر واجتنابه، حيث أمر الله به ونهى عنه، كما بين الله في كتابه وأمر من عدل ذلك وحقه، وإقام الصلاة بمواقيتها في الليل والنهار بتمام ركوعها وأحكام طهورها وما يقال فيها من لدن إحرامها إلى إحلالها بخشوع ذلك ووقاره /46/
__________
(1) وائل بن أيوب: هو الفقيه: (وائل بن أيوب الحضرمي)، وهو من مشاهير العلماء الإباضية في القرن الثاني الهجري ومن تلاميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، (انظر: الدرجيني: طبقات الإباضية ورقة 105 - 106). (2/46)
صفحة 464
والشهادة في الجماعة ولا يقنت (1) ولا يؤمن (2) فيها، ولا يمسح على الخفين عند الطهارة لها، وقصرها في السفر، والجمع في السفر جائز لمن أراده، والجمعة في الأمصار [453] الممصرة، وعند العدل في غير الأمصار تجب على بالغ مقيم من رحال أحرار، وصلاة الفطر والنحر والصلاة على موتى أهل القبلة من بعد غسلهم وتكفينهم ودفنهم في حفرتهم، ولا صلاة بعد صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس إلا الناسي أو صلاة على ميت، وإيتاء الزكاة فيما أوجبها فيه من تلك الأصناف المعروفة على فريضة الله، وسن نبيّه لوقت ومنتهى وحفظ وأحصى وأداها إلى أهلها (3) القائمين بحق الله الحاكمين بعدله الذين يقسمون بالسوية ويعدلون على الرعية، ولا يحيفون في مال الله ولا في حكمه، فأولئك أهلها وولاة قسمها، إلا من أخذها بغير حقها أو وضعها في غير أهلها وعمل فيها بغير قسم الله وعدله واستأثر لنفسه ولأهله، وجعلها ملاعب لفرجه وبطنه وفي أهل طاعته ومودته إن لم يجعل الله لهم فيها قسما ولم يفرض لهم فيها سهما، وإذا لم يكن إمام عدل، أو كان في حين أهل الجور، فعلى كل من لزمته في ماله أداها إلى أهلها المستحقين لها، وصيام شهر رمضان وإقام سنته، وما استحفظ الله منه من عفاف وحلم وورع وتنزه، وأدى زكاة /47/
__________
(1) أفنت: اطال القيام في الصلاة.
(2) أمن: قال آمين.
(3) كتب في المخطوطة: (الهاء). (2/47)
صفحة 465
الأبدان عن كل إنسان صغيرا وكبيرا وحرا وعبدا وأنثى أو ذكر صاع مما يأكل، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، وبالبر بالوالدين، وصلة من أمر الله بصلته من ذى رحم وجار وصاحب وابن سبيل وما ملكت اليمين، ومن جعل الله له حقا مؤدى في دينه، وإنزالهم منازلهم من الخير والشر، والفراق لهم والولاية على لا إذلال لأحد في ذلك ولا مودة ولا هوادة بغير تقوى حتى يؤمنوا بالله ويعملوا بطاعته، وتلك السنة، فمن عصى الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وغض النظر عن الحرام وحفظ الفروج عن الحرام وعما نزه الله المسلمين والمؤمنين وبرأهم منه، وستر الزينة التي أمر الله بسترها فيما أمر عباده وأدبهم به، الرجال منهم، وقد أمر الله النساء في بعض ما لم يأمر به الرجال من الستر، وأن يقرن في بيوتهن ويضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينهن (1) إلا [454] ما ظهر من ذلك مما لا حرام فيه ولا عيب به من كحل في عينها أو خاتم في يدها، وأيما امرات أبدت سوارها بمعصمها أو في قرطها بأذنها أو خلخالها بقدمها، أو شيئا من بدنها سوى وجهها وكفيها لغير ذى محرم من الرجال لها، فهي عاصية لربها حتى تتوب من ذنبها، ولا يشمن ولا يوشم لهن ولا يفلجن أسنانهن ولا يصلن ولا يوصل لهن، ولا يدعين بالويل عند مصائبهن ولا يلطمن خدودهن ولا يخمشن وجوههن /48/
__________
(1) ‘شارة إلى الآية الكريمة في سورة النور: آية 31. (2/48)
صفحة 466
ولا ينحن ولا يناح (1) لهن، ولا يسمعن النوح تلذذا به منهن، ولا يسفرن عند غير ذات محرم من الرجال لهن، ولا يتجردن إلا عند أزواجهن، وإتقاء الحيض واعتزال النساء حق يطهرن، والاغتسال من الجنابة، الاستئذان في البيوت، وذكر اسم الله على الذبيحة، ولا تأكلوا مما لم يذكر أسم الله عليه فذلك حرام وكل مسكر حرام والنكاح بالفريضة والسنّة وإذن الوالي ورضى المرأة، ومجانبة نكاح من حرام الله نكاحه من أهل تلك المنازل التي بينها الله في كتابه، والطلاق بالشهود والعدة على سنة الطلاق، ولا تتخذوا آيات الله هزوا، والميراث بفرائض القرآن، ولا يتوارث أهل ملتين (2)، واجتناب الكذب وقول الزور وتوابعه من القول الذي لا يعني القائل به، فإن ذلك من حسن إسلام المرء، والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والخطايا، والإقلاع عن ذلك والندامة عليه والتبدل به إحسانا ومعروفا، والشهادة على من ضل بضلالته، والخلع له والبراءة منه والبغضاء له والعدواة إلا ما وسع الله له في ذلك من التقية في غير إظهار الدعوة، والولاية لأهل الطاعة والحب لهم والحفظ لغيبتهم بما حفظ الله، والعون لهم على البر والتقوى كما أمر الله {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، واتقوا الله فيما أمر الله به ونهى عنه ومراقبته في سر ذلك وجهره. /49/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ولا ينحاح).
(2) إشارة إلى الحديث الشريف. (2/49)
صفحة 467
واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، وتطهير القلوب من حقدها وحسدها وتنزيه الألسن عن مكروهها، وعصيان النفس في سوء ما تأمر به، وصدها عن سبيل هواها وما فيه ردها عن مراتع هواها، وتنبيهها عن غفلتها وشهوتها [455]، ودفعها عن ذلك إلى معالي الإسلام ومكارمه ومنازل المؤمنين بالمغالبة في حب الله، وفيه يتاح نعمته واجتماع كناتها على طاعته وإقامة الحق والقول به لله لا لغيره بما أمكن من ذلك واستطاع السبيل إليه، ولزوم سنن العدل وآثار أئمة الهدى الذين أيدهم الله بعزه وجعلهم في حرزه وهداهم بالنور ووطء (1) العلم الماثور، والولاية والكينونة على سبيلهم ومعرفة فضلهم الذي فضلهم الله به، وتضليل من سواهم من أئمة الضلالة وقادة الفتنة، والفراق لهم على معصية الله، والنصيحة لله في عباده فيما جهلوا فيه وعموا وزاغوا عنه وضلوا من سبيل رشاده، وقول سداد، والتذكير لهم والتحذير بتذكير الله وتحذيره، والذي جاءت به رسل الله عذراً ونذراً، والنصيحة لعامة المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة يدعون من أدبر، ويقبلون ممن أقبل، وقتال من كذّب بيوم الدين وبغى على أهل الدين من بعد بلوغ الدعوة إليه واتخاذ الحجة عليه، لا نهاية لقتال أهل التكذيب حتى تؤمنوا بالله، ولأهل البغي حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتتغير آثار الظلمة وما أحدثوا من منكر وابتدعوا وسنّوا من ضلال وشرعوا خلافًا عن أمر الله /50/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ووطئ). (2/50)
صفحة 468
وكذباً على الله، والرد على من قال لا قدر (1) ونازع الله في سلطانه، وأن أموره (2) مفوضة إلى العباد، وعلى من ادعى الإيمان بالقول دون الفعل، وعلى من سمى أهل التوحيد والإقرار مشركين، وعلى أهل التشبيه والتحديد، وعلى من قال بالرؤية، وأبطل الوعيد، وعلى من زعم أن المعاصي من أهل الإقرار يدخلون بها الجنة (3) من بعد مصيرهم إلى النار (4) فكل هذا عند الله حوب كبير وضلال بأهله وتخسير، والحيطة من وراء الإسلام الذب عنه بما ألزم وكلف الله فيه أهل النظر، وقام به لله أهل العلم والبصر، حتى تكون كلمة الله هي العليا وأحكامه الجارية، والصبر على مكارم الأمور التي أمر الله بها والقيام لله بها، والقيام لله بالقسط والشهادة على القريب والبعيد، ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا، والحكم بين الناس بالعدل والوفاء بالعهد على الطاعة، ولا طاعة لمن [456] عصى الله، ولا وفاء بنذر في معصية الله، ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون (5) والعدل في الوزن والوفاء في الكيل، وتحليل البيع وتحريم الربا والمحافظة على الحدود كلها، والمحارم التي حرم الله من الأموال والأنفس إلا ما أحل الله من ذلك بحقه وحله مما بينّه في كتابه من المناكح والمطاعم والمشارب، والتشديد /51/
__________
(1) يعني هنا طائفة: (القدرية).
(2) كتب في المخطوطة: (أمور).
(3) (بها الجنة): زيادة من عندنا ليستقيم الكلام.
(4) يشير في كلامه إلى أهل البدع والضلال.
(5) يشير هنا إلى الآيات القرآنية في سورة المائدة: الآيات 45و 47. (2/51)
صفحة 469
في ذلك والتعظيم له كما عظمه الله، فمن ابتغى وراء ذلك وتعدى عدواناً وظلماً كان له ما أوعده الله من النكال والجزاء في العاجل، والعذاب في الآخرة، وتحريم الربا أضعافاً مضاعفة، وترك ما يرتاب فيه من ذلك مما لا سنة فيه ولا أثر، وأوحش الأمور مما شاهد له من الله ولا في كتابه ولا في سنة نبيه ولا أثر أفاضل أصحابه، وأوحش البيع ما لا جزاء له في ثوابه، والوقوف عند الشبهات والأخذ بالبيّنات النيّرات، وطلب ما لا علم له بجهالته، والعلم بما علم الله، واتباع ما هدى الله، والاتساع بما وسع الله في دينه، والأخذ بيسيره، وما منّ به من رحمته فيما أراد لعباده باليسر وجعل لهم فيه العذر، وإظهار النعمة والثناء على الله بها، والمعرفة لها والشكر له عليها، وترك الخيلاء ووضع الفخر والكبر ومجانبة أخلاق الكفر في العلانية والسر، والنزول عند الغلو على الله وعلى أهل دينه والاستكانة له والتواضع وحسن السمت والتخشع، وإظهار الرغبة والتضرع، والتعظيم للقول على الله بغير الحق بما لا يعلمون، ولا يسفك دم بغير حله ولا يقتل مؤمن ولا يعان على قتله، فمن قتل: {مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}، وأعد له جهنم وساءت مصيراً، وفرق الرأس وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق ونتف الإبط وقص الأظافر وحلق العانة والختان والاستنجاء من أثر البول والغائط، /52/ (2/52)
صفحة 470
وتحريم ما حرم الله في حرمه، وعلى المؤمنين من حاج بيته في حين ذلك ووقته إلى منتهى الإحلال منه عنه، واجتناب ما نهاه الله عنه هنالك من الرفث والفسوق والجدال [457] في الحج في مباشرة وحسن هدى، وذكر الله كثيراً، والانتهاء عن لمز المؤمنين والطعن عليهم والغيبة لهم وسوء الظن بهم والتجسس لعورتهم، والأذى لهم بغير ما اكتسبوا، ذلك الذي يحبط الله به الأعمال، وتحتمل به الآثام والبهتان، ويصير بأهله إلى الخسران، وتأدية حقوق المسلمين المؤمنين إليهم من الحفظ والمودة والاستغفار لهم في المحيا والممات، وبذلك وصل الله بين المؤمنين، وعليه ألف بين قلوبهم، وتحريم ولاية أهل المعصية واستبراء القلوب من محبتهم والاستغفار لهم، ما حرم الله به المؤمنين من القول في التقية حيث يقول: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، وقال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، فأما الفعل فلا يجوز، والفراق لهم والعداوة والمحاربة والقتال؛ لأصناف أهل المعاصي الذين أمر الله فيهم بالمحاربة بذلك من أهل الشرك وأهل الإحداث في الإقرار من أهل القبلة، وتسميهم بأسمائهم ومللهم التي سماهم الله بها ونسبهم إليها وفرق فيما بينهم، وإنفاذ حكم الله فيهم وإقامة حد الله عليهم، لا نهاية دون ذلك ولا تعطيل لحد وجب على أهله حرام، ولا الأمر بتعطيله، وحق على معرفة أهل الحق القائمين به إقامته على من وجب عليهم من أنفسهم وأعوانهم في شدة تغيظ إليه /53/ (2/53)
صفحة 471
ومنابذة لهم كما أمرهم فيهم، فمن رضي بحكم المسلمين وأقر بدينه وتاب، قبلت توبته ولم تبطل التوبة عنه حد ما ركب لا يتعدى عليه غير ذلك، وبرئ المسلمون منه على حدثه وامتناعه وإصراره ما كان على ذلك، ومن عطل وقصر عنه بعد القدرة والسبيل إلى إقامته والعمل به، أكفره تعطيل ما عطل من الحدود التي أمر الله ولاة الأمر بإقامتها على من أقرّ بها ووجبت عليه، وأعقبه الله ذلا، وكان لذلك أهلا، وجعل الله علبه السلطان، فلم يكن له من دون الله ولي ولا نصير حتى يرجع إلى إقامة ما كان أكفره تعطيله، وقال الله عز وجل: {لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}، فذلك حق الله أمر أن يعمل به في عباده لا ترك لذلك ولا خلاف على الله فيه؛ لأن الله أثبت الولاية والاستغفار والمودة لأهل الطاعة [457]، وحرم دماءهم وأموالهم ثم جعل ذلك عنده عظيما، وذلك من حقوقهم عليه للذي أدوا إليه من حقه، وحرم ولاية المنافقين والاستغفار لهم ومودتهم، وأحل منهم النكاح والمواريث، وأثبت الحدود والأحكام بإقرارهم، وإنما ثبت الإيمان والولاية عليهم لمن صدق في إقراره وعمل بما أقر به، وحرم على المسلمين قتالهم ماداموا مظهرين لهم الرضى بحكمهم وعدلهم، وحق على من أقر بحق أن يؤديه، وعلى من دان بتحريم أن يتقيه، ولن يحق لهم إقرارهم الإيمان ولا ثواب أهله؛ لأنهم /54/ (2/54)
صفحة 472
دخلوا في الإيمان بغير صدق فهم يمشون في ضوئه ويعيشون في كنفه بغير صدق ولا رغبة، فهم خاسرون بمخادعتهم الله وأولياءه ومظاهرتهم على الله من عصاه، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، فإن امتنعوا بحق بعد إقرارهم به طلب إليهم ذلك الحق أن يعطوه، فإن امتنعوا به وبغوا على المسلمين قوتلوا على أمر الله؛ لأن الله أمر بقتال أهل البغى وأنزل في ذلك قرآنا: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، وهي أن ترجع إلى ما طلب إليها فامتنعت به أن تعطيه فصاروا بالامتناع بما قبلهم من الحق بغاة حلالا دماؤهم بما استحلوا من دماء المسلمين وقتالهم، وانتقض الإيمان عنهم، فالناكث على نفسه نكث، والمغيّر نعمته غير، والماكر بنفسه مكر، وإن الذي ذكره الله كان بالأيدي والنعال لا بسلاح كان، فعظم الله ذلك وبلغ بهم ما تسمعون وسماهم باغين بامتناعهم بما قبلهم من الحق، وأحل قتالهم فيه حتى يرجعوا إلى أمر الله الذي كانوا مقرين به في بادئ أمرهم، فكيف من سفك الدماء عدواناً وظلماً وانتهك المحارم وسعى في الأرض فساداً واغتصب الناس أموالهم وتبرأ من تولاهم على ذلك وسماهم مؤمنين، وعاب من فارقهم وبرئ منهم وعاداهم مطيعاً لله بذلك له محتسباً بدعوته، وهم بذلك بعضهم من بعض، العامل بالمعصية مقيما عليها لما اجتمعوا على معصية الله وهم في الآخرة في العذاب مشتركون /55/ (2/55)
صفحة 473
فمن رضي بمعصيته وأعان عليها غيره من بلائها وشارك العامل في حرامها ومن تولى كبر ذلك فله عذاب عظيم، ومن جهل الحق لم يزدد بجهله إلا جهلا، ومن حمله إلا ثقلا، ومن مواطأته [459] إلا وجلا، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، وكانت سيرة نبي الله (ص) في البغاة أن يقاتلوا على ما أحدثوا من بيعهم وأقاموا عليه من جورهم حتى يرجعوا إلى الحق فيعطوه، ولا تعدى لهم غيره، وكانت سيرته في اليهود والنصارى والمجوس له أن دعاهم إلى الذي يجدونه في كتاب الله من كلمة العدل ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا ويجتنبوا ما نهى الله عنه من الرجس والمنكر والقول بالزور وأن يضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم والآصال (1) ولا يدعون (2) مع الله إلهاً آخر، ثم قال: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا}، {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فمن استجاب له منهم وجب له ما وجب للمسلمين وحل له ما حل لهم، ومن كره الإسلام أمره بقتالهم حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون (3) فمن أقر منهم بالجزية أقره على دينه، وأحل الله من أهل /56/
__________
(1) الآصار: جميع إصر: والإصر: العهد والذنب والثقل.
(2) كتب في المخطوطة: (عون).
(3) قال الله تعالى في سورة التوبة آية 29: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْأخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍوَهُمْ صَاغِرُونَ}، ويذكر الماوردى أن (في قوله سبحانه وتعالى _ عن يد _ تأويلين، أحدهما عن عنى وقدرة، والثاني أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا وقدرة عليهم ... )، (انظر: الماوردى: الأحكام السلطانية ص 127). (2/56)
صفحة 474
الكتاب من اليهود والنصارى أكل ذبائحهم ونكاح المحصنات من نسائهم وحرم على المسلمين ذبائح المجوس ونكاح نسائهم، وإنما أحل الله من أهل الكتابين (1) الذبائح والنساء ما لم يكونوا حرباً، فإذا كانوا حرما حرم ذلك كله منهم، وحلت على المناصبة دماؤهم وغنيمة أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم الذيم ولدوا في محاربتهم، ومن كان من مشركي العرب، فإن الله أحل دماءهم وأموالهم واستعراضهم (2) وصدهم عن المسجد الحرام، وحرم مناكنهم وموارثهم وأكل ذبائحهم وأمر أن لا يقروا على دينهم ولا تقبل منهم فدية ولا جزية إلا الدخول في الإسلام أو ضرب أعناقهم، (3) فهذه سيرة نبي الله (ص) في أهل هذه الأديان، وسار بها أئمة العدل بعده بسنة تامة ماضية ثابتتة في الدين يعمل بها خلفاء الله في أرضه، قائمين بحقه لا ينقضونها ولا يقعدونها ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكل العباد قد أعذر الله إليه، وأقام حجته عليه بالذي أتاهم فيه البيان والهدى والفرقان والنور والبرهان على ألسن رسله والهداة من عباده، لا ريب في ذلك ولا جهل ولا لبس على ذي عقل، بينّه الله تفصيلا وجعل على كل منه دليلا، فمن أسلم وجهه محتسبا وأقبل إلى ربه منيبا برئ /57/
__________
(1) كتب في المخطوطة (الكتابين) سهوا، وصحته (أهل الكتابين) وهما اليهود والنصارى.
(2) استعراضهم: قتلهم.
(3) انظر أيضا: القلهاتى: الكشف والبيان ج1 ص 365، وج 2 ص 126. (2/57)
صفحة 475
من ذنبه واستوجب أجرة عند ربه وسمى بالذي سمى، وكان له خدمة ذلك وحقه في إخاء الإسلام وحقوقه التي أجراها [460] الله بين أهله، وليس الإسلام يسمى به من تسمى وانتحله بغير صدق أهله، ولكنه من حافظ واستكمله وكان منه على طرائفه المستقيمة بأخلاق العظيمة على مراتبه الكريمة المبلغ بها إليه الموصول بها لديه، مع مجانبة الخيانة، وأداء الأمانة ورفض الأشرار من البطانة، وبإضافة أمانته وطاعته أهل الخيانة من بطانته يستدرج العبد من حيث لا يعلم، ويخسر في ذلك ويندم، ويحبط منه العمل ويرتج (1) الكبير ويصير بها إلى أهل التحسير (2)، فساء وبئس للظالمين بدلا من أسر خلاف ما أظهر، وانتقص من حق الله ما به على نفسه أقر، كل ذلك بعلم الله ومعرفته، سل عنها والأمر بتمامه وعاقبته، والناس في إقرارهم بدين الله على منازل تختلف في عدل الله من ولاية وبراءة ووقف لا يجاوز ذلك فيهم وهو العدل في دين الله، وعليهم الحق الواجب على من قام بأمر الله في عباده أن ينزلهم بحيث أنزلتهم أعمالهم ويسميهم بأسمائهم ويجرى عليهم أحكامهم على قدر منازلهم، فإنه من أثبت في الناس إسما، وأجرى عليهم قبل أن يعرف منازلهم أخطأ واعتدى، ومن أنزلهم منازلهم منزلة الآخرة عند الله، لكل درجات مما عملوا وهم لا يظلمون، وقال الله: /58/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ويرمح) بلا تنقيط.
(2) التحسير: المصيبة والبلية والجمع تحاسير. (2/58)
صفحة 476
{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، فسماهم بذلك منافقين، وبالفسوق عن أمره سماهم فاسقين، والكفر يجمع أهل الشرك في أهل الأحداث (1) في الإقرار من أهل القبلة (2)، وهما كفران كفر شرك لحقهم فيه حكم المشركين، وكفر بالأعمال، وهم المنافقون دخلوا بالإقرار من الباب الأعظم وخرجوا من النفق الأصغر بتضييع ما أمرهم الله به من طاعته، وافترض عليهم من حقه، ومواقعة ما حرم الله عليهم من معصيته، وركوب ما نهاهم الله عنه من حرماته، فهذا كفر أهل الإقرار مع الحكم بغير ما أنزل الله وتوليهم عن أمر الله، قال الله له الحمد: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَوَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وبالكفر (3) دخل أهل النار النار، وبالإيمان دخل أهل الجنة [461] الجنة من الإيمان، والإسلام من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال /59/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (الأحدث).
(2) كتب في المخطوطة: (القلبة).
(3) كتب في المخطوطة: (والكفر). (2/59)
صفحة 477
ما فيه، وإتيان حقوقه، والوقوف على حدوده، ولا يثبت الإيمان بانتقاص فرائض الله، ولا بالقيام على حرام الله، هيهات هيهات من ذلك، والكافرون هم الظالمون وهم الفاسقون، وكفى بالعمل شاهدا على أهله، فبحسنه يحسن الثناء ويصلح وتقبيحه يسوء الثناء ويقبح، وهو الذي يحكم الله ربه للعبد، وعليه وبه يعرف وينسب إليه، وعليه يوالي ويعادي، وذلك من أوثق عرى الإسلام وأثبت أركانه، الولاية في الله والعداوة في الله، والله أول من برئ من أهل المعصية وعاداهم عليها، ثم أمضى ذلك وأمر به فيهم، سنّة تامة عند الله معمول بها، وإنما ولينا من أوفى بما عاهد الله في كل ما ألزم فيه طاعته، حق واجب على العباد تأديته في تقوى من الله وورع عن حرماته، وعدونا الناكث بميولة إلى استخفافا بما أوعده، ونقضا لما عاهده عليه الله، فأولئك حلال خلعهم والبراءة منهم بما استحلوا الحرام وركبوا من الآثام وما ربك وَمَا {رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، أهل المنزلة بين المنزلتين (1)، دخلوا في الإسلام بحقوقه وأظهروا إلى المسلمين الرضى، فإذا غلبوا إلى غيّهم الذي هو عايب في دينهم وناقض لو لا يتهم من أعمال يخالفون إليها حرم الله استحلالها، فإذا عوتبوا اعتذروا وإذا استتيبوا استغفروا، ويظهرون الكراهية للعيوب والتوبة من الذنوب، /60/
__________
(1) يشير إلى المعتزلة بقوله: (أهل المنزلة لبن المنزلتين). (2/60)
صفحة 478
ثم يرجعون بعد ذلك إلى الذي اعتذروا وتابوا منه، كذلك أمرهم إلى الممات، أولئك يدعون إذا أدبروا، ويقبل منهم إذا أقبلوا، ويسع المسلمين مجامعتهم إذا تابوا، فمن ختم عمله منهم بتوبة مناصحا فيها كان في جماعة المسلمين وولايتهم، ومن ختم بالإصرار على المكفرة كان للبراءة منه أهلا، وانتقضت ولايته، فإن أملك العباد بهم خواتمها، وكل له بما أظهر من معروف أو منكر يجب له بذلك العداوة والبغضاء والولاية والرضى، لله الحجة على من عصاه وله المنّة على من اتقاه بالذي بصر من الرشد وهدى له من الرشد، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ولا يزيد الظالمين [462] إلا خسارا، نسأل الله لنا ولكم عونا على طاعته وعصمة من معصيته، ويوفقنا لتبيين الهدى التي فضل من هداه عليها في معافاة لنا وسرور وكفاية لكل محذور، ونسأل من فضله العظيم إنه عليه يسير، وهو على كل شيء قدير، والسلام علينا ورحمة الله وصلى الله على محمد كما هو أهله والحمد لله حق حمده. تم الكتاب. /61/ (2/61)
صفحة 479
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه سيرة السؤال عن أبي الحسن على بن محمد البسياني (1) رحمه الله
الحمد لله على شرائع الإسلام، وبيان الحلال والحرام، وواضح الأحكام، وصلى الله على نبيه محمد وعليه السلام.
أما بعد: فإن الله شرع دينه قيما، فمن سلكه كان حنيفا مسلما، وقال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوافِيهِ} وقال: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}، وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}، والسبيل هي الأهواء، وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ}، وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}، إنما علينا أن نتبع ونقبل عن الله ما /62/
__________
(1) من علماء الإباضية العمانيين في القرنين الرابع والخامس الهجريين. (2/62)
صفحة 480
أنزل (1) وننتفع، بل الحذار على النفوس بهلاكها أن تقول بما لا تعلم وإنما هلك إثنان، عبد الله تجاهل على الله بعد العرفان أو عالم (2) أخذ بيقينه الشيطان وأعجب بضلال بغير بيان، ثم إنا نحذركم الفرقة ونأمركم باتباع القدوة المحقة الذين من اتبعهم اهتدى ومن سلك سبيلهم نجا، فدعوتهم مفهومة وحجتهم منصوبة، وكلمتهم مستقيمة، وقلوبهم سليمة فلا فرقة بينهم ولا اخلاف، وقد حذرهم فتنة الاختلاف فقال: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَإِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}، وقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} إنه لكم عدو مبين، يحذركم عدواته وغرورة، والاختلاف في دينهم وكل سوء وفحشاء وما وقع بينهم من عدواة وبغضاء فهو من الشيطان، أعاذنا الله وكل مسلم من كل فتنة، إنه أرحم الراحمين والحق فما اختلفوا فيه معروف، وطريق الإسلام نهج موصوف وكلما لم [463] يعذر الأولين كذلك لا يعذر الآخرين، وكما أوجب الله معرفة الحق على الأولين كذلك أوجب على التابعين، وقد أثنى الله على السابقين والتابعين، فقال في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} /63/
__________
(1) (أنزل): زياد من عندنا.
(2) كتب في المخطوطة (عام). (2/63)
صفحة 481
فأوجب الاتباع وجعل لهم على ذلك أحسن الجزاء والرضى منه، وقد شرع الله تبارك وتعالى دينه الذي تعبد به عباده في كتابه المبين وعلى لسان نبيه محمد الأمين، محمد خاتم النبئين (ص)، وبيّن ذلك من أوله إلى آخره ودعا إليه رسوله من أجابه وجاهد من خالفه، وتولى من اتبعه، وبيّن أحكامه وحلاله وحرامه وفرائضه وسننه وأقسامه، حتى أكمل الله دينه وتمت شريعته وقامت حجته فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ}، فليس دين أرضى عند الله من الإسلام لقوله {إِنَّ الدِّينَعِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقبض الله نبيه (ص) بعد كمال الدين واختلفث الأمة بعد نبيهم (ص) فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فعرفوا الحق واتبعوا الشريعة وبينّوا الحجة وثبتوا على السنّة وبينوا ضلاله من ضل عن الحق، ولم يرضوا بغير الحق، وقد اقتدى بهم السلف واتبعهم الخلف، ومن خطأ المسلمين من جميع المبتدعين والشكاك المتجبرين (1) لم يكن قوله مقبولا، ولا بحبل الحق موصولا، وقد روي عن بن عباس أنه قال: من حمل دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس، وقد طعن طاعن من أهل عُمان على المسلمين في معنى السؤال، وخطأ /64/
__________
(1) الذين يقولون بالجبر، أو الجبرية. (2/64)
صفحة 482
بعض القائلين بالسؤال من غير حجة ولا كتاب ولا سنّة، ونحن نبيّن إن شاء الله عذر من قال بالسؤال من المسلمين حتى يتبين أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، ووجدنا الله تعالى إنما كلف عباده العقلاء من طريق العقل وطريق السمع، وحجة العقل لا يختلف فيها العقلاء، وحجة السمع الذي وقع فيها الاختلاف لكثرة فروعها ودقة معانيها وغموض أدلتها، وقد أخبر الله [464] تعالى عن الكفار الذين لا يقبلون الحق فقال لنبيه (ص): {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}، وأنبأه (1) عن قولهم في النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال فيمن يقبل الحق ويعقله: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}، والذي تعبد لله به عباده وافترض عليهم من معرفته وألزمهم العمل به، وأن لا يتعدوا حدوده ولا يركبوا محارمه، يقع لهم من وجوه الأدلة من كتاب الله تبارك وتعالى وسنّة نبيبّه (ص)، وإجماع الأمة وحجة العقل وتواتر الأخبار، فمن هذه الوجوه يعرف البيان وتعرف السنّة والإحسان والحجة لكتاب الله، قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}، وآي كثيرة غير ذلك /65/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (وأنباء). (2/65)
صفحة 483
ومن السنة قول الله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِي}، وقوله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، وحجة العقل قوله: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ}، وحجة تواتر الأخبار: أنا نعلم بالأخبار ما كان بيننا ولم نشاهده وندرك زمانه من الحروب الكائنة والمحن النازلة ومثل أخبار المدن والبلدان البعيدة وأخبار النبي وأصحابه، فصح ذلك بالأخبار، فمن هذه الوجوه تقوم الحجة على العقلاء المكلفين بمعرفة ما تعبد الله به عباده مما افترض عليهم من معرفته وتوحيد ومعرفة أسمائه (1) ورسله وبما جاءت به الأنبياء، ومعرفة رسوله وما جاء به من عند ربه من حلال وحرام وفرائض وأقسام وسنن وأحكام، وما أوجب من الحقوقو ونهى عنه من الحدود، والولاية لأهل طاعة الله والعداوة لأهل معصيته، والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن هذه الوجوه التي وصفناها يعرف جميع ما تعبد الله به، فمن عرف هذه المعاني التي تعبد الله بها عباده العقلاء ممن بلغ الحلم /66/ (2/66)
صفحة 484
وبلغته الدعوة فعليه أن يعمل بما صح له من الحق وقد بلغته [465] الدعوة وقامت عليه الحجة وأتته الرسالة، ومن لم يعرف ذلك ممن بلغته الدعوة فعليه استنباط ذلك من الوجوه الني وصفناها وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، فرد علم ما جهل الجاهل إلى أهل الاستنباط من أهل المعرف به وتفسيره وبيان ذلك بقوله: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فرد أمر من لم يعلم إلى سؤال أهل الذكر كما قال: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فرد كل ما يجهل الجاهل مما تعبده الله به إلى الرسول قال غيره: لعله إلى سؤال أهل الذكر، وإذا كان قد أوجب على الضعيف والجاهل أن يسأل أهل الذكر عما لا يعلم، فقد أوجب عليه قبول ذلك والأخذ به، وقد قامت حجة السؤال، ومن قال بغيره فقد أخطأ، وإذا لزم سؤال أهل الذكر من لا يعلم فقد أوجب عليهم التبيين، وقد قال في كتابه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}، فقد أمر الله تعالى بالسؤال عاما وأمر أهل الذكر بالتبيين وأمر الجاهل أن يرد علم ذلك إلى الذين يستنبطونه، وإذا كان هذا هكذا فقد دحضت حجة من أبطل السؤال، وقال الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ /67/ (2/67)
صفحة 485
آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، فلما أمر بالتبين عند خبر الفاسق علمنا أنه قد أوجب خبر العدل وأن الفاسق ليس بحجة، ولو كان خبر الفاسق والعدل سواء لم يكن لقوله: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، معنى، والله تبارك وتعالى لا يأمر بشيء وليس له معنى، فذلك الدليل على قبول خبر العدل، وجدنا حجة الله (1) تعالى قد قامت على خلقه بالواحد، ووجدنا رسول الله (ص) لم يكن يرسل من يحتج له على الناس إلا واحدا، ولم يكن له (ص) على ما بلغنا إلا صادقا عدلا مرضيا معه في دينه، ولم يول واليا ولا أمر أميراً منذ بعثه الله إلى أن توفاه إلا عدلا مرضيا معه في دينه، واحتذى المسلمون مثله وأجمعت على ذلك كلمنهم واتفقت حجتهم، فمن خطّأ المسلمين ممن قبل [466] خبر الواحد العدل كان هو المخطئ، ومن قبل قول الفاسق ولم يتبين كان قد أخطأ وضل عن سواء السبيل، وإذا كان الله تعالى قد أمر بسؤال أهل الذكر ثم قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، فقد دلنا أن خبر الفاسق غير مقبول وأمر بالكينونة مع الصادقين وقال: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وأمر بالكينونة مع الصادقين وترك سبيل غير المؤمنين ثم قال: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} /68/
__________
(1) أضفنا لفظ الجلالة (الله). (2/68)
صفحة 486
فقد بين لنا في الكتاب المبين اتباع الصادقين، وأن لا يتبع غير سبيل المؤمنين، وأن يطلب الذين يهدون بالحق، وإذا وجدنا أهل الذكر كلهم صادقين وكلهم يتبع سبيل المؤمنين وكلهم يهدي بالحق علمنا أن الحق معهم، واقتدينا بهم ولم نسأل عن ضمائرهم واتبعنا سبيلهم، الإجماع والسنة، لقول رسول الله: «إن الله لا يجمع أمتى على ضلال»، وإذا وجدنا أهل الحق مختلفين يخطئ بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا ويبرأ يعضهم من بعض ويستحل بعضهم دماء بعض وأموالهم، علمنا أن الحق في يد الذين أمر الله باتباعهم ورسوله، وعمل به رسوله وأمته من بعده، وهم أهل الصدق الذين يهدون بالحق من جملة المختلفين، فعلينا طلبهم ومعرفتهم، ومعرفة الحق بالدليل المستنبط من الكتاب والسنة والإجماع، فإذا عرفناهم اتبعناهم وكنا معهم وتوليناهم، وأخذنا وقبلنا قولهم وخطأنا من خالفهم، ولا نصل إلى علم ذلك إلا بالسؤال والطلب والاستنباط لمعرفة أهل الحق دون غيرهم، وهذا ما يوجب إثبات الحجة في السؤال، وقد قال رسول الله (ص) إن أمته تفترق على ثلاث وسبعين فرق كلها على الخطأ إلا واحدة، وقد وجدنا الأئمة قد افترقت، وإذا كان ذلك كذلك فعلينا طلب الفرقة المحقة من جملة المختلفين، ولا نصل إلى ذلك دون البحث والسؤال والدلائل والحجة من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نبلغ إلى علم ذلك بغير السؤال /69/ (2/69)
صفحة 487
وإذا وجب أن نتبع الصادقين دون الفاسقين من جملة المختلفين لم نصل إلى معرفة ذلك إلا بالسؤال، وإذا كنا لا نحمل ديننا ولا تقوم الحجة لنا إلا بأهل الولاية والعدالة الصادقين [467] في دينهم من جملة المختلفين لم نبلغ إلى معرفتهم دون أن نسأل عنهم ونسأل عن ديننا، إذ ليس لنا ولا يتهم إلا بعد معرفة موافقتهم وصدق نحلتهم ومذاهبهم، ولا نبلغ إلى ذلك إلا بالبحث والاستنباط له والسؤال وطلب الحجة من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نعلم ذلك دون أن نسأل، فهذا الأمر كله يدل على صحة السؤال وقبول خبر العدل، ألا ترى أن رسول الله (ص) كان يرسل واحدا عدلا، وكذلك المسلمون من بعده يحتجون بالواحد العدل، وصحة ذلك انفاقهم عليه مع قول الله: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، فلما أمر بالتبيين عند خبر الفاسق دل ذلك على قبول خبر العدل، فمن خطأ المسلمين في هذا كان أولى بالخطأ، ووجدت الأمة يبينون ضلالة من ضل وإجماع المسلمين يدعون إلى موافقتهم ويبينون للناس دينهم ويخبرونهم بما يأتون وبما يتقون، وولاية من يتولون ويبينون لهم الحجة ويعرفونهم ضلالة من ضل عن سواء السبيل ولم يروا بذلك بأسا، ولا بغيبة المنافق والفاسق، وقد أجمعت الأمة المنافق لا غيبة له، والله تعالى قد برئ من أهل المعصية وأعد لهم سعيرا، وقد عاداهم رسول الله (ص)، وفي الرواية أن رسول الله (ص) قال: «ما لكم وللمنافقين قولوا فيه/70/ (2/70)
صفحة 488
ما فيه» وقال: «أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس منه»، إذا كان هذا هكذا فلا لوم على من أظهر خبر الفاسق وبرئ منه وأظهر حدثه، ومن خطّأ المسلمين على ذلك فبما عابهم به؟ ومن برئ منهم برأي برئوا منه بدين، ولم يزل المسلمون يبينون للناس دينهم ويدعون إليه من أجابهم ويبينون ضلالة من ضل وليس لهم أن يكتموا الحق وهم يعلمون، وقد قال المسلمون: إن السؤال فيما شجر وعرض، وعرفت عن بعض المسلمين أن خلف بن زياد رحمه الله لما نشأ فوجد الناس مختلفين قال: إن لله ديناً تعبد به عباده لا يعذرهم بجهله ولا الشك فيه، فيخرج يطلب ما كلف كلما لقي فقيها أو منسوبا إليه العلم سأله اعتقاده، فإذا أخبره قال له: خير من دينك، حتى لقي أبا عبيدة مسلم ابن أبي كريمة (1) فكلما سأله عن [468] شيء أخبره وعرف أن الحق ما قال أبو عبيدة فقال: هذا دين الله الذي تعبد به عباده، فمن طعن على المسلمين في السؤال من أهل الضلال أو في إظهار البراء منهم إذا شهرت أحداثهم لم يقبل منه، وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه (ص): {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ} /71/
__________
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي من فقهاء وعلماء الإباضية، ويعتبر الحلقة الثالثة لسلسلة المذهب الإباضي، امتدت حياته بين القرنين الأول والثاني الهجري: (انظر: السيابي السمائلي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص 33 - 39، د: سيدة كاشف: عمان في فجر الإسلام ص 58 - 66. (2/71)
صفحة 489
وإنما نهى الله ورسوله عن غيبة المؤمنين نهى التي لا تحل، وتحريمها في الكتاب المنزل، فمن ساوى بين المؤمنين والفاسقين في الغيبة فقد ضل، ومن حرم الغيبة من كل أحد ثم استعاب كان أضل، وقد أوجب الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه فقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، فجعلهم على ذلك خير أمة، ولا يكونون خير أمة إلا بأفضل من العمل، وقد ذم من ترك ذلك، فقال الله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}، فأوجب لهم العذاب لولاية الذين كفروا، فمن تولى الكافر كان مثله لقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، فأخرجهم من الإيمان وأوجب عليهم الفسق لولاية الكافرين، وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: «لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر أو ليسلطن عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم»، وقد /72/ (2/72)
صفحة 490
وروي عن النبي (ص) من طريق أبي بكر الصديق أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «ما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أعمهم الله بالعقاب»، وقد سار بذلك رسول الله (ص) وأجمعت الأمة عليه، وبيان الحجة في ذلك إن شاء الله مما عملوا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك واجب على كل مسلم استطاع وسمع في ذلك وأطاع، والدينونة عند المسلمين الأمر بالمعروف والعمل به وولاية أهله عليه، والنهي عن المنكر وتركه والبراءة من أهله عليه، [469] ولا يبلغ من بلغ الحكم وعوام المسلمين ممن لا معرفة له إلى علم ذلك والقيام به إلا بطلبه والسؤال عنه وعن أهله وعمن يقبله، وكيف يعمل به وكيف المعروف ومن أهله، وكيف وجوب ولا يتهم، ومن أين يصل إليها من جملة المختلفين، فلا يصل إلى ذلك إلا بالسؤال والبحث عن أهل الحق حتى يعرفهم ويتولاهم ويكون معهم ويعمل بأعمالهم، وكذلك إنكار المنكر لا نصل إليه ولا نقبله من أحد؟ قال: إنه منكر إلا بقول الصادق وما نطق به كتاب رب العالمين، وأجمعت عليه الأمة سؤال الأمين، ولا نبلغ إلى علم ذلك إلا بالسؤال فتولى أهل الحق ونفارق أهل الضلال، وقد سار بذلك المسلمون وخالفوا جميع المحدثين في الدين وجميع الشكاك مثل الشعيبية (1) وغيرهم من الشكاك الأولين، ولم يرضوا بالشك، وقد دعوا المسلمين إلى ذلك وبيّنوه وفارقوا أهله؛ لأن/73/
__________
(1) أنظر عن الشعيبية: الشهر ستاني: الملل والنحل ج1 ص 232 - 233. (2/73)
صفحة 491
الشاك لابد أن يكون قد شك عن مسلم ولا يحل له؛ لأن المختلفين في الحدث الواقع بينهم إذا كانوا دائنين به مستحلين فكل منهم يخطئ من ضلله ولم يسع الشك فيهم ولا يسع جهل كفر الضال منهم عند من بلغه ذلك وعلم به، وقد قال المسلمون إن الشاك هالك والسائل معذور، وقالوا إن الكفر الذي لا يسع جهله نصب الحرام دينا بالإدعاء على الله في تحريم ما أحل وتحليل ما حرم، فإذا وقع ذلك لم يسع جهل عمله وكفر أهله، ولا وسع الشاك أن يشك فيه وفيمن خطأه إلا أن يكون سائلا مسلما للمسلمين، يتولاهم على ما دانوا فيه بما استحقه من البراءة حتى يصح له، وإذا كان الله تعالى تعبد عباده البالغين العقلاء بدين ألزمهم معرفته والعمل به، لا يعذرهم بجهله ولا الشك فيه فعليهم علمه والعمل به، ولا يصلون إلى ذلك وإلى بعضه إلا بالسؤال عنه أهل العدالة والولاية من أهل الحق، فعليهم طلبهم والسؤال عنهم كما قال الله: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقول النبي (ص): «اطلبوا العلم ولو بصين»، وقوله: «تعليم فيما تعبد الله به فريضة على كل حالم من ذكر وأنثى» أو قال: «على كل مسلم»، فإذا كان عليهم طلبه ولو بالصين، لم يصلوا إلى علم ذلك إلا بالسؤال، فإذا كان تعالى أمرهم أن يكونوا مع الصادقين ونهاهم عن قبول خبر الفاسق، وأجمعت الأمة على قبول خبر [470] العدل /74/ (2/74)
صفحة 492
وبذلك سار رسول الله (ص) وكان بالغ الحكم، ولا نعلم العدل من غيره إلا بالحجة، فعليه طلبهم والسؤال عنهم والولاية لهم والأخذ عنهم وقبول قولهم في جميع ما يلزمه مما أوجب الله عليه من أمر بمعروف ونهى عن منكر وولاية أو براءة، وإذا كان هذا هكذا فعلى كل ناس في عصره أن يعرف أهل زمانه، ومن تعبده الله بالقبول عنه، فإن وجد أهل عصره كلهم أهل عدل وكلمنهم غالبة ودينهم ظاهر لا خلاف بينهم ولا في دينهم ولا فرقة، فعليه ولا يتهم، ومن علم منهم وسلم لحكمهم واقتدى بأهل الذكر منهم ولهم الحجة له وعليه لاجتماعهم على الحق، والحج في ذلك قول رسول الله (ص): «إن الله لا يجمع أمتى على ضلالة»، وإن وجدهم أهل جور وكفر وظلم وكلمة الكفر غالبة والحق مقهور، لم يتول أحدا منهم ولا اقتدى بأحدهم حتى يعلم الصادق، وعليه طلب أهل الصدق والأمناء في دين الله الذين هم حجة الله، ولو وجدهم في الصين كما قال رسول الله (ص) ولا يعذر بغير الحق ولا يصل إلى هذا كله بغير سؤال، وإن وجد أهل عصره على اختلاط واختلاف في الدين، وأعداء متباغضين وأحزابا مختلفين، والجور هو الغالب والحق مقهور لم يتول أحدا منهم، ولو رأى منهم الصلاح حتى يعلم منه القول بقول أهل الحق، والعمل بعمل أهل الحق الصادقين في دينهم، ويعرفهم بالحجة والدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ويعلم أنهم أهل الحق دون من خالفهم، ثم يتولاهم ويسألهم عما تعبده الله به، وعليه القبول منهم إذا /75/ (2/75)
صفحة 493
عرف صدقهم وأنهم الحجة، ولا يكون للعبد الضعيف إلى هذا سبيل دون السؤال عنه والطلب والبحث، فلا حجة لجميع من أبطل السؤال في كل حال يجب فيه السؤال، وفي ولاية أهل الحق والبراءة من أهل الضلال، وعلى كل مسلم أن يدين لله بالولاية لجميع أولياء الله وفي أولياء الله من جميع خلقه من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، والبراءة من جميع أعداء الله والمصرّين على معصية الله والمرتكبين لما حرم الله والشاكين في دين الله من الأولين والآخرين مذ خلق الخلق إلى يوم الدين، لا عذر في ذلك كما لا [471] عذر لأحد في الدينونة لله في أداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، وأما الحكم بالظاهر فعلى المسلمين ولاية كل مسلم علموا منه أنه يقول بقول المسلمين ويعمل بأعمالهم، وتفسير ذلك، والوجه الذي فيه الولاية وتقوم به الحجة من أربعة أوجه بالموافقة للمسلمين، فمن أقر للمسلمين بدينهم ووافقهم في القول والعمل ورأوا منه الصلاح تولوه على ذلك، وبالرفعة تقبل الولاية إذا رفع المسلم ولاية المسلم وقبل قوله وتولى، وفي الرفيعة الرخصة، وقد قبلوا ذلك وعلموا به ولم يرتابوا، والحجة اتفاقهم على قبول قول المعدل فيما يرفعه من عدالة العدل ويقبل بذلك شهادته ويحكم بها الحاكم، وتجب الولاية بشهادة العدلين بلا خلاف وهما حجة، والولاية تجب بالشهرة لمن شهر فضله وعدله وأنه يقول بقول المسلمين /76/ (2/76)
صفحة 494
ويدعو إلى دعوتهم وشهرة ولايتهم له، وإنما يتولى بالشهرة إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة، وأما إذا كانت الدار دار اختلاط وجور ودعوة المسلمين مقهورة، لم يتول أحدا إلا من بعد الموافقة وهذا شيء لا يتوقف عليه بغير سؤال، ولا يجوز لأحد أن يقف عن المسلمين المحقين إذا علمهم من أهل الدعوة على براءتهم من المحدثين، وعليه قبول قولهم والولاية لهم فيما دانوا به، وإذا لم يعلم الحكم فيما يجب عليه وقف، كان وقوفه وقوف مسألة حتى يعرف الحكم ممن يعبر (1) له من أهل العلم المأمونين على ذلك أهل العدالة فتياهم فيما أجابوه إذا سألهم فيما قد علم، وأما من وقف وقوف شك لم يسلم ولا يسلم من تولى المحدثين في الدين ولا من تولى من تولاهم إذا علم بحدثهم، وكذلك من تولى من تولاهم وتولى من برئ منهم، فقد جمع بين الأضداد ولم يجز له ذلك ولم يسلم، وقد ذم الله التسوية بينهم وفرق ذلك في كتابه بقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّآتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}، وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، وأما الوقوف الذي لا سؤال فيه فهو وقوف الدينونة عما لا يعلمونه /77/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (يعبر). (2/77)
صفحة 495
بعداله ولا ولايته ولا [472] بعداوة ومعصية ولا بركوب خطيئة ولا بحدث في الإسلام ولا ارتكاب حرام، فذلك وقوف عنهم وقوف من لا يعلم حالهم على اعتقاد ولاية المحق وخلع المبطل حتى يصح له الحكم، وأما البراءة من أهل الأحداث، فإنها تقوم وتعرف بها الحجة من أربعة وجوه: أحدها من معاينة المحدث لركوب الحدث المكفر، وإقرار المحدث لركوب الحدث والشاهدين العدلين على الحدث المكفر ممن أحدثه، وشهرة الحدث المكفر لمن ارتكبه، فهذه الوجوه الأربعة بها يصح الحكم وتلزم البراءة لراكب الأحداث المكفرة، واختلف السلف بعد ذلك في البراءة بقول واحد، فقال قوم إذا تولوا بقول واحد برؤا بقول واحد، وهو كالشاذ عندهم والحجة له في كتاب الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، فلما أمر بالتبيين عند خبر الفاسق علم أنه قد أمر بقبول خبر العدل، والشهرة هي أفضل من هذه الوجوه، كلها فمن خطأ المسلمين في شيء مما قالوا به من هذه الوجوه كان هو أولى بالخطأ، وقد وجدنا الأمة من المهاجرين الذين هم حجة وشهداء على الناس قد اجتمعوا على إمامة أبي بكر وولايته وبايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الجهاد في سبيل الله (1)، ودانوا بطاعته ونصرته على عدوه، وحرموا معصيته وغيبته، وجاهدوا معه /78/
__________
(1) أضفنا لفظ الجلالة (الله). (2/78)
صفحة 496
من امتنع من طاعته حتى دخلوا فيما خرجوا منه من أهل الردّة وجاهدوا معه من منع الصداقة، ورأوا أن طاعته من طاعة الله، واتفقوا على ولاية من قدمه من المهاجرين والأنصار، ولم بعذر واحداً شك في أمره، ألا ترى أنه لما وقفوا عن مجاهدة من منع الصدقة فلم يقبل منهم أبو بكر فعلموا أن الحق فيما قال، وتركوا الشك وإجماعهم في هذا من الإمامة والدينونة بطاعته حجة على الناس إلى يوم القيامة، ألا ترى أنهم لما اتفقوا عليه لم تجز دعوى الروافض فيما
ادعوا عليه من ظلم فاطمة (1) ولا غضب على الإمامة ولم يجز قولهم، وفارقهم/79/
__________
(1) أجمع المسلمون على إمامة أبي بكر الصديق لصفاته، ولبذله في الإسلام، ولتصديقه للرسول عليه الصلاة والسلام، ولا سيما صبيحة الإسراء، وكان رفيق الرسول عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة المنورة، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في سورة التوبة (آية40)، ولم يتخلف ألو بكر عن الرسول عليه الصلاة والسلام في مشهد من مشاهد، وكان فيمن ثبت معه في يوم أحد ويوم حنين، وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في إكرام أبي بكر والاعتراف بفضله على الإسلام كثيرة متواترة (انظر من المصادر: ابن هشام: كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ج 4 ص 327و335 - 341، والطبري: تاريخ الأمم والملوك ج3 ص 192و200و202و203و 224، وابن عبد ربه: العقد الفريد:} 2ص 347، وابن قتيبة: عيون الأخبار ج2 ص234، والنووي: تهذيب الأسماء واللغات ج2 ص183 - 184و186 و189,191، وابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ج4 ص 279)، وقد يفهم من تاريخ الطبري، أن توقف علي بن أبي طالب عن مبايعة أبي بكر، ثم بيعته له بعد وفاة السيدة فاطمة، أن أبا بكر رفض أن يورث فاطمة حقها عن أبيها في أرض خيبر، قائلا: إنه سمع التبي عليه الصلاة والسلام يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) وأن هذا الميراث متروك لبيت مال المسلمين فأغضب هذا السيدة فاطمة ومعها زوجها بطبيعة الحال، وظل على بن أبي طالب ممتنعا عن مبايعة أبي بكر الصديق حتى توفيت السيدة فاطمة فعمد إلى مصالحة أبي بكر وبايعه بالخلافة، وذكر النووي عن علي بن أبي طالب أنه قال: قدم رسول الله أبا بكر يصلي بالناس وأنا حاضر غير غائب وصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورصوله عليه السلام لدينا. (تهذيب الأسماء واللغات ج2 ص 191). (2/79)
صفحة 497
المسلمون ولم تجز الدعوى إذ لم يقبل ذلك المهاجرون والأنصار، وأجمعوا أيضا على تحريم الخروج على الأئمة وتضليل من تسمى بالإمامة في أيام الخلفاء الراشدين قبل الاختلاف والأحداث، وإجماعهم حجة والأخذ [473] بسنتهم هدى، وكذلك أجمعوا على عمر بن الخطاب وعثمان من بعده قبل أحداثه، فلما كثرت أحداثه أنكروها عليه ولم يستحلوا عزله حتى احتجوا عليه وأظهروا أحداثه ولم يسع أحداً في أيامة ولايته، فهنالك استجازوا الخروج عليه حتى كان من أمرهم ما كان وكانوا هم الحجة التامة عليه حتى قتل، وقد وجدنا المسلمين على ولاية بعض المنكرين عليه منهم أبو ذر الغفاري (1) وعبد الله بن مسعود (2) وعمار بن يا سر (3) وغيرهم، وكانوا /80/
__________
(1) أبو ذر الغفاري: تحدث عن أبي ذر الغفاري المؤرخون القدامى وكتب الطبقات وذكروا حسن إسلامه، وفي الطبقات الكبرى لأبن سعيد عن الرسول عليه الصلاة والسلام نقلا عن عبد الله بن عمر: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر)، ونقلا عن أبي هريرة قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أظلت الحضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضه هيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر)، (ابن سيد: الطبقات الكبرى ج14 ص 228 - دار صادر بيروت-1377هـ/ 1957م.
(2) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلى، صحابي ومحدث كبير، ومن السابقين إلى الإسلام، وهو أول من جهر بقراءة القرآن في مكة، وكان من ألزم الناس للنبي عليه الصلاة والسلام في حله وترحاله، ولى بعده وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بيت مال الكوفة، ثم قدم المدينة في خلافة غثمان بن عفان فتوفي فيها عن نحو ستين عاما (ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة ج2ص 368).
(3) عمار بن ياسر: من عنس من اليمن، وهو حليف لني مخزوم ويكنى أبا اليقظان، وكان عمار من المستضعفين بمكة، ولزم عمار في الكوفة علي بن أبي طالب، إلى أن قتل عمار في موقعه صفين في سنة37هـ ودفن هناك (ابن سيد: الطبقات الكبرى ج6 ص14، والطبري تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 38). (2/80)
صفحة 498
الحجة، وكان المهاجرون والأنصار في ذلك قاتل وخاذل، وقد قال رسول الله (ص) إن الله لا يجمع أمته على ضلالة، وقد اجتمعوا على قتله وخذله وولاية المشهورين بالإنكار عليه، فكان ذلك حجة لمن أتى بعدهم أن الإجماع حجة، وقد أجمعوا بعد ذلك على إمامة علي، وبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى طاعة الله والمجاهدة عنده وجاهدوا معه من امتنع من طاعته ومن ادعى من المدعين عليه، (1) وقد ادعى عليه طلحة والزبير أنه أخذ الأمر لنفسه من غير مشورة من بعد أن بايعاه، فلم يقبل ذلك منهما المسلمون وسموها بالبغي، وجاهدوهما حتى قتلا على البغي، ولم يقبل قولهما إذ قد ثبتت الإمامة للإمام ولم يقبل عليه الإدعاء إلا بالإجماع إلا في حدث مكفر، ألا ترى أنهم لم يقبلوا من معاوية ادعاه وطلبه بدم عثمان وسموه بالبغي وحاربوه، وأجمع المهاجرون والأنصار عند عليّ على حربه إلا من كان منهم من أهل البغي معه من مشهور فسقه كعمرو بن العاص ومروان بن الحكم، وقاتلوا معه حتى كثرت القتلى بينهم، ولم يقبلوا مّمن شكّ في أمرهم ولم يقاتل معهم، وخطّئوا الشاك في ذلك، وهم من أهل الفضل تنفعهم سابقتهم لحال شكّهم، ولم يرضوا بالشك ديناً، وعلموا أن معاوية باغ وأن قتال الفئة الباغية واجب عليهم حتى يفيئوا، (2) إلى أمر الله ولم يزالوا عن علم الله، واشتد البلاء /81/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ولم ادها المدعين عليه).
(2) كتب في المخطوطة: (يفى). (2/81)
صفحة 499
وقتل عمار بن ياسر ومن معه من أفاضل أصحاب النبي (ص) على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [474] حتى مضوا لسبيلهم، وأجمع المسلمون على ولايتهم واستدل العامي والناس على صحة بغى معاوية لقتل عمار لقول النبي (ص) في عمار: «تقتله الفئة الباغية وسالبة وقاتله في النار»، وقد وجدنا إجماع أهل الدعوة من أسلافنا على تخطئة من قاتل معه ومن تولاه وصوب رأيه ودان بإمامته وتخطئة من شك في البراءة منه، وأجمعوا أيضا على ولاية عمار بن ياسر ومن اشتهد معه في حرب معاوية، ألا ترى أي علياً كان يقاتل معاوية هو وعمار والجهور والأخيار من المهاجرين والأنصار على بغيه واستحلوا دمه وخطّأوه وبرءوا منه، فلما شك عليّ في قتال معاوية بعد قتل عمار ومن معه وركن إلى الحكومة، (1) وأجاب معاوية إلى تحكيم الحكمين، وترك التسمية بأمير المؤمنين، وترك الطلب بدماء المسلمين الذين قاتلوا معه إلى أن تحكم الحكمان، فما حكما من شيء رضيا، إن حكما لمعاوية أو لعليّ رضيا، وجعلا الحكمين أبا موسى الأشعري شاكاّ في دين الله، كان يخذل عن الجهاد على ما بلغنا، وعمرو بن العاص رجلا باغيا على المسلمين سافك دمائهم، فلما رضي عليّ بذلك وأجاب إليه أنكر أصحابه وخطأوه في ذلك واستتابوه وسألوه الرجعة إلى حرب معاوية، فلم يساعدهم وكانوا /82/
__________
(1) الحكومة: التحكم بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان. (2/82)
صفحة 500
هم الحجة عليه فاعتزلوه إلى عين النهر (1) فسار إليهم وقتلهم وهم على حجة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ما مضى على ما مضى عليه المهاجرون والأنصار وجاهدوا معه ومع عمار، فلما قتلهم لم ينصره أحد وفارقوه ولم يصوبوه فيما فعل ولم يتولوه وبرءوا ممن شايعه ودان بطاعته بعد قلته لأصحابه، كان إنكارهم حجة لمن أتى بعدهم، واتفق أهل الدعوة من المسلمين على ولاية المنكرين عليه ذلك، منهم حرقوص بن زهير، وزيد بن حصن، وعبد الله بن وهب الراسبي، ومن استشهد معهم في النهروان، فاختلف الناس بعد قتل عليّ أهل النهروان على أربع فرق، فمنهم من شائعه ورأوا طاعته عدل أو جار (2) وهم الشيعة وصنوف الروافض، و (3) قوم شكوا فيه وفي معاوية، وفيمن قاتله وقاتل معه وهم الشكاك الذين لم يقبل المسلمون [475] منهم الشك في ذلك، والفرقة الثالثة هم العثمانية الذين طلبوا بدم عثمان وقاتلوا مع معاوية وأصحابه، والفرقة الرابعة هم الذين فارقوا عثمان على أحداثه، ومعاوية على بغيه، وعلياً على نكثه وقتله أصحابه، ومضوا على الحق الذي مضى عليه المهاجرون والأنصار من الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى استشهدوا وقتلوا على ذلك وهم على الإجماع الأول والحجة. /83/
__________
(1) عين النهر: النهروان، عند سامراء في العراق شمالي بغداد، وقيل إن إسم نهروان فارسى أصله جوروان فعرب إلى نهروان،
(2) جار: أي أتام في جواره
(3).واو العطف: زيادة من عندنا. (2/83)
صفحة 501
ألا ترى أن المسلمين قد فارقوا من صوّب جميع من سميت لك ممن خالف الحق وتولى القاتل والمقتول، ولم يصوّبوا الشاك والشيع والروافض ولا العثمانية ولا المرجئة، وبينّوا للناس ضلالتهم ولم يتولوا أحداً من أهل الإفرار دون أن يعرفوا موافقته لهم، وعلى ذلك أجمعت كلمتهم واتفقت دعوتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا ترى أنه لما قتل عليّ وخرج معاوية إلى الكوفة استقبله بقايا المسلمين (1) من كان فيها، يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر ممن كان في النخيلة (2) حتى قتلهم ولم يتسعوا عن التخلف عن الإنكار عليه، وأصاب المسلمين البلاء من معاوية وأشياعه، ويزيد ابنه وأتباعه، واستخفا الإسلام وصارت الدولة في أيدي الجبابرة (3) حيث ما سمعوا بأحد من المسلمين إلا (4) قتلوه وحبسوه (5) وكذلك (6) عبيد الله بن زياد (7) وأشياعهم ففارقهم المسلمون /84/
__________
(1) المسلمون: الإباضية أو الخروج.
(2) النخيلة: موضع بالبادية قرب الكوفة على سمت الشام.
(3) الجبابرة: يعني الأمويين وعمالهم، وقد أخذ الفقهاء المسلمون على نبي أمية إيجادهم سنة الملك وخروجهم على سنة الخلفاء من قبلهم، أما المؤرخون فقد اعتبروا معاوية بن أبي سفيان أول ملك على الإسلام، (انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج5 ص – الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية بمصر، وابن طباطبا- المعروف بإبن الطقطقى: الفخرى في الآداب السلطانية: والدول الإسلامية ص79 - طبعة القاهرة 1345هـ/1927م، دكتورة سيدة إسماعيل كاشف: الوليد بن عبد الملك ص 30 - 48 - القاهرة 1963).
(4) (إلا): زيادة من عندنا.
(5) انظر: عن معاوية وولاته في العراق واخبارهم مع الخوارج: الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج6ص 95 وما يليها من الصفحات، ودكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص 292 - 295 - طبعة القاهرة سنة 1948.
(6) (وكذلك): زيادة من عندنا.
(7) ولى عبيد الله بن زياد البصرة بعد وفاة والده زياد بن أبيه. (2/84)
صفحة 502
وأنكروا جورهم وخطئوا من دان بطاعتهم أو تولاهم أو تولى لهم، فلما كثر الجور واستخفوا الإسلام خرج عليهم المرداس بن حدير (1) فيمن أتبعه فأظهر دين المسلمين ودعا إلى طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاهد الجبابرة على ذلك حتى قتل، والمسلمون له موالون وعليه مجتمعون، وعلى ذلك تتابعت الحوارج من أهل الحق، فلما خرج نافع ابن الأزرق انتحل الهجرة وسبي أهل القبلة واستحل استعراضهم بالقتل وسماهم بالشرك، وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة وتسميتهم بالشرك، ففارقهم عبد الله بن أباض وأنكر عليهم وبيّن ضلالهم، والمسلمون معه ممن كان في عصره ومشهور فضلهم وخطّئوا الخوارج (2) وبينّوا ضلالتهم ولم [476] يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم، كذلك اجتمعت كلمتهم، وعلى ذلك خرج عبد الله بن يحي والمختار بن عوف (3) وأجمع على إمامة عبد الله بن يحي وولايته وجاهدوا معه عدو الإسلام حتى استشهدوا /85/ رحمة الله عليهم، دعوتهم واحدة وسيرتهم واحدة يتبع الآخر أثر الأول حذو النعل بالنعل، والعلماء في أيامهم من أهل الدعوة عليهم مجتمعون ولهم موالون يسيرون في ذلك السير، وأوضحوا الخبر وبينّوا الحجة وثبتوا على السنة، منهم جابر بن زيد، وأبو عبيدة الأكبر (4) مسلم ابن أبي كريمة، وضمام (5)، وسالم بن ذكوان، وأبو الحر (6)، والربيع، ومحبوب، ووائل بن أيوب، وخلف بن زياد، وهلال بن عطية، ومن كان معهم ومثلهم في عصرهم، ولم يرضوا بالشك وأنكروا على الشكاك وعلى الشعبية، وفارقوا أهل الإرجاء (7)، وجميع الجبابرة، ومن دان بطاعتهم أو صوّب رأيهم أو تولاهم، أو تولى لهم، يبيّنون للناس ضلالة قومهم وبدعة من خالفهم، ولم يتولوا أحدا؟ قال: بغير قولهم ومضوا على الحجة التامة والإجماع بلا فرقة بينهم ولا تنازع في دينهم /86/
__________
(1) المراد بن حدير: هو أبو بلال مرداس بن أدية التميمي، شهد معركة صفين مع على ابن طالب وأنكر التحكيم، ولم يعجبه مقاتله المسلمين بمضهم بعضا فانسحب وأقام في البصرة بعد موقعه النهروان مع قبيلته من بني تميم، وكان أبو بلال مرادس أحد خاصة عبد الله بن وهب الراسي وممن حضر صفين والنهروان وقتل سنة61هـ (انظر: الدرجيني: طبقات الإباضية- مخطوط- ورقة 92 و93، والبرادى: الجواهر المنتقاة ص 167).
(2) يعني بالخوارج هنا المتطرفين من الخوارج، أو (خوارج الجور) كما ورد في النص.
(3) المختار ابن عوف: الأزدي العماني المعروف بأبي حمزة الشاري، كان قائدا لعبد الله ابن يحي الكندي المشهور بطالب الحق والذي بعثه في موسم الحج من سنة 129هـ للاستيلاء على الحجاز.
(4) سمي أبو عبيد مسلم بن أبي كريمة (الأكبر) تمييزا له عن أبي عبيدة الثاني عبد الله بن القاسم، أو ابن أبي القاسم المعروف بأبي عبيدة الصغير، من قرية بسيا من عمان (انظر: السمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج ص49).
(5) ضمام: هو ضمام بن السائب الأزدي العماني، كان من أساتذة الإمام الربيع بن حبيب.
(6) أبو الحر: هو أبو الحر علي بن الحصين العنبري، وهو من أشهر العلماء الإباضية.
أهل الإرجاء: همالمرجئة الذين يدينون بمذهب الإرجاء وهو التأخير؛ لأنهم يرجئون الحكم على العصاة من المسلمين ليوم البعث، كما يتحرجون عن إدانة أي مسمل مهما كانت الذنوب التي اقترفها، ويرى المستشرق الإنجليزي نيكلسون أن المرجئة مشتقة من أرجى بمعنى بعث الرجاء والأمل، ويرة المستشرق الألماني فإن فلوتن أن المرجئة مأخوذة من قوله تعالى في سورة التوبة آية 10 (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم)، (انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص19، والشهر ستاني: الملل والنحل ج 1ص 257 - 259 و 276، والدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص 327 - 328 وما ذكر من المراجع). (2/85)
صفحة 503
وقام الجلندي بن مسعود بعمان وأجمعوا على إمامته وولايته والمجاهدة معه أعداء الإسلام، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأظهروا الحق والدعوة بعمان حتى استشهد هو ومن كان معه من المسلمين، وكان في أيامه جماعة من العلماء، منهم موسى بن أبي جابر، كذلك وجدنا المسلمين عليه وعلى الأئمة الذين من بعده الذين قاموا بالدولة، منهم وارث بن كعب قدّموه على الإمامة وقام بالحق وأنكر المنكر وفارق أهله وأظهر الحق واجتمعوا على إمامة وولاية من قدمه من العلماء، هو موسى بن أبي جابر، كذلك الأئمة من بعده غسان بن عبد الله، وعبد الملك بن حميد، والمهنا بن جيفر، على ذلك اتفقت كلمتهم، ثم اجتمعوا من بعدهم بلا خلاف بينهم على إمامة الصلت بن مالك وولايته وولاية من قدمه من المسلمين، وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته والامتناع من طاعته، كذلك كان إجماعهم على كل إمام كان من قبله كما أجمعوا على [477] إمامة أبي بكر، ولم نعلم أن أحدا ادعى عليه أنه ظهر منه في الدار أمر مستنكر ولا ركب أمرا مكفرا، إلى أن خرج عليه راشد بن النظر ومن أجمع معه وموسى بن موسى ومن تابعه، وكان بالاتفاق النصرة له واجبة والخروج عليه محرم، فتركوا نصرته وخرجوا عليه فأضلهم ذلك مع المسلمين؛ لأنه خلاف ما أجمعت عليه الكلمة واتفق عليه أهل الدعوة، فلما اتفقوا بأجمعهم وقد لحقهم إسم الضلالة والعصيان للإمام، وثب موسى ومن كان في ذلك الموضع ممن لا يجوز اجتماعه على /87/ (2/87)
صفحة 504
الإمام من غير حجة ظاهرة ولا ذنب مكفر يظهر من الصلت، عقدوا لراشد بن النظر إماما على إمامة الصلت وهم ممن بايع عليه، ولا يجوز لهم تقديم إمام ولحقهم بخروجهم إسم الضلال وببغيهم إسم البغي، وجرت عليهم الأحكام الظاهرة التي هي في حكم الظاهر مكفرة لمن أتاها حتى يوضحوا ما ادّعوه على الإمام، ولم يوضحوا عليه مكفرة ولم يسموّا له بخطيئة، ولا أقاموا لأنفسهم على المسلمين ممن يتولى الإمام حجة، فأكفرهم ذلك في الحكم بالظاهر، ثم أقاموا على أنفسهم حجة يعلم بها ضلالهم لما استولوا على الأمر، خطبوا له وصوّبوه واستعملوا عماله وولوا ولاته، فإن كان محقا معهم حين صوبوه فحرام عليهم خروجهم ومسيرهم إليه وتقديمهم عليه وأخذ ما في يده، وإن كان عندهم كافراً فقد كفروا باستعمالهم عماله وولاته، ووجدنا الإجماع والتصويب والحجة على تصويب الصلت وثبوت إمامته وهو في الأصل بالاجتماع ثابت الإمامة والولاية بعد خروج الخارجين وتقديهم، صوبوه ودعوا له، والذي لا (1) يعذرهم في خروجهم أن صلتا لم يظهر منه أمر مستنكر في الدار والذي يتولى الصلت ويثبت إمامته إلى أن مات، وقد أجمعوا كلهم على تصويبه في الإجماع، مصيب حتى يصح عليه أمر في الدنيا يزيل به إمامته، أو عذر يجوّز لهم ما فعلوا، فإذا كان ذلك كذلك فالخارجون إليه القاصدون /88 /
__________
(1) (لا): زيادة من عندنا حتى يستقيم النص. (2/88)
صفحة 505
بالمحاربة إليه المستولون على ما في يده ضّلال في الحكم كفرة، فعلهم المحرم بالإجماع والسنة، قال الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، وقول النبي (ص): «السمع والطاعة ولو كان حبشيا ولو كان مجدعا» ورواية أخرى: «إن وليكم [478] حبشي مجدع فأقدم فيكم كتاب الله وسنتى فاسمعوا وأطيعوا»، وقال أبو بكر: قد وليت هذا الأمر عليكم ولست بخيركم فأطيعوني ما أطعت الله، فإذا خالفت أمره فلا طاعة لي عليكم»، وفي الحديث المروي عن النبي (ص): «أطيعوا ولاة أموركم»، فإذا كان الإمام إمام عدل فالسمع والطاعة به فريضة، على ذلك أجمعت الأمة، ومن ترك الفرض كافر ومن امتنع من طاعة الإمام عاص، ومن أعان عليه وزحف إليه وتقدم عليه باغ كافر في حكم الظاهر حتى يقيم حجة قاهر مكفرة على الإمام ظاهرة، ولم تظهر من الصلت مكفرة، وطاعته بالإجماع الذي بينّاه واجبة والحجج لذلك ظاهرة، والذي خرج على الصلت بغير حجة شاهرة، والإجماع على معصية من الإمام معلومة ولا مكفرة، كافر مستحق للبغي في حكم الظاهر، والإمام بالإجماع الأول على إمامته حتى يصح كفره، أو حجة توجب صواب ما فعله، ألا ترى أنهم لما خرجوا عليه وتبايعوا صاروا عاصين، وقد عصوا بمعصية الإمام، ولما قدموا عليه إماما، دلّ معصيتهم وفعلهم على بغيهم، ألا ترى أن الباغي لا يقبل قوله ولا يجوز /89/ (2/89)
صفحة 506
شهادة ولا تقبل دعواه، إن ادعوا واحتج لهم محتج ممن يعذر عنهم ويصوّبهم على الإمام لم يقبل الدعوى عليه؛ لأن قولهم غير مقبول عليه حتى يصح كفره، وإذا كانوا عصاه لم يجز تقديم إمام للبغاة دون الرضى والمشورة من جميع المسلمين، فإمامتهم غير جائزة ودعواهم مقبولة، وإن قالوا هم ون يحتج لهم ممن يرى رأيهم أن الصلت تبرأ من الإمامة لم تجز دعواهم ولم تجز أيضا شهادتهم؛ لأن المدعي لا تجوز شهادته لنفسه ولا تجوز شهادة الباغي ولا العاصي إلا أن يصح (1) على ما ادعوا ببينّة عادلة من غير أهل مذهبهم أو غير من يصوبهم، ولا تجوز شهادة الشكاك فيهم وفي الإمام، فإذا بطلت هذه الوجوه بالإجماع أنه لا تجوز شهادة غير شهادة العدول ولا تجوز شهادة من يحور (2) إلى نفسه، فقد فسد احتجاج من يحتج لراشد أنه لم يتقدم إلا من بعد أن تبرأ الصلت، ولا يثبت هذا القول إلا بصحة، وإن احتجوا أن عز أن أرسل إليهم بذلك فعز أن لا يقبل قوله على الأمام فيما يكفره بالإجماع، وإن اعتلوا بتحوله أن ذلك اعتزال من الإمامة فهذا هو [479] الزور وصريح الكذب، ولم يقل أحد (3) أن الإمام إذا تحول من دار أو من بيت إلى بيت، زالت إمامته، والاتفاق على أن الإمامة لا تزول بذلك، واحتجاجهم بتوجيه /90/
__________
(1) كتب في المخطوطة (يصحوا).
(2) حار حوار: رجع.
(3) كتب في المخطوطة: 5 ولم يقل أن أحدا). (2/90)
صفحة 507
الكلمة والخاتم فذلك لا يزيل الإمامة؛ لأن المرء له أن يتصرف في ماله بجميع منافعه وما يعود عليه نفعه، أو يدفع أعداءه وشرهم، ألا ترى أن بعض الشكاك في الصلت ممن يعذر عن راشد يقول لا تحل البراءة من إمام المسلمين حتى يحل دمه فلا يستحل دم الإمام حتى يستحل دم من حارب معه، ولا يحل الخروج عليه حتى يشهر كفره، فالصلت بالإجماع يظهر كفره فلا تحل البراءة ولا الخروج عليه بالإجماع، فقد دل بذلك صواب الصلت بالانفاق في الدار من أهل الخلاف والوفاق وإن جحدوا ذلك، وأخطأ من خرج عليه، إذ لا يحل دمه ولا الخروج عليه ولا البراءة منه، ولا يخرج لهم في حكم الظاهر من الضلال وإسم البغي، ألا ترى أن بعض المنتحلين ممن يعذر عن راشد، يقول إن محمد بن محبوب وغيره لو خرجوا على المهنا بن جيفر (1) قبل ظهور كفره لوجب على المسلمين أن يجاهدوا لله بأسيافهم مع المهنا بن جيفر حتى يوضح محمد بن محبوب بشهرة في الدار حدث المهنا، ولا فرق عندنا بين المهنا والصلت، وإذا لم يجز الخروج على المهنا لم يجز الخروج على الصلت، وإذا لم تجز دعوى محمد بن محبوب (2) على المهنا، لم تجز دعوى راشد على الصلت، إن محمد بن محبوب رحمه الله، من أئمة المسلمين المجتمع على ولايته، وراشد /91/
__________
(1) الهنئ بن جيفر من اليحمد: ولى إمامة عمان سنة 226هـ إلى أن توفي سنة 237هـ وولى بعده الصلت بن مالك الخروصي.
(2) روى أن محمد بن محبوب، وبشير بن المنذر كانا بيرآن من الإمام المهنا حتى مات (السالمي: تحفة الأعيان ج1 ص 121). (2/91)
صفحة 508
كان من سائر الرعايا أي لا ولاية له مع المسلمين، فقد صح بطلان من يحتج لراشد على لسانه من حجته، وقد دللنا على صحة إمامة الصلت وأوضحنا من حجج الكتاب والسنة والإجماع على ما في بعضه كفاية عن الإطالة، ولو أردنا الإكثار لطال به الكتاب، وقد بيّنا خطأ المحتجين لراشد وخطأ الخارجين معه من الإجماع والسنة ما يكتفي بدونه، فالصلت على الإمامة بالإجماع إذ لم يصح منه مكفرة، وقد بينا أن الجميع قد صوبوه من المتولى والخارج والشاك، فهو على ذلك؛ لأن الشاك فيه يتولى من تولاه فذلك ولاية، والخارج عليه لم يخطئه وقد خطبوا له ودعوا له ولا يدعى إلا لولى، والذي يتولاه فهو على ولايته وإمامته، فقد صح تصويبه من الجميع ولا اجتماع على تصويب من خرج عليه، بل وجدنا الإجماع على تخطئتهم [480] إذا كانت السنة تدل على تحريم خروجهم عليه والإجماع كذلك، وإذا كانوا مخطئين في فعلهم وعصاة لله ولرسوله واللإمام في زحفهم إليه، وحرام تقديمهم عليه، وكان فعلهم غير جائز، ثم قدموا عليه من لا يجوز أن يقدّم، وقدمه من لا يجوز أن يقدّم إماما، لم يكن ذلك بإمام للإجماع الذي بينّاه؛ لأن الباغي لا يجوز تقديم إمامته بتقديم باغ مثله، وإذا كان ذلك كذلك فقد بان خطؤهم، وفي الرواية عن رسول الله (ص) أنه قال: «إذا ظهر إمامان فاضربوا عنق أحدهما»، وقال الشاك: «فاقتلوا الأخير من الإمامين»، وإذا كان ذلك كذلك وكان الصلت إماما بالإجماع وراشد غير إمام بالإجماع، فقد وجب في الرواية /92/ (2/92)
صفحة 509
قتل راشد بما قد جاءت به السنة وما قد بينّا من الإنفاق، ألا ترى أن راشدا قد اتفق الجميع من أهل الدار على ترك ولايته والدليل على ذلك أن الذي قدم راشدا قد رجع وخرج عليه وفسقه، والذي شك في راشد لا يتولاه، وقال يمكن أن يكون راشدا مخطئاً، والذين يبرؤن من راشد على ترك ولايته، وقد وجدنا المسلمين من الدعوة البراءة من راشد والإجماع الذي قلناه قاض على كل حجة، وفي جوب بشير (1) أن الجماعة إنما أشهرت الحكم على الحادث المجتمع على تحريمه وأوقعوا البراءة بأهله ومن دخل في شيء من معاينه، وقال في سيرته إنهم أجمعوا على البراءة لله فيما شاهدوه من الفتنة الواقعة بعمان من موسى بن موسى وراشد بن النظر وتقديمهما على إمامة الصلت بن مالك، واستحلالها لذلك وادعاؤهما أن ذلك طاعة أمرهما الله بها وممن تولاهما على ذلك، أو تولى من تولاهما، ومن الشادين على أغضادهما والشادين على أعضاد الشادين على أعضادهما، فقد أدخل بشير ومن اجتمع معه من المسلمين الشكاك في البراءة معهما، والمتولى أيضا لهما ومن تولى من تولاهما من العالمين بأحداثهما، ويدل على استحلالهما لما ركباه من حرّم حدثهما، وقد قال المسلمون إن كل متولٍّ لمحدث على حدث مكفر محدث والشاك في ضلالهما على استحلال المحدث لركوب /93/
__________
(1) بشير بن المنذر من فقهاء وعلماء عمان الإباضية في القرن الهجري، وبشير بن المنذر النهرواني العقرى جدبي زياد، وهو من سامة بن لؤى بن غالب وتوفي سنة 178هـ (انظر السالمي، تحفة الأعيان ج 1 ص 86). (2/93)
صفحة 510
الحدث محدث بالإجماع [481] على مفارقة الشاك، إلا من وقف من ضعفاء المسلمين وقوف مسلم للمسلمين دائن بولايتهم على برأتهم من أهل ذلك الحدث بعينه وكل حدث مكفر، وفي آثار المسلمين أن الكفر الذي لا يسع الناس جهله نصب الحرام دينا بالادعاء على الله تحليل ما حرم أو تحريم ما أحل، وقد وجدنا راشدا مستحلا لما حرم الله، وهو داخل في هذا المعنى، فلا يسع كفره لمن علم ذلك ممن شاهد أو سمع ذلك بخبر تقوم به الحجة عليه، فمن شك في راشد وبغيه بعد حدثه لم يسعه ذلك، ولحق بالشاك إلا أن يكون وافقاً سائلا عن معرفته الحكم، لا يصل إلى معرفة ذلك ومعرفة الحكم فيه الضعيف، إلا بالسؤال إذا صح معه الحدث، ومن خطّأ المسلمين في السؤال عما جهل من معرفة الحكم في أهل الأحداث المكفرة التي صحت معه كان أولى بالخطأ، وأما من شك ثم دان بالشك ودعا إلى الشك ولم يتول إلا أهل الشك ممن شك ووقف مثل وقوفه، فهذا وقوف الشعيبية (1) الذين خطأهم المسلمون، وقد قال: بعض المخالفين لنا في سيرته ممن يرى الوقوف، أنهم لا يعتقدون الولاية لأحد من الناس حتى يعلموا أنه يدين بدين المسلمين المفارقين لجميع أهل البدع، فقد أوجبوا المحنة والسؤال؛ لأن هذا لا يعرفه الضعيف والجاهل إلا بالسؤال، ودخلوا فيما عابوا على المسلمين من السؤال، إذ لا يصل إلى ذلك أحد إلا /94/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (الشعبية). (2/94)
صفحة 511
بطلبه والسؤال عنه وعن أهل وعن الحجة فيه وعن أهل العدالة الذين هم حجة، ليحمل دينه عنهم ويتولاهم ويعرف عدلهم دون أهل البدع والمخالفين للحق، فقد بطل بهذا قول الشاك الذين أبطلوا السؤال في أحداث المحدثين إلى حين (1) بعد أن أوجبوا المحنة في ذلك وأما من دعا إلى الشك في أحداث عمان بعد أن أوجب المحن لمذهبه ودعا إليه واحتج بالقول الموجود عن أبي الشعثاء (2): (إذا قال العالم للجاهل أعلم مثل علمى قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل للعالم ارجع إلى منزلة ضعفي وجهلي قطع الله عذر الجاهل)، فذلك لا حجة لهم فيه بل هو راجع عليهم؛ لأن العالم إذا قال للجاهل أعلم مثل علمي فيما لا يسع جهله لم يقطع الله عذر العالم فبطل [382] قوله لهم في هذا، وإن قال له أعلم مثل علمي فيما يسع جهله على وجه الترغيب لطلب العلم والفضل لم ينقطع أيضا عذر العالم وكان مثابا، وأما إذا قال الجاهل للعالم ارجع إلى منزلة جهلي وضعفى فهذا مما يرجع عليهم بمثله؛ لأنهم يقولون إنهم ضعفاء وجهال بصحة الحدث الواقع وهم واقفون لحال جهلهم، ثم يدعون الناس إلى مثل جهلهم وضعفهم ولا يتولون المسلمين على براءتهم ويعنفونهم، وإنما يتولون من وقف وشك مثل شكلهم وتجاهل كجهلهم على ما ادعوه من جهالتهم، لكانت هذه /95/
__________
(1) في نسخة (أبطلوا السؤال في إحداث المحدثين على ألسنتهم إلى حين).
(2) يستشهد هنا بأبي الشعثاء جابر بن زيد: الذي يعتبرمؤسس المذهب والفكر الإباضي توفي سنة 93هـ ومن أهم تلاميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة. (2/95)
صفحة 512
الحجة التي ردوها إليهم ترجع لا إلى أولى العلم بالله وبأحكامه، وإن كان وقوفهم على ولاية من تولى الصلت وولاية من برئ منه وولاية من تولى راشدا وولاية من برئ منه وولاية من تولى عزان وولاية من برئ منه، فهذا هو الإرجاء بعينه، ومثلهم كمثل من جمع بين القاتل والمقتول في الولاية، وبين العاصي والمطيع، والمسلمون براء ممن قال بهذا من الحشوية والمرجئة؛ لأن قائل هذه لا محالة متولى المخطئ في الحكم، فمن تولى من تولى مخطئا كان مثله؛ لأن ولاية من تولى وولاية البرأة ممن برئ براءة، فإذا دخلوا في ذلك واعتقدوه فقد تولوا أهل الولاية وأهل البراءة وتولوا من برئ من أوليائهم وكفينا المؤنة فيهم، وأما من أقرّ وعلم أن صلتا كان إماما قدمه أهل العدل ويقول إنه لم يعلم أنه ظهر منه أمر مستنكر ولا حدث مكفر، ثم يقول يحتمل أن يكون مخطئا فقد افترى إثما عظيما وبهتاناً مبيناً؛ لأنه أقر بثبوت إمامته ثم أساء به الظن وادعى عليه حكم الباطن؛ لأن قوله (يمكن) إنما هو حكم باطن ليس حكم بالظاهر، وحكم الباطن لم يتعبد به، إنما تعبد العابد بحكم الظاهر، ومن قطع عذر المسلمين في ادعائه في حكم الباطن أخطأ في تأويله، ومن أساء بالمسلمين الظن في حكم الباطن، فقد ركب كبيرة من الذنوب، وراكب الكبيرة مفارق حتى [****]، ومن أضل ممن زعم أن الإمام لا تحل البراءة منه حتى يحل دمه ولا يحل دم الإمام /96/ (2/96)
صفحة 513
حتى يحل الخروج عليه، ولا يحل الخروج عليه حتى بظهر كفره، ثم شك في الخارجين عليه وقال يحتمل أن [483] يكون راشد مصيبا والصلت مخطئا من بعد أن علم أن الصلت إمام عدل لم يظهر كفره ثم خطأه في حكم الباطن وصوب راشد الخارج عليه في حكم الباطن، فهذا هو البلاء المبين والضلال البعيد، إذا كان لا تحل البراءة منه ولا يحل الخروج عليه حتى يظهر كفره، والصلت إمام عدل لم يظهر كفره ولا يحل الخروج عليه ولا البراءة منه، وقد خرج موسى وراشد وركبا ما لا يحل قبل أن يظهر كفر الصلت وخروج من الحق، ثم ادعى المدعى أنهما يمكن أن يكونا مصيبين فيما لا يحل مما فعلا ويكون الإمام مخطئا من غير أن يعلم منه خطأ في حكم الظاهر، وهذا ما لا يقوله عاقل مميز، ومن دعا إلى هذا ودان به ودعا إلى الشك وأوجبه ولم يكن في جملة المسلمين، والذي وجدناه في سير بعض المنتحلين الوقوف مما يكون فيه نقص على نفسه، أن أهل البدع للواحد أن يظهر مفارقتهم ولو فارقه على ذلك جميع العالمين، وأن جميع من فارقه على ذلك ضال، وإذا كان ذلك كذلك عنده وعند المسلمين فقد غلط بتخطئته ممن أظهر مفارقة المحدثين المبتدعين من أهل عمان في جميع ما يحتج به ويدخل في معانيه، وهل البدعه بدعة إلا إذا كان المحدث في الإسلام قد ركب بحدثه وتأويله شيئا لم يتقدمه فيه أحد /97/ (2/97)
صفحة 514
من المسلمين وهو في الأصل محرم فركبه فذلك بدعة ليس بدعاوى (1) كما زعم أن أحداث عمان دعاوى، فكيف يكون ما أحدث راشد على الصلت في تقديمه ليس ببدعة منه ولا ممن قدمه وأممه (2) وذلك شيء لم يسبقهم إليه في الإسلام أحد في قول ولا فعل ولا برأي ولا بإجماع، بل الإجماع على تحريم التقدم على الإمام العدل المتفق عليه قبل ظهور كفره، فإذا ركبوا المجتمع على تحريمه واستجازوه لأنفسهم واستحلوا ودانوا به، وكانوا مبتدعين، وإذا ركبوا ما هو محرم في الكتاب والسنة والإجماع لم يسبقهم في ذلك المعنى أحد ممن تقدم من المسلمين ولا من المتأولين، ولا استحل أحد في تأويله بصواب ولا غلط بتقديم إمام على إمام عدل من غير حدث مكفر، كانوا من أهل البدع وليس من الدعاوى كما زعم، وهو يقول إنه لم يضل أحد [484] من [***] ولا من المجتهدين إلا من قبل الخطأ في التأويل للكتاب والسنة والآثار، والحدث الذي وقع في عمان في تقديم راشد على الصلت هو مخالف في الكتاب والسنة والآثار، فمن غلط فيه بتأويله كان مخطئا؛ لأن السنة والكتاب والإجماع توجب طاعة الإمام وتحريم الخروج عليه قبل ظهور حدثه، والآثار متفقة على ذلك من أهل الوفاق والخلاف، وفي الآثار عن محمد بن محبوب إلى أهل حضرموت: (إنكم تذكرون وذكر من ذكر منكم عزل هذا الإمام وتقدم إمام عليه من غير حدث فاتقوا الله /98/
__________
(1) يشير هنا إلى الفرق بين البدعة والدعوى.
(2) أممه: اتخذه إماما. (2/98)
صفحة 515
ثم اتقوا الله، فإن هذا جور كبير إن عزلتم إمام عدل وقد أعطيتموه عهدكم وميثاقكم، فهذا عقد لا يحكم لكم أن تحلوه إلا بحدث يكفر به الإمام ثم يصر عليه ولا يتوب)، والصلت إمام عدل بالإتفاق ولم يعلم منه حدث بالاتفاق وتحريم وتقديم إمام عليه، وقد قدم موسى راشد بالاتفاق وذلك محرم بالاتفاق، ودعوى من ادعى عليه لا يقبل بالاتفاق حتى يظهر منه كفر بالاتفاق، وإذا كان تقديمهم عليه محرما بالاتفاق ثم تأولوه بغلط أو تعمدوه ثم استحلوه وركبوه ودنوا به وانتحلوه، وهو ضلالة إذ لم يتقدم في ذلك ممن سلف من المسلمين، وهل تكون البدعة إلا هكذا!! ومن ركب ما حرم الله عليه واستحله بتأويل، ومن تأول ذلك أنه دعاوى من غير حجة ولا بيان يوضح في ذلك وجه الدعاوى فيه، لم يكن قوله مقبولا؛ لأن الدعاوى هي فيما لا يعلم بين الخصماء وليس في الدين، وقد تكون في بعض الدعاوى الإيمان وليس في هذا إيمان، وإذا كان هذا أمرا قد وضح على ما قلناه في ارتكاب الحدث المحرم ولم يجز فيه الإيمان ولا دعوى المدعين ولا شهادة المحدثين؛ لأن شهادتهم لأنفسهم لا تقبل، ولا تقبل شهادة أهل الشك في ذلك فإن الواضح المجتمع عليه اتباعه أولى من تأويل الغلط أنه دعاوى، ولو كان هذا دعاوى لكان كل من ركب في الدين ما حرم الله عليه وادعى إجازته واستحله وخطأ من حرمه عليه كان حكمه دعاوى، فلما بطل هذا بطل قول من ادعى أن الذي كان من حدث راشد على الصلت /99/ (2/99)
صفحة 516
دعاوى [485] إذ الدعاوى معروفة طريقها وهي في كل ما شكل بين الخصوم والأحكام، وهذا واضح المنهاج مكشوف القناع بالإجماع على صحة الحدث المحرم بالاتفاق، ولس كل من ادعى شيئا قبل منه بل الإجماع أولى من تأويل الغلط، (1) فإن ادعى مدع أن قد تقدم في هذا من عزل الإمام على إمام فعل أهل عمان في ابن أبي عفان (2) قيل له أغفلت المعنى لابن أبي عفان، لم يقل أحد إنه كان إمام عدل متفقا عليه، وإنما قال بعضهم إنه إمام دفاع إلى أن تضع الحرب أوزارها بشرط، وقال آخرون كان أمير جيش وليس بإمام ولم يجتمعوا على إمامته ولا وجدنا أحدا يتولاه من أهل الدعوة، فلا يشبه ما قلنا من الاجتماع على الإمام الصلت بن مالك، ووجدنا الاجتماع من أهل الدار مجتمعين على ولاية المتقدم بالإمامة على بن أبي عفان، وولاية من قدمه، وهو وارث بن كعب وموسى بن أبي جابر، فأوجب الاجتماع الولاية لهما والتصويب، إذا لم تكن لأبن أبي عفان أصل إمامة متفق عليها فليس في مذا علة لمن أعقل به إذا كان الإجماع هو الحجة والأخذ به هدى وتركه ضلالة والشك فيه معصية، كذلك المتقدمون في عمان بعد الصلت لم نجد الاجتماع يوجب صحة إمامة أحد منهم ولا ولايتهم، وقد قلنا إن الإجماع حجة لنا وعلينا /100/
__________
(1) في نسخة (الخطأ).
(2) ولى محمد بن عبد الله بن أبي عفان الإمامة في عمان سن 177هـ وعزل في سنة 179هـ، وكان ابن أبي عفان من اليحمد إلا أنه نشأ في العراق. (2/100)
صفحة 517
وقد وافقنا بعض من يخالفنا في أحداث عمان، قال: ليس لكم أن تعقدوا الولاية لإمام سلف قبلكم لم تصح معكم عفدة إمامته بصفقة (1) أحد من أعلام المسلمين، فإذا كان هذا، وقد وجدنا التنازع بين أهل الدار في إمامة عزان بن تميم، ولا نجد أحداً على ولايته ولا صحة إمامته بإجماع عليه، ولكن وجدناهم مختلفين فيه وفي إمامته هل انعقدت بمن حضرها، ولم نجد أهل الدار مجتمعين على ولاية العاقدين له ولا صحة صفقته بإعلام المسلمين بالاتفاق عليه، وكانت عقدته مشكلة، ووجدنا الإجماع من أهل الدار أنه كان رجلا من الرعية قبل تقديمه ثم دخل في الأمر المشكل، فهو معنا بالإجماع على الأمر المتقدم أنه ليس بإمام عدل حتى يقع الإجماع أنه إمام عدل قدمه المسلمون؛ لأن الإجماع حجة، وقوله في عزان وراشد أن أمرهما أضيق أن يكونا محقين من الصلت وراشد [486]، فذلك حجة عليه أن شك في الجميع ثم تولى من تولاهم، وقال: إنه يتولى من تولى راشدا ومن تولى عزان إلا أن يكون من القوم الذين قالوا نحن أهدى منهم، نحن نتولى الفريقين والقاتل والمقتول، هذا هو الإرجاء!! وقد أوضحنا الحجة في راشد الصلت فيما بينا من الإجماع، ولو كان راشد محقا لم يكن عزان محقا، وقد كفر من تولى عزان أو تولى من تولاه لاحتجاجه على نفسه أنه أضيق عدلا من الصلت وراشد، وأما احتجاجه بقول المسلمين: ترك النكير عليه حجة له؛ لأن جهل من /101/
__________
(1) الصفة: صفقة اليدين التي تعقب البيعة لأولى الأمر. (2/101)
صفحة 518
ترك النكير على الفاسق أو خطأ العامي لا يكون حجة للفاسق، ولا يرجع فسقه ويدل ذلك أن إظهار النكير على الإمام العدل إنكارهم على عثمان، كان إنكارهم ذلك حجة عليه وتركهم النكير حجة للإمام العدل، فعليهم في المهنا بن جيفر ولم يقيموا حج عليه ولا على أوليائه إذ الدعوة لا تقبل على الإمام العدل بصحة، وأما إذا لم تصح إمامة الإمام كانت مشكوكة، وكان الشكوك موقفًا، كما قال بشير في اشتراك عقد الإمامات ومشكوكها وخالصها بالصحة، فذلك إنما هو في هذا الأمر ليس فيما أوضحنا من الحجة في راشد والصلت من الإجماع على ذلك وفساد إمامة راشد وصحة بغيه المتفق عليه وقد قلنا إن عزان لم يتفق على إمامته ولا ولايته ولا ولاية المتقدمين له فلا تثبت علينا إمامته، حتى يصح لنا أن تقديمه وصحة صفقته بأعلام المسلمين المتفق على ولايتهم، كما قال صاحب الكتاب مما يحتج به وذلك حجة ما لم يقع الإجماع، وكذلك الفضل بن الحواري والحواري بن عبد الله (1) في الأصل هما رجلان من سائر الناس بالاتفاق ولم يتفق أهل الدار على صحة إمامتهما في عقدتهما، ولم يتفق على إمامة الحوارى بن عبد الله ولا ولايته ولا /102/
__________
(1) لما قتل موسى بن موسى سنة 278هـ بتحريض من الإمام عزان بن تميم، غضب الفضل بن الحواري والحواري بن عبد الله لمقتل موسى بن موسى، وعقد الفضل بن الحواري للحواري بن عبد الله إماما بصحار، فبعث إليهما عزان بن تميم الجيوش فالتقول في القاع وقتل للحواري بن عبد الله وقتل الفضل (السالمي تحفة الأعيان ج 1 ص 197 - 205). (2/102)
صفحة 519
ولاية من قدمه لدخوله في ذلك؛ لأن من دخل في إمامة فاسدة لحق بحكم المعقود له، وقد سفكوا جميعًا على ذلك الدماء من غير صحة رشاد لأحد الفريقين، فإجماع في الأصل أنهما ليسا بإمامى عدل وهما على الأصل حتى تصح إمامتهما وإجماع المسلمين على ذلك، فليس لنا الدخول في الأمر المشكل حتى يصح لنا الحق من المبطل بالإجماع والحجة التي بيناها، وقولنا قول المسلمين فيما دانوا فيهما وفي غيرهما [487] ممن لم تقم لنا الحجة وعلينا في ذلك من طريق الإجماع أو الشهرة التي لا تدفع بصحة المبطل أو ركوب الحدث المحرم، وأما المتقدمون في عمان بعد أن استولى عليها السلطان، فإنا لا نعلمهم كلهم كانوا أئمة عدل ولا فسقة ولا أنهم قدمهم المسلمون ولا صح لنا سبرتهم بالعدل، ولم نجد الإجماع من المسلمين على أحد منهم أنه إمام عدل مجتمع عليه، وهم في الأصل من سائر الناس بالإجماع فهم على الإجماع الأول من العوام حتى تصح عدالة أحد منهم فيما قام به وسيرته بالعدل والاتفاق عليه في الإمامة والولاية؛ إذ ليس لنا أن نعتقد إمامة إمام ولا ولايته لم يصح لنا الإتفاق عليه ولا صحت عقدته بأعلام المسلمين من أهل الولاية ولا وجدنا الإجماع على التراضي ولا سيرته بالعدل في مصره والرضى من الجميع بإمامته والتسليم له، والإتفاق والرضى بالإجماع بإجماع المسلمين على التراضي به يوجب الحجة إذا صحت سيرته بالعدل في الرعية، فهذا قولنا في جميع المسلمين المتسمين بالإمامة في عمان بعد الصلت المجتمع /103/ (2/103)
صفحة 520
عليه وعلى صحة إمامته إلا سعيد بن عبد الله، ومن استشهد معه من المسلمين رحمة الله عليهم، فإنا وجدنا أهل الدار من أهل دعوتنا من المسلمين يجتمعون على صحة إمامة سعيد بن عبد الله وولايته ولا خلاف بينهم، فثبت ذلك بالإجماع ولم نرتب فيه، وديننا في جميع الأحداث المكفرة لأهلها وجميع الفرق المخالفة دين محمد (ص) خاتم النبيئين ودين من دان بدينه من المسلمين وسار بسيرته ولم يغير ولم يبدل، وأنكر المنكر حين ظهر منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ومن كان معهما من المسلمين، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وعمار، ومن كان معهم ممن أنكر المنكر حين ظهر، وعبد الله بن وهب وأصحابه أهل النهروان ومن اشتهد معهم، وجابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعبد الله بن إباض، والمراد بن حدير، ومن استشهد معه ممكن أنكر المنكر ودعا إلى الحق وأوضح الحجة من بعدهم، عبد الله بن يحي طالب الحق، والمختار بن عوف، وأبو الحر علي بن الحصين، ومن استشهد معهم من المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين. [488] ومن بعدهم الربيع بن حبيب، ومحبوب بن الرحيل، والجلندي بن مسعود، ومن استشهد معه من المسلمين، وخلف بن زياد، وموسى بن أبي جابر، وبشير بن المنذر، والمنير بن النير، وهاشم بن غيلان، ومحمد بن محبوب، وعزان بن أبي الصقر رحمة الله عليهم، ومن كان مثلهم في عصرهم ممن لم أذكر إسمه، والقوام بعمان من الأئمة من وارث بن كعب، /104/ (2/104)
صفحة 521
إلى الصلت بن مالك، رحمة الله عليهم، وديننا وقولنا قولهم ومن كان بعدهم ممن دان بدينهم ممن أنكر المنكر على أهله لشير بن محمد بن محبوب، ومن كان معه، وأبو قحطان وأبو إبراهيم وأبو مالك وسعيد بن عبد الله، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمة الله عليهم أجمعين، فيما أثروا من دين وأحيوا من سنن الله ديننا دينهم وقولنا وقولهم لا نبتغي به بدلا ولا عنه حولا إن شاء الله، وبه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما، فهذه الحجة واضحة لمن أبصرها وحجة على من أنكرها إن شاء الله. /105/ (2/105)
صفحة 522
بسم الله الرحمان الرحيم
في الرد على محمد بن سعيد (1)
قال محمد بن علي (2) رحمه الله تعالى قال: أخبرنا سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان قال: كان أشياخنا يعلموننا إذا اختلف الناس في شيء مما يحل بعض ويحرم بعض أو في ولاية أو في براءة وقف (3) عند الشبهات حتى يعرف الحلال من الحرام ويستبين لك الولاية من الفراق، وقل في هذه الأمور قولى قول المسلمين ودينى دينهم، فما أجمع عليه رأي المسلمين فأنا منهم، وقال أنا واقف حتى أسأل المسلمين وديني دينهم، وقال واقف حتى أسأل المسلمين أهل العلم والبينات فإن اختلف الناس، فكن مع أهل /106/
__________
(1) في آخر هذا الرد: كتب (تم جواب الشيخ أبي الحسن رحمه الله وغفر له وكرم مثواه)، وقد ذكرنا قبل ذلك أن الشيخ أبا الحسن علي بن محمد السياني كان من الفرقة الرستاقية التي لم توافق على عزل الإمام الصلت بن مالك وتوليه راشد بن النظر، وممن اشتهر في الرد على الطائفة الرستاقية، الفرقة النزوانية ومنهم أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي الذي ألف في الرد عليهم كتاب الاستقامة بأسره، (انظر أيضا: السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص 167).
(2) محمد بن علي: من العلماء العمانيين البارزين في القرنين الثاني الهجري، وكان من المقدمين في البيعة للإمام الصلت بن مالك سنة 237هـ، هو وبشير بن المنذر وحمد بن محبوب والمعلى بن منير وعبيد الله بن الحكم، وكان محمد بن علي وهاشم بن غيلان من العلماء الذين كتبوا إلى الإمام عبد الملك بن حميد 208هـ- 226هـ (انظر: السالمي: تحفة الأعيان ج1 ص 103، 108، 124).
(3) كتب في المخطوطة: (قف). (2/106)
صفحة 523
الصدق واسأل المسلمين أهل العلم بالله وبكتابه وبسنة رسوله، على هذا مضى أوائل المسلمين.
قال غيره: إنما وسع الوقوف الضعيف فيما شكل عليه أمره، ويكون وقوفه مع السؤال والتعليم والذكر، ليس على الاختيار للشك والمقام عليه دون الطلب للحق فيما وقف عنه والبحث.
وقال الأزهر بن محمد بن جعفر (1): وأنا فقد دخلت بسبب بعد سبب مع هؤلاء الأئمة وإنما كنت أدخل فيما استحلوه وأدين به؟ قال: فلما انقضت تلك الأمور بما فيها ورأيت اختلاف الناس رأيت الوقوف أولى به وأسلم، ورجعت إلى الاستغفار والمتاب من كل ما أخطأت فيه من تلك الأسباب، [489] ورأيت الوقوف أولى بي وأسلم وأحزم وقوف تبين وسؤال واجتهاد في طلب الصواب، فانظر قول الأزهر بن محمد أنه وقف وقوف سؤال لا وقوف شك إذ لا يجوز الشك، وقد أقر بالأحداث التي قد دخل فيها، ورووا أنه قد تاب منها، ولا تكون توبة إلا من بعد معرفة الخطأ، فقد أقر على نفسه بمعرفة خطأ ما كان دخل فيه.
وقال الأزهر أيضا في سيرته: إن هؤلاء المشايخ الذين وقع بينهم ما وقع وجرى فيهم الاختلاف؟ قال: كانوا الأئمة والقواد وأعلام البلاد والعلماء والعبّاد وأهل الاجتهاد، حتى عرض لهم ما يعرض لأهل الدنيا من المحن وعوارض الفتن، وأقر أيضا أنهم قد عرض لهم المحنة ووقعوا في /107/
__________
(1) الأزهر بن محمد بم جعفر: من العلماء والرواة العمانيين في القرن الثالث الجري. (2/107)
صفحة 524
الفتنة، ثم قال: ثم رجعوا والحمد لله قبل موتهم إلى رأي المسلمين، وإلى الاستغفار فهذا يدل على أنهم لم يرجعوا إلى رأي المسلمين إلا بعد أن كانوا خرجوا منه، وقال: استغفروا مما كانوا دخلوا فيه، فقد صح في قوله أن فعله معه ومعهم كان على غير رأي المسلمين وعلى غير الحق، ولا يتوب التائب إلا من ذنب وقد صح الفعل منهم ولم تصح التوبة، وإذا كان الحدث شاهرًا لم تجز التوبة إلا ظاهرًا حتى تشتهر التوبة كشهرة الحدث، فلما لم تصح التوبة جرى الحكم عليه بما أحدثوا من الخطأ وفعلوه من أحداث الردى، فهذا أزهر يقول إن وقوفه عنهم وقوف سؤال لا وقوف شك.
وقول هاشم فيما روي في الولاية والبراءة فيما تقدم من كتابنا يكون وقوف سؤال لا وقوف شك.
وقال غير: إنما يكون للضعيف وقوف سؤال لا وقوف شك، وعليه التعليم والطلب والبحث عنه، وفي سيرة محبوب يقول في الضعيف الذي يتولى المسلمين على براءتهم يقول: أبصرتم ما لم أبصر، وعلمتم ما لم أعلم فرحمكم الله، وأنا سائل وقولي قول المسلمين. وقال غيرهم: ممن عرفناه ووجدنا أيضا في الآثار وحفظنا عن ذوي الأبصار أن الواقف في الأحداث الواقعة إنما وقوفه على طلب الحق والسؤال عنه لا على الشك والمقام عليه، إنما الوقوف الذي لا سؤال فيه فهو لا يعرف حاله ولا تنازع بين أحد من أهل العلم فيه. /108/ (2/108)
صفحة 525
ويوجد عن بشير [490] أنه قال: إذا اختلف الرجلان حتى برئ كل واحد منهما من صاحبه أن للسامع لهما يقف التفسير على الجماعة. وقال عبد الله بن محمد: يكون على السؤال وكذلك قال أبو عبد الله.
وقال المجيب: وأما ما ذكره محمد بن سعيد في تفسير قول الحواري بن عثمان عبد الله بن محمد وأبى عبد الله وفسره وقال فيه أكثر، فإنه إذا تنازع الأولياء في شيء من العلم مما يجوز الاختلاف فيه والرأي كما قال، فإنا إذا لم نعلم حكم ما اختلفوا فيه وما تنازعوا إذا كان في الفروع وما يجوز فيه الاختلاف، وأما ما لا يعلم ما هو، فلا يحكم فيه شيء، ولا يحكم عليهم فيه بوقوف ولا يساء بهم الظن، وهو على الولاية التي علمناها منهم وواقفناهم عليها، ولو كان كل من رأينا منهم ما لا نعلم أو خالفه غيره من الأولياء فيما لا يعلمه لكان يجب أن لا يثبت لأحد ولاية أبداً، ولا فرق عندنا في اختلاف المختلفين من الأولياء إذا كان اختلافهم فيما يجوز فيه الاختلاف والرأي، كانوا علماء وغير علماء، إذا كان الحق في جملة الاختلاف وعدل الاختلاف فيحكم بعلم، فإن تظاهروا عندنا بالبراءة من بعضهم بعض فالمبتدئ بالبراءة من صاحبه يبرأ منه حتى يصح حكم ما ادعى عليه وبرأ منه عليه، وإن لم يعلم المبتدئ بالبراءة من صاحبه وهم يبرأ بعضهم من بعض كانوا كالمتلاعنين، وجرى عليهم حكم ما يجري على المتلاعنين من الوقوف، وقد قيل إنهم في الولاية /109/ (2/109)
صفحة 526
وأما ما اختلف فيه المسلمون من الدين وما لا يكون الحق إلا في واحد منه بين المختلفين، وتظاهروا بالبراءة من بعضهم بعض، فإن على كل من علم حكم ما اختلفوا فيه أن يبرأ من المبطل، ولا يحل له أن يقف عن المبطل بعد قيام الحجة عليه، ولا يجوز له ترك ولاية المحق من أوليائه إذ علم استحقاقهم وعدل ما قالوا، وأما من يعلم عدل ما قالوا ولا حكم ما اختلف فيه وهم يبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا، ولم تقم عليه حجة من كتاب ولا سنّة ولا إجماع، أو كان ضعيفًا لا يعلم ذلك، فإن له أن يقف وعليه السؤال عنهم والبحث عن حكم الاختلاف في طلب الحجة منهم، ومن غيرهم من العلماء بدليل الكتاب والسنّة والإجماع من الأمة حتى يعلم [491] المحق فيتولاه والمبطل فيبرأ منه، ولا عذر له إلا بالسؤال والطلب؛ لأن الذي حفظناه عن ذوي الألباب أن كل ما اختلف الناس فيه من شيء مما لا يكون الحق فيه إلا في واحد بين المختلفين أن السؤال فرض واجب ولا يسع الشك، فإن قال قائل لم أجزت أن يقف عن المختلفين وإن لم تعلم محقين فلا يسعه الوقوف عنهم؟! قيل له: يقف عنهم وقوف تبين وسؤال وطلب معرفة الحق بالأدلة التي وصفناها، والدليل عليه قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، (1) /110/
__________
(1) سورة الحجرات: آية 6. (2/110)
صفحة 527
وأحدكم فاسق ولم نعلمه منهم، وقال: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، (1) فأمر بالسؤال لأهل الذكر إذ لا يعلم، فعلينا أن نسأل أهل الذكر فيما شكل علينا، وقال النبي (ص): «المؤمن وقاف»، فعلينا الوقوف فيما لا نعلم حتى نعلم، وسؤال وتبين المحق من المبطل ونطلب من أمرنا الله بإتباعه لقوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، (2) فعلينا طلب الأمة الذين يهدون بالحق وقال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}، (3) ولا تكون معرفة ذلك إلا بالطلب والسؤال والتبيين كما قال الله تعالى، وقد قال الله: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، (4) أي إلى كتاب الله، وما تنازعتم فيه من شيء فردوه إلى الله ورسوله (5) يعني إلى كتاب الله، وسنة نبيه، فعلينا أن نتبين ذلك من كتاب الله وسنة نبيه حتى نعلم أهل الحق ونذر الملحدين، وقال: {لَا تَتَوَلَّوْاْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}. (6).
وأما قول سعيد: في العالمين اللذين اختلفنا، أنه إن برئ من المحق منهما برأى أو بدين هلك بذلك، وتلزمه الدينونة بالسؤال، فأما الدينونة بالسؤال فتلزمه فيما بلي به يعلم المحق من المبطل، وأما قوله إنه يهلك /111/
__________
(1) سورة النحل: آية 43.
(2) سورة الأعراف: آية 181.
(3) سورة الأعراف: آية:180.
(4) سور الشورى: آية 10.
(5) إشارة إلى قومه تعالى في سورة النساء – آية 59 - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.
(6) سورة الممتحنة: آية 13. (2/111)
صفحة 528
في الوقوف وفي البراءة فذلك على العلم منه بالمحق، وأما على غير العلم بالمحق فلا يهلك إذا واقفا سائلا، وأما البراءة من الناس بغير علم أو بعد علمه بصوابهم، وهم هالك؛ لأن الله تعالى قد أمر [492] بالتبيين، فلا تجوز البراءة بغير بيان؛ لأنه الله تعالى يقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (1)، هم الذين يبرءون من الناس بغير حق ويقولون على الله بغير الحق ويبغون في الأرض بغير الحق، ومن وقف عن المحق بغير الحق وهم قد قامت عليه الحجة، وقد قال الله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} (2)، فهو العمى والشك ولا يجوز الشك في الإسلام، وقال أيضا: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} (3)، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} (4) فلا يقف على جملة هذا إلا بالطلب للحق من الكتاب والسنة.
تم جواب الشيخ أبي الحسن رحمة الله وغفر له وكرم مثواه. /112/
__________
(1) سورة الصف: آية 7.
(2) سورة الأنفال: آية 22.
(3) سورة القصص: آية 50
(4) سورة النساء: آية 115. (2/112)
صفحة 529
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة غير منسوبة لأحد وليست كاملة
فإذا ادعى المتولى الولاية وادعى المتبرئ البراءة ولم يصح في الدار ما تحرم به ولاية المتولى بما لا يختلف فيه، ويعلم بذلك المتولى فالولاية أولى في الحكم؛ لأن الإسلام وأحكامه أولى من الكفر وأحكامه إذا أمكن الإسلام بوجه من الوجوه؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، ومن ادعى ما تجب به البراءة في رجل فادعى آخر ما تجب به الولاية فيه وتنازعا وتناكرا في ذلك ولم يصح مع من سمعهما صدق أحدهما، فالمدعي لما تجب فيه الولاية أولى، ويأمر القاذف المتبرئ، من ولي المتولي، بالتوبة إذا أنكر ذلك عليه المتولى، فإن تاب من ذلك وإلا كان قاذفا في حكم الظاهر إذا ادعى على وليه كفراً وبرئ منه لشيء أنكره المتولى على المتبرئ، ومن نزل بمنزلة القذف عند المسلمين فقد كفر، وإذا ادعى أحدهما الولاية بما تحتمل ولايته من ادعائه بوجه من الوجوه، ثم قذفه هذا بمكفرة معه وهذا يدعى ولايته فهو قاذف، ويستتاب من إظهاره القذف وإباحته البراءة من نفسه، فإن تاب وإلا برئ منه /113/ (2/113)
صفحة 530
فإذا ادعى ما تجب به الولاية عليه، وبرئ منه الآخر ولم يقذفه بمكفرة ولا ادعى عليه كفراً وإنما برئ منه، لم ينكر عليه المتولى ذلك ولا قام عليه حجة باطل إلا برأيه ممن [493] يدعى أنه يتولاه، فكلاهما سالمان من الكفر عند من سمعهما من أوليائهما وكلاهما في الولاية؛ لأنه يحتمل في الحق ولاية هذا وبراءة هذا منه على الظاهر للحق المحتمل منه ذلك، وبوجه أنه يمكن أن يكونا علما منه جميعا بمكفرة فبرئا منه عليها، ثم علم هذا بتوبة منه فتولاه على ذلك، والآخر على البراءة منه، فليس للمتولى أن ينكر على التبرئ البراءة وهو معه سالم وليس بقاذف، ولا للمتبرئ أن ينكر على المتولى ما يدعى من توبة المخلف، ولا نعلم في ذلك اختلافاً، فإذا ادعى أنه تاب من حدثه الذي علماه منه أنه سالم مصدق في ذلك على دعواه غير مصنف في ولايته، وقد قال من قال: إنه حجة له في التوبة ويتولى بذلك، وقال من قال: حتى يشهد له على ذلك اثنان ممن تجوز شهادته، وأما ولاية المتولى له بالدعوى منه إذا تاب من حدثه بما يمكن منه أنه علم منه بذلك ولا تكن شهادته من المحال، وأما إن تولاه قبل أن يشهد له بالتوبة من ذلك، فقد قال من قال: إنه مأمون على ذلك في الولاية ولا يتولى بولايته، وقال من قال: هو حجة في ذلك ويتولى بولايته إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة، وقال من قال: إنه في حال الولاية كمبطل وهو مخلوع؛ لأنه يتولى محدثا فيما يقرّ به على نفسه ويعلم بحدثه ولم يدع التوبة، وإنما أظهر الولاية لمن هو على جملة /114/ (2/114)
صفحة 531
الحدث، فهو محدث لولاية المحدث حتى يشهد له بالتوبة قبل إظهار الولاية، وأما إذا شهد فهو محدث بالتوبة قبل إظهار الولاية، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه مأمون على ذلك فهو على ولايته، والاختلاف في قبول شهادته وزوال البراءة عمن شهد له بالتوبة، فمن أحل هذه العلل (1) وتمييزها جاز لولاية للمتظاهرين بالولاية والبراءة والوقوف، حتى يعلم أنهم مبطلون أو أن أحدهم مبطل، ثم اتضح به باطله مما لا يحتمل له مخرجا من مخارج الحق، والمتولى على كل حال هو حاكم بحكم ومحدث حدثا، وهو أولى حجة من المتبرئ عند التنازع حتى يصح ما يجب به البراءة والواقف المظهر [494] للوقوف غير محدث في ظاهر الأمر؛ لأن الناس كلهم في حال الوقوف حتى يصح لهم ما تجب به الولاية أو ما يجب عليهم به البراءة، وقد مضى ذلك القول ولا نعلم في ذلك اختلافا، وذلك لو أنه أجمع على ما تجب له معهما به الولاية ثم ادعى أحدهما أنه ركب ما تجب عليه به البراءة أو برئ منه، كان بذلك قاذفا مخلوعا ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا أجمعنا على ما تجب به البراءة، ثم ادعى أحدهما توبة من ذلك كان محقا مصدقا، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا لم يتفقا على ما تجب له فيه الولاية والبراءة هذا، وبرئ منه هذا، وبان على المتبرئ ما يكون به خالعا، او قذفه مع من يدعي /115/
__________
(1) كتب أيضا: (العدل). (2/115)
صفحة 532
ولايته بما يحتمل أنه تجوز له ولايته بوجه من الوجوه، فهذا مبطل قاذف مخلوع ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا وقعت المسألة في الولاية والبراءة ولو تظاهروا بذلك مالم يقع قذفق وإنكار يجب به حكم القذف مع المتولى، فالمتولى والمبترئ سالمان جميعا والمتولى لهم على ذلك سالم، والواقف عن المتولى والمتبرئ منه سالم، يصح على أحد منهم ما يجب به حكم البراءة بوجه من الوجوه، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل العلم، ومنه وإن لم يكونا عليه حجة فقولهم إن فلانًا وفلانًا حجة ليس بحجة عليه، وقد ألزموه ما لا يجوز لهم أن يلزموه إذا كان معذوراً عن قيام الحجة، وإن كان غير معذور عن قيام الحجة روح في التماس الحجة ففي من حضر، ولا يجوز معنا غير هذا في حكم الحق، وكل ما لم تقم به الحجة بعبارة الواحد من الحاضرين من المقربين بحكم ذلك الشيء، فالجاهل به معذوز عن طلبه في الدين، وواسع له الإقامة على جهله أبداً حتى يصل إليه الحجة، وليس عليه أن يطلب على نفسه الحجة فيما هو معذور عنه، وإن كان ما قد ألزموه الخروج مما لا يسعه جهله فتعارفهم له بذلك قامت عليه الحجة وقولهم إنه ليس عليه حجة فهم كاذبون في ذلك ولا نعلم في ذلك اختلافاً، فإن يكن الذي ألزموه السؤال عنه من الدين والحلال والحرام وأحكام الإسلام وما نطقت به الشريعة فالحكم فيه على ذلك وعلى وجهه /116/ (2/116)
صفحة 533
وكل ما لا يسع جهله بمعرفة التوحيد وتصديق الوعد والوعيد وأمثال هذا مما يتولد منه، فالحجة فيه تقون عند، [495] ذكر ذلك ممن ذكره أو خطر ذلك بباله إذا عرف معاني ذلك وأحواله فعليه علم ذلك معاً ولو لم يعبر له ذلك معبر، وإن لم يعلم ذلك من حين ما يذكر له أو يخطر بباله ويعرف معناه هلك بذلك ولا ينفس (1) في السؤال عن ذلك لعالم ولا جاهل وما عدا ذلك من الفرائض اللازمة، فإذا حضر وقت ذلك ولزمه العمل به ضاق جهله على جاهله، وإذا وجد من يعبر له ذلك، وكان بأرض متصلة بمن يعبر على ذلك، فإن لم يحضر من يعبر له ذلك، وقد مضى وجوب ذلك في وقت وجوبه ولا يعلم تفسير ذلك ولا دلالة على وجهه كان عليه أن يؤدي ذلك الذي قد علم بحضور وقته على ما يحسن في عقله، ولزمه الدينونة بالسؤال عن علم عبارة ذلك حتى يؤديه على وجهه، فإذا لقي من بعير له ذلك كائنا من كان من الناس يعبر له كان عليه حجة ولم يجز له أن يجهل ذلك بعد علمه ولا يرجع إلى الشك، وإن لم يعلم وقت حضور ذلك الفرض فعليه الدينونة بالسؤال عن وقت حضوره وتفسيره معاً، وعليه أن يؤدي ذلك إذا علم بفرضه بما يحسن في عقله أنه وقته الذي يجب فيه وسأل عن ذلك كل من قدر عليه، فإذا لقيه من يدله على ذلك كائنا من كان من الناس فأوقفه على ذلك لزمته الحجة، وكذلك مثل أوقات الصلاة والصيام والعمل في ذلك، وإن جهل /117/
__________
(1) النفس: تعني هنا الكبر، والعظمة، والأنفة، والعزة. (2/117)
صفحة 534
وجوب الصلاة والصيام جهل وقتهما وجهل تفسير العمل بهما، ولم يجد من يخبره بذلك ويعبر له وإن لم يكن تقدم علم ذلك إليه، فإن حسن في عقله أن عليه في دين الله تعالى ودين النبي (ص) إلى خلقه فيما تبعده الله به عملا بالأبدان، أدى ذلك على ما يحسن في عقله، ولم يكن هالكا بجهل ذلك إذا لم يتقدم إليه علم ذلك ولم يسمع بذلك حتى وجب وقته وحضر وقت العمل به، فإن حسن في عقله أن عليه عملا في دين الله تعالى في وقت من الأوقات، قد حسن ذلك أيضا في عقله فعمل ذلك بما يحسن في عقله فليس عليه غير ذلك، إلا أنه يدين بالسؤال عما يلزمه في دين خالقه من جميع ما تعبده به، وإن قدر على الخروج في طلب ذلك [496] وحسن في عقله أنه يجد من بدله على ذلك وكان قادراً على الخروج بأمان من الطريق، وصحة من البدن، وزادا يأمن به على نفسه من العطب، وراحة يأمن بها على نفسه من (الانقطاع في الطريق) (1) وما يدع لمن يعوله ما يقوم به إلى رجعته، كان عليه الخروج فيما لا يسعه جهله ولا يسلم إلا بعلمه من دينه، وما لا يكون سالما إلا باعتقاد السؤال عنه، وإذا لم يجد من يعبر له كائناً من كان قامت عليه الحجة، فإنما عليه الخروج في التماس الدين في الواجبات التي يهلك بها إذا لم يدن بالسؤال عنها عند عدم المعبرين لها، وأما كل ما لم تكن عبارة الواحد فيه، فغير مقطوع العذر عن الخروج فيه، وكلما لم تقم عليه الحجة من عبارة /118/
__________
(1) الانقطاع في الطريق: (زيادة من عندنا). (2/118)
صفحة 535
البار والفاجر والمؤمن والكافر، فالسائل عنه [منفس] (1) في السؤال أبدا، وليس عليه خروج فيه ولا إليه، ومن ألزمه الخروج فيما لا يلزمه فيه فقد ألزمه ما لا يلزمه، ومن ألزم الناس ما لا يلزمهم فقد كفر، فأما إذا حسن في عقله لزومه في وقت ما حسن في عقله في وجوبه على ما حسن من تفسير ذلك في عقله ودان بالسؤال عن ذلك في ذلك الوقت ولم يتقدم إليه علم ذلك من خبر ولا أثر من بار ولا فاجر ولا متقدم ولا متأخر، فهو سالم وعليه التماس علم ذلك بالخروج لتأدية ذلك على وجهه، فإن علم ذلك، فإن كان قد أدى على وجهه فلا بدل عليه ولا عاقبة وقد وفقه الله، وإن كان قد أدى ذلك على غير وجهه فهو سالم من الهالك في ذلك على كل حال، وعليه تأدية ذلك على وجهه إذا وجد علم ذلك بعبارة المعبرين له فيما يستقبل من أمره، وبدل الذي مضى في أكثر قول أهل العلم وليس بالجميع عليه، وذلك في البلد، وأما تأدية ذلك في المستقبل بعد علم ذلك على وجهه فلازم وليس له أن يرجع عن علم ذلك من حيث ما علمه بارا أو فاجراً، ومؤمناً أو كافراً، وإن لم يحسن في عقله في دين خالقه أن عليه عملا بالأبدان، فأقر له بالربيوبة ودان ووحد الله بصحيح ما خطر بباله من صحيح التوحيد فأقر بما خطر بباله (2) من أحكام الوعد والوعيد لأهل الطاعة والمعصية، فعليه اعتقاد الدينونة بالتماس جميع ما لزمه في دين خالقه، وما يجب عليه في دين خالقه الوعيد /119/
__________
(1) كلمة غير مفهومة.
(2) كتب في المخطوطة: (ببا). (2/119)
صفحة 536
ليتركه، وما يجب له به في دين خالقه الوعيد ليؤديه، فإذا دان بهذا [497]، الدين واعتقد هذا الاعتقاد ولم يجد معبرا يعبر له شيئاً تقوم عليه به الحجة فهو سالم ولو لم يؤد لله فريضة قط ولم يترك لله محرما قط، وكذلك عليه ان يترك ما حسن في عقله أنه محجور عليه في دين خالقه الذي تعبده به خالقه، وعليه في اعتقاده لله راجع إلى الله من جميع ما بدل من دينه الذي تعبده بالعمل، أو جميع ما تعبده بتركه ارتكبه بجهله هذا، فإذا دان الجاهل في هذا ومثله بالسؤال ولم يدن مع ذلك بشيء مع دينه بدين ضلال ولم يصر في اعتقاده بمعصية لله ولو جهلها، فهو سالم في هذا الباب الذي لا يسعه جهله من الأعمال بالأبدان، ولو مات على ذلك من غير أن يدي لله فريضة أو يترك لله محرما، ولو عاش على ذلك مائة ألف سنة بالغ السن صحيح العقل إذا عدم المعبرين لله في جميع ما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسمع من دين الله (1) ... وقيل في رجل علم من رجل ارتكب كبيرة ولم يعرف هذا الحكم في ذلك، قال من قال: عليه السؤال كان وليا أو غير ولي، وقال من قال: لا سؤال عليه كان وليا أو غير ولي، وقال من قال: إن كان وليا كان عليه السؤال ولا سؤال عليه في غير الولي، ولا يكون العالم عندنا عالما حتى يعرف فرق ما بين أحكام ما لا يسع جهله، وفرق ما بين الخاص والعام من أحكام الولاية والبراءة، ولا تجوز مخالفة ذلك برأي ولا بدين، وحتى /120/
__________
(1) بعد (دين الله) بياض في المخطوطة. (2/120)
صفحة 537
يعلم فرق حكم ما بين ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وما بين أحكام الشريطة في الولاية والبراءة بأحكام الظاهر، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الاستحلال لما حرم الله والتحريم لما أحل الله، وفرق ما بين الصغائر والكبائر، وفرق ما بين أحكام التوبة والإصرار، وفرق ما بين الإصرار على الصغائر، وفرق ما بين المصر على دقيق الذنوب وجليلها وصغيرها وكبيرها، وبين الحكم فيما ركب ذلك ولم يصر عليه وجهله، أو علمه وعلم الفرق في ذلك، وحتى يعلم الفرق بين ما يجب به السؤال وبين ما لا يجب فيه السؤال، فإنه لا يجوز أن يحكم في غير موضع وجوب السؤال، وفرق ما بين السؤال ولا يجوز أن يوضع السؤال إلا في موضع وجوب السؤال، وفرق ما بين أحكام الدين، ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه وإجماع أهل العلم، وبين أحكام الرأي وما يجوز فيه الرأي من كل ما لم يأت [498] فيه حكم من هذه الأصول، وفرق ما بين أحكام الدعاوى من أحكام البدع، وفرق ما بين الشهادة من حجة الفتيا في أحكام الولاية والبراءة وإنزال ذلك منزلة لا بين حجة الشهادة وحجة الفتيا في أمور الولاية والبراءة، وإنزال الدين، فرق بيّن لا يجوز في الدين أن يحكم بأحكام الشهادة في موضع أحكام الفتيا في أمور الولاية والبراءة، ولا يحكم /121/ (2/121)
صفحة 538
بأحكام الفتيا في موضع أحكام الشهادة في أمر الولاية والبراءة، ومن حكم بذلك في غير موضعه فقد جهل وكان بذلك هالكا، وفرق ما بين حجة الشهود في البراءات من المكفرات، وعلى المكفرات في الولاية والبراءات، وبين براءة المتبرئين من العلماء في الدين، وإنزال الرجل من ذلك منزلته من إجازة شهادة الشهود على المحدثين، وإنزالهم في ذلك منازلهم، وفرق ما بين الحجة من الفقيه الواحد في الدين فيما يقوم به مقام الفتيا في الدين، وبين قول الفقيه الواحد فيما يكون فيه شاهدا في أمر الدين في البراءات، وحتى يعلم الفرق بين أحكام براءة الجهر وإجازة ذلك أو إطلاقه، وبين أحكام براءة السريرة ومعرفة حجة ذلك وكتمانه وإنزال ذلك منازله، وفرق ما بين أحكام الولاية والبراءة في الأئمة العادلين والجائرين، وبين الأئمة الغائبين والسالفين، ومن كانت شهادته برفيعة أو بشهادة فلا تكون الشهادة له بالقطع أنه ولى في الحكم بالظاهر ولا أنه من المسلمين ولا من الصالحين كما يشهد من علم منه ذلك بخبرة، والشهادة أو ما صح من طريق الشهرة، وإنما يتولى بالشهادة والرفيعة وتصديق الرافعين (1)، ولكن يتولى بقيام الحجة وتصديق الرافعين بلا قطع للشهادة له بذلك، فإن اعتقد ذلك المرفوع /122/
__________
(1) الرافعين: تعني أصحاب الإسناد. (2/122)
صفحة 539
إليه تصديق الشاهدين وحقيقة المتولين أنها كذلك، فذلك من شهادة الزور وتعاطي علم الغيب فلا يجوز ذلك، كان هالكا إلا أن يتوب وساء كان حياً أو ميتاً، وما كان من الفتيا في أمر الولاية والبراءة مما لا يسع كان على جميع المعبرين لذلك حجة على من عبروا له ذلك، وإذا كان مما يسع جهله ما لم يركبه أو يتولى راكبه ويبرأ من العلماء إذا برءوا من راكبه أو يقف عنهم برأي أو بدين فلا يكون بحجة في هذا العالم (1) [499] قال في ثلاثة نفر يتولى بعضهم بعضا اختلف إثنان منهم فيما يكون الحق في واحد، حتى برئ أحدهما من صاحبه ولم يعلم السامع الحق في يد أحدهما، فقال إذا كان من الضعفاء الذين لا تقوم بهم الحجة في الفتيا فيما لا يسع جهله، وكانت المسألة مما يسع جهل علمه وإنه برأى لا بدين من قاذف وليه منه، ولا تجوز براءة برأي إلا في هذا الموضع وما يشبهه، فإن كان المتبرئ من المحق منهما فتبرأ منه برأي ويتولى وليه المتبرئ منه بدين، كان هالكا إن تولاه برأي وبرئ ممن قذفه برأي وسألته ... (2) /123/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (فلا يجوز بحجة في هذا العالم).
(2) بعد (وسألته)، بياض بالأصل. (2/123)
صفحة 540
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله –أ-
أصل ما اختلفت فيه الأمة بعد نبيها (ص)، في القدرة والتوحيد وأسماء أهل الكبائر وإثبات الوعيد وقتال أهل البغي، واختلفوا في أصحاب النبي (ص) وافترقت الخوارج واختلفت، فأولهم الأزارقة وإمامهم نافع بن الأزرق وهو (1) إمام الأزارقة وهو أول من سن تشريك أهل القبلة واستحل السبي والغنيمة منهم، وحرم الأزارقة (2) مناكحتهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم وموارثتهم، وأنزلوهم بمنزلة حرب رسول الله (ص) من المشركين، وانتحلوا الهجرة كذباً على الله وعلى رسوله وتحريفاً لتأويل القرآن وخلافاً على رسول الله (ص)، وقد قال رسول الله (ص) فيما بلغنا عام الفتح: «لا هجرة بعد الفتح»، وإنما هو جهاد ولله، وذكر لنا أن سهيل بن عمرو (3)، وصفوان بن أمية، وعكرمة /124/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (وهم).
(2) كتب في المخطوطة: (وحرموا).
(3) كتب في المخطوطة: (سهل بن عمر)، وإنما هو (سهل بن عمرو). (2/124)
صفحة 541
ابن أبي جهل قدموا المدينة بعد الفتح، فقال النبي (ص) لصفوان: ما جاءكم به يا أبا وهب (1)، قال: قيل [500] لنا لا يدخل الجنة إلا من هاجر إلى المدينة، فقال النبي (ص): «أقسمت عليك لما رجعتم إلى بطاح مكة» (2)، وبلغنا أن العباس أتى النبي (ص) فقال: يارسول الله، بايع فلاناً على الهجرة!! فقال: «لا هجرة بعد الفتح»، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لما بايعته على الهجرة!! فمسح على كفه وقال: أبررت قسم عمي ولا هجر بعد الفتح، وبلغنا أن النبي (ص) طلب إليه رجل أن يبايعه على الهجرة وهو في مكة في غزوة الفتح، وقد نسخ الإسلام عن أهله السيرة في أهل الشرك، ومنهم النجدية، إمامهم نجدة بن عويمر، أخذ ببعض دين ابن الأزرق وفارقه في أمور، فتابعه على الهجرة وتشريك أهل القبلة وهو مع ذلك مستحل مناكحتهم وموارثتهم وأكل ذبائحهم، ومن أقام بين أظهر قومنا ممن يدين بدين نجده أنزله منافقا ولم ينزله مشركا، وكان ابن الأزرق ينزلهم منزلة المشركين، وكل الفريقين ضال والحمد لله رب العالمين، ونجدة مع ذلك يستحل السبي والغنيمة من أهل القبلة، ومنهم العطوية أصحاب عطية بن الأسود. /125/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (وهد) وهو (صفوان بن أمية)، وكنيته (أبو وهب).
(2) بطاح مكة أو وادى البطاحة هي ما حول الكعبة. (2/125)
صفحة 542
والفريكية إمامهم أبو الفريك، والصفرية وإمامهم داود بن الأصفر، والبهسية وإمامهم عبد الله بن بيهس، ومنهم الشمراخية ومنهم الميمونية والخارمية والهيضمية والثعلبية والأخنسية والضحاكية والعجردية والخليفية والحمزية، وجميع أصناف الخوارج (1) أجمعوا على تشريك أهل القبلة واستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، فمنهم من استحل قتل السريرة والعلانية واستعراض الناس بالسيف على غير دعوة، ومنهم من لا يستحل قتل السريرة، وهم مختلفون فيما بينهم يبرأ بعضهم من بعض، وتنزل كل فرقة منهم من خالفهم بمنزلة سائر الناس في آرائهم، فمن الحجة عليهم أن حكم الله على أهل القبلة خلاف حكمه على المشركين، إنه لما أمر بقتال أهل البغي لم يحل منهم غير دمائهم، وقد قتل المسلمون عثمان فلم يسبوا له ذرية ولم يغنموا له مالا، وقد غلط حذيفة في سبي أهل دبا (2)، وقد كان والياً لأبي بكر على عمان فارتفع بهم إلى عمر بعد موت أبي بكر فغلظ له عمر في القول وخطأه في فعله ورد السبي إلى منازلهم، ولو كان السبي حلالا ما كان لعمر أن يضيع حق الله، [501]، ومن المختلفين من أهل القبلة المرجئة (3)، وذلك أنهم لم يثبتوا /126/
__________
(1) يشير هنا إلى فرق الخوارج المتطرفة الذين تبرأ منهم الإباضية والخوارج المعتدلون.
(2) توجد (دبا) الآن في الفجيرة إحدى الإمارات العربية المتحدة وربها مقابر قيل إنها للصحابة وأهل الردة.
(3) حذفنا (واو) لعطف التي كتبت قبل (المرجئة). (2/126)
صفحة 543
الوعيد، وتأولوا القرآن على غير تأويله، تأولوا قول الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (1)، وقالوا: ما دون الشرك مغفور، فمن الحجة عليهم أن الله يقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ}، (2) فول كان قوله يغفر ما دون ذلك فإنه يغفر إذن لليهود والنصارى على كفرهم وشركهم، فإن قالوا يغفر لمن يشاء لمن تاب منهم قيل له كذلك يفغر لمن يشاء من أهل الكتاب لمن تاب منهم، وقد قال الله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}، (3) وهؤلاء أهل مشيئة الله، كذلك رفع عن النبي (ص). ومنهم القدرية زعموا أن العباد مفوضة إليهم الأمور يعملون ما يشاءون وليس لله في أعمال العباد مشيئة، والقرآن يكذبهم حيث يقول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا}، (4) وقد علم أهل العقل أن قتل الأنبياء من أعظم المصائب، وقد أخبرنا الله أنها مصيبة مخلوقة مكتوبة قبل أن يخلق، وقال لنبيه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، (5) فقد علمت الأمة أن إدما /127/
__________
(1) سورة النساء: آية 48 وآية116.
(2) سورة المائدة: آية 18.
(3) سورة طه: آية 82.
(4) سورة الحديد: آية 22.
(5) سورة التوبة: آية51. (2/127)
صفحة 544
وجه رسول الله (ص) وكسر رباعيته (1) يوم أحد أعظم المصائب وقد كتبها لقوله: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»، (2) وقال: «لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم» (3) فقتل حمزة بن عبد المطلب وقتل الشهداء من المهاجرين والأنصار، وقتْل عمر بن الخطاب من أعظم الذنوب وأكبرها عند الله فقد كتبها الله من قبل أن نكون، فبطل قول القدرية والحمد لله رب العالمين، واختلفوا في إثبات الوعيد، فقالت فرقة إذا اجتمع وعد ووعيد في رجل واحد ثبت له الوعد وبطل عنه الوعيد بقول الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، (4) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ [502] أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (5) وأشباه هذا من العمل بالطاعة والعمل بالمعصية، فقد اشترط شروطاً، وقالوا قد أطاع الله وعصى الله، والله كريم ثم ثبت له ثواب الطاعة، ووضع عنه عقاب المعصية، قيل له إن الله اشترط شروطاً وهو بها واف لا يخلف وعده، وقد /128/
__________
(1) الرباعية: السن التي بين الثنية والناب، الجمع: رباعيات.
(2) سورة التوبة: آية 51.
(3) سورة آل عمران: آية 154.
(4) سورة النساء: آية 10.
(5) سورة فاطر: الآيتان 29 - 30. (2/128)
صفحة 545
قال الله: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} (1)، وقال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (2)، وقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ
رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} (3)، وقال: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} (4)، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} (5)، وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (6)، وقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (7)، فعلمنا أن الإصرار على المعصية ليس من التقوى في شيء، وإنما يثبت الوعد لأهل التقوى. والمعتزلة إمامهم عمرو بن عبيد (8)، وواصل بن عطاء، وقيل أول من ساهم المعنزلة قتادة، (9) حين كانوا اعتزلوا فتكلموا في القدر أشياء أفحشوا فيها فزعموا أن من أثبت القدر فهو مشرك، وأرادوا أن يصفوا الله بالتنزيه فوصفوه بالعجز. /129/
__________
(1) سورة الروم: آية 6.
(2) سورة المائدة: آية 27.
(3) سورة الزمر: آية 73 وصححنا الأخطاء التي وردت في الآية الكريمة
(4) سورة النحل: آية 30.
(5) سورة البقرة: آية 278، وسورة آل عمران: آية 102، وسورة التوبة: آية 119.
(6) سورة النور: آية 31.
(7) سورة طه: آية 82.
(8) كتب في المخطوطة: (عمر بن عبيد).
(9) قتادة: ابن دعامة ويكنى أبا الخطاب، مفسر حافظ محدث، ضرير أكمه، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: (قتادة أحفظ أهل البصرة)، وكان مع علمه بالحديث عارفا بالعربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب مات في واسط سنة 117هـ (735م) (انظر أيضا ابن قتيبة: المعارف ص 203 - 204). (2/129)
صفحة 546
ومن قولهم أيضا أن أهل القبلة ليسوا بمؤمنين ولا كافرين ولا منافقين، ولكنهم ضالون فاسقون واحتجوا بهذه الآية: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ} (1) وهو الشرك، والفسوق هو ما عصى به العباد من أهل التوحيد، وقالوا لا يسمونهم كفاراً، وقالوا لا يعرفون إلا ثلاث فرق، مؤمن وكافر وفاسق، فأخذوا ببعض الآية: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَوَالْعِصْيَانَ}، (2) فيقال لهم قد سمى الله الكفر والفسوق والعصيان، فهذا العصيان منزلة أخرى أم هو من الكفر؟ فإن زعموا أنه لا من الكفر ولا من الفسوق، فقد هدموا قولهم وألحقوا أهل منزلة من منازل أهل النار، وإن قالوا هو من الكفر ومن الفسوق، قلنا لهم كذلك الفسوق من الكفر، من عصى الله فقد فسق ومن فسق فقد كفر، وقد يقال للكافر فاسق وللفاسق [503] كافر. وقد قال الله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}، (3) وقال الله: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (4)، ولم يختلف أحد في إبليس أنه مشرك كافر؛ لأنه دعا إلى الشرك وإلى الكفر، /130/
__________
(1) سورة الحجرات: آية 7
(2) سورة الحجرات: آية 7
(3) سورة النمل: آية 12.
(4) سورة الكهف: آبة 50. (2/130)
صفحة 547
وقد قال الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَقَتَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} (1) فإنما جعل الناس يوم القيامة (2) على منزلتين، مؤمن وكافر: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} (3)، وقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} (4) فعلمنا أن المنافق والضال والظالم والعاصي فاسق كافر، وقالت البطيحة إن أهل النار ينعمون في النار وأهل الجنة ينعمون في الجنة، كما أن دود الخل ينعم في الخل ودود العسل ينعم في العسل، فقالوا إنا وجدنا الله كريماً لا يحمل العباد ما لا يطيقونه، قيل لهم: إن من كرم الله عدله، ومن عدله وفاؤه بما وعد له وأوعد، وقد حمل أهل المعاصي في الدنيا ما لا يطيقون من جلد القاذف وجلد الزاني ورجم المحصن وقطع يد (5) السارق، وكل هذا مؤلم موجع لا يلذ به صاحبه في ساعته ولا يحمله بدن، فمنهم من يموت ومنهم من يعيش من بعد شدة، وقد قال: {وَلَعَذَابُ الْأخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ}، (6) وقال: {وَلَعَذَابُ الْأخِرَةِ أَكْبَرُ}، (7) فدحضت حجتهم والحمد لله رب العالمين. /131/
__________
(1) سورة عبس: آية 38 - 42.
(2) أضفنا كلمة: (القيامة) ليستقيم النص.
(3) سورة الزمر: آية 73.
(4) سورة الزمر: آية 71.
(5) أضفنا (يد) قبل السارق ليستقيم النص.
(6) سورة فصلت: آية 16.
(7) سورة الزمر: آية 26. (2/131)
صفحة 548
وقالت الكميلية (1) إن عليا وصى رسول الله (ص) وإن الأمة خذلت عليا فلم يسمع له ولم يطع، وإن عليا لم يقم بوصاية رسول الله (ص) لمجاهدة الأمة، فبراءوا من علي بزعمهم إذ لم يقم بالوصاية، وبرءوا من الأمة جميعا لخذلانهم عليا، فيقال لهم عمن أخذتهم هذا الرأي ومن إمامكم فيه؟ فإن قالوا مقدم من الصحابة، فذلك الإمام إدا ممن برءوا منه من الأمة، وإن قالوا ليس لنا إمام في هذا متقدم وإنما هو رأي رأيناه فقد دحضت حجتهم ودخلت عليهم اضلالة إذ زعموا أنهم أصوب رأيا من أصحاب رسول الله (ص)، وأن أصحاب رسو الله (ص) اجتمعوا كلهم على الضلالة [504] ليس منهم مهتد ولا حجيج عن الله، وإن قالوا قد كان فيهم من يرى مثل رأينا ولكن لم يستطع أن يجاهد، وإنما هو وجده، وتوليتم إمامكم إذ لم يستطع وكذلك على ما (2) لم يستطع كما لم يستطع إمامكم، ومن الحجة ونقض ما قالوا أن أبا بكر لما ولى أمر الخلافة قام خطيبا فقال: يأيها الناس إني أستقيلكم فأقيلوني!! فقام إليه عليّ فقال: هيهات لا تقال ولا تستقال، فلو كان عليّ وصى رسول الله (ص) لم يكن المسلمون يحقرون بذمة رسول الله (ص) ولم يكن يثبتها لأبي بكر، فإن قال قائل: إنما ثبتها لأبي بكر (3) زهادة بها، قيل له إذا لا يحل له أن يزهد بها (و) (4) قد جعلها رسول الله (ص) من بعده، وقد كان /132/
__________
(1) انظر: (الكاملية) في البغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق ص51 - 53، و (الكاملية) في الشهر ستاني: الملل والنحل ج 1 ص 368 – 370.
(2) (ما) زيادة من عندنا.
(3) (بكر): زيادة من عندنا.
(4) (واو) واو العطف: زيادة من عندنا. (2/132)
صفحة 549
فيها راغبا لقبوله إياها من بعد قتل عثمان، فدحضت حجتهم والحمد لله رب العالمين. ومنهم الرافضة برءوا من أبي بكر وعمر (1) أنها ظلما عليّا الإمامة، وأنهما ضربا فاطم وحرموها ميراثها من رسول الله (ص) وكذبوا على أبي بكر وعمر؛ لأنه بلغنا أن فاطمة سلام الله عليها، جاءت تطلب ميراثها إلى أبي بكر، فقال لها أبو بكر: (ابنة أخي ما خلق الله خلقا أحب إليّ من أبيك ولوددت لوقعت السناء على الأرض يوم قبض أبوك، وإن عائشة لتفتقر أحب إلى من أن تفتقرى فترى أني أعطي الأبيض والأسود الحق، وأحرمك الحق وأنت ابنة رسول الله (ص) ولكن رسول الله (ص) قال: «إنا معاشر الأنبياء لا تورث»، فقالت: إنه كان أعطاني فدك وأم أيمن تشهد لي، فقال لها: إن أم أيمن امرأة فلا أجيز شهادة امرأة مال المسلمين»، ومن الحجة عليهم أن عليًّا كان سامعا مطيعأً لأبي بكر وعمر يدين بطاعتهما ويعرف لهما فضلهما، ولما قال أبو بكر إني أستقيلكم فأقيلوني، قال علي: لا تقال ولا تستقال. ومن حجة عليهم أن عليًّا دخل عليه عبد الله بن الكوا، وعباد بن قيس، فسألاه عن أمور، فقال لهم أن رسول الله (ص) لم يمت فجأة ولم يقتل وقد كان مربضًا وهو في ذلك يختلف إليه بلال ويقول: الصلاة، /133/
__________
(1) (وعمر) زيادة من عندنا. (2/133)
صفحة 550
فكان النبي يقول مروا أبا بكر فليصل، حتى قال له بعض نسائه من ذلك قولا، فقال: [505] استكن فإنكن صويحبات يوسف (1)، وقد كان رسول الله يرى مكاني فلم يأمرني بالصلاة، فإن قالوا إن مامنع النبي (ص) أن يأمر عليًّا بالصلاة لاشتغاله به، فلم يكن علي بأشغال بالنبي (ص) من أبي بكر، وليس عن الصلاة شغل، ولم يكن لعلي عن الصلاة عذر، فكان مكان قيامه بالصلاة يأمره النبي (ص) أن يصلي بالناس، فليس كما قالوا ولكن رسول الله (ص) اختار أبا بكر لدين المسلمين فاختاروه لدنياهم، ومن الرافضة، السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، والمنصورية، (2) والمغيرة أصحاب المغيرة بن سعيد، وبلغنا أن منهم ثلاثة أصناف اجتمعوا على رجل واحد من ولد عليّ فقال صنف منهم هو إمام مطاع، وقال صنف منهم هو نبي، وقال صنف منهم هو إله، فأما الذين أثبتوا له النبوة والذين قالوا إنه إله فأولئك هم المشركون، ومن الحجة عليهم أن إمامهم بحضرتهم فيما يزعمون، وهم يقبلون ويختلفون إليه لا يصلح بينهم ولا يعرفونهم نفسه ما هو، ولو كان إماماً /134/
__________
(1) ظاهر من توجيه الإهانة بهذا الشكل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرد تدخلا من نسائه في أمر من أمور المسلمين، وإن كان نستبعد مثل هذه الألفاظ من رسول الله (ص) لإحدى زوجاته، وفي الحديث عن النبي (ص): «لا يكون المؤمن لعانا ولا طعانا».
(2) المنصورية: أصحاب أبي منصور العجلى، (انظر: الشهر ستاني: الملل والنحل ج 1 ص 377 – 379). (2/134)
صفحة 551
مطاعاً كما زعموا لكان يبرأ من الذين زعموا أنه إله وأنه نبي، فمن هنالك علمنا أنه ليس بإمام إذ لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، وزعمت المشبهة أن الله خلق آدم على صورته، وأنه محدود وأن له عينًا وبدنا محدودا، وأنه ينزل ليلة النصف من شعبان، فسبحان الله عما قالوا!! كتاب الله يكذبهم، وقالوا إن الله يُرى يوم القيامة وقد قال الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، (1) فعلمنا أنه على غير صفة الأشياء، وقال الله: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}، (2) وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}، (3) فمن كان الله مع خلقه أينما كانوا لم يجز في صفته أن يشبههم ولا يزول ولا يأفل، فسبحان الله عما قالوا وتعالى علواً كبيراً!! ومن الحجة عليهم أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة قوله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، (4) فإن قالوا إنما ذلك في أمر الدنيا فقد تأولو، فكما جاز لهم أن يتأولوا فكذلك جاز لمن يتأول عليهم فيقال لهم، كما تأولتم أنه لا يرى في الدنيا نحن نقول لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ويقال لهم: أي الصفتين أقرب من تنزيهه [506] وإجلاله وإعظامه؟ يُرى أم لا يُرى؟ فإن قالوا: يرى، قيل لهم: لو وصفتم بهذا خليفتكم أنه ظاهر بجميع رعيته وهو في ذلك حرام عليه الاحتجاب عن أصناف /135/
__________
(1) سورة الشورى: آية 11.
(2) سورة الأنعام: آية 3
(3) سورة الحديد: آية 4.
(4) سورة الأنعام: آية 103. (2/135)
صفحة 552
الرعية لما رضي بذلك عنكم!! فكيف تصفون الله بما لم يصف به نفسه؟! فإن قالوا من رأفته (1) ورحمته أن يراه عباده يوم القيامة، قيل لهم من عظمته لا يرى في الدنيا ولا في الآخر، ومن رأفته (و) (2) رحمته بعباده ثوابه لهم، وعلى قولكم يرى يوم القيامة، فقد وصفوا أن أهل النار يرونه فسبحان الله عن إفكهم، وقالت الجهمية: إن الله كان ولا علم له ولا سمع له ولا بصر له ولا قوة حتى خلق الله ذلك لنفسه!! فسبحان الله عن إفكهم!! وهم أصحاب جهم بن صفوان، ومن الحجة عليهم أنه قد علم ما لم يكن قبل أن يكون، ولو كان ذلك العلم محدثاً لم تكن له قوة على خلقه، وقد زعموا أنه كان ولا قوة له!! فهل يستطيع الصانع أن يصنع شيئا إلا بقوة، فإن قالوا قد كانت له قوة وإنما خلق علمه وسمعه وبصره!! فكما أثبتوا أن له قوة فكذلك كان له سمع وبصر!! والله تعالى ليس من صفتنا له ومعه شيء محدود يكون معه ثان!! ولكن المعنى أن له قوة وسمعا وبصرا وعلما، والمعنى في ذلك: لم يزل قوياً ولم يزل عليما ولم يزل سميعاً بصيراً، وقد قال الله: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (3)، فقد قال الله له القوة، وإنما المعنى أنه قوى لم يزل وأنه لا يوصف بصفة ثانية /136/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (رأته).
(2) (واو) العطف زيادة من عندنا.
(3) سورة البقرة: آية 165. (2/136)
صفحة 553
تكون معه متميزة عنه، فسبحانه وبحمده عن هذه الصفات!!! وقال: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}، (1) وقال: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}، (2) وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} (3) وقال: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ}، (4) كل هذه الأشياء من صفات معنى أن له القوة وله العزة وله الملك وله الحمد وله الأمر لم يزل قوبا عزيزاً ملكا عليما عظيما حكيما لا منازع له في الأمر، وقالت الحشوية: وسموا أنفسهم الجماعة وأهل السنة، وكذبوا ليسوا بأصحاب سنّة، بل هم أصحاب الفرق والبدعة وذلك أنهم يقولون إن الظالم والقاتل والمقتول على غير توبة، ويدينون بالطاعة لأهل معصية الله، وهم في ذلك يظلمونهم ويفسقونهم، وقد قال الله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (5)، فمن ركن إلى الظالم [507] مسته النار فكيف من دان بالطاعة له؟! ويروى عن النبي (ص) أنه قال: «ولو عبداً حبشياً فسمع له وأطع»، [***] في الأمر، وقد وجدنا في الحديث عن النبي (ص) خلافا وتكذيبا لما قالوا، إنه قال لابن مسعود إنه: «لا طاعة لمن عصى الله»، وقال أبو بكر فيما وقع عنه في الحديث: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيتهما فلا طاعة لي عليكم» /137/
__________
(1) سورة الروم: آية 4.
(2) سورة النساء: آية 139.
(3) سورة الملك: آية 1
(4) سورة التغابن: آية1
(5) سورة هود: آية 113. (2/137)
صفحة 554
وقال عمر بن الخطاب: (من أعطاكم ما بين الدفتين، يعني المصحف، فاسمعوا له وأطيعوا، ومن أبي فاضربوا أنفه بالسيف)، وقالت التركية، وهم من أهل البدعة، إن من أذنب ذنباً ثم تاب منه فخاف بعد ذلك فهو آثم،
فحرمت التركية الخوف والرجاء، وكتاب الله (1) يكذبهم حيث يقول: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (2)، وقد أثنى عليهم بهذا ولم يذمهم وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}، (3) وقد روي عن آدم (ص) أنه لبث يجعل في الأرض سنينا خوفا من ذنبه وقد تاب الله عليه، وقالت الطريفية أن من خرج في الإسلام أو عمل بذنب صغير فهو كافر؛ لوقوعه في ذلك الذنب حتى يتوب، كشارب الخمر والقاتل والزاني وغير ذلك من خلافهم، وصفت الطريفية بإذاعاتهم وقوع الكفر على من خرج وعمل ذنباً صغيراً، فقد علم أهل العقل أن النبيئين كانت لهم ذنوب تابوا منها ليسوا بكفار في حين وقوعهم، فمن زعم أن النبئين قد وقع عليهم إسم الكفر ساعة ولا طرفة عين وإن كانت منهم ذنوب علموها على الغفلة ثم تابوا منها؟!! وقالت الشعبية إن التزويج إنما هو بيع وشراء وليس للأولياء من ذلك شيء، فإذا وكلت المرأة غير أوليائها من يزوجها فلا بأس بذلك، وقد خافوا بذلك سنة رسول الله (ص)، ويبرؤن من عليّ، وقد وجدنا في الحديث عن النبي (ص) أنه قال: «لا نكاح إلا بالولي»، يعني /138/
__________
(1) (الله): زيادة من عندنا.
(2) سورة السجدة: آية 16.
(3) سورة الأنبياء: آية 90. (2/138)
صفحة 555
ذا قرابة من قبل الأب، والسلطان ولي من لا ولي له، فقد خالفت الشعبية سنة النبي (ص). وقالوا أيضا لو أن امراة تحردت (1) بين نفر يلتمسون منها كل محرم [508] ويقضون شهوتهم منها ونطفهم تلج في رحمها، زعموا أنها ليست بفاسقة ولا بفاجرة ما لم تفعل ما يوجب الحدود!! وقد علم أهل العقل أن ذلك أشدّ من تطفيف كف حب، وقد قال الله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، (2) والويل واد من جهنم، وقال من قال: هو النار، وقال من قال: شديد العذاب.
وقالت الشعبية: ومنهم أيوب الصواف، وشعيب بن معروف، وعبد الله بن عبد العزيز، وبعد، وهارون بن اليمان، قالوا: لا جمعة خلف الجبابرة في مواضع الجمعة، وقد صلاها أئمة العدل خلفهم!! وصلى عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود خلف الوليد بن عقبة الجمعة بالكوفة، وهو وال عليها لعثمان وهو فاسق لعين سماه الله فاسقاً، وشرب الخمر وصلى صلاة الفجر ثلاث ركعات فلم ير عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر في صلاة الجمعة خلفه بأسا مالم ينقص منها شيئا أو يزيد فيها أو يؤخرها عن وقتها، وصلى جابر بن زيد الجمعة خلف الحجاج بن يوسف، ففضلت الشعبية آراءها على رأي الفقهاء من الصحابة والتابعين.
ومن قول الشعبية أيضا أنهم قالوا: إن قلوبنا محملة أن تعرف الضلالة من الهدى والحق من الباطل، فما جاء من رأي عن السلف عرضناه على /139/
__________
(1) تحردت: انفردت
(2) سورة المطففين: آية 1. (2/139)
صفحة 556
قلوبنا، فما قبلته قلوبنا قبلناه وما ردته قلوبنا رددناه، وهذا من عجائبهم!! إذ زعموا أنهم أعنياء عن تعلم العلم ووطئ الآثار، وقد قال الله لنبيه (ص) إذ ذكر الأنبياء من قبله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، (1) فقد كان في نبوة الني (ص) وهدى الله إياه كفاية، فأمر الله النبي أن يهتدى بهدى الأنبياء، وزعمت الشعبية أنهم لا يهتدون بهدى المسلمين قبلهم فقد تبينت لنا ضلالتهم، والحمد لله رب العالمين.
وقالت الشعبية إن علياً وعثمان وطلحة والزبير كفار مشركون ولكن لهم الجنة على ذلك، وحدثوا عن النبي (ص) حديثا حرفوه فزعموا أن النبي (ص) قال لأصحاب بدر «اعملوا ماشئم فقد غفر الله لكم»، فقيما دحض الله حجتهم أنهم يثبتون الحديث عن النبي (ص) أنه قال: «ما جاء عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق القرآن فأنا قتله وما خالف القرآن [509] فلم أقله»، ثم جعلوا الجنة لمن لم يجعلها القرآن له، ومما طبع على قلوبهم أن علياً وطلحة والزبير قادوا الناس إلى الفتنة فأتباعهم في النار وهم في الجنة!! فهذا لا يجوز في حكم الله ولم يأذن الله في هذا، وما حكم الله حكمين في عمل واحد، بل القادة أعظم وزراً وأشد إثما، وقد قال الله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}، (2) وقال: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ /140/
__________
(1) سورة الأنعام: آية 90.
(2) سورة العنكبوت: آية13. (2/140)
صفحة 557
وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)}، (1) ومما يدحض الله حجتهم أن مسطح قذف عائشة فجلده النبي (ص)، وقد قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْأخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، (2) وقد كان مسطح بدريا فلو كانت ذنوب أهل بدر مغفورة على الإصرار لما جلد مسطح البدري (3) والحجة عليهم تطول، وأما الزيدية فإنهم يوافقون المسلمين إلا في ولايتهم لعليّ وعذرهم له على سفك دماء المسلمين، ومن الحجة عليهم ولايتهم إياه، (4) وعذرهم له على سقك دماء المسلمين، يقال لهم: أخبرونا حيث كان على يقاتل معاوية ومن معه أهل الشام، أكان قتاله إياهم على يقين أنهم بغاة أم على شك؟!! فإن قالوا قد كان شاكاً فقد وصفوه بصفة أقبح مما كانوا عذروه عليه؛ (5) لأنه من سفك الدماء، وقيل على الشك، فهذا أعظم شنعة وخزيا عند الله، وحقيق من سفك الدماء على الشك أن يخلع ويبرأ منه، وإن قالوا بل كان على يقين من قتالهم أنهم بغاة فقد ضل بتركه كتاب الله في قتال أهل البغي حيث يقول: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، (6) فإن قالوا إنما فرغ إلى الحكومة مخافة على المسلمين /141/
__________
(1) سورة الأعراف: آية 38.
(2) سورة النور: آية 23.
(3) كتب في المخطوطة: مسطح (بدري).
(4) كتب في المخطوطة: (إياره).
(5) كتب في المخطوطة: (عله).
(6) سورة الحجرات: آية 9. (2/141)
صفحة 558
أن (1) يبدوا قتلا، قيل لهم إن الله كان أعلم بعواقب الأمور من عليّ وقد أمر بقتال أهل البغي حتى يفيؤا إلى أمر الله (و) (2) لم يجعل لهم في ذلك مدة، فو علم الله أن للمسلمين في ذلك عذراً غلى ترك قتالهم لا ستثنى كما استثنى فيما أحل من البهائم والصيد ثم قال: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} (3) وقال: وَرَبَائِبُكُمُ الَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ [510] الَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، (4) وقد علم أهل العقل أن علياً لم يزل مخطئا، قد خكم عمرو بن العاص، وقد كان عمرو حريصا على سفك دمه مائنا بقتله، ثم لم يتب ولم يرجع عن ذلك حتى جعله حكما، فهذا وأشباهه من الحجج عليهم، وقالت: الشكاك إنا لا نقاتل أهل القبلة، وقالوا: كن عبد الله المقتول، واحتجوا في ذلك بقول الله عن آدم حيث يقول لأخيه: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} (5) وإنما كان هذا من ابن آدم إذ لم تنزل فرائض في الجهاد ولا في قتال أهل البغي، فلما أنزل الله الحدود والفرائض في قتال أهل البغي وغيرهم لم يكن لأحد الاختيار على الله فيما أمر به، ويقال للشكاك أخبرونا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفريضة أم ليس بفريضة؟ فإن قالوا: /142/
__________
(1) (أن): زيادة من عندنا.
(2) (واو) العطف: زيادة من عندنا.
(3) سورة المائدة: آية 1
(4) سورة النساء: آية 23.
(5) سورة المائدة: آية 28. (2/142)
صفحة 559
ليس بفريضة قيل لهم قول الله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (1)، وقوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَاءِيلَ}، إلى قوله: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}، (2) واسألوهم عمن أراد أموالهم، قل أتقاتلوه؟ فإن قالوا: نعم نقاتله على أموالنا؛ فقد أبطلوا آراءهم، وإن قالوا: لا تقاتله، قيل لهم فإن أراد منكم أن يفعل بكم ما كان يفعل قوم لوط وفرعون ولا تقاتلوهم وأنتم تعتذرون عن قتالهم وردهم، فإن قالوا: لا، فقد استحقوا من عقوبة الله ما استحق قوم لوط بديانتهم ترك الفاعلين بهم فعل قوم لوط، وإن قالوا نقاتلهم فقد هدموا قولهم وأمنّوا قول غيرهم في القتال، ودحضت حجتهم والحمد لله رب العالمين. وقال: قتال أهل البغي حقا على المسلمين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة فمن تركها بعد القدرة عليها فقد كفر، ومن قول المعتزلة ومن لا يثبت القدر أن الاستطاعة قبل الفعل وهي مع الفعل، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لم يكن منهم الاهتمام بالمعصية ويعزم عليها ويهتم بالطاعة ويعزم عليها ثم يدع ما عزم على فعله، ولو كان مستطيعا لكان فاعلا، فإن زعموا عزم على الفعل باستطاعة وترك باستطاعة فأي الاستطاعتين كانت أولى به!! فلا بد لهم من أحد قولين، إما أن يقولوا كلتا [511] الاستطاعتين مع الفعل /143/
__________
(1) سورة البقرة: آية251.
(2) سورة المائدة: الآيتان 78،79. (2/143)
صفحة 560
فإن قالوا بهذا فقد نفضوا قولهم وادخلوا الضعف على إحدى الاستطاعتين؛ لأنه لما عزموا على الفعل كان عزمهم على الترك غائبا عنه لم يكن فيه، فلما عزموا على الترك علمنا أنه شيء أحدث له فغاب عنه عزمه على الفعل، وإن زعموا أن الأولى من الاستطاعتين هي أولى به فقد أبطلوا قلولهم إذ حدث فيه الاستطاعة الثانية وقد كان جاهلا بها لا يراها حتى حدثت فيه، فأبطلت ما كان أولى وأدخلت عليه الضعف، والحجج عليهم كثرة متظاهرة والحمد لله رب العالمين. ومن قول المغيرية (1) وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، إن الله كان ولا شيء معه إلا ما سبق في عمله، فأما بهذا القول فقد أصابوا، ولكن هدموا صوابهم بفاحش من القول سوّد الله به وجوههم، زعموا أن الله ذكر أعمال أهل النار الذي سبق في علمه أنهم سيعملونها [***] حتى حمى ثم عرق فسأل من عرقه بزعمهم بحران أحدهما مالح مظلم وأحدهما عذب نير فاطلع فرأى فيه مثاله ظلالا فقال لا ينبغي أن يكون معنى ند، فعلا عليه فانتزع عينه فجعل منها الشمس والقمر، فلعنهم الله بما قالوا!! فلهم قول تقشعر منه الجلود، وقد قال الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، (2) فإذا وصفره بمثل هذه الصفة فقد جعلوا له ندا فقد أشركوا به، ومن الزنادقة الأزلية الذين يقولون إن الأشياء لم تزل على هذا /144/
__________
(1) المغيرية: كتبت في المخطوطة: المغيرة. (انظر: الشهر ستاني: الملل والنحل ج1 ص 373، 377).
(2) سورة الشورى: آية11. (2/144)
صفحة 561
لا إله في السماء ولا في الأرض، وهم مشركون من أشر الخلق والحجج عليهم واضحة، وقالت فرقة من القدرية شنعا في القول، زعموا أن الله لم يكن عالما بأعمال العباد حتى عملوا بها؟ فتعالى الله عما قالوا!! الطاعة والمعصية سيان!! والله خالق كل شيء، فإن زعموا أن الطاعة والمعصية شيء ليس بمخلوق ولم يدخل في الكل، واحتجوا بقول سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}، (1) وقول الله في المرأة: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}، (2) وكان كثير من الشيء لم تؤته، فالحجة عليهم أن الله لا يوصف بصفة خلقه، ولكن يوصف بما وصف به نفسه وقال: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ [512] وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، (3) فإن كانت الطاعة والمعصية شيئا لم يخلقه الله فليس بعلم بهما، ومن قال إن الله ليس بعليم بالطاعة ولا بالمعصية فقد أشرك بالله بتكذيبه للقرآن، وقد قال الله تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، (4) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما وحسبنا الله ونعم الوكيل. /145/
__________
(1) سورة النمل: آية 16.
(2) سورة النمل: آية23.
(3) سورة الأنعام: آية 101.
(4) سورة يونس: الآية 61. (2/145)
صفحة 562
(ب) ذكر الأمر بالمعروف
قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، (1) فجعلهم على ذلك خير أمة، ولا يكونون خير أمة إلا بالأفضل من العمل، وقد أثنى الله عليهم فقال: {الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، (2) قلت: فالمعروف ما هو؟ قال: هو ما أمر الله به في كتابه من الطاعة معروف، وما نهى عنه في كتابه من المعصية منكر، ألا ترى أنه قد جعل أقل القليل معروفا فقال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، (3) يعني في الزوجين، وقال: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ}، (4) يعني في المواضع، وقال: {إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا}، (5) يعني إحسانا، وقال: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ}، (6) قلت: فمن أمر بالمعروف قد نهى عن المنكر؟ قال: نعم؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. قلت: فضد المعروف المنكر؟ قال: نعم، قلت: فمن عمل بالمنكر فقد ترك المعروف؟ قال: نعم،. /146/
__________
(1) سورة آل عمران: آية 110.
(2) سورة التوبة: آية 112.
(3) سورة البقرة: آية 229.
(4) سورة الطلاق: آية 6
(5) سورة الأحزاب: آية 6
(6) سورة النساء: آية 114. (2/146)
صفحة 563
قلت: فمن نهى عن المنكر فقد عمل بالمعروف؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قوله: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}، (1) ولا يوجب عليهم العذاب ألا بترك الواجب فإذا عملوا بالواجب من إنكار المنكر والأمر بالمعروف كانوا خيرأمة.
قلت: فمن ركب شيئا مما حرم الله قد عمل منكرا؟ قال: نعم.
قلت: ومن أدى ما أمر الله به من جميع ما أوجب العمل به كان معروفا؟ قال: نعم.
قلت: وعمل النوافل (2) والوسائل (3) وعروفا؟ قال: نعم. كل ما كان من البر [513] معروفا وما كان من الإثم منكراً؟ قال: وفي الرواية عن ابن مسعود أنه قال: (هلك من لم يعرف المعروف معروفاً ويتولى أهله عليه، ولم يعرف المنكر منكراً ويبرأ من أهله).
قلت: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما من أمر الولاية والبراءة؟ قال: نعم، ألا ترى أن الولاية لأهل الطاعة العاملين بالمعروف وللبراءة /147/
__________
(1) سورة المائدة: الآيتان 79، 80 صححنا الأخطاء التي كتبت سهوا في المخطوطة.
(2) النفل والنوافل: ما طلب من الإنسان زيادة على الواجبات والفرائض، ما يفعله الإنسان مما لم يفرض ولم يجب عليه.
(3) الوسيلة والواسلة: الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى، والجمع: وسائل ووسيل ووسل. (2/147)
صفحة 564
على أهل المنكر العاملين بالمعصية، ألا ترى أنه أوجب العذاب على من يتولى (1) الكافر وقال: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، (2) وقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، (3) قلت: فالولاية والبراءة فريضة؟ قال: نعم، في كتاب الله ما يدل على ذلك قوله: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}، (4) الآية كلها، يقول: لا تجد من: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ}، (5) من يواد الكافر أبداً ولو كان أبا أو قريبا، ومن لم يواد الكافر، ولو كان أبا أو قريبا: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}، (6) تمام الآية. وقال أيضا: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ}، (7) يعني برئنا منكم. /148/
__________
(1) يتولى: زيادة من عندنا حتى يستقيم النص.
(2) سورة المائدة: آية 51.
(3) سورة المائدة: آية 81.
(4) سورة المجادلة: آية 22.
(5) بعد (لا تجد) أضفنا (من المؤمنين بالله واليوم الآخر) وذلك ليستقيم النص.
(6) سورة المجادلة: آية22
(7) سورة الممتحنة: آية 4. (2/148)
صفحة 565
وقوله: {يُرِيدُونَ
أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}، (1) معناه أيبرءوا منه بقوله: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} (2) وفي كتاب الله غير هذا كثيرا مما يدل على فرض الولاية والبراءة، وما صار به رسول الله في أعدائه، وما أجمعت عليه الأمة من المهاجرين والأنصار على ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وولاية أهل المعروف ومفارقة أهل المنكر.
قلت: فبم تثبت الولاية؟! قال: بعمل الطاعة كما أمر الله.
قلت: فبم تثبت البراءة على أهلها؟ قال: بعمل المنكر من ارتكاب المحارم والعمل بالمعاصي.
قلت: فمن لم يعرف المعروف لم يعرف المنكر؟ قال: نعم، لا يعرف المعروف إلا من عرف المنكر فليست بين منازل أهلها، وبرئ من أهل المنكر وتولى أهل المعروف المطيعين لله.
قلت: فبم تثبت الولاية؟ قال: بالموافقة للمسلمين في القول والعمل، فمن وافقهم في طاعة الله في القول والعمل تولوه، وبالرفيعة، إذا رفع العدل ولاية رجل وعدالته تولوه [514] وبالشاهدين تجب الولاية، فمن شهدا له بالعدالة وبالشهرة تحب الولاية.
قلت: فالبراءة مثلها؟ قال: نعم. /149/
__________
(1) سورة النساء: آية 60.
(2) سورة البقرة: آية 256. (2/149)
صفحة 566
قلت: من كم تجب؟ قال: من أربعة وجوه: لراكب الحرمة وتارك الفرض، أو الإفرار بركوب المحارم، وبالشاهدين العدلين على الحدث المكفر لأهله، وبالشهرة لمن ركب الحدث المكفر، فهذه الوجوه يجب بها حكم الولاية والبراءة. قلت: فإن شهد العدلان ممن يبصر الولاية والبراءة على رجل أنه ركب مفكرة أيبرأ منه؟ قال: نعم.
قلت: وإن لم يفسرا الحرمة؟ قال: نعم، إذا كان (1) ممن يبصر أن الولاية والبراءة وشهدا بالحدث وأعطيا (2) تفسيرا وقبل قولهما.
قلت: فإن سئلا عن التفسير؟ قال: لا يلزمهما من حيث الوجوب ولكن ينبغي إذا طلب منهما الحجة أن يبيّنا ذلك.
قلت: فإن كان المشهود عليه وليا يقبل قولهما ويبرأ منه بشهادتهما؟ قال: نعم، إن كان وليا.
قلت: أكان المشهود عليه أحيا أو ميتاً؟ قال: نعم، الشهادة جائزة في البراءة على الحي والميت، إلا أن يكون قد صار سلفاً مجتمعاً على ولايته بالشهرة، فذلك لا يقبل عليه شهادة الشهود أنه أحدث حدثا كفر به؛ لأنه قد مات وماتت حجته. /150/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (كان).
(2) بياض في الأصل، وقد رأينا أن كلمة (أعطيا) تتمشى مع النص. (2/150)
صفحة 567
قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل محمد بن محبوب وغيره ممن قد صار سلفاً للمسلمين.
قلت: فإن كانوا أحياء، ولو شهد عليهم أو على أحدهم يحدث مكفر في حياته هل كان يقبل عليه؟ قال: نعم، يقبل عليه ويحكم عليه بالبراءة، ثم يستتاب إذا كان للشاهدان ممن يبصر ذلك.
قلت: فإن شهد شاهدان عدلان ممن لا يبصر الولاية والبراءة على رجل يحدث مكفر، هل يقبل شهادتهما ويبرأ من الرجل بشهادتهما؟ قال: لا، حتى يفسر الحرمة والحدث الذي شهدا به، فإن فسرا ذلك وبينّاه مما يكون مكفراً لمن ركبه قبلت شهادتهما وبرئ منه، وإن كان الحدث غير مكفر لم يبرأ منه وهو على ولا يته.
قلت: فإن قالا إذا سئلا عن التفسير أن ذلك شيء لا يحل لنا إظهاره؟ قال: لا يقبل قولهما إذا كانا ممن لا يبصر وكان الرجل على ولايته وهما على ولايتهما مالم يظهر البراءة منه، فإن برئا منه استتيبا من ذلك، فإن تابا كانا على ولايتهما.
قلت: فإن قالا حين سئلا عن تفسير الحدث: إنا [515] استتبناه فلم يتب؟ قال: يبرأ منه؛ لأنه مصرّ.
قلت: فإن كان العدلان اللذان (1) يبصران الولاية والبراءة برئا من رجل حين سئلا عنه؟! هل يقبل قولهما ويبرأ من الرجل ببراءتهما؟ /151/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (كان العدلين اللذين). (2/151)
صفحة 568
قال: إذا برئا على حدث مكفر قبل قولهما وبرئ من الرجل ببراءتهما إذا كانا حجة في الولاية والبراءة؛ لأن براءتهما قد أوجبت شهادتهما عليه، وشهادتهما فوجب براءتهما أيضاً منه على بعض القول عرفته، وفيها قول لا يبرأ ببراءتهما حتى يشهدا عليه بالحدث قبل البراءة.
قلت: كان وليا أو غير ولي؟ قال: نعم.
قلت: وإن كانت براءتهما من أهل الأحداث الشاهدة المكفرة عند المسلمين، فبرئا من أهل الأحداث الشاهرة المكفرة لأهلها عند المسلمين، هل يقبل منهما ويبرأ ببراءتهما من أهل الأحداث؟ قال: نعم، إذا كانت أحداثهم شاهرة على الاستحلال لركوبها، برئ منهم من علم ذلك، وكان العدلان حجة في ذلك، ولهما أن يظهر البراءة من أهل تلك الأحداث ويظهر مفارقتهم، ولو فارقهما على ذلك من كان من الناس ويبرأ من المحدث ببراءتهما.
قلت: فإن كان شاهداً واحداً شهد على رجل من الناس يحدث، هل يقبل قوله ويبرأ من الرجل ببراءته إذا كان الذي أحدث غير ولى؟ قال: لا، حتى يشهد (1) عدلان ممن يبصر الولاية والبراءه على الحدث، وقد قيل: إن البراءة بقول واحد مقبول ولم أرهم يعملون بذلك /152/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (حتى يشهدا) (2/152)
صفحة 569
قلت: فإن كان كلاهما وليا وشهد أحدهما على الآخر بكفر، هل يقل قوله؟ قال: لا يقبل قوله وستتاب إلا أن يأتي بشاهدين.
قلت: فإن برئ منه مع شهادته؟ قال: يبرأ من الذي برئ من ولي المسلمين ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته وإن أصر تمت عليه للبراءة.
قلت: فإن كانا وليين لرجل برئ أحدهما من صاحبه عنده؟ قال: يبرأ من المتبرئ.
قلت: فإن برئ من بعضهما بعضا؟ قال: يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة إلا أن يتوب.
قلت: فإن يعلم أيهما المبتدئ بالبراءة من صاحبه؟ قال: يقف عنهما ويستتيبهما، فإن رجعا عن البراءة وتابا رجعا إلى ولايتهما وإن أصرا تركت ولايتهما.
قلت: وإن سمعت وليا يبرأ من رجل ليس له معي ولاية؟ قال: وليك على ولايته ولا تسئ به الظن (1) ولا تحكم في براءته على الرجل بشيء.
قلت: فإن كان وليا إلى آخر فأظهر ولاية ذلك الرجل الذي برئ منه ولى الأول؟ قال: فوليك على ولايته ولا تسئ به الظن ولا تحكم في ولايته للرجل بشيء إذا كان الرجل [516] من عوام الناس ممن لا يعرف، /153/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (بما الظن). (2/153)
صفحة 570
ولم يكن من أهل الأحداث المكفرة، ولم يكن الذي اختلفا فيه وليا لك فيها على ولايتهما.
قلت: فإن تظاهرا فيه بالبراءة من بعضهما بعضاً؟ قال: إذا تظاهرا فبرأ أحدهما من صاحبه فبرأ من المبتدئ بالبراءة من وليك ثم استتبه.
قلت: فإن لم أعلم المبتدئ منهما؟ قال: فقف عنهما واستتهما إذ قد صارا بمنزلة المتلاعنين، لا يدري الظالم منهما، فإن تابا رجعا إلى ما كانا عليه، وإن أصرا وأقاما على البراءة من بضهما بعضاً تركت ولايتهما، وأقول: إذا أصرا برئ منهما على الإصرار.
قلت: فإن برئ وليّ لي من رجل عند من يتولى ذلك الرجل، هل يجوز له؟ لا، وليك قد أباح البراءة من نفسه عند
من يقول ذلك الرجل وعليه التوبة، ألا ترى أن أبا مودود (1) قال لرجل من المسلمين كان قاعداً عند بزاز من صحار، قال: تجد لا (2) تقعد إلا عند هذا الفاسق، ثم مضى ومضى على أثره حتى أتى المنزل فدعا. فبرز إليه أبو مودود قال: إنك قلت في ذلك الرجل ما قلت، فأنا أتولاه، فقال: أبو مودود: فأنا أستغفر الله /154/
__________
(1) أبو مودود: من علماء وفقهاء الإباضية العمانيين في القرن الثاني الهدري، وكان الساعد الأيمن لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والمسؤول عن شؤن الدعوة الإباضية خارج البصرة (انظر: الدرجيني: طبقات الإباضية ورقة 105، 106).
(2) (لا): زيادة من عندنا. (2/154)
صفحة 571
فليس لأحد أن يظهر البراءة من أحد عند من يتولاه وإن كان لذلك أهلا عند المتبرئ.
قلت: فإن أظهر البراءة من رجل على حدث مكفر عند من يعلم بحدثه، وكفرة كعلم من أظهر البراءة منه؟ قال: جائز أن يظهر البراءة من أهل الكفر عند من علم بحدثهم كعلمه بما ليس له أن يظهر للبراءة عند من لم يعلم هو أنه يعلم حدثهم (1) كعلمه.
قلت: وإن كان الذي يعلم بحدث ذلك المحدث يتولاه على حدثه وهو عالم به، هل لأحد أن يظهر البراءة منه عند من يتولاه على علم منه أنه يعلم مثل ما علم هو منه؟ قال: نعم، إذا كان حدثاً مكفراً لأهله في الإسلام، فله أن يظهر البراءة عند من يتولاه على ركوبه ما حرمه الله عليه، ويستتب المتولى من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه أيضاً على ولايته كراكب الحدث المكفر.
قلت: وكذلك أهل الأحداث الشاهرة، أحداثهم في الدين جائزة لمن أظهر البراءة منهم عند من يتولاهم؟ قال: نعم، إذا كان المظهر البراءة منهم عند من يعلم مثل علمه فيهم ولا تضره مفارقتهم ولا ولايتهم للمحدثين، وكل من خالفه في ذلك أو برئ منه ضال.
قلت: وليين، أحدهما قتل صاحبه لا يدري على ما قتله؟ قال: يبرأ من القاتل؛ لأن دماء الناس في الأصل محرمة حتى يقوم دليل لى إباحتها /155/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (إنه بحدثهم). (2/155)
صفحة 572
ألا ترى أن شبيبا حين قال: هما في الولاية.
قال له موسى: هذا رأي إخوانك [517] من أهل العراق، فرجع شبيب.
قلت: فإن كانا وليين فقتل كل واحد منهما صاحبه لا يدري على ما قلته؟ قال: إذا أشكل أمرها ولم يدر الظالم من المظلوم فهما في الوقوف لإشكال ذلك ... (1) بعد اللعان؟ قال: حالهما الوقوف لإشكال أمرهما؛ لأن أحدهما كذب لا يدري أيهما هو، وقد روي النبي (ص) أنه قال: «أما إن أحدكما كاذب وحسابكما على الله»، يعني المتلاعنين.
قلت: قذفهما أحد بعد اللعان؟ قال: يبرأ منه، ثم يستتاب.
قلت: رجل قتل رجلا ودخل المسجد مع جماعة ولم أعلمه من تلك الجماعة، ما حالهم؟ قال: الوقوف حتى يعلم القاتل منهم.
قلت: فإن شهد عليه شاهدان منهم ولا أدري؟ قال: لا تجوز شهادتهما؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما ولعل أحدهما هو القاتل.
قلت: وإن شهد ثلاثة منهم وكانوا عدولا هل تجوز شهادتهم؟ قال: نعم، على قول؛ لأن الإثنين منهم لا شك أنهما بريئان فجازت ثلاثة ويبرأ من القاتل، والنظر يوجب أيضاً أنهم يدفعون عن أنفسهم والوقوف (2) /156/
__________
(1) قبل (بعد اللعان) بياض بأصل المخطوطة، واللعان: إسم من اللعن.
(2) بعد كلمة (الموقوف) بياض بالأصل. (2/156)
صفحة 573
قلت: والوالي إذا رأيته قتل رجلا ثم قال: هذا قاتل أخي أو أبي؟ قال: لا يقبل قوله ويبرأ منه؛ لأن دماء الناس في الأصل محرمة.
قلت: فإن رأيته جامع امرأة أو أمة قوم فلما رأيته قال: هذه زوجتي أو جاريتي؟ قال: يقبل قوله ولا يساء به الظن؛ لأن الله قد أباح النكاح بالتزويج وملك اليمين فذلك جائز حتى يصح الزنا.
قلت: فإن رأيته ألقى ثيابه ودخل في النهر يغسل والناس يمرون عليه؟ قال: الوقوف عنه ثم يستتاب.
قلت: فإن ألقى ثيابه بحضرة الناس ودخل النهر أو البحر يغسل؟ قال: يبرأ منه ثم يستتاب؛ لأن هذا إذا فعل ذلك متعمدا بحضرة الناس لم تبق شبهة في أمره.
قلت: فإن كذب متعمدا؟ قال: يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه لى الإصرار إلا أن يكون في كذبه تلف مال أو نفس.
قلت: فإن رأيته قذف محصناً أو ركب زنا أو شهد بالزور؟ قال: كل هذا يلزمه البراءة ثم يستتاب.
قلت: فإن طفف الكيل أو بخس الوزن وظلم وركب المحارم أو شرب المسكر، كل هذا تلزمه البراءة.
قلت: فإن رأيته ينظر منازل الناس أو يدخل بغير إذن؟ قال: يستتاب، فإن تاب وإلا [518] برئ منه. /157/ (2/157)
صفحة 574
قلت: فإن دخل منازل الناس جبراً أو قهراً؟ قال: يبرأ منه.
قلت: فإن ضرب رجلا بعصا أو جرحه جرحاً وقصد بالضرب إليه؟ قال: تلزمه البراءة ثم يستتاب حتى يعلم عذره.
قلت: فإن ادعت امرأة لى زوجها الطلاق وحلف؟ قال: إن كان ولي فهو على ما كان عليه ولا يساء به الظن.
قلت: فإن ادعت عليه أنه أخذ لها مالا ومنعها الواجب عليه وأساء إليها؟ قال: لا يقبل قولها وهو في الولاية إلا أن يصح ذلك.
قلت: فإن ادى ولى آخر أنه أخذ مالا؟ قال: لا يقبل قوله وعليه البينّة والحكم بينهما وهما على ولايتهما.
قلت: فإن قال له إنك ظلمتى؟ قال: فالقائل لوليك إنه ظلمه تلزمه البراءة ثم يستتاب ولا يقبل ذلك إلا بالصحة. قلت: فإن أحضر عليه شاهداً وأحداً (1)؟ قال: ولا تقبل شهادة واحد على وليّك.
قلت: فما حالهم؟ قال: هم في الولاية حتى يصح الظالم منهم؛ لأنها أحكام تحتمل أن يكون أخذ بحق ولم يعلم الشاهد، أو نسى المدعي عليه الحق، أو قضاه ونسى صاحب الحق، ولا تسئ بهم الظن.
قلت: أليس قد قال النبي (ص): «فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما له قطعة من النار». /158/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (واحداً). (2/158)
صفحة 575
قال: نعم، إذا كان مبطلا وصح ذلك.
قلت: فإن رأيت ولياً لي أخذ ثوباً من عند رجل وقال هذا ثوبي والرجل يقول هذا ثوبي؟ قال: القول قول الرجل وقل ولوليّك يرد على الرجل ثوبه.
قلت: فإن امتنع؟ قال: فوليك ظالم حتى يصح ما ادعى، وليس له أن يأخذ ليده ويستتاب، فإن رد الثوب وإلا برئ منه.
قلت: فإن رأيته أخذ ثوب رجل وقال هذا ثوبي وسلمه الآخر إليه ولم يدع فيه شيئاً ولا أنكره؟ قال: فوليك على ولايته.
قلت: فإن كان وليان كلاهما يتنازعان الثوب وهو في أيديهما جمعياً وكل واحد منهما يقول ثوبي؟ قال: البيّنة
عليهما والأحكام بينهما وهما على حالهما حتى (يتضح الحق). (1)
قلت: فإن برئ أحدهما من صاحبه؟ قال: يبرأ منه (لا برء من المسلم). (2)
قلت: فإن برئ بعضهما من بعض؟ قال: يبرأ من المبتدئ بالبراءة من صاحبه.
قلت: وإن لم يعلم المبتدئ منهما ولا الظالم من المظلوم؟ قال: يوقف عنهما جميعاً ويستتابان من ذلك، فإن تابا وإلا تركت ولا بينهما [519]، أو يصح المتعدى منهما على صاحبه. /159/
__________
(1) أضفنا (يتضح الحق) بعد (حق) لكي يستقيم النص.
(2) كتب في المخطوطة: (لا يرى من المسلم) هكذا. (2/159)
صفحة 576
قلت: وإن رأيت ولياً يعمل عملا لا أدري ما هو حلال أم حرام، أو يقول قولا لا أعلم ما هو؟ خطأ أو صواب، (1) أو يأكل شيئا لا أعرف ما هو؟ من المحرم أم المباح؟ قال: فوليك على ولايته ولا تسئ به الظن حتى يعلم أنه فعل ما لا يجوز له ولا تحكم في فعله ذلك شيء.
قلت: فإن رأيته يأكل من مال غيره، وقال إنه أباح له ذلك؟ قال: هو على ولايته وأحسن الظن به إنما أكل بحق.
قلت: فإن أعطاني منه شيئا لي، آكل ذلك من عنده وأنتفع به؟ قال: لا، حتى يصح لك ذلك.
قلت: فإن رأيت وليا لي يأكل في شهر رمضان ما حاله؟ قال: فهو على ولايته حتى يعلم أنه متعدٍ إلى ما لا يجوز له؛ لأن الأكل في رمضان للمسافر والمريض جائز والناسي أيضا لا لوم عليه.
قلت: فإن رأيته أكل ميتة أو لحم خنزير؟ قال: فهو على ولايته؛ لأن ذلك مباح للمضطر إليه وتحسن به الظن. قلت: فإن رأيته يجامع امرأة في شهر رمضان نهارا فلما رأيته قال لي: فإنه ناس لصومه وإن المرأة زوجته، أو قال إنه مسافر قدم من سفره، وغسلت زوجته من الحيض؟ /160/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (خطأ أو صوابا). (2/160)
صفحة 577
قال: وهذا يحسن به الظن وهو على ولايته حتى يعم غير ذلك.
قلت: فإن رأيت امرأة من المسلمين تركت الصلاة هل أبرأ منها؟ قال: لا، حتى تعلم أنها غير خائض ولا نفساء؛ لأن ترك الصلاة للحائض جائز وتحمل على حسن الظن ما احتمل.
قلت: وإن كان معها زوج ثم اعتزلها ولم أعلم منه طلاقا ولا ادعت هي عليه الطلاق ولم يغير هو ذلك واعتدت وتزوجت برجل، ما يكون حال الرجل وحالها معي؟ قال: هما على حالهما ما لم ينكر ذلك الزوج الأول.
قلت: فإن أنكر وقال لم أطلقها وهي مع الزوج الثاني؟ قال: الحكيم بينهم فإن كانت المرأة ادعت طلاقا على الزوج الأول بحضرته وءو يسمع فلم يغير ولم ينكر ذلك، ولا أنكره وتركها على ذلك حتى انقضت العدة وتزوجت وصح هذا، ثم جاء من بعد يدعى فلا دعوى له، وإن لم يقر بطلاق، ولا قالت هي بحضرته أنه طلقها وإنما ادعت عليه بغير حضرته ولم يسمع وتزوجت وأنكر هو الطلاق، لم يقبل قولها [520] هو الأول والأحكام بينهما.
قلت: فالزوج الأخير ما حاله؟ قال: إن كان يعلم لها زوجا فتزوجها ولم يعلم طلاقه، فقد ركب محرما عليه، وعليه البراءة ثم يستتاب، وإن لم يعلم ثم صح عليه الحكم من بعد، اعتزل المرأة وتاب من الخطأ. /161/ (2/161)
صفحة 578
قلت: فإن رأيت وليا يبيع مالاً لولى لي آخر بحضرة رب المال ويدعيه لنفسه أنه له، ورب المال يسمعه بأذنيه ويراه بعينيه في دعواه وبيعه حتى باعه ولم يغير عليه في مجلسة ذلك، ثم أنكر من بعد؟ قال: لا يقبل إنكاره وقد ثبت عليه وهما على ولايتهما؛ لأنه تمكن إزالة المال إلى البائع، وقد نسي الأول، فإنكاره مع النسيان فيهما على حسن الظن يعلم المتعدى.
قلت: فإن باعه ولم يدع أنه له بحضرة رب المال ولم يغير، ثم غير من بعد، هل يقبل تغييره؟ قال: نعم، لأنه لم يدعه البائع لنفسه فله التغير حتى تصح إزالة المال أو الوكالة في بيعه.
قلت: فما حالهما؟ قال: هما في الولاية ولا تسئ بهما الظن؛ لأنه يمكن أن يكون وكلّه في بيع ماله أو وهبه ثم نسي، أو كان فعل منتقض وفعل البائع بجواز فهما على الولاية حتى يعلم المتعدى منهما مالم يحط أحدهما الآخر ويبرأ من بعضهما بعضا.
قلت: فإن شهد عدلان وليان على وليّ لهما في مال في يده ورثه أن الما لفلان لرجل آخر، ما الحكم فيه؟ قال: يحكم به لمن شهدا.
قلت: فما حال الوليين الشاهدين عند من شهدا عليه؟ قال: هما على ولايتهما /162/ (2/162)
صفحة 579
قلت: فإن شهدا على نخلة في يده فسلها في ماله أتها حرام أو لرجل آخر؟ قال: هما حجة عليه ولا يحل له أكلها.
قلت: وما حالهما؟ قال: هما على الولاية معه.
قلت: فإن لم يقبل قولهما وأكل النخلة بعد قيام الحجة منهما؟ قال: لا يقبل منه ويستتاب من ذلك، فإن تاب وترك النخلة وإلا برئ منه؛ لأنهما حجة عليه.
قلت: فإن شهدا عليه أنه طلق زوجته مع الحاكم وفرق بينهما، وهو عنده أنه لم يطلقها؟ قال: قد وقع الفراق في الحكم وإذا علم أنهما شهدا بالزور نهى زوجته في الباطن.
قلت: فما حالهما عنده؟ قال: لا يقبل منهما في السريرة ويفارقهما ولا يتولاهما؛ لأن عنده أنه لم يطلق زوجته ولا يحل له إظهار مفارقتهما عند من يتولاهما.
قلت: [521] وما الفرق بين الزوجة والمال؟ قال: المال يكون زواله من يده، وشهدا على علم فلا شيء به الظن، والزوجة إنما طلاقها في يده وإنما يقع من لسانه بالقول ولم يكن منه شيء، فلا يقبل ذلك منهما عند نفسه ويثبت الحكم عليه، سل عنها فإن فيها نظرا لعله قد طلق ونسي أو حال سكر وهما ... (1) /163/
__________
(1) بعد (وهما) بياض بالأصل. (2/163)
صفحة 580
قلت: فإن شهد رجلان عدلان على ولي لهما أنه قتل رجلا متعمداً وأنكر ذلك الرجل وأحضر شاهدين عدلين، فشهدا أنه كان عندهما في ذلك الوقت وذلك اليوم الذي شهد به العدلان الأولان، وأنه لم يقتل الرجل؟ قال: شهادة الأولين عليه جائز ويقتل القاتل ولا تقبل شهادة الآخرين؛ لأنها معارضة.
قلت: فما الحكم فيهم إذا كانوا أولياء؟ قال: هم على ما كانوا عليه في الأصل من الولاية؛ لأن هؤلاء شهدا الأولين في الحكم على علمهما، ويمكن عليهما الغلط فلا يحكم بتخطئتهما، وشهادة الآخرين إنما سقطت لحال المعارضة في الحكم باسنّة لم تجز، لا من جهل معرفتهما فهما على ولايتهما؛ لأنه يمكن صدقهما.
قلت: فإن علم من ولى أنه ارتد عن الإسلام أو ارتكب الحرام أو دخل في الزندقة وادعى السحر والكهانة؟ قال: حكمه البراءة حتى يتوب.
قلت: فهل لي أن أظهر البراءة منه؟ قال: لا.
قلت: فإن رجع إلى دين القدرية وقال لا قدر وادعى القدرة والمشيئة والإرادة إليه، وإلى دين المرجئية، وقال إن الموحدين في الجنة وإن تركوا الفرائض وركبوا المحارم، أو إلى دين الأزارقة واستحل الهجرة واستحل سبي أهل القبلة وأموالهم وسماهم بالشرك .... ؟ (1) قال: في كل هذا تلزمه البراءة والمفارقة. /164/
__________
(1) فيه فراغ (2/164)
صفحة 581
قلت: وإن لم يعلم ذلك أحد غيري؟ قال: أبرأ منه سريرة.
قلت: فإن أظهرت البراءة منه هل يجوز عند أوليائه من المسلمين؟ قال: لا؛ إلا أن يعلم أحد كعلمك فيه فتبرأ منه عنده وإن كنتما شاهدين، شهدتما عليه وأقمتما عليه الحجة وأظهرتما حدثه [522] حتى تقوم عليه الحجة عند المسلمين ويجتنبوه ويفارقوه ولا يتولوه.
قلت: فإن كان حدث هذا شاهراً يدين به علانية ويخطئ من خالفه علانية ويستحل دم من قال بغير قوله شهر ذلك منه؟ قال: فهذا يظهر حدثه ويبرأ منه علانية ولا يخاف فيه لومة لائم ومفارقته واجبة، على كل من علم ذلك منه البراءة منه ومن علم بحدثه ولم يعلم الحكم، فقال قوم: لا يسعه إلا أن يبرأ، وقال آخرون: واسع له حتى تقوم عليه الحجة، والحجة جماعة المسلمين الذين ليس له رد قولهم، ويكون واقف سائل عن معرفة الحكم؛ لأن نصب الحرام دينا لا يسع جهله لمن عاين ذلك أو سمعه.
قلت: فإن كان حدثه على التحريم فيوقف عنه واقف بعد علمه إذ لم يعرف الحكم؟ قال: يسعه حتى تقوم عليه الحجة وعليه السؤال عن معرفة ما يلزمه في الحكم؛ لأنه قد علم بالحدث، وإنما يخفى عليه الحكم أن يحكم بعلم، فإذا استفتى فقيها من المسلمين وأعلمه أن راكب ذلك يستحق البراءة فعليه الحكم. /165/ (2/165)
صفحة 582
قلت: والمستحل غير المحرم؟ قال: نعم، المستحل قال قوم يبرأ منه من علم ذلك ولا يسع جهله، وقال قوم يسعه حتى تقوم الحجة.
قلت: فإن شك في أهل الأحداث، أو الأحداث التي بين الأمة في الدين الشاهرة أحداثهم المكفرة لهم فلم يتولاهم ولا يتولى من برئ منهم ولا يتولى من تولاهم، هل يسعه ذلك؟ قال: لا، هذا هو الشك الذي لا يجوز عند المسلمين.
قلت: فإن تولى من تولى وتولى من برئ؟ قال: فلا يجوز هذا الآن، هذا قول الحشوي والمرجئة.
قلت: فما الحجة في هذا كله؟ قال: الواقف عن الجميع قد وقف عن محق فلايسعه والمتولى للجميع قد تولى مبطلا فلا يسعه.
قلت: وكيف وقوف من علم بالحدث؟ قال: إذا كان يبصر الحكم وصح الحدث وقف عن أهل الحدث وقوف سائل عن معرفة الحكم بما يلزمه، دائن بولاية المسلمين ما دانوا به من تلك الأحداث ولا سمع بها؟ قال: فليس عليه علم الغيب ولا يكلف مالم يسمع به ولم يعلمه وواسع له حتى تقوم عليه الحجة ويعلم من أحدث حدثاً مكفراً يحكم به عليه، أو عدالة فيتولاه على ذلك. [523]
قلت: فكيف وقوف الدين؟ /166/ (2/166)
صفحة 583
قال: وقوف الدين عن من لا يعلم حتى تقوم عليه الحجة، وليس له إقدام على ما لا يعلم، وهو الوقوف عن جميع الناس ممن لا يعلم حاله على اعتقاد ولاية المحق وخلع المبطل في الدينونة منه لله بولاية كل مسلم والبراءة من كل كافر.
قلت: فالمسلمون عليهم إظهار أحداث المحدثين في الإسلام الشاهرة أحداثهم المكفرة أفعالهم الراكبون لها إذا كانوا دائنين بذلك؟ قال: نعم، إذا سئلوا عن ذلك وعن أهل الأحداث بينّوها وأظهروا ضلالتهم.
قلت: ويظهرون البراءة منهم؟ قال: نعم، إذا كانت أحداثهم شاهرة وأفعالهم مكفرة أظهروا البراءة وخطئوهم وبينوا ضلالتهم ليجتنبهم الناس، ولا يقولونهم ويدعون الناس إلى مفارقتهم ويعرفون ضلالتهم، وقد روى عن النبي (ص) أنه قال: «أذيعوا الخبر الفاسق ليحذر الناس منه»، وقال: «مالكم وللمنافق قولوا فيه ما فيه»، وأجمعت الأمة أنه لا بأس بغيبة المنافق وإظهار عورته، ولم يزل المسلمون يبّينون للناس ضلالة قومهم وأحداثهم في الدين، ويدعون من وافقهم إلى مذهبهم والعمل بطاعة ربهم، يريدون ابتغاء وجه الله.
قلت: فيجوز لأحد يدعو إى البراءة من أحد لا يعلم بحدثه ولا يسمع به؟ قال: لم أعلم أن أحداً دعا إلى البراءة، ولكن يدعو المسلمون إلى دينهم وموافقتهم ويبّينون ضلالة من خالفهم من أهل الأحداث الشاهرة /167/ (2/167)
صفحة 584
أحداثهم التي بها علانية، قد اتخذهم الناس رؤساء وأئمة وهم كفرة فيما ركبوه فأولئك تبين ضلالتهم.
قلت: فمن سئل عن مذهبه في أهل الأحداث المكفرة الشاهرة له هل له أن يعرفه؟ قال: نعم، يعرفه بمذهبه ولولا ذلك لم يعرف العدو من الولي ولا الموافق من المخالف.
قلت: فيجوز لأحد أن يقول لأحد من الناس: أبرأ ببراءتي من فلان؟ قال: لا.
قلت: فهل قال ذلك أحد؟ قال: لم أعلم، ولكن يبينون ضلالة أهل الحدث، فمن صح له ذلك برئ من أهل الحدث المكفر ويعرف من سأله أن أهل الأحداث يستحقون البراءة بكفرهم، ولا يقول قلدوني وأبرءوا ببراءتي. قلت: فيجوز لمن لم [524] يعلم بأحداث المحدثين أن يبرأ منهم من غير أن يعلم ذلك؟ قال: كيف يبرأ ممن لا يعلم!! هذا محال إلا أن يكون يعتقد البراءة والدينونة لله في الجملة من كل محدث في الإسلام، فذلك له جائز وعليه ذلك، وأما المحال فلا يقول به أحد.
قلت: فيجوز لأحد إذا سمع أحداً من الناس يبرأ من أحد أن يبرأ ببراءته؟ قال: لا، هذا لا يقوم به أحد ولا يعمل به إلا أن يكون شاهداً عدلا ممن يبصر الولاية والبراءة وهما الحجة، فيبرأ من رجل على حدث /168/ (2/168)
صفحة 585
مكفر، فقد قيل على بعض القول أنه يبرأ منه ويقبل قولهما وبراءتهما؛ لأن براءتهما توجب شهادتهما عليه، وشهادتهما توجب براءتهما عليه فعلى بعض القول جائز هذا، قال قوم: حتى يشهدا بالحدث.
قلت: فالوالى إذا واقع الكبيرة ما تكون منزلته؟ قال: البراءة ثم يستتاب.
قلت: فإن واقع صغيرة ما يكون حكمة؟ قال: يستتاب قبل البراءة، فإن تاب قبل منه وإن أصر برئ منه، وإن كان ذنبه سريرة برئ منه سريرة، وإن كان علانية برئ منه علانية، وإن دخل في أمر مشكل كان الوقوف.
قلت: فإن طرح العدل ولاية والوالي هل يقبل منه وتترك ولايته؟ قال: لا، بل يسأل العدل، ولا يقبل منه حتى يبين بم طرح ولاية وليهم، فإن صح أمر على وليهم استتيب، وإن لم يصح ذلك استتيب العدل إن كان طرحه لجهالة معرفته، فالولي على ولايته والعدل على ولايته.
قلت: فالطرح بماذا يجب من الوليّ؟ قال: بارتكاب المحارم وانتهاك المظالم والإصرار على المآثم.
قلت: فالولاية بم تثبت؟ قال: بالوفاء في كل أمر ألزم الله فيه طاعته وحق على العباد فيه تأديته من قول أو عمل أو نيّة؛ لأن الإيمان قول وعمل واتباع السنة والموافقة لأهل الحق المستقيمين على السنة والكتاب دون من خالفهم من جملة الأحداث.
قلت: فبماذا يصل إلى علم ذلك؟ قال: إذا لم يعلمه سأل عنه أهل /169/ (2/169)
صفحة 586
الذكرى الذي أمر الله بسؤالهم وافتدى بهم وأخذ منهم كما أمر الله، وقد عرفه أن: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، (1) وأمره بسؤا أهل الذكر منهم فهم الحجة له وعليه فيما لا يعلمه.
قلت: فإن وجدهم مختلفين [525] ماذا يفعل إذا وجدهم مختلفين في الدين؟ قال: عليه طلب الحق بالسؤال عنهم وعن حكم ما اختلفوا فيه بالدليل المستنبط من الكتاب والسنة والإجماع، حتى يعلم أهل الحق من جملة المختلفين في الدين، فيفتدى بهم ويأخذ عنهم، وليس له أن يقبل عن غير أهل الحق وإنما الحجة أهل الحق الصادقون كما قال الله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، (2) وقد حذرهم اتباع غير سبيل المؤمنين فقال: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، (3) وسبيل المؤمنين واتباعه هو ما أمر الله ورسوله، والعمل بما سار به الرسول فأمر به وعمل، وأجمعت الأمة عليه من بعده، والخلفاء الراشدون، (4) والاقتداء بأهل الذكر المحقين الذين هم على الكتاب والسن وهم الحجة، وليس له أن يقبل غير الحق، ولا يصل أحد على ذلك إلا بفضل الله وطلب القدوة والولاية لهم ومعرفة موافقتهم، ويتولاهم ويقبل فتياهم ويأخذ عنهم، نسأل الله أن يجعلنا منهم وممن تمسك بحبلهم. /170/
__________
(1) سورة الأعراف: آية 181.
(2) سورة التوبة: آية 119.
(3) سورة النساء: آية 115.
(4) كتب في المخطوطة: (الراشدين). (2/170)
صفحة 587
قلت: رجل أفطر آخر يوم من شهر رمضان متعمداً فوافق يوم الفطر، ورجل خرج يريد الزنا بامرأة حرام متعمداً فوافق امرأته، ورجل سرق شاة فذبحها فإذا هي شاته، ورجل قتل رجلا متعمداً لقتله فوافق قاتل أبيه، ورجل قاتل مع فئة على أنها الباغية متعمدا فإذا هو مع المبغى عليها، ما يلزمه في جميع ذلك؟ قال: يلزمه التوبة والاستغفار ولا يلزمه غير ذلك.
قلت: فرجل قال لا أصلي على جنازة ولا أصلي الجماعة ولا أصلي صلاة العدين، ما يبلغ به ذلك؟ قال: هذا على الكفاية، فإذا قام به البعض من الناس سقط عن من لم يقم به ولا شيء عليه إذا قم به غيره، ويكون خسيس الحال ولا تسقط ولايته إلا أن يخطئ من فعل ذلك، فإن خطأ أحداً في فعل ذلك كان مخطئاً وبرئ منه على تخطئة المسلمين.
قلت: فإن قال لا أصلي شهر رمضان، ولا أصلي صلاة الضحى، ولا أصلي صلاة الوتر إلا ركعة، ولا أصلي بعد صلاة الظهر [526] ولا قبلها، ولا أصلي الركعتين بعد صلاة المغرب ولا ركعتي التجهد، ولا أتنفل بشيء من النوافل ولا أصوم غير شهر رمضان، ولا أتصدق بشيء غير الزكاة، ما يبلغ به ذلك؟ قال: يكون خسيس المنزلة ولا يبلغ به إلى براءة إلا أن يضلل من فعل ذلك من المسلمين، فإن ضلل أحداً كان هو الضال. /171/ (2/171)
صفحة 588
قلت: فإن صلى بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ونصف النهار وفي الحر الشديد وعند طلوع الشمس وعند غروبها؟ قال: ينصح له ويقال له إن النبي نهى عن الصلاة في تلك الأوقات من النواقل، فإن قبل وترك ولايته، وإن امتنع وأقام على ذلك تركت ولايته.
قلت: فإن ترك المضمضة والاستنشاق متعمداً أو السواك أوخذ الشارب وحلق العانة وقلم الأظافر ونتف الإبطين على العمد، ما تكون منزلته؟ قال: يكون خسيس المنزلة لتركه السنّة وينصح له ويستتاب ولا يبلغ ذلك إلى براءة. قلت: فإن قال، لا أختتن ولا أستنجي من بول ولا غائط ولا أغسل النجاسات بالماء؟ قال: هذا يبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب قبل منه وإن أبى تمت عليه البراءة.
قلت: فإن قال: لا أتطهر للصلوات ولا أتيمم بالصعيد عند عدم الماء ولا أغسل من جنابة ما يبلغ به؟ قال: يبرأ منه؛ لأن هذا ترك الفرائض عند القدرة ما لم يكن ذلك من عذر.
قلت: فإن رفع اليدين في الصلاة وسلم تسليمتين وقرا الحمد وسورة في صلاة الظهر والعصر هل يبرأ منه؟ قال: لا، إلا أن هذه للعلامة بين أهل الدعوة ومن خالفهم.
قلت: فمن قرأ الحمد وسورة في الأربع ركعات في صلاة النهار للظهر /172/ (2/172)
صفحة 589
والعصر وقرأ الحمد وسورة في الركعة الأخيرة من صلاة المغرب، وكذلك قرأ السورة في الركعتين الآخرين من صلاة المتمة؟ قال: هذا قد خالف السنة والإجماع ويعرف أن صلاته منتقضة ويستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه.
قلت: فالبراءة ما هي؟ قال: التبرئ من الفعل المكفر ومفارقة أهله عليه وتخطئتهم والإنكار عليهم ارتكابهم الحرام والكراهية له به.
قلت: فالولاية ما هي؟ قال: التولي للقيام بنصرة المسلمين والمحبة لهم والرد في مغيبهم ومعونتهم على البر والتقوى والاستغفار لهم، [527] وإعطائهم حقوقهم وتعظيمهم وتشريفهم، وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: «المؤمن مرآة أخيه ينصح له إذا غاب ويميط عنه الأذى ويوسع له في المجلس»، وفي الحديث: «من زار أخاع أو عاد مريضا نادى مناد من السماء أن طاب ممشاك تبوأت من الجنة منزلا»، وروي عن النبي (ص) أنه قا: «والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تتحابوا»، وكان يؤاخي بين المهاجرين والأنصار ويقوم الأنصار بشأن المهاجرين، ومما يثبت المودة إفشاء السلام والهدية وعليك بصحبة الأخيار، وفي الحديث: «إن على المسلم للمسلم سبعاً: يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويجيبه إذا دعاه، ويشهد جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه، وينصح له بالغيب، ويشمته إذا عطس»، /173/ (2/173)
صفحة 590
وقال: «لا يتصافح الأخوان في الله إلا تناثرت ذنوبهما كما يتناثر ورق الشجر»، «والمؤمن يسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد»، وقال: «من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان»، وقال: «من أكرم أخاه المؤمن كان حقا على الله أن يحمله على درج الجنان»، وقد روي عن النبي (ص) أنه قال: «إن أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله، وأفضل العبادة حسن الظن بالله، وحلاوة العبادة التواضع»، وروي أن: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مسقط، ومسلم متصدق ومتعفف، ورجل رحيم القلب لكل ذي قريب ومسلم»، والمسلمون إخوة بعضهم بعضاً كالبنيان يشد بعضه بعضا، لا يهمزون ولا يلمزون ولا يتغامزون ولا يتنابزون بالألقاب ولا يغتب بعضهم بعضا ولا يسخر بعضهم من بعض، ولا يظلم بعضهم بعضا بغير حق، يتشاورون ويتعاونون ويتواصلون ولا يتعاودون يبغي بعضهم على بعض، متواصلون بروح الله على طاعته وللعمل على (1) ابتغاء مرضاته، كلمنهم واحدة جامعة ولا فرقة بينهم ولا اختلاف في دينهم، جعلنا الله ممن تبع سبيلهم واقتدى بهم والحمد لله رب العالمين. /174/
__________
(1) (على): زيادة من عندنا. (2/174)
صفحة 591
وسألته عن الإمامة من أين ثبتت؟ قال: من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع الأمة، فأما من كتاب الله فقوله: {وَجَعَلْنَا [528] مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}، (1) وقوله لإبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، (2) تنزيهاً للإمامة ورفع قدرها أن ينالها عاتٍ أو يتحلى باسمها باغٍ، وقوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، (3) وهم الأئمة، ومن السنّة قول الرسول: «أطيعوا ولاة أموركم»، وفي وصيته لمعاذ (4): «ولا تعص إماما عادلا»، وقال: «السمع والطاعة ولو كان (5) حبشيا مجدعا»، فأوجب طاعة إمام العدل، وأما الإجماع فقول المهاجرين والأنصار حين اختلفوا فيما بينهم ولم يختلفوا في الإمامة، فقال الأنصار منا أمير ومنكم أمير، وقال المهاجرون منا الأمراء ومنكم الوزراء، فثبتت الإمامة من الكتاب والسنة، وقد قال الله: {لَّقَدْ كَانَ/175/
__________
(1) سورة السجدة: آية 24.
(2) سورة البقرة: آية 124.
(3) سورة النساء: آية 59.
(4) كتب في المخطوطة: (لماذ) ولعلها (لمعاذ).
(5) أضفنا (كان) وفي باب وجوب السمع والطاعة للإمام مالم تكن تلك الطاعة معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال عليه الصلاة والسلام: اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي ... ) وقال عليه الصلاة والسلام: السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، (انظر: القسطلاني: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ج10 ص 219). (2/175)
صفحة 592
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأخِرَ}، (1) إلى قوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ}، (2) فدل قوله: {اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ}، على أن الأمر بالطاعة فرض واجب، ووجدنا الرسول (ص) استخلف الخلفاء (3) وأمر الأمراء وأوجب على الناس طاعتهم ما أطاعوا الله ربهم، وأبو بكر وعمر ومن ولى أمرا من أمور المسلمين لصنع صنع النبي (ص) احتذاء على مثاله وسنتّه فيما سن، وفي الاغزاء وقبض الصدقات وإقامة الحدود وإجراء الأحكام على ما كان النبي، فصح بهذا ثبوت الإمامة بالاتفاق من الأمة والاقتداء بالنبي (ص) واتباع كتاب الله فيما نظروا أن قدموا رجلا قام مقامه لا يشركه أحد في الأمر، ولم يكن رسول اله (ص) يولى في جميع أموره إلا عدلا مرضيا معه في دينه، والسنة والكتاب يدلان أن الفاسق والباغي لا ... في الإمامة (4) ولا يتحلى بها لقول الله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (5) /176/
__________
(1) سورة الأحزاب: آية 21.
(2) سورة النساء: آية 59.
(3) هذه العبارة، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام (استخلف الخلفاء) لا تعني أنه عهد بالحكم إلى شخص معين بعد وفاته، وإنما تعني أنه عليه الصلاة والسلام، عين من ينوب عنه في حياته في ولاية البلدان المختلفة مثل اليمين وعمان، ومكة بعد فتحها وعودته ثانية إلى المدينة، ويعني (استخلاف الخلفاء) أيضا إمارة الجيوش وولاية الصدقات، وغير ذلك من الوظائف الرئيسية في الدولة الإسلامية الوليدة التي أرسها الرسول عليه الصلاة والسلام,
(4) قبل (في الإمامة) بياض في الأصل، وإنما ظاهر من سياق النص، أن الباغي والفاسق، لا يصح أن يكون إماما.
(5) سور البقرة: آية 124. (2/176)
صفحة 593
وأجمعت الأمة أن شهادة الجائر (1) إلى نفسه والفاسق لا تجوز، وإذا كان لا تجوز شهادة الفاسق لم يجز أن يكون حاكما، وقد قال الله في الشهادة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (2)، وقال: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (3)، وقال: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} (4)، فلا تجوز شهادة ولا حكم بغير أهل العدل.
قلت: فما صفة الإمام الذي تجوز [529] إقامته للأمر؟ قال: أن يكون خير أهل عصره، ويكون طبائعه عقله، ثم يصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة سماعه بحسن العادة، فإذا جمع إلى عقله حزما، وإلى حزمه عزما، فذلك الذي يعد لعز الدولة ونكاية العدو ويقوى على إقامة الحق ويكون عدلا مرضيا، ولا يكون يلي أمور المسلمين على ظاهر الرأي أكثر من واحد ولا يكون ذلك إلا في الأفضل، وفي الرواية أن أفضل ما أنعم الله على العباد بعد ابتداء خلقهم نعمتين، إحداهما الرسول الهادي الذي لا يصاب علم الدين إلا من قبله، والأخرى الوالي العادل الذي لا تصلح الدنيا إلا على يديه، فيبايعونه على السمع والطاعة، وأما الجائز فلا يكون حاكما، كما أن الخائن لا يكون مؤمنا، ولا الكذاب مصدّقا، وإذا كان /177/
__________
(1) كتب في المخطوطة (الجار).
(2) سورة الطلاق: آية 2.
(3) سورة البقرة: آية 282.
(4) سورة المائدة: آية 90. (2/177)
صفحة 594
لا تجوز شهادة الجائر، ولا الفاسق والمتهم، كان أولى بأن لا يجوز حكمه في فروج المسلمين ودمائهم (1) وأموالهم، وقد أجمعت الأمة على ثبوت إمامة العدل، فلا يجوز غيرها بدليل للكتاب والسنة والإجماع وبذلك عمل الصحابة بعد نبيهم لم يقدموا إلا عدلا.
قلت: فإذا ثبتت الإمامة للإمام على هذه الصفات، ما يجب على الرعية؟ فإذا أقام الحق فعليهم إجابته إذا دعاهم، ونصرته ومعونته إذا استعان بهم، والدينونة بطاعته، وقد حرمت مع ذلك غيبته وعداونه وسوء الظن به والامتناع من طاعته، وحرم الخروج عليه ولا يحل تقديم إمام عليه حتى يظهر كفره ويشهر حدثه وتكفر رعيته بولايته، فهنالك يستتاب، فإن تاب قبلوا منه وأثبتوه على إمامته ون امتنع أقاموا الحجة عليه عند رعيته في مملكته، ثم يحل لهم عزله ومحاربته، وعزلوه طائعاً أو كارها، ويقدموا من يعدل فيهم وفي الرعية، كما فعل الصحابة في الحدث الأول (2)، لم يعزلوه حتى لم يسع أهل الدار ولايته وكثرت أحداثه فهنالك استحلوا الخروج عليه.
قلت: فالإمام بم تزول إمامته؟ ويكون على ولايته؟ قال: إذا زال عقله بجنون لا يفيق، أو خرس لسانه فلا ينطق أو عمى فلا يبصر أو صمّ فلا يسمع إذا نوى، فبهذا تزول إمامته على بعض القول؛ لأنه عاجز بهذا عن القيام بفروض الإمامة./178/
__________
(1) فروج المسلمين ودماؤهم (الأحكام التي تتعلق بالزواج والطلاق والزنا والقتل والقصاص).
(2) يعني الفتنة الأولى في الإسلام في خلافة عثمان بن عفان. (2/178)
صفحة 595
قلت: [530] فإن عرج أو زمن أو مرض هل يعزل؟ قال: لا، إذا عرف منه العدل لم يعزل ولا يعزل الإمام بالعجز إلا بالذي وصفت لك فأما إذا كان يعقل ويعدل فلا يعزل.
قلت: فإن قتل رجلا في مجلس الحكم فسئل عن ذلك فقال إنه قتله بحق؟ قال: هو مصدق مطوق الفعل ما لم يخرج بفعله من تعارف العادة من فعل الأئمة والحكام.
قلت: مثل ماذا؟ قال: أن يثب على أهل قرية يقتلهم أو يخرب ديارهم، وهم أبرياء في الظاهر لا يعلم منهم حدثاً يستحقون به، فهنالك لا يقبل منه ويستتاب وإلا عزل وحورب.
قلت: فإن أرسل سرية أو جيشا لبعض الأسباب فنهبوا الأموال وأحرقوا المنازل وسفكوا الدماء، ما يلزمه؟ قال: إذا لم يأمر بذلك ولم يرضه كان ذلك على من أحدثه، مأخوذ به من جناه على وجه الظلم، وليس ذلك على الإمام من فعل غيره؛ ولكن عليه الإنصاف من أهل الأحداث وإظهار ذلك والإنكار له وإعطاء الحقوق أهلها إذا طلبوا ذلك في الأحكام إلى من جناها.
قلت: ولا تزول بهذا إمامة الإمام؟ قال: لا، إذا لم يكن من فعله فلا تكسب كل نفس إلا عليها.
قلت: فماذا ينبغي أن يفعل؟ قال: /179/ (2/179)
صفحة 596
ينبغي إذا أراد أن يرسل سرية أو جيشا أن يشاور العلماء ويستشير في أمره الذين يخافون الله، فإذا عزم على ذلك أمّر عليهم أميراً مرضياً، وكتب لهم عهداً عرفهم فيه ما يأتون ويتقون، ويشرط عليهم أن لا يعدوا أمره وما عمى عليهم فيكاتبونه، فإذا خرجوا فإن جنى أحد منهم جناية كان جناية ذلك عليه في نفسه، ومن أحدث حدثاً كان حدثه عليه وليس على الإمام من ذلك شيء، وإن جهل ذلك لقلة علمه أو نسيان فتعدت سريته فكان ذلك خطأ، كان ما أحدثه في بيت مال المسلمين.
قلت: ولا تزول به إمامة الإمام؟ قال: لا.
قلت: فإن أحدث الإمام حدثاً في الحكم خالف الكتاب والسنة؟ قال: يكون ذلك عليه في نفسه.
قلت: مثل ماذا؟ قال: ذلك إذا رجم الزاني البكر وقتل السارق وما كان مثله، كان ذلك عليه في نفسه القود (1). قلت: [531] هذا خطأ؟ قال: لا، هذا نص في الكتاب والسنّة ولا يسع جهل ركوبه، والراكب له مأخوذ به. قلت: فإن عزر إنساناً في شرب المسكر أو ضرب سارقا حد التعزيز فمات من ذلك؟ قال: ذلك خطأ ويكون في بيت مال المسلمين.
قلت: فإن زنا الإمام أو قذف محصناً أو قتل نفساً مؤمنة ظلماً؟ قال: تزول إمامته، إذا صح ذلك عليه من أحد وجوه الصحة، عزل من /180/
__________
(1) القود: القصاص. (2/180)
صفحة 597
إمامته وقدم إماماً يقيم عليه الحد، وإن تاب رجع إلى ولايته ولا يرجع إلى إمامة المسلمين، وكذلك إن ارتد عن الإسلام، وعلم ذلك قدم عليه وقتل إن لم يتب، وإن تاب لم يعزل.
قلت: فإن رجع إلى دين القدرية أو الروافض والخوارج؟ قال: اعلم ذلك منه واستتبه (1)، فإن تاب قبل منه وإن أصر برئ منه وزالت إمامته وحورب حتى يعزل أو يقتل ويقدم إمام غيره.
قلت: فإن لم يصح ذلك عليه؟ قال: ليس على الناس علم الغيب، هو على إمامته.
قلت: فإن جار في حكمه وتعدى في قسمته واستعمل غير المسلمين وجعل وزراءه الظالمين؟ قال: يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا عزل وحورب حتى يعتزل أو يقتل على الإصرار، وكذلك ساروا في عثمان.
قلت: فإن أحدث حدثاً كفر به علم به بعض الخاصة، ولم يظهر ذلك عند العامة، ما تكون منزلته عند من علم ذلك؟ قال: يستتيبونه فإن تاب وإلا برئ منه، وليس لهم إظهار ذلك عند رعيته وفي مملكته إلا أن يظهر كفره حتى يستوى فيه الخاص والعام.
قلت: ولا يجوز لمن علم أن يظهره؟ قال: لا، إلا عند من علم كعلمه. /181/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (استتيب). (2/181)
صفحة 598
قلت: فهل على من علم أن ينكر على أوليائه العاملين للإمام ويعرفهم ذلك؟ قال: لا، ليس قبول ذلك منهم وليس عليهم تعريفهم، وإنما عليهم مفارقته (1) سريرة حتى يظهر حدثه ويحل دمه؛ لأن الإمام لا (2) يعزل حتى يحل دمه ويظهر كفره.
قلت: فمن ادعى على الإمام أنه أحدث حدثاً كفر به، هل يقبل منه؟ قال: يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا برئ منه. قلت: فإن ولى الإمام غير أهل الدعوة وغير أوليائه هل يجوز له؟ قال: لا يقبل، إذا علم منه يستتاب فإن تاب قبل منه وإن أصر برئ منه، وليس له أن [532] يولى فاسقا على أمور المسلمين.
قلت: فالإمام إذا رأى منه حكماً لا يعلم ما هو أو فعل لا يعرف عدله، ما يكون حكمه؟ قال: هو مصدق الفعل مؤتمن ما ائتمنه الله والمسلمون حتى بعلم خطأه في ذلك، وعليه مشورة أهل العدل ويتخذ وزراء من الصالحين ومن يخاف الله وممن يرجو منه إقامة المصلحة، ولا يولى في أمور الناس إلا عدلا مسلماً، ومن يحكم بين الناس بالعدل وإجماع المسلمين، على أن الكافر لايحكم على الناس في فروجهم وأموالهم، ألا ترى أن إنكارهم على عثمان توليته غير الصالحين، وفي الحكمين (3) أيضا إن كانا غير عدلين. /182/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (مفارقة).
(2) (لا): زيادة من عندنا.
(3) الحكمين: هما عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، اللذان عهد إليهما بعد معركة صفين بمهمة التحكيم بين علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان. (2/182)
صفحة 599
قلت: وهل يكون الإمام غير عدل؟ قال: لا، وقد تقدم شرحنا لذلك والحجة فيه فلا يجوز غير عدل، وإذا كان الأئمة (1) عدولا (2) صلحت بهم رعيتهم وأمنت سلبهم، وقلت بدعتهم في دينهم، وجمعت على الطاعة كلمتهم وأمن خائفهم ولم يأخذوا لأنفسهم إلا حقا واجبا، ومنعوا (3) البغاة واحتاروا الولاة للولاية ولم يختاروا الولاية للولاة، وأعلم أنه لم يكن للناس (صلاح إلا بالأئمة وأولى الأمر) (4) منهم المتقين وأولياء الله الصالحين، ألم تعلم أن الخوف يميت الشهوة ويطفئ الغضب ويحيط من الكفر بالعاقبة، ويثب بالحيلة حتى يعتدل من كان مغلوباً على عقله، ويسكن السباب والبغي، قال الله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} (5).
قلت: فإن رأى الإمام يولى ويعزل ولاة لا يدري ما هم أو غير ذلك؟ قال: هو مصدق في ذلك أمين ولا يحكم على الإمام بسوء الظن، وهو على إمامته وطاعته، إلا أنه هو ليس له أن يولى غير أوليائه من الصالحين وأهل الورع، ولم تخل الدنيا من المسلمين والمؤدبين وخلفائها الصالحين والأئمة المتقين، بهم تقوم المصالح ويرتدع أهل الباطل عن مرادهم /183/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (الإمام)
(2) كتب في المخطوطة: (عدلا).
(3) كتب في المخطوطة: (ومنع).
(4) (صلاح إلا بالأئمة وأولى الأمر): أضفناها حتى يستقيم النص
(5) سورة البقرة: آية 251، كتب سهوا (دفاع) بدلا من (دفع). (2/183)
صفحة 600
من الفساد والشهوات؛ لأن الشهوة تطغى الجهل، (1) والجهل أشد الأدواء، ولابد للداء من علاج الأطباء من الصالحين، لذلك جعلت الجنة والنار في الآخرة، وفي الدنيا إكرام المؤمنين وإهانة الفاسقين. وقد روى [533] عن بعض الصحابة، والله أعلم أنه قال: إن الله داوى هذه الأمة بدواوين: السيف والسوط، لا هوادة عند الإمام فيهما، فبالضرب يستقيم الصبي ويستخرج الشر (2) ألا ترى أنهم قالوا: إن نفع السلطان كنفع المطر للمنع من الظلم، ومنع الضعيف من المنافق، وقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، (3) والحكم بالعدل فلا يقع إلا من أهل العدل ألا ترى أن الله (4) لم يأمر عباده أن يأتوا فيما بينهم إلا بمثل الذي أتى إليهم؛ لأنه صدقهم وأمرهم بالصدق، وعدل عليهم وأمرهم بالعدل، وحسن في عقولهم الذي اختاره لهم، وقبح في عقولهم الذي انتفى منه، وهو الظلم والكذب والبخل والفسق، وإذا كان هذا قبيحاً مع أهل العقو لم يكن أهله أهل عدل.
قلت: فهل يجوز للإمام أن يولى أحداً من غير مشورة أهل العدل؟ قال: نعم، ليس له كلما أراد أن يولى وللياً أو يرسل جيشاً أن يجمع عليه أهل مملكته، ولكن يؤمر أن يستشير في أمره أهل العدل كما أمره الله، /184/
__________
(1) تطغى الجهل: تزيد الجهل.
(2) كتب في المخطوطة: (فبالضرب الصبي ويستخرج الشر).
(3) سورة النساء: آية 58.
(4) لفظ (الله): زيادة من عندنا. (2/184)
صفحة 601
وسار بذلك رسول الله (ص) وقد استشار رسول الله في أسارى بدر وغيرهم مما هو مشهور من فعله، وكذلك أبو بكر وعمر، ولا يجهل أمر الشورى، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1) فأمر بالمشورة والتناصر (2) على الحق في منع أهل الباطل بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} (3).
قلت: فإن ادعى على الإمام أحد حدثا لم يظهر منه؟ قال: لا يقبل منه إظهاره على الإمام ما لا يحل وهو عاص لله في فعله، ألا ترى أن سوء الظن بالإمام والمسلمين من الكبائر.
قلت: فهل يجوز تقديم إمام على إمام قبل أن يظهر كفره؟ قال: لا، ليس ذلك بإمام، ذلك خطأ وضلال بإجماع الأمة على ذلك في تقديم إمام على إمام. وقد روى عن النبي (ص) أنه قال: «إذا ظهر إمامان فاضربوا عنق أحدهما»، بذلك أنه لا يجوز تقديم إمام على إمام، وما علمت أن من أعظم (4) حبائل إبليس ولطيف حيله [534] لأهل العزم في الدين أن يأته من طريق الرئاسة، ولا يأتيهم من طريق الزنا والسرقة والكذب والخيانة، فأمر الإمامة عظيم وخطرها جسيم، وإذا كانت الإمام بأجمعها على تحريم إمام على إمام، كان ذلك خطأ وضلالا، والموجود عن /185/
__________
(1) سورة الشورى: آية 38.
(2) كتب في المخطوطة: (والتناصب).
(3) سورة الشورى: آية 39.
(4) كتب في المخطوطة: (أعص). (2/185)
صفحة 602
أبي عبد الله إلى أهل حضرموت: بلغنا عنكم أنكم تذكرون عزل هذا الإمام وإقامة غيره، فاتقوا الله ثم اتقول الله فإن هذا جور كبير إن عزلتم إمام عدل على غير حدث، وقد أعطيتموه عهدكم وميثاقكم على أن تطيعوه ما أطاع الله، وهذا عقد لا يحل لكم أن تحلوه إلا بحدث يكفر به الإمام ثم يصر عليه، فإن عزلتموه على ير حدث ولا إصرار على حدث فقد دخلت عليكم الفتنة وحللتم محل المهالك وسلكتم جور المسالك فلا زكاة لكم ولا جمعة، ولا نكاح لمن لا ولي له من النساء بأمر الإمام الذي تقدمونه عليه، وسألت عن الأمر الذي فعه أهل عمان وأهل المغرب وحضرموت في عقدهم لعبد الله بن يحي طالب الحق، وعقد أهل المغرب لعبد الرحمان بن رستم كيف كان، وقد جاء الحديث عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن الله واحد والإسلام واحد ولا يستقيم سيفان في عهد واحد؟
الجواب: عن أبي عبد الله فيما ذكرتموه من قول عمر أنه لا يستقيم سيفان في غمد واحد، يعني إمامين وكذلك قال المسلمون: (ولا يجتمع إمامان في عصر واحد)، ولا يكون للمسلمين إلا إمام واحد، كذلك عقدهم لعبد الله بن يحي كان إماماً واحداً، ولم يعقدوا أمره على جميع المؤمنين، ولا يكون أمير المؤمنين حتى يملك أهل القبلة كما ملك أبو بكر وعمر، فهنالك لا تجوز إمامة أحد معه؛ لأن السمع والطاعة له على كل مسلم، وإذا خرج كان الخروج له حلالا ما لم يكن في ملك إمام قبله ولا يحل تقديم عليه. /186/ (2/186)
صفحة 603
قلت: ولا يكون إماما في مصر؟ قال: لا. وعن بيعة الإمام كيف هي؟ قال: يجتمع أهل العدل الذين يلون العقد فيبايعونه على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله وإقامة الحق في القريب والبعيد والعدو والولي والضعيف والقوي، والرضى مع ما يزيدون [535] من الشروط عليه، فإذا قبل وجبت طاعته ثم ليس لهم عزله كما روى عن أبي بكر أنه قال: أقيلوني، قال عمر بن الخطاب عى ما روى: لا تقال ولا تستقال، ولا يجوز أن يعزل الإمام ولا يعتزل.
قلت: فما صفة الإمام الذي يجب؟ قال: تقدم القول في ذلك، ومن صفاته أن يكون عدلا مرضياً قوياً على إقامة الأمر والاستعداد الحال المهلة وانتهاز الفرصة والنظر بالقدرة بالتلطف للحيلة في الخاصة والعامة، من عمارة البلاد وإصلاح ذات البين، وحفظ الأطراف، والأخذ على أيدي الظالمين والسفهاء، بذلك يكون صلاح الرعية، ولأنها تصلح بصلاح الراعي اقتداء بأبي بكر وعمر في فعلهما، وليس للرعية الامتناع عن طاعة الإمام وليس لهم أن يخلعوه ولا له أن يخلع نفسه.
قلت: فهل للرعية أن تعزل إمامها إذا عجز عن إمضاء الأحكام؟ قال: لا، إلا أن يعجز عن إقامة الحق وإنفاذ الأحكام حتى يضع الحق ولا يمنع، ويعز الباطل فلا يدفع، ثم يؤازروه ويعينوه فلا يبلغ إلى ما ينبغي، فهنالك لهم أن يعزلوه، وعن بعض المسلمين أن الإمام /187/ (2/187)
صفحة 604
لا يعزل بالعجز ولا يعزل إلا بحدث يكفر به أو ارتكاب حدث، فإن ركب حدثاً في الحدود لا يقيمها إلا أئمة العدل وقدم إماماً غيره أقيم عليه الحد، وإن أحدث الإمام حدثاً مكفراً أو ترك نخلته التي هو عليها وجب عزله وخلعه من الإمامة بعد أن يستتبوه، وينكروا عليه حدثه فلا يتوب له، فهنالك يعزلونه طائعا وكارهاً، ومثل ذلك لو رجع إلى دين القدرية أو إلى دين أحد من الفرق الضالة.
قلت: فإن اختلف (1) أهل الدعوة بينهم حتى يبرأ بعضهم من بعض ويقدم بعضهم إماماً دون بعض فاختلفوا وتقع الفرقة؟ قال: فللمسلم أن يقف حتى يعلم المحق من المبطل، وهو كمن لا علم للمسلمين بحاله، ولا يجوز أن يتولى فريقان يبرأ بعضهم من بعض، وقد يكون الفريقان جميعاً في حال الضلال والإمساك عن أمرهم حتى يصح المحق من المبطل إلا أن يكون الخواص هم الذين تولوا (2) الإمام وعقدها أولا فأولئك أمرهم المقدم، ومن [536] خالفهم كان الباغي المدعي ولا إمامة لمن قدموه.
قلت: فإن قدم الإمام قوم لا ولاية لهم ولا عدالة؟ قال: فإن تقديم أولئك لا يلزم مسماً حق إمامة من قدموه. قلت: فإن كان في زمان لا يعرف لأهله ورع ولا ضلالة دين وهم يقرون بالدعوة، أرادوا عقد إمام رجل هل يجوز الدخول معهم؟ /188/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (اختلفوا).
(2) كتب في المخطوطة: (اتلوا). (2/188)
صفحة 605
قال: لا يجوز الدخول معهم حتى يكونوا هم وإمامهم أهلا لما دخلوا فيه.
قلت: فإن عقدوا فقاموا بأمرالله واستقاموا على عدله؟ قال: فالسمع والطاعة إذا قام بالحق وجرت أحكامه بالعدل سنة ولم يختلفوا فيه ولا فيها.
قلت: فإن خالف ولم يتبع آثار أئمة الهدى؟ قال: فلا إمامة له وكان الضلال أولى به، وليس كل من انتحل دعوة المسلمين وتسمى وتحلى بها كانت له إجابة إلى ما دعا إليه، وعن رجل من المسلمين له عندهم ولاية وقدر عظيم اجتمع أهل مصره على أن يقدموه إماماً على أنفسهم فاجتمع على عقدة المسلمون، ومحدثون من أهل البراءة ولم يعلم من تولى عقدها للإمام أهل العدالة أو أهل العداو، فإن إمامته موقوفة إلى أن يعلم صحتها لدخوله في الأمر المشكل إلى أن يتبين حال إمامته وعمن قبلها من المسلمين دون المحدثين، ثبتت إمامته وولايته، وإن صح أن العقدة سبق إليها من لا يكون حجة من المحدثين، برئ منه ومن عقد له، وإن صح أنها سبق إليها أهل الوقوف، وقف عنه حتى يبين حاله، أو يقع التراضي والتسليم من الجميع وتجرى أحكامه في مصره بالعدل سنة، فإذا وقع التراضي ثبتت إمامته.
قلت: فإن سئل الإمام عن صحة إمامته وعمن قبلها؟ قال: عليه أن يبين للمسلمين صحة إمامته حتى تقوم لهم الحجة، إذا /189/ (2/189)
صفحة 606
سأله أهل الفضل في الدين فعليه أن يبين لهم ما خفى من أمره في الإمامة في الأحكام المنكرة.
قلت: فإن ادعى صحة إمامته هل يقبل منه؟ قال: لا، إلا أن يظهر ويظهر من عقد له وصحة عقدهم.
قلت: فمن دخل في العقدة المشكلة فلا يلحقه حكم الإمام؛ لأنه من دخل في إمامة فاسدة لحق بحكم المعقود له من ولاية أو براءة ووقوف.
قلت: فإن كان وقوفاً عن الإمام لأجل العقدة، فقال رجل من المسلمين أنا ممن تولى العقد له؟ قال: يوقف عنه. وعن المسلمين: إذا [537] اختلفوا فعقد كل فريق منهم لإمام؟ قال: فإن اختلفوا، عقد علماء المسلمين لمن رأوه موضعاً لها هو أولى بالإمامة.
قلت: فإن كان اختلافهم في البلد الذي تكون فيه الإمامة؟ قال: فالذي قدمه أهل الفقه والورع أولى بالإمامة. قلت: فإن استووا في ذلك؟ قال: فأرجاهم للقوة في عز الدولة ومناصبه العدو.
قلت: فإن استووا في جميع ذلك؟ فالذي عندي له قبل صاحبه هو أولى من المؤخر /190/ (2/190)
صفحة 607
ولا يجوز أن يكون في مصر إمامان مثل أن يكون بتوام (1) إمام وبصحار (2) آخر، وقد قلنا فيما تقدم إن الإمام لا يكون إلا واحداً؛ لأن أهل الدعوة قد قالوا جائز أن يكون في مصر إمام ما لم تتصل أحكام المسلمين، فإذا اتصلت أحكامهم كان على أحدهم أن يسمع للآخر ويطيع، أو يرد الأمر شورى بين المسلمين، ويختارون لهم إماماً، وفي هذا نظر ولا نحب مخالفة الأثر واختيارنا أن يكون الإمام واحداً.
قلت: فإن كان الإمام قد أخذ الإمامة من المسلمين فذهبوا أو ماتوا؟ قال: فلا ينبغي أن يعزل الإمام ويقون بذلك بنفسة حيث بلغ طوله وقدرته، ولا يضع إمامته عند غير أهلها ولا في غير أهل ولايته، ولكن يجتهد ويقوم بها بنفسه ويستعين على أمره بمن أعانه ولا يوليه إياه ويكون هو المتولى لذلك حيث بلغ جهده.
قلت: فإن خرج الإمام داعياً إلى الله، هل يستحل دم من خرج إليه أو خرج عليهم من أهل القبلة؟ قال: لا، إلا بعد الدعوة إلى الحق وإقامة الحجة والإعذار والإنذار، ولا يبدؤهم بقتال حتى يبدأ بالدعوة فإذا دعاهم ولم يقبلوا الدعوة ويكفوا عن الحرب، فإن حاربوه حاربهم.
قلت: فإن كان أحد يريد الخروج فتقدم إمام عند ناس لا خير فيهم؟ /191/
__________
(1) توام: مدينة هام في عمان، وهي البوريمى الحالية.
(2) صحار: ميناء ومدينة هامة في عمان. (2/191)
صفحة 608
قال: فليس له الخروج عند قوم خروجهم وقوتهم باسمه ويظلمون الناس ويجبرون عليهم، فالقعود أولى به من الخروج معهم إذ لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان لقول الله تعالى في كتابه: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، (1) إنما أمر الله أهل البر بالتعاون على التقوى، وليس للإمام أن يضع أمانة الله عند غير أهلها ولا يولى إلا من كان عنده عالما، يوليه أمينا على ما ائتمنه عليه ممن يقيم له الحق وينفي عنه الباطل، قال الله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ [538] وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، (2) وإنما الأمر بالمعروف وإقامة الحق بالحق، والنهي عن المنكر ورد أهله إلى الحق، ولا يعذر من أنكر المنكر بالمنكر؛ لأن كل ذلك راكب منكر بعلم أو جهل فهو من أمله، وإنما أمر الله رسله أن يحكموا بالحق.
قلت: هل يجوز للإمام أن يولى على شيء من أمر الله في عباده من لا يعرف عدله؟ قال: لا، ليس له أن يولى في عباد الله على أمانته ورعيته من لا يعرف عدل ما يوليه، ويكتب له عهداً ويبين له ما فيه ولاه عليه، وليس له أن يولي الحكم بين الناس إلا من يحسن الحكم.
قلت: فإن ولى من لا يحسن الحكم في دمائهم وحرمهم؟ قال: فقد رد أمرهم إلى من لا يدري أيعدل أم يجوز، فليس له ذلك، وكذلك الصدقات لا يولى عليها إلا من يعرف عدلها ولا يأخذها إلا بحقها ويضعها في أهلها /192/
__________
(1) سورة المائدة: آية 2.
(2) سورة الحج: آية41. (2/192)
صفحة 609
وكذلك حربه لا يولى عليها إلا من يعرف سيرة الحرب في عدوه، فإن ولى على شيء من أمر الله من لا يعلم فقد حكم بغير ما أنزل الله ووضع أمانته في غيرها أهلها، وللإمام أن يتفقد رعيته ويتعهدها ولا يضيع أمورها، وإن إطلع من واليه على خيانة عزله، ون استنصف أحد من رعيته عليه حكم عليه في إنصافه، ويتفقد أمور رعيته ولا يهملها، وقد وصف الله المؤمنين إخوة فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (1)، وقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (2)، ويجب على الإمام أن يتخذ الأمناء أعوانا على رعيته وعلى عماله، فإن رفع إليه مظلمة من عامل عزله، فإن لم يعزل بعد أن يصح ظلمه واستعمله بعد ظلمه وجوره استق الخلع، قال الله تعال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (3)، فعلى الإمام الإنصاف من نفسه وعماله وجميع رعيته، وقد قال الله: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى}. (4)
قلت: فهل يجوز لأحد من ولاة الإمام إذا لم يكن عالماً بالأحكام أن يحكم؟ قال: لا. /193/
__________
(1) سورة الحجرات: آية 10.
(2) سورة الفتح: آية 29.
(3) سورة النساء: آية135.
(4) سورة ص: آية 26. (2/193)
صفحة 610
قلت: فإن حكم فأخطأ؟ قال: لا يجوز له بذلك؛ لأن الأحكام إنما هي حكم الله في كتابه وسنة رسوله وآثار أئمة الهدى، فمن علم ذلك حكم به ومن لم يعلم فليس له أن يحكم.
قلت: فالقضاء والحكم لمن يجوز؟ قال: من كان عالماً بكتاب الله وأحكامه وأقسامه [539] وحدوده وفرائضه وسنة رسوله وآثار أئمة الهدى، فإن ورد حكم من الكتاب والسنة حكم به، وإن لم يجد فمن آثار المسلمين، فإن لم يجده في آثار أئمة الهدى شاور فيه أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيه ورأيهم حكم به، وإن اختلفوا أخذ برأيه ورأى من رأى رأيه، وإن خالفوه جميعاً ترك الحكم برأيه، وإنما يجوز النظر للحاكم ولمن يشاور فيه من العلماء إذا كانوا كما وصفت لك، وإن لم يكونوا كذلك لم يجز له ولا لهم، وإن لم يكن أحد من أهل الرأي ولا أبصر الحكم، لم يجعلوا في الحكم وشاوروا المسلمين من الآفاق ولم يحكموا بغير علم.
قلت: فهل يجوز للوالي والساعي (1) إذا أخذوا زكاة أن لا يتسموها ويأخذوها؟ قال: إذا أخذوها قسموها على ما فرض الله في كتابه وليس لهم أن يجعلوا ذلك مأكله ولا دولة بين الأغنياء، وإنما أنكر المسلمون المنكر حين أديل المال وحرم أهله وفارقوهم بعد أن احتجوا عليهم وأمروهم بالتوبة والرجعة، فمن أدال شيئاً من الما وأخذه لنفسه فقد حكم /194/
__________
(1) الساعي: هنا معناها (العامل على الصدقة). (2/194)
صفحة 611
بغير ما أنزل الله وهو ظالم وعلى ذلك فارقوا عثمان لإدالة المال (1)، في قرابته فإن فعل ذلك الإمام استتيب، فإن تاب قلبت توبته، وإن أبى وامتنع زالت إمامته وصار عدواً للمسلمين يستحلون خلعه من الإمامة، فإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى أمر الله.
قلت: فإن عن المسلمين حرب واحتاجوا إلى أخذ جميع الصدقة؟ قال: قد أجاز ذلك بعض المسلمين إذا احتاجوا في ذلك إلى عز الدولة ومناصبة العدو وقد فعلوا وليس لهم أخذ على غير هذا الوجه.
قلت: فإن فعل ذلك عمال الإمام وسعاته؟ قال: كان على الإمام إنكار ذلك وتغيير واستتابتهم، فإن لم يتوبوا استحقوا البراءة إذا صح ذلك ببينة عدل أمكره على من فعله؛ لأنه حكم بغير ما أنزل، وإن لم يتوبوا عزلهم عن ولايته وحكم عليهم بما يلزمهم.
قلت: فإن لم ينكر عليهم ويغير جور الجائرين؟ قال: يدعى إلى الحق، فإن امتنع نزل بمنزلة الخروج من الإمامة ووجب على المسلمين فراقة، وإن رجع قبل منه، وإن تاب كان عليه رد ما أتلف، وإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى أمر الله.
قلت: فهل للإمام إذا ظهر أن يجبى الصدقة قبل أن يحميهم؟ قال: [540] ليس للإمام أن يجبى صدقة قوم حتى يحميهم ويمنعهم أن يجار عليهم، فإن فعل فقد جاز عليهم ولا فرق بينه وبين من جاز عليهم /195/
__________
(1) (المال): أضفناها ليستقيم الكلام. (2/195)
صفحة 612
وإنما أخذ المسلمون الصدقات بعد أن يحموهم ويجري حكمهم فهنالك يأخذون الصدقات على حكم كتاب الله وسنة نبيه، فليس للإمام أن يأخذ صدقة من لم يحمه.
قلت: فإن أخذ الصدقة ولم يحميهم أو لم يكن عادلا؟ قال: فليس لهم أن يعطوا صدقتهم أهل الجور ولا إماما جائرا ولا ممن يدين بولايته وطاعته، فإن فعل فعليه غرم ذلك.
قلت: فما يجب على الإمام في رعيته؟ قال: على الإمام أن يتفقد رعيته ويتفقد أمورهم، وإن إطلع من واليه على خيانة عزله.
قلت: وهل للولاة قبول الهدايا؟ قال: يكره للولاة قبول الهدايا من الغرباء وحرام عليهم أن يأخذوا الهدية على الحكم ويحكموا بذلك، ولا بأس عليهم في أخذ الهدية ممن عود يهاديهم من إخوانهم وأرحامهم، وإنما الحرام ما أخذوا على الحكم، فإن قبل هدية على وجه الرشا فعليه رد ذلك، وعن الحدود ومن يقيمها؟ قال: لا يقيمها إلا الأئمة أو القاضي برأي الإمام ومن ولاه الإمام بذلك.
قلت: فإن أقامها إمام جائر أو جبار، هل له ذلك؟ قال: لأن حقوق الإسلام هي الإخلاص لله، والقول والعمل بطاعته، فمن بلى بحكم حق وإقامة بما أمره الله به، ولا يقوم الحق إلا بالحق، /196/ (2/196)
صفحة 613
والله تعالى قد نهى عن حكم غير أهل الحق، ثم قال: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}، (1) {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} (2) وقال: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ}، (3) فليس يقيم الحدود غير الأئمة وحكامها كما سار رسول الله (ص) والخلفاء من بعده.
قلت: فإن أقام الحد ثم ولى الأمر عادل هل يعود يقيم الحد مرة أخرى؟ قال: لا، قد تعدى بفعله، والعادل أولى منه ولا يرجع يقام الحد على الجاني.
قلت: وهل يقيم الحدود المسلمون وسائر الرعية إذا لم يكن إمام عادل أو جائر؟ قال: إنما يقيم الحدود الأئمة أو بأمرهم، وبذلك سار المسلمون.
قلت: فإن أقام الجبار الحد، هل يجوز لأحد من المسلمين أن يقيم معه ذلك إذا صح معه أن الراكب يلزمه الحد؟ قال: فلا أقول بذلك؛ لأن الجبار متعد على غيره في الأمر بلا تجوز معونة وهو كسائر الرعية وليس للرعية أن [541] يقيموا الحدود فليس أرى معونته، وقد وجدت في الأثر أنه جائز أن يقام معه الحد، الذي أجاز /197/
__________
(1) سورة الإنسان: آية 24.
(2) سوة الكهف: آية 28.
(3) سورة النساء: آية60. (2/197)
صفحة 614
ذلك يقول إن المسلمين إنما فارقوا الجبابرة على تعطيل الحدود ولم يفارقهم على إقامتها.
قلت: فمتى يقيم الإمام الحدود؟ قال: إذا استولى على المصر وجرت أحكامه بالعدل أقام الحدود، وما لم يستولي على المصر فلا يقيم الحدود، وكذلك إذا كان سائرا محارباً كذلك، قال المسلمون: وقد أوجب الله الحدود في كتابه مجملا وقد أمر بإقامتها على من أتاها فإذا صحت، كان على الإمام في ظاهر الحكم إقامتها لقول الله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا}، (1) وقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ}، (2) {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، (3) فالخطاب عام وهو مخصوص للقوام بالأمر، ولم يكن أحد يقيم ذبك في أيام (الرسول عليه الصلاة والسلام) (4) وغيره، كذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، والإتفاق أن أهل العدل هم القوام بذلك دون غيرهم، وقد جاءت السنّة في الرجم للمحصن، وحد شارب الخمر، وعلى العبد مصف ما على الحر، فإذا ملك الإمام البلاد ثم لم يقم الحد أكفره ذلك ويستتاب، فإن تاب وأقام الحد فعليه ذلك، وكذلك إن لم يقم عليه هلك، وإن أصرّ /198/
__________
(1) سورة المائدة: آية 38.
(2) سورة النور: آية 2.
(3) سورة النور: آية 4.
(4) (الرسول عليه الصلاة والسلام) الإضافة من عندنا. (2/198)
صفحة 615
من غير عذر خلع وعزل، وإنما قيل لا يقيمه إذا كان سائرا أو محاربا لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن قدر وعطل أكفره، والنصيحة بين المسلمين لبعضهم بعضا، ولا يتوهم على المسلمين في أمر ولا على الإمام بتهمة إلا ما صح ووضح وقام دليل في شيء ممن يخرج به المؤمن من الحق، وإذا خرج الإمام داعيا لم يستحل دم من خرج عليه إلا بعد الدعوة.
قلت: فإن ركب الإمام أمرا منكرا أو ترك معروفا؟ قال: يستتاب، فإن تاب وإلا انخلع من الإسلام، وعلى العلماء أن يأمرره بالمعروف وينهوه عن المنكر ما كانت الولاية جائزة بينة وبينهم، وإن خافوه على أنفسهم وعلى دمائهم، وسعتهم التقية في الظاهر بالقول ووجبت [542] عليهم البراءة في السريرة ولم يؤدوا إليه زكاتهم ولا يلوا (1) له شيئا من عمله إلا ما وافق من حكم بين الناس بالعدل، أو يكونون هم الذين يلون النظر أهل سماع البينة ويتولون تنفيذه، وأما أنا فلا أحب أن يتولوا له شيئا من الأحكام؛ لأن طاعته خارجة من أعناقهم، ولو كان ذلك جائزا لم يستتب عمال عثمان ولا ترك عمال عليّ ولا خطئ قضاءه الجبابرة؟ قال: وأما الأحكام التي يحكم بها أهل الجور والخونة من أهل الدعوة، فلا يتولى المسلم تنفيذها ولا يجبوا لهم الصدقات من المسلمين ولا في غيرهم؛ لأن الذي يأخذه للجائر ليس بمجزى /199/
__________
(1) كتب في المخطوطة (ولا يولوا). (2/199)
صفحة 616
عن المسلمين وإنما هو غضب، ومن غضب الناس فهو ظالم لهم ولا يجوز في هذا تقية ولا تجوز التقية إلا في القول لا في العمل، وقد جاء الأثر عن الأشياخ أنه لا يجوز للمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرمه الله عليه، ولا يضيع واجبا من العمل للتقية إلا أن يحال بينه وبين الفرائض من الصلاة فإنه يصليها كما أمكن له، ومن ركب ما دون الكبائر وقف عنه، وراكب الكبائر يكفر ويبرأ منه، وإن ضيع الإمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا ولاية له، كذلك غير الإمام إذا قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيعها فقد ضيع أمر الله إلا أن يخاف على نفسه وسعته التقية، فأما الإمام البائع نفسه فلا تسعه التقية، وقد حفظت أن التقية تسعة إذا خاف على نفسه، وعلى الإمام الجهاد في سبيل الله ما وجد الأعوان على ذلك، وعليه إطفاء البدع وإيضاح الشرع، وإنكار اللعب واللهو والمعازف والأنبذة في اللهو والاجتماع عليه وعلى المسكر وشرب الخمر وإظهار بيعه والنوح، وصرف الأذى كله وصرف الاضرار للمسلمين في طريقهم ومساجدهم وقرب منازلهم، وما يحدث من روائح الكنف في ذلك والنار المخلوفة على المنازل وجميع المنكرات، وأما لعب الصبيان أو [***] على نكاح فلا ينكره فيه.
قلت: فهل يجوز للإمام أن يولي على ذلك أو على شيء من أمور المسلمين غير ولي؟ قال: لا، ليس له أن يولي إلا رجلا من المسلمين يجتمع المسلمون من أهل العلم والمعرفة على ولايته وعدالته. /200/ (2/200)
صفحة 617
قلت: فإن فعل وولى غير [543] المسلمين؟ قال: يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا برئ منه.
قلت: فإن خرج الإمام وأمر أميرا على قوم من أهل الشرك ممن كانت له ذمة أو عهد أو لم يكن له، فإذا دخلوا عليهم أرضهم لم يسبوهم ولم يمنعوهم ولم يغنموهم حتى يدعوهم، فإن ردوا الدعوة استحلوا قتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، ومن كان منهم يغزون المسلمين فلا دعوة لهم، فإن دعوا لهم فحسن فمن أجاب قبل منه، وأما أهل القبلة فلا شبي عليهم ولا غنيمة في أموالهم، ومن قامت عليه الحجة من الدعوة (من أهل) (1) القبلة فلا دعوة له ويحارب حتى يفئ إلى أمر الله، ومن لم تقم عليه الحجة دعى، ومن قتل ببغيه أو ببيعته أو بدلالته أحدا من المسلمين فقد قيل إنه يقتل، وإذا بعث الإمام إلى أهل الحرب وكان في رعيته انتهاك نهب الأموال وسفك الدماء وإحراق المنازل، فإن ركب لذلك راكب، أخذ لذلك الراكب في ماله دون مال المسلمين إذا صح ذلك، وإن كان جند الإمام الذين ركبوا ذلك بلا رأيه كان على الفاعلين، وإن كان ذلك بأمر الإمام وهو يعلم أن ذلك بخلاف سيرة المسلمين ضمن ذلك هو ومن فعل ذلك في أموالهم دون بيت مال المسلمين، وإن كان فعل ذلك بإذنه وهو يرى أن ذلك حلال له، فذلك خطأ وهو في بيت مال المسلمين، ويجب على الإمام أن يتقدم على جنده ويعرفهم ما يجوز لهم وما يحل لهم وينهاهم، فمن ركب بعد النهي ضمن. (2) /201/
__________
(1) (من أهل): زيادة من عندنا ليستقيم النص.
(2) ضمن: إلتزم (2/201)
صفحة 618
قلت: وهل يجوز للإمام أن يجبر رعيته على الغزو والجهاد معه؟ قال: لا، إنما ذلك على من قطع الشراء على نفسه معه، إلا من أحب فله أن يخرج، وليس له أن يجبر رعيته على الجهاد ولا الرباط إلا أن يخرج خارجة تريد استباحة البلاد والحريم، فعلى كل عاقل أن يدفع الظلم عن البلد وأهله، وإذا كان عليهم جاز له أن يجبرهم، أي (1): من امتنع من الواجب عليه من الدفاع للبغاة عن البلد؛ لأن له أن يجبرهم على مصالحهم، ولا صلاح أصلح لهم من دفع العدو عن أموالهم وحرمهم، وإذا كان الإمام هو الخراج فليس له أن يجبر أحدا على الخروج إلى [544] الجهاد معه إلا على ما وصفت لك.
قلت: فإن كان بشر كثير ليس لهم علم بالكتاب والسنة، هل لهم تقديم إمام؟ قال: لا حتى يكون برأي العلماء. قلت: فإن تركوا الإمامة أن يستحوذ عليهن أهل الخلاق وتنقطع الدعوة؟ قال: إذا كان كذلك وكانت لهم القدرة وجاز لهم عقد الإمامة لرجل ثقة أمين مأمون على دين الله، فما علموا من الكتاب والسنة علموا به وما لم يعلموا أمسكوا عنه، وشاوروا المسلمين من الأمصار وليس لهم أن يخرجوا سائرين حتى يكون فيهم من يعلم الكتاب والسنة من قتال عدوهم. /202/
__________
(1) أي: أضفناها لتوضيح النص. (2/202)
صفحة 619
قلت: فإن خافوا أن يستحوذ أهل الخلاف والجور؟ قال: (يدفعونهم عن أنفسهم وعن أرضهم بتقديم رجل منهم ويمسكون عن الخروج وعن الأحكام حتى يكون فيهم من يبصر الأمور الشرعية. قلت: فهل يجوز للإمام أن يزحف إلى أهل الشرك بمن سار معه) (1) من الرعية؛ لأن أموال أهل الشرك حلال، وأخذ الجزية لهم جائزة؟ قال: نعم، وهذا قول بعض المسلمين إذا كان يقدر الشد على أيديهم فيما لا يحل لهم فجائز، وأما إذا لم يقدر عليهم فليس له أن يخرج مع قوم يكون منهم التعدى على الناس وبسط الأيدي في أخذ أموالهم.
قلت: فهل يسير بأولئك على أهل الصلاة؟ قال: لا، إلا أن يكون أهل الحق يدهم الغالبة ومنع الظالم من التعدي؛ لأنه إنما يزحف للحق والعدل على أهلها وإقامة أمر الله فيها، فإذا لم يجد ذلك فليس له انتزاعها من جائر ويردها إلى جائر.
قلت: فهل يجوز للمسلمين المسير مع الجبار والغزو معه أهل الشرك؟ قال: قد أجاز ذلك بعض المسلمين؛ لأن الجهاد في ذلك يلزم كل من قدر وهو فرض على الكفاية، وقال آخرون: ليس لهم ذلك؛ لأن الجبار بهم يتوصل إلى الغنيمة وأخذ الفيء وإمام المسلمين أولى بذلك منه. /203/
__________
(1) هذه السطور التي بين القوسين غير واضحة في المخطوطة وقد كتبناها حسب استقامة المعنى. (2/203)
صفحة 620
قلت: فإن خرجت خارجة على أهل المصر شديدة الجور وخاف أهل المصر زيادة جورهم، وفي المصر من هو أهون جوراً فهل لهم أن يخرجوا معه ليزبلوا زيادة جور ذلك؟ قال: نعم، على بعض القول، وإنما هم يجاهدون عن أنفسهم ويزيلون منها جور الجبار من غير نية لمعونة الظالم الذي معهم.
قلت: فهل لهم السير في عسكره؟ [545] قال: إن كان أهل عسكره يمنعهم من بسط أيديهم من نهب الأموال جاز، وإن كانوا باسطين أيديهم على الناس في ظلمهم ونهب الأموال جاز، وإن كانوا باسطين أيديهم على الناس في ظلمهم ونهب أموالهم في مسيرهم لم يجز للمسلم أن يسير معهم.
قلت: فإن أحدث الإمام حدثاً أضر عليه، هل يجوز لهم أن يقاتلوه بلا إمام؟ قال: إن كانت الدار في أيديهم والقوم لهم عليه فإن للمسلمين أن يعزلوه، فإن قاتلهم قاتلوه ولو لم يقيموا معهم إماماً، وكذلك فعل أصحاب رسول الله (ص) في عثمان، ولنا فيهم أسوة ولهم لنا قدوة وهدى لمن اتبع سبيلهم، وإذا كانت الدار في يده والغلبة له مهم الأفلون ليس لهم أن يقاتلوه حتى يقدموا إماماً منهم، كذلك فعل أهل النهروان وإن لم يقاتلوا حتى قدّموا إماماً قاتلوا معه.
قلت: فإذا خرج الإمام على أهل البغي وظفروا بهم لعد الدعوة، هل يستحلون من أموالهم شيئا غير أنفسهم؟ قال: لا شيء في أهل القبلة ولا غنيمة ولا استعراض بالقتل. /204/ (2/204)
صفحة 621
قلت: فإن انهزموا هل يتبع مولّيهم (1) أو يجهز (2) على جريحهم؟ قال: لا، ألا ترى عن الوارد عن عليّ بن أبي طالب في قتال يوم الجمل أنه قال بعد الهزيمة، لا يتبع مولّ، ولا يجهز على جريح ولا غنيمة في أموال أهل القبلة، إلا أن بعضاً قال: إنما ذلك كان مكرمة وليس بالواجب، والاتباع لمولّ والإجهاز على الجريح جائز، وقال آخرون: إذا تفرق (3) البغاة وانهزموا إلى غير فئة لم يتبع موليهم، وإن كانوا منهزمين إلى فئة ويخاف معاودتهم إلى حرب المسلمين قتل موليهم وأجهز على جريهم.
قلت: فهل يستعان عليهم بشيء من أموالهم؟ قال: لا، إلا أن يكونوا ظفروا بشيء من الخيل والسلاح من آلة الحرب، فعلى قول يتقوون بها على حرب عدوهم، وإذا انحلت الحرب حفظوا ذلك لأربابهم وضمنوه لهم، وإن ماتوا ردوه إلى ورثتهم، إلا ما تلف في حال الحرب، فعلى بعض القول أنهم لا يضمنونه.
قلت: فما وجدوه في بيوت خزائن الجبابرة بعد هزيمتهم إذا لم يعرف أربابه؟ قال: يفرق على الفقراء كما فعل عبد الله بن يحي طالب الحق، فرّق ما وجد في بيوت خزائن الجبابرة حين استولى على اليمن، على /205/
__________
(1) ولى هاربا: أدبر.
(2) كتب في المخطوطة: (يجاز على جريحهم) وجهز جهزا وأجهز على الجريح: شد عليه وأتم قتله.
(3) كتب في المخطوطة: (تفرقوا). (2/205)
صفحة 622
الفقراء، وقد روى أن عليا أخذ طلحة والزبير في مسيرهما [546] إلى البصرة مما جبياه، فرقه بعد الهزيمة على أصحابه فوقع لكل واحد خمسائة وكانوا ثما عشر ألف رجل، والله أعلم، ورأينا أن تدفع في الفقراء.
قلت: والباغي إذا تاب هل عليه ردّ ما أجذ من الأموال وسفك الدماء في حال الحرب؟ قال: لا، إلا أن يوجد بعينه فيرد إلى أربابه وأما ما تلف بحال المحاربة فلا ضمان عليه وكذلك المستحل، قالوا: لا يضمن ما أتلف ولذلك لم يلزموا عائشة شيئا سوى التوبة.
قلت: فالمحارب هل عليه ضمان ما أصاب في حال محاربته من مال أو دم إذا جاء تائبا قبل أن يقدر عليه؟ قال: لا، قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، (1) إلا أنه يؤخذ بما امتنع به وصار محارباً ولا يهدر عنه، وإنما يهدر عنهم ما أصاب في حال محاربته.
قلت: فما صفة المحارب؟ قال: الذين في الراصد من طرق المسلمين فيصيبون منهم الدماء والأموال أو يقعون بأموال الناس فيستاقون ظلما وعدواناً فيتبعهم المسلمون، فإن ظفروا بهم حكموا عليهم بما وجب عليهم من قتل أو قطع أو صلب أو يخرجون من أرض الإسلام، قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ/206/
__________
(1) سورة المائدة: آية 34. (2/206)
صفحة 623
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، (1) فإن أخذوا الأموال وسفكوا الدماء، قتلوا أو صلبوا، وإن أخذوا الأموال ولم يسفكوا الدماء قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يظفر بهم طلبوا حتى يخرجوا من أرض الإسلام، فأما الصلب فقد قال قوم إنما هو أهل الشرك، وقال آخرون في أهل الشرك وفي أهل القبلة من كان حارباً حكم عليه بحكم الله، والذي قال في أهل القبلة قال: يصلب رأسه ثلاثة أيام ثم يدفن،
وقالوا إن هذه الآية نزلت في العرنيين (2) وقال قوم في أصحاب ورد (3) وخبرهم يطول. (4)
قلت: فإن خرج على الإمام خارجة إن أعانهم القعداء من المسلمين ظفروا بعدوهم، وإن قعدوا عنهم ظفروا على المسلمين، فإنه يلزم من قعد من الرعية عن معونة المسلمين ولا يحل [547] خذلان الحق وأهله إلا أن /207/
__________
(1) سورة المائدة: آية 33.
(2) كتب في المخطوطة: (العرنين).
(3) كتب في المخطوطة: (برده).
(4) انظر كتب وبعوث النبي عليه الصلاة والسلام، بعد رجوعه من الحديبية في ذي الحجة سنة ست لهجرة، إلى اللملوك والأمراء وإلى أقوام من العرب وغيرهم (سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبن هاشم، والطبقات الكبرى لأبن سعد، وتاريخ اليعقوبي واريخ الأمم والملوك للطبري). وذكر المفسرون أن الآية 33 من سورة المائدة نزلت في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى، فأذم لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا إلى الإبل وأن يشربوا من ألبانها، فلها صحوا قتوا راعي النبي عليه الصلاة والسلام واستاقوا الإبل. (2/207)
صفحة 624
يكونوا خرجوا من الرعية أو قعدوا، فالجبار يظفر بهم فليس على القعاد أن يخرجوا.
قلت: كانوا بغاة أو من أهل الشرك؟ قال: نعم، إلا أن يكون أهل الشرك والبغاة يريدون استباحة البلد، فذلك على كل أن يدفع كان شارياً أو غير شارٍ أو من أصحاب الإمام أو غيرهم.
قلت: فإن خرج الإمام على أهل الشرك وظفر بهم هل له قطع نخيلهم وشجرهم أو هدم منازلهم وتحريقهم؟ قال: لا، ليس له أن يخرب عامراً ولا يقطع شجراً ولا نخلا بعد الظفر؛ لأن ذلك غنائم للمسلمين.
قلت: فإن كان لا يظفر بهم إلا بذلك؟ قال: إذا كان لا يظفر بهم إذا تحصنوا عنه إلا يهدم منازلهم جاز له، وقد فعل رسول الله (ص) في محاربته لليهود حين تحصنوا عنه وكان المسلمون يخربون من موضع والكفار يخربون من موضع آخر ليسدوا ما خرب المسلمون، قال: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ}. (1)
قلت: فيقطع نخيلهم إذا امتنعوا وتحصنوا؟ قال: فقد كان رسول الله (ص) قطع عليهم وترك، وقد قال الله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}، (2) وفي وصية النبي (ص) بعد ذلك لبعض من ولاه بها «أن لا تقطع مثمراً ولا تخرب عامراً»، وكذلك أبو بكر فقد نهى من أرسله أن يفسد أرضاً أو يخرب عامراً، والله أعلم./208/
قلت: فإذا ظفر بعد الهزيمة ما الحكم فيهم؟ قال: يقتل مقاتلهم وتغنم أموالهم ونسبي ذراريهم وهي السيرة في جميع أهل الشرك إلا من العرب، ولا تقتل امرأة ولا صبي إلا من أعان على القتال؛ لأن النبي (ص) نهى عن قتل النساء والصبيان، فأما مشركو العرب فلا سبي فيهم وجائز غنيمة أموالهم، فهذا كله بعد الدعوة إلى الإسلام، فإن لم يجيبوا الدعوة قتلوا، ومن قامت عليه الحجة فلا دعوة له.
قلت: فهل يجوز بياتهم؟ قال: جائز بياتهم وإنما النهي عن بياتهم مخافة أن يختلط الحرب فيغلط المسلمون ويقتل بعضهم بعضاً، وأما هم فجائز قتلهم، وقد أمر بقتل ابن الأشرف فقتلوه في الليل وغيره من اليهود، وأمر أسامة بن زيد بالإغارة على بني صباح عند وقعه الراية على عزة؛ وإنما النهي مخافة أن [548] يقتل المسلمون بعضهم بعضاً، والله أعلم وذلك إذا قامت عليهم الحجة.
قلت: وهل يحرقون بالنار؟ قال: لا، النهي في ذلك، وقد قيل إن النبي (ص) نهى عن ذلك فقال: «لا ينبغي أن يعذب أحد بعذاب الله».
قلت: فإن أظفروهم وغنموا (3) أموالهم كيف قسمتها؟ /209/
__________
(1) سورة الحشر: آية 2.
(2) سورة الحشر: آية 5.
(3) معنى الغنيمة اللغوي، هو ما يناله الرجل والجماعة بسعي، أما المعنى الاصطلاحي فهو مال الكفار الذي يظفر به المسلمون عنوة، أي بالتغلب على الكفار، أو ما يحصل عليه المسلمون بالقوة من أهل دار الحرب، والمفروض أن الغنائم لا تقسم في أثناء انشغال الجند بالحرب وذلك لئلا يتشاغل الجند بها كما حدث لأصحاب رسول الله (ص) في غزوة أحد، وتشمل الغنائم الأسرى، والسبي من النساء والأطفال، والأموال المنقولة، وكذلك تشمل الأرضين. (2/208)
صفحة 625
قال: يخرج منها الخمس، يجعل كما أمر الله وسار به رسول الله (ص) والخلفاء من بعده، ويقسم الباقي بين المقاتلة، للفارس سهمان وللرجل سهم، ويصح قسمها من ستين سهما، خمسها اثنا عشر سهماً يجعل حيث أمر الله.
قلت: فما يعمل بأرضهم ونخلهم وعقاراتهم؟ قال: هي غنيمة إلا أنه قد روي عن عمر أنه جعلها فيئاً (1) على المسلمين وأوقفها يأكلها المسلمون والذين جاءوا من بعدهم، وتأول فيها الآية التي في سورة الحشر (2) وجعلها صافية للمسلمين، وإذا كان إمام فالرأي فيها إليه وليس لأحد أخذ شيء منها إلا برأيه، وإذا لم يكن (3) إمام كانت الصوافى هي مال المسلمين وجائز لهم الأخذ منها والزراعة لمن قدر عليها، وقال قوم هي للفقراء دون الأغنياء، وليس لأحد أن يأخذ من زرع أحد وإنما له أن يزرع ويأكل.
قلت: والغنيمة قبل قسمها هل يجوز لأحد أن يأخذ منها شيئاً؟ قال: قد نهى الله ورسوله عن ذلك قال: «ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة» (4) وفيها أحاديث تطول، وفي النهي غير ذلك عن الرسول (ص) وفيما أوجب من الوعيد، إلا أن بعضا قد أجاز الأكل منها ما لم /210/
__________
(1) الفيئ: مأخوذ من ماءيفئ، أي: رجع، والمصطلح عليه أنه المال الذي يصل المسلمين من المشركيم عفوا من غير قتال مثل الهدنة والجزية والخراج.
(2) يشير هنا إلى الآية الكريمة: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة الحشر: آية 7.
(3) (لم) زيادة من عندنا حت يستقيم النص.
(4) سورة آل عمران: آية 161. (2/210)
صفحة 626
تنجل الحرب، أو طعام مثل شحم أو شيء من ذلك، وأما إذا انجلت الحرب فلا، وقد روى عن الني (ص) أنه قال: «أدوا الخيط والمخاط فإنه عار ونار»، وقال: «وشنار يوم القيامة»، وقال: «لا غلال (1) ولا إسلا» ل، (2) يعني الخيانة، وقد روى أن أسود كان عند النبي بخيبر فوقع سهم فقتله، فقالوا هنيئا لك الجنة، فقال النبي: «كلا إن شملته» (3) لتحرقن عليه، كان علها يوم خيبر»، فلا يجوز من الغلول القليل ولا الكثير لما دل عليه من الكتاب والسنة.
قلت: فإن نزل أهل الكتاب إلى الصلح وأعطوا (4) الجزية قبل منهم الجزية، وذلك من الفيء وليس فيه للفقراء سهم معلوم، وذلك للإمام ولمن صالح على ذلك من السملمين.
قلت: وكم الجزية؟ قال: قدر ما ير القائم [549] بذلك وهي مختلفة في الأحوال وقد رو عن النبي (ص) أنه أمر
بعض عمله على بعض الأمصار (5) /211/
__________
(1) أغل الرجل، وغل غلا وغلولا: خان.
(2) أسل إسلالا الشيء: سرقة خفية.
(3) الشملة: كساء واسع يشتم لبه، الجمع شملات.
(4) كتب في الخطوطة (واعطا).
(5) الأمصار: ظاهر هنا أن الكاتب يقصد بكلمة الأمصار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: الأرض التي استول عليها المسلمون بعد أن نكث اليهود، مثل أرضي بني النضيروأرض خبير، أو الأرض التي صالح عليها الرسول عليه الصلاة والسلام اليهود مثل أرض فدك، أو الأرض التي صالح عليها النصارى مثل أرض أيله (العقبة الحالية)، أو تلك التي صالح عليها العرب النصارى مثل أرض تجران، كذلك صالح الرسول عليه الصلاة والسلام مجوس هجر في البحرين وكانوا تابعين للفرس، وأخذ منهم الجزية واختلفت قيمة الخراج والجزية باختلاف الظروف والأحوال.
ويتضح ذلك من كتب الخراج والأموال مثل كتاب الخراج لأبي يوسف، وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب الأموال بي عبيد القاسم بن سلام، وكذلك من كتب السيرة مثل سيرة رسول الله عليه وسلم لإبن هاشم، والطبقات الكبرى لإبن سعد، ومن كتب التاريخ مثل فتوح البلاد للبلاذرى، وتاريخ اليعقوبي، وتاريخ الأمم والملوك للمابرى، وتريخ الكامل لإبن الأثير. (2/211)
صفحة 627
أن يجعل على كل حالم ديناراً وإلا أن (1) الدهقان (2) في كل شهر أربعة داهم والوسط درهمين ودون ذلك درهم في كل شهر، فإن كان صرف الدينار في ذلك اليوم كان قيمته اثنى عشر درهما فقد وافق أصحابنا القول من ذلك في السنة على كل حالم في سنة، في كل شهر درهمين، وأحوال الذمة تختلف. (3)
قلت: هل يؤخذ النساء والصبيان جزية؟ قال: لا، إنما يؤخذ من الرجال المقابلة البالغين، وقد قيل ليس على شيخ فإن ولا على مسكين جزية.
قلت: فعلى يهود خيبر جزية؟ قال: نعم، وإنما كان رسول (ص) /212/
__________
(1) وإلا أن: الواو زائدة.
(2) الدهاق: عرفة الفيروز أبادي صاحب القاموس المحيط بأنه زعيم فلاحي العجم ورئيس الإقليم وهو معرب والجمع دهاقنة ودهاقين.
وقد ذكر الدهاقين في المصادر الإسلامية زمن الفتوحات وفي فتح العراق وإيران، والمعروف أنهم كانوا أيام الملوك الساسانيين الواسطة بين الملك والشعب (انظر أيضا: دكتورضياء الدين الريس: الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية ص 62، 63).
(3) كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقدر الجزية بحسب الأحوال وبمقتضى الصلح والتراضي الذي كان يقع بين المسلمين وأعدائهم، وظلت الجزية بلا تعيين إلى أيام عمر بن الخطاب، ولما كثر الفتوحات واتسعت البلاد الإسلامية اتجه عمر بن الخطاب إلى تحديد الجزية، وإن اختلف قطر عن قطر ودولة عن الدولة حسب ظروف الفتح وطبيعة البلاد المفتوحة، وفي مصر مثلا لم تتحدد الجزية قبل نهاية القرن الرابع الهجري، أي بعد الفتح العربي لها بنحو أربعة قرون. (2/212)
صفحة 628
رفع عنهم الجزية في معاملتهم لخيبر
بشطر منها نحوهم (1) وليس أن اليهود من غير أولئك سقط عنهم الجزية بأولئك.
قلت: والنصارى مثل اليهود؟ قال: نعم النصارى العرب، وقد روى أن عمر جعل عليهم الخمس على (2) أموالهم أو (3) الضعف مما جعل في أموال المسلمين ولم يأخذ منهم جزية. (4)
قلت: فاليهود في أموالهم شيء؟ قال: لا، الجزية على قدر رؤسهم إذا كانوا صلحاء للمسلمين وبقوا على دينهم، وأما أهل الحرب فيقتلون أو يغنمون.
قلت: فالمجوس: قال: هم في الجزية لحق بأهل الكتاب ويقرون على /213/
__________
(1) غزا الرسول عليه الصلاة والسلام أهل خبير من اليهود في المحرم سنة 7هـ، فأحضعهم بعد قتال شديد وحصار دام وحصار دام نحو شهر، وكان لليهود ثمانية حصون فتحت جميعها عنوة ما عدا حصنين هما الوطيح والسلام لم ففتحها المسلمون صلحا بعد أن حوصر اليهود فيهما، فوقف الرسول عليه الصلاة الصلاة والسلام هذين الحصنين، وقسم الستة الباقية، أي خمسها حسب الآية الكريمة (آية 41 من سورة الأنفال التي نزلت عقب غزوة بدر الكبرى)، وكان حصن الكتيبة نصيب الرسول عليه الصلاة والسلام بحق الخمس، والباقي للمسلمين وكانت عدتهم ألفا وأربعمائة، بينهم مائتا فارس فأعطى الفارس ثلاثة أسهم والراحل سهما، ثم دفعها الرسول عليه الصلاة والسلام بأرضها ونخلها إلى أهلها مقاسمة على النصف مما يخرج من الثمر والحب (انظر أيضا: البلاذرى: فتوح البلدان ص 29 و 32 و 34، والماروى: الأحكام السلطانية ص161، 162ـ ودكتور محمد ضياء الدين الريس: الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية ص 97، 98).
(2) (على): زيادة من عندنا.
(3) (أو): زيادة من عندنا.
(4) ورد في كتب الخراج والأموال وفي المصادر القديمة، أن عمر بن الخطاب لم يفرض الجزية على نصارى العرب ونصارى بني تغلب وإنما كان يضعف عليهم الصدقة، أي يأخذهم منهم ضعف صدقة المسلمين، فإذا أخذ العشر من المسلمين، أخذ الخمس من نصارى العرب، (انظر: أبو عبيد القاسم بن سلام: الأموال ص 26). (2/213)
صفحة 629
دينهم إذا أعطوا الجزية وسلموا للمسلمين، كما قد روى أن رسول الله (ص) قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». (1)
قلت: فجميع أهل العجم إذا ملكهم المسلمون ما يؤخذ منهم؟ قال: ما صاحوا عليه، وإن حاربوا قتلوا وغنموا، والله أعلم وأحكم وبه التوفيق للحق والصواب.
قلت: هل يجوز للإمام (طلب الحيلة في الحرب؟) (2) قال: نعم، له ذلك تأسياً برسول الله كما فعل بحفر الخندق، وارتفاعه بأصحابه في جبل أحد، وكل ذلك طلب الحيلة والتواصي على حرب عدوه.
قلت: فالإمام الشاري إذا انهزم أصحابه وخاف القتل عليهم أن ينهزم ويتوارى بهم؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله (ص) لما خاف على أصحابه يوم أحد ارتفع بهم في جبل أحد، كذلك للإمام إذا خاف القتل أن يأتي على جميع أصحابه فله أن يهرب بهم والحياة لهم أنفع، ويكون في طلب الحيلة والمكيدة والنصر، وقال أصحابنا: ليس له أن يولى.
قلت: وكم يجب [550] فرض الجهاد؟ قال: إذا كانوا كنصف العدو في السلاح والكراع (3) والعدد والعدة وما يصلح به ذلك من جميع آلة الحرب والماء والطعام لهم ولدوابهم لزمهم في ذلك فرض الجهاد. /214/
__________
(1) أخذ رسول الله (ص)، والجزية من أهل هجر في البحرين، وكانوا مجوسا تابعين للفرس. (انظر: البلاذرى: فتوح البلدان ص 85، 87، وأبو يوسف: الخراج ص 128، 131، وأبو عبيد االقاسم بن سلام: الأموال ص 31، 32).
(2) (طلب الحيلة في الحرب): زيادة من عندنا.
(3) الكراع: الخيل والبغال والحمير. (2/214)
صفحة 630
قلت: فإن قلوا عن نصف عددهم هل عليهم فرض؟ قال: لا، إلا من أراد وسيلة وفضيلة فلة أن يجاهد، وإن لم يجاهد لم يجب فرض ذلك إلا في دفع البلاء، (1) فقد قيل: إن كان من حصر فعليه أن يدفع عن حرم المسلمين وأموالهم، وإن خافوا أن يستولي عليهم القتل فهلم الهرب، وإذا حضر العدو البد جاز لكل يقاتل مدينا أو غير مدين، وأما الخارج إلى الجهاد فلا يخرج إلا بعد قضاء الديون والخلاص، وبرأي والدية، وقد روى أن رجلا قال للنبي (ص): هاجرت يارسول الله، قال: هجرت الشرك ولكن بايعني على الإسلام، وقال: ألك ولدة؟ قال: نعم، قال: ألزمها فإن الجنة تحت قدم الوالدة، ويروى حديث أن رجلا قال: يا رسول الله إن جاهدت بسيفي صابرا محتسبا كفر الله خطاياى؟ قال: نعم، فلما قفى قال له ارجع، هذا جبريل أتاني قال: إن لم يكن عليك دين، وفي حديث آخر قال: إلا الدّين، فعلى هذا محنة الدين شديدة.
قلت: فهل للإمام أن يصالح عدوه ويدفعهم بمال؟ قال: نعم، يكون ذلك كما أراد رسول الله (ص) يصالح على شيء من ثمار المدينة، يوم الخندق، عدوه كذلك قيل عن بعض أصحابنا أنهم كانوا أيام دولتهم بعمان يدفعون إلى بعض الجبابرة شيئا من المال ليدفعوا به شرهم عن أنفسهم وحرمهم فعلى هذا يجوز، وأظن أن بعضا لم يجز ذلك /215/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (البلاد). (2/215)
صفحة 631
قلت: يجوز الخروج على الإمام بحال؟ قال: لا، حتى يظهر كفره ويحل دمه وتجب البراءة منه ثم يصر ولا يتوب، فهنالك يحل الخروج عليه فإن اعتزل وإلا قوتل وقتل.
قلت: فالإمام إذا خرجت عليه خارجة أعليه مجاهدتهم؟ قال: نعم، عليه مجاهدتهم إذا قدر على ذلك.
قلت: فإن ترك قتالهم؟ قال: إن ترك قتالهم بعد القدرة كفر، وإن ترك بعد الدخول في الحرب مع القدرة ونزل إلى الصلح كفر، كما فعل في الأول في الركون إلى الحكومة بعد الحرب [551] وتركه لها.
قلت: فإن كان إمام عدل فخرج عليه خارجة لم تظهر له محاربة لهم ولم يكن (1) تخلفه عن حربهم بخذلان من أصحابه أو قلة من الأعوان أو عجز عن مجاهدتهم أو ترك مع القدرة، ولم يعلم أي الوجوه كان من الإمام، فإن الإمام لا يساء به الظن وهو على إمامته، حتى يصح أنه ترك ذلك مع القدرة؛ لأن الترك ضروب وتصح من فاعل فعل، ثم ترك ذلك بعد الحرب كفعل عليّ فأما ما لم يعلم فهو على ولايته الإمامة حتى يصح خروجه بحدث مثقف عليه يكفر به، أو ترك الحرب بعد القدرة عليها والإخوان، (2) وأما ما كان على عقده وعهده غير مقصر ولا راكب حراما لا يجب (3) خلعه وواجب نصره./216/
__________
(1) (يكن): زيادة من عندنا.
(2) كتب في المخطوطة بلا نقط هكذا: (والاحوان).
(3) (لا يجب): زيادة من عندنا حتى يستقيم النص. (2/216)
صفحة 632
قلت: فإن لم ينصروه وقدموا غيره ولم يعلم ما كان تخلفه؟ قال: يكفرون بذلك؛ لأن عليهم نصرة فحرام عليهم تقديم عليه من غير حجة.
قلت: فلم يقاتل ولا ظهر منه محاربة؟ قال: قد عرفناك المعاذير ويحمل على أحسن الظن أنه لم يجد أعوانا ويخاف على نفسه لقلة الناصر، أو ترك بغير عذر فلا يساء به الظن أنه ترك بغير عذر إذا لم يكن دخل الحرب ولا عمل عليها، حتى يصح تركه بعد القدرة وإن عنده كنصف العدو كما وصفنا، ثم ترك ذلك وأهمله ويصح عليه، فهنالك يجب خلعه وخلع أيضا من خرج عليه، ولا حجة لهم بتركه حربهم لأنهم بغاة عليه وهو على الأصل أحسن الظن به حتى يصح كما وصفنا لك.
قلت: فله تسلم شيء من ماله أو مال المسلمين ليدفع به شرهم إذا خافهم؟ قال: نعم، تقدم الشرح لذلك وعرفناك الحجة، وللمرء أن يحي نفسه بماله.
قلت: فإن كان هو في البلد والمستولون على أمره في البلد يدعون استحقاق ذلك لأنفسهم، ويجعلونه طاعة لربهم ولم يظهر من الإمام إنكار ولا تغيير عليهم؟ قال: الجبار إذا استولى على الأمر والباغي المخوف شره، لا يجوز للمقهور أن يبيح دمه ويظهر الإنكار على من استولى عليه وعلى إمرأته؛ لأن من شأن من طلب الرئاسة وتسمى بالملكة أن يقتل من غير امرأة أو أظهر خلافة أو يظهر الرضى بنفسه. /217/ (2/217)
صفحة 633
قلت: فالإمام الشاري تسعه التقية (1)؟ نعم، إذا خاف على نفسه [552] القتل وسعته التقية ويكون العمل في طلب الناصر والمكيدة إلى أن يجد ذلك ويصيب أعوانا.
قلت: وإن لم يعلم منه فعل لذلك؟ قال: فهو على الدينونة في الأصل على ذلك ولا يسئ به الظن ولا تحكم عليه بغيره حتى يصح أنه أهل ذلك.
قلت: فلم يعلم ذلك إلى أن مات؟ قال: فهو على ما وصفنا مما كان عليه من الدينونة في الأصل وعاجله الموت فمات فلا يحمل أنه تارك الإنكار وطلب الناصر، وإنما كان سكوته عن إظهار ذلك لما وصفناه من الخوف على دمه.
قلت: أليس قد قيل إن التقية لا تسع الأئمة؟ قال: نعم، وكذلك تأويله عند القدرة والأعوان على الخوف على النفس وقلة الأنصار، وإذا لم يكن مع الإمام من يستعين به جاز له السكوت حتى يجد الأنصار، وإذا كان الإمام بالإجماع لا يدفع ذلك متأول ولا مكابر تسعه التقية طرف العين، وسعته طرفتين واليوم واليومين إلا ما لا نهاية له حتى يجد أعواناً وأنصاراً يقوم بما يلزمه.
قلت: فهل تجوز ولاية إمام تسمى بالإمامة لم يقدمه علماء المسلمين؟ قال: لا يتولى إلا إمام اجتمع على عقدته ناس من علماء المسلمين المجتمع على ولا يتهم، إلا أن يسير بالعدل ويقع التسليم له والتراضي عليه من الجميع /218/
__________
(1) التقية: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن. (2/218)
صفحة 634
والرضى بإمامته وصحة سيرته ولم يختلفوا فيه ولا فيها، وما علمت أن المسلمين تولوا متسمى بالإمامة لم يقدمه علماء المسلمين، ألا ترى أنهم لم يقولوا عمر بن عبد العزيز وقد كان صحيح السيرة إذ لم يقدمه علماء المسلمين. (1)
قلت: فإن تقدم إمام ولم يعلم من قدمه ما يكون حكمه؟ قال: حكمه الوقف حتى يعلم حاله وصحة إمامته. قلت: ولا يبرأ منه؟ قال: لا حتى يعلم منه جوراً خالف فيه الحق في سيرة المسلمين.
قلت: فهل يسأل عن حاله؟.قال: لا، إنما السؤال عن أهل الأحداث المكفرة المجتمع على تحريمها، يسأل السائل عن الحكم إذا صح له الحدث ولم يعلم بما يلزمه في الحكم سأل عن ذلك حتى يحكم بعلم، كان المحدثون أئمة أو جبابرة، فالسؤال عن الحكم بعد صحة [553] الحدث، وأما إذا لم يصح الحدث لم يلزمه سؤال.
قلت: فهل على المسلمين أن يبينوا للضعفاء أحداث المحدثين إذا سألوهم عن دينهم أو عن الأحداث؟ قال: نعم، يلزمهم أن يبينوا للناس كما قال الله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}، (2) /219/
__________
(1) يقصد هنا علماء الإباضية.
(2) سورة آل عمران: آية 187. (2/219)
صفحة 635
قلت: فهل على الضعفاء سؤال عن العلماء ليحملوا عنهم دينهم ويتولونهم؟ قال: نعم، لأن الحجة إنما هي لهم وعليهم بأهل الحق إذا عرفوهم من جملة أهل الخلاف وتولوهم وأخذوا عنهم.
قلت: فهل عليهم قبول ذلك؟ قال: نعم، قد قال الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، (1) فإذا كان التبيين عند خبر الفاسق، وجب قبول خبر العدل، ويقبل فتيا المسلمين العلماء من أهل الولاية.
قلت: وهل يقبل فتيا غير أهل العدل أو فتيا أحد من أهل الخلاف؟ قال: لا، إلا من عرف عدل ذلك فله أن يعمل بما عرف عدله.
قلت: فما تقول في إمام تسمى بالإمامة ولم يتفق على صحة إمامته والعاقدين لها وكانت في سراياه أحداث من بسط الأيدي في الدماء والأموال، تقدم عليه إمام آخر لم تصح إمامته ثم اقتتلا وسفكا على ذلك الدماء وخطأ بعضهم بعضا وسفك بعضهم دم يعض؟ قال: الوقوف عنهم جميعاً لإشكال أمرهم، وقد تكون الفئتان كلاهما على الخطأ فلا تجوز ولاية أحد الفريقين وهما بمنزلة من لا يعلم بحاله حتى يصح ضلال الجميع أو البعض، ثم يقع الحكم في ذلك لأن المشكوك موقوف، /220/
__________
(1) سورة الحجرات: آية 6. (2/220)
صفحة 636
ومن دخل في إمامة فاسدة لحق بحكم المعقود له، ولم يكلف الله عباده شطيطا من أمرهم ولا عسرا في دينهم، بل قد جعله يسرا بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، (1) يعني من ضيق.
قلت: فمن قال لابد من إمامة برة، أو فاجرة، أو إمرة برة أو فاجرة؟ قال: هذا قول لا يلتفت إليه وهو غلط من قائله.
قلت: فمن قال إن طاعة أئمة الجور جائزة؟ قال: هذا .... (2)
قلت: فمن إنه لا تجوز إلا شهادة العدول وجائز حكم غير أهل العدل؟ قال: وهذا غلط، وإذا كان الشاهد لا يكون إلا عدلا بالاتفاق [554] فالحكم في الدماء والأموال لا يكون إلا بعدل من المسلمين، ألا ترى إلى قول الله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}، (3) ولم نعلم في السنة أن النبي (ص) أجاز حكم غير أهل العدل.
قلت: خطأ، إلا أن يتفق على صحة أحكامه وتجرى في المصر سنة ولم يختلفوا فيه ولا فيها./221/
__________
(1) سورة الحج: آية 78.
(2) بعد (هذا) بياض بالأصل.
(3) سورة المائد: آية 95. (2/221)
صفحة 637
قلت: فمن قال تجوز إمامة الإمام الذي قدمه مسلمون ومحدثون من أهل البراءة؟ قال: هذا قول خطأ لا يلتفت إلى قائله، إنه لا يتولى إلا من قدمه المسلمون، أو يقع التسليم والرضى عليه بالاتفاق كإمامة عمر بن الخطاب بالاتفاق والقيام بالحق ورضى المسلمين، وبالله التوفيق وبه نستعين والحمد لله رب العالمين، وقد ألفنا هذا الكلام مع ضعفنا وعنف ألفاظنا وقلة معرفتنا، فمن وقف على شيء منه خطأ أو به غليط فينزل العذر من غير عمد فلا يعمل، ويعمل بالحق، والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى، والحمد لله صلى الله على النبي المصطفى محمد وآله وسلم تسليما. /222/ (2/222)
صفحة 638
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة الشيخ الفقيه محمد بن محبوب رحمه الله
إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من أخيهم محمد بن محبوب. (1) سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا الله حمدا كثيرا، وهو لذلك أهلا، وأسأله الصلاة على محمد (ص) تسليما، وأوصيكم بتقوى الله وذكره كثراً وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسئولون وأحثكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته وافترض عليكم من عبادته بإتيان ما به أمر والانتهاء عما عنه زجر فيما أخذ عليكم فيه الميثاق ورضى لكم به من أخلاق، من ترك المحارم، والكف عن المظالم، واجتناب /223/
__________
(1) هذه السيرة رد من الشيخ الفقيه محمد بن محبوب على من كتب إليه من أهل المغرب من الإباضية، وقد أشار السالمي في كتابه تحفة الأعيان (ج1 ص 198) إلى هذا الكتاب وإن لم يثبته، والفقيه محمد بن محبوب من علماء الإباضية وفقهائها العمانيين في أواخر القرن الثاني الهجري والقرن الثالث الهجري، وتوفي وهو قاض على صحار في سنة 260هـ، وقد شارك محمد بن محبوب وأسرته في الحركة العلمية في عمان وفي الأحداث السياسية فيها، وكان يؤمن باتصال الدولة الإسلامية والمسلمين مهما تباعدت المسافات واختلفت الأقطار، وعرف محمد بن محبوب بأبي عبد الله. (2/223)
صفحة 639
الكبائر، والعمل على البصائر، في آناء الليل والنهار، والعلانية والإسرار، فإن ذلك أحق ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون [555] وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم، وحلول آجالكم وما توفيقنا وإياكم إلا بالله. أما بعد، وهب الله لنا ولكم العصمة، ومنحنا وإياكم الحكمة، ونجانا وإياكم من النار، ومن المصير إلى دار البوار، كتبت إليكم رحمنا الله وإياكم وأنا ومن قبلي من الخاصة والعامة من المسلمين بأحسن حال وأتم نعمة، وأجمع كلمة والحمد لله على ذلك وعلى كل حال، وقد وصل كتابكم بالسار لي من خبر سلامتكم وحالكم وجميل صنع الله لكم آلائه عندكم، فحمدت الله على ذلك وسألته المزيد لنا ولكم من كل فضل عتيد، إن ربنا واسع مجيد، وسألتم رحمنا الله وإياكم في كتابكم الذي بلغكم عن الإمام والوالي والساعي إذا وصلت إلى أحد منهم زكاة أموال المسلمين في جميع ما فرضها الله قسموا نصفها على الفقراء والنصف اتخذوه مأكلة وجعلوه دولة بين أقربائهم وعشائرهم وأهل ودهم وخواصهم هل ترى ذلك جائزا؟ فالذي بلغنا وقبلناه عن أوائل المسلمين وفقهائهم الذين تمكسوا بدين الله واستقاموا على سنّة نبيهم محمد (ص) واعتصموا بحبل ربهم، وأنكروا المنكر حين حدثت الأحداث من أهل التبديل بعد نبيهم، ففارقوا أهلها على أحداثهم بإنزالهم إياهم بحيث أنزلهم الله في كتابه وسنة نبيه (ص) /224/ (2/224)
صفحة 640
ائتماما بالقرآن واتباعا لرسول الله (ص) والخليفتين المباركين أبي بكر وعمر رحمهما الله من بعده حين أديل المال بين الأغنياء وحرم أهله الذين فرضه لهم، وذلك قوله: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}، (1) فأنكر المسلمون إدالة المال على من أداله وأخذه دون أهله بخلاف الكتاب النازل على رسول الله (ص) فبرءوا رضللوهم بعد أن احتجوا عليهم، وأمروهم بالتوبة والرجعة إلى حكم كتاب الله وسنة نبيه (ص) فلما امتنعوا [556] بحق الله وجعلوه لغير من جعله الله، فارقوهم وقاتلوهم، ومن أدال شيئا من حق مال الله عن أهله وأخذه لنفسه أو لغيره فهو ظالم مخالف لأمر الله، وسنة نبيه (ص) ولو كان لا يكون ظالما مديلا حتى يظلم جميع مال الله لما كان الناس يظلمون عثمان بن عفان أدالته مال الله بين قرابته حتى يأتي على جميع مال الله، والذي مضى عليه المسلمون ليس بينهم فيه اختلاف ولا تنازع أن من ظلم حبة فما فوقها متعمداً ثم أصر عليها كفر، ولولا أن ذلك لا يذهب عليكم إن شاء الله قول أسلافكم لبينّا لكم من حجة أهل الإسلام فيه، فهذا الإمام والوالي والساعي على ما وصفتموه عندنا جائر عن حكم الله حاكم بغير ما أنزل الله، وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، (2) والظالمون /225/
__________
(1) سورة الحشر: آية 7.
(2) سورة المائدة: ية44.
وفي سورة المائدة: آية 45 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وفي سورة المائدة: آية 47 {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. (2/225)
صفحة 641
والفاسقون، ولا حكم إلا لله ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله، فهذه دعوة المسلمين التي دعوا الناس إليها وفارقوا على تركها، العدل والعمل، أعاذنا الله وإياكم من فتن الشيطان ومن الزلل في الدين والركون إلى الدنيا والرضى بها بدلا من رضى الله وثوابه، فإن فعل ذلك إمام استتيب، فإن تاب ورجع قبلت توبته ولم يجعل على براءته، وإن أبى وأصر وامتنع زال إسم الإمامة وحقها عنه وصار عدواً للمسلمين يستحلون خلقه من الإمامة، وإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى أمر الله؛ لأن ما أحل الله من البراءة من أهل القبلة وتحريم ما حرم الله منهم وذلك ما لا يذهب عليكم علمه وسيرة المسلمين فيه إن شاء الله، فإن كان ذلك في عماله وسعاته (1) دونه كان الذين عملوا بالمنكر أولى به، وكان عليه الإنكار بذلك واستتابة الذين عملوا به، فإن لم يتوبوا استحقوا البراءة والخلع معه ومع المسلمين، فإذا رجع ذلك إلى الإمام صح معه بعلمه أو بشاهدى عدل من المسلمين استتاب الذين خانوا الله في أمانتهم وحكموا بغير ما أنزل الله إليهم، فإن فعل لم يكن عليه إلا ذلك، وإن صح ذلك معه [557] فلم ينكر ولم يتغير جور الجائرين، ودعى إلى ذلك الحق، فإن أصر وامتنع نزل بالمنزلة التي وصفناها لهم من الخروج من إسم الإمامة وحق الإمام ووجب على المسلمين فراقة وخلعه /226/
__________
(1) السعادة: جمع ساعى، ويعني (بالسعادة) هنا جباة الصدقة والأموال. (2/226)
صفحة 642
وعلى هذا مضى أوائلنا وأسلافنا من لدن افتراق أهل قبلتنا بعد نبيهم (ص) إلى يومنا هذا، قبلناه عن أئمتنا وقادتنا العلماء وبما مضى عليه أوائلهم ودانوا به في أئمتهم وغيرهم ولم ينزل أحد منهم اختلاف وقلتم، وإن تاب أحد منهم فهل عليه أن يؤدى جميع ما أكل من ذلك لنفسه وعياله وما أعطاه على وجه الأثرة؟ فإن أعطى صدقات المسلمين في غيرها أهلها، فعليه رد ذلك إلى أهله؛ لأن المسلمين قالوا فيما اتفق لاتباعهم من آثارهم التي ساروا بها ودانوا أن من ركب شيئا يحل به عليه من الله عذاب في الدنيا من إثم (1) أو نكال أمر المسلمين أن يحكموا به عليه قاتلوه عليه، فإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى الله بعد الدعوة، وكان أخذ بما قوتل على أعطاء محقا حتى يعطيه، ولو لم يكن عليه رده، ما قتلوه عليه، وإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى أمر الله، والفيئة الرجوع إلى حكم الله الذي حكم به عليه أو كان أخذه به على المسلمين، فعلى هذا عندنا رد ما أتلف من صدقات المسلمين الذي ائتمنوه عليها إلى أهلها وذلك الذي يخرج بفعله وبعلمه من ولاية المسلمين وإمامتهم، وما كان من أخذهم به عدلا أخذوا به إذا تابوا ورجعوا ولم يعطل ذلك عنهم، عن الإمام العامل على قوم من أهل دعوته في مواضع جرت عليه أحكام أهل الجور، فإذا حال عليه الحول جاء عامل الجبابرة، (2) وكذلك /227/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (اسم).
(2) (عامل الجبابرة): يعني بها عمال الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية، وفي زمن هذا الكتاب كان العمال هم عمال الدولة العباسية. (2/227)
صفحة 643
العامل الذي زعم أنه من الدعوة، فيجبى له الصدقات من أهل عمله ثم يكلفهم هو ثانية أن يدفعوا إليه صدقات أموالهم ليفرق بعضها على الفقراء والنصف الباقي ليصرفه لنفسه كما ذكرتم في المسألة الأولى، فهل يجوز للإمام أن يعقد عماله لوال من عماله في موضع لا يمنع فيه أهل الدعوة من الجبابرة يعاونوهم كما ذكرتم؟ وهل تجب طاعة هذا الوالي وهو لا يمنعهم من أهل الجور؟ وهل يجوز للإمام أن يكلفهم أن يدفعوا إليه زكاة أموالهم على هذه الصفة؟ وكيف قول المسلمين في ذلك؟ فاعلموا -رحمنا الله [558] وإياكم- أن قول المسلمين المأثور عنهم عن أوائلهم أنه ليس للإمام أن يجبى قوماً ولا يأخذ صدقاتهم وهو لا يمنعهم من أن يجار عليهم، فإذا فعل ذلك فقد جار عليهم، ولا فرق بينه وبين أهل الجور الذين يأخذون منهم، وإنما أخذت أئمة المسلمين الصدقات من بعد أن يظهروا على البلاد ويجوز حكمهم فيها ويمنعوهم، فعند ذلك يأخذون صدقاتهم على حكم كتاب الله وسنة رسوله (ص) وليس للإمام أن يأخذ من هؤلاء شيئا ولا يقعد عليهم لوال ولاية بلا حماية لهم ومنع، وعلى هذا مضى أوائل المسلمين وعليه آخرهم فاقتدوا بهم ووطئوا آثارهم ولا قوة إلا بالله، وهذا الوالي الذي وصفت بعين الجبابرة على أخذ الخراج من أهل البلد معينا للظلمة على ظلمهم منفذا لهم في عباد الله جورهم، وإن كانت له ولاية استتيب، فإن تاب انتهى عن ذلك قبل منه، وإن أبى وأصر /228/ (2/228)
صفحة 644
استحق البراءة والخلع من المسلمين، وإن المسلمين قالوا في سيرهم إن من دينهم ولاية أهل طاعة الله على طاعتهم وعداوة أهل معصية الله على معصيتهم وخلع أتباعهم الذين شدوا على أعضادهم ونفذوا لهم جورهم الذي عملوا به في عباد الله وبلاده، فهذا العامل منفذ لهم جورهم في عباد الله بأخذ أموالهم للظلمة ولنفسه، وليس بأهل أن يأمنه المسلمون على أموالهم؛ لأن المسلمين عليهم أداؤها إلى أهلها الذين فرضها الله لهم، وإلى من يأمنوه في دينه على أدائها إلى أهلها من إمام أو غيره من المسلمين، فإذا أدوها إلى غير الأمناء كان عليهم أداؤها إلى أهلها ولو لم يغن عنهم ما أعطوه للخونة عن حق الله من عامل أو غيره، وعن قوم كانوا بهذه المنزلة هل يسمون أهل ظهور أم أهل كثمان؟ وأحكام الجبابرة عليهم جائرة كما وصفتم، فهذا مما يسعه الكتمان (1) والتقية عليه، وعليه أداء الزكاة إلى من فرضها الله له، والذين يحكمون عليهم بهذه الأحكام أهل إظهار للمنكر وكثمان للحق قلتم، وهل لهؤلاء وهم سكان في أمصار أهل الجور، هل يجوز لهم أن يدفعوا زكاتهم إلى إمام العدل في موضعه في مكانه الذي هو فيه، أم سيرة المسلمين أن يفرقوها في فقرائهم، فإذا كانوا في أرض أهل الجور ومعهم فقراء [559] من المسلمين فأولى بهم عندنا أن يجعلوها فيهم، /229/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (الاكتتام). (2/229)
صفحة 645
وإن لم يكن عندهم أخد من فقراء المسلمين فيبعثوا بها إلى أئمة العدل لكان ذلك صوابا مجزيا عنهم مؤديا لما أوجب الله عليهم من أدائها، وللإمام أن يقبلها ويجعلها في أهلها. وعن الوالي إذا زعم أنه من أهل الدعوة، إلا أن معه سجلين، سجلا من أئمة العدل وسجلا من أئمة الجور، فإذا قدم عليه رسول الإمام العدل أجابه إلى ما يريد، وإذا جاءه رسول الجبابرة استوفى لهم الصدقات من جميع رعيته، فهل يجوز هذا لمن زعم أنه مسلم أن يفعل هذا؟ وهل تحل ولايته وتجب طاعته على من بحضرته من المسلمين أم كيف وجه الحق في ذلك؟ فقد بينا لكم أنه ليس للإمام أخذ صدقات من لا يحميه ولا يمنعه من الجبابرة وحكمهم وغيرهم، ولا يحل لرجل من المسلمين أن يجبى صدقات المسلمين الذين لا يحكمون بكتاب الله وسنة نبيه وآثار أئمة الهدى ولا تجرى هذه الصفات على المسلمين؛ لأنها إنما أخذها الظالمون ولا يقبل هذا أحد من المسلمين الصادقين في إيمانهم، وعن الرجل إذا دفع زكاة ماله إلى والي من ولاة أهل الدعوة فرآه يعمل فيها بما ذكرتم من المسألة الأولى، هل يسعه أن يدفع إليه ما أوجب الله عليه من الحقوق ويعقد بذلك من حق الله عليه في ماله أم عليه أن يزكى ثانية؟ فإذا علمه بالجور فيها على ما ذكرتم فإنه لا يسعه دفعها إليه وعليه أن /230/ (2/230)
صفحة 646
يعطيها ثانية إلا أن يستتيبه، فإن تاب ورجع أدى إليه وأحزى عنه، وإن أبى وأصر استحق البراءة ولم يسع المسلمين أداء زكاة أموالهم إليه، فإن غضبهم إياها لم تكن تلك زكاة الأموال، وزكاتهم عليهم حتى يؤدوها إلى أئمة العدل الذين أوجبها الله لهم، وعن الحاج إذا خرجوا إلى مكة فهل للإمام أن يولي عليهم عاملا؟ وإنما جميع سفره عن منزلة حتى يقدم مكة في أمصار أهل الجور، وإن كان ذلك جائزاً فهل له أن يمنع من أراد الرحيل قبل أن يأمر العامل بالرحيل من الموضع الذي نزله الناس، وإن كان ذلك جائزاً فهل له إن امتنع من الصبر إلى وقت [560] أمره به، فهل له أن يقهره على ذلك ويضربه ويفرق متاعه عليه؟ فإذا ولى إمام المسلمين رجلا على رعيته، فإن ذلك عندنا جائز للإمام وعلى أن يسمع له ويطيع، فإن استعصى عليه أحد فليس نرى له أن يتعدى عليه بضرب ولا إتلاف متاع؛ لأنه ليس يركب من ذلك أمراً يستحق الضرب وإتلاف المتاع، فإذا صاروا إلى الإمام في موضعه وحيث يجوز حكمه رأى الإمام في ذلك رأيه لوجه العدل، ومن زعم أن ذلك جائز للوالي أن يركب من ذلك أمراً لا يحل فليس يبلغ به ذلك عندنا للبراءة، وعن قوم خرجوا في رفقة في سفر فهل لهم أن يولوا رجلا يكون عليهم في سفرهم ذلك يملك نزولهم ورحيلهم ويعقدوا له لواء أم ليس /231/ (2/231)
صفحة 647
ذلك لهم؟ وإن كان ذلك لهم جائزاً، فهل له أن يقهر من أبى عليه ذلك وأراد أن يسير وحده بقوم (1) كرهوا ذلك؟ هل لهم أن يعتزلوا عمن كان بهذه المنزلة؟ وهل له أن يسبط يده بالضرب إلى من أبى ذلك عليه؟ هذا عندنا ليس من المواضع التي (2) يلزم المسلمين بتقدم وإلى عليهم، ولا لأحد أن يقهر أحداً على نفسه أن يسير معه أو يجتمع مع غيره؛ لأن الناس أملك بأنفسهم، إلا أن يتراضى جميع القوم أن يضيفوا أمر مصالحهم في سفرهم إلى رجل منهم ويطيعوه برأيهم، فأما أن يقهرهم على شيء يكرهونه من مسير أو غيره فليس نرى ذلك عليهم، وإن نال أحداً منهم بضرب، فإن عليه أن ينصفهم من نفسه، وإنما تكون الولاية في حكم المسلمين لتقديم إمامهم لوالى، فأما إذا خرجوا من حكمهم فلا نرى له أن ينال أحداً بضرب، ولا غيره حتى يرجعوا إلى حكم المسلمين، وعن العامل ومن بحضرته من أهل الدعوة إذا كانت جميع أحكامهم وما يعملون في رعيتهم برأي أنفسهم وليس بعلم ولا أثر ممن مضى من أهل العلم، هل هؤلاء أهل الدعوة وقد استحلوا منها بهذه المعاني وهم يقرون بها في الجماعة؟ فاعلموا – رحمنا الله وإياكم- أن الأحكام إنما هي حكم الله في كتابه وسنة رسوله (ص) وآثار أئمة الهدى، العلماء بكتاب الله [561] وسنة /232/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (أو يقم).
(2) كتب في المخطوطة: (الذين). (2/232)
صفحة 648
رسوله، فمن علم ذلك حكم به ومن لم يعلم ما حكم الله به، ولا سنّة رسوله ولا آثار أئمة الهدى فليس ممن يجوز له أن يحكم في عباد الله بغير علم، وعليه اعتزال الحكم وتركة إلى أهله، وإنما يحل الحكم لأهل العلم بكتاب الله وسنة رسول وآثار أئمة الهدى، فمن لم يكن كذلك لم يجز له أن يحكم في عباد الله بغير علم وعليه اعتزال الحكم وتركه إلى أهله، وإنما يحل الحكم لأهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله وآثار أئمة الهدى العلماء، فمن لم يكن كذلك لم يجز له أن ينصب رأيه حكماً بغير هدى، وإنما أضل الناس باتباعهم أهواءهم وتقديمهم آراءهم ولو كان الرأي جائزا لمن لا يعلم الحق لكان كل من كان يدين برأي مصيباً، وقد قال الله: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، (1) ولم يعذر من ركب معصية بجهل بعدل الحق فيها، والذي أثر عن (2) أسلافنا رحمهم الله ونقلوه إلينا عن علمائهم الأمناء على ما نقلوا وحملوا عنهم وأدوه، أنهم قالوا إنما الحكم والقضاء إنما يجوز لمن كان عالما بكتاب الله وأحكامه وأقسامه وحدوده وفرائضه وسنة رسوله (ص) وآثار أئمة الهدى، فإذا ورد عليه أمر نظر أمره من كتاب الله فإن وجد فيه حكما من الله حكم به، وإن لم يكن له حكم في كتاب الله ووجده في /233/
__________
(1) سورة الكهف: الآيتان: 103، 104.
(2) (عن): زيادة من عندنا. (2/233)
صفحة 649
سنة رسول الله (ص) حكم به، وإن لم يجده في سنّة رسول الله (ص) ووجده في ثار أئمة الهدى العلماء حكم به، وإن لم يجده في آثارهم شاور فيه أهل الرأي من المسلمين فما أجمع عليه رأيه ورأيهم حكم به إذا رأوه أشبه بالحق وأقرب إليه، وإن رأى هو وبعضهم أخذ برأيه ورأي من رأى رأيه، وإن خالفوه جميعاً ترك الحكم فيه برأيه وإنما يجوز النظر بالرأي للحاكم ولمن يشاور فيه من العلماء، إذا كان وكانوا على ما وصفت لكم من العلم بكتاب الله وأحكامه وأقسامه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وسنّة رسول الله (ص) وآثار أئمة الهدى العلماء، فإذا كان وكانوا كذلك جاز لهم الرأي إذا اجتهدوا فيه وقاسوه على الكتاب أو السنة والأثر فرأوه أشبهه بالحق [562] جاز لهم النظر بالرأي، وإذا لم يكن ويكونوا كذلك لم يجز له ولا لهم الرأي، وكذلك بلغنا عن بعض فقهاء المسلمين أنهم قالوا إذا كان الحاكم على ما وصفت لكم من العلم بكتاب الله وسنّة رسوله (ص) وآثار أئمة الهدى، فإذا اجتهد مع مشاورته أهل العلم الذين يجوز لهم الرأي على ما وصفت لكم فاجتهد رأيه مع مشاورة أهل العلم الذين يجوز لهم الرأي على ما وصفت لكم، فاجتهد رأيه فأخطأ فذلك يرجى أن يعفو الله عن خطئه، فإذا لم يكن في أهل الإقرار بالدعوة أحد يجوز له الحكم بالرأي ردوا ذلك ولم يعجلوا، وشاوروا فيه أهل العلم من المسلمين في الآفاق ولم ينفذوا الآراء بغير علم يرجى معرفة العدل في الرأي، فإذا حكموا برأيهم علم بما /234/ (2/234)
صفحة 650
يجوز لهم على علمه الرأي فأخطئوا فأحلوا حراماً وحرموا حلالا أو أحقوا باطلا وأبطلوا حقاً، أو خالفوا العدل فيما حكموا به ضلوا بذلك وكانوا آثمين، وعمن ولى أمر المسلمين وكان يولى السفهاء من قرابته وعشيرته، هل تجوز ولايته على هذا الوجه أم كيف قول المسلمين في ذلك؟ فمن ولى أمر الله أعداء الله فليس تحل ولايته في خلاف أمر الله وتضييع أمانة الله، وقد بلغنى عن بعض أصحاب رسول الله (ص) أنه قال: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا لخائن»، وذلك في أن يكون يتولى له شيئا مما خان به الله في دينه، ومن ائتمن على أمر الله وأمانته وعباد السفهاء، فقد خان أمانة الله عنده، فهو ممن يلزم المسلمين استتابته إن كان قد كانت له عندهم ولاية، فإن تاب قلبوا منه وإن أصر برءوا منه وخلعوه، وكذلك فعل المسلمون في عثمان بن عفان وكان مما عابوا عليه في إحداثه استعماله السفهاء. وعن الإمام، هل له أن يولي رجلا جاهلا بالكتاب والسنة ثم يعمل برأي نفسه في جميع أموره، كيف الحق في ذلك؟ فإن الإمام أمين الله والمسلمين وليس له أن يولى شيئا من أمر الله في عباده إلا من يعرف عدله فيلي شيئا من أمر الرعية من يعرف عدل ما وليه، أو يكتب له عهداً يبين له ما فيه ولاه عليه، ولا يجوز له أن /235/ (2/235)
صفحة 651
يولى الحكم بين الناس (1) إلا من يحسن الحكم بينهم، فإذا ولى عليهم في دمائهم وأموالهم وحرمهم من لا يعرف العدل [563] فيهم فقد رد أمرهم إلى من لا يدري، ولا يأمن العدل عليهم، أم يجوز ويصيب أو يخطئ وليس له ذلك، وكذلك الصدقات لا يولى عليها إلا من يعرف عدلها ويأخذها بحقها ويضعها في أهلها، وكذلك لا يولى على حرمه إلا من يعرف سيرة العدل في عدوه، فإذا ولى على شيء من أمر الله من لا يعلمه فقد حكم في أمر الله من لا يعرف الله، ووضع أمانة الله عند غير أهلها، فإذا كان عالما بما يوليه أمينا على ما ائتمنه عليه عنده جاز له أن يوليه وإلا فلا يولى إلا من يقيم به الحق وينفى به الباطل ويعدل به عن رعيته، وتلك سيرة المسلمين في أحكامهم، ولو جاز ذلك لمن يوليه الإمام كان للإمام أجوز، وقد فسرت لكم كيف يحمل الحكم للإمام والقاضي وغيرهما قبل هذه المسألة، وقال الله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ}، (2) إنما الأمر بالمعروف إقامة الحق والعدل، ليس بالمنكر والباطل، وكذلك النهي عن المنكر بالرجعة والرد لأهله إلى الحق والأمر، ومن لم يعرف المعروف لم يعرف المنكر، وإنما أوجب الله الأمر بالمعروف ولم يعذر من أنكر المنكر بمنكر مثله؛ لأن كل راكب منكر بعلمه أو جهل فهو من أهله، وإنما أمر الله رسله وجميع عباده أن يحكموا /236/
__________
(1) (الناس): زيادة من عندنا.
(2) سورة الحج: آية 41. (2/236)
صفحة 652
بالحق والعدل لم يعذرهم أن يحكموا بغير الحق حيث يقول: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، (1) فعليهم العدل والإنصاف من أنفسهم، وعلى الإمام الإنصاف من نفسه وعماله وجميع رعيته، فمن انتصف إليه من ولاته فعليه أن ينصفه فيهم، فإن صح للشاكي حق على واليه أنصفه منه، وإن لم يصح له عليه حق لم يمنعه النظر في إنصافه، فإن لم يكن محقاً وإذا كان على ما وصفتم وصح ذلك مع المسلمين أن عامله يظلم رعيته، ثم ينتصفون إلى الإمام فلا ينصفهم، فالمسلمين أن ينصحوا له فإن قبل قبلوا منه، وإن أبى لم يعجلوا عليه بالبراءة حتى يوضحوا عنده ظلم عامله بشهادتهم أو شهادة عدلين غيرهم، وإذا قامت عليه الحجة، فإن فعل وإلا استحق البراءة مع المسلمين، ومتى ظلم عامله رعيته ثم لم ينصفهم وردهم إليه فقد ظلمهم إذ ولى عليهم من يظلمهم ولم يحكم [564] بالإنصاف ممن ظلمهم وقال {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}، (2) وقال: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، (3) فهذا غير منصف لنفسه ولا لرعيته./237/
__________
(1) سورة النساء: آية 135.
(2) سورة ص: آية 26.
(3) سورة الشورى: آية 42. (2/237)
صفحة 653
وعن الإمام أو القاضي أو العامل الذي (1) يقبل الهدايا من رعيته ويتضيّف عليهم ويكون لمن يهدي إليهم عندهم منزلة ليست لغيره، هل ذلك من سير أهل العدل؟ فإن الذي أخذنا عن أسلافنا العلماء أن الإمام والقاضي والوالي، لا تجوز لهم الهدايا ولا يقبلوها إلا ممن قد كان بينه وبينهم الخلطة متقدمة قبل الإمامة والقضاء والولاية، فذلك لا بأس عليهم أن يتموا على مخالطة أولئك، فأما ما كان من بعد ولايتهم فلا يجوز لهم قبوله فإن قبلوه قبولا يعتذرون فيه بعذر يقبله المسلمون قبلوا معاذيرهم، وإن كانوا يقبلون ذلك من جهة أهل الرشى على الحكم، فإنه ينصح لهم في ترك ذلك، فإنه ليس من أخلاق المسلمين، فإن قبلوا النصيحة قبل ذلك منهم، وإن أبوا كان ذلك منقصا لهم عند المسلمين، ولو استبدلوا بهم وأزالوهم عن أمر المسلمين كانوا أهلا لذلك، والرشى على الحكم حرام، وقد فسر المسلمون في قول الله: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}، (2) قالوا: أكالون للرشى. وقلتم إن تاب فهل عليه ردما كان يهدي إليه الناس؟ فإنا نرى ذلك له وعليه، إلا أن يزول عن الحكم فتطيب للناس به له نفساً فعسى أن يسعه ذلك، وأما ما كان حاكما فعليه ذلك، وأما الإمام الذي بلى بعده فيأمره، برد ذلك إلى أهله، فإن طاب به له /238/
__________
(1) (الذي): زيادة من عندنا
(2) سورة المائد: آية 42. (2/238)
صفحة 654
أهله نفسا وأحلوه له رجوت أن يحل له إن شاء الله من بعد أن يزول عن الحكم، فإن قال: إنه يرده أو قد رده وسع المسلمين أن يجعلوا ذلك إلى قوله ويتولوه على إظهار التوبة منه إليهم، وعن العامل إذا لم يؤمر بإقامة الحدود فرفع إليه من رعيته من يلزمه حد من حدود الله، هل عليه أن يرفع ذلك إلى الإمام أم ينبغي له أن يعفو عن ذلك؛ لأنه [565] لم يؤمر بإقامة الحدود؟ فالحدود عندنا لا تقام إلا عند الإمام أو من أمره الإمام وأذن له في إقامتها، وليس لعمال الأئمة أن يقيموا الحدود إلا بإذن الأئمة وإلا رفعوها إلى الإمامة فيتولى إقامتها، وعمن أدرك قوماً في زمان لا يأخذون على أيدي أئمتهم، لا يأمرونهم بمعروف ولا ينهرونهم عن المنكر ويسايرونهم على أهوائهم، ما للمسلم أن يفعله في زمانه ذلك؟ أيكون هذا الضرب عنده من عند الناس مسلمين أم يقف عن ولايتهم أم يبرأ منهم؟ فاعلموا – رحمنا الله وإياكم- أن إسم الإسلام وثوابه إنما أوجبه الله على القول والعمل بما أوجب الله من الفضل على عباده والإخلاص في القول والعمل، وإنما نثبت الولاية على المسلمين لمن وافقهم فيما دانوا الله به من القول والعمل، فمن ضيّع القول والعمل لم يثبت له إسم الإسلام ولا ثوابه عند الله ولا عند المسلمين، فلا تحل ولايته عند المسلمين، والبراءة منه واجبة عليهم، وهؤلاء القوم إذا كانوا ممن يقول بقول المسلمين وهم /239/ (2/239)
صفحة 655
مع أئمتهم فضيعت أئمتهم في ركوب منكر أو ترك معروف، فقد خرجوا من الإمامة وانخلعوا من الإسلام إلا أن يتوبوا، وعلى العلماء أن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ما كانت الولاية جارية بينهم وبينهم، فإذا خافوا على أنفسهم وعلى دمائهم وسعتهم التقية في القول في الظاهر ووجب عليهم البراءة منهم في السر، فلم يؤدوا إليهم زكاتهم ولم يتولوا لهم شيئا من أعمالهم إلا ما وافق الحق من حكم يحكمونه بين الناس بالعدل يكونون هم الذين يتولون النظر فيه وسماع البينات عليه والسؤال عنها أهل الثقة عندهم ويتولون تنفيذه، فأما الأحكام التي يحكم بها أهل الجور والخونة من أهل الدعوة، فلا يتولى المسلم تنفيذها لهم ولا يجوز لهم أن يجبوا لهم الصدقات من المسلمين ولا من غيرهم؛ لأن الذين يأخذون من صدقات المسلمين للجائرين ليس بمجزى عن المسلمين، وإنما هو غضب لهم، ومن غصب الناس أو أعان على غضبهم فهو ظالم لهم، وأن الذي أخذوا من غير المسلمين ليس للمسلمين أن يأخذوه؛ لأنهم ليسو (1) بحكام عليهم، وإنما تجوز التقية في القول [566] لا في العمل، وكذلك جاء في الأثر عن أشياخ المسلمين أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرم الله عليه للتقية، ولا يضع ما أوجب الله عليه للتقية إلا أن يحال بينه وبين الفرائض مثل الصلاة، فإنه يصليها بما أمكن له من الصلاة ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا حيل بينه وبينها، فمن أتبعهم على أهوائهم /240/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ليس). (2/240)
صفحة 656
وأعانهم على جور عمالهم ولم ينكر المنكر ولم يأمر بالمعروف، ومن عز أن يأتي عليه حال التقية فهو منهم ومثلهم، إلا أن الذي أدرك في هؤلاء إن أمكنه وأمن على نفسه أن يستتيبهم فإن ذلك عليه، وإن لم يمكنه فليس هؤلاء أهل ولاية في الإسلام، ولا يوقف عنهم ولا عن العلماء ولا عن الاتباع، فكلهم خارجون من إسم الإسلام وثوابه عند الله، وعند المسلمين إلا من تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه ويقبل المسلمون توبته، وإنما يوقف في قولنا، وهو قول أسلافنا من قبلنا، عمن ركب ما دون الكبائر فإنه عنه حتى يستتاب، فإن تاب قبلت منه توبته وإن أصر على ما ركب برئ منه حتى يتوب، وأما من ركب الكبائر التي أوجب الله لأهلها النار وأوجب عليهم نكالا في الدنيا فإنه يكفر بركوبه من حين ركبه، ويستتاب فإن تاب قبلت توبته وإن أصر كان عدواً؛ لأن المسلمين قالوا إن كل من كانت له ولاية مع المسلمين، فإن أحدث حدثاً مكفراً كان قد أكفره ما قد ركب، وسموه بالكفر، ومن ركب ما لم يلزمه إسم الكفر بركوبه إياه لم يسموه بالكفر حتى يصر، فإذا أصر فأبى التوبة كان الإصرار كفراً، فسموه بما ركب بالإصرار كافراً، ورأوا أن يستتيبوا وليهم عن كل حدث أحرجه من ولايتهم أصر أو لم يصر، ومن كل ذنب أكفره، فلم يتركوا الاستتابة لمن خرج من الإسرم بإصرار أو قبل الإصرار، فإن قبل قبلوا منه، وإن أصر كان على ما استحق عندهم بحدثه؛ لأن مسلماً لو /241/ (2/241)
صفحة 657
كان عندهم في ولايته ثم ارتد عن الإسلام لم تكن ولايته على الجحود بالله حتى يستتاب، ولو أنه استنكره مسلمة حتى وطئها، أو قتل مؤمناً أو نفسا بغير حق، كان قد استحق إسم الكفر بفعله حين فعله فسموه باسمه الذي [567] لزمه بحدثه، وليس يتولونه، وقد كفر كفراً لا شك فيه، فهو كافر ويستتاب من كفره؛ لأنه إذا ارتد عن الإسلام كان على المسلمين أن يحتجوا عليه ويدعوه إلى الرجوع إلى الإسلام، فإن فعل قبلوا منه وتولوه، وإن أصر قتلوه وهو في حالتيه جميعا كافر حرام ولايته إلا أن يتوب، فأما من يلزمه إسم الكفر إلا من إصرار فحتى يصر فيكفر، وذلك الذي مضى عليه سلفنا، وهو قولنا وإن كان هذا الذي أدرك هؤلاء القوم على هذا تمكنه الاستتابة استتابهم، وإن لم يمكنه ذلك فالبراءة أولى بهؤلاء، وليس هؤلاء ولا العلماء على ما وصفتم من تضييعهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتّباعهم الأهواء بالمسلمين، ولا الاتباع لهم على ما لهم عليه، فكل إمام ضل وجار ضل أتباعه على ضلاله. وعن الإمام إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر أتكون البراءة منه بواجبة على المسلمين وتذهب بيعته من أعناق المسلمين؟ فمن ضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من إمام، فلا ولاية له والبراءة منه بعد أن يستتاب، وكذلك غير الإمام من المسلمين، من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيعهما، فقد ضيع أمر الله إلا /242/ (2/242)
صفحة 658
أن يخاف على نفسه، فإن التقية تسعة، فأما الإمام البائع نفسه فإنه لا تسعه التقية وعليه المجاهدة في سبيل الله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الإمام إذا ظهر اللعابين والنواحات والأنبذة في مكانه ولا ينهى عن ذلك ولا يتقدم فيه ولا ينكر (1) عليه، هل هو بذلك مقصر عن سيرة أهل العدل؟ فأما اللعابين والأنبذة فإن كان لعبا مما يكون من أمارات الترويج الذي لا منكر فيه من ضرب الدف، قد أجاز المسلمون ذلك على النكاح لشهرته وظهوره من غير اجتماع من السفهاء والأمور الظاهرة بنكرها، (2) وأما النبيذ ... وأما النوحات، فإن النوح حرام وعلى الأئمة إنكاره، وأما سوى ما ذكرت لكم من الضرب والمنكر واللعابين فهذا من المنكر وعلى المسلمين إنكاره، فإذا رضي به وهاود عليه ولم ينكر فقد خالف في ذلك [568] سيرة المسلمين ويستتاب، فإن تاب وإلا زالت إمامته وولايته عن المسلمين، وعن الإمام إذا كان في رعيته قوم سفا كون للدماء أكاّلون الحرام، أيجوز له أن يولى عليهم رجلا منهم أم لا يجوز له ذلك؟ وقلتم: فإنهم لا يرضون إلا برجل منهم، فكيف الحق في ذلك؟ /243/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ينكل).
(2) كتب في المخطوطة (سكرها) بلا نقط. (2/243)
صفحة 659
الحق في ذلك لا يولى أمر الله إلا رجلا من المسلمين يجتمع المسلمون من أهل العلم به على ولايته وعدالته، فإن لم يرض أهل البلد بذلك لم يترك أمر ربه لرضائهم ولو بلغ ذلك إلا جهادهم حتى يرضوا بالحق ويسلموا له طوعا أو كرها. وعن الإمام، أيجوز له أن يستعمل على رعيته من لا يتولاه؟ فإن ذلك لا يجوز له ولا يحل له أن يولى من لا يعرفه بالثقة أمته ورعيته، وقلتم فإن فعل فهل يزيل ذلك إمامته؟ فإن فعل استتابه المسلمون، فإن تاب وإلا زالت إمامته وولايته وحل للمسلمين عزله بعد إصراره ورد نصائحهم، وعن الإمام إذا ارتكب معصية فيما بينه وبين الله من شهوات نفسه أو جار في بعض أحكامه، هل يبرأ منه من عاين ذلك منه ويخلع إمامته من عنقه من غير أن يعاتبه على ذلك؟ وهل الوجهين جميعا القول فيه واحد؟ وكيف الحق في ذلك؟ فإن كان الإمام ركب معصية مكفرة من الكبائر المكفرات استحق البراءة من حين ركب واستتيب، فإن تاب رجع إلى إمامته وولايته، وإن أصر كان على كفره، وانخلعت ولايته وزالت إمامته ووجبت عداوته، وحل عزله وقتاله، حتى يعتزل أمر المسلمين، فإن كانت معصيته ليست من الكبائر لم يبرأ منه ولم يخلعه حتى يستتيبه، فإن تاب قبل منه وثبتت ولا يته وإمامته، وإن أصر كفر بإصراره وزالت إمامته /244/ (2/244)
صفحة 660
وولايته ووجبت عداوته، وحل عزله ومجاهدته حتى يعتزل أمر المسلمين أو يتوب، وإن كانت معصيته مما توجب عليه حدًا من حدود لله زالت إمامته، تاب أو أصر، وأقام المسلمون إماما غيره يتولى إقامة الحد عليه، فإن تاب بعد إقامة الحد عليه قبلت توبته وثبتت ولا يته، ولا يرجع إلى إمامة المسلمين وكان الإمام الذي أقاموه لإقامة الحد عليه إمامهم، وعن الإمام إذا كان بمنزلة لا يجد فيها أحداً من أهل العدل أن يستعين بهم على أمور المسلمين إلا من لا يبالي، هل [569] ينبغي له أن يعتزل الإمامة؟ فإن كان الإمام قد قام في المسلمين فذهبوا حتى بقى عند هؤلاء فلا أرى له خلع إمامته ولا وضع إمامته عند غير أهل ولايته، ولكن يجتهد فيها بنفسه وستعين على أمره بمن أعانه ولا يوليه إياه ويكون هو المتولى لذلك حيث بلغ جهده وطوله، وإن كان لم يقم وليس يجد ناسا يرضى الخروج فيهم، فلا نرى له أن يخرج بناس لا خير فيهم يكون اجتماعهم وتآلفهم وقوتهم به وباسمه وإمامته، يظلمون الناس ويجورون عليهم، والقعود أولى به من الخروج فيهم، وعن الرجل إذا كان من أهل الدعوة كبير القبيلة والكورة، عامل أو غير عامل، فإذا جيئ عامل الجبابرة الجزية ألق يأخذونها من أهل (1) التوحيد، بعث إلى ذلك الرجل من أهل الدعوة أن أقدم بمن معك /245/
__________
(1) أهل: زيادة من عندنا. (2/245)
صفحة 661
من أهل رأيك، شيعوا هذا المال حتى يقدم ما ضمنه (1) عن الأمين، يعني أمين الجبابرة، هل لهم أن يسارعوا في ذلك رجاء اتخاذ الأبادى عندهم أو على المدارة لهم مخافة ظلمهم وغشمهم؟ وما بانت منزلة من أمر بالمسارعة في ذلك وهو كان مطاعا في قومه، أيبرأ منه على ذلك أم لا؟ وقلتم: إن كان عاملا هل يعزل بذلك أم لا؟ فإن التعاون على الإثم والعدوان ما قد تقدم الله فيه: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (2) فمن أعان الظلمة على ظلمهم وقواّهم على جورهم، فقد أعان على غير حق، وهذا من فعله طائعاً متخذاً به الأيادى فهو معين على باطل، ولا ينبغي للمسلمين أن يولوا مثله إمامتهم، والأمر بالمسارعة في ذلك أمر بمعونة أهل الجور، ومن أعان على المنكر بأمر وفعل فقد دخل في المعونة عليه، وعليه التوبة فإن تاب وإلا سقطت ولايته عند المسلمين، وعن قاض من قضاة الجبابرة أراد الخروج من كورة إلى كورة فبعث إلى من ذكرتم في المسألة أن أقدم بمن معك من الرجال، يذهبون معه حتى يبلغ الكورة التي يريدها، ما متزلة من فعل ذلك؟ فإن كان يريد بذهابه إلى الكورة ظلماً لأحد فلا يتبعوه، فإن اتبعوه أعانوه على ظلمه، وإن كان لا يريد ظلماً لأحد فلا يبلغ بهم إلى السقوط في الإسلام والخروج منه /246/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ماضه).
(2) سورة المائدة: آية 2. (2/246)
صفحة 662
وعن العامل إذا [570] استعمل وهو فقير، ثم ظهرت في يده أموال من غير ميراث دخل عليه في عمله، هل يكون في منزلة التهمة؟ أيعتزل مكانه أم يعاقب؟ فإن استبان للمسلمين أنه ظلم أحداً، أو ارتشى من الناس، أو أخذه من وجه لا يسعه ذلك عندهم عاتبوه، فإن تاب قبلوا منه وإن أصر عزل، وإن كان قد صار معهم في حد التهمة بذلك وهو ينكره ولا يصح بشاهدى عدل فعزله المسلمون، كان أقرب لهم إلى السلامة ولا تسقط ولايته حتى يصح ذلك عليه، وإن لم يعزلوه وسعهم ما لم يصح ذلك عليه إذا كان قد كانت له ولاية عندهم. وعن العبد إذا سرق ما تجب في مثله القطع هل يقطع؟ وإن ترك الإمامة قطعه هل يهلك بذلك؟ وهل يختلف العلماء في ذها؟ فاعلموا- رحمنا الله وإياكم- أنا لم نعلم أحداً من علماء المسلمين اختلف في مثل هذا ولا أبطل القطع على السارق إذا كان عبداً؛ لأن التنزيل في ذلك مجمل قول الله جل ثناؤه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، (1) ولم يستثن في العبد إبطال الحد، إلا أنهم قالوا: إن العبد مال فلم يجيزوا إقراره بالسرق لتلف مال السيد بإقراره، فأما إذا قام عليه شاهدا عدل بسرقة ما يقطع في مثله فعليه القطع، وقد قال من قال: إذا أقر بالسرقة ووجدت في يده قطع، وإن عطل الإمام ذلك بعد شاهدى عدل على العبد بسرقة ما يجب على مثلها /247/
__________
(1) سورة المائدة: آية 34. (2/247)
صفحة 663
القطع، فقد عطل حداً من حدود الله، فقد كفر ووجبت عداوته على المسلمين إلا أن يتوب ويقيم الحد، وعن الإمام إذا أوتي برجل قد ارتكب أمراً في مثله يجب الحد عند العلماء فجلدوه أسواطا وأزاح عند الحد، جاهلا بذلك، هل يهلك الإمام بذلك أم حتى تقوم عليه الحجة؟ فإن عليه فرضا إقامة ذلك الحد، فإن جهله فأمسك حتى يشاور أهل العلم ويسألهم عنه، وسعه ذلك ولم يهلك، وإن عطله ولم يسأل عنه أهل العلم، لم يسعه إبطال ما وجب عليه إقامته، وسؤال أهل العلم عن عدله، ويستتاب فإن تاب قبلت توبته ولم يبطل جلده الرجل الحد الذي وجب عليه، ويقام عليه الحد، وعلى الإمام أرش ما جلده غير الحد في بيت مال المسلمين، إلا أن يكون فعل ذلك متعمدا فعليه أرش جلده (1) في ماله وعليه أن يقيم عليه الحد، فإن [571] أبى بعد الاحتجاج عليه هلك، وقلتم: أي ذاك أفضل للمسلم أن يفعله إذا كان بحضرة الأئمة، وفي البعد منهم، أن يتفقد أمورهم فيقول افعلوا كذا، افعلوا الذي، أو لم يفعلوا كذا وكذا، أيكون هذا من طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمؤازرة، أم هذا من الإبهام والطعن، والكف عنه والإعراض خير، أو الاجتهاد فيه؟ /248/
__________
(1) أرش جلده: دية جلده. (2/248)
صفحة 664
فاعلموا – رحمنا الله وإياكم- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان على كل مسلم في نفسه وما سواها، والمؤمن أخو المؤمن وينصحه في دينه، والاجتهاد في أمره ونهيه نصيحة له ومعونة على البر والتقوى، وعليه لله الاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما أمكنه ذلك، فإذا لم يمكنه ذلك وكان في الحال الذي عذر الله عباده فيها بالتقية، ويسعهه الإمساك وذلك إذا أوضح له وبان أمره ونهاه، فإن قبل كان على ذلك مأجورا وإن كره كان لما كلفه الله مؤديا، وإنما التهمة أن يتوهم عليه خلاف الحق فيما لم يعرفه به، أو ركوب منكر ينكره مما لا يحل لمسلم أن يتوهمه على أخيه، فذلك يتقيه عن نفسه ويحسن الظن بوليّه، وإن تفقد ذلك يريد به الحق فهو أفضل إن شاء الله، وإن كره الإمام والقاضي ذلك منه لم يخرجانه من الإسلام ما لم يركبا معصية يخرجهما منه، وليس كراهيتهما للأمر لهما بالتي يجوز للمسلم ترك نصيحتهما في الحق؛ لأن ذلك حق الله عليه، وقلتم أرأيتم إن قال رجل من المسلمين لإمام: ينبغي القيام في هذا وأن يعين هذا، فقال اذهب ليس هذا إليك أو عليك وأنا أنظر في ذلك، أيكون منصفا في قوله؟ فإذا قال ذلك في شيء مما تلزمه إماتته وتغييره وأبى مراجعة الحق، فقد جار، وإن قال ذلك ورجع إلى الحق وأقامه، لم يبلغ به قوله هذا إلى خروج من الإسلام، إلا أنه لا ينبغي له أن يقول ذلك للمسلمين بل عليه أن يقبل النصيحة منهم، ويغتنم شفقتهم عليه، ولا يكتفي المسلم بقوله ذلك، ويراجعه في الحق حتى يصر /249/ (2/249)
صفحة 665
على إبطاله أو يقبله منه، أو يخافه على دمه، فتسعه التقية، فإذا كان في حال خوفه على دينه، وسعته التقية ووجبت عليه البراءة، وعن قوم ينسب إليهم صلاح وبعض معرفة، أي أفضل لهم عند المسلمين [572] القعود في منازلهم، من استفتاهم أخبروه بما بلغ علمهم، أم ينبغي لهم أن يشيعوا (1) في السواد والقرى، يأمرون الناس بالمعروف وينهون عن المنكر ويتضيفون على الناس، ويجتمع إليهم الرجال والنساء، فإذا حضر انصرافهم جمعهوا لهم طعاما يحملونه إلى منازلهم وأموالا، أم الكف عن ذلك أمثل لهم في رأي المسلمين؟ فإن كانوا خرجوا لمنكر ظهر لينهوا عنه، أو معروف أبطل ليأمروا به، فهو أفضل لهم وإن كانوا إنما يخرجون ليسألهم الناس فيفتوهم في قراهم وليعطوهم طعاما أو أموالا فالعقود في منازلهم أفضل لهم إن شاء الله، إلا أن يكون أحد من المسلمين فقير يخرج إلى المسلمين إلى قراهم ومنازلهم للصلة فيعطونه فلا بأس عليه في ذلك، وإن سئل عن شيء يعلم الحق في خروجه فلا بأس عليه، وإن كانوا أغنياء عن ذلك، فالقعود في منازلهم أفضل، فإن فعلوا ذلك بغير مسألة ولا أخذهم (2) بذلك على وجده الصدقة فلا يبلغ بهم ذلك عند المسلمين إلى إخراجهم من الإسلام، وعن الإمام إذا خرج إلى أهل الخلاف بعساكره، أيجوز له بيات العدو أم لا يجوز له حتى يتقدم له في ذلك بالإعتذار والإنذار؟ أم كيف /250/
__________
(1) في نسخة: (يسمعون).
(2) كتب في المخطوطة: (اخدم). (2/250)
صفحة 666
الحق في ذلك؟ فالحق في ذلك الذي مضى عليه سلفنا أنهم لا يستحلون دم من خرج عليهم أو خرجوا عليه من أهل القبلة إلا بعد الدعوة والإعذار والإنذار، فإذا سار بعساكره ولم يبدا بقتال عدوه ولا بيانهم حتى يبدأ بالدعوة لهم ولإنذار إليهم، فإذا دعاهم وأبوا أن يقبلوا الدعو ويكفوا عن الحرب وبارزوهم وحاربوهم جاز له أن يبيتهم بعد ردهم (1) الدعوة عليهم ومبارزتهم إياه بالحرب، وكذلك المشركون إذا غزاهم المسلمون ممن كانت له ذمة وعهد أو لم تكن له، فإذا دخلوا عليهم أرضهم لم يقتلوهم ولم يسبوهم ولم يغنموهم حتى يدعوهم، فإذا دعوهم ردوا الدعوة استحلوا قتلهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، وقد بلغنا عن بعض فقهاء المسلمين أنه قال: قد بلغتم الدعوة فلا دعوة لهم إذا غزاهم المسلمون في بلادهم، وأما من كان منهم يغزو المسلمين فلا دعوة لهم، وإن دعى فأجاب فالدعوة حسنة، ومن أجابهم منهم قبل منه وحقن الإسلام دمه [573] وأحرز ذريته وماله، فأما أهل القبلة فلا بد من الدعوة، فإذا ردوها حل قتلهم وبياتهم، ولا يحل منهم سبي ولا غنيمة؛ لأنهم لم يركبوا ما ركب من أحل الله ذلك منه من الشرك، وإنما أحل الله السبي والغنيمة، وسار به رسول الله (ص) في أهل الشرك، فأما أهل التوحيد فلا، وعن هذه الأبطال التي تكون مع الأئمة، هل ذلك من سيرة /251/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (رهم). (2/251)
صفحة 667
المسلمين أهل العدل؟ ومن كان ابتداء ذلك؟ فلم نعلم أن أحداً من أئمة المسلمين أعدها ولا أمر بها ولا بلغنا ذلك عن أحد من المسلمين، غير أن إماما لو اتخذ علامة من ذلك في حربه وسيره ليعلم جنده برحلته ونزوله، ولم يبلغ به ذلك عندنا إلى خروج من الولاية ولا انخلاع من الإمامة وترك ذلك إلى غيره أحب إلينا، وعن الإمام إذا خرج بجنده إلى أهل الخلاف فأظهر بهم، وكان من رعيته بسط أيديهم في نهب الأموال وإحراق المنازل، فهل عليه أن يؤدى ذلك كله من بيت مال المسلمين؟ أم ذلك موضوع عن الإمام إذا كان كارهاً؟ وكيف القول في ذلك من المسلمين؟ فالقول من المسلمين في ذلك أنه ليس من سيرتهم حرق منازل أهل القبلة ولا غنيمة الأموال، فإن ركب ذلك راكب من جنده وصح ذلك عليه، أخذ الراكب لذلك بجنايته في ماله دون بيت مال المسلمين، فإن لم يصح وكان جنده هم الذين ركبوا ذلك بلا رأيه وصح ذلك عليهم، كان على الفاعلين له، وإن كان ذلك بأمره وإذنه وهو يعلم أن ذلك خلاف سيرة المسلمين، ضمن ذلك، فهو ومن فعل ذلك بأمره وإذنه دون بيت مال المسلمين، وإن فعل ذلك بإذنه ورأى أن ذلك حلال له، فذلك خطأ وهو في بيت مال المسلمين، وعليه أن يتقدم على جنده ويعلمهم بما يحل ولا يخفى ما يجوز عليهم، ويأمرهم وينهاهم، فمن ركب بعد هذا النهي ضمن ما ركب في ماله. /252/ (2/252)
صفحة 668
وعن العامل إذا كان مقراً بالدعوة فقبض صدقة أهل عمله فاشترى بذلك عقاراً أو دوراً أو رباعا وما شية، فمات فورثه ورثته، هل ذلك لمن علم هذا منه ولا يحل لمن ورثه (1) ذلك؟ وعليه أن يرد ذلك إلى المسلمين؟ وعن العامل إذا رفع إليه رجل منهم بسرقة أو بفسق، فجلده أو سجنه حتى أقر بذلك [574] بعد الضرب من غير بيّنة، هل يكون حاكما بغير ما أنزل الله؟ فاعلموا –رحمنا الله وإياكم- أن الذي أدركنا عليه أئمتنا وعلمائنا أنهم استجازوا حبس المتهم إذا كان ممن تجوز عليه التهمة عندهم من لم يكن عدلا ولم يروا على المتهم عقوبة غير الحبس والقيد، فذلك أكثر ما عاقبوا به، وإذا علم السرق أو القتل أو الجراحة أو الجناية في الأموال، فأما ما لم يعلم حدث ذلك، لم تقبل تهمة على متهم على فعل لم يعلم، فأما الضرب فلا يجوز عندهم إلا أن يصح ذلك عليه بإقرار أو ببينّة عدل، فإنهم قد استجازوا أدب المقر بالقتل والجراحات عمداً ونهب البيوت ما لم يحد في السرق حد، ولا في الاختلاف للأشياء التي لا يقطع فيها وأسباب الجنايات ما لم يثبت فيها على جانيها، أدبه بالتعزير، وقالوا لا يبلغ التعزير إلى أربعين سوطاً وأجازوا ما دونها؛ لأنها عندهم أقل الحدود، فلم يبلغ الأدب إلى شيء من الحدود، ومن فعل ما ذكرت لكم بالإقرار بقتل، الضرب والحبس والقيد، فعليه عندنا أن يستطيب /253/
__________
(1) (ورثه): إضافة من عندنا. (2/253)
صفحة 669
الذي فعل ذلك به، وينصفه من نفسه، ويطلب الخلاص منه، فإن اتخذ ذلك حكما وأبى أن يقبل نصيحة المسلمين، وضرب الناس على التهم حتى يقروا، فإنما هذا من حكم الجبابرة وليس من حكم المسلمين، وليس من الحكم لما أنزل الله، وذلك المتهم من غير المسلمين من قومهم إذا كان عدلا في دينه لم تلحقه عندنا التهمة، وكذلك إذا كان من أهل الذمة عدلا في دينه لم تلحقه التهمة، وكذلك العبد، وإنما تلحق التهمة من لم يكن عدلا ومن يقر بدعوة المسلمين وغيرهم، وعن عقد الإمام كيف هو؟ هل لذلك كلام معروف عند المسلمين؟ فالذي أدركنا عليه أسلافنا وأئمتنا في ديننا إذا عقدوا لأئمتهم بايعوه على طاعة الله وطاعة رسول (ص)، وعلى الشراء في سبيل الله واتباع آثار أئمة الهدى (1) ومشاورة أهل العلم في أمر الله، وله الطاعة على المسلمين ما أطاع الله ورسوله من بعد أن يكون عندهم أهلا للإمامة، أميناً على ما قلدوه من أمر الله، وائتمنوه عليه من أمانة الله، وعلى الرعية والذين يلون عقد الإمامة، خاصة [575] المسلمين، أعلامهم أهل العلم وأشياخ المسلمين، وليس ذلك لعامتهم، إنما يتولى ذلك الخاصة وكذلك هو عندهم أن أمر عقد الأئمة للخاصة العلماء والأشياخ دون (2) العامة /254/
__________
(1) الهدى: كتب في المخطوطة سهوا: (اهدى).
(2) كتب في المخطوطة: (ذوى). (2/254)
صفحة 670
وعن الإمام أله أن يجبر رعيته على الغزو إلى رغبته ما أحبوا أو كرهوا وهم ليسوا (1) من أهل الديوان؟ وكيف سيرة العدل في ذلك؟ فأما من شرى (2) نفسه لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يلزمه الخروج إلى عدوه الخارج على المسلمين، فأما من لم يخرج فإنما يريد لإمام أن يندبه بالحرب فليس بمجبور على الخروج إلا أن يجب ذلك، وأما من لم يكن في الشراة، فليس للإمام جبره على الجهاد، وإنما الجهاد إلى من القعد فضّله، وليس عليهم جبر عليه إلا أن يكون خرج على المسلمين خارجة إن أعانوهم القعدة على عدوهم وإن خذلوهم ظهروا على المسلمين، فإنه يلزم القعدة من المسلمين معونتهم وليس لهم خذلان الحق وأهله إذا كان المسلمون يظهرون بهم لم يسعهم أن يخذلونهم، فأما إذا كان عدوه ويقوى عليهم، وإن نصروهم لم يلزمهم الجهاد فريضة، وهو فضيلة لمن رزقها وهذا عندنا هو الموجود في هذا، وعن الإمام هل له أن يجبر رعيته على السلاح والكراع إذا أرادوا إلى عدوه ويحلفهم على ذلك بالطلاق والأيمان الغلاظ؟ فإن أهل هذه الدعوة أهل العدل في أحكامهم، وليس من العدل عندنا أن يحلف أحد بالطلاق على هذا، ولا يجبر أهل الدعوة على الجهاد؛ لأن المسلمين قد كانوا يخرجون في القليل ويتولون قعدتهم ما لم يشرون أنفسهم، ومن شرى ولم يجاهد فقد قصر وعليه الجهاد، ومن لم يشر نفسه وشاء أن يأخذ بالفضل فهو له وإن فعل لم يكفره القعود /255/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (ليس).
(2) كتب في المخطوطة: (شيء). (2/255)
صفحة 671
ومن لم يكن له سلاح ولا كراع فليس عليه أن يحلفه بشيء من الأيمان، فهذا عندنا من الفعل مخالف لما مضى عليه أئمة العدل الذين كانوا يدعون إلى الله ويجاهدون في سبيل الله، إلا أن يكون عندهم كراع أو سلاح من مال الله فأنكروه، فإن اتهمهم الإمام بإنكاره فكانوا متهمين، كان له أن يستحلفهم؛ لأنه بلى عدة المسلمين لهم، وعن الإمام والقاضى [576] أو العامل إذا كان بشاهدين غير عدلين، هل يكون حاكما بغير ما أنزل الله؟ فمن حكم في شيء بشهادة غير عدلين فقد حكم بغير ما أنزل الله وذلك بالغ به إلى الظلم لمن حكم عليه به، ومن أحال فقال: فلان اشهد لي على حقى عند القاضي، والقاضي لا يعرفه فتركه لئلا يذهب حقى وأخبرنى بعلمك في ذلك، فهل مضيق ذلك عليه أن يزكية بما يعلم فيه من العدالة والرضى؟ وكيف وجه الحق في ذلك؟ فاعلموا أن وجه الحق في ذلك عندنا أن الشاهد إن كان من أهل الولاية فشهد بشهادة، فللمسلم أن لا يحمل على نفسه تزكيته وذلك على الحاكم السؤال عنه، فما لم يطرح فهو يسع له ترك ذلك، فإن طرحت شهادته كان الحق على المسلم أن يتكلم في ذلك، فإن كان الحالكم طرحه، أعلم الحاكم أنه رجل من أهل الولاية والعدالة عنده، وإن كان معدل طرحه، أعلم المعدل ولايته وعدالته عنده، ولم يدعه يطرح شهادته إلا أن يصح أمر بشاهدى عدل يسقط ولايته، فإنه يستأنف من جديد وترجع /256/ (2/256)
صفحة 672
ولايته إذا تاب، ولا تجوز شهادته في تعديل ذلك الحق الذي شهد عليه من قبل أن يتوب، فأما ما لم يكن شهد عليه حتى تاب فإنه تقبل شهادته، ولا يجوز لمسلم أن يطرح وليه وهو يقدر على أن لا يطرح إلا بحدث على ما وصفناه، وقلم وما الوجه الذي علمته من رجل كان عندك عدلا؟ فإنما العدل عندما، وكذلك قال أشياخنا، وكذلك هو في موافقة العدل إن شاء الله، المسلم الولي الذي له الولاية مع أحد من الممسلمين الذين يعرفون ما تثبت به الولاية والبرادة، فمن كان (1) ولياً فهو عدل، ومن كان عدواً فهو غير عدل مطروح ساقط، ومن لا تعرف له ولاية ولا عداوة فهو بحاله وعدالته مثل ولايته ولا يبرأ منه بغير علم، إنه عدو وهو في حال لا يثبت له ما يستحق من ولاية ولا عداوة، موقوفة شهادته عن التعديل والطرح (2) كما وصفت، يوقف عن ولايته وعداوته /257/
__________
(1) (كان): زيادة من عندنا.
(2) التعديل والطرح: نلاحظ هنا أن الكتاب يستعمل لفظ (الطرح) بدلا من (الجرح) أو (التجريح)، والتعديل من عدل الشاهد أي زكاه، والتجريح من جرح الشهادة أو الشاهد أي ردها أو رده، والتعديل والتجريح من مصطلح الحديث والفقه، فالتعديل هو التسليم لأحد بأنه حاصل على العدالة في الرواية والشهادة بسبب ما عرف عنه من استقامة السيرة في الدين والخوف من الله خوفا وازعا من الكذب، والتجريح قول أئمة الحديث والفقه عن أحد الرواة أو الشهود أنه غير ثقة أو أمين في رواية أو شهادته (انظر: أبو حامد الغزالي: المستصفى من علم الأصول – ط، مصر- ج 1 ص 100 و ج 2، ص 102 - 103، وابن حجر العسقلاني: نخلة الفكر في مصطلح أهل الأثر – ط، مصر 1308هـ - ص 3، وعياض بن عياض: كتاب الألماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ص 403، وابن الصلاح الشهر زوري: مقدمة ابن الصلاح، ط، حلب ص114 - 137، والدكنزر أسد رستم: مصطلح التاريخ ص 100 - 123). (2/257)
صفحة 673
حتى يعلم أنه مستحق لأحدهما [577]، فإن المسلمين لم يشهدوا لأحد بفضيلة في الإسلام لم يعلموا استحقاقه لها، ولم يسموا أحداً باسم خلع ما يستحقه عندهم، وأمسكوا عما لا يعلمون إذا لم يكلفهم الله أن يعلموا ما غاب عنهم فمن طرح في شهادة على شيء، ثم رجع بعد ذلك إلى حال العدالة لم تقبل شهادته في ذلك الشيء الذي طرحت شهادته فيه أبداً ولو كان الحكم لم ينفذ إلى أن صار عدلا، ومن توقف عن شهادته لجهالة به فلم ينفذ حكم حتى بان للمسلمين حاله، فتجب ولايته فصار في حال العدالة، جازت شهادته في ذلك الشيء الذي وقف عنه لعله العلم (1) به وبحاله، وعلى هذا أدركنا حكامنا، وكذلك جاء الأثر عن أئمة المسلمين الأولين أن الناس ثلاثة: معروف ثبتت ولايته، ومعروف ثبتت عداوته، ومن لا يعرف فذلك ممسك عنه حتى يعلم منه ما يستحق أحد الحالين، وعن الإمام إذا توفي فقد أهل ذلك البلد لرجل من رعية الأول الإمامة، فإنه لا يعرف من الإمامة ولا من عقد له بالعدالة ولا بغير ذلك، فهل يجب عليك بإمامته حتى بلغك؟ أم كيف الوجه الذي يجب به عليك الرضى بإمامته، فاعلموا – رحمنا الله وإياكم- أن الإمامة إنما هي باتباع آثار أئمة العدل على طاعة الله ورسوله والقدوة بهم في آثارهم بالقول والعمل، فليس /258/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (القلم). (2/258)
صفحة 674
كل خارج تسمى بالإمامة وأتباعه مؤمنين أئمة؛ لأن الأئمة قد تكون أئمة ضلال وأئمة هدى، فمن خرج فتسمى بالإمامة ممن لا معرفة للمسلم به لم يستحق عندهم إسم الإمامة الهدى حتى يعرفوه بها في قوله وعمله، فإذا عرفوه بالعدالة في إمامته، لزمت طاعته ووجبت ولايته وحبته وإن كان من أئمة الضلال لزم المسلمين تضليله وعداوته والبراءة منه، وما لم يعرفوه فالإمساك عمن لهم به قولهم ودينهم حتى يعلوا، إلا أن يكون في مكان دعوة المسلمين فيه ظاهرة قائمة معروفة مثل كا ظهرت دعوة المسلمين بعمان وحضر موت والمغرب، ويكون إماماً معروفاً والمسلمون ظاهرين، فيموت الإمام فيقيم المسلمون إماماً، فإن ذلك الإمام تجب [578] ولايته ويلزم حقه المسلمين بإثبات إسم الإمامة له والولاية ما كان أمر المسلمين جامعاً لا فرقة بينهم ولا اختلاف، إلا أن يحدث الإمام حدثاً يصح يسقط ولايته ويزول إسم الإمامة، وإن اختلف أهل الدعوة بينهم حتى يبرأ بعضهم من بعض ويقدم إماماً دون بعض، ويختلفون وتقع البراءة والفرقة بينهم، فإن المسلم يمسك حتى يعلم المحق من المبطل، وهو كمن لا علم للمسلمين بحاله؛ لأنها قد حدث أحداث لم يعلم المحث فيها من المبطل، ولا تجوز ولاية فريقين بعضهم يبرأ من بعض ويلعن بعضهم بعضاً ويستحل بعضهم دم بعض، وقد يكون الفريقان جميعاً في حال يضلان جميعاً
فالإمساك عن أمرهم حنى يجمع (1) الخواص الذين هم أولياء بتقديم الإمامة (2) وعقدها /259/
__________
(1) (حتى يجمع الخواس): كتب في المخطوطة: (حتى يعلم ألا يكون الخواس).
(2) كتب في المخطوطة: (الأئمة). (2/259)
صفحة 675
فإذا أجمع أولئك على إمام كان أمرهم المقدم، ومن خالفهم كان الطاعن المدعى والإمامة لمن قدموه وأمموه حتى يعلم أنهم وإمامهم المحصور، إلا أن يكون الذين قدموا الإمام، لا ولاية لهم ولا عداوة، فإن تقديم أولئك لا يلزم مسلماً حق إمامة من قدموه، وعن الرجل إذا كان في زمان لا يعرف أهله ورع ولا ضلالة دين ولا نفاذ البصيرة فيه، وهم يقرون بجملة الدعوة، وإن أرادوا عقد إمامة رجل أيجوز الدخول معهم في ذلك أم لا؟ فإن كان الدين عقدوا الإمامة لا يعرف لهم ورع ولا بصيرة، فلا نرى الدخول معهم حتى يكونوا وإمامهم أهلا لما يدخلون فيه، فإن عقدوه فقاموا بأمر الله واستقاموا على عدله فله السمع والطاعة، فإن خالف الحق ولم يتبع آثار أئمة الهدى، لم يكن إماماً تلزم إمامته، وكان الضلال أولى به وليس كل من انتحل دعوة المسلمين وتسمى باسمهم له إجابة إلى ما دعا إليه، فإن كان إماماً لا يعرف فدعا إلى طاعة الله وإقامة امره وجهاده مع المسلمين (1) فذلك وأصح (2) ما لم يعلم أنه تحدى حدود الله (3) من نهى الله أو ضيع شيئا من أمره /260/
__________
(1) (وجهاده مع المسلمين): كتب في المخطوطة (وجهاد وجاهده مجاهد معه أحد من المسلمين).
(2) كتب في المخطوطة: (واضع).
(3) (حدود الله): زيادة من عندنا. (2/260)
صفحة 676
وعن الإمام إذا كان في رعيته قوم يقتلون على الحمية والعصبية ويدعوا في ذلك بالقبال والعشائر، كيف ينبغي أن يفعل في ذلك؟ فقد جاء الأثر عن السلف من العلماء يرفع إلى النبي (ص) أنه قال: «من دعى إلى دعوة جاهلية [579] فاقتلوه»، فعلى الإمام أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بلسانه وعقوبته فإن سمعوا وأطاعوا وتابوا (1) مما يدعوا، سلموا بالسمع والطاعة، وإن أبوا وامتنعوا استحل جهادهم حتى يقروا إلى أمر الله، وعن القاضي أله أن يسأل البينّة عن الوضوء أو السنن (2) والتيمم (3) أو أن ذلك أمر محدث؟ وهل ذلك بدعة وهل كان فيه أثر من المسلمين؟ فليس ذلك على القاضي، وإنما عليه أن يسأل البينّة ويفحصهم عن الشهادة، فأما ذلك فليس ذلك عليه، ولم يبلغنا ذلك عن أحد من حكام المسلمين وعلمائهم، فإن لم يقبل الشهادة من العدول من المسلمين ومن العدول من قومه في دينهم على ما يكفر المسلمين حتى يقيموا جميع حقائق الوضوء، والصلاة كلها ودان بذلك فقد ابتدع شيئاً مخالفاً لما نهى عنه المسلمون، ولو كان لا تجوز شهادة واحد إلا فقيهاً عالماً لم يجز المسلمون شهادة قومهم إذا خالفوهم ولم يشكوا في خلافهم؛ لأن المسلمين لهم /261/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (وتا).
(2) كتب في المخطوطة: (أو سنن).
(3) (أو): زيادة من عندنا. (2/261)
صفحة 677
ضعفاء ليسوا بعلماء بجميع فنون العلم، ولو كان ذلك للحاكم أن يسألهم عن الوضوء والصلاة كان عليه أن يسألهم عن جميع الأشياء من التوحيد وغيره ممن خالف المسلمون فيه غيرهم، فإن لم يكن عالماً فقيهاً بذلك بطلت شهادته، وإذاً لم تجز إلا شهادة فقيه عالم، وعن قوم نحو أكثر من عشرة آلاف أو عشرين ألفاً، ليس لهم علم بالكتاب والسنّة، هل لهم أن يتقدموا على إمامة لرجل منهم على هذه الصفة أم لا؟ وإن كان فيهم، ليس ينبغي لهم عقد إمامة على هذا الوجه وليس هنالك عالم يؤازره ويشاوره الإمام، أم لا ينبغي لهم ذلك حتى يجتمع القوم والعلم، أو يضع الحق من دين، وهم يتخوفون مع ذلك إن تركوا الإمامة أن يستوجب عليهم أهل الخلاف، أو تنقطع الدعوة منهم؟ فإذا كانت لهم القوة جاز لهم عقد الإمامة لرجل منهم أمين ثقة مأمون على أمر الله، فما علموا من حكم الله في الكتاب والسن وآثار المسلمين عملوا به، وما جهلوا أمسكوا عنه وشاوروا فيه المسلمين من الأمصار ما لم يكونوا يخرجون سائرين في الأرض دعاة مجاهدين فلا يخرجوا حتى يكون فيهم من يعلم حكم الكتاب والسنة والآثار في قتال عدوهم ودعائهم والاحتجاج عليهم [580] وإن خافوا أن يستحوذ عليهم أهل الجور والخلاف اجتمعوا عليهم ودفعوهم عن أرضهم بتقديم رجل منهم إماماً عليهم على ما وصفت لكم من إمساكهم عن الأحكام والقتال في الخروج حتى يكون فيهم من يبصر السيرة والشريعة في الخروج والجهاد، /262/ (2/262)
صفحة 678
وإن كان الإمام عالماً بذلك وحده أو كان معه عالم واحد فخروجهم وعقد الإمامة أفضل، فإن الله قادر على ان يحدث فيهم بعد من يهديهم به، وعن المسلم إذا كان من سواد الرعية فرأى في الرعية أو في العمال ما لا ينبغي مثله في الإسلام، أي أفضل؟ أن يرفع ذلك إلى الإمام إذا كان لا يقدر على تغييره بنفسه، أم الإمساك عن ذلك أفضل؟ وإن وجه فسلم فيه من الغيبة والطعن إذا لم تكن له نيّة الرفع إلى الإمام؛ (1) لأن العامة لا يعنون بذلك، ولعلهم يسايرون العمال على أهوائهم، فإن الفضل في رفع ذلك إلى الإمام إنكاراً له لله على العمال وعلى من سايرهم على أهوائهم من بعد النصيحة للعمال ومن سايرهم على أهوائهم لله، فإن قبلوا ذلك منهم ولم يرفع ذلك عنهم، وإن أبوا رفع ذلك إلى الإمام، وليس إنكار المنكر من الطعن والارتياب إنما الطعن والغيبة أن يطعن في المسلمين ويعيبهم بما ليس فيهم، وتحقيق الظن بغير العلم عليهم، أو بما كان منهم، ثم تابوا منه، فلا يعابون ولا يطعن عليهم به بعد التوبة، وعن الإمام إذا كانت القبيلة كلها قبل ذلك من أهل الخلاف أو من منافقى أهل الدعوة أيجوز له أن يستعمل عليهم رجلا منهم وهو يعلم /263/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (به) (2/263)
صفحة 679
أنه غير مأمون؟ أم لا يجوز له أن يستعمل إلا رجلا مسايرا أو كيف قول المسلمين في ذلك، فقول المسلمين في ذلك من قومه أو من منافقي أهل الدعوة، فلا يسعه ذلك إلا فيما لا يكون يتولى شيئا من أمور الرعية و أن يكون سعيه فيما لا خيانة فيه، يكون فيه رسولا أو مبلغا أو مع أمين، يكون الأمين يتولى هو الأمر ويكون هو له عونا على ما وصفت لكم، وعن الإمام أيجوز له الزحف إلى الآفاق والاستحواذ على الرساتيق والسواد وهو لا يجد في رعيته أهلا للأمانة والدين ممن يستعملهم على تلك الكور فكيف العدل في ذلك؟ فأما كور أهل الشرك ورساتقهم فله أن يزحف [581] إليها؛ لأنهم وأموالهم حلال بعد الدعوة، والآثار عن الإسلام، أو إعطاء الجزية ممن انتحل دينا من أديان أهل الجزية، وأما كور أهل الصلاة، فإذا لم يجد من يولى عليها من المسلمين فلا يعرض لها فإنه إذا زحف إليها، فإنما يزحف للعدل على أهلها وإقامة أمر الله فيها، فإذا لم يمكنه ذلك لم يطلب انتزاعها من جائر ويردها إلى جائر./264/ (2/264)
صفحة 680
وعن الذي فعله أهل عمان وأهل المغرب أنهم عقدوا الإمامة يومئذ لعبد الله بن يحي (ض) في زمان أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعن رأيه كان ذلك من عقد أهل المغرب لأبي الخطاب ثم ابن رستم /265/ (2/265)
صفحة 681
من بعده ثم عبد الوهاب بعد ذلك، وقلتم قد جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب قال يوم كانت خلافة أبي بكر: إن الله وحده والإسلام واحد ولا يستقيم سفيان في غمد واحد ولا تجوز الأمور إلا على واحد، أو كما قال وما روت بعض العلماء أن رسول الله (ص) قال: «إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما»، أو كما قال: إنكم أحببتم علم ذلك، وكيف قول المسلمين في ذلك ومذاهبهم في هذه الوجوه؟ وهل يقال لهم إمامان جميعا كل واحد منهما في مكانه إمام، أم يجب على أحدهما إجابة الطاعة لمن كان عهد إمامته أم لا؟ وإن كان ذلك جائزا فهل على أهل عمان الرضى بإمامة المغربي وولايته؟ وكذلك أهل المغرب الرضى بإمامة العماني وولايته؟ وهل يقال لكل واحد من هذين الإمامين أمير المؤمنين في نفسه أم هو إمام مدافع؟ فاعلموا – رحمنا الله وإياكم- الذي سألتم عنه من هذا ما قد مضى فيه الأثر من أئمة المسلمين العلماء بكتاب الله وسنة رسوله (ص)، وآثار أئمة الهدى قبلهم رحمهم الله، فأما ما ذكرتم من الحديث عن النبي (ص)، فذلك يجوز على معنى إذا رأيتم إمامين فاضربوا عنق أحدهما، أن يكونا إمامين متضادين ولا يكون الإمامان المتضادان إلا مهتد وضال، ومحق ومبطل، وعادل وجائر، وأولى برسول الله (ص) أن يكون؛ إنما يأمر بضرب عنق المبطل الجائر الضال وذلك عدل وحق، ولا يجوز على رسول الله (ص) أن يكون إنما يأمر بضرب عنق إمام عادل يتبع كتاب الله وسنتّه، فاضربوا عنق أحدهما هذا ما لا يجوز على رسول الله (ص) وأما /266/ (2/266)
صفحة 682
قول عمر فهو كما قال عمر رحمة الله عليه: إن الله واحد والإسلام واحد ولا يستقيم سيفان في غمد [582] واحد، لعله يعني إمامين، وكذلك قال المسلمون لا يجتمع إمامان في مصر واحد، وإنما ذلك إذا كانا في مصر واحد فلا يكون المسلمين إلا إمام واحد، وكذلك كان المسلمون في العقد لعبد الله يحي رضى الله عنه، إنما كان إمام واحد ولم يعقدوا إسم امرأة على المؤمنين، وإنما يكون أمير المؤمنين من يملك إمارتهم مثل أبي بكر وعمر، كانا مالكين لأهل القبلة، فهو أمير المؤمنين، ولم يكن لمؤمن أن يخرج من عقد إمامته ويدعيها لنفسه، فلما زالت إمار المؤمنين وولى أمر الإمارة الجبابرة والجورة على عباد الله وفي بلاده، ومضى أهل الإسلام وتفرقوا في الأمصار، حل لكل مسلم أن ينكر المنكر ويأمر بالمعروف، فإذا خرج كان الخروج له حلالا وإسم الإمامة له حلالا ما لم يكن في ملك إمام قبله، وكان كل إمام خرج في موضعه كان إمام ناسه وبلده وكانت ولايته واجبة على المسلمين إذا علموها، فيتولى كل واحد من أئمة المسلمين الآخر من مواضعهم، وليس على أحد من كالانقياد لصاحبه أن يكون عاملا له ما لم تتصل أمصارهم وحكمهم فيها، أو لم يكن بينهم أحد من الجبابرة، لم تجز الإمامة إلا لواحد وكان على الأول والآخر أن يردا ذلك إلى المسلمين فيختار المسلمون لأنفسهم إماما، فإن اختاروا أحدهما كان على الآخر أن يسمع له ويطيع، /267/ (2/267)
صفحة 683
وإن اختاروا غيرهما كان عليهما أن يسمعا له ويطيعا له، وإن انقاد أحدهما لصاحبه وأسلم الإمامة إليه كان ولها، إلا أن يكرهه أهل العلم الذين ألهم عقد الإمامة من أحد الفريقين ويرد ذلك إلى الشورى، وقد بلغني عن والدى محبوب بن الرحيل رحمه الله أنه حمل ذلك عنه بعض أشياخنا، أنه ذكر له في ذلك أئمة عمان وحضرموت، فقال: الأئمة في الأمصار كل إمام في مصره، فإذا اتصل حكم المسلمين كانت شورى بين المسلمين، ولا يجوز أن يسمى أمير المؤمنين؛ لأنه إسم جامع للمؤمنين في كل الأمصار، كما لا يجوز أن يقال أمير الناس كلهم وإمامهم كلهم إلا أن يملك جميع أرض الإسلام، فحينئذ يكون أمير المؤمنين ويكون على كل إمام أن يسمع له ويطيع ويبطل الإمام عنه، فهذا ما عليه المسلمون وهذا حفظ عن أشياخ المسلمين، وقول أدين به من [583] دين ربي فاتبعوه لعلكم تهتدون، وفقنا الله وإياكم للعدل والصواب والحكمة وفصل الخطاب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام ورحمة الله وبركاته /268/ (2/268)
صفحة 684
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة الشيخ الفقيه أبي المؤثر الصلت بن خميس
قال أبو المؤثر: الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ}، وإليه ترجعون، خلق الخلائق تبارك وتعالى محتاجين إليه، غنى عنهم، غير عابث في خلقهم ولا منتفع بهم، لكن خلقهم لينتفع بعضهم ببعض، وهو الحكيم الذي لا نلحقه صفة العبث، والغني الذي لا تلمزنه الحاجات، الجبار الذي لا يمتنع منه شيء، تمت كلمته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله (ص)، أرسله إلى الناس كافة بكتاب أنزله بعلمه يشهد به هو وملائكته وكفى به شهيدا، فصله على علم، هدى ورحمة لئلا يقولوا: {رَبَّنَا لَوْلَا/269/ (2/269)
صفحة 685
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، وقد جأتهم بينة ما في الصحف الأولى وقامت عليهم حجة الله بمن خلا من رسله ودلت عليه أنبياؤه، وما أراهم من دلائل قدرته وشواهد تدبره، ولكنه تبارك وتعالى منّ عليهم برسالة محمد (ص) فجعله رحمة للعالمين، فبلع رسول الله (ص)، ونحن على تبليغه شاهدون، وكانت دعوة الرسول (ص) التي لا عذر للناس في جهالتها إلى معرفة الله تبارك وتعالى أنه واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}،وأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأنه صادق في كل ما قاله، وأن ما جاء به من عند الله هو الحق، فمن أقر بهذه الجملة وعرفها فقد برئ من إسم الشرك وصار موحداً، وإن نقض شيئا منها أو شك في شيء منها صار مشركا، وكذلك [584] هي الجملة بعد النبي (ص)، وذلك أن أهل الشرك يدعون إليها، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (ص) وأن ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق ثبت لهم، وعليهم حكم ما أقروا من جملة الإسلام وصاروا موحدين ما لم ينقضوا هذه الجملة بحدث من قول أو فعل أو شك فيما قامت به حجة الله عليهم، أو تضييع شيء مما أوجب الله عليهم فريضة العمل به، وانتهاك شيء مما حرم الله من كبائر العاصي بجهل أو تعمد، فهم في أهل الإيمان، لهم أحكامهم وأسماؤهم، فإذا نقضوا جملة الإسلام التي أقروا بها بإتيان شيء /270/ (2/270)
صفحة 686
مما وصفنا؛ خرجوا من الإيمان ووجب عليهم إسم ما انتقلوا إليه وحكمه من القول والعمل على قدر منازلهم ودرجاتهم فيما ركبوا مما يجب عليهم فيه إسم الشرك أو يلحقهم فيه إسم النفاق، وكل المنزلتين يلحق أهلها فيهما إسم الكفر والفسوق فافهموا ما وصفنا، وبالله التوفيق. ثم إن الله تبارك وتعالى جعل على طاعته ثوابا لا يشبهه ثواب، وجعل على معصيته عقابا لا يشبهه عقاب، فمن عرف الله تبارك وتعالى أنه واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}،وعرف أن محمداً (ص) وأن ما جاء به فهو الحق، فقد أقروا بالجملة الذي لا يعذر الناس بجهلها، ولا يسع الشك فيها على حال من الأحوال، والمعرفة لها لازمة لكل من بلغ وصح عقله الذي به يلحق التكليف من الله، وكانت الموانع عنه زائلة وهو مقطوع العذر في جهل ذلك وقد بلغته فيه الحجة، وأتته فيه الرسالة وعليه أن يعلم أنه مبعوث من بعد الموت وأن لله ثوبا لا يشبهه ثواب وهو الجنة لمن أطاعه، وأن لله عقابا لا يشبهه عقاب وهو النار لمن امتنع، فمن دعا إلى الإقرار بهذا الشك فيه هلك، وقال الله تبارك وتعالى: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}، وقال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْأخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، /271/ (2/271)
صفحة 687
فمن أقر بما وصفنا وعرفه فهو معذور بجهل ما سوى ذلك مالم تنزل به بليته، ذلك على جهات، منها ما يخطر بباله أو يسع بذكره، ومنها ما يجب عليه فريضة [585] العمل به، ومنها ما يجب عليه فريضة الإنتهاء عنه، ومنها ما يعاين راكبه أو معصيته، فأما الذي يخطر بباله أو يسمع بذكره، فمنه ما أحدثت الشبهة في صفة الله تبارك وتعالى، فهو ما عرف أن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فقد عرف الله تبارك وتعالى، فإن خطر بباله أجسم هو أم ليس هو بجسم أم محدود هو أم غير محدود، أم يعاين بالأبصار أم يعاين بها، أو يسمع بذكر هذا، فإذا سمع بذكر هذا أو خطر بباله فقد نزلت به بليته فعليه أن يعلم أن الله تبارك وتعالى ليس بجسم ولا محدود ولا دى مكان، وأنه لا تحيط به الأفطار ولا تحويه الأمكنة وأنه لا يرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، فإن جهل ذلك فلم يدر أجسم هو أم ليس بجسم أم محاط به، أم يرى أم لا يرى فقد هلك، ومن ذلك أيضاً ما أحدثت القدرية، من قولهم إن الله تبارك وتعالى لم يخلق الحركات ولا السكون من الحيوان وأنه لم يخلق شيئا من أفعال العباد، وإنهم لا يقدرون أن يفعلوا خلاف ما علم الله منهم وخلاف ما أراد الله أن يكون كما علم، وقول من قال منهم إن الله لا يعلم ما يكون من العباد حتى كان منهم ذلك، فهو ما لم يسمع بذكر شيء من هذا أو يخطر بباله فهو معدور بجهالته /272/ (2/272)
صفحة 688
فإذا سمع بذكره أو خطر بباله فعليه أن يعلم أن الله خالق كل شيء وأنه لا يقدر أحد أن يعمل خلاف ما علم الله أنه كائن، فإن الله عالم بالأشياء قبل كونها ولا يكون إلا ما علم الله وليس لمعلومه خلاف؛ لأن كل خلاف فهو معلوم الله تبارك وتعالى، ومنه ما أحدثت الجهمية من قولهم إن الله جبر العباد على الطاعة والمعصية، وأنه كلفهم ما لا يجوز أن يكسبوه وإنما يعذبهم ويثيبهم على فعله لا على أفعالهم، فهو ما لم يسمع بذكر هذا أو يخطر بباله فهو معذور بجهله، فإذا سمع بهذا أو خطر بباله فعليه أن يعلم أن الله عادل لا يجوز وأنه إنما كلف العباد ما يكسبوه وإنما يجزى لهم الثواب، وعليهم العقاب باكتسابهم لأعمالهم، وهو الله تبارك وتعالى خالق أعمالهم واكتسابهم لا يستحيل أن يكون كسبهم مخلوقاً لله تبارك وتعالى معلوماً له، فهذا أو نحوه مما [587] يخطر بالبال أو يسمع ذكره، وفيه أمور يطول تعديدها من ضلالات أهل الكذب على الله ومما يعارض به الشيطان في الخطرات إن كل شيء من هذا سبيله واحد، وأما ما يجب عليه معرفته إذا قامت عليه الحجة بمعرفته، أو حضر وقت العمل به، من ذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج، فما لم يحضر وقت الصلاة والصيام فهو معذور بجهلهما حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة وجوب مرضها، فإذا دعى إلى معرفة فريضتها وتلي عليه الكتاب بذلك ودل على حدودهما بما جاء به الكتاب والسنّة، فقد /273/ (2/273)
صفحة 689
قامت عليه الحجة بمعرفته بهما ولو لم يحضر وقتهما، ولوجب عيه العمل بهما، فإن جهل فرضهما بعد قيام الحجة عليه بذلك هلك، وكذلك الحج والزكاة، وإن لم تقم عليه الحجة بمعرفة وجوب فرض الصلاة حتى يحضر وقتها وجب عليه العمل بفريضتها والعلم بها وإقامتها ولو لم يدع إلى ذلك، فإن جهلها حتى يفوت وقتها هلك، وكذلك الصيام فإذا طلع عليه الفجر من أول يوم من شهر رمضان وهو صحيح البدن صحيح العقل مقيم حاضر غير مسافر فجهل الصيام فلم يصم هلك، وكذلك الصلاة، وأما الزكاة والحج فإذا وجبا عليه فإنه لا يهلك بجهلهما حتى يموت، فإذا لم يؤد الزكاة والحج وقد وجبا عليه جاهلا لفرضهما حتى يموت هلك؛ لأن وقت الحج والزكاة أوسع من وقت الصلاة والصيام؛ لأن من أخر الصلاة حتى يفوت وقتها أو أفطر في شهر رمضان نهاراً متعمداً من غير عذر هلك، ومن وجب عليه الحج في عامله فلم يحج ذلك وحج من قابل أو بعد ذلك أجزى عنه وأدى ما عليه، وكذلك الزكاة إذا لم يؤدها في شهرها الذي وجبت فيه أو في ثمرته وأداها بعد ذلك أجزت عنه، فهذا الفرق بين من جهل الصلاة والصيام، والزكاة والحج /274/ (2/274)
صفحة 690
وأما ما [***ب] عليه فريضة الانتهاء عنه فهو مثل شرب الخكر والزنا والسرقة وتحريم ذوات المحارم، والميتة والدم ولحم الخنزير، وأنه معذور بجهل هذه الأشياء حتى يدعى إلى معرفة حرمتها وتقوم عليه الحجة بذلك، فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة حرمتها وتلى عليه الكتاب بذلك أو صحت له الحجة فيه انقطع عذره بعد قيام الحجة عليه في جهالة حرمتها ولزمته معرفة ذلك، فإن لم يعرف ذلك [587] وشك فيه بعد قيام الحجة عليه هلك ركب ذلك أو لم يركب، وإن هو لم يدع إلى معرفة ذلك ولم يحتج عليه بمعرفة حرمتها فهو معذور بجهالة حرمتها وعليه الانتهاء عنه، فإن ركب شيئاً من ذلك على الجهالة فشرب الخمر أو أكل الميتتة أو الدم أو الخنزير من غير اضطرار إليه هلك، وكذلك إن زنا أو سرق ما يجب فيه القطع أو نكح ذات محرم منه فوطئها على الجهالة لحرمتها، هلك. /275/ (2/275)
صفحة 691
ومن غير السيرة: قال أبو مالك في ذوات المحارم إنما يهلك إذا ظن أن تزويجها جائز له وجهل حرم ذلك، ولا عذر له في ركوب شيء من هذا بجهل ولا علم، ومما لا يعذر بركوبه على الجهل لعينه كان عارف الحرمة أو جاهلا لها، الخمر والخنزير إذا كان قائم العين، فمن شرب الخمر جاهلا لعينها ولو كان مقراً بحرمتها وهو لا يعرفها من سواها من الأشربة هلك لشربة إياها؛ لأن الله تعالى حرمتها على من جهلها ومن عرفها وهي معلومة عند أهل المعرفة بها، وكذلك الخنزيز إذا أقدم على أكله البتة وهو لا يعرف عينه، جهل حرمته أو عرفها، فهو هالك إذا رآه قائم العين معروفا من سواه من سائر البهائم؛ لأن الله تبارك وتعالى حرمه على من علمه ومن جهله فهو معلوم عند أهل المعرفة، وممن بعذر بركوبه على جهالته ولو كان عارفا لحرمته لحم الخنزير إذا كان أعضاء مقطعة فأكله وهو زائل العين غير بائن المعرفة من سواه؛ لأن اللحوم لا تعرف أعيانها بعضها من بعض إذا أكله من عند من يحل له من عنده اللحم من أهل القبلة أو أهل الكتاب وهو لا يعرف /276/ (2/276)
صفحة 692
أنه لحم خنزير فهو معذور في أكله وكذلم الميتة إذا لم يعلمها ميتة وأكلها على أنها زكى من عند من يجوز له أكل ذبيحته، وكذلك لم تزوج بذات محرم منه وهو لا يعلمها أنها ذات محرم منه؛ لأنه جاهل لنسبها أو رضاعها أو صهرها فنكحها على ذلك ووطنها فهو معذور حتى يعرف المنزلة التي حرمت عليه من أجلها؛ لأن الله تبارك وتعالى أباح له نكاح النساء غير ذات المحارم، وكذلك اللحوم لأن اللحوم لا يعرف بضها من بعض ولا يعرف لحم الميتة والخنزير من لحم زكى الأنعام إذا كان أعضاء مقطعة، وكذلك ذوات [588] المحارم لا يعرفن بأعيانهن من غيرهن من النساء ولا دليل على أنهن ذوات محارم سوى العلم بأنسابهن ورضاعهن وصهرهن، ولو أنه عرف رضاعهن أو صهرهن أو نسبهن وبين ذوات محارم ثم نكحهن على ذلك جاهلا لحرمتهن هلك بذلك، ومنزلتهن بذلك منزلة الرجل، وأما ما يعاين راكبه أو مضيعة فإنه يسعه جهل معرفة كفر من انتهك الكبائر وضيع الفرائض حتى يدعى إلى معرفة كفرهم وتقوم عليه الحجة بذلك، فإن قامت عليه الحجة بمعرفة كفرهم من كتاب الله وحجة المسلمين، فإنه يلزمه أن يعرف كفر أهل تلك الصفة إذا قامت عليه /277/ (2/277)
صفحة 693
الحجة بتكفيرهم وإن لم ير أهل تلك الصفة ولا عاين أحداً منهم، وكذلك إن لم يوقف على الحجة بمعرفة إسم الكفر الواقع عليهم غير أنه قامت عليه الحجة بذلك، فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة ضلالهم وفسوقهم على تلك الصفة والبراءة منهم، لزمه البراءة من أهل تلك الصفة والمعرفة لضلالهم وفسوقهم بعد أن تقوم عليه الحجة في ذلك، وإن لم يعين منتهكي ذلك ولا مضيّعه؛ لأنه ليس كل عام بما يجب على أهل العصيان في عصيانهم من الأسماء والأحكام معايناً لتلك المعاصي منهم، بل أكثرهم للعلماء بذلك يعرفونه على صفة لم يعاينوها من أهلها، فإذا قامت الحجة التي بها كان على العالم عالماً وانقطع عذره بذلك على الجاهل لزمته المعرفة وضاق عليه الشك في ذلك، فإن شك بعد قيام الحجة عليه هلك /278/ (2/278)
صفحة 694
ومن غير السيرة.
قال أبو مالك: المعنى في هذا قامت عليه الحجة على الجاهل بمعرفة العالم، فإن لم تقم عليه الحجة ولم يعاين منتهكا لمعصيته ولا مصيّعا لفريضة كفريضة فهو بجهالة أهل الأحداث ومنازلهم وأسماؤهم والأحكام فيهم حتى يعاين من انتهك شيئاً من الكبائر التي أوجب على من انتهكها، وضيّع فريضة، أوجب على من ضيعها النار فلم يعرف منزلته في ذلك، فإن تولاه على ذلك هلك، وإن شك فيه فلم يثبت له إسم الإيمان ولا إسم الفسوق فهذا معذور حتى تقوم الحجة بمعرفة فسقه وضلاله، فإذا قامت عليه الحجة بذلك وجبت عليه البراءة منه وضاق عليه الشك، ولو أنه لم تقم عليه الحجة بذلك إلا أنه سمع من علماء المسلمين ممن يعرف إسلامه البراءة من هذا المحدث الذي وجب عليه إسم [589] الكفر في كتاب الله فتولى المسلم على براءته من هذا المحدث وهو واقف عن هذا المحدث وسعه ذلك، وإن برئ من المسلم أو وقف عنه على براءته من المحدث هلك بذلك، وإن كان المحدث مستحلا لحدثه الذي حرمه الله عليه فإن على كل من عرف حرمة حدثه أن يعرف أنه كاذباً على الله ضلالا وعليه البراءة منه، فإن شك فيه هلك. /279/ (2/279)
صفحة 695
ومن غير السيرة، قال أبو مالك، إن أبا المنذر قال إنه معذور حتى الحجة بمعنى ولو واحد، ما لم يتول هذا المستحيل؛ لأن كل من عرف أن الله حرم شيئا من الأشياء ثم سمع من يزعم أن ذلك الشيء حلال، أو علم أن الله أحل شيئا ثم سمع من يزعم أن ذلك الشيء حرام، فقد وجبت عليه معرفة ضلالة والبراءة منه، فإن شك فيه هلك لأنه قد كذب على الله ونقض ما في يده من دين المسلمين وضاق على من جهل ضلاله، ولو كان المستحل لحرام الله والمحرم لحلال الله لم يركب شيئا من ذلك بفعله إلا أنه قاله وانتحله، فقد وجب على من سمعه معرفة ضلاله والبراءة منه وهذا هو الحد الذي لا يسع فيه جهل كفر المستحلين الكاذبين على الله في دينه، ومما يسع جهله ما لم تقم الحجة على جاهله معرفة كفر أهل الكبائر من المستحلين والمحرمين وشرك الجاحدين ممن قد عرف ضلالهم وسماهم بضلال وأوجب عليهم البراءة ونفى عنهم إسم الإيمان، إلا أنه جهل لحوق إسم الكفر بهم، وجهل لحوق إسم الشرك بأهل الحجود منهم، فإنه يعذر بجهل ذلك ما كان عارفا لضلالهم، فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة كفرهم ومعرفة لحوق إسم الشرك بأهل الجحود منهم ضاق عليهم الشك في ذلك /280/ (2/280)
صفحة 696
ومما يسع جهله معرفة قسم المواريث والحدود والقصاص والأحكام التي تشبه هذا في كتاب الله وسنّة نبيه (ص)، ما لم تقم عليه الحجة أن يحكم في شيء من ذلك بغير ما أنزل الله، أو يعطل شيئا من حدود الله أو يعين على ذلك، فإذا قامت عليه الحجة بمعرفة ذلك وجبت عليه معرفته وضاق عليه الشك، وإن حكم في ذلك بغير ما أنزل الله واعتدى فيه إلى ما لم يأذن الله به، أو عطل شيئا من حدود الله أو أعان على ذلك هلك [590] فهذا مما يسع جهله وما لا يسع جهله وفي هذا احتجاج يطول ذكره، وقد اختلف في بعض الجهات، وإنما كتبنا من ذلك ما نرجو أنه لا اختلاف فيه إن شاء الله./281/ (2/281)
صفحة 697
في التوحيد
واعلموا – رحمنا الله وإياكم- أن كثيراً من أهل القبلة قد هلكوا في صفتهم لله تبارك وتعالى؛ لأنهم [***] توهموه محدوداً وأنه في مكان دون مكان والله برئ من ذلك، واعلموا أن الله تبارك وتعالى قديماً لم يزل وما سواه محدث مصنوع، وإن كل شيئ خطر بالبال أو تصور في الأوهام فهو مخلوق، وما عارض القلوب من الخواطر التي توجب التحديد على شيء من الأشياء فذلك كله محدث مصنوع مخلوق، والله خالقه والله تبارك وتعالى موجود معروف وهو شيء لا في الأشياء، حتى لا في الأحياء، ليس بذي جسم ولا عرض؛ لأن كل عرض مجهول لا يقوم بنفسه وكل جسم مؤلف يحتاج إلى الأماكن محدود، وكل ما أوجب عليه التأليف فله مؤلفه وصانع صنعه، والله تبارك وتعالى حتّى قادر جبار فعال صانع خالق، ولم يزل حيا قادراً عزيزاً عالما حكيما سميعا بصيراً، ثم أحدث الخالق فهو الخلق وصانعهم: ولا يقال لم يزل خالقا ولا صانعاً؛ لأن ذلك يوجب قدم الفعل، فإذا وجب ذلك بطل التوحيد، ولم يزل الله تبارك وتعالى وحده ثم أحدث الأشياء فهى محدثة وهو قديم وكل ما سوى الله مخلوق ومصنوع محدث والله أزلى قديم تبارك وتعالى /282/ (2/282)
صفحة 698
وقولنا إن الله سميع بصير نريد أنه سمع لا بآلة، بصيرا لا بآلة؛ لأنه لا تختلف عليه المعاني، ومن لم يكن سميعاً بصيراً فهو ناقص، وقولنا إنه سميع ننفي بذلك عنه الصمم، وبصير ننفي بذلك عنه العمي، لا يوجب أنه بصير بعين ولا سميع بأذن؛ لأنه ليس بمختلف المعاني، وهذا الواحد الذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فهذه صفة تنفي عنه كل شيء، ولم يزل تبارك وتعالى عالما، ما يكون قبل كونه وبعد كونه وقبل فنائه وبعد فنائه، وعالما ما لم يكن أن لو كان كيف يكون علمه بالأشياء قبل حدوثها هو علمه بها بعد حدوثها لا يختلف عليه ذلك تبارك وتعالى /283/ (2/283)
صفحة 699
في القدر
ثم اعلموا أن تبارك وتعالى لم يزل عالما بما عالما بما يعمل العباد قبل أن يخلقهم [591] عالما بما يصير إليه عواقب أمورهم وثوابهم وعقابهم، فجرت أعمالهم على علمه تبارك وتعالى، فمن زعم أن الله لم يعلم أعمال العباد حتى عملوها فهو كافر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً، واعلموا أن الله تبارك وتعالى خلق أعمال العباد وحركاتهم وسكونهم وجميع أفعال الحيوان، وخلق الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، والعباد في ذلك مكتسبون له، والله خلق كسبهم، ولا يقال إنهم كسبوا خلق الله، ولكن يقال خلق الله كسبهم، فمن زعم أن الله لم يخلق أعمالهم فقد كذب على الله وكفر، وقد قال الله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، والله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، وأفعالهم شيء، ومن زعم أنهم لم يكسبوها وأن الله لم يعذبهم على شيء منها، وأنه إنما عذبهم وأثابهم على فعله لا على أفعالهم فقد كذبوا على الله، والله تبارك وتعالى يقول: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، وقال: {ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} وقال: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} /284/ (2/284)
صفحة 700
وقالت طائفة من القدرية إن الله تبارك وتعالى لم يرد من العباد إلا الإيمان وأنهم كفروا، وقد أراد الله أن لا يكفروا فكفرو، فإن قالوا: أفتقولون إن الله أراد منهم الكفر؟ فإن الجواب في ذلك أن نقول: إن الله أراد أن يكون الكفر منهم كفراً باطلا مذموما لأنا نضيف إلى الله الأشياء بأحسن الآلفاط، وكذلك إن قالوا عن فعل الكفر والزنا والسرقة، قلنا نقول إن الله خلق ذلك وأنه وإن كان الخلق فعلا فلا نضيف الأشياء إلى الله إلا بأحسن الألفاظ، لأنا لو رأينا ثمرة فاسدة لم نقل إن الله أفسدها، وإن كان فسادها إنما جاء من قبل الله؛ لأن الفساد خطأ في التدبير فلا يضاف ذلك إلى الله، وكذلك لو رأينا عذرة لم يجز أن نقول إن الله أحدث هذه العذرة وهذا عظيم وإن من القول، وإن كان هو الذي خلفها وخلقها محدث كحدوث سائر الخلق، فلا ينكر أن نقول إن الله خلقها لأن كل ما أضفناه إلى الله أنه خلفه من جميع الأشياء، فليس ذلك [592] بقبيح وقد قبح ذلك في بعض الأشياء أن تنسب إليه أنه أحدثها أو فعلها، ومما زعمت القدرية أنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم أنهم لا يفعلونه، وإنما أمرهم بما هم عليه قادرون، وقول المسلمين أن أحداً لا يقدر أن يعمل ما قد علم الله أنه لا يعلمه، وقد أمر الله الناس أن يفعلوا ما لا يقدرون على فعله إلا بعون الله وتوفيقه، وليس ذلك منه جور تبارك وتعالى؛ لأن الجور لا يكون إلا من المأمور المنهى والله ليس بمأمور ولا منهى، وإنما الجور جوراً والظلم لأن الله حرّمه تبارك /285/ (2/285)
صفحة 701
وتعالى، ولم يؤت العباد في أن لم يقدروا على ما كلفهم الله من قبل الله تبارك وتعالى، وإنما أوتوا في ذلك من قبل أنفسهم؛ لأن الله تبارك وتعالى لم يحل بينهم وبين ذلك بمنع منعهم إياه ولا جبر جبرهم عليه ولا عجز أعجزهم عنه، وإنما العاجز الممنوع من كانت خلقته غير محتملة لما كلف مثل الزمن أن يكلف النهنوض، والأصم أن يكلف السمع، والأعمى أن يكلف البصر، فهذا ما لا يجوز على الله تبارك وتعالى، كلفهم الإيمان وخلقهم محتملة لذلك، فلم يستطيعوه لاشتغالهم بالكفر؛ لأن كل مكلف مشغول إما بما كلف وإما بخلافه، وإن كان مشغولا بما كلف فهو مؤمن لا يقدر على الكفر لاشتغاله بالإيمان، لا لعله تمنعه من ذلك ويوجب عليه العجز عنه، وكذلك إن كان مشغولا بخلاف ما كلف لا يقدر على الإيمان لاشتغاله لا لعله تمنعه من ذلك، وتوجب عليه العجز عنه، فافهموا ما وصفنا من قول المسلمين في القدرية واعلموا أن القدر هو الخلق، وكذلك القضاء، فإن قال لك: أتقول إن الله قضى عليه الكفر ثم يعذبه؟ فنقول كأنا أن نظن أن قوله قضى عليه بقول جبره وليس ذلك كذلك، ولكن المعنى قوله معاً /286/ (2/286)
صفحة 702
ومن غير السيرة: قال الشيخ أبو مالك: إنما يقال من هذا معا، أي لا يقال خلق الأفعال قبل الفعل من الإنسان ولا بعد فعله ولكن معا، وأما قولهم أحب الله، فذلك لا يجوز أن يقال لصاحب المعصية أحب الله المعصية ولا رضيها [593]؛ لأن الله لم يحب المعصية ولم يرضها بل سخطها وأ بغضها، وإنما تأويل قوله أحب ورضى إنما هو ثواب لأهل الطاعة؛ لأن محبة الله ورضوانه ثواب لأهل طاعته، وسخطه وبغضه لأهل معصية عقاب لهم وليس هذا على الضمير، وقد قال بعض أهل اللغة أحب الله أن تكون السماء سماء والأرض أرضا فالحسن حسنا والقبيح قبيحا، وليس هذا معنى الثواب، ولكن يقولون في هذا المكان أحب أنى أراد فأعقبوا ذكر المحبة من ذكر الإرادة لما جرت عليه العادة معهم في اللغة وتأويل المحبة ها هنا في الإرادة، فافهموا ذلك، وبالله التوفيق. /287/ (2/287)
صفحة 703
في الأسماء والصفات
وإن سأل سائل عن أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته، هي هو أم هي غيره؟
فالجواب: في ذلك إن كان يريد بالأسماء والصفات الألفاظ المسموعة والخطوط المكتوبة فهي غيره، وهي محدثه مخلوفة، وإن كان يريد المعنى بها فهو الله تبارك وتعالى، وإن قال أ فإسم هو أم حبسم؟ قيل له أما هو فليس يحسم، وأما قولك أفإسم؟ فإن كنت تريد أهو إسم نفسه فقد مضى الجواب في ذلك أنك إن كنا تريد ما يسمع ويكتب فهو غيره وإن كنت تريد بقولك المعنى بهذا المسموع والمكتوب فهو الله تبارك وتعالى، وليس قولك أفإسم هو أم جسم؟ يوجب علينا أن نثبت لك أحد هذين المعنين؛ لأنك سألت عن معنيين كلاهما عنه منفيين؛ لأن قولك جسم منفى عنه، وقولك إسم منفى عنه، لا يجوز أن يقال إنه إسم على هذا اللفظ لأن الإسم لا يكون إلا لمسمى، فإذا أطلقنا أنه إسم جعلناه إسماً وهذا ما لا يجوز، وهذا سؤال لا نسأل عنه أهل العلم وإنما يسأل عن هذا السؤال جاهل أو متعنت، أو يكون المسئول يتعدى إلى ما ليس له فيزيد في الحكم فدعه بذلك على جهة ما هو أهله، وإنما كتبنا هذا لكم؛ لأنه قد بلغكم أنه قد جرى في ذلك سؤال ودار بينكم فيه كلام فأحببنا أن تأخذوا في ذلك بحظكم وتعرفوا الحق فيه./288/ (2/288)
صفحة 704
ومثل هذا السؤال لو أن سائلا سأل فقال: أخبروني عن فلان أكاتب أم حاسب؟ فإنه قد يمكن أن يكون كاتباً [594] حاسباً ويمكن أن يكون لا كاتباً ولا حساباً، ويمكن أن يكون فيه أحد الأمرين، فليس الجواب اللازم فيه أن يقال هو كاتب ولا هو حاسب إلا أن يكون ذلك فيه، وليس هذا مثل قولك فلان حي أم ميت؛ لأن الحياة والموت ليس بينهما منزلة، وكذلك لو كان أكاتب هو أم غير كاتب وأن لابد أن يكون كاتباً أو غير كاتب، وكذلك لو سأل فقال: أخبرونى عن الله أجسم هو أم غير جسم؟ فلنا بل هو غير جسم تبارك الله وتعالى فافهموا الجواب في هذا، إن شاء الله. /289/ (2/289)
صفحة 705
في إثبات الوعيد
إن الله تبارك وتعالى وعد من وفى بطاعته الجنة فلا خلف لوعده، وأوعد المنتهكين للكبائر والمصرّين على الذنوب والمعاصي النار فلا خلف لوعده تبارك وتعالى، ومن زمم أن الله وعد قوما النار ثم لا يدخلهم إياها فقد كذب على الله والله يقول: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}، {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}، إنما يجوز عل العباد أن يقولوا نفعل ثم لا يفعلون بجهلهم بما يكون منهم من غيرهم، وأما الله تبارك وتعالى فإذا قال إنه يفعل فلا يجوز بطلان ذلك؛ لأنه لا بد أن يكون قال ذلك وهو يعلم أنه يفعله، فهذا كذب؛ لأن من قال إنه يفعل ما يعلم أنه لا يفعله فلا يجوز أن يبطل علمه وفي ذلك تجهيل لله تبارك وتعالى وتكذيب له، ومن زعم هذا فقد كذب على الله وكفر به، ومن زعم أن الله يعذب قوما في نار جهنم ثم يخرجهم منها فقد كذب على الله وكفر به لأن الله يقول: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}، وهم لا يمر بهم حال إلا وهم يريدون /290/ (2/290)
صفحة 706
الخروج منها، فهم معادون فيها على كل حال، وقال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، فقد أوجب الله للأشقياء النار ثم استثنى فهم، فلا أن يكون الاستثناء واقعا عليهم جميعأً، لا يجوز أن يقع على بعض دون بعض ولا فرق بين ذلك يدل على تميزهم، فإن وجب الخروج لبعضهم وجب لجميعهم وإن وجب [595] التخليد لبعضهم وجب على جميعهم فلينصف أهل الشرك، وإن زعموا أن أهل الكبائر من أهل التوحيد مخصوصون بالخروج دون فرعون وإبليس وسائر أهل الشرك فليفرقوا في ذلك، فإنه إن وجب لأحد من أهل القبلة وجب ذلك لفرعون، والله تبارك وتعالى يستثنى ولا يكون استثناؤه مبطلا لوعيده وقد عزم ثم استثنى وقال: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}، فلم ينس النبي (ص) فقد عزم نبيه لا ينسى ثم استثنى فلم يكن استثناؤه مبطلا لعزمه وقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ}، فقد عزم ثم استثنى فلم يكن استثناؤه مبطلا لعزمه./291/ (2/291)
صفحة 707
في أسماء أهل الكبائر
وإن لكل أهل ملة وجدت إسم وحكم ألحقه الله بهم تبارك وتعالى فأوجبت عليهم حكمه، فالمطيعون لله لهم إسم الإيمان وحكمه وثوابه وأسماء أهله من الإسلام من الإحسان والصلاح فللأسماء الطيبة، ولهم الولاية والاستغفار والترحم في المحيا والممات، والعاصون لله المصرون على معصيته تلحقهم أسماؤهم والأحكام فيهم على قدر منازلهم وهم فريقان، مشركون ومنافقون، فالمنافقون أهل الكبائر من أهل القبلة، وهم فساق كفار ضلال فجار ظالمون مجرمون آثمون، وكل هذه الأسماء القبيحة لا حقة بهم ما خلا إسم الشرك، وكذلك هذه الأسماء لاحقه بأهل الشرك ما خلا إسم النفاق، وقد قالت طائفة من أهل الضلال إن أهل الكبائر فساق وليسوا مؤمنين ولا كافرين ولا منافقين ولا مشركين، فأما قولهم ليسوا بمؤمنين ولا مشركين فقد عدلوا في ذلك، وأما قولهم ليسوا بكافرين ولا منافقين فقد أخطأوا في ذلك وضلوا بنفيهم عنهم ما أوجب الله عليهم وفيهم من الأسماء؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} /292/ (2/292)
صفحة 708
فلا يجوز أن يعدها لهم ويدخلها غيرهم، وإنما ذلك ليكون لمن يجهل أن يعد شيئاً لقوم فيناله غيرهم، فأما الله تبارك وتعالى لعالم بما يكون فإنه لا يعد شيئاً إلا لأهله، وقال: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}، ويقول ولا نجازي إلا الكفور، فمن وجب عليه الجزاء في الآخرة بذبه فهو كافر، وقال الله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، فلا يخلو أهل الكبائر أن يكونوا شاكرين ولا كافرين، فإن كانوا شاكرين فلهم إسم الشكر وثوابه من الإيمان والجنة وقد أوجب الله للشاكرين الجنة وإن كانوا غير شاكرين فهم كافرون والقول ما قلناه والحمد لله، وأما الذين زعموا أن أهل الكبائر مؤمنون فقد كذبوا على الله لأن الله يقول: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}، ولا يجتمع الفسق والإيمان جميعاً وقال: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}، فقد نفى الله المتولين عن طاعته من الإيمان، ولو كان توليهم شركا لقتالهم رسول الله (ص)، وقد أجمع أهل الاختلاف من جميع فرق أهل القبلة أن المتولى ليس بشرك إلا ما ادعته الخوارج من تشريك /293/ (2/293)
صفحة 709
المستحلين، وإنما الناس ثلاثة: مؤمن ومشرك ومنافق، فالمؤمن المطيع، والمشرك المنكر، والمنافق الراكب الكبائرـ ومن الدليل على أن أهل الكبائر من أهل القبلة كفار منافقون ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، أن المنافقين قد نسبهم الله إلى الكفر في غير آية من كتابه، وعرفه النبي (ص) ونهاه عن الصلاة عليهم، فلو كانوا مشركين ما أقرهم النبي (ص) في دار السلام وهو يعرف شركهم ولا أجرى بينهم وبين المسلمين المناكحة ولا الموارثة ولا أحل ذبائحهم ولا صلى على موتاهم قبل تحريم ذلك، وكيف وقد صلى على عبد الله بن أبي، ثم حرم الله ذلك عليه خاصة دون المؤمنين، وأحل لسائر المؤمنين الصلاة عليهم، وليس المنافقون بملة يعرف أهلها غير ملة التوحيد، ولا يجوز أن يجري فيهم حكم الإسلام وهم مشركون، وإنما جرت أحكام النبي (ص) على المشركين بالقتل وتحريم المقاررة والمناكحة والموارثة وتحريم الذبائح إلا من أقر منهم بالجزية من أهل الكتاب فأجرى لهم الأمن وأكل /294/ (2/294)
صفحة 710
ذبائحهم ونكاح نسائهم وحرم سائر الأشياء منهم غير ذلك، وغير أهل الكتاب ممن أقر بالجزية من المجوس فأمنهم وحرم منهم سائر الأمور التي تحرم من أهل الشرك منهم، فلو كان المنافقون من أهل الشرك للزمهم حكم أهل الشرك، فهذا دليل على تبرئة [597] أهل النفاق من الشرك، وما علمنا أن الله نسبهم إليه في كتاب وقد زعمت الخوارج أن كل من ناصبهم الحرب فهو مشرك، واعتلوا بقول الله: يا بني آدم {لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}، وقوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}، وإنما لزمهم الشرك في طاعتهم إياهم في تحليل الميتة والتكذيب بحرمتها، ولو كان أهل الكبائر مشركين لبطلت عنهم الحدود في الزنا والسرقة وسائر الحدود؛ لأن أهل الشرك يقتلون، فإن زعموا أنهم تابوا أقيمت عليهم الحدود، فلا نعلم على من تاب من الشرك حداً في شركه وإنما تجب الحدود على أهل القبلة وعل أهل الجزية بأحداثهم لا بإشراكهم وإن زعموا أن ذلك في كل من ناصبهم خاصة دون أهل الحدود من أهل ملتهم، فقد ناصب المسلمون قبلهم أهل الدار، وأهل الجمل، وأهل صفين، فلم يسموهم بإسم الشرك وإنما سموهم بالبغي والكفر والنفاق، وإنما أوجب الله إسم الشرك عل من أنكر الله أو جعل معه /295/ (2/295)
صفحة 711
شريكا، أو أنكر رسوله أو شيئاً من كتابه، فأما من أقر بذلك ولم ينقض منه شيئاً ثم انتهك المعاصي بتأويل أو تحريم فهو صال فاسق كافر منافق فاجر ولا يلحق به إسم الشرك، وقد سبوا أهل القبلة وغنموا أموالهم وانتحلوا الهجرة من بين أظهرهم ونكحوا ذوات البعولة منهم وذلك منهم ضلال وكفر، وإنما الحكم عل أهل الردة القتل، فإن كانوا في دار الإسلام لم تغنم أموالهم، وأما من كان من أهل الشرك فإنهم ما لم يكونوا دخلوا في الإسلام ولا في العهد، فإنهم يعنمون ويقتلون ويسْبون بعد الدعوة إلى الإسلام والامتناع منها، وقد حرم الله ذوات البعولة، وقال رسول الله (ص): «لا هجرة بعد الفتح». /296/ (2/296)
صفحة 712
في قتال أهل البغي والجبابرة
وقد زعمت الشكاك أنه يجب عليهم قتال أهل البغي مع إمامهم، فإذا فسق إمامهم وجار فلا يحل لهم قتاله، ووضعوا عن أئمتهم ما أوجبه الله على الناس من حكم الكتاب، وحمل ذلك الخوارج على أن سموهم باسم أهل الشرك وأنزلوهم منازل حرب النبي (ص) من المشركين والفريقان [598] مختلفون، كل صنف لم نعد اختلافهم، غير أنا لم نعد هذا الكتاب لنبين اختلافهم، وإنما اختصرناه لضعفاء المسلمين تنبيها وتثبيتا على الإسلام، وكلا الفريقين ضلال، والحمد لله قد بين المسلمون أن الجبابرة وأتباعهم وكل من بغى على المسلمين فامتنع بحق من حقوق الله وحد من حدود أو حكم بغير ما أنزل الله، فكل هؤلاء ضالون كافرون منافقون فاسقون يدعون إلى ترك ما كفروا والدخول فيها منه خرجوا من دين الله، فإن أجابوا إلى ذلك وفاءوا إلى أمر الله أخذ منهم ما وجب عليهم من الحقوق وأجريت عليهم أحكام الكتاب والسنّة، وإن امتنعوا صاروا بغاة فاسقين حلال دماؤهم يقتلون حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحهم، لا غاية لقتالهم في ذلك إلا إلى هذه الغاية من فناء أرواحهم أو نزولهم على حكم كتاب الله قال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}،لا يستحل /297/ (2/297)
صفحة 713
منهم عنيمة مال ولا سبي درية ولا نكاح ذات البعل ولا قتل طفل ولا استعراض الناس بالقتل من غير دعوة نبيّن لهم الحق، فهذا سيرتنا في أهل البغي، وكل من أحدث حدثا يلزمه فيه حد أو حق وامتنع به وقاتل عليه، ثم ألقى بيدء وتاب من قبل أن يقدر عليه فإنه يؤخذ بحدثه الذي امتنع وقام عليه حده وحكمه ولا يهدر عنه إلا ما أصاب في مناصبته للمسلمين حيث قاتلهم وقاتلوه وصار حربا للمسلمين، فذلك الذي يهدر عنه إذا تاب من قبل أن يقدر عليه، قال الله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم}، ومن دين المسلمين إقامة عن تراض ومشورة، فمن اغتصب الإمامة فهو باغ يحكم عليه بأحكام أهل البغي بعد أن يُدع إلى تسليم ما اغتصب من الإمامة إلى المسلمين، وترك للتسمى بما لا يسمه الله به ولا المسلمون، والمغتصب معنا إذا ادعى أنه إمام وقاتل على ذلك وكان إمام المسلمين بعد قائما فادعى عليه أنه إمام فهذا معنا هو المغتصب، والله أعلم. فإذا ثبتت بيعة الإمام وجبت طاعته فمن بغى عليه وامتنع من طاعته دعى إلا ذلك، فإن امتنع قوتل حتى تفنى روحه أو يفئ إلى أمر الله ويدخل فيما خرج منه من طاعة الإمام العدل /298/ (2/298)
صفحة 714
وإن أحدث الإمام كفراً استتيب فإن تاب [599] قبلت توبته وإن امتنع وشهر حدثه مع المسلمين وإصراره، حرمت طاعته عليهم وسألوه الاعتزال وإن امتنع قاتلوه حتى يقتلوه أو يعتزل ويتوب، فإن أصاب الإمام حداً عزل وأقيم إماما عن مشورة من المسلمين وأقيم الحد عل الإمام الأول وبطلت إمامته، وإن عجز عن أخذ الحقوق وإقامة الحدود ونكاية العدو وصار عجزه دعاية لتبطيل الحدود وبطلان الأحكام وظهور العدل ووضح ذلك مع المسلمين، فقد صار معطلا لحدود الله، يعزل ويقام غيره ممن بقوم بذلك ويبلغ فيه الحق، فإن امتنع قوتل حتى يفئ إلى أمر الله أو يقوم بالحق ويعتزل أو يقتل، وإن ادعت طائفة على الإمام أنه كفر، والمسلمون غير عالمين بذلك وخرجوا على الإمام، فهم أولى بالكفر ووجب على المسلمين قتالهم مع إمامهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يوضحوا ما ادعوه على الإمام بشهادة غيرهم، فيستتاب الإمام حينئذ فإن تاب فهو الإمام وإن أصر قوتل إن لم يعتزل، وإن لم يوضحوا ما ادعوه على الإمام قوتلوا وكانوا بغاة كفاراً حلال الدماء، حتى يتوبوا من بغيهم وينزلوا على حكم إمام المسلمين فيحكم عليهم بكتاب الله ويدخلوا في طاعته أو تفنى أرواحهم. /299/ (2/299)
صفحة 715
في ذكر الاختلاف في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام
واعلموا – رحمنا الله وإياكم- أنه لما قبض رسول الله (ص) كان أولى الناس بالإمامة أبو بكر الصديق رحمه الله، وكان أفضل المسلمين يومئذ في دين الله وأعلمهم بكتاب الله وسنّة نبيه، وحلال الله وحرامه وأوضحهم ورعاً وأصدقهم صدقاً، وكان رسول الله (ص) استخلفه على الصلاة فتكلم الناس في الإمامة ودعا من دعا من الأنصار إلى سعد بن عبادة، فوافقهم أبو بكر رحمه الله على تقديم المهاجرين، فدعاهم على أن يبايعوا رجلا من المهاجرين ولم يكن النبي (ص) أمّره بالخلافة ولا أمّر غيره، ولو أمره بذلك ما قصر عن طلبة لنفسه لما أمره، ولكن رسول الله (ص) جعل لهما علما يستنبطون منه إمامة أبي بكر وهي الصلاة، فلما نظر المسلمون علموا أن رسول الله (ص) قدمه للصلاة [600] فليس لأحد إزالته عنها ولا تصلح لمن لا يصلح له الصلاة بالناس إلا لأبي بكر رحمه الله فبايعوه على الإمامة، وكان ذلك الحق عليهم ورضوا به، فزعمت الرافضة أن أبا بكر غصبها من علي بن أبي طالب وأن عليا أمر بها، فلو كان كما زعموا لكان على قدر كفر بتضييع أمر النبي (ص)، ولو كان عليّ قدمه في الصلاة ولم يستحل حينئذ القتال عليها، لما استخلف بعد ذلك، وقد قاتل عليها وسلمها إذ وجبت لغيره /300/ (2/300)
صفحة 716
وليس تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر بمبطل لإمامته وقد أجمع عليه المهاجرون والأنصار، ولم يخلع سعد طاعة أبي بكر ولا امتنع بحق، ولا زعم أنه أولى بالإمامة من أبي بكر، ولا أن إمامة أبي بكر خطأ، فلو قال ذلك ما آزره عليه المسلمون، ولكن سعداً وإن كان لم يعط صفقة يده فقد كان رضاه وتسليمة مجزيا له عن ذلك بصفقة من هو أفضل منه من المهاجرين والأنصار، وزعمت الرافضة أن أبا بكر منع فاطمة ميراثها من النبي (ص)، وإنما كانت الأموال التي في يد النبي (ص) طعمه جعلها الله في يده من الفيء كما جعل له سهمه من الخمس، فلما توفي رسول الله (ص) صار بعد ذلك للمسلمين، كما صار سهمه من الخمس راجعا إليهم، ولو كان للنبي (ص) مال يجب لورثته ميراثه لكان ميراثه حقاً لهم كما زعمت الرافضة، كان لأزواج النبي (ص) الثمن، وكان لعمه العباس حقه في الميراث، ولكان لعليّ حين رجعت إليه الخلافة بقسم تلك الأموال على الورثة، فالدليل على فراهم وكذبهم أن علياً أقر حكم أبي بكر وعلم أنه الحق، ولم يقسم النبي (ص) ميراثاً، وأما قول الرافضة أقطع فاطمة رحمها الله، فذلك وأنها شهدت لها أم أيمن وعليٌ، فقد كان ينبغي لهم أن يعلموا أن شهادة رجل وامرأة لا تجوز، وقد علمنا أن فاطمة رحمها الله لم تدّع /301/ (2/301)
صفحة 717
شهادة عليّ في هذا، ولو كان كما يقولون إن أبا بكر ظلمها لرد عليّ ظلامتها على ورثتها، وقد علمنا وعلموا أن عليّاً ترك ذلك بحاله، فإن زعموا أنه ترك حقه وحق ولديه فكان يجب عليه أن يعرّف الناس ذلك؛ لأن لا يجعلوه تابعاً لأثر مبطل، بل قد علموا وعلمنا [601] أن أبا بكر –رحمه الله- لم يحكم في ذلك إلا بالعدل وحكم النبي (ص)، فلما قام أبو بكر رحمه الله قاتل أهل الردّة والممتنعين من أداء الزكاة، والخارجين مما دخل فيه المسلمون من طاعته على العدل، حتى ردّ الإسلام في نصابه وأراده على قطبه وانتظم أهله وذل أعداءه، ثم حضرته الوفاة فاستخلف عمر بن الخطاب برضى المسلمين، وبايعوه بعده، وقفى أثره وفتح الفتوح وجند الجنود، وأقام العدل حتى استشهد رحمه الله، فاستخلف ستة رهط، عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمان، فولوا أمرهم عبد الرحمان بن عوف، واختار أفضلهم، وكان أفضلهم عثمان بن عفان، فبايعوه وبايعه بقية أهل الشورى وسائر المسلمين، فسار بالعدل ست سنين وهو في ذلك مقصر عن سيرة عمر، ثم أحدث في الست الأواخر أحداثاً كفر بها، من تعطيل الحدود وإدالة المال واستعمال السفهاء، وآوى طريد رسول الله /302/ (2/302)
صفحة 718
الحكم بن أبي العاص، وصلى صلاة الظهر أربع ركعات، وأنكر ذلك عليه المسلمون، فضرب عمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود ونفي أبا ذر الغفاري وغيره من خيار المسلمين، فسار إليه المسلمون واستتابوه فأعطاهم الرضى ثم رجع فنكث توبته ورجع إلى جوره وأصر على ظلمه فسألوه أن يعتزل أو يعدل فأبى فقتلوه، وبايع المسلمون بعده علياً على طاعة الله وقتال من طلب بدم عمان، فنكث طلحة والزبير بيعة عليّ وخرجا بعائشة إلى البصرة، فاستدعيا أهلها إلى الطلب بدم عثمان، فأجابوهما إلا من أبى ذلك من المسلمين، وقد قاتلهم حكم بن جبيل وأصحابه بالبصرة فقتلوه، ثم سار إليهم عليّ بالمسلمين من المدينة فدعاهما إلى التوبة والرجوع فأبيا فقاتلهما ومن معهما فهرب الزبير وثبت طلحة فقتل في المعركة وقتل الزبير فارا، فبرئ المسلمون منهما، واستتابوا عائشة فتابت من ذلك، واستتاب المسلمون الناس من ولاية عثمان وطلحة [602] بن عبيد الله والزبير بن العوام، ثم دعا معاوية إلى الطلب بدم عثمان فصار إليه عليّ والمسلمون فقاتلوه ومن معه بصفين بعد أن دعوه ومن معه إلى الدخول في العدل /303/ (2/303)
صفحة 719
فامتنعوا فلم اشتدت الحرب وخرج الناس دعا معاوية بن أبي سفيان عليّ بن أبي طالب إلى أن يحكما بينهما حكمين يرضيان بما حكما به، فبلغ ذلك المسلمين فأنكروا ذلك فلم يزل معاوية بعلي حتى أجابه إلى ذلك على أن يحكما بينهما عبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، على أنهما ما حكما به من شيء رضيا به، إن حكما لعلي وأهل العراق بالإمامة، سلم معاوية أوهل الشام، وإن حكما لمعاوية وأهل الشام سلم عليّ وأهل العراق، فأنكر ذلك المسلمون وقالوا لعليّ إنه لا يحل لنا أن نكف عن قتال معاوية ومن معه حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحهم، فأعطاهم التوبة، ثم عاد فكث، ودعا إلى تمام الحكومة، ففارقه المسلمون وبرءوا منه واعتزلوه، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي إماما على /304/ (2/304)
صفحة 720
قتال أهل البغي واتباع سيرة المسلمين قبلهم، فسار إليهم عليّ فقاتلهم حتى قتلهم ظلماً لهم – رحمة الله عليهم- وكان قتله إياهم بالنهروان فاحتجت شيعة عليّ بما ذكر الله من حكومة الحكمين في الصيد وبين المرأة وزوجها وبمعاهدة النبي (ص) سهيل بن عمرو، فقلنا لهم: أما عهد النبي سهيل بن عمرو فإن الله نسخ ذلك بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْأخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ /305/ (2/305)
صفحة 721
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍوَهُمْ صَاغِرُونَ}، وقوله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}،فلا يقاتل الناس إلا على أحد هذه المنازل، وبها حلت دواؤهم إلا من وجب عليه حدّ تذهب فيه نفسه وسلم لما وجب عليه، فلا يعدو معاوية ومن معه إحدى هذه المنازل، فأيهما كانت فليس حكومة الحكمين إسلام ولا جزية ولا فيئة، وليس تحريم دماؤهم وهو بتحكيمهما أما قولكم في الصيد والمرأة فإن الله إنما حكم في ذلك أهل العدل [603] ولم يحكم فيه أهل الكفر، فعمرو فاسق لا يحل تحكيمه في الصيد فكيف ما لم يأذن به الله وقلنا: أرأيتم عليا قلتهم بأمر الله أو بغير أمر الله؟ فإن كان قاتلهم بأمر الله فليس له أن يحرم قتالهم حتى يعطوا الذي امتنعوا به، فأمر الله بقتلهم على الامتناع به، وبالامتناع به حلت دماؤهم، وإن كان قتالهم بغير أمر الله فقد ظلمهم وكفر بقتالهم، وقلنا لهم أرأيتم لو أن إماما رفع إليه عشرون رجلا قد وجب عليهم الرجم بما صحت به عليهم البينّة من الزنا والإحصان، أليس قد أمر الله برجمهم؟ فإن قالوا نعم، قلنا لهم: أرأيتم إن قال لهم الزناة إنا ندعوكم إلى أن تحكم منا حكما زانيا ونحكم من أصحابك حكما فما حكما به علينا وعليك سلمنا نحن وأنت له، أكان يحل للإمام انتظارهم وتحريم رجمهم حتى يحكم هذان الحكمان حتى يعرف أمرهما؟ /306/ (2/306)
صفحة 722
فإن قالوا: لا لأن الله قد أمره برجمهم فلا يحل له ترك ذلك منهم، قلنا لهم وكذلك عليّ أمره الله بقتالهم فلا يحل له ترك ذلك ولا تحريمه منهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولا يحكم أحداً منهم ولا فيهم بعد أن فرق الله بينه وبينهم، فهذا دليل على كفر عليّ وضلاله وصواب أهل النهروان وعدلهم، ثم إن عليّاً خلعه الحكمان فلم يرض حكمهما، وفرق الله أمره فقتله عبد الرحمان بن ملجم غضباً لله وكان ذلك منه حلالا لقتله، الذين يأمرون بالقسط من الناس، فرحم الله عبد الرحمان فكانت سيرة المسلمين بعد أهل النهروان واحدة وكلمتهم جامعة غير أنهم كانوا مقهورين في دراية تنية بين ظهراني الجبابرة، إلا من وجد منهم روح الجهاد فنهض إليه حتى يستشهد رحمهم الله، فخرج أهل النخيلة، ثم قريب والزحاف، ثم المرداس، وغيرهم من الخوارج المسلمين على العدل والحق، حتى خرج نافع بن الأزرق عدو الله فدعا إلى دعوة: (لم يقل بها أحد)، قبله، ثم إنه خالف سيرة (المسلمين)، فانتحل الهجرة وأضاف الشرك إلى أهل القبلة، واستحل السبي والغنيمة فبرئ منهم المسلمون، وقام نجدة بن عامر، وعبد الله بن صفار، فدعوا إلى مثل ما دعا [604] إليه نافع، غير أنهما خالفاه في أمور أخرى برئ /307/ (2/307)
صفحة 723
منه عليها جميعاً، فخالفهم عبد الله بن أباض إمام المسلمين – رحمه الله- هو والمسلمون وبرءوا منهم ودعوا إلى دعوة المسلمين قبلهم وبرءوا من آراء تكفيرهم، أهل القبلة وهم في نظرهم فساق ضلال كفار منافقون يقاتلون بعد الدعوة على ما كفوا به من دين الله لا يستحل منهم سبي ذرية ولا غنيمة مال، ولا يكفر المقيم بين أظهرهم ولا يستحل استعراضهم بغير دعوة، ولا ينتحل الهجرة بعد النبي (ص) ولا ينكح ذات بعل منهم فهذا دين المسلمين وسيرتهم في عدوهم من أهل القبلة واضحة منيرة، والحمد لله رب العالمين. /308/ (2/308)
صفحة 724
ذكر فرق الناس
واعلموا أنه كان الناس على عهد النبي (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان على دين واحد، من أقرّ بالإسلام ثبتت له الولاية إلا أن يحدث كبيرة يحل بها خلعه، حتى أحدث عثمان فافترق الناس فيه على ثلاث فرق، فرقة المسلمين الذين أنكروا عليه حدثه، وفرقة شائعته على إحداثه، وهم العثمانية أشياع الجبابرة، وصنف شكّوا فيه وفي الذين أنكروا عليه، فلم يستحلوا نصرته ولا محاربته، وهم الشكاك أصحاب عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وسعد بن أبي وقاص، فكانوا على هذه الفرق الثلاث حتى وقع تحكيم الحكمين فافترق أصحاب عليّ على فرقتين، فرقة شايعت عليا على حدثه فسموت الشيعة، وفرقة نقمت عليه ذلك وهم المسلمون فسموا الخوارج، فهذه أربع فرق هي أصناف الأمة وكل فرقة منهم مختلفون، فمن الشكاك والمعتزلة وأصحاب الحسن بن أبي الحسن، وصنوف منهم الجبابرة وأتباعهم مختلفون، إلا أن أصل دينهم أن إمامهم مطاع على كل حال. /309/ (2/309)
صفحة 725
والشيعة مختلفون، منهم الرافضة والزيدية وسائر صنوف الرافضة، والخوارج مختلفون منهم المسلمون يسمون الإباضية لمكان إمام المسلمين عبد الله بن إباض، والنجدية، والأزارقة، فكل فرقة من هؤلاء أيضا مختلفة، ولسنا نشغل الكتاب بذكر اختلافهم، يطول ذلك، ولكنا أحببنا أن نذكر لكم صدراً من [605] ذلك لتنتهوا وتعرفوا فرق من خالفكم من أهل القبلة فكل هؤلاء في البراءة والتكفير، وقد اختلفت هذه الفرق في مسائل جرت بينهم، فمنهم المرجئة ومنهم القدرية فالقدرية كل من زعم أن الله لم يخلق العباد وأنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهم لا يفعلونه مما أمرهم بفعله، وأن الله أراد أن لا يكون الكفر من الناس، فكان منهم ما قد أراد الله أن لا يكون منهم، فهذا قول القدرية، وقد بينّا القول في ذلك ونحن منهم براء، والمرجئة الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل وأن أهل الفسوق مؤمنون ونحن منهم براء، وقد بينا الاحتجاج عليهم في ذكر أسماء أهل الكبائر وبرئنا من الشكاك في شكهم في قتال الجبابرة، وقولهم أن أهل النار من أهل التوحيد يخرجون منها، ونفيهم لإسم الكفر والنفاق عن فسقه أهل القبلة ... وبرئنا من الأزارقة والنجدية والصفرية وسائر صنوفهم بتسميتهم أهل القبلة بالشرك وانتحال الهجرة واستحلالهم للسبي والغنيمة من أهل التوحيد /310/ (2/310)
صفحة 726
ذكر أصحاب من يبرأ منه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الرجال المسلمين
ومن دين المسلمين البراءة من عثمان بن عفان بما ذكرنا من أحداثه ومن إيوائه لطريد رسول الله (ص) ونفيه للمسلمين وحكمه بغير ما أنزل الله، والبراءة من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ببغيهما على المسلمين وطلبهما بدم عثمان، والبراءة من عليّ بن أبي طالب بتحكيمه الحكمين وقتله المسلمين على إنكار ذلك، والبراءة من معاوية بن أبي سفيان بطلبه بدم عثمان واغتصابه [606] الإمامة وحاربته المسلمين وبغيه عليهم، والبراءة من عمرو بن العاص بدخوله في الحكومة والحكم لمعاوية بالإمامة والطلب بدم عثمان ومحاربته المسلمين والبغي عليهم، والبراءة من عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري بدخوله في الحكومة. /311/ (2/311)
صفحة 727
والبراءة من الجبابرة والكذابين على الله، والبراءة ممن تولاهم وأعانهم على جورهم أو دان بطاعتهم أو حرم قتالهم بعد الدعوة إلى العدل، وأما محمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، فمن المسلمين من وقف عنهم وقالوا: قد ترك الحرب، فالله أعلم لما كان تركهم لها، وبرئ منهم بعض المسلمين، وقالوا إنهم شكوا في قتال الفئة الباغية وفي قتال الجبابرة ولم يتولاهم أحد من المسلمين، ومن وقف عنهم من المسلمين تولى من برئ منهم، ومن تولى هؤلاء فلا ولاية له مع المسلمين والحسن بن أبي الحسن من المسلمين من وقف عنه ومنهم من برئ منه على الشك في قتال الجبابرة، والذين وقفوا عنه يتولون من برئ منه، ومن تولاه فلا ولاية له من المسلمين، وعمر بن عبد العزيز من المسلمين من وقف عنه حيث أعطاهم الرضى من نفسه واعتذر بخوف بني أمية، ومنهم من لم ير له عذراً في التقية ورأوا أنه لابد له أن يظهر عذر المسلمين ولا يحل له مقاررة من يكفر المسلمين وهو إمام وبرءوا منه على ذلك، ومن وقف عنه من المسلمين من برئ منه من المسلمين، ومن تولاه فلا ولاية له مع المسلمين /312/ (2/312)
صفحة 728
ذكرى أئمة المسلمين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم
ومن أفضل الناس بعد رسول الله (ص) في كل وجه من الوجوه أبو بكر وعمر، وليس عليهما [607] تقديم لأحد في شيء من الأشياء وهما إماما المسلمين، ثم أئمة المسلمين من بعدهم من أصحاب التبي (ص) أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمان بن عوف، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وسلمان، وصهيب، وبلال، وأبي بن كعب، وزيد بن صوحان، الذي قتل يوم الجمل عند عليّ والمسلمين، وخزيمة بن ثابت، ومحمد وعبد الله ابنا بديل، وحرقوص بن زهير السعدي وزيد بن حصن الطائي اللذان استشهدا بالنهروان عند الإمام عبد الله بن وهب الراسبي رحمهم الله، فهؤلاء أئمة المسلمين من أصحاب رسول الله (ص)، وممن لم يدخل في الفتنة بعد النبي (ص) وممن لم يسم وأنكر المنكر على أهله، ومن شهد يوم الدار، ويوم الجمل، ويوم صفين وشهد النهروان من المسلمين، ومن لم يشهد هذه المشاهد ممن مات على دينهم ومن مات قبل اختلاف الأمان فهم أئمتنا وأولياؤنا رحمهم الله. /313/ (2/313)
صفحة 729
ثم من بعدهم عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه الذين جاهدوا معه يوم النهروان حتى استشهدوا – رحمهم الله – على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم عبد الرحمان بن ملجم رحمه الله، ثم من بعدهم فروة بن نوفل الأشجعي، ووداع بن حوثرة الأسدى، ومن استشهد معهما يوم النخيلة فقاتلوا بها أصحاب معاوية وأصحاب الحسن بن علي حتى استشهدوا – رحمهم الله- على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن دان بدين أهل الجنة وأهل النهروان من لم يشهد معهم فهم أولياؤك رحمهم الله، ثم خوارج المسلمين من بعدهم، ثم قريب والزحاف، وما قاتل معهما زيادة بن أبي سفيان بالكوفة حنى استشهدوا رحمهم الله، وعروة بن حدير – رحمه الله- الذي قتله عبيد الله بين زياد، والمرداس بن حدير وأصحابه الذين دعوا إلى دين الله وقاتلوا أصحاب عبيد الله بن زياد وأشياع يزيد بن معاوية بعد أن دعوهم إلى دين الله حتى استشهدوا رحمهم الله، ثم إمام المسلمين عبد الله بن إباض وسائر أئمة [608] المسلمين جابر بن زيد، وصحار بن عبد، وجعفر بن السمان، وحتات بن كاتب، /314/ (2/314)
صفحة 730
وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأبو نوح صالح بن نوح الدهان، ثم عبد الله بن يحي الإمام، والمختار بن عوف، وأبو الحر على بن الحصين، ومن استشهد معهم من المسلمين الذين قاتلوا أشياع مروان بن أحمد، ثم عبد الرحمان بن رستم إمام أهل المغرب، والجندلي بن مسعود إمام المسلمين بعمان ومن استشهد معه من المسلمين هلال بن عطية الخرساني، وخلف بن زياد البحراني، والربيع بن جند، وموسى بن أبي جابر، وبشير بن المنذر، ووائل بن أيوب، ومحبوب بن الرحيل، وهشام بن المهاجر، وعبد الله بن أبي قيس، وسعيد بن مبشر، وعلى بن عروة، وهشام بن غيلان، ومنير بن النير، وسليمان بن عثمان، وأبو منصور الخرساني، وهشام بن عبد الله الخرساني، وعبد المقتدر بن الحكم، ومحمد بن هاشم بن غيلان، وموسى بن علي، وسعيد بن محرز، والوضاح بن عقبة، ومحمد بن محبوب، أئمة المسلمين وفقاؤهم – رحمهم الله - ورضي عنهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء بما آثروا من دين المسلمين واتقوا الله ورعوه من عهود الله وقاموا به من شرائع الله وأحيوه من سنن الله، فرحمة الله عليهم ومغفرته ورضوانه./315/ (2/315)
صفحة 731
ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تبارك وتعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، وقال: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، فالذي يجب على المسلمين إذا كانوا قادرين ظاهرين أن تجتمع كلمنهم ويتشاور أهل العلم منهم ثم يقيموا إماما ممن يستحق الإمامة، والذي يستحقها هو الذي يبصر عدل ما يأتي ويتقى ويعرف، ولكن معنى الذي يستحق الإمامة إذا كان ورعاً بصيراً بما يأتي ويتقي وكان يبصر الولاية والبراءة وكان قوياً على إقامة الحق ويقورع ويفرق ويقوى على إقامة العدل ويعزم عليه، ثم عليهم له السمع والطاعة، فمن أظهر منكراً أو قولا من بعد دعوة إلى ترك منكره والتوبة منه، [609] وليعلم حق ما وجب عليه في حدثه من فعل، كان قد أجاب إلى التوبة، قبلوا ذلك وأقاموا عليه الحق فيما أحدث، وإن امتنع سألوه أن يستأسر فإن فعل أسروه وأقاموا عليه العدل، وإن امتنع قاتلوه ومن شايعه على ذلك حتى تفنى روحه أو يفئ إلى أمر الله، فإن استطاعوا أن يقعدوا مصرهم إلى غيرهم وجب ذلك عليهم كلما قدروا عليه /316/ (2/316)
صفحة 732
فليدعوا الناس إلى الدخول في دين الله والتسليم للعدل، فإن أجابوهم إلى ذلك حكموا فيهم بالعدل وأخذوا منهم ما وجب عليهم من الحقوق وسلموا إليهم حقوقهم، وإن امتنعموا حاربوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، وإن لم يحاربوا ولم يسلموا أسروا وحبسوا حتى يسلموا أو يجب عليهم ما يجتمع عليه المسلمون فيتفذ فيهم ما الذي السيرة في فساق أهل القبلة، وأما أهل الشرك فمن امتنع منهم من الإسلام وأداء الجزية قتل وغنم ماله وسبيت ذريته، إلا المرتد فإنه يقتل ولا سبي على ذريته، ولكن القتل في رجالهم ونسائهم، فإن كانوا في دار حرب غنمت أموالهم التي في دار الحرب، وإن كانوا في دار الإسلام قتلوا ولم تغنم أموالهم ولم يرثوهم ورثتهم من أهل العهد، ومنهم من قال يلقى في بيت المال، غير أنا نرى أنها إن ألقيت في بيت المال تركت بحالها لا ينتفع بها هذه سيرتنا في أهل الشرك، فإذا كان المسلمون في حد الضعف والتقية، فإن قدروا على الإنكار بألسنتهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بألسنتهم، وإن لم يقدروا على ذلك وخافوا أنكروا بقلوبهم، ولابد من ذلك ولا يسع غيره. /317/ (2/317)
صفحة 733
في أمر الولاية والبراءة
وإذا كانت الدار دار إسلام والمسلمون ظاهرون وكلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والباطل مقهور أهله لا يأمنون على إظهاره، فمن ظهر منه الصلاح والورع في الدين تولاه المسلمون ولم يمتحنوا ضميره، ولم يسألوه عن شيء من الأديان، وإن كانت الدار دار كفر والمسلمون مقهورون والباطل ظاهر، أو كانت الدار مهملة لا يمنع أحداً من إظهار دين حق ولا باطل فإن من [610] ظهر منه الصلاح والورع سأله المسلمون عن دينه وامتحنوه، فإن كتمهم أمره وقفوا عنه، وإن أظهر ديناً من أديان الضلال براءوا منه، وإن أظهر لهم الموافقة على ذلك تولوه، وقد كانت الدار في زمان أبي بكر وعمر دار إسلام وكان الناس مستغنين عن المحنة، وكان من ظهر منه الصلاح والورع تولى على أمره ومن ظهر منه الكفر برئ منه، ومن لم يعرف قوله ولا عمله وقف عنه، حتى أحدث عثمان بن عفان فاحتاج المسلمون حينئذ إلى معرفة من وافقهم ومن خالفهم فلم يدينوا بعد ذلك إلا لمن علموا منه الوافقة إذا ظهر الكفر وكانت الدار مهملة، وكذلك أهل عمان لما أخطأوا في عزل الإمام الصلت بن مالك، ثم تتابعت أحداثهم لم يتول أحد ظهر منه الصلاح والورع إلا بمعرفة موافقته للمسلمين في جميع الأحداث /318/ (2/318)
صفحة 734
فمن عرف منه الموافقة للمسلمين فيما دانوا لله به من القول والعمل ثبتت ولايته، ومن ظهرت منه مخالفة للمسلمين في قول أو عمل برئ منه مما انتهك من الكبائر وأصر عليه من المعاصي وكذب على الله وعلى رسول (ص) من تدينه بالكفر والباطل، ومن لم يعرف قوله ولم يظهر منه كفر يبرأ منه عليه، وقف عنه ووكل عمله إلى الله، فهذا دين المسلمين نسأل الله التوفيق لنا ولكم {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّآتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}، وصلى الله على رسوله محمد خاتم النبيئين وعلى آله الطيبين، وقال هو ديمي ودين لمسلمين، تمت السورة في كتاب سير المسلمين أهل الفوز رحمهم الله أجمعين./319/ (2/319)
صفحة 735
بسم الله الرحمان الرحيم
ومن سيرة أبي عبيدة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم من المشائخ
وهذا عن أبي عبيدة: قال لا تخلوا من أن تكون دعوت الناس إلى نصرتك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يجيبوك، وأفردت فهلك القوم وثبتت ولايتك لإخوانك وزالت إمامتك /320/ (2/320)
صفحة 736
وإما أن لا تكون دعوتهم فزالت إمامتك بالتضييع واستعلان الباطل قبلك فلا إمامة لك، وإما أن تحمل سيفك على عاتقك فتفئ لله بما ضمنت له [611] وتلحق بأئمة المسلمين قبلك فيهلك كل من استنصرته فخذلك، وإما أن تكون رجلا قد عزت نفسك ومن قبلك بالضعف فحللت المسلمين من ولايتك والسلام.
قال أبو عبيدة المغربي: تفسير ذلك فيما أرى، والله أعلم، يعنون الإمام إذا رأى الرعية لم تستقم لله على الطاعة التي ينالون بها ثواب الله، إن على الإمام أن يدعوهم إلى الوفاء لله بطاعته، فإن لم يجيبوه إلى طاعة الله وطاعة رسوله (ص)، فبقي منفردا بنفسه فهلك كل من كره الإجابة إلى الاستقامة، وبقيت ولاية الإمام عند من حضر أو غاب من المسلمين وزالت إمامته عن الناس؛ لأنه قد صار الإمام في هذا الوجه إلى حد الكتمان، وإذا كتم الإمام خرج من حد الإمامة والظهور بالإسلام؛ لأن البيعة إنما هي على إقامة كتاب الله وسنة نبيّه عليه السلام واتباع آثار المسلمين منه ومن الرعية، وإذا لم تف الرعية بذلك ضلوا وصار الإمام إلى حد الكتمان؛ لأنه لا يظهر المنكر بحضرته إلا على أحد وجهين، إما أن يكون مقهورا ذليلا فعليه أن يخرج من الإمامة ولا يعتزلها ولا يقر المسلمين، أو يكون مدهناً مقصوراً فلا إمامة له بالنكث وتركه الوفاء بما عاهد الله والمسلمين عليه /321/ (2/321)
صفحة 737
وقد بلغنا أن أبا بكر الصديق (ض) بلغه أن ناساً من المسلمين كرهوا مقامه فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: أيها الناس كرهتموني فاستقيلوني أقيلكم، فقال له عليّ بن أبي طالب: هيهات هيهات لا تقال ولا تستقال، فأجمع صالحو المسلمين على الرضى بإمامته، وذلك أنه لا يلتفت في هذه الأمور إلى إنكار العامة ولا إلى رضائهم، وإنما ينظر الناظر لله ولدينه وللإسلام وأهله وهم المستنبطون، وأما من سواهم من الناس فإنما عليهم الاتباع والانقياد وليس إليهم من النظر للإسلام وأمروه والتقديم فيها بشيء، قال الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، والمستنبطون، هم أهل العلم بالكتاب والسنّة؛ لأنهم المنهاج، ألا ترى أنه ذمهم حين لم يردوا الأمر إلى الرسول والمستنبطين، وكان عمر بن الخطاب [612] إذا رأى من المسلمين تلكؤا يعني تقصيراً قال لهم: إما أن تقوموا بما عاهدتم الله وإلا خرجت إليكم من الإمامة، فكذلك ينبغي؛ لأن كلا قد وجب عليه الوفاء لله بما عاهده وذلك إذا كان عن مشورة من خيار المسلمين ورضاهم به لله ولدينه، ثم كان منهم الوفاء بذلك والاستقامة فيه، فإن عمر (ض) قال: الخلافة ما ائتمن عليها، يعني ما كان عن مشورة أهل العلم والصلاح /322/ (2/322)
صفحة 738
والملك ما أخذ بالسيف فكل إمامة كانت عن غير مشورة من أهل العلم والصلاح فهي ملك، وكذلك من عقد له الأشرار فهي ملك، وإما أن لا يكون دعوتهم فزالت إمامتك بالتضييع واستعلان الباطل قبلك وإمامتة الحق إمامة لك، وذلك أن الإمام إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود وصلاة الجمعة بالناس من غير عذر يعذر بذلك مثله الفقهاء، وترك جهاد العدو ودفعه عن المسلمين، فزالت إمامته بما قصر فيه من أمر الظهور بذلك كله أو ببعضه، وكذلك إذا بدل السيرة فسار بغير سيرة من مضى بغير ما هو معروف فيه سيرتهم وكذلك إذا ترك الأحكام، وأما قوله أن تحمل سيفك على عانقك فتفئ الله بما ضمنت له، أو تلحق بأئمة المسلمين قبلك، فيهلك من استنصرته فخذلك، فهذا تفسير أو الكلام؛ لأنه إذا بقي معه أربعون رجلا من أهل الصلاح غلا عذر له في الضعف، فإذا لم يبق عنده أربعون رجلا من أهل الصلاح والأمانة كلهم فعليه أن يعتزل الإمامة، ويحل اللواء، واتسعه التقية، فإن رجعوا إليه فيلزم بيته ولا يقبل ذلك منهم وقد اختبر غدرهم /323/ (2/323)
صفحة 739
ويقال: المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين، فكل من دخل في الإمامة والعمالة وله فيها رأي إذا كان يعجبه ذلك يعني يجب الدخول فيها ويحل إليها، وإمام المسلمين وعاملهم فيها كالمسجون وهو كاره لذلك؛ لأنه على خطر عظيم، والذي يوجد عن المسلمين، أيما إمام جبى أرضا جباها غيره من الجبابرة فلم يمنعهم من الضعف منه أو مداهنة، هو إمام جائر فاسق نخلعه ونبرأ منه، ولا نلبس الحق بالباطل ونحن نعلمه، ولا تختلف أحكامها على الناس، وهذا ديني ومذهبي واعتقادي، ولست ممن يصدق النجوم والكهانة ولا الملاحم لكن أتبع نبي محمد (ص) [612] وأعرض ما شكل على كتاب الله تعالى، وسنّة محمد (ص)، وأقتدى بآثار السلف الصالحين الذين لم يتخذوا دينهم لهواً ولعباً، ديني دينهم، وإن كنت قد بان لك الحق فالحق مقبول، هذا والسلام عليك وعلى المسلمين من تلك البلاد أجمعين وصلى الله على رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما، تم الذي من السيرة عن أبي عبيدة /324/ (2/324)
صفحة 740
هذه سيرة الشيخ العالم العلامة إمام مذهب أهل الاستقامة والمقتدى به في الفتاوى الخاصة والعامة، قطب المذهب ومداره وأساس قواعده ومناره عبد الله بن أباض بن تيم اللات رهط الأحنف بن قيس (ض) إلى عبد الملك بن مروان، وفيه -أيضا- سيرة شبيب بن عطية العماني رحمه الله، وهي سيرة حسنة، وفيه كتاب الموازنة تأليف الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوى العماني السلمي، رحمه الله.
بسم الله الرحمان الرحيم
سيرة عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان
عبد الله بن أباض إلى عبد الملك بن مروان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأوصيك بتقوى الله، فإن الثاقبة للتقوى والمرد إلى الله، واعلم أنه إنما يتقبل الله من المتقين /325/ (2/325)
صفحة 741
أما بعد: جاءني كتابك مع سنان بن عاصم، وإنك كتبت إلى أن أكتب إليك بكتاب، فكتبت به إليك فمنه ما تعرف ومنه ما تنكر، زعمت أنما عرفت منه ما ذكرت به من كتاب الله وحضضت عليه من طاعة الله واتباع أمره وسنّة نبيه، وأما الذي أنكرت منهفهو عند الله غير منكر، وأما ما ذكرت من عثمان والذي عرضت به من شأن الأئمة وأن الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه بما أنزله على رسوله أنه من لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون والكافرون والفاسقون /326/ (2/326)
صفحة 742
وإني لم أكن أذكر لك شيئاً من شأن عثمان والأئمة إلا والله يعلمه أنه الحق، وسأنزع لك من ذلك البينّة من كتاب الله الذي أنزله على رسول، وسأكتب إليك في الذي كتبت به وأخبرك من [614] خبر عثمان والذي طعنا عليه فيه وأبين شأنه والذي أتى عثمان، لقد كان كما ذكرت من قدم في الإسلام وعمل به ولكن الله لم يجر العباد من الفتنة والردة عن الإسلام، وإن الله بعث محمداً بالحق (ص) وأنزل الكتاب فيه بينات كل شيء يحكم بين الناس فيما اختلفوا: {هُدًى وَرَحْمَةًلِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، فأحل الله في كتابه حلالا وحرم حراماً وفرض فيه حكماً وفصّل فيه قضاه وبين حدوده فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}، وقال: وقسم ربنا قسما وليس لعباده فيه الخيرة، ثم أمر نبيّه باتباع كتابه، فقال للنبي (ص): {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وقال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، فعمل محمد (ص) بأمر ربه ومعه عثمان ومن شاء الله من أصحابه لا يرون رسول الله يتعدى من قبله شيئاً ولا يبّدل فريضة ولا يستحل شيئاً حرمه الله ولا يحرم شيئاً أحله الله ولا يحكم بين الناس إلا بما أنزل الله فكان بقول: /327/ (2/327)
صفحة 743
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، فسر (ص) ما شاء الله تابعاً لما أمر الله، يتبع ما جاء من الله، والمؤمنون معه يعلمهم وينظرون إلى عمله حتى توفاه الله عليه الصلاة والسلام وهم عنه راضون، فنسأل الله سبيله وعملا بسنّته ثم أورث الله عباده الكتاب الذي جاء به محمد وهداه ولا يهتدى من اهتدى من الناس إلا باتباعه ولا يضل من ضل من الناس إلا بتركه، ثم قام من بعده أبو بكر على الناس فأخذ بكتاب الله وسنّة تبيه، ولم يفارقه أحد من المسلمين في حكم حكمه ولا قسم حتى فارق الدنيا وأهل الإسلام عنه راضون وله مجامعون، ثم قام من بعده عمر بن الخطاب قويا في الأمر شديدا على أهل النفاق، يهتدى بمن كان قبله من المؤمنين بحكم بكتاب الله، وابتلاه الله بفتوح من الدنيا ما لم يبتل به صاحباه، وفارق الدنيا والدين ظاهر وكلمة الاسلام جامعة وشهادتهم قائمة، والمؤمنون شهداء الله في الأرض، وكذلك قال الله: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، ثم أشار المؤمنون [615] فولوا عثمان فعمل ما شاء الله /328/ (2/328)
صفحة 744
بما يعرف أهل الإسلام حتى بسطت له الدنيا وفتح له من خزائن الأرض ما شاء الله، ثم أحدث أمورا لم يعمل به صاحباه قبله وعهد الناس يومئذ قريب بينهم حديث، فلما رأى المؤمنون ما أحدث عثمان أتوه فكلموه وذكّروه بكتاب الله وسنّة من كان قبله من المؤمنين، وقال الله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}، فسفه أن ذكروه بآيات الله وأخذهم بالجبروت وضرب منهم من شاء الله وسجن ونفاهم في أطراف الأرض من شاء الله منهم نفيا أن ذكّروه بكتاب الله وسنّة نبيه ومن كان قبله من المؤمنين، وقال الله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}، وإني أبين لك يا عبد الملك بن مروان الذي أنكر المؤمنون على عثمان وفارقناه عليه فيما استحل من المعاصي، عسى أن تكون جاهلا عنه غافلا وأنت على دينه وهوه، لا يحملنك يا عبد الملك هوى عثمان أن تجحد بآيات الله وتكذب بها، فإن عثمان لا يغني عنك من الله شيئا فالله الله يا عبد الملك بن مروان قبل التناوش من مكان بعيد وقبل أن يكون لزاما وأجل مسمى، وإنه كان مما طعن المؤمنون عليه وفارقوه وفارقناه فيه، فإن الله قال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، فكان عثمان /329/ (2/329)
صفحة 745
أول من منع مساجد الله أن يقضى فيها بكتاب الله، ومما نقمناه عليه وفارقناه عليه أن الله قال لمحمد (ص): {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فكان أول هذه الأمة طردهم ونفاهم، فكان ممن نفاهم من أهل المدينة أبر ذرّ الغفاري، ومسلم الجهني، ونافع الحطام، ونفي من أهل الكوفة كعب بن أبي الحلمة وأبي الرحل الوجاج، وجندب بن زهير، وجندب هو الذي قتل الساحر الذي كان يلعب به [616] الوليد بن عقبة، ونفى عمرو بن زرارة، وزيد بن صوحان، وأسود بن ذريح، ويزيد بن قيس الهمداني وكردوس بن الحضرمي، في ناس كثير من أهل الكوفة، ونفى من أهل البصرة عامر بن عبد الله القشرى، ومذعور العبدى ولا أستطيع لك عددهم من المؤمنين /330/ (2/330)
صفحة 746
ومما نقمنا عليه أنه أمّر أخاه الوليد بن عقبة على المؤمنين، وكان يلعب بالسحرة ويصلى بالناس سكران، فاسق في دين الله، أمّره من أجل قرابته، على المؤمنين المهاجرين والأنصار، وإنما عهدهم حديث بعهد الله ورسوله والمؤمنين، ومما نقمنا عليه إمارته قرابته على عباد الله وجعل المال دولة بين الأغنياء، وقال الله: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ}، وبدّل كلام الله وبدّل القول واتبع الهوى، ومما نقمنا عليه أنه انطلق إلى الأرض ليحميها لنفسه ولأهله حمىً حتى منع قطر السماء والرزق الذي أنزله الله لعباده، لأنفسهم وأنعامهم، وقد قال الله: {قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍفَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، ومما نقمنا عليه أنه أول من تعدى في الصدقات وقد قال الله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ /331/ (2/331)
صفحة 747
وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةًمِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وقال الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}، وأحدث عثمان منعه فرائض كان فرضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وانتقص أصحاب بدر ألفا من عطائهم، وكنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله، وقال الله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}، ومما نقمنا عليه أنه كان يضم كل ضالة إلى إبله ولا يردها ولا يعرّفها، وكان يأخذ من الإبل والغنم ممن وجد ما عنده من الناس وإن كانوا قد أسلموا عليها، وكان لهم في [617] حكم الله أن لهم ما أسلموا عليه، وقال الله: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، وقال: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ /332/ (2/332)
صفحة 748
بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، ومما نقمنا عليه أنه أخذ خمس الله لنفسه ويعطيها أقاربه ويجعل منهم عمالا على أصحابه وكان ذلك تبديلا لفرائض الله، وفرض الله الخمس لله ولرسوله: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنكُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ومما نقمنا عليه أنه منع أهل البحرين وأهل عمان أن يبينوا شيئاً من طعامهم حتى يباع طعام الإمارة، وكان ذلك تحريما لما أحل الله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواا}، فلو أردنا أن نخبر بكثير من مظالم لم نحصها إلا ما شاء الله، وكل ما عددت عليكم من عمل عثمان يكفر الرجل أن يعمل ببعض هذا، وكان من عمل عثمان أنه يحكم بغير ما أنزل الله وخالف سنّة نبي الله والخليفتين الصالحين أبي أبكر وعمر وقد قال الله: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، {أَلَا لَعْنَةُ /333/ (2/333)
صفحة 749
اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، {وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}، وقال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، وقال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ}، وقال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون}، والفاسقون والكافرون، وقال: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}، وقال: {وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}، وقال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، وقال: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، فكل هذه الآيات تشهد على عثمان، وإنما شهدنا بما شهدت هذه الأيات: {يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}، وقال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}، /334/ (2/334)
صفحة 750
فلما رأى المؤمنون الذي نزل به عثمان من معصية الله، والمؤمنون شهداء الله [618] ناظرون أعمال الناس، وكذلك قال الله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، وترك خصومة الخصمين في الحق والباطل ودفع ما وعد الله من الفتن، وقال الله: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، فعلم المؤمنون أن طاعة عثمان على ذلك طاعة إبليس، فساروا إلى عثمان من أطراف الأرض، واجتمعوا في ملأ من المهاجرين والأنصار وعامة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فأتوه فذكروه الله وأخبروه الذي أتى من معاصي الله، فزعم أنه يعرف الذي يقولون، وأنه يتوب إلى الله منه ويراجع الحق فيقبلوا منه الذي إتقاهم به من إعتراف الذنب والتوبة والرجوع إلى أمر الله، فجامعوه وقبلوا منه، وكان حقاً على أهل الإسلام إذا اتقوا بالحق أن يقبلوه ويجامعوه ما استقام على الحق، فلما تفرق الناي على ما اتقاهم به من الحق نكث عن الذي عاهدهم عليه وعاد فيما تاب منه، فكتب في أدبارهم أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فلما ظهر المؤمنون على كتابه ونكثه على العهد الذي عاهدهم عليه رجعوا فقتلوه بحكم الله، وقال الله: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي /335/ (2/335)
صفحة 751
دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}، فجامع أهل الإسلام ما شاء الله، وعمل بالحق، وقد يعمل الإنسان بالإسلام زماناً ثم يرتد عنه، وقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}، فلما استحل معصية الله وترك سنّة من كان قبله من المؤمنين، علم المؤمنين أن الجهاد في سبيل الله أولى وأن الطاعة في مجاهدة عثمان على أحكامه، فهذا من خبر عثمان والذي فارقناه فيه، ونطعن عليه اليوم، وطعن عليه المؤمنين قبلنا، وذكرت أنه كان مع رسول الله وختنه، فقد كان عليّ بن أبي طالب أقرب إلى رسول الله وأحب إليه منه، وكان ختنه ومن أهل الإسلام، وأنت [619] تشهد عليه بذلك وأنا بعد على ذلك، فكيف تكون قرابته من محمد (ص) نجاةً إذا ترك الحق وضل كفراً، واعلم إنما علامة كفر هذه الأمة كفرها الحكم بغير ما أنزل الله، وبذلك أن الله قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، فلا أصدق من الله قليلا، وقال: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} /336/ (2/336)
صفحة 752
فلا يغرنك يا عبد الملك بن مروان، عثمان عن نفسك، ولا تسند دينك إلى الرجال يتمنون ويريدون ويستدرجون من حيث لا يعلمون، فإن أملك الأعمال بخواتمها، وكتاب الله جديد ينطق بالحق أجارنا الله باتباعه أن نضل أو نبغي، فاعتصم بحبل الله يا عبد الملك واعتصم بالله، وإنه من يعتصم بالله يهده صراطا مستقيما، وهو حبل الله الذي أمر المؤمنين أن يعتصموا به ولا يتفرقوا وليس حبل الله الرجال من أيهم حسن ينهبون ويطعنون، فأذكرك الله لما أن تدبرت القرآن فإنه حق وقال الله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، فكن تابعاً لما جاء من الله تهتدي، وبه تخاصم من خاصمك من الناس، وإليه تدعو وبه تحتج، فإنه من يكن القرآن حجته يوم القيامة به يخاصم من خاصمه ويفلح في الدنيا والآخرة، فإن الناس قد اختصموا: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}، فتعمل لما بعد الموت ولا يغرنك بالله الغرور. /337/ (2/337)
صفحة 753
وأما قولك في شأن معاوية بن أبي سفيان أن الله قام معه وعجل نصره وأفلح حجة وأظهره على عدوه بطلب دم عثمان، فإن يكن يعتبر الدين من قبل الدولة أن يظهر الناس بعضهم على بعض في الدنيا فإنا لا تعتبر الدين بالدولة، فقد ظهر المسلمون على الكفار منعا، ولينظر كيف يعلمون، وقد ظهر الكفار على المسلمين ليبتلى المسلمين بذلك وعلى الكافرين، وقال: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، فإن كان الدين إذا ظهر الناس بعضهم على بعض فقد سمعت الذي أصاب المشركون من يوم أحد، وقد ظهر الدين قتلوا ابن عفان عليه وعلى شيعته يوم الدار وظهر أيضاً عليّ، على أهل البصرة وهم شيعة [620] عثمان، وظهر المختار علي بن زياد وأصحابه هم شيعتهم، /338/ (2/338)
صفحة 754
وظهر مصعب الخبيث على المختار، وظهر ابن السجف على أخنس ابن دلجة وأصحابه، وظهر أهل الشام على أهل المدينة، وظهر ابن الزبير على أهل الشام بمكة يوم استفتحوا منها ما حرم الله عليكم وهم شيعتكم، فإن كان هؤلاء على الدين فلا يعتبر الدين من قبل الدولة، فقد يظهر الناس بعضهم على بعض ويعطى الله رجالا ملكا في الدنيا، فقد أعطى فرعون ملكا وظهر في الأرض، وقد أعطى الذي حاج إبراهيم في ربه، وقد أعطى فرعون ما سمعت، ثم إنما اشترى معاوية الإمارة من الحسن بن علي، ثم لم يف له بالذي عاهده عليه، وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} /339/ (2/339)
صفحة 755
فلا تسأل عن معاوية ولا عن عمله ولا صنيعه، غير أنا قد أدر كناه ورأينا عمله وسيرته في الناس ولا فعلم من الناس أحداً أترك للقيمة التي قسمها الله، ولا لحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلا دم ابن سمية لكان في ذلك ما يكفره، ثم استخلف ابنه يزيد فاسقاً من الناس ليناً يشرب الخمر المكفر فيكفيه من السوء، وكان يتبع هواه بغير هدىً من الله وقال الله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فلم يخف عمل معاوية ويزيد على كل ذي عقل من الناس، فاتق الله عبد الملك ولا تخادع من نفسك في معاوية، فقد بلغنا أن أهل البيت يطعنون على معاوية ويزيد، وعملهما وما أرى من خبر معاوية من بعدهما، فالذي طعنا عليهما وعليه وفارقناه عليه، فإن منهم فتنة كمن يكون يتولى عثمان ومن بعده، فإنا نشهد الله والملائكة أنا منهم براء ولهم أعداء، بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله /340/ (2/340)
صفحة 756
وكتبت إليّ تحذرني الغلو في الدين، وإني أعوذ بالله من الغلو في الدين، [621] وسأبين لك ما الغلو في الدين إذا جهلته، فإنه ما كان يقال على الله غير الحق ويعمل بغير كتابه الذي بين لنا وسنّة نبيه الذي بيّن لنا، اتباعك قوماً قد ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل فذلك عثمان والأئمة من بعدهم وأنت على طاعتهم وتجامعهم على معصية الله، والله يقول: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فهذا سبيل أهل الغلو في الدين فليس من دعا إلى الله وإلى كتابه ورضي بحكمه، وغضب لله حين عصى أمره، وأخذ بحكمه حين ضيع وتركت سنة نبيّه، وكتبت إليّ تعرض على الخوارج، تزعم أنهم يغلون في دينهم ويفارقون أهل الإسلام، وتزعم أنهم يتبعون غير سبيل المؤمنين وإني أبيّن لك سبيلهم، إنهم أصحاب عثمان، والذي أنكروا عليه ما أحدث من تغيير السنّة فارقوه حين أحدث وترك حكم الله، وفارقوه حين عصى ربه، هم أصحاب عليّ أبي طالب حين حكم عمرو بن العاص وترك حكم الله، فأنكروه عليه وفارقوه فيه وأبوا أن يقروا لحكم البشر دون حكم كتاب الله، فهم لمن بعدهم أشد عدواةً وأشد مفارقةً، كانوا يتولون في ديمهم وسنتهم رسول الله (ص) وأبا بكر وعمر بن الخطاب، ويدعون إلى /341/ (2/341)
صفحة 757
سبيلهم ويرضون بسنتهم على ذلك، كانوا يخرجون وإليه يدعون وعليه يفارقون، وقد علم من عرفهم من الناس ورأى عملهم أنهم كانوا أحسن الناس عملا وأشد قتالا في سبيل الله، وقال الله: {الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}، فهذا خبر الخوارج، نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء وأنا لمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، على ذلك نعيش ما عشنا، ونموت على ذلك إذا متنا، غير أنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إيمانهم، فتبرأ إلى الله منهم أما بعد فإنك كتبت إليّ لك إن كنت تعلم وأفضل ما كتبت إليك به، وذكرتني بالله أن أبين لك فإني قد [622] بينت لك بجهد نفسي، وأخبرتك خبر الأمة، وكان حقاً عليّ أن أنصح لك وأبين لك ما قد علمت، إن الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَإِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، فإن الله لم يتخذني عبداً وأن أكفر بربي /342/ (2/342)
صفحة 758
ولا أخادع الناس بشيء ليس في نفسي، وأخاف إلى ما أنهى عنه، فأمرى علانية غير سر، أدعو إلى كتاب الله وليحلوا حلاله ويحرموا حرامه ويرضوا بحكمه ويتوبوا إلى ربهم ويرجعوا كتاب الله، ولئن أدعوكم إلى كتاب الله ليحكم بيني وبينكم في الذي اختلفوا فيه ونحرم ما حرم الله ونحكم بما حكم الله ونبرأ ممن برئ الله منه ورسوله، ونتولى من يتولاه الله، ونطيع من أحل لنا طاعته في كتابه، ونعصي من أمر الله بمعصيته، وأن نعطيه فهذا الذي أدركنا عليه نبيّنا (ص)، وإن هذه الأمة لم تحرم حراماً ولم تسفك دماء إلا حين تركوا كتاب ربهم الذي أمرهم أن يعتصموا به، ويأمنوا عليه، وأنهم لا يزالون مفترقين مختلفين حتى يراجعوا كتاب الله وسنّة نبيه، وينتصحوا كتاب الله على أنفسهم، ويحكموه إلى ما اختلفوا فيه، فإن الله يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}، وإن هذا هو السبيل الواضح لا يشبه به شيء من السبل، وهم الذي هدى الله به من كان قبلنا، محمدا (ص)، والخليفتين الطالحين من بعده، فلا يضل من اتبعه ولا يهتدى من تركه، وقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فاحذر أن تفرق بك السبل عن سبيله /343/ (2/343)
صفحة 759
ويزين لك الضلالة باتباعك هواك فيما جمعت إليه الرجال، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، إنما هي الأهواء والدين، إنما يتبع الناس في الدنيا والآخرة إمامين، إمام هدى، وإمام ضلالة، أما إمام الهدى فهو يحكم بما أنزل الله ويقمم بقسمة ويتبع كتاب الله، وهم الذين قال الله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، وهؤلاء أولياء المؤمنين الذين أمر الله [623] بطاعتهم، ونهى عن معصيتهم، وأما إمام الضلالة فهو الذي يحكم بغير ما أنزل الله ويقسم بغير ما قسم الله، ويتبع هواه بغير سنّة من الله فذلك كفر كما سمى الله، ونهى عن طاعتهم وأمر بجهادهم، وقال: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}، فإنه حق أنزله بالحق وينطق به، وليس بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون، ولا يضربن الذكر عنك صفحا، ولا تشكن في كتاب الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه من لم ينفعه كتاب الله، لم ينفعه غيره، كتبت إليّ أن أكتب إليك بمرجوع كتابك، فإني قد كتبت إليك، وأنا أذكرك بالله العظيم إن استطعت بالله لما قرأت كتابي ثم تدبر فيه وأنت فارغ ثم تدبره، فقد كتبت إليك بجواب كتابك وبينت لك ما علمت ونصحت لك، فإني أذكرك بالله العظيم لما قرأت كتابي /344/ (2/344)
صفحة 760
وتدبر، واكتب إلى إن استطعت بجواب كتابي إذا كتبت إليك، إنما أتنازع فيه أنا وأنت، إنزع عليه بينة من كتاب الله أصدق فيه قولك فلا تعرض لي بالدنيا، فإنه لا رغبة لي في الدنيا، وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصحتك لي في الدين، ولما بعد الموت فإن ذلك أفضل النصيحة، فإن الله قادر أن يجمع بيننا وبينك على الطاعة، فإنه لا خير لمن لم يكن على طاعة الله، وبالله التوفيق وفيه الرضى، والسلام عليه، والحمد لله، وصلى الله على نبيّه وآله وسلم تسليما، تمت السيرة بحمد الله وعونه وتوفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد (ص) تسليما /345/ (2/345)
صفحة 761
بسم الله الرحمان الرحيم ... سيرة شبيب بن عطية العلماني ... أما بعد، فإنه بلغنا أن رسول الله (ص) كان يقول: «يد المسلمين واحدة على من سواهم»، و «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله»، وقد أمسيتم وأمسينا إخواناً على الحال التي قد ترون، اختلف فيه أعلاق الأمة وتشتت أمرها ووثب بعضهم على بعض، كالسباع ينهش بعضها بعضاً بالظلم والعدوان والغشم وانتهاك المحارم لا يعرفون الله ولا حرمة الإسلام ولا يحتجزون به، وأمسينا وأمسيتم بحمد الله ونعم الله علينا وعليكم سابغة، وفضله علينا وعليكم عظيم يأمن بعضنا بعضا ويعرف بعضنا [624] لبعض حرمة الإسلام وحق أهله، وكتاب الله أمامنا وأمامكم إن كنا وكنتم صادقين /346/ (2/346)
صفحة 762
أيها الناس، اعلموا أن من أمرنا أن نقاتل ونقتل من عصى الله حتى يفيئوا إلى أمر الله، أو تفنى أرواحنا إن شاء الله لنرد منار الإسلام إلى معالمها الأولى التي كانت على عهد نبي الله والذين من بعده، أبي بكر وعمر، حلال الله حلال إلى يوم القيامة، وحرام الله حرام إلى يوم القيامة، ورضى الله رضى إلى يوم القيامة، وسخط الله سخط إلى يوم القيامة، لا ننقض الطاعة بالمعصية ولا نثبت الطاعة لمعصية بالطاعة، ولكن حتى يستكمل الناس جميعا الطاعة بحدودها واعلامها ومنارها وأحكامها وأنسابها والرضى بها، فمن كره هذا فالطرق له مخلى يذهب حيث شاء من البر والبحر، وليكن إمرءاً على حذر أن يتتبع عورات المسلمين، ويكاتب عدوهم، ويشغب عليهم فيتخذ عليهم بشغبه بين المسلمين بطانة قد نهى الله عن إقرارهم بين ظهراني المسلمين لقوله: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، وقوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}، فمن كان في قلبه مرض لأهل الحديث أو زيغ عنه إلى غيره، أو للمسلمين غاشاً فليذهب حيث شاء فليطلب داراً غير دار المسلمين، ولا يقولون غداً إن أو بغته سوء أعماله ظلمت واعتدى عليّ، فإنا قد أعذرنا وأنذرنا والله المستعان /347/ (2/347)
صفحة 763
أما بعد، فإنه ندعو إلى كتاب الله وسنّة نبيه وهدى الذين من بعده أبي بكر وعمر، وأثر أهل التنزيل عند التأويل في أهل الأحداث أن يقاتلوا بحدثهم أو يرجعوا أمر الله بالتوبة، ولا سبي ولا غنيمة ولا شك في تسليم ذلك، لتكون عليه ألفة المسلمين وجماعتهم، فمن كان دعوته فيها الرضى والتسليم فهو منا ونحن منه، وإن أقام أو ظعن نتولى على ذلك القاصي منهم والباقي، أولهم وآخرهم، ومن رد علينا دعوتنا بالترك والسخط نبرأ منهم ونفارقهم ونخلعهم بها الماضي والباقي، أولهم وآخرهم، وفارق حبل الله الذي أمر العباد أن يتمسكوا به وخالفه فله عذاب عظيم، واتبع: {غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [625] وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ثبت له العذاب على الخلاف لسبيل المؤمنين، واتخذ غير الرشد سبيلا، ولم يعن على البر والتقوى، وقد قال الله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ}، فو الله ما في الله من شك ولا في كتابه إفك، فقد عير الله أقواماً بذلك فقال: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}، وقد قال: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} /348/ (2/348)
صفحة 764
وعيّر أقواما تركوا الأمر بالمعروف فقال الله: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}، يقول: لبئس ما فعلت الفقهاء والعلماء حين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعيّرهم في آية أخرى فقال: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}، يقول: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وعملوا عن الهدى وقد حذر الله أقواما، فقال هذا: بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ}، فعليكم بتقوى الله عباد الله، وتعاونوا على عدل ما أظهر الله إليكم، ولو لم يكن المسلمون قاموا بالحق وأظهروا عدلا لكنتم أخفى في هذا الزمان، أن تجتمع كلمتكم على أن تمنعوا بلادكم أن يدخل عليكم جبار، أشباه من قد رأيتم، فيطأكم بمذلة وصفار فيسفك دماءكم ويسلب أموالكم أشباه من قد رأيتم، وينتهك حريمكم كما قد ابتلى غيركم، فانظروا حجج المسلمين على أهل الشك والعمى في قتال أهل البغي يستنصروا في قتال عدوكم /349/ (2/349)
صفحة 765
إن مما أضلهم الله وأعمى أبصارهم أن قالوا: أحدث عثمان بعد رسول الله (ص) والخليفتين من بعده، وما أوتي إلى عثمان أكثر مما أوتي هو وأحدث، وقد يعرف أولو الألباب الذي أتى عثمان من انتهاك المحارم، والذي استحل من أصحاب رسول الله من أبي ذر، وعمار، وابن مسعود وغيرهم، وتحويله [626] الأمور عن حدودها، وخلاف رسول الله (ص)، والخليفتين من بعده أعظم من قتله، إذ أبى أن يعدل أو يعتزل، فإن يكن عثمان قتل حقا بحدث أوجب عليه فيه القتل، فقد ضل العصاة بترك جماعة من قتله وإظهار عذرهم وجهدهم، وعيّث عثمان من نصره، ومعرفة الفضل لمن قتله إذ عجزوا عن عونهم والقيام معه، وإن كان عثمان قتل مظلوما فقد ضل العماة بتضييعهم حق إمامهم وخذلانهم إياه، وهو صاحب البيعة والصفقة والسنة، إذا لم يمنعوه ولم يقوموا بنصره ويطالبوا بدمه ومظلمته ولم يعرفوا الفضل لمن معه وقام بنصره ويطلب بدمه ولم يجامعوه ولم يعيبوا قاتله وظالمه، وإن مما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم تحريفهم الأحاديث التي جاءت عن رسول الله (ص)، كأن: «يذكر قوما يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يعدود إلى فوقه، يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم»، فزعموا أن سلف المسلمين الذين أنكروا المنكر حين /350/ (2/350)
صفحة 766
أحدثه المحدثون، وخرجوا من ديارهم وفارقوا الأزواج والأموال والبنين واللذات والشهوات، وبذلوا مهج أنفسهم على أن يطاع الله ولا يعصي، وآثروا أنفسهم إذا أحدث المحدثون الأحداث، وألقوا عن أنفسهم عهد الكتاب وما حملهم الله به من أمر دينه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وادعوا الحجة والعذر لأنفسهم بما لم يأذن الله لهم حين وقعت الفتنة، فزعموا أنهم لا يدرون كيف المخرج منها حين اختلطت عليهم الأمور، فلا يعرفون المحق ولا يعرفون المبطل، ولا يعرفون المهتدين، قد باءوا بالبغي عن الحق، وقد قال الله: {قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}، وقد قال الله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، وقد قال الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءًفَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} /351/ (2/351)
صفحة 767
وقال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، فضيعوا حق جماعة أهل الهدى والقيام بالقسط حين قتل عثمان، وذلك أن زعموا أنهم لا يدرون بحق قتل عثمان أو بغير حق، وقد شهدوا قتله وعاينوا عمله، وقد زعموا أنهم لا يدرون الحق عليهم نصره أم لا يدرون الحق على قاتله القود أم لا؟ وزعموا أنهم لا يفارقون أحداً على قتل عثمان، ولا على نصره، ولا يجامعوه، ولا يدرون أنهم جماعة الهدى أو مع غيرهم، وشكّوا فيما قال الله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، فيكونون زعموا (كن عبد الله المقتول) بدعة ابتدعها شيعة من النصرانية مأتاها حق ما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزعموا أن إمامهم في ذلك قول ابن آدم: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ}، فقلنا لهم: أكان كتب الله على ابن آدم أن يقاتل من قاتله؟ فإن قالوا: لا ندري، فقلنا لهم: إن الله يقول من بعد ابن آدم لقوم أمرهم الله بالقتال فأبوا: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي}، فتيههم الله أربعين /352/ (2/352)
صفحة 768
سنة لجنبهم عن القتال، وقال لقوم: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}، وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، فإن قالوا: إن أولئك تولوا وجبنوا عن قتال المشركين، قلنا: فإنا قد أمرنا بقتال أهل البغي، لم تنسخ ولم تحول بعد ما أمر به، وقد يعرف أولو الألباب أن الأخذ بما أمر به من طاعته التي يرضى بها من يعرف له امتثال أمره رضا، فإن ترك ما أمر الله من طاعته [628] التي سخط بها في إنكار حقها سخط ومروق من الدين، وقد يعرف ذوو الألباب أن العماة عن الحق مراق من الدين بما ضيعوا من حق جماعة الهدى والقيام بالقسط، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أن زعموا أن رسول الله (ص) كان يقول: «ستكون فتن كالليل المظلم يكون القاعد فيها خيراً من القائم، والقائم فيها خيراً من الماشي، والماشي فيها خيراً من الراكب»، وقالوا: إنه كان يقول (ص): «سترون فتنا كالليل المظلم كلما ذهب رسل جاء رسل آخر يصبح المرء فيها مؤمنا ويسمى كافراً ويسمى مؤمناً ويصبح كافراً، ويبيع المرء فيها دينه بيع الثوب الخلق» /353/ (2/353)
صفحة 769
وقال رسول الله (ص) في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، فزعموا أنهم منعتهم هذه الحاديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالقسط، فأما من ضيع القيام بالقسط بركوب المحرمات سيضل من ضيعه بتركه في إنكار حقه ولزوم غيره بما لم يأذن به الله، وقد يعلم ذوو الألباب إن دعا جبار عنيد إلى طاعة نفسه في اتباع هواه وشهوته بتضيع حق الله وحق رسوله وحق الكتاب وحق أثر أئمة الهدى، أولى بإجابة الناس إياه على ذلك فيما أحبوا أو كرهوا واتخاذهم ذلك في طول الدهر، إنها فتنة عمياء القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، وهي الفتن المظلمة كما ذهب رسل جاء رسل آخر، والرسل بعد الرسل بدعة يبتدعها قوم ويتخذونها دينا يدعون إليها، كما قامت بدعة وضلالة، أفنى الله أرواحهم، والغلو والعدوان والجبرية، وقد يعرف ذوو الألباب أن قتل أهل البدع على ما ابتدعوا بعضا في تضييع حق الله كفار وأن خروجهم من العدل إلى البدع خروج من الإيمان يصبح به المرء كافرا، وأن رجوعهم من البدع إلى العدل وأهل إيمان يصبح به المرء [629] مؤمنا، وإن اتباع أهل البدع بالطمع وهو يعرف العدل وأهله فيبيع المرء دينه بيع الثوب الخلق /354/ (2/354)
صفحة 770
ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أن زعموا أن رسول الله (ص) قال: «سيعز الله هذا الدين برجال لا خلاق لهم»، فرأت العماة أن الجماعة مع الملوك من قومهم بهذا القول من رسول الله، وقد زعموا أن ملوك قومهم تركوا الله وسنّة نبيه، وأثر أئمة الهدى، واتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله، واتخذوه ديناً وقاتلوا من خالفهم، فكفى بهذا من ضلال قوم يزعمون أن الجماعة مع قومهم وهم يشهدون عليهم بهذا، وقد يعرف ذوو الألباب أن من عصى الله وانتهك حرامه وقتل من أطاع الله وأذل أهله، أنه لم يعرف بذلك دين الله، ولكن سفّه بذلك دين الله وصغره، وأن ذلك من قول رسول الله (ص) وقوله لقوم قاتلوا مع رسول الله ومن بعده وقاتلوا مع أئمة الهدى حتى أعز الله الإسلام وأهله وأذل الكفر وأهله، ثم وقعت الفتنة التي ذكر الله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، فضيعوا ما كانوا عليه من نصر دين الله بعد أن أعزّ الله الدين على أيديهم، وركبوا الحرمات والشهوات وسفك الدماء الحرام، وهم الذين أعزّ الله بهم الدين، وكانوا يقاتلون على العدل مع نبيّ الله وأئمة الهدى من بعد رسول الله، وهم الذين لا خلاق لهم إذ ضّيعوا ما كانوا عليه وصاروا إلى ما صاروا إليه من ركوب الحرمات، ألا وبيان ذلك أنا قلنا لهم: أليس تعلمون أن الله يقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ /355/ (2/355)
صفحة 771
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، فقلنا لهم: أليس تعلمون أن تمكين الدين والأمر عليه إظهار حلال الله وإنكار حرامه، وإنفاذ أحكام الله وإعلامه، والرضى بما رضى والسخط بما سخط، فإن قالوا: نعم، فقد عرفوا أن ملوك قومهم قد أظهروا استحلال [630] محارم الله وقاتلوا من أطاع الله، وإن قالوا: لا، فكيف تكون الجماعة على من عصى الله وقد قال الله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}،فكيف يكون عز دين الله بقتال من أطاع الله، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم، أنهم جمعوا كل من نصب القتال من هذه الأمة على ضلالة أو هدى، ضلالا: وقالوا: القاتل والمقتول في النار بحق نصب القتال أو بغير حق، وقد يعرف ذوو الألباب أن الله إنما بعث نبيه (ص) مجاهداً في سبيل الله بالسيف، وإلى ذلك دعا أئمة الهدى من بعده، إذ قال أبو بكر رحمة الله عليه، إذا ارتد من ارتد من العرب: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله (ص) لقتالهم عليه حتى يعطوه وقد أمر الله بقتال أهل البغي، وقد يقول أهل العمى والشك: إن أهل البغي من أهل القرآن غير مشركين، وقالوا: إنما أنزل الله ذلك في قوم قاتلوا بالأيدي والنعال، /356/ (2/356)
صفحة 772
فذلك أقطع لحجتهم وأبين لعذر المسلمين في قتال أهل البغي إذ اقتتل جنسان من الأنصار بالأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم أن يعطوا الحق من أنفسهم الذي وجب لبعضهم على بعض في قتالهم بالأيدي والنعال، حيث يقول: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى}، وبغيهم امتناع بحق ما وجب عليها، فقال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، وذلك التسليم، فكيف من قاتل بالسيف على أن يطفئ نور الله ويحول سنّة رسول الله، ويهدم منار الإسلام ويضيع أعلامها ويضع الأمور على هواه، فسئل أن يرجع من ذلك إلى العدل ويأخذ حقه ويؤثر على الناس حقوقهم فأبى وامتنع، وقد يعرف ذوو الألباب أن هؤلاء أحق أن يقاتلوا حتى يرجعوا إلى عدل الله وحكم الكتاب من قوم امتنعوا بحق ما وجب عليهم من ضرب الأيدي والنعال، ومما أضلهم [631] الله به وأعمى أبصارهم أن زعموا ذلك، لو كان إمام هدى قائماً بالقسط فأحدث محدث في حكمه وجب عليه فيه حق أو حد، وطلب إليه الإمام تسليم ما وجب عليه من حق أو حدّ وامتنع كان على المسلمين جميعاً حقاً واجباً أن يعينوا إمامهم ويؤازروه على قتال الذي امتنع بحق ما وجب عليه في حدثه حق واجب، يطلب إليه الرعية والإمام حتى يسلم ذلك الحق أو يقتله الله ومن معه، وإن كان إماما أحدث حدثاً وجب عليه في حدثه ذلك حق أو حدّ فطلبت إليه الرعية /357/ (2/357)
صفحة 773
أن يعطي الحق من نفسه الذي وجب عليه فامتنع من المسلمين، فعليهم زعموا، أن يكفوا أيديهم عنه ولا يقاتلوه ولا يعينوا من قاتله حتى يعطى الحق من نفسه الذي وجب عليه، ولا يقوموا بالقسط مع غيره، فكفى بهذا ضلالا من قوم يزعمون إن أحدث إمامهم لا يقوّمون ولا يردوه إلا أن يرجع طوعا من نفسه ولا يقوموا إن أبى أن يرجع وإن ضيّع حق الله وحدوده وحق ذي الحق، وقد يعرف ذوو الألباب أن الإمام رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ليس له (أن) يستحل بما ولاه الله من أمر عباده وبلاده حراما ولا يحرم حلالا، بل يزيد بتلك الولاية لحق الله تعظيما، وقد قال خليفة رسول الله أبو بكر الصديق، رحمة الله عليه، وهو يذكر المسلمين: (إني لست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني)، فيأمر أبو بكر أن يقوّم إذا أساء وترك العدل أو يمضي لغنيمة هذه الأمة ظلمهم وجورهم وينصب الجماعة معهم، فسبحان الله لقد ضل العماة بالشك في دين الله وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أن زعموا أن رسول الله (ص) قال للأنصار: «إنكم سترون من بعدي إثارة»، قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «اصبر حتى تردوا على الحوض»، فقلنا لهم: أمرهم رسول الله بالنصر على هداهم وجماعتهم وجهادهم وقيامهم بالقسط والأمر بالمعروف الذي فارقوه عليه، أو أمرهم بإلقاء ذلك وتركه إن استؤثر عليهم؟ فإن قالوا بلى، أمرهم بلزوم الأمر الذي فارقوه عليه واتباعه والصبر عليه ولم /358/ (2/358)
صفحة 774
يميلون في بدعة من استأثر لشهوته وتضييع حق الله [632] وحدوده، فقد صدقوا وذلك الحق، وإن قالوا: بل أمرهم بإلقاء ذلك الأمر والتفرق إلى بيوتهم، فقد كذبوا؛ لأن ذلك خلاف لكتاب الله وأمر رسوله، يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}، وحبل الله عهده في حلاله وحرامه ورضاه وسخطه، إذ يقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، وقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، وقد يعرف ذوو الألباب أن الذي ترك القيام مع الجماعة على كتاب الله وسنة نبيه وهدى الأئمة من بعده أبي بكر وعمر، وانقلب إلى بيته، وضييع حق الله وحدوده تاركا ما أمره الله به من ذلك، فإن رسول الله (ص) لم ينه عما أمر الله ولم يأمر بما نهى الله عنه، وقد تعلمون أن رسول الله (ص) قال في مرضه الذي توفاه الله فيه: «لا تفرقوا، فإني لم أحل إلا ما أحل القرآن ولم أحرم إلا ما حرم القرآن»، ولم يفارق الهدى (ص) حتى حملهم دون جماعة الهدى، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم، زعموا أن أهل بدر اختلفوا وضرب الناس بعضهم ببعض وسفكوا الدماء ونقضوا الميثاق ونكثوا العهد وتركوا جماعتهم التي فارقوا عليها نبيّهم، وقتل بعضهم بعضا على الملك، زعموا أنهم قادة الضلالة والبدعة وأنهم في الجنة وأتباعهم في النار /359/ (2/359)
صفحة 775
كذلك زعموا ان رسول الله قال: «ما يدريكم لعل الله قد أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غفرت لكم»، ولقوله زعموا، إذ يقول الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}، فقلنا لهم: أرأيتم قول الله لهم: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، إلى ما شاء من التيسير من طاعة الله، أو أباح لهم الحرمات والشهوات؟ فإن قالوا: التيسير من طاعة الله، فقد صدقوا وذلك الحق من العامل منهم على التمام والتيسير من طاعة الله ومغفوراً إذ يقول: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، فإن قالوا بل مغفوراً لهم في اتباع الحرمات والشهوات فقد كذبوا، وقد يعرف ذوو الألباب أن المتبع منهم للشهوات تارك لوصية ربه إذ يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}، وقد تعلمون أنه عنى بهذا أصحاب رسول الله خاصة، وأنه تارك لوصية نبيه إذ بقول: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم قارب بعض»، وقد تعلمون أن عمر بن الخطاب جلد قدامة بن مظعون البدري ثمانين جلدة في الخمر، فلو كان مغفورا لقدامة شهوة ما جلده [633] عمر ثمانين جلدة، وما كان الجارود يقول لابن عمر بن الخطاب، إذ جاءه في شهادة على خاله /360/ (2/360)
صفحة 776
فقال له الجارود: (يابن أخي، ليجلدن خالك أو ليكفرن أبوك)، ولو كان مغفوراً لقدامة شهوته ما كان الجارود يقول لابن عمر: (ليكفرن أبوك)، بتعطيل الحد عنه، وقد تعلمون أن ر سول الله (ص) ذكر حوضه فقال: «والذي نفس محمد بيده، ليردن الحوض رجال، فإذا عرفوني وعرفتهم اختلجوا من دوني فأقول يارب أصحاب أصحابي، فيقال لي: ما تدري، ما أحدثوا بعدك؟ وقد يعرف ذوو الألباب أن الذي يقول الله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، أنهم قاتلوا رسول الله مع المشركين وقاتلوا المسلمين وعملوا أعمال الجاهلية، ثم أسلموا فسمعوا قول الله فيمن قتل: {مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا}، وما ذكر الله على تلك الأعمال ومن العذاب، فقالوا: يا رسول الله؟ كل هذا قد عملنا، فأنزل الله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}، فالقاتل تائب والمقتول في الجنة، نزع الله ما في صدورهم من غل، وكذلك قال عمر بن الخطاب رحمه الله حيث بلغه قتل عكرمة بن أبي جهل بالشام شهيدا، قال: قدم اثنين إلى الجنة، ثم أتبعهما، وكان قتل يوم بدر رجلين من الأنصار /361/ (2/361)
صفحة 777
فإن يكن لأحد عذر في تضييع حق الله وحدوده فأحق الناس بالعذر على التضييع الأتباع الذين لم يشهدوا التنزيل ولم يصحبوا التبي ولم يفهموا حكم القرآن وسنته، إذ وجدوا أهل التنزيل مختلفين عليهم مع أن لا عذر لأحد في معصية الله، وكتاب الله بين أظهرهم وسنة نبيهم محمد (ص)، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أنهم يزعمون أن رسول الله (ص) أعطى محمد بن مسلمة الأنصاري سيفا وقال له: قاتل به المشركين ما قاتلوا وإذا رأيت مسلمين يقاتل أحدهما الآخر فاعمد إلى سيفك فاضرب به الحجر حتى يثلم ثم ارجع إلى بيتك، فاجلس فيه حتى يأتيك يد خاطئة أو منية قاضية، قلنا أبهذا عهد نبي الله إلى جميع المؤمنين أو أمر خاص لمحمد بن مسلمة؟ فإن قالوا: أمر خاص لمحمد بن مسلمة، قلنا: الله ورسوله أعلم بما خص محمد بن مسلمة، وضيع محمد بن مسلمة عهد رسول الله (ص) [634] الذي خصه به رسول الله (ص)، إذ شهد وقعة الدار يوم مقتل عثمان ثم انصرف، فقال: ما أريت رائحة أشبه برائحة بدر من هذا اليوم، وإن قالوا: بل هو أمر عام لجميع المؤمنين؛ لأن رسول الله (ص) قال:» إذا اختلف الناس فعليكم بهدي محمد بن مسلمة»، وعهد رسول الله إلى محمد بن مسلم كما زعمتم أن يجلس في بيته حتى تأتيه يد خاطئة أو منية قاضية، فقلنا لهم: أعلم رسول الله جميع المؤمنين بعهده هذا وأظهره لهم؟ فإن قالوا: لا، فقد حملوا التضييع والسفه على رسول الله (ص) إذ زعموا أنه لم يعلم المؤمنين بعهد الله ورسالته وبرئ المؤمنون من تضييع ذلك العهد إذ لم يعلموه /362/ (2/362)
صفحة 778
وإن قالوا: قد أعلم المؤمنين ذلك من أصحاب رسول الله وغيرهم، فقد هلك إذاً أصحاب بدر وغيرهم من المهاجرين والأنصار والتابعين؛ لأنهم تركوا هدى محمد بن مسلمة ولم يجلسوا في بيوتهم وخرجوا مع عليّ وقاتلوا معه أهل البغي، بقول الله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، ولقول رسول الله لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وقد يعرف ذوو الألباب أن أمر رسول الله (ص) أمر واحد يصدق بعضه بعضا، وأن رسول الله أمر المؤمنين بأمر الخاصة أهل الخاصة وأمر أهل العامة بأهل العامة، ولم يحمل أمر الخاصة بالعامة ولم يحمل العامة الخاصة، ولم يخالف ما نهي عنه القرآن، بل نشهد أنه بلغ أمر ربه ورسالته وصدع بما أمره به، ونصح لأمته وأدى الحق الذي عليه حتى فارق الدنيا صلوات الله عليه ورحمته، ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم، زعموا أن عثمان صلى بمنى أربع ركعات، فبلغ ذلك ابن مسعود وهو في منزله بمنى لم يشهد الصلاة، فقال: أحدث عثمان، واسترجع ثم لما حضرته العصر صلى بأصحابه أربع ركعات، فقالوا: يا ابن مسعود، استرجعت حين بلغك صلاة عثمان ثم صليت بنا صلاته فزعموا أنه قال لهم: الخلاف أشر، فقلنا لهم: أليس أمركم ابن مسعود بإتباع الأئمة على البدع والحدث وخلاف السنة وأخبركم بذلك؟ /363/ (2/363)
صفحة 779
فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا علي ابن مسعود صاحب مسجد الكوفة إذ نادى فيه أن خليفتكم عثمان قد أحدث الأحداث المكفرة، وإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محمدثة بدعة، يكلفني عثمان أن أرجع عن سنة رسول الله (ص)، وما أمرني به إلى غيره، كتب إليّ: إما أن تنتهي عن كلامك يا ابن مسعود وتبعث إليّ بصحفك وإما أن يقدم على المدينة ولأني قادم [635] عليه، ولما قدم عليه إلى الدينة قالم في سوقها ونادى بأعلى صوته: إن شر الأمور محدثاتها وإن كل محدثة بدعة، إلى غير هذا من القول، وأنه أتاه العاص بن سعيد أخو ابنى أمية فاحتضنه، وكان اين مسعود ضعيفا نحيلا، فضمه عدو الله ودق أضلاعه، وأن عثمان عاده في مرضه فلم يلتفت إليه ولم يكلمه، ثم أوصى إلى عبد الرحمان بن عوف وعمار بن ياسر حين حضره الموت أن لا يصلي عليه عثمان وأن يدفنوه ليلا، وأن عبد الرحمان وعماراً دفنوه من ليلتهم، وأن ابن مسعود نادى في الأسواق والمساجد بأحداث عثمان، وكيف يترك سنة رسول الله ويأخذ ببدعة عثمان، حاشا لإبن مسعود وحاشاه، وقيل: الذي فعل بابن مسعود غلام لعثمان، يقال له ابن زمعة، وهو الذي فعل، والله أعلم أي ذلك كان، وابن مسعود أبين فضلا وأفضل فقها وأشد تعظيما لرسول الله (ص) من أن يتابع أحداً على تضييع حق رسول الله (ص) وتبطيل سنته، ويأمر بإتباع الضلالة والبدع وترك المحكمات، مع قول الله لنبيه: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} /364/ (2/364)
صفحة 780
وقال عز من قاتل: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}، وقول رسول الله (ص): «لا طاعة لمن عصى الله»، وإن مما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أنهم يزعمون أن نفراً دخلوا على أنس بن مالك وأن رجلا منهم قال: يا أبا حمزة، أخبرنا عن هذه الحرورية هل ذكرهم النبي (ص) بشيء؟ فإنهم يشهدون علينا وعليك بالشرك ويستحلون دماءنا وأموالنا، فقال أنس بن مالك بزعمهم: إن فتى كان رسول الله (ص) يصوم النهار ويقوم الليل ويشد عقدته في سبيل الله ويجل المسلمين ويكرهم ويخدمهم ويحطب لهم ويكفيهم كل شيء حتى عجبوا منه وأحبوه حبا شديداً، فزعم أنس أن رسول الله (ص)، خرج فجلس مجلسا له وجلس أصحابه معه حوله، فيهم أبو بكر وعمر، وأن ذلك الفتى أقبل نحوهم، فقالوا: يا رسول الله، إنني أرى في وجهه الساعة سفعه من نار، فزعم أنس أن النبي (ص) دعا [636] الفتى، فقال له: أنشدك الله، هل قلت آنفا وأنت مقبل، قلت: ليس في القوم أحد خير مني؟ قال: نعم، قال له رسول الله بزعمه: أمضه أمضه، فاستقبل الفتى المسجد /365/ (2/365)
صفحة 781
ودخله وصف قدميه يصلي، فزعم أنس أن رسول الله (ص) قال: أيكم يقتل هذا الرجل؟ فقال: أبو بكر: أنا يا رسول الله؟ قال: فقام إليه أبو بكر فوجده صافا قدميه يصلي، فانصرف عنه ولم يقتله، فقال له رسول الله: أقلت الرجل؟ فقال له أبو بكر: يارسول الله، وجدته يصلى فهبته، فقال له رسول الله: إجلس، ثم إن رسول الله (ص) قال لأصحابه: أيكم يقتل هذا الرجل؟ فقال له عمر: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله: قم إليه، فقام إليه فوجده صافا قدميه يصلى فانصرف عنه ولم يقتله، فقال له رسول الله: قتلت الرجل؟ قال: لا، رأيت أبا بكر لم يقتله ورأيته يصلى فهبته أن أقتله، فقال له رسول الله: إجلس، ثم قال: أيكم يقتل هذا الرجل؟ فقال له علي: أنا يا رسول الله، فقال له أنت إن وجدته مكانه، فقام إليه علي فوجده قد انصرف، فرجع إلى رسول الله (ص) فقال: أقتلت الرجل؟ فقال: يا رسول الله وجدته قد انصرف، فقال رسول الله (ص): زعموا أن هذا الأول قرن طلع في هذه الأمة، والذي نفس محمد بعيده لو قتلتم هذا الرجل ما تنازع إثنان حتى تقوم الساعة، ولكنه أمر قد قدر أن يكون، وأن بني إسرائيل اقترفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرها في النار، قال: يا رسول الله أي فرقة هي؟ قال جماعة المسلمين، قلنا: صدق الله ورسوله وجماعة المسلمين هم الذين تمسكوا بالذي فارقوا عليه نبيّهم واتباعهم أثره واجتماعهم على ذلك، جماعة عصمة /366/ (2/366)
صفحة 782
ودين ونجاة، يتبع آخر أولهم، وأمر أولهم يصدق أمر آخرهم، يصدق بعضهم أمر بعض، ويأخد بعضهم عن بعض كما قال عز من قائل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}، وقال فيمن خالف وفيمن يتبع سبيل غير المؤمنين: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، وأما الفتى الذي ذكروه فالله ورسوله أعلم بالغيب في أمر الفتى، وحق لرجل يزعم أنه خير من أهل مجلس فيهم رسول الله (ص) والأخيار من أصحابه أن يكون ذلك لقوله: «ذلك من أهل النار»، ولكن أخبرونا عن أبي بكر وعمر [637] حيث أمرهما رسول الله بقتل الرجل، فأبيا أكان ذلك منهما شكا من أمر النبي وتهمة منهما له أن يكون أمرهما بقتل من حرم الله دمه، فإن قالوا: نعم، قلنا: كذبتم، ما أحد من أصحاب رسول الله (ص) كان أطوع لله ولرسوله ولا أمضى مقدما على تنفيذ أمر النبي (ص) من أبي بكر وعمر، فإن قالوا: لم يكن ذلك منهما ولم يسلطا على قتله للذي أراد الله فصرف بذلك عنه، قلنا: أفلستم تزعمون أن من أطاع الله واجتهد في العبادة في طاعة الله وحمد المعروف وأهله وذم المنكر وأهله أن مثله كمثل الفتى، إذ يقول: أنا خير من مجلس فيهم رسول الله والأخيار من أصحابنا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: كذبتم، بل الله أمر بالطاعة ومدح أهلها وكره المعصية وذم أهلها. /367/ (2/367)
صفحة 783
وإن قالوا: لا ليس ذلك من قبل ذلك، ولكن تزعم أن الحرورية حسنت عبادتهم واشتد اجتهادهم وهم يشهدون علينا بالشرك ويستحلون دماءنا وأموالنا، فتزعمون أنهم بذلك مثلهم كمثل الفتى؛ لأن رسول الله (ص) قال: «ليخرجن من أمتي أناس يعملون مثل عملي حتى يحتقر الرجل المسلم عمله مع أعمالهم يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرتد حتى يعود من فوقه، وهم أشر الخلق والخلائق، فطوبى لمن قتلهم أو قتلوه»، فقلنا لهم: أتعلمون أن من ضلالكم تحريفكم الأحاديث إلى أهوائكم إن الذي شهد عليكم بالشرك ويستحل دماءكم وأموالكم هم الجبابرة وأتباعهم أهل الحرمات والشهوات، وقد تعلمون أن من قتلوه أو قتلهم لا طوبى لهم ولا نعم عين، وهم قد ضيعوا حقوق الله وحدوده، بل للقاتل منهم والمقتول في النار، وقد يعلم أولو الألباب أن كل محدثة بدعة بتأويل أو شك أو /368/ (2/368)
صفحة 784
تقصير أو غلو أو عمل بمعصية يهدم بها حق جماعة الهدى، ويضيع بها حقوق الله وحدوده وأنكر ما كان يعرف وعرف ما كان ينكر، ويتخذ ذلك دينا يدعو إليه ويقول: أنا خير من لزوم الجماعة الأولى، ودعا إليها وانتحل أهلها حقها، وصار الجماعة من ضيع حقوق الله وحدوده وأنكر ذلك من لا يعرفه ما كان يعرف [638] وعرف ما كان ينكر، أولئك مثلهم كمثل الفتى إذ يقول: أنا خير من مجلي فيه رسول الله (ص) والأخيار من أصحابه، وأنهم بذلك مراق من الدين خارجون من الأمة يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم بتحريفهم الأمر عن مواضعه وتضييعهم ما أمروا به من القيام بالقسط ولزوم جماعة الهدى، أو بما نحلوا جماعة من عصى الله بحق الهدى، وأنهم بذلك أشر الخلق والخلائق؟ فطوبى لمسلم قتلهم أو قتلوه، قاتلهم الله، ما علموا قوله (ص): «ثلاثة أخافهم على أمتي من بعدي، رجل تعلم علما فعرف به وأعطاه الله إياه فقذف جاره بالشرك فضربه بالسيف، ورجل أعطى سلطاناً فقال من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ورجل حدث الناس بحديث لم يوف به ونكث البيعة»، ليس كما قالت العماة الضلال: إن النجاة إتباع السواد الأعظم في الطاعة والمعصية، والله سبحانه يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} /369/ (2/369)
صفحة 785
وقد عاب الله به اليهود حيث ادعوا النجاة على المعصية وهو قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، والله سبحانه يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ليس كما قالت العماة إن النجاة بإتباع الجماعة، حيث دارت من الطاعة والمعصية وكذلك هلك من هلك منهم بتضييع القيام بالقسط خير ممن قام بالقسط والله سبحانه يقول: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، ليس كما قالت العماة الضلال إن النجاة بإتباع الجماعة والكثرة، حيث دارت من الطاعة، ونبي الله (ص) قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منهن في الجنة وسائرها في النار، فالفرقة الناجية فجماعة المسلمين الذين اجتمعوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإطاعة الله ورسوله واتبعوا ما فارقوا عليه نبيّهم، ليس كما قالت العماة الضلال: إن النجاة بإتباع الكثر والجماعة من حيث دارت من الطاعة والمعصية، والله سبحانه وتعالى يقول:. {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [639] وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} /370/ (2/370)
صفحة 786
ليس كما قالت العماة الضلال: إن النجا بإتباع الكثرة، والجماعة من حيث دارت من الطاعة والمعصية والله سبحانه وتعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}، أي بعهده، ليس كما قالت العماة الضلال: إن النجاة بإتباع الكثرة حيث دارت من الطاعة والمعصية ونبّي الله (ص) يقول: «يمرقون من الذين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجع إلى فوقه، يقول النبي (ص): يخرجون من أمري وعهدي ولا يكون على الدين حق يرجع إلى أمري وعهدي»، ليس كما قالت العماة الضلال إن النجاة بإتباع الجماعة والكثرة حيث دارت من الطاعة والمعصية وإن المارقين عندهم أهل النهر، قلنا: من أين عرفتم ذلك أنهم هم المارقوم؟ فإن قالوا: لتركهم ولاية أهل الأحداث، قلنا: المارق من أمة محمد (ص) من ترك سنته وخرج من جماعته ولم يمتثل أمر وينزجر عن نواهيه ويتبع سبيله، فهو مارق خارج من أمة محمد (ص)، فإن قالوا: لا يكون المارق إلا من خرج من طاعة عليّ بن أبي طالب ولم يتبعه على حديثه، قلنا: فقد خرج من طاعة عليّ قبل أهل النهر أبو بكر وعمر وعثمان قبل حدثه، وأهل الشورى إذ تركوه ولم يروه أهلا للأمر، وولوا الأمر دونه، ولم يروه لذلك أهلا، واتبعهم المهاجرون /371/ (2/371)
صفحة 787
والأنصار والتابعون بإحسان على ذلك أفتقولون هؤلاء مراق من دين الله خارجون من أمة محمد (ص)؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: كذبتم، هؤلاء أهل الدين وأهل الفضل وأهل الأمة والجماعة والسلف الصالح والأمر الذي مضى عليه نبيّهم، وهو الأمر الذي من كان عليه كان على دين الله وجماعة الإسلام، والخارج من الأمر الذي مضى عليه مارق وخارج من أمة محمد (ص) ومارق من دين الله، فإن قلتم: ليس هؤلاء بأولئك، قلنا: قد صدقتم وظلمتم أهل النهر إذ تلزمونهم المروق والخروج من أمر لا يمرق به ولا يخرج به غيرهم، فإن قلتم: ليس ذلك من قبل ذلك، ولكن أهل النهر فارقوا علياً وفارقوا جماعته، قلنا لهم قد خلع عليّا وفارقه قبل أهل النهر سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومن اتبعهم على ذلك من المهاجرين والأنصار، والذين كفّوا عن قتل عثمان وعن نصرته وقالوا: قد أحدث [640] عثمان وما أوتي إليه أكثر مما أتى، فلا ندري قاتله أولى بالعذر أو ناصره، فلم يجامعوا عليّا في بيعته وفارقوه ولم يقوموا معه بالذي قام ولم يعترفوا به بذلك القيام والفضل والقدر، أفمراق هؤلاء من دين الله خارجون من أمة محمد (ص)؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد ظلمتم أهل النهر وألزمتموهم المروق بأمر لم يمرق به غيرهم، وإن قالوا: ليس ذلك من قبل ذلك، ولكن أهل النهر خلعوا وقاتلواه /372/ (2/372)
صفحة 788
قلنا فقد قبلهم خلعه طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وعائشة زوج النبي (ص) ومن اتبعهم، وقاتله وخلعه معاوية، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص، وجماعة أهل الشام، أفمراق هؤلاء من دين الله خارجون من أمة محمد؟ فإن قلتم: لا، فقد ظلمتم أهل النهر وألزمتموهم المروق بأمر لم يمرق به غيرهم، وإن قلتم: ليس ذلك من قبل ذلك ولكن أهل النهر بايعوا عليا وأعطوه العهد والميثاق على أمر كانوا معه فيه ثم نقضوا وغيروا وبدلوا ونكثوا وكان ذلك الأمر والعهد ونكثه وتبديله هو المروق من الدين والخروج من الأمة، قلنا: أفلا ترون أنكم عماة ضلال لا تعرفون بوجهه ولا المنكر بوجهه، أهل تحريف وزيغ وخطأ وحيف، إذ تزعمون أن أهل النهر أحدثوا وغيروا ونكثوا ونقضوا وبدلوا ولم ينتظروا، أهم أحدثوا بدعة غير ما كانوا عليه من حرب الفية الباغية، ودعوا عليّا إليها فأبى فخلعوه، أم عليّ خلع نفسه ونقض أمر الذي كان عليه ونكث بيعته التي كان عليها، وشرطه الذي شرطوه عليه يوم قتل عثمان، إذ بايعوه على طاعة الله وطاعة رسوله، وأن يحي ما أمات عثمان من السنّة ويميت ما أحيا عثمان من البدعة، حتى تفنى على ذلك روحه أو يظهر دين الله، فقاتل عليّ على تلك البيعة والدعوة طلحة والزبير وابن عامر وعائشة وعبد الرحمان بن عمر ومعاوية، ومن اتبعهم وقتل من قتل منهم /373/ (2/373)
صفحة 789
ثم دعا أصحابه إلى حكم عمرو بن العاص فيما قاتله عليه بعد قتاله إياه أربع سنين أو ما شاء الله تعالى لقول الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، فحكم عمرو بن العاص على منزلته التي عليها قاتله، ولم يتب ولم يتحول ولم يرجع ولم يعرف ما أنكر من المعروف، ولم يفكر ما عرف من المنكر، فجعله حكما وأعطاه على حكمه العهد [641]، والميثاق ودعا أهل النهروان أن يعطوه ذلك فأبوا ودعوه إلى تمام ما كان عليه من أمرهم ودعوتهم وبيعتهم، استحلوا حلاله وحرموا حرامه، وينفذون الأمر على ما بايعوا عليه وقاتلوا به عدوهم، فأبى أن يرجع عما أحدث من بدعته ونقض أمره الأول الذي بايعهم عليه، وقاتلهم، لا يصف منهم حدثا ولا ذنبا ولا تغييرا ولا تبديلا إلا ردّهم إياه عن حكم عمرو بن العاص، وأن يوفى بما عاهدهم عليه من القيام بطاعة الله، فلا تبصرون أي الفريقين ترك ما عهد عليه صاحبه ونكث عهده وميثاقه وبدّل سنته وسيرته وغير صفقته وبيعته، وإن تكن طاعة على هي الجماعة والألفة، من تركها مرق من الدين، لقد ترك ذلك قبل أهل النهر أبو بكر وعمر وعثمان قبل حدثه ومن اتبعهم على ذلك من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وتركها بعد ذلك قبل أهل النهر سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعثمان قبل حدثه، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد ومن اتبعهم على ذلك من المهاجرين والأنصار، إذ اعتزلوه ولم /374/ (2/374)
صفحة 790
يجامعوه على ما قام به ولم يعرفوا فضله، ولو كان خلع عليّ وقتاله مروقا من الدين لقد خلعه وقاتله قبل أهل النهر طلحة والزبير وابن عامر وعائشة، وخلعه وقاتله قبل أهل النهر معاوية بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر وعمرو بن العاص ومن تبعهم، ولئن كان المروق من الأمر الذي كان عيله عليّ وأصحابه؛ لأجل بيعته يوم الدار إلى أن حكم الحكمين، لقد ترك عليّ حكم الله وحكم كتابه والبيعة التي بايع من قاتل عليها أصحابه، والدعوة التي قاتل عليها ابن العاص، إذ حكّم عمرو بن العاص وهو ثابت على بغياة لم يتحول ولم يتب ولم يعتذر ولم يراجع ولم يحرم ما كان استحل من دماء المسلمين، وقد يعرف ذووا الألباب إن كان عنى بالمعروف عامة «لكل محدث بدعة»، أو ضيع حق الله يغلو أو تقصير أو شك أو شهوة أو لهو بغير حق، مارق من دين الله خارج من دين أمة محمد، فالتضييع يوم قتل عثمان أعظم جرما وأكبر معصية وأحق بالمروق من الدين بما ضيع من حق عثمان وحق نصرته وخذله له ورد الناس عن نصرته، وإن كان عثمان قتل ظلما فهو أعظم وأكبر معصية وأحق بالروق من الدين [642] والخروج من الأمة خاصة عنى بها أهل النهر، فليعرف أعداء الله أن أهل النهر والذين اتبعوهم بإحسان هم أهل الذين من أمة محمد (ص)، ومنهم من مرق من الدين وخرج من الأمة، نافع بن الأزرق، وعطية، وداود، وأشباههم الذين جاروا في الشهادة والسيرة /375/ (2/375)
صفحة 791
ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم أن زعموا أن رسول الله (ص) كان يقول: «إن الشيطان دئب ابن آدم؛ لأن الشيطان يأتي فيأخذ المنفردة والشاذة والقاصية»، وأنه قال: «ألا فالزموا الجماعة»، والعماة زعموا أن رسول الله (ص) قال في حجة الوداع: «رحم الله رجلا سمع مقالي هذا فأوعى قلبه ثم بلّغه غيره، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يعلو عليهن قلب مسلم: الإخلاص في العمل ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم»، وزعموا أن رسول الله (ص) كان يقول: «يد الله على الجماعة فمن وجد من تحتها لم يضرب حدوده»، وزعموا أن رسول الله (ص) كان يقول: «من خرج من الجماعة قيد شبر خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجع»، وزعموا أن رسول الله (ص) كان يقول: «لا تقاتل أهل صفقتك ولا تبدل سنتك ولا تخرج من أمتك والتارك لها تارك الجماعة»، التي يقول رسول الله (ص): «من نكث بيعته كانت سترة بينه وبين الجنة»، والتارك لها تارك الجماعة التي يقول رسول الله (ص): «من قاتل تحت راية عمياء يدعو إلى عصبية وجبت له النار»، والترك لها تارك للجماعة التي يقول رسول الله (ص): «من أشار بسلاح إلى مسلم لعنة الملائكة»، فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا؛ لأن الجماعة الأولى كانت الطاعة فيها الله، ومن طاعة الله رضي أهلها من رضي الله منه يرضون إذا أطيع الله، /376/ (2/376)
صفحة 792
ويسخطون ما سخط الله، ويسخطون إذا عصى الله، حلالهم حلال الله وحرامهم حرام الله، أهل مودة ورحمة آخرهم يتبع أولهم، وأمر أولهم يصدق أمر آخرهم، المعروف فيهم أهله، ويفضلونهم ويكرمونهم والمنكر فيهم منكر خائف أهله، إلى هذا يدعون، (و) إليه يجتمعون [643] وعليه يتعاونون، يغضبون الله، لا يطيعون ولا يتولون ظلمة قريش فيما عصى الله وأطاعهم في معصية وتضييع حقه وحدوده، وإنما رضاهم رضى الله فيما أحبوا أو كرهوا، ويرضون إذا أطيع الله، ويغضبون إن عصى الله، لا كما قال أهل الضلال: إن طاعة الجبابرة لازمة لهم وإن عصى الله، مستحلين لما حرم الله عليهم من دماء المسلمين وأموالهم، ومحرمين ما أحل الله لهم من المعروف، يخوفون أولياء الله، يقتلون ويصلبون ويمثل بهم ويذبحون، اتخذوا أعداء الله أولياء يتقربون بطاعتهم إلى الله في تضييع حدود الله وحقوقه وطاعة من عصى الله، إلى هذا يدعون وإليه يجتمعون وبه يتعاونون، فإن قالوا: ليس ذلك كذلك، وإنما دعوة الجماعة الأولى ومن دعا إليها، يدعون إلى طاعة الله وأداء حقوقه وإتباع مرضاته، وإن جماعة ظلمة قريش ومن دعا إليها يدعون إلى معصية الله ولزوم طاعة من عصى الله واتبع سخطه، فقد صدقوا وذلك الحق، وأما الحق الذي دعا إليه رسول الله (ص) من حق الجماعة وحق /377/ (2/377)
صفحة 793
أئمتها ولزوم طاعتها وجماعتها وما مضت عليه، هي الجماعة الأولى، ومن دعا إليها وتمسك بعصمتها واتبع أثرها وهداها ومناهجها ومعالمها وحدودها، وردّ ألفة الماس وجماعتهم ودعوتهم إليها، والسواد الأعظم هي المنفردة والشاذة القاصية وإن كثروا فهم تاركو الجماعة ما نعو حق الله وحدوده، والسواد الأعظم هم الذين لا ينصرون دين الله واتبعوا من ضيع حدود الله، والسواد الأعظم هم الذين فارقوا الجماعة التي يقول رسول الله (ص): «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة في الجنة وسائرها في النار»، فانباعهم دعوة من ضيع حقوق الله وحدوده، والسواد الأعظم هم الذين خرجوا من الجماعة التي يقول رسول الله (ص): «من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجع»، والسواد الأعظم هم الذين اتبعوا دعوة من ضيع حقوق الله وحدوده ونكثوا البيعة وبدّلوا السنة وخرجوا من الأمة لقوله (ص): «لا تقاتل أهل صفقتك ولا تخرج من أمتك ولا تبدل سنّتك»، [644] والسواد الأعظم الذين بايعوا على طاعة الله من أطاع الله ثم قتلوا من أطاع الله في طاعة من عصى الله، وضيّع حقوق الله وحدوده ورجع إلى بيته وترك القيام بالقسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونهى عن القيام بأمر الله وضيع حقوق الله وحدوده /378/ (2/378)
صفحة 794
والسواد الأعظم هم الذين أشاروا بسلاحهم إلى المسلمين فلعنتهم الملائكة بإتباعهم من ضيّع حقوق الله وحدوده، وقد يعرف ذوو الألباب أنه لا حق لمن ضيّع حقوق الله وحدوده ونكث بيعته وعهده وترك طاعة الله وسنّة نبيه ونقض ميثاقه، وقد يعلم ذوو الألباب أنه لا ميثاق لمن نقض ميثاق الله، وإنما وجل للمسلمين بوفائهم ميثاق الله، ومن عصى الله ونقض ميثاقه وعهده فلا طاعة له ولا جماعة ولا طاعة لمن عصى الله وفارق الأمر الذي مضى عليه جماعة المسلمين، فالجماعة من أجاب دعوة الله وعمل بطاعته وأحيا سنته ولزم المسلمين وتمسك بعدل كتاب الله وأثر نبيّه، وإن قلّوا وأما كل من ضيّع أوامر الله ونواهيه وإن كثروا، فهم مثل يأجوج ومأجوج، وقد يعرف ذوو الألباب أن لو كانت النجاة والعصمة بالبدع الكثيرة والجماعة حيث دارت من الطاعة والمعصية، ما حمد الله صاحب يس، وامراة فرعون، وأصحاب الأخذود، وهؤلاء الذين كانوا ينهون عن السوء، ولا الذين يشترون أنفسهم ويبتغون مرضاة الله، ولا الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، ولا ذمّ الله الربانين والأحبار حيث يقول: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}، فذمهم الله إذ لم ينهوهم /379/ (2/379)
صفحة 795
وقد يعرف ذوو الألباب أن أبا بكر رحمه الله لمّا ارتد من ارتد من العرب، استشار المسلمين في قتال من ارتد، فأمروه بالاستينا، والوقوف إلى وقت، فقال لهم رحمه الله: أما أنا فحامل سيفي على عاتقي، فمن منعني عقالا مما أعطى رسول الله (ص) قاتلته حتى يعطيه أو ألحق الله، وقد يعلم ذوو الألباب أن من ضيّع حقوق الله وحدوده وقتل من أمره بتقوى الله، ومراجعته ما ضيع من حقوق الله وحدوده وركب الحرام، أعظم جرما وأكبر معصية وأحق بالجهاد [645] ممن ضيع عقالا، وقد يعلم ذوو الألباب أن من ترك القيام بالقسط ونهى عن القيام به، وأنكر الفضل لمن قام به وانقلب إلى بيته لتضييع حقوق الله وحدوده، وذم من قام به، أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق بالجهاد ممن ضيّع عقالاً، وقد يعلم ذوو الألباب أن من اتبع دعوة من ضيع حقوق الله وحدوده وقتل من أمره بتقوى الله، ومراجعة ما ضيع من حقوق الله وحدوده وركب الحرام أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق بالجهاد ممن ضيّع عقالا، وقد يعلم ذوو الألباب أن من اتبع من ضيّع حقوق الله وحدوده ممن أطاع الله ورسوله أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق بالجهاد ممن منع عقالا /380/ (2/380)
صفحة 796
وقد يعلم ذوو الألباب أن من ترك القيام بالقسط وترك جماعة الهدى ونهى عن القيام معهم ودعا إلى غيرهم ورد الناس عنهم أعظم جرماً وأكبر معصية وأحق بالجهاد ممن منع عقالا، وقد يعلم ذوو الألباب أن لهم أسوة حسنة في أبي بكر رحمه الله، وقتاله أهل الرّدة والمعصية حتى يسالموا ويرجعوا أو يفيئوا إذ يقول: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله (ص) لقاتلهم عليه حتى يعطوه، وقد يعلم ذوو الألباب أن لهم أسوة حسنة في أصحاب رسول الله (ص) من أهل بدر وغيرهم الذين أنكروا المنكر على عثمان حين أحدث الأحداث وفارقوه عليها ولم يجامعوه على حدثه، وقد تعلموا أن أبا ذر رحمه الله نادى بأحداث عثمان حتى عرفت، ونفى حتى مات منفيّا، وكذلك ابن مسعود نادى بإحداث عثمان حتى دعاه من الكوفة ودق أضلاعه ومات، وعمار بن ياسر نادى بإحداث عثمان فضرب حتى فتق بطنه، وأشباههم كثير من أصحاب رسول الله (ص) الذين أنكروا المنكر على عثمان في اتباع الهوى وتضييع حقوق الله /381/ (2/381)
صفحة 797
وحدوده وسنّة نبيه، وهدى الخليفتين من بعده إلى أن قتلوه على ذلك وهو صاحب الجماعة والصفقة والبيعة، ولو كانت الجماعة والصفقة والبيعة وتثبت لأحد على تضييع حقوق الله وحدوده لثبتت لعثمان على أصحاب رسول الله (ص)، وكان من قتل عثمان أو اشتراك في دمه أو رضي به هالكا [646] وقد تعلمون أصحاب رسول الله (ص)، من أهل بدر وغيرهم والتابعين بإحسان قد شاركوا في دمه ورضوا بقتله ونادوا بإحداثه وقاتلوا من طلب بدمه مع عليّ، طلحة والزبير، ومعاوية، وغيرهم، وقد يعرف ذوو الألباب أن لو كانت البيعة والصفقة والجماعة تثبت لأحد على تضييع حقوق الله وحدوده لكان من أنكر قتل عثمان وقام بنصره أولى بالعذر والحجة، فالنجاة والعصمة على من قامعه من أصحاب رسول الله (ص) وغيرهم، وقد يعلم ذوو الألباب أن لهم أسوة حسنة أصحاب رسول الله (ص) الذين قتلوا عثمان على ما أحدث من البدع وترك من السنة إذ أبى أن يعدل أو يعتزل، وقد يعلم ذوو الألباب أن لهم أسوة حسنة في أصحاب رسول الله (ص)، الذين لزموا الأمر الذي فارقوا عليه نبيّهم والخليفتين من بعده وأبوا أن يتبعوا الجماعة حيث دارت من الطاعة والمعصية بتضييع حقوق الله وحدوده، إذ فارقوا عليه ونادوا بأحداثه وتناصروا عليه /382/ (2/382)
صفحة 798
وقد يعلم ذوو الألباب أنه لم يثبت لعثمان حق الجماعة والصفقة والبيعة على تضييع حقوق الله وحدوده، كذلك لا يثبت لأحد من بعده على تعدي أمر الله وتضييع حقوقه وحدوده، وقد تعلموا أن حذيفة بن اليمان كان يقول: اتبعوا أثرنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا [***] وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بيعداً، وكان يقول: الضلالة كل الضلالة لمن أنكر اليوم ما كان يعرفه قبل اليوم، وإياكم والركون إلى الهوى، فإن دين الله واحد، وقد يعرف ذوو الألباب أن السواد الأعظم ظلمة قريش ومن اتبعهم على ظلمهم وهم الذين ضلوا ضلالا بعيداً، والحمد لله رب العالمين. تمت سيرة شيب بن عطية العماني رحمه الله. /383/ (2/383)
صفحة 799
بسم الله الرحمان الرحيم
كتاب الموازنة عن الشيخ العالم أبي محمد، عبد الله بن محمد بن بركة العماني البهلوى، رحمه الله
كان كتابك الأول – أيدك الله- وصل بتعريف ما جرى بينكم وبين جيرانكم من [647] المناظرة، وسألت بيان الحجة عليهم في ذلك، وقد نظرت فيما ذكرته من قولهم، فما رأيته يستحق جوابا، ولو أن يظن ظان ممن هو في الجهل مثلهم أنهم سألوا عن شيء فلم يجابوا عليه لكان /384/ (2/384)
صفحة 800
السكوت عن جوابهم جوابا، ولما تدبرت قولهم وجدتهم قد نطقوا بكل مذهب من مذاهب المخالفين بشنيع من قولهم وفاسد اعتقادهم ولم أر لهم في مذهب الإباضية موضعاً، فما أدرى ما الذي دعاهم إلى أن عدلوا عن الحق واختاروا ما استبدلوا به مذهبا لأنفسهم، ولكن: {وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}، فمن عدل عن الحق وركب هواه وتريس قبل أوانه يوشك أن يفضحه الله على لسانه، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}، فنعوذ بالله من الحيرة والضلالة والتسكع في غمرات الجهالة، أما ما ذكرته من قولهم: إنا وجدنا الأخبار قد اختلفت علينا في النقل إلينا ولم ترد ورودا واحداً تقوم الحجة بها وتقطع عذر من غاب عنها كقيام الحجة على من شاهدها، فوجب لذلك عندهم أن يقفوا فيها وأن لا يبحثوا عن صحيحها من سقيمها، وأن الرأي عندهم فيما زعموا الإمساك عن النظر فيها، فهذا مذهب من سبقهم إليه فرقة من الملحدين يعرفون باليهسة، أنكروا الأخبار وزعموا أن الأخبار لا توجب علما /385/ (2/385)
صفحة 801
ولا يوجب العلم إلا ما شاهدوه قالوا، وجدنا الخبر يرد من طريق ويرد ضده من طريق غيره، ولو وجب صحة أحدهما وجب صحة الآخر، فذلك زعموا أن الأخبار لا توجب العلم لورود الاختلاف في نقلها، وأن العلم ما شاهده الإنسان بنظره دون ما ينقل إليه خبره، فقد وافقوهم في هذا المعنى، واقتدوا بهم، فإن كانت موافقتهم لهم قصداً واعتقاداً وحكمهم عند أهل الإسلام حكمهم، وإن كانوا ذهبوا إلى ذلك من طريق سوء التأويل فلا تستكثر بهم في الموافقتين ولا تعدهم في المخالفين، وقد قال الله جل ذكره [648] قولا دل على بطلان قولهم على لسان نبيه (ص) وهو يخاطب المؤمنين أجمعين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}، فأوجب طاعة نبيّه على من لم يرده، كما أوجبها على من حضره، ومعلوم أن من لم يشاهد النبي (ص) لا يصل إلى علم طاعته إلا بخبر من يختبره عنه، وقد وقفنا على من يجب علينا تصديق خبره من الكتاب والسنة، فأما من الكتاب فقوله جل ذكره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، فلما أمرنا بالتبيين عند خبر الفاسق علما وأنه غير الفاسق ولم يكن بين الفاسق وغيره فضل، ولم يكن لذكر الفاسق دون غيره معنى، فصح بهذا أن نقل العدول للأخبار الشرعية، فوجب العلم إذا كثر ناقلوها، وفي حال توجب العلم تقليداً لمنفرد بنقلها؛ لأن العدل مقبول خبره ويجب العمل /386/ (2/386)
صفحة 802
به بقوله، ولو أردنا شرح أحكام الأخبار واختلاف أحكامها لطال الكتاب واشتغلنا به عما قصدنا له، وأرجو أن يكون فيما لوحنا مقنع لمن أراد الله إرشاده، وأما ما ذكرت من قولهم: قالوا، لا ندري اعتزل الصلت أو عزل وإن أحداً خرج عليه أو لم يخرج عليه، وقولهم إنا سمعنا موسى بن موسى وراشد بن النظر خرجا سائرين بجيش معهما وعسكر يقودانه، لا ندري لم (1) خرجا ولا ما أرادا بمسيرهما، فقد وافقوا بقولهم هذا عباد بن سليمان من جملة (2) المعتزلة ومتقدميهم وأهل التكليف فيهم، لما خاف لزوم الحج له في الاختلاف الواقع بين الصحابة جحد أنه لا يعلم أن طلحة والزبير وعائشة ساروا على عليّ بن أبي طالب، وأن قول الناس وقعة الجمل إنما ذلك جمل انطلق في الليل، فاقتتل عليه قوم، فسمى وقعة الجمل، وكذلك جحد وقعة صفين وزعم أنه لا يعلم أن أصحاب رسول الله (ص) اقتتلوا، كما جحدت هذه الفرقة المارقة عند حذرها للزوم الحجة، اعتصمت بالجحد وجعلته موئلا لها، تأسيا بعباد بن سليمان، فإن زعموا أن عباداً أخطأ [649] لظهور الأمر الوارد به الأخبار المتواترة، فيجب أن يبدأوا بأنفسهم فيخطئوها لجحدهم وشكهم في ظهور الأمة الذي تواترت الأخبار به، وأما ما ذكرت من قولهم إن الصلت ترك الإنكار على موسى /387/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (لما).
(2) كتب في المخطوطة: (جمل). (2/387)
صفحة 803
بن موسى وارشد بن النظر فوجب ترك ولايته والخروج من طاعته، فهذا مذهب وافقوا فيه فرقة غلت من الروافض في مذهبها وبرثت من إمامها عليّ بن أبي طالب؛ لأنه ترك النكير على أبي بكر وعمر ولزم السكوت، وكان عليه عندهم أن يطلب حقه ويبين للناس ما أوجب الله تبارك وتعالى عليه ويقيم الحجة على رعيته، فخرج بذلك عندهم من ولايته وبرءوا أيضاً من عمار بن ياسر وقالوا كان يعادى علياً، وإنما مالأه وعاهده وأعانه لما جمعتهما العدواة لعثمان بن عفان وبرءوا من المقداد، وأبي ذر، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم خيار الصحابة؛ لأنهم لم ينكروا على عليّ بن أبي طالب الترك إقامة الحجة على الناس والمطالبة لإمامة، ولتركه والتمسك بعهد رسول الله (ص)، وقد كان يلزم هذه الفرقة عند جيرانكم إذا اقتدوا بهذه الفرقة من الرافضة ووافقوهم أن يبرءوا ممن كان في عصر الصلت من المسلمين؛ لأنهم تركوا الإنكار على الصلت ليتساووا معهم في المذهب، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا إن الصلت لما انتقل من دار الإمامة إلى غيرها عند زحف العسكر إليه، دلّنا ذلك على تبريه من الإمامة، وصح للمتولى بعده عليه الأمر، وإن لم يعلم كيف كان فصده وإرادته، فهذا قول اقتدوا فيه بإخوانهم الحشوية في اعتقادهم في الزبير بن العوام حين خرج على عليّ بن أبي طالب، قالوا: قد كان باغيا في خروجه على الإمام ثم تولى عن موضع الحرب إلى موضع غيره حتى لحقه ابن جرموز فقتله، دل انتقاله وتوليه عن موضع الحرب إلى غيره على توبته ووجب البراءة ممن قتله /388/ (2/388)
صفحة 804
وأما ما ذكرت من قولهم إن أمر الصلت ومن معه، وراشد ومن معه، يحتمل أن يكون أحد الفريقين مصيبا والآخر مخطئا، ويحتمل أن يكون كلا الفريقين على الصواب، ويحتمل أن يكون قد أخطأ الكل فهذا مذهب [650] محض الإرجاء بعينه، وليس قولهم وقاعدة مذهبهم وعليه فارقهم الناس، وهو أنهم قالوا إنما وجدنا عليّاً ومعاوية قد اختلفا واختلف الناس فيهما، فيحتمل أن يكون عليّ هو الإمام ومعاوية مخطئا، ويحتمل أن يكون معاوية تقدم العهد له بمن معه من المهاجرين والأنصار وأصحاب النبي (ص) فعليّ ظالم له، ويحتمل أن يكون عليّ هو الإمام ومعاوية هو الباغي والطالب ما ليس له، واحتمل أن يكون عليّ ومعاوية على الصواب، كليهما يدعى أن الحق له دون صاحبه؛ لأن عليّا لم يتفق الكل على بيعته وقعد عنها الخيار من أصحاب رسول الله (ص)، مثل عبد الله وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وغيرهم من القاعدين عن بيعته، وأن معاوية كان عامل عثمان ويدعى أنه يطلب بدمه وعنده أولاد عثمان، وأن عثمان قتل مظلوما، وهو نسيبه، وعامله، ووليّه، وكل واحد منهما متأول الحق عند نفسه، قالوا فلما احتمل أن يكون عليّ مالأ على قتل عثمان ومنع قاتله، فلمعاوية أن يطلب بدم عثمان بأمر أولاده وبما يجب من حقه منه، وقالوا يحتمل أن يكون عليّ بريئا من دمه ولم يرض بقتله ولا منع حقاً وجب على أحد بسبب قتله، وجب أن لا يخطأ منهما أحد وأن /389/ (2/389)
صفحة 805
يرجأ أمرهما إلى الله تعالى، وهم مع ذلك يتولون الكل ويتولون من تولاهما ومن وقف عنهما كما زعمت هذه الفرقة المارقة المدعية لمذهب الإباضية، من تولى الصلت وموسى وراشداً لم تخطئه، ومن برئ منهم لم تخطئه، وأن كلا منهم مخصوص فيهم بعلمه ونصوب الجميع ونحسن الظن بهم، فلا أحسنوا الظن بإمامهم، ولم يزيلوا فرضاً أوجبه الله تعالى له عليهم، وعدلوا إلى سوء الظن بغير علم ولا حجة قطعت العذر عندهم، نعوذ بالله من العمى ومضلات الأهواء، وأما ما ذكرت من قولهم إن الصلت لم يحارب الخارجين عليه ونزل منزل ابنه، فيجب أن لا يتقدم على أحد منهم بولاية ولا براءة؛ لأن أمرهم مشكل يحتمل أن يكون خروجهم لذنب عللوه منه وعلمه من نفسه، استحق بذلك الخروج عليه، واحتمل أن يكون بغاة خرجوا على إمام عدلٍ [651] كفروا بخروجهم، فصاروا بذلك بغاة واستحقوا ببغيهم عليه البراءة والقتل حتى يفيئوا إلى أمر الله، فهذا القول فيهم أيدك الله يدل على موافقة إخوانهم من الشكاك لما قالوا إن عثمان لزم منزلة وترك محاربة الخارجين عليه فلم يقاتل، فاحتمل أن يكونوا خرجوا عليه بغير الحق فهم بغاة بذلك مستحقون القتل والمقاتلة حتى يرجعوا عن بغيهم ويفارقوا ظلمهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحهم، ويحتمل أن يكونوا خرجوا بحق عليه لذنب علموه منه وعلمه من نفسه استحق بذلك أن يخرجوا عليه، فلما أشكل عليهم أمر الإمام والخيار من الصحابة وجب عندهم الوقوف فيه وفيهم /390/ (2/390)
صفحة 806
فأوجب عندهم هذا الإشكال أن يرجئوا أمره وأمر من خرج عليه فقتله، ومن خذله وقعد عنده فأمره إلى الله تعالى، فإنهم جميعا بهذا القول سالمون، وأما ما ذكرت من قولهم إن الصلت سلم إلى الخارجين عليه الكمة والخاتم فهذا يوجب تبرئه من الإمامة وتركها لهم واختلاعه عنها، كما زعمت هذه الفرقة المارقة أن الصلت تفادى إليهم بالخاتم والكمة لظهور شرهم والخوف على نفسه منهم مع ما يحتمل أن تكون الكمة والخاتم ملكا له والظاهر يوجب ذلك؛ لأن حكم ذلك مضاف إليه ومحكوم له به حتى يعلم أنه لغيره، وللمسلم أن يفدى نفسه بماله وأن تكون نفسه آثر عنده من جميع ماله، وإن كان خاتم والكمة ليستا بملك له فالمسلم أن يفدى نفسه بمال غيره إذا رجا في ذلك السلامة، وأن يأخذ من أمانته ويصانع بها عدوه إذا رجا لنفسه السلامة من الهلكة [652] أو بما يؤدى إليها، والدليل على هذا ما اجتمع عليه أهل القبلة أن على المسلم إذا خاف على نفسه الهلكة والجوع أن يفديها يمال غيره، وأن يأكل من مال الغير إذا خاف على نفسه الهلكة من الجوع، واختلفوا في الضمان، فقال كثير من الناس لا ضمان عليه؛ لأن علة صاحب هذا القول إن كان على رب هذا المال أن يحي هذا المسلم بماله، وأن لا يدعه يهلك بين يديه وهو قادر على نجاته، ولو تركه مع ذلك حتى يهلك كان ضامنا لديته، فإذا قدر هو على مال كان صاحبه أن يجييه به فعل هو ذلك لنفسه بحكم الله له به على صاحب الطعام والمال، وبالله التوفيق، وقد أخبرنا بعض شيوخنا /391/ (2/391)
صفحة 807
أن المسلمين من أهل عمان كانوا يحملون إلى بني عمارة في كل عام أموالا يدفعون بها شرهم وما يحاذرون على المسلمين منهم، والله أعلم، كان ذلك من صلب أموالهم أو من مال المسلمين، فإن كانوا دفعوا ذلك من أموالهم فجائز؛ لأن على المسلم أن تكون نفسه آثر عنده من ماله، وأن ينفق ماله في صلاح نفسه ودينه، وقد أمر الله بذلك في غير موضع من كتابه، وإن كانوا دفعوا هذه الأموال إليهم من بيت مال الله على سبيل ما يدفع إلى المؤلفة فجائز ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله (ص)، والتأسي برسول الله مباح وطاعة، فمن فعل ذلك تأسيا به، وقد أمر الله تعالى أن يصرف إلى المؤلفة من الأموال التي في أيدي الأئمة من الصدقات ما يتألف به قلوبهم، وأن يصرف بذلك شرهم عن أذى المسلمين والقدح في دولتهم، ولا نعلم أن أحداً من المسلمين قال: إن سهم المؤلفة الذي فرضه الله في السهام المذكورة في الصدقات منسوخ، نصح بما ذكرنا خطأ من تعلق على الصلت بتسليم الخاتم والكمة إلى الخارجين عليه من أعدائه مع أن خبر الخاتم والكم لم يأت مجئ (1) أخبار التي تقدع العذر بصحتها كخبر من خرج عليه، واستيلاء البغاة على الإمامة وتلكهم أمر دولة المسلمين، مه احتمال الخبر للتأويل إن كان صحيحا أن يكون التسليم للخاتم والكمة من بعض أمنائه الذين كانوا يلون حفظ أمانته، أو ليس الخبر عندهم أن الصلت سلم إليهم الخاتم والكمة بيده؟ وإذا /392/
__________
(1) كتب في المخطوطة: (لم يح مجى) (2/392)
صفحة 808
احتمل هذا التأويل لم يكن لهم في دعواهم حجة ولله الحمد والمنة، وأيضا فإن خازم بن خزيمة، لما خرج في طلب شيبان فوجد أهل عمان قد قتلوه وطلب إلى الجلندي بن مسعود يسلم خاتمه وسيفه وأن [653] يخطب لسلطان بغداد ويعترف له بالطبع والطاعة، فاستشار الجلندي العلماء من أهل زمانه ومعهم يومئذ هلال بن عطية الخرساني، وشبيب بن عطية العماني، وخلف بن زياد البحراني، وغيرهم من المسلمين، فأشاروا عليه أن يدفع سيف شيبان وخاتمه وما يرضيه من المال ويضمن لورثة شيبان بقيمة السيف والخاتم، ويدفع بذلك عن دولة المسلمين، فأبى خزيمة إلا الخطبة والطاعة فرأوا أن ذلك لا يجوز لهم في باب الدين أن يدفع عن الدولة، وإنما يدفع عنها بالرجال والمال، فهذا يدل على سوء تأويل هذه الفرقة التي لا نعرف موضعها في أصول المخالفين، وما الذي دعاها من الطمع على أن تذب عن مذهب المحقين، وإلى الله نرغب في العصمة والرشاد، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا وجدنا محمد بن أبي عفان اتفق عليه المسلمون ثم أخرجوه وعقدوا عليه لوارث بعده، ولم يصح عليه حدث يستحق به الإخراج من الإمامة، فيحتمل أن يكونوا أخرجوه لحدث كان منه علمه الخاص من المسلمين، ويحتمل أن يكونوا أخرجوه لا لذنب فعله، ولكن رأوا إخراجه والاستبدال به أرجى وأصلح للدولة وأنفع /393/ و (2/393)
صفحة 809
كذلك يحتمل أن يكون الصلت صح عليه حدث عند الخاص من المسلمين، ويحتمل أن يكونوا أخرجوه وولوا عليه راشد بن النظر؛ لأنه أصلح للدولة وأنفع يقال لهم هذا القياس من قولكم أعظم في باب الخطأ من جميع ما مضى، هو شبيه قياس إبليس أمام من قاس على علة صحيحة، أو قياس مع وجود النص، وذلك أن إبليس قال: وجدت النار فيها من المنافع ما لا يوجد في الطين، فذلك وجب عنده أن يكون آدم عليه السلام أولى أن يخضع له ويسجد له؛ لأن من شأن الأخس أن يخضع للأجل، فالخطأ لزمهم في القياس كما لزم من اقتدى به وذلك أن ابن أبي عفان لم يكن إمام شراة، ولا دعى له أحد في ذلك، ما تناهى إلينا عن أحد من أهل هذه الدعوة من متأول ولا مرتكب، بل قال الكل أن ابن أبي عفان كان أمير جيش مؤمر للأمر والنهي، فهو كالوكيل للمسلمين، لمن وكله عزله بحدث وغير حدث، وإن كان إمام دفاع فله أن يخرج [654] إن شاء، وللمسلمين أن يخرجوه إذا شاءوا ولا يختلف أحد فيما علمنا في حكم إمامة الدفاع والإمرة على الجيش بغير ما وصفنا كما لم يختلفوا في اين أبي عفان، لم يكن إماما شاريا إمامته مؤيدة في رقاب أهل عصره من المسلمين، فذلك فعلوا به هذا، وحاشا للمسلمين أن يعزلوا إماما شاريا يولوا ليه إماما بغير حدث شاهر في المملكة، يمتنع من التوبة، قاطع عذره /394/ (2/394)
صفحة 810
وأما الصلت بن مالك فكان إماما شاريا يعترف له أهل مملكته في عصره ذلك، وشهد له من غاب عنه بذلك، ومن وفى له بعهد الله عليه، ومن شك في حكم الله عليه، ثم اختلف أهل الدعوة في حكم المتولى بعده هل هو إمام او غير إمام، وقبل اختلافهم فيه متفقون على أنه غير إمام، فالاتفاق حجة والاختلاف ليس بحجة، وكذلك اتفاقهم في الصلت قبل الاختلاف فيه هو الأصل المرجوع إليه عند التنازع والاختلاف، فأين هذا من أمر ابن عفان الذي لم تكن إمامته يجب بقاؤها عليهم، وإخراجه متفق عليه، فالإجماع متعلق به ومرجوع إليه عند التنازع إليه في أمر ابن أبي عفان، وفي راشد بن النظر، فراشد غير إمام حتى يجتمعوا أنه إمام، ووارث إمام لا تفاقهم على إمامته، وأن ابن عفان ليس بإمام في حال إمامة وارث باتفاق المسلمين، وأما ما ذكرت عنهم أنهم قالوا: لا تخلو إمامة راشد من أن تكون صحيحة في وقتها أو فاسدة، فإن كانت صحيحة فقد كان الصلت مخطئا قبل ذلك، وكذلك صح عقد راشد عليه، وإن كانت فاسدة فقد صحت بد موت الصلت وثبتت له بتسليم الناس إليه وتركهم الإنكار عليه، يقال بهم: هذا قول إخوانكم الحشوية، زعموا أن ولاية معاوية لا تخلو من أن تكون صحيحة أو فاسدة، لذلك قعد عنها محمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم، وإن كانت فاسدة فقد صحت بموت عليّ واتفاق الناس على ولاية معاوية وثبتت بتسليم /395/ (2/395)
صفحة 811
الناس له ذلك، ولذلك سميت سنة أربعين بعد الهجرة عام الاجتماع، يعني أجمعوا على معاوية بعد أن لم يكونوا مجمعين عليه، فإن كان هذا القول [655] صوابا ممن قاله وانتحله فاسم من بايعهم عليه لازم له، والإباضية تبرأ ممن قال هذا، واعتقده، فإن كانوا أخطئوا في هذا القول فقد أخطأ من اقتدى بهم وقفى آثارهم بعقده وقوله، وإلى الله نرغب في التوفيق لما يقرب إليه، وإياه نسأله العون على حسن التوكل عليه، وأما ما ذكرت من قولهم أنهم قالوا: ليس علينا طلب صحة العقد للإمام، بل الذي علينا أن ننقاد لمن أمرنا وجرت أحكامه فينتا، ولم نجد الأمة منكرة لإمامته، كما وسعكم أنتم أن تقولوا أن الصلت كان إماما ودنتم له بالسمع والطاعة ولم تبحثوا عمن عقد له، فنحن أيضا ليس علينا أن نبحث عن عقد عزان بن تميم، بل ندين له بالسمع والطاعة، وهذا القول أيدكم الله لا يعتقده إلا من لم يعرف الفاسد من الصحيح ولا الحسن من القبيح، بل يجب أن يسلم صاحب هذا القول نفسه إلى الكتاب حتى يعلم معاني الخطاب، وذلك أن الصلت اتفق أهل المملكة، عالمهم وجاهلهم، أن عقده كان بثبوت إمامته بإجماع وجبت في الأصل /396/ (2/396)
صفحة 812
ثم اختلفوا بعد ثلاثين سنة في زوالها ودامها، وعزان بن تميم رجل من الرعية احتلف الناس في إمامته هل صحت بمن حضره أو لم تنعقد، فهذا بإجماع غير إمام حتى اجتمعوا على زوالها عنه، وهذا الذي احتجوا به قول إخوانهم من توابت الحشوية والشكاك قالوا: ليس علينا البحث عن عقد الأئمة ومن يعقد لهم ولا النظر في سترهم وهتكهم، وإنما علينا الانقياد لمن تولى علينا من الأئمة جارت أو عدلت، كما قالت هذه الفرقة المارقة إنا لا ننظر في صحة عقد الإمام وإنما علينا أن ندين بالسمع والطاعة لمن ولى علينا، وتركوا اعتقاد المحّكمة الذين قالوا: لا طاعة لمن عصى الله، وبهذا القول خالفوا من دان بقول من وافتته هذه الفرقة المارقة في قلوبهم، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا لو كان الإجتماع والحق المتبع والوجه الذي يوجد منه تفسير ما تعبد الله العباد به إلى آخر ولاية الصلت ابن مالك، فلما وقع الاختلاف بين الناس في أمر الصلت ارتفع معرفة ذلك لاختلاف الحادث بين المسلمين، ووجب [656] علينا الأخذ بما كانوا عليه قبل الاختلاف ووجب علينا ترك التعرض لمعرفة حكم ما اختلفوا فيه؛ لأن ذلك يكون تكلما لطلب ما يسع جهله والإمساك عن البحث عنه، ونكل أمرهم وأمر ما اختلفوا فيه إلى الله تعالى، فمن تولاهم توليناه، ومن برئ منهم توليناه، ومن وقف عنهم توليناه، وكل مخصوص فيهم بعلمه /397/ (2/397)
صفحة 813
فاعلم أيدك الله أن هذا القول يؤدي بمن اعتقده إلى الخروج عما عليه أهل الإسلام؛ لأن المستحلين للملة اختلفوا اختلافا متباينا، خرج من قال بهذا القول من جميعهم برأيه، وخالف الكل في مذاهبهم؛ لأن أصل الفرق حين استقرت على المذاهب قبل انشعاب فروعها وبعد افتراق أوائلها روافض وخوارج ومعتزلة ومرجئة وحشوية وأصحاب الحديث، وهم يتبعون الشكاك في الحديث الأول، فكل أهل الملة لم يعتقدوا، ولم يعتقدوا واحد منهم، أنهم مع خلاف بعضهم على بعض، وتباينهم بالمذاهب وتنازعهم حكم الأحداث الواقعة فيهم، يصوّبون بعضهم بعضا، وأنهم يصوّبون من خالفهم ويصوبون من وافقهم ويصوبون الواقفين عنهم؛ ولأن كل فرقة ممن ذكرنا تتولى من وافقها على قولها ومن خالف عليها بذهابها عن الصواب والقصد، بل أكثر هؤلاء مع تخطئة بعضهم لبعض يعتقد أن الشكاك عندهم أسوأ حالا ممن تولى أو تبرأ، وإن كانوا يدينون مع ذلك بأن الحق في ذلك واحد في حكم الأحداث الواقعة بينهم، إلا المرجئة منهم فإن هذه الفرقة التي ذكرت قولها بأنها وافقتهم في أشياء وزادت عليهم فيما لم يقولوا به، فهم لا يستكثروهم على ما وافقوهم فيه، وجميع من خالف المرجئة لا يعذرهم في خطئهم ومخالفتهم لهم في الحق عندهم، فهم بين الجميع كالمذبذبين الذين ذكرهم الله في كتابه: {وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}، ولو عارضهم معرض، ووازنهم على قولهم موازن، فقال: /398/ و (2/398)
صفحة 814
كان الإجماع والحق المتنع والوجه الذي يوجد منه تفسير ما تعبد الله العباد به إلى آخر حياة النبي (ص)، فلما وقع الاختلاف بعد موت النبي عليه السلام وحدث الاختلاف [657] بعد الإجتماع بالنبي عليه السلام، ارتفع معرفة ذلك الاختلاف الحادث بين المسلمين، وجب الأخذ بما كانوا عليه قبل الاختلاف، ووجب ترك التعرض لمعرفة حكم ما اختلفوا فيه؛ لأن ذلك يكون تكلفا لطلب ما يسع جهله والإمساك عن البحث عنه، وبكل أمرهم وأمر حكم الأحداث فيهم إلى الله عز وجل، ومن تولاهم توليناه ومن برئ منهم توليناه ومن وقف عنهم توليناه، وكل مخصوص في الأمر يعلمه كما قال من ذكرت قوله وحكيت أصله، فإن صوّبوا من وازنهم على قولهم بوزنه فصوبوه خرج من لسان الأمة وعذر بجهله وقلة علمه، وإن خطئوا قائل هذا ومعتقده، فالواجب أن يبدأوا بأنفسهم فيخطئوها أو يصوبوا من خطأهم إن أنصفوا من أنفسهم، ولا يجدوا من التفرقة بين من عارضوا به سبيلا، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا: إن كان الصلت خرج من الإمامة ووجب إخراجه منها لما روى أنه بلغ حال الضعف الكبر، وكان منه حدث استحق به الخلع من الإمامة فإمامة راشد صحيحة، فإن كانت إمامة راشد صحيحة فإمامة عزان بن تميم فاسدة؛ لأن عزان عقد له في حياة راشد وأخرج عنها قهراً، وإن كانت إمامة الصلت صحيحة إلى أن ولى عليه راشد وعقد له والصلت حتى إمامته ثابتة، فإمامة راشد /399/ (2/399)
صفحة 815
فاسدة، وإمامة عزان صحيحة؛ لأنها كانت بعد موت الصلت، وإن كانت إمامة عزان صحيحة، فإمامة الحوارى بن عبد الله فاسدة؛ لأنها عقدت عليه، وإن كانت إمامة عزان فاسدة فإمامة حوارى بن عبد الله صحيحة وقد رأينا أمورهم كلها محتملة لما ذكرنا، وإذا احتمل أمرهم بما ذكرنا ولم ترد الأخبار فيهم متفقة تقطع العذر وتلزم الحجة، وجب علينا أن نقف في أمرهم ونكلهم إلى الله عز وجل ونأخذ بما كانوا عليه قبل الاختلاف، يقال له: ما أنكرت أيها الجاهل بمعرفة الحق المتحكم في دين الله بغير دليل على من عارضك بمثل خطاياك؟ فقد وجدت الاختلاف بعد النبي عليه السلام والتنازع في الإمامة والادعاء على الأئمة، وقد بايع أبا بكر الكثير من الناس ودافعوه عن الإمامة، وادعوا عليه دعاوى كثيرة أكثر مما ادعى على الصلت، من ضرب فاطمة بنت رسول الله (ص) [658]، ومنع أهل بيت رسول الله (ص) حقوقاً أوجبها الله لهم، واغتصابه للإمامة وأخذها بغير مشورة ولا اتفاق من الأمة، ولذلك قعد عنه الزبير بن العوام أربعين يوما، وقعد عنه عليّ ستة أشهر، وغيرهما وأنكرها كثير من الناس، ونازعوه فيها، وادعى استحقاقها للأنصار ولسعد بن عبادة حين قالوا: منا أمير ومنكر أمير، وهذا قليل من الدعاوى عليه، ولم نقصد لهذا المعنى فنكثر من ذكره، ولكن أردنا أن نكشف عن جهل من اعتقد ذلك المذهب الفاسد فقال: إن كانت إمامة أبي بكر /400/ (2/400)
صفحة 816
فاسدة لما احتمل من هذه الدعاوى عليه فإمامة عمر بن الخطاب فاسدة لتعلقها بها، والأولى قدم الثاني، وكان عمر ممن تولى لأبي بكر عقدته وآزره عليها وادعى ذلك دينا ولم يتب من ذلك إلى أن مات، وإمامة عثمان أيضاً فاسدة؛ لأنها قامت برأي عمر في الشورى والاختيار، ويحتمل أن تكون إمامة أبي بكر وعمر فاسدتين لما حملناهما من التأويل، وإمامة عثمان صحيحة؛ لأنها عقدت بعد عمر بعد اختيار مستقبل وإلقاء لأمر عمر، فإن كانت صحيحة فإمامة عليّ فاسدة؛ لأنه أحد المتهمين بقتله والخاذلين له، ومن ادعى أنه مالأ وولى على ذلك قاتليه، ومما يدل على ذلك قعود الأخيار من أصحاب رسول الله (ص) عن بيعته وتصويبها له ويحتمل أن تكون إمامته صحيحة؛ لأنها عقدت له بعد عثمان، وإن الدعاوى لم تصح عليه لتولى العقدة له ممن تصح العقدة به، فإن كانت إمامته صحيحة فإمامة معاوية فاسدة، فإن كانت إمامة علي فاسدة فإمامة معاوية صحيحة، فإذا احتمل أمرهم ما ذكرنا بالدعاوى والأخبار التي نقلت عنهم واختلاف الناس في أحكام الحوادث الواقعة فيهم، فيجب الوقوق عن جميعهم وترك التعرض لما يسع جهله من أمرهم والإمساك عن الاستدلال في حكم الحوادث الواقعة (وأن يرجع)، وأما ما ذكرت من قولهم أنهم قالوا: وجدنا المسلمين قد اختلفوا فيما /401/ (2/401)
صفحة 817
جرى بين سلفهم فوجدنا بعضهم يبرأ وبعضهم يتولى، واحتملت عندنا دعاويهم ما تقول كل فرقة منهم، فرأينا أن الواجب علينا التوقف عنهم جميعاً ولا نطلب ما طلبه [659] غيرنا ونكلفه دوننا من التماس المحق منهم من المبطل، قالوا: وهذا سبيله سبيل الإثنين المتعارضتين، تتيح واحدة حكما وتمنع الأخرى منه، ثم لا يعلم الناسخ منهما من المنسوخ، قالوا: أو الواجب ترك الإقدام على أحد الأمرين من غير علم، ويأمر بالتوقيف عنهما وعن العمل بهما إلى أن يصح عندنا البيان، ويعلم الناسخ من المنسوخ فنعمل بعلم وكفى بالقرآن حجة لنا، اعلم أيدك الله أن هذا قول فاسد وجهل عظيم ممن اعتقده ودان به لقلة علمه بأحكام القرآن ووجوب الفرائض الذي احتجوا به عليهم لا لهم، ومن ما يحتج به هذا عليهم؛ لأن علم الناسخ والمنسوخ قد ثبت من جهة النص والتوقيف، فإذا تعارضت الآيتان ومنعت إحداهما ما تتيح الأخرى، فقد علمنا أن إحدى الآيتين ناسخة للأخرى، فالواجب علينا أن نلتمس معرفة الناسخ لنعمل به ومعرفة المنسوخ لنرغب عن حكمه، فهذا الإجماع من الأمة وهو الذي يفرون منه ألا يلتمسوا معرفة ما أشكل عليهم من حكم الواجب، ولو جاز التوقيف عن إنفاذ حكم الله تعالى عن الفرائض التي تعبد عباده بها من أوامره وزواجره لما في القرآن من الناسخ والمنسوخ، وما يخفى على كثير من الأمة، وجهلهم بحكم ذلك، جاز المنازعة إلى طاعة الله عز وجل من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام والحج والولاية والبراءة /402/ (2/402)
صفحة 818
وسائر الفرائض والأحكام التي يشتمل عليها القرآن لجهل الجاهل بحكم ذلك، وهو يجد السبيل إلى من يستعمل ذلك منه من جهته، وكفى بالعلماء حجة فيما أولاهم الله جل ذكره من بيان ما أشكل معرفته وبالله التوفيق، وهذا أيدك الله مذهب أهل الوقف من المرجئة، كان حمويه يناظر عليه وينتظر الإرجاء به، والكل من المخالفين والموافقين ذلك على هذه المقالة، ويخطئون من قال بتأخير البيان، منهم من قال بأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، فلا أدري من وافقهم في هذه المذاهب الشاذة من قول أهل الخلاف، ولو كانوا اعتقدوا مذهبا من مذاهب أهل الخلاف كالاعتزال والروافض ومذهب من المذاهب المعهودة، كان أجمل بهم من أن يتعلقوا من كل مذهب بشعبة هي العيب الكبير والشناعة العظيمة على أهله به، ولكن من عاند الحق وأهله وعدل عن طريقه لا تعسف في ظلمات عقوبة فعله، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًاقَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}، وأما ما ذكرت من قولهم: ولو أن رجلا وافق وليّيه قد اختلفا في مسألة مما يخطئ أحدهما صاحبه فلم يعرف الحق من القوامين منهما، /403/ (2/403)
صفحة 819
أنه يهلك في حال جهله بالحق من قولهم، وفي أول أحوال طرق سمعه الاختلاف منهما، فاعلم أيدك الله أن هذا القول قول أبي الهذيل، وهو أحد شناعاته وأعجوباته التي ينادي الناس بها عليه، وذلك أنه قال في طفل خلقه الله في فلاة من الأرض، ففتح عينيه مع البلوغ فلم يعرف أن الله واحد، إنه هالك ومخلد في نار جهنم أبداً، ومن عجائبهم أنهم أنكروا على من سأل عن حكم الاختلاف جماعةً من أوليائهم، وقالوا هذا متكلف ما ليس عليه، وهم يحكمون عليه بالهلاك في هذا الموضع الذي ذكر عنهم قبل السؤال، فانظر رحمك الله في قلة درايتهم بوجه الصواب، نعوذ بالله من الحيرة في الدين والشك بعد اليقين، ولكن من تعسف في مذاهب السلف ورام التحكم فيها بغير علم كاد أن يحرم التوفيق، وكيف يهلك بفعل غيره، والله تعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، وقوله جل ذكره: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}، وأخبر جل ثناؤه أنه لا يعذب إلا بعد قيام الحجة إما برسوله، وإما برسول وبالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء صلوات الله عليهم /404/ (2/404)
صفحة 820
وكيف يقطع عذره وليس في عقله وجوب ذلك، وإنما طريق هذا طريق السمع، ولم يكن منه هو فعل فيؤخذ منه لا صوبهما ولا صوب أحدهما على غير علم، ولا دخل في العقل معهما على سبيل المعاونة لهما أو لواحد منهما، أو خطأهما أو خطأ أحدهما، نعوذ بالله من قلة الورع فيمن لا يميز بين ما طريقه طريق العقل مما طريقه طريق السمع، وما دليله قائم في العقل، وما يعلم من طريق الخبر، ويلقيه في السؤال بالاستنباط والاستدلال على معرفته من أحد الأدلة السمعية، وأظن قائل هذا قد سقط إليه قول بعض المجبرة الذين يزعمون أن الإنسان يعذب بفعل الله فيه على الحقيقة لا يفعله واستحسنه واعتقده، أو قول بعض أصحاب الحديث الذين قالوا إن الأطفال يعذبون بذنب آبائهم، ولعمري أن هؤلاء مذاهبهم مشورة في آراء أهل القبلة، فإن كان من حكيت عنهم أحد هذه الطبقات فنحن نعتقد فيهم اعتقادنا في [661] أئمتهم ولله الحمد على الهداية، وأما ما ذكرت عنهم أنهم قالوا إن فعل الفقيه حجة على من شاهده، كما أن رؤية النبي (ص) حجة على من شاهده، فهذا أيدك الله /405/ (2/405)
صفحة 821
من البهتان العظيم، وخروج عن قول جميع من صدق بالرسول عليه السلام، وما علمنا أن أحداً قال: إن مشاهدة الرسول حجة دون أن يأتي بمعجزة، والدليل على خطأ أهل هذه المقالة قول الله جل ثناؤه: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}، فأخبر جل ذكره أنه لو أنزل ملكا لجعله في صورة رجل، لا أنه يجعل الملك رجلا من بني آدم بعد أن كان ملكا، ويدل على ذلك قوله عز وجل: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}، يعني والله أعلم أن الإلباس بعد قيام الحجة، والرجل أيضا في نفسه لا حجة إلا في مشاهدته دون معجزة، وأما ما ذكرت من قولهم أنهم قالوا إن أسماء الله وصفاته قديمة معه لم يزل موصوفا بها، فاعلم رحمك الله أن النصارى الله أن النصارى أعطوا الجزية لما ثلثوا ثلاثة قدماً، فقالوا ثلاثة في العدد وواحد في المعنى، وهؤلاء قالوا بألف قديم أو أكثر، فلم لم يعطوا الجزية إن كان لم يتقدم لهم عهد في الإسلام. وإن كان قد تقدم لهم حكم الإسلام لم تقبل الجزية منهم، فكان حكمهم ما قال النبي (ص): «من بدل دينه فاقتلوه»؛ لأن هذا شرك لم يقبل به أحد من أهل القبلة فيما علمنا، نعوذ بالله من سوء الاختيار ومن قول يؤدي إلى عذاب النار /406/ (2/406)
صفحة 822
وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا: إن من شك في الحق من قول غيره، أو أسمعه ولم يقل أنه الحق، أو سمع الاختلاف بين المختلفين ولم يعرف الحق من قولهم ومن المصيب منهم، أنه كافر في أول أحوال جهله قبل الاستدلال والسؤال، وإن كان على الإنسان أن يعرف الحق بنفسه فيما تعبده الله به في جملة ما أقر به من تفسير الجملة التي أقر بها، فهذا أيدك الله أعجب عندي مما مضى من أعجوباتهم؛ لأنهم قطعوا عذر الشك قبل قيام الحجة عليه، والله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، ويقال لهم: أخبرونا عن رجل سمع ثلاثة نفر يقول أحدهم: القرآن كلام الله غير مخلوق، والأخر يقول: [662] الله خلقه وفعله، والثالث يقول لا أعلم أنه مخلوق أو غير مخلوق، ما حال هذا السامع هذا الاختلاف بين الثلاثة وهو لا يعلم حكم ما اختلفوا؟ فإن قالوا لا يهلك فقد وافقوا الحق، وليس هذا من قولهم، وإن قالوا إنه يهلك قبل أن يسأل ويعلم، يقال لهم لم يهلك قبل أن يسمع الاختلاف؛ لأنه جهل الحق كما قلتم أنه جهل الحق عند الاختلاف، وإن قالوا: هلك وعليه أن يسأل، يقال لهم: أفليس من أصلكم السؤال والسؤال إنما يكون لئلا يهلك؛ لأنه يسأل ليعلم فيسلم، فما معنى قولكم يسأل بعد أن هلك بجهله الحكم، وقد قال الله تبارك وتعالى قولا دل على بطلان /407/ (2/407)
صفحة 823
هذه المقالة بقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}، وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}، ويقال لهم أخبرونا يبين للمؤمنين أو للجاحدين؟ فإن قالوا للمؤمنين فقد تركوا قولهم ورجعوا إلى القبول بالحق؛ لأن الله جل ذكره أخبرنا أنه لا يضلهم بعد إذ هداهم حتى يبين لهم والذين هداهم المؤمنون، فإن قالوا: الآية نزلت في غير المؤمنين أو الجاحدين، خرجوا من لسان الأمة وحسبهم بذلك حجة عليهم، وإذا كان السامع للاختلاف هالكا بجهله للحق قبل الاستدلال والسؤال في حال ما يسمع، فيجب أم يكون هالكا بجهله للحق قبل أن يسمع على قولهم، وإلا فما الفرق؟ وأظنهم ذهبوا إلى شيء فلم يحسنوه ولم يعرفوا معناه، وركبوا بخواطرهم الفاسدة هذا المركب الصعب الذي رمى بهم إلى أعظم المهالك؛ لأنهم سمعوا أن الحق لا يسع جهله، ففسره هؤلاء بهذه الحلوم الضعيفة، وذلك أن ما كان الحق فيه واحدا فهو على ضربين، فضرب من طريق السمع، وضرب طريقه طريق العقل، فما كان طريقه طريق السمع فغير لازم فرضه ولا هالك من لم يعلمه إلا بعد الحجة به، وهو الخبر المنقول، فإذا طرق السمع بصحته لزمه فرضه إن كان مفسراً في نفس اللفظ المنقول، وإن كان مجملا فإلى أن يسأل العلماء عن تفسير ما خوطب به. /408/ (2/408)
صفحة 824
وما كان طريقه طريق العقل فينقسم قسمين، أحدهما دليله قائم في العقل، مثل أن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وإنه عالم وقادر ونحو ذلك، فعليه عند ذكر ذلك وسمعه إياه أن يعتقده ويعلمه ولا [663] يجهله فهو هالك عند خطوره بباله وقبل الاختلاف وبعده، فهذا ونحوه لا يسع جهله ولا عذر للشاك فيه لقيام دليله ولزوم حجته، والقسم الثاني هو ما كان الاختلاف بين الناس فيه مثل عالم بعلم وقادر بقدرة، أو عالم بنفسه وقادر بنفسه، فحجة هذا تلزم بعد الاستدلال والسؤال، وعلى الشاك فيه أن لا يعتقد قولا من اعتقاد المختلفين بغير دليل أن يتمسك بالجملة، وهي أن الله واحد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وأما ما ذكرت من قولهم أنهم قالوا: لو كان من سمع الحق فلم يعلم أنه حق أنه يكون معذوراً، لكان من شاهد النبي (ص) فلم يعلم أنه رسول الله يكون معذوراً، يقال لهم: هذا أيضاً من عجائبكم ولو كانت المشاهد للنبي (ص) هي الحجة دون المعجزة لكانت الأنصار قد هلكوا بقولهم وكفروا لما قدم إليهم رسول الله (ص)، وأبو بكر معه حين هاجر إلى المدينة، فكان الناس يصلون إليه ويجلسون عنده وأبو بكر عنده لا يعرفونه من أبي بكر، وقد كانوا مسلمين قبل ذلك مصدقين له (ص) إلى أن كثر الناس وارتفعت الشمس وهم لا يعرفون النبي (ص) من أبي بكر حتى قام أبو بكر رحمه الله فستر على النبي (ص) بثوبه من الشمس، فعلمت الأنصار /409/ (2/409)
صفحة 825
والمسلمون أن المعظم منهما هو رسول الله (ص)، فلو كانت رؤية النبي عليه السلام هي الحجة فقط كان الأنصار وجميع المسلمين من أهل المدينة قد كفروا على قولهم وما قال بهذا ملّى والحمد لله، ولم يقل أحد فيما علمنا من أهل المذاهب أن دعوة النبي عليه السلام بنفسها كانت هي الجحة دون المعجزة، وأنه لما دعاهم وأظهر المعجزة لزمهم قبول ما دعاهم إليه، فلو كانت الدعوة بنفسها في المشاهدة من غير أن يعضدها بدليل من معجزة أو ما تقوم مقامها لكان من سمع النبي (ص) يدعو قبل المعجزة فلم يعرف الحق، أنه يكون كافراً على قول هؤلاء ولا أعلم هذا من قول أهل الصلاة، فإن قالوا: إن من أقر بالجملة لم يسعه جهل ما أقر به من تفسير جملته يقال لهم، ما يركب أو بعد أن يركب؟ فإن قالوا: بعد أن يركب، [664] فقد قالوا بالحق وتركوا قولهم، وإن قالوا قبل أن يركب، خرجوا من لسان الأمة وتحكمت الخصوم عليهم، وقيل لهم: ما تقولون في قول الله تبارك وتعالى: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}، أليس قد أخبر جل ثناؤه بأن جهنم لا يصلاها إلا من تولى عن الحق وكذب به، ولا يكون كذلك إلا بعد قيام الحجة عليه بذلك /410/ (2/410)
صفحة 826
ويقال لهم: أخبرونا، أيكون بالحق الذي هو عند الله؟ أو بالحق الذي هو عنده؟ فإن قالوا: بالحق الذي هو من عند الله فلا بد من بيان، وأن يقيم الحجة عليه بقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ}، وأن بالحق الذي هو عنده فهو قاصد إلى فعله له، مواقع له، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا: من جهل الحق الذي عندنا فهو كافر، فقيل لهم: فإذا أسلم الإنسان وأقر بالجملة ثم مات قبل أن يلقاكم فيعرف الحق الذي معكم كان هالكا، إذ قد جهل الحق الذي عندكم، فإن قالوا: لا يكفر؛ لأنه لم يسمع الحق فتلزمه الحجة، قيل: قد سمع كلام النبي (ص) فلم تلزم حجته بغير معجزة، يقال لهم: فلم قلتم أن من سمع كلاماً بين مختلفين لم يعرف حكمه أنه هالك، وما حجتكم على من احتج عليكم فقال أليس من أقر بالجملة، فقد ثبت له إسم الإسلام بإجماع، فإن قلتم: نعم ولا بد لكم من. قيل لكم: فلا يزيل الإجماع إلا إجماع، فلم نقلتم هذا الإسم بغير فعل كان منه، ولم يعتقد عند سماعه عند قول المخالفين قولا ومذهبا ولا كان منه فعل وهل يهلك الإنسان بفعل غيره، نسأل الله الهداية لما يقرب إليه /411/ (2/411)
صفحة 827
ومن خطا هذه الفرقة التي قد شذت عن الإجماع وخرجت منه، بقولها أن الإنسان يكفر إذا لم يعلم الحق، ولا يرجعون في قولهم هذا إلى تفصيل أن عمر بن الخطاب سأل النبي (ص) عن القدر فقال: أرأيت يارسول الله ما نعمل فيه أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ؟ فقال: فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب فكل ميسر لما خلق له، فقد جهل عمر أمر الندر، وقد خطر بباله ولم يبرأ منه (ص) ولم يخطئه قبل السؤال، وإنما سأل ليعلم الحق فيتبعه ويقول به ويعتقده، وإن قالوا إن من جهل شيئا من أمر الدين أو شيئا من فروع التوحيد فقد كفر؟ قيل لهم: فما تقولون في عمر بن الخطاب وقد جهل القدر وهو من أحكام التوحيد؟
وقال محمد بن محبوب [665]: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله ولا أقول مخلوق ولا غير مخلوق والقرآن من أحكام التوحيد وفروعه، ولم أعلم أن أحداً من أهل هذه الدعوة كفره وشهد عليه بالهلاك عند وقوعه وشكّه في هذا المكان العظيم، فلا أدري ما دعاهم إلى هذا التأويل الفاسد والاعتقاد الذي لا يوافقهم عليه أحد، وقد قال بعض أهل العلم، المتأول المعتقد يفسق بسوء تأويله، والمقر المرتكب المعاند الجاحد يكفر كفر شرك، فنعوذ بالله في الوقوع في أحد هذين الوجهين /4/ (2/412)
صفحة 828
وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالوا إن الإنسان يهلك بالفعل من حيث لا يعلم؛ لأنه منهى عن أشياء يعلمها ولا يعلمها فهو مرتكب للنهي وإن لم يعلم، واحتجوا بقول الله تعالى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، يقال لهم، هذا عليكم لا لكم، إن الإنسان يهلك بغيره وبما لم يعلمه ولم يعتقد فيه تصويبا ولا تخطئه والمرتكب للنهي بحهله يكون هالكاـ، وإن لم يعلم الحكم أن الفعل المنهي عنه في الجملة قد حصل عنه في ركوبه إياه وإن كان جاهلا لحكمه وهذا غير ما أنكرناه عليهم وأيضا، فليس كل راكب لما نهى عنه في الجملة يكون هالكا، ألا ترى أن من أصحاب النبي (ص)، ولم يعلم أنه حول عن القبلة ونهى عنها في الجملة ولم يصل إليه الخبر أنه لا يكون عاصيا، وكذلك من لم يعلم تحريم الخمر وقد نهى عنه في الجملة وأنه غير عارف (1) بركوبه إياها في إتفاق الأمة على أن من لم يعلم بالخبر ولم يصل إليه النهي أنه هالك، وأما ما ذكرت من قولهم إنهم قالو: ليس لأحد أن يتأول كتابا ولا سنّة، ولو جاز أن يسوغ التأويل عندما يحذر الزلل على صاحبه منه لكان من أداه تأويله إلى القول بأن المسيح ابن الله سالم /413/
__________
(1) كتب في المخطوطة: غير عارض. (2/413)
صفحة 829
يقال لهم: لو فكرتم في سوء تأويلكم على أهل العلم لبكيتم على أنفسكم وعلمتم عظيم جهلكم، وإلى الله نرغب في توفيقه، يقال لهم: إن التأويل إنما يتأول كتابا أو سنّة ولا يفزع إلى الكتاب والسنة، فيتأولها أو أحدهما، وإلا وقد تقدم إيضاحنا للمؤمن بالكتاب والموجب لحكمه وحكم السنة عالم بأن له خالقا يعبده، بقبول الكتاب والسنة، والمتأول هذه صفته [666] فإذا كانت هذه صفة المتأول استحال أن يقول من هذه صفته المسيح ابن الله؛ لأن من قال هذا لم يقر بالله، ولم يعرف ربه، والمتأول عالم بأن الله لا يشبهه شيء ولا نظير له ولا صاحبة ولا ولد، فغير جائز من هذه صفته أن يقول إن المسيح ابن الله إلا أن يكون حاكيا عن غيره أو مغلوبا على عقله أو تاركا لدينه راغبا عنه بعد معرفته، فأين يذهب هؤلاء القوم؟ وأما ما ذكرت من قولهم أن رؤية العالم حجة على الإنسان كما كانت رؤية النبي (ص) حجة على من شاهده، فهذا أيدك الله قول اتخذوه عن ضلال من الخوارج، زعموا أن على جميع الناس التصديق بالنبي (ص)، وبما جاء به ساعة أرسله الله في المشرق مع طلوع الشمس للزم فرضه أهل المغرب مع طلوع الشمس /414/ (2/414)
صفحة 830
وأما ما ذكرت من قولهم أن الاختلاف الواقع في الدين بين أهل الدعوة لا يغير حالهم عن العدالة التي كانوا عليها قهل الاختلاف، فعلينا أن نقتدى بهم ولا نبحث عما اختلفوا فيه، فهذا أيدك الله في الفحش كقول بعض إخوانهم من أهل العراق الذين رووا عن النبي (ص) أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقالت هذه الطائفة تتولى الجميع مع الاختلاف الواقع بينهم، كما قالت هذه الفرقة المارقة، إنا لا ننظر إلى الاختلاف الواقع بل أهل هذه الدعوة ونتولى جميعهم، وأما ما ذكرت عن متعبديهم واختلاف أقاويلهم وأنهم قالوا: ليس علينا أن نسأل وإنما علينا أن نعمل، وليس علينا أن نبحث عما اختلفوا فيه، وإن منهم من قال إذا أردت أن تعرف فتصفح أقاويل الفقهاء في الفتيا، ثم بأثقلها على قلبك، فإن الحق ثقيل، ذهبوا إلى الخبر أن الحق ثقيل مرئ والباطل خفيف وبئ، وقالت طائفة من عبادهم: تصفح أقاويل شيوخ المسلمين فانظر إلى أحسنها في عقلك وأحلامها في صدرك وأخفها على قلبك فاجعله مذهبك وقلده أمرك، فإن الذي أوقعه في نفسك وصوره في فكرك الله الذي تولاه فيك وجعله عندك ولم يكن ذلك بفكرك ونظرك، وقالوا: فالذي تحسنه العقول بلا [667] كلفة هو الذي ارتضاه الله /415/ (2/415)
صفحة 831
للعاقل، وكل شيء توجبه الفكرة فإنما هو الخالق دون الخلق، والخالق لا يجوز عليه الخطأ وإنما هو يجوز ذلك على المخلوق، وقال آخرون: لك أن تقيس وتنظر وتختار إلا مع أنفس ذكروهم لهم، وينظر مع جميع من خالفهم؛ لأن الذين ذكروهم قدوة لهم في دينهم ولا يخطئ أحد منهم عندهم، واحتجوا بما روى النبي عليه السلام أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقالوا: فسوى بينهم في الإرشاد، وكذلك إنما أئمتنا هؤلاء، فإنهم لنا قدوة عند التنازع مقنع، وليس لنا أن نميز بين أقاويلهم، ولا نفضل بعضهم على بعض، ومن أتى غير هذا فقد سخط ما رضي له الحق، وخاف في موضع الأمن وتكلف في موضع الكفاية، قالوا ومن تعقب أفعالهم فقد جعل نفسه من أكفائهم، ومثل هذه الأقاويل الفاسدة التي استحسنوها شنع أهل العراق بها على عبد الله بن الحسن قاضي البصرة، زعم أن ليس على الإنسان إلا ما أداه إليه عقله وأوجبه نظره، قائم صوابه في مبلغ رأيه ومنتهى رأيه نطيبه، قال: وقد وجدنا أصحاب النبي (ص) عرباً فصحاء، ثم رأيناهم قد اختلفوا في الكتاب والسنّة، علمنا أن اختلافهم على قدر احتمال الوجود، وقال: هذا يدل على أن الله قد شاء الاختلاف في ذلك، إذ جعل القول فرضاً يحتمل الوجوه وعلم أن ذلك أصلح، كما خالف بين ألوانهم ولغاتهم وشهواتهم، وإخلاصهم وأوطانهم وشرائعهم وسنن أنبيائهم؟ قال: والقرآن يدل على قول القدرى وبعضه يدل على قول الجبرى، وجميع الفرقتين قد أصابا؟ قال: وربما كانت الآية الواحدة من القرآن تدل على /416/ (2/416)
صفحة 832
وجهين مختلفين تحتمل معنيين متضادين، كنحو من حكيت عنه أنه إنما قالوا: يحتمل كذا ويجب ويحتمل كذا، وكهم أهل عدل وصواب، فتارة يقولون ليس علينا سؤال، ولا نقبل خبر من يخبرنا بحكم الاختلاف، قالوا: ولم يبق من يثق بقوله حتى يكون في الحجة مثل: موسى بن علي ومحمد بن محبوب، وتارة يحتجون بقول أبي إبراهيم، ويقولون [668] أخبرنا أبو إبراهيم وحفظنا عن محمد بن روح، وتارة يقولون الحق هذا في اختلاف المختلفين، ومرة يقولون الحق ما نعتقده دون ما يعتقده مخالفونا، وهذا يدل منهم على أن الحق في يد واحد وفي اختلاف، فليت شعري من ألقى بهم هذه الأقاويل، ومن وافقهم فيها، والله نسأل العصمة والتوفيق من الزلل فيما يحبه من القول والعمل، وأما ما ذكرت من قولهم أنهم قالوا: ليس علينا مطالبة الناس معرفة القول منهم وإن الناس لم يتعبدوا إلا بالعمل دون القول، فهذا - أيدك الله- غلط كثير ممن قال به، وقد تعبد الله تبارك وتعالى بالقول كما تعبد بالعمل، وقد أمر أن يصلي على النبي (ص)، وأن ندعو للمؤمنين والمؤمنات، والمؤمنون غير محتاجين إلى (دعاء)، وأمر بلعن اليهود والنصارى والمجوس، وأن نقول رب احكم بالحق، وإنما هذا (قول علينا) /417/ (2/417)
صفحة 833
لأنه لا يحكم إلا بالحق حتى نقول نحن ذلك ولا نلعن اليهود حتى (نسأله تعالى) أنه لا نصلي على نبيّ جحدته أمته وتركت الصلاة عليه، وقد قال لنبيّه (ص)، استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغفر الله للمؤمنين، وقالت الملائكة فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك، (والتائب مغفور له وإن لم نقل ذلك لأن الله شاهد وعارف عباده)، أليس هذا بأعجب من ادعائهم أنهم ألهموا العلم وإن في الناس من يلهم ما تعهد به فلا يحتاج إلى سؤال عنه، فليت شعري من أين أخذوا هذا وإبليس لا يلقونه وجهاً وإنما يوحى إلى شياطينه عنه إلى أوليائه، فزخرف القول زخرفاً وغروراً، ونحو هذا لا يعتقد دينا؛ لأنا لم نجد أحداً من أهل العلم ولا ممن ينسب إليه العلم موافقا ولا مخالفا، ادعى ذلك لنفسه، ولا ادعاه لغيره، ولا رأي الفقهاء متبعا، لكان المدعى الإلهام أعذر والرامي مختلف، ولم يدع أحد أني (أفقه) العوام بإلهام، ولو جاز أن يكون الإلهام مما تعبد الله العباد به وجاز على الله (تعالى أن)، يكون جميع أقاويل الفقهاء واختلافهم إلهاما كله ولجاز /418/ (2/418)
صفحة 834
أن يكون جميع (اختلاف المتكلمين) والفقهاء [669] وأقاويلهم إلهاما كله، وفي القول بالإلهام أوجه من الخطأ، أما واحد فسؤالنا على جميع السّلف إذا كانوا ملهمين وهم يظهرون أنهم يتقايسون، وثانية أن المستفتى لا يعرف الملهم من غير الملهم، والله لا يلهم أحد المتخلفين أن هذا عبد والآخر حرّ، وثالثة أن المدّعي الإلهام ومن لا يدّعيه يستوون في الحجة بقول أحدهما: حجتي صحّة ما أدّعيه أنى ألهمتها ويقول الآخر مثل ذلك، ومن الدليل على التعبد والفتيا من غير الإلهام، قال الله تبارك وتعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، فجعل جلّ ذكره سبب استبانة الحق خلاف الإلهام، والعبادة القائمة والتجربة الصحيحة، فلما لم نعرف شيئاً قط إلا من بعد الفتيا أو خبر أو قياس، ونظر جميع المعلومات إلا من هذه الوجوه، ولو جاز أن يقلب الله العباد. النتجربة، فيجعلنا مضطرين فندرك علم الحواس بالقياس /419/ (2/419)
صفحة 835
بالحواس، وهذا خلاف المعقول، فلو جاز أن يكون العلم إلهاماً لارتفع عند الاعتبار والنظر والتفكير، ولما رأيت الناس يتقايسون ويتناظرون. تم كتاب الموازنة عن الشيخ المؤيد أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله، والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على صفوته من خلقه محمد النبي وآله الطاهرين وسلّم عليه وعليهم أجمعين، وهذا نقل التاريخ الذي وجدناه بخط الناسخ عشية الثلاثاء سابع من شهر جمادى الأولى سن تسع وألف سنة من الهجرة (1009هـ) النبوية المحمدية وعلى مهاجرها عليه أفضل الصلاة والسلام. /420/ (2/420)
صفحة 836
[الصفحات من 321 إلى 512 لم ترقن] (2/421)