صفحة 1
الكتاب: الضياء لسلمة العوتبي ج2 6 8 10
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الزكاة:
الزكاة: مأخوذة من الزكاء، وهي: النماء والزيادة، وسُمّيت بذلك لأنها تنمّي المال، ومنه يقال زكا الزرع، وزكت البقعة إذا بورك فيها، ومنه قوله تعالى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} (1) وزكيّة: أي نامية وزائدة، ومنه تزكية القاضي للشهود؛ لأنه رفعهم بالتعديل والذكر الجميل، ويقال: فلان أزكى من فلان، أي أطهر، ثُمَّ قيل: زكاة الفطر، والفطرة: الخلقة في هذا الموضع، ومنه قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (2) أي: الخلقة والجبلة التي جبل الناس عليها.
مسألة:
والزكاة على وجوه: منها زكاة حول في عين وورق وماشية، فتلك يراعى فيها مقدار الملك وصفة المالك. فأمَّا المقدار: فالنصاب والحول، وأما الصفة: فالإسلام ولزوم الخطاب، وأمَّا زكاة حرث وتجب في الملك ولا يراعى بها وقت ولا مالك.
مسألة: [في خصال فرض الزكاة]
فرض الزكاة ثلاث خصال: استكمال النصاب، واستقرار الملك، واستكمال الحول.
والحجة في استكمال النصاب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍٍ صَدَقَة والأوقيةُ أربعون درهَمًا، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (يَعنِي: خَمسة أبعرة)، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (3).
__________
(1) سورة الكهف: 74.
(2) سورة الروم: 30.
(3) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظه، كتاب الزكاة والصدقة، بَاب (55) فِي النصَاب، ر332. ورواه الشيخان وغيرهما بألفاظ مختلفة. (6/1)
صفحة 2
والحجَّة في استكمال الحول: قوله - عليه السلام - لِمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «انْتَظِرْ بِأَرْبَابِ الأَمْوَالِ حَوْلاً ثُمَّ خُذْ مِنْهُمْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ» (1).
مسألة:
ولم نجد في كتاب الله ولا سنَّة رسوله - عليه السلام - ما يبين أن للزكاة وقتا مؤقتا كالصلاة، فمن لزمته الزكاة إلى وقت لم يهلك بتأخيرها ما لم يمت، فإذا مات فلم يؤدها أو يوصي بها هلك بذلك.
والذي يستحبه الفقهاء لكل من لزمته الزكاة في ماله أو زرعه ألا يؤخرها وعليه أن يؤديها من حينها، فإن ذلك أسلم له في ميعاده.
__________
(1) ذكره ابن بركة في جامعه بهذا اللفظ، */ وانظر المسألة كلها فيه. ولم نجده من ذكره بهذا اللفظ في كتب الحديث. (6/2)
صفحة 3
وإذا أخرها فاستفاد منها فعليه فيما استفاد من ذهب أو فضة بعد دخول وقتها زكاة ما استفاد إذا مضى الحول، ومن حان وجوب فرض الزكاة عليه فلم يؤدها حتى مات فإنه هالك وعاص لله إن قامت عليه الحجة في حياته بمعرفة وجوب الزكاة، وإن أخرها جهلاً أو نسياناً وجبت عليه في ماله، ويلتزم بها الورثة ما دام قد أقر بلزوم فرضها. ومن ضيّع الزكاة حتى هلك وأوصى بها، كانت مع وصاياه في ثلث ماله وهو على ولايته. وقال أبو عبد الله: من منع المسلمين زكاة ماله فإنه لا يكون مشركاً لكنه كافر نعمة وإنما يكون مشركاً كافراً مرتداً إذا أنكر ما نص عليه القرآن بالزكاة وأنكر فرضها عليه، وامتنع عن دفعها، فهذا يحارب ويقاتل حتى يعطي الزكاة أو يقتل فيموت كافراً، وحكمه حكم المشركين المرتدين كما بين الله عنه، وإن قهره الحق وتاب أخذت منه الزكاة وصرفت في حقها، ومن نظر إلى الزكاة على أنها جور ولا يراها للمسلمين وإنما يعطيها للمشركين إعانة لهم، فهذا يؤخذ بالحجة والأدلة حتى يقبل دفعها صاغرا، ويحبس حتى يدفعها للمسلمين، ومن قال: إن الزكاة ليست كما تصفون، وإنما في كل خمسمائة درهم درهما وعن مائة من الإبل فريضة فهو كافر نعمة، وزكاة المال تطهيره والفعل منه تزكّى منه تزكية، والزكاة مأخوذة من زكا، ورجال أتقياء أي أنهم أزكياء، وكل شيء يزداد وينمّى فهو يزكو.
الباب الأول: في معرفة إخراج الزكاة وتقديمها (6/3)
صفحة 4
الرجل بالمعروف السائل والمار والمعترض من زرعه ما يقوت به نفسه وعياله حين الجمع في البيدر فإذا جمع في البيدر لم يخرج منه شيء إلا بحسابه في الزكاة. قال أبو المؤثر: واختلف المفسرون في حقه يوم حصاده. قال بعضهم: الزكاة المفروضة، وقال بعضهم: بل هو حق غير الزكاة يعطون عند صرام النخل والزبيب والزرع شيئاً مرصوداً ليس يسمّى بكيل ولا وزن، وقد كان محمد بن محبوب يرى ذلك إلا أنه لم يكن يراه في مال اليتيم ولا غائب ولا تسرفوا، وأصل السرف الخطأ ثم جعل وضع الشيء في غير موضعه والزيادة على البيدر إسرافا، وعن إياس بن معاوية قال: ما قصرت عن حق الله فهو إسراف، وقال سفيان مثله وزاد وما جاوزت حق الله فهو إسراف، ويؤيد هذا قوله تعالى: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} (1) روي أن أعرابيا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم شيئاً من الصدقة يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت عليّ هذا اليوم، فقال ويلك يا أعرابي فمن ذا يعدل عليك بعدي» (2) ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه، إنما أنا رجل خزن أضع حيث أمرت» (3) وقال الشيخ بشير في المعروف: إنه من الضبط إلى الضبطين في حراز البر، وقال الشيخ بشير: ليس في مال اليتامى معروف.
مسألة:
ومن أخرج زكاة ماله فقسمها على فقراء جيرانه أو فقراء قرابته وهو يعلم أنه إن دفعها إلى الإمام قسمها في الفقراء فلا يجوز له ذلك، ومن رأى بالفقراء حاجة فلا بأس إن أخرج زكاته قبل وقته بشهر أو شهرين وكذلك فطرة رمضان، وقال أبو عثمان لأصحابه في طريق مكة حين قالوا: هذا شهر زكاتنا ميّزوا زكاتكم، قال: إنما أراد بذلك ألا تكون عليهم فيما دخلهم بعد تمييزها شيء.
مسألة:
__________
(1) سورة التوبة: 58.
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/4)
صفحة 5
ومن كان يعطي زكاته في شهر معروف وكان يعطي عن مائتي درهم ثم مات وخلف زكاة ولم يخرجها فأصيب له ألف درهم ففيها الزكاة إذا لم يكن أخرج زكاته فإن أخرج زكاته ثم مات فأصيب له مال غير ما كان يزكي فليس على وارثه زكاة، ولو علم أنه لم يكن يزكي وإثم ذلك عليه، وقيل: إن امرأة وجبت عليها زكاة حليّ فقيل لها: إنك لم تكوني تزكي حليك وعليك الزكاة، فقالت: بئس ما صنعتم حيث لم تعلموني أن ذلك عليّ فقيل: إن عليها زكاة ما مضى، والعبد إذا كان له مال زكاه وإن كره مولاه.
مسألة:
ومن مات وعليه زكاة سنين فلم يوص بها فليخرجها الوصي إن قدر على ذلك وهي من الثلث وإن كره الورثة إخراجها عنه فذلك لهم، وقال عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه: إذا أدى الرجل زكاة ماله ومضى عليه الوقت وعليه بقية من الزكاة فكل شيء يجد من الربح أو هبة أو زيادة على ما قوّم المتاع فليؤد عن ذلك الزكاة، وكذلك كان يفعل أبو منصور، ومن فرق الصدقة على الفقراء ولم يفرق ويسمّي لفلان كذا فمات قبل أن يوصلها إليه فأحب إلينا إذا قسمت وسمى له بشيء أن يدفع إلى ورثته أينما كانوا، وقال سليمان بن عثمان ومحبوب: إن الصدقة معروف أهلها، أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في المال بعد دخول الحول وأن من أدى ذلك بعد وجوبها عليه فقد أجزأت عنه، واختلفوا فيمن أخرج ذلك قبل وجوبها عليه وقبل الحول فرأى ذلك بعضهم ولم يره آخرون ورأوا عليه إخراجها ثانية كمن صلى قبل الوقت فعليه الإعادة، ومن أدى من قومنا زكاته إلى قومه ثم عرف من الإسلام أنه واجب عليه أن يؤدي ما فاته من السنين الماضية التي أخرجها في قومه لأنها حق للمسلمين من الشهر الذي فيه عام الأول وقد مضى ما ضيع في مخالفته وعليه إخراجها وإعطاؤها للمسلمين. (6/5)
صفحة 6
فصل: وقال أبو بكر: لا فرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من منع الصدقة كما أقاتل من كفر بالله، فقال له عمر: وكيف تقاتل الناس وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حقنوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فقال أبو بكر: فمن حقها إعطاء الزكاة، والله لو منعوني عقالا -يعني الصدقة- مما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذه منهم لقاتلتهم، وقال بعضهم: لو منعوني بعيرا لقاتلهم ولئن امتنعت عليّ أنت يا عمر وأصحاب لأشخصن بأهل بيتي، ولئن أبوا عليّ لأخرجن بنفسي حتى يحكم الله بيني وبينهم، وقال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رسولا إلى رجل من أشجع ليأخذ الصدقة منه فلم يعطه فأخبر النبي - عليه السلام - فقال له: ارجع إليه فإن منعك الصدقة فقاتله، فلما اعتزم أبو بكر على قتالهم اجتمعوا جميعا معه فأخذ أبو بكر نفرا منهم تمسكاً بالحديث فإن أبى فاقتله، وكان عمر بن الخطاب يقول لما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه على الحق فشرح الله إليه صدري كما شرح إليه صدر أبي بكر، وقال ابن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاما كدنا أن نهلك فيه فلولا أن منّ الله علينا بأبي بكر رحمة الله عليه فقد اجتمع رأينا على أن لا نقاتل عليّ بن مخاض وابن لبون وأن نأكل قرني عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، وعزم الله لأبي بكر على قتالهم فلما شرح الله صدره لقتالهم شرح صدورنا لما شرح له صدر أبي بكر على قتالهم فلما شرح الله صدره لقتالهم شرح صدورنا لما شرح له صدر أبي بكر على قتالهم فلما شرح الله صدره لقتالهم شرح صدورنا لما شرح له صدر أبي بكر فو الله ما رضي منهم إلا بالخطة المجربة أو الحرب المجلية فالخطة المجربة إن أقروا أن من قتل منهم ففي النار وما أخذ من أموالنا فمردود علينا، والحرب المجلية أن يخرجوا من ديارهم. (6/6)
صفحة 7
وقال أبو بكر في الردة: لو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي، وقال عائشة: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو نزل بالجبال الرواسي ما نزل بأبي بكر لامتحاها واشرأب النفاق بالحديبية وارتد العرب، فو الله ما اختلفوا في لفظه إلاّ طار أبي بفضلها وشرفها وعظم غنائها في الإسلام ثم ولي أبي عمر فكان والله أخوذيا، ويقال أخوزيا بالزاء وهو الحافظ لأمره، ولما ارتدت العرب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتمعت الكفار فقالوا: هذا الرجل الذي كانوا بنعم منه ينصرونه في الإسلام يعنون محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد مات. قال عمر لأبي بكر أقبل منهم الصلاة ودع لهم الزكاة فقال أبو بكر: لو منعوني عقالا أو عناقا مما كانوا يؤدونه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم وحدي عليه، ولو اجتمعوا على عدد الحجر والمدر والشوك والشجر والجن والبشر، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (1) فكانت هذه الآية فضلها لأبي بكر - رضي الله عنه - .
__________
(1) سورة المائدة: 54. (6/7)
صفحة 8
فصل: تأول مانعوا الزكاة أبا بكر تأويلين أحدهما أن قالوا إن الله قال لنبيه - عليه السلام - : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) لم يجز ذلك لغيره، والثاني أن قالوا إن الله قال لنبيه - عليه السلام - : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} (2) أي دعواتك، قالوا: ونحن فلا نسكن إلى دعوات غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد اجتمعت الصحابة على تغليطهم وتخطئتهم ووجوب فرقتهم، وقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (3) يقول من الذهب ومما أخرجنا لكم من الأرض من الثمار والحرث ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، يقول: إن لله في أموالكم حقا فإذا بلغ حق الله في أموالكم فأعطوه من الطيّب منه ولا تعمدوا إلى الردئ منه تنفقون فإنه لو كان لبعضهم على بعض حق فأعطاه دون حقه لم يأخذه منه إلاّ أن يرى أنه قد يخافض له عن بعض حقه وكذلك الله ألا يتفضل عليكم ألا تكملوا الأجر ألا يتغمدكم بفضل رحمته، وكان يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى في الناس أن أجمعوا صدقاتكم فجاء رجل بقنو بعدما رق أهل المسجد فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبصره، والقنو العذق من التمر وقد كان حشفا عامته فوضعه على الصدقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جاء بهذا قالوا لا ندري يا رسول الله فأمر به فعلق على باب المسجد فجعل كل من رآه من الناس يقول: بئس ما صنع صاحب هذا العذق فنزلت الآية فيه.
__________
(1) سورة التوبة: 103.
(2) سورة التوبة: 103.
(3) سورة البقرة: 267. (6/8)
صفحة 9
قال أبو عبد الله: ترك السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب في الصدقة من أخذها رديئة وأسلم، ومن زرع بدين أرضه فتكاثرت الديون عليها فإنه يخرجها وإن أحاط دينه بالثمرة وكذلك الإبل والماشية فإن عليه الزكاة وإن أحاط دينه بذلك فعليه إخراجها، وأما الذهب والورق فإن وجد أن كل ما على الرجل بدين يحيط بماله فلا زكاة عليه فيه فإن كان له مال كثير يفيض عن حق الزكاة فإنه لا يزكي الذي عليه ولكن يزكي الفضل لأنه مطالب بحق الله فيما وجب عليه. (6/9)
صفحة 10
ومن عمل في بلد الغربة فجمع دراهم كثيرة من هذا البلد الآخر فحال على هذه الدراهم حول فزكاتها في البلد الذي جمع فيه الدراهم إلاّ أن يكون وقت زكاته حل قبل أن يحيل هذه الدراهم فعليه أن يحسب زكاتها على ماله في بلده ويخرج زكاتها في بلده قبل أن ينتقل إلى أرض الغربة وليس فيها من أوليائه أحد ولا يجد من يبعث بحق الصدقة إلى أوليائه فإن قال قائل: سألت الربيع عن أهل الصدقة من أحق الناس بصدقاتهم قال: إن لم يجدوا أحداً من أهل القبلة فذي القرابة، والمسلمون يحبون أن تكون لزكاتهم شهر معروف يزكون فيه لا يقدر ولا يؤخر ويستحبون شهر رمضان أو رجب أو شعبان تقسم الصدقة بحضرة من يأخذها وجدت عن بعض قومنا قال: إن الزكاة إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال الحول ووجبت فيه الزكاة ويجب إخراجها وعن بعضهم أنها تجب بآخر الشهر الثاني عشر وفي الأوائل من مطلعه فأما من بقي عليه من زكاته شيء لم يؤده ثم استفاد مالا فإنه يحسب في الفائدة وتحل الزكاة من الشهر الذي يستفيد فيه المال إذا مرّ الحول أول ذلك الشهر وهذا موافق القول الأول من قومنا، والله أعلم، ومن غير كتاب الضياء: وقال أبو عبد الله في رجل أخرج زكاته في موعدها فدفعها إلى المصدق فرد عليه منها درهما رديئا صفرا وقد دخل عليه مال ورثة من غير ذلك من قبل أن يبدل المصدق ذلك الدراهم أنه لا يحمل عليه ذلك المال وقد انقضى حين حال الحول قال: وكذلك لو كانت تلك الدراهم التي دفعها كلها رديئة ولو مضت الزكاة قال إلا أن يكون دفع هذه الدراهم الرديئة إلى المصدق عن زكاته وهو يعلم أنها رديئة، قال: هذه لا تقطع عنه وقت زكاته وما دخل عليه من مال فهو محمول على ماله وتحسب الفائدة إذا حمل ولم يقبض حسب رأس المال ويتحرى دفع الزكاة ما نصّ عليه القرآن لكل حقه مثل ابن السبيل فلا يقصر في حقه ولا يحبس لهم وإن كانت الزكاة قليلة لأبناء السبيل فإذا قدم يوضح له ما قدر عليه.
مسألة: (6/10)
صفحة 11
وإذا كانت الزكاة من زبيب وتمر لم يجز حملها من بلد إلى بلد إلا أن تكون الذي تحمل إليه محتاجا إلى الطعام وإلا فلا وإن كان من أرحامه، وإن كانت الزكاة دراهم أو دنانير وهو غائب عن بلده فإذا أراد أن يفرقها حيث هو جاز له ذلك إن شاء الله، وقد اختلف الناس في ذلك فأجازه قوم وكرهه قوم إلا لذي قرابة، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه ردّ زكاة أتى بها من خراسان إلى الشام فردها إلى خراسان، فقال الشافعي لا يجوز ذلك مع القدرة على تفريقها في بلد المال فإن فعل وجب عليه إخراج الصدقة ثانياً في أصح قوليه، واحتج بما روي عن النبي - عليه السلام - قوله لمعاذ: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُم أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (1) ، فأخبر أن صدقة أهل اليمن مردودة على فقرائهم فهذا ينفي جواز دفع صدقاتهم إلى فقراء غير أهل اليمن لأن الخطاب متوجه إلى أهل اليمن وفقرائهم دون غيرهم من المسلمين لأن المسلمين لم يجر لهم ذكر فوجب توجه الخطاب إلى أهل اليمن وفقرائهم دون غيرهم.
__________
(1) رواه البخاري، عن ابن عباس بلفظه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ر1331، 2/505. والترمذي، مثله، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، ر625، 3/21. (6/11)
صفحة 12
وقال أبو حنيفة يجوز نقل الصدقة ولا تجب الإعادة، وقد روي عن معاذ أنه قال لأهل اليمن من انتقل من نخلات عشيرته إلى غير نخلات عشيرته فصدقته في نخلات عشيرته، وما روي أن عدي بن حاتم حمل صدقته إلى أبي بكر فقبلها منه، وهو محمول على أنه حمل ما فضل عن فقراء بلده أو لم يكن وجد في بلده وقريته من يفرقها عليه، لأن العرب ارتدت بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما روي أن عمر كان يحمل إليه الصدقات محمولة أنه ما فضل من فقراء بلد المال، قال: فإن قال: هذا حق يخرج للمسلمين فلم يختص بتفرقته بمكان دون مكان؟ قيل: الكفارات تتعلق بالذمم فلم يختص بمكان دون مكان، والزكاة تتعلق بالمال فاختصت بجيران المال.
مسألة: (6/12)
صفحة 13
ومن وجبت عليه زكاة فإن وجد أحداً من أهل الموافقة ممن يقول بقول المسلمين ويعمل بعملهم سلمها إليه وآثره بذلك وله أن يعطيه بما يكفيه منها سنة، وإن لم يجد أحداً من أهل الموافقة أعطاها أهل العفة، فإن لم يجد أحداً من أهل العفة فرقها على فقراء أهل القبلة، فإن فعل ذلك برئ إن شاء الله وكيف فرقها فجائزة، وقيل: من كان في بلاد الشرك مقيما وجاء وقت زكاته فلا يدفعها إلى فقراء المشركين يستعينون بها على الأوثان ولكن يبعث بها إلى دار الإسلام وتوضع في فقراء أهل الصلاة، فإن تلفت من قبل ذلك فهو ضامن لها، وقيل: إذا كان رجل مسلم بأرض الحرب ووجبت عليه زكاة فإن كان قبله فقراء من المسلمين ولو واحدا أعطاه زكاته إلاّ أن يكون أكثر مما يكفيه لنقته وكسوته إلى الحول فيحبس عنه للفقراء ما بقي بعد كفاية مؤنته إلى الحول، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول، والْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» (1) ، يقول المعطي خير من المانع ولا يلام على الكفاف، ومن لم يكن قبله أحد من فقراء المسلمين وكان من فقراء قومنا أعطاهم وإن لم يكن أحد منهم ففي فقراء أهل الكتابين، فإن لم يجد ففي فقراء المجوس، فإن لم يكن ففي فقراء أهل العهد من المشركين، فإن لم يكن ففي فقراء أهل الحرب.
__________
(1) رواه البخاري، عن حكيم بن حزام بلفظه مع اختلاف في الترتيب، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ر1361، 2/518. ومسلم، عن ابن عمر كذلك، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، ر1033، 2/717. (6/13)
صفحة 14
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: أحب أن يبعث بها إلى فقراء المسلمين فإن فعل ذلك فلا بأس، ومن كان بواسط وليس عنده أحد ممن يستحق الزكاة فإن ضمن بها وبعث بها إلى البصرة أو إلى غيرها فقد أحسن وإن قسمها فيمن عنده جاز له وإن لم يكونوا مستحقين لها، وإذا كان صاحب الصدقة في مكان رأى أن الطعام أصلح أن يفرقه على الفقراء فاشترى بصدقته طعاما وفرقه على الفقراء فلا بأس، وأما أن يبيع صدقته من الطعام بدراهم ويفرقها على الفقراء فلا إلاّ أن يكون موضع مثل تين أو غيره، ويريد أن يحمل الطعام إلى الفقراء فلا يمكنه، فإنه يبيعه بالاجتهاد ويفرق على الفقراء أو يشتري بثمنه طعاماً كمثله وبعض الفقهاء قال: له أن يعطي عن صدقة الثمرة ورقا ولا يعطي على الورق شيئاً من الثمار ولا غير ذلك.
مسألة: (6/14)
صفحة 15
وإذا قسم صاحب الصدقة الدراهم على أسماء القوم فكتب حصة كل فقير ثم لم يزن الدراهم ولكن دفع إلى كل فقير عددا فربما زاد أو نقص، فإن كتب حصة كل فقير فليزن وإن كتب عددا فجائز إذا لم يحابي، ولينظر إلى ذي الحاجة والفاقة فليزده ولا بأس عليه، وليتق المحاباة جهده، وإذا اجتمع عند صاحب الصدقة البر والشعير وحضر القسمة فأرى أن يوصل البر إلى من يعلم أنه أنفع له ولا يقدر على أكل الشعير، ومن علم أنه يقدر على أكله وهو أنفع له من البر فيزيده على قدر الحاجة فلا أرى بأسا أن ينظر إلى منافعهم وحاجتهم فليس هذا ضيقاً إذا لم تكن فيه محاباة، وإذا قسم صاحب الصدقة الحق وكتب لكل إنسان نصيبه والحاجة التي يحتاجها من بدائل الأموال غير أن صاحب الصدقة قد أمرهم بدفع كل الحقوق لكل فقير، فإذا اجتمع المال عند من يلي الصدقة فإنه يقسمها ويخرج على الفقراء لكل إنسان قسمه وهو حيّ فالمال له إن كان حيا يوم أخرج له الزكاة وبعد ذلك فهو ميراثه، ومن خرج إلى بلد وعليه زكاة في زرعه أو ماله أو شركته فليفرق عنه أمينه، وإن كان غير ثقة إذا كان معه أميناً فإنه متضامن مع شريكه في الزرع، فإن قال قد فرقت زكاتي فحتى يتمه هو، قيل: وإن أعطى مائة درهم من زكاته فقال: إني أريد أعني بهذه بعض سيوح فقيل له: الواجب أن يفرقها، قال: لا، فأعطاها رجلا واحدا.
مسألة:
وإذا حضر محتاج وابن السبيل مجتازا بقوم قد بلغت زروعهم الحصاد وحال حول زكاتهم فأعطوه دراهم أو طعاما فما أعطوه من المال أو البر أو غيره قبل مجيء الوقت المحدد فأعطوه قبل محلها بالشهر أو قريبا منه فجائز، وكان الربيع بن حبيب يحث على تأدية الزكاة لكل ذي حاجة وفاقة فلا بأس أن يعجلها الرجل بشهر أو شهرين، وكذلك زكاة الفطر إذا كانت هناك حاجة لأن تعجل في أول الشهر، والرجل لا يفضل على المرأة في الصدقة، والصدقة لا يحابى بها أحد وهي للمسلمين.
مسألة: (6/15)
صفحة 16
ومن كان في يده زكاة فمطلها شهرا فأذهب منها شيئاً في مؤنة عياله أو في شيء بعينه بعد محلها عليه أو حصلت له دراهم من وجه آخر من ميراث أو غيره فإن عليه فيما استفاده من قبل إخراج زكاته الزكاة، وأما ما كان من الطعام فلا شيء عليه فيه، فإن كان يؤدي زكاته في شهر معلوم فحبس ثيابا لكسوته أو دابة ليركبها أو ما يشبه ذلك وهو من تجارته غير أنه حبسه فلما أدى الزكاة بدا له بعد ذلك أن يبيعه فباعه فليس عليه في ذلك زكاة حتى يحول ويحبسه في زكاته إذا أخره.
مسألة:
ومن تصدق على غني ولم يعلم كانت صدقته مقبولة، وبرئ منها بإخراجها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي تصدّق على غني ولم يعلم: «إن صدقتك قد قبلت إذا لم تعلم» (1) ، والغني والفقير يعرفان من طريق الاجتهاد، ومن كان له دراهم وعليه دين فيجب أخذه منه ولا يجوز أن يجعل دينه من زكاته.
مسألة:
ومن كان أطنى ثمرة ماله في رجب وكان زكاة دراهمه في شعبان فأباح بيع الثمرة على أن يحمل ثمن الثمرة المزكاة على الدراهم ويخرج منه الزكاة ولا يصح بيع الثمرة المزكاة لإخراج الزكاة قبل وقتها وهي مراعى بها شعبان، فإن دخل شعبان وجب عليه تأدية زكاته ما قدم حبسه وما بقي أنفذه والله أعلم.
مسألة:
على مؤدي الزكاة أن يخرجها من الحلال ويضعها في أهلها بإحضار النية والتوجه إلى الله تعالى في قبولها وليس فيها شيء مؤقت لكل إنسان ولو كان لذلك حد محدود ما قسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكف وليس كل ما يقسم بالكف معتدلا بغير ميزان ولا مكيال وإنما ذلك بالاجتهاد والنظر من المخرج لها وبالله التوفيق.
__________
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة بمعناه من حديث طويل، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، ر1355، 2/516. ومسلم مثله، باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في أهلها، ر1022، 2/709. (6/16)
صفحة 17
فصل: وإذا حال الحول على مال محدد قال: قال أنس بن مالك وأهل المدينة يسمونه نصاب وأهل العراق يسمونه أصل المال، ويوجد عن الربيع أنه يجوز بيع صدقة الطعام بدراهم وتفرق على الفقراء، ولا يجوز أن يشتري بصدقة الدراهم طعاما وتفرق عليهم، وأحب بعضهم أنه إن كان الفقراء إلى الطعام أحوج أن يشترى بصدقة الدراهم طعاماً ويفرق عليهم وأظن أنه أبو قحطان، ومن كان محل زكوته شهر رمضان فاشترى شيئا في شعبان وشرط على البائع أن تسليم الثمن في رمضان فإنه يخرج زكاة ماله مع ثمن ما ابتاعه أيضاً لأن الدين إنما وجب عند محل الزكاة فعليه إخراج زكاة ماله كله، ومن أمر رجلا أن يكيل له حباً أو يزن له تمراً أو دراهم ويخرج منها الزكاة ويأخذ تلك الزكاة فذلك جائز للمأمور ويسقط عن الآمر، ومن كان يؤدي الزكاة فاشترى لأولاده كسوة من ماله أخذت منه الزكاة فإن قال ادفعوا لي ما اشتريت إلى آخر العام لأنه تصدق على قول من الفقراء إلى جنور لرجل يطلبون فأعطاهم من ماله بقدر الصدقة فإن ذلك ليس بمسقط عنه الزكاة كذلك لو أتوه قبل استحقاق الصدقة فأعطاهم من الزكاة لم يسقط عنه، فإن قال: أتطلبون الزكاة؟ قالوا: إنا نطلب الزكاة فأعطاهم منها سقط عنه.
مسألة: (6/17)
صفحة 18
قال الشيخ أبو محمد رحمه الله: اتفق الناس أنه من وجب عليه زكاة في ماله إن له أن يعطي البدل من جنس المبدل فإن كان الذي يعطي منه دون الذي وجب عليه فعليه أن يعطي بالقيمة أترى أنه لو وجب عليه صرفان فأعطى بلعقا كان جائزاً وكذلك إن أعطى عن البلعق قفيز ومكوك صرفان جاز بالقيمة من جنس المبدل لأنه كله ثمر، وكان ذكر في غير الجنس أنه لا يجوز أن يعطي عن البر شعيراً ولا عن كل جنس إلا مثله، ومن كانت له زراعة قائمة أو دراهم موضوعة أو تجارة متقدمة أو دخل شهر رمضان أو وقع الرطب في النخل فجائز أن يقدم الزكاة قبل وجوبها وينوي حسابها إذا وجبت عليه وإن لم تجب فهو صدقة له، وإن لم يدخل رمضان ولا له زراعة قائمة ولا دراهم موضوعة ولا نخلة فيها ثمرة يجوز بيعها فليس له أن يقدم الزكاة، وأما النخل إذا حملت وهي بعد لم تعرف بألوانها فأرجو أن تكون مثل الزراعة وكذلك الشنقة من الماشية يقدمها قبل وجوبها فأرجو أن تكون مثلها، وقال: جائز تقديم الزكاة ولو يؤقت في ذلك وقتا.
مسألة:
الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه طلب على عمّه العباس زكاة ماله من العين أن يقدمه سنتين، وروي: «أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الزكاة قبل محلها»، وقال: أقرضونا.
مسألة: (6/18)
صفحة 19
ومن كان عليه زكاة ماشية فلا أحب أن يعطي عن الشنقة التي تجب عليه في البقر قيمتها دراهم يوم تجب عليه إلا أن يعطي ما وجب عليه. قال بعض الفقهاء: إنه جائز أن يعطي قيمتها يوم تجب عليه، وإذا احتاج الفقراء للإطعام فللمتصدق التقدمة عليه وعلى بلح الثمرة يعني الزكاة، ومن توفر له البر أو التمر فإنه لا يعطي قيمته دراهم، ومن عليه زكاة ذهب فأخذ بتحويل قيمتها بالصرف وإن كان عليه صحاح جاز له أن يعطي من نقا إذا كان جائزاً في المعاملة بالصرف، ومن كان عليه زكاة تمر جيد فله أن يعطي تمراً دونه بالقيمة وأشباه ذلك، وإن كان لزمه زكاة تمر فرض فله أن يعطي دونه بالقيمة كان الفرض معدوماً أو موجوداً وذلك جائز، ولا يجوز مثل ذلك في الحب، والفرق بينهما أن التمر جنس واحد وإنما اختلف بتسمّية الناس له، وأما الحب فأجناس مختلفة والله أعلم، وعن أبي الحواري: من أعطى الزكاة من التمر من أفضله من نوع واحد أجزأ عن جميع الأنواع، وكذلك إذا أعطى الزكاة من تمر الفرض أو الحبوب عن جميع التمور أجزأ الفرض والحبوب، وكذلك البلعق إذا أعطي منه أجزأ عن جميع التمور كلها إلا أن يكون دقل معروف هو أعلى وأفضل من هذا فلا أرى يجزي عنه ما هو دونه.
مسألة: (6/19)
صفحة 20
وجائز للرجل حمل زكاة ماله إلى فقراء ليسوا في قريته وهو يجد من يأخذها من فقراء قريته، ومن كان له ثمرة مال تجب فيها الزكاة فتصدّق بها جملة على الفقراء ولم يتعمد بشيء من الصدقة عن الزكاة الواجبة في المال فإنه يبرأ إذا تصدق به قبل وجوب الصدقة فيه، فإن كان ماله عينا فتصدّق بجملته على الفقراء ولم يقصد بشيء من الصدقة عن الزكاة الواجبة فلا يبرأ كما يبرأ في الثمار لأن الزكاة في الثمار تدخل في معنى الشركة في الأموال وليس وجوبها في الذمة، فإذا صار جملة المال إلى الفقراء فقد صار إليهم حقهم وزيادة وليس لهم في ذمة المالك تعلق، والزكاة في العين وجبت في الذمة بسبب المال وكل عبادة وجبت في الذمة أو حق تعلق عليها فلا يزول إلا بقصد إلى فعل ذلك ونيته إلى أدائه، وهذا اتفاق من الأمة فيما علمت، فإن قصد عند إنفاقه للعين من الذهب والفضة للفقراء أن كذا وكذا درهماً من هذه الدراهم أو كذا دينارا عن الزكاة الواجبة في هذا المال فإنه يبرأ بتقديم النية قبل الإنفاق، ومن دفع إلى رجل درهما وقال: هذا لك من الزكاة فاستغنى عنه المدفوع إليه فليرده إلى الذي سلّم إليه ولا يدفعه إلى بعض الفقراء، فإن قال له: هذا من الزكاة فقال المدفوع إليه: فإني غني ولكن مرني أن أدفعه إلى بعض الفقراء فقال له: إن احتجت إليه فخذه وإلاّ فادفعه إلى من يستحقه فاحتاج إليه ذلك الذي سلم إليه فله أن يأخذه.
مسألة: (6/20)
صفحة 21
ومن دفع دراهم إلى فقير ونوى أنها عن زكاة إن كانت عليه، ثم وجد مائتي درهم كانت له قد حال عليها أحوال فإنه تجزيه الخمسة الدراهم التي أعطاها على وجه الزكاة، ثم اختلفوا أيضا في مثل هذا فمنهم من قال تجب عليه الزكاة لما مضى من السنين، ومنهم من قال عن سنة واحدة، ومن كان عليه زكاة من دراهم وحب وتمر فكلما أعطى الفقراء من قليل أو كثير ونواه من زكاته فهو كما نوى ويسقط عنه ما أعطى، قال: ولا تجزئ في الكفارة حتى يطعم الفقراء الواحد أكلتين غداء وعشاء في اليوم، ومن كان لا يحفظ أنه عليه زكاة فأعطى بعض الفقراء شيئاً ونواه من زكاة وإن لم يكن في الوقت ذاكر الزكاة عليه ثم ذكر بعد أن أعطى أن عليه مثل ما أعطى من الزكاة فقد أجزأ عنه من الزكاة.
مسألة:
وأحب لصاحب الصدقة أن يتولى إخراجها بنفسه لأنه يكون على يقين من إخراجها وأدائها، ومن كان يخرج الزكاة من تجارة قد حال عليها الحول وعنده حب وتمر ودراهم ودنانير فجائز أن يخرج من الحب والتمر من أربعة مكوك مكوكاً، وإن أراد أن يعطي بالقيمة أعطى الدراهم وليس له أن يعطي عن الدراهم والدنانير حبا أو تمرا.
مسألة: (6/21)
صفحة 22
واجتمعت الناس على جواز إخراج البدل عما يجب من الزكاة، واختلفوا في دفع القيمة عن الواجب، ومن أخرج زكاة تمرة من ثمره سواها أو اشترى طعاماً فأداه عن زكاة ثمرة ماله فذلك يجزيه إذا كان من جنسه، قيل له: قولك إن الزكاة للفقراء وهم شركاء لأرباب الأموال وجواز إخراج الزكاة من غير عين الأموال الواجبة دليل أن الفقراء ليسوا بشركاء لأرباب الأموال في أموالهم إذا كان الشريك لا يجوز له أن يوصل شريكه إلى أخذ حقه من غير العين المشتركة إذا كانت قائمة، قال: لولا الاتفاق من الأمة على ذلك لما جاز أن تخرج الزكاة إلاّ من عين المال والثمرة، فلو تركنا والظاهر لكان ذلك، ولكن لا حظّ للنظر مع الإجماع، ومن طلب إلى رجل شيئا من الزكاة فقال: ليس معي، فقال الفقير: أنا أقرضك فأقرضه فرد عليه ذلك من الزكاة فقبضه منه فجائز وعلى المقترض أن يرد على المقترض الذي أقرضه إياه وذلك في الشيء اليسير إذا كان الفقير محتاجا ومثل ذلك لا يعينه، والزكاة دين أقره في ماله يخرجها هو ويخرجها غيره بأمره ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو يمنعها بغير رأيه لأن الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع والله أعلم.
مسألة: (6/22)
صفحة 23
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: الله أعلم أن الزكاة تخرج من رأس المال لا مؤونة عليها من طالع ولا حامل ولا لاقط، ولا شائف، ولا غير ذلك، والموجود في الآثار أن الزكاة تخرج من رأس الثمرة قبل جميع الإجارات ولا يدفع في شيء من الإجارات شيء من الصدقة، وفيها قول آخر وهو أرخص، وفي النفس منه أن حصاد الثمرة يكون منها ولا صدقة في ذلك على أرباب الأموال فانظر في ذلك، وقد أجازوا تقديم الصدقة على قول بعض الفقهاء إذا أدرك الثمرة، ومنهم من أجاز تقديمها على بلوغ الثمرة وكذلك إذا أسبل الزرع وفيها قول آخر واختلف في تقديمها في الثمار. (6/23)
صفحة 24
قَال قَوم: إذا أدركت زروعهم جاز تقديمها إذا رأوا مَنْ مِنَ الفقراء حاجة ويحسبونها من زكاة زروعهم، ومن تصدق ولو بكف وحسبه من الزكاة أجزأ عنه، ومن عجل صدقة دراهمه قبل أن يحول عليها حول ثم جاء الحول وليس عنده ما تجب به الزكاة فلا رجوع لأنه لا رجوع في الصدقة، وكذلك إن مات المعطي قبل الحق، ومن عجل دراهمه عما يستفيد ولا مال له تجب في مثله الزكاة لم يجز تعجيلها عما هو غير موجود ولم يلزم، ومن سلّم إلى فقير شيئا من الزكاة ولم يقل له هذا من الزكاة وهو يعلم أنه فقير فذلك مجز عنه إن شاء الله، ومن كان عليه زكاة فأخرج عشرة دراهم فسلمها إلى الفقراء ونوى بها تطوعا وزكاة واجبة فلا يكون فعل واحد ينتفع به لمعنيين فإن كان لم يقصد بها الزكاة فهو تطوع وتخرج الزكاة بها، وإن قصد بها ونوى زكاة عليه أجزأه، ولا يعطي عن الذهب فضة ولا عن الفضة ذهبا، وتخرج زكاة الورق منه وزكاة الذهب منه، وزكاة الدنانير منها من كل نوع ما يجب فيه إلاّ أن يتم في نوع منها فيحمل في القيمة في الصرف بعضها على بعض ويخرج من كل نوع ما يجب فيه، وقال بعض: من أيها شاء أخرج إذا وجب في جميعها والله أعلم، والاختلاف في حمل الذهب على الفضة، ولا يعطى عن الدراهم طعاما ولا عن الطعام ورق، ويخرج من كل نوع ما يجب فيه عليه، وفيه حديث عن بعض ولم يصح ذلك إلاّ أنه يوافق السنة، فأما ما روي عن معاذ أنه كان باليمن ويقول لهم ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة، والخميس الثوب طوله خمسة أذرع ويقال له الخموس أيضا، ويقال إنما سمّي خميساً لأن أول من علّمه ملك اليمن يقال له الخميس أمر بعمل هذه الثياب فنسبت إليه، وكان معاذ يقول: هاتوا خميسا يعني من الثياب، ويقول: أخفّ عليكم وأنفع للمهاجرين أو قال: أنفع للمسلمين فهذا خير يوجب في الماشية إذا قبض باع وأخذ الثمن والله أعلم. (6/24)
صفحة 25
قال الشافعي بقوله هو وارد في الجزية دون الزكاة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يأخذ الزكاة من الجنس لقوله: «خذ الحب من الحب، والبعير من الإبل» (1) وقال في الجزية: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ» (2) ،
__________
(1) حديث: */
(2) رواه أبو داود عن معاذ بن جبل بمعناه، باب في زكاة السائمة، ر1576، 2/101. ورواه الترمذي عن معاذ مثله، باب ما جاء في زكاة البقر، ر623، 3/20.. (6/25)
صفحة 26
وهو قول مغافري، والظاهر من حال معاذ أنه لا يخالف النبي - عليه السلام - ولا من مذهب معاذ أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلد إلى بلد، وقد قال في الخبر أنه أنفع للمهاجرين والأنصار، فثبت أن ذلك في الجزية لأن نقلها جائز، وأصحابنا لم أرهم عملوا بذلك، وقال بعضهم: إنه جائز أن يشتري ثوبا بزكاته ويعطي الفقراء فالله أعلم، وعلى هذا الخبر جائز حمل الصدقة من بلد إلى بلد غيره، ومن وجبت عليه الزكاة ثم أزال المال من يده بعد وجوبها فعليه الزكاة، ولا يبرأ من الزكاة من أتلفها بغير حق، وإن قضى الثمرة بغير حق لزمته الزكاة، ومن له نخل أو زراعة تجب فيها الزكاة إذا حصدها فحاز منه فقير قبل حصادها فأعطاه نخلة من نخله أو شيئا من زراعته قبل حصاده وتمليكه له فنوى ذلك من زكاته فقد اختلفوا في تقديم الزكاة، وأقول إنه جائز إذا رأى من الفقراء حاجة قبل إدراك الثمرة أو قد أدركت ولم يحصدها أو يقدمه حبا من غير ذلك ويرفعه من زكاته المستقبلة، وأما أن يعطيه نخلة عن ذلك ولا يعرف مقدار ما تبلغ فهذا لا يثبت له ولا يجوز، وبعضهم قد أجاز ذلك ولا نقول به، ومن طحن من زكاته وأعطى الفقراء لم يبرأ منها لأنه حين طحن أتلف الحب وإنما يجب عليه حب وأعطى خبزا خلافه، وإن أطعم الزكاة ضيفه كان ذلك تقية لماله ولا أحب له ذلك، وقد قال المسلمون: لا يجعل الزكاة تقية لماله وإنما يخرجها لوجه الله تعالى وأداء ما افترض، وأمر أن تعطى من يحضر من الفقراء عند الدرس والحصاد شيئا غير الزكاة، ومن أخرج من الجنور شيئا من الزكاة فجائز ما لم يرد تقية عن ماله وكذلك ما حبس منها في منزله يعطيه المكدين ما لم يرد به تقية عن ماله وتعجيل إخراجها أصلح له من تأخيرها.
مسألة: (6/26)
صفحة 27
ومن جمع تمرة أو حبة ثم أخرج زكاة الجميع تمرا أدنى منه لم يسعه ذلك، وعليه فضل القيمة، ومن حزم ثمرة نخلة كيلا معروفاً ودفعها إلى فقير من الزكاة تلزمه فجائز ذلك إذا كال ذلك وعرّفه، ومن كال زكاته وصبها ثم فرقها بغير كيل وقد ميزها ولم يغب عنها وكانت حيث لاتخاذ أجزأت عنه، وإن خاف تلف شيء منها لم يبرأ حتى يكيلها ويعلم ما أعطى، ومن أعطى فقيرا نخلة من ماله فليس له أن يحسب ذلك من زكاته عندنا لأنه لا يعرف مقدار ذلك في ماله وما عليه قيل ذلك ولم نره عدلا.
مسألة:
والصدقة تخرج من كل نخل ما يجب فيها ومن كل الأدقال ما يجب فيها لأنها متفاضلة فإذا أخرج من الأفضل من الأدقال أجزأه، وإن أخرج من الأقل فإنه يخرج فضل ذلك بالقيمة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخذ من الحب حب ومن التمر تمر ومن الزبيب زبيب، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذ أن يأخذ من البر برا ومن الشعير شعيرا ومن التمر تمرا، ومن الإبل إبلا، ومن الغنم غنما، والله أعلم، ومن أدركت ثمرته ولم يخرجها وجاء فقير ورأى حاجته فأعطاه جراب تمر أو أقل أو أكثر وحسبه من زكاته لما يستقبل فقد قيل بذلك، وقد أجازوا تقديم الصدقة، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك قبل هذا، ومن وجبت عليه الزكاة ولم يجد فقراء يعطيهم إياها فلا يبرأ ويبعث بها إلى الفقراء حيث وجدهم من الدنيا وإلاّ فلا زكاة في الآخرة، ومن دفع إلى إنسان شيئا من الزكاة ولم يعلمه أنه من الزكاة وعرف أنه فقير جاز أن تدفع إليه وإن لم يقل إنه من الزكاة وبالله التوفيق.
مسألة: (6/27)
صفحة 28
ومن بلغ إلى فقير شيئا فلم يأخذه أو لم يجده فيوجد عند أصحابنا أنه إذا لم يجده أعطى ذلك فقيرا آخر غيره وذلك عندي يستحب وليس بواجب لأن العطية والهبة والهدية لصاحبها حتى يقبض منه فمتى قبضت منه زالت عنه، ومن أتاه سائل فخرج إليه بشيء من الزكاة وسلمه إليه ولم يعرفه أنه من الزكاة فإن كان سأله غير الزكاة فأعطاه شيئا من الزكاة فقد جعلها تقية لماله ولا يبرأ منها، وإن سأله الصدقة فأعطاه شيئا من الزكاة إذا رآه يستحقها لفقره فجائز وإن لم يعرفه وإنما يعرفه إذا شك فيه أنه فقير أو غني لأن الغني لا يستحق الزكاة، فإذا عرفه فقد أقام الحجة عليه والله أعلم، وقيل: من سأل الصدقة أعطي منها لأن الغني لا يطلب الصدقة، ومن طلب الزكاة فأخرج له ولم يعرفه غير أن ذكرها قد تقدم إذا سأله فإنه يبرأ والبادي إذا وجب عليه في غنمه رأس فإنه يعطيه فقراء محلته فإن كان حوله ضعاف كثير سلم ذلك الرأس إلى جماعتهم وقد برئ وقد استحقوا قبضه إذا ميزه لهم ورأوه وأقبضهم أو بعضهم على رأي الجماعة، وإن شاءوا أكلوه وإن شاءوا باعوه، وإن شاء فليدع إلى فقير وقد برئ، فإن أحب صاحب الزكاة أن ينسج له ثوب أو يأمره أن يقضي عنه دينا من حب أو تمر فإن القرص والثوب لا يرفع من الزكاة حتى يقبضه صاحب الزكاة ثم يسلمه إن شاء في القرض أو عمل الثوب فإن وجهه إليه مع من يأتمنه أو يثق به ممن يرجو أنه يبلغه فإن شاء سأله وإن شاء لم يسأله، وإن لم يعرفه إذا أنفذه إليه أنه من الزكاة فلا شيء عليه وإن عرفه فجائز، وإن قال له بعد أن قبضه إن ذلك من زكاتي فلا معنى لذلك لأنه مدع لمال قد صار في يد من قبضه لأن القابض لو كان لا يأخذ الصدقة فوجه إليه ذلك ثم قال من بعد هو زكاة لم يلزمه ردّ عليه لأنه يدعي لنفسه ما يصل إليه من مال قد زال عن يده، ومن عليه الزكاة من دراهم وهو معتقل في الحبس فجائز له أن يفرقها لأن هذا عذر له وقد برئ منها إذا دفعها لمن يستحق ذلك ممن سمى الله (6/28)
صفحة 29
تعالى من أهل الصدقات، ومن دفع شعيرا عن زكاة ذرة فلا يجوز، ومن وجبت عليه زكاة في عروض ولم يكن عنده دراهم تزكى فليس له أن يقوم تلك الحبوب والتمور والأمتعة ثم يخرج من أحد الأنواع، وإنما قال الفقهاء أن يقوّم ذلك ثم يخرج الأصل دراهم، إذا كانت التجارة دراهم، ومنهم من قال ما كان يجزي من الحب والتمر أخرج منه من كل أربعين جزءا وأجزأ، وما كان من الثياب والأمتعة حسبه وأخرج قيمته دراهم فإن لم يكن معه دراهم فقيمة الثياب مختلفة، والذي يعمل به أن ينظر قيمتها ثم يبيع منها بالدراهم ويزكي وإن شاء فليبيعها كلها ثم يخرج الزكاة، ومن سرق مالا وعليه زكاة فأعطى الزكاة من المال المسروق ثم تاب وتخلّص من المال الذي سرقه فإنه يجزئ عنه وفيه قول لبعض الفقهاء، ومن وجبت عليه زكاة فأنفقها على يتيم واشترى له بها كسوة وكساه بها فلا يبرأ على قول بعضهم، وإن كانت دراهم فاشترى بها ثيابا قاصدا فإنما اشترى لنفسه ولا يبرأ حتى تصير إلى من يقبضها وإن كان حبا فطحنه فقد أتلفه أو عليه حب فأطعمهم خبزا فلا يبرأ، وإن كان عليه تمر فأطعم اليتيم منه فإذا شبع رفع الباقي فقد أقبض اليتيم الزكاة وقد برئ منها فأما ما لا قبض لليتيم فيه فلا يبرأ وله الأجر العظيم إن أطعم اليتيم من ماله.
مسألة:
ومن أخرجت عنه امرأته زكاته بلا أمره فلا تسقط عنه ولا ينفعه إخراج أحد عنه إلاّ بأمره كان ذلك من ماله أو مال من أخرجها عنه.
مسألة:
وليس للفقراء أخذ الزكاة المؤخذة من غير أن يدفعها إليهم المزكي لأنها للفقراء وليست لقوم منهم دون قوم ولا هي من المال شيء معلوم دون غيره وإنما يزول فرضها عن صاحبها بأن يقصد إلى إخراجها.
مسألة: (6/29)
صفحة 30
ومن أعطى زكاته فقيرا أو أحدا مالا ينقله من حد الفقر إلى حد الغنى فقد أجازوا ذلك، وقد استحب بعض الفقهاء أن يعطى الفقير الواحد منها ما يغنيه ويعفه عن الفقر وقالوا ذلك أحب إليهم مما يعطى لكل واحد منها شيئا لا يغنيه، وبعض أمر بتبديدها على الفقراء المستحقين لها، ورأى أن ذلك أحب إليه من أن توفر على واحد دون غيره، ومن طلب منه رجل قرضا أو مداينة فأعطاه من زكاته ولم يداينه فجائز ويجزي عنه إلا أن يكون أعطاه مخافة أن يقرضه فلا يعطيه أو لم يرد أن يداينه وإنما دفعه عن نفسه بالزكاة.
مسألة:
ويجب على مخرج الزكاة أن يخرجها إلى من يجب إخراجها إليه بنية ورضى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا جاءكم المصدق فلينصرف عنكم وهو عنكم راض» (1) وذلك أنه يجب أن يخرجها من طيب نفس ويقصد بها الله تعالى ابتغاء وجهه عز وجل لأنها طهارة وبالله التوفيق، وسئل أبو عبد الله فيمن قال للوالي أقرضني من عندك دراهم واجعلها في زكاتي أجائز ذلك؟ فقال: لا يجوز حتى يأخذ منه ويعطيه.
مسألة:
اتفق علماؤنا فيما تناهى إلينا عنهم الأقوال كالشاذ من قولهم غير معمول به منهم أن الصدقة الواجبة من العين والثمار والماشية لا يجزئ دفع البدل عنها إلى مستحقها إلا من جنس ما أوجب فيها ووافقهم على هذا الشافعي وداود وأظن مالك، وأما أبو حنيفة والمزني فإنهما أجازا تسليم البدل عما وجب من الجنس من العروض وغيرها بالقيمة، واتفق أصحابنا فيما علمت أن من لزمه فرض الصدقة في ماله من قبل يمين حنثها أنه يعطي البدل من غير الجنس بالقيمة ونحن نطلب لهم الفرق بين المسألتين إن شاء الله وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/30)
صفحة 31
ومن وجبت عليه زكاة فعزلها وميزها ثم افتقر بعد ذلك وهي قائمة في يده بعد لم يجز له أن يأكلها لأنه عليه ولا يبرأ منها إلا بأدائها، فإن مات ولم يؤدها وخلف ولداً فليس لولده من بعده أيضاً أن يأكلها وإن كان فقيرا لأنه مأمور بإخراجها بعد والده فليس له أن يأكلها لأنها عليه في تركة أبيه، وأيضا فإن الميت كان لا يجوز له دفعها إلى أحد ممن يلزمه عوله في حياته، وإذا لم تكن هذه وجبت له في حياة الميت لم تجب له بعد وفاته لأنه ليس بوارث لها، يرجع إلى تمامها من باب تمام اللقطة إن شاء الله.
مسألة:
ومن غير الضياء عن أبي عبد الله رجل قال له فقير: تصدق عليّ من مالك فأعطاه من الزكاة، الجواب هو يرى إذا جعل الصدقة في أهلها إلا أن يقول تصدق من غير الزكاة فلا أراه يبرأ مع الشرط وبالله التوفيق.
مسألة: (6/31)
صفحة 32
ومن كان عليه زكوات كثيرة لم يأثم بتأخيرها إلى أن يطالب بها الإمام أو من يطالب لها بأمره ولا يأثم بتأخيرها إلا أن يرى بالفقراء سوء حال من جوع أو عري فحينئذ يأثم إن أخرها عنهم لأن الفقراء ليسوا بخصوم فيها وإن كانوا يستحقونها والله تعالى جعلها حقا لهم فإذا كانوا شديدي الحاجة إليها وهو يعلم ذلك كان آثما إن حبسها عنهم، وإن لم يكن إمام يطالب بها ولا أهل الحاجة إليها فهو موسع له في تأخيرها، ولا تمانع بين أهل العلم أن أهل القرى والمواضع في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أعصار الأئمة كانت تجب عليهم الزكوات وكانوا يحبسونها إلى أن يصل القابض لها ولو مضى لذلك المدة الطويلة فهذا يدل على أن تأخيرها غير مخرج صاحبها عن عدالته ومنزلته، والزكاة لجماعة الفقراء وليست هي لقوم منهم دون قوم بأعيانهم فيكونوا خصما فيه باتفاق، ألا ترى أن الذي عليه الزكاة لو لم يسلم لهؤلاء الخصوم وأعطاها غيرهم جاز له فلذلك قلنا ما قلنا وبالله التوفيق، ومن كنز جراب تمر أو غيره من الزكاة ونصد ذلك لمن هو له ويسلم إليه من بعد فإنه يضمر ما بين التمر وما يخرج منه في الغسل وقيمة الجراب ومثله يوم وجبت فيه الزكاة، ابن محبوب: وإذا جاء وقت صدقة صاحب الدراهم فلم يخرجها حتى سرقت فإن كان قد وزنها فعليه الزكاة وإن لم يزنها إلا أنه يعلم وزنها في العام الماضي فليس عليه حتى يزنها حين حلت عليه، وكذلك صاحب الإبل والغنم إن كان يعرف عددها وقت وجوب الزكاة فعليه إن تلفت وإن كان إنما يعرفه في العام الماضي فليس عليه، وكذلك الزرع إن كاله وعرف كيله ثم تلف لزمه وإن لم يكله لم يلزمه. (6/32)
صفحة 33
فصل: قال بشير: في الرجل يدفع إلى الرجل زكاته وأحسب عن الفضل أو عزان أو أحدهما أنه قال: يسأله أنت فقير أم لا، فإذا قال إنه فقير أعطاه إذا كان يراه في هيئة ذلك، قال: وإن سأله المعطي العطية فيعطيه وليس عليه أن يسأله عن فقره قال: وقد كنت أسأل أنا عن ذلك إذا أردت أن أدفع زكاتي حتى أخبرني عبد الله بن حازم أنهم أخرجوا كفاره في مكة قال: وكانوا يعطون من رأوه في هيئة الفقر، قال: فسألنا والدك فأجاز ذلك، قلت لبشير: فهل عليّ أن أقول ل له إن هذا من زكاتي حتى احتج عليه فإن كان غير فقير فقد لزمته الحجة، قال: إذا كان في هيئة الفقر فليس عليك أن تسأله، قلت: أقول له هذا الدينار لك، قال: إذا قلت ذلك له جاز أن يكون إقرارا له به، قال: ولكن قل له هذا لك من عندي، قلت له: فهل لي أن أخرج زكاتي من بلدي إلى بلد آخر أريد أفرق زكاتي في بلدي قال: نعم ولكن يستحب أن تفرق في بلدك لأن الزكاة لفقراء معلومين، قلت لبشير: فإن أخذها سلطان جبرا أو أعطاه الفقراء بعلمي أيجزيني ذلك؟ قال: لا، ولكن إذا نويته أنت من قبل الغصب وقبل الدفع أنها للفقراء رجوت أن يجتزئ بذلك إذا أعطاها لعلمك بعد نيتك وبعد الغصب رجع فأمسك عن هذه، ومن وجبت عليه زكاة من طعام فليس له أن يعطي قيمة ذلك الحب دراهم، ومن وجبت عليه زكاة ودراهم فأراد أن يشتري بها ويعطيه الفقراء فأرجو أن ذلك يجزيه كما أنه إذا كان عنده دنانير ودراهم كان له أن يعطي ما أراد من أحدهما بالقيمة (يرجع إلى مسألة في الجزء الحادي عشر).
الباب الثاني: في إخراج الزكاة على يدي الثقة وغير الثقة، وما يجوز له فيها من فعل وما لا يجوز وأحكام ذلك (6/33)
صفحة 34
وإذا دفع رب المال الزكاة إلى العامل وأمره أن يفرق ما لزمه من الزكاة فإن وثق العامل وأمره أن يفرقها فجائز، وإذا أمر رجل رجلا بأداء زكاته إلى أحد من الناس فدفعها المأمور إلى غير ذلك فلا يجوز وعلى المعطي ردها إلى صاحبها، ومن سلّم إلى ولد له صغير وقد عرف الخير من الشر والجنة من النار، وما يزيده وما ينقصه شيئاً من الزكاة، وقال له: سلم هذه الزكاة إلى فقير فإن كان عنده أنه يفعل ما يأمره ولا يتلف منها شيئا فذلك جائز على ما تجري به العادة بين الناس وأما الحكم فلا، ومن أعطى زكاته رجلا فذهب بها من أرض إلى أرض فتلفت فلا شيء، أحدهما لعله بعني بعثها صاحب الزكاة من أرض الشرك إلى فقراء المسلمين فإذا ما دفع زكاته إلى رجل من المسلمين وأمره أن يفرقها على أهلها فتلفت فلا شيء على أحدهما وقد أجزت عنه إن شاء الله، وكذلك عندي إذا أخرجها إلى ثقة من المسلمين من أرض الشرك ليجعلها في أهلها فتلفت إنه لا شيء على أحدهما فهذا عندي مثل الرسول الذي ترسله بزكاتك في أرض الإسلام إلى والي الإمام وسل عن ذلك، ومن بعث بزكاته مع ثقة إلى أهلها فقد برئ منها وإن لم يرجع إليه الثقة فيعلمه أنه قد أوصلها وإن كان قد بعثها مع غير ثقة فلا يبرأ حتى يعلم أنها قد وصلت إلى أهلها، وأمّا الذي يفرق الصدقة على الفقراء من القوم من ثلث أو غيره فإن بعث إلى فقير ما كان له مع الرسول لا يتهمه فلا أرى عليه بأسا بذلك، وكذلك أرى الناس يفعلون حتى يقول الفقر أن لم يصل إليه شيء، فإن كان الذي ثقة لم ينظر في إنكاره، وإن كان غير ثقة فأحب أن يغرم الذي ولى غير الثقة، ومن بعث بزكاته مع رسول ليدفعها إلى الوالي وإلى رسوله فقد برئ منها، ولو تلفت من عندهم، ولو أن رجلا من بلاد الشرك بعث بزكاته مع رجل إلى بلاد الإسلام فتلفت قبل أن يؤديها فإن عليه أن يرجع فيخرج الصدقة إلا أن يكون الذي أرسلها معه ممن يقسم الصدقة فليس على أحدهما شيء إذا تلفت من يد الرسول، (6/34)
صفحة 35
ولا يجوز بيع الصدقة قبل قبضها؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجوز بيع الصدقة حتى تقبض» (1) .
فصل:
قيل: كتب عمر بن الخطاب نسخة عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران أبغني رجلا فأعطيه مالا يكسو العاري ويحمل الراجل ويعطي النفقة من قد أرمل ولا تجعله لئيماً فإن اللئيم لو ولى ماء البحر لمنعه، المرمل المحتاج يقال أرمل الرجل وأرملت المرأة إذا احتاجا. قال لبيك:
... وهم ربيع للمجاور ... فيهم ... *** والمرملات إذا تطاول ... عامها
أي: طالت عليهم السنة في الجدب والقحط.
مسألة:
وإذا سلم رجل إلى رجلين شيئا من الزكاة ليفرقها عنه في الفقراء وأفرد كل واحد منها بما سلمه إليه من ذلك لم يجز لهما أن يخلطا ما في أيديهما وليخرج كل واحد منهما ما في يده منفرداً لأنهما إذا خلطا ذلك ثم فرقاه فقد صار كل واحد منهما مفرقا لشيء مما كان في يد الآخر مما لم يكن إليه تفريقه، وأيضا فإنهما يكونان بهذا الفعل متعديين فيما لم يجعل إليهما ولا إذن فيه لهما وكل مخالف لأمر متعدّ وكل متعدّ ضامن والله أعلم، وكذلك لو سلم رجلان إلى رجل شيئا من الزكاة ليخرجها عنهما إلى الفقراء لم يجز له أن يخلط ذلك لأنه متى شاء أحدهما ارتجاع ما دفعه إليه لم يتميز ذلك فكأنه استهلك مال كل واحد منهما بمال الآخر، وأيضاً فقد فعل ما لم يكن له فعله والله أعلم، ووجدت عن أبي القاسم سعد بن قريش رحمه الله جواز ذلك والله أعلم. قال بشير: جائز للرجل أن يدفع إلى الرجل العدل في دينه من قومنا الحقوق الواجبة عليه مثل الزكاة وغيرها يدفعها إلى غيره.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/35)
صفحة 36
قال أبو محمَّد رحمه الله: من سلم زكاته إلى رجل ثقة ليسلمها إلى رجل آخر فلما وصل إليه بها قال: ادفعها إلى فلان أو قال له ضعها في يدك فإن هذا قبض، ومن دفع زكاته إلى فقير وقال له: أدها عني فتلفت قبل أن يؤديها فعلى المسلم ضمانها وليس هذا كالدافع إلى الساعي لأن ذلك قد نوى بدفعه إليه لأنه وكيل الإمام والإمام وكيل للفقراء، ومن دفع إلى رجل غير ثقة زكاة وأرسله بها إلى إنسان ليسلمها إليه وأقر المرسل إليه بأنها قد صارت إليه ففيه اختلاف فإن أتلف الرسول ما سلم إليه وأعطى بدلا منه فلا يبرأ وعليه الضمان للذي سلم إليه ولا يرجع هو على الفقير بشيء على صاحب الزكاة أداء زكاته إذا علم بذلك ويطلب الرسول بما سلم إليه وإن لم يعلم أنه أتلف الزكاة، وكان الرسول ثقة فقد برئ، ومن لزمته زكاة فقال له رجل ثقة أنا أنفذها عنك من مالي فقال له: افعل وأمره بذلك فأنفذها عنه وأعلمه بذلك فإنه يبرأ وإن لم يأمره وسل، فإن كان عليه دين فقال له الثقة أنا أؤدي عنك من مالي فقال افعل ثم أخبره من بعد أنه قد قضاه ولم يطلب منه عوضا مما أعطى فإنه يبرأ، وإن قال الذي عليه الدين لرجل أدّ عنّي دينا عليّ لرجل من قرية كذا وأنا أعطيك بدلا مما تقضي عنه فأخبره أنه قد قضى عنه فلا يبرأ إلاّ أن يصح بالبينة أو إقرار صاحب الحق لأن هذا يدعي لنفسه ليأخذ حقا فلا يقبل منه دعواه، ومن أخرج زكاته على يد ثقة ليوصلها إلى الفقراء فتلفت قبل أن يسلمها إلى الفقراء قال: يبرأ وليس إخراجه للزكاة من يده إلى غير مستحقها بمسقط عنه ما أوجب عليه من فرضها ولا يبرأ إلاّ بعد زوال الريب في وصولها إلى أهلها أو يرفعه قول الثقة بأنه قد أوصلها إلى من أمره بدفعها إليه، ومن دفع زكاته إلى ثقة وقال له: أدّها عني فتلفت قبل أن يؤديها فعلى السلم ضمانها وليس هذا كالدافع إلى الساعي لأن ذلك قد برئ بدفعه إليه لأنه وكيل الإمام، والإمام وكيل للفقراء، وإن بعث بها إلى فقير معين (6/36)
صفحة 37
فقال الفقير: لم يصل إليّ شيء، وقال الثقة قد أوصلتها إليه فالقول في ذلك قول الثقة فإن قيل له ولم؟ وهو مدع لتسليم ما في يده ليبرأ منه والمدعي عليه بالبينة بصحة دعواه، قال: هذا ليس بمدع لبراءة ذمته إنما هو مخير بتأدية أمانته وامتثال رأي أمره وبين المخبر والمدعي فرق، والفرق بينهما أن المدعي مدع لبراءته من حق لزمه في ذمته والمخبر هو الأمين في تأدية أمانته والثقة مقبول خبره لقول الله تعالى تقدست أسماؤه: { إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (1) فلما أمرنا بالتبين عند خبر الفاسق دلّ بذلك على قبول خبر الصادق، والدليل رد شهادة المدعي بالسنة الثابتة عن الرسول - عليه السلام - وهو قوله: «على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين» (2) .
مسألة:
ومن له شريك في زراعة فقال الشريك أنا أحمل ما يقع عليّ من الزكاة فأفرقه على ضعاف عندي فلا يسلم إليه حتى يكون الشريك ثقة مأمونا في ذلك ولا يتوهم عليه في ذلك وإلاّ فالضمان على من سلم إليه الزكاة، وكان الواجب إخراج الزكاة من الرأس ويفرق في الموضع، فإن أخبر الثقة أنه سأل من قال الشريك أنه دفع إليه الزكاة ففي ذلك اختلاف ويجوز للرجل أن يوجه الزكاة على يد من يأتمنه فيها أنه لا يخونها إذا كان ثقة في ذلك وإن لم يكن في الدين.
مسألة:
ومن أطنى نخلة وترك الزكاة في يد المطني وأعلمه المطني أنه قد أداها عنه فذلك جائز إذا كان المطني ثقة، وإذا سلم رجل زكاته إلى ثقة لينفذها عنه إلى الفقراء فتلفت فعليه ضمانها فإن تلفت ولم يعلمه الثقة بتلفها فليس عليه إلا أن يعلم أنها قد تلفت، ومن دفع إلى رجل دراهم وقال: هذه زكاتي فتصدق بها فدفعها إلى فقير واحد أجزأ عنه.
__________
(1) سورة الحجرات: 6.
(2) ذكره بهذا اللفظ ابن بركة في جامعه */، وجاء في رواية الربيع بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، كتاب الأحكام، باب 35، ر592. (6/37)
صفحة 38
مسألة:
ولصاحب الصدقة إخراجها على يد ثقة عنده فإذا أخبره أنه قد أخرجها إلى مستحقها فقد برئت ذمته وسقط الفرض عنه لأن قول الثقة فيما يوجب العمل حجة، ويدل على ذلك قول الله تعالى: { إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فلما أمر بالتبيين عند خبر الفاسق علمنا قد أمر بترك التبيين عند خبر غير الفاسق لأنه لو أمرنا بالتبيين عند خبر الفاسق وغير الفاسق لم يكن بين الفاسق وغير الفاسق فرق ولم يكن لذكر الفاسق دون غيره معنى والله أعلم، ومن دفع زكاته إلى غير ثقة من العامة ليفرقها عنه ففرقها عنه بعلمه فقد أجزأ ذلك عنه وإن قال: إنه فرقها ولم يعلم فإن ذلك لا يجزئ عنه، ومن أخرج زكاته وجعلها في صرة ودفعها إلى رسوله ليسلمها إلى الوالي أو إلى بعض الحكام ثم ضاعت من الرسول فإنه لا يبرأ، وإذا كان عامل الرجل لا يثق به فكان له تمراً وقال إنه وصل عشرة أجربة فليعتبره، وقيل: فتعبير الكل أو جراباً واحداً قال: كلهن مستويات قال نعم قيل أعشر ما يخرج.
مسألة: (6/38)
صفحة 39
ومن دفع إليه شيء من الزكاة ليدفعها إلى الفقراء فجائز له أن يدفع منها إلى من يلزمه عوله ولا يأخذ هو منها شيئاً، وقال في موضع آخر: ومن سلم إليه رجل مالا ليفرقه عن كفارات أيمان ووكله في تفريقه ذلك لم يجز له أن يأخذ منه له ولا لأولاده ولا لمن يلزمه عوله فإن أخذ ضمن فإن قال له فرق هذا المال على الفقراء ولم يقل في كفارات ولا في زكاة لم يجز له أيضاً أن يأخذ منه شيئا فإن أخذ ضمن لأنه متعد وخارج من الوكالة، فإن قال له: خذ منه ما أردت لنفسك أو لمن تريد ثم فرق الباقي على الفقراء جاز له أن يأخذ ما لم تكن زكاة، وقال مرة أخرى: إذا قال هذه زكاة أنفذها على نفسك أو على من أردت جاز له أن يأخذ وإذا لم يقل له خذ منها فلا يجوز، وقال أيضا: ومن كان عنده لرجل رأس مال فقال له صاحب المال زكّه وخذ زكاته فذلك جائز ويبرأ صاحب المال، وقال: إذا تعدى الوكيل في حدّ ما وكل فيه أو الوصي فيما أوصى إليه فإن الموكل والموصي يبرءان إذا كان عندهما ثقة والإثم والضمان على الوكيل والوصي، وكذلك الوصي في كفارات وزكاة لا يجوز له أخذ شيء من ذلك لنفسه فإن أخذه فعليه الضمان.
مسألة: (6/39)
صفحة 40
وقال أبو الحسن رحمه الله: ومن بعث بزكاته مع ثقة أجزأه وإن لم يرجع يعلمه حتى يعلم أنها تلفت ولو رجع وأعلمه كان أوثق لأمره، وإذا كان ثقة فأخبره أنه قد أوصلها برئ وقول آخر: ولو لم يخبره الثقة برئ وإن بعثها مع غير ثقة لم يبرأ حتى يعلم وصولها ولا يؤتمن على أداء الزكاة إلا الثّقات من الناس، ومن كان مسجونا وله مال يتولاه قوم لا يثق بهم على زكاة فلا يجوز له أن يوليهم إخراجها ولا يولي عليها إلا الثقات الأمناء فإن فعل لم يبرأ من الزكاة، ومن بعث إلى زوجته وأولاده أن يخرجوا زكاة ماله فبعثوا إليه أنهم قد زكوه فإن كانوا ثقات معه وصدقهم على قولهم برئ وإن كانوا غير ثقات في القول والأمانة لم يبرأ حتى يأمر ثقة بذلك، ومن دفع صاعا من زكاته إلى واحد لنفسه ولجماعة معه فإن كان القابض ثقة فجائز وإلاّ فلا يجوز عليه أن يعطيهم شركة إذا كانوا غير ثقات، ومن كان له شريك في مال وهو غير ثقة إلاّ أنه يدين بالزكاة فلا يجوز له أن يعطيه ما تقع عليه فيه الزكاة وهم متعهدون بإخراجها جميعاً ووصولها إلى الفقراء وقد بيّنا فيما يقع فيه الاختلاف، فإذا كتب المستحق للزكاة إلى صاحب الزكاة فأرسل إليه رسولا من بلد إلى بلد أو من أسفل القرية إلى أعلاها فجائز أن يعطي من أسفل القرية إلى أعلاها ويعطي الرسول الثقة مبلغا لهم وإن أنفذ إلى من كتب إليه وهو مستحق فجائز، ومن خرج في سفر قبل إدراك ثمرته وقال لرجل من العوام أن يلي هذه الثمرة فأخرج زكاتها فكتب إليه الرجل المأمور أنه قد زكى فإن كان ثمة أمينا في ذلك قبل منه ولا يقبل من غير ذلك وعليه إخراج ما حصل في يده ويسلم إليه غير ما تلف ولا يعلمه، ومن كان معتقلا فأمر من يزرع له وله مال أيضا يليه غيره فزكاة المال على ربّه إذا أمر زرع له فيأمر بإخراج الزكاة منه على من يليه وليس على المتولي للمال شيء حتى يأمر ربّ المال وإن كان المتولى للمال غاصباً متعدياً فلا زكاة على رب المال حتى يقبض (6/40)
صفحة 41
الثمرة والمتعدي ضامن للجميع من ذلك.
مسألة:
وإذا بعث رجل إلى رجل بصدقة فمات المتصدِّق عليه قبل وصول الصدقة إليه فالصدقة لا تثبت إلا بالإحراز وهي لمن تصدق بها ويؤمر أن يتصدق بها أيضاً على غير الأول، وإن كانت هدية ففيها اختلاف، ومن بعث إلى فقير على يدي ولد له صغير أو خادم شيئا من الزكاة ثم رجع فقال له إنه قد سلمه إليه وسكنت نفسه إلى ذلك فإنه إن كان عنده أنه يفعل ما يأمره به ويصدقه ولا يخون ما يبعث به فجائز والناس تجري أمورهم بمثل ذلك، ومن كان له مال كثير في قرى متفرقة فأقام فيه وكيلا غير ثقة وأمره أن يؤدي زكاة ذلك المال فقال له الوكيل أنه قد أدى زكاته فإنه لا يبرأ إذا كان الوكيل غير ثقة ومن كان له مال في بلد فأمر أخاه أن يطني المال ويأخذ زكاته وهو فقير فقال له أخوه: إنه قد أخذ زكاة ذلك المال بأمر أخيه فجائز له كان ثقة أو غير ثقة وقد برئ لأنه ائتمنه على بيع ماله وأمره بأخذ الصدقة لنفسه، ومن شأن المرء أن يغش نفسه وإذا أمره وأخذ أبرئ إذا أخبره إلا أن يستخونه في ذلك فيحتاط لنفسه، فإن قال له: قد أطنيت لك مالك فكذا فقال له: خذ الزكاة وسلم الباقي إليّ ففعل فقد أخذ بينة من الأمر وقد برئ، ومختلف فيمن بعث زكاته مع ثقة من المسلمين ليدفعها إلى الفقراء فتلفت قَال قَوم: لا غرم على أحدهما، وقالَ آخَرون: عليه أن يخرج زكاته لأنها فرض ولا يسقط عنه إلا بأدائها إلى أهلها وهو كمن ذهبت زكاته من يده فعليه بدلها، واختلفوا فيمن بعث دراهمه من أرض الحرب إلى أهل الإسلام فتلفت فقال كثير: لا غرم عليه ولم يسو بينه وبين من بعث بماله مع ثقة إلى الفقراء من بلد من الإسلام إلى بلد والله أعلم.
الباب الثالث: انقطاع الزكاة واتصالها ولزومها ثانية لأهلها (6/41)
صفحة 42
ومن أصاب مالاً بعد ما أدّى زكاته فلا زكاة عليه ولو أصاب قبل أن يزكي بيوم لزمه أن يزكي الذي في يده والذي استفاد لأنه محمول ما يستفيد به على الأصل وهو مسيء في فعله بتأخيره وإن كان له نية أنه متى أتاه الله مالا وأغناه من فضله غير المال الذي في يده لزكاة مع ماله فيمن يزكيه، وإن حلت زكاته فأخّر إخراجها أياماً فأصاب في تلك الأيام التي أخر فيها إخراج زكاته مالا فإنه يزكيه مع ماله وهو مسيء بتأخير زكاته بعد محلها، والمسلمون يستحبون لزكاتهم شهراً معلوماً لا يتجاوزونه ولا يتقدّمونه، ومن كانت عنده تجارة تزكيها أو ورق ثم ذهب حتى بقي معه شيء قليل أو كثير ثم استفاد ما تمت به الزكاة أعطى الزكاة مما بقي في يده ومما صار إليه وإن لم يبق معه من الأولى شيء أصلا فلا زكاة عليه في الذي صار إليه حتى يحول عليه حول فتجب عليه فيه الزكاة، وقيل: عن موسى بن علي رحمه الله أنه قال: من ذهبت منه الدراهم التي كان يزكيها ثم أصاب دراهم فلا زكاة عليه حتى تبقى معه من الأولى أربعون درهماً ثم تكون الزكاة فيما بقي معه وفيما استفاد إذا تم معه ما تجب فيه الصدقة متى استفاد إذا بقي معه شيء من الدراهم الأولى التي كانت الصدقة تجري فيها، وقال من قال ما بقي معه منها شيء ولو أقل من أربعين درهماً، وقال محمد بن محبوب رحمه الله: إذا بقي من الأولى شيء قليل أو كثير ثم استفاد ما تمت به الزكاة قبل انقضاء وقت زكاته تلك من السنة فعليه الزكاة وإن ذهبت الأولى كلها أو بقي منها شيء وإنما وقعت في يده الفائدة التي تمت بها الصدقة بعد انقضاء وقت زكاته تلك من السنة فلا زكاة عليه وقد انقطعت عنه الصدقة حتى يحول حول على ما تمت به الصدقة ولم يلزمه وهذا الرأي أحب إليّ، وعن موسى بن علي أيضاً أنّ من أخرج زكاة ورقه وبقي عليه درهم واحد ثم أخذ من غلة غرمه أربعين درهماً أو تسعة وثلاثين درهماً وأنفقها فإنا نرى عليه الزكاة، ومن كان معه ذهب أو ورق وجبت (6/42)
صفحة 43
عليه فيه الزكاة في وقت ولم يخرجها وأخرها من وقت إلى وقت أو أخرج منها ما أخرج وبقي عليه منها قليل أو كثير لم يؤده إلى أهله وكل شيء استفاده من الورق وأدخله من أصل أو غلة أو هبة بوجه من الوجوه فإن عليه فيه الزكاة، وإذا أدى زكاته جملة فلا زكاة عليه فيما استفاد حتى يحول وقت زكاته وكذلك لو باع من أصله أو أطنى طناء فأخرج زكاة المطني حملت تلك الدراهم إذا كانت عنده لوقت زكاته من الورق أيضا ما لم يكن قطع الزكاة قبل ذلك، ومن أخرج زكاته إلى المصدّق عليه فرد عليه منها درهماً رديئاً صفراً ودخل عليه مال ورثة أو من غير ذلك من قبل أن يبدل للمتصدق عليه ذلك الدرهم الصفر الذي ردّه عليه إنه لا يحمل عليه ذلك المال الذي دخل عليه في هذا الوقت، وقد انقطعت الزكاة إلى الحول وكذلك لو كانت تلك الدراهم التي دفعها إليه كلها رديئة فقد مضت الزكاة وإنما عليه أن يبدلها إلا أن يكون دفع هذه الدراهم الرديئة عن زكاته للمتصدق عليه وهو يعلم أنها رديئة فإنها لا تقطع عنه وقت زكاته وما دخل عليه من مال فهو محمول على ما كان في يده.
مسألة: (6/43)
صفحة 44
ومن أصاب في زراعته أربعمائة صاع فأخذ السلطان الجائر من هذه الثمرة مائة صاع وبقي ثلاثمائة صاع فإنه يعطي الزكاة من أربعمائة مكوك ولا يسقط عنه المائة التي أخذها السلطان، وكذلك لو أنه أخذ الأربعمائة كلها كان يلزمه إخراج زكاتها. قال أبو عبد الله: إلا أن يكون لما كال الحب أخرج زكاته فجاءه السلطان وأخذه كله فلا شيء عليه، فإن أخرج زكاة أربعمائة مكوك فعزلها فجاء السلطان فأخذ ما عزل من زكاته وحده ولم يأخذ الباقي فليخرج الآن زكاة ما بقي، وكذلك الدراهم لو كان مع رجل عشرة آلاف درهم فأخذها السلطان كلها من بعد حلول زكاتها ومن قبل إخراج زكاتها فإنما عليه أن يعطي زكاتها وعليه أن يبيع من أصل ماله ويخرج زكاتها، ومن جمع زرعه وكال بعضه ثم أخذه السلطان كله ما كال منه وما لم يكل فإنه يلزمه زكاة ما كال ولا يلزمه زكاة ما لم يكل، وإذا وثب سلطان جائر على ثمرة رجل فيها زكاة فباعها وأخذها فلا زكاة عليه في ذلك، فإن باعها هو وأخذ السلطان الدراهم فعليه زكاة تلك الدراهم إذا باعها هو أو كيله أو كان قد كالها وعرف ما يجب عليه من الزكاة فإن باعها رجل من قبل نفسه بلا رأيه فأخذه السلطان فلا زكاة عليه.
مسألة: (6/44)
صفحة 45
ومن دفع زكاته إلى من عنده أنه فقير ثم تبين له أنه غير فقير فعليه أن يزكي ثانية ما لم يسأله عن فقره، فإذا سأله وقال: إني فقير وأعطاه زكوته فلا إعادة عليه للزكاة والحجة توجب أن يزكى ثانية ومن دفع زكاته إلى من لا يجزئ عنه مثل عبد أو ذمي فلا ردّ على القابض وعليه هو أن يغرم زكاته وبذلك قال الشافعي، وقال: من سلّم زكاته إلى إنسان على أنه حر فإنه هو عبد فعليه إخراجها ثانية بإجماع وبذلك قال الشافعي، وقال: هو عمن دفع زكاته إلى من ظاهره الإسلام ثم بان له أنه كان كافر أو إلى من ظاهره الحريّة ثم بان له أنه عبد، وقال أبو حنيفة: الإعادة عليه، فإن قِيلَ: إنَّ الله تعالى قال: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} (1) ولم يرد فقيرا ظاهرا وباطنا، وإنما أراد من كان فقيرا في الظاهر بدلا له جواز الدفع إلى من غلب على الظن أنه فقير وإن كان لا يقطع على فقره فإذا كان الاعتبار بالظاهر فقد وجد الفقر هاهنا في الظاهر وأجزأ الدفع، قيل: الآية حجة عليكم لأنه أمر بالدفع إلى الفقراء ومن هو غني في الباطن ليس فلم يسقط بالدفع إليه وليس تعذر معرفة باطنة دليلا على أنه ليس بفقير لا تجب الإعادة، ألا ترى أن الإنسان يجوز له الطهر بالماء إذا غلب على ظنه طهارته ثم إذا بان له أنه نجس لزمته الإعادة، ومن أعطى زكاته مملوكاً فعليه إخراجها ثانية ولو دفعها المملوك إلى سيده وكان السيّد فقيرا، وقال أبو حنيفة: إذا كان السيد فقيرا فقد سقطت الزكاة عن مخرجها.
مسألة:
__________
(1) سورة التوبة: 60. (6/45)
صفحة 46
ومن سلم زكاته إلى عبد لرجل فإن ذلك لا يجزيه ولو كان مولى العبد فقيراً وسلمها العبد إليه فإنه لا يجزيه وعليه إخراجها ثانية، وعن أبي عبد الله فيمن وزن زكاته وعزلها إن ذلك قطع لزكاته وإن لم يسلمها إلى الفقراء، وإن ما يستفيده من بعد أو ينفقه من شيء فغير داخل في زكاته، وأما إن حاسب صاحب الزكاة الولاة وأحالهم بها على غرمائه قال: ما أظن هذا يكون قطعا للزكاة، ومن كان وقت زكاته شهر رمضان فلزمه عشرون درهماً فأخرج منها عشرة إلى صاحب الزكاة وبقي عشرة دراهم فلم يقضها حتى جاء شهر رمضان الثاني فإن كان صاحب الزكاة حاسبه وأخذ منه العشرة فإنا نرجو أن لا يكون عليه إلا عشرة دراهم ويزكي السنة الثانية، وإن كان لم يحاسبه فأعطى بعضا وبقي بعض فإنا نقول تجب الزكاة لسنتين فالله أعلم واسأل عنها.
مسألة:
ومن اشترى تمرا ليقضيه عن زكاته إلى بائعه من غير قبض فلا يجزيه وضمان الزكاة باق عليه لأنه إذا لم يقبضه فهو دين على البائع ولا يجوز قضاء الدّين من الدين فإن كان قد أبرأ البائع منه فالبائع برئ والثمن على المشتري والزكاة باقية على حالها.
مسألة:
ومن كتاب أبي الحسن وإن كال الزكاة ثم ميزها فغصبت أو حملها سيل. قَال قَوم: يخرج زكاة ما في يده غير ما غصب، وقال قوم الكل، وقالَ آخَرون: لا زكاة عليه، ومن غيره عن رجل أخرج زكاته ثم شك في شيء من ماله أنه لم يخرج عنه زكاة ويرجو أنه قد أخرجها، فعلى ما وصفت فإن كان في وقت زكاته فعليه إخراج ما شك فيه وإن كان قد انقضى الوقت فليس عليه حتى يعلم أنه لم يزك.
مسألة: (6/46)
صفحة 47
قال أبو مالك: قال الربيع: من عزل زكاته فلم يدفعها للفقراء حتى جاءتها نار فأحرقها أو سيل فحملها إنه لا ضمان عليه فيما نقل إلينا عنه، قال: ولسنا نأخذ به والعدل عندنا خلافه لأن الواجبات لا تزول عن أهلها إلاّ بالخروج منها كما أن الفرائض لا تسقط عمن لزمته إلا بقضائها وأيضا فإن الفقراء شركاء لأرباب الأموال بمقدار الزكاة التي تجب عليهم، والشريك لا تتخلص شركته إلاّ أن يصل إلى شريكه حصته ثم يصح له الملك فيما في يده، ويجوز له التصرف فيه كسائر الأموال الخالصة.
مسألة: (6/47)
صفحة 48
ومن سلم زكاته إلى عبد لرجل فإن ذلك لا يجزيه ولو كان مولى العبد فقيرا وسلمها العبد إليه فإنه لا يجزيه وعليه إخراجها ثانية، وعن أبي عبد الله: فمن وزن زكاته وعزلها أن ذلك قطع لزكاته وإن لم يسلمها إلى الفقراء وأن ما يستفيده من بعد أو ينفقه من شيء فغير داخل في زكاته وأما إن حاسب صاحب الزكاة الولاة وأحالهم بها غرمائه قال: ما أظن هذا يكون قطعا للزكاة، ومن كان وقت زكاته شهر رمضان فلزمه عشرون درهما فأخرج منها عشرة إلى صاحب الزكاة وبقي عشرة دراهم فلم يقضها حتى جاء شهر رمضان الثاني فإن كان صاحب الزكاة حاسبه وأخذ منه العشرة فإنا نرجو أن لا يكون عليه إلا عشرة ويزكي السنة الثانية وإن كان لم يحاسبه فأعطى بعضا وبقي بعض فإنا نقول تجب الزكاة لسنتين والله أعلم وسل عنها، وعنه: أن من دفع إلى فقير عنده في الظاهر ثم تبين له غناه لم يكن عليه غرم ما دفع إليه لأن الله تعالى إنما نعبده بأن ندفع الصدقة إلى فقير عنده ولم يكلفه أن يعلم مغيبه لأن حقيقة الفقر لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، وإن وجد الصدقة قائمة في يده أخذها منه إن قدر على استرجاعها بحاكم أو غيره وليسلمها إلى فقير غيره، ومن وجب عليه العشر من طعام معد وفر واحد وأخبر المصدق بذلك فسمّى المصدق ذلك الوفر لرجل من الفقراء فأمر الفقير المصدّق أن يبيعه فباع المصدق ذلك الوفر من الرجل الذي كان لزمه ولم يكن سلّم إلى المصدّق ولا إلى الرجل الفقير ولم نكن نجز له فباعه هذا المصدق وأخذ الثمر ودفعه إلى المصدّق فإنه لا يجوز حتى يدفعه إلى الفقير والله أعلم.
الباب الرابع: في قبض الإمام والوالي للزكاة والوكيل وإخراجها وما يصح من ذلك وما لا يصح، وتصديق أرباب الصدقات فيها وما يجب عليهم في ذلك وما لا يجب (6/48)
صفحة 49
وكانت الزكاة تدفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعماله وكذلك إلى أبي بكر وعماله، وإلى عمر وعماله، وإلى عثمان وعماله في الاستقامة قبل الأحداث فلما وقع الاختلاف جعلها المسلمون إلى من جعلها الله في كتابه. قال الله تبارك وتعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) يعني الفريضة، نزلت في أبي لبانة وأصحابه، وفي الآية دليل على أن على الإمام أن يأخذها كلها والإمام أولى بقبض الزكاة، وأن على الناس أن يعطوها وأن ذلك أفضل لهم، وأخذ النبي - عليه السلام - مما جاؤوا به في الثلث وترك الثلثين لأنه تعالى قال: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ولم يقل: خذ أموالهم، ولذلك لم يأخذها كلها، والإمام أولى بقبض الزكاة من أربابها وإخراجها دونهم.
__________
(1) سورة التوبة: 103. (6/49)
صفحة 50
قال أبو المؤثر: قال بعض المسلمين: إنه من اتهم بغلول الزكاة استخلف، وقال بعضهم: لا يخلف أحد على زكاة وذلك إلى أماناتهم وبالقول الأول نأخذ، وصاحب الورق كله مصدق في وزنه وليس عليه وزنه بين يدي المصدق ولا يكسر الحلي، وإن كان متهما فأراد المصدق أن يستحلفه فذلك له، وإن لم يستحلفه فلا بأس، وأرباب الأموال أمناء على ما في أيديهم من الزكاة مأمونون على ما يدفعونه من أموالهم ويرفعونه من أحوالهم مصدقون في تحديدها وكميتها وتفصيلها وجملتها، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المرأة مصدقة فيما قالت أن الحديقة وصلت من الخرص خرص إذا قدر ما على النخل جزافا، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - مرّ على امرأة في حديقة لها فقال: اخرصوا وخرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال للمرأة: إخرصي ما يخرج منها، فلما رجع إليها قال: كم جاءت حديقتك؟ قالت: عشرة أقسط لعلها أرادت عشرة أوسق أردت يا رسول الله فهذا هو تقدير وليس فيما أوجب شيئا لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل الأمر إليها وأنها أمينة فيما قالت، ألا ترى أنه جعل الإحصاء إليها والقول قولها لأنها أمينة في الزكاة فعلى هذا الحديث كل مؤتمن في زكاة ماله وما يصل من ثمرته، وإن قال صاحب الثمرة: إنها سرقت أو أتت عليها جائحة فالقول قوله، ويروى عن علي بن أبي طالب أنه طلب الناس فقال: إن الله عز وجل اطلع على أموال أغنيائكم فجعل فيها حظا لفقرائكم، وإن قد رأيت أن أجعل إخراج زكاة أموالكم إليكم فأخرجوها إلى المستحقين عنها من أهلها منكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
مسألة: (6/50)
صفحة 51
قال بعض فقهاء المسلمين: للفقراء الثلث من الصدقات والثلثان يدفعان إلى الإمام يتقوى بها على أمور الناس ويعطي من عنده من رأى من الغارمين وفي الرقاب وابن السبيل، وقال بعضهم: للفقراء النصف وبالقول الأول نأخذ، وكان عبد الله بن يحي يفرق على ولاته النصف ويأمرهم بذلك بعد القبض ويرفعون إليه النصف.
مسألة:
وإذا ظهر المسلمون على أهل بلد فلا يأخذون منهم الزكاة من الورق والذهب والماشية حتى يحول منذ يوم استولوا على البلاد وجرت فيها أحكامهم، وأما الثمار فإنهم يأخذون منها الصدقة مما أدركت قريبا أو بعيداً، ومن حضر وقت زكاته فقسمها بغير إذن ممن يلي الصدقة فما أرى عليه البدل إذا وصلت إلى أهلها ولكن يعلم ذلك المصدق ولكن لا يأخذ من أعطاه مرتين زكاته ومن حضر وقت الزكاة فأعطاها الفقراء واحدا أو ثلاثة بغير إذن ممن يلي أمر الصدقة ولم يفرق على الفقراء كلهم فهي مثل الأولى ولا أرى عليه البدل إذا دفع زكاته إلى من تحل له الزكاة ولكن أحب إليّ أن يدفعها إلى المصدق.
مسألة: (6/51)
صفحة 52
والوالي ليس له أن يسأل أهل البيوتات والنساء والتجار وغيرهم عما في أيديهم من المال الصامت والذهب والفضة والحلي ليأخذ منهم زكاتهم ولا يطلب إليهم ذلك وذلك إلى أماناتهم من دفع منهم شيئا قبل منه ومن لم يدفع شيئا لم يسأل عنه ولم يؤخذ به، وعلى الإمام أن يقول للناس اتقوا الله وأدوا زكاة أموالكم وارفعوا ذلك إلينا فإنه لا صلاة لمن لا يزكي، فإذا قال لهم ذلك وأمرهم به فقد أدى ما عليه، وإن أخرج رجل زكاة ماله فقسمها على فقراء جيرانه أو فقراء قريته وهو يعلم أنه إن دفعها إلى الإمام قسمها في الفقراء فلا يجوز له ذلك، وإذا لم يكن إمام عدل اجتمع المسلمون فأقاموا لزكاتهم ثقة فسلموها إليه فإذا اجتمعت اجتمع المسلمون مع الذي ولوه قبض الزكاة ففرقوها على الفقراء من أهل دينهم، فإن بلغ لكل فقير ما يكفيه لكسوته ونفقته سنة فإن فضل منها شيء بعد ذلك أفضوا بها إلى أهل دينهم من الفقراء من أقرب الفقراء إليهم ولا يعطونها غير أهل دينهم وإن لم يجتمع المسلمون فقدموا رجلا لقبض زكاتهم فأخرج كل رجل منهم زكاته فوضعها في مواضعها وأعطاها أهلها فلا بأس عليه في ذلك وقد تخلص منها، وإذا كان إمام عدل فسلمها إلى الإمام العدل فهو أولى بها، وإذا مرّ ابن السبيل بالوالي أنفق عليه وزوده من قرية إلى قرية، وقال عمر بن المفضل: من جاوز الفرسخين فهو ابن السبيل، وقال أبو المؤثر: وقد سألت محمد بن محبوب وقد حملني حمار إلى صحار فنزلت بوادي عوتب فجعل الوالي نفس الحمار حماره فقال لي هذا الحمار في نفسي من نفس حماره شيء فسألت محمد بن محبوب فقال لي: ليس للحمار شيء لأنه يأخذ الكراء ولكن ما أراد الوالي أن يعطيه بجعله لك، قلت: وأنا أحب السلامة لنفسي، فقال: إذا جعله الوالي لك فلا بأس عليك إن أعطيته إياه.
مسألة: (6/52)
صفحة 53
وليس للمسلمين أن يأخذوا صدقة من لم يحموا ولو كانوا في قطر من مصرهم، وإن حموه سنة أخذوا منه زكاة الورق وأما زكاة الثمار فإذا حموهم وحموا ثمارهم حتى دخلت عليهم أخذوا صدقتها وكل مال في بلد وقد حال عليه حول فيها فصدقته فيها وإن لم يكن صاحب المال منها وما لم يحل عليه حول فصدقته مع صدقة صاحبه في بلاده.
مسألة:
ولا يجوز للوالي أن يفرض الصدقة أو أن يقبض الصدقة من أهلها وقد عزل الوالي فإن دفع إليه أحد صدقته وهو ثقة ويصيّرها إلى أهلها فقد برئ منها صاحبها، وأما ما كان في يده ولاية من صدقة فإنه يقبضها ولو عزل لأنهم قبضوا ذلك بولايته هو وإن أحدث الإمام حدثا يخرج به من الإمامة فلا يعطي الزكاة ولا يبرأ من أعطاه في حديقته ولا غيرها إلا أن يكون هو ممن يدين بإمامته فله أن يعطيه زكاته فإن صح عنده خروجه من الإمامة رجع عن رأيه الأول فلا يعطيه فيما يستقبل ولا غرم عليه فيما أعطاه بالديانة، وإذا قسم الوالي الصدقة وحضره قوم قِيلَ: إنَّهم فقراء ورأى عليهم ذلك وعلامة الفقر عليهم فهم فقراء ويعطيهم ما يرى.
مسألة:
وللمصدق أن يأخذ من التاجر من رأس ماله ما لم يحول بزه وثيابه بالدراهم وليس له أن يقوّم حتى يبيع التاجر متاعه، قيل: هل يؤخذ من كل أربعين جزءا جزء؟ فقال: ما أعرف هذه الأجزاء إنما الصدقة في رؤوس أموال الناس وذلك إلى أماناتهم ولا يحلفون ولا يفتشونن.
مسألة:
ولا أحب أن يتقاضى المصدق صدقة الحلي فلعلها إذا طلب عليها ذلك أن يقضي ولا شيء عليها ولا أرى أن يتقاضى الناس زكاة فطرهم فمن أخرجها فعن نفسه، وإذا وجبت الصدقة وبعض الشركاء غائب أخذ المصدق الصدقة من الجملة وإن لم يكن مصدق وكان أرباب المال يخرجون الصدقة لم يخرج أحدهم زكاة الجملة إلا بأمر جميع الشركاء أو حضورهم أو وكلائهم.
مسألة: (6/53)
صفحة 54
والإمام أولى أن يقبض الأموال المعدوم أربابها مثل الزكوات والأموال الموقوفات والكفارات واللقطات والأموال الضائعات والوصايا المغيبات. قال الناظر: إلا كفارة الأيمان فتكون للمساكين والفقراء وسائر الأموال تنفذ في مصالح المسلمين وفي إصلاح السبيل وغيرها، وللإمام أن ينفذها فيما يرى من وجه الصلاة للمسلمين والله أعلم.
مسألة:
ومن دفع إلى الجبار زكاة ماله ففرقها بحضرته للفقراء فإذا كان دفعها إليه على أنه قابض لها مستحق لقبضها أو غير مستحق لقبضها لم يجز عنه فإن دفعها إليه ليفرقها عنه ففرقها بعلمه أجزأت عنه فإن غلبه عليها وعلى أحدها الجبار ففرقها على الفقراء بحضرته ولم تكن لديه أنه مستحق قبضها أو غير مستحق قبضها لأنه غلبه على أخذها وتعدى عليه فيها فلزمه الضمان بذلك فإذا ألزمه الضمان لصاحبها لم يجز أن تكون مضمونة له وقاضية له عن الفرض وأيضا أن الزكاة لا تؤدى إلا بقصد ونية ولا يزول فرضها إلا بأدائها على ما أمر به فلو أن الفقراء وثبوا عليها فأخذوها بغير أمره لم يجز عنه وكان عليهم الضمان فصحّ بهذا ما قلناه.
مسألة:
وإذا كان الإمام قائما وقد جرت أحكامها وقامت حجته وثبتت إمامته فهو أولى بقبض الزكاة ممن وجب عليه فرضها، ولو أن رجلا صرّف زكاته في الفقراء من غير رأي الإمام لم يبرأ وللإمام مطالبته بها وعليه تسليمها إليه بعد أن صرفها على الفقراء لأنه دفعها إلى من ليس له بخصم فيها له والخصم قائم وهو الإمام، فكأنه بتسليمه لزكاته إلى الفقراء متلف لما يستحق الإمام كالمتعدّي والمتعدّي ضامن لما أتلف.
مسألة:
وإذا بعث الإمام الزكاة مع ثقاته وعماله إلى الجهات المستحقة لقبضها فضاعت من أيديهم قبل وصولها إلى مستحقها فالبراءة لهم جميعاً صحيحة لأن الإمام أمين في أدائها ما وجدت أعيانها وللأمين أن يستعين على أداء أمانته بالثقات والأمناء والضمان لا يلزم إلا بالتعدي فقط.
مسألة: (6/54)
صفحة 55
ولا يجوز لوالي الإمام أن يفرض شيئا من الزكاة على الفقراء بغير رأي الإمام.
مسألة:
اتفق الناس أن الفقراء ليسوا بخصوم لأرباب الزكاة والإمام خصم، ألا ترى أن الخصم إذا كان له على خصمه حق كان له أن يأخذ من مال خصمه إذا امتنع، ومن أعطى زكاته وأمر بإنفاذها في الحياة فمات الآمر فعلى المأمور ردها إلى الفقراء، وعنه في الجامع ما يدل على غير هذا القول والله أعلم، وبيت المال يوضع فيه كل شيء من الأموال على حده، الزكاة على حده والغنائم على حده، وما أخذ من أهل الذمة على حده، والأموال التي لا يعرف لها أرباب في عزل، وكفارة الأيمان والوصايا وغيرها في عزل، وكل واحد من هذه الوجوه ينفذ فيما يصلح فيه، ألا ترى أن أهل الذمة إذا افتقر منهم الفقير أن الحاكم ينفق عليه من المال الذي أخذ من الجزية، وقد روي عن عمر أنه مر بنصراني فقير فقال يا هذا: ما أنصفناك أخذناها منك في وقت غناك ولم ندفع إليه في وقت فقرك، فأجرى عليه منها النفقة، وكذلك كفارة الأيمان تكون للمساكين والفقراء وسائر الأموال تنفذ في مصالح المسلمين في إصلاح السبيل وغيرها، وللإمام أن ينفذها فيما يرى من وجه الصّلاح للمسلمين والله أعلم.
مسألة: (6/55)
صفحة 56
ومن وكل وكيلا ليقبض له شيئا من الزكاة فدفع الذي عليه الزكاة إلى وكيله ففي براءته منها اختلاف، وإذا وكل رجل رجلا في قبض زكاة وجبت عند بعض المسلمين فسلمها إليه بعد الصحة بوكالته فتلفت من يد الوكيل فالزكاة باقية على من كانت عليه، وقال بعض: أنه قد برئ وذهبوا إلى أن هذا الوكيل قام مقام الإمام والساعي لأن الإمام وكيل للفقراء، فلما أجمعوا أنه ما تلف من يد الإمام والساعي كان صاحب الزكاة منها بريئا وقد زال الفرض عنه بتسليمه إليهما كان هذا الوكيل مثلهما إذا كان وكيلا لهذا الفقير، وقالَ آخَرون: لا يبرأ لأن الفقير لم يوكله في شيء له معين يملكه، فلما كانت الوكالة على غير معلوم وكان لمن وكّل عليه ألا يسلم شيئا لم يكن للوكالة وجه، وكأن الضمان لازما له والزكاة عليه واجبة.
مسألة:
وإذا أمر رجل رجلاً بتسليم شيء من زكاته إلى فقير فسلمها إلى اثنين فعلى المأمور الضمان لمخالفته وترد على الآمر، وعلى الآمر إخراج زكاته ولم يسقط عنه.
مسألة:
وإذا أبرأ الإمام أو الفقراء أو الوالي ربّ الزكاة من الزكاة لم يبرأ منها ولا يجوز في الزكاة البراءة ولا المحاولة.
مسألة: (6/56)
صفحة 57
ومن وعد رجلا شيئا من الزكاة فأمر من يقبضها له ومات المقبوض له فالوكيل في قبض الزكاة مختلف فيه منهم من لم يجز للوكيل في ذلك ولا يبرأ من قبضه إلا أن يكون المقبوض له أمره أن يسلمها إلى الموكل وهو ثقة معه فسلمها الرسول كما أمره ثم أعلمه أنه دفعها فإن كان على هذا برئ صاحب الزكاة وإلا فلا يبرأ وإذا لم تكن صارت ملكا للفقير فيوكل من يقبض له ماله وإنما وكل من يقبض له ما لم تكن بعد استحقت القبض لأن العطية لا تثبت إلا بقبض فعلى هذا القول هي للدافع لها حتى تصل إلى قابضها من المستحقين، وأما على قول من أجاز ذلك فإذا كان الرجل قد قبضها من عند ربها الذي وجبت عليه للذي أمره ووكله بقبضها من قبل موت المقبوض له فهي له ولورثته من بعده، ومن أمر رجلا يقبض له شيئا من الزكاة من رجل فقبضها المأمور ثم استودعها المعطي أمانة فتلفت فلا يبرأ على قول من لم ير تسليم الزكاة إلى وكيل اليتيم ليقبضها له ولا براءة له على هذا القول حتى يعلم أن الزكاة وصلت إلى الفقير، وأما من أجاز ذلك فإن كان وكيل الزكاة للفقير ائتمن غيره وكان ثقة فقد برئ إذا كان المؤتمن لها ثقة ولا يبرأ إذا كان غير ثقة لأنه فعل على غير ما جعل إليه، وجائز للغائب أن يوكل الغائب في قبض الزكاة في قرية ويحملها إلى قرية أخرى.
مسألة: (6/57)
صفحة 58
ومن أمر رجلا أن يسلم إلى امرأة مستترة شيئا من الزكاة فلم يعرفها ولم يخرج به ولم يجد ثقة يسلم إليها ذلك فإن وجد امرأة يثق بها سلّم إليها زكاته وإن لم يجد امرأة تثق بها المرأة حملها هو بنفسه ومن معه من لا يستحييه من امرأة أو رجل ووقف ببابها واستأذن عليها فدخل الحجرة فسلم ذلك بحضرته من وراء الباب، فإذا عرفه الرسول أنه قد سلم إليها وخرج عليه وليس معه شيء وسكنت نفسه برئ الوكيل والموكل فإن وجد ثقة يعطيها لم يحتج أن يتبعه إليها، وإن وصل إليها وسلم من وراء الباب ولم يرتب أن هناك سواها وقبضته منه برئ بسكون قبله وهذه الأشياء في عصرنا ولاضطرارنا تجزي لهم مع سكون النفس بقبض المدفوع لعدم الثقات فاعلم ذلك، واعلم أن المسلمين لم يزالوا يبعثون بزكاتهم إلى الأرامل المستورات مع من يأتمنونه لرفع ذلك، وبلغنا عن ولاة الأئمة أنهم كانوا لا يكلفون بروزاتهم ولا خطانا إنما المراد توصيل الشيء إلى المستحق له بوجه يوصل إلى سكون النفس إلى أنه قد وصل لوصول الأموال والتبائع والخلاص من التبائع وقد أجازوا ذلك بيد من ائتمنوه عليها إن شاء الله، ومن دفع زكاته إلى إنسان ليفرقها عنه على الفقراء فضاعت قبل إنفاذها فلا ضمان على الرسول وعلى ربّ المال إخراج ما عليه من الزكاة التي تلفت، وقيل: لا ضمان على أحدهما، ومن أمر رجلا غير ثقة يقبض له زكاة من عند رجل فقبضها وباعها وسلم إليه الثمن فإذا أمر من يقبض له فبعض قال يبرأ وبعض قال لا يبرأ، والذي لا يجيز قبض الوكيل لا يجيز، والذي ثبت قبض الوكيل في الزكاة يضمن الوكيل ما تعدى فيه.
مسألة: (6/58)
صفحة 59
وإذا باع الإمام أو الساعي الصدقة على مخرجها بعد قبضها فعند قبض ثمنها قال مشتريها قد أوصلت الفقراء إلى ثلثهم منها أو قال: أنا أحبس للفقراء ثلثهم فيها فليس للساعي قبول قوله ولا لمخرجها ولا لمشتريها فعل ذلك، فإن فعل ضمن ما لم يسلمه فيها، ولو أمره الإمام أو الساعي بذلك فإنه لا يبرأ لأنه خصم فيها، والخصوم مردودة شهاداتهم لزوال ما لزمهم في خصمهم ولا يجوز بيع الصدقة قبل قبضها لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل بيع الصدقة حتى تقبض».
مسألة: (6/59)
صفحة 60
ومن كان معه مائتا درهم أو درهمين فكره أن يعطي الزكاة فعن أبي علي أنه قال: ما أرى أن نجبره على إعطائها فإن أعطى برأيك فذلك إليه، وكذلك التمر إذا أنقص قفيزان أو ثلاثة، والمتاع إذا أراد أن يقومه فعلى صاحبه وزنه فإن كان صاحبه متهماً وقال إني وزنته قُبل منه وحلف، وإذا أخذ الإمام صدقات المسلمين فإنه يقسم صدقة كل بلد في فقرائهم ولا يخرجها من تلك البلاد إلى غيرها إلا أن يكون أهلها مستغنين عنهم فينقلها إلى من هو أحوج منهم، وقيل: لا يخرج منها شيئا إلا ما فضل عنهم، والأصل في وجوب درها إلى فقراء أهل ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ: « خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِم» فأمر برد المأخوذ إلى فقراء، المأخوذ منهم، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أُمِرتُ أن آخذَ الصدقةَ من أغنيائكُم وأضعَها فِي فُقرَائِكُم» (1) وما روي أن رجلاً أتاه فقال له: إن الله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا وتردها في فقرائنا فقال: اللهم نعم، وما روي أنه كان يبعث السعاة فيأخذون الصدقات من أرباب الأموال ويقسمونها على فقرائهم فيرجعون إليه - صلى الله عليه وسلم - وليس معهم شيء من ذلك، والدليل على جواز نقلها إلى من هو أحوج من فقراء أهل ذلك البلد حديث معاذ أنه كان يقول لأهل اليمن: ائتوني بخميس أو بسديس آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة، وإنما كان يعمل معاذ ذلك لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا في ذلك الوقت في غاية الحجة وكان أهل اليمن أغنى منهم.
مسألة:
__________
(1) أخرجه الصنعاني في سبل السلام عن معاذ بلفظه، 2/140. ورواه البخاري عن ابن عباس بمعناه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ر1331، 2/505. والترمذي، مثله، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، ر625، 3/21. (6/60)
صفحة 61
وليس لأحد من الرعية أن يدفع صدقته إلى الفقراء مع وجود الإمام العالم لأن أمر الصدقات إلى الأئمة وهو القباض لها والقوام عليها وهم كالولاة فيها فغير جائز أن يقوم بذلك أحد دونهم ولا يقبلون من أحد في مصرهم ومملكتهم إن ادعى فعل ذلك بل يأخذونه بإخراج ما يجب عليه عندهم وبقبضة منهم وصرفه حيث جعل وليس لإمام أن يأذن لأحد بذلك لأنه إذا لم يكن له قبول ذلك ممن يدعيه لم يكن له أن يأذن له فيه ولا يقبل منه فيما يدعى لبراءة ذمته مما قد وجب فيها وفي ماله للفقراء والله أعلم, وعن بعض أصحابنا أن المصدق إذا قبض صدقة الماشية ثم باعها من ربها فأخذ منه الثلثين وقال صاحب الصدقة أنه يدفع الثلث إلى الفقراء إنه يصدقه ويقبل منه، وفي هذا نظر والله أعلم، وقد قيل أيضا أن عمر بن الخطاب رحمه الله ولى عمير بن سعد على بعض المواضع فلما وصل عمير إلى أمير المؤمنين سأله عن الصدقة فقال: ما أنت وذاك أخذتها من أهلها وجعلتها في أهلها، والله أعلم.
مسألة:
وعلى المصدق أن يأتي الناس لأخذ صدقاتهم من المواشي وليس عليهم أن يأتوه بها، وعلى الناس أن يأتوه بصدقتهم من الذهب والورق وليس عليه أن يأتيهم فيها وبينهما فرق.
فصل: قوله تعالى: {ومنهم من يلزمك في الصدقات} (1) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قسم شيئا من الصدقات لمزه المنافقون يقول طعنوا عليه في ذلك، عن الحسن أن أعرابيا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم شيئا من الصدقة يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت عليّ هذا اليوم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «ويلك يا أعرابي فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي»، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله ما أعطيتكم شيئا ولا أمنعكموه إنما أنا خازن أضع حيث أمرت».
مسألة:
__________
(1) سورة (6/61)
صفحة 62
وإذا قبض الإمام الزكاة فمن وجبت عليه ثم افتقر الدافع لها فجائز للإمام أن يسلمها وما شاء منها إليه، وجائز للدافع لها أخذها من الإمام لأن الإمام إذا قبضها زالت عن دافعها عنه فرضها، فإذا صار في حال من تجوز له الزكاة جاز للإمام ردها إليه أو بعضها حال فقره، وكذلك لو مات الدافع لها وخلف ورثة فقراء فأعطاهم الإمام زكاة ميتهم أو شيئا منها جاز له ولهم ذلك، فإن قال قائل: لم أجزت ذلك؟ قيل له: بدليل الإجماع على أن الإمام إذا قبض من رجل زكاة ماله فجعلها في بيت المال ثم حدث به الفقر أن على الإمام أن يدفع إليه من بيت مال المسلمين، فإذا دفع إليه من بيت المال فقد صار إليه ما دفع أو شيء منه ولا فرق بين الكل في أكله إياه وبين البعض منها، والله أعلم.
فصل: وفي حديث عمر أنه كتب إلى عامل الصدقة: إذا وقف الرجل عليك غنمه فلا تغنم من ماله ولا تأخذ من أدناها وخذ الصدقة من أوسطها، وفي حديث آخر في صدقة الغنم يعتام صاحبها شاة شاة حتى يعزل ثلثها أو يختارها يقال أغنام الرجل من ماله، أي أخذ خياره وعتمة المال خياره. قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي *** عقيلة مال الباخل المتشدد
وقال آخر: والموت يعتام النفوس أولا فأوّلا، اعتامه وأعتما وأعتماه إذا اختاره، وقد أخذ عتمة ماله وخرزة ماله وعقيلة ماله، ويقال: تعتامه وتشتريه وتستميه بمعنى واحد من الاختيار، ويقال: تعتام ويعتم وهو من المقلوب.
الباب الخامس: في الزكاة من فرض القرآن والسنة (6/62)
صفحة 63
جاء عن الله عز وجل ذكر الزكاة في القرآن جملة وبينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أخرجوا صدقاتكم فإن الله قد أراحكم من الجبهة والسحة والتحة» (1) وفسرت أنها كانت آلهة يعبدونها في الجاهلية فسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذهب والورق ربع العشر، وسنّ أن لا زكاة على الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا ثم فيه نصف مثقال وهو ربع العشر، وإذا بلغ أربعين مثقالا ففيه مثقال وهو ربع العشر، وما كان أقل من عشرين مثقالا فلا زكاة، وسنّ في الورق ربع العشر، وليس فيما دون المائتين زكاة، فإذا بلغ الورق مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وذلك لكل ربع العشر، ومن طريق وعن الأعور عن علي عن النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مَائَتَا دِرْهَم وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يعنِي في الذّهب- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ». قال: فلا أدري، أعليٌّ يقول: "فبحساب ذلك"، أو رفعه إلى النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (2)
__________
(1) حديث: */ سيذكر عن سارية
(2) رواه أبو داود، بسنده ولفظه، باب في زكاة السائمة، ر1573، 2/100. والبيهقي، مثله، باب نصاب الذهب وقدر الواجب فيه إذا حال عليه الحول، ر7325، 4/137. (6/63)
صفحة 64
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْرَجَتِ الأَرْضُ العُشُرَ» (1) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : ««لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ صَدَقَةٌ» (2) . وذكروا عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «عفي لكم عن صدقة الخيل والرقيق فأدوا ربع العشر وفيما دون المائتي الدرهم زكاة» (3) يرجع إلى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب لوائل بن حُجر الحضرمي ولقومه من غريب الحديث إن شاء الله، وسن «أنه ليس في الذهب ولا في الورق وإن بلغ عشرين أو أربعين مثقالا فصاعدا، أو بلغت الورق مائتي درهم أو أكثر زكاة حتى يحول عليها عند مالكها حول كامل فيحول الحول وهي عنده وليس عليه فيها دين، وسن أن الزكاة في الذهب والورق تتكرر على مالكها في كل عام ما بقي من الذهب عنده عشرون مثقالا ومن الورق مائتا درهم، فإذا نقصت عن ذلك سقطت زكاتها، وسن أن الذهب تبره وعيبه سواء تجب فيه الزكاة إذا بلغ الذهب ما كان من تبر وعين عشرين مثقالا والورق مائتي درهم ففيه الزكاة ربع العشر، واختلفوا في الحلي من الذهب والفضة إذا كان مما يعار ويلبس فقال بعضهم: يزكى.
وقالَ آخَرون: لا زكاة فيه، ولم يختلفوا أنه إذا كان لا يعار ولا يلبس وكان ذخرا أنّ الزكاة فيه، والذي نقول نحن أن الزكاة فيه لازمة على الحالين كليهما.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة، عن شعبة عن حماد موقوفا بلفظه، ر10029، 2/371.
(2) رواه الترمذي، باب ما جاء في زكاة الخضروات، عن معاذ، وقال: إسناد هذا الحديث لا يصح، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة مرسلا. ر638، 3/30. وابن أبي شيبة، عن ابن عمر بلفظه، ر10035، 2/372.
(3) رواه أبو داود، عن علي بمعناه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، ر1574، 2/101. والترمذي، مثله، باب ما جاء في زكاة الذهب والورق، ر620، 3/16. (6/64)
صفحة 65
وفي الأثر: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أسماء بنت يزيد الأشعرية دخلت عليه ومعها خالة لها وعليها سواران من ذهب فقال: «أتزكيانه؟» فقالتا: لا، فقال: «أفتختاران أن يسوّركما الله سوارين من نار؟» قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته» (1) ، وقيل: إن الدينار الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو هذا المثقال الذي عليه الناس اليوم، ولم يختلف وزنه قبل ولا بعد، والمائتان التي تجب فيها الزكاة هي هذه التي قيل فيها وزن الخمسة فيها كالسبعة لأن المثقال لم يتغير وزنه فقيل لهم أدّوا عن كل مائتي درهم من الورق عشرة منها وزن كل سبعة مثاقيل خمسة منها.
__________
(1) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بمعناه، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، ر1563، 2/95. (6/65)
صفحة 66
وقالَ آخَرون: إن الدراهم كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درهمين البغلي والطبري وبهما جميعا إذا جمعا دراهما من وزن سبعة فأخذ المسلمون نصفها وهو هذا الدرهم فجعلت الزكاة على كل مائتي درهم من نصف هذين الدرهمين خمسة منها، والمعنين جميعا جائزان، وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الزكاة في الذهب والفضة على مالكها من الرجال والنساء وأنهم جميعا فيه سواء كانوا بالغين عقلاء، واختلفوا في اليتيم والمعتوه والشيخ الفاني الذي قد ذهب عقله، وذهب أصحابنا إلى وجوب الزكاة في مال اليتيم، و«سَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ مِنْ إِقِطٍ» (1) .
__________
(1) رواه الربيع، كتاب الزكاة والصدقة، باب (55) في النصاب، ر333. (6/66)
صفحة 67
وقيل: مما وجبت فيه الزكاة من الحبوب، وقيل: يعى كل مما يأكل ويعطيها الغني ويأخذها الفقير، وسن أن هذه الصدقة التي أمر الله بأخذها وأوجب عليه وعلى أمته فريضتها في بعض الأموال دون البعض وأنها في الإبل السائمة، والبقر السائمة، والغنم السائمة، وفيما أخرجت الأرض مما يقع منه في المكيلة فسن في الإبل السائمة إذا بلغت خمسة أبعرة ففيها شاة، ثم في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض، فإذا لم يوجد في الإبل ابنة مخاض فابن لبون ذكر ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستا وثلاثين ثم فيها بنت لبون، ثم في ست وأربعين حقة، ثم في إحدى وستين جذعا، ثم في ست وسبعين ابنتا لبون، ثم في إحدى وتسعين حقتان، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فزادت ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وصغار الإبل معتد بها على صاحبها كما يعتد عليها بكبارها، وسنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تؤخذ الصدقة من أوساط الإبل لا من خيارها وكبارها ولا من رذالها وصغارها، وتؤخذ من أوساطها فذلك عدل بين أعلى المال وأسفله، وسنّ أن تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم، وأنه كان يبعث إليهم المصدقين فيأخذونها منهم ويفرقونها على فقرائهم وأمرهم أن يصدروا المصدقون عنهم وهم راضون، وليس في الأوقاص صدقة وهي ما بين الفريضتين، وسنّ - صلى الله عليه وسلم - في البقر السائمة في الخمس شاة إذا حال عليها حول وهي مع ربها ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ عشرا ثم فيها شاتان، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ خمس عشرة ثم فيها ثلاث شياه، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ عشرين ثم فيها أربع شياه، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ خمسا وعشرين ثم فيها فريضة بقرة جذعة وهي سن بنت مخاض من الإبل، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ ستا وثلاثين ثم فيها ثنية وهي سن بنت لبون من الإبل، ثم في كل أربعين بقرة مسنة وما زاد على ذلك فبحسابه، وصغار البقر في ذلك وكبارها سواء (6/67)
صفحة 68
وليس في الأوقاص شيء، وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السائمة من الغنم أن في كل أربعين شاة شاة ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وعشرين فإذا زادت واحدة ففيها شاتان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة شاة، وليس في الأوقاص شيء، ولا يؤخذ خيار المال ولا أرذله ولكن بين ذلك، وسن - عليه السلام - أن صدقة الإبل والبقر والغنم إذا أتى عليها الحول ثم هي مكررة عليهم في كل حول على ما سن ما كانت على ما حد، فإذا نقصت عما حدّ فلا شيء فيها، وسن - صلى الله عليه وسلم - أن كل أرض أسلم عليها أهلها فهي أرض حرة فيما أخرجت العشر أو نصف العشر، وسن أن كل أرض فتحها المسلمون عنوة فقسمت بينهم أنها أرض حرة فيما أخرجت العشر أو نصف العشر، وسن - صلى الله عليه وسلم - أن من أحيا أرضا ميتة فهي له وهي أرض حرة فيما أخرجت العشر أو نصف العشر، فهذه أرضون ثلاث سن فيها - صلى الله عليه وسلم - أن فيما أخرجت مما يسقى بالنواضح والدوالي والسواقي إذا كان ذلك مما يقع في المكيال نصف العشر، وفيما أخرجت مما سقت السماء ويسقى بالعيون والسبح من المياه العشر، النواضح واحدها نضح، ونضح وهي الحياض يكون قرب البئر ويكون الإفراغ فيها من الدلو ويكون عظيمة، ومن الماء يكون ترفا قال الأعشى:
فغدونا عليهم بكرة الورد *** كما يورد النضح الهياما (6/68)
صفحة 69
والناضح الجمل الذي يسقى عليه الماء لعلها ليفرع للفرق في الحوض، والسّبح ماء ظاهر أعلى الأرض يسقى به، والغرب أعظم من الدلو وفيما يسقى به نصف العشر، وعنه في الأثر المحفوظ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، -والوسق: ستون صاعا بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيما دون خمس من الذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة -والوقية: أربعون درهما-»، وسن أن هذه الصدقة تؤخذ من أهلها حين يقاسمونها وقبل أن يحول عليها الحول ثم لا يؤخذ منها صدقة بعد ذلك ما أقامت تلك الثمار معهم وأنه لا يتكرر عليهم صدقتها كما تتكرر عليهم صدقة الإبل والبقر والغنم السائمة في كل حول، وهذه هي الصدقات التي فرضها الله تعالى في كتابه على عباده لمن سمى من الأصناف الثمانية، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأله وهو يقسم صدقة فقال له: إن كانت من الأصناف الثمانية وإلاّ فهو داء في البطن وصداع في الرأس وأنه أخذ شعرات من جنب بعير من الصدقة فقال: ليس لأمير ولا مأمور من الصدقات شيء بعد هؤلاء الشعيرات إلا أن يكون من الذين ذكر الله في كتابه، وعن قوله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} (1) فالغول الخيانة.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/69)
صفحة 70
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشُرِ» (1) ، ولا يجب حتى يبلغ النصاب وهو من الورق مائتا درهم ومن العين عشرون مثقالا هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (2) والذود خمس من الإبل، والوقية أربعون درهماً، والوسق ستون صاعاً، ولولا الإجماع لوجبت الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب أو فضة، «وَفِي الرِّقَّةِ رُبعُ العُشُرِ» (3) ، وليس في ظاهره ما يدل على أن لا صدقة فيما دون عشرين مثقالا ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال الله تعالى: {الذين يكنزون الذهب...} (4) فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منها أو إنفاقها، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وفي الرقة ربع العشر» بيان للمقدار الذي يجب أن تخرج فيه، ثم أجمعت الأمة على بيان ثان أنه لا يجب أن يخرج من هذا المال ربع العشر حتى يكون المقدار الذي اجتمعوا عليه وهو عشرون مثقالا أو مائتا درهم.
الباب السادس: فيما تجب الزكاة فيه وما لا تجب فيه، وعلى من تجب وعلى من لا تجب
__________
(1) رواه البخاري، عن أنس عن أبي بكر بلفظه من حديث طويل، باب زكاة الغنم، ر1386، 2/527. وأبو داود، مثله، باب في زكاة السائمة، ر1567، 2/97.
(2) سبق تخريجه في حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍٍ صَدَقَة...».
(3) أخرجه الزيلعي: نصب الراية، وقال: كتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنس بن مالك رواه البخاري في صحيحه وفرقه في ثلاثة أبواب متوالية عن ثمامة أن أنسا حدثه أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، 2/335. وسيذكر مُجزءا عن البخاري وغيره، وهو أغلب أحاديث هذا الكتاب.
(4) سورة (6/70)
صفحة 71
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فِي الإبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، /91/ وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبزِّ صَدَقَتُهُ» (1) , وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: «عفي لكم عن صدقة الخيل».
فقَال قَوم: هذا عموم. وقالَ آخَرون: إذا لم يكن للتجارة، وقال أبو عبد الله: ليس في إجارة الأنفس والعبيد والدواب والأرض في الزارعة صدقة ولكن في المشاركة وأما بالإجارة فلا، ولا زكاة في الإجارات كلها ولا تكمل الزكاة بها، ولا تجب في مال زكاتان، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا ثنا في الصدقة» (2) قال الأصمعي: هو مقصور بأرثنا بمعنى لا يؤخذ في السنة مرتين. قال كعب بن زهير يذكر امرأته وكانت لامته في بكر نحره:
... أفنى جنب بكر قطعت ... سلامة ... لعمري لقد كانت ملامته ... ثنا
__________
(1) رواه أحمد، عن أبي ذر بلفظه، ر21597، 5/179. والبيهقي في الكبرى، باب زكاة التجارة، ر7389، 4/147.
(2) حديث: */ (6/71)
صفحة 72
يقول: ليس هذا بأول وكل لومها قد فعلته قبل هذا وهذا ثناء بعده، وكل غائب فلا زكاة في ماله من الورق والذهب حتى يعرف ما عنده لعله قد حدث له دين أو سبب زالت عنه الزكاة، وأما الثمار فلا تقاس بهذا لأنها واجبة على كل حال في الذي تجب فيه من النخل وغيرها من الأرض والثمار، ولا يرفع ما يلزم صاحبها من الدين، وقال محمد بن محبوب: في رجل عليه عشرة آلاف درهم وله عشرة آلاف درهم عنده عين يزكيها بعمان ثم غاب وخرج في المصر في عُمان عشر سنين أقل أو أكثر وكان يريد أن يقضي تلك العشرة آلاف درهم التي عليه فبقي عنده، فلما قدم عمان طلب منه المصدق زكاة المال لما مضى فاحتج أنه كان أراد أن يقضي به ذلك الدين، فقال أبو عبد الله: لا زكاة عليه في هذا المال حيث أراد أن يقضي به دينه هذا، وقيل: في رجل مات وترك مالا وله ولد مملوك أنه لا زكاة في ذلك المال حتى يعتق العبد ويصير إليه المال ويحول عليه الحول مذ ملكه وهو مما تجب فيه الزكاة ثم تكون فيه الزكاة ولا زكاة عليه فيما مضى من السنين إلا أن يكون الميت قد كان يؤدي الزكاة من ذلك المال ثم بقي مجتمعاً وقد جاء وقت زكاته ففيه الزكاة إذا كان له ورثة، ولا زكاة فيما أصاب الناس من اللؤلؤ والجوهر والعنبر وجميع الطيب لا زكاة فيه من عوض وغيره إلا أن يكون للتجارة فيحسب قيمته عند جميع ما كان له من التجارة أو بيعه بدراهم أو ذهب فيحمل على صدقته وإن كان مما لا يؤدي الصدقة فيه فحتى يحول على مائتي درهم من ثمن ذلك أو أكثر ثم تجب فيه الزكاة، وكذلك لا زكاة فيما استخرج من المعادن من أنواع العروض في الذهب والفضة فإذا أصاب من ذلك ما تجب فيه الزكاة وحال عليه حول أعطى زكاته، وأما ما أصاب من التراب الذي يعالج بالنار من الذهب والفضة فعليه زكاته من كل أربعين درهماً درهما فإذا أصاب مائتي درهم وحال عليها حول عنده فعليه زكاة ذلك خمسة دراهم، والجوهر والعنبر وجميع الطيب لا زكاة فيه، ولا زكاة في (6/72)
صفحة 73
درهم لقوم من ذم حتى تبلغ لكل إنسان مائتي درهم ويحول عليها حول مذ صارت إليه تلك الدراهم، وإذا كان صفر من معادن يتنازع فيه قوم وهو موقوف مذ ثلاث سنين فلا زكاة فيه لأن هذا مال بين قوم كثير وليس هو ذهباً ولا فضة ولا للتجارة، ومن حلت عليه الزكاة في وقت وله معدن فأخرج منه جوهراً وصفراً فليس نرى عليه زكاة لأن هذا بمنزلة رجل عليه زكاة ورق وله ثمرة من ماله فليس تحمل عليه ثمرة ماله حتى يحولها دراهم، فإذا صارت دراهم وحضر وقت زكاته حسبها في زكاته، وكذلك الجوهر والصفرة لا زكاة فيه حتى يصير دراهم فعند ذلك يحسب عند زكاته في وقتها إن شاء الله.
مسألة:
ولا صدقة في الفطر على الرمان، وقال بعض الفقهاء: إن فيه الزكاة إذا بلغ ثلاثمائة مرة، ولا زكاة إلا في العنب على ما يجب، ولا زكاة في الخيل ولا البغال ولا الحمير والعبيد ولو كثر عددهم إلا ما كان من هذه الأنواع متخذا للتجارة ففي ذلك الزكاة عند محل زكاة أربابها.
مسألة:
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «وليس في الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ، ولا في النخة صدقة، ولا في الكسعة صدقة» (1) فالجبهة الخيل، والنخة الرقيق، والكسعة الحمير. قال الكسائي وغيره النُخة برفع النون وفسّرها البقر العوامل، وقال الخليل: النخة والتخة لغتان وهو اسم يقع على الحمير، وذكر الحديث، وقال الفراء: النخة أن يأخذ المصدق ديناراً بعد فراغه من الصدقة، وأنشد:
... عمى الذي منع الدينار ... صاحبه ... *** دينار نخة كلب وهو ... مشهود
__________
(1) رواه الربيع، عن ابن عباس، ر338، باب (57) بَابُ مَا عُفِيَ عَنْ زَكَاتِهِ، بلفظ: «لَيْسَ فِي الْجَارَّةِ وَلاَ فِي الْكُسْعَةِ وَلاَ فِي النُّخَّةِ وَلاَ فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ». (6/73)
صفحة 74
وفي رواية عن سارية الحلحلى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أخرجوا صدقاتكم فإن الله قد أراحكم من الجبهة والسخة والنخة»، وفسّرها أنها كانت آلهة يعبدونها في الجاهلية، والجهة اسم يقع على الخيل لا يفرد، وعن الخليل يقال الكسعة يقال هي الحمير، وقال غيره: الكسعة الحمير بأعيانها ولا زكاة فيما تؤدى من المال حتى تصح سلامته عند ربه في وقت قد لزمته زكاته فيعطي زكاته وأحب لا يؤخذ من وكيل الغائب زكاة مال الغائب إلا أن يكون الغائب أمره بذلك وأعطاه هو برأيه لأن الغائب لا تعرف حجته وكذلك المؤتمن ليس عليه إخراج الزكاة من أمانته، وقال أبو عبد الله: ليس في أموال أهل الذمة فلا تجتمع عليهم الزكاة والجزية، وقال أبو الحواري: وقال بعض الفقهاء: إذا كانت الأموال التي في أيدي أهل الذمة صارت إليه من أهل الصلاة فإذا بلغ فيها الزكاة أخرجت منها إذا كانت تجري فيها الزكاة من قبل، وبهذا نأخذ، وإذا اشترى العرب أرض نصارى بني تغلب فعليهم في تلك الأرض الخمس لأنها أرض خراج، والذمي إذا اشترى أرض مسلم كان عليه فيها الصدقة إذا بلغت فيها، وإذا كان مال مشاع بين أخوين فاجتمع لهما من غلته مائتا درهم وحال عليهما الحول فلا زكاة عليهما فيها، والجوهر والحديد والصفر إذا كان يتجر فيه ففيه الزكاة.
مسألة: (6/74)
صفحة 75
وم اشترى طعاماً بألف درهم فحبسه فكسد وحضرت زكاته فإنه يخرج منه عن كل أربعين قفيزا قفيز، وقد أجزأ عنه وما كان من يبيع يستطيع أن يخرج منه من كل أربعين واحدا لا يكون فيه نقصان ولا فضل فلا أرى بأسا، وأما الثياب والجوهر فمن فعل ذلك به لم يستطع أن يقوّم ذلك حتى لا يكون فيه فضل ولا نقصان فيعطى حينئذ من رأس المال، ومن اشترى بيعاً بألف درهم للتجارة فحبسه إلى الحول وحلت فيه الزكاة فإنه يزكى من رأس المال الذي اشترى به وأجزأ عنه وهو قول أبي عبيدة، وكان ضمام يقول يقوّم ويخرج زكاته قدر قيمته يوم يخرج زكاته، فإن رخص المتاع فكان ثمنه خمسمائة درهم زكى عن رأس ماله يوم اشتراه إلا أن يبيع بسوق يومه ثم يجعلها مع دراهمه فيها عما اجتمع في يده ولا تكون الزيادة في ذلك مثل النقصان لأن المال إذا كان فيه ربح قوّم يوم حلت زكاته فأعطى من قيمته يومئذ، وإن شاء أعطى من رأس المال كل ذلك جائز، وأحب أن يعطي من قيمته يوم حلت زكاته، وأما إذا كان المال فيه وضيّعه فعليه الزكاة من رأس المال الذي اشترى به المتاع إلاّ أن يبيع قبل أن تحل زكاته بوضيعته بسوق يومه ثم لا تكون عليه زكاة إلا فيما في يده، وما كان من متاع أو رقيق أو طعام أو دواب أو غير ذلك اشتراه رجل للتجارة فحلت الزكاة فليخرج من رأس مال ذلك المتاع وإن كان فيه ربح فله، وإن كان فيه وضيعة فعليه وإنما يخرج من رأس المال، وإذا لقط خادم رجل وولده من الثمرة ما تبلغ فيه الزكاة فإن كان أذن له بلقطه فعليه الزكاة إذا بلغت عليه، وإن كان أصحاب الثمرة لقطوا ما أرادوا من تمرهم ثم يزكوا بقيته فلقط هي ما تبلغ فيه الزكاة ففيه الزكاة وإن كان لقط من تمر الناس بلا طيبة من أنفسهم ما تبلغ فيه الزكاة فلا زكاة فيه عليه، ومن لم تبلغ عليه في ثمرته الزكاة وقد لقط ولده وخادمه ما إن ضمّه إلى تمره بلغت فيه الزكاة، فإن كان التمر لقطه ولده أو خادمه من تمر الناس كله خالصا فالزكاة عليه، وإن (6/75)
صفحة 76
كان تمره وتمر الناس مختلطاً فعليه الزكاة.
مسألة:
والمشرك إذا أسلم فعليه الزكاة إذا حلت عليه السنة من يوم أسلم، ومن اشترى مالا بعدما حلت عليه الزكاة إلا أنه لم يعطها فعليه الزكاة فيما أعطى في شرائه، ومن كان في يديه زكاة دراهم فترك زكاته عامداً حتى ذهبت الدراهم ثم بدا له الآن التوبة فعليه أن يؤدي ما كان ضيع من الزكاة، وإذا كان رجل وامرأة مشركين من أهل الكتاب ثم صلّى الرجل ثم وقع على امرأته بعد ما صلى وهي مشركة ثم أسلمت المرأة بعد ذلك ثم عرف الرجل الإسلام فأخبر أنه حرام فأبى أن يطلقها فإنه تؤخذ منه الزكاة وهو مقيم على ذلك، ومن شاء خلطها بزكاة المسلمين، وقيل: إذا تبين له حظوة ومنزلته من المسلمين فلا أرى بأسا أن تؤخذ منه وإن لم يبينوا له منزلته من المسلمين فلا يؤخذ منه شيء حتى يتوب ويرجع عن ذلك، ومن ضيع صدقته سنين فلما حضرته الوفاة أقرّ أني لم أؤدّ زكاتي مذ كذا سنة فعليّ كذا وكذا درهما وأوصى بوصايا حسبت مع زكاته فتعدت الثلث وكره الورثة أداء الزكاة فأمّا هاشم فرأى أن الزكاة تامة والنقض فيما بقي، وأما الأزهر بن علي فرأى النقض في جميعه وحفظ ذلك عن سليمان بن عثمان، وأمّا موسى فقال: كل من ثبت عليه شيء في حياته في صحته من صدقة ماله فإنه يؤخذ من رأس ماله، ومن كان له مال يبيع منه رطبا وبسرا قيمة عشرين درهما أقل أو أكثر ويشتري بالبسر والرطب سمكا أو غيره قيمة خمسين مكوكا بسرا أقل أو أكثر فلا زكاة عليه فيه، ومن حال بينه وبين ماله سلطان أو غيره فما لم يكن في يده من ثمرة ماله ولم يأمر بزكاته ولا كان له فيه وكيل يأمره لم ير منه زكاته، وأما دراهمه فإذا حال شهره الذي يزكي فيه فإن كان في يده أخرج زكاته وإن كان في يد وكيل أو أمين فالزكاة عليه نسخة فلا زكاة عليه ومتى قبضه أخرج زكاته أو يأمر من يخرجها عنه والله أعلم بالصواب.
مسألة: (6/76)
صفحة 77
ومن كان معتقلا في الرهائن وله مال تجب عليه فيه الزكاة من الحب والتمر والدراهم إذا أطنى المال وله ولد بالغ أو غير بالغ ثقة أو غير ثقة وزوجة ثقة أو غير ثقة فأمرهم بإخراج الزكاة من ماله من الحب والتمر والدراهم إذا أطنوا ماله، فإن كانوا ثقاة وأخرجوها أجزاه، ولا يجزيه إن كانوا غير ثقاة وإن كان الحب والتمر إنما ينفذ بأمره في حوائجه ثم كتبوا الزكاة ولم ينفذوها فالزكاة تلزمه لأنها ماله وبلغت الثمرة بأمره وإن لم يكونوا أخرجوها أو كانوا غير ثقة، وإن كان لا يأمر في الثمرة ولا ينهى وكان إذا أمرهم فعلوا خلاف أمره وتلفت الثمرة على أيديهم لم تلزمه الزكاة لأنه بمنزلة مال تلف إلاّ ما أردك منها فعليه زكاة ما أدرك، ومن أصاب تمرا أو لقط أولاده مبلغ ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه وفيه اختلاف، وكذلك إن أصاب من ماله حبا أو أطعمه قوما سنبلا حتى وجبت عليه الزكاة بالذي أطعم فلا زكاة عليه، ومن كان معه خمسمائة درهم كانت تجري عليه الصدقة فاشترى بها غلاما ثم باعه بالسنة بألف درهم يأخذ كل سنة مائة درهم فلا صدقة عليه حتى يجتمع في يده مائتا درهم ويحول عليها في يده حول ثم عليه الصدقة فيما في يده وفيما قد حل وليس فيما لم يحل صدقة، ومن كتاب أبي قحطان سألت أبا عبد الله عن رجل كان معه خمسمائة ردهم يزكيها فاشترى بها متاعاً ثم باعه بألف درهم إلى عشر سنين تحل له في كل سنة مائة درهم، قال: فإذا جاء وقت زكاته قد حل له من حقه مائة درهم أخرج زكاته ثم كلما أخذ مائة درهم أخرج زكاتها حتى يستوفي في الخمس مائة درهم التي هي رأس ماله، فإن جاء الحول فأخذ مائة درهم من الربح وقد أتلفت بخمسمائة لم يكن عليه في مائة درهم زكاة حتى يحول على مائتي درهم منها حول وهما في يده أو قد حلتا له، وإن كانت الخمسمائة درهم التي هي رأس ماله لم يكن يزكيها قبل ذلك فلا زكاة عليه في المائة التي يأخذها حتى يحول على مائتي درهم حول وقد قبضها أو حلتا (6/77)
صفحة 78
عليه، وفي موضع آخر شيء لم أنقله في هذه المسألة، وذكر هاشم عن موسى أنه قال ليس في الحشف زكاة. قال هاشم: الحرث مثله والتين والقصب وأشباه ذلك مثله، فمن أخرج الحشف من التمر فليعط من التمر الذي قد خلص منه الحشف، فإن أعطى من تمر غير منقى حسب بما أخرج من التمر الأول من الحشف ثم أعطى منه جميعا، وقال: إن موسى وبشيرا كانا لا يريان فيما أعطى كنى فأكل رطبا زكاة، وإنما الزكاة في التمر، وقال: إن علم التمر كم هو أخرج المطني تمرا وإن لم يعلم ربّ المال كم التمر وغاب حفظه أخرج من الدراهم وقال: بلغني أن الفضل بينهما سواء نصفان وإذا رفع رجلان دراهم لهما مع رجل أمانة لهذا مائة درهم ولهذا مائة درهم فخلطاها ثم وضعاها معا وحال عليها سنة فلا زكاة عليهما خلطاهما أو خلطها الأمين، ومن باع ثمرة نخلة بألف من قطن أو بأربعة أبعرة ففيه الزكاة إذا كان كيلا معلوما إلى أجل معلوم وشيء معلوم أو وزن معلوم فهو جائز، وإذا كان كذلك وحال حول بعد محله وكان قطنا وكانت قيمته مائتي درهم أو أكثر ففيه الزكاة عن كل مائتي درهم إذا كان يريد به التجارة وإن كان بغلام فكذلك وكذلك الأبعرة، وأما إذا كان يدا بيد يريد به التجارة فإذا حال حول منذ قبضه ففيه الزكاة على ما وصفت لك وما لم يرد به التجارة فلا زكاة فيه إلاّ أن الأبعرة إذا حالت حولا وهي خمسة أو أكثر ففيها زكاتها عن كل خمسة شاة وإن كانت أقل من خمسة فلا زكاة فيها إلاّ أن يريد بها التجارة فيعطي زكاتها من قيمتها من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وقال أزهر ومسبح في رجل له مال وعامل فمنح عامله أرضا فزرعها إنه ليس على ربّ المال زكاتها ولكن إذا بلغ فيها أعطى زكاتها الزارع، ومن باع ذرة قبابا فلا زكاة عليه ولا زكاة عليه فيما أكل من الرطب والبسر إلاّ ما صرم تمرا وجمع أو بسرا مقلواًّ أو مطبوخاً، يقال: قلوت وقليت وبهما لغتان فهو مقلو ومقلي، والزرع مثل ذلك لا شيء فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، (6/78)
صفحة 79
والعنب مثل ذلك ما أكل منه رطبا فلا شيء فيه حتى يكون زبيبا، والزبيب والحنطة والشعير والذرة مثل ذلك، ون باع نخلة بسرا ثم أتمر على النخل فالزكاة على صاحب الأرض، وإذا باع بسرا فصرم بسرا فلا زكاة عليه إلاّ أن يكون عنده دراهم قد حلت زكاتها فإنه يضمها معا ثم يخرج منها جميعاً وإن لم يكن عنده دراهم قد حلت زكاتها فليس فيما باع من البسر زكاة حتى يحول عليها الحول فإذا حال عليها الحول وقد أنفقها وبقي عنده مالا تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه، وإن باع فصيلا فلا زكاة فيه إلاّ أن يكون معه دراهم قد حلت فيها الزكاة فيضمها إليها.
مسألة:
والعنبر واللؤلؤ لا شيء فيه على من أصابه حتى يبيعه ويصير ثمنه ذهبا أو فضة ويحول عليه الحول إلاّ أن يكون له مال قد وجب إخراج زكاته فيضم ثمن اللؤلؤ والعنبر إذا باعه فيخرج منه أيضا، وعن عمر بن عبد العزيز في العنبر الخمس، وكذلك قال الحسن ويعقوب، وإذا كان للمرأة لؤلؤ وياقوت وزمرد فلا زكاة فيه وإن كثر ثمنه إلاّ ما اشترى منه للتجارة، ومن عليه ألف درهم وفي يده ألف درهم ورق وله مال ونخل ودور قيمة عشرة آلاف درهم فلا زكاة عليه في الألف الذي معه لأن عليه ألف درهم، ومن كان له نخل ودور فلا يحاسب بالنخل والدور، ولا زكاة على الرجل فيما أخذ السلطان من ثمرته فإن باعها هو وأخذ السلطان الثمن كله فالزكاة عليه، وإن باعها أخذ من أهله وأخذ السلطان الثمن فلا زكاة عليه فيما أخذه السلطان، ومن باع ثمرة نخل ولم يشترط الزكاة على المشتري ولم يعلم كم أخرجت أرضه من الثمرة فإنه يخرج من الدراهم من كل عشرة دراهم درهما فيشتري به تمرا ثم يفرقه فهو أفضل، فإن فرق الدراهم أجزأ عنه. قال أبو عبد الله: إنما له أن يفرق في موضع ليس فيه دعوة المسلمين ظاهرة، ومن له زرع فجمعه ونقاه وكال بعضه ثم جاء سلطان فأخذه كله ما كال منه وما لم يكل فإنه يلزمه ما كال ولا يلزمه ما لم يكل.
مسألة: (6/79)
صفحة 80
وقال الشافعي: لا زكاة في الخيل، وقال أبو حنيفة: تجب في الخيل السائمة إذا كانت إناثا أو إناثاً أو ذكرانا في كل فرس دينار أو ربع عشر قيمته الحجة عليه قوله - عليه السلام - : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (1) ولأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت فلم تجب في ذكورها وإناثها كالبغال والحمير وعكسه المواشي، فأما قوله - عليه السلام - : « فِى الْخَيْلِ السَّائِمَةِ فِى كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ» (2) فهو خبر ضعيف رواه غُورَك [بن الْحِصْرِم] السعدي وهو مجهول لا يحتج بخبره على أنه مجهول على الخيل السائمة إذا كانت للتجارة.
مسألة:
ولا زكاة في الخيل والبغال ولا الوحوش كلها ولا النبق ولا البصل ولا الرمان ولا التين ولا في بيع البسر ولا الرطب، وقال أبو المؤثر: ولا في السمسم ولا الجرجر ولا الأحيل والماس والحمص والقرماش ولا الفلفل وما يشبهه مما هو قرون أو ليس مثل السمسم إلاّ من أراد أن يحتاط لنفسه، وللرجل أن يبع من ثمرة نخله رطبا وليس فيما بيع فأكل رطبا أو بسرا زكاة، وليس للوالي أن يمنعه من البيع ولو أن رجلا باع علف ذرته بألف درهم لم يكن فيه زكاة.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن أبي هريرة بلفظ قريب، ر338، باب (57) بَابُ مَا عُفِيَ عَنْ زَكَاتِهِ. وأبو داود عن أبي هريرة بلفظه، باب صدقة الرقيق، ر1595، 2/108.
(2) رواه الدارقطني عن جابر، في الزكاة، ر2042 وقال: "تَفَرَّدَ بِهِ غُورَكٌ عَنْ جَعْفَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَنْ دُونَهُ ضُعَفَاءُ". ورواه البيهقي، مثله، في كتاب الزكاة، ر7669. (6/80)
صفحة 81
والزكاة في التمر والزبيب والبر والشعير والذرة والسلت هو الشعير الأقشر، وقال غيره: وإن الزكاة أيضا في الدخن واللوبيا والجرجر والحندر والمنبج وهو الماش والسمسم والعدس والحمص وهو المعمول به، وقال من قال من الفقهاء إن الزكاة في الحبوب كلها، وعن أبي عبيدة أنه كان لا يرى في شيء من هذا زكاة ولا يحمل شيء من هذا على شيء إلاّ الشعير فإنه يحمل على البر.
وقالَ آخَرون: يحمل بالمحاسبة ما جرت عليه الصدقة، وقال أبو عبد الله: كان ضمام راوية جابر رحمهما الله يقول ليس الزكاة إلاّ في سبعة أنواع من الثمار في البر والشعير والسلت والذرة والدخن والتمر والزبيب، وكان الربيع ومحبوب يقولان الصدقة في جميع ما كيل بالصاع إلاّ البذور ومثل حب الشوران وبذر القب والبقل والبصل وأشباه ذلك من البذور، قال: وأنا آخذ بقول الربيع ووالدي، وقال من قال من الفقهاء الصدقة أيضا في السمسم والعدس والدخن والدرسق والماثر واللوبيا والجرجر.
مسألة:
وقال الفضل: الاختلاف معنا في الزكاة في ستة أنواع، التمر والزبيب والحنطة والشعر والذرة والسلت، ولا نفرق في الأرز والجرجر والسمسم والأحيل زكاة إلاّ على قول من يقول إن السلت جميع الحبوب، ومن غير الضياء وعن أبي عبد الله محمد بن الحسن رجل لزمته زكاة في حب دون وحب جيّد أيجوز له إخراج الحب الدون بالقيمة عما يلزمه من الحب الجيد إذا كان من جنس واحد أم لا؟ الجواب: ليس له ذلك وليؤد الزكاة من الأفضل أفضل له، والأمر من كل جنس قسط وبالله التوفيق.
مسألة: (6/81)
صفحة 82
في رجل لزمته زكاة ذرة فأعطى عن ذلك برا أيبرأ من تلك الزكاة أم لا؟ الجواب: بل هو مؤد لزكاته لأنه قد فعل الأفضل، وعن أبي علي الحسن بن سعيد بن قريش من كانت تلزمه زكاة برٍّ يجوز أن يخرج عنها ذرة بالقيمة أم لا؟ قال: يجوز ذلك على بعض القول، وعن أبي عبد الله محمد بن الحسن في رجل يجتمع عنده زكاة من ذرة وشعير وخلط بعضها على بعض ودفعها إلى الفقراء؟ الجواب: ما أرى جواز ذلك لمن فعله.
مسألة:
قال: وكذلك المرء يخرج زكاته من كل صنف منه والأفضل أفضل، وإن أخرج من الدون ونظر القيمة جاز له ذلك.
مسألة:
ومن أخذ من نخلة رطبا وبسرا وباعه لرجل واستوفى الثمن وجعله المشتري في الشمس حتى صار تمراً وبسرا فقال محمد بن هاشم: ما نرى عليه زكاة، ومن أطنى نخلا فالزكاة على صاحب المال ولا زكاة تكون على المشتري، وقال أبو مروان: في النخل إذا تغيبت ثمرتها فلا يؤكل منها شيء إلاّ بكيل معروف لأن فيه الزكاة، وقال من قال: يؤكل منه وليس فيما يؤكل زكاة، وقال: يؤكل من المصطاح الرطب والخمل ولا زكاة فيه، وإن باع من الرطب بسمك يؤكل أو يبقل أو بشيء فعليه الزكاة.
مسألة:
وما أكل الناس من نخلهم رطبا وبسرا فلا زكاة عليهم فيه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز لربّ المال أن يأكل الرطب والبسر ولا زكاة فيه وذلك إن صح رخصة منه وبعض أصحابنا قد أوجب ذلك.
مسألة: (6/82)
صفحة 83
ومن لا يؤدي زكاته وهو يعرف أنها عليه واجبة ثم رجع وأعطى الزكاة فليس عليه ما مضى لأنه ليس عليه أن يعيد الصلاة فيما مضى والصيام مع سائر الأمور إلاّ التوبة، ومن كان له زرع تجب فيه الصدقة فسرق رجل منه شيئا واستهلكه ثم تاب إلى الله وردّ مثله عليه ومبلغ ذلك عشرة أصواع فإنه تجب عليه فيه الصدقة، ومن حصد زرعه ثم إن رجلا أحرقه ثم غرم له دراهم فعن أبي جعفر أنه لا صدقة فيها فإن أعطاه حبا ففيه الصدقة وإن كانت الزراعة لم يدرك فأعطاه حباً فلا صدقة فيه لأنه إنما غرم له تبنا، وقال أبو الحواري: من سرق له سنبل وهو تجب فيه الزكاة فغرم السارق حبا غير ذلك السنبل فلا زكاة في هذه الغرامة كانت ثلاثين جربا أو أكثر، وقال محبوب: لا نرى على المؤتمن زكاة في أمانته إنما ذلك إلى ربّ المال إلاّ أن يكون رجل في يده مال اليتيم وهو يليه فإنه يخرج زكاته، وإن كان في يده مال مؤتمن عليه يعلم أن صاحبه لا يؤدي زكاته فلا نرى أن يمسك مالا لا يخرج، ومن له مال كثير من المسلمين ولم يؤد زكاته متعمداً فإنه يؤدي زكاة ماله.
مسألة: (6/83)
صفحة 84
ومن أقر بالإسلام ثم ترك الصلاة والزكاة والصيام متعمداً ثم تاب بعد ذلك فقال الربيع: يعيد الصلاة والصيام والزكاة فإن تركها جاهلا فعليه أداء ذلك كله لأنه لا يسعه جهل شيء من هذا كله. قال أبو عبد الله: وعليه الكفارة لما ترك من الصلاة والصيام متعمداً إن كان مقراً بما فرض الله تعالى عليه منهما، وإن كان مرتدا فلا كفارة عليه، وكذلك إن كان متأولا أنه لا صلاة عليه ولا صيام وهو يدين بذلك فلا كفارة عليه، ومن كان معه مائتا درهم مضاربة لكل رجل مائة درهم فخلطهما وعمل بهما وأتى عليهما حول فلا نرى فيها زكاة، ومن كان في يده دراهم مضاربة لرجل فاشترى بها أربعين شاة يريد بها الربح فبقيت الغنم في يده حولا فإنه يقوّم الغنم ثم يعطي الزكاة من الدراهم كذا عن أبي عبد الله وأبي الوليد دراهما، وإن كانت الغنم أقل من مائتي درهم فليس فيها شيء. قال أبو عبد الله: إن بلغ فيها الزكاة ففيها شاة وإن لم يبلغ وكان له دراهم غيرها قوّمت الغنم ثمنا ثم حملت الدراهم على ثمن الغنم فإن بلغت مائتي درهم ففيها الزكاة، ومن كان عنده لرجل رأس مال فضارب به فربح قال أبو علي: على صاحب المال في رأس ماله وفي حصته من الربح الصدقة وليس في حصة المضارب صدقة حتى تبلغ حصته مائتي درهم ثم يحول عليها الحول، وعن أبي علي أنه لم يكن يرى في حصة المضارب صدقة ولو تمت مائتي درهم حتى يقسمها، وقال أبو عبد الله: ما تقول أتى عليّ ناس وما أحسن ما قال أبي عليّ إن المضارب لا شيء له حتى يقسما، لأن المال لو رجع إلى الوضيعة لم يكن للمضارب شيء حتى يستوفي صاحب المال رأس ماله، ومن لم يكن يخرج الفطرة عن عبد له ثم باعه فلا زكاة في ثمنه إنما عليه أن يخرج الفطرة التي كان ضيّعها.
مسألة: (6/84)
صفحة 85
الزكاة لا تجب إلا على المخاطب بها من أهل الإسلام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن فقال: «إنك مأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» (1) فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا أن الزكاة إنما خوطب عليها من استحق اسم الإيمان، وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين وإنما تؤخذ منهم ما وثقوا عليه من العهد بينهم وبين المسلمين والأرض الخراجيّة إذا بلغت فيها الزكاة كانت الزكاة في الكل ولا يسقط الخراج شيئا من الزكاة لأن الخراج بمنزلة الإجارة للأرض فأرض عُمان ليس أرضا خراجية.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري، عن ابن عباس بلفظ قريب، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ر1395، 2/133. ومسلم، مثله، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ر19، 1/50. (6/85)
صفحة 86
وإذا كانت نخل الرجل من أهل الذمة ثم اشتراها المسلم فأعطى منها الصدقة ثم بدا للمسلم أن يبيعها من بعد لذمي ففي ذلك اختلاف، فقال بعض: لا يمنع الذمي من ذلك كله، وقال بعض: إن أراد المسلم أن بيع مال في أهل الذمة فليشترط صدقة المسلمين وإلا فلا بيع، ووجدت في بعض الآثار أن المسلم إذا باع ماله الذي تجب فيه الزكاة على ذمي أن الزكاة تلزم المسلم البائع في قول بعض المسلمين والله أعلم، وإذ ... ا كان مال للعرب تجري فيه الزكاة فلا نرى بأسا أن يبيعوه من أهل الذمة ولا بأس أن يشتروه من أهل الذمة إذا كان في أيديهم ثم يرجع عليهم ففيه الزكاة، وأيّما أرض أو دار اشتراها أهل الذمة من العرب فلهم أن يبيعوها من العرب وليس للعرب أن يشتروا شيئا من أموال أهل الذمة لأن فيه الجزية والله أعلم، وعن ابن محبوب أن أهل الذمة إذا اشتروا من المسلمين أرضا فزرعوها أو فسلوها فأخرج الله تعالى منها ثمرة فإنه فيها الزكاة، قال: وكذلك إذا اشتروا منهم بقرا أو غنماً قد كانت تجري عليها الزكاة ففيها الزكاة.
مسألة: (6/86)
صفحة 87
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لَيْسَ فِي مَالٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَولُ» (1) واختلف في الزيادة على المائتين فقال موسى بن علي: حتى تصير أربعين درهما بعد المائتين وأربعة دنانير بعد العشرين، وكذلك في الحبوب، وقال محمد بن محبوب: ما زاد فبحسابه في جميع هذا. قال الشيخ أبو محمد رحمه الله: وعندي أن موسى بن علي تعلق بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍٍ صَدَقَة»، وإذا زاد على المائتين زيادة فعلى قول موسى بن علي إنه لا زيادة عليه في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما، وقال محمد بن محبوب: ما زاد فبحسابه، وذهب موسى إلى أن الأربعين خمس المائتين وأن الزكاة جعلت أخماساً فعلى كل أربعين درهما درهم، وكل من عجز ماله من حب ودراهم عن النصاب بشيء يسير فلا تجب عليه الزكاة حتما فإن احتاط لنفسه ودفع فحسن إن شاء الله.
مسألة:
جاءت السنة في الزكاة من ستة أشياء من ذلك من البر والذرة والشعير والتمر والزبيب والمنج فهذه الستة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج الزكاة إذا وجبت فيها ثم أوجب المسلمون الزكاة في غيرها من الحبوب قياساً عليها.
مسألة:
ومن ضع ماله وفيه ثمرة أو لم يكن فيه ثمرة فلا يحل له ذلك وقد أمر بحفظ ماله، وإن ضيعه وفيه ثمرة فضاعت فإنه يأثم ولا يضمن الزكاة، وأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس أن يأكلوا من نخلهم الرطب والبسر ولا زكاة عليهم فيه، وما أذهب الناس من التمر من اللقاط فلا زكاة فيه عليهم وإنما الزكاة فيما جمع المصطلح، وذكر في هذا اختلافا كثيرا، وإذا أطنى ربّ المال حصته وبقيت حصة العامل فأكلها رطبا وبسرا فالزكاة في حصة العامل وفي ثمن ما أطنى ربّ المال لأنه بيع لرب المال.
مسألة:
__________
(1) رواه البيهقي، عن ابن عمر بلفظ «زكاة»، ر7114، 4/104. والشافعي، مثله، 1/91. (6/87)
صفحة 88
ومن غير الضياء وإذا كانت تحل لرجل وفيها حصة العامل بعمله فأطنى صاحب المال ماله وحبس العامل حصته فأكلها رطبا وبسراً فلا زكاة عليه فيما أكل، ومن قسم ثمرة بين قوم فإذا لم يكن كيلا لم تلزم الزكاة، ومن تصدق بمال له لم يزك ففي وجوب الزكاة عليه في تلك الصدقة اختلاف، وأكثر القول أنه لا زكاة عليه في الصدقة، ولو تصدق بالكل، وبعض قال عليه الزكاة لأن الزكاة لا تؤدّى إلا بقصد ونية إلى أدائها، فإن كانت الصدقة هي تمام ما تجب فيه الزكاة والباقي يعجز عن مقدار ما تجب فيه الزكاة فعليه في الباقي الزكاة ولا أعلم فيه اختلافا، ومن كان عنده تمر فيه حشف تتم الزكاة به إن تركه وإن أخرجه من التمر فنقص فلا زكاة فيه، وأما الحرث ففيه الزكاة وكذلك المبسل وأما الخمل الذي يخرج من المصطلح في اختلاف، والغني إذا أمر عبيده أو بنيه بلقط التمر من المباحات فبعض الفقهاء قال: يحمل على ثمرته في الزكاة وعليه الزكاة فيما لقطوه، والمعدن إذا أخرج منه مال يعمل بالنار ففيه الخمس، والذي يعمل بالنار فيه من كل أربعين درهماً درهم والصفر الذي يخرج من المعادن لا زكاة فيه فإن جعل للتجارة ففيه الزكاة، ومن كان عنده عنبر ولؤلؤ وجوهر فلا زكاة عليه فيه فإن باع العنبر أو اتّجر به ففيه الزكاة.
مسألة: (6/88)
صفحة 89
وإذا كان الرجل له دين عاجل على رجل وهو ملي به إلا أنه يدافعه ولا يقدر على الأخذ منه فلا زكاة عليه فيه، ومن كان معه مال يزكيه فلم يزكيه حتى استفاد مالا قالوا: يخرج منه الزكاة ومن الفائدة فإن كان معه مال يزكيه ثم نقص حتى بقي منه شيء لا تجب فيه الزكاة استفاد مالا قبل محل وقت أجله قال: قالوا تجب فيه الزكاة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ زكاةَ في مال حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ » (1)
__________
(1) رواه أبو داود عن علي من حديث طويل بلفظ: «لَيْسَ فِى مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى...»، فِي الزكاة، ر1575. وابن ماجه عن عائشة بلفظه، فِي الزكاة، ر1864. والبيهقي، عن ابن عمر بلفظ قريب، ر7114، 4/104.. (6/89)
صفحة 90
فعلى هذا ليس في الفائدة صدقة في الوجهين جميعاً، قيل له: فالماشية والورق كله سواء، قال: ما وقع عليه اسم مال، ومن وجبت عليه زكاة فميزها وكانت معه حتى استفاد مالا آخر ففي قول محمد بن محبوب أن لا زكاة عليه، وغيره يقول بالزكاة، وإن كان لرجل مال تجب فيه الزكاة ثم هلك وخلف ورثة وحال عليه حول ولم يقسموه وهو لا يقع لكل واحد مائتا درهم فلا صدقة عليهم حتى يقع لكل واحد منهم مائتا درهم ويحول عليها حول، ومن أوصى له بثمرة مدركة فلا زكاة فيها وكذلك أن أوصى له بثمرة نخل سواء بلا أصول فلا زكاة فيها، وكذلك من أوصى له بثمرة نخل عشر سنين فلا زكاة عليه في تلك الثمرة ولا تحمل على ماله، وإذا قال هذه النخل لفلان وصية مني له فحملت وأثمرت زكاتها مع ماله وهذه مال له يخرج زكاتها، وإن أوصى بنخل للفقراء ولم يجد فقراء بأعيانهم فلا زكاة فيها، وإذا قال: هذه النخل وقف على الفقراء أو السبيل أو وقف على فلان فهو كالمتطوع عليه ولا زكاة فيها عليه، وإذا قال: قد منحتك ثمرة نخلي هذه عشر سنين فلا زكاة عليه فيها والنخل التي هي وقف على الفقراء لا صدقة فيها باتفاق من أصحابنا، ولا زكاة فيما أباحه الرجل من ماله لغيره ومن لم يكن يؤدي زكاته فلا شيء على الورثة إذا لم يوص بها الهالك.
مسألة:
ومن ورث تمرا قد جمع في المصطاح أو زرعاً قد حصد فعليه أن يزكيه إذا لم تكن زكاته قد أخرجت فإن ورث دراهم أو دنانير فحتى يحول عليها الحول ثم يزكيها، الفرق بينهما أن الزكاة في التمر إنما هي شركة ومن العين إنما تكون في الذمة، ومن وجبت عليه زكاة في ماله تمرا ودراهم فأعطى فقيرا نخلة وجزمها تمرا أو دراهم بالقيمة تصدق بها بقيمة مما لزمه من الزكاة فعليه الزكاة مما بقي عليه في النخل وهذه قد تصدق بها بما فيها على الفقراء ولا تجزئ عنه من الزكاة ولا تجب عليه فيها زكاة.
مسألة: (6/90)
صفحة 91
ومن حصد ثمرة ماله بلا كيل فبعد الحصاد أتت على الثمرة جائحة من نار أو سلطان أو مطر أو لصوص واجتاحها فلا زكاة عليه وقد زال فرضها لزوال عينها، فإن كان قد علم مقدار الزكاة بكيل الثمرة ثم أتت عليه جائحة فأهلكتها فعلى قول أكثر أصحابنا بوجوب الزكاة على أربابها وإن لم يكن منهم تفريط في تأخر الزكاة والنظر والحجة يوجبان ألاّ زكاة عليهم لأنهم أمناء لشركائهم من الفقراء ولا ضمان عليهم إلاّ بالتعدي فيها بخيانة تكون منهم بمنع أو تأخير وأن يكون الضمان عليهم ساقطا في الوجهين جميعاً لأن الأصل في زكاة الثمار وجوبها في الثمار فلا ينتقل ضمانها في الذمة إلاّ بالتعدي وهذا الرجل لست أراه متعديا في كيله لثمرته فينتقل ضمانها في ذمته وبالله التوفيق.
مسألة:
الضمان لا يلزم إلاّ بالتعدي والتعدي يقع بوجوه شتى وبأيّ الوجوه تعدى لزمه الضمان فأمّا فاعل الإحسان والمحتاط لمن لزمه له حق في حفظ ما لزمه فلا ينبغي أن يوجب عليه ضمان مع فعله للإحسان.
مسألة: (6/91)
صفحة 92
ووجوه التعدي الموجبة على فاعلها الضمان أحدها أن يكيل الثمرة ويقف على بلوغ الزكاة فيها ولا يريد إخراجها إلى أهلها فهذا إثم بسوء نيته متعدٍّ بفعله ضامن لزكاته، ووجه آخر وهو أن يكيل الثمرة ويعرف زكاتها ثم يقبضها لنفسه وليس يحضرها من الفقراء أحد وهو يريد إخراجها في حال ثانية فهذا ضامن لزكاته لتضمينه إياها في ذمته والإثم عنه ساقط لدينونته بتأديتها، ووجه آخر وهو أن يكيل الثمرة ويقف على بلوغ زكاتها والفقراء بحضرته محتاجون إليها مستحقون لقبضها فلا يسلمها إليهم مع قدرته على تسليمها وحضورهم بين يديه وحاجتهم إليها فهذا ضامن لها إن تلفت بفعله أو بفعل غيره لأنه متعد كالمديون القادر على أداء دينه الممتنع من تسليمه إلى صاحبه وهو متعد ظالم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «مَطْلُ الغنيِّ ظُلْمٌ» (1) فأما أن يكيل ثمرته يريد معرفة زكاته وليس بحضرته أحد من الفقراء وهو مع ذلك محتاط لحفظها طالب لمستحقها دائن لله جلّ وعلا بأدائها مستحب للإحسان فيها فلا حاجة في العقول لإيجاب الضمان على هذا كما قال من أغفل بإيجاب الضمان إذا اجتاحتها جائحة مع كراهيته لإتلافها فقد جعل الله جلّ وعلا عن المحسنين كل المطالبات لقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} (2) وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، كتاب الأحكام، باب (35)، ر598. والبخاري عن أبي هريرة بلفظه، فِي الحوالات، ر2287، 2288... ومسلم مثله، فِي المساقاة، ر4085.
(2) سورة (6/92)
صفحة 93
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلاَ تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسَاقٍ» (1) ، وعم كل حب قوتا أو غير قوت، وكذلك عم كل تمر أو حب أخذ الصدقة فيه كله، ومن وجبت عليه الزكاة فلم يزكها حتى افتقر فهو مفرط، والزكاة دين عليه فليجتهد في الخلاص منها لنفسه ويطلب من المسلمين ويخلص نفسه ويقضي دينه الذي عليه فإن لم يجد حتى حضره الموت أوصى به مع دينه والله أعلم، ومن كان معتقلا وكتب إلى أهله أو من يقوم بأمره إذا زرعوا الطوي الفلانية أو الضاحية الفلانية ثم أدركت الثمرة فأبلاها غيره فالزكاة على من له الزرع وبأمره زرع، ومنهم من قال: من كال الثمرة لزمه إخراج الزكاة، وقالَ آخَرون: إنما يلزم أرباب الأموال ولا يلزم المأمورين ولا المعاونين إلاّ بأمر ربّ المال وهو المتعدون بذلك، ومن زرع أرض قوم متعدياً فالزرع لهم دونه وهو ضامن لهم ذلك ولا زكاة عليه فيه لأنه لا يملكه وفي الزكاة اختلاف، ومن كتب إلى أهله بالزرعة وإخراج الزكاة فلم يخرجوا شيئا فإذا غاب عنه أمر الكيل ولم يعلم مقدار ذلك ثم تلف قبل وصوله لم تلزمه الزكاة، وإذا أدرك من الحب شيئا أو التمر أخرج زكاته، وكل ما لم يدرك ولم يأمر به مما يجب عليه من دين أو مؤنة عيال لا يلزمه فيه الزكاة، وما أمر به في دينه أو مؤنة عياله فإن صح معه كم هو وأنه دفع في مؤنة عياله وقضاء دينه فعليه إخراج زكاة ما صح من ذلك، وإذا بلغت الزكاة في زراعة ثم غصبت فلا يلزم فيها زكاة فإن تخلص منها مالا يبلغ الزكاة لزمه زكاة ما تخلص له منها إذا بلغت الزكاة فيها، وإن غصت وقد كالها أو عرف مقدارها كله فعليه زكاة الجميع على قول بعض الفقهاء وفيه اختلاف إذا غصبت، ومن أخذت زراعته وحسبت له في خراجه ولم يحضر ذلك ولم يكله فلا زكاة عليه وإن كالها ثم
__________
(1) رواه مسلم، عن أبي سعيد بلفظ قريب، كتاب الزكاة، ر979، 2/674. وأحمد، مثله بلفظه، ر11715، 3/73. (6/93)
صفحة 94
سلمها فعليه زكاتها وإن كال المغتصب حبة بحضرته بلا أمره لم تلزمه زكاة، وإن كاله أو أمر بكيله لزمته الزكاة وإن كان على ذلك مجبوراً، ومن اعتلقت عليه ثمرته ثم أجبر على كيلها فكالها مجبوراً وأخذت منه لزمه الزكاة لأنه قد كالها وسلمها إلى الغاصب فإن كانت في الذمة فعليه إخراجها، وإن كان الفقراء شركاء لأرباب الأموال فقد سلّم حصتهم إلى الجبار وضمن لهم وإن كان مجبوراً فلا يجوز له ويضمن.
مسألة:
ومن كان غائباً فزرعت له أرضه وحصدت في غيبته وبلغت الزكاة وقبض البيدار حصته، فإنما يخرج زكاة ما صار إليه من الثمرة وعليه زكاة من أخرج عنه من أجرة ودين ومؤنة، ومن كال حبه في الجنور وعرف مبلغه ثم جاء السلطان فأمسك عليه وحال بينه وبينه فعليه الزكاة في التعبد أن يخرج الفرض الواجب عليه في ذمته من ماله ولا يسقط عنه الفرض اللازم لمنع جبار ظالم إلاّ على قول من يقول أمين فعلى ذلك لا يلزم شيء إذا لم يفرط، ومن وهب ثمرة نخله قبل أن يحصدها لم يلزمه فيها زكاة على قول بعض المسلمين، وقد وجدنا أن الهبة لا زكاة فيها على من وهبت له والله أعلم.
مسألة: (6/94)
صفحة 95
ونخل المسجد ونخل السبيل لا زكاة فيها ولو بلغت الزكاة، ولا زكاة في الوقف ولا في الصوافي ومختلف فيها. قال بعض: فيها الزكاة إذا بلغت عليهم جميعا ثلاثين جرابا، وقَال قَوم: حتى تبلغ غلتهم كل واحد ثلاثين جرابا، وقَال قَوم: ليس فيها زكاة ولو بلغت أكثر من ذلك وذلك إلى الحاكم، وإذا لم يكن حاكم فقال بعض فيها الزكاة، وقال بعض: ليس فيها زكاة، ومن أطنى ماله ثم أتت على الثمرة آفة فذهبت بها فلا زكاة عليه، وإنما الزكاة في الثمرة إذا يبست وصارت تمرا، وقيل: إن الزكاة فيما جمع المصطاح، ومنهم من قال فيما كيل وما لم يكل فلا زكاة فيه، ولا زكاة فيما أطعم الفقراء من النخل من الرطب والتمر إلاّ أن لا تتم الزكاة إلاّ به فإنه يخرج الزكاة فيما في يده، وليس عليه فيما أطعم، ومن أطنى ماله كله ثم أطنى من غيره فأكله رطبا وبسراً فقد قِيلَ: إنَّ الزكاة عليه لأنه أكل من غيره، ومن أطنى ماله بمائتي درهم أقل أو أكثر وغاب عنه أمر الثمرة أخرج الزكاة من الدراهم إلاّ أن يكون مالا قليلاً وهو شاك لا يدري أتجب فيه الصدقة أم لا، وغاب عنه أمره فإنه ينظر سعر الثمرة وثمن طناء النخل، فإن بلغ ثلاثمائة صاع من التمر بثمن الطناء أخرج الصدقة فإن لم يبلغ لم يلزمه على ما قيل، ومن غير الضياء ومن أطنى ماله بمائتي درهم ثم قبضها ثم أتت آفة فذهبت بتلك الثمرة وهي بسر ورطب فلا زكاة في تلك الدراهم، وإن ذهبت الثمرة بعد أن أدركت وصارت تمراً ففيها الزكاة، وإن بقي منها بعد الذهاب ثلاثمائة صاع ففي الدراهم الزكاة، وإن بقي أقل من ذلك ولم يكن لصاحب المال وغيرها ما تتم به الصدقة فليس عندنا في تلك الدراهم صدقة لأن الأصل قد ذهب.
مسألة: (6/95)
صفحة 96
ومن بلغت ثمرته فلم يعلم كيلها لم تلزمه فيها صدقة إذا لم يضيع ذلك، وإن ضيعه فليس له تضييع ماله ولا ضمان عليه في الزكاة، ومن له مال يبلغ طناؤه مائتي درهم وخراجه مائتي درهم أو أكثر ويخاف ضرب السلطان على الخراج إن أخرج الزكاة ولا شيء عنده يغذي به نفسه فالزكاة تلزمه إذا بلغت فيه وكان هو البائع لثمرته التي وجب الحق عليه فيه في ذمته وماله بالتعبد للفقراء، وإن خاف الضرب والحبس وليس خوف ضرب الجائر بمسقط فرض الله عنه.
مسألة: (6/96)
صفحة 97
ومن دفع نخلا له إلى رجل بخراجها ولا يعرف النخل ولا كم خراجها وكم تبلغ ثمرتها فإذا كان هو المطني لذلك لزمه الزكاة، وإن دفع الثمرة بخراجها ليفدي نفسه بذلك ولم يكن ذلك غصبا ولا هبة لله تعالى لزمه ما فدى به نفسه من مال الفقراء ولا زكاة فيما أطعم الفقراء من التمر والرطب والنخل، ولا زكاة على من أعطى ذلك لأنه ليس عليه في الصدقة صدقة، ولا على ربّ المال لأنه تصدق به أيضا لله تعالى إلاّ أن يكون أعطى لمكافأة فإن في ذلك الصدقة، وقال بعضهم: إذا لم تتم الصدقة إلاّ به حسب مع الثمرة ثم أخرج الزكاة مما في يده عندما أطعم الفقراء، ومن كان دينه على مفلس أو مليء لا يرجوه فلا زكاة عليه حتى يقبضه، فإن كان على من يرجوه أخرج زكاته، ولا زكاة في السلف حتى يقبض، وقَال قَوم: إذا حلّ زكى وإن لم يقبض، واختلف فيه أيضاً إذا لم يحل. قَال قَوم: يزكي رأس ماله، وقَال قَوم: لا زكاة عليه حتى يقبض ثم يزكيه، ومن حبس شيئا من تجارته لخدمته أو لطعامه أو ثيابا لكسوته ودواب لضيعته فلا زكاة عليه فيه فإن أدخله من بعد فلا شيء عليه فيه حتى يدخل شهره ثم يزكي كل ما في يده، ومن كان معه طعام من زراعته أو خدم أو دواب أو عروض من غير التجارة فلا زكاة عليه فيه، وكل مالا ربّ له لا زكاة فيه، وكل شيء من الربا أو الحرام والخمر باعه أحد أو اشتراه فلا زكاة فيه ولا تؤخذ الزكاة منه وإنما الزكاة في الحلال وفي رأس ماله وذلك الذي أربى لأهله لا لمن أربى.
مسألة:
واللوبيا والباقلاء والدخن والعدس وأشباه ذلك فيه اختلاف وأوجب أكثر الفقهاء الزكاة فيه، والقول بالزكاة فيه أحوط، والورس والزعفران لا زكاة فيه ولا فيما ليس هو طعام.
مسألة: (6/97)
صفحة 98
ومن أراد الخروج إلى الحج فقال له أخوه: تخرج والخراج ماذا نعمل فيه؟ فقال له: خذ المال بخراجه ما دمت في سفري غائباً فالزكاة تلزم وربّ المال الذي له الثمرة وهذا القول لا يثبت على ربّ المال لأن الخراج ليس بحق ولا شيء معلوم والهبة في المجهول لا تثبت، وإن دفعه إلى أخيه بالخراج ويعطيه كل سنة مائة درهم فهذا فعل لا يثبت والزكاة على ربّ المال إلا أنه ما أتلف إلاّ ما أخذ صاحب المال من الثمرة أو ثمنها فعليه زكاة ذلك، ومن باع له بسرا أو رطبا فمختلف في زكاته لأنه قد باعه وأخذ ثمنه ولم يأكله وأوجب بعضهم ذلك، والأصل أن الرطب والبسر لا زكاة فيه حتى يصير تمرا إلا أن الاحتياط إخراج الزكاة ولا يبطل حق الفقراء بالحيلة في ذلك، وما لم يصر تمرا من الحمل والرطب والبسر فلا زكاة فيه، والزكاة في الأرز كالبرّ.
مسألة:
والفائدة في الذهب والفضة والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول وقد رفع الشيخ أبو مالك رحمه الله عن أبي محمد عبد الله بن محبوب رحمهم الله أنه قال: ليس في الفائدة زكاة حتى يحول عليها الحول وإن هذا قول مالك بن أنس المدني، وقد شككت أنه كان رأي أبي محمد وذكره لمالك لموافقته له أو قال هو قول مالك وذكره على وجه الحكاية لمذهب مالك، والنظر يوجب عندي الأخذ بهذا القول لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليها الحول»، والفائدة مال مخاطب فيها صاحبها بوجوب الزكاة كخطابه في النصاب، والموجب في الفائدة الزكاة بعد شهر عند حلول الزكاة محتاج إلى دليل. قال أصحابنا: تجب الزكاة في الفائدة مع حلول الأصل ولا يعتبرون بالفائدة وقتا غير وجوب وقت النصاب وبالله التوفيق.
مسألة: (6/98)
صفحة 99
وما كان من الأموال وقفا على الفقراء في سبيل من سبل الله فلا صدقة فيه، وكذلك المال الذي توقفه النصارى من العرب على بيعهم أو فقرائهم أو في سبيل من سبلهم وهو من أصل أموالهم فلا صدقة في ثمرته وكذلك غيرهم من أهل الذمة يشترون مالا من أموال أهل الصلاة ثم يجعلونها وقفا على أهل كنائسهم في دينهم أو في دينهم أو في بيت نار المجوس أو في فقرائهم أو في سبيل من سبلهم في دينهم فلا زكاة في ثمرته، وقد قيل عن أبي عبد الله أن الصدقة فيما أوقفوه على بيعهم وكنائسهم وبيت نار المجوس إذا كان هذا المال تجري فيه الصدقة في الأصل من قبل وقفهم فهذا باطل لا يذهب الصدقة ولا يكون مثل ما يوقفه أهل الصلاة على المساجد والفقراء وغيرهم من أبواب البر مما وقفه أهل الصلاة فلا زكاة فيه.
مسألة:
وما اشترى الذمي من الأرض والنخل والغنم والإبل والبقر من أرض المسلمين ولو تداولها ذمي بعد ذمي إذا كان أصلها من أموال المسلمين ففيها الزكاة على أي أهل الذمة صارت إليهم وليس لهم أن يخرجوا بالماشية من أرض المسلمين إلى أرض أهل الشرك إذا كانت تجري فيها الصدقة. وما اشترى المسلمون من نصارى العرب الذي كان يجري فيه الخمس عندهم فإنما على المسلمين فيه العشر.
مسألة:
وليس في الحوائط المحبسة على الفقراء زكاة لأنه لا ملك عليها معين في الناس، والمال إذا قسمت ثمرته وقد حل الطناء ففي الزكاة اختلاف؛ فأما إذا احتصد ففيه الزكاة، ومن كانت له بقر في مرعى لا يقدر على أخذها فلا زكاة فيها لأنها بمنزلة ما لا يعرف مكانه.
مسألة: (6/99)
صفحة 100
ومن باع حرثه وقد صار علفا على أن يقطعه المشتري فتركه في الأرض حتى أدركت فيه الثمرة وبلغت ثلاثمائة صاع ففيها الصدقة، وإن لم يبلغ الصدقة فلا صدقة فيها ولا يحمل على المشتري ولا على البائع، وإن كانت الصدقة تبلغ عليهما في أموالهما إلا أن ينقض أحدهما البيع فإن نقضه انتقض وحملت تلك الثمرة على البائع، ومن اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك وبلغت فيه الزكاة فعن هاشم ومسبح أن الزكاة فيه وهي على البائع إلا أن يشترط على المشتري أنه بقي منه شيء تكون فيه الثمر فعليك زكاته، وعن أبي علي قال: إن كان قد أدرك فالزكاة على البائع وإن لم يكن مدركا فالزكاة على المشترى، ومن اشترى شجرة قائمة ليتخذ منها حطبا فشغل عن قطعها حتى أثمرت فعن الربيع أنه إن اشترط المشتري أن يدعها في أرض البائع فهو مكروه وليس للبائع الثمرة ولا للمشتري وهي للفقراء فإن لم يشترط ورضي البائع فالثمرة لصاحب الشجرة، ومن باع نخلة بسرا ثم أتمر على النخل فزكاته على صاحب الأرض، كذلك إن باع صاحب الأرض قصلا ثم تركه حتى حصد فكان خمسة أوسق فزكاة ذلك على صاحب الأرض، ومن رفع عند رجل دراهم فجحده إياها ثم أعطاه إياها بعد ذلك ودفعت إليه بعد موت المستودع فليس عليه زكاة ما مضى من السنين.
مسألة: (6/100)
صفحة 101
لم يأت فيما يخرج من البحر شيئا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الخلفاء من بعده فهو مما عفي عنه كما عفي عن صدقة الخيل والرقيق؛ لأن السنّة قد فرقت بين ذلك وبين غيره لأنه أوجب على الخمس في الركاز وسكت على البحر فلم يقل فيه شيئا، وقد فرق الكتاب والسنة بين حكم البر والبحر فجعل ما في البحر مباحا لأخذه على كل حال وكذلك سائر ما يخرج منه بمنزلته فحكم البر والبحر مختلفان غير متساويين وذلك أن صيد البر حرام على المحرمين وأوجب على قائله الجزاء وصيد البحر مباح فليس عليهم فيه جناح ولا كفارة وكذلك ميتة البر حرمها الله تعالى إلاّ بالذكاة، وجاءت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ميتة البحر بالإباحة بقوله - عليه السلام - : « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، والحِلُّ مَيْتَتُهُ» (1) ، ففرق الكتاب والسنة بينهما، وعن ابن عباس قال: ليس في العنبر خمس لأنه إنما ألقاه البحر إنما هو شيء ستره البحر، وفي خبر: دسره البحر، وقال أنس: الدسر، الدفع أي دفعه وألقاه، والذين أوجبوا في العنبر لرواية عن بعلن بن أمية أنه قال: كتب إليّ عمي أن خذ حليّ البحر والعنبر العشر، وهو إسناد ضعيف غير معروف، ويدل على ضعفه أن جعل فيه العشر ولا نعرف للعشر هاهنا وجه لأنه لم يجعله كالركاز فيؤخذ منه الخمس ولا كالمعادن فتؤخذ منه الزكاة على قول أهل المدينة لأنهم يقولون بالزكاة في المعادن فلا موضع للعشر هاهنا إلاّ أن يكون شبهة بما يخرج من الأرضين من الزرع والثمار فما نعرف أحدا يقول بهذا والله الموفق للصواب، وقد أوجب أبو يوسف في العنبر الخمس وشبهه بالمعدن ولا أعلم له موقفا على ذلك.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، بَاب فِي أَحْكَام المِيَاه، ر161. وأبو داود عن أبي هريرة بلفظه، باب الوضوء بماء البحر، ر83. (6/101)
صفحة 102
ومن أوصى بحجة فريضة أو نافلة بدراهم فلا زكاة فيها وإن حالت، وكذلك لو أوصى بدين أو وصية للفقراء والأقربين وأعطى في ذلك دراهم فلم تنفذ حتى حال الحول فلا زكاة فيها، ومن أعطى رجلا نخلات فتركها المعطي حتى يجدها تمرا يابسا فالزكاة على المعطي إن كان أعطى غير فقير أو أعطى المكافأة فإن كان أعطى فقيرا فلا زكاة على أحدهما وليس في جميع الإجارات زكاة إلاّ أن يكري أحد دابة بسدس أو بخمس أو بنصف وهذه شركة ويحمل أجر دابته على ماله.
مسألة: (6/102)
صفحة 103
وليس في الأوقاص صدقة، والأوقاص الكسور في العدد لأن العشرة ما هي فما نقص عنها فهو وقص، وفي حديث معاذ أنه أتي بوقص وهو باليمن فقال: لم يأمرني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء. قال أبو عمرو: الوقص ما بين الفريضتين وكذلك الشنق وجمعه أوقاص وأشناق، وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة وبهما جميعا ما بين الفريضتين، والوقائص جمع وقيصة وهي الدابة التي تريد أن تموت فتنحر لذلك وهو ضد المظلوم والمعيوطة وله تمام يرجع إليه من كتاب الريبة. قال الشافعي: المتولد من الظباء والغنم لا زكاة فيه، وقال أبو حنيفة: إذا كانت الأم من الغنم وجبت الزكاة فيه. قال الشافعي: أن المتولد من جنس لا زكاة في أحدهما بحال فلم تجب الزكاة فيه كما لو كانت الأم ظبية، والقول الثاني يحتج بأن الولد يتبع أمه في الرق والملك فجاز أن يتبعها في حكم الملك وهو الزكاة، والولد قد يتبع أمه في الرق تارة وقد لا يتبعها ويتبع أباه في الحرية، واحتج أبو حنيفة بأن هذا المتولد لا يختص باسم فكان له حكم نفسه فاعتبر بأمه. قال الشافعي: قد يختص هذا باسم، فإن العرب قد تسمّي هذا المتولد رقالا الواحدة رقلة. قال الشافعي: لا زكاة في العسل، وقال أبو حنيفة: فيه العشر، الحجة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الحنطة والشعير والكرم والنخل» (1) وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الْعَسَلُ فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزْقَاقٍ زِقٌّ» (2)
__________
(1) حديث: */
(2) رواه البيهقي عن ابن عمر بلفظه، كتاب الزكاة، ر7706، وقال: "تَفَرَّدَ بِهِ هَكَذَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّمِينُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِين وَغَيْرُهُمَا..وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِىُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مُرْسَلٌ". (6/103)
صفحة 104
غير ثابت، ومن أجّر أرضا فزرعها المستأجر وجب العشر عليه دون المؤاجرة، وقال أبو حنيفة: العشر على المؤاجر فيقول: إنه عشر يجب لأجل الزرع فوجب أن يكون على صاحب الزرع، ومن خرج من بلده خوفا على نفسه فنضب ماله وكان تجب الزكاة فكتب إليه السلطان أو بعض أهل البلدان أن يرجع إلى ماله ووعدوه خيرا فامتنع خوفا ولم يثق بهم فلا تجب عليه الزكاة في ماله هذا، فإن وصل إليه من ماله المغتصب تمر أو حب لزمته الزكاة فيما صار إليه والآخر بمنزلة مال تلف.
فصل:
يقال: ذهب فلان يُذهبُ ذهباً إذا رأى ذهبا في المعدن فبرق من عظمة في عينه وأنشد ابن أبي الأعرابي: ...
... ذهب لما أن رآها ... ترمله ... *** فقال يا قوم رأيت ... منكره
شذرة واد أو رأيت الزهرة، والشذرة قطعة من ذهب، والجمع الشذر.
الباب السابع: في الكنز وأحكامه في السنة:
أن في الركاز الخمس وهو كل مال وجد في الخراب العادي من الأرض فخمسه لأهل الحاجة من المسلمين وأربعة أخماسه لمن وجده فيؤخذ ذلك منه حين يوجد معه ثم عليه الزكاة بعد حول إذا بلغ ذلك من الذهب والورق ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه من الزكاة.
مسألة: (6/104)
صفحة 105
ومن أصاب كنزا جاهليا فلم يؤدّ منه الخمس حتى كثر وزاد فإنه يؤدي خمس الأصل والربح جميعا، وله أجر مثله في عامة من الخمس، كذا عن محمد بن محبوب، وقال غيره: من أصاب كنزا من أهل الذمة فإن كان عاديا قبل أن تكون لهم الذمة فليخرج خمسه وله ما بقي وإن كان كنزا بعدما كانت لهم الذمة فهو لمن بقي من أهل ذلك المكان. ومن اشترى من رجل أرضا أو منزلا بجميع حقوقه وظاهره وباطنه وحجره ومدره وكل قليل وكثير لهو له ومنه ويستحقه وأوفى الثمن ثم وجد المشتري فيه كنزا فإن كان من كنوز أهل الجاهلية فله أخذه ويفرق خمسه على الفقراء وإن كان لا يصلح إلاّ بمعالجة النار عالجه وفرق عشره على الفقراء كانت الأرض خرابا أو غير خراب، كان لها أرباب أو لا أرباب لها، وإن كان هذا الدفين من كنوز أهل الإسلام لم يجز له أخذه فإن بلي به وأخذه كان في يده كاللقطة وعليه أن يسأل المسلمين ما يجب عليه فيه إلاّ أنهم قد قالوا في مثل هذا إن كان هذا البيت الذي باعه هذا الرجل توارثوه واحدا بعد واحدا لم يسكن فيه غيرهم والكنز من كنوز أهل الإسلام فالكنز لمن باع البيت وليس للمشتري فيه حق إلاّ أن يكون من كنوز أهل الجاهلية، فإن قال كل واحد منهم ليس هو لي ولا آخذه فسبيله اللقطة إلاّ أن يصح فيه أحد أنه له.
مسألة:
جاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « فِي الرِّكَازِ الْخُمُس» (1) .
__________
(1) رواه الربيع، عن أبي سعيد بلفظ قريب، كتاب الزكاة والصدقة، باب (55) في النصاب، ر334. والبخاري، عن أبي هريرة مثله، باب من حفر بئرا في ملكه لم يضمن، ر2228، 2/830. ومسلم، مثله بلفظه، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، ر1710، 3/1334. (6/105)
صفحة 106
قال أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية ووافقهم على ذلك أهل الحجاز وأما أهل العراق فعندهم أنه المعادن، والقول عندي ما قال أصحابنا لأن اسم الركاز مأخوذ من ركز الرمح فأثبت أصله فإذا استخرج المال ذهب أصله وكذلك الرمح إذا خرج ذهب أصله وطريقة أصحابنا ومن وافقهم أهدى من طريقة من خالفهم في هذا أو في غيره والله أعلم. وعن الخليل أن الركاز قطع من الذهب والفضة يخرج من المعادن يقال: أركز الرجل فهو مركز إذا صار ذلك.
مسألة:
والسيوب الركاز. قال أبو عبيدة: ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية، يقال: هو سيب الله وعطائه.
مسألة:
ومن لقط من الجاهلي قليلا أو كثيرا ففيه الخمس، ولو أصاب خمسة دوانيق دفع منه دانقا واحدا للفقراء أو الإمام، فإن أصابه في بيت لرجل وهو جاهلي فكل كنز جاهلي أصابه إنسان فهو لمن وجده. قال أصحابنا: إن كان أقل من خمسة دوانيق فلا شيء عليه ولم يرد الخبر بتحديد مقداره.
مسألة:
وصفة الجاهلي هو ما لم يكن عليه اسم الله تعالى مكتوبا وكان عليه علامة الكفر وأسماء الكفار ومعرفة ذلك أنهم لا يكتبون عليه ذكر الله ويكون أكبر من دراهم الإسلام.
مسألة: (6/106)
صفحة 107
ومن وجد كنزا جاهليا فدفع الخمس إلى الإمام أو الفقراء إن لم يكن إمام فعلى ما في يده الزكاة بعد الحول وإن كان إسلاميا ولم يعرف ربه فهو للفقراء وكنوز الجاهلية تعرف بعلامتهم، ومن وجد ركازا في أرض العدو وكان له ولا يدخل ذلك في الغنائم وفيه الخمس بظاهر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «في الركاز الخمس» ولم يخصّ ركازا من ركاز والمخصص الركاز الموجود في أرض العدو ومن غيره محتاج إلى دليل، والركاز لمن وجده سواء وجده في أرض مربوبة أو غير مربوبة ولا فرق بين أن يجده في دار الإسلام أو في دار الشرك، ولا فرق بين أن يجده ذمي أو ملي أو عبد أو حر أو صغير أو كبير، والركاز هو دفن الجاهلية ذهبا كان أو فضة، وجائز لمن وجده أخذه حيث وجده بالسنة وإجماع الأمة، ودفن الإسلام لا يسمى ركازاً في اللغة ولا يحل أخذه ويكون لقطة وعليه تعريفه حولا ثم يفعل فيه بما يفعل في اللقطة، وقَال قَوم: إذا مضى حول صار ملكا للذي وجده وهذا الأخير فيه نظر.
فصل: والدفن والدفين المدفون تصرف من مفعول إلى فعيل. قال عمر بن كلثوم:
وإنّ الطعن بعد الطعن يبدو *** هم عليك ويخرج الداء الدّفينا (6/107)
صفحة 108
وقال الشافعي: يجب في الركاز العشر، وقال أبو حنيفة: الخمس، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»، قيل: وما الرّكاز يا رسول الله؟ قال: «الذَّهَبُ الَّذِي خَلَقَهُ الله فِي الأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتِ الأَرْضُ» (1) ، قال: وإذا وجد مالا جاهليا في دار الحرب فهو ركاز، وقال أبو حنيفة: فهو غنيمة فيكون جميعه له، ومن وجد ركازا ففيه الخمس أظهره أو كتمه. قال أبو حنيفة: إن شاء كتمه ولا شيء عليه، فالحجة أنه مال لو أظهره تعلق به حق فلم يسقط بكتمانه كمال الزكاة، وإذا حمل الركاز إلى الإمام لم يجز له ترك الواجب عليه. قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك الحجة أنه مال مخموس فلم يجز ترك الخمس فيه، والذي يروى أن رجلا حمل ركازاً فقال له أربعة أخماس لك وخمسة مردود فيك إنه محمول أنه أراد أن خمسة مردود عليك لتصرفه في غيرك ممن يستحق ذلك، وروي عن مسروق أن رجلا وجد كنزا بالمدائن فرفعه إلى عاملها فأخذه كله فبلغ ذلك عائشة فقالت: فهلاّ أخذ أربعة أخماسه ودفع إليه خمسه، وعن جبلة بن حميد عن رجل منهم خرج في يوم مطير إلى دير خربة فوقعت فيه ثلمة فإذا نسبوفة أو جرة فيها أربعة آلاف مثقال قال: فأتيت به عليا فقال: أربعة أخماسه لك والخمس الباقي إليّ أفرقه بين فقراء أهلك.
الباب الثامن: زكاة مال اليتيم والصبي الأعجم الكبير، والضائع عقله، والغائب والمملوك
__________
(1) رواه البيهقي في الكبرى، عن أبي هريرة بلفظه، باب من قال المعدن ركاز فيه الخمس، ر7429، 4/152. (6/108)
صفحة 109
واليتامى تزكى أموالهم وقد فعلت ذلك عائشة فيما بلغنا في يتامى كانوا عندها فكانت تخرج زكاة أموالهم، ومن كان معه مال ليتامى لم يزك عنه سنين فإذا بلغوا فليعلمهم أنه لم يزك مالهم سنين وليس عليه شيء، وقيل: ذلك إلى الوصي إن شاء أعطى وإن شاء أخر إلى أن يدركوا فيعلمهم، ومن توفي وترك ابنا صغيرا عند أمه وله مال مال وكانت له أخت يعولها فليس لها أن تأكل من مال أخيها وهي محتاجة وإن أذنت لها أمه ولها أن تزكي ماله.
مسألة:
وإذا كان ليتيم وصي أو وكيل من المسلمين أو محتسب في ماله فأما ثمرة الحب والتمر فمن أبلاه أخرج زكاته وأما الدراهم فليس للمحتسب إخراج زكاتها.
مسألة:
وجائز للوصي واليتيم إخراج زكاة ذلك، وقال أبو إبراهيم: سمعنا أنما يؤدي زكاة اليتيم وكيله أو وصي أبيه فيه، قال: وسمعت من يسأل الشيخ أبا عليّ عن مثل هذا فأجاز له أن يخرج زكاة اليتيم فناظره من ناظره، وقال: إن لم يفعل فلا بأس عليه ويخبر اليتيم إذا بلغ أنه لم يخرج زكاة ماله.
مسألة: (6/109)
صفحة 110
والزكاة واجبة في أموال هؤلاء كوجوبها في أموال البالغين لأنها إنما تجب في الأموال فأماّ وكيل اليتيم فيقوم مقامه في أداء زكاته وكذلك الغائب يقوم مقامه وكيله في أداء زكاته من الثمار فأما الذهب والفضة فإن كان أمره بإخراج زكاة ما في يده من ذلك أخرجه عنه، وإن كان لم يأمره لم يخرج عنه حتى يقدم ويعرف حجته، وإذا كان يتيم لا وصيّ ولا وكيل أقام الحاكم له وكيلا وأخرج الزكاة من ماله وكذلك الأعجم والمعتوه والشيخ الذي قد ضلّ عقله يقام لهؤلاء وكلاء يؤدون من مالهم الزكاة، وإن كان صبي والده حيّ أعطاه الزكاة من ماله، وأما المملوك فماله لسيده وليس عليه هو زكاة، والزكاة على المولى ويقوم العبد بذلك من قبل مولاه ويؤخذ مولاه حتى يؤدي زكاة ما في يده، ووصي اليتيم يؤخذ بزكاة ما في يده لليتيم وإذا كان حلي لا يعرف ما فيه أو مال غاب عنه معرفته وكره أن يتعرض له إلى بلوغ اليتيم فلا باس عليه في ذلك ويعلم اليتيم إذا بلغ حتى يؤدي الزكاة وكذلك إن قال الوصي لما بلغ أنه لم يكن أخرج الزكاة من ماله لما مضى فالزكاة واجبة فيه فعليه أن يخرج من ذلك المال الزكاة لما مضى.
مسألة: (6/110)
صفحة 111
وإذا كان صبي مسلم ووالداه مشركان ارتدا عن الإسلام وله مال ففي ماله الزكاة، وكذلك إن أسلم أحد والديه فهو تبع لمن أسلم منهما وعليه في ماله الزكاة، ومن كان له ولد بالغ معتوه قد بان عنه قبل ذهاب عقله فلا يحمل على أبيه في زكاة أبيه ولا يقبل من صبي زكاة إلا برأي أبيه، وإذا جاء رجل بزكاة إلى الوالي فقال هذه زكاة عن يتيم عندي وكان ذلك مشهورا أخذها منه ولا يقبل قول من قال إن هذا المال لفلان اليتيم قد خلا له عشر سنين أو أقل أو أكثر ولم يؤد عنه زكاة ولكن يؤخذ المال بإقراره للبينة، فإذا حال عليه حول منذ أقر به أخذ منه الزكاة إذا بلغت فيه، ومن جاء إلى المصدق وقال له: عندي ليتيم مائتا درهم وهذه صدقته خمسة دراهم، فإن المصدق يقبلها وكذلك الساعي إن أتته امرأة فقالت إن لي إبنا يتيما وله خمسة أبعرة وأربعون شاة وهذه الشاة زكاة إبله أو غنمه وليست هذه الإبل والغنم بحاضرة وهي ترعى فإنه جائز للساعي قبول ذلك منها، وكذلك لو أتاه رجل بشاة فقال: هذه صدقة ابن أخي عن خمسة أبعرة له أو عن أربعين شاة له وهو يتيم عندي، فله أن يقبل ذلك منه ويأخذه وأرجو أن يجوز هذا.
مسألة:
وإذا أعتق العبد وفي يده مال كثير خلاله سنون ولو يؤد له زكاة صيرة المولى للعبد فلا زكاة فيه على العبد حتى يحول عليه حول مذ صار له، وعلى المولى زكاة ما مضى لأنه كان له.
مسألة: (6/111)
صفحة 112
والزكاة تجب في مال كل امرء مسلم بالغ كان أو غير بالغ مغلوب على عقله أو غير مغلوب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» وأطفال المسلمين ومجانينهم داخلون في حكمهم، فإن قال قائل: فإن الخطاب لا يقع إلاّ على عاقل فكيف تكون الزكاة واجبة على من لا يحلقه المخاطبة، قيل له: الزكاة فيها معنيان أحدهما حق تجب به للفقراء والآخر حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الفرض عنه مبطلا لما وجب لغيره في ماله، فإن قال: فقد قال الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1)
__________
(1) سورة التوبة: 103.. (6/112)
صفحة 113
والطفل لا يطهره أخذ ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى عمله فقد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام والوصي المتولي من ماله قبل بلوغه، الدليل على ذلك ما روي أن امرأة أخذت بعضدي صبي فرفعته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله لهذا حج؟ فقال: نعم ولك أجر، وبعد فإنا لم نقل أن الزكاة كلها وجبت بآية واحدة فيحمل الخلق على حكمها قال الله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} (1) فلا يدخل في هذا الخطاب إلاّ على عاقل بالغ، وقال تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} فلا تدخل في هذه الآية إلاّ من تكون الزكاة طهارة له، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم» فكل من وقع عليه اسم غني من المسلمين صغيرا كان أو كبيرا عاقلا كان أو مجنوناً فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والمشرك لا يدخل في هذه الجملة لأن الكاف والميم من قوله: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم» راجعة إلى المسلمين بذلك، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذا أن يقول لهم هذا بعد أن يقروا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله - عليه السلام - ، والله أعلم، وأما من شبه الزكاة بالصلاة فغلط لأن الصلاة عمل على البدن ليس لأحد فيه حق والزكاة دين لقوم في ماله يخرجها هو ويخرجها غيره بأمره ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو منعها بغير رأيه لأن الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/113)
صفحة 114
والزكاة واجبة في مال اليتيم لما روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنها، واختلفت الرواية عن علي بن أبي طالب في ذلك أنهم قالوا: إن الزكاة في مال اليتيم واجبة، فإن قال قائل: إن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة ولا تجب إلاّ على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه كذلك ما أنكرتم أن لا تجب عليه الزكاة يقال له لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» فكان فيمن يرجع إليه الصغار والكبار وكذلك يجب أن تؤخذ من الأغنياء صغارا كانوا أو كباراً، ويدل ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تخرج الزكاة عن أموال أولاد أخيها بحق ولايتها عليهم.
مسألة:
وروي أن امرأة رفعت صبيا بعضده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجره، ولعل محمد بن محبوب ذهب إلى جواز حج الصبي والعبد بهذا الخبر والله أعلم، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم» فكل من وقع عليه اسم غني من المسلمين صغيرا كان أو كبيراً أو مجنوناً كان أو عاقلا فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، وكان عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعائشة وعبد الله بن عمر والشعبي وعطاء ومالك والشافعي وداوود يوجبون الزكاة في مال اليتيم، وأما ابن عباس وغيره من الصحابة فالرواية عنهم وعنه أنهم قالوا: لا تجب الزكاة في مال اليتيم حتى تجب عليه الصلاة، وأما أبو حنيفة فلم يوجب في مال اليتيم زكاة وأوجب عليه زكاة رمضان.
مسألة: (6/114)
صفحة 115
وثمار أولاد المسلمين فيها الزكاة بإجماع الناس والاختلاف في سوى ذلك، وإنما روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يخرج الزكاة من أموال بني رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم أيتام، فقال أهل الكوفة: ويحتمل أن تكون زكاة حرث ويحتمل أن تكون زكاة عين أو ماشية وإذا احتمل هذا وذاك لم تكن حجة علينا في إسقاط الزكاة من أموال الأيتام لأنهم غير مخاطبين، قالوا: وعلي بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وقد كان من قول علي بن أبي طالب أن الماعون الذي توعد الله تعالى على مانعه بالويل هو الزكاة، قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه الوعيد فالحجة عليهم أن الخبر ورد بأن عليا كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل، والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه ولا يخص إلا بحجة، وأيضا فلو كان ما احتجوا به من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من رفع القلم عن الصبي بمسقط الزكاة مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم» والصبي إذا كان ذا مال فهو مستحق لاسم الغني والزكاة في ماله واجبة بظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكان النائم تسقط الزكاة من ماله لارتفاع القلم عنه في حال نومه، وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله في حال نومه ويقظته.
مسألة: (6/115)
صفحة 116
والزكاة في مال اليتيم واجبة كوجوبها في مال البالغين والزكاة في أموال أهل الإسلام لا في أبشارهم، وحكم أموال أطفال المسلمين كحكم أموال المسلمين يدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم»، وأطفالنا منا ولم نفرق بين أطفالنا وبيننا، وأيضا فإن وجوب الزكاة في أموال الأيتام في العين كوجوبها في أموال المجانين الذين لا عقول لهم ولا عبادة عليهم، والمسقط للزكاة في مال اليتيم يلزمه مثل ذلك في أموال المجانين وغيرهم ممن هو مثلهم وفي حكمهم، وعنه في موضع آخر أن الحاكم لا يقيم لأموال اليتيم والأبهم والشيخ الذي قد ضل عقله من يؤدي زكاة ما لهم لأن هؤلاء ليس في أموالهم زكاة، والله أعلم بذلك، وسئل عنه إن شاء الله فما أظنه إلا غلطا.
مسألة:
ويجوز لوكيل اليتيم أن يؤدي زكاة مال اليتيم وليس لوكيل الغائب إخراج زكاة العين من ماله، وإذا كان مال اليتيم عينا وله وصي من أبيه فللإمام أخذ زكاة مال اليتيم من العين من يد الوصي وليس لوكيل الغائب إخراج زكاة العين من ماله، الفرق بينهما أن معنى حقيقة الوكالة غير معنى الوصاية وذلك أن حقيقة الوكالة هو أن يقوم مقامه الوكيل في اجتذاب المنافع والفوائد ودفع المضار، وحقيقة الوصاية هو أن يقوم مقامه في كل ما كان يلي أمره وتجري عليه أحكامه من مضار ومنافع وأحكام وتأدية الواجبات فكان الوصي في المعنى قائما فيما جرت عليه أحكامه في حياته إذا كانت وصايته تقوم مقامه وهذا فصل واضح البيان وبالله التوفيق.
مسألة: (6/116)
صفحة 117
الزكاة واجبة في مال اليتيم كل سنة وعلى الوكيل إخراجها وعلى الوصي إخراج زكاة اليتيم من كل ما تجب فيه من النخل والدراهم والزرع، واختلفوا في الدراهم والأكثر قالوا يزكي دراهم اليتيم كل سنة، وقال بشير: كرة واحدة، وقالَ آخَرون: إن تركها الوصي فإذا بلغ اليتيم عرّفه كم من سنة ليخرج اليتيم لتلك السنين التي لم يزك، وكل غائب فلا زكاة في ماله في الورق حتى يقدم فيزكي عن نفسه. قال أبو محمد: يؤمر الصبي بإخراج زكاته من التمر والدراهم إلاّ أن تنقص المائتين، غيره والزكاة واجبة في اليتيم في كل سنة وعلى الوكيل إخراجها، وقال بعض: إن الوكيل إذا لم يخرج زكاة اليتيم من الورق لم تلزمه ويعرف اليتيم إذا بلغ ليخرج اليتيم لما مضى من السنين، وقيل عن منير بن النير في مال اليتيم من الورق أنه إذا كان موضوعا لا يزيد ولا ينقص فإنما يزكي مرة واحدة ولم يعمل أئمة عمان بذلك وخالفوه ولهم في ذلك حجة وهو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في المائتين خمسة دراهم» (1) فإن احتج محتج بأن اليتيم غير متعبد بالزكاة فإنه يحتج عليه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم»، فقسمهم قسمّين فلما كانت في الفقراء صبيان وأيتام تجب لهم الصدقة بإجماع الأمة دل ذلك على أنها تؤخذ من الأغنياء إذا كانوا بالغين أو غير بالغين أيتاما أو غير أيتام والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/117)
صفحة 118
قال بعض: لا زكاة في الماشية على طفل ولا مجنون لأنها عبادة مثل التوحيد والمخاطب هنا من خوطب بالصلاة، ومختلف أيضا في زكاة الفطر وبعض رأى وجوبها على الطفل وهو قول ابن مسعود والإجماع على إخراج زكاة الزرع من مال الطفل واليتيم والغائب، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «اتبعوا أموال اليتامى كي لا تأكلها الصدقة» (1) فإن كل معروف صدقة، فلو كان لا صدقة في مال اليتيم ما قال هذه الرواية مع قوله - عليه السلام - : «نأخذ الصدقة من أغنيائكم» (2) وإذا كان بين يتيم وبالغ شركة فاحتسب له فجائز أن يخرج زكاة من حصة اليتيم وجائز لمن أخذها منه، ومن احتسب ليتيم فأخرج زكاته ففيه اختلاف وفي أخذها منه ممن علم بذلك جائز على الاختلاف، والمحتسب أو الوصي إذا أمر الفقراء أن يأخذوا من الحصاد ما يجب في مال اليتيم من زكاة فجائز، وكذلك إذا كان الخاصة فأمر من يكيلها ويأخذ زكاتها فجائز إذا كان المأمور ثقة، ومن غير الضياء، وعن أبي الحسن وقد قالوا: إن وكيل اليتيم عليه إخراج الزكاة من مال اليتيم من الثمار بلا خلاف وهو ضامن إن لم يخرجها ثم اختلفوا في زكاة اليتيم من الورق فقال قوم عليه.
الباب التاسع: في زكاة المال
يخفى أمره أو ينسى أو يضيع فلا يجده ربه مدة ثم يظهر أو يذكر أو يوجد ومن كان معه في البيت مائتا درهم فنسي أن يزكيها ثلاث سنين ثم ذكر فليس عليه إلاّ زكاة سنة إلاّ أن يكون معه تمام المائتين بعد إخراج الخمسة الدراهم ومن غير الضياء.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/118)
صفحة 119
وسألته عمن وجبت عليه الزكاة في دراهمه فوجب عليه خمسة دراهم ولم يخرجها فتركها في جملة الدراهم إلى الحول ليخرج عنها عشرة دراهم أيجوز له ذلك أم لا؟ قال: لا، وإن كان لم يستفد شيئا ولم يزد على مائتي درهم شيئا ثم حال الحول الثاني فأخرج خمسة دراهم وقد نقص الباقي عن المائتين لم يلزمه على بعض القول شيء، وقول إنه يخرج للسنتين فانظر في ذلك، رجع ومن دفن مالا في موضع ثم طلبه بعد ذلك فلم يجده ثم أصابه فلا زكاة فيه، وقال أبو عبد الله: قيل عليه زكاة ما مضى وبه نأخذ، ومن كان له دين على مفلس أو من لا يرجوه فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه ثم يعطي ما لزمه من الزكاة فيما مضى، وكذلك إن ذهب ماله في بر أو بحر ثم وجده أو كان له في موضع ولم يعلم أو كان عنده أقل من مائتي درهم ولم يخرج زكاة ذلك إذ ذهب الآخر فإذا عاد إليه أخرج ما لزمه من زكاة لما مضى وعلى هذا كل ما كان من هذا الباب، وقيل: لا زكاة فيه إلا لسنة والرأي الأول أكثر وأحب إليّ.
مسألة: (6/119)
صفحة 120
اختلف أصحابنا في زكاة المال الذي لا يعلم به ربه سنين وفي يده مال يزكيه أو كان المال الغائب تجب فيه الزكاة ثم علم به من دفين كان دفنه ثم نسيه أو ذهب فلم يدر أين هو أو انتقل إليه من إرث وهو لا يعلم أو مال غائب له في البحر وهو لا يعلم به ثم قدم ماله الغائب أو اطلع على ذلك الكنز أو علم بالمال الذي ورثه وكذلك الدين يكون على مفلس لا يرجوه صاحبه أو على فقير أو على من جحده وحلف عليه وما كان هذا سبيله من الأموال التي لا ترجى ثم ترجع إلى أربابها بعد ذلك فاختلف في كل هذا على ثلاثة أقوال، فقال قوم منهم: أنه يلزمه إخراج زكاة ذلك المال لما مضى من السنين حتى ينفذ فلا يبقى منه شيء، وحجتهم في ذلك أن زكاة العين في الذمة بسبب المال فكل سنة حالت في ذلك تعلق وجوب الزكاة في المال بالذمة ثم حال الحول الثاني والمال قائم بعينه فوجب فيه فرض ثان، وكذلك كل حول حال وجب فيه من الزكاة كوجوب الزكاة في الحول الثاني فلزمه قضاء كل ما وجب عليه فرضه في كل سنة لما مضى من السنين إلاّ مما أخرج من الزكاة فلا يلزمه إخراج زكاة الزكاة المخرجة من جملة المال كان جملة المال ألف درهم ففي الألف خمسة وعشرون درهما فعلى هذا القول يخرج مما بقي من الألف ولا يلزمه أن يخرج من الخمسة والعشرون كذلك يخرج على هذا الحساب وحجتهم في ذلك أنهم قالوا: إن وجوب الزكاة من العين في الذمة كوجوب الدين في الذمة وصاحب الدين لا زكاة عليه في العين إلاّ بعد قضاء جميع دينه، ولما كان ماله كالمستحق عليه بالدين وكانت الزكاة عنه ساقطة لوجوب الدين عليه قلنا كذلك في زوال الزكاة عنه فيما وجب عليه فيها إذا كان وجوبها في الذمة كوجوب الدين في الذمة والعلة فيهما سواء فسوينا بينهما في الحكم لاستواء العلة فيهما، فقلنا: لا زكاة عليه فيما وجب عليه من الزكاة لأنها حق للفقراء ويخرج مما بقي بعد الزكاة كل سنة ماضية من السنة المستقبلة حتى يبقى دون حد النصاب فإذا نقص عن (6/120)
صفحة 121
النصاب فلا زكاة فيه، وقالَ آخَرون: لا يلزمه إخراج زكاة ذلك المال لما مضى من السنين ويلزمه لسنة وحدها ثم يستأنف بعد ذ لك لأنه كالفائدة والفائدة لا زكاة فيها إلاّ بعد حصول الملك بها ويحول عليها الحول ما لم يكن في يده نصاب يزكيه فيدخلها في جملة ماله والله أعلم. قال أبو محمد رحمه الله: هذا القول أشيق إلى نفسي، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله ميمون بن مهران بمظالم كانت في بيت المال أن يردها إلى أربابها ويأخذ منها زكاة عاملها فإنه كان مالا ضماراً والضمار من المال الذي لا يرجى، وقال أبو عبيدة: إذا رجى فليس بضمار فهذا الخبر المروي عن عمر بن عبد العزيز يدل على أنه كان يرى على المال الغائر الذي لا يرجى زكاة سنة واحدة إذا رجع إلى صاحبه والله أعلم.
مسألة: (6/121)
صفحة 122
ومن كان له دين على مفلس أو من لا يرجوه فإذا قبضه أخرج زكاته لما مضى وقَال قَوم: لسنته، ومن كان له دين على إنسان فدخل عليه الحول أو أحوال ثم قبضه زكّاه لما مضى وقيل لسنته، ومن ذهب ماله في بر أو بحر ولم يدر ما حاله وكان عنده أقل من مائتي درهم فلم يزكه لما ذهب الآخر فوجده فإنه يخرج زكاته لما مضى من السنين، في منع الزكاة: قيل: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - جالس إذ قال: «قم يا فلان، ثم يا فلان، قم يا فلان، حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه فأنتم لا تزكون» (1) . وقيل: قال - عليه السلام - : «ملعون، ملعون مال لا يزكى» (2) ، وقيل: من منع الزكاة سأل ربه الرجعة عند الموت، وهو قوله تعالى: {قال ربّ ارجعون لعلي...} (3) يعني الزكاة، وفي الحديث: «أيّ مال أديت زكاته فقد ذهبت أبلّته وبلّته وخامته» (4) يقال: أبلة ووبلة والوخم داء كالباسور وربما خرج بحيا الناقة عند الولاة حتى يقطع منها فتسمى تلك الناقة الوخمة ويسمى ذلك الباسور الوخم، والوخيمة الأرض الذي لا ينجع كلؤها ومثلها الوبيلة ورجل وخيم ثقيل وطعام وخيم قد وخم وخامة إذ لم يستمرأ وتقول استوخمته وتوخمته. قال زهير:
فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا *** إلا كلاء مستوبل متوخّم
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) سورة
(4) حديث: */ (6/122)
صفحة 123
يقول: إلى أمر استوخموا بخامته وهو مثل، وقال بعضهم: من منع قيراطا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا، وقيل: ما ضاع مال في بر ولا بحر إلاّ بتضييع الزكاة، ولا يصاد من الطير إلاّ ما ضيّع تسبيحه، وفي خبر آخر: ما من طير يصاد إلاّ بتركه التسبيح ولا مال يصاد إلاّ بترك الزكاة، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما حبس عبد الزكاة فزادت في ماله» (1) سئل جعفر بن محمد لأيّ شيء جعل الله خمسة وعشرين في كل ألف ولم يجعلها ثلاثين فقال إن الله تعالى أخرج من أموال الأغنياء بقدر ما يلقى به الفقراء ولو أخرج الناس زكاة أموالهم ما احتاج أحد، وسئل أيضا عن ذلك فقال: إن الله تعالى خلق الخلق كلهم فعلم صغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم، فجعل من كل ألف إنسان خمسة وعشرين مسكينا، فلو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم لأنه خالقهم وهو أعلم بهم، أبو جعفر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ليس البخيل من أدى الزكاة المفروضة من ماله وأعطى النائبة من قومه لعلة في قومه، إنما البخيل حق البخيل من لم يؤد الزكاة المفروضة من ماله ولم يعط النائبة في قومه» (2) ، وهو ينفذه فيما سوى ذلك، وعنه - عليه السلام - : «حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا الابتداء بالدعاء» (3) ، وقال - عليه السلام - : «إذا ضيعت الزكاة منعت الأرض أرزاقها» (4) .
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */ (6/123)
صفحة 124
فصل: وقال أبو بكر رحمه الله: لا فرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتل من منع الزكاة كما أقاتل من كفر بالله، فقال له عمر: فكيف تقاتل الناس وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حصنوا منّا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله» (1) ، فقال أبو بكر: فمن حقها إعطاء الزكاة، والله لو منعوني عقالا -يعني الصدقة- مما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذه منهم لقاتلتهم عليه، والعقال صدقة عام، وقال بعضهم: لو منعوني عتاقا لقاتلتهم، وقال بعضهم: لو منعوني بعيرا لقاتلهم، ولئن امتنعت عليّ يا عمر أنت وأصحابك لأشخصن بأهل بيتي ولئن أبوا علي لأخرجن بنفسي حتى يحكم الله بيني وبينهم، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى رجل من أشجع ليأخذ الصدقة فلم يعطه فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ارجع إليه فإن منعك الصدقة فاقتله، كما اعتزم أبو بكر على قتالهم جميعا فأخذ أبو بكر بهذا الحديث فإن أبى فاقتله، وكان عمر بن الخطاب يقول: لما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه على حق فشرح الله صدري لما شرح صدر أبي بكر، وقال ابن مسعود: لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاماً كدنا أن نهلك فيه ولولا أن الله منّ علينا بأبي بكر رحمه الله أجمع رأينا على أن لا نقاتل عليّ بن مخاض وابن لبون وان نأكل قرني عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، وعزم الله لأبي بكر على قتالهم فلما شرح الله صدره لقتالهم شرح صدورنا لما شرح له صدر أبي بكر فوالله ما رضي منهم إلاّ الخطّة المجربة أو الحرب المجليّة فالخطة المجربة أن أقروا أن من قتل منهم ففي النار وما أخذ من أموالهم فمردود علينا، والحرب المجلية أن يخرجوا من ديارهم، وقال أبو بكر في الردة: لو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي، وقال عائشة رضي الله عنها: قبض رسول الله - صلى الله عليه
__________
(1) حديث: */ (6/124)
صفحة 125
وسلم - فلو نزل بالجبال الرواسي ما نزل بأبي بكر لامتحاها واشرأب النفاق بالحديبية وارتدت العرب فوالله ما اختلفوا في لفظه إلاّ طار أبي بفظلها وشرفها وعظيم غنائها في الإسلام، ثم وليّ أبي عمر فكان والله أخوذيا ويقال أخوزيا بالزاء وهو الحافظ لأمره، ولما ارتدت العرب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتمعت الكفار قالوا: هذا الرجل الذي كانوا يبصرونه يعنون محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد مات قال لأبي بكر: أقبل منهم الصلاة ودع لهم الزكاة، فقال أبو بكر: لو منعوني عقالا أو عتاقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم وحدي عليه، ولو اجتمعوا عليّ عدد الحجر والمدر والشوك والشجر والجن والبشر، وقد قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم...} (1) وكانت هذه الآية فضلها لأبي بكر - رضي الله عنه - .
__________
(1) سورة (6/125)
صفحة 126
فصل: تأوّل مانعوا الزكاة لأبي بكر تأويلين أحدهما أن قالوا: إن الله تعالى قال لنبيه - عليه السلام - : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) فلم يجز ذلك لغيره، والثاني أن قالوا: إن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - :{وصل عليهم..} (2) أي دعواتك، قالوا: فنحن لا نسكن إلى دعوات غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اجتمعت الصحابة على تغليطهم وتخطئتهم ووجوب فرقتهم، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} (3) يقول من الذهب والفضة {ومما أخرجنا لكم من الأرض} (4) من الثمار والحرث {ولا تيمموا الخبيث...} (5) يقول إن لله في أموالكم حقا فإذا بلغ حق الله في أموالكم فأعطوه من الطيب منه ولا تعمدوا إلى الردئ منه تنفقونه فإنه لو كان لبعضكم بعض حق فأعطاه دون حقه لم يأخذه منه إلاّ أن يرى أنه قد يخاصم له عن بعض حقه، وكذلك قال الله تعالى: {إلاّ أن يتفضل عليكم...} (6) وكان هذا يقال أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى في الناس أن اجمعوا صدقاتكم فجاء رجل بقنو بعدما رقّ أهل المسجد فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبصر القنو وهو العذق من التمر وقد كان حشفا عامته فوضعه على الصدقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من جاء بهذا؟ فقالوا: لا ندري يا رسول الله، فأمر به فعلق على باب المسجد» (7) فجعل كل من رآه من الناس يقول: بئس ما صنع صاحب هذا العذق فنزلت هذه الآية فيه، فقال أبو عبد الله: ترك السنة من رسول الله أحب في الصدقة إلى من أخذها وأسلم ابن عباس في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (8) يقول: الإحسان هو الزكاة والعفو زكاة الفطر والمعروف زكاة النعم، والكتب إلى الإخوان زكاة الجاه.
الباب العاشر: في المستحقين للصدقات
__________
(1) سورة التوبة: 103.
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) حديث: */
(8) سورة (6/126)
صفحة 127
قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء...} (1) ففي التفسير أن الفقراء فقراء المسلمين الذين لا يسألون الناس والمساكين، وقال من قال: إن الفقير الذي كان له ملك ثم زال عنه، والمسكين الذي نبت لحمه على الفقر، والمؤلفة قلوبهم قيل اثنا عشر رجلا من قادة العرب دخلوا في الإسلام كرها وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطيهم من الصدقة ليتألفهم على الإسلام منهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية بن خلف، وسهيل بن عمر، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر، والحارث بن هشام، كانوا من المؤلفة فأعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، أعطى أبا سفيان ورهطا معه مائة مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن خمسين خمسين من الإبل، وقد انقطع حق المؤلفة اليوم إلاّ أن ينزل قوم منزلة أولئك، فإذا أسلموا أعطوا من الصدقة ليتألفوا بذلك ويكونوا دعاة إلى الإسلام، وقال أبو عبد الله في قول الله تعالى: {والمؤلفة قلوبهم} (2) قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي يؤلف فنسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية فقال: «لا تأليف بعدي ولا لأحد أن يؤلف بعدي» (3) وفي الرقاب وهم المكاتبون، وقال أبو عبد الله قِيلَ: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي بكفيه وما كان يرفع لكل ذي سهم سهمه ثم كان أبو بكر رحمه الله يعطي بعده لم يرفع لكل ذي سهم سهمه ثم عمر بن الخطاب رحمه الله كان يعطي كذلك، وقِيلَ: إنَّ أول صدقة رفعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة البحرين، وقيل: إنه كان ذات يوم يقسم بكفيه الغنائم بين أصحابه فقال ذو الحويص لم يعدل منذ اليوم وهو رجل من بني تميم فقال - صلى الله عليه وسلم - : «ويلك إذا لم أعدل فمن يعدل» (4) فقال: إنّي رأيتك توفّر قريشا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إنما أعطيتهم على قدر فضلهم
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */
(4) حديث: */ (6/127)
صفحة 128
وفقرهم» (1) ، ثم قال: والغارمين، وهو الرجل يلزمه غرم في غير فساد ولا إملاق، ثم قال: وفي سبيل الله، يعني في الجهاد، قيل: يحمل من ليس له حملان ويعطي، وابن السبيل وهو المسافر غنيا كان أو فقيرا يعطى ما يبلغ به إلى بلاده إن كان فيها فضل، ويقال: ابن السبيل الضعيف والمسافر إذا قطع به وليس له شيء جعل الله له سهما ويحمل الرجل في سبيل الله من الصدقة ويعطى إذا كان لا شيء له ثم يكون له سهم مع المسلمين وقيل: سقط سهم المؤلفة، وقيل: بينهما وبينهم السيف، فهذه ثمانية أسهم فذهب منها سهم المؤلفة، والمساكين هم الفقراء لهم واحد وبقي ستة أسهم، فإن كان إمام عدل فالرأي فيها إليه يعطي العاملين عليها ما يستحقون عنده من ذلك وتقسم صدقة كل موضع وكل قرية على فقراء أهل تلك القرية وقيل: لا يخرج منها شيء إلى غيرها إلاّ ما فضل عنهم يعطيهم ما يكفيهم من طعامهم وكسوتهم إلى مثلها من قابل إن كان في المال سعة وإن فضل بعد ذلك شيء أخرجه إلى أقرب القرى إليهم فيقسمونه في فقرائهم والإنسان مخير بين تقسيم زكاته إلى الأصناف المذكورين أو بعضهم أو واحد منهم جائز ذلك وبه يقول عمر وعلي وحذيفة وغيرهم، فإن لم يكن في المال سعة قسم ما وجد ويفضل الضعيف والعجوز وذو العيال وأهل الفضل في الإسلام.
__________
(1) حديث: */ (6/128)
صفحة 129
وقال أبو عبد الله: لو أن الذين يقسمون بين الفقراء جعلوهم كلهم سواء ما عدلوا عليهم حتى يفضلوا منهم أهل الورع والعفاف والصلاح في دينهم على غيرهم، وقيل: يفضل الزمن والمقعد والأعرج والأعمى وأمثالهم ومن له فضل في دينه من الصدقة مثل ما ينوب كل واحد من الفقراء من الثلث بما يسعه أضعاف ذلك وإنما يفضل هو فإن كان له عيال أعطى كل واحد منهم مثل ما يعطي واحد من العامة من الفقراء، ولو أن الإمام قال: إنما الصدقات للفقراء فأنا آخذ نصيب ثلاث فقراء صحار وأفرقه على فقراء نزوى ما عدل في ذلك لأنه جاء في الأثر أنه يفرق نصيب ثلث كل قرية في فقرائها، ومن كان من أهل الصدقة غائبا في حج أو عمرة فإنه يرفع له نصيبه حتى يقدم وإن لم يحضر الإمام أحد من أهل تلك السهام ولم يكونوا مثل العاملين والغارمين وأبناء السبيل كان الصدقة للفقراء والمساكين، وإن كان أحد من أولئك أعطاه الإمام على ما يرى وذلك إليه، وإن قسم الإمام شيئا من الصدقة على الفقراء وبقي الباقي عنده لمن طلب إليه من أهل هذه السهام ولما يحتاج أن يقوى به أمر الدعوة والإسلام وينفقه على من يقوم بمجاهدة العدو والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك جائز له، وقد فعل ذلك المسلمون وأخرجوا للفقراء الثلث من الصدقات وقسموا عليهم، والثلثان يقبضها الإمام، وإن احتاج الإمام إلى الصدقة كلها لمجاهدة العدو أو عزّ الدعوة فذلك واسع له، وقد جعل الصدقة في وجهها له، وقال بعض قومنا: تارك الزكاة وقد وجبت كما نصها وقد وجبت عليه، وقال: إن لم يقبلها الفقير من الإمام على وجه الزكاة فلا يعطيه إياها وما ينبغي له أن يستحيي مما فرض الله تعالى إنما هي فريضة الله يستحي منها، وإن لم يكن إمام وأراد صاحب الصدقة إنفاذها فمن أعطاها من أهل هذه السهام فقد برئ منها وأحب أن يتحرى بها الفقراء، وقال بعض قومنا: يجوز للرجل أن يعطي من صدقته من لا يعول من والديه وأولاده الكبار الذين قد بانوا عنه إذا (6/129)
صفحة 130
كانوا فقراء، ويجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاتها إذا كان فقيرا، وقيل: لا تنتفع هي بشيء من ذلك، وقيل غير ذلك، وأجاز الشافعي أيضا زكاة المرأة لزوجها، وأجاز أبو حنيفة للزوجين جميعا وضع زكاتهما فيهما ووافق أصحابنا الشافعي في ذلك، وقد أجاز بعض أصحابنا تسليم الرجل زكاته إلى زوجته إذا كانت فقيرة وكانت تذهبها في غير مؤونتها التي تجب عليه لها ولا ينتفع بشيء مما دفعه إليها من زكاته، وقد قيل: لا يعطي زكاته من يعول بحكم وهذا أكبر القول والله أعلم. ويوجد عن أبي حنيفة وفي موضع آخر أنه لا يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها، ومن أعطى غلته في دين عليه ولم يبق معه ما يكفيه إلى حوله فهو فقير، وكذلك إن غاب صاحب المال ولم يصل إلى ماله واحتاج فهو فقير أو كان ماله على من جحده أو حيل بينه وبينه فهو فقير، وأما من لم يكن له أصل وكان ماله دراهم أو دنانير ويسرته حاضرة فهو غني ولا يأخذ من الصدقة إلا أن يكون الذي في يده شيئا قليلا لا تجب فيه الصدقة فهو ضعيف ويأخذ من الصدقة، والصبي المرضع يعطى من الصدقة مع أبويه إذا كانوا فقراء، وإن كان فقير في بلدين أعطى منهما من الصدقة ويعطى الرجل من الصدقة لأولاده الصغار إذا كانوا معه أو كان عليه لهم فريضة أعطى لهم من يمونهم إذا كانوا فقراء ولا يعطي لأولاده الكبار، وإذا كان أخوان لكل واحد منهما مال يجب على كل واحد منهما في ماله الزكاة في الحب والتمر وأحدهما غني والآخر فقير في ماله وقيمة ماله أكثر من ثلاثمائة درهم وعليه دين بقيمة ثلاثمائة درهم فجائز له أخذ الزكاة من أخيه وغيره لأنه فقير، والزكاة للفقير والقريب أفضل من غيره، ومن كان فقيرا وله أخوات وأم يعولهنّ فإنه يعطي على قدر فاقته وهو أحوج في نفسي من فقير لا أخوات له ولا أم والصدقة لا يحابي بها أحد وهي للمسلمين. (6/130)
صفحة 131
ويعطى الناس على قدر فاقتهم ويفضل صاحب العيال والضعيف، والمرأة إذا كانت تعطى من الزكاة فتزوجت رجلا فاسقاً أو كافرا فجائز أن تعطى من الزكاة والصدقة، وإذا كان للمرأة ابن مؤنسي وهو مقصر في بعض أمرها فإنها تعطى من الزكاة، ومن كان في قرية فيها فقراء وإلى جانبه قرية فيها فقراء فإن كانوا قريبا فأحبّ أن يعمهم إن قدر على ذلك إلاّ أن يكونوا بعيدا منه. قال أبو عبد الله: لا يعطي لأهل القرى التي حوله حتى يعطي فقراء قريته ما يقول كل واحد منهم سنة، فإن فضل شيء أعطى فقراء أقرب القرى إليه، ومن كان له قرابة يلزمه نفقتهم ويحكم بها عليه فلا يعطيهم من زكاته شيئا، وإن كانوا ممن لا يلزمه نفقتهم فله أن يعطيهم من زكاته إذا كانوا يقولون بقول المسلمين، ومن طلق امرأته وبانت منه جاز له أن يعطيها من زكاته إذا كانت تستحق ذلك، والرجل يعطي ابنه من زكاته إذا كان رجلا وهو فقير كان معه أو بائنا عنه، وقال بعض: لا يجوز أن يعطيه إن كان كبيرا إذا كان معه ومحسوبا من عياله، وإن كان بائنا عنه فيجوز أن يعطيه إذا كان فقيرا والقول الأول أحب إليّ لإجماعهم مع كثير من مخالفيهم على أنه لا يلزم الوالد عول الابن البالغ ولو كان في حجره، ومن كان عليه لامرأته مهر وخاف أن يدركه الموت ولا تجعله في حلّ فلا بأس أن يعطيها بما كسب وأما من الصدقة قال محمد بن محبوب: الله أعلم، إلاّ أن تكون طلقها وتأخذ بمهرها وليس له ما يقضي فحينئذ من الغارمين، وقال أبو إبراهيم: ومن أعطى اليتيم من زكاته فإن كان يحفظ ما يعطي فإنه جائز وإن كان ممن لا يحفظ ذلك فأخاف أنه يضمن وإن أكله نعمة فإنه يبرأ إن شاء الله. (6/131)
صفحة 132
وقيل: إذا لم تكن للمرأة مال فليس لولدها أن يعطيها من زكاته أحسب أنه قال: عليه نفقتها، وقيل: له أن يعطيها من زكاته حتى يحكم عليه بنفقتها ثم قال: أو تطلب هي إليه تقول له أنفق عليّ فعند ذلك لا يعطيها من زكاته، ومن غير الضياء ومن كتاب أبي المؤثر وعن رجل وجبت عليه زكاة ومعه أمّه وأخته في بيته ينفق عليهما، قال: أما الأخت فلا بأس عليه أن يعطيها ولا يأكل هو منه شيئا وأمّا أمّه فإن كانت بحدّ من تلزمه عولها فلا يجوز له، وإن كانت بحدّ من لا يلزمه عولها فلا بأس أن يدفع إليها، قلت: ما الحد الذي يلزمه عولها، قال: إن كانت زمنة ويكون بحدّ من لا تراد للتزويج من الكبر، ومن غيره قلت: فإن كانت لهما أم فقيرة فطلبها الأزواج وهي ممن يصلح للأزواج فامتنعت أيجوز لها أن تعطي أمها من الزكاة أم لا؟ قال: لا، ومن كتاب أبي الحسن فأمّا الوالدان فقد اختلف فيهما إذا لم يكن يعولهما. (6/132)
صفحة 133
قَال قَوم: يعطي، وقالَ آخَرون: لا يعطي لعله أراد لا يعطيان فأمّا إذا كان محكوما بعوله من ولد أو والدين لم يعطيا شيئا، رجع إلى كتاب الضيا، والمرأة إاذ كان لها أولاد يتامى فقراء فأحسب أنه قال إذا كانوا فقراء جاز لها إذا لم يكن لهم شيء وجب عليها من نفقتهم بقدر ميراثها منهم أن لو كان لهم مال، ومن كان ضعيف البدن لا مال له وله زوجة فإذا لم يكن له مال يكفيه لنفقته وكسوته له ولمن يعوله إلى الحول فله أن يأخذ من الزكاة، ويعطي للصبي الفقير من يعوله إذا كان ثقة وكذلك يعطي الإنسان زكاته من يلزمه عوله إذا لم يأخذه بذلك مثل الوالدة هكذا سمعنا وحفظنا، وفي الإنسان زكاته إلى غير الموافقة للمسلمين أقاويل عدة، وعن أبي المنذر رحمه الله أن من أعطى صدقته غير أهل الموافقة للمسلمين في دينهم فلا غرم عليه فيما أعطاهم، ومن لم يتعلم دين المسلمين أو دعي فأبى فمن أعطاه زكاته لم يضمن، وزوجة الغني إن كان زوجها تاركا لها عما يلزمه لها فجائز لمن أعطاها وأما هو فلا، ومن استعمل رجلا في عمل ثم أعطاه من زكاته لموضع العمل لم يجز وإن أعطاه لاستحقاقه وفقره فجائز، وإن أعلمه فلا بأس وإن لم يعمله فعلم الله أعمق، وإذا غاب المستحق لأخذ الصدقة وكان له عيال فإنه يعطي عياله بعد غيبته إذا كانوا أهل حاجة، ومن كان فقيرا وله عيال وله غلام وخادم فإن له حقا في الصدقة، ومن خرج من أرضه وخلف مالا بعده ثم وقع في أرض لم يطق الرجعة إلى ماله ولا شيء بيده فإنه يأخذ من الصدقة بقدر ما يعيش به ويبلغه فإذا رجع إلى ماله فليقض منه وليصنع معروفا ما شاء.
مسألة: (6/133)
صفحة 134
ومن وجبت عليه زكاة فأعطاها من حضر من أهل الزمان فالزكاة للفقراء جملة، ومن كان معه مائتا درهم وعليه دين عاجل بمقدار ذلك جاز له أن يأخذ الزكاة وجاز لمن يعطيه ذلك، والمرأة إذا كان لها مال تجب فيه الزكاة ولها بنات صغار وكن في حدّ من لا يلزمها نفقتهن فجائز أن تعطيهن من زكاتها إذا كن فقراء، وتلزمها نفقتهن إذا كنّ لا يقدرن على معالجة قوتهن في علة من العلل والآفات، وكذلك كل من كان له وارث فهذه صفته إلاّ الوالدين.
مسألة:
والقرابة أحق بصدقة المرء إذا كانوا لها أهلا إلاّ أقارب تلزمه نفقتهم فهم به أغنياء، وقال الشيخ أبو محمد: حفظت عن الإمام أبي القاسم عن أبي عبد الرحمن عن أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن محبوب رحمه الله في امرأة لها ثلاث أولاد فحكم الحاكم عليهم بالنفقة على كل واحد منهم عشرة أيام إن لأولادها من لم يكن عليه منهم حكم في وقت إن له أن يعطيها من زكاته في ذلك الوقت قال لأنه جائز لهم أن يعطوها من زكاتهم وذلك في العشرة التي تكون عند أخيه، وأما في العشرة الأيام التي نفقتها فيهن عليه فلا تجزئ عنه ذلك، واليتيم يعطي من الزكاة ويدفع ذلك إلى من ينفق عليه، وجائز للأعمى قبض الزكاة، ومن أعطى من يلزمه نفقته على قدر ميراثه فجائز أن يطعمه بعد ذلك من زكاته وكذلك الوالدان قد أجاز بعضهم أن يعطيا من زكاة ولديهما إذا كان لا يقدر على نفقتهما وبعض لم يجز ذلك.
مسألة: (6/134)
صفحة 135
وصفة من يستحق أخذ الصدقة الذي تنقص عليه مؤونته من ثمرة إلى ثمرة أو لا مال له أو لا حرفة ولا صنعة تقوته لمؤونته فهذا فقير، ومن لا يملك مائتي درهم فقير عند بعض المسلمين، ومن كان قائما لرجل بزراعة في بلد غير البلد الذي هو فيه ووجب في الزراعة الزكاة فقال صاحب الزراعة للقائم بها الزكاة لك فإن لم تأخذها أنت فاجعلها في جملة حبّي وابعثها إليّ حتى أؤديها إلى أرحامي وكان هذا القائم لا مال له في البلد إلاّ أن صاحب الزراعة ينفق عليه ويريد أخذ الزكاة براً منه له فجائز له أخذها إذا كان فقيرا، وإن كان من جهة عطاء العياء فلا يجوز لأن الزكاة لا تدفع إلى أحد في أجرة الأموال ولا يجيزها مغنم ولا يدفع بها مغرم وإنما تخرج خالصة لله تعالى، وهذا الرجل الذي أمر أن يأخذها إذا كان فقيرا جاز له أخذها وإن لم يأخذها وحملها كما أمر فلا شيء على المأمور، والزكاة لربّ المال وإن أنفذها في جملة حبّه فهو برئ لأن الزكاة على أرباب الأموال ليس على المأمور منها شيء إنما يفعل الآمر، ومن أعطى الصدقة للفقراء لم يضمنها عندي، وإن جعلها في أهل الورع كان أفضل، ومن كان له عبيد لا تقوم غلتهم بنفقته وليس له غيرهم فله أن يأخذ من الزكاة ما يكفيه لقوته وعياله إذا كان فقيرا لا يكفيه غلتهم، ومن له نخل تصير غلتها إلى السلطان بخراجها وهو فقير فله أن يأخذ من الزكاة لفقره ما يجزيه لقوته وعياله لسنته. (6/135)
صفحة 136
وجائز للرجل أن يعطي لأولاده الذكور من زكاته لأنه لا مؤونة لهم عليه، ومن ذهبت غلته في دين فهو فقير، وإن غاب صاحب المال ولم يصل إلى الثمرة أو غصبت ثمرته أو جحد فهو فقير، وقد أوجبوا الصدقة للصغير والكبير من فقراء المسلمين بلا خلاف، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم» (1) فقسم قسمّين تؤخذ من الغني وتوضع في الفقير، واتفقوا في أخذ الصدقة من مال الصغير والكبير واليتيم وكذلك إذا كان فقيراً أعطى، وقال بعضهم: يعطي له من يعوله من أبويه أو غيرهما وذلك فيما أحسبُ إذا كان إمام عدل كان القابض هو الذي يقوم به بذلك، ويعطى كلاًّ حقه بعد أن يبرأ منها الذي وجبت عليه، ولأن الذي وجبت عليه لا يبرأ منها إلا بدفعها إلى من له حق قبض مميز يستحق قبض الصدقة منه، وأما الصبي فلا قبض له ومن دفع إليه ماله لم يبرأ فعلى هذا القول دفعها إلى البالغ إذا لم يكن قوّام بقبض الزكاة أزكى وأسلم من الدخول فيما لا يقع فيه براءة، وإن كان الصبي مستحقاً يدفع إلى وصيه أو وكيل له وفي الثقة اتفاق أن من أعطاه أفضل ممن أعطى الجاهل والخائن والفاسق إلاّ أنهم لم يضمنوا من أعطى غير الثقة، وقالوا: من أعطى زكاة ثقة ضعف له أربعاً وعشرين زكاة، وإن أعطاها غير الثقة فهي زكاة واحدة، ومن أطعم فقيرا تمراً وحسبه من الزكاة وأطعم يتيما أو صبيا فقيراً تمراً وأكله بحضرته فأرى أنه يبرأ لأنه أطعم زكاة التمر التي لزمته من يستحق ذلك وذلك إذا لم يكن قوّام بالأمر لقبض الزكاة ومن كان يعول قرابة فقراء من غير حكم لزمه جاز له أن يعطيهم من الزكاة لأن كل ذلك تطوع ولا يعطى من يلزمه عوله، ومن طلقت ابنته ورجعت إليه فقيرة فيعطيها من زكاته لأنه لا حكم لها عليه إلا أن تكون زمنة فإن مؤونتها عليه واجبة عليه، ومن لا يلزمه مؤونته فجائز أن يسلم إليها ما لم يكن محكوماً عليه بنفقتها وكل من كان يرثه وعليه مؤونته،
__________
(1) حديث: */ (6/136)
صفحة 137
واليتيم له في الزكاة حق إلاّ أن بعضهم قال: الصبي لا قبض له في مال ومن كان عليه أو عنده له حق لم يدفعه إليه ولا يبرأ منه إن دفعه إليه إذ لا قبض له فلما كان كذلك لم يبرأ من دفع زكاته إلى من ليس قبضه قبض براءة في الأحكام إلا أنه قد قِيلَ: إنَّه يسلم إليه من الزكاة مقدار قوته في يومه ذلك وإن كان له من يكفله من ثقات المسلمين سلم إليه من الزكاة لينفقها عليه والله أعلم، ومن كان له أخوات وله مال لا يكفيهن فجائز أن يعطيهن من زكاته وجائز لهن، والغني إذا خرج في بعض أسفاره فذهب ما في يده فله أخذ الزكاة وهو ابن السبيل الذي له سهم في الصدقة، ويجوز للرجل أخذ الزكاة من زوجته إذا كان فقيرا وينفق ذلك عليها ويسعها ذلك لأنه حق عليه أن ينفق عليها، ومن كان عنده ما يكفيه من ثمرة إلى ثمرة طعاماً ما غير أنه يحتال للكسوة والمؤونة فإنه يعطى من الزكاة.
مسألة:
والزكاة للفقراء غير محصورة على قوم بأعيانهم إلا أن الأفضل أفضل والقريب أولى، وإن دفعها إلى فقير واحد برئ، ومن لزمته زكاة فجاء رجل يسأل لإنسان حر قد استملك ليفدي من الملكة فجائز أن يعطى من الزكاة إذا كان القابض ثقة أو وكيلا للمفدي، وجائز للمرأة أن تعطي أولادها البالغين من الزكاة، ومن أعطى أخته من الزكاة فجائز إذا كانت فقيرة بالغاً فإذا قبضتها منه وسلمتها إليه وأمرته أن يشتري بها بها ثوباً فجاء من بعد القبض وقبل القبض لا يجزيه على بعض القول لأن في هذا اختلافا، فإن كانت عنه بعيدة وأنفذ إليها بها عند إنسان ثقة وأخبره أنه أوصلها إليها برئ، وقول آخر ولو لم يخبره الثقة برئ.
مسألة: (6/137)
صفحة 138
والزكاة تجب للفقراء من أهل البلد فإن فضل شيء عنهم فلأقرب القرى إليهم من البلد الثاني وإن لم يفضل لم يتعدّ بها إلى غيرهم إلا أن يكون فقير مستحق يصل إلى صاحب الزكاة وهو من غير أهل البلد الثاني فذلك له حق في الصدقة وهو ابن السبيل وله أن يدفع إليه، وإن كان في البلد رجل صالح معروف بالصلاح وله مال لا يقيمه أو عليه دين يحيط بملكه فجائز أن يأخذ من الزكاة ما ينقص عن سنته من ماله، وإن ذهب كله في الدّين أخذ لسنته، وقَال قَوم: إذا صار مستحقا أخذ ما أعطى، والذي يعطى الصدقة جائزة له أن يعطى ما يكفيه ويكفي ما يعول لنفقتهم وكسوتهم وما يحتاجون إليه في سنتهم.
مسألة: (6/138)
صفحة 139
ومن رأيته للزكاة مستحقاً بعلامة الفقر عليه وسكنت نفسك إلى أنه فقير جاز أن تعطيه ولو لم تعرفه أن ذلك من الزكاة، وليس عليك تعريفه إذا سكنت نفسك إلى فقره، وكذلك إذا سألك الزكاة فأعطيته أجزأ عنك فأما إن سألك غير الزكاة فعرّفه أن ذلك زكاة، وإن سأل عطية فأعطيته زكاة فأرجو أن يجزيك وإن لم تعرفه، وقال غيره: وإن سأله شيئا من ماله غير الزكاة فخرج إليه بشيء من الزكاة فأعطاه فقد جعلها تقية لماله ولا يبرأ منها، وإن سأله الصّدقة فأعطاه من الزكاة إذ رآه يستحق ذلك لفقره فجائز، وإن لم يعرفه وإنما يعرفه إذا شك فيه أنه فقير أو غني لأن الغني لا يستحق الزكاة فإذا عرّفه فقد أقام عليه الحجة والله أعلم، وقد قيل: إن من سأل الصدقة قد أعطى منها لأن الغني لا يطلب الصّدقة، رجع ومن كانت أخت امرأته تخدمه وهي فقيرة بالغ فأعطاها الزكاة لفقرها لا لخدمتها له فجائز كانت في بيته أو غيره، ووالده مختلف فيها إذا لم يكن يعولها. قَال قَوم: تعطى إذا لم يعلها، وقالَ آخَرون: لا تعطى، وأما إذا كان محكوما عليه بعولها لم تعط شيئا، وإن كان لها زوج فقير جاز له أن يعطيه من الزكاة، وإن كان غنياً فلا يعطيها شيئا لأنها غنيّة بنفقة زوجها، والولد إذا كان في منزله وهو غير بالغ فجائز أن يعطيه من زكاته على قول لأنه إذا بلغ لم يلزمه نفقته، والذي أظن أن الشيخ كان يقول هذا، وأكثر القول أنه لا يعطيه حتى يكون بائنا عنه وهو فقير، وأما الجارية فلا تعطى حتى تزوّج لأن عليه نفقتها فيدل هذا على أن الصدقة لا تعطى من يلزمه عوله.
مسألة: (6/139)
صفحة 140
ويجوز للمرأة أن تعطي زوجها من الصدقة للحديث الذي روي أنّ امرأة عبد الله بن مسعود أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحلي لها لتتقرب به إلى الله تعالى وأن تضعه حيث أمرها، وقالت له فإن عبد الله قال لي فضيّعيه فيّ وفي بيتي فأنا له موضع، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فضيعيه فيه وفي بيته فإنهم موضع» (1) ، فجائز أن تعطي المرأة زوجها من الصدقة إذا كان فقيرا إذ كلّ من وقع عليه اسم الفقر فالزكاة جائزة له بنص الكتاب إلاّ أن يمنع أحداً كتاب أو سنة أو إجماع أو غيره ولم يجز ذلك أبو حنيفة، وأجاز للرجل أن يسلم إلى غريمه من زكاته وله أن يطالبه بالواجب بحقه بعد قبضه لزكاته وفي إجازته للرجل أن يعطي الزكاة غريمه ثم يطالبه بالواجب كان له عليه ما يوجب عليه أن يجيز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاتها وإن كان لها أن تطالبه بحقها ولا فرق بينهما، وجائز أن يعطي المرء من زكاته كل فقير من قرابته وممن لا يعول من ولد بائن عنه أو أخ أو غير ذلك. فأما الوالدان فقد اختلف فيهما إذا لم يكن يعولهما. قَال قَوم: يعطيان إذا لم يكن يعولهما، وقالَ آخَرون: لا يعطى الوالد فأمّا إذا كان محكوما عليه بعوله من والدين أو ولد لم يعط شيئا، وفي بعض الحديث إلاّ أن تدفع الصدقة في الوالدين فالله أعلم، والمرأة إذا كان لها زوج غني لم تحل لها الصدقة وإن كان فقيرا جاز لها، وإن كان لها ولد غني جاز أن يسلم إليها من زكاته على قول بعض لأنه لا يلزمه عولها، وبعض لم يجز ذلك.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/140)
صفحة 141
والذي يوجد في آثار أصحابنا أن حق المؤلفة قد سقط اليوم إلاّ أن ينزل قوم في عصرنا أو في عصر من الأعصار منزلة المؤلفة ولا أعرف وجه قولهم في إسقاط حق المؤلفة وفي قولهم إلاّ أن ينزل قوم منزلة المؤلفة دليل على أن حق المؤلفة باق عندهم، وأظن معنى قولهم أن حقّ المؤلفة اليوم ساقط لعلمهم بأن أحداً في عصرهم لم يكن مستعصيا عليهم فينقاد بمال فلذلك قالوا ما قالوا والله أعلم، والنظر عندي يوجب حق المؤلفة باق على كل حال في كل عصر وجدوا ووجد الإمام، واحتج إلى تأليفهم لعدم النسخ لذلك من الكتاب والسنة والإجماع، وإذا كان سهم المؤلفة في الكتاب مذكورا في الآية متلوا لمدعي الخصوص دعوى تمنع من الظاهر بغير دليل، وإذا ورد الخطاب بعموم أمر فالواجب إجراء العموم على ظاهره والله أعلم. قال الشعبي: سقط الرشا في زمان أبي بكر يعني المؤلفة.
مسألة:
ومن دفع صدقته في قرابته كان أفضل إذا كانوا فقراء ليصل بهما فرضا وقرابة رحم، ألا ترى إلى حديث امرأة ابن مسعود؟ ولو كانوا في غير بلده فقد أجازوا أن يوجهها إليهم لعموم الكتاب ويدل على إجازة حملها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوجه إلى اليمن بحمل الصدقة وكذلك أن تحمل للقرابة.
مسألة: (6/141)
صفحة 142
واختلف الناس في الغارم الذي يدفع إليه من الصدقة المفروضة فقَال قَوم: هو الذي لزمه غرم عن غيره، وقَال قَوم: هو كل من تحمّل دينا لنفسه وعن غيره، واسم غارم يقع عليه، وقَال قَوم: الغارم كل من يتحمل دينا من غير إسراف فيلزمه قضاؤه وغرمه، والنظر يوجب عندي أن الغارم هو الذي عليه دين ولا يجد قضاؤ ولا يقال لمن يجد القضاء غارم وإن كان مثقلا بالدين، والغرم في اللغة الخسران، ومنه قيل في الرهن له غنمه وعليه غرمه إذ له ربحه وعليه خسرانه وهلاكه، والغنم الربح وكذلك سمّيت الغنائم لأنها ربح ومال أفاده الله تعالى للمسلمين ونفله إليهم، وأما الفقير فهو الذي عنده البلغة، وأما المسكين فهو الذي لا شيء معه، وكذلك قيل ما في بني فلان أسكن من فلان، يراد بذلك شدة المسكنة والفقر وسوء الحال، وقيل لأعرابي أنت فقير؟ فقال: بل مسكين، ويدلك على ذلك قول الله تعالى: {وأما السفينة فكانت...} (1) المراد من ذلك والله أعلم الإخبار عن سوء حالهم وشدة فقرهم، وقيل: الفقير الذي به الفقر والحاجة وهو فقير إلى بعض جسده وبه حاجة، والمسكين الذي نبت لحمه على المسكنة وبه ضرّ زمانه ولم يحدث له فقر بعد غنى وبه حاجة.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/142)
صفحة 143
الفقير يكون فقيرا وإن كان له ما يحسبه الجاهل به غنياًّ، والمسكين هو اللازق بالتراب من الفقر، وقد يكون له الشيء، وقد قال الله تعالى: {وأما السفينة...} (1) وقد يسمى مسكينا من لا شيء له مسكينا ذميما وهو الفقر المدقع الذي استعاذ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الضعيف، اقرؤوا إن شئتم: {لا يسألون الناس إلحافا} (2) » (3) والأعجم جائز أن يعطى من الزكاة إذا كان بالغا من المسلمين وهو فقير ما لم يعلم منه خروج من الملة إلى الشرك، وقيل: الفقير المعدم الذي لا زمانة به، والمسكين المعدم الذي به الزمانة، وقيل أيضا: الفقراء والمساكين كلهم فقراء، وقال: المساكين الذين نبتت لحومهم على الفقر وهم أشد حاجة، ومن كان عليه زكاة تمر فأطعم منها صبيا فجائز وإن كان غير ذلك ففيه الاختلاف منهم من أجاز ذلك، ويعطى الصبي من الزكاة ما يقوته يومه، وكذلك المراهق قوت يومه، ومن كان معه طعام شهر من مزرعة أو من هبة أو شراء وهو محتاج فلا نرى بأسا أن يعطى من الصدقة وإن لم يأت على طعامه، ولا يستوي هذا ومن لا شيء له، ومن كان في مطالبة السلطان فجائز أن يعطى من الزكاة ولو كان له مال لا ينفق منه في وقت مطالبته.
مسألة:
وجائز للرجل أن يعطي بني أخيه من زكاته كانوا كبارا أو صغارا، كان أبوهم حياًّ أو ميتا إذا كانوا فقراء وكان أبوهم فقيرا، وإن كان أبوهم غنيا وكانوا صغارا لم يجز له أن يعطيهم من زكاته، وإن كانوا كبارا بائنين عن أبيهم جاز له أن يعطيهم منها إذا كانوا بمنزلة من تجب لهم الصدقة وهذا إذا كانوا بمنزلة من لا يلزمه عولهم، وإن كان ابن أخيه واحدا صغيرا يتيما ويلزمه عوله لم يجز له أن يعطيهم من زكاته شيئا.
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */ (6/143)
صفحة 144
فصل: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسراقة بن مالك: «ألا أدلك على أفضل الصدقة؟ ابنتك مردودة عليك ليس لها كاسب غيرك» (1) ، وقال الأصمعي: المردودة عند العرب المطلقة، والراجح هي التي يموت زوجها، ويروى عن ابن الزبير أنه جعل ذوده صدقة، وقال فيه: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مصره فإن استغنت بزوج فلا شيء لها، وفي خبر: « خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى». وفي خبر آخر: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (2) والكاشحُ: العدو، والكاشحون الأعداء، وإنما قيل الكاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه، والكشح الخصر، وقيل: سمّي بذلك لأنه يضمر العداوة في كشحه قال:
أرضى بليل الكاشحين وابتغي *** كرامة أعدائي لها وأهينها
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل للعدوّ الكاشح لأنه أدبر بوده عنك، وقالوا هو بمنزلة قولهم قد كشح عن الماء إذا أدبر عنه. قال الشاعر:
إذا أبصرتني أعرضتْ عني *** كأنّ الكشح من قبلي يدور
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/144)
صفحة 145
قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} (1) وقال في موضع آخر: {وآتوا الزكاة} (2) والزكاة صدقة، والصدقة زكاة، وهما اسمان بمعنى واحد وإن اختلف استقاقهما في اللغة واحد، وكذلك الفقراء والمساكين فهما وإن اختلف الاسمان، وفي ذلك اختلاف كثير بين الناس قد ذكرته في باب الفقر والغنى، والصدقات جمع صدقة وإنما جمعت الصدقة لاختلاف أجناسها، وأصل الصدقة من الصدق، وقوله تصدقت طلبت أن يظهر صدقي بإعلاني للزكاة، كما يقال يشجع أي طلب الشجاعة، وصدقت المرأة من هذا لأنها تدل على صدق التزويج، وتختلف الأفعال فيقالُ صدّقت القول تصديقا وتصدّقت بالمال تصديقا، وأصدقت المرأة إصداقاً، والاسم الصداق والصدقة، وأصل الصدقة ما صدقت نية المرء لله عز وجل في فعله ثم كثر ذلك حتى جعلوه فيما يخرج من الأموال لله عز وجل، وفي الصدقة قولان: يقال أنهما أخذت من الصدّق والخير لأنها من خير مال العبد، ويقال هو من الصّدق الذي هو خلوص النية وصحتها.
مسألة:
ومن وجبت عليه الزكاة فلم يخرجها إلى أن تلف ماله فجائز له أن يأخذ الزكاة ويقضي ما عليه من الزكاة لأنها قد صارت دينا عليه فعليه الخلاص منها كما أنه لو كان عليه دين لأحد من الناس جاز له أخذ الزكاة وقضاء دينه على قول من قال إنه إذا قبض الزكاة فقد صارت مالا له يتصرف فيه تصرف المالك، وكذلك من وجبت عليه كفارة بعتق أو إطعام فلم يكفّر إلى أن تلف ماله فسبيله سبيل الزكاة وله أخذ الزكاة ويكفّر على هذا القول.
__________
(1) سورة التوبة: 60.
(2) سورة (6/145)
صفحة 146
فصل: ومن بقي في يده شيء من مال (صوافي) المسلمين من الزكاة التي حباها ثم افتقر فقد أجاز بعض الفقراء إذا ذهب أجر المسلمين وبقي في يده شيء من الطعام وهو محتاج إليه أن يأخذه لفقره، ومن قتل خطأ فلزمته الدّية فطلب من الزكاة لدفع الدية فجائز له ذلك إذا كان فقيرا، وإن كان ظالما متعدّيا وقتل عمداً بغير حق ثم صالح على الدّية لم يعط من الزكاة لأنه غير غارم وهو جان على نفسه، وإن أعطاه أحد لم يلزمه الضّمان، ومن لزمه دية لطمة أو جرح خطأ فجائز له أخذ الزكاة ولا أخذ في العمد إلاّ على قول من أجاز للفاسق أن يعطي من الدية فلا بأس.
فصل: عن عمر أنه قال: أعطوا الصدقة ما أبقت له السنة غنماً، يرجع إليه من غريب الحديث عن أبي قتيبة إن شاء الله.
الباب الحادي عشر: من لا يستحق الصدقة وما جاء في ذلك (6/146)
صفحة 147
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ [لِغنًى] إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أو لِمَن اشتَرَاهَا، أَو لِمسكِينٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَليهِ فَأهدَاهَا لِغَنِيٍّ، أو غَارِم، أو غَازٍ فِي سَبِيلِ الله» (1) . وفي خبر أو لغاز في سبيل الله، والعامل يستحق بعمله وليست بصدقة عليه، وهذا الحديث يدل على أنّ هدية الفقير للغني جائزة وللغني أخذها منه وإن كانت صدقة، وفي الحديث أنّ الصدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمد ولا لغني ولا لمن يعوله الغني ولا لذي مرّة سويّ وهو القوي الصحيح الذي يصلح أن يعيش، وفي خبر: «لا حظّ فيها لغني ولا لذي مرّة سوي» (2) ، وروي أن سلمان الفارسي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بطبق فيه رطب فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما هذا فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده وقال لأصحابه: كلوا، فلما كان في اليوم الثاني أتاه بمثل ذلك فقال: ما هذا؟ فقال: هدية لك ولأصحابك، فقال: بسم الله فأكل وأكلوا، وقيل: أن سلمان لم يكن أسلم يومئذ، وروي أن الحسن بن علي تناول تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه فأخرجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «إِنَّا معشر بني هاشم لاَ تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» (3) .
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود، عن عطاء بن يسار بمعناه، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، ر1635،2/119. وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري، باب من تحل له الصدقة، ر1841، 1/950.
(2) رواه الربيع عن عائشة بلفظ قريب، باب من تكره له الصدقة والمسألة، ر356، 1/144. وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو بلفظ قريب، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، ر1634، 2/118.
(3) حديث: */ (6/147)
صفحة 148
ولا تعطى الصدقة في بناء مسجد ولا في حج ولا في دين ميت ولا في كفن ميت ولا في شراء مصحف ولا لغني ولمن يعوله الغني ولا في مملوك ولا يستأجر من الصدقة في إنفاذها ولا يكافأ بها ولا ليكافئ عليها، ولا يجز بها مغنم ولا يدفع بها مغرم، وإنما تدفع كما أمر الله تعالى، ولا يعطي الرجل زوجته من زكاته لأن مؤونتها واجبة عليه، ولا يجوز للرجل أن يعطي زكاته من تلزمه مؤونته من والد أو ولد أو عبد أو من هو وارث أو لمن تلزمه مؤونته إذا لم يكن له مال، واختلف الناس في دفع الزكاة إلى القرابات اختلافا كثيرا، وأجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين والود من الحال التي يجبر الدافع ذلك إليهم على النفقة عليهم، وأجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من زكاته لأن نفقتها عليه وهي غنية بغناه، واختلفوا في المرأة تعطي زوجها من الزكاة، فقال النعمان وغيره: لا تعطيه لأنه يجبر على نفقتها، وقال غيرهم: جائز أن تعطيه وهو فقير لأنه من جملة الفقراء.
مسألة: (6/148)
صفحة 149
ولا تعطى الصدقة غير مسلم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم»، واختلفوا في الكفارات. قَال قَوم: تدفع إلى فقراء أهل الذّمة منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة والذي نحن عليه أن لا يدفع ذلك إلا إلى فقراء المسلمين والمساكين وليس إلى غير مسلم، غيره وقال جابر: في مال تصدّق به رجل من قومه إنه لا يتصدق به على المسلمين ولا يعطون منه شيئا، وقال: هل علمتم ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج المسلمون مرة صدقتهم فأرسل نبي الله - عليه السلام - حذيفة بن اليمان فقال: أقعد على باب المسجد فإذا جاء فلان بصدقته وفلان بصدقته فاعزلوها وخذوها ولا تخلطوها في صدقتنا فإنا لسنا منهم وليسوا منا، وفقراء أهل الذمة من أهل الكتاب وغيرهم ممن يدخل أرض المسلمين بأمان، وفقراء قومنا من الخوارج وغيرهم من أهل الخلاف فكل هؤلاء أينما كانوا إلا أهل العهد من المشركين من غير أهل الجزية فلم أسمع فيهم شيئا ولا أحب أن يعطوا شيئا من قربان المسلمين ولا من زكاة الفطرة وكفارات الأيمان من الظهار وغيره وسائر الأيمان وما يعفى المسلمين من التعدّي في الحج وما يصيبون في البحر في الحرم والصيد في الحرم والحل وهم محرمون وما يصيبون من أنفسهم وإنما كانوا يعطون إذا كان ذلك يعرض على فقراء المسلمين فلا يأخذونه ويزهدون فيه فأما اليوم ففقراء المسلمين أولى وأحق بذلك يعرض عليهم ويعرضونه فإن قبلوه رجع إليهم وإن ردوه رجع إلى غيرهم من هؤلاء الذين ذكرت أو من فضل يكون عن فقراء المسلمين، ولا ينبغي أن يأخذ من الصدقة من له ما يقوته، وبلغني عن أصحابنا أنه من كان صحيحاً يعمل ويكفيه ما يعمل وعياله فلا يأخذ إلاّ أن لا يقوته ما يكسب، وقال أبو المؤثر: لا تعطى الصدقة غني ولا عبد، وبلغنا أن رجلا جاء إلى عمر رحمه الله فسأله شيئا من الصدقة فقال له عمر: أنت قوي صحيح فلا حق لك، قال: فاشترى له خصين بدرهمين (6/149)
صفحة 150
فقال احطب به وبع وعش، قال: وإن كان الحديث عن عمر حقا فإنه رأى الرجل له مكسبة تقيمه، قال: وقد يكون يكون الرجل قويا صحيحاً لا مكسبة له يعيش بها فذلك يعطى من الصدقة.
مسألة:
ولا يجوز دفع الزكاة في الديات ولا في دين الأموات.
مسألة:
ومن مات ولم يترك مالا ولا كفنا فلا يجوز أن يكفن ولا يقضى دينه عنه من الزكاة فالزكاة للأحياء لا للأموات، فإن قال قائل: أليس الزكاة تنفذ في أبواب البرّ وهذا منه، قيل: إنما الزكوات للفقراء تكون في إقامة الدولة وليس تكون في الأكفان، وقال أبو المؤثر: من جمع بين الخبز والتمر لم نعطه من الزكاة وكذلك حفظت، وأقول برأيي أن الفقير هو الذي تجب فيه الزكاة وتجب له كفارة الأيمان، وأقول برأيي أن من جمع بين الخبز والتمر من غلة ماله من ثمرة إلى ثمرة أو من تجاراته ورأس ماله قائم فلا أراه فقيرا ولا أراه يُعطى من الصدقة ولا من كفارة الأيمان، وقالوا: من كان له فضل فلا يعطى إنما يُعطى من الصدقة الذي لا حلي له ولا متاع وهو محتاج، وقالوا: لا تعطى الصدقة إلا لأهلها الذين سمى الله تعالى فلا تنظر إلا إلى ذوي الحاجة والفقر.
مسألة:
ولا تدفع الزكاة إلى من يعلم أنه يتقوى بها على معصية الله، وأكثر قول المسلمين أنها تدفع إلى المستحقين لها من أهل دعوة المسلمين ومنهم من قال: تدفع إلى الفقراء ما لم يعلم منهم خلاف للمسلمين في دينهم، وقَال قَوم: إذا كانت دعوة المسلمين ظاهرة دفع ثلث الزكاة إلى جميع الفقراء من أهل البلد وأخذ الإمام الثلثين وهو الناظر في ذلك، وأما إذا كانت دعوة المسلمين مقهورة فعلى صاحب الصدقة دفعها إلى المسلمين من أهل الموافقة. وقالَ آخَرون: الزكاة لجميع الفقراء، ومن دفع شيئا إلى غير عدل فقد برئ وفيها كثير من قول المسلمين لم نذكره.
مسألة: (6/150)
صفحة 151
ومن كان قوياً فترك العمل فلا يعطى شيئا من الزكاة وإنما يعطى من لا حيلة له، فأما من كان قوياً أو ضعيفاً أو شيخاً وهو يقدر على أن يحتال لمعيشته فترك العمل فلا أرى له أخذ شيء من الصدقة، ومن احتاج فينبغي له أن يتعب نفسه في العمل ويجتهد بجميع الحيل حتى يبلغ من ذلك العذر فحينئذ يجوز له الأخذ، فإذا أخذ فليحسن مطعمه وملبسه ويكد في العمل، ولا يوسع في النفقة على نفسه ولا يتشبه بالأغنياء، وقال بعض الفقهاء: لا يتصدق بشيء على الفقير مما أخذ من الصدقة.
مسألة:
ومن غاب عن بلده فقيراً وخرج مسافراً وحضر قسمة الحي وليس للغائب عيال ولكنه فقير محتاج، وعن أبي أيوب أنه لا يحسن على الغائب ألا تكون غيبته قريبا ويعلم أنه حي على حال فقيره، وأما إذا كانت غيبته في بلدة أخرى لا يعلم ما حاله فلا يحبس له خاصة، والحاجّ مختلف فيه، وأجازه أبو معاوية أو غيره والله أعلم.
مسألة:
والصبي الذي أبوه غني لا يعطى منها إلا أن يكون أبوه لا يعوله وقد بقي فقيرا فإنه يعطى والبالغ لا يعطى على مثل ذلك ولا يعطى المملوك من الزكاة ولا من كفارات الأيمان ولا الظهار ولا جميع الكفارات، كان مولاه غنيا أو فقيراً وإن سأل العبد فمن أعطاه من غير الزكاة جاز له ومن ردّه جاز له، ولا يعطي الرجل زكاته والدته إلاّ أن يكون لها زوج غير أبيه يلزمه عولها فجائز أن يعطيها من زكاته إذا كانت فقيرة، ولا يعطي الرجل ابن أخيه إذا كان يعوله ولا أحداً ممن يعوله.
مسألة:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان بين يديه تمر من الصدقة فأخذ الحسن بن علي تمرة فجعلها في فيه فأخرها النبي - عليه السلام - من فيه بيده، ثم قال لا تحل ليّ الصدقة ولا لأهل بيتي، وفي حديث آخر أنه استخرجها من بين لحييه وطرحها في تمر الصدقة، وقال: «لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ولا لغني ولا لذي مرّة سوي».
مسألة: (6/151)
صفحة 152
وقِيلَ: إنَّ رجلين أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم شيئا من الصدقة فسألاه فرأى رجلين ظاهرا جلدهما فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقلب فيهما البصر يخفض ويرفع فقال لهما: إن شئتما أعطيتكما ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، وقيل: لا تعطى إلاّ لولي ولا يأخذها إلاّ من وليّ أو ممن لا يعلم خلافك له، وقيل: من أعطى أهل الخلاف لم يجز عنه وعليه البدل، وكان أبو عبيدة يقول: لا يعطيهم منها ولا يأخذها منهم، وأما ضمام فكان يقول: إذا عرفوك بالخلاف لهم فلا بأس أن تأخذها منهم. قال ضمام: ويرضخ لهم من الزكاة.
مسألة:
اختلف في أخذ الرجل من المسلمين زكاة مخالفين فقَال قَوم: لا يجوز له ذلك، وقَال قَوم: إذا عرفه أنه لا يتولاه ولا يدين بدينه جاز له أخذها منه وبهذا يقول أبو الحواري.
مسألة:
ولا يعطى الميت من الزكاة لدين عليه ويعطى الذي يقبل بدينه من الزكاة ومن غيرها إذا كان فقيرا، وعن أبي الحسن أنه قال: لا تعطى في دين ميت ولا في دين عن ميت فالله أعلم، ولا يعطى الرجل أمه من زكاته ولكن ينفق عليها ويعطي زكاته الفقراء فهم أحق بذلك وإذا كان الابن كثير المال فليتق الله وينفق على أمه وإن كان قليل المال فليعطه من زكاته فلا بأس.
مسألة:
روي عن الحسن البصري أنه قال: لا يعطى من الصدقة متأثل مالا، والمتأثل الجامع ولم يحدّ في المقدار حدا والله أعلم، ومن قبض زكاة وهو غير مستحق لها فعليه ردها إلى من أخذها منه لأنه لها ضامن، وإن أخذ من الزكاة شيئا ففصل عن سنته فليس لقبض الزكاة معنا حدّ.
مسألة:
والفقير إذا كان يأخذ الزكاة ثم حدث له غنى فسلم إليه رجل شيئا على سبيل الزكاة ولم يعلمه ذلك لم يجز للرجل أن يأخذ شيئا لا يدري ما هو لأنه يحتمل أن يدفع إليه على سبيل الهبة أو القرض أو الوديعة فعليه أن يسأله حتى يعلم ما هو ولا يجزئ الدافع إليه إذا علم أنه غنيّ.
مسألة: (6/152)
صفحة 153
واليتيم لا يعطى من الزكاة ذلك أنه لا قبض له وإن أعطيت من يكفله من ثقة أجزأ فاشترى له بها إداما أو كسرة أو غير ذلك من مصلحة اليتيم فليس له ذلك ولا للمأمور أن يفعل ذلك لأن فعل المأمور فعل للآمر، وإذا فعل ذلك برأيه ضمن لأنه تعدّى ما أمر به، والوجه في ذلك أن تطعمه أنت الزكاة أو تعطيها ثقة يطعمه إياها فإن أطعمه إياها سألته عن ذلك حتى يخبرك وإن اشتريت له بها كسوة فإنما تشتري لنفسك لأنك حين اشتريت فإنما البيع لك والزكاة عليك، قيل له: ولم هو ضعيف؟ قال: إن كان ضعيفا فليس بزائل عنك الزكاة حتى تدفعها إلى من يقبضها وهذا إنما أقبضته ثوبا وإن أقبضته الزكاة فليس له قبض، وإن كانت زكاة دراهم فليس لك أن تشتري له بها ثوبا يلبسه لأنك إنما تدفع إليه الثوب والبيع لك، وإن كان له عيك دين فاشتريت له به طعاما فأكله أو ثوبا فلبسه فذلك جائز لأن ذلك حق يملكه عليك ويستحقه والزكاة لا يستحقها ويملكها لأنها ليس لها مالك معروف والوجه أن يسلمها إلى بالغ أزكى، فإن كان له وصي من قبل أبيه أو وكيل من المسلمين فادفعها إليه.
مسألة:
والمرأة إذا كان لها زوج يقوم بنفقتها وكسوتها لم تعط من الزكاة شيئا وإن كان مستغنية ولها زوج فقير أعطته من زكاتها ولا يجوز لها أن تأكل مما تعطيه، ولا يجوز للإنسان أن يعطي والديه من زكاته ولا لمن يلزمه عوله، وكل من لزمه نفقة صبي أو غيره بالحكم فلا يجوز له أن يعطيه من زكاته ولا يأخذها له من أحد.
مسألة: (6/153)
صفحة 154
ولا يستحق أخذ الصدقة من له له مال أو صنعة تكفيه غلة من ماله من ثمرة إلى ثمرة أو سنة إلى سنة ويفضل عنده خمسة عشر درهما وقيل غير ذلك، ومن كان له جيران غير صالحين فله أن يعطيهم من الزكاة والجار له حق وكذلك قرابته الفقراء وهم غير صالحين، والزكاة للفقراء إلا من يتقوى بها على معصية الله من ظلم العباد وشرب المسكر فذلك يعطى منها الحجرة، ولا يعطى المماليك من الزكاة باتفاق الأمة لأنهم مال ولا من كفارة الصلاة وإن كانوا محتاجين، قال: وكان الشيخ يمنع من يسلم الزكاة إلى اليتيم ويقول في مال المرء شيء غير المال لطعم اليتيم، والزكاة تدفع إلى من له القبض، قال: وأما أنا فأقول إذا كان تمرا وأطعمه إياه فجائز لأنه قد قبضه، وأما الحب فيحتاج أن يطحن ويخبز فقد استهلك وهو لا قبض له، ومختلف في تسليم الزكاة إلى الفقراء المستحلّين منهم من لم يجز ومنهم من قال يعوضون منها بشيء، والمستحب أن يتحرى بها الذين يتقوون بها على طاعة الله وتركت الاختلاف في ذلك، ولا أحب تسليم الزكاة إلى شارب النبيذ فمن أعطاه لم يضمن والمسلمون أفضل منه في ذلك.
مسألة:
واختلف في تسليم الزكاة إلى الشريك في ذلك المال الذي وجبت فيه الزكاة إذا كان فقيرا فالذي لا يجيز ذلك يقول أنه متعبد بإنفاذها وليس له الأخذ منها وبعض أهل الخوف أجاز ذلك إذا قسموا الثمرة كان على كل واحد أن يخرج زكاة ما في يده وإن أعطى شريكه جاز وعاب عليهم ذلك بعض المسلمين وكذلك العامل في النخل والزرع يسهم كلاهما، والجواب واحد ونحن على القول الذي لا يعطى العامل ولا لمن يعول من أولاده ولا غيرهم.
مسألة: (6/154)
صفحة 155
ولا تجوز الزكاة للوالدين ولو لم يحكم عليه الحاكم بنفقتهما إلا إذا حكم على غيره بنفقتهما من الأولاد أعطاهما، وقالَ آخَرون: لا يعطون شيئا من الزكاة فإن دعاه الابن لينفق عليه وهو محتاج إلى ذلك فامتنع الأب من ذلك لم يعطه من الزكاة ولكن يعطيه من ماله ما يجب له ويبلغه إليه حيث هو، وبنات الرجل لا يعطين من الزكاة حتى يتزوجن ولا تلزمه لهن نفقة ثم يعطيهن بعد ذلك منها، ولا يجوز للمرأة أن تسلم إلى أختها من زكاتها إذا كان لها زوج لأنها غنية في مال زوجها بغناه وقيامه لها بنفقتها وكسوتها، وإذا كان لها أم فقيرة تطلب الأزواج وهي تصلح للزوج فتمتنع فلا يجوز لها أن تعطيها من الزكاة، وقيل: من أعطى الصدقة من الورق وكان في حكم الغني عنها، وقيل: لا يأخذها غني ولا ذو مرة سوي.
مسألة:
النظر يوجب عندي أن من أوجب الزكاة المفروضة لأهل الذمة ولأهل الحرب إذا غاب عن بلدان المسلمين وكان في دارهم قد غلط في تأويل السنة لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم»، لم يدخل في هذا القول أهل الكفر بالله لأن الكاف والميم من قول «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم» راجع إلى المسلمين وأيضاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر معاذاً لما بعثه إلى اليمن أن يقول لهم ذلك بعد أن يقروا بالإسلام، ومن أوصى بزكاة وفي الورثة فقير فلا يعطى منها، وكذلك تحلة الأيمان، ولا يجوز للوالد أن يعطي زكاته أحداً من أولاده الصغار كانوا في حجره أو بائنين عنه وكذلك إن كانوا كباراً أو كانوا في حجره ويحسبهم من عياله فليس له أن يعطيهم من زكاته شيئا، فإن كانوا بائنين عنه فجائز أن يعطيهم من زكاته إذا كانوا فقراء والله أعلم.
مسألة: (6/155)
صفحة 156
والوالد لا يجوز له أن يعطي زكاته إلى الوالدين في أكثر قول الفقهاء وبه يقول أبو الحسن، ومختلف في الجدّ أيضا أن الزكاة تجوز له أم لا ، وكذلك الابن الكبير البائن عنه.
مسألة:
قيل: جاء الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة فقالا: يا رسول الله: قد بلغنا من السنّ ما ترى وبنا حاجة إلى التزويج وليس عندنا ما نصدق فلو استعملتنا على الصدقة فنؤدي إليك ما يؤدي العمال ويكون لنا ما فيها من مرفق، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآله وإنما هي أوساخ الناس، ثم يا نوفل فانكح عبد المطلب، وقم يا محمية بن جري فانكح الفضل بن العباس ففعلا، ثم أمر محمية أن يصدق عنهما من الخمس» (1) ، قوله تعالى: {ليس عليك هداهم...} (2) فقال بعضهم: نزلت في المشركين لأنه لا بأس بالصدقة عليهم من غير زكاة، وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي بكر سألت عن صلة جدّها أبي قحافة وعن صلة امرأته وهما كافران فكأنه شق عليهما صلتهما فنزلت: {ليس عليك هداهم} (3) يعني أبا قحافة {ولكن الله يهدي من يشاء} (4) إلى دينه الإسلام {وما تنفقوا من خير} (5) يعني المال في الصدقات {يوفّ إليكم} (6) يعني يوف إليكم في أعمالكم وأنتم لا تظلمون، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعت الصدقة بين يديه فجاء يهودي فقال: يا أبا القاسم أعطني من هذه الصدقة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا يهودي ليس لك من صدقة المسلمين شيء حتى تدخل في دينهم، أغرب، فمضى اليهودي غير بعيد فأنزل الله تعالى هذه الآية {ليس عليك هداهم} (7) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : عليّ باليهودي فأعطاه من الصدقة حتى نسختها آية الصدقات: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} (8) من أمتك، قال ابن عمر والحسن: لا تعطي الكافر من زكاتك شيئا.
__________
(1) حديث: */
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة التوبة: 60. (6/156)
صفحة 157
الباب الثاني عشر: القدر الذي من ملكه لم تحل له الصدقة
اختلف أصحابنا في مستحق الصدقة من الفقراء فقال بعضهم: إذا ملك الرجل دون ألف درهم أو ألف درهم جاز له أخذ الصدقة، وقالَ آخَرون: إذا ملك مائتي درهم لم يأخذ الصدقة، وقالَ آخَرون: إذا ملك يده خمسون درهما ناضحاً أي مستغني عنها لم يجز له أخذ الزكاة، وقال بعضهم: إذا لم يدرك ثمرته ثمرة أخرى جاز له أخذ الصدقة، وقالَ آخَرون: إذا كان عنده من المال مالا يكفيه ويكفي عياله غلته ويفضل عنده لم يكن مستغنياً وجاز له أخذ الزكاة كل هذه الأقاويل قالوها من طريق الاجتهاد وليس عندي للفقر والغنى حدّ لأن الإنسان قد يستغني بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته بوجوه المكاسب به وآخر لا يستغني بأضعاف ذلك لأنه قليل الحيلة كثير الخوف، فإذا كان الرجل مستغنيا بصنعته يكسب منها بيده لم يستحق من الصدقة شيئا لاستحقاق اسم الغني لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي» والمرة القوي.
مسألة: (6/157)
صفحة 158
اختلف الناس في حد الفقير الذي يأخذ الصدقة فقَال قَوم: إذا كان في حال لا يكفيه مكسبته في سنته أخذ الزكاة، وإن كان له مال لا يكفيه من ثمرة إلى ثمرة أخذ الزكاة وإن كفاه ماله من ثمرة إلى ثمرة لم يأخذ من الصدقة، وقالَ آخَرون: حتى يفضل معه خمسة عشر درهما، ومنه من قال: ثلاثون درهما بعد مؤونته ثم لا يأخذ الزكاة ولا يبيع الأصل، ومنهم من قال: إذا كان عنده مائتا درهم ناضح لم يأخذ الصدقة، وقَال قَوم: إذا كان عنده مائتان أو قيمتها لم يأخذ من الصدقة، وهذه المسألة ضيقة عندهم، ومنهم من قال: من ملك خمسين درهما ولا دين عليه ولا عيال له لم يأخذ الصدقة، وإن كان عليه دين أو عيال أخذ ما يكفيه في سنته، ومن كانت مكسبته حراثة أو إجارة وهي قائمة بمؤونته ولا ينقض عليه فقد قِيلَ: إنَّه غني ولا يأخذ من الزكاة، وقال عزان: من كان معه مائتا درهم لا حاجة له بها ينفقها فيها فلا يعطى من الزكاة، ومن كانت يسرته حاضرة من مال أو تجارة أو صناعة لم يعط من الزكاة شيئا، ومن أصاب من زراعته ما يكفيه وعياله لسنته لم يعط منها، ومن كان معه مائة درهم فاضلة عن نفقته وما يحتاج إليه وهي من ماله أو احتياله وكسب من تجارة أو إجارة لم تجز له الزكاة على قول بعض فقهاء المسلمين وليس لهم أن يعطوه إذا علموا ذلك، وإن كان ذلك من صدقة عليه من زكاة فذلك صدقة، وعلى بعض القول له أخذ الصدقة، وقالَ آخَرون: لا يأخذ إلاّ قدر ما يكفيه سنة ثم يمسك، ومن كان معه إنسان هو قائم به ولو كان إليه هو ومن يجب عليه عوله لم يحتج إلى ذلك كله، وإذا عال الآخر احتاج إلى الأخذ وكان الذي عنده فقير جاز له أن يطعمه منها.
مسألة: (6/158)
صفحة 159
وإذا مع امرأة مال قيمته مائتا درهم وعندها خلخالان قيمتهما ثلاثون درهما وكان في المال قوت مجزئ عن الخلخالين لم تأخذ من الزكاة، وإن لم يكن إلاّ مال بلا غلة وهي فقيرة أخذت الزكاة، وإن كان عليها نحو من عشرة مثاقيل أو أكثر صوغا مرفوعا لكفنها وما يحتاج إليه عند موتها فإن الكفن لا يحتاج إلى هذا المقدار، فالكفن يجزئ ما أمكن ونحب أن تستعف بمالها عن الحاجة إلى الناس أفضل لها ولا أحب لها أخذ الزكاة.
مسألة:
وإذا كان مع امرأة خلخالان قيمتهما ثلاثون درهما لا تملك غيرهما فهي غنية بذلك، ومن ملك ثمانين درهما فهو غني إذا كانت مرفوعة غير محتاج إليها، وقد قيل: إن حدّ الغنى مائتان وقد قيل خمسون درهما إذا كانت ناضة لا ينفقها لأكله ولا لمؤونته فهو غني ولا يأخذ الزكاة وهو مذهب عليّ بن أبي طالب، وقيل: من كانت له كفاية قائمة وقوت مجز ومعه ثلاثون درهما فهو غني ولا يأخذ الزكاة، وهو قول الربيع رحمه الله وأظن قيل: بخمسة عشر درهما، وصاحبة هذين الخلخالين لا تأخذ الزكاة لأنها غنية بهما. قال أبو مالك: وهذا حفظ عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
الباب الثالث عشر: ما جاء في المسألة وقبول المدعي لاستحقاله الصدقة (6/159)
صفحة 160
عن أبي سعيد الخدري قال: أعوزنا مرة وأصابنا جهد شديد فقال أهلي: لو أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتيته فكان أول ما واجهني به أن قال: «من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا لم ندخر عنه شيئا وجدنا» (1) قال: فقلت في نفسي: أفلا استعف فيعفيني الله وأستغني فيغنيني الله؟ فوالله ما رجعت إليه بعد ذلك أسأله شيئا من الصدقة حتى مالت علينا الدنيا فأهلكتنا إلاّ من عصم الله، وقد قيل: إن من سأل الصدقة أعطى منها لأن الغني لا يطلب الصدقة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سألنا أعطيناه» (2) .
مسألة:
__________
(1) لم نجد من أخرجه بهذا اللفظ، ورورى البيهقي عن حكيم بن حزام حديثا بلفظ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَلْيَبْدَأْ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ الله»، كتاب الزكاة، ر8003
(2) حديث: */ (6/160)
صفحة 161
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لاَ تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ بِحَمالَةٍ بَيْنَ قَوْمٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَيَسْأَل حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنَ الْعَيْشِ، أَوْ قوَامًا مِن عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ» (1) ، والفاقة الفقر، والسداد كل شيء سددت به خللا فهو سداد بكسر السين، ولذلك سمّي سداد القارورة وهو صمامها لأنه يسد رأسها، فأما السَّداد بفتح السين فإنه الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذوا سداد في منطقه وتدبيره وهذا فهو يدل على التشديد في المسألة لأنه قد حظر المسألة بهذا الخبر ورخص لهؤلاء الثلاثة، ومن طريق ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحل المسألة إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم موجع» (2) ومعنى الخبرين واحد إلاّ أن الألفاظ مختلفة والله أعلم. وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ سَأَلَهُ وَلَهُ مَالٌ يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَفِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، فسئل: وما غناه؟ قال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» (3) ، وفي حديث آخر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَعِنْدَهُ أَوْقِيَةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا» (4) ،
__________
(1) رواه مسلم، عن قبيصة بن مخارق بلفظ قريب، باب من تحل له المسألة، ر1044، 2/722. وأبو داود، مثله، باب ما تجوز فيه المسألة، ر1640، 2/120،
(2) حديث: */
(3) رواه أبو داود، عن ابن مسعود بلفظ قريب، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، ر1627، 2/116. والترمذي، مثله، باب ما جاء فيمن تحل له الزكاة، ر650، 3/40.
(4) رواه أبو داود، عن عطاء من حديث طويل بلفظه، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني، ر1627، 2/116..والبيهقي، مثله، باب لا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين...، ر12987، 7/24. (6/161)
صفحة 162
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سأل الناس وعنه خمس أواق فقد ظلم» (1) وروي «خمسون درهما»، وروي «أربعون درهما»، وروي «ما يغذيه وما يعشيه».
مسألة:
وقول الإنسان مقبول في ادعائه المسكنة والفقر لأن الأصل لا ملك له وكذلك يقبل قول ابن السبيل لأنه عاجز عن بلده لأنه في ظاهر غير قادر عليه، والغارم له حق في الصدقة ويعجبني أن لا يقبل قول الغارم إلاّ ببينة لأنه في الأصل غير غارم، ومن كان فقيرا في الظاهر ثم تبين غناه لم يكن على من دفع إليه غرم ما دفع إليه لأن الله تعالى إنما تعبّده بأن يدفع الصدقة إلى فقير عنده ولم يكلف أن يعلم مغيبه لأن حقيقة الفقر لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، فإن وجد الصدقة قائمة في يده أخذها منه إن قدر على استرجاعها بحكم أو غيره ويسلمها إلى فقير غيره.
الباب الرابع عشر: ما يجوز أخذه من الصدقة ما فيها من الفعل ومالا يجوز
قال أبو معاوية: لا يحج من الصدقات ولا يشترى بها الأموال ولا يمسك ما فضل معه منها، وله أن يشتري منها الخادم إذا احتاج وله أن يتزوج، وأما الفيء والجزية والصوافي فيحج منها ويشتري منها الأموال، ومن جمع الصدقة وغني منها فله أن يشتري الأموال ويحج منها، ومن كان ذا غنى أو غناء في دولة المسلمين فله أن يحج ويعتقد بما يعطى من الصدقات، قيل: وكان محمد بن علي يشدد في ذلك ويضيق فيه، وسمعت أبا سفيان تحدث عن بعض الفقهاء أنه كان يقول: إذا وقع في يد الفقراء شيء من الصدقة أو الكفارة أو ما كان من شيء فهو لهم فينظرون لأنفسهم ما يصلحهم وما أحبّوا {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (2) وقال بعض الفقهاء: لا تتصدق بشيء على الفقير مما أخذ من الصدقة.
مسألة:
ومن سافر من الأغنياء فاحتاج في سفره فأخذ من الزكاة ما يتبلغ بها إلى منزله فوصل إليه وعنده دراهم باقية من تلك الزكاة أو ثياب فجائز له الانتفاع بها لأنه أخذها وهو مستحق لأخذها.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) سورة (6/162)
صفحة 163
وإذا صار الفقير إلى الحد الذي يأخذ الصدقة فيه وقبضها صارت ماله وجاز له التصرف فيها تصرف الأملاك إلا ما قالوا إنه لا يعتقد بها الأموال ولا يشتري بها الأصل، ومنهم من قال: لا يجوز له إلا لمؤونته وعياله ونفقتهم لا غير ذلك، واختلفوا أيضاً كم يجوز له أن يأخذ؟ فقَال قَوم: يأخذ ما يكفيه لسنته، فإن أخذ أكثر كان عليه رده، وقالَ آخَرون: يأخذ إلى مائتي درهم، فإذا صار معه مائتا درهم لم يأخذ بعد ذلك حتى ينقص ذلك، ومنهم من قال: إذا صار الفقير مستحقا لقبض الزكاة فليس لذلك حد وما أعطى من ذلك أخذ وأذهب فيما يحتاج إليه من نفقته ومؤونته كان في سنته أو أكثر، والاختلاف في ذلك أكثر من هذا فتدبر ذلك وخذ بأعدله حذرا من خطأ فأنا تائب إلى الله تعالى منه.
الباب الخامس عشر: في جواز رجوع الصدقة إلى دافعها وتحريم بيعها قبل قبضها (6/163)
صفحة 164
أجمع الناس على أن من أعطى زكاه أحداً ممن يرثه ثم مات قابض الزكاة وكان وارثه الذي دفع إليه الزكاة حياً إنه إذا ردها إليه الميراث جاز له أخذها، فعلى هذا أنّ من دفع شيئا من الصدقة إلى فقير جاز له أن يشتريها. قال بعض أصحابنا: من تصدق على فقير بصدقة فلا يرجع يشتريها منه ولا يأكلها من عنده، وعندي أنهم قد تأولوا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر: «لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» (1) فإن كانوا اعتمدوا على هذا الخبر فعندي أنه غلط في التأويل وذلك أن عمر حمل رجلا على فرس في سبيل الله ثم وجدها بعد ذلك تباع في السوق فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذها وقد كان إخراجها لله تعالى فمنعه من ذلك وقال: «لا تعد في صدقتك»، وفي بعض الروايات أن هذا الخبر آخره «فإن الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود فيه» (2) ، والنظر يوجب عندي: جواز ذلك لأن الفقير قد ملك بالصدقة ما ملكه إياه الغني فلكل من ملك ملكا أن يتصرف في ملكه، والدليل على ما قلناه إجماعهم أن الرجل لو تصدق على فقير يرثه شيئا ثم رده الإرث إليه لجاز له وعاد في صدقته وليس هذا هو المعنى الذي ذهبوا إليه والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن أبي سعيد الخدري بلفظ مختلف، كتاب الجهاد، باب الخيل، ر462، 1/187. وأبو يعلى في مسنده، عن ابن عمر بلفظه، ر5840، 10/211.
(2) رواه البخاري، عن ابن عباس وغيره بلفظ قريب، باب هبة الرجل لامرأته...، ر2589، 2621...، 2/914.. ومسلم، مثله، كتاب الهبات، باب الرجوع في الصدقة بعد القبض..، ر1622، 3/1242. (6/164)
صفحة 165
ومن دفع زكاته إلى رجل وله عليه دين فقبضها منه ثم أدى إليه دينه في الوقت الذي يسلم إليه فجائز له ما لم يكن شرط بينهما ولا يريد صاحب الزكاة أخذ حقه حين دفع إليه، وإنما يعطيه لحال فقره فجائز، وبذلك يقول الشافعي، ولا أحب لأحد أن يعطي الفقير الذي عليه الدين من زكاته إذا كان في ضميره إنما يعطيه زكاته ليقضيه دينه والله أعلم. وإن كان على الفقير له دين فقال له: الدراهم التي عليك هي زكاة لك من عندي فلا يجوز ذلك ولا تسقط به عنه الزكاة حتى يقبضه الزكاة ثم يقضيه الفقير بلا شرط بينهما، فإن فعل ذلك فلا أعلم أن على الفقير ضمان ذلك في الحكم له ولا لورثته إن كان قد مات، وليس كل صدقة على فقير لا تجزي عن ربها يلزم الفقير فيها ضمان، وإن كان الرجل حدّث إنسانا فقال له: لو كان فلان الفقير يأخذ مني ويقبضني فرفع الإنسان الحديث إلى الفقير ثم فعلا ذلك فإنه يجزئ عنه، وليس على الناس علم الغيب إذا كان ذلك من غير شرط بينهما.
مسألة:
ولا يجوز بيع الصدقة على مخرجها قبل قبضها لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجوز بيع الصدقة قبل قبضها» ومن عليه شيء من الصدقة وله على الإمام أو الوالي دين فليس له أن يدفعه، ومن رجعت إليه صدقته بحق جاز له أخذها، ومن أكل من فطرته بعد تسليمها إلى الفقير برأيه فجائز.
مسألة: (6/165)
صفحة 166
وجائز للرجل شراء صدقته إذا صارت إلى من يلي قبضها وإن خالطه أكل وإن كان مات ورثه إذا كان له وارثا، واتفقوا أن من ردّ إليه الميراث صدقته إن له أخذها، وقيل: إن رجلا تصدق على أمّه بجارية فماتت أمّه فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: قد وقع أجرك على الله وردّ إليك جاريتك، وقيل: إن رجلا من الأنصار تصدق بأرض على أمّه أو غيرها ممن ترثه فمات فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: قد وقع أجرك على الله وردّ إليك أرضك فاصنع بها ما شئت فهذا يدل على ما قلناه، وقال بعضهم: لا يرجع يشتري زكاته وكره له أكلها لحديث عمر وهذا خلال ذلك، وإذا قبض المصدق الفريضة باعها إن شاء من ربّها أو غيره وهذا خلاف ذلك وأخرج حصة الفقراء من ذلك وفرقه على فقراء ذلك الموضع أو قوّمها وأخرج لهم على بعض القول الثلث، وإن لم يكن هنالك فقراء فأقرب القرى إليه.
مسألة: (6/166)
صفحة 167
وقال أبو جعفر: لا تقاصّ بالوصية ولا بالصدقة إذا كان لك على رجل دين وأنت تلي الصدقة فلا تقاصّه بها ولكن أعطه واطلب منه أنت حقه وكذلك الوصية يعني وصية الميت، ومن كان له على رجل فقير عشرة دراهم فإذا حلت زكاة الرجل الذي له العشرة دراهم فلا تحسبها له من زكاته ولكن يخرج زكاته كلها كاملة ثم يعطي الفقير حقه منها ولا يحاسبه بما له عليه، وجائز أن يعطي الرجل الرجل من زكاته ثم يقبضها منه من حق عليه وكذلك لو باعه له ولا يطعمه ما أعطاه من زكاته وأرجو أنه يجوز للمعطي أن يطعم الآخر منها وهو لا يدري، ومن أعطى فقيرا من زكاته وقضاه الفقير ذلك من حق عليه فجائز، وقد كان عمر بن محمد عنده كتبه لكل واحد عشرون درهما، ومنهم من تجب عليه الزكاة فيرسل القاضي من يقبضه زكاته ثم يدفعها إليه عن معروفه الذي استحقه، ومن تصدق على فقير أو غني بماله ولم يقبل الفقير ما تصدق به عليه، فأما أبو الحواري فيقول: إنها ترجع إلى صاحبها، وأما أبو مالك رحمه الله فكان يقول: الصدقة ترجع إلى الفقراء إذا لم يقبلها الفقير، وكذلك الصدقة على الغني ترجع إلى الفقراء، ومن دفع إلى رجل درهما وقال: هذا لك من الزكاة فاستغنى عنه الذي دفع إليه فليرده إلى الذي سلمه إليه ولا يدفعه إلى بعض الفقراء، فإن مات الدافع فليدفعه إلى الفقراء، فإن قال له: هذا من الزكاة، فقال المدفوع إليه فإني غني ولكن أأمرني أن أدفعه إلى بعض الفقراء. قال له: إن احتجت إليه فخذه وإلاّ فادفعه إلى من يستحقه فاحتاج ذلك الذي سلم إليه فله أن يأخذه.
مسألة:
وجائز شراء الصدقة من عند الفقير لمن اشتراها وكذلك الغارم لأن استحقاق ماله بالدين أخرج إلى حدّ الصدقة.
الباب السادس عشر: زكاة الثمار المشتركة وغيرها، وما يحمل بعضه على بعض من ذلك وما لا يحمل وأحكام ذلك (6/167)
صفحة 168
قوله تعالى في الأنعام: {وهو الذي أنشأ جنات...} (1) يغني البساتين منها المعروشات الكروم وما يعرض من نحوه وغير معروش والنخل والزرع مختلفا أكله إلى قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} (2) يقول: أعطوا زكاة الحرث والثمار يوم كيله، قال: نزلت هذه الآية بمكة فكان المسلمون يعطون زكاة الثمار شيئا غير مؤقت ثم نزلت آية الزكاة بالمدينة فصار ما كان يعطون من غير مؤقت منسوخة فبيّن أمر الزكاة، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} (3) أنه قال العشر ونصف العشر، وقال: من حقه الزكاة المفروضة يوم تكال ويعلم كيله،وبه قال جابر بن زيد وقَال قَوم: كان هذا قبل الزكاة لأن هذه السورة مكيّة، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، والوسق: ستون صاعاً بصاعه - صلى الله عليه وسلم - فإذا بلغت الثمرة ذلك ففيها الصدقة وإن نقصت عن ذلك فلا صدقة فيها، والوسق قيل مكيال لأهل الحجاز وجمعه وسوق. قال عمرو بن كلثوم:
تخال جماجم الأبطال فيها *** وسوقا بالأماعز يرتمينا
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (6/168)
صفحة 169
والأماعز من الأرض ذات الخيل، الوسق وقر بعير ستون صاعا، وكل شيء قيل بلغ ستون صاعا فهو وسق، يقال ذلك لما يكال ويقال لكل حمل ثقيل وسق، والجمع الأوسق والوسوق حتى أنهم يسمّون أحمال الإبل وسوقا، قال: والأمعز والمعزا من الأرض الحريّة الغليظة ذات الحجارة الكثيرة، والجمع الأماعز والمعزا والمعزاوات، وما زاد على ثلاثمائة صاع فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ الزيادة عشرة أصواع ثم تجب فيها صاع ثم على ذلك يجري الحساب إلى منتهى ما بلغت الثمرة وذلك العشر فيما سقته السّماء والأنهار وما سقي على النواضح والدوالي من النخل والأعناب والزرع فبلغت الثمرة من ذلك ثلاثمائة صاع ففيها نصف العشر فإذا زادت شيئا فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ عشرة أصواع، ثم فيها نصف صاع ثم على هذا تجري الصدقة إلى منتهى ما بلغت، وكل نخل لا يسقى بنهر ولا زجر ففيها العشر، وذلك إذا بلغت ثلاثمائة صاع فإن لم تبلغ فلا شيء فيها، وإن زرعت في تلك زراعة أو فسل شجر ثم سقي ذلك بالزجر فشربت هي حتى أدركت ثمرها على ذلك ففيها نصف العشر، وما سقي من جميع هذه الثمار بالزجر والأنهار أو بالزجر والأمطار فقال من قال: صدقة ذلك على ما أسست، وقال بعض: على ما أدركت، وقال بعض: صدقتها بالمقاسمة ينظر كم شربت من شربة بالزجر ومن شربته بغير الزجر فتؤخذ الصدقة من الجزء الذي شرب بالأنهار والأمطار العشر تام، ومن الجزء الذي شربت بالمزجر نصف العشر، وهذا الرأي أحب إلينا وكل رأي العلماء حسن جميل ولكل رأي من هذه الآراء حجة ومذهب، وإنما أخذ من ذلك ما عنى به فلا بأس إذا أراد العدل والتمس الصواب، وقال أبو الحسن: رأيت الأعدل أن تؤخذ الصدقة على ما أدركت لأن به صحت الثمرة والله أعلم.
مسألة: (6/169)
صفحة 170
والعامل تبع لصاحب المال فإذا لزم صاحب المال الزكاة فالعامل تبع له فيما عمل له من قليل وكثير وعليه بقدر حصته، وكذلك إن كان مال بين شركاء في فأصابوا ثلاثمائة صاع فالزكاة فيه على كل واحد بقدر حصته وكذلك إن قسموه عذوقا قال من قال فيه الصدقة إن وجبت في جميعه لأن ذلك قسم ضعيف وسل عن ذلك، وكذلك إن قسّم أهل النخل من بعد أن أدركت الثمرة فالصدقة في جميعه إذا بلغت، وإن قسموا النخل قبل إدراك الثمرة فلا صدقة فيها إلا أن تبلغ ذلك على كل واحد منهم، وإن كان أحد الشركاء له مال غير ذلك حمل ما أصاب من هذه الشركة على ماله من غير ذلك، فإذا بلغت الصدقة فيه أخرجها وكان العامل الذي يعمل الجماعة الشركاء الذين لم تصل إليهم الصدقة تبعا له بقدر حصته من عمله.
مسألة:
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فيما سَقت السماء والأنهار العشر، وفيما سقي بالدلاءِ نصفُ العشُرِ» (1) ، فهذا عموم، وفي خبر: « وَمَا سُقِيَ بِالنّضحِ نِصْفُ العُشُر» (2) وروي أنه قال في بعض الروايات « إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» (3) والأخذ بالزيادة أولى.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظ قريب، كتاب الزكاة والصدقة، باب (55) في النصاب، ر331. البخاري، عن سالم بن عبد الله عن أبيه بلفظ قريب، باب العشر فيما يسقى من ماء...، ر1412، 2/540. والترمذي، مثله، باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالانهار وغيره، ر640، 3/32.
(2) رواه البخاري، عن سالم بن عبد الله عن أبيه بلفظه، باب العشر فيما يسقى من ماء...، ر1412، 2/540. والترمذي، مثله، باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيره، ر640، 3/32.
(3) سبق تخريجه في حديث: « لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلاَ تَمْرٍ صَدَقَةٌ...» في هذا الجزء. (6/170)
صفحة 171
ولا يحمل شيء من الثمار بعضه على بعض إلا ما قد اختلفوا فيه من البر والشعير فقد قال بعض إنه يحمل، فأما الذرة فهي ثمرة ولا تحمل ثمرة الذرة على ثمرة أخرى، فأما القديمة والآخرة فمختلف في أوقاتها فقَال قَوم: إن تداركتا في الأرض حملت، وقالَ آخَرون: إن كان بينهما أقل من ثلاثة أشهر حملت، وإن كان ثلاثة أشهر إلى ما أكثر لم يحمل إلى شيء من ذلك، واختلفوا في النضار من الذرة. قَال قَوم: لا يحمل لأنه ثمرة أخرى، وقَال قَوم: يحمل ونحن لا نرى ذلك لأنه لم يتدارك في الأرض ولأنه يكون أكثر من ثلاثة أشهر، ومن كان له زراعة مختلفة قدم ووسط وآخر وكان بين القدم والوسط شهران وبين الوسط والآخر شهران، وبين القدم والآخر أربعة أشهر فإن هذا محمول بعضه على بعض إذا كان بين الأولى والتي تليها أقل من ثلاثة أشهر فهي ثمرة واحدة، وإذا كانت ثمرة واحدة حملت على التي بعدها ما دامت على ذلك وفيها الزكاة وتحسب الثمرة من يوم الجزاز وذلك حصادها والله أعلم.
مسألة: (6/171)
صفحة 172
ومن كان شريكه ذميا فجاءت الزراعة ثلاثمائة صاع فعلى المسلم في نفسه ولا شيء على الذمي، وقَال قَوم: لا شيء عليه حتى تتم في حصته ثلاثمائة صاع، وإن كان شريكا في صافية فهي مثل الأولى. قَال قَوم: لا شيء عليه حتى تتم في حصته هو الصدقة والله أعلم بذلك، وقد قيل في رجلين لكل واحد منهما قطعة أصاب كل واحد منهما مائتين مائة وخمسون مكوكا ولكل منها مع صاحبه خمس في العمل إنه لا زكاة في ذلك، وأوجب بعض في ذلك الزكاة، ألا ترى أن العمل يحمل على المال والمال لم تبلغ فيه إلا بالعمل حمل، فقد بلغ ما يجب فيه إذا حمل كل واحد منهما حصته من عمله على حملة قطعته وعامله له تبع فبذلك تلزمه الزكاة، ومن كان له مال كثير فزرع على بعضه فأصاب من زراعته خمسة وعشرين جربا وأطنى بعضه بعشرة أجربة فلا زكاة عليه، وإذا كان لرجلين لكل واحد منهما أرض يزرعها على حياله وبينهما أرض هما شريكان فيها يصيبان من أرضهما مالا تجب فيه الزكاة إذا كان وحده وإن حملا عليه ما أصابا من أرضيهما بلغ فيه، فلا نرى أن يحمل ذلك على هذا لأنهما شريكان وإنما يعملان كل واحد منهما بحصته، وإذا اشترك رجلان في زراعة لكل واحد منهما أرض وماء فكانا في جميع الزراعة من أرضهما مشتركين فأصابا من جميع ما اشتركا عليه ما تجب فيه الزكاة ولا تجب في حصة واحد منهما لو قسمت فإن عليهما الزكاة في جميع ذلك.
مسألة: (6/172)
صفحة 173
ومن كان له أرض فيها بر وشعير ودخن حمل البر على الشعير والدخن وحده وإن كان فيها بر وذرة فأدركت إحداهما قبل الأخرى بشهر أقل أو أكثر إلا أنه في سنة واحدة فبلغت إحداهما ثلاثمائة صاع وعجزت الأخرى عن ذلك. قال سعيد بن مبشر: إن الصدقة فيها ويحمل على الأخرى إذا كان بينهما أقل من ثلاثة أشهر وإن كان بين إدراكهما أكثر من ثلاثة أشهر فلا تحمل على الأولى لأنها ثمرة أخرى، ومن له قطعة ذرة فبلغت الزكاة ثم نضرت الذرة بعد جزازها فأصاب من النضار مائتي مكوك وقد بقي معه من حبها الأول مائة مكوك فلا صدقة فيها حتى يبلغ النضار ثلاثمائة صاع ولا يحمل على ما بقي من الأول إن كان بينهما أكثر من ثلاثة أشهر، ومن اشترى زرعا علفا لدوابه فأدرك وبلغت فيه الزكاة ففيه الزكاة على البائع إلا أن يشترط البائع على المشتري أنه إن بقي منه شيء يكون فيه الثمرة فعليه زكاته، ومن أصاب من زراعته ثلاثمائة مكوك وعليه فيها إجارة دابة أو أجبر بمائة مكوك فعليه الصدقة من الرأس ثم يعطى الإجارة مما بقي، وإذا كان بين رجلين أرض مشاعة لكل واحد نصفها فطلب أحدهما القسمة فأبى عليه الآخر وأنكره الأصل فقال الذي طلب القسم أنت الزكاة خاصة لأنك منعتني قسم أرضي، ولو خلص لي لم تجب عليّ الزكاة فالزكاة عليهما جميعا إذا زرعاها فوجبت فيه الزكاة، ومن عمل عند رجل أرضا ونخلا فطلب العامل أن يعذق النخل ويسمّي إليه السهم الذي له من النخل ويترك الزكاة عنده من الحب والنخل ويقول العامل: أنا أخرج زكاتي التي تقع عليّ فإن كان ثقة جاز له على قول ويأمره بإخراج ذلك فإذا قال إنه قد أخرج برئ وإن كان غير ثقة لم يجز له ذلك حتى يخرجها جميعا إلى الفقراء عن مشورتهما جميعا وفيها اختلاف، وتعذيق النخل جائز بينهما على التراضي وهو قسم ضعيف والزكاة في جميعه، وإن قسموه قبل وجوب الزكاة فيه وكل واحد يخرج ما قبله من زكاته تلك، ومن زرع لقوم أرضا يبذر ويسمد ويعمل وله ثلاثة أرباع من (6/173)
صفحة 174
صاحب الأرض والربع لصاحب الأرض وإنما تجب الزكاة عليه فيها وفي سواها وشريكه الذي عمل الأرض وبذر وسمد لا تجب الزكاة عليه ولا في غيرها فليس على المشارك أن يحمل عليه شريكه ولا صدقة عليه إلا أن تجب عليه في مشاركته أو تجب عليه من وجه آخر، ولا يحمل عليه صاحب الأرض لأن هذا شريك وليس بعامل لأن العامل قد يحمل عليه صاحب الأرض والمشارك لا يحمل عليه صاحب الأرض، وعسى أن يقول قائلون عليه في حصة العمل فانظر في ذلك، ويوجد فيمن له زراعة في موضعين وفي أحدهما له شريك والأخرى له خالصة وأصاب من التي بينه وبين شريكه مالا تجب فيه الزكاة وكذلك الأخرى فإذا حمل نصيبه من هذه على الأخرى بلغت ثلاثمائة مكوك فإن الزكاة تجب عليه وعلى شريكه فالله أعلم، فإذا كان ثلاثة أخوة يعملون لقوم شيئا وهم مجتمعون فجمعوا عملهم جميعا فأصابوا ثلاثين جربا فليس عليهم زكاة إذا لم تبلغ على أحدهم الزكاة فيكون تبعا لهم في الزكاة، وأما لاجتماعهم في منزل فذلك لا يحمل بعضهم على بعض في الزكاة، وإذا كانت أرض بين بني أب أصلا بينهم فتراضوا على أن يزرع كل واحد منهم موضعا فزرع كل واحد مثل صاحبه أقل أو أكثر فإنهم يحملون على بعضهم بعضا وتؤخذ منهم الزكاة إلا أن يكونوا منح كل واحد منهم الآخر حصته مما زرع فإذا منع بعضهم بعضا لم يحمل بعضهم على بعض وليس كذلك الرّموم، وإذا كان رجلان زرع كل واحد منهما مع صاحبه فأصاب كل واحد منهما خمسة وعشرين جربا غير أن لكل واحد منهما من ذلك خمسة أجربة بعمله فعليهما الصدقة جميعا، ومن له ثمرة فاستأجر من يجمعها بالنصف فبلغت الزكاة فليس على الأجير في حصته وعلى ربّ المال زكاة جميع الثمرة. (6/174)
صفحة 175
ومن أصاب من قطعة له عشرين جربا ومعه فيها عامل يعمل معه وأصاب من عمالة يعملها عشرة أجربة أو أكثر فعلى العامل الذي عمل معه في قطعته الصدقة لأنه تبع لمن عمل له وقد وجبت الصدقة على المعمول له والله أعلم بالصواب، ومن له حصة مع رجل في ماله فوجب على أحد الشريكين في ماله الزكاة فلا زكاة على صاحب الحصة اليسيرة إلا أن يكون له مال وثمرة يضم ذلك إليه في جملته الزكاة وإلا فلا، وإذا كان شركاء في طوي ذره فلم يصبوا منه ثلاثين جربا فتركوا الحب بحاله مجموعا لم يقسموه حتى نضرت أصول الذرة وأصابوا منها ما يبلغ به على ما أصابوا من أولها ثلاثين جربا أخذت منه الصدقة، ومن له قطعة يصيب منها عشرين جربا ويصيب من عمله عشرة أجربة فعليه في العشرين جربا وفي العشرة إلا أن يكون قد أخرج عشرة عند شركائه والشريك في العمل بيده أو له دابة بأجر معروف وإذا قال الشريك قد سلمت إليك زكاتك وأعلمه بذلك وقسم له الثمرة من الرأس فقد برئ صاحب المال من زكاة الشريك إن شاء الله أدى الشريك أو لم يؤدها فصاحب المال برئ من زكاة شريكه كان عاملا بيده أو بدابة، وإذا كان قوم شركاء في زراعة لا تبلغ الزكاة ولأحدهم أرض خاصة لا تبلغ الزكاة أيضا والماء شركة بينهم فلا أرى أن تحمل زراعة الرجل الخالصة له على زراعة شركائه ولكن تحمل حصته من تلك الزراعة المشتركة على حصته الخالصة فإن بلغ فيه الزكاة أخذت منه. ومن زرع ذرة ثم حصدها وزرع مكانها ذرة أخرى فلم تبلغ الزكاة في إحدى الثمرتين فلا تحمل الأخيرة على الأولى لأن هذه ثمرة والأولى ثمرة أخرى، ولكن إذا زرع أرضا ثم زرع له أرضا أخرى ذرة فأدركت الخضرة الأولى الخضرة الثانية حملت الأولى على الأخيرة، وإذا طرح الحب في الأرض وسقاه الماء ولم ينبت حتى خرجت الثمرة الأولى فلا تحمل الأخيرة على الأولى حتى تدرك الخضرة.
مسألة: (6/175)
صفحة 176
اختلف أصحابنا في الثمار إذا تداركت في وقت واحد نحو البر والشعير أن أحد الجنسين يحمل على الآخر ليتم به الزكاة وهو قول أبي عبد الله محمد بن محبوب، وقال غيره من فقهائنا: لا يحمل أحدهما على الآخر وإنما تجب زكاة كل واحد منهما في عينه فإن حصل ثلاثمائة صاع من كل جنس بصاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج الزكاة منه، وإن لم يحصل من كل واحد من الجنسين ثلاثمائة صاع لم تجب في واحد منهما الزكاة حتى يحصل كل واحد ثلاثمائة صاع فصاعداً، ووجه قول محمد بن محبوب رحمه الله يخرج على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» والوسق اسم يشتمل على حمله المكيال سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، وأيضا فإنها لما كانت زكاة واحدة ووقتها واحد كانت كالدراهم والدنانير يحمل بعضها على بعض وكذلك المكيال والله أعلم.
مسألة:
اختلف أصحابنا في السلت المذكور في جميع الحبوب التي تجب الزكاة فيها قال بعضهم: هو اسم لجميع الحبوب، وقال بعضهم: هو الشعير الأقسر، والذي سمعنا أنه ضرب من الشعير صغير الحب ليس عليه قسر والله أعلم. قال أبو علي: القمح هو البر وكذلك وجدت عن الخليل، وكان سعد بن أبي وقاص فيما بلغنا يكره بيع السلت بالبر لأنهما من جنس واحد عنده.
مسألة: (6/176)
صفحة 177
وفي ثمار الأرضين المملوكة العشر إذا شربت بالسماء والعيون، وفيما سقي بالنواضح والسواقي نصف العشر لما روى سالم بن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ««فيما سَقَت السَّمَاءُ والْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنّضحِ نِصْفُ العُشُر» (1) .
مسألة:
والثمار إذا هلكت قبل الكيل وقد كانت مجموعة أو قبل أن تجمع فلا زكاة فيها، وإن كيلت ولم يكن بالحضرة من الفقراء أو من يستحق قبض الزكاة منها فلا زكاة على أربابها بسببها. قال أكثر أصحابنا: إذا كيلت فقد وجبت الزكاة على أربابها وإن لم يكن منهم تفريط في تأخيرها والنظر يوجب عندي أن لا زكاة عليهم لأنهم أمناء لشركائهم من الفقراء ولا ضمان عليهم إلا بالتعدي فيها بخيانة تكون منهم بمنع أو تأخير.
مسألة:
وإذا كان لرجل شريك ذميّ يهودي في الزراعة فجاءت ثلاثمائة صاع فلا زكاة على المسلم في حصته حتى يحصل في يده منها من غير شريكه الذمي خمسة أوسق، ولو كانا مسلمين لوجب عليهما فيها الزكاة ولو كانت ثلاثمائة صاع، والفقراء شركاء لأرباب الأموال في الزكاة ولو أخذوها من غير دفع من أرباب الأموال لم يجز لأن الزكاة لا تؤدى إلا بقصد ونيّة وليس هي لفقير بعينه، ولو أخذها الإمام أو واليه من غير أربابها كانت تجزي لأن الإمام خصم والفقراء ليسوا بخصوم.
مسألة:
__________
(1) قوله "عثريا" (بفتح العين والْمثلثة الْمفتوحة الْمخففة، وقيل: بالتشديد وغلّط، وقيل: بإسكانِها وضعّف) هو: من النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يَجتمع في حفيرة. وَقِيلَ: هو العدي، وهو الزّرع الذي لا يسقيه إِلاَّ ماء الْمطر، وَقِيلَ: ما يزرع في الأرض تكون رطبة أبدا لقربِها من الْمَاء. اهـ مصنفه. روى الحديث البخاري، بلفظه عن سالم بن عبد الله عن أبيه بلفظه، باب العشر فيما يسقى من ماء...، ر1412، 2/540. والترمذي، مثله، باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالانهار وغيره، ر640، 3/32. (6/177)
صفحة 178
وإذا كانت نخل بين شركاء إذا جمعوا ثمرتها وجبت فيها الزكاة وإذا اقتسموا الثمرة لم تصل في نصيب كل واحد منهم زكاة فالزكاة في جميع الثمرة إن شاءوا جمعوا وإن شاءوا اقتسموا لأن نصيب الفقراء عندهم في المال المشاع إلا أن يقتسموا أصل المال فإن أبى أحدهم أن يعطي الزكاة وقال: لم تجب عليّ في نصيبي زكاة فليعط الباقون زكاتهم مع زكاته من نصيبهم، فلو قالوا جميعا لا تجب علينا الزكاة وأراد أحدهم أن يعطي الزكاة فإنه يعطي الجميع لا يجزيه غير ذلك.
مسألة:
وإذا كان لرجل نخل لا تجتزئ عن السقي فزرع فيها زراعة والزارع غيره فإنه يعطي من هذه النخل نصف العشر لموضع السقي، ويوجد في النواضح والسواني نصف العشر، النواضح هي الزواجر، والسواني هي المنازف.
مسألة:
ومن كان له مرابع في زراعة وهو يتيم فلما حصد الحب سلم إلى اليتيم زكاة حصته ليسلمها إلى من أراده فإن صاحب الزرع يبرأ، ومن كان له زراعة في موضعين في كل موضع مناصف فوصل زرع كل واحد منهما مائة وخمسين مكوكاً ولكل مناصف من المائة والخمسين نصفها فالزكاة عليه من الحب كله من الذي له ولمناصفه.
مسألة:
ومن كان له شريك غائب في ماله له وحضرت الثمرة فلا يجوز له إخراج الزكاة ولا يصح له في قسمه الذي له والمال على جملته إلى حضور صاحبه أو من يقوم مقامه، وقال: إن العامل إن كان شريكا فلا زكاة عليه فإن كان أجيرا فلا زكاة عليه في أجرته وليس هو تبعا لصاحب المال على الوجهين جميعا إلا أن تجب الزكاة في زراعته أو في بيدارته والعامل هو البيدار والأستاذ اللذان يعملان بحصة، وقال في موضع آخر: إن الأستاذ والبيدار هما تبع لصاحب المال في الزكاة.
مسألة: (6/178)
صفحة 179
ومن كان شريكه لا يدين بالزكاة ولا يخرجها فإن قاسمه وسلم إليه نصيبه ضمن الزكاة للفقراء فيما دفع إليه مالم يخرج شريكه الزكاة منه، وإن كان غلبه عليها وأخذها فلا زكاة عليه إلا فيما في يده مما سلم إليه الآخر من المال وليس للشريك أن يخرج الزكاة من المال إلا برأي شريكه فإن فعل ضمن، وإذا سرقت الزكاة أو احترقت أو نقصت في الكيل بعد إخراجها وذلك مثل حب يأكله السوس فإنه يلزمه، والزكاة على صاحب المال فيما لقطه من مال نفسه، ولا زكاة فيما أباحه لغيره، وإذا اشترك رجلان في زراعة فجاءت ثلاثمائة صاع ففيها الزكاة، وإن جاءت أقل من ذلك فلا زكاة فيها، قال: فإن اشتركا في تجارة بعين فحال عليها الحول وهي ثلاثون دينارا لكل واحد منهم خمسة عشر دينارا فلا زكاة فيها حتى تصل حصة كل واحد منهما عشرين مثقالا.
مسألة:
أجمع الناس على جواز إخراج البدل عما يجب من الزكاة واختلفوا في دفع القيمة عن الواجب، ومن أخرج زكاة ثمرته من ثمرة سواها أو اشترى طعاما فأدّاه عن زكاة ثمرة ماله فذلك يجزيه إذا كان من جنسه وقالوا: ولولا الاتفاق من الأمة لما جاز إخراج الزكاة إلا من عين الثمرة ولو تركنا والظاهر لكان ذلك، ولكن لا حظ للنظر مع الإجماع.
مسألة: (6/179)
صفحة 180
ومن كان له شريك بخمس أو بسدس بطلب حصته من الزكاة فالزكاة لا تقسم وهي عليهما جميعا يخرجانها إلى الفقراء عن تراض منهما، وإذا كان أخوان شريكين في مال مشاع فحضر وقت كيل الثمرة أو كيل الحب فقال أحدهما أخرج الزكاة، وقال الآخر: لا أخرج من حصتي زكاة وقد كال أحدهما للجميع فإنه إن أخرج الزكاة التي تلزمه فإنه لا يبرأ والزكاة تخرج من الجملة ولا تخرج مقسومة فإذا أبى على شريكه حاكمه إلى الحاكم حتى يأمره ويتفقا على إخراج الزكاة جملة ودفعها إلى من يستحقها بحضرتهما أو كلاهما، ومن زرع بصحار شعيرا وبالجبل شعيرا ولم تجب في الشعير الذي بالجبل زكاة فإنه يجمع الذي بالجبل على الذي بصحار ويخرج الزكاة منهما من كل واحد ما تجب فيه من بلده ذلك، وإن أخرج من الأفضل فجائز، ومن زرع شعيرا فأصاب أربعمائة قفيز وللبيدار منه مائة قفير فالزكاة تخرج جملة من الرأس برأيهما فإذا أخرجاها واتفقا على دفعها للفقراء ولأنهما متعبدان بالخلاص من ذلك دفعا إلى المستحقين لها من فقراء المسلمين طاعة لله رب العالمين.
مسألة: (6/180)
صفحة 181
ومن زرع بصحار شعيراً وبالجبل برا فلم تجب في البر الزكاة فلا يحمل البر على الشعير، وعلى قول محمد بن محبوب أنه يحمل البر على الشعير، ومن له طويا ذرة أو ثلاث فأخرج الزكاة من حب أحدهما عنهما وكلاهما حب واحد فجائز إذا كانا في الجودة متساويين على قول وقول إنه يخرج من كل حب ما وجب فيه، ومن وجب عليه زكاة حبّ وكان الشعر عاليا فباع حبّه ولم يزكه فلما رخص السعر أخرج حبا غيره فأرى أنه يبرأ وهو آثم في تأخيره الزكاة وبيعه حبّ الفقراء، والشركاء إذا زرعوا الأرض كلهم فبلغت الصدقة أخرجت من جملتها وإن لم تبلغ لم يحملوها على بعضهم بعضا، وإذا كان لغيرهم مال تجب فيه الزكاة غير ذلك فإنما الصدقة على كل في ماله ويحمل حصته من الأرض المشتركة على ماله ويخرج الصدقة من جميع ماله وليس على الشركاء في حصصهم شيء وعامله أيضاً تبع له في حصته من هذه الأرض المشتركة في الزكاة على ما قالوا وفي نفسي من ذلك ما فسرت أوّل المسألة.
مسألة:
واختلف في العامل والشركاء في المال فقَال قَوم: إنهم يقسمون الجميع ثم يخرج كل واحد من حصته ما يجب عليه وإن غاب عنهم وأخرج ما عليه أو لم يخرج لم تلزمهم زكاة حصته لأن كلاًّ متعبّد بما يلزمه من الزكاة، وقالَ آخَرون: إن الزكاة لا تقسم وتخرج من الجملة وتدفع إلى الفقراء بحضرة الجميع مع النيّات لهم بذلك في أداء العبادات أبو بوكالة منهم فإن فعلوا غير ذلك فعليهم الضمان لمن غاب، ولا يبرأ الغائب من تلك الزكاة ولا تسقط عنه العبادة لأنه لم يقصد إلى إنفاذ حصته بنيّة وأن جمعيهم متعبدون بكل حبّة منها حتى تصير إلى أربابها فإن غاب أحد منهم بشيء لم يبرأ الباقون، وقالَ آخَرون: إن كان الذي أخرجها وغاب بها ثقة وقال إنه أنفذها على الفقراء برءوا منها، وإن كان غير ثقة لم يبرءوا، ومنهم من قال: لا يبرؤون كان ثقة أو غير ثقة، حتى ينفذوا ذلك بنيّة منهم أو بوكالتهم وأمرهم.
مسألة: (6/181)
صفحة 182
ومن كان شريكه في المال يتيما أو غائباً فأما اليتيم فإنه يخرج الزكاة من حصته من الثمرة إذا كان هو القائم بذلك، وأما الغائب ففيه اختلاف، منهم من قال يخرج زكاته الحاضر من الشركاء، وقالَ آخَرون: يوقف ذلك حتى يحضر الغائب ثم يخرج ما عليه أو يأمر بإنفاذه فانظر في ذلك، وقد وجدت أنه إنما يخرج الشريك الزكاة من مال شريكه اليتيم إذا احتسب له في ذلك، وأما البالغ فليس لشريكه أن يخرج من حصته الزكاة، فإن أخرجها ضمن له وضمن أيضا من يأخذ منه والله أعلم، والعامل تبع لصاحب المال في الزكاة فإن كان يعمل لرجل نخلا لا تجب فيها الصدقة ولرجل آخر نخلا تجب في جملتها الزكاة فالعامل تبع له في حصته من الزكاة في الذي أخذ منه من العمل من تلك النخل، وفيها قول آخر أن العامل إن كان شريكا لم تجب عليه زكاة حتى تجب في النخل الذي يعملها وإن كان أجيرا لم تلزمه زكاة في أجرته والأول عليه العمل أكثر والناس عليه فانظر في ذلك، والفقراء شركاء لأرباب الأموال وفيها قول أنهم ليسوا شركاء.
مسألة:
ومن كان له شريك في زراعة فوجبت فيها الزكاة وشريكه يستحل ترك الزكاة فلا يسلم من زكاة حصة شريكه إذا كان مصليا وإن كان ذميا برئ ولا زكاة عليه في حصة شريكه الذمي لأن الزكاة لا تخرج قسمة وإنما تخرج جملة ثم ما بينهما، وقيل: إن على كل واحد بقدر حصته ولا تلزمه حصة شريكه والقول الأول أحب إليّ.
مسألة: (6/182)
صفحة 183
والبيدار إذا عمل لرجل على أن له من كل نخل عذقا وتعارف البلد على هذا فإن العامل إذا لم يكن بنصيب معروف كان منتقضا وله أجرته فيما عمل، وإن رضي بأحد العذوق من كل نخلة ووجبت الزكاة في المال فإن لم يعطه إلا عذوقا لأجرته وبقيت العذوق في النخل حتى أثمرت كانت زكاتها على ربّ النخل ولا شريك له في الثمرة وإنما له أجرته لفساد المعاملة التي تعاملا عليها فإذا وجبت الزكاة على ربّ المال ولم يعلم مبلغ العذوق احتاط على نفسه حتى يعلم أنه قد أنفذ الواجب من الزكاة عليه، وإذا كان بيدار يعمل بسهم لجماعة لا تجب عليهم الزكاة وأصاب هو من عمله خمسة أوسق أو ثلاثمائة صاع حباً أو تمراً فعليه فيها الزكاة على من يثبت المعاملة في ذلك.
مسألة:
وإذا اشترك يهودي أو نصراني ورجل مسلم في زراعة فأصابا ثلاثين جربا قال أبو علي: لا أرى على المسلم زكاة في حصته حتى تبلغ عليه الصدقة.
مسألة:
اختلفوا في حمل الشعير على البر في الصدقة قال محمد بن محبوب: يحمل أحدهما على الآخر لتتم به الصدقة ثم تخرج منهما وبه يقول مالك، وكان وائل بن أيوب لا يحمل الشعير على البر في الصدقة ورآهما جنسين مختلفين وثمرتين متفاوتين وخالفه في أيامه موسى بن أبي جابر ورأى أن أحدهما يحمل على الآخر وبالله التوفيق، وقال: يحمل البر على الشعير ولا يحمل الدخن على الشعير وكان محمد بن محبوب لا يجوز أخذ الذكران من البقر عن الأنثى في الصدقة، وقال: لم أسمع بجواز ذلك ورأى جواز أخذ ابن لبون مكان ابنة مخاض من الإبل في الصدقة وهذا عنده سنة متفق عليها فترك القياس مع وجود السنة.
مسألة:
وبُسر المبسل يحمل على التمر وتؤخذ منه الزكاة على قدره والحشف إذا كان إحشافه بعد أن حلا ففيه الزكاة وتتم به التمر، وأما الحشف المرّ فلا، والحرث إذا كان أحرث بعد أن حلا ففيه الزكاة.
مسألة: (6/183)
صفحة 184
ولا يُسلم من الزراعة إلى شريك حصة مثل العامل وغيره حتى يخرج الزكاة لأن صاحب الزكاة هو شريك لهم ولا يصح القسم بين الشركاء حتى تخرج الزكاة لأن له سهما معهم، والشريك في الزراعة ليس له أن يخرج الزكاة من مال شريكه بغير أمره إذا كان ديّنا بإخراجها مقرا بها وهو المتعبد بإخراجها، فإن جحد فرضها أخرج الشريك عن نفسه، وإن أقر بها وقال إنه لا يخرجها أخرجها من مال الشريك إن قدر على ذلك وبالله التوفيق، ومن كان له شركاء في مال فأخرج زكاته وزكاة شركائه وفرقها برأيه وأجازوا له ذلك من بعدما فرق فلا يجوز له أن يفرق مالهم إلا برأيهم وإذا أمروه فقد وكلوه، ومن باع من شجرة بخمسة أجربة وأصاب من نخله عشرة أجربة فإنه لا يحمل ثمر الشجر على النخل.
مسألة:
والعامل إذا كان يصيب من عمله وماله ما تجب فيه الزكاة كان عليه فيه الزكاة، فإن كان تجب عليه في عمله ولا تجب عليه في ماله فعلى العامل الزكاة وهو تبع لصاحب المال فإذا كانت حصة العامل إذا ضمها إلى ماله لم تبلغ الزكاة لم يكن عليه الزكاة، وإذا بلغ على العامل الزكاة من عمله وماله لم تكن على صاحب المال زكاة وكانت الزكاة في عمل العامل خاصة وذلك أن العامل تبع لصاحب المال وليس صاحب المال تبعا للعامل، وكذلك العمال ليسوا تبعا لبعضهم بعضا إلا أن يكونوا جميعا شركاء في العمل فإن بلغت الزكاة في جميع عملهم كان عليهم الزكاة، وإن بلغت على بعضهم دون بعض لم يكن من لم تجب عليه الزكاة تبعا للعامل الذي تجب عليه الزكاة من عمل له آخر أو من ماله إلا أن يكون هذا العامل الذي لم تجب عليه الزكاة له عمل في عمل الذي تجب عليه الزكاة، فإن كان هذا العامل تبعا لذلك العامل في الزكاة بالحصة.
مسألة: (6/184)
صفحة 185
وإذا دفع صاحب المال إلى العامل أجر عمله وعرّفه ذلك جاز للعامل طلب زكاته من صاحب المال أو لم يطلبها إن كان ثقة أو غير ثقة وقبل أن يخرجها أو لم يقبل فإن حبس صاحب المال زكاة العامل وأخرجها جاز له ذلك طلب العامل زكاته أو لم يطلبها إلا أن يقول له العامل إذا سلم إليه زكاته أنه لا يخرجها وأنه يأكلها فلا يجوز لصاحب المال هنالك أن يسلمها إلى العامل وكذلك إن احتج العامل على صاحب المال فقال: إنه لا يأمنه على إخراج زكاته كان للعامل ذلك ويسلم إليه أجر عمله بزكاته، وإذا بلغت الثمرة الزكاة وفيها عامل كان العامل تبعا لرب العمل في الزكاة وإذا لم تبلغ الثمرة الزكاة لم يكن على العامل شيء وكان ربّ العمل يلزمه حمل هذه الثمرة على ثمرة له أخرى إن كانت له ولا يكون العامل تبعا له في حمل ثماره بعضها على بعض وإنما يكون تبعا له في الثمرة التي يعمل بها عنده دون غيرها، وإذا بلغت الثمرة ثلاثمائة صاع وخمسة أصواع ففي وجوب الزكاة في هذه الخمسة أصواع الزائدة اختلاف، منهم من قال: لا تجب حتى تتم عشرة أصواع، وقالَ آخَرون: تجب بالحساب وإن قلّ، وإذا كان شريكان في فم بئر فاتفقا على أن يزرع كل واحد زراعة على الانفراد وهما يسقيان جميعا فأصاب كل واحد من زراعته ما لا تجب عليه فيه الزكاة فإنه لا يحمل أحدهما على صاحبه في الزكاة حتى تبلغ رزاعة كل واحد منهما ثلاثمائة صاع إذا كان زرعهما على الانفراد، وإن كان لأحدهما زراعة تجب فيها الزكاة إذا حملها على زرعه هذا وجبت عليه الزكاة ولا يحمل صاحبه الآخر عليه والله أعلم.
مسألة: (6/185)
صفحة 186
من غير الضياء ومن كتاب أبي المؤثر: وعن رجل له مال لا تبلغ فيه الزكاة فيعطيه رجلا من ماله ما إذا اجتمع وجبت عليه الزكاة قال: إن كان أعطاه ثمرة فليس عليه زكاة وإن كان أعطاه أصلا وكانت العطية قبل إدراك الثمرة فعليه الزكاة، وإن كانت عطيّته قد أدركت الثمرة فلا زكاة عليه، وعن أبي عبد الله محمد بن الحسن عن رجل له قطع أرض فزرع تلك القطع حنطة فلما أدركت ويبست وهب زرعا من تلك القطع لإنسان وحصده فبلغ في الزرع الزكاة فعلى من تجب زكاة ذلك الزرع أعلى الواهب أم على الموهوب له؟ الجواب: إذا قبض الموهوب له الهبة فالصدقة عليه والله أعلم. ومن غيره مسألة: (6/186)
صفحة 187
وعن رجل زرع لرجل قطعة بالنصف وعليه نصف البذر ونصف السماد هل يكون هذا العامل تبعا في الزكاة لصاحب الأرض؟ فإن كانت تبلغ ثلاثمائة صاع ففيها الصدقة عليهما جميعا وإن كانت لا تبلغ وكان لصاحب الأرض زراعة غير هذه تبلغ عليه في زراعته الصدقة حمل عليه حصة هذا العامل كما يعمل مثله فيحمل عليه بقدر ما ينوب عمل حصة صاحب الأرض فتؤخذ منها الصدقة وليس في حصة المشاركة بالبذر والسماد صدقة على العامل، وقلت إن كان الناس يعملون بالثلث فقال له صاحب الأرض لك العمل بالثلث ولك السدس وعليك البذر والسماد فإذا كان جعل له السدس من البذر والسماد والثلث بعمله كان على العامل زكاة ثلاثة أرباع الثلث الذي للعمل تكون تبعا به لصاحب الأصل لأنهم تبع بذلك لصاحب الأرض بعمله له وليس للعامل فيما بقي شيء، ومن جواب لأبي المؤثر رحمه الله وعن رجل تزوج امرأة ولها ثلاث قطع مزروعات فقطعة قد جزت ولم تدرس بعد وقطعة لم تجز إلا أنها قد أدركت وقطعة لم تدرك وإذا جمعهن على قطعته وجبت فيهن الزكاة وإذا لم يجمعهن لم تبلغ فيهن الزكاة هل يكون عليه زكاة؟ وهما متفاوضان وإنما تزوجها من بعد جزاز إحدى القطع ونضاج إحداهن، فأما ما تزوج بها وهو غير مدرك فأرى أنه محمول عليه وأما ما أدركت قبل أن يتزوج بها فلا أراه محمولا عليه والله أعلم، ومن غيره كذلك إذا ورث ثمرة نخلة ولم تجز وقد صارت تمرا وهي في رؤوسها بعد فهي ثمرة وتحمل عليه فأما ما حصد من الثمار مما ورث حبا أو تمرا لم يحمل عليه على ما كان له إلا أن يكون ذلك الذي ورث ثلاثمائة صاع ففيه الصدقة إذا كان من زراعة ولكن إذا ورث زرعا لم يحصد ولو كان قد نضج فذلك يحمل على ما كان قد حصده مما له فكذلك التمر ما لم يجز.
الباب السابع عشر: التفويض ومن تحمل زكاته على الآخر من الناس وما لا يحمل بعضه على بعض من ذلك من الأجناس (6/187)
صفحة 188
التفويضُ أن يكون كل واحد مفوضا ثمرته إلى الآخر ولا يتحاسبان ولا يأخذ كل واحد منهما الآخر بما أكل منها إذا ذهب، وقيل: المفاوضة أن يكون مالهما في يده يفعل فيهما ما أراد يقال فوّض فلان أمره إلى فلان أي جعله إليه ومنه {وأفوض أمري إلى الله} (1) عز وجل، ومنه حديث مستفاض أي قد أخذ القوم منه واستفاضوا أي أخذوا فيه جميعا فكأنهم قد اشتركوا فيه كالشيء المبذول بينهم لا يتمانعونه وهو بمعنى ذلك، وأما صار القوم فوضى فليس هو بهذا المعنى لأن فوضى معناه أنهم متفرقون والأول بمعنى الاختلاط والاجتماع فبينهما فرق، وقيل: المفاوضة أن يكون مالهما في يده يفعل فيه ما أراد، ولا يأخذ كل واحد منهما الآخر بما أكل منها أو أذهب. وقال أبو علي: يحمل الولد على والده ما دام في حجره وإن بان بالذي له، والذي معنا أنه لا يحمل الرجل على امرأته ولا يحمل عليه في الورق وإنما عليهما في الثمار إذا كانا متفاوضين، ومن كان لامرأته صوغ ولبناته صوغ أيضا وكان البنات في حجره فيلزمه حمل صوغ امرأته على صوغ بناته ولكن صوغها وما يجب فيه الزكاة عزلا عن صوغ البنات وما يجب فيه، ومن كان معه دراهم يزكيها وفي بناته حلي فأذهب الرجل الدراهم فلم يبق معه شيء ولإحدى بناته فضل على حليها فلا يحمل حلي بعضهم على بعض حتى يبلغ في حل كل واحدة منهن الزكاة، ومن بلغت ثمرة زراعته مائتي مكوك وخمسين مكوكا وأصاب ابنه من عمله خمسين مكوكا فإنه يحمل ما أصاب الوالد على ما أصاب الولد إذا كان في حجره بالغا أو غير بالغ، وإن كان ابنه بائنا عنه فلا يحمل عليه، ويحمل بسر المبسل على التمر وتخرج منه الزكاة على قدره.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/188)
صفحة 189
وتحمل ثمرة الزوجين بعضها على بعض في الصدقة، ويؤخذ من ذلك إذا كانا متفاوضين في مالهما وإن لم يكونا متفاوضين لم تحمل ثمرة أحدهما على ثمرة الآخر في الصدقة ويحملان في الثمار خاصة، فأما الورق والذهب والحلي والمواشي فلا، ولكن الولد يحمل ماله على مال والده في جميع الصدقة وذلك إذا كان في حجره ولم يبن عنه ولم يتزوج، وإن تزوج وهو معه في داره فهو بائن عنه ولا يحمل عليه في الصدقة، ولا يحمل الولد على مال والدته في الصدقة في الثمار ولا في غيرها، ولو كان في حجرها صغيرا أو بالغاص بائنا عنها أو غير بائن، وكذلك الإخوة ولو كانوا متفاوضين وإنما قيل ذلك في الزوجين والوالد على ما وصفت لك. (6/189)
صفحة 190
قال أبو محمد: سمعت حازم بن حاجب يسأل موسى بن علي قال: يا أبا علي إن ابني عبد الله كان متزوجا بامرأة ثم فارقها ثم هو اليوم معنا وقد زرع زراعة أصاب منها مائتي مكوك وهو جائز ما كان له دوننا أفترى أن يحمل ما كان له زراعة على ما كان لنا في الزكاة؟ قال أبو علي: نعم، يحمل ما كان له على ما كان لك، وقال أبو عبد الله: وكذلك يحمل على الرجل ما كان لولده إذا كان في حجره من الذهب والفضة والورق وجميع الثمار، وعن أبي محمد في مال الوالد وولده أنه يزكي من ماله ما يجب فيه ومن مال ولده ما يجب فيه، وسأل هاشم بن غيلان سليمان بن عثمان عن إخوة في منزل واحد لكل واحد منهم أرض يزرعها ويعرف ما يصيب منها ثم يجعل حبة في ظرف ويأكلون بغير تحديد بينهم فإذا فرغ ما كان لواحد أكلوا ما كان للآخر وكل واحد منهم لا تجب عليه الصدقة في زراعته وإذا جمعوا حبهم وجبت عليهم الصدقة فقال سليمان: هؤلاء ليس بمجتمعين ولا صدقة عليهم، وقال سعيد بن مبشر: تؤخذ منهم الصدقة ويحمل بعضهم على بعض، وقال أبو عبد الله: وأنا أقول بقول سليمان، وقال أبو عبد الله: ولكن إذا زرع كل واحد منهم وجاء هذا بسنبلة وجاء هذا بسنبلة وخلطوا سنبلهم جميعا وداسوه ولم يدر كل واحد منهم كم بلغت زراعته بالكيل وجميع ذلك يبلغ ثلاثمائة صاع فعليهم الصدقة ويحمل بعضهم على بعض وكذلك إن داس كل واحد منهم، ومن منح ولده وهو بائن عنه أو غيره أرضا زرعها فلا تحمل تلك الزراعة على صاحب الأرض فإن بلغت الصدقة فيها على الممتنح أخرجها إلا أن يكون ولد في حجر والده فهو محمول على زراعته، ومن له زراعة تجب فيها الزكاة وله حائط مفاسل عليه رجل فزرع الفسائل في الأرض زراعة لا تجب فيها الزكاة فإنه لا تحمل زراعته على زراعة صاحب الأرض على ما وصفت.
مسألة: (6/190)
صفحة 191
ومن كان له مال تجب فيه الزكاة ولأولاده مال تجب فيه الزكاة وكان أولاده صغاراً أو كباراً وهم في حجره فإن الزكاة تخرج من مال كل واحد منهم إذا وجبت عليهم، فإن كان لا تجب في مال كل واحد منهم إلا أن يحمل بعضهم على بعض حسب مال بعضهم على بعض مع ماله ثم تخرج الزكاة التي تجب عليه في حصته وحده ولا شيء على مال أولاده إذا لم تجب عليهم وإنما الزكاة في حصة ماله ويأمر أولاده الكبار أن يخرجوا من حصصهم وأما الزراعة فلا شيء عليه.
مسألة:
والزوجان إذا لم يكونا متفاوضين وكان كل واحد منهما يعرف ماله ويمنعه صاحبه لم يحمل بعضهما على بعض في الزكاة في الثمار، وأما الدراهم فلا يحمل بعضها على بعض ولا يقاس بهذا، وإذا تفاوض الزوجان حمل مالهما على بعضهما بعضا وأخرجت الزكاة من رأس المال من ماله ومالها وعلى الوالد أن يزكي مال ولده الصغير.
مسألة: (6/191)
صفحة 192
ولا يحمل الزبيب على التمر إذا لم تجب في أحدهما الزكاة ولا البقر على الإبل ولا الإبل على البقر، ومن كان معه مائتا درهم وعلى امرأته حلي مبلغه عشرة مثاقيل فلا يحمل هذا على هذا ويزكي هو المائتين فإن كن عندهما مائتا درهم ولها هذا الحلي فتخرج من المائتين خمسة دراهم ومن العشرة مثاقيل ربع مثقال، ومن غيره وعن امرأة لها بعير ولزوجها أربعة أبعرة فإن كانا متفاوضين فعليهما الصدقة، رجع، ولا يحمل الولد على مال والدته وكذلك الإخوة ولو كانوا متفاوضين وإنما قيل ذلك في الزوجين والوالد وولده، ومن جواب أبي الحسن سعيد بن قريش في رجل بلغت زراعته مائتين وخمسين مكوكا وله ولد فمنحه من أرضه فزرع وأصاب خمسين مكوكا والولد بالغ أو صغير وهو في حجره تجب فيه الزكاة أم لا؟ قال: نعم عليه الزكاة فيما عرفت على الوالد والله أعلم، فإن قال الولد إنه لا يسلم، ما الذي عرفت أن فيه اختلافا فبعض يلزم الوالد دفع ذلك من مال ولده الصغير وبعض يوجب الزكاة على الوالد فيما في يده ويسقط الذي في يد ولده وبعض يوجب الزكاة على الوالد في ذلك، وعن أبي محمد في مال الوالد وولده إنه يزكي من ماله ما يجب فيه ومن مال ولده ما يجب فيه، ومن أثر من نزوى حفظ أبو معاوية عن أبي عبد الله وعن رجل ولد ولوالده ولد ولهم كلهم مال، قال: يحمل مال الوالد على مال والده إذا كان في حجره ويحمل مال ولده أيضا عليه حتى يحمل ذلك على الأب الأكبر، فإن كان الأوسط ميتا لم يحمل مال ولده على الجد.
الباب الثامن عشر: في طناء النخل وحكم صحته ووجوب زكاته (6/192)
صفحة 193
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله في بيع الثمرة غير مزهية ولا غلبت عليها صفرة ولا حمرة ولا ظهر صلاحها، قال: هذا حرام على البائع والمشتري حتى تكون الثمرة معروفة بألوانها من صفرة وحمرة وظهور صلاحها فاتقوا الله وأوفوا بالميثاق، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ثمار النخل حتى يزهو، وفي خبر عنه - عليه السلام - أنه قال: «من باع ثمرته فأصابتها جائحة فهي من ماله، ولا يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق» (1) وهذا إذا باع قبل أن تزهو ويجوز بيعها، وعن عمر بن عبد العزيز أن الجائحة في الثمرة الريح والجراد.
فصل: وفي الحديث: «لا بأس ببيع ثمرة النخل إذا شقحت» (2) ، والتشقيح: تلوين البسر إذا اصفر أو احمّر، قيل: قد شقح آخر العذق بفتح العين القنو والقنو العذق بما عليه قبل الإنضاج والجمع القنوان والأقنى.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/193)
صفحة 194
وإذا ظهر النضج في عامة قطعه جاز طناؤها إن لم يظهر في عامتها فيجوز طناؤها كلها وإن طلب المطني النقض فله نقض ما لا يجوز طناؤه ويثبت طناء ما جاز طناؤه منها، وإذا كان في الحائط نخلة أو أكثر لم تعرف بألوانها وكان الغالب في الثمرة الصفرة والحمرة جاز طناؤها ولا ينتقض إن طلب أحدهما ذلك، ومن أطنى ثمرة من التين والأرنج والعنب وأشباهه فزاد بعد الشراء ولم يشترط قطعة من حينه فذلك فاسد بيعه قيل فما بال النخلة تطنى وقد زهت ثم تزيد فيكون رطبا ثم تمرا فقال:النخلة قد جاء فيها الأثر، وجائز طناء النخل إذا عرفت بألوانها والله أعلم، ومن أطنى نخلا فالزكاة على صاحب المال ولا زكاة على المشتري، ومن أطنى ثمرة نخلة فحلّ طناؤها فقال صاحب النخلة للمطني: إقطع ثمرتك عن نخلتي فليس لصاحب النخلة ذلك حتى تتربع النخلة وإذا شاع الإدراك في التين جاز طناؤه، ومن اشترى ثمرة نخلة قد وقع فيها التمر فقلعتها الريح أو حملها سيل فذهبت بثمرتها فهي من مال المشتري ولا شيء على البائع لأنها من يده تلفت.
مسألة:
وللمطني عشر العذق لا غيره وللعامل للنخلة حصته من العذق من أصله من حيث ينال إخراجه.
مسألة:
ومن حزم على رجل نخلا له وقال: قد حزمت عليك نخلي هذه عشرة أجربة وسكت عنه فليس له أن يأخذ منه إلا مثل ما جاء من النخل من التمر وهذا شيء لا هو للحازم ولا للمحزوم عليه ولصاحب النخل تمر مثل تمر نخله، فإن هلكت الثمرة ولم يعرف كم أصيب منها من التمر أخذ منه ما يرى أنه دون حقه ويتحاللان في ذلك، وإن ذهبت النخل بآفة لم يكن لصاحب النخل شيء كان ذلك الحزم والنخل مثمرة أو غير مثمرة، ومن أطنى ماله بثلاث مائة درهم فأكل رطبا فلا زكاة عليه في الثلاثمائة ولو جلب المطني الرطب أو باعه وربح فيه فليس على ربّ المال فيما أطناه زكاة قيل لأبي عبد الله فإن المسلمين يأخذون منه فقال: رأي من رآه لغسان بن عبد الله الإمام وأخذ به ولو أشار علي لم آمره بأخذه. (6/194)
صفحة 195
مسألة:
ومن أطنى حائطا له بمائتي درهم واستثنى منه أربعين مكوكا تمرا فالطناء منتقض، ومن أطنى حائطا بألف درهم واستهلك المطني من الرطب والبسر ما إن بقي من ثمرة الحائط قيمة خمسمائة درهم فإن الصدقة فيما بقي ولا شيء فيما استهلك رطبا وبسراً، فإن قطع المطني النخل فعمل منها مبسلا فعليه الزكاة إذا بقي من الثمرة ما يجب فيه الزكاة من تمر وبسر ومبسل يحمل بعضه على بعض، ومن أطنى ماله بألفي درهم واستثنى منه عشر نخلات فإنه يكره له ذلك، ومن أطنى ماله بألف درهم ثم طلب إليه المطني أن يحط عنه فحط عنه مائتي درهم فإن كان لم يحط عنه محاباة فما نرى أن تؤخذ منه إلا أن يحب المصدق أن يأخذ من التمر فهو الأصل، ومن أطنى حائطا له بألف درهم ولم يبق له قيظ فأطنى بخمسمائة درهم من رجل آخر وقد أكل الرجل وبنوه ما أطناه رطبا وقيض وطلب أن يخرج عنه خمسمائة درهم فما نقوى على إبطال زكاتها وقد أطنى ماله ولم يأكل منه أكل من غيره، ومن أطنى جميع ماله بثلاثمائة درهم ثم أطنى هو منها بمائة درهم للنفقة فما أحب أن يأخذوا من المائة درهم التي أخذ هو منها إلا من التمر الذي يجتمع عنده ويأخذ من طناء الرجل، ومن أطنى ثمرة نخلة إلى أجل فقال الأزهر: فيها ثلاثة أقوال. (6/195)
صفحة 196
قال من قال: يقوّم الثمرة العدول بالنقد ثم يأخذ المصدق الزكاة من تلك القيمة، وقالَ آخَرون: لا تؤخذ منه الزكاة حتى يحل الأجل الذي أطنى إليه، وقالَ آخَرون: تؤخذ منه الزكاة معجلة على ما أطنى إلى الأجل لأنه هو الذي أخر الزكاة، وقال هاشم: فرأيت الأزهر يحب أن يلزم صاحب المال الزكاة معجلة على حساب الأجل، وقال أبو عبد الله فيها: يؤخذ تمرا وإن كان التمر قد خلط بغيره أخذ منه من قيمة الطناء، ومن أطنى ثمرة نخلة بألف درهم وقد عرفت بألوانها فباعها بسرا على أن يقطعها المشتري ثم أتت عليها آفة فذهبت بها فلا شيء عليه ثم ثمنها لأن الآفة قد ذهبت بالثمرة قبل أن تصير في حد يكون فيها الصدقة والثمر كاملا لصاحب المال بلا زكاة فإن اشترى هذه الثمرة على أن يقطعها بسرا قبل إدراكها فلم يقطعها حتى أدركت وصارت تمرا ثم تلفت فإن أدركت وصارت تمراً وبلغت الصدقة ففيها الصدقة فإن لم تبلغ فيها الصدقة فلا صدقة فيها، ولا تحمل على صاحب المال إذا لم تبلغ فيها الصدقة وإن كان صاحب المال ممن تبلغ ماله الصدقة، ومن أطنى ماله وهو مما تجب فيه الصدقة فأتت عليه آفة فذهبت قبل أن تصير تمرا فلا زكاة في تلك الدراهم، وإن ذهب بعد أن صار تمرا ففيه الصدقة وإن بقي منه ما يبلغ ثلاثمائة صاع أخرج منه أو من الدراهم الصدقة، ومن باع ثمرة نخلة من رجل حين أدركت بذهب وشرط عليه ما خرج من النخل من ظلم من السلطان فهو عليك فلا بأس فإن كان صاحب الذهب يرى ما أخذ السلطان من المشتري زكاة فقد جازت عنه وإن كان لا يرى ذلك زكاة فلينظر إلى ما بلغت ثمرة النخل فليحفظ كيله كم من جرب ثم يخرج تمراً ولا زكاة على المشتري إنما الزكاة على صاحب النخل، ومن أصاب من ماله ثلاثمائة مكوك إلا خمس مكاكيك وأطنى نخلة فأكلت رطبا وبسرا فلا زكاة في ذلك على قول وقول إن الزكاة فيه والله أعلم، ومن أصاب من ماله أربعة عشر جربا وأطنى بقدر ما يكون جربا فعليه الصدقة، ولا يجوز طناء (6/196)
صفحة 197
الفحل إلا أن يخرجه من ساعته، ومن أطنى نخلا له بدراهم لا تبلغ فيها الزكاة وجمع من خل له أخرى ما لا تبلغ فيه الزكاة فإنه يعتبر الجميع فإن كانت الزكاة تجب في الجملة أخرج من دراهم الطناء ما تجب فيه دراهم ومن التمر ما يجب فيه تمراً عشراً أو نصف عشر، ومن الأثر: ومن دخل إلى بلد وهو لا يعرف أهله فأراد أن يطني شيئا من النخل فمرّ به رجل إلى قطعة نخل فقال: هذه القطعة لي أطنى منها ما شئت فلا يجوز له أن يطني منه حتى يعلم أنها له فإن سأل عنها منها ما شئت فلا يجوز له أن يطني منه حتى يعلم أنها له، فإن سأل عنها فقال له جماعة من أهل البلد إنها له وكان قولهم متواترا واحدا بعد واحد وصح ذلك في نفسه بلا ريب جاز له أن يطني منه على هذه الصفة ويجوز طناء الكرم إذا وقع النظر على جميعه مع إدراكه، ومختلف فيه إذا أدرك بعضه ولم يدرك البعض فأجازه قوم ولم يجزه قوم ومختلف فيه إذا أدرك وبعض كرهه، ومن باع ثمرة نخلة بأبعرة لم تكن الأبعرة زكاة ولكن الزكاة في الثمرة.
مسألة:
اختلف في طناء النخل متى يحل؟ فقَال قَوم: إذا وقع في النخلة فضحة واحدة، وقال بعضهم حتى يشيع فيها ويكثر, وقال بعض: إذا كان في الحائط نخلة واحدة وقد تبين لونها جاز طناء الجميع بها, وقال بعضهم: لا يجوز طناء الحائط حتى يكون الأغلب منه والشائع هو الفضح, وقال بعضهم: يصح من طناء الحائط ما كان قد تبين فيه الفضح وما كان زحلا لا يعد بلحا فإنه ينتقص بالقيمة ولا يصح الطناء عليه لأنه مما نهي عنه وهو على ذلك من الحال, وقال بعضهم: إذا دخل في هذا الطناء وبيع هذه الثمرة مما يجوز مما قد أمر به وأصبح بعضه وهو مما قد تبين صفرة أو حمرة وقد دخل فيه أيضا ما قد نهي عن بيعه فإذا وقع فيه عقد واحد فسد.
مسألة: (6/197)
صفحة 198
ونخل الباطنة في إدراكها وتخلف بعضها عن بعض في اللحاق وتقارب نخل الجبل وأن التفاوت بينهما لا يكون إلا قليلا فهذا فرق بين نخل الجبل وبين نخل الباطنة، وقال بعضهم: حتى يكسر العذق ولا يحشف ولا يفسد منه إلا اليسير هذا في الطناء، وقال بعضهم: لا يجوز طناء فحول النخل بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وعن بعض أنه مجمول يتم مع المتاممة، وطناء الذكور مجمول ولا يصح وهو من الغرور ولا يجوز إلا أن يخرجه من ساعته، والنخل إذا أفضح بعضها دون بعض ففي طنائها اختلاف وكذلك طناء العنبة إذا حلا بعضها وبعضها حامض ففيه اختلاف بينهم، منهم من أجاز، ومنهم من لم يجز، وقال: حتى يحلوا الكل، وقال آخرون ذلك، وقالَ آخَرون: حتى ينظر جمال العنب كله.
مسألة:
وإذا تبين من النخل الأكثر فالأقل بيع لها وجاز الطناء، ومن باع ثمرة نخلة فتركها المشتري حتى صارت رطبا فالزكاة على صاحب النخل والطناء فاسد لأنه لا طناء حتى يتبيّن، فإن باعها كلها خلالا فلا زكاة في ذلك الخلال، وبيع الثمرة في رؤوس النخل وهو الطناء إذا أمكن البائع المشتري منه فهو لازم للمشتري وعليه ضمانه، ويجوز له بيعه بالربح، ومن أطنى ماله وفيه الزكاة فإن عرف مبلغ كيل الثمرة أخرج زكاته تمرا، وإن لم يعرفه أخرج من الدراهم، ومن أطنى نخلة ونقده المطني بعض الثمن وبقي عليه شيء لم يوفه وأراد المطني التحول ولم يعطه فليس للمطني أن يحبس عليه التمر إذا قدر على ذلك ولكن يرفع أمره إلى حاكم المسلمين حتى ينصفه منه إن شرط عليه أنك إن لم توفني منعتك من التمر فلا يجوز له ذلك، فإن قال له حقي في هذه الثمرة فأرجو أنه إذا وعده الحاكم وقدر على أخذ حقه أخذه.
مسألة:
ومن أطنى ماله فلما صار إلى المطني حط له ذلك لغبن جرى في الطناء فما حط له ففيه الزكاة، فإن احتاج السلطان من التمرة شيئا على سبيل الغصب قبل أن يقبضه لم تكن فيه زكاة، ومن أطنى ثمرته فظلمه المطني فعليه الزكاة.
مسألة: (6/198)
صفحة 199
ومن بايع رجلا ثمرة نخلة بنخلة وهما حاضرتان وكانتا تمرا ويدا بيد فجائز وأما البسر فلا، وكذلك إذا كانت ثمرة النخلة تمرا متمرا فجائز بيع تمرها بالحب يدا بيد، وإن كانت في رأس النخلة، ومن أطنى نخلة بثمن معلوم جاز إذا كان ثمرة النخلة مدركة سواء كان المبدل منه كيلا أو جزافا.
مسألة:
ومن له نخل تجب في ثمرتها الزكاة وله نخل خرب بعيدة عنه يصل طناء ثمرتها عشرين درهما أقل أو أكثر فالزكاة في الجميع، ومن أطنى نخلة وترك الزكاة في يد المطني وأعلمه المطني أنه قد أداها عنه فإن كان المطني ثقة فجائز، ومن أطنى ماله من رجل بكذا وكذا فقال المطني للمطنى منه: عليك في هذا العامل والزكاة وقبل المطني ذلك فلا يجوز، وقيل: من أطنى نخلا واشترط منها قيظه أو شيئا لا يعرف فإنه لا يجوز لأن الطناء وقع على غير معلوم وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثنايا.
مسألة: (6/199)
صفحة 200
ومن أطنى ثمرته فأكلها رطبا وبسرا أو باعه كذلك ففي الزكاة عليه اختلاف، وعمل أئمة أهل عمان أخذ الزكاة منه، ومنهم من قال: لا زكاة فيها لأنها لم تصر تمرا، ومن أطنى ماله وحصد تمرا وبلغ الزكاة قال بعض المسلمين: إن كانت الزكاة من التمر أوفر أخرجها تمرا، وإن كانت من الدراهم أوفر أخرج دراهم وذلك على رب المال ولا شيء على المطني من زكاتها، ومن وجبت عليه زكاة في تمر فرض أو مصير فأخرج بدله أدون منه فعلى قول يجزيه ويخرج فضل القيمة تمراً من ذلك حتى يكمل ذلك، وقالَ آخَرون: من كل ما يجب فيه يخرج منه قسطه، وقيل: الزكاة فيما جمع في المصطاح وقيل: فيما كيل وما لم يكل فلا زكاة فيه ولا زكاة في الثمرة إذا ذهبت بآفة إنما أداء الزكاة فيها إذا يبست وصارت تمرا ولا زكاة فيما أطعم الفقراء من النخل والرطب والتمر إلا أن لا تتم الزكاة إلا به فإنه يخرج الزكاة مما في يده وليس عليه فيما أطعم الفقراء، ومن غير الضياء وعن أبي الحسن رجل له نخل تجب فيها الزكاة وهو محتاج إلى الدراهم ومطالب بالخراج فأطنى ماله بالرخص فلم يخرج له أكثر من ذلك، قال: إن كان ذلك عبثاً فاحشا مما يرديه البيع ويصير إلى إضاعة المال أخرج زكاة التمر وإن كان لم يعرف مبلغ التمر أخرج زكاة الدراهم مما في يده وهو الناظر لنفسه، وإن كان الطناء لم يبلغ ذلك الغبن فإن شاء أخرج زكاته من التمر وإن شاء أخرج من الدراهم فهليجوز لمن يطني ماله بالدراهم صحاحاً أن يزكي دراهم عله يقيمه الصحاح؟ قال جبار: فيما اختلفوا فيه، قلت: وكذلك من غير الطناء؟ قال: نعم، وأرجو أن الشيخ كان يقول بذلك. وسألته عن رجل بادل بثمرة نخله له وقضاها من حق عليه قلت إنما أي النخلتين تجب عليه زكاتها إذا كان أحدهما أكثر تمرا، قال: يزكي الثمرة التي قضاها على قول، وعلى قول يزكي أي الثمرتين أوفر تمرا، قلت: أرأيت إن لم يعرف مبلغ كيلهما ما يخرج دراهم أو تمرا؟ قال: يخرج زكاتها ودراهم والله أعلم. (6/200)
صفحة 201
مسألة:
وعن الحسن وعن الرجل طلب إليّ شيئا من المال وقد أفضحت النخل فأعطيته درهما وجعلته من زكاة الطناء أترى عليّ غرما؟ قال: لا غرم عليك إذا قدمت ذلك، وقد أجازوا تقديم الزكاة على بلح وهو البسر والفضح أقرب إجازة، وزكاة الدراهم عن الثمرة بالاتفاق جائز، ومن كتاب أبي الحسن وعن من يقدم الزكاة قبل وقتها كانت الثمرة أدركت أو لم تدرك أيجوز ذلك أم لا؟ الجواب: إن ذلك جائز إذا أدركت الثمرة والاختلاف بينهم قبل إدراك الثمرة رجع.
مسألة:
وقد أجاز بعض الخوص اليابس للمطني بالتعارف والعادة ولا يجوز في الأحكام ولا يجوز الرطب في التعارف ولا الأحكام ومن فعل ذلك ضمنه والله أعلم.
مسألة:
ومن قال: قد أطنيت مالي بمائة درهم فقبل المطني فلا يثبت بهذا اللفظ ولا يكون حكمه حكم الشراء إلا أن يقول قد أطنيت مالي فلانا بمائة درهم فقبل فلان فإنه يثبت عليه، فإن تناقضا بعد إدخال يده في الثمرة فعلى اللفظ الأول لا يثبت والثمرة لربها يأخذها إن كانت سالمة ويرد على المطني ما أخذ منه، وإن كانت قد تلفت فعلى المتلف قيمتها إلا أن تكون معروفة بالكيل والوزن فله المثل أو يتفقان على القيمة في وقت القضاء فيعطيه القيمة.
مسألة:
ومن أدركت ثمرته ولم يجدها وجاءه فقير ورأى حاجته فأعطاه جراب تمر أقل أو أكثر وحسبه من الزكاة التي تجب عليه فيما يستقبل فقد قيل بذلك وقد أجازوا تقديم الصدقة.
مسألة: (6/201)
صفحة 202
ومن أطنى نخلة ذكر ولم يطلع الذكر إلا واحدا أو اثنين أقل أو أكثر فلا يطيب لهما ذلك ولا يجوز بيع هذا لأنه من بيع الغرر الذي وقع النهي عليه، ومن المجهول أيضا ولا يدري ما نصيبه منه قليلا أو كثيرا، وقيل عن غيره يستوهب منه ما أبدى الذّكر بعد مبايعتهما، وقال: ولا تحص الهبة في غائب لا يدري ما هو لا تقبض والهبة على أساس البيع لا تثبت، ومن أطنى حصة من ثمرة مال مشترك وقبض الثمن فجائز إذا طناه على من يعدل على شركائه ولا يظلمهم أو كان ثقة، ويجوز ذلك للمطني إذا كان شيئا معروفا والسهم المشاع معروفا ويعطيه ثمن حصته من المشترك فإن باع حصة ثمرته لمستحيل فظلم الشركاء فلا يجوز له البيع على من يظلم شركاءه وهو ضامن.
مسألة: (6/202)
صفحة 203
ومن أطنى رجلا ثمرة شجرة بكذا وكذا ردهما وهو حال صغير لا يعرف قليلا أو كثيرا فلا يجوز ذلك إلا أن يرى المال بعينه ويقطعه في الوقت إذا كان صغيرا يريده ولا يجوز تركه في الشجرة، فإن اشترى تينة واشتر فيها الربع فلا أرى ذلك جائز إذ الشرط في البيع غير معلوم والذي يحصل للمشتري غير معروف والشروط في البيع الذي يدخل ذلك ينقض البيع، ومن اشترى ثمرة نخل قد زهت وعرفت بألوانها بكذا وكذا جرابا تمرا فلا يجوز لأن هذا بيع المزابنة، ومن باع ثمرة مدركة في رأس نخلة على رجل فصعد المشتري النخلة فوجد في العذق شيئا فاسدا مثل الحزس والحزث والحشف والقلح وأراد ردّها فإن كان اشتراها مدركة ولم ينظر ذلك ولا عرفه فظهر غير ما اشترى ورأى فله ردّها للجهالة، وإن اشترى بعلم فليس له ذلك بعد المعرفة ووجد أن النخلة يخشى أن تأكلها الفئران فليس بعيب فيها، وأما إن كانت النخلة بها تفلج أو تهرب إلى أن يصيب تمرها فذلك عيب ترد به أراد المشتري، ومن أطنى نخلة فإذا ثمرها بخس فأراد المطني ردها فله ذلك، وأما المطني إذا طلع النخلة فوقعت، فعن أبي محمد أنه وقف عن تضمينه النخلة وأما الخوص اليابس فضمنه، ومن كان له نخل تجب في ثمرتها الزكاة فلما كان السنة الثانية أطنى بعض الثمرة وجمع بعضها فالزكاة تلزمه إذا كانت تجب في الجميع وليس تفريقه لها بمسقط لما يجب في جميعها عليه من الزكاة إذا كانت تجب فيها إذا جمع جملتها وبالله التوفيق، فإن لم يقف على عدل الإصابة من الطني إلا أن المطني قال: وصلت الثمرة وكذا وكذا وهو غير ثقة فإنه يحتاج إلى تصديقه ويخرج من التمر الذي عنده ما يجب عليه فيه من ثمن الطناء دراهم مثل ما يجب فيها عليه.
مسألة: (6/203)
صفحة 204
ومن باع ثمرته قبل بدوّ صلاحها ثم أتت عليها جائحة فإنها من مال البائع تلفت لأنه ملكه لم ينتقل عنها الفساد البيع فيها، وإن باعها على الصفة المأمور بها كان البيع صحيحاً فإن تلفت بآفة تلفت من مال المشتري لانتقال ملك البائع عنها.
الباب التاسع عشر: زكاة الذهب والفضة والدراهم والتجارة
قال الله عز وجل: {والذين يكنزون الذهب والفضة...} (1) فجمع بينهما في معنى الاتفاق في سبيل الله وجمع بينهما في الكنز للزكاة فقيل من كان له مال فوق الأرض وفي بطنها تجب فيه الزكاة فلم يؤد زكاته ولا حق الله فيه فهو الكنز، وقيل: من أعطى زكاة ماله لم يكن ماله كنزا، وقيل: ما أخرج حقّ الله منه فليس بكنز، وعن علي قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان أكثر فهو كنز، وقيل نسخ ذلك قوله تعالى:{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (2) وقال الحسن ومجاهد: ليس بمنسوخة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلاَ وَرِقٍ ولَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَيُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يُكْوَى بِهَا جَبِينُهُ وَجَنْبَاهُ وَظَهْرُه حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (3) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الذِي لاَ يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثَّلُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ (4)
__________
(1) سورة
(2) سورة التوبة: 103.
(3) رواه مسلم، عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب إثم مانع الزكاة، ر987، 2/640. وأحمد، مثله، ر7553، 2/262.
(4) الشُّجاعُ والشِّجاعُ: جمعها أَشْجِعةٌ وشُجْعانٌ وشِجْعانٌ، وهي: الحيّةُ الذكَر. وقيل: الحية مطلقاً. وقيل: هو ضَرْب من الحيّات لطيف دقيق. انظر: المحيط في اللغة؛ واللسان، (شجع).. (6/204)
صفحة 205
/365/ فَيُطَوَّقُ (1) فِي عُنُقِهِ يوم القيامةِ، وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ الذِي بَخِلْتُ» (2) وقرأ: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} (3) ، ويقال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الصدقة في الرقة، ويقال هي الفضة، وقال الله تعالى في الذي يبخل فإنما يبخل عن نفسه يبخل بالخير والفضل عن نفسه والجنة {والله الغني وأنتم الفقراء} (4) الغني عما عندكم من الأموال وأنتم الفقراء إلى ما عنده من الخير والرحمة.
__________
(1) فِي (س): مطوق.
(2) رواه الربيع، بمعناه، كتاب الزكاة والصدقة، باب (58) الوعيد في منع الزكاة، ر343. والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة بلفظ قريب، ر3300، 3/189. وأخرجه الزيلعي: نصب الراية، 4/408.
(3) سورة
(4) سورة (6/205)
صفحة 206
وفي الرواية أنَّ النَّبِيّ ^ أَنَّهُ دخل عليه امرأتان فَرأى في أيديهما سِوارين من ذهب، فقال لهما: «أَتُحِبَّا أَن يُسَوِّرَكُمَا اللهُ بِسِوَارَينِ مِن نَارٍ؟»قالتا: لا، قال: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُمَا» (1) . عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رأى امرأة عليها سوارين من ذهب فقال: أتحبين أن تسوّري بسوارين من نار يوم القيامة؟ قالت: لا، فقال: أدّي زكاة هذين السوارين، قالت: هما لك يا رسول الله ضعهما حيث شئت» (2) . وروي: «أن امرأة أتته وفي يدها سوار من ذهب فيه سبعون مثقالا فقالت: أخرج الفريضة منه فأخرج منه مثقالا وثلاثة أرباع المثقال على ما عندي في ذلك» (3) فهذا يدل على ربع العشر في الذهب والفضة، ويدل على أن الذهب تؤخذ منه الزكاة إذا كان حليا، وقد وقع الاتفاق على حمل بعضه على بعض قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} (4) الآية، يعني الذين يبخلون بالزكاة سيأتون بذلك يوم القيامة يحملونه على رقابهم وعلى ظهورهم ثم لا يقبل منهم فيتحول شجاعا فيطوق به فيكون في عنق كل إنسان منهم شجاع يلدغ خديه وعنقه ويقول: أنا الزكاة التي بخلت بها.
__________
(1) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بمعناه، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، ر1563، 2/95.
(2) حديث: */
(3) أخرجه الدارقطني عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت أتت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - «بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة. فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال»، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، 2، 2/106.
(4) سورة (6/206)
صفحة 207
وعن عائشة قالت: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يديّ فتَخَات من وَرِق، فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَة؟» فقلت: صنعتُهنّ أتزيَّن لك يا رسول الله، قال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنّ؟» قلت: لا، أو ما شاء الله. قال: «(هُوَ) حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ، اعلمي أن الزكاة تلزمه» (1) ، فهذا يدل على من كان به حلي من ذهب أو فضة إو إحداهما أن الزكاة تلزمه.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي، ر1565، 2/95. (6/207)
صفحة 208
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ العِشْرِينَ دِينَارًا صَدَقَة» (1) وعلى ذلك إجماع الصحابة، وهو نصف مثقال فلا زكاة في الدنانير حتى تبلغ عشرين دينار، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الأربعين درهما درهما» (2) وأنه قال - عليه السلام - : «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» والوقية: أربعون درهما، والخمس أواق مائتا درهم، وفي الزيادة في قوله - عليه السلام - : «مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهمًا دِرْهَمٌ» (3) يوجب ذلك وصح أن الزيادة في الأربعين وما زاد فعلى حساب ذلك في الأربعين درهما درهم بالسنّة والاتفاق، وربع العشر في الذهب والفضة فإذا بلغ الذهب والدنانير عشرين مثقالا وتمت عند ربها سنة ففيها نصف مثقال وإن نقصت عن العشرين فلا شيء فيها، والسنة دالة على ذلك اتفاقا وإن زاد على عشرين مثقالا فلا زكاة في زيادتها حتى تبلغ الزيادة أربعة مثاقيل، قيل: ثم فيها عشر مثقال بهذا المثقال المعروف بعمان ثم على ذلك تجري صدقة الذهب إلى ما بلغ إلى أن يملك مع الذهب شيئا من الفضة فإذا ملك معه شيئا من الفضة ضم الذهب إلى الفضة أو الفضة إلى الذهب في الحساب كأن الذهب عشرين مثقالا أو أقل أو أكثر على ما يرى أنه أوفر في الزكاة، والمثقال هو المثقال المعروف بعمان.
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ قريب من حديث طويل، كتاب الزكاة والصدقة، بَاب (55) فِي النصَاب، ر332. ورواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ مختلفة.
(2) حديث: */
(3) رواه أبو داود، عن علي بمعناه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، ر1572-1574، 2/101. والترمذي، مثله، باب ما جاء في زكاة الذهب والورق، ر620، 3/16. (6/208)
صفحة 209
وإذا بلغت الدراهم والفضة والحلي أو المكسورة مائتي درهم وبقيت عند صاحبها سنة ففيها خمسة دراهم، وإن نقصت عن مائتي درهم درهما واحدا فليس فيها شيء وإن زادت على المائتين ففي كل أربعين درهما درهم وبه يقول أبو حنيفة واحتج بما روي من طريق المنهال بن الجراح أنه قال - عليه السلام - لمعاذ: «ولا تأخذ من الورق شيئا حتى يبلغ مائتين فإذا بلغ مائتين ففيه خمسة ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغ أربعين ففيه درهم» (1) وضعف هذا الخبر من خالفه وبه يقول الشافعي، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هاتوا ربع العشر من الورق من كل أربعين درهما درهم ولا شيء فيه حتى يبلغ مائتين فإذا بلغ مائتين ففيه خمسة وما زاد فعلى حساب ذلك» (2) .
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/209)
صفحة 210
وقالَ آخَرون: في كل ما زاد يؤخذ منه ولو قل بالحساب، ومن كان له دراهم جيّدة ورديئة حمل بعضها على بعض وأخرج من كل واحد ما يجب فيه أو أخرج من أحدهما بالصرف في الزيادة ومن كان معه عشرة دنانير ومائة درهم ضمها وزكاها وأخرج من العشرة ربع دينار ومن المائة درهمين ونصف درهم، وإن حملها على الصرف فأخرج من أيهما شاء بالقيمة جاز على قول بعضهم، وإذا كان الحلي ذهبا وفضة ولو كان القليل من أحدهما حمل بعضه على بعض وأخرج الصدقة منه وكله سواء يحسب الذهب فضة ثم يأخذ منه فضة إذا بلغ ويحسب الفضة ذهبا ثم يأخذ منه إذا بلغ مائتي درهم وإذا بلغ عشرين مثقالا فأيما حسب فبلغ في القيمة أخرج منه أو من كل نوع ما يجب فيه بعد أن يبلغ ويحسب ذلك على الأوفر في الزكاة، وإذا كان المثقال يساوي خمسة دراهم حسب المائة درهم ذهبا فالمائة درهم على المثقال بخمسة دراهم فهو عشرون مثقالا وعنده عشرة مثاقيل ذهب تمت الصدقة ويخرج على هذا من الذهب ما يجب فيه من الصدقة ومن الفضة ما يجب فيها فلعشرة مثاقيل ربع مثقال ومن مائة درهم درهمين ونصف درهم، فأما إذا كانت فضة خالصة تبلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، وكذلك الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا.
مسألة:
والزكاة في الفضة المزيّفة وغيرها مما فيه الغش حتى يخرج من حد الفضة إلى حد الصفر أو غيره ثم لا زكاة فيه.
مسألة: (6/210)
صفحة 211
قال بعض قومنا: في الدراهم ثلثها فضة وثلث نحاس وثلث رصاص، قال: إن كنت تعرف أن فيها من الفضة الخالصة ما تجب عليك فيه الزكاة فترك ما كان فيها من فضة ودع ما سوى ذلك من الخبث، وإن لم يعلم ذلك فاسبكها حتى تخلص الفضة وتخرج الخبث ثم زكّ ما خلص من الفضة، اختلف الناس في الحلي. قَال قَوم: لا زكاة فيه إذا كان مما يعار ويلبس، وقالَ آخَرون: فيه الزكاة إن كان مما لا يعار ولا يلبس وكان ذخرا ففيه الزكاة بلا خلاف، وقَال قَوم: الزكاة في الذهب إذا بلغ قيمته مائتي درهم وذلك أن - عليه السلام - سنّ في الذهب والفضة وكان الدينار في ذلك الزمان بعشرة وكان وزن عشرين دينارا مائتي درهم، وقَال قَوم: ليس فيما دون عشرين دينارا زكاة على ما جاءت السنة. قال مالك والشافعي في الحلي لا زكاة فيه لأنه مما ينتفع به فأزالا عنه الزكاة للمنفعة وجعلوها بمنزلة الثياب وما ينتفع من الفرش وغير ذلك فأزالا بذلك عنه الزكاة، ثم قالا في آنية الفضة والذهب التي يتجمل بها في البيوت إن فيها الزكاة واعتلاّ بأن الزكاة إنما تطلب عن الحلي لأن الناس يتجملون بها وقد وجدنا هذه العلّة في آنية الفضة والذهب مما يتجمل الناس به وينتفعون، وقال بعض: من يحتج في ذلك بأن الانتفاع بآنية الفضة والذهب مكروه وأن الانتفاع بالحلي واللباس ليس بمكروه، قيل له: وما الدليل على أنه إذا كان مكروها ذلك مما يوجب الزكاة فيه، وإذا كان مباح الانتفاع به إن ذلك مما يسقط الزكاة، ومما يكن مناقصة فلا زكاة فيه؟ قيل له: ما كان قولك أنها مثل قوله: والزكاة إنّما وجبت تعبُّداً من الله تعالى على عباده لا لتحريم منفعة ولا لإباحتها. (6/211)
صفحة 212
وقال أبو حنيفة: فيه الزكاة، وعن الثوري في حلي الذهب والفضة أن فيه الزكاة، وكذلك كلّ حلي منكسر أو يريد أهله أن يصوغوه أو لا يريدونه إن فيه كله الزكاة، وكذلك كلّ حلية ذهب وفضة كان بسيف أو منطقة أو خاتم فإنه يضم بعضه إلى بضع فإذا بلغ عشرين مثقالا كان فيه نصف مثقال وما زاد فبحساب ذلك، وإذا بلغ مائتي درهم ففيه خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك، وكذلك كل حلي كان من ذهب وفضة حمل بعضه على بعض ثم يزكيان جميعا، وعن عليّ بن أبي طالب أن امرأة عبد الله بن مسعود سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أفي الحلي الزكاة؟ قال: نعم.
مسألة:
والرقة التي أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها الزكاة لقوله - عليه السلام - : «وفي الرقة ربع العشر» وهي الفضة مضروبة كانت أو مكسورة، والفضة المكسورة لا تسمى ورقاً حتى تكون مضروبة فإذا صارت دراهم مضروبة سمّيت ورقاً، وفي الرواية أن رجلا من الصحابة قطع أنفه في بعض الوقائع فصاغ أنفا من الورق فأنتن عليه فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ أنفا من الذهب والله أعلم بصحة الخبر، وأما الفضة فهي الرقة مضروبة أو غير مضروبة هكذا يعرف في اللغة.
مسألة:
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: في الرقة ربع العشر من غير ذكر المقدار ولا يشبه حكم الثمار ولا حكم السوائم وتأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ليس فيما دون خمس أواق زكاة» (1) إذا لم يكن سواها، ألا ترى كيف حكمها مع السلع للتجارة وبين له الحول وحده مائتي درهم أو عشرين مثقالا فعليه الزكاة وإن نقصت فيما بين ذلك لأن السلعة للتجارة إذا كان قيمتها ما تجب في مثلها الزكاة واحدة لم ينظر إلى نقصان قيمتها فيما بينهما، ألا ترى أن من ملك مائتي درهم ويكسب كل يوم درهما يضمه إليها ثم ينفق دراهم وأتى عليه سنون هذا سبيله إن عليه الزكاة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/212)
صفحة 213
ومن كان له خواتم ومناطق ومصاحف مفضضة بفضة وذهب زكاها لأن الله تعالى قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة} (1) ومن وجبت عليه زكاة الورق فلم يخرجها فكل شيء استفاد من ورق أو غلة أو هبة فهو محمول عليه وإن كان أدّى زكاته فلا زكاة عليه فيما استفاد، وقد قيل: لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها الحول، والحجة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا زكاة في مال حتى يحول».
مسألة:
__________
(1) سورة (6/213)
صفحة 214
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «في الرقة ربع العشر» ولا يجب حتى يبلغ النصاب وهو من الورق مائتا درهم ومن العين عشرون مثقالا، هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» والذود: خمس من الإبل، والوقية أربعون درهما، والوسق ستون صاعا، ولولا الإجماع لوجبت الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب أو فضة، «وفي الرقة ربع العشر» وليس في ظاهره ما يدل على أن لا صدقة فيما دون عشرين مثقالا ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب...} (1) فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منهما أو إنفاقهما، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ربع العشر في الرقة» بيان للمقدار الذي يجب أن يخرج ثم اجتمعت الأمة على بيان ثان أنه لا يجب أن يخرج ربع العشر هذا من المال حتى يكون المقدار الذي اجتمعوا عليه وهو عشرون مثقالا أو مائتا درهم، والفائدة في الذهب والفضة والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، وقد رفع الشيخ أبو مالك عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمهم الله أنه قال: ليس في الفائدة زكاة حتى يحول عليها الحول، وإن هذا قول مالك بن أنس المدني، فقد شككت أنه كان رأي أبي محمد وذكره لمالك لموافقته له أو قال هو قول مالك وذكره على وجه الحكاية لمذهب مالك، والنظر يوجب عندي الأخذ بهذا القول لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» والفائدة مال مخاطب صاحبها فيها بوجوب الزكاة كخطابه في النصاب والموجب في الفائدة الزكاة بعد شهره عند دخول الزكاة محتاج إلى دليل.
__________
(1) سورة (6/214)
صفحة 215
قال أصحابنا: تجب الزكاة في الفائدة مع الأصل مع حول الأصل ولا يعتبرون للفائدة وقتا غير وجوب النصاب في الزكاة وبالله التوفيق، وفي موضع آخر عنه أن من كان عليه زكاة فأخرجها حتى بقي عليه قليل لم يخرجه حتى استفاد فائدة إن الزكاة في تلك الفائدة ما لم يكن أخرج الزكاة المتقدمة كلها، وإن كان قد أخرج الزكاة المتقدمة ثم استفاد شيئا لم تجب فيه الزكاة إلى أن يحول عليها في يده حول.
مسألة: (6/215)
صفحة 216
ومن كان عليه ألف درهم وله ألف درهم ومال في أرض أو ماشية فليس على الألف زكاة، وإن كان عليه مال ودين وله نخل وزرع وماشية أخذت منه زكاة ذلك ولم يحسب له الدين، فعلى هذا تجري الزكاة كلها، ومن كان عليه ألف درهم دينا على الناس وله ألف درهم دينا على الناس وفي يده ألف درهم فقال أبو عبيدة: تزكى الألف الذي في يده إلا أن يكون يخاف أن الألف الذي له على الناس قد تموت أو يخاف مواتها، ومن كان له مائتا درهم وعليه مثلها دينا فلا صدقة عليه فيها لأنها مستحقة بالدين فصار كأنه لا شيء في ملكه، وقال بشير: لو كانت المائتان بين اثنين أو أكثر ففيها الزكاة، وقال أبو عثمان: حتى تبلغ لكل واحد منهما مائتان أو عشرون مثقالا ولا تجب الزكاة في الفضة إلا في مائتي درهم وازنة ستة دوانيق كل درهم، ومن كان له عشرون مثقالا فعليه نصف مثقال ولو كان المثقال ثمنه درهمين فعليه ويعطى قيمته دراهم وإن شاء ذهبا، وإن كان عشرون مثقالا وأربعة مثاقيل فجائز أن يعطي قطعة من ذهب بقدر ما يصيب الأربعة مثاقيل وإن شاء نصف مثقال أو قيمة تلك القطعة فضة فلا بأس، ومن وجبت عليه الزكاة فلم يخرجها حتى خلا لذلك زمان. قال أبو زياد: عليه إخراج الزكاة مما أكل ومما اشترى من السوق، وكذلك عن مسبّح عن أبي عثمان: ومن كان معه مائتا درهم إلا درهم أو درهمين فكره إعطاء الزكاة فما أدى أن يجبره الوالي عليها فإن أعطى برأيه فذلك إليه، وكذلك التمر إذا نقص قفيزين أو ثلاثة، ومن وجبت عليه زكاة دراهم صحاح فأعطى زكاتها دراهم مكسورة بالصرف أجزأ عنه، وإن أعطى مكسورة بصحاح لم يجزئ عنه وإن أحبّ هو أخذ الدراهم وأعطى الفقراء حبا أو تمرا بسعر الناس أو يشتري بها ثوبا من عنده أو من عند غيره يكسوه فقيرا فليس له ذلك وعليه أن يفرقها دراهم ولا يفرقها حبا ولا تمرا فإن فعل شيئا من ذلك لم يجزئ عنه.
مسألة: (6/216)
صفحة 217
وإذا كان مع رجل مائتا درهم ثم باعها بعشرين دينار قبل الحول فبقيت عنده الدنانير إلى الحول منذ ملك تلك الدراهم فلا زكاة عليه حتى يحول على الدنانير حول كامل، وكذلك لو كانت عشرين دينارا فباعها بدراهم وإن كان فعل ذلك فرارا من الزكاة فهو آثم، ومن وجبت عليه زكاة فضة أو ذهب وأخرج أحدهما عن الآخر بالصرف جاز له ذلك بالقيمة والصرف، ومن كان معه عشرة دنانير ومائة درهم فحال عليها الحول فالزكاة في الجميع يحمل بعضهما على بعض، فإذا بلغ قيمة الجميع مائتي درهم ففيها الزكاة، وإذا زاد على مائتي درهم زيادة فعلى قول موسى بن علي أنه لا زكاة في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما فيكون في كل أربعين درهما درهم وبذلك يقول أبو حنيفة، ومن وجبت عليه زكاة فميّزها وهي معه حتى استفاد مالاً آخر ففي قول محمد بن محبوب إنه ليس عليه زكاة وغيره يقول بالزكاة.
مسألة:
ومن كان معه مائتا درهم فحال عليها الحول ولم يخرج عنها زكاة حتى استفاد مالاً آخر. قال أبو مالك: عليه في الفائدة الزكاة وإن لم يستفد مالاً غير أنه كان يعمل مع الناس كل يوم بدانق ودانقين ويأكله وهو لا يفضل عن قوته قال ذلك فائدة وعليه فيه الزكاة أيضا، فإن كان يعمل مع الناس بنفقته أو يعمل بالخبز والتمر ويأكله في يومه فلا زكاة عليه في ذلك ولا في قيمته، والفرق بين ما يعمل به من الطعام ويأكله وما يعمل به من الدراهم ويشتري به الطعام ويأكله أن الذي في يده الدراهم لا يترك منها شيئا لنفقته وعياله وصاحب الطعام يترك له ولعياله فهذا الفرق بينهما.
مسألة: (6/217)
صفحة 218
وتعطى زكاة المرنق منها، والورق منه، والذهب منه، والدنانير منها، من كل نوع ما يجب فيه إلاّ أن لا يتم في نوع منها فيحمل في القيمة والصرف بعضها على بعض، ويخرج من كل نوع ما يجب فيه، وقال بعض: من أيهما شاء أخرج إذا وجب في جميعها والله أعلم، ولا يعطي عن الذهب فضة ولا عن الفضة ذهبا. قال الشافعي: لا يضم الذهب إلى الفضة، وقال أبو حنيفة: يضم، وتحسب بالقيمة، واحتج الشافعي بأنهما مالان مختلف نصابهما فلم يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة كالإبل والبقر لأنهما جنسان فلم يجب فيهما الضم كالتمر والزبيب، وكل دين لزم الإنسان م دية قتل أو عقر امرأة كابرها على نفسها أو نحو هذا فهذا مرفوع له من زكاته إذا كان يريد أن يؤدي ذلك الدين من ماله الذي في يده في سنته، ومن عليه زكاة دراهم معدودة فضاعت تلك الدراهم فأعطى بدلها عشرة فإن كان قيمتها في السعر سواء برئ وإلا فعليه نقصان القيمة يدفعها، ومن أخرج زكاة دراهم لزمته طعاما أو عروضا فلا يجزيه ذلك عندنا ولا يخرج إلا ما لزمه فيه أو مثله، ومن كان معه مائتا درهم فحال الحول فزكاها ولم تزد شيئا إلى قرب الحول ثم زادت أربعين درهما فإذا جاء الحول وهي مائتا درهم بالزيادة ففيها الزكاة وفي الأربعين أيضا درهما ازدياد ذلك.
مسألة: (6/218)
صفحة 219
ومن كان في يده دراهم يزكيها لوقت معلوم فلما جاء ذلك أطنى بالدراهم وأخذ الزكاة فإنه يحسب ما في يده من طعام ودراهم ثم يخرج منها الزكاة، ومن كان معه مائتا درهم فاشترى بها متاعا ثم جاءت السنة وهو متاع بعد لم يبعه فإنّه يقوم فإذا بلغت فيه الزكاة أخذت منه وإن لم تبلغ فلا زكاة فيه وانظر فيها، وإن باعه فمن ثمنه يخرج الزكاة إن بلغت، وقال أبو محمد: الزكاة في قيمته على قول بعض الفقهاء، وقال بعض: تخرج من رأس المال، وقال بعض: تخرج من القيمة وما نقص عن رأس المال أخرجه أيضا، وقال بعض: يخرج منه إذا كان من جنس يتساوى أخرج من كل أربعين واحدة، ومن كان في يده مال يزكيه وله دين آجل فقيل لا يؤخذ من دينه الآجل الزكاة إلا أن يحل دينه مع زكاته، وقيل: يعطي الزكاة مما في يده ومن دينه، وممن قال بذلك على ما بلغنا أبو عثمان، وفي حفظ أبي صفرة في مثله أنه يخرج الزكاة من رأس مال دينه الآجل مع زكاته، وقيل: إذا كان وقت صدقته من الورق فحل دينه أخرج زكاة ما في يده في وقته، فإذا حلّ دينه أخرج زكاته وهو قول علي بن غرزة وموسى بن علي وبه نأخذ. (6/219)
صفحة 220
ومن كان معه من الورق ما تبلغ فيه الزكاة وعليه دين فمن الفقهاء من لم ير عليه زكاة إلا فيما فضل من المال من بعد دينه، وقال بعض: يخرج الزكاة من هذا الذي في يده ولا يرفع للدين شيئا إلا أن يكون يريد أن يقضي دينه منه في سنته فإنه يرفع للدين الذي يريد أن يقضيه، ولعل هذا الرأي هو الأكثر في هذا الزمان وبه أخذ من أخذ من الأئمة وكل رأي العلماء المسلمين جائز متبع لمن أخذ به، وفي حفظ أبي صفرة عن بعض الفقهاء في رجل عليه ألف درهم وله ألف درهم وله مال أصل قيمته عشرة آلاف درهم أنه لا زكاة على الألف الذي في يده لأن عليه ألف درهم، وكل ما كان للتجارة من أرض أو دواب أو طعام أو ثياب أو عبيد أو عروض أو غير ذلك من الأمتعة فإذا وجبت فيه الزكاة ولم يبعه أخرج الزكاة منه بسعر يومه، وإن كان فيه الربح قوّم يوم حلت زكاته، وإن كان في ذلك وضيعة فمن رأس ماله الزكاة، وإن باعه قبل محل زكاته أو ضيعه فلا زكاة عليه إلا فيما في يده، والتاجر يقوّم عليه كل شيء في يده للتجارة من قليل أو كثير قيمة وسطه على سعر البلد الذي هو فيه ويترك له من الطعام ما نقول إنه يكفيه ويكفي عياله إلى ثمرة أخرى كذلك عن أبي عليّ وأمّا الكسوة فليس عندنا فيها شيء وإن لم يكن طعام وكان دراهم أو عروض لم يترك من ذلك للنفقة شيء إلا أن يقول إنه يحبس شيئا من الثياب التي في يده لكسوته أو شيئا من العبيد لخدمته أو من الدواب لضيعته أو المتاع لبيته فكل ما قال إنه حبس من ذلك عن التجارة لحاجته قبل وقت وجوب زكاته أو بعدها ما لم يكن أخرج الزاة فلا زكاة عليه فيه ويؤدي الزكاة مما بقي، فإن أراد بعد ذلك أن يردّ ما كان حبس ويدخله في تجارته فلا زكاة فيه عليه حتى يحول وقت زكاته من قابل، وكذلك كل من كان معه طعام من زراعته أو خدم أو دواب أو ثياب ممّا لم يكن للتجارة فأراد أن يدخله في تجارته فلا أرى فيه من قبل التجارة زكاة حتى يقلبه في نوع آخر للتجارة أو يبيعه بدراهم (6/220)
صفحة 221
أو ذهب ثم يعطي من ذلك الزكاة إذا وجبت عليه، ومن كان معه طعام أو متاع أو غيره للتجارة فبقي سنين لا يخرج زكاته وهو معه فإنه يزكي عنه في تلك السنين، فإن اشترى بسعره وإلا أخرج زكاة كل سنة بقيمة سعرها فيها، وأما السلف فلا زكاة فيه إلا من رأس ماله حتى يقبض ولو حل، وقيل: إذا حلّ وأمكنه قبضه ففيه الزكاة والرأي الأول هو الأكثر، وأمّا الدين غير السلف فإنه إذا كان حالاًّ في غير تردي وهو مما تجب فيه الزكاة أخرجت عنه ولو لم يقبض، ومن كان دينه على مفلس أو على من لا يرجوه منه فلا زكاة عليه حتى يقبضه ثم يعطي ما لزمه منهما فيما مضى، وكذلك إن ذهب ماله في بر أو بحر ثم وجده أو كان له في موضع ولم يعلم أو كان عنده أقل من مائتي درهم ولم يخرج زكاة ذلك إذ ذهب الآخر فإذا عاد إليه أخرج زكاة ما لزمه من زكاة لما مضى وعلى هذا كل ما كان من هذا الباب، وقيل: لا زكاة فيه إلا لسنته والرأي الأول هو الأكثر وهو أحبّ إليّ، ومن حضر وقت زكاته من الورق وليس هو بتاجر إلا أن تكون له ديون على الناس إلى أجل أو غير أجل فإنه يزكي ما في يده من ماله ودينه كلما قبض منه شيئا أخرج زكاته وفيه اختلاف. (6/221)
صفحة 222
قَال قَوم: يخرج مما في يده من دينه الآجل، وقَال قَوم: يخرج عن رأس مال دينه مع زكاته، وقَال قَوم: لا زكاة فيه حتى يحل، فإذا حل أخرج زكاته، وقَال قَوم: حتى يقبضه ويقوم كل شيء عنده قيمة يومه حين تحل زكاته فإنما عليه زكاة ما في يده وما حبسه لخدمته وطعامه وكسوته وضيعته فلا زكاة عليه فيه، فإن أدخله من بعد فلا زكاة عليه فيه حتى يدخل شهره ثم يزكي جميع ما في يده وكلما كان في يده لغير التجارة فلا زكاة فيه، وقيل في من كان له مال تجري فيه الزكاة فاشترى به متاعا فباعه بزيادة فلا زكاة فيه حتى يحل فإذا حلّ أخرج زكاته، وإن حلّ في كل أخرج زكاة ما حلّ من ذلك، وقيل: يخرج زكاة رأس ماله وإن لم يخرج ولم يقبضه، فإذا قبضه أخرج زكاته لما مضى، وإن أخرج زكاته قبل وقت أجله فقد احتاط، وحفظت عن الشيخ رحمه الله أنه قال: يخرج من رأس ماله الأصل، فإن كان معه ثمرة من ماله فلا يحمله على دراهمه حتى يبيعه بدراهم فإذا حلّ وقت زكاته ومعه من ثمن التمر دراهم زكّى ما كان عنده من بيعه التمر في وقت محل زكاته وبعد ذلك فإنما يزكي إذا دخل شهره، فإن كانت له أمانة مرفوعة ودراهم عند بيع قد عرفها موضوعة فإنه يخرج زكاتها مع ماله إذا وجبت عليه الزكاة زكى كل ما كان عنده من الدراهم كانت عنده أو عند غيره ما لم يكن دينا، وقيل: يترك للتاجر ما يكفيه وعياله لسنته ويزكي ما بقي وإن كان هو الذي يخرج عن نفسه لم يخرج لمؤونته شيئا، ومن كان معه مال يزكيه فذهب حتى بقي منه شيء قليل ثم أصاب مالا تجب فيه الصدقة قبل محل زكاته أو مع شهره أخرج زكاته وما استفاد معه، وقَال قَوم: حتى يبقى من الأول أربعون درهما، فما استفاد معها مما تتم به الصدقة أخرج زكاته وإن بقي أقل فلا زكاة حتى يستفيد ما يتم به الصدقة ويحول عليها حول منذ صارت له، ومن كان معه دراهم تجري عليها الزكاة فاشترى متاعا أو مالا قبل مل وقت الزكاة فمختلف في إخراج الزكاة من رأس المال أو من (6/222)
صفحة 223
قيمة المتاع. قال أبو علي: ما أحب أن يقوّم المتاع، ومن كان معه دراهم يزكيها وكان معه حب من زراعته فباعه بنسيئة قبل وقت الزكاة فإنه يخرج من الدراهم التي كانت يزكيها ماذا حل أجل الشيء الذي باعه أخرج من ثمنه الزكاة أيضا، ومن كان في يده دراهم يقلبها في التجارة فاشترى بها بقراً فحضر وقت زكاته فقوّم البقر وحسب ثمنها مع ما في يده من الدراهم وأدى زكاة ذلك كله ثم مرّ المصدق بصاحب الماشية والبقر في يده وذلك كله في شهر واحد فلا نرى للمصدق صدقة لأن الرجل اشتراها للتجارة ولو لم يشترها للتجارة لم يكن فيها صدقة إلى أن تحيل حول، ومن أخرج زكاة وفرقها فأعطى منها أخاه وللأخ دراهم يزكيها فإنه يخرج مما أعطاه أخوه، ومن أخرج زكاة ورقه وبقي عليه دراهم ثم أخذ من غلامه دراهم وأنفقها فإنا نرى عليه الزكاة، ومن كان أربعون ومائتا درهم فأخرج خمسة دراهم زكاة وبقي عليه درهم فاشترى بعد ذلك متاعاً ثم باع بعد شهرين بخمسمائة درهم فإنه يخرج الدرهم ويخرج من الذي باع لأن الدراهم من زكاته، ومن باع من غلته بمائتي درهم إلى أجل فلا زكاة عليه إذا حلت حتى يحول عليها حول آخر، ومن مطل زكاته بعد محلها شهرا ودخلها دراهم من وجوه أو ورث من بعد ما حلت زكاته فإنه يؤدي ما استفاد من قبل إخراج الزكاة، وأمّا ما أكل من الطعام فلا زكاة عليه فيه، ومن اشترى مالا بعد وجوب الزكاة فعليه الزكاة فيما أعطى في شرائه، ومن باع بيعا لرجل من بلد غير بلده فالزكاة تؤخذ في البلد الذي فيه الدراهم إذا حلت، ومن كان يزكي في شهر معلوم فأخرج زكاته في أول الشهر ثم رزق مالاً آخر في آخره فما نرى عليه زكاة فيما استفاد لأنه قد زكى في شهره وانقطع ذلك عنه ولو كان عجّل زكاته قبل شهره لخصاصة وفاقة عَنتْ جاز له ذلك، وقيل: لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها حول والحجة فيها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا زكاة في مال حتى يحول». (6/223)
صفحة 224
ومن حسب ماله ليزكيه فعرف كم يجب عليه ثم استفاد مالا قبل إخراج زكاته فعليه فيما استفاد الزكاة مع الأول، وقيل: لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها حول، ومن وجبت عليه زكاة الورق فلم يخرجها فكل شيء استفاد من ورق أو غلة أو هبة فهو محمول عليه، وإن كان أخرج زكاته فلا زكاة عليه فيما استفاد، ومن كان معه دراهم مزيفة أعطى زكاته منها ولا أحب أن يعطي صرف ذلك من الدراهم النقاء إلا أن يصارفه فيها المصدق إذا صارت إليه فلا بأس، وكذلك أحبّ أن لا يعطي عن الذهب فضة ولا عن الفضة ذهبا بقيمة الصرف منه ويعطي من كل نوع منه إلا أن يصير ذلك إلى المصدق ويصارفه عليه أو يكون ذهبا أو فضة يحمل بعضها على بعض في الصرف لتمام الزكاة فيعطي الزكاة مما حسب عليه الصرف، ومن اشترى مائتي مثقال فضة بمائتي درهم فإنما يعطي زكاة الفضة خمسة دراهم فضة أو مثلها أو ثمنها في يوم يعطي الزكاة إلا أن تكون الزكاة وجبت عليه في المائتي درهم قبل أن يشتري الفضة فيعطي خمسة دراهم، وإذا حلت زكاة رجل وفي يده متاع قد اشتراه فإنه يحسب قيمة هذا المتاع ما كان يساوي ذلك اليوم كانت قيمته أقل من رأس ماله أو أكثر ثم تحمل هذه القيمة على ما كان في يده ثم يخرج منه الزكاة.
مسألة: (6/224)
صفحة 225
ومن لم يعرف وزن الحلي الذي معه فإن أخبره أحد ممن يثق بقوله من حر أو مملوك بما فيه اجتزئ بخبره إذا لم يعرف خلاف قوله، وإن لم يكن أحد يخبره فاحتاط هو لنفسه وقدّره على الأكثر ثم أخرج زكاته اكتفى بذلك أيضا عن وزنه إن شاء الله، ومن كان عليه زكاة حلي أو دراهم مدوّرة فجائز أن يعطي قيمتها غلة وحللا على قول ويعطي المكسور عن المدورة ويعطي الفضل، وعلى قول يخرج من كل شيء ما يجب فيه إلا الحلي فلا يكسر ويخرج من غيره المثل، ومن غير الضياء ومن جواب أبي الحواري: والحلي المصوغ لا يعلم كم وزنه وإن كسر وقع فيه الضرر، قال: فإن شاء صاحب الحلي أن يزنه وهو على حاله مصوغا ويخرج زكاته مما بلغ وإن شاء فليكسره وينقضه ثم يزنه ويخرج زكاته إن وجبت فيه ويخرج من غيره المثل، ومن كان يزكي كل سنة فذهبت الدراهم من يده ولم يبق منها في يده شيء إلا خاتم أو درهم فلما حالت السنة وقع في يده دراهم فعن أبي جابر محمد بن علي قال: أقول إنه يعطي من الدراهم التي وقعت في يده إذا كانت مائتي درهم إذا بقي من الأولى ما وصفت فأما الخاتم فلا.
مسألة: (6/225)
صفحة 226
اختلف الفقهاء فيمن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين فقال بعضهم: يزكي المال ولا يرفع للدين شيئا إلا أن يريد قضاء ما عليه من الدين في سنته تلك وقال بعضهم: لا زكاة عليه إلا فيما بقي في يده بعد الدين والحجة لهذا القول الأخير ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عنه أنه قال: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه مال فليؤده ثم زكوا بقية أموالكم فأمر بالزكاة في بقية المال بعد الدين فهذا يدل على أن لا زكاة على ذي الدين إلا بعد قضائه للدين وعلى هذا القول يذهب الأكثر، وهو في الدراهم والدنانير، وأما الثمار فالزكاة تلزم ربها في جملتها ولو كان عليه من الدين مثلها والفرق بينهما أن زكاة الدراهم والدنانير لازمة للذمة وزكاة الثمار تلزم فيها لأعيانها والله أعلم، والتاجر إذا كان هو المقوّم لسلعته فلا يرفع منها شيئا لنفقته وإن كان قد عزل من ذلك شيئا لنقته قبل وجوب الزكاة لم يدخل ما عزله في الزكاة، قال: من كان عنده عشرة مثاقيل يساوي كل مثقال خمسة دراهم وعنده مائة درهم إن عليه الزكاة في ذلك لأن المائة يكون قيمتها عشرة فنصابه عشرون مثقالا لهذا قالوا يخرج الزكاة، ومن كان معه مائة درهم جاشردية وهي تساوي مائتي درهم من غيرها لم يكن إخراج الزكاة من هذه المائة وليس في مائة درهم زكاة حتى تبلغ مائتي درهم، ومن وجبت عليه زكاة دراهم فأعطى بدلها تمرا أو حبا أو أعطى عن زكاة التمر بحساب ذلك فجائز على قول بعض المسلمين، ومن كان عليه مائتا درهم دينا وفي يده أربعمائة درهم وليس نيته أن يؤدي المائتين تلك السنة إلا أن يطلبها إليه فإن طلبتا إليه أعطاهما فإنه لا يطرحهما ويزكي عن أربعمائة إلا أن يكون نيته أن يعطيهما تلك السنة فيطرحهما وإن زكى الأربعمائة ثم طلب القوم دراهم فأعطاها ثم أراد أن يرجع إلى المصدق فإن كان قال له: إن عليّ دراهم إن طُلبتْ إليّ أعطيتها فإن أعطيتها رجعت عليك فله أن يرجع عليه وإن لم يقل له شيئا فليس له أن (6/226)
صفحة 227
يرجع عليه.
مسألة:
في الحلي قال مالك والشافعي في الحلي إنه لا زكاة فيه لأنه مما ينتفع به فأزالا عنه الزكاة وجعلوه بمنزلة حرثي الثياب ومما ينتفع به من الفراش وغير ذلك فأزالا بذاك الزكاة عنه، ثم قالا في آنية الذهب والفضة التي يتجمل بها في البيوت إن فيها الزكاة واعتلاّ أن الزكاة إنما لا تطلب على الحلي لأن الناس يتجملون وينتفعون به، وقد وجدنا هذه العلة في آنية الفضة والذهب لأنه مما يتجمل به الناس وينتفعون به، وقال بعض من يحتج في ذلك إن الانتفاع بآنية الفضة والذهب مكروه وأن الانتفاع بالحلي واللّباس ليس بمكروه، قيل له: وما الدليل على أنه إذا كان مكروها فذلك مما يوجب الزكاة فيه، وإذا كان مباحا للانتفاع به إن ذلك مما يسقط الزكاة عنه؟ فإن قال: ما تباح منافعه ففيه الزكاة وما يكره منافعه فلا زكاة فيه، قيل له: ما كان قولك إلا مثل قوله، والزكاة إنما وجبت تعبدا من الله تعالى على عباده لا لتحريم منفعة ولإباحتها، وقال أبو حنيفة: فيه الزكاة، وقال الثوري في حلي الذهب والفضة إن فيه الزكاة، وكذلك إن كان حليا منكسرا فله أن يصوغوه ولا يزيدون إن فيه الزكاة، وكذلك كل حلية ذهب وفضة كانت بسيف أو منطقة أو خاتم فإنه يضم بعضه إلى بعض فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال وما زاد فبحساب ذلك فإن بلغ مائتي درهم ففيه خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك، وكذلك كل حلي من ذهب وفضة حمل بعضه على بعض ثم زكيا جميعا، وعن علي بن أبي طلحة أن امرأة عبد الله بن مسعود سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أفي الحلي زكاة؟ قال: نعم.
الباب العشرون: في زكاة المال الموروث والمشترك (6/227)
صفحة 228
قال أبو عبد الله: الذي جاء به الأثر عن المسلمين في الرجل يموت ويخلف مالا كان يزكيه في شهر معلوم فلم يقسم ورثته هذا المال بينهم حتى دخل الشهر الذي كان يزكي فيه الهالك فإن الزكاة عليهم في هذا المال واجبة كانوا بالغين أو يتامى، وقال أيضا:ما بيع من رثة الهالك فهو محمول ثمنه عليهم على هذا المال وإن كانوا بالغين واقتسموا هذه الرثة بالقيمة لا زكاة عليهم في هذه القيمة وإنما تكون الزكاة عليهم فيما بيع منها فاشتراه أحد منهم أو من غيرهم، وقال أبو علي في رجل مات قبل وقت زكاته إن قسم الورثة المال فلا زكاة فيه وحده حتى يحول على كل واحد وتجب عليه الزكاة وإن بقي مجتمعا لم يقسم حتى جاء وقت زكاة الميت وتجب فيه الصدقة أخرجت منه الصدقة، وإن كان الذي ترك الميت طعاما للتجارة أخرج للورثة مؤونتهم من الطعام لسنة. (6/228)
صفحة 229
وفي موضع آخر أنه يترك للتاجر من الطعام نفقته ونفقة عياله إلى ثمرة أخرى، فإن مات أصبح هذا المال قبل أن يحول على ماله حول ولم يكن يؤدي الزكاة من ذلك فلا زكاة فيه ولو بقي سنين لم يقسم إلا أن يكون يصل لكل واحد من الورثة مائتا درهم ويحول عليها حول أو يكون ممن يؤدي الزكاة من الورث فما كان له من هذه الورق حمله على ما معه في وقت زكاته فأخرج زكاة ماله من ذلك، وإن اختصم قوم في مال فلا زكاة فيه حتى يعلم لمن يصح ثم يؤدي ما لزمه فيه لما مضى إذا كانت تجب فيه، والشريكان في الدراهم لا زكاة عليهما حتى يتم لكل واحد مائتا درهم فإن كان أحدهما عليه دين بعد ذلك يريد أن يقضيه فلا زكاة على ذلك، وإن أدى رجل زكاة ماله خمسة دراهم ثم مات وخلف مالا كثيرا وصح أن ذلك المال كان ملكه يوم أدى خمسة دراهم فإن الزكاة تؤخذ من ذلك الذي صح كله، وإن بيع له رثة أو شيء من ماله حمل ثمن ذلك على المال الذي تخرج زكاته، وقال من قال: وفي نفسي منه، وكذلك إن صح له متاع اتخذه للتجارة مع قوم حمل على ماله وأخذت منه الزكاة، وإذا كان لقوم دراهم لا يعلم ما حالها فلا نرى في تلك الدراهم زكاة، ومن مات بعمان وترك مالا وله وارث بالبصرة فإن الزكاة تؤخذ من المال ولا يسأل عن وارثه عليه دين أم لا، هذا قول الأزهر ابن علي، وقال موسى: لا تؤخذ منه الزكاة حتى يسأل عن وارثه فإن كان عليه دين لم تؤخذ منه الزكاة وإن لم يكن عليه دين أخذت منه، ومن هلك وترك مالا وبنين فقال بنوه نخرج لأولادنا شيئا من هذا المال قبل أن نقسمه فأخرجوا منه شيئا فأخذ رجل منهم نصيب بنيه وخرج إلى الصين وأقام نحو عشرين سنة ومات بتلك البلاد ولم يوص بذلك المال ولم يخلف شيئا بالصين إلا أن له بالبصرة مالا وله أولاد بالصين فقدموا وأخرج البنون من مال أبيهم الملك الذي كان لولده في يده ثم قسموا الباقي ميراثا بينهم وبين القادمين ثم سألوا عن المال الذي أخرجوا قبل قسمة الميراث من مال (6/229)
صفحة 230
أبيهم الذي أخذ مالهم وهو محيط به فلا نرى عليهم في المال زكاة ولو كان المال الذي أخذه خلفه وأعلمه لرأينا فيه الزكاة للسنين الماضية والله أعلم. ومن هلك وترك مالا من العين ما لم يطلع عليه والي الصدقة وترك دينا ظاهرا قد أحال ذلك الدين على أهله وترك حيوانا ومتاعا فأخضر ذلك بعده فبلغ ما لم يقبض صدقته فقد نظرنا في ذلك فلم نر أن يؤخذ من ذلك شيء مما وصفت ورأينا أن صاحب المال أولى بماله وزكاته إلا أن يكون المصدق قد طلب إليه فقال: بلغني أن لك مالا موضوعا أو ديونا على الناس فكتمه ذلك وقال ليس لي شيء من ذلك فكل شيء كتمه في حياته أخذت زكاته بعد موته. ومن كان يزكي ثم هلك قبل الوقت فجاء المصدق يريد الأخذ من بيته فقالوا: اترك مؤونتنا لسنتنا وخذ مما بقي فنرى إن كان المال مجتمعا لم يقسم فالزكاة فيه فيترك للورثة من الطعام مؤونتهم للسنة إن كان طعاما وإن كان دراهم فيؤخذ منها الزكاة ولا يترك لهم شيئا وإن كان قد قسم فلا زكاة فيه حتى تحول السنة على ما تبلغ عليه الزكاة مما بقي في يده. ومن كان يعطي زكاته في شهر معروف عن مائتي درهم ثم مات وخلف زكاته ولم يخرجها فأصيبت له ألف درهم فإن فيها الزكاة إذا لم يكن أخرج زكاته فإن أخرجها ثم مات فأصيب له مال غيرها كان يزكي فليس على وارثه زكاة ولو علم أنه لم يزك وإنما إثم ذلك عليه.
مسألة: (6/230)
صفحة 231
ومن لم يكن يؤدي زكاته وقد كانت عليه في المال واجبة فلا شيء على الورثة إذا لم يوص بها الهالك، ومن ورث تمرا وقد جمع في المصطاح أو زرعا قد حصد ولم يكن زكاته أخرجت فعليه أن يزكيه وإن ورث دراهم أو دنانير فحتى يحول عليها الحول ثم يزكيها، الفرق بينهما أن الزكاة في الثمر إنما هي شركة وفي العين إنما تكون في الذمة، ومن غيره ولو جاء رجلان كل واحد منهم بمائة درهم فخلطاها واشتركا بها في تجارة إلى أرض الشرك ثم قدما بمتاع فباعاهُ بثلاثمائة درهم وحال عليها حول فما رأينا فيها زكاة حتى يقع لكل واحد منهما مائتا درهم أو أكثر وتحول عليها سنة منذ صارت له.
مسألة:
ومن له خمسة أبعرة لم يزكها حتى هلك وترك ورثة فلم يقسموها حتى دخل وقت شهره الذي كان يزكيها فيه فإن فيها الزكاة، فإن مات من الأبعرة واحد ونسلت منهن ناقة فصيلا قبل الوقت أو بعده ولم يأتهم المصدق ففيها الزكاة ما لم يقسموها قبل مجيء الساعي إليهم، فإن مات منها بعير قبل محل صدقتها وبقي أربعة أبعرة يوم مات صاحبهم وورثه ولده ثم استعاد ولده بعيرا إلى الأربعة التي ورثها من والده فصارت خمسة أبعرة قبل مل زكاة الوالد بما كان في يده من الأربعة فلا تؤخذ منه الصدقة حتى يحول على الخمسة حول منذ كملت في يده ولا يجري عليه وقت والده، ولو كان والده حيا حمل مال أحدهما على صاحبه ولكن هذا قد خرج من ملك الوالد بالميراث ويكون للولد وقت جديد.
الباب الحادي والعشرون: الحيل في الزكاة وما يجوز منها وما لا يجوز (6/231)
صفحة 232
قال أبو عبد الله: إذا كان لرجل إبل أو بقر أو غنم مجتمعة ففرقها من قبل محل صدقتها لنقصان الصدقة فيها يقصد إلى ذلك وأقر به فإن الصدقة تؤخذ منه على التوفير إذا كانت في اجتماعها، وكذلك إذا كانت متفرقة فجمعها قبل محل صدقتها فراراً من التوفير للصدقة فإذا قصد إلى ذلك لم يسعه فيما بينه وبين الله تعالى وتلزمه الصدقة على التوفير فيها. (6/232)
صفحة 233
قال أبو عبد الله: ولكن قد يكون في بعض النيّات ما أرجو أن لا تكون على صاحبها تبعة مثل الرجل يكون في يده مال يزكيه فينوي أن يشتري به ما لا تجب فيه الصدقة مثل الحمير والخيل والدواب والعبيد للخدمة أو قال: أزرع أرضي هذه قطنا ولا أزرعها ثمرة تكون فيها الصدقة فإن فعل هذا بهذه النية فأرجو أن لا يكون عليه بذلك بأس عن شاء الله، وإذا كان رجل ممن تجب عليه الزكاة فبعث مالا إلى بلد الزنج في تجارة ونوى قبل محل زكاته إن سلم الله له ماله وقدم له رقيق أن يحبس منهم عشرة أقل أو أكثر ولو لم يكن رآهم وإن نوى حبسهم للخدمة من بعد محل وقت زكاته للخدمة ثم قدم إليه الرقيق بعد محل زكاته إنه يرفع عنه زكاة قيمة هؤلاء الرقيق الذين نوى حبسهم للخدمة من قبل وقت زكاته ولم يرفع عنه زكاة قيمتهم لما مضى من سنته الحالية، ومن كان في يده تجارة تجري فيها الصدقة فاشترى عبدا ونواه للخدمة لا للتجارة ثم رجع نوى أن يتخذه للتجارة أو اشترى للتجارة ثم نوى أن يتخذه خادماً فإن أخر نيته للخدمة لا للتجارة لم يحسب عليه، وإن كان نوى لما كان اشتراه للخدمة فلما انقضى وقت زكاته رجع فنواه للتجارة من قبل أن يقبض المصدق منه زكاته فإنه يحسب عليه قيمته في الصدقة، وإذا كان لامرأة دراهم على رجل تجب فيها الزكاة فلما وجبت الزكاة صيرت الدراهم لولدين لها يتيمين أو غيرهما فإنها ضامنة للزكاة في مالها وإن ماتت المرأة أو أفلست ولم تقدر على شيء والدراهم قائمة فأحب أن تؤخذ الزكاة منها لأن تلك زكاة كانت قد وجبت فلم يكن لها أن تعطيها فإن كانت صيرت ذلك بحق لمن صيرته إليه رجع عليها بمثل ما أخذ من الزكاة.
مسألة: (6/233)
صفحة 234
ومن كان معه عشرون دينارا فباعها قبل الحول بدراهم أكثر من مائتي درهم ثم لبثت في يده حتى أتى عليه أيام تحول على الدنانير لو كانت باقية إلى الحول فلا زكاة فيها، وإن كان معه عشرة دنانير ومائة درهم فحال عليها الحول كان في الجميع الزكاة يحمل بعضها على بعض فإذا بلغ قيمة الجميع مائتي درهم فحال عليها الحول كان في الجميع الزكاة بعضها على بعض وكان فيها الزكاة، والدليل على ذلك أن الذهب والفضة شيء واحد وذلك أن لهما عللا بجمعهما من أنهما أثمان للسلع وأنه لا تجوز المبايعة فيهما إلاّ يدا بيد فلما كانت هذه العلل لا توجد في غيرهما وجب أن يكون حكمها واحدا وأن يحمل أحدهما على الآخر.
مسألة:
ومن باع ماشيته قبل الحول لم يكن منه فرارا عن الزكاة كما أن الممتنع من الجماع لا يجب عليه الغسل ولا يوجب ذلك فرارا من العبادة التي هي الغسل.
الباب الثاني والعشرون: تصديق أرباب الزكاة فيها واستخلافهم إذا اتهموا عليها وما يجوز وما لا يجوز لهم ولقابضها منهم فيها (6/234)
صفحة 235
كان المسلمون يستحبون أن يكون لصاحب الصدقة شهر معروف فإذا بلغه لم يعده، وصاحب الورق مصدق في وزنه وليس عليه وزنه بين يدي المصدق ولا بكسر الحلي وإن كان متهما وأراد المصدق استحلافه فله ذلك وإن لم يستحلفه فلا بأس والمصدق بالخيار إن شاء أخذ منه كما يباع إلا أن يريد صاحب الذهب والفضة أن يعطي عن الذهب وصدقة الحلي من الذهب والفضة ذهبا على قدر ذلك، وإن شاء أخذ منه كما يباع ذهبا مثله وعن الفضة فضة مثلها ولا يعطي ثمنه، فذلك له وهو زكاة ما عليه وإن لم يحضر المصدق فحسب صاحب الحلي على نفسه زكاة ما معه من ذلك على ما يباع الذهب والفضة وأعطى الوالي من زكاة ما لزمه من ذلك فلا بأس، وإذا كان الحلي ذهبا وفضة ولو كان القليل من أحدهما حمل قيمة بعضهما على بعض في الصرف فأخرجت الصدقة منه إذا بلغت فيه وكله سواء أو يحسب الفضة ذهبا ثم تؤخذ من الذهب إذا بلغت القيمة عشرين مثقالا أو يحسب الذهب فضة على الفضة فإذا بلغت مائتي درهم أخذ زكاتها وذلك مثل رجل له عشرة مثاقيل من ذهب ومن الفضة مائة درهم فإذا حسب المثاقيل على المثقال بعشرة دراهم فالثمر مائة درهم وعنده من الفضة مائة درهم فصار عنده مائتا درهم وجبت الصدقة خمسة دراهم، فإن كان المثقال أيضا يساوي خمسة دراهم أقل أو أكثر حسب المائة الدرهم ذهبا على ذلك السعر فالمائة الدرهم على المثقال بخمسة دراهم عشرون مثقالا وعنده عشرة مثاقيل ذهب فتمت الصدقة في الذهب، وقيل: هذا رأي أبي عبيدة مسلم الكبير وأبي حنيفة، وقال من قال من الفقهاء أن للمصدق أن يحسب الفضة ذهبا والذهب فضة على ما يكون الصرف فإذا بلغ ذلك ما تجب فيه الصدقة أخذا الصدقة من الذهب ما تجب فيه ومن الفضة ما تجب فيها، وفي هذه المسألة إن له عشرة مثاقيل ومائة درهم والمثقال إنما يساوي أقل من عشرة دراهم فإذا حسب ذلك على الدراهم سقطت الزكاة وإن حسب المائة ذهبا صار له من الذهب ما تجب فيه الصدقة فيجب أن يأخذ المصدق من (6/235)
صفحة 236
هذا المكان من العشرة مثاقيل ربع مثقال ومن المائة درهمين ونصف درهم إلا أن يتفق هو وصاحب الحلي أن يأخذ ذلك من الذهب أو من الفضة بالصرف فذلك إليهما والله أعلم، فهذا إذا كان ذهبا وفضة لا يبلغ فيهما إلا أن يحمل بعضهما على بعض في الصرف، وأما إذا كانت فضة خالصة فبلغ مائتي درهم في الورق ففيها خمسة دراهم منها أو مثلها أو ثمنها على ما يباع على ما بلغ وكذلك الذهب إذا كان عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال ولو كان المثقال يساوي درهمين وإذا كن عنده ذهب وفضة أكثر من القدر الذي تجب فيه الصدقة في الصرف إذا حمل بعضه على بعض في الصرف فأحب لصاحب ذلك أن ينظر ما هو أوفر فإن كان إذا حمل بعضه على بعض في الصرف كان أكثر من الصدقة أخرجه على ذلك وإن كان الأوفر أن يخرج من الذهب ذهبا ومن الفضة فضة على قدر ما يجب في كل واحد فليفعل ذلك، وإذا أخرج من الذهب ذهبا ومن الفضة فضة فليس عليه غير ذلك، والدنانير تحمل على الدراهم بقيمتها ولو كان ليس من الفضة إلا درهم واحد أو خاتم في يده، ومن له دين لا يخرج له فطلب المصدق أخذ الزكاة منه وقال: أحلني على بعضهم فإن سعيد بن مبشر كره ذلك وقال: ليس له أن يأخذ ولا يحيله على أحد، ومن كان معه عشرون ديناراً مديرة ليس معه غيرها فدعا المصدق أن يأخذ منه نصف دينار بقطعة من هذه الدنانير أو طلب ذلك المصدق فليس ذلك لهما جميعا لأن في قطعه ضررا على صاحب الدنانير وعلى المصدق، لأنه إذا قطعه رجع إلى كسر ثمنه من الكسر لا مثل ثمن الدنانير ولكن يأخذ منه صرف نصف دينار، وإذا كان معه دنانير مديرة وذهب وفضة حمل بعضه على بعض بالصرف تقوّم الدنانير بصرفها يومئذ والذهب بصرفه والفضة بصرفها ثم حمل جميع الدراهم فيأخذ منها الصدقة، وقيل: ليس للمصدق أن يحمل على الرجل والمرأة إذا كان معهما حلي ذهب وفضة أن يأخذ ذهبا أو فضة منه بقطعه له ولكن يعطيه ما لزمه فيه من الصدقة من غيره مثلها، ومن قدم من بلاد الهند في شهر (6/236)
صفحة 237
معروف بمتاع ثم لبث أشهرا ثم باع ذلك المتاع وقبضت صدقته ثم أقام إلى الحول من يوم قدم ودخل شهره الذي قدم فيه وماله في يده فما نرى عليه صدقة حتى يحيل من يوم باع، وإن أقر أنه لم يكن أدّى الزكاة فما نرى ذلك يوجب عليه غير ما يوجب عليه بعد قدومه. ومن كان يؤدي الزكاة في شهر رمضان من عين في يده ثم أسلف تلك الدراهم بحث أو بتمر إلى أجل فلما دخل رمضان طلبت إليه الصدقة وليس عنده من الدراهم شيء فإنه إن شاء المصدق أخذ من رأس ماله وإن شاء أخره إلى محل الأجل وأخذ منه، ومن قال: لما طلبت إليه الزكاة إن السلطان أخذ زكاتي وأعطيتها بالبصرة أو قال: قد أخرجها بالبصرة والقول قوله، ومن طلب إليه الزكاة فقال: ليس معي دراهم ولا غيرها وهو متهم فعن أبي علي أن عليه اليمين، والتجارة إذا كانت تجارتهم طعاما ودراهم ترك لهم من الطعام نفقتهم ونفقة عيالهم وعبيدهم إلى ثمرة أخرى، فأما الكسوة فليس عندنا فيها شيء، وقال من قال: تؤخذ الزكاة من جميعه ولا يترك لهم شيء وإن لم يكن عندهم طعام عند المحاسبة إلا ورق فليس فيه ترك لهم لطعامهم. (6/237)
صفحة 238
ومن كان له تجارة في بلد فحمل تمرا وحبا إلى بلد آخر وله وقت يخرج فيه زكاته فحلت الزكاة وثمن الحب والتمر في ذلك البلد الذي حمل إليه وإنما خلاله في ذلك البلد أربعة أشهر أو دون ذلك فإن والي البلد الذي صاحب الطعام فيه أولى بأخذ الزكاة منه لا أن يبقى من الطعام في ذلك البلد يعالج به حتى يحول عليه الحول فإذا حال عليه أخذت منه الزكاة ما أحال عليه معه والله أعلم، والتجار والتاجر يحاسب على ما في يده ويؤخذ من عندهم عرائس منها حلي ومنها مشغول ونوابس مما يحمل فيها المتاع فإن قالوا: إنا نحسبه ونحتاج إليه فلا نرى عليهم فيه زكاة واجبة وإنما الزكاة فيما باعوا أو أمروا أن يقوّم بطيبة أنفسهم، ومن قال من التجار إنّ عليه ديناً في بلاد أخرى أو قال لم يحضر وقتي أو قال: إنما قدمت العام، فأما من احتج بالدين فإن كان الدين الذي يحتج به في شيء من قرى عمان فلا يعجل عليه ويؤخر ويجعل عليه خفر فإن أتى بصحة من والي البلد بمعرفة الدين أسقط عنه وإن لم يأت بشيء أخذ منه الصدقة، وأما من قال إن وقته لم يحل فيسأل الوالي عن ذلك فإن وجدت معه أخذ بمعرفته وإن لم يجد معه معرفة وكّل إلى قوله، وأما من قال إنما قدم العام ولم يحتج بشيء فيسأل متى قدم عُمان فإذا أخبر أحداً بالزكاة لحول ما قدم إذا كان المال في يده يوم قدم عمان الذي تبلغ فيه الزكاة، ومن قدم من المسلمين إلى عمان من الصين أو من غيرها من بلاد الشرك والحرب وقد كان أقام في بلاد الشرك سنين ومعه ماله ثم قدم عمان فباعه وتجر به فلما طلبت منه الزكاة كان غريبا أو من أهل عمان احتج أن لزكاتي وقتا معروفا وأنه قد أخرجها في وقتها فأعطاها الفقراء واحتج أن وقت زكاته منذ شهر وهو بالشجر أو نحوه فأخرجها فما نرى عليه زكاة حتى يحول عليه وقته الذي يخرج فيه زكاته، وما قال إنه أخرجها من زكاته حيث كان من البلاد التي ليست من سلطان أهل عمان فقوله في ذلك جائز ولو قدم قادم من بلاد الشرك (6/238)
صفحة 239
بأموال كثيرة أو قليلة وأمتعة من تجارة فباعها بعمان وهو غريب أو من أهل عمان فلما طلبت منه الزكاة احتج أنه لم يملك من هذه الأموال شيئا وإنما ملكها منذ شهر أو نحو ذلك فما نرى عليه زكاة في أمواله هذه حتى يحول عليه سنة مذ ملكها وهذا دليل على أن قدومه من أرض الشرك ومن البحر لم يوجب عليه من الزكاة إلا مثل ما يجب عليه في البحر. (6/239)
صفحة 240
ومن قدم من بلاد الشرك بمال عظيم فباعه بعمان فلما طلبت منه الزكاة قال إنه يهودي أو قال إنه مسلم والمال الذي في يده ليهودي فلا نرى أن نأخذ منه الزكاة ولو قال إن الذي في يده لفلان رجل مسلم سماه من خراسان أو الشام فلا نرى أن تؤخذ منه الزكاة حتى يعلم حال ذلك الرجل لعل عليه دينا يريد أن يقضيه من ماله هذا أو له حجة، ومن قدم من أهل عمان بمال عظيم رقيق ومتاع من تجارة فلما طلب منه الزكاة لأن عليه ساعة يقدم يقوّم متاعه ويؤخذ منه الزكاة فاحتج أن خمسين رأسا من العبيد يحبسهم لخدمته وكذلك ما كان من البرّ يحبسه لكسوته وما كان من الطعام والإدام والآنية يحبسها لينتفع بها فذلك له ولا نرى عليه زكاة في شيء من ذلك فإن أعطى زكاته وانقضى وقتها ثم باع ما كان حبس من ذلك فلا نرى عليه فيه زكاة حتى يحول عليه سنة منذ صارت دراهم أو يجيء وقت زكاته فيدخل وقتها، ومن قدم غريبا من البحر من أرض الشرك بنحو مائة ألف درهم فباع من متاع بألف درهم فلما طلب منه الزكاة احتج أنه قضى الألف من دين عليه وأنه يحمل بقية متاعه إلى غير عمان فلا نرى أخذ الزكاة منه، ومن قدم لشحنه سفينة من النارجيل والعسل والأرز فباعه بمال عظيم فلما طلب منه الزكاة احتج أن ذلك النارجيل من نخيله والباقي من زراعته فلا نرى عليه فيه زكاة إذا باعه حتى يحول على الدراهم التي من ثمنه سنة وكذلك لو لم يبعه ويحبسه سنين كثيرة ما كان عليه فيه زكاة، ومن قدم من الصين بعنبر ولؤلؤ وعود وكافور وبقم نحو ذلك ويساوي مائة ألف درهم وهي من أهل عمان فطلب إليه الزكاة فاحتج أن العنبر واللؤلؤ لقطه من البحر والكافور والعود والبقم أخرجه من الشجر فلا نرى عليه فيه زكاة ولو حبسه سنين. (6/240)
صفحة 241
وإن كان الذي قدم به غريبا فباعه ثم احتج بهذه الحجة فلا زكاة عليه حتى يحول على مائتي درهم من ثمنه سنة والله أعلم، وليس لأحد من ولاة عمان أن يأخذوا زكاة البحر إلا أن يكون الوالي المعروف الذي يكون بساحل صحار وقد كان يأخذ زكاة بعض من مضى في ولايته في تلك السواحل قبل صحار في عصر المهنا فلم يقبل صاحب الساحل ذلك من صاحب المال وأخذه بزكاته حتى رجع هو على الوالي أخذ منه أو رد الإمام ذلك على صاحب الساحل وقد كان يقدم فيمن تجب عليه الزكاة أغنام وغيرهم، قلت لأبي مروان سليمان هل حال على مالهم هذا حول؟ فقال: لا تسألهم لأن الدعوة قد بلغت والزكاة معروفة وإنما تطلب إليهم الزكاة فإن أعطوها قبلناها منهم وإن احتجوا بما يبطل الزكاة تركناهم.
مسألة:
وكل مؤتمن في زكاة ماله وما يصل من ثمرته وإن قال صاحب الثمرة إنها سرقت أو أتت عليها جائحة فالقول قوله. وقال أبو المؤثر: قال بعض المسلمين: من اتهم بغلول الزكاة استحلف، وقال بعضهم: لا يحل أحد على زكاة وذلك إلى أماناتهم وقال بالقول الأول نأخذ، ومن جواب الحسن بن سعيد بن قريش في أرباب الأموال إذا اتهموا بالزكاة هل يجوز حجز الثمرة عليهم حتى يشاهدهم إنسان من جهة الوالي؟ الجواب: الوالي موسع له ذلك إذا اتهمهم فيما عرفت، ولعل في ذلك اختلافا.
الباب الثالث والعشرون: ما يجب في الزكاة من الوقوف وما لا يجب (6/241)
صفحة 242
كل ما كان من الأموال وفقا على الفقراء أو في السبيل من سبل الله فلا صدقة فيه، وكذلك المال الذي توقفه النصارى من العرب على بيعهم أو على فقرائهم أو في سبيل من سبلهم وهو من أصل أموالهم فلا صدقة في ثمرته، وكذلك غيرهم من أهل الذمة يشترون بالأمر أموال أهل الصلاة ثم يجعلونها وقفا على أهل كنائسهم في دينهم أو بيت نار المجوس أو في فقرائهم أو في سبيل من سبلهم في دينهم فلا زكاة في ثمرته، وقيل عن أبي عبد الله أن الصدقة فيما وقفوه على بيعهم وكنائسهم وبيت نار المجوس إذا كان هذا المال تجري فيه الصدقة في الأصل من قبل فإن وقفهم هذا باطل لا يذهب الصدقة ولا يكون مثل ما يوقفه أهل الصلاة على المساجد والفقراء وغيرهم من أبواب البر مما وقفه أهل الصلاة فلا زكاة فيه، ومن غيره وما اشترى الذمي من الأرض والنخل والغنم والإبل والبقر من أرض المسلمين ولو تداولها ذمي بعد ذمي إذا كان أصلها من أموال المسلمين ففيها الزكاة على أيّ أهل الذمة صارت إليه وليس لهم أن يخرجوا بالماشية من أرض المسلمين إلى أرض الشرك إذا كانت تجري فيه الصدقة، وما اشترى المسلمون من أرض نصارى العرب التي كانت يجري فيها الخمس عندهم فإنما على المسلمين فيها العشر.
الباب الرابع والعشرون: ما يجب من الزكاة في الوصية بالحج وغيره في أبواب البر وما يجب على المصدق في ذلك وما لا يجب
ومن أوصى بدراهم موضوعة في حجة فقال: هذه الدراهم في حجة عني فلا زكاة فيها ولو حال عليها حول وهي مائتا درهم أو أكثر، وإذا أوصى بحجة في ماله بأربعمائة درهم فلا زكاة فيها ولو حال عليها حول مذ مات الموصي حتى يباع من ماله فإذا بيع من ماله وصارت دراهم وحال عليها حول من قبل أن يحج بها عنه ففيها الزكاة ويكون ما نقص منها للزكاة في ثلث ماله ويؤخذ منه ويرد فيها.
مسألة: (6/242)
صفحة 243
ومن هلك وأوصى بحجة أو غيرها من أبواب البر للمسلمين أو للشذاء أو للفقراء فإذا ميز ذلك قبل موته فلا زكاة فيه ولو كثر وبقي على ذلك لم ينفذه، وأما من أوصى في ماله فميزه الورثة أو الوصي أو السلطان وبقي على تلك الحال حتى جاء الحول عليه وهو تجب فيه الزكاة ففيه الزكاة ثم كلما حال عليه حول آخر أخرجت منه الزكاة وعلى الورثة أن يردوا ذلك النقصان من ثلث مال الهالك فإن نفذ الثلث في الوصايا فلا زكاة في الحجة ولا غيرها، فإن أخذ المصدق زكاة ذلك ولم يكن ثلث يردّ منه فعليه أن يرد ذلك، وإن تلف المال كله من بعد أن أخذ المصدق الزكاة بقي ما نقص من تلك الوصايا على نقصانه ولم يكن على المصدق ردّ لأنه أخذ الزكاة في وقت ما وجبت له وإن كانت الحجة قد قبضها رجل بحجج بها وضمنه إياها الورثة أو غيرهم من يلي ذلك فلا زكاة عليهم فيها أو فيما قبض منها وعلى الذين قبض على هذه الصفة زكاة ما صار له من ذلك إذا حال عليه عنده حول وهو يتم فيه الزكاة وإن لم يأخذها بضمان وإنما أخذها على أنها عنده للورثة بحجج فإذا حج أعطوه وإن كانت الحجة عندهم لم يقبضها فلا زكاة عليه في هذا والزكاة على الورثة على ما ذكرنا في أول المسألة، ومن أوصى بحجة نافلة أو فريضة وقال أعطونا هذه الدراهم في حجتي فحال عليها حول ف زكاة فيها كانت مائتي درهم أو أكثر، وإن أوصى للفقراء أو للأقربين بدين عليه وأعطاهم دراهم في قضاء دينه وإنفاذ وصية فلم يخرجوها حتى حال عليها الحول فلا أرى فيها زكاة، وإن أوصت امرأة بقلادتين لها في حجة وقبل الوصية أخ لها أو ولدها وقبض القلادتين ولم يخرج حتى خلا سنون ولم يقض الحجة كما هي أوصت وفي القلادتين لؤلؤ وذهب فما نرى فيهما زكاة، ومن أوصى بحجة فاتجر بها الموصى فربح فيها فالربح للورثة، ومن أوصى بأربعمائة درهم للحجة وعزلها دراهم بأعيانها فلا زكاة فيها ولو حال عليها حول وإن كان لم يعزل وإنما أوصى بأربعمائة درهم فإنا نرى فيها (6/243)
صفحة 244
الزكاة، وإن أخرجوا منها الزكاة كل سنة فعليهم أن يردوا فيها مثل ما أخرج للزكاة، ومن أوصى بدراهم يشترى بها للفقراء والدراهم كثيرة فإن كانت الوصية للفقراء جملة أو لمن لا يعرف، فلا زكاة فيها وإن كانت لقوم معروفين مما يصيب كل واحد مائتي درهم فصاعدا وحال عليها الحول أخذت منهم إلا أن يكونوا عليهم دين أو وجه من ذلك نظر الذي يتولى ذلك وأخذ في ذلك بالوثيقة.
مسألة:
ومن مات وأوصى بحجة فحال عليها الحول فإن كان الهالك ميزها قبل موته فلا زكاة فيها، وإن كان الورثة ميزوها بعد وفاة الرجل وتركوها حتى حال عليها الحول ففيها الزكاة لأنها بعد في أيديهم وهي مال لهم، فإن سلموها إلى رجل ليحج بها فحبسها حتى حال عليها الحول فوجبت فيها الزكاة فإنه يلزم الورثة أن يخرجوا منها الزكاة قيل أفليس قد صارت في ضمانه؟ قال: لأن هذه بعد في يده كالوديعة.
مسألة: (6/244)
صفحة 245
وإذا ميز الهالك دراهم الحجة فلا زكاة فيها فإن ميّزها الوصي أو الورثة ففيها اختلاف. قال بعض: فيها الزكاة، وقال بعض: لا زكاة فيها، والحجة له لو لم يبق ثلث يؤدي منه ما يخرج للزكاة لم يكن يخرج منها الزكاة وإن أخرج من الحجة زكاة ونقصت عن إنفاذ الحجة كما أوصى ولم يكن ثلث كان على الوصي ضمان ذلك، وإذا قبض الرجل الحجة ليحج بها فلا زكاة عليه فيها ولا على الورثة حتى يستحقها الآخذ لها ويحول معه حول منذ صارت له وهي مما تجب فيه الزكاة ثم عليه الزكاة. ومن أوصى بأربعمائة درهم حجة في ماله ثم هلك فباع الورثة من ماله بأربعمائة درهم ودفعوها إلى الوصي فأقرضها أو أقرضها ومكث سنين وهي مقترضة. (6/245)
صفحة 246
قال أبو معاوية: ما أقول إن فيها زكاة أذهبها المقترض أو لم يذهبها لأنها قد زالت عن الورثة وعن الميت وصارت في ضمان غيرهم، فإن أوصى بحجة لم يفرضها في ماله فتراضى الورثة أن يخرجوها أربعمائة درهم أو ثلاثمائة درهم فعلى ما سمعنا أن فيها الزكاة وأما أنا فلا أرى فيها زكاة، ولو أن رجلا أخذ حجة من قوم فأذهبها ولم يحج بها فمكث معه أحوالا كثيرة فلا أرى فيها زكاة، فإن أوصى بحجة وسمى بها أربعمائة في ماله فقسم الورثة المال وتركوا أرضا ونخلا من مال الهالك تساوي الأربعمائة وقبضوها فمكثت معهم شهرين أو نصف سنة ثم أخذها رجل يريد أن يحج بها فأذهبها أو لم يذهبها أو أذهب بعضها فلا زكاة فيها لأنها لم يحل حول معهم ولم يستحقوا الأخذ لها فتكون له فلا أرى فيها شيئا ولا أرى في الحجج التي يوصي بها زكاة ولو حالت أحوال لأني نظرت فيها فوجدتها لا تكون لأحد تلزمه الزكاة وإنما هي لله تعالى ولأسباب البر ولا شيء فيها، والدليل على ذلك أيضا أنهم قالوا إذا أوصى بشيء بعينه فلا زكاة فيه وإن أوصى في ماله مرسلا فباعوا وحال حول وهي مجتمعة فلا تخلو هذه الدراهم أن تكون للحجة فالحجة لا تجب فيها الزكاة أو تكون للورثة فلا زكاة فيها حتى يكون لكل واحد منهم مائتا درهم ويحول حول فعلمنا لله تعالى أن الحجج لله لا للعباد المتعبدين بالزكاة والله أعلم وإياه نسأل التوفيق. ومن غير الضياء وعن محمد بن محبوب رحمه الله وعن رجل هلك وأوصى للفقراء أو للأقربين بألف درهم وهم ممن تجب عليه الصدقة وأن الصدقة حلت في ماله قبل أن يقسم المال ولم يخرج الألف درهم قال: لا أرى في هذا الألف درهم زكاة إذا مات من قبل محل الوقت الذي عوّد يزكي فيه وإنما الزكاة فيما بقي من ماله من بعد الوصايا والدين.
الباب الخامس والعشرون: الزكاة في صدقات النساء وحليهن وأحكام ذلك (6/246)
صفحة 247
ومن تزوج صبية على صداق ألف درهم ولم يدخل بها فبلغت فرضيت وقد خلا للدارهم سنون فإن دخل بها فبلغت فكرهته فعليها الزكاة منذ استوجبت الصداق وخلا له معها سنة وإن رضيت به وكان عاجلا فهو كذلك أيضا وإن كان آجلا فلا زكاة فيه عليها إذا رضيت به لأنه زوجها، ومن تزوج امرأة من وليّها فلم يبلغها التزويج إلا بعد سنة فرضيت فإنما عليه الزكاة في يوم يبلغها وترضى ويخلو لها بعد الرضى سنة وكل ما كان من هذا الباب فهو مثله، ومن تزوج امرأة ولها عليه صداق دراهم وهي من أخذه على مقداره أو على غيره مقداره وقد حال حول منذ تزوج عليها فأرى عليها الصدقة على ما وصفت إذا كان صداقها مما تجب فيه الصدقة إذا كان زوجها مليا وإن كان معدماً فلا صدقة عليها فيه حتى يصير إليها وإنما يؤخذ منها الصدقة منه في وقت زكاتها فإن لم يكن تجري عليها الصدقة من قبل فلا صدقة عليها في ذلك حتى تقبضه ويحول عليها حول وهو في ملكها فإن كان الزوج غائبا وله وكيل أو لا وكيل له فإنا نرى أن تؤخذ الصدقة منها هي إلا أن تطلب صداقها إلى الحاكم ويكون قد قطع البحر حيث لا تناله حجة المسلمين ويصح صداقها عليه بشاهدي عدل ويستحلفها الحاكم فإنه يأمر بدفعه إليها من مال زوجها ويستثنى له حجته وإن كرهت أن تدفع زكاة هذا الصداق إلا من ماله كان لها ذلك وتطرح الزكاة من صداقها هذا، وإن كان صداق أجل لامرأة على زوج لها مفقود إذا اعتدت منه وأماته المسلمون وقسم ماله بعد أربع سنين فإذا حال عليه حول من ذلك الوقت وجبت فيه الصدقة إذا كانت تبلغ فيه، وإذا كان لامرأة على زوجها مهر دراهم عاجل وآجل ولم تكن قبضت والرجل موسر فإن كان من حقها على قدرة الأخذ أدت زكاته وإن لم يسمّ عاجلا ولا آجلا فقد قِيلَ: إنَّه عاجل ونحب أن يكون لها سنة أهل بلدها إذا كانت السُّنة واحدة. (6/247)
صفحة 248
ومن تزوج امرأة على ألف درهم أقل أو أكثر وقال لها هي حالة إذا بدا لها أخذتها فلما هلك طلبت حقها واقتضت به أصلا وطلب المزكي الزكاة فما أرى زكاة ذلك إن شاءت أعطت وإن كرهت لم تجبر، وإذا كان مع المرأة حلي تزكيه ولها أصل وعليها دين فباعت من مالها تريد قضاء دينها وتنتفع بالفضل وحلّ زكاة حليها لم تقض الدين وإذا كانت تريد أن تقضي دينها مما باعت من مالها في عامها هذا طرح عنها دينها وأخذت منها الزكاة مما بقي من ثمن ماله يحمل على حليها، وإذا كان على امرأة صوغ تبلغ فيه الزكاة وعلى زوجها دين بقدر صوغها فليس الدين الذي على زوجها بمزيل عنها وجوب الزكاة عليها.
مسألة:
وإذا كان على امرأة من قبل حليها ولها على رجل دين دينار ذهب قرضا والرجل من فقراء المسلمين فقالت الدينار الذي عليك لي هو لك من الزكاة بلا قبض فلا يبرأ من الزكاة ولا الرجل من الدين ولا غصبته في هذا وإن كان مسلما والحق حق في نفسه ولا تدفع الصدقة عن دين ولا يجزيها مغنم ولا يدفع بها مغرم، وإذا كان لامرأة حلي تلبسه من ذهب وفضة لزمها فيه الزكاة كل عام وفيها قول آخر لم يعمل به أصحابنا.
مسألة: (6/248)
صفحة 249
وإذا كان على امرأة حلي تجب عليها فيه الزكاة فلم تخرجها إلى أن ذهب الحلي ثم أقرت بوجوب الزكاة عليها وهي ضعيفة وليس في مالها سعة فإنه لا عذر لها في الزكاة وعليها إخراجها بما استطاعت فيما دون المسألة إلى الناس، وإن كانت لا تستطيع إخراج هذه الزكاة إلا بمسألة الناس. قال أبو الحواري: فيقول تستغفر ربها من ذلك وتدين بإخراج الزكاة متى قدرت على ذلك، قال: وقد قال بعض الفقهاء لا غرم على الجاهل في الزكاة إذا كان يأكلها جاهلا والله أعلم بالصواب. قال أبو عبد الله: وإذا ملك رجل امرأة على نقد أربعمائة درهم فحال الحول منذ ملكها ثم أبرأ لها نفسها وأبرأتها من الأربعمائة درهم فعليه زكاة مائتي درهم إذا كان يقدر على أداء حقها إليها لو طلبته إليه، وأما إن كان مفلسا فلا زكاة عليه، فإن كان عليه لها صداق آجل أربعمائة درهم ثم تزوج عليها ولم تطلب إليه الصداق حتى خلا سنون فعليها زكاة الأربعمائة في السنين التي خلت منذ تزوج عليها. وقال أبو محمد: أنا لا على هذه زكاة لأنها قِيلَ: إنَّه لها حال إن طلبته وإن لم تطلبه فهو بحاله وقد قيل في الآجل ثلاثة أقاويل، جاء عن أبي محمد أنه قال: إذا دخل بها حل الأجل وهو أعجبهم إليّ، وقال أبو بكر الموصلي: هو آجل بحاله ولو تزوج عليها لأن الله تعالى أحل له أن يتزوج، وقالَ آخَرون: إذا تزوج عليها حل لها الآجل. قال أبو عبد الله: فإن طلق التي تزوج عليها ولم تكن الأولى طلبت صداقها حتى طلب الآخرة فهو أحلّ بحاله ولا صدقة عليها فيه.
الباب السادس والعشرون: ما يؤخذ من نصارى العرب (6/249)
صفحة 250
ونصارى العرب يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين من الصدقة وهو الخمس ولا جزية عليهم ولا تجب الصدقة في أموالهم حتى تبلغ فيها كما تبلغ في أموال المسلمين من الورق ويحول معهم عليه حول منذ ملكوه، وكذلك قال من قال يهود العرب. وقال أبو عبد الله: لا يعلم في اليهود أحد من العرب إلا من دخل فيهم من العرب فمن قال منهم إنه من العرب فسبيله سبيل النصارى من العرب في نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم وعليهم الصدقة في أموالهم يؤخذ منهم الضعف مما يؤخذ من واحد من أهل الصلاة إذا كان ممن تجب عليه الزكاة وتجري الصدقة في نصارى العرب كما تجري على المسلمين ويضاعف الأخذ منهم وذلك أنه لا يجب على نصارى العرب زكاة فيما ملكوا من الذهب والفضة حتى تبلغ مال النصارى من ذلك مائتي درهم ويحول عليه حول وحتى يبلغ ماله من الذهب عشرين مثقالا ويحول عليه ثم يؤخذ منه من المائتي درهم عشرة دراهم ومن العشرين مثقالا مثقال، ولا يؤخذ من الزيادة شيء من الدراهم حتى تبلغ أربعين درهما ثم عليه في كل عشرين درهما درهم وعلى هذا تجري عليه الصدقة، وكذلك لا تجب عليه الصدقة في الحبوب والتمر حتى تبلغ ثلاثمائة صاع ثم يؤخذ منه الضعف مما يؤخذ من المسلمين ما سقت الأنهار من كل عشر مكاكيك مكوكين، ومن الزجر من كل عشرة مكاكيك مكوك، ولا يؤخذ منه من الإبل والغنم والبقر شيء حتى تبلغ الإبل خمسا والبقر خمسا والغنم أربعين ثم يحول عليها حول ثم عليه في الإبل شاتان وفي البقر شاتان وفي الأربعين من الغنم شاتان وفي الإبل ثم تجري عليهم الصدقة مجراها على المسلمين على أنه يضاعف الأخذ منهم، ويحمل على نصراني العرب ابنه الذي في حجره كما يحمل على المسلمين ويؤخذ من أموالهم الأصلية والذي يشترونها من المسلمين الضعف كلها سواء، وليس في أموال النصارى من غير العرب الأصلية زكاة إلا ما اشتروه من المسلمين فإنه يؤخذ منهم الصدقة على قدر ما يؤخذ من المسلمين إذا بلغت فيه الصدقة وأما (6/250)
صفحة 251
ما لا يعلم أنه صار إليهم من المسلمين مما يجري فيه ملك المسلمين فلا يؤخذ منه زكاة وما ورثوه من الآباء فهو في الأصل معروف إنه زال إلى آبائهم من أيدي المسلمين فذلك تجري فيه الصدقة كما تجري على المسلمين وكذلك ما صار إليهم من المواشي من أيدي المسلمين مما قد ملكوه ففيه الصدقة، ولو اشترى النصراني بقرة من مسلم ثم تناجبت حتى صارت خمسا أو أربعا فإن الصدقة تؤخذ منه على قدر ما تؤخذ من المسلمين على عدل ذلك.
مسألة:
وإذا شارك رجل مسلم نصرانيا عربيا في زراعة في أرض النصراني على الزجر فأصابا جميعا ثلاثمائة صاع لكل واحد منهما مائة وخمسون صاعا فإنه يؤخذ من المسلم من كل عشرين صاعا صاع، ومن النصراني من كل عشرة أصواع صاع ويحمل عمالهما عليهما في تلك الزراعة ويؤخذ من حصتهم كما يؤخذ من المسلمين فإن كان عمال هذا النصراني العربي نصرانيين عربيا أخذ من حصتهم الضعف ما يؤخذ منه، وإن كان عماله من غير العرب وكانت هذه الأرض من أرض النصراني الأصلية التي لم يجر عليها ملك المسلمين فلا يؤخذ من هذا النصراني من عمله صدقة وإن كانت من الأرض التي صارت إلى النصارى مما قد ملكه المسلمون أخذ من عمله من كل عشرين مكوكا مكوك إن كان على الزجر وإن كان فيه على النهر فمن عشرة مكايك مكوك، ولا تضاعف الصدقة عليه إذا لم تبلغ زراعتهما تلك ثلاثمائة صاع لم يؤخذ منها شيء إلا أن تكون لهما زراعة من غير تلك الزراعة توجب عليهما الصدقة فتؤخذ منهما ويحمل عمالهما عليهما فيؤخذ من حصة العمال بقدر ما يلزمهم من الصدقة فإن كان لأحدهما زراعة يؤخذ عليها الصدقة أخذت منه الصدقة وأخذ من نصف عمل العامل الذي ينوبه من قبل المسلمين بقدر ماله في الزراعة وكانوا له تبعا بقدر حصصهم.
مسألة: (6/251)
صفحة 252
وإذا شارك المسلم نصرانيا ليس هو من العرب في أرض النصراني من ماله الأصل الذي لا صدقة عليه فيه فتبلغ جملة الزراعة ثلاثمائة صاع فيكون للمسلم مائة وخمسون صاعا سواء فإنه يؤخذ من المسلم الصدقة من حصته إذا بلغ في جملته ثلاثمائة صاع ولا يؤخذ من النصراني شيء وكذلك العمال تؤخذ من حصصهم الصدقة. وكذلك الصافية إذا بلغت زراعتها ثلاثمائة صاع أخذ من عمالها الصدقة من حصصهم، ولا جزية على نصارى العرب وإنما عليهم الصدقة إذا ما كان لهم مال تجب فيه الصدقة فيؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من مال المصلي، والعرب لم يكن فيهم نصارى ولكن هؤلاء الذين هم نصارى من العرب كانوا قد دخلوا في النصرانية فمن هنالك ضعفت عليهم الصدقة ولا جزية عليهم، ونصارى العرب يرفع لهم المسلمون الديون التي عليهم من الزكاة التي تجب عليهم مثل ما يرفع لأهل الصلاة وثلث أموال النصارى العرب يفرق في فقراء أهل الصلاة وكذلك صدقة الأموال التي اشتراها أهل الذمة من أهل الصلاة لا حق لفقراء أهل الذمة في ثلثها وإنما هي لفقراء أهل الصلاة، ومن عمل من أهل الذمة شيئا في أموال أهل الصلاة أو في أموال نصارى العرب فلا زكاة على من عمل منهم في حصته من العمل النصارى العرب وإنما عليهم الجزية، وتؤخذ الصدقة من حصة أهل الصلاة ويحمل عليه العامل إلا أن يكون هذا المال الذي لنصارى العرب اشتروه من أموال أهل الصلاة فإن على عمالهم الصدقة فيه إذا بلغت الصدقة في ثمرته وما كان بعمان مال من نخل وأرض لأهل الذمة في ثمرتها الصدقة كانت أصلا لهم أو اشتروها من المسلمين وقد كان هو موداد المجوسي ذكر أنه قيل له أن ليس عليه صدقة فيما يصيب من زراعته من فلج الصافية فرأى أبو عبد الله عليه الصدقة، ومن غير الضياء وعن العرب إذا اشتروا أرض نصارى بني تغلب قال عليهم في ملك الأرض الخمس لأنها أرض خراج. (6/252)
صفحة 253
الباب السابع والعشرون: ما يؤخذ من أموال أهل الحرب من المشركين إذا قدموا بها إلى بلاد المسلمين وأحكام ذلك
بلغنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله لما حضره الموت والمسلمون يبكون حوله قال لهم فيما بلغنا: ما يبكيكم؟ قالوا: نخاف بعدك الفتنة. قال لهم: قد سنّت لكم السّنن وفرضت لكم الفرائض، وقد تركتكم على الواضح من المحجة فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالاً، وكان مما أثر عمر بن الخطاب رحمه الله وأخذ به عنه ما قاله في أموال العجم من المشركين أنها إذا قدمت إلى أرض المسلمين كان للمسلمين أن يأخذوا منها كما يأخذون هم من أموال المسلمين إذا قدموا إلى بلادهم، وإذا قدم من بلاد العجم رجل مشرك بمال فلبث في أرض المسلمين سنين فإنه يؤخذ منه الزكاة كما يأخذون هم من أموال من أتاهم من المسلمين، وكذلك إذا قدم الملك أخذت منه الزكاة كما يأخذون هم فإن لم يصح مع المصدق كم يأخذون هم في بلادهم ممن أتاهم من المسلمين فلا يأخذ شيئا إلا أن يصح معه هو بشاهدي عدل أو بإقرار صاحب المال كم يأخذون هم ممن أتاهم من المسلمين ثم يؤخذ منهم كذلك. (6/253)
صفحة 254
قال أبو عبد الله: وهذا ما روي عن عمر بن الخطاب رحمه الله أن المسلمين يأخذون من أموال أهل الشرك من العجم إذا قدمت عليهم مثل ما يأخذون هم ممن أتاهم من المسلمين من أموالهم قال: ولولا الأثر لكان أصل هذا جوراً ،وإذا قدم تاجر من أهل الشرك بفلفل فلما صارت السفينة في مكالى عمان أراد المضي إلى سيراف ولم يحل بعمان فإنما يؤخذ منهم مثل ما يأخذ ملكهم ممن يقدم إليهم إذا حلوا، فأما إذا لم يحلوا وهم في البحر بعد في سفرهم ويريدون المضي إلى سيرفا فلا يؤخذ منهم شيء بعمان، ولو قدم حربي بمال ثم أسلم لم يؤخذ منه شيء حتى يحول على ماله حول منذ أسلم ويؤخذ من جميع ما يقدم به الحربيّ من طعام وعبيد ومتاع وطرف السفينة تقوم ويؤخذ مثل ما يأخذون، وإن قدم مال الحربي إلى أرض من أرض الإسلام مثل عدن أو غيرها فأخذوا منهم ثم قدم بذلك المال إلى عمان فينظر فإن كان إذا قدم مال المسلمين من أرض الحرب أخذ منهم كل ملك معه فأحب أن يؤخذ منهم كذلك، وإن كانوا إنما يأخذون مرة واحدة يتولى الأخذ منهم منها قائم معروف لم يؤخذ منهم إلا كذلك، وكذلك إن غصب لهم مال فصار بعمان أو نفرت لهم دواب فإن كان كل مال عثروا عليه لأهل الإسلام رأوا الأخذ منهم أخذ منهم كمثل ما أخذوا، وإنما جاء الأثر فيهم أن يأخذ المسلمون من أموالهم إذا قدمت إليهم كما يأخذون هم من المسلمين، والمعنى في ذلك إلى ما يأخذ ملكهم وسلطانهم لا ما يأخذ أهل الغصب والسرق من عوامهم، وكان أبو مروان يقول: لا يؤخذ منهم في أقل من عشرين درهما درهم، ولعل ذلك كان هو المعروف من أخذهم وما كان أقل من ذلك فكأنه على التعدي ممن فعله منهم، ويؤخذ في الآثار أنهم لو أخذوا من درهمين درهما لأخذناهم كذلك، وإن زال ملكهم وقدم لهم مال في الوقت الذي لم يكن لهم ملك فأحب أن يؤخذ من ذلك المال على ما كان يأخذ سلطانهم من قبل، وإن قدم مال المشرك الحربي وليس بعمان إمام عدل يأخذ منهم فإن كانوا هم إذا قدم (6/254)
صفحة 255
مال المسلمين إلى بلدهم أخذوا منه ولو لم يكن معهم سلطان، فإن تولى الأخذ منهم أحد من المسلمين المقتدى بهم في المصر الذي يقدمون إليه من عمان إذا لم يكن إمام وجعل ما يأخذ منهم في فقراء المسلمين أو عزّ الدولة والإسلام فحسن إن شاء الله واسأل عن ذلك، وكذلك عندي في الجزية من أهل الذمة من عمان إذا لم يكن سلطان، ومن كان في أرض الحرب من المشركين ومن المرتدين عن الإسلام وأهل الذمة إذا رجعوا ووصل لهم مال أو غيرها من قرى الإسلام تريد مصراً آخر من أمصار قرى أهل الإسلام فأحب أن يرجع في هذا المكان إلى فعلهم، فإن كانوا يأخذون من كل مال أدركوه من أهل الإسلام ولو لم ينزل به عندهم أخذ المسلمون من هذه السفينة كما يأخذون وإن كانوا لا يعارضون إلا من نزل بماله عندهم فكذلك نحب أيضا أن يفعل بهم، وإذا أخذ من مال الحربي ثم خرج إلى أرض الحرب ثم رجع أيضا بمال ولو مرارا في سنة فإنه كلما قدم بماله من أرض الحرب أخذ منه كما يأخذون، وإذا بقي ماله سنين في عمان بعد أن أخذ منه حيث قدم فلا يأخذ منه غير ذلك.
مسألة:
وإذا أخذ من الحربي أو أخذ من أهل الذمة الجزية أخذ من أهل الإسلام لم يرجع يؤخذ منهم في تلك السنة لأن ذمة المسلمين واحدة يسعى بذمتهم أدناهم فمن قام بالذمة منهم إذا كان عدلا ففعله ماضٍ.
الباب الثامن والعشرون: زكاة أموال أهل الصلاة الذين يختلفون بها في البحر (6/255)
صفحة 256
قال أبو عبد الله - رضي الله عنه - كان في جواب من أبي عبيدة وحاجب إلى الجلندى بن مسعود رحمه الله ذكرت أنكم تأخذون زكاة قوم يقدمون من البحر وبينكم وبينهم ثلاثة أيام أو يومان ولا تحمونهم، فاعلم أنا لا نحب أن يأخذوا منهم وأنتم لا تحمونهم، قال: وأنا أقول لا يؤخذ من أهل عدن زكاة إذا قدموا منها إلا من أحال منهم حولا بعمان بعد مقدمه أو يكون له وقت هاهنا معروف فيعطي لوقته، وكذلك من قدم من بلاد العرب، وأما من قدم من بلاد العجم كان من أهل العجم أو من أهل الصلاة فإنه يؤخذ منه الزكاة من حين قدم إذا باع متاعه، وأما ما لم يبع متاعه لم تؤخذ الزكاة منه حتى يبيع، فإن قدم ومعه ورق أو ذهب أو فضة فلا تؤخذ منه من الدنانير والدراهم شيء حتى يحول عليه حول منذ قدم إلا إن قال إنه قد حال عليه حول في زكاته أخذت منه الزكاة من الدراهم والدنانير، وأما الذهب والفضة فهو مثل الأمتعة إذا باع أخذت منه الزكاة من الثمن وإذا باع متاعه حمل على ثمنه الدنانير والدراهم التي قدم بها ولو لم يحل عليها حول.
مسألة: (6/256)
صفحة 257
واعلم أن الزكاة في أموال المسلمين التي يقدم بها من البحر مثل الزكاة في أموالهم المقيمة في البر ولم يحدث البحر لها وجها يحول فيها عن أوقاتها ولا تزيد فيه ولا تنقص عما فرض الله فيها إلا أن هذه الأموال التي يقدم بها إلى عمان من أرض الشرك اختلف فيها، فمن ذلك حين يقدم إلى أرض عمان من بلاد أهل الحرب من المشركين فرأى المسلمون أن يأخذوا منها إذا وصلت أموال أهل الحرب من المشركين إلى أهل الإسلام مثل ما أخذ سلطان أهل الحرب من أموال المسلمين إذا وصلت إليهم إلى أرض الحرب، ويرى قوم آخرون من أهل العراق وغيرها من بلاد الإسلام أنه إذا خرجت من أرض المشركين مع أهل الحرب ثم قدموا بأموالهم إلى بلاد أهل الإسلام فنزلوا بأموالهم في عمان ثم مضوا إلى العراق وفارس فلم ير المسلمون أن يأخذوا من أموالهم زكاة ولو كانت واجبة في أموالهم وذلك إذا لم يحموهم من حيث خرجوا ولا في البلاد التي إليها انتهوا وهو الرأي عندهم لأنهم يأخذون زكاة من لم يحموهم ثم رأى بعد ذلك رأيا وأصبح هو المعمول به عندهم أنه إن أقامت أموال هؤلاء الغرباء في عمان سنة أخذت منها الزكاة وكذلك إن قبلوا أموالهم لتجارة في عمان فباعوها واشتروا بها غيرها من حين ما قدموا أخذوا منهم الزكاة، فإن قدموا إلى عمان بأموال من ذهب وفضة وغير ذلك وأقروا أنه قد خلا لأموالهم هذه سنون لم يخرجوا منا زكاة وهم غرباء ولم يبيعوها فرأى المسلمون أنهم بالخيار فإن دفعوا إليهم زكاتهم برأيهم قبلوها منهم وإن لم يدفعوها بطيبة من أنفسهم لم يجبروهم عليها، وأما أهل عمان فمن خرج منهم بمال للتجارة أو غيرها فأقام بماله سنين في أرض الشرك أو غير أرض الشرك ثم قدم بماله ذلك إلى عمان ولم يكن أدى زكاته فإنهم يأخذون منه بعمان الزكاة للسنين التي لم يؤد الزكاة فيها جميعا، وكان محمد بن محبوب قد قال في رجل قدم إلى عمان بمال من أرض الشرك ثم باعه وأخذت زكاته ثم رجع إلى أرض الشرك أيضا وعاد (6/257)
صفحة 258
بماله إلى أرض عمان في أربعة أشهر فقال: كلما بلغ بماله هذا إلى أرض الشرك ثم عاد به إلى أرض الإسلام أخذت منه الزكاة فحفظنا عن سليمان بن الحكم أنه لا زكاة عليه في كل سنة إلا مرة ولو بلغ به مرارا إلى أرض الشرك فوافق محمد بن محبوب وأما كل أموال قدم بها أهلها إلى عمان في تجارة أو غيرها من أرض الإسلام مثل العراق وفارس وعدن والدردنيل فإن كان أصحاب هذه الأموال من أهل عمان فهي مثل أموالهم التي في البر من عمان وإنما تجب فيها في كل سنة وإن كانوا غرباء فقدموا إلى عمان بتجاراتهم هذه متاعا من بعض بلاد أهل الإسلام فباعوا متاعهم هذا وتجروا به في عمان لم يؤخذ منهم زكاة حتى يحول على مالهم هذا سنة وهو بعمان وإنما ذلك لم يكن سلطانهم إلا بعمان ولم يبلغ سلطانهم إلى العراق والشام والحجاز، وكان أهل هذه المواضع كلها مثل عمان ولم يكن فيهم غريب.
مسألة: (6/258)
صفحة 259
وأول ما يعمل به صاحب الساحل بصحار الذي يأخذ زكاة من قدم من البحر أنه إذا سمع بسفينة قد أقبلت وجّه أميناً له من عنده وكان فيها وحفظها ولا يجد فيها رقيق ولا متاع لأحد إلا كتبه عنده وكتب مال كل رجل في رقعة باسمه وأعطاها صاحب القارب وأمره أن يذهب بها إلى صاحب الساحل حيث كان فيعطيه الرقعة ويكتب ما فيها عنده وإن كان صاحب المتاع عربيا أخذ عليه كفيلا بنفسه إلى أن يبيع ويرده إليه الكفيل حتى يتخلص فإن باع أخذ زكاته وإن حمل متاعه جاء به إلى صاحب الساحل حتى يراه ويدخله البحر بين يديه وكنت أرى على صاحب هذا المتاع مشقة شديدة لأنه ربما كان منزله بعوتب فيحمل ماله ونفسه على الخطر وربما كان في موج شديد حتى يذهب به إلى صاحب الساحل وهو بالعسكر أو حيث كان ثم يرجع من هنالك إلى منزله وربما كان غريبا ولا يقدر على كفيل فيبقى هو ومتاعه محبوسا حتى يجئ بكفيل فأوحشني ذلك فسألت عنه سليمان بن الحكم وكان ذلك رأيه، قلت: فإن لم يقدر هذا الغريب على كفيل قال يحبسه الوالي بين يديه ويطلب إليه فإن لم يقدر بعد ذلك على كفيل كتب اسمه وودعه ولعله كان في قول أبي مروان لولا ذلك لضاعت الزكاة وهو قريب مما قال لأنه لو انحدر أصحاب السفن إلى الأرض واختلط بعضهم ببعض وهم خلائق من الناس غرباء من كان يعرف أموالهم أو يعرفهم فيردّهم إلى الوالي والله نسأله التوفيق للحق وما فيه السلامة، وكلما باع صاحب هذا المتاع الذي يقدم به من بلاد الشرك إذا كان غريبا فمنذ يدخل حدود عمان أخذت منه الزكاة مما يبيع في السواحل إلى أن يصل إذا كان عنده ما تجب فيه الصدقة.
الباب التاسع والعشرون: صدقة الإبل (6/259)
صفحة 260
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» والذود: خمس من الإبل، وأجمع أهل العلم على ذلك، يقال: أفرضت الإبل إذا وجبت فيها الفريضة، واختلف أصحابنا في العوامل وغير العوامل من الإبل والبقر السائمة وغير السائمة من البقر هل تجب الزكاة في جميعه أو في بعضه دون بعض، فقال بعضهم: لا تجب الزكاة إلا في السائمة وهي التي ترعى، وقال بعضهم: إذا كان في عملها الزكاة فلا زكاة فيها وإن لم تجب فيما تعمل الزكاة ففيها الزكاة إذا كان عدد تجب في مثله الزكاة، وقالَ آخَرون: تجب الزكاة في العوامل وغير العوامل مما تكون في عمله الزكاة إذا كانت سائمة لا فرق عند هؤلاء في ذلك، وتعلقوا بظاهر الخبر وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «في خمس من الإبل شاة، وفي خمس من البقر شاة، وفي الأربعين شاة شاة» (1) فهذا يحتمل أن يكون المراد به ما وقع عليه الاسم مما حمل من التأويل والتخصيص والنظر يوجب عند أن الزكاة تجب فيما وقع عليه اسم الإجماع من وجوب الزكاة في السائمة، وأما ما اقتنى واستعمل فلا أرى الزكاة فيه واجبة، والله أعلم، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يوجب في الكسعة صدقة، والكسعة هي العوامل من الإبل والبقر والحمير، وإنما سمّيت الكسعة لأنها تكسع أي تضرب، والكسع أن يضرب الضرع باليد بعد أن ينضح بالماء البارد ليصعد اللبن، وفي الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لاَ صَدَقَةَ فِي الإِبِلِ الْجَارَّةِ» (2) التي تجر بأزمتها، والله أعلم، وسمّيت جارة في معنى مجرورة كما يقال: سر كاتم وأرض غامر إذا غمرها الماء مفعولة بمعنى فاعلة.
فصل: في أسنان الإبل:
__________
(1) حديث: */ ذكره ابن بركة في الجامع، */
(2) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظ قريب، باب (57) ما عفي عن زكاته، ر338. (6/260)
صفحة 261
ابن مخاض لسنة، ابن لبون لسنتين، وحق لثلاث، وجذع لأربع، والثني لخمس، والرباع لست والسدس لسبع، والبازل لثمان، والمخلف لتسع وليس له بعد الأخلاف سن ولكن يقال بازل عام وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين، وكذلك ما زاد، وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله ليس في الإبل العوامل ولا الإبل القطار ولا القتوية صدقة، والقتوية التي يوضع على ظهرها الأقباب كما يقال زكاة القوم وحلوبة القوم وإنما أراد الصدقة في السوائم وهي التي ترعى والله أعلم.
مسألة:
الصدقة في الإبل واجبة إذا بلغت نصابا سائمة كانت أو غير سائمة، والنصاب هو الأصل الذي يلزم أول الفريضة لما روي عن علي بن أبي طالب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وفي الغنم من أربعين شاة شاة، فإن لم يكن إلا تسعة وثلاثين فليس فيها شيء» (1) ، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الأربعين شاة شاة» (2) ولم يخص سائمة من غيرها فالمسقط للصدقة من غير السائمة محتاج إلى دليل وذكر السائمة في الرواية لا ينفي وجوب الصدقة في غير السائمة لأن الأخذ بالخبرين بما فيهما من الزيادة أولى من إسقاط أحدهما.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) سبق تخريجه في حديث: «في خمس من الإبل شاة...». (6/261)
صفحة 262
إذا بلغت الإبل خمسا وحال عليها حول ففيها شاة وسط، وإن نقصت عن الخمس فلا زكاة فيها، وإن زادت على خمس فلا زكاة في زيادتها، فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمس عشرة ثم فيها ثلاث شياه ثم لا شيء فيما زادت حتى تبلغ عشرين ثم فيها أربع شياه، فإذا بلغت الإبل خمسا وعشرين انتقلت من الغنم إلى أسنان الإبل وكان حينئذ على من ملك خمسا وعشرين من الإبل في وقت ثم حال عليها في ذلك الوقت وهي في ملكه من الصدقة ابنة مخاض من الإبل فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ الإبل ستاً وثلاثين ثم فيها ابنة لبون ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ الإبل ستا وأربعين ثم فيها حقة طروقة الفحل ثم لا شيء فيما زاد منها حتى تبلغ الإبل إحدى وستين ثم فيها جذعة وليس فيها جذعة إلا في هذا المكان ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستا وسبعين ثم فيها ابنتا لبون ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وتسعين ثم فيها حقتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وعشرين ومائة ثم فيها ثلاث بنات لبون فإذا كان الإبل أكثر من ذلك فليس فيما لا يبلغ العشر منها شيء حتى تبلغ العشر ثم يأخذ المصدق على حساب ذلك فكلما زادت الإبل عشرا ففي الأربعين ابنة لبون وفي الخمسين حقة فعلى هذا قد حسب ومن أي هذين السنين شاء المصدق أخذ هذه الفرائض ومن أي سن أخذ المصدق فإن لرب المال أن يختار من ذلك السن بعيرا ثم يختار المصدق بعيرا فإن شاء المصدق باع الفريضة من ربها من قبل أن يقبضها إذا عرفها، وإن كان على صاحب الإبل جذعة فلم يجد في الإبل جذعة ووجد حقة فله أخذها ويرد صاحب الإبل على المصدق فضل الجذعة وكذلك إن وجد الجذعة ولم يجد الحقة أخذ الجذعة ورد على صاحب الإبل ما فضل له وما كان على هذا النحو فهو مثله، والذي نحب له أن يرد من الدراهم والغنم والعروض بالقيمة.
مسألة: (6/262)
صفحة 263
وإنما تجب الصدقة في الإبل على من ملك منها خمسا من الإبل إلى ما أكثر على ما فسرنا إذا حال عليها حول وهي في ملك صاحبها، وأما من ملك خمسا في وقت ثم زلن من ملكه قبل دخول ذلك الوقت فلا زكاة عليه.
مسألة:
والإبل التي تسقي الحرث يقال لها السوّاني وفيها الصدقة إذا كن خمسا أو أكثر وإن بلغ في زراعتهن الزكاة وإنما سمعنا الاختلاف، وفي البقر النواضح، وإذا كان عند رجل ضعيف أو غير ضعيف خمس من الإبل يكاري عليهن أو أكثر ففيهن الزكاة إذا حال عليهن الحول.
مسألة:
ولم يكن عندنا أن الإبل تصدع نصفين وأفتى موسى بن علي رحمه الله أنها تصدع نصفين كما تصدع الغنم ثم يختار ربّ المال واحدة ثم يختار الساعي واحدة، قال: وقد أجاز الفقهاء في صدقة الماشية ما لم يجيزوا في السلف أجازوا إذا وجبت للساعي حقة أن يأخذ من غيرها من سن دون الحقة ويأخذ بفضله من الحقة ويرد على ربّ المال فضل الحقة دراهم أو غنما بالقيمة، وإنما يجوز في السلف أن يأخذ فوق الحقة في الثمن إذا كان شرطه حقة ويعطي المسلف منه فضل الحقة دراهم بالقيمة وليس له أن يأخذ دون الحقة ويزداد هو دراهم بالفضل وكذلك في الثياب لأنه إنما اشترى الفضل على حقة وليس له أن يأخذ دراهم بما يبقى له من الفضل عن سلفه.
مسألة: (6/263)
صفحة 264
اختلف أصحابنا في العوامل من الإبل والبقر وما اقتنى في البيوت من الغنم فقال بعضهم: الزكاة في جميع ذلك إذا بلغ كل جنس منها نصابا لعوم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «في الأربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة»، ولم يوجب بعضهم الزكاة في العوامل لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَفِي خَمْسٍ (مِنَ) الإِبِلِ زَكَاةٌ» (1) ، وهذا يوجب صحة الرواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فِي القَتُوبَةِ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِي الإِبِلِ الْجَارَّةِ صَدَقَةٌ» (2) والقتوبة التي على ظهرها الأقتاب، والجارة التي تجر بأزمتها، وعندي والله أعلم أن ذكر السائمة تسقط الزكاة في غير السائمة لأن أحد الخبرين بيان عن الآخر وأحد الخبرين حفظ فيه الراوي زيادة لفظه لم يحفظها الآخر ولم نحب إسقاط الزيادة لأن فيها معنى ليس في الخبر الآخر وهكذا يعمل في سائر الأخبار نحو هذا، وروي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين» (3) وروي من طريق ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فليقطعهما من أسفل الكعبين» (4) وكلا الخبرين يرجعان إلى خبر واحد؛ لأنه بيان عما يلبس المحرم عند عدم النعلين.
__________
(1) رواه البخاري، عن أنس بمعناه، باب زكاة الغنم، 1386، 2/527. وأبو داود، مثله، باب في زكاة السائمة، ر1567، 2/97.
(2) لم نجد من خرَّج الشطر الأول، أَمَّا الشطر الثاني فرواه الربيع، عن ابن عباس بلفظ قريب، باب (57) ما عفي عن زكاته، ر338.
(3) حديث: */
(4) حديث: */ (6/264)
صفحة 265
ومن أوجب في العوامل الزكاة فلابد من ترك أحد الخبرين، فإن قال قائل فإن زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي الناس على السوائم فخرج كلامه - صلى الله عليه وسلم - على ما يعرفه الناس بينهم، قيل له: لو كان هذا الخبر لازما كان عليك مثله فيما قال على كل حر وعبد من المسلمين أن هذا الشرط دخوله وخروجه سواء فخرج كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يتعارفونه لأن أكثر عبيد أهل المدينة كانوا يومئذ في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلمين فيجب أن يوجب في المشركين من العبيد الزكاة.
مسألة:
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد عفي لكم عن صدقة الخيل»، «الخيلُ مَعقُودٌ في نَواصِيهَا الْخَير» (1) فقال قوم: هذا عموم، وقالَ آخَرون: إذا لم يكن للتجارة، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «الخيل معقود في نواصيها الخير» قيل معنى الخير: الغنيمة والآخر مثله.
مسألة:
قال أبو عمرو مكرر الوقص ما بين الفريضتين وكذلك الشنق وجمعه أوقاص وأشناق، وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة والأشناق في الإبل خاصة وهما جميعا ما بين الفريضتين.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري، عن عروة البارقي وابن عمر بلفظه، باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ر2694، 2697... 3/1047. ومسلم مثله، باب إثم مانع الزكاة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ر1871-1872، 3/1493. (6/265)
صفحة 266
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ» (1) ، وعن ابن عباس أنه قال: كل ما عمل على ظهره وانتفع به ولا يصاب من نتاجه فلا صدقة فيه، وقد خالف مخالف في صدقة الخيل والحمير وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قد عفوت لكم عن زكاة الخيل»، وقال: «قد عفي لأمتي عن زكاة الخيل»، وقال: «الخيل معقود في نواصيها الخير»، ولم يتفق الناس على وجوب ذلك، وقيل: إنه سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الجملة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره...} (2) وزكاة الخيل فقال ساق الخيل في الزكاة ولم يبيّن حق الله في ظهورها ولا في رقابها والله أعلم، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الإبل فقال: «فَإنَّها جِنٌّ مِن جِنّ خُلقَت» (3) .
مسألة:
ومن له خمسة وعشرون بعيرا وللناس معه فإنها تحسب مجتمعة ويتحاصصون في الفريضة ولا يكون عليه فريضة في ماله ثم يكون على الآخرين في أموالهم، ولا نرى ذلك لأنه جاء في الأثر: أنه « لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ»» (4) .
مسألة:
__________
(1) رواه الترمذي، باب ما جاء في زكاة الخضروات، عن معاذ، وقال: إسناد هذا الحديث لا يصح، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة مرسلا. ر638، 3/30. وابن أبي شيبة، عن ابن عمر بلفظه، ر10035، 2/372.
(2) سورة
(3) رواه الشافعي في المسند، عن عبد الله بن معقل أو مفضل بلفظه من حديث طويل، كتاب الصلاة، الباب الرابع في المساجد، ر199، 1/67، والبيهقي، عن عبد الله بن المغفل مثله، كتاب صلاة، باب ذكر المعنى في كراهية الصلاة في أحد هذه الموضعين دون الآخر، 2/449.
(4) رواه البخاري، عن أنس عن أبي بكر بلفظه، باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، ر1382، 2/526. وأبو داود، عن عمر بلفظه، باب في زكاة السائمة، ر1579، 2/99. (6/266)
صفحة 267
والفصيل من الإبل لا يدخل في الصدقات الواجبات وهو الذي يفصل عن أمه بعد حوله فأما إذا دخل في الحول الثاني فإنه يكون ابن مخاض والأنثى ابنة مخاض، ويدخل هذا السنّ في فرائضه الصدقة وما بعده من الأسنان وأما ما هو دونه فلا وليس في الصدقة فوق الجذعة شيء، والحقة من الإبل وهي الحامل وهي مما نهى عن أخذه في الصدقة وتسمى أيضا عشرا، وقد دخلت في النهي عن أخذها إلا أن يشأ رب المال أن يدفعها في الصدقة وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أخذ كرائم الأموال إلا أن يشأ ربها.
الباب الثلاثون: في صدقة البقر
والبقر في الصدقة بمنزلة الإبل يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل ما كان منها أقل من خمس فلا صدقة فيه، فإذا بلغت خمسا وحال عليها حول عند ربها كان عليه شاة ثم لا شيء فيما زاد حتى تبلغ عشرا ثم فيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمس عشرة ثم فيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها إلى عشرين ثم فيها أربع شياه، ثم لا شيء في زيادتها إلى خمس وعشرين ثم تحول إلى أسنان البقر، فتكون في الخمس وعشرين بقرة جذعة وهي سن ابنة مخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ثنية وهي أسن من ابنة لبون، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها بقرة رباعية وهي سن الحقة من الإبل، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها سدس سن الجذعة من الإبل، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ثنيتان من البقر ثم تجري على مجرى صدقة الإبل، والإبل والبقر العوامل والطواحن والزواجر فيهن الصدقة على مثل هذا.
فصل: في أسنان البقر:
تبيع لسنة، وجذع لسنتين، وثني لثلاث، ورباع لأربع، وسدس لخمس، وضالع لست: وهو أقصى أسنانه، ويقال ضالع سنة وضالع لسنتين، وكذلك ما زاد.
مسألة: (6/267)
صفحة 268
ومن كان معه تسع بقرات ونتجت له بقرة في يوم حوله أو في شهر حوله فعليه شاتان ولا يطرح عنه صدقة المنتوجة، وقد قيل تحسب من السخالة ما قطع الوادي والذي يتوهّم أنه ما قطع الوادي راعيا وأقول: ما قطع الوادي، وإن لم يرع فإن لم يرسله أهله مع الغنم والبقر والإبل فإذا كان يجد ما يقطع الوادي عدّ في أمهاته وأخذ منهن جميعا وهذا في الغنم، والبقر تسقي الحرث يقال: لها النواضح وقد قيل إذا بلغ فيما يحرثن الزكاة فلا صدقة فيهن ولو لم تبلغ فيهن الصدقة وقيل فيهن الصدقة على حال إذا بلغت الزكاة فيما حرثن أولا وإن بلغ فيما يحرثن من الثمرة الزكاة وهو القول عليه عامة الفقهاء. ومن كان له أربع بقرات وله حصة في بقرة أخرى بينه وبين شريك له فإنه يحمل عليه البقرة التي بينه وبين شريكه ويؤخذ منه الفريضة ويسقط عنه بقدر رخصة شريكه ويلزم شريكه ما سقط عنه ولو كانت الحصة وجب له من قبل علف علفها له وغير ذلك من الإجارات، ذكر أبو الوليد عن أبي بكر الموصلي قال: « لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» قال المجتمع: هو المشاع والمتفرق هو المقسوم وليس يجتمع غير المشاع وإن جمعه المريض والحلب، والجواميس ملحقة بالبقر في الزكاة وزعم أناس أن الجواميس ضأن البقر والبقر ضأن أيضا، وكذلك سمّوا بقر الوحش نعاجا كأنه إنما اتبع اتفاق الأسماء، ومن كان له بقر في مرعى لا يقدر على أحدها فلا زكاة عليه فيها لأنها بمنزلة مال لا يعرف مكانه.
الباب الحادي والثلاثون: في صدقة الغنم (6/268)
صفحة 269
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سائمة الرجل إذا لم تتم أربعين فلا شيء فيها، وروي عن علي فيما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا لم تكن إلا تسعا وثلاثين فليس فيها شيء» وفي الأربعين شاة، وصدقة الغنم واجبة بالسنة في الأربعين من الغنم إذا حال عليها حول عند صاحبها ففيها شاة، وأجمع أهل العلم أن لا صدقة فيما دون الأربعين، وأجمعوا على أن في الأربعين شاة شاة، والموجود عن عبد الله بن عمر قال: أعيد إلى عمر كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصدقة قال: ليس فيما دون الأربعين شاة صدقة، فإذا بلغت الأربعين وحال عليها حول ففيها شاة وسط، ثم لا صدقة في زيادتها إلى إحدى وعشرين ومائة ثم فيها شاتان ثم لا شيء في زيادتها إلى مائتي وواحدة ثم فيها ثلاث شياه، ثم لا شيء فيما زاد بعد ذلك حتى تصير أربعمائة ثم فيها أربع شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ زيادتها مائة مائة ثم في كل مائة شاة، وقال أبو الحسن: إذا زادت على مائتي شاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة وإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة شاة، فهذا ما جاء به الخبر، وقال به أهل البصرة، ومن كان له عشرون ومائة شاة ونتجت له سخلة ليلة آوى المصدق فما نقول إن بتلك تتم الصدقة، وأما من كان إنما تتم صدقة بالسخال فقيل إذا قطعت الوادي راعية دخلت في العدد وتمت بها الصدقة.
مسألة:
ومن اشترى غنماً للتجارة فحال عليها الحول وهي مما تجب فيه الزكاة ففي زكاتها اختلاف بين أصحابنا. قَال قَوم: إذا حلت فيها الزكاة أخرج منها من الغنم ما وجب فيها، وقَال قَوم: يخرج من قيمتها دراهم ثم يخرج منها زكاتها أيضا من الغنم.
مسألة: (6/269)
صفحة 270
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أخذ كرائم الأموال إلا أن يشأ ربها، وعن أخذ الغزيرة لغزارة لبنها، وعن أخذ الرباء وهي التي وضعت قريبة عهد بالولادة، وعن الأكولة وهي التي تسمن للأكل، وعن تيس الغنم كل هذا إلا أن يشأ رب المال تسليمه، والذي لا يؤخذ على كل حال المريضة وذات العوار، وعن عمر أنه قال: تعد الصغار ولا تؤخذ الأكولة ولا الرباء ولا الماحض ولا فحل الغنم، ويأخذ الجذعة، والرباء هي التي تربي ولدها، والماحض الحامل، والأكولة المسمنة، ويدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إِيَّاكَ وَكَرَائِم الأَمْوَالِ» (1) وقد قيل: لا يؤخذ فحل الغنم، وما أعطى من صدقة الغنم من الذكور والإناث بمنزلة واحدة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الأربعين شاة» وهذا اسم يشتمل على الذكور والإناث لأن الذكر منه في الوقت الغالب هو قيمة الأنثى. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لاَ تُؤخَذُ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ» (2) وفي قول أبي بكر: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للساعي: «عدّ عليهم السخال يروج بها الراعي» (3) ومن كان معه أربعون شاة فبقيت معه أحد عشر شهرا ثم باع واحدة فخلا شهر ثم اشترى واحدة فالصدقة عليه، ولو ذهبت كلها ثم اشترى غيرها فلا صدقة عليه. ابن محبوب.
__________
(1) رواه البخاري عن ابن عباس بلفظ قريب من حديث معاذ الطويل، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء، ر1425، ر4090، 2/544، 4/1580. ومسلم، مثله، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ر19، 1/50.
(2) رواه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا بمعناه، كتاب الزكاة، باب (56) ما لا يؤخذ فِي الزكاة، ر335. وأبو داود عن علي بلفظ قريب من حديث طويل، كتاب الزكاة، ر1574.
(3) حديث: */ (6/270)
صفحة 271
فصل: في أسنان الغنم: الحمل والخروف لسنة، والجذع لسنتين، والثني لثلاث، والرباع لأربع، والسدس لخمس، والضالع لست، وليس بعد الضالع سن.
الباب الثاني والثلاثون: في مسائل منثورة: في صدقة الإبل والبقر والغنم وتعجيلها وتصديق أربابها فيها، وأحكام الشركة فيها، وما يجوز لقابضها فيها من فعل، وما كان في معنى ذلك، وأحكام جميع ذلك، وحمل بعضها على بعض في الصدقة مشتركة وغير مشتركة وأحكام ذلك (6/271)
صفحة 272
الصدقة في الإبل والبقر والجواميس والضأن والغنم، فالإبل والبقر والجواميس صدقتهن واحدة، وكذلك صدقة الغنم، والضأن واحدة، ومن كان له خمس بقرات في يده وله بقرة سادسة مع رجل وذلك الرجل له أربع بقرات فحال عليهن الحول جميعا وفي يد كل واحد منهما خمس فأما الذي له ست بقرات فعليه شاة، والذي له أربع بقرات وفي يده لآخر بقرة خامسة فعلى قل أصحابنا إذا كان الحلب والمربض واحداً عن عليه أربعة أخماس شاة وليس على الآخر الذي أعطى شاة عن الخمس الباقي لأن الست لا تجب فيهن إلا شاة واحدة ولو كن متفرقات في أيدي أناس شتى إذا كنّ لرجل واحد، فإن كان لكل واحد منهما أربع بقرات خالصة وبينهما بقرة واحدة في يد أحدهما مع الأربع وحال عليهن حول جميعا فعلى الذي في يده الخمس أربع له وواحدة بينه وبين شريكه تسعة أعشار شاة على الآخر عشر شاة، فإن كان رجل له أربع بقرات ولرجل آخر بقرة وهي مع شريكه وشريكه لا يقر له إلا بنصف هذه البقرة أو أقل أو أكثر من البقرة فلا صدقة على الرجل إلا أن تكون هذه البقرة مع بقرة مجتمعة فإن كانت مع بقرة فعليه شاة وعلى شريكه مقدار حصته من الشاة. (6/272)
صفحة 273
وقال أبو معاوية: إلا أن تكون هذه البقرة إنما هي قنية من عنده في يد الآخر كأنه أقناه إياها سنة أو أقل أو أكثر بالثلث أو بالنصف أو بالربع وهي في يد المقني لها وفي يد هذا أربع بقرات له خالصة فإني أقول إن عليه شاة إلا بقدر ما يقع لشريكه في البقرة فإن ذلك ليس عليه ولا على شريكه والله أعلم، فإن كان لرجل أربع بقرات في يده ولرجل آخر أربع بقرات في يده وبينهما بقرة ليس في يد واحد منهما فلا صدقة على أحدهما لأنه لا يتم لكل واحد منهما خمس بقرات، ولا اجتمع معه خمس بقرات، فإن كان لرجل خمس بقرات أو أكثر ولرجل آخر معه ثلاث بقرات فإذا لم يكن للذي في يده البقر إلا خمس وللآخر ثلاث فعلى الذي في يده البقر جميعا شاة عن بقره ولا شيء على الآخر لأن بقره قد تمت فيها الزكاة، وقيل: عليهما جميعا شاة على صاحب الخمس خمسة أثمان شاة وعلى صاحب الثلاث ثلاثة أثمان شاة، وأنا يعجبني القول الأول وكلاهما من قول المسلمين. (6/273)
صفحة 274
وقال أبو معاوية: وإن كان للذي في يده البقر سبع بقرات وللآخر ثلاث فإن في هذه البقر شنقتين على صاحب السبع شاة وخُمسا شاة وعلى صاحب الثلاث ثلاثة أخماس شاة، وكذلك الغنم فإن كان لرجل في يده أربعون شاة وفي يده لرجل آخر أربعون شاة مجتمعة وحال عليها حول فعلى قول من يراها مجتمعة فيها شاة واحدة وهي عليهما نصفان، وأمّا على قول أبي بكر الموصلي أن الجمع هو المشاع وما كان غير مشاع فهو غير مجتمع فنرى على كل واحد شاة، وقال: الذي عليه أكثر أصحابنا إنها مجتمعة والله أعلم بعدل ذلك، فإن كان لرجل أربع بقرات فاستفاد بقرة فقِيلَ: إنَّ يحول عليهن الحول ذهبت له بقرة فلا صدقة عليه حتى يحول الحول على خمس بقرات له فإن مكثن في يده فحتى يحول منذ استفاد الخامسة منهن فإذا خرج الساعي فوجد خمس بقرات له أخذ من عنده إلا أن يحتج ويخبر بأنه إنما استفاد الخامسة منذ شهر أو شهرين فلا صدقة عليه فيهن، وما مات من الإبل والبقر والغنم قبل مجيء الساعي فلا أرى فيه شيئا وقد رجعت إلى هذا القول، وأما الورق والذهب والفضة فإذا فات منها شيء وقد رجعت إلى هذا القول، وأما الورق والذهب والفضة فإذا فات منها شيء قبل أن يصل إليه فعليه الصدقة، وأما الحب والتمر فإذا عرف كيله ثم فات قبل أن يأتيه المصدّق فعليه أن يعطي الزكاة، وقالوا: إذا كان لرجل إبل أو بقر أو غنم تجب فيها الصدقة فأعطى منها الساعي ثم أعطى منها رجلا آخر هبةً وللموهوب له ما تجب فيه الصدقة ويبقى شيء فكان فيما وهب له لا يبلغ عليه فيه فريضة أخرى إنه يؤخذ منه ويحمل ما وهب له على ما كان في يده، وقد قيل عن سليمان بن عثمان أن للساعي أن يعترض راعي قرية فيأخذ مما في يده من الماشية، ومن كان في يده خمس بقرات أو أكثر وحال عليهن الحول وأخرجت منهن الصدقة ثم تلفن إلا واحدة منهن فلما حال الحول أو قبله بشهر استفاد أربعا فإن فيهن الزكاة، فإن مضى الحول ولم يستفد شيئا وليس معه إلا واحدة ثم (6/274)
صفحة 275
اشترى بعد ذلك أو وهب له أربعا فلا شيء عليه فيهن حتى يحول عليهن الحول فإن تلفت البقرات جميعا ثم استفاد خمسا في سنته قبل حوله الذي عود يزكي فيه فلا شيء عليه إذا كان قد تلفن جميعا، والإبل والبقر والشاة مثل الدراهم في هذا، ومن كان معه بقرات تجب فيهن الصدقة فلما حال الحول لم يأته المصدق حتى خلا له شهر أو شهران بعد حوله فاستفاد خمس بقرات فإنه لا يحمل الخمس المستفادات على الخمس الأوائل في الصدقة ولا يؤخذ منه صدقة الجميع، إنما ذلك في الورق والذهب لأن على الناس أن يأتوا بزكاتهم الذهب والورق إلى المصدق وعلى المصدق أن يأتي الناس ليقبض منهم صدقة إبلهم وبقرهم وغنمهم، ومن هنالك افترقا، فإن انتظر المصدق شهرا أقل أو أكثر بعد حوله فتلفت كلها بأن ماتت أو سرقت فلا زكاة عليه فيها إذا كان منتظرا لمجيء المصدق العدل وإن كن خمس بقرات فماتت منهن واحدة أو اثنتان بعد أن حال عليهن الحول وهن خمس وجاء المصدق وهن ثلاث أو أربع أو أقل فلا زكاة فيما تلف والزكاة فيما بقي كأنه إن بقي أربع فعليه أربعة أخماس شاة أو بقي ثلاث فثلاث أخماس شاة فعلى ذلك القياس والله أعلم، فإن تلفت منهن واحدة قبل الحول وبقي ما لا تتم فيه الصدقة فلا صدقة فيه إذا تلفت قبل الحول، ومن كان له إبل سائمة أو بقر سائمة أو غنم سائمة تجري فيها الزكاة فقبل أن يحول شهره أقل أو أكثر نوى بها التجارة وله تجارة تجب فيها الزكاة أو لا تجب أو لا تجارة إلا من هذه السائمة فحال الحول وهي في يده وهو يريدها التجارة فأقول إن فيها صدقة السائمة ما لم يحق لها بضاعة أخرى أو دراهم أو يبدل بها غنما أو بقرا أو غير ذلك فإذا حولها عن عينها فيحسبها في تجارته وما لم يحولها فهي بمنزلة السائمة ويعطي صدقتها كل سنة فإن كانت هذه الإبل والبقر والغنم للتجارة فقِيلَ: إنَّ يحول عليها حول بشهر أو أقل أو أكثر حولها سائمة بالنيّة فحال حول تجارته فلا أرى فيها زكاة حتى يحول عليها (6/275)
صفحة 276
حول منذ نواها للسائمة ونتج عنه للتجارة وهذا معنىً مخالف الأول، ومن كان معه الإبل والبقر والغنم سائمة فيحول الحول وعليه دين حال فطلب أن يحسب له في ماشيته ويؤخذ من الباقي من الماشية فإنه لا يطرح عنه إلا من التجارة وأما السائمة فلا يطرح عنه دينه، وكذلك إذا أصاب من زراعته ما تجب فيه الزكاة فطلب أن يطرح عنه دينه فعليه الزكاة إلا أن تكون هذه الماشية في يده للتجارة فأقول إنه يطرح عنه دينه ويؤخذ من قيمة الباقي منها إن وجبت فيها الزكاة.
فصل: ومن كان في يده إبل وبقر أو غنم سائمة فأصاب غيرها فترك ما أصاب للتجارة فإن سبيل السائمة عندنا غير سبيل التجارة فإن كانت التي في يده للتجارة فأصاب غيرها يتركها للتجارة فإذا حال الحول وهي في يده زكاها، وإن كان في يده مواشي للتجارة فباعها بدراهم قبل الحول واشترى بثمنها غيرها للسائمة فما نرى عليه الزكاة حتى يحول على ما اشتراه الحول، وإن كان الذي في يده سائمة فباعها واشترى بها فهو كذلك في الحول إلا أن يكون في يده ورق من قبل تجب فيه الزكاة، فإن كان الذي في يده للتجارة ففرضها سائمة قبل الحول ولا يريد فرارا من الزكاة فقد صارت سائمة وزكاها في الحول، وإن كان الذي في يده السائمة ففرضها مواشي للتجارة فهي مثلها عندنا، فإن كان الذي في يده للتجارة فبدا له قبل الحول أن يدعها للسائمة فهما عندنا سواء حيث صيّرهما والزكاة على الحول ما لم يفرّ عن الزكاة واسأل عنها غيره والبقر لا تحمل على الأوابل ولا على الغنم في الزكاة، وإذا لم يكن من كل نوع ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة فيه إذا كانت سائمة وأمّا إذا كانت للتجارة فإنها مقوّمة كلها ومحمولة بعضها على بعض، والبقر يحمل على الجواميس والجواميس على البقر ويؤخذ منها الصدقة إن كانت من جنس البقر، وقد يقال إنها من البقر بمنزلة النجب من الإبل، والضأن تحمل على المعز والمعز على الضأن.
مسألة: (6/276)
صفحة 277
قال الشيخ أبو محمد رحمه الله: أجمع الناس على وجوب الصدقة في الجواميس وإلحاقها بالبقر في حكم الصدقة، واسم البقر واقع عليها ومحمولة على البقر كالضأن والمعز محمولة أحدهما على الآخر وكذلك عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله.
مسألة:
وإذا كان من المعز عشرون شاة ومن الضأن عشرون جاعدة فإن الغنم العشرون تصدع نصفين فيختار رب المال منها ثم يختار من النصف الآخر شاة، ثم يختار المصدق شاة بعد ذلك فيكون له النصف وكذلك يفعل في الجعد يختار رب المال النصف ثم يختار جاعدة ثم يختار المصدق بعد ذلك جاعدة فيكون له نصفها فيتم لهما شاة كاملة نصفها من الجعد ونصفها من الغنم، فإن كانت الغنم أكثر أو الجعد فإن كان الغنم ثلاثين والجعد عشراً فله ثلاثة أرباع شاة وربع جاعدة، وإن كانت الجعد ثلاثين والغنم عشرا فله ثلاثة أرباع جاعدة وربع شاة، فإن كانت الغنم أربعين كاملة والجعد عشرين فله ثلثا شاة وثلث جاعدة على ما وصفت لك إن شاء الله، والله أعلم بعدل ذلك وحقه.
مسألة: (6/277)
صفحة 278
وليس للمصدق أن يأخذ من الغنم ذكرا ولا خصياً إلا أن يشأ رب المال ولا عليه أيضا أن يأخذ عوراء ولا جذعة ولا هرمة فإن أوصل ربّ المال إلى المصدق حقه فهو المصدّق في ذلك وإن اختلفا ووقفا على الغنم فقيل لرب المال أن يصدعها نصفين ثم يختار أيّ النصفين أراد ثم يختار من النصف الثاني شاة ثم يختار المصدق شاة ثم على ذلك يختار ربّ المال ثم يختار المصدق إلى أن يستوفي، ولا نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، وكذلك كل غنم وغيرها من الماشية اجتمعت سنة ولو كان لكل إنسان واحدة ففيها الصدقة، والصدقة على جميع الشركاء بالحصة على قدر مالهم إذا كان مجتمعا فلا يجوز أن يفرق بعد أن وجبت فيها الصدقة لحال إبطال الصدقة وما كان متفرقا في شيء من السنة فلا يجتمع في الصدقة ولو جمع حتى يجتمع سنة وإنما يكون المجتمع مجتمعاً إذا جمعه أهله وهم رجال ونساء بالغون واجتمع سنة في المحلب والمربط وما لم يكن يحلب أو كان من الذكران فحتى يجمعه المريض سنة فإن كانت دابة منها تذهب الأيام في سفر بسفر عليها أو تترك لبعض الأسباب وترجع إلى ذلك المريض المعروف فهي مجتمعة وليس ذلك مما يفرقها، وفي بعض القول لا نرى الصدقة في الاجتماع، والاجتماع هو أكثر القول عندنا وبه نأخذ.
مسألة: (6/278)
صفحة 279
ومن له أربعون شاة إلا شاة وعنده شاة تتم بها الأربعون لرجل له أربعون شاة بتلك الشاة فعن أبي علي أن فيها شاتين ويطرح عن صاحب التسع والثلاثين شاة بقدر الشاة التي ليس له ويتم بها الأربعون، ومن له غنم تخرج صدقتها فوهب له رجل غنماً قد أخرج صدقتها قبل أن يهبها له بشهر فعليه أن يصدقها أيضا مع غنمه إن كانت تحل في غنمه الصدقة إلى شهر أو فوق ذلك ولو أن الذي وهبها له وهبها ولم يحل عليه الصدقة لم يكن عليه أن يخرج صدقتها ولا على الذي وهب له أن يخرج صدقتها مع غنمه وكذلك رأينا في هذا، وإن ذهب بعض ماشيته التي كانت الصدقة تتم بها ثم استفاد ما تمت به الصدقة قبل أن يمضي وقت صدقته فعليه الصّدقة.
مسألة:
ومن انقطعت صدقة الماشية عنه سنة ثم استفاد ما تمت به الصدقة فلا صدقة عليه ولو بقي من الأولى شيء حتى تحول له سنة منذ استفاد وتمت عنده، وفي بعض الرأي أن المصدق إذا مرّ ووجه الماشية تبلغ فيها الصدقة أخذ صدقتها ولو لم يحل حول ولا نأخذ بهذا الرأي، والرأي الأول أحب إلينا، ومتى حال حول الماشية منذ تمت الصدقة فيها وهو وقت صدقتها.
مسألة:
والذي كنا نعمل به أن المصدق إذا أخذ الفريضة باعها من ربها أو غيره أو نظر هو قيمتها إن حسبها فأخرج ثلثها لفقراء ذلك الموضع إن كان فيه فقراء وإلا فأقرب القرى إليه والمياه، والمواضع التي فيها الفقراء، وإن شاء المصدق باع الفريضة من ربها قبل أن يقبضها إذا علمها ولربها أن يبتاعها إن شاء، إن شاء الله.
مسألة: (6/279)
صفحة 280
وإذا قبض الوالي الفريضة ثم باعها على الذي أخذها منه أو غيره فلما اقتضى منه الثمن قال له المشتري أمّا الثلث فقد فرقته على الفقراء، فأما غير معطي الفريضة فلا يقبل منه ويؤخذ الثلث منه إلا أن يكون الوالي أمره أن يفرقه، وأمّا الذي أعطى الفريضة ثم اشتراها فإذا قال إنه أعطى ما عليه من ثلث فريضته الفقراء جاز قوله إن كان ثقة لم يغن إلا بخير، وإن كان غير ثقة واتهمه الوالي فله أن يحلفه وإن لم يحلفه لم يأثم، وإن أحال المصدق للفقراء بالثلث على صاحب الماشية فرضوا بذلك فأرجو أن يكون سالماً إلا أن يرجعوا عليه فيقولوا بأنه لم يعطهم ويرجع يأخذ.
مسألة:
وقيل: ليس للساعي أن يأخذ من الغنم فيء الصدقة الجذعة ولا الهرمة ولا ذات العوار ولا الجربة ولا المهزولة التي لا تفي، وليس له أن يأخذ فحلا ولا السمّينة المنتاج ولا المرضعة ولدها ولا المحاض المنتاج، ولا حاملة الزاد، قال: حاملة الزاد ما أحسب أنها تكون بعمان ولكن بعين عُمان تحمل للراعي زاده وماءه إلا أن تكون الغنم كلها فحولا أو كلها سمان أو كلها مرضعات أو كلها ماحضات فلابد أن يأخذ منها الصدقة، قال: وكذلك إذا كانت الغنم كلها جربة أو مهزولة، أو ذات عوار أو هرمة كلها، أو جذاعا كلها فليس على صاحب الإبل أن يعطيه إلا منها، وفي الحديث: «لا تأخذوا خرزات أموالهم» (1) وخرزة المال خياره، وكذلك روقة المال خياره، قال: إن للشراة روقة الأموال، والروقة في الذكر والأنثى سواء، وكذلك الشرقة، يقال هو سرقه ماله.
مسألة:
والساعي لا يأخذ الصدقة ليلة الفطر إنما يأخذ يوم الفطر ولا أرى له أن يأخذ في الليل لأنه لابدّ له أن يقاسم صاحب الماشية ويختار ربّ المال والماشية شاة ثم يختار هو، فلعلّه أن يقصر إذا اختار في الليل، وأحبّ أن يقاسمه ثم يختار ربّ المال شاة، ثم يختار هو شاة كما جاء في الأثر عن المسلمين فليعمل بالأثر ولا يتركه إلى غيره.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/280)
صفحة 281
وإذا وقع خيار الساعي على الخصيان من الغنم تساوي كل واحدة منها ثلاثين درهماً أو أقل أو أكثر أخذ ذلك، ومن عليه شنق ففرق كبشا أو جاعدة فما يأخذ ذلك بأس إذا كان قد وفّى، ومن كان عليه أربع شياه في إبله وليس له غنم فطلب إلى المصدق أن يأخذ فريضة من إبله ذكرا أو أنثى ويرى المصدق الوفاء فيما عرض عليه، ويرى صاحب الإبل أنه قد أحسن إليه فهذا وجه شاذ عن الأمر وأحب إلينا أن يأخذ حقّه الذي فرضه الله له، ومن له فريضة في إبله فلا يصاب معه في تلك الفريضة فيعطي أرفع منها فيرد عليه الساعي فضلها ويأخذ بنت مخاض إلى الجذعة فإذا لم يكن يجد عنده السن الذي أرفع منها وأعطى صاحب الإبل ثنية إلى نازل عامها بفريضته فنرى أن يقبل منه، وقد أعطى الحق وزاده والزيادة مقبولة إذا فعل ذلك المؤدي عن نفسه بلا إكراه، وإن طلب صاحب الفريضة فضل فريضته إلى المصدق فليرد عليه ثمن فضلها ويترادان إذا لم يجد في الإبل ابنة مخاض أخذ ابن لبون ذكرا، ومن عليهم شنق فأعطى أحدهم شاة ماضية يرضاها الساعي فقبضها ثم طلبها أحد القوم فباعها له واستوفى ثمنها بالشاة التي عليه فقبضها الساعي ثم طلبها القوم على مقدار ذلك وهو عشرة نفرا وأكثر فما نرى بذلك بأسا والله أعلم.
مسألة: (6/281)
صفحة 282
والوديعة إذا حالت مع صاحب الإبل فنرى عليها الزكاة إذا حالت، فإن قال صاحب الإبل إنها لم تحل فنرى أنه مصدق بمنزلة الأمين ولا يمين عليه إلا أن يتهموه فعليه اليمين، ومن كان معه إبل أو غنم تجري عليها الصدقة فماتت حتى بقي منها شيء ثم مضى عليه الحول وتلك البقية من الغنم مع ثم استفاد غنما في الحول الثاني بقدر ما تتم فيه الصدقة فقد نظرنا في ذلك ففي القياس عليه الصدقة فيها والله أعلم واسأل عنها، وإذا كان للمصدق بنت لبون فلم يجد فأراد أن يأخذ بنت مخاض ويستوفي الباقي دراهم فقال سليمان بن الحكم لا يأخذ دون الذي له ولكن إذا كانت له فريضة فلم يجدها ووجد ما فوقها أخذ وردّ الفضل ولا يأخذ ما دونها.
مسألة:
ومن كان له ثلاثة جمال حتى إذا كان في بعض السنة اشترى اثنين وجاءه الساعي فقال: إنما اشتريت من قريب فلا نرى صدقة حتى يحول عليه الحول مذ ملك الخمسة، ومن ضم إليه الناس الشاة والشاتين والبعير والبعيرين فما أحب أن يلتفت المصدق إلى ذلك ويعرض عنه ويطلب الصدقة إلى أهل الأموال، وكذلك الذي يضم إليه البعير والبعيرين في البادية بسقيها فما أحب أن يعرضها المصدق.
مسألة: (6/282)
صفحة 283
ومن له أربع بقرات ونصف فلا صدقة عليه، ومن كان له خمس بقرات حتى وجبت عليه الزكاة ثم باع واحدة منهن فإن الزكاة تؤخذ منه، ومن كان معه أربع بقرات ثم اشترى بقرة ومرّ به المصدق فقال من قال يأخذ المصدق المصدق الصدقة ولا يسأل، وقيل: لا يأخذ حتى يحول الحول عليهن، ومن له أربع بقرات ويقني واحدة بالنصف فيه اختلاف وأحب إلينا أن تؤخذ منه على صاحب نصف البقرة التي اقتناها حصة بقدر نصف بقرته، وعلى صاحب الأربع والنصف بقدر ذلك، ومن له أربع بقرات فورث من والده بقرة واشترى حصة الورثة من البقرة وبقي فيها سدس لأحد الورثة فأحب إلينا أن يعطي عن الخمس وعلى صاحب السدس من البقرة بقدر سدسه هذا رأينا والله أعلم بالعدل، ومن له أربع بقرات وله في واحدة أربعة أخماس والبقر مسرحها ومرعاها واحد فلا نرى عليها الزكاة إلا أن يكون لبنها مجتمعا فعليها الزكاة وعلى صاحب الخمس لخمسه بالحصة.
مسألة:
ومن له أربعة وعشرون عجلا وبقرة مسنّة أو مسنتان، والمسنّة قد اشتراها أو ورثها فإنه يدفع المسنّة لزكاته، ومن له أربعون شاة ومعه لرجل آخر عشرون شاة أو أقل وكانوا يتحاصصون فيما بينهم فليس على صاحب العشرين زكاة لأن هذا قد بلغ عليه، وتعد الهرمة والمريضة التي لا تبرح البيت، ومن عنده عشرون ومائة شاة ونتجت ليلة آوى المصدق أو قبله بليلة أو بليال فتم عنده مائة وإحدى وعشرون بتلك السخلة فأقول والله أعلم أنه لا تتم بتلك السخلة الصدقة.
مسألة:
وإذا كان خليطان يؤديان في كل سنة جميعا ثم حالت السنة فوجبت الصدقة فافترقا قبل أن يصل إليهما المصدق فلا تبرئهما فرقتهما من حق قد وجب عليهما حين أتى عليهما وقت الصدقة وهي مجتمعة.
مسألة: (6/283)
صفحة 284
ومن له أولاد وله مال كان يؤدي عن ماله ثم زوج بنته وهم بحضرته وكل واحد منهم يعرف ماله ويحلبه إلى منزله ومؤونته منه ومرعى الغنم ومأواها وراعيها واحد فأقول والله أعلم أن لا صدقة فيها إذا افترق اللبن وحلب كل ماله في إنائه.
مسألة:
وذوات العوار إذا لم يستبن للساعي عوارها ثم أخذها فاستبان له بعد أيام فإن كان أخذها ويعلم أنها عوراء مع صاحبها فهي مردودة عليه وليأخذ حقه من الغنم وإن لم يعلم حين أخذها فالعور يحدث والعيوب وهي باينة في يد المصدق لأنه قد أخذها، وإذا قال صاحب الصدقة للمصدق لا تأخذ العقوق والمستبين عقاقها ولا أم السخل فتوتم ولدها ولا العاقر لفضلها وليس لك في الذكر شيء ويرى المصدق أن ليس له وفاء فيما بقي فأقول والله أعلم أن للمصدق أن يأخذ العاقر إذا وقع اختياره عليها، والعقوق ما لم يقرب وضعُها، وللمصدق أن يأخذ الذكر إن شاء وترك أم السخل أحب إلينا، وقد بلغنا أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله إني أريد أن أهدي إليك ناقة، قال: أهدها ولا تهدها والها، وقال من قال من المسلمين أن الخصي يؤخذ.
مسألة: (6/284)
صفحة 285
وروي عن عمر أنه قال: تعد الصغار ولا تؤخذ الأكولة ولا الرباء ولا الماخض ولا فحل الغنم ويؤخذ، ويؤخذ الجذعة والرباء التي تربي ولدها، والماخض الحامل والأكولة السمّينة، ويدل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: « إِيَّاكَ وَكَرَائِم الأَمْوَالِ» (1) وقيل: لا يؤخذ فحل الغنم وما أعطى من صدقة الغنم من الذكور والإناث بمنزلة واحدة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الأربعين شاة» وهذا اسم يشتمل على الذكور والإناث، لأن الذكر قيمته في الغالب هي قيمة الأنثى، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لاَ تُؤخَذُ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ» (2) وفي قول أبي بكر: لاَ تُؤخَذُ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وقد اتفقت الأمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده، وتعد السخلة والعجاجيل مع إبله وبقره وغنمه، وقد يختلف حكمها بعد الحول، ألا ترى أنه قال بعد صغيرها وكبيرها، وفي قول أصحابنا: لا تأخذ ذكرا ولا ماخضا ولا كرائم الأموال إلا أن يشاء ربّ المال ولا ذات عوار ولا جذعة ولا هرمة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/285)
صفحة 286
ولا تؤخذ من الغنم للصدقة الهرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق ذلك، وبذلك جاءت الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهى - صلى الله عليه وسلم - معاذا عن أخذ كرائم الأموال في الصدقة، ومن اشترى أربعين شاة وكانت الصدقة تجري عليها عند البائع كل سنة فلا صدقة على المشتري فيها حتى يحول عليها الحول، ومن كان يعطي الصدقة كل سنة ثم عجز عن الصدقة سنة واحد وفي يده ثمانون شاة ثم اشترى بعيرا بغنم مسماه، ثم اشترى الغنم وضمها إلى غنمه التي في يده، فلبثت معه حتى معه حتى وجبت الصدقة ثم قضى عن البعير من الغنم قبل وصول المصدق إليه فلو كان أتى عليه وقت الصدقة ومعه أربعون شاة فالصدقة عليه لأنه قد كان يؤدي قبل ذلك فرأينا في الغنم التي كان اشتراها قبل أن يؤدي ثمن البعير فلبثت معه حتى أتى عليه وقت الصدقة فعليه الصدقة والله أعلم، ومن أخذ غنماً يرسلها ويضمها إلى غنمه ولم تكن الصدقة تجب عليه في غنمه فضمها قبل أن يمر عليه المصدق بشهر أو أقل من ذلك أو أكثر فلا شيء عليه حتى يحول عليها جمعيها الحول.
مسألة:
ومن كان معه مفروضان يناصف المعز الضأن أو يكون الثلث فطلب صاحب المال إلى المصدق أن يعطيه سنة من الضأن وسنة من المعز أو كان الفضل في المعز فأحب إلينا أن يتحرى العدل في ذلك ويأخذ من كل حقَّه إن أمكن أن يأخذ كل عام من جنس حقه فليفعل، وإن كان عدل ذلك أن يأخذ من هذا سنة ومن هذا سنة فليفعل، ومن اشترى أربعين سخلا وحالت السنة وهي في يده ولم يبن منها شيء فالصدقة فيها كما هي في غيرها من الغنم، والرجل البادي له أربعون شاة فلما دخل شهر الصدقة أو بقي منه بقية باع شيئا من الغنم أو ذبحها فإنا نرى عليه الصدقة إذا كان قد دخل الشهر الذي يزكي فيه.
مسألة: (6/286)
صفحة 287
ومن له غنم وضم إليها غنما أخرى فجاء المصدق وهي مجتمعة فإن كان هذا الرجل ممن يؤدي الصدقة من قبل وضمت إليه هذه الغنم ولبنها مجتمع وسمنها في سمن غنمه ولبنها فأرى أن يؤدي الصدقة ويترادّان في ذلك، وإن كان الرجل ممن لا تجب عليه الصدقة إلا بغنم الضّمة ولم يحل عنده حول فلا أرى على تلك الغنم صدقة، وعن أبي عبد اله في رجل كان عليه صدقة في خمسة أبعرة فباع واحدا منها قبل صدقته وبقي في إبله حتى جاء وقت الصدقة إنه لا يؤخذ منه إلا أن يكون الذي اشتراه تركه معه حولا.
مسألة:
وإذا مرّ المصدق بغنم ولم ير فيها صدقة ثم رجع بعد ذلك فإذا الغنم قد زادت ما أوجب فيها الصدقة فلا أرى صدقة فيها إذا كان قد مرّ بها ولم يجد فيها شيئا حتى يحول الحول عليها تامة، وإذا مرّ المصدق بصاحب غنم فوجد عند تسعاً وثلاثين شاة وشاة وديعة لأخ له فأخذ شاة ثم مرّ بالأخ فوجد عنده تسعاً وثلاثين شاة فقال: عند أخي لي شاة فأرى أن تؤخذ منهما جميعاً ويسقط عنه بقدر الشاة وانظر فيها.
مسألة: (6/287)
صفحة 288
وإذا وافق الساعي غنماً في يد راع لأهل القرية يرعاها ويأوي لأهل القرية ثم بدا له أن يخرج بها فمرّ الساعي فما نرى فيها زكاة، ومن كان صاحب ماشية ليس له دار يستقر فيها وإنما يطلب الصلاح حيث أصابه ويطلب لفقرائه أن يرد عليهم ثلثه وفقراؤهم ليسوا بحضرته فلا يحسب إلا الذي بحضرته من الفقراء أو أدنى البلاد إليه أحق من أن يجاوزها إلى بلد آخر، ومن كان له ثلاثون شاة سائمة في يده وله مع رجل عشر شياه وللرجل أيضا ثلاثون شاة فعلى صاحب الأربعين الكاملة شاة في الزكاة وعلى صاحب الثلاثين الذي العشر في يده وكملت أربعين ثلاثة أرباع شاة، ومن كان له خمسة أجمال ومعه لرجل واحد أو اثنان أو ثلاثة وحال عليها الحول وهي مجتمعة فالصدقة فيها، وعلى صاحب الجمال الفاضلة الخمسة حصة فيما لزم من الصدقة، قلت: فإن قال صاحب الفضل أنت قد وجب عليك في الذي لك دون الذي لي فلا شيء عليّ، فإن الصدقة عليهما جميعاً من قبل أن الصدقة وجبت في جماعة الأجمال، وإن كان جماعة لهم شركة في أجمال تكون لرجل في ثلاثة أجمال أو أربعة أو خمسة حصة، وتكون الأجمال في يد رجل يعمل عليها ويكون الذي له بعض هذه الأجمال له أجمال تبلغ عليه فيها الصدقة، وإذا كانت هذه الأجمال مختلطة في إبل لرجل حتى حال عليها حول وهي مجتمعة ففيها الصدقة على الجميع وتكون على شركائه حصتهم على عددهم، وأما إن كانت لزوجته فلا أرى أن تحمل شركة امرأته على جماله إلا أن يكون الحمل في جماله سنة فإنه يحمل على إبله، وإن كان في يد غيره لم يحمل عليه.
مسألة:
والمصدق إذا أخذ فريضة من صاحب الإبل فليس على صاحب الإبل قيد ولا حبل يقاد به، ومن له أربع بقرات وبقرة مكسورة أو منقوصة الرجل فالصدقة واجبة عليه.
مسألة: (6/288)
صفحة 289
كان أبو علي يقول في رجل له عشرون شاة وعشرون جاعدة وحال عليها حول إنه يعطي في سنته عن هذه الأربعين شاة ثم يعطي في السنة الثانية عن هذه الأربعين جاعدة أو يأخذ في السنة الأولى جاعدة، وفي السنة الثانية شاة. قال أبو عبد الله: نظرت في ذلك فإذا هو غير أن يأخذ المصدق في أول السنة شاة أو جاعدة ثم تتلف هذه الغنم من قبل السنة الثانية ولكن أرى العدل في ذلك أن ينظر الساعي وصاحب هذه الماشية من هذه المعز شاة منها ومن الضأن واحدة منها ثم يقوّم كل واحد منهما بقيمة ثم يأخذ الساعي النصف من جميع قيمتها فإن تلفت هذه الغنم من بعد ذلك من المعز أو من الضأن أو كلها لم يدخل على الصدقة ولا على صاحب الماشية ضرر ولا نقصان، ومن له خمس من الإبل أو البقر وكان يؤدي عنها كل سنة شاة فلما جاء وقت زكاته اكتسب إبلا حتى تمت خمسة وعشرين بعيرا لم يحل عليها حول منذ كملت خمسة وعشرين بعيرا فعليه ابنة مخاض لأنه كان في أصل الصدقة يعطي شاة عن خمسة أبعرة فإذا حال حول آخر نظر إلى ما في يده وأخذت منه الصدقة، وكذلك البقر أيضا على هذه الصفة وكان وائل بن أيوب لا يرى حمل الشعير على البر في الصدقة وكان موسى بن أبي جابر يرى ذلك وأخذ الناس بقول موسى وكان وائل أيضا يقول في البقر والإبل العوامل للحرث إذا بلغت الصدقة فيما حرثت أو عملت فلا شنق فيها، وكان موسى يرى فيها الشنق وأخذ الناس أيضا في ذلك بقول موسى. قال وائل لأبي عبد الله: فإذا عملت بمائتي درهم متى يؤخذ منها الصدقة؟ قال على قول وائل إذا حال على الدراهم حول.
مسألة: (6/289)
صفحة 290
وإذا أتى الساعي الرجل وقد وجبت عليه شنقة فاتفقا على أن قوّم الساعي عليه شنقته دراهم من غير أن يقف عليها ولا أعطاه إياها فهذا لا يجوز والله أعلم هل تجزي عنه الشنقة ويبرأ منها أم لا؟ وقال أبو عبد الله: لم أسمع أن في صدقة البقر يؤخذ ذكر مثل الإبل في الموضع الذي لا توجد فيه ابنة مخاض فيؤخذ مكانها ابن لبون ذكر، وإنما ذلك في الإبل بعينها وليس عليهم أن يشتروا من الساعي من غيرها، ومن له له أربعون شاة منها عشرون شاة من تجارة في يده ومنها عشرون ليس من تجارة له، فقد قال أبو عبد الله: قد قيل عن سليمان بن عثمان رحمه الله فيما أحسب أنه بلغني أنه قال: يؤخذ من الأربعين كلها شاة ثم يرجع المصدق فيقوم عليه العشرين التي من تجارته ثم يحمل قيمتها من تجارته ثم يأخذ من جميع ذلك الصدقة، قال: وأما الذي نأخذ نحن به أن يقومّ عليه العشرون شاة التي من تجارته على ما في يده من التجارة ثم تؤخذ منه الصدقة، وليس في العشرين شاة الأخرى التي ليسمن تجارته بشيء، ومن له أربعة أبعرة وله ربع بعير فإن كان الذي له ربعه كان له أصله فأعطاه رجلا يعلفه له بثلاثة أرباعه فقد كملت خمسة أبعرة وفيها شاة، وعلى الذي له ثلاثة أرباع البعير من الشاة بقدر حصته وهو ثلاثة أرباع خمسها وإلا فلا شيء عليه في أربعة أبعرة وربع بعير، فإن كان له أربعة أبعرة وله ربع أربعة وعشرين بعيرا فإني أقول إن عليه شاتين لأنه قد كمل له عشرة أبعرة، والذي له ربع أربعة أبعرة وربع أربعة وثمانين بعيرا أرى عليه ابنة مخاض لأنه قد كمل له خمسة وعشرون بعيرا، ومن له ثلاثون شاة في يده وله عشر شياه أخرى في يد رجل له ثلاثون شاة فإنه يكون على الذي له أربعون شاة شاة، وعلى الذي له ثلاثون شاة وفي يده عشر شياه للآخر ثلاثة أرباع شاة وذلك إذا حال عليها حول، ومن له أربع بقرات ولرجل معه بقرة ولصاحب البقرة أربع بقرات غيرها وهي معه فإن على صاحب الخمس بقرات اللاتي هن له ملك شاة (6/290)
صفحة 291
بالخمسة، وعلى صاحب الأربع أربعة أخماس شاة، فإن كان صاحب الخمس في يده وله سادسة ومع رجل له أربع بقرات فإن على صاحب الست شاة بالخمسة التي في يده وعلى الآخر أربعة أخماس شاة وذلك إذا حال على ذلك حول مذ اجتمعت، ومن له أربعون شاة وله عشر مع رجل وله ثلاثون شاة إن على صاحب الأربعين شاة شاة، وليس عليه في العشر التي مع الرجل شيء وعلى الآخر ثلاثة أرباع شاة لأنه قد كان في يده أربعون شاة بعشر الرجل الآخر فإنما عليه هو ثلاثة أرباع شاة وليس في عشر الرجل الآخر شيء وبها كملت أربعون شاة لأن الآخر عليه شاة من الأربعين التي في يده وليس عليه في عشره هذه شيء، ومن له خمس وعشرون بعيرا وللناس معه خمسة إنها تحسب مجتمعة ويتحاصصون في الفريضة ولا يكون عليه فريضة في ماله ثم يكون على الآخرين في أموالهم، ولا نرى ذلك لأنه قد جاء في الأثر أنه « لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ»، ولو أن لرجل أربعين شاة ومع كل رجل عشر شياه ولكل رجل منهم ثلاثون شاة فإنه يؤخذ من صاحب الأربعين شاة ويؤخذ من الآخرين من كل واحد ثلاثة أرباع شاة ولا يكون على صاحب الأربعين شاة ولو أن في يده أربعين شاة وله أربعون غيرها مع كل رجل عشر فإن عليه لجميع غنمه ويؤخذ من الآخرين بقدر ما لهم من الغنم وتطرح منهم حصته، ولو أن رجلا له خمس بقرات كان يزكيهن فماتت منهن واحدة ثم نجت معه واحدة قبل محل صدقته إن عليه الزكاة، وإذا مضى الوقت الذي كان فيه يزكي وليس معه إلا أربع ثم استفاد واحدة فلا شيء عليه حتى يحول عليها حول وهي خمس، وأما الذي كان له خمس من الإبل أو خمس بقرات تجري فيهن الصدقة فلم تزل في يده إلى أن شهر رمضان ومرّ به الساعي وماتت منها واحدة ثم مرّ به الساعي فأرى عليه الصدقة في الأربع وهو أربعة أخماس شاة ويسقط عنه خمس شاة وهذا بخلاف إذا كانت الإبل أو البقر خمسا حتى جاء وقت زكاتها ثم ماتت منها واحدة قبل أن يمر به (6/291)
صفحة 292
الساعي، ومن له أربع بقرات ولأخ له أربع بقرات وبقرة بينهما وهي مع أحديهما أو مع غيرهما ولكل واحد منهما بقرة في يده فإن كانت هذه البقرة التي بينهما مع غيرهما فلا صدقة على أحدهما، وإن كانت في بقر أحدهما حتى حال الحول وهن خمس بقرات ترعى جميعا وتأوي جميعا فإن فيها شنقة ويتحاصصون فيها يكون على الذي له نصف البقرة خمس شنقة وعلى الآخر صاحب الأربع والنصف الباقي من الشنقة.
مسألة:
اعلم أن البقر لا يحمل بعضها على بعض باجتماعها في المريض والعمل إذا كان لأناس شتى أو لاثنين وإنما يكون ذلك بالمرعى، ومن له أربعون شاة بظفار وأربعون شاة بنزوى فإنما عليه شاة واحدة وتؤخذ منه حيث يكون منزله، وإذا كان أربعمائة شاة بين عشرة أنفس مجتمعة لكل واحد أربعون شاة فهذه مجتمعة ولا تفرق وتؤخذ من جميعهم، وإذا كان لرجل غنم مع رجل تجب عليه الصدقة في غنمه وكان له معه عشر شياه ومعه هو له ثلاثون شاة أخذت الصدقة من غنم ذلك الرجل وحسبت على هذه تلك العشر شياه التي مع الرجل على الثلاثين التي في يده ثم تؤخذ منها شاة، أما إذا كان ذلك الرجل الذي معه لهذا عشر شياه لا تجب عليه الصدقة إلا بهذه العشر التي معه مضمومة فإنها تحمل عليه وتؤخذ منه شاة وتحاصص صاحب العشر في الشاة التي أخذها منه الساعي ولا تؤخذ من هذه الثلاثين التي في يد هذا شيء لأن العشر الشياه التي كانت له مع الآخر قد حملت على الآخر ويده هو ثلاثون شاة ليس فيها شيء، ومن له أربعون شاة ولآخر عنده عشرون شاة وحال الحول إن فيها الصدقة وهي شاة على صاحب الأربعين لأنها قد بلغت عليه في غنمه حتى يتم لكل واحد منهما أربعون شاة ثم تكون على كل واحد شاة.
مسألة: (6/292)
صفحة 293
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب لوائل بن حجر الحضرمي ولقومه من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى التيعة شاة، والتيمة لصاحبها في السيوب الخمس لا خلاط ولا راط ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام، تفسيره على مائتين هي إلينا والله أعلم، الأقيال ملوك اليمن دون الملك الأعظم وأحدهم قيل يكون ملكا على قومه ومخلافه ومحجره، والعباهلة الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه، وقوله - عليه السلام - : وعلى التيعة شاة، فالتيعة أربعون من الغنم والتيمة يقال إنها الزيادة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى، ويقال أيضا إنها الشاة تكون لصاحبها في منزله يحلبها وليست أيضا بسائمة ويسمّى أيضا جمعهن الربايب، وقد قال بعض الفقهاء ليست في الربايب صدقة، وربما احتاج صاحبها إلى لحمها فيذبحها فيقال عند ذلك أتام الرجل واتأمت المرأة، والسيوب الزكاة. (6/293)
صفحة 294
قال أبو عبيدة: ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية، يقال من سيب الله وعطائه، وقوله: ولا خلاط ولا وراط فإنه يكون بين المشتركين عشرون ومائة شاة لأحدهما ثمانون وللآخر أربعون وهي مشاعة بينهما غير مقسومة، فإذا أتى المصدق يأخذ منها شاتين ورد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث شاة فيكون عليه شاة وثلث وعلى الآخر ثلثا شاة، وإن أخذ المصدق من العشرين ومائة شاة رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلثي شاة فيكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة وعلى الآخر الثلث وإنما أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشرين ومائة شاة شاة واحدة فهذا في الخليط والمشاع لأن ظاهر السنة يدل على ذلك، وهو معنى لا خلاط، وفي رواية أخرى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على هذا، وهو قوله - عليه السلام - : «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسويَّةِ (1) »، والوراط الخديعة والغش، وقد يقال: إن معنى قوله - عليه السلام - : «لا خلاط ولا وراط» مثل قوله: « لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ »، وقوله - عليه السلام - : «لا شناق» (2) فإن الشناق ما بين الفريضتين وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشر، وما زاد على العشر إلى الخمسة عشر، يقول لا يؤخذ من ذلك شيء، وقوله - عليه السلام - : «من أجبى فقد أربى» (3) الإجباء: الحرث قبل أن يبدو صلاحه، وفي الخليطين اختلاف بين أهل العراق وأهل الحجاز.
__________
(1) فِي جميع النسخ: بالسنَّة، والصواب ما أثبتناه من صحيح البخاري عن أنس عن أبي بكر مرفوعا بلفظه، باب ما كان من خليطين ... ، ر1383، 2/526.
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/294)
صفحة 295
قال أهل العراق: إذا كان أربعون شاة بين رجلين مع راع واحد مشاعة أو غير مشاعة فلا يؤخذ منه شيء ولا على واحد منهما شيء حتى يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، وأهل الحجاز يعتبرون الراعي ولا يعتبرون الملك وقد كان هذا قول مالك بن أنس لا تؤخذ إلا بعد أن يملك كل واحد أربعين فصاعدا وهو قول أبي بكر الموصلي فيما أظن والله أعلم.
مسألة:
واختلف أصحابنا في الشريكين إذا ملكا أربعين شاة وحال عليه الحول. قال أكثرهم: فيها الزكاة، وكذلك قالوا في الخليطين إذا كان كل واحد منهما عارفا بحصته من حصة صاحبه فعليه الزكاة إذا بلغت عنهما أربعين شاة فالصدقة تؤخذ من الجملة ويترادان الفضل فيما بينهما، وقال أبو بكر الموصلي: لا تجب الزكاة على واحد منهما حتى يملك أربعين شاة كانت الشركة خلطة أو مشاعة هكذا حفظت عن الشيخ أبي مالك رحمه الله والقول الأول هو الأكثر وعليه العمل وظاهر السنة يؤيده ويشهد بصحته. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «في أربعين شاة شاة» (1) ولم يخص بوجوبها شركة ولا منفردة بملكها، وقوله - عليه السلام - : « وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسويَّةِ» يدل على ذلك.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/295)
صفحة 296
وإذا كان لرجلين خمس بقرات في مربض وليسا شريكين فيهن فالصدقة تلزمهما قيل له ولم وهذان لم يملك كل واحد منهما خمس بقرات، والنبي - عليه السلام - يقول: «في خمس من البقر شاة، وفي خمس من الإبل شاة» (1) والمعنى في ذلك يتوجه إلى كل من ملك خمسا من الإبل أو البقر عليه شاة، قال: لم يقل كذلك وليس المعنى كذلك، والمعنى أنه بامتلاك الخمس عليكم فيهن شاة، وهذان مالكان لهؤلاء الخمس بقرات فتوجه إليهما الخطاب، ويدل على ذلك قوله - عليه السلام - : «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ» وهؤلاء البقرات مجتمعات فتوجه على ملاكهن الخطاب وباجتماعهن.
مسألة:
قال أبو عبد الله: ومن كان له أربعون شاة بقيت معه أحد عشر شهرا ثم باع واحدة فخلا شهر ثم اشترى أخرى فلا صدقة عليه ولو ذهبت كلها ثم اشترى غيرها لم تجب عليه الصدقة، ولو كانت دراهم فما بقي معه ثم تمت أعطى منها الصدقة، قيل له: ولو بقي منها درهم؟ فقال فيه اختلاف، منهم من قال: حتى تكون البقية ما يكون فيه الصدقة حتى يكون أربعين، ومنهم من يقول: ما بقي عنده منها شيء، ومن كان معه أربعون سخلة فعليه الصدقة ويؤخذ منها واحدة.
مسألة:
ومن حال على ماشيته أحوال أدى زكاة الحول الأول منها فإن بقي في المال شيء مقدار ما تجب في مثله زكاة الحول الثاني وهذا حكم مال لأنه إذا استحق منه الزكاة فلا زكاة فيه بعدما تخرج زكاته، وإذا وجبت عليه الزكاة ولم يخرجها فكل ما استفاد محمول عليها حتى يقطع الزكاة، فأما إذا وجبت عليه الزكاة فلم يخرجها حتى هلك المال ونقص عن الزكاة، فإنا نرى أن يخرج زكاة ما لزمه ولا يعتدّ به إذا لم يخرجه فأما إن لم يفرط ولم يضيع وهلك فلا زكاة عليه، واختلف في ذلك فهناك الذي نقول إنه أمين لا يجب عليه، فأما من قال هي في ذمته فلا يبرأ إذا لم يؤدها حتى هلكت.
مسألة:
__________
(1) سبق تخريجه في حديث: «في خمس من الإبل شاة...». (6/296)
صفحة 297
وإن قال ربّ المال هذه وديعة ولم يحل عليها حول أو على دين صدقة في جميع ذلك، ولو غصبت أو منع منها ربها لم تلزمه زكاتها وإن رجعت إليه أخرج زكاتها، وقيل في الوقت مرة واحدة، وقيل: لما مضى إلا أن تنقص عن تمام الزكاة بعد أن يزكي أولاً.
مسألة:
وقيل: لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، وروي في هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ» خشية لا صدقة، فعمّ بهذا الحديث الخلطاء وغيرهم، ألا ترى إلى قوله - عليه السلام - : وما كان من خليطين دلالة على أن ما مضى من الحكم في الخليطين والمنفرد، ومعنى قوله: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ» لا يصح في المنفرد إلا في الملك، ألا ترى أن رجلا لو كان معه أربعون شاة في أربعين بلدا لكان فيها شاة لاجتماعها في ملكه، واختلف الناس في معنى هذا فقال قائلون: اجتماع المال، وقالَ آخَرون: اجتماع الخليط في الرعي والحلب والمربض إذا اجتمعت سنة وجبت فيها الصدقة وبه أخذ أصحابنا وبعض منهم لم ير ذلك إلا في الملك، والذي قال بالخليط أن المجتمع إذا جمعه أهل في المربض والمرعى والحلب سنة وهم رجال ونساء فاجتمع سنة وما لم يكن يحلب وهو من الذكران فحتى يجتمع في المرعى والمربض سنة، والذي يرى الصدقة في الاجتماع إلا في الملك هم الأقل وهو الحجة أن الاجتماع هو الملك، ولخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند كل قوم تأويل في قوله: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْن مُجْتَمِعٍ» وما كانا من خليطين فهما يتراجعان بالسوية ظاهر القول على كل خليط ومجتمع.
مسألة: (6/297)
صفحة 298
ومن كان له خمسة أبعرة فباع منها واحدا قبل صدقته وبقي معه في إبله حتى جاءت صدقته فلا تؤخذ منه إلا أن يكون الذي اشتراه تركه حولاً، ومن كان له أو معه ثمانون وحول أحدهما في المحرم وحول الآخر في صفر لم أرهُ مجتمعا حتى يجتمع سنة كاملة فأما إذا كانت تجري فيه الصدقة فإن كل واحد يخرج زكاته في وقته وليس هذا مما يوجب أن يخرج قبل الحول، ولا يجوز الاجتماع أقل من الحول، ومن كان له أربعة أبعرة ولزوجته بعير فإن كانا متفاوضين فعليهما الصدقة، ومن ذهب بعض ماشيته التي كان يخرج صدقتها ثم استفاد ماشية قبل محل صدقتها بما يتم عليه أخرج صدقتها في وقت محل صدقته، وإن انقطعت صدقة الماشية عنه ثم استفاد فلا صدقة عليه ولو بقي من الأول شيء حتى تحول سنة، ومتى حال حول الماشية أدى صدقتها، وقد وجدت قولا أنه لا زكاة في الماشية على طفل ولا مجنون لأنها عبادة مثل التوحيد والمخاطب بها من خوطب بالصلاة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أمرهما.
مسألة: (6/298)
صفحة 299
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث عمر على الصدقة يقبضها من أهلها فأتى العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه فمنعه فأتى عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن عمّك منع صدقة ماله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا حفص إن عمّي لم يمنع صدقة ماله، ولكنا احتجنا فعجلنا صدقة عامين لعام، وروى علي أن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عجّل صدقة ماله قبل أن تحل ففي هذه الأخبار ما أجازوا تعجيلها للعام والعامين وأكثره، ومن عجل بشاتين من مائتين وحال الحول وعنده مائة وتسع وتسعون شاة جاز تعجيلها ولا شيء عليه، وإن حال الحول وهي أكثر من المائتين فعليه شاة أخرى لأن الحول قد حال وعليه ثلاث شياه ولا تجزي عن من أخرجها إلا بنيّة لاختلاف أنواع الصدقات فميزها بالنيّة التي تميّز من كل فعل وقبض الزكاة إلى العامين. قال الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) الآية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «خذ من أغنيائهم وردّ في فقرائهم» (2)
__________
(1) سورة التوبة: 103.
(2) سبق تخريجه في حديث: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُم...».. (6/299)
صفحة 300
وللعامل قبضها وإعطائها أهلها لأن الزكاة عبدة وحق واجب فلا يجوز إسقاط العبادة، ومن بادل ماشيته بماشية من نوعها استقبل حولها لأن زكاة السوائل باعتبار أعيانها، ومن باع ماشيته بعد وجوب الصدقة عليه فيها جاز بيعه وعليه زكاتها، وفي الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتاكم المصدق فلينصرف وهو عنكم راض»، وذلك أنه يجب أن يخرجها من طيب نفس ويقصد بها الله ابتغاء وجهه تعالى لأنها طهارة، وإذا بلغ غنم أحد الخليطين أربعين شاة وعند الآخر عشرون شاة فهي شاة على صاحب الأربعين وهذا على قول من لم يوجب الزكاة في الخليط، ومن له عشرون ومائة شاة ونتجت سخلة ليلة آوى المصدق، فعلى قول أن بتلك لا تتم الصدقة عندهم حتى تقطع الوادي راعية، فأم بعض القول فيوجب الصدقة، وفي رجلين لكل واحد أربع بقرات وبينهما بقرة خامسة، فعلى قول إنّ على كل واحد شاة وتسقط عن كل واحد بقدر نصف بقرة، ومن باع ماشيته جزءا منها قبل محل صدقته فلا صدقة عليه فيما باع وفيما بقي إلا أن تتم فيما بقي في يده الصدقة.
مسألة:
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على عمل فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: هذي لكم وهذا أهدي إليّ فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فقال: « إنَّا نَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ فَإِذَا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ. مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ بِعَمَلٍ فَلْيَأْتِنَا بِقَلِيلِه وَكَثِيرِهِ» (1) وهذا ما تقول به الأئمة على أن لا يقبلوا من الولاة ما اتهموهم به مما ادعوه لأنفسهم، ويجب أيضا على كل من تول أن يأتي بكل ما سلم إليه من الصدقة، وقد كره لهم أخذ الهدية ولم تجز لهم الرشوة والتوفيق بالله.
__________
(1) رواه البخاري عن أبي حميد الساعدي بمعناه، باب من لم يقبل الهدية، ر2457، 2/917. ومسلم مثله، باب تحريم هدايا العمال، ر1832، 3/1463. (6/300)
صفحة 301
فصل: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْعَامِلُ فِي الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ لِوَجْهِ الله كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ الله حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ» (1) ، « وَالْمُتَعَدِّي فِيهَا كَمَانِعِهَا» (2) وقال صلوات الله عليه: «لا يصدر المصدق عنكم إلا وهو راض».
الباب الثالث والثلاثون: زكاة الفطر ومعرفة إخراجها ومن تلزم ومن لا تلزم، وعن من تلزم وأحكام ذلك
«سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد والصغير والكبير من المسلمين وهو صاع عن كل رأس من تمر أو بر أو شعير أو ذرة أو زبيب أو لبن مما وجبت فيه الزكاة من الحبوب». وقيل: يعطي كل مما يأكل ويعطيها الغني ويأخذها الفقير، يقال: إن زكاة الفطر كفارة لما دخل في الصيام من اللّغو والنقض والله أعلم. وعن ابن عباس قال: فرض الله عز وجل زكاة الفطر طهارة للصيام من اللّغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، والمجاهدون لهم حق في صدقة الفطر إذا كانوا ذوي حاجة وهم فيها بمنزلة غيرهم من المسلمين أو أفضل، وزكاة شهر رمضان للأعراب مما يأكلون فإن كان اللّبن أعطوا منه صاعا وإن كان تمراً فيعطون منه صاعا، وكل قوم يعطون مما يعولون به عيالهم، ومن أعطى اللبن في زكاة الفطر أعطى لبنا خالصا لا يخلط به ماء، ومختلف فيه قَال قَوم: من الرائب وقال قوم محض والله أعلم.
مسألة:
ومن كان له ولد صغير في بلد غير بلده الذي هو فيه أخرج عنه لأن مؤونته لازمة له والله أعلم بالصواب.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود، عن رافع بن خديج بلفظ قريب، باب في السعاية على الصدقة، ر2936، 3/132. والترمذي، مثله، باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق، ر645، 3/37.
(2) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظه، باب (58) الْوَعِيد فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ، ر342. (6/301)
صفحة 302
ومن مات مملوكه ليلة الفطر فليس عليه زكاة الفطرة، ومن أكل البر فليخرج البر أو الأرز أو الذرة والشعير فليخرج مما يأكل، وإن أعطى برا فأفضل، والتمر جائز في الفطرة ولا يجوز في كفارة الأيمان إلا عن قوم هو طعامهم، ويخرج الرجل الفطرة عن نفسه وعياله وأولاده الصغار والمرضع عن كل واحد أربعة أمداد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأربعة أمداد هو صاع، والمدّ ربع الصاع، وكيف شاء دفعها إن شاء مدّين وإن شاء أربعة أمداد لرجل واحد يجزيه ذلك، ومن قدم الفطرة قبل يوم الفطر بأيام فلا بأس ويستحب إعطاؤها يوم الفطر قبل صلاة العيد، وإن أخرجها بعد ذلك فلا بأس عليه، ومن أبق مملوكه فليس عليه أن يخرج عنه حتى يعلم أنه حي، وقيل: ما دام يرجوه ويعلم مكانه فعليه زكاته، وإن كان غلام بين اثنين فكره أحدهما أن يخرج عنه زكاة الفطرة فليس على الآخر إلا في نصيبه، ومن له رقيق ثلاثة وحصة في مسكن وأرض فإنه يلزمه زكاة رمضان ولا نرى الفطرة إلا مثل الصدقات وغيرها، ومن أصاب طعاما فأخرج عشون وله عيال وليس له من الطعام ما يبلغه سنة فله أن يأخذه من الفطرة وللنساء في الصدقات إذا كنّ فقراء، وعن أبي جابر: ومن أعطى صدقة الفطر عن نفسه وعياله مسكينا واحدا أجزأه ذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « اغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عن المسألة» (1) فمن أعطى ذلك مسكينا واحدا كان أبلغ في الأغنياء من أن يعطي مسكينا شيئا يسيرا، فأما ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» (2)
__________
(1) رواه البيهقي، عن ابن عمر بلفظ قريب، جماع أبواب صدقة التطوع، باب التحريض على الصدقة، ر7528، 4/175. وابن عدي، مثله، أسامي شتى ممن ابتداء أساميهم نون، الكامل في ضعفاء الرجال، 7/55.
(2) رواه أبو داود، عن ابن عباس، باب من روى نصف صاع من قمح، ر1622، 2/114. والنسائي، مثله، باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة، ر1580، 3/190.. (6/302)
صفحة 303
ولم يفصل بين واحد أو أكثر، ومن كان تحل له الصدقة لم تجب عليه صدقة الفطر. قال الشافعي: تجب على الفقير صدقة الفطر، واحتج من قال بذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فرض على كل حرّ وعبد وصغير وكبير، غني وفقير صدقة الفطر» (1) فأمّا الفقير فيزكيه الله وأمّا الغني فيرد الله عليه أكثر مما أعطى، لأن وجوب الصدقة متعلق بطلوع الفجر يوم الفطر فإذا مات ميت قبل ذلك لم يصادفه وقت الوجوب، ومن أصاب طعاما فأعطى عشوره وله عيال وليس له من الطعام ما يبلغه سنة فله أن يأخذ من الفطرة وللنساء في الصدقات إذا كن فقراء.
مسألة:
وإذا اشترى المسلم عبدا ذميا لم يجز له أن يجبره على الإسلام ولا يعطي عنه الفطرة، وقيل: إنه يحمل على ثمرته، والعبد المخرج للتجارة في الفطرة عنه اختلاف، منهم قال: الزكاة في المال دون الرقبة، ومنهم من قال: الزكاة في العبد وفي المال، ومن أتى عليه الفطر ومعه رقيق للتجارة لا يريد إمساكهم فلا نرى عليه الفطرة عنهم، وقال أبو الوليد: وأما في الكتب فإنا نجد أن ذلك عليه، ومن باع غلامه في رمضان فالفطرة على المشتري إلا أن يبيعه ليلة الفطر فهو على البائع، ومن مات في رمضان فعن أبي عبد الله قال: ليس عليه ذلك. قال أبو الوليد: أما أنا فقد أخرجت عنه، وقال أبو الوليد: أيضا حتى يموت ليلة الفطر.
مسألة:
ومن مات ليلة الهلال من شوال وقد صام رمضان فمنهم من قال: تجب عليه الفطرة، ومنهم من قال: حتى يطلع الفجر ثم تجب عليه، ومن كان فقيرا وله بنون وله نخل ولا يطيق أن يعطي عن عياله كلهم الفطرة فمن كان فقيرا فالله أولى بالعذر ولا نرى على من يأخذ الفطرة أن يعطيها. قال الربيع: قال الله تعالى: {إنما الصدقات...} (2) ليس عليهم.
مسألة:
ومن اشترى عبدا قبل الفطر بأيام فعليه الفطرة عنه، وإن اشتراه يوم الفطر فعلى البائع إخراجها عنه.
مسألة:
__________
(1) نفس تخريج الحديث المتقدم.
(2) سورة (6/303)
صفحة 304
ومن ولد في رمضان ومات يوم الفطر أخرج عنه، وإن ولد في رمضان ومات فيه فما أقول إن عليه الفطرة والعبيد إذا أخرج من عمّالهم الصدقة فإنا نرى عليهم إخراج الفطرة عنهم ويستحب للرجل أن يخرج مما يأكل، وعن أبي عبيدة أن رجلا سأله وكان السائل لابساً ثوبين جديدين فقال: يا أبا عبيدة أعليّ فطرة رمضان؟ فقال أبو عبيدة: بع ثوبيك هذين واشتر دونهما وأعط زكاة شهر رمضان، ومن أخذ الصدقة فلا صدقة عليه في أهله وماله.
مسألة:
قال محبوب: لو أعطى الرجل بدل الصاع ديناراً فلا يجوز ولكن يعطي مما يأكل صاعاً. قال أبو إبراهيم: حفظنا أن الفطرة صاع من الطعام من الحب والتمر مما يأكل المعطي فإن أكل تمراً أعطى تمراً ونحن نعطي إذا ضاع الحب نحو ربع من التمر لأنا نأكل منه، وقال أبو جابر: صاع التمر بصاعه يعني قفيزاً وفيها قول آخر أنه هو صاع كما جاءت السنة وهو مجتبي والاحتياط ما قال أبو جابر، وعن أبي جابر يعطي من التمر قفيزا ومن اللّبن مثل التمر، وقيل: مكوك ومختلف في اللّبن. قال بعض من الرائب، وقال بعض المسلمين: محض والله أعلم.
مسألة:
والفقراء ليس عليهم صدقة رمضان وإنما أمرهم لهم فمن أعطى صدقة فلا تعطوه منها شيئا وأعطوها الفقراء، وإنما أمرها للفقراء الذين لا صدقة عليهم، ومن كان يأكل بدين من الفاقة فذلك الذي لا صدقة عليه فليعط منها، ومن كان يأكل بدين وله يسار فليعط الفطرة فإن أهل اليسار قد يدانون، وزكاة الفطرة على كل نفس من المولود فصاعدا كل واحد صاع من طعام مما يطعم الرجل عياله ويعتمد عليه في عامة سنته، وهذا قول أبي المؤثر وهو أحب إلينا، قال: وسألت محمد بن محبوب فقلت إنا نأكل من التمر والحب فمن أيهما نخرج فقال: من أيهما أخرجتم فقد أجزاكم والقول الأول أحب إلينا، وقد كتبت إلى محمد بن محبوب عمن أخرج الفطرة قبل رمضان بشهر أو فيه أو بعده بشهر، فقال: أمّا ما كان قبله فلا وأمّا ما كان فيه أو بعده بشهر فجائز.
مسألة: (6/304)
صفحة 305
أجمع أهل العلم على أنه لا يجزئ أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة، واختلفوا في إعطائه من الفطرة فأجاز ذلك قوم ولم يجزه آخرون، وممن أجازه الشافعي ومالك.
مسألة:
ومن اشترى عبدا في آخر يوم من رمضان فزكاته عليه، وإن اشتراه بعدما هلّ الهلال ودخلت ليلة الفطر فزكاته على من باعه، وكذلك إن ولد له ولد آخر يوم من رمضان فعليه الفطرة عنه، وإذا كان القرابة ذوي حاجة فأهل الحاجة منهم بمنزلة ذي الحاجة من المسلمين أو أفضل.
مسألة:
ومن أخرج زكاة الفطر قبل يوم الفطر فجائز إذا كان قرب الفطر ورأى من الفقراء حاجة وبعد الفطر إن لم يكن أخرجها فليخرجها.
مسألة:
والمرأة الغنية إذا كان لها أولاد صغار وهم فقراء لا شيء لهم وأبوهم ميت فلا يلزمها أن تخرج عنهم زكاة الفطرة، ومن أعتق طفلا لزمه عوله ولا تلزمه الفطرة عنه، وكذلك من أعتق ذميا أو أعمى فعليه عوله وليس عليه الفطرة عنه.
مسألة:
قال الفضل: إنما يعطي الرجل الفطرة مما يأكل إن كان غداؤه وغداء عياله البرّ أعطى منه، وإن كان تمراً أعطى منه، أو ذرة أو لبناً أعطى منه، والأرز يعطى في الفطرة، وأقول: عن صاعا من أرز خير من صاع من تمر، وينبغي للمسلمين أن يجتهدوا في الفطرة لأنها زكاة الأنفس، ومن كان طعامه في سنته البر فغلا البر في آخر السنة فأكل خلطا برا وذرة أو كان طعامه بر أو ذرة وشعيرا أو تمرا فأخرج من أي هذه الأنواع مما يأكل أجزأ عنه، وإن أخرج من أفضلها فهو أفضل، ومن كان له عبيد طعامهم الذرة وطعامه هو البر فأخرج عن العبيد الذرة فجائز، وقد رأينا بعد الفقهاء يفعل ذلك، ومن كان أكله البر والشعير والذرة والتمر ليعط مما يأكل هو وعياله، والتمر سمعنا أنه يعطي صاعاً.
مسألة: (6/305)
صفحة 306
وليس على الرجل فطرة ابن أخيه وإنما عليه أن يعيشه وليس أن يعطيه من فطرته ولا لأحد ممن يعول، ويخرج عن اليتيم وعن عبيدة فطرة رمضان من ماله والعبد الصغير على سيده أن يعطي عنه وعن كل مولود، وليس على سيد العبيد الذين للتجارة فطرتهم، ومن أكل البر جاز أن يخرج الشعير عن الفطرة، ومن كان عليه دين ولم يكن معه إلا قدر ما يقضي دينه لم يبق معه يخرج زكاة الفطرة فليس عليه إخراجها، ومن كان في يده سعة إلا إن لم يكن معه يوم الفطرة، ويخرج زكاة الفطرة فإن كان ماله يحتمل ذلك اشتراها بدين أو أقرضها وأخرجها، وسمعنا أنه يقدمها في رمضان ولم نسمع أنه يؤخرها، ومن كان عبده يهوديا فلا فطرة عليه وفيه اختلاف، ومن له عبد قد أخذه بالضريبة فإنه يؤدي الفطرة عنه، والمرأة إذا كان لها زوج فقير وكانت فقيرة أعطيت من زكاة الفطرة، ويعطي أولاد الرجل الصغار أيضا من الفطرة، ومن أخرجها في رمضان قبل الفطر أجزأت عنه وأفضل ذلك يوم العيد قبل الخروج قبل الخروج إلى المصلى، ومن كان عنده من الطعام قدر ما يخرج زكاة الفطرة ثم لا يبقى بعد ذلك شيء فإذا كان لا يتحملها بدين ولا يضر بعياله فليخرجها، ومن كان له أمة تأكل في رمضان ولا تصوم إلا خوفا منه فعليه إخراج الفطرة عنها، ويخرج الرجل الفطرة عن أولاده وليس عليه إخراجها عن البالغين منهم، وعليه إخراجها عن البالغات من النساء إذا كنّ في حجره ولم يتزوجن، وإذا تزوجن ثم طلقن أو مات أزواجهن ولم يكن لهن شيء فليس على الأب أن يخرج لهن شيئا ويخرج عن زوجته وعبيده ونفسه وأولاده الصغار وليس على المرأة أن تخرج عن زوجها.
مسألة: (6/306)
صفحة 307
وزكاة الفطر عندنا واجبة كما قال أصحابنا وتبعهم على ذلك كثير من مخالفيهم لما روي من طريق عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان صاعاً من بر أو شعير على كل حر وعبد، ذكر وأنثى، صغير وكبير، وكل من قدر عليها فعليه فعلها لأن الفرض لا يزول عمن قدر عليه وعلى من لزمه المسارعة إلى فعله إذا قدر على ذلك فإذا لم يقدر عليها وقدر بعد خروج وقتها لم يجب عليه لأنه لم يكن خوطب بها في وقت أدائها، وكان ابن عمر لا يخرج في زكاة الفطرة إلا التمر مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا، وكان مالك بن أنس وأحمد بن حنبل يميلان إلى التمر، واستحب مالك إخراج العجوة، وكان ابن أبي يوسف يستحب إخراج التمر والشعير، ومال الشافعي وإسحاق إلى إخراج البر، ومن كان له مال وهو طفل فعلى وليّه إخراجها عنه من مال الطفل، ومن لزمته فأخرجها أحد عنه بغير أمره لم يجز عنه من فرضه لأن الفرض لا يزول إلا بنية. (6/307)
صفحة 308
قال أبو المؤثر: يسقط عنه ولو لم يأمر بإخراجها إذا صدق المخبر، ولعله يذهب إلى أن سبيلها في الوجوب سبيل الديون وهي غير الدين لأن الدين لمعين من الناس فإذا صحّ قبضه له برئ منه المديون ولو أبرأه منه من غير قبض برئ منه المديون، والزكاة لغير معين ولو أن فقيرا أو جماعة من الفقراء ممن عود يدفع إليهم الزكاة أبرؤوه منها لم يبرأ باتفاق، ولا يعلم أيضا من وجب عليه تسليمها عنه إلا بقول من ادعى تسليمها إلى الفقراء، ولو قال الفقير إني قد قبضت عنك من فلان زكاة لم تقبل منه لأنه اجتزأ عن نية الدافع ولو وكله في دفع الزكاة ودفع الدين فأخبره بأنه قد فعل ذلك برئ إذا تقدم الآخر منه بذلك وكان ثقة عنك، وفرق آخرون بين الزكاة والدين أن صاحب الدين لو جاء يطلب دينه الذي كان له على الآخر وأنكر أنه لم يقبضه من ثقة بعد إخبار الثقة بالدفع لم يكن قول الثقة حجة عليه ولا حجة لمن عليه الدين، ولو قال الفقير: لم يكن دفع إلي على ما ذكر لك من تسليم الزكاة إليّ كان القول قول الثقة في خبره، وهذا يبين أن الزكاة سبيلها غير سبيل الدين وبالله التوفيق.
مسألة: (6/308)
صفحة 309
وقيل عن عمر بن عبد العزيز خطب الناس فقال في خطبته: قدّموا بين يدي صلاتكم زكاتكم يعني زكاة الفطرة فإنها مفروضة فإن الله تعالى يقول: {قد أفلح من تزكى...} (1) وهي فريضة أيضا مع الشافعي وداوود ومحمد بن سيرين والضحاك وغيرهم. قال ابن سيرين: صعد ابن عباس هذا المنبر يعني منبر البصرة فذكر في كلامه صدقة الفطر وحث عليها، ورفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من جاء بصاع برّ قبل منه، ومن جاء بصاع شعير قبل منه، ومن جاء بصاع تمر قبل منه، ومن جاء بصاع زبيب قبل منه» (2) وقد شككت أنا في الدقيق والسويق، الصاع الواجب في صدقة الفطرة أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، وقال أبو حنيفة: الصاع أربعة أمداد، والمد رطلان، والحجة ما روي عن أحمد أنه قال: عبرت صاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان خمسة أرطال وثلث، وعن الواقدي أنه قال: درت بصاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مالك وأبي الرماد وابن أبي ذويب وابن أبي سيره فكان خمسة أرطال وثلث، والمشهور في ذلك قصة الرشيد أنه لما قدم حاجاً جمع بين مالك وأبي يوسف فناظرا في مجلسه فسأل مالك أبا يوسف عن صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ثمانية أرطال، فاستدعى مالك أهل المدينة فجاؤوا بصيعانهم فهذا يقول حدثني أبي عن جده أنه حمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر بهذا، وهذا يقول: حدثني أمي عن جدتي أنها حملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر بهذا فجمع ذلك وغيره، وكان خمسة أرطال وثلث، فرجع أبو يوسف عن مذهبه، والذي روي أن صاع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ثمانية أرطال فمحمول على صاع الماء الذي يغتسل به، وقد رويت أخبار تدل على أن صاع النبي عليه الصلاة السلام للماء غير صاع الزكاة، وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ بمد من ماء وهو ربع صاع، ويغتسل بصاع، وعلى هذا الحديث إن المد رطلان،
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/309)
صفحة 310
والصاع ثمانية أرطال والله أعلم، وجمع الصاع أصوع. قال أكفأهم أنتم والمشهورون هم *** كما يُحابنُ بين الأصوع الكيل يقال هذا حبن هذا، أي مثله، والكيل جمع كايل يكيل الشيء.
مسألة:
اختلف في زكاة الفطرة عن المكاتب، كان ابن عمر لا يؤدي عن المكاتبين وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي وأحمد والثوري، وقال أصحاب الرأي: ليس على المكاتب في رقبته الزكاة، والذي يوجب الزكاة عن المكاتب هو الذي يقول إنه عبد ما بقي عليه درهم، وكان ابن عمر يخرج زكاة الفطر عن عبيده الذين بوادي القرى وبحنين وبه يقول مالك والشافعي والكوفي وكثير سواهم، وفي الآبق اختلاف كثير وأكثر القول الإخراج عنه إن علم بمكانه أو لم يعلم ومختلف في العبد الذي غصب. قَال قَوم: يخرج عنه لحديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس على كل حرّ وعبد من المسلمين وأوجب بعد الفطرة عنه، ولا تجب على الرجل زكاة الجنين في بطن أمه وهو قول أكثر الناس، وفرض صدقة على الناس إلا من لا شيء له، وقال بعض أصحاب الرأي: ليس على كل من تحلّ له الصدقة صدقة الفطرة، وقال بعض: إذا فضل عن قوت المرء وقوت من يجب عليه أن يقوته بمقدار زكاة الفطرة فعليه أن يؤدي وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما، ولا يجزئ في الصدقة أقل من صاع وهو قول مالك والشافعي وأحمد والحسن وجابر بن زيد، وكان ابن عمر لا يخرج إلا التمر إلا مرة فقد أخرج شعيراً، وكان مالك وأحمد يميلان إلى التمر والشعير، وقال الشافعي: أحبّ إلي أن يخرج البر، وقال بعضو قومنا: ليس على البدو زكاة الفطرة، والبدو داخل في جملة من فرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر لأنه لا يخلو أن يكون حرا أو عبدا أو صغيرا أو كبيرا أو ذكرا أو أنثى، وكان ابن عمر لا يخرج في زكاة الفطرة إلا التمر إلا مرة واحدة أخرج شعيرا، وكان مالك وأحمد بن حنبل يميلان إلى التمر واستحب مالك إخراج العجوة. (6/310)
صفحة 311
مسألة:
وقال أبو ثور: يستحب إخراج التمر والشعير، ومال الشافعي وإسحاق إلى إخراج البر، ومن أكله غليثا فأخرج منهما جميعا جاز وإن أخرج من أجودهما فهو أفضل، وإن أخرج من دونهما لم يجز، والغليث هو الخليط، أي هو المخلوط، وكل خليطين غليث، يقال هو يأكل الغليث، أي يأكل الشعير والبر، أو البر والذرة أو نحو هذا مخلوطين، ويقال: غلث هذا الطعام أي خلطه، ويقال: غلث طعامه أي خلط، ويقال: غلث بالعين أيضا. قال لبيد: ... ... مسمولة له غُلِثَتْ بنابت عرفج *** كدخان نار ساطع أسنامها غلثت: خلطت.
مسألة:
والمستحب إخراجها قبل خروج الناس إلى المصلى فينبغي لمن وجبت عليه أن يخرجها قبل خروجه إلى الصلاة لأنها فرض وتعجيل الفرض خير من تأخيره، وروي عن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بإخراج صدقة الفطر قبل الصلاة ويقول: أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم، وبهذا أيضا يقول أبي حنيفة، وقد أجاز أصحابنا تعجيلها في شهر رمضان قياساً على تعجيل زكاة الأموال، والناس مختلفون في تقديمها وتقديم زكاة الأموال قبل وقتها.
مسألة: (6/311)
صفحة 312
وزكاة الفطر واجبة في رواية عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فرض زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد، صغير وكبير، ذكر وأنثى مسلم، يخرجها المرء عن نفسه وعن من يقوم بأمره» (1) ، وفي رواية أخرى: «يخرجها الرجل عن من يعول»، وفي رواية بعد مخالفينا: ««عَمَّنْ تَمُونُونَ» (2) ، وفي رواية أخرى من طريق أصحابنا: «مما يأكلون»، يعطيها الغني ويأخذها الفقير ولم يرو إخراج هذين الصنفين تعلقا بهذا الخبر، وروي أن الحسن البصري قال: خطبنا ابن عباس بالبصرة فذكر في خطبته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوجب صدقة الفطر من شهر رمضان، فإن قال قائل: إن الحسن لم يكن في أيام ابن عباس بالبصرة، قيل له: أراد بذلك والله أعلم، أنه خطب أهل البصرة والحسن من أهلها فلذلك قال: خطبنا، وفي قول أصحابنا أن الصاع من التمر خمسة أرطال وثلث، وكذلك نقل أصحاب الحديث هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن بعض أصحابه، وصدقة الفطر مأخوذة من الاسم تجب يوم الفطر ولا تجب قبل ذلك. قال أصحابنا بتقديمها في شهر رمضان وإنما تجب على من قدر عليها ولم يكن هو محتاجا إليها.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري، عن ابن عمر بلفظ قريب، أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر، ر1432، 2/547. ومسلم، مثله، باب زكاة الفطر، ر984، 2/677.
(2) رواه البيهقي، عن ابن عمر بمعناه، باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره...، ر7474، 4/161. والدارقطني، مثله، كتاب زكاة الفطر، ر12، 2/141. (6/312)
صفحة 313
والصاع عند أبي حنيفة ثمانية أرطال بالعراقي، وقال أبو يوسف ومحمد: خمسة أرطال وثلث، وبه يقول بعض أصحابنا وقال أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال والمدّ رطلان، وذهبوا إلى خبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - « كانَ يَغتسلُ بِالصاعِ» (1) ، وأنهم سمعوا أنه كان يغتسل بثمانية أرطال، وأما أهل الحجاز فمعهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطل وثلث يعرفون ذلك بالزكاة وصدقة النسك والكفارة، وأما المكيال الذي يسمونه الفرق فهو ستة عشر رطلا وأما القسط نصف صاع هذه مكاييل أهل الحجاز.
مسألة:
اختلف أصحابنا في صدقة الفطر من قبل الزوجة فقال بعضهم: يجب على الزوج، وقالَ آخَرون: لا يجب على الزوج شيء من ديونها وصدقة الفطر هي من دينها، وحجة صاحب هذا الرأي أن فرض الصدقة كان عليها فالفرض لا ينتقل عنها بتزويجها، وحجة صاحب هذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عمر أوجب صدقة الفطر على الصغير والكبير، والحر والبعد، والأنثى والذكر من المسلمين، ومن طريق جعفر بن محمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ممن تمونون» فكان هذا الخبر زائدا على الأول، والزيادة مقبولة في الأخبار والأخذ بها واجب والله أعلم، وصاحب الرأي الأول حجته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوجب الصدقة على الزوج من قبل الزوجة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: "عمّن تمونون" وإنما قال: «ممن تمونون» والله أعلم بالأعدل من القولين.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري، عن أنس بلفظ قريب، كتاب (4) الوضوء، باب (46) الوضوء بالمد، ر198، 1/84. ومسلم، عن أنس بلفظ قريب، كتاب (3) الحيض، باب (10) القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، ر325، 1/258. وأبو داود، عن عائشة وجابر بلفظه، كتاب الطهارة، باب ما يجزي من الماء في الوضوء، ر92، 93، 1/23. (6/313)
صفحة 314
والمرأة إذا لم يكن لها زوج تمون نفسها فإذا تزوجت وجبت نفقتها على زوجها ووجبت عليه صدقتها لأنها ممن تمون والقول الأول أنظر عندي وأقوى في باب الاحتجاج، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ممن تمونون»، وأيضا فإن المرضعة ممن تجب على الزوج مؤونتها في رضاعة ولا تجب عليه صدقتها باتفاق وكذلك المطلقة الحامل تلزمه مؤونتها ولا تجب عليه صدقة الفطر عنها، فإن احتج محتج فقال: إن المرضعة والمطلقة هذه مؤونتها تجب على الرجل لأجل ولده الذي في بطنها والمرضعة مؤونتها تجب لأجل اللّبن والولد الذي ترضعه لأبيه وهما كالأجيرين، والزوجة ليست كذلك، قيل له: جعلت عليك وجوب المؤونة فأريناك سقوط ما ألزمنه مع وجوب المؤونة، وفي بعض الآثار أن على الزوج فطرة الزوجة وليس على الزوجة فطرة الزوج.
مسألة:
وزكاة الفطرة فريضة لاتفاق الأمة على أن تاركها غير معذور، ولو كانت سنّة لما اتفقوا على وجوبها وهلاك تاركها، فعند جميع الفقهاء أن تاركها بعد وجوبها هالك، فدل على أنها فريضة تبينها السّنة، وهي فريضة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها فريضة على كل صغير وكبير، وإنما قال أصحابنا إنها فريضة بالسنة، ومن تركها وهو يقدر عليها فقد ركب الوعيد وخالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزكاة الفطرة فريضة على الغني وإنما يعطي التطويع مما يؤكل في رمضان ولا يجزئ غير ذلك، ومن كان يأكل في رمضان خليط برّ وذرة فيجزيه أن يؤدي خليطا، وإن أعطى من الأجود منهما فهو أفضل، وإن أعطى من الأدون منهما فلا يجزيه.
مسألة: (6/314)
صفحة 315
وزكاة الفطر على كل إنسان صاع من حب أو تمر أو من سائر الأجناس الموصوفة، فإن كان تمرا مكنوزا كان الوزن منوين ونصف وأربع أواق، وجائز أن يعطي رطبا وبسرا من الرطب صاع ونصف، ومن البسر صاعين، ويعطي من التمر صاع، ووزنه قبل أن يكنز ثم يزيد عليه فضل ما زاد فيه من الماء، ولم يجز الشافعي الرطب في الفطرة، وأجاز أبو حنيفة الرطب والبسر وغير ذلك بالقيمة والله أعلم، ولا يعطي في الفطرة دقيقا، وفي موضع آخر أن من لم يقدر على الحب وأعطى دقيقا أعطى منه أكثر من صاع، أجمع أهل العلم على أن الشعير والتمر لا يجزئ عن كل واحد منهما أقل من صاع بمقدار نقصانه عن الحب، وأجمعوا على أن البر يجزئ منه صاع واحد، واختلفوا في نصف صاع من البر، فقال مالك وأصحابه والشافعي وغيرهم: لا يجزئ من البر أقل من صاع وبذلك قال الحسن وجابر بن زيد، واللبن يجوز في الفطرة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا أكل الطعام قال: «اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه، وإذا أكل اللّبن قال: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» (1) فطلب ما هو خيرا من الطعام وطلب الزيادة من اللّبن، ومن أراد أن يخرج تمرا مكنوزا فقد أجاز بعض الفقهاء عن الصاع خمسة أرطال وثلث، وبه يقول الشافعي، وعندي أنّ التمر الثقيل كالبلعق والفرض ونحوه وزن الصاع منه ثلاثة أمنان.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/315)
صفحة 316
زكاة الفطرة على جميع الناس إلا من لا شيء له فقد أجمعوا على أنه لا شيء على من لا شيء له، ولا يلزم عن الجنين في بطن أمه زكاة الفطرة، وإذا قدر الفقير على الفطرة فقد لزمته، ومن كان يعول جماعة وعنده قوت يومهم أو يفضل عليهم فإذا أخرجها لحقه الضرر لأنه فقير فإن كان يضر بنفسه وبعياله أداء إخراجها فهذا لا يقدر عليها، وقاس ذلك الذي يجد الماء عند الطهارة ولا يمكنه التطهير به، فإذا خاف على نفسه الضرر منه تيمّم بالصعيد، وقال أبو عبيدة: إذا كان معه ثوبان جديدان باعهما واشترى دونهما وأخرج زكاة الفطر، ومن أكل من فطرته بعد تسليمها إلى الفقير برأيه فجائز.
مسألة:
ومن وهب لرجل عبداً قبل هلال شوال فلم يقبضه أو يقبله حتى دخل هلال شوال ثم قبله قبل أن يرجع عليه الواهب، إن صدقة الفطر تجب على الموهوب له لأن الملك له قد صح بقول الواهب، وقال بعض أصحابنا: إنّ صدقة الفطر تجب على الواهب دون الموهوب، وهذا القول أيضا يصح في الاحتجاج له من قبل أن الهبة لا تثبت إلا بالقبض فلما كانت موقوفة ثم قبلها الموهوب له علم أن العبد خرج من ملك الواهب بالهبة والأول عندي أنظر والله أعلم، ومن ذلك قِيلَ: إنَّ بيع الخيار إذا كان للبائع فله أن يبيع ويفسخ العقد الأول وله أن يرجع فيبطل البيع الموقوف بالخيار، وإن كان قد وقع في وقت الأول إذا لم يكن رجع البائع، وكذلك الهبة، وأيضا فإن المشتري والموهوب له قد تعلق لهما الحق وإن كان عليهما خيار وبالله التوفيق.
مسألة:
وزكاة الفطرة واجبة على الضعيف والغني، وجائز للضعيف أخذها من الغني وواجب على الضعيف إخراجها عن نفسه إذا قدر على ذلك، ولا تجب على الفقير إذا كان لا يقدر على أدائها وكان يلحقه ضرر فيها وهي فريضة على من قدر عليها، ومن كان لوده عبد فزكاة الفطر في مال الوالد فإن لم يكن للولد مال سوى هذا العبد فنقته على والد الصبي ما دام حيًّا ولا يجوز لأم الصبي أن تعطي فطرتها من مال ولدها. (6/316)
صفحة 317
مسألة:
أوجب بعض الفقهاء على الوصي إخراج الزكاة والفطرة من مال اليتيم، وبعضهم قال: ليس عليه فإذا بلغ اليتيم دفع إليه وعرّفه ذلك.
مسألة:
ومن باع غلامه وقد أهلّ شوال فمنهم من أوجب الفطرة على المشتري ومنهم من أوجب على البائع فالذي أوجب على البائع ذهب إلى أنها وجبت الصوم وإنما خوطب بإخراجها يوم الفطر، وقالَ آخَرون: إنما وجبت يوم الفطر.
مسألة:
وزكاة الفطرة واجبة على كل حر بالغ غني أو فقير إلا فقير يلحقه في تسليمها ضرر وهو أن لا يجد بعد تسليمه لها قوتا ويخاف عليه وعلى عياله الضرر فيها فهذا معذور وعلى من قدر عليها أن يخرجها عن نفسه وعن من يعوله بحق واجب، واختلفوا في الزوجة فمنهم من أوجب على الزوج أن يؤدي عنها ومنهم من لم يوجب، وقال أبو حنيفة لا تجب على الزوج فطرة زوجته وأوجبها عليه الشافعي.
مسألة:
وعلى الرجل أن يخرج عن عبده الآبق والمغصوب إذا علم بمكانهما وقالت له الصحة بحياتهما وهو قول الشافعي.
مسألة:
ومن وجبت عليه الفطرة وله مال ولا يؤدي ذلك فإن كان مسوّفا لتأخيرها لم يبرأ منها وإن كان جاحدا لفرضها غير معتقد لوجوبها وفرضها برئ منها لأنه كافر، فإن رجع إلى اللازم له فعليه إطعام ما مضى، وليس على الرجل أن يعطي الفطرة عن خادم زوجته الذي لها من الذي لها عليه، وإن كان والد امرأته لا مال لهما فلا شيء عليه ولا يلزم الزوج أن يدفع فطرتهما إلى زوجته.
مسألة:
ومن عدم فطرة رمضان ثم أيسر بعد رجوعه من الصلاة فلا شيء عليه، وإن أيسر قبل ذلك فعليه، وإذا ولد المولود قبل صلاة الفجر غداة الفطر أخرج عنه، وإن ولد بعد الصلاة لم يخرج عنه.
مسألة: (6/317)
صفحة 318
قال أبو مالك: من دفع زكاة الفطرة إلى مساكين أهل الذمة فلا يجزيه، وفي قول أبي حنيفة جائز دفعها إلى أهل الذمة ولم يجز ذلك أبو يوسف، والحجة لهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أدّوا عن كل حر وعبد» ولم يفصل بين أن يكون المؤدى إليه مسلما أو كافرا، وقوله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين...} (1) فأباح البر إليهم، والصدقة من البر من أموالكم.
مسألة:
قال أبو مالك: من دفع زكاة الفطرة إلى مساكين أهل الذمة فلا يجزيه إلا أن لا يجد فقراء المسلمين قيل له: أليس من قولك عن أبي عبيدة أن كفارة الأيمان لأهل الذمة وهي لهم دون فقراء المسلمين فإنهم عنده هم المساكين الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، فقال: هذا قول أبي عبيدة ولسنا نأخذ به ونحون في هذا بغير قول أبي عبيدة لعدم الدليل على صحته.
مسألة:
وإذا كان غلام بين رجلين فكره أحدهما أن يخرج عنه فطرة رمضان فليس على الآخر إلا قدر نصيبه، ومن مات مملوكه ليلة الفطر فليس عليه الفطرة، ومن باع غلامه ليلة الفطر فعلى المشتري فطرته إلا أن يبيعه ليلة الفطر بعد طلوع الفجر فعلى البائع فطرته أو إذا مات ليلة الفطر بعد طلوع الفجر.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/318)
صفحة 319
وزكاة الفطرة هي زكاة الأبدان وهي سنّة، وقَال قَوم: هي فريضة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أَنَّهُ أمرَ بصدقَةِ الفطرةِ من رمضان قَبلَ أن تُفرَض الزكاة على الصغيرِ والكبير، والحرّ والعبد، صاعٌ من تمر أو شعير، فَلَمَّا فرضت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا» (1) ، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ««ألاَ إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرَةِ عَلَى كُلِّ مسْلِمٍ غَنِيٍّ، مُدٌّ مِنْ قَمْحٍ، وَصَاعٌ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ» (2) ،
__________
(1) رواه النسائي عن قيس بن سعد بلفظ قريب وزيادة، باب فرض صدقة الفطر قبل نزول الزكاة، ر2507، 5/49. وابن ماجة، مثله، باب صدقة الفطر، ر1828، 1/585.
(2) رواه الترمذي، عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بمعناه، باب ما جاء في صدقة الفطر، 674، 3/60. والدارقطني، مثله، كتاب زكاة الفطر، ر14، 2/141.. (6/319)
صفحة 320
فإذا كان كذلك لم يجز أقلّ من صاع من الطعام وقيل صاع من لبن لذوي اللبن والروايات كلها متفقة على صدقة الفطر صاع من الطعام إلا ما قال بعضهم في البر أنه نصف صاع والله أعلم، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«أدوا عن كل نفس صاعا من طعام» (1) وقال بعض قومنا: إن هذا محمول على أنه من لم يجد صاعا تاما والله أعلم، وأخذنا في البر بالاحتياط صاع و إنما تخرج عند أصحابنا مما نأكل، واتفق أصحابنا أنه لا يكون أقل من صاع ولا نأخذ بقول من قال في البر نصف صاع ولا ربع صاع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«صاع» والقياس لا يدفع النص في ذلك، ويخرج المرء عمن يعول ولو كان ولدا صغيرا أو بالغا أو معتوها أو عبد أو زوجة فإنه يخرج، والخطاب إلى المولى دون العبد، والغني دون الفقير، لأن الغني يعطي الفقير وتجب على من لا يتحملها بدين ولا يضر بعيال ولأن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» (2) فلذلك قلنا إنه يلزم الغني ويعطي الفقير، والذي يجوز له إعطاؤها لا يجوز له أخذها لأنه غني حين وجود ذلك.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول»، باب لا صدقة إِلاَّ عن ظهر غنى، ر1360، 2/518. ومسلم عن حكيم بن حزام بمثله وزيادة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى...، ر1034، 2/717. (6/320)
صفحة 321
والعبيد صدقتهم على مواليهم إلا عبيد التجارة فعليهم في التجارة ولا عليهم في الفطرة، والزوجة مختلف فيها واختيار أبي محمد أنه لا تجب فطرتها على زوجها، واختار أبي الحسن أنه تجب عليه فطرتها، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ إِلاَّ صَدَقة الفِطْرة مِنْ رَمَضَان» (1) ، واعلم أَنَّهَا على المسلم من أجل عبده.
مسألة:
ولا يزكي عن عبده المغصوب ولا الآبق، واختلفوا في العبد المرتهن وأحب أن يعطي عنه إذا كان غنيا وهو قول مالك والشافعي، واختلف في عبد التجارة ولا أرى عليه زكاة الفطرة وزكاة القيمة.
مسألة:
واتفقوا في التخيير في الفطرة وذلك قوله: صاع من تمر أو صاع من شعير بالاتفاق، واختلفوا في البر فقَال قَوم: نصف صاع، وقَال قَوم: صاع، ونحبّ أداءها كما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن منع التخيير فيها فقد خالف السنة، واختلفوا في الدقيق ولم يره قوم، واللّبن قَال قَوم: إقط، وقالَ آخَرون: لبن، ومنهم من لم ير القمح وإنما يجوز الطعام، وقد جاء في صاع من زبيب ونحن نقول ثلاثة أصناف، صاع من التمر والشعير واللّبن، وإن أعطى البر والذرة فصاع، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراجها قبل الخروج إلى المصلى يوم الفطر.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب صدقة الرقيق، ر1595، 2/108. والدارقطني مثله، باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، ر5، 2/127. (6/321)
صفحة 322
ومن أوصى له بعبد فمات الموصي قبل طلوع الفجر فعليه صدقته عنه وإن لم يقبل الوصية فعلى الورثة، ومن لم يملك عبدا تاماً لم تلزمه الفطرة عنه، وقيل: يعطي بقدر حصته، واختلف قومنا إذا كان لرجل رقبته ولآخر خدمته، فقال الشافعي وأصحابه: لم أجد التمام، ومن رقعاه والموصي له بخدمة العبد تلزمه نفقته ولا يلزمه صدقته وكذلك الفقير نفقته في بيت المال ولا تجب في بيت المال صدقته، وزكاة الإنسان واجبة على الإنسان أن يخرجها حيث يكون بدنه لأنه يؤديها عن نفسه، وزكاة المال حيث يكون المال لأنها تجب في العين فيؤديها حيث العين، وإن كان العبد بين يتيم وبالغ مشتركا فيخرج كل واحد بقدر حصته، وإن امتنع بعض الشركاء فمن أراد أن يخرج فيخرج بقدر حصته، وقال الشافعي: عليهما بجميعه صدقة الفطرة، واحتج من لم يوجب ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدّوا عن كل حر وعبد» والخطاب إذا توجه إلى الجماعة تأوّل الأخبار، وقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} (1) فكل واحد منا منهي عن نكاح ما نكح أبوه، وكذلك قوله تعالى: {ولا تأكلوا الربا} (2) فكل منهي عن أكل الربا، والربا بانفراده فإذا كان كذلك كان كل واحد منّا مخاطباً بإخراج الصدقة عن عبد كامل، وأما إذا لم يملك عبدا كاملاً لم يتوجه عليه الخطاب، ومن جهة النظر أن النصف لا يجوز إثباته إلا بتوقيف واتفاق، وقد اتفقوا على أن العبد الكامل نصاب يجب أداء الصدقة عنه، واختلفوا في نصف العبد وتسمّيته نصابا لعدم التوقيف والاتفاق، قال: ووجه آخر أنه لا خلاف في العبد إذا كان بين الذمي والمسلم أنه لا يلزم المسلم عن نصيبه صدقة، والمعنى فيه أنه لا يملك الولاية على عبد كامل، فإذا كان بينهما ولد فادعياه جميعا فهو على الخلاف، عند أبي يوسف يلزم كل واحد منهما نصف صدقة، وعند محمد يلزم كل واحد منهما صدقة تامة، وخير قول أبي يوسف أن الصدقة تجري مجرى النفقة، ولا خلاف
__________
(1) سورة
(2) سورة (6/322)
صفحة 323
أنه يلزمهما نفقة واحدة كل واحد منهما نصفها فوجب أن يكون صدقة الفطر كذلك، ووجه قول محمد أن الولد إذا ادعياه جميعا كان ابنا لكل واحد منهما لأن النسب لا ينتقض بدلالة أنه يرث من كل واحد منهم ميراث ابن كامل فوجب أن يلزم كل واحد منهما صدقة كاملة، وإذا كان بينهما عبيد فهو على الخلاف، عند أبي حنيفة وأبي يوسف لا صدقة على واحد منهما، وعند محمد على كل واحد منهما بمقدار ما يملك من العبيد، وإذا أسلم الكافر بعد طلوع الفجر من يوم الفطر فلا صدقة عليه لأنه صادفه وقت الوجوب وهو كافر، والصدقة لا تلزم الكافر فإن أسلم ليلة الفطر فالصدقة تلزمه لأن وقت الوجوب قد صادفه وهو مسلم فوجب أن يتعلق به وجوب الصدقة كغيره من المسلمين، ومن كان له درا وخادم وليس له غير ذلك فلا تجب عليه صدقة الفطر لأنه لابدّ له من دار يسكنها وخادم يخدمه فلم يدخل بوجود ذلك في حيز الأغنياء، ويدل عليه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعط السائل ولو جاءك على فرس» (1) فأباح أخذ الصدقة لمن له فرس، فدل ذلك أن الغني لا يحصل إلا لمن له فضل قوته مقدار مخصوص من المال، وإذا ارتدّ قبل يوم الفطر ثم أسلم بعده لم تجب عليه لأنها قربة والكافر لا قربة له فلا يخاطب بإخراج الصدقة كالكافر الأصلي، فإن أسلم ليلة الفطر وجبت عليه لأن وقت الوجوب صادفه وهو مسلم فلزمته كما لزمت غيره من المسلمين، وإذا كان لكافر عبد مسلم لم يكن عليه في نفسه ولا في عبده صدقة الفطر لأنه غير مخاطب بفعلها، وصدقة العبد العادية والوديعة والمرهون والمستأجر وأم الولد والمدبرين على مواليهم وليس شيء من هذا مخرجاً لولايتهم عليهم لأن ملك المودع والمعين لم يزل عنهما وكذلك المرهون لأنه لو أعتقه جاز عتقه وكذلك له أن يفكّه فيرجع إلى يده، وكذلك المدبر الملك باق عليه ببقاء مدبره.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/323)
صفحة 324
وزكاة لا يلزم فيها تحمل دين ولا بيع مال ولا يكون أحد لا تجب عليه ولا له زكاة الفطر بل الناس بين واجبة عليه وواجبة له، ومن وجبت له لم تجب عليه إلا أن يعطيها من غير وجوب عليه فذلك له، ومن وجبت عليه لم تجب له، ومن أخرجها في رمضان كله فجائز، ولا يجوز أن يعطي في صدقة الفطرة نصف الصاع حبا ونصفه تمرا إذا كان يأكل الحب والتمر، أما أن يعطي الكل حبا أو تمرا فجائز.
مسألة:
ومن كان معتقلا فأعطى لفقراء صحار وأصحابهم المعتقلين جاز ذلك ولا تجوز لغني ولا تجب على فقير، ومن كان له عبيد فرضت عليهم الضريبة فعليه الفطرة عنهم لأهم ما فضل في أيديهم بعد الضريبة فهو له إن أراد أخذه أو تركه وفيها قول آخر لم يؤخذ به هذا أعدل عندنا والله أعلم.
مسألة:
ومقدار الصاع الأول خمسة وثلث تمرا برطل العراق، وقال أصحابنا: إن الصاع ثلاثة أمنان إلا ثلث يعرف ذلك بالماش وهو المسنّج عند الناس، وقال الشيخ: ما كان كيله ووزنه سواء من ذلك، وأما السدس فمختلف ولا يوقب عليه لاختلافه في الآفاق، وقيل: إن خمسة أسداس ونصف سدس الجبال وهو مكوك صاع الأول، وسدس صحار أكبر من سدس الجبال.
مسألة: (6/324)
صفحة 325
ومن كان معتقلا في غير بلده وكان غنيا في حبسه لزمه الفطرة وإن لم يجد فإذا أخرج أدى ذلك إن كان غنيا في وطنه، فإن أمر ثقة أن يؤدي عنه فجائز، وأما الفقير فلا تلزمه الفطرة في حضر أو سفر، وجائز له أخذها، ومن غاب عن أهله وبلده وماله ففيه اختلاف. قال بعضهم: لا تلزمهم الفطرة عن أهاليهم لعلهم قد ماتوا حتى يعلم أنهم في حكم الحياة يوم الفطر ثم يلزمها إذا كان غنيا والأول أحول وأولى والله أعلم، قال: ولم أعلم أن السمسم من الطعام ولا يجزئ في الفطرة عن الطعام، ولم أعلم أن الفضة تجزي وإنما جاءت الآثار وتواترت الأخبار بالطعام في الفطرة لا الدراهم والمستحب أن يخرج الإنسان مما يأكل أفضل له كما أمر، ومن دفع عن ولده عن كل واحد منوين تمرا بدل الصاع وخبزا موزونا فلا أعلم أن ذلك جائز في الفطرة وإنما جاء صاع من تمر أو حب، والحبوب صنوف والأطعمة منه والزبيب وقيل اللّبن، والوزن في التمر إذا عدم الكيل ولا يجزئ نصف صاع والسّنة المتبعة صاع من طعام لا أقل منه والله أعلم، وإذا دفعت إلى واحد فقد قِيلَ: إنَّها تجزي مثل الزكاة، وقيل غير ذلك إذا دفع الصاع إلى فقير أحضر عليه النيّة أنه عن فلان يعني واحدا ممن تلزمه تقرباً إلى الله تعالى، ولا يلزمه عن أولاده البائنين عنه ولا عبيدهم ولا عن عبيد زوجاته، ومن كان لامرأته عبيد كثير فذلك عليها هي ولا يلزمه عن أبويه إلا أن تكون عليه نفقتهما وهو غني فيخرج ولا يخرج عمن لا يمون، ويخرج كل عن أكله وأطعمته على أهل اللّبن اللبن، وعلى أهل الأطعمة.
مسألة: (6/325)
صفحة 326
بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول الله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} (1) إنما نزلت في زكاة الفطر ولم أرهم يخرجون عنها صاع دقيق ولا دخن ولا باقلا ولا لوبيا ولا لبن ولا سمك ولا لحم ولا بعض الإدام ولا يأمرون به ولا أقول إن ذلك يجزئ ما عليه إلا ما قالوا في صاع اللبن فإنه يجزئ معهم، والآخر لم أسمع به ولم يبح في الفطرة إلا في الحب والتمر، وقيل اللبن، وفي كتاب الرقاع عن أبي عبيدة أن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة شهر رمضان صاع من بر أو من ذرة أو من شعير أو من تمر أو من زبيب أو من دخن أو من لبن لذوي اللبن.
مسألة:
ومن أخرجت عنه زوجته الفطرة لم يجزه إلا بأمره ونيّته لذلك ومن لا مال له وعنده خمسون درهماً فاضلة عن نفقته وعياله عنه غائبون فإن لم يبعث بذلك عن مؤونة عياله ولا مؤونته حتى جاء الفطر فعلى قول أن الفطرة تلزمه لأنهم قالوا يخرجها من وجدها بلا دين يتحمله ولا يضر فيها بعيال، وهذا عنده مال يخرج منه الفطرة بلا دين ولا يحتال في الوقت لأن العيال غائبون وغيره قائم بهم وأحبّ أن يعطي ذلك عن نفسه وأما العيال فقد قيل يعطي عنهم، وقيل لا يعطي عن الغائب فعلى قول يلزمه عياله وقول لا يلزمه.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/326)
صفحة 327
ومن غير الضياء وعن زكاة الفطرة فعلى ما وصفت في ذلك المجتمع عليه من أهل القبلة أنها سنة ثابتة، وقد جاء الأثر عن بعض المسلمين أنه لا يسع جهلها وهو أكثر القول معنا، وقد قال من قال إنه يسع جهلها ما لم تقم عليه الحجة، نحن نحب أن يكون لا يسع جهلها وتكون لاحقة بالفرض فمن جهلها فلم يخرجها وهو بالحال المجتمع عليه من لزومها فلا عذر له في ذلك ولا يسعه جهل ذلك، وأما الهلاك فلا يلحق عليه به في ذلك ما لم يمت ولا يوصي بذلك، فإن مات ولم يوص به مات هالكا وكذلك إن لم يدن بذلك وكان دان بخلافه فهو هالك أوصى أو لم يوص إذا مات دائنا بتركها، وكذلك إن لقيته الحجة فلم يقبلها ولم يقم بذلك كان هالكا، وأما إن جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك فيرد الحجة ولم يمت على ذلك فهو غير هالك معنا إلا أن يموت ولم يوص بذلك فإن مات ولم يوص بذلك مات هالكاً.
مسألة:
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه لا يجوز تقديمها على يوم الفطرة، وقال مالك والشافعي: يجوز تقديمها على يوم الفطرة، وقال مالك والشافعي: يجوز تقديمها يوما أو يومين ولا يجوز أكثر منه، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدّوا عن كل حر وعبد» ولم يخص وقتا من وقت.
مسألة:
ومن وجد الفطرة وأراد إخراجها فقد قالوا الصدقة لا تجب فيها الصدقة إلا أن يكون واحدا لإخراج الفطرة وإنما تجب الفطرة على من أيسرها وقد عليها بلا دين يتحمله ولا يضر فيها بعيال فيما يستقبل، وقيل: في يومه والله أعلم، ومختلف في وجوب الفطرة على الطفل ورأى بعض وجوبها عليه، وهو قول ابن مسعود، ومن أسر عبدا ذميا ففي الفطرة عنه اختلاف ولا يجبره على الإسلام وكذلك العبد المخرج للتجارة ففيه اختلاف في الفطرة، منهم من قال: الزكاة في المال دون الرقبة، ومنهم من قال الزكاة في العبد وفي المال.
مسألة: (6/327)
صفحة 328
ووصى اليتيم يخرج عنه زكاة الفطرة إذا صح أنه وصي أو وكيل وجائز قبولها منه، وكذلك يخرجها عن عبيده وسبيلها سبيل الزكاة وفيها اختلاف من الفقهاء، منهم من أوجب على الوصي إخراجها عنه من ماله، ومنهم من قال: ليس عليه إخراجها عنه فإذا بلغ اليتيم دفع إليه ماله وعرّفه ذلك.
مسألة:
وقال أبو حنيفة: يجزي في صدقة الفطرة نصف صاع تمر ونصف صاع شعير، وقال الشافعي: لا يجزي مالم يكمل صاع من أحدهما، وبهذا يقول أصحابنا، وقال الشافعي: في العبد يكون بين اثنين فأجاز أن يخرج أحدهما نصف صاع حباًّ والآخر نصف صاع تمرا، وأوجب أوب حنيفة زكاة الفطرة بطلوع الفجر من يوم الفطر، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أدّوا صدقة الفطر من رمضان» (1) قال: والفطر من رمضان إنما يحصل بطلوع الفجر من يوم الفطر، قال: ويدل عليه قوله - عليه السلام - : «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون» (2) فسمّى يوم الفطر اليوم الذي فيه يفطر الناس دون الليل، وقال الشافعي في أحد قوليه: وجوبها بغروب الشمس من آخر ليلة من رمضان، وبقول أبي حنيفة يقول أصحابنا رحمهم الله والله الموفق للصواب، الدليل على صحة قولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدّوا صدقة الفطر من رمضان» فأضاف الصدقة إلى الفطر من رمضان، والفطر من رمضان إنما يحصل بطلوع الفجر من رمضان، ويدل عليه أيضا أن الناس أجمعوا على أن يوم الفطر يسمّى فطرا فلو كان فطرا صوم شهر رمضان قبل ذلك اليوم لما جاز أن يسمى فطرا كاليوم الثاني والثالث من يوم الفطر، ومن جهة أن وجوب الصدقة متعلق بالفطر من رمضان فوجب أن يكون مختصا بيوم الفطر كالصلاة ولأن الصدقة مضافة إلى يوم كانت مختصة به وكذلك النّحر لما كان مضافا إلى اليوم كان مختصا به، ومن وجب عليه صدقة الفطر فلم يخرجها حتى افتقر فهي واجبة عليه في الذمة كسائر الديون وليس افتقاره بعد وجوبها بمسقط لها، والموصي
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/328)
صفحة 329
له بخدمة العبد تلزمه نفقته ولا تلزمه صدقته، وكذلك الفقير نفقته في بيت المال ولا تجب على بيت المال صدقة، وقيل تجب على الفقير الصدقة إذا كان عنده فضل عن القوت، وقالَ آخَرون: يتصدق ويصدق، وزكاة الإنسان واجبة على الإنسان أن يخرجها حيث يكون بدنه لأنه يؤديها عن نفسه، وزكاة المال حيث يكون المال لأنها تجب في العين فيؤديها حيث العين، ومن أثر: وفي إخراج الأرز في الفطرة اختلاف وعند أصحابنا جائز، ومن لم يملك إلا النبق لم تلزمه الفطرة، ومن لم يمكنه إلا فضة فليشتر صاعاً من طعام ويخرج.
مسألة:
كان ابن عمر يأمر بإخراج الفطرة قبل صلاة العيد فإن قال قائل: لِمَ لم يجعل وقت إخراجها من أول اليوم إلى آخره لما روى وكيع عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر صدقة الفطرة فقال: «أغنوهم في هذا اليوم» فجعل - صلى الله عليه وسلم - وقت إخراج صدقة الفطر من يوم الفطر من أوله إلى آخره، قيل له: هذا غلط، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بإخراجها قبل الصلاة، وقوله: «أغنوهم في هذا اليوم» أي في الوقت الذي أمرتكم به فيه، وقد قال تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} (1) في القوت الذي وقفنا عليه ولو كان ذكر اليوم في صدقة الفطر مبيحاً لإثباتها من أوله إلى آخره كان ذكر الله تعالى ليوم الجمعة مبيحاً في إتيان الجمعة من أوله إلى آخره، فلما اجتمعت الأمة على أن ذكر يوم الجمعة لا يبيح إتيان الصلاة فيه من أوله إلى آخره كان ذكر يوم الفطر لا يبيح إخراج الصدقة فيه من أوله إلى آخره، لأن التوقيف في كلا الموضعين في الوقت الذي نودي فيه ما أمرنا بإثباته، والدليل على صحة هذه المقالة قوله - صلى الله عليه وسلم - : «أغنوهم في هذا اليوم عن الطواف» فالواجب أن يؤتى بذلك في الوقت الذي أمرنا بإخراجها ممن لو أخرجها إلى آخي اليوم لم يغنهم عن الطواف والله أعلم.
__________
(1) سورة (6/329)
صفحة 330
فصل: ابن عباس قال: فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطرة طهرة للصيام من اللّغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ولم يجز كثير من مخالفينا إخراجها قبل يوم الفطر ولا بعده إلا من طلوع الفجر إلى انقضاء صلاة العيد، وروى الحسن بن زياد عن أبي الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز تقديمها على يوم الفطر. قال مالك والشافعي: يجوز تقديمها يوم أو يومين ولا يجوز أكثر من ذلك، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدّوا عن كل حر وعبد» ولم يخص وقتاً من وقت، ومن قدر على إخراج صدقة الفطرة وهو محتاج إليها في يومه ذلك لم تجب عليه إخراجها باتفاق الأمة، عن الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة عن صفيّة العدوي قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أدّوا عن كل حر وعبد، صغيرا وكبيرا صاعا من بر أو صاعا من شعير أو تمر». وعند الشافعي لا يجزي إلا صاع من جميع ذلك، وبذلك يقول أصحابنا، وعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صدقة الفطر صاع من حنطة» (1) ومن كان له عبد يهودي أو نصراني أو مجوسي فعلى قول يلزمه إخراج الفطرة عنه، وقال الشافعي: لا يلزمه، واحتج من ألزم عنه بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدّوا عن كل حر وعبد» ولم يفصل بين المسلم وغيره، واحتج من لم يلزم عنه بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فرض صدقة الفطر في رمضان على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين، فخص المسلمين بصدقة الفطر فوجب أن لا يشاركهم في ذلك غيرهم.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/330)
صفحة 331
واختلف في الزوجة وعند الشافعي يلزمه ذلك، واحتج من لم يلزمه ذلك بحديث ابن عمر أنه قال: فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر على كل حر وعبد ذكر وأنثى، فظاهره يقتضي وجوبها على كل مخاطب عن نفسه ولأنه من يملك الولاية عليه بنفسها فاشتبهت الأحاديث ولأن المرأة يلزمها ذلك عن عبدها فلأن يلزمها ذلك عن نفسها أولى ولأن كل من كان مخاطبا بإخراجها عن غيره كان مخاطبا بإخراجها عن نفسه كالرجل، واحتج من ألزمه ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» (1) ومؤونة المرأة على زوجها وبهما من أهل الطهر فيوجب أن تلزمه صدقة الفطر عنها مع القدرة نحو ولده وعبده.
مسألة:
وإذا كان له أولاد صغار ولهم مال فأدى عنهم أبوهم من مالهم فإنه لا يضمن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو محمد: يضمن ذلك لهم وهو قول روي، ووجه قولهما أن صدقة الفطر تجري مجرى النفقة وليست بعبادة محضة كسائر العبادات بدلالة أنها تلزم الغير عن الغير فلو كانت عبادة محضة لم تلزم الغير عن الغير كالصلاة والزكاة وغيرهما، ووجه قول أبي محمد أن صدقة الفطرة عبادة شرعية فأشبهت بالصلاة فلا خلاف أن الصلاة لا تلزم الصبي وكذلك صدقة الفطر، ولأنها حق في مال يعتبر فيها حال المخاطب فلا يلزم الصغير كالزكاة، والمعتوه مختلف فيه في وجوب صدقة الفطر في ماله.
الباب الرابع والثلاثون: في السؤال وصدقة التطوع وأحكام ذلك
__________
(1) رواه البيهقي، عن ابن عمر بمعناه، باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره...، ر7474، 4/161. والدارقطني، مثله، كتاب زكاة الفطر، ر12، 2/141. (6/331)
صفحة 332
ابن عباس في قول الله عز وجل: {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} (1) كان الرجل يتصدق فإذا تقبل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلته فعلموا أن صدقته قد قبلت وإن لم تنزل النار عرفوا أنها لم تقبل، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أتاه خيرا فلير عليه وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على الكفاف» (2) وقال - عليه السلام - : «إن كان شيء يزيد في العمر فإنها الصدقة تمنع سبعين نوعا من أنواع البلاء» (3) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اتقوا النار ولو بلقمة خبز أو بتمر أو بثوب خلق أو بشملة أو بجلد مرقوع» (4) ، جابر بن عبد الله عن أبي بكر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اتقوا الناس ولو بشق تمرة، فإنها تقيم العوج، وتدفع ميتة السوء، وتقع من الجائع موقعها من الشبعان» (5) .
فصل: يقول: لَطُف الله بكم بضم الطاء: مسألة:
ومن تصدق على رجل بأرض فيها زرع ونخل فلا بأس على المتصدق أن يأكل، كل صدقة لله فلا يأكل المتصدق منها شيئا، وما كان لوالد أو ولد فلا بأس على المتصدق أن يأكل منها، ومن تصدق بنصيب له في دار تقسم فإن كان ثلثا أو ربعاً أو شيئا معروفاً فأجاز ذلك وإن كان مجهولا لم يعلم كم هو لم يجز ذلك.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */ (6/332)
صفحة 333
ومن تصدق على ولده أو والده بصدقة فليأكل منها وليرثه وليس ذلك بالصدقة التي تحرم على أهلها إنما يكون ذلك لغير الوالد والولد. قال أبو عبد الله: إذا أراد بهذه الصدقة وجه الله تعالى فلا يأكل منها إلا أن يردها الميراث إليه، ومن جعل ماله صدقة ولم يسمّ قال وائل وهشام بن المهاجر: الصدقة قد عرف أهلها، وقال موسى وبشير: يلقي يمنينا، وقال سليمان: هما شيخا أهل عمان فخذوا بقولهما، ذكر جابر أن رجلا قال: يا رسول الله: أتصدق بالصدقة ألتمس بها الحمد والأجر، وقال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا شريك لله» (1) وأنزل الله في كتابه: {فمن كان يرجو لقاء ربه...} (2) .
مسألة:
ومن قال لابنه: إذا مت فميراثي لك صدقة على الحر أو الفقراء فلا شيء عليه لأنه تصدق بما لا يملك، ومن حضرته الوفاة فقال: غلامي هذا صدقة لوجه الله فإنه يباع ويتصدق بثمنه للمساكين، ومن سمى بشيء من ماله لفقير أو حمل إليه شيئا ليعطيه فلم يجده فهو ماله إذا لم يسلمه إلى المستحق له بالصدقة لأنه نوى أن يتصدق عليه فلم يعطه إياه فلا تثبت الصدقة حتى تقبض إلا أن بعضهم يستحب أن يعطيه فقيرا آخر، وليس بواجب ذلك إلا أنه ليكمل ثوابه إذا نوى به قربة إلى الله عز وجل، وإن كان ذلك هدية أو عطية فكله في هذا الموضع بمنزلته.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) سورة (6/333)
صفحة 334
وإذا تصدق يهودي على مصلي بماله فجائز إذا أحرز المصلي ما تصدق به عليه، وقيل: ما تصدقت به لوجه الله تعالى ثم صار لك فلا تطعمه واجعل آخره حيث جعلت أوله، وما تصدقت به للدنيا لا تريد به الآخرة فكله، فإذا تصدق الرجل على امرأته وأمه وهو معها بخادم أو دار فلا بأس عليه أن يخدمه أو يسكنها معهم فليس من ذلك بدّ، وقال موسى: لا تجوز صدقة ولد على والده ولا فقير لغني ولا صدقة على غضب، وإذا اختلف أخوان في مال بينهما فغضب أحدهما فتصدق على أخيه بماله فلا شيء عليه إذا كان إنما تصدق على الغضب. قال أبو المؤثر: نعم لا صدقة على غني ولا في غضب، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تصدّقوا فإن صدقة السر تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء» (1) .
مسألة:
__________
(1) سبق تخريجه في: حديث «تصدّقوا فإن صدقة السر تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء». (6/334)
صفحة 335
إن قال قائل: لو أنّ بيتا لفقراء قد أضر بهم الجوع والبرد ولم يكن على أحد منّا زكاة هل تلزمنا لهم غير الزكاة وإن نحن تركناهم هل نحن آثمون بذلك؟ قيل له: الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم إن لم تكن عليكم زكاة وتدفعوا عنهم الضرر الذي بهم وإلا كنتم آثمين، وكذلك إن كان أحد منهم متجرداً منكشفاً وليس عليه ما يستره ليصلي فيه ولم يكن هنالك برد يؤدي به الصلاة فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي فيه وإلا كانوا آثمين، فإن قال: ولم أوجبتم على الناس غير الزكاة للفقراء؟ قيل له: إن الله تعالى أوجب على الناس حقوقا غير الزكاة بقوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق...} (1) الآية، يعني أنهم اتقوا النار، والنار إنما تتقى بأداء الفرائض فهذا يدل على وجوب أشياء في الأموال غير الزكاة، وفي السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائعا طاويا» (2) فهذا يدل على أن على المسلمين أن لا يتركوا الفقراء بسوء حال وهم يقدرون على ما يغيرون أحوالهم من غير الفروض لأن الفرض له وقت يعرف وسوء حال الفقراء أحوالهم مختلفة لا يعرف.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/335)
صفحة 336
اختلف أصحابنا في فضل الصدقة الواجبة وغير الواجبة، فقال بعضهم: الفضل للمتصدق إذا أخفى صدقته ولم يعلم أحد بإخراجها، واحتج من ذهب إلى هذا الرأي بظاهر قول الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي...} (1) وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكر من المتقربين عند الله بالأعمال الصالحة: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ» (2) ،
__________
(1) سورة
(2) رواه الربيع، عن أنس بن مالك، باب في الولاية والبراءة، ر48، 1/19. والبخاري، عن أبي هريرة، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، ر660، 1/181. ومسلم، مثله، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، ر1031، 2/715.. (6/336)
صفحة 337
وبما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ نهى عن قسم الصدقة بحضرة الفقراء» (1) ، واحتج من قال بأن إبداءها والإعلان لها أفضل، وكذلك سائر الطاعات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الجذاذ في الليل، وأنه نهى عن الحصاد في الليل» (2) وهو الصرام لأن الفقراء كانوا يحضرون الثمار ليأخذوا الصدقة عند الجذاذ «فنهى - عليه السلام - عن الجذاذ في الليل» لئلا تخفى على الفقراء وربما كان في ذلك فرارا عن الصدقة، وروي عنه - عليه السلام - أنه قال لبعض الصحابة: «لك من دنياك ثلاث: ما أكلت فأفنيت أو ما لبست فأبليت، أو عملت فأبديت» (3) فرغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في إبداء العمل الصالح إذ لم يقل فأخفيت، ولعمري إن العمل إذا قرنه عامله بالنية والاحتراز من سوء ظنهم به ولئلا يأثم الناس في نفسه لأن الناس إنما يحكمون في الإنسان بما يبدو منه، والمسلمون شهود لله تعالى على عباده، وهذا الرأي أسبق إلى نفسي إذا كان الفاعل قصده في فعله ما ذكرنا والله أعلم، في حديث عن أبي عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله إن أعمل عمل البر فأخفيته ثم يطلع عليه فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال: «لك أجران: أجر السرّ وأجر العلانية» (4) ابن عباس في قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} (5) الآية، قال: أجمعها جميعا إبداؤها وإخفاؤها فهو خير لكم.
مسألة:
أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن الرجل ليعمل في السر فيكتبه بالنيّة سراً فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية، فإن عاد تكلم به ثانية فيمحى من السر والعلانية ويكتب رياء» (6) .
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) سورة
(6) رواه الديلمي في الفردوس، عن أبي هريرة بمعناه، ر722، 1/192.و البيهقي في الشعب، عن الدرداء بمعناه، ر6864، 5/344. (6/337)
صفحة 338
ومن باع ماله لله تعالى جاز له أن يتصرف فيه لأمر دنياه ولا بأس عليه، ومن دفع إلى رجل دراهم فقال: تصدق بها غني للفقراء فتصدق بها على واحد منهم من قال يضمن الثلث، ومنهم من قال: يضمن الثلثين، وإذا قال: هذه زكاتي فتصدق بها فدفعها إلى فقير واحد أجزأ عنه، ومن أعطى دراهم وقيل له: ادفعها إلى الفقراء فسلمها إلى واحد فلا يجوز وأظن أنه ضمنه النصف أو الثلثين.
مسألة:
ومن تصدق على رجل بدين على إنسان جاز ذلك ولم يكن له فيه رجعة وإن لم يكن بقبضة المتصدق عليه لأن الصدقة ماضية لا يحتاج فيها إلى إحراز وقبض، وإن كان المتصدق عليه غنيا فهي للفقراء لأن الصدقة لا تحل للغني هكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لاَ تَحِلُّ الصّدَقَةُ لِغَنِيّ وَلاَ لِذِي مِرّة سَوِيّ» وقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} (1) ولم يقل للأغنياء.
مسألة:
ومن تصدق بماله على رجل غني فالصدقة على الغني فيها اختلاف، منهم من قال: لا يجوز ويرجع المال على صاحبه المخالف به، ومنهم من قال: يمضي عشره للفقراء، وأما الصدقة على فقير بعينه فيعطي من المال مائي درهم ما يكون به غنيا عن الزكاة ويرجع على صاحبه الباقي من العشر، وفيه اختلاف أنه يرجع الباقي على الفقراء، ومنهم من أجاز أن يعطي الفقير أكثر من المائتين.
مسألة:
ومن قال: إذا مات فلان فما ورثته منه فهو صدقة فإذا مات كان ذلك صدقة كما قال إلا أن يكون أكثر من ثلث ماله فإن كان أكثر رجع إلى العشر، وإذا قال رجل لبعض ملكه هذا صدقة وكان مع القول نيّة فهو كما قال، وإن لم تكن نيّة فلا شيء عليه، وكذلك إن نوى ولم يكن ثم قول، فإن شاء أمضى ما نوى وإلا فلا شيء عليه.
مسألة:
والقول في أبواب البر مع النيّة يلزم قائله، والنيّة على الانفراد لا حكم لها، ومن قال: عبده لله ولم يرد به العتق فلا شيء عليه، وإن أراد به العتق عتق.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/338)
صفحة 339
ومن تصدق بثوب وجعله صدقة للفقراء فأكثر القول يعطيه ثلاثة، وإن قال: يتصدق به جاز أن يعطيه واحدا، وإن كان بذرا أو واجبا لم يعطه لمن يعوله وعلى غير ذلك جائز في التطوع، ومن تصدق على فقير بثوب نجس فلا يقبل والله أعلم.
مسألة:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ الله يُحِبُّ الْحَليمَ الْحَيِيَ العَفِيفَ الْمُتعَفِّفَ، ويُبغِضُ البَذِيءَ الْجَريءَ السَّائلَ الْمُلحِفَ» (1) . عن قتادة عن خالد البصري قال: تلقى المؤمن عفيفا عن الناس سؤولا لربه، وتلقاه غنيا عن الناس فقيرا إلى ربه، وتلقاه عزيزا في نفسه ذليلا لربه، وعن قتادة قال: ذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
مسألة:
__________
(1) رواه الطبراني فِي الكبير، عن ابن مسعود بمعناه، ر10442، 10/196. وأبو بكر القرشي: مكارم الأخلاق، عن حفص بن عمر بلفظ قريب، الحياء من شمائل النبوة، ر86، 1/38. (6/339)
صفحة 340
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن للسائل حقا ولو كان على فرس» (1) ، وفي خبر: «لعله لا يملك سواه»، وروي ذلك عن ابن عباس، وعنه - عليه السلام - أنه قال: «إذا ألح السائل فاحرموه» (2) ، والعرب تقول: إذا جد السؤال جدّ المنع، وعنه أنه قال: لو صدق السائل ما أفلح رد، وعنه من طريق الحسن أنه قال: من تقبّل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتقبل له بالجنة، قال: فما أقام أحد لها حتى قام ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أنا يا رسول الله فلقد كان ينقطع شسع نعله ويعطي فلا يسأل أحدا شيئاً، وعنه أنه قال: ما عف رجل قط إلا زاده الله عزا، وما فتح رجل على نفسه باب المسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وما نقصت صدقة من مال قط شيئا، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « مَا نَقَصَ مالٌ مِن صَدقَةٍ» (3) وكان يأمر بالصدقة وينهى عن المسألة، وقال: « تَصَدَّقُوا ولَو بِشِقِّ تَمرَة تَكِنُّوا بها وُجُوهَكُم عَنِ النَّارِ» (4) وعنه أنه قال: «مسألة الغني نار إن أعطى قليلا فقليل وإن أعطى كثيرا فكثير» (5) ، وفي رواية: «المسألة في غير حق كالشين في الوجه وهي نار، فإن أعطى قليلا فقيل وإن أعطى كثيرا فكثير» (6) ، وفي الحديث: «ردّوا بحياء السائل باللقمة» (7) وقيل: إنها شين في وجهه، والصدقة مخشعة للقلب مكفرة للذنب فاسترها ما استطعت وضعها حيث أمر الله.
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) رواه الترمذي عن أبي كبشة الأنماري بلفظ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ...»، فِي الزهد، ر2495. وأحمد مثله، ر18518. والطبراني فِي الصغير والأوسط عن أم سلمة بلفظه، ر142، 2361.
(4) رواه البخاري عن عدي بن حاتم بمعناه، باب طيب الكلام...، ر5677، 5/2241. ومسلم، مثله، كتاب (12) الزكاة، باب (20) الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، ر1016، 2/ 704.
(5) حديث: */
(6) حديث: */
(7) حديث: */ (6/340)
صفحة 341
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تصدقوا من أموالكم ولو بشق تمرة» (1) وقال: تصدقت عائشة بثلاث تمرات فقيل لها: يا أم المؤمنين وإنكم لتتصدقون بمثل هذا؟ فقال عائشة: إن في التمرة الواحدة لمثقال ذرّ كثير، وفي رواية أخرى أنها تصدقت بتمرة فقال قائل: يا أم المؤمنين وإنكم لتتصدقون بالتمرة؟ فقالت: نعم والله إن الحق لكثير ولا يسع لا إله إلا الله، أوليس فيها مثاقيل الذر الكثير، نسخة ذرّ كثير، قال: بلغنا أنه إنما كانت فلقة تمرة، وفي حديث أم سلمة أن مساكين سألوها فقالت لخادمها: أبدهم بتمرة تمرة، معناه التفرقة عليهم بذلك، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أعطى سائلا خبزا وتمرا وقال: هذا إدام هذا» (2) ، وفي خبر: «لا تردوا السائل ولا بتلطف محترق» (3) ، وفي رواية: «المسألة في غير حق كالشين في الوجه وهي نار، فإن أعطى قليلا فقليل، وإن أعطى كثيرا فكثير» (4) وفي خبر: «لا ترد السائل ولو كان على فرس» وقال عمر رحمه الله: إن مكسبة فيها بعض الدناة خير من مسألة الناس، وقيل: كان بعضهم إذا جاء السائل المسكين قال: جاء الغسال، وكان يقال: حسن طلب الحاجة نصف العلم.
مسألة:
معنى قول الله تعالى: {القانع والمعتر} (5) قال أبو محمد: القانع الذي يقنع بما يدفع إليه، والمعتر الذي يعتري الأبواب، وفيه قال الشاعر:
... على مكثريهم حق من يعتريهم *** وعند المقلين السماحة والبذل
كان يقال: استنزلوا نسخة استعينوا على الرزق بالصدقة.
فصل: قوله تعالى: {للسائل والمحروم} (6) قيل: المحروم هو الذي لا يسأل الناس شيئا، وقيل: المحارب، وقيل: الذي لا سهم له في الغنيمة ولا في الفيء، وقيل: المستضعف الذي لا يسأل الناس شيئا، لعلي بن أبي طالب وقد سأله رجل:
خذا القوت هذا اليوم واستمتعا به *** فإن على الرحمن رزقكما غدا
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) سورة
(6) سورة (6/341)
صفحة 342
وقيل: كان في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: «فأما الصدقة فجهدا جهداً حتى يقال: قد أسرفت ولم يسرف» (1) ، وعنه - عليه السلام - : «لا تقطعوا على السائل مسألته، فلولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم» (2) كان يقال: استنزلوا الرزق بالصدقة، وفي خبر: استعينوا على الرزق بالصدقة.
مسألة:
ومن قال غلامه صدقة لوجه الله فإنه يباع ويفرق على الفقراء على قول، وقيل: إنه يعتق فقد عتق إلا أنه يحتج بحجة فيقول إني أردت بقولي ذلك أنه لله ولم أرد به عتقا فقوله مقبول في ذلك ولا يعتق إلا إذا أراد العبد يمين السيد في ذلك كان له ذلك والله أعلم.
مسألة:
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة من بركته» (3) وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فكلمة طيبة» (4) ، وعن زينب بنت نصر قالت: دخلت على عائشة في نساء من أهل الكوفة فدخل عليها سائل ونحن عندها وعندها عنب فتناولت حبّات فناولتها السائل قالت: فضحك بعضنا إلى بعض، فقالت: أكوفيات أنتن؟ فقلنا: نعم، فقالت: إن فيما ترين مثاقيل كثير، سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصدقة أفضل؟ قال: ««جُهْدُ الْمُقِلِّ» (5) ، وفي خبر آخر: أي الصدقة أفضل؟ قال: «الصدقة على ذي الرّحم الكاشح»، وفي خبر: «خير الصدقة ما أبقت غنى»، فيه قولان: أحدهما: ما كان عن فضل قوت العيال، وللآخر ما أغنى من أعطيت عن المسائلة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) رواه أبو داود، عن أبي هريرة بلفظه، باب الرخصة في ذَلِكَ، ر1677، 2/129. الحاكم، مثله، ر1509، 1/574. (6/342)
صفحة 343
ومن تصدق على رجل بشيء فأعطاه فإذا ملكه إياه جاز له أن يفعل فيه ما يشاء، فإن قال: اشتر بهذه الدراهم كذا وكذا وكله أو اكتسب به لم يجز له أن يفعل إلا ما أمره به لأن المعطي الآمر لعل له في ذلك معنى، ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لأن يتصدّق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة درهم عنه موته» (1) هكذا روى أبو سعيد الخذري عنه - صلى الله عليه وسلم - ، وروى أبو هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله عز وجل: من لم يسألني أغضب عليه» (2) ، وقيل: إن أبا العتاهية كان ينظم الأخبار أحسن نظم وهذا البيت مما نظمه:
... الله يغضب إن تركت ... سؤاله *** ... وبني آدم حين يُسأل ... يغضبُ
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/343)
صفحة 344
قال العيني: انتهى أعرابي إلى قوم فقال: افعلوا خيرا فإني لا كلمتكم وفي القلب غصة وفي الصدر حرارة ولكن الفقراء أمانة ولا يعلم إلا بإبانة وقد قضيتُ ما عليّ وبقي ما عليكم، قال: وسأل أعرابي فقال: رحم الله من لم يمح أدبه كلامي وقدّم لنفسه معاده من سوء مقامي فإن البلاد مجدبة والحال مسغبة والحياء زاجر، يمنع من كلامكم، والفقر عار يدعو إلى أخياركم وبنا فقر وفاقة وفينا أجر، والدعاء أحد الصدقتين فرحم الله امرءاً أمنَ أمين ودعا بخير، وقال العيني: فقلت له: ممن الرجل؟ فقال: اللهم غفرانا مما لا تنفعك معرفته ولا تضرك جهالته فإن سوءا لاكتساب يمنع الانتساب عقبة الرزق وأنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثلاث أقسم الله أنهنّ حق، قالوا: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: لا يعطي المؤمن من ماله شيئا فينقص ذلك أبدا، ولا يدع المؤمن من مظلمة له لله فيزيده الله بها إلا عزا، ولا يفتح أحد على نفسه باب مسألة هو عنها غني إلا فتح الله تعالى عليه بها باباً من الفقر» (1) ، أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لَيْسَ الْمسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمسْكِينَ الذِي لاَ يُعْرَفُ وَلاَ يُفْطَن لَه فَيُعْطَى، وَلاَ يَقُومُ فَيَسْأَل النَّاسَ» (2) ،
__________
(1) حديث: */
(2) رواه الربيع، عن أبي هريرة بلفظه، باب الصدقة، ر349، 1/140. والبخاري، مثله، باب قول الله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا...}، ر1409، 2/538.. (6/344)
صفحة 345
وقال: كان - عليه السلام - يسأل فلا يجد ما يعطي فيقول: «أيسر باب الله فإن مع العسر يسرا» (1) وقد قِيلَ: إنَّ المحروم هم أصحاب الصفة صفة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا أربعمائة رجل أو أكثر لم يكن لهم سهم في الغنائم ولا في الفيء فأمر الله تعالى أن يتصدق عليهم، ابن الأعرابي: الفقير والمسكين والمحروم والقانع والمعتر والمربع والمغصب والمجلس والمجلوس والمنفرد والمسفور والمستضيف والمستضعف والمسن والمقطع واللحف والمحلف وأبو المساكين واليعاف، الشعبي قال: سألت عنها وأنا غلام إلى يومي هذا وهو يومئذ ابن سبعين سنة قال: فما أنا اليوم بأعلم عنها يعني المحروم. قال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن علي عن المحروم الكلب.
__________
(1) حديث: */ (6/345)
صفحة 346
عن الحسن بلغ الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن أهل الصّفة أصيبوا بجهد شديد فأتاهم فقال: «يا أهل الصفة أبشروا فوالله ما أصابكم شيء من الجهد إلا وقد أصابني مثله أو أشد منه، لقد كنت أنا وأبو بكر وبلال وثلاثين يوما وليلة ما لنا طعام إلا ماء وارى إبط بلال» (1) ، أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كنت امرأة محصنة فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أنفقي وانضحي وارضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا تولي فيولي الله عليك» (2) قيل: وقف رجل يوم الجمعة في الجامع فقال: يا أيها الناس لا تنسوني إلى سوء أدب ولا تعذلوني على التصدق قبلي أحد عشر نبيا ذكرهم الله في كتابه أخوة يوسف تسعة حيث قالوا: {فأوف لنا الكيل} (3) الآية، وموسى والخضر عليهما السلام حين {أتيا أهل قرية استطعما أهلها} (4) ويقال: إن المسألة تمحو وجه الرجل، أي تخلعه يقال: محى الثوب يمحى إذا خلق، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بكّروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها» (5) ، قيل: مرّ يهودي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السلام عليك لعله السّام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وعليك» (6) فقال أصحابه: إنما يسلم عليك بالموت قال الموت عليك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وكذلك أردت»، ثم قال - عليه السلام - : «وإن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيغسله»، قال: وأخذ اليهودي حبلا فاحتطب حطبا ثم لم يلبث أن انصرف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ضعه فوضع الحطب، فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود»، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يا يهودي أي شيء عملت اليوم؟» فقال: ما عملت عملا إلا جمع الحطب هذا فاحتملته وجئت به وكان معي كعبان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بها دفع عنه، وقال: «إن الصدقة تدفع ميتة السوء
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) سورة
(4) سورة
(5) حديث: */
(6) حديث: */ (6/346)
صفحة 347
عن الإنسان» (1) .
الباب الخامس والثلاثون: في الصوافي وأحكامها
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله: ما أخذ من أيدي المشركين بالسيف من الأرض أو الدور فقال الذين قاتلوا عليها أعطونا خمسنا فلا نعرف الأصول إلا صافية، والصوافي لجميع المسلمين للفقير والغني، وأخبرني محمد بن هاشم أن علي بن عروة كان إلى جبنة صافية فأتى منها ببقل فأكله، فقال الصوافي للمسلمين، وأخبرني أبو صفرة عن والدي أنه قال: حائط بمكة أصله صافية أنه قال: لا بأس على كل من أكل منه، قيل له: فإنه يطنى بدراهم أيأكل منه؟ قال: نعم. قال هاشم: سألت بشيرا أأشتري من هذه الصوافي إذا كانت في أيدي الجبابرة؟ قال: لا، ولكن كل منها بزخا فإنه مال المسلمين كأنه يقول نحو الرطب والسنبلة والبقل، وقال محمد بن محبوب في صوافي المسلمين: يفسل فيها موز ويزرع ولا آمر أن يفسل نخلا ويؤاجر الحوانيت ويؤخذ كراؤها وإن واجروا أيضا لا حوانيت فيها للبيع فلا بأس وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تؤاجروا الأرض والماء، ومن استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه» (2) .
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/347)
صفحة 348
والصوافي من الفيء، ويجوز أن يأكل الغني منها إذا احتاج مثل ما يأكل الفقير، وإن كان إمام عدل فأحب أن يؤخذ منها شيء إلا برأيه وإن لم يكن إمام عدل فلا بأس على من أكل منها إذا احتاج إلى ذلك وكذلك من احتاج إلى أرض الصوافي إلى أن يبني منها إن كان برأي الإمام أو من أقامه الإمام لذلك فهو أحبّ إليّ، وإن لم يكن إمام عدل فلا بأس على من احتاج من المسلمين إلى شيء من ترابها أن يأخذ مما لم تكن مضرة على الصوافي، ولا تباع الصوافي إلا أن يعني المسلمين حرب فيجوز للإمام أن يبيع منها إذا خاف على الدين والدولة، ويستعين بذلك على الحرب وفي بعض القول أنه يبيع برأيه ورأي العلماء، فإن باع إمام العدل برأيه فجائز وإن باع غير إمام عدل ثم قام إمام عدل فله أن يأخذ الصوافي من الذي بيعت عليه وليس عليه أن يرد ثمر ما اشترى ولا تؤخذ منه الغلة.
مسألة:
وقيل في الصوافي ثلاثة أقاويل: قال من قال إنها أموال كانت للمجوس فلما ظهر الإسلام خيّروا بين أن يسلموا أو يخرجوا ويدعوها، وقيل: إنها أموال وجدت في أيدي السلطان، وقيل: إنها أموال قوم جار عليهم السلطان فتركوها وخرجوا وهذا قول من يقول إنها حرام.
مسألة:
والإمام لا يشتري من الصدقة مالا للمسلمين من الأصل إلا أن يكون منزلا يسكن القوم بالأجر وفي بنيانه أو عسكره أو ما يشبه هذا، وأما من غلة الصوافي فيشتري من ذلك ما أراد من الأصل الذي يحتاج المسلمون إليه وإنما قلنا في هذا على ما كان أبو مروان يشتري للمسلمين من عسكر صحار من عند بني الجلند أو يعمر لهم ويبني فيه.
مسألة:
والصوافي والجزية وما يؤخذ من نصارى العرب وأموال أهل الحرب ومصالحة أهل العهد هذا كله فيء وليس هو من الصدقة ولا فيه سهم ثابت للفقراء إلا أن يعطيهم الإمام برأيه فذلك له ولهم إذا لم يحتج الإمام إليه لعز الإسلام.
مسألة: (6/348)
صفحة 349
ومن أكل من الصوافي التي يزرعها السلطان ففيها اختلاف منهم من لم يجز أن يأكل من زراعة غيره من الصافية بلا رأيه وله أن يزرع ويأكل وكذلك النخل من الصوافي ما أخذ منها جاز له إذا كان فقيرا وليس له إذا كانت في يد فقير مثله قد أصلحها وسقاها وعملها أن يأخذها ويدعه ولكن إن أكل من ذلك فله حق مثله ويعطيه عمالته إذا كانت في يد الغاصبين الذين لا حق لهم فيها جاز له أخذها منهم كيف قدر بحيلة، وأما ماء الصوافي للصوافي يسقى به إلا أن تكون الصافية مستغنية عنه فجائز عنه فجائز لمن انتفع به من الفقراء فإن زرعها الصوافي لغير أهلها ففيها اختلاف وذلك كله لأهله ليس للمعتدي منه شيء ولا يجوز أن تغسل زراعة الصافية، وصوافي المسلمين التي في أيدي السلطان لم أر الشيخ رحمه الله يجيز للفقير أن يسرق منها شيئا ويأكله وينتفع به لأن الصوافي من الفيء والفيء لجميع المسلمين الغني منهم والفقير وأظن الشيخ رحمه الله لم يجز لأحد أن يأكل من زراعة أحد من الصافية لأن الحكم فيها لجميع أهل الإسلام والله أعلم، وبعض قال: أولئك غاصبون وجائز للمسلمين والفقراء أن يأكلوا منها، ومنهم من ضمن الذي يأكل حصة العامل إلا أن يكون العامل قد سلّم إلى السلطان من الثمرة شيئاً فقد ضمن وتدفع له مما ضمن، وهذا القول لا يصح عندي لأنه إن كان السلطان غاصبا وعمل له العامل فالعامل أيضا مثله متعد ولا يلزم للمعتدين حق لمن احتاج من الفقراء وأكل، وهذا الاختلاف في الزرع والقول فيه والنخل فهي فيء، ومنهم من قال: هي للفقراء دون غيرهم، وقالَ آخَرون: يأكل الغني والفقير وليس عندي منع السلطان مما يضرهم أخذ شيء مما يجوز لهم من مال المسلمين من الصوافي والله أعلم.
مسألة: (6/349)
صفحة 350
ومن كان في يده أرض نصفها صافية للمسلمين فحرثها وفسلها فإذا لم يكن قواما بالحق فيسلّم حصة الصافية للفقراء مهم أولى بها، ومن دفع ذلك إلى الفقراء برئ منه، والفسل لا أعلم جوازه لأنه تثبيت اليد، وإن دفع الحصة إلى الفقراء فإنه يبرأ فإن كان فقيرا فجائز أن يزرع ويأكل ما لم يدّع ملكا، فإن طلب قسمه إلى قوم من سائر المسلمين فقاسموه فلا أعلم ثبوت ذلك القسم والله أعلم، وما فضل من ماء الصافية فأخذ منه فهو كمن أخذ من الصافية إذا احتاج إليه ولا أعلم فرقا، ومن سقى من ماء الصافية ولم يكن إمام موجود وتخلص منه إلى الفقراء المستحقين له من فقراء المسلمين لأن الصوافي هي فيء للمسلمين، ومن زرع صافية للمسلمين فالزرع له والأجرة عليه على قول من أجاز ذلك للغني فإن زرع فقير في الصافية فلا شيء عليه بالاتفاق، والفسل فيها لا أعلم يكون له غنيا كان أو فقيرا وإذا صار ذلك في الأرض كان تبعا لها من كل ما يثبت فيها ولا يقلع، ومن حمل من ترابها مالا يضرها فلا شيء عليه لأنه حمل من الإجازة وأما الضر فمصروف وعليه إصلاح ذلك وقيمته للفقراء والله أعلم. (6/350)
صفحة 351
ومن زرع في الصافية ثم غصبت منه فلا يلزمه شيء إن كان زرع على جواز ذلك، والمغصوب مظلوم فلا يلزمه شيء من فعل غيره ولا أعلم أنه إن زرع في الصافية فجاوز مبلغ الزكاة أنه تلزمه الزكاة لن الزرع له زكاة والله أعلم، لأنها جامعة للفقراء من المسلمين وفي ذلك اختلاف كثير، فإن زرعها غاصب فأكل منها غني أو فقير فقال: سألت الشيخ رحمه الله عن ذلك فكرهه، والموجود في الأثر إجازة ذلك ويضمن حصة البيدار وفيها نظر والله أعلم بالحقن وقول الشيخ أحب إليّ، ومن في يده شركة من صافية للمسلمين وطلب إلى والي الإمام فقاسمه إياها وقايضه بها أو باعها فلا أعلم جواز ذلك له ولا للوالي فعل ذلك ولا فعل ما لم يولّ عليه من ذلك، وإن أمر الإمام واليه أو غيره مقاسمة الصافية أو بيعها أو القياض بها فلا أعلم أن مقاسمة الأصل والقياض به يثبت فأما الثمن فجائز، ولا يجوز بيع الأصل إلا أن يكون إمام عدل وعساكر المسلمين خارجة وقلّ عليهم المؤونة في القيام على عدوهم فقد أجاز ذلك من أجازه، والبيدار إذا عمل في صافية المسلمين لغاصب وسلم حبّها إليه فلا أعلم عناه له ولا نعمة عين وهو ضافر لما سلم إلى الغاصب إذا عمل بعلم فإن لم يعلم ثم علم ضمن ما سلم منها، واختلفوا في الأكل من زراعة الغاصب فيها من جهة البيدار ولا حق للغاصب فيها، والقرط إذا كان في صوافي المسلمين فقطع الناس منه الحطب اليابس والعشب الرطب وعسفوا من حماله فهم ضامنون للفقراء أو للمسلمين بدفع قيمة ذلك إلى الفقراء مع التوبة من قطع ذلك، ولا يجوز أن يبني في الصافية لأن العمل يثبت اليد للباني ويستعمل الأرض على أربابها، والسماد الذي يكسح منها تبع لها ولا يجوز الانتفاع به إلا للفقراء فمن سمد به من الأغنياء أعطى قيمته للفقراء، وإن كان فقيرا فله أن يسمد وليس له أن يبني لأن البناء يثبت اليد وبالله التوفيق.
مسألة: (6/351)
صفحة 352
وإذا كان صوافي المسلمين في بلد والسلطان يمنع من يزرعها فجاء رجل إلى السلطان فدفع إليه دراهم خفية بينهم فتركه يزرعها فهذا مختلف فيه، فمنهم من قال: ليس له ذلك لأنه إذا توصل إليها من عند السلطان كان كالشادّ على عضده مصوبا له في فعله من خصاله في ظلمه وقد عرض هذا نفسه للبراءة عند المسلمين، وقالَ آخَرون: إذا كان فقيرا مستحقا جاز له أخذ ذلك ما لم يجعل ذلك أجرة لهم، وكذلك المياه في الحكم واحد ما لم يجعل ذلك استحقاقا لهم والاختلاف سواء، ومن دخل بلدا وكلّ من لقي منهم يقول: هذه الأرض صوافي لا للمسلمين ولا لغيرهم ولا ينكر ذلك أحد منهم إلا أنهم غير ثقات فإذا صحت بالشهرة ولم يرتب في شيء من ذلك جاز له، وأما الحاكم فلا يحكم بالشهرة حتى يشهد على ذلك عدلان، وإذا لم يكن إمام وغنم المسلمون أموال المشركين كانت صوافي وهي مال المسلمين وجائز لهم الأخذ منها والزراعة فيها لمن قدر عليها، وقَال قَوم: هي للفقراء دون الأغنياء وليس لأحد أن يأخذ من زرع أحد وإنما له أن يزرع ويأكل، قيل لأبي عبد الله: إذا كان لرجل في صافية حصة من فسالة هل يجوز له بيعها؟ فقال: ومن فاسلها نسخة فاسلة عليها قيل له: هذا شيء قد تم، قال: نعم هذا يجوز له بيع حصته.
الباب السادس والثلاثون: الصيام وما جاء فيه
ومن شرائع الإسلام ما فرض الله تعالى من الصيام وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وأكرم الله به أهل الإيمان وجعله سبباً للغفران والرضوان وأجزل به المغفرة، وفضل به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على جميع الأمم، فليله نور، ونهاره طهور، وصائمه مأجور، وله رحمة الله عند السحور، وقد رضي الله له عند الفطور، وفيه تفتح الأبواب، ويضاعف فيه الثواب، والدعاء فيه مجاب، فطوبى لمن كان له متأملا، وإلى أيامه مستعجلا، وفيه إلى الله راغبا متوسلا، قيل لأعرابي كيف حبك لشهر رمضان؟ فقال: كيف أبغض حبّ من أبغض سائر الأشهر لأجله، ولأبي نواس شعر: (6/352)
صفحة 353
يقولون شهر الصوم شهر مبارك *** وشعبان أولَى منه بالبركاتِ
فهذا لما فيه وهذا لفضله *** وهذا لشرب الراح بالغدوات
ولأعرابية: ... سيعلم شهر الصوم كيف أصومه *** ويعلم شعبانُ بمن يتمرس
وعن مجاهد أنه كان يكره أن يقول الرجل جاء رمضان وذهب رمضان ولكن ليقل جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان. قال لا أدري لعل رمضان اسم من أسماء الله عز وجل، وأجاز ذلك غيره لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا دخل رَمَضَانَ صُفِّدَت الشّيَاطِين» (1) ، وعنه - عليه السلام - : «من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله» (2) وعنه - عليه السلام - : ««مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (3) ، وعنه - عليه السلام - : «أَتَاكُم رَمَضَانُ شهرٌ مباركٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَه، تُفتَحُ فِيه أَبْوَابُ السَّماء، وَتُغْلَق فِيهِ أَبْوَاب الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين، للهِ فِيهِ لَيْلَة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرهَا فَقَدْ حُرِم» (4) ،
__________
(1) رواه الترمذي، عن أبي هريرة بلفظه من حديث طويل، كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، ر682، 3/66. وابن ماجه، مثله، باب ما جاء في فضل شهر رمضان، ر1642، 1/526.
(2) رواه البخاري فِي الأدب المفرد، عن جابر بمعناه من حديث طويل، ر644، 1/224. وابن حبان فِي صحيحه عن أبي هريرة بلفظ قريب من حديث طويل، ر905، 3/188. والبزار مثله، ر3790، 9/247. وأبو يعلى مثله، ر5922، 10/328.
(3) روى الربيع الشطر الأول، عن أبي هريرة بلفظه، ر327. والبخاري، بلفظه، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، ر1910، 2/709. ومسلم، مثله، باب الترغيب في قيام رمضان، ر760، 1/523.
(4) رواه النسائي، عن أبي هريرة بلفظه، باب ذكر الاختلاف على معمر فيه، ر2106، 4/129. وأحمد، مثله، ر7148، 2/230.. (6/353)
صفحة 354
فدلت الأخبار على جواز إطلاقه بغير شهر، فإن قيل: عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان، وذهب شهر رمضان» (1) قيل له: هذا خبر ضعيف ولم يرو عن جهة موثوق بها، ولو صح لكان محمولا على الاستحباب ونحن نستحب ذلك اقتداء بكتاب الله تعالى وقد بلغنا فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران - صلى الله عليه وسلم - يا موسى إني ألهم السموات السبع والأرضين السبع والطير والوحوش أن يستغفروا لصائمي رمضان، وقيل: إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتغل مردة الشياطين وتهيج في الجنان رياح يقال لها المبشرة فتحرك أوراق الأشجار وحلق المصاريع فتقول الحور العين يا رضوان ما هذه الليلة؟ فيقول يا خيرات حسان هذه أول ليلة من شهر رمضان ثم ينادي مناد ألا هل من تائب فيتاب عليه، ألا هل من مستغفر فيغفر له، ألا هل من طالب فيعطى سؤله، فإذا كان في آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله فيه مثل ما أعتق فيما مضى من الشهر فإذا كان في غداة الفطر قيل تقف الملائكة في أفواه السكك وتنادي يا أمّة محمد اغدوا إلى ربكم فإذا صاروا في صعيدهم قيل يقول الرب يا ملائكتي ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله فتقول الملائكة جزاؤه أن يوفى أجره فيقول هؤلاء عبيدي فرضت عليهم الصيام فصاموا وسننت عليهم القيام فقوموا أشهدكم أني قد غفرت لهم قيل: فتفرح الملائكة بما تعطى هذه الأمة في ذلك اليوم ويسمّى يوم الفطر في السماء يوم الجائزة، وقال الله تعالى في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام...} (2) قيل كانوا من قبل يصومون يوم عاشوراء فأنزل الله تعالى: {كتب عليكم الصيام...
__________
(1) حديث: */
(2) سورة (6/354)
صفحة 355
} (1) وهم أهل الإنجيل أمة عيسى - عليه السلام - فكان من صلى العشاء الآخرة ونام حرم عليه ما يحرم على الصائم بالنهار إلى القائلة هكذا كان كتب على أمة عيسى - عليه السلام - فاشتد ذلك الصوم على المسلمين ورأى النبي - عليه السلام - من رأى من أصحابه قد أجهدهم ذلك الصوم ثم إن عمر بن الخطاب رحمه الله واقع امرأته بعد العشاء الآخرة ليجعل الله ذلك رخصة ثم ندم وبكى وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: لم تكن جديرا بذلك يا عمر، وفعل أيضا غيره من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: ما توبتنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني...} (2) ثم نسخت تلك الآية نسختها: {أحل لكم ليلة الصيام} (3) أي الليلة التي يصام في غدها وذلك أنّ العرب تضيف إلى ما يكون في يومها لأن مع كل ليلة يومها فكأنما شيء واحد ونصيب ليلة لأنها وقت والأوقات منصوبة لأنها محال للأفعال تكون فيها، ويقال قوم صوّم وفطّر ورجال صوام ونساء صوم وجميع صائم صوم وصوم، والفطر الاسم من الإفطار والفطر القوم المفطرون، ويقال قوم فطر وقوم صوم. قال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام...} (4) أي غشيانكم النساء ليلة الصيام، وتختانون تفتعلون من الخيانة وهي الغش ومفارقة الواجب وأداء الأمانة يعني لعمر {فتاب عليكم وعفى عنكم...} (5) قيل: قال قائل لابن عباس آكل حتى أشك. قال له: كل حتى لا تشك قلت فما تفسير قوله حتى لا تشك، قال: تقول كل حتى لا تشك إلا أنك في الليل، وقال من قال: كل حتى تعلم أن الصبح قد طلع لقول الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم...
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة (6/355)
صفحة 356
} (1) وفي حديث آخر عن ابن عباس: كل حتى لا تشك والله تعالى قال: {حتى يتبيّن} (2) وقال أبو المؤثر: كان أناس يحلون خيوطا بيضاً وسوداً ينظرونها، قال: وجاء عدي بن حاتم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا سول الله إني جعلت تحت وسادتي عقالين أحدهما أبيض وأحدهما أسود لأنظر فيهما، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن كان وسادك لعريضاً إنما ذلك بياض الصبح من سواد الليل» (3) وفي خبر: قال يا رسول الله الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الذي يعرف؟ قال: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا!، إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ» (4) ، والعرب إذا أرادت تعظيم الشيء ذكرت عرضه لأن العرض يوجب الطول ولا يوجب الطول عرضا معلوما وإذا وصف دل على أن الطول متجاوز لذلك، وإذا عرض الشيء اتسع وإذا لم يعرض ضاق ودق. قال الله تعالى: {وجنة عرضها...} (5) نقول سعتها، والعرب تقول ضربك والأرض عريضة أي واسعة، وقوله تعالى: {فذو دعاء عريض} (6) أي كثير ولم يرد العرض الذي هو ضد الطول، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لقد ذهبتم فيها عريضة. قال الشاعر:
كأن بلاد الله وهي عريضةٌ *** على الخائف المطلوب كفّة حابلِ
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */
(4) رواه البخاري، عن الشعبي عن عدي، باب وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض...، ر4239، 4240، 4/1640. وابن خزيمة في صحيحه، مثله، ر1926، 3/209. والطبراني في الكبير، مثله، ر175-178، 17/79.
(5) سورة
(6) سورة (6/356)
صفحة 357
قال: وقيل: إن بعضا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله إني وضعت عقالين أحدهما أبيض والآخر أسود فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّما مَعْنَى {الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} ضَوْءُ الصُّبْحِ وَهُوَ بَياضُه، {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} من الليل بياض النهار من سواد الليل الضوءُ الْمعترض مِن قِبَل الأُفُق» (1) .
فصل في مدد النهار والليل واليوم
اعلم أن الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، واليوم من وقت طلوع الفجر إلى الليل كما قال الله عز وجل، والنهار من وقت طلوع الشمس إلى غروبها، وقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} (2) الآية {أياما معدودات} (3) وقال تعالى: {فعدة من أيام أخر} (4) وقال تعالى: {فصيام ثلاثة أيام ذلك...} (5) وقال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} (6) ومثل هذا كثير في القرآن ثم عرفنا عز وجل أي وقت يدخل اليوم الذي افترض فيه الصيام فقال: {كلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط...} (7) وقال تعالى: {ليلة القدر خير...} (8) الآية، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هو الفجر المعترض» (9) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا غابت الشمس فقد دخل الليل وحلّ إفطار الصائم» (10) ، وقال تعالى في ذكر النهار: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} (11) .
فصل:
__________
(1) رواه مسلم عن عدي بن حاتم بمعناه، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر...، ر1090، 2/766. وابن أبي شيبة بمعانيه، ر9074-9079، 2/289.
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة
(9) حديث: */
(10) حديث: */
(11) سورة (6/357)
صفحة 358
إذا أردت أن تعرف سقوط الشمس للإفطار ولصلاة المغرب فانظر إلى المشرق الذي حيال مغرب الشمس في يومك ذلك فإنه إذا بقي بني الشمس وبين أن تغيب مقدار ذراع في رأي العين ابتدأ سواد من المشرق من أسفل السماء شبيه بالسحابة أسود معترض في أسفل الأفق ثم يعلو قليلا حتى إذا بلغت الشمس حذاء الأفق صار ارتفاع ذلك السواد هو وعرضه مقدار رمح فإذا غاب قرن الشمس طهرت حمرة في المشرق فوق ذلك السواد مثل العصابة فإذا غابت الشمس كلها فلم يبق منها شيء تفشي ذلك السواد في الحمرة فخالطها وغيرها فإذا رأيت الحمرة قد اضمحلت فلم يبق منها شيء فقد حل إفطار الصائم وحلت صلاة المغرب وربما كان في السماء علة من ريح أو غير ذلك فيكون الأفق كدراً فلا تظهر الحمرة، وأما السواد فلابد من أن يظهر فإذا كانت علة تمنع من الحمرة فانظر إلى السواد والحمرة جميعاً لتعرفه ولا تلتفت إلى الحمرة التي تكون في المغرب فإنها لا تلبث أن تذهب وربما بقيت الحمرة في المغرب إذا كان ثم سحاب إلى أن تبدو عامة النجوم. (6/358)
صفحة 359
فصل: وإذا أردت أن تعرف طلوع الفجر وغيبوبة الشفق فاعلم أن من وقت غروب الشمس إلى غيبوبة الشفق بقدر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وفيه اختلاف قليل في طول النهار وقصر الليل، وقصر النهار وطول الليل، فاعلم أن مطلع النهار ومطلع الليل من مطلع الشمس من نحو المشرق فيطلع النهار وهو طلوع الفجر من موضع مطلع الشمس من ما أدر النهار إلى مطلع سهيل، وإذا أردت أن تعلم مطلع الليل وظلمته فانظر إذا غابت الشمس والتفت ساعة بعد ساعة إلى مطلعه فإنك ترى ظلمة عريضة على البحر تزداد حتى توارى مغرب الشمس ثم ينطبق الظلام فإذا طلع الفجر فإنك ترى الليل يغيب في المغرب حتى تضيء الدنيا بإذن الله تعالى، فإذا أردت أن تعلم متى يطلع الفجر فتفقّد من نفسك فإذا طلع الفجر يكون نفس الإنسان في المنخر الأيسر أقوى منه من المنخر الأيمن إلى أن يغيب الشفق فإذا غاب الشفق فإن نفس الإنسان من المنخر الأيمن أقوى من المنخر الأيسر وإنما يفطن هذا أهل العلم والمعرفة، ومن كان ينظر في القمر فإنه لا يشكل عليه طلوع الفجر إلا في أول الهلال وآخر الشهر وسائر الليالي ينظر في القمر متى يطلع ومتى يغيب فإن القمر ليلة السابع يغيب نصف الليل وليلة إحدى وعشرين يطلع نصف الليل، وفي الحساب الجليل الواضح ليلة ست وعشرين إذا طلع القمر فأمسك عن الطعام والشراب والمباشرة، واعلم أن طلوع الفجر من النهار وكذلك يحرم الطعام على الصائم وكذلك صلاة الفريضة لأنه من النهار فإن قال لك إنسان لا تأكل وأنت لا تدري طلع الفجر أم لا، فقل له: أيجوز لي في هذا الوقت صلاة الفريضة؟ فإن قال لك: نعم فاعلم أنه قال بعضهم بعد أن يكون فهما ورعا عاقلا، والعاقل الفهم لا يقول لأحد لا يأكل بعد طلوع الفجر إلا ويأمره بصلاة الفريضة في هذا الوقت الذي ينهاه عن أكل الطعام فإن طلوع الفجر يحرم الطعام ويحل الصلاة، والعاقل لا ينظر إلى أذان المؤذن إلا أن يكون مؤذنا بصيرا بطلوع الفجر ووقته فإن (6/359)
صفحة 360
الله تعالى لم يأمره أن يقتدي بالمؤذنين إنما أمره بإمساك الطعام بطلوع الفجر لا لأذان المؤذنين ولا عند الإفطار لأذان المؤذنين لأن الله تعالى قال في الإفطار: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (1) وقد بيّنت لك الليل وطلوعه قبل هذا.
مسألة:
قال يحي بن آدم: الليل والنهار واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، والساعة ثلاثون شعيرة يأخذ كل واحد من صاحبه كل يوم شعيرة حتى يستكمل الساعة في الشهر وكذلك منازل الشمس.
فصل: قال يحي: للشمس اثنا عشر برجاً فتمكث في كل برج شهرا والبرج ثلاثون مطلعا بين كل مطلعين شعيرة تزيد الشمس في كل يوم شعيرة وتنقص في كل يوم شعيرة حتى تستكمل الساعة في ثلاثين يوما ثم تتحول من ذلك البرج إلى البرج الآخر. قال يحي: وأسماء هذه البروج الاثني عشرة أولها الحمل، ثم الثور، ثم الجوزاء، فهذه نجوم الصيف، ثم السرطان ثم الأسد ثم السنبلة فهذه نجوم القيظ، ثم الميزان ثم العقرب ثم القوس فهذه نجوم الربيع، ثم الجدي ثم الدلو ثم الحوت فهذه نجوم الشتاء. قال يحي: فهذه الاثنا عشر برجا لكل منها زمان.
مسألة:
وشهر رمضان مكيّف بشهرته وحصول معرفته وورود النص به عن الله عز وجل بقوله تعالى: {شهر رمضان ...} (2) فلم يحتج العلماء إلى تعريفه من الشهور ولا احتاج غيرهم إلى أهل العلم إلى المسألة عنه أي شهر هو ولا عن وجوبه لاكتفاء الجميع بما ورد من النص والفرض به، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الشهر المفروض صومه شهر رمضان الذي بين شعبان وشوال» (3) فلم تتكلف الرواية إيراد هذا الخبر ولا غيره للمعرفة به وإنما وقع التكليف حفظ صومه واختلاف أحكامه في الحضر والسفر وفطره وقضائه والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */ (6/360)
صفحة 361
قوله عز وجل: {شهر رمضان...} (1) يعني نزل من اللوح المحفوظ في ليلة القدر ثم قال: {هدى للناس...} (2) يعني بيان الحلال والحرام والفرقان في الدين من الشبهة {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (3) يعني شهر رمضان في أهله فأوجب صومه على من يطيق ففرض صوم شهر رمضان على جميع المؤمنين، وإنما يعرف ذلك بالعلامة التي بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتحفظ من هلال شعبان ثم يصوم لرؤية هلال شهر رمضان فإن غمي عليه عدّ ثلاثين يوماً ثم صام.
مسألة:
وروي أن الله تعالى أول ما فرض الصيام على المؤمنين فقال: {كتب عليكم الصيام..} (4) الآية، وكان الصائم إذا نعس حرم عليه الأكل والشرب والجماع فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينما هو ذات يوم في مسجده إذ أقبل على رجل من أصحابه يقال له صرمة بن أنس فقال يا أبا قيس أراك اليوم طليحاً، فقال يا رسول الله إني كنت بالأمس في ضيعتي أجر جريراً فأويت إلى منزلي طليحا فقالت لي المرأة ألا استعملت لك طعاما حارا فقامت في صنع ذلك فاضجعت فأخذني النوم فانتبهت وقد حرم عليّ ما يحرم على الصائم فبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - شجياًّ لصاحبه فبينما هو كذلك إذ نزل جبريل - عليه السلام - بالرخصة من الله فقال: {أياما معدودات} (5) إلى قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (6) فأحل الله للمسلمين الطعام والشراب والجماع ليلة الصيام منذ غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة (6/361)
صفحة 362
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصِّيَامُ وَالقُرآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْد، يَقُولُ الصِّيَام: أَيْ رَبّ، إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَات بِالنَّهَار فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ القُرآن: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيَشْفَعَان» (1) ، وبلغنا أن موسى لما كلمه الله صام قبل ذلك شهرا لم يفطر فيه حتى أراح فوه، فلما أراد أن يكلم ربّه ذهب إلى ورق الزيتون فمضغه فناداه ربه يا موسى ما تصنع؟ قال: يا رب إن فمي قد أراح فأحببت أن أطيّب فمي بورق الزيتون حتى أكلمك وفمي طيّب الريح، قال: يا موسى أما شعرت أن فم الصائم ريحه عندي أطيب من ريح المسك فلا وعزّتي لا أكلمك حتى تعود ريح فمك كما كان فزاد عشرة أيام وهو قوله تعالى في القرآن: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة...} (2) . ابن عباس قال: ما عذب قوم قط في شهر رمضان فإن سلم لهم شهر رمضان سلم سائر سننهم، أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال ربكم عمل يزاد به الحسنة بعشر أمثالا إلا الصوم فهو لي فأنا أجزي عليه، ومن ترك الطعام بشهوته من أجلي فهو لي وأنا أجزي به، وترك الشراب من أجلي فهو لي وأنا أجزي به» (3) ، وقيل: « لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِندَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ»، «وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ الْمِسْكِ» (4) ،
__________
(1) رواه أحمد، عن عبد الله بن عمرو بلفظه، ر6626، 2/174. والبهقي في الشعب، مثله، ر1994، 2/346.
(2) سورة
(3) حديث: */
(4) رواه الربيع، عن أبي هريرة بلفظه، كتاب الصيام، باب (54) في فضل رمضان، ر328. والبخاري، مثله، باب فضل الصوم، 1795، 2/670. ومسلم، مثله، باب فضل الصيام، 1151، 2/806.. (6/362)
صفحة 363
وذكر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله عز وجل قال: الصوم جنة يجتن بها عبدي من النار، والصوم لي وأنا أجزي به، يذر طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (1) خلوف فم الصائم نكهته في غبّه لأنه إذا ترك الطعام تغير ريح فمه، يقال: خلف فهو يخلف خلوفا، ويقال: جئت في عقب رمضان إذا جئت بعد مضيّه، وجئت بعد مضيّه في عقبه إذا جئت لعشر أو لخمس أو لست قد مضين عنه، وبلغنا عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يقولون في شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر: اللهم تقبل منا صيام شهر رمضان، ويقولون في الربيعين والجمادين ورجب وشعبان اللهم بلغنا شهر رمضان، كانوا لا يتركون ذكر شهر رمضان على كل حال، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى جل جلاله يأمر رضوان فيزخرف الجنان ويزيّن الحور الحسان ويسكوهن الحلل والعقبان ويقول لهن: يحق لصوّام شهر رمضان، وعنه - عليه السلام - : «محا رمضان كل صوم كان قبله، ومحت الزكاة كل صدقة كانت قبلها» (2) عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل رمضان قال: «اللهم سلّمني لرمضان وسلم لي رمضان وسلمه لي متقبلا» (3) .
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/363)
صفحة 364
في فرض الصيام: الفرض في الصوم خمس خصال: العلم بالشهر، والنية للصوم، والإمساك عن الطعام والشراب، والإمساك عن الجماع، واستفراغ طرفي الشهر المفترض صومه، والحجة على وجوب العلم بالشهر قول الله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (1) والمشاهدة على ضربين: مشاهدة في الرؤية ومشاهدة في العلم وهو في مثل الأعمى ومن قصر بصره بعينه أو عجز عن رؤية الهلال، والعلم الثاني هو المشاهدة له والنظر إليه، والحجة في الإمساك عن الطعام والشراب أن الصوم في لغة العرب هو الإمساك. قال الله عز وجل فيما أخبر عن مريم عليها السلام أنها قالت: {إني نذرت للرحمن صوما} (2) أي إمساكا والله أعلم، والحجة في النيّة ما تقدم ذكرنا له في موضع الطهارة، والحجة في الإمساك عن الجماع بالنهار قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث..} (3) فالرفث هو الجماع، وفي هذا دليل على حظر ذلك بالنهار بقوله: {فالآن باشروهن...} (4) فأفادنا بهذه الآية أحكاما ثلاثة وهو الإمساك عن الطعام والشراب والإمساك عن الجماع واستغراق طرفي المفترض وذلك من طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، ومعنى قوله تعالى: {فالآن باشروهن} (5) أي جامعوهن وابتغوا ما كتب الله لكم يعني بذلك الولد وذلك بالليل والله أعلم، وما اتفقت عليه الأمة أن من وطئ بالنهار أن عليه القضاء والكفارة، واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ألزم الواطئ بالنهار القضاء والكفارة.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة (6/364)
صفحة 365
وحرمة شهر رمضان عظيمة ألا ترى إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّة، وَغُلِّقَت أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِين» (1) وعنه - عليه السلام - قال: «مَن صَامَ رَمضَانَ مُحتسِبًا صَابرا غَفَر اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّم مِن ذَنبِه» (2) .
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري، عن أبي هريرة بلفظه، باب صفة إبليس وجنوده...، ر3103، 3/1194. ومسلم، بلفظ قريب، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، ر1079، 2/758.
(2) رواه الربيع عن أبي هريرة بلفظ قريب، ر327. والبخاري مثله، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، ر1910، 2/709. ومسلم، مثله، باب الترغيب في قيام رمضان، ر760، 1/523. (6/365)
صفحة 366
والصيام من طريق اللّغة هو الإمساك، ومن طريق الشريعة هو الإمساك عن الطعام والشراب، نسخة عن المطعم والمشرب، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من غض البصر عن المحارم وحفظ الفرج ومنع اللسان من القول المحظور» (1) تقول العرب خيل صيام إذا كانت واقفة لا تعتلف ولا تعمل شيئا، ويقال: صام النهار إذا وقفت الشمس للظهيرة في كبد السماء. قال أبو عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» (2) قال الكسائي وغيره: إنما وصفها بالبرد؛ لأن الغنيمة أصلها من أرض العدو ولا تنال إلا بمباشرة الحرب والاصطلاء بحربها يقول فهذه غنيمة ليس فيها لقاء حرب ولا قتال، وقد تكون تسمّى باردة لأن صوم الشتاء ليس كصوم الصّيف الذي يقاسي فيه العطش والجهد، وقد قيل في مثل: ولي حارّها من ولي قارّها، يضرب للرجل يكون في سعة وخصب لا ينيلك منه شيء ثم يصير منه في أذًى ومكروه، فقال: دعه حتى يلقي شرّه كما لقي خيره، فالقارة هو المحمود وهو مثل الغنيمة الباردة والحارة هو المذموم المكروه.
فصل: الصوم ترك الأكل وترك الكلام أيضا صوم، وقول مريم عليها السلام: {إني نذرت للرحمن صوما} (3) أي صياما ورجال صوام ونساء صوّم والصائم القائم، والصيام يجمع ذلك كله ولعله في ذلك بميم صميم، والصيام القيام بلا غسل يقول صام الفرس على إربه إذا لم يعتلف، وقال النابغة:
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غَير ... صائمةٍ ... تَحتَ العُجاجِ وَأُخرَى تَعلكُ ... اللّجمَا (4)
__________
(1) حديث: */
(2) رواه الترمذي، عن عامر بن مسعود بمعناه مرسلا، باب الصوم في الشتاء، ر797، 3/162. وابن أبي شيبة، عن عامر، باب: ما قالوا في الصوم في الشتاء، ر9741، 2/344.
(3) سورة
(4) البيت من البسيط للنابغة في ديوانه، ص152. (6/366)
صفحة 367
أي قائمة وغير قائمة أي يحدب عليها، وصامت الريح إذا سكنت وصامت الشمس حين يستوي منتصف النهار وصام الفرس موقفه، وصام النهار إذا ارتفع، قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما} (1) الآية، أي صمتاً، وذلك لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا، ويقال: لكل شيء باب يدخل منه وإن باب العبادة الصيام.
مسألة:
ومن دخل على قوم وهم يأكلون طعاما فدعوه ليأكل معهم فقال إني صائم وليس هو بصائم ولكنه كره الأكل معهم فإنّا نحبّ له أن يصوم يوماً.
مسألة:
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هذا شهر رمضان شهر مبارك تفتح به أبواب السماء وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه الشياطين، فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (2) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أعطيت أمتي خمسا من شهر رمضان لم يعطهنّ نبيّ قبلي: أما واحدة: فإنها إذا كان أوّل ليلة نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لم يعذ به بعدها أبداً، والثانية: فإن خلوف أفواههم حين يمسون عند الله أطيب من رائحة المسك، والثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، والرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول استعدي وتزيني لعبادي فإنه يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى داري وكرامتي، والخامسة: فإذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليك: أهي ليلة القدر؟ فقال: ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم أوفوا أجورهم» (3) .
فصل:
__________
(1) سورة
(2) سبق تخريجه في حديث: «أَتَاكُم رَمَضَانُ شهرٌ مباركٌ...» من هذا الجزء.
(3) حديث: */ (6/367)
صفحة 368
الصوم: يسمّى صبراً. قال الله تعالى:{واستعينوا بالصبر والصلاة} (1) جاء في التفسير أن الصبر الصّوم، وأصل الصبر في اللّغة الحبس، ومنه قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين...} (2) ومنه الحديث: نهى عن قتل البهائم صبرا، وقوله تعالى: {وإنها لكبيرة} (3) وهو يعني الصوم والصلاة فوحّد ذلك لأن الأنواع كلها على هذا إذا أفردت الواحد ثم جمعت وصفه أو فعله فإنما تريد الجنس، وكذلك إذا ذكرت جمعاً ثم وحدت الفعل والوصف أو فعله رجعت إلى الجنس ويستقيم أن تجعل الأول منهما والثاني لاستواء المعنى فيهما. قال أبو عبيدة: إن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان عن الأكل والشراب والنكاح ثم قرأ: {إنما يوفى الصابرون...} (4) ومعنى الخبر: « الصَّومُ لِي وأنَا أَجزِي بِه» (5) يعني: أني أتولى أجره، وقيل: أنا أجزي به بغير حساب.
فصل:
قال الله تعالى: {كتب عليكم الصيام...} (6) قال الحسن: فرض الله عز وجلّ على أهل الكتاب صوم شهر رمضان كما فرضه علينا فصامه النصارى زمانا ثم اشتد عليهم الحرّ فحوّلوه إلى الربيع وزادوا فيه لتحويلهم إياه خمسة أيام ثم قالوا: نتمه أربعين فأتموه وصاموا أربعين ثم إن ملكا لهم اشتكى فيه فجعل لله عليه إن هو برئ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا ثم مات ذلك الملك وولاهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوماً.
فصل:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) رواه الربيع عن أبي هريرة بلفظ قريب، بَاب (54) في فضل رَمَضَان، ر328. والبخاري بلفظ قريب جدا، باب قول الله تعالى {يريدون أن يبدلوا كلام الله}..، ر7054، 6/2723. ومسلم، مثله، باب فضل الصيام، ر1152، 2/807. ومالك في الموطأ، ر683، 1/310.
(6) سورة (6/368)
صفحة 369
ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وقد أهل شهر رمضان: «لم يعلم العباد ما في شهر رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها» (1) . فقال رجل من خزاعة يا رسول الله حدثنا به قال: «إن الجنة تزيّن لرمضان من رأس الحول إلى الحول فإذا كان في أول يوم من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش وصفقت أوراق الجنة فتنظر الحور العين إلى ذلك فيقلن اللهم اجعل لنا من عبادك أزواجاً في هذا الشهر تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا، قال: فما من عبد يصوم يوماً من شهر رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من در مختومة بما نعت الله تعالى حور مقصورات في الخيام لكل امرأة منهن سرير من ياقوت أحمر موشح بالدر على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من استبرق فيعطى زوجها من ذلك» (2) ، وروى ابن عباس قال: «كَانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَجودَ النّاسِ، وكانَ أَجوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمضَان حينَ يَلقَاهُ جِبريلُ» (3) .
مسألة:
__________
(1) حديث: */*/*/*/*/*
(2) حديث: */
(3) رواه البخاري، عن ابن عباس بلفظه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...، ر6، 1/6. والنسائي، مثله، باب الفضل والجود في شهر رمضان، ر2095، 4/125. (6/369)
صفحة 370
والمتعبد بالصيام يتوصل إلى علم دخول الشهر بثلاثة أوجه: أحدها من طريق المشاهدة للأهلة، والوجه الآخر من طريق إكمال ثلاثين يوما لأن الشهر تسعة وعشرون يوما وثلاثون يوما ولا ينقض شهر عن ذلك، أيضا ما روي عن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِب، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»، ثم قال: «هكذا وهكذا وهكذا أو قبض الإبهام في الثالثة» (1) ، وإذا أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء لم يجز انقلاب ذلك، والوجه الثالث هو أن يعلم دخول رمضان بخبر من يزول عنه الشك بخبره، والواجب على المتعبد أن لا يدخل في الصوم إلا برؤية الهلال، أو بخبر من يزول الشك بخبره، فإذا أغمى عليه عدّ ثلاثين يوما ليكون على يقين من دخوله لأن الصائم إذا لم يعلم دخول الشهر لم يجز صومه على الشك لو أبيح له صوم يوم الشك كيف وصوم يوم الشك محظور، وذلك ما روي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غمي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما» (2) وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « صُومُوا لِرُؤيَتِه وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه، فإن غمي عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوما» (3) .
فصل:
__________
(1) رواه البخاري، عن ابن عمر بلفظ قريب، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نكتب ولا نحسب، ر1814، 2/675. ومسلم، مثله، باب وجوب صوم رمضان لرؤية...، ر1080، 2/759.
(2) حديث: */
(3) رواه أحمد، عن ابن عباس ببعض لفظه، ر1985، 1/226. وابن خزيمة في صحيحه، مثله، باب الزجر عن الصيام رمضان قبل مضي ثلاثين يوما لشعبان إذا لم ير الهلال، ر1912، 3/204. (6/370)
صفحة 371
قيل أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «هكذا وهكذا وهكذا أومأ بيديه جميعا وبأصابعه وقبض الإبهام في الأخير» يعني: ثلاثين يوما وتسعة وعشرين يوما. قال أبو جعفر: وربما رأينا شهرين متوالين ثلاثين يوما ثلاثين يوما، وربما رأينا شهرين متواليين تسعة وعشرين يوما أو الأهلة في سنة الجدب تكون أدق في النظر للبس الجو وكدر رؤيته. قال ذو الرمة:
ألمتْ بنا العيسُ حسرى كأنها *** أهلة محلٍ زالَ عنها قتامها
وإذا زال القتام وحسن القمر ونظرت النجوم كباراً كذلك يقوم العوام إن الكواكب تنتفخ في الشتاء، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكلموا العدة» (1) ومختلف فيمن رأى الهلال وحده. قَال قَوم: يصوم، وإذا رأى هلال الفطر وحده لم يفطر، وقال الشافعي: يصوم ويفطر، وقَال قَوم: لا يصوم ويفطر، وشهر رمضان ينقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، يقال استهللنا الهلال وأهللناه إذا نظرنا إليه مثلا، وقال بعضهم: الاستهلال طلب الهلال، والهلال رؤيته، والعرب تسمّي الشهر الهلال، سمّي الهلال برفع الصوت به، وينادي الناس لرؤيته، ومن ذلك استهلال الصبي إذا صاح، ومنه الإهلال بالحج أي رفع الصوت به، يقال قد تناصر القوم على رؤية الهلال إذا تتابعوا، ويقال: نصر الله أرض بني فلان إذا جادها المطر. قال الراعي:
إذا انسلخ الشهر الحرام فودّعي *** بلاد تميم وانصري أرض عامر
وسمّي الشهر شهرا لشهرته، وعن ابن عمر أنه قال - عليه السلام - : «جعل الله الأهلة مواقيت، فإذا رأيتموها فصوموا، وإذا رأيتموها فأفطروا، فإن غمي عليكم فاقدروا واعلموا أن الشهر لا يزيد على ثلاثين يوما» (2) .
الباب السابع والثلاثون: في رؤية هلال رمضان وهلال شعبان وأحكامهما وقبول الشهادة وردّها
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/371)
صفحة 372
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: صُومُوا لِرُؤْيَةِ الِهلاَلِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ (1) عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا» (2) ، يقال غمّ عليّ وخمّ ولبس أي ستر، ومنه غممت الشيء إذا سترته ومنه الغم لأنه في الصدر غير بارز لهم قال الله تعالى: {ولا يكن أمركم عليكم غمّة} (3) أي مبهما ملتبسا مغطى لا تدرون ما هو، وقيل: غمّة ظلمة، ويقال: صمنا للغمي إذا غمّ عليهم الهلال وهي ليلة الغمى. قال الرّاجز:
... ليلة غمّا طامس هلالها *** أوغلتْها مكروهة إيغالها
__________
(1) فِي (ت) و(خ): غُمّي عليكم كما فِي رواية مسلم، بمعنى خفي واستعجَم. وفي نسخة (س): عُمِّي: أي التبس.
(2) رواه الربيع عن أبي سعيد بلفظ قريب، بَاب (53) النَّهْي عَنْ صِيَام العِيدَين وَيَوْم الشَّكّ، ر323. ومسلم عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال...، ر1080-1081، 2/762. والترمذي عن ابن عباس بلفظ قريب، باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له، ر688، 3/72.
(3) سورة (6/372)
صفحة 373
وقِيلَ: إنَّه قال - صلى الله عليه وسلم - : « إِذَا رَأَيْتُم الِهلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُموهُ فَأَفْطِرُوا» (1) وقِيلَ: إنَّه قال - صلى الله عليه وسلم - : « صُومُوا لِرُؤْيَةِ الِهلاَلِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا»، فمن رأى هلال شهر رمضان فعليه أن يصوم إذا رآه بعينه، وإن لم ير الهلال صام إذا أخبره العدل من الناس، وإن خرج ورآه غير ثقة مرضيا فعليه أن يصوم أيضا بقوله ولا يصبح مفطرا فتلزمه الكفارة لتركه الصيام فيصير مخالفا لأمر الله ورسوله وعاصيا، فليتق الله ويذكر وقوفه بين يدي ربه، فإذا صام ثلاثين يوما أو رأى هلال شوال لتسعة وعشرين يوما مر شهر رمضان فله أن يفطر وليس له أن يظهر ذلك فيقتدي به غيره إلا أن يكون الهلال قد صح بغيره وإن أظهر كان مخطئا ولم آمن عليه الضمان إن أكل أحد بقوله، وإن كان الواحد الذي رأى الهلال ثقة وشهد بذلك فعلى الناس أن يصوموا بشهادته وليس لهم أن يفطروا، وكذلك قيل يصام بشهادة واحد عدل ولا يفطر إلا بشهادة عدلين إن لم يكن رؤية، وإن قال قائل إنه لا يصوم ذلك اليوم وهو عنده من شعبان حتى يصح بشاهدي عدل أنه من رمضان لم يقبل منه لما جاء في ذلك أنه يصام بشهادة واحد عدل ومنزلته خسيسة لأنه يبلغ به وتلزمه كفارة، وإذا صام الناس بشهادة الواحد الثقة صاموا ثلاثين يوما غير اليوم الذي كان من شهر شعبان وشبهة الثقة أنه من رمضان إلا أن يصح هلال شوال فيفطرون بالهلال لأنه إذا خفي عليهم الهلال وصاموا يوم الشك بشهادة الثقة على أنه من رمضان وأكملوا على ذلك لعدة ثلاثين يوما ثم أفطروا فقد أفطروا بشهادة واحد وخالفوا الأثر، وينظر في ذلك يقال أتانا الهلال لاتفاق الهلال ويومه وميعاده أي حين أهلّ، وجاءنا على عقب رمضان وعقبه إذا جاء وقد مضى الشهر كله وجاءنا على عقب
__________
(1) رواه مسلم وغيره بألفاظ قريبة وبمعناه كما فِي الحديث السابق. (6/373)
صفحة 374
رمضان في عقبه إذا جاء وقد بقيت أيام من آخره، وأتانا في أقرة الحر. قال بعض: في أوله، وقال بعضهم: في شدته، ومنهم من يقول في قرة الحر، ومنهم من يقول في أقرة الحر بفتح الألف، وقال: منهم من يجعل الألف عينا فيقول في عقرة الحر وعقره، رأيت الهلال ليلا في أول ما يستوي للسماء بقية الهلال وبقية النهار وبقية البصر أيضا، وأنشد الشاعر:
لقد زاد الهلال إليّ حبًّا *** وجوه تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شق صغير *** نظرن إليه من خلل الحجالي
مسألة:
ولا يصوم الناس بشهادة المرأة برؤية الهلال وإن كانت عدلة ولا بشهادة أهل الذمة وإن كانوا عدولاً في دينهم، وإذا شهد رجل عدل أو امرأتان عدلتان على رؤية شهر رمضان صام الناس بشهادتهما، وأما رؤية هلال شوال فلا يجوز الإفطار إلا بشاهدي عدل برؤية الهلال.
مسألة:
وأحب لمن رأى هلال رمضان أن يذكر اسم الله كثيرا ويسأله التوفيق لما يقربه إليه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا رأى هلال رمضان كبّر ودعا وسأل بركة الشهر المقبل وخيره وتعوذ من شر القدر وسوء المحشر، وقد قِيلَ: إنَّه عند رؤية كل هلال كان يدعو.
مسألة:
وإذا صام الناس بقول الثقة ثلاثين يوما ولم يروا هلال شوال فليس لهم أن يفطروا لأن الثقة مقبولة قوله تقليدا له فإذا صح العلم بوجوب الفريضة ولزوم العبادة لم يجز الخروج من الفرائض بعد صحة العلم بوجوبها وثبوت عقدها إلا بعلم مثله يزيل حكم ما وجب من فرضها من رؤية الهلال أو استكمال العدة التي لا ريب في الخروج من العبادة بها أو الشاهدين العدلين برؤية الهلال، وأيضا فإن شهادة الشاهدين لا توجب علما بالحقيقة إلا تقليدا لهما من طريق الشريعة، ولو تركنا صحة اليقين ما صح لنا علم بشهادة شاهدين ولو كانوا عشرة عدول وإنما جواز شهادة الشاهدين من الشريعة لا من طريق العلم والله أعلم.
مسألة: (6/374)
صفحة 375
وإذا رأى هلال شوال رجل من المسلمين فعليه بأن يخبّر بأنه رأى هلال شهر شوال ولا يجوز للناس الإفطار بقوله لأنا قد قلنا إن الخروج من العبادة لا يكون إلا بحجة والحجة قد شرحت بيانها في صدر المسألة، قيل: من أين وجب على من رأى هلال شوال أن يخبّر بأنه قد رآه وهو غير مقبول خبره، قال: هذا شاهد وليس بمخبر، والشاهد عليه تأدية شهادة عند الحاجة إليها، وإنما قلنا عليه أن يشهد بما رأى وعلم لعل غيره قد رأى هلال شوال فيشهد بمثل شهادته فتكون شهادتهما قد اتفقت للمسلمين بجواز خروجهم من العبادة المأخوذ عليهم أداؤها وبالله التوفيق، وقيل: لم وخبره مقبول إذا كان وجده وأيضا فإنه يتخوّف أن يفطر بخبر الجهال ومن لا علم له بأحكام الشريعة، قال: ولو جاز هذا لجاز لكل من رأى الهلال أن يمسك عن الأخبار ويتكتم على علم حمله الله إياه وألزمه أداؤه، والله تعالى يقول: {ولا تكتموا الشهادة...} (1) وليس جهل الجهال بأحكام الشريعة بموجب على قائل الحق وفاعله آثما ويلزمه السكوت والتكتم على علم ألزمه الله إيّاه.
مسألة:
فإن امتنع من الشهادة برؤية الهلال، وقال: إني أتخوّف أن يفطر الجهال بشهادتي ومن لا علم له فلا عذر له بهذا ولو كان هذا عذرا أو جاز له لجاز لكل من رأى الهلال الإمساك عن الشهادة به وهذا مالا عذر له به وبالله التوفيق.
مسألة:
والمخبّر برؤية هلال شهر رمضان شاهد على نفسه ورافع للخبر إلى غيره لأن إقراره برؤية هلال رمضان شاهد ملتزم نسخة ملزم لنفسه الصوم ومحرم عليها ما كان محللا لها من الإفطار قبل الإقرار برؤية الهلال فهو كالحاكم على نفسه، ومن قامت عليه الحجة ولا حجة أقوى من الإقرار مع البلوغ وكمال العقل وزوال الموانع فمن هاهنا هو شاهد على نفسه وقلنا هو مخبّر لغيره إذ هو ليس بحجة على غيره وكان خبره مقبولا بدليل ما تقدم من الكلام فقلنا شاهد على نفسه رافع لغيره وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/375)
صفحة 376
وعلى من سمع بخبر الثقة برؤية الهلال الصيام تقليدا للثقة ولما لزم من قبول رفيعته وليس لهم أن يعتقدوا بأن ذلك اليوم من رمضان لأن العلم لا يقع لهم من طريق خبر الثقة، والاعتقاد لا يلزم إلا بالعلم وقيام الحجة وبالله التوفيق، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر شهر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غمي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما»، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «شهرا عيد لا ينقصان شهر رمضان وذي الحجة» (1) .
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/376)
صفحة 377
وأكره أن يفطر الناس مع خبر عدل يشهد برؤية الهلال ولا أوجبه عليهم فرضا لأن خبر العدل مقبول ويجب العمل به حكما ولا يجب علما، وقال أصحابنا: عليهم فرض الصوم عند خبر العدل ولا يعتقدون صوم ذلك اليوم من الثلاثين إذا غمي عليهم هلال شوال، والنظر عندي يوجب ما قلنا، والدليل على ذلك أنه لا يوجب خبره العلم أنهم أجمعوا على أنهم لو صاموا ثلاثين يوما منذ أخبرهم العدل ولم يروا الهلال أنهم لا يفطرون ولو كان واجبا لكان فرضا لازما ولأجزاهم ما صاموا بخبره، فهذا يدل على أن العلم غيره، فإن قال قائل: لم قلت بالصوم عند خبره وكرهت إفطاره وقبلت خبره، وخبره لا يفيد علما، قيل له: إنما قلنا ذلك من طريق التعبد لأن خبر العدل واجب قبوله من طريق العبادة وأما الفرض فلا يزول بغير اليقين، فإن قال: ما الدليل على أن الله تعالى تعبّد بقبول عدل واحد دون أن يكون معه ثان وإنما أمر الله بقبول شهادة العدلين، قيل له: إن الله وله الحمد قد تعبدنا بأشياء مختلفة فأما الأموال فإنه أمر أن لا يقبل فيها إلا قول عدلين، وفي عمل الأبدان أمر أن يقبل خبر عدل بقول الله جل ذكره: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق... (6/377)
صفحة 378
} (1) فلما أمر بالتبيين عن خبر الفاسق علمنا أنه أمر بقبول خبر غير الفاسق، والذي عندي أن الواجب يبتدئ الصيام بإحدى ثلاث جهات، إما رؤية هلال رمضان، أو كمال عدد شعبان، أو بخبر يوجب البيان، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن صوم الشك، وخبر الواحد لا يزيل الشك من قلوبنا إذا وجدناه يزيل الشك وجب فرض الصوم، فإن قال قائل: فلم أجزت شهادة العدل في الصوم فأوجبته بقوله ولم تقبل قوله في الفطر؟ قيل له: إنه كان في الابتداء شاهد على نفسه وفي الفطر شاهد لنفسه، فإن قال: فما أنكرت أن لا تقبل شهادة الشاهدين في الفطر على ما أصلت لأنهما شهدا لأنفسهما، قيل له: إن شهادة الواحد في الابتداء إقرار منه على نفسه يلزمه دون غيره وكما قلنا إنه لا يلزم غيره قوله في الثاني، وشهادة الشاهدين جائزة ويجب العمل بها ويفيدنا علم الظاهر والإجماع على ذلك، فإن ظفر الإمام بالشاهد على رؤية الهلال هلال رمضان أو بشاهدين على رؤية هلال شوال وأنهما شهدا زوراً فليؤدبهما على ذلك بقدر ما يراه ردعاً لهما ولغيرهما ولأن لا يجتزئ سواهما من الناس على مثل ما أخبرنا من التلاعب بأمر الدين والله أعلم، وقال أصحابنا: في شاهد الزور إذا شهد في المال فاقتطع الحاكم بشهادته مالاً ثم علم بخيانته في الشهادة وأنه شهد زوراً فإن شهادته لا تقبل منه أبداً مع ما يحكم عليه من غرم المال الذي تلف بشهادته وأمّا في باب الدين فإذا اطلعوا عليه بشهادة زور فلا أعلم لهم فيه قولاً والله نستهديه لما يحبه ويرضيه، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز جلد شاهد الزور سبعين سوطاً ولا أعلم في أي شيء كان شهد هكذا ورد الخبر عنه، وأما الحسن البصري وشريح فقالا تنزع عنه ثيابه ويخفق خفقات ويشهّر به، وأما أبو حنيفة فلا يوجب عليه ضربا ولكن يحذر الناس منه.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/378)
صفحة 379
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « الشهرُ تِسعَةٌ وَعِشرُونَ يَومًا، ويكون ثلاثين يوما، فإذا رأيتموه فأفطروا وإذا رأيتموه فصوموا» (1) ، وإذا انتشر الخبر انتشارا لا يكون مثله غلطا وجب الصوم، وإن كان في السماء غيم أو غيره جازت شهادة واحد عدل في قول المسلمين إذا قال أنه رأى هلال رمضان، وقد روي أن أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أبصرت الهلال، فقال: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللََّهُ؟» قال: نعم، قال: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قال: نعم، قال: «يَا بِلاَلُ، أَذِّن فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» (2) ، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - خبره في الهلال، وقيل: إِنَّه أجاز شاهدين على الصوم والإفطار، ففي هذا من قوله ما يدل على كراهية صوم يوم الشك، وقد قلنا إن صوم يوم الشك يكره للعلة التي روينا أن الصوم لرؤية الهلال ولم ير بعضهم في يوم الشك بأساً، ومن رأى الهلال فعليه أن يصوم وإن لم يره غيره، ومن لم يصم بقول واحد فقد خالف ما الناس يعمل ولم يعلم بما جاءت به الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن الاختلاف بينهم في شهادة واحد فمن ذلك سقطت عنه الكفارة، وإن صاموا بقول واحد ثم لم يروا الهلال أتموا ثلاثين يوماً غير اليوم الذي شهدا به الواحد على رؤية الهلال لأن السنة جاءت بالإفطار بشهادة عدلين.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن، أم سلمة بمعناه، كتاب النكاح، باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه بيوتهن، ر5202، 6/186. ومسلم، مثله، كتاب الصوم، باب الشهر يكون تسعا وعشرين، ر1085، 2/764.
(2) رواه الترمذي، عن ابن عباس بلفظه، باب ما جاء في الصوم بالشهادة، ر691، 3/74. وأبو داود، مثله، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان ر2340، 2/302. (6/379)
صفحة 380
ومن رأى هلال شوال يوم ثلاثين من شهر رمضان قبل أن تغرب الشمس فأفطر حيث رأى الهلال فبئس ما صنع ولا يلزمه إلا بدل يومه ذلك، وقد كان ذلك عنا مرة بنزوى فقيل عليه الكفارة، وقيل: ليس عليه إلا بدل يومه، ولا يكون هذا بمنزلة من أفطر متعمداً في شهر رمضان لأنه إنما أفطر لرؤية الهلال ولا يلزمه أكثر من بدل يومه لأنه متأول وقد قيل ببدل ما مضى من صومه.
مسألة:
ومن أفطر بقول واحد فعليه القضاء والكفارة فإن صح أنه كما رفع إليه فعليه البدل ولا كفارة.
مسألة:
وإذا صام أهل عُمان شهر رمضان برؤية الهلال وأفطروا لرؤيته وكان عندهم تسعة وعشرين يوماً ثم قدم الحاج من مكة ووصل الخبر من البصرة أنهم صاموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته وكان عندهم ثلاثين يوماً فلا بدل على أهل عُمان عن الذي فاتهم ولو شهد به جماعة من العدول وقد تم صوم الجميع، وقد رفع الحديث عن ابن عباس أنه قال: لكل قوم هلالهم، وإذا شهد شاهدان زوراً على هلال ذي الحجة فحج الناس بشهادتهما ثم أرادا التوبة فما أقول أن عليهما أن يظهرا ذلك للناس لأنه ليس على الناس قبول ذلك منهما بعد انقضاء الحج وعليهم أن يقبلوا منهما ما لم ينقض الوقت بعرفات، ومن دعا الناس إلى هلال فعليه أن يعرفهم خطأ ما دعاهم إليه.
مسألة: (6/380)
صفحة 381
وقال محمد بن محبوب: لو أن قوماً اختلفوا في هلال شهر ذي الحجة فرأى هؤلاء الهلال فجعلوا لعرفة يوم النحر ونحروا بالدومين وهم يوم الذخر ورأى هؤلاء الهلال فنحروا يوم النحر فإن لكل قوم هلالهم، يقول الله تبارك وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صوموا لرؤيته» فمن رأى الهلال وحده وجب عليه الصوم بالكتاب السنة، وليس من شرط وجوب الصيام لتعلق وجوبه بجماعة، ألا ترى أنه لو كان في مقام وحده فرأى الهلال وجب عليه الصوم وإن كان لا يعلم أنه لو كان في مقام وحده فرأى الهلال وجب عليه الصوم وإن كان لا يعلم أن أحداً رآه غيره فإن أكل فعليه القضاء والكفارة، فإن قال قائل أن الكفارة لا تلزمه لأن اليوم إن كان عنده من رمضان فإن عند غيره من شعبان فصار ذلك شبهة في سقوط الكفارة عنده ووجه آخر أنه ليس على ثقة من رؤية الهلال لأنه يجوز أن يرى قطعة غيم أو غير ذلك فيظن أنه هو الهلال كما روي عن أنس أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجوا لرؤية الهلال فنظروا فلم يروا شيئا ولكنه قال: هو ذا الهلال فنظروا فلم يروا فإذا أن ذلك شعره كانت على حاجب أنس بيضاء وكان يظن أنه هو ففطن إليه رجل فقام إليه ومسح حاجبه فقال له انظر فنظر فلم ير شيئا فإذا كان مثل ذلك جائزا عليه كان ذلك شبهة في سقوط الكفارة، وبهذا قال الحسن وهو إمام من أئمة المسلمين ليس عليه أن يصوم هذا اليوم، قيل له: كل متعبّد بما يلزمه وليس جهل من جهل الشهر علم من علمه ولا يسقط عن المفطر فيه الكفارة، وأما خبر أنس فالمسألة لم تكن أنه سأل في رؤية الهلال فتكون الشبهة هاهنا محال، وأما الكلام فعلى رؤية الهلال فصحيحة وغير زائل ما صح ولا مشبه له ما لم يصح.
__________
(1) سورة (6/381)
صفحة 382
قال أبو الحواري: من رأى هلال شوال وحده فأخبر به فقال له أهل بلده نحن نصدّقك قم فصل بنا فأخبرهم أنهم لا يجوز لهم ذلك إلا بشاهدي عدل، قال: لا يجوز لهم ولا يجوز له أن يظهر فطره وإن أكلوا كان عليهم الكفارة وعليه التوبة.
مسألة:
ومن رأى هلال ذي الحجة وحده ولم يخرج الأمير ولا الناس لذلك الوقت فإنه ينبغي لهذا الرجل أن يتهم نفسه ويكون مع الناس فإن الفطر والأضحى بلغني لكل قوم رؤيتهم وأضحاؤهم يوم يضحون وفطرهم يوم يفطرون، ومن رأى هلال رمضان وحده وهو عدل فعلى الناس أن يصوموا بشهادته ولا يفطرون إلا بشاهدي عدل، وإن رأى هلال ذي الحجة وحده لم ينحر الناس بشهادته وينحر هو وحده.
مسألة:
وإذا كان قوم معتقلين في شهر رمضان وقيل لهم إن الهلال قد أهل البارحة وإن الناس قد صلوا العيد وأفطروا وأسمعوهم ضرب الطبول فلا يجوز لهم الإفطار حتى يشهد عندهم شاهدا عدل برؤية الهلال أو يصحّ لهم ذلك بشهرة الهلال من المخبرين لهم مع ارتفاع الريب بصحة ذلك وشهرته.
مسألة:
ومن صدق المخبرين الذين لا تعرف عدالتهم وأفطر بقول من لا يكون خبره تقوم به الحجة من طريق البينة والشهرة فعليه بدل الشهر والكفارة لأنه أفطر على غير علم وإن كان متأولا وظن أن ذلك جائز له فبعض أسقط عنه الكفارة وألزمه بدل الشهر، ويوجد عن أبي علي رحمه الله في قوم رأوا الهلال في النهار يوم ثلاثين من الشهر فأفطروا فلم ير عليهم إلا يومهم. قال غيرهم: يبدل شهره فعلى قول أبي علي أن من كان متأولاً لذلك يكون بدل يوم وقد مضى ما وصفت لك.
مسألة:
والشهرة في الهلال تواتر الخبر وانتشار الناس من المخرج، وقِيلَ: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة اثنين على الصوم والإفطار وليس للناس أن يفطروا بقول واحد.
مسألة: (6/382)
صفحة 383
ومن أفطر يوم الثلاثين متعمداً فلا كفارة عليه فإن رأى الهلال في النهار باكرا قال: كل قد أجمع أن عليه الكفارة وإن رأى آخر النهار فبعض قال عليه بدل يومه، وبعض أفسد صومه.
مسألة:
وإذا صح الخبر في يوم من رمضان أنه يوم عيد خرج الناس إلى الجبّان لصلاة العيد ما لم تغب الشمس، وإن جاء الخبر وقد غابت الشمس أخروه إلى اليوم الثاني، وقال بعضهم: إذا جاء الخبر بعد الزوال أخروه إلى اليوم الثاني وعليهم أن يفطروا إذا صح بشاهدي عدل.
مسألة:
وإذا اشتبه الهلال على أهل بلد وبلغهم الخبر أنهم سبقوا بيوم من شهر رمضان فإذا شهد معهم شاهدان من قبل أن ينقضي شهر رمضان فعليهم بدل ما سبقوا به، وإن انقضى شهر رمضان ثم شهد من بعد ذلك شاهدان بالسبق فليس عليهم بدل.
مسألة:
ومن كان له ولاية مع المسلمين فشهد أنه رأى هلال شوال فلم يقض بشهادته غيره وأصبح مفطرا وقال فعلت ذلك على يقين بالهلال فذلك لا يقبل منه ولا يصدق قوله وحده ويستتاب من فعله فإن تاب وإلاّ وجبت عقوبته وسقطت ولايته وأما فيما بينه وبين الله فيسعه ذلك.
مسألة:
ومن أخبره ثقة في أوّل يوم من شهر رمضان وكان المخبر عدلا فإنه يقبل ذلك منه وعليه أن يصوم بقوله، وإن انقضى ذلك اليوم وجاء الخبر أن ذلك اليوم في رمضان فلا يلزمه البدل إلاّ شهادة عدلين فإن شهد العدلان بعد انقضاء رمضان لم يكن عليه بدل.
مسألة:
ومن أفطر في رمضان برأي غير ثقة قال له إنه رأى هلال شوال فعليه الكفارة.
مسألة:
ويصام بقول الواحد الثقة ويصومون ثلاثين يوما غير اليوم الذي شهد شهد به الثقة إلاّ أن يروا هلال شوال، فإن صام أحد ثلاثين يوما باليوم الذي شهد به الثقة فعليه الكفارة.
مسألة: (6/383)
صفحة 384
وإن رأى هلال شهر رمضان في آخر يوم من شهر شعبان نصف النهار فالرأي فيه أنه إذا أبصر بعد زوال الشمس فهو ليلة المستقبلة ولا يجوز الإفطار، وإن أبصر قبل الزوال فهو لليلة الماضية ولا بأس أن يفطروا والله أعلم، وهلال شوال إذا أبصر بالعشي فهو لليلة المسقبلة ولا يجوز الإفطار، وإذا أبصر قبل الزوال فهو لليلة الماضية ويفطر الناس، وإذا أفطر الناس بشهادة الواحد لأنه رأى هلال شوال ولم يشهد عدلان فعلى من أفطر الكفارة ولو كان ثقة أو أوسط ذلك صيام شهر.
مسألة:
ومن رأى هلال رمضان فعليه أن يصوم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» فمن رآه فقد لزمه فرض الصيام وصار مخاطبا بالصوم، فإن أفطر بعد حصول الرؤية له بعد فقد لزمته الكفارة، ووافقنا على هذا القول الشافعي، وهو قول له واحد فيما وجدت عنه، وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال: لا كفارة عليه إن أفطر لأنه لم يحكم برؤية الشهر حاكم فلزم من أفطر حكم الكفارة، واحتج الشافعي عليه بأن قال هذا خطأ لأن حكم الحاكم بالهلال كالشهادة عليه وشهادته هو على نفسه بالرؤية أولى وأصدق لها وألزم من شهادة غيره عليه، وقد وافق في هذا وأصاب والله الموفق للصواب.
مسألة: (6/384)
صفحة 385
وإذا وصل كتاب من الإمام إلى الوالي يحمله ثقة برؤية الهلال فلا بأس أن يفطر أهل البلد لأن كتاب الإمام حكم، وقيل: إذا نادى منادي السلطان في أهل البلد بأن هذه الليلة من رمضان أو هذا اليوم الفطر وصح ذلك معه أن ذلك جائز مقبول ويصوم الناس ويفطرون بندائه كان السلطان عدلاً أو جائزاً، وقال بعض: إلا أن يكون سلطانا معروفا بالكذب وإجازة شهادة غير العدول ويستحل تقديم الشهر وتأخيره فذلك حقيق بألا يقبل قوله ولا يصدّق، وإن سمع أحد أن منادي السلطان ينادي عنه أن اليوم الفطر أو النحر فإنه يقبل ذلك إذا كان شائعاً في الناس ولا يقبل بخبر على رؤية هلال شهر رمضان إلا بشهادة عدل، وقيل: لا تقبل شهادة واحد حتى يكونا عدلين يعرفان الأهلة والشهور، وإن قالا إنا رأينا الهلال هذه الليلة أو البارحة أو كان شهادتهما بالنهار فإنهما يقبلان ويصدقان إذا كانا عدلين فعلى قول من يقول لا تقبل شهادة شاهد واحد لأنا لا يجوز لنا أن نصوم بشهادة ثلاثين يوماً، فمن هنالك لم تقبل شهادة واحد.
مسألة:
أجمع الناس على أن الإفطار من شهر رمضان لا يكون إلاّ بشاهدي عدل ولم نعلم بينهم في ذلك اختلافا، واختلف في رؤية الهلال بالنهار، فقال بعض: إن أبصره أما الشمس فهو هلال الليلة الثانية وإن أبصره خلف الشمس مما يلي المشرق فهو هلال الليلة الماضية.
مسألة:
ومختلف أيضا في رؤية الهلال بالنهار قبل الزوال أو بعده، وإذا أكدت الأخبار برؤية الهلال وكانوا غير ثقات وغلب على الظن أنهم صادقون فحرام الصوم هكذا يوجد في الأثر عن أبي محمد وأظنه الفضل بن الحواري والله أعلم.
مسألة: (6/385)
صفحة 386
ومن رأى هلال رمضان وحده وجب عليه الصوم لقول الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (1) وأوجب على من شهد صيامه وليس جهل من جهل دخوله بمبيح للعالم بدخوله إفطاره وكذلك إذا رأى هلال شوال وجب عليه أن يفطر، ولا يجوز له صوم ذلك اليوم لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الفطر، ونحب له أن يخفي ذلك لئلا تلحقه الظنة، ومن أوجب عليه صوم يوم الفطر مع نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاج إلى دليل، وإذا رأى الإنسان الهلال يوم الثلاثين من شعبان قبل الزوال وبعده لم يحصل له صوم ذلك اليوم إذ الصوم لا يصح إلا بالنية لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى إثبات الصوم إلا بتقديم النية من الليل، وإذا رأى هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان بعد الزوال لم يكن له الإفطار باتفاق الأمة، وإذا رأى الهلال قبل الزوال أفطر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أفطروا لرؤيته» (2) فأي وقت رأينا هلال شوال جاز لنا الإفطار بظاهر الخبر، وقد قامت الدلالة من طريق الاتفاق أن لا نفطر إذا رأيناه بعد الزوال فسلم ذلك لاجتماعهم وتنازعوا فيها قبل الزوال، وإذا وقع التنازع مع رؤية الهلال وجب الإفطار بظاهر الخبر.
مسألة:
وخبر الواحد على انفراده لا يوجب الصوم حتى يعلم أمانته وعدالته بإجماع، عن عائشة أنها قالت يا رسول الله: كيف يصنع الناس إذا اختلفوا في أعيادهم؟ قال: صومهم يوم صوم جماعتهم وفطرهم يوم فطر جماعتهم.
الباب الثامن والثلاثون: في المواقيت والأيام من بعد الآبان
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/386)
صفحة 387
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ولدت أول ليلة من رجب فمن صام ذلك اليوم عدل صيامه ستين شهرا» (1) وفي تسع وعشرين من ذي القعدة أنزل الله الكعبة في البيت الحرام وهي أوّل رحمة أنزلها من السماء إلى الأرض فمن صام ذلك اليوم عدل صيامه ستين سنة، وفي أول ليلة من ذي الحجة ولد إبراهيم - عليه السلام - فمن صام ذلك اليوم أعطاه الله من الثواب مالا يعلمه إلا الله، وفي تسع من ذي الحجة أنزل الله توبة داوود فمن صام ذلك اليوم تبت عليه كما تُبت على داوود، وفي تسع من ذي الحجة كشف الله الضر عن أيوب فمن صام ذلك اليوم عدل صيامه مائة سنة، وفي أول ليلة من المحرم استجاب الله لزكريا فمن صام ذلك اليوم استجاب الله له كما استجاب لزكريا، وفي عشر ليال خلون من المحرم أخرج الله يوسف من الجب وأخرج يونس من بطن الحوت وفيه استوت سفينة نوح على الجودي، وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه عبر موسى ببني إسرائيل البحر، فمن صام ذلك اليوم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم.
الباب التاسع والثلاثون: في صوم يوم الشك
__________
(1) حديث: */ (6/387)
صفحة 388
ومن أصبح يوم الشك على عقد الصيام فإن جاء الخبر في ذلك أنه من شهر رمضان اعتدّ به، وإن لم يصح ذلك اليوم الخبر وجاء من الغد أو في الشهر أن ذلك اليوم كان من رمضان لم يعتد به وكان عليه بدله، فإن صح الخبر بعد انقضاء الشهر أن ذلك اليوم الذي صامه على الشك كان من رمضان فأكثر قول الفقهاء أنه لا بدل عليه لأنه إنما صح بعد انقضاء الفريضة، وقالَ آخَرون: عليه البدل على كل حال لأنه صامه على الشك وقد صح أن قد فاته من الفرض يوم ولم يعتمد على نية في صومه والله أعلم، وإن اعتمد معتمد على الأكل بعد الصحة في يوم الشك فقد اختلف في الكفارة عليه، منهم من لم ير له عذرا، ومنهم من قال إن ذلك يلزمه صومه على كل حال لأنه صامه على الشك وعليه بدله فلا تلزمه كفارة، وأما من أوجب الكفارة فيقول قد أكل في يوم من رمضان متعمداً فتلزمه الكفارة فإن صح الخبر في ذلك ولم يكن أكل وأتم الصيام ففي بدله اختلاف، منهم من قال: عليه البدل على كل حال لأنه صام على الشك ولم يكن عقد النية على صوم رمضان ولا يكون الصوم إلا بالنية وتثبيت الصيام في الليل لأداء الفريضة وهذا القول أحب إلي الأخذ به.
مسألة:
ويوم الشك يسمى الدادا ومنه نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم الدادا يقال هو يوم الشك.
مسألة: (6/388)
صفحة 389
ومن صام يوم الشك من رمضان فإن جاء الخبر برؤية الهلال قبل غروب الشمس وهو صائم فلا بدل عليه، وإن جاء الخبر وقد غربت الشمس فعليه البدل، ومن أصبح يوم الشك صائما ينتظر الخبر في الغد أن ذلك اليوم من رمضان فلم يأت ذلك اليوم الخبر برؤية الهلال وأتم هو الصيام إلى الليل، ثم جاء الخبر من الغد أن ذلك اليوم من رمضان فعليه بدله، ويكره صيام يوم الشك إلا لمن يصوم من قبل، ولو صامه صائم لم يكن بأس فإن صامه على أنه إن كان من شهر رمضان فهو صيامه وإن صح الخبر في ذلك اليوم أنه من رمضان ولو بشاهد عدل فقد تم له صومه، وقيل: يبدله على كل حال لأنه صامه على الشك والرأي الأول أكثر عندي.
مسألة: (6/389)
صفحة 390
وكره صوم يوم الشك واختلف أصحابنا فيه فخير بعضهم بين صومه وإفطاره، وقال بعضهم: صومه أحوط من إفطاره، واتفقوا على الإمساك انتظارا للخبر إلى وقت رجوع الرعاة وذكروا إن في ذلك السنة ثم اختلفوا بعد ذلك الوقت في الإفطار والإمساك والنظر يوجب عندي الإفطار بعد مجيء الخبر الموجب للعمل به وأن صائمه عاص لربه لمخالفة نبيّه - عليه السلام - باتفاق الأمة على قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين» (1) يدل على ذلك، والمخالف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون عاصيا لربّه، والدليل على ذلك أن صوم يوم الشك لا يجوز أنه لا يخلو من أن يكون من شعبان أو رمضان والأصل أنه من شعبان فنحن على حكم شعبان ولسنا على يقين من أنا قد خرجنا من شعبان ودخلنا في رمضان فحكم شعبان جار علينا ما لم نعلم بانقضائه كما علمنا بابتدائه فإن كان صوم يوم الشك من شعبان فصامه صائم على أنه من رمضان فقد أخطأ لأن صوم رمضان فرض وجب في شهر بعينه فلا يجوز لأحد أن يصوم في غيره إلا بأمر الله تعالى وإن كان من رمضان فصيامه لا يخلو من أن يكون اعتقد أنه من رمضان أو اعتقد أنه من شعبان، فإن اعتقد أنه كان من رمضان كان صومه مؤديا لفريضة وإن كان من شعبان كان متطوعا به، وإن كان صامه معتقدا أنه من رمضان فقد كابر عقله لأنه قصد إلى يوم لا يدري من أي شهر هو فصامه معتقدا بأداء فرضه وهو لا يعلم أن الفرض قد دخل وقته، وإن كان صامه على أنه من شعبان فهو أحرى أن لا يحسب له، ولا يجوز أيضا أن يصومه تطوعا لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صومه، وإن كان صامه على أنه إن كان من رمضان كان فرضا وإن كان من شعبان كان تطوعا فهذا رجل قدّم عمله قبل نيّته، والأعمال لا تجوز حتى تتقدمها النيات لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما
__________
(1) حديث: */ (6/390)
صفحة 391
نوى» (1) وأيضا فإن أداء الفرائض طاعة لله عز وجل، ومحال أن يكون عملا لله فيه طاعة لا يوصل إلى طاعته فيه إلا بمعصية، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم الشك والمخالف لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاص لربه ففي هذا دليل على أن الصائم ليوم الشك عاص لربه غير مؤد لفرضه، وفي حفظي عن الشيخ أبي مالك - رضي الله عنه - أن صوم ذلك اليوم لا يجزئ عمن صامه ولو جاء الخبر بصحة دخول رمضان في صدر النهار أو في آخره إذا كان إنما اعتقد صومه إلى غير يقين في الابتداء. قال ذلك قول أبي محمد عبد الله بن محمد بن محبوب رحمهم الله، وفي الرواية أن عبد الله بن مسعود لأن أفطر يوماً من رمضان لا أعتمده ثم أقضيه أحبّ إليّ من أن أزيد فيه يوماً ليس منه، وروي أن عمر قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك، وروي أن حذيفة بن اليمان والحسن البصري وابن سيرين كانوا يكرهون صوم يوم الشك، وروي أن عمار بن ياسر قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ، وعن الشعبي أنه قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت في اليوم الذي يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم الصيام في شهر رمضان كما كتب علينا فحولوه إلى الفضل لأنهم كانوا ربما صاموه في القيظ فعدوه ثلاثين يوماً ثم جاء قرن منهم فأخذوا بالوثيقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما ومن بعده يوماً ولم يزل الأخير يستن سنة الأول حتى أتموا خمسين يوماً.
__________
(1) حديث: */ (6/391)
صفحة 392
وروي أن عائشة قالت لصوم يوم الشك أحب إليّ من إفطاره، وأما أبو حنيفة وصاحباه فإنهم قالوا من صام يوما ينوي به تطوعاً ثم علم أنه من رمضان إنه يجزيه عن فرض صومه من رمضان، وقد دللنا على فساد هذا القول فيما تقدم من كلامنا في أول هذه المسألة فأغنانا عن الإعادة فالواجب على من علم بيوم أنه من رمضان ولم يصمه أنه يعيده ولا يسقط الجهل عنه فرضا قد كان خوطب به في جملة من علمه، والمسقط عنه ما لم يعلمه في وقته محتاج إلى دليل.
مسألة:
جاء الخبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن صوم ثلاثة أيام من السنة صوم يوم النحر، وصوم يوم الفطر، ويوم الشك، فاتفق الناس على تحريم صوم العيدين، واختلفوا في يوم الشك فبعض أجرى عليه التحريم وبعض لم يره محرّما ورآه مكروها، وجاء الاستحباب عن الفقهاء بالإمساك عن الإفطار إلى مجيء الرعاة وقت الضحى، فإن أتاهم خبرا أتموا الإمساك وإن لم يأتهم خبر أفطروا وهذا استحباب لا إيجاب، فإذا أتى الخبر بقول واحد من المسلمين قبل قوله ووجب العمل به وثقات المسلمين مقبول قولهم، فإن أفطر مفطر بعد خبر الثقة وقال إن بعض يومي قد تقدم إفطاره ومأخوذ على بدله فأنا أفطر باقيه حيث حيث لا يسقط عني بدله فالحكم فيه الإثم، وبعض شدد عليه في الكفارة ورآه متعمداً للإفطار، وبعض قال هو آثم والكفارة ساقطة عنه لأن هاهنا شبهة متعرضة حيث كان صوم بعض يوم لا يصح ولا يسقط عنه تأدية ذلك اليوم في حال ثانية والكفارة تسقط عند الشبهات، والله أعلم.
مسألة:
ومن أكل في يوم الشك ثم صح الخبر أن ذلك اليوم من رمضان فتعمّد للأكل فعليه بدل ذلك اليوم وإن كان تعمد للأكل فيه وزالت عنه الكفارة لأنه لم يكن انعقد له فيه صوم لأن النية مشتركة في أنه من شعبان أو من رمضان، وفي موضع آخر: من أفطر يوم الشك ثم صح الخبر في ذلك اليوم فأكل بعد صحة الخبر فعليه القضاء والكفارة والله أعلم.
مسألة: (6/392)
صفحة 393
وصوم يوم الشك أحوط إلى أن يرجع الرعاة وهو وقت الزوال لما يتوقع من مجيء الخبر في ذلك اليوم ولا كفارة على من أفطر في يوم الشك ثم صح معه أنه من رمضان فأكل بعد العلم لأنه عليه البدل على كل حال لأنه لم يُقدم للصوم نية وإنما أمروه بالانتظار كما أمروا من يقدم من السفر في بقية يوم في الصوم أن يمسك بقية ذلك اليوم، ولما كان المفطر في آخر النهار برؤية الهلال وتأول أفطر لرؤية الشهر وأسقطوا عنه الكفارة كان من أفطر يوم الشك بعد العلم أعذر لأنه لم يقدم له نية وعليه بدله.
مسألة: (6/393)
صفحة 394
وإن صح الهلال بعد الزوال فعلى الناس الإمساك عن الأكل ولسنا نأخذ بقول من لا يوجب عليه، فإن اعتمد معتمد على الأكل بعد الصحة فهو كمن أفطر في رمضان متعمداً وفي الكفارة اختلاف، وأما البدل فلا يبدله في قولنا، وقال في موضع آخر: عليه الكفارة، فأما من قال بصوم يوم الشك أحب إليه من إفطاره فإنه قد ترك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله وفعله أنه كان يصوم لرؤية الهلال، وإن لم تكن رؤية أتم ثلاثين يوماً من شعبان، وقال: « صُومُوا لِرُؤْيَةِ الِهلاَلِ» فيجب الاقتداء به في أفعاله واتباع أمره واستماع قوله - صلى الله عليه وسلم - وقيل بالانتظار يوم الشك إلى وقت الضحى وقيل حتى يقدر المسافر ويرمض الفصال، فإن صح خبر الهلال لم يجز لهم الأكل وإن لم يصح أكلوا فإن صح بعد أن أكل من أكل فعليهم الإمساك بقية اليوم عن الأكل وبدل ذلك. ومن صام يوم الشك ثم صح أنه من رمضان في ذلك فقد قيل يتم له صومه، وقال عليه بدله لأنه صامه على الشك ولأن الصوم لا يثبت بغير بيان نية وعلم بالشهر، وليس عليه أن يجعله من رمضان بغير علم ولا يزيد في رمضان ما ليس فيه، فلهذا قلت يبدله لأنه صامه على الشك، وإن كان فيه قول غير هذا فقد قلت هذا على قول من قال به، ومن أصبح يوم الشك فأكل مبكرا ثم صح معه الهلال في ذلك اليوم فعليه أن يمسك عن الأكل بقية اليوم ويبدله يوماً مكانه وقد أساء فيما فعل، وكذلك لو أمسك حتى تعالى النهار ثم أكل ثم جاءه الخبر عن عوام الناس برؤية الهلال فإنه يمسك عن الأكل بقية اليوم ويبدله بلا حكم عليه إلا أن يخبره بذلك عدل وقد قيل عدلان إلا أن تكون شهرة، ومن انتظر يوم الشك ثم صح الخبر وأتم الصيام قالوا لا بدل عليه وقالوا ببدله لأنه صامه على الشك حتى يعقد النية على يقين لفرض الصوم من الشهر، ومن صام يوم الشك أو أكل فيه ثم صح الهلال بعد انقضاء الشهر. (6/394)
صفحة 395
قَال قَوم: يبدل، وقالَ آخَرون: لا بدل عليه، لأنه إنما جاءت الشهادة بعد انقضاء الفريضة.
مسألة:
ومن أصحب يوم الشك مفطراً ثم علم أن الهلال قد رؤي وجب عليه الإمساك باقي يومه اتفاقا ولا يحصل له صوم ذلك اليوم لتعريه من النية بالليل، وقال بعض قومنا: لا قضاء عليه لعدل الدليل على إيجاب ذلك عليه لأن البدل فرض ثان ولا يوجبه إلا أن يوجبه كتاب أو سنة أو إجماع، وفي ذلك تنازع ولا قضاء مع التنازع، وأما ما عدا اليوم فالقضاء فيها بالإجماع ولولا الإجماع لم يجب.
الباب الأربعون: في النيّة للصيام (6/395)
صفحة 396
ولا يجوز صوم فرض ولا نفل ولا كفارة ولا بدل إلا بتثبيت نية من الليل، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صوم لمن لم يثبت به الصيام من الليل» (1) وهذا عموم يشتمل على كل صوم والله أعلم، وقال أبو حنيفة: صوم رمضان مستحق ويثبت بغير نية، وقال الشافعي: صوم الواجب لا يجوز بغير نية، واتفق مع أبي حنيفة على جواز صوم النفل بأن يبتدئ من النهار في الصّدر الأول قبل الزوال، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله برواية رواها عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل عليها فيسألها هل عندك شيء من الطعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني صائم، وهذا إن كان صحيحا فيحتمل أن يكون سألها عن الطعام وعن القوت الذي لابد لهم منه، وقوله لها: إني صائم يحتمل أنه أراد أن يعرّفها صومه الذي هو عليه لا أنه محتاج إليه في الوقت ولا أنه معترض للسؤال عن الطعام للحاجة إليه في الوقت، وليس في الرواية أيضا أنه سألها في النهار عن الطعام، وأما قول الشافعي فحجته أن صوم النفل يجوز بنية يحدثها الصائم في النهار ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل المدينة فرأى اليهود صياما يوم عاشوراء فقال: ما بالهم صياماً في هذا اليوم؟ قالوا هذا يوم كان موسى - عليه السلام - يعظمه ويصومه، فقال: أنا أحق بإرث أخي موسى، فصام وأمر أصحابه أن يصوموا، وكلاهما قد اتفقا على ترك استعمال ظاهر الخبر مع روايتهما له وهو لا صوم لمن لم يثبت الصوم من الليل، وفي رواية أخرى أنه دخل على عائشة فقدمت إليه حساء فأكل، وقال: لم أكن ثبت الصيام من الليل.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/396)
صفحة 397
ومن أصبح ونوى الإفطار ولم يأكل ولم يشرب حتى أتى عليه الليل فصيامه تام ويأثم في نيته ولا يلزمه بدل يومه ذلك أيضا قيل له لم يفسد صومه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» (1) قال: يثبت صومه بشيئين بالنية والفعل فلا يزول حكم ما ثبت بعقدين بزوال أحدهما حتى يجتمعا معاً على إبطال ما ثبت بهما جميعاً، والحكمان النية والفعل هو الاعتقاد لتأدية ما دخل فيه من الفرض فحلول عقة النية لا يزيل حكم عقد الفعل ولا يزيل حكم العقود بالأفعال إلا بأفعال مثلها وبالله التوفيق.
مسألة:
ومن نوى الإفطار في الليل في شهر رمضان على أن يصبح مفطرا فلم يأكل إلى الليل فهو بمنزلة من أفطر وعليه الكفارة، ووجدنا في كتاب أبي قحطان أنه من نوى الإفطار في شهر رمضان ولم يأكل إلى الليل فلا كفارة عليه ويستغفر الله من تلك النية ولا يفسد عليه صومه بالنية حتى يفعل.
مسألة:
قال أبو عبد الله: من أصبح ينوي الإفطار في شهر رمضان وهو مقيم فلم يأكل شيئا إلى الليل فعليه بدل يومه والاستغفار من ذلك والتوبة لأنه لو نوى أن يكفر فلم يكفر لم يلزمه إلا الاستغفار.
مسألة:
ولا صوم لمن لا ينو الصوم في الليل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (2) فهذا يوجب إثبات ذلك بالنية والقصد له في الصوم فأما من تأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا صيام لمن لم يثبت الصيام من الليل على وجه الفضيلة فإن في تأويله نظرا لأن الفريضة غير الفريضة ورمضان من طلوع الفجر إلى الليل فريضة، فمن لم ينو الصيام في وقت العلم بالوقت في الليل أو يستكمل طرفي المفترض لم يتم صومه، وقوله: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل على ما قلنا إنه تأكيد، ألا ترى أنه قال: لا صيام، فنفى أن يكون له صيام ولم يبيته من الليل، وهذا يلزم كل ما يكون من صوم لا يكون إلا لمن بيّت من الليل.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/397)
صفحة 398
ومن نوى الصيام بالليل ثم ذهب به النوم حتى أصبح تم صومه له ولا بدل عليه، ومن أهمل نيته ولم ينو الصوم لم يثبت له.
مسألة:
والنيّة للصيام أن يعتقد نيّة الصيام من الليل على ما قلنا قبل طلوع الفجر يقول: غدا إن شاء الله أصبح صائما الفريضة من شهر رمضان من طلوع الفجر إلى الله طاعة لله، وقيل: إن عقد الشهر كله نية واحدة أجزأته وإن عقد لكل يوم نية فحسن لأنه قيل كل يوم فرض جديد وله نية جديدة، فمن عقد النية لصيام الشهر كله أول ليلة ثم سها عن النية بعد ذلك ليلة من الليالي وأصبح صائما فالنية مجزية له.
مسألة:
ومن نوى بعد أن أصبح صائما في رمضان أنه قد أفطر ثم رجع عن تلك النية فأتم الصيام فصيامه تام ولا تضره تلك النية حتى يأكل أو يشرب أو يجامع، ومن لم ينو صيام رمضان كله ولم يأكل فيه غير أنه قد صامه على تعمد منه إلى رمضان ولا نية لرمضان قال: يجزيه صيامه ولا بدل عليه والله أعلم، عرض على أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله سؤال، فقال أبو محمد رحمه الله: من أهل النية في الصوم والصلاة وسائر الفرائض ففعله باطل، وإن أهمل النية في صوم رمضان فعليه القضاء والكفارة، وقال أبو الحسن رحمه الله: ومن لم يعقد نية الصوم حتى أصبح ثم عقد النية أو صام الشهر كله على غير نية فلا يجزيه ذلك، ولا ينفع عمل الفرض بغير نية وألزمه إعادة العمل الذي يجب به النيّة، قال: والمسافر إذا أراد أن يفطر نوى من الليل وأصبح على الإفطار، وإن أفطر من غير نية من الليل في سفره فسد عليه ما مضى من صومه، وإن نوى السفر ونوى الإفطار وأن يصبح مفطرا أو لم يخرج حتى أصبح فسد عليه ما مضى من صومه حيث أصبح في البلد على نية الإفطار وليس نية الإفطار حتى يخرج من عمران بلده ولا يفطر في الليل، وكان جابر وصالح يقولان الصيام من الليل إلى الليل.
مسألة: (6/398)
صفحة 399
ولا يجوز صوم إلا بتقديم النية وقت النية ممدود من أول الليل إلى آخره، فإذا حصلت النية في أول الليل أي وقت كان منه صح الصوم بها والدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الأعمال بالنيات» (1) وما روي عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له» (2) وفي خبر: «لا صيام لمن لم يثبت الصيام من الليل» (3) ولا يحصل الصوم الشرعي لفاعله إلا بتقديم النية لأن الصيام هو الامتناع عن الأكل والشرب والمباشرة مع حصوله النية لاجتماع المسلمين على من ترك طعامه وشرابه ومباشرته من غير اعتقاد صوم بترك ذلك لم يحصل له صوم ذلك، وهذا دليل بين من قولهم إن الفرق بين الإمساكين حصول النية، فالواجب تقديم النية وهو اعتقاد الصوم وإن لم يلفظ به والإمساك عن الطلب صيام أيضا لأن الممتنع عن الشيء يسمى صائما عنه. قال امرؤ القيس في ذكر إمساك الشمس عن مسيرها: ... ...
فدعها وسل الهم عنك بحسرة *** ذمول إذا صام النهار وهجرا
مسألة:
قالت حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - عليه السلام - : «لا يوجب الصيام لمن لم يوجبه عليه من الليل» (4) ، وعن حفصة أيضا قالت: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر، وعنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يبيت الصيام في النية قبل الفجر فلا صيام له» (5) وعن ابن عمر أنه قال: لا يصوم إلا من جمع الصيام قبل الفجر.
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */ (6/399)
صفحة 400
فصل: رواية: لا صيام لمن لم يبيت الصيام، وروي لمن لم يجمع، وروي لمن لم يعزم، وروي لمن لم ينو الصيام من الليل، وكان هذه الروايات محتملة إلا الرواية الأخيرة قوله - عليه السلام - : لمن لم ينو، فلا تأويل فيها وتثبيت الصيام وتثبيت النية للصيام نهارا لأن الليل لا صيام فيه ولا يحتاج إلى نية فيه، ومعنى قوله - عليه السلام - : لمن لم يبيت الصيام من الليل أي لمن لم ينو الصيام من الليل، ويقال: بيت فلان رأيه، إذا فكر فيه ليلا، ومنه قوله تعالى: {بيت طائفة منهم...} (1) ومنه قوله تعالى: {فجاءها بأسنا بياتا} (2) أي ليلا، وكذلك بيّتهم العدو. قال الشاعر:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا *** وكانوا أتوني بأمر نكر
يقول: هذا أمر قدر بليل. قال الحارث بن حلزه: ...
أجمعوا أمرهم بليل فلما *** أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
ولهذا يقول حمر الرأي فاحتمى أي ما أحكم تقديره ليلا. قال غيره:
إن كنت أزمعت الفراق فإنما *** رمت ركابكم بليل مظلم
مسألة:
ووقت النية للصيام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الأخير وهو حد الليل، وحد النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن قال قائل لم قلت ذلك والليل عند بعض العرب إلى طلوع الشمس، وقال أميّة بن أبي الصّلت: ... ... والشمس تطلع كل آخر ليلة *** حمراء يصبح لونها يتورد
قيل له: ليس قول أمية دلالة على صحة دعواك لأن أميّة أراد به على وجه التقريب قوله الآخر يدل على ذلك، روى نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس عن قول الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط...} (3) فقال: الخيط الأبيض هو الفجر والخيط الأسود هو ظلمة الليل، فقال له: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. قال أمية بن أبي الصلت:
الخيط الأبيض لونُ الصبح منبلج *** والخيط الأسود لون الليل مكموم
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (6/400)
صفحة 401
وقول من قال: إن النهار من طلوع الفجر أصبح لقيام الدلالة على قوله وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ساعتان من نهار لا تجوز الصلاة فيهما، بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس» (1) فإذا اختلفت العرب في شيء من الأشياء وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهداً لبعضهم ثبت قول من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحت دعواه وبطل قول من خالفه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق محمد بن عبد الرحمن بن نبهان أنه قال: «الفجر فجران، فأما الذي تراه كذنب السرحان فإنه لا يحل شيئا ولا يحرم شيئا، وأما الذي نراه مستطيلا يأخذ الأفق فيحل الصلاة ويحرم الطعام» (2) .
مسألة:
ولكل نيّة عبادة من الصيام والقضاء والكفارة لأن كل شيء من هذا غير الآخر، وكل عبادة تحتاج إلى نيّة غير الأخرى.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/401)
صفحة 402
الصوم على ثلاثة أوجه، صوم واجب في وقت بعينه كصوم رمضان وهو عند بعض قومنا جائز بالنيّة قبل الزوال، وعند الشافعي ومالك لا يجوز إلا بالنية من الليل، والصوم الثاني وهو صوم التطوع ويجوز عند الشافعي بالنيّة قبل الزوال، وعند مالك لا يجوز إلا بالنيّة من الليل، والثالث صوم ثابت في الذمة كقضاء شهر رمضان وصوم النذر والكفارات وذلك لا يجوز إلا بالنيّة من الليل، وعند أصحابنا أن الصوم لا يثبت إلا بالنيّة من الليل فرضا كان أو تطوعاً، قضاء كان أو نذرا لعموم الأمر بذلك، ووافقهم على ذلك داوود، والدليل على ذلك أن كل عبادة كانت تابعة للنيّة وثابتة بها لم يجز تقدمها على النيّة ولم يجز تراخيها عند ابتدائها كالصلاة وسائر العبادات، فإن قال: إن الصوم مفارق لسائر العبادات في باب النيّة ألا ترى أنه إذا نوى في أول الليل ثم غربت عنه النيّة أجزأه الصوم ولم يكن تفريطه مقاربة النية بالصوم وإن لم يجز ذلك في سائر العبادات، قيل له: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» (1) فنفى الصيام إلا بالإزماع عليه من الليل، فمن نوى الصيام من الليل فقد فعل ما أمر به فإن غربت النيّة عنه بعد اعتقاده لها لم يقدح ذلك في اعتقاده، ولا خلاف في أن الصوم الثابت في الذمة لا يجوز إلا بالنيّة من الليل، والمفرق بين الثابت من الصوم وغيره محتاج إلى دليل.
الباب الحادي والأربعون: في الإفطار والسحور
__________
(1) حديث: */ (6/402)
صفحة 403
والإفطار حكمه مخالف لحكم السحور لأن الإفطار يحصل للصائم بدخول الليل أكل الطعام أم لم يأكل، والسحور لا فضل له إلا بالأكل فبينهما فرق، الإفطار يحصل للصائم بدخول الليل وذهاب النهار والسحور يحرم عليه بدخول النهار وذهاب الليل، والإفطار واجب لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال وهو ترك الأكل في الليل لمن قدر على الطعام والسحور فغير واجب باتفاق الأمة، يقال: أفطر الرجل وأفطرت فلانا وفطّرته، وفي الحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» (1) ، والسحور بفتح السين اسم الطعام الذي يؤكل في السحر، والسحور بضم السين اسم الفعل. قال أبو المؤثر: يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما عجلوا إفطارهم وأخروا سحورهم» (2) ، وتعجل الإفطار عند دخول الليل، وذكر لنا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حضر وقت صلاة ووقت طعام بدأ بالطعام قبل الصلاة، والذي نقول به ما لم نخف المساء في الصلاة، ويقال: إن ثلاثا من أخلاق الأنبياء تعجيل الإفطار وتأخير السحور وطول السجود ونقول طول السجود في التطوع إذا صلى الرجل وحده، وروي أن عمر كان يفطر على الجماع ويقول هو أحل الأشياء.
مسألة:
ويستحب للصائم أن يفطر على أثر الرائحة من الصيام ولا يستاك عند الفطور بلا تحريم لذلك، وقيل: ريح فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك الأذفر، وللصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، وقيل: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم يلقى ربّه.
مسألة:
وللصائم أن يأكل ويشرب حتى لا يشك أنه الصبّح ثم يمسك، وأما من لا يعرف الصبح فنحب له أن لا يتعدى على الأكل والشرب إذا توهم دخول النهار وطلوع الفجر حتى يستبين ذلك، فمن أكل ويرى أنه في الليل فإذا هو في النهار فعليه بدل ذلك اليوم.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/403)
صفحة 404
وقيل: إذا حضرت صلاة المغرب وحضر الطعام بدأ بالطعام ما لم يخف فوت الصلاة، وفي الحديث يستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور وكل ذلك في الليل.
مسألة:
ومن تسحّر في رمضان ولم يخرج ينظر الليل والنجوم ويظن أن عليه ليلا فعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر فعليه إعادة ذلك اليوم ولا يعود يتسحر حتى ينظر، ومن نوى الصيام فبينما هو يتسحر إذ قام المؤذن للصلاة فإنه يجب أن يمضي على صومه وليبدل يوما، وفي رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعجل الإفطار إذا حان ويؤخر السحور إلى السّحر الأخير، وكان يقول: استعينوا على صيام النهار بالسحور وعلى قيام الليل بقيالة نصف النهار، وكان يفطر على رطب في وقت الرطب فإذا لم يكن رطب أفطر على تمر، فإن لم يجد ذلك أفطر على ماء - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة: (6/404)
صفحة 405
ويستحب للمسلم يوم الفطر من شهر رمضان أن يأكل شيئا من الطعام قبل أن يغدو إلى المصلى اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما روي من طريق أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل قبل أن يغدو إلى المصلى رطبات فإن لم يكن فتمرات، فإن لم يكن تحسّى من الماء حسوات، وكذلك يؤمر الصائم عند إفطاره أن يبدأ بالأكل قبل الصلاة ليقوم إليها بقلب فارغ مطمئن إلا أن يخاف ضيق وقت وخوف فوتها اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما روت عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفطر على الأسودين وهما التمر والماء فأجرت على الماء اسم التمر لمجاورته، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - : «إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدؤوا بالعَشاء» (1) ويستحب للصائم الإفطار على ما لم تمسه النار، وأن يكون إفطاره على أثر صومه، ومنه الحديث: «خلوف فم الصائم أحب إلى الله من ريح المسك» (2) ومنه حديث عمر في المضمضة للصائم قال: لا تمجّه ولكن اشربه فإن أوله خيره. قال أبو عبيدة: وهذه المضمضة عند الإفطار، وإنما أراد أن يشرب قبل أن يمجّه فيذهب خلوف فمه، وكذلك كره ابن أبي الجعد هذه المضمضة وقال: الشرب على حلقه.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/405)
صفحة 406
ويستحب للصائم السحور لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تسحروا فإن في السحور البركة» (1) ، ومن طريق أنس بن مالك عنه - عليه السلام - : «تسحروا فإن في السحور بركة» (2) وليس السحور بواجب باتفاق الأمة، وأجمع الناس على أن الأمر بالسحور ليس بفرض والذي عندي أنه أمر بذلك أمّته - صلى الله عليه وسلم - ترغيباً لهم فيما يؤول إليه نفعهم من القوة على تأدية الفرائض، وما اختاروه من فعل النوافل والتوكيد على النية للصوم لما ينالون من عظيم الثواب بالنية المحدودة، وفي الرواية أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقدم الفطور ويؤخر السحور، وفي السحور معنىً آخر أن أهل الكتاب كان السحور محرماً عليهم فجاءت الإباحة من الله تعالى لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة منه لهم وتخفيفاً عليهم فيجب استعماله لما وسع الله عليهم فيه ولمخالفة أهل الكتاب وبالله التوفيق، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمّى السحور الغداء المبارك، والسحور يسمّى الفلَح، وجاء في الحديث صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى خشينا أن يفوتنا الفلح يعني السحور، وعند - عليه السلام - أنه قال: «فرق ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكل السحور» (3) .
مسألة:
السُّحور بضم السين فعل الأكل والسَّحور بفتح السين اسم للمأكول وعلى هذا يكون إعرابه وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/406)
صفحة 407
ومن تسحر مصبحاً وهو يظنه ليلا فعليه قضاء ذلك اليوم، فإن كان تطوعاً فمختلف فيه، فمنهم من قال يصومه، ومنهم من قال يفطر، فإن كان نذرا فيصومه وعليه بدله، ومن تبيّن له أنه أكل في النهار والفجر قد طلع فعليه بدل يومه ذلك، وكذلك من ظن أن الليل قد طلع وأكل فإذا هو بالنهار فعليه بدل يومه، قيل له: فالخبر أن كلْ حتى تشك وكُلْ حتى لا تشك، قال: هذان خبران رويا وتأول كل قوم شيئا، فأما كُلْ حتى لا تشك ففيه قولان تأويله كُلْ حتى لا تشك في أنه ليل أي كل ما كنت مستيقنا على الليل، وتأوله قوم أي كل حتى لا تشك أنه نهار، وأصحابنا يميلون إلى القول الأول، وهذا قول أيضا متوجّه على القياس لأن الله تعالى قال: {حتى يتبين لكم الخيط...} (1) فهذا يدل كأنه يقول: حتى يتبين لكم الفجر فهو كالقول الآخر.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/407)
صفحة 408
وللصائم الأكل في ليله إلى الوقت الذي ذكره الله تعالى في كتابه: {حتى يتبين لكم الخيط...} (1) واختلفت الرواية عن ابن عباس في ذلك فقال للسائل له غير الوقت المحرم فيه الأكل على الصائم فقال: حتى تشك، وروي أنه قال لآخر كل حتى لا تشك ومعناهما في التأويل عندي واحد، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخيط الأبيض والخيط الأسود والوقت الذي ينتهي بالأكل فيه فقال: «إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويردّ غائبكم فإذا سمعتموه في رمضان فكلوا وصلّوا ما شئتم من النوافل إلى أن تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» (2) ، وأما أصحاب الحديث من الثوابت فإنهم رووا أن أبا بكر رحمة الله عليه قال لغلامه وهو يتسحر: أوثق الباب لا يفاجئنا الصبح، وروي عن ابن عباس أنه قال لغلامه: أسقياني الماء. قال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، فقال: أسقياني فإني أشرب إلى أن تصطلحا وحاشى لأبي بكر وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما وما يعلمان من اقتداء الناس بهما أن يكون فيهما شراهة الأنفس وقلة الصبر على فضل أكل أو شرب ماء ولا يصبران على طاعة الله تعالى وطلب رضاه وخوفا من عقابه، ومن يعمل مثل هذا الفعل يتجاسر عليه سفهاء أهل عصرنا هذا مع حساسية أقدارهم وانحطاط درجاتهم عن درجة من ذكرنا، ومثل هذه الأحاديث تؤكد في نفوسنا تكذيباً لهم في مثلها من الأخبار وما ينقلوه إلينا مما لا يعلم صحته ولا دلالة لنا من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب صدقهم فيه والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة:
ويجوز للصائم الذي لا يعرف الليل أن يأكل ويشرب حتى يتبيّن له الصبح، كذلك قال الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط...} (3) والسحور سنة فضيلة لتجديد النيّة وليس ذلك سنة واجبة.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */
(3) سورة (6/408)
صفحة 409
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا سقط الفرض وجب الإفطار» (1) يعني إذا غربت الشمس فقد جاء الليل ووجب الإفطار، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - بتعجيل الفطور وتأخير السحور فيجب اتباع السنة، وفي بعض الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» (2) وفي حديث آخر: «إذا غابت الشمس من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا أفطر الصائم» (3) يعني خرج من فرض الصوم وحل له الفطر كما قيل في الليل أكل أو لم يأكل فهو مفطر وبالله التوفيق، وإذا غربت الشمس جاز للصائم الإفطار، أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال الله عز وجل: إن أحبّ عبادي إليّ أعجلهم فطرا» (4) ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا الإفطار وما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم» (5) ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة، فإن لم يجد فعلى ماء فإنه له طهور» (6) ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» (7) ففائدة هذا الخبر أن الصائم أكل بعد ذلك أو لم يأكل فهو مفطر.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */
(6) حديث: */
(7) حديث: */ (6/409)
صفحة 410
وللمريد الصوم أن يأكل ويشرب ويباشر حتى يتبيّن له طلوع الفجر الأخير، والأكل بعد طلوع الفجر فاعل ما له فعله والآكل بعد طلوعه مخالف لله ولرسوله، وإذا شك المتعبد بالصوم في طلوع الفجر فهو على أصل الإباحة لأن الليل قد يبعثه فغير محظور عليه الأكل والشرب والمباشرة حتى يتبيّن له طلوع الفجر لقول الله تعالى: {حتى يتبيّن لكم الخيط...} (1) فجعل حدّ التحريم سنة الفجر فما لم يتبيّنه فالشرب والأكل والنكاح مباح له، والمانع له من ذلك عند وقوع الشك في طلوعه يحتاج إلى دليل.
مسألة:
ومن أكل وهو لا يعلم بطلوع الفجر لم يكن مأتوما إذا لم يتعدّ ما أمره الله تعالى به فإن كان في فمه لقمة يمضغها ثم إن تبيّن له الفجر فعليه لفظها وكذلك إن وطئ ولا يعلم بالفجر ثم تبيّن له لم يكن يتحرك إلاّ حركة الإخراج فإذا أنزل في إخراجه فلا كفارة عليه وإن فعله في الفرج بعد العلم بطلوع الفجر كان مفسداً لصومه وعليه القضاء والكفارة، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس فقد أفطرت» (2) .
مسألة:
ومن أفطر وعنده أن الشمس قد غابت فلا إثم عليه وهو في ذلك ممتثل ما أمره الله تعالى به عند نفسه، روت أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يوماً في رمضان في غيم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس ولم تذكر أنهم أمروا بالقضاء.
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/410)
صفحة 411
فصل: روى سليمان بن عامر الضّبّي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور» (1) ، أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله تعالى: إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطوراً» (2) ، وروي عنه - عليه السلام - : «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم تؤخر الإفطار وما لم تؤخر صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم» (3) ، وعنه - عليه السلام - : «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإنه طهور» (4) ، وعن عمر قال: إذا كان صوم أحدكم فلا يتمضمض بالماء ثم يمجّه وليشربه فإن أوله خير، وعن أنس قال: من ضبط ثلاثة ضبط الصيام من تسحر وقال وأكل قبل أن يشرب، وكان معاذ يقول إذا أفطر الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت، وكان الربيع بن حيثم إذا أفطر يقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، وكان ابن عباس يفطر قبل الصلاة. قال عمرو بن ميمون: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرع الناس إفطارا وأبطاهم سحورا، ومن تسحر وقد طلع الفجر وهو لا يعلم ثم علم فصوم يومه ذلك تام وعليه القضاء ولا كفارة عليه بلا خلاف وفي القضاء اختلاف.
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */ (6/411)
صفحة 412
قال الشافعي: لا قضاء عليه والدليل على وجوب القضاء قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (1) والمتسحر في اليوم غير تام لصوم اليوم ويدل على ذلك حديث هشام عن أبيه عن جده أن الناس أفطروا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندهم أن الشمس قد غابت فقيل لهشام وهل أمروا بالقضاء؟ فقال: وهل بدّ من ذلك، ويدل على ما روي عن عمر أنه أتي إليه في رمضان بعس من اللبن فشرب منه وسقى أصحابه وهو يظن أن الشمس قد غابت ثم أمر المؤذن بالأذان فلما صعد المنبر قال: الشمس يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: بعثناك داعيا ولم نبعثك راعيا ما تجانفنا إثما وقضاء يوم يسير، فأخبر عن وجوب القضاء وكان ذلك بحضرة من الصحابة فلم ينكروا عليه، والناس في هذه المسألة على قولين، فبعض يقول بفساد الصوم، وبعض يقول بجوازه وكلهم مجمعون على سقوط الكفارة عنه، وعن زيد بن ثابت قال: تسحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما قمنا حتى صلى الغداة قلت فما كان قدر ذلك؟ قال: قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية، وفي الحديث: «إذا رأيتم الفجر المستطيل فكلوا ولا تصلوا، وإذا رأيتم الفجر المستطير فلا تأكلوا وصلوا» (2) يعني بالمستطير المعترض في الأفق، وكلام العرب فجر مستطير وغبار مستطار، ومن كان يتسحر في رمضان فبينما هو إذا بصر الصبح وفي فمه لقمة فليخرجها ولا يعرقها ثم يمسك عن الطعام ولا بأس عليه إن شاء الله تعالى.
الباب الثاني والأربعون: في أحكام الصيام وفساده وصحته، وما يثبت منه للصائم ومالا يثبت وشيء من البدل
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/412)
صفحة 413
ومن أجنب ليلا في رمضان فقام آخر الليل يريد الغسل فخاف أن يدره الصبح قبل أن يتسحر إن بدأ بالغسل وتسحر وطلع عليه الفجر قبل أن يغتسل فقد فسد عليه ما مضى من صومه، ولكن إن كان ممن يعرف الليل أو لا يعرف فرجا أن يتسحر ويغتسل قبل الفجر فأخر الغسل وتسحر فأدركه الصبح قبل أن يغتسل فإنما عليه بدل يومه، ومن كان ناسيا في رمضان وشرب فقال من قال عليه بدل يومه، وقال من قال: لا شيء عليه، وبلغني أن رجلا صعد نخلة لجابر بن زيد يخرفها فلما نزل من النخلة فقال لجابر ما نزلت إليك إلا وقد شبعت من الرطب، فقال جابر بن زيد: لا بأس عليك ذلك رزق رزقته، وحدث عمارة وكان يخدم جابر بن زيد أن جابرا أمر أن يخرف له رطبا من نخلة كانت له في دار جابر بالجوف في رمضان فقال عمارة: فلما صعدت نسيت أني صائم فلم أزل أخرف منها وآكل حتى نزلت فلما نزلت ذكرت صومي واسترجعت مراراً فقال لي جابر: مالك؟ فقلت: يا أبا الشعثاء والله ما زلت آكل حتى نزلت ناسيا لصومي، فقال لي: لا بأس عليك في صومك ولا قضاء عليك، ومن أجنب في رمضان ليلا فلم يعلم حتى أصبح ثم رأى الجنابة في ثوبه قال بعض: عليه بدل يومه، وقال من قال: لا شيء عليه. (6/413)
صفحة 414
قال أبو عبد الله: إن أبدل فحسن، وإن لم يبدل فلا شيء عليه، فإن أجنب نهارا فانتبه ثم رجع فنام فإنه يفسد عليه ما مضى من صومه، وإن قام غسل من حينه فلا شيء عليه، ومن وطئ امرأته في رمضان في آخر الليل فأدركه الصبح قبل أن يغتسل فإن كان وطئها وهو يرجو أن يغتسل قبل الفجر فلم يتوان في الغسل فطلع الفجر فلا بأس عليه ولا يلزمه شيء، وإن كان أخره وهو عالم بما يلزمه في تأخير الغسل يريد به الصبح فعليه بدل ما مضى من صومه والكفارة، ومن أجنب في رمضان أول الليل ونوى أن يقوم آخر الليل ويغتسل فقام آخر الليل ونسى الجنابة ولم يغتسل حتى ذكرها نهاراً فعليه بدل ذلك اليوم، ومن أجنب نهارا فتوانى في الغسل وتشاغل فعليه بدل ما صام، ومن أجنب ليلا في رمضان فلم يحسب أن يصل إلى الماء فليذهب وليتوكل على الله فإن لم يقدر على ذلك استعان بمن يوصله إلى الماء. (6/414)
صفحة 415
قال أبو المؤثر: إن لم يجد من يوصله إلى الماء فليس عليه أن يحمل على نفسه المكروه، فإن انتظر غسلا يدق له أو ماء يسخن له فذلك مأذون له فيه ولا بأس عليه، وإن تشاغل بإنسان يكلمه ويسأله واحتبس خفت عليه فساد صومه، وإن وجد المغتسل مشتغلا فقعد ينتظر ويحدث رجلا فليطلب مكانا غيره فإن كان قبل أن يصل إلى مكان غيره يخلو هذا فلينظر إذا كان انتظاره للموضع لا للحديث فلا بأس عليه، ومن أجنب فلم يجد ماء فتيمم للصلاة وغمي أن يتيمم للصيام فصيامه تام إن شاء الله، ويجتزئ بتيممه ذلك للصلاة إذا تيمم في الليل فإن كان في النهار تيمم حين علم بالجنابة ولا يتوانى فصيامه تام إن شاء الله، ومن أجنب في رمضان وظن أن له أن يأكل كما للمرأة في الحيض فشرب فعليه بدل يومه، ومن كان صائما فخرج في طلب دابة له أو في عمل ضيعة فأجهده العطش وخاف الموت شرب قدحا من ماء في نسم واحد حتى روي فعليه ما مضى من صومه فإن أتم ذلك اليوم إفطارا وظن أنه جائز فعليه الكفارة، ومن طلع إلى فيه نخاعة يقدر على طرحها فعرقها وهو صائم أبدل يومه، ومن وجد في صدره شيئا فقاءه وهو صائم رمضان فعليه يومه.
مسألة:
ومن طلع عليه الفجر وهو جنب ولم يتوان فأكثر القول أن عليه يومه، ومن أجنب نهاراً فاغتسل حين علم ولم يتوان فلا شيء عليه، ومنهم من قال: يبدل ذلك اليوم، فما الفرق بين من طلع عليه الفجر وهو جنب أو أجنب نهاراً إن الذي طلع عليه الفجر، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصبح جنبا فقد أصبح مفطرا» (1) ، ومن أجل هذا أوجبوه عليه يوما، وأما من لم يوجب عليه فالحجة له أن هذا أصبح على العمد جنبا، وأما الخطأ فلا شيء عليه.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/415)
صفحة 416
بلغنا أن حاجبا كان يقول: من أصاب امرأته في رمضان فرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، ومن نظر إلى امرأة فأمنى من شهوتها فصومه تام ولا بدل عليه، ومن أجنب نهاراً وهو صائم فيعجل الغسل قبل دخول وقت الصلاة فإن تهاون حتى يدخل وقت الصلاة أتم ذلك اليوم وعليه بدله ومن أكره رجلا على إفطار يوم من رمضان فعلى من أكرهه الكفارة وليس على المكره إلا بدل يومه، وكذلك في الصلاة على من أكرهه الكفارة وعلى المكره بدل الصلاة، ومن نظر إلى امرأته فأنزل النطفة فليقض ذلك اليوم ويكره له أن يمسح الفرج ومن مس ذكره متعمداً لقضاء الشهوة فأنزل فعليه إعادة ما مضى من صومه من الشهر وصوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، ومن عطّ ذكره من غير أن يمسه في شهر رمضان فأنزل فليعد ذلك اليوم. (6/416)
صفحة 417
قال أبو عبد الله: ليس عليه بدل إذا لم يعالج ذلك ولم يرده، ومن أجنب ليلا في رمضان فترك الغسل متعمداً حتى أصبح فعند أصحابنا أن عليه بدل ما مضى وقد فسد عليه ذلك ما مضى رجلا كان أو امرأة، وإن جهل أيضا أو ترك لم يعذر بذلك الجهل، فأما إن أصابته الجنابة في ليل الصوم فنوى أن يقوم في الليل فذهب به النوم حتى أصبح فليغتسل حين قام ويبدل مكانه يوما عندهم لأنه لم يفرط وإن غسل الجنب رأسه وفرجه ثم طلع الفجر فعند بعضهم أن صومه لا ينتقض وإن أدرك الصبح قبل أن يغسل رأسه وفرجه نقض صومه على ما فسرت لك، ومن أجنب نهاراً فلم ينشغل عن الغسل بشيء غير أمر غسله مثل غسل يدق له أو ماء يسخن له أو سلم على أحد وهو مار على أن يعرج أن يعرج عليه فلا بأس بذلك عندهم، فإن ترك الغسل متعمداً فعليه البدل ولا كفارة، ومن شرب الخمر أو زنى في الليل فلا نقض عليه في صومه وتلزمه التوبة ولا كفارة عليه ولا بدل أيضا، ومن تسحر في رمضان فبقي بعض الطعام في فيه حتى يصبح ولم يتمضمض حين تسحر فما في الفم ليس بشيء فلينق ما في فيه ولا بدل عليه، ومن نام هو وأهله فمس الفرج فلا بأس ولا يعوده، ومن كلم أهله في رمضان فأمنى قال محبوب عن الربيع أنه يبدل ذلك اليوم، وأما وائل قال: لا بدل عليه، ولا ينبغي للرجل أن يطأ امرأته إلا في وقت يمكنه الفراغ والاغتسال قبل الفجر، فإن جامع في الليل في وقت لا يمكنه الغسل فيه إلا بعد الصبح ثم أدركه الصبح قبل الغسل فسد ما مضى من صومه، وإن أدركه الفجر وقد غسل رأسه ولم يغسل سائر جسده فالذي يقوله وبلغنا ذلك عن الفقهاء أنه إذا غسل فرجه وموضع القذر منه وغسل رأسه لم يكن عليه فساد في صومه إن شاء الله. (6/417)
صفحة 418
وزعم ابن المعاذ أن الربيع قال: يفطر الصائم إذا بهت أخاه المسلم وينقض الوضوء، وكذلك الكذب المتعمد عليه، ومن بلي بالاستبراء في رمضان فأصابته الجنابة فإن استبرى حتى ينقطع عنه البول طلع عليه الفجر وإن اغتسل قبل انقطاع البول رجع بعد يستبري للبول حتى ينقطع عنه فرأى أبو علي أن يغتسل فإن لم ينقطع عنه البول ويرجع فيستبري بعد الغسل حتى ينقطع عنه فليتوضأ ويصلي فإنه يدرك من وقت الصلاة ما لا يدرك وقت الصوم، ومن قصد للوطئ في رمضان ويشتهي لإنزال النطفة ثم ندم على ذلك فسبقه الماء فعليه القضاء والكفارة، وإن أراد الجماع ولم يقصد لإنزال الماء ثم رجع عن ذلك فسبقته النطفة فعليه بدل يوم ولا كفارة.
مسألة:
ومن عبث بذكره في رمضان حتى قذف فإن عبث ولم يتشه ولم يرد إنزال المني فسبقه بلا إرادته فعليه بدل يومه، وإن عبث وتشهى وأراد إنزال الماء فنزل المني مع إرادته لإنزاله لزمه القضاء والكفارة، واختلف الفقهاء في كفارة رمضان وأوسط ما قيل به وعليه عمل أصحابنا ثلاثة أشهر شهر بدل من القضاء وشهران كفارة لهتك حرمة شهر رمضان.
مسألة:
ومن أصبح جنباً فإن كان عالماً بأن الجنب إذا تعمد لترك الغسل وهو صائم إنه بمنزلة من أفطر لزمه الكفارة، وإن كان جاهلا متأولا بأن ذلك جائز له فلا كفارة عليه، ولا ينبغي أن يلزمه لجهالته إن كان جاهلا والله أعلم.
مسألة:
والمتعمد على وجهين متعمد مع العلم بوجوب الغسل عليه في الليل فهذا يلزمه القضاء والكفارة، ومتعمد غير عالم بوجوب الحكم فعليه القضاء بلا كفارة، والقضاء عند أصحابنا بدل ما مضى من صومه، ومن قال بذلك يذهب إلى أن رمضان كله عبادة واحدة إذا فسد بعضها وجب عليه إعادتها وعند بعضهم أن القضاء يوم واحد وهذا مذهب من يقول إن رمضان ثلاثون عبادة كل يوم فريضة وعليه تجديد النيّة لصومه والله أعلم، ومن جامع ناسياً فعليه قضاء يوم ولا أعلم في ذلك خلافا وإن تعمد لذلك كان عليه القضاء والكفارة. (6/418)
صفحة 419
مسألة:
ومن احتقن في رمضان لعلّة فبعض ألزمه ما مضى وهو الذي يرى أن رمضان فريضة واحدة، ومن احتقن في قبله ففيه قولان فالأكثر أنه لا شيء عليه، ومن أفطر في إحليله دهنا فوصل إلى مثانته كان عليه القضاء في قول أبي حنيفة، ووجه أبي حنيفة أن ليس مجرى من المثانة إلى الجوف وما يحصل فيه من البول إنما يحصل بالريبة فإذا لم يكن من المثانة مجرى إلى الجوف لم يفسد الصيام، وأما أبو يوسف فذهب إلى أن المثانة جوف فوجب أن يكون محصول الدواء فيها مبطلا للصوم، وأما محمد فقد توقف.
مسألة:
ومن جامع امرأته في شهر رمضان في الليل فترك الغسل حتى أصبح متعمداً فعليه إعادة ما مضى من صومه ولا يلزمه كفارة، وقال في موضع آخر: ومن وطئ امرأته في رمضان ثم نام ولم ينو أن يغتسل قبل الصبح فأدركه الصبح قبل أن يغتسل فعليه ما مضى من صومه، وإن نوى أن يغتسل قبل الصبح فأدركه الصبح فعليه بدل يومه، وإن نوى أن يصبح ثم يغتسل فعليه القضاء والكفارة.
مسألة:
ومن أجنب في رمضان نهاراً فبدأ يغسل ثوبه قبل غسل بدنه فعليه بدل ما صام من شهره، فإن لم يتشاغل عن الغسل فلا بدل عليه، وقَال قَوم: يبدل يومه، ومن أصبح جنبا وهو غير ممنوع من الكلام بمثل طلب الماء وردّ السلام ونحو هذا الذي لا يتشاغل به عن الغسل فإن تشاغل به أو بغيره عمدا فعليه الكفارة، ومن درعه القيء فعليه بدل يومه، والصائم إذا كان جنبا في الليل ولم يجد ماء يتطهر به تيمم ليحرز صومه قبل طلوع الفجر.
مسألة: (6/419)
صفحة 420
اختلف أصحابنا في الكذب المتعمد عليه فقال بعضهم: لا ينقض الصوم، وقال بعضهم: ينقض الصوم، وأجمعوا أنه ينقض الوضوء وأجمعوا أنه لا ينقض طهارة الاغتسال من الجنابة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن الصوم والوضوء ينتقضان بالكذب المتعمد عليه، وكذلك غيبة المؤمن أيضا تنقض الصوم والوضوء لما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «النميمة الكاذبة والكذب ينقض الصيام وينقض الوضوء» (1) واختلف المنسوبون إلى العلم من مخالفينا في صحة الحديث فجحده بعضهم وأثبته بعضهم فتأوّل من أثبته منهم أن معناه لا يستحق معه من الثواب على صومه وطهارته ما يستحقه لو لم يفعل ذلك فأما رفع الشيء بكليته وإيجاب إعادة الفعل به فلا، وأما من جحد الخبر استثقالا لحكمه فقد سلم من لزوم حجتنا له، وأما من اعترف به فتأوله تأويلا يدل على ظاهر فساده وقبحه، وفي الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة ما يدل على صحة تأويل أصحابنا وخطأ مخالفيهم أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه» (2) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ربّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السّهر، وربّ داع حظه من دعائه لا لبّيك ولا سعديك» (3) ، حكى داود بن علي فيما وجدت في كتبه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك قالوا: فيمن كذب أو اغتاب أنه قد فسد صومه، وأجمع أهل الخلاف على من استقاء متعمداً وهو صائم أن عليه القضاء لأنه فعل ما هو محرّم عليه، واختلفوا في الكفارة، فقال داوود بن علي وكل فعل في صومه ما ليس له فعله فذلك الفعل مفسد صومه، وقد كان يجب عليه فيما أصله لنفسه أن يقول في الغيبة والكذب كذلك لأنهما محرمان أيضا، فيجب أن يقول بقول أصحابنا في ذلك بنقض الطهارة والصوم بالكذب
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/420)
صفحة 421
والغيبة.
مسألة:
ومن أكل أو شرب ناسيا فلا شيء عليه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله أطعمه وأسقاه» (1) ، وفي خبر أن من أكل ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله، وهذا القول من النبي - صلى الله عليه وسلم - إخبارا عن عذر الأكل ناسيا، ولولا الخبر لوجب عليه القضاء لأنه غير صائم، وقد قال بعض أصحابنا عليه قضاء يومه لأنه غير صائم وإنما سقطت عنه الكفارة والإثم بالذي عذر به بالنسيان، والرأي الأول أنظر لأن الموجب عليه الصوم هو الذي أطعمه وأسقاه فلا يجب عليه إعادة الصوم إلا بأمر ثان والله أعلم، والأكل ناسيا لم ينهه الله عن ذلك في حال النسيان ولا لوم عليه ولا يتوجه الخطاب إليه، ويؤيد ذلك ما روي عن أم سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أكل ناسيا أو شرب ناسيا فالله أطعمه وأسقاه ولا قضاء عليه» (2) ، وكذلك من وطئ ناسيا لم يفسد صومه، والموجب عليه القضاء بعدهما محتاج إلى دليل، ويدل على بطلان قول من أوجب الكفارة أن الكفارة في اللغة سترة والسترة لا تكون إلا عند الذنب، ومن وطئ ناسيا لم يكن مأثوما والكفارة مع ارتفاع الإجرام إلا ما يصح وجودها، وعند مالك أنه يلزم الناسي القضاء والدليل على أنه لا يلزمه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله أكلت وشربت في رمضان وأنا ناس فقال - عليه السلام - : «إن الله أطعمك وأسقاك فتم على صومك» (3) ولم يوجب عليه القضاء، وفي الأثر: من وطئ ناسيا ثم ذكر فقام عنها فعليه بدل ذلك اليوم إن كان ناسيا.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/421)
صفحة 422
ومن أجنب في رمضان ولم يدع بغسل وجهل التيمم فلما شعر ترك فخرج إلى الماء ليغتسل فوجد عنده ناسا فاستحي أن يتعرى بهم فلم يغتسل حتى طلعت الشمس فقد فسد عليه ما مضى من صومه، وإذا لم يتيمم فعليه الصلاة والكفارة للصلاة، ولا يعذر بترك هذا لأنه إن لم يمكنه أن يتعرى تيمم وصلى، ومن أجنب في رمضان وهو صحيح وعنده ماء بارد ويقدر على تسخين الماء فلم يغتسل ولا تيمم ومسح وصلى إلى أن طلعت الشمس فقد فسد ما مضى من صومه وعليه بدل الصلاة، وفي بدل الصلاة أيضا اختلاف، أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا كان أحدكم صائما فأكل ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (1) ، قيل: وشاهد هذا من القرآن قوله تبارك وتعالى: {ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به...} (2) فهذه الآية تزيل عن كل ناس الخيانة والإثم، ومما يؤيد هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الأعمال بالنيات» (3) ، والصائم إذا أجنب نهاراً فلا يبيع ولا يشتري ولا يبتدئ أحدا بالسلام ولا يعرج لغير أمر غسله وإن توانى أو تشاغل بشيء من دنياه فسد صومه، وإن لم يفعل شيئا من ذلك فلا بأس عليه والله أعلم، وله أن يسأل عن الماء ويرد على من سلّم عليه، وفي موضع آخر قال: هذا تلزمه الصلاة وكفارتها وبدل ما مضى من صومه إذا تعمد لترك الصلاة حتى الشروق، ومن أجنب ولم ينتبه فانتبه فقال مالك: لو تكلم ثم علم أنه أجنب فلم يعد يتكلم وغسل من حينه فلا يلزمه شيء وإن توانى بعد الكلام بشيء غير أمر الغسل فسد عليه ما مضى من صومه، ومن لم يعلم بجنابته وكلم الناس ومضى ليبول فرأى بذكره جنابة فغسل من حينه فلا شيء عليه إذا لم يعلم بجنابته حتى رآها ثم غسل حين ذلك، ومن حدث بحديث قد نسي تغييره فغيره بكلام آخر فلا أعلمه كاذباً إلا أن يتعمد لخلاف الحق ويقلب ذلك الكلام ولا يفسد صومه ولا طهره إلا التعمد للكذب.
__________
(1) حديث: */
(2) سورة
(3) حديث: */ (6/422)
صفحة 423
ومن أفطر على طعام حرام فلا أعلم أن صومه ينتقض ولكن لا ثواب له بذلك الصوم وعليه ضمان ما أكل من الحرام، ومختلف فيمن نظر محرما فقيل بدل يومه ولم يوجب ذلك آخرون، وقال أصحابنا: لا يحتقن الصائم في دبره فإن فعل ذلك وهو مجرى الطعام خفت عليه نقض يومه ذلك ويبدله والله أعلم، وإن احتقن في قبله فلا شيء عليه والله أعلم، ومن نظر إلى فرج امرأته أو جاريته عمداً فلا نقض عليه وينقض عليه نظره فرج غيرهما إذا تعمد وليست للناسي نيّة، ومن وجد في ذكره شيئا لا عرف له على شبه المذي وليس هو جنابة ولم يحتلم ولا جامع فذلك على ما أراه مذي ولا غسل عليه فيه حتى يعلم أنه جنابة، ولا يضره إن كلّم أحداً إن كان نهار، ولا نقض في النخاع ولا المخاط الذي ينحطّ من الرأس، إلا أن يصعد من جوفه وصدره من النخاع فيسيغه ويسرطه بعد أن يصير على لسانه متعمداً فيبدل يومه ذلك، ولا شيء عليه في صيامه إذا لم يصر النخاع على لسانه ما يقدر على لغطه، وإن كان أيضا هذا من رأسه فلا بأس عليه، وعن الوضاح أنه إن طلع شيء من جوفه إلى حلقه فوجد طعمه في حلقه لا بدل عليه إلا أن يكون طلع على أصل لسانه فرده ولم يبزق جهلا بذلك وظن أنه لا بأس به فعليه بدل ذلك اليوم، ومن خرج من حلقه نخافة فيها دم فإن لم يردّ منها شيء إذا انقطعت على أصل لسانه فلا بدل عليه والنخاعة من الصدر والرأس ينقضان الصوم وإذا ردهما وهو يقدر على لفظهما وأما الوضوء فلا. (6/423)
صفحة 424
وعن أبي عبد الله في من قاء بلغما فردّ منه شيئا تعمدا إن صلاته وصيامه يفسدان عليه جميعا إذا رده بعد أن صار على مقدرة من لفظه وإن كان ناسيا فلا بأس عليه في صيامه وصلاته، ومن وطئ صبيا ولم ينزل وكلم الناس فلا خير فيه ولا نفع له في صومه وعليه إذا لم يغتسل البدل، ومن أجنب وهو صائم في صحراء ولا ماء معه فلما أصبح تيمم وكلم أصحابه فعند أهل عمان أنه إن لم يتصعد إذا لم يجد الماء فسد صومه إذا أصبح بغير غسل ولا صعيد إذا تعمد لذلك. ومن كان صائما فريضة أو كفارة أو تطوعا فرأى البيت قد أظلم فظنّه سواد الليل فأفطر ثم تقشع السحاب بعد ذلك فظهرت الشمس فليبدل يوما مكانه، ومن قبّل امرأته أو عالجها في رمضان فأمنى فأقل ما يلزمه بدل ما مضى من صومه وفيه اختلاف، وإن تعمد إنزال المني فعليه البدل والكفارة فإن أمذى أو أوذى فقد وسخ صومه ولا ينبغي له ذلك ولا أعلم عليه نقض صومه ولكن ينتقض ثوابه لتعريضه لما لا يجوز ولو كان المذي من غير علاج لنفسه ولا لامرأته ولا فساد على الصائم في خروج المذي، وقيل: يبدل صوم يوم وفي نفسي من ذلك ولا آخذ به. وعن الوضاح بن عقبة فيمن عالج امرأته في رمضان ولم يرد بذلك نكاحا فلما خاف أن يقذف فيها تركها فأخرج فقذف خارجا وإنما أراد علاجا أن عليه إذا قضى شهر رمضان أن يصوم شهرا، واختلف أصحابنا فيمن يلمس فيمذي فقَال قَوم: لا شيء عليه وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن هذا. (6/424)
صفحة 425
قال مالك: عليه قضاء يوم، ومن أجنب نهارا في رمضان فقال لقوم اعتزلوا عني لأتطهر فلا فساد عليه في هذا الكلام لأنه تكلم لمعنى الغسل، وإنما شددوا في الكلام إذا كان لغير معنى الغسل، وإذا سلّم الجنب على صائم مسلم ووقف معه فسد ما مضى من صومه، ومن حلف بالله كاذبا فالكذب ينقض الصوم وفيه اختلاف، وأقول إنه يبدل يومه ويكفر يمينه، ومن رأى شيئا من بدن امرأة ذات محرم منه وهو صائم فلا نقض عليه حتى ينظر الفرج وهنالك يقع بينهم الاختلاف، منهم من ألزمه بدل يومه ومنهم من لم يلزمه شيئا، فإن أبصر فرج امرأة أجنبية أو شيئا من بدنها فأحب بدل يومه وقد قالوا لا شيء عليه، ومنهم من ألزمه البدل وهو بدل يومه، ومن قبّح دابة أو صبيا فعليه بدل يومه لأنه قبّح من لا يستحق وهو عاص في ذلك ولما كانت غيبة المؤمن تنقض الصوم كانت قبحة المؤمن تنقض الصوم.
مسألة:
ومن كان في بلاد الشرك فاشتبهت عليه الشهور فلم يعرف شهر رمضان فتخير شهرا وصامه كشهر رمضان فصامه أو صام شوال أو شهرا غيره عن شهر رمضان فقد أجزأ عنه لأنه قد صامه أو صام من بعد فقد قضاه، وإن كان إنما صام من قبله مثل شعبان أو غيره فلا يغني عنه وعليه شهر رمضان.
مسألة:
ومن أجنب نهاراً فاشتغل بتسخين ماء وذق غسل وحرض وكان ذلك بسرعة فلا أرى بأسا وتعجيل ذلك أفضل، وإن كان طلب الحرض والغسل من بعد إسخان الماء وفي ذلك أبطأ فما أحبّ ذلك إلا أن يكون إسخان الماء وطلب الحرض والغسل معجلا فلا بأس.
مسألة: (6/425)
صفحة 426
وعن أبي عبد الله: ومن تعمد للنظر إلى فرج حرام وهو صائم رمضان فلا نقض عليه في صومه، وقال بشير: من نظر شبح امرأته عريانة في الماء إن عليه بدل يومه، ومن نظر فرج امرأة فأمنى فإن كان لم يزل ينظر إليها ويتشهى حتى أمنى فعليه بدل ما مضى، وكذلك إن كان قد مسها، وأما إن نظر خطفة فأمنى فعليه بدل يوم، وكذلك إن مس خطفة ولا يريد إنزال الماء فعليه بدل ما مضى وذلك سواء في امرأته وغيرها، وقيل: إذا مس غير امرأته فأمنى فعليه بدل ما مضى، وإن كانت امرأته فعليه بدل يومه، هذا إذا لم يكن يريد إنزال النطفة، فأما إذا تعمد لذلك فهو كمن جامع، ومن نظر إلى فرج امرأة عمداً أو سمع سر قوم أو نظر في بيتهم أو قرأ كتاب إنسان بلا رأيه فكل هذا قيل: إِنَّه لا يفسد الصوم وليس هو مثل الوضوء.
مسألة:
وإذا عبث امرأة بذكر زوجها وهو نائم حتى أمنى بالنهار في رمضان فليس عليه إلا الغسل إذا لم يفعل بها وهو بمنزلة من أجنب وهو نائم وكذا يوجد عن موسى بن علي.
مسألة:
قال أبو محمد: من أجنب في شهر رمضان في الليل فتعمد ترك الغسل حتى أصبح فعليه البدل ولا كفارة عليه، وكذلك من أجنب في النهار متعمداً لترك الغسل فهي مثلها، ومن درعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن قاء متعمداً قاصد لهتك حرمة الصوم كان عليه في قول أصحابنا القضاء والكفارة. قال أكثر مخالفينا: عليه قضاء يوم في التعمد، وأما مالك بن أنس فأظنه يوافق قول أصحابنا والله أعلم، وعن أبي علي فيمن قاء فرجع شيء لم يعلم به، قال: ما أرى عليه بأسا، عن الحسن أن رجلا سأله فقال: إني قئت وأنا صائم فقال: هل راغ عليك القيء، والريغ الرجوع إلى الشيء، يقال: راغ عليه القيء إذا رجع. قال طرفة: ... تريغ إلى صوت المهيب وتتقي *** بذي خصل روغات أكلف ملبد
تريغ أي تعطف وترجع، والمهيب الراعي وهو هاهنا يريد فحلها، والثبع القيء، يقول: هو مثبع وقد أثاع إذا قاء وأثاعه إذا قيأه. (6/426)
صفحة 427
فصل: روي أن عمر رحمه الله أفطر يوما في شهر رمضان وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم نظر فإذا الشمس طالعة فقال: لا نقضيه ما تجانفنا لإثم، يقول: ما ملنا إليه ولا تعمدناه ونحن نعلمه، وكل مائل فهو متجانف وجنف، ومنه قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} (1) قال: ميلا، وعنه أيضا أنه قال: ولا نقضيه، وعند أصحابنا أنه يبدل يوما والله أعلم.
مسألة:
ومن أجنب نهارا في شهر رمضان فتوضأ وضوء الصلاة وغسل رأسه وفرجه دون سائر جسده فصيامه تام، وأما الصلاة فلو صلى على ذلك كانت صلاة فاسدة، ومن قاء في مكان لا يقدر على الماء فيه وبزق حتى بقي الريق فعرقه فلا فساد عليه في صومه قدر على الماء أو لم يقدر ولكنه يفسد ثوابه.
مسألة:
ومن أكل ما يتغذى به وما لا يتغذى به أو شرب ما لا يشرب كان مفسدا لصومه لأن الله تعالى نهى عن الأكل ولم يخص ما يتغذى به من غيره، ومن طعن برمح فوصل إلى جوفه أو رمى بسهم فجرح من ظهره لم يفسد صومه، وكذلك الكحل والذرور وما يشبهه. وقال الشافعي: إنه يفطر، وقال أبو حنيفة: إذا لم ينفد إلى الجانب الآخر لم يفطر، قال: وإذا داوى جرحه بدواء فوصل إلى جوفه أفطر، وقال أبو حنيفة: إذا كان الدواء يابسا لم يفطر، ومن أصبح وبين أسنانه طعام فأكله فإنه مفسد لصومه لأن الله تعالى أمر بترك الأكل فمن خالف أمره فقد أفسد صومه ولا فرق بين أن يأكل ما بين أسنانه أو من غيره إذ اسم الأكل يشتمل على الجميع. وعن أبي طلحة أنه أجاز أكل البَرد في رمضان وقال: لا طعام ولا شراب وهذا هذيان لا يلتفت إليه، ومن وطئ دون الفرج فأنزل كان مفسدا لصومه باتفاق الأمة، وكذلك من حصحص فأنزل وجب عليه القضاء.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/427)
صفحة 428
ومن احتجم ثم أكل متعمداً فعليه الكفارة لأن الحجامة لا توجب شيئا في فساد الصوم إذ الصوم لا يفسد إلا بما يدخل في الجوف دون ما يخرج فإذا أكل متعمدا بعد الحجامة لزمته الكفارة إذ لا شبهة هناك تسقط الكفارة، فإن كان قد سمع الحديث في الحجامة فعن بعض قومنا أن لا كفارة عليه لأن ظاهر الخبر يوجب فساد الصوم بالحجامة فيصير ذلك شبهة في سقوط الكفارة عنه والله أعلم، اختلف الناس في الصوم بالحجامة ودليل إباحتها ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم محرم وأفعاله تفيد الإباحة حتى تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منها، والخبر أفطر الحاجم والمحجوم فالجواب عنه من وجوه أحدها أن الناس شكوا إليه الدم فرخص للصائم في الحجامة وهو لا يأثم بعد فطر، ومنها أن هذه إشارة إليهما وتعريف لهما لأنه أراد أن الحجامة هي التي أفرطتهما، ويجوز أن يكون قد شاهدهما على حالة توجب الإفطار وأخبر بذلك وهذا كما تقول أفطر القاعد والقائم إذ زارهما على حالة توجب الإفطار فيكون ذلك إشارة إليهما وتعريفا لهما لأن القيام والقعود هو الذي أفطرهما له تمام يرجع إليه من كتاب الخوارزمي.
مسألة:
ومن جامع زوجته في فرجها وغابت الحشفة وجب عليه القضاء والكفارة أنزل أو لم ينزل الماء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خبر المجامع أنه قال له: أعتق رقبة ولم يسأله عن الإنزال فلو كان الإنزال شرطا في وجوب الكفارة لكان - عليه السلام - يسأله عن ذلك لأن الأحكام المتعلقة بالجماع لا يراعى فيها الإنزال كوجوب الغسل والحد في الزنا وثبوت الإحصان وإباحة المرأة للزوج الأول فإذا كان كذلك وكانت الكفارة حكمها متعلق بالجماع وجب أن لا يراعى فيها الإنزال. (6/428)
صفحة 429
فصل: تمام حديث الحسين القيء يقال قاء يقيء قيئا وهو خروج شيء ما من الحلق أو من ماء والاستقاء تكلف ذلك، والتقيء أكثر وأبلغ، وفي الحديث: «لو يعلم الشارب قائما ماذا عليه لاستقاء ما يشرب» (1) . وقال بعض الرّجاز:
إن الحباب عاد في عطائه *** كما يعود الكلب في استقائه
وقال: ... ... ... ما هاع عن حين أدخل حلقه *** يا صاح ريش حمامة بل قاء
وتقول قيائه أنا بقية وقيائه ونقول هاع يهوع هوعا وهواعا إذا جاءه القيء من غير تكلف، وإذا تكلّف قلت تهوع فما خرج من حلقه من شيء فهو هواعة وتقول لأهوّ عنه ما أكله وما يأكله أي لأستجرحن من حلقها ما أكل، وقول الحسن له راغ عليك القيء أي هل رجع عليك القيء والريغ الرجوع إلى الشيء يقال: راغ عليه القيء إذا رجع. قال طرفة: ... يريع إلى صوت المهيب وتتقي *** بذي خصل روغات أكلف ملبد
تريع أي تعطف وترجع، والمهيب الراعي هاهنا يريد فحلها، والثيغ القيء، تقول: هو مثيغ وقد أثاغ إذا قاء وأثاغه غيره إذا قيّأه.
الباب الثالث والأربعون: ما نهي عنه الصائم وكره له وما رخص له فيه وأمر به ويستحب له، وأحكام ذلك: مسألة:
ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال في الصوم وهو امتناع الأكل في الليل في حال الصوم أن يوصل صوم يومين بليلة فقال من قال من أصحابه يا رسول الله: تنهانا عن الوصال وأنت توصل؟ فقال: إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وفي حديث آخر أنه قال: «إني لست في هذا مثلكم ربي يطعمني ويسقيني» (2) ، وفي رواية أخرى: «لست كأحدكم إن لي ملكا يطعمني ويسقيني» (3) ، واختلف الناس فيه، وروي عن بعضهم أنه كان يواصل، وكره ذلك مالك والشافعي وكان أحمد وإسحاق لا يكرهان من يواصل من سحر إلى سحر.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/429)
صفحة 430
والكحل للصائم مكروه عند بعض أصحابنا وأجازه أكثرهم، والنظر يوجب إجازته لما روي عن ابن عباس كان يجيز للصائم أن يذوق طعم القدور والخل ما لم يدخل حلقه وأجاز أصحابنا للطّباخات ومن يعالج الأطعمة في رمضان وهو في رمضان ذوق الطعام بلسانه، وأما الحسن البصري وإبراهيم النخعي فكانا يجيزان للصائم أن يمضغ الطعام للصبي، وكان أبو حنيفة لا يرى في أكل الجص والحصى والطين واللّوز وما جرى هذا المجرى نقض الصيام وهذا خطأ من قائله لأن الأكل اسم جامع يقع على الأغذية وغيرها ولو كان الصوم يمنع عن الأغذية دون غيرها لنهي ذلك في السّنة ولكنا قد تعبّدنا بالصوم الذي يعرف في اللّغة وهو الإمساك والكف، ومن أكل غير الأغذية فليس بممسك ولا يستحق به اسم صائم، وقد حرم الله الأكل على الصائم فكل من استحق اسم أكل فصومه باطل.
مسألة:
وأحب للصائم استكثار استعمال السّواك لما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير خصال الصائم السّواك» (1) ، وفي رواية أخرى أنه قال - عليه السلام - : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك عند كل صلاة» (2) ، ولو كان السواك واجبا على ما ذهب إليه بعض مخالفينا لأمرتهم به شق عليهم أو لم يشق، ومن استاك بمسواك رطب في رمضان أو يابس لم يضره ذلك سواء كان أولف النهار أو آخره. وقال الشافعي: يكره له السّواك الرطب في النهار والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد حث على السّواك ولم يفصل بين أوّل النهار وآخره.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/430)
صفحة 431
ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقد أمرت بالسواك حتى لقد خشيت أن يكتب عليّ» (1) وللصائم أن يتسوك، وكان أصحابنا يقولون بالسّواك أول النهار وربما رأيت الربيع تسوّك عند الأولى وهو صائم، ويكره عند الفطور حتى يفطر، ويستحب أن يشرب على الرائحة التي تكون في الفم ولا بأس به أول النهار، وكان بعض الفقهاء يكرهه آخر النهار، والصائم إذا كان يعلم أنه إذا تسوّك آدمي فلا يتعرض للسواك وإن كان صفرة أو كدرة فليس بشيء، فإن كان دما غبيطا سائلا أبدل ذلك اليوم، وعن بعض الفقهاء أنه لم ير بالسواك بالحربد وغيره رطبا للصائم بأسا.
مسألة:
ويستاك الصائم أول النهار بما كان من عيدان يابسة، وإن استاك برطب واستاك آخر النهار فلا نرى عليه نقض صومه، ولا يتعمد لإجازة البزاق الذي يجتمع في فيّه من السواك الرطب، ويستحب للصائم الإفطار على أثر الرائحة من الصوم ولا يستاك عند الفطور بلا تحريم لذلك، وفي حديث عمر أنه كان يستاك وهو صائم بعود وقد ذوى أي يبس، يقال: قد ذوي يذوي وذووا يذوون وهو عود ذاوٍ، وفي حديث عمر أنه لم يذكر أنه أوّل ولا آخر رجع.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/431)
صفحة 432
وأكره القُبلة للصائم لأنها من دواعي الوطئ والوطئ مفسد للصوم فاحتاط للصائم بترك القبلة لاختلاف الناس في ذلك، فإن قال قائل: لم أجزت له ترك التعرض لما قد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينه غيره والرواية ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقبل وهو صائم قيل له فقد جاءت الرواية في نفس الحديث، وأيكم أملك لإربه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدل على من لم يملك لإربه لم يجز له التعرض، وكذلك كان ابن عباس يقول: أكرههما للشباب ولا بأس بهما للشيخ، ولا بأس بالحجامة للصائم، وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم، وروي أنه رخص في القبلة أيضا للصائم على ما روي عنه في حديث عمر، عن عطاء بن شيبان أن رجلا قبل امرأته وهو صائم فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة فأخبرتها بذلك وهو صائم فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرا، وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحل الله لرسوله ما شاء فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لهذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده شرا، وقال: لسنا مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده» (1) ، وسئل أبو هريرة أتقبل وأنت صائم؟ فقال: نعم وأكفحها، وبعضهم يرويه وألفحها، فمن قال: أكفحها يريد اللّقاء والمباشرة بالجلد يقال كافحته كفاحاً ومكافحة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/432)
صفحة 433
روي عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله يقبّل وهو صائم، وقال: ولكنه أملك لإربه، وروي عن عمر أنه قال: قبّلت يوما وأنا صائم فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: أرأيت لو مضمضت فاك وأنت صائم فقلت: لا بأس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «فثم، أو قال: فذاك ذاك» (1) .
مسألة:
روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبّل وهو صائم ويقول لأصحابه: «أنا أملككم لإربه» (2) ، وكره أصحابنا القبلة للصائم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أنا أملككم لإربه» (3) ، وروي أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله: إن هششت وأنا صائم فقبّلت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أرأيت لو مضمضت فاك؟ قال عمر: لا بأس، قال: فذاك ذاك» (4) ، وخبر عمر يدل على جواز القبلة للصائم وإنما كرّه من كره إذا خيف منها لأنها من دواعي الوطئ، ومن قبّل فأنزل فعليه القضاء لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أنزل لا صوم له» (5) وهذا يحتمل على وجود الإنزال على القبلة بانفرادها لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من إجازته الشم للصائم فدل أن القبلة بانفرادها لا بأس بها ولا شيء على المرأة إلا أن يوجد منها ما يوجد من الرجل فعليها مثل ما عليه والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */ (6/433)
صفحة 434
عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يمتنع من وجهها وهو صائم ومن تمضمض وقذف الماء وأساغ ما بقي ف لا بأس ويكره للرجل أن يدخل أصبعه في فرج امرأته في رمضان وغيره . ومن احتمل الدواء قبل الفجر فهو أحب إلي من الريبة، والمحتقن هو الذي يحتمل الدواء من مخرج الطعام، ومن اكتحل بكحل فيه عرف طيف مثل الصبر أو المسك أو لا عرف فيه فلا بأس عليه إلا إذا وجد شيئا في حلقه بزقه، والصائم لا يحتقن ولا يستعط ولا يقطر في أذنه، وكان محبوب يكره للصائم أن يقطر في أذنه دهنا، وكان سليمان بن عثمان لا يرى به بأسا، وإذا اجتمع في فيه البزاق فعرقه فلا بأس. قال أبو عبد الله: ليس عليه بأس إذا وجد طعم الكحل في حلقه وإن كانت نخاعة من الرأس فعرقها أيضا فلا بأس، وإن كانت نخاعة من الجوف فعرقها فعليه بدل يومه، ويكره للشاب أن يمس فرج امرأته وهو صائم ولا ينبغي له التعرض بمثل هذا ولا شيء عليه إلا أن يجئ منه شيء ويستغفر الله ولا يعود، ويكره للفتى أن يمسّ امرأته مخافة المني. وقال بشير: لا يدخل الصائم أصبعه في فيه بمضمضة بعد العصر، ومن آذاه ضرسه في رمضان فقلعه أو سخنه بالنار أو الرش فلا بأس إلا الكي، والصائم إذا توضأ فله أن يدلك فاه برفق ويستنشق برفق وأما المفطر فليبالغ ولا بأس أن يستعط الصائم وينزع ضرسه. قال أبو الحسن رحمه الله: لا نحب للصائم أن يستعط ولا يقطر في أنفه ولا أذنه ولا حلقه لأن ذلك يؤدي إلى الحلق، ولا يجعل شيئا من الدهن ولا الماء ولا الدواء في المجاري التي تؤدي إلى الحلق لأن ذلك مما يؤدي إلى الجوف ومجرى الطعام وإن كان قد أجاز ذلك أحد فلم يؤخذ به، ومن أكره فأدخل في حلقه شيئا من ماء أو طعام فلا شيء عليه، ومن استعط أو احتقن فعليه القضاء ولا يستنشق الصائم إيلاغا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما» (1) فلولا أنه لم يفسد لم ينه عنه.
__________
(1) حديث: */ (6/434)
صفحة 435
وقال الشافعي: إذا لم تبالغ فسبق الماء في حلقه لم يفطره، وقال أبو حنيفة: يفطره، ومن استنقع في الماء فإنه يكره له ذلك، ومن حاز في حلقه شيء على حد الغلبة كالحصياة وغيرها، والذائق فلا نقض عليه، وقال بعض: من ابتلع ذبابا متعمداً فما نبرئه من الكفارة، وعن أبي علي في صائم طرح في فيه حصاة فجازت قال: لا تفسد صومه، ومن سبقه الماء في حلقه وهو يتوضأ للفريضة فلا بدل عليه ولو توضأ لها قبل وقتها، وإن كان وضوؤه لنافلة فقيل يبدل يومه، وقال بعض: إذا كان ذاكرا بلغني لصومه، وعن الوضاح قال: بلغني عن سليمان بن عثمان أنه قال: يبدل على الوجهين جميعا، ومن صبّ في حلقه ماء وهو نائم في رمضان نهارا حتى وصل في جوفه ثم علم بعد أن استيقظ فلا قضاء عليه، ويكره للصائم أن يلبس ثوبا رطبا وينزه صومه عن فعل يتلذذ به ولا يدنسه فهو أحوط، وكرهوا للصائم الاستنقاع في الماء تلذذا به ولم أرهم أفسدوا صومه ولكن وسخه، ومن دخل في حلقه الدخان حتى وجد طعمه في حلقه وهو صائم فلا نقض عليه فيه إن شاء الله، ومن كال الدقيق وسفى التراب فدخل حلقه فلا شيء عليه، ومن اشتم الأراك لعلة فبلغ ذلك إلى خياشيمه ووجد حرارته فلا شيء عليه ما لم يستعط ويدخل ذلك إلى رأسه وحلقه.
مسألة:
ومن خاف أن تزداد عينه وجعا أو حمأة شديدة فلا يجوز له الإفطار وإنما جوّزوا ذلك للحامل إذا خافت على حملها أو المرضع إذا خافت على ولدها.
مسألة: (6/435)
صفحة 436
ولا ينبغي للرجل أن يقضي شهوته من امرأته وهي صائمة بدل شهر رمضان فإن فعل ولم ينزل منها هي شهوة ولا التقى الختانان فلا فساد عليها في صومها ويكونان آثمين، والرجل الصائد للسمك له أن يدخل الماء الجاري ولا بأس عليه فيما دخل حلقه من الماء ما لم يتعمد له ولا يغمس رأسه في الماء. ومن كسر أنفه فرفع له ووجد طعم الدم في حلقه فعن محمد بن الوليد لم ير به بأسا، ورفع عنه ذلك أبو المؤثر فيما يوجد، قال: وأما السعوط للصائم فقال فيه رخصة، وقال: من استعط من ضرورة فهو عندي بمثل منزلة رفع الأنف، قال: وإن قطر في أذنه الدهن من أذى وهو صائم فلا شيء عليه، ومن أدمى فاه وهو صائم عامداً فلا بدل عليه في قول أبي عبد الله. قال أبو عبد الله: بدل يومه، ومن مضمض فاه وهو صائم ثم قذف الماء وأساغ ما بقي قبل أن يبزق فعن أبي عبيدة الصغير أنه لا بأس به، وإن سبقه الماء في فيه أو منخريه بغير تعمد فعن هاشم أنه لا بأس عليه وإن اشتم الصائم دهنا أو اكتحل بلا صف أو سراج فلا بأس عليه.
مسألة:
ومن كان صائما فوقع في نهر يغتسل فبال في الماء وخرج منه ريح في الماء فلا نقض عليه في صيامه.
مسألة: (6/436)
صفحة 437
والمباشرة من اللّمس من غير شهوة خارجة من النهي باتفاق الأمة، ولولا الاتفاق لحرم كل ما وقع عليه اسم المباشرة لشهوة كان أو لغير شهوة غير أن الأمة خصّت المباشرة من اللمس إذا لم يكن على طريق الشهوة فسلم ذلك لاتفاقهم وما عدا ما أجمعوا عليه وقع عليه اسم المباشرة فمحظور بالآية، وروى عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجره أن يقبّل وهو صائم، وروت ميمونة بنت سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن رجل قبّل امرأته وهما صائمان فقال: أفطرا، وروى أبو المهلب عن عمر قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقبّل وأنا صائم، وروى أبو هريرة أن رجلا سأل النبي - عليه السلام - عن المباشرة للصائم فرخّص له وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب.
مسألة: (6/437)
صفحة 438
ومن درعه القيء لم يفسد صومه، ومن استقاء عامداً كان مفطرا وعليه القضاء لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من درعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فلينقض» (1) فإن قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ما يفطر الصائم فذكر فيه القيء وهي لفظة تشتمل على كلا الأمرين، قيل له القيء على ضربين، أحدهما غالب والآخر مستدعي فلما أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - أن من استقاء عامداً وجب عليه القضاء وأن من درعه القيء فلا قضاء عليه دل أن مراده - عليه السلام - بالقيء الذي يستدعيه صاحبه، وروى - عليه السلام - أنه قال: لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم وهذا معارض للخبر الذي فيه ذكر القيء، وقد أجمعوا على أن من استقاء عامدا فعليه القضاء، فإن قال قائل: كيف يدع الإجماع وقد قال ابن عباس وابن مسعود الفطر مما دخل وليس مما خرج، والوضوء مما خرج وليس مما دخل، قيل له: إن هذا قولهما خارج عن الحجامة. قال أبو طيبان: سئل ابن عباس أيحتجم الصائم؟ قال: نعم الفطر مما دخل وليس مما خرج منه، وروى إبراهيم بن مسعود مثل ذلك وكلاهما على خروج الدم لأن غيبوبة الحشفة توجب الطهارة اتفاقا وليس ذلك مما خرج وما خرج يراد به ما خرج من نفسه وما أخرج فلا يطلق عليه أنه خارج وإنما يقال أخرج فقولهما ما خرج الذي يغلب صاحبه فيخرج دون ما يخرج.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/438)
صفحة 439
ولا بأس أن يطعم الصائم القدور ويذوق الخل والشيء ما لم يدخل حلقه لما روي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك، وللصائم أن يكتحل محتاجا كان إلى ذلك أو غير محتاج فإن أحسّ بشيء في حلقه فقدر أن يمجّه ورمى به ولم يبلغه فإن قال قائل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالأثمد عند النوم وقال: «ليتقيه الصائم» (1) قيل له: هذا حديث ضعيف وقد أنكره قوم، والحجامة والاحتلام لا يفطران الصائم، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - اكتحل وهو صائم وكان الحسن لا يرى بأسا بالاكتحال فأما للصائم فإن قال قائل: فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أفطر الحاجم والمحجوم» (2) قيل له: روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث لا يفطرون الصائم، القيء والاحتلام والاحتجام» (3) . وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم صائما محرما، وروي عنه - عليه السلام - أنه مر بحجام قد حجم رجلا وقد عشى عليه فأفطر في وقته فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أفطر الحاجم والمحجوم» (4) الحاجم مرفوع المحجوم منصوب، واختلف الناس في ذلك والدليل على صحة قول من أجاز الحجامة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو صائم محرم بالفاحه وأفعاله - صلى الله عليه وسلم - تفيد الإبانة حتى تقوم الدلالة على أنه مخصوص بشيء منها، وما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: «ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والاحتلام والاحتجام» (5) .
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */ (6/439)
صفحة 440
وروى أبو سعيد الخدري عنه - عليه السلام - أنه قال: «من قاء أو احتلم أو احتجم لم يفطره ذلك» (1) ، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الناس شكوا إليه الدم فرخّص للصائم الحجامة، وهذه إباحة بعد الحضر، ومن جهة النظر أن خروج الدم من البدن لا يفسد الصيام بدلالة أنه إذا افتصد لم يفسد ذلك صومه، وإن كان ما يخرج منه من الدم بالفصد أكثر مما يخرج بالحجامة وإن شئت قلت إن خروج النجاسات من الأبدان لا يوجب إفساد الصوم كالبول وسائر النجاسات، فإن اعترض معترض بالخبر أفطر الحاجم والمحجوم، فالجواب عنه من وجوه، أحدها أن هذه إشارة إليهما دون الحجامة ويجوز أن يكون قد شاهد منهما ما يوجب الإفطار فذلك إليهما إشارة وتعريفا لهما لأن القيام والقعود هو الذي أفطرهما، ومما يبيّن ذلك أنه قد سوّى بين الحاجم والمحجوم في الإفطار ولا خلاف أن الحاجم لا يفسد صومه وأيضا فقد روي عن ابن عباس أنهما كانا يغتابان فجعلهما النبي - صلى الله عليه وسلم - مفطرين لذلك وهو كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الغيبة تفطر الصائم» (2) ، وأيضا فقد يروى الإباحة منه - صلى الله عليه وسلم - لذلك بعد الحظر فهو أولى من الحظر، عكرمة عن ابن عباس قال: مر بنا أبو ظبية في ثماني عشرة من رمضان بقين أو مضين قال له ابن عباس: من أين أقبلت؟ فقال أبو ظبية: حجمت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا بأس بالكحل للصائم، وروي عنه أنه كان يكتحل بالأثمد، وأفعاله - عليه السلام - تقتضي الإباحة إلا أن تقوم الدلالة بخصوص شيء منها ولأنه ليس من العين إلى الجوف منفذ.
الباب الرابع والأربعون: في صيام الشيخ الكبير والصبي الصغير والكافر والمملوك
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/440)
صفحة 441
أجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم لهما أن يفطرا، ثم اختلفوا فيما عليهما إذا أفطرا فأوجب قوم عليهما أن يطعم عنهما كل يوم مسكين واحد، وقَال قَوم: يطعم عن الشيخ الكبير مدا، وقَال قَوم: لا شيء على الشيخ الكبير من كفارة ولا غيرها. قال الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية...} (1) قيل ذلك الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذان كانا يصومان فيضعفان فيطعم عن كل واحد لكل يوم مسكين رجل أو امرأة سحوره وفطوره، أو يهدي إليه حبا قدر ما يكفي المساكين للإيمان، وكذلك الغلام الذي قد راهق واشتهى الصيام ولا يستطيع أن يصوم يستحب أن يطعم عنه وإن لم يطعم عنه فلا بأس حتى يبلغ. وقال أبو سفيان: إن الرجيل أنا عفان والعمير جد أبي هريرة كبرت أمهما عن الصوم فلم تقدر عليه فأتيا جابر بن زيد رحمه الله فقالا له أم الرجيل قد عجزت عن الصوم، فقال لهما جابر: صوما عنها، فتنافسا في ذلك ورغب كل واحد منهما أن يصوم عن والدته فصام الرجيل وكان أكبرهما ثم بقيت إلى حول السنة فأتيا جابرا فقالا له إن أمّ الرجيل تعجز عن صوم شهر رمضان فقال: أوحيّة هي بعد؟ فقالا: نعم، فقال لهما: أطعما عنها، فقال أبو سفيان: لا أدري بأيهما أمر أول مرة بالصوم أو بالطعام غير أنه قد أمرهما بالطعام والصوم، غيره وإذا كبر رجل أو امرأة ولم يطيقا الصوم ولهما أولاد فإن كان لهما مال أطعم عنهما وإن لم يكن لهما مال فما أقول إن على أولادهما صوما لأن الله تعالى قد جاء لهما بالعذر إذ لم يطيقا الصوم ولا مال لهما، وإن كان لهما مال فالإطعام عنهما أفضل، هذا جواب قول أبي الوليد. وقال الفضل: والشيخ الذي لا يقدر على الصوم ويطعم عنه فإن لم يكن له مال صام عنه ولده الكبير، فإن أبى فالآخر، فإن أبى فالآخر، فإن أبوا جميعا فلا أدري يجبرون على ذلك أم لا. وعن هاشم مثل ما قال، فإن أبوا جميعا أن يصوموا فقد أساؤوا ولا يلزمهم إلا الإساءة.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/441)
صفحة 442
اختلف الناس في معنى قول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه...} (1) فقال كثير منهم: إنها منسوخة نسختها آية الصوم، وقالَ آخَرون: ليست بمنسوخة وحكمها باق، وبهذا القول يأخذ أصحابنا، وفي آخر الآية ما يشهد بمخالفتهم على تأويلهم لأن الله تعالى قال: {وعلى الذين يطيقونه...} (2) والله أعلم بأعدل التأويلين، وفسر بعض المفسرين قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} (3) أي الذين لا يطيقونه وهذا معروف في لغة العرب. قال عمرو بن كلثوم: ... ... نزلتم منزل الأضياف منا *** فعجلنا القرى أن تشتمونا
أراد أن لا تشتمونا، وقال بعضهم: الذين يطيقونه الذين كانوا يطيقونه وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة فعجزا عن الصوم فعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكينا فطوره وسحوره، وفي موضع آخر يفطران ويطعم عنهما، وروي عن عائشة وابن عباس أنهما قرؤوا على الذين يطيقونه وقِيلَ: إنَّ ابن عباس قرأ وعلى الذين يطيقونه، وقيل: إن المراد بالآية الشيخ الهرم، والطوق مصدر من الطاقة، قال: ... كل امرء مجاهد بطوقه *** كالثور يحمي أنفه بروقه
مسألة:
ومن بلغ في شهر رمضان فجهل الغسل وصلى بغير غسل ومضى في صومه فأما الصلاة فإذا انقضى وقتها وقد صلاها بغير غسل فعليه الغسل وبدلها والكفارة، وأما الصوم فعله إعادة ما مضى.
مسألة:
وإذا خاف الشيخ الفاني على نفسه فليس له أن يصوم فإن فعل مع الخوف كان ذلك منه معصية.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (6/442)
صفحة 443
والرجل الكبير والمرأة الكبيرة إذا عجزا عن الصوم وقدر أن يصوما يومين ويفطرا يومين حتى ينقضي الشهر فهذا من المحال فإذا قدرا يوما قدرا أكثر فإن خافا الهلال أفطرا بقدر ما يحييان به وإن لم يقدرا بعد هذا على الصوم فهما اللذان أقول أن يطعم عنهما أو يصوم الورثة، والغلام المراهق إذا لم يقدر على الصوم فلا يلزمه في الحكم شيء ويستحب له الصوم فإن لم يقدر فقد قيل يستحب الإطعام عنه كل يوم مسكينا والجارية مثله، ومن بلغ في آخر رمضان ففي صومه ما مضى من الشهر اختلاف والصوم أحوط، وإن صام صبي أول يوم من رمضان إلى وقت الظهر ثم أفطر وبلغ في يومه هذا فإنه يبدل ذلك اليوم يوما مكانه، ومن احتلم فصام أياما ثم أفطرته أمه إكراها فعليها كفارة ذلك اليوم صوم شهرين متتابعين والله أعلم، واختلف في اليهودي إذا أسلم آخر الشهر فالصوم له أحوط، ومنهم من أوجب عليه ومنهم من لم يوجب عليه ذلك فرضا، ومن بلغ في رمضان فعليه صوم ما بقي وبدل ما مضى لأنه فرض واحد، وكذلك المشرك عليه البدل لأنه فرض واحد وتركت الاختلاف في ذلك، ومنهم من أوجب عليهما صوم ما مضى من الشهر لأنه فرض واحد، ومنهم من لم يوجب ذلك عليهما، وأما صوم باقي الشهر فعليهما في قول من جعل الشهر كله فريضة واحدة وقول من جعل كل يوم فريضة.
مسألة:
ومن أسلم من شركه في يوم رمضان أو بلغ الحلم فليس له أن يأكل بقية يومه، وإن أفطر فقد جاء عن بعض الفقهاء أنه لا كفارة عليه، وقيل: بالكفارة عليه، وأما بدل ما مضى من الشهر فقال بعضهم: عليه البدل، ومنهم موسى بن علي، وقالَ آخَرون: لا بدل عليه، ومنهم أبو المؤثر، والرأي في البدل أكثر وكله جائز.
مسألة:
ومن كبر فعجز عن الصوم أطعم عنه كل يوم مسكينا نصف صاع من حنطة كما يصنع في الكفارة لكل مسكين.
مسألة: (6/443)
صفحة 444
ومن اشترى خادما من السوق فأطعمه في رمضان مرارا فإن كان الخادم بالغا فلا آمن عليه الكفارة إذا أجبره على ذلك وإن لم يجبره على ذلك فالله أعلم. ومن منع عبده أن يصوم تطوعا فليس للعبد أن يصوم لأنه يضعف عن خدمته وخدمة مولاه بالصيام وهو مال، والعبد يقضي ما فسد عليه من صوم رمضان بغير رأي سيده وعليه أن يعمل لسيده ما يستعمله عليه حتى يأتي عليه حال لا يقدر على العلم من العطش والجوع ثم هو معذور بعد ذلك، والصبي إذا صام من رمضان شيئا ثم لم يقدر على الصوم فعلى من أمره بالصوم أن يطعم عنه، وإذا بلغ في النهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم من رمضان فلا يجب عليه القضاء وإن كان قد قال بوجوب القضاء كثير من أصحابنا لأن صوم اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب بصومه لأن صوم بعض يوم لا يجوز ولا يصح الصوم إلا بنيّة من الليل والله أعلم، وفيها بيان أكثر من هذا وهو في باب صلاة الصبي في الجزء الرابع من الكتاب إن شاء الله.
مسألة: (6/444)
صفحة 445
وإذا أسلم الكافر في بعض رمضان فعليه أن يصوم ما بقي وليس عليه ما مضى، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر...} (1) فأخبر أن من تقدم في حال الكفر مغفور لهم إذا أسلموا، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الإسلام يجب ما قبله» (2) يعني يقطع ويستأصل، ولأن الكفر ينافي صحة الصيام فوجب أن لا يلزمه قضاء ما تركه في حال الكفر، والدليل على أن الكفر ينافي صحة الكفر أنه لو نوى بالليل ثم ارتد في بعض النهار فسد صومه، وإن أسلم غدوة في نهار رمضان فإنه يمسك بقية يومه، وإن أفطر فلا قضاء عليه وإنما أمر بالإمساك بقية يومه لأنه قد حظر عليه في بعض النهار ما لو كان موجوداً في أوّله لكان مأموراً بالصيام فلزمه الإمساك كالحائض والمسافر والصبي إذا بلغ وإنما قلنا إنه لا قضاء عليه إذا أفطر لأن الكفر كان موجوداً في جزء من النهار والكفر ينافي صحة الصوم فوجب أن لا يلزمه قضاء يوم وجد فيه الكفر والله أعلم، اختلف الناس في الفدية وقدرها فقَال قَوم: نصف صاع، وقَال قَوم: مد، وقَال قَوم: صاع، وقالَ آخَرون: لا فدية عليه، وظاهر القرآن يدل على الفدية لأنه تعالى قال: {فدية طعام مسكين} (3) وقال مالك بن أنس: لا أرى الفدية تجب على الشيخ الفاني، قال: وأحب أن يفعله، ومن أثر: ومن أسلم في دار الحرب قبل رمضان ثم مر به رمضان وهو في دار الحرب فلم يصمه وهو لا يعلم أنه مفترض عليه ثم تدخل دار الإسلام فعلم بفرضه عليه فالقضاء عليه، آخر الباب شيء من بعض قومنا.
الباب الخامس والأربعون: صوم المريض والمجنون ومن هو في معانيهما
__________
(1) سورة
(2) حديث: */
(3) سورة (6/445)
صفحة 446
قال الله تبارك وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه...} (1) فهذه رخصة جائزة لمن قبلها أن يفطر إذا سافر وإذا مرض، ومن قدر على الصوم فصام فهو أفضل، والمرض الذي يفطر فيه عندنا فهو أن يعنيه مرض ويضعف عن الصيام ويحتاج إلى الإفطار، ومن أفطر في مرض ثم مات في ذلك المرض فلا أرى عليه قضاء فيما كان أفطر ولا يقضي ذلك عنه، وإن كان صح تعدد تلك الأيام التي كان أفطر فيهن من رمضان فعليه بدل تلك الأيام التي كان فيهن صحيحا وليس عليه غيرهن لو كنّ شيئا منم الأيام التي كان أفطر فيهن، وللمريض أن يكون على إفطاره حتى يقدر على الصيام ثم يصوم، وإذا أراد المسافر أو المريض أن يفطر نوى الإفطار من الليل أو من قبل أن يطلع الفجر وأصبح مفطرا إلا أن يعني الصائم أمرا يخاف على نفسه من عطش أو غيره فله أن يشرب بقدر ما يحيي به نفسه ثم يمسك عن ذلك ويتم صومه وعليه بدل ذلك اليوم وحده، وكذلك المسافر والمقيم والمريض والصحيح أيضا، ومن أفطر في رمضان لمرض أو سفر ثم بقي في سفره أو مرضه حتى عليه رمضان الثاني فإنه إذا قدر على الصوم صام وأطعم عن كل يوم مسكيناً للشهر الماضي، فإذا أفطر من هذا الشهر صام الشهر الأول أيضا، وكذلك بلغنا عن أبي عبيدة أنه مرض فأفطر وبقي حتى حال عليه رمضان ثم قدر فصام الشهر الثاني وأطعم رجلا يقال له صدقة المعلم كان يبعث إليه كل يوم بعشائه وسحوره فلما أفطر وقوي قضى شهر رمضان الماضي وكان أفطره كله، ولو أن مريضا بقي على مرضه ثم الثاني ثم الثالث ثم قدر فصام الشهر الذي حضر وأطعم عمّا مضى ثم قضى أيضا ذلك من بعد، ويصوم كل شهر متتابعا، وإن أفطر فيما بين الشهور فلا بأس.
__________
(1) سورة (6/446)
صفحة 447
قال الشافعي: يلزمه قضاء ما عليه وبدل يوم، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء ولا كفارة عليه، وروي عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس أنهما قالا: من أخر لزمه القضاء والكفارة، وعن أبي هريرة نحو من ذلك، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك رمضان فأفطر لمرض ثم صح فلم يقضه حتى أدرك آخر صام الذي أدركه ثم يقضي ما عليه ثم يطعم كل يوم مسكينا» (1) وقيل: إذا بقي المريض على مرضه حتى دخل رمضان الثاني فليس عليه إطعام لأنه لم يفرط، ومن أخرج الدّم من فيه لعلة عرضت له أو غير ذلك فلا بأس ونحب أن يبزق الدّم كله، وإن درعه القيء فطرحه فلا بأس، وإن قاء متعمداً فعليه بدل يومه، وقال بعض أصحابنا بالكفارة، ومن عوفي من مرضه قليلا فمتى قوي على الصيام صام فإن كان يأكل خمسة أرغفة أو أقل ولا يصبر عن الأكل فعليه أن يصوم.
مسألة:
ومن أكل في رمضان في مرضه خوفا من زيادة العلة وإلحاق الضرر ثم تعمد للأكل ثانية في ذلك اليوم فعليه ما مضى من صومه ولا كفارة، وإن كان أكل ناسيا ثم تعمد للأكل بعد الذكر فعليه القضاء والكفارة، ومن مرض في رمضان فاشتدت به العلة وخاف على نفسه فله أن يفطر بما يحيي به نفسه في يومه ذلك وإن لم ينو من الليل، وأما إذا نوى من الليل فله أن يأكل وهو على الإفطار حتى يقوى على الصوم.
مسألة:
والمرض الذي يفطر فيه عندنا أن يعنيه مرض ويضعف عن الصوم ويحتاج إلى الإفطار ولا يقدر أن يأكل ما يبلغه إلى الليل، والمريض إذا أراد الإفطار نوى من الليل فإن أفطر في النهار في غير أمر يخافه على نفسه ولم ينو من الليل انتقض عليه ما مضى من صومه، وإن خاف على نفسه فأكل بقدر ما يحيي به نفسه وشرب فبدل يومه، وإن نوى الإفطار من الليل وأصبح مفطرا جاز له ويقضي إذا صح وكذلك المسافر في كل هذا.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/447)
صفحة 448
ومن ذهب عقله في شهر رمضان فعليه بدله وكل يوم طلع عليه الفجر وهو يعقل فيه فهو تام وإن طلع الفجر وهو لا يعقل الصيام فعليه بدل ذلك اليوم.
مسألة:
ومن أخذه الجنون حينا ويفيق حينا في رمضان وذهب عقله يوما أو يومين، فأما الصيام فعليه بدل ما أفطر منه، وأما الصلاة فإن عقل وهو في وقت الصلاة صلاها، وإن مضى وقتها فلا بدل عليه وإن دخل وقت الصلاة وهو صحيح فلم يصلها حتى عناه الجنون فعليه بدلها إذا أفاق وكذلك إذا أصابه الجنون بالليل فأصبح وهو ذاهب العقل حتى أتاه الليل فعليه بدل صيام ذلك اليوم.
مسألة:
والمجنون إذا لم يفق فلا شيء عليه. قال الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (1) وهذا لم يشهد الشهر ولا شيئا منه، وأما المغمى عليه فإن في عموم قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا...} (2) والمغمى عليه صحيح العقل كالنائم وآفته في جسمه وأما المجنون إن أفاق آخر الشهر فعليه القضاء لأنه قد شهر الشهر ولأن الصوم يلزم بشهود بعضه كما لزم من أسلم وبلغ ما أدرك من الشهر، واختلفوا في بدل ما مضى، ومن كان محبوسا ولا ظل عليه فأفطر وهو مقيم انتقض صومه وعليه الكفارة، وإذا مرض صاحب الكفارة أفطر وبنى على صومه إذا قوي على بعض القول.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة (6/448)
صفحة 449
وإذا جُنَّ قبل رمضان فلم يفق حتى انقضى فلا شيء عليه لأنه مرفوع عنه القلم، فأما إن جنّ في بعض الأيام فإنه يبدل ما لم يفق ويتم له ما صام منه بعد إفاقته، والمريض والمسافر إذا أفطر في شهر رمضان ثم قدم المسافر وصح المريض من مرضه فيطعم بقدر الأيام التي أفطرها وعليه أن يوصي عند الموت، وإن عوفي أقل من الأيام التي كانت عليه فلا شيء عليه، وكذلك المسافر والمريض إذا أفطر في رمضان ثم حال عليه رمضان وهو بعد مريض فلا إطعام عليه إذا لم يطق الصوم لم يكن عليه إطعام فإن صح وقام فعليه الإطعام، ومن أغمي عليه قبل دخول وقت شهر رمضان حتى انقضى وقته فلا بدل عليه إلا أن يدخل النهار وهو صحيح العقل ثم يغمى عليه بعد ذلك فعليه البدل، والمريض إذا وجد الخفّ في شهر رمضان فصام اليوم واليومين ثم ضعف فأفطر اليوم واليومين فما صامه فهو تام وما أفطر فعليه بدله، ومن أغمي عليه أياما فلم يأكل فيها فإن أغمي عليه وقد دخل في صومه فصومه تام له، فإن كان أغمي عليه أكثر من ذلك اليوم فعليه البدل لأنه دخل وهو لا يعقل فعليه البدل في ذلك، ومن أغمي عليه قبل شهر رمضان فصام اليوم أو اليومين ثم ضعف فأفطر اليوم واليومين فما صام فهو تام له وما أفطر فعليه بدله، وإذا أفاق المجنون في بعض الشهر لزمه قضاء الجميع لأن الجنون لا ينافي صحة الصوم كالكفر المنافي صحة الصوم ألا ترى أنه إذا نوى الليل فجن في بعض النهار لم يبطل صومه ذلك، فإن جنّ قبل رمضان فلم يفق حتى مضى رمضان فليس عليه قضاء لأنه لم يكن مخاطبا به ولا خلاف فيه، ومن مرض في شعبان فلم يقدر أن يصوم شهر رمضان حتى مضى الشهر كله وهو مريض ثم مات فلا يلزمه أن يوصي بصيامه ولا قضاء عليه، ومن حضره الموت وعليه صيام دخل في صومه فصومه تام، وإن أغمي عليه أكثر من ذلك اليوم فعليه البدل لأنه دخل وهو لا يعقل ولا ينوي صوما فعليه البدل في ذلك، ومن أغمي عليه قبل شهر رمضان فلم يفق حتى أهل شوال ففيه (6/449)
صفحة 450
اختلاف.
فصل: قِيلَ: إنَّ امرأة صامت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجهدها الصوم فأمرت أن تفطر فأبت فماتت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنها أن يدفنها وقال: إنها قتلت نفسها، وحفظ محمد بن خالد في المريض إذا لم يطق الصوم فليفطر وليس عليه إطعام المساكين فإن عوفي أبدل وإن لم يعاف لم يكن عليه إطعام، فإن قدر أن يصوم أياما فصامهن ثم أفطر أياما إنه يحسب ما صام ويبدل ما أفطر وليس عليه غير ذلك، وأما طعم المساكين للشيخ الكبير والعجوز اللّذين لا يطيقان الصوم فإنهما يطعمان مسكينا فطورا وسحوراً. قال بعض قومنا وهو الحسن إسماعيل في قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} (1) فدل أن الآية محمولة على بعض الأمراض لا على كل الأمراض، ولو كانت الآية محمولة على ظاهرها لكان المفلوج الذي يسهل عليه الصيام ولا يضره بل يصلح له الصوم ويقوى عليه أن يفطر لأن الفالج مرض وكذلك النقرس لأنه مرض فلم أعلم خلافا في أن المرض من الفالج ونحوه من الأمراض التي لا موت على صاحبها من الصوم وخارج من جملة ما رخص له في الإفطار كان ذلك دليلا على أن المريض المرخص له الذي يخاف على نفسه التلف أو ازدياد المرض لأنها زيادات غير محتملة من الإجهاد، وما كان في معناها من الأمراض، قال: واختلف أهل العلم في المجنون الذي لا يفيق والزائل عقله، فقال مالك بن أنس والشافعي: هو مرض من الأمراض فعليه القضاء.
__________
(1) سورة (6/450)
صفحة 451
قال الشافعي: إن ثبت الصيام من الليل وأدركه الصبح عاقلا ثم زال عقله لم يعد ذلك اليوم فإن أطبق عليه زوال العقل فلم يأكل ولم يشرب أياما أعاد وكان كمن أكل وشرب لأنه لا نية له، وقال لا يقضي صلاته، فإن قال قائل: فما الحجة في أن يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة؟ قيل له: إن الله تبارك وتعالى لم يرخص في ترك الصلاة بحال من الأحوال فالمريض يصلي قاعدا إن عجز عن القيام، وموميا إن عجز عن الركوع والسجود، وموميا في الحرب عند المسايفة، ورخص في الإفطار وأمر بالقضاء، ففرقنا بين الصلاة والصيام بأنه من زال عقله زال عنه فرض الصلاة، وفي نسخه بأنه من زال عنه فرض الصلاة لم يؤمر بقضائها لأن الله تعالى لم يرخص في تركها، فإذا تركها يرفع فرضها عنه لم يعد عليه نسخه إليه كالحائض أمرناه بقضاء الصوم لأن الله تعالى قد رخص فأمر بقضائه.
الباب السادس والأربعون: في صوم المسافر (6/451)
صفحة 452
والفطر في السفر رخصة لمن قبلها والصوم أفضل قال الله تعالى:{وأن تصوموا خيرا لكم} (1) والمسافر هو الذي يخرج في سفره يتعدى الفرسخين في أي حاجة عرضت له في قول أصحابنا فأما من قال في ثلاثة أيام فهذا في بعض أفضل وفي نسخة فهذا أرخص، ومن رأي أهل عمان المسافر له أن يفطر غنيا أو فقيرا، ومن خرج مسافرا وهو صائم فلما تعدى الفرسخين قال: أنا مسافر فأكل وظن أنه جائز له.
__________
(1) سورة (6/452)
صفحة 453
قال هاشم: عليه بدل ما مضى، ومن خرج من منزله صائما حتى أتم ذلك اليوم ثم أفطر الغد فصيام ذلك اليوم تام ثم يصبح في الخيار إن شاء أفطر فإن صام من الغد حتى إذا كان في بعض النهار أفطر فقد فسد عليه ما مضى من صومه في سفره، ومن خرج مسافرا في النهار في رمضان فصام في السفر أياما ثم أفطر فلا يفسد عليه صيام ذلك اليوم الذي سافر فيه لأنه خرج وقد وجب عليه صيامه ولم يكن يجوز له الإفطار فيه فلا يفسد عليه وهو تام له، ويفسد عليه ما صام في السفر بعد ذلك اليوم ثم أعقبه بالإفطار، ومن كان في سفر فدخل رمضان وهو في السفر فصام أيام ثم حضره الخروج فأفطر ما بقي من الشهر ثم قدم مصره فإنه يستأنف الشهر كله ولا يعتد بما صام في السفر إلا أن يكون أفطر من أمر أو إصابة في مصره أفطر فذلك يبني على ما صام في سفره، والمسافر إذا كان يريد بلده فحضره رمضان فأفطر يومين أو ثلاثة أيام ثم قدم المصر الذي يريده فصام الشهر كله فإنه يعيد اليومين اللذين كان أفطرهما ويعتد بما صام في المصر الذي كان فيه، ومن صام من رمضان أياما في أهله ثم بدا له السفر فأفطر في سفره أياما ثم صام بقية الشهر كله في سفره فإنما عليه ما أفطر منه بين الصومين، وما صامه مستقيم جائز إن أفطر المسافر في سفره ثم رجع إلى بلده ثم سافر فأفطر جاز له، ولو سافر مرارا في شهر رمضان وإنما عليه ما أفطر، فإن أفطر في سفره ثم صام في سفره ثم أفطر في سفره فعليه بدل ما أفطر في سفره، وما صام في سفره الذي أعقبه الإفطار في السفر، فإن أفطر في السفر ثم صام فيه حتى أتم الشهر لم يلزمه إلا ما أفطر لأن صومه لم يعقبه إفطار، ومن صام في أهله عشرة أيام ثم سافر فصام عشرة أيام ثم أفطر من علة فليصم ما أفطر في السفر، ومن سافر وقد صام في أهله أياما فله الخروج من أهله ليلا ونهارا، وإن خرج من مصره وأفطر فما أفطر في السفر فعليه أن يعيد، وإن وصل صومه في السفر أجزأ عنه، وإن صام في أهله ثم أفطر من (6/453)
صفحة 454
غير ما يفطر منه المقيم فقد هدم ما صام في سفره وعليه الإعادة، ومن سافر في رمضان فلم يصم ولم يرجع من سفره حتى مات فإنه لا يصام عنه، ومن كان مسافرا في رمضان فطلع الفجر وهو ينوي الإفطار فدخل مصره من يومه ذلك ولم يأكل ولم يشرب، فإنه لا يجزئ عنه صيام ذلك اليوم، ومن طلع عليه الفجر في رمضان وهو في أهله ثم أراد السفر فليس له أن يفطر ذلك اليوم وإن شاء أفطر بعد ذلك اليوم.
مسألة:
والأعمى إذا كان في سفر مع قوم كثير لا يثق بهم فله أن يقبل شهادتهم إذا أخبروه بأوقات الصلاة ورؤية الهلال في الصوم والإفطار من شهر رمضان ويأخذ بقولهم وإن لم يثق بهم لأن الله تعالى قد ائتمنهم على ذلك، وكذلك إن كان في قرية لا يثق بأحد منها، ومن كان فقيرا يحتاج إلى عمل يعمله ويبلغ فرسخين فجائز له الإفطار في رمضان لأنه في حد السفر ويبدل.
مسألة: (6/454)
صفحة 455
والصوم في الحضر والسفر واجب والإفطار في السفر والتخيير فيه رخصة وليس بواجب على ما ذهب إليه من تأول ظاهر الكتاب والسنة فأوجب الإفطار في السفر وحرم الصوم فيه، واحتج بقول الله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر...} (1) ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ليس من البر الصيام في السفر» (2) قيل له: إن الآية محتملة ما تقوله ومحتملة على ما تقوله إنه على التخيير ثم الرجوع إلى السنة القاضية بين المختلفين، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم في السفر ويفطر في السفر كان أصحابه يفعلون ذلك معه وبعده، وجاءت الرواية الصحيحة بذلك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبيّن لأمته بقوله وفعله، وأما قوله - عليه السلام - : «ليس من البر الصيام في السفر» (3) ففي الخبر المروي عنه - عليه السلام - أنه مرّ برجل في حال سفره فقال: «ما هذا؟ قالوا يا رسول الله رجل صائم، فقال: اقبلوا رخصة الله» (4) ، فدل قوله - عليه السلام - على أن الإفطار رخصة من الله وليس بواجب، وفي الرواية أن الرجل كان قد شفى على الموت من شدة الصوم وظلّل عليه بثوب، فقال عند ذلك: عليكم برخصة الله فاقبلوها، ولو كان الإفطار في السفر واجبا ما سماه - صلى الله عليه وسلم - رخصة لأن الرخصة من الله صدقة كما قال عمر بن الخطاب رحمه الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصر الصلاة وقد سئل عنه فقال: «صدقة تصدق الله عليكم بها فاقبلوا صدقته» (5) يعني الرخصة في ذلك مع الأمر من فتنة الكافرين على ما شرط الله في كتابه عز وجل، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس من البر الصيام في السفر» (6) أي ليس من أم بر أم صيام في أم سفر يريد ليس من البر الصيام في السفر.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */
(6) حديث: */ (6/455)
صفحة 456
ومن سافر هو وعبيده في رمضان فأفطر وصام العبد أو صام هو وأفطر العبد فليس لسيده أن يقهره في السفر على الإفطار دون الصوم أو على الصوم دون الإفطار إذ العبد أعرف بضعفه وقوته من سيده وهو مخيّر في أيهما قدر عليه فإن قهره سيده على الإفطار فلما رجع إلى الوطن أمره بالبدل فشكا ضعفا وعجز عن الخدمة فأقول إن الصوم يجب على العبد ولا يجب عليه الخدمة إذا وجد عجزا ولأن هذا البدل لزمه بقهر سيده له على البدل مع قدرته على ما لا يوجب بدلا والله أعلم.
مسألة: (6/456)
صفحة 457
ومن سافر في رمضان فصام في السفر ثم أفطر فقد اختلف أصحابنا مع مخالفيهم في صوم المسافر على ثلاثة أقوال، فقال أهل الخلاف مع قوم من علمائنا إن صيامه تام له كان في حضر أو سفر كان متتابعا أو غير متتابع ولأن الآية التي جاءت فيها رخصة الإفطار لا تدل على فساد صومه على أي وجه كان، وقالت الفرقة الأخرى من أصحابنا: إن كل صوم كان في السفر أعقبه إفطار في السفر فهو فاسد، وحجتهم في ذلك أن للحضر حكما وللسفر حكما، وحكم الحضر الصوم فقذ إلا من عذر فقط مزيل لحكم وجوب الفرض، وحكم السفر يقال له عليك أن تصوم ولك أن تفطر برخصة الله عز وجل، فأي الحكمين التزم حكم عليه بحكمه وكان عليه تمام ما عقد على نفسه فإن حل ما عقد على نفسه قبل تمامه كان هادما لما تقدم فعله مفسدا ولم يستحق ثواب ما تقدم من عمله كالأجير الذي يستأجر في عمل يعينه ثم يرجع قبل تمام عمله فلا يستحق ثواب ما تقدم من عمله لرجوعه عن تمامه، وقالت الفرقة الثالثة من علمائنا: إن كل صيام صامه في السفر فهو تام له إلا صوم بين فطرين فإنه فاسد، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج من المدينة إلى مكة في رمضان فصام وصام أصحابه فشكا الناس إليه الجهد في بعض الطريق فأفطر وأفطر أصحابه، وروي عنه - عليه السلام - أنه صام حتى أتى بقديد فأفطر ثم لم يزل مفطرا حتى دخل مكة فإن صح ذلك فهو حجة أصحاب القول الأول من الثلاثة الأقاويل، ومن سافر ولم يعقد نيّة على الإفطار قبل طلوع الفجر ثم أفطر فعليه بدل ما مضى من الشهر فإن كان نوى الصوم في السفر ثم بدا له في السفر فأفطر فعليه فساد الصوم الذي كان في السفر لأنه مخيّر بين الإفطار والصوم على أن يأتي بأحدهما وسبيله سبيل التخيير في الكفارات سواء فإذا دخل في أحدهما لم يكن له أن يأتي ببعضهما أو يأتي بالبعض الثاني، ومن أجنب في رمضان وهو مسافر فانتبه ليلا ولم يتيمم حتى أصبح ولا ماء عنده ففيه اختلاف فقال قوم عليه بدل ما (6/457)
صفحة 458
صام في سفره، وقَال قَوم: يبدل ما مضى من رمضان.
مسألة:
ومن خرج من بيته مسافرا في أول يوم من رمضان وهو مفطر قد نوى الإفطار من الليل لام نفسه في الليلة الثانية فأصبح صائما ثم مرّ في صومه حتى تم رمضان فعليه اليوم الذي أفطره في أول سفره، فإن مرّ في سفره صائما حتى بقي من رمضان خمسة أيام أقل أو أكثر فإنه يبدل ما صام وما أفطر لأن الفطر ينقض الصوم إذا أعقبه فطر فقد أفسد الصوم وعليه بدل ما صام وما أفطر، فإن أفطر في سفره ثم صام ثم أفطر فعليه بدل ما صام وما أفطر، فإن صام في بيته أوّل رمضان ثم خرج مسافراً فأفطر ثم صام في سفره ثم أتى بيته صائما فتمم فصومه الأول والثاني له وعليه بدل ما أفطر في سفره.
مسألة:
ومن خرج مسافرا ونوى الإفطار من الليل جاز له الإفطار في النهار إذا صار في حدّ السفر وإنما تكون النيّة منه في الليل إذا صار في حد السفر وذلك في الليل قبل طلوع الفجر ولا يجتزئ بنيّته في الليل وهو في الحضر بعد لم يصر في السفر وإنما تنفعه النيّة إذا صار في حد السفر في الليل فإن نوى من الليل أن يعدوا من بلده في الليل ويصبح مفطرا في سفره فذهب به النوم حتى أصبح ولم يخرج من عمران بلده فمضى في سفره وأفطر في يومه ذلك أو جلس في بلده وصام فإن عليه بدل ما مضى من الشهر في الحالين، وقال بعض الفقهاء عليه بدل يومه.
مسألة:
ومن سافر في رمضان ولم ينو الإفطار في الليل حتى أصبح فأصابه العطش وخاف على نفسه فأفطر ثم أتم الأكل إلى الليل وظن أنه جائز إذ قد أفطر. قال بعضهم: عليه بدل يومه، وقال الشيخ أبو محمد عن الشيخ أبي مالك رحمهما الله: أن عليه بدل ما مضى، فإن نسي وأكل ثم أتم الأكل إلى الليل فعليه الكفارة ولا يعذر بحمله لأنه لم يكن مفطرا بالنسيان.
مسألة: (6/458)
صفحة 459
قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا...} (1) فمن أراد سفرا يفر في مثله فله الإفطار إذا نوى الإفطار من الليل فإن سافر بعد طلوع الفجر لم يفطر يومه لأن ذلك يوم قد وجب عليه قبل سفره فليس له أن يسقطه عن نفسه، فإن أفطر بعد أن سافر فلا كفارة عليه ويبدل عند أصحابنا ما مضى من صومه، وقد اختلف الصحابة رواية وجدت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (2) .
مسألة:
رواية روى أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أجد فيّ قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب فلا جناح عليه» (3) وفي حديث آخر أنه مرّ برجل في السفر مسبّحى عليه بثوب فقال - صلى الله عليه وسلم - : «اقبلوا رخصة الله» (4) فقد سمّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصيام رخصة من الله، وقد قال الله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} (5) وفي بعض الحديث قال: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنكم صرتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» (6) فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: «إنكم مصبّحوا عدوكم والفطر أقوى لكم» (7) فأفطر وأفطرنا ثم قال: لقد رأينا الصوم، وروى بعض قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنّا الصائم ومنّا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ولأن الصوم للمسافر أفضل من قضائه للمقيم بعدما أقام.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) سورة
(6) حديث: */
(7) حديث: */ (6/459)
صفحة 460
وقيل: من أصبح على أنه مفطر في السفر ثم بدا له أن يتم صيامه ولا يفطر إنه ينتقض على ما مضى من صومه في السفر حيث أصبح على الإفطار، وأما من أصبح على أنه صائم ثم نوى أن يفطر ولم يأكل ولم يشرب إلى الليل فقيل لا شيء عليه، وقيل: يبدل يومه.
مسألة:
ومن كان لابثا في موضع غير بلده فالمأمور به له الصوم، والمسافر واسع له الإفطار وإن صام كان خيرا له، والمسافر إذا قدم من سفره مفطرا فقد قيل يؤمل بالإمساك فإن أكل فلا بأس، وإن وجد زوجته قد غسلت في يومها ذلك من حيضها فقد يؤمر بالإمساك عنها فإن وطئها لم يلزمه شيء لأنه مفطر وليس بصائم، ومن قدم من سفره مفطرا فوطئ زوجته وطاوعته وجب عليها القضاء والكفارة دونه، وإن قدم مفطرا وقد طهرت من الحيض فوطئها فلا كفارة على أحدهما، وإن قدمت المرأة من سفرها مفطرة فوطئها زوجها المقيم وجب عليه القضاء والكفارة دونها وهي مطاوعة عاصية إذ ليس لها أن تمكنه من نفسها، ومن خرج مسافرا لا يجاوز سفره الفرسخين فلا يجوز له الإفطار في موضع لا يكون فيه سافر أو ليس هذا سفر الإفطار عند أصحابنا، وإن أفطر فسد صومه والكفارة ولا يسع هذا، ولم أرهم أجازوا لأحد أن يفطر إلا كما قال الله تعالى في المريض والمسافر وأقل السفر عندهم فرسخان، ولا يجوز الإفطار في أقل من الفرسخين لأنه موضع الإقامة، ومن خرج مسافرا في رمضان وبات في الفلاة ثم غدا صائما فلما كان في السفر أفطر من غير جوع ولا عطش، فإن كان سفرا يتعدّى الفرسخين لم يلزمه إلاّ ما مضى من صومه، وقيل فيه قول أجزأه ما مضى من صومه في سفره والأول أكثر القول، ومن صام في السفر ثم أفطر في السفر انتقض عليه ما صام بالإفطار الذي أعقبه في قول أصحابنا لأنه مخيّر بين الصوم في السّفر والإفطار فإن أفطر فعدة من أيام أخر، وإن صام ولم يفطر فهو خير له، فإن رجع المسافر ثم عاد في سفر فأفطر فلا ينقض عليه في السفر الثاني ما صام في السفر الأول.
مسألة: (6/460)
صفحة 461
ومن خرج معيناً للقرامطة على الجند بصحار فأفطر فعليه ما أفطر ولا أقول عليه غير ذلك وعليه التوبة من بغيه ومختلف في الباغي، ومن له منزل وزوجة ومال في بلد آخر فخرج من بلده إلى البلد الآخر الذي فيه المنزل فأفطر في طريقه وصام في منزله الذي في البلد الآخر ثم خرج إلى منزله فأفطر في الطريق أيضا أتم صومه الذي رجع إليه فإن كان مقيما فيهما وهما وطن له فعلى قول من أجاز له وطنين تم له ما صام في بلده ويبدل ما أفطر في سفره إليهما وبينهما وإن كان أحدهما وطنه دون الآخر تم له ما صام في وطنه ومقامه وعليه بدل ما أكل في سفره وما صام في البلد الذي لم يتخذه وطنا والله أعلم، ومن نوى الإفطار في بلده وأصبح فيه ثم خرج جاز له الأكل في السفر وقوم أفسدوا ذلك من قبل أن يخرج وينتقض صومه لرمضان كله ولا آمن عليه من الكفارة، فإن خرج آخر النهار وهو على نيّة الإفطار وأتم يومه صائما وكان نوى الإفطار وأصبح في البلد إلى آخر النهار ثم خرج فهذا أشد والكفارة والبدل عليه واجب وله الأكل في السفر إذا خرج، ومن كان في بلده فخرج لأمر فنوى الفطر في الليل ولم يتعد الفرسخين فإذا خرج من عمران البلد قبل الصبح يريد سفرا يتعدى الفرسخين ثم أصبح قبل الفرسخين فليس عليه إلا ما أفطر، فإن أراد الرجوع قبل موضع السفر فأفطر غير ذلك اليوم فسد ما مضى من صومه والكفارة تلزمه وإن أصبح صائما لم يلزمه إلا ذلك اليوم الذي أفطره في خروجه وإن رجع قبل الفرسخين، ومن عزم على السفر فأطفر في منزله نهارا فسد عليه ما مضى من صومه والكفارة تلزمه، وقيل: عليه أيضا الشهر كله مع الكفارة.
مسألة:
ومن نوى في رمضان الخروج وأنه يفطر وأصبح في بلده ولم يخرج فإن أفطر في البلد على تلك النيّة لم يجز له وأهون ما يلزمه بدل ما مضى من صومه، وقيل غير ذلك أيضا من الكفارة وإن لم يأكل فقد قيل بدل يومه وبعض شدد وإن لم يأكل وأفسد.
مسألة: (6/461)
صفحة 462
قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا...} (1) هذه الآية عامة للغني والفقير، وقد يكون الإفطار في السفر أفضل إذا خاف الإنسان إن هو صام عجز عن أداء فرض آخر أو يكون له حاجة لابد له منها فإذا صام لم يقدر على الوصول إليها، ألا ترى أن الإفطار أفضل في عرفه على الصوم ليقوى على أداء فرض الحج إلا أن يكون قادرا على الصوم وأداء الفرض فلا بأس بذلك.
مسألة:
والمسافر والمريض إذا أفطرا وهما صائمان بلا أمر يخافان على أنفسهما فذلك جائز لهما وعليهما بدل ما مضى من صومهما، وقد قال بعض الفقهاء: إن المسافر لا بدل عليه فيما مضى من صومه ولو أفطر في وقت من اليوم هو فيه صائم لأن ذلك له إذا كان ذلك في السفر وإنما عليه بدل يومه، فمن أخذ بهذا جاز له وأحب أن يكون ذلك للمريض أيضا.
مسألة:
اختلف الناس في صوم المسافر فلم يجزه بعضهم وأوجب عليه الإفطار، وممن يقول بذلك أبو حنيفة وأصحاب الظاهر، ومن حجتهم قول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا...} (2) واحتجوا بخبر رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صيام رمضان في السفر كالفطر في الحضر» (3) وبخبر أيضا أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أأصوم رمضان في السفر؟ قال: لا، قال: يا رسول الله ذلك عليّ يسير، فقال - عليه السلام - : إن الله عز وجل تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالإفطار، أمرهم بالعدة ولم يجعل فرضهم رمضان، ثم قال - عليه السلام - : أيحب أحدكم أن يتصدق بصدقة فترد عليه» (4) ، وقال بعضهم: هو مخيّر في الصوم والإفطار، وإلى هذا يذهب أصحابنا رحمهم الله، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فافطر» (5) .
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */ (6/462)
صفحة 463
قال أبو حنيفة: في المسافر إذا أصبح في رمضان ناوياً فطر يومه ثم دخل مصره قبل الزوال فنوى صيام ذلك اليوم إن صيامه يجزيه إذا كان لم يأكل في يومه ذلك، وكذلك عن يعقوب وأبي الحسن وقد شمل قولهم جميعا الخطأ إذ جعلوا يوماً قد أصبح فيه الرجل مفطرا مع علمه أنه من شهر رمضان مجزيا صيامه من رمضان، ولا فرق بين عزمه على الصيام قبل الزوال وبعد الزوال لأنه في يومه ذلك مفطراً بالنيّة للإفطار الذي أباحه الله تعالى له وكان له فعله، والصائم مأمور بصيام جميع اليوم لا بعض اليوم وبعض اليوم لا يقوم مقام اليوم ولا يقول بذلك أحد فغير جائز أن يجز الذي نوى قبل الزوال صيامه لأنه لم يصم جميع اليوم كما لم يجز الذي صام بعد الزوال صيامه لأنه لم يصم جميع اليوم ولا فرق بين النيّة في الوقتين والله أعلم. (6/463)
صفحة 464
فصل: وإذا أصبح المسافر في رمضان ثم أكل متعمداً فعليه القضاء ولا كفارة عليه لأن الكفارة لا تجب إلاّ بالإفطار في الصوم المستحق العين وصوم المسافر غير مستحق العين بدلالة أن الإفطار مباح له ولا خلاف في ذلك، والصوم في السفر أفضل من الإفطار عند أصحابنا وبعض قومنا، وقال الشافعي: الإفطار أفضل من الصوم، وقال بعض الناس: لا يصح الصوم في السفر، والدليل على جواز الصوم في السفر ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج من المدينة إلى مكة في رمضان فصام وصام جميع أصحابه حتى أتى قديد فدل ذلك على جوازه ويدل عليه أيضا ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصوم في حال السفر فقال للرجل السائل له: «إن شئت فصم وإن شئت فافطر» (1) فدل ذلك على جوازه، والدليل على قول الشافعي ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج من المدينة إلى مكة في رمضان فصام وصام أصحابه فشكا الناس إليه الجهد في بعض الطريق فأفطر وأفطر أصحابه، وروي أنه صام حتى أتى قديد وأفطر ثم لم يزل مفطرا حتى دخل مكة فلو كان الإفطار مع ما في الصوم من المشقة، فإن قيل: يجوز أن يكون قد صام على وجه التعليم كما أخّر المغرب إلى آخر وقتها وإن كان تقديمها أفضل، فالجواب عنه أنه لو كان ذلك على وجه التعليم لكان يكتفى بصوم يوما واحد فلما صام أياماً كثيرة مع ما فيه من المشقة دل ذلك على أنه إنما صام لأن الصوم أفضل لا أنه أراد به التعليم، وأيضا أنه لو أراد التعليم لكان يعلمهم ذلك القول دون الصوم الذي هو أنقص من الإفطار مع مشقته، والقول يجزي عنه فلما اختار الصوم ولم يقتصر على القول دلّ ذلك على أن الصوم أفضل من الإفطار، وأما تأخير المغرب فليس فيه مشقة وإنما فيه رفاهية فجاز أن يعلمهم ذلك بالقول والفعل جميعا، فإن قيل: فقد روي عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس من البر الصيام في السفر» (2) ، وروي
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/464)
صفحة 465
عنه - عليه السلام - أنه كان في بعض غزواته فصام بعض أصحابه وأفطر بعضهم فقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجور» (1) وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» (2) ، قيل: أما خبر أبي هريرة فإنه وارد على سبب وهو ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر برجل مظلل بالجواشن والدروع فسأل عنه - صلى الله عليه وسلم - فقيل: قد أجهده الصوم، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» (3) يعني بالصيام الذي يجهد به الإنسان، وكذلك يقول أيضا إن المسافر إذا أجهده الصيام فالإفطار أفضل له، ومما يبيّن ذلك قوله - عليه السلام - : «إن الصيام في السفر ليس من البر» (4) ولا خلاف أنه إذا لم يجهده الصيام فهو البر وإن كان عندهم الإفطار أفضل منه فدل ذلك على أن المراد ما ذكرنا، وأما قوله - عليه السلام - : «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» (5) فهو محمول أيضا على من يجهده الصوم بدلالة ما ذكرناه، وأما قوله - عليه السلام - : «ذهب المفطرون اليوم بالأجور» (6) فليس فيه اسم ذهبوا بالأجور لأجل الإفطار فيجوز أن يكونوا قد تولوا ما لم يقم به الصائمون من القيام بمصالحهم ومصالح أصحابهم وعلوفهم دوابهم وسقيها فأخبر - صلى الله عليه وسلم - بذلك ودل عن بعضهم أنه قال أن تحامل المريض فصام أو المسافر إن الصوم لا يجزيهما وعليهما القضاء وتأول قول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا...} (7) وهذا تأويل من لا علم له بالعربية والأمة محمولة على ما يحمل من معناها دون ظاهرها وفيها معنى خفي وهو الذي تسمّيه أهل العربية الضمير كأنه قال: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، ومثلها قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذًى...
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */
(6) حديث: */
(7) سورة (6/465)
صفحة 466
} (1) ودلت السّنة على ذلك أيضا، حديث كعب بن عجرة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ به وهو محرم تتهافت هو أمّ رأسه فقال له يا كعب أيؤذيك هو أمّك هذه؟ قال: فقلت: نعم يا رسول الله، قال: فاحلق وأطعم ففرقها بين ستة مساكين. قال ففي ذلك نزلت الآية: {فمن كان منكم مريضا} (2) وأجمع أهل العلم على أن الفرق ثلاثة أصوع والفَرَق بتحريك الراء مكيال من مكاييل أهل العراق للتمر ونحوه، والفِرْق بجزم الراء تفريق ما بين الشيئين والفرق بكسر الفاء القطعة من كل شيء، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خيار أمتي الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا» (3) واختلف الناس فيمن يدركه شهر رمضان وهو مقيم في أهله، فقَال قَوم: إذا أدركه شهر رمضان وهو مقيم ثم سافر لم يفطر في سفره لأن الله تعالى قال: {فمن شهر منكم الشهر فليصمه} (4) وقالَ آخَرون: له أن يسافر ويفطر، وقَال قَوم: ليس له أن يسافر إذا أدركه رمضان إلا في بر، وقالَ آخَرون: له أن يسافر في طلب الرزق، والشهر تسعة وعشرون يوماً أو ثلاثون يوماً، والتسعة وعشرون دون كمال الهلال، وقد أمر الله تعالى بالكمال عندما تغمّى السماء والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) حديث: */
(4) سورة (6/466)
صفحة 467
من الأثر ومن صام من رمضان عشرة أيام ثم خرج مسافراً بعد الغداة فهذا يوم قد لزمه صومه، فإن أفطر من غير عذر على جهالة منه فقد أبطل ما مضى من صومه، وإن علم أن صيام ذلك اليوم عليه ثم أفطر ففيه اختلاف، فمنهم من قال عليه صيام شهر لذلك اليوم، ومنهم من قال قد أبطل ما مضى من صومه وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا، وأي ذلك صنع جاز إلاّ في الظهار فإنه يبدأ منه بما بدأ الله به العتق ثم الصيام ثم الإطعام، ومن أدركه رمضان في سفره فصام عشرة أيام ثم أفطر خمسة أيام ثم صام بعد ذلك إلى يوم الفطر فإنا نرى صومه الأول قد أبطله بإفطاره ويتم آخر صيامه الذي وصله إلى يوم الفطر، وإذا أصبح المسافر في رمضان نوى الإفطار ثم قدم مصره ثم نوى الصيام فأرجو أن ذلك يجزيه صوم رمضان، وإن صام مكان يوم فهو أحب إلينا، ومن خرج مسافرا فلقي حاجته قبل الفرسخين وظل يتردد هنالك وهو يقصر الصلاة ثم رجع فإذا قدرت له حاجته قبل الفرسخين لزم التمام، وإن صلى بعد ذلك قصرا فعليه البدل والكفارة، وإن أفطر بعد اليوم الذي كان فيه مسافرا نقض صومه، والكفارة تلزمه لأنه أفطر في الحضر لا في السفر.
الباب السابع والأربعون: في الصوم عن من مات في مرضه أو سفره، وما يلزم الورثة من ذلك وما لا يلزم وأحكام ذلك (6/467)
صفحة 468
وعندنا أن على كل وارث أن يصوم عن كل من يرثه إذا لم يطق الصوم من كبر هو حي أو مات وعليه صوم رمضان فلورثته أن يصوموا عنه ويصوم كل واحد بقدر ميراثه ثم إذا أفطر استأنف الآخر الصيام ولا يصوموا جميعا، فإن انتقض على الآخر صيامه في مثل ما إذا فعله الصائم لنفسه انتقض عليه ما مضى من صومه انتقض على الآخر صيامه وكذلك ينتقض على أحدهم صومه فيما مضى ينتقض صومه وصيام من صام قبله من الورثة في هذا الباب لأن صوم واحد، وعن هاشم أنه لا يفسد على الآخر صومه بإفساد هذا لصومه وإن كرهوا أيضا أن يصوموا لم يحكم عليهم بذلك ويطعم عنه إذا أوصى بذلك من ماله، ومن مات في سفره أو بقي مريضا حتى مات من مرضه الذي أفطر فيه فلا بدل على هذين فيما كان أفطرا ولا يقضي ذلك عنهما، ومن مات في رمضان ولم يوص أن يصام عنه بقية الشهر فلا يلزم ورثته ذلك، ومن مات في رمضان وعليه منه بدل فأراد ورثته أن يصوموا عنه فإن ذلك لهم أن يصوموا واحد منهم وإن لم يفعلوا أطعم عنه من ماله لكل يوم مسكينا، ومن مات في مرضه قبل أن يقضي فإن كان صح فلم يقض فإنه يصوم عنه رجل من بيته ويستحب أكبرهم فإن لم يكن أحد فيطعم عنه لكل يوم مسكيناً وإن لم يصح حتى مات فلا يصام عنه وليس ذلك عليه.
مسألة:
ومن مرض في رمضان فأفطر فيه ثم امتد به المرض إلى أن مات فلا تبعة عليه ولا على الورثة فإن مرض في رمضان فأفطر فيه ثم صح من مرضه بعد ذلك بقدر ما إن شاء أن يقضيه لقضاه فلم يقضه حتى مات وكان ينوى القضاء وحضرته الوفاة فليوص بما عليه من كفارة الصوم، واختلف فيه. قَال قَوم: يصوم عنه الورثة، وقال بعض: يطعمون لكل يوم أفطر فيه مسكينا أكلتين أو يعطي من الطعام ما يجزيه وإن كان الموصي صح من مرضه ولم ينو القضاء ومات على ذلك فهو هالك إلا أن يكون نوى الوصية فغلبه الموت فإنه يرجّى له العذر عند الله تعالى.
مسألة: (6/468)
صفحة 469
ومن وجب عليه صوم رمضان فقد قيل يصوم أولاده على قدر مواريثهم، ومنهم من قال: ليس عليهم صوم، وإن صام أحدهم أجزأ ومنهم من قال إن أوصى صاموا وإن لم يوص لم يصوموا، ومنهم من قال: يصومون إذا علموا أنه حق على أبيهم ويكون صومهم متصلا، ومنهم من قال: ليس عليهم أن يصوموا ولو أوصى به وذلك أن الوصية في ماله وهذه وصية في أنفسهم لأنّ ما كان في ذمته لا ينتقل في ذمة ورثته وإنما ينتقل في ماله، وهذا إنما هو إذا صحّ من العلة بمقدار ما لو صام كان قد قضى ما كان عليه.
مسألة:
ومن مات وعليه صوم ولم يصمه بعد أن أفطر رمضان وكان قادرا على بدله فعلى ورثته من البالغين صومه وهو على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن اختلفوا كان على كل واحد منهم أن يؤدي بقدر ميراثه ولا يكون صومه عليهم إلا متتابعا.
مسألة:
وروي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من مات وعليه صوم رمضان لم يقضه فليطعم عنه كل يوم نصف صاع من برّ» (1) ، وقد روي أنه من مات وعليه صوم فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا، وكل من كبر فإنه يطعم عنه بهذا الحديث من ماله في حياته وبعد وفاته، وقد قيل بالصوم، وهذا أشبه بالسنة، فأما الميّت فجائز الصوم عنه، وأما الحي فالطعم والصوم.
مسألة:
ومن مات في مرضه أو سفره فأحب الإطعام عنه للحديث الذي جاء أنه يطعم عنه هو، وعند أصحابنا أنه لا شيء عليه، وقالوا: إن صح أو رجع فعليه أن يقضي وإن لم يقض ولم يوص لم يلزمه الورثة، ومن أوصى لزم في ماله والصوم والطعم أحبّ إليّ لاتباع السّنة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/469)
صفحة 470
اختلف أصحابنا فيمن مات وعليه صوم من رمضان. قال بعضهم: يصوم عنه الورثة بأمره، وقال بعضهم: إذا أوصى به أطعم عنه عن كل يوم مسكين، وهذا القول أشيق إلى قلبي جوازه ويوافق عليه من المخالفين مالك وأبو حنيفة والشافعي، وأما داوود فيوجب الصوم على الورثة ولا يقول بالإطعام، ووجدت عن أبي حنيفة أنه يطعم عنه ولا يصام عنه، والإطعام لكل يوم مسكين واحد مدّ من طعام، واحتج بقول ابن عباس وعائشة: من مات وعليه صيام أطعم عنه ولا يصام عنه، وبقول ابن عمر: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد. (6/470)
صفحة 471
قال الشافعي: إنه يصام عنه ولعله في أحد أقاويله، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (1) وضعّف أبو حنيفة هذا الحديث وقال: مداره على عبد الله بن أبي جعفر وهو عند أهل الحديث، وعن هاشم فيمن مات وعليه صيام أيام من رمضان أنه يصوم عنه بنوه، قال: إن صام عنه أكبر بنيه وإلاّ تحاصصوا يصوم الأول فإذا قضى ما عليه أصبح الثاني صائما ولا يفرق بين صومهم، فإن فسد على أحدهم صومه لم يفسد على الآخر، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر امرأة أن تصوم عن أخت لها ماتت وعليها صيام، واحتج من أوجب على الولي الصيام عن وليّه بما روي عن ابن عباس وعائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (2) ، ومن قام به من الأولياء سقط عن الباقين لأنه فرض على الكفاية وقال بعض قومنا: إذا تبرع متبرّع فصام عنه من غير أوليائه أجزأه لما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من مات وعليه شهر رمضان فقضى عنه فقد أجزأه» (3) وقال بعض: لا شيء عليه، وإن صام عنه ابنه لم يجزه، وقَال قَوم: إذا أوصى أن يصام عنه فصام عنه وليّه أجزأه، واحتج من لم يجز ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من مات وعليه صيام أطعم عنه وليّه» (4) فأوجب الإطعام ولا يسقط عنه الإطعام بالصوم، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد» (5) والصوم عبادة على البدن فوجب أن لا ينوب فيها الغير قياسا على الصلاة، فإن احتج محتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (6) قيل له: المحفوظ من الخبر أنه قضى عنه وليّه وذلك لا يدل على أنه يصوم لأنه إذا أطعم عنه فقد قضى عنه، وعلى هذا لو قلنا بهذا الخبر لكان معنى
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) حديث: */
(5) حديث: */
(6) حديث: */ (6/471)
صفحة 472
قوله - عليه السلام - : «صام عنه وليّه» (1) يعني فعل وليّه ما يقوم مقام الصيام لأنه إذا فعل ما يقوم مقامه فكأنه صام عنه، ومن أوصى في وصيّته أن عليه صيام خمسة أيام من شهر رمضان فلا شيء عليه ولا على الموصي في الوصية ولا على الورثة، فإن قال: عليّ خمسة أيام ندراً أو من شهر رمضان أنفذوه عني من مالي على ما أوجبه المسلمون. قال بعضهم: يكون على الورثة أن يصوموا عنه كل بقسطه، وقالَ آخَرون: يطعم عن كل يوم مسكيناً فإن كان الورثة أيتاما صام عنهم أولياؤهم في قول من أوجب الصوم على الورثة، ومن مرض في شعبان فلم يقدر أن يصوم شهر رمضان حتى مضى الشهر كله وهو في مرضه ثم مات فليس عليه أن يوصي به ولا قضاء عليه، وبهذا قال بعض قومنا، قال: إلا أن يشاء ورثته أن يقضوا عنه أو يكفروا لأن الله تعالى أبلاه بالمرض، وعن النخعي أنه قال: إن مات في رخصة الله فليس عليه شيء، ومن مرض في النصف من شهر رمضان ومات قبل أن يتم الشهر فلا يلزمه بدل ما كان قبل المرض.
الباب الثامن والأربعون: ما يلزم الصائم فيه البدل والكفارة وأحكام ذلك
ومن مسّ ذكره متعمداً لقضاء الشهوة فأنزل وهو صائم رمضان فعليه أن يعيد ما مضى من الشهر ويلزمه صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، ومن نظر في رمضان إلى امرأة فأمنى من شهوتها فلا بدل عليه، وإذا كان في أسنان الصائم اللحم فأكله متعمداً فعليه القضاء والكفارة، ومن قاء متعمداً فرده يريد بذلك التقوية فعليه القضاء والكفارة، ومن جامع امرأته في رمضان متعمداً فليصم ما كان صام إلى يوم جامع ويصوم لذلك اليوم شهرا ويعتق رقبة أو يصوم أو يتصدق فإن كان صام فجامعها أيضا فقد أفسد الصوم الأول، ومن أكل ذبابا أو حجرا أو فضة كان عليه القضاء والكفارة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/472)
صفحة 473
ومن عبث بذكره حتى أمنى في رمضان نهارا فهو كمن أفطر وعليه القضاء والبدل والكفارة، إذا تعمد لإنزال النطفة فإن فعل ذلك مرارا في يوم واحد فلا أرى عليه إلا كفارة واحدة، ومن جامع امرأته في رمضان عمداً فعلى كل واحد منهما صيام شهر لذلك اليوم وكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، فإن استكرهها هو على ذلك فعليه ما يلزمه ويلزمها ولا شيء عليها هي، وقال من قال عليها بدل يوم، واختلف في الذي يلزم من أفطر رمضان متعمدا، فقال بعض الفقهاء: عليه بدل ما مضى من صومه وصيام شهرين متتابعين كفارة لكل يوم، وقال بعضهم: صيام شهرين وهو أرخص ما قيل، وقال بعض: صيام شهر بدل ذلك اليوم وصيام شهرين متتابعين كفارة وكذلك في كل يوم أفطر فيه من شهر رمضان وهذا القول أكثر وبه نأخذ، وعن يزيد فيمن أكل في رمضان كله إن عليه ثلاثين شهرا وكفارة شهرين، كأنه رأى أن يكون لكل يوم شهر وكفارة واحدة تجزئ لجميع الشهر، ومن جامع في الصوم فعليه العتق بالإجماع والسنة، وقال هاشم: فيمن أفطر رمضان كله عليه صيام شهر، وقال مسبّح: عليه صوم شهر، وعن شريح في رجل باشر امرأته في شهر رمضان قال: عليه اثنا عشر شهرا ولا نأخذ بذلك، وشهر وشهران أوسط القول عندنا في ذلك، وقال بشير: الكفارة لشهر رمضان أوكد من كفارة الصلاة، ومن طرح في فيه حصاة فجازت فسد عليه صومه، ومن ابتلع درهما أو دينارا فما نبرؤه من الكفارة إذا تعمد.
مسألة: (6/473)
صفحة 474
ويكره أن يصوم الإنسان تطوعاً وعليه شيء من بدل رمضان لم يقضه، ولو صام صائم وعليه شيء من رمضان لم يقضه لم يكن عليه بأس، وهذا التوكيد في تعجيل بدل رمضان لمن أمكنه في ذلك التعجيل بلا أن يكون في ذلك حد محدود، وقال بعض قومنا من أصحاب الظاهر أن صوم التطوع لمن عليه الفرض يكون باطلاً لأنه يمنع من الفرض، ومن عليه أيام من رمضان فقضى بعضها ثم حضره رمضان آخر فإنه يصوم رمضان الذي حضره ثم يستقبل الصوم من الغد من يوم الفطر ويفطر رجلا مسكينا ويسحر بقدر ما بقي عليه من رمضان الأول الذي لم يصمه حتى أدركه الثاني وعليه أيضا إذا أفطر أن يصوم بقية تلك الأيام في شوال.
مسألة: (6/474)
صفحة 475
ومن صام رمضان تسعة وعشرين يوماً وظن أنه قد أتم صيام ثلاثين يوما فأفطر أياماً ثم حسب فإذا هو إنما صام تسعة وعشرين يوماً فليصم يوما بدل ذلك اليوم الذي ترك، ومن كان عليه صيام رمضانين وأدركه رمضان الثالث فليصم بهذا الذي أدركه فإذا أفطر صام شهرا آخر لقضاء شهر رمضان آخر ثم يصوم شهرا آخر لقضاء رمضان آخر فإن قوي فوصل بين الشهرين فلا بأس بذلك ويطعم ثلاثين مسكينا، وإن أراد القضاء عن رمضان بدلا فإنه يؤلف بين الأيام وإن كان أفطر الشهر كله فيستقبل شهرا فليصمه ولا يصلح أن يفرق بين أيامه إلا أن يحدث له أمر لا يستطع فيه إلا الإفطار. (6/475)
صفحة 476
وقال معاوية: فيمن عليه بدل من رمضان مثل الحائض والمريض وكان على نيّة البدل فلم يبدل حتى مات فلا أقول إنه هالك لأنه لم يكن لذلك وقت يضيق عليه البدل إلا في ذلك الوقت وإنما يبدل ما ترك من ذلك بعذر وتوسعة من الله تعالى إلى أيام أخر غير محدودة، وكان سليمان بن عثمان شدد على من أفطر من مرض ثم صحّ فلم يبدل في أوّل شوال حتى قال الطعام عليه حرام والشراب عليه حرام حتى جاء أبو بكر الموصلي فردهم عن ذلك، وقال محمد بن محبوب: من لزمه البدل من رمضان فتوانى وهو يريد أن يصوم فلم يصم حتى مات وكان قادرا على الصيام فهو هالك، وقال هاشم: فيمن استأنف البدل عن رمضان ثم أفطر من غير عذر إنه ليس عليه إلا ما مضى من بدله ولا يفسد عليه من رمضان شيء، وقال: إنما يكره للناس تأخير ما عليهم من بدل رمضان مخافة الحدث فيؤمرون بتعجيل ما عليهم منه، ومن كان عليه صيام خمسة أيام من رمضان فلما انقضى رمضان أخذ في الخمسة الأيام فصام أربعة أيام ثم أفطر يوما ناسيا وظن أنه قد أكمل الخمسة الأيام فإذا كان إنما تركه ناسيا فمن حين ذكره فليصمه وصيام الأربعة الأيام تام له، ومن عليه صيام أيام من رمضان فله أن يصوم البدل وأن يصوم النذر وصيام العمرة، ومن أصابته الجنابة أو لامس امرأته ثم نام متعمدا وهو يظن أنه يستيقظ فلم يستيقظ حتى أصبح وهو في رمضان ففيه اختلاف، منهم من يقول: يصوم ما مضى من صيامه ويجزئ عنه ما بقي، ومنهم من يقول يصوم بدل ذلك اليوم شهرا، وأحبّ إليّ أن يصوم شهرا كاملا، فإن كان صيامه تطوعا فإن أبدل فهو أفضل وإن لم يبدل فلا بأس عليه. وقال أبو زياد: من كذب وهو صائم في رمضان قال عبد المقتدر: عليه بدل يوم ويستغفر ربه، وقال من قال: يستغفر ربّه من كذبه، وقال هاشم: من خرج من منزله نصف النهار في رمضان فعناه عطش في الطريق وشرب ثلاث مرات فعليه بدل يوم.
مسألة: (6/476)
صفحة 477
ومن درعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن استقاء متعمداً قاصداً لهتك حرمة الصوم كان عليه في قول أصحابنا الكفارة والقضاء، وقال أكثر مخالفينا: عليه قضاء يوم في العمد، وأما مالك بن أنس فأظنه يوافق أصحابنا والله أعلم. يقال درعه القيء إذا غلبه، والقيء مهموز يقال: قاء يقيء قيئا وهو خروج شيء مما يجول من الحلق وأما أمره بالاستقاء تكلف، والتقيء أبلغ وأكثر وفي الحديث: «لو يعلم الشارب قائما ماذا عليه لاستقاء ما شرب» (1) . قال: ما هاع عمر وحين أدخل حقله *** يا صاح ريش حمامة بل قاء وقد أخذه قيء إذا جعل يكثر القيء وأخذه إذا جعله بابا للطعام.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/477)
صفحة 478
واختلف أصحابنا في القضاء، فقال بعضهم: يقضي ما مضى من صومه مع الكفارة، وقال بعضهم: يقضي شهرا مع الكفارة، لأن رمضان عند هؤلاء فريضة واحدة، ففساد بعض الفرض فساد لجميعه، وقالَ آخَرون: كل يوم فريضة وعبادة على حده فعليه قضاء يومه مع الكفارة، والذي يوجبه النظر أنه إذا لم يقصد إلى هتك حرمة الصوم أنّ عليه قضاء يوم، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من درعه القيء فلا قضاء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء» (1) والله أعلم بصحة الخبر، ومن جامع ناسيا فعليه قضاء يوم ولا أعلم من أحد في ذلك اختلافا، وإن تعمد لذلك فعليه القضاء والكفارة، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، كذلك في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله إني هلكت وأهلكت، فقال له: ما شأنك؟ فقال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان، فقال له: هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده بتمر فقال: خذ هذا وتصدق به عن نفسه، فقال: يا رسول الله ما بين لابتيها أفقر مني، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: خذه وأطعمه أهلك ولا يجزي أحدا غيرك» (2) .
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/478)
صفحة 479
قال أصحابنا: هو مخيّر في الكفارة بين العتق والصيام والإطعام وهو قول مالك أيضا، ومن وجب عليه القضاء من رمضان وجب عليه أن يأتي بذلك في أول أوقات الإمكان، فإن قال قائل: إن الله تعالى قال: {فعدة من أيام أخر} (1) قيل له: إذا خرج شهر رمضان فقد دخلت الأيام وأحب على المأمور بذلك أن يأتي به في أول أوقات الإمكان، فإن قال: لم أوجبت ذلك وقد كانت عائشة تقضي ذلك في شعبان، قيل له: فعل عائشة ليس بحجة مع وقوع التنازع بين أهل العلم، فإن قال: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنكار عليها يدل على أن ذلك جائز، قيل له: ليس في الخبر أن عائشة كانت تؤخر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن أن يكون ذلك من فعلها بعد وفاته، ولا تظن بعائشة أنها كانت تؤخر ذلك مع القدرة، ويدل على ذلك ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة تقول: إن كان ليكون عليّ من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان، تعني الصوم، فخبرت أنها لا تستطيع ذلك، فالمدعي عليها أنها كانت تقضي مع القدرة قائل ما لا دليل عليه، واختلفوا في القضاء ما هو؟ فقال محمد بن محبوب: يقضي شهرا، وقال غيره: ما مضى، ويوجد لهم قول آخر غير هذا أن القضاء يوم واحد، وقال بعضهم: يقضي سنة، ورفعوا ذلك إلى شريح، وقال العلاء بن زيد: يقضي ثلاثين شهرا إذا أكل رمضان كله وكفارة شهرين، وأكثر ما عليه عمل أصحابنا قول محمد بن محبوب وهو قضاء الشهر والكفارة.
مسألة:
__________
(1) سورة (6/479)
صفحة 480
ومن جامع امرأته ناسيا فعليه بدل يومه، وإن جامع متعمداً قال أصحابنا: عليه عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا، وهذا يوافق من روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل فقال: «هلكت واقعت امرأتي في شهر رمضان، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال أجلس فأتى بعذق فيه تمر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اذهب وتصدق به» (1) والعذق لا يبلغ ستين مسكينا والله أعلم. وعن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: أعتق رقبة، قال: لا أجد. قال له: أطعم ستين مسكينا، قال: ليس عندي شيء، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعذق فيه عشرون صاعا فعذق لا يجزئ، وقد قال في الكفارة إطعام ستين مسكينا، وفي الكفارة في حلق الرأس من الحنطة كل مسكين نصف صاع فهذا ومثله في الكفارة، وأما العذق فالله أعلم بذلك.
مسألة:
ومن صام بدل رمضان ثم أفطر فقد أساء ولا كفارة عليه، وبعض أوجب عليه الكفارة، الدليل على أنه لا كفارة عليه أن الكفارة لا يجوز إثباتها إلا بتوقيف واتفاق ولا مدخل للقياس فيه ولا توقيف معنا في وجوب الكفارة فيه ولا اتفاق، ولأن الكفارة تلزم لهتك حرمة الشهر وليس تفسير رمضان حرمة رمضان ولا الإساءة مختصة به ولا تلزم الكفارة، فإن قيل: إن قضاء رمضان قائم مقام رمضان ولا خلاف أنه إذا أفطر في رمضان لزمته الكفارة وكذلك في قضائه، قيل له: القضاء غير المقضي تسمّية ووقتا وليس القضاء عن رمضان هو رمضان بعينه، وليس من أفطر في القضاء كمن أفطر في رمضان والفرق بينهما بيّن والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/480)
صفحة 481
ومن وجب عليه قضاء رمضان أو شيء منه فلا يبتدئ قضاؤه بيوم الفطر لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صومه فإذا انقضى يوم الفطر فالمستحب له أن يأتي به عقيب يوم الفطر إذا كان قادرا على الصوم، والواجب عليه أن يأتي به متتابعا وينبغي له أن يأتي به أول أوقات قدرته عليه ولا يتأخر عن أدائه لأنه فرض قد لزمه وقد دخل وقته ولم يرخص له في تأخيره وكذلك كل فرض وجب عليه مرسلا ولم يجعل آخره مؤجلا.
مسألة:
واختلف الناس في قضاء رمضان فقال بعضهم: يقضيه متفرقا في الحضر والسفر، وقال بعض: لا يقضيه إلا متتابعا وبهذا القول يأخذ أصحابنا وهو قول علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وعروة بن الزبير وعائشة وابن عمر، وعن أبي عمر أنه قال: يصومه كما أفطره.
مسألة:
وإذا صح المريض أو قدم المسافر صام ما أفطر متتابعاً ويؤمر بالتعجيل لأن الله تعالى قال: {فعدة من أيام أخر} (1) وصيام شهر رمضان متتابع لتتابع الأيام، فأما من قال بالبدل متفرقا فإنا لم نأخذ بذلك وهذا أحوط لأنه إن صام متتابعا فقد صامه وأجزأ عنه، ومن كان صائما بدل رمضان وسافر فاعتل فإنه يفطر ويوصل صومه إذا رجع من سفره أو قوي من مرضه، وفيه قول آخر أنه إن أبدل رمضان متفرقا جاز.
مسألة:
وفي الأثر أن يقضي البدل متواليا ولا يجزئ عنه متفرقا وبذلك قال داوود برواية أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان عليه شيء من شهر رمضان فليسرده ولا يفرق» (2) والسرد المتابعة منه سرد فلان القراءة والحديث يسرده سرداً أي تتابع بعضه بعضا.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) حديث: */ (6/481)
صفحة 482
أجمع أصحابنا على أن من أخر الغسل من الجنابة في شهر رمضان إن صومه يبطل، وقال أكثرهم: إن عليه قضاء ما صامه من شهر رمضان لأن صوم رمضان فريضة واحدة وعبادة واحدة، فإن انتقض منه شيء فسد جميعه، وقال بعضهم: إن رمضان كل يوم منه فريضة، ودليلهم على ذلك أن أكل الليل يوجب تجديد النيّة لصوم اليوم الثاني، وإن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسحور يدل على تجديد النيّة لفرض آخر، وعند أصحاب هذا الرأي أن على المفطر بتأخير الغسل بدل يوم واحد، وقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح جنبا فلا صوم له» (1) ، وفي رواية: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (2) ، وقد كان عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي يأمرون المؤخر للغسل إلى أن يصبح بأن يقضي، هكذا وجدت في كتب الفقهاء لهم، وأما ما تعلق به مخالفونا بما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح فيغتسل من جنابة جماع غير احتلام فلا حجة لهم علينا في ذلك لأنها لم ترو أنه أخر الغسل حتى أصبح ولا فعل ذلك متعمدا، وإذا احتمل أن يكون أخره متعمداً حتى أصبح وأن يكون الصبح أدركه وأن النوم المباح له في الليل أفات عليه الوقت الذي كان يغتسل فيه قبل الصبح وجب الوقف في الخبر لما احتمل من الوجهين في التأويل وكان المرجوع إلى خبر أبي هريرة إذ لا معارض له وبالله التوفيق، فإن قال قائل: فالخبر يرد بمن أخّر الغسل متعمداً فنحب أن يكون من تعمد التأخير له ومن لم يتعمد وغلبه النوم حتى أصبح أو نسي جنابته إن القضاء يلزمه على ما ذكرتم، قيل له: لم ورد الخبر بإيجاب القضاء على من أصبح بجنابته فاحتمل أن يكون ناسيا أو نائما واحتمل أن يكون التأخير متعمداً ولم نحب أن يقال للنائم لِمَ لَمْ يستيقظ وللناسي لِمَ لَمْ يذكر، وكان اللّوم إنما يتوجه إلى الذاكر المتعمد للتأخير وجب أن لا يكون القضاء إلا على المتعمد
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/482)
صفحة 483
على ما ذهب إليه أصحابنا من تأويل الخبرين والله أعلم.
مسألة:
وإذا وطئ رجل في شهر رمضان نهاراً فإن عليه القضاء والكفارة، فإن أفطر يوماً ثانيا أو ثالثا فليس عليه غير تلك الكفارة الواحدة ما لم يكفّر نسخة يكفّرها هكذا قال أصحابنا، فإن قال قائل: لِمَ لَمْ يعلوا لكل يوم كفارة واليوم الأول غير اليوم الثاني، وفي أصحابكم من جعل صوم كل يوم فرضاً، قيل له: إن الله تعالى جعل الكفارة زجرا لعباده وردعا لهم، ألا ترى أن الحدود إذا اجتمعت من جنس واحد أنها لا تكرر بل تقام على الجاني حداًّ واحداً إذا كان الفعل من جنس واحد ما لم يقم عليه الحد، فإن عاد إلى الفعل بعد أن أقيم عليه الحد أعيد عليه حدّ ثانيا كما قلنا في الكفارة إذا كفّرها ثم عاود الإفطار لزمته كفارة ثانية، فإن قال: فإن لم يكفر حتى أفطر يوماً آخر واحداً من سنة أخرى هل تجزيه كفارة واحدة؟ قيل له: لا لأن كل سنة فرض غير الفرض الأول وهو كالجنس الآخر لأن السنة الأولى غير السنة الثانية فصار الفعل فيها كالفعل في الجنسين، فإن قال: فإن المرأة التي وطئها غير المرأة الأولى التي وطئها، قيل له: هذا كله وطئ كما أن ذلك كله شهر واحد، فإن قال: فإن اليوم الأول الذي أفطره غير اليوم الذي أفطره بعده وكل يوم منهما فريضة غير الفرض الأول، قيل له: هذا كالحدود التي هي عقوبات مختلفة وإن كانت زجرا وردعا وينظر في هذه المسألة وبالله التوفيق.
مسألة:
ومن أفسد صومه بالوطئ وجب عليه القضاء والكفارة وإذا أفسد يوما آخر وجب عليه أيضا القضاء والكفارة سواء أكان اليوم الأول المفسود صومه بالوطىء أو غيره والقائل أن المفسد لصوم اليوم الذي يلي المفسود صومه لا كفارة عليه يحتاج إلى دليل.
مسألة: (6/483)
صفحة 484
ومن كان عليه بدل من رمضان فتوهم أن البدل قد انقضى فأكل ثم علم بأنه لم ينقض فتعمد الأكل بعد العلم فعليه بدل ذلك اليوم، وكذلك إن جاء الخبر في يوم الشك بعد أن أكل ثم تعمد الأكل فعليه بدل ذلك اليوم.
مسألة:
ومن حلف بالطلاق أنه لا يصوم رمضان فلما جاء الشهر سافر وأفطر في سفره ثم صام بدله فإنه لا يحنث والبدل غير الشهر ولا تطلق امرأته، ومن ابتدأ بصوم رمضان بغير هلال في بلد صام ثلاثين يوما، ومن كان عليه بدل من رمضان وبدل من كفارة فإنه يبدأ بالكفارة فإن بدأ ببدل رمضان انتقض عليه ما صام من الكفارة.
مسألة:
ومن لزمه بدل من شهر رمضان جهلا منه ولم يعلم به حتى مرت عليه سنون فعليه البدل والطعم مرة واحدة صح لفعله ما أكثر منه والله أعلم، ومن وجب عليه صيام من رمضان أو نذر وحضرته الوفاة فليوص بما يلزمه من الكفارة يقول عليّ صوم كذا وكذا يوما فصوموا عن وأطعموا وإن ذكر في وصيته الصيام ولم يذكر الكفارة لم يلزم الورثة إنفاذ ذلك عنه حتى يذكر الكفارة في وصيته، واختلف في الورثة ألهم الخيار في الصوم عنه والإطعام فمنهم من قال: لهم الخيار، ومنهم من قال: يكفرون عنه ما يوصي.
مسألة:
ومن كان عليه بدل رمضان فلم يبدل حتى جاء الشهر الثاني فإنه يصوم الذي حضر ويطعم عن الماضي كل يوم مسكينا، ومن حضره الموت في رمضان فلم يوص ببقية الصوم فهو برئ ولا شيء عليه لأن العبادة لا تلزم الأموات وإنما هي على الأحياء المكلفين العقلاء، والبدل عن البدل من رمضان واجب، ومن أكل أو شرب متعمداً في بدل رمضان فسد جميع البدل ولا كفارة في البدل ولا كفارة في الكفارة بإجماع، ومن لزمه البدل فلم يبدل حتى أصابته أهوال وهو صائم البدل فإنما يلزمه بدل ما أفطر لا غير ذلك، وإنما قلت في الطعم اختلاف لا في البدل والبدل مجز له ولو لم يطعم.
مسألة: (6/484)
صفحة 485
ومن صام البدل معترضا للأيام فإنه يصوم ثلاثين يوما وإن كان الناس صاموا تسعة وعشرين يوما، وإن صام من الهلال لم يلزمه إلا إلى الهلال ولو صام تسعة وعشرين يوما وكذلك الحائض والنفساء وكل من لزمه الصوم.
مسألة:
ومن أفطر سنين لا يعلم عددها فإنه يحتاط على نفسه حتى يعلم أنه لم يبق عليه من البدل شيء، والناس في كفارة مثل هذا مختلفون اختلافا كثيرا، وإذا صام لكل شهر كفارة شهرين أجزأه ذلك وليحتاط على نفسه حتى يعلم أنه لم يبق عليه شيء من البدل، ومن أكل وشرب ونكح عامداً في رمضان وهو في الحضر فعليه بدل الشهر ويصوم شهرين أو يعتق رقبة أو يطعم ستين مسكينا، وقال بعض: يبدأ بالعتق ثم الصيام ثم الطعام وليس هو بمخيّر.
مسألة: (6/485)
صفحة 486
أبي محمد: أجمع علماؤنا على ما تناهى إلينا عنهم أن من تعمد تأخير الغسل وهو جنب في رمضان فإنه يصبح مفطرا لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (1) ، واختلف أصحابنا فيما يجب عليه من القضاء، فقال بعضهم: يقضي يوما واحدا، وهو قول من قال إن رمضان كله فرض واحد، وفي نسخة: وهذا على قول من قال إن كل يوم من رمضان فريضة، ولعل قول من قال إن رمضان ثلاثون فرضاً فعليه بدل يوم واحد، وقال بعضهم: عليه قضاء ما مضى من الشهر، وهذا على قول من ذهب إلى أنّ رمضان عبادة واحدة وفرض واحد كالصلاة بجميع ركوعها عبادة واحدة إذا فسد بعضها فسد سائرها وتعلقوا بظاهر الخبر، وقال بعضهم: عليه قضاء الشهر، وكلهم قد اتفقوا على أنه قد هتك حرمة الشهر بالإفطارا مع علمه بنهي الرسول - عليه السلام - ، واختلفوا فيما يلزمه من الكفارة فبعضهم أوجب عليه قضاء شهر وكفارة المتعمد للإفطار، وبعضهم أوجب عليه قضاء شهره وجعلوا ذلك كفارة له، واختلفوا في الناسي فقَال قَوم: عليه قضاء يومه الذي أصبح فيه مفطرا، وتعلقوا بظاهر الخبر، وأسقط القضاء عنه آخرون وقالوا: الناسي لجنابته لا لوم عليه ولا يقال له لِمَ لَمْ يعلم بها فصار مخاطبا بالغسل فإن علم بها نهارا فصار مخاطبا بالغسل فإن علم بها فليس له تأخير الغسل حينئذ، واتفقوا على إسقاط الكفارة عن الجاهل بالحكم، فإن قال قائل من مخالفينا: لم قلتم ذلك وقد روي عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح صائما فيغتسل من جنابة من جماع من غير احتلام، قيل له: يحتمل أن يكون ناسيا لجنابته أو أخر الغسل في الوقت الذي كان له تأخير الغسل فيه فغلبه النوم حتى أصبح، ويحتمل أن يكون ما ذهبتم إليه من التأخير على العمد قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (2) هذا هو عموم وفيه تفسير الخبر الذي رأيتموه من طريق عائشة، وقد
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/486)
صفحة 487
اجتمعنا وإياكم على أن الناسي لا لوم عليه، والنظر بيننا في العمد فخبرنا عموم يقتضي العمد والنسيان، فلما اجتمعنا على أن الناس لا شيء عليه وجب الوجه الأخير وهو ما قلنا وهو العمد الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه وهو أحد قول الشافعي، إذ ليس عندكم أنه أخّر جنابته تعمداً لتأخير الغسل حتى أصبح ففيما بيّناه دليل على فساد معارضتكم وبالله التوفيق، فإن قال: إن المجامع يسمّى جنباً في اللغة فما أنكرتم أن يكون قوله - عليه السلام - : «من أصبح جنبا» (1) أي مجامعا، قيل له: هذا ليس بمشهور في اللغة فإن كان جائزا فيها فهو لنا دونك إذ الجنب يشتمل على أسماء فنحن تعلقنا بالعموم فمن ادعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل، فإن قال: فإن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى آخر الليل، قيل له: وقد أوجب الغسل من الجماع فإذا كان الأكل والجماع قد أبيحا إلى آخر وقت الليل وقد أوجب الغسل من الجماع فوجب أن يكون وقته بعد الليل، وقيل له: إذا كان قد زجرنا عن تأخير الغسل على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - لقوله: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (2) علمنا أنه قد خصّ بعض هذه الجملة من هذا الوقت الذي كان أباحه لنا وأدخله في خبر ما حظره علينا من حكم النهار إذ الغسل من أحكام الجماع الذي منعنا منه ومن قليله في النهار والله أعلم، ألا ترى أن الصلاة لها أوّل وآخر فالمتعبّد بها بوقتها فيه وفي أي وقت منه ثم مع ذلك لا تجوز إلا بالطهارة فقد خص للطهارة وقتا من أوقات الصلاة كذلك الغسل من الجماع خص له وقت من أوقاته والله أعلم، ومن مرّ به شهر رمضان وهو لا يعلم فعليه القضاء بإجماع الأمة.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */ (6/487)
صفحة 488
ومن أصبح بجنابته وهو صائم من غير عمد بتأخيرها كان عليه قضاء يومه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أنه قال: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (1) وقال أبو بكر محمد بن داوود: وروينا عن عروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يأمرون بالقضاء من أصبح جبنا، وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، ومن كان عليه صيام كفارة عن رمضان واستأجر رجلا يصوم عنه كفارة عن رمضان فلا يجوز ذلك ولا يقول بهذا أحد.
فصل: عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جنبا من قراف غير احتلام ومعناها من مجامعة ومواقعة في شهر رمضان، وروى أبو موسى مولى عائشة عن عائشة أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف على الباب: يا رسول الله إني أصبحت جنبا وأريد الصيام، قال: وأنا أصبح جنبا وأريد الصيام فأغتسل وأصوم، فقال الرجل: يا رسول الله إني لست مثلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أصنع» (2) وروي عن ابن العباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح جنبا فلا صيام له» (3) .
مسألة:
ومن وطئ فرجا حراماً في رمضان فعليه القضاء باتفاق الأمة وعليه الحد، وقال بعض المخالفين: لا كفارة عليه، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الكفارة على من وطئ فرجا حلالا وهذا قول أصحاب الظاهر الذين لا يقولون بالقياس، ومن وطئ أمته في رمضان وجب عليه القضاء والكفارة إذ لا ينازع في أن الشرع فرق بين الزوجة والأمة في الكفارة، ومن أفسد صومه بالجماع كان القضاء والكفارة واجبا عليه، ولا تنازع بين الأمة في ذلك.
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */ (6/488)
صفحة 489
ومن أفسد صومه وهو غير قادر على الرقبة ولا مستطيع للصوم ولا على الإطعام كان فرضه الإطعام إذا قدر عليه، فإن قال قائل: إن الله تعالى خاطب القادرين بالكفارات، وإذا كان الواطئ لا قدر له على شيء مما أمر بإثباته كان غير مأمور بالكفارة أو يكون مأمورا بشيء يقدر عليه، قيل له: لولا قيام الأدلة على الكفارة في ذمته للزم ما قلته غير أن السّنة بينت أنه على العاجز أن يطعم فإن لم يكن في الوقت قادرا عليه ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى الرجل الذي جاءه عذقا من تمر فقال أطعمه ستين مسكينا فإذا بالرجل أخبره أنه لا يقدر على شيء من الكفارات فلو كان العاجز عن الإطعام والصيام والعتق يعفى من الكفارة لاتسع المجال للفقير ولكنها تتعلق بالذمة ولا يسقط شيء منها في قوله - عليه السلام - : «لا يجزئ أحد غيرك» (1) ولا يقبل عذره وإلا كان واجبا عليه عند ميسرة فالسّنة أثبتت على العاجز إثبات الدلالة إذا قصر لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «ولن يجزئ أحدا غيرك» (2) وقال أبو هريرة: لا بأس بقضاء رمضان متواترا يريد منقطعا، وقال الله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا} (3) فمعناه منقطعة بين كل رسولين برهة من الزمان. قال شديق:
حضر الشر بآل ميَّة فانعى *** عيش دنياك وادني بالشتات
أنعيم زمان طورك يترى *** ونعيم زماننا هيهات
قال الأصمعي: التواتر أن يجيء شيء بكثرة ثم تهنية ثم يجيء شيء آخر إذا قطعها، والمتقاطر أن يكون شيء إلى شيء على نسق واحد ومن ذلك المقطرة مشتقة لأن من حبس فيها كانوا على أقطار واحد مضموما بعضهما إلى بعض ومنه قطرت الإبل بعضها إلى بعض.
الباب التاسع والأربعون: صوم النساء وما يجوز فيه لهن وما لا يجوز، وما يلزمهن فيه من فساد وبدل وكفارة وأحكام ما يسع ذلك
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) سورة (6/489)
صفحة 490
وإذا أدركت المرأة في رمضان فعليها بدل ما مضى، ومن وطئ زوجته في رمضان فلم تغتسل فإن لم تعلم أن زوجها وطئها فعليها بدل يومها، فإن علمت بوطئه ولم تعلم أنّ عليها الغسل فهذا لا يسع جهلها وعليها بدل ما مضى من الشهر والكفارة، ومن أتاها الحيض في يوم قد أصبحت فيه صائمة فلها أن تفطر، الدليل على أن الحائض في بعض النهار لا يجب عليها الإمساك عن الأكل في باقيه إجماعا أنه يجب عليها قضاء ذلك والمانع عليها عن الأكل والشرب ومع إيجاب القضاء عليها محتكم بأكثر من دليل، وقد قال بعض قومنا: إن عليها الإمساك إذا حاضت بعد الزوال ولكن هذا يحتاج إلى دليل، وإذا طهرت بعد الزوال استحب لها أن تمسك بقيّة يومها، وكذلك المسافر الذي يقدم مفطرا وإن أكلا فلا بأس.
مسألة:
أبو عبد الله: وإذا أصبحت المرأة في شهر رمضان صائمة ثم جاءها الحيض جاز لها أن تفطر بقية يومها، وإذا طهرت من حيضها بالنهار وهي مفطرة فجائز أن تتم إفطار يومها ذلك، قال: والأول أشدهما لأنها أصبحت صائمة ويستحب لها أن تبدل صيام ذلك اليوم وليس بواجب عليها وهذه أصبحت مفطرة فلا تنفعها بقية صيام يومها ذلك، وقِيلَ: إنَّ جابر بن زيد قدم إلى أهله من سفر في شهر رمضان وكان مفطرا في سفره ذلك ووجد زوجته قد طهرت من حيضها وكانت مفطرة في أوّل ذلك اليوم فوطئها في بقية ذلك اليوم. ومن جامع أبي الحسن: وفي بعض الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح للحمل والمرضع الفطر لخوف الضرر.
مسألة:
ومن كان عليها بدل من رمضان ثم أفطرت متعمدة في أيام البدل فعليها بدل ذلك ويفسد عليها ما كانت صامت من البدل.
مسألة: (6/490)
صفحة 491
فإذا أحست المرأة بمجيء الدم في رمضان في يوم كان من عادتها فأفطرت فعليها القضاء والكفارة، فإذا صامت امرأة البدل والكفارة من رمضان ثم قطع عليها الحيض بنت على صومها إذا طهرت ولا أعلم خلافاً بين أحد من الناس في ذلك، ومن أجبر زوجته فوطئها في رمضان نهاراً فعليه القضاء والكفارة ولا شيء على زوجته لأنها مجبورة، قال: فإن قال قائل: فلم لم تلزمه كفارة أخرى لأنه مفسد على زوجته صومها؟ قيل له: هذا لا يلزم وذلك أن الزوجة لم يلزمها كفارة فنجعلها على الزوج، فلما لم تتعلّق عليها كفارة وجب أن لا يلزم الزوج سوى كفارة واحدة وهو ما جناه على نفسه، وإذا صامت امرأة من بدل رمضان بعض صومها ثم أفطرت غلطا منها فإنه لا ينتقض عليها ما صامت، قيل: أليس قد فرقت صومها؟ قال: والتي أفطرت في شهر رمضان غلطا قد فرقت.
مسألة:
وإذا صامت امرأة كفارة يمين بأمر زوجها ثم قهرها على الجماع نهاراً فإن كانت تمانعه عن نفسها إلى أن غلبها فليس عليها إلا بدل يومها، وفي بعض القول لا شيء عليها وإن استكانت له فعليها بدل ما مضى من صومها، وإن صامت بغير أمره فقهرها على الوطئ فليس لها أن تمانعه نفسها ويفسد عليها ما مضى من صومها إذا وطئها على الجبر منه لها أو الرضى.
مسألة:
والتي كانت تبدل رمضان فوطئها زوجها نهارا فإنه لا يفسد عليها إلا البدل الذي كانت فيه ولا كفارة عليها، وإن أكرهت أبدلت يوماً وأما رمضان فلا يفسد عليها.
مسألة:
وللمرأة أن تغزل بالريق ولا شيء عليها وتغزل الكتان بالريق وتبزق ولا شيء عليها، وتؤمر بالتعجيل في بدل رمضان ولم يخص الله تعالى بقضاء رمضان وقتا من وقت، وقد روي عن عائشة أنها كانت تقضي رمضان في شعبان.
مسألة:
وإذا حاضت المرأة في رمضان وتركت الصلاة والصيام ثم طهرت أقل من عشرة أيام ثم راجعها الدم فظنت أنه حيض فتركت الصلاة والصيام فإنه ينتقض عليها صومها وعليها إعادة الصلاة ولا كفارة عليها.
مسألة: (6/491)
صفحة 492
والرجل والمرأة سواء في الكفارة لأن الكفارة حق لله ولا تجب إلا مع عظم المأثم كذلك إنهما شريكان فيها ولأن الكفارة إنما وجبت بفساد الصوم، فأما ما روي من سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكفارة عليها وإلزامه للرجل فإن جوابه إياه يدل على جوابه إياها مع جواز أن تكون غير بالغة أو نائمة أو مجنونة أو كتابية، ألا ترى أن أصحابنا قد قالوا في امرأة حاضت في رمضان فلم تغتسل حتى ذهب رمضان فألزمها بعضهم لتركها الصلاة كفارة شهرين ولتركها الصيام كفارة شهرين، والتي وطئها زوجها فتركت الغسل.
مسألة:
وإذا كانت امرأة صائمة بدلاً أو كفارة فحاضت فإنها إذا طهرت بنت على صومها ولا يفسد ذلك عليها لأنها مغلوبة على ذلك غير مختارة له، وإذا كان الأمر في العبادات من قبل الله تعالى كان المتعبد فيها معذورا ولا خلاف في ذلك بين الناس، وإنما الاختلاف بين الناس فيمن أفطر في الكفارة والبدل مختارا من غير عذر، فبعض أفسد عليه صومه وألزمه إعادة الصيام متصلا من غير أن يقطع بين ذلك بإفطار، وبعضهم أجاز له الصوم متفرقا بكمال عدد الأيام والله الموفق للصواب.
مسألة:
وإذا طاوعت المرأة زوجها حتى وطئها في رمضان نهاراً فعليها من الكفارة ما عليه وهذا بقول أبي حنيفة، وأما الشافعي فقال في بعض أقاويله لا كفارة عليها، وقال في بعضها إن الكفارة بالصوم عليهما وبالمال عليه، وفي بعضها أن الكفارة عليها إلا أن الزوج يتحمل عنها الكفارة بالمال، وكذلك الخلاف فيها إذا طاوعته في الإحرام. قال بعض أصحابنا: فإن أجبرها على ذلك فعليه ما يلزمه ويلزمها ولا شيء عليها، وقال بعضهم: عليها بدل يومها والله أعلم.
مسألة: (6/492)
صفحة 493
وإذا طاوعت المرأة زوجها وهما صائمان كان على كل واحد منهما كفارة مع القضاء، وإن كان زوجها قد قدم من سفره وهو مفطر فطاوعته فوطئها ثم حاضت في بقية يومها تسقط الكفارة عنها لأجل حدوث الحيض لأنها منهية عن ذلك قبل جريان الحيض عليها، وإذا صامت المرأة الكفارة والبدل من رمضان ثم قطع الحيض عليها بنت على صومها إذا طهرت ولا أعلم خلافا بين أحد من الناس في ذلك. وقيل: للمرضع أن تفطر إذا خافت إن صامت أن يذهب لبنها ويهلك ولدها، وقول آخر إذا لم تجد له غداء وكذلك الحامل إذا خافت على ولدها أن تطرحه فلها أن تفطر بإجماع ثم تقضي شهر رمضان وكذلك المرضع إن جاءها رمضان الثاني ولم تفطم ولدها وخافت عليه أيضا فلها أن تفطر وتقضي كلما كان عليها من ذلك ولا كفارة عليها لأنها معذورة كالمريض والمسافر ألا ترى في بعض القول من استقاء فلا كفارة عليه، وفي الآثار أن المرضع التي أفطرت فإذا صامت الشهر الثاني أطعمت عن الأول كل يوم مسكينا ثم تقضيه وكذلك الحامل ولا بأس أن تحتقن.
مسألة:
وعن عليّ على الطباخات والصنّاعات أن يذقن باللسان فلا بذلك، وكذلك فيمن يمضغ شيئا من الطعام للصبي أو غيره ثم يبزق حتى يذهب ذلك من فيه أو يأكل من الليل ولا يخضخض فاه وينام ويصبح أو نحو هذا إنه لا نقض فيه عليه، وكذلك الماء بلا أن يؤمر أن يتعرض لشيء من هذا في صومه.
مسألة: (6/493)
صفحة 494
وإن نامت عمياء في رمضان في بيتها فلما انتبهت ظنت أنها قد أمست فشربت ماء فلما خرجت إلى حجرتها وجدت حر الشمس فإنها تصوم يوماً مكان ذلك اليوم والله أعلم، وإذا كانت امرأة تقضي من رمضان فأصبحت مفطرة وظنت أنها قد أكملت صيامها ثم ذكرت فإنها إن صامت حين ذكرت فلا نقض عليها في بدلها وإن أفطرت بعد العلم فسد عليها البدل إذا أرادت إفطار ذلك اليوم، وقول عليها بدل ما مضى إذا زادت على الأكل بعد العلم، وقال بعض الفقهاء: في امرأة حاضت في شهر رمضان فلم تغتسل حتى ذهب شهر رمضان قال: يلزمها لتركها الصلاة كفارة صيام شهرين متتابعين ولتركها الصيام صيام شهر مكان شهر رمضان وصيام شهرين متتابعين كفارة، ومن غيره قال: وقد قيل عليها الكفارة للصلاة وأما إذا صامت فلا كفارة عليها ولكن عليها البدل لتركها الغسل، وكذلك التي وطئها زوجها وتركت الغسل، ومن كان عليها كفارة صيام شهرين فصامت حتى بقي عليها صيام خمسة أيام ثم دخل عليها شهر رمضان فصامت منه أياما ثم أتاها الحيض خمسة أيام فلما أفطرت صامت من الغد الأيام التي أفطرتها من رمضان بحيضها ثم وصلت الخمسة الأيام لتمام شهري الكفارة فإنه يفسد عليها صيام الشهرين لأنه كان ينبغي إذا كان يوم الفطر أن تصبح من الغد صائمة لتمام شهري الكفارة وتؤخر أيام الحيض من رمضان، وقال أبو زياد مثل ذلك، والمرأة إذا انقطع صومها المتتابع لم يضرها بإجماع وإذا رأت امرأة فرج رجل أو دابة في رمضان فحضرتها الشهوة حتى أنزت الماء، فإذا اشتهت وأنزلت الماء فعليها بدل ما مضى من صومها وإن كان ذلك الماء غلبها حتى نزل منها من غير متابعة منها للشهوة فإنما عليها بدل صوم يومها ذلك وحده، ومن كانت مريضة حتى ماتت في مرضها فإن كانت حاضت فيه فإنهما يجتمعان في شهر واحد، وإذا صامت امرأة بدلا من شهر رمضان فأفطرت ثم مكثت بعدما أفطرت وفصلت يوماً فما نرى في صيامها إلا منتقضا لأن البدل بمنزلة المبدل صومها منقطع وفي (6/494)
صفحة 495
الحكم هو كرمضان.
مسألة:
ومن وطئ زوجته في رمضان ليلاً فغضبت وكرهت أن تغتسل فلم تغتسل حتى أصبحت ولم تصل حتى فاتت الصلاة فعليها بترك الصلاة صيام شهرين ولترك الغسل عامدة حتى أصبحت صيام بدل ذلك اليوم ويفسد ما مضى من صومها.
مسألة:
فإذا قال الرجل لزوجته لا بأس عليها أن تغتسل في الصبح في رمضان فإن أبا على عذرها بما فعلت لقول زوجها وأرى عليها بدل يوم مكان كل يوم يوم، وقال أبو إبراهيم: وإن احتاطت ببدل ما مضى من غير غرم مني في ذلك فذلك إليها، وبعض لم ير للمرأة عذرا في الغسل وألزموها الكفارة.
مسألة:
وإذا أبدلت امرأة رمضان فأفطرت ما بين ذلك متعمدة وندمت فلا كفارة عليها وعليها إعادة ما صامت بعد الفطر منه حتى يتم التتابع، والمرأة إذا وطئها زوجها في رمضان فنامت حتى أصبحت ولم تغسل فإنها تستغفر الله وتتوب من ذلك ولا بدل عليها، وليس النساء في هذا بمنزلة الرجال. قال غيره: هي بمنزلة الرجال وعليها البدل ولا يجوز للمرأة في النهار أن تحتمل الدواء في الدبر وأما القبل فيجوز وأحب أن يكون ذلك في الليل.
مسألة:
وليس للحامل والمرضع أن يصوما إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما فإن فعلتا مع الخوف كان ذلك منهما معصية وكذلك الشيخ الفاني.
مسألة:
والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا بإجماع الأمة وإن كانتا مطيقتين للصوم، وقال بعض قومنا: لا فدية عليهما، وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما يفطران ولا يقضيان، وقال بعض قومنا: عليهما القضاء ولا فدية عليهما، وقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية.
مسألة: (6/495)
صفحة 496
والمرأة إذا جن زوجها وهي صائمة فمكنته من نفسها وجب عليها الكفارة دونه، وكذلك إذا وطئها وهي مجنونة وجب عليه القضاء والكفارة دونها، وإذا أكرهت المرأة فوطئت في رمضان أو كانت نائمة وجبت الكفارة والقضاء عليه دونها وصومها تام ولا شيء عليها لأنها على ذلك مغلوبة. قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (1) وبذلك يقول داوود وأمّا أبو حنيفة فأوجب عليها القضاء بلا كفارة، وإذا أبدلت أياما من رمضان ثم حاضت قبل أن تكمل أيامها ثم طهرت فأكلت بعد طهورها يوما أو يومين فسد صيامها الأول.
مسألة:
وإذا أفسدت المرأة صومها في رمضان بالجماع نهارا ثم حاضت فعليها القضاء والكفارة لأن حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الكافّة الذكر والأنثى فيه سواء إذا حصل من أحدهما الفعل الذي حكم فيه بذلك الحكم، وقد أجمع الكل أن المرأة بذلك الجماع عاصية، والمعصية لا تحصل إلا ممن فعل مما ليس له فعله فإن قال: إن المرأة غير مخاطبة بصوم ذلك اليوم لأنه في علم الله ليس بيوم صومها، قيل له: هذا غلط وذلك أن المرأة واجب عليها الإمساك إلى أن تحيض فإفسادها لصومها قبل حيضها ليس بمزيل عنها الحيض بعده ما عليها الحكم فيها، والدليل على ذلك حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على من جاءه مستفتياً ولم يعتبر حاله في آخر النهار بل أوجب ذلك عليه عند فعله وإن كان الفاعل قد يمرض في النهار المرض الذي يوجب عليه الإفطار وقد يموت، وإذا كان هذا هكذا فالواجب إيجاب ما أوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند إيقاع الفعل ولا يجوز تأخير تكليف الكفارة ولا يراع حاله إذ لو كان ذلك واجبا لراعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك إذا وطئ الرجل أو النهار ثم مرض في آخره مرضاً يوجب عليه الإفطار ويسقط عنه مرضه ما وجب عليه إفساد الصوم.
الباب الخمسون: في الكفارة
__________
(1) سورة (6/496)
صفحة 497
الكفارة لا تحصل إلا من مخالفة ومعصية لا يصح للمؤمن أن يرتكبها ولذا كان العقاب بها أشد في الردع ولم يخاطب بها القادرون فقط وهي أنواع: يرى ابن عباس أنها عتق رقبة أو صوم أو إطعام ستين مسكينا، وإذا أفسد الرجل صومه ثم ندم فعند الله لا يقبل صومه أبداً ولو صام بقية شهر رمضان والواجب عليه صوم رمضان آخر وأداء الكفارة الواجبة عليه، ومن أفطر مضطرا يومان فليقضيهما مكان أيام الفطر وليكونا متتابعين.
الباب الحادي والخمسون: صوم التطوع للرجال والنساء
ومن دعي إلى طعام وهو صائم فأفطر فليبدل يوماً مكانه، وقال بشير: من صام تطوعاً لله ولم يتكلم بها ثم أفطر فلا بدل عليه وإن تكلم فعليه البدل، وقال موسى: عليه البدل تكلم أو نوى ولم يتكلم، ومن قال إني صائم وليس بصائم فعليه الصيام وسل.
مسألة:
ويكره أن يصوم الرجل تطوعاً وعليه صيام رمضان إلا اليوم أو اليومين.
مسألة:
ومن جامع أبي محمد: ومن دخل في صوم تطوعاً ثم أفطر فلا قضاء عليه لما روت أم هاني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء شراب فشرب منه ثم سقاني فكرهت رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنت صائمة فشربت ثم قلت: يا رسول الله إني كنت صائمة فكرهت رد سؤرك، فقال: «إن كان قضاء من رمضان فعليك البدل وإن كان تطوعاً فلا بدل عليك» (1) . قال بعض أصحابنا: على من أفطر من صوم تطوع بدل يومه لأنه بمنزلة من أوجب لله على نفسه الصوم ولعلهم يضعفون الخبر. قال الشافعي: لا يلزم إنما التطوع تقرب لله، وقال أبو حنيفة: قد ألزم نفسه ويجب القضاء.
مسألة:
__________
(1) حديث: */ (6/497)
صفحة 498
ومن دخل في صوم يوم نافلة أفطر بعد دخوله فيه فإنه يكره له ذلك، واختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: عليه الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، وكذلك صلاة التطوع، ومن حجة من أوجب الإعادة عندهم أنه ألزم نفسه شيئا لم يكن لزمها قبل ذلك فنحب أن يتمه وهو عندهم بمنزلة من قال: إن لله علي أن أفعل كذا وكذا وإن لم يكن قبل ذلك لازما له، وكالذي ينذر فهو يلزمه وإن كان قبل ذلك غير لازم له، أو كالذي يدخل نفسه في حجة نفل وإحرام بعمرة ينتفل بها فليس له قطع شيء من ذلك وعليه تمامه بإجماع الأمة، فنخوف هذا ونحو من أدلتهم على ما يذهبون إليه من إيجاب الإعادة، وحجة الذين لم يوجبوا الإعادة قالوا: لما كان المتقرب إلى الله عز وجل بالطاعة التي لم يفرضها عليه وكانت مما يذهب الإنسان إلى فعله ما إذا فعله استحق الجزاء عليه وإن لم يتقرب به فلا لوم عليه إذا قطعه من قبل أن يتمه فهو بمنزلة من أراد فعل خير فلم يفعله، قالوا: والله أعدل من أن يلزم على فعل لم يفترضه أو يعذب عليه ولم يكن أوجبه، وكذلك في صلاة التطوع والمسألة والجواب واحد.
مسألة: (6/498)
صفحة 499
وكره استقبال رمضان بصوم تطوع إلا من كان عادته إدامة الصوم ويبتدئ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تستقبلوا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق أحدكم ذلك صوما كان يصومه، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فأتموا العدة ثلاثين يوما» (1) ، وفي حديث آخر عن أم هاني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « الْمُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفسِهِ، إِن شاءَ صامَ وَإن شَاءَ أَفطَر» (2) فدل هذا على ما قلنا إن ذلك في التطوع دون غيره، وروى عبد الله بن الحارث عن أم هاني قالت: قلت يا رسول الله: «لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال: أكنت تقضين شيئا؟ فقلت: لا، قال: لا يضرك إن كانت تطوعاً» (3) فإن قال قائل: فقد روت عائشة قالت: «أهدي إلى حفصة طعاماً وكنا صائمتين فأفطرنا فدخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا، قال: «لاَ عَلَيْكُمَا صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَر» (4) ، قيل له: ليس في الخبر أنهما كانتا متطوعتين، والخبر الذي قد تعلقنا به مشروح مبين والعمل عليه دون المحتمل.
مسألة:
__________
(1) رواه البيهقي، عن ابن عباس بمعناه، ر7737، 4/207.
(2) رواه الترمذي عن أم هانئ بلفظه، كتاب الصوم، باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع، ر732، 3/109. والحاكم مثله بلفظ: «أمير» بدل «أمين»، ر1599، 1/604. والدارقطني باللفظين، باب تبييت النية من الليل وغيره، ر9، 2/174.
(3) رواه الدارقطني عن أم هانئ بمعناه، باب تبييت النية من الليل وغيره، 2/174. والبيهقي، مثله، باب التخيير في القضاء إن كان صومه تطوعا، ر8144، 4/278.
(4) رواه أبو داود، عن عائشة بلفظه، باب من رأى عليه القضاء، ر2457، 2/330. وابن حبان في صحيحه، مثله، ذكر الأمر بالقضاء لمن نوى صيام التطوع ثم أفطر، ر3517، 8/284. (6/499)
صفحة 500
وواسع للمرأة أن تصوم تطوعا على قول بلا رأي زوجها ولا تمنعه نفسها، وإن كره صومها فواسع له ولا شيء عليها. وقالَ آخَرون: لا تصوم إلا برأيه، وقيل: لا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها وتقضي رمضان بغير إذنه، وعن أبي سعيد الخدري قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء أن يصمن إلا بإذن أزواجهن» (1) ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تصوم المرأة إذا كان زوجها شاهدا إلا بإذنه» (2) ومن صام تطوعا وهو جنب ولم يعلم حتى غربت الشمس فقيل: يعيد ذلك اليوم. قال أبو المؤثر: إن كان لم يتوان في الغسل حين ذكر فلا إعادة عليه ولو كان من رمضان، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه إلا في شهر رمضان» (3) .
مسألة:
معنى خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - « لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَر» (4) إنما أراد به صوم النوافل، وذلك أنه قد مضى برجل قد غشي عليه من شدة الصوم وأصحاب الرجل يظلونه بثوب فقال لهم: ماذا؟ قالوا: فإنه صائم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَر».
مسألة:
__________
(1) حديث: */
(2) حديث: */
(3) حديث: */
(4) رواه البخاري، عن جابر بن عبد الله بلفظه، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ظلل عليه واشتد الحر، ر1844، 2/687. ومسلم، مثله بلفظ قريب، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر...، ر1115، 2/786. (6/500)
صفحة 501
روي عن عائشة وحفصة أنهما كانتا صائمتين ثم أفطرتا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أبدلا يوماً مكانه»، وعن عروة عن عائشة قالت: «أهدي لحفصة شيئا فأفطرنا فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا له ذلك فقال: أبدلا يوماً مكانه». وعن عائشة أنها كانت صائمة فرأتها حفصة آخر النهار شرقة الوجه فقالت: ألم تكوني صائمة؟ فقالت: بلى أصابني جهد فأفطرت فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تقضي يوماً مكانه وذلك في التطوع، وعن ابن عباس أنه أخبر أصحابه أنه صائم ثم خرج عليهم ورأسه يقطر فقالوا له: ألم تكن صائما؟ قال: بلى ولكن مرت بي جارية فأعجبتني فأصبتها وكانت حسنة هممت بها فأنا قاضٍ يوماً آخر مكانه، ويكره الإفطار إلا من ضرورة، وفي حديث أم هاني أنه - عليه السلام - قال لها: «إن كان من رمضان فاقض يوماً مكانه، وإن كان من غير قضاء رمضان فإن شئت فاقضه وإن شئت لا تقضه» (1) والاختلاف في التطوع لهذا الخبر من أوجب القضاء فلهذا الخبر وبعض لم ير فيه قضاء، واحتج أيضا بهذا الخبر بعض على ما وجدت والله أعلم.
الباب الثاني والخمسون: ما يستحب من صوم التطوع ويكره، وما يحل من الأيام في الصوم وما لا يحل والمكروه
__________
(1) حديث: */ (4/1)
صفحة 502
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « صَومُ يَومِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَينِ (سَنَةٌ مَاضِيَةٌ وَسَنَةٌ مُستَقبِلَة)، وَصَومُ يَومِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَة» (1) ، وقيل: صيام الأيام البيض يذهبن الغل والحسد من القلب، صيام أول يوم بألف يوم، وصيام اليوم الثاني بثلاثة آلاف يوم، وصيام اليوم الثالث بعشرة آلاف يوم، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيام الأيام البيض وهن يوم ثلاثة عشر ويوم أربعة عشر وخمسة عشر من الشهر، وقال: هن كعبة الدهر» (2) ، وقيل: من صام يوماً صادقاً كتب من الصائمين وله عند إفطاره عشر دعوات مستجابات، ومن صام يومين صادقاً أعطى أجر عشرين صدّيقا، ومن صام ثلاثة أيام صادقاً أوحى الله تعالى إلى الملائكة يا ملائكتي قد وجب أجره عليّ فيغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
مسألة:
وقيل: يصوم من كل شهر ثلاثة أيام كأنهم يرون أن كل يوم من عشرة أيام لقول الله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (3) .
مسألة:
في الخبر: دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الذين يصومون الأيام البيض.
__________
(1) رواه أحمد، عن أبي قتادة بلفظه، ر22641، 5/295. والطبراني في الأوسط، ر 4875، 5/133.
(2) حديث: */
(3) سورة (4/2)
صفحة 503
الباب الأول: في العتق وأحكامه
قال الله تبارك وتعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} (1) يقال: عتق فلان من الرق يعتق عتقاً وعتاقاً وعتاقةً، ورجل عتيق وامرأة عتيقة إذا أعتقا من الرق، وعتق فلان بعد استعلاج إذا صار عتيقاً وهو رقة الجلد. وعتق التمر وغيره، وعتق أيضاً يعتق إذا صار قديما.
ومعنى العتق: التخلية وإزالة الملك عن العبد الذي كان محبوساً به في قول العرب: قد عتقت عليَّ يمين أي سبقت ومضت.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن أَعتَقَ رَقبَةً لِوَجهِ اللهِ فَهِي فِدَاؤُهُ مِنَ النارِ كلُّ عُضوٍ مِنهَا بِعُضوٍ مِنهُ» (2).
وفي خبر الذكر بالذكر والفرج بالفرج، ومن اعتق عبداً لوجه الله تعالى فليس له أن يستعمله بقليلٍ ولا كثير إلا أن يعمل العبد عن لرأيه من غير أن يأمره ولا يستعمله فذلك لا بأس به أو يكون العبد ممن يعمل بالأجرة فيعمل له كما يعمل لغيره ويوفيه أجرته فلا بأس.
وقال أبو زياد: من أعتق غلاما لوجه الله تعالى يريد به الأجر لم يكن له أن يشرب من يده قدحا من ماء.
وإن اهتدى العبد إلى مولاه بهدية فلا بأس عليه في أخذها وقبولها منه.
قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بريرة أربع قضيَّات، فثبت ذلك شيئا منه في العتق وغيره.
__________
(1) سورة البلد: 11 - 14.
(2) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ قريب، فِي كفارات الأيمان، ر6715. ومسلم مثله، فِي العتق، ر3868 - 3870. (8/1)
صفحة 504
قضى بأن عائشة لما اشترت بريرة لتعتقها اشترط البائع ولاه لنفسه فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - الشرط وقال: « الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ» (1) . وفي خبر وقال: «وشرط الله أحق، وعقد الله أوثق» (2) .
وأنه خيرها بعد العتق في نفسها والإقامة عند زوجها فاختارت نفسها فثبتت سنة الخيار بهذا أو أنه ألزمها عدة الحرة فثبتت سنة على كل أمة خرجت إلى الحرية ولزمتها عدة هي فيها أو خرجت إليها.
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وهو محتاج إلى الطعام فسألها عن شيء يوكل فاعتذرت إليه وكانت الصدقة محرمة عليه - صلى الله عليه وسلم - وعلى أهل بيته، وكانت برمة لحم على النار فقال: «ما هذا؟» فقالت: هذا لحم تصدق به على بريرة، فقال - عليه السلام - : «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَة، ولَنَا مِن عِندَهَا هَدِيَّة» (3) ، فثبتت هذه سنة تتيح للغني المحرم عليه الصدقة أكل أطعمة الفقير مما صار إليه صدقة والله أعلم.
__________
(1) رواه الربيع عن عائشة بلفظه، كتاب الطلاق، باب (38) فِي الخلع والنفقة، ر535. والبخاري مثله، فِي باب (5) شَفَاعَة النبي ^ في زَوْجِ بَرِيرَة، ر4980، 5/2023.
(2) رواه البخاري عن عائشة بلفظ: "شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء..." باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ر2060، 2/759. ومسلم مثله، باب إنما الولاء لمن أعتق، ر1504، 2/1142.
(3) رواه البخاري، عن عائشة بلفظ قريب، باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ر1422، 2438... 2/543. ومسلم، عن أنس وعائشة مثله، باب إباحة الهدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ...، ر1074-1075.. 2/755. (8/2)
صفحة 505
عن العباس أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف حولها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس: «يا عباس، ألا تعجب من شدة حب مغيث (1) بريرة ومن شدة بغض بريرة مغيثا؟ لو رجوته فإنه أبو ولدك، قال: يا رسول الله تأمرني به، قال: إنما أنا شافع، قالت: لا حاجة لي فيه» (2) .
اتفق أصحابنا فيمن أعتق شخصا له في عبد أن العتق يسري فيه والحرية بذلك قد حصلت للمعتق.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنهَا عُضْوًا مِنهُ مِنَ النَّارِ» (3) حتى بفرجها والحر تقبض العبد يقال: حرتين الحرورية والحرية والحرارة كل ذلك يقال فيما رد تزويج عليه شهادة ولا رد من بعد الحرر عتيق، ويقال حر المملوك يحر حرارا والحرية في الناس خيارهم وأفاضلهم، والحر من كل شيء أعتقه وحر الوجه ما بدا من الوجنة والتسريح في اللغة هو تفريج الشيء من الشيء إذا ضاق شيء بشيء ففرجت عنه، قلت: سرحت عنه تسريحا وقد أسرح وفي وقوع العتق بهذا اختلاف.
__________
(1) مُغِيث: زَوج بريرة وهو مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي (الإصابة، 3/116). جاء فِي رواية البخاري (ر5282، 4979...): "كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ ، عَبْدًا لِبَنِي فُلاَنٍ"، وفي سنن أبي داود قال: "كان عبدا، ولو كان حرا لم يخيرها" (ر2233)، وفي رواية أخرى له: "كان حرًّا" (ر2235).
(2) رواه البخاري عن ابن عباس بمعناه، باب شفاعة النبي (ص) في زوج بريرة، ر4979، 5/2023. والنسائي (المجتبى) عن ابن عباس بمعناه، باب شفاعة الحاكم للخصوم قبل فصل الحكم، ر5417، 8/245.
(3) رواه البخاري، عن أبي هريرة بلفظ قريب، كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى: {أو تحرير رقبة}، ر6337، 6/2469. ومسلم، مثله، كتاب العتق، باب فضل العتق، ر1509، 2/1147. (8/3)
صفحة 506
والتسريح في الطلاق، يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عنقه ولا يقال: الله عتقه.
مسألة:
اتفق أصحابنا فيمن أعتق شقصا له في عبد له أن العتق يسري فيه والحرية بذلك قد حصلت للمعتق، واختلفوا في قيمة حصة شريكه، فقال بعضهم: يرجع بها على العبد المعتق، وقالوا: هو حر ملاه، وقال بعضهم: على من أعتق قيمة حصة شريكه ويرجع بها على العبد يستسعيه بما عزم عنه، وقال بعضهم: لصاحب الحصة الخيار إن شاء رجع بحصته على المعتق وإن شاء على المعتق يأخذ حقه من أيهما شاء كالضامن والمضمون عنه.
والذي نختاره ونذهب إليه أن القيمة تكون على المعتق دون المعتَق؛ لأَنَّه هو المتلف على شريكه حصته والجاني عليه فيها ويدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « مَن أَعتَقَ شِقصًا لَه فِي عَبدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ» (1) يدل على ذلك، وقال بعض أصحابنا: معنى قوله - عليه السلام - : «قُوِّمَ عَلَيه» العبد عندي أن هذا غلط في باب التأويل؛ لأَنَّ الهاء راجعة إلى من أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - والكناية إليه راجعة عائدة، فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «قُوِّمَ عَلَيه» العبد؛؛ لأَنَّه أقرب المذكورين، قيل له: نفس الخطاب قد دل على ما قلت، والكناية تقع على أقرب المذكور وأبعد المذكور إذا دل عليها دليل بعد ذلك يقول العربي: لقيت أخا زيد فأكرمته لا يريد إلا أبعد المذكورين وبالله التوفيق.
__________
(1) ... روي بألفاظ مختلفة بنفس المعنى. الربيع: الجامع الصحيح، كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابٌ فِي الْعِتْقِ، رقم 674، 2/263. البخاري: الصحيح، كتاب العتق، باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء، رقم 2385، 2/892. مسلم: الصحيح، كتاب العتق، رقم 1501، 2/1139. (8/4)
صفحة 507
وعندي أنه لا يرجع على العبد بشيء لقول الله عز وجل ذكره: { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (1) وأيضا فإن الغرم لا يكون إلا بفعل من الغارم إلا عند قيام دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع.
فإن أعتق شقصا له في أمته كان الحكم فيها كالحكم مما ورد الخبر به عن العبد من طريق القياس والعبرة.
والعبد والأمة في باب (هكذا في النسخة) إنسان فإنسان وشخص وشخص.
وقد قال بعض أهل اللغة أن الأمة تسمى عبدا، فإن قال قائل: فإن حضرت رجل الوفاة وله عبدان ذكر وأنثى فقال: أعتقوا عني عبدي أو قال عبدي حر بعد وفاتي فأيهما تقع الحرية؟ قيل له: إن الإنسان يخاطب بعادته وعرفه والله تعالى ورسوله خاطبا بهما خطابا للخلق ليس لقوم دون قوم، والعبد في ظاهر اللغة وغالبها هو الذكر دون الأنثى وعلى هذا عرف العامة والله أعلم.
عن عبد الله بن مسعود: «أن رجلين من جهته -لعله أراد جهينة- كان بينهما مملوك فأعتقه أحدهما فضمنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصيب صاحبه وباع فيه غنيمة له» (2) ، وفي خبر: عن ابن عباس أنه - عليه السلام - : «أفتى في رجل أعتق شقصا له في عبد بينه وبين آخر فضمنه»، وقال: «لو لم يكن له سعى العبد» (3) والله أعلم.
__________
(1) سورة الأنعام: 164.
(2) رواه البيهقي عن ابن مسعود بمعناه، باب الحجر على المفلس وبيع ماله في ديونه، ر11045، 6/49. والطبراني: المعجم الكبير عن ابن مسعود بمعناه، ر10364، 10/173.
(3) رواه مسلم عن عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بلفظ: « مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِى عَبْدٍ فَخَلاَصُهُ فِى مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ »، كتاب العتق، ر3846. وأبو داود مثله، في العتق، ر3939. (8/5)
صفحة 508
مسألة:
أيضا: ومن أعتق شقصاً له في عبد ضمن لشريكه قيمة حصته التي أتلفها عليه بالعتق، فإن كان قصد بفعله وعتقه إدخال الضرر على شريكه كان عاصيا لربه وعليه الضمان، وإن لم يقصد لذلك وأراد القربة إلى الله تعالى بفعله ذلك ضمن القيمة وسلم من الإثم إن شاء الله.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « مَن أَعتَقَ شِقصًا لَه فِي عَبدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ» هذا من طريق نافع عن ابن عمر.
ومن طريق قتادة عن بشير بن النعمان عن أبي هريرة استسعى بالقيمة، وقال قوم: هذا قول أبي هريرة وفتياه وليس هو لفظ الخبر، ولفظ الخبر هو «قُوِّمَ عَلَيه» وهاء الكناية راجعة إلى المعتق وهو أبعد المذكورين؛ لأَنَّ أقربهما لم تتوجه إليه الكناية لقيامة الدلالة على أنه لم يكن منه فعل يتعلق به حكم للغير بتعد ولا غيره والله أعلم.
وروي عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « مَن أَعتَقَ شِقصًا لَه فِي عَبدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ، إلا أن يجده معسرا استسعى العبد».
قال بعض الفقهاء: هذا قول قتادة وليس في الخبر ذكر السعاية، والذي عندي أن الخبر إذا روي عن رجل فمجموعه منسوب إليه إلا أن تقوم دلالة.
مسألة:
ومن أعتق نصيباً له في مملوك عتق العبد كله، ومن أعتق من عبد حصة فليس له أن يستسعيه بشيء، ووجدت في أثر أصحابنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يعتق» وجعل خلاصه في مال من أعتقه وقال: «لَيْسَ لِلَّّهِ - عز وجل - شَرِيكٌ» (1) .
ومن أبي المليح أن رجلاً أعتق شقصا له في عبد، وفي نسخة من عبد فأعتقه النبي - صلى الله عليه وسلم - كله وقال: ««لَيْسَ لِلَّّهِ - عز وجل - شَرِيكٌ» وأما الخبر المستفاض فإنه قال: «من أعتق نصيباً له في عبد قُوِّمَ عَلَيه».
فصل:
__________
(1) أخرجه المقدسي: الأحاديث المختارة، عن أبي المليح عن أبيه بلفظ قريب، ر1409، 4/194. (8/6)
صفحة 509
معنى الخبر الخالص لنفسه ليس لأحد عليه متعلق ومنه أحررت الغلام جعلته حرا، وكل من أخلص لم يكن لأحد فيه متعلق فهو محرر، ومنه قوله عز وجل: { إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (1) ومن هذا أخذ تحرير الكتاب إنما هو خلاصة بعد ما أصلح فلم يتق فيه ما يحتاج إلى صلاحه ورجل حر خالص من العيوب وطين حر خالص من الرمل والحماءة.
مسألة:
وعتق الرقبة وفك الرقبة واحد وإنما خصت الرقبة دون سائر الأعضاء؛ لأَنَّ ملك السيد للعبد بمنزلة الحبل في رقبته أو كالغل في عنقه فهو محبوس به كما تحبس الدابة بحبل في عنقها فإذا عتق فكأنه أطلق من ذلك.
مسألة:
اختلف أصحابنا فيمن أعتق عبدا له في مرضه لا ملك له سواه وعليه دين يحبط بثمن العبد، فقال بعضهم: العتق ماض ويستسعى بثلثي قيمته للغرماء وهذا قول موسى بن علي وقال بعضهم: العتق ماض ويستسعى بقيمته كلها للغرماء.
وقال محمد بن محبوب: العتق باطل؛ لأَنَّ العبد مستحق بالدين وهذا هو القول الصحيح؛ لأَنَّ التصرف في المال غير جائز إلا بعد قضاء الدين، وأيضا فإن الدين فرض والوصية تطوع والفرض مطالب به العبد ولا يطالب بالنفل، وأجمعوا أنه لو أعتقه في صحته وعليه دين يحبط بثمن العبد أن العتق ماض؛ لأَنَّ الدين في حال الصحة متعلق بالذمة وإذا زالت الذمة انتقل إلى التركة، وأجمعوا أنه لو أعتقه وقد حكم عليه الحاكم بالدين للغرماء وحجر عليه ماله أن عتقه باطلا، واختلفوا فيه إذا أعتقه وقد حكم عليه بالدين وليس في ماله وفاء بما عليه وأعتقه قبل الحجر فقال بعضهم: عتقه ماض ما لم يحكم عليه نسخة يحجر عليه الحاكم، وقال بعضهم: عتقه باطل، والنظر يوجب عندي عتقه ما لم يحجر عليه الحاكم؛ لأَنَّ له التصرف في ماله وإخراجه عن يده قبل الحجر والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) سورة آل عمران: 35. (8/7)
صفحة 510
قال محبوب: من أعتق عبيدا له وعليه دين يحبط بهم ولا مال له غيرهم عند حضرة الموت ففيه اختلاف، قال بعض: يعتقون ويستسعون في قيمتهم للغرماء، وقال آخرون: يباعون في الدين ولا يعتقون إذا أعتقهم في مرضه قال: وأنا آخذ بهذا القول، ومن لم يكن له إلا غلام وعليه دين وليس له غيره فأعتقه في المرض فهي مثل الأولى، وإن أعتقه في الصحة عتق ولا شيء للغرماء فيه.
مسألة: (8/8)
صفحة 511
قال محمد بن محبوب: من قال لجاريته إن ولدتِ ولدا فهو حر فولدت اثنين في بطن واحد ففيه اختلاف، بعض قال: يعتق الأول منهما ولا يعتق الآخر وهو عبد، وقال بعضهم: يعتقان جميعاً ويستسعى كل واحد منهما في نصف قيمته إذا بلغا وأنا آخذ بهذا القول الأخير، ومن قال لعبده: فلان حر من مالي فليعتقه من ماله، ومن أعتق جاريته وقد خرج بعض الولد فإنه ما لم يخرج كله وتصح حياته فهو تبع لأمه، ألا ترى لو أنه خرج بعضه وهي في عدة لم تنقض به العدة ولو كانت حرة وماتت وكان ولدها حرا فمات قبل أن يخرج حيا لم يرث شيئا منها وسل عنها، ومن قال لعبدين له: أيكما أكل هذا الرغيف فهو حر فادعى كل واحد منهما أنه أكله وأقام على ذلك بينة عدولا فعندنا أن العبدين يعتقان ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته، وإن أعتق أحدهما ومات السيد فادعى كل واحد منهما أنه هو المعتق وقامت بينة عدل أنه أعتق أحدهما ولم تعرفه بعينه فالقول عندنا فيها مثل المسألة الأولى، ومن قال لأمته: إن ولدت غلاما وهي حامل فهو حر فولدت غلامين أنه يعتق من كل واحد منهما النصف، ومن قال لامرأته: كل سرية تسريتها عليك فهي حرة وله يوم قال ذلك القول مملوكة فتسراها من بعد فإنها تعتق، ومن كان له غلامان اسم كل واحد منهما مبارك فقال: مبارك حر إن فعلت كذا وكذا ثم فعله ثم قال: نويت مبارك الأصغر أو الأكبر فله نيته في ذلك وإنما يقع التحرير على العبد الذي قال إنه حرره فإن لم تكن له نية لأحدهما وقال الآن أوقع النية فليس له ذلك ويعتقان جميعا، فإن كان له عبيد فقال: غلامي حر إن فعلت كذا وكذا ثم فعل ثم قال: نويت فلانا فإذا قال: نويت عند العتق غلامي هذا فقوله مقبول وإنما يعتق الذي قال، وإن قال: لم أقصد بذلك إلى أحد منهما وإنما أرسلت قولي إرسالا وأنا أوقع النية الساعة على واحد منهما فإنهم يعتقون جميعا ويستسعيهم، فإن كانوا عشرة عتقوا جميعا ويستسعى كل واحد منهما بتسعة أعشار ثمنه، ومن قال (8/9)
صفحة 512
لعبد له: إنه لا يملك من بعده فهو حر لا يملك من بعده، وإذا قالت امرأة: إن كلمت فلانا فغلامي حر غلام سمّت به فكلمت فلانا وبقيت شهرا لا يعلم العبد العتق وهي تستخدمه حتى مات الغلام فعليها عتق رقبة مثله ويعطى ورثته ما استغلته.
ومن قال لغلامه: اذهب نازع فلان إلى الحاكم فإذا أخفت أن يحكم عليك فقل إني حر فإنه لا يعتق الساعة بهذا القول إلا أن ينازع ويقول فإن احتج المولى فقال: إنما عنيت أن يقول له إني حر أي أنا ليس لك أنت فهو إلى قوله مع عينه.
مسألة:
ومن أعتق طفلا مملوكا له لم يبلغ من أمة ذمية ثم أسلمت الأمة فاشتراها مسلم أو أعتقت فإن مؤونة الصبي على كل حال على من أعتقه حتى يبلغ أو يكسب لنفسه قبل بلوغه ما يكتفي به، وإن عجز من كسبه شيء فعلى من أعتق تمام ذلك.
وإن كان الصبي يجد من يكتسب ويعمل وكره أن يعمل فغير مجبور على العمل وعلى من أعتق مؤونته حتى يبلغ فإن عمل شيئا كان ذلك مرفوعا من مؤونته عن الذي أعتقه، وكذلك إن اشتراه رجل فأعتقه تطوعا أو عن واجب فعليه مؤونته حتى يبلغ وسبيله سبيل الأول، وقال أبو علي: من أعتق صبيا صغيرا وللصبي واحد حر فقير أو أخ أو عم فقراء أحرار فإن كان عن كفارة فالمعتق ينفق عليه وأما التطوع فالوارث ينفق عليه إلا أن يكون الوارث لا يقدر على شيء ينفق عليه فالمعتق ينفق عليه ولا يترك فيضيع والله أعلم.
ومن أعتق صبيا فعليه عوله وكذلك الأعمى والزَّمِن الذي لا يقدر على مكسبه عليه عوله.
وإن أعتق عبدا أعمى أو زمنا يقدر على مكسبه يسأل الناس أو غير ذلك من المكاسب فليس عليه عوله إذا كان يصيب ما يكفيه إذا سأل الناس. (8/10)
صفحة 513
فإن طلب ألا يسأل الناس وأن يعوله من أعتقه لم يأمره الحاكم بذلك، إذا كان من يصيب من سؤال الناس ما يكفيه هكذا عن الفضل، وقال أبو محمد ـ رحمه الله ـ: من أعتق صبيا عن واجب فعليه عوله إلى بلوغه، وإن كان تطوعا ففي العول اختلاف، والذي يلزمه عوله إذا مات قبل أن يبلغ المعتق دفع الباقي من نفقته في رقبته تعتق في غير الواجب، ومن أعتق صبيا تطوعا من غير واجب فنقته على المسلمين وهو كواحد منهم، وإن أعتقه عن واجب فعليه نفقته حتى يبلغ، وقيل: إن كان العتق تطوعا والمعتق فقيرا لا مال له فالله أولى بالعذر ولا أقول إن عليه شيئا وإن كان المعتق يقدر على نفقة العتيق أنفق عليه وإن مات أوصى له في مؤونته في ماله وقد قيل: لا شيء عليه، فإن خرج المعتق إلى بلد فرزقه الله مالا وصار غنيا فليس عليه أن يدفع إلى الصبي ما لم يكن أنفق عليه، كما أن الرجل إذا عجز عن نفقة زوجته وأخذه الحاكم فطلق بأمر الحاكم ثم أيسر من بعد لم يروا عليه نفقة لما كان من وقت إعدامه.
مسألة:
ومن قال لغلامه (نسخة عبده) إن لم تضرب فلانا فأنت حر فقال الغلام: إنه ضربه فإنه لا يكون حرا، فإن قال: ضربا وجيعا فهذا ليس له أدب، وإذا صار في حصة صبي من ميراث من أبيه غلام أو جارية فأعتق الصبي غلامه فإن كان يعقل الصلاة والخير والشر فقد جوزوا وصيته إذا كان عدلا والصبي إذا حضره الموت فأعتق غلاما له وهو يصلي ويعقل فما أرى إلا أن العبد يعتق إذا كان الصبي يصلي ويعقل.
مسألة:
ومن قال لعبد قوم: أنت حر فعليه أن يشتريه ويعتقه فإن أبى مواليه وامتنعوا به وأرادوا أضعاف ثمنه فليشتر سواه ويعتقه ولا أرى أن يضعف عليه ولو كان موسرا إلا أن تطيب بذلك نفسه.
وقال الفضل بن الحواري: من قال لعبده غيره: أنت حر من مالي فلا شيء عليه وإن اشتراه فلا يعتق ثم قال: قال الوضاح عن هاشم بن عبد الله الخراساني: لا يطلق الرجل ما لا يملك ولا يظاهر ما لا يملكن ولا يعتق ما لا يملك. (8/11)
صفحة 514
قال الشيخ أبو محمد ـ رحمه الله ـ : من قال لعبد رجل: عبد فلان حر من مالي فالذي يوجد لأصحابنا أن يجهد في شراه من سيده ويعتقه فإن لم يعتقه سيده وحضرت المعتق الوفاة وقف عليه حر وأمن ماله متى بيع العبد اشترى وعتق.
قال: والسنة تمنع بذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ طلاَقَ ولاَ عَتَاق عَلَى مَا لاَ يَملِكُ العبدُ» (1) ؛ فالسنة تدل على خطأ هذا الجواب.
مسألة:
ومن قال وهو صحيح: إن حدث لي حدث فعبدي فلان حر وله درهم فليس له الرجوع فيه إذا شاء، ومن قال لسريته: أنت حرة إن شئت، فقالت: لا أشاء أنت أحب إلي فهي حرة، ومن أوصى وهو مريض إن حدث بي حادث ففلان حر وله ألف درهم فله نقضه إذا صح إن شاء وقال: إني إنما نويت إن حدث بي حدث في مرضي هذا، وقيل في مريض قال في مرضه إذا مت فغلامي حر ثم عوفي فقال: إنما نويت إذا مت في مرضي هذا، فقوله ذلك تام عليه إلى أن يموت ولا ينتفع بنيته، ومن أوصى أنه إذا بلغ ولداه فغلامه فلان حر ومات ابناه وهما صغيران فقال الورثة: يستخدمه إلى مقدار بلوغهما وقال العبد: إنما وقفت على أولاده فقد ماتوا ولا سبيل لكم عليَّ، فقال هاشم: إذا مات الذين وقف عليهم لم يكن لهم عليه سبيل.
__________
(1) رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ قريب، ر6943. والدارقطني عن ابن عباس بلفظ: «...وَلاَ عَتَاق وَلاَ طَلاَقَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ »، ر3983، 4366، 4/17. (8/12)
صفحة 515
ومن أعتق عبده عند الموت عتقا في مرضه جاز عتقه كله وهو رأيه، وإن قال: إن حدث بي حدث فنصفه حر فإن العبد يسعى في نصف قيمته، ومن قال لغلامه: نصفك حر فأراه حرا كله وهو عندي كرجل قال لامرأته أنت طالق نصف تطيقة فهي طالق تطليقة كاملة، ومن أعتق نصيبه من غلام قُوِّمَ عَلَيه الآخر نصيبه فإن كان معسراً استسعى الغلام في النصف الآخر فإن أدى النصف من أعتقه ولم يستسع الغلام، وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أعتق نصيبا له فكان له من المال قدر ثمنه فعليه أن يعتقه كله» (1) ، قال الربيع: نعم إلا أن يكون أعتقه عند الموت ولا مال له غيره فيعتق ثلثه ويستسعي بما بقي أو يكون والدا أو ولدا أو أخا أو ذا رحم يملك منه شيئا فأعتق نصيبه فلا غرم عليه، قال أبو عبد الله: إن أراد الشركاء أن يغرموه حصصهم كان لهم ذلك ويستسعي هو العبد بما غرمه شركاؤه، ومن أعتق شقصا له في مملوك عند موته قال قتادة: عتق بما بقي في ثلثه، قال أبو عبد الله: هو دين عليه من رأس ماله، وقال الربيع: إن كان له مال يبلغ قيمته أعتق من ماله وإلا استسعى.
ومن أعتق عند موته عبيدا له ولا مال له غيرهم عن ابن معشر عن النخعي قال: يعتق من كل واحد منهم الثلث ويستعسون فيما بقي، وقال الربيع مثل ذلك.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن أبي هريرة بلفظ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا فِى مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلاَّ اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، في العتق، ر3939. (8/13)
صفحة 516
ومن قال لغلامه: أنت حر إن لم أتزوج فليس له بيعه حتى يتزوج فإن مات قبل أن يتزوج فهو حر، وإن باعه ثم مات السيد قبل أن يتزوج كان العبد حرا ويرد على المشتري الثمن، وكذلك لو كاتبه رد ما أخذ منه ما كان تصدق به عليه من شيء في مكاتبته رده على أهله إن عرفهم وإن لم يعرفهم وضعه في المكاتبين، وقال أبو علي: من قال لغريم له: إن لم أعطك إلى شهر فغلماني أحرار فمات قبل الشهر فنرى أن غلمانه أحرار؛ لأَنَّه لم يعطه، ومن قال لرجل: إن بعتك غلامي فهو حر، فقال الآخر: إن اشتريته فهو حر فباعه واشتراه الآخر كان أبو عبيدة يقول: إذا عرضه للبيع وقال على ثمن ورضي بذلك الثمن فهو حر من مال الأول الذي باعه ولا شيء على المشتري.
مسألة:
ومن قال لغلامه: حر إن باعه قال أبو عبد الله: إذا قال الرجل قد بعتك إياه بكذا وكذا فقال الآخر: قد قبلت ولم يقل شيئا فإنه يعتق؛ لأَنَّه إذا قال: قد بعتك إياه فقد عتق، وإن لم يكن بينهما مساومة ولم يقل الآخر شيئا فقد عتق أيضا؛ لأَنَّه بيع منه وليس هو بشراء من الآخر.
مسألة:
ومن كان عنده عبيد له فقال: أنت حر فالقول قوله إذا قال عنيت فلانا، وإذا قال رجل فلان حر واسم غلامه كذلك ثم قال: نويت غيره فالقول قوله سمعه العبد أو لم يسمعه ولا يعتق غلامه، ومن أعتق عبد ابنه جاز عتقه.
مسألة:
ومن قال لخدمه: أيكم شاء الله عتقه فهو حر وهم عبيده ولا نرى لهم تحريرا حتى يعتق ما شاء منهم، ومن قال يوم اشترى هذا العبد فهو حر من مالي ثم اشتراه بعد ذلك فلا يعتق بذلك القول حتى يجدد نية صحيحة في سراحه ثم يعتق، ومن قال لغلامه: إذا كان كذا وكذا فأنت حر فليس له بيعه ولا هبته قبل ذلك الوقت الذي سماه فهو حر.
مسألة: (8/14)
صفحة 517
وإذا شهد رجل لعبد بأن سيده أعتقه ولم يكن معه شاهد غيره أو ردت شهادته ثم ورث ذلك الشاهد هذا العبد فرأينا أنه يعتق إذا اشتراه من كان شهد له بالعتق أو ورثه، وقيل: إن رجلا مات بفرق وقال أحد ورثته إنه أعتق عبدا له وأنكر ذلك بقية الورثة فرأى بعض الضمان على من أقر للورثة ووصل موسى فسألوه فقال: ويحكم الرجل يقر وأنتم تلزمونه الضمان، كأنه لم ير عليه غرما ويعتق العبد ويستسعى لبقية الورثة بالذي لهم، حفظ هذه المسألة موسى بن علي عن موسى بن أبي جابر.
وكانوا يقولون: إن ملك أحدا بينه وبينه رضاع من أب أو أم أو أخ أو أخت أو ابن أخ أو ابن أخت أو عم أو خال فله أن يستخدمه وليس له بيعه، ومن قضى زوجته أخاه من الرضاع من صداقها فعن أبي علي لم ير له ذلك ويعطيها سواه أو قيمته ولا يجوز لها بيعه، وقال الشافعي: ما عدا الولدين والمولودين والأقارب لا يعتق بالملك، وقال أبو حنيفة: كل ذي رحم يحرم من النسب كالأخ وغيره يعتق.
مسألة: (8/15)
صفحة 518
قال أبو محمد ـ رحمه الله ـ: ومن ملك من العبيد من يناسبه أو يراحمه نسبا قريبا فمن لا يحل له نكاحه فإنه يعتق عليه حين ملكه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:« مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنهُ عُتِق عليه» (1) ، وأن ملك من أرحامه وقرابته ممن لا يحرم عليه نكاحه من الذكور والإناث فإنه لا يعتقه وكره بعض الفقهاء له بيعه وليس بمحرم عليه ذلك، قال بعض مخالفينا: إن العتق لا يقع إلا بفعل المالك وأما بالملك فلا، وروي في ذلك خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ» (2) ، وهذا خبر تنازع الناس في تأويله وخبر: « مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنهُ عُتِق عليه» هو مفسر، وإذا صح الخبر أن كان المفسر أولى باتباعه والعمل به أولى من العمل بالمحمل والمحتمل وبالله التوفيق، وكل من اشترى من يحرم عليه نكاحه عتق وكذلك العم والخال والعمة والخالة والأخ وابن الأخ كل هؤلاء يعتقون، فإن اشترى من أرحامه من يحل له نكاحه فله بيعهم في الدين إذا لم يكل له مال سواهم فإن وجب عله الحج ثم افتقر ولا مال له إلا هم فليس له أن يبيعهم ويحج، ومن ورث أخاه لأمه أو لأبيه أومن يحرم عليه نكاحه من النسب وله شركاء فيعتق العبد بسببه فإنهم لا يرجعون عليه بشيء، وأما الأخ من الرضاعة فإنه يستخدمه ولا يبيعه فإن مات الأخ فهو للورثة ولهم أن يبيعوه.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن سَمُرَة بلفظ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ»، فِي العتق، ر3951-3953. والترمذي مثله، فِي الأحكام، ر1417-1418. وابن الجارود في المنتقى عن ابن عمر بلفظ: «من ملك ذا رحم محرم فهو عتيق»، ر972-973، 1/244.
(2) رواه مسلم عن أبي هريرة بلفظ «فيشتريه»، باب فضل عتق الولد، ر1510، 2/1148. والترمذي مثله، باب ما جاء في حق الوالدين، ر1906، 4/315. (8/16)
صفحة 519
العلة فيمن قال أعتق والدي هذا ثم سكت ثم قال بنسخة وهذا أو هذا إن الأول يعتق كله، والثاني يسعى بنصف قيمته والثالث بثلث قيمته، قال:؛ لأَنَّ قوله بعد السكوت أو هذا يوجب اشتراكا بين اثنين فوجب أن يسعى بالنصف فإذا قال: أو هذا اشتراكا بين ثلاثة فشكه فيهم يلزمه عتق الأول بالإقرار وبقوله بعد سكوته وإدخاله الشك عليهم يوجب الاشتراك بينهم وبالله التوفيق.
مسألة:
وإذا كان عبد بين اثنين فشهد كل واحد منهما على الآخر أنه أعتق نصيبه ففي الأثر أنه يعتق من حصة كل واحد النصف ويسعى لهما بالنصف، قال أبو الحسن: ونحن نقول إنه يعتق كله ولا يسعى لهما بشيء؛ لأَنَّه لم يجز على نفسه وهما اللذان أعتقاه، وفي الأثر أيضا: أنه إن قال أحدهما أنت أعتقت هذا العبد فأنكر الآخر فقد عتق العبد ويسعى لهما بالنصف من قيمته، وفي الرواية: « مَن أَعتَقَ شِقصًا لَه فِي عَبدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ» معناه يقوم على من أعتق ويضمن لشريكه، وعلى هذا يلزم الشريك المعتق لشريكه وليس على العبد، ومن شهد على شريكه أنه أعتق نصيبه وأنكر الآخر فشهادته لا تجوز على شريكه إلا أنه هو إذا أقر بذلك على شريكه لزمه في حصته وقد عتق العبد كله ويرجع عليه شريكه بقيمة حصته من العبد، وقيل: يستسعى هو العبد قال: فأما أنا فأحب أن لا يلزم العبد بشيء؛ لأَنَّ العتق لم يجيء من تلقائه فيلزمه ولا جنى جناية في ذلك، قال الله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (1) وإذا كان عبد بين ثلاثة شركاء فشهد منهم اثنان على الثالث أنه أعتق حصته منه فلا تقبل شهادتهما وإن كانا عدلين؛ لأَنَّهما يتعجلان بذلك قبض الثمن ولكن يمتنع الشاهدان عن استخدام العبد؛ لأَنَّهما قد اعترفا بحريته.
مسألة:
__________
(1) سورة الأنعام: 164. (8/17)
صفحة 520
قال أبو إبراهيم: وإذا قال بعض ورثة رجل: إنا سمعناه يقول: إن عبده حر فإنه يتحرر ولا يلزمهم لبقية الشركاء شيء.
غيره: ومن ورث من أمه حصة من أبيه فإنها تعتق ويفديها بما ورث من أبيه وليس عليه أن يفديها بما كان له مما لم يرثه من أبيه.
فإن ورث حصة من اخوته عتقوا ويسعون فيما بقي من أثمانهم للورثة وليس عليه أن يفديهم ولم يجعلوا الأخوة بمنزلة الأم.
مسألة:
ومن كان عليه دين أخذ به وليس له إلا غلام فأعتقه فعتقه جائز وأما الأزهر فلا يرى ذلك، ومن كان له عبيد وعليه دين يحيط بهم ولا مال له غيرهم فأعتقهم عند موته وترك الغرماء فإنهم يباعون في الدين.
مسألة:
ومن حضرته الوفاة فقال جاريته لوجه الله ولم يقل إنها حرة لوجه الله فما كان لوجه الله فهو تحرير وأجازوا تحريرها.
مسألة:
وقال أبو علي: في امرأة قالت: غلامي لا يملكه علي مالك من بعدي أنه تحرير، ومن أوصى في مرضه فقال: إن حدث بي حدث فغلامي لوجه الله، نسخة ففلان لوجه الله، ثم صح بعد ذلك فليس له بيعه ولو احتاج إليه وله أن يخدمه، فإن حدث به حدث فهو عتيق إلا أن يكون قال: إن مت من مرضي هذا ففلان عتيق ثم صح بعد ذلك فهو ما شرط فيه فليبع إن شاء أو يهب، ومن قال عند الموت: لا يملك غلامي من بعدي ففيه اختلاف، من الناس من لم يره عتقا حتى يسمي بالعتق، ومنهم من رآه، وأما أنا فرأيي أن لا يملك بعده كما قال، وكذلك لا أرى على الذي قال ليس عليه سبيل أنه قد أعتقه لا سبيل عليه بعده كما قال.
وقال أيضا: اختلفوا فيمن يعتق أمته ويستثنى ما في بطنها فأجاز قوم المثنوية ولم يجز آخرون، ووقف آخرون عن ذلك عند الموت.
مسألة: (8/18)
صفحة 521
ومن أعتق جارية له وهي حامل واستثنى حملها فله ما استثنى، قال أبو الحسن ـ رحمه الله ـ: إن استثناء ما في بطنها وقد تحرك فعند بعضهم أن له مثنوية، قال: وأنا أحب قول من لا يرى له مثنوية؛ لأَنَّ الولد بضعة منها ويعتق بعتقها، ألا ترى أنه لو أعتقها ولم يستثن وقد تحرك الولد في حال ضربان الطلق ولم تلد أنه حر فاستثنى والابن وهو في البطن لا يدري ما هو حي ولا ميت فلا أراه ثابتا، وقال أيضا: اختلفوا فيمن يعتق أمته ويستثني ما في بطنها فأجاز قوم المثنوية ولم يجز آخرون، ووقف آخرون عن ذلك، ومن قال لأمته إذا ولدت فأنت حرة فولدت ولدا فهي حرة والولد مملوك؛ لأَنَّها عتقت بعد أن ولدت ولو ولدت آخر في ذلك البطن فهو حر؛ لأَنَّه قال: إذا ولدت فأنت حرة، وإن قال: إذا وضعت ما في بطنك فأنت حرة فحتى تضع ما في بطنها ثم تعتق ويكون ما وضعت مماليك، وإن قال: إن ولدت فولدك حر فإن أرسل القول عتق على قول كل ما ولدت ورأي أنه يعتق ما ولدت في الوقت، وإن قال: كل ولد تلده أمته فهو حر ثم باعها فعلى قول كل ولد تلده فهو حر وإن لم يعلم المشتري بذلك، وإن علم وأراد ردها فله ذلك، وفي نفسي من ذلك؛ لأَنَّه أعتق ما لا يملك أليس الولد بعد لم يكن له ولا في بطن الأمة شيء ولا عتق على ما لا يملك.
مسألة:
ولو قال لعبد غيره أنت حر لم يعتق وكيف يصح العتق في معدوم والله أعلم، وقد قال من قال لعبد غيره: أنت حر من مالي فإنه يشتريه ويعتقه وإن كره مولاه بيعه تربص بالثمن، أما أن يباع فيشتريه أو يموت العبد فقيمته يوم يموت يشتري بها رقبة وتعتق وإن مات الرجل أوصى في ماله أن بيع اشترى وأعتق منه، وقال بعض: قيمته يوم قال، وإن قال ذلك في صحته أخذ العبد ولو بحمله ماله وإن أوصى بذلك في مرضه كان في ثلث ماله مع وصاياه، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: في الرجل يقول لعبد الرجل أنت حر من مالي فبلغ ذلك السيد فقال: قد رضيت وأنا الآخر، قالوا جميعا ليس بشيء. (8/19)
صفحة 522
وفي مذهب مالك والشافعي وغيرهما أن من قال لمملوك أنت حر من مالي ثم اشتراه فهو مملوكه ولا شيء عليه.
مسألة:
ومن قال: إذا فعلت كذا وكذا فعبدي حر وله عبيد فإن أوقع النية عند اليمين على واحد وإلا يحرر جميع عبيده؛ لأَنَّه لم يوقع على عبد بعينه، وإن قال نويت أن اختار لم ينفعه.
مسألة:
وإذا شهد عدلان شهد شاهد أنه أعتق وشهد الثاني أنه دبر فالعبد على قول يكون مدبرا إذا مات السيد عتق العبد وانظر فيها، ومن قال في صحته إذا مت فغلامي حر فذلك من رأس ماله وإن قال في مرضه فمن ثلث ماله مع وصاياه.
مسألة:
ومن قال لزوجته أنت طالق إن رضي فلان فلا تطلق إلا برضى فلان، فإن قال لعبده: أنت حر إن رضي فلان فقد قال بعض الفقهاء: إنه يعتق، وقال بعض: إنه لا يعتق إلا أن يرضى، وحجة من أوجب العتق وفرق بين العتق والطلاق أن الطلاق شيء يكرهه الله عز وجل كما ورد في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والعتق طاعة لله برضاه فمن فعله فالراضي بأن يقع الطلاق فاعل ما رضي الله فلا يقع الطلاق ولأن فعله رضى الله عز وجل، والكاره للعتق الذي هو رضى الله تعالى قد ركب ما أسخط الله وكل من ركب ما كره الله تعالى منه ولم يأذن له فيه ففعله باطل وإذا كان باطلا كان رضاه بالمكروه لا يجوز، وإذا تعدى العتق من شرط يرفعه وقع وبالله التوفيق.
مسألة: (8/20)
صفحة 523
ومن حلف بطلاق أو عتق أنه لا يتزوج فلانة ولا يشتري فلانا ثم اشترى أو تزوج ففيه قولان، منهم من قال: تطلق الزوجة ويعتق العبد لما عين عليهما، ومنهم من قال: لا تطلق الزوجة ولا يعتق العبد وذهب صاحب هذا القول الأخير إلى خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه «لاَ طلاَقَ ولاَ عَتَاق عَلَى مَا لاَ يَملِكُ الرجل»، وذكر صاحب القول الأول أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقصده بهذا القول ما لم يكن ذلك في ملكه، وإذا ملكه فقد لزمه الحنث لما عين عليه والله أعلم، وإذا قال الرجل: كل امرأة تزوجتها فهي طالق أو كل عبد اشتريته فهو حر ثم تزوج واشترى فلا طلاق ولا عتاق باتفاق.
مسألة:
ومن قال لجاريته: خدمتك لي سنتان ثم أنت حرة فله أن يطأها وكذلك إن قال: خدمتك سنتان ثم أنت حرة، واختلف في قوله: خدمتك لي سنتان ثم أنت حرة فخدمته سنة ثم مات، قال بعضهم: يستخدمها الورثة سنة ثم تعتق، ومنهم من قال: تعتق حين مات.
وقال أبو الحسن: قوله إذا خدمتني سنتين فأنت حرة فمات قبلهما فلا تعتق ولا يغني عنه لسبب خدمته الورثة.
وإذا قال: إذا خدمتني سنتين فأنت حرة ففيه أيضا اختلاف منهم من قال: تخدم الورثة سنة أخرى ثم تعتق، ومنهم من قال: هي مملوكة وفرقوا بين خدمتك لي دين إذا خدمتني، ومن قال: أول عبد أشتريه أو أملكه فهو حر فاشترى نصف عبد أو ملكه بوجه غير الشراء فإنه يعتق؛ لأَنَّ الصفة لم توجد على ما حلف؛ لأَنَّه قال: عبد، وهذا نصف عبد فلا يعتق. (8/21)
صفحة 524
ومن أعتق عبدا بشرط يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون فبيعه له جائز ما لم يقع الشرط قبل البيع فإن وقع الشرط بعد البيع وهو في ملك الغير لم يعتق فإن أعتقه بشرط يجوز كونه لا محالة فلا يجوز له بيعه ويعتق ويكون كالمدبر إلى وقوع ذلك الشرط ثم يعتق فإن باعه ووقع الشرط وهو في ملك الغير عتق ولم يجب عليه ملكه وذلك مثل أن يقول الرجل لغلامه أنت حر إن كلمت زيدا فلم يكلمه حتى باعه ثم كلمه وهو في ملك الغير لم يعتق، فإن قال له: أنت حر في سنة كذا أو كذا أو في شهر كذا ثم باعه قبل دخول السنة أو الشهر فإنه متى دخلت السنة أو الشهر عتق من ماله البائع وللمشتري الدرك، ومن قال لغلامه: عتقك في يدك متى شئت فاعتق نفسك فقال له العبد: قد أعتقت نفسي، عتق، وكذلك المرأة.
مسألة:
ومن قال عبده لله ولم يرد به العتق فلا شيء عليه، وإن أراد العتق، عتق، ومن قال لعبده: إن خدمتني سنة فأنت حر فمات السيد قبل تمام السنة فلا يعتق، وإذا قال: عليك لي خدمة سنة ثم أنت حر فمات السيد قبل ذلك فإذا خدم الورثة تمام السنة عتق؛ لأَنَّه ما كان له على أحد من الناس من حق انتقل بعد موته إلى ورثته، ومن حلف بعتق عبده إن فعل العبد كذا وكذا فليس له بيعه فإن باعه ففعل العبد الذي كان حلف المولى من فعله، ففي عتقه اختلاف، ومنهم من قال: وقع الفعل وهو عبد غيره فلا يعتق وبعض أوجب العتق، وأما إن حلف فالعتق على فعل المولى فجائز له بيعه، قال: وأظن فيه اختلافا، ومن قال لعبده: إن فعلت كذا وكذا فأنت حر فإن كان لمجيئه منتهى عتق عند ذلك المنتهى مثل أن يقول: إذا أهل هذا الشهر فأنت حر ونحوه، وقال: إن ذلك مثل التدبير في العلة والمعنى مثل غاية الموت وليس له بيعه، وإذا مات المدبر عليه عتق العبد كذلك كل ما كان له منتهى وغاية ينتهي إليه عتق إذا بلغ ذلك. (8/22)
صفحة 525
وإذا قال له: إن أكلت هذه الخبزة فأنت حر فله أن يبيعه ولو أكل الخبزة وهو في ملك غيره لم يعتق من مال أحدهما؛ لأَنَّه لا يعتق ما لا يملك.
وكذلك قوله: إن لم تفعل كذا فأنت حر قد قيل: ليس له أن يبيعه فقال: هو له أن يبيعه، ومن حلف إن لم يفعل كذا فغلامه حر فلا يجوز له بيعه قبل أن يفعل ولا خدمته.
فإن قال لغلامه: إن لم تفعل كذا فأنت حر فلا يجوز له بيعه والخدمة جائزة له، فإن قال: إن فعل غلامه كذا فهو حر فجائز له بيعه.
فإن فعل وهو في ملك غيره ففي عتقه اختلاف، منهم من أوجب العتق في ملك الغير ومنهم من لم يوجب ذلك.
ومن قال لجاريته إذا (نسخة) إن ولدت ولدا فأنت حرة فأسقطت فإذا تبينت جوارح المولود فقد عتقت.
ومن له عشرة أعبد فأعتق واحدا منهم ولم يسم به فالعشرة كلهم قد عتقوا؛ لأَنَّه لم يسم به فصار العشرة أحرارا، كذلك لو كان له أربع نساء فطلق واحدة منهن ولم يسم بها ولم ينوها في نفسه طلقن نساؤه كلهن.
مسألة:
ومن قال لغلامه إن لم تفعل كذا وكذا فأنت حر فقال الغلام: لا أفعل فإنه يستخدمه حتى يموت ثم هو حر أو يفوت ذلك الشيء ولا يقدر على دره ولا فعله فيعتق.
ومن أعتق عبدا لوجه الله فاستخدمه بالكرى عن طيب نفسه فجائز في بعض القول إذا عمل له بالكرى كالغير ويحتمل أنه لا يستعمله بكرى ولا غير كرى ولا يصلح الوجه فيه إلا قول من قال لا يستعمله بقليل ولا كثير بلا كرى وأما الكرى كما يعمل لغيره فجائز، ألا ترى أنه من تصدق بصدقة ثم ردها إليه حق أو ميراث جاز (نسخة) كان له أخذ ذلك.
وكذلك من أعتق عبدا وكان يعمل بالكرى فعمل كغيره وأعطى الكرى جاز وقوله لا يستعمله بقليل ولا كثير ولا يرجع في صدقته إذا تصدق ولم يجز له أخذ ذلك ولا يعود إليه بتأويل يحتمل لا يعود إليه بغير حق فأما في الحقوق فجائز ذلك، ومن كان له عبد غائب فقال: عبدي فلان حر لوجه الله فلا يجوز هذا التحرير في الحكم حتى يقدم فإذا قدم عتق والله أعلم. (8/23)
صفحة 526
وإن قال: إن اشتريت فلانا فهو حر لوجه الله فإذا اشتراه عتق؛ لأَنَّه جعل عتقه في شراه إياه، ومن قال لعبيده: أيكم ضرب هذا العبد فهو حر فضربوه كلهم، أو قال: أيكم رفع هذه الخشبة فرفعوها كلهم فإنهم يعتقون كلهم، وكذلك لو قال: أيكم رفع هذا الجواب فهو حر، فرفعوه كلهم فأقول إنهم يعتقون على إرسال القول منه لذلك إلا أن يكون له إرادة غير ذلك فله ما أراد والله أعلم.
مسألة:
ومن أعتق عبدا له غائبا أو آبقا عن عتق عليه فلا يجزي الآبق عنه حتى يأخذه فيعتقه بعد قبضه، وأما الغائب فيختلف فيه فإن كان غائبا على وجه الهرب أو حيث لا يعلم أين هو فلا يجزيه حتى يجيء ويعتقه وإن كان غائبا بأمره أو في حاجة أرسله بها أو شيء تجوز غيبته فيها ويرجع إليه فعتقه إياه يجوز إلا أن علم أنه مات قبل عتقه فلا يجزيه إلا أنه إن كان عن ظهار لم يجزه حتى يقدم؛ لأَنَّه ليس له وطء زوجته حتى يصح له العتق لعل العبد الغائب قد مات والله أعلم، وإن كان ذلك العتق عند الموت فعليه أن يوصي إن صحت حياته فهو حر وإن مات لم تصح حياته فعتق من ماله عبدا من ماله إن كان عليه عتق وأما كفارة الظهار فإنما هي فيما يحل الزوجة فإذا لم يعتق وهي في الأربعة عتقا صحيحا بانت منه زوجته، وإن مات في الأربعة ولم يف سقط عنه الكفارة فلا عتق عليه بعد موته.
مسألة:
ومن غصب جارية ثم باعها على رجل فأعتقها فإنها تعتق إذا لم يعلم المشتري أن البائع مغتصب ويرجع رب الجارية على الغاصب بقيمتها فإن أعتقها ولم يعلم أنها مغتصبة ثم صح غصبها عنده وطلبها منه ربها فلا شيء على المشتري ويتبع ربها الغاصب؛ لأَنَّ المشتري اشتراها باستحقاق فأعتقها بملك جائز واستحقت وهي حرة فلا تبعة على المشتري فيما لا يعلم وإنما يتبع ربها الغاصب ولو كان لم تعتق لأخذها ربها ورجع بالثمن على البائع الغاصب. (8/24)
صفحة 527
فإن جاءت بولد من المشتري لها من الغاصب ولم يكن أعتقها فالولد للمشتري ويعطى قيمة المستحق لها يوم ولد قيمة عبد ويرجع على الغاصب بما استحق منه.
مسألة:
ومن أعتق عبد ابنه، عتق، وإن نزعه من ابنه ثم أعتقه الابن أو الأب عتق أيضا، وكذلك قال أبو محمد: من أعتق عبد ولده فالعتق ماض وعليه لولده العوض بما أتلف من ماله، وقال: من أعتق ما في بطن أمته عن كفارة ظهار فإن ولدت الأمة قبل أن يمضي أربعة أشهر أجزى عنه، قال أبو الحسن: من قال لغريمه عن لم أقضك إلى شهر فغلماني أحرار فمات قبل الشهر فغلمانه أحرار؛ لأَنَّه لم يقضه، ومن قال لجاريته: يوم تفصلي ولدك فأنت حرة فمات الولد قبل ذلك وقبل وقت الفصال، فلا تعتق، وكذلك في قوله: إن خدمتني إلى سنة فأنت حر فإن مات السيد قبل تمام السنة فإنه لا يعتق.
فإن قال: عليك خدمة سنة أن حر ثم مات السيد قبل تمام السنة، فإذا خدم الورثة تمام السنة عتق؛ لأَنَّ ما كان له على أحد من الناس انتقل بعد موته إلى ورثته.
ومن قال لجاريته: إذا ولدت غلاما فأنت حرة فولدت غلاما ثم أتبعته جارية فهي والجارية حرتان والغلام مملوك، فإن ولدت الجارية قبل الغلام ثم ولدت الغلام بعد الجارية فهي حرة وأبناؤها مملوكان، وإن ولدت غلامين فالأول منهما مملوك، والأخير حر؛ لأَنَّها ولدته بعدما عتقت، وقال الربيع: مثل ذلك، ومن قال لعبده: إذا خدمتني سنة فأنت حر ثم مات قبل أن يخدمه سنة لم يعتق، وقال قوم: يخدم الورثة تمام السنة ثم هو حر، وقيل: إذا مات فهو حر. (8/25)
صفحة 528
وإن قال: إذا حفرت هذه البئر فأنت حر وإذا بلغت هذا الكتاب إلى فلان فأنت حر ثم مات السيد قبل ذلك فإنه إذا حفر البئر وبلغ الكتاب عتق وإن باعه قبل ذلك فعلى قول: جائز بيعه فإن فعل ذلك وهو في ملك غيره لم يعتق فانظر فيها فإني أخاف أن يعتق؛ لأَنَّه جعل عتقه على فعل شيء كالذي يقول لغلامه: فإذا جاء القيظ فأنت حر فلا يبيعه، ومن أعتق إن لم يفعل كذا فهو عبده ما كان للمولى سبيل إلى فعل ذلك حتى تجيء منه منزلة لا يقدر على فعل ذلك فإنه يعتق إذا فات ذلك، ومن قال: كل جارية له اشتراها فهي حرة فكل جارية اشتراها مما يملك فهي حرة وما اشترى من بعد لا يعتق، ومن قال: كل مملوكة له حرة إلا أمهات أولاده عتقن كلهن إلا أمهات أولاده، فإن قال: هذه أم ولدي لم يصدق في ذلك وإن كان عند كل واحدة ولد فقال ولد هذه مني ولد هذه مني فإن الجواري يعتقن ولا يصدق على أمهات أولاده ولا يصرن إماء بعد أن صح عتقهن وثبت نسب أولاده منه ويعتقن حتى يعلم أنه قد كان ادعى أولادهن قبل يمينه، وإن قال: كل مملوكة له حرة إلا خراسانية ثم قال: اثنتين منهن أو أكثر خراسانيات فهي مثل الأولى عندنا، وقد قيل في أن القول في هذه قوله، ولو قال: كل جارية له حرة إلا جارية بكرا ثم قال: كلهن أبكار فالقول قوله؛ لأَنَّ الجوار على ذلك حتى يعلم غير ذلك، وإن قال: كل جارية لم تلد مني فهي حرة ثم قال: هذه ولدت مني لم يصدق وعليه البينة، ولو قال: كل جارية لم أطأها البارحة فهي حرة ثم قال: قد وطئت هذه وهذه لم يصدق إلا بصحة والقول قولهن.
مسألة: (8/26)
صفحة 529
ومن قال لجاريته: إن ولدت غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية فإن ولدت الغلام أولا فهي والجارية حرتان والغلام مملوك، وإن ولدت الجارية أولا ثم الغلام عتقت والولدان مملوكان، ومن قال لجاريته: إن لم أخرج إلى مكة فأنت حرة فإنه يستخدمها وليس له وطؤها فإن مات ولم يخرج عتقت، ومن مر على عبيد فقال: أحدكم حر وله فيهم عبد إنه يعتق عبده علم بذلك أو لم يعلم.
وإن قال: أنتم أحرار عتق مملوكه، ومن قال: غلامه حر قبل أن يقدم فلان بشهر قيل: يوقف عن خدمته وعن بيعه فإن مات فلان في غيبته فلا يعتق؛ لأَنَّه مات ولم يقدم وإن قدم فلان عتق قبل أن يقدم بشهر فإن كان استخدمه فعليه رد غلته مذ عتق قبل أن يقدم فلان بشهر يرد خدمة شهر، ورجلان بينهما عبد فقال لأحدهما: إن ضربته أو استخدمته فهو حر، فإن استخدمه أو ضربه بما هو له جائز فالحالف هو المعتق، وإن ضربه بما ليس له فهو الذي أدخل الحرية ولا يرد عندي عليه بشيء ولا يرجع عليه بشيء والله أعلم، وأما إذا استعمله بما هو له جاز.
مسألة:
قال الشيخ أبو مالك - رضي الله عنه - : في رجلين بينهما عبد فقال أحدهما للآخر: إن ضربته أو استخدمته فهو حر فضربه إنه حر ولا يرجع على شريكه الحالف بشيء، وإن استخدمه فهو حر ويرجع على شريكه بقيمة حصته، قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: الفرق بينهما أن الاستخدام له جائز والضرب ليس بجائز فإذا فعل ماله فعله فوقعت الحرية فالمعتق هو الحانث وهو المتلف على شريكه حصته وعليه الضمان، وإذا ضربه لم يكن له ذلك، ومن قال لأمته: كلما ولدت ولدا فهو حر فباعها فولدت عند المشتري فهو حر من مال البائع وهو عيب في الجارية ترد به، قال: وقال بعض أصحابنا: لا يعتق من مال أحدهما ولا يكون ذلك عيبا؛ لأَنَّه أعتق ما لا يملك ولم يكن في ملكه إلا أن يكون باعها وهي حامل حملا بينا.
مسألة: (8/27)
صفحة 530
ومن كان في يده ثلاثة أعبد خلفهم أبوه عليه فأقر أن والده أعتق هذا العبد بل الآخر بل الثالث فإنهم يعتقون جميعا هذا إقرار لهم منه، فإن قال: أعتق هذا ثم قال بعد سكتة: أو هذا أو هذا، فإن الأول يكون حرا ويعتق نصف الثاني ويعتق ثلث الثالث، قال أبو الحسن: إذا قال: أعتق أبي هذا ثم قال: هذا لا بل هذا أنهم يعتقون جميعا ولا يسعون لهم بشيء، وقيل: يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعون ثلثي قيمته، وقيل: يعتق الأول ونصف الثاني وثلث الثالث فانظر فيه، ومن قال لعبد غيره: أنت حر من مالي قال بعض الفقهاء: يلزمه أن يحاول في شراه من سيده ويعتقه فإن لم يبعه سيده إلى أن مات العبد فعليه عتق مثله وإن حضرته الوفاة قبل عتقه أوصى بشراء ذلك العبد بعينه وعتقه عنه فإن لم يبعه سيده إلى أن يموت العبد رد الثمن إلى ورثة الميت إلا أن يكون أوصى أن يعتق عنه بدله عند الإياس منه بالموت أو غيره وينبغي له أن يوصي بذلك.
قال: ويكون ثمنه من جملة المال؛ لأَنَّ هذا شيء لزمه في الصحة فهو مثل الدين، قال: هو عندي كالمدبر قال: والمدبر ما كان في الصحة فهو من رأس المال وما كان في المرض فهو من الثلث، وقال بعض الفقهاء أيضا: إن التدبير في الصحة والمرض من الثلث، وقال بعض الفقهاء أيضا: من قال لعبد غيره أنت حر من مالي إنه لا شيء عليه.
مسألة: (8/28)
صفحة 531
قال أبو الحسن ـ رحمه الله ـ: من أعتق عبيده كلهم عند الموت ولا مال له غيرهم فإنما يثبت من ذلك الثلث واختلف الناس في ذلك ونحن نأخذ بقول من قال يعتقون من الثلث ويستسعون كل واحد بثلثي ثمنه للورثة ولا يرجعون إلى الرق بعد الحرية، فأما الحديث الذي جاء أن رجلا كان له ستة أعبد ليس له غيرهم فأعتقهم عند موته فأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأعتق اثنين وأرق أربعة فلم يتفق الناس على ذلك وذلك إن كان الرجل أوصى أن يعتقوا عنه، وقيل: إنه - عليه السلام - أقرع بينهم وأنها أول قرعة كانت وأن هذه القرعة هي الأصل في القرعة والله أعلم، فأما إذا أعتقهم عتقوا ولا يجوز على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد في الرق من قد عتق ويرد ما وجب له من العتق إلى آخر.
مسألة:
ومن أوصى أن يشتري له فلا ويعتق فالثلث يوقف عليه ما دام حيا مملوكا فإن بيع اشترى له وإن مات أو عتق رد الثلث إلى الورثة، ومن قال: يباع غلامي على فلان فإن لم يشتره فهو حر فإنه يعرض على فلان فإن اشتراه بما أشبه من الثمن من ساعته ولا يؤخر فهو له وإن لم يشتره فهو حر.
مسألة:
ومن كان عليه عتق واجب فما يحب له أن يشتري رقبة يشترط فيها العتق ولا تشترط، ومن اشترط مملوكا على أن يعتقه فإن أعتقه وإلا فليرده؛ لأَنَّ البيع لا يصح إلا بالشرط الذي يتم به، ومن عليه عتق فجائز أن يشتري ويعتق في غير بلده، ومن أعتق عبدا وعليه دين فإن كان في صحته لم يحجر عليه ماله فإنه يعتق والدين على مولاه ولا شيء على العبد، وكذلك إن كان الدين على العبد وأعتقه عتق العبد والدين على مولاه إذا أذن له في التجارة وإن لم يكن أذن له ولا الذين من قبل أمر المولى فالدين على العبد في ذمته فإذا أعتق فعليه أداؤه.
مسألة: (8/29)
صفحة 532
ومن أعتق نصيبا له في عبد عند موته فإنه يضمن حصته في رأس ماله، فأما حصته من العبد فهي في ثلث ماله، وعلى قول: يتبع ورثة العبد ما زاد على الثلث مما ضمنه لشركائه ويقول: إنه لا يتبع بشيء؛ لأَنَّ ذلك ليس من جنايته.
ومن له ثلاثة أعبد قد حل عليه عبدان فقال: أحدكما حر ثم خل عليه الثالث وأحدهما، فقال: أحدكما حر فإنهم يعتقون، وعلى قول يسعون في نصف أثمانهم فإن كان في المرض استسعوا بالثلث؛ لأَنَّه أعتق من كل واحد ثلث هذا قول، وقول لا شيء عليهم؛ لأَنَّه من أعتق حصة له في مملوك فعليه خلاصه في ماله و«لَيْسَ لِلَّّهِ - عز وجل - شَرِيكٌ»، وأما الخبر المستفاض فإنه قال: «من أعتق نصيبا له في عبد قُوِّمَ عَلَيه في ماله» قال: و«من أعتق نصيبا له صار العبد كله حرا» إلا أن الحديث عن بعض الصحابة وأظنه ابن عباس قال: «لَيْسَ لِلَّّهِ - عز وجل - شَرِيكٌ»، ومن كان بينهما عبد فقال أحدهما: إن لم يدخل إبراهيم غدا هذا البيت فعبدي حر، وقال الآخر: إن دخل إبراهيم غدا هذا البيت فعبدي حر فمضى غد ولم يعلم أدخل أو لم يدخل فهو أنه لم يدخل حتى يعلم أنه دخل والقول قول من قال إنه لم يدخل، وإن ادعى العبد أنه دخل فعليه البينة.
مسألة: (8/30)
صفحة 533
ومن قال لجاريته: أول ولد تلدينه غلاما فهو حر فولدت غلاما وجارية لم يدر أيهما أولا وادعت أنها ولدت الغلام أولا فعليها البينة؛ لأَنَّها هي المدعية، وإن قال لغلامه: إن لم أضربك الليلة فأنت حر، فقال: إنه ضربه وقال الغلام: لم يضربه فالقول قول الغلام والبينة على المولى بالضرب، ومن قال: كل غلام لي ذكر فهو حر فولدت جاريته ذكرا فعلى قول إن كان نفخ فيه الروح فهو حر والروح تنفع على أربعة أشهر والله أعلم، ومن قال: أول ولد تلده أمته فهو حر فولدت ولدين لا يدري أيهما أولا فإنهما يعتقان وعلى قول يسعيان بنصف أثمانهما، ومن قال: إن تزوجت امرأة فغلامي حر فتزوج أمة عتق غلامه إلا على قول من لا يجيز تزويج الأمة إذا وجد طولا وعلى قول من يقول يتزويج الأمة لا يثبت على تزويج الحرة فإن هؤلاء يرونه عتقا، ومن قال لأمته: إذا ولدت ولدا فهو حر فإن ولدت ولدا فإنه يعتق، فأما إن قال لها: ولدك حر فجاءت به لستة أشهر وأكثر لم يعتق وفي بعض القول إنه قال: لا عتق على ما لا يملك ابن آدم لمن أعتق مال غيره.
فأما إذا قال لأمته إذا ولدت ولد فهو حر فولدت ولدا فهو حر ولم يكن هذا داخلا فيما نفاه - عليه السلام - إذا كان ذلك على المعتق وقع وثبت أن نفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إرسال العتق قبل الملك والله أعلم.
مسألة:
وكل عبد كان بين شركاء فأعتق أحدهم نصيبه عتق العبد كله وعلى الذي أدخل ذلك على شركائه أن يرد على كل واحد منهم قيمة حصته من العبد ويستسعي هو العبد بذلك وإن أحب الشركاء أن يستسعوا العبد فذلك لهم.
وأما من أعتق من عبد له ثلثه أو جزءا منه فإنه يعتق كله وليس عندنا أن يستسعيه بشيء؛ لأَنَّه هو الذي أدخل ذلك على نفسه.
مسألة: (8/31)
صفحة 534
قال بعض أهل الفقه: في رجل ملك ابني عمه وهما وارثاه ولا مال له غيرهما فلما جاءه الموت أعتقهما جميعا أو أعتق أحدهما ووهب له الآخر، قال: إن أعتقهما عتقا وإن ذهب أحدهما لأخيه عتق إذا ملكه أخوه، وإن مات السيد من مرضه فقد عتقا على الوجهين جميعا ولا سبيل عليهما إلا أنهما عطية عند الموت فلا تجوز وقد ورثاه ولا مال له غيرهما وكان قيمة الأول ستمائة درهم وقيمة الآخر ثلاثمائة درهم فرأينا أن الذي قيمته ثلاثمائة درهم يرجع على الذي قيمته ستمائة درهم بمائة درهم وخمسين درهما حتى تكون قيمتهما بنيهما نصفين، وقال الوضاح: من ملك ابن عمه وابن خاله من النسب فإنه يستخدمهم ولا يبيعهم، وقال غيره: إن باعهم جاز، وإن ملك إخوته من الرضاعة فإنه يستخدمهم ولا يباعون ولو كان عليه دين فليس فيهم بيع.
مسألة:
ومن قال لعبده: إذا أتيتني بكذا وكذا فأنت حر فمات السيد قبل أن يأتيه العبد بذلك فأتى العبد الورثة بالذي جعل السيد عتقه إن أتى به فإنه لا يعتق، ومن قال لغلامه: اخدمني سنة وأنت حر أو أنت حر واخدمني سنة، قال الربيع: له شرطه قدم الكلام أو أخره، وقال قتادة: إن قال اخدمني سنة وأنت حر فله شرطه، وإن قال: أنت حر واخدمني سنة فهو حر، قال أبو عبد الله: نأخذ بقول قتادة وذلك رأينا.
مسألة:
ومن أعتق عبدا وللعبد مال ظاهر وباطن فالظاهر للعبد والباطن للسيد، فإن باعه وله مال فالمال للبائع، وعن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» (1) .
وإذا عتق الأمة ولها زوج حر أو عبد فإنها تطلق من زوجها وصداقها لها إلا أن يشترطه عليها سيدها أو قضاها من صداق وللجارية صداق على الزوج فالصداق للبائع هكذا عن أبي محمد والله أعلم.
__________
(1) رواه أبو داود عن عَنْ نَافِعٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بلفظه، في العتق، ر3964 . (8/32)
صفحة 535
وإذا سرق رجل أمة لوالده وباعها من أحد في بلد آخر فأعتقها المشتري وجاءت الأمة بكتاب فيه شهود بعتقها وسيدها المسروقة منه قد مات فإن عتقها ماض من نصيب السارق لها ويلحقه بقية الورثة بميراثهم من أبيهم بالقيمة وهذا إذا لم يقبضها الأب أو رسوله حتى مات فالعتق ماض والله أعلم، ومن قال: إذا مت فغلامي حر ثم صح فإن الغلام يعتق بهذا اللفظ من حينه.
روي عن كعب بن مرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزيه كل عظم من عظامه عظما من عظامه، وأيما رجل مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي بكل عظم من عظامهما عظما من عظامه، أو أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار تجزى بكل عظم من عظامها عظما من عظامها» (1) ، وبهذا الخبر رأى بعض قومنا أن عتق الذكر أفضل، قال: والأنثى مع نقصان رتبتها تقوم مقام رقبة الذكر في الكفارة ولا تنازع في ذلك.
مسألة:
والعتق والتدبير لا يحتاجان إلى قبول العبد ويتمان بالسيد دون العبد.
ومن قال في وصيته جاريته حرة إلى خمسة أشهر فماتت قبل خمسة أشهر فميراثها لمواليها؛ لأَنَّها ماتت قبل أن تعتق.
ومن أعتق وأوصى بالعتق فإن العتق يقدم بلا خلاف.
__________
(1) رواه ابن ماجه عن كعب بن مرة بمعناه، باب العتق، ر2522، 2/843. والبيهقي مثله، كتاب العتق، ر21098، 10/272. (8/33)
صفحة 536
عن البراء بن عازب قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله: مرني بعمل يدخلني الجنة وينجيني من النار، قال: «تعتق النسمة وتفك الرقبة، فقلت: أوليستا واحدة؟ قال: لا، إن عتق النسمة أن تفرد بها، وفك الرقبة أن تعين فيها، قلت: فإن لم أستطع ذلك؟ قال: فمنحه وتخوف واتق على ذي الرحمن الظالم، قلت: فإن لم أستطع ذلك يا رسول الله؟ قال: فأطعم جائعا واسقي ظمآنا، قلت: فإن لم أستطع ذلك يا رسول الله؟ قال: فكف أذاك عن الناس» (1) وفي بعض التفسير قوله تعالى: { فَكُّ رَقَبَةٍ} (2) قال: أعتقها وفكها من الرق.
ومن أثر: عن ابن محبوب: من قال لجارية له صغيرة غير بالغ: كل ولد تلده هذه الجارية فهو حر، ثم بلغت الجارية فما ولدت الجارية في ملكه فإنهم يعتقون وما ولدت في غير ملكه فإني أراهم عبيدا إلا أنها خرجت من ملكه وليس ثم ولد مخلوق يقع عليه عتقه إلا أن تكون خرجت من ملكه حاملا فإن ما في بطنها يعتق.
وإذا كان عبد بين رجلين فقال أحدهما للآخر: إن ضربته أو أمرته أو نهيته أو استعملته فهو حر فإن أمره أو ضربه أو نهاه أو استعمله فهو حر، وعلى الحالف قيمة نصف شريكه وإن ضربه فمات من ساعته في أول الضرب عتق ويلزمه لشريكه ذلك قيمة حصته ولا شيء عليه للعبد وإن مات في آخر الضرب لزمه أيضا لورثته الدية دية حر مع قيمة حصة شريكه.
__________
(1) رواه أحمد عن البراء بن عازب بمعناه، "قال: جاء أعرابي إلى النبي (ص)..."، 4/299. وابن حبان مثله، ذكر الحصال التي إذا استعملها المرء أو بعضها كان من أهل الجنة، ر374، 2/98.
(2) سورة البلد: 11-14. (8/34)
صفحة 537
وعن أبي مالك ـ رحمه الله ـ: قد قال بعض الفقهاء: يلزمه أن يحاول في شراه من سيده ويعتقه فإن لم يبعه سيده إلى أن يموت العبد فعليه أن يعتق مثله وإن حضرته الوفاة قبل أن يعتقه أوصى أن يشترى له ذلك العبد بعينه ويعتق عنه فإن لم يبعه سيده إلى أن يموت العبد رد الثمن إلى ورثة الميت إلا أن يكون أوصى أن يعتق عنه بدله عند اليأس منه بالموت أو غيره وينبغي أن يوصي بذلك، وقال: وتكون الوصية من جملة المال؛ لأَنَّ هذا شيء لزمه في الصحة فهو مثل الدين، قال: وهو عندي كالمدبر يكون في الصحة من رأس المال وفي المرض في الثلث.
قال بعض الفقهاء: إن التدبير في الصحة والمرض من ثلث المال، وقد قال بعض الفقهاء: في هذه المسألة أنه لا شيء على من قال لعبده أنت حر من مالي.
وعن أبي معاوية في عبد بين شريكين أعتق أحدهما نصيبه أن الشريك بالخيار إن شاء تبع العبد وإن شاء تبع من أعتقه، وإذا تبع من أعتقه فأصحابنا من أهل عمان لا يرون للشريك المتبوع أن يتبع العبد بشيء، فإن اختار الشريك أحدهما ثم أفلس المتبوع فأراد أن يرجع إلى المعتق أو إلى العبد فليس له ذلك إذا اختار أحدهما لم يكن له أن يرجع على غير من اختاره منهما أولا فليس له إلا هو.
كتاب عتق: هذا كتاب لفلان بن فلان كتبه له سيده فلان بن فلان وأقر له بجميع ما فيه وأشهد له بذلك على نفسه إلى التاريخ أني أعتقك لله تعالى عتقا صحيحا ثابتا قاطعا تاما لوجه الله تعالى وطلب ثوابه وهربا من عقابه ولاقتحام العقبة ولأن يعتق الله تعالى بكل عضو منك عضوا مني من النار يوم يجازي الله المحسنين بأعمالهم فلا رجعة لي عليك في عتقي إياك ولا على أحد قبلك ولا لي عليك بسبب ذلك عوض ولا بدل ولا ثمن ولا سعاية إلا حق الولاء، فإنه ثابت لي عليك ولمن يستحقه من بعدي فلك ما للأحرار وعليك ما عليهم، وحضر فلان بن فلان العبد وأقر بالعبودية لسيده المعتق له. (8/35)
صفحة 538
وإن كان يعتقه عن غيره: هذا كتاب لفلان بن فلان كتبه له وكيل فلان أو وصيه إني أعتقك لله تعالى عتقا صحيحا جائزا عن فلان بن فلان ويضم إليه الشروط التي في أول الكتاب.
آخر عن غيره: هذا كتاب لفلان بن فلان الفلاني كتبه له مالكه إلى التاريخ أني أعتقك لوجه الله الكريم وطلب ثوابه وابتغاء مرضاته وأن يعتق الله بكل عضو منك عضوا مني من النار يوم القيامة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه عتقا ثابتا لم اشترط عليك فيه شرطا ولم اجتعل عليك فيه جعلا (ونسخة) مالا وأنت حر لوجه الله تعالى، لك ما للأحرار وعليك ما عليهم، لا سبيل لي عليك بسبب رق ولا خدمة ولا سعاية ولا غير ذلك إلا سبيل الولاء فإن ولاك لي ولمن يستحق ذلك بسببي وأقر فلان الفلاني أنه كان عبدا مملوكا لفلان إلى أن أعتقه العتق المذكور في هذا الكتاب شهد على إقرار فلان إلى آخره وعلى إقرار فلان الفلاني يعني العبد بجميع ما ذكر من إقراره في هذا الكتاب وذلك في الوقت المؤرخ في هذا الكتاب.
عتق مختصر: أقر فلان أنه أعتق عبده فلان الفلاني لوجه الله عز وجل وهو حر شهد على إقراره فلان بجميع ما في الكتاب.
الباب الثاني: ما يعتق به العبد من قول مولاه أو فعله وما لا يعتق به (8/36)
صفحة 539
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث جِدُّهُنَّ جِدّ وهَزلُهن جِدّ: الطلاقُ، والعَتَاق، والنكاحُ» (1) وقال أبو عبد الله: الطلاق والعتاق والنكاح يمضي على جده ولعبه، في كتاب الأشراف ثم إن الإجماع على أن من اشترى جارية ثم أعتقها قبل أن يعتقها إن العتق واقع بها، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: في رجل ذكر جارية له وحسن خلقها فأثنى عليه بذلك حتى قال هي جيدة حبيبة حرة الأخلاق أو قال كشبه الحرة إنها لا تعتق بشيء من ذلك حتى يريد بذلك عتقها، قلت: أرأيت إن قال كشبه ومعناه لخلقها وحسن صنيعها؟ قال: فأرى أن تكون حرة على ما وصفت إلا أن تصدقه الجارية على بينة فلا تحاكمه فذلك إليها، فإن قال: ما هي إلا عتيقة فإني أراها تعتق لذلك، فإن قال: كشبه العتيقة فلا أراها تعتق حتى يريد العتق بذلك.
ومن قال لسريته: أنت حرة إن شئت فقال: لا أشاء أن أحبّ إليّ، قال: هي حرة، ومن قال لغلامه: (نسخة عبده) أنت حر من عمل الليلة ولم يرد العتق ولم ينوه فإنه يعتق بذلك.
وكذلك إن قال لعبده هذا مثل الحر فإنه يعتق بهذا القول، ومن غضب على جاريته عنده فقال: أنت ليس بمملوك ولو كنت مملوكا لم تكن كذا فهو مملوكه ولا يعتق إلا أن ينوي بذلك عتقا، وقيل: في رجل مر بامرأة وعندها جارية له فأرادت أن تبتلّ جاريتها وتعظم أمرها فقال: هذه حرة فلم ير بذلك موسى بأسا، قال: إنما تعتق ما قصد إليه.
قال هاشم: وكان في ولايته وارث شبيه بهذا إقراره عتقا وأخرجوهم من الملكة بذلك، ومن قال لغلامه: نصفك حر أو يدك حرة أو رجلك حرة أو أعتق شيئا منه ففي كل هذا يعتق كله.
__________
(1) رواه أبو داود عن أبي هريرة بلفظ: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ»، فِي الطلاق، ر2196. والترمذي مثله، فِي الطلاق واللعان، ر1221. وابن ماجه مثله، فِي الطلاق، ر2117. (8/37)
صفحة 540
وكذلك إن قال: أنت حر اليوم سواء عتق أبدا، وإن قال له: إنما أنت حر أو إنما أنت عتيق، وعن قتادة والربيع أنه بذلك حر، وقال ابن المعلى: في امرأة قالت لغلامها: اعمل هذا اليوم وإذا كان بعد العصر فأنت بقية عشيتك حر قال: إنه حر هذا ليس من الغلت.
قال محبوب: ذلك رأيي ولكني رجوت أن أجد عندك رخصة، ومن قال لغلامه: أنت حر إن شئت فقال الغلام: لا أشاء فقال هاشم: ليس له أن يقول ذلك وهو حر وإن كره وكذلك سمعنا.
وزعم حيان أن خديجة امرأة محبوب قالت: وقد ذكروا استقاء الماء وكانت خادمتهم تستقي لهم فقالت: قد اعتقناها اليوم من القربة، قال: فكتب إليها محبوب أن أمضيها فألزمها العتق، وزعم حيان أن رجلا من بعد إذ كان بينه وبين أخت له كلام في جارية له فوقع بينهما خصومة فقالت: ما هي إلا أمة فقال: نعم هي حرة وإنما أراد أن يقول: نعم هي أمة قال: فكتب إلى مجبر يسأل من عمان وكتب إلى محبوب إلى خراسان فلم يروا عليه في ذلك تحريرا.
وقال: إن سليمان بن عبد الله الغلفي أبو عبد الجبار وعباس أوصى إلى ابنه عبد الجبار أن اعرضوا عن فلانة جارية له سرية فإن أحبت العتق فهي عتيقة وإن كرهت فبيعوها فعرض عليها عبد الجبار بعد موت أبيه قوله ثم قال لها: إنك إن عتقت تزوجك حدَّاق أو نحو ذلك وإن كنت على حالك اشتراك وجوه الناس وأصحاب الأموال فكرهت العتق فباعوها بأربعة آلاف درهم.
قال هاشم: وأما أنا فلا أرى لها ذلك، قال له حواري: أرأيت إن قال: إن أحبت العتق فأعتقوها فكرهت العتق هل تعتق؟ قال: ليس هذا مثل ذلك؛ لأَنَّه قال: أعتقوها وهذا قال: إن أحبت العتق فهي عتيقة، وإن سأل رجل رجلا عن جاريته أو غلامه فقال له: ما هذا الخادم؟ قال: هذا خادم لي عتيق يعني قديم، فعن محمد بن محبوب قال: إن في هذا الكلام لا يوجب العتق إذا حاكمه العبد، ومن قال لوليدته: استقيني يا حرة فعن أبي علي أنه لا بأس. (8/38)
صفحة 541
وإذا قال رجل لرجل: أشعرت أن فلانا أعتق غلامه فناداه الرجل أحق ما يقول هذا الرجل؟ قال: وما ذلك؟ قال: زعم أنك أعتقت غلامك، قال: نعم أو قال: صدق، فقد جاز العتق والطلاق كذلك ، وقال محمد بن محبوب من قال لغلامه: اذهب نازع فلانا إلى الحاكم فإذا خفت أن يحكم عليك فقل أنا حر فلا يعتق الساعة بهذا القول إلا أن ينازع ويقول.
ومن قال لغلامه: أنت حر على وجه الاستفهام ولم يرد عتقا فلا عتق، وإن قال: أنت لحر عتق، وإن قال: ما أنت إلا حر فقد رأيت أنه يعتق إذا أطلق القول.
ومن قال لعبده يا عربي أو قال: أصبحت الغداة من بعض العرب يريد بذلك عتقه عتق وإن لم يرد به عتقه فلا يعتق وإن قال: إذا سألك فلان فقل إني حر ولم ينو بذلك عتقا فإنه لا يعتق، وإن قال: إذا سألك فقل أنا حر وقال: فقل أنت حر فإنه يعتق بهذا القول، وإذا قال رجل عتق جاريته مهرها فكرهت الجارية إن تزوج به فذلك لها وتكون حرة ويستسعيها بقيمتها فإن رضيت أن تزوج به فله وطؤها بلا عدة فإن رضيت أن تزوج به بعد العتق أشهدهم أنه قد زوج نفسه بها.
ومن باشر أمته وهي حائض فلا أراها تعتق ولكن يحرم عليه وطؤها، ومن نكح عبده لم يعتق بذلك، وقال في رجل أخذه عبده في موضع يقدرون عليه فربطوه وأوثقوه ثم قال: أعتقنا وإلا قتلناك فأعتقهم أنهم لا يعتقون فإن حاكموه وقالوا له: احلف ما أعتقتنا فيحلف أنهم عبيده وما خرجوا بعتق، ومن قال لغلامه غلامه هذا حر لله أو لوجه الله فإنه لا يعتق بهذا القول ولكن هذا عندي بمنزلة الصدقة. (8/39)
صفحة 542
فإن قال غلامه هذا سراح لوجه الله لم يعتق؛ لأَنَّ قوله هو سراح ليس بشيء وقوله لوجه الله فهو بمنزلة الصدقة وقوله هو سراح لا يعتق به، ولو كانت لغتهم في العتق حتى يعلم أنه أراد به العتق، وإنما يعتق العبد إذا قصد مولاه إلى عتقه وإن أراد غير ذلك فأخطأ بالعتق فلا شيء في ذلك، وقيل: لا غلت على مسلم وأما إذا تكلم بعتقه وحاكمه العبد لزمه في الحكم ما صح عليه، وعن الشيخ أبي محمد فيمن قال لغلامه: أنت سراح أو قد سرحتك أن العبد يعتق، وقال من قال: في رجل قال لغلامه: أنت حر يعني بذلك العبد أن صلف عليه أن ذلك إلى نيته فإن لم يرد به عتقا فلا يعتق وأما في الحكم فإنه يلزمه إذا صح ذلك عليه.
مسألة:
وإذا قال الرجل لعبده قل إن سيدي قد أعتقني فإنه لا يقع العتق، وإن قال: قل إني قد أعتقتك وقع العتق، ومن قال: إذا بلغ ولده فغلامه حر فمات الولد قبل البلوغ فلا يعتق غلامه، ومن أدب غلامه فجرى منه فقال السيد: أنت حر لوجه الله إن لم ترجع إليّ حتى أؤدبك لم يعتق، ومن قال لغلامه: عتقك في يدك متى شئت فاعتق نفسك قال العبد: قد أعتقت نفسي فإنه قد عتق، ومن قال عبده لله ولم يرد به العتق فلا شيء وإن أراد العتق عتق، ومن قال لعبده: أنت سراح لوجه الله أو أنت سراح لله فإني أراه يعتق، ومن كان له على رجل حق فطالبه به فقال: إن لم أعطك إلى قوت كذا أو إذا فغلماني أحرار فمات الغريم قبل مجيء الوقت ففي عتقهم اختلاف، قال ابن محبوب: لا يعتقون، وقال غيره: يقع العتق، ومن قال عند الوفاة: جاريته إذا مات لوجه الله فيما كان لوجه الله فهو تحرير وأجازوا تحريرها، ومن قال لعبده: أنت سراح لوجه الله فإني أراه يعتق.
مسألة: (8/40)
صفحة 543
من أثر: ومن سأله سلطان جائر عن عبيده فقال: لمن هؤلاء؟ فقال: هؤلاء أحرار وخاف إن أقرّ أنهم عبيده غصبه السلطان إياهم فالعتق ماضٍ على إرسال القول إلا أن ينوي أحرار من العفة، ومن سأله سائل من سلطان أو عامة عن عبد له فقال للسائل: إنه حر وأهمل النية مرسلا بالقول فقد وجب العتق في الحكم وفيما بينه وبين الله ولو لم يقصد نيته لعتقه ولا أراده حتى ينوي في نفسه مع قوله إنه حر، يريد حرا في نفسه وفعاله فإذا نوى ذلك كان الحكم عليه بالعتق، وأما فيما بينه وبين الله فلا يعتق حتى يرسل القول بغير نية.
ومن كان عارفا بهذا العتق لهذا العبد فلا يسعه السكوت عن الإنكار على من يلزم العبد العبودية وعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهذا منكر عظيم رد الأحرار في الملكة بعد العتق وعلى من علم أن العبد حر أن يعلم العبد ويشهد له بهذه الشهادة وينكر على من أعتقه التعدي عليه بما لا يحل له منه وهذا واجب على من علمه أن لا يكتمه ولا يركن إلى الباطل فيهلك.
وتسليم الرجل على أمته أو على معتقه لا ينقل كل واحد منهما عن حكمه الذي كان عليه قبل ذلك إلا أن ينظم إلى قضي السلام العتق في الأمة خاصة فإذا اجتمع لفظ غير لفظ العتق وأراد به الحرية حينئذ يقع الاختلاف بين الفقهاء فيه والحرية لا تقع إلا بنفس لفظها لا خلاف، ومن قال لأمته أنت طالق ففيه اختلاف، قال بعض: تعتق وهو قول جابر وقال: يستخدمها فإذا مات عتقت، وقال بعض: هي مملوكة كغيرها من المماليك والقول الأوسط أوسطهما عندنا والله أعلم، ومن دخل عليه شك في عتق عبيده أو تحريم حلاله فإن ما تيقن ملكه عليه لا ينتقل عنه بشك ولا يزيل اليقين إلا بيقين مثله.
مسألة:
ومن أخذ من عبد لرجل دراهم فاشتراه بها لنفسه وأعتقه فإنه لا يعتق، وإن اشترى العبد لنفس العبد من سيده بالدراهم التي دفعها إليه العبد أنه يعتق.
مسألة: (8/41)
صفحة 544
ومن قال لعبده أنت حر وعليك ألف درهم فهو حر ولا شيء عليه، وإن قال: أنت حر على أن تعطيني ألف درهم فهذا مختلف فيه وإذا قال: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت حر فله شرطه ويعتق إذا أعطاه قبل المولى ذلك أو لم يقبل، ومن كان له عبد فقال لزوجته: هذا عبدك فقال: قد أعتقته فإن كان قوله هذا سؤالا منه لها أو تعجبا لم تعتق، وإن كان قوله لها هذا عبدك إقرارا منه لها فأعتقه وقع العتق والله أعلم، ومن قال: غلامي مثل فلان وفلان الذي ذكره حر فلا أعلم أن هذا من كلام العتق إلا أن يريد بذلك عتقا والله أعلم، ومن قال لغلامه: أنت حر إن شئت فقال: لا أشاء فعند أصحابنا أنه يعتق؛ لأَنَّه ليس له أن يرد نفسه إلى الرق وذلك معصية لا يثبت على العبد بعد عتقه كذلك قالوا، وقال: هو إنه يعتق، وسل، ومن قال لغلامه (نسخة لعبده) أنت سراح لوجه الله أو أنت سراج لله فإني أراه يعتق، ومن قال لغلامه: أنت سراح أو قد سرحتك أن العبد يعتق.
مسألة:
وقالوا من مثل بعبيده من قطع أذن أو خرم أنف فقد عتقوا، وقال هاشم: من ضرب عبده بشعلة نار عتق، وقال الأزهر وموسى: حتى تؤثر النار، وقال مجبر: فيمن قطع أنف غلامه أو أذنه أو فقأ عينه أو قطع يده أو رجله أو أشباه ذلك قال: ما أراه إلا مثل به إلا حراً، ومن جدع أنف غلامه عتق، ومن فقأ عين غلامه أو مثل به عتق، ومن اتهم غلامه بسرقة فأسخن سكينا في النار ثم وضعه على لسانه أو أمر من فعل ذلك فإذا أثرت النار في لسانه شيئاً أو تغير من ذلك كله ولم تؤثر أو أثرت فيه ولم يتغير كلامه فإني أراه يعتق بذلك، وقال موسى بن علي: فيمن قطع أصبعا من عبده إن تركه إذا قطع أصبعه عسى أن يكون أسلم له والله أعلم.
مسألة: (8/42)
صفحة 545
ومن خرم أنف عبده أو خرم أذنه أو طعنه بمخاط أو بما أدنى من ذلك فأنفذ أذنه أو شفته أو كفه أو بطنه أو شيئاً من جوارحه فإن الذي خرم أنفه أو أذنه فإنه يعتق وإن طعنه بمخاط فأنفذه فالتأم فلا أراه يعتق بهذا القول؛ لأَنَّ هذا ليس هو مثله فإن لم يلتئم النافذة فالله أعلم، ومن حلق رأس جاريته فإنه ينهى عن ذلك فإن هذا مثلة ولا تترك في يده ولكن تباع من غيره ويعطى ثمنها.
قال أبو عبد الله: إن كانت من ذوات الشعور المرسلة ولم ينبت عتقت فإن نبت فقد أساء ويستغفر ربه.
مسألة:
ومن قطع أذن عبده أو منخره من المارن أو حشفة إحليله أو قطع يده عتق، ومن كان له عبد يفر فقطع عصبة من ساقه لئلا يفر فصار فيه عرج فقد عتق العبد، ومن قيد عبده فقطع القيد كعبه وبقي به فإنه لا يعتق.
مسألة:
ومن رهن عبدا ثم أعتقه فالعتق جائز ويرتجع عليه المرتهن بحقه وإن باعه أو وهبه فالبيع والهبة يفسدان هذا على قول من رأى رهن الحيوان ومن لم يره فإنه لا يجيز ما صنع فيه إذا كان غير رهن.
أجمع قومنا فيما وجدت عنهم أن من قال لأمته: أنا منك ونوى عتقها لم تعتق، وقال بعضهم: إنها تعتق.
مسألة: (8/43)
صفحة 546
ومن ضرب عبده فكسر منه جارحة فعند أصحابنا أن من ضرب عبده بضرب مثل به عتق وعندي أنه إذا كسر يده فقد مثل به، وإن ضربه فعوره أو أصمه أو قطع جماعه فإنه يعتق على العمد والخطأ، وإن كسر يده أو رجله ثم باعه على موضع لا يقدر على رده ولم يكن على علم أنه عتق أو باعه في بلد ثم مات العبد فإنه يجتهد في طلبه فإن لم يقدر عليه أو مات فإنه يعتق مثله وإن عقره فمات من الجرح وكان جرحه متعمداً فعندي أنه مثله والله أعلم، وإن جرحه فعرج فقد عتق فإن باعه فعليه خلاصه من الرق ولا يعتق في الخطأ، فإن كان العبد قد مات أو هرب فلم يعلم موضعه فإن مات وقد باعه فعليه التوبة وعتق رقبة بمثل ثمنه الذي باعه وليشهد بعتق العبد على عيبه ويسأل عنه، ومن قطع من عبد عضوا أو عور له عينا متعمداً أعتق، ومن ضرب مملوكه بالنار فأثر قليلا أو كثيرا متعمدا فذلك مثله، وإذا مثل به عتق، فإن ضربه خطأ لم يعتق حتى يجتمع في ذلك ديته إن عور عينه متعمدا فقد مثل به وعتق ولا يعتق في الخطأ حتى يجتمع في ذلك ثمنه، ومن عور عبده أو غشمه أو سمه أو وسمه فعليه عتقه، ومن كواه لغير علة فذلك كي مثلةٍ، وإن ضربه فأذهب سمعه أو بصره أو قطع يده عتق وكذلك من مثل بعبده عتق والمثلة إن عور عينه أو قطع أذنه أو أنفه أو يده أو رجله أو أصبعه أو تغشمه متعمداً أو يحرقه أو يكويه بالنار بغير علة ومثل به أو يشويه متعمداً ففي كل هذا يعتق، وأما في الخطأ حتى يقع أثر تجتمع دية العبد كاملة ثم يعتق، وإن ضرب عبده ضرب أدبٍ لم يلزمه شيء وإن تعدى وزاد على ذلك كان آثما.
مسألة: (8/44)
صفحة 547
ومن قال لغلامه: أنت حر إن خدمتني فخدمه برأي المولى أو برأي العبد فإنه يعتق، فإن قال له: أنت حر استخدمتك فخدمه العبد برأيه لم يعتق وإن أمره المولى عتق؛ لأَنَّه فعل ما أمره المولى أو فعل غير ما أمره به إذا كان قد أمره كأن أمره أن يأتي إليه بطعام فأتى إليه بماءٍ فهو مخالف لما أمره ويعتق؛ لأَنَّه قد أمره، ومن قال لغريمه: إن لم أعطك حقك إلى شهر فغلماني أحرار فمات قبل الشهر، فعن موسى بن علي قال: نرى أن غلمانه أحرار؛ لأَنَّه لم يعطه، ومن كان له حق على رجل فطالبه به فقال: إن لم أعطك حقك إلى وقت كذا فغلماني أحرار فمات الغريم قبل مجيء الوقت فمختلف في عتقهم، قال محمد بن محبوب: لا يعتقون، وقال غيره: يقع العتق، ومن طلق سريته فبعض قال: تعتق من حينها وبعض قال يستخدمها، ومنهم من قال: لا شيء عليه حتى ينوي بذلك الطلاق عتاقا، ومن قال لغلامه لا يملكه علي أحد من بعدي أو قال لا يستخدم بعدي ثم هلك فهو حر، ومن قال لجاريته إن نكحتك فأنت حرة فإن هذا لا يقع على الجماع، وهذا على مقاصد الناس والعرف بينهم، ومن قال لجاريته بكر: إن افتضضتك فأنت حرة فافتضها بأصبعه لم تعتق؛ لأَنَّ ذلك عقر وليس بافتضاض على ما يعرفه الناس.
مسألة:
ومن اشترى من رجل غلاما إلى أجل فقال البائع: إن أخاف أن لا توفيني، فقال المشتري: إن لم أوفك أو لم آتك إلى الأجل فالغلام حر وإن المشتري أتى البائع بحقه فوجده قد مات فعن العلا أن الغلام مملوك إذا جاء بالحق إلى الأجل، وقال ابن أبي حذيفة: مثل ذلك وزعم أنه يحفظ أن المتابعة بين الأحياء ليست بين الأحياء والأموات، وقال مسبح: إذا جاء بالحق إلى الأجل فالغلام مملوك.
مسألة:
قال أبو حنيفة: إذا قال المولى لأمته أنت طالق ينوي العتاق لم تعتق وكذلك إذا قال: أنت بائن أو بائنة، وقال الشافعي: إنها تعتق، ومن أصحابنا فيها اختلاف وهي في آخر هذا الجزء إن شاء الله.
مسألة: (8/45)
صفحة 548
وإذا طلب رجل إلى رجل أمة له ليتزوجها ثم قال له: إنها أمة ولا أتزوجها، فقال المولى: لا ما هي أمة هي حرة فقد عتقت وإن يتزوجها الطالب، فإن باعها فعليه استرجاعها كيف قدر، ومن قال: إن اشتريت فلانا فهو حر ثم اشتراه فما نرى عليه عتقا، وكذلك لو قال: إن اشتريت دار فلان فهي صدقة فاشتراها فما نرى فيها صدقة، وإذا قالت امرأة إذا تزوج زوجي بعد موتي فغلامي فلان حر أو أحج غلامي فهو حر، فتزوج زوجها أو أحج عبدها بعد موتها فإن العتق يقع على البعد؛ لأَنَّه بمنزلة التدبير، ومن قال: كل غلام اشتراه فهو حر ثم اشترى غلاما فإنه لا يعتق، قال الشافعي: وهكذا كل لفظة صح استعمالها في الطلاق من التصريح والكناية فإنها كناية في العتق، وقال أبو حنيفة: لا يقرن شيء من الكناية في العتق إلا قوله لا سلطان لي عليك ولا ملك لي عليك.
الباب الثالث: في الولاء
الولاء مصدر (ولي) والولاء في العون وفي العتق ممدود، والولاء من المطر مقصور يكتب بالياء، يقال هم عليه (ولي) ولاية أي عون، وقد قال الحرث: الولاء مصدر المولا من تحت، الحارث بن حلزة:
زعموا أن كل من ضرب الغير *** موال لنا ونحن الولاء (8/46)
صفحة 549
كل من ضرب الوتد إلى هذا المكان أولياؤنا، ومعناه ومن الولاء وإنا أصحاب الولاء فحذف الأصحاب وأقام الولاء مقامه، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لُحمَةُ الوَلاَءِ كَلُحمَةِ النسبِ لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ» (1) ، وعن ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الولاء وهبته. وعنه - عليه السلام - أنه قال: «لا ولاء إلا لمعتق» (2) ، ومن أعتق عبدا فولاه لمن أعتقه ألا ترى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ»، واتفاق الناس إلا من شاء الله الولاء لمن أعتق، قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بريرة حين اشترتها عائشة لتعتقها فاشترط البائع ولاها فقال: إن « الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ» وأبطل الشرط، وقال من قال: من أعتق عبدا فهو مولى له ولقومه يعقل عنهم ويعلون عنه في الجنايات والخطأ فإن كان له أب قد أعتقه قوم آخرون جر أبيه ولاءه إلى موالي الأب، فإن كان أبو الأب لقوم آخرين جر أبو الأب ولاء أبيه إلى مواليه وجر ابنه أيضا فصار ولاؤهم كلهم لموالي أب الأكبر يعقل بعضهم عن ولاء بعض، وقال بعض: إن ولاء كل واحد لمن أعتقه وهذا الرأي أحب إليّ.
مسألة:
اختلف في الولاية فقال بعضهم: الأولاد أولى بالولاء، وقال بعضهم: الأخوة والعشيرة أولى بالولاء من الأولاد، وزعم مسبح أنه مع من قال بالولاء للأخوة والعشيرة.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بمعناه، باب (46) فِي المواريث، ر666. والبيهقي عن الحسن وابن عمر بلفظ قريب، فِي كتاب الفرائض، ر12755، وكتاب الولاء، 21958-21961.
(2) انظر حديث: "نهى عن بيع الولاء وهبته"؟ وحديث: "الولاء لمن أعتق". (8/47)
صفحة 550
عن الأسود عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولاء لمن أعطى الورق» (1) وقيل: لا يجر ولاهم، والأم لا تجر ولاء بنيها إلى مواليها وولاءهم لمواليهم إلا أن يكون أبوهم مملوكا أو مات مملوكا فيكون ولاها وولايتها إلى مواليها فإن كان العبد وهو الأب مات عبدا وأبوه حر فقد قيل: إن العبد يجر ولاء بين ابنه فيكون ولاها وولي بنيها إلى مواليها، وإن كان العبد وهو الأب فقد مات عبدا وأبوه حر فقد قيل: إن العبد يجر ولايتي ابنه يكون مواليها لمواليه، وإن كان العبد بين رجلين فأعتقاه جميعا وكل واحد منهما من قبيله فولاه لهما جميعا ولقومهما يعقل عنهما ويعقلان عنه، وكذلك إن كان ثلاثة فيتحول ولاه إلى ولاهم كما يتحول مع الواحد في رأي من رأى أن الولاء للأب، وإن كان الولاء لامرأة لعصبتها وهم قومها وليس ذلك لأولادها إلا أن يكونوا من عصبتها وإن كان الذي أعتق ذميا فالولاء له ولقومه ومن لم يعرف له أب في الأحرار وكان الذي أعتق أمه أو أم أمه أو جدة أمة وإن بعدت حتى تناسلوا منها فلا يعرف لهم أب حر كان جميع أولاد تلك الأمة موالي الذي أعتق جدتهم (نسخة جدهم) أو أمهم ولزمهم أن يعقلوا عنهم، وإن كان له شريك في المعتق عقل عنه كل قوم بعد رخصة صاحبهم من العتق على قدر المعتقين.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن عائشة بلفظه، باب بيع الولاء وهبته، ر2399، 2/896. والنسائي (المجتبى)، عن عائشة بلفظه، باب خيار الأمة قوما وزوجها حر، ر3449، 6/163. (8/48)
صفحة 551
وولاء المكاتب لنفسه إن « الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ»، وإن أعتق العبد اثنان أو ثلاثة فولاه لهم جميعا، فأما إن كانت الأمة معتقة وولدت أولاداً أو تناسلوا ولا يعلم لهم أب ولا أحد أعتقهم فقد قيل إنهم موالي لمن أعتق أمهم، وإن كان عبد بين اثنين قد بر أحدهما حصته فلما بلغ صاحبه أعتق نصيبه فعلى من أعتق أن يرد على الذي دبر قيمة حصته من العبد مدبراً ويرجع العتق على من دبر بقيمة ماله ما أنقص ذلك ما بين القيمتين، وقال قوم: الولاء لمن دبر، وقال قوم: «الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ».
مسألة:
و« الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ» ويكون مولى له يعقل عنهم ويعقلون عنه لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «لحمة الولاء كلحمة النسب لا تباع ولا توهب»، تعقل في جنايات الخطأ ولا ميراث بينهم عند أصحابنا والميراث لذوي الأرحام، وإذا أعتق رجل عبدا وله ولد عند قوم ولولده ولدا مملوكا عند آخرين فأعتقوا كلهم فإن ولاء كل واحد لمن أعتق، وقيل: إن الأب الأكبر يجر ولاءهم وكذلك فيه نظر فانظر فيه، وأما الأم فلا تجر الولاء إلى مواليها وولاهم لمواليهم غيرها ولمن أعتقهم وبالله التوفيق، اختلف الناس في الولاء منهم النساء سلم الرجال لا فعال الآلية ليس للنساء في الولاء شيء إلا ما أعتقن هُنَّ أو أعتق من أعتقن، وقال الأقل: أن ليس من الولاء مثل.
مسألة:
اختلف الحكام في الولاء فمنهم من رأى الحكم فيه ودعا عليه بالبينة على كل حال، ومنهم من لم ير ذلك إلا أن يتزوج امرأة من العرب فتطلب هي وأولياؤها وتكون دية لزمت فوجبت على العاقلة فإن موالي القوم يعقل عنهم ويعقلون عنه من دية الخطأ فإنه يسمع عليه وليس في الولاء إيمان إذا قامت عليه بينة بالولاء وقامت له بينة من العرب فبينته بأنه من العرب أولى من بينة الولاء، وكذلك لو قامت بينة أنه عبد وقامت بينة أنه حر كانت بينة الحربية أولى. (8/49)
صفحة 552
والولاء ولاء عتاقة وولاء صليبة فأما العتاقة فما صح أنه أعتقه أبواه (نسخة أبوه) أو جده أو ابنه فولاه لمن أعتقهم وقولنا أن الولاء للأب حيثما تحول جر ولاء أولاده، ومن لم يعرف له أب ولا جد حر فولاه فمن أعتقه وإن كانت أمه أعتقت ثم ولدته فولاه لموالي أمه إذا لم يعرف له أب حر، وأما ولاء الصليبة فما كان جاهليا لا يعرف أوله ولا أصله بالإقرار أو شهادة عن شهادة، وفي كل ذلك تجوز الشهادة والشهادة عن الشهادة وتجوز فيه شهادة الرجال والنساء.
فصل:
هو الولا والولاء والولاية مصدر المولى والولاية مصدر الموالاة وهي الأمارة أيضا، والولاية مصدر الوالي وهي الموالاة أيضا، والولاية مصدر والولي ولي الإنسان وقيل اليتيم، والمولى ابن العم والولي أيضا والعبد أيضا، والموالاة اتخاذ المولى والولي اتخاذ ابن العم وفي الموالاة اختلاف كثير في الميراث، وقيل: إن رجل أتى عليا ليواليه فأبى عليٌّ أن يقبل ذلك فأتى ابن عباس فولاه، وليس للمعتق موالاة العربي لو أن عتيقا والى رجلا من العرب لم يجز ذلك ولم يكن له أن يتحول عن ولاء الذين أعتقوه، وكذلك لو أن رجل من العرب ولى رجلا لم يكن ذلك بشيء.
الباب الرابع: في المدبر (8/50)
صفحة 553
التدبير مأخوذ من الدبر؛ لأَنَّ السيد أعتقه بعد مماته والممات دبر الحياة فقيل مدبر ويقال أيضاً أعتقه عن دبر، ولا يقال ذلك في غير العبيد ولو جعل فرسا (نسخة قرشا) في سبيل الله أو نخلاً أو داراً بعد وفاته لم يجز في اللغة أن يقع على هذا اسم تدبير ولا يقال فرس (نسخة قرش) مدبر ولا نخل مدبر، وليس اللغة بقياس ولو كانت بقياس لكان قياس ذلك واحداً ولا يجوز بيع المدبر؛ لأَنَّ الحرية قد لحقه حكم من أحكامها وهو ما علق عليه منها بصفة موت سيده، وبيع المدبر عند أصحابنا لا يجوز ووافق على ذلك أبو حنيفة واحتج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المدبر ويقول ابن عمر: لا يباع المدبر ولا يوقف ولا يورث، وأجاز بعضهم بيعه لسيده إذا كان مديونا، واشترط صاحب هذا الرأي أن يكون المشتري لا يخرجه من بلد المدبر له والأول هو الذي يوجب النظر عندي؛ لأَنَّ البيع يقع مجهولا، ومتى ثبت في البيع الجهالة بطل باتفاق، ولا يخلو أن يكون البيع وقع على رقبة العبد والاستخدام فلما كان بيع الرقبة لا يجوز باتفاق منهم كان بيع الخدمة لا يجوز أيضا؛ لأَنَّ الخدمة منه عرض معدوم لا يعلم مقدار ذلك البائع ولا المشتري ولا كم يتحصل مما وقع عليه البيع من الخدمة والاحتجاج على هذا الرأي كثيرا وبالله التوفيق.
مسألة: (8/51)
صفحة 554
ويدل على صحة ما قلناه أن بيع المدبر لا يجوز من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأما من الكتاب قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} (1) وهذا عقد يجب الوفاء به، ومن دبر شيئا من عبد صار العبد كله مدبرا كذلك من أعتق بعضه عتق كله هو طاعة لله يجب الوفاء به وأما الدلالة من السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - : « أمّ الولدِ تُعتَقُ بِمَوتِ سَيِّدِهَا» (2) فلما كانت تعتق بموت سيدها بسبب ولدها منه كان المدبر يعتق بموت سيده بسبب تدبيره له ووجب أن يستوي حكمهما وأيضا فإجماع الأمة أن الولد في حال حملها لا يباع يدل على ما قلناه والله أعلم، وادعى بعض فقهاء مخالفينا الإجماع من الناس على إجازة بيع المدبر في دين سيده إذا مات وعليه دين يحيط بجميع قيمة العبد والله أعلم بصحة الخبر، وقيل: له أن يبيعه لمن يعتقه أو في دين عليه إذا لم يكن له مال غيره وإنما يبيعه على أنه مدبر فإذا مات هو عتق العبد عند المشتري، وكذلك إن باعه لنفسه فهو جائز، فإن مات السيد قبل أن يؤدي الغلام إليه الثمن، كان الثمن لورثته؛ لأَنَّه إنما اشترى نفسه على أنه مدبر.
مسألة:
فإن قال قائل في قول الله تعالى: { أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} هي العقود الواجبة دون غيرها؛ لأَنَّ الألف واللام لا يدخلان إلا في الجنس أو في المعهود، قيل: قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} يشتمل على كل عقد وإذا كان كذلك فكل ما وقع عليه اسم العقد والوعد فواجب الوفاء به بالكتاب والسنة إلا عقدا أقامت الدلالة بتخصيصه، وقد قال بعض أهل العلم أن الألف واللام إنما يكونان للجنس المعهود وإذا دخلتا على الاسم المعهود دون غيره.
مسألة:
__________
(1) سورة المائدة: 1.
(2) رواه البيهقي عن عمر مرفوعا بمعناه، فِي كتاب عتق أمهات الأولاد، ر22323. (8/52)
صفحة 555
واختلف أصحابنا في بيع المدبر فقال بعضهم: بيعه جائز في العتق وثبوت الرق عليه والتدبير عتق بصفة ما لم تقع الصفة فالرق ثابت والبيع جائز، وقال آخرون: لا يجوز بيع المدبر إلا للعتق ويجوز بيعه عند هؤلاء في الدين ويكون في المصير الذي يكون فيه المدبر عليه، وقال بعضهم: لا يجوز بيع المدبر على حال لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} وهذا عقد عقده المدبر على نفسه وفيه حقان أحدهما للمدبر والآخر لله تعالى عز وجل.
مسألة:
قال أبو عبد الله: لا يجوز بيع المدبر إلا في دين إذا لم يكن له غيره وإنما تباع له خدمته أيام حياته وبيعه في البلد وهو بيع مجهول فإن نقضوه انتقض وإن أتموه جاز، وفي موضع آخر قال أبو عبد الله: يجوز بيع المدبر لمن يعتقه من حينه؛ لأَنَّ العتق من حينه خير له من التدبير، وعنه أيضا أن بيعه للعتق جائز وبيعه في الدين جائز إذا لم يكن له مال غيره فإذا مات فهو حر، ويشهد على تدبيره عدولا فإن كان له معه مال فلا يجوز له بيع خدمته أيام حياته والبيع منتقض، وإذا باعه في الدين ولا مال له فلا يبيعه أيضا إلا في بلده.
مسألة: (8/53)
صفحة 556
ومن دبر عبدا له في صحته فهو من رأس المال وفي المرض من ثلث المال، فإن دبره في مرضه على أحد ورثته ثبت التدبير وتكون الخدمة بين الورثة، فإذا مات المدبر عليه عتق ولا تثبت الخدمة لمن دبر عليه من الورثة وإن دبره على غير وارث ثبتت له الخدمة إذا كان العبد يخرج من ثلث مال المدبر ومتى مات المدبر عليه عتق المدبر خرج من الثلث أو لم يخرج وأما الخدمة فإذا لم يخرج في الثلث كانت خدمة المدبر بين المدبر عليه والورثة بالحصة فيما تخرج فيه (نسخة بين) الوصية كان ثلثا أو ربعا أو أكثر فإن دبره على اثنين وجعل خدمته بينهما فمات أحدهما فلا يعتق حتى يموتا جميعا فإذا مات أحدهما فالخدمة للباقي منهما؛ لأَنَّه جعله مدبرا عليهما ولم يجعل لكل واحد منهما شيئا معلوما فعليه خدمتهما إلى مماتهما فمن مات منهما فقد انقضى الذي له والخدمة للحي منهما إلى أن يموت، فإن احتاج المدبر إلى بيع المدبر لم يجز له؛ لأَنَّه إنما له الخدمة وليس له الرقبة وبيع الخدمة مجهول لا يعلم المشتري ما يحصل له منها فلهذا لم يثبت، ووجه آخر أن البيع يثبت الملك ويزيل التدبير قيل: فإن أشهد أنه إنما يبيعه على أنه مدبر قال: يمكن أن يموت الشهود والمشتري والبائع ويأخذ الورثة العبد بتصرف المشتري في رقبته، وأيضا في الله تبارك وتعالى أوجب عليهم الوفاء بقوله: { أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} وقال تعالى: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (1) فمن عقد على نفسه عقدة وكان طاعة لله وجب عليه الوفاء بها فمن هذه الوجوه لم يثبت بيعه وإن كان بعض قد أجاز بيعه في الدين فإنا لم نبصر عدل ذلك لما بيناه من فساده وبالله التوفيق.
اختلف الناس في بيع خدمة المدبر فقال بعضهم: يجوز ومنهم مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وكره ذلك عطا وأجاز ذلك سعيد بن المسيب والزهري والنخعي، وبالأول يقول: أصحابنا؛ لأَنَّه مجهول.
مسألة:
__________
(1) سورة الصف: 2. (8/54)
صفحة 557
وقال محبوب: جناية المدبر جناية العبد غير مدبر ولا طلاق للمدبر في حياة سيده إلا بإذنه ولو مات المدبر مات عبدا وميراثه لمولاه إنما يعتق بعد موت السيد وكان جابر لا يرى المدبر إلا من الثلث وما ولده في حياته فهم عبيد، وقد يجعل الرجل النخل صدقة من بعد موته فيأكل ثمرتها ويزرع فسيلها فيغرسه في أرضه فيكون ذلك جائزا له، وإن كانت المدبرة حبلى فولدت بعد موته فهو بمنزلتها.
مسألة:
ومن دبر عبدا له في صحته ثم مات وعليه دين يحيط بالعبد فإنه يعتق ولا يستسعيه الغرماء في قمته بحقوقهم، ومن كان له غلامان فدبرهما وهو يومئذ له يسار ثم ركبه دين فمات ولم يترك وفاء لدينه فليس للغرماء عليهما سبيل؛ لأَنَّه دبرهما في صحته، والمدبر إذا اشترى نفسه من سيده بثلاثمائة درهم مائة درهم نقدا والماتئان ببينة فمات المولى قبل العبد فعلى العبد للورثة الباقي من الثمن؛ لأَنَّ السيد إنما باعه نفسه على أنه مدبر والله أعلم، ومن دبره مولاه وفي يده تجارة المولى بها عارف فصيرها المولى له ثم إن المولى (نسخة) المدبر مرض فأوصى ببعض ما في يده للفقراء أو غيرهم وكره ذلك المولى ثم عوفي وأراد ذلك المولى الرجعة في المال الذي صيره فله أن يقبضه أو ينزعه منه وهو له حلال؛ لأَنَّه ما دام في ملكه فماله وهو له حلال، ومن دبر عبده هذا فهو عبده ولا يعتق، ومن قتل مدبرا قال أبو الوليد: على القاتل ثمنه أو عبد مثله فإن أخذ عبدا مثله فإني أحب له أن يكون ذلك العبد مدبرا فإن لم يفعل فهو مملوكه ولا تدبير عليه، وعلى القاتل عتق رقبة والمدبر والمدبرة إذا سباهما العدو واشتراهما مولاهما الأول فهما على تدبيرهما.
مسألة: (8/55)
صفحة 558
وإذا شهد شاهد على رجل أنه دبر غلامه وشهد عليه الثاني أنه أعتقه فإن كانا عدلين فالغلام مدبر يعتق إذا مات السيد، ومن قال في مرضه: إني كنت دبرت غلامي في صحتي فإنه يكون من ثلث ماله، ومن دبر عبده فليس له بيعه، وقيل: بيعه لمن يعتقه أو في دين عليه إذا لم يكن له مال غيره وإنما بيعه على أنه مدبر فإذا مات هو عتق العبد من يد المشتري، وكذلك إن باعه لنفسه فجائز، ومن دبر نصيبا له في عبد فقال شركاؤه إنا نريد أن نبيع غلامنا وقد أفسدته علينا أو كان يتيما لا مال له فإن كان شريك المدبر يتيما نودي على العبد فإن كان تدبيره ينقص من ثمنه رد المدبر على اليتيم حصته من النقصان مما قومه العدول وهو غير مدبر، فإن كان المدبر مدركا فباعه فقال من ينظر ثمنه إن عليه في ذلك مضرة لحال تدبيره فله ما أرى عليه فيه المضرة والله أعلم، وله حصته في العبد، قال أبو المؤثر: إن أراد الشركاء بيع العبد حكم على الذي دبره أن يأخذه بقيمته يوم دبره برأي العدول ولا ينادى عليه وإن استخدموه أو استعملوه من بعد ما علموا أن الشريك قد دبره ثم أرادوا بيعه فليس لهم على الشريك تبعة وهو بحاله فإن مات العبد قبل المدبر فليس على الذي دبره بيعه، وإن مات الذي دبر قبل العبد فالشركاء بالخيار إن شاءوا تبعوا العبد في قمته بقدر حصتهم، وإن شاءوا رجعوا على مال الهالك بقيمة العبد بقدر حصتهم ولورثة المدبر أن يرجعوا على العبد بقدر ما أخذوا الشركاء من مالهم يستسعونه ودينا لهم عليه، وإن كان يتيما قوم برأي العدول، قال أصحاب أبي حنيفة: عتق المدبر من الثلث وبه قال زيد بن ثابت: واتفق عليه فقهاء الأمصار وقال ابن مسعود ومسروق وابن النعيم: إنه من جميع المال، ودليلنا في ذلك ما روى نافع عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المدبر من الثلث» (1) ،
__________
(1) رواه ابن ماجه عن ابن عمر بلفظه، كتاب العتق، باب المدبر، ر2514، 2/840. (وقال: وليس له أصل)..والبيهقي مثله، باب المدبر من الثلث، ر21362، 10/314. (8/56)
صفحة 559
ومن قال في مرضه: غلامي مدبر ولا يملكه أحد بعدي أو لا يملك بعد موتي، قال موسى بن علي: هو حر لا يملك بعد موته أو قال: لا يستخدم بعدي ثم هلك فقد قيل في كل هذا إذا مات فالغلام حر، ومن دبر شيئا من عبده صار العبد كله مدبرا، وكذلك العتق، وإذا قال رجل لعبده لا يملكه عليّ مالك فهو كقوله هو مدبر، وهو موقوف وهو كله من ألفاظ التدبير، ومن أثر عن أبي علي فيمن قال غلامه لا يملك أو لا يملك عليه أو لا يملك معه أو لا يملكوه إن هذا كله لا يقع عليه عتق ولا تدبير، إلا أن يقول غلامه هذا لا يملك بعد موته أو بعد وفاته أو لا يملكه مالك بعده فإن هذا يكون تدبيرا إذا مات عتق، فإن قال: لا يملكه فلان فهذا ليس بتدبير أو قال: لا يستخدم بعدي ثم هلك فقد قيل في كل هذا إذا مات فالغلام حر.
مسألة: (8/57)
صفحة 560
اختلف أبو حنيفة وابن أبي ليلى في عبد بين رجلين فدبر أحدهما نصيبه، قال أبو حنيفة: يكون العبد كله مدبرا ويضمن الذي دبر لشريكه بمنتصف قيمته فإذا مات كان العبد حرا وإن بلغ الشريك إن شريكه قد دبر نصيبه فدبر أيضا هذا نصيبه كان مدبرا وأيهما مات صار العبد حرا واستسعاه الحي بنصف قيمته مدبرا، وقال ابن أي ليلى: هو مدبر كله من مال الذي دبره أولا ويرد على شريكه نصف قيمته، وقال بعض أصحابنا: يرجع الشريك على الذي دبر العبد فيأخذ منه قيمته ما يرى العبد ولأنه دخل عليه في الضرر بتدبيره إياه ثم هو بحالة بينهما إلى أن يموت الذي دبره، فإذا مات عتق العبد ويرجع الشريك بقيمة ما كان له في العبد مدبرا في مال الذي دبره وعتق كله من ماله، وقال أبو حنيفة: فإن دبره أحدهما فلما بلغ الآخر عتق نصيبه فإن الذي دبر نصيبه أن يرجع على الذي أعتق بنصف العبد مدبرا، وقال بعض أصحابنا: يرجع المدبر على الذي أعتق بقيمته ما كان له ويعتق العبد من مال الذي أعتقه ويرجع المعتق على شريكه بقيمة ما ضره في العبد أولى بتدبيره إياه من قبل أن يعتقه فكأنه يرجع عليه المعتق بقيمة ما كان له مدبرا وكذلك رأيي.
مسألة: (8/58)
صفحة 561
ومن أقر بتدبير جارية له بعد أن باعها وصارت ملكا لغيره فهذه جارية قد لزمته في ماله وعليه أن يعالج خلاصها فإن أدرك ذلك فهي أولى بالتدبير وإن مات فليوص في ماله، ومن دبر أمته فلا بأس عليه في وطئها، وأما إذا كان عليه دين فباعها فيه فقيل ليس للذي يشتريها أن يطأها وقال بعض: له وطؤها والقول الأول أكثر، وكذلك الذي يقول يوم يموت فجاريته حرة أو يوم يقدم فلان فهي حرة فذلك لا يطأها فإن وطئها في يوم وسلم أن يموت فيه أو يقدم فلان فأرجو أنه لا يطأها حراما والذي لا بأس عليه في الوطء الذي يقول إذا مت فهي حرة، ومن قال لجاريته إن لم أخرج إلى مكة فأنت حرة ثم لم يخرج أو قال: لا أخرج فليستخدمها حتى يموت ثم تعتق ولا يطأها، وقال محمد بن محبوب: من قال لجاريته يوم يموت فهي حرة فليس له أن يطأها وله أن يستخدمها وإنما يطأ من يقول إذا مت فهي حرة فإن وطئ (نسخة) الذي إذا جعلها حرة يوم يموت فلها عندنا صداق مثلها عليه فأما إن وطئها هي غير اليوم الذي وطئها مات فيه قبل موته بيوم أو أيام فلا نرى لها عليه صداقا ولا عقرا وقد أخطأ فيما صنع، فإن حملت منه من ذلك الوطء فالولد ولده، ومن قال: أمته لفلان بعد موته فحلال له وطؤها وكذلك المدبرة يحل له وطؤها، ومن دبر أمته وكانت حاملا فخرج نصف الولد منها ومات سيدها فقد قيل إنه حر ويعتق وبعض وقف عنها؛ لأَنَّه لا ينكر أن يكون بعضه حراً أو بعضه مملوكا فهو حر كله والله أعلم، وإذا باع المدبرة صاحبها لجار له ثقة في دين عناه واشترط تدبيرها فلا يطأها الذي اشتراها وأما المولى الأول فله أن يطأها ما دامت في ملكه، ومن اشترى أمة مدبرة ثم أعتقها وتزوجها فجائز وأكره لمولاها الأول بيعها، قال أبو المنذر بشير: قد أجاز بعضهم مواتاة المدبرة.
مسألة: (8/59)
صفحة 562
الرقبة إذا قال هذه الدار أو هذا العبد رقبة على فلان له إلى وقت كذا وكذا فذلك وإن قال هو عليه رقبة ولم يبين غير ذلك فهو ضعيف عندنا حتى يبين ذلك، وكذلك الذي قال هذا العبد رقبة على فلان له عليه فما كان حيا ورجع فله الرجعة وكذلك في العمري، أبو إبراهيم: وإذا قال إنسان صحيح العقل؛ لأَنَّسان قد أرقبت عليك غلامي هذا ثم أقبضه إياه فأرجو أن يكون ذلك رقبة؛ لأَنَّ الرقبة عطية والعطية جائزة في الصحة إذا جازها من أعطيها، وقال البرآة عطية والصدقة عطية.
مسألة:
وليس بين الرقبة والتدبير فرق في المعنى، فأما في اللفظ فبينهما فرق هذا مرقب وهذا مدبر وكله في المعنى ينظر به موت من دبر ورقب.
مسألة:
ومن قال خادمتي هذه مدبرة بعد موتي بخمسين سنة فذلك جائز له ولا تعتق حتى الخمسون سنة وهي أمة إن شاءت تزوجت بإذن سيدها.
مسألة: (8/60)
صفحة 563
ومن دبر خادما له على نفسه ثم قد وجده وعليه دين فلا يجوز له بيعه، ومن حضرته الوفاة فقال: غلامي رقبة على ولدي فلان وله أولاد فإن الخادم يكون بين الجميع فإذا هلك من رقبت عليه عتق العبد، ومن قال غلامي مدبر على ولدي فلان دون أولادي فإنه لا يكون مدبرا للولد دون الورثة وإن مات الولد المدبر عليه العبد فالعبد حر؛ لأَنَّه أوصى بحقين: حق لله تعالى، وحق لمخلوق فحق المخلوق باطل؛ لأَنَّه وارث وحق الله ثابت، وإن دبر عبده على أجنبي جاز تدبيره وكان للمدبر عليه خدمته أيام حياته فإذا مات صار المدبر حرا، وإن دبر على بعض ورثته صح التدبير فيه بطلت الوصية وتبطل الوصية للوارث منه وكان خدمته لسائر الورثة فإذا مات المدبر عليه خرج المدبر بالحرية بشرط التدبير اعتبرت قيمته فإن كانت تخرج من ثلث مال الذي دبره خرج حرا ولا شيء عليه وإن لم يخرج من الثلث سعى ببقية الحصة على ما يراه العدول وبالله التوفيق، ومن دبر خادما له على إنسان وارث أو غيره ولا مال له غيره جاز التدبير فإذا مات المدبر كانت الخدمة بين المدبر عليه وبين الورثة، فإن كان المدبر عليه أجنبيا فله ثلث الخدمة، وإن كان من الورثة فالتدبير ثابت وليس له إلا سهمه من الخدمة، فإذا مات المدبر عليه استسعى الخادم بثلثي قيمته كان المدبر عليه أجنبيا أو وارثا، فأما إن كان له مال غيره فهو لمن دبره عليه إذا خرج من الثلث والمدبر عليه غير وارث وإن كان وارثا فكما قلنا إلا أنه إذا كان يخرج من الثلث فإذا كان المدبر عليه وهو من الورثة خرج الخام حرا ولا سعاية عليه وإنما يسعى إذا كان لا مال له غيره.
مسألة: (8/61)
صفحة 564
وإذا دبرت امرأة أمة لها على ولدها فولدت الأمة أولاداً وهلكت المرأة ولها وارث فأولاد الأمة للوارث هم غلة الأمة ولا يجوز وطء المدبرة إلا للذي دبرها على نفسه وأما إذا دبرها على غيره فلا يجوز له وطؤها ولا يجوز أيضا للذي دبرت عليه أن يطأها، ولا يجوز أن يطأها إذا دبرها على غيره كائنا ما كان؛ لأَنَّه إنما يطأها في مغيب من المدبر عليه فلا يأمن أن يكون هو يطأها وقد مات المدبر عليه فيكون قد وطئ ما لا يجوز فإن كان عليه دين فباعه فيه فقال بعض: ليس للمشتري أن يطأها، وقال بعض: له أن يطأها والقول الأول أكثر.
مسألة:
ومن أرسل غلامه في حاجة فسعى الغلام فقال اذهب فوالله لا ترجع عليك ملكة أبدا فما أراه إلا أن يكون مدبرا.
مسألة:
ومن دبر عبده على نفسه فقتله خطأ فإن الدية تكون على عاقلة السيد؛ لأَنَّ عاقلة المدبر هي عاقلة السيد، فإن قتله متعمداً قتل وإن اختار ولي الدم ذلك وإن استبقاه فهو مملوك؛ لأَنَّه قتله متعمداً وكان سبيله كسبيل من قتل وارثه فأحرم من الميراث فهكذا العبد يحرم الحرية قياسا عليه.
مسألة:
وإذا ورث رجلان عبدا فقال أحدهما: إن الميت دبر عليّ ولم يعلم صاحبه بذلك فأنكره صاحبه دعواه فعلى المدعي للتدبير إذا لم تكن عنده بينة لصاحبه فضلة قيمة العبد بغير تدبير على المدعى عليه أن لا يبيع العبد؛ لأَنَّ شريكه قد أقر بالتدبير وتكون خدمة العبد لهما جميعا فإذا مات من ادعى أن العبد مدبر عليه عتق العبد عنه موته واستسعاه الشريك بقيمة حصته مدبرا يوم مات المدبر عليه، ومن قال: غلامي هذا لا يباع أنه يكون مدبرا.
مسألة: (8/62)
صفحة 565
اختلفوا في التدبير في حال الصحة، فقال أكثرهم: التدبير في الصحة من رأس المال، والتدبير في المرض من ثلث المال، وقال آخرون: تدبير الصحة والمرض من الثلث، وبه أجاب قال: وهذا القول أنظر؛ لأَنَّ العتق يقع بالموت، ألا ترى أن الوصية في الصحة والمرجع ترجع إلى الثلث والعتق مثله والله أعلم، وأجمعوا أنه إذا دبره في المرض أنه من ثلث المال مع الوصايا.
مسألة: (8/63)
صفحة 566
وأولاد المدبرة مماليك وجائز بيعهم إلا أن يكونوا مدبرين مثلها، واختلف الناس في ذلك فقال قوم: يعتقون بعتقها ويرقون برقها روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري والقاسم بن محمد ومجاهد والشعبي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والليث بن سعد والثوري وأصحاب الرأي، وقال قوم: إنهم يدبرون بعد التدبير فأما ما كان قبل التدبير فلا يعتقون بعتقها، وقال قوم: إنهم مماليك روي ذلك عن بن عبد العزيز وعطاء وجابر بن زيد وأن ذلك بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت فلك ثمرته ما عشت ذلك وللشافعي فيهم قولان أحدهما أنه بمنزلة أمهم والقول الثاني كما قال جابر بن زيد وبهذا يقول أصحابنا، ومن كان له جارية يطأها فدبرها على نفسه في حياته فاشترت الجارية عبيدا أو أرضا أو نخلا من عند السيد أو غيره ثم مات السيد بعد ذلك ولم يغير عليها، فإن كان أوصى لها به وهو لها وإلا لم يثبت ذلك على الورثة وإذا صارت حرة فما في يدها جائز شراه حتى يعلم أنه لغيرها أو تقرّ به للغير، ومن دبر عبده على نفسه أو ولده فلا رجعة له في التدبير وله الرجعة في الخدمة حتى يموت أو يموت ولده وكل ولد مرقبة فهم مماليك لورثة من رقبها فإذا عتقت وولدت عتقوا جميعا، ومن رقب جارية إلى ولده إلى بلوغه فمات الولد قبل البلوغ لم تعتق، ومن دبر جارية على نفسه فله وطؤها واستخدامها وإن دبرها على غيره لم يجز له وطؤها والمدبرة في الرق حتى ينقضي أجل التدبير وأولادها عبيد لمن هي له إلا أن يكون أولادها منه فهم أحرار.
مسألة: (8/64)
صفحة 567
ومن قال: إذا مت فجاريتي مدبرة على زيد فله وطؤها إذا مات زيد لم يكن له شيء ولا لورثته، وإن دبرها على غيره في حياته وجعلها رقبة على فلان إذا مات فليس له وطؤها ومثلها إلى الذي دبرها عليها أو حبسها في ملكه فليس له وطؤها إذا كان تدبيرها مرسلا في حياته على موت عمرو، وقد جاء الخبر عن الفقهاء مجملا أن من دبر جارية على غيره فليس له وطؤها، فأما من قال: إذا مت فجاريتي فلانة مدبرة على فلان تخدمه في حياته فإذا مات فهي حرة فأرى أن التدبير إنما يقع بعد موت من دبرها وليس ذلك لمانع للسيد من وطء جاريته حتى يقع عليها حكم التدبير، وكذلك إن رهنها بحق فهي ماله وله وطؤها مع أنا لا نرى رهن الرقيق يثبت ولو ثبت لم يحرم وطؤها عليه، ومن قال يوم يقدم فلان فجاريته حرة فلا يطأها، وإن قال: يوم يموت فهي حرة فلا يطأها؛ لأَنَّه لعله يموت في ذلك اليوم وقد وطئ وإن سلم لم يمت فلعل بعضا يحرم، وإن قال: إذا مت فأنت حرة فلا بأس عليه في الوطء، وإن قال: إن لم أخرج إلى مكة فأنت حرة فإنه يستخدمها وليس له وطؤها فإن مات ولم يخرج عتقت، ومن دبر عبده على نفسه فليس له أن يبيع خدمته إلى وقت وفاته؛ لأَنَّ الخدمة مجهولة فلا يثبت ذلك.
مسألة:
اتفق الشافعي وداود على جواز بيع المدبر على كل حال ولم يجز أبو حنيفة بيع المدبر على حال.
مسألة:
قال أبو الحواري: إذا قالت امرأة جاريتي فلانة رقبة على ابنتي فلانة إلى أن تبلغ فهذا ثابت وهي رقبة عليها وهذا يشبه الإقرار إلا أن تقول قد أرقبت جاريتي على ابنتي فلانة فهذا لا يثبت حتى يقول بحق، ومن أرقب والدته عبدا له إلى أن يموت فمات الرجل قبل موت أمه فإن الورثة يأخذون حصصهم منه وتأخذ أمه حصتها إذا مات المرقب إلا أن يتم لها الورثة ما صنع لها ولدها إذا كان الورثة بالغين.
مسألة: (8/65)
صفحة 568
ومن قال: إن حدث بي حدث الموت فغلامي حر وله من مالي مائة درهم فصح من بعد ذلك فرجع فله الرجعة في المائة ولا رجعة له في التدبير وغلامه حر يوم يموت، إلا أن يقول إن حدث بي حدث موت من مرضي هذا فصح فله الرجعة في العبد والدراهم، ومن دبر عليه عبد فليس له بيعه ولا استبدال به ولو استبل به خيرا منه، فأما إن سافر به إلى بعض المواضع وأعتقه هناك فجائز والله أعلم، ومن قال: في مرضه إني كنت دبرت غلامي في صحتي فإنه يكون من ثلث ماله، ومن دبر وهو مريض ثم صح فإنه يكون من الثلث وإن دبر في الصحة فهو من رأس المال، فإن دبره في مرضه ثم صح ثم مرض ثم مات، فعن أبي عبد الله أنه من رأس المال حتى يموت الذي دبره فيه ثم يكون من الثلث، ومن دبر عبدا له فيه شريك فمات لزمه لشريكه نصف قيمته، وإن دبراه جميعا على أنفسهما فمات أحدهما فإنه يخدم ورثة الميت والحي حتى يموت الحي منهما، وإذا قالت امرأة: جاريتي وقف على ابني الصغير بتربيته إلى أربع سنين ثم هي حرة فإذا خلت أربع سنين فهي حرة وتخدم جميع ورثتها بالحصة، وإن قالت هذه المقالة في مرضها فإن هذه الجارية تعتق من ثلث مالها، وإن قالت ذلك في صحتها عتقت في هذا الوقت من رأس مالها، ومن قال: غلامي وقف على ولدي أو على أولادي فإذا لم يبق منهم أحد فغلماني أحرار، فالجواب فيها كالجواب في المسألة الأولى إذا لم يبق من أولاده أحد.
فصل:
مسألة: (8/66)
صفحة 569
أجمع أهل العلم على أن من دبر عبده أو جاريته أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات والمدبر يخرج من الثلث بعد قضاء دينه إن كان عليه وإنفاذ وصاياه إن كان أوصى بها وكان السيد بالغا جائز الأمر أن الحرية تجب له أو لها بعد وفاة السيد، وقال بعض قومنا: إذا قال الرجل لمملوكه: أنت مدبر عتق بعد موته، وقال قوم: لا يكون مدبرا بهذا اللفظ حتى يسمي بعتقه بعد موته، وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن من أعتق عبدا له عن دبر أنه لا يعتق إلا بعد موت السيد، والتدبير ضربان تدبير مطلق مثل أن يقول لعبده أنت مدبر والثاني ما عقد على صفة مثل أن يقول إذا قدم زيد فأنت مدبر فإذا قدم زيد كان مدبرا فإذا لم يقدم فليس بمدبر.
مسألة:
التدبير عتق يقع بالموت مطلقا فيمنع من التبع وولد المدبر لا يتبعها في حكم التدبير بل يكون رقا رقيقا ووفقا للسيد وأصح القولين، وقال أبو حنيفة: يتبعها فيكون مدبرا وهذا القول الآخر، واختلف أصحابنا في بيعه اختلافا كثيرا وفي بيع خدمته أيضا خلاف، والأصح أنه لا يجوز بيع خدمته من نفسه ولا من غيره؛ لأَنَّه مجهول لا يدري البائع والمشتري ما هو وهو من بيع الغرر المنهي عنه.
ومن كان له عبدان فدبر أحدهما في صحته ودبر الآخر في مرضه الذي هلك فيه وعليه دين، فإن الذي دبره في صحته جائز عتقه، وأما الذين دبره في مرضه فإنه يستسعى بالثلث لغرمائه ولورثته؛ لأَنَّ العتق ليس كغيره ولا يرد العبد في العبودية بعد أن سمي له بالعتق ولكن يستسعى.
مسألة:
ومن دبر نصيبا له في عبد قال أبو المؤثر: إن أراد الشركاء بيع العبد حكم على الذي دبره أن يأخذه بقيمته يوم دبره برأي العدول ولا ينادى عليه وإن استخدموه أو استعملوه من بعد ما علموا بتدبيره ثم أرادوا بيعه فليس لهم على الشريك تبعة هو بحاله. (8/67)
صفحة 570
فإن مات العبد قبل المدبر فليس على المدبر بيعه، وإن مات المدبر قبل العبد فالشركاء بالخيار إن شاءوا تبعوا العبد من قيمته بقدر حصصهم وإن شاءوا رجعوا على مال الهالك في قيمة العبد بقدر حصصهم ولورثة المدبر أن يرجعوا على العبد بقدر ما أخذ الشركاء من مالهم ويستسعونه ولهم خدمته، ومن دبر أمته فمات السيد وقد خرج بعض ولدها ولم يستكمل خروجه كله فإنه يكون حرا؛ لأَنَّه لا يمكن أن يكون بعضه حرا وبعضه مملوكا فهو حر كله، ولم يستكمل تمام المسألة المتقدمة فأما داود والشافعي فإنهما جوزا بيع المدبر على كل حال، وأما أبو حنيفة فلم يجوزه على كل حال، غيره: وإذا كان عبد بين رجلين فدبراه جميعا على رؤوسهما فمات أحدهما وبقي الآخر فإن كانا دبراه بعقد واحد فلا يعتق حتى يموتا جميعا، أبو الحواري: وإذا قالت امرأة: جاريتي فلانة رقبة على ابنتي فلانة إلى أن تبلغ فهو ثابت وهي رقبة عليها وهذا أشبه الإقرار وهو معنا إقرار، إلا أن يقول: قد أرقبت جاريتي على ابنتي فلانة فهذا لا شيء حتى تقول بحق.
كتاب تدبير: هذا كتاب لفلان بن فلان الفلاني كتبه له مالكه فلان بن فلان وأقر له بجميع ما فيه إلى التاريخ أني دبرتك تدبيرا صحيحا رغبة في ثواب الله وابتغاء مرضاته وأنا يومئذ جائز الأمر لي وعلي فمتى مت أو قتلت فأنت حر لوجه الله تعالى لا سبيل لي عليك ولا أحد من ورثتي عليك إلا سبيل الولاء فإن ولاك لي ولمن يستحق ذلك بنسبي شهد إلى آخره.
الباب الخامس: في أم الولد
قال محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: لا يفرق بين الأمة وولدها إما أن يباعا جميعا وإما أن يحبسا جميعا حتى يستغني ولدها بنفسه والذي لا يستغني عن أمه هو الذي لا يسقي نفسه ولا يطعم نفسه ولا يوصي نفسه، وقيل: هذا لا يستغني عن أمه إلا أن يكون ولدها منه فإذا كان ولدها منه فله بيعها إذا وجد لولده من يرضعه غيرها.
مسألة: (8/68)
صفحة 571
واختلف أصحابنا في بيع أم الولد لما روي عن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ أنه نهى عن بيع أم الولد، والذي عندي أن نهي عمر عن ذلك نهي أدب لا نهي تحريم؛ لأَنَّ جواز بيعها قد سبق نهيه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أيام أبي بكر وصدر من خلافة عمر، والسبب في نهي عمر عن بيع أمهات الأولاد على ما بلغنا أن رجلا وصل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إني عنيت بأمر عظيم لم يعن به أحد، فقال: وما ذلك؟ قال: إن أمي كانت أمة فبيعت فاشتريتها فوطئتها فنهى عمر عن بيع أمهات الأولاد لأجل ذلك، وقال آخرون: إن نهي عمر كان لأجل صبي بات يصرخ حتى أصبح وكان في جوار عمر فلما أصبح سأل عن ذلك الصبي وبكائه فقيل له: إن أمه كانت أمة فبيعت وفرق بينه وبينها فنهى عمر عن بيع أمهات الأولاد لذلك على طريق المصلحة والنظر للرعية والله أعلم، وقال آخرون: بيع أمهات الأولاد جائز حي ابنها أو مات كان سيدها غنيا أو معسرا،؛ لأَنَّ الدلالة لم تقم على حرمتها بالولادة ولو كانت الولادة توجب زوال رقها لم يجز لسيدها أن يطأها إلا بنكاح جديد لقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (1)
__________
(1) سورة المؤمنون: 5-6.. (8/69)
صفحة 572
فإنه لا تخلو أم الولد من أن تكون حرة أو مملوكة فإن كانت حرة لم يجز له وطؤها بغير عقد نكاح، وإن كانت مملوكة جاز له التصرف فيها كسائر أملاكه وله أن يبيع ما يملك ويهب ويحبس على نفسه وهذا هو القول عندي والله أعلم، واتفق أبو حنيفة والشافعي في أم الولد أنها تعتق بموت سيدها إذا كانت قد ولدت منه ولم يجعلا في ذلك شرطا بل حكما لها بالعتق بعد موت السيد حكما قاطعا على كل حال سواء مات ولدها منه أو حي أو كان سيدها معسرا أو موسرا خلف دينا أو ليس له تركة أو لم يخلف دينا يلزمه حق بعد الموت أو لم يلزمه، وأجاز داود بيع أم الولد على حال والله نسأله الهداية لما يحبه ويرضاه.
مسألة: (8/70)
صفحة 573
واختلف أصحابنا في الوقت الذي يباع فيه ولد الأمة ويفرق بينهما، فقال بعضهما: إذا بلغ سبع سنين أو ثماني، وقال آخرون: إذا استغنى عن أمه، وقال آخرون: إذا استنجى بنفسه ولبس ثوبه، وعندي أن قول من قال إذا استغنى عن أمه أشبه بأصولهم والله أعلم، وروى جابر بن عبد الله قال: كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانينا فلا ينكر علينا، وروي أن جابر قال: بعنا أمهات أولادنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة أبي بكر ـ رحمه الله ـ وصدر من خلافة عمر حتى نهانا فانتهينا وذلك أنه سمع صبيا يبكي فسأل عن بكائه فقيل له: إن أمه بيعت فجمع الصحابة وشاورهم على طريق المصلحة للرعية وأطفالها بأن يمنع من بيعهن فمنع من ذلك من طريق النظر للرعية لا أن ذلك محرم، ألا ترى أن علياً لما ولي أجاز بيعهن، والمشهور في الرواية عن علي بن أبي طالب أنه كان ممن يجيز بيع أمهات الأولاد والله أعلم، وروي عن ابن عباس أنه قال: هي مثل شاتك وبعيرك، وفي رواية أخرى أنه قال: والله ما أم ولدك إلا بمنزلة شاتك وبعيرك، ثم أجمع المسلمين أن له وطؤها ولو كانت حرة لم يجز إلا بعقد نكاح، وإذا كان هذا هكذا فالمانع عن بيعها محتاج إلى إقامة دليل، ألا ترى أنها إذا زنت كان عليها حد الإماء، قال بعض المتفقهة من مخالفينا: إن الأمة المحصنة إنما وجب عليها حد الزنا خمسون جلدة للنقص الذي من قبل الرق.
مسألة: (8/71)
صفحة 574
وأجمعوا على جواز بيع الأمة قبل أن تحمل من سيدها، ثم أجمعوا أنها لا تباع إذا حملت منه فقد قابل الإجماع الأول الإجماع الثاني وقد ادعى بعض المتفقهة من مخالفينا أن بعض الصحابة أو قال بعض التابعين قال: إن لسيد الأمة أن يبيعها وهي حامل منه ويستثني ما في بطنها من ولد، والذي ذكرناه هو الذي عليه عمل الناس وحجة من منع بيع أم الولد في حال حملها وبعض وضع الحمل ليس بمانع لما أجمعوا عليه من تحريم بيعها قبل ذلك والحجة لمن أجاز بيعها بعد وضع حملها أنهم أجمعوا على جواز بيعها قبل الحمل ثم اختلفوا في جواز بيعها بعد وضع الحمل فإذا وقع اختلاف فالرجوع إلى الأصل وهو أنها أمة ومال لمالكها وللمالك أن يتصرف في ملكه.
مسألة:
وإذا وطئ رجل أمة من السبي قبل قسم الغنيمة وهو من أهلها وحملت منه كانت أم ولد له لتعلق حقه في الغنيمة، وكذلك لو كان أعتقها عتقت وسرى العتق فيها وكانت قيمتها في حصته وإن لم يكن من أهل الغنيمة لم تعتق ويلزمه الحد من وطئها والله أعلم، ويوجد للشافعي أنه قال: إنها تكون أم ولده وإن أعتقها لم يقع العتق بها؛ لأَنَّه لم يستقر له عليها ملك، وعندي أن الفرق بينهما يتعذر عليه والله أعلم.
مسألة:
والسرية مأخوذة اسمها من السرى؛ لأَنَّ سيدها يسري إليها ويكتم الخبر لأمرها وأكثر العادة جرت بذلك فيهن، والسرية التي تنفذ إلا بلاد العدو ومأخوذ اسمها من هذا المعنى أصلها من السرى وهو سير الليل، وكانت العرب تخفي خروجها لئلا ينشر الخبر به فقالوا: سرت سريته أي خرجت وسارت والله أعلم.
مسألة: (8/72)
صفحة 575
ومن كان له أمة فولدت منه ولدا ثم مات الولد ثم مات السيد فهي أمة بين الورثة وأما قومنا فيخرجونها من الرق إذا ولدت، وإذا جرحت أم الولد رجلا جرحا فالمجروح يأخذها أو يفديها سيدها، وأم الولد تباع في دين سيدها إذا لم يكن له مال غيرها وإن كان لها ولد منه ولسيدها وارث غير ولدها ولا مال له غيرها وكانت تسعى للوارث بحصته من الميراث ففي العدة اختلاف، منهم من قال: لا عدة، ومنهم من قال: تعتد وكذلك إذا كانت تسعى في الدين.
مسألة:
ومن ترك جارية له من بعد موته ولها ولد منه عتقت إذا ملكها ولدها، وإن ورثها معه غيره عتقت من حصة ولدها، فإن كان له ميراث غيرها كان عليه في ميراثه فيما بقي من حصته للورثة وإن لم يرث شيئا غيرها استسعاها بقية الورثة بحصصهم، غيره: وإنما ذلك على الولد للأم وحدها وليس عليه للأب ولا غيره وأنا أحب أن يكون للأب والأم في ذلك سواء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لاَ يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ»، ورواية أخرى توجب للأم وحدها أن الأم تعتق بموت سيدها وذلك إذا ورثها ولدها فأما لو مات ولدها ومات السيد ولا ولد لها لم تعتق. (8/73)
صفحة 576
ومن كان له جارية يطأها إلى أن ولدت منه ولدا ثم لم يرجع يطأها بعد ذلك وزوجها بعبد فجائز له بيع أولادها من غيره وإن كان عنده ولد منها؛ لأَنَّهم عبيده لا شيء عليه إن فعل ويكره على قول من غير تحريم، فإن صارت إلى الورثة وقد مات ولدها منه جاز للورثة بيعها عند أصحابنا، فإن صارت إلى الورثة وولدها من سيدها حي عتقت من ميراثه منها ورجع عليه في ميراثه ببقية ثمنها فإن لم يكن غيرها سعت لهم بما فضل عن ميراثه، فإن كانت لا تقدر على شيء ترده على الورثة ولا على عمل ولا حيلة لها فهو دين عليها ولابدّ لها أن تعطيه أو ولدها عنها، ومن كانت له جارية يطأها فولدت منه فقد أجاز قوم بيعها له وحرم آخرون، وكره من كره ذلك بلا تحريم، وعند فقهاء عمان جائز بيعها إذا مات ولدها منه؛ لأَنَّها أمة لمولادها.
مسألة: (8/74)
صفحة 577
ومن ورث من أمة حصة عن أبيه فإنها تعتق ويفيدها بما ورث من أبيه وليس عليه أن يفديها بما كان له مما لم يرثه من أبيه، فإن ورث حصة من إخوة عتقوا ويسعون فيما بقي من أثمانهم للورثة وليس عليه أن يفديهم ولم يجعلوا الإخوة بمنزلة الأم وإن لم يكن للمالك مال إلا بقدر دين عليه سعت ويدفع للغرماء حقوقهم، أجمع الناس على أن الأمة لا تخرج من ملك سيدها إلا ببيع أو هبة أو عتق، وأم الولد من لم ينلها شيء من ذلك وأحكام الإماء جارية عليها إلى أن يموت سيدها فبأي معنى يزيل الولد عنها للبيع، وإنما منع عمر - رضي الله عنه - عن ذلك استحسانا لما أراده من النظر للأولاد، وليس الاستحسان قادحا فيما هو جائز، واتفق أهل العلم على أن قتلها لا يوجب دية في ذلك دليل على أنها أمة حكمها حكم الإماء، وعلى هذا القول وافق أصحابنا علي بن أبي طالب وداود والله الموفق للصواب، وعن عطاء وابن عباس في أمل الولد قال: لا تعتق حتى يتكلم بعتقها، وعن علي أنه قال: شاورني عمر في أمهات الأولاد فأجمع رأينا على أن يعتقن فقضى به عمر في حياته، ثم ولي عثمان فقضى به في حياته، ثم وليت أنا فرأيت أن أرقهن. (8/75)
صفحة 578
اختلف في أم الولد إذا مات عنها سيدها وهي حامل إن ولدته حيا فيعتقها من نصيبه وإن ولدته ميتا فمن جميع المال هذا قول الحسن البصري، وقال قوم: لا نفقة لها وهو قول مالك والشافعي وغيرهما، وقال قوم: لها النفقة من جميع المال، وأجمع الناس على جواز وطء أم الولد لسيدها بعد وضع ولده منها، وأجمعوا على أنه لا يلزمه لها بوطئه صداق، وأجمعوا أن لا عدة عليه فيها بعد وضع حملها منه، وأجمعوا على أن له أن يؤاجرها بما شاء فيما شاء من الأعمال، وأجمعوا أن الزكاة لا تجب لها، وأجمعوا أن زكاة الفطر للعبد تجب عنها، وأجمعوا أن وصيتها باطلة إذا لم يأذن لها سيدها فيها، وأجمعوا أنه إن أعتقها عتقت، وكل هذه الأحكام موجبة لثبوت رقها ونفي حريتها وأنها أمة حكمها حكم الأمة ولو كانت حرة لم تجتمع هذه الأحكام فيها والله أعلم، وأجمعوا على أن جواز صلاتها مكشوفة الرأس، وأجمعوا أن له أن يزوجها بمن شاء، وكذلك لم يجز لها الهبة من سيدها كما لم يجز للعبد الهبة من سيده، وفي قول الشافعي: أنه لا يجوز للسيد أن يعطي أم ولده ومملوكته من كفارة يمين؛ لأَنَّها قد صارت في حكم المملوك عنده في ذلك.
لمولى الأمة قال أبو المؤثر: سمعنا أن العربي إذا تزوج أمة أولاده ويشتريهم وأقول إذا تزوج الأمة وهو مضطر إلى تزويجها من رجل فمات الزوج والسيد حي فعدتها نصف عدة الحرة شهران فخمس ليال نصف عدة الحرة المتوفى عنها، ولا بأس إذا ماتت أم الولد أن يغسلها السيد؛ لأَنَّها على حكم ملكه، واكتساب أم الولد وما وهب لها وارثها ما جنى عليها كل ذلك للسيد؛ لأَنَّها على حكم الرق.
مسألة: (8/76)
صفحة 579
احتج من منع بيع أم الولد برواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في مارية (1) أم ولده: «أعتقها ولدها» (2) ، ويقول ابن عباس/ خالطت لحومنا ودمانا لحومهن ودماؤهن.
قالوا: وما روي عن جابر يجوز أن يكون بلا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يكون ذلك فيمن تزوج أمة فأولدها ثم ملكها وولدها فله بيعها، وأنه نهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع أمهات الأولاد، قالوا: ولا يجوز بيع أم الولد بحال ولا رهنها ولا هبتها ولا بأس بإجارتها واستخدامها ووطئها والانتفاع بها كالأمة المملوكة وعليه نفقتها وكسوتها؛ لأَنَّها على حكم ملكه فإن أراد تزويجها ففيها للشافعي ثلاثة أقاويل: أحدها: له ذلك جبرا كما يجز أمته على ذلك، والثاني: ليس له ذلك إلا بإذنها ورضاها، والثالث: ليس له ذلك، قالوا على حكم ملكته فدخلت في عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (3) ، ولا يرث أحد من قرابتها إذا كان (نسخة) ما كان السيد حيا؛ لأَنَّها على حال الرق.
الباب السادس: في المكاتب
__________
(1) مارية بنت شمعون القبطية ، أمّ إبراهيم (16هـ): صحابة مصرية قبطية، من السراري التي تزوَّجها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أهداها إليه المقوقس سنة 7هـ، فولدت له "إبراهيم" فقال: «أعتقها ولدها». وأهدى أختها سيرين إلى حسَّان بن ثابت. وماتت في خلافة عمر بالمدينة ودفنت بالبقيع. انظر: أسد الغابة، 5/543. الزركلي: الأعلام، 5/255.
(2) حديث: */ ابن ماجة والدارقطني وغيرهما
(3) سورة النور: 33. (8/77)
صفحة 580
قال الله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ...} يعني: وفاء لما كوتب عليه وصلاحا في دينهم قال: { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ} يعني من الصدقة وأن يتصدق عليه ويعان في مكاتبته وقال: { وَفِي الرِّقَابِ} (1) يعني يعطى الصدقة، وقد قيل هم المكاتبون فدل بهذا أن المكاتب حر يوم كاتبه مولاه، يقال: عبده مكاتَب ومكاتِب بفتح التاء وكسرها، يكاتب كتابا (نسخة) واستكتبت فلانا إذا أمرته أن يكتب لك واتخذته كاتبا.
المكاتب العبد يكاتب على نفسه بثمنه، عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المكاتب إن عجز فليس عليه الرد إلى الرق، وأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : « الوَلاَءُ لمن أَعتَقَ» وهو حر يوم كاتبه وجنايته جناية الأحرار، وحده حدودهم، وشهادته شهادتهم إذا كان عدلا.
مسألة:
وإذا عرض رجل على عبده المكاتبة وهو موسر فكره فلا يمنعه أن يكاتب إلا أن يخشى أن يكون كلاَّ على الناس، النخعي أنه شهد مكاتبا قام إلى أبي موسى يوم الجمعة يسأل وكان أول مكاتب رأيته يسأل فقال: إني إنسان مثقل مكاتب فحزف الناس عليه فدفعت إليه من الثياب والدراهم حتى قال: حسبي فانطق إلى أهله فوجد ما أعطي زايدا على مكاتبته بثلاثمائة درهم فأتى أبا موسى فأخبره بذلك فأمره أن يصرفها في نحوه من الناس، وقيل: إنما أعطي في الرق بما أعطي مملوكا ثم ليعتقه، وقال الربيع: مثل ذلك.
__________
(1) سورة التوبة: 60. (8/78)
صفحة 581
ومن قال لغلامه: أدِّ إليّ كل شهر خمسة دراهم وأنت عتيق فلا أراه إلا عتيقا وعليه خمسة دراهم كل شهر ما عاش، وإذا كان عبد بين رجلين فكاتبه أحدهما ثم أعتقه الآخر فالولاء لمن أعتقه على قول ابن عباس نزلت في (صبيح القبطي) وإن صبيح مملوك لحاطب بن أبي بلتعة وكان رجلا صالحا فسأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه (نزلت الآية السابقة)، وقال قتادة: ولاه لمن أعتقه؛ لأَنَّ عليه الخلاص في ماله، وقال أبو عبد الله: ولاه لمن كاتبه؛ لأَنَّه ضامن لشريكه فيه، وإذا كان عبد بين ثلاثة فأعتق أحدهم نصيبه وكاتبه أحدهم وأمسك الثالث نصيبه؟ فعلى قول قتادة: على الذي أعتق خلاصه في ماله إن كان له مال وإلا استسعى في العبد المكاتب الذي أمسك وللمعتق الولاء وكذلك قال الربيع: أجمع أهل العلم على أن ولد المكاتب من الحرة أحرار وأجمعوا على أن ولده من أمة لقوم آخرين لسيد الأمة، واختلف الناس في أولاد المكاتبة فقال قوم: يعتقون بعتقها ويرقون برقها، وقال قوم: إنهم للمولى وبذلك يقول أصحابنا وللذي أمسك وللمعتق الولاء كذلك قال الربيع: أجمعوا أن المكاتبة عتق بصفة، والعرب تسمي العبد أيضا مكاتبا، وأنشد ثعلب:
يبلغهن الحاج كل مكاتب *** طويل العصى أو معقى فيرجف (8/79)
صفحة 582
أبو بكر الموصلي عن أبي عبيدة والربيع ـ رحمهم الله ـ: أن المكاتب يعطى بعض ما أصيب منه لقول الله تعالى: { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وقال قوم: عليه أن يحط عنه هدية، وقال قوم: هذا تأديب وهو فيه بالخيار وهو كقوله تعالى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} (1) ، {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ} عام للمسلمين جميعا، وليست الصفة بعد إخراج الزكاة بواجبة، وقال جابر بن عبد الله في المكاتب: أكره أن أبيعه مرتين، وقال جابر بن زيد: هو حر لا يباع، وتجوز شهادته إذا كان عدلا، ويقتص له من جرحه، وقال الربيع: هو حر، لا يباع ولا يوهب، وتجوز شهادته إذا كان عدلا، وقصاصه قصاص الحر، وكان قتادة يكره أن يقول المكاتب لمواليه: ضعوا وأعجل لكم وكان لا يرى بالعروض بأسا، وقال الربيع مثل ذلك، ومن كاتب مملوكه على وصفا فعن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كره ذلك إلا أن يكون عاجلا يدا بيد، وقال الربيع: مثل ذلك، وإذا كان عبد بين رجلين كاتب أحدهما ولم يكاتب الآخر فأدى المكاتب إلى من كاتبه كتابته قيل: يعتق حصة من لم يكاتب في مال من كاتب ويسعى العبد حتى يؤدي ما خرج عليه في ثمنه، وقال الربيع: هو على من كاتبه بقيمة عدل يوم كاتبه، ومن كاتب على وصفا إلى أجل فلا يصلح ولكن ما جعل منه عند المكاتبة فلا بأس، وقيل: يصلح أن يكاتب على وصيف ثم يقوم الوصيف مكانه دراهم؛ لأَنَّه إنما ذلك دراهم.
مسألة:
__________
(1) سورة المائدة: 2. (8/80)
صفحة 583
ومن كاتب عبده عند الموت فأتوهم عن جابر بن زيد أنه ينظر إلى ثمنه ويجاز له منه الثلث ويستسعى في تكملة ثمنه الذي يقوم به، وإن كاتب رجل مملوكين له بثلاثة آلاف درهم فمات أحدهما فعلى كل واحد منهما بحصته إلا أن يضمنا جميعا فيؤاخذا مما ضمنا، وقال المكاتب: لا يشترى وما بقي عليه بمنزلة الدين، وإذا كان عبد بين قوم فاشترى حصة أحدهم من نفسه فنرى أنه قد خرج من الرق وإنما لسائر الشركاء حصصهم من الثمن فمن الناس من يقول يستسعونه ولا يلحقون الذي كاتبه بشيء، ومنهم من يلحقه بذلك والله أعلم، وإذا كان عبد يرعى لمواليه غنما فسرق منها شيئا واستودعهن رجلا فولدت حتى اشترى منهن بعيرين وبقي منهن بقية فاشترى العبد نفسه من مواليه بالبعيرين ونصف الغنم ولا يشعر مواليه بذلك فإن عتق العبد قد مضى ولمولاه ما قبض ويصير ما اشترى به العبد نفسه دينا عليه يستسعى به، ومن كاتب عبده إلى أجل فانقضى الأجل وقد بقي عليه من ثمنه شيء فإنه لا يرد إلى الرق ولكنه بمنزلة الغريم، فإن سباه العدو فاشتراه مكاتبه فليس له أن يسعبده فيجعل ما اشتراه به دينا عليه وليس لأحد أن يشتريه ويستعبده.
قال محمد بن محبوب: من كاتب عبده فقال: كاتبتك على أنك إن لم تعطني شرطي إلى يوم كذا وكذا فأنت عبدي فالمكاتبة عندنا تامة والشرط يبطل وليس المكاتب عندنا بمنزلة بيعه لغيره.
مسألة:
والمكاتب حين كاتبه سيده صار حرا والثمن عليه ولو كان البيع ضعيفا، وكذلك لو باع رجل عبده لرجل فأعتقه المشتري فكان البيع منتقضا في بعض الأسباب ثم عتقه وكان الثمن الذي باعه به، وفي رأي آخر أن المكاتب لا يصير حرا حتى يؤدي ما كوتب به ولا نأخذ بذلك، ومن كانت عبده أو أعتقه وله مال ظاهر ولم يستثنه المولى فهو للعبد وما كان من المال المستخفي فهو لسيده وقيل غير ذلك وهذا الرأي أكثر عندنا، وإن باعه فقيل ما كان للعبد من مال ظاهر وباطن فهو للمولى الذي باعه حتى يشتريه أيضا المشتري أو يشترطه. (8/81)
صفحة 584
مسألة:
المكاتب لا نفقة له بإجمال وهذا مما يدل على خروجه من الرق؛ لأَنَّ الأمة مجتمعة على وجوب نفقة المملوك.
مسألة:
ومن كاتب أمته ولها أولاد فهم له حتى يجري البيع عليهم أيضا، وما ولدت بعد المكاتبة فهم أحرار، وقال الربيع فيمن كاتب عبده أمته فعجزت فردها في الرق ثم باعها فوطئها المشتري ثم باعها ثم وطئها الآخر ثم جاء إمام عدل يقال تأخذ ممن أصابها بعد المكاتبة مهر مثلها ويرجعون على الذي باعها إذا لم يعلموا على من غرهم، ومن غشي مكاتبته كرها فعليه العقر والحد، وإن طاوعته فلا عقر لها وعليهما الحد وهي على ما بقي من مكاتبتها، وقال الليث بن سعد: إن طاوعته فقد محت مكاتبتها ورجعت إلى الرق وأجاز وطأها قوم في الأوقات التي لا يشغلها بالوطء عن السعي (نسخة) فيما الذي هي فيه، واختلف في مهرها، قال الحسن: لها صداق مثلها، وقال الشافعي: وغيره إذا استكرهها، وقال الأوزاعي: إذا كانت بكرا فلها عشر ثمنها وإن كانت ثيباً فنصف العشر وفيها بين قومنا اختلاف، وقال أبو أيوب أيضا في المسألة التي تقدمت وهي رجل كاتب جاريته فعجزت فردها في الرق ثم باعها فوطئها المشتري على ما تقدم من السؤال، قال: يؤخذ من المشتري الأخير مهر مثلها ثم يرجع الأخير على الذي اشتراها منه فيأخذ منه مهر مثلها من المشتري الأول ثم يردها على مولاها الذي كان اشتراها منه ثم ترجع على مولاها الذي كاتبها وتكون هي على مكاتبتها، قال سفيان والشافعي: لا حد عليه، وقال الشافعي: يعزر إلا أن يكون جاهلا، وقال الحسن والزهري: عليه الحد، وقال الأوزاعي: يجلد الرجل مائة بكرا كانت أو ثيباً وتجلد الأمة خمسين جلدة، وقال قتادة: تجلد مائة إلا سوطا، وقال سعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل: له أن يطأها إن اشترط عليها، وقال مالك: إن وطئها فلا شيء عليه، وإذا استكرهها عوقبن ومن وطئ مكاتبته وظن أن ذلك له حلال قال أبو أيوب: إن وطئها بجهالة فعليه مهر مثلها ويدرأ الحد بجهالته وإن (8/82)
صفحة 585
كانت لم تعلم حالها وظنت أن وطأها إياها حلال له فلها مهر مثلها ولا حد عليها، وإن قالت: إنها حرة وإن وطأه إياها زنا فلا مهر لها وعليها الحد، وقال أبو أيوب أيضا: في المسألة التي تقدمت وفي رجل كاتب جاريته فعجزت وردها إلى الرق ثم باعها فوطئها المشتري على ما تقدم في السؤال قال: يؤخذ من المشتري الأخير مهر مثلها ثم يرجع الأخير على الذي اشتراها منه فيأخذ منه مهر مثلها من المشتري الأول ثم يردها على مولاها الذي كان اشتراها منه ثم ترجع على مولاها الذي كاتبها وتكون هي على مكاتبتها، ومن كاتب جاريته ولها ولد صغير فماتت الجارية وبقي ولدها فإن كان ولدها كان حرا يوم كاتبها فلا شيء عليه وإن كاتبها على نفسها وولدها فإني أرى عليه نفقة الصغير حتى يبلغ وإذا لم يكن عليه نفقة الصغير فعلى المسلمين أن ينفقوا عليه من الصدقة ولا يضيع.
مسألة:
القول في المكاتب على وجهين: أحدهما إذا قال قد بعتك وبعتك نفسك بكذا وكذا فقد صار حرا، وكذلك إذا قال: قد كاتبتك إلى كذا وكذا، وأما إذا قال: إذا أتيتني بكذا وكذا فأنت حر فهذا إذا أتى بما شرط عليه كان حرا، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال لعبده كاتبتك على كذا وكذا تؤديه فإنه يكون كتابة، وقال الشافعي: بأنه لا يكون كتابة ما لم يقل فإن أديته فأنت حر.
مسألة:
والعبد لا يقبل دعواه أن سيده كاتبه إلا ببينة، والمكاتب في حال ما كوتب قبل دفع الثمن الذي كوتب عليه وهو حر، الدليل على ذلك قول الله تعالى فيما ذكر من أمر الصدقات فقال: { وَفِي الرِّقَابِ} (1) فلما أجمع الفقهاء كلهم أن المماليك لا تسلم إليهم الزكاة ورأينا الله عز وجل قد أعطى المكاتب منها علمنا أنه خارج من جملة المماليك.
مسألة:
__________
(1) سورة التوبة: 60. (8/83)
صفحة 586
أجمع أصحابنا أن المكاتب حر وأنه غريم كسائر الغرماء بما عليه من الدين الذي كوتب عليه وأن الزكاة جائزة له، وأجمع مخالفوهم أن المكاتب غير حر وجائزة الزكاة له في قول بعضهم، وأجمعوا فيما روينا أن العبد لا يجوز له أن تدفع إليه الزكاة إلا في قول من لا يكون خلافه عليهم خلافا فمضى أصحابنا على أصل صحيح وانخزل مخالفوهم عن الصواب إذ حكموا على المكاتب بحكم العبيد أنه غير حر وأنه عبد ما بقي عليه درهم وإذا عجز عن الأداء ردوه إلى الرق بعد أن أدى أكثر ما كوتب عليه وبعضهم أوجب له من العتق بقدر ما أدى ويبقى الباقي منه على حكم العبودية، وأجازوا له الزكاة التي لا تجوز للعبيد في حال المكاتبة، الدليل على صحة قول أصحابنا قول الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله: { وَفِي الرِّقَابِ} (1) فجعل الصدقة المفروضة لهذه الأصناف الثمانية ولم يذكر للعبيد فيها نصيبا فلما أجمعوا جميعا أن المكاتب من الغارمين وأنه من أهل الرقاب وأن الصدقة المفروضة لا يجوز أداؤها إلى العبيد دل على أن المكاتب حر وأنه في حيز الإحراز خارج بالكتابة من جملة العبيد وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) سورة التوبة: 60. (8/84)
صفحة 587
والذي نختاره للمكاتب والغريم أن يجتهدا في خلاص أنفسهما ويفكا رقابهما من الدين الذي تحملاه اختيارا منهما وألاّ يتكلا على الصدقة فيكونا كلا على المسلمين لما روي عن عمر ـ رحمه الله ـ كان يحث على ذلك حتى قال مخالفونا من أصحاب الحديث إن عمر كان يضرب الجماعات الكثيرة من ساكني مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول لهم: تفرقوا واعملوا والتمسوا المعاش ولا تكونوا كلا على المسلمين، وإذا طلب العبد إلى مولاه بيعه لنفسه فأبى فإنه يؤمر بذلك فإن فعل وإلا لم يحكم عليه به حكما لازما، وإن كاتبه على غير شيء معلوم فالعتق قد وقع وعليه له القيمة له، ورأينا لعله ولاه لنفسه؛ لأَنَّه لم يعتقه وإن كاتبه على دراهم كانت مع العبد لمولاه ثم رجع في المكاتبة لما علم وقال: إني رجعت في المكاتبة ولا يقول إنه رجع إلى الرق وهو عند أصحابنا حر يوم كاتبه ولكي يعطي دراهم غيرها والله أعلم وسل عن ذلك وإنما قال برجوعه إلى الرق قومنا.
مسألة:
والمكاتب حر يوم كوتب، ألا ترى أن الإجماع منهم أن المملوك لا يعطى من الصدقة وقد وجبت للمكاتب ولو كان مملوكا حتى يؤدي ما جاز أن يعطى من الزكاة والله جل وعز قد أوجب له الصدقة وجنايته جناية الأحرار، ألا ترى أن ابنة أبي ضرار وقعت في السهم لثابت بن قيس وكاتبها ومرت تستعين في مكاتبتها فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتستعينه قال: أؤدي مكاتبتك وأتزوجك؟ قالت: نعم فتزوجها - صلى الله عليه وسلم - ، فلو كانت مملوكة قبل أن تؤدي لم يتزوجها بلا رأي مولاها ولكن هذا مما يدل على أن المكاتب حر يوم كاتبه وجنايته جناية الأحرار وولاه لنفسه.
مسألة: (8/85)
صفحة 588
والمكاتب إذا كان له مال تجب الزكاة فيه فلا زكاة عليه منه إلا ما فضل بعد المكاتبة التي عليه؛ لأَنَّها دين عليه ويزكي ما فضل إن كان يتم فيه الصدقة بعد كتابته فأما الزرع فإن كان له ثمرة فالصدقة فيها ولا يرفع للدين، فإن كان المكاتب فقيرا فإنه في قول أصحابنا يعطى من الزكاة؛ لأَنَّ الله تعالى أوجب الزكاة في الرقاب وهم المكاتبون، ومن كاتب عبده أو أعتقه وله مال ظاهر قال قوم: هو للعبد، وقال آخرون: لسيده وأما الباطن للسيد، وقيل: ما كان بيد العبد يوم العتق أو قبل العتق من مال ظاهر أو باطن فللمولى؛ لأَنَّه عبد مملوك لا يقدر على شيء إلا ما يترك له مولاه بعد العتق عند المكاتبة وكذلك إن باعه فما في يده من مال ظاهر أو باطن فلمولاه عند الأكثر من الناس إلا أن يشترطه المشتري أو يستثنيه.
فصل:
مسألة: (8/86)
صفحة 589
عائشة قالت: لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليكم فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقضي كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت فخرج الخبر إلى الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج جويرية بن الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسلوا ما في أيديهم، قال: فلقد أعتق بتزويجه مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أجمعوا على أن السيد لا يجبر على أن يكاتب عبده على أقل من قيمته، وأجمعوا أن العبد إذا كان زمنا لا يقدر على الاكتساب ولا مال له فطالب سيده المكاتبة لم تجب على سيده مكاتبته، وزعم داود الإجماع على أن المكاتبة على الخمر والخنازير وكل محرم لا تجوز، قال: وإن دفع المكاتب ذلك لم يقع العتق به والله أعلم.
مسألة: (8/87)
صفحة 590
اختلف الناس في قوله تعالى: { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (1) قال مجاهد: الغنى والأداء، وقال عمرو بن دينار: المال والصلاح، وقال النخعي: صدقا ووفاء، وقال الثوري: دينا وأمانة، وقال عكرمة: قوة، وقيل: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكاتب عبده إذا لم تكن له حرمة، واختلف الناس في وجوب الكتابة، قال قوم: هي واجبة إذا سألها العبد، وقال قوم: ليس ذلك بواجب من شاء كاتب ومن شاء لم يكاتب، ولا يجبر أحد على ذلك وبه يقول أصحابنا، وأجمع أهل العلم على أن بيع السيد مكاتبته ليبطل مكاتبيه غير جائز، وقال الحسن: ليست المكاتبة بفريضة وإنما هو تخيير وأجاز سفيان وأبو حنيفة والأوزاعي للمكاتب أن يكاتب عبدا له، وقال الحسن البصري: ليس للمكاتب أن يكاتب ولا يهب ولا يتزوج إلا بإذن سيده، وقال أصحاب أبي حنيفة: الكتابة ليست بواجبة، وقال داود: إنها واجبة إذا طلب العبد ذلك منه، قال: وتجوز على قليل وكثير وبحالة وبحالّةٍ وآجلةٍ.
فصل:
وقال الشافعي: لا تجوز الكتابة الحالة، واستدلوا بقوله تعالى: { فَكَاتِبُوهُمْ} ولم يفصل، وقيل: إن نمير بن أبي محمد سأل أنس بن مالك الكتابة فأبى أنس فرفع عمر عليه الدرة وتلا { فَكَاتِبُوهُمْ} فكاتبه أنس واحتج من أوجبها بظاهر الآية وبأن عمر لم يكن يرفع الدرة على أنس فيما هو مباح إلا يفعله، وقيل: كاتبه مولاه على عشرين ألفا فأدى المكاتبة وكان من سبأ ميسان.
الباب السابع: في الرضاع والإجارة له
__________
(1) سورة النور: 33. (8/88)
صفحة 591
قال الله تبارك وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) وقال عز وجل فيما حرم من النكاح: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ» (3) والرضاع من طريق الإضرار محرم باتفاق، وقال: الرضاع في كتاب الله سنتان كذلك يقول أكثر الفقهاء أنه لا رضاع بعد سنتين.
__________
(1) سورة البقرة: 233.
(2) سورة النساء: 23.
(3) رواه الربيع، عن عائشة بلفظه، كتاب النكاح، باب (26) في الرضاع، ر525، 1/210. والبخاري، عن ابن عباس بلفظه، كتاب (52) الشهادات، باب (7) الشهادة على الأنساب والرضاع، ر2645، 3/201. والنسائي، عن عائشة بلفظه، كتاب (26) النكاح، باب (49) ما يحرم من الرضاع، ر3301، 6/99. (8/89)
صفحة 592
وروي عن بعض المسلمين أنه قال: يستحب أن يزاد على السنتين أربعة أشهر رضاعا فإذا أرضعن بعد السنتين أربعة أشهر زاده رضا إذا احتاج إلى الرضاع فيهن ولم يكتب بالطعام، وإذا اكتفى بعد السنتين بالطعام ثم رضع بعدما فصل فليس برضاع فمن أخذ في ذلك بالاحتياط فجعل الرضاع في سنتين وأربعة أشهر رضاعا فقد أخذ بأوثق الأمرين وأبعدهما من الريبة إن شاء الله، وقال بعض قومنا: الرضاع يكون ثلاثون شهرا، وقال آخرون: ثلاثة أحوال، وقال أبو الوليد: للرجل أن يسترضع اليهودية والنصرانية ووقف عن المجوسية، وإذا قالت المرأة لزوجها: لا أرضع لك ولدك إلا بأجر فلا أجر لها، وقال بعضهم: لها ذلك، وإذا طرحت المطلقة ولدها على أبيه ثم طلبته فأعطاها إياه على شرط أن لا رباية عليه فإن لها الرباية وإن شرطت له ذلك إذا طلبته، فإن كره رد الولد إليها فهي أحق به إذا قبلت ما يقبل غيرها من الرباية ولم تشطط عليه في الرباية وإن كان له جارية أو أحد يكفيه الرضاع وطلبته هي فهي أحق، وإن كانت ردته بعد الفصال ثم طلبته فقال هو: أنا أطعم ولدي وقد انقضى رضاعه فهي أحق به ما لم يشطط في الرباية حتى يعقل ويعلم الفصل، قال يعقوب: يقال للصبي والسخلة في لغة أهل نجد: رضع يرضع رضاعا، وفي لغة تهامة: رضع يرضع، ويقال: التمس لي مرضعا أي ذات لبن فإذا كانت ترضع فهي مرضع ومرضعة، يقال بين الرجلين ممالحة، معناه بينهما رضاع، يقال: قد ملحت فلانة لفلان إذا أرضعت له، وليس على المرضعة يمين لوالد الصبي أنها ما تخون الولد في الرضاع؛ لأَنَّها في ذلك مؤتمنة، قال الشاعر:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها *** أفاويق حتى ما يدر لها فعل (8/90)
صفحة 593
ومن هرب عن مطلقته ومعها ولد منه ترضعه فالذي نستحبه برأينا إن كانت الأم معدمة لا تقدر على شيء أن يؤخذ الأولياء بنفقته وإن شاءت أقرضت عليهم عند حاكم وأنفقت على ولدها ونفسها وجعلت ذلك دينا لازما على زوجها إن كان غايبا إلى وصوله وإن كان هالكا فعلى ورثة اليتيم نفقته وصلاحه، ومن كان فقيرا فأبت امرأته أن ترضع ولدها منه أو لم تقبل الولد من غيرها فإنها تجبر على رضاعه فأما إذا لم يكن هاتان الحالتان فليس عليها أن ترضعه وإذا ادعت المرأة أنها أرضعت ولد الرجل سنة وقال الرجل: لم ترضع إلا شهرا فالبينة عليها؛ لأَنَّ المرضع قد ترضع الشهر ثم تذهب فترضع مرضعا آخر فلا أراها إلا مدعية.
مسألة:
ومن كان له خادمة أرضعت له أولادا فله أن يبيعها ويبيع ما شاء من أولادها إذا صاروا له، فإن وقعوا في سهم من ليس بينه وبينهم رضاع فليس بواجب عليه شراؤهم فإن فعل فقد أحسن، وإن كانت أم بعض ولد الرجل الميت أو ولدها إخوته لأبيه التي ولدته فإنها وولدها يصيرون في ميراثه، وإن كره ذلك ولا يصيرون لأحد من إخوته هو أحق بهم وأولى بالثمن وليس الرحم مثل الرضاع في هذا الوجه ولا يصلح للمرأة أن تبيع ولدا منها إذا أرضعته؛ لأَنَّه ولدها.
مسألة:
وقيل إذا كان الأب معدما ولا شيء له فعلى الأم أن ترضع ولدها ولو كانت فقيرة، قال بعض: وإن كانت الأم موسرة والأب معدما لا شيء له أو ميتا ولم يكن بالأم لبن فعليها أن تستأجر من يرضعه إذا كانت موسرة إلا أن يكون له ورثة غيرها فيجبر الورثة على رضاعه وعليها من ذلك بقدر نصيبها من ميراثه؛ لأَنَّ الله تبارك وتعالى يقول في الرضاع: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} (1) والرغوث المرضع يقال: امرأة رغوث إذا كانت ترضع ولدها، قال ذو الرمة:
ولو كلمت مني عواقل شاهق *** رغاث من الأروى شهود عن الغفر
__________
(1) سورة البقرة: 233. (8/91)
صفحة 594
العواقل: المحسنات في الخيل، والشاهق: الجبل المرتفع، والرغاث: المرضعات، والغفر: أولاد الأروي، قال سعيد بن العاص: يا معشر قريش: استرضعوا في العرب فإن اللبن يعدي، لقد رأيت أهل بيت من قريش استرضعوا أسودا فما زلنا نعرف ذلك في أخلاقهم، وإن كان للولد مال ولم يكن بالأم لبن فأجرة رضاعه برضاعه في ماله، قال الله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}، والابن وارث لمال الأب حين مات، ومن فارق امرأة وقد ولدت فأراد هو أن يفطم أولاده في سنة وقالت الأم: حتى يستكمل رضاعه فليس له أن يفطمه دون الحولين إلا أن يتراضيا جميعا على ذلك؛ لأَنَّ الله تبارك وتعالى يقول: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) ولم يجعل ذلك إلا عن تراض وتشاور، وكذلك للأب عليها إذا أرادت الأم أن تفطمه والمنتهى في الرضاع الحولان، وإن أفطمت امرأة ولدها قبل فصاله بولد تعلقها ولها مال فيجب أن تبره بشيء من مالها.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 233. (8/92)
صفحة 595
وإذا اختلف الرجل وأم ولده على رضاعه ولم تجبر أن ترضعه وهي مطلقة لم يلزمها الرضاع إلا أن تخاف على الولد الهلاك من غيرها أو لا تجد من يرضعه أو لا يقبل الولد سواها فحينئذ يلزمها أن ترضعه، فأما إن كان الولد يقبل ألبان المرضعات ويلهو بهن عنها لم يجب ويغلب على ظني (ولعله لم تجبر) أن ترضعه ولم يلزمها وكان على الأب أن يستأجر له مرضعة على قول أصحابنا مع من وافقهم على ذلك من مخالفيهم، قال الله تعالى عز وجل: { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (1) ولا يحكم على المطلقة بتربية ولدها إذا امتنعت وإن لم توجد له مرضعة حكم عليها برضاعه وعلى الأب الأجر، وأما الزوجة فعليها أن تربي ولدها وإن امتنعت لزمها، وأجاز أصحابنا الإجارة على الرضاع ولم أعلم في ذلك خلافا.
مسألة:
ولا يجوز أن يؤخذ من لبن الأم شيء إلا بإذن زوجها إلا لدواء، وقال بعض: هي أولى باللبن ولو أنها لم ترضع ولدها كان على الزوج أن يشتريه منها لولده وأكثر القول أنها ترضع ولدها، والمرضع إذا لزمها الغسل من الجماع فلا بأس إن أرضعت ولدها قبل الغسل؛ لأَنَّها غير نجسة، وعن بعض الفقهاء أنه يستحب لها أن تغسل حلمة ثديها قبل أن ترضعه ثم ترضعه ولا يجوز للرجل أن يبيع أمه من الرضاع ولكن يستخدمها أو جائز له بيع أم ولده من الرضاع؛ لأَنَّها ليست أمه هو والاختلاف في أم الولد، وليس للرجل بيع أمه من الرضاع ولا بيع بنيها وهي أمه وهم إخوته من الرضاع وهم مماليك له لم يخرجوا إلى العتق بذلك له استخدامهم وكره الفقهاء بيعهم فاتبعنا قولهم، فأما من ملك أمه بسبا أو ابنته أو عمه أو عمته أو خاله أو خالته من جميع من لا يحل له نكاحه فإنهم يعتقون إذا ملكهم أو واحدا منهم إذا كانوا من غير الرضاع وكانوا أرحاما عتقوا وأولادهم مثلهم في العتق ممن يحرم نكاحه إلا بنات العم والعمة والخال والخالة فليس لهم مثلهم ولا يعتقون.
مسألة:
__________
(1) سورة الطلاق: 6. (8/93)
صفحة 596
وإذا لم يقبل الصبي ثدي غير أمه قيل: تجبر على رضاعه والله أعلم، وللرجل أن يمنع امرأته أن ترضع ولد غيره، وقيل: إن أذن لها أن ترضع أحدا فأجر الرضاع لها، ومن تزوج امرأة ولها ولد من غيره فليس له منعها أن ترضعه إلا أن تكون غنية والصبي يرضع من غيرها فلتستأجر له ظئرا هذا قول، وقال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: ليس له أن يمنعها أولادها الصغار حتى يكفوا أنفسهم، قال: وهكذا وجدنا عن أبي عبد الله، وقال بعض قومنا: إن الوالدة أحق برضاع ولدها من أي طلبه أبوه لقول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) فجعل الحق للوالدة فلذلك يجبر الزوج على دفعه إليها، وقال أبو الحواري: في الكسوة التي ذكرها الله للمرضعة أنها إذا كانت زوجة فلها الكسوة والنفقة، وإن كانت مطلقة فلها الأجرة ولا كسوة ولا نفقة لها.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 233. (8/94)
صفحة 597
قال الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وهو الرجل يطلق امرأته ولها من ولد فهي أحق بولدها من غيرها، وليس الحولان بفريضة فمن شاء أرضع حولين وفوق ذلك ودونه، ثم قال: { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} يعني الأب { رِزْقُهُنَّ} عين رزق الأم وكسوتها بالمعروف { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} يقول: لا يحل للرجل إذا طلق زوجته أن يضارها فينزع ولدها وهي لا تريد ذلك ثم قال: { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} يقول: لا يحل للمرأة إذا طلقها زوجها أن تضاره فتلقي إليه ولده مضارة له ثم قال: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يعني: وعلى من يرث اليتيم إذا مات أبوه مثل ما على الأب من الكسوة والنفقة لو كان حيا، ولا يضار الوارث الأم بولدها وهو بمنزلة الأب إذا لم يكن لليتيم مال، ثم رجع إلى الأبوين قال: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} أن يفصلا الولد من اللبن { عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} دون الحولين { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} ما لم يضار أحدهما صاحبه، قوله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ} (1)
__________
(1) سورة الطلاق: 6.. (8/95)
صفحة 598
يعني الأمهات، { لَكُمْ} يعني الزوج { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} يعني الرزق والكسوة على قدر يسار الرجل، ثم قال: { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} يعني الزوج والمرأة المطلقة فلم يتفقا ورضيت المرأة أن تسترضع ولدها غيرها { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} يعني الزوج لولده امرأة على قدر سعته { لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا} يعني في نفقة المراضع { إِلَّا مَا آتَاهَا} يعني ما أعطاها { سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (1) يعني بعد العسر السعة، وعن ابن عباس أنه قال: إذا لم يقبل الولد ثديا غير ثدي أمه فإنها تجبر على رضاعه وإن كرهت فإن لم يكن للزوج مال فلا نفقة عليه ولتنفق الأم في الذي لها وإذا رضيت الأم من رضاع ولدها بأجر المراضع فهي أحق به حتى يدرك ولا يلقى الولد مضارة له.
مسألة:
*/*/*/*/
عن عمر - رضي الله عنه - أن اللبن يشبه عليه، يريد أن الطفل الرضيع ربما نزع به إلى الشبه إلى الظير من أجل اللبن، يقول: فلا تسترضعوا إلا من ترضون أخلاقه وعفافه، ومن استأجر ظئرا فالواجب عليها رضاع الصبي وليس عليها تدهينه وتمريجه وغسل ثيابه إلا أن يوافقها على ذلك، وإذا دفعته الظئر إلى خادم لها فأرضعته حتى فطمته لم يكن لها شيء من الأجرة ولا لخادمها؛ لأَنَّ الظئر تصير بذلك متطوعة والمتطوع لا يرجع بشيء على من تطوع عليه وإن كانت الظئر تحت بعل فأجرت نفسها للرضاع كانت الإجارة فاسدة وللزوج منعها في الاستئجار فإذا أجرت نفسها ثم تزوجت لم يكن للزوج منعها إلى المدة، وكذلك إذا أذن لها لم يكن له منعها بعد الإذن ودخولها في الإجارة، وكذلك ليس لها فسخ الإجارة إلى المدة، وحيث شرطت أن ترضعه كان ذلك لها وإن شرطت مع الأجرة طعاما كان ذلك باطلا، وقيمته (نسخة) كميته.
فصل:
__________
(1) سورة الطلاق: 7. (8/96)
صفحة 599
يقال: ليس في الأرض بهيمة ولا سبع أنثى لا تريد فطام ولدها وإخراجها من اللبن إلى اللحم ومن اللبن إلى العشب إن كانت بهيمة إلا وهي تعفر أولادها، والعفر أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحم إن كان سبعا والعشب إن كان بهيمة فلا تزال تنزله وتربيه وتماطله وتطاوله وكلما مرت عليه الأيام كان وقت منعها له أطول حتى إذا قوي على أكل اللحم والعشب وأغناه ذلك فطمته، قال السدقي في مثل ذلك:
لمعفر فهد تنازع شلوه *** غبش كواسب لا يمن طعامها
المعفر الولد الذي قد عفر والفهد الأبيض، ويقال: إنه لون يضرب لونه إلى البياض، ويقال: الأفهد الأصهب، ومنه السنجاب الأفهد (نسخة الأقهب) شلوه بقية جسده، والغبش الذياب، وهي التي بين الصفرة والغبرة، ويقال فيها شقرة، والكواسب الذياب الجياع التي تطلب الصيد لجرائها وهي أحرص على طلب الصيد، أي تكتسب على عيالها ما يمن طعامها أي ما ينقص، ويقال: الأيمن من الامتنان طعامها، أي طعام الذياب أي لا يأخذ بالامتنان، والبهيمة ترفع اللبن وترسله عند حضور الولد، والمرأة لا تقدر أن تدر على ولدها وترفع لبنها في صدرها إذا قرب إليها ولد غيرها والذي أعطى الله البهائم في ذلك مثل يعرف به المعنى أنه جل وعز قد أقر الإنسان على أن يحبس بوله وغائطه إلى مقدار وأن يخرجهما ما لم يكن هناك علة من حصر أو شر فإنما يخرج منه بوله ونحوه بالإرادة وقد جعل إليه حبسه وإخراجه وتأخيره وتقديمه، يقال: عفروا صبيكم عند الفطام، ويقال: عرضوا صبيكم إذا ولد وهو أن يمسحه لكي يمتد وترجع مفاصله.
الباب الثامن: فيما هو رضاع وما ليس برضاع (8/97)
صفحة 600
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ولا رضاع بعد فصال» (1) وإذا كان الصبي ابن ثلاث سنين وهو يرضع ولم يفطم فأرضعته امرأة وكان الرضاع غداه فلا ستر عليها منه وإذا اجتزى الصبي بالطعام ولم يكن اللبن غداه فلا رضاع له، وإن رضع صبي امرأة بعدما فطم فلا بأس عليه بتزويجها وإن استعط رجل بلبن امرأته أو رضعها فلا بأس عليه وإن رضعته زوجته أيضا فلا بأس، وإذا عمل لصبي دواء بلبن امرأة فشربه فهو رضاع وإن كان الدواء يابسا، وإذا كان عند رجل امرأة يقول إنها زوجته وهي لا تنكر ذلك فأرضعت من لبنها صبيا آخر فهو رضاع، وهو ولد الزوج؛ لأَنَّ اللبن للفحل ولو حلبت امرأة من لبنها فجعلته في شيء فجاء زوجها فشربه ولا يدري ما هو فلا شيء، ويقال: لا رضاع بعد فصال، وإذا استعط صبي بلبن أو بداوء فيه لبن أو قطر في أذنه أو سقى منه أو وضع في سويق وشرب منه فهذا كله رضاع؛ لأَنَّ هذه المواضع تؤدي إلى الحلق، وإذا حقن في دبره أو قبله أو كحل منه في عينه فليس برضاع، وبين قومنا فيه اختلاف، قال أصحاب أبي حنيفة: لا يجب التحريم، وقال الشافعي: يوجب الرضاع ما أدى إلى الحلق، وقال أبو داود والأصبهاني: لا يوجب ذلك تحريما، ومن رضع امرأة ميتة فهو رضاع، وجاء في الأثر أن رضاع الصبي للمرأة الميتة رضاع، وقال أبو عبد الله: وهي مسألة غريبة، ومن رضع امرأة ميتة فلا يتزوج بابنتها وهو رضاع، قلت: كيف يعرف أنه رضع لبنا أو ماء؟ قال: إذا خرج من الثدي بعد ذلك شيء علم ما هو، والفلا: الفطام، يقول: فلاه يفلوه إذا فطمه، وقال: وإذا أرضعت امرأة صبيا من ثديها أو سقي منه أو استعط أو أقطر في أذنه أو خلط في دواء فغلب لون الدواء لون اللبن وشربه أو وضع في سويق بماء وأطعم منه فهذا كله رضاع، ولكن إذا عجن دقيق بلبنها وخبز وأكل
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن علي بلفظه، باب لا رضاع بعد الفطام، ر13897، 7/464. والبيهقي عن جابر بلفظه، باب الطلاق قبل النكاح، ر14657، 7/319. (8/98)
صفحة 601
منه فقد ذهبت النار باللبن وليس هذا برضاع، وإذا أرضعت صبيا امرأة بعد حولين ولم يفصل عن أمه فإن اعتمد على الطعام واكتفى به عن الرضاع فليس برضاع، وإذا كان لا يعتمد على الطعام ولا يكتفي به عن الرضاع فهو رضاع حتى يزيد أربعة أشهر بعد حوليه، فإذا خلا حولان وأربعة أشهر فأرضع بعد ذلك فليس برضاع له ولو لم تفصله أمه، فإن كان يعتمد على الطعام فيأكل ويرضع قبل أن يمضي حولان فأرضعته امرأة قبل الحولين على هذه الصفة فهو رضاع ولكن إذا اعتمد على الطعام وأجزى به عن الرضاع فليس هذا برضاع وإن لم يحل له حولان، وإذا أرضعت امرأة بكر لم تتزوج أو قد تزوجت ولم تلد صبيا فرضع منها لبنا فهو رضاع وإن رضع منها ماء فلا رضاع، وإن كانت في حد العجائز إنما قيل إذا رضع الصبي من العجوز ماء فهو رضاع وذلك من التي كانت ولدها فأما التي لم تلد فليس رضاعه الماء منها برضاع حتى يرضع منها لبنا، والمرأة البكر إذا أرضعت صبيا ولم تعلم أرضع منها لبنا أو ماء فحتى يعلم أنه رضع منها لبنا ثم يكون ذلك رضاعا إذا كانت قد حلبته قبل أن ترضعه فخرج من ثديها لبن، فإن خرج منها ماء فيه شيء من بياض مختلط به فرضعها فهو رضاع، وإن خرج منها ماء صاف فليس برضاع، فإن خرج ماء غليظ فليس برضاع، قال: ولبن النساء رقيق ليس بغليظ، وإذا رضع الصبي من المرأة المدبرة من الولد ماء أو لبنا فهو رضاع، فإن قطرت من ثديها قبل أن ترضعه فلم يخرج منه شيء ثم أرضعته فلم تعلم أنه يخرج منه شيء ولا يقع منه شيء فأرجو أن لا يكون ذلك شيئا حتى تعلم أنه قد خرج منها ماء أو لبن، ولا رضاع بعد فصال، ولو أن رجلا شابا أو غلاما شرب من لبن امرأة واستعط به لم تحرم عليه تلك المرأة ولا أحد من ولدها؛ لأَنَّ هذا ليس برضاع والرضاع ما كان في الحولين لقول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ (8/99)
صفحة 602
لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) وكذلك ما بعد الحولين إلى ستة أشهر في قول أبي حنيفة وهو رضاع، وفي ذلك قول آخر أنه إذا زاد يوما واحدا على الحولين فليس برضاع، وقال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: وقال بعض: وزيادة أربعة أشهر بعد الحولين وأنا آخذ بهذا القول وهو رضاع إلا أن يكون قد اكتفى عن الرضاع بالطعام بعد الحولين، فإن رضع امرأة بعد الحولين فليس ذلك برضاع وإن كان لم يفطم وقد أتم الحولين والستة أشهر لم يكن ذلك رضاعا؛ لأَنَّ الرضاع بعد هذه المدة كان فطم أو لم يفطم.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 233. (8/100)
صفحة 603
وإذا نزل للمرأة لبن وهي بكر لم تتزوج قط فأرضعت به فهو رضاع كرضاع التي قد تزوجت وولدتن وإذا حلبت المرأة من ثديها لبنا ثم ماتت فأوجب ذلك اللبن صبيا فهو رضاع وكذلك لو حلب بعد موتها فأوجز منه صبي كان رضاعا وفيه اختلاف من قومنا، قال أصحاب أبي حنيفة: لبن الميتة يحرم، وقال الشافعي: بأنه لا يحرم وإن رضع صبيان من لبان شاة أو بهيمة غيرها لم يكن ذلك رضاعا ولا يحرم ولا يحرم ذلك عليهما إنما هي بمنزلة طعام أكلاه جميعا من إناء واحد، ولو وضع لبن امرأة في طعام فأكلا منه جميعا فإن هذا على وجوه إن كانت النار قد مست اللبن حتى تغير فليس ذلك برضاع ولم يحرم وإن كانت النار لم تمسه وكان الطعام هو الغالب، فإن في هذا قولين، أحدهما أنه يكون رضاعا؛ لأَنَّ اللبن هو الغالب، وأما القول الآخر فإنه لا يكون رضاعا، قال أبو عبد الله: إذا كان اللبن قائما في الطعام فهو رضاع مثل اللبن يطبخ به الأرز واللحم وأشباه ذلك إلا أن يكون قد خلط فيه ماء وكان الغالب على اللبن ولا يرى اللبن فذلك لا يفسد ولو عجن عجين بلبن امرأة وخبز بالنار ثم أكل منه صبي لم يكن بمنزلة الرضاع، وكذلك لو عجن باللبن ثم عمل منه خبز بالقدر وخلط فيه العسل فغلب العسل اللبن حتى لا يرى منه شيء فليس هذا بمنزلة الرضاع، وكذلك لو وضع لبن امرأة في سويق ثم وضع فيه ماء ولم ير في اللبن شيء فلا بأس به، ولو قطرت قطرة في كوب من ماء فغلب الماء تلك القطرة وشرب منه صبي لم يكن بمنزلة الرضاع، دليل على ذلك جواز التوضئ به، وإذا جعل في دواء فأوجز منه صبي واستعط به واللبن الغالب فهو رضاع، والرضاع في دار الحرب والشرك كهبته في دار الإسلام، وإذا أسلم القوم حرم عليهم من ذلك ما يحرم على المسلمين، وجاز من ذلك ما يجوز عليهم، وقيل: إن امرأة عمدت إلى جارية زوجها فأوجزتها من لبنها على عهد عمر ـ رحمه الله ـ فسأله فقال له عمر: عزمت عليك لتوجعن رأس امرأتك ولتكونن جاريتك أول ما تقع (8/101)
صفحة 604
عليها؛ لأَنَّه رضاع بعد فصال، وقال ابن مسعود: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنشأ العظام وأنبت اللحم يعني ما كان من الرضاع غذاء، ولا رضاع من الرجال إذا خرج منهم لبن وإنما الرضاع الذي يحرم من المرأة، وقيل: وكل رضاع في الحولين فهو رضاع، وإذا داوت امرأة صبيا بدواء فجعلت فيه من لبنها ثم سقته إياه قال بعض الفقهاء: إن كان اللبن لم يستهلكه الدواء وهو ظاهر يرى ويوجد في طعمه الدواء فهو يحرم وإذا مص صبي خرقة فيها لبن أو شرب لبنا في قدح فيه قطرة من لبن امرأة فإذا كان الماء باللبن مستوليا على الفطرة من لبن المرأة فليس هو برضاع، وأما الخرقة (نسخة وأما عرفه) فالله أعلم.
مسألة:
اختلف أصحابنا وأهل العراق في مقدار ما يحرم من الرضاع، فقال أهل الحجاز: لا يحرم من الرضاع أقل من عشر مصات، وقال بعضهم: خمس ولا يحرم ما كان دون ذلك عند أصحاب هذا القول، فقال أهل العراق: لا يحرم إلا بشاهدا عدل من الرجال يشهدان على معاينة الرضاع ولا يوقتون لذلك وقتا ولا يجعلون له مقدارا، ودليل أصحابنا على الرضاع هو مص الثدي وظهور اللبن على شفتيه فهذا هو العلم الذي يحكم به الحاكم، وأما المص دون اللبن فلا يوجب الرضاع؛ لأَنَّ الصبي يمص ولا ينحدر منه لبن إلا أن هذا موضع الشبهة والحاكم لا يحكم إلا بصحة أو تكون المرضعة تخبر عن علمها بانحدار اللبن منها ومص الصبي إياه فلها أن تشهد على ذلك لتخبر ويقبل الحاكم قولها إذا كانت عدلة في دينها.
مسألة: (8/102)
صفحة 605
وإذا تزوجت امرأة ومعها لبن من الزوج الأول كل من أرضته قبل أن تحمل من الثاني فهو لبن الأول كان اللبن بحاله أو زائدا أو ناقصا، والدليل لأصحابنا على مخالفيهم في صحة قولهم وذهاب مخالفيهم عن القصد في ذلك والاستقامة فيما وقتوه من عدة المص وغيره، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ» فلما كان النسب يوجب القليل منه والكثير وجب أن يكون الرضاع مثله، وما وقع عليه اسم رضاع قل أو كثر فهو يوجب التحريم وضرب آخر من اختلافهم في حكم اللبن، قال أهل العراق: اللبن الذي هو في المرأة هو للزوج ثم هو له فإن طلقها فاللبن له إلى تتزوج زوجا غيره فإذا تزوجها زوج غيره فهو للأول إلى أن تحمل وتضع حملها منه ثم انتقل اللبن للأخير، وقال أصحابنا: اللبن للأول إلى أن تتزوج وتحمل فإذا حملت اشتركا في اللبن والدر إلى أن تضع حملها فإذا وضعت حملها انتقل اللبن للأخير، الدليل لأصحابنا في اشتراك اللبن بين الزوجين عند الحمل أن الحمل زيادته في المرأة مع زيادة الحمل زيادة اللبن فإذا زاد اللبن بالحمل من قبل الزوج وكان الولد ولدا له وجب أن يشارك الأول في لبنه بما له في هذا فإذا كان هكذا فقد صح ما قال أصحابنا ويبطل قول مخالفينا وبالله التوفيق، ومن رضع لبن امرأته فجائز لقول النبي - عليه السلام - : «لا رضاع بعد فصال» ولو أن شيخا كبيرا رضع امرأة ترضع جارية، جاز له تزويج الجارية؛ لأَنَّ اللبن ليس هو غذاه، وإذا استعط صبي من لبن امرأة أو قطر في أذنه فليس برضاع، وإن سقي من لبنها مع دواء فإن كان اللبن ظاهرا في الدواء وهو الأغلب فهو رضاع، وإن استهلك الدواء اللبن وهو الأغلب فلا رضاع.
مسألة: (8/103)
صفحة 606
والرضاع يصح من وجهين أحدهما: إذا قالت المرأة إنه رضعها وأحست باللبن وهو يتحلب من ثديها إلى فم الراضع، والثاني إذا شهدت البينة أنه كان يرضعها واللبن ظاهر في طرفي شفتيه كالزبد فذلك هو الاستدلال على الشهادة بالرضاع، فإن أرضعته ولا لبن بها فليس برضاع ويكون كمص الأصبع ونحوه.
مسألة:
والبكر لا يصح منها الرضاع حتى تقول: إني أرضعته لبنا، والثيب ما أرضعت كان رضاعا، وإذا قالت: أرضعت ثم رجعت فلا يقبل منها، وإذا أرضعت امرأة بلبن رجل أو رجلين فكل من رضع منهما فهو أخ لمن يرضع منها ويكونون إخوة من طريق الرضاع ويكونون أيضا إخوة لمن حكم له بالبعولة باللبن واللبن من البكر رضاع والماء منها ليس برضاع، واللبن والماء من الثيب رضاع، وإذا تزوجت المرأة رجلا بعد رجل كان قبله فإن اللبن الذي فيها محكوم به لهما ويكون نسب ذلك الرجل (نسخة اللبن) يلحق الرجلين، فإذا وضعت حملها حكم به للثاني دون الأول وانقطع حكم الاشتراك للرجلين فيه، وقال أبو حنيفة: اللبن للزوج الأول إلا أن تضع حملها من الثاني ثم يكون للثاني ولا يوجب الاشتراك فيه للزوجين في هذا الموضع الذي ذكرناه ويوجبه في ولد الزوجين من الأمة.
مسألة:
أكثر أهل الفقه يرون لا تحرم الإملاجة بالجيم وإنما هو الإملاحة بالحاء، ومنه قوله بين الرجلين (نسخة الزوجين) ممالحة أي رضاع، يقال: قد ملحت فلانة لفلان إذا أرضعت له من ذلك يقال فلان لم (نسخة ما) يحفظ الملح أي ما يحفظ الرضاع، والإملاحة: مصة؛ لأَنَّ المص هو الملح ويقال: قد ملح الصبي أمه يملحها ملحا ومن هذا رجل (مصان) وملحان ومكان كل هذا من المص يعنون أنه يرضع الغنم من اللؤم ولا يحلبها فيسمع صوت الحلب ولهذا قيل لئيم راضع، فإذا أردت فعل المرأة قلت قد أملحت صبيها إملاحا، وقال داود: لا يحرم من الرضاع إلا ثلاث مصات، ولبن المرأة من الزنا إذا أرضعت به صبيا فهو رضاع وتصير أمه بذلك للكتاب والخبر ولا يخص رضاع من رضاع.
مسألة: (8/104)
صفحة 607
ومن أخذ من لبن امرأة فخلط فيه ماء وسقاه صبيا فإن غلب الماء اللبن فلا رضاع وإن كان اللبن غالبا فهو رضاع، والماء من المرأة الدابر رضاع.
مسألة:
قال أصحابنا: في لبن المرأة إذا خلط بشراب فذهبت عينه أنه غير محرم ولا يحكم له بحكم الرضاع، وقالوا في الماء يختلط به البول فتذهب عين البول فيه أنه يكون نجسا، وقالوا في الرضاع يحكم به إذا أكل الصبي طعاما فيه لبن ظاهر والأكل غير الرضاع، والخبر ورد في الرضاع دون الأكل، ونحن نطلب وجه قولهم في ذلك بتوفيق الله؛ لأَنَّ الرضاع إذا حمل على ظاهر الخبر ومجيء اللفظ به لم يدخل الأكل في حكمه؛ لأَنَّ الأكل غير الرضاع، وإن كان ورد التحريم في الرضاع بالخبر والأكل في اعتبار المعنى الذي في الأكل من اللبن، ومن أين فرقوا بين حكم اللبن المحرك إذا ذهبت عينه فيما يؤكل أو يشرب ومن المحرم (نسخة المحرك من) النجس فيما يؤكل ويشرب إذا ذهبت عينه وبقي حكمه، ألا ترى لو أن حالفا حلف لا يشرب اليوم ماء فأكل خبزا كان قد عجن بماء أنه غير حانث فكيف كان الرضاع حكمه مخالف لهذا فإن التحريم على اللفظ لم يدخل الأكل فيه فإن كان الحرام حراما في نفسه محرم به ما خالطه كان سبيله سبيل الماء والبول وإن كان الاعتبار في اللبن ظهوره؛ لأَنَّها أجسام مرئية فيجب التسوية بين اللبن والبول إذا خلا في غيرهما، وعندي -والله أعلم- أن الرضاع على المعنى والأيمان على التعارف والأسما ألا ترى أن امرأة لو حلفت ألا ترضع صبيها فرضع منها وهي مجنونة أو مغلوبة على عقلها بنوم أو غيره لم تكن حانثة وتكون أماً له فهذا يدل على ما قلنا والله أعلم، وينظر في هذه المسألة فإن فيها نظرا والحرام على ضربين (نسخة خبرين) حرام بنفسه حرمه الله وبعينه كالميتة والدم ولحم الخنزير، وحرام بنفسه محرم به ما خالطه كالبول في الماء ولبن الرضاع فيما خالطه، فأما اللبن إذا خلط بغيره فاستهلك فيه ولم يجعل له فيه علامة ظاهرة فيما خلط فلا حكم (8/105)
صفحة 608
له في باب التحريم وإن كانت أمارته ظاهرة فيما خالطه في التحريم به واقع وحكمه حكم الرضاع إذا تناوله أو تناول منه الصبي في حال الرضاع هذا على أصول أصحابنا، وأما الشافعي فعنده أن اللبن إذا خلط بطعام واستهلك منه أنه رضاع إذا أكل منه الصبي، وعندي أن حجة الشافعي فيما ذهب إليه أن الحرام من الطعام وغيره إذا خلط بحلال فاستهلك به حرم أكله واستعماله في غير الأكل والله أعلم، وفيما تقدم من القولين اعتبار؛ لأَنَّ الله تعالى حرم الرضاع للأكل، وأيضا فإن اللبن ليس بحرام ولكنه محرم في بعض الأوقات والحرام حرام في كل وقت بنفسه وإنما حرم الله الرضاع الذي ليس بأكل والله أعلم، فيجب أن يعتبر حال ما ذكرناه وبالله التوفيق.
مسألة: (8/106)
صفحة 609
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ» فدل هذا الخبر أن النسب يحرم منه النكاح قليل أو كثير وكذلك يحرم من الرضاع قليله وكثيره ولو مصة واحدة، وإذا صار اللبن في حلقه وجب حكم الرضاع ولا رضاع بعد فصال، وتمام الرضاع إذا فصل الصبي واختلف الناس فقال قوم: لا رضاع بعد فصال، وقال قوم: لا رضاع بعد الحولين وأربعة أشهر، وقال بعض أهل الخلاف: وستة أشهر بعد الحولين، ومنهم من قال: إلى أربع سنين، ومنهم من قال: رضاع الكثير مما يحرم، وذلك قول بعض أهل الخلاف، وما كان بعد الحولين فليس برضاع، والرضاع يوجب قليله الحرمة كالنسب يوجب قليله الحرمة، والحرمة قد تجب حد الرضاع حولان لقول الله تعالى: {حولين كاملين...} (1) وما سماه الله تعالى تاما فقد انتهى منتهاه؛ لأَنَّ تمام الشيء يحصل بحصول آخر جزء من أجزائه إلا أن تنزيله دلالة على موجه ويدل على إضمار فيه، ومما يدل على أن الرضاع في الحولين مما روت عائشة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها رجل فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام كأنه شق عليه فقالت: يا رسول الله أخي، فقال: أتصلون من أخواتكم قال: إنما الرضاعة من المجاعة يريد بذلك أن الذي جاع كان شبعه في اللبن وهو الطفل الرضيع فأما الذي يشبعه الطعام من الجوع وإن أرضعتموه فليس ذلك برضاع، والدليل على أن الرضاع لا يكون محرما في الحولين إجماع الجميع أن للأم أن تطالب بنفقة رضاع إلى الحولين فإذا طلبت به بعد الحولين لم يحكم لها وكذلك لو طالب الرضاع بعد الحولين لم يكن ذلك عليها، وقد ذكر الإجماع على أن لا يحرم على الرجل رضاع لامرأته.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/107)
صفحة 610
والرضاع يوجب قليله الحرمة كالنسب يوجب قليله الحرمة، والحرمة قد تجب بالشيء القليل، ألا ترى أن الرجل لو جاز بالمرأة طعنة واحدة قدر ما يلتقي الختانان حرمت عليه ابنتها، فقد وجبت الحرمة بالقليل من ذلك كالنسب كذلك عندنا في قليل الزنا يوجب الحرمة والحد وكذلك قبل الرضاع، وقد ذكر الإجماع على أن لقمة الصبي ثدي الثيب (نسخة البنت) وجذبه ومصه فقد وقعت شبهة إذا مص ولم يدر رضع لبنا أو لم يرضع والرضاع أوفى به؛ لأَنَّ الشبهة متروكة، وعن النبي - عليه السلام - قال: « دَع مَا يريبكَ إِلَى ما لاَ يريبُك» (1) ، وقال: « يَا وَابصَة، استَفتِ نَفسَكَ» (2) ،
__________
(1) رواه النسائي عن الحسن بن علي بلفظه، كتاب (51) الأشربة، باب (50) الحث على ترك الشبهات، ر5711، 8/328. وأحمد عن الحسن بلفظه، 1/200.
(2) رواه أحمد عن وابصة بن معبد بلفظه، ر18486، 4/228. والدارمي عن وابصة بلفظ قريب، ر2533، 2/320.. (8/108)
صفحة 611
فأما إذا كانت لا تعلم أن فيها لبنا فألقمته الثدي لتلهيه ولم تعلم أنه رضع فلا رضاع حتى تعلم أنه رضع منها شيئا فأما إن جذب الصبي الثدي ومص فانحدر اللبن أو الماء من ذلك كان رضاعا، وأما من قال من أهل الخلاف بخمس مصات وأن ذلك في القرآن ورفعوه إلى عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم نجد ذلك في القرآن وخبر لا يصح إلا أن يكون منسوخا لقوله: « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ»، وقال ابن مسعود: لا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا ما أنشأ العظم وأبلت اللحم يعني ما كان غذاء، فأما من احتج برضاع سالم حين قال لامرأة أبي حذيفة نسخة أبي حنيفة أرضعي له فإن ذلك قد قيل به وأنه كان مخصوصا به سالم وروي ذلك عن جميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك كان مخصوصا به سالم، عن عائشة: وإذا وجد طعم اللبن في دواء وكان طاهرا فهو رضاع، وكل رضاع في الحولين يحرم ولو فصل قبل الحولين وإذا حلبت امرأة من ثديها لبنا ومزجته بلبن شاة وسقته صبيا فقيل إنه رضاع والله أعلم، وإذا رضع صبيان شاة في الحولين فجائز تزويجها وليس هو برضاع ويجوز لهما أكل هذه الشاة والرضاع لا يكون إلا من النساء وأما الدواب فلا، وكذلك عن مخالفينا أن قول شاذ لبعضهم لم يقبلوه أيضا، وإذا كان الصبي ابن ثلاث سنين أو أكثر فرضع امرأة فقد قيل: ليس برضاع والرضاع في الحولين وما كان غداء، وقد وجدنا قولا في الأربع سنين.
مسألة: (8/109)
صفحة 612
وجد الرضاع الفصال وهو الفطام وتمامه سنتان قال الله عز من قائل: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (1) وقال: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (2) وقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (3) فصح أن الحمل ستة أشهر والرضاع أربعة وعشرون شهرا، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا رضاع بعد الحولين» (4) .
مسألة:
وإذا مص الصبي خرقة فيها لبن أو شرب لنا في قدح فيه قطرة من لبن امرأة فإن كان اللبن مستوليا على القطرة من لبن المرأة فليس برضاع وأما الخرقة فالله أعلم.
مسألة:
وإذا أرضعت الخنثى المشكل صبيا أو صبية فرضعا منها ما قال أبو المؤثر ـ رحمه الله ـ فليس هو برضاع ولا بأس إن بلغا أن يزوجها بعضهما بعضا، وإن رضعا لبنا فلا أرى له أن يتزوج بها، وإذا رضع صبي من لبن امرأة ثم دسغه فهو رضاع.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة البقرة: 233.
(3) سورة لقمان: 14.
(4) ذكره البيهقي عن ابن عباس موقوفا، باب ما جاء في تحديد ذلك بالحولين، 7/462. والدارقطني عن ابن عباس مثله، كتاب الرضاع، ر9، 4/173. (8/110)
صفحة 613
روى أبو عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحرم الإملاحة والإملاحتان وفيه حد» (1) ، قال أصحاب الظاهر: لا يقع التحريم بأقل من ثلاث رضعات كرواية أم الفضل أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: تزوجت امرأة وتحتي امرأة قبلها فأرضعت الأولى الثانية رضعة أو رضعتين، فقال له - عليه السلام - : «لا تحرم الإملاحة ولا الإملاحتان»، وفي حديث آخر: «المصة والمصتان» (2) ، فقد روي «لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان» (3) والمعنى واحد وإن اختلف اللفظ، وذلك في الرضاع، وبهذا يقول بعض أهل الخلاف ويحتج بهذا الخبر وقول أصحابنا أن المصة الواحدة يحرم فما فوقها ولا فرق عندهم عن الواحدة وعن الكثير ما كان من ذلك في حد الرضاع وهو الحولان، ويحتجون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ»، فلما كان النسب يحرم منه أقل ما يقع عليه اسم نسب فإن الرضاع مثله في اسمه وحكمه كحكمه وهذا هو الصحيح، ووافقهم على ذلك بعض أهل الخلاف من أهل الحجاز والعراق على ما وجدت وفيمن وافقهم على ذلك أبو حنيفة واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تحرم الجرعة من اللبن ما يحرم الحولان الكاملان» (4) ،
__________
(1) رواه مسلم عن أم الفضل بلفظ: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" دون ذكر "وفيه حد"، باب في المصة والمصتان، ر1451، 2/1074. والنسائي (المجتبى)، عن أم الفضل مثله، باب القدر الذي يحرم من الرضاعة، ر3308، 6/100.
(2) رواه مسلم عن عائشة بلفظه، باب في المصة والمصتان، ر1450، 2/1073. والنسائي (المجتبى)، عن عائشة بلفظه، باب القدر الذي يحرم من الرضاعة، ر3310، 6/101.
(3) رواه مسلم عن أم الفضل بلفظه، باب في المصة والمصتان، ر1451، 2/1074. وابن ماجه مثله، باب لا تحرم المصة ولا المصتان، ر1940، 1/624.
(4) لم أجده بهذا اللفظ.. (8/111)
صفحة 614
وبقول على قليل الرضاع وكثيره سواء في باب الحرمة، وعن ابن مسعود وابن عباس أنه لما بلغهما حديث «الإملاحة والإملاحتان» قالا: قد كان ذلك وأما اليوم فالرضعة الواحدة تحرم، ويروى عنهما قد كان ذلك ثم عاد أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم، وعن طاووس: المرة الواحدة تحرم يعني الرضاع، والمرة هي المصة كذا عن أبي عبيدة وممن خالف هذا القول الشافعي والله الموفق للصواب، وفي حديث عمر - رضي الله عنه - أن اللبن لا يموت، قيل: تأويله أن الصبي إن رضع امرأة ميتة حرم عليه من ولدها وقرابتها من يحرم عليه من ولد الحية وقرابتها إذا رضعها، وبهذا يقول أصحابنا رحمهم الله.
مسألة:
ومن حلب من لبن امرأة ثم شربه صبي يرضع فذلك رضاع، أجمع الجميع على أن الطفل إذا رضع من ثدي أمه نائمة أو مغلوب على عقلها أو مكرهة أن ذرك رضاع يحرم ولا فرق بين النائمة والميتة، واللبن مضاف إلى الرجل أيضا ويجري التحريم فيه من جهته كجريه من جهة المرأة، الدليل على ذلك ما روت عائشة قالت: كان عمي من الرضاعة يستأذن عليّ بعدما ضرب الحجاب، قلت: لا آذن لك حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ليلج عليك عمك، قلتك إنما أرضعتني امرأة أبي قعيس ولم يرضعني أبو قعيس، قال: ائذني له فإنه عمك» (1) فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة العمومة من أخي أبي قعيس برضاعها من امرأة أبي قعيس فقد ثبت بذلك أن اللبن نسب إلى الفحل ويحرم من الوجهين جميعا من جهة المرأة والرجل ولو لم ينسب إلى الرجل لم يثبت عمومة في الرضاع والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثبتها.
فصل:
__________
(1) رواه مسلم عن عائشة بمعناه، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، ر1445، 2/1069. وابن ماجه عن عائشة بمعناه، باب لبن الفحل، ر1948، 1949، 1/627. (8/112)
صفحة 615
والملح تناول الثدي والضرع بأدنى الفم، وجاء في الحديث: «لا تحرم الإملاحة ولا الإملاحتان» بالحاء وذلك في الرضاع وفيه اختلاف، وقد قيل: إنه الإملاحة والإملاحتان بالحاء والله أعلم،؛ لأَنَّ الملح بفتح الميم وكسرها الرضاع لها، قال رجل كانت له إبل يسقي من ألبانها قوما ثم إنهم أغاروا عليها فذهبوا بها:
وإني لأرجو أملحها في بطونكم *** وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
يقول: لأرجو أن يحفظوا ما شربتم من ألبانها وما بسطت من جلودكم بعد أن كنتم مهازيل، وفي الحديث أن رجلا من بني سعد قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلمه في سبي أوطاس فقال: أيا محمد إنا لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر لحفظ لنا قوله، ملحنا: أي أرضعنا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مسترضعا فيهم.
الباب التاسع: ما يحرم من النكاح بالرضاع وما لا يحرم منه (8/113)
صفحة 616
بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ»، فلا ينبغي للرجل أن يتزوج امرأة ابنه من الرضاعة لا امرأة ولد ولده ولا امرأة أبيه ولا بعض أجداده من الرضاعة، لا يحل له تزويج امرأة أرضعته رضاعا قليلا أو كثيرا ولو كانت مصة أو مصتين أو سعوطا أو وجورا، ولا تحل أخته من الرضاعة ولا بنت التي أرضعته ولا بنت زوجها التي أرضعت بلبنه، ولا تحل عمته من الرضاعة ولا خالته ولا بنت زوجها الذي أرضع بلبنه، ولا بنت أخته ولا بنت أخيه، وروي أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : «ألا تتزوج بابنة حمزة فإنها أجمل امرأة في قريش، قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة، والأمة أرضعتني وإياها» (1) ،
__________
(1) رواه البخاري عن ابن عباس بمعناه، باب الشهادة على الأنساب والرضاع، ر2502، 2/935. ومسلم عن أم سلمة بمعناه، باب تخريم ابنة الأخ من الرضاعة، ر1448، 2/1072. وعبد الرزاق عن علي بمعناه، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، 13946، 7/475.. (8/114)
صفحة 617
ولا امرأة من ولد التي أرضعته كانت بنت بنت أو بنت ابن وكذلك لا يحل له أ؛د من ولد ولد الرجل الذي أرضع بلبنه أبدا، ولا يحل لرجل من ولد المرأة أن يتزوج التي أرضع بلبنها وإن كانت جارية ولا شيء من ولد تلك الجارية ولا ولد ولدها، وكذلك رجل من ولد الرجل الذي أرضعته الجارية بلبنه، ولا تحل الجارية ولا شيء من ولد ولدها أبدا، ولا بأس أن يتزوج الرجل أم ابنه التي أرضعته بلبنها، ولا بأس أن يتزوج أخت هذه المرأة، وكذلك أخو الغلام لا بأس أن يتزوج التي أرضعت أخاه، ومن بدا له من ولد الرجل الذي أرضع أخوه بلبنه؛ لأَنَّه لا رضاع بينه وبينها، ولا بأس بالابن الذي أرضع بنت عمه من الرضاعة وبنت عمته أو بنت خاله أو بنت خالته، ولا يجمع بين الأختين من الرضاعة ولا بين امرأة وبنت أختها أو عمتها أو خالتها من الرضاعة، وكل امرأة ذات محرم من الرضاعة منها هي بمنزلة النسب، ولا يتزوج ابنته من الرضاعة، والعبد والأمة والمكاتب والمدبر والحر في ذلك سواء، ولا يحل لصبي أرضع بلبن رجل أن يتزوج شيئا من ولده من غير المرأة التي أرضعته وكذلك لو كان الرضيع جارية لم تحل لأحد من ولد ذلك الرجل أن يتزوجها وإن ولدت المرأة ثم غاب (نسخة مات) عنها أو طلقها وانقضت عدتها وتزوجها آخر ولها ابن من الأول فأرضعت بلبن ذلك غلاما أو جارية فلا يحل ذلك الغلام والجارية لأحد من ولد الأول، ولا بأس أن يتزوج ولد الأخير من غير المرأة من شاء ولا يتزوج من ولد المرأة شيئا، وجائز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من الرضاعة وهي مثل أم ابنه ولو لم يرضعها حتى تحمل ولدا ويترك لها ابن من آخر ثم أرضعته كان الرضاع إلا أن رضاع الآخر والحمل والولادة قطع لبن الأول، قال أبو عبد الله: الميلاد من الآخر قطع لبن الأول ولا ينبغي للصبي والصبية أن يتزوجوا من الآخر شيئا من تلك المرأة ولا من غيرها ولا بأس أن يتزوجوا من ولد الأول من غير هذه المرأة شيئا، وإذا جامع الرجل المرأة لم تحل (8/115)
صفحة 618
لابنه من الرضاع ولا لأبيه ولا تحل له أمها من الرضاع ولا ابنتها، وإذا نظر إلى فرجها بشهوة فإن ابنتها وأمها من الرضاع حرام عليه، وكذلك المرأة نفسها فهي حرام على ابنه وأبيه من الرضاعة، ولا تحل الأختان في عدة من الرضاعة والرضاعة والنسب في هذا سواء، وكذلك الأمتان الأختان من الرضاعة لا يحل وطؤهما، وكذلك الأمة وعمتها وخالتها وابنه أختها وابنة أخيها من الرضاع لا يجمع بينهما بالوطء، قال أبو عبد الله: حتى تخرج أحدهما من ملكه أو يزوجها، وكذلك في النسب وأن يتزوج المرأة وامرأة ابنها من الرضاعة فلا بأس وكذلك في النسب جائز؛ لأَنَّه لا قرابة بينهما ولا حرمة ولا رضاع، ولو تزوج امرأة وابنتها من الرضاعة والنسب لم يجز؛ لأَنَّها أمها، وإذا تزوج رجل صبية فأرضعتها أمه من الرضاع أو أمه التي ولدته بلبن أبيه من الرضاع أو امرأة أبيه من الرضاع بلبن أمه أو امرأة أبيه فإنها حرام عليه وتفرق بينهما ولها نصف المهر ويرجع الزوج على التي أرضعتها إن كانت أرادت بذلك الفساد أو تعمدت لذلك، قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: ينتظر الجارية حتى تبلغ فإن رضيت به زوجا فرق بينهما ولها نصف صداقها ويرجع هو على التي أرضعتها وأدخلت عليه الحرمة متعمدة، وإن ماتت الصبية قبل بلوغها فلا صداق لها ولو كانت أخطأت قبل ذلك أو أرادت به الخير أو لم تعمد به الفساد لم يكن عليها في ذلك شيء والقول قولها في ذلك إن لم يظهر منها تعمد الفساد ولا تحل له الصبية أبدا، وإذا تزوج الرجل صبية ثم تزوج عمتها فلا يجوز نكاح العمة فإن دخل بعمتها فرق بينه وبين عمتها وإن أرضعت أم العمة الصبية لم يفرق بينهما؛ لأَنَّ الصبية قد كانت ذات محرم من العمة، قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: يوقف نكاح العمة والصبية فلا يطأ العمة حتى تبلغ بنت أخيها فإذا بلغت ورضيت به زوجا فلها نصف صداقها وفسد نكاح عمتها عليه ولا صداق للعمة إن لم يكن دخل بها وإن لم ترض الصبية به زوجا إذا (8/116)
صفحة 619
بلغت تم نكاحه بعمتها وإن كان دخل بعمتها فلها صداقها عليه ويفسدان عليه جميعا، وإذا تزوج الرجل صبيتين فأرضعت امرأة ليس من الزوج في شيء إحداهما ثم أرضعت الأخرى صارتا أختين وحرمتا عليه ولكل واحدة منهما عليه نصف المهر ويرجع بذلك على التي أرضعتهما إن كانت تعمدت الفساد، وإذا تزوج بثلاث صبايا فأرضعتهن بعضهن قبل بعض حرمت عليه الاثنتان الأوليان وصارتا أختين معا فحرمت عليه جميعا وصارت الثالثة أختا لهما من بعد ما بانتا ولا يفرق بينهما وبينه ولو أرضعتهن جميعا معا حرمن عليه جميعا ويتزوج أيتهن شاء، وإذا تزوج الرجل امرأة وصبيتين فأرضعت المرأة الصبيتين إحداهما قبل الأخرى ولم يدخل بالمرأة فرق بينه وبين المرأة والصبية الأولى والآخرة امرأته ولا مهر للمرأة؛ لأَنَّها أفسدت على نفسها وللصبية الأولى نصف المهر على الزوج وترجع بذلك على المرأة إن كانت أرادت الفساد، ولا تحل له الأم أبدا، وأما الصبية فإنها تحل له إذا فارق التي عنده أو ماتت وإن كان دخل بالمرأة فرق بينه وبين الصبيتين جميعا ولكل واحدة منهما نصف المهر على الزوج وترجع بذلك على المرأة إن كانت أرادت الفساد بذلك وللمرأة المهر بما استحل من فرجها ولا تحل له منهن واحدة أبدا أما الأم فإنها أم امرأته لا تحل له أبدا وأما الابنة فإنها ابنة امرأته وقد دخل بها فلا تحل له، ولا تحل له أم امرأته من الرضاعة إن كان قد دخل بالمرأة وإن لم يكن دخل بها فله أن يتزوجها إذا ماتت امرأته أو فارقها، قال أبو عبد الله: لا يحل له أبدا دخل بها أو لم يدخلن ولا يتزوج الرجل من أرضعت امرأته ويتزوج امرأة أرضعت ولده، ومن فجر بامرأة فأرضعت تلك المرأة جارية فالجارية لا تحل للرجل، ومن تزوج بامرأة فلما دخل بها إذا هي أخت امرأته من الرضاع فقالوا: إن امرأته لا تحرم عليه وتخرج التي دخلت بفراق الآخرة وإن كانت أم امرأته أو ابنة امرأته من الرضاعة حرمتا عليه جميعا امرأتاه الأولى والآخرة (8/117)
صفحة 620
وإن يدخل بالآخرة حرمت (نسخة خرجت) ولا حق لها وثبت الأولى وإن لم يدخل بالأولى ودخل (نسخة ولا بالآخرة) حرمتا جميعا وكان الآخرة مهرها تاما والأولى نصف الصداق، وإذا حلبت امرأة في فم صبي من لبنها لم يدر أفصل أم لا غير أنه قد ولد على إثره ولد ثان أراد أن يتزوج ابنتها فأرى بها شبهة ولا أرى له أن يتزوجها، وإذا أرضعت امرأة رجل جارية فنظر إلى فرجها فأراها كابنته والله أعلم إذا نظر لشهوة، ومن تزوج ابنة أخيه من الرضاعة فلمس فرجها بيده ثم علم أنها ابنة أخيه فقيل عليه مهرها كامل، قال أبو عبد الله: لا شيء عليه إلا بوطئه إياها، ومن رضع من لبن امرأة ميتة فلا يحل له أن يتزوج ابنتها وهو رضاع والرجل يتزوج أخت ابنه من الرضاعة إذا كان ابنه رضع من لبن أمها ورضع من غيرها فإنه يتزوج بها وإذا أرضعت هي من لبن أم ابنه (نسخة امرأته) لم يجز له تزويجها ولا يحل لرجل وطئ امرأة ونظر إلى فرجها أو مسه من تحت الثوب أن يتزوج ابنتها أو ابنة ابنتها ولا أحد من بناتها أسفل من ذلك ولا أمها ولا جدتها ولا أحد من جداتها فوق ذلك من نسب ولا رضاع ولا تجوز امرأة (نسخة) ولا يجوز أن يتزوج امرأة أرضعتها ابنته، وإذا أرضعت امرأة ولد الرجل جاز أن يتزوج بابنتها قيل: أفليس هي أخت ابنه؟ قال: لا، قيل: فيجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاعة؟ قال: نعم، إنما يجوز إذا كانت امرأة هذا الرجل هي المرضعة لهما بلبن ولد له منها، وإذا أرضعت جارية من لبن امرأة رجل وكان للرجل ولد ذكر من امرأة أخرى لم يحل لولده ذلك أن يتزوج بها ولا أحد من بناتها ولا أمهاتها، وإذا أرضعت امرأة امرأة وللمرضعة أخ من أبيها وأمها من النسب فلا يحل له أن يتزوج بالجارية التي أرضعتها أخته؛ لأَنَّه ابنة أخته من الرضاع، وكذلك إن كان خالها من الرضاعة، وإذا هلكت زوجة رجل فتزوج أختها من بعد ستة أشهر كان له ولد من أختها الهالكة وأصابه مرض فوصف له لبن النساء فأرضعته خالته هذه التي (8/118)
صفحة 621
تزوجها والده وشرب من لبنها وأرضعت هي أيضا بنت رجل آخر وهي صغيرة فلا نرى تزويج هذا الغلام بهذه الجارية حلالا؛ لأَنَّ اللبن للفحل لوالد تلك الجارية التي شربت من ذلك اللبن هي أخته من أبيه بالرضاعة والله أعلم، ومن طلق زوجته أو مات عنها وله منها ولد ترضعه ثم تزوجها رجل آخر فأرضعت من لبنها ذلك صبيا أو صبية فقال بعضهم: اللبن للزوج الأول حتى تضع حملها من الآخر ولا يكون للزوج الأخير منها شيء حتى تلد منه فإذا ولدت منه تحول اللبن له، وقال آخرون: إذا تزوجها الأخير تحول اللبن منها له ولو لم تحمل منه، وقال آخرون: اللبن للأول حتى تحمل للآخر ويزيد اللبن منها ثم هنالك يكون اللبن للزوجين جميعا حتى تضع حملها من الأخير؛ لأَنَّ لبن الأول اختلط بلبن الأخير فهو لهما جميعا، قال أبو عبد الله: وأنا آخذ بهذا القول الأخير، فإن لم يستبن لها زيادة اللبن وقد حملت من الآخر فأرضعت صبيا أو صبية فإذا استبان حملها من الآخر كان لبنها منذ حملت من الأخير له وللأول فكل صبية أرضعته من هذا اللبن وهو ولد الزوجين جميعا من الرضاعة.
مسألة:
ومن كان له امرأتان فأرضعت صبيا أو صبية إحداهما لقوم غلاما وأرضعت إحداهما لقوم جارية فلا يجوز للغلام والجارية أن يتناكحا وهم أخوة للأب؛ لأَنَّ اللبن للفحل، وإن دخلت امرأة على أختها تعودها من علة ولها ولد يرضع فأرضعته الصحيحة ولها أولاد قبل هذين المرضوعين وبعدهما فإن ابن المرأة العليلة قد حرم على بني المرأة الصحيحة؛ لأَنَّه أخوه من الأب إن كان الأب واحدا ويجوز لبني المرأة الصحيحة أن ينكحوا ابني المرأة العليلة إلا الولد الذي أرضعته أمهم؛ لأَنَّه أخوهم من الأب. (8/119)
صفحة 622
وإذا كان امرأتان أختان عند كل واحدة منهما ولد فأرضعت أحدهما بنت الأخرى ثم مات زوج المرضعة واعتدت وتزوجت زوجا ثانيا فولدت منه غلاماً وولدت أيضا الأخت ابنة ثانية فجائز بين هذين الولدين الآخرين المناكحة؛ لأَنَّ الغلام الذي من الأب الثاني أن يتزوج الابنة التي لم ترضعها أمه؛ لأَنَّها ليست بأخت له من الأم ولا من قبل الأب وإذا خلا أن يكون بينهما نسب من أحد هذين الوجهين جاز النكاح بينهما.
مسألة:
وإذا اجتمع نساء ثم حلبن لبنهن فاختلط ثم سقينه صبيا وصبية فلا يجوز لهذا الصبي أن يتزوج بنات أولئك النساء وأولاد النساء أخوة الصبي الذي سقينه لبنهن وهن أمهات لهما من الرضاعة بالغا ما بلغ أولادهن قلوا أو كثروا إذا كن سقين الصبي في وقت ما يكون رضاعهن غذاء لهما في الحولين قبل الفصال والله أعلم.
مسألة:
وإذا اعتل ولد المرأة فأرضعته حولين كاملين فلم يبر جسمه فأرادت أن تزيده في الرضاع بعد الحولين فأرضعت عنده صبية فلا يجوز لولدها أن يتزوج هذه الصبية وهو أخوها من الرضاع وهي أمها ولا يجوز لها أن تتزوج من بني التي أرضعتها إلا إذا كان رضاعهما وقت ما يكون الرضاع في الحولين ولو كان ولدها بالغا ولم يبرأ جسمه والله أعلم، ولا يتزوج أخت المرأة التي أرضعته أمها.
مسألة:
وبنات العمات وبنات الخالات من الرضاعة جائز ولا يجوز ما سوى ذلك لا للبنات ولا بنات البنات ولا بنات الإخوة والأخوات، ولا أخواته وما أشبه ذلك هذا من الرضاعة ولا خالته ولا عمته كل هذا لا يجوز ولا أم أبيه من الرضاعة.
مسألة:
وإن أرضعت امرأة صبيا وصبية في الحولين ثم أرضعت صبيا وصبية آخرين في حولين آخرين فلا يجوز للصبي الأول أن يتزوج الصبية الآخرة؛ لأَنَّهم أخوة من الرضاعة بلبن تلك المرأة، ولا يجوز أن يتزوج من رضع بنات من أرضعته ولا بنات زوج المرأة وجائز له تزويج أم ولد ابنه من الرضاعة.
مسألة: (8/120)
صفحة 623
وإذا دخلت امرأة محلة قوم فأرضعت صبيانا كثيرا فخفي ذلك على أهل المحلة غير أنهم قد علموا بالرضاع فجائز تزويج هؤلاء إذا بلغوا بعضهم ببعض إلا من علم أنه أخ للآخر من رضاع تلك المرأة في قولنا وقد منع من ذلك بعض ولم نأخذ به، وإذا أرضعت جارية قوم صبيا ثم إنها أرضعت ابن أخ هذا الصبي ولهذا الصبي أيضا ابن أخ لم ترضعه الجارية فإن تزويج من أرضعتهم الجارية لا يحل؛ لأَنَّها أم الرجل، ومن أرضعت الجارية إخوته وأعمام بنيه وبنيه، وجائز تزويج ابن أخ الذي لم يرضع إن كان أبوه لم يرضع من الجارية شيئا، وقال أبو جعفر: من تزوج أخته من الرضاعة وعلما أنهما أخوان غير أنهما جهلا تحريم ذلك فلا صداق لهما وخليق أن لا يسلما من الحد، وقال محمد بن محبوب: لا صداق لهما بالمس والنظر ولها الصداق بالوطء.
مسألة: (8/121)
صفحة 624
ومن تزوج صبية قبل أن تفصل فأرضعتها زوجته أم أولاده من غير أن يعلم هو بذلك فالصداق على الزوج ويتبع هو من أدخل عليه الحرمة فليأخذ منه ما لزمه وفي تحريم الأولى اختلاف وتحريم المؤخرة وقد قيل: يحرمان جميعا، وإن جاز بهما جميعا حرمتا وصداق التي أدخلت الحرمة مختلف فيه منهم من قال: إن الحقوق لا تزول بكفر أهلها وهولها، ومنهم من قال: يسقط صداقها بإدخالها الحرمة عليه وبالله التوفيق، وإذا أرضعت امرأة جارية وغلاما فعن أبي زياد أن لأب أب الغلام أن يتزوج الجارية إن كانت المرضعة غير امرأته هو ولو كانت امرأته هي المرضعة للجارية لم يتزوج الجارية وجائز أن يتزوج الرجل بامرأة أرضعت أخته ولا يجوز تزويج أخته، وجائز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع وهي مثل أم ابنه، ومن تزوج بأخته من الرضاعة وهما يعلمان جميعا أن أحدهما أخ للآخر غير أنهما لم يعلما أن ذلك يحرم عليهما فلا مهر لها عليه؛ لأَنَّ الناس لا يعذرون بجهل ذلك، ومن الأثر: وإذا أرضعت امرأة بني امرأة فجائز لابن المرضعة أن يتزوج المرأة التي أرضعت لها بنتها إن لم يكن رضع منها شيئا، وإن ولدت امرأة ولدا ثم أرضعت به ولد قوم ثم ولدت ثانيا بعد ذلك فأرضعت به بنت قوم آخرين فلا يجوز لذلك الولد أخذ تلك الجارية، وكذلك إن أرضت صبيا بلبن ولد لها كبير ثم ولدت بعد ذلك ولد فلا يجوز له أن يتزوج المؤخر بمن أرضع أولا، ومن كتاب محمد بن سليمان بن حبيب: ومن كانت له سرية يطأها فزوجها غلاما له فولدت من العبد ثم إنها أرضعت ابنتها ابنة أخي سيدها فليس لابن أخ سيدها أن يتزوجها ولا ابنتها، وعن أبي عبد الله: فيما أتوهم قال: يجوز تزويج الرجل أم ولده من الرضاع وأخت ولده من الرضاع؛ لأَنَّ اللبن للزوج، امرأة لها ثلاث بنات ولامرأة أخرى ولد فأرضعت أم هذا الولد الأولية من بنات تلك المرأة المؤخرة فجائز لذلك الولد تزويج الوسطى من بناتها التي أرضعتها أمه؛ لأَنَّها ليست أخته والله أعلم، وعن (8/122)
صفحة 625
موسى بن أحمد إلى محمد بن أحمد وإذا تزوج الرجل بامرأة أرضت أمها ابنه فصارت هي وزوجها أبوي ابنه من الرضاعة وصارت زوجته أخت ابنه من تلك المرأة وزوجها فهذا تزويج تام.
الباب العاشر: في الإقرار بالرضاع والشهادة وأحكام ذلك
وإذا أقر الرجل أن امرأته هي أخته من الرضاعة أو أمه ثم أراد بعد ذلك أن يتزوجها فقالت: وهمت أو أخطأت أو نسيت وصدقته المرأة فإنهما مصدقان وله أن يتزوجها إن شاءت وإن ثبت على قوله الأول وقال هو حق كما قلت ثم تزوجها فرق بينهما ولا مهر لها عليه إن لم يدخل بها، وقال أبو عبد الله: إذا اتفق أنها أمه أو أخته من الرضاعة ثم رجع عن إقراره وأكذب نفسه لم يقبل ذلك منه ولا تحل وإن كان دخل بها فعليه لها صداقها كاملا، وإن لم يدخل بها فلا صداق لها، وإن لم تصدقه لزمه لها نصف الصداق إن لم يدخل بها ويفرق بينهما ويقبل إقراره في الحرمة ولا يقبل عليها في صداقها، وكذلك إن قال: هي ابنتي من الرضاعة وإذا أقرت المرأة بذلك وأنكر الزوج ثم أكدت نفسها وقالت: أخطأت ثم تزوجها فجائز، قال أبو عبد الله: لا يقبل قولها عليه إن لم يصدقها ولم تكذب نفسها وعليها أن تفتدي منه إذا كانت صادقة وإن كذبت نفسها قبل ذلك منها ولا بأس عليهما، ولو أقرا بذلك جميعا ثم أكذبا أنفسهما وقالا أخطأنا ثم تزوجها فإن النكاح جائز ولا يفرق بينهما، قال أبو عبد الله: تفسيره قد مضى قبل هذه المسألة وكذلك هذا الباب كله في النسب لا يلزم في هذا إلا ما بينا عليه، ولو قالت المرأة هو ابني من الرضاعة أو أخي ثم تزوجها قبل أن تكذب نفسها فالنكاح جائز ولا تصدق المرأة على هذه المقالة؛ لأَنَّ المرأة ليس في يدها من الفرقة بشيء إنما الفرقة في يد الرجل، أو قالت هذه المقالة وبنيت عليها وأشهد الشهود ثم تزوجته المرأة ولم يعلم بذلك ثم جاء بهذه الحجة بعد النكاح فرق بينهما، ولو تزوج رجل امرأة ثم قال بعد النكاح هي أختي من الرضاعة أو ابنتي أو أمي ثم قال (8/123)
صفحة 626
أوهمت أو أخطأ وليس الأمر كما قلت استحسنت إلا أفسد نكاحهما والقياس في هذا أن يفسد النكاح، ألا ترى أنه لو كان أعمى عنده امرأته أو أخته من الرضاع وأراد أخته وأخطأ بامرأته فقال: هي أختي من الرضاعة ثم قال: أوهمت أو نسيت صدقته على هذه المقالة، قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: الأعمى في هذا لا يشبه الذي يبصر وللأعمى الرجعة عن إقراره وليس للذي يبصر الرجعة ويفرق بينه وبينها وتأخذ صداقها إن كان دخل بها وإن لم يدخل بها فلها نصف صداقها، وإن ثبت على هذا المنطق فقال هو حل وأشهد عليه الشهود فرقت بينهما ولو حجة ذلك لم تنفعه حجة وفرقت بينهما، لما استحسن إذ قال هي أختي ثم قال أوهمت إن أصدقه فأما إذا أقرا به لم يوهم وإن حق ثم قال بعد ذلك أوهمت فإني لا أقبل منه، وكذلك رجل قال لامرأته: هي ابنتي أو أمي ثم قال: وهمت فإنه لا يصدق، وإن لم يكن لها نسب يعرف ولو ادعت هذه المقالة عليه وأرادت أن تفارقه وادعت أنها ابنته ففي القياس أن يفرق بينهما ولكني أستحسن في هذا لا يفرق بينهما إذا قال أوهمت أو نسيت، قال أبو عبد الله: رجعية، وقوله أوهمت أو نسيت ويحكم عليه بفراقها ادعت هي ذلك أو لم تدعه، ولو قال لعبد له أو أمة له: هذه ابنتي وهذا ابني أوقعت العتق وأخذت في هذا بالقياس وتركت الاستحسان، ولو قال لامرأته بابنته لم يكن هذا بشيء ولم افرق بينهما وكذلك لو قال لامرأة معروفة النسب هذه ابنتي من النسب وثبت على ذلك لم أفرق بينهما، وكذلك لو قال: هي أمي إذا كانت له أم معروفة، أبو عبد الله: إذا كانت امرأة لها خادم فباعته أو قايضت به فلما أن خرج من يدها ادعى الخادم أنه رضيع لها وطلب في ذلك يمينها وكرهت أن تحلف وصدقت الخادم ولم تصدقه، وكرهت أن تحلف فلا أرى قول التي باعته يقبل على المشتري في الرضاع بينهما ولو أقرت به بعد أن باعته أو قايضت به إلا أن يقوم شاهدا عدل أنها كانت تقر بالرضاع بينهما وبين هذا العبد من قبل أن تبيعه (8/124)
صفحة 627
أو تقايض به فإذا صح إقرارها بذلك فهو مردود عليها ولا بيع لها فيه ويرجع عليها المشتري بما دفع إليها من الثمن والله أعلم، وإن شهدت امرأة عدلة أنهما أرضعتهما انتقض البيع ورجع إليها في حديث بن أم مليلة أن عقبة بن الحرث تزوج ابنة أبي وهاب فجاءت امرأة سوداء وأخبرته أنها أرضعتهما جميعا فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال - عليه السلام - : كيف وقد قالت؟ قال محمد بن الحسن: فلو كان هذا حراما لفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه أحب أن يتنزه لقوله كيف وقد قيل، وكذلك لو قال هذه أختي إذا كان لها أب معروف إن هذا ليس بشيء ولا أبينت هاهنا شيئا ولا أوقع بهذا طلاقا، ولو قال: هي ابنتي وليس لها نسب معروف ومثلها يولد لمثله وبنيت على ذلك فرق بينهما، فإن أقرت المرأة أنها ابنته ابنة النسب، وإن كان مثلها لا يولد لمثله لم أثبت النسب ولم أفرق بينهما، قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: نعم إذا صح أنها أكبر منه إذا كانت عجوزا وهو من أبناء عشرين سنة أو نحو هذا، ألا ترى أنه لو قال لامرأته وهي صبية هذه أختي أو جدتي علمت أن هذا باطل ولم أفرق بينهما، قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ: يمكن أن تكون أخته ولا يجوز أن تكون جدته وهي صبية، وكذلك إذا قال: أرضعتني إذا كان مثلها لا يرضع ولا يكون لها لبن فإني لم أفرق بينهما ولو بنيت على ذلك.
مسألة: (8/125)
صفحة 628
وإذا تزوج الرجل امرأة فشهدت امرأة أنها أرضعتهما جميعا لم تصدق عليهما إلا أن تكون عدلة، وكذلك إن كانت أم الزوج أو المرأة فإنها لا تصدق على الرضاع بينهما لتفسد النكاح، وكذلك لو شهدت معها امرأة أخرى فإن ذلك باطل لا يجوز حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان فإذا شهد هؤلاء وهم عدول فلا يسعهما إلا أن يقيما على هذا النكاح ولا يحل ذلك لهما وإن رفع ذلك السلطان فرق بينهما، وما كان بينهما من ولد فهو ثابت النسب والصداق لها إن كان دخل بها إلا أن يكون صداق مثلها أقل من ذلك فلها صداق مثلها وإن لم يكن دخل بها فلا صداق لها وهو في سعة ما لم يشهد شاهدان عدلان أو رجل وامرأتان عدول من المقام معها، قال أبو عبد الله: إذا شهدت امرأة عدلة فرق بينهما ولا يحل أحدهما للآخر، وإن كان دخل بها أو نظر إلى فرجها أو مسه من تحت الثوب فلها كأوسط صداقات نسائها، وقال غيره من أهل عمان: لا شيء عليه في المس والنظر، وكذلك الرجل يخطب المرأة فتشهد امرأة قبل أن يقع عقد النكاح أنها أرضعتهما فهما في سعة من تكذيبها أن يتزوجها وأن تنزه عن هذا وأخذ بالثقة فهو أفضل، ومختلف في الشهادة على الرضاع فقال الشافعي وغيره: لا تقبل من النساء أقل من أربع وقال قوم اثنتان، وقال قوم: واحدة مرضية ويستحلف مع شهادتهما، وقيل ذلك أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنه - ، وقال أحمد وإسحاق: إن كانت كاذبة يبيض ثديها، وقال قوم: رجلان أو رجل وامرأتان، وروي هذا عن ابن عمر وأصحاب الرأي والشافعي، وكذلك الرجل يخطب المرأة فتشهد امرأة قبل أن يقع النكاح أنها أرضعتهما فهما في سعة من تكذيبها أن يتزوجها وأن تنزه عن هذا وأخذ بالثقة فهو أفضل، قال أبو عبد الله: الذي نأمر به أن لا يتزوجها ولو كانت أمة أو مشركة فإن بلي بتزويجها فما أتقدم على تحريمها وإذا شهد شهود عدول أو رجل وامرأتان فليس له أن يتزوجها وإن تزوجها فرق بينهما فما في سعة من تكذيبهما فإن تزوجها، فإن تنزه وأخذ (8/126)
صفحة 629
بالثقة أفضل، ومن غمته امرأته فطلب إلى امرأة فشهدت عليها بالرضاع وفارقها ثم ندم على ما كان منه وأراد مراجعتها فإني أرى له مراجعتها إن أكذب المرأة نفسها ما تكن امرأته تزوجت وإن انقضت عدتها، فإن كانت قد تزوجت لم يكن له على المرأة الشاهدة سبيل ولا له إلى امرأته سبيل، أبو محمد: وإذا أقرت امرأة أنها أرضعت ولدها بهذا الولد ثم رجعت عن قولها ذلك فقالت لم أرضعه قبل قولها الأخير، وقال موسى بن علي: برأيه وألحقه بالأثر ولم يأت الأثر به أن المرضعة إذا شهدت بعد عقدة النكاح لم يقبلها إلا أن تكون عدلة، قال:؛ لأَنَّ هذا الرضاع قد كثر وجعلوا إذا أرادوا الفساد أحضروا أهل العلم امرأة فشهدت بالرضاع، ولم يأت عليه ذلك أهل حضره من المسلمين فأدخل الله على المسلمين فرجا وضار ذلك مأخوذا عنه، والذي جاء الأثر وحمله أهل العلم أن المرضعة تقبل شهادتها بالرضاع ولو كانت مجوسية لا تتهم، وقال بشير بن المنذر: المرضعة معنا (نسخة عندنا) مصدقة ولو كانت مجوسية إلا أن تكون متهمة والمتهمة معنا أن تكون جمعت على حرام أو فرقت بين حلال إذا عرفت بذلك، وقيل: إذا كانت متهمة في نفسها فهي متهمة، وقال بشير بن محمد بن محبوب: ومن قالت له امرأة عدلة إنها أرضعته بلبنها قبل تمام فصاله وهي زوجة فلان يوم أرضعته فالذي يؤمر به إجازة قولها قبل الدخول وبعد الدخول لا يجب قولها ما لم تكن عدلة في دينها وما وجب قبول قولها فيه فذلك في كل ما يحرم نسب رضاعها على ما وصفنا إن شاء الله، ولا يجب أن يكونوا بذلك ذوات محارم له في النظر إليهم والولاية لهم دون إيقاع الريبة ووقوع الشهرة في هذا الخبر، فإن رجعت هذه المرأة المخبرة بهذا الفعل عنه فقد سقطت الحرمة فإن رجعت إلى ذلك بعد الدخول لم يقبل قولها ولا تجوز الشهادة عنها وإن كانت عدلة (نسخة عدلة لا) بدون العدلين من البينة في أنها أرضعته وإنما قالت إنها أرضعته والله أعلم بالأعدل قولا وهم أرحم الراحمين، (8/127)
صفحة 630
وقال أبو عبد الله: إذا شهدت امرأة برضاع لبن رجل وزوجته بعد العقدة وليس هي بعدلة فقال الزوج أنا أصدقها ولا أقيم على الشبهة ولم يدخل بها فإن هي أيضا صدقت هذه الشهادة بينهما بالرضاع وأراد الخروج من الشبهة ولم تأخذ منه صداقا فذلك إليها وإن حاكمته لزمه أن يطلقها ويدفع إليها نصف صداقها فذلك إليها، وإن أراد المقام معها ولم يطلقها لم أحرمها عليه حتى تكون الشاهدة عدلا، وقال أبو عبد الله: تجوز شهادة المرأة المجوسية والأمة المملوكة إذا كانت عدلة في دينها على الرضاع إذا شهدت بعد الملك وإن شهدت قبل الملك فلا يرى له أن يتزوجها، قال: ولا تجوز شهادة القاتلة إذا كانت إحداهما حتى تكون عدلة حرة من أهل الصلاة، وأما في الرضاع فكذلك جاء الأثر، وقال أبو عبد الله: لم أسمع أن شهادة أهل الذمة تجوز من أهل الصلاة إلا في موضع واحد، قيل: إذا شهدت مجوسية لا تتهم في دينها بالرضاع، إلا ما يكون من المتهمة فإنها إذا كانت متهمة بما لا يرى المسلمون لها فيه قولا لم تصدق ولو كان ملك لا يفرق بين الزوجين بقول المتهمة، وقيل: إن امرأة سوداء قالت لرجل وامرأته إني أرضعتكما وذلك في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرض عنه وقال: إنها امرأة سوداء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «فكيف وقد قالت» (1)
__________
(1) رواه البخاري عن عقبَة بن الحَارِث بلفظ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ»، فِي البيوع، ر2052، 2640... وأبو داود مثله بلفظ: «وَمَا يُدْرِيكَ وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ دَعْهَا عَنْكَ »، فِي الأقضية، ر3605.. (8/128)
صفحة 631
والذي نأخذ به أنه يقبل قولها ما كانت إذا لم يكن جاز فإذا أجاز الزوج ثم شهدت امرأة واحدة بالرضاع بينهما قبل قولها وإن لم تكن عدلة لم يقبل قولها ولا يجوز في الرضاع شهادة امرأة عن امرأة ولا يجوز في ذلك إلا شاهدا عدل أو رجل وامرأتان من العدول عن المرأة المرضعة، وإن شهد عدلان برضاع وأنهما رأيا الصبي يجذب الثدي وظهور اللبن على شفتيه فشهادتهما تقبل عندنا وإنما جاء الأثر بقول المرضعة عن نفسها أنها أرضعت وكذلك جاء الأثر أن قول المرضعة يقبل ما لم تكن متهمة ثم كان من رأي فقهاء عمان من بعد أن يقع الجواز لا تقبل إلا عدلة، وأقول ما لم يقع الملك والعقد فيقبل قول المرضعة إلا المتهمة أن تجمع على حرام أو تفرق عن حلال.
مسألة:
قال أهل العراق: لا يحرم الرضاع إلا بشاهدي عدل من الرجال يشهدان على معاينة الرضاع ولا يوقتون لذلك وقتا ولا يجعلون له مقدارا ولا يلفت في ذلك إلى شهادة النساء ولو كثرت ولا أخبار المرضعة ولو كانت عدلة، وسواء شهدت قبل النكاح أو بعده، قال أصحابنا: شهادة المرضعة إذا كان عدلة جائزة قبل النكاح وبعد النكاح فإن كانت غير عدلة لم يقبل قولها بعد الدخول ويؤمر بقبول قولها قبل الدخول وليس بواجب، وتجوز شهادة شاهدي عدل بالرضاع عن المرضعة إذا ماتت أو غابت ولا يجوز دون ذلك.
مسألة:
وإذا أقرت المرأة أنها أرضعت ولدها بهذا الولد ثم رجعت عن قولها ذلك وقالت لم أرضعه قبل منها قولها الآخر.
مسألة: (8/129)
صفحة 632
وإذا قالت امرأة لزوجين أنهما أرضعتهما قبل قولها قبل العقد إذا كانت غير ثقة وبعد العقد والوطء فلا تقبل إلا من عدلة، وإذا لم تعرف بكذب ولا خيانة قبلت شهادتها قبل الدخول ولا تقبل بعد الدخول إلا أن تكون عدلة إذا كان لها عذر من غيبة أو نسيان، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للرجل وقد شهدت السوداء ولا تصح الشهادة على الرضاع إلا بثلاثة أشياء: أحدها: على أن تعلم أن في الثديين لبنا، وأن يرى دخول الثدي في فم الطفل، والثالث: أن يرى وهو يمتص، فأما إن جعلته في حجرها وغطت رأسه بكمها لم تكن الشهادة، قتادة عن جابر بن زيد قال: أن ابن عباس سئل عن امرأة شهدت على رجل وامرأة أنها أرضعتهما قال: استحلفوها عند المقام فإنها إن كانت كاذبة لا يحول عليها الحول حتى يبيض ثدياها فاستحلفت فحلفت فلم يحل الحول حتى ابيض ثدياها.
مسألة:
وإن شهدت امرأة برضاع بين رجل وامرأته فإن كانت غائبة عن التزويج حتى علمت فقالت صدقت وإن كانت حاضرة عالمة بتزويج ذلك الرجل والمرأة ولم تقل شيئا ثم قالت من بعد لم تصدق، وإن قالت امرأة ذلك قبل الجواز فلا يتزوج وبعد الجواز إن كانت عدلة فرق بينهما فإن لم تكن عدلة فعلى ما عمل عليه أهل عمان أيام دولتهم فلا تقبل حتى تكون عدلة، وإن قالت امرأة غير عدلة مرضية إني أرضعت فلانا وفلانا في يوم واحد أو شهر واحد أو سنة واحدة قبل قولها وصدق ما لم يقع الملك فإذا وقعت عقدة النكاح لم يقبل قولها إلا أن تكون عدلة فعلى هذا عمل الناس اليوم اتباعا لقول أبي علي موسى بن علي ـ رحمه الله ـ، وقد كان ذلك قول المرضعة مقبولا ما كانت إلا أن تكون متهمة والله أعلم.
مسألة: (8/130)
صفحة 633
قال أبو معاوية: في الرجل يخطب المرأة ليتزوجها فتجيء امرأة غير ثقة فتقول إنها أرضعتهما أنه يكره له أن يتزوجها على سبيل التنزيه من غير تحريم يقع فإن تزوج على ذلك لم يفرق بينهما، قال: وإن كانت ثقة وجب قبول قولها، ويروى ذلك عن بشير بن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ أنه أجمعت الأمة على قبول شهادة أربع في الرضاع، وتنازعوا في أقل من ذلك، وعن أبي مريم: عن عمته أنه تزوج أم يحي فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما، قال: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني تزوجت امرأة فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما وهي كاذبة فأعرض عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته من قبل وجهه - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنها كاذبة، قال: كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما دعها عنك، قال بعض أصحاب الظاهر: إن هذا الخير لا يوجب حكما ولو كان خبرها مقبولا لما أعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما أخبره بقولها وقوله - عليه السلام - عدها عنك إنما هو من طريق المشورة، وإذا أقرا جميعا بالرضاع حكم بفسخ النكاح باتفاق ولولا الاتفاق لما وجب ذلك؛ لأَنَّ الرضاع لا يصلان إلى علمه من جهة أنفسهما ولكن لا حظ للنظر مع الإجماع.
مسألة:
وإذا تزوج رجل امرأة فقالت امرأته أنها أرضعتهما فإن كان قبل الجواز فلا يتزوجها وإن كان بعد الجواز وكانت عدلة فرق بينهما وإن لم تكن عدلة فعلى ما عمل عليه أهل عمان لا تقبل حتى تكون عدلة، غيره: ومن له جارية فقالت له امرأته إن أختك أرضعتها فليتق اللبس ما استطاع.
فصل:
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «فكيف وقد قالت» فيه ضمير والعرب تكتفي بكيف عن ذكر الفعل معا لكثرة ورودها، قال الله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (1) أي كيف يفعلون عند ذلك فلم يج بالفعل، وقال الحطيئة شعرا:
__________
(1) سورة محمد: 27. (8/131)
صفحة 634
فكيف ولم أعلمهم خذلوكم *** لذي حادث ولا أديمكم قدوا
أي فكيف تعاودونهم (نسخة مجادلتكم) وكان قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل: «فكيف وقد قالت» أي فكيف تحل لك وقد قالت والله أعلم، وإذا كان لرجل امرأة وطلقها ثم تزوج امرأة أخرى فقالت المطلقة إنها أرضعت هذه الزوجة الثانية فعن أبي عبد الله أنه إذا شهدت هذه المطلقة أنها أرضعت امرأة مطلقها التي هي عنده وصح عدالتها فرق بينهما؛ لأَنَّه لا يحل له أن يتزوج امرأة وابنتها في نسب ولا رضاع وإن لم تصح عدالتها لم يحل بينه وبين زوجته والله أعلم.
وعن هاشم أن امرأة من أهل قيقا تزوجها رجل وكانت أختها مشاهدة لذلك وعملت بالعرس ودخل الرجل بالمرأة ثم قالت من بعد إني أرضعتكما فقال أبو عثمان: لا يقبل قولها، وعن أبي عبد الله: فيما أحسب في رجل تزوج امرأة ثم ملك امرأة أخرى فقالت امرأته إني أرضعتكما، قال: لا يصدقها وإن كانت عدلة فإن كانت امرأته قالت ذلك عند عدلين قبل أن يملكها الزوج فإنها تصدق وإن كانت عدلة.
الباب الحادي عشر: في الأكفاء
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجعلوا كرائمكم إلا عند ذي الدين فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها» (1) ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «أنكح ذا دين أو دع» (2) وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تزويج المنافق يقطع الرحم» (3) ، وقال - عليه السلام - : «من زوج حرمته بفاجر فلا يقل إنه برها بل عقها» (4) ، وفي حديث عنه - عليه السلام - : «من زوج حرمته بسفيه فقد عقها» (5) .
مسألة:
__________
(1) لم أجده.
(2) لم أجده بهذا اللفظ.
(3) لم أجده.
(4) لم أجده.
(5) لم أجده. (8/132)
صفحة 635
وفي الحديث: «من زوج حرمته (نسخة كريمته) بفاسق وهو يعلم فقد قطع رحمه منه» (1) أي قرابة ولده منه، وتفسيره أنه لا يأمن أن الفاسق يطلقها ويصير معها على سفاح ويكون ولده منها لغير رشده فذلك قطع الرحم، وقال عمر ـ رحمه الله ـ: "لأمنعن النساء إلا من الأكفأ" يقال: كفو وكفأ وكفي، وعنه أنه قال: ما بقي في شيء من أمر الجاهلية غير أني لست أبالي إلى أي المسلمين نكحت ولا أيهم أنكحت، قال ابن محبوب ـ رحمه الله ـ: في الحجام والنساج والمولى والفارسي قال: أحب أن يتزوج كل صنف من هذه الأصناف إلى من هو منه، فإن تزوج أحدهم إلى الآخر فالله أعلم، غير أن النساج قد يكون من العرب فإذا تزوج إليه المولى والفارسي لم أرهما له كفوين، والنساج الذي هو ليس من العرب لم أره كفوا، وقال: نكاح النساج لا يرده القاضي ولا يرد نكاح المولى، وإذا أراد المولى أن ينكح المرأة فليعلم الولي أنه مولى، والرجل العربي المعروف أنه من العرب إلا أن أباه تزوج مملوكة فولدته ثم عتق فهو من العرب الذين لا يفرق بينهم ومن النساء وبينت نسبه ونكاحه في العرب، وقال أبو جعفر: من زوج فارسيا فلا بأس إنما فارس بلد، وقال أبو الحواري ـ رحمه الله ـ: تزويج المولى والبقال والحجام والفارسي حلال إلا أن يغضب الأولياء فيفرق بينه وبين نسائهم التي من العرب، وإذا تزوج النساج الذي ينسج بيده ولم يعلم أنه نساج ودخل بها قال عبد المقتدر: يفرق بينهما دخل بها أو لم يدخل، وإن نسج أبوه ولم ينسج هو فإن كان دخل بها لم يفرق بينهما وإن لم يدخل فرق بينهما فذلك قطع الرحم، وقال: والكنه والكفو والمثل سواء كله معناه واحد، قال الشيخ أبو محمد ـ رحمه الله ـ: إن امرأة وصلت إلى أبي بكر فقالت له: يا خليفة رسول الله إن غلامي أطوع لي من غيره فأعتقه وأتزوج به، قال
__________
(1) رواه ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، عن أنس بمعناه، ر454، 2/322. والذهبي: ميزان الاعتدال عن أنس بمعناه، ر1940، 2/271. (8/133)
صفحة 636
لها: اذهبي إلى عمر فوصلت إلى عمر فقالت: إن غلامي أطوع لي من غيره فأعتقه وأتزوج به فلحقها بالسوط، وقال: لا يزال العرب عربا ما أبقت لحرمها (نسخة لحومها)، وكان أبو معاوية عزان ـ رحمه الله ـ: يرى أن أهل الإسلام أكفاء لبعضهم بعضا، وأكثر أصحابنا جعل الأكفاء في العرب إلا المولى والحجام والنساج والبقال وإن كان هؤلاء من العرب، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تنكح المرأة لأربع خصال لمالها ولحسنها ولدينها ولجمالها فإن ظفرت بذات الدين تربت يداك» (1) ففي هذا الخبر دلالة على أن أهل الإسلام أكفاء في باب التزويج، وقوله - عليه السلام - : «المؤمنون تَتكَافَأُ دِماؤُهُم» (2) يدل على ذلك، وقول الله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (3)
__________
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب الأكفاء في الدين...، ر4802، 5/1958. ومسلم مثله، باب استحباب نكاح ذات الدين، ر1466، 2/1086.
(2) رواه الربيع عن ابن عباس مطولا، باب في الديات والعقل، ر664. ورواه أبو داود عن علي بن أبي طالب، باب إيقاد المسلم بالكافر، ر4530، 4/180.
(3) سورة الحجرات: 13.. (8/134)
صفحة 637
يدل على ما قلناه، وكان أبو معاوية يرى أن أهل الإسلام أكفاء في باب التزويج والأكثر من أصحابنا يخالف في ذلك وقول أبي معاوية في هذا عندي أنظر والله أعلم، قال أبو معاوية: لا أرى نكاح المسلم وإن كان مولى أو نساجا أو بقالا؛ لأَنَّ الله تعالى يقول: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } وليس النساء في هذا مثل الرجال معي، وعن ابن مسعود أنه قال: أنشدك الله أن تزوجن إلا مسلما وإن كان أحمر روميا أو أسود حبشيا، وعن الشافعي أنه قال: الكفر هو الدين فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا خطب مَن تَرضَوْنَ دِينَهُ وأَمانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ إلا تفعلوه تكن فتنة في الدين وفساد كبير» (1) وفي خبر: «تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (2) ، فظاهر هذا الخبر يدل على صحة رأي أبي معاوية ـ رحمه الله ـ.
مسألة:
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن يحي بن أبي كثير بمعناه، باب الأكفاء، ر10325، 6/152. والبيهقي عن أبي حاتم المزي بلفظ قريب، باب الترغيب في التزويج من ذي الدين والخلق المرضي، ر13259، 7/82.
(2) رواه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، ر1084، 3/394. وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ قريب، باب الأكفاء، ر1967، 1/632. (8/135)
صفحة 638
اختلف الناس في الأكفاء للنساء في التزويج فقال أبو حنيفة: للقرشية من النساء لا كفو لها من غير قريش، وخالفه الشافعي فقال: أهل الإسلام أكفاء لبعضهم بعضا، والشافعي قرشي مطّلبي، وأبو حنيفة مولى فأجاز كل واحد منهما ما كان الآخر أشبه بقوله وهذا من أبي حنيفة غلط بين وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج زيدا بابنة خالته وهي ابنة عمه أيضا هاشمية، وقيل: إن زيدا من الأنصار وقال قوم: هو من سائر اليمن، وتزوج الأشعث بن قيس بأخت أبي بكر الصديق وأبو بكر هو العاقد عليها، والأشعث كندي وهي قرشية وزوجة أبي موسى الأشعري قرشية وهو من الأشاعر، وكان أبو معاوية عزان بن الصقر ـ رحمه الله ـ يرى أن أهل الإسلام أكفاء لبعضهم بعضا، وأكثر أصحابنا جعل الأكفاء في العرب إلا المولى والحجام والنساج والبقال وإن كان هؤلاء من العرب.
مسألة:
وإذا رغبت امرأة في تزويج غير كفو لها واختارته لنفسها وأبى ذلك الولي فلا يلزمه تزويجها منه، وإذا اتفقت امرأة ورجل كفو على التزويج فلا يجوز للولي فسخ ذلك إذا كان كفوا.
مسألة:
وعند أصحابنا لا تزوج المرأة العربية بالمولى ولا الحجام ولا البقال ولا النساج ولا العبد إلا أن تكون مثلهم وذلك عندهم مردود ولو حاز الزوج ولو كان هو الذي فعل ذلك بيده أو كان يفعله من قبل وأما إن كان يعمله والده ولم يكن يعمله هو من قبل فجائز ولا ينتقض النكاح، وقال بعض أصحابنا: تزويج هؤلاء جائز إذا رضيت المرأة وكان الرجل مسلما ولا يرد إلا تزويج الكافر والعبد، وتزويج العبد مردود إذا لم تكن من جنسه ولا مملوكة، ومن يرد نكاح هؤلاء فهو يرده ولو طلبت المرأة تمامه إذا طلب ذلك أحد من العشيرة.
مسألة: (8/136)
صفحة 639
الحجة لمن لم يجز تزويج العبد والمولى والبقال وما كان مما لا يثبت تزويجه قول عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ: لا يزال العرب عربا ما منعت نساءها، معناه لا يتزوجن إلا الأكفاء وأنه أمر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تطلق اليهوديات اللاتي كن عندهم لحال انحطاط أقدارهم وأنهم يدعون إلى النار كما قال الله تعالى في الكافر أنه ربما يكون في صحبته الميلولة إلى ما لا يجوز، وتأول من لم يرد تزويج غير الكافر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أهل الإسلام أكفاء لبعضهم بعضا» (1) ، وقالوا: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
مسألة:
__________
(1) لم نجد من أخرجه بهذا اللفظ، وروى الربيع حديثا عن جابر بن زيد مرفوعا بلفظ: «الأَحْرَارُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ كُلُّهُمْ أَكْفَاءُ...»، بَاب (24) فِي الأَولِيَاء، ر513. (8/137)
صفحة 640
وإذا تزوجت امرأة من أهل الحضر ببدوي فلا شيء على الولي ولا على الشهود إذا كان كفوا من المسلمين، ومن لم يعرف أبوه فجائز تزويجه إذا كان مسلما، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحملوا النساء على ما يكرهن» (1) ، وكان يقول: أيما امرأة هويت رجلا وهوى أبوها غيرها فليلحق أبوها بهواها، وقيل: إن رجلا أنكح ابنته رجلا فأتت النبي - عليه السلام - فشكت إليه أنها أنكحت وهي كارهة فانتزعها من زوجها وقال: لا تكرهوهن فتزوجت بعد ذلك آخر، وقيل: إن امرأة أنكحها أبوها وهي كارهة فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «أنشدك الله هل قلت لأبيك إن وجدت لي رجلا صالحا فزوجنيه» (نسخة فأنكحنيه) فقالت: نعم، قال: «قد وجب النكاح» (2) وقال الشيخ بشير بن المنذر ـ رحمه الله ـ: ليس الكافر بكفو وإن كان هو كفوا في الحسب والمال، وقال المسبح: ليس الكافر بكفو لعله يطأها في دبرها أو في حيضها.
فصل:
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن عكرمة بلفظه، باب ما يكره عليه من النكاح فلا يجوز، ر10320، 6/152. وسعيد بن منصور: كتاب السنن، عن عكرمة، باب ما جاء في استئمار البكر والثيب، ر574، 1/185.
(2) لم أجده. (8/138)
صفحة 641
عن عمر - رضي الله عنه - أنه خطب الناس فقال: يا أيها الناس لينكحن الرجل منكم لمته من النساء ولتنكح المرأة لمتها، لمة الرجل من النساء مثله في السن، ومنه حديث فاطمة - عليه السلام - أنها خرجت في لمة من نسائها تتوطى في ذيولها، وأراد عمر أن لا تنكح الشابة الشيخ ولا ينكح الشاب العجوز وأن ينكح كل واحد قرنه وشكله، وكان سبب هذه الخطبة أن شابة تزوجت شيخا فقتلته، وكان عمر لا يجيز نكاحا في عام سنة يقول: لعل الضيعة تحملهم على أن ينكحوا غير الأكفاء، عائشة النكاح رق فلينظر امرؤ من يرق كريمته، وقال الشعبي: من زوج فاسقا فقد قطع رحمه، جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزوجوا النساء إلا بالأكفاء ولا تزوجوهن إلا الأولياء ولا مهر أقل من عشرة دراهم» (1) ، ومن أثر: والعبد إذا كانت ابنته حرة فهو وليها، وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « تخيروا لنطفكم وَأَنكِحُوا الأكفاء وَأَنكِحُوا إليهم » (2) ، وإذا طلبت امرأة حرة إلى وليها أن يزوجها بعبد بإذن سيده وكره ذلك الولي وهي من جنس العبد فعن أبي محمد أنه كان لا يرى أن يجبر على ذلك، وعن محمد بن محبوب أنه يجبر على ذلك إذا كانت من جنسه، ومن زوج ابنته ببقال أو بسماك وطلب أحد من أوليائه نقض النكاح، فأما البقال فالله أعلم، وأما السماك فلا يفرق بينهما وهذا في غير موضعه، قال كثير:
بغات الطير أكثر فراخا *** وأم الصقر مفلاة نزور
يقال: نغاث وبغاث وهي التي لا تصيد.
الباب الثاني عشر: في النكاح وأحكامه
__________
(1) رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله بلفظ قريب، باب اعتبار الكفاءة، ر13538، 7/133. (وقال: حديث ضعيف". والدارقطني مثله، باب المهر، ر11، 3/244. (فيه مبشر بن عبيد متروك الحديث).
(2) رواه ابن ماجه عن عائشة بلفظه، باب الأكفاء، ر1968، 1/632. والبيهقي مثله، باب اعتبار الكفاءة، ر13536، 7/133. (8/139)
صفحة 642
واعلموا أن من رحمة الله البالغة العامة على خلقه أن أولاهم إنعاما، وفضلهم إكراما، وشرع لهم إسلاما، وبين لهم حلالا وحراما، وأزواجا من أنفسهم وأرحاما، على عهد وشريطة، ووثائق محيطة، وقد بينها في السور، وأوضحها لأهل النور والبصر، وما يأخذ العاقل من ذلك وما يذر، فمن تبعها سواء، ولم يمل به عنها الهوى، فهو في الدنيا بها سليم، وله عليها جنات النعيم، ومن تعدى فيها حدا، كانت النار له وردا، قال الله تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} (1) وذلك أنه قيل كان يكون تحت أحدهم من النساء ثمان أو عشر لا يعدل بينهن وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مخالطة اليتيم وما يحل لهم من ذلك ولم يسألوه عما هو أعظم من أمر النساء فنزلت هذه الآية: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} (2) .
مسألة:
__________
(1) سورة النساء: 3.
(2) سورة النساء: 3. (8/140)
صفحة 643
وقول الله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (1) يعني من عبيدكم وقوله: { وَأَنكِحُوا} إطلاق وأمر الدلالة وتعريف وترغيب ودلالة على ما أباح لكم نكاحه وليس ذلك الأمر فرضا؛ لأَنَّ الفرض واجب على القادرين (نسخة العاجز) وعن عمر ما رأيت أعجز ممن يلتمس الغنا من غير الباه بعد قوله تعالى: { إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} والنكاح من سنن المسلمين والمرسلين، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة» (2) ، وفي حديث آخر: «حُبِّبَ إليَّ من دُنياكُم أربعٌ: الصلاةُ والصيامُ والنساءُ والطيبُ» (3) ، (شيء من ذلك في رق الكتاب).
__________
(1) سورة النور: 32.
(2) رواه النسائي عن أنس بلفظ قريب، فِي عشرة النساء، ر3956. وأحمد فِي مسند أنس، ر12627.
(3) رواه النسائي (المجتبى)، عن أنس بن مالك بمعناه، (دون ذكر: والصيام)، باب حب النساء، ر3939، 7/61. والبيهقي عن أنس مثله، باب الرغبة في النكاح، ر13232، 7/78. (8/141)
صفحة 644
وقال - صلى الله عليه وسلم - : « تزوجوا الأبكار، فإنهن أعذب أفواهاً، وأرتق أرحاماً وأقنع بالبضع اليسير» (1) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «منْ أرادَ أنْ يَلقَى اللهَ طاهرًا فليتزوجْ بالحرائرِ» (2) والله أعلم، وقال - عليه السلام - : «أعظمُ النساءِ بركةً أحسنُهن وجوهًا وأرخصُهن مهورًا» (3) ، وقال - عليه السلام - : «يتزوجُ الرجلُ المرأةَ لثلاثِ خصالٍ: لمالٍ وجمالٍ ودينٍ فعليكُم بذاتِ الدينِ» (4) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تُنكحُ المرأةُ لأربعِ خصالٍ: لِدينِها وجمالِها ومالِها وحُسنِها» (5) ، وقال: «منْ أُعطيَ ثلاثاً فقد أُعطيَ خيرَ الدنيا والآخرة: خدنًا صالحًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً صالحةً» (6) ،
__________
(1) رواه ابن ماجه، عن */، ر1861. والبيهقي في السنن الكبرى، 7/81.
(2) رواه ابن ماجه عن أنس بلفظ قريب، باب تزويج الحرائر والولود، ر1862، 1/598. والديلمي عن ابن عباس بلفظ قريب، ر5679، 3/539.
(3) رواه البيهقي عن عائشة بلفظ: "من أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا"، باب ما يستحب من القصد في الصداق، ر14134، 7/235. والحاكم في المستدرك عن عائشة مثله، ر2732، 2/194.
(4) رواه أحمد عن عائشة بمعناه، ر25232، 6/152. والهيثمي عن جابر بمعناه، باب عليك بذات الدين، 4/254.
(5) رواه البخاري عن أبي هريرة بمعناه (وبلفظ: "ولحسبها" بدل وحُسنها)، باب الأكفاء في الدين، ر4802، 5/1958. ومسلم مثله، باب استحباب نكاح ذات الدين، ر1466، 2/1086.
(6) رواه ابن ماجه عن ثوبان بمعناه، (دون ذكر: من أعطي ثلاثا... والآخرة)، باب أفضل النساء، ر1856، 1/596. والطبراني: المعجم الكبير، عن ابن عباس بلفظ: "أربع من أعطيهن أعطي خير الدنيا والآخرة..."، ر11275، 11/134.. (8/142)
صفحة 645
وقال: «خير ما أُوتيَ العبدُ في الدنيا الزوجةُ الصالحةُ» (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : « تَزَوَّجُوا فَإِنِّي أُكَاثِرُ بِكُم الأُمَمَ» (2) ، وقال: «تخيَّروا لِنطفِكم ولا تضعوها إلا في الأكفاءِ» (3) ، ومن ذلك قول الله عز وجل: {يرجون تجارة لن تبور} (4) معناه لن تكسد ولن تهلك، ومن ذلك قوله عز وجل: {وكنتم قوما بورا} (5) معناه: قوما هالكين، وقال: القرآن البور الفاسد، وقال: «خرجتُ من نكاحٍ غير سفاحٍ» (6) ، وقال: «اطلبوا الغنى بالنكاح» (7) ، وقال: «سوداءُ ولودُ خيرٌ من حسناءَ عقيمُ» (8) ،
__________
(1) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة"، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، ر1467، 2/1090. والنسائي (المجتبى)، عن عبد الله بن عمرو مثله، باب المرأة الصالحة، ر3232، 6/69.
(2) رواه أبو داود عن معقل بن يسار بلفظ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّى مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ »، فِي النكاح، ر2052. وابن ماجة عن عائشة، بلفظ: «...وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّى مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ..»، فِي النكاح، ر1919.
(3) رواه ابن ماجة عن عائشة بمعناه، باب الأكفاء، ر1968، 1/633. والبيهقي مثله، باب اعتبار الكفاءة، ر13536، 7/133.
(4) سورة
(5) سورة
(6) رواه ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه بلفظ قريب، باب ما أعطى الله تعالى محمدا (ص)، ر31641، 6/303. والطبراني: المعجم الأوسط عن علي بلفظ قريب، ر4728، 5/80.
(7) لم أجده.
(8) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده بلفظ قريب، ر1004، 19/416. وأبو حنيفة في مسنده عن أبي موسى بمعناه، 1/107.. (8/143)
صفحة 646
السوداء القبيحة، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تنكح المرأة لمبسمها ولمالها ولحسنها عليك بذات الدين تربت يداك» أما مبسمها فإنه الحسن، وهو الوسامة، يقال رجل وسيم وامرأة وسيمة، وقوله: «تربت يداك» فإن أصله أن يقال للرجل إذا قل ماله قد ترب لمن افتقر حتى لصق بالتراب، قال الله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أعوذ بالله من بوار الايم» (2) في التفسير إنه كسادها، يقال: بارت السوق إذا كسدت، من ذلك قول الله عز وجل: {يرجون تجارة لن تبور} (3) معناه لن تكسد ولن تهلك، ومن ذلك قوله عز وجل: {وكنتم قوما بورا} (4) معناه قوما هالكين، وقال الفراء: البور يكون للمذكر والمؤنث والاثنين والجميع بلفظ واحد، ومما يدل على صحة قول الفراء قول ابن الزبعري شعرا: ... يا رسول المليك إني لساني *** رابق ما قنعت أذانا بور
__________
(1) سورة
(2) رواه الربيع عن الربيع عن جابر مرسلا بلفظ: «إذ خَطَبَ إِلَيْكَمْ كُفْؤٌ فَلاَ تَرُدُّوهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْبَنَاتِ»، كتاب النكاح، باب (24) في الأولياء، ر513.
(3) سورة
(4) سورة (8/144)
صفحة 647
وقال الأنصاري لبني قريضة: وأوتوا الكتاب فضيعوه فهم عمي عن التوراة بور، وعن ابن عباس قال: البور الكاسد، وقال الأحنف بن قيس: لأفعى تحكك في منزلي أحب إليّ من أيم رددت عنها كفوا، وقال الأحنف أيضا: ثلاث لا أناة لهن عندي: الصلاة إذا جاز وقتها أن أصليها، وميتي إذا مات أن أواريه، وأيمي إن جاء كفؤها أن أزوجها، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفضيل: «أيا فضيل ألك زوجة؟ قال: لا، قال: ألك جارية؟ (نسخة غير مثبتة) قال: لا، قال: يا فضيل عن يكن للشيطان قرين فأنت قرينه» (1) ، وعن ابن عبد الله: وأنت تخير؟ قال: نعم، قال: إن كان أحد من إخوان الشيطان فأنت، عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن الخطاب: ما فعلن بناتك؟ قال: هن عندي يا رسول الله، قال: هل حصن؟ قال: فإنك لن تحبس امرأة منهن عن الزواج إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط» (2) ، قال: فخرج عمر من عند النبي وهو مثقل، فلما دخل على بناته أخبرهن بما كان من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلن له: افعل ما شئت.
__________
(1) رواه أبو يعلى عن عطية بن بسر المازني بلفظ مغاير "يا عكاف ألك زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال..."، ر6856، 12/260. والطبراني: المعجم الكبير مثله، ر158، 18/85.
(2) لم أجده. (8/145)
صفحة 648
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» (1) ، وقال: «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو باطل وهم الزوج والولي والشاهدان» (2) ، وقال: «لا تنكحُ المرأةُ نفسَها ولا تنكحُ المرأةُ المرأةَ» (3) ، في حديثه - صلى الله عليه وسلم - : «فصل بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح» (4) أما الدف فهو الذي تضرب به النساء، وزعم بعض الناس أن الدف لغة، فأما الجنب بالفتح لا اختلاف فيه، وقوله الصوت مختلف فيه فبعض الناس يذهب به إلى السماع وهذا خطأ في التأويل عنه - صلى الله عليه وسلم - إنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوب به, والذكر في الناس كما يقال فلان ذهب صوته في الناس، وكذلك قال عمر: أعلنوا هذا النكاح وحصنوا هذه الفروج.
فصل:
من أمثال العرب: قد أنكحنا الفرا فسرني، أي قد زوجنا من لا خير فيه فسنعلم كيف تكون العاقبة، والفرا (مقصورا) الحمار الوحشي الفتى، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي سفيان بن حرب كل الصيد في بطن الفرا يعني الحمار يستعطفه بذلك، وفي حديث الفرا (مقصور مهموزا) ومن ترك الهمزة قال: الفرا، قال الشاعر:
يضرب كأذان الفراء فضوله *** وطعن كا يزاع المخاض الصوارب
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد موقوفا بلفظه، ر6، 3/272. والطبراني فِي الأوسط عن عائشة بلفظه، ر7119، 15/167.
(2) رواه البيهقي عن ابن عباس بلفظ: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِأَرْبَعٍ : خَاطِبٍ وَوَلِىٍّ وَشَاهِدَيْنِ»، كتاب النكاح، ر14188.
(3) رواه البيهقي عن أبي هريرة بلفظ: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها"، ر13411، 7/110. والدارقطني مثله، كتاب النكاح، ر30، 31، 3/228.
(4) رواه النسائي (المجتبى)، عن محمد بن حاطب بلفظ قريب، باب إعلان النكاح بالصوت وضرب الدف، ر3369، 6/127. وأحمد عن محمد بن حاطب بلفظ قريب، 4/259. (8/146)
صفحة 649
أيزاع المخاض أي ترمي ببولها قطعة قطعة، أي تنضحه نضحا، وفي الحديث إن أبا سفيان استأذن عليه فحجبه ثم أذن له فقال: ما كدت أن تأذن لي حتى تأذن عجارة الجلهمتين فالمعروف في كلامهم الجلهمتان فقال: يا أبا سفيان فأنت كما قال القائل ولكل الصيد في جوف الفرا، أو قال في بطن الفرا (الشك من أبي عبيدة).
قال: أنت في الناس كحمار الوحش في الصيد يعني أنها كلها دونه يتألفه بهذا الكلام، وكان أبو سفيان من المؤلفة قلوبهم، والجلهمتان أراد جانبي الوادي المعروف في كلامهم الجلهمتان، قال: ولم أسمع بالجلهمة إلا في هذا الحديث.
فصل:
قيل: دخل على جابر بن زيد ومعه ابنة له فقال يا أبا الشعثاء هذه ابنتك؟ قال: نعم، قال: وإنك لتحبها؟ قال: نعم، قال: ما قادم يقدم أحب إليّ من الموت تقدم عليها ثم عليّ ثم على أمها، قال: وإنك لتحب أمها على نفسك، قال: نعم، لو لم أبق على الدنيا إلا يوما واحدا لأحببت أن لا أكون فيه عزبا.
فصل: (8/147)
صفحة 650
الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «شرار أموات أمتي عزابها، وشرار أحياء أمتي عزابها، والمتزوجون أولئك المطهرون المبرون من الخنا» (1) ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خير نسائكم الطيبة الريح الطيبة الطعام التي إن أنفقت أنفقت بمعروف، وإن أمسكت أمسكت بمعروف، تلك عمالة من عمالات الله، وعامل الله لا يخيب ولا يندم» (2) ، وقال: «عليكم بذاتِ الدينِ والأمانةِ من النساءِ فانكحوهُنَّ» (3) ، وقال: « أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ» (4) ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا أرادَ أن يُزوجَ أحدًا من بناتِه قعدَ قريبًا منها وقال: إن فلانًا يذكرُ فلانةَ» (5) ، ويستحب للآباء أن يشاوروا أمهاتهن وليس ذلك بواجب ولا تنازع في ذلك.
مسألة:
__________
(1) رواه أحمد عَن أَبِى ذَرّ بمعناه من حديث طويل منه: «...شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ أَبِالشَّيْطَانِ تَمَرَّسُونَ مَا لِلشَّيْطَانِ مِنْ سِلاَحٍ أَبْلَغُ فِى الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ الْمُتَزَوِّجُونَ أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّءُونَ مِنَ الْخَنَا...»، ر22066. وعبد الرزاق مثله، ر10387، 6/171.
(2) لم أجده.
(3) رواه الهيثمي عن عوف بن ملك الأشجعي بمعناه، باب عليك بذات الدين، 4/255. وفيه يزيد بن عياض وهو متروك.
(4) رواه الترمذي عن أَبِى أَيُّوب بلفظ: « أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المرْسَلِينَ الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ»، فِي النكاح، ر1101. وأحمد عن أبي أيوب نحوه، ر24298.
(5) رواه أحمد عن عائشة بمعناه، ر24538، 6/78. والبيهقي عن ابن عباس بمعناه، باب إذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام، ر13485، 7/123. (8/148)
صفحة 651
ويكره للرجل إذا طلب المرأة أن يوصف محاسنها إلا أن يقول عينها وأنفها حسن وهي تامة البدن، وما سوى ذلك من الصفة مكروه، قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا تزوج رجل امرأة ولم تعلم بما باراه ولم تعلم فعلمت فرضيت فإن الزوج لا يبرأ من حقها، وهي امرأته وليس النكاح في هذه بمنزلة البيع.
مسألة:
قال الشيخ أبو محمد ـ رحمه الله ـ: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والنكاح»، وقال أبو عبد الله: الطلاق والنكاح يمضي على جده ولعبه، وقال في قول الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (1) الآية، الآيامى: كل امرأة لا زوج لها من صغيرة وكبيرة بكرا كانت أو غير بكر وذلك في الأحرار، وكذلك الباهلة التي لا زوج لها، وعن مكحول عن أبي أيوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربع من سنن المرسلين: النكاح والسواك والختان والطيب».
مسألة:
أجمعوا أن من لا حاجة له إلى النكاح ولا تدعوه نفسه إليه غير واجب عليه إتيانه.
مسألة:
النية للتزويج فريضة الدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « تَزَوَّجُوا فَإِنِّي أُكَاثِرُ بِكُم الأُمَمَ»، وقوله - عليه السلام - : «معاشرَ الشبابِ من استطاعَ منكُم الباءةَ فليتزوجْ» (2) والباءة الجماع، وقال الله تبارك وتعالى: {وافعلوا الخير} (3) فمن ترك النية لفعل الخير فهو آثم ويهلك، ومن كان له زوجة فقد سقط عنه فرض النية بتزويج أربع إلا أن يكون قادرا على مؤونة أربع فينوي أنه تزوج أربعا وإن كان عاجزا فلا يجوز له أن يعقد النية في تزويج تسرٍّ يعصي فيه ربه، وفي الجامع عنه أن النكاح ليس بفرض وإنما هو ندب.
__________
(1) سورة النور: 32.
(2) رواه البخاري عن علقمة بلفظ "يا معشر..."، باب قول النبي (ص) من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ر4778، 5/1950. ومسلم عن علقمة وعبد الله مثله، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه...، ر1400، 2/1018.
(3) سورة (8/149)
صفحة 652
مسألة:
والذي يختاره لمن لم يجد سبيلا إلى تزويج أو يرى أن يشغل نفسه بالصوم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن لم يجد فليصم فإن الصوم له وجاء» يعني أنه حصان والله أعلم، وفي الرواية أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بتيسين أملحين موجوين، والموجا من الإبل هو الذي رضت (نسخة تضرب) أنثاه وترضان (نسخة وتضربان) بالحجارة حتى يذهب الضراب منه، ووجدت عن أبي زيد وغيره في الوجا أنه يقال للفحل إذا رضت أنثاه قد وجي وجا وقد واجأته فإذا اترعن فهو خصا، وقوله - عليه السلام - : فإنه وجا بمعنى أنه يقطع النكاح؛ لأَنَّ الموجا لا يضرب، وفي رواية أخرى عنه - عليه السلام - أنه قال: «الصومُ مجفرةٌ» (1) يريد بذلك - عليه السلام - مقطعة النكاح وأنه يبعض (نسخة ينقص) الماء والله أعلم، يقال للبعير إذا أكثر الضراب حتى ينقطع قد جفر يجفر جفورا وهو جافر هكذا وجدت عن أهل اللغة وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن عثمان بن مظعون بلفظ: "...عليك يا بن مظعون بالصيام فإنه مجفرة"، ر8320، 9/38. وأبو داود في المراسيل عن الحسن بمعناه، باب في النكاح، ر199، 1/179. (8/150)
صفحة 653
قال الله تبارك وتعالى: {فمن لم يستطع منكم طولا...} (1) والطول هو المال الذي يتوصل به إلى التزويج والله أعلم، وكذلك قوله عز وجل لنبيه: {استأذنك أولو الطول منهم} (2) وهم أهل المال، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للطرف وأحصن للفرج فإن لم يستطع فليصم فإن الصيام له وجا» والوجا هو الحصنى، وهو أن العرب كانت تضرب أنثى الجمل بالحجارة حتى يذهب الجماع منه، يدل على النكاح ترغيبا منه - عليه السلام - في التزويج والحث عليه والتعفف به وإحصان الفرج حتى قال - عليه السلام - : « تَزَوَّجُوا فَإِنِّي أُكَاثِرُ بِكُم الأُمَمَ»، وروي عنه - عليه السلام - : «تناكحوا تكثروا» (3) .
فصل: مسألة:
قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أَوْلِمْ ولوْ بشاةٍ» (4) وقال: «إنه لما تزوجَ بصفيةَ أولمَ بتمرٍ وسُويقٍ» (5) ، وقال: «العرس يوم» (6) ، وقال: «المؤمن زوجته في الدنيا زوجته في الجنة» (7) .
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) رواه عبد الرزاق عن سعيد بن أبي هلال بلفظه، ر10391، 6/173. وأبو داود عن معقل بن يسار بمعناه، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، ر2050، 2/220.
(4) رواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظه، باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، ر521، 1/209. والبخاري عن أنس بلفظه، باب ما جاء في قول الله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض..."، ر1944، 2/722.
(5) رواه أبو داود عن أنس بمعناه، باب في استحباب الوليمة في النكاح، ر3744، 3/341. والترمذي مثله، باب ما جاء في الوليمة، ر1095، 3/403. وقال: هذا حديث حسن غريب.
(6) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن ابن عباس بلفظ: "طعام في العرس يوم سنة..."، ر11331، 11/151. والهيثمي مثله، باب الولائم والعقيقة وغير ذلك، 4/49. وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف.
(7) لم أجده بهذا اللفظ. (8/151)
صفحة 654
اختلف الناس في النكاح فقال بعضهم: هو الجماع نفسه، وقالت الفرقة الثانية: هو عقد النكاح، وهذا هو القول؛ لأَنَّ العرب تسمي العقد نكاحا؛ لأَنَّه يبيح النكاح فيسمى السبب باسم المسبب، وقال أبو محمد: النكاح قبل العقد اسم يقع على التزويج دون الوطء وبعد العقد يقع على الجماع، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من تزوج أحصن ثلثي دينه» (1) .
مسألة:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « مَا أَحَلَّ اللهُ حلالاً أَحَبّ إِلَيهِ مِنَ النِّكَاحِ، ولاَ أَكرَه في المؤمِنينَ من الطلاَق بِغَيرِ عُذرٍ» (2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - لامرأة عثمان: «إنِّي آكُلُ وَأشرَبُ وَأَصومُ وَأُفطِرُ وَآتي النساءَ، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» (3) ، فردوا ما كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو الحسن (4) ـ رحمه الله ـ فيما وجدت عنه: التزويج سنة، وروي عن "النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « فُرِّقَ بَينَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِضَربِ الدُّفِّ» (5) يعني: شُهرة النكاح"، ويستحب الضرب بالدف عند الإملاك حتى أوجب ذلك جماعة من أصحاب الظاهر وأبطلوه إذا تعرى منه، ويستحب اتخاذ الوليمة عند الإملاك والعرس عند دخول الرجل بأهله أوجبه قوم ونفاه آخرون.
فصل:
__________
(1) لم أجده.
(2) رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود بمعناه، ر13270، 7/302.
(3) رواه البخاري عن أنس فِي ثلاثة رهط بلفظ قريب، كتاب النكاح، ر5063. ومسلم مثله، كتاب النكاح، ر3469.
(4) البسيوي: الجامع، ص536.
(5) رواه الترمذي عن مُحَمَّد بن حاطب الجمحي بلفظ: « فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْحَلاَلِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ »، فِي النكاح، ر1111. وابن ماجه مثله، فِي النكاح، ر1971. والنسائي مثله، فِي النكاح، ر3382. (8/152)
صفحة 655
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى بني علي وبنات جعفر فقال: «بنونا لبناتنا وبناتنا لبنينا» (1) ، وروي أنه قال: «من كان مُوسرًا ثم لم ينكحْ فليس مِنيِّ» (2) قال عباد: يعني ليس مني هذا الخلق، وروي عنه: «شرارُ أُمتي عُزابُها وأنذالُ أُمتي عزابُها، وركعتانِ من المتأهلِ أفضلُ مِن سبعين ركعةً من الأعزبِ» (3) ، وعن أنس بن مالك قال: «لا يجتمعُ الزوجان حتى يُنادي منادٍ من السماءِ إن فلانًا لفلانة» (4) ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مكتوبٌ في التوراةِ: ومن بلغتْ له ابنةٌ اثني عشرَةَ سنةً فلم يُزوِّجها فركبتْ إثمًا فإثمُ ذلكَ عليهِ» (5) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من أنفق درهما على تزويج ابنته أو ابنه أعطاه الله عز وجل اثني عشر ألف مدينة في الجنة وكتب له بكل دانق بنفقه حجة وعمرة» (6) ،
__________
(1) لم أجده.
(2) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن أبي نجيح بلفظ قريب، ر920، 22/366. وعبد الرزاق مثله، باب وجوب النكاح وفضله، ر10376، 6/168.
(3) الشطر الأول: "شرار أمتي...عزابها" رواه أحمد عن أبي ذر بلفظ: "شراركم عزابكم"، ر21844، 5/163. وعبد الرزاق مثله، ر10387، 6/171. والشطر الثاني: "وركعتان...الأعزب" رواه العقيلي في الضعفاء عن أنس بلفظ "المتزوج"، ر1869، 4/264. والذهبي: ميزان الاعتدال مثله، ر7072، 6/21.
(4) رواه الرازي: علل ابن أبي حاتم، عن ... بن مالك بمعناه، ر1278، 1/425.
(5) رواه البيهقي: شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب بلفظه، ر8669، 6/402. والمناوي: فيض القدير عن عمر مثله، 6/3.
(6) لم أجده.. (8/153)
صفحة 656
سئل عمر - رضي الله عنه - : مال طعام العرس يجيء أطيب زكا من طعامنا؟ فقال: فيه مثقال من ريح الجنَّة، ودعا له إبراهيم الخليل خليل الرحمن ومحمد صلى الله عليهما، وقال أبو عبد الله: عليكم بالأبكار فإنهن أشد ودا وأقل خباً، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لينظرْ أحدُكم أين يضعُ نطفتَه وتزوجُوا إلى الأكفاءِ وزوجُوا الأكفاءَ» (1) ، وقال: «من شهدَ ملاكَ امرئٍ مسلمٍ فكأنَّما صامَ يومًا في سبيلِ اللهِ اليومُ سبعُمائةِ يومٍ» (2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «عليكم بذوات الأعجاز فإنهن أنجب أولادا» (3) .
فصل:
قال الله تبارك وتعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (4) قال أبو محمد: الأيامى كل امرأة لا زوج لها من صغيرة وكبيرة، بكر كانت أو غير بكر وذلك في الأحرار، وعن أبي عبيدة: أن الأيامى من الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم ولهن ويقال: رجل أيم وامرأة أيمة وأيم أيضا هو قال، وقال:
فإني تنكحي أنكح وإن تتأيمي *** وإن كنت أفتى منكم أتأيم
وقال جميل: تقر بعيني إن إتيانها وإن لم أنلها أيم لم تزوج، وقال الخليل: يقال امرأة أيم قد تأيمت والأيامى جمعها، ويقال: أمت المرأة تيأم أيمة واحدة.
فصل:
__________
(1) انظر حديث: "تخيروا لنطفكم...".
(2) رواه عبد بن حميد في مسنده، عن ابن عمر بلفظ قريب (وبلفظ: إملاك)، ر853، 1/269. والذهبي: ميزان الاعتدال عن ابن عمر بلفظ: "من شهد جنازة امرئ فكأنما صام..."، ر9107، 7/40.
(3) لم أجده بهذا اللفظ. وروي بلفظ: "اتخذوا السراري فإنهن مباركات الأرحام وإنهن أنجب أولادا" رواه العقيلي في الضعفاء عن أبي الدرداء، ر339، 1/275. والذهبي: ميزان الاعتدال مثله، ر2135، 2/325.
(4) سورة النور: 32. (8/154)
صفحة 657
عن عبادة بن الصامت قال: كان الرجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قد طلقت امرأتي ثم يقول: كنت لاغيا (نسخة لاعبا) ويقول: قد عتقت مملوكي يقول كنت لاغيا (لاعبا) يقول: قد تزوجت ابنتي ثم يقول كنت لاغيا (نسخة لاعبا)، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إلا ثلاثًا من قالهن لاعبًا أو غير لاعبٍ فهو جائزٌ عليه العتاقةُ والطلاقُ والنكاحُ» (1) قال: وأنزل في ذلك: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} (2) ، وقال أبو عبد محمد ـ رحمه الله ـ: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والنكاح»، وقال أبو عبد الله: الطلاق والعتاق والنكاح يمضي على جده ولعبه، ويستحب الشار في النكاح ولفظه مباح، فإن قال قائل: فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النهبة، قيل له: النهبة أن تنهب مال الرجل ويؤخذ من غير اختياره، فأما ما أباحه الإنسان من ماله عن طيب نفس منه فغير واقع عليه اسم النهبة وذلك يجري العطية والهبة وليس من هذا الشيء يقع عليه اسم النهبة والتحريم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : « لاَ يَحِلُّ مَالُ امرِئٍ مسلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفسِهِ» (3) وما أخذ بطيب من نفس ربه فحلال أخذه كما لا يحل مالا تطيب النفس به وكذلك ما تطيب النفس به فحلال بلا خلاف.
فصل:
__________
(1) رواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي)، عن عبادة بن الصامت بمعناه، باب ثلاثة لعبهن جد، ر503، 1/555. والزيلعي مثله، 3/294.
(2) سورة
(3) رواه الدار قطني في سننه عن أنس بن مالك بلفظه، كتاب البيوع، ر91، 3/26. ورواه البيهقي في السنن الكبرى بلفظ قريب، باب من غصب لوحا فأدخله في سفينة، ر11325، 6/100. (8/155)
صفحة 658
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعلنُوا النكاحَ واجعلوهُ في المساجدِ واضربُوا عليه الدفَّ» (1) ، وفي خبر فخطب وأنكح الأنصاري، وقال: على الألفة والخير والطائر الميمون، وفي خبر: والسعة وبارك الله لكم ثم قال: «دففوا على رأس صاحبكم فدفف على رأسه وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكر فنثر عليهم فانتهبوا، قال معاذ: فوالله لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجذبنا ونجذبه من ذلك النهب» (2) ، وأجاز أصحابنا ضرب الدف شهرة للنكاح ضربة أو ضربتين لا غير ذلك، واختلفوا في نثار الجوز فأجازه بعضهم بالتعارف وكرهه بعضهم وقيل: إن الربيع كان يكرهه.
فصل:
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج فلينظر إلى وجهها فإنه يودم (نسخة يدوم) بينكما» (3) ، وطريق هذا طريق الاختيار والمشورة؛ لأَنَّ ذلك محظور إلا نراه إلى ما روي.
فصل:
__________
(1) رواه الترمذي عن عائشة بلفظ: "...بالدفوف"، باب ما جاء في إعلان النكاح، ر1089، 3/398. وابن ماجه عن عائشة بلفظ: "...بالغربال"، باب إعلان النكاح، ر1895، 1/611.
(2) رواه الطحاوي عن معاذ بن جبل بمعناه، باب انتهاب ما ينثر على القوم مما يفعله الناس في النكاح، 3/50. والعقيلي مثله، ر174، 1/142.
(3) رواه الترمذي، عن المغيرة بمعناه، كتاب (9) النكاح، باب (5) ما جاء في النظر إلى المخطوبة، ر1087، 3/397. وابن ماجه، عن أنس مثله، أبواب (9) النكاح، باب (9) النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، ر1865، ص267. (8/156)
صفحة 659
عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ولدني والدٌ (نسخة ولد) من لدن آدم - صلى الله عليه وسلم - إلى أن صرتُ إلى أبي الذي ولدني إلا بنكاحٍ كنكاحِ الإسلامِ من غيرِ سفاحٍ وليس ذلك لأحدٍ إلا لي» (1) ، وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «خرجتُ من نكاحٍ غير سفاحٍ» (2) .
فصل:
قال أبو عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: «لو نظرت إلى وجهها فَانظُر فَإِنَّه أَحرَى أَن يُؤدَمَ بَينَكُمَا» (3) ، قال الكسائي: قوله: « يُؤدَمَ بَينَكُمَا» (4) يعني أن يكون بينكما المحبة والاتفاق يقال منه: أدم الله بينكما فخفف على فعل أدمه أدما، قال أبو عبيدة: وفي الأدم لغة أخرى يقال: أدم بينهما يودمه إيداما فهو مودم بينهما، قال الشاعر:
والبيض لا يودمن إلا مودما ***
__________
(1) رواه البيهقي عن ابن عباس بمعناه وبلفظ مختصر، باب نكاح أهل الشرك وطلاقهم، ر13854، 7/190. والطبراني: المعجم الكبير مثله، ر10812، 10/329. والديلمي عن علي بن أبي طالب بمعناه، ر6365، 4/118.
(2) رواه الطبراني: المعجم الأوسط، عن علي بمعناه، ر4728، 5/80. وابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه بمعناه، ر31641، 6/303.
(3) سبق تخريجه في حديث: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج فلينظر...». (8/157)
صفحة 660
أي: لا يحببن إلا محبا موضعا لذلك، وروي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن امرأة من قومي قد أعجبني مبسمها ومالها وهي امرأة لا تلد أأتزوجها؟ قال: فتردد إليه الرجل مرارا حتى كان آخر ذلك قال له: «لا تزوجها لامرأة سوداء تلد أحب إليّ منها» (1) ، وطريق هذا طريق الاختيار والمشورة؛ لأَنَّ ذلك محظور، ألا تراه يقول أحب إليّ منها، ولا ينازع في ذلك، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «بعثَ أمَّ سليم إلى امرأةٍ تنظرُ إليها فقال لها شمِّي عوارضَها وانظرِي إلى عقبيْها» (2) ، أراد بذلك لسوء رائحة ولتعرف لون جسدها، ويقال: إنه إذا اسود عقبا المرأة اسود سائر جسدها.
فصل:
__________
(1) سبق تخريجه في حديث: «سوداء ولود خير من حسناء عقيم».
(2) رواه أحمد عن أنس بلفظ قريب، ر13448، 3/231. والطبراني: المعجم الأوسط مثله، ر6195، 6/204. (8/158)
صفحة 661
قال الله عز وجل: {وزوجناهم بحور عين} (1) قال أبو عبيدة: {زوجناهم} (2) جعلناهم أزواجا كما يزوج النعل بالنعل جعلهم اثنين اثنين جميعا بجميع، وقال ابن عزيز: {زوجناهم} (3) قرناهم بهن وليس في الجنة تزويج كتزويج الدنيا، وقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} (4) أي وقرناؤهم، وقال: العرب تقول زوجت البعير بالبعير إذا قرنت أحدهما بالآخر، والزوج الصنف أيضا كقوله عز وجل: {سبحان الذي خلف الأزواج...} (5) أي الأصناف، وقوله تعالى: {فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} (6) أي ألوانا وضروبا، وقوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} (7) قال الكلبي: بلغني والله أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب على زيد بن حارثة زينب ابنة جحش بن قيس الأسدية وهي ابنة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمها أميمة ابنة عبد المطلب، فقالت زينب: لا أرضى لنفسي يا رسول الله وأنا أتم نساء قريش، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رضيته لك فأبت فأنزل الله عليه هذه الآية: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة...} (8) فقالت زينب فأمري بيدك يا رسول الله فأنكحها إياه فمكثت عنده ما شاء ثم أتاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرا فأبصرها رسول الله قائمة في درع وخمار فأعجبته فقال رسول الله مقلب القلوب فلما سمعت ذلك زينب جلست ورجع زيد فذكرت زينب له ذلك فرأى زيد أن رسول الله قد هويها فقال يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إئذن لي في طلاقها فإن فيها كبرا وإنها لتؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اتق الله وأمسك عليك زوجك، فأمسك زيد بعد ذلك يسيرا ثم طلقها فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسول الله فقال عز وجل: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه...
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة (8/159)
صفحة 662
} (1) وتزوجها، هذا قول الكلبي، وعن الزهري أنه قال: أتى جبريل النبي عليهما السلام فقال: يا محمد إن الله زوجك زينب بنت جحش فذلك الذي أخفى في نفسه فلم يخبره أحدا فلما انقضت عدتها أتاه جبريل فأخبره أن الله تعالى قد زوجك زينب فزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا عند ذلك زيدا فقال: إئت زينب فأخبرها أن الله قد زوجنيها فانطلق زيد فأخبرها بذلك وقال: قد أبدلك الله بي من هو خير مني فقالت: ومن هو لا أبا لك؟ فقال زيدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرت ساجدة لله فبلغنا أنها كانت تفتخر على أمهات المؤمنين بقول أما أنتن فزوجكن أولياؤكن وأما أنا فزوجني الله نبيه وهي أول من مات بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي أول من صنع لها النعش حين ماتت وذلك في خلافة عمر ـ رحمه الله ـ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تبتل في الإسلام» (2) فمعناه لا يتقرب المسلم إلى الله تبارك وتعالى بترك التزويج كما يفعل الرهبان وغيره من الكفار، وعن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «النظرُ إلى الخضرةِ يزيدُ في البصرِ (نسخة النظر) والنظرُ إلى المرأةِ الحسناءِ يزيدُ في البصرِ» (3) وجائز للرجل أن ينظر المرأة إذا أراد تزويجها، وأجمعوا أن ليس له أن ينظر ما بين العنق إلى الركبتين.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) لم أجده بهذا اللفظ. رواه أبو داود في المراسيل، عن طاووس بلفظ: "لا زمام في الإسلام ولا تبتل في الإسلام"، ر200، 1/179.
(3) رواه محمد بن سلامة القضاعي: مسند الشهاب، عن جابر بن عبد الله بلفظه، ر289، 1/193. والذهبي: ميزان الاعتدال مثله، ر7869، 6/237. (8/160)
صفحة 663
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « تَزَوَّجُوا الولود الودود فَإِنِّي أُكَاثِرُ بِكُم الأُمَمَ»، ونهى عن التبتل نهيا شديدا، والتبتل ترك الدنيا والنكاح والانقطاع في العبادة، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا زمام ولا خراق ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام» (1) وهذا كان يفعله بعض أهل الكتاب في الزمان الأول عبادة فجعله - صلى الله عليه وسلم - حراما على أمته فالزمام زمهم أنوفهم، وأصل الزمام الحبل من الأدم يجعل في عنق البعير أو في رأسه، والخراق خرقهم تراقيهم عند بلوغهم، والخزام جمع خزامة وهي حلقة تجعل في أنف البعير، والرهبانية لزوم الصوامع وترك أكل اللحم، والسياحة الخروج إلى أطراف البلاد والتفرد من الناس بحيث لا يشهد جمعة ولا يحضر جماعة.
فصل:
إن سأل سائل فقال: ما وجه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي استشاره في التزويج فقال له - عليه السلام - : «عليك بذات الدين تربت يداك» (2) ومعنى تربت يداك في اللغة أي افتقرت ولصقت بالتراب من شدة الفقر والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدعو على أحد من المؤمنين ففي ذلك أجوبة والمختار منهما جوابان أحدهما أن يكون أراد - صلى الله عليه وسلم - الدعاء الذي لا يراد به الوقوع كقولهم للرجل إذا مدحوه قاتله الله ما أشعره، وأخزاه الله ما أعلمه، ولا يريدون بذلك ذما له ولا دعاء عليه، وقال جميل شعرا:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى *** وفي العز من أبنائها بالقوادح
وفي وجهها الصافي المليح بقتمة*** وفي قلبها القاسي بود ممانح
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن طاووس بلفظ: "لا خزام ولا زمام..."، باب الخزامة، 8/448. وأبو داود في المراسيل عن طاووس بلفظ مختصر، ر200، 1/179.
(2) سبق تخريجه في حديث: «تنكح المرأة لأربع خصال لمالها ولحسنها...». (8/161)
صفحة 664
والجواب الثاني أن هذا كلام مخرجه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخرج الشرط كأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : عليك بذات الدين تربت يداك، أي إن لم تفعل ما آمرك به، وهذا أحسن وهو اختيار ثعلب والمبرد.
مسألة:
من لم يكن له مال يتزوج به فإن قدر على الصبر عن التزويج ولا يحمل على نفسه دين فيه فهو أحب إلينا إذ لا مال له وإن لم يصبر وخاف العنت على نفسه فليتزوج على شيء يسير يرجو أن يؤديه ويجتهد على الوفاء ولا يحمل على نفسه دينا لا يطيقه، ومن أتى قوما فقال: أيكم أزوجه ابنتي فقال رجل: أنكنها، فقال: نعم قد أنكحتكها، ثم ندم ساعته فهي امرأته أولا ذلك بمحضر من شاهدين ولا ينفعه ندمه.
فصل:
يسمى النكاح سرا؛ لأَنَّه يستر عن الناس، قال الأعشى: فإن تطلبوا سرها للغني لم يسلموها لازهادها، فخبر عنهم أنهم لا يطلبون نكاحها ليستغنوا بها ولا يتفرقون عنه لفرقها وربما سمت العرب الزنى سرا، قال الشاعر:
ويحرم سر جارتهم عليهم *** ويأكل جارهم أنف القصاع (8/162)
صفحة 665
أراد بالسر الزنى، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعكاف بن وداعة: «يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا، قال: ألك جارية، قال: لا، قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم، قال: فأنت إذا من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم وإما أن تكون منا فإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأنذل أمواتكم عزابكم، أيا شياطين يمرسون ماله سلاح أبلغ في الصالحين من الرجال والنساء إلا المتزوجون أولئك المبرون المطهرون من الخنا» (1) وذكر الحديث، وقال شداد بن أوس وكان قد ذهب بصره: زوجوني فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاني أن لا ألقى الله عزبا، قال أبو نجيح: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من قدرَ على النكاحِ فلم ينكحْ فليسَ منَّا» (2) ، وقال - عليه السلام - : «لا ضرورةَ في الإسلامِ» (3) والضرورة هو التارك للنكاح، قال النابغة شعرا:
لو أنها عرضت لأشمط راهب *** عبدا لا له ضرورة المتعبد
لدنا لبهجتها وحسن حديثها *** ولخاله رشدا وإن لم يرشد
__________
(1) حديث: */ وقد سبق مثله
(2) رواه الدارمي عن أبي نجيح بلفظ قريب، باب الحث على التزويج، ر2164، 2/177. والحارث في مسنده (زوائد الهيثمي) مثله، باب الترغيب في النكاح، ر482، 1/539.
(3) رواه ابن أبي شيبة عن مطعم بن جبير بلفظه، باب في الرجل يحج أو يعتمر يجزيه التقصير، ر13602، 3/218. وذكره المزي: تهذيب الكمال، عن ابن عباس بلفظه، 21/465. (8/163)
صفحة 666
يقال أيضا لتارك الحج ضرورة، ومنه قول الحسن: لا بأس أن يحج الضرورة عن الميت، وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأة فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم: «إن المرأةَ تقتل [تقبلُ] في صورةِ شيطانٍ، فمن وجدَ من ذلك فليأتِ أهلَه فإنه يُضمرُ ما في نفسِه» (1) .
فصل:
__________
(1) رواه مسلم عن جابر بمعناه، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، ر1403، 2/1021. وأبو داود عن جابر بمعناه، باب ما يؤمر به من غض البصر، ر2151، 2/246. (8/164)
صفحة 667
لما تزوج علي بن أبي طالب فاطمة ـ عليها السلام ـ ذهب إلى يهودي ليشتري ثيابا فقال له: بمن تزوجت؟ قال: بابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: أنبيكم هذا؟ قال: نعم، قال: لقد تزوجت امرأة، يريد بذلك تعظيم أمرها وشأنها كما يقال فلان رجل تعظيما له، وفي حديث سعد لما زوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - بابنة جابر بن وهب الثقفي أمره أن ينطلق إلى علي بن أبي طالب فيأخذ منه مائة درهم وإلى عبد الرحمن بن عوف فيأخذ منه مائتي درهم وإلى عثمان بن عفان فيأخذ منه مائة درهم لجهاز أهله ثم قال له: «يا سعد، إنها ليست فريضة موجبة ولا سنة ماضية فمن شاء فلينكح على الجزيل، ومن شاء فلينكح على اليسير» (1) ، روى جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا خطبَ أحدُكم المرأةَ إن استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعوهُ من نكاحِها فليفعلْ» (2) فخطبت جارية فكنت نخبا لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجها، وعنه - عليه السلام - أنه قال: «النساءُ لعبٌ فليُحسن أحدُكم لعبتَه» (3) ،
__________
(1) لم أجده.
(2) رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله بلفظ قريب، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها، ر2082، 2/228. وأحمد مثله، ر14626، 3/334.
(3) رواه الهيثمي في زوائده، عن أبي بكر بن محمد بن حزم بمعناه، باب في الزوجة الحسناء، ر491، 1/546. والديلمي عن عمرو بن العاص بلفظ: "النساء لعب فتخيروا"، ر6922، 4/314.. (8/165)
صفحة 668
وروي عن عائشة أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أوجه فنكاح منها نكاح الناس اليوم تخطب إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها ارسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه وإذا تبين حملها أصابها زوجها وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصبها فإذا حملت ووضعت ومرت ليالي بعد وضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم قد عرفتم الذي كان أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان فتسمي من أحبت منهم باسمه ويلحقونه ولدها، والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا وكن يضعن على أبوابهن رايات يكن علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة الذين يحكمون على الآباء بشبه الأبناء فيلحقنهم بهم ويصدقون على ذلك وبذلك يقول بعض الناس، ومنهم الشافعي ثم يلحقون ولدها بالذي يرون ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدم نكاح أهل الجاهلية إلا نكاح أهل الإسلام اليوم.
فصل:
قال حذيفة لزوجته: إن أردت أن تكونين زوجتي في الجنة إن اجتمعنا فيها فلا تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجن بعده، وقالت أم حبيبة: يا رسول الله المرأة منا يكون لها الزوجان فتدخل في الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون؟ قال: تخير أحسنهما خلقا كان معها في الدنيا، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة.
فصل: (8/166)
صفحة 669
يقال: خليلة الرجل وامرأته وطلته وعرسه وقعيدته وربضه وطغينته وزوجته، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجته وبعض أجاز ذلك، ويقال عشيرته جنة وكميعه إزاره، قال الشاعر في الطلة:
وإني لمحتاج إلى موت طلتي *** ولكن علق السوء باق معمر
والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا، وقال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** ثنيت عليه وكانت لباسا
وقال الشاعر:
فبكى بناتي وزوجتي *** والأقربون إليّ ثم تصدعوا
وقال الشاعر:
ألا أبلغ أبا حفص رسولا *** فدى لك من أختي ثقة إزاري.
قال أهل اللغة: فمعناه فدى لك من أمر أبي ، وقال لشاعرة في الكميع:
رضيت بها فارضي قلوصك واسلمي *** فلو لم تخوني لم تجدي الحنايلا
والجذ القطع، قال الله تعالى: {عطاء غير مجذوذ} (1) أي غير مقطوع، والجد بالدال أيضا غير معجمة القطع، ووجدت في بعض الكتب عن رجل من أهل الزبور أن السابخة الزوجة، يقال في الجماع: الجماع والمباضعة والباءة والمباشرة والغثيان، واللمس كناية عن الجماع، قال الله تعالى: {أو لامستم النساء} (2) والسر أيضا النكاح، وأنشدوا:
وحارة جنب البيت لا تقشن سرها *** فإنك لا تخفي من الله خافيا
وقال جرير:
وقالت لا تضم كضم زيد *** وما ضمي وليس معي شبابي.
والبعال والمباعلة: النكاح وملاعبة الرجل أعله، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام التشريق: «إنها أيَّام أَكلٍ وَشُربٍ وَبِعَالٍ (3) » (4) ، وقال الحطيئة :
وكم من حصان ذات بعل تركتها *** إذا الليل ادجى لم تجد من تباعله
فصل:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) البِعالُ: من بَعَلَ بعَالة، أي: صارَ زوجا؛ فالمقصود بها: أَنَّهَا أَيَّام فَرح وزوَاج ووقاع النساء.
(4) رواه مسلم عن نبيشة الهذلي وابن كعب بن مالك عن أبيه بلفظ قريب دون «بعال»، باب تحريم صوم أيام التشريق، ر1141-1142، 2/800. وأبو داود مثله وذكر «ذكر الله» بدل «بعال»، باب في حبس لحوم الأضاحي، ر2812، 3/100. (8/167)
صفحة 670
والنكاح البضع والنكاح التزويج، مأخوذ اسمه من الجماع والله أعلم، وكان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطبا فيقول في ناديهم فيقول خطب أي جئت خاطبا فيقولون له نكح أي قد أنكحناك، وكانت امرأة في الجاهلية تسمى أم جارحة بنت مقلد كان الخاطب يأتيها فيقول لها خطب فتقول له: نكح فذهبت مثلا: أسرع من نكاح أم جارحة، والخطبة مصدر الخاطب والخطبة مصدر الخاطب خطب المرأة خطبة.
فصل:
في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: قال لي جبريل - صلى الله عليه وسلم - «ما بينك وبين آدم - صلى الله عليه وسلم - نكاح لا سفاح فيه» (1) وأما الحديث الذي يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أولُه سفاحٌ وآخرُه نكاحٌ» (2) وذلك إن سافح الرجل امرأة فيكون بينهما اجتماع على ريبة ثم تزوجها فهذا لم يصح ولا يصح لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نكاحَ بعد سفاحٍ» (3) وقد كره بعض العلماء ذلك، وهو قول أصحابنا ومنهم الإجماع عليه.
الباب الثالث عشر: ما يحرم من النكاح
__________
(1) لم أجده بهذا اللفظ. انظر حديث: "خرجت من نكاح..."، وحديث: "ما ولدني والد...".
(2) رواه عبد الرزاق عن ابن عباس موقوفا بلفظه، باب الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها، ر12787، 7/202. والبيهقي مثله، ر13656، 7/155.
(3) لم أجده. (8/168)
صفحة 671
عن علي قال: إذا خاف الرجل أن لا يعدل حرم عليه أن يتزوج إلا واحدة، قال الله تبارك وتعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة...} (1) يعني إن خفتم أن لا تحسنوا فواحدة فاتخذوا من الولائد ذلك أدنى ألا تميلوا، فحرم عند ذلك على الرجل أن يتزوج أكثر من أربع المسلمات أو من أهل الكتاب إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل أنزل عليه {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} (2) فأمره الله بهذا وله تسع من الأزواج، وقال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت...} (3) فالهبة جازت للنبي - صلى الله عليه وسلم - عليه خاصة، يرجع إليه مركبات القياس إن شاء الله، وكذلك أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - هن حراما على غيره وقد قيل: إنه ذكر من ذكر منهم إحداهن فاشتد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل: {وما كان لكم أن تؤذوا...} (4) ، عن ابن عباس قال: لما احتجبن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: طلحة بن عبد الله أينهانا محمد أن ندخل على بنات عمنا أما والله؛ لأَنَّ مات محمد وأنا حي لأتزوجن عائشة بنت أبي بكر فأنزل الله: {وما كان لكم أن تؤذوا...} (5) وعن عائشة قالت: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له النساء اللاتي حرمن عليه، وسمين أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين للتحريم الواقع فيهن فصرت مثل الأمهات في ذلك، وقد قيل: إن ذلك في معنى دون معنى وذلك أنه لا يحل نكاحهن بحال ولم يحرم بناته ولو كن منهن؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج بناته وهن أخوات المؤمنين.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة (8/169)
صفحة 672
قال الله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} (1) وقال جل ذكره: {ولا تنكحوا المشركات...} (2) وقال جل ثناؤه: {والمحصنات من المؤمنات...} (3) وقوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} (4) ، وأباح نكاح المحصنات من المؤمنات ودخل فيهن الإمام منهن وأباح نكاح المحصنات من أهل الكتاب قال أصحابنا: لم يدخل معهن الإماء منهن في الإباحة، قال أبو حنيفة: لما كان نكاح المحصنات من المؤمنات الحرائر مباحا بنص الكتاب ودخل فيهن الإماء من المؤمنات وجب أن يكون الإماء من أهل الكتاب يدخلن مع المحصنات من أهل الكتاب قياسا، واحتج بقول الله تعالى: {والمحصنات من المؤمنات} (5) قال: فقلتم دخل فيهن الإمام قال: فلم لم تقولوا يدخل الإماء من الكتابيات منهن كما قلتم بإجازة الإماء من المؤمنات قياسا على الحرائر منهن والمحصنات المؤمنة يحتمل بظاهر الآية كل مؤمنة عفيفة؛ لأَنَّ العفة إحصان وإن كان يحتمل الحرية يقال له إن الله تبارك وتعالى حرم نكاح المشركات لقوله: {ولا تنكحوا المشركات} (6) فدخل في هذا النهي كل مشركة كتابية أو غير كتابية أمة كانت أو حرة ثم استثنى من جملة ما حرم المحصنات من أهل الكتاب وهن الحرائر وبقي الباقي على التحريم، وأما إجازة نكاح الإماء المؤمنات فدليل آية أخرى قول الله تبارك وتعالى: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} (7) ، وإن قال قائل: فما أنكرتم من جواز نكاح المشركين وإن كان الذكر لإماء المؤمنين فما قلتم في قول الله عز وجل: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (8)
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة النور: 32.. (8/170)
صفحة 673
فقلتم يجوز نكاح الصالحين من عبادنا وإيمائنا وغير الصالحين من عبادنا وإيمائنا وغير الصالحين منهم وكان يجب أن لا تجيزوا نكاح الفاسقين من عبادكم وإيمائكم؛ لأَنَّ الذكر في الصالحين دون غيرهم، يقال له: إن الحجة لنا في هذه الآية أن الإجماع من الأمة والحجة فيما مضى ما تلوناه من كتاب الله تعالى ووافقنا على هذا القول الشافعي وغيره، يقال له: إن الحجة لنا في هذه الآية أن الإجماع من الأمة والحجة فيما مضى ما تلوناه من كتاب الله تعالى ووافقنا على هذا القول الشافعي وغيره، ومن أعتق أم ولده ولم يعلمها وتزوجها ولم يعلمها شيئا من ذلك حتى جاز بها فهو نكاح حرام لا يحل فرج امرأة حتى تؤامر في نفسها فإن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل، ومن تزوج امرأة حاملا فالنكاح فاسد؛ لأَنَّ نكاح الحوامل لا يجوز إلا حامل قد انقضت عدتها وهي التي ولي منها وهي حامل فمضى أربعة أشهر وعشرا ولم يكفر فإنها تزوج وهي حامل ولا توطأ حتى تضع، أنكر مخالفونا على أئمتنا إذ قالوا لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة زنى بها أو نظر إلى فرجها مستمتعا بذلك منها، وقال أبو حنيفة: إذا نظر إلى فرجها لشهوة جاز له أن يتزوج بها ولا يحل له تزويج ابنتها، قال: ولو قبلت امرأة ربيبها حرمت عليه ووقعت الفرقة بينهما وبين زوجها لقبلتها لابنه، قال الشافعي: وإذا قبل الرجل جاريته حرم على ابنه نكاحها إذا انتقل ملكها إليه، وزعم أن له تزويج امرأة زنى بها وتزويج ابنتها منه من زنى فاحتج الشافعي بعض أصحابه بأنه قال: قبلة الرجل جاريته استمتاع واطلاع على حرمة وكذلك قال أصحابنا أن النظر لشهوة استمتاع حرمه فالعيب على من عاب أصحابنا علينا كانت متعة وكان العقد فاسدا فإن دخل بها مع الجهل بحظر ذلك عليه كان له مهرها وإن دخل بها مع العلم بحظر ذلك كان زانيا ولا مهر والمرأة بمثابة الرجل في ذلك فالعيب على من عاب أصحابنا ألزم وعليهم راجع.
مسألة: (8/171)
صفحة 674
والنساء محرمات الفروج إلا بما أحلهن الله من نكاح أو ملك يمين، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح الشغار فإذا نهى - عليه السلام - عن النكاح في حال فعقد على نهيه كان سفاحا، ولا يحل العقد المنهي عنه امرأة محرمة ولهذا قلنا إن نكاح المحرم وما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - من نكاح لم يعلن به بضرب دف أو ما يقوم به مقام الإعلان غير جائز والله أعلم، وقال هاشم: نهى عن المتعة وقد نهى عنها عمر ومن فعل ذلك لم يقل حرام ولكن يؤد أو ينهى، وكان ابن محبوب لا يرى بالمتعة بأسا وتأول الآية: {فما استمتعتم به منهن...} (1) .
مسألة:
__________
(1) سورة (8/172)
صفحة 675
قال بعض المسلمين نكاح المتعة حرام وأنه نسخ بآية الميراث والطلاق والعدة فإذا خرج من هذه الأحكام فليست بزوجه وفي بعض الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بدء الإسلام قد اعتمر عمرة فتعرض نساء المشركين لهم قبل تحريم نكاح المشركات فروي أنه قال لأصحابه من أراد منكم أن يستمتع من هذه النساء فليفعل فلما خرج من مكة بعد ثلاثة أيام حرمها ونهي عنها أشد النهي، ووجدنا رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تؤيد ما قلنا في المتعة أنه قام خطيبا ثم قال: «يا أيها الناسُ إني كنتُ أذنتُ لكم في الاستمتاعِ من هذه النساءِ ألا وإن الله قد حرَّمَ ذلك إلى يوم القيامةِ فمن كان عندهُ منهن شيءٌ فليخلِ سبيلَها ولا تأخذُوا مما آتيتموهن شيئاً» (1) ، ونهى - صلى الله عليه وسلم - عروة بن جبير عن متعة النساء، وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : « فُرِّقَ بَينَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِضَربِ الدُّفِّ» والله أعلم، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أشيدُوا بالنكاحِ» (2) يعني إظهاره، قال ابن ديد: إشادة ما أبقى المكعير وابنه ومسكان في تلك النساء الفوارك.
مسألة:
قول الله تعالى: {فما استمتعتم به منهن...} (3) وفي قراءة عبد الله بن مسعود: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني من بعد الأجل الأول والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) رواه مسلم عن الربيع بن سبرة عن أبيه بلفظ قريب، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ، ر1406، 2/1025. وابن ماجه مثله، باب النهي عن نكاح المتعة، ر1962، 1/631.
(2) رواه الطبراني: المعجم الكبير، عن السائب بن يزيد بلفظه، ر6666، 7/152. والهيثمي مثله، باب إعلان النكاح...، 4/290. وقال: وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو ضعيف.
(3) سورة (8/173)
صفحة 676
قيل إن هذه كانت متعة في صدر الإسلام للمسلمين ثلاثة أيام حيث اعتمروا عمرة الأداء فلما قضى عمرته حرمها فنهى عنها أشد النهي فكان الرجل ينطلق إلى المرأة من أهل مكة فيستمتع منها بشيء يتفقان عليه بأمر الولي فإذا تم الأجل ورغبا في الزيادة زادها ولم يحضر الولي وإنما يكون في العقد الأول فإذا مات أحدهما لم يرث الحي منهما ولم يكن عليها منه عدة نسختها آية العدة والمواريث، ومن قال بأن السنة تنسخ الكتاب احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا نكاح عليه، «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» والمتعة هي أن تقول: أمتعني نفسك بكذا وكذا ويتزوج بها إلى أجل فإذا عقد نكاح المتعة عليها إلى أجل كانت متعة وكان العقد فاسدا فإن دخل بها مع الجهل يحظر ذلك عليه كان لها مهرها وإن دخل بها مع العلم يحظر ذلك كان زانيا ولا مهر والمرأة بمثابة الرجل في ذلك، ونكاح المتعة حرام لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية، فإن قال قائل: فقد روي سيرة الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرمها عام الفتح وروي على أن المنع وقع يوم خيبر ففي هذا اضطراب، قيل له: خبر سيرة فيه نظر؛ لأَنَّ سيرة لم يؤثر عنه غير ابنه وليس اختلاف الزمان يوجب اضطرابا؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الشيء في وقت ثم يحدد ذكر التحريم في وقت بسؤال يقع أو بشيء يوجب ذلك وليس في مثل هذا ما يدل على وهن الأخبار والمنع قد حصل لجميع الخبرين، وعن عمر أنه قال: أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجل المتعة ثلاثا ثم حرمها علينا.
مسألة: (8/174)
صفحة 677
وحرام تزويج الأمهات والبناء والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأم الزوجة والريبة التي دخل بأمها فإن لم يدخل بأمها فلا بأس وحرام حلائل الأبناء على الآباء والآباء على الأبناء وحرام الجمع بين الأختين إلا ما قد سلف قبل التحريم، قال الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح...} (1) يعني قبل التحريم، ويقال سلف مضى في الجاهلية فهذا كله في كتاب الله عز وجل حرام، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يُحْرَمُ مِنَ الرضَاعِ مَا يُحرَمُ مِنَ النَّسَبِ» وحرم تزويج المرأة على عمتها وخالتها، وحرم تزويج الأمهات وما ولدن وبنات البنات وإن تنفلن وأمهات الأمهات وإن علون والأخوات وبناتهن وإن تنفلن والعمات والخالات وبنات الإخوة وما ولدن وبنو الإخوة وما ولدوا والربيبة التي جاز بأمها وما لم يجز بأمها فحلال وبنات ربائبكم إذا دخلتم بأمهاتهن، وحرم تزويج النساء كرها، وحرام التزويج فوق الأربع، وحرام نكاح المشركين وإمائهم، وحرم التزويج في العدة وحرم الله تعالى نكاح الزاني بقوله: {الزاني لا ينكح...} (2) لا يتزوج الزاني المحدود إلا بزانية محدودة أو مشركة من نساء أهل الكتاب ولا تحل له مشركة من غير نساء أهل الكتاب بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (3) ولا تتزوج المرأة بزان ولا مشرك إذا لم تكن زانية وحرم ذلك على المؤمنين فهذا حرام على الأبد إلا أن تسلم المشركة، وحرام تزويج المماليك بغير إذن مواليهم؛ لأَنَّهم مال، قال الله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن} (4) ولا يجوز بغير إذن أهلهن أبدا وهو مكروه ومختلف فيه.
مسألة:
ويكره أن يتزوج الرجل أو يطأ ما وطئ زوج أمه ولم يحرموا ذلك، ويكره الجمع بين المرأة وامرأة أبيها ولم يروا على من فعل حراما، وتزويج تركة الجد حرام، وقيل: مكروه ورأيته حراما؛ لأَنَّه أب.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة (8/175)
صفحة 678
ومن تزوج امرأة ولم يدخل بها فلا يتزوج أمها لقول الله تعالى: {وأمهات نسائكم} (1) فقد وقع عليها اسم الزوجة جاز أو لم يجز، فإن تزوج الأم ولم يدخل بها فله أن يتزوج بابنتها لقول الله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} (2) الآية، وعن أبي علي فيمن ملك امرأة فماتت ولم يدخل بها فورثها فله أن يتزوج بابنتها، وقال بعض مخالفينا: إنها لا تحل دخل بالأم أو لم يدخل، ومن قول ابن عباس وقال بعضهم: ويكره أن يتزوج الرجل بشريكة أي زوجته وإذا أسلم مشرك تحته امرأة وابنتها وست نسوة وأسلمن أيضا فما أحب أن يمس واحدة منهن أبدا.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/176)
صفحة 679
ومن تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول فليستغفر ربه مما أراد ونوى وإن كان وطئ فلا يقيم معها وإن لم يطأ فليجدد العقدة لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة المطلقة أن تزوج بزوج لتحل لزوجها الأول، ونهى المستحل لها أن يحلها لزوجها الأول أن يراجعها إذا علم بذلك، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله لعن المستحل والمستحلة» (1) ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن [لا] الله يحب الذواقين» (2) وأجاز قومنا ذلك ولم يقل بقولنا منهم غير سعيد بن المسيب فيما علمت، وقال ابن مسعود: المحلل والمحلل له ملعونان على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة، وعن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محللة إلا رجمتهما، وقال: قال موسى وهي في قراءة عبد الله بن مسعود وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم بنكاح بناتهن، ولا يحل لرجل طلق امرأة أن يتزوجها إذا كان الذي تزوجها قبله إنما تزوجها ليحلها له ولو كان هو لا يعلم بذلك، وأما إذا تزوجها رجل ليحلها للأول ولم يعلم بذلك الرجل ولا المرأة فقيل: لا بأس أن يتزوجها الأول وإن قال هذا الآخر: إنه إنما تزوجها ليحلها للأول فإن شاء أن لا يصدقه في ذلك.
مسألة:
__________
(1) لم أجده.
(2) رواه البزار عن أبي موسى الأشعري بلفظ: "لا تطلق النساء إلا من ريبة إن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات"، ر3064، 8/70. والطبراني: المعجم الأوسط، عن أبي موسى بلفظ قريب من لفظ البزار، ر7848، 8/24. (8/177)
صفحة 680
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعنَ اللهُ المحللَ والمحللَ له» (1) فلا يجوز أن يتزوج الرجل مطلقة رجل ليحلها لمطلقها الأول فإن كان الآخر قد دخل بها فعليه مهرها ولا تحل على هذه الصفة للزوج الأول وهو تزويج فاسد، وعنه - عليه السلام - أنه قال: «ملعون من أحل وملعون من أحل له» (2) يعني في الذي يتزوج المرأة يريد يحلها لمطلقها فهما ملعونان.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن علي بلفظه، باب في التحليل، ر2076، 2/227. والترمذي عن علي بلفظ " لعن الله الحل" وبلفظ "المحل"، باب ما جاء في المحل والمحلل له، ر1119، 1120، 3/427، 428.
(2) حديث: */ انظر : لعن الله المحلل.. (8/178)
صفحة 681
ومن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها رجل في عدتها أو تزوجت بغير ولي أو تزوجت بذي محرم أو بعبد ثم طلقها فليس لزوجها الأول مراجعتها حتى تزوج زوجا يحل لها نكاحه ويدخل بها، وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ملعون من أحل ومن أحل له» في الذي يتزوج المرأة يريد بحلها لمطلقها فهما ملعونان، عن أبي علي أنه لا يجوز له حتى يتزوجها حر ويدخل بها وأجاز ذلك غيره ومنهم محمد بن محبوب رفع ذلك عنه مروان بن زياد قال أبو المؤثر: جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله المحلل والمستحلة والذي أحل له»، وذلك الرجل يطلق المرأة ثلاثا ثم يرجع فيندم ويرغب في مراجعتها فيقول لها تزوجي زوجا يحللك لي فيتزوج بها رجل ليحلها له فيجتمعون على هذا وكلهم شركاء في اللعنة ويفرق بينها وبين من أحلها وبينها وبين من استحلت له ويسلمان إليها كل واحد صداقا إن كان دخل بها، قال: وأيما رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فلا تحل لزوجها الأول الذي طلقها ثلاثا، وذكر لنا أن ابنة وهب بن عبيد من بني قريظة كانت تحب رِفاعة (1)
__________
(1) رِفَاعَةَ بن سِمْوَال الْقُرَظِيِّ: هو خال أمّ المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب زوج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . وهو الذي طلَّق امرأته ثلاثاً على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ تزوَّجها عبد الرحمن بن الزَّبِير وطلَّقها قبل أن يدخل بها، فأرادت الرجوع إلى رفاعة فمنعها - صلى الله عليه وسلم - ، وقال: «فلا ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته» ، واسم هَذِهِ المرأة: تميمة بنت وهب. وقيل: نزل فِيه وفي عشرة من أصحابه قوله تعالى : {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون}. انظر: أسد الغابة، 1/367.. (8/179)
صفحة 682
بن السمولي القرطي وطلقها ثلاثا فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير البصري فلم يدخل بها حتى طلقها فأرادت أن ترجع إلى رفاعة فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقها ثلاثا وأن عبد الرحمن بن الزبير تزوجها من بعده ثم طلقها ولم يكن دخل بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يحل لك أن ترجعي إلى رفاعة إِن لَم يَكُن عَبد الرحمنِ جَامَعَكِ» (1) فرجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: بلى يا رسول الله قد كان دخل بها عبد الرحمن فزجرها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجعة ولم يصدقها بعد أن أخبرته بالخبر الأول، فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءت إلى أبي بكر في خلافته وادعت أن عبد الرحمن دخل بها فزجرها أبو بكر ولم يقربها إلى الرجعة إلى رفاعة، فلما كان في خلافة عمر جاءت إليه فاستأذنته بالرجوع إلى رفاعة فزجرها عمر ولم يقربها إلى الرجعة إليه.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن عائشة بمعناه، فِي الشهادات، ر2639، 5260-5261... ومسلم مثله، فِي النكاح ، ر3599-3601... (8/180)
صفحة 683
وإذا بانت المرأة من زوجها ثلاث تطليقات لم تحل له إلا بعد زواج يعقد عليها عقدا صحيحا ويطأها ثم يفارقها بموت أو طلاق فإن وطئها في حال حيضها أو تزوجها في عدة فإنها لا تحل لمطلقها بهذا، وقد قال الله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « حَتَّى تَذُوقَ من عُسَيلَتَهَا وتذوق من عسيلتَه» (2)
__________
(1) سورة
(2) رواه البخاري عن عائشة بلفظ قريب، باب شهادة المختبي، ر2496، 2/933. ومسلم مثله، باب لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها، ر1433، 2/1055.. (8/181)
صفحة 684
وذواق العسيلة يكون بالتقاء الختانين، وإن لم ينزل الماء فالتقاء الختانين مستحق اسم ذايق، وإنما سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عسيلة صغيرة لها، والعسل يذكر ويؤنث وإنما أجرى على الجماع اسم العسل للحلاوة التي يجدها المجامع في الجماع فسماه عسلا لحلاوة العسل من طريق التوسعة ومجاز اللغة وإن يكن عسلا في الحقيقة، فجعل - صلى الله عليه وسلم - شرط الإباحة دوق العسيلة فمن وطئ وطئا محرما لم يكن ذائقا عسيلة والعسيلة في هذا الموضع طريقها طريق ما تستلذ به؛ لأَنَّها عسيلة شرعية ألا ترى إلى قول الله تعالى: {ويحل لهم الطيبات} (1) ليس المراد بالطيبات ما يستطاب وإنما هو ما يكون مباحا وإن لم تكن فيه لذة والطيبات الشرعية ما كانت مباحة ألا ترى أنه طلقها ثم وطئها بعد أن كان نكحها نكاحا صحيحا أن ذلك لا يسمى عسيلتها ولا يوجد الشرط بهذا الوطئ فهذا يدل على أن العسيلة ما كان مباحا، وإذا وطئها في الحيض أو في الدبر أو في الصوم أو في النفاس أو في العدة لم يكن ذائقا، والعسيلة مأخوذة من الشيء المختار، عن ثعلث: أن العسيلة من كل شيء صفوة وأغلاه وكل نفيسة، وملكت من كل الأمور عسيلته، يريد صفوة ويقيسها فإن قال قائلك قد قال الله جل ذكره: {فإن طلقها فلا جناح عليهما إن يتراجعا} (2) ، قال أبو محمد: هذا قول وعندي أنه لا يجوز ما لم يدخل بها الزوج الثاني، وسئل أبو الحسن عمن طلق امرأته ثلاثا وتزوجت غيره فأولج النطفة في الفرج ولم يطأ فحملت هل يحل للأول فقال: أرجو أنه جائز وقد وجدت هذه المسألة في رقعة ذلك في الأثر أنها إذا حملت حلت فأما كتاب الله عز وجل حتى تضع وتنكح زوجا غيره فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «حتى تذوق من عسيلته» يعني الذوق، وقد قلتم إن طلقها في الحيض جاز له أن يتزوج بها فقد جعلتم شرط الإباحة ما وقع من طريق الحظر ولو لم يجعلوا شرط الإباحة بالوطئ حصوله وإن كان محظورا، قيل له:
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/182)
صفحة 685
لم تتعلق بذكر الشرط وإنما تعلقنا بذكر العسيلة فالعسيلة مطلوبة والطلاق لم يرد فيه لا يجوز إلا على وجه المذوق فيه والأمة في الطلاق مجتمعة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من طلَّقَ واحدةً للبدعةِ أو اثنتين للبدعةِ أو ثلاثاً للبدعةِ ألزمناهُ بدعتَه» (1) ، وأيضا إن الطلاق ليس من شرط الإباحة والعسيلة من شرط الإباحة الدليل على ذلك أن لو مات عنها ولم يطلقها جاز للزوج الأول أن يتزوجها فلو كان شرطا لما ناب الموت منابه والبغية في الطلاق وقوع الفرقة ولا ينوب مناب الوطئ والطلاق ينوب منابة الموت وقوع الفرقة بالطلاق مجتمع عليه والوطئ متنازع فيه وإذا كان هذا هكذا يجز أن يرجع الوطئ المحرم لما ذكرناه والله أعلم وبالله التوفيق.
مسألة:
ولا يجوز تزويج المطلقة ثلاثا أن يرجع إليها بعد أن تزوج بغيره ويفارقها الأخير حتى يقر عند الأول أن الثاني وطئها ثم تحل له عند ذلك فإذا تزوجها الأول كانت عنده على ثلاث تطليقات ولا تنازع بين أهل العلم في ذلك فإن تزوجها عبد بإذن سيده ثم طلقها قال ابن محبوب: قال أبو علي: ليس للأول أن يرجع إليها حتى تزوج بحر، وقال غيره: للأول أن يرجع إليها، قيل لابن محبوب: فما قولك؟ قال: بقول الآخر، قال أبو عبد الله: وإذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها ثم راجعها وطلقها قبل أن يدخل بها حتى طلقها ثلاث تطليقات بانت بهن فيه ثم تزوجت بآخر ولم يدخل بها الثاني فجائز للأول أن يراجعها، قال أبو محمد: هذا قول وعندي أنه لا يجوز ما لم يدخل بها الزوج الثاني.
مسألة:
__________
(1) رواه الدارقطني عن معاذ بن جبل بمعناه، كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره، ر54، 4/20. والبيهقي عن معاذ بمعناه، باب الطلاق يقع على الحائض وإن كان بدعيا، ر14709، 7/327. (8/183)
صفحة 686
قال أبو مالك: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يحل وطء امرأة إلا من وجهين ملك يمين أو تزويج» (1) ، ومن تزوج بامرأة فمكروه لابنه أن يتزوج بابنتها، وقال أبو عبد الله: الفضل لا يتزوج الرجل بامرأة تزوج بها جده أبو أمه؛ لأَنَّه من آبائه، وكرهوا أن يجمع الرجل بن المرأة وبين من وطئ أبوها أبو امرأته والله أعلم، وإذا تزوجت امرأة بعبدها لم تحل لمسلم ويكره أن ينكح الرجل عمة والده أو خالته من النسب، وما حرم من النسب حرم من الرضاع مثل ذلك، والجد لا يتزوج امرأة ابن ابنه إلى عشرة آباء ولا يتزوج ابن الابن امرأة جده أبدا، وكره محمد بن محبوب للرجل أن يتزوج امرأة ربيبه وقد دخل بها الربيب فأما ضرة أمه فقد تزوج القسم بين شعيب ضرة أمه، وإذا مات الرجل ولم يدخل بامرأته لم تحل لأبيه ولا لابنه، ومن طلق امرأته فتزوجها رجل ليحلها للأول ولم يعلم بذلك فإن شاء فلا يصدقه في ذلك، وقال بشير: من أراد تزويج امرأة فأقرت أنها زنت لم يجز له تزويجها إلا أن تقر أنها كذبت، فإن قال الرجل: إنه زنى فلا يجوز للمرأة أن تجامعه وتمنعه نفسها حتى يكذب نفسه ويقول: إنه كذب فيما قال، ومن تزوج جارية صغيرة ثم فارقها قبل إدراكها فلا يتزوج أمها.
مسألة:
قال أبو إبراهيم: من تزوج امرأة سرا وأشهد الله وملائكته بلا ولي ولا شاهدين فاشترطت عليه الصداق فهذا لا يجوز لهما ولا صداق لها إذا جاز بها على هذا وهو حرام، وفي موضع آخر عنه أن لها الصداق وهو ما كان بينهما وأما النكاح ففاسد، قال الشيخ أبو محمد: هذا ليس بزوج وهو زنى وعليه الصداق؛ لأَنَّه أوهمها أنه زوج، قال: ولا حد عليه؛ لأَنَّ هذا شبهة وانظر في الحد.
مسألة:
__________
(1) لم أجده بهذا اللفظ. ذكر القرطبي حديثا آخر بلفظ: "لم تكن عند رسول الله (ص) امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين"، تفسير القرطبي، 14/208. (8/184)
صفحة 687
وإذا كان لامرأة زوج وتزوجت بآخر وقالت: ظننت أنه يجوز للمرأة زوجان كما يجوز للرجل امرأتان فهذا مالا يسع جهله وهو حرام، ولا يجوز للرجل أن يتزوج بخامسة ولا بأخت المطلقة الرابعة؛ لأَنَّه لا يجوز أن يجمع ماء في خمس ولا في أختين، وإذا تزوجت المرأة بثلاثة أزواج في حال واحد انفسخ التزويج وإن تزوجت بواحد بعد واحد فالأول إذا رضيت به أولى أو من رضيت به منهم أول ما وصل إليها الخبر ولا خيار لها بعد ذلك ولو كانت مع زوج ثم تزوجت بآخر فهذا زنى ولا صداق لها على الأول ولا على الثاني وإن لم يطأ لم تحرم على الثاني، ولا يحل للرجل تزويج أم امرأته التي لم يدخل بها ولا عمتها ولا خالتها وهي عنده، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لا تُجمعُ الْمَرأةُ على عمَّتِها وخالتِها» (1) ، ومكروه أن يتزوج الرجل امرأة كانت عند عمه زوج أمه.
مسألة:
الربيبة لا يجوز تزويجها إذا دخل بأمها وكذلك لا يجوز ابنة الربيبة؛ لأَنَّها بنت وما تناسل منها أيضا فهو مثلها، ولا يجوز تزويج ابنة ربيبة؛ لأَنَّه لا يجوز تزويج ابنة ربيبة وكذلك ابنة ربيبة.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة بمعناه، باب لا تنكح المرأة على عمتها، ر4820، 5/1965. ومسلم مثله، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، ر1408، 2/1029. (8/185)
صفحة 688
وفي كتاب أبي قحطان قال: يكره أن يجمع الرجل بين المرأة وربيبتها وقد فعل ذلك من فعل في عصر الفقهاء ولم ينكروه، ويكره تزويج تركة الجد أبي الأم والجد أبي الأب، ومن تزوج ذات محرم منه وقال حسبته جائزا لي فلا يمنع جهل ذلك وعليه الحد، وقال بعض أصحابنا: يقبل ويلزمها هي بمطاوعته له ما يلزمه في ذلك، ومن علم من امرأة زنى فلا يتزوجها ولو رجعت إلى الولاية، ومن يتزوج بامرأة ومات ولم يدخل بها فلا يجوز لابنه أن يتزوج بها، قيل: فلم يطأ الأب، قال: العقدة والنكاح، وكذلك لو تزوج رجل بجارية صغيرة ولم يدخل بها ثم طلقها لم يجز لولده تزويجه؛ لأَنَّها عمته وقد نكحها أبوه قال الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} (1) وهي زوجه.
مسألة:
ومن كان له أخت فدخلت في بيت أو في قرية لم يكن له أن يتزوج من تلك القرية أو البيت امرأة إلا تبيان أخته من سواها من نساء ذلك البيت أو القرية فإن فعل فوافق أخته كان هالكا وإن وافق سواها كان آثما، وفي هذه المسألة اختلاف بين أصحابنا فأباح له بعضهم التزويج حتى يعلم أخته بعينها، وليس هذا القول موافق لأصولهم والقول الأول أشبه بأصولهم وانظر في باب القياس وأقوم في الحجة، قال: ويقع له معرفة أخته من جملة نساء تلك القرية أو البيت من وجوه أحدها أن تكون أخته امرأة كبيرة فيتزوج امرأة صغيرة صبية أو تكون أخته صبية فيتزوج امرأة كبيرة السن أو يكون اسم أخته زينب فيتزوج امرأة اسمها عمرة فهذه دلائل تدله على معرفة أخته من سواها فإن اشتبه عليه معرفتها من سواها لم يكن له أن يتعدى إلى غير ما أبيح له إلا بيقين والله أعلم بصواب ذلك وعدله.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/186)
صفحة 689
أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «لا شغار في الإسلام» (1) ونكاح الشغار الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أن الرجل كان في الجاهلية يزوج امرأة هو وليها من رجل على غير صداق على أن يزوجه الآخر امرأة هو وليها بغير صداق يجعلون صداق هذه صداق الأخرى، يقول أحدهما لصاحبه: أشغرني أختك على أن أشغرك ابنتي فهو مبادلة امرأة بامرأة على غير صداق وأصل الشغر من شغر الكلب وهو أن يرفع رجله ليبول فيقول فكيني بذلك عن هذا الاسم وجعله علما له.
مسألة:
وأظن أن أبا حنيفة يجوز نكاح الشغار مع علمه بالنهي وأوجب الصداق وتأوله ولا أعلم أن أحدا وافقه من منتحلي العلم على ذلك.
مسألة:
ولا يجوز للحر والعبد تزويج الإماء من أهل الكتاب ويكره أن يتزوج الرجل امرأة أمها زوجة ابنه.
مسألة:
ومن كان تحته امرأة فطلقها ثلاثا فلا ينكح أختها حتى تنقضي عدة أختها التي طلق؛ لأَنَّه لا تعتد أختان من رجل واحد، وقال قوم: فكما كانت ممنوعة من الأزواج فكذلك هو ممنوع، وكذلك لو كان معه أربع فطلق واحدة لم يتزوج خامسة حتى تنقضي عدة الرابعة التي طلقها؛ لأَنَّه لا تعتد خمس نساء من رجل، ومن طلق امرأة فتزوجت آخر فمات عنها ثم قامت البينة أنه أخوها من الرضاعة فإنها لا تحل للأول حتى تنكح زوجا غيره حلال؛ لأَنَّ نكاحها ليس بنكاح حلال، ولو كان حلال ورثته وواجب أخذ صداقها إن كان أخوها ذلك دخل بها حيا كان أو ميتا:
ألا ليت شعري هل ليلة أبيتن *** بحرة ليلى حيث ربيني أهلي
وأجمعت الأمة أن الرجل إذا عقد على امرأة عقدا فاسدا ودخل بها وهو جاهل بفساده إنها تحرم على ابنه وأبيه.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن أبي سعيد بمعناه، كتاب النكاح، بَاب (24) فِي الأَوْلِيَاء، ر514. ومسلم عن ابن عمر بلفظه، فِي النكاح، ر3530. (8/187)
صفحة 690
وتزويج السر مكروه وفيه اختلاف بعض أجاز إذا كان بينة وبعض كره وبعض حرم فانظر فيه وإن لم يكن ولي فلا يثبت وإن كان دخل بها ولم يكن التزويج ببينة ولا ولي فهو سفاح ولا صداق لها ولا نعم عين ولا يسع جهل هذا، وإذا حملت منه بولد لحقه إذا لم يكن لها زوج معروف غيره.
مسألة:
وكراهية تزويج السر وإن كان بولي وشاهدين وصداق من جهات بكره وصفها منها أن المسلم ليس له التغرير بنفسه ودخول مواضع يستراب منه الدخول إليها لا يدخل مثله فيها، ومنها إن حضره الموت لا يضل المرأة إلى ميراث في ماله ولا في أقر في مرضه نفعها إقراره ولا ترث شيئا، وإذا مات الشاهدان اجتمعت الأمة أن الرجل إذا عقد على امرأة عقدا فاسدا ودخل بها وهو جاهل بفساده أنها تحرم على ابنه وابنة الربيبة محرمة إذا كانت الأم مدخول بها والربيبة هي ابنة المرأة من غيره وإنما سميت ربيبة؛ لأَنَّها وأصلها مربوبة فصرف عن مفعوله إلى فعيله كما قيل قتيل والأصل مقتول يقول تربب فلان فلانا وربي فلان فلانا، قال الشاعر: ربيها أهلها وقفها حسن غذاء مخلقها عم، وإذا مات الشاهدان ثم أنكرها الحق أو الزوجة لم يثبت لها شيء بدعواها عليه ولها عليه يمين في ذلك إذا كان حيا وإن مات وادعت شيئا من الحقوق من قبل الزوجية لم يكن لها إلا ما صح فمن هاهنا كرهت ذلك التزويج، وإن طلبت يمين الورثة ما يعلمون أنها زوجة ولا أن عليه لها حقا مما تدعي في ماله عليهم من ميراثها منه فلها عليهم اليمين، ومما يدل على كراهية ذلك التزويج أنه لو مات الزوج وجاءت بولد منه لم يصل إلى شيء من مال ابنه من ميراثه بدعواها إلا بصحة، وكذلك لو كان حيا فأنكرها الزوجية لم تصل بنفقة عليه في الحكم، وكذلك لو أنكر الولد أنه ليس هو ولده لم يصل الولد إلى شيء فمن هذا كرهنا ذلك.
مسألة:
ولا يجوز للرجل أن يتزوج محدودة على الزنى إلا أن يكون أيضا محدودا وإن كانت محدودة على غير ذلك فلا أعلم به بأسا والله أعلم.
مسألة: (8/188)
صفحة 691
ومن زنى بامرأة لم يجز له تزويجها لابنه ولا لأبيه، وما ولدت فجائز لأبيه ولا يجوز له هو وهو قول ابن مسعود وعائشة والبر بن عازب، وعن البر بن عازب أنه قال: من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما لا يزالان زانيين وكذلك عند أصحابنا، ووجدت عن جابر بن زيد ـ رحمه الله ـ أنهما زانيان ما اجتمعا أو قال ما اصطحبا؛ لأَنَّ نكاحهما الأخير حرام، فهما على حكم الزنى في الأولى والآخرة، وعن جابر أيضا أنه لا يتزوجها أبدا وليجعل بينهما البحر الأخضر وهذا رأينا، وفي بعض الكتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما رجلٍ زنى بامرأةٍ ثم تزوجَها فهما زانيانِ إلى يومِ القيامةِ» (1) ، وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: «لا نكاح بعد سفاح» والله أعلم، فإن احتج محتج بقول ابن عباس أوله سفاح وآخره نكاح، قيل له: إنما قال ابن عباس: ذلك في مشرك زنى بمشركة ثم تزوجها في الإسلام فهذا جائز حلال كما قال ابن عباس؛ لأَنَّ ما كان فيه من الشرك بالله أعظم من الزنى، وقد روي أنه تزوجها وهي نصرانية فتجست وقد قال الله تعالى: {إنما أنزل الكتاب على طائفتين...} (2) فذكر أن الكتاب منزل على اليهود والنصارى ولم يذكر طائفة ثالثة، وأم الأم محرمة وإثم الأمومة واقع عليها، روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينكح [تُنكحُ] المرأةُ على عمتِها ولا على خالتِها ولا العمةُ على بنتِ أخيها ولا الخالةُ على بنتِ أختِها لا الصغرَى على الكبرَى ولا الكبرَى على الصغرَى» (3) ،
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفا بمعناه، باب الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، ر12798، 7/205. والطبراني: المعجم الكبير مثله، ر9670، 9/336.
(2) سورة
(3) رواه أبو داود عن أبي هريرة بمعناه، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، ر2065، 2/224. والترمذي مثله، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ر1126، 3/433.. (8/189)
صفحة 692
ولا يجوز تزويج المجوسية ولا السامرية ولا الصائبة؛ لأَنَّ الله تعالى حرم نكاح المشركات وأباح من جملتهن الكتابيات وهؤلاء لسن من الكتابيات ولا نعلم أن أحدا أجاز تزويج المجوسيات إلا ما ذكر عن حذيفة أن تزوج امرأة كانت مجوسية وقد قال بعض: إن الرواية عنه ضعيفة؛ لأَنَّه خبر مرسل، وقد روي أنه تزوجها وهي نصرانية، فذكروا أن الكتاب منزل على اليهود والنصارى ولم تذكر طائفة ثالثة.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ثم غاب عنها سنين فتزوجت بآخر فولدت منه ولدا فبلغ الأول الخبر فوصل وأقام البينة أنها امرأته فإنها قد خانت الأول وبطل عنه صداقها وحرمت تزويجها الأخير وغرته فلا حق لها عليه والأولاد لمن كانت على فراشه يشبه التزويج وهو الأخير، ومن كان له زوجة فلا يجمع إليها بنت أختها ولا بنت أخيها، فإن ماتت جاز له أخذ هاتين وكذلك إن طلقها جاز له أن يتزوج إحداهما بعد انقضاء العدة، ومن تزوج بخالة امرأته ثم دخل بها حرمت عليه وفرق بينهما، فإن كان امرأته بنت الخالة أو بنت عمتها فلا تحرم عليه ولكن يكره لحال القطيعة وكذلك العمة والخالة فإن لم يكن دخل بهن فرق بينه وبين المؤخرة، فإن دخل فعليه الصداق، وكره الربيع أن يتزوج الرجل بامرأة ويتزوج ابنه بأمّها، ومن تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم يجز لابنه تزويجها.
مسألة:
ومن تزوج أخته من رضاع أو نسب متعمدا قتل، وروي أن عبد الملك بن مروان أتي برجل قد تزج بتريكة أبيه فقال له: تزوجت أمك؟ قال: ليست بأمي ولكن كان أبي تزوجها أو زوجة أبي فقال: لا جهل في الإسلام فأمر به فقتل، فبلغ ذلك جابر بن زيد فقال: أحسن عبد الملك وأجاد.
مسألة: (8/190)
صفحة 693
ومن نكح امرأة في دبرها فعليه صداقها وقد حرم عليه تزويجها ولا تحل له أبدا، ومن زوج نفسه مع شاهدين بامرأة من عشيرته ووليها في البلد قريب منه فلا يجوز فإن بلغ ذلك الولي ورضي بذلك وجوزه فجائز، وإن كان قد وطء على التزويج الأول ثم أتم الولي بعد الوطء فلا يجوز ذلك، ومن تزوج بشهادة الصبيان ثم لم يدخل حتى بلغوا وشهدوا فالنكاح لا يثبت فإن وطء فرق بينهما.
مسألة:
ومن تزوج امرأة فولدت عنده على أربعة أشهر وقالت كان مضروبا في بطني فرق بينهما وأخذت صداقها، ومن زنى بامرأة لم يجز لابنه أن يتزوجها؛ لأَنَّ الله تعالى يقول: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} (1) والنكاح اسم يقع على العقد والوطء جميعا فالعموم يوجب ذلك سواء كان النكاح عقدا أو وطأ بظاهر الآية، فإن قال قائل: إن النكاح المطلق هو العقد دون الوطء والوطء يعقد بذلك قيل له الفرق بينك وبين من يقول لك إن النكاح المطلق هو الوطء والعقد يعقد بدليل وكيف لا يقع اسم النكاح على الوطء وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله لعن الساعي بالنميمة والناكح يده» (2) وقال في الحيض: «جامعوهنَّ في البيوتِ واصنعُوا كلَّ شيءٍ» (3) يريد غير الوطء.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) لم أجده.
(3) رواه أبو داود عن أنس بن مالك ، باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها، ر258، 1/67. والبيهقي عن أنس، باب الرجل يصيب من الحائض ما دون الجماع، ر1396، 1/313. (8/191)
صفحة 694
وقال أبو جعفر: من تزوج امرأة على عمتها أو خالتها حرمت الأخيرة، وقال أبو زياد: يفرق بينهما جميعا، وقال محمد بن محبوب: على قول من يقول في الأختين أنهما يخرجان جميعا يخرج هاتان جميعا، وعلى قول من يقول: تخرج الأخيرة منهما تخرج الأخيرة من هاتين قال: وأقول أنه يفرق بينه وبينهما ولا تزوج المرأة على عمتها ولا خالتها لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجمع على المرأة عمتها ولا خالتها» (1) وخالة المرأة وعمتها في الحرمة سواء، ومن كان له زوجة فلا يجمع إليها بنت أخيها ولا بنت أختها، فإن ماتت جاز له أخذ هاتين وكذلك إن طلقها جاز له إن أخذ إحداهما بعد انقضاء العدة.
مسألة:
ومن تزوج بخالة امرأته ودخل بها حرمت عليه وفرق بينهما، وإن كانت امرأته بنت الخالة وابنة عمتها فلا تحرم عليه ولكن يكره لحال القطيعة، وكذلك العمة والخالة فإن لم يكن دخل بهن فرق بينه وبين الآخرة فإن دخل فعليه الصداق، ولا يتزوج المرأة على عمتها ولا خالتها ولا بنت أختها، فإن طلقت فلا تتزوج هؤلاء حتى تنقضي عدة التي طلق، فإن تزوج قبل أن تنقضي عدة التي طلق فرق بينهما إن كان دخل بها فإذا انقضت عدتها تزوجها إن شاء وإن كان لم يدخل بها فرق بينهما حتى تنقضي عدتها أيضا ثم إن شاء راجعها بنكاح جديد وإذن الولي وكان أبو زياد يفرق بينهما إذا تزوجها قبل انقضاء عدة التي طلق، وكان أبو عبد الله يقف على الفراق ثم رجع إلى قول أبي زياد وقال بالتفرقة بينهما، وبعضهم وقف عن الفراق بينهما، ومن تزوج امرأة فأقرت أنها حامل وتبين له ذلك فليس له أن يطأها وينفسخ النكاح، وإن وطئ فلها الصداق بالوطء، فإن كانت تعمدت لإجازته على نفسها وهي تعلم أنها حامل فلها الصداق إلا أن تعلم أن الحامل لا يجوز لها التزويج وتعمدت على ذلك فلا صداق لها.
فصل:
__________
(1) انظر حديث: "لا تجمع المرأة على...". (8/192)
صفحة 695
أجاز بعض أهل الكلام نكاح تعس من الحرائر واحتج في ذلك بقول الله عز وجل: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} (1) فهذه تسع؛ لأَنَّ مثنى اثنتان وثلاث ثلاث، ورباع أربع وكأنه يقول: فانكحوا اثنتين وثلاثة وأربعا فهذا تسع، قال: الدليل على ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات عن تسع ولم يطلق له الله تعالى في القرآن إلا ما أطلق لنا، هذا خلاف لقول الله تعالى ولم تجز هذه الآية أكثر من أربع، وعلى هذا إجماع الأمة وأهل المعرفة باللغة، وإنما هذا شيء خص الله تعالى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وأما قوله إن الله تعالى لم يطلق للنبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن إلا ما أطلق لنا، فهذا أيضا محال مخالف الإجماع؛ لأَنَّه قد أطلق له - عليه السلام - أشياء حظرت علينا وحظر عليه أشياء أطلقت لنا، أجمعت الأمة على حظر تزويج أكثر من أربع نسوة والسنة به واردة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة اختر منهن أربعا فمنها أنه - عليه السلام - مات عن تسع ولم يكن لأحد منا ذلك، ومنها أنه - عليه السلام - حرم عليه النساء بعدهن والاستبدال بهن، ومنها أنه كانت الهبة في النكاح جائزة له دوننا وقال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة...} (2) فالهبة كانت له خاصة دون أمته، ومنها أنه حرم على أمته أخذ أحد من نسائه بعده قال الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله...
__________
(1) سورة النساء: 3.
(2) سورة (8/193)
صفحة 696
} (1) ولذلك سمى نساءه أمهات المؤمنين فليس هذا لغيره منا؛ لأَنَّا لنا أن ننكح أزواج بعضنا بعضا بعد الفراق أو الموت وكم من أحكام في القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وله مخالفة لما لنا وعلينا فيه فبطل وبان فساد قول من قال بجواز نكاح تسع وبالله التوفيق.
مسألة:
وإذا تزوج رجل بامرأة صغيرة أو كبيرة ثم فارقها قبل الدخول بها أو بعده لم يحل له أن يتزوج بأمها لقول الله عز وجل: {وأمهات نسائكم} (2) يعني وحرم تزويج أمهات نسائكم صغيرة كانت أو كبيرة، دخل بها أو لم يدخل فإن فعل ذلك حرمتا جميعا، فإن تزوج امرأة ثم فارقها قبل الدخول بها فحلال له تزويج ابنتها لقول الله عز وجل: {وربائبكم} (3) يعني وحرم عليكم تزويج بنات نسائكم من غيركم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم في تزويج ربائبكم ما لم تدخلوا بأمهاتهن فمن دخل بامرأته فقد حرم عليه ابنتها من غيره فمن تزوج بامرأة ولم يدخل بها حتى تزوج ابنتها ووطئ الابنة فإنه يفرق بينهما ولها الصداق كاملا وللأم نصف الصداق ويفارقها؛ لأَنَّه هو الذي دخل الحرمة عليها، وإن كان تزوج البنت قبل الأم ثم وطئها ثم تزوج بالأم بعد ذلك فإنه يفارق أمها ويمسك ابنتها إن لم يكن وطئ الأم وإن كان وطئ حرمتا جميعا.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (8/194)
صفحة 697
وحرام تزويج نساء الأبناء على الآباء دخل بهن الأبناء أو لم يدخلوا لقول الله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} (1) ونساء الأم حرام على الأبناء وكذلك دخل بهن أو لم يدخل بهن لقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} (2) من النساء والحرائر والولائد {إلا ما قد سلف} (3) يعني ما قد مضى قبل التحريم، فنساء الآباء على الأبناء حرام، دخل بهن أو لم يدخل بهن، ونساء الأبناء حرام على الآباء كذلك دخل بهن أو لم يدخل بهن أو كلهن في الحرمة سواء صغاراً كن أو كباراً واسم الزوجات واقع عليهن، فأما تزويج الرجل امرأة من تبناه فجائز وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى زيد بن حارثة ثم تزوج امرأته بعد ما طلقها زيد فعاب عليه المنافقون واليهود فنزلت: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} (4) ولم يكن زيد ابنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - من صلبه وإنما هو تبناه - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم، وقال أبو عبد الله: من تزوج امرأة ثم طلقها ولم يدخل بها ولا مس ولا نظر، فلا يحل له أن يتزوج بأمها إلا أن تكون ابنتها لم ترض به زوجا، فإن كانت يتيمة ثم طلقها قبل أن ينظر أو يمس ثم أراد تزويج أمها فلا يتزوجها حتى تبلغ اليتيمة فإن رضيت به زوجا لم تحل له أمها وإن لم ترض به زوجا وكانت كارهة له إلى أن بلغت فلا بأس عليه في تزويج أمها إذا لم يكن مسها ولا نظر إلى فرجها.
فصل:
سئل ابن عباس عن قول الله عز وجل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} (5) فلم يبين دخل بها أو يدخل فقال ابن عباس: أبهموا ما بهم.
الباب الرابع عشر: ما يحرم به النكاح من قول أو فعل
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة (8/195)
صفحة 698
ومن طلب إلى قوم امرأة فأجابوه فقال: حتى أنظر إليها فأروه امرأة فرضي وزوجوه فلما أدخلها عليه إذا هي غير التي رأى فإن كان دخل بها فليعدها مهرها ولا يجوز له المقام معها إن أراد؛ لأَنَّه إنما تزوج ذلك الوجه الذي رآه، وإذا زنت امرأة ثم تزوجت رجلا ولم يعلم الرجل ثم علم وكان ذلك صحيحا رد ذلك فإن كان قد وطئ وقد علم من المرأة توبة بعد ذلك وإصلاحا ولم يعرف منها توبة ولا إصلاحا فلا يحل له المقام معها والصداق عليه، ومن وهب ابنته أو ابنة عمه أو من يلي نكاحها لرجل فقبل الرجل المرأة ودخل بها فليس هذا بنكاح ولو شهد الشهود على الهبة والفروج لا توهب ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا ولها كصداقات نسائها إذ قد دخل بها، ولا يحل فرج امرأة إلا بتزويج أو ملك يمين إنما كانت الهبة خالصة للنبي - صلى الله عليه وسلم - دون المؤمنين.
مسألة:
ومن رأى امرأة متجردة من خلف ستر يشف حتى تبين من الشفاف ثدييها فهو آثم وتنتقض طهارته وتحرم عليه، ومن مس فرج امرأة فوق الثياب فمست هي فرج الرجل فلا خير فيها ولا يتزوجها وكذلك قول الفقهاء، وعن أبي عثمان أنه لم ير منها كمسه وزعم عبد المقتدر أن موسى قال: مسها كمسه، ومن أتى رجلا في دبره فلا يحل للفاعل أن يتزوج ابنة المفعول به ولا المفعول به يتزوج ابنة الفاعل، ومن نكح غلاما لم يحل له تزويج أمه ولا ابنته ولا بأس بأخته، وعن مسبح أنه لا بأس أن يتزوج الفاعل بأم المفعول به، وبعض أجاز أن يتزوج الأسفل المنكوح ابنة الناكح ولا يجوز للناكح تزويج بنت المنكوح أبدا، وجدت عن الشيخ أبي محمد ـ رحمه الله ـ إجازة تزويج الناكح ابنة المنكوح في بعض التقييدات عنه والله أعلم، وفي موضع آخر عنه أنه لا يجوز وكره بعض الفقهاء تزويجها ولم يروا أجرا ما.
مسألة: (8/196)
صفحة 699
ومن مس فرج امرأة برجله أو بركبته أو ببعض جسده ثم تابا جميعا فلا أرى له أن يتزوجها، وقال أبو محمد: ومن مس بيده أو بخشبة فكله سواء، ومن مس بخشبة ثم تزوجها بعد ذلك فإني أكره له، ومن مس فرجها بقدمه جاز له أن يتزوجها، ومن مس من امرأة الشق لم يتزوجها، ومن مس دبر امرأة لم يتزوجها وكره بعض الفقهاء تزويجها ولم يروه حراما، وإن مس دبرها ثم طلقها فنصف الصداق ولا أرى الدبر مثل القبل، وعسى إذا مس مخرج الغائط ولم يتزوجها وكان لها الصداق كاملا إذا طلقها والله أعلم، ومن مس بفرجه فرج جارية صبية من شهوة ثم تزوج بأمها فلا يحل له تزويج أم هذه الصبية ولا إمساكها وعليه مفارقتها، وإن همت امرأة أن تصرع عن ذاتها فانتهزها رجل أن لا تقع فوقعت يده على فرجها فلا يتزوجها، ومن وطئ امرأة أو نظر إلى فرجها أو مسه من تحت الثوب فلا يتزوج ابنتها ولا ابنة ابنتها، وأحدا من بناتها أسفل من ذلك ولا أمها ولا جداتها فوق ذلك، ولا يحل له تزويج من هؤلاء من نسب ولا رضاع، والمس من فوق الثوب لا يحرم، ومن مس فرج امرأة فمكنته من المس فلا ينبغي أن يتزوج بها.
مسألة:
ومن لمس فرج امرأة بيده أو بفرجه لشهوة لم يكن له تزويجها، وإن مسه من فوق الثوب فأرجو أن يجوز له تزويجها وما أحب له أخذ امرأة على هذه الصفة إذا كان ذلك عادة لها، وكذلك إذا عبث ببدنها ونظره إلى الفرج، ومن مس فرج صبية رباعية لغير شهوة جاز تزويجها والفرج إنما هو المتفرج.
مسألة: (8/197)
صفحة 700
واختلف أصحابنا من مس فرج امرأة خطأ فحرمها بعض ولم يحرمها آخرون، ومن مس أو نظر ثم لم يدر أكان عمدا أو خطأ فمختلف في المس ولا بأس بتزويجها في النظر حتى يعلم إن تعمد لذلك ولا تحرم على شبهته، ومن مس فرج امرأة عمدا أو خطأ حرمت عليه امرأته وأما النظر فحتى ينظر عمدا لا بأس بالخطأ ولا يحرم بذلك، وليس والد امرأته مثل أمها ولا تحرم امرأته بنظره إلى فرج والدها ولا مسه وإن جامعه فسدت عليه امرأته وإن كان وطئه من قبل فلا يحل له تزويج ابنته أبدا ومن مس ظاهر فرج امرأة فلا بأس عليه في تزويجها حتى يمس باطنه وإن مس دبرها ففيه اختلاف، وإن مست امرأة فرج زوج ابنتها وهي ناعس أو خطأ لم تحرم عليه امرأته، وإن مست امرأة فرج رجل فلا يتزوجها، وقيل: لا بأس بتزويجها؛ لأَنَّ مسها ليس كمسه، ومن غسل فرج ابنته وهي صبية فلا بأس عند بعضهم ومن ضم أم امرأته ولمس بها غير الفرج لم تحرم عليه امرأته، ومن وضع الفرج على الفرج من فوق الثوب حتى أنزل قال أبو عبد الله: لا يحرمها عليه فإن أراد أن يتنزه فذلك إليه.
مسألة:
وإن مست امرأة فرج رجل حتى أنزل فالسلامة من تزويجها أسلم لحال مطاوعته وإنزاله، وقال أبو عبد الله: في رجل مرت عليه ابنته وهي صبية فحس بأصبعه أو مال بيده فرجها حتى مسه لاعبا معها من غير شهوة أنه إن كانت يده مست شيئا من شق الفرج حرمت عليه امرأته، وإن كان يده لم تمس شيئا من الشق وإنما مست حول ما ذلك لم تفسد عليه امرأته.
مسألة: (8/198)
صفحة 701
ويحرم التزويج النظر إلى الفرج تعمدا وأما نظر البدن فلا يحرم التزويج، ومن نظر فرج امرأة بغير تعمد فنظر الشق بعينه ثم غض بصره ولم يتبع النظرة النظرة فلا بأس عليه في تزويجها، فهذا إذا وقع بصره عليها فلا يتزوجها؛ لأَنَّهم قالوا: إتباع النظرة النظرة توزع الشهوة وتورث الحسرة، وإن كان نظره إياها نظر منها غير الفرجين فلا بأس بتزويجها، ولو تعمد بذلك وعليه التوبة والاستغفار لنظره إلى ثديها متعمدا، ومن مس ظاهر فرج امرأة فلا بأس عليه في تزويجها حتى يمس باطنه وإن مس دبرها ففيه اختلاف، والرجل إذا زنى بامرأة أو نظر إلى فرجها مستمتعا بذلك منها فلا يجوز له تزويجها، وقد خالفنا من خالف منهم الشافعي، ومن نظر إلى فرج امرأة أو مسه بيده فلا يحل له تزويجها ولا لابنه، ومن تزوج امرأة فنظر فرجها أومسه ثم طلقها فلا يجوز له أن يتزج ابنتها، ومن نظر فرج امرأة متعمدا حرمت أمها وابنتها وما كان من أولادهن، وقال أبو عبد الله: لا يحل لرجل وطئ امرأة أو نظر إلى فرجها أو مسه من تحت الثوب أو يتزوج بابنتها ولا ابنة ابنتها ولا أحدا من بناتها أسفل من ذلك ولا أمها ولا أحدا من جداتها فوق ذلك ولا يتزوج من هؤلاء من نسب ولا رضاع، والفرج الذي مسه أو نظره النكاح هو الشق والشق كله فرج وأما موضع الشعر فلا يفسد نظره ومسه النكاح.
مسألة:
ومن نظر إلى فرج صبية لم تبلغ متعمداً ففيه اختلاف منهم من أجاز تزويجها ومنهم من لم يجز، وإن كان نظر إليها بشهوة فلا يتزوجها بلا خلاف، وذلك إذا نظر إلى الفرج المتفرج قيل وما الفر المتفرج؟ قال: الشرج، ومن نظر إلى فرج امرأة متعمدا بلا نشاط منه لها يجوز له أن يتزوجها، ومن نظر إلى فرج صبية غير بالغ فلا يتزوجها.
مسألة: (8/199)
صفحة 702
والفرج اسم لجميع عورات الرجال والنساء والقبلان وما حواليهما كله فرج، قال الشاعر: ألا كميتا كالفتاة وصابنا بالفرج من لبابه ويده، فجعل ما بين يديه فرجا وكذلك فروج الجبال وفروج الثغور، والعرب تسمي الثغور الفروج الواسع من الأرض والفرج الطريق ويسمون ما بين القوائم فروجا، قال حميد بن ثور الهلالي: كان هوى الريح من فروجه أحاديث جن زرن جنا بجيهم، والفرج الشق في نواحي الدرع والجمع الفروج، جيهم موضع كثير الجن بالغور.
مسألة: (8/200)
صفحة 703
جاء الحديث: « مَلعُونٌ مَن نَظَرَ فَرجَ امرَأَةٍ وَابنَتِهَا» (1) فأما أصحابنا فإنما هذا معهم قياس، ومن نظر فرج ابنته أو ربيبته وهي صغيرة عمدا فلا تحرم أمها حتى يكون نظر مع شهوة، فإن نظر لشهوة حرمت عليه فأما ابنته البالغة وربيبته البالغة فإذا نظر فرجها عمدا حرمت عليه أمها، وقيل في البينة اختلاف، وإن نظر إلى فرج ابنته الصغيرة متعمدا ثم عارضته الشهوة فلا تفسد أمها عليه حتى يكون العمد مع الشهوة جميعا، واختلفوا في البالغ إذا نظر صبية عمدا فمنهم من شدد ومنهم من لم يحرم نكاحها عليه إذا بلغت إلا أن تكون دعته نفسه إلى تزويجها لما نظر منها فإنه لا يتزوجها عندهم، ولا تحرم بنظره دبر أم امرأته، والوالد إن نظر إلى فرج امرأة ابنه لم تحرم على ابنه؛ لأَنَّها ذات محرم منه، وكذلك من نظر إلى فرج أمه معتمدا لم يضر ذلك أباه، ومن نظر فرج امرأة في الليل فلا عليه بتزويجها وإن نظر إلى فرج أمها في الليل لم يحرم عليه تزويج ابنتها؛ لأَنَّ الليل لباس ولو كان في القمر؛ لأَنَّ الله قد جعل الليل لباسا وقد علم أن فيه ظلاما وقمرا، فأما من نظر بالنار أو النهار في الماء فلا يتزوجها وإن نظر الفرج في ظل الماء فلا بأس، ومن نظر فرج امرأة في المرآة فلا يتزوجها وأرجو أنه مختلف فيه ولا بأس بتزويجها، وعن علي بن عزرة فيمن نظر إلى فرج امرأة في الماء عمدا أنه لا يحل له نكاحها وينتقض وضوؤه وصيام يوم في ذلك، وسمعنا أنه من نظر فرج امرأة بالمرأة لم يحل له نكاحها، وقيل فيمن ملك امرأة ثم نظر فرجها في ظل الماء ثم طلقها أنه ليس لها إلا نصف الصداق، وقيل الصداق كامل، ومن نظر فرج البنات حرمن وبناتهن ما سفلن وأمهاتهن وما علون وكذلك في الرضاع لا يتزوج البنات وما ولدن وإن سفلن
__________
(1) رواه عبد الرزاق عن وهب بن منبه من التوراة بلفظه، ر12744. وابن أبي شيبة عن أبي هانئ بمعناه مرفوعا، ر3، 3/304. والبيهقي عن ابن مسعود موقوفا بمعناه، ر14343. (8/201)
صفحة 704
ولا الأمهات وإن علوت بالغا ما بلغ.
مسألة:
ومن وطئ امرأة في دبرها ولم يولج فلا يحل له تزويجها ولا أمها ولا بناتها، ومن خالط امرأة من فوق الثياب لم يتزوجها أنزل أو لم ينزل، والوطء من فوق الثياب يحرم النكاح ولا يحرمه المس من فوق الثياب؛ لأَنَّ الوطء تولج.
مسألة:
قال: وكان أبو زياد الوضاح بن عقبة يقول: إن المسلمين قالوا البنت عدوة أبيها في البيت أحسب أنهم يعنون إن نظر إلى فرجها أو مسه فسدت عليه امرأته، وقيل عن هاشم الخراساني: إن نظره إلى فرج ابنته متعمدا أو مسه لا تحرم امرأته عليه، وقال أبو المؤثر: فيما أحسب ويقول هاشم نأخذ، ويكره للرجل أن يغسل فرج ابنته أو ينظر دبر ابنته أو يمسه فإن فعل لم يفرق بينه وبين امرأته، ومن تزوج امرأة ولم يدخل بها حتى تزوج الابنة فإنه يفرق بينه وبينها ولها صداقها كاملا ولأمها نصف الصداق، ويفارقها؛ لأَنَّه هو الذي أدخل عليه الحرمة، وإن كان إنما تزوج بالابنة قبل الأم ثم وطئها ثم تزوج بالأم بعد ذلك فإنه يفارق أمها ويمسك ابنتها إن لم يكن وطئ أمها، فإن كان وطئ أمها ذهبتا جميعا، وإذا مرت امرأة على رجلين فقال أحدهما للآخر هذه متزوجة فقال: نعم، قال: إن فارقها زوجها أو مات عنها أخذتها فذهب الرجل فأعلمها بقوله فخرجت من عند زوجها فليس له أخذها، ومن تزوج امرأة في بلد فوصل إليها ولم يعلمها فدعاها إلى نفسه فأجابته وهي ترى أنه يصيب منها حراما وهو يظنه حلالا فقد فسد النكاح ويفترقان، ومن عبث بامرأة في بطنها حتى أنزل ثم سالت النطفة حتى دخلت الفرج ثم أراد تزويجها فإن لم يكن مس الفرج ولا نظر إليه من تحت الثوب فلا بأس أن يتزوجها إلا أن تكون قد حملت من تلك النطفة فلا يتزوجها، ومن قال لامرأة رجل: لم خيرت بينك وبين كذا من المال لاخترتك فمكثت بعد ذلك ما شاء الله عند زوجها ثم افترقا فما أحب لهذا المتكلم بهذا أن يتزوجها وهذا موضع الريب، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «دَع مَا (8/202)
صفحة 705
يريبكَ إِلَى ما لاَ يريبُك».
مسألة:
ومن كان له امرأة فعارضه فيها شك لأمر كان بينهما فخاف أن يكون قد حرمت عليه فسأل أخا له فقال له: قد حرمت عليك أبدا، قال: نعم، ثم سأل المسلمين فلم يروا عليه في ذلك حراما ثم طلقها ثلاثا وتزوجها أخوه ودخل بها فمكثت معه ما شاء الله أن يكون ثم قالت للذي كان زوجها أولا: أخوك يقول: لو كنت تحلي له لأخرجتك فأجابها فلم تحلي أو مالك لا تحلي؟ قالت: فإنه يقول: هو قال: إنك لا تحلي فقال ذلك قد تركناه يعني الشك الذي كان قد عارضه فمكثت بعد ذلك ما شاء الله ثم قضى بينهما فراق فإن المحلة والمحلل له هالكان ولا تحل لمن تحللت له فإن تكن هذه المرأة إنما تركت زوجها الأخير أو بتركها لترجع إلى الأول فهذا أمر فاسد.
مسألة:
ومن قال لامرأة متزوجة: إني أحبك فاختلعت من زوجها لم يجز له تزويجها على قول بعض أصحابنا وفي نفسي من ذلك حرج، وإذا مرت امرأة على رجلين فقال أحدهما للآخر: لو فارقها زوجها تزوجت بها فأعلمها الرجل بذلك فإنه لا يجوز له تزويجها فإن لم يعلمها الرجل بذلك وخرجت هي من زوجها فله أخذها، ومن أراد تزويج امرأة فقالت: إني زنيت فلا يجوز له أن يتزوجها إلا أن تقول إنها كذبت، ومن نكح رجلا لم يحل له بناته ولا أمهاته وجائز له أخواته وعماته، وفيه اختلاف، وقال بعض الفقهاء: جائز للمنكوح بنات الناكح وأمهاته، وإن أرضع زوجاتهما أولاد غيرهما وكل ما حرم من نكاحه على الناكحين في النسب حرم ذلك في الرضاع وما كان مثله وما حل في النسب حل في الرضاع، وللمنكوح إذا حل له النسب حل له الرضاع.
مسألة: (8/203)
صفحة 706
ومن غاب عن بدل وخلف فيه زوجته فتزوجت بآخر بلا طلاق ولا مبارأة ثم ماتت عند الثاني فإنها لما تزوجت بالثاني وهي زوجة الأول ودخل بها حرمت عليهما جميعا ولا ميراث لأحدهما منها؛ لأَنَّها خانت الأول وحرمت عليه بوطء الثاني وخانته وحرمت على الأخير حين غرته فلا صداق لها على الأول ولا الأخير إلا أن يكون لها عذر، والعذر إذا قالت: قدرت أن زوجي الأول قد مات، فأما العذر إذا قالت: لا زوج لي أو سكتت فلم تعلمه إن كان زوجا فإذا كان لها عذر فالصداق على الأول والآخر وبالله التوفيق.
مسألة:
وإن قال قائل: لم حرمت الميراث وهو لم يطلق وإنما هي التي جنت عليه ولو لم يوجب لها الصداق وقد حصل الوطء من الأول وما ارتكبته فإثمه عليها، قيل له: إن الاتفاق أن كل امرأة تزوجت ولها زوج بلا عذر فقد حرمت على الأول فمن هاهنا لا يجب لها صداق ولا ميراث، والملاعن لا ميراث لها والصداق لا يجب للعاهرة على العاهر؛ لأَنَّ التزويج على العمد بمنزلة العاهر.
مسألة:
فإن قال: فإذا كان بمنزلة العاهر وجب عليها الحد، قيل له: نذر الحد بالشبهة والشبهة ها هنا الاعتدال بالتزويج، ومن خطب امرأة خطبها قبله رجل وتزوجها والخاطب الأول لها بعد يخطبها فعند أصحابنا أن النكاح جائز ويسعه وهو آثم في ارتكابه النهي ولم يحرموها وفي ذلك نظر ولعل بعضهم يحرم ذلك ويفسده.
مسألة: (8/204)
صفحة 707
ومن استرقى بامرأة حتى صرف وجهها إليه ورضيت بأقل من صداق مثلها فصداقها عليه كامل، وإن استرقا حتى رضيت به وقال من قال: الأخير له في المقام معها، وإن علم أن عقلها برقابه قد زال حتى أجابت إلى أقل من صداقها ورضيت به فلا يجوز له ما رجعت إليه من الصداق ولا المقام عندها بعد التزويج، فإن لم يعلم ذلك وكانت صحيحة العقل كما فعلت ذلك فليس فعليه ذلك بشيء، ومن أراد من امرأة فاحشة فقالت له: كف عني فإني أرجو أن يميت الله فلانا فيعني زوجها وأتزوجك فمات زوجها فتزوجها فلا ينبغي له أن يقيم معها ويفرق بينهما فإن دخل بها فلها صداقها وإن لم يدخل بها فلا شيء لها، ومن قال لامرأة إني أحبك فمات زوجها أو طلقها فإن كان حبه إياها حبا في الله وعلى نية فلا بأس بتزويجها وإن كان أراد حب نفسها للتزويج وما أشبهه وهي مثل الأولى، ومن زهد رجلا في زوجته وزهدها إلى أن افترقا وهو يريد التزويج بها فلا يتزوجها، فإن دخل بينهما بصلح عند شقاق وقع بينهما كما يصلح الرجل بين الزوجين على أنه يتزوج بها إذا فارقها زوجها فلا يتزوج بها، فإن فعل ذلك وهو يحلو في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زوجها ولم يعزم فأرجو أن لا يكون عليه بأس بتزويجها حتى يكون دخوله بالغرم منه أن يتزوجها إذا فارقها زوجها فرق بينهما، فإن تزوجها وكان عازما على التزويج بها إذا فارقها زوجها وقد كان دخل بينهما ودعاهما إلى الفراق فافترقا وتزوجها ولم يكن واعدها فإنه يتزوجها إذا فارقها زوجها، وأما أن لو أن امرأة زهدت امرأة في زوجها وأمرتها بالخروج منه ونيتها أن يفارقها أن تزوج هي به أو قالت امرأة لرجل: طلق امرأتك حتى أتزوج بك فطلقها فليس هذا معي كالأول وليس المرأة في هذا كالزوج ولا بأس عليها بتزويج الرجل.
مسألة: (8/205)
صفحة 708
ومن قال لقوم أنا فلان بن فلان يعني رجلا شريفا ولم يكن هو ذلك الرجل فزوجوه بحرمتهم ثم عرفوه ولم يكن دخل بها فإنها تخرج منه ويفرق الحاكم بينهما، وقيل: لا شيء عليه إذا لم يجز بها وقيل عليه نصف الصداق لها، فإن قال: إنه من ربيعة أو من مضر أو نسب نفسه إلى قبيلة وهو من قبيلة غيرها من العرب فزوجوه على ذلك فليس هذا مما يفسد عليه نكاحه، وعند الشافعي إذا انتسب إلى غير قبيلة بطل العقد وبه قال بعض الحنفية، وقال بعضهم: إن كان النسب الذي كتمه مثل النسب الذي أظهره لم يكن لهم إبطال النكاح وإن كان دون منه فإن لهم الخيار في إبطاله.
مسألة:
ومن طلب إلى رجل أن يطلق امرأته ليتزوجها هو ففعل الزوج فقيل: لا بأس عليه بتزويجها، وذكر أن عمران بن حطان تذاكر هو ورجل في الدين حتى وقع بينهما كلام فقال امرأة الرجل لزوجها: حجك عمران فغضب زوجها ثم لقيت عمران فقال له: قل لزوجي أن يطلقني ففعل عمران ذلك وأبلغ زوجها، فقال: ذلك إليها، ثم لقيها زوجها فقال: أحقا ما يقول عمران إنك أرسلته أن أطلقك؟ قالت: نعم، قال: فذلك إليك فطلقت نفسها فتزوجها عمران وهي امرأته التي يقال لها حرمة، وأما إذا قال الرجل لامرأة رجل إنه يحب أن يتزوجها أو عرض لها في ذلك ثم مات زوجها أو فارقها فلا يتزوجها هو وقد تقدم إليها ذلك منه، ولم يظهر ذلك بلسانه.
مسألة:
وقيل: إن قال رجل لرجل طلق امرأتك ونيته أن يتزوجها ولم يظهر ذلك بلسانه وطلقها الآخر ثم تزوجها هو فإنها تفسد عليه.
مسألة: (8/206)
صفحة 709
وإذا زوج الولي امرأة فقال للزوج: أزوجك عليّ أنه يحله للمطلق فإن الزوج نعم لم يجز هذا التزويج، فإن سكت الزوج ولم يقل نعم وإنما قال الولي فإن اتفقا على ذلك أو أحدهم فالتزويج حرام إذا أظهروه وأما إذا أنكر المتزوج ولم يكن شرطا لم يحرم ذلك، ومن قال لرجل: يا فلان قد تزوجت لك امرأة على كذا وكذا من الصداق، فقال الرجل: قد رضيت فلا يثبت هذا النكاح حتى يسمي المتزوج المرأة للزوج فإذا قال: قد تزوجت لك فلانة بنت فلان فقال الزوج: قد رضيت يثبت بعد التسمية؛ لأَنَّه بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تزويج ما لم يسم.
مسألة:
ومن أراد تزويج امرأة وليها في بلد آخر فأرسل رسولا إلى الولي في تزويجها عليه ثم إن الرجل وطئ المرأة من قبل أن يجيئه رسوله ثم جاء فأخبره أنه قد تزوجها عليه قبل وطئه هو إياها بيوم فعن أبي زياد أنها تفسد عليه.
مسألة: (8/207)
صفحة 710
وإذا كان للمرأة زوج فتزوجت آخر وكتمته زوجها الأول ثم علم الثاني بذلك فعن أبي زياد أنه لا مهر لها في الأول ولا من الآخر وقد حرمت عليهما جميعا إن كانا دخلا بها، قال: مرات كان الآخر لم يدخل بها فهي زوجة الأول، وإذا طلقت المرأة فحاضت ثلاث حيض ثم تزوجت من غير أن يعقد بذلك الحيض عدة فالنكاح غير تام، ومن طلق امرأته ثم وطئها قبل الإشهاد على رجعتها حرمت عليه أبدا ولا يرجع إليها ولو نكحت زوجا غيره ومات عنها أو طلقها، وروي ذلك عن جابر وكان يتناول قول الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (1) ، وإذا زوج المرأة وليها وكان كافرا أو عبدا أو صغيرا كان النكاح باطلا؛ لأَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى النكاح إلا بولي، والصبي فليس بولي وعقده غير جائز لارتفاع الخطاب عنه والمشرك لا يكون وليا للمؤمن والعبد ولا ولاية له على الحرة بإجماع وإذا كان هذا هكذا كان النكاح متى أوقعه واحد من هؤلاء لم يكن واقعا، ولا يجوز أن يخطب الرجل على خطبة أخيه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فإن عقد عليها على ذلك كان مردودا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2) ،
__________
(1) سورة
(2) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظه، باب في الولاية والإمارة، ر49، 1/19. ومسلم عن عائشة، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ..، ر1718، 3/1343.. (8/208)
صفحة 711
وإذا قدم ثلاثة أنفس إلى بلد فطلب أحدهم إلى رجل أن يزوجه ابنته فزوجوه وكان الشاهدان صاحبي الزوج وجاز تلك الليلة مات الأب فلما أصبحوا ادعى الثلاثة في المرأة أنها زوجته ولم تعرف المرأة زوجها منهم، وقالت: زوجي واحد منهم وقد جاز بي ولكن لا أعرفه فالنكاح متفسخ وعلى كل واحد منهم يمين أنها زوجته وعليهم صداقها يلزم كل واحد منهم ثلث الصداق، وإن ماتت كان لهم منها ميراث واحد وإن ماتوا كان لها منهم ميراث واحد، وإن أتت بولد ورثهم كلهم بإقرارهم وميراثه منهم سهم واحد كان ذكرا أو أنثى والله أعلم.
مسألة: (8/209)
صفحة 712
وإذا أراد خنثى تزويج امرأة فكرهته ثم تزوجته مختارة للحلال ورضيت به زوجا على كراهية منها فلها مهرها وميراثها وأرجو أن يكون وطؤه حراما عليها وهو آثم إن لم ترض به زوجا إلا أنه إن أجبرها على الوطء فلها صداقها وهي حرام عليه ولا ميراث لها والله أعلم، وإذا طولبت امرأة بباطل فوعدها رجل النيابة عنها والنصرة لها على أن يتزوج ويدفع عنها الجور وإن لم تفعل أمكن منها وكف عن نصرتها فلم يكن له قبل ذلك رغبة فيها وهي في خوف وطلب شديد فلما رأت أنها لا طاقة لها بما قد دفعت إليه إجابته إلى تزويجه للخوف والضرورة وإن كان معونته عنها وصرف الجور عنها فالتزويج لها جائز، وإن كان استرهبها بذلك وقال: إن لم تتزوجيني أوقعتك فتزوجته خوفا من أن يوقعها فيما لا طاقة لها به فأراه تزويجا غير طيب، فإذا رضيت به لم أقدم على الفراق وفي نفسي منه وغير هذا التزويج أحب إليّ والله أعلمن وإذا وطئ الرجل صبية أو الصبي بالغا فإنه يحرم تزويجهما على قول، وإذا تزوج الرجل ابنته برجل وهي في بلد آخر ولم تعلم بالتزويج فذهب الرجل وطلب إليها نفسها ولم يعلمها للتزويج فأمكنته من نفسها فوطئها على أنها امرأته وأمكنته هي من نفسها على أنها حرام ثم أعلمت بالتزويج فغيرت ولم ترض بالرجل زوجا فعن أبي الحواري عن محمد بن محبوب: أنها قد حرمت عليه وعليه صداقها بما استحل من فرجها، وإن هي لم تغير التزويج ورضيت به بعد الوطء قال: فنقول: إنها قد حرمت عليه أبدا على قول ابن محبوب ـ رحمه الله ـ.
الباب الخامس عشر: فيما يحل من النكاح (8/210)
صفحة 713
ويحل من النساء في التزويج بنات العم وبنات الخالات وبنات الأعمام وبنات الأخوال وما ولدت وما وراد ذلك من عوام نساء المسلمين، وقال الله تبارك وتعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين} (1) بالتزويج {غير مسافحين} (2) بالزنا، وقال تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} (3) من نكاح الأربع الحرائر، قال: {وما ملكت أيمانهم} (4) فجائز للرجل ما ملكت يمينه، وإن أرضعت امرأة غلاما فلا بأس أن يتزوج الغلام ابنة المرأة، ولا بأس أن يتزوج الرجل مطلقة ربيبه وفيه اختلاف، منهم من نهى تكريها ومنهم من نهى تحريما، ومنهم من أجاز ولا بأس أن يتزوج الرجل المرأة التي ربته، وكذلك إن تزوج الرجل بنت ابن خال زوجته فجائز، ومن كان له امرأة فطلقها فتزوجها غيره وتزوج هو غيرها فولد له من المرأة التي تزوجها بعد التي طلقها غلام وولد لها هي جارية من الذي تزوجها بعد مطلقها هذا فأرجو أنه يجوز لابنه من المرأة التي تزوجها بعد مطلقته هذه أن يتزوج ابنة مطلقته من زوج سواها، ومن نكح رجلا في دبره فأراد كل واحد منهما تزويج مطلقة الأخرى أو مخلفته فما أراه إلا جائزا، ومن زنا بامرأة فلا بأس على الأخ أن يتزوجها إذا لم يعلم بذلك إذا قضت عدة التي وطئ، ومن زنا بامرأة فله تزويج أختها إذا انقضت عدة التي وطئ، ومن وطئ امرأة حراما فلا بأس أن يتزوج ابنها بابنة الفاجر بها ويتزوج ابن الفاعل بابنة المفجور بها فلا بأس على ابنه أن يتزوج أمها وبناتها، ومن مس دبر امرأة ففيه اختلاف منهم من قال: الدبر والقبل سواء، ومنهم من قال: ليس الدبر مثل القبل، قال محمد بن المسبح: إذا وقعت عقدة النكاح لم أفرق وأما قبل ذلك فأنهى عنها، ومن تزوج امرأة حاملا على العمد منها حرمت عليه أبدا وإن كان خطأ منهما وإن لم يعلما بالحمل فليفتر لها حتى تضع حملها ثم يتزوجها تزويجا كان وطئ أو لم يطأ إذا كان غلطا
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة (8/211)
صفحة 714
منهما، وقال موسى بن علي: لو أن رجلا يطلع في كوا قرية فنظر فرج امرأة ولم يعرفها أنه يتزوج من القرية إن شاء، ومن لقي امرأة في الليل فأخذها فمس فرجها بيده أو بفرجه فجائز أن يتزوج من تلك القرية التي أخذها منها، فإن قالت له: أنا ابنة فلان فلا يتزوج بابنة ذلك الرجل الذي سمته له وقالت إنها ابنته، وللرجل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها.
مسألة: (8/212)
صفحة 715
ومن أطمع امرأة رجل في نفسه ثم لام نفسه بعد ذلك ورجع إليها وآيسها منه ورجع عما كان قال لها فلا بأس أن يتزوجها، ومن طلق امرأته ثم مس فرجها في العدة ولم يردها ثم انقضت العدة قال أبو علي: له أن يتزوجها إن اتفقا على ذلك، ومن طلب إلى رجل أن يطلق امرأته يتزوجها هو ففعل قال مسبح: إنها تحل للطالب، وقال: أبو الوليد والله أعلم، ومن مس جسد امرأة وقبلها ولم يمس الفرج ولا نظر إليه فله أن يتزوجها، وروي عن جابر بن زيد أنه قال: إن لطمته وأنكرت وإلا فلا، قال علي بن عزرة وسليمان بن عثمان: إذا مسها وقبلها فلم ينكح تمنعه نفسها فإن كان دخل لم يفرق بينهما وإن لم يدخل بها فتركها أحب إليهم لئلا يتهمها بمثل ما فعلت، ومن مس دبر صبي فله أن يتزوج أمه وإذا جاء صبي من الغائط فغسله رجل من الغائط والبول ومس ذكره ولم يرد بذلك شهوة ولا قبحا فلا بأس أن يتزوج بأم هذا الصبي وإنما قالوا إذا وطئه، ومن طلق امرأته ثلاثا فحاضت ثلاث حيضات ثم تزوجت ودخل بها زوجها فوجدها حبلى من الأول فقال من قال: إذا كان تزويج الآخر بها على الغلط من المرأة والجهالة بمعرفة حملها ولم يعلم الزوج الأخير بحملها ودخل بها ثم علما فرق بينهما فإن أراد الزوج الأول راجعها ما لم تضع حملها إذا كان بقي بينهما شيء من الطلاق ولا يطأها حتى تضع حملها فإذا وضعت اعتدت ثلاث حيضات لوطء الآخر ثم حينئذ يطأها هذا، وإن لم يراجعها زوجها الأول حتى وضعت حملها فليس له أن يراجعها إلا بنكاح جديد ومهر جديد، وقال من قال: إنه إن أراد الآخر أن يتزوجها بعد ما وضعت حملها جاز له ذلك وليس عليه عدة في نفسه فإذا طهرت من النفاس جاز له أن يطأها وهذا القول يوجد عن أبي معاوية، ومن نظر إلى شعر امرأة وهي لا تعلم أنه نظر إليها فله أن يتزوجها وإن مس شعرها عمدا فذلك يكره وإن تزوجها لم يفرق بينهما إنما يفسد النكاح النظر إلى الفرج بالعين أو المس باليد.
مسألة: (8/213)
صفحة 716
وإذا طلقت امرأة فوضعت فلها أن تزوج يوم وضعت إن شاءت، ومن قبل حرة أو أمة فله أن يتزوج الحرة ويشتري الأمة.
مسألة:
وإذا أصاب امرأة الجوع والجهد فلقيها رجل معه طعام فسألته أن يطعمها فأبى إلا أن تزوجه بما يطعمها فتزوجته ورضيت وأخذت منه الطعام في مهرها بغير ولي فقيل ما عليها إذا خافت جوعا وما أرى على الرجل إذا خافت إثما وذلك لها، قال المجبر بن محبوب يسأله عن هذه المسألة، قال غيره: وهذا إذا شهدوا ما إذا لم يشهدا شاهدين فذلك حرام.
مسألة:
ولا بأس أن يزوج المسلم من أهل الذمة أربعا، قال أبو المؤثر: نعم وطلاقهن كطلاق المسلمات، وإذا طلق المسلم اليهودية ثلاثا ثم تزوجها اليهودي بنكاح صحيح أحلها للمسلم؛ لأَنَّه زوج، ومن نظر دبر امرأة أو مسه متعمدا من تحت الثوب جاز أن يتزوج بها، فإن أولج أصبعه في دبرها متعمدا لم يفسد عليه ويستغفر ربه مما فعل، ومن تزوج امرأة ثم ماتت قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها فإن تزوج ابنتها ثم طلقها فلا يتزوج أمها، ومن أبصر فرج امرأة في الليل فحلال له تزويجها، قال أبو عبد الله ذلك، قال غيره: حد الليل إذا غاب الشفق إلى طلوع الفجر.
مسألة:
ومن تزوج امرأة كانت تحت زوج أمه فجائز، والمحدودان على الزنى والقذف يتزوج أحدهما بصاحبه، ومن رأى رجلا يزني ثم تاب وأصلح فتوبته مقبولة وولايته ثابتة، ويصلى خلفه ويزوج، والتوبة والإسلام تهدمان ما كان قبلهما، وكذلك إن كان إمام الدعوة وقد علم ذلك منه فقد ثبتت ولايته وإمامته وتزويجه والشرك أعظم من ذلك، واختلف في الذمية تنكح على المسلمة فكره ذلك ابن عباس ورخص فيه أكثر الناس واحتج من أجازه بأن ما أحل الله حلال بكل حلال.
مسألة: (8/214)
صفحة 717
ومن عرضت عليه امرأة أن يتزوجها فقال: عليه كظهر أمه إن تزوجها ثم غاب فيها بعد ذلك فله أن يتزوجها إن شاء فلا بأس بذلك، وإن أحبت امرأة رجلا فطلبت من زوجها الفراق ونوت إن فارقها أن يتزوجها الرجل الذي أحبته من غير مواعدة منهما ولا ذكر لذلك ففارقها زوجها وتزوجها الآخر الذي أحبته فلا يضره تزويجها ولا تفسد عليه وهي آثمة وتستغفر ربها، وإذا أرضعت امرأة رجلا بعدما فطم فلا بأس عليه بتزويجها، ومن نظر إلى شعر امرأة وهي لا تعلم أنه نظر إليها جاز له أن يتزوجها وإن فتحت شعرها عمدا فذلك يكره وإن تزوجت لم يفرق بينهما إنما يفسد النكاح النظر إلى الفرج بالعين أو المس باليد، ومن نظر إلى فرج امرأة أو مسه بيدها وهي قائمة لم ينظر إلى جوف الفرج ولم يمس جوفه أو مست هي ذكره قبضت عليه قال أبو المؤثر: إذا مس الشق أو نظر إليها فلا يتزوجها وأما مسها الذكر حتى أمنى وهو مطاوعها فبئس ما صنع ولا تحرم عليه.
مسألة:
ومن أجرى فرجه على فرج امرأة على الشعر من فوق المصراعين بلا أن يدخل بين المصراعين من رأس الحشقة شيء ثم إنه تزوج بها قال أبو إبراهيم: عن أبي علي أزهر: أنه لا بأس عليه في تزويجها وهو آثم في مس بدنها وفرجها بيده وبفرجه أو نظر عينه والله أعلم، ومن أجرى فرجه على بدن امرأة حتى أنزل فإن تنزه عن تزويجها فحسن وإن تزوجها لم تحرم عليه إلا أن يمس الفرج أو ينظر إليه، وقال: لو أن امرأة أمرت رجلا بتزويجها فتزوجها بشهادة شاهدين وبصداق جاز لم أقل إن ذلك حرام، ومن تزوج امرأة مغايظا لرجل في ذلك فلم أسمع فيه تحريما إن شاء الله.
مسألة: (8/215)
صفحة 718
وإذا كان التزويج والبرآن في الليل بلا نار والشهود يعرفون الزوج والمزوج وكان أمر لا شبهة فيه فجائز، وكذلك المراجعة، ومن تزوج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة أو يوم الفطر أو يوم الأضحى أو يوم الجمعة بعد الأذان فلا بأس، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج بعض نسائه في شوال وأظنها في الحديث عائشة والله أعلم.
مسألة:
ومن لمس الفرج من فوق الثياب فما أقول في ذلك بأسا، ومن قبل امرأة فله أن يتزوج أمها، ومن عبث بامرأة بين لبتيها بذكره ثم أراد تزويجها لم تفسد عليه، فإذا أنزل بين لبتيها فسال الماء في فرجها فحملت ففي نفسي من ذلك حرج فإن لم يكن تعمد لذلك إلى فرجها ثم تزوجها لم أقدم على الفراق، ومن أنكح ابنته رجلا وكانت غائبة فانطلق الذي ملكها إليها فمسها ولم يخبرها فإذا تنزه عنها وإن بلغها إملاكها فلا بأس وليس بحرام.
مسألة:
ومن تزوج امرأة عذراء فوجدها مقبضة فقالت: وقعت عليّ خشبة واعتلت بعلة فإن كانت ممن تصدق ولا تتهم ولم يطلع منها على ريبة فلا بأس بنكاحها فإن ذلك يصيب النساء.
مسألة: (8/216)
صفحة 719
ومن ملك على ولده أو على والده امرأة فلما بلغها أنكرا ولم يكن بينه فأراد المالك أن يتزوج المرأة فإن كانا أمراه فلا يتزوجها وإن لم يأمراه أن تتزوج عليهما فلا بأس عليه أن يتزوجها والولد والوالد في ذلك سواء، ومن تزوج لأبيه بغير أمره فلما بلغه ذلك غير ولم يقبل التزويج فلا بأس أن يتزوجها ابنه فإن تزوج الأب للابن فأنكر الابن ولم يرض بالتزويج لم يثبت وحلت للأب، فإن تزوج الابن بإذن أبيه ثم طلق قبل الجواز وصح النكاح أو الرضى لم تحل للأب، وكذلك الابن لا يحل له تزويج امرأة الأب إذا طلقها قبل الجواز، ويجوز للرجل تزويج ربيبته التي لم يدخل (نسخة يجز) بأمها فإن جاز لم يحل، ويجوز للابن ربيبة أبيه جاز الأب بالأم أو لم يجز، والصبي إذا نظر إلى فرج صبية أو مس أو تناوله بذكره فلما بلغ أراد أن يتزوجها فقد أجاز له بعض الفقهاء تزويجها ولا يحرم ما كانا صبيين، وقال قوم: ولو جاز بها فإن ذكره مثل أصبعه وحد الصبي حتى يبلغ النكاح.
مسألة:
قال الله عز وجل: {والمحصنات من المؤمنات...} (1) إلى قوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} (2) وأباح نكاح المحصنات من المؤمنات ودخل فيهن الإماء منهن، وأباح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، قال أصحابنا: لم يدخل معهن الإماء منهن في الإباحة، ومن كان له في بلد زوجة وعيال وخرج إلى بلد آخر وتزوج فجائز، وللرجل أن يتزوج من أهل الذمة مثل ما يجوز له من المسلمات وطلاقهن كطلاق المسلمات، ومن الإماء منهم من قال: يجوز له واحدة ومنهم من قال: أربع، ومن نظر فرج امرأة من بلد ولم يعرفها فجائز أن يتزوج من ذلك البلد، ولا بأس بتزويج الصبية التي نظر فرجها في حال صغرها ما لم يكن تزويجه إياها لأجل تلك النظرة، وللرجل أن يتزوج ربيبة ابنه وما سفل من بناتها من غيره وغير ابنه، وجائز تزويج الليل إذا عرفوا بعضهم بعضا في الليل معرفة صحيحة.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/217)
صفحة 720
وكل وطء كان من رجل لامرأة غلطا فجائز للواطئ تزويجها إلا ما كان من الوطء المتعمد به للحرمة والزنى فلا يجوز، ومن أخطأ امرأة غير امرأته فوطئها جاز له أن يتزوجها لقول الله تعالى جل ذكره: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به...} (1) .
مسألة:
وإذا وضعت امرأة ولدا ولا يعلم أنها تزوجت فجائز تزويجها ما لم يعلم أنها زنت؛ لأَنَّه يمكن أن يكون من غير زنى، وجائز تزويج الملاعنة وإن نظرت امرأة فرج رجل متعمدة له جاز له تزويجها وليس المرأة كالرجل.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/218)
صفحة 721
ومن كان تحته امرأة فتوفيت فله أن ينكح أختها من الغد، ومن كانت تحته امرأة فأخذ عليها حرة فجائز باتفاق الناس ولا خيار في هذا لأحد، والنظر خطأ لا بأس به وعلى العمد لا يجوز نكاح المرأة ولا ابنتها في قول أصحابنا، وإن مس فرجها بيده من فوق إزارها خطأ فلا شيء عليه في تزويجها إذا كان من فوق الثوب؛ لأَنَّه إنما مس الثوب ولم يمس الفرج، ومن زنى في قرية بامرأة ثم خفيت عليه وأراد تزويج امرأة منها ففيه اختلاف وهو عندنا جائز ولا تجوز له التي زنى بها أيضا، والمرأة إذا لم يعرف أبوها فجائز تزويجها ولا نعلم به بأسا، ومن قال لامرأة أجنبية أنت أمي فلا بأس بتزويجها وهذا كلام لا يثبت الأمومة؛ لأَنَّ له أما، وأجاز قوم للرجل تزويج تركة ربيبه وكرهه الآخرون والذين نهوا عنه مختلفون أيضا، وممن أجاز ذلك أبو الحواري وكذلك تزويج الربيب لمطلقة عمه فيه اختلاف التكريه والإجازة وممن أجازه أبو الحواري أيضا، ومن جمع بين امرأة ومطلقة ابنها من غيره فما نقول بذلك بأسا، وإذا مست امرأة فرج رجل ففي تزويجه اختلاف ورأينا أيضا أنها لا تحرم إن تزوجها؛ لأَنَّ مسها ليس كمسه، ومن نظر فرج صبية من بلد لا يعرفها فرأينا أنه جائز أن يتزوج له من ذلك البلد، ومن قال: لا يتزوج، والذي ثبت لا تحرم امرأته وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى زيد بن حارثة وتزوج زينب بعد أن طلقها زيد، ومن تزوج ذمية على حرة فجائز ويسوي بينهما في القسم ولا خيار للمسلمة إنما الخيار لها في الأمة على قول بعضهم فأما الإجماع فإن ذلك لا يملك ولكن القسم من نفسه وماله، ولا يتزوج الذمية حتى يشترط عليها أربع خصال، لا تشرب الخمر، ولا تأكل الخنزير، ولا تعلق صليبا، وأن تغتسل من الجنابة والحيض وتحلق العانة، فإن لم يضمن فلا يتزوجها، ومن وقع بينه وبين زوجته بسبب فظنا أنه قد وقع بينهما فراق أو حرمة لذلك السبب فاعتدت وتزوجت برجل آخر وتبين لهما من بعد أنه لم يكن وقع (8/219)
صفحة 722
بينهما حرام فإنها تعتزل الآخر ويرجع إليها زوجها الأول ولا يطأها حتى يستبريها من وطء الآخر ثم حينئذ يطأها، ومن ماتت زوجته أو طلقها فله أن يتزوج أختها التي وطئها على الغلط، ومن قال لرجل: طلق امرأته فلك معي كذا وكذا وأرادها لنفسه فإن تزوجها فلا يفرق بينهما، وإذا زوج القاضي أو السلطان نفسه بامرأة لا ولي لها فجائز وهو مثل الولي وإن وكل من يزوجه فهو أحسن وإن زوج نفسه جاز له ذلك، ومن زنى بامرأة في الشرك ثم تزوجها بالإسلام فجائز له ذلك، ومن نكح رجلا في دبره ثم أراد أحدهما أن يتزوج مطلقة الآخر أو مخلفته فعن محمد بن محبوب قال: ما أراه إلا حلالا له وجائز للرجل أن يتزوج ابنة عم امرأته ولا بأس بذلك, وبعض كره ذلك ولا بأس بتزويج اليهودية والنصرانية على المسلمة وبنات الخالة جائز نكاحهن بإجماع الأمة، وامرأة العم جائز أن يتزوج بها وإن كان اسم الأب واقعا عليه اتفاقا، وجائز أن يتزوج الأب والابن بأختين.
مسألة: (8/220)
صفحة 723
اختلف أهل العلم في الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها بالنكاح، فأجاز أكثرهم وفعل ذلك عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أمية وممن أباح ذلك ابن سيرين والأوزاعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك: لا أعلم ذلك حراما، وكره الحسن وعلي ذلك، وقيل: إن الحسن رجع عن ذلك، ومختلف أيضا في الرجل ينكح المرأة وينكح ابنة ابنتها من غيره، واختلفوا أيضا في الجمع بين بنات العم فأجاز ذلك أكثرهم، وقال: إن جابر بن زيد كرهه، وجائز للرجل أن يتزوج المرأة ويتزوج ابنه أمها، ويتزوج ربيبة ابنه وربيبة أبيه كل ذلك جائز؛ لأَنَّه ليس هذا برضاع ولا نسب ويتزوج أيضا تريكة ربيبيته؛ لأَنَّه لا حرمة فيه من نسب ولا رضاع، ولا بأس أيضا أن يجمع الرجل بين المرأة وابنة مطلقها وبين المرأة وربيبتها؛ لأَنَّه لا حرمة فيه من نسب ولا رضاع ولا كتاب ولا سنة ولا غير ذلك، وكذلك يجمع بين المرأة وامرأة ابنها، ومن أتا قوما فقال: أيكم أزوجه ابنتي؟ فقال رجلك أنكحنيها، فقال: نعم قد أنكحتكها ثم ندم ساعة فهي امرأته، قال أبو عبد الله: نعم إذا قال هذا بمحضر من شاهدين، ومن طلق زوجته ثلاثا فتزوجت من بعده وطلقت ثم تزوجها ثانية ودخل بها ثم طلقها ثلاثا فتزوجت أو تزوجت من بعده وطلقت ثم طلقت ثم تزوجها ثالثة ودخل بها ثم طلقها ثلاثا فتزوجت من بعده وطلقت فجائز له أن يتزوجها مرة بعد مرة كلما بانت من زوج جاز له مراجعتها بتزويج جديد ولا أعلم في ذلك حدا، ومن مس فرج امرأة فرأته امرأة أخرى فجائز لها أن تتزوج به، ومن تزوج على ابنه وهو غائب فلما قدم ابنه كره ذلك فعليه نصف الصداق فإن شاء الأب تزوجها إذا كان التزويج للابن بغير رأيه، فإن كان الأب قد قال عند التزويج: أمرني إبني أن أتزوجها عليه ثم قال: من بعد كراهيته لها لم تكن له ذلك لم أر له تزويجها، ومن زوج ابنه بامرأة فكرهته فجائز للأب أن يتزوجها إن لم تكن رضيت بالابن، ومن تزوج بامرأة فكرهته (8/221)
صفحة 724
ونفرت منه ولم ترض به ثم رجعت فأبرأته من حقها وأبرأ لها نفسها ثم رجع تزوج أمها فقد وجدنا عن أبي عبد الله أنه إذا ملكها وهي امرأة بالغ فكرهته ولم ترض به زوجا أنه يحل له أن يتزوج أمها وكذلك جوابنا إن كانت لم ترض به طرفة عين وكرهت وغيرت تزويجه جاز له أن يتزوج أمها.
الباب السادس عشر: في تعبير المرأة ورضاها للنكاح (8/222)
صفحة 725
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الثيب تعرب عنها لسانها والبكر تستأمر في نفسها» (1) ، قال أبو عبد الله: تعرب بالتخفيف وقال الفراء: تعرب بالتثقيل فقال عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم واحتجت لهم، قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إذا زوج رجل امرأة ولم تعلم ثم بارأته ولم تعلم فعلمت فرضيت فإن الزوج لا يبرأ من حق المرأة وليس النكاح في هذا بمنزلة البيع، والمرأة إذا تزوجها رجل فرضيت في نفسها فهو زوجها وإن لم تنطق بالرضى وإذا كرهت في نفسها فليس هو كراهية حتى تنطق بالكراهية ولابد من رضى المرأة بعد التزويج ولو رضيت قبل ذلك ثم أنكرت التزويج كان لها ذلك على قول بعض وثبت عليها ما أمرت به أولا من التزويج، والثيب تستأمر والبكر تعلم، قيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «استَأمِرُوا النساءَ فِي أُمُورِهنَّ ذَواتِ الأبنَاءِ وغَيرِ ذَواتِ الآباءِ، فإنَّ الثيِّبَ لا تُنكَحُ حَتَّى تُستَأمَرَ، وَالبِكرُ تُستَأذَن وَإِذنُها سُكوتُهَا» (2) ،
__________
(1) انظر الحديث الذي بعده.
(2) رواه الربيع عن ابن عباس ببعض لفظه، كتاب النكاح، بَاب (24) فِي الأَوْلِيَاء، ر511. والنسائي عن عائشة بمعناه، فِي النكاح، ر3279. وأحمد فِي مسند عائشة مثله، ر21947، 26420.. (8/223)
صفحة 726
قال: البنت تنكح حتى تستأمر والبكر تستأذن وإذنها سكوتها، قال أبو عبيدة: تعرب بالتخفيف، وقال الفراء: العرب تقول: بالتثقيل، يقال: عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم واحتجت لهم، ومنه الحديث في الرجل الذي قتل رجلا يقول لا إله إلا الله إنما كان يعرب عما في قلبه لسانه وحكاه ابن قتيبة وقال: هو تعرب بالتخفيف، ويقال: اللسان يعرب عن الضمير أي ينهى عنه، والإعراب في الكلام هو الإفصاح والإنابة، وأنشد الكميت، وجدنا لكم في آل حميرانة تأولها منا تقي ومعرب، أي رجل يبقى على نفسه فلا يتكلم ولا يبدي ذلك التأويل خوفا منه وآخر معرب رأي بين ويفصح بلسانه ولا يبالي، فأما الثيب فيعرف رضاها بلسانها وإن أجازته على نفسها ولم تقل شيئا فلا يفرق بينها؛ لأَنَّها رضيت، والبكر يقال لها سكوتك رضاك، فإن لم تنكر فقد أجاز ذلك المسلمون عليها، وأول ما نقول يتم ذلك عليها إن قالت لا أرضى النكاح لم ينفع رضاها من بعد وانتقض النكاح، وإن قالت: رضيت فهو تام، وإن أرادت أن ترضى من بعد، جدد النكاح حتى لا يكون فيه شبهة، وفي بعض الكتب عن عائشة قالت: «سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجاريةِ أنكحَها أهلُها وتُستأمَر أم لا؟ فقالَ - عليه السلام - : نعمْ تُستأمَر، فقلتُ: إنها تستحي فتسكتَ، فقال - عليه السلام - : فذلك إذنُها إذا سكتَتْ» (1) وقيل إن رجلا زوج ابنته وهي كارهة فأقامت البينة أن أباها زوجها وهي كارهة ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما.
مسألة:
__________
(1) رواه مسلم عن عائشة بمعناه، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، ر1420، 2/1037. والبيهقي مثله، باب إذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام، ر13481، 7/122. (8/224)
صفحة 727
ولا يجوز أن تحمل المرأة على الكراهية في التزويج، وإن زوج الولي بلا رأيها فبلغها فرضيت جاز ذلك وإن لم يعلم منها رضى ولا كراهية فدخل الزوج فأجازته برضاها جاز ذلك عليها، ولها إن زوجها الولي ولم يعلمها أو بلغها فلم يسمع منها رضا ولا كراهية فلما أراد الجواز غيرت وقالت: لم أكن رضيت فهي على التعبير حتى يعلم رضاها فإن كانت ثيبا فبلسانها يعلم رضاها والبكر تعلم ويقال لها سكوتك رضاك فإن سكتت بعد ذلك ثبت عليها ولو غيرت هذا لم يقبل منها، وقد ثبت العقد وإن بلغها التزويج فصاحت وبكت ولم تغير لم يضر ذلك؛ لأَنَّ هذا قد يكون من المرأة وهي في نفسها راضية ولو لم ترض لغيرت ذلك، وإن زوجها وليان برجلين في وقت واحد أو واحدا بعد واحد فالتزويج لمن رضيت به منهما، وإن رضيت بهما جميعا فالتزويج الأول هو التزويج والآخر فاسد وإن رضيت بهما والعقد في وقت واحد فالعقدان فاسدان حتى ترضى بواحد ثم تزوج به ثانيا، وإذا زوجت امرأة فقالت: لا لم ينفسخ النكاح بقولها: لا حتى تقول لا أرضى به، والأخير هذا التزويج، الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن فأما الثيب فتقول: لا أو نعم، وأما البكر فإذنها سكوتها» (1) ، وفي خبر: لابد أن تسأل المرأة تستأذن في نفسها.
مسألة:
__________
(1) انظر حديث: "...الثيب لا تنكح حتى تستأمر". (8/225)
صفحة 728
ولابد من رضى المرأة بعد التزويج ولو رضيت من قبل ثم أنكرت بعد التزويج كان ذلك لها، وإذا عرض رجل على امرأة وهو وليها أن يزوجها فلانا فرضيت أو سكتت البكر أو ضحكت أو بكت فلما زوجها أنكرت فلا إنكار لها إن كانت امرأته إلا إن نقض قولها قبل أن يفعل فلما إذا عقد له بعد مشورتها فقد لزمها، وإذا استؤذنت المرأة في تزويجها فقال من قال من الفقهاء: إن أول ما تقول يتم عليها، وقال من قال: إذا كان الشهود والذين أعلموها بالتزويج في مجلسهم وكلموها حتى رضيت فهو تام، وكان من رأي أبي عثمان أنها إذا قالت: لا أرضى انتقض النكاح، وكان من رأي موسى بن أبي جابر أنها إذا رجعت رضيت والزوج متمسك تم النكاح، وكان موسى بن علي يأخذ برأي أبي عثمان حتى وقع مثل ذلك فجيز عن الفراق بينهم ورجع إلى رأي جده موسى بن أبي جابر ويحب في مثل هذا إذا كرهت أولا ولم ترض ثم رجعت رضيت أن يحدد النكاح وإن لم يحدد وجاز بها على التزويج الأول فقد قيل: إنه تام، ومن ملك امرأة ثم إنها كرهته في السريرة فيما بينه وبينها قبل أن يعلم منها رضا وأظهرت إلى الناس الرضى به فأخذ بأمرها أن تتزوج فقال: إنها كرهتني قبل رضائها إذا وقع الملك وذلك بيني وبينها علمت منها الكراهية لي ثم أظهرت الرضى فإن أخذتموني بالتزويج فأخذوا لي ملكا صحيحا فقالت هي: لم أكره وأنا به راضية وأقر هو عند الحاكم أنها كرهته في السريرة ثم أظهرت الرضى بعد الكراهية ولم يعلم ذلك غيره فإنه يحكم عليه بالصداق ولا يحكم له بالنكاح؛ لأَنَّه مقر أنها له كارهة فإن هو دخل بها فرق بينهما وأخذت صداقها.
مسألة: (8/226)
صفحة 729
ومن ملك امرأة وعلم منها الرضى فيما بينهما ولم يكن له عليها بينة بالرضى ثم كرهته وغيرت وطلبت الخروج فحكم عليها بالخروج فخرجت منه إذا لم تقم له بينة عليها بالرضى ثم إنها تزوجت رجلا من بعده فطلقها أو مات عنها ثم فرجع هذا الأول فتزوجها وقد علم أنها خرجت منه بالحكم وهي به راضية في السريرة فقد حرمت عليه؛ لأَنَّ زوجها ذلك كان على غير تزويج حلال وهي زانية وقد علم هو ذلك وإنما تحرم عليه إذا علم أن زوجها كان قد علم بها فدخل بها فإن كان قد أغلق عليها الباب أو أرخى عليه الستر فلا تحل له فإن أنكرت أن زوجها لم يدخل بها وقال هو: قد دخلت قبل قول الزوج وتحرم عليه، فإن كان أعلمه أنها راضية رجل عدل أو امرأتان ما دون الشاهدين ولم يعلم هو ذلك فلا بأس عليه حتى تشهد عليه شاهدا عدل برضاها، قال: ويوقف عن ولايته ولا يبرأ إذا كان قد أقر عند المسلمين أنها به راضية ثم رجع يتزوجها وعلى المسلمين أن يسألوه عن ذلك ويآخذوه به فإن أخذ بذلك واستثبت فقال: إني كنت كذبت عليها ولم تكن رضيت بي فأنا أستغفر الله وأتوب إليه وقد طلقتها فإنه يقبل منه ذلك.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ثم وصل إليها وأعلمها بالتزويج ورضيت به ثم غيرت بعد ذلك وقالت: لا أرضى فحكم عليه بالفراق وتزوجت زوجا غيره ثم طلقها زوجها فليس للزوج الأول أن يراجعها فإن لم يكن أعلمها الزوج ولكن بلغها التزويج فرضيت به في نفسها قدر طرفة عين فقط لزمها التزويج ولا يحل لها أن تغير بعد ذلك، فإن غيرت فحكم بالفراق ثم أخذت زوجا غيره ثم مات عنها أو فارقها فلها أن ترجع إلى هذا الزوج وتكون آثمة ولا إثم عليه، ومن زوج ابنته فرضيت به طرفة عين ثبت ويلزمها يمين فإن دعت نفسها إلى اليمين فأبا أن يحلفها وغاب عنها فلها أن تتزوج.
مسألة: (8/227)
صفحة 730
وإذا عرفت المرأة التزويج فرضيت به وهي لا تعرف الزوج وهو لا يعرفها أيضا أنه إذا عرفها حين تُهدى إليه بسكون قلبه والعادة الجارية بين الناس من التعارف في ذلك جاز أن يتماسا؛ لأَنَّ هذا يعرف بالعادة وسكون النفس وهذا فعل الناس مذ لم يزالوا ولا يعرف في بادئ إلا هكذا وإن سأل بعضهما بعضا عن أنفسهما فحسن وليس ذلك من طريق الحكم؛ لأَنَّ إقرارهما ليس بيقين وإنما يعرف هذا بالتعارف والعادة وسكون النفس إذا لم يرتب وعادة الناس أن الرجل تهدى إليه زوجته بامرأة أو امرأتين أو جماعة ثم يذهبن عنه ويخلفن في البيت امرأة فيسكن نفسه إلى أنها زوجته، وكذلك لو دخل عليها منزلها فوجدها فسكنت له واطمأنت نفسه أنها زوجته كان هذا جائزا وهذه عادة الناس ما لم يرتب فإن ارتاب فلابد أن يعرف ذلك من أحد وجوه الدلالات التي يقع له بها العلم إما بسكون نفس وإما بخير والله أعلم، وكذلك الأعمى هو وغيره في هذا سواء، يعرف ذلك بالعادة والتعارف بين الناس ولا يحتاج إلى بينة إذا سكنت نفسه ولم يقع خطأ.
مسألة:
والبكر إذا علمت فلم تغير ثبت عليها ضحكت أو لم تضحك، والثيب لا يكون ضحكها رضى حتى ترضى وتعلم بلسانها والله أعلم، وإذا قال للمرأة وليها: فلان خطبك فبكت فتزوجها جائز ويمكن أن يكون بكاؤها حيا، وإذا جاء الرجل بشاهدين برضى المرأة به زوجا وجاءت هي بشاهدين أنها قد أنكرت فشهود الرضى أولى من شهود الإنكار حتى يجدوا أن الإنكار قبل الرضى.
مسألة:
وإذا علمت المرأة قبل التزويج فرضيت ثم رجعت فغيرت ولم ترض فأكثر ما يوجد في الأثر أن التزويج ينفسخ ولا يثبت، وقال آخرون: قد ثبت عليها برضاها به أولا، والآخر أعدل عندي؛ لأَنَّه إنما رضيت أولا بما لم يكن يثبت عليها أنه حكم زوجته فهذه إنما ترضى بعد ثبوت العقد كالبيع إنما يثبت بعد العقد فإذا وقع عقد البيع ثبت مع التراضي منهما.
مسألة: (8/228)
صفحة 731
وإذا تزوج الرجل امرأة زوجة وليها وشهر ذلك مع الجيران فليس عليه أن يسترضيها والشهرة تجزيه.
مسألة:
وإذا استأذن المرأة وليها في تزويجها فأذنت له فزوجها فلما بلغها ذلك غيرت ففي قول أكثر أصحابنا أن لها أن تغير وتفسخ عن نفسها النكاح، وقال ابن محبوب: إن النكاح يثبت عليها وإنما لها أن تفسخ ما لم يكن أذنت قبل العقد قال أبو محمد: وهذا القول هو الذي يوجبه النظر؛ لأَنَّ الولي فيما يتولاه العقد لها قالوا: بل يتولى العقود على الوكيل بأمره وعليها واحدة والله أعلم، ومن تزوج جارية بكرا فدخل عليها رجلان فشهدا عليها بالرضا فسكتت ولم تقل شيئا فعن أبي المهاجر قال: حتى يقول لها الشاهدان إنا نشهد عليك أن سكوتك رضاك فإن سكتت تم تزويجها وكان ذلك رضاها وإن كرهت في أول التزويج ثم رضيت بعد ذلك قال الربيع: يحدد الملك؛ لأَنَّها عقدة قد انتقضت فيحدد ويوجد فيها إن سكتت فهو الرضى وإن أنكرت كان لها في قول أبي المهاجر، وأخذ الناس بذلك، قال هاشم: وأما الثيب فليس إلا أن تتكلم بلسانها، وإذا تزوج الرجل امرأة من وليها وخلا لذلك أيام ثم قالت: البينة أني مغيرة هذا التزويج فبلغ ذلك الزوج فرغب فيه ليبرأ من الصداق ثم قالت من بعد ذلك: إني إنما غيرت من بعد أن رضيت بمدة وأحضر الزوج البينة بتغييرها من بعد التزويج والعقد وكانت البينة عادلة فعن بعض الفقهاء أن النكاح ينفسخ ولا يقبل قولها بعد ذلك إلا أنها إذا قالت أنها رضيت قبل التغيير أمر الزوج أن يطلقها لتحل للأزواج ولا صداق لها عليه والله أعلم، ومن ملك ابنته من رجل فلما بلغها كرهت فإنه لا إكراه عليها ولا طلاق بينهما، وإذا أهدى رجل إلى خطيبته هدية فقيل لها هذه لك من فلان خطيبك فقبلتها كان ذلك رضى وأما إذا قيل لها هذه هدية من عند خطيبك فلان لم يكن ذلك رضى، وإذا غيرت المرأة النكاح ثم قالت: إني كنت راضية به وإنما غيرت؛ لأَنَّي استغللت الصداق وأنا راضية بعد به فأحب أن لا يفسخ (8/229)
صفحة 732
النكاح وثباته على هذا أحب إليّ فإن كره الزوج فيطلقها ولها نصف الصداق والأفضل أن يحدد النكاح فإن طلب الزوج يمينها بالرضى فما أرى بأسا أن تحلف على ما ادعت منه إن شاء الله، وإذا بلغ المرأة خبر التزويج فقالت: لا أرضى إلا أن يكون صداقي كذا أو قالت: إن كان صداقي كذا فقد رضيت فإن النكاح لا يتم حتى ترضى من بعد العقد على شيء من صداقها فإن دخل بها قبل الرضى وبعد العقد مع إجهارها للكراهية فقد وقعت الحرمة وبطل التزويج زوجها أبوها أو غيره والله أعلم، وإذا أنكرت المرأة الرضى وعجز الزوج عن البينة ونزل إلى يمينها فقد قيل إن الأيمان في ذلك بينهما، وإذا زوج رجلان أختهما ثم شهدا عليها بالرضى أو بالكراهية فجائز شهادتهما، ومن ملك امرأة فلم ترض به فدخل عليها مغتصبا فعليه الصداق ولا حد عليه إن اعتذر فقال: إني ظننت أن العقد يوجب لي الملك عليها، والصبية إذا زوجت فبلغت وغيرت ثبت لها ذلك وهو أن تقول: لا أرضى بذلك التزويج أو تقول أنا مغيرة لذلك التزويج ولا أرضى به.
مسألة: (8/230)
صفحة 733
وتزويج الأب بربيبة ابنه وتزويج الابن بربيبة أبيه تزويج المرأة بزوج عمتها وتزويج الرجل بامرأة عمه زوج أمه التي هي غير أمه كل هذا مكروه وليس بحرام، وقيل: إن ذلك مكروه من وجه الاستحسان لا من وجه كراهية الحرام، ومن تزوج امرأة فماتت ولم يدخل بها فقال ورثتها إنها لم ترض بالتزويج، وقال الزوج: بلى رضيت فالقول قول ورثة المرأة وعلى الزوج البينة بالرضى، فإن كان الزوج هو الميت فقال ورثته إنها لم تكن رضيت قبل الموت، وقالت الزوجة: بلى كنت راضية به زوجا فالقول قولها مع يمينها؛ لأَنَّ هذا شيء لا يعلم صحته إلا من قولها، وإذا ماتت المرأة فجاء الزوج بطلب الميراث فقال الورثة: صحح أنها كانت راضية زوجا بك فعليه الصحة، فإن مات هو قبل أن يعلم رضاها فجاءت بطلب الميراث فالقول قولها مع يمينها، والمرأة إذا زوجها وليها ثم عرفها ذلك فسكتت ساعة ثم قالت: إنما سكوتي إنكارا مني ولا حاجة لي بهذا الزوج وادعى الرجل أن سكوتها كان رضى بذلك فلا يثبت عليها ذلك وعلى الزوج البينة أنها رضيت به ولا يكون سكوتها ذلك إذا أنكرت يوجب في الحكم ثبوت نكاح حتى يقال لها: سكوتك رضاك فتسكت فهنالك يلزمها، وأما إذا سكتت فقالت: سكوتي كان إنكارا مني لم يثبت عليها ذلك، والمرأة إذا أنكرت الرضى وعجز الزوج عن البينة ونزل إلى يمينها فقد قيل: إن الأيمان في ذلك بينهما، أبو عبد الله: وإذا ملك الرجل امرأة فرضيته في نفسها وأظهرت الكره فوطئها الرجل ثم قالت من بعد إني كنت راضية في نفسي فهي زوجته وإنما تؤخذ بما في النفس.
مسألة:
وإذا قالت المرأة عند بلوغها لا أرضى بذلك التزويج أو أنا مغيرة لذلك التزويج أو لا أرضى به ثبت لها، فإن كان الزوج قد دفع إلى أمها دراهم وثيابا فعليها رد ما أخذت منه بسبب التزويج إذا لم يجز بها وإن جاز بها وغيرت حسب ذلك من صداقها عليه وزادها الباقي ولا ترد عليه شيئا. (8/231)
صفحة 734
الباب السابع عشر: في أحكام أولياء النساء في النكاح والأولى منهم بذلك، ورضى المرأة وتعبيرها بفعلها، وثبوت النكاح منهم عليها، وصحته عنها وأحكام جميع ذلك
جعل الله النكاح مشروطا بإذن الأولياء بقوله عز وجل: {فانكحوهن بإذن أهلهن} (1) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في تواتر الأخبار: « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ»، وقوله - عليه السلام - : «لا تنكح المرأة المرأةَ ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تنكح نفسها»، وينظر في آخر هذا الخبر، كان أبو الشعثاء يقول: تزويج النساء بغير ولي صنيع البغايا، والمرأة إذا أمرت وليها أن يزوجها برجل فرضيته زوجا فلا رجعة لها على قول ابن محبوب، وقيل: إنه كان يتعجب من قول أهل عمان أن لها الرجعة والأخ من الرضاعة لا يزوج وهو كغيره من الناس، والتزويج للعصبة، والأولى بالتزويج الأب ولا يجوز تزويج غيره إذا حضر ثم بعده الابن والأخ، وقال بعض: الابن أولى والأخ أكرم والابن أولى عندي، وقال قوم: الأخ؛ لأَنَّه العصبة، والجد أولى من الابن، والأخ للأب والأم أولى من الأخ للأب، والأخ للأب أولى من الأخ للأم، وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب، وابن الأخ للأب أولى من العم للأب والأم ثم الأقرب فالأقرب ثم العصبات من كان أقرب فهو أولى بتزويجها، وإذا زوج امرأة ولدها وأبوها حي فوالدها أولى بتزويجها وبدمها والصلاة عليها، وقال محمد بن محبوب: فإن زوج الولد والوالد حي فما كنت أجيزه، ومن زوج ابنة ابنه وابنه حي فالأب أولى فإن جاز بها فأقول إنه جائز، وإن زوج امرأة أخوها لأمها ووليها على مسيرة يومين وبنى الرجل بها جاز النكاح وما كنت أحب أن يتزوج الآباء من وليها إذا كان قريبا، والأعمام أولى من الأخوال وإذا كان أخوال ليس معهم أعمام فهم أولى من غيرهم ولا يجوز للأرحام من قبل النساء إلا الأخوال.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/232)
صفحة 735
وكل من حضر من الأولياء إذا عدم الولي جاز الولي من بعده، وكل ولي امتنع جاز للولي من بعده أن يزوج وإن امتنع الأب أجبر على ذلك فإن لم يفعل زوج الولي من بعده، وكل ولي امتنع جاز للولي من بعده أو دونه أن يزوج؛ لأَنَّه حق للمرأة على الولي أن يزوجها بكفؤ لها وإن امتنع ولم يجد من يجيزه جاز لها أن تولي أمرها من يزوجها؛ لأَنَّه حق لها عندهم فظلموها فلها أخذه كما لها أخذ النفقة من مال من تجب عليه لها إذا ظلم فأما إذا لم يكن لها ولي وصح ذلك فعلى السلطان أن يزوجها؛ لأَنَّه قد جاء أن السلطان ولي من لا ولي له من النساء، ولو لم يجيء الحديث بذكر عادل أو جائر، ومخرج لك مخرج العادل؛ لأَنَّه لا حكم للجائر على مسلم ولا ولاية له في حرم المسلمين، وإن لم يكن سلطان فجماعة المسلمين يقيمون لها وليا يزوجها بمن رضيت به من الأكفاء بعد صحة ذلك لهم وتأمر هي الوكيل بعد إقامة المسلمين فإن عدم ذلك كله ولت أمرها رجلا من المسلمين يزوجها فقد أجاز ذلك بعضهم، وإذا كان جماعة ووكلوا واحدا كان أولى للحديث الذي جاء أن جماعة المسلمين محرم للمرأة، وإن أمرت المرأة من يزوجها من الناس برجل والولي حاضر فأجاز التزويج فذلك جائز وإن لم يعلم الولي حتى جاز الزوج فأجاز ذلك ورضيه، فقال قوم: جائز ولم يجزه آخره، ومن زوج والولي حاضر والمزوج أجنبي وجاز الزوج فرق بينهما قول ويعزر الناكح والمنكوح والشهود حد التعزير، وقال قوم: إذا لم نجز أمر الولي بتحديد النكاح وإن لم يحدد وجاز بها الزوج مع رضاها منه قال بعضهم: لا أقدم على الفراق وغير هذا النكاح أحب إلي منه، وقال بعضهم: إنه حلال جائز ولا يفرق بينهما إلا أنه مما يشدد فيه السلطان وينبغي أن لا يرخص للعوام فيه.
مسألة: (8/233)
صفحة 736
وإذا زوج المرأة أجنبي ودخل بها الزوج من قبل أن يتم الولي حرمت عليه أبدا أتم الولي بعد الدخول أو لم يتم ولها صداق هكذا حفظنا وبه نأخذ ويشدد فيه السلطان على من فعله ويكون منهم فيه النكير حتى يؤتى الأمر في ذلك على وجهه ولم يره حراما؛ لأَنَّ الأصل في ذلك إلى رضى المرأة ولأن الولي كالوكيل إلا أن المرأة التي زوجها أبوها وكرهت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما ولم يجز ذلك، وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر في نفسها وضمانها إقرارها، وأنه قال: اليتيمة تستأمر فإن رضيت فلها رضاها وإن أبت فلها أباها»، وإذا قالت امرأة: أنا امرأة فلان وهو غائب فما هي بامرأته وليس بنكاح حتى يتراضيا جميعا بالشهود والأولياء، ونؤتي الأمر في ذلك على وجهه ولم يره حراما؛ لأَنَّ الأصل في ذلك إلى رضى المرأة ولأن الولي كالوكيل، ألا ترى أن المرأة التي زوجها أبوها وكرهت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما ولم يجز ذلك، وروي أنه رفعت إليه امرأة تزوجت على نعلين فقالت: رضيت من نفسك ومالك بنعلين فقالت: نعم، فلم يفرق بينهما، فهذا كله يدل على أن الأمر والاختيار إلى المرأة، وقد جاء الحديث أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : « الثيِّبُ أَولَى بِنَفسِهَا مِن وَلِيِّهَا» (1)
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»، كتاب النكاح، بَاب (24) فِي الأَوْلِيَاء، ر511. ومسلم مثله، فِي النكاح، ر3541- 3543. وأبو داود مثله، فِي النكاح، ر2100-2101.. (8/234)
صفحة 737
واختلفوا في معنى هذا قال قوم: هي أولى أن تؤمر من يزوجها ممن رضيت به، وقال آخرون: هي أولى بنفسها؛ لأَنَّ الخيار لها من اختارته زوجت به بغير إذن وليها فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن استخيروا فالسلطان ولي من لا ولي لها، زوجها الولي أو لا أولى ألا ترى أنها تستأمر فإذا أمرت زوجت وإن لم تأمر لم تزوج.
مسألة:
وإن زوج امرأة أخوها لأمها فالسلطان أولى منه فإن كان دخل بها جاز النكاح وإن لم يجز بها رفع ذلك إلى السلطان فأتمه فإن كره الزوج تمام النكاح وقد كانا رضيا به جميعا فليس لهما نقضه والنكاح تام عليهما جميعا، وإن زوجها أخوها أو ابنها أو أحد من أوليائها وأبوها حي فإن تمم أبوها النكاح فهو جائز وإلا فرق بينهما، ومن كان لها أب حاضر بالمصر مثل عمان فلا يجوز لأحد أن يزوجها وإن لم يكن أب وزوجها فقد كان أبو علي يكره التفرقة بينهما، وقال أبو علي: كل ولي دون ولي جائز إلا الأب أجمع المسلمون أن الولي إذا عقد على البنت وهي بالغ كارهة لذلك أن العقد غير واقع سواء كان العاقد عليها أباها أو أخاها أو من بعد من الأولياء، وأجمعوا أن إذن الثيب بلسانها، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أيمُّا امرأةٍ نكحت بغيرِ إذنِ وليِّها وإن أصابها فلها مهرُها بما أصابَ منها وإن اشتجرُوا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ لهُ» (1) .
مسألة:
والخال ليس بولي وليس له أن يزوج المرأة فإن زوجها وكان لها عم غائب فقدم فأنكر (نسخة فغير) التزويج وطلب فسخه فإن لم يكن دخل بها فرق بينهما وإن كان قد دخل فغير هذا التزويج خير منه ولا أتقدم على التفرقة بينهما.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن عائشة بمعناه، باب في الولي، ر2083، 2/229. والترمذي مثله، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، ر1102، 3/407. (8/235)
صفحة 738
وإذا ادعت امرأة مع حاكم أنها لا ولي لها وأحضرته شاهدين فلم يسأل عن عدالتهما وزوجها ثم صح لها ولي بعد ذلك فلا يجوز إلا بشاهدي عدل أنهما لا يعلمان لها وليا بعمان ولا يعلمان لها زوجا، وقيل: الإمام يجوز له أن يأمر ولاته بتزويج من لا ولي له من النساء وأما القاضي فلا يجوز له ذلك، وقال أبو عثمان: إن زوج الأخ للأم جاز النكاح، وإن كان ولي المرأة أقلف فولت رجلا من المسلمين أمرها فزوجها فجائز وأما الأقلف فالله أعلم، ومن قطع البحر وكان في مثل الكوفة وبغداد أو الشام واشتباه ذلك فهو عندنا ممن لا تناله الحجة والله أعلم، وإذا كان وليها مشركا ولت أمرها رجلا مسلما زوجها بحضرة وليها المشرك.
مسألة: (8/236)
صفحة 739
وتزويج الولي غير البالغ فيه اختلاف منهم من أجاز تزويجه إذا كان سداسيا ويعرف الزيج من العين، ويميز بين الستين والسبعين ويمينه من شماله والسماء والأرض، وعن محمد بن محبوب: في تزويج الصبي قال: في نفسي منه، وعنه أنه كره تزويج ابن ست سنين إذا كان عاقلا وعرف كيف يزوج، وروي ذلك عن الربيع أيضا لا يكون له أن يعقد على غيره إذ لا بيع له في ماله ولا مال غيره وكذلك تزويجه، وقال غيره: لا يجوز كما أنه لا يجوز أن يعقد على نفسه، ويوجد عن جابر بن زيد ـ رحمه الله ـ أنه لم يجز تزويج الصبيان، وقال أبو المؤثر: قد أجيز تزويج الصبيان إذا كان سداسيا، وقال غيره: إذا كان الصبي لا يعقل فلا يجوز تزويجه، وإذا كان يعقل ما يزيد له وينقص ويعرف يمينه من شماله والسماء من الأرض وإذا خير بين درهمين ودينار اختار الدينار فقد قال بعض الفقهاء: جائز تزويجه ومنع آخرون، وروي أن جابر بن زيد لم يكن يرى تزويج الصبيان، قال الشيخ أبو محمد ـ رحمه الله ـ: إن الصبي لا يزوج حرمته حتى يبلغ، قيل له: فإن زوج ودخل الزوج بها أيفرق بينهما فتوقف عن الجواب، وقيل: إذا كان يؤنس رشده ويعرف الرضا والغضب (نسخة الربح من الغبن) وكان الزوج كفوا فتزويجه جائز على أكثر القول، وقيل: تزويج الصبي حرمته مع وجود ولي غيره جائز إلا الأب في أكثر القول إذا كان الصبي يؤنس رشده وكان سداسيا ومنهم من لم يثبت تزويج الصبي، ومن كان يعرف موضعه من الأولياء مثل التير وسيراف والبصرة وأشباه هذا حيث تناله الحجة كان تزويجه إليه وإن كان لا يعرف مكانه في البحر قاطعا ثم كان تزويجها إلى السلطان وإلى جماعة المسلمين قد قيل إذا قطع البحر ولي المرأة كان تزويجها إلى غيره من الأولياء فإن لم يكن ولي فالسلطان أو جماعة المسلمين إلا الحاج والغازي.
مسألة: (8/237)
صفحة 740
ومن كان وليها بعمان فلا تزوج حتى يحتج عليه وإذا قطعت حجته ولم يكن لها ولي غيره وكان في البلد سلطان كان هو أولى بتزويجها إذا صح عنده أنها لا ولي لها بعمان ولا زوج لها ولا هي في عدة من زوج، وقال أبو جابر: إن تزويج أصحاب العرفان جائز يعني بذلك الظاهرين في القرى بالأمر والنهي، ووجدنا عن موسى بن علي لو أن رجلا أجنبيا زوج امرأة ببرائها وجاز الزوج لم ينقضه نراه تزويجا ثابتا وإن لم يجز جدد النكاح لها فهذا أرخص شيء سمعنا به.
مسألة:
ومن حلف بالعتق والطلاق ألا يزوج ابنته بأهل قرابته فأبى أن يزوجها فليرفع ذلك إلى ولاة المسلمين ليزوجوها من أحبت، ويكره لها أن تحنث أباها في اليمين التي حلف في أهل قرابته، ومن طلب تزويج امرأة إلى حاكم ووليها في بلد وطالب التزويج في بلد آخر فليس للحاكم تزويجه ويخرج طالب التزويج إلى الولي ليزوجه وإن زوجت امرأة بغير إذن وليها فلا يجوز ولا تأمر الناس بذلك، وقيل: فهل كان جائز يقول: إنها بلغته قال: لم يبلغنا عنه ذلك، وإذا كان للمرأة ابن وأخ فأيهما شاءت ولت أمرها. (8/238)
صفحة 741
الولي إذا كان كافرا لم يجز أن يزوج المسلمة بإجماع وقد قال الله عز وجل: {إنما وليكم الله ورسوله...} (1) فقطع الولاية بين الكافرين والمسلمين، وقد زوج أم حبيبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن سعيد بن العاص وأبوها أبو سفيان حي، وكذلك إذا كان الولي عبدا لم يجز أن يزوج بإجماع، ولا يجوز للمسلم أن يزوج ابنته إذا كانت كافرة والمسلم لا يكون وليا للكافر ولا الكافر للمسلم، وعن أبي عبيدة القاسم أنه لم يفرق نكاح امرأة زوجها رجل من عشيرتها بحفيت ودخل بها ووليها بضنك، وقال مسلم بن إبراهيم: إذا زوج رجل أجنبي امرأة وتمم الولي النكاح قبل الدخول جاز النكاح فإن دخل قبل أن يتم الولي النكاح فسدت، وقال هاشم: قد قال بذلك من الفقهاء من قال في التي لم يدخل بها أوجب أن يجددوا لها النكاح وأما التي دخل بها فقال هاشم: فيها مثل قول مسلم إذا دخل بها قبل أن يتمم الولي النكاح فسدت.
مسألة:
وإذا زوجت امرأة نفسها من رجل وأمرت من زوجه بها أو زوجه أمها أو خالتها وأخوها لأمها أو رجل أجنبي ورضيت به زوجا ودخل بها ولها ولي فأمضى النكاح بعد الجواز فعن محمد بن محبوب أنه قال: لا أتقدم على تحريم هذا النكاح ولا على الفراق بينهما وغير هذا النكاح أحب إلي منه، وعن عزان بن الصقر: في امرأة زوجت أختها وجاز الزوج قال: لا أتقدم على فسخ النكاح فإن لم يدخل بها فالنكاح باطل ويجدد الولي، وإن أملك الرجل امرأة ليست منه في شيء فلما بلغ الولي أمضى فقال الزوج: لا أمضي فالقول عندنا أن الزوج إن نقض قبل إتمام الولي بطل النكاح وإن نقضه بعد إتمام الولي جاز النكاح ونقض الزوج ليس بشيء.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/239)
صفحة 742
وإن زوج امرأة ابن عمها وأخوها حاضر وزوجها ابن عمها لأبيها وعمها لأبيها أخو أبيه وأمه شاهد فعندنا أنه لا يرد نكاحه؛ لأَنَّ هذا ولي من الأولياء، فإن زوجها ابن عمها إلى عشرة آباء وابن عمها إلى خمسة آباء شاهد، فإن كان لها بعد ابن عمها إلى خمسة آباء عصبة أقرب من صاحب العشرة بعد الخمسة فهو عندنا بمنزلة تزويج الأجنبي والله أعلم، وإن لم يكن بينهما ولي أقرب من العشرة بعد الخمسة فهو ولي بعد ولي والقول فيه كقولنا في الأول.
مسألة:
والمعتقة الأولى بتزويجها العصبة فإن لم يكن عصبة فالسلطان وأولياء نعمتها والسلطان أحب إلي، وإن زوج ولي النعمة جاز إن شاء الله، فإن قبلت فللأرحام أن يأخذوا بها ولهم القود، وقال أبو محمد: تزوج المعتقة من أعتقها فإن لم تكن هي المعتقة وكان أبوها هو المعتق فالذين أعتقوا أباها أولى والسلطان يزوجها، وقال أبو الحسن: والمعتقة ولاها لمن أعتقها وهو أولى بتزويجها، ومن كان لها أب مملوك وهي حرة فسيده أولى بتزويجها وإن كان لها إخوة أحرار فهم أولى بتزويجها من أبيها المملوك العبد، وقال بعض: إذا كان والد المرأة مملوكا فالسلطان ولي من لا ولي له، وعن بعضهم: وأظنه الفضل والله أعلم، في عبد له بنت حرة قال: هو وليها، وفي أثر أن زوج العبد انتبه وجاز الزوج بها لم يفرق بينهما ولا يؤمر بذلك، وجائز للقاضي والسلطان أن يزوج نفسه امرأة لا ولي لها وهو مثل الولي وإن وكل من يزوجه فهو أحسن وإن زوج نفسه جاز له ذلك، وكل ولي دون ولي فجائز إلا الأب ولكن يؤمر إذا لم يجز الزوج بها أن يجددوا النكاح فإن جاز لم يفرق بينهما وقد قال بعض الفقهاء: أنه إذا زوج الولي الثالث فرق بينهما جاز الزوج أو لم يجز وذلك مثل أخ وابن أخ وعم إذا زوج العم.
مسألة: (8/240)
صفحة 743
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « السُّلطَانَ وَلِيُّ مَن لاَ وَلِيَّ لَه مِنَ النِّسَاءِ» (1) ولم يذكر عدلا ولا جائرا فظاهر الخبر يدل على أن كل من استحق اسم السلطان فعليه الولاية على العقد للنساء اللواتي لا أولياء لهن، وكان أبو المنذر بشير ـ رحمه الله ـ يقول بذلك وخالفه كثير ممن كان في أيامه ومن يقدمه أيضا من أصحابنا ولم يجعل ولايتهن إلا السلطان العدل أو المسلمين إذا عدم العادل والله أعلم، وإذا تزوجت امرأة ثبت لغير أمر وليها فهو تزويج جائز والرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الثيب أولى بنفسها من وليها»، ومن زوج امرأة معه أنه وليها بالشهرة ولا يعرف صحة النسب إلا ما شهر عنه أنه ولي لها من غير أن تكون لها تلك الشهرة يعرفها أهل البلد كافة وإنما هي شهرة مع بعض دون بعض وليس أحد ممن يعرف الشهرة ينكرها ولا يدعي أحد فيها نسب غير ما قد شهر فهذا تزويج صحيح وهو وليها ما لم يتناكروا ذلك أو يصح صحة النسب على تلك الشهرة فأما الميراث فالأرحام أولى به ما لم تكن هناك شهرة شاهرة يشهد بها عدلان عند الحاكم.
مسألة:
ومن لم يكن لها ولي بعمان فاجتمع قوم وأمرت امرأة منهم واحدا ليزوجها فزوجها بكفؤ لها فالواجب أن يقيم لها المسلمون وكيلا ليزوجها فذلك المأمور به وإن زوجها هو برأيها فالرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « الثيِّبُ أَولَى بِنَفسِهَا» وهذا تزويج جائز ثم قال: ولو كان وليها حاضرا، ثم رجع عن هذا القول فقال: إذا كان الولي حاضرا فهو أولى بها.
مسألة:
__________
(1) رواه الترمذي عن عائشة بلفظ قريب، فِي النكاح، ر1125. وأبو داود مثله، فِي النكاح، ر2085. (8/241)
صفحة 744
وقال أبو محمد: وعند الشافعي أن النكاح إلى الأولياء لا إلى النساء واحتج في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الحسن أنه « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» واحتج أيضا بقول الله عز وجل ذكره: {الرجال قوامون...} (1) .
فالقوام أمر النساء هم الرجال، وعندي أنه غلط في تأويل هذه الآية والله أعلم؛ لأَنَّ آخرها يدل على ذكره في أولها الرجال هم الأزواج لقوله: {وبما أنفقوا من أموالهم} (2) وقال بعد هذه في الآية: {واهجروهن في المضاجع...} (3) ، قال أصحابنا نحو ما قاله الشافعي وأن عقد النكاح إلى الرجال دون النساء وحجتهم في ذلك قول الله جل ذكره: {وإذا طلقتم النساء...} (4) قالوا: هذا يدل على أن المرأة لا يجوز تزويجها إلا بإذن وليها؛ لأَنَّ الله تعالى نهى الأولياء أن يعضلوا من يكون عليها من النساء إذا تراضوا مع أزواجهن بالمعروف قالوا: فهذا يدل على أن المرأة لا يجوز لها تزويج إلا بإذن وليها، والذي عندي والله أعلم أن الخطاب ورد في ذلك لغير هذا المعنى؛ لأَنَّ الله عز وجل أضاف التزويج إليها لا إلى الولي بهذه الآية فقال: {أن ينكحن أزواجهن} (5) وأضاف التراضي إلى الزوجين لم يجعل للولي في ذلك حظا من الخطاب، والنظر يوجب عندي أن يكون للمرأة أن تزوج نفسها إذا وضعت نفسها في كفء؛ لأَنَّ نهي الله جل ذكره الأولياء في العضل يوجب أن الحق لهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف وإذا وضعت نفسها في غير كفؤ فحينئذ يكون للأولياء فسخ النكاح؛ لأَنَّه تراض على غير معروف، ألا ترى إلى قوله تبارك وتعالى في آية الدين: {فإن كان الذي عليه الحق...
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة (8/242)
صفحة 745
} (1) فرد الإسلام إلى الولي إذا وجد السفه والعجز من له وعليه الحق حتى ردوه إلى الأولياء، وقد قال كثير من أصحابنا: إن المرأة إذا وضعت نفسها في كفؤ لم يكن للولي فسخ ذلك النكاح ولا يفسخ الحاكم ولكن يؤمرون بتجديد النكاح بحضرة الولي إذا لم يقع الدخول وهذا يدل من قولهم على حسن السياسية والتأديب لئلا يجترئن على الخروج من آراء أوليائهن والاستخفاف بحقوقهم والله أعلم، إلا أني ناظر في تزويج البكر بغير رأي وليها وأنا أطلب الحجة في إجازة ذلك أو حظره من السنة والشائق إلى نفسي أن لا يجوز والله أعلم، فإن قال قائل: في معنى قول الله تعالى للأولياء {فلا تعضلوهن...} (2) إن كانوا بمنزلة الأحسنين في أن لا ولاية لهم عليهن في عقد النكاح قيل له: المعروف في أكثر العادات أن النساء يكن عند آبائهن وفي منازل أوليائهن فإنما منع الولي أن يتعرض لها في نفسها ويمنعها عن الخروج إلى زوجها؛ لأَنَّ الآية تدل على أن التزويج قد كان قبل المنع وقبل التراضي من الأولياء؛ لأَنَّ قوله: {فلا تعضلوهن...} (3) يدل على ذلك، وإذا كانت امرأة مسلمة ولها ولي مشرك فليس هو ولي لها ولتجعل وليها رجلا من المسلمين يزوجها، أجاز بعض أصحاب الظاهر تزويج الصبي الصغير الولي واحتج لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة: «زوجيني نفسك، فقالت: ليس معي أولياء، وكان معهم ابن عم لها صغير فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قم يا غلام فزوجها مني» (4)
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) لم أجده.. (8/243)
صفحة 746
وأنه تزوجها أيضا بلا شهود، ويدل على هذا ويؤيده ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها فدل ظاهر هذا الخبر أن الولي لا حق له في عقد النكاح عليها ولا يملك ذلك دونها كما يقال إن فلانا أحق من فلان أن الثاني لا حق له»، وفي بعض الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ رأيٍ من وليِّها فنكاحُها باطلٌ» (1) فإن صحت هذه الرواية كانت على عمومها لكل امرأة كانت بكرا أو ثيبا، والخبر الذي ذكرناه أن الثيب أحق بنفسها مخصوص وخرجت الثيب بالخبر المخصوص وبقي الإنكار على العموم، وفي رواية: «أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فتزويجه باطل» معناه بغير إذن وليها، قال الله تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا...} (2) والمولى هو الولي والمولى المعتق، والمولى ابن العم، والمولى الأولى، والمولى الجار، والمولى الصهر، جاء في الحديث: «البكر إذنها صمتها والثيب يعرب عنها لسانها»، وفي خبر المرأة إنما قالت لترفع بي حسبه فجعل أمرها إليها فقالت: قد أجزت ما منع أبي غير أني أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء، وزعم الشافعي أن الأب إذا زوج ابنته الكبيرة ثبت عليها وإن كرهت وإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « الثيِّبُ أَولَى بِنَفسِهَا مِن وَلِيِّهَا» لغير الأب وهذا خطأ منه على أصله؛ لأَنَّ قوله إن الأخبار على العموم فكيف ترك أصله، وقد رويت أخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرة أن البكر إذا زوجها أبوها فكرهت لم تجز عقده عليها منها ما روي من طريق أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تُستأذن البكرُ في نفسِها إذا زوَّجها أبوها فإن سكتَتْ فهو إذنُها وإن أبتْ فلا جوازَ عليها» (3)
__________
(1) انظر حديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها...".
(2) سورة
(3) رواه أبو داود عن أبي هريرة بمعناه، باب في الاستئمار، ر2093، 2/231..والترمذي مثله، باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج، ر1109، 3/417. (8/244)
صفحة 747
ومن طريق عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « استَأمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبضَاعِهِنَّ» (1) قالت عائشة:؛ لأَنَّ البكر تستحي أن تتكلم وسكوتها إقرارها فسوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين البكر والثيب أنها تستأمر في بضعها وجعل سكوت إقرارها فما قيل فيه الإقرار يجب أن يقبل فيه الإنكار، ومن طريق عكرمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين امرأة وزوجها، زوجها أبوها وهي كارهة، ومن طريق عائشة أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إن أبي زوجني بابن أخيه ونعم الأب ولكن يرفع حسبه بين قالت: فجعل الأمر إليها ونحو هذا، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة رفعت إليه - صلى الله عليه وسلم - في عقد أبيها عليها بغير أمرها فرد - صلى الله عليه وسلم - نكاحها، واستدل الشافعي على صحة قوله بثبوت عقد أبي بكر على عائشة وهي ابنة سبع سنين وثيابها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي ابنة تسع سنين فيبين أن الكبيرة يجوز العقد عليها بغير أمرها هذا غلط منه وقد ناقض وأجاز بيع أمته الصغيرة ولم يجز بيع أمته الكبيرة، والرواية عنا الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» فتعلق الشافعي بهذا الخبر وجعله أصلا وزاد في الخبر فقال: لا يجوز إلا بشاهدي عدل تأويلا منه وليس في الخبر شاهدا عدل وأكثر من وافق الشافعي في هذا الخبر من أجاز النكاح بشهادة مسلمين، وقول النبي - عليه السلام - : «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» (2)
__________
(1) رواه النسائي عن عائشة بلفظه، فِي النكاح، ر3279. وأحمد فِي مسند عائشة مثله، ر24917، 24920.
(2) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، كتاب النكاح، بَاب (24) فِي الأَوْلِيَاء، ر511. ومسلم مثله، فِي النكاح، ر3541- 3543. وأبو داود مثله، فِي النكاح، ر2100-2101.. (8/245)
صفحة 748
والأيم هي التي لا زوج لها، الدليل على ذلك قوله تعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (1) وأما قوله تعالى: {فلا تعضلوهن أن ينكحن...} (2) يدل على أنها إذا رضيت بصداق لنفسها يصح به العقد لم يكن لوليها نقضه؛ لأَنَّه أضاف النهي إليها دون الولي والله أعلم.
مسألة:
ومن أنكح ابنته رجلا فأنكرت ذلك بما بلغها لم يثبت النكاح عليها؛ لأَنَّ النكاح لا يتم إلا برضى المرأة فإذا لم ترض فلا نكاح، وروي عن عكرمة أنه كان يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا باستئمارهن، فهذا يدل على أن النكاح لا يثبت عليها إلا برضاها وإذا لم يثبت النكاح فلا طلاق عليها والله أعلم.
مسألة:
وللمرأة أن تزوج نفسها من كفء لها إذا عضلها وليها من التزويج ومنعها من ذلك وهو حق لها كما جاءت السنة بأن تأخذ المرأة من مال زوجها النفقة إذا منعها ذلك الحق الذي يجب لها وهو التزويج أن تزوج نفسها من كفؤ بغير أمر وليها بصداق مثلها والله أعلم، ألا ترى أن المرأة إذا كان لها على وليها مائة درهم فامتنع أن يدفعها إليها وهو قادر على ذلك أن لها إن قدرت على أخذ حقها من ماله بعد الحجة عليه أن تأخذه كذلك إذا قدرت على حقها من التزويج ولم يزوجها بمنع منه لها وظلم لها كان لها أن تفعل ذلك وبالله التوفيق.
مسألة:
والمسلمة إذا كان أبوها مشركا لم يجز أن يزوجها فإن زوجها ودخل بها فرق بينهما وهذا تزويج فاسد، وإذا أسلمت امرأة ولها أولياء مشركون من أهل الكتاب أو غيرهم فالمسلمون أولياؤها ولهم أن يعقدوا عليها النكاح بأمرها وكذلك إن كان لها ولد مشرك فالمسلمون أولى بها.
مسألة:
__________
(1) سورة النور: 32.
(2) سورة (8/246)
صفحة 749
وإذا كان للمرأة وليان فأمرتهما أن يزوجاها فزوجها كل واحد بزوج فإنه يثبت عليها الذي عقد عليها أولا، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أنكح الوليان فالأول أحق، فإن اختارت هي الأخير ودخل بها فسدت عليهما جميعا؛ لأَنَّه قد تبين للزوج وهو الأول أنها زنت فحرمت عليها ولها الصداق على الأخير بالوطء ولا صداق لها على الزوج وقد بانت منه، وإذا زوجت امرأة نفسها على رضى وليها فرضي الولي فقد أجازوه، وعن علي في هذه المسألة هي امرأة الأول دخل بها الأخير أو لم يدخل، وإذا طلبت المرأة التزويج فامتنع أبوها وزوجها أخوها جاز تزويج الأخ؛ لأَنَّه حق لها والله أعلم، وإذا كان ولي المرأة قاطع البحر فهي بمنزلة من ولا ولي له واختلفوا في وكالتها لنفسها فمنهم من لم يجز ذلك فإن فعلت فبعض فرق وبعض أجاز ذلك وأحله، وإن كان أبوها بعمان لم يجز تزويجها إلا بمشورته، وإن كان غائبا من عمان ولها أخ من أمها وكل المسلمون أخاها من أمها ووكل من يزوجها بكفؤها، وإن لم يكن لها ولي فحاكم المسلمين فإن لم يكن وكان لها خال جاز لخالها أن يزوجها إذا وكلته على بعض القول، وقيل جماعة من المسلمين وإن وكله المسلمون جاز.
مسألة: (8/247)
صفحة 750
والمرأة إذا كان لها أب مملوك زوجها موالي أبيها فإن لم يكن لأبيها موالي ولا هي مولى فالحاكم فإن لم يكن فجماعة المسلمين، ومن خطب امرأة فأبى أخوها أن يزوجها فلتأت عشيرتها وقومها فيزوجوها إذا كان الخاطب لها كفؤ والمرأة إذا زوجها وليان برجلين فنكاح الذي رضيت به أولا أولى من نكاح الآخر إلا أن يكون الأب، وإن أمرتهما جميعا أن يزوجوها فالذي رضيت به أولا فهو أولى، فإن دخل بها الذي رضيت به أخيرا فسدت عليه أبدا وللأول مراجعتها بالعقدة الأولى ولا يطأ حتى تنقضي عدتها من الداخل بها، وإن كرهها الذي رضيت به أولا لم يكن لها عذر في إجازة الأخير على نفسها وأجبر الأول على طلاقها ولا صداق لها عليه وإن كانت لها حجة يتعذر بها طلاقها الأول إذا كرهها وأعطاها نصف الصداق ولها على الذي دخل بها الصداق كاملا، فإن رضيت بهما جميعا فالأول أولى فإن رضيت بالأول ولم ترض بالآخر فالأول هو الزوج فإن رضيت بالآخر ولم ترض بالأول فالآخر هو الزوج فإن رضيت بهما جميعا وجاز بها الآخر الذي رضيت به فعليه الصداق ويفرق بينهما، معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «والثيب تستأمر» وتستأذن البكر يقول استأمروا الثيب عند عقد النكاح لها، ومعنى: «البِكرُ تُستَأذَن» يقول: استأذنوا البكر عند عقد التزويج لها، وفي خبر أنه قال: « وَإِذنُها صمتها»، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : « الثيِّبُ أَولَى بِنَفسِهَا» يقال في حسن الاختيار وأن تتخير لنفسها من شاءت إلا أنها تزوج نفسها ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ»، وقيل له: أيهما أولى بتزويج المرأة وصي أبيها أو عصبتها؟ فقالك فيه اختلاف، منهم من قال: الوصي أولى، ومنهم من قال: عصبتها أولى وعندي أن عصبتها أولى؛ لأَنَّه ولي الدم.
مسألة: (8/248)
صفحة 751
والمسلمة إذا كان أبوها مشركا قال بعض: هو وليها في الأمر يأمر رجلا مسلما يزوجها، وقال أبو عبد الله: ليس هو بولي لها والحاكم أولى بتزويجها إذا لم يكن لها ولي من المسلمين، وقال أبو الحواري: سمعنا أن أباها يؤمر أن يحضر عقدة النكاح ويلي العقد غيره من المسلمين، وإن أبى أبوها أن يزوجها فلتتزوج بإذن أوليائها من المسلمين أو تولي نفسها رجلا من المسلمين، قال أبو عبد الله: إذا لم يكن لها ولي فلترفع أمرها إلى ولاة الأمر ليزوجوها.
مسألة:
وليس للخنثى أن يزوج أحدا من نسائه والذي أعلى منه من الأولياء أولى بالتزويج منه فإن زوج هو جاز؛ لأَنَّه نصف عصبة، ومن علم من ابنته أو أخته أو قريبته ممن يتولى أمرهن زنا غير أنها ليست بمحدودة ولا رفع ذلك عليها فتابت وأصلحت أو لم تتب فما نحب له أن يتولى تزويجها وما نقول إنه حرام على هذه الصفة، والأمة عندنا مثلها ما لم يظهر ذلك.
مسألة:
ومن أملك أختا له برجل ووالدها حي فلما بلغ الوالد الإملاك قال: لا أتمه وقد نقضته فذلك لا يجوز إلا أن يكون الوالد قد وكل ابنه بالإملاك، ومن أملك رجلا بامرأة ولده أو غير ولده من غير أن يرسله ثم اتفقوا على فسخ النكاح من قبل أن يصل إلى الذي ملك عليه علم ذلك فذلك لهم، فإن قال الذي أملك عليه: كل امرأة له فهي طالق قبل أن يعلم بالملك فإنها لا تطلق فإن ماتت المرأة قبل أن يبلغه فبلغه فرضي فإنه يرثها وعليه يمين أن لو بلغه الملك لرضي، فإن مات هو قبل أن يبلغه لم ترثه هي، فإن كان أرسله فهي عقدة ويتوارثان إذا أرسله.
مسألة: (8/249)
صفحة 752
وإذا كان الولي مصابا بصرع على الأهلة وهو غير بالغ أيضا وكان في سن من يجوز تزويجه فعن أبي زياد أنه أولى بالتزويج إذا زوج في وقت عقله، وإذا ملك المرأة أجنبي وأشهد على الملك أباها ثم أنظر الخطيب الخطبة فإن شهادة الأب لا يجوز بها الصداق ولكن يقال للخطيب إن شئت فادخل بها وعليك الصداق، وإن شئت طلق ولا صداق عليك فإن أبى أن يفعل شيئا من ذلك أجبر على الطلاق.
مسألة:
ومن تزوج امرأة من وليها بغير إذنها فلما بلغها التزويج غيرت النكاح ولم ترض به فالعقدة منفسخة فإن كلموها بعد ذلك فأجابت ورضيت فإنها لا تصير زوجة له إلا بعقد ثان تأذن فيه أو يبلغها فترضى به، وإن كان قد دخل بها بعد أن غيرت ثم رضيت على العقد الأول فإن لها الصداق ويفرق بينهما، ويوجد لموسى بن علي ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة جواب ذكره محمد بن جعفر في الجامع ولا نعلم وجه قوله في ذلك إن كان قول له وبالله التوفيق، ولو استأذنها وليها في تزويجها فأذنت له فزوجها فلما بلغها ذلك غيرت فأكثر أصحابنا قالوا أن لها إن تغير وتفسخ عن نفسها النكاح، وقال محمد بن محبوب فيما وجد عنه: أن النكاح ثبت عليها وإنما لها أن تفسخ ما لم يكن أذنت فيه قبل العقد وهذا القول الذي يوجبه النظر؛ لأَنَّ الولي فيما يتولاه من العقد لها كالوكيل يتولى العقود على الموكل بأمره وعلتهما واحدة والله أعلم، وكذلك إن تزوجها رجل من وليها ثم وصل فأعلمها فصدقته وأجازته على نفسها فذلك مكروه ولا يفرق بينهما، وإن كتمها التزويج ولم يعلمها فمكنته من وطئها من غير أن تعلم بعقد النكاح فرق بينهما ولها الصداق بالوطئ ولا تحل له أبدا، وإذا زوج المرأة عمها ولها ولد فغير الولد التزويج فإنه يؤمر بتجديد النكاح ممن هو أولى فإن كان الجواز قد وقع لم يفرق بينهما، وقال بعض الفقهاء: إذا زوج الولي الثالث فرق بينهما جاز الزوج أو لم يجز وذلك مثل أخ وابن أخ وعم إذا زوج العم فرق بينهما.
مسألة: (8/250)
صفحة 753
والمرأة إذا زوجها وليان برجلين فالتزويج هو الذي رضيت به وإن كانت رضيت بهما جميعا فالذي زوج قبل صاحبه أولى من نكاح المؤخر إلا أن يكون هو الأب، وإن أمرتهما جميعا فزوجوها فالذي رضيت به وإن رضيت بالأول ولم ترض بالآخر فالأول هو الزوج وإن رضيت بالآخر ولم تكن رضيت بالأول فالأخير هو الزوج فإن رضيت بهما جميعا وجاز بها الأخير الذي رضيت به فعليه الصداق ويفرق بينهما وينظر بقدر العدة وترجع إلى الأول إن كان لها عذر في إجازة الأخير على نفسها وإن لم يكن لها عذر في إجازة الأخير حرمت عليهما جميعا؛ لأَنَّها خانت الأول والأخير وطئ غير زوجته وإن كان لها عذر وكرهها الأول إذا وطئها الأخير أجبر على طلاقها ويعطيها نصف الصداق، فهذا عن أبي الحسن ـ رحمه الله ـ: وفي كتاب أبي قحطان ـ رحمه الله ـ قال: فإن دخل بها الذي رضيت به أخيرا فسدت عليه أبدا وللأول أن يرجع إليها بالعقدة الأولى ولا يطأها حتى تنقضي عدتها من الرجل الذي كان دخل بها، وإن كرهها الذي رضيت به أولا ولم يكن لها عذر في إجازة الأخير على نفسها أجبر الأول على طلاقها ولا صداق لها عليه فإن كانت لها حجة تعتذر بقها طلقها الأول إذا كرهها وأعطاها نصف الصداق وكذلك عن أبي عبد الله ولها على الذي دخل بها الصداق كاملا، وفي أثر إن رضيت بهما فدخل بها الأخير فلا صداق لها على الأول ولا على الثاني ولا عليهما وجهلها يضرها.
الباب الثامن عشر: فيما يسلمه الأولياء للمرأة من الزوج قبل العقد والعدة وغير ذلك وأحكام ذلك (8/251)
صفحة 754
وإذا خطب رجل لرجل أختا له أو غيرها فأنعم له واتفقا على الصداق فبعث الطالب بدقيق وسمن ولحم إلى أهل المرأة وتهيأوا للتزويج في ليلة معروفة وأن أهل المنزل فرغوا من الطعام ودعوا الرجال ثم جاء الخاطب ومعه عم له فدعا أخا الجارية فطلب إليه أن يبرئ الرجل من شيء كان شرط عليه ويقبل منه شيئا غيره فأبى فتنازعوا في ذلك ساعة كل هذا ولم يقع العقد ثم إن الجارية قام من عندهما وتركهما في المجلس ودعى بالطعام على غير ملك والخاطب في موضع آخر فأكل الرجال برأي أخي الجارية ثم تفرقوا على غير تزويج ثم عاود الطالب أخا المرأة فطلب منه التزويج فأبى فزوجها من غيره فقال الطالب: ردوا علي ثمن الطعام الذي أطعمتموه الرجال برأيكم ولم تزوجوني فردوا عليه العاجل وقالوا: أنت بعثت بالطعام ليأكله الرجال فأطعمناهموه، فإن كانوا هم الذين طلبوا إليه أن يبعث إليهم الطعام فعليهم رده عليه وإن كان هو الذي بعثه برأيه من غير أن يطلبوا إليه فلا أرى عليهم شيئا ولا أرى له شيئا يرد عليه؛ لأَنَّه هو الباعث.
مسألة:
ومن تزوج صبية غير بالغ ودفع إلى الولي دنانير أو دراهم لتشتري بها ثيابا فاشترى الولي وبلغت الجارية فأنكرت التزويج وطلب الزوج ما أعطاهم فإن كان أمرهم أن يشتروا لها ثيابا فله تلك الثياب وإن دفع إليهم الدنانير ولم يأمرهم بالشراء فاشتروا هم برأيهم ثيابا فله دنانير.
مسألة:
وإن ارتشى الولي في التزويج من الزوج حتى زوجه فذلك للمرأة، وإن دفعت امرأة إلى رجل دراهم يتزوجها بها فإذا وهبتها له فلا بأس، وإن كانت أعطته بتزوجه بها ولم تعطه هو إياها فتزوجها بها فقد تزوجها على مالها ولم يتزوجها بشيء من عنده فهو كمن تزوج على غير صداق فإن دخل بها فلها كصداق أوسط صداق من صداقات نسائها.
مسألة: (8/252)
صفحة 755
وإذا دفع الرجل إلى ولي المرأة عاجل صداقها مرسلا له بما دفع إليه فضاع فعلى الزوج بدله ولا ضمان على الولي في ذلك إذا دفعه لتقصيه حرمته وإن كان الولي هو يقتضي ذلك منه سقط الضمان عن الزوج والله أعلم.
مسألة:
ومن زوج أخته من رجل هو وليها وقبض العاجل ولم يوصله إلى أخته وطلبت حقها فقال الأخ: لما علم أنه مأخوذ به أتاني بعاجلها ولم أطلبه إليه فذهب مني فإنه لازم له إلا أن يقيم بينة بأن الزوج أتاه بالعاجل ليدفعه إلى أخته فهو أمين للزوج وحق المرأة على زوجها.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ودخل بها وقد سلم إليها عاجلها واشترت به ثيابا فإن تلك الثياب لا تحتسب للزوج وعليه أن يحضرها كسوتها، وإذا أهدى الرجل إلى زوجته هدايا أو ضحايا من عاجلها وطلب ذلك الزوج قال أبو عبد الله: ليس له ذلك من عاجلها ولا من آجلها حتى يشترطه عليها.
مسألة: (8/253)
صفحة 756
ومن تزوج على صداق عاجل وآجل فدفع عاجل صداقها إلى ولي لها على أنه قابض لها بما له الولي ذلك أو دفعه هو إليه رسولا له إليها فهو على الضمان إلى أن يقر بقبضه عنده هكذا يوجد عن أصحابنا ولم يفرقوا بين ولي هو أب أو ولي هو عصبة، وعندي أن تسليمه إلى الولي الذي هو أب تقع به البراءة؛ لأَنَّ الأب له ولاية تامة على ولده وفي ماله ليس ذلك لغيره من الأولياء وهذا الذي اخترناه أشبه بقول أصحابنا على أصولهم إذا لم يذكروا الولي الذي له القبض أي ولي هو أب أو غيره والله أعلم، قال الشافعي في كتاب الصداق: ويبرأ الزوج بدفع الصداق إلى البكر، وقال في القديم من قوله: للأب أن يعفو عن الصداق عند الطلاق قبل الدخول، وقال صاحبه ابن شريح: إن البكر التي ذكرها الشافعي هي الصغيرة والمحجور عليها، ولم يفرق أصحابنا بين الصغيرة والكبيرة وقول أصحابنا هو الصحيح إن شاء الله، وقد كان شعيب زوج موسى عليهما السلام ابنته على صداق حصل له دونها على ما روي وظاهر الكتاب يدل على أن الصداق الذي عقد عليه نكاح ابنة شعيب من استئجار موسى عليهما السلام حصل للأب دون ابنته والله أعلم، وقد يحتمل أيضا أن يكون لها إذا أذنت لأبيها في ذلك ويحتمل أن يكون عطية منها لأبيها بقولها: {يا أبت استأجره} (1) والله أعلم، ومن زوج ابنته على ألف درهم وله ألف درهم فجائز، فإن زوج أخته على نحو ذلك لم يجز؛ لأَنَّه لا يجوز لأحد أن يشترط لنفسه شيئا إلا للوالد فمن اشترط لنفسه شيئا كان ما اشترط لنفسه ولها وقبل به الزوج للمرأة كله وليس له هو شيء، ومن قال لرجل: زوجني أختك أو حرمتك أو امرأة هو يلي تزويجها وذلك على كذا فليس للولي أخذ ذلك فإن أخذه فهو للمرأة المزوجة زيادة في حقها، فإن قالت المرأة لوليها: زوجني بفلان ذلك على كذا أو كذا فإن كان يمتنع من تزويجها إلا بالكري فلا يجوز له ذلك فإن كان غير ممتنع فوهبت له ذلك شيئا من مالها لم أقل إنه حرام.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/254)
صفحة 757
وإذا أخذ الأب نقد ابنته فأكله أو قضاه وأراد أن يجيز الرجل على ابنته فكرهت ذلك حتى تأخذ نقدها، قال أبو جابر محمد بن علي: ذلك لها ويؤخذ الزوج بنقدها ويأخذ الزوج الأب بما أعطاه إلا أن تكون المرأة قد وكلت والدها في قبض نقدها فيلزم الأب أن يؤدي إلى ابنته نقدها، ومن ملك امرأة لم يجز بها وكان يصلها بشيء من الطعام والثياب وأشباه ذلك يعطيها ويعطي أهلها فلما كان بعد ذلك افترقا وطلب أن ترد عليه جميع ما أوصله فقد قالوا إن له جميع ذلك كله ترد عليه ما سلم إليها وإلى أبويها وذلك إذا لم يكن دخل بها فإن كان قد دخل بها فإنما ترد عليه ما استثنى واشترط عند البرآن فإن لم يشترط شيئا لم يكن له إلا ما عليه وكذلك إذا لم يكن وقع العقد وكان يهدي لهم مع الخطبة ثم انفسخ أمرهم ولم يكن هناك عقدة فإنهم يردون عليه جميع ما أهدي لهم من هدية كان ترك التزويج من قبله أو من قبلهم، فكل شيء أهداه إليهم من أسباب الخطبة فهو مردود عليه من قليل أو كثير، قال أبو الحواري: وكذلك حفظت في هذا، ومن أراد تزويج امرأة وأعطته ألف درهم فقالت له: هاك تزوجني بهذا الألف فجعل من عنده عشرة دراهم مع الألف ودفع ذلك إليها فجائز ذلك، ومن كان يهادي قوما طلب أن يتزوج ابنتهم فلما بلغت الجارية لم ترض به زوجا وطلب الرجل رد ما أهدى إليهم فإن كانت الجارية هي التي قبضت ذلك وهي صبية فلا يحرم عليها وهو ضيع ماله وإن كان الأم هي التي قبضت ذلك فقد قيل: إن عليهم رد ما قبضوا منه من قليل وكثير، ومن خطب إلى قوم حرمة لهم وكان يصوغ ويشتري لهم الأشياء من كتان وثياب وشوران وزعفران ويعطيهم ذلك ولا يقول إن ذلك الذي يحمله إليهم هو من حقها فأرادت المرأة البرآن أو ماتت وطلب وريثها صداقها فإن كل شيء صار إليهم البرآن ونسخة وكيلها وقبضته من قبل الدخول محسوب عليهم جميع ذلك من قليل وكثير حتى الضحايا التي يضحيها لها فإنها تحسب له عليها وما كان بعد الدخول فلا تحسب له (8/255)
صفحة 758
عليها إذا كانت معه أو كان معها إلا أن يشترط ذلك عليها وما كان قبل الدخول فهو له شرطه أو لم يشترطه، ومن أراد أن يتزوج امرأة فأهدى إليها قطنا وكتانا فغزلته وعملته ثم أبت أن تأخذ الرجل فإن الثياب للرجل وعليه للمرأة أجرة غزلها مثل أجرة غيرها مما أن يتغازل الناس مثل ذلك الغزل.
مسألة:
ويستحب للرجل أن يعطي المرأة شيئا قبل دخوله بها وليس ذلك بواجب، الدليل على أنه غير واجب ما روي عن عائشة قالت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا.
الباب التاسع عشر: في الولاية والوصاية والوكالة في التزويج والأولى بذلك (8/256)
صفحة 759
قال موسى بن أبي جابر فيمن أوصى إلى رجل وجعله وصية بعد موته في تزويج ابنته فزوجها جدها أن ذلك جائز وقال: أيهما زوج أصاب ويجوز لهما جميعا، وقال محمد بن محبوب: ومن أوصى إلى أجنبي أو إلى زوجته في ماله وولده وله جائز الأمر يقوم مقامه فقد قال بعض الفقهاء: إنه إذا أوصى إليه في ماله وولده فله أن يتزوج بناته، وقال بعضهم: لا يجوز للوصي أن يزوج بنات الهالك إلا أن يجعل له أن يزوجهن وأما أنا فأقول بهذا القول الآخر وأقول إذا جعل له في الوصاية أن يزوج بناته فالوصي أولى من الولي بالتزويج، فإن زوجا جميعا وكان تزويج الوصي قبل تزويج الولي رضيت المرأة بذلك فهو أولى، وإن كان ملك الولي قبل ملك الوصي ورضيت بذلك لم أر للزوج أن يدخل بالمرأة حتى يجدد له الوصي ويؤمر الوصي أن يجدد له إذا كانت المرأة به راضية، وإن دخل بها الذي أملكه الولي لم أتقدم على نقض النكاح والله أعلم بذلك، والأب إذا أوصى في تزويج بناته وجعل الوصية أن يوصي واحدا بعد واحد ما جعل له الأب، وإن زوج الجد والوصي قائم فجائز، وليس لأحد أن يوصي في تزويج حرمته إلا الأب فأما الوكالة فالأحياء وكل من غاب من الأولياء ووكل في ذلك فجائز، ومن أوصى في تزويج بناته وجعل له أن يجعل للذي أوصى إليه أن يوصي أيضا في تزويجهن فهذا جائز في التزويج والمال، وإن زوج الأب والوصي قائم والوصي فجائز، ومن جعل غيره وكيله في تزويج بناته بعد وفاته فله أن يزوج، وإذا وكلت امرأة رجلا أجنبيا فزوجها بكفؤ بلا رأي وليها جاز الزوج فقيل إنه نكاح منتقض وفي هذا اختلاف، ومن كتب إلى رجل أن يزوج أمته لعله ابنته ولم يشهد له قال أبو عبد الله: لا يستقيم إلا أن يشهد بذلك شهودا، وقال أبو الحواري: إذا صح أن الكتاب من الأب جاز التزويج.
مسألة: (8/257)
صفحة 760
وإذا شهد صبي في وكالة في تزويج أمة وكان سداسيا ووجد عاقلا إلا أنه لم يعرف كيف يشهد فقيل له: نشهد عليك أنك قد وكلت فلانا في تزويج أمك فلانة فقال: أيهى، فقال له قائل: قل نعم، فقال: نعم، قال أبو المؤثر: وكالته جائزة إن شاء الله، قال: وقوله في تزويج وعلى تزويج وبتزويج كل هذا جائز إن شاء الله، وإن كانت الشهادة في الليل ولا يعرف الغلام فلا يشهد حتى يعرف فإن شهدت فليس عليك إعلامهم نقض الشهادة إلا أن الرجل إذا تزوج بتلك الشهادة والوكالة ودعوك شاهدا فلا تشهد، وإذا شهد رجل على رجل بالليل شهودا بحق أو تزويج أو وكالة فلا بأس على الشهود أن يشهدوا إذا كانوا يعرفونهما بوجوههما ولا أرى عليهم أن يحضروا سراجا ولا يشهدوا على معرفتهما بالكلام إلا بمعرفة النظر، وإذا لم يعرفوهما فلا يشهدوا حتى يحضروا النار وينظروهما فإن عرفوهما شهدوا وإن لم يعرفوهما لم يشهدوا إلا أن يكونوا متى دعوا للشهادة عليهما إن تناكرا عليهما إذا رأوهما وأثبتوا معرفتهما فجائز أن يشهدوا، وإن كان الصبي صغيرا فلا تزويج له ويزوج الولي من بعده، وقال بعض: إذا كان سداسيا يعقل ويعرف الغبن من الربح ويمينه من شماله وما يحذر جائز تزويجه، وقال آخرون: لا يجوز، وتزويج الولي البالغ من بعده، وقال أبو المؤثر: وقد شاهدت محمد بن محبوب وقد أتى بغلام يوكل في تزويج فقال له محمد بن محبوب: يا غلام ما أكثر السبعين أو التسعين؟ الله أعلم قدم السبعين أو أخرها فقال الغلام السبعين فلم يلتفت محمد بن محبوب إلى الغلام من بعد ذلك، ولا أرى تزويجه، وقال: أدركناهم يقولون بالسداسي، فإن لم يكن للمرأة ولي غيره فأحب أن يجتمع جماعة من المسلمين ويوكلوا رجلا ويوكل الغلام أيضا الوكيل إذا لم يكن حاكم وإذا كان حاكم زوجها الحاكم ووكله هو للغلام.
مسألة: (8/258)
صفحة 761
وإذا اختلف الجد والوصي فقال الجد: أنا أولى منك وأراد الوصي أن يزوج قال موسى: أيهما زوج جاز، وإذا أتى رجل فادعى أن فلانا وكله في تزويج ابنته ولم يحضر الوكالة ولا شهد بها فإن قالت المرأة إن أباها وكله فلا بأس بالشهادة فإن لم تكن المرأة حاضرة فلا تشهد حتى تصح الوكالة أو تكون الوكالة شاهرة قال: وإنما أجزت الشهادة بقول المرأة في الوكالة؛ لأَنَّ محمد بن محبوب قال: إذا قالت المرأة: فلان ولي وأمرته أن يزوجها جاز تزويجه، قيل لأبي المؤثر: ولم لم تسم؟ قال: حتى تقول فلان ولي وتسمي فيقول: أخي أو أبي أو أخواتي أو ابن عمي ولا ولي قبله، وإن وكل رجل رجلا في تزويج ابنته وحده ثم زوج الرجل وشهد له على ذلك بينة وجاز الزوج جاز التزويج إن لم يغير أبوها وإن غير رفع إلى الحاكم ولم يحضر الوكيل البينة جلد الحاكم الناكح والمنكح والشهود والفراق ولا اجتماع أبدا وأخذت المرأة صداقها بدخوله بها ويكون الجلد تعزيرا فإن درأ الشهود عن أنفسهم وقالوا: إنه قال لنا إنه وكيل فلا أرى عليهم تعزيرا على هذا وليس للحاكم أن يعزرهم وتقبل شهادتهم في غير هذا إن شهدوا ولا إثم على الزوج ولا إثم على من وكله ثم رجع عليه وعرضه للحاكم، قال: ولم يكن ينبغي للشهود أن يشهدوا بقوله حتى تصح الوكالة، ومن أمر رجلا أن يزوج ابنته فأمر المأمور رجلا آخر فزوجها فإن كان الأب حاضرا سئل عن ذلك فإن أتمه جاز وإن غير انتقض، فإن لم يسأل عن ذلك حتى دخل الزوج بالمرأة ثم سئل فغير ولم يتم لم ينقض النكاح، ومن جعل تزويج من يلي تزويجه إلى نفسها أو إلى والدتها ولم يقل لهن أن يوكلن فزوجت نفسها بشاهدي عدل وأجازت على نفسها أو زوجتها والدتها وأجازت على نفسها فالمأمور به أن يولين رجلا يزوجهن فذلك جائز لهن ولو لم يجعل لهن أن يوكلن فإن زوجتهن وأجرن لم يعزم على فراق إن شاء الله وهو حلال، ومن أراد سفرا فأوصى رجلا أن يزوج ابنته فلما خرج زوجها الوصي في البلد وزوجها (8/259)
صفحة 762
الأب حيث خرج فالتزويج للأول منهما فإن زوجوها في يوم واحد فرق بينهما والتزويج منتقض، فإن زوج الأب أولا وزوج الوصي آخرا فدخل بها الآخر منهما فالتزويج للأول ويفرق بينهما وبين الداخل بها الأخير ولها الصداق كاملا بالوطئ وتعتد منه فإن أبى الزوج الأول أن يقيم عليها فلها نصف الصداق عليه إن لم يكن وطئها.
مسألة: (8/260)
صفحة 763
ومن أوصى إلى رجل في ولده فلا بأس أن يتزوج هو بعض بنات الميت وليكثر من البينة وإن شاء ولا أمره رجلا وأمره أن يزوجه، قال أبو الحواري: ومن خطب إلى رجل ابنته فأمره والدها أن يزوج نفسه بها فزوج نفسه بها وأشهد على نفسه (نسخة على تزويجه) فجائز ذلك على قول بعض الفقهاء، والذي يؤمر به أن يوكل رجلا غير الزوج بزوجه الأول قد أجزه وفيه اختلاف، ومن وكل رجلا في تزويج حرمته على أن يزوجها بمن رضيت به فأحب الموكل أن يتزوجها ولم يكن أعلم الولي أنه يريد تزويجها لنفسه فإن هو زوج نفسه فجائز وقد أجاز ذلك بعض الفقهاء، وإذا أراد أن يزوج نفسه فليكثر من الشهود إلا أنا نقول إذا أشهد اثنين فقال أشهدوا أني قد زوجت نفسي بفلانة بنت فلان أو قال: أشهدكم أو قال: كما تشهدوا أني قد زوجت نفسي بفلانة وسمى بما سمى من الصداق جائز ذلك وقد أجزوا هذا وأحسن ذلك أن يوكل من يزوجه أعلم الولي أو لم يعلم أنه يريدها لنفسه أو لغيره، وقال أبو مالك: من وكل رجلا في تزويج ابنته من رجل بعينه فزوج نفسه بها فالنكاح فاسد وإن زوج غير المأمور به وكذلك أيضا النكاح باطل فإن زوج من أمر بتزويجه بها وطلقها أو مات عنها فليس له أن يزوجها من رجل آخر؛ لأَنَّه فعل ما أمر به وقد تم أمر الوكالة، ولا يجوز أن يزوجها تزويجا ثانيا إلا بوكالة ثانية فإن زوجها من الرجل المأمور بتزويجه بها فطلقها طلاقا يجوز له الرجعة إليها بتزويج ثان فليس له أن يزوجها إذا اتفقا على ذلك مرة ثانية، قال: ويوجد في الأثر قول غير هذا عن ابن محبوب ولسنا نأخذ به؛ لأَنَّ الوكيل إنما يفعل بالشرط له فإذا خرج عن الشرط المرسوم ففعله باطل ولا يلزم الآمر.
مسألة:
وولي المرأة يجوز أن يزوج نفسه بها وقد أجاز ذلك من أجازه والله أعلم.
مسألة: (8/261)
صفحة 764
وقال الولي وشاهدان ثلاثة في ذلك وإذا زوج نفسه قبل ذلك التزويج بعد العقد، ومن خطب إلى رجل ابنته فأمره أن يزوج نفسه بها فزوج نفسه بها فجائز على قول ويشهد على تزويجه الأب، وبعض قال: يأمر من يزوجه وفيه اختلاف وإن وكل من يزوجه بها كان أولى لقولهم أربعة ولي وشاهدان وزوج.
مسألة:
وإذا زوجت المرأة نفسها من غير وكالة وليها فرق بينهما قبل الدخول وبعده وإن وكلها وليها فزوجت نفسها ودخل بها الزوج لم يفرق بينها وبينه، وعن أبي علي أن الجد لا تجوز وكالته في بني ابنه إلا أن أتزوج عليه وكله في بنيه، وقيل: حكم بذلك ـ رحمه الله ـ، وقال محمد بن القاسم: إن الجد وغيره في ذلك سواء.
مسألة:
وإذا أتى رجل رجلا فقال: إن فلانا أرسلني أن أتزوج عليه ابنتك فزوجه وأشهد أن فلانا أتاني وطلب مني ابنتي لفلان وزعم أنه أرسله أن يتزوجها عليه وإني قد زوجت فلانا بفلانة على كذا من المهر فقبل الرجل فلما بلغ الرجل ذلك أنكر وقال: لم أرسله وأنكر الرسول فإن كان الرسول كفل بالصداق لزمه نصف الصداق وطلق المملوك عليه وإن لم يكفل وقال: إنما أنا رسول فلا يرى عليه غرما، فإن هلك ولم يعلم منه رضى ولا سخطا وأنكر الورثة ولم يكن منه فلم يبرئه من جملة الصداق، ومن أوصى إلى عمه وزوجته في ماله وولده فزوج العم ابنة أخيه فأنكرت الأم والجارية النكاح وأقام الزوج البينة على نكاح العم ورضى الجارية وبلوغها أو كان الوصي أجنبيا فزعم العم وهو غير وصي ورضيت الجارية وقد بلغت ثم رجعت إلى الأبكار فكرهت الأم والوصي ونقضا النكاح فأما الجد إن زوج فجائز وإن زوج الوكيل جاز وقد رجونا أن يكون نكاح العم على ما وصفت من الوصاية له وللأم جائز، على كراهية الأم إذا رضيت المرأة وليس لها كراهية بعد الرضى.
مسألة: (8/262)
صفحة 765
وإذا ولت امرأة رجلا تزويجها ووكلته فزوجها بالذي أمرته بتزويجه وقبل النكاح ووليها شاهد لم نرض وزوجها من آخر ورضيت به وابتنى بها الأخير وماتت المرأة وطلب الرجلان ميراثها فأنا أقول إن النكاح الأول باطل وهي للأخير ولا ميراث ولا صداق عليه والله أعلم، وإذا أمر رجل رجلا أن يزوج ابنته فأمر المأمور رجلا آخر فزوجها فإن كان الأب حاضرا سأل عن النكاح فإن تممه جاز وإن غيره انتقض فإن لم يسأل عن ذلك حتى دخل الزوج بها ثم سأل الأب فغير ولم يتمم لم ينتقض النكاح.
مسألة: (8/263)
صفحة 766
ومن تزوج على رجل غائب فإن قال: أرسلني فلان أو أمرني أن أتزوج له فزوجوه على هذا وجعلوا الصداق على الأمر ثم أنكر الزوج ذلك ولم تقم عليه بينة عدل بأنه أمره فإنه يجبر على طلاقها ولا يلزمه صداق ولا يلزم الرسول أيضا شيئا، وإن لم يقل إنه أرسله وتزوج هو عليه وأنكر الآخر فإن على المتزوج الطالب لها نصف الصداق، وقيل: يجبر الآخر على طلاقها خوفا أن يكون قد أمره وفيه اختلاف بين قومنا، قال قوم: عليه نصف المهر، وقال قوم: المهر كله، وقال قوم: لا شيء عليه، وإذا خطب رجل على رجل غائب لم يأمره فزوجته المرأة نفسها أو زوجها أبوها فالنكاح باطل لا يجوز جاز الزوج أو لم يجز وهو مذهب الشافعي، وقال أصحاب الرأي: إذا بلغه فأجاز النكاح جاز وإذا وكلت امرأة ورجل رجلا في تزويجهما جاز أن يزوجهما في قول أكثر قومنا ولم يجز ذلك الشافعي، ومن تزوج على إنسان فيجب أن تكون الشهادة من المشهد أني قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على صداق كذا وكذا والمتزوج له فلان بن فلان فإن ضمن بالصداق أشهد بذلك، وإذا أرسل رجل رجلا يتزوج عليه ثم مات المرسل قبل وقوع عقدة التزويج لم يلزمه وإن مات بعد العقدة كان لها صداقها وميراثها في ماله إذا صح أنه أمره بذلك وإن كان المرسل أمر الرسول أن يتزوج له بشيء حده له من الصداق فزاد على ذلك ضمن تلك الزيادة، ومن ملك على رجل امرأة من غير أن يرسله ثم بدا له ولهم فسخ النكاح من قبل أن يصل إلى الذي ملك عليه علم ذلك فذلك لهم، وإن قال الذي ملك عليه: كل امرأة فهي طالق من قبل أن يعلم بالملك لم تطلق إلا أن يكون أرسله ليتزوج عليه وقال ذلك بعد الملك، وإن ماتت المرأة قبل أن يبلغه فبلغه فرضي بها فإنه يرثها وعليه يمين أن لو بلغه الملك لرضي وإن مات هو قبل أن يبلغه لم ترثه.
مسألة: (8/264)
صفحة 767
ومن كتب إلى رجل أن يزوج حرمة له فإن صح ذلك عنده بشاهدي عدل أنه قد وكله في تزويجها فليتزوجها ولا يجتزئ بالكتاب الذي كتبه إليه، والمرأة إذا لم يكن لها ولي ولم تجد حاكما فأحب أن يتولى بتزويجها جماعة من المسلمين وإن وكلت أيضا رجلا في تزويجها لجاز.
مسألة:
وإذا وصل رجل إلى رجل فقال: قد وكلتك في تزويج ابنة عمي أو أختي من فلان فإن كان يعرف أن الأخت أخته أو أن له أختا أو ابنة عم هي تلك فله أن يزوجها وإلا فلا يجوز له، وجائز له أن يخطب ويكون الولي هو الذي يلي عقدة النكاح ويكتب الصك ويشهد، فإن قال: زوج ابنتي وهو لا يعلم أن له ابنة فذلك جائز، وإن قال: زوج ابنتي واسمها فلانة واسمي فلان وهو لا يعرفهما فلا يجوز له أن يزوج فلانة بنت فلان حتى يعرف الأب لئلا يقع العقد على فلانة بنت فلان فتكون غير ابنته وغيره، فإن قال: فإن وليها وكلني وأنا أوكلك فلا يجوز له ذلك إلا لمن وكله الولي، فإن قال: قد وكلني وليها في تزويجها وأنا لا أعلم ذلك فإذا قال الزوج إنه قد صح عنده أنه وكيل فجائز ذلك أن يكتب الصك ويخطب ويشهد عليهما، وإن قال الزوج: لم يصح عندي لم يجز لك أن تدخل في ذلك، فإن قال الولي إنه قد قبض بعض الحق فلا تكتب عليه إلا كذا وكذا وكذلك مثل أن يقول إن صداقها ألف درهم وقد قبضت منه خمسمائة درهم فإذا كنت لا تعلم أنها قبضت ذلك ولا يجوز لك أن تكتب عليها وقد قبضت فلانة من زوجها خمسمائة درهم وبقي لها خمسمائة درهم لا يكتب ذلك بغير علم، قال: ورأيته قد كتب في صك تزويج امرأة قد استوفت عاجلها وذكر هو بقية صداقها الذي تزوجها عليه ولم يسم العاجل ولم يرسمه في الكتاب فإن جاز الزوج بالمرأة ثم أنكرت بعد ذلك أنها لم تقبض عاجلها حكم للمرأة على زوجها بعاجلها ويحكم على الولي بما أقر في العقد أنه قبضه لها أو تصح أنه قبضه إذا لم يكن أقر بذلك.
مسألة: (8/265)
صفحة 768
وإذا أرادت المرأة أن تزوج أمتها أو عبدها أمرت من يزوجهما، ولا تتولى هي العقد بينهما فإن فعلت ذلك فلا يفرق بينهما، وإذا أمر رجل رجلا أن يزوج بعض حرمه ممن يلي نكاحه فأمر المأمور رجلا آخر فزوج وهو حاضر جاز ذلك، وإن أمره وغاب لم يجز ذلك، وإذا وكل رجل رجلا في تزويج ابنته ثم زوج الأب والوكيل فدخل الزوج الذي زوجه الوكيل أو الزوج الذي زوجه الأب كان الزوج هو الذي دخل بها كان العقد عليه متقدما أو متأخرا؛ لأَنَّ الزوج هو الذي ترضاه للمرأة والآخر فلم تعلم لها به رضى، ويوجد أن المرأة إذا رضيت بهما جميعا فالزوج هو الأول فإن دخل بها الأخير فرق بينهما وعليه الصداق.
مسألة:
وليس لولي المرأة أن يوكل في تزويجها غير الثقة يزوجها (نسخة الثقات يزوجونها) فإن فعل ولم يجز الزوج فليجدد التزويج فإن دخل بها الزوج لم يفرق بينهما، ومن وكل رجلا في تزويج حرمته من فليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن تجعل له ذلك من وكله وبالله التوفيق، والوكيل في التزويج يجوز تزويجه لمن أمره أن يزوجه ولا يجوز له أن يزوجها بغير ذلك ولا يأمر غيره فيما وكل فيه حتى يجعل له ذلك الموكل، وأما الوصي فإذا أوصى إليه في التزويج فإنه يزوج ويأمر من يزوج وفرق بين الوكيل والوصي، والمرأة تؤمر أن توكل في تزويج عبدها وطلاق امرأته فإن فعلت هي وزوجت وطلقت فجائز.
مسألة: (8/266)
صفحة 769
وإذا وصل جماعة إلى رجل لا يعرفهم فوكله منهم رجل في تزويج لامرأة لا يعرفها فلا يجوز له ذلك، فإن قال إنه وليها وشهد له الباقون بالولاية وكان الشهود ممن تقبل شهادتهم جاز له أن يقبل ذلك وتزوج، فإن علم هو أنه وليها وزوجها ولم يعلم الشهود أنه وليها جاز لهم أن يشهدوا على العقد على قول بعض، فإن وكل وليها وكيلا في تزويجها فوكل الوكيل وكيلا آخر وزوجها وكيل الوكيل فإن زوج وكيل الوكيل بحضرة الوكيل الأول فهو فعل الوكيل الأول إذا حضر والتزويج ثابت على قول وفيه اختلاف، وإن غاب الوكيل الأول لم يثبت على أكثر القول، فإن جاز المزوج بالقرطاس فكتب فيه الصك فإنه يسم إلى من ائتمنه عليه الشهود في رفع شهادتهم التي تحملوها فيه ليؤدوها على ما يجب عليهم في ذلك.
مسألة: (8/267)
صفحة 770
وإذا منع الولي المرأة التزويج بعد الحجة عليه فلها أن تأمر من يزوجها فإذا أمرت قاضي قومنا وزوجها ورضيت جاز ذلك على قول يأمرها ولا يفرق بينهما؛ لأَنَّ الولي منعها حقها فلها أخذه، غير أني اختار إذا لم يكن للمرأة ولي للوكالة من المسلمين يوكلون لها وكيلا يزوجها يأمرها من ترضى به أحب إلي من غيرهم وهم ولي وجماعة المسلمين محرم للمرأة بالاتفاق، وإن زوج القاضي بأمرها جاز إن لم يكن لها ولي وإذا لم يكن ولي وصح ذلك فعلى السلطان أن يزوجها؛ لأَنَّه قد جاء أن السلطان ولي من لا ولي من النساء، ولم يجيء الحديث بذكر عادل ولا جائر، ومخرج ذلك السلطان العادل وإذا عدل ذلك كله ولت أمرها رجلا من المسلمين زوجها فقد أجاز ذلك بعضهم وقبل أن لم يكن لها ولي رفعت أمرها إلى رجل من المسلمين وأمرته بتزويجها فزوجها فذلك جائز، وإذا كان جماعة ووكلوا رجلا كان أولى للحديث الذي جاء أن جماعة المسلمين محرم للمرأة، وإن وكلت امرأة عبدا مملوكا في تزويجها فزوجها وجاز للزوج فإن كانت وكيلة نفسها لم يفرقها بينهما وإن كانت غير وكيلة لنفسها وجاز الزوج فبعض أجاز ذلك وبعض فرق وبعض وقف ولم يقدم على الفراق وعقد المملوك والحر سواء إلا أنهم ضمنا لموالي المملوك فيما استعملوه.
مسألة: (8/268)
صفحة 771
ومن أراد تزويج امرأة وليها غائب فأرسلت المرأة إلى وليها رسولا فغاب أياما ثم جاء فقال: قد وصلت إليه وقد جعلني وكيلا في تزويجها فلا تقبل منه إلا بالصحة وليس للرجل أن يتزوجها بلا صحة وكالة، فإن زوج وأنكر الولي الوكالة فإن لم تجز أمر الولي بتجديد النكاح وإن جاز ففيه اختلاف منهم من قال: حلال لا يفرق، وفرق آخرون وبعضهم وقف ولم يفرق ولا أحل، ومن زوج امرأة بوكالة رجل وهو لا يعرفهم جميعا فإذا كان حاكم لم يقبل منه وكان عليه الأدب حتى تصح الوكالة وإن لم يكن حاكم ولا رفع ذلك إلى حاكم فقد خالف ما أمر به المسلمون إلا أن تكون المرأة قالت: إنها وليها فقال الرجل نعم أنا ولي لها في تزويجها، فعلى قول جائز له ذلك، وأما على قول شاهد واحد فلا أراه فعلا جائزا وعليه التوبة في قول كثير من الفقهاء إلا أن يكون قلدهم في ذلك أو شهد على الفعل الذي كان منهم مثل قوله: زوجت فلانا بفلانة، يقول الولي: نعم ويقول للزوج: قبلت فلانة زوجت لك على كذا من الصداق فيقول: نعم أشهد عليك من حضر فيقول: نعم فقد رأيتهم بصحار يفعلون مثل هذا الفعل وإن لم يعرفهم فعسى وعلى هذا.
مسألة:
وليس لرجل أن يتوكل لرجل في تزويج امرأة لا يعلم أنه وليها وإن زوج الذي يدعي أنه وكيل بلا صحة فقد قال بعضهم: إنهم يشهدون على الفعل وأنه قد زوج ويشهدون على المتزوج بما أقر به من الصداق للمرأة ولا يشهدون أنه زوج لها حتى يصح أنه ولي أو وكيل من ولي ثم يشهدون على التزويج وأنه زوج قد تزوج بجواز في الحكم.
مسألة:
ومن كتب إلى رجل في تزويج ابنته فإن صح الكتاب والبينة وسعه في الحكم ويسعه أيضا إن لم يكن بينة إن صح الكتاب عنده ولكن لا يقبل دعواه في ذلك، والكلام في الكتاب على قولين: إنه كلام وقول آخر إنه يدل على الكلام.
مسألة: (8/269)
صفحة 772
ومن جعل ابنته وكيلتها في نفسها ثم خلا لذلك ما قدر الله ثم وكل والدها رجلا في تزويجها ولم تشهد أنه قد نزع الوكالة منها ثم إن ابنة الرجل وكلت رجلا فزوجها فإذا لم يشهد أنه قد نزع الوكالة له منها لم يكن له نقض ذلك والنكاح ثابت وإن أشهد بانتزاع الوكالة منها ولم تعلم هي بذلك ووكلت من زوجها ووصل إليها الخبر أو لم يصل فله نقض ذلك النكاح.
مسألة:
وإذا وكلت امرأة رجلا من أهل بيتها فأملكها رجلا ودخل بها فعن موسى بن علي قال: ما أقوى على الفراق بينهما إذا رضيت.
مسألة:
والوكالة من المسلمين لمن لا ولي له من النساء يقال قد أقمناك وكيلا لفلانة بنت فلان لتزوجها بمن رضيت به من الأكفاء على ما اتفقا عليه من الصداق.
مسألة: (8/270)
صفحة 773
ومن جعل عبده وكيله في تزويج بناته بعد وفاته فله أن يزوجهن، وتزويج الوصي جائز وإن كره الأولياء إذا كان الزوج كفؤا، وإذا وكل رجل رجلا في تزويج ابنة أخت له وقد طلبت إليه ذلك ثم ركب البحر فرجع الوكيل بعد ذلك وتبرأ من الوكالة فليس للوكيل ذلك ويجيز أن يزوجها، فإن وكل الموكل في حدود عمان وتبرئ الوكيل طلبت المرأة ذلك إلى وليها وذلك إذا لم يكن لها ولي غيره ولا وكيل، ومن وكل رجلا أن يزوج له امرأة ووكلت المرأة الرجل أيضا في تزويجها من طالبها فذلك جائز ويكون المزوج هو المتزوج على قول من أجاز للولي والوكيل يزوجا أنفسهما، وقول آخر: لا أقل من أربعة ويقول إذا أراد أن يزوج المرأة التي وكلته بعد حمد الله تعالى قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على كذا من الصداق فإذا فرغ من الكلام قال: أشهد أني قد قبلتها زوجة لفلان على هذا الصداق فإذا أخبره فأتم ذلك جاز مع رضى المرأة، وإذا كانت المرأة وكيلة في نفسها فوكلت عنها مملوكا في تزويجها بغير إذن مولاه فزوجها وأشهد على ذلك ثم جاز الزوج فلا يفرق بينهما، ومن وكل رجلا في تزويج امرأة جاره وإن خالف في أمره أو في الصداق لم يثبت النكاح وفي لزوم ذلك للوكيل خلاف والوكيل يقول قبلت النكاح لفلان بن فلان يعني الموكل له وإذا زاد الوكيل في الصداق عما رسم له الموكل ففيه اختلاف منهم من أبطل النكاح لمخالفته، ومنهم من أجاز وجعل لها مهر مثلها إذ المخالفة والفساد في المهر، في عقد النكاح، وإن كان غير وكيلة لنفسها وجاز الزوج ففيه اختلاف بين الفقهاء فبعضهم أجاز ذلك وبعضهم فرق وبعضهم وقف ولم يقدموا على الفراق، أبو محمد: وإذا وكل رجل رجلا في تزويج امرأة فتزوج له على أكثر من مهرها وقد حدّ له المقدار فتجاوزه فالزيادة على الوكيل والتزويج صحيح، وإن لم يكن حد له حدا فتزوج له على أكثر من صداق نسائها ردت إلى صداق نسائها ولا شيء على الوكيل وإن زوجها على أقل من نسائها أيضا.
مسألة: (8/271)
صفحة 774
قال أبو عبد الله: أخبرني سعيد بن محمد أن غسان الإمام كان بصحار فأتته تطلب التزويج وأقامت معه شاهدين أنهما لا يعلمان لها وليا بعمان فأمر الإمام من زوجها ثم جاء وليها من نخل ولا أحفظ (نسخة أحيط) والدها أو غيره فغير النكاح مع الإمام فأرسل الإمام إلى الشاهدين فقال: لهما كيف شهدتما أنكما لا تعلمان لها وليا بعمان وهذا وليها كان بنخل فقالا: نحن قد علم أن وليها بنخل وقلنا عمان عندنا صحار فشاور الإمام من يبصر من المسلمين وأحسب أنه كتب إلى الجوف يشاور المسلمين في ذلك وأحسب أنهم لم يتقدموا على الفراق ولم نعلم أن غسان فرق بينهما.
الباب العشرون: في العقد وأحكامه (8/272)
صفحة 775
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل نكاحٍ لم يحضرْه أربعةٌ فهو سفاحٌ، خاطبٌ ووليٌ وشاهدانِ» (1) ، والخاطب هو الزوج، وعقدة النكاح (التزويج) وعقدة كل شيء إيقاعه وإيجابه، والنكاح جائز بشهادة رجل وامرأتين والأعمى والمنافق ينعقد النكاح بشهادتهما إذا لم يكن إلا هما ولا يثبت بهما الصداق، وقيل: لابد في النكاح من أربعة الزوج والمزوج والشاهدين، ولا يكون أقل من ثلاثة المزوج والشاهدين وإن لم يكن رجلان حران مسلمان أو رجل وامرأتان فالنكاح فاسد، وإن كان الزوج هو الولي وأشهد لنفسه فجائز وأحب إلينا أن نوكل من يزوجه، واختلف في النكاح إذا لم يشهد الولي الشاهدين جميعا في النكاح في مجلس واحد وأشهد بالتزويج مع واحد في مجلس وأشهد الثاني في مجلس آخر فقال بعض: النكاح فاسد، وقيل: إنه يجوز إن كان الولي أشهد الشاهدين قبل الجواز ثم جاز على هذا لم أتقدم على فساده ولا نقضه، ومن زوج ابنته وأشهد على ذلك شاهدا واحدا ثم أشهد بعد ذلك شاهدا آخر فجائز على أنه لا يدخل الزوج بالمرأة حتى يشهد الشاهد الثاني وإن أشهد في اليوم واحدا وفي غد آخر فجائز، وقيل: إن أبا صفرة فعل ذلك وأجازه محبوب، ووجدت أنه جائز ولو مات الشاهد الأول ثم زوجها مع الثاني.
__________
(1) رواه البيهقي عن ابن عباس موقوفا بلفظ: "لا نكاح إلا بأربعة ولي وشاهدين وخاطب"، باب لا يزوج نفسه امرأة هو وليها...، ر13592، 7/142. والدارقطني عن ابن عباس بلفظ: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، كتاب النكاح، ر11، 3/221. (8/273)
صفحة 776
ومن تزوج امرأة بشهادة رجلين محدودين ولم يعلم منهما بعد الحد خيرا لكان بها فراقة فإن لو لم يدخل بها فإنا نحب أن يجدد النكاح بشهادة غيرهما وأما شهادة عبدين أو عبد أو ذمي أو عبد وصبي فإنا ننقض النكاح دخل بها أو لم يدخل وقد أساؤوا فيما صنعوا والله أعلم بعدل ذلك وحقه هكذا يوجد عن عزان ـ رحمه الله ـ، ومن قال: كما تشهدون أني قد زوجت فلانا بفلانة فجائز ولو قال: أشهدوا كان أحسن, ومن تزوج امرأة بشهادة غير عدلين ودخل بها أو لم يدخل ثم جحدها أنها ليس له بامرأة فأقامت عليه الشاهدين اللذين شهدا بالنكاح فلم يعدلا، قال أبو عبد الله: إن كان متقاربين على النكاح قبل ذلك فكان نكاحهما مشهورا وهو يدخل عليها ويقول إنها امرأته وهي مقرة أنه زوجها فأقامت بهذا الإقرار شاهدي عدل فهي زوجته ولا تأخذ صداقها إلا بشاهدي عدل أو بإقراره وإن لم يكن شاهدان حران ولا مسلمان أو رجل وامرأتان من أهل الصلاة فالنكاح فاسد عند أصحابنا ولم نأخذ بقول من ثبت ذلك بغير بينة؛ لأَنَّ السنة والكتاب تنقض ذلك، قال الله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف...} (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : « بولِيِّ وشَاهِدَينِ» ولا تجوز شهادة غير أهل الإسلام الأحرار.
ومن تزوج بشهادة رجلين أحدهما المنكح فإنه يقال أقل ما يجوز في النكاح للذي لابد منه ولا يجوز الآية ناكح ومنكوح وشاهدان وإن كان أحد الشاهدين المتكلم بالنكاح جائز.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/274)
صفحة 777
وقول الرجل قد أخطبت يثبت التزويج بقول الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم...} (1) وكذلك قوله: قد أملكت يوجب التزويج، قال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : {إلا ما ملكت يمينك} (2) وقال: {إلا ما ملكت أيمانكم} (3) وكذلك قوله: قد أنكحت، يثبت التزويج، قال الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات} (4) وكذلك قوله: قد زوجت يثبت النكاح قال الله تعالى: {أمسك عليك زوجك} (5) وقال: {تبتغي مرضات أزواجك} (6) وقال: {ويذرون أزواجا} (7) فقد جاءت في الأثر بهذه الألفاظ كلها بثبوت ذلك.
وقال محمد بن محبوب: ومن قال إذا أراد أن يزوج قد زوجت فلانة بنت فلان بفلان بن فلان فهذا الي يستحبه، وأجاز أن يقول قد ملكت وقد أخطبت وقول المزوج قد زوجتك أو أملكتك وأخطبتك أو أنكحتك كله جائز وزوجتك أوكد.
مسألة:
وقال أبو الحواري: من أراد أن يزوج يقول: قد زوجت فلان بن فلان من فلانة بنت فلان لقول الله تعالى: {وزوجناهم بحور عين} (8) وقد قيل: هكذا يكون التزويج، ومن بدأ باسم المرأة قبل اسم الرجل فذلك جائز، وإن قال: قد زوجت فلانة بنت فلان من فلان بن فلان أو قد زوجت فلانا من فلانة فكله جائز، والذي يؤمر به قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان.
مسألة:
ومن زوج امرأة فقال: قد زوجت فلانا بفلانة ولم يذكر صداقا معروفا ودخل الزوج بالمرأة ثم مات أو طلق فطلبت المرأة صداقها فأنكر الزوج الصداق أو أنكر الورثة فإنه يلزمه لها كأوسط صدقات نسائها، وإذا شهد شاهدا عدل أن فلانا زوج هذه المرأة من فلان ولم يذكروا صداقها غير عقدهم النكاح، فإن قال الشاهدان: إنهم قد ذكروا صدقا لم نعرفه كم هو فعليها هي البينة بصداقها ولا يحكم لها عليه بصداق على هذه الشهادة؛ لأَنَّهما قالا قد كان ثم صداق فعليها هي البينة على صداقها كم هو.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة (8/275)
صفحة 778
ومن قال: أشهدوا أني قد زوجت فلانة ابنته أو أخته بفلان على كذا درهما وقال الزوج: قد قبلت فالنكاح ماض جائز، وقد أخطأوا السنة وتركوا الأثر، وينبغي أن يحمدوا الله ويثنوا عليه ويصلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويزوجوا.
مسألة:
ومن أراد أن ينكح رجلا أخته فقال: أشهدوا أني قد وهبتها له فإن موسى لم ير ذلك نكاحا وقال: إنما كانت الهبات للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، يوجد في الكتب أن من وهب فذلك نكاح فلابد من صداق، وإن قال: قد دفعتها إليه أو جعلتها له فلم أره يوجب النكاح في هذا، وإن أملك الأجنبي امرأة وأشهد على الملك أباها ثم أنكر الخاطب فإن شهادة أبيها لا تجوز لها بالصداق ولكن يقال للخاطب إن شئت فادخل وعليك الصداق وإن شئت طلق ولا صداق عليك فإن أبى أن يفعل شيئا من ذلك أجبر على الطلاق.
مسألة:
ويجوز في عقد النكاح رجلان من أهل الإسلام وإن كانا غير عدلين لإجماع الجميع على إجازة شهادة والديها وولديها ووكيلها فهذا يدل من إجماعهم على صحة ما قلناه إن جواز شهادة غير العدول في النكاح؛ لأَنَّ من ذكرنا جواز شهادته لها في النكاح لا تجوز شهادته لها في الحقوق وكذلك إشهار الرد من الطلاق يجوز بغير عدلين من البينة فإن كانت آية الرد مذكور فيها العدلان، الدليل على شهادة غير العدول في النكاح والرد من الطلاق أنها شهادة حضور ليست شهادة إخبار وإن كان المذكور في الرد شهادة العدول عدول في الإقرار لا عدول في الأداء، وما صح جوازه بغير العدول في الابتداء وثبت النكاح به وفي الثاني أجوز؛ لأَنَّ شهادتهما ثبتت في الابتداء ما لم يكن بنكاح فثبتهما إليكم الواقع في النكاح أن يجوز والله أعلم.
مسألة: (8/276)
صفحة 779
قال الشافعي: لا يجوز النكاح بشهادة الفاسقين، وقال أبو حنيفة: يجوز، وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين وكذلك كل ما لا يقصد ثمنه المال ويطلع عليه الرجال كالطلاق لا مدخل بشهادة النساء فيه، وقال أبو حنيفة: يثبت جميع ذلك.
مسألة:
والنكاح ينعقد بغير ذكر وصداق بإجماع ويكون للمرأة على زوجها صداق مثلها إذا دخل بها وإن اختلفا فيه قبل الدخول ولم ترض بما أصدقها فرق بينهما؛ لأَنَّ الفروج لا تستباح إلا بصداق بإجماع الأمة قال أبو حنيفة: يثبت جميع ذلك الدليل على أن العقد يصح بغير صداق.
مسألة:
ومن عقد على خمس بعقد واحد بطل الكل وإن عقد على الخامسة منفردة بطلت لا غير.
مسألة:
ومن تزوج بشهادة بصير وأعمى فإنه يصح العقد ولا يجوز في الحكم، ومن تزوج بشهادة رجلين أحدهما وليها فلا يجوز ذلك إلا بولي وشاهدين وناكح ومنكح وتجوز عقدة النكاح بغير صداق ولا يجوز الوطء إلا من بعد أن يفرض للزوجة الصداق، ومن قال عند التزويج: عند العقد إن شاء الله فإنه يهدم ما كان من عقد، وإذا قال المزوج: زوجت فلانة بنت فلان بفلان بن فلان فجائز.
مسألة: (8/277)
صفحة 780
كان أبو محمد ـ رحمه الله ـ إذا زوج المرأة التي لا يعرفها ولا يعرف وليها يقول للوالي قد زوجت فلان بن فلان هذا بفلانة بنت فلان ويقول الولي: نعم ثم يقول للمتزوج قد قبلت أو يقول له قد قبلت نعم فإذا قال نعم أو قال أنه قد قبل قال: أشهد عليك ويشهد عليك من حضر أن عليك هذا الصداق، وإذا قال ولي المرأة والمزوج للشاهدين اشهدوا إني قد زوجت فلان بفلانة بنت فلان على صداق كيت وكيت فقال الزوج: نعم لم يكن زوجا بهذا ألا ترى قوله نعم ليس بقبول؛ لأَنَّ المزوج قال: أشهدوا فقال المزوج: نعم اشهدوا، وكذلك لو قال مجلي؛ لأَنَّه أجاب عن قولهم حتى يقول نعم قبلتها زوجة لي بهذا الصداق أو يقول نعم قد قبلتها أو نعم قد تزوجتها، وإذا كان العاقد للتزويج غير الولي فقال الولي: نعم كان نكاحا ثابتا والله أعلم.
خطبة أولى: مسألة:
وأقل الخطبة التي تصح بها الجمعة وينعقد بها صلاة العيدين ويتم بها النكاح هي الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلم اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين. (8/278)
صفحة 781
خطبة ثانية: الحمد لله شكرا لنعمته وسبحان الله خضوعا لعظمته ولا إله إلا الله إقرارا بربوبيته وصلى الله على محمد عند فاتحة القول وخاتمته بعد أمر لم يأذن الله به وقرب أمر إذن الله به فكانت مشيئة الله على أن أحل النكاح وحرم السفاح وأمر بالإصلاح فقال في محكم كتابة الناطق على لسان نبيه الصادق: {وهو الذي خلق من الماء بشرا} (1) الآية، فلا مقدم لشيء أراد الله تأخيره ولا مؤخر لشيء أراد الله تقديمه فكان من قضائه السابق وعلمه النافد أن فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان إلى آخره، أيضا يقول بعد التحميد والتهليل والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والنكاح مما أمر الله به ورضيه وأباحه لعباده ورغب فيه وظهر به أنسابكم وأكرم به أحسابكم فضلا منه عليكم ومنا منه لديكم، وقد قال تبارك وتعالى: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} (2) الآية، ثم إني أشهدكم قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان تزويجها على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعلى أن لها عليه من الصداق كذا وكذا فإذا قبل فكونوا عليه من الشاهدين.
وعن داود وأبي عبيدة القاسم بن سلام كل امرئ ذي مال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر.
وقد روي أن ابن عمر زوج مولاه فلم يزد على قوله: قد زوجتكها على ما أمر الله به على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقد قال - عليه السلام - : «كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح» ولم يذكر الخطبة، وجائز أن يزوج الولي بأربع نساء أو أقل في عقد واحد وكذلك القبول وإن قال الزوج قد قبلت فلانة وفلانة وقد أمسك عن فلانة وفلانة صح النكاح فيهما فإن قال قبلت نكاح فلانة وفلانة أخرى لم يزوجه بها صح النكاح في الأول وبطل في الثاني فكان لغوا.
__________
(1) سورة
(2) سورة النور: 32. (8/279)
صفحة 782
خطبة التزويج: خطبة تزويج هذا ما تزوج عليه فلان بن فلان فلانة بنت فلان زوجه إياها وليها فلان بن فلان على كتاب الله عز وجل تزوجها وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى حسن العشرة لها وجميل الصحبة عندها والقيام بحقها والخروج إليها من المفترض عليها لها وعلى أن عليه من الصداق كذا وكذا درهما أو دينارا أو نخلا أو إبلا أو بقرا أو غنما أو عبيدا ويذكر أصناف هذه الأجناس بالصفات المعروفة التي يعلم بها الموصوف ويمكن الحاكم أن يحكم به وإن كان فيه عاجل وآجل كتب العاجل من ذلك كذا وكذا والآجل منه ما بقي وهو كذا ثم يكتب بجميع هذه الدراهم أو ما وقع عليه عقدة النكاح دينا ثابتا وحقا واجبا لازما لا براءة لفلان من هذا المذكور في هذا الكتاب ولا من شيء منه بحدث موت ولا غيره إلا بأداء ذلك إلى زوجته فلانة بنت فلان أو إلى من يقوم في ذلك مقامها وبحقها في حياتها وبعد وفاتها ومن قام بهذا الكتاب بأمر حق يستحق القيام فيه فإليه اقتضى ما فيه وقبضه، شهد على إقرار فلان وإشهاده على نفسه إلى آخر الكتاب ثم يكتب (شهد الله وكفى به شهيدا).
مسألة:
ويجوز أن يزوج الرجل وهو غائب ويقول الولي إذا أراد بذلك أشهدوا أني قد زوجت فلان بن فلان يعني الغائب من فلانة بنت فلان على صداق كذا وكذا وقبل له وكيله فلان بهذا النكاح وقبل عنه بالصداق المعقود عليه، ويقول الوكيل أشهدوا أني قد قبلتها له زوجة على هذا الصداق المسمى وضمنت به وإن لم يرد الضمان قبل له ولم يضمن الصداق، يقال للصك قط وللصحيفة قط وللكتاب قط وللجميع القطوط، قال الشاعر:
ولا الملك النعمان يوم لقيته *** بأمته يعطي القطوط ويأفق
قوله: بأمته أي بنعمته، والقطوط الكتب بالحواير ويأفق يفضل ويشرف بعضا على بعض، قال المتلمس:
فألقيتها بالثني من جنب كافر *** كذلك أثنوا كل قط مصلك (8/280)
صفحة 783
الكتاب: الضياء لسلمة العوتبي ج2 6 8 10
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] قوله: فألقيتها يعني الصحيفة الثني ما أثنى من الوادي، وقال ابن عمر: وهو من يعن بالخبر وقال غيره: كافر يعن قد ألبس الأرض وغطاها.
مسألة:
وإذا كان الرجل يعرف بلقب أو اسم شاهر غير اسمه الأصلي فتزوج ذكر الزوج الاسم المعروف به فإذا كان يعرف بهذا الاسم يثبت التزويج، وكذلك إذا كان أخوان يتواطأ أسماهما فقال المزوج: قد زوجت فلان بن فلان وأشير إلى المتزوج ثبت ذلك.
مسألة:
والمرأة لا تعقد لنفسها عقدة النكاح ولا لأحد من بناتها ولا نسائها ولو كانت هي الوصية لذلك، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن المرأة لا تعقد لنفسها عقدة النكاح وروي: «لا تنكح المرأة نفسها ولا تنكح المرأة المرأةَ»، وروي عن عائشة أنها كانت تخطب وتأمر من يزوج إذا كانت هي الوليد لذلك، وروي أن عائشة كانت تخطب إذا أرادت تزويج بنات أخيها؛ لأَنَّها كانت وكيلة في ذلك فإذا فرغت من الخطبة قالت لرجل أنكح فإن النساء لا ينكحن، وكذلك المرأة إذا أوصى إليها جاز أن يوكل من يزوج وأما إذا وكلت في النكاح فليس لها أن توكل وتفعل هي والله أعلم، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجوز نكاح النساء للنساء ولاية في النكاح» (1) .
الزهري أن عمر جعل أمر بناته إلى حفصة فكانت إذا أرادت تزويج بعضهن أمرت عبد الله بن عمر بن الخطاب فيكون هو الذي يزوج.
مسألة:
__________
(1) لم أجده بهذا اللفظ. روي بلفظ: "لا تزوج المرأة المرأة" رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، باب لا نكاح إلا بولي، ر1882، 1/606. والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ: "لا تنكح..."، باب لا نكاح إلا بولي، ر13411، 7/110. (8/281)
صفحة 784
وإذا تزوج حاضر لغائب فبلغه الخبر فسكت ساعة يفكر بين الرضى والغضب ثم من بعد ساعة رضي بالتزويج فإنه ثابت؛ لأَنَّه لا يغير إلا بلسانه، ومن لقي رجلا فقال له: زوجني ابنتك فقال: قد زوجتك بها بمائة درهم فإن هذا عقد ثابت في التزويج يصح ويثبت في الأحكام إذا كان مع بينة حاضرة في التزويج وإذا قبل الزوج فإن رضيت المرأة ثبت وإن كرهت لم يثبت عليها والله أعلم بالصواب.
مسألة:
المشهور من قول مالك بن أنس أن عقد النكاح يصح بغير بينة إذا أعلن به واحتج بأن الله تبارك وتعالى ذكر النكاح في غير موضع من كتابه ولم يأمر بالإشهاد كما أمر بالإشهاد على الدين والرجعة من الطلاق وتسليم مال اليتيم، وزعم أن أخبار الإشهاد على النكاح مضطربة به واحتج على الإعلان بالنكاح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « فُرِّقَ بَينَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِضَربِ الدُّفِّ»، فإن كان النكاح بغير بينة جاز عنده أن يكون معلنا به غير مكتوم قال: وإذا ورد القرآن بإجازة النكاح بغير الإشهاد عليه فالواجب إجازة الخطاب على إطلاقه وظاهره، وروي عن أبي القاسم صاحب مالك أنه قال: من تزوج امرأة بغير بينة فالنكاح جائز ما لم يكن سراً ويشهر بذلك في المستقبل قبل أن يدخل، وروي عن مالك أيضا أنه أجاز تزويجا بشهادة نصرانية، وقد قال قوم: إن النكاح يجوز بلا شهود كما يجوز البيع والشراء، ويوجد عنه تحريم تزويج السر لو شهر. (8/282)
صفحة 785
ومن قول مالك أيضا: إذا استكتم الشاهدان عقد النكاح فرق بين الزوجين وطعن في الخبر المردي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعفه وهو: « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» وقد احتج عليه بعض مخالفيه في ذلك بأن قال: إن النكاح إذا لم يقبله الحاكم إلا ببينة وامتنع الوطئ إلا به، وفي نسخة قال الشيخ - رضي الله عنه - : وحجتنا عليه أن النكاح إذا لم يقبله الحاكم فيحكم للمرأة على زوجها بحقوقها إلا بالبينة لم يجز الوطء واستباحة الوطء إلا بالبينة لوجوب الحق به وبالله التوفيق، وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كان لا يجيز نكاح السر، وعن عمر ـ رحمه الله ـ أنه رفع إليه نكاح أشهد عليه رجل واحد فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه، وروي عنه أنه قال: لو تقدمت فيه لرجمت، وقد قال قوم: إن النكاح يجوز بلا شهود كما يجوز البيع والشراء، وروي عن ابن شهاب فيمن نكح سرا وأشهد رجلين قال: إن كان مسها فرق بينهما واعتدت وعوقب الشاهدان، وذكر بعض وجوه الشافعية أن أحدا لا يمكنه أن يروى أن أحدا من الصحابة والتابعين والمتقدمين أجاز نكاح السر مكتوبا، وعندي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبان النكاح بفضيلة الإعلان ولا يجوز إلا به والله أعلم.
مسألة: (8/283)
صفحة 786
وكل من عقد نكاحا على غيره والمعقود عليه لا يملك أمر نفسه ولا يملك لها اختيار أن العقد من إعانة حالا يملك فيها المعقود عليه أمر نفسه فإن أمضاه تم وإن رده انفسخ وهذا كلام يدخل تحته كل كبير أو صغير من ذكر أو أنثى أو غائب أو مملوك بالغا كان أو غير بالغ الدليل على هذه السنة الثابتة في بريرة لما أعتقتها عائشة وهي تحت مغيث فاختارت نفسها فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها الخيار، وفي الرواية أن مغيثا بكى لما اختارت نفسها حتى جرت دموعه على لحيته فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ترجع إليه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة أترجعين إليه قالت قالت: بأمرك، قال: إنما أشفع، فقالت: لا والله ولكنه كان في صدري كالجمرة منه أو كلاما هذا معناه فهذه السنة دالة على صحة قول أصحابنا في كل معقود عليه بنكاح لا رأي له في نفسه أن له الخيار إذا ملك أمر نفسه والله أعلم.
مسألة:
الدليل على أن العقد يقع بغير صداق مذكور معه قول الله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء...} (1) فأثبتت النكاح مع ذكر الصداق وقال تبارك وتعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن} (2) نحلة فأوجب الصداق لمن وقع عليه اسم زوجة فجعل جل ذكره الذي سمي لها صداقا النصف من المفروض ورد أمر التي لم يفرض لها صداقا إلى حكم الاجتهاد على قدر الموسع والمقتر والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/284)
صفحة 787
لا نعلم خلاف عقد النكاح يصح بلا مهر مذكور إلا رواية شاذة عن مالك وقد دل عليه قوله تعالى: {لا جناح عليكم} (1) الآية تقديره أو لم تعرضوا لهن فريضة، فحكمه بصحته الطلاق في نكاح لا مهر فيه والطلاق لا يقع إلا في النكاح الصحيح، فإذا صح النكاح قلنا إن لها مهر مثلها، وإذا كان لامرأة اسم مع أهلها يسمونها بينهم ولها اسم آخر معروفة به فزوجت باسمها الذي هو سرا بين أهلها فالمعنى في التزويج أن يقع العقد والتسمية على المعقود عليه التزويج فإن كانت تعرف بذلك الاسم مع أهلها تدعى به وتجيب جاز، ومن كان له ابنتان تسميان فاطمة فأتى إليه رجلان فطلبا إليه التزويج فقال: أشهدوا إني قد زوجت بفاطمة ابنتي فلان وكذلك قال للآخر ولم يقل زوجت فلان ابنتي الصغيرة وفلان ابنتي الكبيرة فلما أن كان عند الجواز قال الأول: أنا تزوجت بالكبيرة وقال الآخر: أنا تزوجت بالكبيرة فالقول في ذلك أنه إذا لم يصح ذلك ولم يتبين، واختلفوا في التزويج أن يطلقا المرأتين لأجل الشبهة ثم يتزوج كل واحد بما طلب واتفقا تزوج كل واحد بالمرأة التي كان زوجه بها وعقد المملوك والحر سواء إلا أنهم ضمنا الموالي المملوك فيما شغلوه.
مسألة:
ومن كان في خطبة النكاح حتى إذا بلغ حيث يقول: قد زجت فلان بن فلان سكت سكتة أو تكلم بكلمة ثم قال: بفلانة بنت فلان والسكوت يختلف فإن سكت ليبتسم ثم أتم الكلام لم يضره ذلك وإن كان لغير ذلك ثم أتم بعد أن سكت لم يثبت إلا أن يقول بعد السكوت: أشهدوا أني قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على كذا وكذا فجائز وقد ثبت ولو تكلم، وأما إذا قال الخطبة لمعنى غير النكاح ثم قال: قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان لم يضره كلامه ولا سكوته، وإذا قال: قد زوجت فلانا ثم تكلم بغير ذلك ثم قال: بفلانة بنت فلان لم ينتفع بذلك التزويج وإن سكت لبيان اسم الزوج أو الزوجة فعرف ثم مضى على الكلام في عقد التزويج لم يضره ذلك والله أعلم.
__________
(1) سورة (8/285)
صفحة 788
مسألة:
وتزويج الليل بلا سراج ولا نار جائز إذا كانوا يعرفون الزوج والمزوج برؤية العين كالمعرفة بالنهار.
مسألة:
ومن زنى بامرأة حرة أو أمة أو أقر عنده بالزنى أو عاين ذلك منهما فليس له أن يزوجهما ولا يشهد تزويجهما ولا يشهد عليهما في أكثر القول فأما المقر بالزنى فإن رجع عن إقراره وقال: إنه كذب وتاب فعسى يجوز أن يشهد عليه عند تزويجه وفيه اختلاف، ومن أقر بالزنى مع رجل ثم سأله الحضور عنده ليزوجه فليس له ذلك إلا أن يكذب نفسه.
مسألة:
ومن وصل إليه رجلان لا يعرفهما فأراد أحدهما أن يزوج صاحبه ولم يعرف كيف يقول فسألهما عن اسمهما واسم المرأة فعرفاه فقال: أنت يا فلان زوجت فلان بابنتك أو أختك فلانة بنت فلان فقال الرجل: نعم، فقال للمتزوج قد قبلتها زوجة لك بهذا الصداق وقال: قد قبلت هذا التزويج فقال: نعم وكتب بينهما صحا على ذلك، فقال أبو الحسن: قد كنت أسمع الشيخ بعد الخطبة يزوج على حسب على اللفظ ويقول له: قد قبلت فلانة بنت فلان بهذا الحق أو الصداق فإذا قال الزوج: نعم، قال: أشهد عليك ومن حضر أن عليك هذا الحق لزوجتك فلانة بنت فلان فإذا قال نعم شهدوا عليه وكتبوا الشهادة.
مسألة: (8/286)
صفحة 789
ومن زوج ابنته برجل غائب بصداق وأشهد الشهود على التزويج فقدم الغائب المزوج فقبل المرأة زوجة له على ذلك الصداق ورضي به ثبت ذلك عليه، ومن تزوج لرجل بغير أمره ثم وصل إليه فأخبره أنه توج له فرضي بالتزويج وبالصداق وأتمه فذلك ثابت، ومن زوج امرأة فقال: اشهدوا أني قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على كذا من الصداق فإن قبل فكونوا عليه من الشاهدين فقال الزوج: نعم، فإنه لا يثبت؛ لأَنَّه يقبل بعد فإن قبل ثبت عليه؛ لأَنَّ الولي قال: إن قبل فقال الزوج: نعم لم يكن بعد جواب وإن قال الولي: أشهدوا أني قد زوجت فلان بفلانة على كذا من الصداق فإذا قبل فكونوا عليه من الشاهدين فقال الزوج: نعم فهذا أيضا لم يقبل التزويج بعد إنما قال قد زوجتني في صحة التزويج إذا قال أشهدوا أني قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على كذا من الصداق فإذا قبل فكونوا عليه من الشاهدين فقال الزوج: اشهدوا أني قد قبلتها زوجة لي على هذا الصداق، وقال بعض: من حضر نشهد عليك أنك قد قبلت فلانة زوجة لك على هذا الصداق، فقال: نعم ثبت عليه بذلك وبالله التوفيق.
مسألة:
ومن تزوج بشهادة يهوديين أو عبدين أو صبيين فلا يدخل بها حتى يسلم اليهوديان أو يعتق العبد ويبلغ الصبيان ثم يدخل بها بعد والنكاح تام، وإن أرادت المرأة أن تفسخ عن نفسها تلك العقدة قبل أن يكون الشاهدان في حال تجوز شهادتهما من قبل شرك أو صبيا أو ملكة فسخ عنها وكذلك إن أراد هو أيضا فسخ عنه.
مسألة: (8/287)
صفحة 790
الواجب أن يبدأ باسم الرجل في النكاح؛ لأَنَّه هو المنكح والخاطب والمزوج، وإذا قال بفلانة كان أولى فإذا قال من فلانة فقد أجازوه وإن بدأ باسم المرأة في التزويج قبل ذلك الرجل فلا أحب ذلك؛ لأَنَّه خلاف ما جاءت به الشريعة ولا أتقدم على الفراق وقولي فيه قول المسلمين، وقول المزوج قد زوجت فلان بفلانة قال المتزوج: نعم أو قد رضيت أو قبلت هذا النكاح فأما قوله: نعم فلا أراه يوجب ولا قوله رضيت حتى يتبين ما رضي وقوله قد قبلت هذا التزويج أو هذا النكاح يثبت ولو قال قد رضيت بهذا التزويج يثبت، ولو قيل له: قبلتها زوجة لك فقال: نعم ثبتت، وقوله: أشهدوا أن فلانة بنت فلان زوجتي والمرأة امرأتي وحقها علي وأنا راض أو رضيت كلاما منهما فلا أراه يتم به النكاح في الحكم حتى يقبل النكاح أو التزويج فيقول قد قبلتها زوجة لي على كذا من الصداق، وإذا قيل له: أنت متمم هذا التزويج؟ فقال: نعم، فأرجو أنه ثابت؛ لأَنَّه لو تزوج عليه رجل فأتم ذلك تم عليه والذي عرفنا أن يقول الولي اشهدوا لي قد زوجت فلان بفلانة على كذا من الصداق فإذا قبل فكونوا عليه من الشاهدين ويقول المتزوج: اشهدوا أني قد قبلتها زوجة لي على هذا الصداق أو يقول المزوج بعد فراغه للزوج قد قبلتها زوجة لك على هذا الصداق فإذا قال: نعم أو قال: قبلت فقد ثبت عليه فهذا ما يعجبني أن يكون النكاح والتزويج عليه، ومن قال: أشهدوا أني قد زوجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على صداق كذا وكذا فقال الزوج: أشهدوا أني قد قبلت فهو تزويج ثابت إذا كان المزوج وليا، ومن قال: أشهدوا أني قد زوجت فلانا بفلانة ثم قال: أنت يا فلان قد قبلت فلانة زوجة لك بهذا الصداق فقال: نعم فهذا تزويج ثابت، وأحسن من ذلك أن يقول الزوج: أشهدوا أني قد قبلتها زوجة لي بهذا الحق فإذا ذلك شهدوا عليه.
مسألة: (8/288)
صفحة 791
وإذا زوج رجل رجلا واستفهمه ليشهد الجماعة عليه فليس للمزوج أن يشهد عليه حتى يستفهمه لنفسه مرة أخرى، ومن خطب إليه ابنته فقال: أشهدوا أني قد أعطيت فلانا يعني الخاطب عصمة ابنتي على النكاح، وقال الرجل: قد قبلت فقيل إنه نكاح جائز إن دخل بها فلها كصدقات نسائها وإن طلق متع، ومن تزوج امرأة بشهادة يهوديين أو عبدين أو صبيين ولم يدخل بها حتى قامت شهادتهم ثم دخل بها فالنكاح تام هكذا في بعض الآثار والموجود عن فقهائنا أن ذلك لا يجوز والله أعلم، وللرجل أن يعقد على المرأة في حال حيضها ونفاسها، فإذا عقد لم يكن له الوطئ حتى يزول الحيض والنفاس عنها بالكتاب والإجماع على المنع من وطئها في هاتين الحالتين.
مسألة:
ولا يجوز العقد على امرأة حامل؛ لأَنَّ نكاح الحوامل لا يجوز فإن فعل ذلك ثم صح فسد النكاح بينهما ولا شيء لها عليه إلا أن يكون قد وطئها فيجب لها الصداق بالوطئ ويفرقان بلا طلاق؛ لأَنَّ الفرقة إذا وقعت بتحريم النكاح فانفسخ بها لم يكن طلاق والله أعلم.
مسألة: (8/289)
صفحة 792
وإذا تزوج رجل امرأة لرجل بغير رأيه ثم أرادوا فسخ النكاح فذلك لهم، فإن قال الذي ملك عليه كل امرأة له فهي طالق من قبل أن يعلم بالنكاح فإنها لا تطلق إلا أن يكون أرسله ليتزوج عليه ثم قال بعد التزويج فإن ذلك يلزمه، وإن ماتت المرأة قبل أن تبلغه ثم بلغه فرضي بالتزويج فإنه يرثها وعليه الصداق وعليه اليمين لو بلغه النكاح لرضي، وإن مات هو قبل أن يبلغه فإن المرأة لا ترثه والله أعلم، وعقد النكاح موضوع من عاقدين وهكذا تعقد العرب فيما بينهما ولا يعرف مزوجا متزوجا وقد أباح الله النكاح وخاطبنا بلغة العرب والنكاح لا تعقله العرب إلا من عاقدين فمن ادعى أن الإنسان يكون مزوجا قابلا فعليه الدليل، أجاز بعد أصحاب الظاهر التزويج بلا شهود واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة ولم يذكر أحد أنه أحضر شاهدين وأنه زوج صفية بلا شهود، وأن رجلا من بني سليم يقال له عبد الله قال: خطبنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يشهد واحتج بما روي عن عياد بن سنان عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أنكحُك أميةَ بنتَ ربيعةَ بن الحرثِ؟ قال: بلى قد أنكحتُكَها» (1)
__________
(1) رواه الطبراني: المعجم الكبير، عن علي السلمي بلفظ: "ألا أنكحك إمامة...الحارث.."، ر1086، 1/344. والهيثمي عن علي السلمي، بلفظ: "...أميمة...الحارث..."، باب لفظ النكاح، 4/288.. (8/290)
صفحة 793
ولم يشهد، وحجة من لم يجز ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الحسن البصري أنه قال - عليه السلام - : « لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بولِيِّ وشَاهِدَينِ» وكذلك عن ابن عباس، ومن عقد عقدا فاسدا ثم علم ولما يدخل تفرقا ولا مهر ولا تنازع بين أهل العلم في ذلك والعقد ليس بمفتقر إلى الخطبة ولا يبطل بتعرية منها وإنما يقدم الخطبة للعقد استحبابا، أجمع الجميع أن الرجل لو قال لرجل زوجتك ابنتي وقال الزوج: قد قبلت أن النكاح واقع وإن لم يذكر المهر ويكون العقد غير منفك من المال، فإن قال قائل: إن العقد متعر من المال خال منه وإنما يجب في وقت ثان، قيل له: الدليل على فساد هذا القول أن لو تزوجا واشترطا أن لا مهر بينهما في وقت العقد أن ذلك غير جائز وإذا كان هذا هكذا كان فيه دليل بين أن العقد لا ينفك من المال إذ لو كان خاليا منه غير موجب له لم يكن نفيهما للمهر يوجب فساد العقد وبطلانه.
مسألة: (8/291)
صفحة 794
وإذا زوجت امرأة بثلاثة أزواج في حال انفسخ التزويج وإن زوجت بواحد بعد واحد فالأول منهم من رضيت به أول ما وصل إليه الخبر ولا خيار لها بعد ذلك، فإن كانت مع زوج ثم تزوجت بآخر فهذا زنى ولا صداق لها على الأول إذا وطئها الثاني ولا على الثاني وإن لم يطأ لم تحرم على الأول، والعقد الفاسد من حيث لا يعلم العاقد يحرم كما يحرم العقد الصحيح بإجماع، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كُلُّ أمر ذِي بالٍ لا يُبدأ فِيه بِحمدِ اللهِ والصلاةِ عليَّ فَهو أقطَع» (1) ، وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَمْدٌ وَلاَ تَشَهُدٌّ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاء» (2) ، وروي عن عمر أنه قال: عقد نكاحا فما زاد على أن قال: أنكحتك على أن تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان، وروي عنه أنه قال: يحمد الله وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أنكحتك على أمر الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وروي عن الحسين بن علي أنه زوج بعض بنات الحسن وهو يتعرق العرق، ولا نعلم أحدا من أهل العلم أفسد نكاحا ترك العاقد الخطبة معه عنده.
فصل:
وذكر الحق والصك والجماعة ذكور حقوق ويكتب في الكتاب ومن قام بذكر هذا الحق فهو ولي ما فيه، ويجوز التزويج (نسخة العقد) بعدد من النساء بعقد واحد ولا يجوز ذلك في الرجال.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو يعلى القزويني: الإرشاد، عن أبي هريرة بلفظه وزيادة، ر119، 1/ 449. والمناوي: فيض القدير، عن أبي هريرة بلفظه وزيادة، ر6285، 5/ 14.
(2) رواه البخاري في تاريخه، عن أبي هريرة بلفظه دون لفظة «الحمد»، ترجمة كليب بن شهاب الجرمي، ر986، 7/229. وأبو داود، مثله، كتاب الأدب، باب في الخطبة، ر4841، 4/261. (8/292)
صفحة 795
وجائز نكاح اثنين وثلاث وأربع بعقدة واحدة، ومن تزوج أربعا في عقدة واحدة وجب أن يكون لكل واحدة صداق مسمى وإن اختلف فإن ذكر لجميعهن صداقا واحدا صح النكاح وكان في الصداق قولان أحدهما باطل ولكل واحدة مهر مثلها والثاني جواز الصداق ويقسم الصداق على قدر مهور أمثالهن، وقال الله تعالى: {فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} (1) وإن مات وقد تزوجها على غير شيء كأوسط صداقها وصداقات نسائها وإن مات قبل الجواز فلها المتعة، وقيل متع جابر بن زيد لخمسين درهما وقيل متع غيره بثوبين وليس في ذلك شيء مؤقت واجب أن يكون ذلك على قدر سعة الرجل وقدر المرأة، قال الله تعالى: {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} (2) وقال أبو عبد الله: كسوة تامة أو خمسون درهما، وعن ابن عمر أنه قال: أدنى ما أراه تجزي من المتعة ثلاثون درهما أو شبهها، وعن ابن عباس أنه قال: أرفع المتعة الخادم ثم دون ذلك الكسوة ثم دون ذلك النفقة، وقال: أوسط المتعة درع وخمار وملحقة، وقال الشافعي (نسخة الشعبي) أربعة أثواب درع وخمار وجلباب وملحفة، وقال قوم: نصف صداق مثلها، وقال قوم: أوضعه ثوب وأرفعه خادم، وإن فارقها قبل الجواز ولها صداق معروف فلها نصف الصداق وإن مات قبل الجواز فلها الصداق كله والميراث وعليها عدة المميتة، قال بعض أصحابنا: لها نصف الصداق ولا خلاف بينهم في العدة، عن أصحاب أبي حنيفة: وليس لامرأة صداق مسمى متعة ولا لمن يصير إليه نصف الصداق وإن فارقها قبل الجواز فلا عدة عليها، وإن مات فحبست نفسها عمدا عن التزويج بقدر العدة فقيل لها الميراث أيضا ونصف الصداق وفي بعض القول لها الصداق كله والميراث وعليها عدة المميتة، وإن تزوجت فلها نصف الصداق ولا ميراث لها، وما أرى عليها يمينا بالله ما أرادت أن تزوج قبل أن تخلو عدتها أو أنها قد حبست نفسها بعدة مثل المدخول بها والله أعلم، قال أبو محمد: من تزوج امرأة ولم يقرض بها حتى مات فإنها ترثه
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/293)
صفحة 796
ولا صداق لها، ومن عقد على خمس بعقد واحد بطل الكل، فإن عقد على الخامسة مفردة بطلت وحدها.
مسألة:
والعقدة على اثنين أو ثلاث أو أربع جائز، ومختلف في نكاح الحرة والأمة بعقد واحد فمن يجيز تزويج الأمة على الحرة يجيز ذلك وفي أكثره لا يجيزه والله أعلم، اختلف في تزويج الرجل نفسه بامرأة هو وليها فأجازه قوم واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وتزوجها وجعل صداقها عتقها فنحب الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في جميع أفعاله إلا ما صح أنه مخصوص به دون أمته - صلى الله عليه وسلم - من الآيات أو على لسانه - صلى الله عليه وسلم - .
مسألة:
أبو عبد الله: ومن تزوج امرأة بشهادة رجلين أحدهما أعمى فجائز والمرأة إذا جعل إليها وليها تزويج نفسها فتزوج نفسها فأحب أن تأمر من يزوجها فإن زوجت نفسها جاز وكذلك أحب أن تأمر المرأة من يزوج جاريتها فإن زوجت هي فلا بأس إن شاء الله، وكذلك لها أن تطلق زوجة عبدها.
مسألة: (8/294)
صفحة 797
رجل تزوج امرأة زوجه أبوها وله بنت غيرها فقال الأب: هي هذه وقال الزوج: هي هذه ونسيت البينة اسمها فالنكاح ينتقض ويجيز الزوج على طلاقهما جميعا ولا شيء، فإن مات الزوج أو ماتتا جميعا فإن كان اسمهما واحدا فقال الأب: الكبيرة وقال الزوج: الصغيرة فالقول قو الأب، وأقول للزوج لا يدخل حتى يجدد النكاح ويجبر الأب على التجديد فإن اختلفا في الصداق فإن شاء الزوج أعطاها ما قال الأب ودخل وإن شاء طلق وأعطاها نصف ما أقر به، وسئل أبو عليّ عنها فقال ما له لا يكون القول قوله وقاسها بالبيع، قيل لأبي عبد الله: أرأيت البيع إذا كانت السلعة في يد البائع؟ فقال: إذا كانت السلعة في يده فالقول قوله ولا يجيز المشتري على أخذها ولا يحكم عليه وبينهما الأيمان، ومن قال: أشهدوا أني قد زوجت هذا الرجل بهذه المرأة ولم يذكر اسم الرجل ولا اسم المرأة عند عقدة التزويج فإن كانا حاضرين يراهما وأشار إليهما بيده مع العقد لم يفرق بينهما وكذلك العبد إذا زوج ابنته وجاز بها لم يفرق بينهما ولم يؤمر بذلك، والعقد الموقوف جائز عند أصحاب أبي حنيفة لما روي في خبر خن.
ولما روي أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صداق أربعة آلاف درهم وكتب بذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبل، قال أصحاب أبي حنيفة: إذا تزوج المسلم نصرانية بشهادة نصرانيين فإنه يجوز، وقال الشافعي: بأنه لا يجوز.
فصل: (8/295)
صفحة 798
قال أبو عبيد في حديث عمر ما تصعدتني خطبة النكاح يقول: ما شقت عليّ، وكل شيء ركبته أو فعلته بمشقة فقد تصعدك، والخطبة مصدر الخطيب: تقول يخطب القوم ويختطب، والخطبة مصدر الخاطب: يقول هو يخطب امرأة ويختطبها خطبة ولو قال: خطبها خطبة لجاز وحسن، وكان الحسن يقول في خطبة النكاح إلا أن فلانا قد خطب إليكم فقال الأصمعي: إلا كلمة يستفتح بها العرب الكلام قال أبو حاتم: تجدها في القرآن وفي كلام العرب وفي الأشعار كثيراً ففي القرآن: {ألا إنهم يثنون صدورهم} (1) وأما قوله تعالى: {ألا يعلم من خلق} (2) بيده لا أدخلت عليه ألف الاستفهام كما يقول أليس يعلم فليس للنفي وكذلك لا للنفي وكذلك لم.
ويقول الأعرابي: هل رأيت فلانا فيقول ألا لا فتكون (ألا) زائدة مفتاح كلام، قال امرؤ القيس:
ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي *** وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
قيل خطب أبو طالب بن عبد المطلب لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في تزويجه خديجة رضي الله عنها فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل صلوات الله عليهما وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به امرؤ إلاّ رجح به برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا، وإن كان في المال أقل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك وما أحببتم من الصداق فعليّ، فهذه الخطبة من أفضل خطب الجاهلية.
الباب الحادي والعشرون: في الاستثناء في النكاح والشرط والخيار وما يثبت من ذلك وما لا يثبت ويبطل وأحكام ذلك
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/296)
صفحة 799
وإن اشترط في عقدة النكاح أن له الخيار إلى ثلاثة أيام فالنكاح ثابت والشرط باطل وليس هذا كالبيع، ومن تزوج امرأة ولها الخيار بثلاثة أيام أو له فمات أحدهما فأما الزوج فلا خيار له وشرطه فيه باطل وأما المرأة فلها الخيار ثلاثا أو أكثر من ذلك، والخيار باطل عند الشافعي ولا خيار في النكاح، وقيل الخيار للمرأة ولا خيار للرجل في النكاح وفي اختلاف، قال الشافعي: النكاح باطل، وقال غيره: النكاح جائز والخيار باطل، وزعم أن المرأة لا اختلاف فيها، أبو ثور: ومن تزوج امرأة وله الخيار إلى شهر إن شاء تمم وإن شاء نقض فهذا شرط باطل، والشرط في عقدة النكاح أن كل امرأة تزوج عليها فهي طالق أو طلاق التي يتزوجها بيدها وكل سرية يتخذها فهي حرة فذلك لا شيء طلق وأعتق مالا يملك، وإن شرط الزوج على المرأة إن ماتت قبله فلا صداق لها فلا يلزمه هذا الشرط فإنه يلزمه الصداق ولورثتها بعد موتها ولا يثبت هذا الشرط وإن شرط عليها إن هو مات قبلها فلا صداق عليه لها فذلك يلزمها إذا مات وتبرأ من صداقها ولا سبيل لها في الصداق على ورثته في ماله وكذلك إن قال: إن مات قبلها فليس لها عليه إلا ما وجدت من ماله.
فصل: (8/297)
صفحة 800
وإن اشترطت المرأة عند عقدة النكاح أن طلاقها بيدها فمكث عندها ما شاء الله ثم طلقت نفسها فذلك لها وهو جائز، ومن تزوج امرأة واشترط على الأولياء أنها بكر فوجدها ثيبا فالتزويج جائز إلا أنه ينحط عنه من الصداق بقدر نقصان صداق الثيب عن البكر، وقيل: يسألها فإن اعتلت بعلة مما تذهب به العذرة فله أن يمسكها وإن أقرت أنها ذهبت بشيء من سبب الرجال فليس له إمساكها فإن كان قد وطئها فلها المهر، وقال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: ليس عليه أن يسألها فإن أراد أن يقيم معها وسعه ذلك ويحسن الظن بها وبهذا نأخذ، ومن تزوج امرأة على أنها بكر فإذا هي ثيب فلها صداقها تاما إلا أن تكون هي التي شرطت له أنها بكر فيلزمه صداق مثلها من الثيبات وتحط عنه الزيادة ويسعه المقام معها ما لم تقر أنها زنت فإن لم تقر هي لما ادعى عليها ولو كانت شرطت له فالقول في ذلك قولها وعليها يمين وإن أقرت بالزنى فلا صداق لها، فإن مات الزوج قبل أن يدخل بها فإن أقرت بأنها شرطت له بأنها بكر أو أنها غير بكر ودعيت إلى اليمين على ذلك فنكلت أنقصت من صداق البكر وردت إلى صداق ثيب مثلها ولها الميراث من زوجها وإن كان المرأة شرطت على نفسها أنها بكر فالشرط لا ينتقض النكاح وقد تم وعليه الصداق إلا أن يكون صداق البكر أكثر من الثيب فعلى قول ترجع إلى صداق ثيب وينحط عنه ما بين الثيب والبكر، وإن كان كله سواء فله فليس بلازم جميع صداقها وإن كان ذلك شرطه له أحد أنها بكر فوجدها غير بكر فالصداق لازم والتزويج ثابت ولا شيء له على من شرط وضمان أهلها لا ينفعه شيئا وإنما ذلك إنما ضمنت على ما تقدم ذكره وإن اعتلت المرأة بعلة، ويوجد في الأثر أن ولي المرأة إذا علم أنها أيم فزوجها وشرط الزوج أنها بكر فوجدها الزوج أيما أن على الولي فضل الصداق ما بين الأيم والبكر وإن اعتلت المرأة بعلة أصابتها إما بيدها وإما بشيء قعدت عليه أو ببعض العلل من غير علة الرجال فلا يحرم عليه، (8/298)
صفحة 801
وقيل: إن كانت ممن لا تتهم وتصدق وذلك يصيب النساء، وإن قالت: إن رجلا أصابها بيده أو بفرجه فلا صداق لها ولا يحل له إمساكها، ومن تزوج امرأة على أن لها مالا كثيرا فلما صارت إلى الزوج أزالت مالها عن نفسها لأجل الزوج وقد كان تزوجها على صداق كثير فإنها ترد إلى صداق المثل، فإن حدث لها فقر فلها صداقها الذي تزوجها عليه.
مسألة:
ومن أراد تزويج امرأة فقالت: لا أطيق الرجال ولا حاجة لي في ذلك، فقال: إنما أريدك لحفظ عبيدي ومالي وتعمري وداري ولا أريدك لذلك فاتفقا على أن هدمت عنه نصف صداقها المعروف على ذلك فلما تزوج غشيها فقالت: إذ قد فعلت فأتم لي الصداق قال أبو الوليد: ذلك لها، ليعطيها صداقها كاملا، وقال: قد كان رجل تزوج امرأة فأصابت منه أولادا ثم لم يقدر بعد ذلك على النكاح فمكثت معه ما شاء الله لا يستطيع حتى ماتت ثم طلب امرأة أخرى وقال: حطي عني نصف الصداق فإني لا أقدر على النكاح فتزوجته على ذلك فأصاب منها وأتت عليه قوة في ذلك فطلبت منه تمام الصداق فاحتج أنه كان قال: (إلا أن يسوق الله شيئا) فلولا أدرك عندهم هذا القول لألزموه بقية الصداق وكان رجلا صادقا.
فصل:
مسألة:
وعن موسى بن علي أنه قال: ثلاثة لا يجوز في النكاح رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن لا ميراث لها في ماله أو يعزل عنها عند الجماع، أو لا نفقة لها عليه وشرط الله قبل شرطه، ومن الأثر: ومن تزوج على أن لا جماع فيه ثم أراد الجماع فذلك هو له وإن كان أنقصها من صداقها لذلك فعليه تمامه، ومن اشترط العزل فليس له أن يعزل عن زوجته حرة كانت أو أمة، وأما أمته فله أن يعزل عنها، ومن اشترط على البكر إن قدر أن ينقصها فعليه صداقها وإن لم يقدر فلا شيء عليه، ثم لم يقدر فنرى أن مهرها كاملا عليه.
مسألة: (8/299)
صفحة 802
ومن شرط على زوجته السكن معه وقبلت حكم عليها بذلك، قال الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} (1) وأما الشرط الذي يبطل الجماع لا يثبت؛ لأَنَّ المراد في التزويج طلب الولد فإذا كان شرط بطل ذلك ولم يثبت.
فصل:
مسألة:
ومن تزوج على أن لا نفقة ولا كسوة ولا سكن فالنكاح تام ولها النفقة والكسوة والسكن إذا أرادت نقض الشرط وإن طلقها أيضا على أن لا كسوة ولا نفقة لها عليه في العدة إذا كانت حاملا أو طلقها ثلاثا فهذا أيضا فساد إذا أرادت نقضه، وإن تزوجها على أن لا صداق لها عليه فهذا تزويج فاسد، الدليل على ذلك أن الفروج لا تستباح بالنكاح إلا بصداق فلما اشترط في النكاح ما يبطله فسد، وأيضا فإن تزويج الشغار الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه صفته وذلك أن الرجلين يتزوج كل واحد منهما أخت صاحبه على أن صداق كل واحدة منهن تزويج الأخرى فهذا ليس فيه عوض الفرج.
مسألة:
ومن تزوج على رضى فلان فحتى يرضى فلان وإن مات فلان ولم يعلم له رضى فلا نكاح، فإن تزوج على رضى فلان ثم دخل بها قبل أن يعلم رضاه ثم رضي من بعد فسدت عليه.
مسألة:
والشرط الذي يكون بين الزوجين يكون بين عقدة النكاح متصلا بالكلام ورخص فيه إن كان قبل العقد إذا كان العقد وقع على الشرط الذي اتفقوا عليه ثبت.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/300)
صفحة 803
ومن زوج ابنته من رجل وجعل بينه وبين زوجها أجلا إن جاء بحقها إلى ذلك الأجل وإلا فلا نكاح فلم يجيء لذلك الأجل أو مات فإنا نقول الشرط في هذا باطل والنكاح ثابت إن شاء الله، ومن تزوج على صداق معلوم على أن لا نفقة لها عليه ولا كسوة ودخل بها فطلبت ذلك إليه فإنه يلزمه ويبطل شرطه في ذلك وإن كان زادها على صداقها شيئا فله أن يرجع فيه ويكون لها صداقها، فإن تزوجها على غير صداق وشرط عليها عند عقدة النكاح أن له ألف درهم عليها فشرطه باطل، وإذا دخل بها فلها كأوسط صدقات نسائها، فإن لم يدخل بها وأراد أحدهما نقض النكاح وكره الآخر فإذا كان تزوجها على هذا الشرط ورضيت فالعقدة منتقضة إذا لم يدخل بها فإن طلقها قبل الدخول كان لها عليه متعة وإن مات قبل الدخول فلها ميراثها في ماله ولا متعة لها، وإن كان دخل بها فلها كأوسط صدقات نسائها، فإن ماتت هي من قبل أن يدخل بها فإن كانت رضيت بالنكاح فله ميراثه في مالها ولها متعة عليه لورثتها (نسخة ولا متعة عليه لورثتها)، ومن تزوج امرأة على امرأة وشرط أنه يأتيها ويعاشرها إذا أمكن له وإلا فهو مع زوجته الأولى فشرطت له على نفسها وذلك عند عقدة النكاح ثم طلبت أن يعدل عليها في المعاشرة فإذا رجعت عما شرطت له فذلك لها ويلزمه أن يعدل عليها، وإن تزوجها على أن يقسم لها في الأيام مرة فرضيت بذلك وأشهد عند النكاح على ذلك فلا بأس به إذا هو أنفق عليها، وإن شرط أن لا يأتيها إلا يوم الجمعة أو يومين فرضيت بذلك فله شرطه وإن هو أثر عليها فلا بأس إذا اتفق عليها وإن كرهت ذلك كان ذلك لها إن شاءت؛ لأَنَّ شرط الله قبل شرطه، ومن تزوج على أن لا يمسكها إلا شهرا فهذا الشرط في التزويج يكره، ومن طلق امرأة على شرط ألا تزوج بأحد بعده فالطلاق جائز والشرط باطل، ومن أراد فراق امرأة فقالت: لا تفارقني وأنا لا أريد منك نفقة ولا كسوة وقد سمعنا أنه من تزوج امرأة بلا نفقة أنهم كرهوا ذلك، ومن أعتق أمة على (8/301)
صفحة 804
أنه يتزوجها فالشرط منتقض إلا أن تشاء هي أن تتزوجه فذلك إليها وقد تم العتق، وإن أعتقت امرأة خادمها لتتزوجه فذلك جائز لها فإن شرطت عليه أن يتزوج بها لم يلزمه الشرط فإن وفى لها فحسن، من تزوج امرأة على أنه إن تزوج عليها فصداقها ألفا درهم وإن يتزوج عليها فألف درهم فهذا شرط يثبت عليه والله أعلم، وقيل: في امرأة تزوجت على أنها محكمة فيما ادعت من الصداق أنها ترد إلى صداق نسائها فإن كن مختلفات فالوسط في ذلك والله أعلم، ومن شرط عليه عند عقدة النكاح أن من حقها أن إذا ادعت عليه طلاقا فهي المصدقة فلا أرى هذا يلزمه والله أعلم، وقال أبو محمد: إن شرطت عليه أنه متى ادعت الطلاق فهي صادقة أو مصدقة فلا تطلق، وإن قالت فقد صدقت طلقت، ومن تزوج امرأة وشرط عليها وليها أنه قد زوجه إياها على مائة نخلة ومائة درهم فإن مات قبلها فلها مالها وإن ماتت قبله فلا أرى لها، قال: أرى لها شرطا ضعيفا، ومن تزوج امرأة من مكة وشرط عليها أنه لا يأتيها إلا أيام الموسم وهو من أهل عمان قال موسى هذه خليق ألا يجوز عليها والله أعلم، ومن تزوج امرأة وشرط عليها أن لا نفقة لها عليه ولا كسوة وعليها هي نفقة كل ولد ولدته فلا يثبت هذا الشرط عليها، وإن شرط عليه أولياؤها إن لم يأتها بالصداق أو بالنقد إلى يوم كذا وكذا فلا نكاح فزوجوه على ذلك فقال هاشم: هذا شرط يبطل ويثبت النكاح فإن قالوا إن جئتنا بالصداق أو بالنقد أحد هذين القولين إلى يوم كذا وإلا فهي طالق فإنها تطلق إن لم يجئ إلى الوقت الذي جعلوه بينهم من ذلك.
مسألة:
ومن تزوج امرأة على رضى فلان فرجع الزوج قبل أن يبلغ فلان فيعلم ما معه فلا رجعة له والنكاح تام إذا رضي فلان وإن مات فلان أو غاب فلم يقدر عليه فيعلم رأيه فهذا نكاح ضعيف ولا أتقدم على إتمامه لها تمام آخر الباب.
مسألة: (8/302)
صفحة 805
ومن تزوج إلى قوم على أن يعطوه أو يعطوها مالا فلما تزوجها كرهوا أن يعطوه هذه العطية فإني أرى النكاح ثابتا عليه ولهم الرجعة فيما وعدوه من هذه العطية فإن كان ضمن لها بصداق أكبر من صدقات نسائها فليس عليه إلا كأوسط صدقات نسائها والله أعلم.
مسألة:
ومن تزوج بامرأة واشترط رضى فلان أعني رجلا من الناس فباشرها قبل أن يعلم رضى ذلك الرجل فسدت عليه، ومن تزوج على رضى والده أو والدها ثم أمسكوا ما شاء الله ثم زوجها الولي من آخر فدخل بها وولدت ولم يعبأوا بالأمر الأول شيئا ثم ذكر الملك الأول فإنه يفرق بينهما وتأخذ صداقها من الأخير إن كان الأمر على جهالة وإن كانوا وليسوا إليه وكتموه ما كان فلا نرى لها صداقا فإذا انقضت عدتها كانت عند زوجها الأول إن كان أمرهم في الآخر كان على جهالة، ومن تزوج امرأة على عطية لزوجته من أبيها ثم رجع الأب من عطيته فلا رجعة له وإن كانت الزوجة هي التي ردت على الوالد فجائز ولا حجة للزوج في ذلك ولا نقصان عليها في صداقها، قال أبو الحسن: أما قوله قد زوجته فلانة فإن لم يرض فقد زوجته فلانة فلا أحب تمام ذلك وأنا واقف عنه وبالله التوفيق، ومن تزوج امرأة وشرط عليها لا تكلم فلانا فمتى كلمته فلا صداق لها ثم دخل بها فإن لها الصداق عليه والشرط باطل.
مسألة: (8/303)
صفحة 806
وكل تزويج على شرط غير معروف مثل ألف درهم عاجلا وألفي درهم آجلا أو مائة نخلة أو مائة دينار أو عشرة وصفا أو قال قد زوجته فلانة فإن كرهت فقد زوجته أختها فلانة فما كان من نحو هذا أو لم يكن جواز فعليهم بتجديد النكاح على شرط معروف وإن جاز الزوج تم النكاح وللمرأة من الصداق كأوسط صداقات نسائها على قول بعض أهل الفقهاء، وقال بعض: إن رجلا تزوج امرأة ولم يفرض عليه مهرا فلما أجيز إليها قبل أن يمسها قال: إن وليك زوجني بلا مهر وقد فرضت الآن على نفسي عشرة دراهم فرضيت بذلك فقيل: ليس لها إلا العشرة، وكل شرط شرطه أحد لزوجته على صاحبه مما يمنعه مما أباح الله تعالى فهو باطل.
مسألة: (8/304)
صفحة 807
ومن تزوج امرأة وشرط عليها إن ولدت منه فمهرها كذا وإن لم تلد فمهرها كذا فهذا شرط لا يجوز ولها صداقها الأكثر مما شرط إلا أن يكون ضمن لها بأكثر من أوسط صدقات نسائها إن ولدت منه فإن لم تلد منه حتى مات عنها أو فارقها فصداقها عليه كأوسط صدقات نسائها وإن شرط في عقدة النكاح أن عليها نفقتها وكسوتها فذلك شرط لا يثبت وعليه كسوتها ونفقتها، ومن تزوج امرأة على صلاحها ولم يفرض لها صداقا فاختلفا ولم يتفقا على الصلاح قبل أن يدخل بها فالنكاح منتقض وإن اتفقا تم النكاح بينهما وذلك قول أبي علي، فإن اختلفا في ذلك ثم اتفقا ودخل بها تم نكاحها فإن اختلفا في صلاحها فإنه تخرج منه بغير طلاق؛ لأَنَّ النكاح ينفسخ ولو كان يكون طلاقا لكان النكاح ثابتا ولكن إذا انفسخ النكاح لم يكن ثم طلاق، ومن تزوج امرأة بصحار وهو في بلد وشرط على والدها عند عقدة النكاح أن يحملها إليه إلى بلده من صحار فكرهت المرأة أن يجيء هو ويحملها من بلده قال أبو عبد الله: هذا نكاح تام ولا ينتقض وليس على والدها حملها إلى بلده وإنما هذا الشرط على غيرها ولا يلزم والدها هذا الشرط، ومن أراد تزويج امرأة ودعته هي أيضا إلى تزويجها فقال: لا أتزوجك حتى تشهدي لي بكذا وكذا درهما فشهدت له أن لفلان علي كذا على أن يتزوجني فتزوجها بصداق ثم رجعت عما كانت أشهدت له به على نفسها واحتج هو إنما تزوجها على ما شهدت له به فذلك شيء لا يثبت عليها.
فصل:
مسألة: (8/305)
صفحة 808
اتفق أصحابنا في رجل تزوج بامرأة على صداق مائة نخلة وشربها وجارية لا تموت أن ذلك جائز ثم اختلفوا في الجارية فقال بعضهم: يدفع جارية ما يستخدم مثلها في تلك الزوجية ثم ليس عليه بدل لها إن ماتت؛ لأَنَّ قولهم لا تموت مع علمه تموت كل جارية يبطل شرطها وشرط بقائها وهذا قول محمد بن محبوب، ويثبت غيره هذا الشرط وجعل بقاها بقاء الخدمة للزوجة بأن تملك عليه خادمه بعد خادمة تموت أيام دوامها مع زوجها كلما ماتت واحدة أبدل منها أخرى، وخالفنا في جواز هذا العقد وصحته أبو حنيفة والشافعي وغيرهما من فقهاء مخالفينا للجهالة المشروطة في الصداق، والنظر يوجب عندي ما قال أصحابنا وليس النكاح كغيره من البيوع والإجارات وغيرهما من العقود التي متى عقدت على مجهول فسدت؛ لأَنَّ هذا أصل بنفسه ثبت بالسنة، الدليل على صحة ما قلنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه: «أعندكَ شيءٌ تُصدقه إياها؟ قال: لا يا رسولَ الله، قال: فما تحفظُ من القرآنِ؟ قال: أحفظُ سورةَ كذا وسورةَ كذا، فعقدَ عليه بما يحفظُ من القرآنِ» (1) ، وروي أنه قال: «زوجتُكَها على ما تحفظُ من القرآنِ» (2)
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بمعناه، كتاب النكاح، باب في الأولياء، ر515، 1/208. والبخاري عن سهل بن سعد بمعناه، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ر4741، 4/1919.
(2) انظر الحديث الذي قبله.. (8/306)
صفحة 809
وقال قوم: أن يعلمها هذه السورة فجعل بتعليمه إياها صداقا لها ومدة تعليمها لهذه السورة غير معلومة وكذلك تزويج شعيب موسى عليهما السلام لابنته على خدمة ثمان سنين أو عشر سنين فجعل الصداق في مدة هذه الخدمة المجهولة التي هي ثمان أو عشر والخدمة أيضا لا تعلم ما يقع منها في المستقبل فإذا كان النكاح تصح فيه الجهالة من فعل الأنبياء عليهم السلام كان الاقتداء بهم أولا من نظر من يجب أن يتهم رأيه ومن يجوز الخطأ عليه في أكثر اجتهاده وبالله التوفيق، وقال أبو محمد أيضا في باب الإجارات: إن احتج محتج فقال: لم لا أجزت الإجارة إذا كانت على عمل مجهول أو أجرة مجهولة، واحتج بنقضه بشعيب وموسى عليهما السلام؟ قيل له: إنا اليوم لا نتقيد بشرائع الأنبياء المتقدمة فنحن على شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولسنا على شريعة شعيب وشريعتنا ناسخة لكثير من شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم فالله أعلم بهذين القولين منه وأصحهما عنه، ومن خطب امرأة فشرط على نفسه لها أن يفارقها متى شاءت ويعطيها صداقها متى شاءت أو نبرئ لها نفسها وتبرئه من حقها فتزوجته على هذا الشرط فالتزويج تام والشرط باطل.
مسألة: (8/307)
صفحة 810
وإذا شرط الزوج على زوجته عند عقدة النكاح أو قبله أن لا نفقة عليه ولا كسوة فالشرط باطل ويكون لها بتسليمها نفسها إليه الكسوة والنفقة؛ لأَنَّ عقدة النكاح توجب ذلك فأبروها له من ذلك وهو حق لم يستحقه عليه قبل الدخول بها لا تثبت عليها وإنما يلزمها براوتها إياه مما قد وجب لها وكذلك الشفيع إذا أجاز شرى شفعته قبل استحقاقه إياها فإن البيع لا يثبت عليه إجازته وله طلبها (نسخة وطؤها) إذا استحقها بعد البيع وما هذا معناه وحكمه هكذا يجزي والله أعلم، وكذلك إن شرط أحدهما على صاحبه أن لا يطأ فالشرط باطل ومن أراد الوطئ منهما كان له؛ لأَنَّ عقد النكاح يوجبه وأنهما يملكانه بالعقد وسبيله سبيل ما يملك بالعقد، وكذلك إن شرط عليها أن يعزل عنها أو شرطت عليه والله أعلم، وإن اشترط الزوج أن لا يطأ فطالبته المرأة بالوطئ فلها ذلك، ويلزمه أن يطأها ويعاشرها بالمعروف ولا ينفعه من شرطه ولو اشترط عليها أنه لا يقدر على الجماع فيلزمه أن يطأ حتى يعلم منه أنه لا يقدر على ذلك.
مسألة: (8/308)
صفحة 811
ومن تزوج امرأة وشرط عليه وليها أن يكون طلاقها يده أو في يدها أو في وكيلها فالشرط ثابت للولي ويجوز طلاق من طلق منهم وإن طلق الزوج طلقت أيضا، فإن كانت بكرا فشرط على نفسه أن لها عليه صداق مائة درهم إن افتضها وإن لم يقدر على ذلك فلها خمسمائة (نسخة خمسة) درهم فلا يثبت هذا الشرط ولها مائة درهم؛ لأَنَّها أمكنته والعجز جاء منه، فإن شرط إن ولدت غلاما فصداقها مائة درهم وإن ولدت جارية فخمسون درهما وكذلك إن ولدت فمائة درهم وإن لم تلد فخمسون درهما ففي ثبوت هذا الشرط اختلاف منهم من أبطله وجعل لها صداق المثل ومنهم من قال: إذا ولدت كما شرط فذلك لها عليه، فإن لم تلد فلها صداق المثل من نسائها، وإذا اشترط الولي أن يكون طلاق حرمته في يده فله ذلك وأنه إن اشترط عليه سكن منزل معلوم وبلد معلوم، وكذلك لسيد الأمة أن يشترط على سيد العبد أن يكون طلاق جاريته في يده، وقد زوج الشيخ ـ رحمه الله ـ جارية له بعبد لرجل واشترط على سيد العبد أن يكون طلاق جاريته في يده.
مسألة: (8/309)
صفحة 812
ومن تزوج امرأة ولها أب مملوك له فقالت: أتزوج بك على مائة درهم وتعتق أبي فذلك ثابت لها، فإن لم يعتق أباها فلها قيمته، وإن تزوجها على أبيها وكان أبوها مملوكا وعلى أن يسلم إليه ألف درهم فطلقها قبل الجواز فلها نصب الأب والله أعلم، وقال أبو الحسن: إن تزوجها على صداق معلوم وعلى أن يعتق أباها فطلقها بعد الدخول ولم يعتق أباها فلها الصداق الذي تزوجها عليه وقيمة رقبة أبيها إن لم يكن يعتقه والله أعلم، وإن طلقها قبل الدخول فإنما يجب لها نصف الصداق ونصف قيمة أبيها وليس عليه أن يعتقه والله أعلم، قيل: ما دليلك على ما قلت لا يعتق الأب وقد شرطت عليه عتقه؟ قال:؛ لأَنَّه مال وإذا لم يسلم المال أو أتلفه لزمه مثله أو قيمته في الحكم، ألا ترى أنه لو مات ولم يعتقه ثم طلقها كان عليه القيمة ولم يسقط موته صداقها الذي شرطه فمن هذا قلت له القيمة والله أعلم، وإذا اشترطت امرأة على زوجها أنه إن تزوجها أو تسرى فأمرها بيدها وإن كان الشرط قبل العقد فهو باطل وإن كان بعده فلها شرطها.
مسألة:
ومن تزوج امرأة على صداق معلوم وعلى أنها لا تأخذ منه إلا ما وجدت من ملكه إن مات عنها أو طلقها وأشهدت الله على نفسها ثم طلقها بعد دخوله بها فإن لها كل ما فرضه لها وهي منافقة في خلفها إياه، وإن أبرأت امرأة زوجها من صداقها على أن لا يتزوج عليها ثم تزوج فالتزويج له جائز وصداقها عليه، ومن طلق امرأته على أن لا تزوج بعده ولها النفقة ما دامت لا تزوج فالطلاق واقع والشرط باطل ومحمد بن جعفر يثبت مثل هذا.
مسألة:
ومن زوج على نفسه وماله فالشرط في هذا تأكيد وإنما ضمان الصداق عليه في نفسه، ومن تزوج على رضى إنسان فمات ذلك الإنسان ولم يعلم منه رضى فالنكاح فاسد، وكل من اشترط رضاه فالنكاح موقوف حتى يعلم رضاه فإن صار إلى حالة لا يعلم منه رضاه فسد ذلك الشيء المشترط المفترض فيه.
مسألة: (8/310)
صفحة 813
ومن تزوج امرأة على أنها لا تأخذ إلا ما وجدت في ملكه وأشهدت الله على نفسها بذلك فإن كان أقل من صداقها فإذا لم يعقد على صداق معلوم ففي ما شرطت اختلاف بين الفقهاء فمنهم من قال ليس لها إلا ما وجدت في ملكه؛ لأَنَّ شروط النكاح كلها مجهولة وقد ثبتها المسلمون فلها ذلك وليس عليه غيره، ومن تزوج امرأة وشرط عليه إن هو أتى بصداقها إليه إلى ثلاثة أشهر وإلا فلا زوجة له فجاء الزوج بعد ثلاثة أشهر بعشرة أيام بصداقها فأبوا أن يسلموا إليه زوجته وقالوا: إن المدة قد فاتت فذلك شرط باطل والزوجة زوجته والحق عليه، ومن تزوج وشرط إن لم أجيء إلى كذا وكذا فليست لي بامرأة فقيل له شرطهم، قال أبو عبد الله: النكاح ثابت إلا أن يشترطوا عليه إنك إن لم يجيء إلى كذا وكذا فهي طالق فلهم شرطهم، ومن تزوج امرأة على عشرين نخلة وطلبت إليه شربها من الماء فامتنع فلا يحكم عليه بما لم يشرط من الحق عند عقدة التزويج وعلى هذا العمل، وإن شرطت امرأة على زوجها قبل عقدة النكاح أن يكون مقامها ببلدها مع أولادها فإذا كان الشرط قبل العقد ففي ثبوته اختلاف فثبته قوم؛ لأَنَّ ذلك وقع عليه التزويج ويجب عليه الوفاء بما عهد، ولم يثبت ذلك آخرون في الحكم حتى يكون الشرط مع العقد فيكون حقا عليه، وقال أهل الخلاف: إنه شرط باطل، وإن قالت المرأة تزوجني وأنا لا أكلفك نفقة فلم أر ذلك يثبت في قول أصحابنا، ومن تزوج امرأة على شرط أنها تدع له نصف الصداق فلما تزوجها قالت: لا أدع لك شيئا، فقد كذبت به فيما وعدته ولا يلزمه يمين في ذلك.
مسألة: (8/311)
صفحة 814
قال أبو عبد الله: الشروط المجهولة عند عقدة النكاح تجوز على أهلها ولا نقض فيها، ومن تزوج أمة رجل وشرط على سيدها أن كل ولد تلده فهو حر فله شرطه، ومن تزوج امرأة على أن صداقها في ماله وعلى أن لا بيع له في ماله ولا هبة حتى تستوفي صداقها والصداق أجل ثم تزوج عليها وباعه فهذا لا يجوز له بيعه ولا هبته ولا التزويج فيه ولكن إن حمل دينا أو صداقا ولم يكن له وفاء إلا في ذلك المال كان ذلك المال شرعا بين الغرماء وبين زوجته التي وقف لها ماله على قدر الحصص وكذلك الرجل يداين الرجل على أن حقه في ماله لا بيع فيه ولا هبة حتى تستوفي ثم يبيعه ويهبه أو يتزوج عليه فهو مثل الأول.
مسألة:
ومن زوج حرمته وشرط لها السكن قبل العقدة أو عندها فهو ثابت كما أنه ربما تعاقد وأقبل العقدة بشيء من الحق واسمعوا شيئا فيؤخذ بالذي كان أولا ولا يؤخذ بالسمعة إذا صح ذلك كله، فإن كان شرط عليه السكن في بلد ولم يدع لزوجها شيئا من صداقها لأجل ذلك فهو ثابت؛ لأَنَّ هذا هو حق لها فقد شرطته مائة نخلة بأرضها وشربها ولو لم يذكر الشرب لم يثبت لها شرب.
مسألة: (8/312)
صفحة 815
ومن زوج ابنته برجل وكان بينه وبين الرجل أن ليس عليه لها من الحق إلا مائة درهم ويسمع لها عند الشهود والتزويج بألف درهم وكان بينهما هذا الشرط وزوجها بألف فلما زوجها طلبت المرأة ذلك الحق الذي تزوجت به فإن لها ذلك ولا شيء على الأب له، ومن شرط عليه في عقدة النكاح أنه إن جاء بصداق المرأة إلى وقت كذا وكذا وإلا فهي طالق فلهم شرطهم كان في عقدة النكاح أو بعدها، فإن قالوا: إن جئت إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح لك ولم يسمعوا طلاقا فلهم شرطهم وأحب أن يسموا طلاقا، ومن تزوج وشرط على المرأة أن لا يأتيها إلا نهارا فذلك مكروه فإن كان قد ذكر ذلك قبل عقدة النكاح وأجابوا إليه فمتى شاءت المرأة أخذته بنصيبها من الليل والنهار ولا يكون الذي قبل عقدة النكاح شيئا، وكذلك يكره أن يشترط عليها في عقدة النكاح أني أكون عند امرأتي فلانة سنة وأكون عندك شهرا، فإن كان ذلك قبل عقدة النكاح فأرادت المرأة أن تأخذ نصيبها من الليل والنهار فذلك لها وليس تلك العقدة بشيء إذا لم يكن الشرط في عقدة النكاح ويكره أن يكون ذلك عند العقدة، ومن تزوج امرأة وشرط لأهلها إن تركها في دارها فصداقها ألف درهم فإن نقلها فصداقها ألفان، وكذلك إن شرط إن نقلها فصداقها ألفان، وإن لم ينقلها فصداقها ألف درهم وكله سواء والشرط في ذلك ثابت، وإذا اشترطت المرأة على الزوج قبل التزويج أو حين أتاها خبر التزويج فقالت أرضى على أن لي الرأي في نفسي عليك في الجماع والعمل والخروج من المنزل وجميع ما يجب على المرأة للزوج ما أردت فعلت وما أردت تركت وأنت تبع لي في السكنى حيث أتم وتقصر حيث أقصر فإن هذه الشروط كلها باطلة فكن لها السكنى حيث أردت فإن تراضيا على ما شرطت عليه بعد العقدة تم التزويج فإذا رجع الزوج فلم يتم لها تلك الشروط التي شرطتها عليه كان له ذلك إلا السكنى فإنه لها حيث شرطت ولها على الزوج ما للنساء (نسخة ما يجب للمرأة على الزوج) وللزوج عليها ما للرجال، (8/313)
صفحة 816
ومن تزوج امرأة ولها أولاد من غيره فتركت شيئا من صداقها على أن أولادها يسكنون عند زوجها فقبل الزوج بذلك ثم رجع عنه فإن هذا الشرط ثابت على الزوج إذا كان ذلك عند عقدة النكاح ولا رجعة له بعد ذلك في هذا سواء ما شرطت المرأة كون أولادها معها أبدا وما دام زوجا لها أو لم يشترط فالشرط الأول ثابت وقد تجوز الجهالة في الصدقات.
وكذلك إن شرط لها على نفسه أنك إن أخذتني فلك عليّ إن أفارقك متى شئت وأعطيك صداقك أو أبرئ لك نفسك فتزوجته على ذلك فالتزويج تام والشرط باطل، وكذلك إن شرت عليه أن رأيها في نفسها يتقدم رأيه في جماع وغيره وخروج من منزله وجميع ما يجب على المرأة للزوج ما أرادت فعلت وما أرادت تركت فكل ذلك باطل وعليها ما على النساء ولها ما لهن، وكذلك للرجل ما للرجال وعليه ما عليهم فأما إن شرطت السكنى فلها حيث شرطت، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أحقَّ الشروطِ أن يُوفى به ما استحللْتُم به الفروجَ» (1) ، ومن خطب إلى قوم ليزوجوه فأبوا إلا أن يشترطوا عليه أن كل امرأة تزوجها فهي طالق وكل سرية يتسراها فهي حرة فزوجوه على ذلك فإن هذا الشرط باطل والنكاح تام سوى كان الشرط عند عقدة النكاح أو قبله أو بعده فليس هو بشيء وبذلك يقول الشافعي وأصحاب الرأي.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن عقبة بن عامر بلفظ قريب، باب الشروط في المهر، ر2572، 2/970. ومسلم مثله، باب الوفاء بالشروط في النكاح، ر1418، 2/1035. (8/314)
صفحة 817
ابن عمر اختصم إليه في امرأة شرط لها زوجها ألا يخرجها من دارها فقال ابن عمر: لها شرطها وهو مذهب جابر بن زيد، وقال بعض أصحابنا: كل هذه الشروط باطلة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «كلُ شرطٍ ليس في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ فهو باطلٌ وإنْ كان مائة شرطٍ» (1) وهذه الشروط خلاف ما قاله الله عز وجل بل فيها تحريم ما أباحه الله للزوج من النكاح وملك اليمين، ومن تزوج امرأة على صداق وشرط عليها قضاء دينه ونفقة عياله ولم يسم كم ذلك فشرطه يبطل ويتم النكاح ويرجع إلى أوسط صدقات نسائها.
مسألة:
(نسخة وفي أثر) وإذا شرط الرجل على المرأة أنه إن مات ولم يخلف وفاء لصداقها فليس لها عليه شيء إلا ما خلف وإن خلف أكثر من صداقها لم يكن لها إلا صداقها.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن عائشة بلفظ قريب، باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ر2060، 2/759. ومسلم مثله، باب إنما الولاء لمن أعتق، ر1504، 2/1142. (8/315)
صفحة 818
وإن أقر بهذا حكم به الحاكم؛ لأَنَّه إنما تقدم على ذلك والذي فرض لها وليها إنما هو سمعه ولا أرى لها إلا ما كان بينهما، فإذا مات وخلف مائة درهم وعليه دين للناس مائة ردهم وكان صداقها أربعة دراهم وكان قد فرض لها مائة درهم على هذا الشرط ضربت لها بأربعة دراهم يحاصصونها أصحاب المائة إلا أن يخلف أربعة دراهم فضلا عن المائة فلها الأربعة ولا يحاصص الغرماء بشيء، وإن شرطت عليها أنه ليس لها عليه صداق إلا ما خلف بعد قضاء دينه إلى كذا وكذا من الدين فشرطت له ذلك فهو شرط جائز، وإذا كان للمرأة على زوجها شرط سكنها في منزلها وفي بلدها فإنه منه، قال أبو علي (نسخة عن أبي عبد الله) أنه قال: لا أرى لها عليه رجعة في ذلك فإن اشترى منها ذلك الشرط بشيء جاز، وإن كان مجهولا؛ لأَنَّه من شرط صداقها، وقيل: لا يثبت بيع المرأة لصداقها الآجل على أحد إلا على زوجها فإنه يثبت له عليها والله أعلم، ومن تزوج امرأة على رضى فلان فمات فلان قبل أن يعلم رضاه فالنكاح فاسد وإن علم برضى النكاح تام، وإن كره فالنكاح فاسد، فإن وطئها قبل أن يعلم رضاه ثم أعلم فكره حرمت عليه أبدا، وقال أبو محمد: إذا وطئها قبل أن يعلم فلان فقد حرمت عليه أبدا رضي بذلك أو كره بعد أن علم، ومن تزوج بامرأة وشرط لأهلها أن يتركها في دارها وصداقها ألف درهم فإن نقلها فصداقها ألفان، قال: جائز إن نقلها وصداقها ألفان, وإن تزوج على ألفي درهم إن نقلها وإن لم ينقلها فألف درهم، قال: فهذا منتقض، قال أبو الحواري: وكلتاهما سواء والشرط ثابت، ومن زوج ابنته بألف درهم وله ألف درهم ففي قول هاشم أنه جائز، فإن زوج أخته على نحو ذلك لم يجز، قال: ولا يجوز لأحد أن يشترط لنفسه شيئا إلا الوالد، فمن اشترط لنفسه شيئا كان ما اشترط لنفسه لها وقبل به الزوج للمرأة كله ولا شيء له هو، ومن زوج حرمته برجل وشرط لها السكنى قبل عقدة النكاح أو عند العقدة فالذي عندنا أنه ثابت قبل العقدة أو (8/316)
صفحة 819
بعدها والله أعلم، وكما أنه ربما تعاقدوا قبل العقدة بشيء من الحقوق وأسمعوا شيئا فالذي يؤخذ به الذي كان أولا ولا يؤخذ بالسمعة إذا صح ذلك كله، وإن كان يشترط عنده السكن في ذلك ولم يدع لزوجها شيئا من صداقها الآجل ذلك فهو ثابت؛ لأَنَّ هذا هو حق لها قد شرطته مثل مائة نخلة بأرضها وشربها ولو لم يذكر الشرب لم يثبت لها شرب.
الباب الثاني والعشرون: في الصداق وأحكامه (8/317)
صفحة 820
قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (1) وقال: {فانكحوهن بإذن أهلهن...} (2) يعني مهورهن، فالحق واجب على الزوج إذا فرض فريضة ثم طلق قبل الجواز فالنصف بقول تعالى: {فنصف ما فرضتم} (3) وبعد الجواز فالصداق كله، وإن تزوج بغير صداق ثم طلق قبل الجواز فالمتعة بقوله تعالى: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن...} (4) وكل من تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول فعليه نصف الصداق إلا أن يعفو عنه ويترك له، وإن وطئ أو مس الفرج أو نظر إليه وجب الصداق كله، قال أبو عبد الله: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أن يعفو فيعطي الصداق تاما، قال ابن عباس في قول الله جل ذكره في سورة النساء: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (5) يعني فريضة {فإن طبن لكم} (6) يعني فأن أحللن النساء للأزواج عن شيء منه يعني من المهر يعني طابت أنفسهن بترك المهور {فكلوه هنيئا مريئا} (7) يعني حلال طيبا، وقال في آية أخرى: {وإن أردتم استبدال زوج...
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة (8/318)
صفحة 821
} (1) يقول: وإن أراد الزوج طلاق امرأته ويتزوج امرأة أخرى {وآتيتم إحداهن قنطارا} (2) يقول: وأعطيتموهن يعني التي تريد طلاقها من المهر قنطارا يعني من ذهب، والقنطار ألف ومائتا دينار، وقال غيره: العرب تقول هو أربعون أوقية من ذهب أو فضة وهو بلغة أهل برير ألف مثقال من ذهب أو فضة وزعموا أنه بالسريانية ملء سك ثور ذهبا أو فضة في التصريف مخرجه على قول العرب؛ لأَنَّ الرجل يقنطر من الذهب والفضة قنطارا فكل قطعة أربعون أوقية وكل أوقية وزن سبع مثاقيل ونصف، {فلا تأخذوا منه شيئا} (3) يقول من المهر يعني إذا أراد طلاقها فلا يضارها لتفتدي منه {أتأخذونه} (4) يعني المهر {بهتانا} (5) يعني ظلما بغير حق {وإثما مبينا} (6) قال أبو بكر: كان أهل الجاهلية من العرب إذا زوج الولي المرأة فإن كانت معهم من العشيرة لم يعطوها من مهرها قليلا ولا كثيرا، فإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها ولم يعطوها من مهرها شيئا غير ذلك البعير فأنزل الله عز وجل ذلك: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (7) يعني الأولياء تعظيما لأخذه {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} (8) يعني في الجماع {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} (9) يعني شديدا يعني الميثاق الغليظ ما أقر به الرجل على نفسه، وقال الفراء: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، ومن قول الله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} (10) وقال أيضا: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (11) في وفاء المهر، وقال عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ: من الكبائر من نقص مهر امرأته أو أجيرا أجرته، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاث أنا لهم خصم يوم القيامة منهم من ظلم امرأة صداقها» (12) .
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) سورة
(7) سورة
(8) سورة
(9) سورة
(10) سورة
(11) سورة
(12) لم أجده. (8/319)
صفحة 822
ذكر الله التي طلقت ولم يدخل بها وقد سمى لها مهرها فقال: {فنصف ما فرضتم} (1) يعني فعليك نصف المهر، قال ابن عباس: ثم استثنى الله عز وجل فقال: {إلا أن يعفون} (2) يقول: إلا أن تترك النساء نصف المهر للزوج فتقول المرأة لم يدخل بي ولم ينظر إلى عورتي فتعفو عن نصف المهر فتتركه لزوجها ثم قال: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح تعني الزوج فيوفيها المهر كله أو يقول كانت في ملكي ومنعها الأزواج فيعطيها المهر كله قال: {وإن تعفوا} (3) يعني وإن يتركوا أقرب للتقوى يقول: إن تركت المرأة نصفها من حقها أو أعطاها الرجل المهر كله فهو أعظم لأجرهم، قال ابن محبوب: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أن يعفو فيعطي الصداق تاما، وقيل: هو أن يكون قد أعطى الصداق كله فيعفو عن استرجاع نصفه والله أعلم به وليس للولي هاهنا عفو، وقيل: هو الأب يعفو عن مهر ابنته فيتم عليها ذلك.
مسألة:
فقال: نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أطلقتها؟ قال: نعم إني لم أجد نفقة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فهل أمتعتها شيئا؟ فقال: لا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : متعها بثلث شملتك التي عليك أما إنها لا تساوي شيئا ولكن أحببت أن أحيي السنة» (4) ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كساه ثوبين بعد ذلك فتزوج امرأة مهرها أحدهما، يقال: أمهرت المرأة فهي ممهورة ومهرتها وهي ممهرة كله جائز، قال الأعشى: ومنكوحة غير ممهورة وأخرى يقال له هادها، وأنشد أبو زيد: أخذن اغتصابا خطبة عجر فيه وأمهرن أرماحا من الخط ذيلا، ويروى وارى من دار الخط ذيلا الخط موضع بالبحرين، وفي مثل: هو أحمق من الممهورة في أحدى خدمتها والخدمة الخلخال.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) ذكره القرطبي في تفسيره بمعناه بدون إسناد، 3/202. (8/320)
صفحة 823
ومن طلق امرأته قبل الدخول فلا عدة عليها وتبرأ (نسخة وتبين) منه بتطليقة ولها نصف ما فرض لها إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فيوفيها المهر، قال جابر بن زيد: والذي بيده عقدة النكاح الزوج وعفوه أن يعطيها مهرها كله، وقال: أي الزوجين مات قبل الدخول ورث الحي منهما الميت إن لم يكن بينهما مهر لها إلا أن تكون قد وقع عليها أو نظر فرجها أو مسه بفرجه أو بيده فلها مهر بعض نسائها أو بعض أخواتها، ومن ملك امرأة وفرض لها مهرا ثم لم يجد ما ينقدها فنقدت المرأة من قبلها فهو حلال له، وقال محمد بن محبوب: من ملك امرأة ثم نظر إلى فرجها في ظل الماء ثم طلقها قبل الدخول فليس عليه إلا نصف الصداق، وقال أبو محمد وأبو صفرة مثله، وقال موسى بن موسى عن والده موسى إن لها صداقها كاملا، واختلفوا فيمن طلق امرأته ولم يدخل بها وهو مريض فمنهم من قال: لها الصداق كاملا والميراث وعليها العدة، وقال بعضهم: لها الميراث ونصف الصداق، ومن تزوج على عاجل وآجل كان أبو عبيدة يقول: الآجل آجل حتى يتزوج عليها أو يتسرى أو يحتاج إلى خادم أو يموت وإلا فهو آجل حتى يموت، وقال أبو عبد الله: أصحابنا يقولون: ليس عليه أن يعجلها صداقها إذا تسرى عليها، ومن تزوج بغير صداق فلم ترض واختلف قبل الدخول فالنكاح ينتقض ولا طلاق عليه ولا متعة وكذلك ما أشبه هذا، ومن تزوج امرأة فنظرها نهارا أو في ضوء نار بليل من تحت الثوب أو مس فرجها فلها الصداق كاملا، وإن لم يفعل ذلك فلها نصف الصداق، ومن تزوج امرأة على ستين نخلة من ماله في قرية معروفة فباع ماله من تلك القرية فبيعه جائز وعسى أن يكسب فيها مالا بعد ذلك، ولا يحال بينه وبين بيع ماله، وإذا باعه قبل أن تطلب إليه حقها فالبيع جائز، ومن ملك امرأة فادعت ألف دينار صداقها وقال الزوج ألف درهم والمرأة مع ولدها بعد فبعض قال: القول قول المرأة إذا لم يدخل بها فإن أراد الدخول أعطاها ما قالت، وإن شاء أن يطلق (8/321)
صفحة 824
ويعطيها نصف ما قال، وبعض قال: القول قول الزوج وعليها البينة أنها تدعي الفضل وبه نأخذ، ومن تزوج بخامسة جهلا ثم فارقها قبل الدخول فلا صداق لها، ومن تزوج امرأة على أن صداقها عليه مائة نخلة فتركت منها خمسين نخلة مؤونة بنيها وكسوتهم عندها فأقام عندها شهرا ثم طلقها فهذا شرط مجهول ويحسب لها مؤونة أولادها وتعطى الباقي، ولكن لو تزوجها على نفقة بنيها كان جائزا فإن طلقها بعد ثلاثة أيام ذهب ولم يلزمه من أمرهم شيئا.
مسألة:
قوله تعالى: {إلا أن يعفون} (1) قال ثبتت النون؛ لأَنَّه فعل للنسوان والنسوان بالنون، يقول: هن يضربن ولم يضربن ولن يضربن؛ لأَنَّك لو أسقطت النون في الجزم والنصب لم يستبن لها تأنيث وإنما قالت العرب لم يعفوا (للجمع) ولن يعفوا (للرجلين)؛ لأَنَّهم زادوا الاثنين في الفعل ألفا ونونا فإذا أسقطوا النون في الجزم أو للنصب دلت الألف على الاثنين وكذلك واو يفعلون يدل على الجمع إذا أسقطت النون جزم أو نصب، وقال الجياري: إنما قال يعفون؛ لأَنَّ كل ما كان على فعل يفعل في آخره واو فلفظ المذكر والمؤنث فيه سواء، ألا ترى يوسف {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} (2) وإنما الذي يدعونه، وقال تعالى: {والقواعد من النساء...} (3) كل هذا لفظ المذكر والمؤنث فيه سواء؛ لأَنَّك تقول ودعا يدعو ورجا يرجو وكذلك هم يتلون في كتاب الله؛ لأَنَّك تقول تلا يتلو وهي أشبه ذلك.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (8/322)
صفحة 825
وإذا تزوج مشرك بمشركة على خمر أو خنازير ثم أسلما قال بعض: لها مثل صداقات نسائها ونساؤها هو مثلها ممن هو في قدرها، وقال بعض: قيمة الخمر والخنازير، قال أبو معاوية: ولا بأس أن يكون لها قيمة الخمر والخنازير، ومن تزوج امرأة ثم تزوج بابنتها ولا يعلم ثم علم قبل الدخول بها فسدتا جميعا وللتي دخل بها الصداق كاملا وللتي لم يدخل بها نصف الصداق وعلى المدخول بها العدة، ومن تزوج بامرأة ولم يدخل بها ثم تزوج ابنتها ودخل بها ثم وطئ الأم بعد دخوله بالبنت فلكل واحدة صداقها كاملا، فإن تزوج ودخل بها ثم تزوج ابنتها ودخل بها ثم وطئ الأم بعد دخوله بالبنت فلكل واحدة صداقها كاملا، ثم قال: لا تكتب عني فيها شيئا.
مسألة: (8/323)
صفحة 826
قوله تعالى: {إلا أن يعفون} (1) قال: انظر بتثبيت النون؛ لأَنَّه فعل للنسوان والنسوة بالنون في كل حال، تقول هن يضربن ولم يضربن؛ لأَنَّك لو أسقطت النون في النصب والجزم لم يستبن لهن تأنيث وإنما قالت العرب لن يعفوا للقوم ولن يعفوا للرجلين؛ لأَنَّهم زادوا للاثنين في الفعل ألفا ونونا، فإذا أسقطوا نون الاثنين للجزم في النصب دلت الألف على الاثنين وكذلك واو يفعلون يدل على الجمع إذا أسقطت النون في جزم أو نصب، وقال الجيائي: إنما يعفون؛ لأَنَّ كل ما كان على فعل يفعل في آخره واو فلفظ المذكر والمؤنث فيه سواء ألا ترى إلى قول يوسف: {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه} (2) وإنما النساء كن يدعونه، وقال تعالى: {والقواعد من النساء...} (3) كل هذا اللفظ المذكر والمؤنث فيه سواء؛ لأَنَّك تقول: عفا يعفو، ورجا يرجو، ودعا يدعو، وكذلك (هن يتلون كتاب الله)؛ لأَنَّك تقول تلا يتلو، وقال في هذه المسألة بشير بن مخلد: نحو ما كتب عن الفضل وعن موسى بن علي، أن من تزوج بامرأة ولم يدخل بها ثم تزوج بالبنت ودخل بها أن للأم نصف الصداق بدخوله على ابنتها، وصداقا كاملا بدخوله عليها بعد ما دخل بابنتها صداق ونصف، وفي قياس هذا أنه إذا تزوج بامرأة ودخل بها ثم تزوج بابنتها ودخل بها ثم وطئ بعد ما دخل بالبنت أن للبنت صداقها بدخوله عليها وللأم صداقها الأول بدخوله على ابنتها وصداقا ثانيا بوطئه إياها بعدما دخل بابنتها والله أعلم، وصداقا آخر بوطئه إياها بعد دخوله بابنتها مثل امرأة صار إليها في يوم واحد صداقان نصف، هذه امرأة كان لها على زوجها صداق باق وطلقها وهي حامل فوضعت وانقضت عدتها بوضع الحمل فأخذت بقية صداقها ثم تزوجت من حينها بزوج ولم يدخل بها وطلقها في يومه وأخذت منه نصف صداقها ولا عدة عليها، ثم تزوجت في يومها برجل ثالث فجعل لها صداقها فصار لها صداقان ونصف.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (8/324)
صفحة 827
ومن تزوج على صداق نخل أو غنم أو عبيد فدفعه إليها ثم طلقها قبل الدخول وقد تلف ما سلمه قالوا: إن عليها له رد نصف الصداق عليه وإن تلف قال بعضهم: أنا يعجبني ألا ترد عليه شيئا إلا إن وجدنا أثرا وعسى أن نجده؛ لأَنَّ لها نصف الصداق وهي أمينة في النصف الباقي، فإن دخل بها استوجبته كله، فإذا كان نخلا أو غيرها مما يجوز رهنه فوهبته فضاع فعليها أن تضمن نصف الصداق؛ لأَنَّها قد أحدثت فيه حدثا، وإن دفع إليها دراهم فتلفت فعليها أن تغرم له؛ لأَنَّ الدراهم ليست بمنزلة غيرها وإن قضاها نخلا وأكلته سنين ثم طلقها قبل الدخول فيلزمها رد نصف ما أكلت من ثمرة النخل، وإن قضاها جارية فولدت أولادا ثم طلقها قبل الدخول فإنها ترد نصف الأمة ونصف أولادها، وقال بعض: أما الحيوان فترد نصف ما دفع إليها، وأما النخل والأرض فعليها رد نصف ما في يدها من الأصل، فإن كانت جارية فولدت أولادا واتجرت بما في يدها حتى ربحت فيه بما دفع إليها حتى ربحت فيه النصف ثم فارقها فعليها أن ترد كل ما صار عندها، ومن تزوج على مائة درهم ثم صالحها عن المائة على خادم ثم طلقها قبل الدخول وقد قبضت الخادم وهو قائم في يدها فعليها نصف الخادم، شريح: متع بخمسمائة درهم، ومتع عبد الرحمن بن عوف بجارية سوداء، وعن ابن عمر أنه متع امرأته خادما وفعل ذلك عروة بن الزبير، وقال قوم: لا حد لذلك يوقف عليه وهو قول عطاء ومالك والأوزاعي وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: {على الموسع قدره...} (1) .
قال بعض أصحاب الظاهر: إذا تزوج امرأة على صداق معين فتصرفت فيه من بيع أو هبة أو غير ذلك ثم طلقها قبل الدخول وجب عليها رد نصف ما فرض لها بإجماع، ولولا الإجماع ما وجب ذلك غير أن لا حظ للنظر مع الإجماع.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/325)
صفحة 828
متع امرأته بعشرين ألف درهم ومتع كل واحد من أنس بن مالك والأسود بن يزيد بثلاثمائة درهم، ومتع شريح بخمسمائة درهم وإن تزوجها على ألف درهم، فأعطاها عبدا يساوي ألف درهم ثم طلقها قبل الدخول ثم مات العبد فإنها ترد عليه النصف.
مسألة:
قال أبو محمد: من تزوج على عبدين فساقهما إليها فمات أحدهما ثم طلقها قبل الدخول، قال: قال بعض: ترد نصف قيمة الحي ونصف قيمة الميت، وقال بعض: نصف قيمة الحي ويكون شريكا ي الميت، وإن تزوج على صداق معلوم من نخل أو أرض أو حيوان أو ذهب أو فضة ثم دفع إليها صداقها من أي الأجناس كان ثم فارقها قبل الدخول ثم أراد أن يرجع عليها بنصف الصداق وقد تلف بعض ما دفعه إليها أو كله، فما كان من النخل والأرض فأصابته جائحة فإن ما ذهب بينهما وما بقي بينهما، والحيوان فيه اختلاف، قال بعض: عليها النصف مما تلف، ومنهم من يقول: لا شيء عليها، وأما إن كان ذهبا أو فضة فتلف فإنها ضامنة للنصف الذي يبقى ويسترجع عليها به، ومن تزوج على نخل وسلمها إليها واستغلتها ثم طلقها قبل الدخول فإنها ترد عليه نصف النخل ونصف الغلة، فإن تلف النخل فلم ترد شيئا فترد ما بقي من النخل، فإن قضاها جارية فولدت أولادا كثيرا ومات منهم أحدا وماتوا جميعا ففيه اختلاف، منهم من فرق بين الحيوان والأصل وقال ليس عليها إلا رد قيمة الجارية، ومنهم من جعلهم كالأصول.
مسألة: (8/326)
صفحة 829
ومن تزوج امرأة على ماله من قرية كذا ورضيت بالنكاح فلما بلغها أنه تزوجها على ماله من قرية كذا قالت لا أرضى بذلك، فإذا دخل بها فليس لها إلا ما فرض لها وليها، وإن لم يدخل فبضع قال: ينتقض النكاح، وقال بعض: النكاح تام، وليس لها ما فرض لها وليها، وقال الفضل: أنا آخذ بقول من قال ينتقض النكاح إذا لم يدخل بها، ومن تزوج امرأة وأمها ولا يعلم ثم مات قبل الدخول بها فالمهر والميراث والعدة الأولى منهما ولا مهر للأخرى ولا ميراث ولا عدة عليها، ومن تزوج امرأة فطلقها قبل الدخول ولم يعلمها ثم دخل بها فلها مهر كامل، ونصف مهر النصف بطلاقه إياها والمهر الكامل بدخوله عليها ولا تحل له أبدا، ومن تزوج امرأة لم يفرض لها فمات قبل الدخول فلها الميراث وعليها العدة ولا مهر لها فإن طلقها ثلاثا قبل الدخول فلا مهر لها ولها المتاع، قال الله تعالى: {ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن...} (1) فلها المتاع في الطلاق، وقال الله تعالى: {فمتعوهن وسرحوهن...} (2) وإن مات وقد تزوجها على شيء كان لها كأوسط صداقها أو صدقات نسائها وإن مات قبل الجواز فلها المتعة، وقيل: متع جابر بن زيد بخمسين درهما، وقيل: متع غيره بثوبين، وليس في ذلك شيء مؤقت فأحب أن يكون على قدر سعة الرجل وقدر المرأة، قال الله تعالى: {على الموسع قدره...
__________
(1) سورة
(2) سورة (8/327)
صفحة 830
} (1) وقال أبو عبد الله: كسوة تامة أو خمسون درهما، وعن ابن عمر أنه قال: أدنا ما أراه يجزي من المتعة ثلاثون درهما أو شبهها، وعن ابن عباس أنه قال: أرفع المتعة الخادم ثم دون ذلك الكسوة ثم دون ذلك النفقة، وقال: أوسط المتعة درع وخمار وجلباب وملحفة، وقال الشافعي: أربعة أثواب درع وخمار وجلباب وملحفة، وقال قوم: نصف صداق مثلها، وقال قوم: أوضعه ثوب وأرفعه الخادم، وإن فارقها قبل الجواز ولها صداق معروف فلها نصف الصداق، وإن مات قبل الجواز ولها صداق فلها الصداق كله والميراث وعليه عدة المميتة، وقال بعض أصحابنا: لها نصف الصداق ولا خلاف بينهم في العدة عن أصحاب أبي حنيفة، وليس لامرأة صداق مسمى متعة ولا لمن يصير إليه نصف صداق فإن فارقها قبل الجواز فلا عدة عليها وإن مات فحبست نفسها عمدا عن التزويج بقدر العدة فقيل لها الميراث أيضا ونصف الصداق، وفي بعض القول لها الصداق كله ولا ميراث لها وما أرى عليها يمينا بالله ما أرادت أن تزوج قبل أن تخلو عدتها أو أنها قد حبست نفسها بعدة مثل المدخول بها والله أعلم، وقال أبو محمد ـ رحمه الله ـ: من تزوج امرأة ولم يفرض لها حتى مات فإنها ترثه ولا صداق لها.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/328)
صفحة 831
رجل تزوج امرأة ثم اختلف هو والولي فقال الولي: زوجتك حرمتي على صداق ألف درهم، وقال المتزوج: تزوجتها على صداق مائة درهم فالقول قول الزوج قبل الدخول، والقول بعد الدخول قول الولي فإذا طلقها الزوج ولم يكن دخل بها فسلم نصف ما أقر، وأهل الخلاف يوجبون لها الصداق والميراث وذلك أنهم ذكروا أن ابن مسعود قال: أحكم في هذه المسألة برأيي فأوجب لها الصداق والميراث فقال له رجل من أصحاب النبي: هذا حكم حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: الحمد لله الذي وافقت الحق، وأصحابنا لم يفعلوا بذلك ويذكر عن مالك في كتاب الحاوي يذكر أن قصة عبد بن مسعود في هذا قد خالفه فيها علي وابن عمر وابن عباس قال: والنظر (نسخة والفطن) معهم.
مسألة: (8/329)
صفحة 832
وعن عبد الله بن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم قالوا في موت الزوج وحده حسبها الميراث لا مهر لها وعند أبي حنيفة أنه لا يجب لها مهر بموتهما جميعا، قال: فإن ماتت هي ورثها إذا كانت علمت بالعقد ورضيت؛ لأَنَّ الميراث يجب بالعقد والصداق بالتسمية ولا صداق عليه في قول أصحابنا، وإذا ماتت فادعى هو أنها رضيت فعليه البينة وإن مات هو فادعت أنها رضيته زوجا فالقول قولها مع يمينها، وقال أبو الحسن أيضا: لا صداق لها إذا مات عنها ولم يفرض لها صداقا ولها الميراث وقيل: لها كأوسط صدقات نسائها ولا وكس ولا شططا ورفعوا ذلك إلى ابن مسعود وأنهم ترافعوا إليه فوقف فردهم فاختلفوا إليه حتى بعد حين فرض لها، وقال: لها الصداق كأوسط لا وكس ولا شطط فرفع رجل خبرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن امرأة مات زوجها فحكم لها - عليه السلام - كمثل صداق المثل ففرح ابن مسعود بموافقة حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم، وفي آثار أصحابنا إن مات قبل الجواز ولم يفرض لها صداق فلا صداق لها ولها الميراث وهذا رأيهم إنما رفعت رأي ابن مسعود استحسانا مني ألحقته في الأثر لحال هذا الخبر فالله أعلم، ووافق أصحابنا في هذا قول الشافعي وخالف أبو حنيفة وأوجب لها مهر المثل، واحتج بخبر رواه أن أناسا من أشجع منهم معقل بن يسار وأبو الجراح صاحب رأيه الأشجعي قالوا لابن مسعود حين حكم فيها بمهر المثل شهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضائها هذا وأن ابن مسعود فرح بذلك فرحا لم يفرح بمثله بعد الإسلام، ورد الشافعي هذا الخبر وقال: لا أدري أنه معقل بن يسار ولا معقل بن سنان وأن عليا لما بلغه هذا الحديث قال: ما نصنع بقول أعرابي يبول على عقبيه ورد خبره ولم يقبله يسار، عن أشجع وكان ابن أبي هريرة يقول: إن لم يثبت الحديث فلا مهر لها.
مسألة: (8/330)
صفحة 833
ومن ملك امرأة بألف درهم فأعطاها الألف ثم أعطته إياه فقالت: يكون معك حتى أرى رأي ثم طلقها وزعم أن الألف ذهب قال مسبح وأبو الوليد: إنه يدركها بخمسمائة درهم وقالا: عليه يمين بالله ما خانها، قال بشير: يجوز للرجل أن يتزوج بصداق ويقر ألاّ مال له فإن مات ولم يقض ما عليه يرجى الله تعالى له أن يقضي عنه أو قال لا شيء عليه؛ لأَنَّ له في الأصل لابد أن يتزوج.
مسألة:
ومن تزوج امرأة فمكث سنة أو أقل يصيب منها دون الجماع ثم طلقها فإن نظر الفرج أو مسه وجب الصداق كله ولا عدة عليها؛ لأَنَّه لم يعص إليها وأما التي ملكت ولم يفض لها صداقا ولم يدخل ثم مات فلا مهر لها ولها الميراث وعليها عدة المتوفى عنها زوجها وهو رأبي الشعثاء، ومن ملك امرأة فمس دبرها بيده أو بذكره ثم طلقها لم يلزمه صداقها، وإن نظر إلى بطنها أو شعرها ثم طلقها قبل الدخول فلها نصف الصداق ولا عدة عليها، فإن نظر إلى فرجها لا غيره فلها الصداق ولا عدة عليها، ومن طلق زوجته قبل الدخول ولم يسم مهرا ومات فلا صداق لها ولها ميراث ولا عدة عليها، قال أبو عبد الله: ويمتعها إلا يكون طلقها في مرض فإذا حبست عن التزويج نفسها بقدر عدة المطلقة فلها الميراث ولا صداق لها وكذلك إن مات عنها من قبل الدخول ولم يطلقها ولم يكن فرض لها مهرا فلها الميراث ولا مهر لها ولا متعة، وإن سمى لها صداقا وطلقها قبل الدخول فلها نصف الصداق وإن كان دخل بها فلها الصداق كاملا، ومن مات ولم يسم صداقا قال جابر وأبو عبيدة والربيع: لها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها، وكان جابر يقول: ليس لها ولو طلبت صداق فكيف لها بعد موته وإنما لها في كتاب الله المتعة، عن أيوب عن نافع أن ابن عمر زوج ابنه بعض آل عمر ولم يذكر لها صداقا فمات قبل أن يدخل بها فانطلقوا إليه يطلبون الصداق فقال: ما لكم عندي شيء ولو كان لكم عندي شيء لأعطيتكموه فحاكموه إلى زيد بن ثابت فقضى لها الميراث ولا صداق لها.
مسألة: (8/331)
صفحة 834
ومن طلق زوجته قبل الدخول بها إلا أنه أدخل في دبرها أصبعه فلها نصف الصداق وكذلك وجدت عن محمد بن محبوب، ومن طلق زوجته ولم يدخل بها حتى حضرها (نسخة حين حضرت) الموت فلها صداقها كاملا ولا عدة عليها ولا ميراث لها وبعض قال: لها الصداق والميراث وعليها العدة، وقال بعض: إن حبست نفسها عن التزويج بقدر العدة فلها الصداق والميراث وعدتها هاهنا عدة المميتة، وقال بعض: لها نصف الصداق ولا ميراث لها ولا عدة عليها، وقال أبو عبيد: إن لم تزوج واعتدت منه فلها صداقها ولها الميراث وإن تزوجت ولم تعتد فلها نصف الصداق ولا ميراث لها وهي امرأة يختلف الفقهاء فيها، ومن تزوج امرأة على صلاحها ولم يفرض لها صداقا، فاختلافا ولم يتفقا على الصلاح قبل الدخول فالنكاح ينتقض وإن اتفقا تم النكاح بينهما، ومن تزوج امرأة فكرهته فدخل عليها فعليه صداقها والحد ثم قال: أنا شاك في الحد؛ لأَنَّه إن قال إني ظننت أن عقدة الملك توجب النكاح عليها لم أر عليه حدا.
مسألة: (8/332)
صفحة 835
ومن زنى بامرأة ثم تزوجها بصداقها أو أقل منه ثم فارقها أو مات عنها، قال أبو الحواري: لها حقها الذي تزجها عليه؛ لأَنَّ الناس قد اختلفوا في ذلك إلا أنه إن مات عنها فلها صداقها ولا ميراث لها منه وهذا إذا كان قد جاز قبل التزويج بها وإن كان مس فرجها أو نظره ولم يجز بها ثم تزوجها فلها صداقها منه إن مات عنها؛ لأَنَّ المس والنظر مختلف فيه أيضا وليس هو مثل الجواز والاختلاف في المس والنظر بين أصحابنا والجواز الاختلاف فيه بين أصحابنا وقومنا فأوجبنا لها صداقها بما استحل من فرجها بالوطء وحرمناها الميراث وأوجبنا لها الصداق بالمس والنظر، والفراق بينهما في جميع ذلك ولا يقيم معها كان وطىء أو مس أو نظر قبل التزويج فافهم هذا المعنى والفرق بين الوجهين في هذه المسألة وبالله التوفيق، فإن زنا بها ثم قال: لا أتزوجك إلا بأربعة دراهم فتزوجها برأيها فليس لها إلا ما فرض لها واتفقا عليه من قليل أو كثير وكذلك لو اتفقا على أكثر من صداقها كان لها ما اتفقا عليه، وقال أبو الحسن: من زنى بامرأة ثم تزوجها فهي حرام عليه ولا صداق لها عليه ولا كرامة لفسقها.
مسألة:
وإن قبحت امرأة وجه زوجها أو لعنته فليس يذهب ذلك صداقها.
مسألة: (8/333)
صفحة 836
يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«لكل موطأة صداق» (1) وأجمع المسلمون على أن الزانية لا صداق لها وأوجبوا عليها رد ما أخذت إذا اشترطت ذلك لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن مهر البغي وحلوان الكاهن وكرى الفحل، وقال أبو عبد الله: إن أقذر الذنوب ظلم المرأة صداقها وظلم الأجير أجرته وكله عند الله عظيم، وقال أبو محمد: في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بمهر» (2) ، وليس لأحد من الخلق أن يزوج بغير مهر إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن الله جل وعز قال: {خالصة لك من دون المؤمنين} (3) واختلف الناس فيمن تزوج امرأتين على ألف درهم فقال قوم: الألف بينهما نصفان، وقال قوم: الألف بينهما على قدر مهر كل واحدة منهما وهو قول أبي حنيفة، فإن كانت إحداهما في عدة أو لها زوج فالألف كلها للتي نكاحها صحيح، وللشافعي قولان: أحدهما أن الألف مقسوم على قدر مهرهما، قال: وقد قيل لكل واحدة صداق مثلها.
مسألة:
ومن تزوج امرأة على عبدين معلومين فاستحقا قبل دخوله بها فعليه أن يسمي لها صداقا معلوما قبل الدخول بها فإن استحقا بعد الدخول كان عليه قيمة العبدين، ومن تزوج امرأتين على صداق واحد في عقد واحد ثم دخل بهما فإنهما يرجعان إلى صداق المثل؛ لأَنَّ كل واحدة منهما لم يسم لها صداقا معلوما وإن لم يدخل بهما أخذ بأن يسمي لكل واحدة صداقا معلوما يتفق عليه الزوجان فإن دخل بواحدة منهما كان لها مثل صداق نسائها وجعل للأخرى صداقا معلوما، ومن مس فرج امرأته أو نظره عمدا ولم يدخل بها ففي النظر اختلاف في الصداق وفي المس الصداق بغير اختلاف، وإن كانت غير امرأته فليس لها في النظر صداق بغير اختلاف وفي المس اختلاف في الصداق.
مسألة:
__________
(1) لم أجده.
(2) لم أجده بهذا اللفظ. ينظر الأحاديث التي ورد فيها شرط الصداق أو المهر في النكاح.
(3) سورة (8/334)
صفحة 837
ومن تزوج امرأة وفرض لها صداقا ولم يذكر عاجلا ولا آجلا فهي على سنة بلدها إن كان عاجلا فهو عاجل وإن كان آجلا فهو آجل، وإن كان عاجلا وآجلا فهو عاجل، الدليل على أن النكاح ثابت بغير ذكر مهر قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن...} (1) الآية، فلما أثبت الله تعالى الطلاق دل على أن النكاح ثابت؛ لأَنَّ الطلاق لا يقع إلا في نكاح ثابت.
مسألة:
وأجمعت الأمة أن من تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا أن النكاح ثابت ولها صداق مثلها، ومن أقر لزوجته بصداق ولم يسمه فإن الحاكم يأخذه بأن يقر لها بما شاء.
مسألة:
ومن تزوج امرأة بكرا أو غير بكر فولدت لأقل من ستة أشهر فالولد ولدها دونه ويفرق بينهما ولها الصداق؛ لأَنَّ العقد وقع على حامل ونكاح الحوامل لا يجوز، ومن طلق زوجته ثم رجع قبل انقضاء عدتها ثم طلقها قبل أن يطأها فإنها تبتدئ العدة ولا تبني على عدتها وكذلك إن خالعها ثم ردها في العدة وزادها على صداقها زيادة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنما يكون لها نصف صداقها ونصف ما زادها وكذلك إن تزوجها على مائة درهم ثم أشهدها على نفسه بثمانية دراهم زيادة في صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنه يكون لها نصف صداقها ونصف ما زادها.
مسألة:
أجمعوا على أن الزوج إذا مس الفرج أن عليه الصداق واختلفوا في النظر، وعنه إذا دخل الرجل بالمرأة ونظر إلى فرجها ولم يطأها وجب صداقها عليه وأما المس فعليه الصداق بغير اختلاف.
مسألة:
ومن تزوج امرأة فنظر إلى فرجها ولم يطأها وجب صداقها عليه وأما المس فعليه الصداق بغير اختلاف.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/335)
صفحة 838
ومن تزوج امرأة فنظر فرجها في النار أو في الماء وما يكون به مستمتعا ثم طلقها فلها الصداق، ومن تزوج على عشرين نخلة وشربها في الماء فإنه يساق إليها الماء فإذا دار بها يدور حول جذعها في الأجيل الذي لها فوصل الماء إلى الرضفين فذلك شرب لها ويعلم كم رزبت من الماء في الأجالة التي يقلب إليها الماء إلى أن يرتفع عنها فإن كان أثرا أو أكثر كان ذلك شربها بعد أن يرضح وتسقى شربتين ويكون ذلك ليلا أو نهارا ومنهم من قال: يقوم النخل والماء ثم يقضي بذلك كله نخلا وماء على ما يرى العدول، ومن تزوج على مائة نخلة فسلم إلى المرأة النخل وتمسك بالأرض فإن لها النخل بما تستحقه من الأرض.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ثم مات قبل الدخول فلها الصداق كاملا وعليها عدة المميتة، ومن تزوج امرأة ودفع إليها حقها كله فاتجرت به ثم طلقها قبل الجواز فإنها ترد عليه النصف، ومن طلق زوجته واحدة وقد جاز بها فلها النفقة والسكنى في ماله ومنزله حتى تنقضي العدة ثم يجب لها الصداق بعد ذلك تاما وتحل للأزواج ولا يجب لها الصداق حتى تنقضي العدة؛ لأَنَّه يملك رجعتها وله مراجعتها ولو كرهت فلو طالبته بالصداق وهي في العدة وأشهد على رجعتها سقطت تلك المطالبة عنه فمن ذلك قلت إن الحكم لها بالصداق في الطلاق الرجعي إنما يكون بعد انقضاء العدة، فإن كانت مطلقة طلاقا بائناً حكم لها بالصداق في العدة؛ لأَنَّها باينة، وإن كانت مختلعة فإنها قد تبرت من صداقها فلا شيء لها إلا أن يصح أنه كان مسيئا إليها فإن صح ذلك حكم لها بالصداق وقد وقع الفراق والمطلقة البائن لها الصداق ولا نفقة لها في العدة، واختلف أصحابنا في امرأة لم تعلم بصداقها فلما دخل بها الزوج علمت فقالت: لا أرضى إلا بصداق نسائي فقيل عن موسى إنه كان يرى لها مثل صداق نسائها، وأما أبو عثمان فقال: ليس لها إلا ما فرض لها وليها ولو شاءت لما أجازت النكاح.
مسألة: (8/336)
صفحة 839
ومن تزوج امرأة وفرض لها صداقها ودخل بها لزمه الصداق كاملا وعليها العدة ولها الميراث إن مات، فإن تزوجها ولم يفرض لها صداقا ومات ولم يدخل بها فلها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها، فإن تزوجها ولم يفرض لها صداقا وطلقها ومات قبل الدخول بها فلا صداق لها، ولا ميراث ولا عدة.
مسألة:
وإذا وعدت المرأة زوجها قبل عقدة النكاح أن تترك له شيئا من صداقها ثم طلبه إليها بعد أن تزوجها فتركته له ثم رجعت فيه فلها ذلك، ومن أراد تزويج امرأة فتواطأ على شيء معلوم ورضيا جميعا به ثم زوجه الولي على أكثر من ذلك ليسمع به، فعن أبي زياد أن لها ما تعاقدا عليه قبل النكاح، وإذا تركت المرأة صداقها قبل العقدة سرا ثم تزوجها بأكثر قال الشيخ أبو محمد: فإن لها ما تزوجت عليه؛ لأَنَّها تركت حقا لم يجب، وقال من قال موسى بن علي: تكون منافقة بالخلف، وقال محمد بن محبوب: ليس لها إلا ما توافقا عليه، ومن طلق زوجته طلاقا يملك فيه الرجعة ثم إنه خالعها في العدة قبل أن يعلم بالطلاق منه فلا يلزمه لها صداق لما كان له أن يردها في العدة ولو كرهت، ولو خالعها بعد انقضاء العدة كان لها عليه الصداق.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ودفع إليها حقها كله فتجرت به ثم طلقها قبل الجواز فإنها ترد عليه نصف ذلك، وإن مات أحد الزوجين قبل الدخول فللحي منهما الميراث من صاحبه الميت، وإن كانت المرأة هي الميتة أو المميتة فكان لها صداق مفروض فلها الصداق والميراث وعليها العدة، والله أعلم، ولا يبطل الميراث بين الزوجين دخل بها أو لم يدخل إلا بأن يبطل صحة التزويج بحرمة واقعة مثل أن يتزوج بذات محرم منه أو أن يجمع ذاتي محرم فهنالك يبطل الميراث بينهما والله أعلم.
فصل: (8/337)
صفحة 840
وإذا مات الزوج أو الزوجة قبل الدخول فلها على الوجهين الصداق كاملا بإجماع الأمة، وفيه اختلاف بين قومنا، قال قوم: لها مهر العلانية، وقال قوم: لها مهر السر، وقال أبو الحسن: إن تزوج بها ولم يفرض مهرا فلما أراد الدخول قبل الجواز قال لها: إن وليك زوجني ولم يفرض عليّ صداقا والآن فقد فرضت على نفسي عشرة دراهم فرضيت فذلك جائز، وليس لها إلا عشرة وإن كان بينهما على عشرة وزوجه الولي على مائة فلها ما عقد عليه النكاح وقيل ليس لها إلا عشرة كما كان بينهما، وقيل: إن قالت أسمع لي مع الناس واقبل ما زوجك عليه الولي وكان بينهما أقل من ذلك فتزوجها على ذلك فلها إذا رجعت ما زوجت عليه وهي منافقة في الخلف، وقال قوم: الكل، وقال قوم: ما كان بينهما فإن قال: قبل الجواز قد زوجني الولي بألف وقد كان بيني وبينك مائة درهم فرضيت بالمائة فليس عليه لها إلا المائة والله أعلم بذلك وأحكم، اختلف في حلوان المرأة فقال قوم: هو مهرها، قال: ويقال لا بل هو ما كانت تعطى متعتها بمكة، والحلوان الرشوة مثل أن يعطي الرجل الرجل شيئا ليزوجه بذات محرم منه، والحلوان: أخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه وهو عار عند العرب، وقال امرأة تمدح زوجها: لا يأخذ الحلوان من بناتنا.
مسألة:
ومن خالع امرأته ثم تزوجها في عدتها ثم طلقها قبل أن يدخل بها في التزويج الثاني فلها صداقها تاما وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يجب وإن كان قد دخل بها في التزويج الأول ثم تزوجها ثانية بعد انقضاء عدتها ثم طلقها قبل أن يدخل بها في التزويج الثاني فلا عدة عليها ولها عليه نصف الصداق، ومن آلى من امرأته فخرجت بالإيلاء منه ثم تزوجها ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الصداق بالتزويج الآخر ولها صداقها تاما بتزويجها الأول قبل ويخرجها بالإيلاء والثانية بالإيلاء ولا يلحقها الطلاق (نسخة النكاح)؛ لأَنَّها هي أملك بنفسها.
مسألة: (8/338)
صفحة 841
العرب تقول: ساق الرجل إلى امرأته صداقها وإنما كان يقال ذلك حين كانوا يدفعون في الصداق إبلا وتلك الإبل يقال لها الناقحة، وقال الشاعر:
وليس تلادي من وراثة والدي *** ولا شأن ما لي مستفاد النواقح
وكانوا يقولون تهنيك الناقحة فإذا كانوا يدفعون الصداق عينا وورقا يقال: ساق إليها الصداق، وقوله تعالى: {إلا أن يعفون} (1) استثناء وإنما قال: {يعفون} (2) ؛ لأَنَّ كل ما كان على فعل يفعل في آخره واو فلفظ المذكر والمؤنث فيه سواء ألا ترى إلى قول يوسف: {رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه} (3) وإنما النساء كن يدعونه، وقال: {والقواعد من النساء...} (4) كل هذا لفظ المذكر والمؤنث فيه سواء؛ لأَنَّك تقول: عفا يعفو ودعا يدعو ورجا يرجو وكذلك (هن يتلون كتاب الله)؛ لأَنَّك تقول تلا يتلو (وهن يقرأون) وما أشبه ذلك.
مسألة:
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة (8/339)
صفحة 842
قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (1) قيل: معنى قوله نحلة أي: هبة، ومن قولهم: فلان ينتحل دين كذا، وقيل: معناه من قولهم نحل نحلا، قالوا: وإنما قال ذلك لأحد أمرين إما؛ لأَنَّ الصداق كان قبل هذه الشريعة ملكا لآباء الزوجات واستشهدوا بقوله تعالى حكاية عن شعيب قال: {إني أريد أن أنكحك...} (2) ولم يقل على أن تأجرها فلما جعله تعالى في هذه الشريعة للزوجات حسن أن يقول: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (3) يعني هبة من الله تعالى لهن بعد إن كان لآبائهن أو؛ لأَنَّه لما للزوجات مشتركين في لذة الوطء ثم اختص الزوج بدفع الصداق حسن أن يقال هبة ونحلا، وقال في موضع آخر: {فما استمتعتم به منهن...} (4) فسماه أجرا، وهو كذلك؛ لأَنَّه عوض منافع فلم يحسن أن يقال: ثمنا بل سماه أجرا، وقال في موضع آخر: {وقد فرضتم لهن فريضة} (5) فسماه بأربعة أسماء: النحلة والصداق والأجر والفريضة، وسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باسمين أحدهما: المهر لقوله - عليه السلام - : «فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها» (6) ، وسماه بالعليقة، قال: «أدوا العلائقَ» (7) يريد ما تراضى عليه الأهلون، والعرب قد سمته أيضا عقرا، وقد ثبت اسم المهر عوضا عن الزنى ألا ترى إلى ما روي عنه - عليه السلام - أنه نهى عن مهر البغي، وقد زعم قوم أن الطول أحد أسماء الصداق لقوله تعالى:{ومن لم يستطع منكم طولا...
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة
(4) سورة
(5) سورة
(6) رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب وعلي موقوفا، باب ما يرد به النكاح من العيوب، 14001، 14007، 7/214، 215. وسعيد بن منصور: كتاب السنن مثله، باب من يتزوج امرأة مجذومة أو مجنونة، ر819، 821، 1/245، 246.
(7) رواه البيهقي عن عبد الرحمن البيلماني بمعناه، باب ما يجوز أن يكون مهرا، ر14153، 7/239. والدارقطني عن ابن عباس بمعناه، باب المهر، ر10، 3/244. (8/340)
صفحة 843
} (1) يعني صداقا وليس كذلك بل الطول هاهنا عبارة عن القدرة على ما يصل بها إلى نكاح الحرة لا أنه الصداق نفسه فالله أعلم، قوله تعالى: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي...} (2) فيه اختلاف، منهم من قال الزوجان، ومنهم من قال: الأب، وقيل الزوج، وقال أصحاب أبي حنيفة: هو الزوج، وقال مالك: واحد؛ قول الشافعي هو الولي، وقيل: تقديره أن يعفو الذي بيده عقدة نكاحه فتكون الألف واللام بدلا من الإضافة، قال النابغة:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم *** من الناس والأحلام غير عوازب
يعني وأحلامهم، وقيل: معناه أو يعفو الذي كان بيده كما قال تعالى: {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم} (3) وقد ملكها يوسف عليهم وإنما تقدير الكلام جعلوا الشيء الذي كان بضاعة لهم.
فصل:
مسألة:
ومن طلق قبل الدخول وقد سمى لها صداقا فلا متعة بإجماع؛ لأَنَّ الزوج يرجع بنصف ما ملكت عنه، ووجوب المهر للمرأة إنما يراعى به علمها وإثبات النسب إنما يراعى علم الوطء به فلو وطئ رجل امرأة تعلم أنه زان بها والمرأة تظنه زوجا لها فلها عليه مهر مثلها فإن جاءت بولد في هذه الحال لم يلحق بالوطء ولكن إن وطئها وعنده أنها زوجته وهي تعلم أنه أجنبي فلا مهر لها وإن جاءت بولده لحقه (تمام المسألة).
__________
(1) سورة
(2) سورة
(3) سورة (8/341)
صفحة 844
قال: إن كانت بكرا فلها كصدقات نسائها وإن كانت ثيبا فليس لها إلا ما فرض لها وليها قال: وهكذا قال أبو المؤثر، وعن أبي عبد الله: وإذا قضى رجل امرأته صداقها وكان شرطها عليه آجلا ثم بدا له أن يرجع فيه ويأخذه منها فليس ذلك له إذا قضاها إياه وهو لها، ومن ملك امرأة ثم وطئها من فوق ثوب صفيق أو رقيق ثم طلقها فلها عليه صداقها كاملا، وإذا تزوج رجل من الباطنة امرأة من نزوى وله مال بالباطنة وقال بنزوى وهو يتم الصلاة بينهما جميعا فله أن يعطيها صداقها من حيث شاء من الباطنة أو من نزوى، فأما إذا كان كلاهما من نزوى فله أن يعطيها من نزوى وليس له أن يعطيها من غيرها، ومن تزوج امرأة على أقل من صداق مثلها وزوجها وليها بذلك ولم يعلمها قبل الجواز ولا الزوج حين دخل بها فعن أبي مالك أن فيها ثلاثة أقاويل منهم من يقول ليس لها إلا ما فرضه لها وليها، وقال قوم: يرجع إلى صداق كأوسط صدقات نسائها، وقال قوم: يرجع إلى صداق قدرها؛ لأَنَّه أولى بها من قدر نسائها، قال أصحاب أبي حنيفة: المفرضة إذا مات عنها زوجها فإنه يكون لها مهر المثل عندنا وعند الشافعي بأنه لا يكون، والمفرضة التي تزوجها على غير مهر.
الباب الثالث والعشرون: فيما ينعقد به النكاح من الصداق ويصح الاختلاف فيه
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عبد الرحمن بن الشاماتي قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة له فقال: «انكحُوا الأيامَي منكم» (1) فقالوا يا رسولَ اللهِ: ما العلائقُ بينهم؟ قال: «ما تراضَى عليه الأهلُونَ» (2) .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصداق فقال: «على ما تراضى عليه الأهلون»، وروي عنه - عليه السلام - أنه أجاز نكاح امرأة على نعلين فالله أعلم، وروي بإجازة صداق على خاتم حديد والصداق مما اتفقوا عليه مما هو أكثر من ذلك.
مسألة:
__________
(1) انظر حديث: "أدوا العلائق".
(2) تكملة للحديث السابق: "انكحوا الأيامى...". (8/342)
صفحة 845
والتزويج على الصداقات المجهولة كلها جائز بالغنم والعبيد والنخل وما ذكرنا في التزويج يثبت به ولها الوسط في ذلك، وكل ما لم يسم صداقا رجعت إلى صداق المثل، ومن تزوج على ألف درهم ودنانير فجائز وعلى حق آجل جائز وعلى عاجل جائز، قال أبو سلمة: قلت لعائشة: يا أماه كم كان صداق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه؟ قالت: اثنتا عشرة وقية ونس، وروي أن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي بأربعين ألف درهم وأن ابن عمر أصدق صفية عشرة آلاف، وكان ابن عمر يزوج بناته على عشرة آلاف، وروي أن الحسين تزوج امرأة وأرسل إليها مائة جارية مع كل جارية ألف درهم، وعن ابن عباس أنه تزوج سميلة على عشرة آلاف، وتزوج أنس بن مالك على عشرة آلاف، والنكاح بقليل الصداق وبكثيره جائز.
مسألة: (8/343)
صفحة 846
وأجاز موسى بن علي تزويج امرأة على أربعة دوانيق (نسخة دراهم) وذلك أنه كان دخل بها فلم يروا فرقة، وعن موسى أنه قال: أقل ما يجوز به النكاح عشرة دراهم، وقال وائل: نواة من ذهب، وقال من قال: بما يجب به القطع، ومن تزوج امرأة على أن يعمل لها سنة ولم يذكر مهرا غير هذا العمل فالنكاح جائز ولكن يسمى لكل شهر كذا وكذا درهما ثم يقول: هذا مهرك والواضح من الأمر أحب إلينا، وقال غيره: أحب أن يكون للمرأة دراهم أو دنانير، ومن تزوج على شاة بعينها فالتزويج جائز وليس لها غير تلك الشاة، وإن تزوجها على شاة غير معروفة بعينها ثم اختلف فيها فإن دخل بها فالتزويج ثابت ولها عليه شاة وسطة برأي العدول وإن لم يدخل بها أيضا فشاة وسطة برأي العدول، وقال ابن محبوب أيضا: من تزوج على أقل من أربعة دراهم وجاز فالنكاح تام، وترجع إلى صداقات نسائها، وقال غيره: ممن كان له شعر حسن فقالت له امرأته: أعطني نصف شعرك هذا فقال: لا والله لا أعطيك إياه إلا أن تجعليه صداقك، فقالت: قد فعلت فأشهد على ذلك وجز شعر رأسه وأعطاه إياها، قال: إن بيع الشعر لا يجوز والنكاح لا يكون على أقل من أربعة دراهم أو وزن نواة ذهب أو ثوبين، ومن تزوج على عشرة أثواب فرضيت المرأة أن تقبل قيمتها فلا بأس.
مسألة: (8/344)
صفحة 847
قال الشيخ أبو محمد ـ رحمه الله ـ: إن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ خطب الناس فقال: من بلغني عنه أصدق امرأة فوق ما أصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساء عاقبته، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أصدق نسائه ولا أحدا من بناته أكثر من اثني عشرة أوقية، ولو كان غلاء المهور مكرمة لاختص الله به نبيه وما سبق إليه نبيه، فقالت امرأة من الناس: يأبى الله أن يجعل ذلك إليك ولا للخطاب تعني والده، قال الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} (1) فقال عمر: أصابت المرأة وأخطأ الأمير، وفي موضع آخر: إن عمر قال عند قول المرأة له هذا: رحم الله عمر كل يخصم عمر حتى المرأة، واختلف الناس في القنطار قال قوم: ألف دينار، وقال قوم: ألف ومائتا دينار، وقال قوم: ملء سك ثور ذهبا، والوقية أربعون درهما.
مسألة:
__________
(1) سورة (8/345)
صفحة 848
واختلفت الأخبار في مقدار ما ينعقد به النكاح من الصداق واختلفت الروايات في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز نكاحا على خاتم حديد، وعنه - عليه السلام - : «من استحلَّ بدرهمٍ فقد استحلَّ» (1) ،
__________
(1) رواه أبو يعلى عن أبي لبيبة بلفظ قريب، ر943، 2/241. والبيهقي عن أبي لبيبة بلفظه، باب ما يجوز أن يكون مهرا، ر14150، 7/238.. (8/346)
صفحة 849
وعن عمر قال: في ثلاث قبضات زبيب، وروي أن امرأة جاءته فقالت: يا رسول إني وهبت نفسي لك فلم يجبها وأطال السكوت فقال رجل: يا رسول الله فزوجنيها إن لم تكن لك فيها حاجة، فقال له: أعندك شيء تصدقها إياه، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا إن دفعته إليه بقيت عريان، فقال: قد زوجتكها على ما عندك من القرآن، فاختلف الناس في معنى هذا القول فقال قوم: معنى ذلك تعظيما لقراءة القرآن لا على أن القرآن الذي يعلمه الرجل وصار في صدره صداقا لها إذ القرآن لا ثمن له ولا أن القرآن بدل من شيء وأن له ثمنا فيجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - صداقا، وقال بعضهم: معنى ذلك أن يعلمها مما كان علمه من القرآن مما عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل صداقها عناه على تعليمه إياها ذلك؛ لأَنَّ لعنايته وقيامه على ذلك عوضا يستحقه وذلك العوض يكون صداقا لها عليه وهذا الذي يذهب إليه أصحابنا، وأجمع الناس على جواز النكاح وانعقاده بغير صداق مذكور وأن المرأة إذا رضيت فلها صداق مثلها فدل هذا على أن الفروج لا تستباح بغير صداق، والناس مختلفون في ذلك فمنهم من أجازه ومنهم من أبطله، قال: واختلفوا فيما ثبت من الصداق المسمى في عقد النكاح فقال الشافعي: ما يستحق ثمنا لشيء، وقال مالك: لا يجوز أقل من ثلاثة دراهم قياسا على قطع السارق؛ لأَنَّ هذا عضو لا يتلف بأقل من ثلاثة دراهم، وقال أبو حنيفة: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم وكذلك قال في قطع السارق، وعن بعض قومنا أنه لا حد لأكثر الصداق ولا لأقله، وقد تزوج عمر أم كلثوم بنت علي على صداق أربعين ألف درهم مع قوله: (لا تغالوا في المهور في صداقات نسائكم) الحديث، وتزوج ابن عمر على عشرة آلاف درهم، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه زوج فاطمة على صداق خمسمائة درهم، وعنه - عليه السلام - أنه تزوج أم سلمة على متاع يساوي عشرة آلاف درهم، وروى بعض عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا مهر (8/347)
صفحة 850
أقل من عشرة دارهم» (1) وطعن قوم على راوي الخبر وهو الحجاج بن أرطأة، قال أبو حنيفة: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم وكذلك قال في قطع السارق، واختلف أصحابنا أيضا فقال أبو أيوب وائل بن أيوب: وأقل الصداق أو المسمى في عقد النكاح نواه وهو خمسة دراهم؛ لأَنَّ العرب تسمي الخمسة الدراهم نواة، وقال موسى بن أبي جابر: أقله عشرة دراهم، وقال الجمهور منهم: أقله أربعة دراهم وهو معهم ربع دينار كذلك قالوا في قطع يد السارق أنها لا تقطع بدون الأربعة دراهم، ويوجد عن موسى بن علي أنه لم يفرق تزويجا على درهمين ووقف عليه، ومن تزوج امرأة على غير شيء وعلى ذلك تقدم عليها فقال: لا تأخذي فقالت: نعم ورضيت فتزوجها ودخل بها ففي ذلك اختلاف بعض يقول: لها أقل الصداق وهو أربعة دراهم، وقال بعض: صداق مثلها، فإن تزوجها على درهم واحد فعن منير أنه قال: ليس لها إلا ما تزوجها عليه مع ما فرض وليها، وقال آخرون: أقل الصداق أربعة دراهم فإن مات ورثته وتعتد عدة المميتة، فإن شرط عليها إن هو مات فلا ميراث لها منه فلها الميراث وذلك قال بشير أربعة دراهم، وقال بشير: لو تزوجت امرأة على درهم ورضيت به كان جائزا، وروي عن علي بن أبي طالب أنه لم يجز النكاح على أقل من عشرة دراهم، ومن حجة الشافعي على جواز النكاح مما يقع عليه اسم ثمن أنه لما كانت الأمة تشترى بدرهم واحد ويستباح فرجها به وزيادة رقبة لمن امتنع من استباحة فرج مثل ذلك وأقل، وهذا غلط منه وذلك أن الأمة قد يهبها الواهب فيكون فرجها مباحا بغير عوض ليس كذلك في النكاح، وقال الشافعي: لا يجوز النكاح على شيء لا يتمول، وإن كان ذلك الشيء مملوكا ليس لأحد أن يتناوله بغير أمر صاحبه، وقال ابن أبي جابر: لا ينعقد النكاح بأقل من عشرة دراهم، وأما بشير بن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ فجوز الصداق على أربعة دراهم وأبطله إذا كان مزبقا، وما روي عن
__________
(1) انظر حديث: "لا تزوجوا النساء إلا بالأكفاء...". (8/348)
صفحة 851
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه زوج امرأة رجلا على ما عنده من القرآن، وأجاز تزويجا آخر على خاتم حديد، ولو تزوجها على أن لا صداق لها عليه ورضيت لم يجز ذلك؛ لأَنَّ الله جل ذكره جعل الصداق حقا لها تستحقه من عضوها ولا تبيحه بغير عوض وبالله التوفيق، وإذا جرحت المرأة رجلا فتزوجها الرجل على أرشه إن كان الأرش يبلغ مقدار صداقها فهو جائز وإن طلقها ردت عليه نصف الأرش، ومن تزوج نصرانية على خمسين أصل ثوم فلا بأس بذلك.
فصل:
قال أبو عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه لم يصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش، قال مجاهد: والأوقية أربعون، والنش عشرون، والنواة خمسة دراهم ويئست من نسوة مهورهن النش، ومنه حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى عليه وضرا من صفرة فسأله فقال: تزوجت امرأة من الأنصار على نواة من ذهب، قال: «أولم ولو بشاة»، قوله: نواة يعني خمسة دراهم، وبعض الناس يحمل معنى هذا أنه أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثم ذهب إنما هي خمسة دراهم، تسمى نواة كما تسمى الأربعون الأوقية، وكما العشرون تسمى نشا، وفي هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من قال: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفوة لما ذكر التزويج فهذا مثل الآخر أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه وقوله مهيم فإنها كلمة يمانية معناها ما أمرك وما هذا الذي بك وما نحو هذا من الكلام.
فصل: (8/349)
صفحة 852
قال أبو حنيفة: لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم، واحتجوا برواية الحجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم» (1) ، وبما روى يزيد بن هارون عن الحجاج عن عمر وابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا مهر دون عشرة دراهم»، وفي رواية أخرى: «لا مهرَ أقلَّ من عشرةِ دراهمَ، ولا قطعَ في أقلَّ من عشرة» (2)
__________
(1) سبق تخريجه في حديث: «لا تزوجوا النساء إلا بالأكفاء ولا تزوجوهن...».
(2) رواه البيهقي عن علي بمعناه، باب ما جاء...أيقطع السارق في أقل من دينار...، 8/261. والدارقطني عن علي بمعناه، ر349، 3/200.. (8/350)
صفحة 853
وقالوا: هذا لص ورووا مثل ذلك عن علي وابن مسعود وعبد الله بن عمر وجماعة من التابعين، وقال الشافعي: لا تقدير في الصداق، وقد رويت أخبار تدل على صحة قول الشافعي، منها ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا مهر أقل من خمسة، وعن عمر أنه قال: ثلاث قبضات زبيب لها مهر، وعن جابر أنه قال: كنا نتناكح على الحفنة من الدقيق، وعن طاووس عن ابن عباس أنه قال: إن رضيت بمسواك فهو لها مهر، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نجوز النكاح على قليل المهر وكثيره، وعن ابن عباس أيضا أنه قال: أدنى ما يكون المهر شاة ودرع وخمار، وروى سهل بن سعد الساعدي وامرأة عرضت نفسها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا حاجة لي في النساء، فقام رجل من ضعفاء المسلمين فقال: يا رسول الله زوجنيها، فقال: هل معك شيء تصدقها؟ قال: لا إلا إزاري هذا، قال: التمس أعطها ثوبا، قال: ما أجده، قال: فأعطها ولو خاتما من حديد، قال: لا أجد، قال: فهل تحفظ شيئا من القرآن؟ قال: نعم، وذكره، فقال: زوجتكما بما معك من القرآن، وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه زوج امرأة على نواة من ذهب، واختلف في النواة فقال بعضهم: هو ثلاثة دراهم وثلث، وقال بعضهم: هو خمسة دراهم، وقال أبو عبيدة: هو خمسة، وقال بعضهم: هو عشرة، وروى صالح بن رومان عن ابن الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لو أن رجلا تزوج امرأة على ملء كف طعام لكان ذلك صداقا، وفي بعض الروايات: من أعطى امرأة في نكاح كف سويق أو دقيق أو طعام فقد استحل، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استحل بدرهم فقد استحل» (1) ،
__________
(1) سبق تخريجه.. (8/351)
صفحة 854
وروى عامر بن ربيعة أن امرأة من بني فزارة جيء بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تزوجت رجلا على نعلين، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أرضيتِ من نفسكِ ومالكِ بنعلينِ» (1) فقالت: نعم، فأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) رواه الترمذي عن عامر بن ربيعة بلفظه، باب ما جاء في مهور النساء، ر1113، 3/420. والبيهقي مثله، باب لا يرد النكاح بنقص المهر إذا رضيت المرأة به...، ر13567، 7/138. (8/352)
صفحة 855
وعن شريك يرفعك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على الرجالِ [الرجل] جناحٌ أن يتزوجَ بقليلٍ أو كثيرٍ من مالهِ» (1) ، وعن عبد الرحمن بن السلماني قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «انكحوا الأيامى منكم وأدوا العلائق، قالوا: يا رسول الله وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون»، واحتج أصحاب الشافعي بأن كل مقدار من المال يصلح أن يكون ثمنا يصلح أن يكون صداقا، واحتجوا أيضا بأن كل عوض لم يقدر أكثره لم يتقدر قياسا على سائل الأعواض وممن وافق أبا حنيفة من أصحابنا موسى بن أبي جابر وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمهما الله، وأكثر قول أصحابنا موافق لقول الشافعي في ذلك وبالله التوفيق، قال أبو محمد: ولا ينعقد النكاح عندي بأقل من عشرة دراهم والاتفاق من الكل على جواز النكاح بهذا القدر وفيما رووه اختلاف، والاتفاق حجة والاختلاف ليس بحجة ودليل الاتفاق أهدى، وتسمى الصدقات أيضا العلائق، سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما العلائق بينهم، قال: «ما تراضى عليه أهلوهم» (2) فالنكاح على كثير الصداق وقليله جائز إذا كان عاجلا، وقد ذكر الله عز وجل الصدقات ولم يضرب في ذلك حدا والدليل على أن لا حد في ذلك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} فقال رجل يا رسول الله: ما العلائق بينهم؟ قال: «ما تراضى عليه أهلوهم».
__________
(1) رواه البيهقي عن أبي سعيد بلفظ: "الرجل"، باب ما يجوز أن يكون مهرا، ر14159، 7/239. وابن أبي شيبة عن أبي سعيد موقوفا، 63 ما قالوا في مهر النساء واختلافهم في ذلك، 3/493.
(2) انظر حديث: "انكحوا الأيامى منكم...". (8/353)
صفحة 856
وعن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا جناح عليكم فيما تراضيا عليه أهلوهم قليلا وكثيرا» (1) يعني به الصداق، وقد أطلق الله تعالى الصداق إطلاقا ولم يحد في ذلك حدا ويدل على صحة ذلك قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم...} (2) وكل من ابتغى بماله نكاحا كان له ذلك، ومن ادعى أن في ذلك حدا لا يجوز أن يتعدى النكاح على ما روي فعليه الدليل، وعلة العراقيين ومالك والنخعي في القطع علة فاسدة،؛ لأَنَّ القطع لم يجب بحرمة المال بانفراده وإنما يجب للحرز وأخذ المال وبالاستخفاء إذ لو وجب بحرمة المال لوجب على الغاصب القطع فلما قالوا إن الإنسان قد يتناول أكثر مما قد حدوه في المهر ولا قطع عليه علم أن سبب القطع لم يجب بحرمة المال فحسب وقياسهم في ذلك غير مشتبه؛ لأَنَّ اليد تتلف وتدخل عليه الألم وتلحقه العرة؛ لأَنَّه نكاح والنكاح ليس بمثابته؛ لأَنَّ للمرأة فيه الاستمتاع كما للرجل والنكاح على العروض جائز بإجماع والعقد يصح بذكر الصداق وترك ذكره ولا تنازع في ذلك، أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يضرن أحدكم أن يتزوج بقليل من ماله أو كثير» (3) إذا أسموا وأشهدوا بصداق مسمى وشاهدي عدل من الرجال ويلي تزويجها رجل مسلم ليس بعبد من العبيد ولا كافر، وعن الحسن: لا بأس أن يصدق الرجل ما بينه وبين اثني عشر ألف درهم دية المسلم لقول الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا} (4) وذلك اثني عشر ألف درهم.
مسألة:
__________
(1) رواه البيهقي عن أبي سعيد بمعناه، باب ما يجوز أن يكون مهرا، ر14159، 7/239. وانظر حديث: "انكحوا الأيامى منكم...".
(2) سورة
(3) سبق تخريجه في حديث: «ليس على الرجال جناح أن يتزوج بقليل...».
(4) سورة (8/354)
صفحة 857
ومن تزوج امرأة على ألف درهم حلال فإنها بها يكون ما يحكم به الحاكم، ويراه جائز عندهم والنكاح ثابت، فإن تزوج على مائة مثقال ولم يسم من أي جنس فالنكاح ثابت والمثاقيل لا تعلم ما هي قد تكون مثاقيل صغر ومثاقيل در، وغير ذلك، ترجع إلى الوسط من صدقات نسائها، فإن قال مائة مثقال ذهب كان لها الوسط من ذلك؛ لأَنَّ الذهب قد يكون نقرا ودنانير مضروبة والنقر أيضاً فيها اختلاف منها ما يساوي المثقال خمسة عشرة ومنها ما يكون بأقل وإذا كان هذا مختلفاً رجع إلى الوسط، فإن قال مائة مثقال ذهب عينا فالمعروف مع الناس والأكثر فيما بينهم إنها هي الدنانير المضروبة ولها ما شرط لها، فإن قال: مائة مثقال غير المال وعين الدنانير وعين الطريق وعين الرأي فهذا كله يشتمل عليه اسم العين فالشرى فيه يبطل، ويرجع إلى صدقات المثل، فإن قال مائة مثقال تبر فهذا ثابت والتبر هو الذهب معروف مع الناس، فإن قال كذا وكذا من الورق والورق هي الدراهم المضروبة لا اختلاف في ذلك، فإن قال كذا من الفضة فالفضة يجمعها اسم الورق وغيرها من النقر الفضة فيرجع في ذلك إلى صداق المثل والله أعلم، وإن تزوجها على كذا وكذا من الحب أو كذا وكذا من وزن شيء معلوم أو مما اتفقا عليه من جنس معلوم فكلما تزوجها عليه مما يكون له قيمة ويقع ما أجازوا النكاح عليه فالنكاح ثابت وبالله التوفيق، ومن تزوج على مائة درهم وضح، قال أبو الحسن: الوضح ما يعرف عند الناس بالدراهم الجيدة وإن كانت الدراهم مجهولة تختلف والله أعلم.
الباب الرابع والعشرون: في الضمان بالصداق وأحكام ذلك (8/355)
صفحة 858
وإذا تزوج الابن على أن الصداق على والده فليس للزوجة أن ترجع على الولد وجدتها على الوالد، فإذا تزوج الابن وضمن الأب بالصداق فإن كان عند الأب وفاء فالصداق عليه وما نقص رجعت على الولد، وإذا ضمن الأب كان للزوجة الخيار ممن شاءت أخذت منهما، ومن زوج ابنه صغيرا أو كبيرا أو غائبا فإذا بلغ الصبي أو قدم الغائب فأمضى النكاح معنى وإن أنكر غرم الأب نصف الصداق، ومن زوج ابنه صغيرا وضمن المهر العاجل والآجل فهلك الأب قبل إدراك الصبي فصداق المرأة في مال الأب؛ لأَنَّه ضمنه ويحسب في دينه، وإذا ضمنت امرأة عن ولدها بصداق ثم ماتت ولها أولاد غيره فلا تحاسبه إخوته بما ضمنت عنه في تركتها وهذا كسائر الديون التي عليها في مالها ولا تحاسبه الإخوة على ذلك؛ لأَنَّه خرج من مالها عنها إلى من ضمنته له وليس يجري في ذلك مجرى الخصوص عند الموت وهذا حق لزمها في الحياة في نفسها ومالها ولا برأه لها منه إلا بأدائه إلى المضمون له وحصة المضمون عنه في مالها كواحد من إخوته، ومن تزوج امرأة وضمنت أمه صداقها في ماله فما عجز فعلى الأم تمامه، وإن زوج رجل وله وضمن بالصداق فمات الابن فالصداق على الأب فإن مات الأب فالصداق في ماله، وإذا زوج رجل ابنه وقبل بالصداق فلما بلغ الصبي لم يفرض فالصداق جملة على الأب إن جاز الصبي بالمرأة، وإن لم يجز فنصف الصداق، وإن زوج ابنه ولم يضمن بشيء فلم يرض الابن فالتزويج فاسد ولم أر على الأب شيئا والله أعلم بذلك.
مسألة: (8/356)
صفحة 859
ومن زوج ابنه وهو غائب فقال الابن: لا أريد فإن كان بأمر الابن فلا يتزوجها الأب ولها نصف الصداق، وإن كان الأب فعل من غير أن يستأذن ابنه فليطلقها الابن وعلى الأب نصف الصداق ويتزوجها إن شاء، والابن إذا خطب على أبيه بهذه المنزلة، ومن تزوج فضمنت أمه أن الصداق في ماله فما عجز عن ماله فعليها تمامه دخل في غير الباب، ثم إن الزوج تزوج بامرأة أخرى فأرادت الأولى أن تعيد حقها فالمال الذي للرجل بينهما وما بقي من حق الأولى فعلى الأم، فإن قالت الأم: إنما قبلت على مال ابني وقد عرفته يومئذ وقال القوم: إنما قبلت بما بقي عليه بعد ماله ولم يقل بعد ماله هذا وقد عرفته يومئذ، وقال القوم: إنما قبلت بما بقي عليه من ماله ذلك فهو على أمه إلا أن يقول ما بقي عليه بعد ماله هذا فهو على بعد ذلك يكون عليها بعد ذلك المال يوم تزوج.
مسألة:
وإذا زوجت المرأة ولدا لها وضمنت بصداق المرأة في مالها مائة نخلة من بستان الفلاني ولم تحد النخل وهلك الرجل وطلبت الزوجة الصداق من البستان الفلاني كما وعدتها، فقال المرأة: إني لا أجيز أحدا في مالي أنا أعطي المائة نخلة من غير هذا البستان فالحكم أنها تعطيها من حيث وعدتها.
مسألة:
ومن تزوج امرأة على مائة دينار وغير ذلك من الصداق وضمن بالصداق غير الزوج وعلى ذلك عقد النكاح ثم تخالفا الزوجان فالضامن برئ فإن تراجعا الزوجان فإن الضامن لا يبرئ وترجع عليه بالصداق.
مسألة:
ومن قال لرجل تزوج فلانة ونفقتك عليّ أو قال كل حق لامرأتك هو عليّ فإنه إن أخلفه خلفك يكون مخلفا ولا ضمان عليه يحكم لديه، ومن تزوج وضمن والده بالصداق ثم تخالعا ثم ردها فقد برئ الوالد من الضمان.
مسألة: (8/357)
صفحة 860
ومن قال لرجل تزوج بفلانة أو بامرأة لم يسم له بها على صداقها فإنه يلزمه ما تزوج عليه قل الصداق أو كثر حتى يحد له حدا فيقول: تزوج إلى كذا من الصداق، فإذا جاوز ما حد له كان عليه هو من الصداق ما زاد وكان على الرجل ما ضمن به وحده له، وكذلك لو قال: اذهب فاشتري لي جارية وعليّ ثمنها فاشترى له جارية هندية بألف درهم فقال الآخر: إنما أردت جارية زنجية فإنه يلزمه الألف وله الهندية؛ لأَنَّه لم يحد له ثمنا ولا جنسا من الجوار، وكذلك في جميع العبيد والدواب، فإن ظهر بالمرأة التي تزوجها على ضمان الرجل له بصداقها عيب قبل دخوله به من العيوب التي يرد بها النكاح فرضي الزوج بالمقام معها على ما ظهر بها فقال الضامن: هذا نكاح مردود لو أنك طلبت رده فلا تدخل بها فإنما ذلك للزوج إذا طلب نقض نكاحها ولم يرض لها ظهر من عيبها فإذا رضي بها وأسكنها فذلك إليه وليس ذلك إلى الضامن له بصداقها، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فلا يلزم هذا الضامن إلا نصف صداقها كما يلزم الزوج لها، وكذلك إذا أمره أن يشتري لنفسه دابة أو عبدا أو أمة وعليه ثمنها وظهر في شيء من ذلك عيب فطلب الضامن رده بذلك العيب ليبرئ من الثمن ورضي به المشتري على عيبه فذلك للمشتري ويضمن الرجل الثمن.
مسألة: (8/358)
صفحة 861
وإذا كان الصداق على ضمين به للمرأة غير الزوج ثم تباديا فقد برئ الضامن فإن ردها بذلك العيب في العدة فقد قالوا يكون الصداق على من ضمن به أولا وإن لم يردها حتى تنقضي العدة ثم تزوجها فالصداق على الزوج دون الضامن، وإن كان الضمين أدى الصداق إلى المرأة ثم اختلفت هي منه إلى الزوج فقد قيل إنه للزوج، وإذا ضمن الأب بصداق عن ابنه برأيه ثم مات الولد فإنه يرجع عليه بما يغرم عنه، وأما إذا زوجوه على ضمان والده أخذ من الولد أو من الأب، وإن كان الأب تزوج لابنه وضمن بالصداق فذلك على الأب ولا شيء على الابن كان صغيرا أو كبيرا، وإذا تزوج صبي بامرأة وضمن الأب بالصداق فجاءت المرأة بولد فلا صداق على الصبي ولا على أبيه ولا يلحق الولد بالصبي والولد ولد أمه جاز بها الصبي أو لم يجز إذا كان الصبي لم يبلغ الحلم ولم يصر في حد البالغين ولا في حد من يولد له من البالغين، فإن كان المرأة خانته فلا صداق لها وقد حرمت عليه ولا يتوارثان، وإن كان تزوج بها وهي حامل فقد تزوجها في عدتها ولا صداق لها ولا يتوارثان والله أعلم، ولايتوارثان ولا لعان بينهما؛ لأَنَّهم قالوا لا يكون الولد إلا من الماء ولا ينزل الماء إلا من كان بالغا، وإذا زوج رجل ابنه وضمن بالصداق فكره الابن فعلى الوالد الصداق وعلى الابن الطلاق، ومن ضمن عن ابنه له بصداق وأشهد لابن آخر بمثل الصداق الذي ضمن عن ابنه وأوصى لرجل بثلث ماله فإنه يخرج الدين من رأس المال ثم يكون للموصي له بالثلث ثلث جميع المال من بعد الدين ثم يكون للابن الذي له الشردي من بعد الثلث ثم يقسم المال على الميراث ترد هذه المسألة إلى الوصية بالثلث إن شاء الله، وكذلك لو أقر الصبي بوطئها أو عند الولد أنه سرق وليس هو في حد ذلك لم يقبل إقراره ولا يلحق به بنسبه إلا أن يقرا بهذا الولد أو بوطئها وهو في حد من يقبل إقراره من البالغين والله أعلم. (8/359)
صفحة 862
باب الخيار في الزوجة وأحكام ذلك:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} (1) أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخير نساءه في هذه الآية، قيل: فلما خيرهن النبي قالت عائشة: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، فتابعها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمتعة إنما تكون بعد الطلاق، وقد الله تعالى في هذه الآية المتاع قبل الطلاق، وإذا قال: اختاري نفسك لم يصح الاختيار منها إلا أن تأتي بحيث يصح أن يكون جوابا عن كلامه، وكذلك القبول في سائر العقود، قالت عائشة: خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه، فلم ير ذلك طلاقا. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير نساءه فاخترنه فلم ير ذلك طلاقا، وقد قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ولا عليك أن [لا] تَعجلي حتَّى تَستَأمِرِي أَباكِ» (2).
مسألة:
__________
(1) سورة الأحزاب: 28.
(2) رواه البخاري عن ابن عباس بلفظ: «إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، فِي المظالم، ر2468، 4913 - 4915، ... ومسلم مثله، فِي الطلاق، ر3754، 3769. (10/1)
صفحة 863
ومن خير امرأته وهي تصلي العتمة فلما فرغت من الفريضة صلت ركعتين تطوعا ثم اختارت نفسها فذلك لها إن لم يكن خرج من عندها أو رجع في خياره، وإن قال: أمرك بيدك، فقالت: والله ما أمري بيدي ولكنه بيدك، إن شئت فطلق، وإن شئت فأمسك، فقد رددت إليك ما جعلت لي، فهي امرأته، ولا أرى طلاقا ولا بأسا. فإن قال قبل أن تختار نفسها: إني جعلت أمرك بيدك وإني رجعت فيه فليس بيدك في الأمر شيء والأمر إلي، فإذا قال ذلك قبل أن تقول المرأة شيئا فلا خيار لها، وقد رجع الأمر إليه، وهو قول الشافعي، لأنه تمليك يفتقر إلى القبول فصح الرجوع فيه قبل القبول كالبيع، وقال أبو حنيفة: لا يصح. وإن ردت الخيار إليه رجع الأمر إليه، وهي امرأته، فإن رجع في خيارته قبل أن تختار نفسها فله ذلك، وإن تفرقا في ذلك المجلس قبل أن تختار فقد رجع الأمر إليه، والذي يخير امرأته أو يجعل أمرها بيدها له الرجوع قبل أن تتكلم امرأته، ومن خير امرأته فقالت: حتى آتي أهلي فليس لها ذلك، إنما لها إن اختارت حينئذ فإن لم تختر فإنها امرأته إنما خيرها ولم يخير أهلها. ومن خير امرأته ثم سكتت ولم تقل شيئا ثم جامعها ولبثا بذلك أياما فإن سكوتها رضاها، وإذا لم تختر المرأة فهي امرأته، وإن رجع الزوج قبل أن تقضي المرأة فيه فذلك له وليس لها منه شيء، وإن قضت قبل أن يرجع فيه مضى قضاؤها. ومن قال لزوجته: اختاري مرارا، قالت: اخترتك ولست بخيار فليس شيء وهي امرأته، وإن قالت: قد قبلت فليس بطلاق ذلك إلا أن تكون قد سمت واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، وإن قال: اختاري فقالت: أنا عليك مثل أمك أو عمتك أو خالتك فقد حرمت عليه. وإذا جعلت امرأة لزوجها مائة درهم على أن يخيرها ففعل فاختارت نفسها فهو خلع ويأخذ المائة إلا أن يكون الرجل باشر ولم يختر. ومن قال: اختاريني أو اختاري أخاك فقالت: قد اخترت أخي، فإن كان نوى طلاقها فهو طلاق.
مسألة: (10/2)
صفحة 864
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: من خير امرأته وهي أمة أو جعل طلاقها بيدها فاختارت نفسها أو طلقت وكره السيد أن يمضي فقد وقع الطلاق، وإذا كانت أمة تحت حر فعتقت فلها أن تختار نفسها، والحرة إذا تزوج عليها بأمة فاختارت نفسها، والتي يكون لها زوج فتملك منه طائفة فيحرم عليها حتى تعتقه ويتزوج عليها بنكاح جديد، والأمة التي تحت الحر فتعتق فتختار نفسها، فقال بعض المسلمين: إن خروجهن تطليقة وهو قول، وقال بعضهم: لا يكون طلاقا إلا خروجا هكذا وإن تراجعوا فعلى الطلاق كله. وقيل: إن حيان احتج في الخيار فقال: أليس بلغكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الطلاق ثلاثا؟ قالوا: بلى، قال: أوليس بلغكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير نساءه؟ قالوا: بلى، فقال: فهي واحدة لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينهى عن الطلاق ثلاثا ويفعله. ومن قال لامرأته: اختاري يريد الطلاق، فقال لها: ثلاثا اختاري اختاري اختاري، وقال في الثالثة بألف درهم فهي تطليقة يملك الرجعة وليس عليها الألف، فإن قالت: قد اخترت المؤخرة فهي تطليقة وعليها الألف، فإن قال: اختاري ينوي الثلاث، فقالت: قد اخترت نفسي فهي ثلاث. وقال سليمان في من قال لامرأته: اختاريني أو الطلاق أو نفسك، والأمة إذا عتقت قبل أن يدخل بها زوجها فاختارت نفسها فلا صداق لها، وعن بعض: من خير امرأته فاختارت نفسها فهي ثلاث. وقال موسى بن علي: والخيار للمفقود إذا قدم خيّر بين الرجوع إلى زوجته أو أقل الصداقين، وسواء قدم المفقود وقد دخل بها الآخر أو لم يدخل، ولا خيار للمرأة ولا للزوج الآخر. (10/3)
صفحة 865
ومن ملك امرأة ولها الخيار ثلاثة أيام أو له، فمات أحدهما قبل تلك الثلاث فأما الزوج فلا خيار له وشرطه فيه باطل، وأما المرأة فلها الخيار ثلاثا وأكثر من ذلك، ومن تزوج حرة على أمة فلا خيار للحرة لأنها هي الداخلة على الأمة، وإن اختارت نفسها قبل دخوله بها فلها نصف الصداق، وبعد الدخول فلها الصداق كله، وهي تطليقة بائنة ولا ميراث بينهما في العدة، فإن اتفقا على رجعة فبنكاح جديد. وإن قالت: لم أعلم الخيار حتى وطئها فلا خيار لها ولا حجة لها في ذلك، وإذا اتفقت على الرجعة فبنكاح جديد في العدة أو بعد العدة، ومن تزوج امرأة ثم تزوج عليها أمة فاختارت نفسها فإنها تخرج ولا صداق لها، وكذلك الأمة إذا اختارت نفسها في العبد إذا أعتق ولم يكن دخل بها فإنها تخرج أيضا بغير صداق، وبذلك يقول ابن عباس فيما روي عنه من طريق مجاهد كذا عن أبي مالك. وقال أبو محمد: وفيه اختلاف بأن يكون لكل واحدة منهما نصف الصداق.
مسألة: (10/4)
صفحة 866
قال أبو مالك ـ رحمه الله ـ: لفظ الخيار أن تقول: قد اخترت نفسي لا حاجة لي فيه، ومن قال لزوجته: اختاري الطلاق أو الإمساك فاختارت الطلاق فقال الزوج: ولا كرامة ولا أطلقك فقد وقع الطلاق، وإن قال: اختاري نفسك، ولم يرد بذلك الطلاق فقد قيل: إنها إذا اختارت نفسها طلقت واحدة. ومن تزوج بأمة امرأته بأمرها فلها أن تختار نفسها بعد أن زوجته بها على قول محمد بن محبوب، وأما غيره فلا يرى تزويج الأمة على الحرة، ومن تزوج بأمة ثم عتقت فاختارت نفسها ثم مرضت فماتت في العدة فإنه لا يرثها، وإذا اختارت المرأة نفسها قبل الدخول بها فلا شيء لها، ولها الصداق كاملا بعد الدخول، وقال بعض قومنا: لها نصف الصداق. ومن خيّر امرأته وهما في سفينة فنزلا منها خرج الخيار من يدها، وكذلك إذا نزلت من على الدابة أو نامت أو صلت أو انتقلت من موضع إلى موضع آخر أو اشتغلت بعمل ليس من أجناس الخيار أو افترقا من المجلس أو جامعها أو ارتجعه فقد خرج من يدها، أما الأكل فلا يخرج من يدها ما كان في مجلسهما. وقال أبو الحسن: إذا خيرها وهما في سفينة أو على دابة ونزلا من عليها فهي في يدها ما لم يفترقا أو يطأها أو يرجع عليها، وقال بعض أصحابنا: هو في يدها ما كان في مجلسهما ولو صلت أو أكلت، فهو في يدها وليس هذا مما يخرجه، والقول الأول في السفينة والدابة أنه يخرج من يدها بنزولهما عنهما، عن الشيخ أبي محمد ـ رحمه الله ورضيه ـ.
مسألة: (10/5)
صفحة 867
والخيار أن يخير الرجل زوجته بينه وبينها أو بينه وبين الطلاق، فإن اختارته فلا طلاق، وإن اختارت نفسها أو الطلاق فهو الطلاق، وإن لم يرده فهي أملك لنفسها ولا صداق لها إنما هو خلع، وقال بعض: حتى يريد به الطلاق، وإن خيرها بين نفسه وبين أبيها أو أمها أو سائر قرابتها أو رجل أجنبي أو امرأة وأراد بذلك الطلاق فاختارت غيره فهو الطلاق، وفيه اختلاف، وإن اختارت الزوج لم يكن طلاق، وإن لم يرد الزج بذلك طلاقا فلا شيء عليه فيه، ومن خير امرأته فاختارت نفسها فهي تطليقة، قال قوم: رجعية، وقال آخرون: بائنة، وقال قوم غير ذلك، وليس لزوجة العبد أن تختار نفسها إذا عتق، وفيه قول آخر، ولا خيار بين الرجل وأمته إلا أن ينوي به عتقا فهو ما نوى، وإذا عتقت الأمة ولها زوج حر ومملوك فلها الخيار في الإقامة والخروج منه ما لم يطأها، فإن وطئها زوجها لم يكن لها خيار عليه بعد ذلك سواء كانت جاهلة في الحكم لذلك أو عالمة.
مسألة:
فمن خير امرأته بينها وبين نفسها فاختارت نفسها في المجلس ولم تشتغل بغير الجواب مع القدرة طلقت واحدة باتفاق الأمة، ولولا الاتفاق ما أوجب ذلك طلاقا، إذ ليس هو من صريح الطلاق ولا من كنايته، غير أن لا حظ للنظر مع الاتفاق، فإذا خيرها فقالت: اخترت نفسي لا بل زوجي طلقت واحدة، لأن قولها: اخترت نفسي يوجب طلاقا، وقولها: لا بل زوجي لا يدفع ما وقع من الطلاق، وإن قالت: اخترت زوجي بطل الخيار، فقولها بعد ارتفاع الخيار لا بل اخترت نفسي لا معنى له. والمكاتبة عندنا لها الخيار إذا كاتبها سيدها كخيار الأمة إذا عتقت، لأنها ملكت نفسها بالعتق فأشبهت الأمة التي ليست مكاتبة.
فصل: (10/6)
صفحة 868
وإذا أخذ الزوجان في غير المعنى الذي كانا فيه بطل الخيار، وقال أصحاب الرأي: إذا كانت على دابة فخيرها فإن سارت بعد الخيار فلا خيار لها، وإذا قال لها: اختاري فقالت: يا جارية هاتي الطعام فهو قطع للخيار، وإن خيرها فامتشطت أو اختضبت أو اغتسلت في ذلك المجلس كان ذلك قطعا للخيار في قول أصحاب الرأي.
مسألة: (10/7)
صفحة 869
والأمة إذا عتقت مع الحر أو العبد فلها الخيار أن تختار نفسها لأنها صارت ملك نفسها وتخرج بتطليقة بائنة ليس له ردها، فإن اتفقا على الرجعة لم يكن إلا بنكاح جديد وتكون معه بتطليقتين حتى تزوج زوجا غيره، فإن تزوجها هو من بعد كانت معه بثلاث تطليقات، وقيل في هذه المختارة نفسها إنها تخرج بلا طلاق، ولا نرى ذلك، والرأي الأول أحب إلي، وإن لم تختر نفسها حتى يطأها زوجها فلا خيار لها إلا أن تكون لم تعلم بالعتق، فلا يزول الخيار عنها حتى تعلم بالعتق، ثم تختاره أو يطؤها زوجها قبل أن تختار نفسها فلا خيار لها، وإن علمت بالعتق ولم تعلم أن لها الخيار لم يكن لها حجة، وكذلك الحرة إذا تزوج عليها الزوج أمة فسبيلها سبيل هذه، وقيل أيضا: كذلك العبد إذا كان متزوجا بحرة ثم عتق إن له الخيار، أبو معاوية: ومن خير زوجته فلم تختر حتى افترقا فهو بمنزلة تفرقهما إذا جعل طلاقها في يدها، وإن خيرت فقامت من مجلسها فلا خيار لها، وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وجابر بن عبد الله وعطاء وجابر بن زيد ومالك والشافعي وغيرهم. وقالت طائفة أخرى: إن أمرها بيدها في ذلك المجلس وغيره حتى تقضي فيه، واحتج بعضهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري»، والأمة إذا عتقت قبل أن يدخل بها زوجها فاختارت نفسها فلا صداق لها ولو كان لها زوج ثم أعتقت فاختارت نفسها ثم أراد مراجعتها فيكون ذلك بتزويج جديد، وتكون معه على تطليقين، ومنهم من يقول ثلاث. وإذا جعلت المرأة لزوجها دراهم على أن يخيرها نفسها فخيرها فاختارت نفسها ثلاث مرات، وهو يريد الطلاق فقد بانت منه، قال أصحاب أبي حنيفة: إذا قال لها اخترت فقالت: قد اخترت فإنه يقع الطلاق، وإن لم ينو لامرأته. وقال الشافعي: بأنه لا يقع، والصبية إذا ملكها لرجل ثم بلغت فاختارت نفسها، ثم ملكها ثانية فإنها تكون معه على ثلاث.
مسألة: (10/8)
صفحة 870
روي أن عليا حدث أصحابه يوما وهو بالكوفة، فقال: سألني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رجل خير امرأته فقلت: لابد من واحدة إذا اختارت نفسها، فهي تطليقة بائنة، وإن اختارت زوجها فهي واحدة وهو أملك بها، فقال عمر: لا، ولكني أقول إن اختارت نفسها فواحدة وهو أملك بها، وإن اختارت زوجها فلا شيء، فتابعت أمير المؤمنين فلما صار الأمر إلي رجعت إلى رأيي الأول، فقال القوم: يا أمير المؤمنين الرأي رآه عمر فتابعته عليه أحب إلينا من رأي تفردت به، فضحك، ثم قال: إني سأزيدكم، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت فسأله فخالفهما زيد جميعا، قال: إن اختارت نفسها فقد بانت بالثلاث، وإن اختارت زوجها فهي واحدة وهو أملك بها. اختلف قومنا فيمن قال لزوجته: اختاري اختاري فتختار مرة واحدة، قال قوم: تكون ثلاثا، وإذا خيرها مرة فاختارت ثلاثا فهي واحدة.
باب الخلع بين الزوجين وأحكامه: (10/9)
صفحة 871
الخلع فسخ نكاح ليس بطلاق، وأجمعت الأمة على أن الإيلاء والظهار لا يلحقها، وأن حكم اللعان زايل عنها إذا قدمها في العدة، وكذلك أجمعوا أن لا ميراث بينهما إذا كان أحدهما في العدة، فمن قال: إن الطلاق يلحقها يحتاج إلى دليل، وإذا كرهت المرأة زوجها فلا بأس عليها أن تختلع منه. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: المختلعات من المنافقات، وذلك إذا اختلعت مع الإحسان، فأما إذا افتدت من الإساءة لم تكن منافقة، قال الله تعالى: { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} (1) وأما إن كانت مبغضة له ولداره ولجماعه وطلبت الخروج من غير إساءة فإن الفدية له حلال، وإذا اختلعت المرأة من زوجها وهو كاره من غير إساءة أن يخلعها ويأخذ الفدية، وإذا خافت المرأة الفتنة على نفسها من بغضها لزوجها فاختلعت إليه حلت له الفدية. وقد روي أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وامرأته بنت حبيب بن عبد الله بن أبي، وقد قيل ابنة سهيل، وروي أنها كانت مبغضة له فكانت كلما شكته إلى أبيها لم يشكها، وقال: اتقي الله وارجعي إلى زوجك، فلما رأته لا يشكيها شكته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأرسل إليه وقال: يا ثابت، ما لك ولأهلك؟ فقال: يا رسول الله ما أحد أحب إلي منها غيرك وإني محسن إليها جهدي على ما وجدنا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تقولين فيما قال؟ قالت: صدق، ولكني أخاف أن أعصي الله في الإسلام، وكان قد أنقدها حديقة نخل، فقال: تردين عليه، قالت: نعم وأزيده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما الزيادة فلا، فاختلعت وكان أول خلع في الإسلام، فأنزل الله الآية: { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} (2)
__________
(1) سورة النساء: 20.
(2) سورة البقرة: 229.. (10/10)
صفحة 872
والفدية تقع بما تراضيا عليه ولو قل لأنه لا جناح عليهما فيما افتدت به، ولا حرج بعد أن يكون على ما وقع الشرط في كتاب الله من إساءة ولا ضرار.
مسألة:
وإذا قالت المرأة لزوجها: لا أنزل إليك بيتا ولا أطيع لك أمرا ولا أغسل لك من جنابة، قال: لو تفارق لي نفسي أو ما يكون هذا، معناه إذا أظهرت الإرادة لذلك، ويقول الزوج: اشهدوا أني قد قبلت ذلك منها أو خلعتها بتطليقة، أو يقول: قد خلعتها بالطلاق، وإذا قال وهما يريدان الخلع: قد أبرأت لها نفسها ما أبرأتني من صداقها على شيء في الذمة، ويكون حلالا وخلعا يقع على مال معلوم ولا تنازع في ذلك. قال أبو محمد: الخلع الذي لا اختلاف فيه هو أن يقول الرجل قد خلعت زوجتي فلانة بنت فلان بالطلاق على أن تبريني من صداقها وتقول: قد أبريته مما عليه لي من الصداق، وقال أيضا: الخلع الذي لا اختلاف فيه هو أن يقول قد خلعتك بتطليقة أو بما شاء من الطلاق، على أن تبريني من حقك أو من صداقك أو من مالك كيف شاء، قال: فتقول هي قد أبريتك من صداقي، وقال أيضا: الخلع الذي لا اختلاف فيه بالطلاق وما سوى ذلك ففيه الاختلاف ويقع فيه الشبهة عند الحاكم، ومن قال لزوجته: قد أبريتك بالطلاق فهو الخلع الذي لا اختلاف فيه بينهم، وهو أوكد.
مسألة: (10/11)
صفحة 873
ومن قالت له زوجته: أشهدوا أي قد أبريته من حقي ما أبرى لي نفسي، فقال الزوج: اشهدوا أني قد أبرأت لها نفسها ما بريت من حقها، فلا يقع بهذا برآن لأن هذا القول يقتضي جوابا فما لم يجبه ثانية فلم يقع بعد خلع، وإن قال: قد أبرأت لها نفسها ما برئت من حقها فقد برى، وإن قال: قد أبرأت لها نفسها إذا بريت من حقها فالبرآن قد وقع، وكذلك إن قال: إن بريت من حقها فقد وقع البرآن. وإذا تخالع الزوجان وهما مريضان وقع الخلع بينهما فإن كانت هي المريضة وماتت كان في براءة الزوج من الصداق اختلاف، منهم من قال: يكون عليه الصداق وله الميراث، ومنهم من لم يوجب له ميراثا ولا أوجب عليه الصداق، وإن كان هو المريض فمات أو صح فقد برئ من الصداق، وإن كانت هي المريضة وتباريا ثم صحت فإنه يبرى من الصداق. وقال أبو الحسن: إذا كان البرآن عند موت أحدهما ففيه اختلاف، قال قوم: هو خلع ويتوارثان، وقال قوم: لا يقع خلع وهما يتوارثان لأن برآنهما لا يثبت في مرضهما، وقال قوم: إن كانت هي المريضة فذلك المختلف فيه، وقال قوم: لا يبرى من الحق ولا يرث لأن ذلك فعله واختياره، وقال قوم: يبرئ من الحق وله الميراث، فأما إذا أبرأها وهو مريض فإن كان من الإساءة فإنه ضرار وترث، ويبرئ من الحق على قول من يقول إذا كانت هي الميتة فلا يبرئ فإنه الحق عليه وله الميراث، وإن كان هو الميت على ذلك فإنه يبرى من الحق ولها الميراث وعليها عدة المميتة، وكذلك إذا لم تكن هي المختارة للبرآن فأما المختارة للبرآن فلا ميراث لها لأنها بائنة.
مسألة: (10/12)
صفحة 874
وإذا حجر الحاكم على المرأة مالها ثم خلعها زوجها لم يكن خلعا وكان تطليقة لأن الخلع لا يكون إلا بفدية، ومن تنازع هو زوجته الخصام فقالت لمن حضر: اشهدوا أني قد أبريته في حقي مرة وأكثر فقال الزوج: قد قبلت، يعني قبولها مالها ولم يبين غير ذلك، فليس في هذه عقدة البرآن، ومن قالت له زوجته: إني أحب أن تبريني فقال: قد أبريتك ثم قال: لم أرد الطلاق، فإنه لا يحكم عليه بالطلاق، وأما إن أراد الطلاق فهو طلاق ولا يكون خلعا لأن الخلع لا يكون إلا بفدية منها إليه بشيء من مالها. ومن زوج ابنته من رجل وفرض لها صداقا عليه ثم خالع الأب الزوج من ابنته من قبل دخوله بها وقال لشهود: اشهدوا أني قد أبرأته في صداق ابنتي فلانة ما أبرأ لها نفسها، وقال الزوج: اشهدوا أني قد أبرأت لفلانة نفسها ما أبرأني أبوها في صداقها فالخلع واقع من الزوج دون المرأة ويلزمه الصداق، فإن كان الأب ضمن بالصداق للزوج عنها رجع بما ضمن عنه وعليه هو الحق لها، وإن أراد الرجعة إليها وهي في العدة ردها بشاهدين وهو أملك بها من نفسها. ومن خلع زوجته ثم طلبت منه أن ترجع إليه فقال: لا أردك إلا على شرط أن يكون علي لك صداق، فردها على ذلك فإن لها صداقها الذي تزوجها عليه لأن الرد إنما يقع على النكاح الأول، فإذا ردها على النكاح الأول كان لها صداقها الذي عقد لها، وعليه يثبت الرد بينهما، فإن كان صداقها ألف درهم ثم تخالعا وأراد ردها فقالت لا أرجع إليك إلا أن تزيدني في صداقي ألف درهم فإن لها الزيادة ولا نقصان عليها. ومن طلق زوجته ثم خالعها فإنه لا يبرئ من صداقها فإن طلقها وهو مريض ولم يكن دخل بها ففي الميراث لها اختلاف، قوله تعالى: { إِلاَّ أَن يَخَافَا} قيل إنه مخاطبة للمسلمين لأنه أمر عام، ويقال: رجع إلى مخاطبة الحكام لأن عليهم مداراة النظر. (10/13)
صفحة 875
وعن نافع أن مولاة لعبد الله اختلعت من زوجها حتى اختلعت من ثياب جسدها، وقال: اختلعت مولاة لصفية بكل شيء لها ولم يذكر ذلك ابن عمر. والخلع إذا كان من قبل المرأة فلا بأس أن يأخذ منها، وإن كان من قبل الزوج فلا أرى أن يأخذ منها شيئا فإن خالعها وهو مريض فلا ميراث لها منه، لأن هذا اختيار منهما جميعاً. ومن قال لامرأته: قد أبريتك على أن تردي علي ما أخذت مني فقالت: قد قبلت فقد وقع الخلع وعليها أن ترد ما أخذت منه ولو بعد حين، ومن قال لامرأته: إذا أبريتني من صداقك الذي علي فأنت برية، فإن الخلع لا يقع حتى ترد عليه الصداق.
مسألة:
في وكالة الطلاق: وهو أن يقول قد جعلتك وكيلي في خلع زوجتي فلانة بنت فلان على أن أكون من صداقها بريا، ويقول الوكيل: قد قبلت، وإذا وكلت المرأة وكيلا في خلعها من زوجها فإنها تقول قد جعلتك وكيلي في خلعي من زوجي، وعلى أن تبريه من صداقي الذي عليه لي وهو كذا وكذا، يقول: قد قبلت، ولا مقدار للفدية إذ الله تعالى ذكرها ولم يضرب فيها حدا ولا نص على مقدار، الفدية جائزة واقعة بما قل أو كثر، والضارب في الحد في ذلك يحتاج إلى دليل، والمكره على الخلع لا يصح خلعه لعدم النية والنية منه على ذلك.
مسألة: (10/14)
صفحة 876
اختلف أصحابنا في الخلع على قولين إذا كانت المرأة قد استوفت صداقها قال بعضهم: خلع وهو فسخ النكاح، وقال بعضهم: الخلع لا يكون إلا بفدية مال، فإذا لم يكن بفدية مال فإنه طلاق يملك منها الرجعة، ومن قالت له امرأته: أبرني، فقال لها: قد أسعفتك إلى ذلك فإنه طلاق ويملك الرجعة، فإن قالت: أبرني فإني قد أبريتك من حقي أو قد أبريتك من حقي ما أبريتني فابرأ فأجابها، أسعفت إلى ذلك، فهذا خلع إذا ذكر فيه الحق لأنه لا خلع إلا بفدية، وإن قال: أسعفت إلى ذلك فحتى يبريها، وقوله الأول قد أسعفتك هو جواب ولا يقبل له نية في هذا. ومن خالع زوجته على غير فدية فإنه يكون طلاقا ويردها بما بقي من الطلاق، وإنما يكون خلعها على فدية من صداق أو حق لها عليه معلوم، فأما إن كانت فدية مجهولة مثل نفقة ولد أو شيء لا يعلم قدره فلا خلع، ويكون ذلك طلاقا يملك فيه الرجعة إن كان باقيا بينهما من الطلاق شيء، وإلا فحتى تزوج زوجاً غيره، وتكون في العدة من المراجعة من الطلاق. ومن خالع على شيء من الأشياء وجد فيه عيباً فالخلع واقع وله الرجوع عليها في ذلك، فإن اشترط سلامته في نفس الخلع فخرج معيبا لم يصح الخلع لتعلقه بالشيء المعين فإن صح صح، وإن بطل بطل، وقد أجمعوا على وقوع الخلع، وتنازعوا في الرد وإيجاب الأرش، ومن قال له زوجته: قد أبريتك من صداقي ما أبريت لي نفسي، فقال: قد قبلت ففي الخلع اختلاف، فإن قال: عنيت بالقول الصداق فلم أبرئ لها نفسها ففي تصديقها له اختلاف، منهم من أجاز لها تصديقه مع يمينه ومنهم من لم يجز ذلك لها. (10/15)
صفحة 877
ومن قال لزوجته: قد خالعتك على ما تزوجتك فقبلت ذلك أبرأ لها نفسها فعليها أن ترد جميع ما أخذت من العاجل وترد ما بقي عليها من الكسوة، وإن خالعها على ما عليه باقي الصداق لم يكن عليها رد شيء من ذلك ولا رد كسوة، وأما من طلق وعليها كسوة فهي له محسوبة من كسوة العدة، ومن قعد هو وزوجته للخلع فأبرته مما لها على أن يبرئ لها نفسها فقال: أنت طالق ثلاثا فالطلاق يقع ولا يبرئ من الصداق وتأخذه به، لأنه فعل خلاف ما أمرته. وكذلك إن قالت: قد أبريتك في الدنيا ولا أبريك في الآخرة فإنه يقع الخلع، ولا يبرئ من الحق، وإن قالت: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني ثلاثا فطلقها واحدة فإنها تقع بها تطليقة والصداق على الزوج لأنهما علقا الخلع بشرط فلم يأت بالشرط فوقع الطلاق، والصداق باقٍ عليه لأن هذا طلاق وليس بخلع.
مسألة: (10/16)
صفحة 878
بخط الشيخ أبي عبد الله عثمان بن أبي عبد الله الأصم، ومن بارى زوجته أبرته من صداقها، ثم بعد كلام جرى بينهما أو سكوت قال قد قبلت برآنك بطلقان حقك فقد وقع البرآن، ومن خالع زوجته ثم طلقها على أثر الخلع فالطلاق غير واقع بها، وهكذا إن طلقت وقد خرجت من العدة. ومن قال: أنت طالق ثلاثا إن أبريتني من حقك، فقالت: قد أبرأتك من حقي فقط طلقت ولا صداق عليه، ومن قالت له زوجته: قد أبرأتك من حقي ما أبرأيت لي نفسي فقال نعم لم يقع البرآن والله أعلم، فإن قالت: قد أبرأتك من حقي على براءة نفسي فقال: قد أبرأت لك نفسك وقع البرآن، وكره بعض البرآن على شرط من الشروط غير براءة نفسها، وهو أن يقول هو قد أبرأتها ورباية ولدها أو أبرأت لها نفسها ما برئ من مالها فربما لم يبر من مالها فهو راجع في نفسها لحال الشرط وهذا مكروه. وإن قالت: قد أبرأتك من حقي ما أبريت لي نفسي، فقال: قد أبرأت لك ما بريت من حقك وقع البرآن لأنه قد برئ فإن قال: قد أبرأت لك نفسك إذا أبريتني من حقك لم يقع البرآن حتى تبريه ثانية، لأن قوله يقتضي منها جوابا، وإن قعدا للخلع فقالت: قد أبرأتك من حقي قال: قد أبرأت لك نفسك وقع البرآن بينهما، وإن أبرأ لها نفسها على شرط من الشروط المنتقضة لم يثبت عليها مثل ما يشترط في البرآن، رباية ولدها ورضاعة سنتين، ويقبل ما في بطنها، وأمثال هذا، فإنه لا يثبت لأن هذا مجهول والفدية والبرآن بأكثر من الحق مختلف فيه، وأكثر القول من أصحابنا: لا يثبت له الزيادة على الحق وإن أبرأ لها نفسها على أن لا تخرج ولا تتزوج فهذا لا يثبت.
مسألة: (10/17)
صفحة 879
وبرآن الصبية لا يثبت عليها والحق لها ويلزم الزوج من ذلك ما ألزم نفسه من أجل الطلاق، وإن قال: قد أبرأت لها نفسها وأبرأتها بالطلاق لزمه الطلاق، وإن كان قال: قد أبرت لها نفسها إن بريت أو إذا بريت فإنه لا يقع برآن حتى تبلغ فتتم البرآن أو تنقضه أو تتم التزويج أو تفسده بغير، والحكم في ذلك إليها إلى حد بلوغها موقوف، ولها التخيير في التزويج والبرآن بعد الرجوع، وإن ضمن له ضامن بما يلزمه وأبرأ لها نفسها برآنا يقع في الحكم وقع الطلاق وألحق عليه للزوجة، ويرجع هو على من ضمن له بذلك تأخذ منه كما ضمن والله أعلم. وإذا تبارى الزوجان والمرأة حامل فأبرأته من صداقها ومن كل حق لزمه لها من نفقتها ورباية ابنها فلا يبري من الرباية ونفقة الحمل، وإذا تبارى الزوجان بشهادة من لا تجوز شهادته فأنكر الزوج فلا يقبل قولها في الحكم ولا يحكم بشهادة من لا يجوز شهادته في ذلك، وإن كانت المرأة صادقة فلتفد منه ولا يقدم على الحرام، وإن امتنع من قبول الفدية فلتجاهده وإذا لم تحض المرأة بعد البرآن ثلاث حيض جاز لهما المراجعة، والخلع تطليقة وتكون معه على ما بقي من الطلاق. (10/18)
صفحة 880
وإذا قعد الزوجان للخلع باتفاق منهما فلم يحسنا اللفظ فعلمهما أحد أن يتباريا فجاز، وإن قال: أبرأت لك نفسك بالطلاق، وقال: أردت واحدة حتى يسمي أكثر، وقال بعض: إذا قعد الرجل والمرأة لخلع وأراداه وأشهدا بذلك فقد قيل إنه خلع ولو قصرا عن الكلام، وإذا قعدا للخلع وأراداه فلفظا لفظا من برأتها له وأبرأته لها وكان في ذلك نقصان من قولهما فلا يجب فيه برآن على من لم يره، فأما هما إن أوجباه على أنفسهما وأراداه بقولهما ذلك فقد وجب عليهما بقولهما الخلع، والمأمور أن يبينا عند ذلك ويشاورا فيه أهل النظر، وقيل في امرأة قالت لزوجها أعفني هذه الليلة وأنا أترك لك من حقي فنزلت له عن حقها فأعفاها من الوطء تلك الليلة فقد وقع الخلع، ولعل في هذا اختلافاً، لا يقع خلع حتى تختلع هي بذلك، وعن أبي الحواري ـ رحمه الله ـ قال: أرى خلعا في ذلك وأرى له ما جعلت له وتركها عليه، والله أعلم. ومن طلب إلى زوجته نفسها فقالت: لك نصف حقي الذي عليك ولا تطلق إلي نفسي، فقال: قد فعلت، أو لك ذلك، فلا يقع بهذا خلع، وقال بعض: إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ويكون خلعاً، قال أبو الحواري ـ رحمه الله ـ: وبالقول الأول نأخذ ولا يكون إيلاءً. ومن أرسل إلى امرأته وهي مغضبة لترجع إليه أو تبريه فردت أنها أبرأته من حقها ما أبرى لها نفسها، فلما بلغه ذلك سكت، ثم إنه بعد السكوت وبعد كلام جرى أو بعد أيام قال: قد أبرأتها، فإذا أبرأها وقع البرآن إن كانت المرأة أبرته وإن لم تكن أبرته وقد أبرأها كانت تطليقة إذا أبرأها مرسلا لقوله.
مسألة: (10/19)
صفحة 881
وقول الرجل كما تشهدون في الخلع وغيره لفظه غلط، قوله: كما لا تفسد الشهادة الشهادة إذا شهدوا على الفعل، وإذا طلبت امرأة أن تمر إلى موضع مثل مأتم أو عيادة فأبى زوجها عليها فقال: اتركي لي حقي حتى أتركك تمري إلى حاجتك، فقالت: قد تركت لك حقي، أو قد أبريتك من كل حق عليك لي فالبرآن يثبت لأنه كان على عوض بروزها فجائز ما لم يكن منعها من حق يجب عليه تركها تمر إليه أو فرض يجب عليها لا يحل له منعها فإن ذلك يكون تركها لا يحل له، وإذا وكلت المرأة أو أمرت من يبري زوجها ثبتت وكالتها وأمرها إذا صح ذلك، وإذا وكل رجل رجلا في طلاق زوجته كلما أبرته من ثلث صداقها طلقها واحدة فأبرته فطلقها واحدة فذلك خلع وفي أملك بنفسها ولا يلحقها الطلاق من بعد، وقومنا يقولون في الناشز حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة ولا أقيم لله حداً ما كنت معك، ونحن لا نقول هذا ولا نقبله ولا تكلف أن تقوله ولا حقا بالنشوز وهو كراهة النفس والجماع وبغض الدار، فإذا كان ذلك فقد حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزاد على ذلك شيئاً، وإذا قبل الفداء على هذا فقد بانت منه وهي أملك بنفسها ولا ميراث بينهما في العدة ولا بعد انقضاء العدة، ومن طلق إلى امرأته نفسها فقالت: دعني هذه الليلة وقد تركت لك نصف صداقي فهو خلع، وقيل: ليس بخلع، ومن قالت له زوجته أبر لي نفسي وعلي لك ألف درهم، فعند أصحابنا لا يتبعها بأكثر من صداقها والله أعلم. ومن خالع امرأته على شيء من الحرام مثل الخمر أو لحم الخنزير أو نحو فقيل: لها شروي ذلك، ومن قالت له زوجته: قد أبرأتك من مالي أن تبري لي نفسي، فقال: قد قبلت وقد طلقتك ثلاثا، قال أبو زياد وأبو عبد الله وأبو العباس: تطلق ثلاثا، ومن طلب إليه قوم أن يفارق امرأته فقال لهم: قد أبرأتها ولم يرد بقوله ذلك لها طلاقا فله نيته ولا نرى طلاقه، هكذا عن أبي مروان وأبي جعفر وأبي زيادة.
مسألة: (10/20)
صفحة 882
في استحقاق المرأة صداقها بعد الخلع ورجوعه إليها في الحكم، وقيل: إذا وقع بين الزوجين التنازع ثم أبرته من حقها وأبرى لها نفسها ثم رجعت في حقها لم يسعه فيما بينه وبين الله إلا أن يعطيها حقها وهو الذي قال الله تعالى: { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا} وأما الحكم فإذا صح ذلك جاز عليها، وقيل: لا يسع الزوج حق المرأة إذا أبرته عند الشقاق إلا أن تكون مبغضة له أو لجماعه أو لداره وذلك هو النشوز، فإذا عرف ذلك جاز له ما أبرأته منه. وعن الشعبي لو أن رجلا أعرض بوجهه عن امرأته يريد بذلك ترك مهرها فاختلعت لحرم عليه، وكل امرأة اختلعت إلى زوجها من حقها وأبرته منه وأبرى لها نفسها، ثم ادعت أنها إنما خرجت من الإساءة وصح بشاهدي عدل أنه كان مسيئاً لها فإنه يحكم عليه بحقها ولا سبيل له عليها في الرجعة إليها إلا برأيها، ولو كان إنما أبرأها ما برى من حقها لأنها قد أبرته وقع الخلع وهذا صداقها الذي كان وجب لها عليه بالوطء. وعن بعض الفقهاء أن المرأة إذا جاعت عند زوجها ولم يقدر على نفقتها فاختلعت فلها صداقها إذا هو أيسر، وكذلك إن كان موسراً وأجاعها ومنعها شيئا مما يجب لها وآذاها بيده أو بلسانه فكل هذا من الإساءة، وإذا صح ذلك بعد الخلع وطلبت حقها كان لها، وعن موسى بن أبي جابر ـ رحمه الله ـ في رجل وامرأته وقع بينهما شقاق فطلبت منه الخروج فقال: إني كنت مسيئا في أمرك وأنا أستغفر الله ورجع إلى الحق فيه أنه لا تتبعه بشيء، يعني إذا أبرته بعد هذا القول، وقال أبو عبد الله مثل ذلك، وأما موسى بن علي فقيل إنه كان يدعوها بشاهدي عدل على الإساءة إذا أحضرته شاهدي عدل أنه كان مسيئا لها فإنها تلحقه بالصداق. وقال أبو زياد: وإن لم تكن لها بينة حلفته ما كان مسيئا إليها فإن لم يحلف حلفتها وأعطيتها مهرها. (10/21)
صفحة 883
وقال أبو عبد الله: إنما تدعى المرأة بالشاهدين على الإساءة إذا لم يكن الزوج عرض عليها الإحسان والإنصاف بعد الإساءة، فأما إذا عرض عليها ذلك فذلك يهدم الإساءة، ولعل غيره يرى لها حقها على كل حال إذا صح أنه كان مسيئاً لها واحتجت أنها لم تثق بذلك القول. وقال أبو عبد الله: ومن إساءة الرجل إلى امرأته التي يلزمه صداقها إذا افتدت منه أن يضربها أو يشتمها أو يصر على ترك وطئها فيضارها متعمداً أو منعها كسوتها أو نفقتها أو إحداهما. وقال أبو معاوية: الإساءة الجوع والعري والضرب وأن يهجر جماعها، قال: لو أن امرأة اشترت تطليقة من زوجها بدرهم لكان خلعها، فإن أراد جماعها فقالت: اتركني الليلة بعشرة دراهم فتركها فليس ذلك بخلع، قال: وفيه اختلاف، قال من قال: ليس له عليها شيء ولا خلع بينهما، قيل له: فما تقول أنت؟ قال: أقول: له العشرة ولا خلع بينهما. ومن تزوج أمة على حرة ثم خاف إن علمت الحرة تزويجه بالأمة خرجت منه وأخذت صداقها فبارأها ثم علمت الحرة بعد المبارأة بتزويجه الأمة عليها فطلبت صداقها وقالت: لو علمت أنه تزوج عليّ أمة لم أبره من صداقي فإنها لا تدركه بشيء، ومن قالت له امرأته: قد أبريتك من حقي ما أبريت لي نفسي فقال: قد قبلت ففي الخلع اختلاف، فإن قال: عنيت بالقبول بالصداق ولم أبر لها نفسها، فمنهم من رأى لها تطليقة مع يمينه، ومنهم من لم يجد ذلك لها.
مسألة: (10/22)
صفحة 884
قال أصحابنا: وليس للرجل أن يأخذ ما تفتدي إليه زوجته به من مال يتعدى ما أصدقها إياه وساقه إليها، وإن خلعها على شيء منه فجائز، وأما فوق ذلك فإن اختلعت إليه بشيء فوق ما أصدقها إياه رد عليها بعد الخلع، والخلع واقع، وهكذا يوجد لعلي بن أبي طالب أنه قال: الربا أخذ الرجل صداق زوجته مع الخلع والزيادة، والنظر يوجب عندي إجازة ذلك فظاهر الكتاب شاهد بجوازه، قال الله جل ذكره: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (1) وإذا كان الكتاب شاهداً بصحة ما قلنا كان الرجوع إلى الكتاب دون قول علي. وفي جواب من أبي سليمان في الزوجين إذا جرى بينهما مخاصمة وكان عندها نساء فقلن لها: لو خرجت من هذا الرجل لكان أصلح لك فذهبت إليه فقالت كما تشهدون، واشهدوا أني قد برأته من حقي ما أبرأ لي نفسي، فقال الزوج: إن كنت قد أبريتني من حقك فقد أبريت لك نفسك، فقالت: إني لم أرد به برآنا وإنما كان ذلك مني على سبيل الضجر حيث تكلم النساء بما تكلمن، قال: قد وقع البرآن ولا حجة لها في قولها هذا لأنها قد أبرأته من حقها وقد أبرى لها نفسها إذا كانا في مجلسهما ولم يفترقا، قال: والافتراق إذا خطا أحدهما برجليه جميعاً فقد افترقا، وإن خطا برجل واحدة والأخرى ثابتة مكانها لم يكن ذلك افتراقا، وعلى هذا معنى قوله: ليس اللفظ بعينه كله فينظر فيه.
__________
(1) سورة البقرة: 229. (10/23)
صفحة 885
وإذا اتفق الرجل وزوجته على أن يخلعها وعلى جميع ما أخذت منه فعليها أن ترد كل ما أخذت منه، إن كانت دراهم ردت رداهم، وإن كانت ثيابا قد ذهبت وانخرقت ردت قيمتها، وإن كان حيوانا قد مات ردت قيمته، وإن كانت نخلا قلعتها الريح ردت قيمتها، وإن كانت أرضا فسلتها ردت الأرض وكان لها الخيار في فسلها إن شاءت قلعته وإن شاءت أخذت قيمة صرمها أو صرماً، وإن كان نخلا كان لها القيمة وليس عليها رد الغلة، وإذا قعد الزوجان للبرآن وأراده فقالت المرأة: اشهدوا أني قد أبريته من حقي، قال الزوج: قد قبلت وسكت فقد وقع الخلع.
مسألة:
وإذا اختلعت المرأة إلى زوجها في مرضها الذي ماتت فيه قال أصحابنا: في ذلك ثلاثة أقاويل فيما عرفت، قال بعضهم: على الزوج الصداق، ولا ميراث له، وقال بعضهم: لا صداق عليه ولا ميراث له، وقال بعضهم: له الميراث وعليه الصداق، وحجتهم أنه قبل منها براءة من حق قد تعلق لورثتها وبهذا القول يقول محمد بن محبوب، قيل له: لم ذلك وقد فعل ذلك وخالعها عليه؟ قال: لأنهم قالوا لا تجوز عطية المريض ولا بيعه ولا شراؤه، فهذه اشترت فلم يجز ذلك عليها وجاز عليها هو الطلاق، فصار طلاقا فله الميراث، وعليه الصداق، قالوا: لكن إن ماتت بعد انقضاء العدة فعليه الصداق ولا ميراث له، وإذا أبرت المرأة زوجها من مالها وأبرى لها نفسها وليس لها عليه مال فأراد مراجعتها فهذا طلاق وهو أولى برجعتها، كذلك قيل وليس لها أن تكره ذلك، ومن أبرته زوجته من صداقها على أن يبري لها نفسها فقال: قد قبلت ولم يذكر غير ذلك فهذا عندنا برآن وقد بانت منه.
مسألة: (10/24)
صفحة 886
ومن سلم إلى زوجته صداقها وأراد المبارأة فإنه يقول: قد أبرأت لها نفسها على أن ترد علي صداقها أو شيئا منه على ما اتفق عليه، فإذا اتفقا على ذلك فهو خلع، وتقول هي: قد رددت عليه ما أخذت منه على أن يبري لي نفسي، فإذا قبلت وأبرى لها نفسها فقد وقع الخلع ويحكم عليها أن ترد عليه ما اتفقا عليه، فإن قال وقد قضى حقها كله واتفقا على المبارأة: اشهدوا أني قد أبرأت لها نفسها، فهذا قالوا فهي تطليقة وهو أملك برجعتها ما دامت في العدة وعليه النفقة والسكنى ويتوارثان ما داما في العدة، وإذا أبرأ الزوج لزوجته نفسها على براءته من مؤونة ولدها منه عشر سنين أو أقل أو أكثر، من درهم إلى عشرة آلاف درهم، أو نحو هذه الشروط، فإن لها في كل هذا الرجعة لأنه مجهول وليس له هو رجعة في نفسها، ومن قالت له زوجته: اشهدوا أني قد أبرأت زوجي هذا من حقي الذي عليه على أن يبري لي نفسي، فقال الزوج: اشهدوا أني قد قبلت وهي طالق، فقد وقع البرآن، وقال بعض: يلحقها الطلاق إذا كان كلاما متصلا، وقال بعض: يكون برآنا ولا يلحقها، وبه يأخذ أبو الحواري ـ رحمه الله ـ، فإن قال: اشهدوا وأنت طالق ولم يقل قد قبلت فإنها تطلق، وعليه حقها ولا نعلم في هذا اختلافا. (10/25)
صفحة 887
قال الوضاح بن عقبة في المرأة وزوجها تقول له: قد أبرأتك على أن تطلقني، فيقول الزوج: قد قبلت، وانصرفا على ذلك، قال عبد المقتدر: هو خلع، وهي أملك بنفسها، وإذا كان بينهما أساس الخلع فقالت: قد أبرأتك من مالي الذي عليك فقال: قد قبلت ولا أطلقك، قال عبد المقتدر:هو خلع ولا ينتفع بقوله ولا أطلقك، وإذا قالت: قد أبرأتك على أن تطلقني، فقال: قد قبلت وقد طلقتك واحدة فهي واحدة، أو قال: اثنتين أو ثلاثا فثلاثا، وهي أملك بنفسها، فإن تراجعا عن تراض منهما في العدة كانت معه بما بقي بينهما من الطلاق، ولها مالها عليه، وإن قبل الخلع وطلقها ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ودخل بها وصداق مثلها مائة نخلة وألف درهم، وقد كانت تزوجت على ذلك زوجاً ثم طلبت إليه البرآن فأبرته مما عليه لها من صداق وأبرأ لها نفسها ولم يسم لها كم الصداق، فأقول: إذا تركته له وأبرته منه فهي براءة ليس عليه أن يسمي لأنه قد وجب لها، فإن قال: قد وجب علي لك صداقك أو قال الصداق، فقالت: قد تركته لك وأبريتك منه على أن يبري لها نفسها، وقبلته فإنه قد برئ فإذا أبرته منه فلا أرى عليه أن يعطيها لأنه قد برئ فإذا احتجت أنها لم تعرف كم لها من الصداق وقد أخبرها هو أنها قد وجب لها صداقها، وقال: قد كانت تعرف صداقها الذي كانت تزوجت عليه مرة قبل هذه، فأقول: ليس هذا لها وقد برئ، وإن كانت لم تزوج غير تلك المرة وتزوجت بدون صداق مثلها فقالت: لم أعرف كم صداقي، وقال هو: قد تزوجت على صداقك ولم يسمه لها فأقول يبرئ من مثل صداقها الآخر إن كان هو أقل أو أكثر، وإن كان أقل، والله أعلم في الزيادة، وإن كان أكثر لا شيء عليه. (10/26)
صفحة 888
ومن خالع زوج ابنته وأتمت البنت ذلك فجائز الخلع، فإن ضمن الأب بحق ابنته وأبرأ الزوج لها نفسها بالطلاق وبانت منه ثم رجعت في حقها لزم الأب الصداق للزوج، وإذا أبرت المرأة زوجها من صداقها فلما مات أقامت البينة العادلة أنها أبرته من الإساءة إليها فعليها يمين بالله أنها أبرته من إساءته إليها ويكون لها صداقها، وأما إن تركت له صداقها فلما مات أقامت البينة أنه طلبها إليها وعدلت نفسها لم يكن لها شيء، وبين الإساءة والترك فرق، وعن عبد المقتدر في امرأة قالت لزوجها: قد أبرأتك على أن تطلقني، فقال: قد قبلت ولم يطلق، قال: تطليقة، فإن قال: قد قبلت وأنت طالق فهي واحدة، فإن قال: قد قبلت وأنت طالق اثنتين فهي تطليقتان، وإن قال ثلاثا فهي ثلاث، وإن قال: قبلت ولا أطلقك فلا طلاق عليه.
مسألة:
ذكر الاحتجاج في مسألة الخلع من قال إن عليه الصداق ولا ميراث له أنه قبل منها براءة من حق قد تعلق لورثتها فيه حق، إذا كان فعل المريض في حال مرض من إتلاف المال بالهبة والعطية والبيع والشراء وفيما يكون فيه إزالة مال يرجع إلى الورثة أنه لا يصح له، وأبطل على الزوج ميراثه منها لأنه فعله واختياره ورضاه بذلك، وحجة من قال لا صداق عليه ولا ميراث له أنهما قد اتفقا على فسخ عقد يملكانه في الصحة والمرض، وأنهما أتلفا حقا يلزمهما به الحكم، فإتلاف المريض لشيء من ماله في مرضه يجوز في الحكم، وإتلاف الزوج الصحيح حقه يثبت عليه، وحجة من قال عليه الصداق وله الميراث أن المريض لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا عطيته، وهذه قد اشترت أو أعطت فلا يجوز فعلها وهو قول محمد بن محبوب.
مسألة: (10/27)
صفحة 889
ومن اختلعت إليه امرأته وليس تطلبه بشيء فقال من قال هو خلع، وقال من قال تطليقة، وهو أملك بردها، والخلع إنما يكون بفدية بشيء، وأما إذا كان الخلع عند موت أحدهما فقال من قال: لا يبرئ الزوج وهما يتوارثان، وقال من قال: إن كانت هي الميتة فإنه لا يبرئ الزوج وهي تطلق وله منها الميراث، وإن كان هو الميت فإنه يبرئ لها الميراث في ماله وعليها عدة المميتة وهذا الرأي أحب إلي.
مسألة:
امرأة قد قالت لزوجها وقد اتفقا على الخلع قد أبرأتك على ما تزوجتني عليه، وقد كانت أخذت من الصداق بعضه فقبل ذلك منها فليس عليها أن ترد عليه ما كانت أخذت منه، وإن قالت له قد خالعتك على ما تزوجتني عليه فعليها أن ترد ما أخذت منه.
مسألة: (10/28)
صفحة 890
في الإساءة، عن أبي مالك قال: هو أن يمنعها حقا يجب لها عليه من نفقة أو كسوة أو جماع متعمداً تركه ليؤذيها بذلك أو يضربها أو يشتمها ونحو ذلك فتختلع إليه فالخلع واقع والصداق لازم، وفي حديث حبيبة بنت سهل وزوجها ثابت بن قيس دلائل أحدها أن للمرأة الخروج من منزل زوجها بلا أمره للضرورة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنكر عليها ذلك، وأن لها أن تستعدي على زوجها، وأن على الحاكم أن يعديها، وجواز استماع الدعوى على غائب وأن يذم الرجل خصمه بما تتعلق به دعواه، وأن الخلع يجوز في الحيض والطهر لأنه عليه السلام لم يسأل، وأن الخلع إذا تم فلا رجعة وأن لا بأس باستماع كلام المرأة السر لأنه عليه السلام خاطبها عند باب المسجد. وقد زعم قوم أن هذا يدل على أن الخلع لا يكون إلا عند حاكم، وقال آخرون: هذا يدل على أنه لا يجوز إلا على الصداق أو بعضه لأنها قالت كل ما أعطاني عند الزواج يعني المهر فخالعها عليه، وأجاز قوم عند السلطان وغيره وبالصداق وغيره وعلى ما هو أقل وأكثر، وإذا اتفق الرجل وزوجته على المخالعة فقالت: قد أبرأتك من حقي فقال الزوج: قد طلقتك وبرئ من الحق، وهو خلع على قول لأنهما قعدا لذلك، وإذا قالت: قد أبرأتك من حقي، فقال: قد أبرأتك فهذا تقصير من القول، عن علقمة، ويقع به الخلع بينهما على ما قصداه، وأوجبه عليها كثير من الفقهاء والحكم خلافه إذا وقعت الأحكام. ومن خالع زوجته وكان أعطاها ونقدها نخلاً قائمة فإن النخل لا تدخل في الخلع إلا أن تشترطها عليه، وكذلك الكسوة التي عليها من عنده لا تدخل في الخلع إلا أن يكون كساها بحكم من حاكم لسنة معلومة فذلك له وما ليس بحكم حاكم فلا رجعة له.
مسألة: (10/29)
صفحة 891
ومن قال لامرأته: قد أبريتك، وقالت: قد أبرأتك ولم يسم الرجل باسمها ولا سمت المرأة بصداقها ثم أنكر الزوج أنه لم يبرها وأنكرت هي أنها لم تبره من صداقها فإن كانا قد قعدا للخلع وأراداه بذلك فقد وقع الخلع، وإذا لم يريدا بذلك الخلع فليس ذلك بشيء، وإن أراد الزوج بقوله ذلك الخلع وقالت المرأة: إنما أردت بقولي قد أبرأتك غير الصداق من شيء مما يجب عليه من كسوة أو نفقة أو غير ذلك، قال بعض الفقهاء: هذه تطليقة وهو أملك برجعتها إن كانت بقيت معه بشيء من الطلاق، فإن قال: قد أبرأت لك نفسك فطلبت صداقها إليه فهذا طلاق ليس بخلع.
مسألة: (10/30)
صفحة 892
ومن طلق زوجته تطليقة ثم خالعها فإنه لا يبرئ، وإن طلقها ولم تعلم ثم اختلعت إليه من صداقها في عدتها منه ثم بان لها أنه كان طلقها قبل أن تختلع فرجعت في صداقها فلا رجعة لها والخلع تام عليها، وإن طلقها بعلمها ثم أنكرها فاختلعت إليه من صداقها في عدتها ثم أقر أنه كان طلقها أو أقامت عليه بذلك بينة عدل فرجعت في صداقها فإن لها الرجعة فيه، لأنها لو قالت: إنما اختلعت إليه لأنه أنكر الطلاق وخفت أن يطأني حراما كان ذلك حجة لها. وأما الأولى فإنه لو وطأها وقد كان طلقها ولم تعلم لم تحرم عليه لأنها لم تكن علمت بطلاقه إياها. قال الناسخ لهذا الكتاب: لست من أهل الرد إلا أني أخاف أن يتوهم هذا المعنى أحد ممن هو ليس بعالم ولا فقيه فيظن أن وطء المطلقة بغير علمها لا يحرمها عليه، فلعل سقطا في الكتاب، والذي عندي أنه أراد لم يحرم عليها، ولعل ذلك في قول بعض قومنا أن وطء المطلق رد لمطلقته فذلك عنده كان الطلاق بعلمها أو بغير علمها، والله أعلم، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق. رجع إلى الكتاب: فإن طلقها ثلاثا ولم تعلم ثم اختلعت إليه وقبل خلعها فإنه ترجع إليه بصداقها، وهذه المسألة التي سأل عنها أبو بكر الموصلي أبا عثمان، وقال: إن قال فيها برأيه أخطأ، فقال سليمان: لها الرجعة في صداقها، فقال أبو بكر: ليس لها ذلك وحفظه عن الفقهاء.
مسألة: (10/31)
صفحة 893
في الخلع قول الله تعالى: { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1) هو هاهنا علم ولولا ذلك ما أطلق الافتداء لأن الرجل إنما يميل إلى الافتداء إذا تبين له نشوزها بمخالفتها لما يجب عليها، والخوف والظن متقاربان في المعنى يكونان شكا ويكونان يقينا، وكذلك عسى أن تكون شكا وتكون يقينا. ومن مسائل أبي علي، رجل قالت له امرأته: قد أبرأتك مما عليك فقال: قد طلقتك ثلاثا، فقالت: أعطني مالي فإنك لم تقبل وطلقني، قال: تبين بالطلاق ولا مال لها، أبو محمد: ومن طلق زوجته ثم خالعها من قبل أن تعلم بالطلاق فإنه لا يبرئ، وعن رجل يطلق امرأته تطليقة وهي لا تعلم ثم اختلعت إليه فقبل خلعها، قال أبو بكر الموصلي: إن الخلع لازم إلا أنه قد بقي من الطلاق، والزوج كان يملك من الرجعة فقبل خلعها فذلك الخلع تطليقة ولا ترد إلا برأيها. قلت لأبي عبد الله: فإن طلقها ثلاثا ولم تعلم ثم اختلعت إليه وقبل خلعها أترجع عليه بصداقها؟ قال: نعم، ومن أثر: وإذا كتم رجل امرأته والشاهدان طلاقها فاختلعت منه وكان بعد انقضاء العدة رجعت فيما أخذ منها، وعن أبي محمد: رجل سألته امرأته البرآن على أن تبريه فقال لها: قد أسعفتك إلى ذلك فهو خلع، وهو جواب مكانه قد أبرأتك فإن قالت: قد أبريتني، فقال لها: قد أسعفتك إلى ذلك، قال: هو طلاق ويملك الرجعة، فإن قال: أبريني، قالت: قد أبرأتك من حقي أو قد أبرأتك من حقي ما أبريتني فابرني فأجابها: قد أسعفتك إلى ذلك فهو خلع إذا ذكرت الخلع لأنه لا خلع إلا بفدية.
__________
(1) سورة البقرة: 229. (10/32)
صفحة 894
وإن قال: أسعفتك إلى ذلك فحتى يبريها، قيل له: قوله الأول قد أسعفتك يحتمل معنى وله نيته، فقال: لا بل هو جواب ولا تقبل له نية في هذا، ومن خالع زوجته على غير فدية يكون طلاقاً ويردها بما بقي من الطلاق، وإنما يكون خلعاً إذا خالعها على فدية من صداق أو حق لها عليه معلوم، فأما إن كانت فدية مجهولة مثل نفقة وله شيء لا يعلم قدره فلا خلع ويكون ذلك طلاقا يملك فيه الرجعة إن كان باقيا بينهما من الطلاق شيء وإلا فحتى تزوج زوجاً غيره وتكون في العدة من المراجعة والطلاق. ومن قالت له امرأته: أبريتك من حقي ما أبريت لي نفسي، فقال: قد قبلت ففي الخلع اختلاف، فإن قال: قد عنيت بالقبول الصداق ولم أبر لها نفسها ففي تصديقه اختلاف، منهم من أجاز لها تصديقه مع يمينه، ومنهم من لم يجز ذلك لها، وإذا قالت المرأة: كما تشهدون أني قد أبريته من حقي أو قالت من جميع ما يلزمه، أو من كل حق يلزمه على أن تبرئ لي نفسي فقال: قد قبلت حقها ولا أخرجها، أو قال: قد قبلت ولا أبريها فالحق عليه وهي زوجته عليه يمين ما أبرأ لها نفسها بعد براءتها، والقول قوله وعليها فيما ادعت عليه من القبول البينة، ويسعها المقام معه في الحكم ويحكم عليها بذلك إلا أن يكون عندها خلاف ما قال، وما حلف فتختلع ولا تجلس معه على الحرام، فإن امتنع من خلعها فالحاكم يحكم عليها بالسكنى معه ولا تمكنه من نفسها حتى يشهد على رجعتها إن كان باق بينهما شيء من الطلاق، وإن لم يبق شيء ولم يقبل الخلع وقد حكم عليها بالسكنى بعد يمينه فقد قالوا: تجاهده لأنه باغ، وإن كان طلاق بائن جاز لها قتله إذا علمت أنه يتعمد ظلمها، وإن كان طلاق بائن وانقضت العدة فالحكم واحدة، وأما في العدة فليس لها قتله ولها منعه بما قدرت عليه حتى يشهد على رجعتها. (10/33)
صفحة 895
وقد قال بعض أصحابنا أن ليس لها قتله للخلاف الذي بيننا وبين مخالفينا في ترك الإشهاد عند الرجعة، وأنه إذا جامعها فقد ردها عندهم، فمن هنالك قالوا لا تقتله، وكذلك بالحيض وما بينهم منه من الاختلاف فالحكم واحد. وإذا ضمن وكيل المرأة المخالعة للزوج بالصداق إن غيرت المرأة فغيرت فعلى الوكيل الضمان للزوج، وإن لم يضمن لم يكن ضمان، وقال الوضاح: إذا كان بين الزوجين أساس الفرقة فقالت المرأة: قد أبرأتك من صداقي، فقال الزوج: قد قبلت على أساس الفراق فهو خلع، وإن قال الرجل لامرأته: قد أبرأت لك نفسك ما بريت من مالك فقالت قد قبلت، قال: قد وقع الخلع وهو كقوله هو البرآن. قال أبو محمد: الله أعلم، لا أقول فيها شيئا وكل امرأة تركت شيئا فهو خلع ولو تركت درهما واحدا ولا ميراث بينهما، عن عمر بن المفضل في المرأة تقول لزوجها: قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني فيقول الزوج: قبلت مالك فإن سكتا على ذلك وقاما فقد وقع الخلع، وإن تعلقت به فقالت: طلقني، فقال: لا أطلقك فلم يقع الخلع، وترجع عليه بمالها. وعن الربيع وعن جابر أنه قال: إذا قالت المرأة لزوجها: قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني، فقال: قد قبلت المال فقد طلق، وإن لم يذكر طلاقا، محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: ومن كان بينه وبين زوجته أساس الخلع فقالت: قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني، قال: قد قبلت وقد طلقتك واحدة أو اثنتين فقالت: إنما أبرأتك من صداقي على أن تطلقني ثلاثا غير أني لم أشرط ثلاثا، وقال الزوج: لا أفعل ذلك، فهو خلع وقد بانت بتطليقتين وليس عليه أن يطلقها ثلاثا ما لم يشرط في الطلاق ثلاثا. (10/34)
صفحة 896
وإن قالت: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني ثلاثا، قال: قد قبلت وقد طلقتك واحدة فليس هو خلع لأنه لم يف لها بشرطها فصداقها عليه لها وهو أملك برجعتها إن أراد في العدة على ما بقي من الطلاق، فإن قالت: قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني، قال: قد قبلت وقد طلقتك واحدة ثم قطع بسكوت، ثم أتبعها تطليقتين فإنه لا يتبعها الطلاق إلا أن يقول قد قبلت وقد طلقتك ثلاثا فإنها تبين بثلاث ولا ترجع إليه حتى تنكح زوجا غيره، فإن قالت: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني ثلاثا، قال: قد قبلت وسكتا على ذلك وانصرفا فهو خلع وقد بانت بثلاث تطليقات، فإن قال الزوج: إني قد قبلت خلعها ولم أنو لها طلاقا فإنه لا ينوي في ذلك، فإن قالت: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني ثلاثا، قال: قد قبلت وسكتا ما شاء الله ثم طلبت إليه أن يطلقها كما اشترطت عليه وهما في مجلسهما أو قد انصرفا فإذا طلبت إليه أن يطلقها كما شرطت فطلقها فالخلع تام، وإن كره فهي امرأته وعليه صداقها في ذلك إذا كانا في مجلسهما لم ينصرفا منه، وإن انصرفا من مجلسهما فالخلع تام وطلبها إليه أن يطلقها بعد أن انصرفا ليس بشيء. (10/35)
صفحة 897
فإن قالت: قد أبرأتك من مالي على أن تبري لي نفسي، فقال: قد قبلت وقد أبرأتك ثلاثا فهو خلع تبين بواحدة، وقوله: قد أبرأتك ثلاثا لا تبينها بثلاث تطليقات وسل عنها، وإذا وقع الخلع بين الزوجين ثم قالت المرأة: إني لم أعرف صداقي كم هو فإن صداقها يرجع عليها وله الرجعة عليها إن ردها بما بقي من الطلاق في العدة، وإن كان طلقها من قبل تطليقتين ثم اختلعت إليه الآن وقبل خلعها فهي تطليقة أخرى، فإذا قالت: لم أعرف صداقي ولم ينبها كم هو عند الخلع فصداقها راجع إليها وعليها يمين بالله ما كانت تعلم صداقها كم هو ولا يرجع إليها حتى تنكح زوجا غيره، وقولها عند الخلع الذي لا يتبعه طلاق أن يقول: قد أبرأتك من مالي على أن تبري لي نفسي، فيقول: قد قبلت، وقد أبرأتك، ثم يقول: فقد طلقتك ثلاثا فهذا لا يتبعها طلاق، ومن أبرته زوجته في مالها وأبرى لها نفسها وليس لها عليه مال فأراد أن يردها فكرهت ذلك فهذا طلاق، ويكون أولى برجعتها وليس عليها -لعله وليس لها- أن تكره ذلك، وإذا أبرت زوجها من صداقها على أن يبري لها نفسها، فقالت: قد قبلت ولم يذكر غير ذلك فهو عندنا برآن وقد بانت منه. سئل أبو زياد الوضاح بن عقبة عن امرأة قالت لزوجها: أبري لي نفسي، فقال لها: قد أبرأت لك نفسك ما بريت من مالك، فقال أبو زياد: قد بريت ولها مالها، وكل امرأة تركت من صداقها شيئا فهو خلع ولا ميراث بينهما، ولو تركت درهما واحدا، ومن اختلعت إليه زوجته ثم راجعها في العدة على أقل من صداقها كاملا، وإن زادها فلها ما زادها، وأما المطلقة واحدة إذا راجعها فكرهت فزادها وظن أن ليس له أن يردها فليس لها مما زادها شيء. ومن خالع زوجته ثم تزوجها في عدتها ثم طلقها قبل أن يدخل بها الثانية فلها صداقها تاما، وإن كان قد دخل بها في المرة الأولى ثم خالعها ثم تزوجها الثانية بعد انقضاء عدتها فطلقها قبل أن يدخل بها الثانية فلا عدة عليها ولها نصف صداقها. (10/36)
صفحة 898
وبرآن الصبية لا يقع إلا أن يضمن بالحق ضامن لها، فعند أصحابنا أنه يقع، وإن غيرت رجعت عليه واتبع هو من ضمن له بذلك، فإن أبرى لها نفسها كان ذلك موقوتا إلى بلوغها، فإن أتمت التزويج والبرآن تم، وإذا تمت التزويج ولم تتم البرآن تم التزويج ولم يتم البرآن، وإن لم يتم التزويج لم يكن برآن وانتقض النكاح وإن كان جاز بها فعليه الصداق. أبو معاوية: وإذا أبرت المرأة زوجها مما لها عليه ومن نفقتها عليه وكانت حاملا إلى مائة درهم من صداقها على أن يبري لها نفسها، فقال الزوج: قد قبلت وأبرأتها نفسها فإن رجعت علي بنفقتها فهي زوجتي فرجعت المرأة تطلب نفقتها فالخلع قد وقع فلا أرى لها نفقة عليه، فإن أبرأته من مالها ومن رباية ولده فأبرأ لها نفسها ثم رجعت تطلب الرباية منه فلها الرباية عليه وليس النفقة، والرباية عندي سواء لأن النفقة مختلف فيها. قال بعض: ليس للمختلعة الحامل نفقة، وقال من قال: لها النفقة والرباية لم نختلف فيها أن عليه رباية ولده، وإذا أبرت المرأة زوجها في مائة درهم وكان لها عليه مائتا درهم على أن يعطيها كل شهر عشرة دراهم على أن يبري لها نفسها فأبرأ لها نفسها ثم رجع فقال: لا أعطيك كل شهر إلا خمسة دراهم، فقالت: إنما أبرأتك من جميع مالي عليك على أن تعطيني كل شهر عشرة دراهم، فإذا رجعت عن ذلك فأعطني مائة وخمسين درهما فليس لها ذلك إلا مائة ردهم التي اصطلحا عليها ويحكم لها كل شهر عشرة. وإذا وهب رجل لامرأته مائة درهم من ماله وقبضتها ثم وقع بينهما كلام فأبرته مما لها عليه وأبرى لها نفسها، ثم رجع إليها يطلب تلك المائة التي وهبها لها فليس له ذلك عليها والمائة لها ولا يرجع عليها بها، أبو محمد: ومن طلق زوجته ولم تعلم طلاقا يملك فيه الرجعة ثم إنه خالعها في العدة وقبل أن تعلم بالطلاق منه فإنه لا يلزمه لها صداق لما كان له أن يردها في العدة ولو كرهت ولو خالعها بعد انقضاء العدة كان لها عليه الصداق. (10/37)
صفحة 899
ومن سلم إلى زوجته نصف صداقها أو كله ثم أراد أن يخالعها قالت: اشهدوا أني قد أبرأته من حقي ما أبرأ لي نفسي وأبرأ لها نفسها على ذلك فليس لها أن ترد عليه ما قبضت منه في الصداق ويبرأ مما كان عليه فليس عليها أن ترد عليه ما قبضته منه كله، فأما قولها قد أبرأته مما عليه من حقوق تتوجه إلى مثل ما يلزمه من النفقة وغيرها والله أعلم. قيل: فكيف يجب عليها أن ترد عليه؟ قال: إذا قالت اشهدوا أني قد اختلعت إليه من صداقي الذي تزوجني عليه، فبذلك يجب عليها أن ترده، فإذا خالعها وقد استوفت منه الصداق وقد أرادا أن يتراجعا كيف يكون مراجعتها، قال: في ذلك اختلاف، منهم من يقول: إني قد رددت زوجتي فلانة على ما كنا عليه في الزوجية، وقال آخرون: بولي وشاهدين. ومن خالع امرأته على شيء من الحرام مثل الخمر ولحم الخنزير أو نحوه فقيل لها شروي ذلك، وإذا قعد رجل وامرأته للخلع فقالت له: قد أبرأتك، فقال لها: قد أبرأت لك نفسك ما بريت من حقك، فقبلت المرأة فإن قالت إن قولها قد أبرأتك تريد أنها قد أبرته من مالها على أن يبرئ لها نفسها فقد وقع الخلع أن صداقها على ذلك لأن المرأة لا نية لها إلا أن يصدقها زوجها ويتفقا على ذلك أنهما أرادا الخلع وهو خلع. وإن قالت المرأة لم أرد بقولي ذلك شيئا ولا أردت الخلع فلا يقع الخلع، وكذلك رأينا، ومن أرسل إلى امرأته وهي مغضبة لترجع أو تبريه فردت أنها قد أبرته من حقها ما أبرأ لها نفسها فلما بلغه ذلك سكت ثم بعد السكوت جرى الكلام أو بعد أيام، قال: قد أبرتها فقد وقع البرآن إن كانت المرأة أبرته وإن لم تكن أبرته وقد أبراها كانت تطليقة إذا أبرأها مرسلا لقوله، والخلع تطليقة في قول كثير من الناس، وفي قول أصحابنا إلا جابر بن زيد فإنه يراه فسخا وليس بطلاق، وهو قول ابن عباس وطاووس وعكرمة وأحمد وإسحاق وأبي ثور. (10/38)
صفحة 900
ومن دعا امرأته إلى فراشه فاعتلت فقال: لتذهبي بمالي وتمنعيني نفسك، فقالت: ما أخذت منك إلا قليلا إن شئت رددته، قال: قد شئت، قالت: قد وهبته لك وقد رددته عليك، قال: قد قبلته، فعن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ أن هذا ليس بلخع لأنها لم تذكر الخلع، قال الربيع: كل طلاق وقع بخلع أو فدية أو شراء أو هبة فهو طلاق بائن لا يملك الرجعة، وهو من الخطاب، ومن تزوج على عاجل وآجل فساق إليها آجلها وعاجلها ثم إن المرأة استهلكت ذلك كله ولم يبق في يدها منه شيء ثم تنازع فلا يلحقها شيء مما قبضته منه من صداقها، وعن ابن محبوب أن ذلك ليس بخلع وهي تطليقة وهو أملك برجعتها إن بقيت معه بشيء من الطلاق إذا لم يكن عليه شيء من الصداق. وعن موسى بن علي أن ذلك خلع إن شاء الله، ورأيناهم يذهبون إلى قول ابن محبوب إنها تطليقة وهو أملك برجعتها وبينهما الميراث، وعلى قول موسى بن علي لا ميراث بينهما إذا كان خلعا، وذلك إذا كانت في العدة، وكذلك إذا كان الصداق الذي قبضته من زوجها هو في يدها ولم تذهب منه شيئا فهو سواء كما وصفت لك في الكتاب ولا يلحقها شيء، والله أعلم، وهذا إذا كان قد جاز بها. وإن قالت المرأة لزوجها: قد أبرأتك أو قد برأت لك لحمك، وقال هو: قد قبلت فهي زوجته، ولا يقع بهذا خلع بينهما، وإذا قالت المرأة لزوجها: قد أبرأتك من حقي ما أبرأت لي نفسي فسكت ثم جاء وذهب ثم قال: قد أبرأت لك نفسك، فعن الشيخ أبي الحسن أن الشيخ أبا محمد قال: البرآن قد وقع، قال: وفيها قول آخر أنهما إذا افترقا من مجلسهما قبل أن يبرئ لها نفسها فقد انتقض البرآن. ومختلف في خلع السكران والمكره فأجازه قوم ولم يجزه آخرون. (10/39)
صفحة 901
ابن محبوب: امرأة قالت لزوجها: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني، فقال: قد قبلت وقد طلقتك فهو خلع، وتبين بتطليقة، فإن قالت: إني لم أعرف صداقي ما هو ولا كم هو فإن صداقها يرجع إليها وله الرجعة عليها إن أرادها بما بقي من الطلاق في العدة فإن كان قد طلقها بتطليقتين ثم اختلعت إليه الآن وقبل خلعها فهي تطليقة أخرى، وإذا قالت: لم أعرف ما صداقي ولم يبين لها كم هو عند الخلع، فصداقها راجع إليها وعليها يمين بالله ما كانت تعلم صداقها ولا ترجع إليه حتى تنكح زوجا غيره. في النشوز: ويقال أن المرأة إذا كانت مبغضة زوجها فإن ذلك يكون عند قربه منها مرتدة المنظر عنه إلى إنسان وراءه... وإذا كانت محبة له أن لا تقلع عن النظر إليه، فإذا نهض نظرت من ورائه إلى شخصه حتى يزول عنها، فقال رجل: أردت أن أعلم كيف حالي عند امرأتي فالتقيت وقد نهضت من بين يديها فإذا هي تكلح في قفائي، وقال الفرزدق: فدونكها يابن الزبير فإنها *** مروعة توهي الحجارة قيلها
... ... ... ... ... إذا جلست عند الإمام كأنها *** ترى رفقة من خلفها تستخيلها (10/40)
صفحة 902
قوله: مروعة، يقال: كل شيء يدنيني في الظفر بها يروعها وينفرها، ومعنى تبين حالاتها، ويقال له رِفقة ورُفقة، أبو قحطان: وإذا تزوج المملوك بثلاث نسوة برأي سيده تزويجا صحيحا ثم إنه أعتق وطلبن منه الخروج فلهن ذلك. وقال أبو مالك: اختلف في تخيير الرجل زوجته بينها وبين نفسها فقالت: قد اخترت نفسي، قال قوم: يقع بها تطليقة واحدة، وقال بعض: يريد بتخييره إياها طلاقا، وقال بعض: ولو لم يرد به طلاقا فالطلاق واقع، وإن خيرها بين نفسها وأبيها أو أمها فاختارت أباها وأمها فلا يكون طلاقا حتى يريد بذلك الطلاق الأول على قولين، وهذا على قول واحد، وفي التطليقة اختلاف، قال بعضهم: تكون بائنة كنحو الخلع، وقال قوم: تكون رجعية. والأمة إذا أعتقها سيدها فحكم اختيارها نفسها من الحر والعبد سواء، فإن كان الزوج عبدا والمرأة حرة فليس لها أن تختار نفسها كما تختار الأمة إذا أعتقت على قول أبي مالك، وقال غيره: لها ذلك، وحجة من أجاز لها الخيار لأن عليها في كونها مع الحر ضرارا وهو أنه كان عبدا لسيده وكانت نفقتها في رقبته، فإذا صار حرا وافتقر لم تصل منه إلى شيء من حقوقها. قال أبو مالك: والقول الأول أعدل أن الحر أشرف لها من العبد، وإذا كان عنده الوفاء بما يقوم بحقها فلا حجة لها، فإذا صار في حد الإعدام فقصر عما يجب من حقها كان لها الخيار، إن شاءت تمسكت به، وإن شاءت حكم لها الحاكم بالفراق لها منه، والأمة إذا أعتقت فاختارت نفسها ثم أراد المراجعة فيكون ذلك بتزويج جديد فتكون معه على تطليقتين ومنهم من يقول ثلاث. وأما الصبية إذا ملكها رجل ثم بلغت فاختارت نفسها ثم ملكها ثانية فإنها تكون معه على ثلاث.
باب في الإيلاء وأحكامه: (10/41)
صفحة 903
اعلم أن الإيلاء باليمين وبالظهار وبالطلاق وبالعتاق وبالصدقة والحج وجميع الأيمان، قال الله جل اسمه: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) قال أبي بن كعب وابن عباس: إن هذه الآية يقسمون من نسائهم، وعن ابن عباس: إن كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وأهل العراق والشافعي وغيرهم، فإذا حلف الرجل يمينا بطلاق أو عتاق أو بالله أو بالصدقة أو بغير ذلك من الأيمان التي تردعه عن وطء زوجته فهي إيلاء. ومن قال: أنت طالق إن لم أفعل كذا فهو إيلاء، كذلك إن قال: أنت طالق أني أفعل كذا أو أنت طالق لأفعلن كذا فهذا إيلاء، وفي ذلك أن يحلف بطلاقها إن لم يفعل كذا وكذا، فإن فعل ذلك قبل انقضاء أربعة أشهر من حلفه فقد بر ولا شيء عليه.
__________
(1) سورة البقرة: 226. (10/42)
صفحة 904
وينبغي له إذا بر أن يفيء إلى زوجته ويطأها، وإن كان مريضا أو مسجونا أو مسافرا أو في أمر لا يمكنه أن يفيء إليها فقيل أنه يشهد أنه قد فاء إلى زوجته ولم يمنعه من وطئها إلا ما هو فيه، وأما المريض فقيل: إنه يلمس فرجها بيده أو كيف أمكنه، فإن لم يفعل فلا بأس إن شاء الله، وإن لم يفعل المولي حتى تمضي أربعة أشهر فهو عزم الطلاق فقد بانت منه بتطليقة واحدة انقضت به عدتها وحلت للأزواج ولا موارثة بينهما، وإن تزوجها تزويجا جديدا فذلك لهما وتكون معه ما بقي من الطلاق، إلا أن تزوج بعده زوجا غيره ويفارقها، فإذا تزوجها هو بعد زوج كانت معه بثلاث تطليقات، ونحن ممن يرى أن الحنث لا يقع في مثل هذا إلا مرة واحدة، ومن آلى من امرأته فمكثت أربعة أشهر فقد انقضت عدتها، لأن الله تعالى جعل الإيلاء أربعة أشهر فإذا انقضت فقد بانت منه ولم يبق عليها عدة منه لغيره إلا أن تكون حاملا فحتى تضع حملها بعد الأربعة أشهر فتبين من زوجها، ولا يحل وطؤها لزوج غيره حتى تضع حملها، وإن زادت على أربعة أشهر، وكذلك المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، فإذا كانت حاملا لم يحل له وطؤها حتى تضع حملها، وقيل: إذا أراد الزوج أن يفيء إلى زوجته ويبر يمينه فوجدها حائضا فإنه يؤمر أن يجردها ويمس ويقول: لم يمنعني منها إلا ما هي فيه من الحيض. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي أن الفيء الجماع، وإن شاءت تزوجته هو بعد الأربعة أشهر إن كان لم يطلقها قبل ذلك اثنتين، وإن شاءت غيره بعد أن تضع حملها منه، وإن تزوجته هو فلا بأس لأن الحمل منه فلا بأس بوطئه إياها إن لم يكن ظهارا إنما في الإيلاء، وإن كان ظهارا حنث فيه فتزوجها بعد انقضاء أربعة الأشهر بنكاح جديد، وإن كان بينهما شيء من الطلاق فقد بغى فعليه كفارة الظهار. (10/43)
صفحة 905
ومن آلى فمضى أربعة أشهر فبانت منه ثم خطبها فتزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فلا عدة عليها، لأن هذا نكاح مبتدأ ليس من النكاح الأول في شيء لها نصف الصداق بالنكاح الآخر ولها الصداق تماما بالنكاح الأول إن كان دخل بها، ومن قال: إن لم أدخل دار فلان إلى سنة فامرأته طالق، فليس له أن يقربها حتى يفعل ما قال، فإن لم يدخل الدار أربعة أشهر بانت بالإيلاء. وكذلك إن قال: إن لم أضرب غلامي هذا إلى سنة فامرأته طالق هي مثلها، كذلك إن قال: إن لم أعطك كذا إلى سنة فامرأته طالق مثلها، ومن قال: لئن دخلت دار فلان إلى سنة أو ضربت غلامي هذا إلى سنة وإن أتيتك إلى سنة أو إن أعطيتك كذا فامرأته طالق ففي هذه المسائل الأربع له أن يطأها إن شاء، وقد فرقوا بين الذي يقول: إن لم، وبين الذي يقول: إن فعلت، لأن الذي قال: إن فعلت كذا فامرأته طالق، له أن يمسها ولا يدخل عليه إيلاء، والذي قال: إن لم ليس له مسها حتى يفعل ما قال، وإذا لم يفعل ما قال إلى أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء لأنه لا يستطيع، فإن مسها قبل أن يفعل فسدت عليه أبدا. ومن قال لامرأته: طالق إن لم تأته بكذا وكذا ثم زعم أنه نوى في نفسه أنه قال إلى سنة، قال أبو المؤثر ـ رحمه الله ـ: لا أرى أن تقبل نيته في هذا، وإن لم تأته بما قال حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وإن وطأها قبل أن تأتيه حرمت عليه، وإن قال لامرأته: طالق إن لم تأته بكذا إلى سنة وهي تسمعه أو شهد على قوله شاهدا عدل، فإذا قال هذا مرسلا فهي مثل الأولى، وإن لم تمض أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وإن وطأها قبل أن تأتيه وقبل أن تمضي أربعة أشهر حرمت عليه، وإن لم تأته بكذا إلى سنة ثم قال إنه عنى في نفسه إذا انقضت السنة لم يطأها حتى تأتيه بما قال، وإن وطأها قبل أن تأتيه بما قالت حرمت عليه، وإن تركه ولم تأته بما قال حتى خلت أربعة أشهر بانت بالإيلاء. (10/44)
صفحة 906
ومن ظاهر ثم مكث بعد ذلك زمانا ثم آلى فمضت أربعة أشهر بانت بتطليقة، فإذا بانت منه فإن شاء خطبها في الخطاب وإن تزوجها فهي عنده على تطليقتين، وإن شاءت لم تزوجه لأنها أملك بنفسها إذا بانت منه، ومن قال: أنت طالق إذا لم أتزوج عليك ولم يوقت وقتا فإن مضت أربعة أشهر قبل أن يتزوج عليها بانت منه وإن أصابها قبل أن يتزوج حرمت عليه. ومن آلى من امرأته فكفر عن يمينه وقد بقي أيام من الأربعة أشهر فلما أراد امرأته وجدها حائضا حيث جاءت الأربعة فعن موسى قال: قد فاتته ثم قال: هي امرأته، ومن قال: والله لا قربتك الليلة أو إلى ليال فتركها حتى مضت أربعة أشهر، فإذا قربها جزاء يمينه بانت. قال أبو معاوية: وقيل لا إيلاء عليه وبه نأخذ، ومن كانت امرأته مرضعا فخاف على ولده فحلف لا يقربها حتى يشب ولدها فإذا مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن اعتزلها على غير يمين حتى تفصل ولدها لم تدخل عليه يمين، وإذا آلى منها بثلاث تطليقات فهذا إن طعن تلك الطعنة وقع الحنث وبانت بالثلاث كما حلف، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر، قال بعض: تبين بالثلاث، وقال بعض: تبين بالإيلاء، وهو أكثر القول عندنا وهي تطليقة واحدة بانت منه بها. وإن قال: إن وطأ امرأته فهو مجوسي أو نصراني أو يهودي فلم يطأها حتى خلت أربعة أشهر فقد بانت بالإيلاء لأن كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء، وكذلك لو قال: إن وطئتك فغلامي حر ولم يطأها حتى مضت أربعة أشهر فهو إيلاء، ومن طلب إلى امرأته نفسها فأبت فحلف بطلاقها ثلاثا إن لم يطأها يومه ذلك فحلفت لا تقربه إلى نفسها فحلف بطلاقها لا يقربها يومه ذلك ففي كل الوجهين تطلق قربها أو لم يقربها. (10/45)
صفحة 907
قال أبو محمد: إن خالعها وقد قال لها تلك المقالة ثم تركها حتى مضى أجل الإيلاء تزوجها بنكاح جديد ومهر جديد وولي وشاهدين، وقال بعض: تبين بالإيلاء بواحدة، وقال بضع: بثلاث، وإن لم يتركها حتى تبين بالإيلاء ولكن تزوجها قبل أن تبين بالإيلاء من بعد أن خالعها ثم وطأها فسدت عليه، وذلك إذا لم يكن قال: إن وطأتك اليوم فتخالعا ذلك اليوم ثم يردها ولا تدخل عليه بالإيلاء. ومن قال: امرأته طالق ثلاثا إن وطأها فتركها حتى خلت أربعة أشهر، قال بعض: تبين بالإيلاء بواحدة، وقال بعض: تبين بثلاث تطليقات، فإن لم يقل بالإيلاء طعن طعنة بما توجب الغسل وتغيب الحشفة ثم ينزع ولا يزيد على ذلك، فما أصاب بعد الطعنة فهو حرام وتفسد عليه، ومن قال: وكلما دخلت دار فلانة فو الله لا أطؤك، فدخلتها ثلاث مرار، فإن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء. ومن قال لامرأته: إن لم أشتر لك ثوبا إلى الفطر فأنت طالق، فإن أرسل قوله ولم يكن له معنى وكان بينه وبين الفطر أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن كان معناه أنه يشتري لها إذا جاء الفطر فلا بأس عليه بوطئه إياها إذا جاء الفطر اشترى لها، ومن قال لامرأته: وبيت الله لا يجامعها فتركها أربعة أشهر، فعن محمود بن نصر إلى موسى بن علي أن الإيلاء داخل عليه لقوله وبيت الله. ومن قال: عليه الهدي ونوى أنه يهديه إلى موضع الهدي أنه لا طلب إلى زوجته المباشرة فلم يباشرها حتى مضت أربعة أشهر ثم باشرها بعد ذلك، قال أبو عبد الله: إنها قد بانت منه بالإيلاء ولزمه لها صداق ثان يعطيها إياه بعد أن بانت منه بالإيلاء فإن تابعته بالوطء ولم يعلما جميعا أنها قد بانت منه بالإيلاء فلها صداق آخر بهذا الوطء ويلزمه أيضا أن يهدي ثمن شاة تشترى بمكة وتذبح عنه لأن أقل الهدي شاة. (10/46)
صفحة 908
ومن حلف بالطلاق إن لم يكن بسجن نزوى قبره فإنه يدخل عليه الإيلاء، وإن مات قبل أن تخلو أربعة أشهر وكان قبره في سجن نزوى ورثته وإن انقضت أربعة قبل أن يموت ويعتبر في سجن نزوى بانت منه بالإيلاء.
مسألة:
ومن حلف بالإيلاء وشرط وقتا دون أربعة أشهر ففيه اختلاف، منهم من قال: إذا لم يبر في يمينه حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه زوجته بالإيلاء، ومنهم من قال: لا تبين، ومن حلف بالإيلاء وجعل الوقت فوق أربعة أشهر ففيه اتفاق أن لا يدخل عليه إذا مضت أربعة أشهر. ومن حلف بطلاق زوجته إن لم تكن حاملا فإنه ينتظرها ستة أشهر، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر هو لا شيء وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر فقد بانت منه وليس له أن يطأها منذ يوم حلف. ومن قال لامرأته: إن لم يصل أبوك في بقية السنة فأنت طالق، فجاء أبوها لأكثر من أربعة أشهر وهو في بقية السنة كما حلف، قالوا: إنها لا تبين بالإيلاء. ومن قال: إذا جاء القيظ فأنت طالق، فإنها إذا جاء القيظ تطلق وله أن يطأها إلى أن يجيء القيظ، وليس للذي حلف إن لم يجيء أبوك في بقية السنة فأنت طالق ثم جاء أبوها في بقية السنة أن يطأ، ومن حلف لا يطأ زوجته فإنه يطعن ما يوجب الغسل ثم ينزع ثم يكفر عن يمينه كما حلف مرسلة وغير مرسلة، ولا تحرم عليه إن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء ولا يكفر بكفارة الظهار إلا أن يكون ظهارا. ومن قال لزوجاته وهو أربع: أيتكن أقرب أجلا فهي طالق فإن الإيلاء يقع لأنه ممنوع من وطئهن، فإذا مر أربعة أشهر ولم تمت واحدة منهم بن منه بالإيلاء، فإن ماتت واحدة منهن قبل انقضاء الأجل فلا يرثها لأنه إنما وقع بها الطلاق مع الموت فبذلك لم يجب له منها ميراث، فإن متن جميعا في وقت واحد فعندي أنه يرث ثلاثا والله أعلم، فإن مات هو قبل انقضاء الأجل ورثته. (10/47)
صفحة 909
ومن كان له أربع نسوة فقال: أيتكن أقرب أجلا فهي طالق، فإنه يمسك عن وطئهن، فإن ماتت واحدة منهن قبل أربعة أشهر وقع الطلاق عليه ولا شيء على الأواخر، وإن مضت أربعة أشهر قبل موت واحدة منهن فإنهن يبن بالإيلاء، وإن وطأ واحدة منهن في أربعة أشهر فقد بانت تلك وحرمت عليه أيضا ولا شيء على الذي لم يطأ في أربعة أشهر. ومن حلف بطلاق زوجته ليعتقن عبده فإن لم يعتقه حتى مضى أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن وطأها قبل أن يعتق حرمت عليه أبدا. ومن حلف بطلاق زوجته لا يدخل عليها إلى سنة فإن دخلت عليه لم يحنث، وإن لم تدخل عليه حتى تنقضي السنة خرجت بالإيلاء. ومن قال لزوجته: إن وطئتك سنة إلا مرة واحدة فأنت طالق فما لم يطأها يدخل عليه إيلاء فإن بقيت لا يطؤها أربعة أشهر أو أكثر حتى تنقضي السنة لأنه في كل وقت له وطؤها فإن وطأها تلك المرة التي استثناها في تلك السنة أو بعد ذلك ثم تركها لحال يمينه حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ولا يحنث بالطلاق لأن الحنث لم يقع بعد، فإن وطأها الثانية بقدر ما يجب الغسل به ويلتقي الختانان وقع الحنث بالطلاق وخرج من الإيلاء، وإن أمضى الجماع قبل أن يردها بما بقي من الطلاق لما طعن وقع الحنث فسدت عليه أبداً، وينبغي له إذا حلف بطلاقها أن لا يطأها سنة إلا مرة واحدة أن يمسك عن وطئها فإذا بقي من السنة أقل من أربعة أشهر وطأها تلك المرة التي استثناها ثم أمسك عن وطئها حتى تتم السنة ولم يطأها إلا مرة كما حلف.
مسألة: (10/48)
صفحة 910
والإيلاء هو الألية باليمين أن يحلف الرجل بالطلاق على فعل، وحروف الإيلاء هي: "أن" و "إن لم" و "إذا" و"إذا لم" كقوله: إذا لم أطأك فأنت طالق، فإذا لم يطأها حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن قربها حرمت عليه، وقوله: إن لم يجيء عمرو من سفره فأنت طالق فإنه لا يطأها، فإن يجيء إلى أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وقوله: إن لم تدخل الدار فأنت طالق، فهو لا يطأ، فإن لم تدخل الدار إلى أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وهي تطليقة تحل للأزواج من يومها ويكون هذا خاطبا في الخطاب كغيره إن رجعت إليه فبولي وشاهدين وصداق، فإن وطأ فيما يلزم الإيلاء حرمت عليه. وإن فات الفعل الذي حلف عليه ولم يقدر عليه وقع الحنث وطلقت، ومن قال: أنت طالق إن أقطع البحر فهذا الإيلاء إن لم يقطع البحر الذي حلف بقطعه حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وإن قطع البحر برت يمينه، ومن قال لامرأته وقد ذكرت رجلا أنت طالق إن لم تزوجي به، قال: هذا إيلاء، وليس له أن يطأها، فإذا مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وقد قالوا في رجل قال لزوجته: أنت طالق إن لم تصلي الليلة العتمة فحاضت وحرمت عليها الصلاة فقالوا: لا تطلق وإنما منعها من الصلاة الحيض ولو صلت وهي حائض لم تبر وكذلك هذه، وذلك أن هذا الرجل يحل لها نكاحه ولو حلف بطلاقها وإن لم تزوج بأبيها أو ابنها طلقت من حينها ولم يكن هذا إيلاء. ومن قال: أنت طالق إن لم أجامعك الليلة فلم يجامعها تلك الليلة طلقت، وإن قال مرسلا: أنت طالق إن لم أجامعك فتركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، فإن قال: أنت طالق إن جامعتك الليلة أو إلى شهر فإن يجامعها في تلك الليلة أو المدة قدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت وإن أمضى الجماع حرمت عليه أبداً. (10/49)
صفحة 911
وإن قال: أنت طالق إن جامعتك إلى شهر فتركها حتى تمضي المدة جاز له بعد جماعها ولا شيء عليه، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر فقال قوم: تبين بالإيلاء، وقال آخرون: لا إيلاء عليه لأنه قد انقضى عنه اليمين، وإن حلف لا يقربها ولا يجامعها فتركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء وهي تطليقة ولا موارثة بينهما. وقال أبو الحواري ـ رحمه الله ـ: الذي حفظنا من قول الفقهاء أن يكون بها إيلاء إلا في موضع واحد، وذلك قالوا: إذا قال: امرأته طالق إن وطأها فقالوا: لا يكون الإيلاء ثابتا إلا في هذا الموضع، وإنما يكون الإيلاء إذا قال: إن لم يفعلن أو لتفعلن، ومن قال لزوجته: أنت طالق لأكسونك أو لأفعلن كذا، فإن لم يفعل إلى أن تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وفيه قول آخر ليس عليه العمل أنها تطلق من حينها. وإن قال: إن لم يصل بفلان إلى موضع كذا فامرأته طالق فأبى فلان أن يلحقه فإن لم يفعل حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، فإن قال: إن لم أذهب بفلان والمسألة بحالها فمضى به إلى بعض الطريق ورجع قبل الوصول إلى الموضع فلا حنث عليه إذا لم تكن نيته أنه يرجع حين خرج به قبل الموضع ولعل فيها خلافا. ومن حلف بالله لا يطأ أو لا يرجع إليها أو يمين غير الطلاق والظهار واستثنى إن شاء الله بكلامه في اليمين ثم تركها أربعة أشهر فإن الاستثناء ينفع في هذا ولا يلزمه الإيلاء، ومن آلى من أربع نسوة يميناً واحدة فهي كفارة واحدة وعليه أن يفيء لهن جميعاً، وإن فرق أيمانه وآلى من كل واحدة منهن فعليه أربع أيمان، ومن آلى من امرأته وهي أمة قال بعض: أجلها في ذلك شهران، وقال بعض: أربعة أشهر كما قال الله، هذا قول مرسل، وهو أكثر القول عندنا. ومن آلى من أمته التي يطؤها فله وطؤها، وليست الأمة كالزوجة في هذا أو يكفر يمينه عن كان حلف عن وطئها كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارته حين حرم على نفسه جاريته مارية.
مسألة: (10/50)
صفحة 912
والإيلاء حكمان: حكم البر وحكم الحنث، إذا قال: والله لا قربتك ثم قربها لزمه الحنث، لا شيء عليه غير الكفارة، وحكم البر إذا قال: والله لا قربتك ولا أجامعك فتركها أربعة أشهر فبانت وهو حكم البر وبانت بالتطليقة، وإن قال: والله لا أقربك الليلة فلما انقضت الليلة فقد بر ويقربها بعد ذلك ولا شيء عليه. ومن آلى بطلاق زوجته فليس له أن يردها ولا يطأها حتى يفعل الذي حلف عليه أو تمضي أربعة أشهر فتبين منه بالإيلاء، وليس من قال هذا إيجاب الطلاق قبل وقته ولا فيه رد إليها أيضا. ومن حلف على امرأته لا يقربها في تلك الليلة ففيه اختلاف، منهم من رآه إيلاء ومنهم من لم يره إيلاء إذا تركها أربعة أشهر جنة ليمينه بانت منه بالإيلاء، وإذا قالت امرأة لزوجها: ابنتك زنت فقال: أنت طالق إن لم تكن بنتي بكراً فهذا إيلاء إن علم بها بكرا في أربعة أشهر وإلا بانت بالإيلاء.
مسألة: (10/51)
صفحة 913
كل يمين منعت الزوج من وطء زوجته فهي إيلاء، وعن ابن عباس قال: الإيلاء أن يحلف الرجل أن لا يأتي امرأته أبداً، وعنه أنه قال: كل يمين حالت دون الجماع فهي إيلاء، ومنه أنه قال: لا إيلاء إلا بحلف. وعن عطاء أنه قال: لا إيلاء إلا أن يحلف على الجماع، وعن الشعبي: بل كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء، وعن عبد الله قال: الإيلاء في الرضا والغضب، والمرأة تؤلي على زوجها كما يؤلي هو أيضا عليها، ومن شرط لامرأته دارها عند النكاح ثم أراد نقلها فقالت: لا أنتقل فقال: والله لا آتيك سنة حتى تنتقلي إلي فلم يأتها حتى مضت أربعة أشهر، فعن أبي نوح أنها قد بانت بالإيلاء لأن لها دارها، ولو لم يشرط لها دارها ثم حلف على هذا أو لم يأتها ولم تنتقل سبع سنين أو أكثر ولم يدخل عليه الإيلاء لأن له أن ينقلها ولا يدخل عليه الإيلاء. وقال أبو عبد الله: من حلف لا يدخل هذه القرية، وفي تلك القرية امرأته فلم يدخلها حتى مضت أربعة أشهر أن امرأته تبين بالإيلاء، ومن قال لزوجته: أنت طالق إن ساكنتك هذا العاجل فإن لم يساكنها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وإن ساكنها قبل أربعة أشهر وقع الطلاق، فإن هو اتبع قبل التقاء الختانين حرمت عليه أبداً إن وطأها والمساكنة الوطء والأكل والنوم فإن لم يساكنها لم يقع الطلاق، إلا من بعد أربعة أشهر، فإن بانت بالإيلاء ثم راجعها بنكاح جديد ثم ساكنها لم يقع طلاق، وقال من قال: الدنيا كلها عاجل، فعلى هذا القول متى ما وطأها وقع الطلاق، وفيها غير هذا. وفي قول بعض الفقهاء أن الإيلاء لا يقع بإن إلا في موضع واحد، وذلك في قول الرجل: امرأته طالق إن وطأها، فقالوا: لا يكون الإيلاء إلا في هذا الموضع، وإنما الإيلاء يكون بقوله إن لم أفعل ولأفعلن. (10/52)
صفحة 914
وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن لم تزوجي بفلان فهو إيلاء وليس له وطؤها فإذا مضى أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ولو حلف بطلاقها إن لم تزوج بابنها أو بأخيها طلقت من حينها، ولم يكن هذا إيلاء، وقيل: فيمن قال لزوجته هي عليه حرام ثم غاب عنها أربعة أشهر لم يطأ أنها تبين منه بالإيلاء. ومن آلى من أربع نسوة له يمينا واحدة فهي كفارة واحدة وعليه أن يفيء إليهن جميعاً، وإن فرق أيمانه وآلى من كل واحدة منهن فعليه أربعة أيمان. أبو محمد: فيمن حلف بطلاق زوجته لا يدخل عليها إلى سنة فإن دخلت عليه لم يحنث، وإن لم تدخل عليه حتى تنقضي السنة خرجت بالإيلاء، ومن حلف لا يدخل قرية وزوجته فيها فلم يدخلها أربعة أشهر فإذا لم يكن عليه شرط سكناها في تلك القرية فلا يدخل عليه الإيلاء فيما أرجو، عن أبي معاوية قال قوم: يدخل عليه الإيلاء والله أعلم. ومن حلف لا يزور البيت وهو بمنى راجع من عرفات فمضت أربعة أشهر، فعن زياد بن الوضاح عن محمود بن نصر الخراساني عن غيره عن هاشم أنه تفوته بالإيلاء إذا لم يزر حتى تمضي أربعة أشهر.
مسألة: (10/53)
صفحة 915
ومن قال: إن آت إلى أرض كذا وكذا فامرأته طالق، فخرج إلى الأرض التي سمى فلم يصل إليها حتى خلت أربعة أشهر، فإنها قد بانت حتى تضع ما في بطنها ولها النفقة مدة حملها، وإذا وطأ الرجل زوجته وهي نائمة أو سكرانة أو مغلوب على عقلها سقط حكم الإيلاء باتفاق. واختلف في إيلاء الغضب والرضى فروى عن علي أنه قال: ليس في الإصلاح إيلاء، وعن ابن عباس أنه قال: إنما الإيلاء في الغضب، وقال قوم: الإيلاء في الغضب والرضى سواء، كما تكون سائر الأيمان فيهما سواء، وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وأصحابه وغيرهم، واحتج بعض من قال بذلك أنهم أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضى كان الإيلاء كذلك. ومن قال: والله لا أطؤك حتى يقدم أخي فقدم أخوه قبل أربعة أشهر ثم لم يطأ حتى خلت أربعة أشهر فلم ير عليه إيلاء إذا قدم قبل الأربعة. ومن قال لامرأته: إن لم تصعدي في هذا البيت فأنت طالق، فعن موسى بن علي إن لم تصعد إلى أربعة أشهر بانت منه، ومن حلف بالطلاق إن لم يضرب غلامه فهرب فلم يقدر عليه إلى أن مضى أربعة أشهر فإنها تبين بالإيلاء والله أعلم. ومن قال لامرأته: أنت طالق إذا لم أخرج إلى الصين أو إلى أرض كذا وكذا فليس له أن يطأ حتى يخرج فإن مضى أربعة أشهر ولم يخرج بانت منه بتطليقة، وقيل: إنه صار إيلاء، فإن خرج فقد بر في يمينه ولم يدخل عليه طلاق، وإن لم يبلغ أربعة أشهر فلا إيلاء عليه لأنه قد فعل ما قال، وإن لم يبلغ سنة أو أكثر من ذلك إذا خرج وهي امرأته ولا يدخل عليه شيء، فإن قال: إن لم آت الصين أو موضعاً سماه فامرأته طالق، فليس له أن يطأ حتى يأتي الموضع الذي حلف عليها، فإن لم يبلغ أربعة أشهر فإنها تبين منه لأن إن لم آت موضع كذا ليس مثل قوله إن لم أخرج إلى موضع كذا لأنه إن لم يخرج فقد فعل ما حلف عليه فهو إن لم يبلغ سنة أو أقل أو أكثر لم يضره. (10/54)
صفحة 916
ومن قال لامرأته: والله لا أدخل عليها إني أخاف أن تشتمني وتغلظ علي القول ولا تقضي حاجتي فاجتنبها ليمينه أربعة أشهر فإن هذا إيلاء، وكيف يكون الإيلاء إلا هكذا، وليس هذا بمنزلة رجل أراد شيئا ليس بينه وبين امرأته إلا خير وبينه وبينها شيء لا يريد اجتنابها للذي في نفسه، فقال له قوم: ادخل عليها واطلب منها كذا، فقال: لا والله لا أدخل عليها إني أخاف أن تشتمني ولا تقضي حاجتي ثم خرج لا يريد بذلك اجتنابها ليمينه الذي حلف بها فهذا لا نرى الإيلاء داخلاً عليه، عن الوضاح: لا طلاق بعد الخلع إلا أن يشترط أن تبريه ويطلقها فما اتبعها من الطلاق لحقها. ابن محبوب: ومن قال لامرأته: إن أبريتني من صداقك فأنت طالق، فقالت: قد أبرأتك فإن أبرته في ذلك الوقت فإنها تطلق، ويبرأ من صداقها ما لم يفترقا من مجلسهما لم تطلق، وعن موسى بن علي قال: كل من حلف وآلى بيمين بالصدقة أو العتق أو الطلاق ولا يذكر الله في يمينه أنه لا يجامع امرأته ثم لا يجامعها أربعة أشهر أنه قال: آلى من امرأته. وقال محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: من قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقك فلا يطؤها حتى تمضي أربعة أشهر فإن طلقها فهو أملك برجعتها وإن لم يطلقها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وهي أملك بنفسها، وإن قال: أنت طالق إن طلقتك فهي امرأته، فإذا طلقها واحدة خرجت بتطليقتين، واحدة التي حلف بها، وواحدة التي طلقها. أبو محمد: ومن حلف لا يدخل هذه القرية أربعة أشهر وفيها له امرأة فلم يدخلها فإنها تبين منه بالإيلاء، ومن قال: إن جامعتك فأنت طالق، فإن جامعها وأمضى حرمت عليه، فإن طعن بقدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت وله مراجعتها، وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء. (10/55)
صفحة 917
ومن قال: إن لم أطلق فلانة امرأة له أخرى فأنت طالق فهو كما قال، فإن لم يطلق التي سمى إلى أربعة أشهر فقد بانت منه وليس له أن يقربها حتى يطلق التي سمى، ومن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أتزوج عليك فإنه يعتزلها حتى يتزوج، فإن مضت أربعة أشهر ولم يتزوج فقد بانت منه، وإن أصابها قبل أن يتزوج فسدت عليه.
فصل: (10/56)
صفحة 918
أجمعوا أن الفيء الذي ذكره الله تعالى هو الجماع، وكذلك قال ابن عباس وعلي وابن مسعود وغيرهم، واختلفوا في من لا يقدر على الجماع، فقال قوم: إذا فاء بلسانه وقلبه فقد فاء، روي ذلك عن ابن مسعود وجابر بن زيد والحسن والزهري، وقال الزهري: يفيء بلسانه يقول قد فئت ويجزيه ذلك، وقال قوم: لا يكون الفيء إلا الجماع في حال القدرة وغيره، وكذلك إن كان في سفر أو سجن. وقال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ فيمن كان مسجونا أنه يشهد أنه لم يمنعه أن يفيء إليها بالوطء إلا ما هو فيه من السجن، وكذلك إن كانت هي المحبوسة فإن لم يشهد وجعل ذلك فأخاف أن تبين منه، وكذلك قيل يشهد إذا استترت منه أنه لم يمنعه من وطئها إلا هربها، وكذلك إن قدر عليها وكلما أراد أن يطأها قاتلته، فإن خاف الفوت فإنه يشهد أنه لم يمنعه من وطئها إلا ذلك، وكذا كل أمر عاقه عن وطئها وأنكر فالقول قوله مع يمينه لقد وطأها بعد أن آلى منها قبل أن تمضي أربعة أشهر فإن أشهد واحدا لم يجزه، وإن لم يشهد غير عدلين عندي أنه أراد أن أشهد غير عدلين فقيل: إن صدقتهم أدركها وإن لم تصدقهما لم يدركها إلا بشاهدي عدل، وليس له أن تصدقه على إشهاده حتى يعلمها الشاهدان ولا تمكنه من وطئها، فإن أمكنته وأحضرها الشاهدان وأرخا وقتا يدركها فيه وإلا فإنه تحرم عليه ويفرق بينهما. واختلفوا في انقضاء وقت الإيلاء فقال من قال إذا انقضت أربعة أشهر فيه تطليقة بائنة، وبذلك قال ابن مسعود وابن عباس، وروي ذلك عن عثمان وعلي وزيد بن ثابت وبن عمرو وجابر بن زيد وغيرهم، وقال قوم: تطليقة يملك الرجعة، وقال قوم: يوقف عند مضي الأربعة فإما فاء وإما طلق وهو قول علي وابن عمر وعائشة، وروي ذلك عن عمر وعثمان وأبي الدرداء. (10/57)
صفحة 919
وقال سليمان بن بشار: وكان تسعة عشر رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوقفون في الإيلاء، وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم، واختلفوا فيمن يولي قبل الدخول، فقال قوم: يكون إيلاء، وقال قوم: لا يكون إيلاء، وكذلك اختلفوا في الإيلاء قبل التزويج، قال قوم: يكون مؤليا، وقال قوم: لا يكون مؤلياً. واختلفوا في إيلاء العبد، فقال قوم: هو مثل إيلاء الحر، وحجتهم ظاهر قوله تعالى: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وكان ذلك لأن ما لجميع الأزواج لعله يكون عاما، وقال قوم: إيلاؤه شهران، وقال قوم: إيلاؤه من الأمة شهران، ومن الحرة أربعة، وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. وقال الشافعي: الأمة والحرة في مدة الإيلاء سواء.
باب ما لا إيلاء فيه: (10/58)
صفحة 920
ومن طلبت امرأته أن يرسلها إلى أهلها فمضت إليهم فحلف زوجها لا يأتيها حتى تجيء فمضت أربعة أشهر فلا إيلاء في هذه، ومن كان له في نزوى امرأة فحلف لا يدخل نزوى فلم يدخلها حتى حلت أربعة أشهر فليس عليه إيلاء، ومن قال: قطع الله يده إن جامع امرأته فتركها أربعة أشهر فلا إيلاء عليه وهجر امرأته أربعة أشهر فلا إيلاء عليه، ولا يكون إيلاء حتى يحلف بالله أو بيمين يشبه ذلك. ومن حلف على شيء هو له فلا يكون إيلاء، ومن قال لابنه: أمك طالق إن قربت امرأتك إلى خمسة أشهر فلم يقرب الولد امرأته خمسة أشهر مخافة أن تذهب أمة من أبيه فلا إيلاء عليه، ومن قالت له امرأته: كل مالي صدقة في المساكين إن قربتني إلى خمسة أشهر فلم يقربها الزوج أربعة أشهر ليمينها فلا إيلاء عليها. وإن حلفت بالصدقة لا يطؤها حتى يأكل من القيظ فاعتزلها ليمينها حتى مضت أربعة أشهر ثم أكلت من مقاديم القيظ فلا بأس عليهما جميعاً ولا يدخل عليها إيلاء بما صنع حتى يكون هو الحالف ولا إيلاء عليها هي منه أيضا لأن المرأة لا إيلاء عليها. ومن حلف لا يطأ زوجته أبداً إلا مرة ويوماً واحدا فتركها ولم يطأ إلا سنين فلا إيلاء عليه لأنه قد استثنى، وذلك الاستثناء لا يحجزه عن وطئها في كل يوم حتى يطأها مرة واحدة أو يوماً واحدا، ثم إذا لم يطأها بعد ذلك حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، ومن حلف واستثنى إن شاء الله متصلا باليمين نفعه ولم يلزمه إيلاء، ومن حلف لا يكلم امرأته فلم يكلمها ولم يجامعها حتى مضت أربعة أشهر فليس هذا إيلاء، فإن حلف لا يدخل على امرأته فلم يدخل عليها ولم يجامعها حتى مضت أربعة أشهر فهذا يدخل عليه الإيلاء كان لها السكن أو لم يكن، فالإيلاء داخل عليه إلا أن يكون مراغمة، والمراغمة الهجران، وقال: تراغم فلان أياماً ثم يرجع إليه، ومن آلى من أمة فليس الأمة في هذا كالحرة ولا إيلاء عليه في الأمة ولكنه إن كان حلف عن وطئها فوطأ كفر عنه يمينه. (10/59)
صفحة 921
ومن آلى من امرأته قبل الدخول فهو ممنوع حتى يؤدي العاجل فلا يدخل عليه الإيلاء، وإن لم يكن ممنوعاً من الوطء دخل الإيلاء، وإذا آلى الرجل من زوجته ثم لم يمكنه وطؤها لغيبته عنها في موضع لا يقدر عليها ولا يقدر أن يسوق إليها عاجلها فلا إيلاء، وإن كان ممكنا له الوطء فتركه أو كان قادرا على عاجلها فلم يسقه إليها خرجت منه بالإيلاء. ولا إيلاء للعبد ولا ظهار ولا طلاق إلا بإذن مولاه، وإذا أذن له بذلك فلا يكفر إلا بإذن مولاه، ومن قال لامرأته: إن قربتك الليلة أو قال إلى شهر فأنت طالق، فتركها أربعة أشهر فلا أرى الإيلاء داخلا عليه، ولو تركها من أجل يمينه لم يدخل عليه الإيلاء، إذا وقت دون أربعة أشهر، وقال آخرون: الإيلاء أدخل عليه. ومن آلى من امرأته وهي صبية فلا يقع بها الإيلاء حتى تبلغ وترضى به زوجاً، وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرا، فلما مضى تسعة وعشرون يوماً نزل إليهن، فقالوا يا رسول الله: إنك آليت شهرا، فقال: الشهر تسعة وعشرون يوما، وروي أنه آلى ألا يدخل عليهن فليس هذا إيلاء لأنه يمين لا تمنع الجماع، ومن قال لامرأته هو مجوسي أو يهودي أو نصراني إن لم يتزوج عليها ثم لم يتزوج حتى خلا أربعة أشهر فليس ذلك إيلاء وعليه الكفارة إذا لم يتزوج. ومن حلف لا يطلق إلى امرأته حاجة فلم يطلبها حتى مضت أربعة أشهر فلا إيلاء عليه في ذلك، وإذا حلفت المرأة لا تفعل فتركها الزوج أربعة أشهر جنة ليمينها فلا يقع الإيلاء بيمين المرأة. ومن قال لامرأته: إن لم أطأك فأنت طالق فلا يقع عليها بهذا إيلاء، العلة في ذلك اليمين لا تمنع الوطء وإنما يجب الإيلاء بيمين تمنع الوطء فيكون إذا وطأ حانثا في شيء من الأشياء أو محجورا عليه لسبب يفعله أو لغاية ينتهي إليها وهذا مباح له الوطء فلا إيلاء عليه ولا يقع عليه حنث إن وطأ إلا أن تجيء حالة يعرف أنه لا يقدر على وطئها. (10/60)
صفحة 922
وقال: فإذا آثر ذلك الحال طلقت، وإن لم يطأها حتى ماتت وهي زوجته لأنه لم يقع الحنث ولا حرم عليه وطؤها حتى ماتت وهي زوجته، وأن يطأ حتى مات هو أيضا، وكذلك هي زوجته وترثه لأنه قد كان مباحاً له وطؤها إلا أن تقع به علة يعرف أنه لا يقدر على وطئها أبداً. أبو إبراهيم: ومن حلف لا يطأ زوجته إلى شهر ثم وطأها قبل انقضاء الشهر فلا تحرم عليه وعليه كفارة يمينه التي حلف بها، ومن حلف بالله لا يطأ زوجته إلى شهر ثم لم يطأها حتى خلا الشهر ثم تركها حتى خلا أربعة أشهر ففيه اختلاف من العلماء، منهم من قال: لا يقع عليها إيلاء لأنه لم يحجره عن وطئها شيء، وقال من قال: إذا تركها جنة ليمينه وقع عليها الإيلاء، وقالوا: هذا هو قول الربيع، ومن حلف بالطلاق إن فعل كذا وهي زوجته وله وطؤها ما لم يفعل، فإذا فعل وقع الطلاق، ولا يجب في هذا إيلاء، واختلفوا في المظاهر تمضي له أربعة أشهر فقال قوم: ليس ذلك بإيلاء، وقال قوم: ليس في الظهار وقت، وقال جابر بن زيد: إيلاء، وقال قوم: لا يكون المولى مظاهرا والمظاهر موليا وهما أصلان، وهو مذهب الشافعي والثوري وأبي حنيفة ومحبوب. ومن حلف لا يري امرأته وجهه شهر ثم غاب حتى مضت أربعة أشهر فلا تبين منه بالإيلاء على هذه اليمين لأن هذه اليمين لا تحجبه عن وطئها لو أراد ذلك. ومن شتم امرأته ثم لم يفيء إليها حتى تمضي أربعة أشهر فلا بأس. محبوب: ومن هربت منه امرأته وحلف بالله لا يطؤها حتى ترجع فلم ترجع حتى خلت أربعة أشهر فلا أرى عليهما بأساً، ولا يقع عليها إيلاء إذا كانت هي العاصية له.
باب الظهار: (10/61)
صفحة 923
قال الله تعالى: {الذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم إِن أمَّهَاتُهُم إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} (1) وهو الرجل يقول لامرأته: أنت علي حرام كظهر أمي، وذلك أن الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية فوقت الله في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار كفارة، قال الله تعالى: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} (2) يعودون إلى الجماع الذي حرموه على أنفسهم فتحرير رقبة، يعني فعتق نسمة من قبل أن يتماسا، يعني من قبل الجماع، فمن لم يجد الرقبة فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا من قبل الجماع، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وليس في هذا تخيير إنما يبدأ بالعتق ثم الصوم إن لم يجد، فإن لم يستطع الصوم فالإطعام.
فصل:
والظهار مظاهرة الرجل امرأته إذا قال: هي علي كظهر ذات محرم محرم، والظهير العون، يقال: فلان كظهيره على هذا الأمر، هما يتظاهران أي يتعاونان، وظهر القلب حفظه من غير كتاب، والظهري الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال الله تعالى: { وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا} (3) .
مسألة:
__________
(1) سورة المجادلة: 2.
(2) سورة المجادلة: 3.
(3) سورة هود: 92. (10/62)
صفحة 924
وإنما الظهار ظهار لأن الظهر مركوب والمرأة كذلك فإذا حرمها على نفسه بالظهار لزمته الكفارة، وإنما الظهر دون غيره في اليمين التي أريد بها التحريم لأن الظهر موضع الركوب والمرأة مركوبة فإذا غشيت فكأنما قال: ركوبك علي ركوب أمي للتحريم يعني وقت الجماع، وهذا من لطيف الاستعارة للكناية، والله أعلم. وكان الناس في الجاهلية يطلقون نساءهم بالظهار فجعل الله حكمه في الإسلام خلاف ما كان عليه، وفي خبر أن خولة بنت حكيم ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فقالت: إن زوجي ظاهر مني مع تقدم صحبتي وقد نثرت له كنانتي وإن لي منه صبية إن ضمهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا إلى الله أشكو عجزي وبجري، قالت: فما برحت حتى أنزل الله في ما أنزل تعني الآية التي في الظهار.
مسألة:
عن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ فيمن ظاهر من أربعة نسوة بمرة واحدة فعليه كفارة واحدة، وإن فرق بينهن فلكل واحدة كفارة، وإن حلف مرارا على شيء واحد قيل أن يكفر فإنما هي كفارة واحدة، وليس الظهار بطلاق.
مسألة: (10/63)
صفحة 925
والذي يحرم المرأة أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي أو مثل ظهر أمي فيلزمه حكم الظهار، ولو قال: أنت مثل أمي على فعل حالفا بذلك ثم حنث فلا يكون ظهارا حتى يقصد إليه وينوي به الظهار والقول قوله، إذا قال: أردت بذلك المودة لها وأنت مثل أمي في الحق والتعظيم لها والبر والكرامة ونحو ذلك. وإذا قال لها: أنت مثل أمي حالفا بذلك عليها فبين أصحابنا في ذلك خلاف، منهم من قال: يلزمه حكم الظهار، ومنهم من قال: لا يلزمه الظهار حتى يقصد إليه وينويه، وأما إذا قال في يمينه أو في غير يمين: أنت علي كظهر أمي أو من يحرم عليه نكاحه أبدا فهو ظهار بغير اختلاف بين أحد من الناس إلا داود فإنه قال: حتى يثني هذا القول. ومن قال لامرأته: لا أكشف عن درعك حتى أكشف عن درع أمي فإن عنى الجماع وقع عليه الظهار، ومن قالت له امرأته وقد أرادها: أسألك بوجه الله لما أعفيتني، فقال لها: إن عدت تسأليني بوجه الله فأنت علي كظهر أمي، فلما أرادها، قالت: أسألك بالله ثم انقطع قولها ولابسها فيسأل، فإن قال: إنما نويت إن سألتني بالله فقد حرمت عليه لأنه قد لزمه الظهار ثم لابسها قبل الكفارة، وإن قال: إنما عنيت بوجه الله فلا يقع عليها لعله فلا يقع عليها الظهار لأنها لم تسأله بوجه الله. ومن قال لامرأة: إن تزوجها فيه عليه كظهر أمه ثم بدا له أن يتزوجها، قال أبو نوح: لا يمسها حتى يكفر كفارة الظهار، وقال غيره: لا أراه ظهاراً، ومن ظاهر من امرأة ليست بزوجة ثم تزوجها فقد قيل عن جابر بن زيد أنه لا يلزمه شيء فيها قول عن أبي عبيدة وأبي نوح. ومن ظاهر من امرأته فمكث أربعة أشهر ثم مات أحدهما فلا ميراث بينهما، قد بانت منه إن لم يكفر يمينه في الأربعة أشهر من يوم ظاهر منها، ومن ظاهر من زوجته ثم طلقها ثلاثا فتزوجت غيره ثم طلقها الآخر أو مات عنها فلا يدخل بها حتى يكفر كفارة الظهار، وهو لازم له فإن دخل بها قبل أن يكفر يمينه فسدت عليه. (10/64)
صفحة 926
ومن قال لامرأته: إن قربها سنةً فهي عليه كظهر أمه، فإذا مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت منه بتطليقة، فإذا أراد أن يخطبها فله ذلك، وإن تزوجته ولم يكن تم له فيها سنة وقد اجتمعا قبل أن يمضي الأجل الذي وقت فعليه كفارة الظهار، فإن تزوجها فوطأها قبل أن تكون لها سنة فعليه كفارة الظهار وقد فسدت عليه، ولكن ليتزوجها وليكف عنها حتى تنقضي السنة ثم يجامعها ولا كفارة عليه. وإن قال الرجل: إن لم أفعل كذا فامرأتي علي كظهر أمي فإن فعل فلا مظاهرة ولا كفارة، وإن لم يفعل فعليه كفارة الظهار، ومن ظاهر ثم طلق قبل أن يكفر ثم تزوجها آخر فطلقها ثم راجعها الأول فعليه كفارة الظهار، وإن قال: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي فهو ظهار، وإن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء وإن تزوجها فلا يدخل بها حتى يكفر كفارة الظهار وهي عنده على تطليقتين. ومن قال هي عليه حرام كظهر أمه فهو ظهار، وإن قال: إن قربتك إلى سنة فأنت علي كظهر أمي، قال جابر بن زيد: إن تركها حتى تمضي أربعة أشهر لزمتها تطليقة بائنة ولا يخطبها حتى يبقى من السنة أقل من أربعة أشهر ثم يخطبها إن شاء ولا يدخل بها حتى تمضي السنة ولا عليه كفارة الظهار، فإن دخل بها قبل السنة لزمته كفارة الظهار، ومن ظاهر من امرأته شهرا أو أقل من ذلك أو أكثر فليس له أن يجامعها حتى يكفر يمينه، فإن جامعها قبل أن يكفر حرمت عليه أبدا وهو حد من حدود الله تعداه، وإن كفر يمينه راجع امرأته قبل أن تمضي أربعة أشهر فلا بأس بذلك، وإن مضت أربعة أشهر لم يكفر يمينه ولم يراجع امرأته حرمت عليه وهي تطليقة واحدة، فإن خطبها بعد ذلك فتزوجته فلا يقربها حتى يكفر يمينه، وإذا كفر يمينه ودخل بها فهي عنده على تطليقتين. (10/65)
صفحة 927
ومن قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه إن دخل عليها بيتها وأكل خبزها أو قال: إن لم يدخل عليها بيتها وإن لم تخبز به، ففي قوله إن دخل فلا ظهار حتى يدخل وأما قوله: إن لم يدخل ووطأها قبل أن يدخل فسدت عليه وله في قوله إن دخل عليها أن يطأها في بيتها وإن أمسك عنها لم يلحقه إلا الإيلاء لأن هذا مباح له وطؤها في غير البيت الذي حلف عليه. ومن ظاهر من امرأته ثم ادعت أنه وطأها قبل أن يكفر وأنكر هو فالقول قوله مع يمينه، ومن قال لامرأته: لا يحل لي مالك ونفسك حتى تحل لي أمي وهو فقير لا مال له فإنه يصوم ستين يوماً للظهار ويصوم ثلاثة أيام كفارة يمينه الحرام، ومن ظاهر من زوجته ثم لمس فرجها أو وطأها دون الفرج قبل أن يكفر فلا بأس عليه، ولو سالت نطفة فتولجت الفرج من غير إرادته ذلك حتى يريد إيلاج النطفة فحينئذ تفسد عليه. ومن ظاهر من زوجته ثم تركها حتى بانت ثم ردها فطلقها قبل أن يدخل بها فلها نصف ما ردها عليه من الصداق ولا عدة عليها، ومن ظاهر ثم غاب فبانت امرأته بالإيلاء فلها أن تتزوج، وإن قدم من غيبته وقال: إني قد كفرت فالقول قوله. ومن طلق فظاهر فاتفق أجل الطلاق والظهار في وقت واحد وقع بها تطليقتان، ومن ظاهر فبانت منه زوجته ثم ردها بعد أن بانت ثم وطأها فقد حرمت عليه إذا وطأها قبل أن يكفر، ومن قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه يوماً أو شهراً فتركها يوماً أو شهراً ثم وطأها حرمت عليه إذا وطأ قبل أن يكفر كفارة الظهار. وإن قال: إن كلمت فلانا فهي عليه كظهر أمه يوماً أو شهراً فالظهار يلزمه، وإن قال: هي عليه كظهر أمه إن كلم فلاناً يوما أو شهراً وكلم فلانا فإن الظهار يلزمه منذ يوم حنث وكلم فلاناً، وإذا حنث ولم يكفر حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالظهار. (10/66)
صفحة 928
ومن قال لامرأته: هي عليه كظهر أبيه، يعني في الحرمة أو كظهر أخيه أو كظهر أمه، أو كبطن أمه أو كبطن أخيه أو ابنته فهو ظهار، والظهر والبطن في الظهار منزلة واحدة، وروي عن جابر بن زيد أنه قال: الظهر والبطن في الأم سواء، ووافق الشافعي وخالف في ظهر الأب فقال: لا يكون ظهاراً، وقال مالك: هو ظهار وكل من حرم الله نكاح إذا ظاهر بشيء منهن فكلهن بمنزلة الأم في الحرمة هن سواء. ومن قال: أنت علي كأمي أو أنت علي كامرأة أبي أو كبعض جوارح ذوات محرم منه، أو كبعض جوارح ابنه أو أخيه أو غير ذلك أو دابته أو نفسه أو كظهر امرأة ميتة أو كيد أمه أو رجلها أو عضو من أعضائها أو ظفر أو شعر مما هو غير بائن منها يريد بذلك الظهار، أو قال: هي عليه كظهر ابنته أو عمته أو خالته أو أبيه أو رجل أو أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كظهر المجوسية أو من يحرم نكاحه على الأبد أو قال وطؤك علي كوطء أمي فكل هذا يكون ظهارا. ومن ظاهر من سريته وليس له غيرها أعتقها وتزوجها إن شاء بنكاح جديد برأيها وإن لم يعتقها وكان له غيرها فلا يطؤها وهي أمته فإن وطأها حرمت عليه ولا تعتق وإن أعتق غيرها عنها من قبل أن يطأها ووطأها بالملك وهي بمنزلة الأحرار إلا أنه ليس لها وقت مثل وقت الحرة أربعة أشهر ومتى شاء كفر ولا يطأ حتى يكفر. ومن أعتق جاريته في الظهار وعن نفسها فله أن يتزوجها، ومن ظاهر من جارية كان لا يطؤها وهي في ملكه تخدمه ثم أراد أن يطأها فأراها مثلها عليه كفارة الظهار قبل أن يطأها، والظهار من الزوجة والأمة كالظهار من الحرة وفي الأجل اختلاف، قال بعض: أجلها أجل الحرة، وقال بعض: شهران.
مسألة: (10/67)
صفحة 929
وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي مثل أبي أو كظهر أمي وأبي ففيه اختلاف، قال بعض: هي يمين تكفرها، وقال بعض: هو ظهار، ومنهم محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ، قال أبو الحسن: إذا ظاهرت المرأة من زوجها لزمها الظهار، وعلى قول ولا وقت عليها، ولا يكون الزوج ممنوعاً من الجماع في ذلك مثل الرجل. وعن أبي محمد: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي فعليها كفارة الظهار.
مسألة:
ومن قال لزوجته: إن دعيت لي امرأة فأنت علي كظهر أمي فليس له أن يطأها حتى يكفر كفارة الظهار، فإن لم يكن كفر حتى تمضي أربعة أشهر منذ قال هذا القول، فإنها تبين منه بالظهار، ومن قال: هي عليه كظهر أمه وينوي الطلاق فهو طلاق ولا ظهار عليه، وإن قال: عليه طلاق ونوى الظهار فهو طلاق، وقال بعض: يلزمه الظهار والطلاق جميعاً.
مسألة: (10/68)
صفحة 930
ولا ظهار للعبد إلا بإذن مواليه، ولا يلزمه ذلك إذا ظاهر إلا بإذن سيده، فعليه الكفارة في مال سيده، ويلزمه في ذلك مثل ما يلزم من الحر من الوقت والكفارة، وقال بعض: ولا يطأ حتى يكفر كفارة الظهار بإذن مواليه، وإن ظاهر العبد من امرأته فقال له سيده: قد أجزت لك ذلك فقال الفضل بن الحواري: ليس ذلك بشيء إلا أن يقول له: اذهب فظاهر فإذا ظاهر لزمه الظهار وعليه الكفارة كما على الحر، وأجله أجل الحر أربعة أشهر، وإن وطأ قبل أن يكفر حرمت عليه، وإن كانت امرأته حرة فأجلها أجل الحرة أربعة أشهر، وإن كانت أمة ففيها اختلاف، وإن قال السيد لامرأة عبده هي كظهر من يحرم عليه نكاحه لحقها الظهار، وإذا ظاهر العبد من امرأته فإذا زالت الكفارة زال حكم الظهار، فإذا ظاهر بعد الكفارة اسؤنف حكمه بإجماع ففيه اختلاف، قيل: أربعة أشهر، وقيل: شهرين، وقال: أرسلوا ما أرسل الله تعالى، وإذا ظاهر العبد من امرأته بإذن سيده فكفارة الظهار على سيده، فإن لم يكفر لأنه ليس له أن يظاهر إلا بإذن مولاه. ومن قال: فلانة عليه كظهر أمه إن تزوجها وقع بها الظهار جميعاً، ومن قال لامرأته عليه حرام كحرمة الظهار، فعن سليمان بن عثمان أنه يلزمه كفارة يمين وظهار، ومن ظاهر من امرأته فقد أتى مأثما عظيماً، وقال منكرا وزورا، ووجب عليه الاستغفار والتوبة، وكان معفواً عنه غير مؤاخذ به لأن الله تعالى ضمن الغفران عند ابتدائه الظهار، ومن ظاهر أو أراد ظهارا واحدا لم يلزمه إلا كفارة واحدة بإجماع، وإذا زالت الكفارة زال حكم الظهار بعد الكفارة اسؤنف حكمه بإجماع. (10/69)
صفحة 931
والظهار لا يكون إلا نطقا بإجماع، وإذا قال: أنت علي كظهر أمي أو أنت معي فأنت عندي، أو أنت مني كظهر أمي كان مظاهرا بإجماع، ومن قال: امرأته عليه كأمه أو كأخته أو كبعض من يحرم عليه أبداً، ثم قال: أردت بذلك في الخلق أو عظم الخلق فلا يقبل منه وهو ظهار لقوله عليه لأن هذا هو القسم بعينه، فإن قال: هي كظهر أمه ثم قال لم أنو بذلك ظهارا فله نيته. والله أعلم. وإذا قال: هي منه كظهر أخته أو كبطن أخته فهو ظهار ولا نية له، كذلك إن قال: إن جامعها فجماعها عليه كجماع أمه أو كجماع أخته فعليه الظهار ولا نية له.
مسألة: (10/70)
صفحة 932
ومن ظاهر من امرأته ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجت زوجا غيره ثم طلقها الآخر أو مات عنها وقد دخل بها ثم تزوجها الأول فإنه يكفر كفارة الظهار، ثم يطؤها فلا وقت عليه في امرأته، فإن وطأ قبل أن يكفر فلا تحرم عليه في قول بعض، وقال بعض: إنها تحرم والأول أحب إلينا. وإذا انقضى أجل الظهار والصيام في يوم واحد ففيه اختلاف، قال بعض: إنه يدركها، وقال آخرون: إنه لا يدركها، وبالقول الأول نقول. اختلف أصحابنا فيمن ظاهر من امرأته ثم طلقها فقال من قال وأظنه محبوب: أيما الأجلين وقع قبل الآخر بطل صاحبه خرجت به، وقال أبو عبيدة: إن كانت إنما خرجت بالطلاق ثم خطبها من ذي قبل فليكفر كفارة الظهار من قبل أن تخلو أربعة أشهر إلا أن تكون إنما خرجت بالظهار، قال: وقال الربيع: أي حين كفر أدرك إذا كان خطبها من ذي قبل، قال: وإنما أخرجه منه أجل الطلاق وذلك رأي ضمام وأبي نوح أيضا. قال أبو عبد الله: إذا انقضت عدتها من الطلاق من قبل أن يمضي أربعة أشهر منذ ظاهر منها بانت منه بتطليقة ولم يقع عليها إيلاء الظهار، وإن جاء تمام أربعة أشهر من يوم ظاهر من قبل أن تنقضي عدتها من الطلاق بانت منه بتطليقتين وليس له أن يراجعها إلا بنكاح جديد ومهر جديد، وسواء ذلك ظاهر من قبل أن يطلقها أو طلقها من قبل أن يظاهر منها. والمرأة إذا سمعت زوجها وقد ظاهر منها ثم أنكر لم يكن لها تصديقه، ولها أن تقتله بعد الأربعة أشهر، وأما في الأربعة أشهر فليس لها قتله لأنها إنما تحرم عليه بعد الوطأة الأولى في الأربعة أشهر، فإذا وطأها في الأربعة فلها أن تقتله إن عاد إليها أن تقتله ثانية في الأربعة أشهر، وإذا قال لها: إنه قد كفر عن ظهاره فقد قالوا إنه مصدق في ذلك ويسعها المقام معه إذا قال لها إنه قد كفر في الأربعة الأشهر وبانت منه ثم يراجعها بنكاح جديد، وقال لها: إنه قد كفر عن ظهاره فهو المصدق في ذلك. (10/71)
صفحة 933
ومن قال: إن تزوج فلانة فهي عليه كظهر أمه، ثم تزوجها فعليه كفارة الظهار وقبل أن يدخل بها، قال الوضاح: حفظ عن الأشياخ أنه إن كفر قبل الدخول أو بعده إن شاء الله، ومن آلى وظاهر وانقضى أجل الإيلاء وأجل الظهار في يوم واحد فقد بانت بتطليقة وهي أملك بنفسها، والتي تنقضي عدتها من الإيلاء والظهار والطلاق يوم واحد فعن أبي علي أنهما تطليقتان، قال: فإن كان ظاهر عنها في أشياء متفرقة ثلاث مرات أو في شيء واحد، ثم انقضت عدتها في يوم واحد فالله أعلم ثم كم تبين ولا شك في واحدة. ومن ظاهر من امرأته ثم خرج من قبل انقضاء الأجل ولم يعلم أين خرج وانقضى الأجل فإنها لا تبين بالظهار لأن القول في الكفارة قوله، وكذلك لا تزوج حتى يصح موته أو إقراره أنه لم يكفر حتى انقضى الأجل. واختلفوا فيمن قال: أنت علي كظهر أمي، قال قوم: هو ظهار، وقال قوم: إن قال كفرجها أو كبطنها أو كيدها أو كجسدها، فهو ظهار وإن قال: كيدها أو رجلها أو قال: شعرك علي كظهر أمي كان باطلا، من وقع بينه وبين زوجته خصومة فقال له: إن لم ترد الثوب اليوم إلى الليل فأنت علي كأبي لا ساكنتك هذه السنة والمستقبلة، فأقول إن كان رد الثوب في اليوم فقد خرجوا من اليمين، وإن لم يرده وساكنته بعد اليمين قبل انقضاء السنة والثانية لزمتها كفارة الظهار بلا وقت محدد مثلما يكون على الزوج، وإن وطأها قبل أن يكفر فلا بأس. ومن قال لامرأته: إن دخل دار فلان فهي طالق وإن وقفت على بابه فهي عليه كظهر أمه، فإن قضت عنده حاجة فوالله لا أقربها، ففعلت ذلك كله فقد طلقت بدخولها الدار، وعليه كفارة الظهار، والكفارة ليمينه، فإن لم يردها بعد الطلاق حتى تمضي عدته بانت بواحدة، فإذا انقضت عدة الطلاق انهدم الظهار، وإن لم تنقض عدة الطلاق حتى تخلو أربعة أشهر بانت بتطليقتين، وإن وطأها وقد كفر من الظهار وقبل انقضاء الأربعة وقد ردها من الطلاق فعليه كفارة اليمين. (10/72)
صفحة 934
ومن طلق إلى امرأته نفسها فامتنعت فقال لها: ما أحرصني ألا أرجع إليك فتركها واجتنب فراشها حتى مضت أربعة أشهر فما أقول إنه إيلاء إن شاء الله لأنه لم يقسم.
باب: ما لا ظهار فيه:
ومن قال لامرأته: يا أخية ويا أمه فليس ذلك ظهارا إنما هو جفاء، وإن قال: يا أختي ويا بنتي فلا فساد عليه ولكن لا يتعود ذلك، وإن قال لامرأته: إن تزوجتها فهي عليه كظهر أمه فليس عليه كفارة الظهار، ومن عرضت عليه امرأة أن يتزوجها فقال: هي كظهر أمه إن تزوجها ثم تزوجها بعد ذلك فلا بأس. ومن كتاب أبي قحطان أن عليه الكفارة إذا تزوجها ولا وقت عليه. قال: وقيل لا ظهار عليه في غير زوجته، وقيل: هو ظهار وقته إذا تزوجها كوقت الظهار، والأول أحب إلي إلا أن تكون عليه كفارة الظهار إذا تزوجها ولا وقت عليه، وعن جابر بن زيد أنه قال: لا ظهار عليه فيما لا يملك، وعن هاشم بن عبد الله الخراساني أنه قال: لا ظهار على الرجل فيما لا يملك، ولا يعتق ما لا يملك، ولا يطلق ما لا يملك. ومن قال لامرأته: هي عليه كلحم الخنزير فلحم الخنزير قد يحل له عند الاضطرار فهذه يمين، ومن قال: أنت علي حرام كحرمة ظهر امرأة ليست منه بشيء فلا ظهار عليه في ذلك إلا أن تكون امرأة يحرم عليه نكاحها ثم تحل له في حال أخرى، فإن ذلك تلزمه يمين، وإن قال: أنا عليك حرام كما حرم الله عليك أباك فليس هذا ظهاراً، وإن قال: أنت علي مثل هذا الجذع فلا ظهار، فإن قال: مثل هذا الرجل فإن عنى مثل ما يحرم من نكاحه لزمه الظهار. وكذلك إن قال: مثل هذه الدابة يعني نكاحها لزمه أيضاً، وعن أبي عبد الله، أن من ظاهر الدواب فإنما هو كفارة يمين، وإن الظهار لا يكون إلا ممن لا يحل نكاحه له أبداً، ومن ظاهر من جارية امرأته فلا يكون ظهاراً، ومن ظاهر من أمته ولم يكن معه عتق عن نفسه ولا يجزيه الصيام وهو يملك عتق رقبة. (10/73)
صفحة 935
ومن مضى عليه رجل وهو وزوجته قاعدان فقال: من هذا عندي؟ فقال: هذا أمي أو أختي فلا شيء عليه إلا أن ينوي ظهارا فهو كما نوى، ومن قال: أنا مظاهر ولم يقل هي عليه كأمه لم يلزمه الظهار، وإن أراد الظهار فعسى أن يلزمه الظهار. ومن قال: هي عليه كظهر هذه المجوسية بعينها فلا ظهار لعلها تسلم فيتزوج بها، وكذلك إن قال كيهودية أو نصرانية ولا ظهار لأنه يجوز له تزويج اليهودية والنصرانية، كذلك كل من يمكن نكاحه ممن هو محرم في الوقت عليه وله أن يتزوج بعد فلا يقع ذلك ظهاراً. ومن قال: هي عليه كأمه أو أخته أو عمته أو خالته أو كالرجل، أو قال: هي عليه حرام مثل أمه أو عمته وابنه مثل الحمار فهذا مختلف فيه، قال قوم: هو ظهار، وقال قوم: لا ظهار وعليه كفارة يمينه، فأما إن قال لزوجته: أنت مثل أمي أو أختي فلا ظهار ولا يمين إلا أن يريد تحريمها، فعلى قول تحرم عليه بالنية وأما بالقول فلا، لأنه يمكن أن يقول: أنت مثل أمي في نفسي من البر والكرامة فلا تكون بذلك حرمة. وإن قال: أنت علي كزوجة أخي أو جاري فلا أعلم في هذا ظهارا لأنه يمكن أن يطلقها أخوه أو يموت فيتزوجها هو، والله أعلم. وإن قال: أنت في الشهر الثاني علي كوالدي فجائز له وطؤها إلى الشهر الثاني، وإن قال: لا تحلين لي حتى تحل لي أمي فلا أراه ظهاراً.
مسألة:
ومن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي فهو ظهار بلا خلاف، فإن قال: كأمي ففيه اختلاف، قال بعض: يكون ظهارا، وقال بعض: لا يكون ظهاراً، فإن قال: كمثل أمي فلا يكون ظهارا حتى ينوي الظهار، وإن قال: أنت كأمي أو مثل أمي فلا يكون ظهارا باتفاق منهم.
مسألة: (10/74)
صفحة 936
وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كأمي أو كأختي إن فعلت كذا ثم فعلت فلا ظهار، وإن قالت: أنت علي كوالدي أو كأخي فعليها كفارة الظهار، ولا تفوته على حال، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي والحسن، لا ظهار على الزوج في قوله أنا عليك كأمك وكأختك أو كأخيك أو كوالدك إلا أن يقول أنت علي كأمي فعليه كفارة الظهار، وإن لم يقل إن فعلت كذا وكذا. ومن قال لامرأته: أنت علي كظهري فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك القول بها عليه حرام كنفسه فهو ظهار، ومن قال لامرأته: يا أمه يا أختي ويا بنتي فلا بأس بذلك إذا أراد به لطفا هكذا عن أبي جابر محمد بن علي، قال: وكذلك إذا كتب إلى شريكه أخي زوجته من فلان ابن فلان إلى أخيه فلان ابن فلان فلا بأس عليه في ذلك. ومن قال: فلانة عليه كظهر أبيه ألف مرة إن تزوجها فعلى قول من يقول إن الكفارة على ظاهرها مما لا يملك كفارة ألف مرة، وأما على قول من قال إنه لا يكون الظهار فيما لا يملك ولا يعتق ما لا يملك فإنه لا يقع عليه ظهار، وقوله: إن عليه الظهار ألف مرة لا وقت وأكره له أن يلامسها فإن فعل لم أر بأساً في ذلك. ومن قال لامرأته: أنت في الظهار فهو ما نوى وإن لم ينو شيئا فليس بشيء، ومن قال لامرأته: إن عدت تكلمين أخته وأخته متهمة فأنت عندي مثلها، أو فأنت علي مثلها، ثم قال: نويت مثلها في أخلاقها ودينها فنيته مقبولة وسواء أحضر نيته في ذلك أولم يحضر فلا فساد عليه في ذلك. ومن قال لامرأته: هي منه كظهر أمه، أو قال: هي منه كصدر أمه، ونوى غير الظهار فله نيته، والذي إذا ظاهر من امرأته لم يلزمه ظهار، وإذا ظاهر المسلم ثم ارتد ثم أسلم كان على ظهار عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف وغيره: قد بطل ظهاره، وكل زوج لم يقع طلاقه لصغره أو جنونه أو إكراهه لم يقع ظهاره، فأما الزوجات فالظهار واقع بهن بكل حال الصغير والكبيرة والمجنونة والعاقلة. (10/75)
صفحة 937
ومن قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه يريد الطلاق فقيل: هو طلاق ولا ظهار عليه، وقيل: هو ظهار وطلاق، ومن الأثر: ومن قال لامرأته: إن جامعها فجماعها عليه كجماع أخته وأمه فعليه الظهار ولا نية له، أبو محمد: ومن قال لزوجته: أنت علي كظهر ابنة عمي لم يكن ظهارا، وإن قال: كظهر ابن عمي فهو ظهار، ويعتبر كل ما كان من هذا بالمحرم وغير المحرم من النساء، وإن قال: كظهر هذه الحرمة المشركة فليس بظهار، وإن قال: الحربيات المشركات فهو ظهار، وإن قال: كظهر هذه المجوسية لم يكن ظهاراً، فإن قال: كظهر مجوسية لا يعرفها والمجوسيات فهو ظهار. ومن قال لامرأته: إذا كلمت فلانا فأنت علي كظهر أمي واشهدوا أنها إن كلمت فلانا فغلامي حر عن كفارة الظهار، قال محمد بن محبوب: قد كفر، قال الوضاح: لم يكفر، رجع أبو عبد الله عن قوله في هذه المسألة وفي الطلاق والرد إن وقع، وهي عنهما في باب الرد إن شاء الله، وعن أبي علي فيمن قال لزوجته: أنت علي كظهري ، قال: لا أرى عليه شيئاً إلا أن ينوي بهذا القول أنها عليه حرام كنفسه فهو ظهار.
باب في كفارة الظهار: (10/76)
صفحة 938
ومن كان لا يملك رقبة ولزمه كفارة الظهار فعليه العتق وإن لم يملك رقبة وله مال إذا باع منه واشترى رقبة كفاه وعياله إلى إدراك ثمرة أخرى، فليبع ما فضل من ذلك ويشتري رقبة ويعتقها وإن لم يكن له مال يكفيه وعياله إلى إدراك ثمرة أخرى ولا يفضل منها أيضا فليس عليه أن يبيع ولا يضر بعياله ويجزيه الصوم، ومن لم يجد العتق فصام ثم وجد العتق وهو يصوم فعليه العتق، ما لم يكن قضى الصوم، فإذا قضى الصوم فلا عتق عليه ولو وجد. ومن ظاهر أمته ولا يملك غيرها فليعتقها عن نفسه ولا يجزه الصيام، وهو يملك عتق رقبة، وبذلك قال أبو حنيفة، وخالف الشافعي فقال: لا يلزمه عتاقها، ومن أعتق عبداً له فيه شريك عن ظهار فجائز وينوي عند عتقه أن يضمن لشريكه حصته، ومن ظاهر وله عبيد فلم يكفر حتى مات عبيده لم يجزه الصوم، ولو أعتق عن ظهار عبيدا بينه وبين شريك له أجزأ عنه لأنه يضمن له بصحته فإن عفا هو عن العبد أجزأ عتقه، هكذا قال بعض الفقهاء، وبعضهم قال: لا يجزيه لأن الشريك له الخيار في أخذ حصته إن شاء أن يتبع المعتق، وإن شاء أن يتبع العبد، والقول الآخر أعجب إلينا وأبعدهما من الريب والشك. ولو أعتق عبدين له ولشريك له من كل واحد نصفه فعلى القول الآخر، وأما على الأول فإنه يجزيه، ولو أنه اشترى عبدا لمضاربة بينه وبين صاحب له لم يجز واحدا منهما في هذا لا يجزي رب المال ولا يجزي التاجر، وقال بعض: إنه إن كان يساوي أقل من ثمنه الذي اشترى به وذلك الثمن بعينه أنه يجزي رب المال لأنه لا حق للآخر فيه وقول آخر هو أحب إلينا أنه لا يجزي رب المال لأنه قد صار له فيه شريك في ربحه، ولعل تأتي ساعة يشتري فيها بأكثر مما اشترى به فيكون للمضارب فيه حصة من ربحه، وهذا أبعدهما من الريب، ومن أعتق عبد ولد عن ظهار أجزأ عنه لأنه قد أتلفه.
مسألة: (10/77)
صفحة 939
والصائم عن الظهار إن استقبل الصوم بالهلال لصيام شهرين متتابعين يعتد فيهما بالأهلة، وإن اعترض الأيام صام ستين يوما، ومن عرض له مرض فأفطر وقد صام شهرا أو أقل أو أكثر، ثم برئ من مرضه فإنه يستأنف صومه، وليس له أن يسافر حتى يتم، فأما المرض فإنه لا يملكه. وقال أبو عبد الله: إذا صح في مرضه فليصل صيامه حين يقوى على الصيام ولا يتوانى، وليس هذا بأشد من رمضان، فإن مرض أربعة أشهر وقد صام شهرا فقد بانت منه، فإن وجد الإطعام ولم يجد العتق فالله أولى بالعذر وليطعم، فإن أخذ في الصيام فمرض ولا يجد عتقا ولا طعاما، فإذا أمضى أربعة أشهر ولم يصنع شيئا منه بانت منه امرأته بالإيلاء، فإن صام فمرض ولم يجد طعاما فلم يطعم حتى مضت أربعة أشهر فقد بانت امرأته. ومن لم يجد عتقا وأخذ في الصوم فمرض فلما علم أن الصوم قد فاته أطعم قبل انقضاء أربعة أشهر فلا أراه إلا قد أجزأ عنه لأنه في عذر في المرض والله أولى بالعذر، إلا أن يكون فرط في الصيام فلا يجزئه الإطعام. ومن ظاهر من امرأته في شعبان فلم يستطع الصوم ولم يكفر فليصم شوالا وذا القعدة ويبدل يوم الفطر من الغد، ومن اعترض الشهر في أوسطه أو آخره إذا صام شهرين متتابعين جاز له ذلك، وإن حال بينه وبين صومه الفطر أو النحر أفطرهما، ولم يزد على ذلك، وأبدلهما، وإن شق عليه الصيام وهو ممن يستطيع صوم شهر رمضان إذا حمل على نفسه في صومه فعليه الصوم في الظهار ولا يجزي عنه إلا ذلك عندنا والله أعلم. (10/78)
صفحة 940
ومن آلى من امرأته فبقي من عدة الإيلاء شهران ثم ظاهر فلم يجد تحريرا فإن كان قد بقي شهران فصامهما قبل انقضاء أجل الإيلاء أدركها وإن انقضى أجل الإيلاء قبل أن يتم صيام شهرين بانت منه بالإيلاء، ولا أراه يجزئ عنه الإطعام في هذا الموضع، وإذا صام المظاهر وكان آخر صومه يوم الفطر أو النحر فلا عذر له وتخرج منه امرأته، فإن قطع يوم الفطر فأفطر ثم صام شوال قبل انقضاء الأجل أجزأ عنه لأن هذا عذر جاء من الله تعالى. وأجمعوا على أن من صام بعض الشهرين ثم أفطر من غير عذر أن عليه أن يستأنف الصيام، واختلفوا فيه إن أفطر من مرض، فقالت طائفة: يبني إذا صح وهو قول ابن عباس والحسن ومالك وكثير منهم، وذلك أجمعوا على أن الحائض تبني وكذلك هذا يبني إذ كل واحد منهما معذور فيما أصابه، وقال قوم: يستأنف الصوم وللشافعي فيه قولان. ومن ظاهر من امرأته ثم خرج قبل انقضاء أجل الظهار فلم يعلم أين هو وانقضى الأجل فلا تبين لأن القول قوله في الكفارة، ولا تتزوج حتى يصح موته أو إقراره أنه لم يكفر حتى انقضى الأجل، وإن مس المظاهر فرج امرأته ونظر إليه قبل أن يكفر فلا فساد عليه، وإن عبث بها دون الفرج فسالت النطفة في الفرج من غير تعمد منه لذلك فلا فساد عليه، وإنما تفسد إذا تعمد إدخال النطفة فهو عندهم كمن جامع ووطأ، ولا بأس بمناومتها إذا لم تجامع في الأربعة أشهر.
مسألة:
ومن صام وكان انقضاء صيامه وانقضاء الأجل معا فمنهم من قال أنه يدرك، ومنهم من قال لا يدرك، ومن ظاهر من امرأته فلم يكفر حتى فاتت ثم كفر وراجعها فإنه يجتزئ بهذه الكفارة، وإذا قطع على المظاهر صيامه رمضان فإنه يصل صيام الظهار يوم رمضان ويوم الفطر بصيام الأول ويتم ذلك له.
مسألة: (10/79)
صفحة 941
فإن قال قائل: فأين الشهران المتتابعان اللذان أوجبهما الله تعالى قيل له: قد عذره الله عن الشهرين أن يكونا متتابعين في هذا الموضع، لأن الأمر في رمضان من قبله، وإذا كان الأمر من قبل الله كان معذورا بذلك، ومن صام رمضان ثم مرض فأفطر فإذا صح وصل صومه، وقال قوم: يصوم متتابعا ولا يفطر فإن أفطر انتقض، ومن أطعم في الظهار فليغد ويعش ستين مسكينا من أخذ جوزته من الطعام، وإن طبخ لهما طعاما فأطعمهم من شبعهم أجزاهم غداء وعشاء ولا يطعم المماليك. ومن أطعم مجوسيا ثم وطأ فسدت عليه امرأته، وكذلك أهل الكتاب، ويجوز أن يطعم أهل الكتاب في كفارة الأيمان، وأما في الظهار فلا، وفيها قول آخر عن أبي عبد الله، يجوز إطعام أهل الكتاب في كفارة الظهار، ومن لم يجد عتقا ولا استطاع صوما فأطعم ستين مسكينا أكلة واحدة وظن أن ذلك يجزئه فوطأ امرأته فإنها لا تفسد عليه وعليه إطعامهم الأكلة الثانية بأعيانهم، فإن غاب منهم أحد أو مات فسدت عليه، فإن عرفهم وهم أغياب فليمسك عن الوطء حتى يقدموا فيطعمهم، فإن فعل فوطأ من بعد أن علم أن عليه إطعامهم أكلة ثانية فسدت عليه امرأته، فإن لم يقدم الذين أطعمهم حتى مضت أربعة أشهر من يوم ظاهر بانت منه. وإذا وطأ في الأربعة أجل الظهار فعليها الاستبراء بالحيض في يوم حرمت عليه، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر في يوم حرمت عليه، فإن أطعمهم غداء ثم وجدهم فأطعمهم غداء مرة أخرى أجزأه ذلك، وكذلك إن عشاهم ثم غداهم في الغدا أجزأه، وأي ذلك بدأ به الغداء قبل العشاء أو العشاء قبل الغداء أجزأ عنه. وإن ارتد أحد منهم بعد ما أطعمه أكلة واحدة أو ورث مالا خرج من حد الفقر فإن كان قد وطأ فأخاف الفساد عليه، وإن كان لم يطأ ابتدأ إطعام غيرهم وجائز أن يطعمهم اليوم أكلة ثم يتركهم أياما ثم يطعهم الثانية وإن جعل ذلك كله في يوم واحد فجائز ما فعل في ذلك. (10/80)
صفحة 942
ومن أطعم عشاء وغداء أو عشاهم مرتين أو غداهم مرتين فجائز، وكذلك إن غداهم ثم عاد فغداهم أو عشاهم ثم عاد فعشاهم فجائز ولو كان بين ذلك أيام إنه عليه أن يطعمهم أكلتين قبل أن يطأ فإن وطأ فهو يدرك إذا كان وطؤه خطأ فأما إن علم أنه ليس له أن يطأ فوطأ فلا عذر وتفسد عليه ولا يجزي عنه إطعام أكلة ثانية إذا وطأ بعد العلم. ومن أطعم أكلة ثم تركهم ثم أطعمهم الثانية فلا بأس، وإن جهل فظن أنه يجوز له وطء امرأته إذا أطعم ستين مسكينا أكلة واحدة ووطأها في الجهالة ويرجع يطعمهم بأعيانهم أكلة ثانية، فإن ماتوا أو غابوا ولم يقدر على أحد منهم حتى تمضي أربعة أشهر بانت امرأته، وكذلك إن ارتد ممن أطعم أو استغنى فلا نأمن عليه الفساد في امرأته إذا كان قد وطأن فأما قبل الوطء فيبتدئ إطعام غير أولئك ولا يطعم إلا من أخذ جوزته من الطعام. ولا يجوز أن يطعم قبل العصر ولا هاجرة ولكن يغذيهم ضحى ويعشيهم بعد العصر، وإن أعطاها حبا بنصف مكوك برا أو شعيرا أو ثلاثة أرباع المكوك ذرة طيبة وإن أعطى تمرا فالبقيمة تقوم البر والشعير والذرة كما يكون السعر في السوق، ثم تمرا بقيمته. ومن أطعم مسكينا واحدا في كفارة الظهار ستين يوما لم يجزه، ومن لزمه كفارة الظهار ومات قبل أن يكفر فقد قيل لا شيء عليه، لأن الكفارة إنما هي تحلة للزوجة وقد مات، وقيل لامرأته منه الميراث في الأربعة الأشهر، ومن ظاهر من امرأته فمرض حتى أفاق وقد بقي أقل من شهر فإنه يطعم، والمرض عذر عن الصوم والفريضة في الإطعام في الظهار فيه اختلاف، منهم من قال: إن بالفريضة أكلة والسنة أكلة، وكذلك اليمين المرسل، ومنهم من قال: كلتا الأكلتين فريضة، ومن ظاهر من أمته ولا يملك سواها فليس عليه إلا الصوم ولا وقت في ذلك الصوم، وقال: ومنهم من قال يعتقها ويتزوجها إن لم يكن عنده غيرها، وقال أبو الحسن: يعتقها ولا يجزئه الصوم، والأول عن أبي محمد رحمهما الله.
مسألة: (10/81)
صفحة 943
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من زوجتي فغديت ستين مسكينا، ثم عجلت فواقعتها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - فما أنت جديد أن تصنع؟ اذهب فارجع فعشهم ولا بأس عليك في أهلك، وإنما ذلك لمن أطعم ستين مسكينا كما قال الله تعالى، وأما إن أطعم أقل من ستين ولو أكلتين ثم وطأ قبل أن يطعم الستين فسدت عليه امرأته، ويستحب أن يطعم غداء وعشاء ولا يطعمهم أكلة إلا في أثر الأخرى. وقال بعض: فيمن أطعم ستين مسكينا أكلة واحدة ثم وطأ بجهالة وأراد أن يطعمهم ثانية فغابوا أو ماتوا أن يطعم ستين مسكينا أكلتين، ولا يجوز أن يطعم إلا من أخذ جوزته من الطعام من الصبيان، وكذلك في كفارة الأيمان وليس في ذلك حد من الستين، ولكن المنتظر إذا نظر ورأى أنه ممن أخذ جوزته من الطعام، وأما البالغ فهو مجز من أطعمه ولو كان قليل الأكل إذا كان صحيحا، وأما المريض فلا يجزي إطعامه ولكن يعطى بالكيل، وكذلك يعطى الصبي الذي لم يأخذ جوزته من الطعام إذا كان يأكل الطعام بعد حولين يحولان له يعطى مثل ما يعطى كغيره من يطعمه ولا يأمر أن يعطى له من يطعمه إذا كان يأكل الطعام ولو لم يحل له حولان لأنه إذا ردد عليه ذلك استفرغه على قول. ومن أعطى عن كفارة الظهار ثلاثين أجزاه ولا يجوز أن يعطى الصبي الذي لا يأكل وإذا قالوا إنهم قد شبعوا فهم المصدقون، وأحب أن يسألهم حتى أن يقولوا ذلك، وإن أطعم حتى بقي عليه شيء في المساكين ثم قدر على الصوم فقد اكتفى بالإطعام، وإن علم أن فيمن أطعم غنيا أو مملوكا وقد وطأ فسدت عليه امرأته، وإن علم بهما قبل الوطء فأطعم مكانهما قبل أن تمضي أربعة أشهر أدرك زوجته. (10/82)
صفحة 944
والذمي فيه اختلاف وأحب أن لا تحرم المرأة على زوجها بإطعام الذمي إذا كان فقيرا، ومن أطعم ستين مسكينا كل مسكين ربع صاع حب بر ثم وطأ فهو عندي كمن أطعم أكلة واحدة، وأرجو على القياس إذا وطأ بجهله أن لا تفسد عليه إذا تم لهم الباقي. ومن أعطى ثقة واحدا إطعام المساكين فأخبره ذلك الثقة أنه دفعه إليهم قبل قوله وأجزأ ذلك عنه، ومن لم يجد في قريته مسكينا أطعم من فقراء قريته من وجد وأطعم ما بقي بقراء أقرب القرى إليه، ومن أعتق عن ظهار عبدا له غائبا لا يعلم أنه حي أو ميت لم يجزئ عنه ولا يجزئ أشل اليد والرجل ولا من يشل من أصابعه الأكثر على ما زاد على النصف من أصابع اليد، فإن كان النصف إلى ما دونه أجزأ عنه، ولا يجزئ مقطوع الأذنين ولا أعور العينين، فإن كان أعور بعين أو مقطوع إحدى الأذنين أجزأ، ولا يجزئ مقطوع اليد ولا مقطوع الشفة إذا كان شائنا ولا من قطع مارنة من الأنف ولا مقطوع الذكر والأنثيين، فإن كان مقطوعا في سائر جسده شيء فلا بأس، وإن كسر في عظامه شيء ثم جبر على غير عيب فلا بأس. ولا يجزئ المريض الثقيل المرض ولا يجزئ العبد الصغير الذي يصرع أو هو مجنون، والصبي الصغير قد أجازوا عتقه عن الظهار، وعلى من أعتقه عوله إلى بلوغه، وإن حضره الموت أوصى له بنفقته في ماله، فإن مات العبد الصغير عال به صبيا مثله إلى بلوغه أو يجعل ذلك في عتق آخر، وقال: يتصدق به على الفقراء. ولا يجزئ عن الظهار إلا عبد يقدر على المكسبة لنفسه، وقالوا: من أعتق زمنا عاله حتى يبرأ، هذا قول، وقيل: إنما يعتق من يعول نفسه، وأما المجذوم والمجنون فلا يجزئ عن الواجب، فأما مرض يبرأ أو برص يقدر يكسب لنفسه فأرجو أنه إذا كان سالم الجوارح يقدر على المكسبة، والله أعلم. (10/83)
صفحة 945
وإن كان المرض فاحشا لم يجز والأصم يجوز في الكفارة، ويجوز على قول عتق رقبة يهودية وعتق أعور بعين إذا كان يقدر على المكسبة لنفسه، وقال قوم: لا يجوز إلا عتق رقبة مؤمنة كما قال الله تعالى، ولا يجوز عتق المدبر على ظهاره، وعن عزان بن الصقر يجوز في فدية الظهار عتق العبد الأعور بعين والمقطوع الأذن، وأما الأعمى فلا يجوز.
مسألة:
ويجوز الأعرج ولا يجوز المقعد الذي لا يقوم، ولا يجوز مقطوع الرجل الذي لا يمشي عليها ولا المريض حتى يبرأ من مرضه، والمجروح في رأسه وهو يجيء ويذهب يجوز، فإن كان ساقطا من جرحه فلا يجوز، ولا يجوز مقطوع الشفة التي لا يبل منها الريق، فإن كان يبل منها الريق جاز، فإن كان فيه جرح قد يبرأ فإنه يجوز إذا كان بدنه صحيحا. ومقطوع الأذن إذا قطع مارنه لا يجوز، وإن كان مقطوعا منه أقل من المارن فإنه يجوز، ويجوز العبد اليهودي والنصراني ولا يجوز المجوسي، ولا العبد المقطوع الذكر والمضروب في ظهره حتى حدب وذهب جماعه، ولا المجنون الذي لا يفيق ولا الذي يفيق أحيانا ويعتريه أحيانا في ظهار ولا أيمان، ولا يجوز الخصي، وإن كان عبد قرب للقتل في قصاص فأعتقه معتق عن ظاهر أو أيمان أو من قتل خطأ فإنه يجزئ إذا كان موحدا. ومن اشترى للعتق فلا يجوز، ومن اشترى أباه أو أمه أو من يعتق إذا ملكه ففيه اختلاف، وقولنا ألا يجزئه، ومن أعتق عبدا عن ظهار ووطأ ثم صح أنه حر فسدت عليه، فإن أعتقه ثم وطأ واستحق ذلك العبد أنه مملوك له مستحق فلا تفسد عليه وعليه أن يعتق مكانه عن الظهار، وعن موسى بن علي قال: أحسب أنه مثل الحر وتفسد عليه امرأته.
مسألة: (10/84)
صفحة 946
ومن اشترى عبدا بعبدين إلى أجل ثم أعتقه عن الظهار ووطأ فلا يجوز، وقد حرمت عليه زوجته، فإن اشتراه شراء فاسدا ثم أعتقه فذلك جائز، ولا تحرم عليه، ومن أراد أن يعتق رقبة عن ظهار ويشهد أني قد أعتقت غلامي هذا عن كفارة لزمتني في الظهار، ومن ظاهر وله عبد آبق لا يقدر عليه جاز له الصوم، فإن وجده بعدما صام شهرين أجزأه الصوم، ولا ظهار لعبد إلا بإذن مولاه، وإن أمره فظاهر كان ظهارا والكفارة في مال مولاه ولا يطأ حتى يكفر بإذن مولاه وقيل لا يلزمه، والرأي أنه إذا ظاهر بإذن مولاه لزمه الظهار ويكفر بإذن مولاه، اختلف في صيام كفارة الظهار، وغيرها من الكفارات: هل يجوز لصائمها الإفطار فيها إذا كان مسافرا فأجاز ذلك بعضهم وصل صومه، ومن أجاز ذلك أبو الحسن ولم يجز ذلك بعضهم إلا متتابعا، ومن لم يجد في بلده ستين مسكينا في إطعام الظهار فله أن يرد على من وجد الإطعام مرات، ولا يبعث بها إلى بلد آخر لأنها ليست زكاة إنما كفارة، ومن أطعم المساكين في الظهار ثم دخل على مسكين فأكل معه ولم يدر أنه مما أطعمه فإن عليه أن يطعم المسكين مثل ما أكل عنه. أبو عبد الله: ومن كان عليه صيام كفارة الظهار فصام تسعة وخمسين يوما، ثم أفطر فظن أنه قد استكمل الشهرين، ثم ذكر بعد ذلك فصام يوما فإن كان قد ذكر اليوم وهو بعد في الأربعة الأشهر أجل الظهار فعليه صيام ذلك اليوم وحده، وإن كان قد انقضت الأربعة أشهر قبل أن يصوم اليوم فقد بانت منه، وإن كان قد وطأها قبل صوم ذلك اليوم فسدت عليه. ومن ظاهر فصام شعبان ثم دخل رمضان فإنه يفطر يوم الفطر، فإن أفطر يوما آخر فسدت عليه ويستأنف، ومن صام في صيام الظهار واحدا وستين يوما فأراه جائزاً وإن زاد، ومن ظاهر فصام وقضى إلا يوما واحدا ثم وجد مالا قبل أن يقضي ذلك اليوم فعليه أن يكفر من المال حين أصابه مثل ما يكفر من له من المال. (10/85)
صفحة 947
ومن ظاهر فتربص أياما يرجو أن يجد عتقا ثم صام أياما ثم مرض فلم يقدر على الصيام حتى مضى أربعة أشهر، فإن كان معه سعة الإطعام فلم يطعم حتى مضت أربعة أشهر فاتته امرأته، وإن كان معدما فوصل صيامه حين صح أدرك امرأته، ومن افترض كفارة ظهار فصام في منزله عشرين يوما ثم سافر فأفطر انتقض عليه ما صام، فإن كان صام شهرين إلا يوما واحدا ثم مرض فأفطر ذلك اليوم بطل صومه لأن الله تعالى فرض كفارة الظهار شهرين متتابعين، ويجزئ عتق ولد الزنا إذا ضمن بنفقته حتى يبلغ ويكفي نفسه، ولا يعتق أعور ولا أعرج ولا أشل إلا الصحيح. وقال أبو محمد: أجاز ابن محبوب الأعور بعين في كفارة الظهار فيما لا يمنعه نقصان على التكسب، وكذلك أجاز ذلك أيضا اليهودي والنصراني ولم يجزه غيره من فقهاء أصحابنا في ذلك إلا رقبة مؤمنة سليمة الجوارح. (10/86)
صفحة 948
ولا يطعم في كفارة الظهار أهل الذمة ولا اليهودي ولا النصارى ولا فطرة رمضان ولا في كفارة جزاء الصيد ولا من وجب عليه في الحج ولا في كفارة شهر رمضان وفقراء المسلمين أحق بذلك، أبو الحواري ـ رحمه الله ـ: ومن ظاهر من امرأته ثم أنكرها فأقر أنه عنى بالظهار لغيرها وقد سمعته فلم تصدق ولم يكفر كفارة الظهار حتى انقضى أربعة أشهر بانت منه كما تبين المطلقة، فإن أرادها فلها أن تجاهد بما قدرت وإن لم تقدر إلا بقتله فإن لها ذلك، وأما في الأربعة الأشهر فليس لها أن تقتله إلا بعد أن يطأها أول وطأة فإذا وطأها أول وطأة فقد حرمت عليه أبدا، ولها أن تجاهد بما قدرت، وإن لم تقدر عليه إلا بقتله كان ذلك لها حلالا، وإن قال: إنه قد كفر عن الظهار فقد قالوا مصدق في ذلك ويسعها المقام معه إذا قال ذلك في الأربعة الأشهر أو بانت منه ثم راجعها بنكاح جديد ثم قال: إنه قد كفر عن ظهاره فهو مصدق في ذلك، ومن ظاهر من امرأته وله عبيد وإماء ونخل وأرض وعليه من الديون ما يحيط بجميع ماله، فعن أبي معاوية أنه لا عتق عليه وإنما عليه الصيام، فإن كان له مائة نخلة وعليه لامرأته مائة نخلة فإن كانت عاجلة لم أر عليه عتقا، وإن كانت عليه المائة آجلة فعله العتق، والله أعلم. والمظاهر إذا كفر ونوى أنه عن ظهاره وقالت امرأته لم أعلم ذلك فهو إلى نيته.
مسألة: (10/87)
صفحة 949
في ظهار العبد وكفارته: ومن أمر عبده أن يظاهر من زوجته فظاهر فلا كفارة عليه ولا على السيد إلا أن السيد إذا أراد أن يتمسك بزوجة عبده وبعبده كفر عن يمين عبده، وحلت زوجة العبد للعبد، فإذا كفر السيد عن ظهار عبده كان ككفارته عن نفسه العتق ثم الصوم ثم الإطعام، كل ذلك سواء، ولا يجزئه الصوم عن ظهار عبده دون عتقه فإن أذن لعبده أن يكفر يمينه فإنه يكفر بالصوم ولا يجوز له غيره. الفرق بين السيد وعبده في الكفارة أنه إذا ألزم نفسه الكفارة عن ظهار عبده كان عليه أن يكفر بما يقدر عليه من الترتيب في الكفارة، وهو قادر على العتق ولا يجوز له غيره، وإذا رد إلى العبد كفر يمينه التي هي فعل العبد وبسببه كان عليه أن يكفر بما قدر عليه من الكفارة ولا قدرة له على شيء من الكفارة سوى الصوم، فإن قال له: أعتق نفسك عن ظهارك فذلك جائز ويعتق نفسه ولا ينوي شيئا لأن العبد لا نية له إنما النية للسيد، فإذا نوى سيده عتقه من ظهاره وأمره أن يعتق نفسه فعتقها فقد أجزأه ولا حاجة بالعبد إلى نيته، وبالله التوفيق، فإن قال: إن شئت فأعتق نفسك وإن شئت فأطعم وإن شئت فصم فما فعل من ذلك أجزاه والله أعلم. ابن محبوب: وكل من لم يتم شهرين في كفارة الظهار فإن امرأته تفوته ولو نقص يوم واحد، ولو أنه يوم الفطر ويوم النحر، ولو صامهما فقد فاتته لأن صومهما ليس بصوم.
مسألة: (10/88)
صفحة 950
ومن قال لواحدة من نسائه: أنت علي كظهر أبي، ثم قال لأخرى: وأنت أيضا، ثم قال لأخرى: وأنت أيضا، ثم قال لأخرى: وأنت أيضا، فأرى عليه أربع كفارات، وكذلك الإيلاء أيضا تجري مجرى الظهار وإن شتت بينهن فهن أربع أيمان وإن جمعهن كنحو ما جمع المظاهر فأراها يمينا واحدة، وقيل: إن انقضى أجل الظهار والإيلاء في يوم واحد فهما كفارتان. ومن ظاهر ثم ارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام وقد بقي من أجل الظهار يوم أو يومان وهو من لا يجد العتق، وقد فرق في الصوم في ارتداده حتى خلا الأجل فلا نرى له الإطعام إذا كان ممن لا يطيق الصوم لأنه قد فرط أشد التفريط بتركه الإسلام ودخوله الكفر، وكذلك إن فرط في الصوم ولا يجد عتقا حتى كان في تلك الحال في غير ارتداد فقيل هو عندنا مفرط لا يجزيه الإطعام إذا كان تفريطه من غير عذر مرض أو ما هو مثله، ولو كان مريضا في حال ارتداده رأيت المرض له عذرا وأجزأه الإطعام. ومن ظاهر فأصابه جنون لا يفيق منه فأعتق في جنونه أو صام أو أطعم فذلك لا يجزئه وتفوته امرأته إلا أن يكون قال حين أعتق: هذا عن ظهاري، فإذا قال ذلك أخرجها منه، وإن كان جنونا يصحو منه ففعل ما يلزمه من الكفارة في حال صحته أجزأه ويدرك امرأته. ومن قال: فلانة عليه كأمه إن تزوجها فعليه الكفارة وعليه أن يطأها قبل أن يكفر، ومن قال لامرأته: إن دخلت دار فلان فأنت علي كأمي، أو إن كلمت فلانا فأنت علي كأمي ففعلت ذلك فعليه كفارتان، ومن قال: أنت علي كظهر أمي اليوم أو إلى شهر فقد لزمه كفارة الظهار، وإن قال: إن مسستك الليلة أو إلى شهر فلم يمسها حتى مضى الوقت لم يكن مظاهرا، وإن مسها قبل الوقت وقع الظهار. (10/89)
صفحة 951
ومن ظاهر من امرأته وهو شيخ كبير لا يقدر على صوم وليس عنده رقبة ولا يقدر على الإطعام ويخاف أن تفوته امرأته فإنه إن أعانه المسلمون فلا بأس بذلك، وإن لم يعينوه حرمت عليه المرأة وعليه صداقها، ومن ظاهر مرتين على معنى واحد فهي كفارة واحدة، وإن ظاهر على معان مختلفة لزمه لكل يمين كفارة، وإن ظاهر في مقاعد شتى بكلمة واحدة على معنى واحد فهي كفارة واحدة، ومن ظاهر من أربع نسوة فقال لهن بكلمة واحدة أو قال لهن جميعا كلمة هن عليه كظهر أمه فقد ظاهر منهن وعليه كفارة واحدة، وإن أفرد لكل واحدة بالظهار فعليه في كل واحدة كفارة، ومن ظاهر ثم طلق ثم ردها بعد أن خلا أجل الظهار وهي في العدة فإنه يدخل عليه الظهار إذا مضى أجل الظهار عليه بعد أن ردها، وعليه الكفارة للظهار.
مسألة: (10/90)
صفحة 952
ومن أعتق جنينا في بطن أمه عن كفارة ظهار فإن ولدت الأمة قبل أن تنقضي أربعة أشهر أجزأ عنه، ومن قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه ثم لقيه رجل فقال له امرأته عليه كظهر أمه، ثم أعاد ذلك مراراً فليس عليه إلا كفارة واحدة، وليس الظهار كالطلاق، والمظاهر إذا أعتق حرا ثم وطأ ثم علم أنه حر فعن سليمان أن امرأته تفسد عليه. ومن ظاهر فله أن يكفر يمينه بغير بينة، وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كأبي ثم وطأها كانت عليها الكفارة، ومن لزمه كفارة الظهار ولم يكن معه ما يعتق وعجز عن الصوم لا لعلة ولكن لشدة الحر فإن عليه الصيام ولا يجزيه الإطعام حتى يكون بمنزلة من يجوز له الإفطار في شهر رمضان ويصبح صائما حتى يخاف على نفسه الموت فإذا خاف أفطر ثم رجع فيصبح صائما للغد فإذا خاف على نفسه أفطر فلا يزال على هذه الحال فإذا خاف مضي الأجل قبل مضي الشهرين فليطعم ستين مسكيناً، فإن أطعم قبل أن يفعل ما وصفت ووطأ امرأته حرمت عليه أبداً. ومن لا يطيق الصوم وأراد أن يفرق حبا على الفقراء فليفرق ما يلزمه في كفارة الأيمان والصلوات كل ذلك سواء، وهو معمول به من البر والشعير نصف صاع، كل مسكين، ومن الذرة ثلاثة أرباع المكوك. (10/91)
صفحة 953
ومن ظاهر من امرأته وله عبيد ونخل وإماء وعليه من الدين ما يحيط بجميع ماله من المال فلا عتق عليه وإنما الصيام، ويكون وقت الأربعة الأشهر من أول ما ظاهر فإن ظاهر منها في أشياء مختلفة بكلمة واحدة فقال: هي عليه كظهر أمه إن كلم فلانا أو دخل إلى فلان أو أعطى فلانا وكذا وكذا وكلما فعل واحدا من ذلك حنث، فإن فعل ذلك جميعاً وأراد أن يكفر لكل واحدة من ذلك كفارة وإن تركها حتى تبين بانت بالأول، فإن مضى الأجل الثاني وهي بائن منه لم يلزمه، وإن مضى الثاني وهي معه وقد ردها من الأول بتزويج جديد لزمته أيضا الكفارة، فإن مضى الأجل ولم يكفر بانت منه بالظهار، وقال من قال: لا وقت عليه، ومن لزمته كفارة الظهار فمات قبل أن يكفر فلا شيء عليه ولزوجته الميراث منه ما لم تنقض الأربعة أشهر أجل الظهار.
باب في التحريم: (10/92)
صفحة 954
قال الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) وذلك أن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رأت النبي مع جاريته مارية فأخبرت عائشة فلم تزل عائشة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن لا يقرب جاريته فحرمها على نفسه فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني لليمين التي حلف عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجعل فيها الكفارة، قال: { قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (2) يعني كفارة أيمانكم في سورة المائدة، إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فأعتق النبي - صلى الله عليه وسلم - رقبة في تحريم مارية فجامعها بعد ذلك فولدت له إبراهيم. فمن قال لامرأته أو جاريته: أنت علي حرام فليكفر يمينه وإن نوى طلاقا فله ما نوى.
مسألة:
__________
(1) سورة التحريم: 1.
(2) سورة التحريم: 2. (10/93)
صفحة 955
ومن قال: إن لم أفعل كذا فامرأته عليه حرام ثم وطأها قبل أن تمضي أربعة أشهر فعليه كفارة يمين ولا تفسد عليه امرأته، وإن قال: إن مسها فهي عليه حرام كان عليه لزمه كفارة، ومن قال لامرأته: أنا عليك حرام فلا نرى عليه فيها بأسا إلا أن يكون عنى بذلك يميناً وتطليقة، ومن قال لامرأته: هي عليه حرام إلى خمسة أيام إن مسها فلم يمسها تلك الأيام فلما انقضت مسها فلا شيء عليه. وإن قال: هي عليه حرام إلى الليل فإنه حرم ما أحل الله له وعليه كفارة يمين، وإذا قال: إن لم أفعل كذا فامرأتي علي حرام ففعل فلا شيء عليه، وإن لم يفعل كفر إما صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، وإن قال: هي عليه حرام كظهر أمه فهو ظهار، ومن قال لامرأته: هي عليه حرام إن لم ألق فلاناً فوطأها قبل أن يلقاه فعليه كفارة يمين، ومن قال لامرأته: أنت علي حرام فحلال له وطؤها قبل أن يكفر وليس هذا مثل الظهار. ومن قال لامرأته: إن ذهبت الدراهم فأنت علي حرام والدراهم في يده لم تذهب ولم يطأ امرأته حتى خلا أربعة أشهر، فإنها لا تبين بالإيلاء، وإن وطأها والدراهم عنده لم يكن عليه كفارة من حرم امرأته على نفسه ولكن إن تركها أربعة أشهر منذ يوم ذهبت الدراهم ولم يطأها ذهبت بالإيلاء، وإن وطأها بعد أن ذهبت الدراهم كان عليه كفارة من حرم امرأته على نفسه. ومن كان صائما نافقة فقال لامرأته: أنت علي اليوم حرام أو أنت اليوم مني بريئة أو أشباه هذا فله نيته في ذلك، إن كان نوى أني لا أباشرها لأجل الصوم فلا بأس عليه، وإن كان مرسلا فعليه الكفارة، ومن قال لزوجته: أنت في الحرام فهو ما نوى، وإن لم ينو شيئا فليس بشيء. (10/94)
صفحة 956
ومن قال: أنت علي الحرام إني ما فعلت كذا وكان قد فعله فعليه كفارة يمين مرسل، ومن قال: امرأته عليه حرام إلى يوم الدين فليكفر يميناً، وإن قال لزوجته: شعرك علي حرام أو رجلك أو يدك أو شيء من جوارحها لا يريد بقوله في ذلك تحريم الوطء فهو تحريم، فإن نوى به طلاقا فهو ما نوى، وإن لم ينو طلاقاً فهو يمين، فإن وطأها قبل أن تمضي أربعة أشهر فهي امرأته وله أن يكفر بعد انقضاء الأربعة أشهر إن شاء وإن لم يطأ حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء. ومن حرم امرأته فمخير في الكفارة بين العتق والكسوة ثوبا ثوبا أو طعام عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ومن قال: امرأته عليه حرام أو قال الحلال عليه حرام، فكله سواء الكفارة فيه واحدة يمين، ومن قال ذلك وهو غائب فكفر يمينه قبل انقضاء الأربعة أشهر ثم لم يزل بعد ذلك غائبا سنة فلا إيلاء عليه، ومن حلف بذلك فله أن يطأ امرأته إن شاء قبل أن يكفر وبعد أن يكفر، فإن يكفر عن يمينه سنة فهي عليه يمين. ومن قال لزوجته: وجهي من وجهك حرام ولم يرد به الطلاق فعليه كفارة يمين، وإن ترك وطأها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ومن قال لزوجته: قد وقع بيننا حرمة عظيمة ولم يقع شيء فلا بأس عليهما وذلك كذب منه.
مسألة: (10/95)
صفحة 957
اختلف الناس في الذي يقول زوجته عليه حرام وكل منهم حرمها إلى معنى وهذا من طريق القياس، فقال قوم: هي عليه حرام ورأينا لا تحرم عليه إلا بالطلاق، وكان قوله هذا هي عليه حرام أنها تكون تطليقة واحدة رجعية، وروي ذلك عن عمر والزهري. وقال آخرون: لا يحرمها عليه إلا الطلاق البائنن والطلاق الرجعي لا يحرمها عليه وهي تكون تطليقة بائنة، وروي عن حماد بن سليمان، وقال آخرون: لا يحرمها إلا الثلاث التطليقات وكان قوله هي عليه حرام قد حرمها على نفسه بمنزلة من قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، وروي ذلك عن علي وزيد بن ثابت ومالك وابن أبي ليلى، وقال آخرون: يكون إيلاء لأنها يمين ومنهم من أبو حنيفة، وقال قومك يكون ظهاراً، وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس ونحوه عن أحمد بن حنبل، وقال قوم: قوله هي عليه حرام تكون يمينا مرسلة، فهذا ما ذهب إليه أصحابنا وأبو حنيفة، وهذا قول الشافعي وهو قول أبي بكر - رضي الله عنه - وعائشة والأوزاعي. وقال ابن مسعود: فيه كفارة يمين وليس بيمين، وحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومسروق أن لا شيء عليه في ذلك حتى قال أحدهما لا أبالي حرمتها أم حرمت ماء النهر، وقال الآخر: لا أبالي أحرمتها أو حرمت قصعة ثريد، وقال قوم: قوله هي علي حرام ليس بشيء لأنه لم يعقد على نفسه يميناً ولا أتى بلفظ الطلاق كمن قال لطعام بين يديه هذا الطعام علي حرام فلا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار والله أعلم بالاختلاف، وفيها اختلاف كثير غير هذا لم أكتبه. حفظ محمد بن محبوب عن من حفظ عن سليمان بن عثمان في رجل يقول: امرأته عليه حرام كحرمة الظهار أنه يلزمه كفارة يمين ظهار، وكذلك قيل في التحريم والطلاق أنهما يلزمانه، ومن جعل امرأته عليه حراما فعن أبي عثمان أن المرأة ليست كغيرها عليه فيها العتق حتى لا يجد ثم الكسوة لعشرة مساكين حتى لا يجد ثم صيام ثلاثة أيام، وكذلك قال العلاء. (10/96)
صفحة 958
وقال أبو المؤثر: الله أعلم، الذي نقول به أن عليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة أي ذلك فعل أجزأ عنه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، اختلفوا فيمن قال: الحلال عليه حرام ثم حنث، فقال قوم: عليه صيام ثلاثة أيام إن لم يقدر على الطعام، وإن قال: الحرام عليه حلال ثم حنث فعليه صيام شهرين، وقال قوم: هو سواء، قال أبو المؤثر: وبه نأخذ، أبو محمد: ومن قال لزوجته: إن كنت حزنت اليوم فأنت علي حرام، فقالت: نعم قد حزنت فلا تحرم عليه ولا يقبل قولها، غيره: ومن قال: الحلال عليه في أمر حنث فيه يعني بذلك زوجته فقد قيل كفارة إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وقال بعض: كفارة يمين، وإن لم يكفر حتى تخلو أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ومن قال لامرأته: أنت علي حرام وفي نيته تطليقة أو ثلاث فله ما نوى واحدة أو ثلاثا. وعن أبي علي: فيمن قال: حرم علي ما أحل الله، أو قال: حرمت على نفسي ما أحل الله لي، أو الحل علي حرام فهو عندنا سواء، وفيه كفارة يمين.
مسألة: (10/97)
صفحة 959
وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي حرام وأنا عليك حرام فإن عليها في قولها أنت علي حرام كفارة يمين مرسل ولا شيء عليها في قولها أنا عليك حرام، ومن حلف بالحلال عليه حرام وعنى به المرأة وحنث فله أن يطأ قبل أن يكفر وبعده إن لم ينو به الطلاق، وقال: إن زوجته حرمت عليه أو لغيرها أن هذا القول ينصرف وعليها أن تعتزله حتى يعتل بشيء مثل أن هذا تقدم من حيض أو غيره، فإن مات أو ماتت ورثته ويرثها إذا اعتل ويحلف. ومن قال لامرأته: فرجك علي حرام فعليه الكفارة، وإن قال: فرجي عليك حرام ونوى بذلك تحريمها فعليه أيضا الكفارة، وإن تجنب وطء امرأته حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء، وكانت الحق لعله أملك بنفسها، ومن قال لامرأته: أنت علي حرام، فعن أبي جابر محمد بن علي أن عليه كفارة عتق رقبة فإن لم يجد كسا عشرة مساكين لكل مسكين ثوب، فإن لم يجد أطعم عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع برا وثلاثة أرباع الصاع ذرة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وهو أحبهما إلي، وإن قال لها: اخرجي فقد حرمت علي فلا يلزمه في ذلك شيء إلا أن يبين الحرمة ما هي. ومن حلف بالحلال عليه حرام فليس عليه إلا كفارة يمين ولا يدخل عليه في امرأته شيء، ويطؤها قبل اليمين وبعدها، والله أعلم. ومن قال لامرأته: هي عليه أحرم من الميتة ونوى أنها أحرم عليها منها فقد حرمها على نفسها، ووجدت فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام إن لم تمري تتزوجي بزوجين أنه إذا لم ينو بذلك طلاقا لم يلزمه شيء والله أعلم.
باب في رد المطلقة والمختلعة في العدة وبعد العدة، والإشهاد عليه: (10/98)
صفحة 960
قال أبو عبد الله: وإذا طلق الرجل زوجته بغير علمها ثم ردها بغير علمها فأعلمها شاهدا الرد من بعد انقضاء العدة ولم يعلمها شاهدا الطلاق من قبل ذلك فإنه يدركها، وإذا أعلمها شاهدا الطلاق وشاهدا الرد معاً وقد انقضت عدتها فإنه يدرك، وإذا أعلمها شاهدا الطلاق وفارقها ثم أعلمها شاهدا الرد من بعد ذلك وقد انقضت عدتها لم يدركها. ومن طلق امرأته بعلمها تطليقة ثم أشهد شاهدين على رجعتها بغير علمها فلم يعلمها هو الرد ولا الشاهدان ولا أحدهما حتى انقضت عدتها، ثم أعلمها الشاهدان بعد ذلك ولم يكونا علما أنها تزوجت فلا سبيل للأول عليها وهي حلال للآخر، فإن أعلمها الشاهدان بالرد وقد انقضت عدتها ولم تتزوج فكرهت أن ترجع إليه فلها ذلك ولا تجبر على الرجعة إليه، ولو رضيت بالرجوع إليه لم يكن لها ذلك إلا بنكاح جديد إن كان بقي من الطلاق شيء، وإن لم يكن بقي من الطلاق شيء فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقال مسلم بن إبراهيم: إنه يدركها ما لم تزوج، والذي عن الأشياخ أنه لا يدركها، وسواء في ذلك كان الشاهدان عدلين أو غير عدلين، فإن طلقها وهو غائب وأشهد على ذلك شاهدين أشهد على رجعتها ولم تعلم بالطلاق ولا بالرد حتى انقضت عدتها ثم جاء الشاهدان على الطلاق فأعلماها بطلاقها ثم لم يفارقاها حتى جاء الشاهدان على الرجعة فأعلماها بردها في وقت صح أن الرد كان قبل أن ينقضي عدتها وكرهت أن ترجع إليه فليس لها أن تكره الرجعة وتجبر على الرجعة إليه، الرجعة مراجعة الرجل أهله بعد الطلاق. (10/99)
صفحة 961
فإن أعلمها الشاهدان على الطلاق ثم لم يفارقاها حتى أعلمها أحد الشاهدين على الرجعة فكرهت أن ترجع إليه وتزوجت ثم جاء الشاهد الثاني فأعلمها بالرد فتزويجها حلال جائز إذا لم يعلمها الشاهدان على الرد جميعا مع الشاهدين على الطلاق في وقت واحد من قبل أن يفارقها شاهدا الطلاق، فإذا طلقها بعلمها أشهد شاهدين بالرد بغير علمها ثم أعلمها أحد الشاهدين من قبل أن تخلو عدتها فلم تصدقه فلما انقضت عدتها أعلمها الشاهدان على الرد من قبل أن تزوج فإنه يدركها، وإن كرهت إذا كان الشاهدان عدلين، وإن كانا غير عدلين لم يدركها فإذا طلقها بعلمها ثم أشهد شاهدي عدل على رجتها بغير علمها، ثم جاء إليها فوطأها من قبل أن تحيض ثلاث حيض مذ طلقها ومكنته من وطئها وذلك معها على حال الفجور ولم يعلمها هو أنه ردها ولا أعلمها الشاهدان ولا أحدهما على رجعتها ثم أعلمها الشاهدان بعد ذلك على الرجعة فإنه يحل له وطؤها، ولا يفسدها عليه ذلك الوطء بتلك النية، وإنما وطأها وهي زوجته، وذلك إذا أعلمها الشاهدان بالرد من قبل أن تنقضي عدتها فعلمت أنه إنما وطأها من بعد الرد من قبل أن تنقضي عدتها ولا تضرها تلك النية. وإذا طلق الرجل زوجته بعلمها ثم أشهد على رجعتها بغير علمها ثم أعلمها هو بالرد وأعلمها الشاهدين من قبل أن تخلو عدتها فلا يجوز لها أن تزوج بغير حتى يعلمها الشاهد الثاني بالرد ثم ترجع إليه إذا صح أنه ردها قبل أن تخلو عدتها. (10/100)
صفحة 962
قال بشير: من قال: اشهدوا أني قد رددت فلانة بنت فلان أو قال زوجتي فلانة بنت فلان فهو رد ولو لم يذكر ما بقي من الطلاق ولا بصداق، وكذلك المختلعة، وإذا أراد الزوجان المراجعة بعد انقضاء العدة أو في العدة كان لهما ذلك فيما دون طلاق الثلاث وليس لوليها منعهما من ذلك، قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (1) يقول: فانقضت عدتهن، {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الآية، ومن اختلعت إليه زوجته وهي مرضع فله عليها الرجعة ما لم تحض برضاهما جميعا والمطلقة إذا وضعت واحداً وبقي آخر فإن زوجها يدركها، وكذلك إن كان واحد فخرج بعضه فله ردها ما لم تضعه، وكذلك لو كانوا ثلاثة فله ردها ما تضع الثالث.
__________
(1) سورة البقرة: 232. (10/101)
صفحة 963
وقال هاشم: من طلق زوجته بعلمها وراجعها ولم تعلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، وقال أبو عبد الله: إن كان وطأها في العدة ثم جاء بعد انقضاء العدة بالبينة فهي امرأته، ومن قال لامرأته: أنت طالق في كل شهر واحدة فله أن يطأها فيما بين ذلك إن ردها، ومن طلق زوجته ثم جعل يقبلها ويأخذ بيدها ثم أشهد بعد ذلك على ردها فهي امرأته وقد أساء فيما صنع من تقبيله إياها ومسه، ومن نظر إلى فرج مطلقة قبل ردها ومسه فلا تحرم عليه بذلك وهذا عن بشير، وقال بشير: يستر هذا عن الجهال وبه يقول أبو علي، وقال محمد بن محبوب: إنها تفسد عليه بذلك فإن جامعها قبل الرد فهو حرام مفرق ولا تحل أبداً. وقد قيل إن كان مختلعة لم يجز ردها وقد حرمت لأنها أملك بنفسها وهو قول عبد المقتدر، وإذا ردت المختلعة على زوجها ما أخذت منه كارهة ثم أراد الرجعة فرد عليها كل ما أخذ منها وذلك في عدتها وراجعها بالبينة فكره أولياؤها ذلك فذلك إلى المرأة إن رضيت فليس للأولياء كلام، وإنما يكون الولي إذا انقضت العدة وصار تزويجاً بنكاح جديد ومهر جديد وترجع إليه إن شاءت بدون ما أعطاها فذلك لا يكون إلا بولي فأما الرد في العدة فبالإشهاد وإن شاءت قالت لا أرجع إليك حتى تزيدني لأني أملك بنفسي فإن شاءت لم ترد حتى يزيدها، والمطلقة ترد ما لم تغتسل من الحيضة، وإن مات أحدهما توارثا ما لم تنقض الحيضة الثالثة. وعن ابن محبوب: في المطلقة إذا لم ترد حتى حاضت ثلاث حيض ثم ردها المطلق في الثالثة وقد طهرت غير أنها لم تغتسل بعد أنه لا يدركها، وكذلك إن اغتسلت بماء نجس فعلم بذلك فردها أنه لا يدركها، ومن أبان زوجته بدون الثلاث ثم عادت إليه فإنها تعود بما بقي من الطلاق في قول الشافعي. (10/102)
صفحة 964
ومن طلق امرأته بعملها وأشهد على ردها بغير علمها ولم تعلم حتى انقضت عدتها فلا سبيل له عليها إلا أن يخطبها في الخطاب، وليس له مراجعتها وإن رضيت بذلك؛ لأن عدتها قد انقضت فلا تجوز له إلا بنكاح جديد ومهر جديد وولي وشاهدين، وتزويج الغلام الذي لم يحتلم لا يحل المطلقة لمطلقها حتى يبلغ، والبالغ إذا أولج ولم يقذف أجزأ ذلك للتزويج.
مسألة: (10/103)
صفحة 965
ومن طلق زوجته بعلمها فليس له ردها بغير علمها، وإن طلقها بغير علمها فله ردها بغير علمها، الفرق بينهما أنه إن طلقها بعلمها كانت عند نفسه وعنده أنه مطلقة لا تحل له حتى تعلم بالرجعة كما علمت بالطلاق، وإذا طلقها بغير علمها كانت عند نفسها زوجته، فإن ردها ولم تعلم فإنما أصلح ما أفسد هو ولم تعلم بذلك، والله أعلم. ومن طلق امرأته وهو غائب وأشهد على طلاقها رجلين ثم رجع من سفره ذلك فأتى امرأته فكتمها ذلك وجامعها وكانت عدتها قد انقضت قبل قدومه من سفر ثم جاء رجلان فشهدا عليه أنه طلقها في غيبته عنها ولم يقدم حتى انقضت عدتها وعلم ذلك فإنه يفرق بينهما ولا حد عليه لأنه إنما أشهد عليه رجلان ولو كانوا أربعة لأقيم عليه الحد، لأنه لا يقام الحد على زان إلا بشهادة أربعة نفر. ومن طلق زوجته وأشهد على طلاقه وأعلمها ذلك ثم راجعها وأشهد ولم يعلمها حتى مضى ثلاثة قروء وثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض فقد بانت منه إذا كان لم يعلمها الرجعة قبل انقضاء عدتها كان غائبا أو شاهداً لأنه حين قضت عدتها حل لها الأزواج، وكان أبو الشعثاء يقول ذلك إذا كانت لا تعلم أنه راجعها، وإذا اتفق المختلعان على الرجعة أشهد أنه قد ردها بجميع صداقها الذي كان لها عليه ومنه اختلعت إليه، وتقول هي قد رضيت وذلك ما كانا في العدة، وأما إذا انقضت العدة فإنه يخطبها بنكاح جديد إلى وليها بصداق جديد وشاهدين. ومن طلق امرأته وعلمت ثم قال قد رددتك ولم يسمع الشاهدان ثم أمكنته من نفسها ثم قالت بعد ائتني بالبينة، فقال: قد ماتت البينة وقد كنت أعلمتك فصدقتني فإن كان ذلك في قرب فعليه أن يأتي بالبينة على المراجعة، وإن كان قد خلا لذلك سنون فلا أرى عليه بينة، ومن طلق امرأته تطليقة ثم أشهد على ردها شاهدين فلم يعلماها حتى جامعها فلا ترجع تقربه إلى نفسها حتى يأتيها بشاهدين فإن جاءها بشاهدي عدل بعد انقضاء العدة فأرجو أن لا بأس عليه إن شاء الله. (10/104)
صفحة 966
ومن طلق امرأته ثلاثا ثم تزوجت بغيره بعد انقضاء العدة وأغلق عليه الزوج الباب، ولم يطأها ثم طلقها فلا يجوز لها أن ترجع إلى الأول بتزويج جديد إلا أن يطأها الآخر، وإن وطأها فلم يرق الماء الدافق فلها أن ترجع إلى الأول، فإن قالت وطأني وأنكر الزوج فالقول قولها، فإن قال الزوج وطأتها وأنكرت هي فالقول قولها أيضا وعليها العدة وإن أنكرت الوطء. وإذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حتى طلقها ثلاث تطليقات بانت منه بالثلاث ثم تزوجت بزوج آخر ولم يدخل بها الثاني فجاز للأول أن يراجعها، قال أبو محمد: لا يجوز، ومن طلق امرأته تطليقة ثم أشهد على رجعتها شاهداً واحداً فعن مسعدة بن تميم أنه جائز وهو خلاف قول جماعة الفقهاء وهو قول قومنا أنه إذا وطأها فهو رد منه لها، ومن راجع بشهادة رجلين حرين من أهل القبلة غير عدلين فذلك جائز، وإن وكل من يردها جاز الرد إذا أشهده. ومن طلق زوجته تطليقة ثم غاب عنها فأشهد على رجعتها في عدتها ولم تعلم حتى تزوجت بعد انقضاء عدتها فتزويجها صحيح ولا رجعة عليها، ولو أحضر بينة عدولا بأنه ردها في العدة، ومن طلق زوجته ومضت مدة في مثلها تنقضي عدتها ثم جاء إليها فأشهد على ردها فقالت قد انقضت عدتي فلا يقبل منها، وإذا قالت قبل أن يردها: قد انقضت عدتي فالقول قولها. الفرق بين ذلك أنها لو قالت قبل أن يشهد على ردها لكانت أمينة في نفسها غير متهمة ما لم تكن علة يقع بها شك أو أمر تدفعه بها القول، فإذا أشهد على ردها فقد ملكها وصار بها أملك من نفسها وقولها هذا دعوى منها، والدعوى لا تقبل ولا تلزمه وله ردها. وروي أن رجلا أتى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي واحدة ثم راجعتها بغير بينة، فقال ابن عباس: فسدت عليك امرأتك وعصيت ربك واتخذت آيات الله هزوا.
مسألة: (10/105)
صفحة 967
أجمع أصحابنا فيما انتهى علمه إلينا عنهم أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا لم يكن له الرجوع إليه إلا بعد إشهاد على ردها بما بقي من الطلاق عليها علمت بطلاقه أو لم تعلم فأجازوا له أن يشهد على رجعتها في غيبتها إذا لم تكن علمت بالطلاق، وإن علمت به لم يكن له أن يعلمها أو يعلمها الشاهدان بذلك فإن وطأها قبل أن يشهد على رجعتها حرمت عليه عندهم على التأبيد ولا يحرمها النظر إليها أو إلى فرجها أو مسه بيده، واختلفوا في مس فرجه فرجها ظاهرا من غير إيلاج الحشفة. وإذا كانت المطلقة حاملا بولد فخرج بعضه وهي في العدة فللزوج عليها الرجعة ما لم يخرج كله، سواء بقي أقله أو أكثره، وإن كانت حاملا بولدين فخرج أحدهما لم تنقض عدتها ولم تسقط رجعة الزوج عليها حتى تضع جميع حملها، إلا ما حكي شاذا عن عكرمة ووضعت أنها إذا ولدت الأول فقد بانت فهذا اختلاف البرآن.
مسألة:
ومن طلق أربع نسوة لعلة فقال: يكفي في رجعتهن كلمة واحدة، وارتفع بذلك التحريم لأن القصد بالرجعة أن يأتي بلفظ يعلم أنه أراد الرد إلى النكاح سواء فرق اللفظ أو جمعه فهو مجزئ، وقال أبو حنيفة: عليه أن يشهد فإن وطأها أو نظر إلى فرجها أجزأه عن الإشهاد، وهذا يقوم عنده مقام الإشهاد.
مسألة:
والمختلعة إذا ردها زوجها يرى قومنا أنه يحل له أن يذهب بمالها وأنا نحن فلا نرى ذلك حتى يفعل فإن لم تطع أمره في الذي يلزمها في نفسها ولم تغتسل له من جنابة ثم افتدت إليه حلت فديتها، فأما أن يكفرها حقها فلا، وأقول إن النشوز لاحق به وقد قال المسلمون: إذا فحشت بلسانها حلت فديتها إذا افتدت، يعنون إذا اختلعت، وقال من قال من المسلمين لا يحل له خلعه إلا ببغض جماعه، وبغض نفسه أو داره، فأما على الإنكار لحقها والجحود من غير أن تختلع فلا، والنشوز هو الارتفاع والانتقال من موضع إلى موضع أو خروج المرأة من زوجها.
مسألة: (10/106)
صفحة 968
ومن خالع زوجته وليس لها عليه صداق إلا نفقة عليه في عدتها وهي حامل فهو خلع ويبرأ من النفقة إن كان عرفها كم هي وإن لم يعرفها كم هي رجعت عليه النفقة والخلع قائم، وهذا عندي كالتي تختلع ثم ترجع عليه بالصداق بإساءته إليها يكون الخلع تاما وتأخذ صداقها منه، ومن قالت امرأته قد أبرأته مما تزوجني عليه من صداق أو نقد إلا مائة درهم وقد كان أدى إليها خمسين درهما فقال: قد أخذت خمسين وبقي علي خمسون، قالت: إنما أبرأته مما عليه لم أبره مما قد أخذت فإنه يعطيها المائة لأن البرآن إنما يكون مما عليه ولا يقع اسم البرآن على ما قبضت، ولكن إن قالت: قد اختلعت إليه من كل شيء تزوجني عليه فعليها أن ترد عليه مما أعطاها، فإن كان قد أعطاها عبدا وقد مات فلترد شرواه. ومن قالت له والدة امرأته: أبر لنا ابنتنا، فقال: قد أبرأتها لكل مائة مرة فلما سئل عن قوله قال: قد قلت هذا بغضب قولا أرسلته لم يكن لي فيه نية فلا أرى طلاقا إلا أن يريد بقوله هذا قد أبرأتها لكم براءة بعينها، فإن أراد ذلك بلسانه أو بنية فغنه عندي طلاق. ومن قالت له امرأته: قد أبرأتك على أن تطلقني واحدة، قال الزوج: أنت عندي طالق ثلاثا فقالت: لا أرضى، وإنما أبرأتك على أن تطلقني واحدة فأراد طلاقا فلها ما لها، فإن قالت: علي أن تطلقني ثلاثا وإنما باقية بتطليقته، فقال: أنت طالق واحدة، فقالت: لا أرضى إنما أبرأتك على أن تطلقني ثلاثا فأرى مالها إنما أعطته على أن يطلقها ثلاثا، فإذا لم يفعل فلها مالها. (10/107)
صفحة 969
ولو قالت وهي مملوكة تبين بالواحدة: قد أبرأتك على أن تطلقني ثلاثا فطلقها واحدة كانت تبين ولها ما لها إذا لم يلفظ بما شرطت وإنما يؤخذ باللفظ، ومن تنازع هو وختن له فقال الشريك لختنه زوج ابنته: أبرئني من هذه المنازعة وأنا أضمن لك حق ابنتي فأبرأه بشاهدين فلا يكون طلاق إلا أن يكون الزوج والمرأة اتفقا على الخلع واتفقا على هذه فإنه يكون خلعاً، ومن قال له زوجته: قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني واحدة فقال: قد قبلت المال وقد طلقتك ثلاثا فإن مالها يلزمها إذا تعدى ما شرطت، وكذلك إن قالت على أن تطلقني ثلاثا فطلقها واحدة، وإن قالت قد أبرأتك من مالي على أن تطلقني فقال: قد قبلت ولم يطلق فقد وقع الطلاق. وإن قال: قد قبلت المال ولا أطلقك فلا مال له ولا طلاق، وإن قال: قد قبلت وقد طلقتك واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فهو كما قال، وإن قالت: قد أبرأتك على أن تطلقني فقال: أنت طالق ولم يقل قد قبلت، قال بعض: طلقت والمال عليه، قال ابن محبوب: وأنا ممن يقول ذلك، وإن قالت قد أبرأتك وكان بينهما أساس الخلع فقال: قد قبلت ولا أطلقك فقد بانت بالخلع ولا ينفع قوله لا أطلقك وإنما لا تطلق إذا قال لا أطلقك التي تشرط الطلاق فأما التي تشترط فإنها تبين بالخلع. وإذا اختلعت امرأة وزوجها ثم ترادا في العدة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها عدة ثلاثة قروء وهي على ما كانت عليه قبل أن تختلع منه، وهي شبه امرأة طلقت ثم تزوجت في العدة فعليها العدة وإن كان زوجها إنما ردها قبل انقضاء عدتها بيوم أو يومين فعليها عدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض، وقد يفعل الرجل هذا إذا أراد أن يضار المرأة ويطول عليها في العدة، فإذا بقي من عدتها أيام راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها فعليها أن تستأنف ثلاثة قروء عند كل تطليقة طلقها أو ثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض. (10/108)
صفحة 970
اختلف موسى بن علي ومحمد بن محبوب في امرأة تزوجها رجل على صداق عاجل وآجل فساق إليها عاجلها وآجلها، فاستهلكت ذلك كله ثم تباريا فقال موسى بن علي: إن ذلك خلع ولا ميراث بينهما، وقال محمد بن محبوب: ليس ذلك بخلع وهي تطليقة واحدة يملك رجعتها إن كان شيء من الطلاق باقيا وبينهما الميراث وكل امرأة أخذت على فراقها فدية من قليل أو كثير فهي أملك بنفسها ولا رجعة لزوجها عليها إلا برأيها.
مسألة:
قال بعض: لا يكون النشوز نشوزا حتى تقول المرأة: لا أغتسل لك من جنابة ولا أقيم لله حدا ما كنت عندك، فلا تكلف المرأة المسلمة ذلك ولاحقا بالنشوز، وهو كراهية الجماع أو النفس أو الدار، فإذا افتدت بمالها وقد كان هذا منها فقد حل له أن يقبل ما أعطاها ولا يزداد عليها شيئا فإذا قيل: الفدية على هذا فهي أملك بنفسها وعدتها عدة المطلقة إن شاءت رجعت إليه في عدتها ويرد إليها ما أخذ منها وهي معه على تطليقتين، والنشوز هو الارتفاع وكل ناشز مرتفع، ونشوز المرأة على زوجها من ذلك قال الشاعر:
عفا بطن قو من سليمى فعالز *** فذات الغضا فالشارفات النواشز (10/109)
صفحة 971
والتي قالت لزوجها: قد أبرأتك على أن تطلقني، فقال: قد قبلت ولا أطلقك فلا طلاق عليه فإن كان بعدما قالت له قد أبرأتك على أن تطلقني، فقال: قد قبلت ولم يطلق بمدة ثم أتبعها الطلاق فإنه لا يتبعها ولا إذا أتبعها إياه في حين ذلك، ومن أبرأ زوجته بثلاث تطليقات فقد قال بعض: أنها يلحقها الثلاث، وقال بعض: لا يلحقها إلا واحدة، وهو الأكثر، ومن خالع زوجته ثم تزوجها في عدتها ثم طلقها قبل أن يدخل بها الثانية فلا عدة عليها ولها نصف صداقها. وإذا أعطى الرجل زوجته الجميل وكرهت إلا الخلع فاختلعت ثم رجعت تطلق مهرها أو يردها فليس لها ذلك، وإذا نشزت المرأة فليس لها أن تخرج من زوجها إلا أن يشاء هو، وإذا أبرت المرأة زوجها من ماله على تسليم ولده إليه وهو يرضع وقالت: أنا أترك حقي على تركه فلم يوجد له مرضعة فأكرهت عليه فلها صداقها إذ لم يف لها عليه وتركته عليه، وأيما امرأة أكرهت أن تقيم مع زوجها على امرأة سريته أو كرهت جوار أمه أو أمته التي يطؤها فكرهت عليه أمرا قد أحله الله فكرهت صحبته على ذلك فقالت: والله إني لأحبك حبا شديدا لو خلوت بك وأما مع امرأتك وأمك وسريتك فلا أقيم عندك وأنا أفتدي بمالي، فافتدت بمالها فلا بأس أن يقبل منها فديتها ويخلى سبيلها. (10/110)
صفحة 972
ولو قالت امرأة لزوجها لعنك الله حل له أن يأخذ الفدية، ومن قالت امرأته: قد أبرأتك من حقي ما أبريت لي نفسي، فقال: قد أبرأ الله لك نفسك فقد قالوا ليس في هذا برآن والله أعلم، وفيه اختلاف، وكذلك الطلاق، ومن خالع امرأته ثلاث مرار وتنقضي عدتها ويرجع إليها بعد كل مخالعة فلا يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجا غيره لأن البرآن معناه تطليقة، ومن قالت له امرأته: قد أبرأتك من صداقي على أن تطلقني واحدة، فقال: قد قبلت صداقك وقد طلقتك ثلاثا فإنها تطلق ثلاثا ويعطيها صداقها،وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق على أن تعتقي عبيدي هؤلاء الثلاثة فأعتقت اثنين ولم تعتق الثالث، ومن قالت له زوجته: أشتري منك أن لا تجامعني فرضي بذلك وأخذ الفدية فإذا قبل الفدية فهي أملك بنفسها، فإذا كان صداق المرأة ألف درهم فأبرأت الزوج من درهم واحد وأبرأ لها نفسها كان هذا خلعاً ولا ميراث بينهما، والله أعلم. وإذا صالحت المرأة زوجها على شيء من ماله وأبرته مما بقي عليه من صداقها وأبرى لها نفسها ثم إنها غيرت ذلك الصلح فبعد انقضاء عدتها ادعت الجهالة، فإن كانت جاهلة بالمال فهي تطليقة وهو أملك برجعتها ما دامت في العدة ولها صداقها تاماً، وإن كانت قد انقضت عدتها فلا سبيل له عليها ولها صداقها تاما عليه، وإذا اختلعت المرأة من زوجها وشرط عليها أنك إذا ولدت أرضعت لي ولدك حتى تفطميه فولدت اثنين فإن عليها واحدا أن ترضعه حتى تفطمه, وخلع المجنونة لا يجوز إذ بإذن الأولياء، وقال أبو المنذر بشير: فإذا كرهت المرأة زوجها فاختلعت منه وأرادت الخروج منه فلا بأس عليها. (10/111)
صفحة 973
والخلع المتفق عليه من الناس والمحكوم بجوازه هو أن تقول المرأة قد أبريت فلان بن فلان أو تقول زوجي فلان بن فلان أو تقول زوجي أو تقول هذا وتشير إليه وهو حاضر، وما يكون في هذا المعنى، من صداقي أو حقي أو ما تزوجني عليه وأصدقني إياه على أن يخلعني بالطلاق أو يبرئ لي نفسي، أو أبرئ من زوجته طلق زوجته تطليقة ثم حاضت ثلاث حيض ثم تزوجت غيره فلما دخل بها استبان بها حمل فاعتزلها وأشهد الأول على ردها ثم ولدت لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها الآخر وأقل من سنتين من يوم طلقها الأول فالولد للأول ويدرك ردها، فإذا ردها ووضعت حملها فقد انقضت عدتها ولا يطؤها إذا طهرت من نفاسها حتى تعتد من الآخر ثلاث حيض، قيل لأبي عبد الله: وهي طاهر، وكيف تعتد وقد وضعت حملها، قال: إنما تعتد من الزوج الآخر للسنة إذا كان قد دخل بها. ومن طلق امرأته وأشهد وراجع فكتمها تلك المراجعة وقال للشاهدين: اكتما علي فانقضت عدتها فاختصما في ذلك إلى علي بن أبي طالب فاتهم الشاهدين وجلدهما وأجاز طلاق الرجل ولم يجعل له عليها رجعة، وعن شريح قال: من أعلن الطلاق وأسر المراجعة فلا رجعة له وهو قول جابر بن زيد ومسلم.
باب في العدة: (10/112)
صفحة 974
كل امرأة لم يجز بها زوجها ثم طلقها فإن مات عنها قبل الجواز ولم يطلقها فعدتها عدة المميتة أربعة أشهر وعشرة، ولها الميراث أيضا منه والصداق تاماً، فإن كان طلقها قبل الجواز ثم مات وهي في العدة فحبست نفسها على قدر العدة عن التزويج فقيل: لها الميراث إذا حبست نفسها، فإن قال قائل: العدة إنما تجب خوفا من الحمل والمميتة غير المدخول بها معلوم أن لا حمل بها فلم وجب عليها العدة؟ قيل له: إن العدة وجبت عليها للعبادة المحضة ألا ترى أن الصغيرة والمويسة من النساء لا تحملان وقد خوطبتا بالعدة، وكذلك هذه المميتة، العدة عليها عبادة وإن لم يكن هناك سبب حمل، والله أعلم. ومن طلق امرأته فلما ضربها المخاض أرسل إليها رجلين فأشهدهما بردها فولدت غلاما وفي بطنها آخر فلا تحل له، وقال آخرون: هو أملك بردها وبرجعتها لأنها لا تحل لغيره حتى تضع ما في بطنها، ومن خالع امرأته ثم أشهد على رجعتها بغير محضر منها وأعلمها ذلك فصدقته وأمكنته من نفسها وكان عليها ألا تمكنه من نفسها حتى يشهد على رجعتها بمحضر منها لأنه لا يجوز له أن يردها إلا برضاها فإذا جهل ذلك فلا نرى فساداً إن شاء الله. والتي يملك الزوج رجعتها إذا مات زوجها وهي في العدة رجعت إلى عدة المميتة وتستأنفها منذ مات.
مسألة: (10/113)
صفحة 975
والعدة هي حق لله تعالى أراد أن يذهب بها من عباده الشبهة. ومن طلق امرأته ولم يعلم أنها حامل فلها أن تخبره ولا تكتمه ذلك، وإذا بقي الولد في بطنها عشر سنين أو أقل أو أكثر فلا تزوج حتى تضع ما في بطنها فإن حاضت فهي مستحاضة، كذلك إذا مات الولد في بطنها فتمكث سنة أو سنتين لم يحل لها أن تزوج حتى تضع ما في بطنها حيا كان أو ميتا، وإن كانت المطلقة ممن تحيض فوقتها إلى أن تحيض ثلاث حيض أو تيأس من المحيض، وعلى المطلق النفقة وبينهما الميراث، فإن حاضت حيضة ثم انقطع منها وكانت هي ممن تحيض في كل سنة حيضة فطلقها فحاضت واحدة، ثم عرض لها ورجع فانقطع عنها فعدتها ثلاث حيض، وإن طال ذلك, ومن طلق امرأته واحدة ثم طلقها أيضا وهي في العدة ففيه اختلاف، منهم من قال: تعتد بما مضى من العدة من يوم طلق الأولى، وقال آخر: تستأنف العدة من الطلاق الآخر، وقال هاشم: وبالقول الآخر أخذت أنا، وعدة المستحاضة التي لا ينقطع عنها الدم ثلاثة قروء وأقراؤها تلك الأيام التي تعرف أنه حيضها والاستحاضة لا تحسب من العدة. ومن طلق زوجته ثم حاضت حيضتين أو ثلاثا ثم استبان ولدها وأنكر الزوج فليس هذا بشيء، قد حاضت وليس ذلك له، والمرأة إذا زارت أهلها ومعها زوجها فطلقها في منزل أهلها فإنها ترجع إلى منزلها فتعتد فيه، وعدة الحرة من الحر والعبد سواء، وعدة المرجوم زوجها عدة المطلقة، وفي بعض الكتب أن عدتها عدة المتوفى عنها زوجها، فالله أعلم. (10/114)
صفحة 976
والمرأة مصدقة في انقضاء العدة فإذا قالت: إن عدتها قد انقضت بسقط قبل ذلك منها وانقضت عدتها، وقيل: لا يمين عليها في ذلك، وإن قالت بالحيض فأقل ما سمعنا أنه يقبل منها بعد شهر منذ طلقت على أنها قد حاضت ثلاثة أيام، ثم طهرت عشرة أيام، ثم حاضت ثلاثة أيام، ثم طهرت عشرة أيام، ثم حاضت ثلاثة أيام، فذلك تسعة وعشرون يوما، وقال بعض: أكثر من ذلك أن تكون طاهرا عشرة أيام ثم تحيض ثلاثة أيام ثم طهرت عشرة ثم تحيض ثلاثة أيام، ثم تطهر عشرة أيام ثم تحيض ثلاثة أيام فذلك تسعة وثلاثون يوما, وما لم تغسل رأسها وفرجها من الحيضة الآخرة بعد الطهر فلزوجها أن يراجعها في الطلاق الرجعي فإذا غسلت ذلك فقد فاتته، وإن غسلت بماء نجس فقيل إنها تفوت الأول ولا تزوج حتى تغتسل بماء طاهر، وإن أخرت الغسل بعد الطهر حتى تمضي وقت تلك الصلاة التي حضرت لحال رد زوجها فقد فاتته ولا ينتفع بذلك. و المرأة إذا وضعت سقطا مخلوقا أخرجت به من العدة وإن وضعت علقة أو مضعة ففيه تنازع العدة، وقال قوم: إذا وضعت ما هو معلوم أنه ابتدأ الخلق خرجت به من العدة وإذا لم تعلم هل ذلك ابتداء الحمل أو لا اعتدت بغيره، وقال قوم: كل ما يسمى حملا إذا وضعته خرجت به من العدة.
مسألة: (10/115)
صفحة 977
ومن طلق امرأته وهي حامل ثم أسقطت سقطاً بيناً بعد أشهر انقضت عدتها وهي أملك بنفسها، والمرأة تنقضي عدتها بالمضغة والعلة لأن ذلك يسمى حملاً، وقال بعض أصحابنا: لا تنقضي عدتها إلا ما كان جارحة بينة، ومنهم أبو الحواري، وقال بعضهم: حتى يعلم ذكرا أو أنثى، وإذا خرج المولود ميتا انقضت به العدة لأن اسم ولد يقع عليه وإن كان ميتا. قال أبو محمد: وإذا أسقطت المطلقة سقطاً يستحق اسم ولد أجزأها للعدة، وفيه اختلاف بين الفقهاء وهذا رأي، قال أبو الحسن: تعتد المرأة في العلقة بعدة الحيض ثم تغتسل وتصلي أحوط لها، وأما المضغة فهي سقط وتقعد أيام النفاس، واختلف في العدة قال قوم: تفوت زوجها إذا أسقطت ولا تتزوج حتى تحيض ثلاث حيض، وقال آخرون: حتى يكون سقطاً بين الخلق، واختلفوا فيه أيضا فمنهم من قال حتى يعلم أنه ذكر أو أنثى. (10/116)
صفحة 978
ومن طلق زوجته فحاضت حيضتين على حال واحد ثم زادت في الثالثة ثلاثة أيام، فلا يدركها زوجها وليس لها أن تزوج ولا ينظر إلى زيادة الأيام، ولكن إلى الحيضة الثالثة ثم تنقضي العدة والمرأة مصدقة في انقضاء العدة ولا يمين عليها في ذلك، ولو طلقها زوجها ثلاثا ثم قالت: إنها من بعد قد تزوجت بزوج وطلقها وانقضت عدتها قبل ذلك منها إذا كان قد خلا ما يمكن أن يكون ذلك, ومن طلق زوجته ولم يعمل أنها حامل فلما كان يوم الثاني قالت: أنا هذه الليلة ولدت، وقد انقضت عدتي ولم ير عندها ولد فإنها تصدق فيما ادعت وتزوج، فإن قالت بعد ذلك: إني كذبت والآن فقد تبت لا يقبل منها، فإن صدقها فلا صداق لها عليه وقد حرمت عليه، وإذا تزوجت الحرة بعد وضعها للحمل فإذا طهرت من نفاسها جاز للزوج وطؤها، وإذا غابت المرأة إلى بلد ثم رجعت إلى بلدها فقالت لمطلقها الأول: إني تزوجت وطلقني وانقضت عدتي، قالوا: يقبل قولها ولا يصح ذلك على أصولهم، لأن التزويج حق من الحقوق والحقوق إذا ثبتت لم تقبل إلا بصحة، ويجب على المعتدة أن تعتد بقصد وإرادة لأنها عبادة تعبدها الله تعالى بها ولا تأتي إلا ببينة.
مسألة:
اختلف أصحابنا في المرأة يأتيها خبر وفاة زوجها أو طلاقها منه بعد انقضاء المدة التي تعتد فيها فقال أكثرهم: إن عدتها قد انقضت بمرور الوقت ولو لم ينو ذلك ولم يعتقده، وقال بعضهم وهو كالشاذ من قولهم: لا يكون ما مضى من الأيام التي لم تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه من عدتها، وعليها إذا علمت أن تقصد إلى فعل ما تعبدت به لأن العدة عبادة لا تؤدى إلا بقصد ونية.
مسألة: (10/117)
صفحة 979
قال أبو محمد في موضع آخر أيضا: إن المميتة تعتد منذ مات زوجها ولا نفقة لها، وإن أكلت ردت ما أكلت، وذلك أنها أكلت مال الورثة والغلط في الأموال مضمون، والمطلقة تعتد مذ يصل إليها الخبر وإن استنفقت لم يكن عليها رد وذلك أنها أكلت ما كان مباحاً لها أكله وكان عليه أن يعلمها لأن ذلك فعله هو، وعدة المفقودة على زوجها سنة احتياطا للحمل والحيض من العدة، وذلك إذا أراد أن يتزوج بأختها أو كانت هي الرابعة من نسائه.
مسألة:
أجمعوا أن العدة عبادة ولا يجوز إتيانها إلا بنية، وأجمعوا أن المرأة إذا خلا بها زوجها ثم فارقها فاتفقا على أنه لم يطأ أنهما مصدقان في ذلك، ولها نصف الصداق، وهو قول ابن مسعود ولا يصدقان في العدة التي أوجبها الدخول لأن العدة عندهم حق لله عز وجل عليها تعبدها بها فيجب أن لا تخرج منها إلا بأن تقصد إلى فعلها ولا تكون مؤدية لهذا الغرض إلا بقصد ونية، وهذا سبيل سائر العبادات. ومن مات وخلف زوجة صغيرة كان على أوليائها ألا يزوجوها حتى تنقضي عدتها، والصغيرة غير متعبدة بالعدة كما تعبد بها من بلغ من النساء، ولكن العبادة على الأولياء يأخذونها بمثل الفعل الذي يلزم من تعبد من النساء المتعبدات بالطلاق والموت، كما يأخذونها بالطهارة الصلاة، ويلزمها الصيام وإن كانت غير مخاطبة بذلك، ولكن على الأولياء أن يأخذوها بالعدة ولا يزوجوها إلى انقضاء العدة وهذا باتفاق.
مسألة: (10/118)
صفحة 980
وأقل ما تنقضي عدة المرأة بثلاث حيض، وقال بعض أصحابنا: إنها إذا قالت قد انقضت عدتي بثلاث حيض تسعة وعشرين يوماً قبل ذلك منها وكانت مصدقة، ومن طلق زوجته تطليقتين فاعتدت بالحيض وكانت في الثالثة فطلقها تطليقة ثالثة فإنها تتم بقية عدتها من الحيضة الباقية تمام الثلاث الحيض، وقد انقضت عدتها ولا يجب عليها عدة غير تمام هذه الحيضة. وقال أبو محمد ـ رحمه الله ـ ورضية أيضا غير هذا. ومن طلق زوجته الصغيرة وقد مضى من الشهر أيام فالعدة تكون من رأس الشهر عند الأيام، وتلك الأيام يحسبن لها من العدة، وهذا أكثر القول عند أصحابنا إلا أنه قد قال بعضهم وليس العمل عليه أنها تعتد من يوم طلقها، وكذلك عدة الكبيرة التي لا تحيض مثل عدة الصغيرة في الأيام. وإذا طلقت المرأة وهي ممن تحيض أو تصير في ستين سنة ثم تعتد بالشهور والتي لم تحض وهي امرأة ثم طلقت فإنها في الاحتياط سنة، تسعة للحمل وثلاثة أشهر في العدة، لتخرج من الشبهة لأنها امرأة ولم تحض، والمرأة التي لا تحيض قط قال أصحابنا تعتد سنة، وقد وجدت عن ابن عباس إذا حاضت المرأة حيضة واحدة حين بلغت ثم طلقها زوجها ولم يرجع الحيض وانتظرت أشهرا ولم يأتها الحيض فإنها ترجع تعتد تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة مكان ثلاث حيض.
مسألة: (10/119)
صفحة 981
ومن طلق زوجته ثم راجعها قبل انقضاء عدتها ثم طلقها قبل أن يطأها فإنها تبتدئ العدة وبهذا يقول بعض أصحاب الظاهر، وأجمعوا أنه إذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها أنها تعتد من الطلاق الثاني، وكذلك عن خالعها ثم ردها في العدة وزادها على صداقها زيادة ثم طلقها قبل الدخول فلها نصف ما زادها والتي أسقطت سقطا ثم أسقطت آخر بعده بثلاث أيام فعدتها من السقط الأول عند بعض ولا تزوج حتى تتم الأربعين يوماً من السقط الآخر، فانظر في ذلك فإني لم أر ذلك إذا كانت بعد حاملا فإنها لا تنقضي العدة حتى تضع سقطا يعلم أنه حمل، فأما إن وضعت سقطا ولم يبن فقال قوم: تنقضي العدة من الأول ولا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض، وقال قوم: تنقضي العدة وتحل للأزواج إذا أسقطت سقطا بينا، والله أعلم بذلك.
مسألة: (10/120)
صفحة 982
والتي تحيض يومين ثم تحيض حيضتين تامتين فقيل لا يدركها زوجها ولا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض أقل كل حيضة ثلاثة أيام على قول، وإذا رأت المطلقة الدم في الحيضة الثالثة يومين ثم طهرت وصلت فقيل ليس للزوج أن يراجعها وقد انقضت عدتها منه وليس لها أن تزوج حتى تحيض من الثالثة حيضة تامة، وقال قوم: تتم عشرة بتلك الثلاث وليس عليها أن تنتظر حيضة أخرى وقد حاضت ثلاثة أيام. وإذا مات الصبي عن امرأة قبل أن يدخل بها فظهر بها حمل بعد موته فعدتها أربعة أشهر وعشر ولا تنظر إلى الحمل لأنه ليس منه، وإنما حدث بعد موته ولو كان الحمل قبل موته وهو صبي رضيع ثم مات عن امرأته وهي حامل من فجور فعدتها أن تضع حملها، وليس على زوجة الصبي إذا مات عنها عدة الوفاة، وعليها عدة المطلقة استبراء رحمها إن كان دخل بها وكان مثله ينزل الماء، وإن كانت حاملا فوضعت حملها على كل حال كان الحمل قبل موته أو بعد موته، ولا يلحقها عدة الوفاة إلا من الزوج البالغ، إذا بلغ الصبي أو مات فهو والصحيح في الولد والعدة سواء، وكذلك المجبوب إن كان ينزل الماء، وقد قيل: لا عدة على زوجة المجبوب، والله أعلم. وإذا مات المجبوب فامرأته في العدة بمنزلة امرأة الصحيح، وإذا تزوجت المرأة في عدتها من الطلاق ودخل بها الآخر فرق بينها وبين الآخر وعليها عدة واحدة من الأول، والآخر ثلاث حيض منهما جميعا، بلغنا نحو ذلك عن معاذ بن جبل، وقد قيل: إن العدة تدخل في العدة، وقد قيل: لا تدخل عدة في عدة وهو أكثر القول. (10/121)
صفحة 983
وقول من قال: إن العدة تدخل في العدة وهو قول بعض فقهاء المسلمين، إلا أنه لا يحسب بشيء من العدة ما دامت المرأة مع الزوج الآخر في سبيل الزوجية حتى يفرق بينهما ويعلم فساد ما دخلا ثم هنالك تعتد بقية عدة الأول، وتعتد عدة من الآخر كاملة وتدخل العدة في العدة حينئذ على قول من يقول ذلك، وأما ما دام الآخر زوجا فلا تحتسب بتلك الأيام من عدتها ولا نعلم في هذا اختلافا من قول المسلمين، ومن طلق زوجته ثم طلقها في العدة فليس عليها عدتان ولم يقل أحد بذلك. والمطلقة التي عليها لزوجها الرجعة إذا قالت بعد عشرة أيام: إني أسقطت ولم تكن تدعي حملا فهي أولى بفرجها وتزوج. والقرء فيه اختلاف من الناس بعض يقول إنه الحيض، وبه يقول شيخنا أبو الحسن وهو قول ابن عباس، وبعض يقول: هو الطهر وبه يقول الشافعي وفيهم أهل الحجاز ودليلة قال:
مورثة مالاً وفي الحي رفعة *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وقول الشاعر يريد أطهارهن، وقد جوز جمهور العلماء انقضاء العدة بالحيض، وجوزوها بالطهر، وإذا كان على هذا فشائع أن القرء اسم يقع على الطهر وعلى الحيض، وبالله التوفيق. وقيل في المرأة إذا اختلط عليه الدم في الأشهر وطلقت أنها تعتد ثلاثة أشهر، وإذا طلقت المرأة وهي حائض فلا تعتد بتلك الحيضة من عدتها وعليها ثلاث حيض من بعدها، وإن طلقت أخرى من بعد ذلك فعدتها من التطليقة الأخرى ثلاث حيض غير الحيضة التي طلقت فيها على قول بعض أصحابنا وبعضهم يوجب العدة عليها من التطليقة الثانية والله أعلم.
مسألة: (10/122)
صفحة 984
وقال أصحابنا: عدة المميتة أبعد الأجلين من وضع الحمل أو انقضاء الأيام، وكذلك بن عباس، والله أعلم، وكذلك الأمة والعدة على امرأة الخصي والعنين إذا خليا بهما لأنهما منهما يكون المني، وأما المجبوب فلا، والعدة حق للرجل على المرأة. اختلف الناس في عدة المخلوعة، فقال قوم: عدتها كعدة المطلقة وبه يقول أصحابنا رحمهم الله، وإذا طلق الرجل زوجته ثلاثا ومات وهي في العدة أتمت عدتها التي فيها، أو موت المطلق لا يوجب عليها عدة الوفاة لأنها غير زوجة، والدليل على أن عليها عدة الطلاق لا عدة الوفاة إجماعهم على أنه إذا طلق ثلاثا وهو صحيح فمات وهي في العدة أنه لا ميراث بينهما ولو كانت زوجته استحقت الميراث لقول الله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وقال: { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ} (1) ، وقال في العدة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (2) وهذه غير زوجة فلا عدة عليها من طريق الوفاة، والمفر بين الصحيح والمريض يحتاج إلى دليل، وكذلك قال أصحابنا أن المطلقة ثلاثا والمختلعة والملاعنة والمختارة نفسها كل هؤلاء بائنات لا ميراث لهن في العدة ولا للأزواج منهن، وعدتهن على كل حال ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر.
__________
(1) سورة النساء: 12.
(2) سورة البقرة: 234. (10/123)
صفحة 985
وإذا كان للرجل امرأتان فطلق إحداهما ثلاثا ثم مات ولم يعلم التي طلقها فقيل عليهما جميعا أن يعتدا ثلاث حيض وأربعة أشهر وعشرا، وذلك أنه لا يعلم المطلقة منهما فيأخذ في ذلك بالثقة، وكذلك رجل مات عن زوجته وكانت في وجه يجب عليها العدة بالحيض ووجه بالشهور اعتدت العدتين جميعاً. وإذا اعتدت الصغيرة بالشهور ثم حاضت من قبل أن تكمل العدة استأنفت العدة بالحيض، وإن اعتدت بالحيض فلما حاضت حيضة أو حيضتين انقطع عنها الحيض فلا تعتد بالشهور حتى تصير في حد من يئسن من المحيض وإياسها منه أن تبلغ السن الذي من بلغه من النساء لم تحض، فإن أتاها بعد ذلك حيض اعتدت بما حاضت من قبل، وتعتد ثلاث حيض. وقال من قال: إذا بلغت ستين سنة فقد أيست من الحيض، وتعتد بالشهور فإن جاءها بعد ذلك دم وهي تعتد بالشهور فعدتها بالشهور، وإن جاءها المحيض في وقت فيه بعض النساء لا تحيض فيه فعدتها بالحيض، وأجمعوا أن المرأة إذا بلغت ستين سنة فهي مؤيس، فإذا أيست قبل ذلك كان لها أن تعتد ثلاثة أشهر بظاهر الآية، فإذا اعتدت بالأشهر عند وقوع الإياس لها ثم طرأ عليها الحيض اعتدت بالحيض، ولا أعلم في هذا خلافا، ولو تركنا والظاهر ما وجب عليها أن تعتد بالأقراء بعدما اعتدت بالأشهر عند وقوع الإياس غير أني لا أعلم أحدا أرخص لها في ذلك من الكتاب.
مسألة: (10/124)
صفحة 986
الدليل على ذلك إجماعهم أن الرجل إذا طلق زوجته تطليقة أن عليها أن تعتد ثلاثة قروء فإذا مات وقد مضى من عدتها قرء أو قرءان وجب عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا ولا تحتسب مما مضى من عدتها، وإذا اعتدت بقرء أو قرأين ثم أيست وجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر، والاعتداد في هذه المسألة كالمسألة التي قبلها. والنفساء إذا طلقت لم تعتد بذلك الدم لأنها مخاطبة أن تعتد بدم الحيض، ودم الحيض غير دم النفاس، فعليها أن تعتد بثلاثة قروء ولا تعتد بدم النفاس بالإجماع على ذلك، أجمع المسلمون أن المرأة إذا ادعت انقضاء العدة وكان ما ذكرته ممكناً معروفا من عادات النساء كان القول قلها مع يمينها، فإذا ادعت ما لم يعرف لم يقبل إلا ببينة، وإذا ادعت ما ليس بمنكر في العدة قبل قولها، وإذا ادعت المعتدة في كل شهر حيضة قبل قولها اتفاقا، وكذلك إن ادعت في الطلاق أنها تزوجت برجل فطلقها بعدما دخل بها وأنها اعتدت والمدة ممكنة في ذلك قبل قولها وجاز أن يتزوج بها بإجماع. أبو محمد ـ رحمه الله ـ ورضيه: ومن طلق زوجته وكان وقتها أن تحيض عشرا عشرا فحاضت ثلاث حيض خمساً خمساً فقد بانت منه ولا يجوز أن تزوج بغيره.
فصل:
قال الشاعر:
لعلي إن مالت بي الريح ميلة *** على ابن أبي ذبيان أن يتندما
وقال آخر: ... ... بني أسدان ابن قيس وقتله *** بغير دم دار المذلة حلت
أبو عبد الله: وإذا أقر رجل لزوجته أنه طلقها منذ سنة ولم تعلم وكانت قد حاضت ثلاث حيض من بعد الوقت الذي أقر أنه طلقها فلا يجوز لها أن تزوج من وقتها وعليه نفقتها إلى الوقت الذي علمت فيه الطلاق، فإن كان غائبا وليس له بالطلاق بينة فعليه نفقتها أقر أنه كان طلقها ثلاثا بلفظ واحد إلى أن علمت ولا تتزوج حتى تعتد منذ علمت بالطلاق ثلاث حيض إلا أن يكون طلقها بشاهدة شاهدي عدل فلها أن تزوج إن كانت حاضت ثلاث حيض.
مسألة: (10/125)
صفحة 987
قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: أنا آخذ بقول من قال من الفقهاء أن أكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام، إلا في المطلقة، وقال: قيل إنما تكون عدة المرأة من يوم طلقها زوجها. والذي مات من يوم مات، والذي فقد من يوم فقد، والذي ظاهر من يوم ظاهر منها لا من يوم بلغها ذلك إذا كان غائبا ولم تعلم فإذا كان إنما بلغها ذلك وقد انقضت عدتها من يوم مات أو طلق أو فقد أو انقضت أربعة أشهر منذ ظاهر منها ولم يكفر فقد حلت للأزواج ولا عدة عليها بعد ذلك إذا لم تكن حاملا، غير أن المفقود زوجها إذا خلت أربع سنين منذ فقد زوجها فلا يحل لها أن تزوج حتى يطلقها وليه وتعتد بعد الطلاق عدة المميتة. ومن طلق امرأته وهي طاهر ثم طلقها وهي حائض فتعتد بهذه الحيض تكون عدتها من الطلاق الأول.
مسألة: (10/126)
صفحة 988
والمرأة إذا كانت تعتد بالحيض فحاضت حيضتين مثلما عودت تحيض، ثم حاضت الثالثة مخالفة الأوليين ناقصة أو زايدة فقالوا إنها قد فاتت الزوج الأول ولا يجوز لها أن تزوج حتى يتفق لها ثلاث حيض متساويات، وفي الزيادة اختلاف، فأما إن كانت الحيضة الثالثة ناقصة فقالوا إنها لا يحل لها أن تزوج حتى تحيض الرابعة موافقة للأوليين فإن حاضت الرابعة موافقة للأوليين فتنقضي عدتها بذلك ويجوز لها أن تزوج، وإن كانت الرابعة مخالفة للأوليين ووافقت الثالثة فلا تنقضي عدتها حتى تأتي الخامسة، فإن وافقت الخامسة الثالثة والرابعة فقد صادف ذلك عادتها وقد تحولت عادتها إلى هذه الثلاثة حيض التي اتفقن، وقد انقضت عدتها بهن، وإن كانت الخامسة مخالفة للجميع فهي في العدة ولا يجوز لها أن تزوج حتى تنقضي ثلاث حيض متواليات على حال واحد، وأما إن كانت حيضتها الثالثة من الثلاث الأوليات زايدة ففيها اختلاف، قال قوم: قد حاضت مثل حيضتيها الأوليين وزيادة وقد صحت لها الحيضة ولا يضرها الزيادة وقد انقضت عدتها ويجوز لها أن تزوج، وقال قوم: في الزيادة أنها قد انتقلت عادتها ولا يحل لها أن تزوج حتى تبين بثلاث حيض متفقات لا زيادة فيهن ولا نقصان، ومن طلق زوجته اثنتين ثم راجعها ثم طلقها الثالثة ثم توفي قبل أن تنقضي عدتها فعن ابن محبوب: لها الميراث وعدتها عدة المطلقة، وإنما تكون عدتها عدة المميتة إذا طلقها واحدة أو اثنتين أو مات وهي في العدة من طلاق رجعي استأنف عدة المميتة، ومن طلق زوجته فولدت في يومها أو اليوم الثاني فتزوجها حلال حين وضعت، ولا يحل أن يطأها الذي تزوجها حتى تطهر من نفاسها. ومن ملك امرأة ثم افتضها بإصبعه ثم طلقها فلا عدة عليها، وكذلك إن مس فرجها بفرجه ولم يولج فلا عدة عليها حتى يولج ويقذف الماء على الفرج فعليها العدة.
فصل: (10/127)
صفحة 989
وقيل: إنه حمل إلى أبي سعيد الأصطخري مضغة فأفتى أنه لا تنقضي العدة بها ولا تكون أم ولد فحضر القوابل فألقوها في ماء جاء فانتشرت وبان الخلع فيها فرجع عن فتواه، وقيل: المضغة مبتدأ خلق الإنسان، وما تضعه الحامل يكون أربعة أقسام: قسم يكون خلقاً مصورا يعرفه الخاصة والعامة فهذا تنقضي به العدة وتكون أم ولد، والثاني يكون خلق مصورا يعرفه أهل الخبرة والبصيرة من النساء، وكذلك أيضا والثالث أن يلقى دماً أو علقة فلا حكم له، والرابع أن يكون مضغة وفيه اختلاف.
مسألة:
وإذا تزوج الحر الأمة ثم طلقها فله ردها في العدة بغير رأي سيدها وليس له ردها بعد العدة إلا برأي سيدها، والمملوك ليس له رد الأمة ولا الحرة بعد الطلاق إلا برأي سيده في العدة وبعد العدة. قال عروة بن حزام العذري:
تربص بها ريب المنون لعلها *** تطلق يوماً أو يموت حليلها
باب في عدة الأمة والذمية: (10/128)
صفحة 990
واعلم أن الأمة التي كان سيدها يطؤها ثم يموت ويتركها فتلك أمة وعدتها حيضتان، وقال بعض: حيضة واحدة، وبه يقول ابن عمر ومالك والشافعي، وروي عن الحسن وغيره، وقال قوم: أربعة أشهر وعشر، ورفع ذلك عن علي وجماعة غيره، وقال قوم: عدتها ثلاث حيض، وبه قال عطاء والثوري وأصحاب الرأي. والأمة إذا طلقها زوجها واحدة ثم لم يردها حتى وطأها سيدها فلزوجها أن يعود يتزوجها، وإذا طلق اثنتين ثم وطأها سيدها لم يكن لزوجها أن يعود يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، لأنهم قالوا: وطء السيد ليس مثل وطء الزوج، وإن أعتقها قبل موته فتعتد ثلاث حيض، ثم تزوج إن شاءت إذا مات وهي في العدة، وأما المدبرة إذا أعتقت بسبب التدبير أو بسبب ولدها فعدتها عدة المميتة أربعة أشهر وعشرة أيام، والأمة عدتها للزوج كنصف عدة الحرة. وقال بعضهم: لو استطعت لجعلت لها حيضة ونصفا ولكن لا يصلح فعدتها بالحيض حيضتان وبالشهور شهر ونصف، ويروى ذلك عن عمر ـ رحمه الله ـ: لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ونصفا فعلت، فقال رجل: فاجعلها شهرا ونصفا فسكت، فما لم يتبعض لهم فيها قرء ونصف كمل قرءان، وإذا كانت لا تحيض من كبر أو صغر والعدة لأمة من زوجها الحر والعبد إذا كانت ممن تحيض فيحضتان وكذلك طلاقها تطليقتان، وإن كانت ممن لا تحيض من كبر أو صغر فعدتها شهر ونصف. وأما في الإيلاء فبعض قال: تعتد أربعة أشهر، وقال بعض: شهرين، والأمة المميتة عدتها شهران وخمسة أيام، وإن كانت حاملا فأبعد الأجلين من الأيام والوضع وفيه اختلاف بين الفقهاء، قال قوم: عدة الأمة المميتة من الحر والعبد شهران وخمسة أيام، وقال قوم: عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام جعلوها مثل الحرة.
مسألة: (10/129)
صفحة 991
ومن طلق امرأته وهي أمة تطليقتين ثم مات وأعتقت في عدتها فعدتها عدة المطلقة ثلاث حيث لأنها كانت قد بانت كما تبين الأمة بتطليقتين، وإن طلقها واحدة فهو يملك الرجعة، فإن عتقت في عدتها فعدتها ثلاث حيض عدة الحرة، وإن مات وهي في العدة وقد عتقت ورثته إذا أعتقت قبل موته، وعدة الحرة المميتة أربعة أشهر وعشر، وقال بعض: في التي كان مولاها يطؤها ثم مات وهي حامل منه أنها تعتق بولدها إذا ولدته، وعدتها أبعد الأجلين عتقت عند موته بما في بطنها، وعندي أنها إنما تعتق إذا ولدت وورثها ولدها لأنه قيل إن خرج ميتا ولم يكن لها منه ولد غيره أنها أمة فإذا طهرت من نفاسها حلت للأزواج وإن أعتقها في حياته فعدتها أن تضع حملها. ومن أعتق سريته ثم أراد أن يتزوجها فلا عدة عليها، ومن كان له سرية فولدت له أولادا ثم تركها زمانا ثم أعتقها عند موته فإنها تعتد أربعة أشهر وعشرا، فإنها بمنزلة التي تعتق عند الموت، وقال أبو عبد الله: هذه عدتها ثلاث حيض عدة الحرة، وأما إذا جعل عتقها بعد موته أو عتقت بولدها منه بعد موته فعدتها أربعة أشهر وعشر، وكذلك إذا أعتقت إذا مات بسببه أو سبب غيره، وكذلك عدتها وإن كانت إنما أعتقت من بعد موته فعدتها ثلاث حيض يعني إذا كانت مملوكة بعد موته ثم عتقت بعد ذلك فعدتها بالحيض ثلاث حيض. ومن كان له جارية لا يطؤها فأعتقها فتزوجها رجل فلا عدة عليها وهي أعلم بنفسها، وإن كانت مدبرة فعتقت قبل موته فلا عدة عليها وإن كان يطؤها فالمدبرة عدتها أربعة أشهر وعشرا. عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طلاقُ الأَمَة تَطليقَتَانِ وَعدَّتها حَيضَتان» (1) ،
__________
(1) رواه أبو داود عن عائشة بلفظ "...وقرؤها حيضتان"، باب في سنة طلاق العبد، ر2189، 2/257. والترمذي عن عائشة بلفظه، باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان، ر1182.. (10/130)
صفحة 992
وعدتها بالحمل لا فرق بينها وبين الحرة فيه إجماعاً، قال أبو محمد: عدة الذمية من المسلمين كعدة الحرة، وأجمعوا أن الأمة المطلقة الحامل عدتها وضع حملها.
مسألة:
وعدة الأمة بأحد شيئين بارتفاع الملك والتحريم، وعدتها على نصف من عدة الحرة إلا الحامل فإنها تستوي معها في المدة، وطلاقها باثنتين وعدتها بالحيض حيضتان لعدم معرفة النصف من ذلك. والله أعلم.
مسألة:
وعدة الظهار والإيلاء من العبدة والحرة سواء، قال بعضهم: شهران، وكذلك اليهودية والنصرانية على أكثر القول، وقول لا عمل عليه أن عدة الكتابية حيضة وطلاقها واحدة، وعدة الذمية من المسلمين كعدة الحرة المسلمة وكذلك المكاتبة، وقال بعض: على الذمية ثلث عدة الحرة والرأي الأول عندنا أكثر وبه نأخذ.
مسألة:
والأمة إذا مات زوجها في أول اليوم فأعتقها سيدها في آخر اليوم الذي مات فيه زوجها فإنها تعتد عدة الحرة وعدة المميتة المملوكة من الحر والعبد، وقال قوم: شهران وخمسة أيام، وقال آخرون: عدة الحرة وكذلك الأمة في الإيلاء أربعة أشهر.
مسألة: (10/131)
صفحة 993
وإذا أسلمت زوجة المشرك اعتدت منه ثلاث حيض، فإن أسلمت ثم مات من يومه اعتدت أيضا بالحيض لأنه قد قطع الإسلام الذي بينهما، فإن أسلم وهي في العدة أدركها على نكاحها وهي زوجته، فإن مات وهو مشرك ثم أسلمت فإنها تعتد عدة المميتة ولها منه الميراث، لأنه مات وهي زوجته ولم يدخل في الإسلام، والمعتقة عن دبر والمدبرة في مرضة الموت فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومن كان يطأ أمة ثم هجرها ثم أعتقها فعدتها ثلاث حيض، وإذا كانت المرأة أمة فلها أن تخرج في الطلاق كله وفي الوفاة، وكذلك المدبرة وأم الولد وليس هؤلاء كالحرائر من المسلمات والمصليات وإنما جعلنا ذلك للإمام لأن مواليهن أملك بذلك منهن، يستخدمونهن في حاجتهم، والمميتة من الإماء عدتها أيضا أبعد الأجلين إن كان وضع حملها قبل شهرين وخمسة أيام، فعليها تمام شهرين وخمسة أيام. وإن كان وضعه بعد ذلك فأجلها وضع حملها، والأمة المطلقة إذا ذهب بها مواليها ولم يتركوها مع زوجها في بيته فلا نفقة لها عليه، وإذا كانت قد برأها ثلاثا ثم طلقها وهي على حالها معه فعليه النفقة والسكن، أجمع المسلمون جميعاً أن الرجل إذا زوج أم ولد من رجل ومات السيد وهي زوجة الرجل الذي زوجها منه أن لا عدة عليها من سيدها، وقال أكثر فقهاء قومنا: إن عدة الذمية الحرة تكون تحت المسلم عدة الحرة المسلمة وقول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ومن تبعهم, واختلفوا في الحر يطلق المملوكة والمملوك يطلق الحرة، فقال قوم: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، وهو قول زيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وعطاء ومالك والشافعي وغيرهم، وقال قوم: الطلاق والعدة بالنساء، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال أبو حنيفة والحسن البصري وابن سيرين وعكرمة، وروي عن ابن عمر أنه قال: الطلاق بأيهما فارق، وبه قال الأوزاعي واحتج من قال بقول الأول أن الله عز وجل خاطب الرجال بالطلاق والنساء بالعدة. (10/132)
صفحة 994
وقال الحسن: الطلاق والعدة بالنساء ليس من قبل الرجال إن كان حرا وهي أمة فطلاقها طلاق الأمة، وإن كان عبداً وهي حرة فطلاقها طلاق الحرة، وكذلك عبدة أو أمة وبه يقول أصحابنا، وقال الشافعي: على الذمية العدة والإحداد، وقال أبو حنيفة: لا عدة عليها ولا إحداد، والأمة إذا مات سيدها وهي حامل فإنها تعتق بولدها إذا ولدته حيا وعدتها أبعد الأجلين عدة الحرة، وإن ولدته ميتا ولم يكن لها ولد غيره يرثها لم تعتق وهي أمة فإذا طهرت من حيضها حلت للأزواج، وعدة الأمة من الحر والعبد سواء حيضتان، والحرة من العبد والحر سواء ثلاث حيض. عن مجاهد في قوله عز وجل: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} (1) أي من الإذاء الذي أصاب فروجهن وإن لم تغتسل لأنه لا أذى إلا هناك، وقال ابن عباس: فإذا طهرن فاغتسلن من المحيض.
باب: ما يجوز للمطلقات المميتات في العدة وما لا يجوز، وما يلزمهن ويلزم لهن وما لا يلزمهن من ذلك، وأحكام ذلك:
__________
(1) سورة البقرة: 222. (10/133)
صفحة 995
والمطلقة لا تعتكف ما كانت في العدة ولا تبيت خارج بيتها ولا تحج إلا التي عليها حجة الفريضة فإنها تحج إذا أرادت وهو قول عمر وعثمان والشافعي وغيرهم، ولا يجوز للمطلق واحدة أو اثنتين أن ينظر من مطلقته إلى شيء مما يحرم على غيره إلا أن يردها. وقال أبو معاوية: ليس الظهار مثل الطلاق، والمظاهر يدخل عليها بغير إذن ولا تستتر منه وينظر إلى فرجها إن شاء وتنظر إلى فرجه من غير أن يمسها حتى يكفر، والمطلق لا يحل له شيء من ذلك حتى يشهد على ردها. والمطلقة ثلاثا لا تختضب والمطلقة واحدة تخرج في حاجتها وتصل رحمها وترجع ولا تنام إلا في بيتها، وإن مات ميت من أرحامها فلا بأس أن تخرج إليهم وترجع وتنام في بيتها، وإن كان غير رحم فما أحب لها ذلك، وتعود المريض من رحمها وتعود جيرانها وتعزيهم إن مات لهم ميت أيضا، وتخرج إلى العيدين وهي بمنزلة غيرها من النساء في الخروج إلى العيدين، في الحديث أن امرأة توفي عنها زوجها فاشتكت عينها فأرادوا أن يداووها فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: «قد كانت إحداكُنَّ تمكثُ في أحلاسِها في بيتِها إلى الحولِ فإذا كان الحولُ فمرَّ كلبٌ رمتهُ ببعرةٍ ثم خرجتْ، أفلاَ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا» (1) ، قوله - عليه السلام - فمر كلب يعني أنها كانت في الجاهلية تعتد سنة على زوجها لا تخرج من بيتها ثم تفعل ذلك في رأس الحول ليرى الناس أن إقامتها حولا بعد زوجها أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا، وقد ذكروا هذه الإقامة عاما في أشعارهم. قال لبيد يمدح قومه:
... وهم ربيع للمجاور فيهم *** والمرملات إذا تطاول عامها
__________
(1) رواه البخاري عن أم سلمة بمعناه، باب الحكل للحادة، ر5025. ومسلم مثله، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه ذلك إلا ثلاثة أيام، ر1488. (10/134)
صفحة 996
ونزل بذلك القرآن في أول الإسلام، قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (1) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فقال عليه السلام: «كيفَ لا تصبرُ إحداكُنَّ قدرَ هذا وقد كانتْ تصبرُ حولاً» (2) .
مسألة:
وعن قتادة أنه كان يقول في المطلقة واحدة إن لزوجها أن يتنحنح ولا يستأذن، ولا يرى لها رأسا ولا بطنا ولا ينام معها في البيت، قال: هذا رأينا، وتستأذن، والمطلقة واحدة أو اثنتين لها أن تختضب إن شاءت أن تغايظ به زوجها، وأما المطلقة ثلاثا فلا تختضب ولا تكتحل. وليس للمطلقة ثلاثا أن تخرج من بيتها حتى تقضي عدتها ولا تخرج المطلقة واحدة أو اثنتين إلا بإذن زوجها إلا في شيء واجب، ولا تبيت خارج بيتها وله أن يبيت معها في بيت واحد ولا يدخل عليها إلا بإذن، والمطلقة ثلاثا لا تخرج من منزلها قبل أن تخلو عدتها لأنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدتها، ومن طلق امرأته وله منها أولاد فلا بأس أن يدخل عليها بسلام وينظر ولده ولا يدخل إلا بتسليم، فإن كان طلقها واحدة أو اثنتين فلها أن تقعد متزينة متخضبة إن شاءت تهيأ له بأحسن ما يكون من الهيئة من غير أن يرى منها شيئا.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 234.
(2) ذكره ابن عبد البر: التمهيد بلفظ "...هذا القدر..." بعد أن ذكر حديث أم سلمة "قد كانت إحداكن..."، بدون إسناد، 17/324. (10/135)
صفحة 997
إذا وقع بين المرأة وزوجها بينونة أو حرمة بطلاق وهما يسكنان في بيت واحد كما كانا قبل التفرقة فإنه ينكر عليهما ويفرق بينهما إذا بانت منه بالحرمة أو بثلاث تطليقات، وأما تطليقة واحدة أو اثنتان فلا ينكر عليها ذلك ولا يفرق بينهما، وإن أنكر ذلك عليهما فلم ينتهيا وهما وليات فلا يبرئ من الولي حتى يصر على الذنب فإن كان قد نصح لهما وأمرا أن لا يقرا على ذلك فلم يقبل برئ منهما بعد الحجة عليهما.
مسألة:
والمختلعة تخرج وإن لم تخرج فشاء زوجها إخراجها أخرجها، والملاعنة والمتوفى عنها زوجها تخرج، وإذا توفي زوج امرأة وله رقيق فلها أن تضع جلبابها عندهم لأن نصيبها منهم ولا يحل لها منهم أحد أن تزوجه، والمختلعة الحامل لها النفقة، واختلفوا في الكسوة، وفي نفقتها اختلاف بين قومنا وبه يقول الشافعي ومالك.
مسألة: (10/136)
صفحة 998
قال الله تعالى: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (1) الآية، فليس للمطلقة واحدة أو اثنتين أن يخرجها ولا لها ذلك إلا أن تأتي بفاحشة، والفاحشة أن تقذفه أو تأتي بزنا، وروي عن فاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: "إن زوجي طلَّقني ولم يجعل لي سُكنى ولا نَفقة"، فقال رسول الله ^: «إِنَّمَا السَّكَنُ وَالنَّفَقَةُ لِمَن كَانَ لَهُ عَلَى امرَأَتِهِ الرَّجعَةِ» (2) . والمطلقة البائن لا سكنى لها ولا نفقة وجائز لها البروز، وأما المميتة فهي حولية في حال العدة ولا تلبس حليا ولا ثيابا مصبوغة بورس ولا زعفران ولا بطيب ولا الحرير إلا أن لا يمكنها إلا ذلك فتلبس لغير زينة ولا تكتحل بالإثمد وهو اللاصف إلا من علة في عينيها، وتخرج وتنتقل حيث شاءت وتبيت حيث أرادت، ولا بأس إن مضت إلى أهلها قبل انقضاء أجلها ولا تأكل من مال الميت شيئا لأنه حين مات زال ماله إلى الورثة، وإن أكلت بجهالة أو خطأ أو غلط ضمنت لهم وحسبت ذلك من ميراثها من الزوج، وإن كانت حاملا فلا نفقة لها إلا في حصتها فإن لم يكن حصة لم تأكل من مال ورثة الهالك شيئاً، والله أعلم.
__________
(1) سورة الطلاق: 1.
(2) رواه النسائي عن فاطمة بنت قيس بلفظ قريب، فِي الطلاق، ر3416. والدارقطني مثله، فِي الطلاق والخلع، ر4002. والبيهقي، كتاب النفقات، ر16142. (10/137)
صفحة 999
وللميتة الخروج إلى العيد وإلى صلة رحمها وتجتنب الطيب والزينة والحلي والكحل إلا من رمد وليس ذلك على صبية لم تبلغ ولا على ذمية ولا على أمة إنما ذلك على الحرة البالغة المسلمة، وليس على الصغيرة والكف عما أخذ على من بلغ من النساء في حال العدة من اللباس لأنها غير مخاطبة والقلم عنها مرتفع.
مسألة:
وإذا مات رجل فقالت مطلقته بعد موته: لم تكن انقضت عدتي فهي مصدقة في ذلك وترثه، وإن كان هي قبله وطلب ميراثها صدق، وورثها أيضا إلا أن يصح بينة عدل أن عدتها قد انقضت.
مسألة:
روت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن المتوفَّى عنها زوجُها لا تلبس المعصفرَ [من الثيابِ] ولا الممشقةَ ولا الحليَّ ولا تختضبْ ولا تكتحلْ» (1) ، وفي رواية عنها: «أن المميتة نهيت عن لبس المعصفر والممشق والحلي والخضاب والزينة» (2) ، قال أصحابنا: لها أن تكتحل عند علة تحدث في عينيها، وإنما منعت من الزينة، وتلبس من الثياب ما لا تكون به متزينة أو ما تصل به إلى غيره لعدم مكلها عنه، وإذا مات الزوج والمرأة حامل أو حائل لم يكن لها نفقة عليه لأن الخطاب قد زال عنه وما يخلفه من مال فلغيره، وللمطلقة واحدة أو اثنتين النفقة على المطلق، لأنه يملك عليها الرجعة ما كانت في العدة لأن حكم الزوجية باق عليها والإجماع على ذلك وعلى توريث الحي منهما من الميت. واختلف أصحابنا في وجوب النفقة والكسوة للمطلقة ثلاثا، فقال بعضهم بذلك ولم يوجبه بعضهم، وقول من لم يوجب السكنى ولا نفقة عندي أقوى في باب الحجة، ولما روت فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل للمطلقة ثلاثا كسوة ولا نفقة، وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن أم سلمة بلفظ قريب، باب فيما تجتنبه المعدة في عدتها، ر2304، والنسائي مثله، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، ر3535.
(2) لم أجده بهذا اللفظ. انظر الذي قبله. (10/138)
صفحة 1000
حجة من أوجب النفقة والكسوة للمطلقة ثلاثا قول الله تعالى: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } (1) وهو النفع، فعم بذلك جميع المطلقات، وحجة من لم يوجب ذلك الخبر عن النبي عليه السلام في فاطمة بنت قيس، وفي حديث صفية أنها اشتكت عينيها وهي حادة على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمضان، وقيل ترمصان، فالرمص بالصاد هو الذي يظهر على العين إذا هاجت، والرمض بالضاد هو مأخوذ من الرمضان وهو أن يشتد الحر على الحجارة حتى تحمى فيقول: هاج بعينها من الحر مثل ذلك، يقال منه قد رمض الإنسان رمضا إذا مشى على الرمضاء المحماة بالشمس، فشبه الحر الذي يظهر بالعين بذلك. روت فاطمة بنت قيس قالت: كنت عند رجل من بني مخزوم وطلقني البتة فأرسلت إلى أهلها تبغي النفقة فقالوا: ليس علينا نفقة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَة عليهم وعليك العدة» (2)
__________
(1) سورة البقرة: 241.
(2) رواه مسلم عَن فَاطِمَة بِنْت قَيْس "أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفص طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ"، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ...»، بَاب الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثا لا نَفَقَةَ لَهَا، ر2709. ومالك في الموطأ، مثله، ما جاء في نفقة المطلقة، ر1064.. (10/139)
صفحة 1001
فلما حللت خطبني معاوية وأبو جهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «وأما معاويةُ فعائلٌ لا شيءَ له، وأما أبو جهمٍ فرجلٌ لا يضعُ عصاهُ على عاتقهِ، أينَ أنتم من أسامةَ بن زيدٍ» (1) وكان أهلها كرهوا ذلك فقالت: لا أنكح إلا الذي دعاني إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكحته.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له ولكن أنكحي أسامة بن زيد..."، كتاب الطلاق والخلع والنفقة، ر532. ومسلم عن فاطمة بنت قيس مثله، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، ر1480. (10/140)
صفحة 1002
والنفقة لكل حامل إلا حاملا قد انقضت عدتها وهي التي يؤلي عنها زوجها وهي حامل فمضى لها أربعة أشهر فلم يكفر ولها أن تزوج وهي حامل ولا يطأ حتى تضع، وبعض رأى النفقة للتي بانت بالإيلاء الحامل قال: لأنها لا تزوج حتى تضع حملها وهي في العدة وعليها نفقتها حتى تضع ولم نر للملاعنة الحامل نفقة واللاتي يحرمن على أزواجهن إن كن حوامل فلهن النفقة حتى يضعن وإن لم يكن حوامل فلا نفقة لهن، وكذلك المختارات إن كن حوامل فلهن النفقة، وكذلك الملاعنة إن كانت حاملا، وللمطلقات الأدم على قول محبوب، ومن عجز عن نفقة مطلقته حتى انقضت العدة فهو دين عليه، ومن خير امرأته فاختارت نفسها فلها النفقة لأنه يملك رجعتها، ومن طلق امرأته ثلاثا وهي حامل فضرب الولد في بطنها فإنه ينفق عليها سنة، تسعة أشهر للولد وثلاثة أشهر عدة ثم لا نفقة عليه ولا تزوج أبدا حتى تلده. وقال محمد بن محبوب: لها النفقة سنتين ثم لا نفقة لها وإن لم تكن حاملا وبانت منه بواحدة أو اثنتين أنفق عليها حتى تنقضي عدتها ما انقضت، وقال أبو معاوية: إذا ادعت المطلقة أنها حامل فإنه تنظر إليها نسوة فإن قلن إنها حامل فلها النفقة وإن لم يقلن إنها حامل فلا نفقة لها فإن جاءت بولد فقالت: إني كنت حاملا وقد ولدت وطلبت النفقة فلم أعط فأعطني نفقتي منذ طلقتني فعليه أن يعطيها نفقتها منذ طلقها وادعت الحمل، فإن اشتبه على النساء فلم يقلن حاملا ولا غير حامل فطلبت هي النفقة وقالت إنها حامل فلها النفقة إلى سنيتن فإن جاءت بولد إلى سنتين فالولد ولده وإلا فالولد ولدها إذا جاءت به لأكثر من سنتين، وترد عليه ما أنفق عليها، فإن لم تلد وقالت: ضرب في بطني فليس لها بعد انقضاء السنتين نفقة ولا يرجع عليها بما أنفق لأنه لا يدري لعله كما تقول إنه ضرب في بطنها والله أعلم.
مسألة: (10/141)
صفحة 1003
ومن طلق امرأته ثلاثا فاعتدت ثلاث حيض ثم تزوجت ودخل الزوج ثم ظهر حملها فإن الأخير يعتزلها حتى تضع حملها ثم يتزوجها بنكاح جديد ونفقتها في اعتزال الأخير على الأول، لأن الولد ولده ولأن نكاح الأخير قد انفسخ، وكذلك إن طلقها تطليقة واحدة فاعتدت ثم تزوجت ثم ظهر حملها فالأخير يعتزلها وينفق عليها الأول، فإن أراد مراجعتها أشهد على رجعتها قبل أن تضع ثم لا يقربها حتى تضع ثم تحيض ثلاث حيض، ثم يطؤها وهي امرأته، وإن لم يردها أنفق عليها ولم يقربها هو ولا الأخير حتى تضع فإذا وضعت فإن أراد الأخير تزويجها بنكاح جديد ومهر جديد فذلك له، وللمختلعة الناشز المزوج الحامل النفقة.
مسألة: (10/142)
صفحة 1004
وإذا لم تطلب المطلقة إلى مطلقها نفقة في العدة حتى انقضت عدتها فلا شيء لها عليه، وسواء ذلك كانت حاملا أو غير حامل، وإنما يؤخذ لها بنفقتها حتى تضع حملها أو تنقضي عدتها بالحيض إن لم تكن حاملا إذا طلبت هي ذلك وهي في العدة، فأما إذا طلبت بعد انقضاء عدتها لم تدرك لما مضى، وكذلك إذا طلبت النفقة قبل انقضاء العدة ومن بعد أن خلا لها شيء مذ طلقها فليس لها عليه شيء لما خلا إذا لم تطلب ذلك وإنما عليه فيما يستأنف مذ طلبت ذلك إلى الحاكم. والمطلقة واحدة أو اثنتين إذا كانت حاملا فإنه ينفق عليها ما دامت حاملا فإن مات ورثته ولا نفقة لها، والمملوك إذا طلق امرأته وهي حبلى فعليه النفقة حتى تضع حملها وليس عليه رضاع ولدها، ولا نفقة للحامل المتوفى عنها بإجماع إلا قول شاذ عزب عنه، وعن جابر أنه قال: حبسها الميراث ولا ينفق عليها من مال الذي في بطنها حتى تضعه، فإن وضعته أنفق عليها من ماله، ومختلف في وجوب السكنى لها، ومختلف في نفقة المطلقة ثلاثا كان طلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو طلق واحدة بعد واحدة. وعن موسى بن علي أن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ولا سكنى وهو قول الفضل وعزان، قال أبو عبد الله: لها النفقة والكسوة والكسنى إلى انقضاء عدتها، وكذلك قال سليمان بن عثمان أن لها النفقة، قال أبو عبد الله: وإن كان طلقها واحدة أو اثنتين ثم طلقها تمام الثلاث لم يكن لها عليه نفقة ولا كسوة ولا سكنى، وعن محبوب فيمن يخرج من النساء بحرمة مثل الأخت من الرضاعة ويفرق بينهما أن لها النفقة أنها تعتد منه وكذلك الموطوءة في الحيض فيفرق بينهما لها النفقة والنفقة للجميع الحوامل إلا المميتة، ويقال لها أيضا الفاقدة، ولا نفقة للمرأة إلا يوم تطلبها إلا الحامل فلها النفقة مذ بان حملها، والعبد إذا طلق زوجته الحرة فلها النفقة وأما الأمة فإن أبرأها سيده وتركها تعتد في منزله فعليه النفقة وإلا فلا نفقة لها. (10/143)
صفحة 1005
وإذا طلق العبد زوجته بإذن سيده فعلى سيده نفقتها أمة كانت أو حرة، وكذلك إن خالعها بإذن سيده وكانت حاملا فلها النفقة على سيده، وقال أبو محمد: وإذا طلق العبد زوجته برأي سيده وهي أمة فلا نفقة لها ولو كانت حاملا، وروى جابر قال: طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجذ نخلا لها فلقيها رجل فنهاها فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك فقال لها: اخرجي فجذي نخلك لعلك تصدقي منه أو تفعلي خيراً. أجمع المسلمون أن للمطلقة الرجعية النفقة والسكنى، وأجمعوا أنهما يتوارثان في العدة، وأجمعوا أن المطلقة ثلاثا إذا كانت حاملا فلها على مطلقها النفقة، وإن لم تكن حاملا ففي نفقتها اختلاف.
مسألة:
ومن طلق زوجته ثم توفي عنها وهي في العدة فلا نفقة لها في ماله ولو كانت حاملا لأنه إن طلقها طلاقا يملك رجعتها فالميراث بدل من النفقة وإن طلقها طلاقا لا يمكن رجعتها وهي تستعد لنفسها فليس لها، ومن طلق امرأته فعليه أن ينفق عليها ويكسوها وينزلها منزلا فإن لم يجد فالنفقة والكسوة دين عليه متى وجد أداه إليها، وأما في المنزل فلا يلزمه إذا لم يكن له منزل يملكه وهو فقير فلا سكن عليه لها، هذا إذا طلقها طلاق يملك الرجعة. ومن طلق زوجته وعليها كسوة فهي محسوبة من كسوة العدة، ومن طلق امرأته فلم تطلب منه النفقة حتى رفعت عليه إلى الحاكم فليس لها ما تقدم إلا من يوم حاكمها، وكل الحوامل لهن النفقة إلا الأمة والملاعنة.
مسألة: (10/144)
صفحة 1006
ومن أنفق على مطلقته على أنها حامل فلم تكن حاملا فإنها ترد عليه ما استنفقت للحمل وهي بائن منه، ولو أنفق عليها على أنها زوجة له فكان النكاح فاسدا لم يرجع بالنفقة عليها من قبل أن نفقة الحامل لأجل الحمل فإذا تبين غير ذلك ردت ما أخذت بسبب الحمل الذي لم يكن، وأما النكاح الفاسد فإن النفقة تجب بنفس العقد وتسليمها على ظاهر العقد، وقد كان بها مستمتعاً فقد حصل له الاستمتاع، والنفقة إنما تجب بالاستمتاع لا للعقد المنفرد، ألا ترى أن العقد لا نفقة له حتى تسلم نفسها والأخرى لم يحصل له منها حمل، والله أعلم.
مسألة:
ومن مات وترك زوجة حاملا أو غير حامل فلا نفقة لها، الدليل على ذلك أن الميت قد زال ماله إلى غيره من الورثة فلا نفقة لها في مال الغير، ووجه آخر أن النفقة تسقط أيضا بما يتعوض من الميراث، وإذا مات العبد المملوك وترك زوجة فلا نفقة لها، وكذلك إن طلقها في حياته فلا نفقة لها لأن الولد لها، والمطلقة إذا لم تطلق نفقتها حتى انقضت نصف العدة أو عدتها كلها لم يحكم لها بما مضى، وإن دعت لها لم يحكم لها ولا بنفقتها للجهالة، وكذلك المملوك إذا لم يحكم له فيما مضى، وإن طلقها قبل الدخول بها كان لها نصف ما أصدقها إياه والنفقة لها بإجماع، كأن طلقها واحدة أو اثنتين، وإن طلقها واحدة أو اثنتين وقد دخل بها كان لها النفقة بإجماع، فإن طلقها ثلاثا ففي ذلك اختلاف، فإن كانت حاملا فلها النفقة للحمل الذي في بطنها لا لها، وسكنى لها لأن الله جل ثناؤه لم يذكر لها سكنى وهي حامل. وإذا قالت المطلقة أنها لم تحض وقد خلا لها سنتان مذ طلقها فعليه لها إلى أن تقول إنها لم تحض وقد انقضت عدتها وعليها له يمين إن استخانها في ذلك.
مسألة: (10/145)
صفحة 1007
ومن طلق زوجته فادعت أنها حامل فيه مصدقة وعليه لها النفقة إلى أن تضع حملها فإن خلا لها تسعة أشهر ولم تضع واتهمها بالكذب فعليها يمين بالله أنها حامل وما وضعت حملها وينفق عليها إلى سنتين، وإن خلا سنتان ولم تضع فعليها رد ما أنفقته عليها ويطرح عنها مما صار إليها من النفقة مقدار نفقتها في عدة ثلاث حيض، وإن احتجت أن الولد ضرب في بطنها فعليها اليمين في ذلك ولها النفقة عليه، فإن اتهمها أنها قد وضعت فعليها له يمين وكلما اتهمها استحلفها أنها وضعت حملها وسلم إليها النفقة فإن لم تقل أنها حامل أو كانت تعتد بالحيض فأنكرت أنها لم تحض فإنه ينفق عليها إلا أن تخلو ثلاثة أشهر قضاء عدتها فإن أنكرت أنها لم تحض فاتهمها فله عليها يمين أنها ما حاضت ثم ينفق عليها ثلاثة أشهر ويستحلفها على رأس ثلاثة أشهر يمينا وينفق عليها ويستحلفها على كل ما مضى يمكن أن تكون قد انقضت عدتها، وغاية ذلك إلى أن تيأس من المحيض ثم تعتد ثلاثة بعد ذلك فلا نفقة للمميتة وإن أكلت ردت ما أكلت وذلك أنها أكلت مال الورثة، والغلط في الأموال مضمون. والمطلقة إذا كانت تعتد بالحيض فعلى زوجها النفقة ما لم تنقض عدتها وهي مصدقة في ذلك لقول الله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (1) لا يكتمن انقضاء العدة فهي مصدقة إلى منتهى ما قالت، وقال بعض: عليها يمين في انقضاء كل ثلاثة أشهر أنها ما حاضت ثلاث حيض، ثم عليه النفقة حتى تصير في حد من تيأس من المحيض.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 228. (10/146)
صفحة 1008
ومن خالع في مرضه أو صحته ثم مات وهي في العدة أو هي حامل منه فلا نفقة لها في ماله إذا طلبت في ذلك إلى حاكم، ومن طلق وهو فقير لا يقدر على شيء فلا نفقة لها، وإن استغنى بعد ذلك فإنه لا يغرم لها نفقتها في عسرته، ونفقة المطلقة للسنة في الطلاق الذي يملك رجعتها لازم للمطلق صاع من حب وربع لكل يوم ما كانت في العدة منه حتى تنقضي والسكنى عليه لها متى تنقضي العدة. ولا نفقة للمطلقة ثلاثا ولا مختلعة ولا لكل بائن بحرمة ولا طلاق، ولا برآن ولا لعان ولا غير ذلك، ولا نفقة للمميتة أيضا، والنفقة لكل حامل على زوجها أو مطلقها أو على تزيج بغلط أو بخطأ إلا المميتة فلا نفقة لها على زوجها، والنفقة لكل مرضة زوجة كانت أو مطلقة في حال الرضاع، وقالوا: للمطلقة رباية رضاعها أجرة لكل شهر درهمان إلى ثلاثة أكثر ذلك، وروي أن لها النفقة وأما غير الوالدة ممن ترضع بالأجرة فلها الأجر على أحسن ما يكون برضى المرأة بذلك.
مسألة:
والمطلقة واحدة ليس لها أن تخرج إلا بحجة، والمطلقة ثلاثا نهيت عن الإقامة معه يأمرها القرآن إذا لم تكن فيه رجعة أن ترجع إليه، ولا تصل المرأة المميتة في غير بيتها ويفرض للمطلقة على مطلقها لولده الذي ترضعه درهمين في كل شهر إذا كان فقيرا إلى درهمين ونصف، ويفرض لها ثلاثة دراهم إن كان موسراً، فإذا كان للرجل أولاد من امرأة طلقها وطلبت أن يفرض لها عليه نفقتهم وطلبت والدتهم أن يحضرهم خادماً فذلك لها عليه أن يحضرها خادماً يغسل لهم ثيابهم ويعمل لهم ما يحتاجون إليه، ويعمل لهم طعامهم إن كانوا في بلد واحد فلوالدتهم أن تستعمل الخادم في وقت فراغ ضيعة ولده الذي يحتاجون إليها وإنما يلزم لهم الخادم إذا كان له سعة مال وإن كان فقيرا فليس ذلك عليه وليس عليه ولده لحم في الفطر ولا ضحية في النحر.
مسألة: (10/147)
صفحة 1009
والمرأة المطلقة من أهل الكتاب طلاقا بائنا والمميتة ليس عليها ترك الطيب ولا الحلي لأن الذي فيه من الشرك والذي يترك من فرائض الله أعظم من ذلك، فأما الأمة وأم الولد والمدبرة إذا كن على الإسلام فمات عن إحداهن زوجها أو طلقها طلاقا بائنا فإنه يجب عليها أن تتقي في عدتها من الثياب والطيب ما تتقي الحرة المسلمة، وأما الصبية فليس عليها أن تتقي من ذلك ما تتقي الكبيرة لأنها لم تبلغ ولم يجب عليها من ذلك ما يجب على الكبيرة، وكذلك يقول أصحاب أبي حنيفة، وأما أم الولد إذا مات عنها سيدها أو أعتقها فعليها ثلاث حيض، وليس عليها أن تتقي من اللبس والطيب ما تتقي المطلقة والمتوفى عنها زوجها لأن هذه لا تعتد من نكاح، وكذلك التي يفرق بينها وبين زوجها أو يموت عنها وقد كان نكاحها فاسداً فعليها من العدة ثلاث حيض وليس عليها أن تتقي في عدتها من الطيب والثياب ما تتقي المطلقة ولا المتوفى عنها زوجها ولا يضر هذه، ولأم الولد المعتقة والميت عنها سيدها أن يبتن في غير منازلهن لأن هذه ليست بعدة نكاح صحيح، وكذلك كل امرأة خرجت من دار الحرب مسلمة وخلفت زوجها كافرا فلا عدة عليها ولها أن تزوج إن لم يكن بها حبل، فإن كان بها حبل فليس لها أن تزوج حتى تضع حملها، ولا يقع طلاق زوجها الكافر عليها، وقيل عليها العدة إذا كانت حرة استبراء لرحمها بالحيض بثلاث حيض، وكذلك المرأة من أهل الحرب ولها زوج في دار الحرب ولا عدة عليها ولمولاها الذي اشتراها أن يستبرئها بحيضة إن أسلمت، أو كانت من أهل الكتاب فله أن يطأها ولا عدة عليها من زوجها ولا يقع عليها طلاقه، فإن لم تسلم ولم تكن من أهل الكتاب فلا ينبغي له أن يطأها ولو سبى زوجها بعدها فإن حالها على ما وصفت لك قد انقطعت عصمتها، وكل فرقة وقعت في هذا الباب فهي فرقة بغير طلاق، ولا يلزم الزوج من المهر شيء إن كان دخل بها أو لم يدخل إذا سبيا أو سبى أحدهما، ورباية الصبي إذا كان يرضع أقل ذلك درهم (10/148)
صفحة 1010
ونصف، ومنهم من قال درهمان وأكثره ثلاثة دراهم.
مسألة:
والمميتة تخرج من بيت زوجها وتنتقل إلى أهلها ولا بأس عليها إن ذهبت إلى أهلها قبل محل أجلها ولها أن تبرز بمن لا يجوز له نكاحها، وتستتر ممن يجوز له نكاحها، وأما المطلقة فلا تخرج حتى يحل أجلها فإن خرجت ولزوجها عليها رجعة فقد أبطلت نفقتها، وإذا كانت المرأة في منزل بكراء مع زوجها فطلقها فيه فعلى زوجها الكراء حتى تنقضي العدة، فإن أخرجها أهل المنزل فهي في سعة من التحول عنه. وإن كانت المطلقة في منزل زوجها الذي طلقها فيه وقد غاب زوجها فإن عليها أن تقيم فيه حتى تنقضي العدة، ولو كان المنزل لغير زوجها فأخذها أهل المنزل بالإجارة فينبغي له أن يعطي الإجارة وتسكن حتى تنقضي العدة، والحامل وغير الحامل في السكن والنفقة في الطلاق سواء، والمطلقة إذا غاب عنها زوجها وهي في منزل ليس معها فيه رجل وهو مخوف منه على نفسها ومتاعها وسعها النقلة، ولو كانت في مخلاف من المخاليف فطلقها زوجها هنالك فدخل عليها خوف من السلطان وغيره وسعها دخول المصر الذي تأمن فيه. ولو طلقها زوجها وهي في منزل أهلها أو غيرهم زائرة فإن عليها أن تعود إلى منزل زوجها حتى تعتد فيه، ولو خرجت هي وزوجها من منزله إلى منزل من غير أن يتحولا فيه وينتقلا فطلقها فيه فإن عليها أن تعود إلى منزلها فتقيم فيه حتى تنقضي عدتها، ولو سافر بها زوجها فطلقها وقد سافر بها ثلاثة أيام كانت بالخيار إن شاءت مضت على سفرها، وإن شاءت رجعت إلى منزلها مع زوجها لا تفارقه إلا أن يكون الطلاق ثلاثا أو يكون لعاناً أو خلعاً فذهابها معه وحدها ورجوعها معه وحدها سواء لأنه ليس معها ذو محرم. (10/149)
صفحة 1011
ولو توفي معها زوجها أو طلقها وهي على مسيرة يوم أو أقل من ذلك كان عليها إن طلقها أن ترجع إلى منزلها، وأما المميتة فإن لها أن تذهب حيث شاءت مما يجوز لها الذهاب إليه إذا انقضت عدتها، وإذا طلقها طلاقا بائنا وقد سارت من منزله ثلاثا أو أكثر والمكان الذي تريد يوم أو أقل مضت إلى ذلك المكان فاعتدت فيه ولم ترجع إلى منزلها لأنه أقل السيرين، وإذا طلقها زوجها وهي في مصر وبينها وبين منزلها ثلاثة أيام وبينها وبين المكان الذي أرادت كذلك أقامت في المصر حتى تنقضي عدتها ثم تخرج إلى الوجهين شاءت ومعها ذو محرم. وللمطلقة أن تخرج من بيتها إلى الدار وتبيت في أي بيوت الدار شاءت إذا كانت بيوت الدار لزوجها، وإن طلقها ثلاثا وليس له إلا بيت واحدا فينبغي أن يسترا بينها وبينه سترا وإن أبى ذلك عليها فلينتقل، ولا ينبغي للمطلقة أن تسافر مع ذي محرم ولا غيره حتى تنقضي عدتها لقوله تعالى: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، وإذا انهدم منزل المطلقة وسعها التحول منه إلى حيث شاءت، وللمطلق إذا انهدم منزله أو كان المنزل بكراء فأخرج الزوج منه أو جاءت حالة عذر يسع معها التحول أن يحولها حيث أحب، والمشيئة في ذلك إلى الرجل لا إلى المرأة، وله نقلها حيث شاء ويحصنها وينفق عليها لأن عليه النفقة والسكن والإحصان كي لا يلحق منها ما يكره من الولد وغيره.
مسألة: (10/150)
صفحة 1012
قال أبو حنيفة: المميتة ممنوعة من الطيب والزينة بإجماع، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه نهى المتوفى عنها زوجها أن تكتحل»، وعن ابن عباس وابن عمر أنهما نهيا عن الزيننة والكحل إلا من وجع فإنه جعل الوجع عذرا، ولذلك نظائر كثيرة، ولا خلاف في أن المطلقة لا تخرج من بيتها ليلا ولا نهارا. أما المميتة فقال أبو حنيفة أنها لا تنتقل أيضا لأن الله تعالى قال: { مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1)
__________
(1) سورة البقرة: 240.. (10/151)
صفحة 1013
فأمر لما كان الفرض على المتوفى عنها أن تلبث للعدة حولا وأن لا تخرج من بيتها فنسخ من الحول ما زاد على أربعة أشهر وعشرا، وجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا فرجعت بالعدة من الحول إلى هذه الآية، وبقي من حكم آية الحول قوله عز وجل: { غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فلا ينبغي أن تخرج المعتدة بالنقلة إلى بيت غيرها فنسخ من هذه الآية النقلة إلى بيت غيرها بالسنة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المعتدة من الوفاة من الانتقال عن بيت زوجها، وذلك أن الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ عَبِيدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلاَ تَرَكَ لِي نَفَقَةً، فَأَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالْحُجْرَةِ دَعَاهَا فَدُعِيَتْ لَهُ فَقَالَ لَهَا: «كَيْفَ قُلْتِ» فَرَدَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ لَهَا: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» (1) ، فبينت السنَّة ما دل عليه الكتاب بذلك، وللميتة أن تخرج نهارا ولا تبيت بعيداً عن بيتها، يدل على ذلك حديث الفريعة لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهاها عن الانتقال ولم ينهها عن الخروج لأنه لم ينهها عن خروجها إليه نهارا حتى سألته عن أمرها.
__________
(1) رواه الربيع عن أبي سعيد بلفظه، باب الحداد والعدة، ر539. (10/152)
صفحة 1014
ويروى عن ابن مسعود في نسوة قتل أزواجهن قال: يتزاورن النهار ويبتن بالليل في منازلهن، وقد روي عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وغيرهم من الصحابة مثل ذلك، وإذا كان الدليل من السنة قائما والقول من الصحابة موجوداً لم يكن لأحد من أتباعهم معدل. قال أبو يوسف: إن للمعتدة أن تنتقل من بيتها بالعذر الظاهر ومن الحجة، وروي عن علي بن أبي طالب أنه نقل أم كلثوم ابنته لما قتل عثمان، فقيل إنه نقلها لأنها كانت في دار الإجارة، ونقلت عائشة أختها لما قتل طلحة، وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا ابتذت على أحمائها حل لهم إخراجها وليس على المطلقة الرجعية والمبتوتة إحداد، ولا على المخلوعة ولا الملاعنة ولا المختارة نفسها إلا في الثلاث فهي مخيرة أيضا في الثلاث لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (1) .
__________
(1) رواه الربيع عن أبي سعيد بلفظه، بَابُ (29) الْحِدَادِ وَالْعِدَّةِ، ر536. (10/153)
صفحة 1015
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «علَى ميِّتهَا إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ» وأي الأمرين كان فالأمر غير وارد على المطلقة بالإحداد، وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة والخضاب وهو مأخوذ من المنع لأنها منعت من ذلك، ومنه قيل لرجل محدود أي ممنوع من الرزق، وقيل للبواب حداد لأنه يمنع الناس من الدخول، وفي إحداد المرأة على زوجها لغتان، يقال: حدت على زوجها تحد حدادا وأحدت تحد إحدادا، روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»، عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب، ولا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغاً ولا ثوب عصب ولا تمس طيبا إلا عند طهرها من محيضها بيده من قسط أو أظفار» (1) . وفي الحديث: «لا ينبغي لأحد أن يحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا المرأة فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا»، ويقال: أحدت المرأة فهي محد وهو التسليب والتسليب هو بمعنى الإحداد في الأموات إلا أن الإحداد في الزوج خاصة ولا إحداد على الصغيرة لارتفاع القلم عنها ولا على الذمية لأنها غير مؤمنة ولا إحداد على أم الولد بإجماع الأمة، يقال: أحدت المرأة وحدت ولغة حدت تحد، إذا تركت الكحل والزينة بعد وفاة زوجها، وأصل ذلك من المنع أن تمنع نفسها من ذلك، وإنما سميت الحدود في الأرض من هذا، ومنه رجل محدود أي ممنوع من الرزق، ومنه سمي السجان حدادا، وقال الشاعر: يقولي لي الحداد وهو يسوقني *** إلى السجن لا تجزع فما بك من بأس
__________
(1) حديث */ مر بعضه في الصفحات السابقة (10/154)
صفحة 1016
وكان الحسن لا يرى الإحداد، واختلف قومنا في الإحداد وهو صفة من صفات العدة، فقال قوم: لا يجب أصلا، وذلك ذلك عن الحسن تعلقا بحديث أسماء بنت عميس فإنه جاء نعي جعفر بن أبي طالب من حرب مؤتة فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - تلبثي ثلاثا، ولم يأمرها بالإحداد، وذهب قوم إلى وجوده في عدة الوفاة تعلقا بحديث زينب بنت جحش فإنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يحل لامرأة أن تحد على ميت إلا امرأة على زوج أربعة أشهر وعشرا»، واستدلوا عليه بحديث أم سلمة وحديث المرأة التي سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - على حداد ابنتها التي مات زوجها فأمرها به، والإحداد هو من الأمر القديم الذي أمر عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكانت العرب تفعله. قال الشاعر:
ألا ليت شعري عن غزال تركته *** إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع
أيلبس أثواب السواد محددا *** على مالك أم فيه للبعل مطمع (10/155)
صفحة 1017
وروت أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر ولا الممشقة ولا تلبس الحلي ولا تكتحل ولا تختضب»، واختلف قومنا في الإحداد وللمطلقة ثلاثا، ففي قول الشافعي القديم لم يجب ذلك عليها، وبه يقول أبو حنيفة وابن المسيب، وفي قوله الحديث لا يجب ذلك عليها وهو قول ربيعة ومالك لأنها معتدة من طلاق قياساً على الرجعية أولى بها بعدة تتنوع ثلاثة أنواع، الزمان والحمل والأقراء فأشبهت عدة الرجعية، وعدة الوفاة تتنوع نوعين الزمان والحمل وأيضا فإن الإحداد من الأمر القديم ولم يكن لها في الوفاة لتمسكه بعصمتها إلى آخر حياته فحسن أن يجب عليها ذلك له. وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الصغيرة وأظنه يقيس المجنونة عليها لارتفاع القلم عنها، يقال: امرأة حاد ومحدود وحدت على زوجها وأحدته، والإحداد هو ترك الطيب والزينة، والمميتة عليها الإحداد إجماعا والرجعية لا يجب ذلك عليها إجماعا، واختلفوا في البائنة فعند أصحاب أبي حنيفة يجب عليها وعند الشافعي لا يجب عليها. أجمع أهل العلم على أن المطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى، واختلفوا في المطلقة ثلاثا، وكذلك اختلفوا في وجوب النفقة للمميتة الحامل فأوجبها قوم وتكون من رأس المال، ولم يوجبها آخرون وهو قول لجابر بن عبد الله وابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وغيرهم، قال الشافعي: المبتوتة لا نفقة لها، وقال أبو حنيفة: لها النفقة فيحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس: «لا نفقةَ لكِ إلاَّ أنْ تكون [تكونِي] حاملاً» (1) ،
__________
(1) رواه مسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بمعناه، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، ر1480. وأبو داود عن عبيد الله بلفظه، باب في نفقة المبتوتة، ر2290.. (10/156)
صفحة 1018
وقال أصحاب أبي حنيفة: للمطلقة ثلاثا أو واحدة بائنة السكنى والنفقة ولا خلاف في السكنى بيننا وبين الشافعي ومالك، وروي ذلك عن ابن عباس، وأما النفقة فإنها تجب عندنا، وقال الشافعي ومالك: لا تجب. أبو قحطان قال: ليس للمطلقة ثلاثا سكنى ولا نفقة إلا أن تكون حاملا، وقال بعض: لها والمختلعة والملاعنة أن يخرجن ولا نفقة لهن إلا أن يكن حوامل، وقال بعض: ليس للمطلقة ثلاثا أن تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، وإن سافر زوج المطلقة واحدة أو اثنتين قبل أن يردها أو تحول إلى موضع آخر فقيل لها أن تحول معه، وإن غاب عنها وبقيت في منزل تخاف منه فلها أن تحول عنه، وكذلك إذا أخرجها أهل المنزل الذي كانت تسكنه وخافت ذلك منه، وإن كان الزوج حاضرا فالسكنى عليه ويحولها حيث أراد. وأما الأمة فإنها تخرج وليس هي في مثل الحرة إلا أن يتركها سيدها لمنفقة مطلقها فعليه السكنى والنفقة مثل ما يكون عليه لها قبل أن يطلقها، وكره الطيب للمميتة ابن عباس وابن عمر وعائشة وعطاء والحسن وكثير من أهل العلم وكذلك الدهن المطيب، ورخص الزهري في الدهن فيه الريحان وكره ذلك مالك ورخص الكل في لبس البياض. (10/157)
صفحة 1019
قال أصحاب أبي حنيفة: كل عدة وجبت من نكاح فاسد فلا سكنى لها ولا نفقة لأن النفقة إنما تجب بتسليمها نفسها في بيت الزوج لسبب النكاح وهذا المعنى غير موجود في النكاح الفاسد لأنه لا يجب لها السكنى ولا يجب لها النفقة ولا سكنى ولا نفقة للمميتة في مال الزوج حاملا كانت أم غير حامل، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وجابر والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب، والمميتة تعتد حيث شاءت، وهو قول عطاء وجابر بن زيد والحسن وروي عن علي وابن عباس وعائشة، واختلف في نفقة المطلقة ثلاثا وسكناها فقال قوم: لا نفقة لها ولا سكنى، وهو قول ابن عباس وعكرمة والحسن والشعبي وعطاء، وقال قوم: لها النفقة والسكنى حاملا كانت أم غير حامل، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وروي عن عمر وعبد الله، وبه قال شريح، وقول ثالث: أن لها السكنى ولا نفقة وهو قول الحسن وعطاء ومالك والشافعي وغيرهم. واحتج أصحاب هذا القول بقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (1) الآية، نعم بالسكن للمطلقات فذلك واجب لهن، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس: «ليس لك عليه نفقة» فالسكنى تجب بظاهر الكتاب للمطلقة ثلاثا والنفقة غير واجبة لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واختلف قومنا في نفقة المختلعة الحامل، فقال بعضهم: لها النفقة، ومنهم مالك والشافعي والشعبي وسعيد بن المسيب وطاووس والزهري وغيرهم، وعن الحسن وعطاء أنهما قالا: لا نفقة لها.
__________
(1) سورة الطلاق: 6. (10/158)
صفحة 1020
واختلفوا في وجوب النفقة والسكنى لها إذا كانت حاملا، وقال الشعبي وأصحاب الرأي: لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة، وقال أبو ثور: لا سكنى لها ولا نفقة، وقال ثالث: لها السكنى ولا نفقة، وهو قول مالك والشافعي، وقول رابع لا نفقة لها إلا أن يشترط ذلك على زوجها، وروي هذا عن الحسن وحماد بن أبي سليمان، واختلف قومنا في الملاعنة، قال أبو ثور: لا نفقة لها، وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أن لا بيتَ لها [عليه] ولا قوتَ» (1) ، وقال الزهري ومالك والشافعي: لها السكنى ولا نفقة لها، وقال قوم: لها النفقة والسكنى جميعا.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن ابن عباس بلفظ: "وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت"، باب في اللعان، ر2256. والبيهقي مثله، باب ما يكون بعد التعان الزوج من الفرقة ونفي الولد وحد المرأة إن لم تلتعن، ر15132. (10/159)
صفحة 1021
والمميتة لا نفقة لها بإجماع، إلا في قول شاذ لا عمل عليه، ولا نفقة لها أيضا في مال الذي في بطنها حتى تضعه فإن أرضعته أنفق عليها من ماله، وعن جابر أنه قال: حبسها الميراث، ومختلف في وجوب السكنى لها، وعن ابن عباس قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يعني لنسائهم، { مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } وكان ذلك في أول الإسلام، كان المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة في بيت زوجها سنة ولا يخرجها الورثة فإن خرجت هي من قبل نفسها قبل الحول فلا جناح عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف، يعني أن تتزين وتتشرف وتلتمس الأزواج، ثم صار ما كان لها في السكنى والعدة منسوخة بقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} الآية، وكل امرأة مات عنها زوجها دخل بها أو لم يدخل بها فعدتها أربعة أشهر وعشرا، وكان غائبا عنها أو شاهدا، ونفقتها في الميراث إلا أن تكون حاملا، فعدتها وضع الحمل لقوله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (1) وهذا آخر الأجلين.
فصل:
والمميتة التي مات عنها زوجها ويقال لها أيضا الفاقدة، كما قالوا للتي غاب عنها زوجها مغيبة وللتي غزا زوجها مغزية في حديث: قد كانت تقعد سنة أيما حتى إذا مر كلب لفعته ببعرة أي رمته بها، قال لفعت الشيء أي رميت به.
مسألة:
__________
(1) سورة الطلاق: 4. (10/160)
صفحة 1022
قال أبو عبد الله: المطلقة ثلاثا بكلمة واحدة لها السكنى والنفقة والكسوة إلى انقضاء عدتها، وقال موسى بن علي: ليس لها نفقة، قال أبو عبد الله: وإن كان قد طلقها واحدة أو اثنتين ثم طلقها تمام الثلاث لم يكن عليه لها نفقة ولا كسوة ولا سكنى. وهذا من شعر أبي جابر محمد بن جعفر فيما يكره للمميتة من اللباس ويجوز للمطلقات:
كره الحرير ولبس كل معصفر *** والطيب مع زين يكحل يظهر
أو أن تحلى أو تطيب نفسها *** بالدهن بعد حليلها وتعطر
هذا لكل مميتة في عدة *** إلا الصغيرة للصباء فتعذر
أو علة في العين أو ضر بها *** عند اللباس لغير زين يشهر
فالله أكرم قادر في عزه *** والله أعلم بالعباد وأخبر
هذا وأما من يطلق عرسه *** فلها الزيون لغيظه والعنبر
والعطر والنفقات في أيامها *** والحق يعلو من علاه ويقهر (10/161)
صفحة 1023
وقال: قيل إن فاطنة بنت قيس روت في زمان عمر فقالت: إنه كان زوجي طلقني فأتيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ير عليه نفقة ولا كسوة، فقال عمر: لسنا نترك آية من كتاب الله ونأخذ بقول امرأة. قال أبو معاوية: والمختلعة والملاعنة لا نفقة لها إلا أن تكونا حاملتين فلهما النفقة ولا كسوة لهؤلاء ما دمن في العدة، والمختارة نفسها لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا فلها النفقة. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المتوفىَّ عنها زوجُها تكتحلْ» (1) وممن قال بذلك عائشة وابن عمر والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم، وروي ذلك عن أم سلمة وأم عطية، ورخض في لبس السواد عروة بن الزبير ومالك والشافعي، وعن ابن عمر وعائشة وأم سلمة وسعيد بن المسيب أنهم نهوا عن لبس الحلي كله، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وأبو ثور، وكان عطاء لا يكره الفضة إذا كان عليها حين مات ولم تكن عليها ذلك لم تبتد لبسهن وكره لها الخضاب سعيد بن المسيب وعروة، وروي ذلك عن ابن عمر وأم سلمة، ونهى ابن عمر عن الكحل للزينة إلا أن تشتكي عينها. وعن عائشة وأم سلمة وأم عطية، وبه قال مالك والشافعي، ورخص لها فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي. وروي أن نساء قتل أزواجهن فشكين إلى عمر الوحشة فأذن لهن أن يتزاورن نهارا ولا يبتن، وخروج المميتة نهارا جائز لأن نفقتها في مال نفسها فتحتاج أن تدبر أمر نفقتها فتخرج.
مسألة:
__________
(1) لم أجده بهذا اللفظ، وروي بلفظ: "لا تحكتحل..." (10/162)
صفحة 1024
وقال بعض الصحابة إذا وضعت الحامل ما في بطنها فقد حلت ولو كان زوجها على السرير، والآية محتملة للقولين والله أعلم بالصواب، والحامل المميتة لا نفقة لها بإجماع، وقد قال جابر حبسها الميراث، وقد كان الرجل في بدء الإسلام لزوجته بالنفقة أيام عدتها فنسخ الله ذلك بالميراث فلا نفقة للمميتة بحال كانت حاملا أو حائلا. واختلف قول الشافعي في السكنى لها على الورثة أحدهما يجب إسكانها عليهم، والثاني لا يلزمهم بل يستحب ذلك لهم، وأما المطلقة رجعياً فلها النفقة والسكنى إجماعا حاملا كانت أو حائلاً، وأما المطلقة ثلاثا ففيها اختلاف، وحكي عن جابر وابن عباس أنه لا سكنى لها ولا نفقة إن لم تكن حاملا، والحجة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس فإنها قالت: طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة، فإن اعتل معتل بأنه قد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل لها النفقة، قيل له: إن صح ذلك فمعناه أنه ظن أنه طلاق رجعي فلما تحقق كونه بائنا أسقط ذلك بل قد روي أنه عليه السلام قال لها: لا نفقة لك إنما النفقة للتي يملك زوجها رجعتها، وقد قال قوم: للمميتة السكنى في أيام عدتها في مال الزوج. (10/163)
صفحة 1025
وروي عن ابن عمر وابن مسعود وعثمان وأم سلمة ونحوه عن مالك وأبي حنيفة، وقال قوم: لا سكنى لها وذكر ذلك عن علي وابن عباس وعائشة، وهو مذهب المزني، فمن قال: لا سكنى لها قال لأن الله تعالى لم يذكر ذلك في عدة الوفاة كما ذكر في عدة الطلاق، ولأنه معنى يجب بالزوجية فسقط بالموت ولتله النفقة، ومن قال: لها ذلك تعلق بحديث الفريعة بنت مالك، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لها: «امكثي أربعة أشهر وعشرا في المسكن الذي ذكره» (1) ، قوله فإن قيل: فلم قال لها انتقلي ثم قال لها بل امكثي أربعة أشهر وعشرا، قيل: يجوز أن يكون لم يتثبت كلامها أولا فلما استثبته أجابها بالواجب لأن في الرواية أنها قالت: "فلما وليت دعاني وقال لي: «أعيدي علي» فأعدت عليه فقال: «لا امكثي أربعة أشهر وعشرا». وقال بعض قومنا: لا تخرج المميتة والمبتوتة في عدتها ليلا ولا نهارا إلا عند الضرورة، وقال جابر: طلقت خالتي فخرجت لجذاذ نخل لها فزجرها عن ذلك رجل فأعلمت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: اخرجي لجذاذ نخلك لعلك أن تتصدقي منه بشيء، وهذا لأن نخل المدينة قريب منها فكانت تخرج نهارا وتعد حاجة وضرورة، وقال مجاهد: استشهد رجال يوم أحد فاجتمع نساؤهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكون إليه الوحشة، وسألنه أن يبتن عند واحدة منهن، قال: اجتمعن عند واحدة منكن وتحدثن فإذا كان وقت النوم فلتأت كل واحدة إلى بيتها.
__________
(1) سبق تخريجه في حديث: «*/» (10/164)
صفحة 1026
والنفقة للمطلقة الرجعية واجبة يوما فيوما حاملاً كانت أو حائلا، والمبتوتة إن كانت حاملا يوماً فيوما إلى أن تضع، وعلى قول من يرى أن النفقة للحمل وجهان أحدهما تعطى يوماً فيوماً، والآخر تعطى حتى تضع فتأخذ لها مضى، ومختلف في المميتة وإقامتها في مسكنها حتى تنقضي عدتها، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وقال آخرون: تقعد حيث شاءت وهو قول عطاء والحسن وجابر بن زيد، وروي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة، واختلفوا في المعتدة تحج، فقال قوم: جائز وهو قول عطاء وطاوس، وروي ذلك عن عائشة وابن عباس، وقال قوم: لا تحج، ومنهم عمر وعثمان والشافعي، وقال مالك: ترد ما لم تحرم.
باب في الولد ونسبه والإقرار به وقرابته وميراثه ونفقته وما هو من أمره وأحكام ذلك: (10/165)
صفحة 1027
عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوماً بمكة فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله قتل رجل من أصحابك بالمزدلفة: فقال: «إن أغنى [أعدى أو أعتى] الناسِ على اللهِ ثلاثةُ نفرٍ، رجلٌ قتل في الحرمِ، ورجلٌ قتلَ غير قاتلِه، ورجلٌ يدخل [بدخول أو بذحول أو بذحل] الجاهليةِ» (1) ، فقام إليه رجل آخر فقال: يا رسول الله هذا ابني أعرفه وقعت على أمه في الجاهلية، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا دعوةَ في الإسلامِ، ذهبَ أمرُ الجاهليةِ الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرِ إلا ثلاث وإلا ثلاث قباب الحجارةِ» (2) ، وفي لغة التراب: أيما رجل عهر مملوكة قوم آخرون أو بامرأة من قوم آخرين فحملت فادعى ولدها فإنه لا يرث ولا يورث، والمدعي أولى اليمين إلا أن يقوم ببينة، ومن زنا بامرأة ثم ولدت فليس له أن يقر به ولدا له كان لها أو لم يكن لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (3) فليس للعاهر على كل حال أن يقر بولد زنا كان لها زوج أو لم يكن، فإن حفظها عنده مذ حملت حتى ولدت فلا يقر به أيضا أنه ولده ويسعه أن لا يقر به ولا يرثه، وأما إذا أقر بولد أنه منه وليس لأمه زوج أو لم يقر أنه زنا بها جاز إقراره به ولحقه لأنه لا يدري ما كان بينهما.
__________
(1) رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قاتله أو قتل بدخول الجاهلية"، ر6681. وابن أبي شيبة مثله بلفظ: "بذحول الجاهلية، ر36904. وروي بلفظ: "إن أعتى الناس..." وبلفظ: "...بذحل الجاهلية".
(2) رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظه، دون ذكر "إلا ثلاث وإلا ثلاث قباب الحجارة"، باب الولد للفراش، ر2274. وأحمد، بلفظ "وللعاهر الأثلب" بمعنى الحجر، دون ذكر "إلا ثلاث وإلا ثلاث قباب الحجارة"، ر6681.
(3) رواه الربيع عن عائشة بلفظه وزيادة، باب (36) في الرجم والحدود، ر609. (10/166)
صفحة 1028
قال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن من أقر بولد من زنا لحق به وورثه، وبه نأخذ، ومن ادعت امرأته بعد موته أنه كان يقر في حياته أنها كانت زوجته وأن ولدها منه وأقامت بينة أنه كان يقر في حياته أنها زوجته وأن ذلك الولد ولده ولا بينة عندها بنكاح فللولد الميراث، ومن أحل لرجل جاريته فأصابها وولدت منه فلا يحل ذلك ويستسعى في ولدها فيؤخذ منه ثمنه ويدرأ عنه الحد ويلحق به الولد، وإذا كان أحد الأبوين مسلما فأحكام الولد أحكام المسلمين، ومن اعترف بولد امرأة حرة وصدقته المرأة فإنهما يتوارثان، وإذا سبى المرأة العدو ورأى زوجها ما يصنع بها العدو وقبلت نفسه بذلك فلا بأس، وإن ولدت شبه الهندي فذلك للفراش.
فصل:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما من نفسٍ مولودٍ يولدُ إلا والشيطانُ ينالُ منه تلك الطعنةِ ولها يستهلُ الصبيُّ صارخاً إلا ما كان من مريمَ بنت عمرانَ فإنها لما وضعتْ قالت ربِّ إني أُعيذها بك وذريتَها من الشيطانِ الرجيمِ، فضُرب دونهَا حجابٌ فطُعن فيه، وإن المسيحَ لما وُلد حفَّت به الملائكةُ فلم يدنُ منه إبليسُ» (1) ، ويقال: ماء الرجل أبيض ثخين يخلق منه عظم الولد وعصبه، وماء المرأة أصفر رقيق يكون منه اللحم والدم، فإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل أنثى بإذن الله، ويقال: ولَدُ وولُد وولِد ويكون واحدا وجمعاً. قال الشاعر:
فليت فلانا كان في بطن أمه *** وليت فلانا كان ولد حمار
قال: ومن أمثال بني أسد: ولدك من دمي عقبيك أي من ولدته، ويقال: أبوت الرجل أبوه أبوا إذا كانت له أبا بأبوة.
مسألة:
__________
(1) رواه البيهقي عن أبي هريرة بمعناه، باب ميراث الحمل، ر12265. والحاكم في المستدرك بمعناه، ذكر نبي الله وروحه عيسى بن مريم، ر4158. (10/167)
صفحة 1029
ومن تزوج امرأة ولها ولد من غيره فأراد إخراجها فجاز له ذلك إن كان يستغني عن أمه إذا اعتزل عنها، وإن تركه معها فجاز وإن لم يتركه معها وأخرجه جاز ذلك، وإن كان الولد ممن لا يستغني عن أمه لمطعمه ومشربه وتربيته فليس له أن يفرق بينهما، ومن تزوج امرأة فولدت منه لتمام ستة أشهر ودون ذلك بيومين من مدخلها عليه فالولد ولده، وإن وضعت لخمسة أشهر من مدخلها عليه صبيا كبيرا قال الربيع: ما بلغني في ذلك شيء والله أعلم.
مسألة:
ومن طلق امرأته وتزوجت في بقية عدتها فجاءت بولد لسنتين مذ طلقها الأول أو لستة أشهر أو أكثر مذ تزوجها الآخر، فالولد للآخر لأن الوطء منه والله أعلم، ولو أنه تزوجها وهو ممن لا يحل له نكاحها من نسب أو رضاع وهما لا يعلمان أو كان وطأ أو مس أو رأى فرج من لا يحل له نكاحها بذلك المس والنظر والوطء فجاءت بولد لستة أشهر أو أكثر، قال محمد بن محبوب: كان عندي للآخر والله أعلم. ومن زوج جارية له ثم باعها من رجل فجعل الرجل يطؤها والزوج يطؤها حيث لا يعلم المولى ورجاه إياها ولم يطلقها الزوج فالولد للزوج ويعتقون لأنه قد أقر أنهم أولاده، فإن كان السيد الأول وطأها ووطأها الآخر فجاءت بولد لستة أشهر من اشترائها فالولد للمشتري، وإن جاءت به لأقل فهو للأول، فإن جاءت به لستة أشهر من يوم وطآها جميعاً فالولد للمشتري ولا يصدق البائع ولو صدقه، ومن أقر بولد أو والد جاز إقراره عليه، ومن اشترى جارية فوطأها قبل الاشتراء فجاءت بولد فإنه يلحقه ويرثها، ومن ادعى غلاما أنه ولده وأنكر ذلك الولد فإن كان الولد بالغا لم تجز دعواه عليه، ومن أقر بولد ثم أنكر لم يجز إنكاره بعد ذلك ولو كان من أمة له وإقراره لازم له والولد لاحق به، كان إقراره هذا في صحته أو في مرضه ويرثه هذا الولد المقر به مع ورثته إلا أن يكون لأمته زوج يوم ولدته فإقراره يبطل.
مسألة: (10/168)
صفحة 1030
ومن أقر بولد له من جارية له ولم يصدق الرجل إخوته وبنوته ثم مات الغلام فإن الغلام يثبت نسبه من أبيه ويرث أباه ويرث إخوته منه ما يرث من أبيه ومما ورث من إخوته وما كان للغلام من مال من غير أبيه ومن غير إخوته لا يرثون منه شيء حتى يبلغ الغلام ويصدق أباه فإن صدقه ورثهم وورثوه من جميع ماله، وإن الغلام كذب أباه رد جميع ما ورث من أبيهم عليهم ومن إخوته ولم يرثوا منه شيئا ولم يثبت نسبه من الذي أقر به إلا أن تشهد البينة العادلة أن هذا الغلام ولدته هذه الجارية في ملك هذا الرجل الذي أقر به، فإذا شهدوا بذلك البينة لم يكن للغلام تكذيب ولا تصديق، ويثبت نسبه من أبيه ويرث إخوته ويرثونه إلا أن تكون تشهد البينة أنه أقر به من هذه الجارية ويوم أقر بهذا الغلام ولهذه الجارية زوج غير السيد فإن للغلام التكذيب والتصديق إذا بلغ. وإن أقر به السيد وادعاه الزوج كان أولى به من السيد إلا أن الغلام يكون حرا بإقرار سيده به إذا كان الغلام ولد على فراش الزوج، فإن قال السيد أنه ولد من قبل أن تزوج أمه وقال الزوج: أنه ولد على فراشه فالقول قول السيد وعلى الزوج البينة بأنه عبد السيد وهو أملك به فالقول قوله في الغلام والله أعلم بالصواب.
مسألة: (10/169)
صفحة 1031
ومن باع جارية من رجل فولدت ولداً وهي في ملك الآخر بعد أن خلا لها خمسة أشهر ونصف من كونها مع الآخر فأقر مولاها الأول أنه كان يطؤها، وقال بعتها بعد أن ستبرأتها، وقال الآخر: قد وطأتها إلى أن ظهر حملها فقالا جميعا: ليس الولد منا واصطلح بينهما على دراهم، فقالت الجارية: قد أقررتما بالوقوع علي وولدي من أحدكما فولدي حر لا يملك، وإنكراها الولد وأقر الوطء فالذي سمعنا أن الذي قضى به من زمن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ أنه ألزم صاحب الفراش الولد ولم يبرئه منه إذا خلا لنكاحه ستة أشهر، وإذا أقرا جميعاً فولدها حر ولا يبرئ الأخير منه لأن الله تعالى يفعل ما يشاء فيما قل من العدة أو كثر. وأم الولد للذي اشتراها الأخير، ومن تزوج أمة قوم على أن أول ولد تلده حر فولدت ولدين في بطن واحد لم يعرف أيهما قبل فرأيي أنهما حران ولا أرى لأرباب الأمة عليهما ولا على أيهما شيئاً من سبب التحرير، ولا يكره أرباب الأمة على بيع بني أمتهم لأبيهم إذا كان حراً، والله أعلم، وولد الولد يقال له الوراء من قول الله تعالى: { وَمِن وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (1) أي من بعد إسحاق. وإذا قال الرجل: زنيت بهذه المرأة وأتيت بهذا الولد منها وهو ولدي فإنه غير لاحق به بإجماع، وكذلك لو أكره امرأة على نفسها فوطأها فأتت بولد فادعاه لم ينسب إليه وكان الحد عليه في المسألتين جميعاً، ولا حد على المكرهة، وكذلك إذا حلمت امرأة مجنوناً على نفسها فوطأها فلا حد عليه والولد غير لاحق به بإجماع.
مسألة:
__________
(1) سورة هود: 71. (10/170)
صفحة 1032
وإذا استحق العصبة ولداً لم يدعه أبوه في حياته فلا ميراث له إلا لمن استحقه من العصبة منهم، ومن غاب زماناً فلما قدم وجد عند امرأته ولدا فسألها فقالت: استكرهني رجل وهذا الولد منه، فإن صدقها وإلا فخليق أن تخرج منه بلا صداق لأنها قد أقرت بفاحشة ولا تصدق عليه ولا يدرأ عنها الحد بقولها استكرهني، ومن سافر بامرأته فأصابها العدو وهو معها فإنها لا تبرئ معها فتستبرئ رحمها، فإن هي حملت ولا عرف حملها من زوجها أو من العدو فالولد لزوجها ولفراشها، وإن استبان أن الحمل من العدو فلا شبهة فيه فإن الولد للمرأة وليس لزوها أن يضارها فيه، ولا يعزله عنها وإذا أسر المرأة العدو ولها زوج فجاءت ولها أولاد من العدو فإنهم يرثون أمهم وترثهم وإذا أكرهت امرأة على الزنا فحملت فولدت فهو وارثها وترثه.
مسألة:
ومن تزوج امرأة فجاءت بولد على خمسة أشهر وعشرين يوماً فالذي سمعنا أنه يلحقه إذا جاءت به لستة أشهر إلى ما أكثر والولد ولدها، وإن تزوجت المرأة في عدتها وهي لا تعلم ثم استبان حملها بعد وهي لا تدري من الأول هو أم من الأخير فإن تحرك الولد لوقت يكون للأخير فهو له وإلا فهو للأول.
مسألة: (10/171)
صفحة 1033
وقال هاشم: إن النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثم تصير علقة ثم تصير مضغة، قال أبو محمد: نطفة أربعين يوماً وعلقة أربعين يوماً ومضغة أربعين يوماً ثم تكسى العظام على تمام أربعة أشهر، وبعد دخوله في خمسة أشهر ينفخ فيه الروح، ويقال: إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن خلقَ أحدِكم في بطنِ أمِّه نطفةً أربعين يوماً ثم علقةً أربعين يوماً» (1) ، ثم ذكر تصويره بعد ذلك، ويقال للجنين إذا صور وزع توزيعاً إذا تبينت صورته وتحركت.
مسألة:
ومن كان له أمة يطؤها وولدت له ولداً أقر به سيدها واعترف به أنه ولده في حياته حتى إذا حضره الموت انتفى منه وتبرأ، وقد ولد على فراشه فإنه ينزل منزلة ولده ولا يصدق في تبريه، ولو كان إنما أقر به يوماً واحداً، وإذا أقر الرجل بولد جاريته فولدها يلزمه ما لم يخرج من ملكه فأول ولد ولدته له، ومن أقر بولد جارية لها زوج أنه منه فلا يجوز إقراره ولا يكون الولد حراً، وكذلك لو أقر بولد يعلم أنه أكبر منه في السن أو مثله ولا يمكن أن يكون في حد من يولد له، فإقراره باطل. ومن زنا بامرأة جاريته أو بغيرها فولدت منه ثم أعتقت الجارية ولدها فإنها لا يتوارثون للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فإن أقر أنه زنا وهذا الولد ولده فسدت عليه امرأته إذا أقر عندها بذلك ولا ميراث للولد منه ولا له من الولد، وكل من وطأ جارية ثم أمسك عن وطئها وجاءت بولد فإنه يلحقه ولو جاء به بسنين كثيرة ما لم تخرج من ملكه.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود بلفظ: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك..." كتاب القدر، ر6221. ومسلم مثله، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه...، ر2643. (10/172)
صفحة 1034
وإذا ولدت الأمة ولداً فادعت أنه من سيدها وهو حاضر في البلد معها أيام ملكه إياها وخلوته معها وجاءت به في المدة التي يمكن أن يكون منه فلم يقر به وأنكرها ما لم يحكم عليه به ولا يمين في ذلك عليه، ومن اشترى أمة فوطأها فأولدها ثم تبين له أنها ابنته فإن الولد لاحق به وعليه أن يعتزلها، وكذلك لو تزوجها مع الجل بمعرفتها كان الولد به لاحقاً والمهر له لازماً، وإن اشترى أمة فأولدها ثم استحقت عليه كان الولد له باتفاق الأمة ثابتاً نسبه منه. قال أصحابنا: ويعطى قيمة الولد يوم ولد، ووافقهم على ذلك كثير من مخالفيهم، ولعل حجتهم في ذلك أن يسلم القيمة لسيد الأمة على أنه غير حر إذ الأحرار لا قيمة لهم، وخالفهم في تسليم القيمة بعض مخالفيهم أيضا فلم يجعل للولد قيمة، قالوا: لأنه في الظاهر من وطأ أمته فجاءت بولد صحيح النسب فإنما يلزم العقر والقيمة والاستدراك من تعمد الفعل على علم، والله أعلم.
مسألة: (10/173)
صفحة 1035
وإذا اشترى رجل أمة ومعها ولد فادعى أن الولد ولده وأمكن أن يكون ولده ولم يعلم أنه نسب لغيره قبل ذلك ثبت الحكم له به، وثبت عليه نسب المولود فإن كان للولد أخ ولد معه في بطن ألحق به أيضا لأن الولد إذا ثبت نسبه من رجل فما ولد معه حكم به على المقر بأخيه لاستحالة كون أحد الولدين أن يكون منه والآخر ليس منه، وإذا أقر رجل بوطء أمة له حكم عليه بالولد منها وهي في ملكه فإن باعها وظهر الحمل بها ثم جاءت بولد في الوقت الذي يلحق فيه النسب كان البيع باطلاً لأن الأمة وولدها صفقة واحدة غير جائز، وإن لم يقر بوطئه إياها ثم ادعى ولدها وهي في ملك غيره لم يقبل ذلك منه، وكان الولد رقا. قال أصحابنا: البيع جائز أقر بالوطء أم لم يقر، ويقال له: خلص ولدك من الرق كيفما شئت، والنظر يوجب صحة ما قلنا، والله أعلم، مع إجماعهم على ثبوت نسب ولد الأمة منه إذا أقر بوطئها لثبوت الفراش، وإن أقرت الأمة بولد لغير سيدها وكان السيد يغشاها لم يقبل منها لأن النسب حق للولد فإقرارها لا يزيل ما ثبت للولد من حق، وإن ادعى أنه كان يعزل عنها لم يقبل منه ولم ينتفع بذلك لثبوت الفراش منه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ومعنى الخبر أن الولد لمن كان أمة في فراشه، والعاهر هو الزاني فحظه من الولد الحجر أن يرجم به، وقال قوم: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه النفي منه وهذه عادة النفي كقول القائل: لك من مطلبك حجر، ويقول: يستحق من دعواه الحجر والله أعلم بأعدل القولين. (10/174)
صفحة 1036
قال الشافعي: إذا أقر بوطء الأمة صارت فراشاً، فإذا أتت بولد لحقه، وقال أبو حنيفة: لا يصير بذلك ولا يلحقه نسب أولادها بل يكونون مماليكه حتى يقر بنسب أحدهم فيلحقه فتصير الجارية أم ولد له فيلحقه بعد ذلك نسب أولادها، أجمعت الأمة أن الولد إذا كان حيا باقيا ولا يكون لأقل من ستة أشهر، والخبر الوارد في ثبوت الفراش في الأمة لا في الحرة، وعن ثعلب أن الفراش الزوج، والفراش المرأة، والفراش البيت، والفراش عش الطائر. واختلفوا في معنى الفراش، فقال أبو حنيفة: عقد النكاح حتى لو تزوج رجل امرأة ثم طلقها ثلاثا مع رضائه بها فجاءت بولد لستة أشهر بعد الخلوة والعقد ثبت النسب، وأما ثبوت الفراش من الأمة فبصحة الوطء والإقرار منه، ولولا الإجماع منه على التفرقة بين عقد النكاح وعقد الملك في الحرة والأمة مع إمكان الوطء والخلوة لأوجب أن يلحق ولد الأمة بسيدها، ولكن لا حظ للنظر مع الإجماع، وإذا كان لرجل أمة فولدت ولداً فادعت أنه من سيدها وهو حاضر في البلد معها أيام ملكه إياها وخلوته معها، وكان وضعها للولد في المدة التي يمكن أن يكون منه فلم يقر به السيد وأنكرها ما ادعت لم يحكم عليها به ولا يمين عليه في ذلك ولا لعان بينهما، فإن أقر السيد بوطئها وأنكر الولد كان الولد له ولاحقاً به. وأما أبو حنيفة فإنه لا يلزمه الولد مع الوطء إلا أن يقر بالولد، فإن بقي السيد على ما ذكرنا من إقراره بالوطء لم ينتف منه وحكم عليه به ولا لعان أيضا بينهما، ولولا إجماع الأمة على التفرقة فيما يولد في ملك الرجل من زوجته أو ملك يمينه وكان ولد هذه الأمة لاحقا بالسيد مع إمكان الوطء في المدة التي يجوز أن يكون منه لثبوت الفراش، غير أنه لا حظ للنظر مع الإجماع، والله أعلم. (10/175)
صفحة 1037
وقد روي عن عمر أنه قال: بلغني عن رجال يعزلون عن إمائهم عند الوطء فإذا حملت الجارية قال ليس الولد مني، والله لا أوتى برجل فعل ذلك إلا ألحق به ولدها، ومن شاء فليعزل ومن شاء فلا يعزل، وهذا الحكم عن عمر مما يدل على جواز العزل عن الإماء، وفي الحديث عنه أنه قال: لا يقر رجل أنه كان يطأ جاريته إلا ألحقت به ولدها فمن شاء فليمسكها ومن شاء فليسمرها ويقال بالشين فليشمرها، والمعنى أنه الإرسال، وكان الرجل في الجاهلية إذا كان ولد له ولد من أمة استعبده. عن شريح أن عمر كتب إليه: إذا أقر الرجل بولد لم يكن له أن ينفيه، وكذلك عن علي وعن جابر قالا: مر عمر على جارية تستقي مع رجل على بئر فقال عمر: لمن هذه فقالوا لفلان، قال: لعله يطؤها، قالوا: نعم، قال: أما إنها لو ولدت لألزمته ولدها، وعن ابن عمر قال: من وطأ وليدة له فضيعها فالولد منه والضياع عليه، وعن شريح أن رجلين وطآ جارية فجاءت بولد فادعياه جميعاً فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر إليه إنهما لبسا فلبس عليهما ولو تبينا بين لهما فهو ابنهما ويرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وعن عمر أنه قال: حصبوهن ولا تحصنوهن، أيما رجل وطأ فولدت ألزمناه إياه. وإذا باع الرجل الأمة ولم بوطئها ولا أعلم ذلك منه فلما وضعت عند المشتري أقر أن الحمل منه لم يقبل إقراره، ولو قبل وجب الحكم برد الجارية فالولد والإقرار متى تضمن حكماً على الغير لم يقبل وكان دعوى باطلاً فإن صدقه المشتري أو ثبت هذا الإقرار منه كما ثبتت به الدعاوى من وجوه الصحة كانت الأم تبعاً لولدها في الرد، ومن وطأ جارية له فيها شريك فجاءت بولد منه فالولد ولده وعليه قيمة نصف عقرها لشريكه وعليه أيضا قيمة نصف الولد لشريكه ولا حد عليه لأن له فيها حصة.
مسألة: (10/176)
صفحة 1038
اختلف الناس في الأمة تكون بين الرجلين فيطآنها جميعاً فتأتي بولد، فقال بعض مخالفينا: إنه عبد لهما ويلزمهما حد الزاني لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». قالوا: فلما كان عاهرين لم يلحقهما النسب ولزمهما حد العاهرين، وقال آخرون: يلحقهما نسب الولد ويكون الولد لهما لأن النسب يلحق من النكاح الفاسد كما يلحق من النكاح الصحيح، والحد يسقط عنهما بشبهة الملك التي حصلت لهما في الأمة، إذا هذا ذهب أصحابنا وأبو حنيفة وأما الشافعي فيرد الحكم في ذلك إلى ما يراه القافة، فمن حكم به لهم منهما حكم بذلك الحاكم وقطع نسبه من الآخر فيلزمه على هذا أنها لو كانت ابنته لوجب الآخر أن يتزوجها، وهو لا يقول بذلك فناقض أصله، ويلزمه على أصله أن يبيح لصاحبه أن يتزوجها لأن الحاكم كان قد نسبها منه إذا كان في هذا شبهة على ما زعم واجب العمل بها، قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (1) فالاقتداء به واجب بالقول والعمل، الدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (2) ، ثم عمل أعمال الحج فاتبعوه في فعله، ففي هذه دليل على أن البيان قد يقع مرة قولا ومرة فعلا، والله أعلم. وروي عن ابن مسعود أنه كان يرى بيع الأمة طلاقها، فإذا أخلف الرجل أمة وولدين وعند الأمة ولد فأقر أحد الولدين به من أبيه لم يلحق نسبه بأبيه لأن إقراره يتضمن حكما على الغير وهو إلحاق النسب بأبيه وإدخالهم إياه في ولد جدهم، ويرجع الإقرار نفسه خاصا عليه في الحرية والموارثة.
__________
(1) سورة الأحزاب: 21.
(2) رواه البيهقي عن جابر بلفظه، 5/125. ومسلم عن جابر بلفظ: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»، ر2286. وأبو داود مثله، ر1680. (10/177)
صفحة 1039
وإذا تزوجت المرأة في عدتها ولم تعلم أنها حامل ثم استبان حملها ولم يعلم من أي الزوجين، قال بعض فيه: إن تحرك الولد لأربعة أو لخمسة فهو من الثاني وإن تحرك لثلاثة أشهر أو أقل فهو من الأول.
مسألة:
وإذا كان شركاء في أمة فوطئوها جميعا فالولد بينهم جميعا في الحكم ويرثهم، فإذا مات واحد منهم عتقت بميراث ابنها ويرد ابنها على الورثة قدر ما يجب لهم من أمه، يرد ذلك من ميراثه من أبيه إن كان أبوه خلف مالا غيرها وإلا استسعاها بقية الورثة بقدر حصصهم منها، والحجة في عتقها ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن أَعتَقَ شِقصًا لَه فِي عَبدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ» (1) وعتق العبد كله لأنه ليس لله شريك، قيل: فلم يعتقها أحد، قال: بلى قد عتقت بميراث ابنها، والحجة في ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مِنهُ عُتِق عليه» (2) ، وعلى هذين القولين لا يجب على الأمة والمملوك استسعاء، وهكذا قال أصحابنا، ولا يجوز لأحد الشركاء وطؤها فإن وطأ أحدهم وأقر بوطئها لحقه الولد في الحكم عندهم.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظ قريب، كتاب الأيمان والنذور، باب (47) فِي العتق، ر674. والبخاري، عن أبي هريرة بلفظ قريب، كتاب (47) الشركة، باب (14) الشركة في الرقيق، ر2504، 3/155. ومسلم، عن أبي هريرة بلفظ قريب، كتاب (20) العتق، باب (1) ذكر سعاية العبد، ر1503، 2/1140.
(2) رواه أبو داود عن سَمُرَة بلفظ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ»، فِي العتق، ر3951-3953. والترمذي مثله، فِي الأحكام، ر1417-1418. وابن الجارود في المنتقى عن ابن عمر بلفظ: «من ملك ذا رحم محرم فهو عتيق»، ر972-973، 1/244. (10/178)
صفحة 1040
والأمة إذا كانت فراشا لسيدها ثم ولدت على فراشه فإن أقر بالوطء وأنكر الولد لم يقبل منه، ومن اشترى جارية ولم يستبرئها ووطأها فجاءت بولد لأربعة أشهر فإنه لا يلحق نسبه لأن الحمل ستة أشهر، الحجة في ذلك قول الله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (1) ، والرضاع حولان في كتاب الله تعالى والولد للأول فإن أنكره وقد أقر بوطئها وهي في ملك غيره لم يقبل منه إلا ببينة أنه كان يقر بوطئها قبل بيعها ثم يلحقه النسب، وإذا لم يقر الأول بوطئها وأنكر ولدها كان مملوكا فإن لم يجد بينة بإقراره بوطئها فلا يمين عليه، ويكون الولد مملوكا للمشتري ويقال له: إن كنت صادقها فخلص ولدك من الملك، وذلك إذا أقر به وادعاه، فإن اشترى هذا الصبي بعد بلوغه جارية فوطأها فأراد الثاني الذي وطأ أمه أن يشتريها منه ويطأها فإن كانت جاءت به لأربعة أشهر فلا يلحقه النسب وفي وطء ما وطأ هذا الغلام لمن وطأ أمه اختلاف، منهم من أجاز وقال: لا يلحقه نسب ولا رضاع، وقيل: هذا المولود لا يخلو أن يكون عبدا أو يكون ربيبا، قال: هو عبد له ابن جاريته والاختلاف واحد، قيل: فيجوز للإنسان أن يطأ ما يطأ ربيبه، قال: قد قلنا فيه اختلاف، منهم من نهى تكرها ومنهم من نهى تحريما ومنهم من أجاز.
مسألة:
__________
(1) سورة الأحقاف: 15. (10/179)
صفحة 1041
ومن كان له سرية يطؤها وأولدها ثم زوجها غيره وجاءت بالأولاد من الزوج فالأولاد من الزوج عبيده، فإذا مات سيدها وعتقت بولدها منه وما ولدت بعد ذلك فهم أحرار ويعتق من حصة ولدها، فإن كان للهالك مال حاسب الولد إخوته بقيمة أمه، وإن لم يكن له مال غيرها سعت بثلثي قيمتها، ومن كان له جارية يطؤها فولدت أولاداً وهو غير مقر بهم فلما حضرته الوفاة أعتق الجارية وقال: المال لولدي ولا يعلم له ولد غير هؤلاء الذين هو منكر لهم فإن المال لا يكون لأولاده هو إلا إذا كان يطؤها ولا ينفعه إنكاره إياهم لأن الوطء للجارية يوجب النسب ويلحق الولد بالسيد، وقوله: لولدي ليس بشيء إذا لم يعلم له ولد غيرهم. وإذا زنت امرأة بغلامها فولدت منه ولدا فهو ولدها وما خلفته فهو له والعبد له لأنه ليس له في الحكم ولد، قال قومنا: إذا أقر بوطء الأمة لزمه الولد إلا أن يدعي الاستبراء بعد الوطء.
مسألة: (10/180)
صفحة 1042
وإذا كابر عبد مولاته فوطأها فولدت منه أولادا فهو ولدها يرثها وترثه والعبد عبدها لها استخدامه، وإذا ولدت امرأة بعض ولدها وصاح الولد ثم ماتت قبل أن تضعه ثم مات بعدها ولم يعلم ذكرا أو أنثى فإن له ميراث الولد المشكل كميراث الخنثى على قول موسى بن أبي جابر. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المولود إذا ولد أنه لا يرث ولا يورث حتى يستهل صارخا، معناه حتى يرفع صوته للصراخ ليستدل بذلك على أنه سقط إلى الأرض، ومن كان له امرأة وسرية فولدتا في ليلة واحدة ولدت ابنا وولدت الأخرى امرأة فأصبحت كل واحدة منهما تدعي الولد الذكر أنه ولدها دون الأخرى، فعن موسى أنه قال: إن كان في يد كل واحدة منهما واحد ألزمت إياه وكان ولدا لها، وإن لم يكن في يد كل واحدة منهما دفع إليهما الولدان وألزمتا القيام بهما والتربية لهما وكانا ولدين لهما يلحقهما نسبهما، قال أبو مالك: وكذلك الحكم. ووجدت أنا عن علي بن أبي طالب في بعض الكتب في مثل هذه المسألة أنه قال: يوزن لبن المرأة والجارية فأيهما كان أثقل فالذكر له لأن لبن الذكر أثقل والله أعلم.
مسألة: (10/181)
صفحة 1043
الولد من العبيد للأمة دون الأب لأنه مال والأمة مال وأولادها ملحقون بها بإجماع المسلمين على ذلك، وإذا ادعت امرأة أنها حرة فتزوجها رجل وولدت منه أولاداً ثم قامت البينة أنها مملوكة فالأولاد أحرار لأبيهم ويؤدي قيمتهم قيمة عبيد يوم ولدوا، ومن كان له أمة فأقر بولدها عند الموت ورثه بالإقرار والله أعلم. ومن باع جارية وكان يطؤها وقد استبرأها المشتري والبائع فجاءت بولد مع المشتري على سنتين أو أكثر من غير وطء من المشتري فإنه يكون عبدا لسيد الجارية إذا لم يطأ ولم يقر بوطئها وحكم الأول قد انقضى، فإن أعتقها المشتري ثم أتت بولد فهو ولدها وحكمه الحرية إذا لم يكن وطأها الأخير، ولا يلحقه ولا يلحق الأول، إذا ولدته لأكثر من سنتين، فأما إن جاءت بالولد لأقل من سنتين أو على رأس سنتين ولم يزد يوما فأخاف أن يلحق الأول إذا ادعاه أو أقر بالوطء، ومن كانت له جارية حصة فوطأها قبل الاستبراء ثم استبرأها وقد حملت فالولد ولده يلحق نسبه على بعض قول أصحابنا وقول بعض مخالفينا وبالله التوفيق، ولا حد عليه للشبهة ولا يقبل رجل على شراء ولده إذا كان مملوكا، ولا أعلم أن الجبر جائز في ذلك والله أعلم، ومن اشترى جارية فولدت معه ولداً أو كان أصل الحبل عند البائع وأعتق المشتري الأم وادعى البائع الولد فإنه لا تجوز دعواه ولا يجبر السيد على بيع عبده ويقال للبائع: إن كنت صادقا فخلص ولدك من الملكة فإن خلص يوما ومات المدعي أنه ولده ورثه، وإن كان المشتري أعتق الولد ولم يعتق الأم وادعى الابن فالولد ولده، ومن زنا بأمة ولا زوج لها ثم اعترف أن الولد ولده وصدقته الأمة فإنه يرث، ومن له أمة فوطأها ثم باعها فوطأها الثاني قبل الاستبراء وكان الوطء في طهر واحد فإن الولد للأول لأن وطأه كان حلالا ووطء الآخر كان حراما، وقيل غير هذا.
مسألة: (10/182)
صفحة 1044
وإذا جاءت المطلقة والمتوفى عنها زوجها بولد وادعت أنه ولدها من زوجها ذلك فإنه يلحقها ما جاءت به إلى سنتين ما لم تزوج، ولو أنكر المطلق والورثة، وقيل: إن المطلقة في هذا غير المميتة، وهما عندي سواء إذا كان الزوج قد خلا بالمرأة أو صح أنه أغلق عليها باباً أو أرخى عليها ستراً أو خلا بها، وكذلك إن كانت قلت قد انقضت عدتي ثم رجعت عن ذلك لما جاء الولد واعتذرت في ذلك ببعض المعاذير فأحب أن يقبل ولدها، وقال بعض: إنها تلحقه ولو جاءت إلى ثلاث سنين وأربعة أشهر، وأكثر القول عندنا أنها تلحقه ولو إلى سنتين. وقال بعض: إذا ولدت المرأة في طلاق بائن لا يملك فيه الرجعة لأكثر من سنتين منذ يوم طلقها زوجها لم يكن الولد للزوج إذا أنكره وإن كانت أخذت النفقة حتى وضعت، فقال بعضهم: ترد في ذلك نفقة ستة أشهر وهي نفقة أجر الحمل لأنه جعله لغيره، وقال بعضهم: لها النفقة كلها لأنها كانت في العدة حتى وضعت وينظر في ذلك، وقال أبو عثمان في رجل طلق زوجته سنين ثم ولدت وزعم أنه منه قال: إن لم تزل تدعيه فهو منه، وفي الحديث أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب حبلى لم يقربها الزوج قبل ذلك لسنتين فأراد عمر أن يرجمها فقال له معاذ يا أمير المؤمنين: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فتركها حتى ولدت فإذا ولدها قد نبتت أسنانه في بطنها وهو ابن سنتين من زوج لها، قال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ لولا معاذ لهلك عمر والولد يلحق نسبه إلى سنتين ولا عليها في ذلك فيما سمعنا.
مسألة: (10/183)
صفحة 1045
ومن تزوج امرأة فوجدها حبلى قبل الدخول فإن خلا بها وأرخى سترا فالولد ولده ويتلاعنان إن انتفى منه وإن لم تقم البينة أنه خلا بها لاعنها والولد لأمه ولعصبتها، وقال أبو عبد الله: إذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر من يوم دخل بها فالولد ولده، وإن جاءت به أقل من ستة فالولد للزوج الأول وإن لم يكن لها زوج فهو لها. ومن تزوج صبية مراهقة ودخل بها ثم طلقها فجاءت بولد بتسعة أشهر فالولد ولده إذا فارقها في حد البلوغ لأن المرأة قد تحمل قبل أن تحيض لأنها تبلغ قبل الحيض، وربما لا تحيض المرأة إلا أن يشك في مفارقته للمرأة وهي صبية لا تحمل فعند ذلك لا يلزمه الولد، وإن كانت فيه شبهة فالولد ولده إذا جاءت به لسنتين.
مسألة:
إذا هلك الصبي وولدت أمه بعد موته من زوج لها غير أبيه لأقل من ستة أشهر ورثه، وإن ولدت لستة لم يرثه، وإن وطأها قبل موت الصبي ثم أمسك عن الوطء ومات الصبي انتظرت المرأة وظهر حملها وولدت لسنتين، قال أبو عبد الله: إنه يرثه، وهذه المسألة في باب الفرائض أتقن إن شاء الله.
مسألة: (10/184)
صفحة 1046
وإذا كان مسلم ونصراني في أيديهما صبي، المسلم يقول هذا عبدي والنصراني يقول: هذا ولدي فهو حر، ويسعى للمسلم في بقية ثمنه، وإن مات النصراني ورثه الصبي، وقال أبو الحسن: قال بعض الفقهاء: هو حر مسلم يسعى للمسلم في نصف ثمنه، وإن مات النصراني مسلما ورثه، إن صح ذلك فإنه يكون عبدا للمسلم وهو ولد النصراني، وإذا كانت أمه بين مصل وذمي ثم جاءت بولد فادعياه جميعا فهو بينهما ويرثهما ويرثانه، وإن مات أحدهما ورثه الابن ثم مات الابن وترك أحد اللذين ادعياه وبنى الآخر الهالك قبله فجميع ميراثه للحي منهما، وكذلك إن تناسلوا وكان بعض أقرب بدرجة فالميراث للأقرب منهم، فإن قالت الجارية هو من المصلي فلا حد عليها لأنها لم تقذفه بزنا ويدرأ بالشبهات فإن أقر أنه كان حرا وهو ولدهما جميعا فهو مسلم. قال أبو محمد في الأمة تكون بين يهودي ومسلم فتجيء بولد وتقول: وطآني جميعا كلاهما فإن الولد لهما جميعا فهو مسلم في الحكم، وعن الطحاوي فيما أظن أن الولد يكون ابن المسلم منهما لأن لو صدقناهما وسلمناه إليهما لصار مسلما بإسلام أبيه المسلم، ويحصل في يده، وإذا حصل في يده كان أولى بالدعوة لسبب نسبه منه، ويبطل من الآخر ويضمن نصف قيمة الأمة لشريكه لأنه بالاستيلاد نقل الملك منهما ويكون نصف العقر بنصف العقر قصاصا، لأن كل واحد منهما قد اعترف بالوطء في ملك الغير إذا لم يوجب حدا أوجب عقرا ويكون قصاصا لأن كل واحد منهما ثبت عليه مثل الذي له ويصير قصاصا، قال: وإن كانت بين مسلمين فادعياه جميعا جعل ابنهما وجعلت أم الولد لهما، وعند الشافعي يرى القافة. (10/185)
صفحة 1047
والدليل على ما ذكرنا ما روي عن عمر أنه كتب إليه في جارية بين رجلين اجتمعا عليها فولدت ولدا فادعياه فكتب أنه لو بينا يبين لهما ولكنهما لبسا فلبس عليهما هو ابنهما يرثانه ويرثهما وهو للباقي منهما، وروي عن علي مثل ذلك ولا يعرف نهي الله تعالى عن اتباع أحكامهم، وقال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (1) مخالفا فصار ذلك إجماعا ولأنهما لما تساويا في سبب الاستحقاق وجب أن يتساويا في الاستحقاق، والحكم بقول القافة لا يجوز، والدليل على ما ذكرناه أن ذلك من أحكام الجاهلية، وقد يبغون منكرا من هذا القول على من اتبع حكمهم، ولأن القافة إنما يدعون إلى ظاهر الأمارات والسنة، وهذه المعاني نعلمها نحن كما يعلمها القافة وليس قول القافة لو كان تأثير في إلحاق النسب لما ثبت اللعان ولكان عند الاختلاف فيرجع إلى القافة فإذا حكم به لغيره عرف صدقه وكذبها وإن حكم له به عرف صدقها وكذبه. قال بعضهم: لا خلاف في ثبوت نسب الولد من اثنين، واختلفوا فيما زاد عليه، فعند أبي حنيفة: يجوز في العدد الكثير والقليل، وقال أبو محمد: يثبت النسب من الثلاثة ولا يثبت من أكثر من ثلاثة، وقال أبو يوسف: يثبت من اثنين ولا يثبت أكثر منهما، وأما أبو حنيفة فإنه يعتبر المساواة في سبب الاستحقاق، وهذا المعنى إذا وجب في الجماعة وجب أن يشتركوا في ثبوت النسب منهم. ومحمد يقول: لو صدقنا أكثر من ثلاثة لصدقنا مائة وأكثر، وذلك لا يجوز لأنه لا نص، فجعل الثلاثة في حد القليل وجعل ما زاد في حد الكثير، وأبو يوسف يقول: القياس لا يثبت إلا من واحد غير أني أثبت من اثنين لأجل الأثر الوارد من الصحابة وبقيت الزيادة على أصل القياس، وقال: ومن كانت في يده جارية وثلاثة أولا لها قد ولدتهم في بطون مختلفة فقال أحد هؤلاء: ابني، ثم مات ولما يبين الجارية بعتق ويعتق كل واحد من أولاده الثلاثة ويسعى في ثلثي قيمته.
__________
(1) سورة المائدة: 50. (10/186)
صفحة 1048
وقال أبو يوسف: يعتق الأصغر كله، ومن كل واحد من الباقين ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته، وقال محمد: يعتق الأصغر كله ويعتق من الأكبر ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته، ويعتق من الأوسط نصفه ويسعى في نصف قيمته ومن تزوج مجوسية فولدت منه فأصل النكاح حرام فإذا أقر بالولد فهو يرثه ويجبر على الإسلام إذا بلغ.
مسألة:
النسب لا يثبت إلا بعقد نكاح صحيحا كان أو فاسد أو بملك يمين بعقد صحيح أو فاسد بإجماع الأمة على ذلك، والولد من الأمة لا يلحق نسبه سيده إلا بالإقرار منه بوطئها أو بولدها أنه منه، وقال كثير من مخالفينا: إن النسب من الأمة لا يلحق بإقراره بالوطء لها وإنما يثبت بإقراره بولدها أنه ولده منها. ومن تزوج امرأة في عدتها من مفقود ولم تعتد إلا أربعة أشهر عدة المتوفى عنها زوجها فولدت مع الداخل بها ولدا فإن حكمه للزوج الأخير ويفرق بينهما، وعن أبي مالك قال: يسمى هذا تزويج الغلط، ومن غاب في السفر فأطال الغيبة ولم يعلم بحياة له ولا موت فتزوجت امرأته في غيبته فإنه يفرق بينها وبين الزوج الداخل بها، وفي الصداق لها على الأول أو على ورثته اختلاف في تعمدت فلا صداقها الأول، وإن كان شبهة فلها الصداق وأولادها للزوج الأخير ويلحقهم الميراث والنسب، ويسمى هذا النكاح حراما.
مسألة: (10/187)
صفحة 1049
وإذا دخل الزوج بالمرأة فجاءت بولد بعد الدخول لستة أشهر فحكمه له، ومن تزوج بكرا أو غير بكر فولدت لأقل من ستة أشهر، فالولد ولدها دونه ويفرق بينهما ولها الصداق لأن العقد وقع على حامل ونكاح الحوامل لا يجوز، فإن لم يكن دخل بها فلا شيء لها، وإذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر ثم أنكره لم يلزمه، وإن ولدت لستة أشهر فما فوقها لزمه ولو أنكره، الدليل على ذلك قول الله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، ثم عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) فاعتبروا الرضاع في الحولين فإذا هو أربعة وعشرون شهرا، ثم نظروا بقية الحمل والفصال من الثلاثين شهرا، فإذا هو ستة أشهر، فلذلك ألزموه الولد إذا كان الولد لستة أشهر، ابن عباس قال: أتى عثمان بن عفان بامرأة قد ولدت في ستة أشهر من يوم تزوجت، فقالت: لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حيا لنزل عذري من السماء، فقال ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم، فقال عثمان: إنا نأخذ بكتاب الله، فقال ابن عباس: يقول الله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (2)
__________
(1) سورة البقرة: 233.
(2) سورة الأحقاف: 15.. (10/188)
صفحة 1050
وقال: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فأربعة وعشرون رضاعة وستة أشهر حمل فأعجبهم قوله.
مسألة:
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا غلبَ [علا] ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ خرجَ الولدُ على شبهِ أعمامِه، وإذا غلبَ ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ خرجَ الولدُ على شبهِ الأخوالِ» (1) ، قال الله تعالى: { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (2) ، صلب الرجل وترائب المرأة، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «للمرأةِ اللحمُ والدمُ والظفرُ والشعرُ وللرجلِ منه العظمُ والعصبُ والعروقُ» (3) ، والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) رواه مسلم عن عائشة بمعناه،باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، ر314. والبيهقي عن عائشة بمعناه، باب الدليل أن لغلبة الأشباه تأثيرا في الأنساب، ر21063.
(2) سورة الطارق: 7.
(3) رواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله بمعناه، دون ذكر: "والظفر"، ر7731. والهيثمي مثله، دون ذكر: "والظفر"، باب عجائب المخلوقات، 8/133. (10/189)
صفحة 1051
ومن غاب وخلف امرأته حاملا فخلا لها عشر سنين في غيبته ثم جاء فوجد عنها أربعة أولاد كبارا وصغارا فقال لها: ما هؤلاء أولادي، فقالت له: أولادك فأنكرهم ونفر منهم فهم أولاد فراشه، لقول الني - صلى الله عليه وسلم - : الولد للفراش وللعاهر الحجر» (1) ويرثونه أيضا، وإذا ولدت امرأة لها زوج ولدا فقالت: هذا ليس من زوجي فلا يلتفت إلى قولها وقد نسب الولد من الزوج للفراش، وإن قالت: إنها زنت رجمت وإن لم تبين فلا شيء. روى أبو محمد أن عويمرا قذف امرأته فلاعن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما وألزمها الولد، ومن أقر بولد غائب من عمان وله أولاد عنده فإقراره بالولد ثابت ويلزم أولاده إقراره والله أعلم، ومن تزوج امرأة ودخل بها فوجدها حاملا فإن كان الحمل حدث بعد العقد فلا تحرم عليه ولا يطأ حتى تضع، وإن تزوجها وهي حامل فالتزويج فاسد فإن تزوجها ولم يعلم أنه جاز بها أو خلا بها سرا وعلانية، ثم جاءت بولد فادعت أنه منه وأنكره فالقول قوله ولا يلحق إلا أن يعلم أنه خلا بها سرا أو علانية فإنه ولده. وإذا تزوجت امرأة بعد عدة من زوج أو متوفى عنها فجاءت بولد لخمسة أشهر فلا يلحق نسبه الثاني لخمسة أشهر منذ دخل بها، وإن جاءت به منذ مات الأول في السنتين فإنه يلحق نسبه الزوج الأول، فإن جاءت به فوق السنتين منذ مات الأول لم يلحق الأول، وكان الولد ولدها دون الزوجين، وإن جاءت مع الأخير لستة أشهر فصاعدا فهو للزوج الثاني، فإن كانت أمة يطؤها سيدها ثم ترك وطأها ومات عنها فجاءت بولد لخمسة أشهر أو لسنتين فهو ولده ولو إلى سنتين.
مسألة:
__________
(1) سبق تخريجه. (10/190)
صفحة 1052
وإذا كان للمرأة زوج فطلقها أو غاب عنها فانقضت عدتها فتزوجها الثاني فولدت عنده ولدا قبل انقضاء ستة أشهر وولدا باينا وكلاهما كانا في حمل واحد، ففي ذلك اختلاف بين الفقهاء، منهم من قال: هما للأول، ومنهم من قال: هما للآخر، ومنهم من قال: الأول من الولدين للزوج الأول والثاني من الولدين للزوج الأخير، وإذا دخل الزوج بالمرأة بعد العقد لزمها أحكام النكاح، فإن ادعى أحدهما حملا لم يقبل منه لأن الحمل لا حقيقة له، فإن اختار الزوج الاعتزال عنها إلى حال وضع حملها وإن كان حملا كانت النفقة عليه مدة مراعاة حملها، فإن لزمه الولد كانت النفقة عليه من ماله وإلا رجع عليها بالنفقة، إذا لم يلزمه الولد ويحكم بفسخ النكاح، فإن أقرت المرأة أنها كانت حاملا قبل التزويج فادعت الجهل بفساد النكاح مع الحمل كان إقرارها عليها في النفقة ودعوى على الولد بقطع نسبه ممن يلحق له حكم النسب، وكذلك الأب إن اعترف على نفسه أنه زوجها وهي حامل وكان إقراره إقرارا على نفسه بالمعصية، وإذا جاءت بولد لم يلحقه نسبه في دون الستة أشهر منذ دخل بها، ولم يسقط عنه صداقها إذا ادعت الجهالة مع اعترافها، وإن قالت: تعمدت كانت هي التي أوطأت نفسها مع علمها بفساد النكاح ولا صداق لها، والمراعاة في حقوق النسب من هذا الزوج لستة أشهر فصاعدا، وبالله التوفيق.
مسألة: (10/191)
صفحة 1053
ومن أقر بولد بالغ أنه ولده فأنكر الولد نسبه فإنه إقرار لا يثبت، ومن أقر بصبي أو مجنون أنهما ولداه فإنه يرثهما ويرثانه ما لم يصح لهما نسب أو يعارضه أحد في نسبهما ممن يصح نسبه، مثلا أخ أو أم ممن يصح نسبه إليهما فيعارضه في ميراثهما وينكره، فأما إذا لم يعارضه فيهما أحد ويدرك الصبي ويصحو المجنون فينكرانه فالميراث لهم من بعضهم البعض ما لم يكن إنكار، فإذا وقع الإنكار ردوا ما أخذوا من ميراث المقر، ومن أقر بولد في حجره والولد صغير ولم يكن دافع فمال الصغير له وهو وارثه فإن دفعه دافع لم يرثه والصغير يرثه بإقراره هو حتى يبلغ الصبي فإن أقر به ورثه وإن أنكر الصبي رد ما ورث منه، ومن أقر بولد يعلم أنه أكبر منه في السن أو مثله لا يمكن أن يكون في حد من يولد له فإقراره باطل. وأجمع المسلمون أن الرجل إذا نكح امرأة وأتت بولد لستة أشهر بعد العقد فأمكن وصوله إليها وكان الرجل ممن يطأ أن الولد لاحق به، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر بعد العقد لم يلحق به، وإن دخل بها ولا تنازع في ذلك. ومن تزوج امرأة وكان بينهما من المسافة مالا يصل إليها في المدة التي أتت بالولد فيها لم يلزمه الولد في قول أكثر أهل العلم، وكذلك إذا أتت بولد وزوجها صبي أو مجنون لم يلحق به.
مسألة: (10/192)
صفحة 1054
قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» أراد الحرائر والإماء، ومن أنكر الولد من الحرة وقد أغلق بابا أو أرخى سترا وانتفى من الولد لزمه الولد، فإذا انتفى منه وقذفها بالزنا ورفعها إلى الحاكم وجب اللعان، فإن قذفها ولم يرفع إلى الحاكم لم يقبل منه وتمنعه نفسها حتى يكذب نفسه ويستغفر ربه فإنهما إذا لم يرفع أحدهما إلى الحاكم فقولهما مقبول في إكذاب نفسه، ومن زنا بامرأة فحملت منه وجاءت بولد فلا يلحقه في النسب ولو أقر أنه ولد من زنا، فإن أقر أنه ولده ولم يقل من زنا وهو يعلم أنه من زنا ثبت عليه إقراره في الحكم ولا يسعه في دينه. وقال أبو الحواري: قال بعض الفقهاء: إن من أقر بولد من زنا لحق به وورثه، وبه نأخذ، وقال بعض قومنا: لا يلحق به بإجماع.
مسألة:
ومن طلق امرأته أو مات عنها فاعتدت ثم تزوجت ودخل بها الزوج فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر فالولد للأول وينفسخ النكاح لأنه تزوجها وهي حامل بلا شك، وتزويج الحوامل لا يجوز.
مسألة:
ومن غاب في البحر وجاءت زوجته بولد ثم ثان فكلهم أولاده في الحكم على قول، وقول آخر إنما يلحقه الأول، ولا يلحقه الثاني إذا كانت غيبة الزوج إلى موضع لا يمكن وصوله إلى الزوجة ويرجع إلى موضعه لبعد المسافة كانت هذه المسافة لبعدها برا أو بحرا فكله سواء.
مسألة:
ومن تزوج امرأة ودخل بها ثم غاب عنها سنين كثيرة فجاءت بأولاد فإن فيما بينه وبين الله لا يلحقونه، وأما في الحكم فيلحقونه، وذلك إذا لم يكن في حال ما يمكن أن يكون الأولاد منه والمرأة زوجته على ما كان عليه، فإن أقرت أنها زنت ففي المقام له معها اختلاف إن شاء صدقها وتركها، وفي الصداق اختلاف أيضا، ومنهم من أوجبه عليه بالوطء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لكل موطوءة صداق» (1) ، ومنهم من لم ير لها صداقا لأنها خانت نفسها وأباحت فرجها.
مسألة:
__________
(1) لم أجده. (10/193)
صفحة 1055
وإذا جاءت المرأة التي كان لها زوج بولد منذ دخل الثاني لأقل من ستة أشهر فهو للأول، وإن لم يكن لها زوج وجاءت بولد منه يوم طلقها إلى قبل انقضاء السنتين ولو ساعة أو ساعتين فنسبه لا يلحق بالأول، ولو أقرت أنه ليس هو منه، ولا يلتفت إلى إقرارها لأن إقرارها إبطال ميراث ونسب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم له بالميراث والنسب، فلذلك قلنا إن إقرارها ليس بشيء، وإنما حكموا أنها إذا جاءت به في السنتين لحق به لأنه قيل عن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ أنه أتي بامرأة حامل أراد أن يقيم عليها الحد، فقال له معاذ: ليس لك عليها حد، وفي موضع آخر قال له علي: ليس لك عليها حد لأنها أعلم بنفسها ولا تعلم فخلاها فجاءت بولد قد نبتت أسنانه فعلم أن ذلك مقدار السنتين. وقال بعض أصحابنا: أنها إذا جاءت به إلى ثلاث سنين أو أربع سنين أنه لاحق، فالشك مني في أحد هذين القولين والله أعلم، قيل: فقال عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ: عجزن النساء أن يضعن مثل معاذ، وألحقه بنسب الزوج الأول، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم فيما علمنا، والله أعلم، وكان فعل عمر ـ رحمه الله ـ سنة معمولا بها. (10/194)
صفحة 1056
وقيل: إن امرأة ولدت في ستة أشهر في زمان عمر بن الخطاب فأراد أن يرجمها فقال له علي: ليس لك عليها رجم، يقول الله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وكان الرضاع من ذلك حولين كاملين، وأربعة وعشرون يوما، فإنما بقي ستة أشهر، فتركها عمر ولم يرجمها، وحكموا أنه إذا جاءت بالولد لستة أشهر أنه لاحق بالزوج لدليل قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1) فقد بين تبارك وتعالى الفصال بعد سنتين لقوله: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فلما عرفنا أن الرضاع حولان كاملان وسكت عن الأخرى استدل لنا أن الحمل لستة أشهر لأن أربعة وعشرين شهرا الحولان والباقي هو الحمل، والعادة الجارية بيننا اليوم أن النساء يضعن على تسعة أشهر، وقد يجوز أن تتقدم المرأة وتتأخر في موضع، والله أعلم.
مسألة:
__________
(1) سورة الأحقاف: 15. (10/195)
صفحة 1057
وإذا تزوجت امرأة في عدتها في طلاق بائن ودخل بها زوجها فجاءت بولد لأقل من سنتين مذ يوم طلقها الأول وستة أشهر أو أكثر مذ تزوجها الآخر فالولد للأول، لأن نكاح الآخر كان فاسداً ولأنها جاءت بالولد لمثل ما يأتي به النساء مذ طلقها الأول، وقيل: إذا جاءت به لستة أشهر مذ دخل بها الآخر فالولد ولده، فإن كانت تزوجت بعد ثلاث حيض، فالولد ولده وهي امرأته ولا يطؤها حتى تطهر من نفاسها، وإن كانت تزوجت قبل انقضاء العدة بالحيض فالولد ولد الآخر، وللأول أن يراجعها في العدة، وإن جاءت به لأكثر من سنتين مذ طلق الأول ولأقل من ستة أشهر مذ تزوجها الآخر ودخل بها ولأكثر من سنتين مذ يوم طلقها الأول فهو للآخر ولا يكون للأول. وإذا كان الصبي لا يولد لمثله من صغره ولا ينزل الماء فلا يلحقه الولد ولو دخل بالمرأة، وإن كان ينزل مثله الماء ويولد لمثله لحقه الولد، وعدتها على كل حال ما لم يبلغ أو يموت على بلوغ أن تضع حملها ولا يلحقها أجل الوفاة، وقيل: إن امرأة ولدت لستة أشهر إلا ستة أيام ولها زوج فألزمها أبو علي ولدها.
مسألة: (10/196)
صفحة 1058
ومن تسرى أمته وأقر بوطئها لحقه كل ولد جاءت به ما لم يزوجها أو يبعها، فإن أشهد على نفسه أنه قد اجتنبها لحقه الولد بعد الإشهاد إلى سنتين، فإن لم يشهد على ترك وطئها فإنه يبرأ من الولد إذا ترك وطأها وجاءت به بعد سنتين من ترك وطئها، وقيل أكثر من ذلك، فإن كانت صبية فترك وطأها ثم جاءت بولد فإنه يلحقه لسنتين فإن مس فرجها بفرجه أو بيده فليس عليه استبراء، فإن جامعها ولم ينزل الماء فإن الولد يلحقه إلى سنتين من وطئها، فإن مس فرجها بفرجه ولم يدر التقى الختانان أم لا فحكمه حكم إشكال، فإن كانت صبية فوطأها وأراد أن يزوجها فإنه يزوجها بعد أن يستبرئها بخمسة وأربعين يوما فإن استبرأها وهو غائب من منزله فليحسبه، والقول في الحيض قولها إذا قالت ذلك في حال يمكن أن تكون قد حاضت فيه، ولو كان ذلك في تزويجها ووطئها. ومن تزوج بامرأة فجاءت بولد من بعد دخوله بها في آخر يوم من ستة أشهر قبل مغيب الشمس فهو للأول، فإن جاءت به عند مغيب الشمس ودخول الليل معا فهو للآخر منهما، ومن طلق زوجته وعندها منه ولد ذكرا أو أنثى فأراد الأب أخذه والولد يعقل، فإذا كان يعقل خير وحيث اختار كان له ذلك، ومن غاب عن زوجته إلى الصين ثم جاءت بأولاد فهم أولاده، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، قال له قائل: فأين الفراش؟ قال: هو تبع له. وإذا تزوج الخصي أو المجبوب أو العنين امرأة فجاءت بولد فالولد يلحق بالسنة «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فإن تزوج أحد من هؤلاء مطلقة رجل ثم طلقها لم يكن للمطلق أن يرجعها لأن السنة جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَتَّى تَذُوقَ عُسَيلَتَهَا» (1)
__________
(1) رواه البخاري عن عائشة بلفظه، باب من أجاز طلاق الثلاث، ر4961. ومسلم مثله، باب لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها، ر1433.. (10/197)
صفحة 1059
وهؤلاء معدوم منهم الجماع، وولد الملاعنة يرثها وترثه وعصبته عصبة أمه ولا يرث من لاعن أمه، والله أعلم.
مسألة:
وإذا وقع ثلاثة نفر على جارية لهم فولدت غلاما فالولد لهم كلهم، وإن ماتوا ورث في كل واحد منهم ثلاث، ومن طلق زوجته وله منها ولد فكرهت أخذه ودفعته إلى والده ثم طلقت أخذه من بعد وكره ذلك والده، فعن أبي زياد قال: أرى أن يدفع إليها إذا طلبته إلا أن يكون في حد الخيار فيختار والده فهو أولى به. ومن وطأ جاريته فأولدها ولدا ثم تركها وقد أقر بولدها الذي ولدت منه مع الحاكم أو بشاهدي عدل، ثم إن الجارية ولدت بعد ذلك أولادا فقال سيدها: ليس هؤلاء الأولاد مني وإنما ولدي هو الأول ثم تركت وطأها ولم أطأها، وقالت الجارية: كلهم أولاده ولم يطأني غيره، فعن أبي زياد قال: فأقول إنه إذا كان قد أقر بوطئها من قبل فالأولاد أولاده ولا يقبل قوله أنه ترك وطأها ويلزمه الأولاد بإقراره الأول بوطئها إذا كان قاصرا لها في منزله، وإذا أراد ترك وطئها فليشهد شاهدي عدل أنه قد ترك وطأها، فإن ولدت بعد ذلك قبل ستة أشهر فالولد ولده، وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر فالولد ولدها إلا أن يقر به.
مسألة:
وإذا اتخذ يهودي أو نصراني أو مجوسي جارية على دينه فوطأها ثم أسلمت فباعها من مسلم فجاءت بولد فادعياه فسبيله سبيل الأول إن جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم وطأها المسلم فهو للذمي وحكمه حكم الإسلام، وإذا أسلمت أمه تبعها، وإن جاءت به لستة أشهر وأكثر من يوم وطأها المسلم فهو له وإن كان وطؤه إياها لوقت يشكل وكانت شركة بينهما فالمسلم أولى بالولد، والأمة إذا كانت بين أربعة شركاء فوقعوا عليها جميعا فولدت ولدا فعن محمد بن محبوب أن الولد ولدهم جميعا يرثهم ويرثونه، يرث من كل واحد منهم ميراث تاما إذا لم يكن لأحدهم ولد إلا هو حماه.
مسألة: (10/198)
صفحة 1060
وإذا خرج ثلاث نسوة حوامل مسلمة ويهودية ونصرانية فوضعن في بعض المواضع ثلاثة غلمان ثم هلكن ولم يحضرهن أحد من الناس ووجد الغلمان ولم يعرف ولد المسلمة من ولد اليهودية أو النصرانية فإنه فإن سبق كل واحد منهم إلى ولده فأخذه وادعاه فهو أولى به، وإن لم يسبق إليهم أحد فالإسلام أولى بهم ويجبرون عليه ولا يقتلون، وعليهم الحبس وعلى آبائهم مؤونتهم إلى بلوغهم، ولا ميراث لهم من النصراني واليهودي، ويرثون من المسلم سهما واحدا يقسمونه بينهم ولا يرث الأب المسلم منهم شيئا، والله أعلم. (10/199)
صفحة 1061
وإذا تزوج الصبي بامرأة فجاءت بولد فالولد ولدها دونه ولا صداق لها ولا لعان بينهما ولا يتوارثان، ولو أقر الصبي بوطئها أو بالولد فلا يقبل إقراره بهذا الولد ولا يلحقه نسبه إلا أن يقر به وهو في حد من يقبل إقراره من البالغين لأنهم قالوا لا يكون الولد إلا من الماء ولا ينزل الماء إلا من كان بالغا، والله أعلم, ومن هلك وترك ولدا صغيرا فأرادت أمه أن تخرج به من المصر وكره أولياء الصبي فلهم ذلك إلا أن يكون موضعا قريبا، وإذا كانت حرة وأمة فولدت فكل واحدة منهما غلاما وجاء مولى الأمة يطلب ابن جاريته ولم يعرف ابن الحرة منهما ولا كان كل واحد منهما في يد واحدة ومات والد الحر فإنهما يقومان قيمة ثم يعطى مولى الأمة نصف تلك الدية ويقسم الباقي بينهما نصفين، ومن تزوج امرأة فجاءت بولد فقال: إنما تزوجتها من أربعة أشهر وقالت هي: تزوجني من ستة أشهر، فالقول قولها إذا كانت امرأة تلد ومعها امرأة أخرى أيضا تلد فوجد ولدان أحدهما ذكر والآخر أنثى فادعت كل واحدة الذكر فإنه يلزمهما إياهما ويلحقهما نسبهما جميعا، فإن كان الذكر في يد إحداهما فهي أولى به حتى تقيم الأخرى البينة وتلزم الأخرى الجارية إذا ولدتا في موضع واحد، فإن قالت: ليست هذه ابنتي وتبرأت منها فإنهما يلزمهما ربايتها إذا كانت في يدها وتحلف كل واحدة للأخرى يميناً، وإن لم تكن في يدها وأنكرتها وادعت الغلام فتربية الجارية تلزمها ويلحقهما نسبهما وترث الجارية منهما أجمعين، وأما الغلام فيلحق نسبه التي هو في يدها ويوقف ميراثه إلى بلوغه فإن أقر بالأخرى ورث منها وورثته، وإن أنكرها لم يلحقها ويرث من التي هو في يدها، والله أعلم.
فصل:
يقال: رابني الأمر إذا خفت منه الريبة أو أرابني إذا توهمت منه الريبة، قال الشاعر:
أخوك الذي إن ربته قال إنما *** أربت وإن عاتبته لان جانبه (10/200)
صفحة 1062
قال الخليل: والريب الشك، والريب ما أرابك من أمر وتخوفت عاقبته، وقد رابني هذا الأمر يريبني أي أدخل علي شكا وأراب لغة رديئة وأراد الأمر أي صار ذا ريب وأراب الرجل صار مريبا وارتبت أي ظننت.
مسألة:
والأمة مجمعة أن القول قول المرأة في وضع السقط، وكذلك لو قال الزوج: إن الدم الذي كان يظهر منك استحاضة، وقالت هي: بل كان حيضا قبل قولها باتفاق، واختلف فيمن تطلق فتحيض حيضة أو حيضتين ثم يرتفع حيضها، فقال قوم: تنتظر تسعة أشهر ثم ثلاثة ثم قد حلت، وهذا قول عمر، وروي عن الحسن وبه يقول مالك والشافعي، وقال قوم: أقراؤها ما كانت حتى تبلغ سن الموئسات في المحيض، وهذا قول جابر بن زيد وعطاء والشعبي والحسن والشافعي، وقال: إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، وقال قوم: إن كانت تحيض في الأشهر مرة فعدتها سنة. واختلف في العشر التي مع الأربعة الأشهر، فقال قوم: هو على الليل والنهار، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما، وقال الأوزاعي: هو على الليل، الحسن قال: خالف عمر بن الخطاب أبي بن كعب في ذلك، فقال عمر: عدة المميتة الحامل أربعة أشهر وعشرا، وقال أبي: إذا وضعت، وقال الشافعي: إذا وجب على المرأة عدتان لرجلين لم يتداخلا بل يجب عليها أن تأتي بكل واحدة على الانفراد، وقال أبو حنيفة: تتداخل العدتان فتأتي بثلاثة أقراء عنهما، فيقول: لأنهما لاحقان مقصوعان لازمان كأصل الحرمة فلم يتداخلا كما لو جرح رجلان أو تلف مالهما، قال المخالف: لسنا نقول إن العدة حق لآدمي بل هي حق لله تعالى بدلالة أن الزوج لا يملك إسقاطها ولو كانت حقا له لملك إسقاطها، قال: الدليل أنها حق للزوج قوله تعالى: { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} (1) دليلهم أنه لهم عليهن عدة إذا كان الطلاق بعد المس.
__________
(1) سورة الأحزاب: 42. (10/201)
صفحة 1063
ابن محبوب: من أقر بولد ثم أنكر لم يقبل إنكاره بعد إقراره، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خيركُم بعد المائتينِ كلٌّ خفيفِ الحاذِ» (1) يعني من لا ولد له، فيما قيل، والله أعلم. وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «لأنْ يُربيَ أحدُكم بعدَ المائتينِ جروَ كلبٍ خيرٌ له من أنْ يربيَ ولداً» (2) . قال الشاعر:
هذا الزمان الذي كنا نحاذره *** في قول كعب وفي قول ابن مسعود
إن دام ذلك لم نحزن على أحد *** منا يموت ولم نفرح بمولود
وللمتنبي: ... هل الولد المحبوب إلا بقلة *** ولا المرأة الحسناء إلا أذى البعل
... ... وما الدهر أهل أن يؤمل عنده *** حياة ولا يشتاق منه إلى نسل
ويقال: أحرأت المرأة إلى ولدت أنثى: إن أحرأت حرة يوما ولا عجب *** قد تحرىء الحرة المذكار أحيانا
__________
(1) رواه البيهقي: شعب الإيمان عن حذيفة بن اليمان، بلفظ: "خيركم في المائين..."، ر10350. والديلمي عن حذيفة، بلفظ: "خيركم في المائتين..."، ر2852.
(2) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن صالح بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده بلفظ: "أن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب خير له من أن يربي ولدا لصلبه"، ر10685. والديلمي عن ابن عباس بلفظ: "...بعد أربع وخمسين خير..."، 7857. (10/202)
صفحة 1064
وإذا قال الرجل لغلام مجهول النسب: هذا ابني ومثله يولد لمثله ثبت نسبه منه وهو حر، وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «[الحمدُ للهِ]دفنُ البناتِ من المكرماتِ» (1) فليس هذا إنما ذلك دفن الموت لا دفن الحياة، وهذا بإجماع المسلمين، وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك، وعن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - لما عزي برقية امرأة عثمان قال: «الحمد لله، دفن البنات من المكرمات»، وعن الحسن بن علي قال: النساء عشر عورات فإذا زوجت المرأة ستر الزوج عورة، فإذا ماتت ستر القبر العشر، وقيل: خطب إلى عقيل بن علفة ابنته فقال: ... إني وإن سيق إلى المهر
... ... ... ... ... ألف وعبدان وذود عشر
... ... ... ... ... أحب أصهاري إلى القبر
ولعبد الله بن ظاهر: ... ... لكل أبي بنت يراعي شئونها *** ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر
... ... ... ... فبعل يراعيها وخدر يكنها *** وقبر يواريها وخيرهم القبر
وأنشد أبو حاتم السجستاني: ... رزقتك بعد الأربعين وبعدها *** بدا شمط قد لاح بين المفارق
... ... ... ... فليتك لا تبقين بعدي وليتني *** دفنتك قبل الموت تحت الشقائق
... ... ... ... أحبك والرحمن يعلم أنني *** بموتك مسرور حذار البوائق
وقال آخر: ... ... ... أحب بنيتي وودت أني *** دفنت بنيتي في جوف لحد
... ... ... ... وما بي موتها عني ولكن *** مخافة أن تذوق الفقر بعدي
... ... ... ... مخافة أن أزوجها سفيها *** فيشتم والدي ويسب جدي
ولآخر: ... ... ... ... لقد زاد الحياة إلي بغضا *** بناتي إنهن من الضعاف
... ... ... ... مخافة أن يذقن الفقر بعدي *** وأن يشربن رنقا غير صافي
... ... ... ... وأن يعرين إن كسى الجواري*** فتنبو العين عن كوم عجاف
... ... ... ... وأن يضطرهن الدهر بعدي *** إلى عم غليظ القلب جاف
__________
(1) رواه الطبراني: المعجم الكبير عن ابن عباس بلفظه، ر12035. والهيثمي مثله، باب موت البنات، 3/12. وقال: "وفيه عثمان بن عطاء الخراساني وهو ضعيف". (10/203)
صفحة 1065
وماتت أخت لعمر بن عبد العزيز فأتاه الناس يعزونه فقال: إنا لا نعزي على البنات ولا الأخوات، وقال يحي بن خالد: إن تقديم الرجل حرمته من أعظم النعم عليه قال: ولم أر نعمة شملت كريما *** كنعمة عورة سترت بقبر.
مسألة:
أجمع أهل العلم على أن العجمي والمولى إذا تزوج أمة قوم فأولدها أن الأولاد رقيق، واختلفوا في عربي تزوج أمة، فقال قوم: لا رق عليهم، يقوم الأولاد على الأب، وروي ذلك عن عمر وبه يقول الشافعي إذ هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر، وقال قوم: أولاده رقيق، وهو قول مالك وأصحاب الرأي وغيرهم، وقد أجمع أهل العلم أن العرب والعجم يستوون في الدماء فإذا استووا في الدماء عند الجميع، واختلفوا فيما دون الدماء كان حكم ما اختلفوا حكم ما أجمعوا عليه مع دلالة السنة، ومن تزوج امرأة فجاءت بولد فقال: إنما تزوجتها مذ أربعة أشهر، وقالت هي: تزوجني من سنة فالقول قولها، قال أبو عبد الله: من أقر بولد من امرأة لا زوج لها فإنه يرثه، فإن أقر بولد من امرأة لها زوج فإنه لا يرثه، وقال بعض الخرسانيين أنه لا ميراث لولد الزنا، وقال ذلك أبو صفرة عن محبوب، والذي عندي أنه لا ميراث لولد الزنا ممن أقر به كان على فراش أحد أو لم يكن، كان للمرأة زوج أو لم يكن، وإنما قال بالقول الأول موسى بن أبي جابر، وكان أبو علي يأخذ به إن كان للمرأة زوج فلا ميراث للولد الذي ولدته وهو زوجها ومعها ممن أقر به، وإن لم يكن لها زوج فإنه يرثه. (10/204)
صفحة 1066
أبو الحواري: وإذا حبلت الأمة عند الرجل ثم باعها فولدت عند المشتري ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر بيوم والآخر لأكثر من ستة أشهر بيوم فادعى المشتري والبائع الولدين جميعا فإنهما أبناء البائع والأمة أم ولده، ويسقط البيع ويرد عليه الثمن، وإذا ادعاه المشتري ونفاهما البائع فإنهما إبناه أيضا، فإن نفاهما جميعا المشتري وادعاهما البائع فهما إبناه، فإن نفياهما جميعا أو شكا فيهما فلم يقرا بهما فهما عبدان للمشتري وأمهما أمة له، وإذا حبلت الأمة فولدت عند الرجل ثم باعها وقبض الثمن فزوجها المشتري عبدا له فولدت ومات عنها العبد فوطأها المولى فولدت ثم ادعى البائع الولد الذي عنده ثبت النسب منه ويرد ابن العبد، ويكون عنده بعتق إذا مات عتق بمثله أمة إن كانت عنده. وإذا حبلت الأمة عند الرجل ثم باعها وقبض الثمن وقبضها المشتري فولدت معه ابنا ثم مكثت ستة أشهر ثم ولدت ولدا آخر من غير زوج فادعى البائع الولدين جميعا فإنهما إبناه وترد الأمة إليه وتكون أم ولده ويرد الثمن، وكذلك لو ادعاه المشتري معه وكانت الدعوى فإنهما إبنا البائع على ما وصفت لك ولا يثبت نسبهما من المشتري. أبو معاوية: ومن طلق زوجته وتزوجت في بقية من عدتها فجاءت بولد لسنتين مذ يوم طلقها الأول أو لستة أشهر أو أكثر مذ يوم تزوجها الآخر فالولد للآخر لأن الوطء منه، والله أعلم. قال: ولو أنه تزوجها وهو ممن لا يحل له نكاحها من نسب أو رضاع وهما لا يعلمان، أو كان قد وطأ أو مس فرج من لا يحل له نكاحها بذلك المس والنظر والوطء فجاءت بولد لستة أشهر أو أكثر كان عندي الأخير، والله أعلم. (10/205)
صفحة 1067
اجتمعت الناس على مدة الحمل أقله ستة أشهر، وتنازعوا في أكثره، فقال قوم: سنتان، وهو قول عائشة والثوري، وقال الليث بن سعد: ثلاث سنين، قال مالك والشافعي: أربع سنين، وقال عباد بن العوام: خمس سنين، وقال الزهري: سبع سنين، وقال بعض أصحاب الظاهر: القائل بأن الحمل يكون من أكثر من تسعة أشهر يحتاج إلى دليل، وقال أصحاب أبي حنيفة: أكثر مدة الحمل سنتان، لما روي عن عائشة أنها قالت: لا يبقى الولد في البطن أكثر من سنتين بفلكة مغزل، وروي بفركة، وقيل: بأن امرأة عجلان ولدت لأربع سنين، وعن الحسن أنه قال: لنا جارة بواسط فولدت ولدا لخمس سنين شعره إلى منكبيه وطاير به طائر، فقال محسن: فقيل أن رجلا غاب عن امرأته أربع سنين ثم رجع فوجدها حاملا فعزم عمر على رجمها، فقال له علي: إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فصبرا إلى أن وضعت فلما رأى الرجل الولد قال: ابني ورب الكعبة فألحق عمر الولد به. وصحت الرواية عند جميع أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فجرى عليه الحكم إلى يوم القيامة، إلا ما روي عن معاوية حين ألحق الدعوى زيادا بأبي سفيان، فقال: الولد للعاهر ولصاحب الفراش الحجر، خلافا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - . جارية بين ثلاثة أنفس وطأها الجميع وحملت ولدا ومات من الثلاثة الموالي واحدا فإن الولد للثلاثة وتعتق بميراث ابنها ويرد ابنها على الورثة قدر ما يجب لهم من أمه، ويرد ميراثه من أبيه إن كان أبوه خلف مالا غيرها وإلا استسعاها بقية الورثة بقدر حصصهم منها، والله أعلم. (10/206)
صفحة 1068
قال أبو حنيفة: إذا جاءت امرأة الكبير بولد فإنه يلزمه وإن لم يتمكن من الوطء، والشافعي لا يلزمه، الدليل عليه قوله الخبر: الولد للفراش تارة وللعاهر الحجر، تارة تطلق على المرأة وتارة على الزوج، تارة على نفس الفراش المعهود، وليس يجوز أن يكون المراد به المرأة لا يثبت الولد منها في كل حال، والدليل على أن الزوج يسمى فراشا قول الشاعر: باتت تعانقه وبات فراشها *** خلف العشائر في الدماء قتيلا
فصل:
اختلف أهل التأويل والأخبار في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ وعلى ملةِ إبراهيمَ» (1) ، فقالت طائفة: أنه يولد على فطرته وسلامة طباعه حتى يكون أبواه يهودانه، واستدلوا بشيء يروى أن البعير يولد سليما حتى يكون صاحبه يسمه فكأن أبواه يسمانه بسمتهما، والوجه الآخر على الفطرة التي أخذ الله تعالى على بني آدم حيث قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (2) فهم يولدون على تلك الفطرة هاهنا كقوله تعالى: { فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (3) الآية، أي كل مولود يولد على الدين حتى يكون أبواه يزيلانه عن ذلك.
فصل:
__________
(1) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه..."، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ر1293. ومسلم مثله، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ر2658.
(2) سورة الأعراف: 172.
(3) سورة الروم: 30. (10/207)
صفحة 1069
ومن وجه الإعراب فيه ثلاثة أوجه، فالرفع وجهان، والنصب وجه واحد، فأحد وجوه الرفع أن يكون المولود مضمرا في يكون، والأبوان مبتدآن وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه اللذان يهودانه، ومثل ذلك قول رجل من بني عبس:
إذا ما المرء كان أبوه عبس *** فحسبك ما تزيد من الكلام
وقال آخر: ... ... متى يعد كيسا إن يكن بك كيسه *** له مطعم من صدر يوم ومأكل
والوجه الآخر أن تعمل يكون في الأبوين ويكون هنا مبتدآن، والنصب أن تجعهما فصلا، وقوله تعالى: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} عن ابن عباس قال: حملته سرورا ووضعته سرورا، قال: والكاف إذا كانت مضمومة هو السرور، وإذا كانت مفتوحة هي من الكراهة.
فصل:
يقال بنو علة وبنو بهرة: وفي الحديث: «الأنبياء أبناء علة» (1) وأولاد علات من أمهات شتى وأب واحد، وبنو الأخياف من آباء شتى وأم واحدة، وأولاد الأعيان من أب وأم، قال الشاعر:
كأن الناس كلهم لأم *** ونحن لعلة علت ارتفاعا
وتصغير البنين أبينون، قال قيس بن ربيعة من بني السيد بن ضبة:
زعمت تماضر أنني إما أمت *** يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
فصل:
إذا أعسر على المرأة الولد فدخن تحتها بمسك فإنها تطرح ولدها وتدخن تحتها بخرو التيس فإنها تلد، أو تسقى مرارة غزال بماء أو يطبخ لها مر وأبيض بنبيذ أو يغسل زوجها مذاكيره فتسقى، وإذا أردت أن تعرف أن المرأة تحمل أو لا فامرها أن تجعل في طشت ماء ويتقرب إليها زوجها، فإذا أراد أن يهريق نطفته فليهرق في ذلك الماء، فإن طفا على الماء فإنه لا يولد له وإن سفل فإنه يولد له، وإذا أردت أن تعلم أن المرأة تضع بذكر أو أنثى فمرها أن تقوم تمشي فإن رفعت رجلها اليسرى فجارية، وإن رفعت اليمنى فغلام، وانظر إلى عروق رجليها وكفيها فإن كانت حمرا فغلام، وإن كانت خضرا فجارية، وامرها أن تصب لبنها في الماء فإن ارتفع فجارية وإن سفل فغلام.
فصل:
__________
(1) لم أجده. (10/208)
صفحة 1070
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وُلدَ له ولدٌ فأذَّنَ في إحدى أُذنيهِ اليُمنى وأقامَ في الأخرى رُفعت عنه أمُّ الصيبانِ» (1) ، وفعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - بالحسن والحسين وهي رقية لأم الصبيان.
فصل:
__________
(1) رواه البيهقي: شعب الإيمان عن الحسين بن علي بلفظ: "من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى رفعت عنه أم الصبيات"، ر8619. وأبو يعلى عن الحسين بلفظ: "من ولد له فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره"، ر6780. قال الهيثمي: "وفيه مروان بن سالم الغفاري وهو متروك"، مجمع الزوائد، 4/59. (10/209)
صفحة 1071
ولد الضحاك بن مزاحم وهو ابن ستة عشر شهرا، وولد شعبة لسنتين، ومالك بن أنس حمل به أكثر من سنتين، محمد بن عجلان مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة حمل به لأكثر من ثلاث سنين، قال الواقد بن شعيب: نساء الحجرات من ولد زيد بن الخطاب يقلن: ما حملت امرأة منا أقل من ثلاثين شهرا، هرم بن حيان حمل به أربع سنين، لذلك سمي هرم، وولد المسيح عليه السلام لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش، والشعبي ولد لسبعة أشهر توأم، جرير الشاعر لسبعة أشهر، عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، واختلف الناس في قول أكثر مدة الحمل، فعن عائشة أنها قالت سنتان، وبه قال سفيان الثوري، وقول ثالث أنه ثلاث سنين، وقال الليث بن سعد: حملت مولاة لعمر بن عبد العزيز ثلاث سنين، وقول ثالث أربع سنين، هكذا قال الشافعي ومالك، وقيل إنه رجع عنه، قول رابع أنه خمس سنين، وروي ذلك عن عباد بن العوام، وقول خامس قاله الزهري ست سنين وسبع سنين، وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه، وأجمعوا أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر مذ يوم عقد نكاحها إن الولد لا يلحق به فإن جاءت به لستة أشهر مذ يوم عقد نكاحها فالولد له، اختلف في أولاد العرب فقالت طائفة: يقوم على أبيه ولا يسترق، وبه قال سفيان الثوري، وأبو ثور وإسحاق، واحتجوا بما روي عن عمر أنه قال لابن عباس: اعقل عني ثلاثا: الإمارة شورى، وفي فدا العرب مكان كل عبد عبد، وفي ابن الأمة عبدان، وفي حديث عاصم عن عمر في نساء عين في الجاهلية يعني بعن فأمر أن يقوم أولادهن على آبائهم ولا يسرفوا، وقال طائفة: إذا علم أنها أمة فنكحها على ذلك فأولادها رقيق، وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وقال طائفة من أهل الحديث واحتجوا بأخبار ثانية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها أنه سبى هوازن وأنهم لما كلموه ترك حقه وحق من أطاعه وكلم من لم تطب نفسه بترك حقه وضمن لكل رأس منهم شيئا ذكره، وأن عمر بن (10/210)
صفحة 1072
الخطاب ـ رحمه الله ـ حين سمعهم يقولون أعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقيق حنين ومعه غلام من رقيق حنين قال: فاذهب فأنت حر، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعتق أحرارا بل هو قوم من العرب جرى عليهم الرق بالسبي. ومما يدل على صحة هذا القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صبية كانت عند عائشة من بني تميم: أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل، وأمرها أن تعتق من بني العنبر في محرر كان عليها، وهذه أخبار ثابتة، والله أعلم.
فصل:
قال ابن الأعرابي: يقال للأنثى: سبيلان ولرحمها قرينان وهما زاويتا الرحم، وإذا امتلأت الزاويتان أتأمت وإذا لم تمتلئ أفردت، وقال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض والفراخ، وإنما هذا من صفات أرحام اللواتي يحملن بأولاد ويضعن خلقا كخلقهن ويرضعن، والظلمات الثلاث المشيمة والرحم والبطن، والمهبل فم الفرج، وقال الكميت:
إذا طرق الأمر بالمعظلات *** تيئنا وضاق بها المهبل
المعضلات الدواهي وتيئنا خرج منكوسا، وللفرج مكحلان أي مسلكان أحدهما مكحلة للحضانية والأخرى للبول والعذرة بينهما، أو عنق الرحم مستطيلة عند طرق العذرة ولمهبل الرحم ثلاث شعب إذا أصابها الرجل كان ثلاثة وإذا أصاب شعبتين كان بإذن الله توأما، وإذا أصاب واحدا كان واحداً، وإذا لم يحط الرجل في كل ما جامع أن يحمل له سمي مقبسا، وحلق الرحم ثلاث، قال الطرماح:
طواها السبرى حتى ارتقى ذو ثلاثها *** إلى أبهر رد ما شعب السناسن
السناسن حروف قفار الظهر العليا الذي ينشق بعضها فوق طي السنام من البعير، ويقال لهن الأضعاف، قال الجعدي:
تجللهم فرق من الستر لم يكد *** يغادر في أضعاف حاملة فسلا
فصل:
وقال الشاعر: في النسل هم وفي التزويج منغصة *** والله فرد يحب الفرد فانفرد
... ... ... لو كان في كثرة الأولاد مكرمة *** ما قال ما اتخذ الرحمن من ولد
وقال آخر: ... ... وبدلت من أم علي شفيقة *** علوقا وشر الأمهات علوقها (10/211)
صفحة 1073
العلوق التي ترأم على ولد غيرها، أي تعطف عليه وتدع ولدها، الولد الصيفي هو الذي يولد بعد السن، والربعي الذي يولد في عنفوان شبابه، قال الشاعر: إن بني ضبة صيفيون *** أفلح من كان له ربعيون
المهاير الحرائر اللاتي يتزوجن بالمهورة.
فصل:
الأبوة الفعل من الأب لقولك: تأبيت أبا وتبنيت أبناء وتأممت أما، بين الأبوة والأمومة والبنوة، ويجوز في الشعر أن يقول هذان أباك يريد أباك وأمه كنصب واحد، وقال الراجز:
أقبل يهوى مزود بين الطربال *** فهو يفدي بالأبين وبالخال
هذا لمن قال أب وابن وأبون، من قال: رأيت أباك وأباك يريد أبوك وأباك، ويجوز أن يجمع الأب بالنون وهؤلاء أبوكم يعني أباكم، وتصغير الأب أبي وتصغير الآباء على وجهين أحدهما أبيون والآخر أبي، يقال: أم وأمهات وأمهة وأمات.
فصل:
قوله تعالى: { اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (1) الآية، يعني الحوامل من ذكر أو أنثى أو سوي أو ناقص الخلق، وما تغيض الأرحام، غيضوضة الرحم ما ينقص التسعة أشهر وما يزاد على التسعة أشهر، قال مجاهد: هي المرأة ترى الدم وقد استبان حملها فإنما ذلك الدم الذي تراه في حملها مغيض في الولد فبقدر ما خرج منها من الدم وكل شيء عنده بمقدار، قد قدر الله البلاء والمصائب، عالم الغيب ما غاب عن العباد والشهادة ما شهد العباد.
فصل:
__________
(1) سورة الرعد: 8. (10/212)
صفحة 1074
اختلف الناس في مدة الحمل فقال قوم: أقصاه سنتان، وروي ذلك عن عائشة، وقال قوم: ثلاث، وقال قوم: أربع وهو قول الشافعي ومالك، وقيل: خمس سنين وقيل ست وسبع، وهو قول الزهري، وقال الشافعي: أكثر مدة الحمل أربع، وقال أبو حنيفة: سنتان، وقال الشافعي: ولد ابن عجلان لأربع سنين، وروي عن مالك أنه قيل له إن عائشة تقول: أكثر الحمل سنتان، فقال: من يروي هذا هذه حاربيا امرأة عجلان حملت ثلاثة بطون كل بطن يبقى الحمل في بطنها أربع سنين، وعن سعيد بن المسيب نحو ذلك، وقال أبو عبيدة: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه، وأجمع علماء الأمصار على أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ثلاثة أشهر مذ يوم عقد نكاحها أن الولد لا يلحق به ولستة أشهر من يوم عقد النكاح فالولد له، وقال الشافعي: إذا أقرت المرأة بانقضاء العدة ثم أتت بولد لأقل من ستة أشهر دون أربع سنين من وقت انقضاء العدة لحق الزوج، وقال أبو حنيفة: لا يلحق.
فصل:
لم يقل بالقيافة كالشافعي، والحجة أن القيافة ضرب من التخمين والظن لا يرجع فيه لحقيقة فلم يجز الحكم به، ولو كان القول بالقيافة لوجب تقديمه على الفراش لأن القائف يرجع إلى ضرب من المشاهدة والفراش معلوم بالاستدلال.
فصل:
الذرية ولد الرجل والذريات ولد الولد، ويكون ولد الرجل أيضا لأن ذريان جمع ذرية، واختلف في قوله تعالى في سورة الأنعام: { وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (1) الآية، قال أهل التفسير: من ذرية نوح، وقال النحويون: من ذرية إبراهيم صلى الله عليهما، منهم الأخفش، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ»، وقيل: يعني به من الولد، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لأن يربي أحدكم بعد المائتين جرو كلب خير له من أن يربي ولداً».
__________
(1) سورة الأنعام: 84. (10/213)
صفحة 1075
إن دام هذا ولم يحدث له غير *** لم نبك ميتا ولم نفرح بمولود
هذا الزمان الذي كنا نحاذره *** في قول كعب وفي قول ابن مسعود
وللمتنبي: ... وما الدهر أهلا أن يؤمل عنده *** حياة ولا يشتاق منه إلى نسل
قال جعفر بن محمد: إذا كانت السنة ثلاثين ومائة خير أولادكم البنات وخير نسائكم العقر، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يأتِي على النَّاسَ زمانٌ يكونُ الولدُ غيظاً ويكونُ المطرُ قيظاً ويفيضُ فيه اللئامُ فيضًا، ويغيضُ الكرامُ غيضًا» (1) ، وروي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يا عائشة ، إن رائحة الولد من رائحة الجنة» (2) ، والبغية نقيض الرشد في الولد، تقول: هو ابن بغية، وقال: ... ... لدى بغية من أمة ولرشة *** فيغلبها حمل على النسل منجب
فصل:
أبو محمد: ومن اشترى أمة فوطأها فجاءت بولد ثم صح معه أنها كانت ابنته فإن الولد لاحق به ولزمه لها المهر وعليه أن يعتزلها، ومن اشترى جارية فأولدها ثم استحقت عليه كان الولد باتفاق الأمة ثابت النسب منه، وأصحابنا يوجبون عليه مع ذلك تسليم قيمة الولد يوم ولد، ويوافقهم على ذلك كثير من مخالفيهم أيضا، ولم يجعلوا للولد قيمة، قالوا: لأنه في الظاهر من وطء أمته فجاءت بولد صحيح النسب، وإنما يلزم العقر والقيمة والاستدراك من تعمد الفعل على علم، والله أعلم.
فصل:
__________
(1) رواه محمد بن سلمة القضاعي في مسند الشهاب، عن عائشة بلفظ: "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا والمطر قيظا ويفيض اللئام فيضا ويغيض الكرام غيضا..."، لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا، ر949. والطبراني في الكبير عن ابن مسعود بمعناه، ر10556.
(2) لم أجده. (10/214)
صفحة 1076
جويرية بن أسماء عن عمه قال: حججنا مع قوم ومعنا امرأة ونزلنا في موضع فنامت المرأة فانتبهت وإذا حية منطوية عليها قد أجمعت رأسها مع ذنبها فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل منطوية عليها لا تضرها بشيء حتى دخلنا أنصاب الحرم فانسابت فدخلت مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا حتى إذا صرنا بالموضع الذي انطوت عليها فيه الحية وهو المنزل الذي كنا نزلنا، والمرأة عندنا نامت واستيقظت والحية منطوية عليها، ثم صفرت الحية فإذا الوادي يسيل علينا حيات فنهشتها حتى بقي عظامها فقلت لجارية كانت معها: ويحك أخبرينا عن هذه المرأة، قالت: بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولدا فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته فيه.
فصل:
الولد إذا تمت أيامه في الرحم فلا مكان، وكرهه وضاق به مكانه ودفعه وطلب بأنفه موضع المخرج مما هو فيه من الكرب حتى يصير أنفه ورأسه على فم الفرج تلقاه فم الفرج فألانا والملكان يدفعانه في تلك الجهة والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه على ما دبرت عليه سنه، ولولا أن يطلب الهدى من ذاته ويكره مكانه ثم خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي برى فيه لمات كما تموت السمكة إذا فارقت الماء، كان قابلا لطباع السمكة مشاكلا له مريدا له كان في مفارقته له غيظه وكان في مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدماء شيء من طباعه وطباع المكان الذي كان له مرة ممسكا وذلك قال الشاعر وهو جاهلي: ... ... إذا المرء لم يغضب لمطلب أنفه *** لكريهة تأتي له لم يغضب (10/215)
صفحة 1077
يقول: من لم يحم فرج أمه وامرأته فليس من يغضب من شيء يؤتى إليه، وكل مولود في الأرض يولد أعمى لا يبصر إلا من بعد أيام فمنه ما ينفخ بعد أيام كالجرو وأولاد الدجاج فإن فراريجها تخرج من البيض كاسية والمرأة تنقطع على الحبل قبل أن ينقطع الرجل على الإحبال بدهر وتفرض في السن فتصير عاقرا ويكون الرجل أسن منها ولا يصير عاقرا، وكذلك الناقة إذا سمنت والحجر والرمكة والأتان، وكذلك النخلة المطعمة وتسمن تحت الفحال فتكون أجود لألفافه، وهما يختلفان كما ترى.
فصل:
يقال: إن عبد الصمد بن علي لم يثغر ودخل القبر بأسنان الصبي، يقول ثغر الصبي إذا سقطت أسنانه فهو مثغور وأثغر إذا نبتت أسنانه بعد السقوط وأثغر الضحاك ابن مزاحم وهو ابن ستة عشر شهرا والصديغ الولد إلى سبعة أيام يسمى به لأنه لا يشتد صدغه إلى تمام سبعة أيام.
فصل:
قوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } (1) قال ابن عباس: منتصبا في بطن أمه، قال: وقد قيل: يوكل به ملك إذا نامت أمه وانضجعت رفع رأسه، ولولا ذلك لغرق في الدم، ويقال في استقامة، ويقال في اعتدال، ويقال للولد الجنين لكونه في البطن واستجنانه، وقالوا في الميت الذي في القبر جنين، وقال عمرو بن كلثوم: ولا شمطاء لم يترك شقاها *** لها من تسعة إلا جنينا
يخبر أنها قد دفنتهم كلهم، والشمطاء المرأة ذات الشيب في الرأس، ويقال لها: شيباء كما يقال للرجل أشيب وأشمط.
فصل:
وقيل: الناس أخياف أي مختلفون، وهو مأخوذ من الخيف وهو أن تكون إحدى العينين زرقاء والأخرى كحلاء من كل شيء، وما يشبه هذه الصفة أخيف والجميع خيف وقيل خوف.
مسألة:
__________
(1) سورة البلد: 4. (10/216)
صفحة 1078
أجمعوا على ثبوت نسب ولد الأمة من سيدها إذا أقر بوطئها لثبوت الفراش فإن كان اشتراها ومعها ولد فادعى أنه ولده نظر في ذلك فإن كان لها بعل معروفة به وفي فراشه لم يقبل منه لخبر: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وإن لم يكن لها بعل ولم يثبت للولد نسب يلحق به قبل قوله في ذلك وحكم له به، فإن كان للمولود أخ ولد معه في بطن واحد ألحق به وحكم عليه به، إذا كانا في بطن واحد وإن أنكر ذلك؛ لأنه يستحيل أن تحمل المرأة في وقت واحد من رجلين إذ الرحم لا يقبل نطفتين مختلفتين في حال واحد، فعلى هذا إذا صح لأحديهما النسب منه، وثبت ذلك مع الحاكم، ثم صح وثبت أن أخاه ولد معه في بطن واحد، وأنها كانت حاملا فوضعتهما في وقت واحد وفي ليلة واحدة أحدهما في أولها والثاني في آخرها على ما تجري به من عادة النساء ويوجد ذلك فيهن من وضع الحملين ألحق به وحكم للمولود بالنسب والله أعلم. (10/217)
صفحة 1079
وإن أقرت أمة بولد لغير سيدها وكان السيد يغشاها لم يقبل منها لأن النسب حق للولد وإقرارها لا يزيل ما يثبت للولد من حق، فإن ادعى سيدها أنه كان يعزل عنها لم يقبل منه لثبوت الفراش منه للخبر الذي ذكرناه، ومعنى الخبر أن الولد لمن كانت أمه في فراشه وللعاهر الحجر، وقال قوم: أراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وللعاهر الحجر» ما يتكلم به الناس بينهم أن في يدك مما تدعيه أو تطمع فيه الحجر، يريد أنه لا يحصل في يدك شيء على طريق المبالغة في النفي وعلى أي القول حمل تأويل الخبر فإن العاهر لا يحلقه نسب المولود إذا كان الفراش لغيره، ثم اختلفوا في معنى الفراش فقال أبو حنيفة: هو عقد النكاح وإن لم تكن ثم خلوة حتى إنه قال: لو أن رجلا تزوج بحضرة الحاكم امرأة ثم طلقها مع تمام رضاه بها فجاءت بولد لستة أشهر أن الولد لاحق به، وهذا قول لا تخفى ركاكته على ذي دين، وقد قال أصحابنا: الفراش عقد النكاح مع الخلوة والإمكان من الوطء والتسليم للنفس، فإذا جاءت به بعد هذه الشرائط لستة أشهر ألحق به، وإن أنكر ذلك لا على ما يقول به أبو حنيفة، فأما ثبوت الفراش للأمة فهو صحة الوطء والإقرار منه، ولولا الإجماع على التفرقة بين الحكم في عقد النكاح وملك اليمين لجمعت بين حكميهما وقبلت دعوى الأمة في الولد إذا كان قد وجد التسليم مثاله ولإمكان الخلوة معا وإن أنكر السيد، لكن لا حظ للنظر مني في ذلك مع الإجماع والله أسأله التوفيق. ومن باع جارية لرجل فولدت مع المشتري لأقل من ستة أشهر بيوم ولدا وقد ولدت لأكثر من ستة أشهر بيوم ولدا آخر قال أبو زياد: الولدان للأول، وقال أبو عبد الله: الولدان للآخر، ومن أثر في رجل حضرته الوفاة فادعى ولد جارية لقوم أنه منه أنه إن صدقته الجارية فهو ولده وإن كذبته لم يصدق عليها، وإن صدقته واشتراه الورثة فله الميراث فإن كره مولاه بيعه فذلك له ويجوز لناس أن يشتروه ويستخدموه.
في الموءودة: (10/218)
صفحة 1080
قال سليمان بن زيد [سلمة بن يزيد] الجعفي: سألتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: «أمِّي كانت تُقري الضيفَ وتُطعمُ الجارَ واليتيمَ، وكانت وأَدَتْ وأدًا في الجاهليةِ ولِي سعةٌ من المالِ أفينفعُها إنْ تصدقتُ عنها، فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ينفعُ الإسلام إلا منْ أدركَه وما وأدتْ في النارِّ» (1) ، ورأى ذلك قد شق علي فقال: وأم محمد معها ما فيهما خير.
فصل:
عروة عن عائشة أن عتبة بن أبي وقاص قال لأخيه سعد: الغلام من جارية زمعة هو ابني، فقالت: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه وقال: ابن أخي ورب الكعبة، فقال عبد بن زمعة: هو أخي ابن جارية أبي ولد على فراشه، قال: فانطلقا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال سعد: ابن أخي وهو أشبه الناس بعتبة، وكان أبين الناس شبها بعتبة، وقال عبد بن زمعة: هو أخي ابن جارية أبي ولد على فراش أبي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِزَوْجَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: «اِحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» لَمَّا رَأَى شَبَهه عُتْبَةَ» (2) ، قالت: فما رآها حتى فارق الدنيا.
فصل:
قال الأصمعي وأبو زيد: يقال، ولد المولود لتمام إذا استكمل أيامه وسائر الكلام بالفتح، يقال بلغ الشيء تمامه وهذا تمام حقك، وأنشد:
نتجت حروبهم لغير تمام
والهجين ولد العربي من الأمة الراعية التي لا تحصن فإذا أحصن فليس الود بهجين، والهجين والهجنة تكون من قبل الأم والإقراف من قبل الأب، فإذا كانت الأم من العتاق والأب ليس كذلك كان الولد مقرفا، وأنشد:
__________
(1) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن سلمة بن يزيد الجعفي بلفظ قريب، ر1306.
(2) رواه الربيع عن عائشة بلفظه، باب (36) في الرجم والحدود، ر609. (10/219)
صفحة 1081
وما هند إلا مهرة عربية *** سليلة أفراس تحللها بغل
وإن أنجبت مهرا كريماً فبالحر *** وإن يك بك إقراف فما أنجب الفحل
وقال ذو الرمة: تريك سنة وجه غير مقرفة *** ملساء ليس لها خال ولا ندب
الندب ما بين الأثر الذي يبقى بعد الجرح، يقول: هي كريمة الأصل لم يخالطها شيء من الهجنة، قال عثمان بن عفان: كل شيء يحب ولده حتى الحبارى يضرب بها المثل، والموق والغفلة والقبلة، وتقول العرب: أعق من ضب لأنه يأكل حسوله، ويخرج عند العرب حظ الهرة كقولهم: أبر من هرة وأعق من ضب، فوجهو أكل الهرة لأولادها على شدة الحب لهم، ووجهوا أكل الضب لها على شدة البغض، وليس ينجو منه شيء منها إلا لشغله بأكل إخوته عنه، وليس يحرسها مما يأكلها إلا ليأكلها، ولذلك قال المغلس بن عقيل لابنه عقيل بن علقمة:
أكلت بنيك أكل الضب حتى *** وجدت مرارة الثكل الوبيل
وشبه العبيد الحميري عائشة أم المؤمنين في نصها الحرب يوم الجمل القتل بينها بالهرة حين تأكل أولادها فقال:
جاءت مع الأشقين في هودج *** تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة *** تريد أن تأكل أولادها
فصل:
يقال: كاس الرجل وهو مكيس إذا ولد له أولاد أكياس قال الشاعر:
فلولا أمكم كيست لكستم *** وكيس الأم يعرف في البنينا
ولكن أمكم حمقت وماقت *** فجئتم أحمقين لأحمقينا
وقد كاس الولد يكيس كيساً، ويقال: قد أقصرت إذا ولدت أولادا قصارا، وأطالت إذا ولدت طوالا، وفي بعض الحديث أن الطويلة قد تقصر والقصيرة قد تطيل.
فصل: (10/220)
صفحة 1082
في تسمية المولود: اختلف الناس في تسمية المولود، فقال بعض: تسميته يوم سابعه، وكان الحسن ومالك يستحبان ذلك ومتى ما شاء سماه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وُلد لي الليلة غلامٌ فسميتُه باسمِ أبي إبراهيمَ» (1) ، وسمى الغلام الذي جاء به أنس بن مالك لما حنكه عبد الله، واختلفوا في تسمية الولد الصبي الذي لم يستهل، فقال بعضهم: إذا تم خلقه سمي، وقال مالك: لا يسمى إذا لم يستهل صارخاً. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إنكم تُدعوَن يومَ القيامةِ بأسمائِكم وأسماءِ آبائِكم فأحسنُوا أسماءَكم» (2) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أحبُّ الأسماءِ إلى اللهِ عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ» (3) ، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: أحب الأسماء إلى الله أسماء الأنبياء، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سمُّوا باسمِي ولا تكنُّوا بِكُنيتِي» (4) ، فلا يحل لأحد أن يكنى بكنيته.
فصل:
__________
(1) رواه مسلم عن أنس بن مالك بلفظه، باب رحمته والعيال وتواضع هو فضل ذلك، ر2315. وأحمد عن أنس بلفظه، ر13037.
(2) رواه أبو داود عن أبي الدرداء بلفظه، باب في تغيير الأسماء، ر4948. والبيهقي مثله، باب 54 باب ما يستحب أن يسمى، 9/306. في إسناده عبد الله بن أبي زكريا، قال أبو داود: "بن أبي زكريا لم يدرك أبا الدرداء". وقال البيهقي: "هذا مرسل، بن أبي زكرياء لم يسمع من أبي الدرداء".
(3) رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ "أسمائكم"، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، ر2132. وأبو داود عن ابن عمر بلفظه، باب في تغيير الأسماء، ر4949.
(4) رواه البخاري عن أبي هريرة وجابر وأنس بلفظ "تسموا" وبلفظ "سموا"، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ر110. ومسلم مثله، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء، ر2131. (10/221)
صفحة 1083
في الحمل: ثعلب يقول: امرأة حاملا إذا أردت حبلا، فإذا أردت أنها تحمل شيئا ظاهراً قلت حاملة، وقال الفراء: يقال حامل وحاملة، ويقال: ولد المولود لتمام ويمام، ويقال: مولود بكر وهو أول ولد أبوه بكر وأمه بكر، وأنشد الأعرابي:
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد *** أصبحت مني كذراع من عضد
الخلب الذي يكون بين الزيادة والكبد، وقيل: هو وعاء القلب، وقيل: هو حجاب القلب، وإذا كان الأب عجميا والأم عربية فالولد يسمى مدرعاً ومقرفاً، قال الشاعر:
إن المدرع لا تعني خؤولته *** كالبغل يعجز من شوط المحاظير
الحولا الماء الذي يكون منه الولد في البطن.
فصل:
أجمع على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، دل عليه قوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (1) ثم بين قدر مدة الرضاع بقوله تعالى: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فعلم أن ما وراء ذلك تحيض بالحمل لاشك، وقيل ما ولد لسنة أشهر فعاش إلا النادر، وروي أن رجلا تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر فهم عثمان أن يرجمها فأنكر ذلك ابن عباس وقرأ الآية فرجع إلى قوله، واختلفوا في أكثر مدة الحمل فقال أبو حنيفة والمزنى: أكثره سنتان. وحكى عن مالك بن دينار أنه سبع سنين، وابن جريح وعن المنذر أربع سنين، وقال الزهري أكثره سنتان، وقد حكى عن الليث بن سعد أن امرأة حملت في جواره فبقى الحمل في بطنها ثلاث سنين، وروي عن عائشة أن أكثره سنتان حتى يصير الولد كعود المغزل، فقال مالك: من يروي هذا، هذه امرأة من عجلان في جيرانها حملت ثلاثة بطون فبقى كل دفعة الحمل في جوفها أربع سنين، وقد قال بعض خمس سنين، وعند أصحاب الشافعي أن أكثره أربع سنين.
فصل:
__________
(1) سورة الأحقاف: 15. (10/222)
صفحة 1084
قوله تعالى: { خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } (1) قيل ذلك الإنسان يكون نطفة في ظلمة الرحم والرحم في ظلمة البطن والبطن يحمله في ظلمة الليل، فتبارك الله إذ خلقكم نطفا في الأرحام المظلمة في البطون المظلمة في الليل المظلم، ونطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما حتى أخرجكم بشرا تنتشرون، فعرفهم قدرته وجلاله عز وجل. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «اشتدَّ غضبُ اللهِ على امرأةٍ أُدخلتْ على أهلِ بيت منْ ليسَ منهم» (2) ، قيل أن أعرابيا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إن امرأتي بيضاء وإنها ولدت غلاما أسود، فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يريد، فقال له: «هل تعلمُ على أهلكَ بأسا؟ قال: لا، قال: ألكَ من إبلٍ؟ قال: نعم، قال: فما ألوانُها، قال: حمرٌ، قال: فهل فيها من أورقٌ؟ قال: نعم، قال: فأنى ترى ذلك، قال: نزعَهُ عرقٌ، قال: وكذلك ابنكَ نزعهُ عرقٌ» (3) .
فصل:
يقال: أولاد أعيان وأولاد علات، فأما أولاد أخياف فهم لأم واحدة وآباء شتى، وأولاد أعيان لأب وأم واحدة، وأولاد علات لأب وأمهات شتى، قال الشاعر: ... كأن الناس كلهم لأم *** ونحن لعلة علت ارتفاعا
وقيل: للناس أخياف كلهم مختلفون وهو مأخوذ من الخيف وهو أن يكون إحدى العينين زرقاء والأخرى كحلاء من كل شيء، وما يشبه هذه الصفة أخيف والجمع خيف، وقيل: خوف، وإذا تزوج رجل بامرأة أبيه فولدت له ولدا فذلك الولد مقتى، ويقال: أن الأشعث كان مقتيا والمقتوي الخادم، وقيل: هو الخادم والمخدوم، قال عمرو بن كلثوم:
__________
(1) سورة الزمر: 6.
(2) رواه الطبراني: المعجم الأوسط، عن ابن عمر بلفظ قريب، ر4694. والهيثمي مثله ونسبه إلى البزار فلم أجده، وقال: "وفيه إبراهيم بن يزيد وهو ضغيف"، باب فيمن ألحقت بقوم من ليس منهم، 4/225.
(3) رواه البخاري عن أبي هريرة بمعناه، باب إذا عرض بنفي الولد، ر4999. ومسلم مثله، كتاب اللعان، ر1500. (10/223)
صفحة 1085
تهددنا وأوعدنا رويدا *** متى كنا لأمك مقتوينا
أي خدما، وقيل: يقال: رجل مقتوين ورجلان مقتوين ورجال مقتوين، وهم الذين يخدمون الناس لطعام بطونهم.
فصل:
وذكرت امرأة ابنها فقالت: والله ما حملته وضعاً، ويروى ما حملته بضعاً ولا ولدته نتنا ولا أرضعته غيلاً، ولا آتيه ميقا، فالوضع أن تحمل به في آخر طهرها في مقبل الحيضة، ويقال للولد وضع وبضع، قال الراجز:
تقول والجرذان فيها مكتنع *** أما تخاف حبلا على بضع
والأيتين والأتن والوتن أن يخرج رجل المولود قبل رأسه، يقال: أنتنت المرأة وأينت إذا نالها هذا، ومثل العرب: أنت نيق وأنا ميق فكيف نتفق، أي أنت ممتلئ غيظاً وأنا سريع البكاء فلا نتفق أبدا، ومن ذلك قول الناس: هو أحمق مائق، وفي المائق قولان، أحدهما أن يكون بمعنى الأحمق والآخر أن يكون سوء الخلق، والغيل أن يجامع الرجل المرأة وهي مرضع، يقال منه: أغال الرجل وأغيل الولد مغال ومغيل، قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع *** فالهيتها عن ذي تمائم مغيل (10/224)
صفحة 1086
ومنه الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلةِ، ثم ذكرتُ أن فارسَ والرومَ يفعلونهُ فلا يضرُّهم» (1) ، قوله عز وجل: { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (2) الآية، نزلت في مضر وربيعة وأفناء العرب وهو دفنهم للبنات، وهي الموءودة مدفونة في التراب، وكانت المرأة إذا جاءها المخاض حفروا لها حفرة عند رجليها ثم أقعدوها عند الحفرة وحضرت القابلة والنساء ينظرن ما الذي يخرج منها فإن ولدت غلاماً خلوا عنه وإن ولدت جارية ألقيت في الحفيرة ثم ألقوا عليها التراب، فإن تركت ولم يفعلوا ذلك بها أمسكت على هون وأثرة عليها.
فصل:
روي عن عمر ـ رحمه الله ـ قال: ليس قوم أكيس من أولاد السراري لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم.
مسألة:
ومن مات وخلف زوجته حاملا فجاءت بولد ميت فإنه لا ميراث له حتى يخرج حيا ويصيح، ذلك ويقال إن القابلة يقبل قولها في ذلك ولم يعلم أن أحدا قال: إن الولد إذا خرج من بطن أمه ميتا أن له ميراثا والله أعلم.
مسألة:
اختلف أصحابنا في رجل يقر بولد من زنا وتصدقه الأم على ذلك فقال هاشم وموسى بن أبي عثمان: إنه يلزمه ويرثه، قال أبو المؤثر: قيل إنه لا يلزمه ولا يرثه لما جاء في الحديث: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقد أقر عتبة بن أبي وقاص بولد وصدقته أمه ولم يذكر نسبه لا من زنا ولا من تزويج، فقالوا: إنه يصدق ويلحق به لأنه لا يدري ما كان بينهما، وأما إذا أقر أنه من زنا فلا يلحقه ولو صدقته لأنه قد يجوز أن يغلط بها أو يتزوجها سراً ولا يعلم بذلك.
فصل:
__________
(1) رواه الربيع عن جدامة بن وهب الأسدية بلفظ قريب، باب في الرضاع، ر525. ومسلم مثله، باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل، ر1442.
(2) سورة الأنعام: 140. (10/225)
صفحة 1087
عن عمر بن شعيب [عن أبيه] عن جده أن امرأة من الأنصار حاكمت في ابنة لها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «هيَ أحقُّ بها ما لم تزوَّج» (1) ، وكانت العرب تكره البنات وتئدها وتراها عارا، قال الله تعالى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } (2) مغموم، وهو أهل الجارية لعلة الجاهلية، { يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (3) فما ظهر به { أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} يعني ما بشر به وهي الجارية على هوان منه، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} يردها في التراب وهي الموءودة المدفونة في التراب، والذي هو الإخفاء، وكان أحدهم إذا ولدت له أنثى ضاق بها ذرعا فما يدري ما يصنع أيدسها تحت التراب فيقتلها أم يتهاون به، ولذلك قال بعضهم:
سميتها إذا ولدت تموت
والقبر صهر ضامره زميت
يا بنت شيخ ما له سبروت
يتفاءل لها بالموت كراهية لحياتها، الضامر الساكت والزميت الساكن، قال الشماخ:
لهن صليل ينتظرن قضاءه *** يضاحي غدا ما أمره وهو ضامر
__________
(1) رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بلفظ: " أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحق به ما لم تنكحي"، باب من أحق بالولد، ر2276. وأحمد مثله، ر6707.
(2) سورة النحل: 58.
(3) سورة النحل: 59. (10/226)
صفحة 1088
أي ساكت، وقوله ما له سبروت أي دليل، ابن عباس: كانت العرب تقتل البنات، بعضهم يقتل غيرة، وبعضهم يقتل خشية الفقر، قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ } (1) والإملاق الفقر، الآية، يقول الله تعالى: { أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} إذ جعلوا له البنات وكرهوا ذلك لأنفسهم، قوله: { مَثَلُ السَّوْءِ} (2) يعني صفة الشر، يعني الشرك بالله، ولله المثل الأعلى، الصفة العليا وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله تعالى: { وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ} لأنفسهم إذ جعلوا لله البنات وكرهوا ذلك لأنفسهم، { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} قال ابن عباس: الجنة، وقال الغلمان، قال: { لاَ جَرَمَ } يقول حقا: { أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} (3) قال ابن عباس: معجل إليها، قال أبو صالح: ويقال متروكون فيها لا ينظر إليهم بخير، وقيل: إن أعرابيا ولدت له ابنة فاعتزل أمها غضبان لذلك، فكتبت إليه:
ما لأبي حمزة لا يأتينا *** يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا *** والله ما ذلك في أيدينا
ونحن كالأرض لزارعينا *** نخرج ما قد وضعوه فينا
قيل: فرضي ورجع إلى أهله، الكظيم الحزين قد كظم فلا يشكو ما به، وهو في موضع كاظم خرج في معنى عليم وعالم وهو أشد الحزن، ويقال: كظمت الناقة وهي تكظم كظوما إذا لم تحرك لحييها، والكظوم السكون قال الشاعر:
فهن كظوم ما يفضن بحرة *** لهن بميض اللغام صريف
قال الأوزاعي: ... ... وأفضن بعد كظومهن بحسرة *** من ذي الأبارق أدرعين حفيلا
والأصل في كظيم مكظوم، مثل مخزون والعرب قد ترد المفعول إلى فعيل.
فصل:
__________
(1) سورة الأنعام: 151.
(2) سورة النحل: 60. وتمام الآية: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }.
(3) سورة النحل: 62. (10/227)
صفحة 1089
القابلة المولدة، يقال قابلة وقبول وقبيل، قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها، يقال قبولها.
فصل:
قوله تعالى: { اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى} يريد أذكرا أم أنثى، أو واحدا أو اثنين أم أكثر، { وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ} يريد من الدم عند الحمل وتزداد على تسعة أشهر، ويريد ما يزداد من الدم على الولادة، إذا كان الدم في أول الحمل تراه المرأة، وإذا قل في أول الحمل كثر عند الولادة وكان أسهل لخروج الولد.
فصل:
العرب تسمي الولد سميا، وفسر قوله تعالى: { لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} (1) يعني ولدا أو يسمون الولد الصفوة، قال: وإنما أولادنا بيننا *** أكبادنا تمشي على الأرض
__________
(1) سورة مريم: 7. (10/228)
صفحة 1090
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل شيءٍ ثمرةٌ وثمرةُ الصلبِ الولدُ» (1) ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الولد مجهلة محزنة مجبنة» (2) ، فأخبر أن الحذر عليه يكسب هذه الأوصاف، وقد كره قوم طلب الولد لهذه، قيل: فما بالك تكره الولد، قال: مالي وللولد، عن عاش كدني وإن مات هدني، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولدُ أنوطُ» (3) يعني أن حب الود لاصق بنياط القلب، وقيل: ألوط باللام، يحث على التعفف عن الفساد، ويبعث على طلب الأولاد، ولذلك كان يقول - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أفضيتُم إلى نسائكُم فالكيِّسُ الكيِّسُ» (4) يعني في طلب الولد، وكان حكماء المتقدمين يروون أن أنجب الأولاد خلقا وخلقا ما كانت أمه ما بين العشرين إلى الثلاثين، وسن أبيه ما بين الثلاثين والخمسين.
فصل:
__________
(1) رواه ابن عدي، عن ابن عمر بلفظ: "لكل شيء ثمرة وثمرة القلب الولد وإن الله لا يرحم من لا يرحم ولده"، 3/361. والديلمي مثله، ر779. قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف متروك" مجمع الزوائد، باب ما جاء في الأولاد، 8/155.
(2) رواه ابن ماجه من طريق يعلى العامري، في كتاب الأدب، (ح3666، 2/1209)، بلفظ: «إن الولد مبخلة مجبنة»، وذلك عندما جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله فضمّهما وقال الحديث. وزاد عليه الحاكم فِي مستدركه «مجهلة محزنة»، ح5284، 3/335.
(3) ذكره البخاري في الأدب المفرد عن أبي بكر موقوفا، بلفظ: "...والولد ألوط"، باب الولد مبخلة مجبنة، ر84.
(4) رواه البخاري عن جابر بن عبد الله بلفظ: "فإذا قدمت فالكيس الكيس"، باب شراء الحمير والدواب، ر1991. ومسلم مثله، باب استحباب نكاح البكر، ر715. وسعيد بن منصور، بلفظ: "إذا قدمت على أهلك فالكيس الكيس"، باب ما جاء في نكاح الأبكار، ر511. (10/229)
صفحة 1091
يقال لأكبر ولد الرجل كبر، ويقال: الولاء للكبر وهو أكبر ولد الرجل، ومنه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أراد الصغير أن يتكلم فقال - صلى الله عليه وسلم - : «الكبر الكبر أي يبدأ الكبير بالكلام» (1) معنى الحديث الكلام وابن عباس والضحاك، وفي قوله { أَكْبَرْنَهُ} (2) أي حضن من الفرج، قال الشاعر:
نأتي النساء لدى أطهارهن ولا *** نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
ويقال: أكبرنه أفدين، يقال: طمثت المرأة تطمث طمثا وطمثت تطمث طميثا.
فصل:
يقال للذي يخرج من بطن الصبي حين يخرج من بطن أمه عقي بكسر العين، ويقال: أعقى الصبي عقيا، فإذا اشتد بطنه للسمن قيل قد ضرب للسمن، والعقي هو العقية.
فصل:
__________
(1) رواه البحاري عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة، بلفظ: "...فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم كبر الكبر"، باب إكرام الكبير بالكلام والسؤال، ر5791. ومسلم قريب من لفظ البخاري، باب القسامة، ر1669.
(2) سورة يوسف: 31. (10/230)
صفحة 1092
روت الرواة أن صعصعة بن ناجية وهو جد الفرزدق لما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم قال: يا رسول الله إني كنت أعمل في الجاهلية عملا فينفعني ذلك اليوم، قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت جديد فقصدته فإذا شيخ جالس بفناء الدار فسألته عن الناقتين قال: ما علامتهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: هما عندي وقد أحيا الله بهما قوماً من أهلك ممن مضى فجلست إليه ليخرجا إلي فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت فقال: ما وضعت فإن كان سقبا شاركنا في أموالنا، وإن كان حائلا وأدناها، فقالت العجوز: وضعت أنثى، قلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قلت: إنما أشتري حياتها لأذوقها، قال: فبكم؟ قلت: احتكم، قال: بالناقتين والجمل، قلت: ذلك على أن يبلغني الجمل وإياها، قال: ففعل فآمنت بك يا رسول الله وقد صارت لي سنة في العرب اشترى كل موءودة بناقتين عشراوين وجمل فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة قد أنقذتها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا ينفعك ذلك لأنك لم تبتغ به وجه الله عز وجل، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحاً تثب عليه» (1) . وهذا دليل على أن العمل إذا خلا من النية لم يحصل به لصاحبه ثواب، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الأَعمَال بالنِّيَاتِ وَلِكُلٍّ امرِئ مَا نَوى» (2) ،
__________
(1) رواه الطبراني: المعجم الكبير، عن صعصعة بن ناجية المجاشعي بمعناه، ر7412. والحاكم في المستدرك مثله، ر6562. قال الهيثمي: "وفيه الطفيل بن عمرو التميمي، قال البخاري لا يصح حديثه" مجمع الزوائد 1/95.
(2) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، فِي باب النيَّة، ر1، 1/25. والبخاري عن عمر، كتاب (1) بدء الوحي، باب (1) كيف كان بدء الوحي، ر1، 1/17. وأبو داود عن عمر، فِي كتاب الطلاق، باب فيما عنى به الطلاق والنيات، ر2201، 2/ 262.. (10/231)
صفحة 1093
وكان ابن عباس يقرأ: { وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (1) وقال أهل المعرفة في قوله تبارك وتعالى: { وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تبكيتاً لمن فعل ذلك بها، كما قال الله تعالى عز وجل لعيسى عليه السلام: { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ} (2) قوله: وئدت إنما هي أثقلت بالتراب، يقال للرجل اتئد أي تثبت وثقل كما يقال لوقركما، قال صاحب جذيمة: ... ما للجمال مشيها وئيدا *** أجندلا يحملن أم حديدا
... ... ... ... ... ... أم صرفانا باردا شديدا *** أم الرجال فوقها قعودا
والصرفان هاهنا الرصاص وهو أيضا تمر لأهل عمان يقال له الصرفان، وصعصعة بن ناجية الذي عناه الفرزدق بقوله:
ومنا الذي منح الوائدات *** فأحيا الوئيد فلم يوأد
وسمي الموءودة فيما روي أنه لما منعت تميم النعمان الإتاوة سنة من السنين وكانت العرب تسمي الخراج الإتاوة والإذنان وجه إليهم النعمان أخاه الريان بن المنذر وجل من معه من بكر بن وائل فاستاق النعم وسبا الذراري، وفي ذلك شعر تركته، فوفدت إليه تميم فسألوه النساء فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردت إليه، وإن اختارت صاحبها تركت عليه فكلهن اختارت أباها إلا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمر بن المسمرح فنذر قيس أن لا تولد له ابنة إلا وأدها، وهذا شيء يعتل به من وأد، يقول: فعلنا ذلك أنفة، وقد أكذب الله ذلك بما أنزل في القرآن، وقال ابن عباس: كانوا لا يورون ولا يستحيون إلا من طاعن بالرمح ومنع الحريم، يريد الذكران، وقد جاء الإسلام بتحريم ذلك.
فصل:
أجمع أهل العلم على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل حكم الولد للفراش وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وهو الرجم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وللعاهر الحجر» الزاني، والله أعلم.
__________
(1) سورة التكوير: 8-9.
(2) سورة المائدة: 116. (10/232)
صفحة 1094
مسألة:
والابن إذا وطأ جارية الأب فولدت، ثم قالت الجارية فصدقها الأب فالولد حر، وإن كذبها فهو مملوك، والأب إذا وطأ جارية الابن فولدت فأقر الولد بذلك فالولد حر، ولو أنكر الولد وطء والده الجارية لأن الوالد يجوز إقراره على ولده.
مسألة:
وإذا غاب رجل عن زوجته فنعي إليها وتزوجت ودخل بها فأولدها وجاء الزوج كان الولد للثاني لأن النكاح الفاسد مع الجهل يلحق به الولد للوطء، ولا تنازع بين أهل العلم في إثبات الأنساب بالمناكح الفاسدة مع وقوع الجهالة، وهكذا قال كل أهل العلم: عن الولد للثاني إلا أبا حنيفة فإنه زعم أن الولد للأول ولا ولد للثاني، أجمع المسلمون جميعا أن الرجل إذا كانت له أمة فأتت بولد فنفاه عن نفسه ولم يعلم أنه وطأها ولا أقر بوطئها أن الولد غير لاحق به، ولولا الإجماع لكان إلحاقه واجبا لثبوت الفراش له لأن الخبر الذي حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه وارد في الأمة غير أن لا حظ للنظر مع الاتفاق، وإذا أقر بوطء الأمة وأعلم أنه وطأها فأتت بولد بعد ملكه إياها لستة أشهر ألحق الولد به بظاهر الخبر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأمة فراشا، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش» فألحق بالمفترش فإذا نفاه لم ينتف لأن الولد لا ينفى عن المفترش إلا باللعان، والأمة لا يقع بينها وبين سيدها لعان، وإذا لم يقع لعان ألحق الولد به. (10/233)
صفحة 1095
أجمع المسلمون جميعا أن الحمل لا يكون أقل من ستة أشهر، وتنازعوا في أكثره، فقال قائلون: سنتان، وقال آخرون: ثلاث سنين، وقال آخرون: أربع سنين، وقال آخرون: خمس سنين، وقال قائلون: سبع سنين، وقال ابن عباس: ليس للحمل حد، وقال قائلون: أقصى الحمل تسعة أشهر، واحتج من ذهب إلى قول ابن عباس من أصحاب الظاهر بقوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، وبقوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فعقد بمجموع الآيتين أن الحمل ستة أشهر، وأجمعوا أن هذا أقل الحمل، وقال جل ثناؤه: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (1) وقال: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (2) وقال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} (3)
__________
(1) سورة الطلاق: 4.
(2) سورة البقرة: 228.
(3) سورة الطلاق: 6.. (10/234)
صفحة 1096
فأطلق ذكر الحمل إطلاقا، ولم يضرب له مدة ولا أثبت له أجلا وتركنا والظاهر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا توطأ حامل حتى تضع» (1) ، ولم يضربوا للحمل حدا، فالضارب فيه يحتاج إلى دليل، قالوا: الدليل على أن الحمل ليس لأكثره غاية مضروبة، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ولا توطأ حائل حتى تحيض» (2) ، ولم يقل أو يمضي عليها من الزمان كذا وكذا، ومنع من وطئها إلى أن تحيض ولو بقيت عشر سنين بظاهر الخبر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش» ولو تركنا ظاهر الخبر لم يلحق الولد بالوطء إلا حيث يثبت الفراش، والفراش لا يثبت إلا بالنكاح الصحيح أو ملك يمين يبيح الوطء، ولكن قام الدليل من طريق الإجماع أن الولد قد يلحق من غير ذلك. أجمعوا أن الرجل إذا عقد على من لا يجوز له العقد عليه أو عقد عقدا فاسدا على من يجوز أن يعقد عليه وهو بفساده غير عالم، أو اشترى أمة وكان الشراء فاسدا وهو جاهل بفساده فوطأها وأولدها أن الولد في كل هذا لاحق به، ولا تنازع في كل هذا، ومن طلق زوجته طلاقا رجعيا ثم وطأها في العدة فأتت بولد فإنه يلحق به إجماعاً، ومن تزوج بامرأة وهو عالم أن العقد محرم أو عقد عليها وهو جاهل بحالها، ثم تبين له فساد العقد فدخل بها كان زانيا فإن أولدها فالولد غير لاحق به، ولا أعلم خلافا بين المسلمين، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة أنه قال: إذا تزوج بأمه أو أخته أو حليلة جاره وهو عالم بحظر ذلك فأولدها أن لا حد عليه والولد من أمه وابنته وأخته لاحق به وعليه المهر.
باب الحضانة:
والحضانة مصدر الحاضن والحاضنة وهما الموكلان بالصبي يرضعانه ويربيانه.
مسألة:
__________
(2) حديث */ (10/235)
صفحة 1097
والأم أولى بالصبي وعلى الأب الأجر ما دام في حد الصغر إلى أن يعقل الخيار فحيث اختار، والجارية أمها أولى بها إلى أن تبلغ ويزوجها أبوها، فإن قال الأب: لا آمن على ابنتي مع أمها لم يقبل منه إلا أن يعلم أنها غير مأمونة، فالأب حينئذ أولى بها. وإذا ماتت أم الصبي أو غابت فالأب أولى به، فإذا ذهب الأبوان فالجدان أولى به، وقال بعض: الجدة أولى من الأب، وقال بعض: الجدة أم الأب أولى من الجدة أم الأم، والإخوة أولى من الأعمام، والأعمام أولى من الأخوال الذكر والإناث، وقال من قال: الجدة من قبل الأم أولى ثم الخالة أولى من العمة، ومن الرجال لو كانوا أقرب إليه، والأعمام أولى به من الأخوال الذكور والإناث ما كان في حد الصغر، فإذا عقل الخيار خير بين أبويه فأيهما اختار كان معه، وكذلك إذا ذهب الأبوان واختار أحدا من أرحامه كان حيث اختار إلا الأنثى إذا كانت يخاف عليها وكانت أمها غير مأمونة في نفسها أو كان معها من الرجال من لا يؤمن من زوج أو أخ أو غيرهما كان أبوها أولى بها، وإن اختارت أمها، وكذلك غير الأبوين. وقد روي من طريق أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما بين أبيه وأمه فإن ثبت أن المخير لم يكن بالغا وجب القول به، وقال من قال: العمة أحق بالصبي من خالته، والجدة أم الأب أولى به من جدته أم الأم، والأم أولى به من الأب، فإذا كبر أدبه الأب وبات الصبي مع أمه، والأخت للأب أولى به من الخالة، والجدة أم الأم أولى به من الخالة، وإذا كانت الأم مأمونة لم تنزع ابنتها منها، ولا يحكم على المطلقة بتربية ولدها إذا امتنعت، فإذا لم يوجد له من يرضعه حكم عليها برضاعه، وعلى الأب الأجر، وأما الزوجة فعليها تربية ولدها، وإن امتنعت فإنه يلزمها، وجدة الصبي أم أبيه أولى به من جدة أمه، وأم أمه أولى به من عمته، وعمته أولى به من خالته، وخالته أولى به من ابنة أبيه. (10/236)
صفحة 1098
وإذا طلب الرجل امرأته وله منها ابنة فإن الابنة تخير فأيهما اختارت كانت معه إذا كانت تقوم بنفسها، وإذا اختارت الأم وكانت مأمونة والابنة بالغ حكم للأب بها، فإن امتنعت لم يجب لها عليه كسوة ولا نفقة، وإذا تزوج رجل امرأة ولها ولد من غيره فأراد إخراجه عنها فإن كان الولد ممن لا يستغني عن أمه لمطعمه ومشربه وتربيته لم يفرق بينهما، وإن كان يستغني عنها إذا عزل فإن تركه عندها فحسن، وإن لم يتركه جاز له ذلك، وإذا قالت أم الصبي: أنا آخذه بفريضة، وقال آخر: أنا آخذه بغير فريضة وهو مختار لأمه فإنه يقر مع أمه، وكذلك إن كانت جدة ويفرض للمطلقة على مطلقها رضاع ولده درهمين في كل شهر إذا كان فقيرا إلى درهمين ونصف إن كان موسرا فثلاثة دراهم، فإذا طلبت خاما لغسل ثيابهم وما يحتاجون إليه من طعامهم وغيره كان ذلك عليه، فإن كانوا في بلد واحد كان له أن يستعمل ذلك الخادم في وقت فراغه من عملهم، وإنما يلزمه الخادم إذا كان موسرا، وإن كان فقيرا فليس عليه ذلك، وليس عليه لولده لحم في الفطر ولا ضحية في النحر. وقال الشافعي: إذا لم تكن الجدات من قبل الأم ولا الأب فالأخت لأب والأم للأب، ثم للأم ثم الخالة ثم العمة.
فصل: (10/237)
صفحة 1099
الأم أحق بالولد إذا أرضيت من الكسوة بما يرضى به غيرها، ولا حرج على الأب أن يسترضع لولده ظئرا ويسلم إليها أجرها، ولا كسوة لها ولا رزق فذلك قوله تعالى: { إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} (1) يعني ما أعطيتم الظئر من الفضل على أجرها، وذكر أن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ طلق امرأته أم عاصم وله منها ولد صغير فأراد عمر أن يأخذ الابن منها فاختصما إلى أبي بكر وهو يومئذ أمير المؤمنين، فقالت أم عاصم يا خليفة رسول الله: ولدي خرج من بطني، قال عمر: خرج من صلبي، قال أبو بكر: ريحها وفراشها خير له منك يا عمر حتى يدري الغلام، فقضى بالولد لأمه، فلما توفي أبو بكر واستخلف عمر انطلق الرجل وامرأته المطلقة فاختصما إلى عمر في ولدهما فقالت المرأة: أصلح الله أمير المؤمنين، كان بطني له وعاء، وكان حجري له حواء، وكان ثديي له سقاء، وحمله على شهوة وحملته على كره، فقال عمر: صدقت كذلك، فقضى بالولد لأمه، فقال: الأم والجدة والعمة والخالة أحق بالولد من الأب في صغره لأنهن كلهن أم. وإن طلبت العمة أن تأخذ ابن أخيها بالفريضة وطلبته خالته بلا فريضة فإن كان الغلام لا يعقل الخيار جعل حيث يعلم أنه أصلح له، وينفق عليه من ماله، وإن كان يعقل الخيار جعل حيث اختار، وإن لم يجد أحدا من أقاربه جعله الحاكم حيث يأمن عليه وعلى ماله ولو بأجر، ولو اتفق أحد من أقاربه وأرحامه فحيث كان أصلح له إلى أن يعقل الخيار فحيث اختار كان.
فصل:
__________
(1) سورة البقرة: 233. (10/238)
صفحة 1100
والأولاد إذا كانوا في حد من لا يستغني عن والدتهم، واختلف فيهم حكم للوالدة بهم أن يكونوا معها إلى أن يصيروا في حد من يكون له الخيار ثم يخير، وهو أن يستغني بنفسه وبهن في مقدار سبع سنين، وتكون الجارية في حد من يجوز تزويجها فهنالك تخير، وحيث اختاروا حكم لهم فإذا اختارت والدتها وهي مأمونة عليها غير متهمة كانت عندها وحكم لها الحاكم بذلك، وإن كانت والدتها متهمة أو عندها من الرجال ما هو غير مأمون على الجارية حكم على الجارية بالكون عند والدها ولم ينظر إلى اختيارها. واختلف الناس في وقت تخييرها، فقال قوم: إذا كان ابن سبع أو ثمان، وقال قوم: إذا أكل وحده ولبس وحده وتوضأ وحده، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما بين أبويه، أجمع أهل العلم أن الأم أحق بالولد ما لم تنكح، وأجمعوا أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هي أحق بالولد ما لم تزوج». وفي الأم اختلاف في امرأة هلكت وتركت بنتا صغيرة في حد الرضاع وتركت أمها وزوجها، فقال الزوج: أنا آخذ ابنتي وأنا أحق بها أسلمها إلى من شئت يكفلها، وقالت جدتها: أنا أولى بها فيرى أن جدتها أم أمها أولى بها ما دامت في هذه الحال إلى أن تصير في حد الخيار، فمن اختارته كانت عنده، وفي أثر آخر أن الأب أولى بها من جدتها، عن أبي عبد الله فيما أظن في المصلي تكون تحته الذمية ثم يطلقها وله منها ولد فتطلبه أن يكون مع والدته حتى إذا كفى نفسه فلوالده أن يأخذه منها، ولو كان حد الخيار فاختارها فالوالد أولى أن يأخذه. عن شيخ أنه أتته أم وجدة فقالت الجدة:
أبا أمية أتيناك *** وأنت المرء نأتيه
أتتك الأم والجدة *** وكلتانا تفديه
يتيم ذاهب الوالد *** أرجو أن أربيه
فلو كنت تأيمت *** لما نازعتك فيه
تزوجت فهاتيه *** ولا يذهب بك التيه
ألا أيها القاضي *** هذي قصتي فيه
فقالت الأم: ... ... ... ألا أيها القاضي قد قالت لك الجده (10/239)
صفحة 1101
... ... ... ... حديثا فاستمع مني ولا تبطني رده
... ... ... ... تعزى النفس عن ابني وكبدي حملت كبده
... ... ... ... فلما صار في حجري يتيما ضائعا وحده
... ... ... ... تزوجت بغا الخير من يكفلني بعده
... ... ... ... ومن يبدي لي الود ومن يحسن لي رفده
قال شريح: ... ... ... قد سمع قاضيكما ما قلتما وقضى بينكما ثم فصل
... ... ... ... بقضاء قادر بينكما وعلى القاضي جهد أن فعل
... ... ... ... أيتها الجدة بيني بالصبي وخذي ابنك من ذات العلل
... ... ... ... إنها لو صبرت كان لها مثل دعواها متاعها البدل
فصل:
الحمامة تحضن على بيضها حضونا إذا جثت عليه للتفريخ، فهي حاضنة هكذا يقال درجت الحمامة إذا جلست، والمحاضن المواضع التي تحضن فيها الحمامة على بيضها والواحدة المحضن، ويقول العرب: أحمق من جهيرة، وقالوا: وهو عرس الذيب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع، قالوا: وهذا هو معنى من حرك الطعان، قال:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت *** بنيها ولم تدفع بذلك مرفعا
ويقولون: أحمق من نعامة، كما يقولون: أشرد من نعامة، قال ذلك لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة الحاجة إلى الطعم فإن هي في خروجها ذلك رأت بيض نعامة أخرى قد خرجت للطعم حضنت بينها ونسيت بيض نفسها، ولعل ذلك أن تصطاد فلا ترجع إلى بيضها حتى تهلك، قالوا: ولذلك قال ابن هرمة:
فإني وتركي بذي الأكرمين *** وقدحي بكفي زندا سحاحا
كتاركة بيضها بالعرى *** وملبسة بيض أخرى جناحا
قد تحضن الحمام على بيض الدجاج وتحضن الدجاج على بيض الطاووس، فأما أن يدع بيضه ويحضن بيض الدجاج أو تدع الدجاجة بيضها وتحضن بيض الطاووس فلا، وكل بيضة في الأرض فإن اسم الذي فيها ويخرج منها فرخ إلا بيض الدجاج فإنه يسمى فروجا ولا يسمى فرخا، ولكن الشعراء يجعلون الفروج فرخا على التوسع في الكلام، ويجوز في الشعر ما لا يجوز في غيره، وقال شماخ بن ضرار:
فراخ دجاجة يتبعن ديكا *** يلذن به إذا سمتح خمس الشتاء (10/240)
صفحة 1102
روي أن أم تأبط شرا قالت: ما ولدته تينا وما سقيته غيلا ولا أبته على ماقة، أما التين فخروج رجلي الولد قبل رأسه وذلك علامة سوء ودليل على الفساد، فالولد موتن والفعل أتنت المرأة توتن إيتانا، قال الأصمعي: سألت ذا الرمة فقال: أتعرف التين؟ قلت: نعم، قال: إن مسألتك هذه تين، أي أنها جاءت على غير وجهها، وأما سقي الغيل فارتضاع لبن الحبلى، وذلك فساد شديد، وأما قولها الماقة فإن الصبي يبكي بكاء شديدا، فإذا كانت الأم جاهلة حركته في المهد حركة تورثه الدوار فإن نام الصبي وتلك الفزعة قائمة في جوفه ولم تقابل ببعض ما يصلحه حتى يكون نومه سرورا ولا يكون نومه على فزع فإن ذلك مما يعمل في الفساد، فإذا كثر من الأم الجهالة لذلك الصبي مائقا وفي المثل: صاحبي ميق وأنا نيق فكيف نتفق، الميق السريع الشر، والنيق السريع البكاء.
فصل: (10/241)
صفحة 1103
الأصل في الحضانة قوله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فنبه هذا على أن الحضانة لها، ونبه عليه قوله تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) الآية، وقد تنازع في حضانة بنت حمزة بن عبد المطلب علي بن أبي طالب، وقال ابن عمها وابنة عمها عندي، وقال زيد بن حارثة: أنا أحق لأني حملتها من مكة وعمتها عندي، وقال جعفر بن أبي طالب: خالتها عندي مع تعصيبي وقربي، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجعفر وقال: «الخالة والدة».
__________
(1) سورة البقرة: 233. (10/242)
صفحة 1104
قال أبو حنيفة: إن كان الولد أنثى فهو للأم حتى تبلغ، وإن كان ذكرا فإذا صار إلى ما يأكل ويشرب ويلبس وحده فأبوه أحق، وقال مالك: أمه أولى ذكرا كان أو أنثى، وتأولوا الحديث عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما بين أبويه، وقد روى أبو هريرة قال: «كنت جالسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءت امرأة ومعها ولدها فقالت: هذا ولدي وإن أباه يريد أن يذهب به، فقال - صلى الله عليه وسلم - للولد: خذ بيد أحدهما أو قال: بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه» (1) ، وهذا قول عمر وعلي في الغلام والجارية إذا بلغا سبع سنين خيرا بين الأبوين، وعن الحسن البصري أن الأم أحق بالغلام وإن تزوجت لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (2) فهذا يدل على أن المطلقة في بيت زوج فدل على أن الحضانة لها وإن تزوجت. واحتج من خالف هذا القول بما روي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأم أحق بحضانة ولدها ما لم تزوج» (3) ، وروي أنه قال للمرأة وقد ادعت وجوب حضانة ولدها بأن قالت: جوفي له وعاء، وثديي له سقاء فقال: «أنت أحق به ما لم تزوجي» (4) وروي ما لم تنكحي، والولد إذا كان مملوكا والأب حر فمالكه أحق بحضانته من أبيه، وإن كان الأب حرا والأم مملوكة فأبوه الحر أولى به.
__________
(1) حديث */
(2) سورة النساء: 23.
(3) حديث */ سبق معناه
(4) حديث */ (10/243)
صفحة 1105
نازع رجل امرأته وقد طلقها في كفالة ولد لهما إلى زياد فقال الرجل: حملته قبلها ووضعته قبلها وأنا أحق به منها، فقالت المرأة: حملته خفا ووضعته شهوة وحملته كرها ووضعته كرها فحكم به لها.
باب في الحيض ومعرفته وأحكامه:
قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (1) فالمحيض هو أذى كما قال الله تعالى، وهو خروج الدم من فرج المرأة حيضا لا غير ذلك، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة أنه قال: «دمُ الْحَيْضِ أَسْودٌ ثَخينٌ لَهُ رائِحَةٌ» (2) ، و«دم الاستحاضة دم عرق أحمر أصفر يرجع إلى الصفرة» (3) وإذا وجدت هذه العين القائمة والصفة الموصوفة حكم بأنه دم حيض أو دم الاستحاضة لأن العبادات إذا كانت متعلقة بشرائط ووصف يستدل به على صحتها ألزم الفرض بالقيام لها، وإذا عدم الدليل زال الفرض عن المتعبد بأدائها، ودم الحيض أسود ثخين منتن أسس لا يكاد يخرج من الثوب على ما قالوا به، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق لا رائحة له.
فصل:
يقال: أفرغت المرأة إذا حاضت ومنه قول الأعشى: صددت عن الأعداء يوم عباعب *** صدود المذاكي أفرغتها المساحل
أفرغتها أدمتها اللجم كما أدمى المرأة الحيض، والمساحل اللجم واحدها مسحل، ويقال: عركت المرأة وهي تعرك عركا وهي عارك طامث، قالت الخنساء بنت الشريد بن صخر:
لن تغسلوا أبدا عارا أضلكم *** عسل العوارك حيضا بعد إطهار
__________
(1) سورة البقرة: 222.
(2) لَمْ نجده بِهذا اللفظ، وقال فِيه ابن الملقن: ما ذكره الرافعي فيه «أَنَّهُ أسود يعرف، وأن له رائحة» فغريب. انظر: ابن ملقن: خلاصة البدر المنير، ر250، 1/81.
(3) حديث */ (10/244)
صفحة 1106
ويروى أن يرحضوا أبدا عارا أظلكم، رحض الفوارك، والرحض أن يغسل الثوب، يقال: رحيض مرحوض مغسول، قالت: ملا فسال أجاد الرحضا، وقالت عائشة: استتابوه يعني عثمان حتى إذا تركوه كالثوب الرحض أحاطوا عليه فقتلوه، والرحاض الغسال والمرحضة شيء يتوضأ فيه مثل كنف والكنيف سمي المرحاض، وقال ابن سيرين: لا يقال للمرأة عركت، قال الحيض أكرم، وكره حبيب بن أبي ثابت أن يقال للمرأة الحائض طامثا. وسأل الحسن رجل فقال: طمثت امرأة، فقال الحسن: أخبر من هذا وأجمل أن يقول كما قال عز وجل حاضت، وأتى رجل عكرمة فقال: يا أبا عبد الله إن امرأتي طامث، فقال: انظروا إلى هذا يقول: أنكحت امرأتي، الطمث النكاح ولكن قوله كما قال الله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنّ} (1) أي لم يمسسهن، وقيل: الطمث النكاح بالرومية، والله أعلم، وواحد الحيض حيضة وجمعه حيضات، وحاضت المرأة هي تحيض حيضا ومحيضا ونساء حيض، وإذا تأخر حيض المرأة عن وقتها رجى أنها حبلى. يئست المرأة فهي يئس وهن يئسات، وقال بعض: ضحكت المرأة إذا حاضت في قول الله تعالى: { وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (2) قال عكرمة: ضحكت حاضت، من قولهم ضحكت الأرنب إذا حاضت، وغيره من المفسرين يجعله الضحك بعينه، وكذلك هو الضحك في التوراة قرأت فيها أنها حين بشرت بالغلام ضحكت في نفسها، وقالت: من بعد إن شبت أعود شابة وشيخي إبراهيم قد شاخ، فقال الله تعالى لإبراهيم: لم ضحكت سرا، اسمها في التوراة يسارة، قالت: أحق أن ألد وقد عبرت فجحدت سرا، وقالت: لم أضحك من أجل أنها حييت، فقالت: بلى لقد ضحكت.
فصل:
__________
(1) سورة الرحمن: 56.
(2) سورة هود: 71. (10/245)
صفحة 1107
الحيض الانفجار، ويقال: حاضت الشجرة إذا انفجر منها شيء يسيل كدم الحيض، والمحيض اسم يراد به الحيض وهو خروج الدم من فرج المرأة لا كل خروج دم، وهو أصل في نفسه، يقال لا اشتقاق له، ثعلب: قولهم حاضت المرأة مأخوذ من الحوض، وهو اجتماع الدم في الرحم كما يجتمع الماء في الحوض، إن الله تعالى فطر النساء على أن يحضن إذا لم تكن لهن آفة تمنعهن من ذلك ولم يطبعهن أن يستحضن إلا أن تحدث بهن علة بحيضهن، فكل دم ظهر من امرأة يجوز أن تحيض مثلها فهو حيض حتى يعلم أنه إنما ظهر لعلة حدثت بها، وإلا فهي أبدا محكوم لها بحكم السلامة ما لم يعلم أن بها آفة، وإذا بلغت أقصى وقت الحيض ثم لم ينقطع الدم أمرناها بالاغتسال منه وحكمنا لها بحكم الطهارة ثم النظر يوجب عندي أنها تعيد ما تركت إلا يكون أقل المحيض فهو يوم وليلة. قال أصحابنا: لا إعادة عليها، والذي عندي أنها تعيد لأنها مبتدئة ولم تستيقن لها وقت قرئها ومقدار مدته، فإذا احتمل أن يكون وقت حيضها خمسة عشر يوما واحتمل أن يكون يوما وليلة لم نحب لها ترك الواجب من الصلاة المخاطبة بها لأجل دم رأته لا تعلم مقدار حيضها منه، والله أعلم. والواجب على المرأة العاقلة المتعبدة أن تميز بين أحوال دم الحيض من دم الاستحاضة من الكدرة ولا تهمل أمرها ولا تجعل الحيض استحاضة ولا الاستحاضة حيضا، ولا الكدرة حيضا وتعقل ذلك وتميزه فإذا جاوزت المبتدئة أيام أكثر الحيض فإنها تكون مستحاضة إجماعا إذا لم تكن تميزه، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمرأة تحيض يعني بعلم الله أو بأمر الله أو بحكم الله ستا أو سبعا، وليس قوله هذا على التخيير، وإنما هو على الترتيب في مراعاة نسائها في سبع أو ست من نسائها، والنساء ثلاث حائض وطاهر ومستحاضة، اختلف الناس في العادة والتمييز، فقال قوم: التمييز مقدم على حكم العادة، وقال قوم: العادة مقدمة على التمييز.
مسألة: (10/246)
صفحة 1108
غير أن الجارية التي لم تحض إذا أتتها الصفرة تتوضأ وتصلي وليس ذلك بحيض فإن رأت الدم فلا تصلي فإن انقطع قبل ثلاثة أيام اغتسلت وصلت، وفي بدل ما تركت من الصلاة خلاف، قال بعض: تبدل وأقول لا بدل عليها ولو مكث الدم يوما ثم انقطع فلا بدل عليها، فإن أتاها في الشهر الثاني مثل ما أتاها في الأول فإنها تترك الصلاة، فإذا انقطع عنها اغتسلت وصلت ولا بدل عليها فيما تركت من الصلاة، فإن حاضت على ذلك مرارا كثيرة يومين يومين أو يوما يوما فهو وقت لها وتنقضي بها العدة، فإن حاضت ثلاثا كذلك في ثلاثة أشهر في مدتها إلى ثلاثة أو أكثر بعد أن حاضت يومين يومين ثلاث مرات أو أربع فهو حيض. وإذا حاضت أول حيضة ثلاثا أو أكثر ثم زادت في الحيضة الثانية قعدت قعودها أول حيضة ثم تنتظر يوما أو يومين فإن مد بها كانت مستحاضة، وإن انقطع انقطع، فإن مد بها ففي بدل اليومين واليوم خلاف، وإن حاضت أول حيضة يومين أقل أو أكثر ثم مد بها الدم أو الصفرة فإن تقدم الصدم والصفرة فهي من الحيض وتقعد فيها إلى عشرة أيام مذ بدأها الدم، فإن انقطع اغتسلت وصلت، وإن لم ينقطع توضأت وصلت ولا تنتظر بعد العشر إذا مد بها الدم أو الصفرة يوما ولا يومين، فإن حاضت أول حيضة يومين أو ثلاثا أو أقل أو أكثر ثم انقطع عنها وصلت يومين ثم راجعها الدم وهي بعد في العشر تركت الصلاة وهي من حيضها. وكذلك إن طهرت على ثلاث أو أربع ثم راجعها صفرة بعد أن اغتسلت وصلت يومين أو يوما أو ثلاثة فهو من حيضها ما أتاها في عشرة أيام إلا أن ينقطع الدم أكثر مما أتاها وإن حاضت ثانية فإنها تقعد أقصى ما انقضى عنها الدم والصفرة، وإن كان إلى عشرة قعدت عشرة ثم هي مستحاضة بعد العشر إن مد بها الدم إلا أن تحيض ثلاث حيض، بعد الحيضة الأولى، على شيء واحد، فإن وقتها الأول ينسخ عنها ويكون هذا وقتها. (10/247)
صفحة 1109
وإن اختلف عليها وقتها فوقتها هو الأول أول حيضة، وإذا مد الدم بالمرأة أول حيضتها شهرا أو شهرين فإنها تترك الصلاة عشرة أيام، وعشر ليال ثم تكون مستحاضة خمسة عشر يوما تغتسل بين كل صلاتين غسلا، وتجمع فإذا مضى خمسة عشرة يوما وهي على حالها تركت الصلاة عشرة أيام فإن مد بها الدم فعلى ما وصفت تترك الصلاة عشرا وتغتسل، وتصلي خمسة عشر وتصوم، وقال قوم: تترك عشرا وتغتسل وتصلي عشرين والقول الأول أحب إلي عشرا حائض وخمسة عشر مستحاضة، فإذا انقضى شهر رمضان أبدلت العشر التي أكلت فيهن، وأما الخمسة عشر فهي أيام لها ولا بدل عليها فيهن، وإذا اختلف على المرأة أيام طهرها لم تعرف أيام حيضها فيأتيها في رمضان وتنسى أيام حيضها فإنها تترك الصلاة ثلاثة أيام والصيام ثم تنتظر يوما أو يومين فإن مد بها اغتسلت وصلت عشرين يوما، ثم تقعد ثلاثة أيام تفعل ذلك ما دام بها الدم، تترك الصلاة والصيام ثلاثة أيام وتغتسل وتصلي عشرين يوما، فإذا أبدلت صيام شهر رمضان تبدل من كل شهر حيضة عشرة أيام التي تركت الصلاة فيهن وتسعا للاحتياط أخذنا لها بالاحتياط، في الصلاة والصيام، وأمرناها أن تقعد أقل الحيض احتياطا منا لها. (10/248)
صفحة 1110
قلت: فالمرأة التي تعرف أيام حيضها ولا تعرف أيام طهرها لأنه يختلف عليها صيامها في شهر رمضان، قال: إذا أتاها تركت الصلاة والصيام أيام حيضها، فإن مد بها أكثر من ذلك انتظرت يوما أو يومين ثم هي مستحاضة فإن مد بها الدم حتى تمضي خمسة عشر يوما منذ انقضى أيام حيضها تركت الصلاة والصيام أيام حيضها ثم تفعل كفعلها على ما وصفت لك، تقعد أيام حيضها حائضا، وخمسة عشر يوما هي فيهن مستحاضة فإن كانت تعرف أيام حيضها وأيام طهرها وكانت تحيض يوم أحد عشر من كل شهر ثم ينقطع عنها فلا يأتيها إلى ذلك الوقت من الشهر الثاني فأتاها الدم في شهر رمضان يوم سادس وهي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم إلى يوم أو يومين أو أكثر فإن انقطع فلا بدل عليها في صومها، وإن تم بها الدم تركت الصلاة يوم أحد عشر فإن مد بها الدم انتظرت يوما أو يومين ثم هي مستحاضة في ذلك اليوم وحده، فإن لم يأتها الحيض ذلك الشهر حتى مضى خمسة عشر يوما من الشهر ثم أتاها بعد ذلك فإنها تقعد فيه وتترك الصلاة والصيام لأنها إذا عدت أيام حيضها وليس بها دم فقد علمنا أن ذلك دم حيض. (10/249)
صفحة 1111
فإن أتى قبل أيام حيضها بخمس فكانت فيه مستحاضة، ثم لم يأتها في أيام حيضها وأتاها بعد انقضاء حيضها فإنها تكون فيهن حائضا، والمرأة إذا كان لها أيام معروفة فأتاها الدم فيهن ثم انقطع قبل تمامهن فإنها تغتسل وتصلي وتصوم، فإن راجعها الدم أو الصفرة في أيام حيضها فهو حيض، تترك الصلاة والصيام وتبدل ما صامت من الأيام في أيام حيضها التي أتى بعدهن الدم أو الصفرة، فإن يأت دم ولا صفرة وتم طهرها فذلك صيام تام لها إذا لم يأتها الدم بعده في أيام حيضها، فأتاها الدم بعد انقضاء أيام حيضها فهي مستحاضة ولا بدل عليها في تلك الأيام لأن الدم لم يراجعها في أيام حيضها وإنما راجعها بعدها، وليس لزوجها أن يطأ إذا انقطع عنها الدم في أيام حيضها، فإن وطأ فبئس ما صنع ولا تحرم عليه ولو راجعها الدم في أيام حيضها فلا تحرم عليه إلا أن يدركه الدم وهو يطأ فيولج بعد معرفته بالدم، فإن ذلك معنى وطأ في الحيض، ومن وطأ متعمدا ففيه اختلاف، وأنا آخذ بقول من حرمها، فإن أتى الدم في أيام حيضها ثم انقطع عنها قبل تمام حيضها فلم تر طهرا وبقي شيء في الفرج لا يظهر إلا أن تظهره فإنها تغتسل وتصلي، وليس ذلك بحيض إلا أن يكون سائلا أو قاطرا فإن وطأها زوجها في ذلك فبئس ما صنع إذا وطأ وقد بقي عليها من أيام حيضها ولا تفسد عليه، فإن ظهر ذلك عند المجامعة فلا تفسد عليه، إلا أن يكون ظهر من غير أن يظهره الجماع، فإن ظهر الدم من غير أن يظهره الجماع فزاد بعد علمه به فهو وطء في الحيض، فأما إن أظهره الجماع أو أظهرته هي فليس ذلك بحيض، ومختلف في الصفرة والكدرة قبل الدم، قال قوم: حيض، وقال قوم: إن جاء الدم على أثر الصفرة فهو حيض، وقال قوم: إن لم يأت الدم فليس بحيض، وقومنا يقولون بالتلفيق في الحيض والنفاس والعدة ولم أجد لأصحابنا في ذلك، والله أعلم.
مسألة: (10/250)
صفحة 1112
إن سأل سائل فقال: هل على النساء معرفة دم الحيض من دم الاستحاضة وغيره؟ قيل له: نعم، فإن قال: لم؟ قلت: إن عليهن معرفة ذلك وهن لا يعرفنه ولا يميزن معرفة دم الحيض من غيره، ولو سئل أكثرهن في عصرنا لم نجد فيهن من يفرق بينه وبين غيره، قيل له: إن الشيء قد يكون معلوما في نفسه وإن جهله من جهله وليس جهل النساء ببعض مالا يسعهن جهله بمسقط عنهن فرض ما كلفوه، وليس جهل الجاهل عذرا فيما عليه علمه يكون عذرا له ولو أخذن أنفسهن بالاستدلال على ما كلفن علمه لم يغرب عليهن ذلك. وإن أخطأ البعض منهن عند رؤيته ولم يؤده الاستدلال في أول أحوال النظر أو يعلمنه في حال لم يخف عليهن في حال أخرى لأن العارف بالشيء من طريق النظر قد تتغير معرفته في حال ثانية أما التغيير المنظور إليه أو لتغيير حاسة الناظر فيه فيتغير المنظور فيه، وسبيل العلم بالحيض سبيل غيره مما يطلب بالاستدلال عليه والاجتهاد في طلبه حتى يهجم المتعبد لمعرفة ما كلف معرفته وتعبد بإصابته لأن الله تعالى حكيم ليس في صفته أن يلزم عباده فعلا ويأمرهم به ولا ينصب لهم عليه دليلا، وقد رأيته جل ثناؤه تعبد في دم الحيض بأشياء تعبد في دم الاستحاضة بأضداده ولابد من نصب علم يفرق به بين الحيض والاستحاضة ليتوصل المتعبد إلى امتثال ما أمر به، ولو لم ينصب للمتعبد علما على دم الحيض وعلى دم الاستحاضة كان التكليف عنه زائلا إذ لا سبيل له إلى امتثال ما أمر به وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن دم الحيض دم أسود ثخين يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فاغتسلي عند كل صلاة وصلي» (1) ، ففي هذا الخبر دلالة على أن دم الحيض منفصل من دم الاستحاضة، وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) حديث */ (10/251)
صفحة 1113
وكل دم جاء من مخرج البول وهو أعلى وأضيق فليس بحيض، وإنما الحيض ما جاء من موضع الولد والجماع وهو أسفل وأوسع، وقال أبو معاوية: إذا جاء المرأة الدم من موضع مجرى البول فليس بحيض ولو كان في أيام حيضها، وإن كان دما كثيرا فليس بحيض وتتوضأ ولا غسل عليها ولزوجها أن يطأ إن شاء، وإذا لم تر المرأة الدم إلا أنه يخرج من فرجها في كل شهر ماء فلا أعلم أن أحدا من أصحابنا قال: إن الماء حيض والحيض عندهم معروف.
مسألة:
وإذا أشكل على المرأة دم الحيض من دم الاستحاضة وجهلت التمييز بين الدمين لم يجز لها ترك الصلاة ولا يجوز لزوجها أن يغشاها، فإن قال قائل: لم حكمت فيها بحكمين حكم الطاهر وحكم الحيض؟ قلنا له: إن أوجبنا عليها الصلاة المفروضة في حال الطهر ولا يسقط عنها ذلك إلا وقت الحيض فإذا لم تعلم حيضها كان الواجب عليها أن لا تدع الصلاة إلا بيقين إذ الحيض حادث والطهر هو الأصل، وأيضا فإن الإشكال لا يقدح في الفرائض فليس لهذه أن تمتنع من الفرائض إلا بيقين وليس للزوج أن يغشاها إلا بيقين ولا يطؤها في الشبهة كما أنه لو رأى زوجته وأمه وجهل معرفة زوجته من أمه لم يحل له أن يطأ إحداهما إلا بيقين، وكذلك لو رأى كافرا أو مسلما وجهل معرفته لم يكن له قتل واحد منهما وإن كان مأمورا بقتل الكافر.
مسألة: (10/252)
صفحة 1114
وإذا استمر الدم بالمرأة فإنها تقعد عن الصلاة أيام حيضها فإن كان وقت حيضها أقل من عشرة أيام انتظرت يوما أو يومين بعد وقتها ما لم تجاوز العشرة الأيام، ثم تغتسل وتصلي وتصوم وتغتسل لكل صلاتين غسلا، وتجمع تماما ولا تصلي في مصلى ولا مسجد، ولكن في موضع طاهر وتقعد قاعدة إذا كان الدم ينصب، وأما إذا تثفرت استمسك صلت قائمة وصلت في المسجد وفي المصلى، وإن كان وقت حيضها عشرة أيام لم تنتظر بعد العشر شيئا واغتسلت وصلت وصامت حتى تبلغ خمسة عشر يوما فإن استمر بها الدم قعدت من الصلاة والصيام أيام حيضها، فهكذا تفعل، وإن كانت لا تعلم كم حيضها وقالت إنها لا تعلم كم حيضها على ما طهرت عليه أول حيضة ولا استقام لها ثلاث حيض على وقت معروف ثم استمر بها الدم، فإنها تقعد من الصلاة والصيام أقصى ما عودت يأتيها حيضها، ثم تنتظر يوما أو يومين ما لم تجاوز العشر، وإن انقضاء حيضها كان عشرة أيام لم تنتظر بعد العشر شيئا واغتسلت وصلت وصامت حتى تبلغ خمسة عشر يوما، فإن استمر بها الدم قعدت من الصيام والصلاة أيام حيضها ولا تنتظر يوما ولا يومين بعد انقضاء وقت حيضها، وإنما تنتظر يوما أو يومين في أول ما يستمر بها الدم. فإذا دام لم تنتظر بعد تمام حيضها، وإذا كان لها وقت معروف قد استقام على ذلك ثلاث حيض، وكان يثيبها الدم بعد وقتها فكانت إثابتها قد استقامت لها ثلاث مرات، فإنها تقعد من الصلاة والصيام أيام حيضها وإثابتها، ثم تنتظر يوما أو يومين ما لم تجاوز العشرة أيام، فإذا كانت إثابتها مختلفة لا تستقيم لها على وقت معروف فليس هي بإثابة، وإذا كانت عادة المرأة ستة أيام ثم صارت عشرة أيام لا ينقطع عنها إلا بعد عشرة أيام، فإنها تزيد على الستة الأيام يوما أو يومين ثم تغتسل وتصلي. (10/253)
صفحة 1115
قالوا: والمرأة ترجع في الصداق إلى عماتها، وفي الحيض إلى خالاتها، وإذا رأت المرأة دفعة من دم ثم ذهب عنها فإنها تؤمر أن تغتسل وتصلي على حال، فإن مد بها الدم كان وقت حيضها قعدت للحيض، وإن لم تكن وقت حيضها كانت مستحاضة، أجمع أهل العلم أن المرأة إذا حاضت وجبت عليها الفرائض.
مسألة:
اختلف أصحابنا في وقت الحيض، فقال قوم: أقل الحيض دفعة فإذا انقطع كان الوقت الذي كانت الدفعة فيه وصارت به طاهرا وجعلت له حيضة بتلك الدفعة، وقال بعضهم: أقله يوم وليلة وما دون يوم وليلة لا يكون حيضا، وقال بعضهم وهو قول شاذ: أقل الحيض ساعة، وقد قال به بعض مخالفينا وهو الأوزاعي، وقال الجمهور منهم: أقل الحيض ثلاثة أيام، ولم يختلفوا في أن أقل الحيض أكثر من ثلاثة أيام، واختلفوا في أكثر وقت، فقال قوم: أكثره خمسة عشر يوما كأنهم يقولون أن الدم إذا دام بالمرأة تركت له الصلاة خمسة عشر يوما وكل هذا حكم المبتدأة من النساء التي لم يكن لها عادة، وقال جل الفقهاء والمعتمد عليه منهم والمعمول به أن أكثر الحيض عشرة أيام ولم يختلف أحد من أهل الوفاق والخلاف أنه فوق خمسة عشر يوماً، فأما من ذهب إلى أن الحيض دفعة من أصحابنا فوافق في ذلك من أهل الخلاف سعيد بن المسيب ومالك وداود، ومن ذهب منهم إلى أن أقل الحيض يوم وليلة فوافق في ذلك من أهل الخلاف الشافعي وأهل الحجاز، ومن ذهب منهم إلى أقل الحيض ثلاثة أيام فوافق في ذلك أبا حنيفة وأهل العراق. وحجة من ذهب إلى أن أقل الحيض دفعة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت حبيش وقد شككت في هذه المرأة في وقتي هذا أنه قال لها: «إذا أَقبلَتِ الحيضَةُ فَدَعِي الصلاَةَ، وإذا أَدبَرَت فَاغتَسِلِي وصلِّي» (1) ،
__________
(1) رواه الربيع، عن عائشة بلفظ قريب، كتاب الطلاق، باب في الاستحاضة، ر552، 2/222. والترمذي، مثله، أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، ر125، 1/217.. (10/254)
صفحة 1116
ولم يجعل للحيض وقتا أكثر من انقطاعه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وإذا أَدبَرَت فَاغتَسِلِي وصلِّي»، وقد احتج بعض من لم يجعل للحيض أياما معلومة ولا وقتا مفهوماً ولا مدة ينتهي إليها بهذا الخبر، وقال كما قال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أقبلت الحيضة دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقرَائِك» (1) ولم يحد لها حدا علمنا أنه لا حد لأقل الحيض وأكثره، والله أعلم. وحجة أصحاب الثلاثة الأيام قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة سألته عن حيضها فقالت يا رسول الله إني حضت حيضة منكرة يثج ثجا، وفي خبر: فدعي لها الصلاة أيام أقرائك، والثج الدم، وقال لها: إذا أقبلت الحيضة فاعتدي أيام أقرائك فإن مد بك الدم فاغتسلي واحتشي كرسفا يعني القطن، والكرسف هو القطن بلغة أهل الحجاز، والتجمي أو قال: تثفري وصلي إلى أن يعود إليك مثل ذلك الوقت، وفي خبر: «ثم اغتسلي والتجمي» (2) ، فلما قال - صلى الله عليه وسلم - : «دعي الصلاة أيام أقرائك» علم أن الأيام ثلاثة أيام فصاعدا وإن العرب لا تعقل الأيام دون الثلاث ولا تفرق ذلك في مذاهبها.
فصل:
يقال للقطن الترس والعطب والكرسف والطاط، ويقال هو القطُن والقطْن والقطن، وأنشد عن الفراء:
كأن مجرى دمعها المستبين *** قطنة قر أبيض القطن
ويقال للمرأة تحتسي وتعتي وتفترش الكرسف يعني تستعمله، والاسم العتا والحشوة والكرسف والقطن،قال أبو النجم:
كأنه وهو به كالإفكل *** مرتفع في كرفس لم يعزل
والإفكل: الرعدة.
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود، عن فاطمة، كتاب الطهارة، باب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر، ر297، 1/80. وابن ماجه، مثله بلفظ قريب، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة التي في عدة أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، ر621، 624، ص 87-88.
(2) حديث */ (10/255)
صفحة 1117
وقال من قال من أصحابنا: إن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، ووافق بقوله من أهل الخلاف الشافعي وأهل الحجاز والذي يقول بهذا من أصحابنا أبو معاوية عزان وجماعة من أهل خراسان وقوم من البصريين، والذي يذهب إلى أن أكثره عشرة أيام وافق بقوله من أهل الخلاف أبا حنيفة وأهل العراق، والذي يقول به من أصحابنا الربيع البصري وأصحابه ومن أهل عمان موسى بن علي ومحمد بن محبوب وجماعة في عصرهم، وجماعة تقدمهم وهم الذين يقولون أقل الحيض ثلاثة أيام، وحجة من قال أكثر الحيض عشرة أيام قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي سألته عن حيضها المختلف عليها المنكرة له: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، فلما قال لها - صلى الله عليه وسلم - : «دعي الصلاة أيام أقرائك» علمنا أن أكثر الأيام عشرة وما فوق العشرة لا يسمى أياما لأن ما كان فوق العشرة يسمى يوماً، لقول القائل أحد عشر يوماً واثنا عشر يوما فصح بهذا أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لها: «دعي الصلاة أيام أقرائك» على أنها لا تقعد أكثر من عشرة أيام، وحجة من قال بأن الحيض خمسة عشر يوماً كحجة أصحاب العشرة أيام، في أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمرأة إلا أنه خالفه في عدد الأيام، فقال قوله - صلى الله عليه وسلم - أيام أقرائك لا يدل على أنه لا يسمى إلا عشرة أيام، وقد يقول العرب أيام الملوك وأيام العرب، وأيام بني أمية وأيام كذا لا يريدون عشرة إلى ما دونها بل يريدون الشهور والسنين، وأيضا في قول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1)
__________
(1) سورة البقرة: 183.. (10/256)
صفحة 1118
فخبر أنه افترض من شهر رمضان أياما معدودات، فهذا يدل على أن الأيام تسمى بعشرة وفوق العشرة، فإن قال قائل: فإذا ثبت أن ما فوق العشرة يسمى أياماً، فهل جوزتم لمن جعل الحيض أكثر من خمسة عشر يوماً، قيل له: أجمعوا جميعاً لا اختلاف بينهم أن فوق الخمسة عشر يوماً لا يكون حيضاً، ولولا الإجماع يمنعنا لقلنا بذلك وأوجدنا صحة الاسم له. قال أبو عبد الله محمد بن محبوب: أقصى ما قيل في الحيض خمسة عشر يوماً، وأقصى ما قيل في الطهر شهر، قال: وهو قول والده محبوب في المطلقة وهو موجود في باب العدد إن شاء الله، وإذا حاضت المرأة يوماً وطهرت يوماً كان ذلك كله حيضاً، إذا كان في أيام حيضها ثم كان في أيام حيضها، وكذلك إن حاضت يومين وطهرت يومين وحاضت يومين كان ذلك حيضاً، وفي هذا اختلاف كثير، وقد قال بعض قوما: إن الحيض ثلاثة عشر يوماً، وقال قوم: أكثره سبعة عشر يوماً، وقال الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً، وعنه أنه قال: كانت امرأة تحيض يومين وتنفس ثلاثا.
مسألة: (10/257)
صفحة 1119
وأكثر الحيض خمسة عشر يوما وهو أكثر ما قالت العلماء، وهم فيما دون ذلك مختلفون، والمرأة مميزة لدم حيضها من غيره، فإذا دخل للقصة معها فتمتنع عند وجود الحيض من الصلاة والصيام والنكاح، فإذا ارتفع ذلك عنها عادت إلى ما كانت عليه قبل حدوث حيضها مما هو مباح لها ومفروض عليها، فإن كان مبتدأ بها الدم وقد صح بلوغها بأحد أدلة البلوغ أو كانت في حال من يبلغ مثله من النساء وهي صحيحة البدن وظهور دمها أحد دلائل بلوغها كان عليها أن تمتنع عن الصلاة والصيام والنكاح اتفاقا من الناس، لأنا نعلم أن ذلك دم حيض، فإن انقطع ذلك الدم قبل تمام اليوم لم يكن حيضاً بإجماع الجميع عن المبتدأة إذا لم تكن مميزة ردت إلى أقل الحيض وأكثره. وإن اختلفوا في أقله وأكثره فالاختلاف وقع على ما زاد على اليوم في أقل الحيض، وفي اليوم اتفاق، فإن مد بها الدم إلى خمسة عشر يوما حكم لها بحكم الحيض فإن جاوزت عن خمسة عشر يوماً حكم لها بالاستحاضة واغتسلت وصلت، وتكون على طهارتها إلى أن تتيقن على رجعة حيضها ولا إعادة عليها في الصلوات، والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا قولا فيه ضرب من الاحتياط، وفي ذلك نظر وهو أن الله تعالى فطر النساء فطرة لا يمتنعن من الحيض إذا كن سليمات من آفة تخل بهن بمنع الحيض من مرض أو حمل أو نحو ذلك، فأجرى ذلك عليهن عادة في كل شهر مرة فألزمها ما كانت تعرفه من عادتها فإن لم تعرفه وتميزه فأقل ذلك يوم واحد في كل شهر، واعتمادي على ما تقدم من ذكري له، وعندي والله أعلم أنها إذا كانت تعتاده وهي تجد السبيل إلى من يعرفها حكمه فتجاهلت عن معرفته وادعت جهل حكمه أنها غير معذورة في ذلك بجهل حكم ما تعبدها الله جل ثناؤه، ألا ترى أن الرجل فيه ماءان مشتبهان ثم لم يعذر بجهل معرفة أحدهما من صاحبه لاختلاف حكميهما عليه، والله أعلم.
مسألة: (10/258)
صفحة 1120
وإذا اتصل الدم بعد انقضاء الحيض انتظرت المرأة فيه يوماً وإذا انقطع الدم ورأت الطهر ثم عاود الدم لم تنتظر فيه، وإن اتصل الدم بعد عشرة أيام لم تنتظر، وإذا مد الدم بالمرأة فتعدى العادة التي كانت تعتادها فإن مد بها وجاوزت تلك الأيام، قال أصحابنا: تنتظر يوماً أو يومين ثم تكون في حكم الاستحاضة، وهذا قول ابن عباس موجود في الرواية عنده لأن ابن عباس لا يوجب عليها إعادة اليوم واليومين، وقد كان الشيخ أبو مالك ـ رحمه الله ـ حفظ لنا هذا القول عن بعض فقهائنا المتقدمين، والذي عليه العمل من أصحابنا إيجاب بدل اليوم واليومين اللذين تركت فيهما الصلاة إلا أن ينقطع الدم فيهما فلا يوجبون عليها إعادتهما والله الموفق للصواب.
مسألة:
قال بعض أصحابنا في المبتدأة للحيض والنفاس أنها تقعد للحيض والنفاس كعادة أمهاتها، وقد قال بعض مخالفينا والنظر يوجب عندي غير ذلك، وفي إجازة هذا إغفال من قائله إذ فرض الله عليها أن تدع الصلاة لأنها حائض أو نفساء لأن أمها كانت حائضا ونفساء فالفرض عليها غير الفرض على أمها فلا معنى لقولهم تفعل كفعل أمها وبالله التوفيق.
مسألة: (10/259)
صفحة 1121
أجمع المسلمون على أن أقل الحيض يوم وإذا أتى المرأة الدم قبل عادتها بثلاثة أيام وبعد عادتها ثلاثة أيام فهو من حيضها وإذا رأت المرأة الدم يومين ثم انقطع ورأت الطهر ثم عاودها الدم فتغتسل وتصلي حين رأت الطهر فإذا عاودها الدم فتدع الصلاة ما دام أيام حيضها حتى تأتي على آخرهن إذا أتاها الدم في وقت ما عود يأتيها فإن مد بها إلى أكثر من أيامها فهي مستحاضة، وإن كان رمضان فعليها أن تصوم حتى ترى الطهر، فإن عاد بها الدم في أيامها فتدع الصوم وعليها بدل ما صامت في اليوم الذي رأت في الطهر، وهي مثل النفساء التي ترى الطهر في الأربعين فتغتسل وتصلي وتصوم. فإن عاودها الدم في الأربعين فعليها بدل ما صامت، وإن تم لها الطهر تم لها صومها إلى أن يأتيها الدم بعد الأربعين في وقت ما عود يأتيها فحينئذ عليها أن تدع الصوم والصلاة وعليها أن تصوم ما بقي عليها من رمضان، ومن كان يأتيها الحيض في كل شهر مرتين في أوله وآخره ثم أصابتها ريح فانقطع عنها الدم مقدار أربعة أشهر، ثم عاودها فعدتها على الأول إلى أن تعود حيضتها أقل وأكثر فحتى تحيض ثلاث حيض، ثم تنتقل إلى الثاني وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دم الحيض من دم الاستحاضة وغيره، وعرف ذلك في قوله: «دمُ الْحَيْضِ أَسْودٌ ثَخينٌ لَهُ رائِحَةٌ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في دم الاستحاضة: «إنَّه دمُ عِرْقٍ» (1)
__________
(1) رواه الربيع، بلفظه وزيادة، كتاب الطلاق، باب المستحاضة، ر549، 2/145. والترمذي بمعناه، أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، ر125، 1/221. وابن ماجه بمعناه، أبواب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، ر621، ص 87.. (10/260)
صفحة 1122
يدل على أنه قد جعل على كل دم تراه تعبدت فيه بعبادة دليلاً وعلامة، وليس جهل من جهل من النساء معرفة دم الحيض من دم الاستحاضة دليلا على أنه غير مميز في نفسه، وإذا رأت المرأة صفرة أو كدرة في الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه فليس ذلك عندي بحيض وإن كان قد قال بذلك بعض أصحابنا، فإن اتصل بالصفرة دم فقد قال بعض أصحابنا يكون ذلك من حيضها، وقال آخرون: لا يكون ذلك حيضا أن يتقدمه الدم فتتصل الصفرة والكدرة في أيام عدتها، فهذا القول العمل عليه أكثر، والحجة له أقوى لأن المرأة ما لم تر الدم فهي طاهر باتفاق الأمة، فإذا رأت صفرة أو كدرة اختلف الناس في حكمها فسماها بعضهم حائضا وبعضهم مستحاضة، وبعضهم محدثة كسائر الأحداث الموجبة برفع الطهارة، والاختلاف غير مزيل للإجماع إلا بحجة فهي عندي أبدا طاهر ما لم يتفقوا على أنها حائض أو ترى دما فيكون دمها ذلك دليلا على حيضها إذ الصفرة والكدرة ليستا من ألوان دم الحيض. وإذا حاضت واتصل بدم حيضها صفرة أو كدرة فهو من حيضها لأنها دخلت بيقين ولا تخرج منه إلا بيقين، وترى النقاء البين ما لم تجاوز ما تعلم أنه ليس بحيض، وأما من ذهب من أصحابنا إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض إذا لم يكن الدم متصلا بهما فهو حيض فيقول فيه نظر لما روي عن أم عطية وكانت ممن تابع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولها قدر في الإسلام، قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة حيضاً، هو الصحيح عندي وعليه أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف، وعندهم أنها تدع الصلاة في الصفرة والكدرة إذا تقدم الدم لهما واتصل بها إلى أن تبلغ غاية وقت الحيض.
مسألة: (10/261)
صفحة 1123
والصبية التي تبلغ ثم رأت صفرة أو كدرة أياما فوطأها زوجها في ذلك ثم رأت الدم بعد ذلك بشهر وهو أول بلوغها ولم تتصل الصفرة والكدرة التي رأتها بالدم وانقطعت قبله فليست الصفرة والكدرة من الصبية التي لم تبلغ بشيء ولا من البالغ أيضا وهي بمنزلة الطاهر تتوضأ وتصلي ويطؤها زوجها في تلك الصفرة والكدرة كانت سائلة أو غير سائلة. وأقول: إن التي يئست من المحيض وهما سواء فلا بأس على الزوج أن يطأ في الصفرة والكدرة، والصبية والتي قد يئست من المحيض لأنهما طاهرتان، وإنما الصفرة والكدرة بمنزلة البول كانت سائلة أو غير سائلة، وقالوا: إن الصفرة والكدرة إذا تقدمت المرأة في أول حيضها فليس بحيض ولا تعتد به حتى يتقدم الدم الخالص إلا أنهم قد قالوا إذا تقدم الدم الخالص للمرأة في أيام حيضها ثم رأت الصفرة والكدرة بعد تقدم الدم الغليظ فالصفرة والكدرة حيض إذا تقدم الدم الخالص قبلها، فعلى هذا لا بأس على الواطئ زوجته إذا كانت تلك الصفرة والكدرة رأتها وهي صبية لم تبلغ ثم بلغت بعد ذلك إذا لم تكن الصفرة والكدرة متصلتين بالدم وليس على الرجل تصديق المرأة في دعواها ولا إثم عليه إن لم يصدقها بعد الفعل إن شاء الله. والبكر إذا أتتها دفعة الدم فأكثر الفقهاء يقولون إنه غير حيض ولا شيء عليها.
مسألة:
القرء مختلف فيه، قال قوم: هو الحيض، وبه يقول أبو الحسن ـ رحمه الله ـ، ومنهم من يقول هو الطهر، وبه يقول أهل الحجاز، وهو باب في العدة أبين إن شاء الله، والتي يأتيها الحيض حالا بعد حال تسمى الحائل.
مسألة: (10/262)
صفحة 1124
يقال للمرأة إذا حاضت نفست وعركت ودرست، من ذلك حديث أم سلمة قالت: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لحاف فحضت فخرجت فشددت على ثيابي ثم رجعت، فقال: أنفست؟ ومنه حديث أسماء بنت عميس بأنها نفست بالشجرة فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل بالحج، ومنه حديث عائشة أنها كانت إذا عركت قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ائتزري على وسطك ثم يباشرها» (1) والعرب تسمي الدم نفساً والنفس النفس وتصغيرها نفيسة، والنفس الدماغ، وإن قوله تعالى: { خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } (2) فإن النفس آدم عليه السلام، وإنما أنث اللفظ لمعناها.
مسألة:
قال الله تعالى: { ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} (3) واحدها على تقدير فرع، ثم قال بعضهم: هو الحيض، وقال بعضهم: هو الطهر، قال أبو عبيدة: هو خروج شيء من شيء، قال الشاعر: ... إذا ما الثريا أقرأت لأفول
أي خرجت من طلوع إلى أفول. والقرآن يسمى قرآنا لأنه يخرج القارئ من آية إلى آية ومن قصة إلى قصة، وقال بعضهم: يسمى قرآنا لضم بعضهم إلى بعض كما قال: لم يقرآ جنيناً، أي لم تضم في رحمها ولداً. وقال الأعشى وجعل القرء طهرا يمدح هوذة بن علي الحنفي:
وفي كل عام أنت غانم عروة *** تسد لأقصاها غريم عرابكا
مورثة مالا وفي الحي رفعة *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا
مسألة:
__________
(1) حديث */
(2) سورة النساء: 1.
(3) سورة البقرة: 228. (10/263)
صفحة 1125
وإذا رأت المرأة دفعة من دم أيام حيضها ثم انقطع فعن موسى بن علي في جواباته من حضر موت أن المرأة إذا جاءها الدم في أيام أقرائها قليلا أو كثيرا أو صفرة أو كدرة أو شبهة فهي حائض، فإن طهرت من يومها فلتغتسل وتصلي ولا يغشاها زوجها حتى تنقضي عدتها، والصفرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر تتوضأ منه المرأة لكل صلاة، وإذا انقطع عن المرأة الدم فرأت صفرة ولم تر طهرا فلا تزيدن شيئا ولتغتسل وتتوضأ لكل صلاة، فإن رأت الطهر اغتسلت أيضا، فإن دامت بها الصفرة أيام طهرها كلها فلزوجها أن يجامعها ولتتوضأ لذلك وجائز لها الصوم. وإذا احتبس عن المرأة الدم أشهرا ثم رأت صفرة أياما ثم رأت ما بعد الصفرة فطال بها فإنه ما كان من دم أو صفرة في أيام حيضها فهو حيض، وما كان في غير أيام حيضها فهو داء فلتقعد أيام حيضها من أول ما رأت الصفرة ثم تغتسل وتصلي، والمرأة إذا رأت الصفرة غسلت وصلت، وإن رأت صفرة أو كدرة أو دماً كامنا في الفرج فإنها تتوضأ وتصلي حتى ترى دماً سائلاً أو قاطراً ثم تغتسل إن كانت استحاضة أو حيضا فتترك الصلاة ما لم يظهر الدم ويقطر ويسيل فلا تترك الصلاة، وقيل: طهر الله تعالى مريم من الحيض فلم تكن تحيض فذلك قوله عز وجل: { إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } (1)
__________
(1) سورة آل عمران: 42.. (10/264)
صفحة 1126
من الحيض، أبو معاوية: وإذا طهرت المرأة في الليل من رمضان فتوانت أن تغتسل حتى أصبحت فعن أبي عبد الله أن عليها بدل ما مضى من رمضان، وعن أبي علي أنه قال: ليس عليها إلا بدل يومه، وبه يقول أبو معاوية، فإن ضيعت الغسل من الجنابة فهي بمنزلة الرجل المضيع الجنب، وإذا عالجت المرأة نفسها حتى لا تحيض في أيام حيضها وقد أتاها الدم وانقطع عنها فلا يجوز صيامها ولا حجها، وإن طافت لزيارتها ثم وطأها زوجها بعد ذلك فسد عليها حجها، ولا أحب لزوجها أن يطأها إذا عالجت نفسها وقد أتاها الدم، وإن عالجت نفسها قبل أن يأتيها الدم فلم يأتها الدم فلا بأس عليها وصلاتها وصيامها وحجها باق لها. وإن وطأها زوجها وقد كانت عالجت نفسها وقت مجيء الدم فلم يجئها فلا أبلغ به إلى فساد والله أعلم، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة في المحيض: «هذا شيء كتبه الله تعالى على بنات بني آدم» (1) . وعن أبي محمد أن أقل ما قيل في الطهر عشرة أيام قال: فكل دم راجع المرأة في غير أيام حيضها في العشرة لا يكون حيضاً بغير اختلاف، قال أبو عبد الله: أقصى ما قيل في الطهر شهر وأقله عشرة أيام، والحيض خمسة عشر يوماً، قال أبو المؤثر ـ رحمه الله ـ: الذي جاءت به الآثار عن الأمة والموجود عنهم أن الطهر له أقل وليس له أكثر.
__________
(1) حديث */ (10/265)
صفحة 1127
اختلف في التي لا تعرف أيام حيضها ولا أيام طهرها، قال قوم: تنتظر في الدم مثل أيام أمهاتها، وقال قوم: تنتظر عشرا وتغتسل وتصلي عشرا، وقال قوم: خمسة عشر يوماً، ومنهم من قال عشرين يوماً، وقال قوم: تترك الصلاة أقل الحيض ثلاثة أيام، وتغتسل وتصلي تسعة أيام، فتكون التسعة مثل الثلاثة أيام عشرة كأنها كانت عشرا حائضا، ثم تغتسل وتصلي أيضا عشرة أيام تجمع الصلاتين بغسل واحد، والفجر غسلا، فإذا أتمت على ذلك عشرة أيام بلياليها تركت الصلاة ثلاثا فتكون على ذلك، فأما من لم ير لها إلا ترك أيامها فإذا مد بها الدم بعد ذلك فإنها تكون مستحاضة تغتسل وتصلي ما دام بها حتى يفرج الله ما بها، وليس لها ترك الصلاة المفترضة لشبهة عرضت لها، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للسائلة «إِنَّهَا ليست بحيضة فاغتسلي وصلي» وأنها استحيضت تسعا، ولم يأمرها بترك الصلاة، وفي هذا الحديث اختلاف، وقد قيل إنه قال إلى أن يعود إليك مثل ذلك، والتي تحيض يومين وتطهر يومين، وتحيض يومين، تغتسل وتصلي إذا طهرت وتترك الصلاة إذا حاضت حتى تتم. وكذلك قالوا في التي تحيض يوماً وتطهر يوماً وتحيض يوماً إنه حيض، وإن حاضت يوماً وطهرت يومين فليس بحيض حتى يكون الحيض أكثر من الطهر أو يكونا سواء، وهذا قول من قال أقل الحيض ثلاثة أيام، فأما من قال باليوم والليلة فإنه يكون حيضا إذا تم ذلك، وإذا جاء المرأة الدم منقطعا وكان أيام الحيض أكثر من أيام الطهر كان كله حيضا في وقتها.
فصل: (10/266)
صفحة 1128
والمحيض هو الحيض وهو انفتاح عرق به مخصوص للحيض وليس بعرق الاستحاضة، ينفعل يكون على ثلاثة أوجه، على الفعل كقولك: حاضت محيضا مثل سار مسيرا، وعلى الوقت كقولك: جاء وقت المحيض، كقولك: جاء وقت المسير، ويكون الموضع الذي يكون فيه الفرج محيضاً كالبيت مبيت لأنه يبات فيه، والذي أراد عز وجل من ذلك الحيض نفسه قوله: { أَذًى} (1) والأذى لا يجوز على الزمان والمكان، والحيض الانفجار، ويقال: حاضت الشجرة إذا انفجر منها شيء فيسيل كحيض الدم، وقوله تعالى: { هُوَ أَذًى} أي قذر هاهنا، ويقال: أذى أي وجع، والأذى ما يغم ويكره من كل شيء، والنساء أربع طاهر وحائض ومستحاضة ونفساء، والمرأة لها أربعة دماء دم نفسها ودم حيضها ودم استحاضتها ودم نفاسها.
باب في الإثابة وأحكامها والوطء فيها:
__________
(1) سورة البقرة: 222. (10/267)
صفحة 1129
وإذا كان الدم يعاود المرأة بعدما تطهر من حيضها فوطأها زوجها في الدم وقد علم أنه كان يعاودها فهو عندي بمنزلة الوطء في الحيض، فإن كان الدم صفرة فهو أهون ولا فساد عليه، فإن وطأها بعد الطهر وقد علم أنه كان يراجعها بعد الطهر فوطأها طاهرا فما أقدم على الفساد، فإن كانت قد عودت يراجعها الدم بعد الطهر فراجعها فرجعت صفرة فليس بحيض وتتوضأ منه، والإثابة لا تكون صفرة ولا كدرة حتى تكون دماً خالصاً، ومن وطأ في عود من الدم وقد كانت تعتادها بعد طهرها وقد أعلمته أن بها دماً وأنها عادة لها فوطأ متعمداً فما أبعده من الوطء في الحيض تعمداً، فإن لم يعلم ولم تعلمه أنها عادة لها فما أراه مثل الحيض، ومن رأت الدم بعد طهر الحيض بثلاثة أيام فلا تدع الصلاة وهي مستحاضة، إلا أن يكون ذلك إثابة وعادة لرجوع الدم إليها في ذلك الوقت، وهو في أقل من عشرة أيام، فهو من حيضها لأنها لو حاضت خمساً وطهرت ثلاثاً وراجعها يومين، وكانت عادة تركت الصلاة، وإن راجعها بعد العشرة فهو استحاضة، وبالله التوفيق. وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فأراد زوجها وطأها فقالت له: إن الدم قد أثابها فوطأها في الإثابة ولم يكن قبل ذلك يثيبها أو كانت لها إثابة معروفة أو كانت تثيبها مرة ومرة لا فإنها إن لم تعود الإثابة لم تحرم عليه، وإن كانت لها إثابة معروفة فهو بمنزلة الحيض تفسد عليه، إن كانت مرة يثيبها ومرة لا فلا تفسد عليه.
مسألة: (10/268)
صفحة 1130
وإذا كان للمرأة وقت تعرفه وتغتسل على آخره فإذا اغتسلت أعقبها بعد طهرها بيوم أو بيومين صفرة أو كدرة فعليها أن تتوضأ من ذلك وتصلي، فإن كانت تلك الصفرة إثابة قد عودتها مرارا فلا شيء على زوجها، وإن وطأها إذا لم يتقدم الصفرة دم، وإن تقدم الإثابة دم ثم انقطع واتصلت به الصفرة والكدرة ما دون عشرة أيام فذلك من حيضها، وليس له أن يطأها فإن دامت الصفرة بعد دفعة من دم فيما دون العشرة أيام فغنها في حال الصفرة لا تصلي حتى ينقطع أو تمضي عشرة أيام ثم تكون مستحاضة بعد العشر عن كان دم، وإن لم يكن دم كانت صفرة توضأت لكل صلاة وصلت، وإنما تكون إثابة إذا دامت عليها ثلاث مرارا. وإذا كانت الإثابة عادة للمرأة فوطأها زوجها بين الدم والإثابة فهو كمن وطأ في الحيض، وعن بعض أصحابنا أنهم أجمعوا أن الكدرة في عقب الحيض حيض، وقد اختلف الناس في الصفرة والكدرة، فقال قوم: هما حيض، وقال آخرون: هما مستحاضة، وتصلي، وقال قوم: هما حدث كسائر الأحداث، قال أبو الحسن وبه نأخذ لما روي عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «لم نكن نعد الصفرة والكدرة في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيضا» (1) ، وقد روي عن عائشة أنها قالت: «كنا نعد الصفرة والكدرة أيام الحيض حيضا» (2) وروي عن أم عطية: «ما كنا نعد الصفرة والكدرة أيام الحيض حيضا» (3) ، فتأول بعض الناس حديث عائشة على أيام العادة، وتأول حديث أم عطية فيما زاد على زمان العادة. وقال قوم غير ذلك.
باب في الطهر والتطهر والحيض ومعرفة ذلك وأحكامه:
__________
(1) حديث */
(2) حديث */
(3) حديث */ (10/269)
صفحة 1131
قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (1) وفي قراءة ابن مسعود: يتطهرن، بالتاء يريد بالماء، والقراء بعد يقرءون يطهرن خفيفا وهو انقطاع الدم عنهن ويتطهرن يغسلن بالماء، والتشديد في يطهرن أحب إلى القراء، والتخفيف أكثر وهو انقطاع الدم، لأن الفقهاء لم يختلفوا في المرأة إذا اغتسلت من حيضها أن زوجها يقربها، وقوله تعالى: { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} ولم يقل في حيث أمركم الله، وهو الفرج إنما قال: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} كما يقول للرجل ائت فلانا من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى منه، فلو طهر الفرج قلت ائت المرأة في فرجها ولم يقل من فرجها، يقال: ائت الفرج من حيث شئت، قال ميمون بن مهران: قلت لابن عباس: إن اليهود تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته في قبلها من ورائها خرج الولد أحول، فقال ابن عباس: كذبت اليهود، { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (2)
__________
(1) سورة البقرة: 222.
(2) سورة البقرة: 223.. (10/270)
صفحة 1132
معناه ائت الفرج كيف شئت، وقال القتبي: { أَنَّى شِئْتُمْ} كيف شئتم { وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} في طلب الولد، وإذا اغتسلت المرأة من الحيض ثم رأت بعد ذلك دما تلقطه بالقطن، فقد قيل أن عليها الغسل، إذا ظهر الدم بلا طلب، وإن كانت إنما استخرجته طالبة له بقطن أو بغيره فلا غسل عليها فيما يروى، والقاطر والسائل بعد طهرها بيوم أو يومين مفسد عليها ما صامته، وإن كان الدم خرج منها بعد طهرها بأكثر عن يومين وأقل من عشرة أيام فصومها تام وعليها الغسل، فأما ما طلبت منه فلا يفسد صومها، وكان أبو عثمان يقول: المرأة تنتظر في الحيض يوماً أو يومين، بعد قرئها ثم تغتسل وتصلي والنفساء تنتظر يوماً أو يومين أو ثلاثة، وإذا خرج من المرأة علقة بعد طهرها أو صفرة ولم تر بعد ذلك شيئا فلا طهر عليها، إنما ذلك من ثمار الأرحام، فتتوضأ ثم تصلي ولا غسل على المرأة من الصفرة والكدرة ولو كانت من الإثابة، ولا بأس أن تغسل المرأة رأسها بالخطمى والطين والسدر قبل طهرها بيوم أو بيومين، فإذا رأت الطهر اغتسلت بالماء وأجزأها ذلك، وإن رأت الطهر في وقت صلاة إن غسلت رأسها بالخطمى فأتتها الصلاة فلتغتسل بالماء وحده، وتصل فإذا كان من الغد غسلت رأسها بالخطمى إن شاءت.
مسألة:
وإذا أتى المرأة الدم في أيام حيضها ثم انقطع عنها قبل تمام أيام حيضها فلم تر طهرا وبقي بها شيء في الفرج لا يظهر إلا أن تظهره فإنها تغتسل وتصلي وذلك ليس محيضا إلا أن يكون سائلا أو قاطرا فإن وطأها زوجها في ذلك فبئس ما صنع إذا وطأ وقد بقي عليها من أيام حيضها ولا تفسد عليه فإن ذلك عند المجامعة فلا تفسد عليه إلا أن يظهر من غير أن يظهره الجماع، فإن ظهر الدم من غير أن يظهره الجماع فزاد بعد علمه به فهو كمن وطأ في الحيض وإذا أظهره الجماع أو أظهرته هي فليس ذلك بحيض.
مسألة: (10/271)
صفحة 1133
وإذا انقطع عن المرأة الدم فاغتسلت إلا أصبعا واحدة أو جزءا من أجزائها أغفلت ذلك أو تعمدت، فالغسل غير تام وعليها أن تتم غسل ما تركت وتعيد الصلوات التي صلت بذلك الغسل على قول أبي العذير، وكان صدرا من متقدمي علمائنا ـ رحمه الله ـ، الدليل على صحة هذه المقالة أنه لا يجوز لها الصلاة إذا كانت حائضا حتى تغتسل بعد انقطاع الدم، وهذه لم تغتسل إذا لم تتم الغسل الذي أمرت به، وقال أبو حنيفة ويعقوب وصاحبه: إذا غفلت غسل أنملة أو أصبع أو قرن من شعرها فإنها في القياس بمنزلة من لم تغتسل، ولكني أستحسن أن تنقضي العدة به ويحل له الغشيان. قال: وليس هذه كالتي تركت يداً ووجهاً أو رأسا لم يصبه الماء، لأنه مختلف في الاستحسان، وقد أغفلا وجه الصواب، وذلك أن التاركة للأصبع لا تخلو من أن تكون قد اغتسلت الغسل الذي أمرت به فغير جائز أن يقال إنها قد تركت بعض ما أمرت بغسله، وفي قوله: إنها قد تركت بعض ما أمرت بغسله مما يدل على أنها لم تأت بما أمرت به، فإذا لم تفعل الغسل الذي أمرت به فغير جائز أن تنقضي به عدة أو يحل به غشيان زوج في اتفاق الجميع أن التاركة غسل يد أو عضو من أعضائها غير فاعلة لما أمرت به، وأن العدة غير منقضية بذلك وأن غشيانها عنده لا يحل حتى تغتسل الغسل الذي أمرت به، ولا فرق بين الأصبع والأصبعين والثلاث، والله أعلم. ووجه آخر يدل على خطأ قوله أنها في القياس بمنزلة من لم يغتسل إلا أني أجيز ذلك من طريق الاستحسان، ومن قوله إن القياس حق ودين تعبد الله به، وإن كان حقا قد ترك الحق إلى غيره وإن كان الاستحسان حقا ودينا يجب أن يستعمل فهو كالقياس فما معنى قوله أدع هذا وأرجع إلى ضده والثاني حق أيضا، ومن أصله أن الحق في واحدة، وانقضاء الحيض والنفاس موجب للاغتسال باتفاق.
مسألة: (10/272)
صفحة 1134
وإذا طهرت المرأة من حيضها ولم تجد الماء المطلق عليه اسم الماء بغير إضافة ولا فيه نجاسة تيممت وكانت به متطهرة، وكذلك قال أبو حنيفة غير أنه لم يخل مع موافقته لنا في هذه المسألة من أعجوبة حتى قال: إن لم تجد إلا سؤر حمار اغتسلت به وصلت وتيممت أيضا، ولا يخلو أن تكون مأمورة بإحدى طهارتين. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر فاطمة بنت حبيش: «إذا أَقبلَتِ الحيضَةُ فَدَعِي الصلاَةَ وإذا أدبرت اغتسلت وصلت»، وروي أنه أمر غيرها من النساء بذلك، وهذا يدل على أنه جعلهن مؤتمنات على أنفسهن، ولما قال: تقعد المرأة أيام إقرائها فإذا ذهب قرؤها اغتسلت وصلت أن ذلك أمر بمعرفة إذا لم تقعد به لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «تقعد المرأة أيام أقرائها» (1) وأن دم الاستحاضة ليس بحيض، والذي عندي أن على المرأة أن تقعد إقبال الحيضة وإدبارها ولا يجوز ذلك إلا والأمر معلوم عندها، وقد روى بعض الفقهاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل عامة الحيض أنه أسود غليظ منتن. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يكون الحيض أقل من ثلاثة أيام ولا أكثر من عشرة أيام، وعلى ما قال بعض أصحابنا غير أنه قال: إذا رأت المرأة الدم في يومين فليس بحيض، فإذا رأت الطهر يوماً واحداً والطهر ثمانية أيام، ورأت يوم تغتسل العاشر دماً فالعشرة أيام كلها حيض، وهذا ترك قوله إن أقل الحيض ثلاثة أيام، فإن احتج له محتج فقال: إنما قلنا ذلك لأن الطهر لا يكون ثمانية أيام يقال له: فلم لا جعلت ذلك كله طهرا لأن الطهر يكون يومين، فإن قال: فهلا حكمت لهن بالطهر وقد رأت الطهر في أكثرهن ومن أصلك الحكم بالتغليب والله أعلم، وبه التوفيق.
__________
(1) حديث */ (10/273)
صفحة 1135
فإن قال قائل لنا: فكيف تعمل في غشيان الزوج والرجعة إن كانت مطلقة والصلاة لها عند الإشكال عليها؟ قيل له: أما الصلاة فقد ثبت لها حكم الوجوب في الأصل، والزوجية فقد يثبت ولا تنقضي بغير يقين وتأخذ في الأمر بالأكثر، وكذلك غشيانها والورع غير هذا، والله أعلم، ويروى عن ابن الزبير أنه قال: لا تطهر المرأة من الحيض حتى ترى الطهر كالقصة البيضاء، وروي عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلا في أيام الحيض، وتقول: قد تكون الصفرة والكدرة، ويروى عن ابن الزبير أنه قال: لا تطهر المرأة من الحيض حتى ترى الطهر كالقصة البيضاء، وقالت أم عطية وكانت صحابية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا، والذي يذهب إليه أصحابنا قول ابن الزبير في أيام الحيض وقعد انقضاء وقته، ويأخذون بقول أم عطية لا يعدون الصفرة والكدرة شيئا. وروي عن عطاء عن عائشة أنها قالت: إذا رأت المرأة الدم فتمسك عن الصلاة حتى ترى بعد البياض كالقصة ثم تغتسل وتصلي، والقصة هي قصة الصبح بياض النهار، الذي يرتفع بظهوره حكم الليل وسواده وكدرته، وقال بعض أهل اللغة: لم تعن به عائشة قصة الصبح، وإنما أرادت القصة، والقصة القطعة من الجص، وذهب أصحابنا إلى أنها الفضة من الورق، ووجدت أهل اللغة على القولين اللذين قدمنا ذكرهما، وعن ابن يزيد قالوا: الطهر البين الذي يجب عليها الاغتسال بمثل الفضة أو مثل القطنة والقص في الجص لأهل الحجاز، وأقل ما قيل في الطهر بعشرة أيام فكل دم راجع المرأة في غير أيام حيضها في العشر لا يكون حيضاً بغير اختلاف.
مسألة: (10/274)
صفحة 1136
والحائض لا تنتظر الطهر في الليل ولا يلزمها ذلك لأن الطهر حتى يكون بينا لا شبهة فيه مثل القصة قصة الفجر، وقال أصحابنا: مثل القصة البيضاء، والورق، والغسل للمرأة من الجنابة والحيض سواء، وتؤمر الحائض بحمل الغسل وإن بلغ الماء أصول الشعر أجزأها عن نقض الذوائب، وإذا رأت المرأة الطهر ولم تغتسل ولم تصل حتى يفوت الوقت انتظارا لرجعة أو غير ذلك فعليها البدل والكفارة على قول، إلا أن يكون عود يراجعها فلا كفارة وإن كانت في سفر وطهرت تيممت وصلت، ولزوجها أن يجامعها وقد طهرت بذلك من حيضها، وإن كانت مطلقة فقد فاتت مطلقها إذا تيممت من الحيضة الثالثة، ولها أن تزوج، فأما إن لم تتيمم فلمطلقها أن يراجعها ما لم ينقض وقت الصلاة، وكذلك لو كان عليها الغسل فتركته انتظارا لرجعة حتى تفوت الصلاة لم يدركها فأما إن غسلت وردها قبل أن تغسل رأسها وفرجها فإنه يدركها، وأما إن غسلت بماء نجس متعمدة فإن ذلك ليس بغسل، وإن غسلت بماء نجس ولم تعلم ثم علمت فإنها تفوت الأول ولا تزوج حتى تغتسل بماء طاهر، والله أعلم، وإن تطهرت بماء مستعمل ونجس فقد قيل عن الماء المستعمل لا يجزئ للغسل والوضوء، وإن اغتسلت به ثم وطأها زوجها لا تحرم عليه، ومختلف فيه إن وطأها وقد طهرت قبل أن تغتسل، وإن وطأها وهي في النهر تغتسل من حيضها، فإن كانت قد أتمت الغسل ثم وطأها فيه لم تفسد، وإن غسلت رأسها وفرجها فمنهم من لم ير بذلك بأسا. وعلى المتطهرة من الحيض والجنابة أن تدخل أصبعها في الفرج وتبالغ في الغسل، ولا تؤذي موضع الولد فإن تركت ذلك جاهلة أو ناسية ولم تغسل والج الفرج وكانت ثيبا وصلت بجهل أو عمد فعليها البدل والكفارة، وإن كانت ناسية فليس عليها إلا البدل، فإن وطأها زوجها وقد طهرت من الحيض ولم تغسل والج الفرج فقد وطأ حائضا وتفسد عليه إذا وطأها على العمد، والله أعلم بذلك. (10/275)
صفحة 1137
سئل عن هذه المسألة، وقيل: إذا غسلت الحائض فرجها ورأسها فقد خرجت من حد الحيض ولو لم تغسل البدل، ولا تجوز لها الصلاة حتى تغسل البدن كله، ولو أنها غسلت البدن كله ولم تغسل الفرج والرأس لم تخرج من حد الحيض بعد، ولو غسلت فرجها وبدنها ولم تغسل رأسها فهي على حيضها، ومن وطأ زوجته على هذه الحال فقد وطأ حائضا، والله أعلم.
فصل:
في حديث عائشة حين قالت للنساء: لا تغسلن من الحيض حتى ترين القصة البيضاء، وقال أبو عبيد: ومعناه حتى تخرج القطنة أو الخرقة التي تحشي بها المرأة كأنها قصة لا تخالطها صفرة ولا ثرية، قد قيل: القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله، والله أعلم، وأما الثرية فالشيء الخفي اليسير وهو أقل من الصفرة والكدرة ولا يكون الثرية إلا بعد الاغتسال، فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس ثرية. وقال أبو عبيدة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لأنصارية وهو يصف لها الاغتسال من المحيض: «خذي فَرْصَة (1) ممكسة فتطهري بها» (2) فقالت عائشة عليها السلام أم المؤمنين: يعني تتبعي بها أثر الدم، قال الأصمعي: الفرصة قطعة من الصوف أو القطن أو غيره، وإنما أخذ من فرصة الشيء أي قطعه، ويقال للحديدة التي يقطع بها القرضة مقراض لأنها تقطع، وأنشد الأصمعي للأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم *** لسانا كمقراض الخفافي ملحبا
يعني بالملحب كل شيء يقطع ويقشر والخفافي الحداد، وإذا أدخلت المرأة في فرجها خرقة قيل قد استثفرت، قال امرؤ القيس يصف الخيل عند شدتها ودخول الحصى عند عدوها بين أرجلها وأفخاذها *** مستثفرات بالحصى جوافل*** والجوافل السريعات وأكثر ما يستعمل ذلك عند بقرة في عدو واجتهاد، قال مراد بن منقذ يصف الحمر في شدة جريهن وطلب العبد لهن على فرس وصفه: ... فولين كالبرق في نقرة *** جوافل يكسرن صم الصفا
__________
(1) الفَرْصَة: قطعة من الصوف أو القطن. انظر: العين، (فرص).
(2) حديث */ (10/276)
صفحة 1138
ويقال جفل الغنم إذا صار جفلا وأجفل إذا أقلع وانجفل الناس والليل والظل إذا ذهبوا.
مسألة:
وعن عائشة أن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من الحيض، فقال: «تأخذ سدرها فتطهر فتحسن الطهر فتصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا، حتى يبلغ الماء شئون شعر رأسها، ثم تصب الماء ثم تأخذ فرصة ممكسة فتطهر به، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري بها واستبري، قالت عائشة: استبري، تتبعين بها آثار الدم» (1) ، قال داود: قوله - صلى الله عليه وسلم - : «تأخذ بها» (2) ليس بحتم، إذ الاختلاف بين أهل العلم في أن تركه يجزئها وتكون مؤدية لفرض غسلها.
باب الوطء في الحيض وبعده قبل التطهر على العمد والجهل وتحريم ذلك وما لا يحرم منه، وما جاء فيه وأحكام جميع ذلك:
__________
(1) سبق تخريجه في: «خذي فَرْصَة ممكسة فتطهري بها».
(2) حديث */ (10/277)
صفحة 1139
قال الله تعالى: { فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} (1) يعني مجامعة النساء فيه، { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} يعني اغتسلن من المحيض، فأتوهن من حيث أمركم الله، يعني حيث أمركم في الفرج الذي نهيتم عنه في المحيض، { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} من الأحداث والجنابة والحيض، ولما نزلت هذه الآية اعتزل المسلمون النساء في المحيض في بيوت غير بيوتهن، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنما أمركم الله أن تعتزلوا أن تمتنعوا الفروج» (2) وقال: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} وذلك أن اليهود قالوا للمسلمين إنه لا يحل جماع النساء إلا مستقبلات وهو عند الله دنس فأخبر المسلمون النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقالة اليهود فنزلت: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} يعني مزرعة الولد { أَنَّى شِئْتُمْ} يعني فروج النساء حيث يحرث فيها الولد مستقبلة، وإن شئتم من ورائها، وإن شئتم قائمة أو قاعدة أو باركة بعد أن يكون الجماع في الفرج، { وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} يعني الولد {وَاتَّقُواْ اللهَ} ولا تأتوهن في المحيض، ثم خوفهم فقال: { وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ} يعني فيجزيكم بأعمالكم، { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني المصدقين بأمر الله ونهيه وبالجنة.
__________
(1) سورة البقرة: 222.
(2) حديث */ (10/278)
صفحة 1140
ابن عباس: لما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى الحيض فأخرجوهن من البيوت كما كانت تفعل الأعاجم بنسائهم فقدم ناس من الأعراب إلى المدينة فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عزل النساء فقالوا يا رسول الله: شق علينا عزلهن والبرد شديد فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت بردا، وإن آثرنا أهل البيت هلك النساء بردا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنما أمرتم أن تعتزلوا الفروج إذا حضن وهو الذي يؤتى إذا طهرن»، وقرأ عليهم هذه الآية: { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (1) الآية كلها قوله تعالى: { هُوَ أَذًى} أي مستقذر، ويعني الدم وليس يعني أنه مؤلم لا ولا له ولكن النهي عن الغشيان، نزلت في رجل من الأنصار ويقال له ابن الدحداح أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: كيف نصنع بالنساء إذا حضن أنقربهن أم لا نقربهن؟ فنزلت الآية، وأجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض، ثم اختلفوا في ذلك ومختلف فيمن وطأ في الحيض، وكان الربيع ومحبوب يقولان من وطأ في الحيض متعمداً فلا تحل ولا تحرم والفراق أحب إلينا، وكان أبو عبد الله يرى الفراق بينهما، وكان أبو علي وغيره من الفقهاء يأخذون بقول الربيع ومحبوب يقولان لا تحل ولا تحرم، وبعض حرم وبعض لم يحرم، وقال: يكفر عن معصيته وفعله ولا تحرم، وبعض وقف لا أحل وحرم، وهم الأكثر في قول ابن جعفر، وقوم لم يحرموا وأوجبوا الكفارة وهم أهل الخلاف، ولا أعلم أن أحداً منهم ولا من فقهاء المسلمين بعمان ولا بغيرها قال إنهما يتصدقان بصدقة بما كان منهما وإنما هو قول قومنا.
__________
(1) سورة البقرة: 222. (10/279)
صفحة 1141
وقال أبو حنيفة: إن كان وطأها في أول الدم تصدق بدينار، وإن كان وطأها في آخر الدم تصدق بنصف دينار، وليس هذا من قول أصحابنا، ووجدت أنا عن أبي زياد أنه من وطأ في الحيض خطأ ولم يعلمه ولم يعلم إلى أن قضى حاجته منها أنه يكفر بدينار ونصف دينار، وقال محمد بن المسبح: نصف دينار، واختلف قومنا أيضا في ذلك، فقال بعضهم: إن وطأ في إقبال الدم فدى بدينار، وإن وطأ في إدباره فنصف دينار، وقال بعضهم: في إقباله دينارين، وفي إدباره دينار، ويذهب الشافعي أن لا كفارة عليه. روي أن رجلا قال لأبي بكر: رأيت في منامي كأني أبول الدم، قال: لعلك تأتي امرأتك حائضا؟ قال: نعم، فقال له: تب واستغفر الله تعالى ولم يوجب عليه كفارة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار، أو نصف دينار، فقال بعضهم: هذا خبر في إسناده اضطراب، وقال سعيد بن جبير: عليه عتق رقبة، وقال الحسن البصري: عليه ما على الذي يقع على أهله في شهر رمضان، وقال النخعي: لا شيء عليه إلا الاستغفار والمرأة مصدقة في أنها حائض فلا يطؤها زوجها، وفي أنها طاهر فيطؤها، قال الله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (1) الآية، قالت عائشة: إذا حاضت المرأة حرم الحجران، قال بعض أهل اللغة: ومن أثر أظنه عن محبوب والله أعلم: ومن وقع على امرأته وهي حائض فإن كان يعلم ذلك وتعمد له فليستحب له أن يفارقها ولا يوجبون ذلك عليه، وإن أقام عليها لم نقل إنه أقام على حرام، والله أعلم.
__________
(1) سورة البقرة: 228. (10/280)
صفحة 1142
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن جَامَع امرَأَتَهُ وَهِيَ فِي حَيضِهَا فَقَد رَكِبَ ذَنبًا عَظيمًا» (1) فلا يحل له ذلك، ولم يكن أبو حنيفة أيضا يرى عليه شيئاً إذا عودت تكذبه، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إِتْيَانُ النِّسَاءِ فيِ الدُّبُرِ هِيَ اللُّوطِيَّة (2) » (3) ، وقد عمل أصحابنا بتحريم ذلك والأكثر منهم على تحريم المرأة بالوطء في الحيض، ومن وطأ امرأته وقد طهرت من قبل أن تغتسل فهو كمن وطأ امرأته في الدم، فإن اغتسلت بماء نجس ثم وطأها ثم علمت أنه نجس فلا فساد عليه، وعليها أن تغتسل ثانية، ومن وطأ امرأته ليلا فلما أصبحت رأت الدم وعلمت أن الدم جاءها قبل أن يجامعها فرأينا إن لم يعلما ذلك فلا بأس عليهما إن شاء الله.
__________
(1) لَمْ نجد من خرجه بِهذا اللفظ، وقد روى الترمذي معناه عن أبي هريرة، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، ر135، 1/242. والنسائي، كتاب أبواب الملاعبة...، باب تأويل قول الله {نساؤكم حرث لكم}، ر9017، 1/323.
(2) اللوطية: مصدر صناعي من لاَطَ يَلُوط: إذا عمل عمل قوم لوط. انظر: المعجم الوسيط، لاط.
(3) رواه أحمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ قريب، ر6706، 2/182. والطبراني في الأوسط، مثله، ر5334، 5/286. وقال الهيثمي: ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. مجمع الزوائد، باب فيمن وطئ امرأة في دبرها، 6/255. (10/281)
صفحة 1143
ومن أدخل أصبعه في دبر امرأته أو قبلها وهي حائض فلا تحرم عليه وليس الأصبع بمنزلة الذكر، وهو مكروه، والتي اغتسلت من الحيض فأفاضت الماء على رأسها ولم تعرك ثم جامعها زوجها فعليها إعادة الغسل، ولا تحرم عليه، ومن وطأ بعد علمه بالحيض ناسيا عند وطئها فلا بأس عليهما، وهو كمن وطأ في رمضان ناسيا أو أكل، وقال بعض: عليه بدل يومه، وقال بعض: لا شيء عليه، وإن غسلت المرأة الفرج والرأس ووطأ الزوج فهو غسل، وإن غسلت رأسها ليطأها ثم وطأها ثم غسلت بدنها ولم تتوضأ بعد فلا أراها اغتسلت ما لم تغسل الفرج والرأس جميعا فلا أراها خرجت من الحيض بعد، وقال: من جامع امرأته وقد طهرت من حيضها ولم تغسل فهو كمن جامع في الحيض يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا، وكذلك النساء.
مسألة:
والجواب واحد، وإذا سال الماء من الرجل بين إليتي المرأة أو السرية إلى فرجها وهي حائض فلا تحرم على زوجها ولا السريعة على سيدها، ومن قضى شهوته دون الفرج فسالت نطفة في الفرج والمرأة حائض فلا بأس لأن ذلك ليس من فعله حتى يتعمد إيلاج القلفة في الفرج. ومن وطأ امرأته حائضا وما يعلمان بالحيض ولا يظنانه حراما فإنها تحرم عليه، فإن كتمته فوطأها فلا بأس عليه، فإن سألها إن طهرت فقالت نعم فوطأها ثم قالت أغتسل من الدم، فقال: أليس قلت قد طهرت؟ قالت: طهرت من الدم ولم أغتسل فلا بأس عليه، ولكن عليها هي فلتبرأ من صداقها فإن قبل وإلا فتقيم معه، والتي كتمته حيضها مثلها ولا يلزمها أن تفتدي بأكثر من صداقها فإن أبى أن يفارقها فلا تجاهده على نفسها متى أرادها، وكذلك الموطوءة في الدبر ليس لها أن تجهده إذا جحدها ما جاء في الاختلاف في ذلك عن الفقهاء، وإنما لها أن تجاهده عن نفسها بما قدرت عليه ولا تعمد لقتله، فإن مات بما أصابه منها فلا بأس عليها.
مسألة: (10/282)
صفحة 1144
ومن وطأ امرأته وهي حائض وهي تقول إني حائض وهو لا يصدقها، وفعل ذلك بها مرارا ثم علمت أنها قد فسدت عليه فلتهرب منه وتفتدي جهدها فإن قدر عليها فلتمنعه وتقاتله ولا تمكنه من نفسها، وليس لها أن تقتله وكذلك الذي أصاب منها حراما قبل أن يتزوج بها وعلمت بعد أن تزوج بها أنها معه على حرام وأرادت التوبة والرجعة فلتهرب منه أيضا وتمنعه وليس لها أن تقتله، فإن كان قد طلقها وسمعت منه الطلاق ولم تعلم أنه ردها ولا أشهد على رجعتها ثم أراد وطأها وقال لها: إني أستحل ذلك فأبت عليه وكابرها وقاتلها وخافت منه أن يغلبها على نفسها فإنما تجاهده وتقاتله ولها قتله، ولكن تقول له إذا أراد نفسها إن المسلمين قد رأوا لي إن أنت كابرتني أن أجاهدك فأقتلك، وليس لها أن تسمه ولا تغوله من حيث لا يدري ولا تطعنه وهو نائم ولا أن تستعين عليه بأحد غيرها في وقت وطئها ولا من بعد وإنما يحل ذلك لها بنفسها. (10/283)
صفحة 1145
قيل لأبي عبد الله: أوليس هي مظلومة مقهورة؟ أفلا تحل إعانتها؟ قال: إنما تتولى ذلك هي بنفسها، وإذا دفعته عن وطئها بيدها أو رجلها واندفع عنها فلا تتبعه تقتله إلا أن يرجع إليها يريد وطأها، وإن لم يرجع إليها فلا تتبعه فإن اتبعته فضربته أو رمته فقتلته فهي قود به، ولا يحل لأحد أن يعينها أيضا، فإن قاتلته فعزلته عن نفسها حتى تأخر عنها فليس لها أن تكر عليه فتقتله لأنه عسى أن يكون في اعتزاله قد أحدث توبة أو حيث ذهب عنها كف فليس لها قتله ولا سمه ولا اغتياله ولا لها قتله وهو يعاركها ويقاتلها ولكن تجاهده بجهدها حتى يجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فإذا جلس منها ذلك المجلس حل لها قتله إما بحديدة أو برجلها أو بما شاءت، فإن لم تقدر على قتله فلتضطرب تحته كما تضطرب البكرة تحت الفحل، فإن قام عنها من ذلك المجلس ولم يفعل شيئا وخافت مراجعته فليس لها قتله عسى أن يكون لما اعتزل عنها قد أحدث توبة، وإن قتلته في حال اضطرابها تحته وطلب الورثة بدمه كان لهم ذلك إذا صح عليها قتله بشاهدي عدل وبإقرارها لزمها القود في الحكم، وأما بينها وبين الله فلا شيء عليها فلا يحل لها أن تقتله قبل أن يريد وطأها ولا من بعد أن وطأها واعتزل عنها لأنه عسى أن يكون قد أحدث توبة في تلك الساعة وإن بطش بها وأراد وطأها فدفعته ويستمكن منها ويجلس منها مجلس الرجل من امرأته، ثم حينئذ يحل لها قتله، وإنما لم يجز لصاحبة الحيض أن تقتله كما جاز لهذه أن تقتله لأن في ذلك اختلافا. (10/284)
صفحة 1146
وقد قال بعض المسلمين في وطء الحيض لا يحل ولا يحرم، وقال بعضهم: يرضيها بشيء، فإن وطأها فعليه صداق ثان، ولكن إن رجع فكابرها مرة أخرى أو مرارا وهي معه في البيت لم يكن عليه غير الصداق الأول، وأما في الطلاق الثلاث فلها أن تقتله لأنه باغ، ولا خلاف في هذا الموضع أنها حرام عليه من أهل الوفاق والخلاف إلا من ليس خلافهم بخلاف ولا يعدون في الإجماع وهم الرافضة، ومن وطأ زوجته في الحيض مرة أو مرتين أو ثلاثا خطأ فلا بأس، وإذا قالت المرأة لزوجها إني حائض فلم يصدقها ثم نظر من ساعته فلم ير شيئا فلا بأس عليه وإن لم يكن نظر إليها حين وطأ فالقول قولها أنها حائض، ومن قالت له زوجته: إنها طهرت فوطأها ولم تكن غسلت وظن هو أنها قد غسلت فلا بأس عليه هو إن كان وطأها وهو يعلم أنها لم تغسل فسدت عليه لأن الذي فعلته هي حرام عليها ولم يكن ينبغي له أن يطأها حتى تغتسل، وإن علمت بالحيض ونسيت فوطأها لم يكن عليه بأس. والتي أعلمت زوجها أنها حائض فكذبها ووطأها وهي حائض فإن كانت عنده أنها كذبته وقد عودت ذلك فوطأها على أنها طاهر فعن موسى أنه رخص في ذلك ولم ير عليهما فسادا إذا كانت عودت أن تكذبه، وبهذا كان يقول أبو حنيفة وبه يقول أبو الحواري، وقال غيره من الفقهاء: إن كانت كذبته فقد صدقته وهو كمن وطأ في الحيض.
مسألة:
إن قال قائل: ما الفرق بين من أتى امرأته وهي حائض ومن باشر امرأته في شهر رمضان، ومن أتى امرأته وهو معتكف، وقد نهى الله تعالى عن هذا كله؟ قيل له: قد جاء الأثر في ذلك من الفقهاء من المسلمين بما هو عنهم وإنما علينا أن نتبع ولا لنا أن نبتدع، وهم كانوا أكثر علما وأرجح حلما، والله أعلم بالصواب، على أن بعض الفقهاء قد قال بتحريم المرأة على زوجها الوطء لها في الاعتكاف، وفي شهر رمضان نهارا ولكن العمل على غير ذلك، والله أعلم.
مسألة: (10/285)
صفحة 1147
قال أبو معاوية: إذا انقطع الدم عن المرأة فليس لزوجها أن يطأها فإن وطأ فبئس ما صنع ولا تحرم عليه، ولو راجعها الدم في أيام حيضها فلا تحرم عليه إلا أن يدركه الدم فهو يطأ، فيطأ بعد معرفته بالدم فذلك معنى أنه وطأ في الحيض، قال وأقول: الفراق بين الزوجين في وطء الحيض بعمد وهو أحب القولين إلي، وإذا عالجت المرأة نفسها عن الحيض حتى لا تحيض قبل أن يأتيها الدم فلا بأس عليها وصلاتها وصيامها وحجها تام لها، وإن عالجت نفسها وقد أتاها الدم فانقطع عنها في أيام حيضها فلا يجوز صيامها ولا حجها، فإن طافت لزيارتها ثم وطأها زوجها بعد ذلك فسد عليها حجها، ولا أحب لزوجها وطأها إذا عالجت نفسها وقد أتاها فإن وطأ فلا تبلغ به إلى فساد والله أعلم، وإذا رأت الدم في داخل فرجها دما فوطأها زوجها على تلك الحال فلا بأس.
مسألة: (10/286)
صفحة 1148
قال أكثر أصحابنا: إذا طهرت المرأة من حيضها فلم تغتسل لم يجز لزوجها وطأها حتى تغتسل بالماء الطاهر، فإن وطأها قبل أن تغتسل فهو كمن وطأ حائضا كان ذلك في وقت دخول الصلاة عليها إن لم تدخل وفرطت حتى يمضي لها وقت صلاة بعد انقطاع الحيض وقد طهرت منه، وكذلك لو بقي من غسلها شيء يسير، وهذا هو الذي عليه أكثر قولهم وظاهر فتيا متفقهيهم والحجة لهم على هذا قول الله تعالى: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ } فذكر في الآية الطهر والتطهر فأباح ما كان حظره بالحيض بعد الشرطين، وهو الطهر والتطهر وهو انقطاع الدم والاغتسال غير أنهم قالوا ولو طلقها زوجها وقد طهرت من الحيض في الثالثة فأخرت الغسل حتى تفوتها الصلاة أنها تفوته ولم يكن له عليها رجعة بالعقد الأول مع قولهم إنه يدركها وهي حائض وما لم تغتسل فحكمها حكم الحائض، ولا يجوز لها أن تتزوج حتى تغتسل لأن الغسل من أحكام الأول، وفي هذا نظر ونحن نطلب وجه رأيهم في ذلك، وبالله التوفيق. وقال أيضا: قولهم لو غسلت بعد انقطاع الدم بماء نجس أنها تفوت مطلقها بهذا الماء النجس إذا غسلت مع قولهم إنها لا تتزوج لأنها في حكم الأول ما لم تطهر بالماء الطاهر الذي تعبد الله به، وكذلك عندهم أيضا أنها لا تحل لزوجها ولو لم يكن طلقها حتى تغسل بماء طاهر وهي عندهم بمنزلة من لم تغتسل فنحب أن ينظر في ذلك، ومن وطأ في بقية أيام الحيض والنفاس وقد طهرت منها ولم تغتسل بالماء فهو حرام ومنهم من لم يفرق، وقال أبو محمد في جواب منه إلى حازم: وإذا وطأ الرجل زوجته بعد أن طهرت من الحيض ولم تغتسل جهلا منهما فذلك جائز فلا تحرم عليه.
مسألة: (10/287)
صفحة 1149
والمرأة مباحة لزوجها في كل حال إلا في حال الحيض، ولما كانت هذه المرأة مأمورة بالصلاة في حالة ذهاب الحيض علمنا أنها ليست بمنزلة الحائض لأن الحائض لا تؤمر بالصلاة، وكان سبيلها سبيل المحدث المأمور بالتطهر للصلاة، قال: وهم قد وقفوا في الحيض تعمدا فكيف تقع الحرمة في هذا، وإذا قالت المرأة لزوجها إن بي الدم فقال في نفسه لم تقل إنها حائض فوطأها على ذلك، ثم قالت له من وطئه قد وطأتني في الحيض فلا يقبل قولها ولا تحرم عليه حتى تقول إنها حائض.
مسألة:
اتفق جل علمائنا أن الحائض إذا طهرت من الحيض لم يجز لزوجها غشيانها إلا بعد التطهر بالاغتسال والصعيد عند عدم الماء، ووجدت لبعض أصحابنا إجازة ذلك قبل الاغتسال والأول من قولهم أشهر وهو الذي يوجبه النظر وعليه العمل عندنا، وجماعة من وجوه مخالفينا يقولون بذلك عندنا حتى تغتسل، والذي يذهب إليه من جواز غشيانها إذا طهرت من الحيض قبل التطهر حجته أنها لا تخلو من أن تكون حائضا أو طاهرة فإن تكن حائضا لم تؤمر بالصلاة ولم يكن لزوجها وطؤها وإن كانت طاهرة فهي مأمورة بالصلاة إذ الصلاة لا يؤمر بها إلا من كان طاهرا فلزوجها غشيانها، وحجة أصحاب القول الآخر أنهم أجمعوا مع مخالفيهم على تحريم وطئها لأجل حيضها، ثم اختلفوا في إباحة وطئها بعد انقضاء دمها واتفقوا على إباحتها بعد التطهر بالماء فهم على الحظر حتى يجمعوا على ارتفاعه وإباحته وبالله التوفيق. واتفقوا على أنها إذا كانت حائضا فمحرم وطؤها وأجمعوا على جواز وطئها إذا ظهر الدم من فرجها ومن فرجه، وأجمعوا أن المرأة مباحة الفرج لزوجها إلا في حال حيضها والإجماع لا يزيله رأي.
مسألة: (10/288)
صفحة 1150
وإذا طهرت امرأة البادي من الحيض ولم تغتسل بالماء ففي وطء زوجها لها اختلاف، لأنه قد رخص فيه من رخص، والتيمم على من لم يجد الماء، ومن طهرت زوجته في السفر ولم تجد ماء للتطهر ففيه اختلاف، منهم من قال: يطأ لأن التيمم بدل من الماء، ومنهم من قال: يكره الوطء حتى تطهر بالماء، ومنهم من قال: يطأ مرة واحدة ثم لا يطأ، وإذا حاضت المرأة فغشيها زوجها ليلا فسهت أن تعلمنه ثم علم بعد ذلك فلا شيء عليه.
مسألة: (10/289)
صفحة 1151
ومن جامع فيما دون الفرج فدخلت النطفة في الفرج فقد قيل أنه كمن جامع في الحيض، والله أعلم، وأما إذا سالت النطفة في الفرج من غير عمد فلا فساد، وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما دون الفرج، وقد روي أنه قال: لكم منهن ما دون الإزار، ولا بأس بمناومة الحائض ما لم يجامع في الفرج، وإن أخطأ في الدم فلا بأس، ومن تعمد في الدبر فعند أكثرهم تفسد عليه امرأته بذلك، ومن أدخل ذكره في فم امرأته حائضا فلا فساد عليه إن شاء الله، ومن أجرى ذكره على قبل امرأته وهي حائض فبئس ما صنع ولا شيء عليه، ومن أولج بعض الحشفة لم تفسد عليه بذلك، والقول قول الحائض إن قالت إني حائض لم يجز جماعها، ومن جامعها بعد القول فقد وطأ حراما وقامت الحجة عليه ويفرق بينهما، ومن أراد جماع زوجته فقالت: إني لا أصلي ثم رآها تصلي فجامعها فوجدها حائضا فلا تحرم عليه إذا نزع حين علم بالحيض إذا لم تقل أنها حائض فتقوم الحجة عليه ولا أعلمته حين الجماع أنها حائض، فإن أعلمته عند الجماع أنها حائض فجامع حرمت عليه على قول من أوجب ذلك، وإن قالت له: إني أخاف أن أكون حائضا فقال: تبيني فقالت: هذا ليل ولا أعرف فوطأها فلما أصبح تبين أنه وطأها حائضا فلا أرى في هذا حراما ولا فسادا ما لم يستيقن أنها حائض، ومن لف على فرجه خرقة حرير فوطأ زوجته حائضا فقيل: إنه إذا أولج الذكر في الفرج فأمنى هو بمنزلة من جامع لأن الشهوة تذاق من فوق الثوب كما تذاق من تحته، وقيل: تفسد عليه والله أعلم. ومن قدم من سفره وهو محتاج إلى زوجته فوجدها حائضا فذكر ذلك لأحد فأشار عليه أن يطرح ثوب حرير ثم يجامعها من فوق الثوب، ففعل ذلك برأي من أمره به، فعن موسى بن علي أنه لم ير فسادا وأمره بالفدية، وعن سليمان بن عثمان أنه قد لزمته الحجة يعني الرجل، وإذا غسلت الحائض رأسها وفرجها ثم وطأها زوجها لم تحرم عليه عندنا ولا نأمره بذلك حتى تستكمل الغسل كله.
مسألة: (10/290)
صفحة 1152
وإذا أقر العبد عند مولاه أنه وطأ زوجته في الحيض فلا يصدقه في ذلك لأن ذلك على المولى في ثمن العبد للمرأة في الصداق والله أعلم، وسئل عن هذه المسألة وإن لم يصدقه المولى فلا أرى للعبد أن يطأ حراما في دينه أبدا إلا في قول بعض الخلاف، ومن كانت حائضا فجاء زوجها وهي نائمة فوطأها فلما انتبهت قالت إنها حائض فلا يقبل منها ولا بأس عليه في زوجته وليس قولها له بعد أن يجامعها إنها حائض بشيء، وإذا رآها تصلي وتصوم شهر رمضان كان أحدهما دلالة على طهارتها.
مسألة:
قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (1) وظاهر الآية تبيح نكاح الزوجات والإماء في كل حال، ثم قال جل ذكره: { فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} (2) فخصت هذه الآية تحريم نكاح كل حائض في وقت حيضها حتى تطهر، ثم سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبايا أوطاس من الإماء فمنعن عن وطء الحوامل حتى يضعن، وعن الحوائل حتى يحضن، والحائل هي التي يأتيها الحيض حالا بعد حال، والله أعلم، وقال في الحوائل في اللغة هي التي تغير عما كانت عليه ولا يقال للصغيرة حائل لأنها لم تغير عن حال كانت عليه، يقال للنخلة حالت إذا كانت قد حملت مرة واحدة فكأنهم قالوا تغيرت عما كانت عليه من الحمل، وكأنها في كل عام عليها تغيير، وكذلك الحائض، ويدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «نعوذ بالله من الحول بعد الكور» (3) فكأنه يتعوذ من أن يكون على حالة فينتقل إلى غيرها، قال الخليل بن أحمد: الناقة الحائل التي لا تحمل تلك السنة، وكذلك كل حاملة ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات وهي حائل حتى تحمل، يقال: حالت تحول حيالا وحوولا والجمع الحيال والحيول، وفي نسخة الحول، وقد قالوا للجميع حوال، قال الشاعر:
__________
(1) سورة المؤمنون: 5-6.
(2) سورة البقرة: 222.
(3) حديث */ (10/291)
صفحة 1153
ورادا وحوا كلون البرود *** طوال الخدود فحولا وحولا
مسألة:
ومن تزوج صبية غير بالغ فبلغت معه فوطأها وهي حائض ولم تعلمه جهلا منه إلى أن وطأها فلا صداق لها لأنها غرته ولا يسعها جهل ذلك ولا المقام معه إذا صدقها، وإن لم يصدقها وسعه هو ولو لم يسعها هي، وعليها أن تفتدي بحقها الذي عليه ولا يلزمها أن تفتدي بأكثر منه، والله أعلم، وإنما يلزم المرأة أن تفتدي بأكثر من صداقها إذا زنت بابنه أو بأبيه أو زنت بغيرهما فلا يلزمها أيضا أن تفتدي بأكثر من صداقها، وكذلك فيما فيه الاختلاف بيننا وبين قومنا من الوطء لحيض على العمد والمراجعة بعد التطليقة والتطليقتين من غير إشهاد، وإذا زنت وهي في ملكه ونحوه ليس عليها أن تفتدي بأكثر من صداقها منه. أبو محمد: وإذا كانت امرأة حائضا وعادتها تختلف عليها ثم رأت الطهر وغسلت وصلت فجامعها زوجها في الليل، فلما أصبحت رأت دما على الحصير فلم يعلما أنه حدث مع الجماع أو قبل ذلك ثم وطأها ليلة ثانية فلما أصبحت اغتسلت وصلت، ثم وطأها ثالثة بالنهار ثم رأت الدم في يومها ولم تكن المرأة تعلم أن دم الإثابة يحرم فيه الوطء فلا شيء عليها إذا لم يتعمد الوطء في الحيض، والله أعلم.
مسألة: (10/292)
صفحة 1154
ومن تزوج امرأة حين بلغت وكان يأتيها الدم ستة أيام، وفي عشية السادس ترى الطهر وهذا إقراؤها مذ عرفت الحيض ستة أيام، وفي عشية السادس ترى الطهر فوطأها زوجها بعد أن طهرت من الدم بعد ثلاث صلوات ولم تكن غسلت جهلا منها ولم يعلم الرجل أيضا كراهية وطئها من بعد الطهر لما رأت الطهر بعد العصر فوطأها بعد العتمة وبعد صلاة الفجر أيضا وكل هذا الوطء لم تكن غسلت من الحيض، وإنما غسلت من الحيض بعد ارتفاع الشمس يوم السابع غسلا واحدا فلا تأثير فيما ذكرت في النكاح ولا ما يقدح فيه الفساد، وعليها إعادة ما تركت من الصلاة بعد طهرها أو صلاة صلتها بغير طهور بعد انقطاع الحيض، وبالله التوفيق. واختلف الناس فيمن أتى امرأة حائضا على سبعة أقاويل كلها لا تحرم عليه وإنما هو في الكفارة ومقدارها أو أن الكفارة في ذلك، واختلفوا فيمن وطأ قبل الاغتسال فمنهم من كره ومنهم من رخص، وكذلك المستحاضة في الحامل ترى الدم لا تدع الصلاة وبه يقول جابر بن مزيد وكثير من قومنا وأبو حنيفة، وقال قوم: هو حيض، وبه يقول الشافعي وغيره، وعن أبي عبد الله: ومن أجبر زوجته حتى وطأها في الحيض فليس عليها أن تفتدي منه ولا تطلب ذلك منه.
باب في الحائض وأحكامها في الطهارة منها والنجاسة وما يجوز وما لا يجوز من ذلك: (10/293)
صفحة 1155
وإذا حاضت المرأة في ثيابها فلا غسل على الثياب إلا أن يصيبها دم فتغسله، وكذلك إن أصابها عرقها أو ريقها فلا بأس، وحكم الحائض الطهارة إلا موضع النجاسة منها وحكم ثيابها وعرقها وريقها الطهارة حتى تعلم بنجاسة في ثيابها ولا بأس بسؤرها في الوضوء والشراب، وقال محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ: لا تتوضأ بسؤر غسلها ومن فعل أعاد، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة: «نَاوِلِينِي الْخُمرَةَ»، فقالت: إني حائض، فقال: «لَيسَت الْحَيْضةُ بِيَدِك» (1) ، وكان ينام والحائض من غير جماع، قالت: كنت أناول النبي - صلى الله عليه وسلم - الخمرة وأنا حائض، وتسمى خمرة لأنه تستر الأرض وهي الوجه من التراب، في حديث ابن عمر: «إني لأدني الحائض وما لي إليها صورة إلا ليعلم أني لا أجتنبها لحيضها» (2) ، الصورة الميل إليها والشهوة، وأصل الصورة الميل، عائشة قالت: «كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهو حائض» (3) ، وسائر بدن الحائض طاهر وثوبها طاهر، وقد روي عن عائشة قالت: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه طائفة من ثوبي وأنا حائض» (4) ،
__________
(1) رواه مسلم، عن عائشة بلفظ قريب، كتاب (3) الحيض، باب (3) جواز غسل الحائض رأسها زوجا.. ر298، 1/244. وأبو داود، مثله، كتاب الطهارة، باب في الحائض تناول من المسجد، ر261، 1/68.
(2) حديث */
(3) حديث */
(4) رواه الطبراني فِي الأوسط عن عائشة بلفظه، ر1569، 2/158.. (10/294)
صفحة 1156
فعلى هذا تجوز الصلاة بثوب المرأة وفيه اختلاف، ولا بأس أن يصنع بسؤرها الطعام ولا بأس أن تغسل الحائض الميت وتذكر اسم الله وتمس الدراهم، وتلبس الثوب الذي تصلي فيه وتختضب، وتمشي إلى الذكر إلا أن يكون مسجدا فلا تدخله وإن جلست خارج المسجد تستمع الذكر فلا بأس أن ترش المسجد إذا لم تطله بيدها، وقال أبو عبد الله: لا تكسح الحائض المصلى ولا تمس المصحف ولا تعلقه بسيره، وكذلك الجنب، ويكره للحائض والجنب أن تضع النورة على العانة وليس هو من الأدب، ولا يضر ذلك مثل وطء الحائض إذا اغتسلت، وقد قيل : مس الماء أن يزداد فلا بأس أن يغسل ما حوله ويجري الماء عليه وإن كان غير ذلك فلا بأس إخراج الأذى عنه، وإذا سمعت الحائض السجدة فليس لها أن تومي برأسها.
مسألة: (10/295)
صفحة 1157
اختلف الناس في الحائض تسمع آية السجدة، فقال بعضهم: عليها أن تسجد، وقال آخرون: إذا طهرت سجدت، وقال أصحابنا: لا سجود عليها في ذلك، وهذا هو الذي يوجب النظر ويدل عليه اللب، لأن الأمة أجمعت أن الحائض لا صلاة عليها، وأنها ممنوعة من الصلاة لأجل حيضها، فإذا بطل فرض الصلاة عليها لعلة الحيض فالسجدة أولى أن لا تجب عليها، وأيضا فإن سجود القرآن مختلف في إيجابه على الطاهر، فأما الحائض فلا معنى لسجوده إذ السجود صلاة والصلاة لا تجوز بغير طهور، ولا سبيل لحائض إلى الطهر إذ الطهر بما يجب بزوال الحدث، وحدث الحائض قائم بحاله، ومحال أن تكون الحائض بالماء متطهرة وحيضها موجود، والموجب عليها السجود في حالها بعد التطهر من الحيض أيضا محتاج إلى دليل، وقال: إذا كان الجنب ممنوعا من القراءة فالحيض أولى عندنا بالمنع، والله أعلم. اختلفوا في التعاويذ تكون بالمرأة ثم تحيض، وفي مس الدراهم وعليها ذكر الله أو شيء من القرآن، فرخص في ذلك بعض الفقهاء وشدد فيه آخرون، وفي الرواية عن عائشة قالت: «كُنتُ أَغسِلُ رَأس رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنَا حَائِض» (1) وغسلها رأسه - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض دليل على طهارتها وطهارة الماء الذي لاقى يديها، إن حكم اليد حكم سائر البدن إلا موضع فيه نجاسة قائمة إذا لم يكن هناك نجاسة مرئية أو محسوسة لم يجب أن يتغير حال الإنسان عن حكم حاله الذي كان عليه.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع، عن عائشة بلفظ قريب، كتاب الطهارة، باب (22) فِي كيفية الغسل من الجنابة، ر142. والبخاري، عن عائشة مثله، كتاب (5) الغسل، باب (2) غسل الرجل مع امرأته، ر247، 1/100. ومسلم، مثله، كتاب (3) الحيض، باب (10) القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، ر321، 1/256. (10/296)
صفحة 1158
وليس للحائض أن تدخل المسجد ولا تصلي نافلة ولا تصوم نافلة ولا ينفعها من الصوم إلا الجوع، والاختلاف في دخولها المسجد، وحكم الحائض والنفساء في حال نجاستهما سواء، وطهرهما واحد حيين كانا أو ميتين ولا أعلم بينهما فرقا في ذلك إلا في عدد الأيام، فالنفساء أكثره وليس على الحائض خروج إلى العيد، فإن خرجت فلا تكون قدام أحد يصلي، ويكره للحائض أن تخرج إلى حديث والدم يسيل منها إلا أن يكون قريبا من بيتها، وللحائض أن تقلم أظافيرها وتسرح شعرها ولا تغسل ما خرج، وتأكل وتشرب من غير أن تتوضأ وضوء الصلاة، ولو وقع شعرها في ثوبها ثم صلت فيه لم يكن عليها بأس.
مسألة: (10/297)
صفحة 1159
ولا بأس بمناومة الحائض ما لم تجامع في الفرج وإن أخطأ في الدم فلا بأس، ولا فساد، وقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما دون الفرج. وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «لكم منها ما دون الإزار» (1) ، ومن طريق عائشة عنه - عليه السلام - أنه قال: «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار» (2) ، وهذا يوجب تحريم الاستمتاع بما دونه، وعن عائشة أنها كانت في فراشه - صلى الله عليه وسلم - فخرجت عن الفراش فقال - صلى الله عليه وسلم - : «حضت يا بنت أبي بكر؟ فقالت: نعم، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «خذي مئزرك وارجعي إلى مضجعك» (3) ، وعن ميمونة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر المرأة وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين» (4) ، وروي أن رهطا من أهل العراق سألوا عمر عما يحل للرجل من امرأته الحائض، فقال: سألتموني عن أمر لم يسألني عنه أحد بعدما سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، سألته فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لكم ما فوق الإزار وليس لكم ما تحته» (5) .
مسألة:
__________
(1) رواه أبو داود عن حَرَام بن حَكِيم عَن عَمِّه بلفظ: «مَا يَحِلُّ لِى مِنَ امْرَأَتِي وَهِىَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ»، فِي الطهارة، ر212. والبيهقي مثله، كتاب الحيض، ر1555.
(2) حديث */
(3) حديث */
(4) حديث */
(5) حديث */ (10/298)
صفحة 1160
عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أصنع كل شيء ما خلاف الجماع في الحائض» (1) ، وعن عائشة: كل شيء منها حلال إلا الجماع. وعن عمر وقد سأله رجل من كندة: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضا؟ فقال: ما فوق إزارها، وللإنسان مباشرة الحائض بغير الوطء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اصنعوا بهن كل شيء غير النكاح» (2) ، وعن عائشة أنها سئلت: ما يحرم على الرجل من امرأته في الحيض؟ فقالت: شعار الدم، وهو الموضع الذي يفور منه الدم، تعني الفرج بعينه، وعن معاوية بن قرة قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: يجتنب شعار الدم الفرج، وله ما سوى ذلك، قال محمد بن الحسن: وشعار الدم موضع الفرج، الحائض تترك الصلاة ولا قضاء عليها اتفاقا، وتترك الصوم وعليها القضاء اتفاقا، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وآكلوهن وشاربوهن واصنعوا بهن ما شئتم إلا النكاح» (3) ، أي الوطء، والنساء أربع طاهر وحائض ومستحاضة ونفساء، وكلهن طاهرات الأبدان وإنما النجس منهن موضع النجس والطهارة عليهن تعبد كالجنب طاهر والغسل عليه تعبد، والله أعلم.
باب ذكر الأحكام المتعلقة بالحيض:
__________
(1) حديث */
(2) حديث */
(3) حديث */ (10/299)
صفحة 1161
هي اثنا عشرة خصلة: إحداها تمتنع من فعل الصلاة ولا يتوجه فرضه عليها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ صَلاَة إِلاَّ بِطهُور» (1) ، وهي لا طهارة لها. والثانية أنها ممنوعة من فعل الصوم، والثالثة أنها تؤمر تقضي الصوم إذا فاتها في زمن الحيض، لقول عائشة: كُنَّا نُؤمَرُ بِقَضاءِ الصَّوْمِ ولاَ نُؤمَر بقضَاءِ الصَّلاَةِ» (2) ، وهذا يدل على أنهن أمرن بترك الصوم في حال الحيض، ثم أمرن بقضائه، الرابعة تمتنع من الدخول في المسجد واللبث فيه إلا إذا استوثقت من نفسها واحتاجت فيه لحاجة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «فَإنِّي لاَ أُحِلُّ الْمَسجِد لِحائِضٍ ولاَ جُنبٍ» (3) ، الخامسة أن لا تطوف بالبيت وتحتاج أن تقعد حتى تطهر، ثم تطوف لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (4) ، فلما بلغه أنها قد حاضت قال: «أحابستنا هذه» (5) ، يعني بذلك أنه يحتاج أن يقعد لأجلها حتى تطهر ثم تطوف. السادسة لا يجوز لها مس المصحف لقوله تعالى: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } (6)
__________
(1) رواه البخاري، عن أبي هريرة بمعناه، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، ر135، 1/49. ومسلم، عن ابن عمر بمعناه، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، ر224، 1/204.
(2) رواه البخاري، عن عائشة بمعناه، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، ر320، 1/95. والترمذي، عن عائشة بلفظ قريب، كتاب الصوم، باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة، ر787، 3/154.
(3) رواه أبو داود، عن عائشة بلفظه، كتاب الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد، ر232، 1/60. والترمذي، بلفظ قريب، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن، ر131، 1/236.
(4) حديث */
(5) حديث */
(6) سورة الواقعة: 79.. (10/300)
صفحة 1162
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تمسوه إلا وأنتم طهر» (1) ، السابعة تمنع من قراءة القرآن لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَقرَأُ الْجُنبُ ولاَ الْحَائِضُ شَيئًا مِنَ الْقُرْآن» (2) ، الثامنة يحرم عليها الجماع ولا يحل للزوج جماعها حتى تغتسل من حيضها لقوله: { فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (3) الآية. التاسعة لا تنقضي عدتها بالحيض وإنما تنقضي بالأطهار فتكون في حال حيضها متربصة، العاشرة يحكم ببلوغها متى حاضت ويجري عليها أحكام البالغات كالمحتلم من الرجال، الحادية عشرة تمنع من الاعتكاف في المساجد، الثانية عشرة يجب عليها الاغتسال، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا أَدبَرَتِ الْحَيْضةُ فَاغتَسِلِي وَصَلّي» (4) .
باب في حيض المرأة الكبيرة:
__________
(1) حديث */
(2) رواه الترمذي، عن ابن عمر بلفظه. وابن ماجة، عن ابن عمر بلفظه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن طهارة، ر596، ص196.
(3) سورة البقرة: 222.
(4) سبق تخريجه في: «إذا أَقبلَتِ الحيضَةُ فَدَعِي الصلاَةَ...». (10/301)
صفحة 1163
وإذا رأت العجوز الدم بعدما يئست من الحيض فليس ذلك بحيض ولا يمنعها من الصلاة ولو كان لها زوج وطلقها لم تعتد به، وإذا قعدت المرأة عن الحيض فاسترقها دم فإنه ليس بحيض إنما هو داء تصنع كما تصنع المستحاضة، تغتسل وتصلي، وإن خرج من المرأة الكبيرة المسننة صفرة فقد قيل إن الصفرة لكبيرة مثل الحيض، وإذا أيست المرأة من المحيض من الكبر وأترابها قد أيسن فعاودها الدم في رمضان فصيامها تام إنما هي بمنزلة المستحاضة في أيام طهرها، وكذلك إن عاودتها الصفرة في رمضان فصومها تام ولكنها تتوضأ إذا رأت الصفرة والكدرة ابنة ستين سنة في وقت حيضها الذي كان يكون، وعدد تلك الأيام بعينها أو رأت الصفرة يوما أو يومين فلا أرى ذلك شيئا وتستنقي عند كل صلاة وتصلي من كبر ثم راجعها صفرة لأوقاتها، فعن أبي صفرة عن محبوب أنها تغتسل لأن الصفرة للكبيرة مكان الدم للشابة، وعن أبي عبد الله أنه كان يرى عليها في الصفرة الوضوء. والمرأة ما لم تحض من كبر فإنها تسمى ضهيا والجميع ضهى وقد ضهيت تضهى ضهيا مثل عميت تعمى عمى، وقيل: شكت امرأة من نساء العرب إلى العجاج كبر سنها وسوء حالها فقالت: ما لي سبد ولا لبد ولا هنع ولا ريع وإني امرأة ضهيا، فالضهيا ما ذكرته وهي التي لا تحيض، والذئاء ذنينها وهو المخاط من الكبر، والمذكر أذن، ويروى دنا بالدال غير معجمة، والذنين يضامن في الصدر، وقال الخليل: الضهيا التي لم تحض قط والضهو التي لم تنهد والذئاء التي ينقطع عنها حيضها، وروي عن عائشة أنها قالت: ما حاضت امرأة بعد خمسين سنة.
باب في الحامل ترى الدم وصلاتها وصيامها وجماعها وأحكام ذلك: (10/302)
صفحة 1164
يقال للحامل المقرب محج، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما جعل الله حيضا مع حمل» (1) ، فإذا رأت الحامل الدم فإنها لا تترك الصلاة ولتغتسل وتصلي كما تصنع المستحاضة حتى يفرج الله عنها، وما جعل الله حيضا مع حمل، قال الله تبارك وتعالى: { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} (2) فذلك شيء من غيض الأرحام، وهو أحد قولي الشافعي في القديم، وفيه بين قومنا اختلاف ولذلك أدلة منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ولا توطأ حائل حتى تحيض ولا حامل حتى تضع»، فخص الحائل بالحيض، ومنها أنه لا يوجد معه ابتداء الحمل فأشبه الصغر ولا بأس، ومنها أنه يسيل موضع الحيض فلا يخرج حتى تضع ومنها أنه لا تقعد به فأشبه دم المستحاضة، ومنها أنه لو كان حيضا لوجب براءة الرحم فكيف يوجد ولا موجب معه، ومنها أنه لو كان حيضا صحيحا لكان الطلاق فيه محرما والأطباء يقولون إن دم الحيض هو غذاء الجنين في الرحم ومنه يكون ظهور الجدري فإذا وضع الجنين تصاعد ذلك الدم إلى الثدي فصار لبنا، والله أعلم. وقيل: إنها بمنزلة الحائض ولا يطأ زوجها في الدم السائل، وأوجب قوم عليها بدل الصوم وإن صامت واختلفوا فيها وإذا خرج من الحامل الماء فلزوجها وطؤها ما لم يضربها الطلق وعليها الوضوء ولا غسل عليها أن يخرج منها دم، فإن خرج دم اغتسلت كما تغتسل المستحاضة ويجامعها زوجها، وإذا أراد أن يجامعها اغتسلت له وجامعها فإن اغتسلت للصلاة ولا يجامعها زوجها فإن جامعها حرمت عليه، وكان كمن جامع في النفاس، وإذا ضربها الطلق وخرج، وإذا انفقأ الهادي فلا صلاة عليها ولو لم يظهر منها دم ولا يجامعها زوجها ولم تجز فيه الصلاة ولم يجز فيه الجماع فإن جامعها وقد انفقأ الهادي لم نر له المقام معها.
مسألة:
__________
(1) حديث */
(2) سورة فاطر: 11. فصلت: 47. (10/303)
صفحة 1165
واختلف أصحابنا في الحامل إذا رأت الدم في الأيام التي كان يأتيها الحيض فيها، فقال بعضهم: إنها تدع الصلاة، وتكون به حائضا، وقال الأكثر منهم: إنها بمنزلة المستحاضة تفعل ما تفعله المستحاضة، وأن الله تبارك وتعالى لم يجعل الحيض مع الحبل وهو القول الأشبه والصحيح والحجة له أصح لأن الله جل وعز فرق بين أحكام الحائض والحامل، من ذلك أن الرجل إذا أراد أن يطلق للسنة امرأته الحامل طلقها مع الحمل ولا يطلقها للسنة وهي حائض، فإجماعهم على أن المطلق لزوجته وهي حائض لا تكون مطلقة للسنة فإجماعهم دليل على أنه إذا طلقها وهي حامل كان مطلقا للسنة لأنها في حكم الظاهر، وطلاق الحيض لا يكون طلاقا للسنة دليل عليه لا على أن الحامل لا تكون حائضا والحائض لا تكون حاملا، ودليل آخر أنها لو رأت الدم قبل أن تضع حملها بيوم أو بيومين أن عليها أن تصلي ما لم تضع حملها. ودليل آخر أن الحامل لو كانت تحيض في حال حملها ما أجمعوا على أن الأمة إذا استبرأها رجل وهي حامل أن ليس له وطؤها حتى تضع حملها لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وجعل استبراءها بالحيض فلو كانت تحيض وهي حامل ما جاز وطؤها إذا حاضت إذا كان استبرأها بالحيض، وكان يشكل أمرها إذا استبرأت بالحيض، ويقع الشك إذا حاضت أنها حامل أو غير حامل، فلما كان الحيض دليلا على عدم الحمل علمنا أن المرأة لا تكون حائضا حاملا وفي اتفاقهم على أن الحامل لا توطأ دليل على أنها لا تحيض إذ الاستبراء بالحيض يحلها باتفاق الأمة والحمل يحرمها باتفاق الأمة، ومحال أن يكون واحد محللا باتفاق محرما باتفاق في حال واحد، وهذا من قائله غلط، إذ الإجماع حجة الله وحجة الله لا يكون فيها التناقض ولا يلحقها الفساد ولا يجوز عليها بعد ثبوتها الانقلاب ولا يكون فيها التناقض وبالله التوفيق. (10/304)
صفحة 1166
وروي عن عائشة في الحامل ترى الدم قالت: ولم تدع الصلاة وبذلك يقول أبو الحسن البصري وعطاء وأبو حنيفة وأصحابه، واعتمادنا على جواز الطلاق للسنة وهي حامل مع إجماعهم أن طلاق السنة لا يكون إلا في حال الطهر، وبالله التوفيق.
مسألة:
واختلف أصحابنا في الحامل إذا رأت الدم إذا ضربها المخاض واشتد حال الميلاد، فقال بعضهم: تدع الصلاة والصيام في تلك الحال، وقال بعضهم: لا تترك الصلاة لأجل الماء الدافق ولكن تدع الصلاة عند دفق الماء، وقال بعضهم: تصلي وتفعل فعل المستحاضة حتى تركز للميلادا ثم تترك الصلاة، وقال آخرون: لا تترك الصلاة حتى يظهر من الولد شيء، وإذا كانت المرأة حاملا فولدت ولدا وبقي في بطنها آخر فليست بنفساء ولا تدع الصلاة حتى تضع الآخر إذ الحمل حمل واحد، والحامل ما لم تضع ما في بطنها فهي حامل وغير جائز أن تكون نفساء، وهي حامل في ذلك الوقت لأن الحامل عليها الصلاة والنفاس اسم لوضع الحمل، وفي قول بعض أصحابنا أنها تدع الصلاة إذا بركت للميلاد، وبعضهم لم ير لها ترك الصلاة حتى تضع ولدها أو شيئا منه، ونحن نطلب الحجة لهم في ذلك بتوفيق الله. وفي اتفاق الجميع أن الحمل معنى والنفاس مدة ما يدل على أن الحمل والنفاس لا يجتمعان في حال واحدة، وفي إجماعهم في حال واحدة وجوب كون الشيء وضده في حال، ومحال اجتماع الأضداد في حال فإن قال قائل: قد وضعت بعض حملها فقد تغير الاسم، قيل له: ليست تخلو إذا وضعت ما في بطنها من أن تكون حاملا أو غير حامل، فإن كانت غير حامل فهذا غير المحال، وإن كانت حاملا فغير جائز أن تكون حاملا، وقد وضعت حملها، وفي هذا بيان ما قلنا وغلط من ذهب إلى خلافه، والله أعلم. ومن الدليل على ما ذكرنا أيضا قول الله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (1)
__________
(1) سورة الطلاق: 4.. (10/305)
صفحة 1167
وباتفاق الجميع أنها إذا وضعت بعض حملها فهي حامل يدركها مطلقها ما لم تضع جميع ما في بطنها من ولد، والنظر يوجب عندي إن لم تدع الحامل الصلاة بوضع أحد الولدين لأنها ليست بحائض ولا نفساء لا يكون مع الحمل على ما قدمنا ذكره وإذا النفاس اسم يجب لوضع الحمل، ومن وضع بعض حمله لا يقال وضع حمله والحامل إذا أتاها الدم في رمضان قبل ميلادها بأيام فتركت الصلاة فعليها بدلها، وإذا أتى المرأة الحيض في وقت قروئها فتركت الصلاة ثم أسقطت وبان لها أنها كانت حاملا في وقت أتاها الدم فعليها بدل ما تركت من الصلاة في وقت مجيء الدم إليها وتكون نفساء. وإذا قالت المرأة أنها حامل وترى الدم وتظن أنها مستحاضة فوطأها زوجها ثم علم أنه حيض لم تحرم عليه، وإذا ظنت المرأة أنها حامل ورأت النساء نفسها فقلن لها إنها حامل فمكثت بذلك ستة أشهر أو أكثر وكانت ترى في بعض تلك الأيام دماً فظنت أنه من عيون الأرحام، وكان زوجها يطأ عند انقطاع الدم في تلك الأيام ثم علمت بعد ذلك أنها ليست بحامل وأن ذلك الدم الذي في بعض تلك الأيام حيض فإنها لا تحرم على زوجها وعليه ألا يعود بعد ذلك لمثل هذا.
مسألة:
وإذا ركزت المرأة للميلاد وقد دخل وقت الصلاة ولا تقدر أن تصلي ولم تكن صارت إلى الحال الذي أجاز لها الفقهاء ترك الصلاة فيه على الاختلاف، فإنها تصلي كما أمكنها وتقدره بعد حال قائمة أو قاعدة أو نائمة فإن لم تقدر صلت بالتكبير فإن لم تحفظ التكبير حفظ عليها من سمعها، فإن عجزت عن هذا كله ولم تقدر أن تتكلم وذهب عقلها فلا شيء عليها. وقد اختلفوا فيها متى تدع الصلاة وإذا كانت الحامل صائمة وأتتها دفعة دم بلت ثوبها وأصبحت مفطرة وتركت صلاة الفجر تظن أنها حائض فلم تر بعد ذلك شيئاً فغسلت وصلت فلا كفارة في صلاتها فعليها البدل وبدل صوم يومها إن كانت أكلت.
مسألة: (10/306)
صفحة 1168
ودم الحامل عندنا ليس بحيض، وبهذا يقول أبو حنيفة ويحتج بما يروى عن أبي أنه قال: ولما نزلت: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ} (1) وقال الصحابة: قد بقي هاهنا من النساء ما لم تبن لنا عدتهن كالآيسة والصغيرة والحامل فنزلت: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} (2)
__________
(1) سورة البقرة: 228.
(2) سورة الطلاق: 4.. (10/307)
صفحة 1169
الآية، وإذا ظهر حمل المرأة وبان ثم اضطرب في بطنها فرأت الحيض كما عودت وهي غير حامل فإنها لا تترك الصلاة ولا الصيام وتغتسل لكل صلاتين غسلاً وتصلي ولا يطؤها زوجها في ذلك فإن وطأها لم تفسد عليه، واختلف في الحامل إذا حاضت قال من قال: إذا أصابها كعادتها لوقتها وعدد أيامها فهو حيض لا تصوم ولا تصلي ولا يطؤها زوجها، وقال من قال: الحامل لا تحيض، تصلي وتصوم وتجامع، وقال محبوب: تصلي وتصوم ولا تجامع، والحامل إذا رأت الدم قبل أن يضربها الطلق فهي مستحاضة، فإن خرج منها الماء وقد ضربها الطلق فإنها تصلي حتى ينفقئ الهادي فإذا انفقأ الهادي أمسكت عن الصلاة أو ترى الدم فتمسك عن الصلاة وإن رأت صفرة ولا غسل عليها ولكن تغسل فرجها ثم تتوضأ فإن كان دماً اغتسلت فإن دام بها فتغسل عند كل صلاتين وتجمع الظهر والعصر، وتغتسل عند المغرب، وتجمع بين المغرب والعشاء وتغتسل عند الصبح.
باب المستحاضة وأحكامها: (10/308)
صفحة 1170
المستحاضة التي أتى عليها الدم فلا يرقى، ومن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنته في دم المستحاضة أنه مخالف لدم الحيض وأن المرأة إذا استحاضت صلت وصامت في الوقت الذي يجب عليها فيه الصوم والصلاة والصوم، وهي مستحاضة وصومها مجزئ، والمستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلاً وتصلي وتصوم في وقت ما يجب عليها فيه الصيام وهي مستحاضة، وليس عليها بدل الصوم وتجمع الصلاتين بغسل ولا تطوع بينهما، وتؤخر المغرب وتؤخر العشاء الآخرة وتطوع بعد الفرائض إن شاءت، وتغسل لصلاة الغداة غسلاً، وإذا جاز لها الصلاة جاز لها الصوم، وإذا غسلت ودخلت في الصلاة فأحدثت فإنها تتوضأ ولا غسل عليها، وإن كان دما ما لم تفرغ من الصلاتين اللتين اغتسلت لهما، فإذا جاء وقت صلاتين اغتسلت لهما وإذا أرادت قضاء صلوات فائتة فإذا فرغت من الفريضة اغتسلت غسلا آخر لصلاة الفائتة وتصلي حتى يجيء وقت الصلاة ثم تغتسل بين الصلاتين أيضا فعلى هذا النحو تقضي. وإذا اغتسلت بين الصلاتين ثم انقطع عنها الدم فلم تر طهراً ولا صفرة بينة فلتنظر بقطنة نظرا مداخلا، فإن رأت صفرة فلتتوضأ لكل صلاة وإن رأت دماً فلتغتسل بين كل صلاتين، وللغداة غسلا ثلاث مرات في يوم وليلة، وإن أرادت التطوع بعد الصلاتين في رمضان أو غيره فإذا فرغت من الصلاة اغتسلت للتطوع وإن كانت صفرة توضأت للتطوع أيضا، وليس للمريض والمستحاضة إذا جمعا الصلاتين أن يصليها بينهما شيئا فإذا فرغا من الصلاتين جميعاً فليصليا من النافلة ما شاءا. (10/309)
صفحة 1171
قال أبو عبد الله: المستحاضة تجمع الصلاتين في وسط الوقت الظهر في آخر وقتها والعصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعتمة، وإن أتاها دم سائل فإذا اغتسلت استثفرت وصلت وتسجد وتفسح ثيابها عن الدم وتصلي في غير مصلى، فإن مس ثياب المستحاضة والذي به الرعاف دم فلا تصلى في تلك الثياب، ولتغسلها ثم تصلي بها أو بثياب طاهرة غيرها، فإن خافت فوت الصلاة ولم تجد غيرها فلتتزر بها وتصلي فيها, والذي ينبغي للمستحاضة أن تجمع الصلاتين فإن أفردت فصلاتها تامة ما لم يرجع إليها الدم قبل الصلاة الأخرى، وإذا قامت إلى الصلاة فلما أحرمت دفع الدم، فإن كانت ترجو انقطاعه انصرفت إلى آخر الوقت ثم اغتسلت وصلت والاحتشاء أحب إلينا، وإن دام بها الدم فاغتسلت واحتشت بخرقة فيها دم وصلت فصلاتها فاسدة وليس الدم الذي بها وما في الخرقة سواء، ليس الدم الذي يجيء منها قد جاء فيه الأثر أنها تحتشي وتصلي، وهذه الخرقة التي احتشت بها وفيها دم حيض لم يجيء فيها أثر، وهي تفسد عليها. وإذا جمعت الصلاتين جرت الأخرى إلى الأولى، ولا يجوز أن تؤخر الأولى إلى وقت دخول الآخرة فإن لزمها بدل صلاة فلا تؤخر ذلك حتى تطهر ولتصل لأنها قد لزمها بدلهن ولا تأمن الحرب فإن كان الدم دائما بها فاغتسلت وصلت جميع تلك الصلوات بغسلها ذلك، ولم يأتها الدم حتى أتمت أجزأها ذلك الغسل الواحد لجميع ما أبدلت ما لم يأتها الدم، وإذا أراد زوجها أن يجامعها اغتسلت كما تغتسل للصلاة ثم يجامعها، وقد قيل: له أن يجامعها في دبر الصلاة التي اغتسلت لها، فإن جامعها ولم تغتسل له كما تغتسل ولا في دبر غسل صلاة فلا يبلغ بها ذلك إلى فرقة وبئس ما صنعت.
مسألة: (10/310)
صفحة 1172
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عائشة أن فاطمة بنت عميس سألته عن دم الاستحاضة فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إنه دم عرق». وقوله - صلى الله عليه وسلم - هذا نص على سائر الدماء لأنها كلها دم عرق، وقال قوم من الرواة: إنها حبيبة بنت جحش وفي نسخة أم حبيب، وقال فاطمة بنت أبي حبيش، وبعض الرواة زعم أنها حبيبة بنت جحش، وروى قوم أنها زينب بنت جحش، وروى قوم أنها سهيلة بنت سهل، فقد يحتمل أن يكون هؤلاء كلهن سألن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكل قد أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجواب لاتفاق عللهن ولأنهن قد يستوين في هذه الحال ويجمعهن الحيض والاستحاضة عن السؤال عنه، فكل قد روى من وجه ومن طريق صحيح، والله أعلم، واختلاف الروايات في اسم السائلة له غير ضائر إذا وقع الاتفاق على الجواب، ورووا أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وروى بعض أنها أمرها أن تغتسل لكل صلاتين غسلاً وتصلي وتجمعهما، وقال قوم: أمرها أن تغتسل لكل صلاة فلما طال ذلك أمرها أن تجمع كل صلاتين بغسل واحد، وذهب داود بن علي أن المستحاضة لا غسل عليها وأنها تتوضأ وتصلي وأظنه يدعى في ذلك خبراً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للسائلة عن الحيض: «إذا أَقبلَتِ الحيضَةُ فَدَعِي الصلاَةَ وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي»، وفي ثبوت هذه السنة عنه - صلى الله عليه وسلم - دليل بين أن التوقيت في الحيض لا معنى له من عدد الأيام أن الخبر يمنع من أن يجعل علة في عدد أقله وأكثره.
مسألة: (10/311)
صفحة 1173
اختلف الصحابة في المستحاضة تحضرها الصلاة، فقال قوم: تتوضأ لكل صلاة، وقال الآخرون: تغتسل لكل صلاة، وقال آخرون: تجمع الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً واحدا، ولصلاة الصبح غسلاً واحدا، وهو قول ابن عباس وعلي والزبير ومن التابعين عطاء بن أبي رباح وغيره، وقيل لابن عباس: إن أرض الكوفة باردة، فقال: لو شاء لابتلاهن بأشد من ذلك، والذي يذهب إليه قول ابن عباس وهو مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق صحيحة. وعن ابن عباس أنه سئل عن المستحاضة فقال: ذلك العادي يعدو لتستثفر وتصلي، والعادل اسم العرق الذي ينسل منه دم الاستحاضة يعدو يعني يسيل، يقال: عدا العرق وغيره يعدو، ومنه عدا البعير ببوله يعدو إذا رمى به متقطعاً، وفي حديث آخر عنه أنه عرق عائد، يعني الذي قد عيد وبقي كالإنسان العائد، وقوله ركضة من الشيطان، يعني الدفعة وأصل الركض الدفع، ومنه قيل للرجل يركض الدابة وإنما هو تحريكه إياها، قال الله تعالى: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } (1) وقال جماعة من أهل الحديث منهم داود بن علي: تتوضأ لكل صلاة، واحتج هؤلاء أنهم أجمعوا مع من خالفهم أن عليها بعد الاغتسال من الحيض التطهر بالماء، قال: ثم اختلفوا في التطهر ما هو فوجدناها بالوضوء يقع عليها اسم متطهر، وهذا غلط منهم على خلطهم أنهم أجمعوا مع من خالفهم أن عليها الطهارة، ثم اختلفوا فيما تكون به متطهرة ففرض التطهر عليها ظاهر حتى تجتمع على براءتها من الفرض الذي عليها وهو الاغتسال والوضوء، وبالله التوفيق. قال أصحابنا: إذا أتمت الحائض أيام حيضها ثم لم ينقطع الدم عنها استظهرت بيوم أو يومين تترك الصلاة فيهما خوف انتقال الحيضة إلى حكم غير الحكم الذي كانت عليه بغير الدم الذي عليها، وهو قول ابن عباس، وقد خالف ابن عباس في قوله هذا من الصحابة جماعة، وقوله يصعب عند النظر على أن العلة المانعة ليست ظهور الدم من فرجها.
__________
(1) سورة ص: 42. (10/312)
صفحة 1174
مسألة:
وقد أجمع الكل إلا من ذكرناه فيما علمت على إجازة وطء المستحاضة من أهل الوفاق والخلاف، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: { فَاعْتَزِلُواْ} فالمانع من الوطء الحيض ما دامت حائضا فإذا طهرت وتطهرت جاز وطؤها والمستحاضة مخالفة للحائض، إن هي طاهرة ومأمورة بالصلاة والصيام بدلالة السنة واتفاق الأمة، وأجمع أصحابنا أن المستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلا واحداً وتصلي به صلاتين في مقام واحد، ولصلاة الصبح غسلاً، ووافقهم بعض مخالفيهم على ذلك، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق عائشة أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هو دم عرق» أمرها أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحدا، وتصلي وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحدا، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر السائلة عن الاستحاضة أن تغتسل لكل صلاة وتصلي، وروى قوم أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاتين غسلاً وتجمعهما وتصليهما في وقت واحد، وقال قوم: ابتداء الأمر منه - صلى الله عليه وسلم - كان لكل صلاة غسل وتصلي كل صلاة في وقتها بعد الاغتسال لما طال ذلك رخص لها في جميع الصلاتين بغسل واحد. وروي أن امرأة سألت ابن عباس فقالت: عن علي بن أبي طالب سئل عن امرأة تدع الصلاة الزمان الطويل، فأفتاها أن تغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس: اللهم لا آخذ لها بما قال علي أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد. وعن أبي عبد الله في المستحاضة إذا أمرها المسلمون أن تقعد أياماً معروفة تترك فيهن الصلاة ثم وطأها زوجها في تلك الأيام أنها تكون بمنزلة من وطأها في الحيض، وقال بعض مخالفينا: على المستحاضة أن تتوضأ وضوء الصلاة ولا غسل عليها، وطعن في خبر عائشة وقال: إنما روي أنها أمرت ولم تخبر من أمرها بذلك، فلذلك لم نوجب عليها الاغتسال. (10/313)
صفحة 1175
وقال بعض مخالفينا أيضا: على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة غسلاً، ولا تجمع، وهذا فيه ضرب من الاحتياط، والذي ذهب إليه أصحابنا من قول مخالفيهم لأنه بالسنة أشبه على أنا إن سلمنا الطعن في خبر عائشة من طريق النظر فالجمع للمسافر باتفاق لمشقة السفر والمستحاضة أولى بذلك لأن المشقة عليها في حال الاستحاضة أعظم، وإن كان خبر عائشة صحيحا فالتسليم للسنة أولى من النظر ولا حظ للنظر مع وجود السنة، فإن عدمت السنة وكانت المستحاضة متروكة على حكم الظاهر للزوم العبادة لها والاغتسال لها عند كل صلاة أحوط، وأن تأتي بكل صلاة في وقتها لأنها مدفوعة إلى شكوك شتى، شكوك حيض وشكوك استحاضة وشك خروج من حيض، فأما شك الحيض فلا يوجب عليها الصلاة وأما شك الاستحاضة فهو موجب للصلاة وأما شك الخروج من الحيض فهو موجب للغسل، وإذا وجب الوضوء في حال والغسل في حال فالخروج إلى الحديث باليقين هو الغسل فيه الاحتياط للصلاة وغيره من الوضوء على ما ذهب إليه من قال بالوضوء دون الاغتسال يقينا فالخروج لمن بصره الله لأن الله تعالى فرض على الحائض ترك الصلاة وعلى المستحاضة فعلها فلا تخلو المنتظرة بعد انقضاء أيامها من أن تكون حائضا أو مستحاضة، فإن تكن حائضا لما قد حكم لها الأيام التي عودتهن فلا نحب أن تترك الصلاة وإن تكن مستحاضة فأحرى أن تكون الصلاة عليها أوجب.
مسألة: (10/314)
صفحة 1176
واختلف أصحابنا في الرجل يغشى زوجته وهي مستحاضة فجوز قوم وكره آخرون واعتل من كره ذلك بأن الله تعالى نهى عن وطء الحائض في حال الدم، فقال تعالى: { قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (1) وكذلك المستحاضة ظهور دمها أذى، وإذا كان الله عز وجل قد نهى عن وطء الحائض في حال ظهور الدم فالمستحاضة في معناها، وهذا غلط وإغفال من قائله لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد فرق بين دم الحائض ودم الاستحاضة فقال: «دَمُ عِرْقٍ وليْسَ بالْحَيْضةِ» (2) عند سؤال السائل، والدم الذي بوجوده سقوط الصلاة غير الدم الذي بوجوده وجوب الصلاة، وإذا أثبت أن كل واحد منه غير صاحبه وجب أن يكون حكم كل واحد غير حكم الآخر... والله أعلم. واتفقوا على أنها إذا كانت حائضا فمحرم وطؤها فهذا ظاهر بإجماع إذ هي محكوم عليها ولها بحكم الطواهر المأمورات بالصلاة فالكراهية من وطئها وهي في هذه الحال، فمن كرهه لا معنى له، والله أعلم، وأجمعوا على جواز وطئها إذا ظهر الدم من فرجها، أو من فرجه دم العرق مثله، وهذا الاتفاق منهم يوجب وطء المستحاضة، وإن كثر دمها، وأجمعوا أن المرأة مباحة الفرج لزوجها إلا في حال حيضها والإجماع لا يزيله رأي فالكاره لوطء المستحاضة محتاج إلى دليل.
مسألة:
__________
(1) سورة البقرة: 222.
(2) رواه الربيع، عن عائشة بمعناه، كتاب الطلاق والخلع والنفقة، باب في المستحاضة، ر552، 1/145. وأبو داود، مثله، كتاب الطهارة، باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، ر282، 1/74. (10/315)
صفحة 1177
وكره أصحابنا لرجل الوطء في دم الاستحاضة إذا كان الدم كثيرا ولم ينه عن ذلك في حال قلته، والكثرة والقلة لا يمتنع من الحكم أنه دم استحاضة وأن المستحاضة حكمها حكم الطاهرة، وفي الروايات أن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش سبع سنين، وقيل: إنها أخت زينب، قالت: فكانت تملأ مركنا معها ماء فتدخله حتى تعلو الماء حمرة الدم وأنها استفتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إِنَّهَا ليست بحيضةٍ، فَاغتَسلي وصلِّي» (1) ففرق - صلى الله عليه وسلم - بهذا بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
مسألة:
__________
(1) رواه الربيع عن أسماء الحارثية بمعناه، كتاب الطلاق، باب في المستحاضة، ر554، 2/222. والترمذي مثله، أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، ر126، 1/220. وابن ماجه مثله، أبواب الطهارة وسننها، باب المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، ر625، ص88. (10/316)
صفحة 1178
والمستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم ولا تقضي من ذلك ويجامعها زوجها في حال استحاضتها لأن المانع من الوطء الحيض دون غيره والذي أظن أن كراهة من كره من أصحابنا وطأها وهي مستحاضة في كثرة الدم من طريق الاحتياط والتنزه، وأما محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي فلم يجيزوا وطء المستحاضة، وقد أخطأوا في ذلك إذ لو كان المانع وطأها ظهور الدم من الفرج لكانت المرأة إذا ظهر من فرجها دم فرجه لا يطؤها زوجها في اتفاق الناس على جواز ذلك ما يدل بهذا القول أن تدع الصلاة بعد أيام أقرائها مختلفون، فقال قوم: تترك أيام إقرائها الصلاة ثم تغتسل وتصلي إلى أن يعود إليها بمثل أيامها، وقال قوم: تترك الصلاة عشرة أيام وتغتسل وتصلي عشراً إذا مد بها الدم، وقال آخرون: تغتسل وتصلي خمسة عشر يوماً، وقال قوم: تترك الصلاة عشرا وتصلي عشرين يوماً لأن معهم أن في كل شهر حيضة، ومنهم من قال: تغتسل وتصلي ولا تترك الصلاة حتى يفرج الله ما بها. وأما داود ومن قال بقوله فإنهم لا يوجبون على المستحاضة غسلاً وأنها تتوضأ وتصلي ولعله يحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أَقبلَتِ الحيضَةُ فَدَعِي الصلاَةَ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» فعند إدبار الحيضة لا يجب عليها غير الغسل المأمور به وهو الاغتسال من الحيض وجهل دم الاستحاضة كغيرها من الدماء الذي لا يحكم لها بحكم الحيض. (10/317)
صفحة 1179
فإذا دام بالمستحاضة الدم فاغتست واحتشت بخرقة فيها دم محيض وصلت، فعن أبي عبد الله تفسد صلاتها، قيل: أفليس الدم الذي بها وما في الخرقة سواء؟ قال: لا؛ لأن ذلك يجيء منها قد جاء فيه الأثر أنها تحتشي وتصلي، وهذه الخرقة التي بها دم الحيض لم يجيء فيها أثر وهي تفسد عليها، فإذا اغتسلت المستحاضة للصلاتين والدم غير دائم بها فصلت الأولى ثم انتظرت حتى صلت العصر ولم تغتسل ولم يأتها الدم فلا بأس بذلك وتصلي بذلك الغسل ما دامت لم يأتها الدم ولم تحدث حدثا يفسد عليها طهرها، فإن اغتسلت ثم قامت لتجمع الصلاتين فصلت الأولى ثم بدا لها أن تنتظر حتى تصلي العصر في وقتها فلا بأس كيف فعلت لم يأتها الدم، فإن أتاها قبل أن تصلي اغتسلت أيضا غسلاً آخر ثم صلت الصلاتين جرت الآخرة إلى الأولى ولا يجوز أن تجر الأولى إلى وقت الآخرة. عروة عن عائشة في المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على حصيرها، قال ابن سيرين: استحاضت المرأة من آل أنس بن مالك فأمروني فسألت ابن عباس عن ذلك فقال: إذا رأت الدم البحراني فلتدع الصلاة فإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل، الدم البحراني دم الحيض بعينه لا دم الاستحاضة، وإنما سماه بحرانيا لغلظه وشدة حمرته يكاد يسود ويشبه إلى البحر، والبحر عمق الرحم، وكل شق بحر فمنع قيل تبحر فلان في العلم أي تعمق فيه وتوسع. قال العجاج: وذكر ما دماً ورد من الجوف. (10/318)
صفحة 1180
وبحراني أن غليظ خالص من الجوف، وزاد الألف والنون في النسب لأنه أراد دم الحيض طبعي، لأن العارض الرقيق في الاستحاضة من عرق يسيل أو ركضة من الشيطان كما روي في الحديث، وعن أبي عبيد أنه قال هذه امرأة استحيضت ولم تكن تعرف أيام حيضها لاختلافه عليها فأمرها أن تتعرف ذلك، ولو كانت تعرف أيام حيضها لأمها أن تقعد تلك الأيام عن الصلاة ثم تستثفر وتصلي، والمستحاضة طاهرة وعليها الصلاة ولا تتركها، وإذا استحيضت المرأة رجب وشعبان ورمضان، وكان من عادتها الحيض في كل شهر مرتين، فإن لها صومها وصلاتها ولو كان دمها يسيل ولم يقل أحد من الفقهاء بتحريم وطء المستحاضة، وإنما قالوا بالكراهية وأما التحريم فلا، وإذا جهلت المستحاضة الغسل فلم تغتسل فعليها بدل الصلاة، وأما الصوم فتام لها، وإن جهلت الغسل في أول دفعة حيضها وفي أول صلاة فلم تغتسل فعليها الكفارة. وإن رأت الدم بعد أن صلت صلاة الفجر ولو دفعة واحدة فعليها الغسل لصلاة الظهر والعصر، وكذلك ما كان مثل هذا، والمريض والمستحاضة لا يلزمهما من حيث الوجوب جمع الصلاتين، ويؤمر بذلك ولو أن المريض صلى كل صلاة كانت أفضل له، والمستحاضة لو اغتسلت لكل صلاة وصلت لم تفسد صلاتها، وقد قالوا أيضا لكل صلاة، وإذا جهلت المستحاضة الغسل فلم تكن تغتسل لزمها الغسل، ولزمها البدل في صلاتها وصيامها تام، والمستحاضة إن شاءت اغتسلت بين كل صلاتين وصلت، وإن شاءت اغتسلت كل صلاة غسلاً وصلت، وروي أن امرأة استحيضت سبع سنين وأنها استفتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «إنه دم عرق فاغتسلي وصلي» وأمرها أن تغتسل وتصلي ولم يأمر أن تترك وقتا وتصلي وقتا. (10/319)
صفحة 1181
وفي الحديث أن زينب بنت جحش سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: «اتْرُكِي الصَّلاَةَ بِقَدْرِ أيَّامكِ التِّي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (1) ، وفي بعض الحديث أنها شكت من ذلك إليه - صلى الله عليه وسلم - فأمرها بأمرين أيهما فعلت أجزى عنك، من الثاني تحيضين ستة أيام أو سبعة أيام حين رأيت أنك طهور فاغتسلي وصلي ثلاثة وعشرين يوماً وأربعا وعشرين ليلة، كذلك فاصنعي كل شهر كما النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن وإن شئت أخري الظهر والعصر واغتسلي لهما غسلاً وصليهما جميعاً والصبح غسلاً واحد، وإلى هذا ذهب الأكثر من أصحابنا ممن قال بالثلاث والعشر وأمرها بعد العشر بالغسل والصلاة، فإن مد الدم اغتسلت كل صلاتين وجميعها بالتمام والفجر غسلاً إلى أن ترجع، ومن قال: إن أكثره عشرون فإن مد بعد ذلك تركت الصلاة ولم يؤقتوا للمد شيئا يعرف به ولا لونا يوصف به عند أكثرهم. وفي خبر عائشة أن فاطمة بنت أبي جحش سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «إني امرأة أستحيض ولا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، ذلك دم عرق فَدَعِي الصَّلاَةَ مِقْدَارَ الأيَّام التِّي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (2) ، وهذا الحديث حجة، وقد اختلف الفقهاء لاختلاف الأخبار في ذلك، فالذي قال من أصحابنا يمتنع عنها زوجها في الدم وأيام النفاس حتى تنقضي.
باب في حكم النفساء:
__________
(1) حديث */
(2) الحديث رواه الربيع، عن عائشة بلفظ قريب، كتاب الطلاق، باب في الاستحاضة، ر552، 2/222. والبخاري، مثله، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، ر319، 1/124. ومسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، ر334، 1/263. (10/320)
صفحة 1182
وحكم النفساء حكم الحائض في جميع الأحوال، تترك الصلاة والطهارة من الحدث يوجب بذلك الغسل والله أعلم، ومختلف في وقت النفساء إذا مد بها الدم فقال قوم: تسعون يوماً، وقال أبو الحواري وقال آخرون: ستون يوماً، وقال آخرون: أربعون يوماً، وقال آخرون: إن كانت تعرف وقت أيامها فتقعد كما كانت تقعد وإن لم تكن تعرف فوقت خالاتها وإنما قالوا هذا في الذي تلد أول ولد، والذي عليه أكثر أصحابنا أن أقصى وقت النفساء إذا مد بها الدم أربعون يوماً، وكذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «النفاسُ أَربَعُونَ يَومًا» (1) ولا تنتظر بعد الأربعين، وأقل النفاس انقطاع الدم، ومتى انقطع فعليها الغسل والصلاة ولا يطؤها زوجها حتى تتم أربعين يوماً، وإن طهرت وصلت لأن الحديث المرفوع أنه نهى عن وطء النفساء حتى تتم الأربعين ولا تحرم إن وطأ وهي طاهر إلا عن وطأ في الأربعين وهي طاهرة فقد خالف السنة، وركب النهي وقد أساء، والنفس قدر دبغة أو دبغتين من الدباع، وقال الأصمعي: بعثت امرأة من العرب بنتا لها إلى جارتها فقالت: تقول لك أمي أعطيني نفساً أو نفسين أمعس به ميتتي فإني آفدة، قولها نفسا أو نفسين أي قدر دبغة أو دبغتين والميتة الجلد ما كان في الدباغ، قال الشاعر:
إذا أنت باكرت الميتة باكرا *** مداكا لها من زعفران وإثمد
وقوله: آفدة يعني شريعة، ويقال امرأة نفساء ونفساوان ونفساوات، وقالوا امرأة نفاس، وبلغت المرأة من نفاسها وهي ببعل ببعلا.
مسألة:
__________
(1) حديث */ (10/321)
صفحة 1183
والنفاس دم، العرب تسمي الدم نفساً وخروجه نفس، وقد روي أن امرأة من غفار خرجت في غزوة تعين المسلمين فركبت على بعض رحال النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءها الحيض فانحدرت ورأت الدم على حقيبة الرحل فتقبضت واستحيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما لك لعلك تنفست؟» قالت: نعم يا رسول الله، قال: «أصلحي من شأنك وارجعي إلى مركبك» (1) فسماه - صلى الله عليه وسلم - نفساً وإنما هو الحيض، والله أعلم. والنفساء لا تجوز مجامعتها والقول قولها إذا قالت إنها ولدت أو أسقطت قبل قولها، وإن قالت: لم تنقض أيام نفاسها فالقول قولها حتى يعلم كذبها، وإن قالت إنها قد تطهرت وغسلت وصلت قبل قولها، وذكر أن عثمان بن أبي العاص ولدت امرأته فلبثت في نفاسها ثم طهرت وغسلت قبل تمام الأربعين فتعرضت له فقال: نهينا أن نقرب النساء إذا ولدت حتى يستوفين الأربعين، وبهذا يؤمر زوج النفساء، وروي أيضا أن طلحة تعرضت له امرأته قبل تمام الأربعين. ومن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - المشهورة عنه في دم النفاس أنه كدم الحيض، وأن المرأة تدع الصوم والصلاة ما دامت نفسها فإذا طهرت أبدلت ما تركت من شهر رمضان في نفاسها ولا تبدل الصلاة.
مسألة:
__________
(1) حديث */ (10/322)
صفحة 1184
وإذا زادت النفساء على الأربعين يوماً وبها الدم، قال بعض: تنتظر يومين أو ثلاثا بعد الأربعين ثم هي مستحاضة تغسل لكل صلاتين غسلاً وتجمع وتصلي، ولصلاة الفجر غسلاً وتصلي، وقال آخرون: لا تنتظر بعد الأربعين وهو قول أبي معاوية وهي مستحاضة، وتفعل فعل المستحاضة، فإن ولدت أول ولد فانقطع الدم في عشرين يوماً فلتغتسل وتصل ويكره لزوجها وطؤها حتى تتم أربعين، فإن راجعها الدم بعد أن صلت يوماً أو يومين أو أكثر تركت الصلاة وهي نفساء إلا أن يراجعها الدم بعد خمسة عشر يوماً وهي حائض، وتترك الصلاة وهي دم دم حيض، ليس بدم نفاس تقعد فيه أيام حيضها انتظرت يوماً أو يومين، فإن مد بها بعد ذلك فهي مستحاضة، فإن ولدت أول ولد فمكثت عشرين يوماً ثم انقطع عنها الدم فاغتسلت وصلت صلوات ثم راجعها صفرة أو كدرة فلتترك الصلاة وهي نفساء في الصفرة والكدرة إلا أن تكون مكثت خمسة عشر يوماً طاهرة ثم راجعها صفرة أو كدرة فإنها تتوضأ وتصلي ولا غسل عليها، وليس ذلك بنفاس ولا حيض فإن ولدت أول ولد وطهرت على عشرين أو على شهر ثم ولدت ثانيا فتم بها الدم إلى الأربعين فالعشرون هو وقتها، فإذا ولدت الثاني فتم بها الدم أكثر من عشرين يوماً أو ثلاثا فإن لم ينقطع كانت فيه مستحاضة إلى أن يتفق لها ثلاثة مواليد على خلاف الأول كل مرة تطهر في أول ولد تلده على عشرين، فإذا ولدت الثاني طهرت على شهر فتلك تكون في العشر التي بعد العشرين مستحاضة تغتسل وتصلي، فإذا ولدت ثلاثا وطهرت على شهر فعلت أيضا كما فعلت في الولد الثاني تقعد عشرين يوماً، ثم تكون في الثاني مستحاضة، فإذا ولدت رابعاً فتطهرت على شهر اتخذت الشهر وقتاً لها تركت الصلاة إلى تمام الشهر إذا كان بها دم أو صفرة أو كدرة لأنها قد تمت لها ثلاثة مواليد على شهر فصار هو وقتا وانفسخ عنها الأول وإن اختلف قرؤها فلم يستقم على شيء، والأول هو وقتها، فإن طهرت في الأول على عشرين، وفي الثاني على خمسة عشر، (10/323)
صفحة 1185
فإذا طهرت اغتسلت حين ترى الطهر وتصلي الصلوات بلا غسل إلا الغسل الأول، فإن راجعها فيما بينها وبين عشرين يوماً فوقتها الأول، فإن راجعها بعد خمسة عشر يوماً بعد العشرين تركت الصلاة وهو دم حيض ليس بنفاس.
مسألة:
والمرأة إذا ولدت ولدا وطهرت على عشرين يوماً، وذلك في رمضان فاغتسلت وصلت وصامت آخر رمضان حتى أفطرت ثم راجعها الدم بعد رمضان وقد صامت منه عشرة أيام وراجعها فصيامها تام لأنها قد ختمت الشهر، وقال بعض: بل ينتقض لأنه راجعها في الأربعين فقد علم أنه قد راجع في أيام النفاس، وأحب أن تبدل تلك الأيام إلا أن تكون مكثت طاهرا خمسة عشر يوماً ثم جاءها الدم بعد ذلك فصيامها تام لأن ذلك الدم دم حيض، وليس بنفاس ولو ولدت في شعبان فمكثت نفساء من شعبان عشرا ومن رمضان عشراً ثم طهرت في رمضان فصامت خمسة عشر يوماً فلما بقي من الشهر خمسة أيام جاءها الدم فصيامها تام لأن ذلك حيض، والله أعلم. قال أبو الحواري: هذا في التي تلد أول ولد فإن أتاها الدم في رمضان قبل خمسة عشر يوماً مذ طهرت انتقض صيامها الذي صامت وتبدله ولا نعلم في هذا اختلافا، وإنما اختلفوا إذا ختمت الشهر ثم رجع الدم في وقتها إن كان لها وقت في الأربعين التي لا وقت لها، وإذا ولدت المرأة أول ولد وكان نفاسها أربعين ثم ولدت آخر ثم رجعت إلى ثلاثين ورجعت في الثالث إلى عشرين فإنها إذا طهرت فلتصل وأما في جماع زوجها فإلى آخر الوقت إلى أن تستقيم عدة نفاسها دون الأربعين، وإذا طهرت في أول ولد على شهر فمكروه لزوجها وطؤها وليس هو كمن وطأ في النفاس ولكنه بئس ما صنع، فإن وطأها فراجعها الدم في الأربعين فبئس ما صنع، وليس كمن وطأ في النفاس. (10/324)
صفحة 1186
ومن وطأ في النفاس كمن وطأ في الحيض، وإذا ولدت المرأة فلم تر الدم إلا يوماً واحداً وهي ترى شيئاً أبيض فتصلي، والتي كان نفاسها شهرا فلما أتت على رأس الوقت رأت الطهر واغتسلت وصلت ثم راجعها دم غليظ، قال أبو نوح: إنها لا تصلي، وقال: إذا طال بالنفساء البكر الدم فلا وقت لها، وإن طال بها، وإذا راجع المرأة الدم بعد الأربعين من يومها بعد أن طهرت وصلت وجامعها زوجها وهي طاهر، فإن دام بها الدم فعلت فعل المستحاضة ويطؤها زوجها إن شاء إذا اغتسلت، فإذا كان أيام حيضها التي عودت تحيض أمسكت عن الصلاة والصيام وأمسك زوجها عنها في الدم الذي بعده قرؤها وبعده يوماً أو يومين، ووطأها بعد الأربعين فلا بأس عليه إذا صلت وصامت، وأما التي تراه كل يوم فإن يكن علقة أو دفعة فليس بشيء تتوضأ وتصلي، فإذا مد بها الدم ومضت عشرة أيام أمسكت عن الصلاة بعد قرئها، والتي تصلي يجامعها زوجها، وكان محمد بن محبوب يشدد في الوطء في الأربعين ولا يقرب. والتي ولدت قبل رمضان بخمسة أيام فلما أهل رمضان انقطع الدم ورأت الطهر فاغتسلت وصلت وصامت رمضان كله طاهرة ثم راجعها الدم في بقية العدة، فقد قال بعض الفقهاء: إن صيامها يجزئها، والتي أسقطت سقطا بينا ثم أسقطت آخر بعد ثلاثة أيام ففيه اختلاف، والأخذ بالثقة في ذلك أحب إلينا في انقضاء العدة والصلاة والرجعة.
مسألة: (10/325)
صفحة 1187
والتي خرج منها لحم لم يستبن منه خلق فإنها تقعد كما كانت تقعد في نفاسها من قبل، إلا أن ذلك لا تنقضي به عدتها ولا تحل للأزواج إن كانت مطلقة، قال ابن محبوب ـ رحمه الله ـ: وقالوا: حتى تسقط سقطا بين الخلق، ويوجد في بعض آثار المسلمين، حتى يعلم أنه ذكر أو أنثى، وإذا أسقطت ففيه اختلاف، بعض قال: هي نفساء، وقال بعض: تقعد للحيض إلا أن يتبين خلقه أو جارحة من خلقه، فإن تبين جارحة من خلقه فهي نفساء. وقال بعض: ترية النساء، وذلك إن كان دماً كثيرا بعد أن احتبس ولم تر سقطا ولا شيئا فقالوا: ترية النساءن فإن قلن إنه دم حيض قعدت للحيض وإن قلن دم نفاس قعدت للنفاس. قال أبو معاوية: فأخذها الأوسط من ذلك إذا كان مضغة أو علقة أنها تقعد بمنزلة النفساء ولا تنقضي به عدة، وإذا كان قد تبين من خلقه جارحة رجل أو غير أو يد أو رأس أو جارحة تامة فإنها تعتد به وتنقضي به العدة، وأما ما لم تبين فإنما هو مضغة أو علقة فهي فيه نفساء، وإن كان دم بلا شيء من هذا وإنما هو دم كثير فهي حائض تقعد أيام حيضها، فإن مد بها الدم انتظرت يوماً أو يومين، ثم اغتسلت لكل صلاتين وصلت وصامت وطافت بالبيت وهي مستحاضة.
مسألة: (10/326)
صفحة 1188
قال أبو محمد: اختلف أصحابنا في المرأة تلقي المضغة والعلقة، فقال بعضهم: إنها تكون بذلك نفساء وتقعد أيام حيضها، وقال بعضهم: تنقضي العدة من الطلاق ويأمرونها بالصلاة ولا يطأ الزوج في تلك الحال، وعند صاحب هذا القول أنه قد احتاط لها ولزوجها، فإن كانت مطلقة فقد احتاط له في ترك الإقامة مع الريبة خوفا أن تكون عدتها قد انقضت به ولم يحتط لهما من وجه آخر إباحة للأزواج على غير يقين من انقضاء عدتها من مطلقها، وأباح له تزويج أختها أو خامسة غيرها، وقال بعضهم: لا تكون نفساء حتى تطهر من المضغة علامة من علامات الإنسان نحو الجارحة. وقال بعضهم: يحكم النساء بمعرفة ذلك فإن قلن إنه ولد قبل قولهن وحكم بقولهن، وقال آخرون: حتى يعرف بأوصاف الإنسان وأنه ذكر أو أنثى، والنظر يوجب عندي أن النطفة والعلقة لا تكون المرأة بهما نفسها ولا يصح لها النفاس إلا بما يصح لها تلقبه اسم ولد؛ لأن النفاس لا يكون إلا بعد ولادة المضغة، قطعة من لحم سميت بذلك لأنها بقدر ما تمضغ، وقال: وإذا وضعت لحمة فظن النساء أنه ولد ففيه اختلاف، منهم من أجاز قولهن وأوجب عليها النفاس ما دامت ترى الدم، ومنهم من يقول لا حتى تتبين منه جارحة وإلا فهو دم حيض، وبعد انقضاء أيام الحيض تكون مستحاضة، وإذا ألقت المرأة عظاما متصلة يعرف أن ذلك ولد فحكمه حكم النفاس.
مسألة: (10/327)
صفحة 1189
وحكم دم النفاس كحكم دم الحيض لاتفاق الناس على ذلك، ولا أعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، والنفاس ظهور الدم بعد الولادة فإذا زال الدم اغتسلت وزال حكم النفاس ولزمها حكم الطهارة، فإذا مد بها الدم حتى يجاوز الأربعين يوماً كانت في حكم المستحاضة، واختلف أصحابنا في وقت النفساء، فقال بعضهم: تقعد سبعين يوماً وليس على هذا عمل منهم ولا عليه عادة من النساء، وقال آخرون: تقعد ستين يوماً، وقال الجمهور منهم: تقعد أربعين يوماً وهو قول علي بن أبي طالب، ويوجد لبعض متأخري أصحابنا تقعد عشرين يوماً والذي نختاره القول بالأربعين يوماً لما روي عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «كُنَّا نَقعدُ عَلَى عَهدِ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أربعينَ يَوْمًا، وكُنَّا نَطلِي وُجوهَنَا بالورسِ منَ الكَلَفِ» (1) ، وروي من طريق آخر أَنَّهَا قالت: «كُنَّا نقعدُ مِن نفاسِنَا أربعينَ يَوْمًا إِلاَّ أنْ نَرَى الطُّهرَ قبلَ ذَلِكَ فَنغسلُ ونُصلِّي» (2) .
__________
(1) رواه أبو داود، عن أم سلمة بمعناه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، ر311، 1/83. والترمذي، مثله، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النفساء، ر139، 1/256.
(2) رواه ابن ماجة، عن أنس بمعناه، كتاب الطهارة وسننها، باب النفساء كم تجلس، ر649، ص92. وابن حبان فِي المجروحين، عن عائشة بمعناه، ترجمة حسين بن علوان، ر225، 1/244. (10/328)
صفحة 1190
وقد جاء في الحديث: «لا نفاس أكثر من أربعين يوماً» (1) ، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: لا يحل للنفساء إذا انقطع عنها الدم إلا أن تصلي، ووافق أبو حنيفة أصحابنا في المدة للنفساء وهي الأربعون يوماً إلا أنه لم يوقف فخالفهم بعد موافقته لهم في هذا التحديد، فقال: إن النفساء إذا انقطع الدم وطهرت ولو لم يظهر الدم بعد ولادتها أنها لا تصلي حتى تمضي الأربعون التي يحد لها، وقد غلط في هذا غلطا بينا لأن الواجب أن ترد الأشياء إلى أصولها، والنفساء قبل ولادتها عليها فرض الصلاة فإذا وضعت وظهر دمها أوجب ظهور الدم ترك الصلاة فلما زال الدم وبان النقاء عادت إلى حكمها الأول ووجب الفرض عليها، وبالله التوفيق.
مسألة:
__________
(1) حديث */ (10/329)
صفحة 1191
اختلف أصحابنا في وقت النفاس، فقال بعضهم: أكثره تسعون يوماً، ومنهم أبو مالك وهذا شاذ من قولهم ولم أعلمه من قول مخالفيهم، وقال بعضهم: أكثره ستون يوماً، ومنهم محبوب، وليس على هذا عمله ووافق هذا القول من مخالفينا مالك والشافعي وينسب إلى عطاء والشعبي أنهما كانا يقولان تتربص المرأة في نفاسها شهرين، ثم تغتسل وتصلي، وقال بعض أصحابنا وهو الجمهور منهم: أكثره أربعون يوماً، وهذا القول أشيق إلى نفسي، وهذا قول علي بن أبي طالب وهو قول أبي معاوية, وقال: لا تنتظر المرأة بعد الأربعين يوماً، وهي عندنا مستحاضة تفعل ما تفعله المستحاضة، ووافق على هذا القول أبو حنيفة، إلا أنه خالف من وجه آخر جعل أقل النفاس خمسة وعشرين يوماً، وغلط صاحبه أبو يوسف فجعل أقل النفاس واحداً وعشرين يوماً لأن أكثر الحيض معه عشرة أيام، فلذلك فرق بين الحيض والنفاس، وعلى أصلهما وما يعرف من قولهما أن المرأة إذا رأت الطهر من الحيض والنفاس لم يكن عليها صلاة ولا صيام ولا يأمرونها بالاغتسال الذي جعلوه لها، وهذا قول تغني حكايته عن الاحتجاج على قائله، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قد لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي فهذا يدل من علي أنه لم يوقت للنفاس وقتا ولم يجعل له حداً، والله أعلم.
مسألة: (10/330)
صفحة 1192
النفاس ساعة، ولو أن المرأة ولدت فانقطع عنها الدم في وقتها وجب عليها أن تغتسل وتصلي، فإنما قالوا أربعين، وأكثر من ذلك ما كانت ترى الدم، وأما إذا انقطع عنها فليس لها ترك الصلاة وأي وقت رأت النفساء الطهر اغتسلت وصلت وصامت، وإذا ولدت المرأة أول ولد فرأت الطهر البين في أقل من أربعين يوماً فإنه يكون عادة لها وتطهر فيه إذا اتفق لها عادة على أقل من الأربعين، فمتى رأت الطهر فاغتسلت وصلت وصامت، وإذا ولدت المرأة أول ولد فرأت الطهر البين في أقل من أربعين فإنه يكون عادة لها وتطهر فيه إذا اتفق لها عادة على أقل من الأربعين، فمتى رأت الطهر اغتسلت وصلت ولم تنظر، وكان وقتا لها وتكون طاهراً في بقية الأربعين، فإن اختلف عليها فزاد على الأربعين ثم اتفق لها من بعد الأربعين ثلاثة مواليد على حالة واحدة في أكثر من الأربعين فإنها لا ترد إلى هذه العادة فيما زاد على الأربعين وتكون عنده في الزيادة عن الأربعين مستحاضة، وإنما تردها إلى عادتها إذا انقضت فيما نقص عن الأربعين ولا تردها إلى العادة في الزيادة عن الأربعين، إذا طهرت المرأة من نفاسها في رمضان فصامت بعض الشهر ثم أتى يوم الفطر فأفطرت ثم عاودها الدم في الأربعين، فإن كانت لها عادة أبدلت ما صامت في عدتها وإن كانت لم تعتد عادة ففي بدل ما صامت في رمضان اختلاف. (10/331)
صفحة 1193
وإن تم لها رمضان وهي طاهر ثم أعقبها في الأربعين بعد تمام الشهر ففي بدله خلاف إلا أن يكون لها عادة أقل من الأربعين تشبيها في الأربعين بعد تمام عادتها فلا بدل عليها، وإنما تكون عادة إذا طهرت من ميلادها على شيء معلوم ثلاث مرات، وإذا الطهر في أيام نفاسها فلم تغتسل ولم تصل جهلا منها فلا كفارة عليها ولكن عليها بدل الصلوات، ويجوز للمرأة إذا خرجت من نفاسها أن تنظر بقية يومها وهو مكروه لها، وإذا طهرت النفساء على عشرة أيام أو أكثر وقبل الأربعين الواجب ألا يطأها زوجها حتى تتم الأربعين فإن وطأها في حال وراجعها الدم لم تحرم عليه، وإذا رأت الطهر على عدة الأربعين يوماً غسلت وصلت وصامت ثم راجعها الدم فإنه يكون دم استحاضة إلا أن يكون بينهما طهر فإنه يوجد لهم أنه دم حيض، وإذا تنفست المرأة في رمضان ثم طهرت في خمس بقين منه فغسلت وصامت فلما أتى يوم الفطر أفطرت ثم صامت يوم ثانيه إلى أن تمت فإنه يثبت لها ما صامت.
مسألة:
وإذا كان عدة النفساء أربعين يوماً فأتاها الدم بعد طهر بيوم أو يومين أو ثلاثة أولاد على ذلك فإنه هذا لا يكون عادة بعد الأربعين إلا على قول من قال إن أكثر النفاس ستون يوماً وفي الرابع تكون إثابة وعادة.
مسألة: (10/332)
صفحة 1194
وإذا جاء المرأة الطلق وخرج الدم تركت الصلاة فإن ضربها الطلق ولم يخرج لها دم فلتصل فإن ضربها الطلق وخرج لها ماء ولم يخرج لها دم توضأت وصلت، وقيل: لا تترك الصلاة إذا ضربها الطلق ورأت الدم حتى ترى الولد فإذا ضربها الطلق وخرج شيء قبل الولد تسميه النساء الهادي وخرج له ماء ولم يخرج الدم فإنها تصلي ما لم تر الولد أو الدم مع الطلق، فإن ولدت ولم تر الدم وترى الماء يخرج فلتغتسل وتصل إلا أن ترى دماً يخرج أو صفرة فإنها تقعد فيه وهو نفاس، فإذا ولدت ولم تر دماً إلا بعد ثلاثة أيام فإذا رأته وجاءها في وقتها أو في الأربعين إن لم يكن لها وقت تركت الصلاة وهي نفساء إلا أن يأتيها الدم بعد خمسة عشر يوماً كانت فيها طاهرة فإنه دم حيض وليس لها نفاس، والله أعلم، وإذا لم يكن لها وقت تعرفه، الطلق طلق المخاض عند الولادة، يقول: طلقت فهي مطلوقة وضربها الطلق، ويقال: ليلة طلق وهي التي لا برد فيها وليلة شاكرة لا ريح فيها، قال أوس بن حجر: تزاد الليالي في طولها *** فليست بطلق ولا شاكره
مسألة: (10/333)
صفحة 1195
وإذا كان في بطن المرأة ولدان فوضعت أحدهما وبقي الآخر ورأت دماً أو لم تر الدم فالنظر يوجب عندي أن لا تدع الصلاة لأجله لأنها ليست بحائض ولا نفساء إذ النفاس اسم لوضع الحمل، ومن وضع بعض حمله لا يقال وضع حمله، ولو جاز أن تسمى غير واضحة لحملها لجاز أن تسمى غير واضعة لحملها إذا وضعت بعضه فإنما صح أنها غير نفساء حتى تضعه كله أنها غير حائض ولا تغتسل، فلذلك قلنا أنها لا تدع صيامها ولا صلاتها حتى تضع جميع ما في بطنها، وكان ذلك الدم الذي رأته قبل وضع ما في بطنها دم استحاضة، فإن وضعت الثاني ولم يظهر منها على أثر خروجه كانت الصلاة عليها واجبة بعد الاغتسال. واختلف أصحابنا فيها إذا رأت الدم في حال المخاض واستدخال الميلاد فقال بعضهم: تدع الصلاة والصيام في تلك الحال، وقال بعضهم: لا تترك الصلاة لأجل الماء إذا دفق ولكن تدع الصلاة عند دفق الدم، وقال بعضهم: تصلي وتفعل ما تفعله المستحاضة حتى تبرك للميلاد ثم تدع الصلاة، وقال آخرون: لا تترك حتى يظهر من الولد شيء، والذي قلناه أقوى في باب الحجة وأشبه بما يلزم من طريق العبادة، والله أعلم. (10/334)
صفحة 1196
وقال علي بن أبي طالب: لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر أن لا تصلي، يدل على أن ليس لأقل النفاس حد لا يجوز أقل منه، إذ أمرها إذا رأت الطهر أن تصلي وإذا وضعت الحامل ولد وبقي في بطنها ولد فإن عليها الصلاة فيما بين الولدين حتى تضع الباقي وتنقضي عدتها بوضع الثاني بإجماع، وإذا رأت النفساء البياض في يومها فإنها تصلي، قال أبو حنيفة: إذا كانت المرأة حاملاً فوضعت ولداً وبقي في بطنها ولد ثان أنها تترك الصلاة لأنها عنده حينئذ نفساء بعد وضعها الأول، وقال: إن مكثت بعد وضعها للولد الأول عشرين يوما ثم وضعت الآخر فالنفاس للولد الأول، قال: وكذلك إن كان الوقت بين الولدين أربعين يوماً فالنفاس من الولد للأول، ثم زعم أن عدتها تنقضي بوضعها الولد الآخر فأوجب أن تكون نفساء حاملاً في حال واحدة، وخالفه زفر وابن الحسن وداود وجعلوا النفاس من الولد الآخر وبه تنقضي العدة.
مسألة:
وإذا انقطع عن المرأة الدم ثلاثة حيض ثم طرحت قطعة لحم، فتركت الصلاة والصيام في شهر رمضان فإن عليها بدل ما مضى من صومها وبدل الصلاة وتسقط الكفارة بالشبهة إذا قال النساء إنه ولد، والله أعلم. والمرأة إذا كان نفاسها أربعين يوماً فطهرت على عشرين يوماً أو خمسة عشر يوما واغتسلت وصلت وصامت ووطأها زوجها فلا يجوز له ذلك، فإن كان قد فعل لم تحرم عليه.
مسألة: (10/335)
صفحة 1197
وعدة النفاس أربعون يوماً، وافق بعض أصحابنا في ذلك أبو حنيفة، وخالفهم الشافعي فقال: ستون يوماً وبهذا يقول بعض أصحابنا، والدليل على صحة قول من قال بالأربعين ما روي عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وقت النفاس أربعين يوماً ولم يرد به توقيت الأقل، فيثبت أنه أراد به توقيت الأكثر، وعن أنس بن مالك أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : «تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (1) ، وفي خبر أبي هريرة وأبي الدرداء تنتظر النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإن جاوز فهي مستحاضة، وفي خبر عثمان بن أبي العاص: تقعد النفساء ما بينها وبين أربعين صباحاً فإن جاوز فهي مستحاضة، وعن ابن جبير عن ابن عباس: تقعد النفساء إلى سبعة أيام، فإن لم تطهر فإلى أربعة عشر، فإن لم تطهر فإلى أربعة وعشرين، فإن لم تطهر فإلى أربعين، فإن جاوز ذلك فهي مستحاضة.
فصل:
قال اللغويون: سميت النفساء نفساء لما يسيل منها الدم، يقال: نفست المرأة إذا حاضت وعركت ودرست، ويقال: امرأة نفساء ونفساء ونفساء ويقال في الجمع نفساوات ونفاس ونفُس ونَفاس.
فصل:
ذكر أبو زيد أن امرأة من العرب ولدت وليس معها أحد يعينها على شيء فقالت: يا نفس تخرسي إذ لا مخرس لك، الخرس شيء يعمل للنفساء تأكله ليثقل رأس فؤادها، وهذا مثل يضرب للذي ليس معه من يعينه، يقول: اعمل لنفسك فجعل الطعام الذي يعمله الرجل إذا ولد المولود فدعا عليه قوما الخرس، وتقول: طرقت المرأة وكل حامل يطرق تطريقا وهي مطرق، وذلك إذا أخرج من الولد نصفه ثم احتبس بعض الاحتباس، ويقال: طرقت بما تحصلت، والسقط الولد لغير تمام، قال مفزع الحميري:
تشبهت رأس ابن الخبيثة إذ طحا *** كسقط تردى بين أيدي القوابل
والذكر والأنثى فيه سواء، والسقط الثلج، قال:
وواد كجوف العير كلفت صحبتي *** ترى السقط في علامه كالكراسف
والسقط ما سقط من النار، قال ذو الرمة:
__________
(1) حديث */ (10/336)
صفحة 1198
وسقط كعين الديك نازعت صحبتي *** أتاها وهيأنا لمنزلها وكرا
وأجاز الأصمعي في النار الثلاث اللغات، وأجاز أبو عبيدة في الولد الثلاث اللغات، ويقال: سقط الولد من بطن أمه، ولا يقال: وقع حين يولد.
فصل:
عن عابد بن عمرو أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ممن بايع تحت الشجرة قال: نفست امرأة فرأت الطهر عشرين يوماً، فاغتسلت ثم جاءت لتدخل معه في لحافه فقال: من هذه؟ فقالت: فلانة، قال: أوليس نفست، قالت: بلى إني رأيت الطهر عشرين يوماً، قال: فضربها برجله فأخرجها عن فراشه، وقال: لا تقربيني من ديني حتى تمضي أربعون يوماً.
فصل:
يقال: قد عضلت المرأة ولدها إذا عسر عليها ولادها، وكذلك أعضلت وأعسرت فهي معضل معسر، والجميع معاضيل، وإذا خرج رجل المولود قبل رأسه فهو التين وهو الولاد المنكوس فالولد موتن والفعل أيتنت المرأة وهي موتن إيتانا.
مسألة:
والنفساء إذا كان وقتها ثمانية وعشرين يوما ثم استمر بها الدم بعد ذلك فإنها تنتظر يومين أو ثلاثة أيام، ثم تغتسل وتصلي، فإن راجعها الدم فعلت ما تفعل المستحاضة، فإن راجعها بعد الثمانية والعشرين يوماً صفرة أو كدرة فلا تنتظر شيئاً وتغتسل وتصلي فإن دامت بها الصفرة والكدرة لم يكن عليها من غسل.
مسألة: (10/337)
صفحة 1199
وإذا ولدت المرأة أول ولد فطهرت على شهر فإنه يكره لزوجها أن يطأها فإن وطأها فبئس ما صنع، فإن وطأها فراجعها الدم في الأربعين فليس هو كمن وطأ في النفاس، فإن ولدت بأول ولد وطهرت على عشرين يوماً أو على شهر ثم ولدت ولداً ثانيا فتم بها الدم إلى الأربعين فالعشرون وقتها، فإذا ولدت الثاني فتم بها الدم أكثر من عشرين انتظرت يومين أو ثلاثة، فإن لم ينقطع كانت مستحاضة إلا أن يتفق له ثلاثة مواليد على خلاف الأول، كمثل امرأة تطهر في أول ولد على عشرين يوماً، فإذا ولدت الثاني طهرت على شهر فإنها تكون في العشر التي بعد العشرين مستحاضة، وتغتسل وتصلي فإذا ولدت ثالثا وطهرت على شهر فعلت أيضا كما فعلت في الولد الثاني فتقعد عشرين يوماً، ثم تكون في الباقي مستحاضة، فإذا ولدت رابعا وطهرت على شهر اتخذت الشهر وقتا لها وتركت الصلاة إلى تمام الشهر، إذا كان بها دم أو صفرة أو كدرة لأنها قد تم لها ثلاثة مواليد على شهر فصار وقتا وانتسخ الأول. وإن اختلف عليها فلم يستقم قرؤها على شيء فالأول وقتها، فإن طهرت في الأول على عشرين وفي الباقي على خمسة عشر اغتسلت حين ترى الطهر وتصلي الصلوات بلا غسل إلا الغسل الأول، فإن راجعها فيما بينها وبين العشرين فهو نفاس، وإن لم يراجعها حتى تمضي العشرون فهي فيه مستحاضة إذا راجعها بعد العشرين، وقيل: إن تم لها خمسة عشر يوماً مذ هي طاهر بعد انقضاء العشرين يوماً وقتها بالأول، فإن راجعها بعد خمسة عشر يوماً بعد العشرين فإنها تترك فيه الصلاة وهو دم حيض ليس نفاسا، والله أعلم.
مسألة: (10/338)
صفحة 1200
اختلف هارون بن اليمان وعبد الرحمن بن أبي سلمة المدني في امرأة يكون نفاسها أربعين يوماً فترى الطهر بعد عشرة أيام فتبقى طاهرا وتصوم حتى تبقى أياما من نفاسها، ثم يراجعها الدم، وكذلك الحائض يكون وقتها ثمانية أيام فتحيض ثلاثة أيام وتصوم أربعة أيام، ثم يراجعها الدم يوم خامس، فقال عبد الرحمن: إذا رأت الطهر البين جاز ما صامت في طهرها ذلك، ولو عاودها الدم في أيام قرئها، وإن لم تطهر بينا فلا تعتد بصومها. وقال هارون: إذا راجعها الدم في قرئها لم يجز صومها على حال، وإن لم يرجع إليها في قرئها جاز ما صامت، وقال: إنه إذا كان للنفساء وقت فطهرت قبل وقتها وصامت ثم راجعها الدم قبل انقضاء الوقت أن صومها يبطل، وقال أبو الحواري وكذلك سليمان بن عثمان: وإذا ولدت المرأة في شعبان وطهرت في عشر منه ثم اغتسلت ثم استقبلت شهر رمضان فصامت وصلت عشرين يوماً من رمضان أو خمسة وعشرين يوماً، ثم رأت الدم، وقد كان زوجها وطأها فعن أبي مالك أنه لا بأس عليه في وطئها وصومها تام، قال: وكل نفاسها عشرة أيام، ثم رأت دماً عبيطاً فإن الربيع كان يقول: إذا صلت عشرا ثم جاءها دم فهو حيض، وإذا ولدت المرأة وطهرت من نفاسها لسبعة أيام ووطأها زوجها وكانت بكرا ولم تكن تعرف وقت أمهاتها ثم رجع إليها الدم بعد ذلك قبل تمام الأربعين ولم يرجع فلا فساد في ذلك إن شاء الله. والنفساء إذا رأت الدم مرة أربعين ثم عادت إلى عشرين فلا يطؤها زوجها حتى تقف على ثلاث مرات ثم يكون ذلك وقتا لها، وقيل في امرأة انقطع عنها الدم في نفاسها ورأت الطهر ثلاثة أيام ولم تر شيئا من الدم أنها تغتسل من حيث ما رأت وتصلي إذا كانت على هذه الصفة، ويقل: لا يطؤها زوجها ثلاثة أيام ثم لا بأس بمجامعتها، وكل طهر كان في أيام الحيض والنفاس فهو محسوب من تلك الأيام التي رأت فيهن الدم من قبل ومن بعد.
باب صلاة الحائض وصيامها: (10/339)
صفحة 1201
ولم يأمر الله الحائض في كتابه بترك الصلاة والصوم في حيضها ولكنه من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو المشهور عن سنته أنها تدع الصلاة والصيام في حيضها فإذا طهرت أعادت ما أفطرت من رمضان ولم تعد الصلاة وليس لإبدالها الصوم وقت معروف ولكن تؤمر بتعجيل ذلك.
مسألة:
وإذا حاضت المرأة في الليل في وقت حيضها ثم طهرت في الفجر فاغتسلت فأصبحت صائمة حتى تقضي أيام حيضها فصومها تام ما لم تحض في النهار، فإن حاضت في النهار فسد ما صامت قبل أيام حيضها، وإن بدلت المرأة أيامها من رمضان ثم حاضت قبل أن تكمل ثم طهرت فأكملت يوماً أو يومين فقد جاز صومها ولا ينقطع إذا طهرت فلتصم من حينها فإن أفطرت يوماً أو يومين خفت أن يبطل صومها، والتي كان حيضها أياما معلومة قبل انقضائهن فلم تصم حتى تمت الأيام التي كن لها قروءا ولم تكن بعد ذلك دما فإنها تبدل صلاتها وليس عليها كفارة، والحائض ليس عليها إعادة الصلاة. وإذا صلت المرأة العتمة ثم أرادت أن توتر فنعست وهي قاعدة حتى جاءها الدم فإنها إذا طهرت تعيد الوتر إن شاء ليلا أو نهاراً، والتي رأت الطهر في عدتها يومين ثم رأت الدم فلم ينقطع حتى تم أيام عدتها فإنها تعتد اليومين اللذين رأت الطهر إذا جاءها الدم وهي بعد في قروئها، وأيما امرأة رأت الطهر وقت العصر فليس عليها وقت الظهر، وإن رأت الطهر وقت المغرب فليس عليها العصر، وإن رأت وقت العشاء فليس عليها المغرب، وكان الربيع يقول: إذا أجنها الليل فلم تر طهرا فلا صلاة عليها حتى تصبح ولا وتر، فإن رأت الطهر في السحر فليس عليها العشاء وعليها الوتر، والوتر سنة واجبة، وإن رأت الطهر بعد العصر والشمس بيضاء فلتصل العصر، وقال الربيع: إذا قامت تغتسل فلم تفرغ حتى فاتتها تلك الصلاة فليس عليها، وإن هي ضيعت فعليها قضاء تلك الصلاة. (10/340)
صفحة 1202
والتي طهرت وقت الصلاة في أيام قروئها فلما تهيأت لتغتسل رأت الدم فليس عليها قضاء تلك الصلاة، والتي رأت الطهر فصلت وصامت فجامعها زوجها ثم رأت الدم وهي بعد في العدة فلا أرى عليها بأسا، ولو كف عنها زوجها أيام العدة كان أفضل، وأما صيامها فقد فسد إذ عاودها الدم في أيام عدتها ولم تكن فرغت من صيامها، والتي تمت عدتها في أول الليل فأرادت أن تغتسل فرأت دما فنامت فأصبحت طاهرا فعليها قضاء صلاتها العشاء، وإن كانت نظرت بعد ثلث الليل فرأت الدم فأصبحت وهي طاهر فلتصل الوتر عسى أن تكون طهرت في الليل ووقت الوتر إلى أن ترى الصبح. وإن أدركت نصف الليل طاهرا فلتصل العتمة وإلا فلا، وعليها الوتر فإن طهرت بعد العصر فلتصل العصر ما لم يسقط شيء من قرونها، وصلاة الغداة مثل ذلك إذا لم يطلع شيء من قرونها، وإن طهرت والشمس بادية في الجبل فلتصل العصر، وإن طهرت سحراً فلا تصل العتمة ولكن توتر وإن طهرت عند الأولى فتربصت فلم تفرغ إلى العصر فإنها تصلي الأولى والعصر ولا أحب أن تربص المرأة حين ترى الطهر حتى يفوتها الصلاة، ومتى رأت الطهر فلتمكث في طهرها. ومن طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم غاب فحاضت ثلاث حيض فلما طهرت من الثالثة أولى النهار انتظرت زوجها أن يقدم ليردها فلم تغتسل من حيضها وقد طهرت حتى حضرت صلاة الظهر، فلم تغتسل انتظارا لزوجها فقدم زوجها وحضرت صلاة العصر فليس لزوجها أن يردها، وعليها أن تغتسل وتصلي صلاة العصر وتبدل الظهر وعليها الكفارة، والتي ترى الدم يوماً تغتسل وتصلي وتصوم، فإن تم لها الطهر اعتدت بصيامها ولتبدل يوماً مكان ذلك اليوم لأن دفعة ليس بحيض، وإن رجع إليها الدم فإنها لا تعتد بذلك الصيام.
مسألة: (10/341)
صفحة 1203
اختلف علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين في الحائض ترى الدم وقد دخل وقت الصلاة، فقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل الوقت فعليها إعادتها إذا طهرت، وقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل من الوقت بقدر ما لو تطهرت وصلت قضت صلاتها فأخرتها حتى حاضت أن عليها قضاؤه إذا طهرت، وإن كان دون ذلك فلا قضاء عليها، وأما بعض مخالفينا فإنه يرى أنه لا قضاء عليها إذا حاضت في وقت الصلاة، لأنها كان لها أن تؤخر الصلاة بالتوسعة لها في ذلك، فلما حاضت في وقت كان لها أن تؤخر الصلاة فيه مذ منعت من الصلاة بالحيض الحادث عليها لم تكن مضيعة لصلاتها ولا إعادة عليها إلا أن تكون أخرتها إلى آخر وقت الصلاة أو في حال لو أرادت أن تصلي لم يكن لها في الوقت ما تقضي الصلاة فيه، وقول أصحابنا أقوى في باب الحجة، والله أعلم. لأنها خوطبت بالصلاة وأمرت بفعلها فالأمر بالفعل لا يسقط بالتأخير. واختلفوا أيضا إذا طهرت وقد بقي من الوقت اليسير الذي لا يمكنها فيه التطهير والصلاة، فرأى عليها بعض الفقهاء تلك الصلاة لأنها طهرت وهي في الوقت، وأسقط عنها الصلاة آخرون، وإذا رأت المرأة الطهر في وقت الصلاة فأخذت في أمر الغسل لم تتوان فخرجت من الماء وقد فات وقت الصلاة فلا يلزمها بدل تلك الصلاة، ولكن يستحب لها أن تبدلها، وإذا رأت الطهر في وقت الصلاة وكانت موسوسة فأكثرت الغسل وفات الوقت فعليها بدل الصلاة.
مسألة: (10/342)
صفحة 1204
وإذا أحست المرأة بمجيء الدم في يوم كان من عادتها فأفطرت فعليها القضاء والكفارة، وإذا طهرت الحائض من حيضها اغتسلت فإن كان في شهر رمضان أمسكت عن الأكل إلى الليل، فإن أكلت لم تكن عليها الكفارة، وإن هي أحست بمجيء الدم وكان من عادتها أن يأتيها في ذلك اليوم فغلطت فأكلت ولم تكن رأت دماً ثم رأت بعد الأكل فعليها القضاء والكفارة، والتي كانت عدتها من الحيض سبعة أيام، أو في النفاس أربعين يوماً، ثم مد بها الدم فإنها تنتظر يومين أو ثلاثا، فإن مد بها كان عليها بدل الصلاة، فيما انتظرت، وكذلك الصيام، وإن انقطع عنها الدم لم يكن عليها بدل لأنه إذا مد بها الدم كان ذلك تحولا من العدة، وإن انقطع عنها كان ذلك من الحيض، والتي غاب عنها دم الحيض مدة طويلة ثم جاءها دم ظنته حيضاً فتركت الصلاة والصيام أياماً ثم أسقطت في عقب ذلك، فإن عليها الإعادة، وبدل الفرائض وما أرى عليها كفارة إلا أن تتعمد ترك الفرائض.
مسألة: (10/343)
صفحة 1205
وإذا طهرت الحائض في السفر ولا ماء عندها إلا لطعامها وشرابها ولم تجد ماء فالصعيد لها كافٍ إن شاء الله، فإن علمت عند أصحابها ماء فاضلاً ولم تطلبه لم يجز لها التيمم حتى لا تجد الماء، فإن لم تطلب الماء وصلت فلا يلزمها غير بدل الصلاة، وليس لها أن تقاتل على الماء إلا عند الظمأ لإحياء النفس عن الموت، وإن طهرت بماء نجس ثم وطأها زوجها لم تحرم عليه، واختلفوا فيه إن وطأها وقد طهرت من الحيض قبل أن تغتسل. وإذا حاضت الجارية فاستحيت من أهلها فكتمته وصلت وصامت فعليها التوبة والصلاة بعد الطهارة والتطهر والكفارة، ولا تعذر بذلك ولا يسعها ركوبه وبدل الصوم. واختلفوا في الكفارة عن الصلوات، فمنهم من قال: كفارة واحدة وعليها في الصوم بدل ما مضى من صيامها على ذلك الحال، ولا أعلم عليها في الصيام كفارة، والله أعلم، وإذا طهرت المرأة في وقت تخاف على نفسها فيه من مس الماء لبرد أو غيث أو غير ذلك فيجزئها التيمم إذا كانت في حال تخاف على نفسها الهلاك من ذلك الماء في تلك الحال، والبرد والغيث والخوف تختلف معانيه، فإن طهرت وقت الصلاة فمضت إلى الماء لتطهر فوجدته مشغولا فمضت إلى آخر فوجدته كذلك منه ما تجد معه نساء ومنه ما تجد معه رجالاً فاستحيت أن تغتسل قدامهم إلى فاتتها الصلاة، وكذلك إن كانت جبناً فلا كفارة عليها على قول بعض الفقهاء وفيه قول آخر فانظر في ذلك لأن بعض الفقهاء يقول تتصعد إذا جاء وقت الفوت.
مسألة: (10/344)
صفحة 1206
وكل امرأة طهرت في وقت الصلاة فعليها أن تصلي تلك الصلاة، وإن طهرت في نصف الليل الأخير فتصلي الوتر، وإن حاضت في وقت صلاة قبل أن تصلي فعليها قضاؤها، وإن حاضت قبل دخول الوقت فلا قضاء عليها، فإذا قضى الصلوات في الحيض فلا يلزمها لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك يسر من الله تعالى، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تَلْبَثُ إِحدَاكُنَّ أَيَّامًا لاَ تصَلِّي ولاَ تَصُوم مِن نُقصَانِ عُقُولِكنَّ» (1) ، ولم يقل ببدل الصلاة، والاتفاق على ذلك فأما الصوم فعدة من أيام أخر كما قال الله تعالى.
مسألة:
__________
(1) رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري بمعناه، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ر304، 1/90. ومسلم مثله، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات...، ر79، 1/86. وأحمد فِي مسند أبي هريرة بلفظ قريب، ر9097. (10/345)
صفحة 1207
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة: أنه - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة الصبح يوماً فأتى النساء في المسجد فوقف عليهن فقال: «يا معاشر النساء، ما رأيت نواقص عقول قط ولا دين أذهب بعقول ذوي الألباب منكن، وأني قد رأيت أنكن أكثر أهل النار يوم القيامة فتقربن إلى الله تعالى بما استطعتن» (1) ، فكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود فأخبرته بما سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذت حليا لها فقال ابن مسعود: أين تذهبين بهذا الحلي؟ فقالت: أتقرب إلى الله جل ذكره ورسوله لعل الله لا يجعلني من أهل النار، فقال: هلم فتصدقي به على ولدي فإنه له موضع، فقالت: لا والله حتى أذهب به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذهبت تستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: يا رسول الله هذه زينب تستأذن، فقال: أي الزيانب؟ فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: «ائذنوا لها» فدخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالة فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته فأخذت حليا لي أتقرب به إلى الله جل ثناؤه وإليك رجاء ألا يجعلني الله من أهل النار، فقال ابن مسعود: فتصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «تصدقي به عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع»، قالت: يا رسول الله أرأيت ما سمعت منك حين وقفت علينا ما رأيت من نواقص عقول ولا دين أذهب بعقول ذوي الألباب منكن، يا رسول الله: فما نقصان ديننا وعقولنا، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أما ما ذكرت من نقصان دينكن فالحيضة التي تصيبكن تمكث إحداكن ما شاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم، فذلك من نقصان دينكن، وأما نقصان عقولكن، فشاهدة المرأة منكن نصف شهادة الرجل» (2) .
مسألة:
__________
(1) حديث */
(2) حديث */ (10/346)
صفحة 1208
وإذا طهرت المرأة واغتسلت من الليل ثم إنها رأت دما قليلا في وقت السحر فإن كان الدم قاطرا أو سائلا فعليها الغسل، وإذا لم تغتسل لم تتم صلاتها، وأما الصوم فيتم لأنها مستحاضة، وليس للمرأة أن تنظر في الطهر في الليل إلا أنه إن صح طهرت في الليل في النصف الأخير منه لزمها بدل الوتر، وإذا طهرت الحائض في وقت صلاة العتمة وعلمت بالطهارة وقد انقضت أيام حيضها فتركت الغسل والصلاة فعليها بدلها، ولا كفارة ولا عذر لها في ترك الصلاة من بعد علمها بالطهر وانقضاء الأيام، وإن كانت رأت الطهر في أيام الحيض فلا شيء عليها على ما روي عن أبي علي أن المرأة إذا طهرت ولم تنقض أيامها تنتظر يوماً أو ليلة فعلى هذا لا شيء عليها، وعلى القول الآخر أنه لا يسعها أن تؤخر الصلاة بعد علمها، وانظر في ذلك. (10/347)
صفحة 1209
وإذا حاضت المرأة في شهر رمضان ثم طهرت في اليومين اللذين تؤمر بالانتظار فيهما فأرى أن تصبح مفطرة وإذا كانت للمرأة عدة حيض ستة أيام فدام بها إلى أحد عشر يوماً أو اثني عشر يوماً، وذلك في رمضان أو إلى تمام عشرة أيام وقد صامت شيئاً فإن عليها أن تصوم ما كان بعد الستة الأيام التي كانت وقت حيضها فيما مضى، فإن انقطع بعد الستة الأيام بيوم أو اليومين فعليها بدل اليوم أو اليومين، فإن مد بها ذلك صامت واغتسلت لكل صلاتين وغسلها تام، وإذا رأت المرأة الطهر من حيضها أو نفاسها أياما فقالت: لم تحل أيامي فلم تغتسل حتى مضت صلوات وتم طهرها بعد قروئها فبئس ما صنعت، وكان ينبغي لها إذا رأت الطهر البين أن تغتسل وتصلي، فإن جهلت ذلك فعليها بدل تلك الصلوات التي فاتتها فأرجو أن لا كفارة عليها إن شاء الله، وإن كان ذلك في رمضان فهما عندي سواء، ويفسد عليها ما مضى من صيامها، وحرمة رمضان أعظم إذا ضيعت صيامه، وقد رأت الطهر، وإذا رأت المرأة الطهر بالليل فتوانت حتى طلع عليها الفجر قامت تغتسل فعليها بدل ما مضى من صومها، كذلك إن قامت قبل الفجر فغسلت أحد شقي رأسها بالغسل ولم تغسل الشق الآخر وطلع الفجر، فقد أدركها الفجر وعليها بدل ما مضى، وكذلك لو كانت معتدة من زوج فأدركها وقد وضعت الغسل في أحد شقي رأسها كله بالغسل وطلع الفجر ولا بأس عليها، وإذا حاضت المرأة في أيام حيضها ثم طهرت في بعضها فصامت ثم عاودها الدم قبل أن تتم أيام حيضها فلا يتم صيامها وعليها الإعادة، وإذا كان وقتها ثلاثة أيام فرأت الطهر في اليوم الثاني فأخذت في الصوم فصيامها جائز ما لم يعاودها الدم في أيام حيضها وإذا تداوت المرأة في شهر رمضان فانقطع عنها الدم بالدواء وقد رأته فعليها الإعادة أيام حيضها، وإن تعالجت قبل أن يأتيها الدم فلا بدل عليها عسى أن يكون انقطاعه عنها من غير علاجها، وإذا دام بالمرأة الدم شهرا أو شهرين ثم راجعها فعالجت نفسها بالدواء وقد (10/348)
صفحة 1210
رأت الدم فانقطع فعليها إعادة أيام حيضها في شهر رمضان ولا يتم لها صيام تلك الأيام التي عودت يأتيها فيها دم ويتم لها ما صامت بعد ذلك في الأيام التي كانت فيها مستحاضة، وإذا دام بها الدم فإنها تترك الصلاة في الوقت الذي تعرف أنه كان يأتيها فيه الحيض بقدر ما كانت تقعد للحيض ثم تغتسل لكل صلاتين وتجمع الصلاتين ولصلاة الغداة غسلا. والمرأة إذا كانت تحيض في الشهر مرتين حاضت في أوله ثم أتاها في آخره دفعة واحدة أو اثنتان فأفطرت وهي صائمة وتركت الصلاة وحسبت أنها كحيضها من قبل فلم يكن إلا الدفعة والدفعتان ثم انقطع عنها فإن عليها إعادة الصلاة والصوم.
مسألة: (10/349)
صفحة 1211
الحجة في سقوط بدل الصلاة عن الحائض ووجوب بدل الصيام لإجماع الأمة على ذلك، واحتج قوم أيضا إنما سقط عنها بدل الصلاة لأنها في وقت طهرها صلاة فلا يجتمع عليها فرضان مشتبهان في وقت واحد فيكون عليها في اليوم عشر صلوات، وإنما وجب بدل الصيام عليها لأن ليس عليها بدل الصيام وسقط عنها بدل الصلاة والإجماع أقوى حجة من ذلك، والله أعلم. وعن عائشة قالت كنا نؤمر بقضاء الصلاة. أبو عبد الله: والمرأة إذا كان وقت حيضها سبعا لا تزيد عليه شيئا فحاضت في شهر رمضان ثلاثة أيام، ثم طهرت وصلت وصامت فلما كان يوم السابع راجعها الدم فإنها إذا راجعها الدم في بقية من وقت حيضها الذي عودته لم تنتفع بصيامها، فإن جاء الدم بعد السبعة الأيام التي عودتهن فصيامها تام إن شاء الله، والمرأة المنتظرة يوما أو يومين إن تم بها الدم أبدلت صلاة اليوم أو اليومين، وإن انقطع فلا بدل عليها، وبدل النفساء التي تنتظر يومين أو ثلاثا كذلك حكمها أيضا. والجارية التي لم تحض قط فحاضت أول حيضة وقد بقى من رمضان عشرة أيام فلم يزل بها الدم حتى انسلخ شهر رمضان فعليها صوم الشهر كله، قال عبد الله: إذا رأت المرأة الدم في شهر رمضان يوما أو يومين فأكلت ثم انقطع عنها فعليها بدل صومها وصلاتها ولا بأس عليها، وإن كان ثلاثة أيام فذلك حيض، وإذا صامت المرأة في شهر رمضان ثم حاضت فتركت الصلاة والصوم ثم طهرت أقل من عشرة أيام ثم راجعها الدم فظنت أنه حيض فتركت الصلاة والصوم، فعن أبي مالك أنه ينتقض عليها صومها وعليها إعادة الصلاة ولا كفارة عليها، وعن محبوب فيما أحسب أن الحائض إذا حاضت وهي صائمة تتم يومها ذلك. (10/350)
صفحة 1212
أبو الحواري: وإذا ولدت المرأة في أول رمضان فاستمر بها الدم عشرين يوما ثم اغتسلت وصلت صامت العشر الأواخر فلما أفطرت راجعها الدم ونفاسها أربعون يوما، فإذا أتاها الدم وقد أفطرت رمضان فصومها تام لها، وإذا ولدت امرأة ولدين بينهما ثلاثة أيام فإنها تحسب الأربعين من الولد الأخير، أبو محمد: إذا طهرت امرأة من نفاسها في رمضان فصامت بعض الشهر ثم أتاها آت يوم الفطر فأفطرت ثم عاودها الدم في الأربعين فإن كان لها عادة أبدلت ما صامت في عدتها وإن كانت لم تعتد عادة ففي بدل ما صامت في رمضان خلاف وإن تم لها رمضان وهي طاهر عقبها في الأربعين بعد تمام الشهر ففي بدله خلاف إلا، أن تكون لها عادة أقل من الأربعين فيثيبها الأربعين بعد تمام عادتها فلا بدل عليها، وإنما تكون عادة إذا طهرت من ميلادها على شيء معلوم ثلاث مرات، وإذا ولدت المرأة أول ولد فاستمر بها الدم فوق الأربعين لم تنتظر شيئا لأنه جاء الحديث: لا نفاس أكثر من الأربعين يوما، وروي عن محبوب أنه قال: إذا استمر بها الدم انتظرت شهرين، وروي عن أبي عبيدة أنه قال: إذا استمر بها الدم انتظرت ثلاثة أشهر وليس على هذين القولين عمل، والله أعلم، وإذا انقطع عن النفساء الدم ورأت الطهر بينا فإنها تغتسل من حين ما ولدت وتصلي وقيل: لا يطؤها زوجها ثلاثة أيام، ثم لا بأس بجماعها. وقال أبو عبد الله: وقت النفاس ما طهرت عليها ثلاثة أيام فما ذلك ولا يكون أقل من ثلاثة أيام، وإذا طهرت من نفاسها على عشرة أيام فغسلت واستقبلت شهر رمضان وصلت وصامت الشهر كله إلا يوما ثم راجعها الدم وقد كانت فيما مضى منه طاهرة فسد عليها ما صامت إذا لم يكن لها قبل وقت نفاسها حتى تكمل أربعين يوما تامة عدة لنفاسها، وقال أبو عبد الله: النفساء إذا جاوزت أربعين يوما أو ثلاثا فإن دام بها الدم اغتسلت وأبدلت صلاة اليومين أو الثلاث فإن انقطع عنها الدم فلا بدل عليها. (10/351)
صفحة 1213
وقال أبو عبد الله: وإذا ولدت البكر فطهرت على ثلاثين يوماً فيستحب لزوجها أن لا يطأها حتى تجاوز الأربعين يوماً، فإن وطأها فلا بأس عليه فيها، ويكون وقتا لها، فإذا ولدت ثلاثة أولاد وقعدت في نفاسها أربعين يوماً رجعت فاعتدت الأربعين وتركت وقت الثلاثين، وكذلك إذا طهرت في ثلاثة مواليد على عشر جعلتها وقتا لها، وقال: إذا طهرت المرأة في نفاسها في شهر رمضان من قبل تمام الأربعين يوماً وقت نفاسها فصامت بقية شهر رمضان، فلما كان بعد انقضاء شهر رمضان رجع إليها الدم وهي بعد لم تكمل الأربعين يوماً وقت النفاس، فإذا لم يرجع إليها الدم حتى انقضى شهر رمضان فصيامها لتلك الأيام من شهر رمضان، وقيل تام لها، وإن كان الدم رجع إليها من تمام شهر رمضان، وقيل: تمام الأربعين من نفاسها فسد عليها ما كانت صامت.
مسألة:
وليس لأقل النفاس عندنا حد لأنها لو لم تر دما مع الميلاد لكان عليها الصلاة، وسبيلها متى رأت النفاس بعد الميلاد أن تصلي ولو لم تقعد إلا يوماً واحداً وأقل من ذلك وأجل الطهر متى طهرت، فإن رأت الطهر فصلت وصامت في رمضان أياما ثم راجعها الدم فعليها ما صامت. قال قوم: إن طهرت عشرة أيام ثم راجعها الدم أنه حيض وليس من دم النفاس، وأن صومها تام لها، وقال آخرون: إن تم لها الطهر حتى تفطر شهر رمضان لم يكن عليها فيه بدل، وإن راجعها الدم في أيام النفاس فالأول أحب إلينا وأحوط، والله أعلم.
مسألة: (10/352)
صفحة 1214
رجل له أربع زوجات وعدة من العبيد فقال: كلما طلقت واحدة منكن فعبد من عبيدي حر، وكلما طلقت اثنتين فعبدان حران وكلما طلقت ثلاثا فثلاثة أعبد أحرار، فطلق زوجاته الأربع واحدة بعد واحدة فإنه يعتق من عبيده خمسة عشر عبداً، لأنه لما طلق واحدة عتق واحد لا شك، فإن طلق ثانية كان ههنا صفتان إحداهما تطليق واحدة والثانية تطليق ثنتين لأن كلما يوجب التكرار، فإذا طلق الثالثة فصفتان أيضا الواحدة والثلاثة، فإذا طلق الرابعة ففيها ثلاث صفات الواحد والثنتان والأربع، وكذلك خمسة عشر، وقال بعضهم: إنه يعتق لسبعة عشر كأنه يجعل الثاني والثالث شيئين.
مسألة: (10/353)
صفحة 1215
لا يقع طلاق المكره وبه يقول عمر وعلي وابن عباس كما لو أكره على كلمة الكفر التي يتعلق بها على تحريم الزوجة، معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا طلاق في إغلاق» (1) ، يعني في إكراه، فإن قيل: فقد روى علي بن أبي طالب الطلاق والمعتق، قيل مذهبه أنه طلاق المكره لا يقع فمعناه إن لا طلاق المعتق يقع بحال وليس كذلك غيره، فإن قيل: فقد روى صفوان بن عمر الطائي قال: قلت يا رسول الله إن امرأتي جلست على صدري والسكين بيدها فقالت: إن لم تطلقني ذبحتك فطلقتها، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا إقالة في الطلاق» (2) أو قال: لا قيلولة له، قال: لأنه أقر بالطلاق وادعى الإكراه، فأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» (3) فالمكره ليس بهازل ولا جاد على أن الهازل قد اختار إيقاع الطلاق، وليس كذلك المكره، وأيضا فمعنى المكره علم ما هو فيه معذور، ودل على فقد إرادته قياساً على المجنون. فإن قيل: إن الطلاق معنى يوجب الفرقة والتحريم فلم يكن للإكراه فيه تأثير دليله الرضاع، قيل الرضاع فعل ولا ينكر أن يستوي حكم الأفعال في الإكراه وغيره، إنما القول يختلف، وعن الحسن وجابر بن زيد وشريح وطاووس وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي، وأجاز قول طلاق المكره، وفيهم النعمان وصاحباه وغيرهم، غير أن النعمان قال: إذا أكره السلطان على الطلاق أو العتاق جاز، وإن أكره على بيعه لم يجز. واختلفوا في حد الإكراه فروي عن عمر أنه قال: ليس الرجل أمينا على نفسه إذا أوجعته أو أوثقته أو ضربته، وذكر شريح أن القيد كره والوعيد كره والسجن كره، وقال قوم: إذا خاف القتل أو ضرباً شديداً، هاتان المسألتان من باب الطلاق وضعناهما في غير موضعهما...
__________
(1) حديث */
(2) حديث */
(3) رواه أبو داود عن أبي هريرة بلفظه وزيادة، فِي الطلاق، ر2196. والترمذي مثله، فِي الطلاق واللعان، ر1221. وابن ماجه مثله، فِي الطلاق، ر2117. (10/354)
صفحة 1216
يتلو إن شاء الله تعالى. /// 80حد / (10/355)