صفحة 1
الكتاب: القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية
(96 - 296هـ / 715 - 909م) (عصر الولاة - المدراريون - الرستميون - الأدارسة - الأغالبة)
المؤلف: إبراهيم بكير بحاز
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الثانية
سنة الطبع: 1427هـ / 2006م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) القضاء
في المغرب الإسلامي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية
(96 - 296هـ / 715 - 909م)
(عصر الولاة - المدراريون - الرستميون - الأدارسة - الأغالبة)
[ الجزء الأول ]
تأليف
الدكتور إبراهيم بكير بحاز
تقديم
الأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي
نشر جمعية التراث (1/1)
صفحة 2
الطبعة الأولى
دار الياقوت للطباعة والنشر، الأردن، 1422 هـ/2001
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
نشر جمعية التراث، الجزائر، 1427هـ/ 2006م
كل الحقوق محفوظة
رقم التصنيف: 964,01
المؤلف ومن هو في حكمه: بحاز، إبراهيم بكير
عنوان الكتاب: القضاء في المغرب الإسلامي
الموضوع الرئيسي: 1 - تاريخ المغرب الإسلامي/ القضاء
بيانات النشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر
فاكس: 213.29.85.31.02+ / موقع ويب: ( www.tourath.org)
الإيداع القانوني رقم:
نشر جمعية التراث (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ أنعمتَ فزِد ... (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/4)
صفحة 5
إهداء
إلى كلِّ قاض وسلطان جائرإلى كلِّ سلطان وقاض عادل
أهدي هذا العمل
لعلَّ الجائر يعتبر فيرعوي، ثمَّ ينتهيولعلَّ العادل يعتبر فيقتدي، ثمَّ يقتفي
* إبراهيم * (1/5)
صفحة 6
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/6)
صفحة 7
الرموز المستعملة في الدراسة
بلا تا بلا تاريخ
ت توفي
تح تحقيق
تر ترجمة
د الدكتور
ش. و. ن. ت الشركة الوطنية
للنشر والتوزيع
ص الصفحة
ط الطبعة
ظ ظهر ورقة المخطوط
ع عدد
ق (ق. ق) ورقة المخطوط (ورقات)
م ميلادي
م. و. ك المؤسَّسة الوطنية للكتاب
مج مجلد
مخ المخطوط
هـ هجري (1/7)
صفحة 8
و وجه ورقة المخطوط
/ ... الجزء / الصفحة
اسم القاضي ( ... / ... ) (فترة استقضائه
بالهجري/بالميلادي)
اسم الحاكم من غير القضاة ( ... / ... ) (فترة حكمه
الهجري/بالميلادي)
edi edition
imp imprimerie
p. (pp) page.(pages)T tome
} - - - { (1/8)
صفحة 9
تقديم
أ. د. فاروق عمر فوزي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وبعد، فإن الباحث المتميز في التاريخ لا بد أن يجمع بين عقلين: عقل المؤرخ الذي يقلب الروايات التاريخية على وجوهها ليستخلص منها ما يراه أقرب ما يكون إلى الحقيقة، وعقل المفكر الذي يرى في هذه الروايات التاريخية ما ينهض بأحكامه على عصر أو يحدد سماته أو يؤكد معالم مؤسسة من المؤسسات أو حركة من الحركات السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية عبر تاريخنا العربي الإسلامي.
من هذه النقطة بدأت الدراسات التاريخية الحديثة في الوطن العربي، وفي المسار ذاته مشت خطوات المؤرخين المحدثين ومنهم الدكتور إبراهيم بحاز الذي كان موفقاً في اختيار الموضوع والزمان والمكان. فقد اختار موضوع القضاء وهو من أشرف الوظائف في الإسلام لكونه ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية ولأنه يحقق العدالة بإنصاف الضعيف وردع الظالم حيث أوضح ذلك القرآن الكريم في عديد من آياته وأكدها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته وأحاديثه. أما الزمان الذي اختاره الباحث فهو القرنين الثاني والثالث الهجريين/ الثامن والتاسع الميلاديين، وهي فترة تنبعث أهميتها من كونها فترة النشأة والتأسيس للنظام القضائي المغربي، ولا يمكن فهم مؤسسة القضاء بعد نضوجها إلا بمعرفة جذورها وبداياتها. أما المكان فهو المغرب العربي الذي كان ولا يزال تربة ثرَّه للبحوث التاريخية ذلك أن العديد من مجالاته لا تزال مجالات بكر تنتظر (1/9)
صفحة 10
البحث والاستقصاء والتعريف، وخاصة من قبل الباحثين الأكاديميين في الجامعات ومراكز البحوث الذين يؤكدون في بحوثهم على الدقة العلمية في المنهج وعلى الموضوعية في التفسير. ذلك أن ما كتب في القضاء خارج المؤسسات العلمية يغلب عليه التزام مذهب بعينه أو يشتط في تخريجاته دون دليل ملموس أو رواية تاريخية موثوقة. والإسلام ليس ضد الاختلاف في الرأي والاجتهاد، ولكنه ضد التشدد الذي يؤدي إلى الخلاف، وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قوله "الخلاف شر"، ذلك لأن الخلاف هو محاولة هدم الرأي الآخر دون الاستناد إلى دليل وبأسلوب غير موضوعي بل بمنهج أملاه الهوى والعناد. لقد كان السلف الصالح من الفقهاء والقضاة أكثر الناس إدراكاً لأهمية الاختلاف لأنه يتيح المجال للوصول إلى الحل أو الحكم المناسب. وقديماً قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت بعد مقابلته الإمام جعفر الصادق واستفساره منه عن بعض المسائل الفقهية والعقيدية "أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس".
واقتداء بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهج الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، فسحت الدولة العربية الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى المجال للرأي والرأي الآخر في الفقه القضائي، ولم تلتزم الدولة في أغلب عهودها مذهباً رسمياً على حساب مذهب آخر بل كانت فوق المذاهب وفسحت مجالاً واسعاً للاجتهاد. كما أكدت الدولة على أن يكون تعيين القضاة من صلب اختصاص الخليفة ومن أهم مسؤولياته. بل إن الخليفة أبا جعفر المنصور مؤسس الدولة العباسية عدّ القاضي أول وأهم أركان الدولة والمجتمع حيث قال: "ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على باب أعفّ منهم هم أركان الملك: فقاضي لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم فإني عن ظلمه غني، والرابع صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة". (1/10)
صفحة 11
إن هذه المفاهيم عن القضاء تجسدت في مؤسسة القضاء في الإسلام التي مثلت جانباً هاماً في حياة الدولة والمجتمع وبالتالي مظهراً يستحق العناية والبحث من مظاهر الحضارة الإسلامية ومؤسساتها. وكما هو معروف فإن المؤسسات ليست ثابتة ولا هي تنظيمات متكاملة تظهر فجأة في المجتمع بل إن لها بدايات وتطورات حتى تصل إلى مرحلة التكامل والازدهار وهذا ما أدركه بالضبط الدكتور إبراهيم بحاز في كتابه (القضاء في المغرب العربي من تمام الفتح حتى قيام الدولة الفاطمية 96هـ/ 715م – 296هـ/ 909م) حيث بدأ مع البدايات وتابع التطورات حتى وصل إلى مرحلة النضج عندما اتخذت مؤسسة القضاء في المغرب العربي بنيتها التنظيمية ومجالات اختصاصاتها.
لقد انتظمت الدراسة التي بين أيدينا في ثلاثة أبواب رئيسية يسبقها مدخل ومقدمة وتمهيد. أما المدخل فهو ضرورة لا بد منها لتبيان الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للفترة قبل موضوع البحث ليتعرف القارئ المتخصص أو المثقف على طبيعة الحالة وسماتها. ثم جاءت دراسة في المصادر الأصيلة والمراجع الحديثة المتعلقة بموضوع القضاء في المغرب ومنها يتبين أن هذا الموضوع (القضاء) لم يحظ بدراسة حديثة خاصة به مما يجعل هذه الدراسة ضرورة وتلقى الترحيب كله. وقبل أن يدخل الدكتور إبراهيم بحاز في صلب موضوعه مهّد له بنظرة شمولية حول مفهوم القضاء نظرياً في الإسلام ثم تاريخ القضاء عملياً منذ صدر الإسلام حتى عهد الأمويين حيث تم فتح بلاد المغرب ودخولها في إطار دار الإسلام.
أما الأبواب الثلاث الرئيسية التي عالجت موضوع القضاء في المغرب والتي انقسمت بدورها إلى عدة فصول فقد أظهرت أن النظام القضائي في المغرب نسيج وحده من حيث نشوئه وتطوره وخصائصه التي انفرد بها (1/11)
صفحة 12
أحياناً عن المشرق العربي كما هو واضح في بعض مؤسساته أو المؤسسات المكملة له مثل (مؤسسة النظر في المظالم). فلقد تناول الباب الأول (القضاء في المغرب العربي: النشأة والاستمرار)، وانصب الباب الثاني على الجهاز الإداري للقضاء في المغرب. أما الباب الثالث فقد ناقش خصائص القضاء في المغرب ومظاهره المميزة له. وألحق المؤلف بالكتاب عدداً من الملاحق الضرورية لتوضيح الصورة وإجلائها. وجاءت قائمة المصادر والمراجع في آخر الكتاب ثرة لمن يريد المزيد.
صورة بينة لمؤسسة القضاء في المغرب في فترة وأخيراً وليس آخراً فإن جهد الدكتور إبراهيم بحاز واضح في كافة أبواب الكتاب وقد نجح في رسم مهمة من فترات تاريخه في القرون الإسلامية الأولى، وإنني على يقين بأن القارئ لهذه الدراسة سيصل إلى القناعة نفسها التي وصلت إليها وتتبين له قيمة هذا الإنجاز.
والله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير.
المفرق – المملكة الأردنية الهاشمية 6/ 6/2001م
أ. د. فاروق عمر فوزي
أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة بغداد سابقاً
وجامعة آل البيت / الأردن سابقًا
وجامعة السلطان قابوس / سلطنة عُمان حاليًا
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
كتاب القضاء في المغرب العربي, من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية في طبعته الأولى بعَمّان (1/12)
صفحة 13
الأردن, جاء دون المأمول, لم نوفق فيه كل التوفيق, إذ سقط منه الفصل الثالث من الباب الثاني كاملاً, وهو فصل مهم من صميم القضاء في المغرب العربي, يتناول مجلس القضاء وتوابع القاضي وأدواته, ناقشت فيه إشكالية مكان القضاء ومجلس القاضي الذي يضم الكاتب والحاجب والفقهاء المستشارين والشهود والأمناء والترجمان والخدم, كما تناولت فيه بالدراسة خطة المظالم والحسبة والشرطة, نشأة كل خطة من هذه الخطط وعلاقتها بمؤسسة القضاء في المغرب العربي.
وفي المبحث الرابع والأخير, تناولت أدوات القاضي مثل السجلات والكتب والقِمَطْر والخاتم والدرّة وأدوات أخرى.
كل هذا سقط من الطبعة الأولى, وهو ما تتميز به هذه الطبعة الثانية, وهو كما قلت, من صميم موضوع القضاء في المغرب الإسلامي.
في هذه الطبعة, رأيت إزالة الفصل التمهيدي المتعلق بالقضاء في الإسلام عمومًا، وذلك لأنني طبعته كتاباً مستقلا في دار المسار للنشر والتوزيع بالمفرق في المملكة الأردنية, صائفة 1423هـ /2003م وهو متداول حاليا في الأسواق, رأيت أنه بهذه الطريقة يكون أنفع في بابه (1).
__________
(1) - وعنوانه كاملاً: القضاء في الإسلام نشأته, أهميته, تاريخه, حتى نهاية القرن الأول الهجري السابع للميلاد. (1/13)
صفحة 14
وهكذا أكون قد خففت على الكتاب، إذ هو ضخم أو شبه ضخم, رأيت تهذيب حجمه بهذه الطريقة, أرجو أن أكون قد وُفقت إن شاء الله، ثم بهذا يكون الكتاب خالصا لتاريخ القضاء في المغرب الإسلامي خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
إن الكتاب في طبعته الأولى المشرقية, لم ينشر في المغرب العربي انتشاره في المشرق العربي, لذلك رأيت إعادة طبعه في الجزائر, ليكون قريبا ً من أقطار المغرب: الجزائر, تونس, المغرب, ليبيا, موريتانيا, وقد تناول تاريخ قضاء تلك الأقطار في العهد الإسلامي الأول (القرن 1 - 3هـ/7 - 9م).
أرجو من الله أن ينفع بهذه الطبعة المسلمين ببلاد المغرب، كما ينفع بها الباحثين بصفة عامة, وأن يجدوا فيها وخاصة القضاة والمحامون وكل من له علاقة بميزان العدل والجور بغيته؛ يقرأ فيها سيرة سلفه القضاة من الرعيل الأول, بل ربما سيقرأ فيها سيرته هو عدلاً أو جورا ً, وأنا على يقين تام أن مؤسسة القضاء إذا صلحت صلح الوطن وصلحت الأمة كلها, وإذا فسدت فسد الوطن وفسدت الأمة كلها, فالقضاء هو مقياس التقدم أو التأخر، الرفعة أو الانحطاط ولا ريب.
وإذ أقدم هذه الطبعة للقراء الكرام, فإني أود أن أشكر زميليَّ الفاضلين الأستاذ الشيخ مهنا بن راشد السعدي العُماني, الذي تفضل بإعادة تصفيف وتنسيق الكتاب, والأستاذ محمد بن أحمد جهلان, الذي تفضل بإخراجه والإشراف على طباعته، والشكر موصول لجمعية التراث - صاحبة الفضل دائما - التي قامت بنشر هذا الكتاب وتوزيعه، ولله الشكر والمنة أولاً وأخيرًا.
الرستاق - سلطنة عُمان / يوم 17 جمادى الأولى 1425هـ/5 جوليت 2004م
الدكتور إبراهيم بن بكير بحاز (1/14)
صفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
عرف المغرب الإسلامي أحداثا وهزَّات ومنعرجات عديدة، خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة (7 - 8 - 9م)، منها عملية الفتح التي كانت مخاضا طويلاً وعسيراً، ومباشرة بعد تمامه الذي سجَّله موسى بن نصير آخر الفاتحين بعودته إلى بلاد المشرق أواخر عام 96هـ/715م، برزت إحدى أكبر تلك الأحداث على الإطلاق، ونقصد بها إسلام بلاد المغرب.
لقد اعتنق المغربُ الدين الجديد بعد كرٍّ وفرٍّ، بعد إيمان وردَّة ... فهذا الحدث الضخم الذي تَمَّ في أواخر القرن الأوَّل الهجري، هو الذي سيطبع الحياة السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعيَّة والثقافية لبلاد المغرب طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة، ثمَّ بعد ذلك بقرون.
إنَّ البربر لمَّا تَمَّ فتح بلادهم للإسلام، وتَمَّ فتح قلوبهم لهذا الدين الجديد، بقي عليهم أن يغيِّروا نمط حياتهم، وأن يستجيبوا للإدارة العربيَّة الإِسلاَمِيَّة، التي خلفت الإدارة السابقة في هذا الشمال الإفريقي، فالدين جديد، واللغة جديدة، والإداريون جدد، والقيادات جديدة، والممارسات اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية تكاد تكون جديدة بشكل مطلق ... فلا ريب أنَّ التغيير كان شاملا.
وبتمام الفتح، يمكن أن نتحدَّث عن مغرب إسلاميٍّ مرتبط بالإسلام دينا، وبالعربية لغة إلى حدٍّ ما، وبالمشرق حضارة وإدارة واقتداء وارتباطا، فأحداث المشرق وهزَّاته هي أحداث المغرب وهزَّاته ولو بعد حين، ومن هنا عرف المغرب التطورات التي عرفها المشرق: عرف آثار الفتنة الأولى، عرف الفرق والمذاهب، عرف سقوط الأمويين وقيام العباسيين، عرف الصحوة الاقتصادية والفكرية ... (1/15)
صفحة 16
وكلُّ ذلك ابتداء من القرن الثاني الهجري الثامن للميلاد، ثمَّ امتداداً عبر القرن الثالث فالقرون الموالية بعد ذلك.
لقد اهتمت الدراسات الحديثة كثيرا بالجوانب السياسية لعصر الفتوح وعصر ما بعد الفتوح من القرنين الثاني والثالث للهجرة، وتطرَّقت إلى الجوانب الاقتصادية والفكرية كذلك في المدَّة الأخيرة، وتناولت بنوع من التفصيل تاريخ الولاة (96 - 184هـ/715 - 800م)، وعصر الدول المستقلَّة بعد ذلك (140 - 296هـ/757 - 909) المدراريون بسجلماسة (140 - 296هـ/757 - 909)، الرستميون بتيهرت (160 - 296هـ/777 - 909م)، الأدارسة بفاس (172 - بداية القرن 4هـ/788 - ق10م)، الأغالبة بالقيروان ورقادة (184 - 296 هـ/800 - 909م)، تناولَته من مختلف الجوانب (1)، إِلاَّ أنَّني لاحظت أنَّ تلك الدراسات لم تول الاهتمام بالمؤسَّسة الإدارية في تلك العصور، وحتَّى إن تطرَّقتْ إليها فبشكل عرضيٍّ دونما قصد. ومن هنا بدأتُ أخطُّ الخطوات الحقيقية الأولى في اختيار موضوع هذه الدراسة، فوجدت أنّ المؤسَّسة الإدارية في الإسلام، أو ما اصطلح عليه بالنظم، إدارات وخطط عديدة منها: الخلافة أو الإمامة، الولاية أو الإمارة، الوزارة، والقضاء، والحجابة، والشرطة والحسبة، والجيش ... فلم أتردَّد في اختيار موضوع «القضاء»، إذ وجدت فيه ما لم أجده في غيره، وشعرت بميل قويٍّ يشدني نحوه.
فالقضاء في الإِسلام مؤسَّسة إسلامية محضة، لا علاقة لها بالماضي القريب، ولا السحيق لبلاد المغرب.
والقضاء خطة مرتبطة بالمجتمع والرعية ارتباطا وثيقا ومباشرا، ربَّما لا ترقى إليه خطة من الخطط الإدارية الأخرى.
__________
(1) - انظر المبحث الخاص بالمصادر والمراجع عرض وتحليل. (1/16)
صفحة 17
والقضاء بارتباطه بالرعية شديد التأثير عليها، بل ينفعل ويتفاعل معها.
والقضاء ظلَّ متميِّزا بشخصية قوية تؤثِّر في الراعي كما تؤثِّر في الرعية في كثير من الأحيان.
والقضاء هو الذي يراقب العدل ويحرسه، بل هوالذي يوفِّره وينتجه إن التزم حدوده، وهو الذي ينشر الجور إن تردَّى في مهاوي الفجور، ولم يرع حدوده.
فالقضاء هو خاصَّة: العدل والجور، به تستقيم حياة الأمم وترقى، وبه تنحرف وتشقى.
فما أحوج أمتنا اليوم إلى دراسة تاريخ القضاء عادله وجائره، عبر عصورها التاريخية الطويلة، لرصد مواطن القوَّة ومواطن الضعف، واكتشاف الخلل والزلل، وأثر القضاء في ذلك.
لقد حفظ لنا التاريخ مقولة بديعة من إحدى الحضارات السابقة للإسلام، نسبوها لأرسطو فيلسوف الإغريق، كما نسبوها لكسرى ملك الفرس: «العالَم بستان سياجه الدولة، والدولة سلطان يعضده الجيش، والجيش جند يجمعهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية عبيد ينشئهم العدل، والعدل مألوف وبه قوام العالم» (1). «وقد اتفقت شرائع الأنبياء وآراء الحكماء والعقلاء أنَّ العدل سبب لنموِّ البركات، ومزيد الخيرات، وأنَّ الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك، ولا شكَّ عندهم في ذلك» (2).
لقد اخترتُ موضوع القضاء انطلاقا من هذه المعطيات، فضلا عن أنَّه موضوع بكر، لم يخصِّص له الدارسون الأكاديميون دراسة مستقلَّة مستفيضة، مركَّزة على القرون الأولى للإسلام في بلاد المغرب، وشعرتُ بفراغ هذه الحلقة من
__________
(1) - ابن جماعة: تحرير الأحكام، ص70. ابن الأزرق: بدائع السلك، 1/ 229.
(2) - ابن جماعة: نفسه، ص70. (1/17)
صفحة 18
تاريخ هذه الربوع، ورأيت ضرورة الكتابة فيه، واهتديتُ بعد البحث والتقصِّي إلى العنوان المختار التالي:
القضاء في المغرب الإسلامي (1) من تمام الفتح حتَّى قيام الخلافة الفاطمية
(96 - 296هـ/715 - 909م).
ولم يكن اختياري سهلا، إذ اقتضى منِّي وقتا طويلا، ألممتُ فيه بجوانب الموضوع، وتحسَّستُ فيه حدوده وآفاقه، ووجدته موضوعا جديراً بالدراسة، لأهميته التاريخية فضلا عن أهميته المستقبلية، فلا معنى لدراسة التاريخ إن لم يكن للاقتداء والعبرة، ولا معنى له إن لم يراع الدارسون الآفاق المستقبلية في دراساتهم.
إنَّ موضوع القضاء بهذه الأهمية، موضوع واسع وفسيح، يأخذ امتدادات متعدِّدة كلَّما غصنا في جانب منها، استقبلتنا جوانب أخرى، وكلَّما تَمَّ البتُّ في أمر، وجدت تساؤلات جديدة، لذلك اقتضى الأمر منِّي تغيير الخطَّة مراراً، للإلمام بتفاصيل دقيقة أخرى، نتأت أثناء مرحلة جمع المادَّة الخبريَّة التي كانت طويلة وشاقَّة، أو أثناء مرحلة التحرير التي تطلَّبت تفرُّغاً مطلقا، وتركيزاً متزايداً ...
لقد حاولت خلال دراستي هذه أن أكون دقيقا في اختيار العنوان، فلم أشأ أن أقول: «خطَّة القضاء» أو: «مؤسَّسة القضاء»، لأنني لاحظتُ أنَّ النصوص القديمة، عندما تحدَّثت عن التولية، لا تشير إلى إضافة من هذا القبيل إلى كلمة «القضاء»، وإنَّما يقول المولِّي للمولَّى: «ولَّيتك القضاء» (2)، هكذا مجرَّدا لا تسبقه كلمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى رغبتُ أن تجد دراستي هذه مكانها في رفوف المكتبات ضمن كتب ودراسات «القضاء»، لشعوري بضخامة كلمتها
__________
(1) *- هذا هو العنوان الأكاديمي لهذا الكتاب الذي أصله رسالة دكتوراه تحصل عليها الباحث في يوليو/جوليت 1997 م بقسم التاريخ جامعة قسطينة / الجمهورية الجزائرية. وفي الطبعة الأول 2001م صدر الكتاب بعنوان القضاء في المغرب العربي بدل المغرب الإسلامي.
(2) - انظر الباب الثاني الفصل الثاني المبحث الرابع. (1/18)
صفحة 19
وجدواها، خاصَّة في زماننا هذا، فاحتياجنا أكيد وملحٌّ إلى هذا القضاء وتاريخه، قضاء يقوم بمهامه، ويؤدِّي رسالته، ويتحمَّل مسؤولياته، ويرعاه الراعي والرعية: السلطان والقاضي والمتقاضي.
أمَّا اختيار المغرب الإسلامي بالذات، فلأنَّ الدراسات – كما أسلفتُ – حوله قليلة، خاصَّة ما تعلَّق منها بالنظم، فضلا عن أنَّ تاريخ المشرق الإسلامي (1)، قد استوعبه الباحثون دراسة وتحقيقا، فهو يحتاج اليوم إلى قراءات جديدة لنصوصه القديمة أكثر من أيِّ شيء آخر ... في حين نشعر أنَّ تاريخ المغرب الإسلامي الوسيط، خلال فتراته كلِّها يتطلَّب المزيد من العناية والجهد، لاستجلاء كوامنه ورسم معالمه وضبط تاريخه، واستخراج درره، فهو فعلا بهذا يتطلَّب منَّا المزيد من الاهتمام، والمزيد من التخصُّص وأهل الاختصاص ...
واخترت فترة القرنين الثانى والثالت للهجرة وضبطتُ ذلك بتمام الفتح عام 96هـ/715م، حتَّى قيام الخلافة الفاطمية 296هـ/909م، لأنني رأيت أن تكون البداية في دراسة القضاء من البداية: منذ التأسيس والنشأة ... ورأيت أن تكون النهاية عند نهاية الدول الأولى المستقلَّة ببلاد المغرب، فالفاطميون يمثِّل عهدهم عهداً جديداً كلَّ الجدَّة عمَّا سبقه، وربَّما حتَّى عمَّا سيعقبه، فضلا عن أنَّ الدراسات الفاطمية متعدَّدة نوعا ما، تأتي مستقلَّة في غالب الأحيان.
إنَّ هذا الموضوع بصيغة عنوانه المذكورة يطرح عدَّة إشكاليات لعلَّ أوَّلها إشكالية النشأة الأولى للقضاء في بلاد المغرب، متى كان ذلك؟ وعلى يد مَن مِن الولاة والخلفاء؟ ثمَّ يطرح نفس الإشكال بالنسبة للكيانات السياسية التي عرفها المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالت للهجرة (8 - 9م)، بعد انقضاء عصر
__________
(1) * - هناك مناطق في المشرق العربي لا تزال بحاجة ماسة إلى دراسات تاريخية، وأقصد هنا إقليم عُمان ودولته بالذات، فلعل الله يوفقني لتناول تاريخ قضائه في المستقبل القريب إن شاء الله. (1/19)
صفحة 20
الولاة، كيف ومتى وعلى يد مَن نشأ القضاء عند المدراريين فالرستميين فالأدارسة ثمَّ الأغالبة؟
بعد النشأة كيف استمرَّ وتطوَّر، بل هل عرف تطورا؟ فإذا اطَّلعنا على هذا الجانب، تساءلنا عن أهمِّ القضايا التي عُرضت على القضاء، ثمَّ بعد ذلك جئنا إلى تقويم (1) القضاء في بلاد المغرب، كلُّ كيان على حدة، لاستجلاء بعض المكامن ووضع اليد على بعض الإشكاليات التي تتطلَّب الأجوبة.
ومنها الجهاز الإداري للقضاء بِكُلِّ شموليته، وفلسفة العدل والجور في القضاء، وآثار ذلك على الرعية والراعي.
إنَّ هذه الإشكاليات وغيرها عملت هذه الدراسة على الإجابة عنها بقدر ما جادت به النصوص، وذلك خلال الخطَّة التالية:
لقد قسَّمتُ دراستي هذه إلى ثلاثة أبواب يسبقها مدخل وفصل تمهيدي، فبعد المقدِّمة عرضتُ أهمَّ المصادر والمراجع، وحاولت تصنيفها ضمن مجموعات وأسر، رأيت أنَّ ذلك يخدم موضوع «القضاء في المغرب»، ويقرِّب الفكرة، ويفسِّر مدى اتِّساع مجال مثل هذا الموضوع، كما يبيِّن صعوبته ومشاقه التي ما تخطَّاها الباحث إِلاَّ بالصبر والعزيمة والأناة.
أمَّا المدخل لهذه الدراسة فقد خصصته لمحاولة فهم بعض الأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصادية والإدارية والقضائية لبلاد المغرب قبل الفتح الإسلامي، تحت الهيمنات الأوروبية والبيزنطية وحاولت أن أعرف مشاعر البربر تجاه تلك السلطة، ثمَّ رصدت للفتوح الإِسلاَمِيَّة، وبحثت عن موقف البربر تجاهها، خاصَّة وأنَّهُم تطلَّعوا في تلك الفترة بالذات إلى تأسيس ممالك مستقلَّة استعدادا لقومة
__________
(1) - التقويم معناه: قوَّم، يقال قوَّم السلعة واستقامها: قدَّرها. والقيمة واحدة القيَم، وأصله الواو لأَنَّهُ يقوم مقام الشيء، والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم. لسان العرب، 3/ 193، مادَّة ”قوم“. (1/20)
صفحة 21
فعلية، وإذا بهم يجدون أنفسهم أمام عناصر جديدة جاءت هذه المرَّة من الشرق وليس من الشمال، وجاءت بديانة جديدة هي آخر الديانات السماوية.
إنَّ الإسلام لمَّا جاء إلى الناس كافة حمل هذه الآية الصريحة من قوله تعالى: {كانَ الناسُ أمَّة واحدة، فبعثَ الله النبيئين مبشِّرين ومنذِرين، وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (1). وبالفعل عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على تحقيق الحقِّ الذي أُنزل عليه في كتاب الله، فحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
ولإجلاء هذه الفترة من القضاء في الإسلام، وتمهيدا لصميم موضوعنا، رأيت جدوى وضع فصل تمهيدي عنونته: «القضاء في الإسلام» (2)، قسَّمته إلى ثلاثة مباحث، تناولتُ في المبحث الأوَّل القضاء في اللغة والاصطلاح، وحكمه وأركانه في الإسلام، ثمَّ أهميته والحكمة منه.
وفي المبحث الثاني تطرَّقتُ إلى ما يُعرف في كتب السلطانيات بـ «أدب القاضي»، أو التنظير للقضاء، ويتناول شروط تولِّي منصب القضاء وصفات القاضي ومهامِّه، وطريقة قضائه.
أمَّا المبحث الثالث، فإنَّه يقترب من واقع القضاء وتاريخه، ويدخله من بوابة القضاء في القرن الأوَّل الهجري، ابتداء من القاضي الأوَّل في الإسلام: نبي الإسلام محمَّد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ الخلفاء الراشدين، وما طرأ على عهدهم في مؤسَّسة القضاء، وختمت هذا المبحث بالقضاء عند بني أمية.
__________
(1) - سورة البقرة: آية 213.
(2) *- تمت طباعة هذا الفصل في كتاب مستقل يحمل عنوان: «القضاء في الإسلام نشأته، أهميته، تاريخه حتى نهاية القرن الأول الهجري السابع للميلاد»، وبالتالي استغنينا عنه في هذه الطبعة الثانية للأطروحة، انظر «القضاء في الإسلام»، دار المسار، المفرق، المملكة الأردنية الهاشمية، عمَّان، ط1: 1422هـ / 2003م، 90 صفحة. (1/21)
صفحة 22
إنَّ هذا الفصل أردت من خلاله معرفة الصورة الناصعة للقضاء في الإسلام كيف يجب أن يكون وكيف كان فعلا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، وكيف كانت بداياته الحقيقية في تلك العصور، ثمَّ تطوُّراته على عهد بني أمية الذي تَمَّ فتح المغرب على أيديهم ...
فإذا استوعب الدارس هذه الفترة، انتقل إلى «القضاء في المغرب الإسلامي (النشأة والاستمرار)»، وهو عنوان الباب الأوَّل الذي يضمُّ أربعة فصول، يتطرَّق الأوَّل منها إلى القضاء في عهد الولاة (96 - 184هـ/715 - 800م)، ويبحث عن الأسس الأولى للقضاء في المغرب الإسلامي، من خلال القضاء في عهد الفتوح، فالقضاء في عصر الولاة. ثمَّ يبحث عن أشهر القضايا التي عُرضت على قضاة هذه الفترة، ويعمل في نهاية الفصل على تقويم القضاء في هذا العصر كلِّه نشأة واستمرارا، بروزا أو خفوتا، عدلا أو جورا.
وفي الفصل الثاني تناولت القضاء في المغرب الأقصى عند المدراريين والأدارسة (140 - 296هـ/757 - 909م)، جمعتُ بينهما في فصل واحد لندرة المادَّة الخبريَّة عن القضاء عندهما، فبدأتُ المبحث الأوَّل بالقضاء عند المدراريين، ثمَّ المبحث الثاني في القضاء عند الأدارسة، وختمتُ الفصل بمبحث ثالث قوَّمت فيه القضاء بالمغرب الأقصى، تماما كما فعلتُ في الفصل الأوَّل، وكما سوف أفعل في الفصلين الثالث والرابع ... وقد يلاحظ الدارس عمومية العناوين التي اخترتها لمباحث هذا الفصل، ومردُّ ذلك شحُّ المادَّة الخبريَّة وندرتها بشكل مطلق فيما يتعلَّق بتاريخ القضاء في المغرب الأقصى عموما ...
القضاء عند الرستميين (160 - 296هـ/777 - 909م) عنوان الفصل الثالث في هذا الباب الأوَّل، بحثت فيه عن نشأة القضاء عند الرستميين، واستمراره، وأشهر القضايا التي احتفظت لنا بها المصادر، ثمَّ ختمتُه بمبحث رابع لتقويم القضاء في هذه الدولة.
وعملت مثل ذلك في الفصل الرابع الذي خصصته للقضاء عند الأغالبة، (1/22)
صفحة 23
واخترت عنوان المبحت الأوَّل: «بداية القضاء»، وليس نشأة القضاء عند الأغالبة، لأَنَّ النشأة الحقيقية كانت في عصر الولاة، أمَّا في عهد الأغالبة فلم يبق إِلاَّ تسجيل بدايته، ثمَّ تطرَّقت في المبحث الثاني إلى تطور القضاء الأغلبي الذي يحمل معنى الاستمرار كذلك، فضلا عن التطورات التي عرفها نتيجة أقدمية نشأته، بخلاف ما كان عليه الأمر في المغربين الأقصى والأوسط.
أمَّا المبحث الثالث والرابع فهما يتطابقان مع ما كان في الفصل الثالث من حيث رصد أشهر القضايا، وتقويم القضاء في الدولة الأغلبية ...
ومثلما فعلت في الفصل التمهيدي عندما ختمته بخلاصة كانت في الحقيقة تمهيدا للباب الأوَّل، كذلك وضعت خلاصة للباب الأوَّل، لأدخل الباب الثاني: الجهاز الإداري للقضاء في المغرب الإسلامي.
بعد التمهيد قسَّمت الباب إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأوَّل شخصية القاضي وهيبته، وبحثت من خلال ذلك عن مستوى علمه، وحقيقة عمره، ولباسه ومركوبه، وما يشكِّل شخصيته وهيبته، ثمَّ تطرَّقتُ في المبحث الثالث والرابع من هذا الفصل إلى المستوى المعيشي للقضاة، أو ما يعرف برزق القاضي وراتبه، وما يترتَّب على ذلك من الأصول الاجتماعيَّة والقبلية للقضاة ببلاد المغرب، وحاولت أن ألامس بعض الشيء حقيقة الأصول الاجتماعيَّة لقضاة المغرب، وحقيقة أصولهم القبلية، وعلاقة ذلك بالسلطة خلافة وإمامة وولاية.
أمَّا الفصل الثاني فهو في «التنظيم القضائي» وينقسم إلى أربعة مباحث: أوَّلها حول قاضي العاصمة (القيروان، تيهرت، فاس)، ومركزه في الجهاز الإداري للدولة، وثانيها حول قاضي الإقليم وأهميته ووجوده أوعدمه في هذه الدولة أو تلك.
أمَّا المبحث الثالث فخصَّصته لإشكالية جوهرية في القضاء، وهي: «استقلالية القضاة»، فهل كان القضاء في المغرب الإسلامي مستقلاًّ فعلا؟ وفيم (1/23)
صفحة 24
تتمثَّل تلك الاستقلالية؟ وهل يؤثِّر التعيين والعزل في استقلالية القضاء؟ وكان الجواب على هذا التساؤل الأخير يشكِّل المبحث الرابع في هذا الفصل، فتناولت التعيين وظروفه ومَن يعيِّن القاضي؟ الخليفة والإمام أم الوالي والأمير ... كما تحدَّثت عن العزل وملابساته، أو ما يُعرف بلغة القانون: «إنهاء المهام»، لأَنَّ نهاية القاضي ليست دائما عزلا، بل هي متعدِّدة الأشكال والأسباب.
الفصل الثالث يحمل عنوان: «مجلس القضاء (توابع القاضي وأدواته)»، حاولت الإلمام فيه بتفاصيل مجلس القضاء انطلاقا من المقرِّ، فمُساعدي القاضي كالكاتب والحاجب والفقهاء المستشارين، وغيرهم. وتطرقنا لتوابع القضاء كخطَّة المظالم والحسبة والشرطة نشأتها وعلاقتها أو عدم علاقتها بالقضاء، وانتهاء بأدوات القاضي كالسجلات والكتب والقمطر والخاتم والدرة وجلد الجلوس أو الحصير.
وهكذا ينتهي الباب الثاني بخلاصة ليفتح المجال للباب الثالث والأخير:
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره.
وهذا الباب في حقيقته يرصد لمآثر القضاء وآثاره ونتائجه، فجاء في ثلاثة فصول، تناول الفصل الأوَّل دور القضاء في مختلف الملل والنحل والأجناس، دوره في الإسلام وفي المذهبية والصراع المذهبي في بلاد المغرب، وأثره في العبيد وأهل الذمَّة، ودوره في قضايا المرأة ...
أمَّا الفصل الثاني، فإنَّه خصِّص لمآثر القضاء في مختلف جوانب الحياة في بلاد المغرب، السياسية والعسكرية والثقافية، فكما أنَّ القضاء أثَّر بشكل فعَّال في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصادية، من خلال البت في القضايا ذات العلاقةالمباشرة بالأسرة والمجتمع، أو العلاقة بالمال والمعاملات، كذلك ترك آثارا باقية في مجالات السياسة والفتوح والفكر.
وخصِّص الفصل الأخير لرصد معالم العدل ومعالم الجور في القضاء ببلاد المغرب، وذلك من خلال مباحث ثلاثة تناولت في الأوَّل منها واقع الحدود (1/24)
صفحة 25
والعقوبات في القضاء، وحاولت في الثاني أن أبيِّن مظاهرالعدل فيم تتمثَّل، ومظاهر الجور فيم تتمثَّل، وانتهيت في المبحث الثالث إلى وضع تقويم عام للقضاء ببلاد المغرب الإسلامي، من خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، تتبَّعت القضاة في عدلهم ضمن كياناتهم ولاحقتهم في جورهم، وحاولت أن أبين ذلك وأفسِّره وأربط بين القضاء والولاة، والأيمة والأمراء، فخرجت من هذا التقويم بحوصلة عامَّة يمكن أن نطلق عليها فلسفة القضاء والحكم ببلاد المغرب.
ولم أشأ أن أنهي موضوع هذا البحث بمجريات أحداثه الرسمية ولا بهيبة قضاته، وإنما بالوجه الآخر للقضاة، وجه الفكاهة والنوادر، فكان المبحث الرابع والأخير من هذا الفصل وهذه الدراسة.
وفي الخاتمة أبرزتُ النتائج المتوصَّل إليها نتيجة بعد أخرى، وبيَّنت أنَّ الموضوع جديد بكر، ونتائجه جديدة تفتح الآفاق لدراسات أخرى في نفس الموضوع بخاصَّة، أو في النظم بعامَّة، عبر حقب وعصور تاريخ المغرب الإسلامي الوسيط.
وإتماما للموضوع، وإتقانا له، بخاصَّة ما تعلَّق منه بالباب الأوَّل، ألحقت الدراسة بمجموعة من الملاحق هي في مجملها جداول لقضاة القيروان عصر الولاة وعصر الأغالبة، وقضاة تيهرت الرستمية، وفاس الإدريسية، وسجلماسة المدرارية، ثمَّ جدولين لقضاة الأقاليم وأبرز المدن في إفريقية والمغرب الأوسط، ويسبق هذه الجداول ملحق هو عبارة عن نصٍّ ينشر لأوَّل مرة يتعلَّق بما يقوله القاضي عندما يعلن حكمه في قضية معينة. وآخر الملاحق جدول يتناول «أصحاب المظالم» بالقيروان، هذه الخطَّة التي كانت وطيدة العلاقة بالقضاء عند الأغالبة.
إنَّ هذا البحث لم أصل به إلى تمامه بمنهج تاريخي بعينه، وإنَّما اتبعت مناهج عديدة، بدأته بمنهج المسح الكلِّي للمادة الخبرية، حتَّى كادت أن تكون عائقا دون التحرير، وبعد تصنيف تلك المادة الغزيرة وتصفيفها رأيت أنَّ منهج التحليل ثمَّ (1/25)
صفحة 26
الاستنتاج هو أنسب منهج للباب الأوَّل بجميع فصوله، خاصَّة منها الفصل الثاني المتعلِّق بالقضاء في المغرب الأقصى، وبقي هذا المنهج طيلة الأبواب الأخرى هو السائد مع ميل إلى المنهج الوصفي في الباب الثاني، ولكن ذلك في حدود ضيقة، لأنني لم أجد ما أصفه جاهزا وإنَّما توصَّلت إليه بعد التحليل والاستنتاج، وهكذا طغى منهج التحليل وإعمال العقل على المناهج الأخرى في هذه الدراسة، فلا غرو أنَّ النتائج العديدة المتوصَّل إليها إنما هي نتاج ذلك المنهج وأثر من آثاره ...
وأشير هنا إلى أنني لم أستنكف عن تكرار بعض النصوص لأهميتها، ولم أر في ذلك عيبا، وإنما رأيت ذلك منهجا من المناهج، اخترته دائما لنفسي في الكتابة، لاعتقادي وعلمي بأنَّ ذكر النصِّ كلما احتيج إليه أنسب وأولى وأدق من الإحالة إليه في مكان ما من الكتاب، فالتاريخ أدب قبل أن يكون علما، أو هو أدب وعلم.
لقد ذكرت مراراً بين ثنايا فقرات هذه المقدمة أهم المشاكل التي اعترضتني ولاحقتني في مختلف مراحل إنجاز هذا البحث، لعل أهمها مشكلة النقيضين: غزارة المادة الخبرية وندرتها في آن واحد، فهي غزيرة إِلى حد التعجيز فيما يتعلق بمباحث الفصل التمهيدي ثمَّ الفصول المتعلقة بالقضاء في إفريقية عصر الولاة والأغالبة والقضاء في المغرب الأوسط عصر الرستميين إِلى حد ما، وهكذا كلما توغلنا غرباً تقلصت المادة الخبرية وجفت مصادرها إِلى حد التعجيز أيضاً وهو ما وجدت عليه تاريخ القضاء عند المدراريين والأدارسة في المغرب الأقصى، ولولا المنهج الذي اتبعناه لما قلنا شيئاً عن القضاء في تلك البقعة النائية من بلاد المغرب الإسلامي، ولكن الذي قلناه وإن عُدَّ في حجمه صغيراً، إلاَّ أنَّه هو أقصى ما يمكن أن يقال عن قضاء المغرب الأقصى، بعد استنطاق النصوص واستقصائها.
ومن المشاكل العويصة في الموضوع، تشعب أطرافه وتعدد إشكالياته حتَّى بدا وكأنه لا حد له ولا نهاية إِلاَّ أنَّ الصبر والأناة والنفَس الطويل ظلُّوا أهمَّ أدواتي ووسائلي في تخطِّي العقبات وتجاوز المثبطات. (1/26)
صفحة 27
وإنِّي وإن ذكرت ما حقَّقته في هذا البحث ونسبته لنفسي بضمير المتكلِّم، فإنِّي لا أنسى دور أستاذي المشرف الدكتور إبراهيم فخار، الذي أمدَّني بتوجيهاته الأكاديمية الدقيقة، وحدَّد لي بعض المصطلحات دون غيرها، حتَّى تبلغ الدراسة تمامها وكمالها.
ولعلَّ مِمَّا زاد هذه الأطروحة حظًّا أن أشرف على إنجازها، فضلا عن الدكتور إبراهيم فخار بالجزائر وذلك منذ الخطوات الأولى، الأستاذُ الدكتور راضي دغفوس، بجامعة تونس كُلِّيَّة العلوم الإنسانية والاجتماعية، اطَّلع على بعض فصول هذه الدراسة، وقدَّم لي توجيهاته السديدة وأمدَّني بعناوين بحوث في القضاء وفي صميم دراستي، استفدت منها ...
لأستاذي الكريمين أقدِّم أسمى اعترافاتي لهما بالجميل، وأشكرهما الشكر الخالص الجزيل، وأدعو الله لهما بدوام الصحَّة لخدمة هذا التراث الإسلامي الأصيل.
ومن واجبي أن أشكر جامعة قسنطينة معهد العلوم الاجتماعية، الذي منحني ما استطعت به أن أتوغَّل في أعماق بحثي، فكانت زيارتي لتونس والمغرب الأقصى الشقيقين، فإن دامت إقامتي في المغرب أياما معدودات، فإنَّها دامت في تونس شهورا عديدة، استفدت من مكتباتها، وخاصَّة منها الوطنية، كما استفدت من الخزانة الملكية والعامة بالرباط، فضلا عن مكتبات أخرى في كلٍّ من تونس والجزائر والمغرب عمومية وخاصة ...
وأقدم شكري الخالص لأول مشرف على هذه الأطروحة الأستاذ الدكتور حسن أحمد محمود بجامعة القاهرة أدعو الله ان يسكنه فسيح جنانه، والشكر موصول الى مجموعة من زملائي الأساتذة وأخص بالذكر منهم أخي الأستاذ محمد بن موسى باباعمي وكل من قدم لي عونا، أو نصحا أو رأيا عظم أو صغر، قل أو كثر. (1/27)
صفحة 28
إنَّ هذا البحث، مهما بلغ من نتائج، ومهما حقَّق وأجاب على الإشكاليات الكثيرة في موضوع القضاء، إِلاَّ أنَّه لا يزال بكرا لمن يريد الغوص في أعماقه، ولا يزال بحاجة إلى رأي ذوي الرأي السديد.
وفي الختام أودّ أن أشير إلى أنَّ هذا البحث قد أخذ منِّي الوقت والجهد الكبيرين، أشغل فكري ردحا من الزمن، دخلت به سنَّ الأربعين، حاولت فيه أن أقترب من الحقيقة، وأذكرها، وألامس الخطَّ البياني لظاهرة العدل والجور وأبرزه، فاجتهدت في موضع الاجتهاد قدر استطاعتي دون الغلوِّ، وقلَّدت في موضع التقليد، وكان ذلك قليلا نادرا، لذلك لا أبالغ إن قلت إنَّ هذه الدراسة جديدة في موضوعها، وطرح إشكالياتها وخطَّتها، جديدة في النتائج التي آلت إليها، فإن وُفِّقت فمن الله سبحانه وتعالى وحده، نعم المولى ونعم المعين، وإن قيل غير ذلك فحسبي أنِّني اجتهدت وما أبقيت من جهدي جهداً، ولا ادَّخرت من طاقتي الفكرية شيئا، رغم أنَّني أشعر بالنقص ولا أقول بالتقصير، فسبحان الكامل الذي لا يعرف النقصُ إليه سبيلا، تفرَّد بصفات الكمال وجعل أعمال خلقه مهما بلغت لا تبلغ الكمال. ولذلك قيل بحقٍّ وهو ما شعرت به دوماً: «إنَّه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إِلاَّ قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهودليل على استيلاء النقص على جملة البشر».
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، يا نعم المولى ويا نعم النصير.
ولله الحمد أولا وآخرا.
الخروب قسنطينة في يوم 09 ذي القعدة 1417هـ/ 18 مارس 1997م
المراجعة الثانية في الرستاق/عُمان 17 جمادى الأولى 1425 هـ 5 جوليت 2004 م (1/28)
صفحة 29
المصادر والمراجع
عرض وتحليل
المصادر والمراجع عرض وتحليل
القضاء موضوع اهتم به الأوائل كثيراً وألفوا فيه العديد من الكتب منها ما وصلنا ومنها ما لم يصل. ويبدو أن الكتابات الأولى في القضاء جاءت ضمن الكتب الفقهية، وتناولت الأحكام القضائية المختلفة، ثم (1/29)
صفحة 30
بعد ذلك استقلت بتآليف خاصة، تهتم بهذا المنحى الفقهي.
أما التاريخ للقضاء فلعل البداية كانت بالاهتمام بتراجم أعلامه ضمن كتب التراجم بعامة، ثم شيئاً فشيئاً أصبح ذكر القضاة يقرن بذكر الخلفاء، فكل خليفة يذكر قضاته ضمن دولته، لأنهم يشكلون عنصراً أساسياً في تلك الدولة، ومع مرور الأيام برزت التآليف المتخصصة في قضاء وقضاة المدن والأقاليم والأشخاص، وكان ذلك في وقت متأخر نوعاً ما.
إن فقهاء الشريعة الإسلامية لم يوجبوا على القاضي تدوين الأحكام باعتباره حقاً عاماً وأمراً يقتضيه النظام العام، لقد أفاضوا في ذكر اختيار الكاتب وكيفية جلوسه ومراقبة القاضي له وما ينبغي أن يكون عليه من فقه وعدالة وأمانة وغير ذلك من التفاصيل، ولكنهم لم يقولوا ما يفيد وجوب تدوين الأحكام وكتابتها والمحافظة عليها (1). ومن هنا تأخرت الكتابات التاريخية في موضوع القضاء بغياب الوثائق التي يمكن أن تكون السند الأول والمرجع الأساسي في التأليف، بل هناك من أمر بتمزيق بعض الوثائق وقطعها "لأنها داعية إلى أبواب من الغرر كثيرة وأكل أموال الناس بالباطل" (2).
__________
(1) - عبد الخالق النواوي: العلاقات الدولية والنظم القضائية في الشريعة الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1394/ 1974، ص 330.
(2) - ابن عبدون: رسالة ابن عبدون في القضاء، نشر وتقديم: ليفي بروفنصال في:
Journal Asiatique. Avril-Juin 1934, p. 203 - 204. (1/30)
صفحة 31
ويذكر الماوردي في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد أنه يجب على القاضي أن يتولى ضم الشهادات وحجج المتخاصمين في مكان واحد مترجمة بأسمائها والشهر الذي كانت فيه ليكون أعرف له إذا طلبها، فإذا مضت سنة عزلها، وكتب خصومات سنة أخرى بتلك الطريقة حتى تكون كل سنة منفردة وكل شهر منفرداً (1).
إن هذه الدقة في المحافظة على الوثائق، المفروض أنها تترك تراثاً قضائياً ضخماً وأرشيفاً معتبراً ربما كان العمدة في التآليف التي أعقبت القرن الخامس الهجري؛ أما قبل ذلك، فالوثائق كانت تهمل مثلماً رأينا، وكان ذلك في المشرق فضلاً عن المغرب الذي يأتي غالباً مقلداً لتطورات الأمور.
وقد يعمد بعض القضاة إلى إجراءات يراها ضرورية مثلما فعل القاضي الأندلسي الحبيب أحمد بن محمد بن زياد في أواخر القرن الثالث الهجري، التاسع للميلاد، كان أول من دوّن المنشورات بخط يد المستشير من الفقهاء لا يقبل الرأي ممن أشار به عليه حتى يقيده على نفسه بخط يده "ثم تكلف بعد ذلك تأليف الأقضية وجمع تلك الأحكام فجعل منها أجزاء فيها بلاغ لمن نظر فيها ومنفعة لمن اقتبس منها وهي لا بأس بعلمها ولا تقصير في صوانها .. " (2).
هكذا نلاحظ بعض القضاة يبادر إلى اتخاذ إجراءات يستفيد منها في تأليف ما ينفع القضاة في مجالس قضائهم، فقد كانوا مطلقي اليد في إنشاء ما يشاؤون من رسوم, الهدف منها وضع الأسس المتينة لخطة القضاء التي ظلت تتطور عبر القرون والحقب المختلفة.
__________
(1) - الماوردي أبو الحسن عليّ: أدب القاضي، تح. محيي هلال السرحان، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1391ه/ 1971م، 2/ 66 - 67.
(2) - الخشني محمد بن الحارث: قضاة قرطبة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1966م، ص 102. (1/31)
صفحة 32
وعلى عكس هذا القاضي يذكر النباهي أن القاضي المالكي في بغداد إسماعيل بن حمّاد بن زيد الأزدي المتوفى عام 383ه/ 993م لما طلب منه تأليف كتاب في أدب القضاء قال: "اعدل ومدّ رجليك في مجلس القضاء! وهل للقاضي أدب غير الإسلام" (1).
إن القضاة هم الذين اهتموا بالقضاء تاريخاً وأحكاماً وهم الذين أهملوه، كلٌّ حسب همته ونشاطه واستعداداته. إن القاضي عياض، اطلع على نسخة من سجل عزل القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب (ت 275ه/ 888م) من منصب القضاء بالقيروان وذلك في "كتاب تاريخ قضاة أفريقية" (2) فلا النسخة بقيت ولا كتاب تاريخ قضاة إفريقية بقي، كلاهما ضاع بسبب الإهمال وعدم المبالاة بقيمة الوثائق؛ فما أكثر ما ضاع من هذه الوثائق وما أكثر ما أتلف منها ومن المصادر الأولى لتاريخ القضاء في الإسلام.
وتكفي جولة سريعة في عناوين الكتب المهتمة بالقضاء مشرقية ومغربية لندرك ضخامة التراث القضائي الذي زال واختفى، ويمكن أن يكون أهم مما بقي منه لأنه الأقرب إلى الفترة الزمنية موضوع دراستنا.
إن الهيثم بن عدي المتوفى سنة 209ه/ 829م ألف كتاباً في "قضاة الكوفة والبصرة" (3) ويعتبر الهيثم من الإخباريين الأوائل الذين استقى منهم المؤرخون أخبارهم كاليعقوبي والمسعودي والطبري، يقال عنه إنه كان يرى رأي الخوارج
__________
(1) - النباهي أبو الحسن عبد الله بن الحسن: كتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا أو تاريخ قضاة الأندلس، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، بلا تاريخ، ص 35.
(2) - عياض أبو الفضل: تراجم أغلبية، مستخرجة من مدارك القاضي عياض، تح. محمد الطالبي، المطبعة الرسمية، تونس، 1968م، ص 230. وانظر التعليق حول هذا الكتاب ومحقق نصوصه فيما يلي من فقرات هذا البحث.
(3) - ابن خلكان شمس الدين: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، بلا تا. 6/ 107 - 113. (1/32)
صفحة 33
واختص بمجالسة المنصور والمهدي والهادي والرشيد، وثبْتُ كتبه حافل يشمل العديد من المعارف (1).
ومثل الهيثم بن عدي في كثرة التأليف , نجد أبا عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224ه/ 838م، ألف كتاباً في "أدب القاضي" هو في عداد مؤلفاته المفقودة. وقد كان ابن سلام ثقة وصفه العلماء بأنه أحد أيمة الدنيا وممن جمع صنوفاً من العلم لم يكتب الناس أصح من كتبه ولا أكثر فائدة. (2)
ويذكر النديم لابن جرير الطبري المتوفى عام 310ه/ 922م كتاباً بعنوان "أدب القاضي" (3)، ومن المعروف أن الطبري ممن كتب في الإسلام كثيراً وأوتي حساً تاريخياً مرهفاً , فلا شك أن كتابه استوعب فيه تاريخ القضاء وأطنب كما هي عادته في تآليفه التي كتب لها البقاء.
ولقد سبق أن رأينا أن القاضي عياض اطلع على نسخة من وثيقة عزل القاضي ابن طالب في كتاب "تاريخ قضاة أفريقية" ولم يذكر صاحبه , في حين ذكر الخشني أن لمحمد بن سحنون بن سعيد المتوفى عام 256ه/ 869م كتاباً في "أدب القضاء" (4) ومحمد، كما نعرف، هو ابن أعظم قضاة إفريقية على عهد الأغالبة فأبوه سحنون بن سعيد التنوخي تولى القضاء في الفترة ما بين 234 - 240ه/ 848 - 854م.
إن كتاباً يؤلَّف في هذا الموضوع وفي هذه الفترة، يؤلفه ابن القاضي سحنون
__________
(1) - علي أدهم: بعض مؤرخي الإسلام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1974، ص 28.
(2) - أبو عبيد القاسم ابن سلام: كتاب السلاح، تح. حاتم صالح الضامن، مجلة المورد، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، العراق، مج12، ع 4، 1404ه/ 1983م، ص 223 - 225.
(3) - النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، بلا تا، ص 327.
(4) - الخشني محمد بن الحارث: كتاب طبقات علماء إفريقية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، بلا تا، ص 141. وانظر عياض: المصدر السابق، ص 173. (1/33)
صفحة 34
لذو قيمة كبيرة بلا شك , إلا أن فقدانه يعتبر مضيعة كبرى لتاريخ القضاء في بلاد المغرب الإسلامي.
ولم نفقد لمحمد بن سحنون هذا الكتاب فحسب، وإنما أيضاً كتابه الكبير في السير وفي التاريخ والطبقات، ذكره القاضي عياض , ويتألف من عدة أجزاء تبلغ العشرة والعشرين وأكثر (1).
ومن الكتب الضائعة كتاب "الأقضية" لحبيب بن نصر (ت 287ه/ 900م) صاحب مظالم سحنون بن سعيد وهو كتاب معروف في مسائله لسحنون (2)، يمكن أن يكشف لنا العديد من الأقضية التي عرضت على القضاء في القيروان ويبين لنا طبيعتها ومجالاتها، الأمر الذي يُفتقر إليه كثيراً في القضاء ببلاد المغرب.
ولأبي العرب محمد بن أحمد التميمي المتوفى عام 333ه/ 944م كتاب في "طبقات الرجال" (3) في عداد الكتب المفقودة، فضلاً عن كتابه "طبقات علماء إفريقية وتونس" الذائع الصيت والذي سنذكره فيما بعد، بالإضافة إلى كتاب في مناقب سحنون يعرف بـ "فضائل سحنون" (4)، ومثل هذا الكتاب لو وصلنا لكان فيه غُنْية عن كثير من الاجتهادات والاستنتاجات خاصة وأن أبا بكر المالكي صاحب "رياض النفوس" لم يصلنا كتابه كاملاً، وظهر ذلك جلياً في الترجمة المبتورة التي جاءت في رياضه عن القاضي سحنون بن سعيد. فالاهتمام بهذا القاضي كان كبيراً إلا أن الزمن أضاع الكثير، ففضائل سحنون التي ألفها أبو
__________
(1) - عياض: المصدر السابق، ص 173. الدباغ أبو زيد عبد الرحمن: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تصحيح وتعليق إبراهيم شبوح، المكتبة العتيقة، تونس، ط2، 1413ه/ 1993م، 2/ 123، هامش 2.
(2) - عياض: نفسه، 278.
(3) - أبو العرب: طبقات علماء إفريقية وتونس، تح. علي الشابي ونعيم حسن اليافي، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968م، ص 99، وانظر مقدمة المحققين، ص 28.
(4) - أبو العرب: نفسه، 185، وانظر: ص 27. (1/34)
صفحة 35
العرب لا نشك في أهميتها إطلاقاً خاصة وأن أبا العرب أدرك حبيب بن نصر تلميذ سحنون وصاحب مظالمه كما سبق أن رأينا. وبالتالي فإن قدراً كبيراً من الدقة في مؤسسة القضاء لهذا العهد تكون بين أيدينا لو نجت مثل هذه المؤلفات.
إن هذه الكتب وغيرها ضاعت وهي من التراث المالكي خاصة، أصابها الإهمال والضياع وأنواعاً من الإتلاف عبر حقب التاريخ ومع ذلك بقي منها قدر لا بأس به كان عمدتنا في دراستنا هذه في القضاء بإفريقية. إلا أن إفريقية لم تكن مالكية خالصة في القرنين الثاني والثالث للهجرة بل هي أميل إلى المذهب الحنفي منها إلى المذهب المالكي. وكانت المدرسة الحنفية في النصف الأول من القرن الثالث الهجري "أهم عدداً وتأليفاً من المدرسة المالكية" (1) فلماذا ضاع كل شيء تقريباً عن هذه المدرسة؟ أين هي طبقات رجالها ومؤلفاتهم؟ يقول الدكتور محمد الطالبي إن المالكية "حرصوا بصفة عامة كل الحرص على إتلاف آثار مخالفيهم وطمسها بشتى الوسائل". (2)
نعم، لقد أُُتلِف كل شيء عن الأحناف في إفريقية ,ولم يبق إلا النزر القليل وكادت أن تكون قد زالت كلها وضاعت (3)، وإن ما ذكره الدكتور محمد الطالبي في كتابه عن الدولة الأغلبية فيما يتعلق بكثرة المصادر الضائعة بالنسبة للمتبقية أمر لا غبار عليه (4) وأكثرها المصادر الحنفية ولولا ما جاء عن الأحناف في المصادر المالكية متفرقاً هنا وهناك لزال تراث قضائي وعلمي كبير
__________
(1) - محمد الطالبي: الأوضاع التي مهدت لقيام دولة الفاطميين في إفريقية، مقال في كتاب ملتقى القاضي النعمان للدراسات الفاطمية، الدورة الثانية، وزارة الشؤون الثقافية، 1981م، ص 31.
(2) - نفسه: 32.
(3) - Hady Roger: Introduction au manaqib d’Abu Ishaq AL-Jabanyani. Presses universitaire de France puf paris 1959/ p XVI.
(4) - محمد الطالبي: الدولة الأغلبية (184 - 296ه/800 - 909م)، التاريخ السياسي، تر. المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1985م، ص13 - 15. (1/35)
صفحة 36
ولكان نقطة سوداء يصعب تبييضها في تاريخ إفريقية الأغلبية.
وإن الذي أصاب المصادر الحنفية والمالكية في إفريقية من ضياع وإتلاف، قد أصاب المصادر الإباضية في تيهرت على يد الفاطميين إذ أضرم أبو عبد الله الشيعي النار في كتب الإباضية التاريخية والفقهية وأبقى منها ما يصلح للملك والحساب (1) وربما ضاع الكثير منها في الفتن العديدة التي تعرضت لها الإباضية بعد سقوط دولتها الرستمية والشتات الذي أصاب أتباعها.
ويشكو الأستاذ إبراهيم حركات عقم عهد الأدارسة من حيث المصادر ويقول: " ... حاولت عبثاً أن أجد مؤلفاً مغربياً مما بقي من عهد الأدارسة" ويبدو أن هناك مؤرخاً اسمه البرنوسي كان معاصراً للأدارسة ولكن لم يصل كتابه اعتمده المؤرخ ابن أبي زرع فيما بعد (2).
أما محمد المنوني فيذكر أن هناك مؤلفاً في نسب الأدارسة الأولين بالمغرب كتبه أبو طالب بن أحمد بن عيسى حفيد الإمام إدريس بن الفاتح، وصارت هذه المدونة تعرف باسم "السفرة" حيث أشار إليها واقتبس منها مؤلف "عمدة الطالب" (3)، وفقد كتاب آخر بعنوان "تاريخ الأدارسة" كتبه الفقيه محمد بن عبد الملك بن الودون قاضي فاس في مبادئ دولة مغراوة (4).
__________
(1) - أبو زكريا الوارجلاني: السيرة وأخبار الأئمة، تح. عبد الرحمن ايوب، الدار التونسية للنشر، تونس، 1405ه/ 1985م، ص 163. وانظر كتابنا الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، المطبعة العربية، غرداية، ط2، 1994م، ص 23. وانظر الباروني سليمان باشا: الأزهار الرياضية في أيمة وملوك الإباضية، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، بلا تا، 2/ 293.
(2) - إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ، دار السلمي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1/ 138.
(3) - محمد المنوني: المصادر العربية لتاريخ المغرب، مقال بمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، ع 7، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1980م، ص 181.
(4) - نفسه، 171. (1/36)
صفحة 37
هذه الكتب الضائعة وهذا المصير المجهول لتلك العناوين لم تثننا عن اقتحام أغوار موضوع القضاء لأنه ولحسن الحظ بقيت بقية يمكن أن تسد الفراغ نوعاً ما. وإن كانت في أغلبها لا تعود إلى الفترة الدقيقة لموضوع بحثنا فإنها عموماً اعتمدت مصادر هي في عداد المفقودات فضلاً عن كونها الأقرب لفترة الموضوع.
فما هي هذه المصادر؟ وما أهميتها؟ ثم هل هناك مراجع مهمة في هذا الموضوع؟
أولاً: المصادر المعتمدة في البحث:
لكي نطلع على شيء من المصادر التي بين أيدينا, ارتأيت تصنيفها إلى أربع أسر أو مجموعات: أتناول في المجموعة الأولى مصادر التنظير للقضاء أو ما يعرف بأدب القضاة، وفي المجموعة الثانية مصادر التاريخ للقضاء والقضاة، وفي المجموعة الثالثة مصادر التاريخ العام والتراجم، وفي المجموعة الرابعة والأخيرة المصادر الفقهية.
المجموعة الأولى: مصادر أدب القضاة
إن هذه المجموعة من المصادر المهتمة بالقضاء لا تقدم الكثير في تاريخ القضاء بالمغرب الإسلامي, خاصة منها المؤلفات المشرقية فطابعها إداري محض أو يكاد, ولكن لحسن حظ هذه الدراسة أن توفر لديها كتاب معاصر ونقصد به كتاب "أدب القاضي والقضاء" لأبي المهلب هيثم بن سليمان القيسي المتوفى عام 275ه/ 888م. فقد نشأ هيثم بمدينة تونس في مطلع القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، وتتلمذ على علماء الأحناف مثل سليمان بن عمران القاضي بالقيروان، ثم كانت لهيثم رحلة إلى المشرق أخذ فيها عن جماعة وأولاه شيخه ابن عمران بعد عودته عناية خاصة, فولاه قضاء مدينة تونس واستمر فيه حتى توفاه الله (1).
__________
(1) - أبو المهلب هيثم بن سليمان القيسي: أدب القاضي والقضاء، تح. د. فرحات الدشراوي، نشر الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1970م، ص 8. (1/37)
صفحة 38
إن هذا الكتاب في التنظير القضائي وهو من كتب الأحناف مشحون بآراء أبي حنيفة وأبي يوسف تلميذه وغيرهما، تناول فيه مؤلفه أبواباً معروفة في مثل هذا النوع من المصادر، كأخذ الأجرة عن القضاء والرشوة والهدية للقاضي، ثم عينات من أبواب الفقه المرتبطة بالأحكام كالوكالة والشهادة والوصية والإقرار وما إلى ذلك. وقد انتفعت به كثيراً في المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأول والمتعلق بأشهر القضايا في القضاء الأغلبي.
إن هذا المؤلف ,يقول محققه الدكتور فرحات الدشراوي, غزير الفائدة صالح للنظر للحياة الدينية بالمغرب في القرنين الثالث والرابع للهجرة نظرة جديدة تختلف عما اشتهر من الأقوال في هذا الغرض عند جلّ الباحثين من أهل العربية والمستشرقين ويضيف: "لم يصل إلينا منه إلا هذا الجزء الرابع فقط في هذه النسخة الفريدة .. " (1).
إن مثل هذا الكتاب دليل على وجود عينات من الأحكام يستند إليها القضاة عند الضرورة في القضايا المتشابهة، ووجودها في هذا الوقت المبكر ببلاد المغرب يبرز الكم الضخم الذي فقد ولم يصل إلينا.
وإذا كان هذا الكتاب من أوائل ما ألف في الموضوع ببلاد المغرب وهو بهذه الأهمية وهذه الدلالات العميقة، إلا أننا لا نجد بعده من واصل ما بدأه من المغاربة، وهذا أمر غريب يدل على عدم التواصل وهو يفسر الانقطاع الذي حدث بدخول الفاطميين بلاد المغرب , إذ أن تأسيس خلافتهم على أنقاض الدول التي كانت قائمة عام 296ه/ 909م يعتبر مرحلة جديدة كل الجدة عما سبق وما سوف يكون بعدها.
ويعتبر أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي المتوفى سنة 450ه/ 1058م ,الرائد في هذا النوع من التأليف، لا شك أنه استفاد من الأقدمين
__________
(1) - نفسه. ص 10. (1/38)
صفحة 39
كما أفاد من منصب القضاء الذي تولاه بعاصمة الخلافة العباسية بغداد حتى لقب لأول مرة بـ "أقضى القضاة".
إن الماوردي صاحب الصيت الذائع مشرقاً ومغرباً سيكون عمدة المؤلفين من بعده , وكتبه ستكون المرجع الأساسي للمهتمين بالقضاء في الإسلام، لقد ألف كتابه المشهور" الأحكام السلطانية والولايات الدينية" (1)، وتناول في الباب السادس (2) منه ولاية القضاء وأعقبه بالباب السابع في ولاية المظالم (3) وختمه بالباب العشرين الذي خصصه لأحكام الحسبة (4).
لقد ألف الماوردي إضافة إلى "الأحكام السلطانية" كتابه الضخم "الحاوي الكبير في الفقه الشافعي" ويعتبر موسوعة ضخمة في فقه الشافعية تقع في ثلاثين جزءاً وما زال مخطوطاً ,طبع منه كتاب "أدب القاضي" (5) عرض فيها الماوردي بإسهاب الشروط التي يجب توفرها في القاضي (6)، وكما يقول الأستاذ قودفروا Gaudefroy إن الماوردي والذين جاؤوا من بعده كتبوا في القضاء ليقولوا لنا هكذا ينبغي أن يكون القضاء وليس هكذا كان القضاء (7).
وتناول في "أدب القاضي" شروط ولاية القضاء للمولّي والمولّى والعقد ومذهب الإمام ومذهب القاضي وكراهة اتخاذ الحاجب وتسلم ديوان الحكم
__________
(1) - راجعه الدكتور محمد فهمي السرجاني، المكتبة والمطبعة التوفيقية، القاهرة، 1978م.
(2) - نفسه، ص 72 - 85.
(3) - نفسه، ص 86 - 108.
(4) - نفسه، ص 270 - 292.
(5) - الماوردي: أدب القاضي، جزآن، تح. محي هلال السرحان، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1391 - 1971م.
(6) - عصام شبارو: القضاء والقضاة في الإسلام- العصر العباسي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1400ه/ 1980م، ص 330 - 332.
(7) - Gaudefroy Demombine: Notes sur L’histoire de l’organlsation Judiclaire en pays d’Islam. In Revue des etudes islamiques. Cahier II. Librairie orientale Paris, 1939. p. 109. (1/39)
صفحة 40
وتصفح أحوال المحبوسين، ويفصّل كل ذلك تفصيلاً دقيقاً ويعمل مثل ذلك في عرضه للأصول الشرعية التي يعتمدها القاضي كالكتاب والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد .. ثم ينتقل إلى شروط جواز ولاية القاضي كالبلوغ والعقل والحواس الخمس والرجولة وكل هذا في الجزء الأول. أما في الجزء الثاني فيتناول الشهود والشهادة وكتابة المحاضر والسجلات وشروط الكاتب ورزق القاضي ومجلسه وعزل القاضي وما إلى ذلك من أبواب وفصول كانت خير معين لنا في الفصل التمهيدي من هذه الدراسة (1).
وكما أسلفت اقتبس الأواخر منه كثيراً فالقاضي أبو يعلى محمد بن الحسن الفراء الحنبلي المتوفى عام 458ه/ 1065م, يقول عنه الدكتور رشاد عباس إنه لا يتشابه كتابه "الأحكام السلطانية" (2) مع كتاب الماوردي في عنوانه فقط وإنما في اتجاهاته وأغراضه كذلك, وتكمن أهميته في تدعيم الاتجاهات الواردة في المصدر السابق وهو الماوردي (3) وتطابق الآراء المذهبية الشافعية والحنبلية.
وفي آخر هذا القرن الخامس ألف أبو القاسم علي بن محمّد بن أحمد الرحبي السمناني الحنفي المتوفى سنة 499ه/1105م كتابه "روضة القضاة وطريق النجاة" (4) يذكر محتوياته ويقول بأنها: " ... مما لا يوجد لأحد قد جمعه في كتاب
__________
(1) - أشير هنا وأذكّر أن الفصل التمهيدي لهذه الدراسة والمتعلق بالقضاء في الإسلام , قد سحبته من هذه الطبعة الثانية للكتاب, وقد طبعته مستقلا بعنوان القضاء في الإسلام ,نشأته وأهميته وتاريخه حتى نهاية القرن الأول الهجري السابع للميلاد , دار المسار للنشر والتوزيع , المفرق, الأردن ,ط1, 2003م.
(2) - الفراء: الأحكام السلطانية، تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي. دار الكتب العلمية، بيروت، 1403ه/ 1983م.
(3) - رشاد عباس معتوق: نظام الحسبة في العراق حتى عصر المأمون نشأته وتطوره، مطابع دار البلاد، جدة، 402ه/ 1982م، ص 18.
(4) - تح. صلاح الدين الناهي، مطبعة سعد، بغداد، 1970م. (1/40)
صفحة 41
لجميع من تقدم من العلماء، فأما من تأخر فلا علم لنا به وبما يكون منه" (1). والجدير بالذكر أن السمناني ألف كتابه هذا لنظام الملك (2) الحسن بن علي (ت 482ه/ 1092م) وزير السلاجقة الشهير.
وفي الأندلس صنف القاضي المالكي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى 474ه/ 1081م كتابه "فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام" (3)، كما صُنف في هذا القرن "ديوان المشايخ" في الفقه الإباضي وهو ما يزال مخطوطاً إلى يومنا هذا (4)، يتناول كل أبواب الفقه ومنها الأقضية والأحكام التي يمكن اعتبارها حصيلة التجارب القضائية عند الإباضية خلال القرون السابقة ببلاد المغرب, اعتمد عليها عبد العزيز الثميني المتوفى سنة 1223ه/ 1808م في تحرير كتابه "الورد البسام في رياض الأحكام" (5) ولكنه لم يلتزم طريقة المشايخ في العصور الوسطى في الترتيب والتبويب، كما أنه لم يقتصر على ما جاؤوا به في كتابهم بل زاد عليه أبواباً عديدة .. (6) ويبدو أن الدافع له هو شعوره بفراغ مكتبة الفقه الإباضي لمثل هذا الكتاب في زمانه بإهمال التراث الماضي.
وكتب الشيعة "كتاب القضاء" وهو لعبد الله الشيرازي الذي نجهل تاريخ وفاته (7) ولكن من المؤكد أن الشيعة قد صنفوا في هذا المجال تصانيف عديدة جرياً
__________
(1) - نفسه، 42.
(2) - نفسه، 40 - 41.
(3) - تح. وتقديم محمد أبو الأجفان، الدار العربية للكتاب – المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس – الجزائر، 1985م.
(4) - ديوان المشايخ أو الأشياخ، كتاب الأحكام منه. مخطوط بمكتبة آل فضل بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم [خ. د. غ. 098/ 58].
(5) - تح. محمد بن صالح الثميني، المطبعة التونسية، تونس، 1345ه.
(6) - نفسه. ص. ب. مقدمة المحقق.
(7) - مطبعة النجف، 1972. (1/41)
صفحة 42
على عادتهم في مختلف الفنون والمعارف , وقد تطورت بعد القرن الخامس حركة التأليف في الأقضية والأحكام "فظهرت مصنفات منثورة وأخرى منظومة تعتمد الكتب المذكورة وتنقل عنها ملبية حاجة الجهاز القضائي إلى هذه الأحكام المنيرة لدرب القضاة" (1). ومن أمثلة ذلك "أدب القضاء" لابن أبي الدم الحموي الشافعي (2) المتوفى عام 642ه/ 1244م والذي يكاد أن يكون نسخة طبق الأصل من كتاب "أدب القاضي" للماوردي (3). وكذلك كتاب "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام" للقاضي برهان الدين إبراهيم بن فرحون المالكي المتوفى عام 799ه/ 1396م (4).
يقول الدكتور محمد مصطفى الزحيلي إن كتاب "معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام" للشيخ علا الدين أبي الحسن علي بن خليل الطرابلسي قاضي القدس "كتاب مسروق انتحله الطرابلسي من كتاب تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي, وقد سرق بالحرف وحذف منه بعض التفصيلات ... كما غيّر بعض الفصول بما يتفق مع المذهب الحنفي بينما ترك فصولاً أخرى ... وسها في بعض الأحيان عن الاختلاف بين المذهبين فيقرر أحكام المذهب المالكي على أنها للإمام أبي حنيفة" (5).
__________
(1) - الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي: فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكام، تح. وتقديم: محمد أبو الأجفان، الدار العربية للكتاب – المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس – الجزائر، 1985، مقدمة المحقق، ص99.
(2) - هو المعروف بكتاب الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات، تح. د. مصطفى الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ط2، 1402ه/ 1982م.
(3) - نفسه، ص 25.
(4) - مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1378ه/ 1957م في الحقيقة هذا الكتاب يحتاج إلى طباعة جديدة وتحقيق علمي حتى يأخذ مكانته بين هذا النوع من التأليف.
(5) - ابن أبي الدم: المصدر السابق، مقدمة المحقق، ص 719 هامش 6. (1/42)
صفحة 43
خلاصة القول إن الأوائل كتبوا في هذا النوع من التأليف الكثير, حتى أصبح اللاحق يتصرف في كتب السابقين ولا يزيد شيئاً جديداً ذا بال، وقد جمع الدكتور بدري محمد فهد أغلب عناوين هذه الكتب في مقالة له نشرها بمجلة المورد العراقية تحت عنوان "تراث المسلمين القضائي" (1).
كما أن الدكتور محمد مصطفى الزحيلي وضع فهرساً "لكتب أدب القضاء من المذاهب الأربعة" في آخر كتاب "أدب القضاء" لابن أبي الدم (2) وكلا العملين مهم لمن يريد المزيد في هذا المجال.
هكذا نلاحظ أن المذاهب الإسلامية كلها كتبت في هذا الموضوع (3)، واهتمت به حرصاً منها على تحري العدل والابتعاد عن الجور، لذلك جاءت عناوين الكتب: "معين" و"تبصرة" و"لسان" للحكام أي للقضاة في مجالس قضائهم يرجعون إليها ليجدوا فيها نماذج من الأحكام والأقضية الصادرة حولها. وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا النوع من المصادر أفادنا كثيراً في الباب الأول ,خاصة فيما يتعلق بمباحث "أهم القضايا في القضاء الرستمي والأغلبي".
المجموعة الثانية: مصادر التاريخ للقضاء والقضاة
إن المصادر التي اهتمت بتاريخ القضاء وتراجم القضاة ,مصادر ذات أهمية مباشرة في بحثنا ولكن لا غرابة إذا ذكرنا بأن أغلبها إن لم نقل كلها تتناول قضاء
__________
(1) - المورد المجلة العراقية، ع 1، مج8، دار الجاحظ، وزارة الثقافة والفنون، بغداد، العراق، 1399ه/ 1979م، ص 11 - 54.
(2) - ابن أبي الدم: المصدر السابق، 718 - 724.
(3) - هناك العشرات من العناوين ولكن لم نذكر هنا إلا المهم والتي عليها كان اعتمادنا في البحث أكثر. (1/43)
صفحة 44
وقضاة المشرق والأندلس دون التعرض للمغرب إطلاقاً ويمكن أن نذكر نماذج منها استعنّا بها في مختلف فصول هذا البحث.
أول هذه المصادر كتاب "أخبار القضاة" لوكيع محمد بن خلف (1) المتوفى سنة 306ه/918م، تناول فيه القضاء على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ثم الأمويين إلى أيام العباسيين وبدأه بما يعرف بـ "أدب القضاء" وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشديد فيمن ولي القضاء بين الناس ثم يذكر قضاة الرسول صلى الله عليه وسلم والقضاة الذين كانوا بعده ابتداءً بأبي بكر وهكذا إلى أن وصل إلى قضاة بني العباس بالمدينة ثم في مكة والطائف والبصرة والكوفة وختمه بأخبار قضاة الشام وفلسطين وإفريقية والأندلس ومصر وبغداد. والكتاب غني بتراجم القضاة والأقضية المتنوعة وهو يؤرخ لفطرة طويلة من القضاء الإسلامي ,ولا غنية لباحث من الرجوع إلى هذا الكتاب والاستفادة منه خاصة وأن وكيعاً كان قاضياً خبيراً بأساليب القضاة ومناح أقضيتهم ومناهج تفكيرهم إذ كان هو نفسه قاضياً على كور الأهواز بين العراق وبلاد فارس (2).
والجدير بالذكر أنه رغم هذه الأهمية العامة في تاريخ القضاء, فإن وكيعاً لم يذكر من قضاة إفريقية إلا عبد الرحمن بن زيادة بن أنعم الذي تولى القضاء للخليفة المنصور العباسي (136 - 158ه) على عهد الولاة بإفريقية (3).
وألف الخشني أبو عبد الله محمد بن حارث المتوفى عام 361ه/ 971م كتابه "قضاة قرطبة" (4) استقى أخبارهم مما كان تحت يده من خطابات تبودلت بين الحكام والقضاة كما رجع إلى بعض الوثائق الخاصة التي كانت محفوظة عند بعض
__________
(1) - ثلاثة أجزاء نشر عالم الكتب، بيروت، بلا تا. ومكان الطبع.
(2) - وكيع: أخبار القضاة، مقدمة المحقق، صفحة: هص.
(3) - نفسه. 3/ 215، 324.
(4) - الدار المصرية للتأليف والترجمة، مطابع سجل العرب، 1966. (1/44)
صفحة 45
الأسر (1). وعمل على ترتيب هؤلاء القضاة كرونولوجياً ابتداء من عهد الولاة بالأندلس فعهد الأمراء ثم الخلفاء الأمويين، يذكر اسم القاضي كاملاً ومن ولاه من الأمراء ويذكر نبذة عن حياته إن وجدها أو يذكر أنه لم يجد شيئاً عنه عند الرواة، واختار الخشني وهو القيرواني الإفريقي عاصمة الأندلس قرطبة ليكتب عن قضاتها لأنه وجد المادة الخبرية عنهم ولم يجد مثل ذلك في قضاة المغرب و إفريقية بالذات، ولعل الوجود الفاطمي بالمغرب في زمانه حال دون ذلك فوجد بغيته بأرض الأندلس بعيداً عن الاضطرابات السياسية والمذهبية التي كانت تشهدها أرض المغرب في بداية القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي.
أما القرطبي عبد الله محمد بن فرج المتوفى سنة 497ه/ 1103م فإنه ألف في "أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2)، وجاء بها مرتبة على أبواب الفقه مثل أقضيته في الدماء والجهاد والنكاح والطلاق والبيوع والقسمة والوصايا والمزارعة وما إلى ذلك، وسمى كل واحدة من تلك الأبواب كتاباً مثل كتاب الدماء وكتاب الجهاد وهكذا ...
ويشبه كتاب القرطبي كتاب محمد تقي التستري (مجهول الوفاة) حول "قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" (3) جمع فيه مؤلفه أقضية علي رضي الله عنه وحشاه بأنواع من الروايات الشيعية التي لا تخفى على الدارس اللبيب وابتعد في كثير من الأحيان عن موضوع القضاء واسترسل في القصص ... وشتان بين دقة منهج القرطبي ومنهج التستري في الكتابين.
واختار النباهي أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن الذي عاش في القرن الثامن الهجري الرابع عشر للميلاد ,التأريخ لقضاة الأندلس فكتب كتابه "المرقبة العليا
__________
(1) - نفسه. صفحة: ط.
(2) - مطابع قطر الوطنية. بلا تا. ومكان الطبع، يقع في 128 صفحة من الحجم العادي.
(3) - دار الشمالي للطباعة، بيروت، ط10، بلا تا. (1/45)
صفحة 46
فيمن يستحق القضاء والفتيا" (1). وهو المعروف بقضاة الأندلس، ويعتبر هذا الكتاب "وثيقة عظيمة الخطر عن تاريخ القضاء بالغرب الإسلامي بالعصر الوسيط، فتاريخ تصنيفه المتأخر (كما يقول ناشره) مكن مؤلفه من الإحاطة بمدة طويلة من الزمن تمتد من الفتح العربي إلى القرن الثامن الهجري" (2)، بالإضافة إلى أن النباهي كان قد تولى قضاء الجماعة بمدينة غرناطة الأندلسية وكان قبل ذلك كاتباً بديوان بلاط الملك الغرناطي وتولى قضاء مدينتين صغيرتين قبل أن يرتقي إلى قضاء الجماعة، ومدحه لسان الدين ابن الخطيب الأديب الأندلسي المشهور وأطراه ثم انقلب عليه فهجاه في مختلف مؤلفاته (3).
ومما يجب ذكره هو أن هذا الكتاب رغم أنه في قضاة الأندلس إلا أن النباهي أورد فيه العديد من تراجم قضاة إفريقية الأغلبية فضلاً عن عقده الباب الثاني كله في "سير بعض القضاة الماضين وفقر من أنباء الأيمة المتقدمين" فتحدث عن قضاة بغداد وعن القاضي الذي حكم بقتل الحلاج المتصوف الشهير كما ذكر القاضي المالكي أبا بكر الباقلاني.
وكتب الكندي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب المتوفى سنة 953ه/ 1546م "كتاب القضاة الذين ولوا قضاء مصر" (4). ورغم تأخره زماناً فإنه اعتمد العنعنة في روايته، ورواته كثيرون ووجدت أنه يهتم بذكر أوائل الأمور التي استحدثها قضاة مصر في مصرهم مثل القضاء بالمسجد واتخاذ القمطر والنظر في الأحباس وما إلى ذلك. والحقيقة أن المعلومات الهائلة التي ذكرها الكندي عن قضاء وقضاة مصر كانت لنا معيناً في استجلاء بعض الأمور الغامضة في قضاء المغرب الإسلامي خاصة وأن هذا
__________
(1) - المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. بلا تا.
(2) - نفسه. صفحة: ز.
(3) - نفسه. صفحة: ح. ط.
(4) - طبع بمدينة رومية العظمى، 1908. (1/46)
صفحة 47
الأخير كان تابعاً ولمدة طويلة لولاية مصر بعد الفتح مباشرة.
وألف ابن طولون شمس الدين محمد المتوفى سنة 953ه/ 1546م كتابه "الثغر البسام في ذكر من ولي قضاء الشام" (1) وهو المعروف بـ"قضاة دمشق". يذكر ابن طولون بشكل مختصر ترجمة القاضي ويهتم خاصة بجرحه وتعديله ومولده وتاريخ وفاته ولا يذكر شيئاً ذا بال عن القضاء في حد ذاته مثلما فعل الكندي معاصره مع قضاة مصر، فلم يضبط القضاة بدمشق ضبطاً دقيقاً مثل قضاة مصر واعتمد في كتابه تاريخ وفاة القضاة وليس تاريخ تعيينهم للقضاء مثلما فعل الكندي، لذلك نجد فجوات كثيرة إذ من المعروف أن عدداً لا بأس به من القضاة يُعزل قبل أن يموت قاضياً.
هذا ما ألفه المؤرخون في تاريخ القضاء والقضاة نلاحظ أنهم أرخوا لقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وقضاء ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أرّخوا لقضاة المدن مثل قرطبة وأرخوا لقضاة الأقاليم مثل مصر والشام والأندلس ولا شيء عن المغرب ومدنه إطلاقاً ,ولكن قد نجد إشارات ذات أهمية بالغة في هذا الكتاب أو ذاك تهتم بقضاء المغرب في بعض جوانبه أو ببعض قضاة المغرب خاصة المشهورين منهم الذين أطبقت شهرتهم الآفاق كسحنون بن سعيد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم.
ولقد استأنسنا بهذه المصادر في بعض ثنايا البحث ويبدو أن محمد الجودي أدرك هذا النقص وشعر بالفراغ الكبير الذي أصاب تاريخ قضاة إفريقية فألف كتابه "تاريخ قضاة القيروان" (2) إلا أنه من المتأخرين جداً عاش في القرن الرابع عشر
__________
(1) - تح. صلاح الدين المنجد، مطبوعات المجمع العلمي العربي، دمشق، 1956.
(2) - مخطوط تابع لمكتبة حسن حسني عبد الوهاب بالمكتبة الوطنية، تونس، رقمه 18397، نسخه الطاهر بن محمد العروسي الغرياني في عام1361ه. ع. أوراقه 43 ورقة مكتوب بخط مغربي جميل. (1/47)
صفحة 48
الهجري العشرين للميلاد. نقرأ في الورقة الأولى من مخطوطة الكتاب العبارة التالية: "تاريخ قضاة القيروان للعلامة الحافظ الحجة الحاج الأبر وفد الله المعتبر البركة بقية السلف الشيخ سيدي محمد الجودي لا زالت سفينة علومه مستوية على الجودي". علماً بأن الناسخ نسخ الكتاب سنة 1361ه/ 1942م وهذا يدل على أنه لا يزال على قيد الحياة في تلك السنة، يقول الجودي عن كتابه: " ... هذه جملة مختصرة في ذكر من وقفت عليه من قضاة القيروان من لدن الفتح إلى هذا التاريخ بعد البحث والتنقيب وهي غاية ما عثرت عليه من بعض كتب التاريخ ومن رسوم مضمنة بها أسماؤهم أو خواتمهم حسبما أُنَبِه على ذلك في محله ... " (1).
إن الجودي تتبع قضاة القيروان منذ الفتح كما ذكر إلى آخر القضاة وهو محمد بن محمد بن الحاج محمد بن قاسم العلاني الأنصاري الذي تولى قضاء القيروان سنة 1314ه/ 1896م وتوفي عام 1352ه/ 1932م (2).
لقد اقتبس الجودي أخبار القضاة في القرون الهجرية الأولى من "رياض النفوس" للمالكي و"المدارك" للقاضي عياض و"معالم الإيمان" للدباغ، كما اقتبس من "طبقات أبي العرب" و"تاريخ" الرقيق. ورغم أن هذه المصادر لا تزال موجودة ومطبوعة ومنشورة متداولة إلا أنني أعتبر الجودي الرائد في بلاد المغرب الإسلامي في الاهتمام بهذا النوع من التأليف الذي برز فيه المشارقة والأندلسيون كما سبق أن رأينا (3).
__________
(1) - الجودي: تاريخ قضاة القيروان. مخ. ق. 1 ظ.
(2) - نفسه، ق. 43 ظ.
(3) - اهتم الأستاذ الفرنسي جاك بيرك ( Jacques Berques) بهذا المخطوط وذكر أن الجودي يقتبس كلمة كلمة وحرفاً حرفاً تفاصيل كتابه من كتب الطبقات والوفيات. انظر Jacques Berques: Cadis de Kairouan d’apres un manuscript tunisien. In revue de L’occident Musulman et de La Mediterranee. N 13 - 14 1er semester 1973. imp Louis jean Typo-offset. Paris, 1974, p.100 .. (1/48)
صفحة 49
إن الجودي في كتابه ,جاء بأغلب ما وصلت إليه معرفته من قضاة القيروان منذ القاضي الأول في العهد الأموي إلى مشارف القرن العشرين معتمداً في ذلك المصادر المذكورة ثم اعتمد مصادر ووثائق مباشرة لقضاء الفترة الحديثة والمعاصرة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المخطوط نال اهتمام طالب في الدراسات العليا (1) قام بتحقيقه، ولا يزال كتاب الجودي مخطوطاً دون طباعة، ودراسة الطالب الأكاديمية المرقونة تصويراً دون طبع.
والحق أن كتاب الجودي المخطوط وهذه الأطروحة المرقونة لم تكن إفادتي منهما كبيرة لأنني عدت إلى المصادر الأصلية التي اعتمدها الجودي وتحقق من ضبطها البقلوطي لا غير دون إضافة تذكر، ومع ذلك اعتمدت المخطوط في كثير من الهوامش تأكيداً على أسبقيته وأهميته الفريدة.
إن هذه المصادر المتخصصة في تاريخ القضاء إن صحت العبارة كما رأينا أغلبها لا يتناول قضاء وقضاة المغرب لذلك كانت إفادتنا منها محدودة ولم تشكل أهم مصادر بحثنا، فهذه نجدها في المجموعة الثالثة وهي المتعلقة بمصادر التاريخ العام والتراجم وهي التي تشكل أهم مورد للمادة الخبرية في تاريخ القضاء ببلاد المغرب الإسلامي على الإطلاق.
المجموعة الثالثة: مصادر التاريخ العام والتراجم
لقد أطنبت مصادر التاريخ العام والتراجم والطبقات في ذكر أخبار القضاة ببلاد المغرب بعامة وبلاد إفريقية بخاصة، وكانت لنا خير معين في تحديد معالم القضاء المغربي في القرون الهجرية الأولى. ولكي تتضح إفادتنا من هذه المصادر أرى
__________
(1) - بقلوطي الهادي: تحقيق كتاب تاريخ قضاة القيروان لمحمد الجودي. أطروحة لنيل شهادة الكفاءة في البحث تحت إشراف د. محمد الطالبي. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس. 1971. رقم المذكرة في مكتبة الكلية المذكورة 3123 T. (1/49)
صفحة 50
ضرورة تصنيفها إلى مصادر تاريخ إفريقية ومصادر تاريخ الرستميين ومصادر تاريخ المغرب الأقصى.
أ- مصادر تاريخ إفريقية والمغرب:
من أهم المصادر التي زودتنا بالمادة الخبرية عن القضاء على عهد الولاة والأغالبة بإفريقية كتاب "طبقات علماء إفريقية وتونس" لأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني (1) المتوفى سنة 333ه/ 944م، لقد عاش أبو العرب أواخر العهد الأغلبي وبداية العهد الفاطمي, وكان جده تمام بن تميم ثائراً على والي إفريقية وثورته هي التي رشحت الأغالبة لحكم إفريقية باسم العباسيين (2).
إن هذا الاحتكاك القريب بفترة دراستنا، وهذا الانتماء الأسري لأبي العرب جعل كتابه المصدر الأساسي في تراجم قضاة إفريقية. وكان في بعض الأحيان يهتم كثيراً برواية العالم للحديث فيوثقه أو يضعفه وكأنه ألف كتابه في هذا المنحى بالذات والذي يعرف عند المحدثين بالجرح والتعديل ,ورغم أنه كان متعصباً للعرب ضد الفرس، على حد تعبير الدكتور محمود إسماعيل وقام بنصيب في الكتابات الشعوبية التي شاعت آنذاك ,إذ ألف عن "مناقب بني تميم" وأظهر بغضاً شديداً لمذهب أهل العراق وكتب عن فضائل أعلام المالكية مثل مالك وسحنون ونحى باللائمة على المتشرقين في كتابه الثاني "المحن" فضلاً عن كتاب الطبقات (3)، رغم ذلك يعتبر المصدر الأساسي في تاريخ قضاء
__________
(1) - قدم له وحققه الأستاذان علي الشابي ونعيم حيسن اليافي. الدار التونسية للنشر، تونس، 1986. وقاما بعمل أصيل حيث أضافا إلى أصل الكتاب كل الروايات التي اقتبست من أبي العرب ولكن لم يضمها المخطوط وإنما جاءت في المصادر التي اعتمدت على أبي العرب فيما بعد. انظر آخر الكتاب "نقول كتب الطبقات عن أبي العرب". ص 229 - 254.
(2) - أبو العرب: طبقات، 13.
(3) - محمود إسماعيل: مغربيات. دراسات جديدة، مطبعة فضالة، المغرب، 1977، ص 87. (1/50)
صفحة 51
إفريقية عصر الولاة والأغالبة وعليه اعتمد كثيراً الذين جاؤوا من بعده.
ومن أولئك تلميذه الخشني محمد بن الحارث بن أسد سالف الذكر صاحب كتاب "طبقات علماء إفريقية" (1) وكتاب "التعريف" الذي يذكره كثيراً وباستمرار ويقول بأنه أودع فيه ما لم يحضره في كتابه الطبقات (2)، إلا أنّ هذا الكتاب في عداد المفقودات.
لقد تقلب الخشني في عدة مناصب وألف العديد من الكتب في الطبقات والتاريخ والفتيا والنسب والرواية ومذهب مالك (3)، ويبدو أنه سليل بيت علم أباً عن جد (4).
ذكر الخشني في كتابه الطبقات علماء المالكية (5) وعلماء الأحناف والشافعية (6) والعلماء الذين انتحلوا الجدل والمناظرات في القيروان (7)، وفي آخر كتابه ذكر قضاة القيروان وعددهم ثمانية وعشرون قاضياً منذ عهد الولاة إلى بداية عهد الفاطميين وذكر قضاة المالكية والأحناف والشيعة ولخص ترجمة كل قاض من القضاة الذين تولوا هذه الخطة بالقيروان واهتم كثيراً بعلماء السنة الذين تشرقوا ويقصد بهم الذين تشيعوا ومالوا إلى الفاطميين طمعاً في المناصب وخاصة منها
__________
(1) - دار الكتاب اللبناني، بيروت. بلا تا.
(2) - نفسه، ص 136.
(3) - أبو العرب: طبقات، 140 هامش – أ-.
(4) - الفتح بن خاقان: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، القسم الثاني، تح. هدى شوكة بهنام، ضمن مجلة المورد العراقية، ع 3 - 4، مج 10، سنة 1402ه/ 1981م، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1981م، ص 357 - 358. حيث يذكر الفقيه أبا عبد الله محمد بن عبد الله الخشني المتوفى 286ه.
(5) - الخشني: طبقات، من صفحة 129 إلى 180.
(6) - نفسه: من صفحة 180 إلى 197.
(7) - نفسه: من صفحة 198. (1/51)
صفحة 52
منصب الوثائق الذي ذكره كثيراً (1).
إن هذه المادة الخبرية الغزيرة التي احتفظ لنا بها الخشني في طبقاته عن القضاة كانت من أهم الدعائم التي اعتمد عليها هذا البحث خاصة فيما يتعلق بقضاة إفريقية.
ومثله كتاب "رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم" لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي المتوفى في أواخر القرن الخامس الهجري الحادي عشر للميلاد (2).
إن كتاب رياض النفوس من أمتع الكتب في بابها فلقد قدم محققه الأستاذ البشير البكوش بسطة وافية عن الكاتب والكتاب وناقش إشكالية اعتبار ما بين أيدينا مختصراً لرياض النفوس فانتهى إلى ترجيح أن هناك جزءاً آخر من الرياض لم يقف عليه أحد ما عدا القاضي عياض الذي ترد التراجم في مداركه مفصلة يرويها عن المالكي (3).
وقد قسم المالكي كتابه إلى طبقات, ذكر من دخل إفريقية من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من التابعين وهم الطبقة الأولى من علماء القيروان ومنهم العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز (99 - 101ه) إلى المغرب ثم من هم دونهم أو من لم يستقر بالمغرب.
وفي الطبقة الثانية ذكر تراجم فقهاء القيروان ومحدثيهم وعبادهم من تلاميذ
__________
(1) - نفسه: 233 - 241.
(2) - توفي حوالي سنة 484هأو 494م. انظر مقدمة المحقق لرياض النفوس، تح. بشير البكوش، ومراجعة محمد العروس المطوي، 3 أجزاء، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1403ه/ 1983م.
(3) - المالكي: رياض. مقدمة المحقق، 22م- 31م، ومما يدل على أن رياض المالكي ناقصة السيرة المبتورة لإمام المغرب سحنون بن سعيد في الرياض إذ ينقص منها الكثير. انظر المالكي: رياض، 1/ 375، وانظر كذلك: 1/ 479، هامش 48. (1/52)
صفحة 53
الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وفي الثالثة فقهاء وعباد وزهاد القيروان وما يليها من تلاميذ مالك ولم يلتق بمالك. وهكذا طبقة بعد طبقة تلاميذ، وتلاميذ التلاميذ. وفي الطبقة الخامسة يتناول تلاميذ سحنون بن سعيد التنوخي قاضي القيروان المالكي وأكبر شخصية دينية في العصر الأغلبي.
إن المالكي كان في كتابه يتبع أسلوب الطبقات أو منهجها ثم تحول فجأة إلى منهج الوفيات وذلك ابتداء من سنة أربع وثمانين ومائتين (1)، وانتهى الجزء الأول من كتابه في سنة 291هوهو الجزء الذي كان عليه الاعتماد أكثر أما الجزء الثاني فإن التراجم التي تهم موضوعنا قليلة.
ومن المصادر التاريخية المهمة كذلك كتاب "تاريخ إفريقية والمغرب" للرقيق القيرواني أبي إسحاق إبراهيم بن القاسم (2) المعاصر للزيريين المتقلب في كثير من مناصبهم الإدارية.
إن هذا الكتاب المبتور هو الآخر يذكر المحققان له بأنهما حققا قطعة من الكتاب المكتشف لا كل الكتاب, ويقولان تعليقاً على سقط في النص وتقديم وتأخير في ترتيب أوراق المخطوط: " ... قد ذهب في السقط أخبار إبراهيم بن الأغلب مع إدريس وجزء من أخبار ابن غانم القاضي مع ابن الأغلب حيث جرت عادة المؤلف بإيراد أخبار القضاة في عهد كل والي بعد الحديث عنه ... " (3).
نعم لقد كان الرقيق مهتماً بأخبار القضاة وتراجمهم يأتي بها بعد أن يستوفي الحديث عن الوالي أو الأمير مثلما فعل مع يزيد بن حاتم, فبعد أن تحدث عنه بإسهاب عقد فصلاً بعنوان "أخبار القضاة في أيامه" (4) ولاشك أن ضياع جزء
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 482، وانظر هامش 1.
(2) - تح. د. عبد الله العلي الزيدان ود. عز الدين عمر موسى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
(3) - نفسه: 190 هامش 5.
(4) - نفسه: 127 - 131. (1/53)
صفحة 54
من هذا الكتاب هو ضياع لسيرة قضاة عديدين كان من الممكن أن يجلي الرقيق الكثير من الغموض في تاريخ القضاء بالمغرب، فالرقيق هو الوحيد من المؤرخين المغاربة الذين يضعون شبه عناوين للحديث عن أخبار القضاة فضلاً عن أخبار القضاء والقضاة المتناثرة هنا وهناك في كتابه (1).
ويعتبر كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض أبي الفضل بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المتوفى سنة 544ه/ 1149م (2)، من الموسوعات المذهبية، إذ حوى تراجم أعلام المذهب المالكي في المشرق والمغرب والأندلس، فإن كان المالكي قد خصص رياضه لتراجم علماء القيروان وإفريقية لا غير، فإن القاضي عياض جعل مداركه لكل أعلام المذهب المالكي وقرب به فعلاً المسالك لمعرفة تلك الأعلام. جعلها طبقات بعد طبقات تشبه ما سبقه إليه المالكي في رياضه إلا أن القاضي عياض كان يميل إلى ذكر مناقب الزهاد بشيء من التفصيل أكثر من الفقهاء والقضاة، فيذكر مستجابي الدعاء وأصحاب الخوارق وقراء القرآن أحزاباً بالليل ومع ذلك فهو يطيل أيضاً في ذكر مناقب القضاة العدول، والمهم أن الكتاب مفيد جداً في تاريخ القضاء بإفريقية، وقد لاحظت له خاصية أخرى وهي اهتمامه بذكر الأصول الاجتماعية والقبلية للقضاة والفقهاء مما أفاد منه البحث كثيراً في هذا الغرض.
وأشير هنا إلى أنني اعتمدت كثيراً على كتاب "تراجم أغلبية" وهي التراجم التي استخرجها كما هي الدكتور محمد الطالبي من مدارك عياض وخصص لها
__________
(1) - يقول محقق الكتاب: إن إهمال تاريخ الرقيق راجع إلى صلته بالزيزيين أيام علاقتهم بالفاطميين فلما انقلبت إفريقية على مذهب الشيعة صرف الناس عن مؤلفات من لهم صلة بهم، ثم إن الرقيق قيل هو صاحب خمر ألف في الخمر مما جعل العلماء يتحرزون في الأخذ عنه صراحة. لقد كان كتاب الرقيق عدة مجلدات لم تصلنا منها إلا القطعة المذكورة التي بين أيدينا. انظر مقدمة المحقق: صفحة: هر، ل.
(2) - تح. د. أحمد بكير محمود في 3 أجزاء، منشورات دار مكتبة الحياة، ودار مكتبة الفكر، ليبيا، بلا تا. (1/54)
صفحة 55
ذلك التأليف وأرفقها بفهارس مهمة، كثيراً ما قربت لنا مسالك أعلام مذهب مالك وهو الغرض الذي وضع بسببه القاضي عياض كتابه المدارك، ولذلك فإنني نسبته لعياض، وقد نسبه مؤلفه قبلي لعياض, على خلاف ما يفعل بعض الدارسين من جعله كتاباً للدكتور محمد الطالبي (1).
وتتواصل هذه السلسلة من التآليف دون انقطاع حيث يُطلعنا القرن السابع الهجري بكتاب "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" من تصنيف أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الأنصاري الأسيدي المعروف بالدباغ المتوفى عام 696ه/ 1296م والذي أكمله وعلق عليه أبو الفضل أبو القاسم بن عيسى المعروف بابن ناجي التنوخي المتوفى عام 839ه/ 1435م (2).
إن هذا الكتاب بأصله الأول الذي هو للدباغ ,وتكملته التي هي لابن ناجي يعتبر الكتاب الأوفى لتراجم علماء وأهل القيروان، اتبع فيه مؤلفه الأول طريقة السابقين عليه من ذكر لفضل إفريقية والقيروان ومن نزل فيها من الصحابة ثم من التابعين ثم من العلماء الأعلام ويأتي بالترجمة مفصلة ويكمل ابن ناجي ما يراه ناقصاً لذلك جاء الكتاب مفصلاً كاملاً شاملاً لجميع مرويات من سبق من المؤرخين الأولين كأبي العرب والمالكي وعياض وغيرهم. وجاء في أسلوبه سلساً سهلاً كبير الفائدة ساعد البحث كثيراً في الحصول على تراجم القضاة مفصلة بدقة مع بعض التعليقات التي أكمل بها ابن ناجي الكتاب ولا تخلو من فائدة.
هذه أهم المصادر التي زودتنا بالمادة الخبرية الضرورية في تاريخ قضاء إفريقية
__________
(1) - عياض: تراجم أغلبية، مستخرجة من مدارك القاضي عياض. تح. د. محمد الطالبي، المطبعة الرسمية، تونس، 1968.
(2) - الكتاب في جزئه الأول بتصحيح وتعليق إبراهيم شبوح. أما الأجزاء الثلاثة الأخرى فهي بتح. د. محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور والشيخ محمد المجدوب ود. عبد العزيز المجدوب، نشر المكتبة العتيقة، تونس، ط2، 1413ه/ 1993م. (1/55)
صفحة 56
عهد الولاة والأغالبة. ومن الملاحظ أنها في أغلبها مؤلفات مالكية، فلا نعرف تاريخ إفريقية إلا من خلال هذه الكتب بالدرجة الأولى، لذلك فإننا نعرف تفاصيل دقيقة عن علماء المالكية ونجهل كل شيء عن علماء الأحناف، فهؤلاء كما ذكرنا ذلك سلفاً لم يحفظوا لنا تراثهم وربما قضى عليه في الصراع المذهبي الذي كان محتدماً بين الحنفية والمالكية والشيعة والمعتزلة في فترة موضوعنا وبعدها. وهكذا نلاحظ أن تاريخ إفريقية الأغلبية عموماً وتاريخ قضائها خصوصاً يكون مبتورا ناقصاً من مصادر حنفية أصيلة تعطينا حقيقة علمائها وقضاتها وأعلامها لأن بعض التراجم للقضاة الأحناف قد نجدها في المصادر المالكية المذكورة فرضت وجودها بما قدمته من أعمال عظمى أو اضطرت تلك المصادر إلى المحافظة على ترجمة لها لأن لها علاقة عداء وصراع مع علَم من أعلامها فجاء ذكرها عرضاً دون قصد.
ويعتبر كتاب "البيان المغرب" لابن عذاري المراكشي (حي في القرن السابع الهجري، الثالث عشر للميلاد) (1) وكتاب "نهاية الأرب" للنويري المتوفى سنة 732ه/ 1332م (2)، وكتاب العبر لابن خلدون المتوفى سنة 808ه/ 1405م (3) من المصادر التي لا نغفل عنها وإن لم تحمل الكثير ولا المهم من تراجم القضاة وتاريخ القضاء بالمغرب، فابن عذاري من حين لآخر يذكر قاضياً عرضاً لأن كتابه البيان وضعه لرصد أمراء إفريقية والمغرب والثورات التي اندلعت وكل ما يتصل بالشؤون السياسية أما العلماء أو النكبات أو الشؤون الاجتماعية والثقافية فتكاد تنعدم من
__________
(1) - ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تح. ج. س. كولان، إليفي بروفنصال، دار الثقافة، بيروت، 1948.
(2) - النويري أحمد بن عبد الوهاب: كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب (تاريخ المغرب الإسلامي في العصر الوسيط: 27 - 719هم 647 - 1319م)، تح. د. مصطفى أبو ضيف، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، 1984. ونختصر عنوانه إلى (تاريخ المغرب) لأن المحقق وضع الكتاب الآخر بعنوان (الدولة الفاطمية) وكلاهما للنويري.
(3) - ابن خلدون عبد الرحمن: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968، 7 مجلدات. (1/56)
صفحة 57
كتابه إلا ما جاء عرضاً كما أسلفنا ومع أن ابن عذاري كاتب متأخر على حد قول هوبكنز "إلا أنه استعمل أقدم المصادر تحت تصرفه بحكمة وحذر ... ولا يحتوي كتابه إلا على القليل من التناقضات وإلا على القليل من المبالغات الواضحة، ولا أثر في الكتاب للميل نحو المحاجات الجدلية ... وتبعث لهجته المعتدلة البعيدة عن الهوى ثقة, لا يستحقها إلا النزر اليسير من زملائه" (1). وهذا ما يشعر به الباحث فعلاً عند قراءته لبيان ابن عذاري، لذلك كانت العودة إليه في تحديد الظروف السياسية لبلاد المغرب الإسلامي كلما دعت الضرورة لذلك.
أما النويري فيكفي أن نذكر أن كتابه حوى الكثير مما ضاع من كتاب الرقيق (2) ولا يذكر عادة التواريخ ويتعمد إهمالها وألف كتابه خاصة في تفصيل الحديث عن الأحداث السياسية ببلاد المغرب ,اعتمد المخطوطات العديدة التي كانت تحويها مكتبته الغنية بحكم تقلبه في مختلف المناصب على عهد المماليك الذي اشتهر بالكتابات التاريخية الكثيرة والمتنوعة، ولأهمية الكتاب كان عمدة المشارقة والمغاربة على حد سواء فيما بعد.
أما ابن خلدون فإن مقدمته المشهورة لا غنية لباحث في التاريخ عنها، أما العبر أو كتاب التاريخ فمن المعروف أن ابن خلدون اهتم كثيراً بقبائل البربر في بلاد المغرب وتقلباتها وتأثيراتها على مجريات الأحداث السياسية ولم يهتم بتفاصيل الأمور، فهو لا تعنيه ولا يعير كبير اهتمام للجزئيات التي نبحث عنها ويتطلبها موضوع كموضوع القضاء، فلابن خلدون كما وصفه هوبكنز "نظرية عامة في التاريخ تحوم دوماً من وراء عباراته وهو يسعى لدى سرده للأحداث لأن يثبت
__________
(1) - هوبكنز ج. ف. ب: النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى، تر. أمين توفيق الطيبي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس، 1980م، ص 11.
(2) - النويري: نهاية الأرب (تاريخ المغرب)، 32 - 34. (1/57)
صفحة 58
الدائرة الخاصة بقيام الدول وسقوطها وهي الدائرة التي كرس لها المقدمة" (1).
إن هذه المصادر التاريخية وهذه الكتب المنقبية المهتمة بالسير والتراجم، تكشف عن أهميتها في بحثنا من خلال عناوينها فهي في الحقيقة الأكثر غزارة من حيث المادة الخبرية لموضوع القضاء، ومن المعروف أن القضاة يعتبرون من العلماء الأعلام العاملين الذين أثروا في المجتمع تأثيراً إيجابياً بعدلهم أو سلبياً بجورهم وفي كلتا الحالتين كانت أقلام أصحاب التراجم والطبقات وبعض المؤرخين ترصد حركات هؤلاء القضاة وسكناتهم. وكثيراً ما لاحظت أنها تنجر وراء مدح أتباعها من المالكية والقدح في مخالفيها من الحنفية والمعتزلة ولم ينجر ابن عذاري ولا النويري وراء هذا التيار وهو ما يثمن كتابيهما ويبرر اعتمادنا عليهما رغم ندرة أخبار القضاة فيهما.
ب- مصادر تاريخ الرستميين (المغرب الأوسط):
من المعروف أنني عرضت مصادر التاريخ الرستمي، أعتقد، عرضاً شافياً شاملاً في البحث الذي نلت به درجة الماجستير عام 1984م بقسم التاريخ كلية الآداب جامعة بغداد والذي كان عنوانه"الدولة الرستمية:160 - 296ه/777 - 909م. دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية" (2) وأجدني مضطراً إلى ذكر أن تلك المصادر ذاتها هي التي حوت بعض أخبار القضاء والقضاة عند الرستميين. وهل يصح ما قاله الدكتور محمود إسماعيل من أن مصادر الإباضية "حفلت بإشارات عن نظم الدولة الرستمية" (3)؟
__________
(1) - هوبكنز: المرجع السابق، 13.
(2) - انظر كتابنا: الدولة الرستمية، المبحث الخاص بالمصادر والمراجع، ص 23 - 58، وخاصة المصادر الإباضية، 23 - 34.
(3) - الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيروت، 1976، ص 196. (1/58)
صفحة 59
إن تلك العبارة مبالغ فيها، فهذه المصادر ألفها أصحابها في ذكر مناقب الإباضية بالدرجة الأولى وبالتالي لم تشر إلا عرضاً إلى ما يمكن أن يكون وظيفة تولاها هذا الشيخ أو ذاك وليس هناك من الوظائف ذات الأهمية إلا الولاية والقضاء فضلاً عن الإمامة.
لقد بذلت جهدي لاستخلاص بعض العبارات المؤدية لمعنى الاستقضاء أو الحكم عندما لا يصرح المؤلف عن تولي المترجم له لمنصب القضاء لأن الهدف من الترجمة ذكر المناقب الدينية من كرامات واستجابات للدعاء وهو ما لاحظه الدكتور محمود إسماعيل عندما قال بأن مصادر الإباضية "تسرف في ذكر الخوارق والمعجزات والمعلومات ذات الطابع الأسطوري مما يؤثر في أهميتها التاريخية" (1).
والحقيقة أن ذكر الخوارق والمعجزات ظاهرة للعديد من المصادر في العصور الوسطى وخاصة تلك التي يشكو أصحابها القهر السلطاني أو التعسف الإداري أو الاختلاف المذهبي مع مذهب الدولة وهي حالات الإباضية بعد سقوط دولتهم الرستمية.
إن أهم مصدر في تاريخ الرستميين هو لابن الصغير (حي في القرن 3ه/ 9م) (2) الذي لقب بمؤرخ الرستميين، علماً بأنه يتمذهب بمذهب مغاير للإباضية ويصرح بذلك عندما يذكر أنه سوف يكون أميناً في أخباره ويقول: "وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين ... " (3)، فابن الصغير المعاصر للرستميين والمقيم في عاصمتهم تيهرت تاجراً وطالب علم (4) احتفظ لنا في كتابه
__________
(1) - محمود إسماعيل: قضايا في التاريخ الإسلامي منهج وتطبيق، دار العودة، بيروت، 1974.
(2) - ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، تح. د. محمد ناصر وبحاز إبراهيم، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986.
(3) - نفسه: 27.
(4) - نفسه: 84. (1/59)
صفحة 60
الصغير القيم بالعديد من الإشارات المباشرة في تاريخ القضاء وسيرة القضاة بتيهرت وهو ما لم توله المصادر الإباضية الاهتمام اللازم لأن جل تاريخها إنما هو في تاريخ جبل نفوسة وقراه أو تجمعات الإباضية بالمغرب الأدنى كقسطيلية والجريد وجزيرة جربة وفي المغرب الأوسط بوارجلان وواد سوف وهي المناطق التي لم يعرفها ابن الصغير ولم يخرج من إطار العاصمة تيهرت. وهكذا كأن كتاب ابن الصغير ومؤلفات الإباضية تكاملت، كمّل أحدهما الآخر وحصلنا على قدر لا بأس به من أخبار القضاء والقضاة عند الرستميين.
من أهم مصادر الإباضية التي أرخت للرستميين كتاب "السيرة وأخبار الأيمة" لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني المتوفى سنة 471ه/ 1078م (1).
إن هذا الكتاب هو أول كتاب في سيرة الأيمة الرستميين يكتبه إباضي ويكتب له البقاء، وعلى منواله نسج الذين جاؤوا من بعده وأضافوا إليه وأعادوا صياغته وخاصة منهم أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان الدرجيني المتوفى حوالي سنة 670ه/ 1281م في كتابه "طبقات المشائخ بالمغرب" (2) في جزئه الأول أما الجزء الثاني فإن الدرجيني يعتبر أول إباضي يكتب في تراجم العلماء متبعاً منهج الطبقات فجعل كل خمسين سنة طبقة وقد أفادنا هذا المنهج كثيراً في تحديد فترات بعض العلماء الذين تولوا القضاء في بعض الأقاليم التابعة للرستميين.
ومن المصادر التي وجدت العناية البالغة منذ وقت مبكر كتاب الشماخي
__________
(1) - طبع طبعتان أولاهما بتح. الأستاذ إسماعيل العربي، المكتبة الوطنية، الجزائر، 1399ه/ 1979م، والثانية تح. الأستاذ عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، 1405ه/ 1985م، وعلى هذه الطبعة اعتمدت في البحث وقد أرجع إلى الطبعة الأولى ولكن أشير إليها عند الضرورة. كما أن هذا الكتاب حظي قبل ذلك باهتمام المستشرق ماسكراي ترجمه وعلق عليه ونشره، انظر:
Masquray Emile: Traduction de la chronique d’Abou Zakaria. Imp.de l”association ouvriere. Alger, 1878.
(2) - حققه الأستاذ إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394ه/ 1975م. (1/60)
صفحة 61
أبي العباس أحمد بن سعيد المتوفى عام 928ه/ 1521م "كتاب السير" (1) الذي جمع فأوعى كل السير المعروفة في زمانه وكان مثله مثل "كتاب معالم الإيمان" للدباغ وابن ناجي سالفي الذكر.
لقد كانت سير الإباضية تتبع العلماء ومشايخ الدين ومنهم القضاة في "حلقات العلم وفي ميادين السياسة والحرب كما تلازمهم في الأسواق والشوارع وتسجل أعمالهم في التجارة وفي الزراعة وتسايرهم في الإقامة وفي السفر وفي كل هذه الأحوال وتهتم بعلاقتهم بأفراد عامة الشعب الذين كانوا محتاجين إليهم في تدبير أمور دنياهم" (2)، هذه المتابعة الفعلية الدائمة التي نلاحظها في سير الإباضية ساعدتنا كثيراً في إجلاء الغموض عن جوانب من القضاء في العهد الرستمي خاصة ما يتعلق منها بمواضيع الأقضية أو النظام القضائي العام.
من المصادر الإباضية التي اكتشفت حديثاً كتاب "سيرة أهل نفوسة" للبغطوري مقرين بن محمد اليفرني الذي كان حياً في سنة 599ه/ 1202م (3)، وكذلك "كتاب السير" للوسياني أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الذي عاش في القرن السادس للهجري الحادي عشر للميلاد (4).
إن كتاب البغطوري اتبع فيه منهج ذكر علماء قرى جبل نفوسة قرية فقرية ورغم أن أغلب تلك الروايات معروف لدينا إلا أن هناك بعض الجديد الذي لم
__________
(1) - طبع لأول مرة عام 1301ه/ 1883م، طبعة حجرية بقسنطينة، الجزائر. والجدير بالذكر أن الدكتور محمد حسن قام بتحقيقه ضمن أطروحة لنيل شهادة التعمق في البحث بجامعة تونس، وطبع جزء منه صدر عن كلية العلوم الإنسانية بتونس عام 1995، السلسلة 4، المجلد XXX.
(2) - سعد زغلول عبد الحميد: هامش على مصادر تاريخ الإباضية في المغرب دراسة لكتاب السير، في أشغال المؤتمر الأول لتاريخ المغرب العربي وحضارته، ج1، الجامعة التونسية، 1979، ص 59.
(3) - مخطوط منسوخ من نسخة قديمة يرجع تاريخها إلى أوائل القرن التاسع الهجري، نسخها الشيخ سالم بن يعقوب بجربة تونس عام 1385ه/ 1965م، ولي نسخة مصورة منها.
(4) - مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 9113، وبحوزتي نسخة مصورة منه. ويعمل حالياً الأستاذ عمر لقمان على تحقيقه ضمن دراسته لنيل درجة الدكتوراة. (1/61)
صفحة 62
يسجله أصحاب السير المتأخرين على البغطوري كالشماخي مثلاً، فلقد ذكر علاقة الإباضية ببني زيري وذكر الكثير من النساء الإباضيات الورعات أو غيرهن وما إلى ذلك من الأخبار ذات العلاقة بموضوع بحثنا.
والوسياني اتبع منهج ذكر أخبار وروايات وفتاوى المشايخ بالأقاليم الآهلة بالإباضية فذكر روايات أهل نفوسة ثم روايات جربة وروايات علماء تيهرت وهكذا ... ولا يخفى ما لهذه الروايات من فائدة مباشرة أو غير مباشرة لموضوعنا.
هكذا نصل إلى أن المصادر التاريخية والتراجم المهتمة بتاريخ الرستميين متنوعة إباضية وغير إباضية تكاملت وأعطتنا نبذاً غير مقصودة عن بعض القضاة وبعض الأقضية ورصدت لنا، إلى حد ما، معالم القضاء عند الرستميين حاولنا إبرازه في مباحث وفصول وأبواب هذا البحث.
ج- مصادر تاريخ المغرب الأقصى:
إذا كان الكثير من المخطوطات الإباضية نجت من عبث الغزو الفاطمي لتيهرت سنة 296ه/ 909م (1) وشكلت المصادر الأساسية التي رصدنا من خلالها للقضاء عند الرستميين، فإن الأمر على خلاف ذلك في المغرب الأقصى حيث الأدارسة والمدراريون، وبرغواطة وبنو صالح، وإذا كنا نجد مصادر معاصرة أو قريبة لفترة الولاة والأغالبة والرستميين فإننا لا نجد مصدراً واحداً معاصراً لدول المغرب الأقصى في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وكل ما كتب عنهم جاء متأخراً جداً، ويقول الدكتور سعد زغلول عبد الحميد: "إذا كان علماء فاس لم يحظوا بمثل كتب الطبقات التي حظي بها علما القيروان وقتئذ فإن كتب الطبقات الأندلسية اعتنت بتسجيل سير كثير من
__________
(1) - محمود إسماعيل: الأدارسة (172 - 375) حقائق جديدة، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1411ه/1991م، ص 141. (1/62)
صفحة 63
علماء فاس ومناقبهم وإن كان ذلك فيما بعد العصر الإدريسي" (1).
فما هي مصادر التاريخ لهذا الإقليم من المغرب الإسلامي في القرنين الثاني والثالث للهجرة؟
إن المغرب الأقصى تأخر طويلاً في تسجيل تاريخه العام وتاريخ دوله المتعددة وطبقات علمائه في القرون الهجرية الأولى، وهذا التأخر الطويل أفقد المغرب الأقصى الكثير من التفاصيل في تاريخه الإسلامي الأول، إذ ضاع جله ولم يبق منه إلا النزر القليل الذي لا يكاد يقيم حقيقة تاريخية إلا تخميناً واستنتاجاً.
والحقيقة أن التأريخ للقضاء في هذه البقعة من المغرب الإسلامي مجازفة كبيرة أمام غياب المصادر القريبة من الفترة فضلاً عن مصادر الفترة موضوع دراستنا في حد ذاتها. ولقد عانيت الكثير للحصول على بعض عناوين الكتب المتعلقة بتاريخ دول المغرب الأقصى مصادر ومراجع فلم أحصل عليها إلا بعد زيارتي للمغرب في صائفة عام 1994م عندما اطلعت على مختلف المكتبات العمومية هناك وأهمها الخزانة الملكية والخزانة العامة وكلتاهما بالرباط ومكتبات الجامعات في كل من الرباط والدار البيضاء وفاس.
ولقد عانى الدكتور سعدون عباس نصر الله مثل معاناتي لتحرير كتابه "دولة الأدارسة في المغرب العصر الذهبي (172 - 223ه/ 735 - 788م) " (2) استقصى كتب التاريخ ومخطوطات المغرب الأقصى وقام برحلة إلى هناك وتجول بين المكتبات العامة والخاصة وأكب على المصادر التي وجدها وأكثرها، كما يقول، مخطوط
__________
(1) - زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي (تاريخ دول الأغالبة والرستميين وبني مدرار والأدارسة حتى قيام الفاطميين) منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1979، 2/ 517. ويقول محمود إسماعيل: كيف يمكن التأريخ لدولة انعدم أو كاد إطارها المصدري؟ سبق أن طرح هذا السؤال باحث مغربي "أثبت أن كتب الأدارسة الأصلية أهملت قديماً حتى ضاعت إن لم يكن قد أتلفت عمداً" انظر الأدارسة، 10.
(2) - طبع ونشر دار النهضة العربية، بيروت، 1408ه/ 1987م. (1/63)
صفحة 64
استنطق سطورها للحصول على الحقيقة ولو بصورة نسبية وحصل على معلومات لا بأس بها كانت دفينة المخطوطات، وتجشم الصعاب في قراءة الخط المغربي القديم ومع كل هذا فإنه لم يأتنا بجديد فيما يتعلق بالإدارة الإدريسية عموماً, خاصة وأنه تناول عصرها الذهبي كما يؤكد عنوان كتابه رغم أنه عقد الفصل الرابع وهو الأخير لدراسة خطط الإمامة والوزارة والقضاء والكتابة والجيش إلا أنه لم يأت إلا بما هو معروف سلفاً عن القضاء.
إن المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الأقصى عموماً وتاريخ الأدارسة منه خصوصاً "تكاد تكون كلها تمجيدية ومطابقاً الواحد منها للآخر إلى حد كبير، فقصة إدريس وابنه كانت لقرون عديدة أسطورة ذهبية لم تعد في عالم التاريخ" (1).
إن أولى المصادر التي بين أيدينا هي لابن أبي زرع أبي الحسن علي بن عبد الله الفاسي المتوفى حوالي عام 741ه/ 1340م "الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس" (2) هذا الكتاب هو أوفى المصادر المتأخرة بعامة ومنه نقل كل من جاء بعده، يقول محمود إسماعيل "يورد أحداثاً ووقائع يزعم بالباطل أنه نقلها عن أسلافه" (3)، ومن الصعوبة الثقة بالكتاب وببعض معلوماته (4).
إن ابن أبي زرع اتبع طريقةً "ليست طريقة الحوليات التي جرى عليها أغلب المؤرخين في العصر الوسيط ولكنها طريقة من يؤرخ للدول، فهو يذكر الدولة ونسبها وتشعب قبائلها ومراحل تأسيسها ثم يذكر سلاطينها واحداً واحداً وما
__________
(1) - هوبكنز: النظم، 15. وانظر محمود إسماعيل: الأدارسة، 69. جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، 14.
(2) - دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972 - 1973، هذا الكتاب بلا تح. أكاديمي ذي بال تعمد ناشره أخطاء فادحة فكانت الطبعة بذلك رديئة جداً ومشوهة للغة العربية وجمال رسمها.
(3) - الأدارسة: 11، وانظر: مغربيات، 18.
(4) - هوبكنز: النظم، 14. (1/64)
صفحة 65
قاموا به من أعمال، ثم يذكر في نهاية الكلام عن كل دولة ما حدث في أيامها من أحداث اجتماعية واقتصادية وظواهر طبيعية كَوَفيات الأعيان ورخاء الأسعار وانتشار الأوبئة والمجاعات ونزول الأمطار بغزارة وظهور نجوم غريبة" (1) وهكذا نجده مثلاً في نهاية أخبار دولة الأدارسة يضع عنوان "الخبر عن الأحداث التي كانت بالمغرب في أيامهم إلى انقضائها" ويأتي بتلك الأخبار (2) على الطريقة التي ذكرت.
ورغم أهمية هذه الأخبار التاريخية التي اقتبسها منه جل المؤرخين الذين جاؤوا من بعده في المغرب الأقصى فإنها لم تغن موضوع القضاء كثيراً ولكن أهميتها كبيرة لمن يريد دراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمغرب الأقصى في القرون الهجرية الأولى بخاصة والتي بعدها بعامة.
ومن الملاحظ أن ابن أبي زرع اهتم بذكر خطباء جامع القرويين (3)، ولم يهتم بذكر إداريي الدولة المتعاقبة على فاس ابتداء من الأدارسة، أو على الأقل ذكر القضاة الذين تعاقبوا على ذلك الجامع نفسه، وهذا ربما يجعلنا نعتقد أن أسماء القضاة كانت معروفة, ولما لم تجد الاهتمام من قبل المؤرخين الأوائل ثم الأواخر زالت وطمست وعفيت آثارها.
وبقدر ما كانت الحقائق التاريخية غائبة بين ثنايا الأخبار التمجيدية للأدارسة، كانت الحقائق الأخرى غائبة بين ثنايا أخبار الذم لبرغواطة، فالطعن والتحامل هو سمة الأخبار المتعلقة ببرغواطة ومن لف لفها، وهكذا طغت العاطفة على مؤرخي المغرب الأقصى ابتداء من أولهم ابن أبي زرع.
ولا نجد جديداً فيما يعرف عن تاريخ الأدارسة والمغرب عند لسان الدين
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس، 8.
(2) - نفسه: 96، 102.
(3) - نفسه، 55 - 76. (1/65)
صفحة 66
ابن الخطيب المتوفى سنة 776ه/ 1374م في كتابه "أعمال الأعلام تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط" (1) ولا عند الجزنائي على (حي في النصف الثاني من القرن 8ه/ 14م) في كتابه "جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس" (2) أو الذين جاؤوا من بعده ,فكلهم عالة على ابن أبي زرع منه اقتبسوا دون زيادة أو إضافة جديدة حتى إن كتبهم أصبحت تتشابه تشابه الماء بالماء كما يقال، وكلها اهتمام بالجانب السياسي لتاريخ المغرب الأقصى, ذكر للحكام ومنازعاتهم واضطراباتهم.
إن هذه المصادر وغيرها (3) لم تقدم الكثير لموضوعنا ومع ذلك ولما لم نجد أهم منها اعتمدناها وحاولنا استنطاق بعض النصوص ذات الدلالات غير المباشرة لموضوع بحثنا، لذلك فإن دراستنا لتاريخ القضاء في المغرب الأقصى بمختلف كياناته يغلب عليها التخمين والاستنتاج قصد تغطية النقص في المادة الخبرية.
ولا بأس من ذكر شيء عن كتاب الحلبي أحمد بن عبد الحي الشافعي المتوفى 1120ه/ 1708م الذي خصصه للسلالة الإدريسية وسماه "الدر النفيس والنور الأنيس في مناقب الإمام إدريس بن إدريس" (4) فرغم أنه آخر المصادر التي يمكن اعتمادها في تاريخ الأدارسة، والمفروض أن يستوعبه استيعاب الدباغ لتاريخ إفريقية أو الشماخي لسير الإباضية، إلا أننا وجدناه دون المقصود وقد تأسفنا لذلك لأننا رجونا منه الكثير قبل أن نحصل عليه.
__________
(1) - القسم الثالث منه تح. د. أحمد مختار العبادي والأستاذ محمد إبراهيم الكتاني، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1964.
(2) - تح. عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، ط2، 1411ه/ 1991م.
(3) - بالإضافة إلى المصادر المذكورة اعتمدت: المكناسي أحمد بن القاضي في كتابه جذوة الاقتباس في ذكر من حلّ من الأعلام مدينة فاس. دار المنصورة للطباعة والوراقة، الرباط، 1973م. ولا يختلف عن سابقيه وهو الذي عاش في القرن العاشر الهجري السادس عشر للميلاد.
(4) - مخ. الخزانة العامة رقم ك 433. الرباط، والمطبوع طبعة حجرية في فاس المغرب، 1300ه/1882م. (1/66)
صفحة 67
اعتمد الحلبي وهو المشرقي الشافعي (1) على البكري أبي عبيد وعلى البرنوسي أبي العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى الفاسي الذي يصفه بأنه العارف الولي العالم العلَم القطب (2) وعلى ابن أبي زرع والجزنائي (3) واهتم بذكر الكرامات لإدريس الأول والثاني وجاء بنسبهما من لدن آدم عليه السلام ثم تحدث عن مفاخر آل البيت وعن بلاد المغرب واستطرد في ذلك طويلاً ثم تناول اختيار القضاة في عهد إدريس الثاني بل اختيار القاضي الوحيد الذي ذكرته المصادر للمغرب الأقصى فاستطرد في هذا فذهب إلى ذكر قضاة أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم، وهكذا عندما ذكر خطبة إدريس الثاني وسيفه جاء ببلاغة الخطب وبفوائد السيوف وأسمائها وسيوف النبي صلى الله عليه وسلم الواحد تلو الآخر: تسعة سيوف (4) ثم ختم الكتاب بكرامات إدريس الثاني في حياته وبعد مماته حتى أن منها ما هو شرك صراح أو شرك خفي, ومن الحب ما يعمي ويصم.
ومن المبالغات المفرطة في كتابه أنه جعل الحق كله لإدريس الثاني أما معاصروه من الأيمة فلم يقوموا بالحق لذلك يقول الحلبي: "انقضت أيامهم وانقضت آثارهم وبقيت آثاره ودامت أنواره فلم تنقض أيامه ولم تندرس أعلامه .. " (5)؟! ويختم كتابه بالاعتراف بأنه أطنب ويقول: " ... إنما أتينا فيه بالإطناب لما اقتضاه المقام من تعظيم هذا الجناب ولم أشف من ذلك الغليل إذ ذاك عندي أقل القليل"! (6)
__________
(1) - ليفي بروفنصال: الإسلام في المغرب والأندلس، تر. السيد محمود عبد العزيز سالم وآخرين، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1990، ص 6 هامش 1.
(2) - الحلبي: الدر النفيس، 22.
(3) - نفسه، 2، 6.
(4) - نفسه، 294 - 302.
(5) - نفسه، 302.
(6) - نفسه، 420. (1/67)
صفحة 68
إن الكتاب يتجاوز في صفحاته أربعمائة صفحة, إلا أننا لو عمدنا إلى استخراج الروايات المتعلقة بتاريخ الأدارسة منه مباشرة لما تجاوز الخمسين صفحة، وهذا مما يدل على مدى صعوبة الوصول إلى شيء من الأخبار التي يرتاح إليها العقل وإلا فإن تاريخ الأدارسة على عكس ما يعتقده الحلبي زالت آثاره واندرست أعلامه وأصابه من النسيان والإهمال ما لم يصب تاريخ الدول المعاصرة لهم.
وفي المغرب الأقصى قامت دول بني مدرار وبرغواطة وبني صالح وكلها كيانات سياسية معاصرة لم يبق من آثارها إلا ما حفظته بعض المصادر المتأخرة والتي لا تنتمي إليها "أغلبها ... مصادر معادية للخوارج دأب أصحابها على تشويه سيرهم والطعن في مبادئهم وأفكارهم" (1). فمصادر الصفرية "أبيدت عن آخرها إذ أحرقها الفاطميون حين استباحوا مدينة سجلماسة عام 297ه" (2).
هكذا نجد نتفاً من التاريخ في هذه الكيانات متناثرة هنا وهناك في بعض المصادر التي سلف ذكرها كابن عذاري المراكشي وابن أبي زرع وابن الخطيب وابن خلدون الذي لم يسلم هو الآخر من المزالق التي حذر المؤرخين منها فكان في "عبره" "يتعاطف مع العلويين ويندد بالخوارج" (3)، ولعل أهم مصدر اعتمده الذين جاؤوا من بعده في تاريخ برغواطة وبني مدرار كتاب أبي عبيد الله البكري المتوفى عام 487ه/ 1094م: "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب" (4)، وهو كتاب جغرافي تحدث مطولاً عن برغواطة وبعض شرائعها وأمرائها كما لم يهمل الحديث عن الكيانات السياسية الأخرى في المغرب الإسلامي بعامة والمغرب الأقصى
__________
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج، 6.
(2) - محمود إسماعيل: قضايا في التاريخ، 95.
(3) - محمود إسماعيل: نفسه. وانظر كتابنا الدولة الرستمية، 37 - 39.
(4) - هو جزء من كتاب المسالك والممالك، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857، أعادت تصويره مكتبة المثنى ببغداد بالأوفست. (1/68)
صفحة 69
بخاصة. ولقد كان هذا الكتاب معيناً مهماً لنا في رصد بعض التشريعات البرغواطية واحتمال أن يكون لها من يسهر على تطبيقها من أمثال القضاة أو من شابههم.
هذه بصفة عامة أهم المصادر التي حاولنا أن نأخذ منها ما يهم موضوع تاريخ القضاء في المغرب الإسلامي، ولا شك أن القارئ سيعرف بسهولة مدى صعوبة المهمة في بحث كهذا لا يتوفر إلا على النزر القليل من المصادر ذات العلاقة المباشرة بموضوع الدراسة.
المجموعة الرابعة: المصادر الفقهية
من المصادر المساعدة التي وجدنا فيها بعض المادة الخبرية عن مواضيع القضاء أو ما يعرف بالأقضية والأحكام، الكتب الفقهية وكلها ترجع إلى إفريقية والمغرب الأوسط ,أولها "المدونة الكبرى" التي ألفها القاضي سحنون بن سعيد التنوخي المتوفى عام 240ه/ 854م (1)، رواها عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي عن إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي رضي الله عنه، فكان سحنون يسأل ابن القاسم ويجيبه هذا عما سمعه عن الإمام مالك، فلا غرو أن تلك الأسئلة كانت من الواقع المعيش إذ من المعروف أن الفقهاء يرفضون الأجوبة على أسئلة لم تقع حيث يقولون "دعها تقع" وهكذا وجدنا سحنون بن سعيد وهو الذي سوف يلي القضاء بالقيروان يسأل عن كثير من القضايا يجعل نفسه طرفاً فيها (2)، وقد ساعدتنا على رسم بعض معالم المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأول، فضلاً عن أن الكتاب حوى بعض النظريات القضائية التي تدخل في "أدب القضاء" والتي خصص لها فصلاً سماه "كتاب الأقضية" (3).
__________
(1) - تنسب المدونة للإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت 179ه/ 795م) 6 مجلدات، طبعة دار صادر، بيروت بالأوفست، 1323ه.
(2) - المدونة: 5/ 183 - 197.
(3) - المدونة: 5/ 132 - 144. (1/69)
صفحة 70
وألف ابنه محمد بن سحنون المتوفى سنة 256ه/ 869م الكثير من الكتب وصل إلينا منها مخطوطة بعنوان "أجوبة محمد بن سحنون الفقهية" (1) تناول فيها الكثير من القضايا والنوازل التي كانت في زمانه كالشهادة في البادية والإقرار والإنكار والجراحات والميراث والسرقات والنزاعات (2) وما إلى ذلك، وقد اعتمدنا هذا المخطوط ورأيناه يطرح مسائل هي من صميم المجتمع الأغلبي ومجتمع القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد.
كذلك من المصادر الفقهية المباشرة في القضاء بإفريقية كتاب يحيى بن عمر المتوفى سنة 289ه/ 901م "أحكام السوق" (3) ويعتبر هذا الكتاب "أول مؤلف في موضوع الحسبة وصل إلينا" (4). وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن تنظيمات القاضي سحنون بن سعيد هي التي أوحت بتأليفه فيحيى بن عمر فقيه مالكي استدعي للقضاء فتنصل منه (5) كما أن أهمية هذا التأليف تأتي من علاقة خطة "أحكام السوق" مع القضاء فهي علاقة وطيدة مباشرة، علاقة تابع بمتبوع (6).
إن المواضيع التي طرحها يحيى بن عمر في كتابه, كلها تجارية تهم الأسواق ولا يخفى أن كثيراً منها ترفع إلى مجالس القضاة عندما تتجاوز صلاحيات صاحب السوق.
وعند الرستميين في المغرب الأوسط يأتي كتاب الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 208ه/ 823م) "مسائل نفوسة" (7) في مقدمة المصادر الفقهية
__________
(1) - مخطوطة نسخها محمد الجلولي 1233ه/ 1817م، وهي ضمن مكتبة الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في المكتبة الوطنية بتونس، تحت رقم 18668.
(2) - محمد بن سحنون: اجوبة، مخ. أوراق 3، 5، 24، 29، 34، 42.
(3) - تح. حسن حسني عبد الوهاب، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1975م.
(4) - رشاد عباس: نظام الحسبة في العراق، 14 - 15.
(5) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، مقدمة المحققن 5، 13، 26.
(6) - انظر الباب الثاني، الفصل الثالث، المبحث الثالث (أ) خطة المظالم.
(7) - حققه ورتبه الأستاذ إبراهيم محمد طلاي، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1991م. (1/70)
صفحة 71
التي أثْرت بحثنا وكان كتاباً معروفاً منذ عهد ابن الصغير اطلع عليه ودرسه (1) وقال بأن نفوسة كتبت إلى عبد الوهاب الإمام في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما سألت عنه "وكان الكتاب في أيدي الإباضية مشهوراً عندهم معلوماً يتداولونه ... " (2) بينهم.
إن الكتاب يشتمل على ما يربو على ثلاثمائة مسألة وهو يعبر عن انشغالات المجتمع واهتماماته وتطلعاته، ويقول محققه الأستاذ إبراهيم طلاي إنه "يحوي علماً وفقهاً وتاريخاً وسيرة وعبرة .... " (3).
إن هذا الكتاب الفقهي فعلاً أفاد البحث في الكثير من فصوله ويمكن اعتباره أحد نتائج القضاء الرستمي وأحد ثمرات الفقه والقضاء عند الإباضية تماماً مثلما يمكن اعتبار "مدونة" الإمام سحنون بن سعيد و"أحكام " يحيى بن عمر ملهمات ونتائج القضاء الأغلبي.
ومثل مسائل نفوسة للإمام عبد الوهاب, "جوابات" (4) الإمام أفلح بن عبد الوهاب (ت 258ه/ 871م) من حيث الأهمية، فهو الآخر يبدو أن الأسئلة فيه صادرة عن قاض حيث في إحدى الأجوبة يقول له الإمام أفلح " ... ارتفعت (امرأة) مع زوجها إليك وقالت ... " (5). فهذه العلاقة المباشرة بالقضاء ذات أهمية كبرى لموضوع البحث إلا أن عدد صفحات المخطوط لا تشفي الغليل.
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 39.
(2) - نفسه، 39. يبدو أن الأسئلة لم تأت من عامي وإنما صدرت عن قاض بجبل نفوسة يسأل الإمام في تيهرت عن أحكام بعينها تناولت جوانب عديدة.
(3) - عبد الوهاب الإمام: مسائل نفوسة، مقدمة المحقق، 8.
(4) - مخطوط بمكتبة جمعية الإصلاح، غرداية. وهو في أربع ورقات لا غير ضمن مجموعة من المخطوطات تحمل رقم: (60) لا وجود لاسم الناسخ ولا لتاريخ النسخ ويبدو أنه كامل حيث يبدأ بالبسملة وينتهي بعبارة "والسلام" وانظر في مكتبة آل فضل رقم 094 نسخة أخرى.
(5) - أفلح بن عبد الوهاب: جوابات. مخ. ق. 3. (1/71)
صفحة 72
ومن الكتب الفقهية المعاصرة لفترة بحثنا كتاب "أجوبة علماء فزان" (1) لجناو بن فتى المديوني وعبد القهار بن خلف وكلاهما من علماء الإباضية في القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد، ويرجح الدكتور عمرو خليفة النامي أن يكون الشيخ جناو بن فتى المديوني ينتمي إلى طبقة حملة العلم من إباضية المغرب وهذا يدل على قيمة الأجوبة بصفة عامة. وإذا كان جناو بن فتى كبيراً في العمر فإن عبد القهار بن خلف يبدو أصغر منه ولكنهما متعاصران، راسل أحدهما الآخر، وقد وردت في الكتاب رسالة إلى عالم في "سبها" بليبيا حالياً ,يطلب فيها مراسلها مراقبة قاضي "سبها" وإرسال ما يلاحظه عليه (2)، وهي مهمة من مهام الشراة عند الإباضية، لا يتركون صاحب منصب بلا رقابة ,محافظة على الحقوق ورعاية لها. وتناول الكتاب العديد من القضايا المتعلقة بالقضاء ممارسة وأحكاماً.
هذه أهم المصادر المعتمدة في البحث والتي شكلت العمود الفقري له، منها استقينا أغلب المادة الخبرية وإليها عدنا في كل إشكاليات الموضوع. وبديهي أن هناك مصادر أخرى يمكن اعتبارها ثانوية إما استأنسنا بها في بعض مباحث هذه الأطروحة وإما دعمنا بها رأياً أو قربنا بها فكرة نجد استعمالاتها العديدة في الهوامش والتعليقات.
ثانياً: المراجع المعتمدة في البحث
كثيرة هي المراجع التي عدنا إليها في البحث, إلا أنها في أغلبها لا تتناول القضاء في المغرب الإسلامي بل هي مراجع تدور مواضيعها حول الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وربما الإدراية، وإن تناولت بعضها القضاء فإنما
__________
(1) - حققه الدكتور عمرو خليفة النامي ولم يكمله لانقضاء أجله فأكمله الأستاذ إبراهيم طلاي. طبع دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991.
(2) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 105 - 106. (1/72)
صفحة 73
ذلك تنظيراً مثل كتب "النظم الإسلامية" أو تأريخاً للقضاء في المشرق خاصة.
ولكي نعطي بسطة شاملة عن المراجع المعتمدة رأيت تصنيفها هي الأخرى إلى أربع مجموعات: أتناول في المجموعة الأولى المراجع التي نظرت للقضاء وأرخت له بعامة، وفي المجموعة الثانية المراجع المتعلقة بتاريخ المغرب الإسلامي، وفي المجموعة الثالثة الأطروحات الأكاديمية، وفي المجموعة الرابعة الدراسات باللغات الأجنبية.
المجموعة الأولى: المراجع التي نظَّرت للقضاء وأرَّخت له
كثيرة جداً هي المراجع التي نظرت للقضاء في الإسلام وكثيرة جداً الكتب التي تحمل عناوين عن القضاء وتاريخه ونظمه في الإسلام وهي في أغلبها إن لم نقل كلها تتناول القضاء بالمشرق نموذجاً أو بالأندلس ولا تلتفت إلا نادراً إلى القضاء في المغرب الإسلامي. وكما أسلفت القول إن هذه المراجع كثيرة تعد بالعشرات وهي متشابهة في عمومها لا يضيف اللاحق منها شيئاً جديداً عن السابق. وسأكتفي بذكر أهمها مستغنياً عن عشرات العناوين التي ربما اعتمدت عليها إن دعت الضرورة إلى ذلك.
أ- كتب النظم الإسلامية:
- هوبكنز ج. ف. ب: النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى (1).
- د. علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم (2).
- د. حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن: النظم الإسلامية (3).
__________
(1) - الكتاب طبع سنة 1957 وهو رسالة دكتوراة بجامعة كمبردج في بريطانيا ترجمه أمين توفيق الطيبي، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1980.
(2) - تقديم عروس الزبير. موفم للنشر سلسلة الأنيس، الجزائر، 1988.
(3) - ط. 3، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1962م. (1/73)
صفحة 74
- مولوي س. أ. ق. حسيني: الإدارة العربية (1).
- د. صبحي صالح: النظم الإسلامية نشأتها وتطورها (2).
- أرسلان محمد شهير: القضاء والقضاة دراسة علمية وأدبية (3).
- د. عارف النكدي: القضاء في الإسلام (4).
- د. فاروق عمر فوزي: النظم الإسلامية (5).
هذه النماذج وغيرها كثير لا داعي إلى ذكرها في هذه القائمة التي نريد من خلالها الإشارة إلى أهم كتب النظم الإسلامية وخاصة القديمة منها دون الحصر.
ب- كتب التأريخ للقضاء.
- د. الأنباري عبد الرزاق علي: النظام القضائي في بغداد في العصر العباسي: 145 - 656ه (6).
- حمدي عبد المنعم: ديوان المظالم نشأته وتطوره واختصاصاته مقارناً بالنظم القضائية الحديثة (7).
- عصام شبارو: القضاء والقضاة في الإسلام العصر العباسي (8).
__________
(1) - نشر لأول مرة عام 1949م بالإنجليزية، ثم ترجمه د. إبراهيم العدوي المطبعة النموذجية، مصر، 1378ه/1958م.
(2) - دار العلم للملايين، ط 4، بيروت، 1978.
(3) - دار الإرشاد، ط1، بيروت، 1969م.
(4) - مطبعة الترقي، دمشق، 1922م.
(5) - بلا مؤسسة النشر والطبع، ط1، العين، الإمارات العربية، 1983م.
(6) - مطبعة النعمان، النجف، العراق، 1397ه/ 1977م.
(7) - دار الجيل، بيروت، ط2، 1408ه/ 1988م.
(8) - دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1400ه/ 1980م. (1/74)
صفحة 75
- مناع القطان: النظام القضائي في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة (1).
- د. محمد السعود الزعبي: القضاء والقضاة في الدولة العربية الإسلامية منذ قيامها حتى نهاية العصر الأموي (2).
- عبدالمنعم عبد الراضي الهاشمي: مشاهير القضاة (3).
- أحمد سويد: هكذا كان القضاء عند العرب (4).
- د. علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس (5).
لعلنا لاحظنا أن جل هذه المجموعة من المراجع سواء أكانت في النظم أو في التأريخ للقضاء إنما هي تهتم بالقضاء المشرقي دون المغربي باستثناء المرجع الأول لهوبكنز: النظم الإسلامية في المغرب، والمرجع الأخير للدكتور علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس.
إن المراجع الكثيرة الأخرى في هذا المجال تناولت القضاء تأسيساً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وتطوراً في العهد الأموي ثم خاصة في العهد العباسي وإن الأمثلة التي تقدم غالباً ما تستقى من تلك الفترات وربما قفز أصحابها إلى الأندلس دون الالتفات على المغرب إلا نزراً , وهذا في نظرنا ليس بغريب خاصة وقد علمنا أن المصادر القديمة لم تهتم بتاريخ القضاء في المغرب الإسلامي وبالتالي فإن الدراسات الحديثة استنكفت عن هذا الموضوع الصعب الذي يحتاج جهداً إضافيا وعملاً وصبراً كبيرين.
__________
(1) - مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1414ه/ 1993م.
(2) - تقديم د. سهيل زكار، دار حسان للطباعة والنشر، ط1، 1412ه/ 1992م.
(3) - دار الهدى، عين مليلة الجزائر، ط2، 1990م.
(4) - مؤسسة المعارف، بيروت، ط2، 1413ه/ 1992م.
(5) - دار حسان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1414ه/ 1993م. (1/75)
صفحة 76
إن المراجع التي جئنا بذكرها ههنا كانت إفادتنا منها كبيرة في الفصل التمهيدي: القضاء في الإسلام (طبع مستقلا عن هذا الكتاب، كما سبقت الإشارة) وربما استفدنا منها في الأبواب الأخرى استئناساً لا غير.
نعود إلى المستشرق هوبكنز وكتابه "النظم الإسلامية في المغرب في العصور الوسطى" إذ نجده يخصص الفصل الثامن والتاسع في كتابه لأعمال القاضي والمحتسب وصاحبي المظالم والشرطة في بلاد المغرب (1)، وصب كل اهتمامه على القضاء بإفريقية الأغلبية ولم يقل شيئاً ذا بال عن القضاء عند الرستميين أو الأدارسة أو المدراريين , اللهم إلا بعض المعلومات العامة، بل إنه لم يقل شيئاً كثيراً عن القضاء في العهد الفاطمي ومن عاصرهم والمرابطين والموحدين ويعزو ذلك إلى ندرة المصادر، الأمر الذي لا نتفق معه فيه، فالمصادر بعد القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي أراها متوفرة وثرية بالمادة الخبرية القضائية (2). ومما يذكره عن القضاء المغربي عموماً باستثناء إفريقية الأغلبية قوله "أما عن القضاء في عهود الدول الأقل شهرة في بلاد المغرب كبني زيري وبني حماد والرستميين وبني مدرار ... فلا يعرف شيء" (3). ويضيف: "وأما بالنسبة للقضاء في عهد دولتي المرابطين والموحدين فالمعلومات لا تزيد عن ذلك إلا قليلاً جداً" (4).
إن الأستاذ المستشرق هوبكنز آثر الحكم السريع، والحقيقة أن الدراسات الأجنبية عن القضاء قليلة وكأني بهؤلاء يشعرون بعدم أهليتهم للكتابة في هذا الموضوع العربي الإسلامي الأصيل ,رغم أنهم كتبوا في كل شيء عن الإسلام وحضارته.
__________
(1) - انظر: ص 195 - 245.
(2) - انظر المجموعة الثالثة: الأطروحات الأكاديمية فيما يلي من هذا المبحث.
(3) - هوبكنز: النظم، 222. ولم يخصصه كله للقضاء وإنما للإدارة والنظم الإسلامية كلها ببلاد المغرب كله وفي فترة العصور كلها.
(4) - هوبكنز: 231. (1/76)
صفحة 77
أما الدكتور علي أحمد وكتابه "القضاء في المغرب والأندلس خلال العصور الوسطى" فإن عنوانه أضخم بكثير من محتواه (1) وهو إلى العنوان التجاري أقرب منه إلى العنوان العلمي الأكاديمي الدقيق، وأكاد أقول إنه لم يحو تاريخاً للقضاء في المغرب , إذ شعرت أنه يميل إلى الأندلس كثيراً ويغلب على كتابه طابع التعميم فهو يقحم المغرب في الأندلس أو الأندلس في المغرب ويجعلهما شيئاً واحداً دون تحديد لكل منهما أو تمييز لأحدهما عن الآخر (2)، فعبارة "حكام المغرب والأندلس" أو "قضاة المغرب والأندلس" هكذا بصيغة الجمع دائماً بين المغرب والأندلس عبارة ملأت صفحات الكتاب وذهب جله في هذا التعميم. وليت الأمر ينتهي هنا فالدكتور يجمع بين المغرب والأندلس في مقدمة فكرة وعندما يحتاج إلى التمثيل فلا يأتي بالمثل والدليل إلا من التراث القضائي الأندلسي (3)، ولا أدل على إقحام المغرب في الأندلس عنده من عنوان الفصل الرابع وهو "القضاء في المغرب والأندلس وتطوره حتى نهاية عصر الطوائف"، يتناول في هذه الفترة قضاء الدول المستقلة بالمغرب ودولة الفاطميين. ونلاحظ أنه ربط بداية الفترة ونهايتها بأحداث أندلسية فالبداية عنده هي 138ه/ 755م وهي سنة وصول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ويرى بأنها هي نهاية عصر الولاة، أما النهاية فهي عصر الطوائف الذي ينتهي سنة 485ه/ 1092م (4).
هكذا إذن نلاحظ عدم الدقة في عنوان الكتاب وعدم الدقة في محتواه، فهو يتناول فترة العصور الوسطى كلها وإقليمين كبيرين المغرب والأندلس، فلا غرو أن التغطية لمثل هذا الموضوع تكون ناقصة وعلى حساب فترات ودول دون فترات ودول أخرى. والدكتور علي أحمد لم يأت في كتابه بمميزات القضاء المغربي
__________
(1) - الكتاب يقع في مائة وسبع صفحات من الحجم العادي.
(2) - انظر صفحات 27 - 58 وما بعدها.
(3) - انظر صفحات: 37، 39.
(4) - انظر صفحات: 27 – 58. (1/77)
صفحة 78
الخاصة والعامة, فلا نجد القضاء الأغلبي مستقلاً مثلاً ولا الرستمي ولا الإدريسي ... وهكذا. وإنما قصارى ما يمكن أن يفهم من كتاب الأستاذ أنه يريد أن يقول إن القضاء المغربي هو القضاء الأندلسي وهذا غير صحيح، ألجأه إلى هذا التعميم التسرع في الدراسة، فتاريخ القضاء في المغرب الإسلامي عموماً صعب جداً وفي القرون الثلاثة الهجرية الأولى أصعب: المصادر جافة، والإشارات قليلة، والتداخل في أحداث ما توفرت مادته ميزة مصادر المغرب، وعمل كهذا يحتاج إلى صبر وأناة وعقل وترو، وهو ما حاول هذا البحث أن يلتزم به في ثناياه.
والجدير بالذكر أن علي أحمد نشر مقالاً بعد سنتين من صدور كتابه المذكور بعنوان "القضاء في المغرب والأندلس منذ الفتح وحتى نهاية القرن الثالث الهجري" (1). لخص فيه ما كان قد نشره في كتابه، وهو مقال لا نجد فيه الجديد كما أن العناوين وأشباه العناوين التي جاءت في أصل الكتاب فحذفت فكانت الفقرات والعناصر مترادفة يتبع بعضها بعضاً.
ومن أهم ما ألف في موضوع القضاء، وهو من بين آخر ما اطلعت عليه، مقال للدكتور فريد بن سليمان حول "القضاء والقضاة بإفريقية في عهد الولاة 80 - 184ه/ 699 - 800م" (2). وهو على عكس سالفه مقال مركز اهتم فيه صاحبه بوضع الإشكاليات، خاصة منها إشكالية المصادر، ثم قدم قائمة وجدولاً لقضاة إفريقية في عهد الولاة، ثم تحدث عن ملامح وخصائص القضاة والتنظيم القضائي. وفي مجمله مقال ذو فائدة معتبرة أظهر فيه جدية الدراسة العميقة والمتمعنة.
__________
(1) - نشر بمجلة د راسات تاريخية، تصدر عن لجنة كتابة تاريخ العرب، جامعة دمشق، ع. 53 - 54. السنة 16، كانون الأول، 1995م، ص ص 145 - 177.
(2) - نشر بمجلة: المؤرخ العربي: تصدر عن الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد، ع 52، 1416ه، 1995م، ص ص 119 - 132. (1/78)
صفحة 79
المجموعة الثانية: المراجع المتعلقة بتاريخ المغرب الإسلامي
أ- المراجع الخاصة بتاريخ عصر الولاة والأغالبة
إن من أهم من ألف في عصر الولاة أو عصر الأغالبة أو فيهما معاً الدكتور لقبال موسى في كتابه "المغرب الإسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورات الخوارج" (1)، والدكتور محمد الطالبي في كتابه "الدولة الأغلبية 184 - 296ه/ 800 - 909م التاريخ السياسي" (2)، والدكتور محمود إسماعيل: "الأغالبة 184 - 296هسياستهم الخارجية" (3)، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد "تاريخ المغرب العربي: تاريخ دول الأغالبة والرستميين وبني مدرار والأدارسة حتى قيام الفاطميين" (4). بالإضافة إلى هؤلاء يمكن ذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب وكتبه العديدة وخاصة منها "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية" (5)، وهذا بالإضافة إلى البحث الذي طبعه الأستاذ محمد المسعود الشابي حول "الأغالبة نظامهم الإداري والسياسي" (6) والبحث الذي طبعه أستاذنا الدكتور عبد العزيز فيلالي عن "المظاهر الكبرى في عصر الولاة ببلاد المغرب والأندلس" (7).
إن هذه المراجع وغيرها تناولت الجوانب السياسية لعصر الولاة والأغالبة ومن نافلة القول إن دراسة القضاء في بلاد المغرب لا يستغني عن الجانب السياسي بل إن هذا الأخير هو الوعاء الذي حوى كل النظم والحضارات المتعاقبة وبالتالي فإن الإلمام به ضرورة لا بد منها.
__________
(1) - الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط2، 1981م.
(2) - تر. الممنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1985مز
(3) - مكتبة وراقة الجامعة، فاس، ط2، 1978م.
(4) - جزآن، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1979م.
(5) - 3 أجزاء، مكتبة المنار، تونس، ط2، 1966م، 1972م.
(6) - الدار التونسية للنشر: تونس، 1970م.
(7) - دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، 1991م. (1/79)
صفحة 80
ولقد اعتبرت كتاب الدكتور محمد الطالبي عن الأغالبة في هذا المجال هو المعتمد الأول. إن هذه المراجع على أهميتها لم تتناول تاريخ القضاء عند الولاة والأغالبة إلا عرضاً وبشكل غير مباشر، فأصحابها لم يؤلفوها في النظم أو في القضاء وإنما أرادوا بها التاريخ السياسي لتلك الفترات باستثناء محمد المسعود الشابي الذي خصص للقضاء صفحات معدودات (1) في كتابه الصغير.
ب- المراجع الخاصة بتاريخ الرستميين:
كثرت في المدة الأخيرة الدراسات الإباضية التي تتناول من بين موضوعاتها, تاريخ الرستميين أيمة الإباضية في القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد، ولعل أقدم مرجع في هذا المجال كتاب "الأزهار الرياضية في أيمة وملوك الإباضية" (2)، لسليمان باشا الباروني الإباضي الذي نحا فيه نحو كتاب ابن الصغير بحيث جعله يبتدئ بما ابتدأ به وينتهي إلى ما انتهى إليه ولكن بالاعتماد أيضاً على المصادر الإباضية المتوفرة بين يديه في جبل نفوسة بليبيا وبجزيرة جربة بتونس.
ومن الذين ألفوا في تاريخ الجزائر عموماً ,وأرخوا من خلال ذلك للرستميين الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه الذي أراد أن يبقي به العلاقة الوطيدة بين العروبة والإسلام، والشعب الجزائري الذي جثم الاستعمار على أرضه ما يقارب القرن في ذلك العهد وكتابه هو "موجز التاريخ العام للجزائر منذ العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي" (3) وهو الكتاب الذي نسج على منواله كل من
__________
(1) - انظر صفحات 29 - 35.
(2) - هو جزآن ولكن أحرق وزال الجزء الأول وبقي الثاني المهتم بتاريخ دولة الرستميين، مطبعة الأزهار البارونية، مصر، بلا تا.
(3) - مطبعة العرب، تونس، 1344ه/ 1925م. والجدير بالذكر في هذه الطبعة أن هذا الكتاب أعادت دار الغرب الإسلامي نشره بمراجعة ثلة من الأساتذة الجامعيين في الجزائر: د أبو القاسم سعد الله , د إبراهيم بحاز , د ناصر الدين سعيدوني ,د محمد البشير شنيتي , ط2/ 2003. (1/80)
صفحة 81
جاء بعده من مؤرخي الجزائر كالميلي والجيلالي (1). وكتب الدكتور محمود إسماعيل كتابه "الخوارج في المغرب الإسلامي" (2) كما ألف الأستاذ جودت عبد الكريم يوسف بحثيه في الدراسات المعمقة والماجستير بالجزائر عن "العلاقات الخارجية للدولة الرستمية" (3)، و"الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجري 9 - 10م" (4).
وكتب الدكتور محمد عيسى الحريري كتابه "مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي (الدولة الرستمية 160 - 296ه) " (5)، والدكتور عبد المقصود عبد الحميد باشا "الرستميون صفحة رائعة من التاريخ الجزائري" (6).
إن هذه المراجع في عمومها تؤرخ للأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما تطرقت لجوانب من القضاء الرستمي مثلما فعل الكعاك إلا أنها لم تقصد أبداً التأريخ لهذه المؤسسة المهمة في الدولة. وكما اخترت كتاب الدكتور محمد الطالبي عن الأغالبة مرجعاً سياسياً أولياً عن تلكم الدولة ,كذلك اخترت كتابي "الدولة الرستمية 160 - 296ه/ 777 - 909م دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية" (7) مرجعاً أولياً أعود إليه كلما احتجت إلى الجانب السياسي من تاريخ الرستميين، وكذلك اعتمدت كتاب "الخوارج في المغرب الإسلامي" للأستاذ محمود إسماعيل في هذا المجال بالذات.
__________
(1) - مبارك الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ودار الغرب الإسلامي، بيروت، جزآن، 1989م.
(2) - عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، 4 أجزاء، دار الثقافة، بيروت، ط4، 1400ه/ 1980م.
(3) - دار العودة، يروت، 1976.
(4) - المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م.
(5) - ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992م.
(6) - معلومات الطبع والنشر، وهران الجزائر، ط1، 1409ه/ 1989م.
(7) - الطبعة العربية، غرداية الجزائر، ط2، 1993م، نشر جمعية التراث، غرداية، الجزائر. (1/81)
صفحة 82
ج-المراجع الخاصة بتاريخ المغرب الأقصى:
إن تاريخ المغرب الأقصى على تنوعه وغموضه عرف دراسات عديدة في الآونة الأخيرة فضلاً عن كتابات المشايخ في مشارف هذا القرن ونهاية القرن الماضي فقد كتب الأستاذ الإمام السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي المتوفى عام 1276ه/ 1855م كتابه "الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية" (1)، كما كتب الناصري أبو العباس أحمد بن خالد "كتاب الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى" (2)، وكلاهما لم يأت بجديد يذكر سواء عن التاريخ العام للمغرب الأقصى أو ما يتعلق بموضوعنا، وكَتب الكتاني محمد المنتصر "فاس عاصمة الأدارسة ورسائل أخرى" (3) وكتب علال الفاسي وآخرون معه "الإمام إدريس مؤسس الدولة المغربية" (4) وكتب إبراهيم علي حسن "المولى إدريس بن إدريس الأزهر" (5)، إن الكتابة عن الأدارسة كثيرة ولكنها لا تخرج عن إطار ما قد قيل في العصور الوسطى.
أما في الدراسات الأكاديمية عن تاريخ المغرب الأقصى فكانت متنوعة منها للدكتور رجب محمد عبد الحليم "دولة بني صالح في تامسنا بالمغرب الأقصى 125 - 455ه" (6)، وللدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم "من جديد حول
__________
(1) - دار القلم، بيروت، ط1، 1406ه/ 1986م.
(2) - توفى الناصري سنة 1315ه/ 1897، حقق كتابه ولداه جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1973ه/ 1954
(3) - منشورات دار إدريس للتأليف والترجمة والنشر، بيروت، ط2، 1972م.
(4) - شركة بابل للطباعة والنشر، الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، الرباط، 1988م.
(5) - دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1405ه/ 1985م.
(6) - دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991م. (1/82)
صفحة 83
برغواطة هراطقة المغرب في العصر الوسيط" (1)، وكتب الدكتور محمد أمين صالح حول "إمارة يمنية بالمغرب الأقصى آل صالح في ناكور" (2). وكتب الدكتور محمود إسماعيل عن المدراريين ضمن كتابه "الخوارج في المغرب الإسلامي" سالف الذكر, ولعله أهم من كتب عن الأدارسة دراسة قيمة الدكتور محمود إسماعيل " الأدارسة 172 - 375هحقائق جديدة" (3)، وكذلك الدكتور سعدون عباس نصر الله "دولة الأدارسة في المغرب. العصر الذهبي 172 - 223ه" (4).
هذه المراجع والدراسات الأكاديمية حول بني صالح في ناكور وبرغواطة في إقليم تامسنا والأدارسة في فاس والمغرب الأقصى والمدراريين في سجلماسة، كلها شحيحة المادة الخبرية عن تاريخ القضاء, رغم أن أصحابها اطلعوا على تراث الأدارسة وتاريخ المغرب الأقصى عموماً، فإن كانت دراسات في التاريخ السياسي، فإن المراجع التي ذكرناها عن عصر الولاة والأغالبة والرستميين رغم أنها مراجع في التاريخ السياسي لتلك الدول إلا أنها حوت إشارات في تاريخ القضاء، أما هذه فإنها جافة متطابقة لم تأتنا بجديد فيما يتعلق بموضوع بحثنا إلا أنها كسالفاتها اعتمدنا عليها فيما يتعلق بالجوانب السياسية وجوانب العدل والجور في سياسة الأمراء.
ويعتبر الدكتور محمود إسماعيل بكتابيه "الخوارج في المغرب الإسلامي" و"الأدارسة حقائق جديدة" أهم مرجع لنا فيما يتعلق بتاريخ المغرب الأقصى، بل إنه المرجع لكل المغرب الإسلامي، لقد رأينا أنه ألف عن الأغالبة والرستميين فضلاً عن الأدارسة والمدراريين.
__________
(1) - مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1993م، وانظر مقالاً للدكتور:
Talbi. Med Etudes d’Histoire Ifriquienne et de civilization musulmane medievale. Publications de L’universite de Tunis. Faculte des letters et sciences humaines. 4ieme serie histoire. Volume XXVI, 1982, pp 81 - 104.
(2) - مستخرج من مجلة الدراسات الإفريقية، ع 7، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1978م.
(3) مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1411ه/ 1991م.
(4) دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1408ه/ 1987م. (1/83)
صفحة 84
المجموعة الثالثة: الأطروحات الأكاديمية
نقصد بالأطروحات الأكاديمية تلك الدراسات التي نال بها أصحابها درجات الماجستير أو الدكتوراة أو ما يعادلهما ولم تعرف بعد طريقها إلى المطابع، وإلا فإن الكثير من المراجع التي سبق ذكرها إنما هي أطروحات جامعية متخصصة نال بها أصحابها الدرجات الأكاديمية المعروفة.
من أهم الأطروحات التي استفاد منها البحث ,دراسة الطالبة نوال تركي موسى "التنظيمات الإدارية والمالية على عهد الأغالبة 184 - 296ه". (1) هذه الدراسة يبدو أن صاحبتها بذلت مجهوداً لا بأس به في رسم معالم القضاء عند الأغالبة (2)، وإن لم تخصص دراستها لهذا الموضوع بالذات، وإنما جاء اهتمامها بالقضاء ضمن الإدارة الأغلبية عموماً، وقد رجعت إلى أمهات المصادر وعرفت كيف تستفيد منها.
كذلك الدراسة الأكاديمية التي قام بها الطالب بقلوطي الهادي والتي كانت حول "تحقيق كتاب تاريخ قضاة القيروان لمحمد الجودي" (3). وقد سلف ذكرها. أما غير هاتين الدراستين فإن باقي الأطروحات تهتم كما هو الغالب بالقضاء في المشرق الإسلامي أو في الأندلس أو تهتم بالجانب السياسي لإحدى الدول في الفترة موضوع الدراسة، فهي تحوم حول حمى الموضوع لذلك وجدت نفسي في كثر من الأحيان استأنس بها ومن هذه الأطروحات:
- سعدي عواد شيال: القضاء في مملكة غرناطة 635 - 897ه/ 1238 - 1492م (4).
- مغراوي محمد: مساهمة في دراسة النظم بالمغرب الإسلامي خطة القضاء بالمغرب في الدولة الموحدية 515 - 668ه) (5).
__________
(1) - رسالة ماجستير: إشراف د. صباح الشيخلي، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1989م.
(2) - انظر صفحات 172 - 210. وهي الصفحات التي خصصتها الباحثة للقضاء عند الأغالبة.
(3) - رقمها في المكتبة الجامعية، كلية العلوم الإنسانية، تونس، 3123 T.
(4) - رسالة ماجستير إشراف د. محمد توفيق حسين، جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم التاريخ، العراق،1987م.
(5) - بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، إشراف د. محمد زنيبر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط، 1986 - 1987م. (1/84)
صفحة 85
- محمد بن معمر: تاريخ القضاء الإسلامي وتطوره ببلاد المغرب على عهدي المرابطين والموحدين (1).
- عطاء سلمان جاسم: النظر في المظالم في الخلافة العربية الإسلامية حتى نهاية القرن 03 ه) (2).
- قيس عبد الواحد السمر المسعودي: الدواوين في العصر العباسي الأول 132 - 232ه) (3).
- محمد صدقي: الأدارسة من النشأة إلى التجزئة 172 - 319هـ (4).
- شنايت العيفة: دولة بني مدرار بسجلماسة ودور تجارة القوافل في ازدهارها الحضاري بين القرنين الثاني والرابع الهجريين (5).
إن هذه الدراسات الأكاديمية على أهميتها لم تثْرِ الموضوع فهي إما مشرقية وإما مغربية ولكنها تتناول القضاء في فترات بعيدة عن فترة موضوعنا كعهد المرابطين أو عهد الموحدين.
__________
(1) - رسالة ماجستير، إشراف: د. فخار إبراهيم، معهد التاريخ، جامعة وهران، الجزائر، 1992 - 1993م.
(2) - رسالة ماجستير، إشراف: د. فاروق عمر فوزي، جامعة بغداد، كلية الآداب، العراق، 1985م.
(3) - رسالة ماجستير، إشراف: د. عبد الرزاق علي الأنباري، كلية التربية، جامعة بغداد، 1989م.
(4) - رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، إشراف: د. هاشم العلوي القاسمي ود. عادل نجم عبو، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، 1988 - 1989م.
(5) - رسالة ماجستير، إشراف: د. لقبال موسى، جامعة الجزائر، معهد التاريخ، 1990 - 1991م. (1/85)
صفحة 86
المهم أن الدراسات في موضوع القضاء بالمغرب الإسلامي عموماً بدأت تجد الاهتمام من قبل الباحثين من مختلف جامعات المغرب العربي، ولا شك أن دراستنا – إن كتب لها التوفيق – ستكون القاعدة للدراسات السابقة واللاحقة، وإنما أشفق الباحثون على أنفسهم لما ابتعدوا عن القرون الثلاثة الهجرية الأولى وقفزوا إلى عهود متأخرة رأوا أن المادة الخبرية في القضاء متوفرة فيها، رغم أن المنطق الكرونولوجي يقتضي الاهتمام بالفترات الأولى أولاً بأول ,بحيث تفتح إحداها الباب للأخرى، وهكذا إلى نهاية العصور الوسطى ببلاد المغرب, ولم لا إلى فترات أخرى بعد ذلك، والحق أنه يمكن أن يكون الموضوع بهذا الشكل وحدة بحث جامعية.
المجموعة الرابعة: الدراسات باللغات الأجنبية
أخيراً نصل إلى المصادر الأجنبية لنقول إن الأجانب لم يهتموا بالقضاء في بلاد المغرب في الفترة التي اخترناها لموضوعنا، ولقد رأينا أن المستشرق هوبكنز والذي قد ترجم كتابه "النظم الإسلامية في المغرب في العصور الوسطى" راح يستعجل الأحكام ويرى بأن القضاء باستثناء فترة الأغالبة غامض غموضا تاماً ثم إن كتابه لم يخصصه للقضاء وإنما لكل النظم الإسلامية ولكل بلاد المغرب وفي كل فترات العصور الوسطى، لذلك جاء بحثه عاماً وأحكامه مطلقة.
أما غيره من المراجع الأجنبية فيمكن ذكر هذه القائمة:
- Emile Tyan: Histoire de l’organisation judiciaire au pays d’Islam. (1) .
- Gaudefroy Demombynes: les Institutions musulmanes (2) .
- Jacques Berque: Cadis de Kairouan d’apres un manuscit tunisien (3) .
- Gautier E.F: le passe’ de l’Afrique du Nord (les Siecles obscures) (4)
__________
(1) - ed. Leiden. E-J- Brill, 2 ieme ed. 1960
(2) -ed. Flammarion. Paris, 1953.
(3) - in revue de I’occident Musulman et de la mediterranee. N :13 - 14. 1er Semestre 1973 imp. Louis. Jean, Paris, 1974, pp. 97 - 108.
(4) - ed. Payot. Paris, 1937 (1/86)
صفحة 87
- Vonderheyden M.: la berberie orientale sous la dynastie des Banou L’ Arlab. 800 - 909 (1) .
- Gerard Dengel: I’Imamat Ibadhite de Tahert (761 - 909) (2) .
هذه أهم المراجع التي تناولت القضاء بصفة عامة أو التاريخ السياسي لدول المغرب في القرون الثلاثة الهجرية الأولى. وهي ربما توهم بعضها أنها تناولت القضاء المغربي في فترتنا المختارة فإن شيئاً من ذلك لم يحدث فإميل تيان في كتابه تاريخ مؤسسة القضاء في بلاد الإسلام , يهتم بالقضاء المشرقي والقضاء الفاطمي ببلاد مصر أو القضاء المرابطي والموحدي فضلاً عن أن جزءاً كبيراً من كتابه إنما هو تنظير للقضاء لا غير, ولا يختلف عنه كثيراً ديمومبين جودفروا، لقد لاحظت أن الدراسات الأجنبية فيما توصلت إليه أشفقت على نفسها هي الأخرى من ولوج موضوع القضاء في بلاد المغرب، فالقضاء في الإسلام بالنسبة للأجانب موضوع ليس من السهل تناوله وقد اعترف كل من هوبكنز وإميل تيان بصعوبته وكثرة القراءات التي يجب على الباحث الإلمام بها للوصول إلى شيء من الحقيقة القضائية (3) في بلاد الإسلام عموماً فضلاً عن بلاد المغرب, وقال قدوفروا في ملاحظته على كتاب إميل تيان "إن مصادر بحث القضاء في الإسلام لا عد لها ولا حصر, ولا يوجد بالعربية كتاب واحد بإمكاننا العودة إليه لنجد فيه بحثاً واضحاً دقيقاً عن مؤسسة القضاء في الإسلام بصفة عامة أو في فترة محددة ... بالتالي فإنه يجب العودة إلى كتب التاريخ والجغرافيا والتراجم لالتقاط بعض الحقائق التاريخية ودون ذلك قراءة واسعة جداً للغاية ... ولا شك أن تيان ( Tyan) قد قرأ كثيراً .. " (4).
__________
(1) - Librairie orientale, Paris, 1927
(2) - These de doctorat 3eme. Cycle. Strasbourg. Universite des sciences humaines, 1977
(3) - Gaudefroy demombines: Notes sur L’histoire de. I’organisation Judiciaire en pays d’Islam, p. 109.
(4) - Ibid. 109.
وأكد عبد الرحمن علي الحجي بأن المعلومات عن موضوع القضاء قليلة ومتناثرة في عديد من المصادر التي وصلتنا. انظر جوانب من الحضارة الإسلامية، شركة الشهاب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، بلا تا. ص 57 - 58. (1/87)
صفحة 88
ومن المعروف أن إميل تيان درس مؤسسة القضاء تنظيراً وتاريخاً منذ التأسيس حتى عهد الآتراك العثمانيين أي ما يقرب من أربعة عشر قرناً (1) من الزمان وهي فترة طويلة جداً وفي رقعة جغرافية واسعة جداً، ودراسة كهذه لا تكون إلا على حساب فترات دون فترات, وعلى حساب مناطق دون مناطق أخرى.
والخلاصة أن الدراسات الأجنبية (2) لم تكن أكثر أهمية من المصادر والمراجع العربية فيما يتعلق بموضوع بحثنا، وإن وجدنا فيها بعض الإشارات التي أفادت الموضوع من قريب أو بعيد.
إن هذا البحث، في نهاية المطاف حول المصادر والمراجع، اعتمد بالدرجة الأولى على المصادر المذكورة في المجموعة الثالثة وهي مصادر التاريخ العام والتراجم والطبقات في كل من إفريقية والمغربين الأوسط والأدنى، وبدرجة أقل اعتمد المجموعة الثانية ثم الأولى من المصادر القضائية، أما جل المراجع فإنها ثانوية بالنسبة لموضوعنا إلا ما كان في صميم البحث، وقد سبقت الإشارة إلى أهميته وستتجلى جدوى بعض المصادر والمراجع بصفة عامة من خلال الإحالات والهوامش في هذه الأطروحة.
__________
(1) - Tyan: Histoire de L’organisation, p.9.
(2) - من تلك الدراسات كذلك وهي ثانوية بالنسبة لبحثنا، تهتم بالتنظيم للقضاء انظر:
Tyan Emile: Kadl, in encyclopedie de L’Islam; nouvelle ed. Leiden- Paris, 1978, T.IV matiere Kadi. Schacht T: An Introduction to Islamic Law, Oxford- Clarendon Press, 1964, Traduction francaise, pub, sous is titre: Introduction au droit musulman, Paris, maison – neuve et larose, 1983.
وانظر دراسات أخرى في المقال المذكور للدكتور فريد بن سليمان، 126 هامش 80. (1/88)
صفحة 89
المدخل
المغرب قبل الفتح الإسلامي
محاولة لفهم أوضاعه
الاجتماعية والاقتصادية (1/89)
صفحة 90
[صفحة بيضاء]
صفحةبيضاء (1/90)
صفحة 91
مدخل
المغرب قبل الفتح الإسلامي
محاولة لفهم أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية
عرفت بلاد المغرب القديم في القرن السادس الميلادي تاريخا مضطربا، إذ حكمه الوندال (429 - 533م) (1)، وهم شعب جرماني قيل بأنه خرَّب حضارة الرومان (2) من قبله، ثمَّ أعقبهم البيزنطيون (3) (533 - 670م/-50 هـ) فحاولوا إعادة نظام الرومان وإدارتهم إلى المنطقة، ولكن بدون جدوى في نهاية المطاف.
إنَّ هذا التحوُّل من هيمنة إلى أخرى ومن نظام مستبدٍّ إلى آخر لا يختلف عنه كثيرا، لم يمر على سكَّان المغرب القديم بردا وسلاما، ولم ينج منه ومن آثاره لا الزرع ولا الضرع (4)، فالهيمنة الرومانية أو الوندالية أو البيزنطية كلُّها متشابهة من
__________
(1) - عن الوندال وزحفهم نحو الشمال الإفريقي وسياستهم، انظر: أحمد صفر: مدنية المغرب العربي في التاريخ. دار بوسلامة للنشر، تونس. 1959م، ص382 وما بعدها. محمد الهادي حارش: التاريخ المغاربي القديم السياسي والحضاري منذ فجر التاريخ إلى الفتح الإسلامي. المؤسَّسة الجزائرية للطباعة، الجزائر. 1995م، 223 وما بعدها.
(2) - عن الرومان في شمال إفريقيا وعلاقتهم بالرعية وحضارتهم، انظر بخاصة: محمَّد البشير شنيتي: سياسة الرومنة في بلاد المغرب من سقوط الدولة القرطاجية إلى سقوط موريطانيا (146 ق. ب- 40م). ش. و. ن. ت. الجزائر. 1952م. 81 وما بعدها، وانظر نفسه: التغييرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب أثناء الاحتلال الروماني. م. و. ك. الجزائر. 1984م. ص127 وما بعدها. أحمد صفر: المرجع السابق، 370. حارش: المرجع السابق، 181 وما بعدها.
(3) - عن البيزنطيين ودورهم بشمال إفريقيا انظر بخاصة:
Charl Diehl: L(Afrique Byzantine, Histoire de la domination Byzantine en Afrique 533 - 709; T.3 Ernest Leroux editeur; Paris; 1896.
وانظر حمد صفر: المرجع السابق. 394 وما بعدها. محمَّد الهادي حارش: المرجع السابق، 263 وما بعدها.
(4) - حارش: المرجع السابق، 239، 247، 270 (1/91)
صفحة 92
حيث مصدرها الغربي، ومن حيث أهدافها التي ترمي إلى استعباد شعوب المنطقة والاستفادة من خيرات أراضيها البكر على مرِّ العصور.
من هنا قنّن الرومان وتبعهم البيزنطيون قوانينَ تخدم مصالحهم وأهدافهم دون الالتفات إلى الشعوب وتطلُّعاتها، سواء تلك التي تحيط بها أسوار المدن وهي التابعة مباشرة لسلطة الغزاة، أو تلك التي هي خارج المدن والمعروفة بـ «المور» وهم الذين يسكنون البراري والجبال وما تحت خطوط اللِّيمس (1)، فالتنظيم الإداري البيزنطي هو نفسه التنظيم الإداري الروماني (2)، والقانون الرومانيُّ ظلَّ ساري المفعول في العهد الوندالي والبيزنطي على سواء «وكان يتولّى تطبيقه في (العهد الوندالي) قضاة رومان باسم الملك، يتزَّعمهم قاضٍ أعلى مقيم في قرطاجة، أمَّا القضايا المختلفة فكانت تعرض أمام محاكم وندالية» (3) هذا التباين في القضاء بين الحاكمين والمحكومين، لم يكن إذن خاصًّا بالرومان مثلما هو المعتقد السائد غالبًا، و إنَّما كان في العهد الوندالي ولم يشذ عنه البيزنطيون رغم أنَّ هذا العهد عاصر حقيقة انتشار المسيحية بين الناس بعد أن اعتنقها الإمبراطور نفسه، والمفروض أنَّ عقيدة السماء لا تقرّ الظلم والجور (4)، ولكن البيزنطيين لمَّا وطئت أقدامهم أرض شمال إفريقيا، جاؤوا معهم - كما يقول شارل أندري جوليان - «بخصوماتهم الدينية
__________
(1) - حارش: التاريخ المغاربي القديم، 277 - 282.
(2) - حسين مؤنس: التنظيم الإداري والمالي لإفريقية والمغرب خلال عصر الولاة. مجلَّة كلية الآداب والتربية، ع. 1 يونيو 1972م، الكويت، ص77. وانظر حارش: المرجع السابق، 264 - 287.
(3) - عبد العزيز سالم: المغرب الكبير. دار النهضة العربية، بيروت. 1981م، 2/ 34. حارش: المرجع السابق، 255 - 256.
(4) - الإنجيل للقديس لوقا. دار المعارف، القاهرة. 1978م. ص35 وغيرها. الإنجيل للقديس متى. دار المعارف القاهرة. 1972م، ص59 - 60. (1/92)
صفحة 93
المتشعِّبة والعنيفة» (1) تلك الخصومات العقيمة المتعلقة بطبيعة السيِّد المسيح.
إنَّ البيزنطيين وهم آخر من هيمن على المغرب القديم قبيل الفتح الإسلامي، لا يختلف حكمهم في هذه المنطقة عن أسلافهم الرومان أو الوندال إلاَّ من جهة النصرانية التي لطَّفت من فكرة الرومان وغير الرومان «البرابرة» (2)، ثمَّ من جهة الاستقلالية التي عرفتها شمال إفريقيا، إذ أصبحت ولاية مستقلة عن بيزنطة و بخاصة في أواخر عهودها «ولقد أبدى جوستنيان (3) اهتماما خاصاً بإفريقية، فلم يقلِّدها لقنصل كما كان الوضع قائما في العصر الروماني، وإنَّما أقام عليها حاكما عاما يمثِّله في البلاد (4) ... فهو يطبِّق القوانين ويشرف على الأحكام القضائية ... يساعده عدد كبير من الأعوان منهم المستشارين وكبار القضاة» (5).
إنَّ هذه الإدارة البيزنطية (6) كان همُّها استغلال السكَّان من المدنيين والمور (7)
__________
(1) - شارل أندري جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية. تر: محمَّد مزالي والبشير بن سلامة. ش. و. ن. ت. والدار التونسية للنشر، الجزائر-تونس. 1398هـ/1978م، 2/ 10. وانظر كذلك:
Diehl: L(Afrique Byzantine, p534 - 544.
(2) - حسين مؤنس: المرجع السابق، 77.
(3) - جوستنيان أو يوستنيان الأوَّل ( Justinien 1): أحد أعظم قياصرة بيزنطة (527 - 565م)، هو الذي استعاد شمال إفريقيا من الوندال، ومن أعظم إنجازاته أنَّه جمع القانون الروماني. عنه انظر الموسوعة العربية الميسَّرة. دار إحياء التراث العربي، القاهرة. بلا تا. 2/ 1991.
(4) - يوسف عيبش: المور والبيزنطيون. رسالة ماجستير، إشراف د. محمَّد البشير شنيتي، جامعة قسنطينة، قسم التاريخ. أكتوبر 1996م. ص77 - 79، 81 - 83
(5) - سالم: المرجع السابق، 2/ 79. وانظر:
Diehl: opcit, p102 - 103
(6) - عن هذه الإدار انظر Diehl: ibid, p98 - 111, 484. وانظر كذلك يوسف عيبش: المور والبيزنطيون، 76 - 116، 502، 541.
(7) *- المور: هم البربر وهم السكان الاصليون لشمال افريقيا أنظر يوسف عيبش، المرجع السابق المور والبيزنطيين. (1/93)
صفحة 94
على حدٍّ سواء، وإرهاقهم بالضرائب الثقيلة وامتصاص كلِّ مواردهم (1) إذلالاً لهم وإخضاعا لغلبتهم ... فما كان من البربر إلا الثورة ضدَّ الوجود البيزنطيِّ رغم أنهم كانوا قد استقبلوهم بحفاوة وساعدوهم في القضاء على الوندال «الأريوسيون» الذين مارسوا عليهم كلَّ أنواع الجور. فالبيزنطيون لم يكونوا بأحسن من الوندال من حيث سياسة الجباية، وملاحقة البربر في الجبال، وتقتيلهم، ومصادرة أموالهم، فضلا عن تلك النزاعات الدينية التي كان السكَّان هم الذين يدفعون ثمنها في نهاية المطاف (2).
وهكذا فإنَّ البيزنطيين - بسياستهم الجائرة وأحكامهم غير العادلة تجاه رعاياهم - واجهوا حربا مزمنة ضدَّ القبائل البربرية (3)، ظلَّت تنهش كيانهم، إلى أن قدم العرب المسلمون بديانة جديدة وعهد جديد يختلف عن العهود السابقة من حيث مصدره الأسيوي وليس الأوربي (4)، ومن حيث أهدافه التي كانت ترمي إلى تحرير العباد من ربقة العباد، وتخليصهم من ظلم غيرهم لهم أو ظلم بعضهم بعضاً، هكذا كانت الدعوة الإسلامية التي تحمَّل عبأها العرب المسلمون الأوائل
__________
(1) - يتحدَّث جوليان عن إيجابيات العهد البيزنطي في شمال إفريقيا، والحقيقة أنَّ تلك الإيجابيات كانت لبيزنطة دون الشمال الإفريقي، ثمَّ إنَّها، إن وُجدت، كانت محدودة الزمان والمكان، فالإمبراطور هرقل ( Heraclius) الذي تولَّى الإمبراطورية عام 610م أنعم على هذه الولاية التي رشَّحته إلى عرش الإمبراطورية بابن عمِّه الذي عرف عهده فترة من الهدوء. انظر جوليان: المرجع السابق، 1/ 379 - 380.
(2) - إبراهيم أحمد العدوي: الأمويون والبيزنطيون. الدار القومية للطباعة والنشر، بلا مكان. ط2، 1383هـ/1963م، ص232 - 233. وانظر إبراهيم جدلة: السياسة الجبائية في المغرب بين القرن الثاني والقرن الخامس هجري. أطروحة لنيل شهادة الكفاءة في البحث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، شعبة التاريخ. 1982 - 1983م، ص35 - 36.
(3) - جوليان: تاريخ إفريقيا، 1/ 365 - 380. حارش: تاريخ المغاربي القديم. 270 - 277.
(4) *- ان الغزاة لشمال إفريقيا كانوا دائما يغزونها من أوروبا ومن الشمال وبالتالي بحراً، والبيزنطيون وإن كانوا أسيويين إلا انهم غزوا وهيمنوا على المنطقة من الشمال، في حين يعتبر العرب المسلمون أول من قدم الشمال الافريقي من الشرق وفتحوا البلاد براً. (1/94)
صفحة 95
في بداية الفتوحات على الأقلِّ، وهكذا ستفتح قوانين الإسلام المنزَّلة على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في بداية القرن السابع الميلادي ربوع هذه البلاد لتحلَّ محلَّ قوانين جستنيان التي وضعها في النصف الأوَّل من القرن السادس الميلادي، ولعلها - كما يقول الدكتور عبد العزيز سالم - هي «القوانين الأخيرة التي وضعها عقل الإنسان مباشرة قبل البعثة النبوية» (1).
إنَّ المغرب لم يعرف طيلة القرن السادس الميلادي الاستقرارَ السياسي و الإداري (2) كما لم يعرفهما طيلة القرن السابع، ومع بزوغ فجر القرن الثامن الميلادي وأفول نجم القرن الأوَّل الهجري، بزغت الإدارة العربية الإسلامية وأفلت الإدارة البيزنطية شيئاً فشيئاً، لتحل محلها النظم العربية الاسلامية.
إنَّ الفترة التي سبقت الاستقرار النهائي للعرب المسلمين في الشمال الإفريقي، تعتبر هامَّة وحاسمة إذ فيها تقرَّر مصير هذه المنطقة ومستقبلُها، ذلك المصير المرتبط بالمشرق العربي بدلاً من أوربا الرومانية أو الوندالية، وذلك المستقبل المتعلق بالإسلام بديل النصرانية واليهودية والوثنية ديانات البربر القديمة (3).
إنَّ هذا التحوُّل الذي رافق أواخر القرن السابع الميلادي والمنتصف الثاني من القرن الأوَّل الهجري، لم يكن تحوُّلاً سهلاً على سكَّان المنطقة، كما لم يكن مهمة هيّنة على العرب المسلمين أصحاب هذا المشروع التغييري، بدأ في أواخر عهد الراشدين ولم ينته إلاَّ في منتصف عهد الأمويين، وكلَّف الخلافة الإسلامية جيوشاً معتبرة وقادة ضربوا بسهم وافر في القيادة وحسن التدبير والسياسة (4).
لقد كان العرب الفاتحون في بداية عهدهم بالفتوحات أصحابَ مشروع حضاري ضخم، تحمَّلوا مسؤوليته وأدّوا أمانته أحسن أداء، رغم بعض العثرات والهنات التي يتحمَّل مسؤوليتها بعض الخلفاء وأمرائهم (5)، ولا نرى أيَّ مسؤولية في ذلك على الجند العربي الإسلامي الذي جاء يحدوه الأمل الكبير لنشر رسالة السماء وإبلاغ دعوة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، أسماع هؤلاء الذين سوف يعرفهم العرب باسم البربر
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، 2/ 57.
(2) - Diehl: opcit, p226 - 227, 484, 502
وانظر إبراهيم أحمد العدوي: المرجع السابق، 224 - 227. يوسف عيبش: المور والبيزنطيون، 116.
(3) - عن ديانات البربر قبل إسلامهم انظر: Diehl: opcit, p540.
(4) - إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية، 9. لقبال موسى: المغرب الإسلامي، 57.
(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 29، 41، 46 - 47، 52 وما بعدها. (1/95)
صفحة 96
دون غيرها من التسميات (1).
إنَّ البربر أثناء الفتح الإسلامي لبلادهم قاوموا وبشراسة هذا الدخيل الجديد، إنهم قد أَلِفوا مقاومة الغزاة (2) وما أكثرهم على بلادهم، إنهم في الوقت الذي كانوا يرون فيه سلطة البيزنطيين تخبو جذوتها، وتنحصر رقعتها، ويأفل نجمها بكثرة أعدائها ومشاكلها (3)، وفي الوقت الذي نتأت فيه كيانات بربرية مستقلَّة لم تكن أكثر بروزا منها في هذا الوقت (4)، فالبيزنطيون - كما يقول شارل ديهل ( Sharles Diehl)_: « عشية الفتوحات كانوا قد تقهقروا من السهول واكتفوا بالمدن الكبرى، وتركوا للبربر الأرياف والسهول، وكان
__________
(1) - عن البربر وتسمياتهم انظر بخاصة ابن خلدون: العبر، م6. دائرة المعارف الإسلامية. مطبوعات جهان طهران، بلا تا. مادة "بربر"، 3/ 501 وما بعدها. لقبال موسى: المغرب الإسلامي، 16 وما بعدها. يوسف عيبش: الأطروحة المذكورة، يوظِّف مصطلح "المور" بدل "البربر"، انظر بخاصة ص157. ونحن نوظِّف هنا كلمة "بربر" لأنها الأكثر تداولا في العصور الوسطى، يؤكِّد ذلك استعمالها الواسع في المصادر العربية الإسلامية.
(2) - أحمد صفر: المرجع السابق، 396.
(3) - جوليان: تاريخ إفريقيا، 1/ 365، 375، 376. Diehl: opcit, p536.
إبراهيم العدوي: المرجع السابق، 224. وانظر حارش: المرجع السابق، 285.
(4) - الواقدي: فتوح، 121. الدبَّاغ: معالم الإيمان، 1/ 60 - 61. ابن خلدون: العبر، 6/ 215 وما بعدها. يوسف عيبش: المرجع السابق، 150 وما بعدها، 277، 279. (1/96)
صفحة 97
زعماء البربر في هذه الفترة يتفاوضون الندَّ للندِّ مع السطلة الإمبراطورية البيزنطية» (1).
في هذا التحوُّل بهذا الزمن بالذات الذي رنا فيه البربر ببصرهم إلى آفاق الاستقلال عن الهيمنات والغزاة، إذا بالعرب المسلمين يدقُّون أبواب وطنهم، ويدخلون بقوَّتهم معلنين أنَّهم إنَّما جاؤوا برسالة سماوية ليس لسكَّان هذا الشمال الإفريقي إلاَّ اعتناقها، فإن أبَوْا فعليهم بالجزية، وإن أبوا الأمرين معاً فما عليهم إلاَّ أن يدافعوا عن أنفسهم وديارهم، فالقدر كتب عليهم أن يعيشوا دوماً تحت سلطة غيرهم، أو يعيشوا مع سلطة غيرهم جنباً إلى جنب شاؤوا ذلك أم أبوا.
وكانت المقاومة والحروب، فلم تفلح ممالك البربر الناشئة في صمودها، كما لم تفلح القبائل، وسرت العقيدة الإسلامية إلى وجدانهم فآمنوا بالديانة الخاتمة، وسمعوا نداء الإسلام، فانتصروا على هواهم، إذ بدخولهم الإسلام كسبوا إخوة جددا، وشعروا بالعزَّة تغمرهم، كما شعروا بالأفق يتَّسع أمامهم (2)، فلم يعد المغرب فقط موطنهم، وإنَّما المشرق كذلك، ولم يعد البربريُّ فقط أخاً للبربريِّ – رغم الاختلافات التقليدية بينهم – وإنَّما المسلمون كلُّهم إخوة، وهكذا يشعر البربريُّ لأوَّل مرَّة على ما يبدو بالعزَّة تغمر كيانه، إذ لم يخاطبه أحد من الغزاة السابقين بمثل ما خاطبه به العرب المسلمون، فالرومان والوندال والبيزنطيون (3) كانوا ينظرون إلى الأهالي نظرة استعباد واستعلاء، عاملوهم معاملة العبيد وأسَّسوا
__________
(1) - Diehl: ibid, p539, note1, 540 - 541.
وانظر النويري: نهاية الأرب (تاريخ المغرب)، 191. ابن أبي زرع: الأنيس، 209 هامش 126. لقبال موسى: المغرب الإسلامي، 18. يوسف عيبش: المور والبيزنطيون، 116، 160 وما بعدها.
(2) - محمَّد الهادي الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل تاريخ الاستقلال. تعريب: محمَّد الشاوش ومحمَّد عجينة. سراس للنشر، تونس. ط2، 1985م، ص41.
(3) - وتبعهم على ذلك في القرن التاسع عشر 19م سليلهم الاستعمار الفرنسي. (1/97)
صفحة 98
لهم إدارة خاصة بهم، تعاملهم معاملة المواطن من الدرجة الثانية، مع أنَّهم في وطنهم وعلى أديم أجدادهم.
إنَّ البربريَّ إذن وجد ضالَّته التي كان يبحث عنها تحت ظلال رايات الإسلام، فأعداء الإسلام هم أعداؤه والمسلمون جميعا إخوانه، عدوُّه الأوَّل بيزنطة وحضارتها، حيث واصل، وهذه المرَّة، مع إخوانه العرب المسلمين القضاءَ على الوجود البيزنطيِّ في المنطقة، وأفلح في ذلك، فكأنَّه فتح بلاده بنفسه، وأعاد إليها استقلالها الذي فقدته منذ أمد بعيد.
إنَّ المغرب الإسلامي، هو المصطلح الذي سوف يرافق المسلمين في مختلف حقب تاريخهم بهذه البلاد، سوف يعرف إدارة جديدة ورجالاً جدداً، أحسن البربر استقبالهم لمَّا فهموا حقيقة فتحهم ودعوتهم، فهل يحسن الفاتحون إدارة هذا الإقليم؟ وهل يحسنون إلى أهله؟ وهل يوفِّرون لهم العدل الذي لم يجدوه مع الغزاة السابقين؟
إنَّ العرب والمسلمين منذ أن أعادوا الكرَّة الثانية لفتح هذه البلاد، بعد محاولتهم الأولى التي سبقت فتنة الصحابة (1)، ظلُّوا يرسِّخون أقدامهم على أرض
__________
(1) - هي الفتنة التي تُعرف كذلك بـ"الفتنة الكبرى" والتي وقعت ابتداء من عهد عثمان بن عفَّان ومقتله سنة 35هـ/655م، واستمرَّت طيلة عهد عليّ بن أبي طالب. انظر عنها اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن واضح: تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت. 1379/ 1960. 2/ 180 وما بعدها. المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن: مروج الذهب ومعادن الجوهر. تح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر. ط4، 1384هـ/1964م، 2/ 355 وما بعدها. الطبري محمَّد بن جرير: تاريخ، 5/ 64 وما بعدها. طه حسين: الفتنة الكبرى، جزآن، دار المعارف، مصر. ط9، 1976م. وانظر بخاصة هشام جعيط: الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكِّر. تر. خليل أحمد خليل، ومراجعة المؤلِّف نفسه. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. بلا سنة الطبع. أما الأصل الفرنسي فمطبوع سنة 1989. (1/98)
صفحة 99
المغرب ويتعارفون على قيادات البربر وملوكهم (1)، واستمرَّت العملية نصف قرن أو تكاد: منذ حملة معاوية بن حديج (2) سنة 45هـ/ 665م إلى غاية سنة 92هـ/711م على عهد ولاية موسى بن نصير الذي كان على يديه تمام الفتح (3) عام 96هـ/715م.
وتتَّفق جميع المصادر العربية تقريباً على أنَّ حسَّان بن النعمان 74 - 85هـ/693 - 704م هو واضع الأساس الأول للإدارة العربية الإسلامية في بلاد المغرب (4)، تلك الإدارة التي حلَّت محلَّ إدارة البيزنطيين التي وصفت بالظلم والجور تجاه سكان البلاد.
إنَّ الإدارة (5) العربية، في هذه الفترة بالذات، لمَّا تضع بعدُ أسسها الأولى في بلاد المشرق فضلا عن المغرب، وإنَّ الرأي السائد هو أنَّ كلَّ إقليم اتَّبع فيه العرب إيجابيات النظم السابقة لهم، فكانت نظم بيزنطة في بلاد المغرب، فالعرب لم يكونوا يملكون نظاماً إدارياً وإنَّما جاؤوا بالمبادئ الأساسية التي يمكن أن تُصبَّ على أيِّ إدارة سابقة لتأخذ بعد ذلك الطابع العربي الإسلامي.
هكذا إذن، تمَّ الأمر ببلاد المغرب بعد الفتح مباشرة (6) فلا وجود لإدارة معقَّدة وإنما هناك تهذيب للإدارة السابقة ووضع لكيان إدارة جديدة أساسها
__________
(1) - لقبال موسى: المغرب الإسلامي، 18 - 20.
(2) - ابن عذاري: البيان، 1/ 16 وما بعدها.
(3) - ابن عذاري: نفسه، 1/ 43. لقبال: نفسه، 93.
(4) - الرقيق: تاريخ، 34. المالكي: رياض، 1/ 36. ابن عذاري: البيان، 1/ 38. لقبال: المغرب، 27 وما بعدها.
(5) *- نقصد بالإدارة هنا كل النظم التي تشرف على حياة المجتمع وتشكل في مجموعها ما يعرف اليوم بالسلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
(6) - Djait H: la wilaya d’ Ifriqiya au II / VIII S; in studia islamica, No XXVIII; 1968, p80 (1/99)
صفحة 100
بيزنطي بعد تهذيبها وتبسيطها وتغيير رجالها الجائرين بآخرين عدول، أو يفترض أن يكونوا عدولاً، ومن هنا وجد البربر أنفسهم ينقادون لهؤلاء الفاتحين ويتفاعلون مع إداراتهم التي تنسجم وطموحاتهم (1) وتساير أهدافهم.
إنَّ الإدارة العربية الإسلامية البسيطة في بداية أمرها، كانت في عمومها عادلة مراعية لتعاليم الإسلام، متقيِّدة بالضوابط الأخلاقية، لذلك انقاد لها البربر وأطاعوا مسيِّريها بل تفاعلوا وانفعلوا معها، إنَّها الإدارة التي انسجمت مع عقليتهم وتطابقت مع طموحاتهم التي كانت بدايتها بارزة منذ أواخر العهد البيزنطي.
إنَّ الإدارة العربية في بلاد المغرب كانت سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد أمير الجيش (جيش الفتح)، هو الفقيه وهو القائد والوالي، وهو القاضي يساعده في مهمته المتشعِّبة رجال يختارهم بنفسه من الفقهاء والسياسيين وذوي الرأي والفطنة في التسيير والتدبير، هكذا نرى بساطة هذه الإدارة في مرحلة الفتح، فهي لا تحتاج إلى تعقيد والمجتمع يعيش البساطة، ويتأقلم شيئاً فشيئاً مع الدين الجديد شعائر وشرائع، ومع الفاتحين لغة وسلوكاً ...
وما إن انقضى القرن الأوَّل الهجري وكمل بانقضائه الفتح وتمَّ، حتى بزغ فجر عهد الولاَة مع بزوغ فجر القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي. هذا العهد (2) الذي سيعرف أحداثاً جديدة، وتطوُّرات عديدة ومنعرجات حاسمة، يأخذ فيها المغرب شخصيته الإسلامية الكاملة ودوره التاريخي الكبير.
إنَّ عهد الولاة الذي يبدأ برحيل آخر الفاتحين موسى بن نصير عائداً إلى المشرق سنة 96هـ/715م يعتبر التتويج الحقيقي لنجاح الفتوحات وتمامها
__________
(1) - لقبال: المغرب، 73 - 89.
(2) - عن عهد الولاة وماظاهره انظر كتاب الدكتور عبد العزيز فيلالي: المظاهر الكبرى في عصر الولاة. (1/100)
صفحة 101
وكمالها، وهو العهد الذي سينتهي فيه الاضطراب السياسي، ذلك الاضطراب الذي امتدَّ طيلة القرنين السادس والسابع للميلاد، وسوف يعرف المغرب فترة من الاستقرار والهدوء، ربما لا تطول، إذ لا تتجاوز الربع الأوَّل من القرن الثاني الهجري، ولكنَّها كانت فترة مهمَّة إذ استعاد فيها العرب و البربر كلاهما أنفاسهم وتدبَّروا ملياً فيما أنجز من الفتح وما بقي ...
والحقيقة إنَّ هذه الفترة التي لم تطل، كان فيها البربر يجسون نبض العرب المسلمين في فترة السلم بعد أنْ انقضت مرحلة الحروب ضدَّهم، ثمَّ معهم، وتيقنوا بالاحتكاك المباشر أنَّهم مخلصون للعقيدة وللأرض في عمومهم، طبَّقوا عليهم المساواة والعدل وأحسنوا إليهم.
إنَّ هذه النتيجة التي خرج بها البربر عموماً في تقويمهم للعرب الفاتحين ثمَّ للعرب الولاة المقيمين وجدوا أنَّها تشوِّشها سياسة بعض المسؤولين من الخلفاء والولاة ومستشاريهم، إذ انحرفوا في معاملاتهم للبربر، وتعدَّوا في الصدقات والعشر بل أرادوا تخميس البربر وزعموا أنهم فيء المسلمين (1) رغم أنهم مسلمون قد ارتضوا الإسلام دينا.
وقد رافق هذا الظلم الذي انحرف به بعض الولاة عن الجادَّة، بروزُ أفكار تدعو إلى تخليص الدين من المفسدين ... أفكار دعا إليها الإباضية والصفرية، وهما من الفرق التي كانت تصارع الأمويين وظلمهم في العراق بالمشرق، فانتقلت إِلى مطاردة الظلم الأموي بالمغرب (2)، فكانت ثورة البربر العارمة سنة
__________
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 52.
(2) - في هذه الفترة بالذات بدأت الدعوة العبَّاسية تعمل في الخفاء لتقويض أركان الدولة الأموية التي أجمعت الرعية في المشرق والمغرب على أنَّها كانت جائرة، وبخاصة في سياستها الجبائية. (1/101)
صفحة 102
122هـ/740م (1)، ليس ضدَّ المسلمين ولا ضدَّ العرب كما يحلو للبعض وصفها بها، ولكن ضدَّ ظلم بعض الولاة وبعض الخلفاء من بني أمية وبخاصة في أواخر أيَّام هذه الدولة.
إنَّ البربر لمّا ثاروا، ثاروا باسم الإسلام ومن أجل الإسلام وتحت ظلِّ راية الإسلام، التي حملتها الصفرية من الخوارج في البداية، ثمَّ انضمت الإباضية (2) إليها وبشكل أكثر تنظيماً وانضباطاً الإباضية والإباضيون.
لقد تزامنت هذه الثورات في بلاد المغرب مع ثورة بني العباس في بلاد المشرق، واتفقت جميعها في الحكم على ظلم وجور الخلافة الأموية وبخاصة بعد خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - (99 - 101هـ/717 - 719، 720م).
إنَّ ثورات البربر التي بدأت عام 122هـ/740م امتدت لفترة طويلة، إذ لم يستقر المغرب إلاَّ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، بعدما أسس المغاربة كيانات سياسية وجعلوها مستقلة عن كلِّ وصاية مشرقية، هنالك اطمأنوا إليها وأخلدوا إِلى الراحة والهدوء وبناء دولهم لبِنةً لبِنةً، مع مراقبة مسؤوليهم مراقبة شديدة لايفوِّتون لهم صغيرة ولا كبيرة ولا يعذرون أحدهم في جور ارتكبه صدر
__________
(1) - عن ثورات البربر وتفسيراتها انظر بخاصة مقالنا ثورات الخوارج بالمغرب الإسلامي ابتداء من سنة 122هـ/739 - 740م في المصادر العربية قديما ودراسات المدرسة الغربية حديثا. مجلّة الدراسات التاريخية لمعهد التاريخ بالجزائر. ع. 5 1408هـ/1988م، ص81 - 100. وانظر أيضا في مجلَّة العلوم الإنسانية في جامعة قسنطينة. ع. 1. دار نوميديا للنشر والإشهار، جوان 1990م/1410هـ، ص49 - 70.
(2) *- عن الاباضية ورفضهم الانتساب الى الخوارج أنظر: ابو اسحاق ابراهيم اطفيش: الفرق بين الاباضية والخوارج، مكتبة الاستقامة، عُمان 1980. د. عمرو خليفة النامي: دراسات في الاباضية، دار الغرب الاسلامي، بيروت 2000. د. عوض محمد خليفات: نشاة الحركة الاباضية، نشر الجامعة الاردنية، عمّان، 1978. علي يحيى معمر: الاباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، مكتبة وهبة القاهرة 1976. (1/102)
صفحة 103
عنه عن قصد أو خطإ، وذلك هو عين التشدُّد الصفري والإباضي في الشؤون السياسية، هذان المذهبان اعتنقهما أغلب سكان المغرب (1)، لما فيهما من صرامة تجاه الحاكم، ومن مسؤولية الرعية أمام المسؤول الأوَّل على الرعية.
لقد أنشأ الصفرية دولتهم المدرارية (2) بإقليم سجلماسة سنة 140هـ/757م، وأقام الإباضية دولتهم الرستمية (3) بإقليم تيهرت من المغرب الأوسط عام 160هـ/777م وساعد قيام هاتين الدولتين المستقلتين عن المشرق بروز دولة الأدارسة (4) بإقليم فاس من المغرب الأقصى وكانت على المذاهب: الشيعي والمعتزلي والمالكي، وكادت أن تزول سلطة المشرق على المغرب لولا أن تداركها الخليفة هارون الرشيد (170 - 193هـ/786 - 808م) بإقامة دولة الأغالبة (5) المستقلة فعلاً عن المشرق والتابعة اسميًا للخلافة العباسية ببغداد.
وهكذا تشكَّلت شخصية المغرب الإسلامي بهذه الكيانات السياسية (6) المتباينة مذهباً، وهكذا حقَّق المغرب استقلاله أو جزءاً من استقلاله (7)، ورنا ببصره، كلّ كيان بمفرده، إِلى المستقبل لبناء الحضارة، ولا تبنى الحضارة إلاَّ في ظلِّ
__________
(1) - محمَّد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية. منشورات الجماعة التونسية، السلسة 4، المجلّد XXVI تونس، 1982م. ص102.
(2) - عن دولة بني مدرار في جنوب المغرب الأقصى انظر شنايت العيفة: دولة بني مدرار بسجلماسة ودور تجارة القوافل في ازدهارها الحضاري بين القرنين الثاني والرابع الهجريين./رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 1986.
(3) - عن دولة الرستميين انظر بخاصة بحَّاز إبراهيم: الدولة الرستمية (160 - 296هـ/777 - 909م).
(4) - عن دولة الأدارسة انظر بخاصة محمود إسماعيل: الأدارسة. 172 - 375هـ. حقائق جديدة.
(5) - عن دولة الأغالبة انظر بخاصة محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية (184 - 296هـ/800 - 909م) التاريخ السياسي.
(6) - هناك كيانات سياسة أخرى ولكنَّها أقلّ أهمية مما ذكرناه، مثل دولة برغواطة، دولة نكور ...
(7) - إبراهيم بيضون: ملامح التيارات السياسية في القرن الأوَّل الهجري. دار النهضة العربية للطبع والنشر، بيروت. 1979، ص359. (1/103)
صفحة 104
الاستقرار والطمأنينة، وهو ما سوف يميِّز المغرب الإسلامي عموماً منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري إِلى أواخر القرن الثالث منه حوالي 767 - 900م، ماعدا بعض التمرُّدات أو الاضطرابات المحلية هنا أو هناك دون أن يكون لها طابع الشمولية أو الديمومة أو التغير الجذري لما هو قائم.
إنَّ هذا الرصد لأهمِّ مراحل تاريخ الشمال الإفريقي منذ الرومان والوندال فالبيزنطيين ثمَّ مرحلة الفتوح الإسلامية ثمَّ الولاة وأخيراً فترة الدول المستقلة، أردنا من خلاله رسم خطٍّ بياني لما تعرَّض له المغرب من هزَّات عنيفة وتغيرات جذرية نتيجة الموجات البشرية العسكرية والحضارية التي كانت تقتحم ميدانه من قرن إِلى آخر حتى استقرَّ به المطاف أخيراً مغرباً إسلامياً بكيانات إسلامية متعددة ومذاهب مختلفة وقبائل وشعوبا وعناصر متباينة متكاملة.
لقد تعرَّض المغرب إِلى هذه الهزات وأراد لنفسه ذلك بحثا عن العدل ورايته وتحطيماً للجور ورموزه فكأنَّه وجد بغيته في ظلِّ الإسلام أولاً وأخيراً، وفي ظلِّ الدول المستقلة التي أنشأها في مغاربه الثلاث الأدنى والأوسط والأقصى.
كيف كان العدل قائماً في العهد الإسلامي بهذه الديار؟ وكيف كان يقاوم سكان هذه البلاد الجور؟ تلك مسؤولية مؤسسة القضاء التي وضعها الإسلام عالية لا يعلو عليها أحد، تنفذ أحكامها على الجميع راع ورعية سيد ومسود على حدٍّ سواء ... فهل كان القضاء فعلاً في المغرب الإسلامي على هذا الشكل؟ وهل كان متميزاً عما كان عليه قبل الإسلام في هذه الربوع؟ ذلك ما سوف نعرفه من خلال هذا البحث الذي يركِّز أساساً على القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد. (1/104)
صفحة 105
الباب الأول
القضاء فيِ المغرب الإسلامي
(النشأة والاستمرار) (1/105)
صفحة 106
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/106)
صفحة 107
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي
(النشأة والاستمرار)
تمهيد
الفصل الأَوَّل: القضاء في عهد الولاة
(96 - 184 هـ / 715 - 800 م)
المبحث الأَوَّل: الأسس الأولى للقضاء فيِ المغرب الإسلامي
أ - القضاء فيِ عهد الفتوح
ب-القضاء فيِ عصر الولاة
المبحث الثاني: أشهر القضايا فيِ عصر الولاة
المبحث الثالث: تقويم القضاء فيِ عصر الولاة (1/107)
صفحة 108
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء
تمهيد
عرفنا أَنَّ بلاد المغرب فيِ القرنين الثاني والثالث للهجرة تقاسمته دول متعدِّدة، وكيانات (1/108)
صفحة 109
سِيَاسِيَّة متباينة، وكلُّها احتاجت إلى القضاء، وعَرفت هَذِهِ المُؤَسَّسَة وجودَها ضمن هيكل الوظائف العامة لِهَذِهِ الدولة أو تلك.
فالقضاء كجهاز مرتبط بالمجتمع ارتباطا وثيقا ومباشرا يقتضي أن يكون حاضرا بمجرَّد وجود التجمُّع السكَّانيِّ، فضلا عن وجود الدولة أو الكيان السياسيِّ؛ إِلاَّ أَنَّنَا فيِ هَذَا الباب سنتطرَّق إلى بدايات القضاء الإسلاميِّ التابع للدولة فيِ المغرب انطلاقا من عصر الولاة. فمن أنشأ مُؤَسَّسَة القضاء ببلاد المغرب؟ ومن هو القاضي الأَوَّل فيِ هَذِهِ الربوع؟ وكيف اسْتَمَرَّ هَذَا القضاء بعد نشأته؟
إذا كان عصر الولاة قد عرف البدايات الأولى للقضاء بالمغرب عُمُومًا، فكيف كانت تلك البدايات عند المدرَارِيِّينَ وَالرُّسْتُمِيِّينَ والأدارسة والأغالبة؟ هَذِهِ الدول التي اسْتَقَلَّت عن الخلافة بالمشرق استقلالا تَامًّا، أو ظلَّت تابعة لها اسميًّا كدولة الأغالبة.
بعد نشأة القضاء هل ظلَّ مُسْتَمِرًّا بارزا؟ أم عرف غموضا وبترا؟ وما مردُّ ذَلِكَ؟
ثُمَّ، هل تناول المُؤَرِّخُونَ بعض القضايا التي عُرضت عَلَى القضاة فيِ مجالسهم؟ إلى أيِّ حدٍّ كان ذَلِكَ؟ وهل يمكن تصوُّر الوضع الخاصِّ للقضاء فيِ كُلِّ دولة من الدول المذكورة وتقييم ذَلِكَ أو تقويمه؟
إنَّ هَذَا الباب سيجيب عَلَى هَذِهِ التساؤلات وغيرها، ويحاول أن يصل إلى وضع قوائم بأسماء القضاة تعين عَلَى حسن فهم الموضوع، وسبر أغواره. (1/109)
صفحة 110
الفصل الأَوَّل: القضاء فيِ عهد الولاة
(96 - 184 هـ /715 - 800 م)
المبحث الأَوَّل: الأسس الأولى للقضاء فيِ المغرب الإسلامي
أ- القضاء فيِ عهد الفتوح:
من المعروف أَنَّ المغرب الإسلاميَّ اسْتَمَرَّ فتحه لفترة طويلة، ولم يكن بالمهمَّة الهيِّنة عَلَى العرب الفاتحين الذين كانوا فيِ مدٍّ وجزر منذ سنة 23هـ/642م، حَتَّى سنة 96هـ/715م، عندما تَمَّ الفتح عَلَى يد القائد موسى بن نصير، والغريب فيِ الأمر أَنَّ المصادر لم تتحدَّث فيِ هَذِهِ الفترة عن القضاء أو عن اسمٍ لقاض كان مع جيش من جيوش الفتح.
إنَّ هَذَا الصمت تجاه هَذِهِ القَضِيَّة ترك المجال أمامنا للتخمين، إذ لا يُعقل أن يبقى الفاتحون بدون قاض فيِ المناطق التِي فتحوها واستقرُّوا فيها، وبخاصة بإفريقيَّة، كما لا يعقل أن يكون باقي أقاليم المغرب بدون من يفضُّ النزاعات، وينهي الخصومات.
إنَّ المغرب فيِ هَذِهِ الفترة المبكِّرة، وَفيِ أغلب أجزائه، لا يزال يتقاضى إلى شيوخِ القبائل وزعمائها ويستصدر أحكامه من عاداته وتقاليده القديمة التي ورثها عن أجداده أو عن الرومان والبيزنطيِّين، فالبربر المتمدِّنون الذين تثقَّفوا بالثقافة الرومانيَّة البيزنطيَّة، وسكنوا المدن كانوا يتحاكمون إلى القضاء البيزنطيِّ (1).
أَمَّا العرب الفاتحون فإنَّ التساؤل الكبير الذي نطرحه هاهنا هو: أين
__________
(1) - ارجع إلى مدخل هَذِهِ الأطروحة؛ وانظر كَذَلِكَ: العروي: مجمل تاريخ المغرب، 113. (1/110)
صفحة 111
قاضي الجند، أو قاضي العسكر؟ الذي من المفروض أَنَّهُ يرافق كلَّ جيش قَدِمَ من المشرق نحو المغرب فيِ مهمَّة الفتح ... ؟
هل يمكن أن نقول إنَّ المُؤَرِّخِينَ أهملوا ذكره؟ وبالتالي فإنَّ الخلفاء عيَّنوا مثل هؤلاء القضاة مثلما عيَّنوا قادة الفتح، ولكنَّ أسماء القادة العسكريِّين وصلت إلينا، واختفت أسماء القضاة؟ لا أعتقد هَذَا، وَإِنَّمَا الذي يتبادر إلى الذهن هو أَنَّ هؤلاء القادة، وكلُّهم منسوب إلى العلم وَإلى الفقه (1) هم الذين كانوا يتولَّون المهمَّتين معا: مُهِمَّة قيادة الجيش، ومُهِمَّة القضاء (2) فيما يمكن أن يحدث من خصومات ومنازعات. وربَّما عيَّن هَذَا القائد من رجاله الفقهاء _ وما أكثرهم _ من يقوم بفضِّ نزاع معيَّن، أو خصومة بين اثنين، أو جماعتين، أو تقسيم للفيء بين الفاتحين (3).
وَفيِ هَذَا الخضمِّ من التساؤلات والتخمينات يردُ ذكر قاض واحد فيِ عهد عقبة بن نافع، ذكره الواقدي (4) (ت207هـ/ 822م) دون غيره من المصادر الأخرى، وَهُوَ ظافر بن حسَّان السلمي، عيَّنه عقبة بن نافع فيِ مدينة قسنطينة إحدى مدن إقليم كُتامة (5) بعد أن أقرَّ فيها ملِكها الذي دخل الإسلام، وخلَّف معه ثلاثمائة فارس من المسلمين ...
__________
(1) - انظر: ابن عذاري: البيان، 1/ 9، 19، 21، 39، 51 وغيرها.
(2) - سحنون: المدوَّنة، 6/ 291؛ وانظر: القرافي إذ يقول: «الإمارة الخَاصَّة عَلَى تدبير الجيوش ... دون تولية القضاة ... إنَّ القضاء مندرج فيِ ولايتهم». القرافي: الإحكام، 45. وانظر ابن جماعة: تحرير الأحكام، 165 - 167.
(3) - انظر مثلا: رياض المالكي، إذ يذكر أَنَّ عبد الله بن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُ هو الذي قسَّم الفيء بين المسلمين فيِ فتح إفريقية، وكان الأمير عبدَ الله بن سعد بن أبي سرح. 1/ 61.
(4) - الواقدي محمَّد: فتوح إفريقية، المطبعة العمومية، تونس، ط1، 1315هـ. ص121.
(5) - عن هَذَا الإقليم، انظر: لقبال موسى: دور كتامة فيِ تاريخ الخلافة الفاطميَّة، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979، ص 97 وما بعدها. (1/111)
صفحة 112
ولا شَكَّ أَنَّ هَذَا القاضي إن صحَّت رواية الواقدي (1) قد تَوَلىَّ القضاء فيِ الحملة الثانية لعقبة، بين سنتي 62 - 64هـ/ 681 - 683م، ثُمَّ ألاَ يحقُّ لنا بعدها أن نقول: إنَّ المُؤَرِّخِينَ أهملوا ذكر مثل هؤلاء القضاة فيِ هَذِهِ الفترة من الفتوح؟ وأهملوا ذكر القضايا؟.
وَلَمَّا عاد حسَّان بن النعمان الغسَّاني سنة 78هـ/697م فيِ حملته الثانية تتَّفق جميع المصادر (2) أَنَّهُ أَوَّل من وضع الدواوين بإفريقيَّة، فهل كان القضاء حاضرا إلى جانب تلك الدواوين؟ لا تذكر المصادر شيئا عن القضاء فيِ هَذِهِ الفترة المتأخِّرة جِدًّا من عمر الفتوح لبلاد المغرب.
ويستمرُّ الأمر هكذا إلى أن يَتَوَلىَّ موسى بن نصير مُهِمَّة إتمام الفتح (86 - 96هـ/705 - 715م) لبلاد المغرب، وبداية فتح بلاد الأندلس، عندئذ تذكر مصادرنا وتتَّفق كلُّها (3) عَلَى أَنَّ هَذَا الوالي الفاتح عيَّن أَوَّل قضاة إفريقية
__________
(1) - عن الواقدي وروايته هَذِهِ انظر: عبد العزيز فلالي: حول الفتح العربيِّ الإسلاميِّ لمدينة قسنطينة، فصلة من الكرَّاسات التونسيَّة، مجلَّد 36، ع. 137 - 138، 1986، منشورات الجامعة التونسيَّة، كُلِّيَّة الآداب والعلوم الإِنسَانِيَّة، ص 64 - 65. أمَّا الواقدي فمن المعروف أنَّه ولد بمدينة الرسول (ص) واتَّصل بالخليفة هارون الرشيد، وعيَّنه هذا الأخير قاضيا في الجانب الشرقي من بغداد، ثمَّ عيَّنه الخليفة المأمون في محِلَّة بغداد التي ستُعرف بالرصافة فيما بعد، ومات بها عام 207هـ «وكان الواقدي شيعيا ولكنه أنكر التشيُّع تقية في مصنَّفاته» انظر النويري: نهاية الأرب (تاريخ المغرب)، 31.
(2) - الرقيق: تاريخ، 34. المالكي: رياض، 1/ 56. ابن عذاري: البيان، 1/ 38. ابن خلدون عبد الرحمن بن محمَّد: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1983م، ج4/ 401. وانظر: هوبكنز: النظم، 64. حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 87 - 88. إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ، 107.
(3) - أبو العرب: طبقات، 86. المالكي: 1/ 110. الدبَّاغ: 1/ 198 - 199. وانظر: هوبكنز: النظم، 201. نوال تركي: التنظيمات الإداريَّة، 172. (1/112)
صفحة 113
بالقيروان، وَهُوَ أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وَذَلِكَ عام 80هـ/699م، والأرجح عندنا عام 90هـ/708م (1)، وهكذا نلاحظ أَنَّ آخر عهد الفتوح هو النواة الأولى البارزة للقضاء فيِ المغرب الإسلاميِّ (2)، هَذَا إن راعينا اِتِّفَاق المصادر عَلَى ذكر اسم القاضي وتاريخ تعيينه، ومن عيَّنه.
وَلَعَلَّنا نتَّفق هنا مع الأستاذ عبد الله العروي لَمَّا رأى أَنَّهُ بعد سنة 93هـ/711م أصبح المغرب ولاية تابعة لدولة الخلافة بمعنى كلمة “المغرب” حيث «تشكَّلت فيِ القيروان ... إدارة عَلَى غرار التنظيمات التي أسَّسها عمر بن الخطَّاب، وطوَّرها كثيرا عبد الملك بن مروان، والتي تقوم أساسا عَلَى القضاء، وَعَلَى دواوين الكتَّاب، أهمُّها ديوان المال، وديوان الجيش» (3).
هكذا إذن يصل المغرب إلى اكتساب شخصيَّته العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة تدريجيًّا من خلال الإدارة والوظائف الإداريَّة التِي تنظِّمه، وتربط الرعيَّة
__________
(1) - لا يُعقل أن يوليه القضاء سنة 80هـ، وقد تَوَلىَّ موسى بن نصير الولاية سنة 86هـ، وبالتالي نرجِّح أن يكون ذَلِكَ سنة 90هـ، وليس 80هـ، انظر: المالكي: 1/ 110. الدبَّاغ: 1/ 198. وذكر هوبكنز تاريخ 80هـ دون أن يلاحظ الخطأ، وكذلك الدكتور فريد بن سليمان في مقاله ص121 - 123. ولا نستبعد أن يكون هَذَا القاضي قد عيِّن للقضاء قبل عهد موسى بن نصير سنة 80هـ، وأثبته هَذَا الأخير فيِ منصبه لَمَّا تَوَلىَّ أمر المغرب، وَهَذَا احتمال وارد أَيضًا، إذ يمكن أن يكون الوالي حسَّان بن النعمان (78هـ-86هـ)، الذي تتفق المصادر على أنَّه هو أوَّل من وضع الدواوين ووضع الخراج بإفريقية، كما أسلفنا، هو الذي عيَّن هذا القاضي الأوَّل بإفريقية عام 80هـ استكمالا للمناصب والنظم في ولايته، إذ لا يُعقل أن يضع الدواوين قبل أن يعيِّن للقضاء.
(2) - نوال تركي: التنظيمات، 172. ترى الباحثة أَنَّ هَذَا التاريخ هو وقت مبكِّر!. وانظر: هوبكنز الذي يتساءل عن فترة ثلاثين سنة من تأسيس القيروان إلى سنة 80هـ، هل ولي فيها قاض؟، ويرى أَنَّ البلاد يعوزها الاستقرار الكافي، حَتَّى تنظر فيِ فكرة تولية قاض أو إدارة. النظم: 201 - 202.
(3) - مجمل تاريخ المغرب، 115 .. (1/113)
صفحة 114
بالسلطة، ولكن مع هَذَا لا بُدَّ من الإشارة إلى أَنَّ أجزاء كبيرة من المغرب الإسلاميِّ ظلَّ بعيدا عن السلطة المباشرة للعرب الفاتحين، وإن كان هناك ولا شَكَّ استعداد لتقبُّل السلطة الإسلامية، والديانة الجديدة.
ب- القضاء فيِ عصر الولاة:
ليس غريبا بعد تعيين القاضي الأَوَّل الذي سلف ذكره، والذي لا نعرف بالضبط متى انتهت مهمَّته أن يكون القاضي الثاني للمغرب من تعيين الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - (99 - 101هـ/ 717 - 719م)، وَهُوَ أَوَّل خليفة تذكره المصادر يعيِّن قاضيا للمغرب، وَذَلِكَ سنة 99هـ/117م، وليس بمستبعد أن يكون قد لاحظ الفراغ المهول فيِ الإدارة العَرَبِيَّة بالمغرب من خلال غياب مُؤَسَّسَة القضاء، فضلا عن الجور الذي عاهد نفسه أن يقضي عَلَيْهِ فيِ دولته، ومن هنا جاء تعيينه المباشر للقاضي عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني القرشي المكنَّى بأبي المغيرة (1)، وظلَّ قاضيا إلى عهد حنظلة بن صفوان (127 - 132هـ/744 - 749م)، ويعتبر هَذَا القاضي أَوَّل قاض فيِ عصر الولاة، وَأَوَّل قضاة المغرب الإسلاميِّ فيِ فترة بحثنا.
ومن المعروف أَنَّ عمر بن عبد العزيز لَمَّا تَوَلىَّ الخلافة أرسل عشرة من التابعين إلى بلاد المغرب ليعلِّموا البربر الحلال والحرام (2). ولا أستبعد أن يكون هؤلاء قد وزِّعوا فيِ أقاليم المغرب ولم تضمَّهم القيروان وحدها، فليست
__________
(1) - أبو العرب: 89. الرقيق: 64 - 65. المالكي: 1/ 126 - 127. الدبَّاغ: 1/ 210. النويري: جزء المغرب، 213. محمود مقديش: نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تح. علي الزواري ومحمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1988، ص237 - 238. نوال تركي: التنظيمات، 172 - 173.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 99 - 118. ابن عذاري: البيان، 1/ 48. ويذكر الرقيق أَنَّ موسى بن نصير قبل عمر بن عبد العزيز ترك بطنجة سبعة وعشرين رجلا من العرب أمرهم «أن يعلِّموا البربر القرآن، وأن يفقِّهوهم فيِ الدين». تاريخ، 39 - 40. (1/114)
صفحة 115
بحاجة إِلَيْهِم، بل ولا إفريقية، وَإِنَّمَا أرى أَنَّهُم انتشروا فيِ المغربين: الأوسط والأقصى، ليعلِّموا البربر شعائر الدين، وشرائعه بخاصة، وربَّما كانوا هم القضاة فيِ المنازعات والخصومات فيِ تلك الأقاليم، وكان البربر يهرعون إِلَيْهِم يستشيرونهم فيما أُشكل عَلَيْهِم من العلاقات الاِجْتِمَاعِيَّة والمعاملات، لِذَلِكَ نجد المُؤَرِّخِينَ (1) يذكرون أَنَّهُ بفضلهم تعلَّم البربر الحلال والحرام، وإن ضيَّقوا ذَلِكَ عَلَى بربر إفريقية دون سواها من المغرب، وبوفاة عمر بن عبد العزيز تعود السياسة الأموية إلى سابق عهدها من الجور، فيضطرب المغرب ولا يستقرُّ الولاة بل حَتَّى الخلفاء فيِ مناصبهم، وهنا يبرز عبيد الله بن الحبحاب أحد الولاة المشهورين فيِ بلاد المغرب، تتحدَّث عنه المصادر بإطناب، وتشيد بكفاءته (2)، ويظهر لنا بِأَنَّهُ كان يَتَوَلىَّ بنفسه أمر القضاء، إذ يقول الرقيق فيِ هَذَا الصدد بِأَنَّ ابن الحبحاب رُئي يوما «ينظر فيِ دفتر العطاء، ويملي رسالة، ويأمر بحاجات فيِ ناحية أخرى، ويأمر فيِ خلال ذَلِكَ بالحكم بين رجلين متنازعين» (3).
فهل هَذَا يعني أَنَّ ابن الحبحاب استغنى عن القاضي، فأصبح يَتَوَلىَّ الأمر بنفسه؟ لا شَيء يؤيِّد ذَلِكَ أو ينفيه (4) لأَنَّ الثورة البربريَّة العارمة سنة 122هـ/739م عصفت به، وقضت عَلَى الجور الذي كان يرتكبه،
__________
(1) - المصادر نفسها.
(2) - محمود إسماعيل: مغربيَّات، 91 - 92.
(3) - تاريخ، 71. ويقول ابن الأبَّار: « ... ويحكُم فيِ خلل ذَلِكَ بين رجلين متنازعين». ابن الأبَّار أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله القضاغي: كتاب الحلًّة السيراء، تح. حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1963، ج2/ص337.
(4) - ما عدا ما ذكره الرقيق القيرواني من أَنَّ كلثوم بن عياض لَمَّا وصل القيروان لم يُقِم فيها بل استخلف عَلَيْها عبد الرحمن بن عقبة الغفاري، وَهُوَ إذ ذَاكَ قاض بِإِفْرِيقيَّة. انظر: تاريخ، 76 - 77. (1/115)
صفحة 116
وارتكبه بعض الولاة وبعض عمَّالهم فيِ أقاليم المغرب الواسعة (1)، وَلَعَلَّ هَذِهِ الثورة إِنَّمَا فيِ أحد أسبابها تعود إلى غياب مُؤَسَّسَة القضاء فيِ الإدارة المركزيَّة للإقليم، فضلا عن المناطق الأخرى غيابا مطلقا، هيكلا ومضمونا.
ومن المعروف أَنَّ الخليفة هشام بن عبد الملك آنذاك هدَّد المغرب بغضبة عربيَّة، وبجيش عرمرم، ونفَّذ غضبته، وأرسل الجيش بقيادة كلثوم بن عياض، ويبدو أَنَّهُ أرسل فيِ هَذَا الجيش قاضٍ يُسَمَّى أبو سعيد جعثل بن هاعان بن عمير بن اليثوب، ذكرته المصادر بِأَنَّهُ «قاضي الجند» (2). وَهُوَ أَوَّل مَرَّة نسمع فيه هَذَا المصطلح ببلاد المغرب، وَذَلِكَ عام 123هـ/740م، ولن يعود إطلاقا، وَهُوَ قاضي الجند الوحيد الذي تذكره مصادرنا صراحة مَرَّة واحدة وأخيرة (3).
ويصادفنا قاض يذكر فيِ عهد كلثوم بن عياض (123 - 124هـ/740 - 741)، وَهُوَ عبد الرحمن بن عقبة الغفاري مباشرة بعد ثورة البربر، وانسحاب عبيد الله عائدا إلى المشرق، وقدوم كلثوم بن عياض، هَذَا الأخير الذي لم يتوقَّف فيِ القيروان وَإِنَّمَا غادرها تاركا فيها القاضي المذكور. ويضيف الرقيق (4) الذي جاءنا بالخبر بِأَنَّه كان إذ ذاك قاضي إفريقية، فَكَأَنَّهُ يريد أن يقول بِأَنَّ عبد الرحمن بن عقبة هو القاضي فيِ عهد عبيد الله بن الحبحاب، وَلَكِنَّهُ لم يصرِّح بِذَلِكَ! .. ونلاحظ هنا
__________
(1) - الطبري: تاريخ، 4/ 255. ابن عذاري: البيان، 1/ 51 - 52. النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 213 - 214. وانظر عن الثورة مقالنا: ثورات الخوارج فيِ المغرب الإسلامي، مجلَّة الدراسات التاريخية، 81 - 100. ونفسه فيِ مَجَلَّة العلوم الإِنسَانِيَّة، 49 - 70.
(2) - المالكي: 1/ 114. الدبَّاغ: 1/ 202. وانظر: هوبكنز: النظم، 204.
(3) - ينفرد الدبَّاغ بذكر وفاة هَذَا القاضي، ويقول: توفي قريبا من سنة 115هـ وَهُوَ ما نستبعده. انظر: معالم الإيمان، 1/ 202.
(4) - تاريخ، 76 - 77. النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 216. (1/116)
صفحة 117
اضطراب الولاة، وتسلُّط بعضهم عَلَى بعض، فكان عصر الولاة جلُّه عصر اضطراب وعدم استقرار.
وهكذا تترى القضاة عَلَى القيروان فيِ هَذَا العهد وتتوالى متداخلة فيِ مصادرنا، لم أجد أحدا حاول ترتيبها، باستثناء الجودي (1) وهوبكنز (2) والدكتور موسى لقبال (3) والأستاذ فريد بن سليمان (4)، إِلاَّ أَنَّهُم أهملوا قضاة عديدين، ولم يوفَّقوا فيِ نظري فيِ الترتيب الذي جاؤوا به، وحاولت من جانبي إعادة النظر فيِ ذَلِكَ كلِّه، وبإعادة قراءة النصوص، ومحاولة فهمها والغوص فيِ أعماقها، اهتديت فيِ نهاية المطاف بعد مشقَّة بالغة إلى القائمة (5) التي أعتقد أَنَّهَا إن لم تبلغ كلَّ الحقيقة فهي تقترب منها عَلَى كُلِّ حال.
وختاما فإنَّ القضاء فيِ المغرب الإسلاميِّ لم يظهر إِلاَّ فيِ الفترة الأخيرة من عصر الفتوح عَلَى يد موسى بن نصير، فهو الذي وضع النواة الأولى لِهَذِهِ المُؤَسَّسَة، ودعَّمها الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثُمَّ اضطربت الأمور فيِ الدولة الأمويَّة عُمُومًا، وَفيِ المغرب خصوصًا مع ثورة البربر، إِلاَّ أَنَّنَا لا نعدم أسماء للقضاة فيِ كامل عصر الولاة مع فترات من الفراغ ليست بالكثيرة إطلاقا، وَلاَ بُدَّ من الإشارة كَذَلِكَ إلى أَنَّ هؤلاء القضاة هم قضاة القيروان، أي قضاة الإدارة المركزيَّة، أَمَّا غيرها من المدن والنواحي فيِ إفريقية أو غير إفريقية من أقاليم المغرب الإسلامي، فإنَّ مصادرنا لم تتحدَّث عنها إطلاقا، ربما لأَنَّهَا لم تعرف بعدُ مُؤَسَّسَة للقضاء تابعة للسلطة العَرَبِيَّة، وإن وجدت
__________
(1) - تاريخ قضاة القيروان (مخ)، ق 1 - 4.
(2) - النظم، 203.
(3) - المغرب الإسلامي، 191.
(4) - القضاء والقضاة (مقال)، 123.
(5) - انظر: الملحق رقم 2. (1/117)
صفحة 118
فهي عَلَى أكبر تقدير فيِ بعض النواحي والأقاليم حيث يوجد العمَّال التابعون للقيروان (1)، لَعَلَّهُم كانوا هم الذين يتولَّون مُهِمَّة القضاء، أو يستعينون بمن معهم من الفقهاء، دون أن يكون لهم «اسم القاضي»؛ هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى يبدو لنا أَنَّ بعض البربر ظلُّوا يتحاكمون إلى شيوخ قبائلهم، وبعضهم الآخر ربما استعان ببعض العرب استشارة وتعليما، ومع الزمن كما يقول حسين مؤنس (2) يتحوَّل التعليم رئاسة وكيانات سِيَاسِيَّة مثلما وقع فيِ المغربين: الأوسط والأقصى، ثُمَّ طائفة أخيرة تظلُّ فيِ هَذِهِ الفترة شبه المبكِّرة تتقاضى، بالقانون الرومانيِّ البيزنطيِّ، إلى بقايا حكَّام ومثقَّفين ثقافة بيزنطيَّة؛ وعموما فإنَّ الإدارة العَرَبِيَّة لا تزال محصورة فيِ مناطق ضيِّقة من المَغْرِب الإِسْلاَمِي فيِ هَذَا العصر، والقضاء أضيق انتشارا فيِ هَذَا الجهاز الإداريِّ المستحدث.
المبحث الثاني: أشهر القضايا فيِ عصر الولاة
لم تذكر المصادر التي بين أيدينا شيئا عن القضايا التي كانت تُتداول فيِ مجالس القضاة، وتركت المجال هكذا فسيحا للتخمين وإعمال العقل، وإن كُنَّا لا نعدم إشارات طفيفة غير مباشرة ساعدتنا عَلَى تقصِّي حقائق هَذَا الجانب من القضاء.
ويبدو أَنَّ الأستاذ أحمد أمين كان مصيبا لَمَّا ذكر أَنَّ مرحلة الفتح، وبعدها مرحلة الولاة بطبيعة الحال، كانت قد طرحت مسائل كثيرة فيِ كُلِّ
__________
(1) - حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 76، 86، 96 - 100. محمَّد المسعود الشابِّي: الأغالبة، سياستهم ونظمهم، 44. محمود ناجي: تاريخ طرابلس الغرب، تر. عبد السلام أدهم ومحمد الأسطي، منشورات الجامعة الليبية، كلية الآداب، مطبعة الغريَّب، بيروت، بلا تا. 131.
(2) - التنظيم الإداري، 89 - 90. (1/118)
صفحة 119
شأن من شؤون الحياة احتاجت إلى تشريع لم يكن العرب فيِ جزيرتهم العَرَبِيَّة يحتاجون إِلَيْه، «فنظام للرّيِّ يخالف ريَّ الجزيرة ... ومسائل مالية عديدة معقَّدة لا تقارن ... بجزيرة العرب، ومسائل الجيش والفتوح، ومعاملة المغلوبين ... وأحوال فيِ الزواج، وأنواع فيِ طريقة التقاضي لم يكن لهم بها عهد، وجنايات ترتكب لم يرتكبها العرب فيِ حياتهم البسيطة، وقل مثل ذَلِكَ فيِ سائر الشؤون الداخليَّة والخارجيَّة ... » (1).
من هنا يمكن أن نقول: إنَّ القضاة أو الذين تولَّوا مهامَّ القضاء، لاَ بُدَّ أَنَّهُم واجهوا عددا كبيرا من الدعاوي والقضايا بدون سوابق من نوعها، ربما احتاجت، كما قال هوبكنز (2) إلى مزيد من الوقت لكي يقرِّر الإجماع والاجتهاد فيها قراره.
وبما أَنَّ القضاء فيِ وظيفته الأولى هو فضُّ الخصومات، فإنَّ الذي يتبادر إلى الذهن من موضوعات للقضاء هو ملكية الأراضي، والتنازع عَلَيْها، بخاصة بعد انسحاب البيزنطيِّين ومن كان يدور فيِ فلكهم، هروبا من العرب الفاتحين والدين الجديد، والحقيقة أَنَّنَا لاحظنا إشارات إلى هَذَا النوع من الخصومات فيِ الكتب الإِبَاضِيَّة التي ذكرت أَنَّ جماعتهم لَمَّا عزموا عَلَى بيعة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري إماما سنة 140هـ/757م كانوا يخرجون من مدينة طرابلس إلى موضع بغربيِّها يُسَمَّى “صيَّاد”، ولكي لا تتبعهم عيون السلطة ادَّعوا أَنَّهُم يجتمعون لفضِّ نزاع حول أرض لقوم أرادوا قسمتها، وأظهروا ذَلِكَ وأعلنوه (3).
ولا شَكَّ أَنَّ اختيارهم لِهَذِهِ القَضِيَّة بالذات إِنَّمَا جاء من
__________
(1) - أحمد أمين: فجر الإسلام، المؤسَّسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية، الجزائر، 1989م. 380.
(2) - النظم، 220.
(3) - أبو زكرياء: سير، 62. الدرجيني: طبقات، 1/ 22. (1/119)
صفحة 120
ورود مثل هَذِهِ القضايا بكثرة فيِ ذَلِكَ الوقت. ويستتبع قضيَّة الأَرض قضايا مثل النزاع حول المياه والبذور وعبيد الأَرض ودوابِّها (1) وما إلى ذَلِكَ ...
ونجد كَذَلِكَ قضيَّة غصب الأَرض والسرقة وقتل النفس (2). ويذكر أبو العرب والمالكي (3) وغيرهما خصومات فضَّها قضاة من عصر الولاة، إِلاَّ أَنَّهُم لا يأتون بموضوع القَضِيَّة، وقد لاحظت أَنَّ مصادرنا تهمل ذكر تفاصيل القضايا إِلاَّ نادرا، حَتَّى تِلْكَ التي تَتَعَلَّقُ بالوالي نفسه الذي شكاه رجل من رعيَّته إلى القاضي، فأوقفه القاضي مع خصمه، وانتزع منه الحقَّ وردَّه إلى الرجل، بل إنَّ قضيَّة اختلف فيها العلماء، وحكم فيها القاضي بحكم لم يعجب المتقاضي، مع خطورة مثل هَذِهِ القضايا (4) وأهمِّيَّتها إِلاَّ أَنَّ مُؤَرِّخِينَا لم يروا ضرورة ذكر تفاصيلها.
فماذا يمكن أن يكون بين الأمير عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهريِّ (127 - 137هـ/ 744 - 754م) والرجل الذي خاصمه عند القاضي أبي كريب جميل بن كريب المعافري؟ ثُمَّ إنَّ الأمير لَمَّا طُلب منه أن يحلف لأَنَّهُ أنكر الدعوى، أبى ذَلِكَ، فحكم عَلَيْهِ القاضي بالنكول عن اليمين (5) فكان الحقُّ عَلَيْهِ لخصمه.
إنَّ القَضِيَّة هاهنا، تبدو كبيرة ومعتبرة، ربما تَتَعَلَّقُ بالأرض أو أموال فيِ التجارة، المهمُّ أَنَّ المصادر اختارت الصمت فيِ مثل هَذِهِ المواضيع.
__________
(1) - الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر: كِتَاب الأموال، تح. رضا محمَّد سالم شحاذة، مركز إحياء التراث المغربي، مطبعة دار الثقافة، الرباط، 1988. ص156 - 158.
(2) - أبو زكرياء: سير، 67، 70. الدرجيني: طبقات، 1/ 28، 30 - 31.
(3) - طبقات علماء إِفْرِيقيَّة، 104. رياض، 1/ 169 - 170، 187.
(4) - المالكي: رياض، 1/ 169، 187.
(5) - نفسه، 1/ 169 - 170. (1/120)
صفحة 121
ومن القضايا التي نجد لها ظِلالا فيِ بعض المصادر، ويجب أن تكون حاضرة: قضيَّة الزواج والطلاق والخصومة بين الزوجين (1)، فلا بُدَّ أَنَّ البربر وقفوا أمام القضاة ليحكموا فيِ قضاياهم بما يقتضيه الشرع الإسلامي فيِ النكاح وأنواعه، الأمر الذي يجهلونه فيِ هَذَا الوقت المبكِّر نوعا ما، كما التجؤوا إلى القضاء ليبتَّ لهم فيِ مسائل الميراث وأحكامه المعقَّدة.
ومن القضايا التِي لاحظت أَنَّ مصادرنا تتحدَّث عنها وعن أحكامها: قضيَّة الزنا، واللواط، واتِّخاذ دور للبغي والفساد، ربما هي من بقايا العهد البيزنطي (2)، فَهَذِهِ الظاهرة الأخلاقية لم تغب عن المجتمع الإنسانيِّ فيِ يوم من الأَيَّام، مهما كانت العقوبات الرادعة، ومهما كان الدين قيِّما ... فَهَذَا عسكر عبد الرحمن بن رستم قبل إعلان إمامته بتيهرت نزلت عَلَيْهِ مسألة «رجل زنى بأخي امرأته فعمل به عمل قوم لوط» (3) فحكم عَلَيْهِ عبد الرحمن بِأَنَّهُ «لا تحرم عَلَيْهِ امرأته» (4) دون أن يضيف البغطوري الذي روى هَذِهِ الرواية العقوبةَ التي يجب إنزالها عَلَى هَذَا الرجل، أو التي طُبِّقت عَلَيْهِ فعلا.
هكذا، إذن نلاحظ تعدُّد الموضوعات وتنوُّعها، حاولنا أن نجمعها ونجلي بها بعض الغموض الذي يكتنف هَذَا الجانب من القضاء فيِ المَغْرِب الإِسْلاَمِي. ولعلَّ جوانب أخرى ستتكشَّف لنا من خلال تقويم القضاء في عصر الولاة، وهو ما نتناوله في المبحث الموالي.
__________
(1) - أبو زكرياء: سير، 62، 79.
(2) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 133، 135. وانظر: أبو زكرياء: سير، 67.
(3) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) 101.
(4) - نفسه، 101. (1/121)
صفحة 122
المبحث الثالث: تقويم القضاء فيِ عصر الولاة
عصر الولاة فيِ بلاد المغرب عصر مخاض شهد اضطرابات عديدة، ابتداء من ثورة البربر 122هـ/739م وما أعقبها من هزَّات ارتداديَّة، وكيانات سِيَاسِيَّة جديدة، ساهم فيِ ذَلِكَ كلِّه بعض الولاة بسياستهم الجائرة (1)، دون أن ننسى أوضاع المشرق الذي شهد سقوط الأمويِّين وقيام العَبَّاسيين 132هـ/749م؛ ولم يمر هَذَا الحدث الضخم عَلَى العالم الإسلاميِّ عُمُومًا وبلاد المَغْرِب خصوصًا دون أن يترك آثارا فيِ مسيرته.
لقد شُغلت الخلافة عن المغرب لفترة طويلة بسبب ظروفها فيِ المشرق، وتركت المجال للولاة يفعلون ما يريدون، ومن هنا كانت ثورات البربر التي بدأت بالمغرب الأقصى تمتدُّ شرقا حَتَّى عمَّت جميع البلاد والعباد. ومن المعروف أَنَّهَا اتَّخذت من المذهبين الصفريِّ والإباضيِّ لبوسا لها وراية؛ وَذَلِكَ، كما يقول الدكتور محمَّد أمين صالح، للتخلُّص من الاستبداد العربيِّ بأرض المغرب، وكرامة المغاربة، ويضيف: « ... وتصوِّر المصادر هَذِهِ الثورة عَلَى شكل ردَّة، بقولهم: ارتدُّوا ثُمَّ عادوا إلى الإسلام ... لَمَّا ثقلت عَلَيْهِم شعائر الإسلام، وليس الأمر ردَّة عَلَى الإسلام كما حدث مثلا فيِ برغواطة» (2).
لقد نشأت كيانات إِبَاضِيَّة وصفريَّة هنا وهناك في بلاد المَغْرِب خلال عصر الولاة عمل أصحابها عَلَى تطبيق شرائع الدين الإسلاميِّ وإقامة حدوده، فضلا عن شعائره.
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 168. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 220 - 221، 247.
(2) - إمارة يمنيَّة بالمغرب الأقصى: آل صالح بناكور، مستخرج من مَجَلَّة الدراسات الإِفْرِيقيَّة، ع. 7، مطبعة جامعة القاهرة وَالكِتَاب الجامعي، 1978، ص3. وانظر: ابن خلدون: العبر، 6/ 239 - 240. لقبال موسى: المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 155. (1/122)
صفحة 123
وتذكر الروايات التَّارِيخِيَّة (1) فيِ هَذَا الصدد أَنَّ أَوَّل ولاة الصفريَّة: ميسرة المطغري بالمغرب الأقصى، قتلته طائفته لأَنَّهُ انحرف، وعيَّنت مكانه خالد بن حميد الزناتي، وقامت فيِ هَذِهِ الأثناء دويلة فيِ أقصى شمال المغرب الأقصى هي دولة بني صالح بنكور (2)، وَهي من الدول التي أنشأتها الجاليات العَرَبِيَّة التي اسْتَقَرَّت فيِ بعض الأقاليم من بلاد المغرب، واكتسبت الشرف والشهرة من خلال تعليم البربر لدينهم شرائع وشعائر، فتحوَّلت شيئا فشيئا إلى كيانات سِيَاسِيَّة.
ولا نغادر المَغْرِب الأقصى فيِ هَذِهِ الفترة من عصر الولاة إذ نشأت فيه دولة غريبة الأطوار، هي دولة برغواطة (3) شرّع لها صاحبها شرائع جديدة (4) يتحاكم إِلَيْها البرغواطيُّون.
إنَّ هَذِهِ الكيانات التي نشأت بالمغرب الأقصى فيِ هَذِهِ الفترة، يبدو أَنَّ العدل كان يشملها، لأَنَّهَا كيانات ضَيِّقَة بمثابة «دولة القبيلة» - إن صَحَّ التعبير - يبرز فيها الظالم والمظلوم ولا يخفيان، ويكشف فيها عن الجُناة والجورة بسهولة، ولا علم لنا فيما إذا نصَّبوا قضاة أم لا، والغالب عَلَى الظنِّ أَنَّهُم لم يحتاجوا إلى ذَلِكَ فيِ هَذَا الوقت.
أَمَّا المغرب الأوسط فكان - فيِ هَذِهِ الفترة - مغرب عبور، أو لنقُل
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 74. ابن عَذاري: البيان، 1/ 53.
(2) - عن هَذِهِ الدولة، انظر: محمَّد أمين صالح: المرجع السابق.
(3) - عن هَذِهِ الدولة انظر: سحر السَّيِّد: من جديد حول برغواطة. Talbi M.: Etudes, p81 - 104 وانظر فيلالي عبد العزيز: دولة برغواطة، مقال بمجلَّة سيرتا، ع. 2، دار البعث، قسنطينة، 1979. رجب محمَّد عبد الحليم: دولة بني صالح فيِ تامسنا بالمغرب الأقصى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991.
(4) - البكري: المُغرب، 135، 140. ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، 131. الناصري: الاستقصاء، 1/ 115. (1/123)
صفحة 124
مغرب المعارك الحاسمة، إذ عمل الولاة الذين بعثتهم الدولة الأُمَوِيَّة ثُمَّ العَبَّاسِيَّة عَلَى القضاء عَلَى الاضطرابات وإبعادها عن إفريقية مركز السلطة المشرقيَّة العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة، وبالتالي ظلَّ المغرب الأوسط، عَلَى ما يبدو، بيد شيوخ القبائل البربريَّة وزعمائها يقيمون العدل ما استطاعوا، وينشرون المذهب الإباضيَّ بخاصة، ويمهِّدون لقيام الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة (1).
ونشطت الإِبَاضِيَّة فيِ المَغْرِب الأدنى وَإفريقية بخاصة فيِ هَذِهِ الفترة، وأقاموا لهم كيانات متتالية بمدينة طرابلس، واستطاعوا أن يحكموا إفريقية لمدد متقطِّعة. وتذكر الروايات الإِبَاضِيَّة أَنَّ أَوَّل إمامة لها كانت إمامة الحارث وعبد الجبَّار سنة 127هـ/744م إذ تَوَلىَّ أحدهما الإمامة، وتكفَّل الآخر بالقضاء، وكانت فيِ أحواز طرابلس، ولم تستمرَّ طويلا، إذ وُجدا مقتوليْن سيفُ أحدهما فيِ جسم الآخر (2). يذكر ابن خلدون أَنَّ عبد الرحمن (3) بن حبيب هو الذي قتلهما سنة 131هـ/748م.
والذي يهمُّنا هنا أَنَّ الإِبَاضِيَّة فيِ أَوَّل كيان سياسيٍّ لها اهتمَّت بتعيين القاضي، حرصا منها عَلَى توفير العدل وإقامته، وهروبا من الجور الذِي كانوا يعانونه من بعض الولاة وعمَّالهم ببلاد المغرب.
وَاسْتَمَرَّت المحاولات الإِبَاضِيَّة حَتَّى كانت دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني سنة 140هـ/757م التي استطاعت أن
__________
(1) - انظر: كِتَابنا: الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة، 59 وما بعدها. محمود إسماعيل: الخوارج، 41 - 44.
Masqueray Emile: (Traduction) chronique d’Abou Zakaria
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 63. الرقيق: تاريخ، 128. الدرجيني: طبقات، 1/ 24. البرادي: الجواهر، 170. الشَّمَّاخِي: سير، 125. لقبال: المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 168. جهلان عدُّون: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1990. 43. محمود ناجي: تاريخ طرابلس، 132.
(3) - ابن خلدون: العبر، 6/ 223. (1/124)
صفحة 125
تقضي عَلَى ثورة ورفجُومة الصفرية فيِ القيروان، وتمتدَّ لمُدَّةِ أربع سنوات (1) تقيم العدل فيِ إفريقية والمغرب الأدنى.
وذكر المُؤَرِّخُونَ لهذا الكيان السياسيِّ الإِبَاضِيِّ قاضيين، أحدهما فيِ القيروان، وَهُوَ عبد الرحمن بن رستم (2)؛ وثانيهما بطرابلس، عَلَى ما يبدو، وَهُوَ إسماعيل بن درار الغدامسي (3). وعمل القاضيان والإمام كلُّهم جميعا عَلَى إقامة العدل وتوفير الأمن والطمأنينة فيِ تلك الربوع (4). ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من الرواية التي تؤكِّد أَنَّ الإمام أبا الخطاب أقام الحدَّ عَلَى رجل سرق متاعا من مقتول لعدوِّهم بعد المعركة التي انتهت بدخول الإِبَاضِيَّة مدينة القيروان سنة 140هـ/757م (5)، أو تلك الرواية التي تخبرنا أَنَّ القائد العباسيَّ محَمَّد بن الأشعث الخزاعي لَمَّا وصل أَرض المَغْرِب عام 145هـ/762م أرسل عيونه يجسُّون النبض، فعادوا إِلَيْهِ قائلين: «رأينا رهبانا بالليل ... لو زنى صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه ... » (6).
لقد كانت إمامة أبي الخطَّاب فيِ المصادر والمراجع الإِبَاضِيَّة وغير الإِبَاضِيَّة (7) بِحَقٍّ إمامة عدل «ارتاح الناس فيِ إفريقية كلِّها،
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة، 70. الدرجيني: طبقات، 1/ 30 وما بعدها. ابن عذاري: البيان، 1/ 70 - 71. الشَّمَّاخِي: سير، 126 - 127.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 26. أبو زكرياء: السيرة، 69. الدرجيني: طبقات، 1/ 29. الشَّمَّاخِي: سير، 130. بحَّاز إبراهيم: عبد الرحمن بن رستم مؤسِّس أوَّل دولة إسلامية مستقلَّة بالجزائر، م. و. ك، الجزائر، 1990، ص27.
(3) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ) 5. أبو زكرياء: السيرة، 60. الدرجيني: طبقات، 1/ 21.
(4) - جودت عبد الكريم: العلاقات، 27.
(5) - أبو زكرياء: السيرة، 70. الدرجيني: طبقات، 1/ 31.
(6) - أبو زكرياء: السيرة، 71. الدرجيني: طبقات، 1/ 32.
(7) - الرقيق: تاريخ إِفْرِيقيَّة والمَغْرِب، 142. ابن عذاري: البيان، 1/ 70 - 71. الجربي محَمَّد أبو راس: مؤنس الأحبَّة، فيِ أخبار جربة، تونس، 1958م، ص44 - 45. محَمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، التاريخ السياسي، ترجمة: المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1985، 44. محمود إسماعيل: الخوارج فيِ المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 64 - 65. (1/125)
صفحة 126
وأسلسوا القياد لأبي الخطَّاب وابن رستم» (1) عَلَى حدِّ تعبير الدكتور لقبال موسى.
أَمَّا إذا جئنا إلى إفريقية حيث الولاة، فَإِنَّنَا نجد العمق الإداري والسلطة الحقيقيَّة والقضاء المهيكل (2)، فلا غرو أَنَّهَا كانت تمثِّل حقيقة الدولة العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة وسلطتها بالمغرب، وهي تكافح ضِدَّ العواصف شرقا وغربا من أجل البقاء، وكانت مهمَّتها فيِ ذَلِكَ جدُّ صعبة، بسبب أَنَّ بعض الولاة فيها جنوا عَلَيْها بجورهم، أو بمنافساتهم السلبية للوصول الى السلطة (3). وانعكس ذَلِكَ عَلَى الرعيَّة، الأمر الذي أدَّى فيِ نهاية المطاف إلى تفهُّم الخلافة العَبَّاسِيَّة فيِ شخص هارون الرشيد لحقيقة الوضع وما يجب اتِّخَاذه من تدابير، فكان قراره الحاسم بجعل إفريقية إمارة وراثية فيِ آل بني الأغلب (4)، تتبع الخلافة إسميًّا، وتستقلُّ بشؤونها كلِّها عن المشرق الإسلاميِّ، وكان ذَلِكَ سنة 184هـ/800م. كما هو معروف ومشهور.
لقد رأينا كيف أَنَّ القضاء الإسلاميَّ تأسَّس فيِ بلاد المغرب عَلَى يد آخر قادة الفتح موسى بن نصير، وَأَوَّل خليفة فيِ القرن الثاني الهجري عمر بن عبد العزيز الأموي، والحقيقة أَنَّ الولاة بعد ذَلِكَ اهتمُّوا بتعيين القضاة، وكذا الخلفاء الأمويُّون والعبَّاسيُّون، وكان أبو جعفر المنصور أَوَّلَ
__________
(1) - لقبال: المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 169. وانظر: جودت عبد الكريم، العلاقات، 27.
(2) - محمود إسماعيل: مغربيَّات، 10.
(3) - ابن عذاري: البيان، 1/ 51، 60، 67، 69، 86 وما بعدها. وانظر: رشيد عبد الله الجميلي: دراسات فيِ تاريخ الخلافة العَبَّاسِيَّة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، ط1، 1984م، ص375.
(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 92. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، 28. (1/126)
صفحة 127
خليفة عَبَّاسيٍّ يعيِّن قاضيا فيِ القيروان مباشرة بعد أن أنهى مشاكل دولته الفتيَّة بالعراق، والتفت إلى المغرب، وأرسل إِلَيْهِ جيش محَمَّد بن الأشعث الخزاعي (1) ليقضي عَلَى التوتُّرات، ويمسك بزمام الأمور فيِ إفريقية عَلَى الأقلِّ، وكان القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقيّ ضمن هَذَا الجيش، وَهُوَ أَوَّل قاض لإفريقيَّة فيِ العهد العَبَّاسيِّ، وكان هو آخر قاضٍ أَيضًا فيِ العهد الأمويِّ، عيَّنه فيِ القيروان الخليفةُ مروان بن محَمَّد (2). وتعاقب القضاة عَلَى القيروان يعيِّنهم الخلفاء تارة، والولاة تارة أخرى (3)، وكان آخرهم عبد الله بن عمر بن غانم الذي عيِّن فيِ رجب عام 171هـ/787م، ومات قاضيا عام 190هـ/805م (4) فكان مخضرما فيِ قضائه، عاش آخر عصر الولاة، وَأَوَّل عهد الدولة الأغلبيَّة.
ولقد أحصيتُ خمسة عشر إسماً للقضاة فيِ هَذَا العصر بِإفريقية وحدها مِمَّن ذكرهم مُؤَرِّخُونَا ومصادرنا، ولم يغفلوا عنهم، منهم من استُقضي مرَّتين، كزيد بن الطفيل، وعبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم (5)؛ ومنهم من استعفى فأُعفي كعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشيِّ، وعبد الرحمن بن زيَّاد (6)؛ ومنهم من طالت مدَّته كعبد الله بن عمر بن غانم،
__________
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 68. محَمَّد الطالبي: المرجع السابق، 84 - 85. رشيد الجميلي: المرجع السابق، 377.
(2) - أبو العرب: طبقات، 96. المالكي: رياض، 1/ 159 - 160. الرقيق: تاريخ، 127. الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 2 - 3. نوال تركي: التنظيمات الإداريَّة، 173.
(3) - انظر: الفصل الثاني من الباب الثاني: التعيين والعزل.
(4) - الرقيق: تاريخ، 143. المالكي: رياض، 1/ 215، 217. عياض: تراجم، 45. الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 4.
(5) - الرقيق: تاريخ، 127. المالكي: رياض، 1/ 159 - 160.
(6) - الرقيق: تاريخ، 130. المالكي: رياض، 1/ 127. الدبَّاغ: معالم، 1/ 211. (1/127)
صفحة 128
الذي ظلَّ قاضيًّا عشرين سنة (1)؛ ومنهم من قصرت مدَّته ليوم واحد كعبد الله بن فروخ الفارسي، الذي أُجبر عَلَى القضاء إجبارا وَهُوَ يمتنع، ولكنَّ الوالي روح بن حاتم (172 - 174هـ/788 - 790م) أقعده للقضاء بين الناس رغم أنفه، وَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ خصمان وجداه يبكي شفقة عَلَى نفسه من مسؤولية القضاء وخطورته، وطال بكاؤه، وكان يقول: ”ارحموني يرحمكم الله“ (2).
وكان أغلب قضاة إفريقية فيِ هَذِهِ الفترة عدولا علماء موصوفين بالتقوى والورع، لا تأخذهم فيِ الله لومة لائم، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من القاضي أبي كريب جميل بن كريب المعافري، الذي حكم عَلَى الوالي عبد الرحمن بن حبيب لصالح خصمه الذي اشتكاه عنده (3)؛ وكان من تمام ورعه وعدله أَنَّهُ يبقى النَّهَار كاملا وحده فيِ موضع قضائه بالمسجد لا يتحرَّك منه، جاءه الخصوم أو لم يأتوا، «فيقال له: أتقعد وحدك؟ فيقول: إنَّ الناس ذهبوا، فيقال له: لو أَنَّكَ انصرفت، فيقول: ومن لي بالملهوف إذا قصد إِليَّ فلم يجدني؟» (4). ويبدو أَنَّ العدل عمَّ الرعيَّة بحيث كان القاضي يبقى وحيدا لا يأتيه أحد (5).
إنَّ هَذِهِ الأمثلة من القضاء المغربيِّ فيِ عصر الولاة كثيرة ومتنوِّعة تَدُلُّ دلالة قاطعة عَلَى عدل القضاة والتزامهم شرائع الدين الحنيف، فكان العدل
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 160. الرقيق: تاريخ، 143. يقول الدبَّاغ: «19 سنة». معالم، 1/ 298.
(2) - أبو العرب: طبقات، 108. المالكي: رياض، 1/ 183. الدبَّاغ: معالم، 1/ 242. الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 4.
(3) - المالكي: رياض، 1/ 169 - 170. وانظر كَذَلِكَ قِصَّة مماثلة للقاضي عبد الله بن عمر مع الأمير الأغلبيِّ إبراهيم ابن الأغلب فيِ المعالم للدبَّاغ، 1/ 295 - 296.
(4) - أبو العرب: طبقات، 219.
(5) - انظر قِصَّة كهذه لعمر بن الخطَّاب فيِ الفصل التمهيدي، المبحث الثالث. (1/128)
صفحة 129
السمة البارزة لِهَذِهِ المُؤَسَّسَة خلال هَذَا العصر الذي شهد تأسيسها ووضع ثوابتها.
وَلَعَلَّ من أهمِّ ثوابت القضاء فيِ الإسلام عُمُومًا، وَفيِ بلاد المَغْرِب خُصُوصًا: العلم، إذ يجب عَلَى القاضي أن يكون عالما ملمًّا، يتمتَّع بذهن وقَّاد يدرك به حقيقة الأمور، ويفصل به بين الحقِّ والباطل، ولقد وجدنا فيِ هَذِهِ الفترة المبكِّرة من تاريخ المَغْرِب الإِسْلاَمِي ما يرفع شأنه، ويعلي مرتبته، إذ اتَّجه المغاربة فُرادى وجماعات إلى المشرق، حيث مصادر العلم بالمدينة المنوَّرة، والكوفة والبصرة، لاستزادة العلم من منابعه وأيمَّته آنذاك.
لقد كانت هَذِهِ الفترة فترة التتلمذ بِحَقٍّ عَلَى أعلام الإسلام، أمثال أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت145هـ/762)، وأبي حنيفة النعمان (ت150هـ/767م)، ومالك بن أنس (ت179هـ/795م) (1)، كلُّ واحد فيِ مَصر من أمصار المشرق الإسلاميِّ مدرسةٌ لها مكانتها وصيتها عند أتباعها، وإن لم تكن المذهبيَّة قد بلغت شأوها بعدُ، إذ أَنَّ أتباع هؤلاء الأيمة وتلاميذهم فيما بعد هم الذين سوف يؤسِّسون بتعلُّقهم بشيوخهم البذور الأولى للمذهبيَّة الفقهيَّة فيِ الإسلام.
لقد خرج المغاربة، إذن، إلى المشرق يطلبون العلم، وتشاء الصدف أن يكون ثلاثة من قضاة المغرب مستقبلا عند هؤلاء الأيمة الثلاثة فيِ زمن واحد تقريبا، إِذ اجتمع عبد الله بن فروخ بأبي حنيفة فيِ الكوفة، وذاكَره، وكتب عنه نحو عشرة
__________
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر بن زيد الأزدي إمام الإِبَاضِيَّة وخليفته من بعده، وصاحب مدرسة البصرة الإِبَاضِيَّة، وأبو حنيفة النعمان إمام المذهب الحنفيِّ، ومدرسة الرأي بالعراق. ومالك بن أنس إمام المذهب المالكيِّ ومدرسة الحديث بالمدينة. عنهم انظر: مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، الدار المصريَّة اللبنانيَّة، القاهرة، 1409هـ/1989م، ط7، ص142 - 144، 391 وما بعدها، 403 وما بعدها. (1/129)
صفحة 130
آلاف مسألة، ولقي مالكا كَذَلِكَ وسمع منه وتفقَّه (1)؛ وقصد أَبُو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم مالكا فيِ المدينة وصاحبَه وروى عنه، كما رحل إلى الشام والعراق ولقي أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة النعمان (2)؛ كما أَنَّ إسماعيل بن درار الغدامسي، أحد حملة العلم الخمسة عند الإِبَاضِيَّة إلى المَغْرِب اسْتَقَرَّ عند أبي عبيدة بالبصرة خمسة أعوام يتعلَّم، وَلَمَّا أراد العودة إلى موطنه سأل شيخه عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قبل أن يستوي عَلَى متن دَابَّته، حَتَّى قال له أبو عبيدة: «أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ فقال له: أرأيت إن ابتليت بها ياشيخ، فابتلي بها» (3).
وتشاء الصدف كَذَلِكَ أَنَّ هؤلاء الأعلام يتفرَّس فيهم شيوخهم تولِّي القضاء بالمغرب وكان ما توقَّعوه فعلا، ولقد رأينا كيف أَنَّ أبا عبيدة خاطب إسماعيل بن درار لَمَّا كان يسأله عن مسائل فيِ الأحكام، كَذَلِكَ قال مالك بن أنس فيِ عبد الله بن عمر بن غانم للحضور فيِ مجلسه: « ... هذا قاضي بلده ... » (4). وكلاهما تَوَلىَّ القضاء أحدهما بطرابلس للإمام أبي الخطَّاب المعافري، والآخر فيِ القيروان لروح بن حاتم، والي إفريقية.
لقد كان القضاة كَذَلِكَ فيِ هَذِهِ الفترة يكتبون إلى المشرق باستمرار عندما تعضل عندهم مسألة، أو يصعب عَلَيْهِم حكم فيِ خصومةٍ أو غيرها، فكان المراسلون يقصدون المدينة والبصرة والكوفة باستمرار (5) للمجيء بالحكم الحقِّ حرصا عَلَى العدل، ونفورا من الجور.
__________
(1) - الدبَّاغ: معالم، 1/ 240.
(2) - الرقيق: تاريخ، 145. المالكي: رياض، 1/ 215.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 60. البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ) ق 5. الدرجيني: طبقات، 1/ 21.
(4) - الرقيق: تاريخ، 145. المالكي: رياض، 1/ 217.
(5) - أبو العرب: طبقات، 109. الرقيق: تاريخ، 143. أبو زكرياء: السيرة، 63 - 64. الدرجيني: طبقات، 1/ 24. (1/130)
صفحة 131
لقد كان المَغْرِب الإِسْلاَمِي فيِ فترة الولاة مدرسة كبيرة من التلاميذ، كانت القاعدة الأساسيَّة لعصر الدولة المستقلَّة التِي سوف يزدهر فيها العلم والعلماء، وتتناظر فيِ أروقتها المذاهب، وتتنافس الدول لبلوغ أرقى درجات العدل والحضارة (1).
وإذا ذكرنا مناقب هؤلاء القضاة الذين طبعوا الحياة بالمغرب بطابع العدل، وضربوا أروع الأمثلة فيِ الاستقامة والعلم، فإنَّ ذَلِكَ لا ينسينا ذكر بعض النماذج عَلَى الأقلِّ من القضاة والولاة الجورة، إذ ذكرت الروايات قاضياً واحدا وُصف بالجور والجهل هو ماتع بن عبد الرحمن الرعيني، يقول عنه أبو العرب كان « ... رجلَ سوء ... إذا سجَّل القَضِيَّة، وختم فيِ أسفلها، يكتب تحت الطابع: “بقي شَيْء” يعني الرشوة ... خلَّف بعد موته طومارا مكتوبا فيه: “إنَّما حكمت لفلان عَلَى فلان لأَنَّ فلاناً سألني فيه” يعني بعض السلاطين» (2) وهو ما يعرف اليوم بالوساطات.
إنَّ هَذِهِ العيِّنة من القضاء الجائر تشير صراحة إلى مسؤوليَّة الولاة فيِ ذَلِكَ، فقد كانوا يتدخَّلون فيِ عمل القاضي إذا وجدوه ضعيفا مثل ماتع هَذَا، ويبدو أَنَّ الوالي يزيد بن حاتم عَزل (3) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم القاضي الأسبق الذي عيَّنه الخليفة أبو جعفر المنصور بنفسه، عزله بعد وفاة المنصور سنة 158هـ/774م، لأَنَّهُ كان ذا شخصيَّة قويَّة، ولم يكن يرضى بتدخُّل الولاة وحاشيتِهم فيِ شؤون القضاء، فوجد ضالَّته فيِ ماتع بن عبد الرحمن الذي أجمعت المصادر (4) أَنَّهُ كان جائرا.
__________
(1) - انظر عن العلم: المبحث الأَوَّل فيِ الفصل الأَوَّل من الباب الثاني. وعن المذهبيَّة: المبحث الثاني من الفصل الأَوَّل من الباب الثالث.
(2) - أبو العرب: طبقات، 104.
(3) - اختلف الرواة فيِ عزله أو انعزاله. انظر: المالكي: رياض، 1/ 159 - 160. الدبَّاغ: معالم، 1/ 234.
(4) - أَبُو العرب: نفسه، 104 - 105. المالكي: رياض، 1/ 159. الجودي: تاريخ (مخ) ق3. (1/131)
صفحة 132
ومن جور الولاة كَذَلِكَ ما ذكرته المصادر (1) مِن ضربِ عابد زمانه البهلول بن راشد من قبل محَمَّد بن مقاتل العكي (181 - 184هـ/797 - 800م) الذي يصفه المالكي بالطاغية، ضربه بالسياط ظلما وحبسه، وكان ذَلِكَ سببا فيِ موته، وامتدَّ جور هَذَا الوالي إلى درجة أَنَّهُ «اقتطع من أرزاق الجند، وأساء السيرة فيهم وَفيِ الرعيَّة» (2). وكانت هَذِهِ الفترة بطبيعة الحال تبعا لِذَلِكَ الظلم فترة اضطراب كبير، تمخَّضت عن نهاية عصر الولاة بعزل محَمَّد بن مقاتل العكي، وبداية عهد الدولة الأغلبيَّة 184هـ/800م، التي كانت آخر الدول في المغرب الإسلامي تستقلُّ عن السلطة المباشرة للخلافة بالمغرب الأدنى بعد الرُّسْتُمِيِّينَ فيِ المَغْرِب الأوسط 160هـ/777م، والمدراريِّين 140هـ/757م، والأدارسة 172هـ/788م، فيِ المَغْرِب الأقصى. فكيف كان القضاء في عهد الدول المستقلِّة؟ ذلك ما سنتناوله بشيء من التفصيل، مبتدئين بدولتي المغرب الأقصى.
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 169. المالكي: رياض، 1/ 212. ابن عذاري: البيان، 1/ 89. الدبَّاغ: معالم، 1/ 286. وانظر: عن الجور فيِ القضاء ببلاد المَغْرِب: الباب الثالث، الفصل الثالث، المبحث الثالث: «مظاهر الجور فيِ القضاء بالمغرب».
(2) - الرقيق: تاريخ، 169. المالكي: رياض، 1/ 213. النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 247. (1/132)
صفحة 133
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي
(النشأة والاستمرار)
الفصل الثاني
القضاء عند المدراريين والأدارسة
(140 - 296 هـ / 757 - 909 م)
المبحث الأَوَّل: القضاء عند المدراريين
المبحث الثاني: القضاء عند الأدارسة
المبحث الثالث: تقويم القضاء في المغرب الأقصى (1/133)
صفحة 134
صفحة بيضاء
[صفحة بيضاء] (1/134)
صفحة 135
المبحث الأَوَّل: القضاء عند المدراريين
نظرا لتطرُّف المَغْرِب الأقصى جغرافيا، ومعاناته من مفاسد الإدارة الأُمَوِيَّة أكثر من سائر الأقاليم الأخرى، يقول الدكتور محمود إسماعيل: «وهذا يُفَسِّرُ سرَّ إقبال قبائله عَلَى اعتناق المذهب الخارجيِّ الصفري المتطرِّف، كما يُفَسِّرُ أَيضًا سبقها إلى إعلان الثورة عَلَى بني أمية، كذا سبقها فيِ تتويج ثوراتها بتأسيس دول مستقلَّة عن الخلافة الأُمَوِيَّة، ومِن بعدها العَبَّاسِيَّة» (1).
نعم لقد كان المغرب الأقصى السبَّاق إلى تأسيس الكيانات السِّيَاسِيَّة المعارضة للسلطة العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة فيِ إفريقية، والمحتمل منها أن تكون عادلة فيِ إدارتها، لأَنَّهَا إِنَّمَا تمرَّدت عن السلطة المركزيَّة بسبب جور هَذِهِ الأخيرة عَلَيْها.
نقول: المحتمل، لأَنَّهُ لم يصلنا عن دولة بني مدرار بالذات ما يثبت ذَلِكَ أو ينفيه من خلال مُؤَسَّسَة القضاء، أي السلطة القضائيَّة، أَمَّا مُؤَسَّسَة الإمامة، أو السلطة التنفيذيَّة فإنَّ المُؤَرِّخِينَ (2) تحدَّثوا عن عدل بعض الأيمة وجور البعض الآخر.
والغريب أَنَّ دولة بني مدرار التِي كانت دولة التجارة الرائجة (3) مع إفريقيا جنوب االصحراء فيِ الذهب والعبيد، وكانت الدولة التِي تحدَّث عنها ابن خلدون،
__________
(1) - الأدارسة، 46.
(2) - ابن عذاري: البيان، 1/ 156 - 157. ابن الخطيب: أعمال، 3/ 140 - 148. ابن خلدون: العبر، 6/ 267 - 268. السجلماسي أحمد بن أبي محلي: تقييد فيِ التعريف بمدينة سجلماسة، (مخ)، الخزانة الملكيَّة، الرباط، رقم 12163ز، ق 1 - 3. وانظر: محمود إسماعيل: الخوارج، 82 وما بعدها. إبراهيم حركات: المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 102 - 103.
(3) - شنايت العيفه: دولة بني مدرار بسجلماسة، ودور تجارة القوافل فيِ ازدهارها الحضاريِّ، بين القرنين الثالث والرابع الهجريَّين، أطروحة. سبق ذكرها. (1/135)
صفحة 136
حيث قال عن عهد الإمام إليسع بن أبي القاسم سمكو (174 - 208هـ/ 790 - 823م): «وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة، وَهُوَ الذي أتمَّ بناءها وتشييدها، واختطَّ بها المصانع، وانتقل إِلَيْها آخر المائة الثانية، ودوَّخ بلاد الصحراء، وأخذ الخمس من معادن درعة، وأصهر لعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بابنه مدرار فيِ ابنته أروَى، فأنكحه إِيَّاهَا» (1).
إنَّ دولة بلغت من الملك هَذَا المبلغ عمرانيًّا وصناعيًّا وتجاريًّا وماليًّا وعلاقات خَارِجِيَّة، لا يعقل أن يغيب فيها منصب القضاء وإن سكت عنه المُؤَرِّخُونَ، فلقد فضَّلوا الصمت عن نُظم هَذِهِ الدولة بِكُلِّها وليس القضاء فقط. وربَّما الأصحُّ أن نقول: إنَّ ما يَتَعلَّقُ بالإدارة المدْرَارِيَّة لم يصلنا إطلاقا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يعود إلى عنف الفاطميِّين تجاههم لَمَّا أسقطوا دولتهم، بخاصة وَأَنَّهُم سجنوا سَيِّدهم عبيد الله المهدي مُدَّة عندهم، وربما عنفوا معه (2)، وبالتالي فإنَّ المُؤَرِّخِينَ كتبوا، إِلاَّ أَنَّ كِتَاباتهم لم تصلنا، لَعَلَّها ذهبت طعمة للنيران التي التهمت سجلماسة بأمر من المهدي (3). ولقد رأى الأستاذ محمود إسماعيل بِحَقٍّ إلى واقع هَذِهِ الدولة فقال: «والواقع أَنَّهُ ليست لدينا معلومات عن النظم الإداريَّة والماليَّة فيِ سجلماسة» (4).
فإذا كان هَذَا هو واقع العاصمة سجلماسة فلا نقول شيئا آخر عن باقي أقاليم هَذِهِ الدولة الصحراويَّة التي تعب الباحث شنايت (5) فيِ جمع شتات
__________
(1) - العبر، 6/ 267 - 268. وانظر: ابن عذاري: البيان، 1/ 157.
(2) - القاضي النعمان: افتتاح الدعوة، تحقيق: فرحات الدشراوي، الشركة التونسيَّة للتوزيع، وديوان المطبوعات الجامعيَّة، تونس والجزائر، ط2، 1986م، ص276 - 277. الصنهاجي أبو عبد الله: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، تحقيق: جلول أحمد البدوي، م. و. ك، الجزائر، 1984م، 18 - 19. محمود إسماعيل: الخوارج فيِ المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 163 - 164.
(3) - محمود إسماعيل: نفسه، 164. وانظر: الاستبصار، 204. ابن عذاري: البيان، 1/ 153.
(4) - الخوارج فيِ المَغْرِب الإِسْلاَمِي، 196.
(5) - دولة بني مدرار، أطروحة، 176 - 181. (1/136)
صفحة 137
علمائها، ولم يجمع فيِ نهاية المطاف إِلاَّ نزرا يسيرا، الأمر الذي لم يساعدنا عَلَى تقصِّي قضاء هَذِهِ الدولة، لأَنَّ القضاة فيِ نهاية الأمر هم العلماء والفقهاء، وما دمنا لا نعرف حقيقة الحياة الثَّقَافِيَّة وَالْعِلْمِيَّة فيِ سجلماسة فَإِنَّنَا تبعا لِذَلِكَ لا نصل إلى حقيقة القضاء تأسيسا أو تطوُّرا، عدلا أو جورا حَتَّى تكتشف مصادر جديدة إن كانت هناك مصادر (1)؛ إذ من المعروف أَنَّ ما وصلنا من تاريخ بني مدرار لم يصلنا عن طريق علماء مذهبهم، وَإِنَّمَا جُمع من هنا وهناك من مصادر غير مَدْرَارِيَّة وغير صُفْرِيَّة، فأين هي المصادر الأصيلة لِهَذِهِ الدولة؟.
ولكي لا نترك الأمر هكذا معلَّقا لاَ بُدَّ من التخمين الذي قد نلامس به شيئا من القضاء عند بني مدرار، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نستشفُّه من عمل عيسى بن يزيد الأسود (140 - 155هـ/ 757 - 771م) مؤسِّس الدولة المدراريَّة الذي أشرف بنفسه عَلَى تقسيم مياه سجلماسة عَلَى سكان المدينة، وبقدر موزون، وصرف إلى كُلِّ ناحية نصيبها (2)، فَهَذَا العمل يوحي لنا أَنَّ الإمام كان قاضيا فيِ آن، بخاصة وَأَنَّهُ أَوَّل إمام لِهَذِهِ الدولة، فلَعَلَّهُ لم يعيِّن القاضي، إذ المجتمع صغير، والإمامة فتيَّة، وأهمُّ من ذَلِكَ كُلِّه هو أَنَّ الإمام عيسى بن يزيد هَذَا هو «صاحب عكرمة مولى ابن عَبَّاس» (3)، أحد الأعلام البارزين فيِ الإسلام، وأحد أيمة المذهب الصفريِّ ببلاد المَغْرِب (4)، فلا غرابة إذن فيِ هَذِهِ البداية أن يغيب القاضي ما دام الإمام الأَوَّل بهذا المستوى من العلم، فلعلَّه جلس للقضاء تماما مثلما جلس له عبد الرحمن بن رستم في تيهرت بعد ذلك ابتداء من عام 160هـ/777م، وإدريس الأوَّل ابتداء
__________
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج، 83.
(2) - ابن الخطيب: أعمال الأعلام، 3/ 140. شنايت: دولة بني مدرار، 41.
(3) - السجلماسي: تقييد فيِ التعريف بمدينة سجلماسة، (مخ)، ق 1.
(4) - عن ترجمته انظر: المالكي: رياض، 1/ 145 - 146. ابن خلِّكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عَبَّاس، دار الثقافة، بيروت، بلا. تا. 3/ 265 - 266. الدرجيني: طبقات، 1/ 11. (1/137)
صفحة 138
من عام 170هـ/787م (1). ولقد حكم الإمام عيسى بن يزيد خمسة عشر عاما (2) كاملة، إِلاَّ أَنَّ قومه بعدها قتلوه شرَّ قتلة دون أن توضِّح المصادر أسباب ذَلِكَ، الأمر الذي جعل بعض الدارسين يعتقدون أَنَّهُ «انحرف عن خطِّ المذهب الصفريِّ وأسرف فيِ تطبيقه، واشتطَّ فيِ أحكامه» (3).
ومهما يكن من أمر فإنَّ الذي خلفه وهو أبو القاسم سمكو بن واسول (155 - 168هـ/ 771 - 784م) هو تلميذ عكرمة أَيضًا (4)، وبالتالي فإنَّ الذي قيل عن الإمام الأَوَّل وتولِّيه القضاء يقال أَيضًا عن هَذَا الإمام الثاني، ولكن لا يعقل أن يستمرَّ الوضع هكذا فيِ دولة امتدَّت لحوالي مائة وستِّين سنة (5)، انصرف فيها بعض أمرائها إلى الغزو والتوسُّع (6)، فلا بُدَّ أن يكون هناك قضاة أو فقهاء عَلَى الأقلِّ يقيمون إمامة الصلاة فيِ المساجد الموجودة ولا شَكَّ (7)، وهي نفسها دور للقضاء كما سوف نرى ذَلِكَ.
فهؤلاء الفقهاء (8) وإن لم يعيَّن بعضهم قضاة - الأمر الذي نستبعده - قد تولَّوا مُهِمَّة الفصل فيِ الخصومات، والنظر فيِ المنازعات وعقود النكاح والطلاق وما إلى ذَلِكَ من المعاملات المختلفة.
__________
(1) - انظر المبحث الموالي من هذا الفصل، والمبحث الأوَّل من الفصل الثالث.
(2) - البكري: المُغرب، 149.
(3) - محمود إسماعيل: الخوارج، 87 - 88. وانظر: شنايت: دولة بني مدرار، 21.
(4) - البكري: المغرب، 149.
(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 157.
(6) - ابن خلدون: العبر، 6/ 267. ابن عذاري: البيان، 1/ 157. الناصري: الاستقصا، 1/ 124 وما بعدها.
(7) - الجنحاني الحبيب: المَغْرِب الإِسْلاَمِي، الحياة الاقتصادية والاجتماعية (3 - 4هـ/ 9 - 10م)، الدار التونسيَّة للنشر، وش. و. ن. ت، تونس، الجزائر، 1398هـ/1978م، ص159. شنايت: دولة بني مدرار، 45.
(8) - شنايت: دولة بني مدرار، 176 وما بعدها. (1/138)
صفحة 139
وَلَعَلَّ فيما تذكره المصادر الإِبَاضِيَّة عن أحد علمائها بسجلماسة إشارة إلى وجود منصب القاضي وحتميته، إذ تروي أَنَّ أبا الربيع سليمان بن زرقون النفوسي (1) كان مقيما فيِ سجلماسة مُدَّةً طويلة، «واختلف أهل سجلماسة بعدما خرج من عندهم فيِ مسألة كادوا يقتتلون عَلَيْها، فاتَّفق رأيهم عَلَى أن يرسلوا أمينين إلى أبي الربيع فيعملوا بما يجيبهم به ... فأخذوا بما قال واصطلحوا» (2).
لقد كان القضاء ضرورة ملحَّة فيِ عاصمة مثل عاصمة بني مدرار التي بلغت شأوا بعيدا فيِ التجارة والصناعة بل حَتَّى الزراعة، الأمر الذي يُؤَدِّي إلى كثرة المعاملات، وتضارب المصالح وتنوُّعها، فالقضاء كان موجودا بلا شَكٍّ فيِ ذَلِكَ، وإن لم تذكر المصادر اسم واحد عَلَى الأقلِّ من القضاة، ليستأنس به فيِ التحليل والتخمين.
المبحث الثاني: القضاء عند الأدارسة
إذا كانت المصادر لم تتحدَّث عن قاض واحد عَلَى الأقلِّ فيِ سجلماسة عاصمة بني مدرار، فَإِنَّهَا قد حفظت لنا اسم قاض واحد فقط فيِ فاس عاصمة الأدارسة.
وقبل أن نصل إلى هَذَا القاضي الوحيد، لا شَكَّ أَنَّ الدارس يلاحظ من الوهلة الأولى شحَّ المصادر فيما يَتَعلَّقُ بالقضاء فيِ المَغْرِب الأقصى عُمُومًا، وصعوبة تناول هَذَا الموضوع، وَلَكِنَّهُ ليس بالذي يعجزنا عن إعمال العقل وإيجال الفكر واستعمال التخمين، وكلُّها أدوات فيِ مثل هَذِهِ المواضيع
__________
(1) - يضعه الدرجيني فيِ الطبقة السابعة، وَهُوَ مِمَّن عاش النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وأوائل القرن الرابع الهجري. انظر: طبقات، 1/ 97 - 109؛ 2/ 349.
(2) - الشَّمَّاخِي: سير، 280. وانظر: أبو زكرياء: السيرة، 183 - 184. الدرجيني: طبقات، 1/ 110 - 111. (1/139)
صفحة 140
التَّارِيخِيَّة الغامضة.
من المعروف أَنَّ إدريس الأَوَّل، مؤسِّس دولة الأدارسة لَمَّا هرب (1) من المشرق إلى المغرب الأقصى اتَّصَلَ بأمير قبيلة أَورَبة وزعيمها إسحاق بن محَمَّد بن عبد الحميد المعتزليِّ (2) الذي كان يسوس قبيلته، فهل كان يتولَّى القضاء أَيضًا؟ إنَّ انتسابه إلى المذهب المعتزليِّ (3) وَهُوَ مذهب العقل فيِ الإسلام، يرشِّحه لتولِّي هَذَا المنصب، ليقيم العدل، فضلا عن كونه زعيم القبيلة، وقد رأينا (4) أَنَّ مثل هؤلاء الزعماء لقبائلهم كانوا هم القائمين بفضِّ الخصومات، وإنهاء المنازعات، وتولِّي ما يشبه الحكم والقضاء.
لقد كان هَذَا قبل قدوم إدريس الأَوَّل سنة 172هـ/788م الذي استقبله فيه إسحاق المعتزليُّ أحسن استقبال، فأجاره وأكرمه، وجمع البربر عَلَى القيام بدعوته فبايعوه فيِ رَمَضَان سنة 172هـ/789م «على الإمارة والقيام بأمرهم وصلواتهم، وغزوهم وأحكامهم» (5).
لقد كانت البيعة إذن عَلَى الإمارة أَوَّلاً، ثُمَّ عَلَى الأحكام أخيرا، أي عَلَى الإمامة والقضاء، فضلا عن المهام الأخرى التي لا تعنينا هنا، وافتتح إدريس قيام
__________
(1) - الجزنائي: جني زهرة الآسي، 12. الناصري: الاستقصا، 1/ 153 - 154. وانظر دائرة المعارف الإسلامية، مادة إدريس، 1/ 544 - 547.
(2) - البكري: المغرب، 118. مجهول: الاستبصار، 195.
(3) - عن مذهب الاعتزال، انظر: القاضي عبد الجبار وآخرون: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تح. فؤاد سَيِّد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393هـ/1974م. وانظر: الأشعري أبو الحسن: مقالات الإسلاميِّين، تح. محَمَّد محيي الدين عبد الحميد، بلا معلومات الطبع، ط2، 1405هـ/1985م، ج1/ 216 وما بعدها.
(4) - انظر: المبحث الأَوَّل من الفصل الأَوَّل من الباب الأوَّل.
(5) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، 20. ابن الخطيب: أعمال الأعلام، 191. الناصري: الاستقصا، 1/ 155. (1/140)
صفحة 141
دولته بخطبة هامَّة جاء فيها بعد البسملة والحمدلة:
« ... أدعوكم إلى كِتَاب الله وسنَّة نبيِّه وَإلى العدل فيِ الرعيَّة، والقسم بالسويَّة، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم، وإنفاذ حكم الكِتَاب عَلَى القريب والبعيد ... وأذكِّركم اللهَ فيِ أرامل احتقرت، وحدود عطِّلت، وَفيِ دماء بغير حقٍّ سفكت ... فعسى أن تكونوا معاشر البربر اليد الحاصدة للظلم والجور، وأنصار الكِتَاب وَالسُّنَّة ... » (1).
إنَّ الإمام إدريس الأَوَّل يعلن منذ الوهلة الأولى أَنَّهُ جاء ليعدل فيِ الحكم، ويرفع الظلم والجور ويقيم الحدود، فلا غرو أَنَّهُ الإمام وَأَنَّهُ القاضي، وكان «يجلس للناس بعد كُلِّ صلاة، وَفيِ أوقات محدَّدة يحكم بينهم، ويعالج مشاكلهم» (2). هكذا ذكر الأستاذ سعدون عَبَّاس دون أن يشير إلى مصادره، وكأنِّي به استنتج ذَلِكَ استنتاجا، إذ أنَّى له أن يجد مصدرا يعطيه تفاصيل كهذه؟.
وَلَمَّا قُتل إدريس الأَوَّل سنة 177هـ/793م، وَهُوَ أَوَّل إمام قاض فيِ الدولة الإدريسيَّة خلفه مولاه راشد (3) فيِ جميع مهامِّه، وكان عند حسن ظنِّ البربر «قام بأمرهم، يؤمُّهم فيِ الصلاة، ويجلس إِلَيهِم، يفصل فيِ القضايا التي تعرضهم [كذا]، كما كان يفعل الإمام إدريس، ولكن بلا ألقاب» (4).
__________
(1) - علال الفاسي وآخرون: الإمام إدريس مؤسِّس الدولة المغربيَّة، سلسلة فيِ سبيل وعي إسلاميٍّ، ع. 31، شركة بابل للطباعة والنشر، الرباط، 1988م، ص 18 - 22. وانظر: محمود إسماعيل: الأدارسة، 57.
(2) - سعدون عَبَّاس: دولة الأدارسة، 117.
(3) - انظر عن راشد بن منصب الأَوربي: السنُّوسي محَمَّد بن علي: الدرر السَّنِيَّة فيِ أخبار السلالة الإدريسيَّة، 60 - 65.
(4) - سعدون عَبَّاس: المرجع السابق، 91. (1/141)
صفحة 142
لقد تَوَلىَّ راشد مهمَّة القضاء، فكان يقضي بكِتَابِ الله وسنَّة رسوله (1)، ألم يكن أستاذ سَيِّده إدريس الثاني بن إدريس الأَوَّل؟ فهو الذي علَّمه «العلوم العَقلِيَّة والنقليَّة من فقه وحديث وتفسير ولغة وبلاغة وغيرها، حَتَّى علوم السياسة ... » (2)، فَهَذَا المولى البربريُّ كانت له المؤهِّلات الكافية ليقوم بمسؤوليَّة القضاء أحسن قيام، ويؤدِّيها طيلة إحدى عشرة سنة أداء جَيِّدًا ليردَّها بعد ذَلِكَ إلى من كانت تنتظره الرعيَّة من السلالة الإدريسيَّة الأشراف إدريس الثاني، وَذَلِكَ عام 188هـ/804م، بعدما كبر وبلغ الحلم فيِ تمام الحادية عشر من عمره.
إنَّ هَذَا الإمام الإدريسيَّ الثاني هو المؤسِّس الحقيقيُّ للدولة الإدريسيَّة، فهو الذي بنى مدينة فاس، وَاتَّخَذَها عاصمة مملكته، وإليه تنسب الإنجازات الضخمة (3)، ومنها تنظيمه لجهاز الدولة الإداري بعد أن بقي مُدَّة عام يقوم بأمر الناس مع من يعينه من البربر من غير وزير ولا كاتب ولا قاضٍ.
إِنَّهُ مثل سلَفَيه أبيه ومولى أبيه، جلس للناس عاما يقضي بينهم فيِ خصوماتهم ومعاملاتهم (4) حفاظا عَلَى النظام العامِّ والوئام الذي يجب أن يكون بين أفراد الرعيَّة البربريَّة المعروفة بصعوبة انقيادها ومراسها. وَلَمَّا وفدت عَلَيْهِ وفود العرب بِإفريقية والأندلس سنة 189هـ/804م سُرَّ بها أيَّما سرور، لأَنَّهَا قدمت فيِ الوقت المناسب، فناب عنه فيِ جميع الوظائف الإداريَّة «وقام هو بمصالح الملك وسياسة الرعايا، وجهاد العدوِّ ووظائف الجنود والعساكر
__________
(1) - الناصري: الاستقصا، 1/ 160. وانظر: ابن أبي زرع: الأنيس، 24. الحلبي: الدرُّ النفيس، 8.
(2) - السنوسي: الدرر، 65. وانظر: زغلول: تاريخ، 2/ 439.
(3) - ابن الأبَّار: الحلَّة، 1/ 53 - 56. ليفي بروفنصال: الإسلام فيِ المَغْرِب والأندلس. ابن أبي زرع: الأنيس، 25 وما بعدها. الجزنائي: جني زهرة الآس، 15 وما بعدها. الناصري: الاستقصا، 1/ 161 وما بعدها.
(4) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 207، 272. وانظر: سعدون عَبَّاس: دولة الأدارسة، 98. (1/142)
صفحة 143
ونحو ذَلِكَ» (1). وهكذا ينظِّمُ إدريس الثاني الجهاز الإداريَّ للدولة، فيستحدث الوزارة وَالكِتَابة لأوَّل مَرَّة، ويقوم «بخلق منصب للقضاء، فقد استقضى ... » (2) رجلا من بين أولئك العرب الوافدين عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوَّل قاض يعيَّن فيِ هَذِهِ الدولة إذ لا نعلم أَنَّ إدريس الأَوَّل أو مولاه راشدا عيَّنا قاضيا فيِ جهة من جهات دولة الأدارسة إطلاقا ...
إنَّ عناية إدريس الثاني بالقضاء نابعة من سياسته الدِّينِيَّة، وحرصه عَلَى إعطاء الصبغة الدِّينِيَّة لدولته، وبالتالي إحكام المركزيَّة وتوطيدها، وَهُوَ ما تحقَّق له فعلا عَلَى عهد إمامته، ويذكر الأستاذ إبراهيم حركات أَنَّهُ عندما قدمت هَذِهِ الطائفة من «العرب عَلَى إدريس الثاني عيَّن منهم عددا كبيرا من الموظَّفين المركزيِّين والإقليميِّين من قضاة وجباة وغيرهم» إِلاَّ أَنَّهُ لا يشير إلى مصادره إذ أَنَّ كلَّ المصادر تتحدَّث عن الموظَّفين المركزيِّين لا غير، أَمَّا فيِ الأقاليم فلم ترد إشارة إِلَيْهِم إطلاقا ولو عابرة، مع أَنَّنَا نرجِّح ذَلِكَ ونوافقه الرأي.
لقد عيَّن إدريس الثاني قاضيا فيِ دولته الفتيَّة، كما أسلفنا، وَهُوَ عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، الذي أطنبت الروايات فيِ ذكره وذكر علمه، إِلاَّ أَنَّهَا كلَّها متشابهة متطابقة، لا تزيد إحداها عن الأخرى في شيء. فمن يكون هَذَا القاضي الأَوَّل والوحيد ذكراً فيِ دولة الأدارسة؟ يقول عنه ابن أبي زرع الذي اقتبس عنه الجميع من بعده إِنَّهُ «عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، من قيس عيلان، وكان رجلا صالحا ورعا فقيها، سمع من مالك وسفيان الثوريِّ (3)، وروى
__________
(1) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 207.
(2) - محَمَّد صدقي: الأدارسة، أطروحة، 1/ 186. وانظر: سعدون عَبَّاس: الأدارسة، 171.
(3) - سفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، لقِّب بالثوريِّ، ولد سنة 69هـ/688م، وتوفِّي بالبصرة سنة 161هـ/777م، كان إماما عالما مشهورا فيِ علم الحديث، وَهُوَ أحد الأيمة المجتهدين. انظر: ابن خلِّكان: وفيات، 2/ 386 وما بعدها. (1/143)
صفحة 144
عنهما كثيرا، ثُمَّ خرج إلى الأندلس برسم الجهاد، ثُمَّ جاز إلى العدوة، فوفد منها عَلَى إدريس فيمن وفد عَلَيْهِ من العرب» (1).
هَذَا هو القاضي عند الأدارسة فيِ زمن إدريس الثاني (188 - 213هـ/803 - 828م) تَوَلىَّ القضاء عام 189هـ/804م، ولا نعرف متى كانت نهايته، ولم تروِ المصادر له قَضِيَّة قضى فيها، ولا ذكرت له عملا أو سيرة فيِ منصبه الجديد، أو فيِ مستقرِّه بفاس، وكلُّ ما فيِ الأمر أَنَّ المعلومات الواردة فيِ النصِّ المقتبس تهمُّ ما سبق تعيينَه، أَمَّا بعد تعيينه فلا خبر عن ذَلِكَ، وكأنِّي بالمصادر وأصحابها إِنَّمَا يؤرِّخون لإدريس الثاني الذي فرح، وسرَّ سرورا عظيما بمقدم هؤلاء العرب، لأَنَّهُ كان فريدا وحيدا غريبا بين البربر؛ وهكذا يتَّضح لنا أَنَّ النزر القليل من المعلومات عن القاضي عامر بن محَمَّد إِنَّمَا جاءت عرضا للحديث عن فرحة إدريس الثاني (2) وعن نباهته وسداد رأيه وتوفيقه فيِ اختيار هَذَا القاضي "العالم دون غيره" (3).
إنَّ إدريس الثاني قد وضع أسس دولة متحضِّرة حيث وزَّع السلطات، فاستحدث الوزارة وَالكِتَابة والقضاء عند مَقدم أولئك العرب الأندلسيِّين
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس، 29. الجزنائي: جني زهرة الآس، 17 - 18. الحلبي: الدرُّ النفيس والنور الأنيس، (مخ) ق 214. الحلبي: الدرُّ النفيس، (الطبعة الحجريَّة) 177، 270. المكناسي: جذوة الاقتباس، 1/ 27، 161. السنوسي: الدرر السنيَّة، 85. الناصري: الاستقصا، 1/ 163. هوبكنز يذكر الرواية وَلَكِنَّهُ لا يذكر اسم القاضي، النظم، 39. إبراهيم حركات يخطئ فيِ الاسم، 126ص، ثُمَّ يذكر الاسم الصحيح ص 114. انظر: المَغْرِب عبر التاريخ. زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، 2/ 442. إبراهيم علي حسن: المولى إدريس ابن إدريس الأزهر، 82. سعدون عَبَّاس: دولة الأدارسة، 125.
(2) - الجزنائي: جني زهرة الآس: 17 - 18. السنوسي: الدرر السنيَّة، 85.
(3) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 273 - 274. يقول إبراهيم حركات: « ... تاريخ الأدارسة يدور معظمه عَلَى أشخاص الأمراء أنفسهم ... ». المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 121. (1/144)
صفحة 145
والأفارقة الذين كانوا له بطانة وحاشية، دون البربر، عَلَى حدِّ تعبير ابن خلدون الذي يختم قائلا: «واستفحل بهم سلطانه ... » (1).
نعم، لقد قويت الدولة الإدريسيَّة بِهَذِهِ الأجهزة الإداريَّة، وبخاصة منها جهاز القضاء المتمثِّل فيِ شخص القاضي العالم المحدِّث المجاهد عامر بن محَمَّد بن سعيد القيسي، فلا ريب أَنَّ علمه جعل منه قاضيا عادلا، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من عدل الإمام إدريس الثاني، واستقرار أوضاع الدولة فيِ عهده، وهي إحدى ثمرات القضاء العادل.
إنَّ هَذِهِ الدولة القَوِيَّة، وَهَذِهِ السلطة المستفحلة سرعان ما تدهورت وانهارت، إذ لَمَّا توفِّي إدريس الثاني سنة 213هـ/828م خلفه ابنه محَمَّد (213 - 221هـ/828 - 835م) (2) الذي لم يكن عَلَى ما يبدو مثل أبيه فيِ القُوَّة وحسن التدبير، فإن كان أبوه وحيد جدِّه فَإِنَّهُ كان هو أَوَّل أبناء أبيه الذي ترك معه عشرة إخوة تقاسم معهم الملك، فاكتفى هو بمدينة فاس عاصمة بلاده، فتنازعوا أمرهم بينهم وذهبت ريحهم، والغريب أَنَّ الروايات التَّارِيخِيَّة تبرِّر هَذَا التقسيم، وتقول بِأَنَّهُ كان نصيحة من كنزة جدَّة محَمَّد بن إدريس الثاني (3)
__________
(1) - العبر، 4/ 26. يذكر محقِّقا كِتَاب الناصري بِأَنَّ الجهاز الإداريَّ «هو أَوَّل تنظيم عرف للمخزن (الحكومة المغربيَّة) والمخزنيَّة فيِ التاريخ بالمغرب الأقصى». انظر: الاستقصا، 163 هامش1. وانظر: إبراهيم حركات: 1/ 126. محمود إسماعيل: الأدارسة، 68 - 69.
(2) - بعد محَمَّد بن إدريس الثاني تَوَلىَّ صبي الحكم وَهُوَ علي بن محَمَّد بن إدريس II (221 - 234 هـ/ 835 - 848م) الذي يذكر ابن أبي زرع أَنَّهُ تَوَلىَّ وعمره تسع سنوات، سار بسيرة أبيه وجدِّه فيِ العدل والحزم وإقامة الحقِّ. انظر: الأنيس، 53. فلا شَكَّ أَنَّ هؤلاء الأيمة الصبيان إِنَّمَا يَتَوَلىَّ شؤونَهم وزراؤُهم وقضاتُهم، وَهَذَا يُؤَكِّدُ وجود القضاة للإشراف عَلَى شؤون الرعيَّة فيِ خصوماتها، ووجود الوزراء لتسيير دواليب الحكم.
(3) - ابن الخطيب: تاريخ المغرب العربي، 202 وما بعدها. ابن الأبَّار: الحلَّة، 1/ 132. ابن خلدون: العبر، 4/ 27 - 28؛ 6/ 447. محمود إسماعيل: الأدارسة، 79 وما بعدها. (1/145)
صفحة 146
فهل يعقل هَذَا أَو يُقبل؟!.
إِنَّهُ من البديهيِّ أن يُرفض هَذَا الأمر جملة وتفصيلا، فإن كانت الجدَّة قد قدَّمت نصيحتها، وهي نصيحة بعيدة كلَّ البعد عن الكياسة والسياسة، فلا نرى أَنَّ حفيدها يقبلها منها، إِذْ «من المستبعد أن يحدث الانهيار والضعف بإرادة عليا من سَيِّدة هرمة، ومن غير المنطقيِّ أن تتأتَّى هَذِهِ الإرادة عَلَى شكل نصيحة» (1) كما يقول الدكتور محمود إسماعيل.
لقد ولَّت المرحلة الأولى (172 - 213هـ/788 - 828م) (2)، ودخلت الدولة الإدريسيَّة طور الضعف والصراعات والمنافسات بسرعة، وَلَمَّا يكتملْ بناء كيانها، فمن العسير أن يتوصَّل الباحث إلى معلومات وافية عن نظام الحكم والإدارة فيِ عهد الأدارسة عُمُومًا، وعهد ما بعد إدريس الثاني خُصُوصًا، فإن كان الولاة يعيَّنون من أمراء العائلة المالكة (3)، والولايات والمدن معروفة ومعدودة (4)، فَإِنَّنَا لا نكاد نعلم شيئا عن الوظائف الأخرى كالقضاء مثلا فيِ تلك الولايات، فالمصادر كلُّها تصبُّ اهتمامها عَلَى تلك المنافسات والصراعات الحربيَّة بين الإخوة الأعداء، فهل كان هناك قضاة؟ هل وُجد القضاة فيِ مدن عريقة من مثل مكناسة وتلمسان؟ من كان يعقد بين المتزوِّجين أو يفصل بين المطلَّقين، بل من كان يسهر
__________
(1) - محمد إسماعيل: ملاحظات حول تاريخ الأدارسة، مقال بمَجَلَّة الحياة الثَّقَافِيَّة، مطبعة شركة فنون الرسم والنشر والصحافة، تونس السنة الرابعة، شوال 1399هـ/1979م ع.5، ص 10.
(2) - محَمَّد صدقي: الأدارسة (أطروحة) 387. وانظر: محمود إسماعيل: الأدارسة، 83، حيث يرى أَنَّ طور الانهيار يبدأ سنة 221هـ/835م.
(3) - إبراهيم حركات: المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 125.
(4) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، 95. ابن الخطيب: تاريخ المَغْرِب، 202 وما بعدها. ابن خلدون: العبر، 4/ 27 - 28؛ 6/ 447. محمود إسماعيل: الأدارسة، 60، 80. الجميلي: دراسات، 6، 402. (1/146)
صفحة 147
عَلَى فضِّ النزاعات وإنهاء الخصومات؟ هل هناك قضاة يُرهبون اللصوص حَتَّى تخفَّ وطأتهم عَلَى الرعيَّة؟ ...
هَذِهِ التساؤلات وغيرها نطرحها بالنسبة للولايات كما نطرحها عَلَى العاصمة فاس بعد عهد إدريس الثاني (213هـ/828م) إذ لا نعرف عن القضاء وعن القضاة شيئا بعد ذَلِكَ القاضي الذي سلف ذكره.
إنَّ دولة الأدارسة إذا اشتدَّت وقوي سلطانها يمتدُّ إلى مدينة تلمسان غربا، وإذا اضطرب الحال لا يجاوز سلطان الأدارسة البصرة وأصيلة وحجر النسر (1)، هكذا إلى أن اعتراهم الإدبار والفُرقة، وانقضت أَيَّامهم وانقطعت مدَّتهم (2).
صفوة القول إنَّ الباحث عن تاريخ القضاة فيِ دولة الأدارسة يجد عنتا كبيرا لشحِّ المصادر وقلَّتها، وتشابهها - إن وجدت -. فلقد رأينا أَنَّ أَوَّل من جلس يحكم بين الناس هو إدريس الأَوَّل مؤسِّس الأسرة الإدريسيَّة بالمغرب الأقصى، ثُمَّ بعد مقتله خلفه مولاه راشد البربريُّ، إذ لم يخلِّف إدريس الأَوَّل إِلاَّ جنينا فيِ رحم جاريته كنزة، اقتضى الأمر انتظار إحدى عشرة سنة كان خلالها راشد المولى يَتَوَلىَّ شؤون الدولة، ويقيم العدل، ويجلس للقضاء بين النَّاس، ثُمَّ تَوَلىَّ إدريس الثاني مهامَّه كإمام للدولة التي تركها له أبوه، وأقام عاما يَتَوَلىَّ منصب القضاء حَتَّى إذا جاءته الوفود العَرَبِيَّة انتقى منها قاضيا قيسيًّا هو عامر بن محَمَّد بن سعيد، وَهُوَ أَوَّل القضاة التي تذكره المصادر وآخرها فيِ هَذِهِ الدولة.
__________
(1) - عن هَذِهِ المدن انظر: ابن الخطيب: تاريخ المغرب، 1/ 202 - 205،
(2) - ابن أبي زرع: الأنيس، 95. انظر عن التاريخ السياسيِّ للأدارسة: زغلول: تاريخ، 2/ 437 - 478. محَمَّد صدقي: الأدارسة (أطروحة). محمود إسماعيل: الأدارسة. (1/147)
صفحة 148
وحيث إنَّ الحضارة الإدريسيَّة فيِ عهد إمامها إدريس الثاني بلغت درجةَ تعيين الوزراء والكتَّاب والقضاة، فَإِنَّنَا نقول: وإن سكتت المصادر عن ذكر قضاة آخرين فيِ مدينة فاس، العاصمة الإدريسيَّة بعد القاضي عامر بن محَمَّد لا يُعقل أن يكون هو الأَوَّل وَهُوَ الأخير، بل لاَ بُدَّ أَنَّ الأيمَّة الأدارسة عيَّنوا قضاة آخرين فيِ عاصمتهم، ثُمَّ لاَ بُدَّ أَنَّ الأمراء الأدارسة عيَّنوا قضاة من جانبهم فيِ ولاياتهم لإقامة العدل، وردع الظالم، ونصرة المظلوم، والمفروض أَنَّ هناك قاضيًّا فيِ مسجد كُلِّ ولاية عَلَى الأقلِّ، ألم تكن المساجد موجودة؟ ألم يكن الفقهاء موجودين؟
إنَّ دولة قُتل أَوَّل أيمَّتها وَلَمَّا يستقرَّ الاستقرار النهائيَّ من تعب الرحلة من المشرق، وحَكَمَها مولى لمدَّة إحدى عشرة سنة، ثُمَّ صبيٌّ لا يتجاوز عمره الإحدى عشرة سنة أَيضًا، ثُمَّ تقسَّم الدولة بين الإخوة الأعداء، ويحكمها من بين من حَكَمها صبيٌّ لا يتجاوز عمره تسع سنوات، هَذِهِ الدولة لا شَكَّ أَنَّهَا لا تبني حضارة ذات بالٍ، ولا تترك نظاما. وأعتقد أَنَّهُ لولا رجوع أيمَّتها فيِ نسبهم إلى الدوحة المحمَّديَّة ما تَرك لها ولهم التاريخ شيئا من ذكرٍ، وما تناولهم المُؤَرِّخُونَ بالاهتمام، ولكانوا مثل دولة صالح بن طريف، أو برغواطة فيِ الاهتمام، ولولا إنجازات إدريس الثاني التي لم يذكرها المُؤَرِّخُونَ إِلاَّ بالقدر الذي يهمُّ الإمام دون الرعيَّة ما بقي لدولة الأدارسة أثر. فالتقسيم، كما يقول إبراهيم حركات (1)، هو أَوَّل مظاهر السقوط ومراحله، ولقد كان مبكِّرا كما رأينا، ودلَّ عَلَى عدم مَقدرة البيت الإدريسيِّ إيجاد قُوَّة قادرة عَلَى تحقيق هدفِهم الرئيسيِّ الذي حارب الآباء والأجداد من أجله (2)، فمال الخلف إلى الركود والقناعة، وانقلب البعض عَلَى البعض
__________
(1) - المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 120.
(2) - عبد المقصود باشا: الرستميُّون صفحة رائعة من التاريخ الجزائريِّ، بلا معلومات الطبع والنشر، وهران، ط1، 1409هـ/1989م، ص100 - 101. (1/148)
صفحة 149
يتحاربون ويتنافسون لتنتهي الدولة هكذا فيِ صمت وهدوء.
المبحث الثالث: تقويم القضاء فيِ المغرب الأقصى
لقد كان اهتمامنا منصبًّا فيِ المبحثين السابقين عَلَى تاريخ مُؤَسَّسَة القضاء عند المدراريِّين والأدارسة، وهما الدولتان البارزتان فيِ فترة موضوعنا بالمغرب الأقصى، وإن دأب مُؤَرِّخُونَا عَلَى ذكر دولتين أخريين أقلَّ أهميَّة من الأوليَيْن هما دولة بني صالح بِناكور، ودولة (1) برغواطة، وقد سبقت الإشارة إِلَيْها قبل هَذَا الباب.
إنَّ هاتين الدولتين ظلَّتا قائمتين إلى ما بعد سنة 296هـ/909م، ولكن لا نعرف من تاريخهما إِلاَّ الجانب السياسيَّ لا غير (2) باستثناء برغواطة التي وصلتنا
__________
(1) - لَعَلَّ من المفيد هنا أن أشير إلى أَنَّ استعمالي لمصطلح “دولة” لهذين الكيانين الصغيرين المغمورين إِنَّمَا ينطلق من التعريف البسيط للدولة، وَهُوَ مجموع عناصر إذا التقت شكَّلت الدولة، وهي: «الراعي والرعيَّة، والرقعة الجغرافيَّة، والنظام» وكلُّها متوفِّرة فيِ اعتقادي فيِ الكيانين المذكورين: بني صالح، وبرغواطة. ويرى النويريُّ أَنَّ الأغالبة أَوَّل من أسَّس دولة بِإِفْرِيقيَّة، وجرى عَلَيْها اسم الدولة، لأَنَّهَا كانت كالمستقلَّة بالأمر، وَهُوَ ما ينطبق مع كُلِّ الكيانات السِّيَاسِيَّة التي قامت ببلاد المغرب، فضلا عن إِفْرِيقيَّة. النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب)، 251. وانظر عن مصطلح "الدولة": زروخي إسماعيل: الفكر السياسي عند ابن خلدون وابن الأزرق، أطروحة ماجستير، إشراف د. عبد الرزَّاق قسُّوم، معهد الفلسفة، جامعة الجزائر، 1988 - 1989م، ص23 - 26.
(2) - عن تاريخ بني صالح بناكور انظر: البكري: المُغرب، 91 وما بعدها. ابن عذاري: البيان، 1/ 180. ابن خلدون: العبر، 6/ 439 - 442. حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 88 وما بعدها. محَمَّد أمين صالح: إمارة يمنيَّة بالمغرب الأقصى آل صالح فيِ ناكور، سبق ذكره.
وعن تاريخ برغواطة انظر: البكري: المُغرب، 134 وما بعدها. ابن عذاري: البيان، 1/ 56 - 57. ابن خلدون: العبر، 6/ 428 - 430. الداودي: كِتَاب الأموال، 106 - 107. زغلول: تاريخ، 2/ 519. محمود إسماعيل: مغربيَّات، 23 وما بعدها. (1/149)
صفحة 150
فقرات من تشريعاتها ننوي الإشارة إليها فيِ الباب الثالث نتناول التشريع القضائيَّ ببلاد المغرب وندرسه دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة فيِ المغرب.
إنَّ الذي أريد أن أصل إِلَيْهِ فيِ هَذِهِ الإشارة إلى هاتين الدولتين هو أَنَّهُ مثلما رأينا القضاء عند المدراريِّين والأدارسة لم يكن بارزا، ولم يتحدَّث عنه المُؤَرِّخُونَ، ولم يولوه كبير اهتمام، كَذَلِكَ الحال بالنسبة لبرغواطة وبني صالح، فلا نملك أدنى إشارة إلى وجود قضاة فيِ هاتين الدولتين، وإن كُنَّا لا نستبعد وجود القضاء، ويظهر لنا أَنَّ غياب أشخاص هَذِهِ المُؤَسَّسَة يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الجانب الثقافيِّ لهاتين الدولتين، بل لدول المغرب الأقصى فيِ هَذِهِ الفترة عُمُومًا، إذ أَنَّ الفقهاء والعلماء هم عمدة القضاء ومادَّته، فإذا كان لبرغواطة مبرِّراتها فهي دولة بربريَّة بدوية بعيدة كلَّ البعد عن الثقافة والعلم والعلماء، فأيُّ تبرير نجده لدول مثل الأدارسة والمدراريِّين وبني صالح؟
لقد قلنا احتمالا: إنَّ ولاة الأمور من الأيمَّة والأمراء والولاة فيِ هَذِهِ الدول ربَّما كانوا يتولَّون مُهِمَّة القضاء فيِ أحوازهم، لأَنَّ هَذِهِ المُؤَسَّسَة تنشأ مع نشأة الكيان السياسيِّ، وتدخل ضمن البيعة التي كان الرعاة يطالبون بها رعاياهم، فالرعيَّة تبايع إمامها عَلَى السمع والطاعة والانقياد والحكم بما أنزل الله تحليلا للحلال وتحريما للحرام.
وإذا كُنَّا قد رأينا أَنَّ أربع دول قامت ببلاد المغرب الأقصى، وتوزَّعته فيما بينها وتقاسمته، لا نعرف من قضائها وقضاتها إِلاَّ اسم قاض واحد فقط، فلا شَكَّ أَنَّ هَذَا الأمر شاذٌّ جِدًّا بخاصة وَأَنَّ الفترة موضوع الدراسة، وهي القرنان الثاني والثالث للهجرة/التاسع والعاشر للميلاد هي فترة الازدهار الثقافيِّ والنشاط التجاريِّ وما يتبع ذَلِكَ من مظاهر وظواهر.
أمام هَذَا الصمت التاريخيِّ تجاه هَذِهِ المُؤَسَّسَة الدِّينِيَّة الإِنسَانِيَّة الضروريَّة، لا يسعنا إِلاَّ أن نقول إنَّ القضاء الرسميَّ التابع للإدراة المركزيَّة غاب مع التاريخ لكن بقي بدون شكٍّ القضاء الذي يمكن أن (1/150)
صفحة 151
نُسَمِّيَه القضاء العرفيَّ أو الشعبيَّ، وَهُوَ ما قد سبقت الإشارة إِلَيه، ونقصد به توليِّ بعض زعماء القبائل البربريَّة، أو المنفِّذين فيها مهام القضاء من فصل للخصومات، وإنهاء للنزاعات، وعقود للنكاح وما إلى ذَلِكَ من ضرورات الحياة وحتميَّاتها.
أَمَّا إذا تحدَّثنا عن موضوعات القضاء فيِ المَغرِب الأقصى فَإِنَّهُ لم يصلنا أيُّ موضوع جلس له القاضي، أو من مارس القضاء دون تسميَّته بالقاضي وأصدر فيه حكما قضائيًّا، ومع ذَلِكَ يمكن أن نستشفَّ بعض الإشارات من النزر القليل من النصوص التي وصلتنا.
إنَّ برغواطة مثلا إذا استنطقنا بعض شرائعها التي وضعت فيِ “قرآنها” فيِ الفترة موضوع الدراسة نجد مواضيع مثل النكاح والطلاق وشروطهما، والسرقة والزنى والكذب، وكلُّها لها عقوباتها وحدودها (1)، وهي مثلما نلاحظ مواضيع تشترك فيها مختلف المجتمعات بدوها وحضرها، فلا بُدَّ أَنَّ هناك من يقوم بتطبيق تلك الشرائع عَلَى الرعيَّة البرغواطيَّة، إِذ لا يُعقل أن تكون حبرا عَلَى ورق، فيِ الوقت الذي تميَّزت وعرفت بها برغواطة ومن تبعتها من القبائل البربريَّة لمُدَّة تتجاوز فترة بحثنا بكثير.
أَمَّا فيِ سجلماسة عاصمة بني مدرار فقد رأينا أَنَّ أحد مشايخ الإِبَاضِيَّة فيها، وَهُوَ أبو الربيع سليمان بن زرقون لَمَّا غادرها اختلف الناس حَتَّى كادوا يقتتلون (2)، فقصدوه، ثُمَّ أخذوا بما قال واصطلحوا. هَذِهِ الرواية التي لا تشير إلى نوعيَّة النزاع ولا إلى المسألة، أهي فقهيَّة تبحث عن فتوى، أم قَضِيَّة تبحث عن حكم قضائيٍّ؟ ...
__________
(1) - البكري: المُغرب، 134.
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 183 - 184. الدرجيني: طبقات، 1/ 110 - 111. (1/151)
صفحة 152
المهمُّ أَنَّ هناك خصومات تحتاج إلى من يقضي فيها ويحكم، وليس الأمر كما صوَّره ابن حوقل في القرن الرابع الهجري، نأتي به هاهنا استئناسا، لَمَّا قال بِأَنَّ المجتمع بسجلماسة يَتَّصِفُ بـ «سيادة فيِ الأفعال، وحسن كمال فيِ الأخلاق والأعمال ... وإن كانت بينهم الحِنات والترات [كذا] القديمة تواضعوها عند الحاجة، واطَّرحوها رياسة وسماحة وكرمَ سجيَّةٍ تختصُّهم، وأدب نفوس وقف عَلَيْهِم بكثرة أسفارهم، وطول تغرُّبهم عن ديارهم ... إلى سعة نفوس عالية، وهمم سامقة سامية» (1).
إنَّ هَذَا المجتمع المثاليَّ يُستبعد وجوده بِهَذِهِ الصفات من الكمال فيِ سجلماسة المدينة الصحراويَّة التجاريَّة، ذات الأجناس المختلفة، والمصالح المتضاربة، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من الرواية الإِبَاضِيَّة سالفة الذكر التي تؤكِّد اختلاف أهل سجلماسة إلى حدِّ الاقتتال، هناك رواية شيعيَّة تذكر أَنَّ رجلا من أهل سجلماسة اشتكى لعبيد الله المهديِّ عند نزوله بسجلماسة اغتصاب إليسع بن مدرار لحائطه الذي ورثه عن أبيه فجدِّه، فأصبح يعمل عند إليسع أجيرا فيِ ذَلِكَ البستان (2). فلو صدَّقنا ابن حوقل لقلنا إذن لا يحتاج فيِ تلك "المدينة الفاضلة" إلى القاضي، وَهَذَا مستحيل فيِ رأيي، وإن لم نعثر عَلَى اسم قاض واحد عَلَى الأقلِّ عند المدراريِّين بعاصمتهم سجلماسة.
أَمَّا الأدارسة فَإِنَّنَا يمكن أن نلاحظ فيِ خطبة (3) إدريس الأَوَّل إشارات إلى مواضيع تناولها القضاء الإدريسيُّ، فالخطبة تتحدَّث عن رفع الظلم، وعن أرامل احتقرت، وحدود عطِّلت، ودماء سُفكت بغير حقٍّ، فَهَذِهِ
__________
(1) - ابن حوقل أبو القاسم النصيبي: صورة الأَرض، مطبعة بريل، ليدن، ط2، 1938م، ص99.
(2) - اليماني محَمَّد بن محَمَّد: سيرة الحاجب جعفر، نشر إيفانوف، بمجلَّة كُلِّيَّة الآداب، جامعة فؤاد الأَوَّل، القاهرة، 1936م، المجَلَّد 4، 2/ 120.
(3) - علاَّل الفاسي وآخرون: الإمام إدريس، 18 - 22. (1/152)
صفحة 153
الموضوعات شكَّلت محور القضايا المطروحة عَلَى القضاء الإدريسيِّ. فالظلم أنواع، ولا شَكَّ أَنَّ الاغتصاب واللصوصيَّة وقطع الطريق ... نوع من أنواع الظلم الذي استشرى بين البربر، إذ يروي السنوسيُّ فيِ درره أَنَّهُ كان فيِ عهد إدريس الثاني وبالقرب من موقع فاس عبدٌ أسود اسمه علوان يقطع الطريق هناك، وكان الناس يتحاشون ذَلِكَ الموضع، ولا يمرُّون به خوفا ورهبا من علوان الأسود، فأمر إدريس بالقبض عَلَيْهِ «فأوتي به إليه فأمر بقتله وصلبه على شجرة هنالك» (1)، وعلَّق السنوسيُّ على هَذِهِ الرواية قائلا وكان هذا الإمام «ملازما لِلْحَقِّ ... جاريا على قانون الشريعة فيِ أحكامه، لا يعدل عن الحقِّ ولا ينحرف عن السنَّة، فألف الناس منه ذلك حَتَّى عمَّهم الهناء وأمنوا الجور» (2).
إذن لقد تنوَّعت موضوعات القضاء، وتعدَّدت لطبيعة الفترة المبكِّرة نوعا ما بالنسبة لإسلام المغرب الأقصى، ولطبيعة التركيبة البشريَّة البربريَّة فيِ ذَلِكَ الإقليم من بلاد المَغْرِب الإِسْلاَمِيِّ.
إنَّ القضاء فيِ المَغْرِب الأقصى بقي فيِ جلِّه غامضا بسبب السكوت المطلق للمصادر وعموما فإنَّ العدل كان قائما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ اتِّصاف أغلب حكَّام دول المغرب الأقصى بالعدل والنزاهة والعمل عَلَى قمع الجور وأسبابه، وإن وجد من بينهم بعض الحكَّام الجائرين إِلاَّ أَنَّهُم شواذّ، ثُمَّ إنَّ فترات حكم أغلبهم كانت مديدة مِمَّا يَدُلُّ على رضاء الناس وسكونهم.
وإذا كان القضاء هكذا بالمغرب الأقصى، فكيف هو بالمغرب الأوسط عند الرُّستميين؟
__________
(1) - الدرر السنيَّة، 85 - 86.
(2) - نفسه، 86. (1/153)
صفحة 154
[صفحة بيضاء] صفحة بيضاء (1/154)
صفحة 155
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي
(النشأة والاستمرار)
الفصل الثالث
القضاء عند الرستميين
(160 - 296 هـ / 777 - 909 م)
المبحث الأَوَّل: نشأة القضاء عند الرستميين
المبحث الثاني: استمرار القضاء في الدولة الرستمية
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الرستمي
المبحث الثالث: تقويم القضاء في الدولة الرستمية (1/155)
صفحة 156
[صفحة بيضاء] (1/156)
صفحة 157
الفصل الثالث القضاء عند الرستميين
(160 - 296 هـ / 777 - 909 م)
المبحث الأَوَّل: نشأة القضاء عند الرستميين
إنَّ الدولة الرُّسْتُمِيَّة (160 - 296هـ/777 - 909م) في المغرب الأوسط كدولتي المدراريِّين والأدارسة في المغرب الأقصى، تتشابه جميعها من حيث النشأة وظروفها، ومن حيث الإقليم الذي يغلب عَلَيه الطابع البربريُّ، إِلاَّ أنَّ الرُّسْتُمِيِّين يختلفون عن بني مدرار والأدارسة من حيث توفُّر تاريخهم السياسي عموما، وتاريخ القضاء عندهم خصوصا، الأمر الذي يكاد ينعدم كما رأيناه في دولتي المغرب الأقصى.
لقد قيَّض الله للرُّسْتُمِيِّين مؤرِّخا وقبيلة حافظوا ـ إلى حدٍّ ما ـ عَلَى تاريخ الدولة الرُّسْتُمِيَّة. أَمَّا المُؤَرِّخ فهو ابن الصغير (1) الذي لُقِّب بحقٍّ بـ «مؤرِّخ الدَّوْلَة الرُّستُمِيَّة» (2). وَأَمَّا القبيلة فقبيلة نفوسة (3) البربريَّة، التي أرى أَنَّهَا إحدى القبائل القلائل التي حافظت عَلَى تاريخها وتاريخ مشايخها والأيمة الذين تولَّوا أمرها، ومن هنا جاء تاريخ الرُّسْتُمِيِّين موفورا، إذا ما قورن
__________
(1) - انظر عنه المصادر والمراجع عرض وتحليل في بداية هَذِهِ الأطروحة.
(2) - وداد القاضي: ابن الصغير مُؤَرِّخ الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة، مقال بمجلَّة الأصالة ع. 45، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1395هـ/1975م، 37 - 58.
(3) - عن نفوسة انظر ابن خلدون: العبر، 6/ 229 - 230. ويقوم حاليا زميلنا الأستاذ مسعود مزهودي بإعداد أطروحة للدكتوراه في موضوع قبيلة نفوسة بإشراف د. إبراهيم فخار، بقسم التاريخ معهد العلوم الاجتماعية جامعة قسنطينة نوقشت الأطروحة عام 1996 وانظر:
Despois Jean: Le Djabel Nefoussa (Tripolitene) etude geographique, ed. larouse. Paris, 1935. (1/157)
صفحة 158
بغيره في دول المغرب الأقصى، وكما يقول الدكتور محمود إسماعيل (1) حفلت المصادر بإشارات عن نظم الدولة الرُّسْتُمِيَّة إذا ما قورنت بمثيلتها بني مدرار.
لقد أخذت الدولة منذ قيامها بالأساليب المعروفة لإدارة الدول، وإن غلب عَليها طابع البساطة الذي يتناسب وأوضاع القبائل التي حكمتها الدولة أو التي حكمت الدولة من خلالها، ومعظمها يغلب عَلَيها الطابع البدويُّ (2).
ويأتي القضَاء في المرتبة الأولى بعد الإمامة مباشرة، ويمثل القضَاة الطبقة الأولى في ترتيب الموظفين الرئيسيين، من عمَّال الإمام وأعوانه، بل إِنَّ الإمام نفسه كان القاضي الأَوَّل (3) في هَذِهِ الدولة كغيرها من الدول، وإن تميَّز الرستميون عن غيرهم، بِأَن كان إمامهم الأوَّل قاضيا في فترة الولاة بالقيروان (4).
يذكر ابن الصغير رواية مبايعة عبد الرحمن بن رستم إماما في تيهرت للجماعة الإِبَاضِيَّة فيقول: «لَمَّا نزلت الإِبَاضِيَّة مدينة تاهرت وأرادوا عمارتها، اجتمع رؤساؤهم فقالوا: قد علمتم أنَّه لا يقيم أمرنا إلاَّ إمام نرجع إليه في أحكامنا، وينصف مظلومنا من ظالمنا ... فقلبوا أمرهم فيما بينهم، فوجدوا ... عبد الرحمن بن رستم لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه، وقد كان الإمام أبو الخطَّاب رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا، فقلِّدوه أموركم ... فأجمَعوا رأيهم عَلَى ذلك، ثُمَّ نهضوا إِلَيهِ بأجمعهم ... وقدَّموه عَلَى أنفسهم، وألقوا إليه بأيديهم» (5).
__________
(1) - محمود إسماعيل: الخوارج.
(2) - الحريري: مقدِّمات البناء السياسي، 229.
(3) - زغلول عبد الحميد: تاريخ، 2/ 308. جودت عبد الكريم: الأوضاع، 277.
(4) - انظر: المبحث الثالث من الفصل الأَوَّل من الباب الأوَّل.
(5) - ابن الصغير: أخبار، 25 - 27. يقول الشمَّاخي: «بايعوا عَلَى إقامة كتاب الله وسنة رسوله واتِّباع أثر الخلفاء الراشدين». انظر: السير، 140. (1/158)
صفحة 159
لقد كان المجتمع التيهرتي واعيا لَمَّا شعر بضرورة الإمام، الذِي من مهامه العليا إنصاف المظلوم من الظالم، والعودة إليه في الأحكام، وتلك مهام القاضي التي تولاّها عبد الرحمن بن رستم، أَوَّل إمام للدَّولة الرُّسْتُمِيَّة، فكان الإمامَ وكان القاضيَ، «وجلس في مسجده للأرملة والضعيف ولا يخاف في الله لومة لائم» (1) إِنَّهُ القاضي الأعلى.
إنَّ هَذِهِ الفترة المبكرِّة من عمر الدولة، فترة التأسيس من العدم، إِن صحَّ التعبير، إذ لم يسبق الرُّستميِّين كيان سياسي إسلامي في إقليمهم بالمغرب الأوسط، مثلهم في ذلك مثل المدراريين والأدارسة في المغرب الأقصى، كثيرا ما رأينا الأيمَّة هم الذِين يتولَّون القضَاء ضمن مهام الإمامة، ألم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاكما وقاضيا؟ ثُمَّ ألم يكن الخلفاء الراشدون الأوائل حكَّاما وقضاة؟ (2).
لقد وضعت إذن مع إمامة عبد الرحمن بن رستم بذرة القضَاء في الدولة الرُّسْتُمِيَّة، وإن كان ضمن مهام الإمامة، فسوف نرى كيف يفصَل عنه تدريجيًّا عندما تكثر مشاغل الإمام، ويتطلَّب المجتمع مع تطوُّره، قاضيا مستقلا يهتمُّ بما يهتمُّ به القضَاة لا غَير.
إنَّ المجتمع الرستميّ تطور بسرعة إذ بعد ثلاث سنوات، جاء وفد من المشرق للمرَّة الثانية وكان قد زار تيهرت في مرحلة التأسيس «فوجدوا الأمور قد تبدَّلت وأحوال المدينة والأشياء قد حالت، وذلك أنَّهم نظروا إلى قصور قد بنيت، وإلى بساتين قد غرست، وإلى أرحاء قد نُصبت، وَإلى خيول قد رُكبت، وَإلى حفدة قد اتَّخذت السور والعبيد، والخدَّام قد كثرت» (3).
__________
(1) - نفسه، 28. وانظر: الجنحاني الحبيب: المغرب الإِسْلاَمِي، الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة (3 - 4هـ/ 9 - 10م)، الدار التونسيَّة للنشر، ش. و. ن. ت، تونس الجزائر، 1398هـ/ 1978م. 121.
(2) - انظر: المبحث الرابع من الفصل التمهيدي.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 33. (1/159)
صفحة 160
إنَّ هَذَا التطوُّر السريع (1) لا يحدث دون أَن يفرز علاقات اجتماعية جديدة، ومعاملات شائكة ومصالح متضاربة، وكل ذلك يقتضي وجود المنافسات والمنازعات والخصومات، ومن هنا وجب وجود قضاة غَير الإمام، يتولَّون فضَّ النزاع وإيضاح ما أبهم عَلَى الخصمين أو عَلَى المتنافسِين، وغيرها من المشاكل والمتطلَّبات التي هي من صميم عمل القضَاة.
ويربط مُؤَرِّخ الرستُميّين بين هَذَا التطوُّر السريع، وبين دور القضاء فيقول: « ... والبلد زائد عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة، وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلأة ... » (2).
إنَّ ابن الصغير يتحدَّث هنا عن عبد الرحمن بن رستم وعهده الذِي شهد هَذه التطوُّرات، وسيرته العادلة التي بقيت واحدة لم تتغيَّر بتغيُّر الظروف، ولكن الغريب أنَّه يتحدَّث هنا أَيْضًا عن قضاة لعبد الرحمن، وليس قاضيا واحدا، «فقضاته مختارة»، ولقد أعاد ذكر «القضاة» بصيغة الجمع، لَمَّا تحدَّث عن مصدر أرزاقهم فقال بأنَّ عبد الرحمن « ... ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين وما أشبه ذلك، فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأمورهم ما يكفيهم في سنَتهم ... » (3).
لقد كان القضاة عديدين إذن، منذ عهد مؤسِّس الدولة الرستُميَّة (160 - 171هـ/ 777 - 787م) فهل كان هؤلاء القضاة في تيهرت العاصمة فقط أم كانوا في العاصمة وخارج العاصمة؟.
لا نجد الجواب عند ابن الصغير، ولا عند أحد من مؤرخي الإِبَاضِيَّة، وكأنَّ
__________
(1) - إحسان عبَّاس: المجتمع التاهرتي في عهد الرُّسْتُمِيِّين، مقال بمجلة الأصالة، ع. 45. ص23 - 24.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 35.
(3) - نفسه، 36. (1/160)
صفحة 161
الأمر عادي، علما بِأَنَّ ابن الصغير كرّر ذكر القضاة أَيْضًا لَمَّا كان يتحدَّث عن الإمام أفلح وأنَّ «قاضيا من قضاة أبيه مات في أيَّامه» (1).
إنَّ القضاة الذِين كان يعيِّنهم الإمام عديدون بلا شكٍّ، ولكن العاصمة تيهرت كان لها قاض واحد فقط، إذ لا يُعقل أَن يتعدَّد فيها القضاة في هَذِهِ الفترة بالذات من جهة، ومن جهة أخرى يذكر ابن الصغير بصيغة المفرد، هَذِهِ المرَّة، شكوى بعض سكَّان تيهرت من قاضيهم في عهد الإمام الثاني عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن (171 - 208هـ/ 787 - 823م) فيقول عَلَى لسانهم: «إنَّ الأمور قد تغيَّرت، والأحوال قد تبدَّلت، قاضينا جائر ... » (2).
لقد كان إذن في تيهرت العاصمة قاض واحد يعيِّنه الإمام ويعزله، يقوم بمهام القضاء لتوفير الأمن والطمأنينة، بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله، والعدل بين الناس.
أَمَّا القضاة العديدون الآخرون الذِين يعينهم الإمام هم قضاة الأقاليم، وبخاصة القريبة من تيهرت في هذه الفترة المبكِّرة من عهد عبد الرحمن بن رستم (3)، وربَّما هي المغرب الأوسط، المحصور بين نهري الشلف وملويَّة، ويسمِّيه اليعقوبي (4) البلد العظيم.
لقد اهتمَّ الإمام الأَوَّل بالقضاة منذ البداية، عيّن قاضيه في العاصمة، وعيَّن قضاة في الأقاليم واعتنى باختيارهم (5)، فكان «قضاته مختارة» عَلَى حدِّ تعبير ابن
__________
(1) - نفسه، 49.
(2) - ابن الصغير، 41.
(3) - انظر: ابن الصغير الذِي يتحدَّث عن تيهرت التي يسميها البلد، ويتحدث عما حول البلد. أخبار، 35.
(4) - ويقول: وهو الذِي يتَّصل بمدينة تيهرت وينسب إِلَيها وهو في طاعة الرستُميِّين. انظر اليعقوبي أحمد بن واضح: البلدان، مطبعة بريل ليدن 1890. ص353.
(5) - محمود إسماعيل: الخوارج، 196. (1/161)
صفحة 162
الصغير، وظلَّ الأَيِمَّة الرستُميّون يعيِّنون للقضاء. هَكذا كان عهد الإمام عبد الوهَّاب، ثُمَّ ابنه أفلح إلى أَن تسقط الدولة بيد الفاطميِّين.
إنَّ هَذِهِ التفاصيل التي أمدَّنا بها مُؤَرِّخ الرستُميِّين منها المباشرة ومنها غَير المباشرة، تنقصها معلومة واحدة لتكتمل أخباره عن القضاء الرستُمي، ونقصد بذلك اسم القاضي أو القضاة، لقد سكت ابن الصغير عن أسماء القضاة عموما عهد عبد الرحمن وابنه عبد الوهاب، ولم تزوِّدنا المصادر الإِبَاضِيَّة من جانبها بأسماء أعلامها بتيهرت، وَإِنَّمَا كانت تكتفي بذكر سيرة الإمام عدلا أو جورا، استقرارا أو اضطرابا، وسوف تطنب في أخبار مشايخها بالمغرب الأدنى عموما، وفي جبل نفوسة خصوصا.
لقد سكتت المصادر كلُّها عَن أسماء قضاة الرستُميِّين طيلة خمسين سنة الأولى (160 - 208هـ/ 777 - 823م) تقريبا، وإن أكّدت وجود القضاة العديدين في تيهرت وما يتبعها من ولايات، كما رأينا. وَأَوَّلُ قاض يذكر اسمه هو محكَّم الهواري قاضي تيهرت في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب (208 - 258هـ/ 823 - 871م) يذكره ابن الصغير، ويذكر طريقة تعيينه واختياره، ونبذة من عدله وصرامته في الحق (1).
ويبدو أنَّ ابن الصغير لا يعرف اسم القاضي الأسبق إذ لَمَّا تحدَّث عن تعيين محكّم قال إنَّ القوم قالوا له: «إنَّ فلان ابن فلان القاضي توفِّي وقد أجمع رأي المسلمين ورأي الإمام عليك» (2)، لقد اضطر أَن يرمز إلى اسم القاضي المتوفّى بالعبارة المشهورة «فلان بن فلان» مِمَّا يدلُّ عَلَى أنَّ مؤرِّخنا لا يعرف (3) الاسم
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 49 - 52.
(2) - نفسه، 50.
(3) - نقول لا يعرف ابن الصغير اسم القاضي الذِي سبق محكّما الهواري دون أَن نستبعد الاحتمالات الأخرى مثل: ربَّما تجاهله ولم يرد ذكر اسمه ايثارا للاختصار. وربما لأَنَّ القاضي ليس له ما يسجل عنه من عدل أو جور فلا داعي إِلىَ الإكثار من الأسماء. (1/162)
صفحة 163
الحقيقي للقاضي الذِي سبق محكّما الهواري في قضاء العاصمة تيهرت وهو قاض منذ عهد الإمام عبد الوهَّاب.
هكذا وبعد الإمام أفلح بإمكاننا معرفة العديد من قضاة تيهرت في عهد الأَيِمَّة الرستُميِّين الذِين تعاقبوا عَلَى السلطة في المغرب الأوسط.
أَمَّا قضاة الأقاليم القريبة من تيهرت، فقد رأينا أنَّ وجودهم بات مؤكدا بدون أدنى شكّ، إلاَّ أَنَّنَا مثل تيهرت نفتقر تماما إلى الأسماء طيلة عهد الرستُميِّين، وَأَمَّا الولايات البعيدة كوارجلان وجبل نفوسة وبعض المدن في المغرب الأدنى فإنَّ المصادر زودتنا بكثير من المعلومات التي سجَّلت تاريخ القضاء عند الرستُميِّين بولاياتهم، وهو ما سنتاوله بالدراسة في المبحث الموالي.
المبحث الثاني: استمرار القضاء في الدولة الرستُميَّة
لقد ثبت أنَّ الرستُميِّين اتَّخذوا القضاة منذ إمامهم الأَوَّل عبد الرحمن بن رستم وكانوا في بداية أمرهم أيمة قضاة، بخاصة بالنسبة للإمام الأَوَّل الذِي جلس للأرملة والفقير لا يخاف في الله لومة لائم، وقد رأينا أَنَّهُ كان له قضاة منهم من عيَّنه في تيهرت العاصمة، ومنهم من كان في تلك الأقاليم من المغرِب الأوسط، ولقد استمرَّ الوضع القضائي هكذا عَلَى عهد الإمام الثاني، عبد الوهَّاب فابنه أفلح ثُمَّ أبناء هَذَا الأخير، إلى أَن يسقط الرستُميُّون.
والحقيقة أنَّ الإدارة الرستُميَّة تطوَّرت بسرعة إذ في عهد عبد الوهَّاب (171 - 208هـ) اتَّخذت الدولة طابع الهيبة والسلطان، وهو ما أشار إليه ابن الصغير بوضوح لَمَّا قال «قامت الإِبَاضِيَّة فعقدت الإمامة لابنه (ابن عبد الرحمن) عبد الوهَّاب، فكان ملِكا ضخما وسلطانا قاهرا ... » (1)، ثُمَّ أكدَّ ذلك مرَّة ثانية
__________
(1) - ابن الصغير: 37. (1/163)
صفحة 164
فقال «وكان عبد الوهَّاب هَذَا قد اجتمع له من أمر الإِبَاضِيَّة وغيرهم ما لم يجتمع للإِبَاضِيَّة قبله، ودان له ما لم يدن لغيره، واجتمع له من الجيوش والحفذة ما لم يجتمع لأحد قبله، ولقد ... بلغت سمعته إلى أَن حاصر مدينة طرابلس، وملأ المغرِب بأسره إلى مدينة يقال لها تلمسان ... » (1).
إنَّ هَذَا الْمُلك العريض لعبد الوهَّاب، وَهَذَا السلطان القاهر عَلَى حدِّ تعبير ابن الصغير، نجد ترجمته عند الإِبَاضِيَّة إذ حفلت مصادرهم بذكره، وذكر ولاته وأعماله، الأمر الذِي لم يستمر عندهم بالنسبة للأيمة الرستُميِّين الآخرين، فلا غرو أَنَّ الإمام عبد الوهَّاب هو الإمام الرستُميّ الوحيد الذِي قصد جبل نفوسة في فترة حكمه، وأقام بين النفوسيِّين سبعة أعوام (2) كانت كلّها أعمالا وإنجازات وترك في ذاكرة نفوسة صورة عظيمة من الفخَار والسلطان.
إنَّ الولايات الشرقية في الدولة الرستُميَّة، حافظت عَلَى تاريخها وبخاصة عهد الإمام عبد الوهَّاب، إذ نجد الكثير من الولايات والولاة، والعديد من القضاة في تلك الولايات بأسمائهم وأعمالهم وعدلهم وجورهم، بعكس الولايات الغربية التي لا نعرف عنها شيئًا إطلاقا، إِلاَّ ما أشار إليه ابن الصغير إشارة سريعة عابرة، وَكُنَّا قد ذكرناه.
وَأَوَّلُ ما يذكر عن قضاء هَذِهِ الأقاليم أَنَّ ولاتها كانوا قضاة أَيْضًا (3)، تولَّوا المهمَّتين معًا، تماما مثلما كان الأَيِمَّة الأوائل في تيهرت يتولَّون الإمامة والقضاء، وأغلب الولاة الذِين احتفظت بأسمائهم المصادر الإِبَاضِيَّة ولاة عيَّنهم الإمام عبد الوهَّاب عَلَى بعض أقاليم جبل نفوسة والمغرِب الأدنى، مثل السمح بن
__________
(1) - نفسه، 38 - 39.
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 116. الدرجيني: طبقات، 1/ 66 - 67.
(3) - انظر كتابنا: الدولة الرستُميَّة، 326. (1/164)
صفحة 165
أبي الخطَّاب عبد الأعلى، وكان قبل ذلك وزيره (1) عيَّنه واليا عَلَى الجبل، كما عيَّن زرقون بن عمير عَلَى قسطالية أو سرت، وقطفان بن سلمة الزواغي عَلَى قابس وجربة وما إليهما، ومدرار بن اليسع عَلَى جبل دمر (2)، وكل هؤلاء نصَّبهم في ولاياتهم، لَمَّا كان مقيما في جبل نفوسة (3).
وأرسل إلى مدمان الهرطلي كتابا يعيِّنه واليا أو قاضيا (4)، ولا تذكر المصادر إقليم التعيين. وَهَذَا الغموض في معرفة التعيين هل كان للولاية أو للقضاء، يدلُّ عَلَى أَنَّهُ تولاهما جميعا، إذ الفترة فترة مبكرة نوعا ما عَلَى تلك الولايات.
ومن أشهر الولاة القضاة الذِين عيَّنهم الإمام عبد الوهَّاب عَلَى جبل نفوسة، في أواخر عهده مع بداية القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني الذِي أطنبت االمصادر (5) في ذكر حكمه وبعض قضائه، إذ يقول عنه الدرجيني « ... قام أبو عبيدة عَلَى ما ولاَّه الإمام ملازما طاعة الله وحفظ ما أوجب الله عليه حفظه من حدود الله وحقوق رعيَّته» (6)، أَمَّا أبو زكرياء فيتحدَّث عن طريقة تعيينه من قبل الإمام عَلَى «أن يقضي ... بكتاب الله وسنة نبيِّه عليه السلام وآثار الصالحين» (7).
ومن ولاة عبد الوهَّاب كذلك، وكيل بن درَّاج النفوسي، كان واليا قاضيا عَلَى أكبر تقدير، بولاية قفصة (8)، فهؤلاء الولاة لم يذكر المُؤَرِّخُونَ لهم قضاة
__________
(1) - الشَّمَّاخِي: سير، 161. الدرجيني: طبقات، 1/ 67 - 69.
(2) - الشماخي: 161.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 115 - 121. الدرجيني: طبقات، 1/ 67 وما بعدها.
(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ)، ق 16. الشماخي: سير، 195. الباروني: الأزهار، 2/ 165.
(5) - البغطوري: سيرة (مخ)، ق 108. الدرجيني: طبقات، 1/ 76. الشَّمَّاخِي: سير، 179 - 180.
(6) - الدرجيني: طبقات، 1/ 77.
(7) - أبو زكرياء: السيرة، 125. الشَّمَّاخِي: سير، 182.
(8) - الشَّمَّاخِي: سير، 203. (1/165)
صفحة 166
وَإِنَّمَا هم كما اعتقدنا كانوا يتولَّون المهمتين معًا: الولاية والقضاء، بخاصة وَأَنَّهُمْ أوتوا العلم وأشاد بهم كتاب السير والطبقات الإِبَاضِيَّة (1).
ومع تقدُّم السنين وفي عهد الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب (208 - 258هـ) ومن جاء بعده من الرستُميِّين نلاحظ ذكر القضاة بأسمائهم وولاياتهم التي عيِّنوا عليها، ويتضح الأمر جليا في عهد أواخر الرستُميِّين إِلاَّ أَنَّ الملاحظة التي يجب التنبيه إليها هي أَنَّ القضاة الذِين ذكروا في الولايات الشرقية لم يعينهم الأَيِمَّة من تيهرت، وَإِنَّمَا كان تعيينهم من قبل الولاة في تلك الأقاليم، وَهَذَا دَلِيل آخر قويٌّ عَلَى أَنَّ الولاة كانوا يعينون للولاية والقضاء، ولمَّا كثرت أشغالهم واهتموا بالفتن التي تعاقبت الواحدة تلو الأخرى تنازلوا عن مهمة القضاء، فعينوا لها من وثقوا فيهم من الفقهاء الأعلام، وهكذا تذكر المصادر أبا معروف ويدران بن جواد الويغوي، كان قاضيا بويغو في جبل نفوسة (2)، وأبا عبيد جلدين البغطوري قاضي لالت، وأبا يحي بن ماطوس قاضي شروس (3) أمّ قرى جبل نفوسة، وأبا يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدراتي المعروف بالطرفي قاضي وارجلان (4)، وأبا الخطاب وسيل أو وسيم بن سنتين الزواغي قاضي ريزة (5)، وأشهر قضاة نفوسة عَلَى الإطلاق عمروس بن فتح النفوسي (6) الذِي تولىَّ القضاء لإلياس بن منصور والي جبل نفوسة من قبل الإمام أبي اليقظان وابنه أبي حاتم (7).
__________
(1) - انظر: المصادر السابقة.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 326. الشمَّاخي: سير، 264 - 265.
(3) - البغطوري: سير أهل نفوسة (مخ)، ق 81 - 82.
(4) - الدرجيني: طبقات، 2/ 331 - 332. الشمَّاخي: سير، 288. الباروني: الأزهار، 67 - 68. بحاز إبراهيم: الدولة الرستُميَّة، 320.
(5) - ويذكر كذلك ريضة. انظر: أبو زكرياء: السيرة، 186 - 187. الدرجيني: طبقات، 1/ 112 - 114.
(6) - أبو زكرياء: السيرة، 145، 153. البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ)، 48، 49، 93. الدرجيني: طبقات، 1/ 8، 2/ 320 - 324. الشمَّاخي: سير، 229، 269. الباروني: الأزهار، 252.
(7) - انظر: قائمة قضاة الولايات بالملحق رقم 6. (1/166)
صفحة 167
إنَّ عمروس بن فتح، أجمعت المصادر الإباضيَّة على نبوغه، وذكرت نتفا من قضائه ومنها «أنه استمسك رجل برجل عنده فاستردد عمروس المدَّعى عليه الجواب فسكت ... فوطئه عمروس برجليه وعليهما خفافه، وأبو منصور إلياس حاضر، فقال له أبو منصور: «عجلت على الرجل يا عمروس»، فضمَّ عمروس أصابع يده وقال له: «كم هذا يا أبا منصور؟» فقال أبو منصور: خمسة، فقال له عمروس: لم أعجل كما لم تعجل أنت حين لم تأخذها واحدا، فواحدا حتَّى تأتي على آخرها ... » (1).
لقد كان عمروس بن فتح صارما في الحقّ، قويًّا في حجَّته، قُتل في معركة مانو سنة 283هـ/896 تلك المعركة التي شنَّتها قوات إبراهيم بن أحمد الأغلبي (261 - 289هـ/874 - 901م) على نفوسة (2) فقضت فيها على علمائها وكبريائها، وكانت إيذانا بأفول نجم الرستميين قريبا.
إنَّ المذبحة العظيمة التي شنَّها الأغالبة على جبل نفوسة بعد انتصارهم في مانو، قضت على أربعمائة عالم «ولم يبق من علمائهم وفقهائهم إلاَّ أبو القاسم البغطوري، وعبد الله بن الخير، وهما اللذان يفتيان لأهل الجبل نوازلهم من تلك الوقعة، ولولاهما لعطِّلت إلى يوم القيامة» (3)، ويذكر الشمَّاخي (4)، أنَّ أبا محمَّد عبد الله بن الخير الذي تولىَّ الأحكام كان يأتي أبا القاسم البغطوري إلى منزله بعد مانو فيحكم هناك فيتعاونا. والحقيقة أنَّ النفوسيين بعد مانو وجدناهم يستقضون سليمان بن ماطوس، وكان أعمى (5)، وأبا محمَّد التغرميني «وكان يطلب الخصماء
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة، 145 - 146.
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 153. الدرجيني: طبقات، 1/ 89. الشمَّاخي: سير، 229.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 153 - 154. الدرجيني: طبقات، 1/ 89.
(4) - سير، 238.
(5) - القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ)، ق 531. (1/167)
صفحة 168
الحلّ، فقال له أبو هارون هذا أمر لا تصلح له ولا يصلح لك ... » (1)، وأبا يحي الأرجاني الذي كان يجلس للقضاء في جادو إلى آخر النهار، ويرجع إلى أهله، ويستريح سبع مرَّات «بينه وبين أرجان والمسافة غير بعيدة، وقيل ثلاثا من الضعف والعياء والجوع ... » (2).
إنَّ هذه الأصناف من القضاة الذين عيَّنتهم نفوسة بعد مقتل علمائها في مانو تدلُّ على الكاسحة التي كسحت جبل نفوسة، فألجأتها إلى استقضاء الأعمى، وشبه الجاهل، والشيخ الهرم، ثمَّ انتهى بها الأمر إلى أن أصبح القضاء لا يتمُّ إلاَّ بمجموعة من المشايخ يجتمعون لحلِّ الخصومات، وإيجاد الحلول، وتحرِّي العدل (3).
هكذا نلاحظ كيف كانت تطوُّرات القضاء في الدولة الرستميَّة إذ بدأ المنصب مع إمامة عبد الرحمان بن رستم في تيهرت، وشيئا فشيئا تنازل عن القضاء في العاصمة وأحوازها لقضاة كان يعينهم ويصرف لهم أرزاقهم من بيت المال، وكان الأمر كذلك بالنسبة للإمام الثاني عبد الوهَّاب الذي اتُّهم أحد قضاته بالجور، ويتوفَّى عبد الوهَّاب، ولا نعرف من القضاة الرستميين اسما واحدا، ويجب انتظار عهد أفلح بن عبد الوهَّاب الذي يطلعنا على القاضي محكَّم الهواري قبيلةً الأوراسي مسكناً العادل قضاءً ثمَّ لا نعرف طيلة عهد هذا الإمام ولا ابنه أبي بكر قاضيا آخر إلى أن يتولَّى أبو اليقظان الإمامة ثمَّ ابنه أبو حاتم وبعد ذلك تضطرب الأوضاع السياسية في تيهرت والولايات القريبة منها فلا يصلنا من أخبار القضاء والقضاة شيئًا إطلاقا.
وكما بدأت مؤسَّسة القضاء في تيهرت ضمن مهام الإمام كذلك كان الأمر بالنسبة للقضاء في الولايات إذ وجدنا الولاة قضاة في الأقاليم الشرقية من الدولة
__________
(1) - الشمَّاخي: سير، 248.
(2) - البغطوري: سيرة (مخ) ق 114. الشمَّاخي: سير، 243 - 244.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 195 - 196. البغطوري: سيرة، (مخ) ق 11، 66. الشمَّاخي: سير، 213. (1/168)
صفحة 169
الرستمية، واستمرَّ الأمر هكذا إلى منتصف القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي عندما أصبح هؤلاء الولاة يعينون قضاة من قِبلهم ضمن أقاليمهم، وقد تعدّدت وتنوَّعت تلك الأقاليم، ففي الغرب يتحدَّث ابن الصغير عن تلسمان وعمَّا حول البلد تيهرت دون تحديد جغرافي دقيق تماما مثلما فعل معاصره اليعقوبي لمَّا تحدَّث عن البلد العظيم الذي ينسب لتيهرت الرستميَّة دون أن يذكر أحدا من الولاة بعكس ما فعل مع الإمارات المستقلَّة العلويَّة قبل ذلك وبعد وذلك (1). وهذا السكوت هو الذي ألجأنا إلى التخمين واستنطاق النصوص. أمَّا في الشرق والجنوب فقد رأينا الولاة القضاة ثمَّ القضاة في كلّ من وارجلان وجبل نفوسة وقابس وجربة وفزَّان وقسطيليَّة وقنطرار وقفصة (2) وغيرها من المدن والقرى.
لقد استطاع القضاء على عهد الرستميين أن يؤكِّد وجوده بمختلف مناطق المغربين الأوسط والأدنى، إلى حدٍّ ما، ووجدناه في مدن كبيرة وعريقة وفي قرى متوسِّطة وصغيرة، وتبقى البوادي، لا تتوفَّر على القضاة وإنَّما كانت تحيل قضاياها وخصوماتها، إمَّا إلى القضاة بالمراكز الحضريَّة أو إلى أعرافها القبليَّة، ويبدو أنَّ الأمر ظلَّ هكذا مستمرَّا إلى ما بعد عهد الموحدين حسبما يؤكِّده الأستاذ محمَّد مغرواي في أطروحته (3)، وهو أمر طبيعي تقتضيه الظروف السياسيَّة والمذهبيَّة والقبلية ثمَّ الجغرافيَّة.
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 35. اليعقوبي: البلدان، 353.
(2) - جناو بن فتى وعبد القهار بن خلف: أجوبة علماء فزَّان، 12، 31، 105. أبو زكرياء: السيرة: 137. البغطوري: سيرة، (مخ) ق24. الشمَّاخي: سير، 195، 301 - 305. وانظر عن المدن محمود مقديش: نزهة الأنظار. 104 - 151.
(3) - مغراوي محمَّد: مساهمة في دراسة النظم بالمغرب الإسلامي خطَّة القضاء بالمغرب في الدولة الموحِّديَّة 515 - 668هـ/1121 - 1269م، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، إشراف الدكتور محمَّد زنيبر، كلِّية الآداب والعلوم الإنسانيَّة جامعة محمَّد الخامس، 1986 - 1987، ص5. (1/169)
صفحة 170
ولا بدَّ أخيرا من الحديث عن هذه الكيانات التي برزت في أواخر عهد الرستميين بالمغرب الأوسط، والتي ذكرها اليعقوبي المؤرِّخ الجغرافي أثناء زيارته للمغرب في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، ولعلَّه انفرد بذكرها.
كان بمدينة “أيزرج” التي تلي تيهرت إبراهيم بن محمَّد بن محمود البربري المعتزلي، و“هاز” بالقرب من تلمسان بيد الحسن بن سليمان العلوي ومملكة ابن مسالة الإباضي المخالف للرستميين في مدينة الجبل القريبة من البحر وإمارة بني دمر ورئيسهم مصادق بن جرثيل البربري، وبلد متِّيجة الذي تغلب فيه رجل من ولد الحسن بن علي، يقال لهم بنو محمَّد بن جعفر وغيرها من هذه الكيانات التي يغلب على أصحابها النسب العلوي (1)، وإن وجد منهم البربر المستعربين على حدِّ تعبير الدكتور حسين مؤنس.
إنَّ هذه الكيانات شبه المستقلة عن السلطة الأقوى في المغرب الأوسط ونقصد بها دولة الرستميين لا نعرف شيئًا آخر عمَّا ذكره اليعقوبي وابن خرداذبة لا عن تاريخها السياسي ولا الإداري، فلعلَّها «كانت إقطاعية الطابع في مجموعها. والنموذج المعروف لهذه البيوت هو بيت صالح بن منصور اليمني ... الذي كان رأس جماعة الحميريين منحه موسى بن نصير ناحية النكور إقطاعا له، ثمَّ ثبت له إقطاع الخليفة الوليد بن عبد الملك، وقد اتَّخذ الرجل لنفسه لقب الأمير ... » (2)، وقد سبق ذكر هذا البيت في المغرب الأقصى.
أعتقد أنَّه من نافلة القول هنا، أن نذكر بأنَّ تلك الأسر التي وجدت
__________
(1) - اليعقوبي: البلدان، 352 وما بعدها، 354 وما بعدها. وانظر قدامة بن جعفر: كتاب الخراج وصنعة الكتابة (نبذة منه) مطبعة بريل ليدن، 1967، 365. ابن خرداذبة: المسالك الممالك. مطبعة ليدن، 1967، ص88. حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 90 - 92.
(2) - حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 97. (1/170)
صفحة 171
حسن الضيافة والاستقبال عند البربر، كانت تمثِّل بالنسبة لهم المعلِّمين المرشدين، والفقهاء العلماء، والحكام القضاة، فالبربر في هذه الفترة لا يزالون يبحثون عن معرفة حقيقة الإسلام ولا يزالون بحاجة إلى من يسوسهم بالدين الجديد، ويحكم فيهم بما أنزل الله، وبالتالي فإنَّ أولئك الأمراء والرجال من العرب والبربر كانوا يتولَّون قضاء تلك الأقاليم التي طاب لهم المقام فيها بما أتوا من علم وشرف.
وممَّا يؤكِّد هذا التخمين ما روته المصادر الشيعيَّة عن كتامة التي سأل أبو عبد الله الشيعي بعض حجَّاجها عن إقليمهم والسلطان عليهم، وإلى من يرجع أمرهم؟ فكان جوابهم «لكل رجل منَّا في نفسه عزيز، ولنا أكابر منَّا في كلّ قبيلة، وعندنا قوم نظروا في شيء من العلم ومعلِّمون نستفتيهم في أمر ديننا، ونتاحكم إليهم فيما يكون بيننا، فمن حكموا عليه لزم نفسه ما ألزموه، وإن عَنَد عن ذلك قامت الجماعة عليه ... » (1).
إنَّ هذا النص المعبِّر يختصر لنا الطريق اختصارا كبيرا ويؤكِّد لنا الكثير من التخمينات التي سبق ذكرها في هذا الباب، لقد ثبت إذن أن بعض القبائل البربريَّة، وبعض المناطق البعيدة عن السلطة المركزيَّة في تهيرت أو فاس أو القيروان، مثلها مثل الكتاميين، «يعيشون في إطار تقاليدهم القبليَّة التي تخصِّص مكانة هامَّة للعلماء والكبراء باعتبارهم عناصر للاحتكام» (2)، لقد كان الدكتور لقبال موسى دقيقا في ملاحظته لمَّا رأى أنَّ القبائل البربريَّة تخصِّص مكانة هامة للعلماء والكبراء، لا شيء إلاّ لاعتبارهم عناصر للاحتكام.
وتبقى السلطة المركزيَّة تعترف بهذه الكيانات وبما يصدر عن متولِّي قضائها من أحكام أو لا تعترف أمرا ثانويا ما دام القوم قد شعروا بالاستقلال الجزئي أو
__________
(1) - القاضي النعمان: افتتاح الدعوة، 37.
(2) - لقبال: دور كتامة، 236. (1/171)
صفحة 172
الكلِّي كلّ في إقليمه أو في إطار قبيلته. ويبدو أنَّ هذه المجموعات شبه المستقلَّة كانت كثيرة ووجدت منذ وقت مبكِّر، ولقد رأينا نماذج عنها في المغرب الأقصى وجدت منذ منتصف القرن الثاني الهجري، أمَّا في المغرب الأوسط والأدنى حيث السلطة الرستميَّة، فإنَّ الأمر يبدو أنَّه بدأ منذ عهد الإمام الثاني عبد الوهَّاب مع أوائل القرن الثالث الهجري، واستمر إلى أن أكَّدته رحلة اليعقوبي إلى بلاد المغرب مثل ما رأينا.
ويبدو أنَّ الرستميين كانوا يرفضون لأتباعهم من الإباضيَّة التحاكم بمثل هذه الطريقة، وإنَّما كانوا يشترطون القاضي الذي ولَّوه القضاء، نفهم ذلك من جواب الإمام عبد الوهَّاب في كتابه مسائل نفوسة إذ يقول: « ... إنَّما الحكم لمن وُلِي الحكم، فما اعتدل عنده في ما اختلَف فيه المسلمون في رأيه، فحكَم بِهِ بعد اجتهاد منه في الرأي فحُكمه جائز، وإن كان مِمَّن لم يل الحكم فليس له أن يحكم إلاَّ بما حكم بِهِ الإمام» (1).
هكذا إذن وجد مثل هؤلاء القضاة الذين يحكمون دون تعيين من الإمام، كانوا في عهد القوَّة والسلطان الرستميِّ، عهد الإمام عبد الوهَّاب (171 - 208هـ)، ولا شكَّ أنَّ الانشقاقات التي أصابت الإباضيَّة الأمّ في هذه الفترة (2)، كانت السبب في بروز مثل هذه الجيوب المعارضة للسلطة المركزيَّة. كان ذلك في المغرب الأدنى بجبل نفوسة الممثِّل القوى للرستميين هناك، أو بالمغرب الأوسط حيث السلطة المركزيَّة بتيهرت.
مجمل القول: إنَّ تاريخ القضاء عند الرستميين يبدو إلى حدٍّ ما واضح المعالم، احتفظت لنا المصادر المختلفة من الإباضيَّة وغير الإباضيَّة ببعض جوانبه المهمَّة،
__________
(1) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 193.
(2) - عن هذه الانشقاقات انظر ابن الصغير: أخبار، 37 - 45. بحاز ابراهيم: الدولة الرستميَّة، 116 وما بعدها، 330 وما بعدها. (1/172)
صفحة 173
وبعض خطوطه العريضة حاولنا من خلالها رسم صورته النهائيَّة، ووضع بعض القوائم التوضيحيَّة (1) التي تساعد على تقويم القضاء في المغرب الأوسط خصوصا، وعند الرستميين عموما.
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الرستميِّ
تنوَّعت القضايا التي تداولها الخصوم عند قضاة الرستميين وتعدَّدت، وتناولت مختلف جوانب حياة الرعيَّة: الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والزراعيَّة والتجاريَّة، وحتَّى الثقافيَّة.
وبادئ ذي بدإ أشير إلى أنَّ الكثير من القضايا التي بتَّ فيها القضاة، ذكرت هكذا إخبارا دون تفصيل بل دون ذكر للقضيَّة في حدِّ ذاتها (2) لأنَّ غرض المؤرِّخين ليس هو سرد القضايا وتفاصيلها وإنَّما هو التنويه بالقاضي وعدله وعلمه. أما المصادر الفقهية وبخاصة ما ألَّفه الإمامان عبد الوهاب وابنه أفلح في "المسائل" و"الجوابات" فقد حوت الكثير، جاءت في صيغة مسائل ونوازل تستدعي الجواب.
إنَّ القضايا الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة هي أهم ما يفرزه المجتمع في تطوُّره السريع واضطراباته المختلفة، وهي ما شهده تاريخ الرستميين بالذَّات (3). ألم يجلس عبد الرحمان بن رستم في المجلس للأرملة والضعيف؟ (4) يأخذ الحقّ من الظالم ليردَّه إلى المظلوم أو عليه، ثمَّ إنَّ القاضي محكّم الهواري لمَّا دعي للقضاء أرسلت إليه رسالة في جبل الأوراس جاء فيها « ... واعلم أنَّك مهما تخلَّفت عمَّا دعوناك إليه كنت المسؤول عن كلّ دم يراق بغير حاله، وكلّ فرج يوطأ بغير وجهه،
__________
(1) - انظر: الملحق رقم 4 و6.
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 117 - 118، 145 - 146.
(3) - جودة عبد الكريم: الأوضاع الاجتماعيَّة، 277. علي أحمد: القضاء في المغرب، 40
(4) - ابن الصغير: أخبار، 28. (1/173)
صفحة 174
فاتَّق الله ... » (1)، وكذلك الأمر بالنسبة لعهد الإمام أبي حاتم لمَّا دخل تيهرت بعد الصراع الدموي الذي وقع بينه وبين عمِّه يعقوب بن أفلح أفرز المجتمع أنواعا من الفساد الاجتماعي والأخلاقي، اقتضت الضرورة تعيين قاض قويٍّ ليقضي على تلك الآفات، يقول ابن الصغير «وكان البلد قد فسدت وفسد أهلها في تلك الحروب واتَّخذوا المسكر أسواقا، والغلمان أخدانا ... » (2).
ومن المعروف أنَّ القضاء هو الذي يتولَّى شؤون عقد الزواج والطلاق (3)، وربَّما ذكرت المصادر اختلاف الزوجين وظلم أحدهما للآخر (4)، ففي جوابات أفلح أنَّ «امرأة ارتفعت مع زوجها إليك (أي إلى السائل الذي يحتمل أن يكون قاضيا) وقالت: إنَّ زوجي تركني بلا نفقة ولا كسوة، وقلتَ له: أنفق عليها واكسها، فقال نعم ... وفرضتَ عليه بقدر ما يحمل ... فقالت امرأته لي عليه حقٌّ فأمره أن يعطيني خادما تخدمني لي عليه ستة رؤوس فأمرناه أن يعطيها خادما تخدمها من الرقيق التي عليه لها فقال ليس عندي ما أشتري به رأسا فقالت المرأة عنده مال ... يَقدِر أن يعطيني حقي ولكنه طلب إضراري فأمرناه أن تلزمه حتَّى يعطيها خادما تحرسها» (5).
ويبدو من مهام القاضي، في الواقع المعيش، تنفيذ الوصايا إذ يروي البغطوري أنَّ رجلا حضرته الوفاة على طريق سجلماسة فأوصى لمن حضره بأنَّ خليفته هو أبو مهاصر (6)، أحد الذين يبدو أنهم تولَّوا القضاء في ناحية من نواحي جبل نفوسة،
__________
(1) - نفسه، 50.
(2) - ابن الصغير: 101
(3) - عبد الوهاب: مسائل (مخ) 120، 124، 155. جناو بن فتى: أجوبة علماء فزَّان، 54، 60.
(4) - أفلح بن عبد الوهاب: جوابات (مخ) ق 3ظ. أبو زكرياء: السيرة، 79. الدرحيني: طبقات، 1/ 105. الشمَّاخي: سير، 232. اطفيَّش: ترتيب نوازل، (مخ) ق 143.
(5) - أفلح بن عبد الوهاب: جوابات (مخ) ق 3ظ.
(6) - البغطوري: سيرة، (مخ) ق 88. (1/174)
صفحة 175
ومن نافلة القول أنَّ مسائل الميراث (1) كانت من بين القضايا التي يُقصد بها القاضي بخاصة عندما يختلف الورثة، ولذلك ذكرت كلّ مصادر الإباضيَّة تقريبا جلوس عبد الله بن الخير بمساعدة أبي القاسم البغطوري للقضاء والفتوى لأهل جبل نفوسة في نوازلهم التي أفرزتها معركة مانو سنة 283هـ/896، والتي كانت قاصمة الظهر في الجبل. فلا شكَّ أنَّ القضايا المطروحة في مجلس القاضي عبد الله بن الخير هي مِمَّا يتعلَّق بالأموال ووراثتها والأرامل والأيتام ومن يكفلها (2) ...
إنَّ القضاء الرستميِّ كان يحارب التفاخر بالانتماء القبلي فهذا عبد الحميد الجنَّاوني كان «أوَّل من أخرج منه الحقّ رجل دعا يا آل فلان دعوة الجاهليَّة» (3).
ويبدو أنَّ اللصوصيَّة (4) وقطع الطريق انتشرا في أواخر أيَّام الرستميين (5)، بسبب الفتن المتلاحقة، الأمر الذي دعا إلى تطبيق حدِّ قطع الرجل دون العاقب (6)، ردعا لمرتكبي هذه الآفة الاجتماعيَّة.
ومن القضايا التي عرضت كذلك قضايا القتل الخطإ والدماء عموما، فكان أبو مرداس مهاصر السدراتي إذا نزلت عنده مسألة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزَّاني، ويعمل بما يجبيه بِهِ هذا العالم (7)، وقد ذكرت الروايات قضيَّة قتل خطإ، إذ أنَّ رجلا رمى طائرا بحجر على غصن زيتونة، فتطاير بعض الحجر وأصاب رجلا أرداه قتيلا، فتخاصم أهل القتيل مع أهل القاتل عند القاضي أبي
__________
(1) - عبد الوهاب: مسائل، 155 - 163. الدرجيني: طبقات، 2/ 326.
(2) - البغطوري: سيرة (مخ) ق81. الدرجيني: طبقات، 1/ 89.
(3) - الشمَّاخي: سير، 179.
(4) - عبد الوهاب: مسائل، 142، 167، 173. الدرجيني: طبقات، 2/ 301، 321 - 322. الشماخي: سير، 265، 287.
(5) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزَّان، 22 - 23.
(6) - الشمَّاخي: سير، 225.
(7) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة، 20. (1/175)
صفحة 176
معروف ويدرن بن جواد بِوِيغو إحدى قرى جبل نفوسة فكان هؤلاء يقولون «إنَّ صاحبنا لم يتعمَّد» وأولئك يقولون «ادفع إلينا ... قاتل وليِّنا فإنَّه قتل مظلوما ... ثمَّ حَكم بالديَّة ... بينهم ... وتفرَّقوا على أيسر حال» (1).
ومن القضايا الأخلاقيَّة الاجتماعيَّة مسألة اللواط (2)، والزنا وهما من الآفات المنتشرة في المجتمعات المتحضِّرة بخاصة، فقد روى البغطوري أنَّ رجلا زنى بامرأة فيما دون الفرج فتزوَّج ابنتها بعد ذلك فرخَّص له الإمام القاضي عبد الوهَّاب فيها (3)، إلاَّ أنَّ البغطوري لم يذكر الحكم الذي يجب أن يسلَّط على هذا الزاني، وكأنَّ المسألة عُرضت للفتوى لا للقضاء. وروى ابن الصغير شكاية امرأة للقاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ زمن الإمام أبي اليقظان، تشكو اختطاف ابنتها من بين يديها ليلا، الأمر الذي دعا القاضي للخروج من بيته بحثا عن هذه الفتاة مع مولاه سليمان، ولمَّا لم يجدها طلب الاستقالة من الإمام (4).
أمَّا القضايا الاقتصاديَّة من زراعية وتجارية، فمن المعلوم أنَّ الدولة الرستميَّة بلغت شأوا بعيدا في الاقتصاد (5) وكانت زراعتها وتجارتها رائجتين أيّما رواج وبالتالي فلا بدَّ أن تكون هناك القضايا المتعلِّقة بالنزاعات الماليَّة والممتلكات، الأمر الذي لاحظناه بكثرة إذ ذكرت المصادر الخصومات حول الأراضي الزراعيَّة، فابن الصغير (6) يروي سماع القاضي محكّم الهواري لقضيَّة أرض متنازع عليها بين رجلين أحدهما أبو العبَّاس بن عبد الوهَّاب أخو
__________
(1) - الدرجيني: طبقات، 2/ 328. الشمَّاخي: سير، 264، 265.
(2) - عبد الوهاب: مسائل، 112. البغطوري: سيرة (مخ) ق 101. اطفيَّش: ترتيب نوازل نفوسة، (مخ) ق 158. وانظر: ابن الصغير: أخبار، 101.
(3) - البغطوري: سيرة (مخ) ق 101.
(4) - ابن الصغير: نفسه، 79.
(5) - بحاز ابراهيم: الدولة الرستميَّة، انظر الباب الثاني، الأوضاع الاقتصاديَّة، 137 وما بعدها.
(6) - ابن الصغير: أخبار، 51 - 52. (1/176)
صفحة 177
الإمام أفلح، والآخر صهره وقعت بدون شكٍّ في تيهرت أو أرباضها وأحوازها الغنَّاء، والاهتمام بالأرض والنزاع حولها، وبالثمار مثل الزيتون وسرقته أو ادعاء ملكيَّة خراف (1)، كلّها قضايا بتَّ فيها قضاة الرستميين.
ونجد للقضاء كذلك في هذه الدولة رأيا في البيوع المختلفة (2) أو التي فيها إيذاء لليتيم (3) بل إنَّ رجلا ادَّعى على القاضي أبي الخطاب وسيل بن سنتين في جبل نفوسة زمن آخر أيمَّة الرستميين اليقظان بن أبي اليقظان دينارا، لم يكن من القاضي إلاَّ الحكم على نفسه وإخراج الدينار منه لمدَّعيه (4). وجاء في مسائل نفوسة أنَّ «رجلا اشترى دابَّة فوجد بها عيبا فطلب صاحبها الإقالة فأبى صاحبها أن يقيله ثمَّ جبذه إلى القاضي» (5) ليحكم بينهما. ولا تُنسى تلك الخصومة التي وقعت ادعاء بين رجال من النكَّار حول صندوق يحوي ثروة، ولمَّا لم يتَّفقا على رأي - في زعمهم - لم يجدوا أوثق وأفضل من الإمام عبد الوهَّاب القاضي الأوَّل في عهده، وتراضوا أن يودِعوا أمانتهم عند الإمام لا غير (6). والقصة وإن كانت مفتعلة، فإنَّها تشير إلى أنواع الخصومات المتداولة بين الناس وتؤكِّد وضع الأمانات عند القضاة لِما يقتضي أمر النزاع.
وأخيرا وجدنا القضاة يفضون نزاعات حول كتب وهو ما عرض على أبي جمال المدوني، لمَّا وقف أمامه رجلان كلّ يدَّعي ملكية كتاب تفسير هود بن
__________
(1) - عبد الوهاب: مسائل، 145. البغطوري: سيرة، (مخ) ق 108. الوسياني: سير، (مخ) ق 116. الشمَّاخي: سير، 205، 287. بحاز: الدولة، 150.
(2) - عبد الوهاب: مسائل، 144. جناو بن فتى وآخر: أجوبة، 60. الشمَّاخي: سير، 196.
(3) - الدرجيني: طبقات، 2/ 326. الشمَّاخي: سير، 201، 264.
(4) - أبو زكرياء: السيرة، 187. الدرجيني: طبقات، 1/ 114.
(5) - عبد الوهاب: 132.
(6) - أبو زكرياء: السيرة، 97. الدرجيني: طبقات، 1/ 52. (1/177)
صفحة 178
محكِّم الهواري أي ابن قاضي الإمام أفلح، وكادت عشيرتاهما أن تقتتلا مِمَّا حدا بأبي جمال المدوني إلى تقسيم الكتاب نصفين وأمر كلّ واحد منهما بنسخ النصف الثاني (1)، الأمر الذي أدَّى إلى اكتساب نسختين بدل نسخة واحدة.
هذا أهم ما يمكن رصده من قضايا عرضت على القضاء الرستمي، وقال فيها حكمه (2) وكان في أغلبه إن لم نقل في كلِّه حكما عادلا نزيها قويا عمل على تحقيق الحقّ وإبطال الباطل، وإن المبحث الموالي سيؤكِّد بالأدلَّة ما ذهبنا إليه هنا.
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الرستميَّة
إنَّ مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ القضاء عند الرستميين بلغ شأوًا لا بأس بِهِ منذ أوَّل إمام لهم عبد الرحمن بن رستم الذي جلس في المسجد يقضي بين الناس في خصوماتهم لا يخاف في الله لومة لائم. ومن المعروف أنَّ عبد الرحمن تلقَّى علمه في البصرة بالعراق عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ إمام الإباضيَّة جابر بن زيد
__________
(1) - هذا التفسير لا يزال موجودا إلى يومنا هذا، وظلَّ مخطوطا إلى سنة 1990م، حيث قام الأستاذ شريفي بلحاج بتحقيقه وطبعه في أربعة أجزاء، انظر مقدِّمة الطبعة الثانية لكتابنا: الدولة الرستميَّة. وانظر هود بن المحكِّم الهواري (حي في القرن 3هـ/9م): تفسير كتاب الله العزيز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1990. وانظر: الوسياني: سير، (مخ) ق97. الدرجيني: طبقات، 2/ 345 - 346. الشمَّاخي: سير، 290. وانظر نزاعا حول رهن كتب: أبو زكرياء: السيرة، 360.
(2) - وانظر قضايا أخرى في أنواع من الخصومات والسرقة والودائع والوكالات على الأيتام والشهادات والقتل العمد وغير العمد والجروح والديات وغيرها في عبد الوهاب: مسائل، 101، 112، 132، 144، 145، 152، 167، 169، 172، 174، 180. جناو بن فتى وآخر: أجوبة، 60، 61، 68 - 78، 80. البغطوري: سيرة (مخ) ق. ق 88، 105،196، 201، 287، 290، 328. الدرجيني: طبقات، 2/ 301، 321، 330، 334. (1/178)
صفحة 179
الأزدي وخليفته في الإمامة من بعده (1)، وكان تعلمه خلال سنوات 135 - 140هـ/752 - 757م، برز فيها أيّما بروز وكان أصغر تلامذة أبي عبيدة الخمسة، حملة العلم من الإباضية إلى المغرب الإسلامي (2).
إنَّ عبد الرحمن بن رستم من ذلك الجيل الذي قصد المشرق العربي للتعلم مثله في ذلك مثل إسماعيل بن درار الغدامسي الذي سبق ذكره في عهد الولاة، وابن مغطير النفوسي الذي تولىَّ قضاء للإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن في جبل نفوسة (3).
ثمَّ يأتي الجيل الذي أخذ العلم عن هؤلاء الذين رحلوا إلى المشرق وأوّلهم الإمام عبد الوهَّاب الذي رأينا أنَّه كان القاضي في تيهرت وجلس للقضاء في جبل نفوسة لمَّا استقر بها لمدة سبعة أعوام، وبلغ من العلم الفقهي عموما وفقه الأحكام خصوصًا درجة عالية حيث لمَّا جاءته أحمال من كتب المشرق ومؤلفات علمائهم، قال لمَّا انتهى من قراءتها «الحمد لله، إذ ليس فيه مسألة غربت عنِّي إلاّ مسألتان ولو سئلتُ عنهما لأجبت قياسا على نظائرهما ووافقتُ الصواب» (4) إنَّ الإمام عبد الوهَّاب هو الذي وضع شروط القضاء في رسالة بعثها إلى أهل طرابلس ونفوسة (5).
__________
(1) - عن الإباضيَّة وإمامها جابر بن زيد، انظر الدرجيني: طبقات، 2/ 205 - 214. عوض خليفات: نشاة الحركة الإباضيَّة، جامعة الأردن، عمَّان 1978، بحاز: الدولة، 73 - 80. يحي بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، المطبعة العربية، غرداية، ط2، 1988، 1/ 9 - 73. محمَّد بن موسى باباعمي: مرويات الإمام جابر بن زيد في الكتب التسعة والجامع الصحيح، بحث مصفف، جويلية 1996م. (نسخة بحوزتي)
(2) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق5. وانظر كتابنا: عبد الرحمن بن رستم.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 117.
(4) - نفسه، 102 - 103. الدرجيني: طبقات، 1/ 56 - 57.
(5) - لواب بن سلام: الإسلام وتاريخه، 114. انظر نص الرسالة في المبحث الثاني من الفصل التمهيدي. (1/179)
صفحة 180
لقد رأينا أنَّ القضاة يختارهم الإمام وجماعة أهل الحل والعقد (1) يتحرّون في اختيارهم هذه الشروط التي وضعها الإمام الثاني للرستميين في وقت مبكر من تارخ هذه الدولة، وكان أهل الحل والعقد يُعرفون بالشراة، أي الذين اشتروا آخرتهم بدنياهم، تخلَّوا عن الدُّنيا وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت (2)، فهؤلاء الشراة كانوا يختارون القاضي بعد التشاور (3) مع الإمام أو الوالي في ولايته وكانوا يقومون بمراقبته مراقبة شديدة ومن أمثلة ذلك كتاب أحد هؤلاء الشراة إلى عبد القهار بن خلف يطلبه فيه مراقبة قاضي شباهة بفزَّان، فكان الجواب «اعلم أنَّ كتابك وصل إليَّ تذكر فيه أن أكون لك عينا على قاضي “شباهة” وأنَّ ما رأيت منه من خير أو من شرٍّ أعلمتك بذلك في سرٍّ، وقلتَ وخذ بحظِّك من الإسلام ولا تستغن عن أموره، فإنَّ المؤمنين يشدُّ بعضهم بعضا كالبنيان ... فقد قرأت كتابك وفهمته» (4).
إنَّ هذه المشورة في اختيار القضاة وهذه الرقابة في العاصمة تيهرت أو الولايات حتَّى البعيدة منها ظلَّت مستمرَّة منذ عهد الإمام الأوَّل إلى الإمام الأخير، فآخر قضاة الرستميين بنفوسة وهو عمروس بن فتح المقتول بمانو سنة 283م/896م، كان صارما قويًّا في الحقّ، قال لأبي منصور إلياس والي ولاية نفوسة، «إن لم تأذن لي بثلاثة (كذا) يا إلياس فخذ خاتمك عنِّي: قتل الطاعن في دين المسلمين ومانع الحقّ والدالُّ على عورات المسلمين» (5). ومع هذا فإنَّنا نجد ابن
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 35، 49، 77، 101.
(2) - الباروني: الأزهار، 2/ 210.
(3) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، 278. محمود إسماعيل: سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م، 103.
(4) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزَّان، 105. وانظر عن شباهة بفزَّان ليبيا: مقدِّمة المحقِّق، 12،17 وخاصَّة الصفحة 40.
(5) - أبو زكرياء: السيرة، 146. الدرجيني: طبقات، 2/ 321. (1/180)
صفحة 181
تاويت الطنجي يقول «بعد ما كان عبد الرحمان يختار لدولته ... ذوي المقدرة والكفاءة من الرجال المتَّصفين بالعدل والإنصاف، صرنا نجد عبد الوهَّاب لا يهمُّه من هذا كلِّه إلاَّ ما كان فيه تدعيم لدولته التي قبض على ناصيتها بكلتا اليدين» (1).
إنَّ هذا الحكم على عهد عبد الوهَّاب، ومن جاء بعده، لا أراه مصيبا، فكثيرا ما يقع في مثله بعض المتسرِّعين من الدارسين.
نعم، لقد كان الإمام عبد الوهَّاب قويا، قبض على ناصية دولته بكلتا اليدين، ولكن ظلَّ اختيار القضاة على عهده وعهد الرستميين من الرجال المتَّصفين بالعدل والإنصاف، ذوي خبرة علميَّة، ومقدرة وكفاءة جعلتهم قدوة الخلف من بعدهم، الأمر الذي دعا كُتاب السير والطبقات إلى تسجيل مآثرهم وحفظ أخبارهم وأسمائهم، فلو كانوا على غير ذلك ما وجدوا لهم حيِّزا في مصنَّفاتهم ولا أشادوا بأعمالهم، لقد كان هؤلاء الكتَّاب صارمين في مواقفهم حذرين من الوقوع في التهلكة إنَّهم فقهاء بالدرجة الأولى قبل أن يكونوا مؤرِّخين متساهلين في ذكر الأخبار.
إنَّ الذي أوقع الأستاذ ابن تاويت في هذا الخطإ هو اعتماده بدون شكٍّ رواية ابن الصغير المتعلِّقة بمؤامرة طائفة من سكان تيهرت قلب نظام الحكم، وذلك باستغلال سذاجة ذويهم البدو لمَّا قدموا إليهم في فصل الربيع فاشتكوا إليهم بعض موظّفي الإمام عبد الوهاب، ومنهم القاضي فقالوا لهم: «قاضينا جائر ... » (2) فدفعوا بهم إلى الشكوى عند الإمام دون أن يتأكَّدوا من التهم بل دون أن تكون لهم الأدلَّة على تهمهم واستغلَّهم الحضر استغلالا فاحشا فأوقعوا الفتنة في البلد، وكان ابن الصغير نفسه قد أشار إلى المؤامرة وأنَّها
__________
(1) - ابن تاويت الطنجي: دولة الرستميين أصحاب تيهرت، مقال بصحيفة معهد الدراسات الإسلاميَّة في مدريد م5 ع. 1 - 2، مطبعة المعهد نفسه، 1377/ 1957، 150.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 41. (1/181)
صفحة 182
محض اختلاق إذ لا ينبغي «عزل القضاة ببغي البغاة وسعي السعاة فأفحم القوم ولم يكن لهم جواب» (1).
إنَّ قضاة الرستميين كانوا يُنتقون انتقاء وربَّما عجز أحدهم في قضيَّة من القضايا فإنَّه لا يستنكف عن الاستشارة، فأبو مرداس مهاصر السدراتي كان «إذ نزلت عنده نازلة من مسائل الدماء كتب بها إلى عبد الخالق الفزَّاني يستفتيه فيكون العمل بما يجاوبه به وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها» (2) علما بأنَّ أبا مهاصر هَذَا كان في عهد الإمام عبد الوهاب.
ولمَّا عين هَذَا الإمام نفسه أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني واليًا قاضيا عَلَى جبل نفوسة أبى هَذَا الأخير المنصب وقال: أنا ضعيف أنا ضعيف، فردَّ عليه الإمام « ... إن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلاتن التوكيتي ... » (3).
فهذه الأمثلة وغيرها كثير يُؤَكِّدُ بما لا يدع مجالاً للشكّ أنَّ القضاء الرستمي كان يراعي دوما القاضي العالم النزيه المتواضع وليس له إِلاَّ ذلك ما دامت عين الشراة تراقب الإمام وتراقب القضاة بلا هوادة، ومع ذلك ربَّما وجدنا نماذج من التجاوزات الشاذة النادرة التي لا تؤثر في عدل القضاء الرستمي عمومًا إذ سرعان ما تستدرك وتصحَّح، ومن أمثلة ذلك أنَّ صاحب حرس الإمام أبي اليقظان بن أفلح (261هـ-281هـ/874 - 894م) حبس رجلا بغير ذنب ولمَّا علم الإمام بالأمر أمر بإطلاق جميع المحبوسين في تلك الليلة (4).
ويروي البغطوري أنَّ أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني أخرج الحقّ من رجل
__________
(1) - نفسه، 41، 44.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 293. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 20.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 125. الدرجيني: طبقات، 1/ 71.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 83. زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 369. (1/182)
صفحة 183
على التهمة، فإذا بالفاعل غيره. فقال له الرجل المتهم عند ذلك قد ظلمتني أيُّها القاضي فأجابه « ... إنما أنت الظالم لنفسك التي جعلتها في مواضع التهمة» (1).
ويتكرر مثل هذا الخطإ في عهد أبي منصور إلياس بمدينة جادو بنفوسة إذ جلد رجلا جاء فيه كتاب من تيمتي إحدى مدن الجبل، فلمَّا رأى أحد المشايخ تلك العقوبة سأل عن سببها فأخبر به عند ذلك صاح «أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال يا معشر المسلمين؟» (2)، فقالوا لعمروس بن فتح القاضي، وكان قد شهد الجلد: جاوبه فقال لهم «إذا قيل الحق بطل الجواب» (3)، وبالفعل لمَّا سألوا للتأكد من الشخص وجدوا أنَّ الرجل المقصود في الرسالة غير هذا المظلوم فثبتت براءته عندئذ قوموا جنايتهم عليه وغرموها له (4).
إنَّ هذه العينات من القضايا التي يشتم منها الجور سرعان ما تنقلب عدلا خالصا لا يرقى إليه إِلاَّ قضاة أخلصوا للقضاء الإسلامي وللدين شرائع وشعائر حتَّى أنَّ من قتل منهم في معمعة الحرب مثل ما وقع للقاضي أبي يحيى زكرياء الأرجاني بجربة عندما قتله رجل من أصحابه لأنَّه كان قد أخرج الحق منه (5).
ألم يعدل محكِّم الهواري قاضي تيهرت في عهد أفلح لمَّا سوَّى بين متخاصمين أحدهما أخو أفلح قصد القاضي دون خصمه فأجلسه إلى جنبه وأقبل عليه يحدِّثه ويسقيه ماء، ولمَّا اكتشف القاضي الأمر غضب على أبي العبَّاس،
__________
(1) - البغطوري: سيرة، (مخ)، ق 108. الشماخي: سير، 180.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 333 - 334. الشماخي: سير، 242، يذكر «أبسواد في قرطاس تضرب الناسَ يا إلياس؟».
(3) - الدرجيني: 2/ 334.
(4) - نفسه، 2/ 334. وانظر رواية مشابهة لهذه تدلُّ على عدم العدل في عقوبة خصمين ضربًا. البغطوري: سيرة، (مخ)، ق 11.
(5) - الشماخي: سير، 243 - 244. (1/183)
صفحة 184
فنادى «يا غلام خذ بيد أبي العبَّاس، وأقعده مقعد خصمه، ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأقعده إليَّ، ومر الجارية فلتسقه ماء» (1)، ففعل الغلام ما أمر به القاضي.
إنَّ هَذِهِ الممارسة القضائيَّة العادلة التي كثيرا ما وجدناها في قضاة الإسلام، يرى الأستاذ شيخ بكري أنَّها شرسة قاسية، لأنَّها سوَّت بين متخاصمين تسوية مطلقة دون مراعاة للظروف والملابسات والأمير والمأمور، وكأنِّي به يراها سلبيَّة وغير إيجابيَّة (2).
لقد كان الرستميُّون حرصين عَلَى حدود الله يطبِّقونها عَلَى القاصي والداني، عَلَى الشريف والمشروف كلَّما حكم القضاء بذلك، وإنَّ النفوسيِّين منعوا الإمام عبد الوهَّاب من أداء فريضة الحجِّ «خوفا من المسودَّة أن يمسكوا به، فتتعطَّل أمورُ المسلمين، وحدود الله وأحكام الشريعة ... » (3). إذ لا تقام الحدود إِلاَّ مع توفُّر ووجود الإمام الذي يشرف بنفسه عَلَى هَذِهِ الأحكام، أو يولِّي من يشرف عليها نيابة عنه كالولاة والقضاة، فالنظام يقتضي الصرامة في مثل هَذِهِ الأمور، حتَّى وإن كانت قاسية (4)، لأنَّها هي التي تمسك بزمام الأمور.
وهكذا يمكن أن نقول إنَّ القاضي بتيهرت أو في الولايات بصفة بعامة هو الشخصيَّة العليا بعد الإمام في عاصمته، وبعد الوالي في ولايته، «كان يتمتَّع بالنفوذ الأكبر الجاري حتَّى عَلَى الأعيان، وكان حكمه يعمُ كلَّ الميادين التي ينصُّ
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 52. الشمَّاخي: سير، 194 - 195، نجد مثل هذا العدل في عهد القاضي خير بن نعيم في مصر. انظر الكندي: كتاب القضاة، 44.
(2) - Cheikh Bekri: Le kharijisme Berbère, quelques aspects du royaum Rustumide, in Annales de l’institut d’études orientalles, (A.I.E.O), Université d’Alger, T. XV, Alger, 1957, p. 71.
(3) - الشمَّاخي: سير، 159.
(4) - Gautier. E.F: Les siecles obscures, p 331. (1/184)
صفحة 185
عليها القرآن» (1). وكانت سلطته منفصلة عن السلطة المركزيَّة (2)، فلا دخل للإمام ولا للوالي في شؤون القاضي، مع أنَّهما هما اللذان يعيِّنانه في منصبه.
ولعلَّ من المفيد في نهاية هَذَا المبحث أن أشير إلى أنَّ المصطلحات كثيرا ما اختلطت في المصادر الإباضيَّة بخاصة، فالحاكم والقاضي، هذان المصطلحان كثيرا ما رأيت أحدهما يعبِّر عن الآخر ومهمَّة أحدهما هي مهمَّة الآخر (3)، فالإمام عبد الوهَّاب في كتاب مسائل نفوسة كثيرا ما وظَّف مصطلح “الحاكم” وفي بعض الأحيان “السلطان” بدل “القاضي”، وذلك في تقرير الأحكام القضائيَّة، وكأنَّ مؤسَّسة القضاء كانت في عهده بالولايات الشرقيَّة ضمن مهامِّ الولاة حكَّام تلك الأقاليم لتنفصل فيما بعد، ويستقلَّ القضاء عن الوالي تنازلا من هَذَا الأخير، ويبدو أنَّ الأمر لم يتم إِلاَّ في وقت بعيد نوعا ما إذا ما قورن بما كان عليه الأمر في مدن المغرب الأوسط، شمال وغرب تيهرت. وقد رأينا ابن الصغير يوظِّف كلمة «القضاة» بالجمع دليلا عَلَى وجود قضاة هنا وهناك، يتقاضون أجورهم من بيت المال بالعاصمة تيهرت.
إنَّ عدم الدقَّة في ذكر مصطلح القاضي جعلنا نبذل مزيدا من الجهد لاستخلاص بعض الأسماء التي ارتبط بها القضاء من خلال إشارة في نصٍّ، أو من خلال جلوس للقضاء، وإصدار للحكم، وما إلى ذلك من المعطيات التي لم نكن نوظِّفها إِلاَّ عند الضرورة، ومن هنا غلب عَلَى ظنِّنا أنَّ جلَّ حكَّام الولايات الشرقيَّة كانوا قضاة أَيضًا، عُيِّنوا من تيهرت للمهمَّتين معًا، ووُجد إلى جانب البعض منهم قضاة مستقلِّين بمنصبهم مارسوا القضاء مساعدة للوالي في مهامِّه.
__________
(1) - لقبال موسى وآخرون: الجزائر في التاريخ العهد الإسلامي من الفتح إلى بداية العهد العثماني، م. و. ك، الجزائر، 1984م، 105.
(2) - الكعَّاك عثمان: موجز التاريخ، 182.
(3) - انظر عن هذين المصطلحين واستعمالهما في الفصل التمهيدي، المبحث الأوَّل. (1/185)
صفحة 186
وإنَّ مِمَّا لا يزال غامضا، وسوف يبقى في نظري غامضا: قضيَّة السنين أو التأريخ، ونقصد بها فترات توليِّ القضاة لمناصبهم، ثمَّ عزلهم أو انعزالهم أو وفاتهم، فهذه المشكلة كثيرا ما عانينا منها إذ لا وجود لتواريخ دقيقة مضبوطة في المصادر التي أرَّخت للرستميِّين، سواء من الإباضيَّة كأبي زكرياء الوارجلاني، والبغطوري والوسيانيِّ والدرجيني والشمَّاخي (1)، أو من غيرهم كابن الصغير بخاصة ...
والخلاصة هي أنَّ القضاء الرستميَّ بدا بارزا في تيهرت من خلال الأَيمَّة الرستميِّين الأوائل، ثمَّ القضاة الذين ذكرهم ابن الصغير بأسمائهم، أو الذين أشار إلى وجودهم دون معلومات أخرى. أمَّا في الولايات الشرقيَّة فإنَّ القضاء كان ضمن مهامِّ الوالي الذي يُنتقى من العلماء الفقهاء الأعلام، لأَنَّ من أوَّل مسؤولياته: الجلوس للقضاء بين الناس في خصوماتهم ومعاملاتهم، ثمَّ شيئًا فشيئا برز القضاء مستقلاًّ عن الوالي في جبل نفوسة.
إنَّ العدل كان السمة البارزة الغالبة للقضاء في أيَّام الرستميِّين، وإن طغت بعض الممارسات الجائرة إِلاَّ أنَّها سرعان ما تذوب في العدل الفائض، لأَنَّ القاضي الجائر الظالم ليس له وجود في القضاء الرستميِّ، وكلُّ ما في الأمر أنَّ القاضي ربَّما أخطأ في حكم، أو أسرع في تنفيذ حكم آخر لا غير. لقد كان العدل السمة البارزة في الدولة الرستميَّة أيمَّة وقضاة، وحقَّ للبارونيِّ أن يقول « ... لم نقف في كلِّ ما تصفَّحناه من تواريخ، وفي كلِّ ما بين أيدينا من تاريخ ابن الصغير من قول سوء أو خروج عن العدل
__________
(1) - لقد تحدَّث الدكتور محمَّد الطالبي بحقٍّ عن غياب التواريخ في مصادر الإباضيَّة، وأنَّها نادرة تكاد تكون مفقودة تماما، حتَّى أنَّها خيَّبت آماله إِلىَ حدٍّ ما كما يقول. انظر: الدولة الأغلبيَّة، 18. (1/186)
صفحة 187
ينسب إلى أيمَّة بني رستم أو إلى عمَّالهم ... » (1). واستثنى بعض ما قاله ابن الصغير مِمَّا سبقت الإشارة إِلَيهِ، وقال بأنَّه لا يعدُّ شيئًا أمام السيرة المستقيمة التي التزم بها الرستميُّون طيلة مدَّة حكمهم الطويلة. ثمَّ ختم قائلا « ... ولو وُجد لهم غيرها لذكروه» (2).
هكذا إذن كان القضاء عند الرستميِّين أكثر وضوحا وبروزا منه في المغرب الأقصى في الفترة نفسها، ولكنَّ القضاء الإسلاميَّ بالمغرب عموما يتَّضح أكثر، وتتحدَّد معالمه ببروز تامٍّ عَلَى عهد الأغالبة، وَهُوَ ما سيكشفه الفصل الموالي.
ab
__________
(1) - الباروني: الأزهار، 2/ 249 - 250.
(2) - نفسه، 2/ 250. (1/187)
صفحة 188
[صفحة بيضاء] صفحة بيضاء (1/188)
صفحة 189
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي
(النشأة والاستمرار)
الفصل الرابع
القضاء عند الأغالبة
(184 - 296 هـ / 800 - 909 م)
المبحث الأَوَّل: بداية القضاء عند الأغالبة
المبحث الثاني: تطور القضاء في الدولة الأغلبية
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الأغلبي
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الأغلبية (1/189)
صفحة 190
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/190)
صفحة 191
الفصل الرابع القضاء عند الأغالبة
(184 - 296 هـ / 800 - 909 م)
المبحث الأول: بداية القضاء عند الأغالبة
إنَّ الدولة الأغلبية (184 - 236هـ/800 - 909م) في المغرب الأدنى تختلف اختلافا كليّا عن الدول المعاصرة لها في المغربين الأوسط والأقصى، تختلف عنها من حيث نشأتها المتميّزة ومن حيث غزارة مادة تاريخها السياسي عموما وتاريخ القضاء عندها خصوصاً.
إنَّ الأغالبة امتداد لعصر الولاة ورثوا إدارة ذلك العصر (1) فلم ينطلقوا من العدم مثل باقي دول المغرب، وبالتالي فإنّ القضاء الأغلبي هو امتداد للقضاء في عهد الولاة ولذلك كان منذ البداية قضاء كاملا ناضجا واضح المعالم لا يختلف كثيرا عمّا عليه في المشرق الإسلامي آنذاك.
ولقد رأينا أنّ آخر قاض في عصر الولاة هو عبد الله بن عمر بن غانم الذي شغل المنصب لمدّة عشرين عاما تقريبا بدأها في رجب عام 171هـ/787م ومات قاضيا عاما 190/ 805م، فقد كان مخضرما عاش قاضيا آخر عهد الولاة وأوّل عهد الأغالبة فكان أوّل قاض للأغالبة لم يعزله الأمير إبراهيم بن الأغلب وأنَّى له ذلك وقد سبقه في المسؤوليّة بالقيروان ثمَّ إنَّ تعيينه كان من الخلافة مباشرة، تماما مثلما يعيّن الولاة من قبل بل مثلما عيّن إبراهيم بن الأغلب نفسه، فالإمارة الأغلبيّة كانت مرتبطة بالخلافة ارتباطا وطيدا لذلك احتفظ قاضي القيروان عبد الله بن غانم بمنصبه بعد نشوء الإمارة، وكان كما قالت الباحثة نوال تركي «على
__________
(1) - حسين مؤنس: التنظيم الإداري، 80. (1/191)
صفحة 192
اتصال مباشر ومستمر مع الخلافة في بغداد» (1) بل إن هارون الرشيد «كان يكتب في عنوانه من هارون أمير المؤمنين إلى قاض إفريقية عبد الله بن عمر بن غانم» (2) وهذا دليل على ارتباط القضاء في عهد الأغالبة بالخلافة والخليفة، الأمر الذي سوف لا يستمّر طويلا إذ مباشرة بعد وفاة هذا القاضي نجد الأمير إبراهيم بن الأغلب (184 - 196هـ/800 - 811) يعيِّن بنفسه قاضي القيروان تطبيقا وتأكيدا لمسؤوليّته الكاملة والمطلقة في إمارته بالمغرب (3)، وهكذا يعيِّن أوّلُ أمراء الدولة الأغلبيّة أوّل قاض بعد ابن غانم وهو أبو محرز محمّد بن عبد الله بن قيس الكناني وذلك في سنة 191هـ-806م (4).
ولقد بدا منذ الوهلة الأولى أنّ قضاة العهد الأوّل من الأغالبة كانوا أطول مدّة في قضائهم من الفترات اللاّحقة وبخاصة العهد الأخير، فإذا كان القاضي الأوّل قد شمخ في قضائه حوالي عشرين عاما منها ستة أعوام في العهد الأغلبي فإنّ عقِبه محمّد بن عبد الله الكناني أبا محرز ظلّ قاضيا بالقيروان أكثر من ثلاث وعشرين سنة (191هـ- 806م، رمضان 214هـ- 830م) (5) فكان قاضيا للأمراء الأغالبة الثلاثة الأوَّل إبراهيم بن الأغلب وعبد الله بن إبراهيم (196 - 201هـ/811 - 816م) ثمّ زيادة الله الأوَّل بن إبراهيم (201 - 223هـ/816 - 837هـ)، ولم يُعزل عن القضاء وإنّما توفي في رمضان عام 214هـ وهو قاضي إفريقيّة.
إنّ هذه المدّة الطويلة التي تقارب ربع قرن من الزمان لم تكن خالصة لأبي محرز وحده في القضاء إذ ابتكر الأغالبة أمرا جديدا ربّما نال رضاء العلماء والعامة
__________
(1) - التنظيمات الإدارية، أطروحة ماجستير، 177 - 178.
(2) - الرقيق: تاريخ إفريقية، 229.
(3) - محمود إسماعيل: الأغالبة، 490، نوال تركي: التنظيمات، 273.
(4) - المالكي: رياض 1/ 280 هامش53. ابن عذاري: البيان، 1/ 104.
(5) - المالكي: 1/ 280، ابن عذاري: 1/ 104. (1/192)
صفحة 193
وهو استقضاء قاضيين اثنين لإفريقيّة في آن واحد ومكان واحد، ومن هنا كان منذ سنة 203هـ-818م إلى جانب القاضي أبي محرز، القاضي أسد بن الفرات، فقد أشركه الأمير زيادة الله الأوّل في القضاء مع أبي محرز (1)، وظلّ كذلك إلى أن غادر إفريقيّة باتجاه صقليّة لفتحها عام 212هـ/ 827م.
وتكرّرت هذه الظاهرة أكثر من مرّة، وفي كلّ مرّة تختلف الأسباب والدوافع إلى ذلك، الأمر الذي سنتناوله بالدراسة في المبحث القادم.
إنّ الأغالبة ظلّوا يعيِّنون القضاة في القيروان الواحد بعد الآخر طيلة حكمهم، واهتمّوا بهذه المؤسّسة أيّما اهتمام، وانتقوا لها أفضل الفقهاء وأعلمهم.
وحيث إنّ الأمراء الأغالبة «تبنّوا نظم الخلافة العربيّة الاسلاميّة ... كانت صياغة هذا الجهاز وفق نموذج الخلافة في بغداد و ... الأمير الأغلبي هو صاحب السلطة في الإمارة يتمتّع بجميع الامتيازات التي كان يمارسها الخليفة العبّاسي» (2) وهكذا كان الأمير يعيّن قضاة الولايات هو بنفسه بخاصة بداية في عهد الدولة ثمّ شيئا فشيئا أصبح قاضي القيروان هو المسؤول عن قضاة الأقاليم التابعة للدّولة هو الذي يعيّنهم ويعزلهم (3) دون تدخّل من الأمير الأغلبي.
ومن المعروف أنَّ الدولة الأغلبية شهدت تنظيمات إداريّة واضحة المعالم، فولاياتها مشهورة ودقيقة وتبعا لها وجد القضاة في كلِّ من تونس وباجة والزاب وقسطيلية وطرابلس وقابس وصقليّة ... (4)
إنَّ القضاء الأغلبي في القيروان عاصمة الأغالبة أو في الولايات الأغلبيّة قضاء بارز واضح لا يضاهيه في بلاد المغرب قضاء دولة من دوله
__________
(1) - الخشني: طبقات 235، المالكي: رياض، 1/ 255، 271.
(2) - نوال تركي: التنظيمات، 273.
(3) - انظر الباب الثاني الفصل الثاني المبحث الرابع عن التعيين والعزل.
(4) - Vonderheyden: La berberie orientale, p173 (1/193)
صفحة 194
في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى وربّما لا نعدو الصواب إن قلنا لا يضاهيه قضاء دولة من دول المغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى كلّها، إذ اهتمّ العلماء بتاريخه وسجّلوا الكثير من أحداثه واحتفظوا بالكثير من تراجم قضاته (1).
إنّ القضاء في الدولة الأغلبيّة لم يعرف نشأة جديدة من العدم مثلما هو الحال بالنسبة لدول المغرب الأقصى والأوسط المعاصرة لها، وإنّما هو قضاء عصر الولاة بعينه ورثه الأغالبة كاملا جاهزا متطوّرا مطابقا لقضاء دولة الخلافة، ورثوه مع ما ورثوه من نظم وإدارة إفريقيّة لمّا تنازل الخليفة هارون الرشيد (170 - 193هـ/786 - 808م) لإبراهيم بن الأغلب بولاية إفريقيّة يحكمها حكما مطلقا وراثيا (2)، ومن هنا كانت نشأته في بداية عصر الولاة. وكل ما يمكن أن يقال في هذا المبحث إِنَّمَا هو تطور للقضاء لذلك نتحدَّث عنه في المبحث الموالي.
المبحث الثاني: تطور القضاء في الدولة الأغلبية
إذا كنَّا لا نعرف سوى اسم قاضٍ واحدٍ في المغرب الأقصى عموماً مع تعدد كياناته السياسية وهو قاضي فاس عاصمة الأدارسة، وإذا كنَّا نعرف بعض قضاة تيهرت الرُّستمية بأسمائهم ويغيب عنَّا الكثير منهم، فإنَّ قضاة القيروان خصوصاً والدولة الأغلبية عموماً لا ينقصنا من تاريخهم شيء يذكر، فنحن نعرف القضاة بأسمائهم الكاملة وانتماءاتهم القبلية والمذهبية ونعرف فترات ولايتهم للقضاء إِلاَّ ما ندر منها وهو قليل جداً.
إنَّ القضاء الأغلبي هو النموذج الأعلى لمَا وصل إليه القضاء في المغرب
__________
(1) - انظر المبحث الخاص بالمصادر والمراجع عرض وتحليل.
(2) - ابن الأثير: الكامل 5/ 109، ابن عذاري: البيان 1/ 92. ابن الأبار: الحلة، 1/ 93 ابن خلدون: العبر، 4/ 418 - 419. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، 121 ومابعدها. (1/194)
صفحة 195
الإِسلاَمِي في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، ولقد كان القضاة منتشرين في كلّ المدن المهمة الأغلبية (1) ولكن قاضي القيروان هو الأهم وسلطته الروحية أو المعنوية تتجاوز حدود العاصمة لكي تتسع على كامل الإمارة، فقاضي إفريقية هذا يتمتع بشخصية متميزة وربما يعتبر الأكثر شعبية في البلد (2)، وكان الأمير الأغلبي ينتقي هؤلاء القضاة انتقاءاً جيداً من بين العلماء الأعلام الراسخين في الفقه (3) وفقه الأحكام بالذات.
وفي الرواية التي ذكرها المالكي دليل على حسن اختيار أمراء الأغالبة لقضاتهم إذ جمع زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب (201 - 223هـ) جماعة من العلماء وكان فيهم ابن الصمادحي الضرير وكلَّفهم باختيار قاضٍ منهم فلمَّا حضرت الصلاة قال أحدهم «إن قدمنا أحداً منَّا رأى هذا -يعني السلطان- أنَّه خيِّرُنا فيولِّيه القضاء لكن قدموا موسى بن معاوية الصمادحي، فإنَّه ليس له في هذا الأمر نصيب إذ هو كفيف البصر فقدَّمناه فصلى بنا» (4).
إنَّ هذه الروايات بقدر ما تعبر عن حرص الأغالبة في انتقاء قضاة القيروان واختيارهم فهي تعبر كذلك عن تدافع العلماء لمنصب القضاء شفقة على أنفسهم من مسؤوليته الخطيرة، وقد ظل الأغالبة طيلة حكمهم ينتقون قضاتهم انتقاء جيداً وربما لم يوفق أحدهم في اختياره إِلاَّ أنَّ القاعدة العامة هي أنَّ قضاة إفريقية هم زبدة علماء إفريقية، فالأمير زيادة الله الثالث (290 - 296هـ/902 - 909م) عزل القاضي محمَّد بن أسود الصدّيني المعتزلي نزولاً عند رغبة العامة والخاصة وكتب إليهم كتاباً يتقرب به إليهم «إنّي قد عزلت عنكم
__________
(1) - Vonderheyden: La berberie. p173
(2) - Vonderheyden: Ibid. p173
(3) - المالكي: رياض 1/ 281 - 282، الدباغ: معالم 2/ 327. النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب) 264.
(4) - المالكي: 1/ 281 - 282. (1/195)
صفحة 196
الجافي الجلف المبتدع ووليت حمَّاس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» (1).
ومن أجل إرضاء العامة ابتدع الأغالبة فكرة تولية قاضيين في القيروان في آن واحد، ولقد وقع ذلك ثلاث مرَّات متقطعة: الأولى كانت في عهد الأمير زيادة الله الأوَّل بن إبراهيم الذي أبقى أبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني في القضاء (191 - 214هـ/806 - 829م) وجعل معه سنة 203هـ/818م أسد بن الفرات بن سنان قاضياً، فكان الأوَّلُ على مذهب مالك (2) والثاني على مذهب أبي حنيفة (3) إذ من المعلوم أنَّ إفريقية يتوزعها هذان المذهبان خصوصاً فهما الأكثر انتشاراً فيها، وبتولي الرجلين القضاء بالقيروان لاحظ المُؤَرِّخُونَ أنَّه لم يعلم قبلهما قاضيان في وقت واحد، فكانت أوَّل سابقة في تولية القضاء لرجلين معاً (4)، ويبدو أنَّها ظاهرة فريدة لم تشهدها أي ولاية من ولايات الخلافة وهي حالة استثنائية شهدتها بلاد المغرب أيَّام الأغالبة (5) لاغير.
وتتكرر الظاهرة مرَّة أخرى، ففي عهد الأمير أبي العبَّاس محمَّد بن الأغلب بن إبراهيم (226هـ-242هـ/840 - 856م) عيّن سحنون بن سعيد قاضياً بعد أن أصرَّ الأمير على تعيينه وظل سحنون يماطل عاماً، ولمَّا قبل منصب القضاء
__________
(1) - الدباغ: معالم 2/ 327. وانظر طبقات أبي العرب. 15، الخشني: طبقات. 238. زغلول: تاريخ 2/ 157 نوال تركي: التنظيمات 191.
(2) - المالكي: 1/ 274.
(3) - أبو العرب: طبقات 163 - 164. مجهول: العيون والحدائق في أخبار الحقائق، تح. نبيلة عبد المنعم داود، مطبعة النعمان، النجف، العراق، 1392هـ/1972م. ج3/ 372 زغلول: تاريخ 2/ 66.
(4) - الخشني: طبقات 253، ابن عذاري: 1/ 97، زغلول: تاريخ. 2/ 67.
(5) - نوال تركي: التنظيمات 180 (1/196)
صفحة 197
اشترط على الأمير شروطه فقبلها، وكان سحنون بن سعيد مفخرة القضاء المغربي عموماً والقضاء الأغلبي منه خصوصاً، كان واسطة عقد قضاة القيروان في العهد الأغلبي بلا منازع.
كان سحنون بن سعيد (1) قوي الشخصية عظيم القدر طغت شخصيته على كبار موظفي الدولة بل حتَّى على الأمير الأغلبي نفسه، الأمر الذي دعا هذا الأخير إلى تعيين قاضٍ ثان مع سحنون كسراً لشكوته وهيبته واقتداءً بسنة عمه زيادة الله الأوَّل، فكان تعيين الطبني (2) ضرة لسحنون، تألَّم لها هذا الأخير إذ لم يبق طويلاً فمات في رجب عام 240هـ/855م (3) والغريب أنَّ هوبكنز (4) يشكُّ في تولية هذا الطبني مع سحنون ويستبعد أن يتجرَّء الأمير على إيذاء سحنون هذا القاضي المهيب بهذه الطريقة.
أمَّا المرَّة الثالثة والأخيرة فكانت في أواخر عهد الأغالبة، إذ جمع الأمير زيادة الله الثالث الأغلبي للقضاء بين رجلين هما حماس بن مروان المالكي ومحمَّد بن أحمد بن جيمال الحنفي (5) وذلك في أواخر سنة 293هـ/906م. ويبدو أنَّ حماس بن مروان كان كبير النفوذ بالقيروان لا يهاب سلطانا (6) إذ كان لولايته القضاء بعد الصديني المعتزلي، فرحٌ شديد إِلاَّ ابن الصائغ كبير دولة زيادة الله سعى بالكلام في حماس عند الأمير لمخالفته المذهب، وهنا عين معه الأمير قاضياً ثانياً هو ابن جيمال
__________
(1) - انظر ترجمته في المالكي: رياض 1/ 345 ومابعدها، عياض: تراجم 86 ومابعدها. الدباغ: معالم 2/ 77 ومابعدها.
(2) - لم يذكر أصحاب الطبقات والمؤرِّخون إِلاَّ هذا الاسم وهو نسبة إلى طبنة بالزاب، ولاشكّ أنَّ ذلك بقصد عدم الإشهار به وتركه مغمورا ...
(3) - القاضي عياض: ترتيب 1/ 608 - 609. الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 12 ظهر.
(4) - النظم 219.
(5) - القاضي النعمان: افتتاح الدعوة. 201. عياض: تراجم 346. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 18 و.
(6) - المالكي: رياض 2/ 120. القاضي عياض: تراجم 346 ابن عذاري: البيان 1/ 136. (1/197)
صفحة 198
ورفع من شأنه ولم يجد حماس القاضي إِلاَّ الاستعفاء وسيلة للهروب من هذه الوضعية، فكان له ماأراد في جمادى الأولى سنة 294هـ/907م (1).
هكذا نلا حظ أنَّ الأغالبة ابتكروا طريقة تساعدهم على إراضاء جميع أفراد رعيتهم كما تساعدهم على إقصاء القاضي الذي تقوى شخصيته عليهم ويجد السند القوي في الرعية، وهي طريقة تكسبهم حبَّ الرعية أو لنقل جزء من الرعية على الأقل وهذا تطور جديد في القضاء الأغلبي.
لقد لعبت المذاهب الإِسلاَمِيَّة دوراً فعالاً في اختيار القضاة إذ نجد القاضي الحنفي والمالكي والمعتزلي (2) وكلهم تنافسوا على تولية القضاء والفوز بهذه الخطة التي تكسب المذهب منصباً ورواجاً وتساعده على الانتشار ... الأمر الذي سنتطرق إليه بالتفصيل فيما يلي من المباحث والفصول (3).
وبلغ القضاء قمته لمَّا تربع على عرشه القاضي سحنون بن سعيد التنوخي الذي جدَّده وأضاف إليه إضافات تدلُّ على مقدرته ومكانته وتفهّمه للوضع الذي تعيشه أمتُه (4) ولقد ذكر المُؤَرِّخُونَ له العديد من الإصلاحات والابتكارات اعتبروه أوَّل من وضعها وهي من التطورات التي عرفها القضاء في هذا العهد: منها أنَّه أوَّل قاض فرق حِلق أهل البدع من المسجد الجامع، وهو أوَّل قاضٍ جعل في الجامع إماماً يصلِّي بالناس وكان ذلك للأمراء. وَأَوَّل قاضٍ جعل الودائع عند الأمناء وكانت قبلُ في بيوت القضاة. وَأَوَّل قاضٍ قدّم الأمناء في البوادي فكان يكتب إليهم ... وَأَوَّل قاضٍ جلس في بيت في الجامع بناه لنفسه ولا يحضر عنده
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 248. القاضي عياض: تراجم 346. الجودي: تاريخ. (مخ) ق18و.
(2) - الخشني: طبقات 235، 236، 238،239. أبو العرب 114،169،184،240. المالكي: رياض 1/ 274، 345، 2/ 118.القاضي عياض: تراجم 52، 143، 207، 232، 344.
(3) - انظر خاصَّة الباب الثالث الفصل الأوَّل المبحث الثاني المذهبية في القضاء ..
(4) - نوال تركي: التنظيمات 191. (1/198)
صفحة 199
غيرُ الخصمين، وَأَوَّل قاضٍ نظر في الحسبة من القضاء في إفريقية وقام بفصلها عن القضاء وأفرد لها والٍ مستقل سمَّاه أمين السوق (1).
بهذه الإصلاحات عرف القضاء الأغلبي تطوراً كبيراً عمَّا كان عليه عهد الولاة، ولم يستطع أحد من قضاة إفريقية، غير سحنون، وضع هذه السنن موضع التنفيذ لعظيم نفوذه وشخصيته وقوَّة إرادته وعزيمته فكان لا يخاف في الله لومة لائم.
إنَّ هذه الإصلاحات التي أضافها القاضي سحنون للقضاء فأصبحت من صلاحياته لم تتوقف عند هذا الحد حيث نجد بعض أمراء الأغالبة يوسعون من مهام قاضي إفريقية فهذا إبراهيم الثاني بن أحمد بن محمَّد (261 - 289هـ) يفوض إلى القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب في ولايته الثانية للقضاء (267 - 275هـ/880 - 888م) «النظر في الولاة الجباة والحدود والقصاص والعزل والولاية» (2).
ويذكر هوبكنز عن النويري أنَّ الأمير عبد الله الثاني أبا العبَّاس بن إبراهيم (289 - 290هـ/901 - 902م) ولى محمَّد بن الأسود الصديني «قضاء القيروان والأحكام والنظر في العمال وجباة العمال» (3) ويعلق هوبكنز على هذه الصلاحيات الواسعة التي تولاّها بعض القضاة في القيروان بأنَّها تنطبق كذلك على أعمال الوزير (4).
وقبل أنَّ يتولى هؤلاء القضاة جميع هذه المهام تفويضاً من الأمراء الأغالبة أو هيمنة من القاضي نفسه مثل فعل سحنون، فإنَّ القضاء الأغلبي عرف حدثا
__________
(1) - القاضي عياض: ترتيب 1/ 599 - 601، الدباغ: معالم 2/ 87 - 88، النباهي: قضاة الأندلس 29، هوبكنز: النظم. 215 - 216. نوال تركي: التنظيمات 190 - 191.
(2) - المالكي: رياض 1/ 476.
(3) - هوبكنز: النظم 239.
(4) - نفسه 239. (1/199)
صفحة 200
معتبرا لا يضاهيه في تطور القضاء عند الأغالبة إِلاَّ إصلاحات سحنون، ونقصد بذلك الفتح المبين الذي أنجزه القاضي أسد بن الفرات، أحد عظماء القضاة في التاريخ الإِسلاَمِي.
لقد كان القضاء الأغلبي منذ البداية عظيماً، إذ بعد قاضيين فقط وفي أقلّ من عشرين عاماً من عمر الدولة وعمر القضاء في هذه الدولة، يتولى هذا الفقيه العالم القضاء ثمَّ يتولى بعد ذلك مع مهمته تلك مهمة أعظم وأشرف وأشمل وهي قيادة جيش فتح صقلية سنة 212هـ/827م ويكاد يكون مشروع هذا الفتح من أوَّله إلى آخره من إنجاز القاضي أسد بن الفرات، فهو الذي حرَّض الأمير وشجعه وأفتى له بجواز عملية الفتح وقدم نفسه لإنجاز هذا المشروع فولاّه الأمير زيادة الله الأوَّل قيادة الجيش وإمارته مع ابقائه في منصب قاضي إفريقية، ويعبر نص للمالكي عن هذه المهام العظمى التي تولاّها أسد بن الفرات أبلغ تعبير إذ قال أسد للأمير «أصلح الله الأمير مَن بعد القضاء والنظر في حلال الله تعالى وحرامه، تعزلني وتولِّيني الإمارة؟ فقال له زيادة الله: إنِّي لم أعزلك عن القضاء بل وليتك الإمارة، وهي أشرف من القضاء، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت قاض أمير ... » (1) ولم تجتمع الإمارة والقضاء لأحد بإفريقية إِلاَّ لأسد وحده.
وهكذا تعددت مهام هذا القاضي بحيت شملت قضاء القيروان وقيادة الجيش وإمارة صقلية ثمَّ إنَّه يعتبر أوَّل قاضٍ بصقلية إحدى أهم الولايات الأغلبية، لقد حقق أسد بن الفرات مفخرة لتاريخ القضاء المغربي عموما وتاريخ القضاء عند الأغالبة خصوصا، بفتحه لصقلية.
ومن بوابة ولاية صقلية الأغلبية وقاضيها الأوَّل أميرها أسد بن الفرات نلج إلى قضاء الأقاليم والولايات الأغلبية إذ نجد هذه الإمارة قد عينت لِكُلِّ
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 271. (1/200)
صفحة 201
مدينة مهمة قاضياً (1)، فهناك قضاة بطرابلس وقابس وتونس والزاب وقسطيلية وغيرها مِن الأقاليم والكور وهذا تطور جديد في القضاء بالمغرب الأدنى إذ نعرف أنَّ عصر الولاة لم يعرف تعيين القضاة للأقاليم واكتفى المُؤَرِّخُونَ بذكر قضاة القيروان لا غير، وما إن جاء عهد الأغالبة حتَّى أصبحنا نقرأ أسماء لقضاة عينوا في مختلف مدن الدولة الأغلبية، وكان تعيين هؤلاء القضاة من مهام الأمير الأغلبي نفسه ثمَّ أصبح من صلاحيات قاضي القيروان الذي كان بمثابة "قاضي الجماعة" (2) بالأندلس.
لقد تعدَّدت قضاة الأقاليم وعرفت أسماؤهم وبعض فترات ولاياتهم للقضاء ولكن ليس بالوضوح الذي تميز به تاريخ قضاة القيروان وهذا أمر طبيعي - في نظري - لجدَّته من جهة ثمَّ لأنَّه لا يستوي قاضي الإقليم مع قاضي إفريقية مهما كانت الصفات، بل إنَّنا لاحظنا أنَّ بعض قضاة الأقاليم تدرجوا في المناصب القضائية من كاتب ... إلى قاضي الإقليم ثمَّ قد ينتهي به المطاف قاضياً للقيروان، وهذا عين ما وقع للقاضي سليمان بن عمران إذ كان كاتباً للقاضي سحنون بن سعيد في بداية أمره فأخرجه هذا الأخير من كتابته فولاّه قضاء مدينة باجة. ولمَّا مات سحنون عينه الأمير الأغلبي على قضاء القيروان حوالي سنة 242هـ/856م (3) ومثل هذا التدرج وقع للقاضي عبد الله بن هارون السُّودَاني الذي تولىَّ قضاء مدينة تونس ثمَّ ارتقى به الأمر لكي يصبح قاضياً للقيروان نحو السنتين (4) (حوالي 278 - 281هـ/891 - 894م).
ونجد مثل هذا التدرج كذلك في قضاة صقلية فمن المعروف أنَّ قاضيها الأوَّل أسد بن الفرات كان قاضيَ القيروان فكان قاض أمير، كما رأينا، وكان
__________
(1) - Vonderheyden: La berberie. 173
(2) - انظر المبحث الأوَّل من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(3) - أبو العرب: طبقات 114 هامش1، الخشني: طبقات 181. وانظر زغلول: تاريخ 2/ 101.
(4) - الخشني: طبقات 237 - 238. (1/201)
صفحة 202
قضاء صقلية من ضمن الصلاحيات التي أسندها الأمراء الأغالبة لولاَتهم على الجزيرة في البداية فبعد أسد بن الفرات يتولى أمر الجزيرة القاضي أحمد بن أبي محرز بتعيين من الأمير الأغلبي، وهو في نفس الوقت، على مايبدو، قاضي إفريقية (1) إذ أنَّ زيادة الله الأغلبي (201 - 223هـ) يفتخر بقاضيه أحمد بن أبي محرز ويقول «ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات» (2) ومنها توليته أحمد بن أبي محرز قضاء إفريقية، وبالتالي فإنَّه قد جمع له القضاءين معاً قضاء إفريقية وصقلية وإمارتها، ولا أرى رأي الباحثة نوال تركي (3) التي ذهبت إلى أنَّ انفصال قضاء صقلية عن قضاء القيروان كان مع تعيين أحمد بن أبي محرز هذا على صقلية، فالمعطيات والقرائن تؤكد بقاء قاضي القيروان هو نفسه أمير صقلية وقاضيها.
ولا نغادر صقلية دون الحديث عن قاضيها عبد الله بن سهل القبرياني الذي يبدو لنا أنَّه أوَّل قاض مستقل بصقلية وقد تدرج في المناصب إذ ولاّه سحنون بن سعيد قضاء قصطيلية وقفصة ونفزاوة وعملها (4) وتولىَّ النظر في المظالم والحسبة بإفريقية ثمَّ عين قاضياً على صقلية بعد وفاة سحنون (5).
وهكذا التدرج في المناصب من أهم التطورات التي شهدها القضاء عند الأغالبة، وهكذا يستمر قضاة صقلية الواحد بعد الآخر يعينهم في البداية الأمير الأغلبي ثمَّ بعد ذلك أصبح تعيينهم من صلاحيات قاضي القيروان تماماً مثلما يعيين للأقاليم الأخرى دون تمييز. وآخر قضاة صقلية هو القاضي محمَّد بن محمَّد بن خالد
__________
(1) - ابن عذاري: البيان 1/ 106. لقد توفي أحمد بن أبي محرز بالقيروان سنة 221هـ/836م وحضر وفاته الأمير زيادة الله وقال لأهل القيروان «يا أهل القيروان لو أراد الله بكم خيراً لما خرج ابن أبي محرز من أظهركم». نفسه 1/ 106. انظر زغلول: تاريخ 2/ 70.
(2) - ابن عذاري: نفسه 1/ 106.
(3) - نوال تركي: التنظيمات 207 - 208. وانظر ص209 حيث تؤكد الباحثة ما ذهبنا إليه.
(4) - القاضي عياض: تراجم 158.
(5) - الخشني: طبقات 134،167. القاضي عياض: تراجم 158. (1/202)
صفحة 203
القيسي المعروف بالطرزي تولاّه في آخر دولة بني الأغلب (1) وتعرض لمحن الفاطميين بعد ذلك وعذابهم (2).
أمَّا الأقاليم الأخرى، فإنني لاحظت أنَّ قضاتها الأوَّل كلّهم تقريباً كانوا بتعيين من سحنون بن سعيد (3) (234هـ-240هـ/848 - 855م)، فهل هذا معقول أم هو مجرَّد الصدفة؟ أم هو الاهتمام بشخصية سحنون على حساب القضاة الذين كانوا من قبله والذين عيَّنوا للولايات مثله قضاة ولكن أصحاب السير والتراجم لم يذكروا تعييناتهم مثلما فعلوا مع سحنون ... ؟
والذي يتبادر إلى ذهننا هو أنَّ لسحنون بن سعيد، بدون شكَّ، دوراً كبيراً في تطور القضاء الأغلبي، ولا نستبعد أن يكون قد عين أوائل القضاة في بعض الأقاليم ولكن ليس كلّها وبمعنى آخر، القضاء الأغلبي في الأقاليم والولايات ليس من ابتكارات سحنون بن سعيد ولا من إضافاته وإلاَّ فالسؤال الكبير الذي يطرح نفسه: لماذا لم يدرج المؤرخون الحرصون على ذكر سيرة سحنون وإصلاحاته، هذا العمل الكبير ضمن أعماله الأولى؟ ولم ينسبوه إليه ولم يجعلوه من ابتكاراته؟ فضلاً عن أنَّه هو نفسه ينفي أن يكون ولّى قاضياً في البلدان، عدا قاضيين لا غير.
المهمُّ أنَّ جلَّ الولايات عرفت قضاتها الأوائل في عهد سحنون، هكذا وصلتنا الأخبار عنهم، ولم أجد أحداً من السابقين ولا اللاّحقين من الدارسين لاحظ هذه الملاحظة أو اكتشف سرَّ هذا الأمر.
__________
(1) - عياض: تراجم 377، أبو العرب: طبقات 134 هامش4.
(2) - أبو العرب: المحن 476 وانظر الدوري تقي الدين عارف: صقلية علاقتها بدول البحر المتوسط الإسلاميَّة من الفتح العربي حتَّى الغزو النورمندي، دار الرشيد للنشر. بغداد 1980. ص92.
(3) - يذكر القاضي عياض أنَّ سحنوناً قال «ما وليت أحداً من قضاة البلدان إِلاَّ شجرة وشرحبيل قاضي طرابلس» وشجرة هو قاضي تونس، انظر: تراجم 151. (1/203)
صفحة 204
إنَّ القاضي الأوَّل في طرابلس هو شرحبيل (1) وفي تونس هو أبو زيد شجرة بن عيسى المعافري ولّي قضاء تونس قبل سحنون ثمَّ ولاّه سحنون بعد ذلك (2) وفي باجة هو سليمان بن عمران الذي كان كاتباً لسحنون ثمَّ ولاّه هذا الأخير قضاء باجة وأعمالها (3) وفي قسطيلية وما والاها من قفصة ونفزاوة فإن قاضيها الأوَّل هو عبد الله بن سهل القبرياني ولاّه إياها سحنون بن سعيد (4). وفي الزاب هو أبو حاتم يحي بن خالد السهمي ولاَّه سحنون قضاءه (5).
هكذا نلاحظ أنَّ القضاة الأوَّل الذين عُينوا للولايات الأغلبية كلّهم تقريباً يعودون إلى عهد سحنون بن سعيد فهو الذي عينهم، ولم نجد قضاة عُينوا للأقاليم قبل سحنون ماعدا قاضي تونس الذي يُذكر أنَّه ولّي قضاء تلك المدينة قبل سحنون ثمَّ ولاَّه سحنون بعد ذلك أي أنَّ بصمة سحنون في هذا التعيين موجودة دائماً.
بالإضافة إلى هذه الولايات نجد في مصادرنا ذكراً لسوسة وما والاها (6) وبرقة (7) وصفاقس وسائر الساحل (8) وبعض الكور (9) هكذا مطلقاً دون تحديد، نجد لها ذكر اسم قاضٍ واحد لا غير أو ربَّما غاب حتَّى الاسم ويُكتفى
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 222 وانظر المالكي: رياض 1/ 234.
(2) - القاضي عياض: تراجم 151. مجهول: العيون والحدائق. ج4. قسم 1. ص81 وانظر عن ترجمته كذلك ابن عذاري: البيان 1/ 98 - 99، 116 - 117. أبو العرب: طبقات 216 هامش 8.
(3) - أبو العرب: طبقات 114 هامش1 انظر هوبكنز: النظم 221.
(4) - القاضي عياض: تراجم 158 وانظر أبو العرب: المحن 473.
(5) - أبو العرب: طبقات 206. القاضي عياض: تراجم. 317، 397.
(6) - أبو العرب: المحن 473. المالكي: رياض 1/ 497 هامش54.
(7) - الخشني: طبقات 222.
(8) - القاضي عياض: تراجم 320. وانظر Manaquib d’abu ishàq. p.3
(9) - الخشني: طبقات 176. (1/204)
صفحة 205
بذكر الخبر عن قاضٍ نكرة لهذه المدينة أو تلك. والغريب أن يكون أوَّل قضاة صفاقس ذكراً وآخرهم هو علي بن مسلم البكري من أصحاب سحنون «ولاَّه سحنون قضاء صفاقس وسوقها والمحرس الذي يعرف بمحرس علي ... » (1).
إنَّ القضاء في الولايات الأغلبية ومدنها الكبيرة عُرف في عهد سحنون بالذات إذ اهتم المُؤَرِّخُونَ بذكر قضاته في الأقاليم، الأمر الذي لم يفعلوه مع القضاة من قبله حتَّى بدا وكأنَّ قضاء الولايات من ابتكارات سحنون وإصلاحاته وتطويراته، واستمرَّ المُؤَرِّخُونَ في ذكر القضاة على عهد خلفاء سحنون، ومن هنا تمكنتُ من وضع قائمة من أسماء القضاة في مختلف الأقاليم المذكورة (2) إِلاَّ أنَّها لا ترقى إلى مستوى دقة قائمة قضاة القيروان (3) إذ نجد الكثير من الفراغات التى تعود بالدرجة الأولى إلى إهمال مصادرنا ذكر قضاة تلك الفترات بتلك الولايات.
إذن لقد عرف القضاء عند الأغالبة تطورات كبيرة شملت مختلف جوانبه وقد بدأ منذ البداية بالغاً رُشده لأنَّه امتداد للقضاء في عصر الولاة واستمر في التطور دون توقف، وعرف الدفع القوي في عهد سحنون بن سعيد ويبدو لنا أنَّ هذا القضاء لا يختلف كثيراً عن قضاء العباسيين بالمشرق و لا قضاء الأمويين بالأندلس.
إنَّ القضاة في الدولة الأغلبية كثيرون وموزعون في أغلب الأقاليم، إِلاَّ أنَّ هذا لا يعني أنَّ الأغالبة عينوا لِكُلِّ المناطق قضاتها، فهناك مناطق نائية أهملتها الإدارة
__________
(1) - عياض: تراجم 320.
(2) - انظر الملحق رقم 7.
(3) - انظر الملحق رقم 5. (1/205)
صفحة 206
الأغلبية، وفي نص القاضي النعمان (1) - الذي سبقت الإشارة إليه - دليل على فراغ بعض المناطق من القضاة وبالتالي عودة سكانها إلى شيوخها، ومن نظر في شيء من العلم من رجالها، فكتامة القبيلة العتيدة التي تربعت على منطقة شاسعة من المغرب الإِسلاَمِي كانت تعود جغرافياً وسياسياً إلى السلطة الأغلبية، إِلاَّ أنَّ تطرفها الجغرافي عن القيروان مركز السلطة جعلها تستقل بشؤونها بنفسها ولا تشعر بسلطة الأغالبة عليها، وبالتالي استقلت بقضائها فكان الرجل الذي أوتي شيئاً من العلم منهم يفرض نفسه قاضياً بينهم أو يؤهلِّه علمه لذلك ويرتضيه القوم، فأي حكم صدر منه على فرد من أفراد القبيلة لزم على ذلك الشخص تنفيذه وإن أبى عن ذلك قامت القبيلة عليه حتَّى يرعوي ولا خيار له.
هكذا كان القضاء عند كتامة بصريح النص المذكور ولا أعتقد أنَّ كتامة وحدها تعيش هذا الوضع القضائي وإنَّما كلّ الجماعات المتطرفة جغرافياً عن مراكز السلطة أو القبائل النائية في أقاليمها الجبلية الصعبة تعيش على هذه الشاكلة وتبتُّ في قضاياها بمثل هذا القضاء الذي يمكن تسميته بالقضاء الشعبي بعيداً عن القضاء الرسمي التابع للدولة.
ختاماً لهذا المبحث، ندرك أنَّ القضاء الأغلبي كان قوياً منذ البداية بارزاً عرف تطورات عديدة وكان متنوعاً وحيوياً لا يقل في أهميته ومستواه عن القضاء في الخلافة العباسية بل منه استمدَّ تطوراته، ولا عن القضاء في الأندلس لأنَّه كان منافسه الأوَّل وبالتالي وجب مسايرته.
__________
(1) - افتتاح الدعوة. 37 انظر آخر المبحث الثاني من الفصل الثالث من الباب الأوَّل لمزيد من المعلومات. من المعروف أنَّه منذ بداية العهد الفاطمي عرفت مدينة ميلة في إقليم كتامة قاضيها وهو علي بن منصور الصفار «اضطره الفقر والإقلال ومحبة السؤدد إلى أن تشرَّق» يقول الخشني في طبقاته. 217 والتشريق معناه التشيع. (1/206)
صفحة 207
إذا كان هذا المستوى الحقيقي للقضاء عند الأغالبة فما حقيقة الموضوعات التي كان القضاة يتداولونها في مجالسهم؟ وما هي أشهر القضايا والأحكام التي بتَّ فيها هؤلاء القضاة الكثر؟
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الأغلبي
كثيراً ما أطنبت المصادر -التي أرَّخت للقضاء في الدولة الأغلبيه- في ذكر سير القضاة وتراجمهم المفصلة وفترات ولاياتهم لهذه الخطَّة، إِلاَّ أنَّها كانت بعكس ذلك مقلة جداً في ذكر القضايا والأحكام التي تداولها القضاة في مجالسهم ومحاكمهم، فالمصادر كانت تؤرخ للأشخاص وليس للمجتمع؛ وللأفراد وليس للأحداث الاجتماعية بالدرجة الأولى. لقد جاءت بعض القضايا عرضاً في هذا المصدر أو ذاك أو جاءت تنظيراً كجواب على سؤال المفروض فيه أن يكون واقعاً معيشاً، ولولا المصادر الفقهيَّة لكان الأمر معقَّدا فعلاً، فجوابات محمَّد بن سحنون كانت خير معين لنا في هذا المجال، فضلا عن المدوَّنة الكبرى التي رواها أبوه سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -.
فالقاضي عبد الله بن غانم كان يرسل مع الحُجَّاج رسائل إلى العلماء بالمشرق مثل القاضي أبي يوسف الحنفي فيها قضايا مِمَّا لا يعرف الحكم فيها (1) دون أن يضيف الرقيق الذي روى الخبر ما نوع تلك القضايا وما هي موضوعاتها.
وفي المدونة للإمام سحنون بن سعيد نقرأ فصلاً سمَّاه «كتاب الأقضية» (2) فيه يسأل سحنون شيخه ابن القاسم عن كثير من الأحكام ويجيب الشيخ بما يعرفه عن الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -، وأسئلة سحنون مختلفة تناولت
__________
(1) - الرقيق: تاريخ 192.
(2) - المجلد الخامس. 132 - 144، 148. (1/207)
صفحة 208
مواضيع الخصومات وحكم القاضي عندما يفهم القَضِيَّة والشهادة من أهل الكفر إذا انعدم المسلمون وشهادة النساء في القتل الخطإ وصيغة الحلف أو القسم ومكانه والشرط في البيع والشراء وشهادة المرأة مطلقاً وشاهد الزور وحكمه وحيازة دار الميراث والورثة وخصوماتهم والزنا وظروفه.
ونجد مثل هذه المواضيع في كتاب "أجوبة" (1) محمَّد بن سحنون المتوفَّى عام 256هـ/869م وفي كتاب "أدب القاضي والقضاء" (2) لأبي المهلب هيثم فضلاً عن غيرهما كثير تدلُّ كلّها على نوعية القضايا والأحكام المتداولة في تلك الأيَّام في مجالس القضاة بشكل مجمل عام دون تفصيل.
وكذلك يروي الخشني (3) خبر أربعة رجال شهدوا الزور عند القاضي سليمان بن عمران المعروف بخروفة، واستطاع القاضي أنَّ يكتشف زورهم، إِلاَّ أنَّ الخشني لم يحدثنا عن نوع القَضِيَّة التي استدعى أمرها استعمال أربعة شهود زور كاملة (4).
هكذا كانت أغلب الروايات إن لم نقل كلّها تؤرخ للقاضي وحنكته وعلمه وتهمل القَضِيَّة والمتقاضين، ومع ذلك فهذه مجموعة من القضايا والأحكام تتعلَّق بالجوانب الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والثقافية.
__________
(1) - مخطوط تناول مختلف القضايا منها: الأنكحة المختلفة، الخصومات، الديون، الشهادات، الزراعة، السرقة، الدواب، والشركات.
(2) - تناول الكتاب مواضيع الوكالة بمختلف أنواعها والوصية والشهادة والإقرار بالنسب والديون والحقوق والميراث والنكاح ... انظر أدب القاضي لأبي المهلب هيثم بن سليمان القيسي المتوفى سنة 275هـ/888م.
(3) - طبقات 181 - 182.
(4) - انظر قصَّة أخرى مشابهة على عهد القاضي أبي محرز ولم يذكر المالكي طبيعة القَضِيَّة، رياض النفوس 1/ 275. (1/208)
صفحة 209
فالقضاء الأغلبي ونظراً للتطور الكبير الذي شهده وكثافة القضايا المتوقعة التي حكم فيها فإنني أرى أنَّه لم يترك مجالاً إِلاَّ طَرقه، فالقاضي كان يحكم بين المتخاصمين في أنواع من الخصومات ويبحث في شأن الشهود ويقيم الحدود في ما ارتكب من كبائر كالقتل وشهادة الزور وقطع الطريق والزنا وشرب الخمر وغيرها كثير (1) بما قد رأينا السؤال عنها عند قاضيين معاصرين هما الإمام القاضي سحنون بن سعيد والقاضي أبو المهلب هيثم بن سليمان، وعند محمَّد بن سحنون الفقيه وابن القاضي.
لقد كانت قَضِيَّة النسب حاضرة بقوَّة في القضاء الأغلبي وكأني بأقوام أرادوا أن يكونوا عرباً ربَّما ليحظوا ببعض الامتيازات ولذلك قال القضاء فيها حكمه بِأَنَّ أي رجل إذا طرأ على قوم من بلاد ولا يعرفونه به فقال أنا رجل من العرب فأقام بينهم أمداً قريباً فقال له رجل لست من العرب فإن هذا الأخير لا يضرب، ولكن إن تطاول زمان الرجل المدَّعي للنسب العربي مقيماً بين أظهرهم فولد له أولاد تكتب شهادته ويجوز نسبه فإن قال له قائل إنَّك لست من العرب فإنَّه يضرب الحد لأنَّه قد جاز نسبه هذا الزمان كله ولا يعرف إِلاَّ به (2).
وربما يأتي الرجل إلى القاضي فيدَّعي أنَّه أخ رجل آخر لأمِّه وأبيه أو ابن له والطرف الثاني ينكر، أو إمرأة تدَّعي أنَّها زوجة رجل أو رجلٌ يدعي نكاح امرأة وفي كلتا الحالتين ينكر الطرف الثاني (3) ويبدو أنَّ مثل هذه القضايا تكاثرت على القضاء الأغلبي بسبب التطورات التي شهدها المجتمع الأغلبي وآثار الهجرات
__________
(1) - الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد: كتاب الكبائر، مكتبة النقاء، مطبعة الرشيد، بغداد، 1984م. وانظر عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية ص241 - 247
Vonderheyden: La berberie orientale.p.174
(2) - سحنون: المدونة 5/ 142 - 143.
(3) - أبو المهلب: أدب القاضي 73،74، 77 - 81، 125 وانظر الونشريي: معيار المعرب. 9/ 211 - 212 وفيه قصَّة عن حرَّة نفوسية جاء بها رجل وأراد أن يسافر بها فقالت إنَّها حرَّة كأبويها. (1/209)
صفحة 210
المتتالية من المشرق إلى إفريقية خلال القرنين الأوَّل والثاني للهجرة واختلاط أجناسها بمختلف الأجناس التي كانت بالمغرب كالبربر والروم وغيرهما ... فعدمُ الاستقرار الاجتماعي بسرعة وتيرة التطور أو بغيرها عوامل مساعدة لوقوف أدعياء النسب أمام القضاة لإثبات نسبهم.
ونجد كذلك من القضايا والأحكام المرتبطة بهذا النسب قَضِيَّة الميراث وتوزيعه وخصومات الورثة فيما بينهم (1)، ولعلَّ ذلك يعود إلى جِدَّة الإسلام بالنسبة لسكان المغرب بحيث يقودهم جهلهم بأحكام الميراث إلى التنازع عند القاضي فضلاً عن صعوبة إدراك تلك الأحكام والتقسيمات التي تتَّسم دائماً بالتعقيد ما عدا على أصحاب الاختصاص من الفقهاء والقضاة.
ففي عهد سحنون بن سعيد عرضت عليه قَضِيَّة النظر في تركة محمَّد بن رشيد أحد علماء إفريقية فكره سحنون النظر فيها لسوء معاملاته التجارية فنظر فيها حبيب بن نصر بن سهل صاحب مظالم سحنون (2).
واهتمَّ القاضي الأغلبي كذلك بتنفيذ الوصايا (3) وبأمر الزواج والطلاق والنزاع بين الزوجين فقد روى المالكي أنَّ رجلين تخاصما إلى القاضي حماس بن مروان في حقّ العرس «فقال العروس: ليس يجب علي حقّ العرس وقال أبو العروسة: بل هو واجب عليك ... » (4) وقد يطلِّق الرجل زوجته وهو غائب عنها فضلاً عن طلاقه لها وهو حاضر (5) معها لذلك ذكر القاضي أبو المهلب بأنَّه إن كتب الرجل إلى زوجته «أما بعد فقد بلغني كتابك في كذا
__________
(1) - أبو المهلب: أدب القاضي 82، 97 - 99. الداودي: كتاب الأموال 165.
(2) - أبو العرب: طبقات 195.
(3) - أبو المهلب: أدب القاضي 42، 43، 59، 62، 70.
(4) - رياض 2/ 121.
(5) - محمَّد بن سحنون: أجوبة (مخ) ق16و، ق81و .. (1/210)
صفحة 211
وكذا فأنت طالق فهي طالق ساعة كتبت وينبغي لمن علم ذلك أن يشهد عليه بالطلاق» (1).
ونزلت بالقيروان مسألة، وذلك أنَّ امرأة سقت زوجها شيئاً فجذمته فاضطرب علماء القيروان فيها ولم يجدوا حكماً إِلاَّ في كتاب «المدونة» لسحنون (2) مِمَّا يدلُّ أنَّ النازلة وقعت في أواخرأيام الأغالبة.
أمَّا القضايا الأخلاقية فإنَّنا نجد الزنا واللواط (3) حاضرًا في المحاكم الأغلبية فظاهرة ملاحقة الشباب للفتيات كانت ماثلة في المجتمع الأغلبي (4) بل إن الأمير إبراهيم الثاني بن أحمد أباح السودان على نساء أهل إبيانة وقد أتت امرأة بفرعة ابنتها في ثوب فألقته بين يدي القاضي أحمد بن طالب فتوجَّع وقال «ما أرى هذا يؤمن بالله واليوم الآخر ... » (5) ولم يستطع أن يفعل شيئاً أكثر من ذلك وهو في الحقيقة حكم خطير على أمير البلاد بأنَّه كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وبلغ الأمرُ ببعض الرجال أنَّ أحدهم «تزوَّج صبية صغيرة لا توطأ فافتضَّها زوجها من جماعه ذلك ... واختلط ما بين المسلكين» (6) وقال محمَّد بن سحنون فيها إن ماتت من جِماعه فعليه الدية وتكون على عاقلته.
ويبدو أنَّ تعاطي اللواط كان فاشياً بحيث جرَّأت محمَّد بن عبدوس أحد العلماء بالقيروان على أن يسأل عنه سحنون مع هيبته فأجابه قائلاً «يا بني لي في
__________
(1) - أدب القاضي 58.
(2) - المالكي: رياض 2/ 183.
(3) - محمَّد بن سحنون: أجوبة، (مخ) ق14و، ق78ظ.
(4) - المالكي: رياض 1/ 328، 465.
(5) - عياض: تراجم 225. وانظر المدونة لسحنون 5/ 148.
(6) - محمَّد بن سحنون: أجوبة، (مخ) ق58و. (1/211)
صفحة 212
هذه المسألة أربعون سنة أتدبَّرها ... فما تسمع منِّي فيها حلالاً ولا حراماً ... » (1) والظاهر منها أنَّها مسألة في اللواط مع الزوجة أمَّا تعاطي اللواط مع الأحداث فإنَّ إشارات منها نجدها هنا وهناك في المصادر (2).
وتعاطى الناس الخمور بخاصة وأنَّ ابن الأغلب كان قد «منع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فقال بعضهم في ذلك:
ياسيد الناس وابن سيدهم ومن إليه الرقاب منقادة
ماحرم الخمر في مدينتنا وهو حلال بأرض رقادة» (3)
وكثيرًا ما وجدتُ القضاة يتغاضون عن السكران فلا يتعرَّضون له بالجلد أو الضرب حداً أو تعزيزاً (4) حتَّى أن الخشني لاحظ مثل هذه الظاهرة في قضاة قرطبة (5) فكانوا يهربون من السكارى ولا يقربونهم بل منهم من دعا للسكير أن يأجره الله في مصابه في عقله، بحيث جعل ذلك مرضاً عضالا من الأمراض التي تصيب العقل ولم يجعله سكراً حتَّى لا يقيم عليه الحد.
وعرضت قَضِيَّة زنديق على القاضي أسد بن الفرات ومعاصرِه القاضي أبي محرز فكان حكمهما أنَّه يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل، فدعا الأمير زيادة الله الأوَّل بالزنديق فاستتابه فلم يتب فضربت عنقه (6) وكذلك وقع في عهد عبد الله بن
__________
(1) - المالكي: رياض1/ 355. وسئل عنها محمَّد بن سحنون فأجاب بأنَّ فيها أقوالا. انظر أجوبة، (مخ) ق14و.
(2) - الداودي: كتاب الأموال.164.
(3) - ابن عذاري: البيان، 1/ 207.
(4) - انظر حكاية عن سحنون في عياض: تراجم 125.
(5) - الخشني: قضاة قرطبة 58 - 59، 98، 114.
(6) - المالكي: رياض 1/ 276. (1/212)
صفحة 213
أحمد بن طالب أنّ إبراهيم الفزاري الشاعر المتفنن في كثير من العلوم مع الاستهزاء والطيش أن نمت عنه أمور منكرة وانتهى ذلك إلى ابن طالب القاضي فطلبه وحبسه وشهد عليه أكثر من مائتين بالاستهزاء بالله وبكتاب الله وأنبيائه وبالرسول محمَّد (ص) فقبل منهم ثلاثين عدلاً وجلس له ابن طالب وأحضر له العلماء ومنهم يحي بن عمر صاحب «أحكام السوق» وغيره فثبتت التهمة وأمر بقتله طعناً بالسكين في حنجرته ثمَّ صلب منكساً ثمَّ أنزل وأحرق بالنار (1).
لقد حرص القضاة على المحافظة على الآداب العامة فعبد الله بن أحمد بن طالب لمَّا رأى انتشار المنكر في القيروان أمر بالتضييق على أهل العاصمة في ملاهيهم وملاعبهم «فقطع المنكر والملاهي من القيروان» (2). هكذا كان القضاة حريصين على دين الله لا يغفلون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (3) بخاصة وَأَنَّ منصبهم يخولهم هذه الصلاحية بل يحمّلهم هذه المسؤولية.
أمَّا إذا جئنا إلى القضايا الاقتصادية من تجارة وزراعة وغيرهما فإنَّنا نلاحظ كثرتها على القضاء الأغلبي إذ يعود ذلك بالدرجة الأولى إلى كون الدولة الأغلبية دولة تجارية وزراعية اهتمت باستثمار الأموال وتزكيتها وشجَّعت التجار والفلاحين، ثمَّ إنَّ موقع إفريقية الأغلبية الجغرافي جعلها بوابة المشرق إلى المغرب والأندلس وبوابة هذين الإقليمين إلى المشرق الإِسلاَمِي هذا فضلاً عن المعاملات الإِسلاَمِيَّة الجديدة بالنسبة لأهل المغرب فيما يتعلَّق بالبيوع والديون والرهان والوكالات والإيجار والودائع والوصايا ... وكلها وجدنا لها ذكرا في كتب الفقه المعاصرة.
إنَّ القاضي عبد الله بن طالب «أَجبَرَ الصيارفة أن يدرسوا كتاب الصرف على أحد تلاميذ الإمام سحنون ... قبل مباشرة نشاطهم المالي لمَا انتشر في هذا
__________
(1) - عياض: تراجم 213.
(2) - المالكي: رياض 1/ 476 - 477. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق14و.
(3) - أبو العرب: طبقات 240. (1/213)
صفحة 214
الميدان بالذات من تلاعب وتحايل لإيجاد منفذ للتعامل بالربا ... » (1) وحرص على القضاء على هذا النوع من التعامل (2).
ونجد القاضي أبا المهلب هيثم بن سليمان يتحدث مطولاً عن الأموال التجارية ووقوف الناس أمام القاضي طلباً لحقوقهم، فهذه الأموال تكون ودائع أو صكوكاً أو إقرارا أو ديوناً أو إيجاراً لها (3) وهي في الغالب عند هذه الحالة أموال نقدية. كما أنَّ في أجوبة محمَّد بن سحنون أنواعا من القضايا التجارية كالغشِّ في بيع الحليِّ (4)، والخصومة حول شراء أمَة ثمَّ بيعها (5)، وعيوب الحيوان التي تُردُّ وبيوع الدوابِّ (6).
إنَّ كلّ هذه الأقضية وغيرها عُرضت أمام قضاة الأغالبة فقالوا فيها حكمهم وتحرَّوا في ذلك الحقَّ والعدل.
وممَّا نجد له واقعا في القضاء الأغلبي مسألة الودائع، وقد سبق أن ذكرنا أنَّ القاضي سحنون بن سعيد هو أوَّل من جعل الودائع عند الأمناء وكانت قبله في بيوت القضاة، ولعلَّ أهم دافع حفَّزه لاتخاذ هذا الإجراء هو تلك الوديعة التي كانت لأيتام عند سلفه القاضي عبد الله بن أبي الجواد وجاؤوا إليه يشكون إنكاره لها ولمَّا تأكَّد من الأمر حكم على القاضي بالسجن وكان يضربه عشرة أسواط كلّ جمعة إلى أن مرض فمات في سجنه (7).
__________
(1) - الحبيب الجنحاني: المغرب الإِسلاَمِي، 57.
(2) - نفسه 55.
(3) - أدب القاضي: 58، 81 - 83، 107، 112 - 113، 117 - 119، 129 - 130.
(4) - أجوبة، (مخ) ق19و.
(5) - نفسه، ق17و. ومن ق18و إلى ق23ظ كلّها في البيوع.
(6) - نفسه، ق29ظ.
(7) - الخشني: طبقات 236. ابن عذاري: البيان. 1/ 110. (1/214)
صفحة 215
ومن الواقع كذلك الخلاف حول دار ارتفعت قضيته إلى أبي محرز فقضى فيها بعقلها وطبعها (1) واختصمت امرأتان إلى حماس بن مروان في جرتين مملوءتين سقطت إحداهما على الأخرى فانكسرتا جميعاً ولم يُدر أيتهما سقطت على صاحبتها فتردد القاضي حماس مطولاً في الحكم ولم يجد إِلاَّ أن يشتري من ماله الخاص جرتين مملوءتين ودفعهما للمرأتين وقال «لو علمت الجرة الساقطة بعينها لغرَّمت صاحبتها قيمة الأخرى» (2).
وممَّا تنازع فيه الناس وترافعوا إلى المحاكم قَضِيَّة الدواب والماشية، فقد لاحظتُ كثرتها (3) ففي عهد القاضي عبد الله بن غانم وقعت خصومة عنده حول بغال اشتراها مولى لإبراهيم بن الأغلب الأمير ولم يدفع ثمنها للبائعين (4) واشتهر عن القاضي أحمد بن أبي محرز أنَّه لم يحكم في قضائه منذ ولي حتَّى مات إِلاَّ بحكم واحد يقال إنَّه حكم في حمار وغرم ثمنه (5) وتخاصم رجل إلى أبي سليمان بن عمران لمَّا كان قاضياً بباجة في ثور «فشهد عليه شاهد فاستحلفه مع شاهده وقضى له بالثور» (6).
وممَّا له علاقة بالتجارة والرعي والزراعة في آن واحد قضايا الماشية ورعاتها ومشاكلهم مع أربابها، ففي هذا المجال نجد أحمد بن محمَّد البويعقوبي يضع كتاباً كاملاً في هذا الخصوص يسميه «تحفة القضاة ببعض مسائل الرعات» (7) تناول فيه
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 396 وانظر أبو المهلب: أدب القاضي 110 - 111.
(2) - نفسه 2/ 121 - 122.
(3) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق. ق 18ظ، 29ظ، 73 إلى 74.
(4) - المالكي: رياض 1/ 222 - 223 وانظر ما يشبه ذلك بين رجلين تخاصما في بغل. الخشني: طبقات 182 - 183.
(5) - نفسه 1/ 395. أبو العرب: طبقات 167 هامش4. وانظر ص191 هامش6.
(6) - الخشني: طبقات 180.
(7) - مخطوط بالمكتبة الوطنية بالجزائر العاصمة تحت رقم: III 2263 ويبدو أنَّ صاحبه من العصر الحديث. وهناك نسخة أخرى من المخطوط بالخزانة الملكية بالرباط، المغرب. (1/215)
صفحة 216
مختلف القضايا التي تُعرض أو عرضت على القضاة من مشاكل ومنازعات الرعاة مع أرباب الماشية فالراعي أجير في هذه الحالة وتقع عليه بعض المسئوليات كضياع بقرة أو خروف أو موتها أو تركها تأكل من زروع الغير أو الهروب وتركها للضباع والذئب وما إلى ذلك (1) واستقى البويعقوبي مادَّة كتابه من تراث القضاء الإِسلاَمِي وإن لم يصرِّح بتاريخها الدقيق، إِلاَّ أنَّنا نستأنس بها ههنا لأنَّها مِمَّا يمكن أن يكون قد وقع بالفعل إذ ترد بكثرة في أجوبة محمَّد بن سحنون (2)، وفي كتاب أدب القاضي (3) الذي يوظِّف مصطلح النتاج للتحدث عن الماشية والدواب.
وكثر التنازع حول الأراضي وملكيتها والاشتراك في زراعتها وما يؤدِّي إليه من الخلاف (4)، كما أنَّ النزاع حول الماء لسقاية الأرض (5) أو التخاصم حول شراء فدَّان أو جِنان بشهادة شاهد واحد وملكية تلك الأرض (6)، كلُّها قضايا معيشة. ويذكر الداودي (ت402هـ/1011م) قضايا اغتصاب الأراضي ظلما في الزمن القديم على زمانه ربَّما يكون عهد الفاطميين أو الأغالبة وجلَى عنها أهلها ومضت الدهور حتَّى لم يعرف أهلها ويضيف بِأَنَّ أراضي أخرى «قد حدث ذلك فيها لحروب وقعت بين أهلها وبين جيرانهم ... أخرجوا منها وإنَّ هؤلاء نزلوها ظلماً ... » (7)
فلا شكَّ أنَّ الاضطرابات السياسية والتنازع حول الماء والكلإ مِمَّا قضى فيها القضاء الأغلبي فهذا الأمير زيادة الله الأوَّل يبعث في طلب قاضييه أبي محرز
__________
(1) - البويعقوبي: تحفة القضاة (مخ). ق8 ظهر ومابعدها.
(2) - ق. ق 42و، 78و، 82ظ، 87ظ.
(3) - أبو المهلب هيثم 87 - 88، 91 - 92.
(4) - أجوبة ابن سحنون (مخ) ق76ظ.
(5) - نفسه، ق29و، ظ.
(6) - نفسه، ق18و، 25ظ.
(7) - الداودي: كتاب الأموال 151. (1/216)
صفحة 217
وأسد بن الفرات ليشهدهما على شراءٍ اشتراه لعلَّه يكون قطعة أرض إذ أنَّ المالكي (1) الذي روى الخبر لم يحدد ماهية السلعة المشتراة.
وتخاصمت سيدة أخت للقاضي حماس بن مروان مع أخيها أحمد بن مروان حول قطعة أرض وهي «ضيعة بينهما» (2) وحاولت الأخت ارتشاء أخيها القاضي ليحكم لها ولكنها لم تستطع فحكم بينهما حماس بما ارتضياه جميعاً من الحقّ.
وكثرت المنازعات حول الأراضي بصقلية، هذه الجزيرة الحديثة العهد بالإسلام والمسلمين، فكانت مشاكلها تدور حول الحيازة وإحياء الموات منها وهي مشاكل عويصة وقضايا بت فيها القضاء الأغلبي وظلت منازعاتها مستمرة إلى عهد الداودي في أواخر القرن الرابع الهجري (3).
وإنَّ القضايا التي ذكرناها في هذا المبحث كلّها قد تفضي قبل البت فيها ال الاعتداء والجروح بل والقتل بخاصة إذا كان أحد المتنازعين سريع الانفعال والانتقام، وقد تحدث القاضي أبو المهلب (4) عن أنواع من القتل العمدي والخطإ والجراحات وسأل ابن عبد الحكم في مصر حماس بن مروان عن مسألتين في الجراح (5) واستغاث ابن أبي الشوارب بأحمد بن مثيب في دية فتحملها له بجميعها (6) وشهد جبلة بن حمود الصدفي أحد رجال سحنون على أبيه في حياته بأنَّه قتل رجلاً عمداً عن بعض القضاة «فعرض أبوه بالطعن عليه فقال له القاضي والله لإن شهد عليك معه ثان لأسفكنَّ دمك» (7).
__________
(1) - رياض 1/ 279.
(2) - نفسه 2/ 120.
(3) - الداودي: كتاب الأموال 70 - 81.
(4) - أدب القاضي 123 - 124. وانظر أجوبة ابن سحنون (مخ) ق26و، ق56 - 62و.
(5) - الخشني: طبقات 153.
(6) - نفسه 193.
(7) - نفسه 144. (1/217)
صفحة 218
إنَّ هذه القضايا التي يقف فيها العلماء في المحاكم أمام القضاة لا تنم إِلاَّ عن مثيلاتها للعوام ...
ونختم بما بت فيه القضاة من قضايا لها علاقة بالثقافة ولعلَّ مسألة خلق القرآن تعتبر القضية الأولى التي أخذت حيزاً كبيراً من قضاء الأغالبة في المجال الثقافي والمذهبي، وهي تتعلَّق بالعقيدة والفكر الإِسلاَمِي، فقد امتحنَ بعضُ قضاة القيروان (1)، مثل محمَّد بن أسود الصديني المعتزلي (289 - 290هـ/901 - 902م) وقبله عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي (221هـ-232هـ/835 - 846م)، الناسَ بمسألة خلق القرآن وكلفوهم مشقة فكرية وعقدية لم يكن عقلهم قد ارتقى إلى إدراكها بعد، لذلك نجد الإمارة الأغلبية تعزلهما عن القضاء عزلاً تماماً مثلما فعل الخليفة المتوكل العباسي (2) (232هـ-247هـ/846 - 861م) لمَّا أنهى فتنة المعتزلة وأمر بإحياء السنَّة عام 234هـ/848م مع فارق هو أنَّ الأغالبة عينوا بعد ذلك التاريخ الصدينيَّ المعتزلي قاضياً للقيروان.
ومحافظة على السنَّة النبويَّة وحرباً على المدلِّسين يروي أبو العرب أنَّ القاضي سحنون بن سعيد «أرسل في طلب ابن رزين - أحد المدلسين - فأتي به إليه فقال له أنت سمعت من ابن نافع فقال له: أصلحك الله إِنَّمَا سمعت من ابن نافع الزبيري فقال له: لِمَ دلست؟» (3) لأَنَّ القاضي رأى كتاباً فيه رواية عن ابن رزين عن عبد الله بن نافع الصائغ فظهر أنَّه ليس ابن نافع الصائغ وإنَّما الزبيري وهو أقلّ درجة في الحديث من صاحبه.
وهكذا كان القضاء الأغلبي حاضراً في كلّ المجالات وكان وجود القضاة
__________
(1) - انظر خاصَّة: أبو العرب: المحن 462 - 464.
(2) - السيوطوي جلال الدين عبد الرحمن: تاريخ الخلفاء، تَح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مكتبة الشرق الجديد. بغداد، ط3. 1987. ص346.
(3) - طبقات 205. (1/218)
صفحة 219
ضرورة ملحة في العاصمة القيروان وفي الأقاليم كذلك، فتعدُّد القضايا وتنوعها وكثرتها سمة القضاء الأغلبي خصوصاً ولعلها سمة القضاء في المغرب الإِسلاَمِي عموماً في القرون الهجرية الثلاثة الأولى للأسباب التي سبق ذكرها في كثير من المرَّات، هذا بالرغم من سكوت المُؤَرِّخِينَ والإخباريين عن الإفصاح بماهية القضايا واهتمامهم بشخصية القاضي لاغير.
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الأغلبية
سبق أن رأينا أنَّ القضاء الأغلبي لم ينطلق من عدم ولم ينشأ من فراغ وإنَّما هو ميراث عصر الولاة وتجربتُه، منه استمد الخبرة ومنه كانت بدايته. وهذه ميزة ينفرد بها القضاء عند الأغالبة، وكلُّ المميزات الأخرى إِنَّمَا مردها إلى هذه الميزة وهذه الانطلاقة القويَّة منذ البداية.
لقد كان القضاء الأغلبي محظوظاً لمَّا اهتم به المؤرخون وسَجلت أحداثه المصادرُ وكانت متوفرة ومادتها غزيرة وإن لم تُؤَلَّف للتأريخ للقضاء، ولكن اهتمام أصحاب الطبقات بالعلماء وتراجمهم أدَّى إلى تسجيل أخبار القضاة وسيرهم إذ يأتون في مقدِّمة العلماء العاملين الذين تركوا بصماتهم العميقة ليس في الحياة العلميَّة والدينيَّة فحسب، وإنَّما أيضاً في مختلف مناحي الحياة الأخرى السياسية والعسكرية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية بتوليهم لمنصب القضاء.
وقد سبق أن رأينا كذلك أن تاريخ قضاة القيروان هو الأغزر مادَّة فأسماؤهم بارزة متوفرة وانتماءاتهم القبلية المذهبية واضحة وفترات قضائهم محددة دقيقة في أغلبها وليس الأمر كذلك بالنسبة لقضاة الأقاليم، إِلاَّ أنَّ العديد منهم تدرَّج في المناصب القضائية حتَّى ارتقى إلى قضاء القيروان وهو أعلى درجات القضاء عند الأغالبة.
إنَّ القائمتين اللتين وضعتُهما في هذا المجال تبيِّنان بوضوح تسلسل قضاة القيروان وفترات ولاياتهم وأسباب نهايتهم موتاً أو عزلاً أو استعفاء، هذا عن الأولى (1/219)
صفحة 220
الخاصة بقضاة القيروان والتي تضمُّ ثمانية عشر إسماً من أسماء القضاة منهم من تولىَّ القضاء مرَّتين كعبد الله بن أحمد بن طالب التميمي وسليمان بن عمران المعروف بخروفة (1) وممَّا يلاحظ كذلك غياب إسم قاضي الفترة من 214هـ الى 220هـ وهي الفترة التي تأتي بعد وفاة القاضي محمَّد بن عبد الله أبي محرز (ت214هـ) وتولي ابنه أحمد عام 220هـ إِلاَّ أن يكون هذا الأخير قد تولىَّ المنصب مباشرة بعد وفاة أبيه الأمر الذي لا تشير إليه المصادر.
أمَّا القائمة الثانية التي تخصُّ مختلف أقاليم الدولة الأغلبية فإنني بذلت مجهوداً لجمع شَتات القضاة وترتيبهم حسب فترات قضائهم بقدر ماجادت بِهِ المصادر، فإذا كانت القائمة الأولى (قضاة القيروان) قد سبقتها محاولات بعض الدارسين، فإنَّ القائمة الثانية المتعلِّقة بقضاة الأقاليم لا أعرف أحدا سبق إليها.
وبقدر ما تعبر قائمتينا عن جهود البحث المضني فهي تعبر كذلك عن اهتمام الأغالبة بالقضاة إذ لم يتركوا مدينةكبيرة من مدنهم إِلاَّ وعيَّنوا لها ولمَا حولها قاضياً، لا شكَّ أنَّ الضرورة الملحة إليهم هي التي ألجأت الإدارة الأغلبية إلى هذا الاهتمام البالغ بهذه المؤسسة الضرورية والخطيرة في آن واحد.
إنَّ هذه الأسباب كذلك عينَها، هي التي ألجات الأغالبة إلى انتقاء قضاتهم انتقائاً جيداً من بين العلماء ولقد سبقت الإشارة إلى عينات من ذلك الاختيار وما التدرج في المناصب (2) للوصول في نهاية المطاف إلى مركز «قاضي القيروان» إِلاَّ دليل على حسن الاختيار ودقة الانتقاء.
ولقد أطنبت المصادر في ذكر السير الحسنة لأغلب القضاة إِذ كانوا علماء أعلام، فأسد بن الفرات كانت له رحلة إلى المشرق تتلمذ على كبار شيوخها
__________
(1) - القاضي عياض: تراجم 210 انظر هامش1. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق13و.
(2) - أبو العرب: المحن 472، هوبكنز: النظم 237. نوال تركي: التنظيمات 169. (1/220)
صفحة 221
آنداك (1) وكذا الأمر بالنسبة لسحنون بن سعيد (2) الذي يعتبر شيخ القضاة الذين أتوا من بعده وبخاصة المالكيَّة منهم.
لقد تميز القضاة كلّهم بالكفاءة العلميَّة والمقدرة على القضاء ولم يكن أحد منهم يستنكف عن استشارة الأعلم منه عند النوازل (3)، وكانت الرسائل تروح وتجيء إلى المشرق والأندلس ومنهما (4) تستفسر عن القضايا وتستزيد من العلم وإن اعتبر ذلك بعض المُؤَرِّخِينَ منقصة في القاضي بخاصة إذا تَعَلَّقَ الأمر بالقاضي الحنفي أو المعتزلي، فمن المعلوم أنَّ مصادرنا هنا مالكيَّة كلّها لذلك كانت تنظر إلى القاضي من غير المالكيَّة نظرة ازدراء تنسب إليه الجهل والجور في كثير من الأحيان فهذا ابن عذاري يتحدث عن القاضي عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي عندما عزل فيقول بِأَنَّ سحنون قال للأمير الأغلبي «أيها الأمير أحسن الله جزاءك! فقد عزلت فرعون هذه الأمَّة وجبارها وظالمها!» (5)، فهل يُعقل أن يكون بهذه الصفات؟! ثمَّ إنَّ المصادر لم تقل شيئاً عن الطبني القاضي الضرة لسحنون، فلا نعرف عنه أي شيء إطلاقاً سوى أنَّه يُدعى «الطبني» وهو رجل جاهل جافٍ (6) وكذلك الأمر بالنسبة للقاضي محمَّد بن الأسود الصديني الذي قال عنه عياض
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 163. المالكي: رياض 1/ 254 - 255، ابن الأبار: الحلة 2/ 380 وانظر محمَّد محمَّد زيتون: القيروان ودورها في الحضارة الإسلاميَّة دار المنار. القاهرة، ط1، 1988. 248 - 257.
(2) - سحنون: المدونة 6/ 472، أبو العرب: طبقات 184. القاضي عياض: تراجم 86 - 98. ابن العماد الحنبلي أبو الفلاح عبد الحي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار المسيرة، بيروت، ط2، 1399هـ/1979م، 2/ 94، 150. محمَّد محمَّد زيتون: المرجع السابق 257 - 271.
(3) - القاضي عياض: تراجم 192.
(4) - الخشني: قضاة قرطبة 70 - 71. المالكي: رياض 1/ 220.
(5) - ابن عذاري: البيان 1/ 109.
(6) - عياض: ترتيب المدارك 1/ 608 - 609. الجودي: تاريخ قضاة. (مخ). ق12 ظ. (1/221)
صفحة 222
بأنَّه كان خبيثا معتزلياً (1) ولم يكن واسع العلم فكان لا يقطع حكما إِلاَّ برأي ناصحه «ابن عبدون الحنفي» الذي كان قاضياً قبله (2) والذي هو بدوره «كان جده طحاناً ويكتب اسمه محمَّد بن عبد الله الرعيني» (3) وكل هذه المعلومات التي جاء بها ابن عذاري يشتم منها الهمز واللمز والتحقير (4).
لقد أصبح التروي والتثبت في إصدار الحكم واستشارة الفقهاء من علامات قِلَّة العلم عند هؤلاء الإخباريين من كتاب التراجم المالكيَّة ونجدهم لا يحكمون بهذه الأحكام القاسية على سحنون بن سعيد مثلاً لمَّا جاءه رجل بمسألة فكَّر فيها القاضي ملياً لمدة ثلاثة أيَّام ولكنَّه لم يستطع أن يتخذ فيها حكماً لأَنَّ للمسألة آراء كثيرة، بل بالعكس، هذا التروي يمدح عليه سحنون إذ لمَّا قال له الرجل السائل «أنت أصلحَك الله لكلّ معضلة، فقال له سحنون هيهات يابن أخي! ليس بقولك أبذل لك لحمى ودمي للنار وما أكثر ما لا أعرفه ... » (5)
وكان القاضي ابن طالب إذا أُشكل عليه أمر يقف عن تنفيذه (6) أو يشاور ابن عبدوس، أحدَ علماء القيروان، حتَّى أنَّ سليمان بن عمران كان يقول لابن طالب «إن مات لك ابن عبدوس إيش تصنع؟» (7) هذه كلّها عينات لتروي القضاة والتثبت عن إصدار الحكم وذلك عين العدل، وليس الأمر كما تريد أن توهمنا بعض المصادر بأنَّه جهل وقِلَّة رأي وجور.
__________
(1) - تراجم 344، وانظر عن القاضي ابن جيمال الحنفي: الخشني: طبقات 196 يقول عنه «كان قليل العلم كثير الغفلة».
(2) - أبو العرب: طبقات 15.
(3) - ابن عذاري: البيان 1/ 121.
(4) - عن الصراع المذهبي في القضاء انظر الباب الثالث الفصل الأوَّل المبحث الثاني.
(5) - المالكي: رياض 1/ 355.
(6) - نفسه 1/ 477.
(7) - عياض: تراجم 192. (1/222)
صفحة 223
نعم لقد كان هناك بعض القضاة (الجورة) ولكن ليس من قِلَّة العلم وإنَّما تطبيقاً لرأي حنفي أو اعتزالي على مالكي، وهكذا أرى وأعتقد هذا الأمر وبهذا ينبغي أن يفسر.
لقد تميز القضاء الأغلبي في عمومه بالعدل، كان القضاة عدولاً إِلاَّ من نسبه الإخباريون إلى الجور وهو من الأحناف أو المعتزلة انتقاماً من مذهبه واستصغاراً له لا غير.
هذا عن قضاة القيروان، أمَّا قضاة الأقاليم فقد ذكرتُ أنَّ أوائلهم كانوا من تعيين القاضي سحنون بن سعيد، وبالتالي فهم عدول وسيرتهم في القضاء حسنة أمَّا بعض القضاة الآخرين من غير المالكيَّة فإنَّنا نجد مغمزاً فيهم مثلما وجدناه في قضاة القيروان الأحناف والمعتزلة، فهذا أحمد بن وهب يعيَّن قاضياً في طرابلس على عهد القاضي ابن عبدون الحنفي: يقول عنه الخشني (1) إنَّه يكنَّى بأبي الزير لرواية فيها تعريض بأنَّه كان يشرب النبيذ.
إذا استثنينا هذه الملاحظة فإن قضاة الأقاليم كلّهم علماء عدول ولكن لا ننس أنَّ كتب الطبقات المالكيَّة لم تترجم إِلاَّ لرجالها وهذا هدفها، أمَّا غيرهم فإنَّما يأتون عرضاً لذلك نفتقد الكثير من أسماء قضاة الأقاليم لعلَّهم كانوا من الأحناف أو المعتزلة ضاعت أسماؤهم وتراجمهم مع ضياع كتب طبقاتهم وسيرهم في بلاد المغرب الإِسلاَمِي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعلَّ توليهم لمنصب القضاء في الأقاليم والمدن جعل دورهم ثانوياً ونظر إليهم المهتمون بالتأريخ للعلماء دون مرتبة الاهتمام بهم وتسجيل سيرهم.
ورغم جور بعض الأمراء الأغالبة وانقلابهم على قضاتهم إِلاَّ أنَّ القضاء والقاضي ظلا مستقليْن عن تقلبات الأمير والإمارة غالباً فإبراهيم
__________
(1) - طبقات 194. (1/223)
صفحة 224
الثاني بن أحمد الأغلبي (261هـ-289هـ) «كان جائراً ظلوماً سفاكاً للدماء ... أصابه آخر عمره، ماليخوليا أسرف بسببها في القتل فقتل من خدمه ونسائه وبناته ما لا يحصى ... » (1) ومع ذلك لم يجُر القضاء بجور الأمير، وإن عَرف في هذه الفترة كثرة التعيين والعزل بسبب التقلبات التي كانت تصيب إبراهيم الثاني بل إنَّه تجرأ على عزل القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب سنة 275 هـ/888م وحبسه، ثمَّ إنَّه سمَّه فمات في سجنه لا لشيء إِلاَّ لأنَّه كان عادلاً في حكمه (2) لايخاف في الله لومة لائم فقد ذكر عياض أن إبراهيم الثاني كان يقول «على بابي رجلان ما رأت عيني مثلهما: أحدهما يخاف الله ولايخافني والثاني يخافني ولا يخاف الله. فأمَّا الذي يخاف الله ولا يخافني فهو ابن طالب ... » (3).
وإذا استثنينا هذا الأمير المذكور وسلفه محمَّد الثاني أبو الغرانيق بن أحمد (250 - 261 هـ/864 - 874م) الذي غلب عليه اللهو والشراب وكانت أيامه أيَّام حروب وفتن على حدّ تعبير ابن خلدون (4) فإننا نلاحظ استقرار القضاة في مناصبهم وقِلَّة العزل لهم. أمَّا في فترة هذين الأميرين المضطربة (250 - 289هـ/864 - 901م) (أي تسعة وثلاثون سنة) فقد أحصيت فيها سبعة قضاة كلهم عُزلوا عزلاً ومنهم من عزل مرتين كسليمان بن عمران وعبد الله بن أحمد بن طالب إذ عيِّن الأوَّل سنة 242هـ/856م فعزل سنة 257هـ/870 ليخلفه ابن طالب في نفس السنَة ولكنَّه عزل هو الآخر سنة 259هـ/872م ليعود
__________
(1) - ابن خلدون: العبر 4/ 436.
(2) - عياض: تراجم 210 هامش 1، ص 212 ومابعدها.
(3) - نفسه 220.
(4) - العبر 4/ 430. (1/224)
صفحة 225
سليمان بن عمران للمرة الثانية ثمَّ يعزل ثانية سنة 267هـ/880م ليتولى المنصب عبد الله بن أحمد بن طالب الذي يسجن ثمَّ يقتل -كما مرّ بنا- سنة 275هـ/888م (1).
ولقد لاحظت أنَّ قضاة القيروان في بداية عهد الدولة كانوا أطول مدَّة في القضاء من الفترات اللاحقة التي عرفت فيها الدولة عدم الاستقرار وبخاصة الفترة المذكورة آنفاً بالإضافة إلى نهاية الدولة التي انتصب فيها للقضاء خمسة قضاة هم محمَّد بن أسود الصديني المعتزلي (289 - 290هـ/901 - 902م) وعبد الله بن محمَّد بن أسود الصديني (290 - 290هـ/902 - 902، 903م) وحماس بن مروان (290 - 294هـ/902 - 906م) ومحمَّد بن أحمد بن جيمال (293هـ-؟ /905م-؟) وآخرهم إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب (؟ -297هـ/؟ -910م) وكل هؤلاء تولوا القضاء في فترة لا تتجاوز سبع سنين وكلهم تعرض للعزل ماعدا حماس بن مروان الذي وقع له مثلما وقع لسحنون مع الطبني القاضي الضرة، إذ عَين زيادة الله الثالث (290 - 296هـ/902 - 909م) مع حماس بن مروان سنة 293هـ/905م ابن جيمال الحنفي ليقصي به حماساً فلم يكن من هذا الأخير إِلاَّ أن طلب الإعفاء فعفي عام 294هـ/906م (2).
لقد كانت الخمسين سنة الأولى تقريباً (184هـ-232هـ/800 - 846م) مستقرة قضائيا لم يتول فيه إِلاَّ ستة قضاة لا غير وكلهم توفوا وفاة طبيعيَّة وهم في مناصبهم قضاة، ما عدا آخرهم عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي الذي أقصاه مذهبه الاعتزالي عن القضاء. ثم يأتي عهد سحنون بن سعيد (234 - 240هـ)،
__________
(1) - عياض: تراجم 210. وانظر هامش1 من نفس الصفحة.
(2) - الجودي: تاريخ قضاة. ق. ق 16ظ-18و. (1/225)
صفحة 226
الذي كان قوي الشخصية كما قد أسلفنا، طغت قدراته وجرأته على شخصية الوزراء والأمراء فكان عهده (ستة أعوام) متميزًا مستقلا لا يشبهه العهد الذي سبقه ولا الذي يأتي من بعده.
وما إن يتوفى هذا القاضي حتَّى يدخل القضاء الأغلبي مرحلة جديدة هي التي تحدثنا عنها ورأينا أنَّها كانت مضطربة يُعزل فيها القضاة عزلاً الواحد بعد الآخر إلى نهاية الدولة ولم نجد واحداً منهم استقر في قضائه ومات قاضياً وكأنَّ الفراغ الذي تركه سحنون بن سعيد بشخصيته القويَّة لم يستطع أحد من خلفائه ملأه فكانوا عرضة للعزل والإعفاء.
ومن نافلة القول إنَّ القضاء في الأقاليم كان تابعاً لقضاة القيروان يتعرَّضون لما يتعرض له قاضي القيروان ولعلَّ أبرز ذلك يتجلى في معاملة إبراهيم الثاني للقضاة الذين عينهم عبد الله بن أحمد بن طالب هنا وهناك في مدن الدولة الأغلبية، إذ لمَّا انتقم منه الأمير لحق انتقامُه إلى أصحابه القضاة فمنهم من خُشِّب ومنهم من سُجن ومنهم من اُمتهن وكل ذلك بعد عزلهم بطبيعة الحال عزلاً سيئاً (1).
وممَّا يجب أن يذكر ختاما في هذا التقويم للقضاء الأغلبي ما قد سبقت الإشارة إليه من ندرة المادَّة الخبريَّة فيما يتعلَّق بموضوعات القضاء فعلاً وواقعاً، ولقد رأينا أنَّ كتَّاب الطبقات والتراجم وهم عمدة مصادرنا في هذا البحث لم يلتفتوا إلى هذا الجانب ولم يسجلوا شيئاً كثيراً عنه لأنَّه لا يدخل ضمن اهتماماتهم فهم يؤرخون سيرة القاضي وليس سيرة القضاء حتَّى تأريخهم لسيرة القاضي ليست مقصودة في حدّ ذاتها لأنَّها للقاضي، وإنَّما لأَنَّ هذا القاضي كان عالماً شيخاً من العلماء الأعلام، ووجدنا ضالَّتنا في هذا المجال في كتب الفقه والنوازل.
__________
(1) - أبو العرب: المحن 473 - 476. (1/226)
صفحة 227
ختاما، إنَّ القضاء في الدولة الأغلبية هو امتداد للقضاء في عصر الولاة كان متميزاً ومتطوراً منذ البداية عرف الاستقرار في بداية عهد الدولة إلى نهاية عهد سحنون بالقضاء سنة 240هـ /854م ثمَّ شهد أنواعاً من الاضطراب كان تبعاً لاضطراب شخصيات الأمراء الأغالبة من جهة، ولأفول نجم الدولة في نهاية عهدها من جهة أخرى.
لقد كان القضاة كلّهم تقريبًا علماء فطاحل عدول في قضائهم لم يجوروا مع جور السلطان بل كانوا دروعاً واقية للرعية من هذا الجور الأمر الذي أدى ببعضهم إلى العزل عزلاً صريحاً كابن أبي الجواد المعتزلي وعيسى بن مسكين المالكي وغيرهما، وأدى ببعضهم الآخر إلى الإقصاء كسحنون بن سعيد وحماس بن مروان، بل منهم من فتك به في السجن وقتل كعبد الله بن أحمد بن طالب وقضاته في الأقاليم وهو القاضي الوحيد الذي قتله الأمير الأغلبي قتلاً فضلاً عن تدافع العلماء لمنصب القضاء ورفضهم له عندما يُعرض عليهم.
إنَّ القضاء الأغلبي هو مفخرة القضاء في المغرب الإِسلاَمِي عموماً يقف الندَّ للندِّ من حيث تطوره وعدله مع القضاء في دار الخلافة ببغداد وفي قرطبة بالأندلس. ويشكل مع القضاء الرستمي في عدلهما حقيقة الحياة الاجتماعية التي عاشها المغرب الإِسلاَمِي خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى. (1/227)
صفحة 228
خلاصة الباب الأول
لقد تأكَّد لدينا أخيراً أنَّ بداية القضاء في بلاد المغرب الإِسلاَمِيّ كانت مع آخر قادة الفتح لهذه الربوع موسى بن نصير الذي غادر المغرب في أواخر سنة 96هـ/715م، فهو أوَّل من عيَّن أوَّل القضاة بالقيروان: أبا الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي. ولعلَّ ذلك قد تَمَّ في حدود عام 90هـ/708م، وعيَّن بعده الخليفةُ عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ/717 - 719م) أوَّل القضاة لعهد الولاة: أبا المغيرة عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي، وظلَّ الخلفاء تارة والولاة أطوارا يعيِّنون ولاة القيروان الواحد بعد الآخر، وكان آخرهم في هذا العهد هو أولهم على عهد الأغالبة الذين ورثوا حكم المغرب بعد عصر الولاة.
إنَّ قضاء عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني القاضي المخضرم (171 - 190هـ/787 - 805م) أثبت لنا أنَّ نشأة القضاء عند الأغالبة لم تكن في عهدهم وإنَّما منذ أمد بعيد يمتدُّ إلى نهاية القرن الأوَّل الهجري وبداية الثاني لمَّا عُين أوَّل قاض بإفريقية، ولذلك كان القضاء عند الأغالبة خطة كاملة الملامح منذ البداية، راسخة الوجود، اكتسبت تجربتها عبر عقود عهد الولاة. علماً بأنَّ إبراهيم الأوَّل ابن الأغلب (184 - 196هـ/800 - 811م) عيَّن لأول مرَّة في دولته محمَّد بن عبد الله الكناني أبا محرز (191 - 214هـ/806 - 829م) قاضيا بعد وفاة سلفه.
أمَّا عند الرستميين، فمع أنَّ عبد الرحمن بن رستم تولىَّ القضاء بالقيروان لفترة قصيرة (140 - 145هـ/757 - 762م) في دولة الإباضيَّة بإفريقية على عهد أبي الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري، فإنَّه لمَّا أسَّس دولته بتيهرت المغرب الأوسط أنشأ خطَّة القضاء وكان أوَّل قاض لدولته (160 - 171هـ/777 - 787م) كما أنَّ الإمامين الأوَّلين المدراري عيسى بن يزيد الأسود (140 - 155هـ/757 - 771م) والإدريسي إدريس الأوَّل (172 - 177هـ/788 - 793م) هما اللذان توليا (1/228)
صفحة 229
هذا المنصب في دولتيهما مباشرة بعد قيامهما ... لقد جلس هؤلاء الأَيمَّة جميعهم بالمسجد الجامع بعواصمهم يحكمون بين الناس ويفضُّون منازعاتهم وخصوماتهم وما أشبه ذلك، الأمر الذي لم يكن عند الأغالبة.
إنَّ عبد الرحمن بن رستم سرعان ما تنازل عن القضاء تاركا إيَّاه لقضاة عيَّنهم لم تصلنا أسماؤهم، في حين أنَّ عيسى بن يزيد الصفري وإدريس الأوَّل العلوي سرعان ما قُتلاَ، ولم نعرف هل عيَّنا للقضاء أم لا، فضلا عن عدم وصول اسم قاض واحد في عهديهما إلينا.
واستمرَّ جهلنا لأسماء القضاة في هذه الدول الثلاث إلى عهد الإمام الثالث عند الرستميين: أفلح بن عبد الوهَّاب (208هـ-258هـ/823 - 871م) الذي عيَّن القاضي محكَّم الهواري، وعند الأدارسة وبعد فترة مولاهم راشد الذي حكم بالنيابة حوالي إحدى عشرة سنة (177 - 188هـ/793 - 803م) عيَّن إدريس الثاني (188 - 213هـ/803 - 828م) قاضيه محمَّد بن عامر. أمَّا المدراريون فلا نعرف من أسماء قضاتهم أحدا طيلة حكمهم، كما لا نعرف هل وضعوا خطَّة القضاء في دولتهم أم لا وإن احتملنا وجودها ضرورة.
واستمرَّت كيانات المغرب الإِسلاَمِيّ في هذه القرون تعيِّن القضاة في عواصمها، إِلاَّ أنَّنا إن كنَّا نعلم أسماء جلِّ قضاة القيروان إن لم نقل كلّهم، فإنَّنا لا نعلم إِلاَّ بعض أسماء قضاة تيهرت، في حين لا يُذكر أيّ اسمٍ لقاض في فاس بعد قاضي إدريس الثاني.
وتتشابه معرفتنا لقضاة الأقاليم مع قضاة العواصم وتتطابق تماما من حيث نشأة خطَّتها واستمرارها هناك في كلّ دولة من دول المغرب، فالأغالبة عيَّنوا للقضاء في الأقاليم وبرز ذلك على عهد القاضي سحنون بن سعيد بخاصة (234 - 240هـ/848 - 854م) والعهود من بعده. وكذلك عيّن الرُّستميون في أقاليمهم، ونجهل كلّ شيء عن ذلك في دول المغرب الأقصى. (1/229)
صفحة 230
إنَّ مشكلة تواريخ فترات القضاة تبرز بحدة عند الرّستميين فلقد أهملتها المصادر إهمالاً مطلقاً وإن احتفظت بأسماء القضاة، في حين هي عند الأغالبة أوضح وأدق وإن لاحظنا أنَّ فترات قضاة الأقاليم أقلّ عند المُؤَرِّخِينَ وأصحاب التراجم من فترات قضاة القيروان، ومع ذلك فهي أجدى وأنفع في مثل هذه الدراسة.
ولقد رأينا أنَّ القضاة اهتموا بِكُلِّ قضايا المجتمع وعرضت عليهم في مجالسهم مختلف الأقضية: اجتماعية من زواج وطلاق وميراث ... واقتصادية من زراعة وتجارة ... ومالية من ديون وإعارات ... وأخلاقية من لصوصية وفحشاء ومناكر ... بل وحتى ثقافية فكرية. لقد بت القضاة في الخصومات والمنازعات وأجلوا الغموض عن مبهمات الأحكام لمن وقف متقاضياً عندهم، فأخذوا الحقّ من الظالم للمظلوم ووضعوا موازين العدل في المجتمع إخلاصاً للعقيدة والدين وشرائعه.
وبرز من قضاة هذه الفترة، مجموعة معتبرة، بإنجازاتهم نذكر منهم أبا كريب جميل بن كريب المعافري، وعبد الله بن عمر بن غانم، وأسد بن الفرات، وسحنون بن سعيد، وسليمان بن عمران، ومحكّم الهواري، وعامر بن محمَّد بن سعيد القيسي وغيرهم ...
إنَّه بات من المؤكد الآن، أن نقول إنَّ القضاء في بلاد المغرب قد عرفنا نشأته وبعض تطوراته، كما عرفنا نمادج من قضاته، ونمادج من موضوعات القضايا التي عرضت عليه، فلم يعد –في اعتقادنا– متداخلاً أو مبهماً غير واضح اللهمَّ إِلاَّ ماتعلق ببعض الكيانات وبخاصة في المغرب الأقصى، فإنَّه يبقى ينتظر الجديد من المخطوطات لإجلاء الغموض وكشف البهمة عنه. ولعلَّ أموراً جديدة وتفاصيل دقيقة أخرى، ستتكشف لنا شيئاً فشيئاً، من خلال مباحث وفصول الباب الثاني الموالي والمتعلِّق بالجهاز الإداري للقضاء في بلاد المغرب الإِسلاَمِي. (1/230)
صفحة 231
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء
في المغرب الإسلامي (1/231)
صفحة 232
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/232)
صفحة 233
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء
في المغرب الإسلامي
تمهيد
الفصل الأول
شخصية القاضي وهيبته
المبحث الأَوَّل: علم القضاة وأعمارهم
أ-علم القضاة
ب-أعمار القضاة
المبحث الثاني: لباس القضاة ومركوبهم وهيبتهم
أ-لباس القضاة
ب-مركوب القضاة
ج-هيبة القضاة
المبحث الثالث: المستوى المعيشي للقضاة (رزق القاضي وراتبه)
المبحث الثالث: الأصول الاجتماعية والقَبَلِيَّة للقضاة
أ-الأصول الاجتماعية
ب-الأصول القبَليَّة (1/233)
صفحة 234
[صفحة بيضاء] (1/234)
صفحة 235
تمهيد
الحديث عن الجهاز الإداري للقضاء في المغرب الإِسلاَمِي يتناول ثلاثة محاور كبرى هي القاضي والتنظيم القضائي ومجلس القضاء.
ويعتبر القاضي هو المحور الذي تدور حوله كلّ العمليات المتعلِّقة بالقضاء، فهو المسيِّر لهذه المؤسسة، وهو المسؤول الأوَّل عنها لذلك وجب التطرق إلى شخصيته و علمه وهيبته ومعيشته ثمَّ البحث عن أصوله الاجتماعية والقبلية بصفة بعامة.
أمَّا التنظيم القضائي فيتناول مراتب القضاة واستقلاليتهم، تعيينهم وعزلهم، أو ما يُعرف بإنهاء المهامِّ لأنَّ ذلك يتمُّ بطرق متعدِّدة متنوِّعة.
والمحور الأخير - وهو مجلس القضاء - يدور موضوعه حول أماكن انعقاد القضاء المختلفة ويبحث عن مساعد القاضي، وتوابع القضاء، هذه التوابع المتمثِّلة في خطط المظالم والحسبة والشرطة، وإشكالية ارتباطها بالقضاء وما مدى ذلك، ثمَّ يبحث عن الأدوات المستعملة في خطة القضاء ابتداء من السجلاَّت وانتهاء إلى الدرَّة والحصير.
إنَّ المغرب الإِسلاَمِيَّ في القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد، سيعرف بناء الأسس الأولى للقضاء الإِسلاَمِيّ.
كلُّ هذه المحاور وما تفرَّع عنها هو من وضع هذه الفترة الزمنية، فما هي حقيقتها؟ وما تفصيلاتها؟ ... (1/235)
صفحة 236
الفصل الأول: شخصية القاضي وهيبته
المبحث الأَوَّل: عِلم القضاة وأعمارهم
أ-عِلم القضاة:
تميز قضاة المغرب الإسلاميِّ عموماً بعلوِّ كعبهم في العلوم، رغم أننا نجد بعضهم قد نسب إِلى نوع من الجهل والغفلة، وقد لاحظ هوبكنز أنه ربَّما كان لتوفر التقوى في القاضي أهمية أكبر بكثير من توفُّر العلم فيه (1)، وهذه الظاهرة نجدها فعلا في بعض قضاة الأحناف، إن لم نتِّهم المصادر المالكية بالتحامل على هؤلاء القضاة، بخاصة و أنَّ أبا حنيفة النعمان، كما يقول الماوردي يجوِّز «تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه وقضاياه» (2)، ولعلَّ هذا هو التفسير الحقيقي لما يقال عن بعض أولئك القضاة بالقيروان من قلَّة العلم فمبعثه إذا أنَّ إمامهم يجيز لهم ذلك بشرط أن يستشيروا ويستفتوا.
عندما نذكر نماذج من القضاة في المغرب الإِسلاَمِيّ سنجد الأغلبية منهم علماء أعلام ذوي قدَم راسخة في الفقه والحديث. ففي عصر الولاة كان القاضي خالد بن أبي عمران التجيبي (؟ -127 أو 129هـ/؟ -744 أو 746م) «عالم أهل المغرب وفقيههم ثقة ... » (3) أمَّا القاضي عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بيزيد بن الطفيل (تولَّى في عهد الوالي حنظلة بن صفوان وعهد يزيد بن حاتم) فإنَّ أبا العرب يقول عنه «لم أجد له حديثا يرويه عنه أحد من مشايخنا ولا سمعت من
__________
(1) 1 - هوبكنز: النظم 205 وانظر كتابنا: القضاء في الإسلام مرجع سابق وانظر: Gaudefroy:Notes. p120 - 121. فريد بن سليمان: القضاء والقضاة، (مقال)، ص125.
(2) - الأحكام السلطانية 74.
(3) - أبو العرب: طبقات 212 هامش 2 وانظر 212 - 214. (1/236)
صفحة 237
يذكره إلاَّ بخير» (1) في حين يقول عنه المالكي «كان راوياً للحديث» (2) وممَّا يدل على حفظه وعلمه ما ذكره أبو العرب من أنَّه سئل يوماً عن سبب استيداعه للديوان رجلاً صبَّاغاً وما يلحق ذلك من الخطورة أجاب للوالي يزيد بن حاتم «إني أحفظ ما في ديواني وهذا لا يضرني» (3).
واشتهر القاضي عبد الله بن غانم (171 - 190هـ) بالفصاحة والبلاغة (4) وكان ثبتا ثقة نبيلا سمع من مالك ومن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ومن سفيان الثوري (5) وأبي يوسف القاضي وغيرهم (6).
أمَّا عن بعض قضاة الإباضية في عصر الولاة والرستميين فقد سبق أن أشرنا إِلى أنَّ إسماعيل بن درار الغدامسي وعبد الرحمن بن رستم، اللذين توليا القضاء في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري إذ كان أولهما بطرابلس وثانيهما بالقيروان، من حملة العلم إِلى المغرب، رحَلا إِلى البصرة حيث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ جابر بن زيد فتلقَّيا عنه العلم حتَّى أنَّ ابن درار لمَّا جاء ليودّع شيخه سأله ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له شيخه أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار؟ (7)
أما عبد الرحمن بن رستم قاضي القيروان وعالمها (140 - 145هـ) وَأَوَّل قاض إمام للدولة الرستمية فيما بعد فإنَّ المصادر الإباضية قد أطنبت في ذكر شغفه
__________
(1) - طبقات. 106.
(2) - رياض النفوس 1/ 172.
(3) - طبقات 106.
(4) - المالكي: 1/ 219 - 220 وانظر 187.
(5) - أبو العرب: طبقات 116.
(6) - الرقيق: تاريخ 142.
(7) - الشمَّاخي: 142. (1/237)
صفحة 238
بالعلم وتعلُّقه به وكان من القدرة العلمية بحيث قال عنه أحد معاصريه «لا أعلم من يُخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا إلاَّ عبد الرحمن بن رستم بالمغرب» (1) وهذا على الفقه الإباضي وكان شيخه قد قال له «افت بما سمعت (منِّي) وما لم تسمع» (2).
وكان عبد الوهاب ابنه تلميذ حملة العلم الخمسة إِلى المغرب قد جاءته أحمال من الكتب من المشرق فلمَّا اطَّلع عليها قال «الحمد لله إذ ليس فيها مسألة غربت عنِّي إلاَّ مسألتان ولو سئلت عنهما لأجبت قياساً على نظائرهما ووافقت الصواب» (3).
أمَّا القاضي محكَّم الهواري الذي كان في عهد أفلح بن عبد الوهاب فقد تمسَّك بتعيينه الشراة رغم بداوته- لورعه ودينه (4) وكان من العلم بحيث اختير على علماء تيهرت ونفوسة ونودي عليه من جبل الأوراس البعيد عن العاصمة (5).
وكذلك كان القاضيان محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي الإمام أبي اليقظان وعبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي الإمام أبي حاتم، كلاهما من الورع والعلم والدين بحيث جعلت مشايخ البلد - على حد تعبير ابن الصغير الإباضية وغير الإباضية - يشيرون بهما للإمامين المذكورين فما كان منهما إلاَّ أن قالا «أشرتم وأحسنتم» (6).
وإذا خرجنا إِلى أقاليم الدولة الرستمية وجدنا القاضيين عمروس بن فتح قاضي نفوسة وأبا يوسف يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي قاضي وارجلان:
__________
(1) - لواب بن سلام: كتاب بدء الإِسلاَم وشرائع الدين، 114.
(2) - الشمَّاخي: 144 وانظر كتابنا الدولة الرستمية 264 ومابعدها.
(3) - الدرجيني: طبقات 1/ 56 - 57 وانظر أبو زكرياء: السيرة. 102.
(4) - ابن الصغير. 49.
(5) - بحاز: الدولة الرُّستمية. 325.
(6) - أخبار. 101. (1/238)
صفحة 239
فلقد كان عمروس من العلم بحيث شغل مكاناً بارزاً في طبقات الإباضية إذ كان غاية زمانه (1) علما وفقها قال عنه الدرجيني هو «بحر العلوم الزاخر المبرَّز أوَّل السباق وهو الآخر الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ... » (2).
أمَّا ابن سيلوس قاضي وارجلان فكان عالما فقيهاً فطناً نبيهاً يقظا ذكياً وكانت تلمذته على الأيمة بتيهرت (3)
هذه العينات من القضاة في العهد الرستمي تؤكد التزام الشروط التي وضعها الإمام عبد الوهاب لمَّا تحدث عن القاضي فقال « ... لا ينبغي للقاضي أو للمفتي أن يقضي أو يفتي حتى تكون فيه خمس خصال ... أن يكون عالما بما مضى من الكتاب والسنة ... » (4).
أمَّا في المغرب الأقصى فقد كان أيمة بني مدرار بخاصة الأوائل منهم مثل المؤسِّس عيسى بن يزيد وخليفته أبي القاسم سمكو بن واسول (155 - 168هـ)، وقد تولّيا القضاء في دولتهما كما رأينا، كان من تلاميذ عكرمة مولى عبد الله بن العباس - رضي الله عنه - (5)، منه أخذا العلم وهو مَن هو في الفقه والعلم.
وكذلك عرف عن أيمة الأدارسة وهم من دوحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمهم وتقواهم فإدريس الأوَّل كان «في نهاية العلم والورع ... والزهد والسخاء والشجاعة والكريم وكان حليف القرآن حَسن القراءة شجيها» (6) وكذلك
__________
(1) - الوسياني: سير (مخ) ق 3.
الشمَّاخي: سير 225.
(2) - طبقات 2/ 320. الشمَّاخي: سير 225.
(3) - الشمَّاخي: سير 288 - 289.
(4) - انظر تلك الشروط بالتفصيل في لواب بن سلاَّم: كتاب فيه بدء الإِسلاَم. 96.
(5) - السجلماسي: أحمد بن أبي محلي: تقييد (مخ) ق 61. البكري: المغرب. 149.
(6) - علال الفاسي وآخرون: الإمام إدريس مؤسس الدولة المغربية. 14 - 15. (1/239)
صفحة 240
الأمر بالنسبة لابنه إدريس الثاني فكان راشد مولى أبيه قد علَّمه «العلوم العقلية والنقلية من فقه وحديث وتفسير ولغة وبلاغة وغيرها حتَّى العلوم السياسية إِلى أن تمهَّر فيها» (1).
والحقيقة أن العلم عند آل البيت سجية فيهم، ولقد ذكرنا أنَّ المولى راشد هو الآخَر قد تولى القضاء لمدة إحدى عشرة سنة هي السنوات التي كان فيها إدريس الثاني صغيراً، ولقد رأينا أنَّه كان أستاذ سيده إدريس بن إدريس وشيخُه، هو الذي لقنه تلك العلوم التي ذكرناها آنفاً (2).
أمَّا عن القاضي الوحيد الذي سجلته المصادر للأدارسة وهو عامر بن محمَّد بن سعيد القيسي (قيس عيلان) والذي عينه إدريس الثاني يقول عنه ابن أبي زرع «كان رجلا صالحا ورعا فقيها سمع من مالك وسفيان الثوري وروى عنهما كثيراً ... » (3).
فلقد كانت ميزة العلم إحدى المميزات الأساسية لأيمة قضاة المغرب الأقصى فإليها يستكين البربر وينقادون، وبالعلم تأسست تلك الكيانات المتعددة هناك كبني صالح بناكور وبني صالح ببرغواطة، وقد سبقت الإشارة إِلى هذا.
ونعود إِلى إفريقية مرة ثانية، وهذه المرة مع قضاة الأغالبة الذين بلغوا شأواً بعيدا في العلم وأسماؤهم بين العلماء تأتي في المقدمة، فالقاضي أسد بن الفرات الحنفي المذهب قصد مالك بن أنس فسمع منه ثمَّ رحل إِلى العراق لأنَّه قيل إنَّه سأل مالكا فأجابه ثمَّ سأله فأجابه ثمَّ سأله فأجابه فقال له مالك «حسبك يا مغربي!
__________
(1) - السنوسي: الدرر السنية. 65.
(2) - نفسه. 65.
(3) - الأنيس المطرب. 29. وانظر الجزنائي: جني زهرة الآس. 17. (1/240)
صفحة 241
إن أحببت الرأي فعليك بالعراق» (1) ولقي في العراق أصحاب أبي حنيفة وسمع منهم ودارسهم ثمَّ قصد مصر بعد موت مالك فاتَّصل بعبد الرحمن بن القاسم ودوّن عنه ستين كتابا سماها «الأسدية» فكان إمام العراقيين بالقيروان كافَّة (2).
أمَّا إمام المدنيين بالقيروان كافة فهو القاضي سحنون بن سعيد التنوخي، سمع بإفريقية من جماعة منهم علي بن زياد والبهلول بن راشد و القاضي عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني ... وسمع بمصر من عبد الرحمن بن القاسم وأشهب وعبد الله بن عبد الحكيم ... وسمع بالمدينة من عبد الله بن نافع الصائغ وغيرهم، وسمع بالشام من الوليد بن مسلم وسفيان بن عيينة وغيرهم من علماء مكة والبصرة والكوفة وواسط والطائف (3).
وكان القاضي عيسى بن مسكين يقول « ... لم يكن بين مالك وسحنون أحد أفقه من سحنون» (4).
أمَّا القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب فقد كان «فطِناً جيد النظر يتكلم في الفقه فيحسن حريصا على المناظرة يجمع في مجلسه المختلفين من الفقهاء ويغري بينهم لقصد الفائدة، فإذا تكلَّم أجاد وأبان حتى يود السامع أنَّه لا يسكت» (5) وكان يأخذ العلم عن إبراهيم بن النعمان القرشي الفهمي من حيث لا يشعر كأن يسأله أن يقابل معه كتبه عن سحنون (6). وقال عنه أحد معاصريه
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 256 - 261.
(2) - نفسه: 1/ 261 - 264.
(3) - نفسه 1/ 347 عن الأعلام المذكورة انظر هامش نفس الصفحة وانظر أبو العرب: طبقات 185.
(4) - المالكي: 1/ 353 انظر عن علم سحنون بإطناب صفحات 346 - 355 ولشغفه بالعلم فإنَّه استعار كتابَي البيعة لابن الوهب من موسى بن منيِّر فماطله بهما فأتاه مرَّة فحلف له بالطلاق لا يبرح إِلاَّ بهما فأخرجهما له سحنون. انظر أبو العرب: طبقات 196.
(5) - الدباغ: معالم. 2/ 159. الخشني: طبقات 190.
(6) - أبو العرب: طبقات. 238. (1/241)
صفحة 242
«ما رأيت أفقه من ابن طالب إلاَّ يحي بن عمر» (1) ولا أدل على ذلك من كتبه التي يردُّ فيها على الشافعي (2).
أمَّا القاضي أبو عباس محمَّد بن عبد الله بن عبدون الرعيني فكان «حافظا لمذهب أبي حنيفة ... موثقا كاتبا للشروط والوثائق» (3) له جملة من المؤلفات في الفقه الحنفي منها كتاب «الشروط» (4).
ونختم هؤلاء القضاة الأعلام من مالكية وأحناف بالقاضي عيسى بن مسكين الذي سمع من سحنون ومن ابنه محمَّد جميع كتبه وسمع بالمغرب من غيرهما وبالشام وبمصر. «كان من أهل الفقه والورع ... ثقة مأموناً ... متفنناً في كل العلوم: الحديث والفقه واللغة وأسماء الرجال وكناهم وقويهم وضعيفهم فصيحاً يجيد الشعر ... » (5).
وكما أسلفنا القول في بداية هذا المبحث فإنَّ هناك بعض القضاة الذين وصفوا بالجهل والغفلة منهم القاضي ماتع بن عبد الرحمن الرعيني الذي تولّى القضاء في عهد يزيد بن حاتم، يقول عنه أبو العرب «كان -فيما ذكروا- رجلَ سوء ... وما وجدت عن ماتع عند أحد من مشايخنا علماً يروونه عنه» (6) وكذلك الأمر بالنسبة لمحمد بن الأسود الصديني القاضي المعتزلي في عهد الأمير عبد الله الثاني بن إبراهيم الثاني الأغلبي، إذ «لم يكن واسع العلم فكان يشاور العلماء فلا يقطع حكماً إلاَّ برأي ابن
__________
(1) - الدباغ: معالم. 2/ 160.
(2) - أبو العرب: طبقات. 198 هامش 4.
(3) - الخشني: طبقات 187.
(4) - حسن حسني عبد الوهاب: ورقات 1/ 265 - 266.
(5) - عياض: تراجم 232 - 233.
(6) - أبو العرب: طبقات. 104 - 105. (1/242)
صفحة 243
عبدون القاضي وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة» (1).
ويذكر ابن عذاري عن القاضي محمَّد بن عبد الله المعروف بابن جيمال (الحنفي) وكان قاضياً في أواخر عهد الأغالبة أنه «لم يكن عنده علم ولا ورع ... وكانت فيه غفلة شديدة وضعف ... » (2). أمَّا آخر قضاة الأغالبة إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب فإنَّه «لم يكن عنده علم ولا حفظ ولكن كان ممن أظهره الجدُّ وأقامته العناية» (3)، ويروي الخشبي أنه قيل لعالم «من أعلم؟ ابن الخشاب أو ابن سمحان؟» فقال هذا العالم «إن سألتني أيهما أغرق في الجهل أنبأتك و أمَّا علم فما علمته» (4).
هذا عن قضاة القيروان أمَّا الأقاليم فإنَّ قضاتها كانوا أقل درجة علميَّة من قضاة العاصمة ولكن العديد منهم تدرج في المناصب وتعلم حتى ارتقى إِلى المنصب الأعلى بالقيروان، وقد مرت بنا عيِّنات من هؤلاء (5).
و إنَّ القاضي عبد الله بن سهل القبرياني أحد قضاة صقلية « ... سمع من سحنون ومن غيره من رجال القيروان وكان عالماً بمذاهب مالك حسن الحفظ» (6) ومن أصحاب سحنون بصقلية كذلك أبو ربيع سليمان بن سالم الكندي المعروف بابن الكحالة المتوفَّى بصقلية سنة 305هـ/917م يقول أبو العرب «عنه انتشر الفقه بين أهلها» (7).
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب). 288.
(2) - البيان 1/ 140 وانظر الخشني: طبقات 196.
(3) - الخشني: طبقات 176.
(4) - طبقات: 176.
(5) - انظر المبحث الثاني الفصل الرابع الباب الأوَّل.
(6) - الخشني: طبقات. 134.
(7) - طبقات. 109. (1/243)
صفحة 244
ومن القضاة من كان متذبذباً في علمه ومذهبه مثل إسحاق بن أبي المنهال قاضي صقلية الذي كان في الأصل فقيها قيروانياً مالكياً ثمَّ انضم لبني عبيد الفاطميين فولى القضاء لعبيد الله المهدي وأظهر صرامة بالغة في تطبيق مذهب أهل البيت حتَّى وصف بأنَّه كان رجل سوء (1).
ومن قضاة تونس أبو المهلب هيثم بن سليمان صاحب كتاب «أدب القاضي والقضاء» وهو الفقيه الحنفي يدل عليه كتابه المذكور (2).
وبمدينة طرابلس ينتصب القاضي موسى بن عبد الرحمن أبو الأسود المعروف بالقطَّان «صحب محمَّد بن سحنون وسمع منه وكان يحسن المسائل و التكلم في الرأي على مذهب مالك وأصحابه» (3) وبنفس هذه المدينة تولى القضاء أبو العباس إسحاق بن إبراهيم الأزدي المعروف بابن بطريقة «كان فقيهاً ثبتاً ثقة» (4).
هكذا نلاحظ أنَّ القضاة في المغرب الإسلامي بعامة ممن رسخت أقدامهم في العلم، فمنهم الذي يُعتبر كنار على علم شهرة ومنهم من هو أقل منه إلاَّ أنَّ معظمهم من العلماء وممن أدرك فقه الأحكام إلاَّ من شذ عن هذه القاعدة من قضاة الحنفية بخاصة، إلاَّ أني لازلت أجد شكاً في رواية المالكية تجاه من وصف بالجهل والغفلة والجور من هؤلاء القضاة وكأني بهؤلاء يريدون أن يكون القضاة كلهم من مذهب مالك فإن ولي عليهم غيرهم نسبوه إِلى الجهل والجور، أقول هذا مع غياب مصادر الحنفية ببلاد المغرب التي هي وحدها تؤكد ما نسبته إِلى قضاتها مصادر المالكية أو تنفيه بخاصة و أنَّ الخشني ذكر نصاً ذا قيمة بالغة يؤكد ما ذهبنا إليه من شك فيقول عن القاضي ابن عبدون الحنفي «سمعت
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (الفاطميون). 53 هامش 138.
(2) - أبو المهلب: أدب القاضي. 8.
(3) - الخشني: طبقات 159.
(4) - أبو العرب: طبقات.248 المالكي: رياض 2/ 55. (1/244)
صفحة 245
طبقة المدنيين ينسبون إليه الغفلة وقلة الحصافة وأهل العراق يصفونه بضد ذلك وبه يثنون وبمكانته يفخرون» (1).
ب- عُمر القضاة:
ونصل إِلى قضية العمر، عمر قضاة بلاد المغرب، وبادئ ذي بدء نقول إنَّ عمر قضاة المغرب نراه عادياً لم يشر أحد من المؤرخين إِلى ما يمكن أن يجلب الانتباه في هذه المسألة، فأعمار القضاة إذن كانت عادية مطابقة لمَا نظَّر له المنظّرون في هذا المجال بحيث يكون القاضي بالغاً مدركاً (2).
ولعل أصغر قضاة المغرب إطلاقاً هو إدريس الثاني الذي تولى الإمامة و القضاء وعمره إحدى عشرة سنة يقول الحلبي «تولى القضاء والفصل بين المسلمين بنفسه وقام بأمور باقي الأحكام والشرائع في الأنام حتى قدم عليه عامر بن سعيد ... » (3) ولعل المُؤَرِّخِينَ لم يستشذوا هذا إن صحت العبارة لأنَّ إدريس الثاني إمام قبل أن يكون قاضياً جاءته الإمامة وراثة وتولى القضاء تبعاً لذلك.
أما عمر عبد الرحمن بن رستم لمَّا تولى القضاء بالقيروان فكان أصغر الخمسة حملة العلم إِلى المغرب (4)، ومع ذلك قدَّمه أبو الخطاب لتولي القضاء في
__________
(1) - الخشني: طبقات. 187.
(2) - انظر كتابنا: القضاء في الإسلام مرجع سابق. يذكر الجيطالي أنَّ «يحي بن اكثم أحد قضاة بغداد ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل في مجلسه يريد أن يُخجله بصغر سنه، كم سن القاضي أيده الله؟ قال مثل سن عتّاب بن أسيد حين ولاّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمارة مكَّة وقضاءها فأفحمه» انظر قناطر الخيرات. 1/ 322 ويذكر ابن حزم أنَّ هناك من ولِّي القضاء في صباه وذكر اسم قاضيين أحدهما في الأردن والآخر في إستجة بالأندلس وكلاهما له من العمر ست عشرة سنة. رسائل ابن حزم 2/ 98.
(3) - -الحلبي: الدرُ النفيس: (مخ) ق 251.
(4) - -البغطوري: كتاب سير أهل نفوسة (مخ) ق5. (1/245)
صفحة 246
عاصمة المغرب الإسلامي، ولكن نفاجأ بعد أربعة أعوام من توليه القضاء 140 - 144هـ وعند هروبه من القيروان إِلى موضع تيهرت بالمغرب الأوسط تخبرنا المصادر بِأَنَّ ابنه عبد الوهاب وخادمه يتعاقبان على حمله لضعف قوى عبد الرحمن (1)، على حد تعبير الدرجيني، أمَّا أبو زكرياء فيقول «وقد ضعفت قوة الشيخ عبد الرحمن فصار يحمله عبده تارة وابنه تارة» (2)، فهل يُعقل أن يكون أصغر حملة العلم شيخاً كبيراً بحيث يحمله عبده وأبنه؟ علماً بأنه عاد من معركة كان قد توجه إليها ليساعد إمامه أبا الخطاب في مواجهة محمَّد بن الأشعث الخزاعي وجيشه الذي بعثه الخليفة أبو جعفر المنصور إِلى المغرب؟ (3) ثمَّ إنه متوجه لإقامة كيان دولة مستقلة سيكون لها شأن كبير؟
إنِّي لا أرى عبد الرحمن إلاَّ رجلا كهلاً قوياً لمَّا كان قاضياً بالقيروان، وهذه الكهولة هي عين الشباب والحيوية ولعل ذلك يتضح لنا من عمر القاضي عبد الله بن عمر بن غانم الذي تولى القضاء سنة 190هـ/805م وهو يومئذ ابن اثنتين وأربعين سنة (4)، ومع ذلك فإنَّه لمَّا أستشير عبد الله بن فروخ، أحدُ علماء إفريقية في عهد روح بن حاتم فيمن يولّى القضاء قال: «إن لم يكن أحد فعبد الله بن عمر بن غانم فإني أراه شاباً له صيانة» (5).
إنَّ ابن الأربعين سنة شاب ولا شك، وهو عمر أغلب القضاة في بلاد المغرب، على ما يظهر و إن وجدنا من تولى القضاء وعمره في الستينات كأسد بن
__________
(1) - الدرحيني: طبقات 1/ 35.
(2) - أبو زكرياء: السيرة. 76.
(3) - انظر كتابنا: الدولة الرُّستمية. 81 ومابعدها وكتابنا عبد الرحمن بن رستم. 25 ومابعدها.
(4) - أبو العرب: طبقات. 116 المالكي: رياض 1/ 220.
(5) - المالكي: رياض 1/ 183 - 184. (1/246)
صفحة 247
الفرات الذي ولد سنة 142هـ/759م (1) وتولى القضاء سنة 203هـ/818م، وكذك في السبعينات كسحنون بن سعيد الذي ولد سنة 160هـ/777م (2) وتولى القضاء سنة 234هـ/848م. بل ونجد من قارب القرن عمراً كشجرة بن عيسى قاضي تونس الذي توفي سنة 262هـ/875م وهو ابن تسع وتسعين سنة (3) إلاَّ أنَّه لم يمت قاضياً على أكبر تقدير، و الثابت أنَّه تولىَّ القضاء لسحنون بن سعيد وعمره آنذاك يتراوح ما بين سبع وسبعين سنة والثمانين وهو نفس العمر تقريباً الذي تولى فيه حمّاس بن مروان القضاء لزيادة الله الثالث في أواخر عهد الأغالبة إذ ولد عام 222هـ/836م وتولىَّ القضاء بالقيروان عام 290 - 294هـ/902 - 906م وتوفي سنة 294هـ/906م (4).
لقد كان قضاة المغرب، إذن، في أعمارهم كهولاً وشيوخاً، ولم يكن منهم المراهقون أو الشباب المبكر، الأمر الذي يعطي للقضاء بالمغرب عموماً وقاره وهيبته ويعبر عن شخصية القضاة ومكانتهم في مجتمعهم.
المبحث الثاني: لباس القضاة ومركوبهم و هيبتهم
أ- لباس القضاة:
إنَّ اللباس من أهم الخصائص المميزة للشخصية، فهناك لباس الأَيمَّة والخلفاء والأمراء والطبقات العليا من المجتمع، وهناك لباس العلماء والقضاة وهناك لباس العامة من الناس (5).
__________
(1) - الدباغ: معالم 2/ 3.
(2) - الدباغ: نفسه 2/ 101.
(3) - ابن عذاري: البيان 1/ 116 - 117.
(4) - الدباغ: معالم 2/ 329 - 330.
(5) - انظر عن الملابس الدكتور صلاح حسين العبيدي: الملابس العربيَّة الإسلاميَّة في العصر العباسي من المصادر التاريخية والأثرية. دار الرشيد للنشر بغداد 1980. وانظر عبد الحميد حسانين حسن علي: اللباس في صدر الإِسلاَم مقال في مجلَّة الفيصل ع213، 214. ربيع الأوَّل والثاني 1415هـ سبتمبر نوفمبر 1994 دار الفيصل الثقافية المملكة السعودية ص. ص 115 - 118 وانظر آدم متز: الحضارة الإِسلاَمِيَّة في القرن الرابع الهجري 2/ 225 ومابعدها. (1/247)
صفحة 248
لقد كان للقضاة ببلاد المشرق لباسهم المميز لهم (1)، فهل كان لقضاة بلاد المغرب لباس خاصٌ يُعرفون به ويُميزهم عن غيرهم من شرائح المجتمع؟
أعتقد أنَّه لم تصل هيبة القضاة بالمغرب إلى تخصيص لباس لهم في هذه القرون الثلاثة الأولى للهجرة، و إنَّما كانوا يلبسون لباس العلماء بل منهم من تأنق في ملبسه وأظهر نعمة الله عليه.
إنَّ اللباس الأبيض هو لباس العلماء والفقهاء عادة (2) وكان الإمام مالك - رضي الله عنه - «يلبس الثياب العربيَّة البيض وإذا أعتم جعلها تحت ذقنه ويُسدل طرفها بين كتفيه» (3)، فلا أستبعد أن يكون قضاة المغرب الإسلامي وبخاصة منهم المالكية -وهم الأغلبية- يتقيدون بهذا اللباس إقتداء بإمامهم، ولقد روى الكندي ما يؤكد هذا إذ قال أحدهم رأيت المفضل بن فضالة وهو قاضي مصر «وأنا صبي رجلاً أبيض عليه وفرة جسيمة كأنَّه من رجال المغرب يعتم بعمامة سوداء على قلنسية طويلة» (4).
فالبياض والعمامة السوداء على القلنسوة الطويلة إذن هي من لباس رجال
__________
(1) - من المعروف أنَّ قضاة الدولة العباسية كانوا يضعون عمامة سوداء وطيلساناً وقد يضعون القلنسوة على رؤوسهم وكان هذا من ابتكارات القاضي أبي يوسف الحنفي بحيث ميّز القضاة عن غيرهم من العلماء والرعية في الملبس. انظر عصام شبارو: القضاء والقضاة 65 وانظر الكندي: قضاة مصر 142، صبحي الصالح: النظم 323، عمر رضا كحالة: مباحث إجتماعية 224.
(2) - انظر شبارو: نفسه. 65 Gaudefroy: Notes p.122
(3) - ابن العماد: شذرات الذهب 1/ 289.
(4) - الكندي: قضاة مصر. 66. (1/248)
صفحة 249
المغرب وإن لم يختص القضاة كما قلنا بلباس معين، فهذا لباس المغاربة وعلماؤهم على ما يبدو بالذات.
إنَّ القاضي عبد الله بن عمر بن غانم كان «حسن اللباس، يلبس من الثياب رقيقها» (1) وقال المالكي كان «من أحسن الناس همة في نفسه خلف بعد وفاته كسوة ظهره بألف دينار» (2) ولا شك أنَّ القيمة مبالغ فيها و إن دلت على الترف الذي كان يعيشه ابن غانم في ملبسه.
و من علامات أبهة القاضي وهيبته قلنسوته التي يضع على رأسه. فكل القضاة كانوا يضعون القلانس والعمامات على ما يبدو من المصادر المعتمدة مالكية كانت أو إباضية مما يدل على أن القلنسوة هي العمامة المميزة للقضاة في بلاد المغرب وهي اللباس المشترك فيما بينهم جميعاً و لأهمية هذه القلنسوة يروى أنَّ القاضي ابن غانم كان في يوم من الأيام يشق سماط القيروان مع إبراهيم بن الأغلب فسارعت دابة إبراهيم وجاوز ابنَ غانم ولم يجد هذا الأخير إلاَّ أن يوجه دابته إِلى منزله، فلما سأله الأمير عن ذلك قال «اصلح الله الأمير إنَّما القاضي بحرمته، وإني رأيتك حركتَ دابتك ولو حركتُ دابتي سقطت قلنسوتي وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي» (3) وربما قال له وإذا سقطت قلنسوتي «لعب بها الصبيان ... » (4) وفي ذلك إهانة للقاضي ولا شك.
إنَّ القاضي ابن غانم صاحب هذا الهندام وهذا الترف في الملبس يتحول إِلى فقير ومتواضع إذا جلس للقضاء بين الناس فكان «يلبس ... فرواً دنياً
__________
(1) - الرقيق: تاريخ 194.
(2) - رياض 1/ 219 الحبيب الجنحاني: المغرب الإِسلاَمِي 85.
(3) - المالكي: رياض 1/ 226.
(4) - النباهي: قضاة الأندلس. 25. (1/249)
صفحة 250
ويلقي عينيه بالأرض» (1) بل إنه كما يقول الرقيق «كان يلبس الخرق الدني والثياب الخلقة» (2).
ومن أمثال ابن غانم في حسن الملبس شجرة بن عيسى قاضي تونس على عهد سحنون، كان يلبس الثياب الحسنة ويخضب لحيته وأطرافه بالحناء (3). وكان عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي قاضي القيروان «جميل الصورة باهي الخلق فاخر اللباس، أخوص العينين» (4) وكان لباسه جبة وشي وطيلسان (5) ونعل طايفي وقلنسوة (6).
إنَّ هذا اللباس المترف هو للقضاة الذين رأوا هيبتهم في حسن ملبسهم، إلاَّ أنَّ هناك من القضاة وربما هم الأغلبية، رأوا الاقتصاد في الملبس والتخشن فيه من دواعي الوقار والهيبة المطلوبين في شخصية القاضي ويأتي سحنون بن سعيد في رأس هؤلاء ويبدو أنَّ الكثيرين اقتدوا به في سمته وسلوكه وملبسه وتواضعه.
يقول أبو العرب: اجتمعت في سحنون خلالٌ ما اجتمعت في غيره ومنها «الزهادة في الدنيا والتخشن في الملبس والمطعم» (7) ويفصل المالكي لباس سحنون
__________
(1) - المالكي 1/ 227 - 228.
(2) - الرقيق: تاريخ 194 وانظر محمَّد محمَّد زيتون: القيروان ودورها. 175.
(3) - عياض: تراجم 151.
(4) - عياض: نفسه. 208.
(5) *- الطيلسان: لباس المشايخ والفقهاء والقضاة وهو قطعة من قماش يشكل نصف دائرة تلقى على الكتف. انظر عصام شبارو: القضاء والقضاة 65 هامش7 وانظر مجلَّة الفيصل. ع214 عبد الحميد حسانين: اللباس في صدر الإِسلاَم 115 - 116 فيها تعريف بالطيلسان والعباءة والعمامة وغيرها.
(6) - نفسه 218.
(7) - طبقات. 184 وانظر المالكي: رياض 1/ 345. (1/250)
صفحة 251
تفصيلاً دقيقاً قلَّ أن نجد مثله لغيره فيقول كان لسحنون «ساجاً (1) كحليًّا وأزرق وقلنوسة حبر ... وكان له برنس* أسود كثيراً ما يلبسه في المطر والبرد والريح وربما قعد للسماع وهو عليه ... » (2) في حين يذكر القاضي عياض رواية أدقَّ تفصيلا عن القاضي سليمان بن سالم القطان قاضي صقلية يقول «رأيت لسحنون ساجاً كحلياً وساجاً أزرق ورداء وقلنسوة حبرة (3)، وقلنسوة زرقاء وشيا، وقلنسوة تشبه الأغلبي، فإذا قعد للسماع لبس الرداء وقلنسوة الأغلبي، وإذا شهد الجمعة لبس الساج وقلنسوة الخبْرة، وإذا حضر جنازة لبس الساج الأزرق والقلنسوة الزرقاء، هذا كان أكثر فعله» (4).
هذا إذاً لباس سحنون إمام قضاة إفريقة تبدو عليه البساطة والزهد فهو يتزين للجمعة لأنّه عيد المسلمين ويتخَّشن لسائر الأيام إذ في ذلك وقاره وهبته وشخصيته.
ومثل سحنون نجد القاضي عيسى بن مسكين الذي كان لباسه «جبة صوف قديمة مرقَّعة بخرقة من كتان ... » (5) حتَّى إنَّ امرأة رأته «على حمار وبردعة وشند وحوله مشايخ القيروان فقالت انظروا أيَّ قاضٍ و أيَّ شكل! فسمعها فقال لها والله لقد قلنا لهم هذا» (6) بل إنَّ الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب لمَّا رآه في جبة صوف وعمامة صوف، جمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا به عليه فقال لهم «أشرتم عليَّ بشيخ في زي حمّال» (7) وبعد أن قبل القضاء عرض
__________
(1) *- الساج والبرنس أعتقد أنَّهما كلمتان عاميتان إذ لم أجدهما في القواميس.
(2) - رياض 1/ 364 - 365.
(3) *- الجيد من الثياب الناعم الجديد أو الموشَّى. انظر تراجم أغلبية، 96 هامش 2.
(4) - عياض: نفسه 96.
(5) - عياض: تراجم 246.
(6) - نفسه 250.
(7) - الجودي: تاريخ. (مخ) ق 15ظ. (1/251)
صفحة 252
عليه الصِّلات و الكسوة فامتنع (1)، وكذلك كان القاضي حماس بن مروان يلبس جبة الصوف الخشن ويضع منديلا من الصوف على رأسه (2).
إنَّ هذه المعلومات الدقيقة عن قضاة القيروان وبعض الأقاليم في العصرين: الولاة والأغالبة، لا نجدها عن قضاة المغربين الأوسط والأقصى و إن ذكر ابن الصغير أنَّ القاضي محكَّم الهواري لمَّا هم بالخروج من جبل أوراس إِلى تيهرت «أتى إِلى دابة له وركبها وأخذ كساه وعصاه» (3) ولم يزد عن ذلك شيئاً، فلا نعرف نوع هذا الكساء كما لا يذكر شيئاً عن لباس القضاة الذين ذكرهم كأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي أبي اليقظان وابنه عبد الله بن محمَّد قاضي أبي حاتم بن ابي اليقظان (4) و إن كنا نعتقد أنَّ العمامات على رؤوسهم والقلنسوات، إذ أنَّ ذلك ميزة العلماء عند الإباضية (5).
ولا أعدو الحقيقة إن قلت إنَّ لباس الفقهاء والقضاة ببلاد المغرب كان واحداً في جميع ربوعه مع اختلاف بين من يريد التخشن كسحنون وبعض تلامذته وكثير من حكام وقضاة الرستمين، ومن يريد الأبهة وإظهار الترف كابن غانم ومن على شاكلته.
إنَّ لباس القاضي في بلاد المغرب عموما لم يكن متميزاً مخصوصاً به مثل المشرق بل كان مثل الأندلس وهو الإقليم الأكثر ارتباطا به والأكثر تأثيراً فيه وتأثراً
__________
(1) - نفسه. ق 15 ظ.
(2) - عياض: تراجم. 345.
(3) - أخبار الأيمَّة. 50. يشبه هذا القاضي الرستمي قاضي صقلية للأغالبة أبا عمر وميمون بن عمرو الذي أشهد الناس بسوسة بما عنده من متاع قبل مغادرته إلى الجزيرة فلم يكن معه إِلاَّ كساءه وجبته وخرْجَه الذي يحتوي على كتبه. انظر المالكي: رياض 2/ 179 - 180.
(4) - ابن الصغير: 77 - 79، 101.
(5) - الشماخي: سير 296. (1/252)
صفحة 253
به حيث إنَّ قضاته كانوا يلبسون ما يحَلُو لهم من لباس مترف أو غير مترف (1) فهذا محمَّد بن سلمة لمَّا عُين قاضياً للجماعة في قرطبة « ... لم تُحدث له ولاية القضاء تغيراً في ملبس ... » (2) وهذا دليل على أنه لم يكن هناك لباس خاص بالقاضي، في هذه الفترة التي أرى أنها شبه متقدمة نوعاً ما لم تصلها بعد تأثيرات المشرق في هذا الخصوص بخاصة وأنها ذات طابع حنفي يصعب أن ينقاد لها قضاة المغرب من المالكية والإباضية وغيرهم من غير الأحناف، ولعلَّ هؤلاء الأخيرين - أي الحنفية - كانوا يلتزمون هذا الملبس القضائي إلاَّ أنَّ المؤرخين لم يذكروا شيئاً من ذلك.
ومع تقدم السنين والعصور أصبح المالكية ينصحون بالاعتناء بالهندام «لأن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة ومتى لا يعظم في نفوس الناس لايقبلون الاقتداء بقوله» (3) ويخاطب الونشريسي في القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي من يريد أن يكون قاضياً فيقول له «ولتكن أبداً مرتدياً بردائه حسن الزي والملبس مِمَّا يليق به فإنَّ ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكله وأدلُّ على فضله وعقله وفي مخالفته نزول وتبدل ... » (4) ويحكي في ذلك رواية عن ابن رشد القاضي إذ كان مُحرِماً فأنكر على قوم فلم يعبؤوا به حتَّى لبس زي الفقهاء فسمعوا وأطاعوا (5)، وتظل المالكية تؤثِر البساطة مثلها في ذلك مثل الإباضية فالونشريسي يقول «و أمَّا المبالغة و تحسن الخياطة ... فمِن فِعل أهل الرعونة ... » (6).
خلاصة القول إنَّ قضاة المغرب عموماً في تلك الأزمنة الأولى كانوا نتاج
__________
(1) - الخشني: قضاة قرطبة 95. وانظر يحي بن عمر: أحكام السوق. 126 هامش1.
(2) - الخشني: نفسه. 95.
(3) - القرافي: الإحكام. 80.
(4) - كتاب الولايات. 47.
(5) - المعيار. 12/ 322 وانظر كتاب الولايات 47 - 48.
(6) - المعيار 12/ 322. (1/253)
صفحة 254
عصرهم: متزهِّدون في آدابهم وملبسهم (1) إلاَّ من شذ وهم قلة، وسوف تتضِح لنا معالم أخرى من هذا الزهد والبساطة عندما نتطرق إِلى مستوى معيشة القضاة وحياتهم اليومية.
و إنَّ هذه البساطة هي ما يَعظُم بها القاضي في أعين الرعية بخاصة إذا كانت تلقائية غير متكلَّفة وهو ما كان عليه قضاة المغرب وهو ما يعبر عن حقيقة شخصيتهم.
ب- مركوب القضاة:
يذكر الجاحظ ويقول « ... لكلِّ قوم زيٌّ، فللقضاة زي ولأصحاب القضاة زي وللشرطي زي ... ومن زيهم أن يركبوا الحمير» (2).
نعم لقد كان القضاة في بلاد المغرب يركبون الحمير ولا يركبون غيرها، وهي ظاهرة جلبت انتباهي بشدة ولم أجد تفسيرها إلاَّ في نص الجاحظ المذكور، إذ يعتبر ذلك من زيهم، ولقد ذكر هوبكنز وقودفروا أنَّ القضاة كانوا يفضلون الحمير وهو المطية المناسبة للقاضي (3) ويشرح عصام شبارو هذه الظاهرة بما يشبه ما قاله الجاحظ فيقول «كانت عادة ركب الحمير منتشرة بين التجار والشعراء ومتوسطي الحال والفقهاء والقضاة وذلك للتنقل من مكان إِلى آخر أمَّا الخيل فكانت للوزراء والقادة» (4).
أمَّا الأستاذ فريد بن سليمان فيرى أنَّ الحمار أفضل وسيلة تنقُّل أهل ذلك
__________
(1) - هوبكنز: النظم. 204.
(2) - البيان والتبين 3/ 114 وانظر ضيف الله محمَّد الأخضر: محاضرات في النظم الإِسلاَمِيَّة والحضارة العربية. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1985. 83.
(3) - هوبكنز: النظم. 205. Gaudefroy: Notes. 123
(4) - القضاء والقضاة. 219. (1/254)
صفحة 255
العصر، وركوبه يمثِّل مظهرا من مظاهر الأبَّهة (1) فكأَّن القضاة فضَّلوا آخر المراكب رفاهية وراحة تواضعا منهم، فالقرآن الكريم يجعل الحمير في آخر المراكب في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (2).
ورغم أنَّ أغلب القضاة وجلَّهم عُرفوا بركوبهم الحمير، إِلاَّ أنَّنا وجدنا محمَّد بن سحنون في إحدى أجوبته، لمَّا تحدَّث عن تشويه الدوابِّ وما يترتَّب على ذلك من تعويض، فرَّق بين الدواب العامة وغيرها فقال «إن كانت الدَّابَّة مفخرة للركوب مثل بغلة القاضي أو الوالي أو ... غيرهم من الأكابر والأشراف فعليه قيمتها ... » (3).
إنَّ هذا النصَّ يجعل مركوب القاضي مفخرة، له من القيمة ما ليس لغيره، كما أنَّ البغال هي الأخرى امتطاها القضاة جنبا إلى جنب مع الحمير كما يؤكِّد هذا النصُّ.
فقاضي الرستميين محكَّم الهواري كانت له دابة عليها انتقل من جبل الأوراس إِلى تيهرت العاصمة (4) وسحنون بن سعيد قاضي الأغالبة كان يركب دابته بلجام حديد ليس فيه من الفضة شيء (5) وهو ما يناسب الحمير من المراكب فضلا من أنَّ ذلك هو منهج سحنون في الحياة. ولقد رأينا ابن غانم بدابته مع الأمير إبراهيم بن الأغلب يشق سماط القيروان (6).
ولقد كان لبعض القضاة مع حميرهم طرق تعوَّدوا عليها أو عوَّدوا عليها
__________
(1) - فريد بن سليمان: المقال المذكور، 125.
(2) - سورة النحل آية 8.
(3) - محمَّد بن سحنون: أجوبة (مخ) ق45ظ.
(4) - ابن الصغير: أخبار 50.
(5) - المالكي: رياض 1/ 365.
(6) - الرقيق: تاريخ. 194 - 195. (1/255)
صفحة 256
دوابهم فالقاضي أبو كريب عبد الرحمن بن كريب كان إذا أراد أن يتوجَّه إِلى الجامع للقضاء ساق حماره بين يديه وإذا انصرف من الجامع ركبه متوجهاً إِلى بيته (1) ورسن حماره حبل من الليف (2).
أمَّا القاضي يزيد بن طفيل التجيبي فإنه عوّد حماره على العودة إِلى منزله وحده والرجوع من المنزل إِلى المسجد الجامع ليركبه عائداً إِلى بيته وكل ذلك وحده (3).
ومثل القاضي محكَّم الهواري قاضي أفلح بن عبد الوهاب، قدم عيسى بن مسكين قاضي إبراهيم الثاني الأغلبي لمَّا عُين للقضاء من كورة الساحل إِلى القيروان «على حمار عليه إكاف فقام الناس إليه على أقدامهم» (4).
أمَّا القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب فإنَّ حماره وصف بالمصري (5) لعله حمار جيد يستورد من مصر لجودته، ويشذ قاضٍ واحد عن هذه الميزة التي للقضاة بركوبهم الحمير إذ نجد القاضي شجرة بن عيسى قاضي تونس الذي سبق أن رأيناه يتأنق في ملبسه فإذا به يتأنق أيضاً في مركوبه فهو القاضي الوحيد الذي تذكره المصادر بأنه كان «يركب الفرس الفاره» (6) فكأنه يريد أن يظهر بمظهر الثري صاحب النعمة وفي ذلك كان يرى حقيقة شخصيته.
لقد كان قضاة المغرب إذن يركبون الحمير وهي ميزة لهم ولأمثالهم من القضاة في المشرق والمغرب.
__________
(1) - رياض المالكي.1/ 171 وانظر أبو العرب: طبقات 219.
(2) - المالكي: نفسه 170.
(3) - أبو العرب: طبقات.105 - 106 الرقيق: تاريخ 130.
(4) - الخشني: طبقات 143. عياض: تراجم 246. ابن عماد: شذرات الذهب 2/ 220.
(5) - أبو العرب: طبقات 241.
(6) - عياض: تراجم. 151. (1/256)
صفحة 257
ج- هيبة القضاة:
إنَّ للقضاة آداباً تتجلى بها هيبتهم وتقوى بها رهبتهم، والهيبة والرهبة في القضاة من قواعد نظرهم لتقود الخصوم إِلى التناصف وتكفهم عن التجاحد (1) فابن عبدون الأندلسي في رسالته للقضاة ينظّر لهذا الأمر في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، ولا غرو أنَّ ذلك كان من واقع القرون السالفة فيقول «يجب للقاضي ... أن يكون جزلا في قوله صارما في أمره محقاً في حكمه مصوناً عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفاً بحكم الله فإنَّ الحكم ميزان قسط الله الذي وضع في الأرض لإ نصاف الظالم من المظلوم ولأخذ الضعيف من القوي وإقامة حدود الله تعالى على سننها ولا يمكِّن من نفسه ولا ينبسط مع الفقهاء ولا مع الأعوان فإنَّ منهم يأتيه الضرر ... ويجب أن لا يمزح ... مع أحد من حاشيته ولا غيره فتسقط هيبته وتنقص عزائمه وتُردُّ أوامره وتختل حاله بذلك حسداً» (2).
إنَّ الهيبة والرهبة للقضاة من لوازم عملهم، لذلك وجدنا قضاة المغرب الإسلامي قد راعوا ذلك أيّما رعاية ووجدوها في التواضع الذي يصفه الدكتور علي أحمد (3) بالزائد ويتسائل إن كان هذا التواضع حقيقياً صادقاً أو أنَّه متكلف مفتعلٌ، الهدفُ منه حب الظهور.
إنَّ قضاة المغرب الإسلامي بعامة وجدوا هيبتهم في التواضع الحقيقي الصادق ولم يتكلفوه أبداً وهم الفقهاء، وأقبلت عليهم الدنيا ولم يسايروها ورعاً وتزكية لأنفسهم وترفعاً عما يسقط فيه العامة من الناس بل وحتى الخاصة منهم.
لقد لاحظ شيخ بكري في قضاة الرستميين الشخصية المعتبرة التي كانوا
__________
(1) - الماوردي: أدب القاضي 2/ 241 - 242.
(2) - رسالة ابن عبدون في القضاء. 197 - 198.
(3) - القضاء في المغرب والأندلس. 26. (1/257)
صفحة 258
يتمتعون بها والهيبة والنفوذ الواسع حتَّى على من هم أعلى مرتبة فكانوا لا يهابون أحداً (1)، وكانت صلاحياتهم غير الدقيقة تمتد إِلى كلّ القضايا التي عالجها القرآن ولهذا يقول شيخ بكري فإنَّ القاضي كان مهيباً في شخصيته (2)، فالقاضي محمَّد بن عبد الله قاضي الإمام أبي اليقظان لمَّا خرج من بيته ليلاً يبحث عن فتاة أُختطفت شكت أمُّها أنها في دار تعرف بدار الزكاة «فلما رأى صاحب الدار وأهل الدار القاضي ارتاعوا ارتياعاً شديداً، وقالوا ما بال القاضي أعزه الله وما جاء به؟» (3).
إنَّ هذه القصة التي رواها ابن الصغير تعبِّر بوضوح عن قيمة القاضي في المجتمع الرستمي وتصوِّر هيبته في الارتياع الشديد الذي أصاب أهل الدار، واحترامه يتجلَّى في الكلام المؤدب الذليل الذي استُقبل به: «ما بال القاضي أعزه الله وما جاء به؟» ومن المعروف أنَّ هذا القاضي لمَّا فشل في مهمة إيجاد الفتاة المختطفة، بات ليلته مغضباً و لمَّا أصبح الصباح قصد الإمام أبا اليقظان «فرمى إليه خاتمه وقمَطره فقال ولِّ على قضائك من تريد» (4).
لقد كان شديداً حتَّى مع الإمام الذي عينه في منصبه، وتكاد تشبه قصة القاضي أحمد بن أبي محرز مع الأمير زيادة الله الأوَّل القصة السابقة إذ غضب القاضي على الوزير الذي تدخل في شؤون القضاء، فقصد أميره وقال له «هذا سجلك فإن رأيت أن تعافيني فإنَّ الله تعالى يجزل مثوبتك فكان جوابه: لا تغضب اجلس خارج القصر حتى أريك ما أفعله» (5) وهذا بعد أن أطلعه على كامل ما فعله الوزير في حكم كان قد أصدره القاضي.
إنَّ القصتين معاً تؤكدان قوة شخصية القاضي الرستمي والأغلبي وتوضِّحان
__________
(1) - Chikh Bekri: le kherijisme. p 70
(2) - Ibid: 17
(3) - ابن الصغير: أخبار 79 - 80.
(4) - ابن الصغير: أخبار 78.
(5) - المالكي: رياض 1/ 397. (1/258)
صفحة 259
نوع المعاملة الإدارية التي كانت بين القاضي والإمام فهي إِلى البداوة أقرب، في حين كانت المعاملة حضرية بين القاضي والأمير الأغلبي و إنّ تميز الإمام أبو اليقظان بالموقف الحضاري تجاه معاملة صارمة من قاضيه.
ووُصف القاضي محكّم الهواري بالشرِس (1) لأنّه كان صارماً لا يخاف في الله لومة لائم مِمَّا يعبر عن هيبته ورهبته وكذلك كان ابن مغطير أحد القضاة بجبل نفوسة لمَّا وثب على رجل فوطئه بركبته لأنَّه لم يشأ أن يجيب على سؤال المدعي وأساء الأدب مع الإمام عبد الوهاب الذي كان حليماً به (2).
وفي إفريقية، تميز القضاة بهذه الهيبة والرهبة ولعلَّ في قول إبراهيم بن الأغلب لمَّا توفي القاضي عبد الله بن عمر بن غانم أوَّل قضاة الأغالبة دليلاً على ذلك إذ قال «والله ملَكنا إفريقية ولا أمِنا حتى مات ابن غانم» (3).
لقد كان ابن غانم قوي الشخصية ذا نفوذ واسع متصل بالخليفة هارون الرشيد، فكان يكتب الخليفة إِلى القاضي وحده و إِلى الأمير وحده ويفض ابن الأغلب كتابه أمام القاضي ولكن القاضي لا يفضه أمامه رغم طلب الأمير (4). وكان ابن الأغلب قد أباح لابن غانم الدخول عليه بلا حاجز أو عراقيل (5) ولمّا توفي هذا القاضي سنة 190هـ/805م بكاه الأمير وحضر جنازته (6)، وقال فيه ما قد ذكرناه سالفاً.
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار 52.
(2) - أبو زكرياء: السيرة 117 - 118.
(3) - الرقيق: تاريخ. 196. وانظر هامش 3.
(4) - المالكي: رياض 1/ 225 يقول الرقيق إنَّه قال للأمير «لقد أسرّ الي فيه أمير المؤمنين شيئاً لا أطلع عليه أحداً» تاريخ. 195.
(5) - نفسه 1/ 222.
(6) - نفسه 1/ 229. (1/259)
صفحة 260
و من هيبة القضاة أنَّ الولاة والأمراء الأغالبة كانوا يحرصون على حضور جنازاتهم (1)، فضلا عن العامة الذين كانوا يزدحمون على الجنازة مثلما فعلوا في جنازة القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (2). فوفاة القاضي كارثة عظمى ومصيبة جلل في المجتمع ويكفي أَن نذكر أنّه لمّا مات سحنون ارتَّجت القيروان لموته وحزن له الناس بإفريقية بل إنَّ مشايخ من أهل الأندلس كانوا يبكون ويضربون خدودهم كالنساء (3).
وإذا مرض القاضي زاره الناس وسراة القوم حتى أنَّ ابن عبدون أوجب على القاضي «على طريق السياسة أن يتمارض ... ويعتذر ويكلِّف الوزير الأخذ مع السلطان في عيادته ليرى الجمهور ذلك فتكثر هيبة القاضي بذلك عند الناس وعند أهل الدولة» (4).
ولقد شيع وجوه أهل العلم وجماعة الناس القاضي أسد بن الفرات لمّا خرج متوجهاً إِلى سوسة ليركب منها إِلى صقلية غازياً، وأمر زيادة الله أن لايبقى أحد من رجاله إلاَّ شيَّعه. فركب أسد في جمع عظيم (5).
ويبدو أنَّ هذه المواكب التي يحضرها القاضي إِلى جانب الأمير مما يزيده هيبة عند الناس الذين يرون هيبة القضاة من هيبة السلطان. ولقد رأينا أنَّ ابن غانم كان قد شق سماط القيروان مع الأمير إبراهيم بن الأغلب (6)، وقد كان ذلك من عادة قضاة بغداد إذ كانوا في مواكب الخليفة من جانب
__________
(1) - الرقيق: تاريخ 131 ابن عذاري: البيان 1/ 106. عياض: تراجم. 133.
(2) - أبو العرب: طبقات. 99 - 103. الرقيق: تاريخ 131.
(3) - المالكي: رياض. 1/ 134.
(4) - ابن عبدون: رسالة ابن عبدون في القضاء. 205.
(5) - المالكي: رياض 1/ 271 - 272.
(6) - الرقيق: تاريخ. 195. (1/260)
صفحة 261
ويكون الوزير من جانب آخر (1)، وابن غانم من القضاة الذين تأثروا بالمشرق وتعلقوا به إذ كان تعيينه من الخليفة هارون الرشيد مباشرة.
أمَّا القضاة الذين آثروا الزهد والتخشن في الحياة فإنَّهم كانوا يتفادون مواكب الأمراء ولا يدخلون قصورهم إلاَّ لضرورة قصوى وكانوا يجدون هيبتهم في هذه المواقف الصارمة من السلطة والسلطان: تهابهم الرعية ويحترمهم الراعي إِلى حدِّ الحذر منهم. فسحنون بن سعيد وتلامذته من بعده مثل عيسى بن مسكين وحماس بن مروان كانوا لا يهابون سلطانا، فعيسى بن مسكين كان «مهيباً وقوراً ... ذا سمت وخشوع وكان يشبه سحنون في هيبته وسمته ... » (2).
ومن هيبة القاضي ألاَّ يدع الهرج والمرج في مجلسه فهذا أحمد بن أبي محرز قاضي زيادة الله الأوَّل يؤدِّب أبزارياً كان قد تخاصم عنده مع رجل آخر «فراجع الإبزاري ابن أبي محرز وجفا عليه فأمر بأدبه» (3) عندئذ اعترف الأبزاري بسوء أدبه وقال للقاضي «ما أردت -أصلحك الله - إلاَّ خيراً وأنا رفعت كلامي عليك ولم أجل القضاء وقد أخطأت فيما فعلت» (4).
وممَّا يدخل ضمن شخصية القاضي وهيبتة طبيعة لحيته، فقد كان القضاة مشهورين باللحى (5) ويذكر الجيطالي أنَّ القاضي شريح قال «ودِدْت لو أنَّ لي لحية بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية العرض ... » (6).
__________
(1) - عصام شبارو: القضاء والقضاة. 66.
(2) - عياض: تراجم. 232 - 233 ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب: 2/ 220 وانظر المالكي: رياض 2/ 120.
(3) - المالكي: 1/ 399.
(4) - نفسه 1/ 399.
(5) - عصام شبارو: القضاء القضاة. 64 وانظر المالكي: رياض 1/ 367. عياض: تراجم.209.
(6) - الجيطالي: قناطر الخيرات 1/ 323. (1/261)
صفحة 262
نعم لقد كانت اللحية دائماً رمز الرجولة بخاصة في مجتمع العصور الوسطى وهي تعبر عن هيبة صاحبها ووقاره وما إِلى ذلك من شخصيته.
لقد كان قضاة المغرب الإسلامي في القرنين الثاني والثالث للهجرة نتاج عصرهم كما يقول هوبكنز كانوا متزهدين في آدابهم وملبسهم صريحين في أحكامهم (1)، فاكتسبوا احترام الناس والسلطان لهم و كانوا في أغلبيتهم مع ذلك التواضع ذوي نفوذ كبير وهيبة حقيقية غير مفتعلة وبكلمة واحدة كانوا يتمتَّعون بشخصيات قوية مؤثرة.
المبحث الثالث
المستوى المعيشي للقضاة (رزق القاضي وراتبه)
تتَّفق جميع المذاهب الحاكمة ببلاد المغرب والتي تركت تراثا مكتوباً كالإباضية والحنفية والمالكية بِأَنَّ أجرة القاضي على الدولة، يأخذها منها ولا حرج في ذلك (2)، وقد منح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - زيد بن ثابت وشريح القاضي رزقاً (3) وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيرهما عبر عصور التاريخ الإسلامي.
وكان راتب القاضي مرتفعاً وهو مائة درهم في الشهر على عهد عمر وخمسمائة على عهد علي ليرتفع في أواخر القرن الأول الهجري بمصر إِلى مائتي
__________
(1) - نظم. 204.
(2) - محمَّد بن سحنون: أجوبة (مخ) ق54و. ظ. أبو المهلب هيثم: أدب القاضي 18 - 20. سحنون بن سعيد المدونة. 5/ 518. مجهول: كتاب العمال. (مخ) ق 12. ابن فرحون: تبصرة 14 - 16.الطرابلسي: معين الحكام. 18 - 19. الثميني: الورد البسام. 8. وانظر الماوردي الشافعي: أدب القاضي 2/ 295 - 296.
(3) - وكيع: أخبار القضاة. 107 - 108. (1/262)
صفحة 263
دينار في السنة (1) لتصبح سبعة دنانير في اليوم منذ بداية القرن الثالث الهجري (2).
لقد كان القضاة يأخذون رواتبهم بشكل عادي من بيت المال في بداية عهد الدولة الإسلاميَّة إلاَّ أنَّ الأموال لمّا دخلت من حلها وحرامها، حرَّمها بعض الفقهاء على أنفسهم تورُّعا وخشية رغم خدماتهم التي يقدمونها للمجتمع مثل القضاء، إلاَّ أنَّ القاعدة العامة هي أنَّ أغلب القضاة كانوا يتقاضون أجورهم من بيت مال المسلمين (3) ومنهم من اشترط أخذ أجرته من مال الفيء بالذات (4) ربما لأنه ليست فيه شبهة.
هذا بعامة في البلاد الإسلامية، أمَّا في بلاد المغرب وفي الفترة موضوع الدراسة، فإنَّنا نلاحظ الظاهرتين معاً، فهناك القضاة الذين قبلوا الرواتب من السلطان وهناك من رفضه جملة وتفصيلا بل جعل رفضه شرطاً من شروط قبول منصب القضاء (5) فالقاضي أحمد بن محرز والقاضي سحنون بن سعيد والقاضي عيسى بن مسكين و القاضي حماس بن مروان كلهم رفضوا أن يرتزقوا لولاتهم و أمرائهم الأغالبة فلساً (6)، بل إنَّ ابن أبي محررز أمر ابنه أن يخفي وفاته حتى لا يبعث
__________
(1) - نحدة خماش: الإدارة. 331 - 332 وانظر صبحي الصالح: النظم 323.
(2) - الكندي: قضاة مصر 113.
(3) - على أحمد: القضاء في المغرب والأندلس. 58 وانظر حسن إبراهيم حسن وآخر: النظم. 293 - 294.
(4) - ابن سعيد الغربي: المغرب في حلى المغرب، تح. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط2، 1964. 1/ 145.
(5) - نوال تركي: التنظيمات. 186 زغلول: تاريخ 2/ 92.
(6) - الخشني: طبقات. 143. المالكي: رياض 1/ 400 - 401؛ 2/ 120 - 121. عياض: تراجم. 241، 345. النباهي: قضاة الأندلس 30 - 32. (1/263)
صفحة 264
له الأمير الكفن والمسك (1)، ومع أنَّ حماس بن مروان لم يأخد أجرة على القضاء فإنَّ هديته التي بعث بها إِلى أحد الزهاد والمتمثلة في خمسة دنانير رفضها الزاهد تورعاً (2) لأنَّ مجرد العمل مع السلطان عند هؤلاء القوم يعتبر مدخلا للرزق الحرام.
لقد كان المجتمع إذن أو جزء منه على الأقل، صارماً مع القضاة يراقبهم ويراقب حركاتهم وسكناتهم فكان هؤلاء الزُّهاد والمرابطون في إفريقية وكان الشراة -وهم مشايخ الإباضية و سراتهم- في تيهرت وجبل نفوسة وقد سبقت الإشارة إِلى ذلك.
إنَّ القضاة الذين رفضوا أجرة السلطان نجدهم في إفريقية لا غير والظاهر أنَّهم قضاة المالكية دون الأحناف والمعتزلة، فالمصادر المعتمدة لا تشير إلاَّ إِلى هؤلاء القضاة. فمن أين يعيشون إذن وما مستوى معيشتهم؟ وهل صحيح أنَّ هؤلاء الذين رفضوا الأجرة «كانوا يعيشون بحبوحة اقتصادية مكَّنتهم من عدم الاعتماد على أرزاق منصب القضاء» (3)؟
إنَّ أغلبية القضاة الذين رفضوا الأجرة لم يعيشوا بحبوحة ولم يعرفوها بل إنَّهم ظلُّوا عاديين في معيشتهم و إن كانت لهم ضيعات وأعمال أخرى غير القضاء.
إنَّ سحنون بن سعيد كان قاضياً ومفتياً ومزارعاً وكان شيخاً يلقي دروسه على تلامذته وكانت له مزرعة فيها الزياتين وأرض حرث أيضاً وله ثيران يحرث بها (4). وعلى هذه الأرض شاهده القاضي يحي بن عمر يوماً جاءهُ لأخذ العلم منه
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 400 - 401.
(2) - نفسه 2/ 38 - 39.
(3) - علي أحمد: القضاء في الموب والأندلس. 58.
(4) - المالكي: رياض 1/ 360، 362، 369. (1/264)
صفحة 265
فقال « ... رأيت رجلاً أشعر عليه جبة صوف ومنديل وهو يتولى حرث ضيعته وأسباب مؤونته» (1).
واهتم الإخباريون بتفاصيل حياة سحنون وجاؤوا لنا حتَّى بنوع غذائه الذي كان خبز شعير وزيت قديم وربما تغذَّى بالجشيش (2) وهو السويق وحنطة تطحن جليلاً فتجعل في قدر ويُلقى فيها لحم أو تمر فيطبخ وهو عبارة عن حساء.
ومرَّ على سحنون ثلاثة أيام لم يجد ما يشتري به سخينة وهي طعام رقيق يتخذ من دقيق وقد اضطر إِلى بيع لباس له ليشتري هذه السخينة، وكان يفطر ربَّما قبل قضائه، بربع رطل لحماً ولكنه تركه اقتداءً بالصالحين (3).
وكذلك كان القاضي حماس بن مروان فإنَّه إذا أراد شراء الزيت والبقل باع الشعير واشترى بثمنه ما يجب لذلك (4) وكان يتقوت مما يأتيه من ماله وله منزل بالبادية (5)، فأين هي بحبوحة العيش التي كان يحياها مثل هؤلاء القضاة الذين رفضوا الأجرة من السلطان؟؟ ومعروفة قصة القاضي أبي عمرو ميمون بن عمرو الذي قبل أن يغادر إِلى صقلية ليتولى القضاء بها أشهد الناس في سوسة على ما أخذه معه فكان متاعاً زهيداً. ومرض فدخل بعض الناس لزيارته فوجدوا «وسادتين محشوتين بتبن عند رأسه وحصير بردي تحته» (6). وكانت معه في صقلية خادمته تغزل وتبيع غزلها وتنفق منه عليها (7).
__________
(1) - نفسه 1/ 492.
(2) - وتعرف أيضًا في المغرب بـ"دشيشة" عن الجشيش انظر لسان العرب المحيط مادَّة (جشش).
(3) - نفسه 1/ 360.
(4) - نفسه 2/ 120 - 121.
(5) - النبهاني: قضاة الأندلس 32.
(6) - المالكي: رياض 2/ 180.
(7) - عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية 222. علي أحمد: القضاء. 57. (1/265)
صفحة 266
إنَّ هؤلاء القضاة رفضوا أخذ الأجرة التزاماً بمبدئهم في التخشن في المعيشة من جهة ولكي يكونوا في قضائهم مستقلين استقلالاً تاماً لا تؤثر عليهم الإدارة بتقاضيهم الأجرة (1) فضلاً عن أنَّهم تورَّعوا عن الأموال التي تأتي من السلطان فهم يحرِّمونها على أنفسهم.
إنَّ أجرة القاضي في العالم الإِسلاَمِيّ عموما، وفي بلاد المغرب الإِسلاَمِيّ خصوصا، تبدو عالية بشكل عام تكفي القاضي سنة كاملة إلاَّ أننا لا نعرف بالضبط ما مقدارها بعكس ما كانت عليه الأجور في مصر، فقد حافظ عليها الكندي (2) وذكر منها الكثير، أمَّا بلاد المغرب فلم يهتم بذكر قيمة الأجرة مؤرخ من المؤرخين رغم كثرتهم وكأنهم كانوا إِلى عدم تقاضيها أميل منهم إِلى تقاضيها فاهتموا بسيرة من لم يقبض الأجرة وأهملوا الكثير في سيرة غيرهم.
إنَّ الغالبية من القضاة في المغرب الإسلامي قد قبلوا الأجرة وتقاضوها ربما لسبب قلة ما في أيديهم (3) من جهة، ومن جهة ثانية لأنها مقابل للعمل الذي يبذلونه وقد أجازت المذاهب الحاكمة في بلاد المغرب، كما رأينا، تقاضيها، ومن هنا وجدنا قضاة الرستميين تخصص لهم أرزاقهم من بيت المال فابن الصغير يذكر أنّه منذ عهد عبد الرحمن بن رستم (160 - 171هـ) كان هذا الإمام ينظر «إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأراضين وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشَمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم» (4) وظل الأمر هكذا إِلى نهاية الدولة -على ما يبدو- فالقاضي محكَّم الهواري لمّا جاء من الأوراس لتسليم مسؤولية القضاء
__________
(1) - نوال تركي: التنظيمات 208 - 209.
(2) - قضاة مصر. 46، 59، 113 وغيرها.
(3) - علي أحمد: القضاء 58.
(4) - ابن الصغير: أخبار 36. (1/266)
صفحة 267
بتيهرت « ... اشتروا له خادماً صفراء وأجروا عليه من بيت المال قوته» (1).
والذي يتبادر إِلى الذهن أنَّ قضاة الأقاليم كانوا هم الآخرون يتقاضون أرزاقهم من بيت مال الولاية (2) ولم يكن بعض القضاة يكتفون بذلك الراتب وإنَّما كانوا يشتغلون بمهن تدر عليهم أموالاً أخرى وهذا ما كان يقوم به أبو يوسف يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي قاضي وارجلان فقد كان يمارس القضاء و مهنة التجارة «ولا يمنعه القضاء من فعل أشغاله لقوة ذكائه وقلة كبره وهو النهاية في الفتيا بوارجلان» (3).
أمَّا القاضي أبو محمَّد ملي الدرفي فكان هو الآخر متواضعاً في أكله، إذا قام من مجلس قضائه يأكل ماحضر وابنه أبو يحي يأكل ما خبزوا وربما استطرف، وأبو داود سليمان حفيده يأكل اللحم والقمح وتَمْر فزان في أكثر أوقاته (4)، لقد كان هذا القاضي النفوسي إذن، واسع الحال إلاَّ أنّه اختار التواضع والتخشن في معيشته وهي معيشة أغلب القضاة في بلاد المغرب.
ومن القضاة الذين كانوا يتقاضون الأجور ويعيشون معيشة راقية عبد الله بن عمر بن غانم القاضي المخضرم في عصر الولاة والأغالبة، كان له مسكن في زقاق بني غانم تبدو عليه الأبَّهة حتَّى قال له عبد الله بن فروخ الفارسي أحد علماء إفريقية «يا ابن غانم ما ظننت أنَّه يبلغ بك الأمر إِلى هذا كلِّه! وأقبل يتعجب من ذلك ويستعظمه» (5) وأولم لمجموعة من علماء إفريقية فكانت وليمة متنوعة ثرية استعظمها الزاهد البهلول بن راشد (6).
__________
(1) - نفسه 51.
(2) - بحاز: الدولة الرستمية 243 - 244.
(3) - الشماخي: سير. 288.
(4) - نفسه 288.
(5) - المالكي: رياض 1/ 185.
(6) - أبو العرب: طبقات 130. (1/267)
صفحة 268
ومن أمثال هذا القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الذي كانت له ضيعة فيها عبيد وخير كثير (1)، وللقاضي علي بن أسلم البكري وهو ابن سحنون من الرضاعة، قاضي صفاقس وسائر الساحل «دنيا عريضة ومنازل كثيرة منها جبنيانة وغيرها بها رباع عجيبة ... » (2). ومثله قاضي صقلية عبد الله بن سهل القبرياني صاحب الأموال العريضة والجاه العظيم (3).
أمَّا القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب قاضي القيروان فكان سخياً يعطي المثقال والمثقالين (4)، وكان أكله فاخراً ففي يوم جمعة أرسل خادمه الصقلبي إِلى أحد الطبَّاخين ليشوي له خروفاً ويأتي له بالخبز والزيتون وبقل المائدة وما يصلح ذلك الخروف (5).
ومما يدل على ثراء بعض القضاة بتوليهم منصب القضاء قول ابن الخشاب أحد قضاة الأغالبة في مرحلتهم الأخيرة: «يخطب ناسٌ القضاء بتحسين أبوابهم وتهيئة سقائفهم وأنا بابي صغير وجداري طوب وقد عَفِنْت في القضاء» (6) وكأنَّه يشكو حظه اذ لم يخول له القضاء ثراء مثل ثراء بعض القضاة الآخرين.
وفي المغرب الأقصى لم يرد لنا من أخبار قضاته ومستوى معيشتهم شيء في المصادر إلاَّ أنَّ الأستاذ سعدون عباس يذكر أنَّ الإمام الإدريسي « ... خصَّص قسما (من الأموال) رواتب للوزراء و القضاة وصغار الموظفين الذين تولوا الجهاز الإداري البسيط» (7) وربما كانت بعض تلك الأموال من
__________
(1) - نفسه 99.
(2) - Manaqib d’Abu Ishaq. p3
(3) - الخشني: طبقات 134.
(4) - نفسه 137 - 138.
(5) - المالكي: رياض 1/ 475.
(6) - الخشني: طبقات 176.
(7) - سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة. 148. (1/268)
صفحة 269
جزية اليهود السنوية التي تقدَّر بثلاثين ألف دينار على عهد إدريس الثاني (1).
ورغم المرتبات السخية التي كان يتقاضاها القضاة حتى لا تدفعهم الحاجة إِلى الرشوة والهدايا، إلاَّ أننا لاحظنا عينات من القضاة الذين كانوا يقبلون الرشوة أو الهدية وقد سبقت الإشارة إِلى القاضي ماتع بن عبد الرحمن في عهد الولاة الذي كان يأخد الرشوة ويتعاطاها في عمله، هذا في إفريقية، أمَّا في المغرب الأوسط فإنَّ هود بن محكَّم الهواري أحد فقهاء تيهرت وابن قاضيها يؤكد قائلاً « ... وقد رأينا الناس يلاطفون فقهاءهم وعلماءهم ويهدون لهم، يرجون بذلك مودتهم وتعظيمهم وتشريفهم ولا يطلبون بذلك منهم مكافأة ويقبل منهم علماؤهم وفقهاؤهم ويرون ذلك من مكارم الأخلاق ... و إنَّما يكره قبول الهدايا للأمراء والوزراء و القضاة والعمال لأنَّ قبول الهدايا لهؤلاء رشي في الأحكام ... » (2).
إنَّ هود بن محكّم هنا لا يتهم قضاة تيهرت بالرشوة أو قبول الهدايا و إنَّما يحذِّر من ذلك خشية الوقوع في الحرام. ولقد صدقت الباحثة نوال تركي لما علقت على فعل ماتع بأنّه «يمكن أن نعد هذا التصرف الشاذ في سلوك القاضي حالة شاذة لأنَّ سِفر القضاء مليء بالصفحات المشرقة المشرّفة للرجال الذين تولوا منصب القضاء» (3).
خلاصة القول إنَّ قضاة المغرب الإسلامي عموماً اختاروا الحياة البسيطة والمعيشة المتوسطة ووجدوا في التخشن في الملبس والمأكل والمركوب هيبتهم وشخصيتهم، وكان إِلى جانب هؤلاء قلة من القضاة عاشوا الرفاهية وتمتعوا بحياتهم واستفادوا من منصب القضاء مستوى معيشياً راقياً، والكل في نهاية المطاف - إلاَّ من شذَّ - كان عادلاً في أحكامه صارماً في قضائه شديداً في حق الله.
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب 46.
(2) - هود بن محكم: تفسير هود بن محكم 3/ 326 - 327 وذلك في تفسير قوله تعالى {وَمَا ءَاتَيْتُمْ مِّن رِبَا لِتُربُوا فِي أَمْوِالِ النَّاسِ فَلاَ يَربُوا عِندَ الله} سورة الروم آية 39.
(3) - التنظيمات. 177. (1/269)
صفحة 270
المبحث الرابع: الأصول الاجتماعية والقَبَلية للقضاة.
أ ــــ الأصول الاجتماعية:
إنَّ قضاة المغرب الإسلامي إن اختلفت دولهم التي ينتمون إليها وتعددت فإنَّهم في أصولهم (1) الاجتماعية لا يختلفون كتيراً إذ أنَّ أغلبهم ينتمي إِلى الأصول الريفية والبدوية وقليل منهم من يرجع إِلى البيوتات الكبيرة والأسر العريقة.
ففي عهد الولاة وعهد الرستميين لا نجد قاضياً واحداً ذا عراقة في النسب أو أصل اجتماعي متميّز، فالقضاة عرباً كانوا أم بربراً ينتمون إِلى الأسر المتوسطة الحال وربما إِلى أدنى من ذلك فلم تشر المصادر إِلى عراقة النسب لأحد من القضاة في ذينك العهدين باستثناء عبد الله بن عمر بن غانم القاضي الذي عاش آخر عهد الولاة وبداية عهد الأغالبة.
إنَّ قضاة عهد الولاة ذو الأصول المشرقية كان أوائلهم من التابعين وظل العلم والورع سمة الآخرين إِلى نهاية ذلك العهد فالانتماء إِلى العلم أهم ما اهتم به المؤرخون في سيرة قضاة عهد الولاة، وإن سكن بعضهم القيروان عاصمة الإقليم فإنَّ البعض منهم اختار الريف مثل عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي «فهو صاحب قرية المغيرين» التي ستصبح «قصرالمغيرين» (2) فيما بعد وكأنّي بهذا القاضي أسس أصلا اجتماعياً بإفريقية لم يكن موجوداً بخاصة وأنّه ينتسب إِلى أشرف القبائل العربية على الإطلاق وهي قبيلة قريش.
فابن المغيرة لا يعود في أصله الاجتماعي إِلى طبقة متميّزة و إنَّما أحفاده
__________
(1) - يذكر ابن خلدون أنَّ المورخين في العصور الأولى دَأَبوا على ذكر الخليفة وأولاده ونسائه ووزرائه وقضاته لأَنَّ أولائك كلّهم من عصيبة الدولة « ... كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبية من قبيل الدولة ومواليها» مقدِّمة ابن خلدون 24.
(2) - المالكي: رياض 1/ 126. (1/270)
صفحة 271
سيجدون هذا الأصل متمكناً بإفريقية لذلك وُجدت قرية المغيرين وقصرهم.
و إنَّ الغالبية المطلقة من القضاة في هذه الفترة، قد قبلوا الأجرة و تقاضوها ربما لسبب قلة ما في اليد (1) ولم يُثرِ أحدهم بالقضاء ولم يؤسس مجداً وإنَّما كانوا به يسدُّون رمقاً ويقضون مآربهم البسيطة فكانوا من طبقة العامة، إِلاَّ من شذَّ منهم وهم قلَّة.
وفي العهد الرستمي عُرف محكّم الهواري بانتمائه للبداوة وحذر منه الإمام أفلح بن عبد الوهاب جماعة الفقهاء الشراة لمَّا اقترحوه عليه قاضياً قائلاً لهم «ويحكم دعوتُم إِلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه» (2) بل إنَّ محكّم الهواري نفسه حذَّر الشراة ومن رغب في استقضائه وقدَّم نصيحته وألحَّ في قبولها لأنّه رأى أنَّ الفارق كبير والهوة الاجتماعية بينه وبين أهل تيهرت ليست بالقريبة فهو بدوي من جبل الأوراس وهم حضر من العاصة تيهرت «فقال لهم إنَّ الحق مرٌّ أمرَّ من شرب الدواء و لايشرب الدواء إلاَّ كرهاً وأنتم مرفهون أبناء نعم، وغيري أحب إليكم مني وقد نصحتكم فاقبلوا نصيحتي ... » (3).
إنَّ رفاهية تيهرت لم يمنعها من اختيار قاضيها من بداوة الأوراس لأنَّ المهم ليس هو الأصل الاجتماعي للقاضي و إنَّما هو مبلغ علمه ومستوى ورعه ودينه، فالقضاة على عهد الرستميين في العاصمة تيهرت أو في الأقاليم التابعة لها كلهم من الأصول الاجتماعية البدوية الريفية مزارعون وأبناء مزارعين، ولقد ذكر ابن الصغير أنَّ نفوسة كانت تلي عقد تقديم القضاة (4)
__________
(1) - الكندي: قضاة مصر. 46، 59، 113.
(2) - ابن الصغير: أخبار 50.
(3) - نفسه 50 وانظر زغلول: تاريخ 2/ 339 - 340.
(4) - نفسه 54. (1/271)
صفحة 272
مع العلم أنَّ هذه القبيلة يضعها ابن خلدون في مقدِّمة القبائل البربرية البترية البدوية (1).
ولعل الاستثناء الوحيد (2) الذي يجب ذكره ههنا هو اختيار قاضي تيهرت في عهد الإمام أبي حاتم، ابناً للقاضي الذي كان في عهد أبي اليقظان، واختير على هذا الأساس فضلاً عن كونه لا يقل علما وورعاً عن أبيه، يقول ابن الصغير متحدثاً عن الفقهاء الذين اختاروا القاضي الجديد إنه «لمّا دخل أبو حاتم مدينة تاهرت جمع المشايخ إباضيتها وغير إباضيتها فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين فقالوا له: إنَّ أباك لمّا دخل كدخولك ولَّى محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ ... ولمحمد ولد يسمى عبد الله وما هو دون أبيه في الورع والعلم ... فقال أشرتم وأحسنتم وولاَّه القضاء» (3) فهل هذا نوع من بداية توارث المنصب؟ لا نستطيع أن نذهب بعيداً في هذا المجال لأنَّ هذا القاضي المذكور في تيهرت هو آخر من ذكر باسمه من القضاة حيث نعلم أنَّ مؤرخنا ابن الصغير في أخباره توقف فجأة عن سرد أخبار الرستميين، فلم يوف عهد أبي حاتم حقه من الأخبار، ولم يذكر عهد اليقظان بن أبي اليقظان البتة وبالتالي لا نعرف ما إذا واصلت أسرة ابن أبي الشيخ تولي القضاء في تيهرت أم لا.
أما في العهد الأغلبي حيث الحضارة زحفت وناءت بكلكلها -كما يقال- على إفريقية فقد وجدنا تنوعاً في الأصول الاجتماعية للقضاة فمنهم
__________
(1) - ابن خلدون: العبر. 65/ 229 - 230.
(2) - يذكر الشمَّاخي أنَّ مدمان الهرطلي كان قاضيا أو عاملا للإمام عبد الوهَّاب ونجد ابن الصغير يتحدث في عهد أبي اليقظان عن القاضي شعيب بن مدمان فهل يمكن أن يكون هذا الأخير ابناً للأوَّل وأنَّ اسم (مدمان) قليل الورود في السير الإباضيَّة، وبالتالي يمكن أن يكون مدمان قاضياً للإمام عبد الوهَّاب وشعيب بن مدمان قاضياً بعد ذلك للإمام أبي اليقظان. انظر ابن الصغير: أخبار 78. الشماخي: سير 195.
(3) - ابن الصغير. 101. (1/272)
صفحة 273
الشريف ومنهم المشروف، ومنهم الغني ومنهم الفقير ....
ونبدأ بوراثة الابن لأبيه في القضاء وهو ما ظهر جلياً منذ السنوات الأولى للدولة الأغلبية، فعندما توفي أبو محرز القاضي بالقيروان سنة 214هـ/829م لم نعرف من خلفه من بعده طيلة ست سنوات وفي عام 220هـ/835م عُين للقضاء أحمد بن أبي محرز (1) وكلاهما كان في عهد زيادة الله الأوَّل ابن إبراهيم، ويذكر أبو العرب أنَّ أحمد بن أبي محرز تولى القضاء بعد أبيه «ثم ولي بعده ابنه أحمد ... » (2) فهل هذا يعني أنه ولي بعده مباشرة؟ مع العلم أنَّ المؤرخين الآخرين وأصحاب الطبقات يؤرِّخون توليه القضاء بعام 220هـ كما أسلفنا.
فإذا لم يستمر القضاء في هذه الأسرة بعد وفاة أحمد بن أبي محرز سنة 221هـ/836م فإنَّ الذي خلفه وهو عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي كان صهراً للقاضي السابق أسد بن الفرات، فأسماء بنت هذا الأخير هي زوجة ابن أبي الجواد (3)، ألا يدعونا هذا إِلى التحدث عن نوع من حصر القضاء في أسرتين بعينهما، في هذا العهد المبكر من تاريخ الأغالبة؟ فالقضاء لم يخرج من عائلة أبي محرز وعائلة أسد بن الفرات طيلة حوالي واحدٍ وأربعين سنة أي ما يقدر بأكثر من ثلث عهد الأغالبة كله (184 - 296هـ).
وبمجيء القاضي سحنون بن سعيد وتوليه للمنصب تتغير الأمور كلها وينطلق القضاء مجدَّداً يحمل سمات سحنون وصرامته وإصطلاحاته، فلقد رأينا أنَّه عين بالأقاليم قضاتها الأوَّل ومن بينهم القاضي علي بن أسلم البكري ولد سحنون من الرضاعة، أرضعته أم محمَّد بن سحنون مع محمَّد ثمَّ ولاه سحنون قضاء سفاقس
__________
(1) - أبو العرب: طبقات. 167. ابن عذاري: البيان 1/ 105.
(2) - أبو العرب: طبقات 167.
(3) - الونشريسي: المعيار المغرب 10/ 122. وانظر عياض: تراجم. 106، 110. (1/273)
صفحة 274
وسائر الساحل (1)، فهذا سحنون لا يجد حرجاً في تعيين ابنه قاضياً لإقليم و لايظهر أنَّ الناس اشتغلوا بذلك أو اهتموا به بخاصة و أنَّ سحنون « ... لم يكن يَغمِضُ عليه في أحكامه» (2) و إنَّما كان يراقبه ويراسله ويأمره.
وفي تونس ولّى عمرو بن شجرة القضاء (ت286هـ/899م) خلفاً لأبيه شجرة بن عيسى المعافري (3) كما أنَّ محمَّد بن شبيب أبا يوسف (ت276هـ/889م) قاضي تونس كان له ابن أخ قاض في صقلية في آن واحد ويدعى محمَّد بن سعيد بن شبيب (4) فهذه الروايات التي يبدو منها توارث القضاء في بعض الأسر الإفريقية يظهر أنَّها محدودة جداً لم تأخد طابع الاستمرارية ويغلب عليها الصدفة أكثر، ولم تكن مقصودة في حدِّ ذاتها بقدر ما كان العلم والورع هما المقصودان بالخصوص في عملية اختيار وتعيين القضاة، فلا نستطيع إذن أنَّ نتحدث عن بيوتات نالت شرف تولي القضاء أبا عن جد لأنَّ الفترة متقدمة جداً ببلاد المغرب عموماً وهي بداية لتشكيل مؤسسة القضاء، وبداية لظهور خصائصها، فاذا رأينا أنَّ الابن قد يرث أباه في قضاء هذه العاصمة أو تلك أو يرثه في قضاء هذا الإقليم أو ذلك أو يصادف أن يكون الأب قاضياً في العاصمة وابنه قاضيا في الإقليم وما إِلى ذلك، فإنَّ هذا كله لا يجعلنا نسمي أو نرى أنَّ هذا القضاء قضاء وراثي، مثلما ذهب إِلى ذلك تيان ( Tyan) وقد وفِّق الأستاذ قودفروا ( Gaudefroy) في الردِّ على تيان وأنَّه لا يوافقه على ما ذهب إليه (5) ولكن هذا النوع من القضاة سوف تعرفه إفريقية مع تقدم السنين وتعاقب الدول وبخاصة في العصر الحديث (6).
__________
(1) - Manaqib d’Abu Ishaq. p2.3
(2) - Ibid. p3
(3) - عياض: تراجم. 319.
(4) - نفسه 156 - 157.
(5) - Gaudefroy: Notes. p 142
(6) - Jacque Berque: Les cadis de kairouan, in revue de L’occident musuLman et de la mediteranné no 13 - 14. 1er semestre 1973. 105
في الأندلس عرفت أسر القضاء أباً عن جد فالفرح بن كنانة الكناني قاضي الجامعة بقرطبة لم يزل القضاء متردداً في ولده بشذونة في أيَّام الخلفاء الأمويين. انظر الخشني: قضاة قرطبة 40. (1/274)
صفحة 275
وعند الأغالبة عرفت بعض الأسر العريقة التي لعبت أدواراً بارزة في تاريخ إفريقية، فعلي بن أسلم (أو مسلم) البكري -سالف الذكر- ترك ولدا هو المعروف بأبي العباس أحمد، ولاه بنو الأغلب «خراج إفريقية وتورّط معهم فيما هم بسبيله وكان من أهل العلم والأدب والفهم ثمَّ ارتفع شأنه عندهم إِلى أن صار في حدِّ الوزارة والمشاورة وكان إذا خرج إلى منازله خرج في عسكر كما يخرج الوزراء وبين يديه وخلفه الجنائب» (1).
إنَّ هذا الابن المباشر للقاضي علي بن أسلم الذي ذكرنا أنَّه ابن للإمام سحنون من الرضاعة إذا كان قد بلغ في دنياه هذه المرتبة العالية ونال تلك الحظوة وذلك الجاه فإنَّ ابنه أبا إسحاق إبراهيم الجبنياني أي حفيد القاضي علي بن أسلم بلغ في دنياه المراتب العليا في الدين والزهد والورع فالأسرة كلها كانت أسرة علم وأدب ورئاسة وثراء وزهد (2) منذ أوَّل من برز منها وهو القاضي صاحب الجاه وكان «ذا دنيا عريضة ومنازل كثيرة ... » (3) أورثها لعقبه من بعده.
ومثل هذا القاضي التونسي، كان أوَّلُ قضاة القيروان عبد الله بن عمر بن غانم على عهد الأغالبة من حيث المال والجاه فقد كان له مسكن فاخر وخلَّف بعد وفاته كسوة ظهره بألف دينار (4)، و أمَّا عبد الله بن سهل القبرياني فكان صاحب أموال عريضة وجاه عظيم (5) يبدو أنه ورثها و ورّثها لعقبه من بعده.
__________
(1) - Manaqib d’Abu Ishaq. p4
(2) - عياض: تراجم 320، وانظر: Ibid p4
(3) - عياض: تراجم 320.
(4) - الملكي: رياض 1/ 185 - 186، 219.
(5) - الخشني: طبقات. 134. عياض: تراجم. 158. (1/275)
صفحة 276
و من العائلات العريقة كذلك أسرة القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي وهو من اسرة الحكام الأغالبة ابن عم لهم، وكان فضلاً عن ذلك ثرياً عرف بحبوحة العيش ورغده (1)، فهو القاضي الوحيد في بلاد المغرب قاطبة -خلال فترة البحث- ينتمي إِلى أصل اجتماعي مرموق هو بيت الحكم والرئاسة ومع ذلك بل وبفعل ذلك الانتماء الاجتماعي حسده ذووه من أهل الحكم وأودعوه السجن ثمَّ قتلوه شر قتلة (2).
و على نقيض هذه المجموعة من القضاة الذين ينحدرون من أصول اجتماعية مرموقة أو أورثوا عائلاتهم مكانة عالية في المجتمع الأغلبي واستمر ذلك إِلى ما بعد سقوط الأغالبة، فإننا نجد مجموعة أخرى تعود في أصولها إِلى طبقاتٍ دنيا، فالقاضي محمَّد بن عبدون بن أبي ثور «كان جده طحاناً وكان يكتب اسمه محمَّد بن عبد الله الرعيني» (3)، ولاّه إبراهيم الثاني ابن أحمد قضاء القيروان عام 275هـ/888م ثمَّ عزله بعد حوالي ثلاثين شهراً ليولي مكانه قاضياً ذا أصول سودانية هو المعروف بعبد الله بن هارون السوداني الكوفي (4) إلاَّ أنَّنا لا نعرف حقيقة هذه النسبة إِلى السودان أهي جنساً أو ولادة أو تجارة أو غيرها.
و مما يحكى عن عدم انتقاء القضاة من الأصول الاجتماعية الشريفة ما همَّ بفعله الأمير إبراهيم الثاني لمَّا عرض القضاء بسوسة لنفيس الغرابلي السوسي المعروف بأبي الغصن وقد خجل هذا الأخير من أصوله الاجتماعية ونصح للأمير أن لا يعيب نفسه و القضاء به فقال له «سألتك بالله أيها الأمير
__________
(1) - الخشني: 137 - 138. المالكي: رياض 1/ 474 ومابعدها. حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 1/ 263.
(2) - عياض: تراجم: 225 - 231. الدباغ: معالم 2/ 173.
(3) - ابن عذاري: البيان 1/ 121 زغلول: تاريخ 2/ 130.
(4) - الخشني: طبقات 192 - 193، 237. (1/276)
صفحة 277
لا تعر القضاء بي لأني عبد رومي أعور غرابلي مولى امرأة وهذا هجنة عليك ... » (1).
لم يكن القضاة إذن من أصول اجتماعية شريفة أو متميزة ومرموقة ولم تحتكره مثل هذه الأصول وأنى لها ذلك والفترة مبكرة نوعاً ما لم تتكون أو تتشكل، ولم تتبلور تلك الأصول بعد، ومن هنا قلّ من تولى القضاء بإفريقية أو المغرب الإسلامي من هذه الطبقة، فالأغلبية العظمى من قضاة المغرب إنَّما يعودون في أصولهم إِلى الطبقات الدنيا الريفية والبدوية وذات الشأن البسيط والانتماء الاجتماعي العام لأنَّ المعيار والمقياس المعتبر في هذه العهود ببلاد المغرب ليس هو الأصل الاجتماعي و إنَّما هو مبلغ العلم و الورع، فأيُّ فقيه عالم ورع يرشح للقضاء ويعين له كائنا من كان بغض النظر عن أسرته الشريفة أو المشروفة، الغنية أو الفقيرة، المتحضرة أو البدوية وهذه سمة من سمات القضاء في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة و ميزة من مميزاته.
ب- الأصول القبَلِيَّة:
إنَّ الأصول الأولى للقضاة ببلاد المغرب، تتوزعها ثلاثة أجناس هي العرب والبربر والفرس، وإن كان العرب والبربر هم الأكثر استقضاء بحكم طبيعة الكيانات السياسية القائمة ببلاد المغرب في القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد.
لقد كان عهد الولاة - إدارياً - عهداً عربياً خالصاً وكانت دولة الأغالبة دولة عربية مشرقية في بلاد المغرب في حين اعتمدت الدولة الرستمية في إدارتها على البربر بالدرجة الأولى. ولعلَّ المدراريين كانوا على ذلك أيضا. أمَّا الأدارسة فكانوا
__________
(1) - عياض: تراجم 388. (1/277)
صفحة 278
على النقيض حسبما يبدو من بعض المعطيات، لقد اختاروا الجنس العربي للقضاء والإدارة دون غيره. أمَّا الفرس الأعاجم فإننا قد نجدهم في هذه الدولة أو تلك وكانوا في القضاء قلة قليلة جداً.
من المعروف أنَّ الخلافة الأموية وبخاصة في القرن الثاني الهجري اتبعت سياسة التمييز بين القبائل العربية، فقد كان الخليفتان يزيد بن عبد الملك (101 - 105هـ/719 - 723م) وأخيه هشام (105 - 125هـ/723 - 742م) من أكثر الأمويين إغراقا وأشدهم إسرافا في العصبية القبلية (1) تلك العصبية التي أدت إِلى الصراع الشديد بين عرب الشمال العدنانيين (القيسية) و عرب الجنوب القحطانيين (اليمنية)، وكان الخلفاء يغذُّون هذا الصراع بميلهم تارة إِلى هذه العصبية وطوراً إِلى تلك وانعكست آثار تلك الميولات والأهواء على ولايات الدولة الإسلامية مشرقها ومغربها، وقام النزاع بين القبائل العريبة وكثرت الخصومات ونال المغرب منها قسطاً وافراً (2) جعل أوضاعها تضطرب خلال تلك الفترة. ورغم سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية إلاَّ أنَّ الظاهرة ظلت مستمرة لعقود أخرى لأنها استفحلت واستشرت وصعب أمر اجتثاثها.
إنَّ العصبية القبلية التي عرفتها بلاد المغرب من خلال تعيين الولاة تارة من القيسية وتارة من اليمنية وجدنا آثارها على مؤسسة القضاء بارزة إذ كلَّما كان والي المغرب قيسياً إلاَّ وكان القاضي كذلك وأما إذا كان الوالي يمنيا فإنَّه يمكن أن يكون القاضي يمنيا أو قيسيا.
أوَّل قضاة المغرب، عبد الرحمن بن رافع التنوخي كان في عهد موسى بن
__________
(1) - عبد العزيز فيلالي: المظاهر الكبرى 28.
(2) - نفسه 31 - 32. (1/278)
صفحة 279
نصير وكلاهما يمني قحطاني، أمَّا عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي فإنَّ ولايته القضاء كانت على عهد الخليفة القرشي والوالي القرشي، أمَّا الخليفة فعمر بن عبد العزيز الأموي واستمر إِلى عهد هشام بن عبد الملك، و أمَّا الوالي فإسماعيل بن عبيد الله القرشي إِلى عهد كلثوم بن عياض ثمَّ استمر الأمر هكذا مع القاضي عبد الرحمن بن عقبة الغفاري العدناني وكلثوم بن عياض العدناني.
وتولى بعد كلثوم بن عياض ولاية المغرب قحطاني يمني هو حنظلة بن صفوان (124 - 132هـ/741 - 739م) وكان القضاة في عهده من اليمنية وهم أبو عمر خالد بن أبي عمران التجيبي، وأبو علقمة مولى (1) ابن عباس، ويزيد بن الطفيل التجيبي، وآخرهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي (إلى آخر عهد الأمويين) وهو معافري من عرب الجنوب القحطانيين. ويخلفه في منصب القضاء معافري آخر هو أبو كريب جميل بن كريب الذي تولى القضاء في عهد الفهريين العدنانيين في فترة صعبة جدًّا، كانت منيته فيها.
أمَّا عبد الرحمن بن رستم الأعجمي (2) فإنَّه تولَّى القضاء بإفريقية لأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني القحطاني بعيداً عن الصراع القيسي اليمني ولكن ضمن الصراع المذهبي الذي سيصبغ القضاء في الأعوام التالية بصبغته بعد زوال الصراع الأوَّل، وسيصبح هو الأساس في اختيار وتعيين القضاة فضلا عن العلم والورع.
والملاحظ أنَّ الولاة القحطانيين أكثر مرونة وتقبلاً للقضاة من غير عصبيتهم
__________
(1) - استبعد الأستاذ عصام جعيط أن يولَّى مولىً على القضاء في القرن الأوَّل الهجري، ونلاحظ أنَّ ولاءه في قريش، ولكن لا نعرف أصله. انظر Djait. H: La wilaya d(Ifriqiya, p106 .. وانظر فريد بن سليمان: القضاء والقضاة 121 هامش 23.
(2) - عن أصل عبد الرحمن بن رستم انظر كتابنا: الدولة الرستمية. ص92. وكتابنا عبد الرحمن بن رستم. ص7. (1/279)
صفحة 280
ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إِلى أنَّ تعيين القضاة إنَّما هو بيد الخليفة (1) الذي يقرر مصير إدارة المغرب فيجعلها قطحانية إن كان ميله لها أو يجعلها عدنانية محضة أو يزوجها عدنانية قحطانية ولهذا رأينا أنَّ القضاء في بداية القرن الثاني الهجري كان عدنانيا طيلة ربع قرن مع ولاة عدنانيين بخاصة.
لقد كانت المرونة أوضح في عهد القطحانيين بحيث يمكن أن يكون القضاة من غيرهم في حين يكاد يستحيل أن يتولَّى قحطاني مع وال عدناني، ومن هنا أمكن أن يكون قضاة ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري إِلى نهاية عهد الولاة من العدنانيين والقحطانيين (2) على حدٍّ سواء لأنَّ الفترة كانت في أغلبها للولاة المهالبة القحطانيين (155 - 178هـ/771 - 794م) من جهة، و لأنَّ الصراع العصبي قد خبت جذوته وفسح المجال واسعا للصراع المذهبي من جهة أخرى.
فالقضاة بغضِّ النظر عن عصبيتهم القيسية أو اليمنية كلهم عرب في عهد الولاة (3) باستثناء عبد الرحمن بن رستم ولقد عرض القضاء على فارسي هو عبد الله بن فروخ إلاَّ أنَّه أبى وأرغم على ذلك إبان عهد روح بن حاتم وجلس له يوماً واحداً فعوفي منه بعد ذلك ورغم أنَّ النصوص في المصادر تشير إِلى ورع وزهد عبد الله بن فروخ وشفقته على نفسه من مسؤولية القضاء (4) إلاَّ أنَّ الدكتور محمود إسماعيل يرى أنَّ ذلك الامتناع يندرج في إطار مقاطعة الفرس للإدارة العربية ببلاد
__________
(1) - انظر المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب الثاني.
(2) - عن القضاة القحطانيين اليمنيين ومساهمتهم الحضارية في المغرب خلال القرون الهجرية الثلاثة الأولى انظر بوبة مجاني: أثر العرب اليمنية في تاريخ بلاد المغرب في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، رسالة ماجستير، إشراف د. محمَّد أمين صالح، جامعة القاهرة، قسم التاريخ، 1402هـ/1982م، ص193 - 210.
(3) - يؤكِّد الأستاذ فريد بن سليمان الأصل العربي لقضاة الولاة جميعهم باستثناء اثنين من الموالي وهو ما لا نراه. انظر المقال السابق، 123، 128.
(4) - أبو العرب: طبقات 107. المالكي: رياض 1/ 183 - 184. الدباغ: معالم 1/ 242. (1/280)
صفحة 281
المغرب بعد فشل ثورة عبد الله بن الجارود التي يصفها بالثورة الشعوبية ضد الوجود العربي بإفريقية (1).
وكما أنَّ الفرس أُبعدوا عن القضاء في هذا العهد أو ابتعدوا عنه كذلك الأمر بالنسبة للبربر فإنهم لم يلوا القضاء لاعتبارات أهمها أنَّهم لا يزالون في طور التعلم في هذا الوقت المبكر من الإسلام ببلاد المغرب بالقياس مع العرب والفرس.
هذا من جهة و من جهة أخرى يبدو أنَّهم اهتموا بالجانب العسكري فانخرطوا في جيوش الفتح و إتمام الفتح حتى شعروا أنَّهم يستغلهم العرب يقدمونهم في المعارك وهم يتأخرون يستشهد منهم الكثير ويبقى غيرهم على قيد الحياة فضلاً عن الممارسات الأخرى التي شعر منها البربر بالإهانة (2)، عندئد قرّروا الثورة التي كانت عام 122هـ/739م وتمخضت عن ثورات عديدة لم تنته إلاَّ بقيام كيانات بربرية كان يقرر مصيرها البربر وانحصرت السلطة العربية المطلقة في إفريقية بخاصة، ومن هنا أبعد العنصر البربري عن الإدارة عموماً والقضاء خصوصاً فضلاً عن عدم أهليته العلمية لتولّي مثل ذلك المنصب الديني كما أسلفنا.
و مِمَّا يؤكِّد طبيعة الصراع الذى كان يمارسه بعض العرب في إفريقية على البربر، تلك الأحاديث الموضوعة (3) في الحط من شأنهم حتى أنَّها أثرت في
__________
(1) - محمود إسماعيل: مغربيات. 109.
(2) - ابن عذاري: البيان 1/ 52. ابن خلدون: العبير 6/ 239 - 240 وانظر مقالنا: ثورات الخوراج في المغرب الإِسلاَمِي، 81 - 100.
(3) - انظر مثل تلك الأحاديث في الجزء الثاني من رياض النفوس ص354 ويقول المحقق إنَّها لا أصل لها ووضعها ظاهر من لفظها. هامش رقم 27. وكذلك أشار المالكي إلى طرف من تلك الآتار الواردة في شأن البربر ونبه إلى عدم صحتها انظر 1/ 210 هامش 78. (1/281)
صفحة 282
أورع الناس وأزهدهم في ذلك الوقت البهلول بن راشد (1) (ت182هـ).
إذن لقد كان القضاة في عهد الولاة عرباً من مختلف القبائل و لا وجود لجنس آخر معهم ويبدو أنَّ صراع العصبية العربية مسَّ نوعا ما هذه المؤسسة ولكن دون أن يؤثر في طبيعة عملها.
ويكاد يشبه عهدُ الأغالبة عهد الولاة من حيث الأصول القبلية للقضاة إذ أنَّ جلَّهم من العرب وقبائلِها المتعددة ولقد ذكرنا مراراً أنَّ عهد الأغالبة ما هو إلاَّ امتدادٌ لعهد الولاة من حيث القضاء خصوصاً، ولا أدل على ذلك من بقاء آخر قضاة عهد الولاة وهو عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني اليمني (تولّى القضاء في رجب171هـ/787م) قاضياً في القيروان للأغالبة منذ قيام كيانهم حتَّى توفي قاضياً عام 190هـ/805م (2) ويقول الأستاد هوبكنز إنه «يبدو أنَّ الأغالبة لم يعينوا قط غير العرب في منصب وزير أو في مناصب هامَّة أخرى إلاَّ بصورة استثنائية و كانت الدولة الأغلبية تحكمها أرستقراطية عربية» (3).
نعم لقد كان أغلب قضاة الأغالبة في القيروان أو في الأقاليم من أصل عربي فأبو محرز محمَّد بن عبد الله وابنه أحمد كنانيان وسحنون بن سعيد تنُوخي وعبد الله بن أحمد بن طالب تميمي وحماس بن مروان همداني ومحمَّد بن عبد الله بن عبدون
__________
(1) - انظر ترجمته. أبو العرب: طبقات 126 - 138. المالكي: رياض 1/ 220 - 214. يذكر عنه أنه صنع طعاماً وأحضر له جماعة من أصحابه فقالوا له «يا أبا عمرو لم صنعت هذا الطعام وليس عندك شيء يصنع من أجله الطعام؟ فقال: إني كنت خائفاً من أن أكون من البربر لِما جاء فيهم من الحديث فسألت عن أصلي من يعلمه فأُخبرت أنِّي لست من البربر فأحدثت لذلك هذا الطعام شكرا لله عزَّ وجلَّ إذ لم أكن من البربر» وانظر رواية تشبه هذه لزاهد متعبّد آخر هو أبو إبراهيم بن العربي. المالكي: نفسه، 2/ 354.
(2) - الدباغ: معالم 1/ 312.
(3) - هوبكنز: النظم. 37. (1/282)
صفحة 283
رعيني (1) يضاف إليهم مجموعة من القضاة هم عرب بالولاء كأسد بن الفرات مولى بن سليم بن قيس (2) وعيسى بن مسكين الإفريقي مولى قريش (3).
هؤلاء في القيروان وحدها فضلا عن الأقاليم التي تولىَّ قضاءها العرب بالدرجة الأولى (4) فجلهم قدم من المشرق و اتصل بمالك بن أنس أو تلامذته من بعده، أو اتَّصل بأبي حنيفة النعمان ثمَّ تلامذته. ومن هنا استحقوا منصب القضاء الذي يشترط العلم أولاً وقبل كلّ شرط آخر، فهذا العامل، ربَّما يرشح العرب دون غيرهم لتولي منصب القضاء بإفريقية خلال حكم الأغالبة فهُم الأقدم علماً و الأرسخ قدماً فيه.
إذا كانت الأغلبية من القضاة عرباً صَلِيبَةً (5) فهذا لايعني انعدام قضاة من غيرهم فلقد رأينا قبل قليل قاضيين عربيين بالولاء أصلهما أعجمي فأسد بن الفرات أصله من جند خراسان نيسابوريٌّ ولد بنجران عام 142هـ/759م وقيل بحرَّان من ديار بكر (6) أمَّا عيسى بن مسكين فاكتفى المؤرخون بذكر أنَّه من العجم لا غير (7) ومن المعلوم أنَّ هناك عجماً من أصل مغربي وليس بالضرورة أن يكون العجم من بلاد فارس وما والاها، فأبو الأسود موسى بن عبد الرحمن المعروف بالقطان قاضي طرابلس من عجم قمودة (8) وكذا عبد
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 167. المالكي: رياض 1/ 346.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 3.
(3) - عياض: تراجم. 232.
(4) - عياض: تراجم 21، 151، 152، 260، 317، 319، 320، 336، 371، 374، 377، 397.
(5) - صليبة أي عربا قحا.
(6) - الدباغ: معالم 2/ 3.
(7) - عياض: تراجم. 232.
(8) - عياض: تراجم. 363. (1/283)
صفحة 284
الله بن سهل القبرياني قاضي صقلية فهو من أهل القيروان أصله من العجم (1).
بالإضافة إِلى هذه الأصول العربية و الأعجمية التي تولَّت القضاء بالقيروان وببعض الأقاليم للأغالبة هناك مجموعة أخرى ذات أصول متعددة متنوعة لعلَّ أبرزها جميعاً قاضي القيروان البربري الوحيد للأغالبة ونقصد به محمَّد بن أسود بن شعيب الصديني (2) (290هـ/خوالي 290هـ) الذي عينه الأمير إبراهيم الثاني بن أحمد بن الأغلب المشهور بغرائب الأعمال ومتناقضاتها، فهذا القاضي البربري الوحيد على ما يبدو عند الأغالبة (3) وهو من قبيلة صدينة البربرية إحدى بطون البربر البتر (4).
والغريب في الأمر أنَّ أصحاب الطبقات والتراجم ينسبونه إِلى الجهل والجور والظلم وهو المعتزلي صاحب العقل واكتفى ابن عذاري (5) بذكر وفاته دون أي تعليق، ولعلَّ الصراع المذهبي الذي كان يخوضه المالكية ضدَّ منافسيهم من الأحناف والمعتزلة هو السبب في تلك النقمة على الصديني، بخاصة وأنَّ مصادرنا في هذا الخصوص كلّها مالكية وأغلبها في مناقب المالكية وتراجم رجالها ولا غرابة إذن أن
__________
(1) - نفسه 157.
(2) - توفي الصديني سنة 304هـ/916م ابن عذاري: البيان 175 وانظر عن الصديني: تراجم أغلبية. 285، 344، 474 وورد اسمه كذلك الصدني إلاَّ أن عياضاً وهو من أقدم المصادر يذكره كما أثبناه في المتن وكذلك النويري ويبدو أنَّ الدكتور محمَّد الطالبي تراجع عمَّا استحسنه من أسماء مثل الصيدني نسبة إلى (صيدن) (ثعلب) وكذلك مثل الصدفي وَأَكَّدَ في كتاب «تراجم أغلبية» أنَّ الصديني نسبة إلى قبيلة صدينة البربرية انظر الدولة الأغلبية 595 هامش 7 - وانظر تراجم أغلبية 474.
(3) - إذا لم يل القضاء سوى بربري واحد عند الأغالبة فإنَّنا وجدنا كاتباً بربرياً للقاضي وهو أبو جعفر أحمد بن نصر بن زيَّاد الهواري ت317م كتب لحماس أيَّام قضائه. أبو العرب: طبقات 250. الدباغ: معالم 3/ 6.
(4) - ابن خلدون: العبر. 6/ 239.
(5) - البيان 1/ 175. (1/284)
صفحة 285
يقفوا موقفاً عدائياً من الصديني المعتزلي وقد وقف الإمام سحنون بن سعيد قبل ذلك من سلفه القاضي عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي 221 - 232هـ موقفه المشهور الذي انتهى بابن الجواد مقتولاً في سجنه (1).
بالإضافة إِلى الصديني البربري هناك العديد من الأصول الأخرى غير العربية والأعجمية مثل القاضي إبراهيم بن داود بن يعقوب ذي الأصل المصري نزل طرابلس وتولّى قضاءها (2)، و من الأصول الأندلسية مجموعة من القضاة منهم شجرة بن عيسى المعافري اليمني وابنه عمرو قاضيا تونس (3) وعبد الله بن فروخ الفارسي ولد بالأندلس (4) عام 115هـ/733م. ولعلَّ أبا العباس محمَّد بن عبد الله بن عبدون بن أبي ثور الرعيبي قاضي القيروان (5) وحمدون بن عبد الله المعروف بابن الطبنة (6) قاضي طبنة من أصول أندلسية تشير إليها صيغة اسميهما "عبدون" و"حمدون".
والخلاصة أنَّ الأغالبة عينوا العرب للقضاء بالدرجة الأولى يليهم الأعاجم من الفرس و بعض الأندلسيين وبربري واحد، هذا مع العلم أنَّ هناك قضاة نجهل انتماءاتهم القبلية ويغلب الظنُّ أنَّهم من العرب دون سواهم.
أمَّا إذا جئنا إِلى الرستميين فمن المعلوم أنَّ إمامهم الأوَّل عبد الرحمن بن
__________
(1) - عياض: تراجم. 98 - 99، 106 - 107 وقد لاحظت أنَّ الفقهاء تحرجوا في ذكر هذا القتل لإمامهم وشيخهم سحنون وبحثوا عن الأعذار المختلفة لذلك. ولا يستبعد أن يكون هذا هو الذي دفع أحد النساخ لرياض المالكي لحذف الكثير من ترجمة سحنون لهذا السبب إذ من المعروف أنَّ ترجمة سحنون في الرياض مبتورة. انظر المالكي: رياض، 1/ 375. هامش 238.
(2) - عياض: تراجم 336.
(3) - عياض: تراجم 151.
(4) - المالكي: رياض 1/ 177. الدباغ: معالم 1/ 239.
(5) - تراجم أغلبية. 225 - 229. ابن عذاري البيان. 1/ 161.
(6) - عياض: تراجم 373. (1/285)
صفحة 286
رستم هو أوَّل قضاتها (1) ومن المعلوم كذلك أنَّ هذا الإمام القاضي هو من أصل فارسي تؤكده كل المصادر الإباضية (2) ويكتفي ابن الصغير بذكر أنَّه لا قبيلة له يشرف بها ولا عشيرة له تحميه (3) دون تحديد دقيق للأصل.
أمَّا أوَّل القضاة الذين وصلتنا أخبارهم وأسماؤهم في هذه الدولة واستقلوا بالقضاء منفرداً في تيهرت فهو محكَّم الهواري من قبيلة هوارة البربرية الأوراسية (4) من البربر البرانس كما يؤكده ابن خلدون (5).
ويبدو أنَّ القضاة ظلوا يُختارون من البربر سواء في العاصمة تيهرت أو في المدن الكبرى للأقاليم التابعة للسلطة الرستمية، فلا نجد إشارة إِلى تولّي عربي أو أعجمي لمنصب القضاء في الدولة الرستمية ولا أدل على ذلك من تحمل مسؤولية التعيين للقضاء وغيره من المناصب الإدارية الأخرى رجال نفوسة المقدّمون القاطنون بتيهرت ويقول في ذلك ابن الصغير «وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق والإحتساب على الفساق» (6) ولقد ذكر ابن الصغير هذا النص لمَّا كان يتحدث عن توزيع المهام والنفوذ في الدولة الرستمية أيَّام الإمام أفلح بن عبد الوهاب 208 - 258هـ الذي يعتبر عهده أزهى العصور وقمة الازدهار في المغرب
__________
(1) - ابن الصغير: 28.
(2) - أبو زكرياء: السيرة 57. الدرجيني: طبقات 1/ 19 وانظر كذلك ابن حزم جمهرة نساب العرب 511.
(3) - ابن الصغير: أخبار 26 وانظر هامش4. وارجع إلى كتابنا: الدولة الرستمية 92. وكتابنا عبد الرحمن بن رستم. 7.
(4) - ابن الصغير: أخبار 49.
(5) - ابن خلدون: العبر 6/ 282.
(6) - ابن الصغير: أخبار. 54. (1/286)
صفحة 287
الأوسط قبل وقوع فتنة ابن عرفة (1) التي عصفت بالمجتمع الرستمي وفتتت شيئاً فشيئاً قدراته ووحدته.
في عهد الإمام أبي اليقظان 261 - 281هـ الذي جاء مباشرة بعد تلك الفتنة المذكورة يظهر إسم القاضي أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ دون نسبه إِلى قبيلة عربية أو بربرية أو إقليم أعجمي، وكذلك تولَّى ابنه عبد الله من بعده القضاء بعد الفتنة الثانية (2) التي ارتطم فيها أفراد الأسرة الرستمية وتحاربوا من أجل السلطة وانتهت تلك الفتنة أو ظهر أنَّها انتهت بإعادة الإمامة إِلى أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان 286 - 294هـ الذي جمع لأوَّل مرَّة عند دخول تيهرت منتصرا على عمِّه يعقوب المنافس له، مشايخ البلد إباضيتها وغير إباضيتها واستشارهم فيمن يوليه القضاء (3) فهذه الاستشارة الواسعة التي شملت الإباضية وغير الإباضية من المفروض ألاَّ تحتكر قبيلة القضاء لنفسها وبالتالي لا يستبعد إطلاقاً أن يعين القاضي من غير البربر (4) فلقد عينت تلك الهيئة المستشارة عبد الله بن أبي عبد الله محمَّد بن أبي الشيخ قاضياً لتيهرت (5) فهل يمكن أن يكون هذا القاضي وأبوه من قبله عربيين؟ لا شيء يؤكد ذلك أو ينفيه (6).
__________
(1) -عن تلك الفتنة انظر ابن الصغير: أخبار. 62 ومابعدها، علي يحي معمر: الإباضيَّة في موكب التاريخ (الإباضيَّة في الجزائر)، مطبعة الدعوة الإِسلاَمِيَّة، مكتبة وهبة، القاهرة، 1399هـ/1979م. ص87 - 125 إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية 122 ومابعدها.
(2) - ابن الصغير: أخبار 92 وما بعدها.
(3) - نفسه 101.
(4) - انظر بوبة مجاني: أثر العرب اليمنية، 146 - 148.
(5) - ابن الصغير: 101.
(6) - ربَّما من المفيد الإشارة هنا إلى أنَّ قاضي أبي اليقظان أبا عبد الله بن محمَّد بن عبد الله نوفس على منصبه وحيكت له المؤامرات لكي يتخلى عن القضاء، وبالفعل تركه فتولاَّه رجل يبدو أنَّه بربري هذه المرة هو شعيب بن مدمان وهو من الجناح المنافس للقاضي السابق انظر ابن الصغير: أخبار 78 ويبدو أنَّ أباه كان قاضياً للإمام عبد الوهَّاب. انظر الشمَّاخي: سير 195. (1/287)
صفحة 288
وعموماً فإنَّ قضاة الرستميين بتيهرت العاصمة أو في الأقاليم إنَّما هم بربر من مختلف القبائل البربرية وهذا يعني تحكم البربر في زِمام الأمور بالدولة الرستمية، فإن كان يحلو للبعض أن يسمي الرستميين بالفرس أصحاب السلطة بالمغرب الأوسط (1) فإنَّ هؤلاء الفرس لم يكن لهم سوى الإمامة أمَّا باقي المناصب الإدارية فإنَّها كانت بيد البربر دون سواهم.
ونعرج في ختام هذا المبحث إِلى المغرب الأقصى فلقد عرفنا أنَّ الأيمة الأوائل في الدولتين المدرارية و الإدريسية كانوا قد تولّوا القضاء ضمن مهام الإمامة فالمدراريون بربر والأدارسة عرب هاشميون وقد تولّى القضاء مولاهم راشد في الفترة الفاصلة بين إدريس الأوَّل وإدريس الثاني أي حوالي إحدى عشرة سنة ويذكر المؤرخون أنَّ هذا المولى من البربر (2) فهو إذن عربي بالولاء بربري بالأصل ولم يتولَّ القضاء منفصلا عن المهام الأخرى و إنَّما تولاه ضمن مهام الإمامة التي حافظ عليها ليبلغها بأمانة إِلى ابن سيده الأوَّل بعد أن بلغ رشده.
لقد تولى المولى راشد القضاء لفترة معينة نيابة عن الإمام إدريس الأوَّل الذي اغتيل سنة 175هـ/791م، إِلى أن أدى الأمانة إِلى صاحبها إدريس الثاني الذي تولى مهامه عام 188هـ/803م (3) ومنها مهمة القضاء وهي من أعظم المسؤوليات التي تقع على الإمام.
واستمر القضاء مرتبطاً كما نعلم بالإمامة لم يتنازل عنه الإمام لغيره، ربَّما لعدم وجود الفقهاء في هذا الوسط البربري البعيد عن إفريقية مركز العلم والعلماء،
__________
(1) - Faroughy. A.: A persian Dynasti in north Africa the rustamids (776 - 909.c) in the islamic review Arpil 1952 England.
وانظر محمَّد بن تاويت الطنجي: دولة الرستميين أصحاب تاهرت صحيفة معهد الدراسات الإِسلاَمِيَّة في مدريد. م5 - عدد1 - 2 مدريد 1957.
(2) - مجهول: الاستبصار. 194. السنوسي: الدرر السنية. 60.
(3) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي. 2/ 439 - 441. (1/288)
صفحة 289
وفي عام 129هـ/804م أي بعد سنة من إمامة إدريس الثاني، تفِد على الأدارسة وفود العرب من إفريقية والأندلس تذكر المصادر أنَّ ادريس الثاني سرّ بها سروراً كبيراً وقرَّبها إليه بخاصة وأنَّها وفَدت إليه في الوقت المناسب: صغر سنه وقلة تجربته من جهة، وصغر سن الإمامة التي هو بصدد إقامتها، فهي تحتاج إِلى مثل هذه الكفاء ات ومن هنا اتخذ منها بطانته، ونظم بها إدارة دولته، ويهمنا هنا أنَّه انتقى من ذلك الوفد قاضياً عربياً قيسياً هو عامر بن محمَّد بن سعيد القيسي (1)، فهل هذا الاختيار لهذا العربي للقضاء في المغرب الأقصى جاء على حساب البربر؟
أغلب المصادر تميل إِلى تأكيد السؤال المطروح إذ تقول «فسُرَّ إدريس - رضي الله عنه - بوفادتهم وأجزل صِلاتهم وقرّبهم ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون البربر فاعتز بهم فإنَّه كان فريداً بين البربر وليس معه عربي» (2).
ويقول الحلبي معلقاً على هذا النص «فسبحان من سدَّد الإمام إدريس بن إدريس بهذا التسديد النفيس ... ولم يجنح خاطره إِلى تولية أحد من البرابر إذ ليس العرب كالعجم فبينهما الفرق كنار على علم» (3) أمَّا ابن خلدون فإنَّه يقول بِأَنَّ إدريس الثاني لمَّا جاءه العرب « ... اختصهم دون البربر وكانوا له بطانة وحاشية واستفحل بهم سلطانه ... » (4).
وعلى هذا المنوال يرى الأستاذ إبراهيم حركات بِأَنَّ إدريس الثاني لم يطمئن كثيراً إِلى البربر لذلك اتخذ من العرب بطانته و استقضى منهم (5)، ويذهب الدكتور
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني زهر الآس 17 - 18.
(2) -ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني. 17 - 18. الحلبي: الدرُ النفيس 177. النصيري: الاستقصا 1/ 136.
(3) - الحلبي: الدرُ النفيس 275.
(4) - العبر 4/ 26.
(5) - إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ. 1/ 114. (1/289)
صفحة 290
سعد زغلول عبد الحميد إلى نفس هذا الاتجاه في تفسير ميل إدريس إِلى العرب دون البربر فلقد اعتز بالعرب لأنَّه كان فريداً بين البربر وليس معه عربي (1).
إنَّ هذه المصادر والمراجع كلها تؤكد ميل إدريس الثاني إِلى اتخاذ القاضي من العرب من بين من اتخذهم لمصالحه وشؤون دولته، وكلهم عرب لسبب واحدٍ هو أنَّ العربي ليس مثل البربري وبالتالي ارتياح الإمام وعزته بالعرب دون البربر بخاصة وأنَّه العربي الفريد في دولته كما تريد تلك النصوص إقناعنا به.
وإذا جئنا إلى التفسير الأخير نجد الدكتور محمود إسماعيل ينفرد به ويقول بكل تأكيد «ونحن لا نقرّ القائلين بترحيب إدريس الثاني بهذه العناصر لغربته في بلاد البربر بقدر ما نؤكد على إفادته من هذه العناصر المتحضرة من تطوير جهاز الحكم فضلا عن تكريس خبرتها في مجال الاقتصاد والعمران» (2). ويوضِّح الدكتور نتائج هذا الميل إلى العرب دون البربر بشيء من التفصيل فيقول إن أَوْرَبة القبيلة البربرية التي استقبلت الأدارسة وآوتهم في مناطقها سخطت من تقديم إدريس الثاني للعناصر المهاجرة إلى فاس وسخطُها «لم يرجع إلى أسباب عنصرية كامنة في استعانة إدريس الثاني بالعرب بقدر ما يرجع إلى تخلِّي إدريس الثاني ـ لأسباب سياسية ـ عن سياسة العدل والمساواة التي حرص والده على إقرارها ... وفي ذلك دليل على أهمية الدوافع الاقتصادية وإن اتخذت لبوسا عنصريا» (3).
إنَّ إدريس الثاني ـ إذن ـ اتبع سياسة التوازن بدل سياسة العدل والمساواة وهو ما يشير إليه الأستاذ إبراهيم علي حسن عندما ذكر «أنَّ الاستعانة بالعرب خلقت نوعا من التوازن بين القوى التي تعتمد عليها
__________
(1) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي. 2/ 442.
(2) - محمود إسماعيل: الأدارسة. 76.
(3) -محمود إسماعيل: نفسه 76 - 77. (1/290)
صفحة 291
الدولة، كما بدأت الصبغة العربية تظهر ملامحها على مسرح الحياة السياسية» (1).
ونتيجة هذه السياسة التي يبدو أنَّ إدريس الثاني اضطر إليها اضطرارا، خشي من البربر عموما ومن أَوربة خصوصا فأقام بجهازه الإداري العربي بعدوة الأندلسيين بينما أوطن مواليه وحشمه في عدوة القرويين «لموازنة قوة البربر الساكنين بها» (2).
مجمل القول، إنَّ الأدارسة منذ عهد إدريس الثاني اتجهوا اتجاها عربيا على ما يبدو لأَنَّ العرب هم الذين يشكلون الخبرة الإسلامية في هذا الوقت ببلاد المغرب، ولأنَّ وجودهم يضع نوعا من التوازن بين القوى المكونة للمجتمع الإدريسي، ومن هنا كان القاضي عربيا قيسيا وكانت فرحة إدريس الثاني به وبالوفد العربي كله الذي سوف يحقق طموحه في دولة يرث بها المشرق والمغرب وهو طموح العلويين عبر العصور.
ختاما، هل يمكن أن نؤكد ما ذهب إليه ابن خلدون من أنَّ القضاء كان في الأمر القديم ويقصد به القرون الهجرية الأولى «لأهل العصبية من قبيل الدولة ومواليها» (3)، وإن القضاة «كانوا من أهل عصبية الدولة وفي عداد الوزراء»؟ (4).
أعتقد أنَّ هذا الرأي يصدق فعلا على قضاة وقضاء بلاد المغرب في القرنين الثاني والثالث للهجرة ولقد رأينا أن قضاة عهد الولاة زمن الصراع العربي العربي كلهم عرب وإن وجد منهم أعجمي فهو عربي بالولاء إلى إحدى القبائل العربية
__________
(1) - إبراهيم علي حسن: المولى ادريس بن إدريس الأزهر. 43 - 44.
(2) - محمود إسماعيل: الأدارسة. 77.
(3) - ابن خلدون: المقدِّمة 24.
(4) - نفسه 25. (1/291)
صفحة 292
ويكاد يكون عهد الأغالبة مثل سالفه إذ أغلب وجل القضاة عرب بل وجد منهم من هو تميمي من آل بني الأغلب. ولعلَّ تعيين بربريٍّ واحد للقضاء في الدولة الأغلبية إِنَّمَا هو من غرائب الأمير إبراهيم الثاني ابن أحمد وما أكثر غرائبه، ومن المعلوم أنَّ استقضاءه لم يدم إلاَّ عاماً واحداً.
أمَّا الرستميون فإنَّهم وإن كانوا فرسا فولاؤهم في البربر لا ينازع عليه، تربَّوا في بلاد البربر، وأمُّهم - باستثناء عبد الرحمن بن رستم - بربرية يفرنية زناتية بترية هي زوجة عبد الرحمن وجدَّة الأيمة من بعده. إنَّ عصبية الدولة الرستمية عصبية بربرية وإن كانت قمَّتها فارسية، ومن هنا كان القضاة من البربر دون غيرهم (1)، فإذا وُجد غير البربري في الجهاز الإداري للرستميين ابتداء من القضاء فلاعتبارات مذهبية بالدرجة الأولى.
أما الأدارسة فقد رأينا احتفال إدريس الثاني بالعرب القادمين إليه واتِّخاذ بعضهم بطانة له ومنهم قاضيه، وهكذا كان القضاة فعلا من عصبية الدولة، ولكن كانوا دائما يُنتقون من العلماء الراسخين في العلم، إذ العلم هو الشرط الأوَّل والأكبر في اختيار القضاة في الإسلام، وظلَّ هذا الشرط معتبرا طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م).
__________
(1) - يذكر الدكتور محمود إسماعيل أنَّ الرُّستميين لم يلتزموا بالفكر السياسي الإباضي ولم يراعوا تعاليمه وشرائعه بعد حكم مؤسس الدولة ويقول إنَّ وظائف الدولة غدت حكراً على عصيبيات بعينها استأثرت بها من دون العناصر الأخرى. انظر الخوراج في المغرب الإسلامي. 197. وقارن بما قاله ابن خلدون في النص سالف الذكر، وبما ذكره جهلان عدُّون: الفكر السياسي عند الإباضيَّة. (1/292)
صفحة 293
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء
في المغرب الإسلامي
الفصل الثاني
التنظيم القضائي
المبحث الأَوَّل: قاضي العاصمة
المبحث الثاني: قاضي الإقليم
المبحث الثالث: استقلالية القضاء
المبحث الثالث: التعيين والعزل (الأسباب والدواعي)
أ-التعيين
ب-العزل وملابساته (إنهاء المهام) (1/293)
صفحة 294
[صفحة بيضاء]
صفحة بيضاء (1/294)
صفحة 295
الفصل الثاني: التنظيم القضائي
المبحث الأَوَّل: قاضي العاصمة (1)
من المعروف أنَّ قضاة بغداد اختار لهم القاضي أبو يوسف 182هـ/798م اسم «قاضي القضاة» (2) بينما اختار الأندلس لقضاة عاصمته قرطبة اسم «قضاة الجماعة» (3) وبقي قضاة حواضر المغرب الإسلامي يعرفون بالقضاة لا غير، فعندما يتحدث أبو العرب (ت330هـ/944م) عن قضاة القيروان أو قضائها يقول تولَّى القضاء فلان الفلاني، هكذا عبارة مجردة، ولكن عندما يتحدث عن قضاء الأقاليم فإنَّه يذكر اسم الإقليم مضافا إِلى القضاء (4) ولم يشذ عن هذا إلاَّ مرتين الأولى لمَّا تحدَّث عن القاضي أبي كريب قال « ... ولِّي قضاء القيروان ... » (5) و الثانية مع نفس القاضي في جملة اعتراضية قال «إنَّ أبا كريب كان -إذ كان قاضيا بالقيروان- ساكنا في الدرب المعروف بالسنجاري» (6).
__________
(1) - بادئ ذي بدء أنبه إِلى أنَّه لم يكن هناك في التراث القضائي المغربي للفترة موضوع الدراسة قاض يعرف بـ «قاضي العاصمة» و إنَّما هي الضرورة المنهجية اقتضت منا وضع هذا الاسم للتعبير عن قضاة عواصم المغرب الإسلامي: القيروان، تيهرت، فاس، إذ لم يحملوا لقباً معيناً مثلما كان عليه الأمر في المشرق أو في الأندلس.
(2) - مولوي: الإدارة العربيَّة. 307. عصام شبارو: القضاء 33، 204. Gaudefroy: Notes. p114, E. Tyan: Histoire de l Organisation, p124
(3) - الخشني: قضاة قرطبة. 14 يذكر أنَّ تسمية القاضي بقاضي الجماعة اسم محدث لم يكن في القديم.
وانظر:
Encyclopedie de L Islam, T4, matiere "Kadi", Nouvelle ed. Leiden, Paris 1978, p390
(4) - الملاحظة موزعة على صفحات الكتاب كله.
(5) - أبو العرب: طبقات. 217.
(6) - نفسه 218. تشير الباحثة نوال إلى المرَّة الواحدة فقط. انظر تنظيمات 188. (1/295)
صفحة 296
إنَّ عبارة «قاضي القيروان» أو «القاضي بالقيروان» لم تكن عبارة رسمية أو شعبية على الأقل، على ما يبدو لي تعبر عن قاض بالعاصمة له أهميته ومسؤولياته، ومرتبته ضمن جهاز القضاء، فالعبارة الأكثر ورودا هي «القضاء» دون إضافة إليه حتَّى عند الخشني المتوفى سنة 361هـ/ 971م فإنَّه لم يذكر هو الآخر «قضاء القيروان» إلاَّ عرضا و مرتين أو ثلاث فقط (1) و إنَّما العبارة الشائعة عنده وعند من جاء بعده كالمالكي والدباغ والقاضي عياض هي «القضاء» هكذا ربَّما وجدنا عبارة «قضاء إفريقية» عند هذا أو ذاك من المؤرخين (2) المتأخرين فهي لا تدل، في نظري، عن واقع كان معيشاً في القرنين الثاني والثالث للهجرة.
إنَّ قضاة القيروان كانوا يعرفون بالقضاة هكذا ببساطة ولعل شهرة أسمائهم وعظيم علمهم جعلهم لا يحتاجون إِلى أن ينسبوا إِلى قضاء معين و إنَّما هم القضاة هكذا مطقاً.
وكذلك الأمر بالنسبة لقضاة تيهرت (3) وقاضي فاس فإنَّ مصادرنا لا تذكر لقباً أو عبارة بخاصة بهؤلاء القضاة الذين كان قضاؤهم بحاضرة الدولة (4).
كان قضاة القيروان (5) هم الأكثر صلاحيات من نظرائهم في تيهرت حيث إنَّ قضاة عاصمة الرستميين كانوا يتولون قضاء تيهرت لا غير ولم تذكر لهم المصادر أعمالاً غير ذلك في حين كان قضاة القيروان ذوي صلاحيات واسعة منها تعيين قضاة الأقاليم وتعيين صاحب المظالم وأمناء البوادي وغيرها من الصلاحيات
__________
(1) - طبقات 1/ 136، 181، 237.
(2) - انظر مثلاً ابن عذاري 1/ 121.
(3) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية. 280.
(4) - انظر قوائم قضاة تيهرت والقيروان ملحق رقم: 3، ورقم 4.
(5) - يقول هوبكنز قاضي القيروان أو قاضي إفريقية «يستعمل التعبيران دون تمييز» هوبكنز: النظم 203. (1/296)
صفحة 297
التي يقول عنها هوبكنز بأنها واسعة غير واضحة. وقلما نجد ميداناً لم يكن لهؤلاء القضاة تأثير فيه، ويضيف هوبكنز «وهذا الغموض في الصلاحيات كان من شأنه أن يفسح للقاضي مجالاً أوسع للتأثير بشخصيته، مما أدى إِلى تباين في سلطات القضاة أكثر مما كان يحدث لو أنَّ ميدان نفوذهم كان أكثر تحديداً» (1).
وهكذا نلاحظ أنَّ صلاحيات قاضي القيروان تعود إِلى شخصيته بالدرجة الأولى تتسع أو تضيق بحسب نفوذه وهيبته، ولعل أقصى اتساعها شهدته مع القاضي سحنون بن سعيد الذي استحدث أموراً وصلاحيات في القضاء بالقيروان وغيرها لم تكن للذين من قبله وقد سبق أن رأينا ذلك.
إنَّ القضاة بالقيروان أو بتيهرت لم يكونوا يحملون لقباً مميزاً لهم و إنَّما تعيينهم من قبل الأمير الأغلبي أو الإمام الرستمي أو الإمام الإدريسي بالنسبة لقاضي فاس هو الذي يميزهم عن القضاة الآخرين فضلاً عن أنهم بحاضرة دولتهم يشكلون جزءاً من السلطة العليا للبلد مع الإمام أو الأمير والوزير والمستشارين.
وقد وصف أغلب هؤلاء القضاة بالشجاعة (2) والصرامة في العمل وأنَّهُم لا يخافون في الله لومة لائم، وقد سبقت الإشارة إِلى جوانب من هذا لما تحدثنا عن هيبة القاضي وشخصيته.
أخيراً، لابد من كلمة حول قاضي «الجند» هذا المصطلح الذي ورد ذكره خلال فترة الموضوع، ذكره المالكي والدباغ لمَّا تحدثا عن أبي سعيد جعثل بن هاعان بن عمير بن اليثوب قال عنه المالكي « ... ولّي قضاء الجند بإفريقية لهشام بن عبد الملك» (3) فهل كان قاضياً للجيش (الجند) الذي أرسله هذا الخليفة سنة
__________
(1) - هوبكنز: النظم 214 - 215.
(2) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية. 278 - 279.
(3) - المالكي: رياض 1/ 114. الدباغ: معالم 1/ 202 وانظر علي أحمد: القضاء 24 - 25. (1/297)
صفحة 298
123هـ/740م ليؤدب البربر في ثورتهم التي أقاموها سنة 122هـ/739م والتي عمت كافة بلاد المغرب؟
الحقيقة أننا لا نستطيع أن نؤكد شيئاً من هذا أو ننفيه ولكن الضرورة تقتضي أن يكون لجيوش الفتح ثمَّ للجيوش التي جاءت من المشرق بعد تمام الفتح قضاتها الذين يعملون تحت قيادة القائد العام للجيش أو الحملة. ويرى هوبكنز أنَّ هذا القاضي هو «نفس قاضي العسكر المعروف في أماكن أخرى» (1) كمصر، بخاصة وأنَّ سلطات قاضي الجند مقصورة على أفراد الجند، ويضيف قائلاً «وبالطبع فإنَّه في السنوات التي أعقبت الفتح مباشرة كان الجند و الجماعة الإسلامية شيئاً واحدا (3) وكأنه يريد أن يقول إنَّ القضاة في عصر الولاة بخاصة كانوا «قضاة جند» إلاَّ أنَّ هذا المصطلح، كما قلنا، لم يرد إلاَّ مرة واحدة لا غير وبالتالي فإنَّ التسمية كانت «قضاة» هكذا مطلقة.
المبحث الثاني: قاضي الإقليم
عرف المغرب الإسلامي كغيره من مناطق العالم الإسلامي الوسيط التقسيم الإداري أو ما يعرف بالولايات والأقاليم (2)، فمنذ عصر الولاة كان المغرب مقسَّماً إِلى أقاليم اتضحت أكثر عندما قامت الدول المستقلة على ربوعه: المدراريون والأدارسة والرستميون والأغالبة.
وكان لهذه الكيانات السياسية أقاليمها وولاياتها التي تشرف عليها انطلاقاً من عاصمتها في سجلماسة أو فاس أو تيهرت أو القيروان ثمَّ رقادة فيما بعد. ولست هنا بصدد ذكر تلك الولايات وحدودها وإنَّما أكتفي بذكر بعض تلك
__________
(1) - هوبكنز: النظم 203 عن قاضي العسكر انظر:
Encyclopedie de L Islam, T4, matiere "Kadi",p392. Tyan: Histoire de l’Organisation, p526 - 532.
(2) - حسين مؤنس: التنظيم الإداري. 72 ومابعدها. (1/298)
صفحة 299
الولايات التي كان فيها قضاة، هم الذين اصطلحنا على تسميتهم بقضاة الأقاليم، ولابدَّ من الإشارة منذ البداية إِلى أنَّ القليل النادر من الأقاليم عرفنا بعضاً من قضاتها إذ، من المعروف أنَّ المصادر لم تول اهتماماً بالغاً لهؤلاء القضاة الذين يعتبرون ثانويين بالنسبة لقضاة العاصمة.
لقد سبقت الإشارة إِلى أنَّ عصر الولاة لم يشهد قضاة في أقاليمه ولعله ترك هذه المهمة لعمَّاله وعلمائه كل في الإقليم الذي يوجد به وابتداءً من عهد الأغالبة (1) عرفت الأقاليم بعض القضاة واحتفظت المصادر ببعض الأسماء منهم، فكان القضاة في صقلية وتونس وطرابلس وقابس وقصطيلية وقفصه والزاب و طبنة وباجة و سوسة وصفاقس (2).
إنَّ هذه المدن الرئيسية بالدولة الأغلبية تمثل عواصم الأقاليم الرئيسية في هذه الدولة. و إنَّ التنظيم الإداري لدولة الأغالبة في القرنين الثاني و الثالث للهجرة يعتبر أرقى التنظيمات و أدقها و أوضحها بالنسبة لباقي الكيانات السياسية التي قامت في نفس الفترة المذكورة، ولذلك كان بالتبع قضاة أقاليمها أكثر بروزاً في المصادر التي وصلتنا.
وتذكر الباحثة نوال تركي أنَّ لصقلية قاضٍ يعرف بقاضي القضاة هو قاضي عاصمتها يتبعه عدد كبير من القضاة المنتشرين في أنحاء مدن صقلية (3) إلاَّ أنَّها لم تشر إِلى مصادرها واكتفت بالاعتماد على مراجع ثانوية غير متخصصة، ولا أشاركها الرأي إذ لم تذكر مصادرنا شيئاً من ذلك إطلاقاً فضلا عن أن يكون لقاضي صقلية لقب «قاضي القضاة» و أن يتبعه «عدد كبير» بهذه المبالغة من القضاة في المدن الصقلية.
__________
(1) - انظر المبحث الثاني في الفصل الرابع من الباب الأوَّل.
(2) - انظر قائمة قضاة الأغالبة بالأقاليم الملحق رقم: 5.
(3) - نوال تركي: التنظيمات 210. (1/299)
صفحة 300
و بما أنَّ أغلب هؤلاء القضاة الذين عينوا للأقاليم إنَّما كان تعيينهم من قِبل قاضي القيروان فإنَّنا لاحظنا مراقبة هؤلاء لقضاتهم بالأقاليم و إسداء النصح (1) لهم بل و إرسال الأوامر الصارمة لتطبيقها (2) عند الضرورة.
أمَّا إذا جئنا إِلى قضاء الأقاليم عند الرستميين فإنَّنا نلاحظ ضبابية الأقاليم و الولايات في الدولة الرستمية (3)، ولقد أشرنا إِلى أنَّ هناك قضاة عديدين في المغرب الأوسط مِمَّا يلي تيهرت غرباً وشمالاً إلاَّ أنَّنا لا نعرف بالضبط أسماء تلك الأقاليم، أمَّا في الشرق وبخاصة في المغرب الأدنى فإنَّنا نجد القضاة بجبل نفوسة بقفصة وسيرت ونفزاوة وقنطرارة وفي جبل دمر وفي جربة وفي لالت وشروش وويغو وريزة وجادو ووارجلان، و إنَّ أغلب هذه المدن والقرى إنّما هي تشكل جبل نفوسة الذي يعتبر الإقليم الأكبر والولاية الأولى في الدولة الرستمية، حافظ الأخباريون على تاريخه وجاؤوا بكثير من تفاصيله (4). وإني هنا أؤكد ما ذهب إليه الدكتور فخار من أنَّ الرستميين كانوا يحكمون من سرت إلى زويلة إلى جبل نفوسة إِلى شط الجريد فالمغرب الأوسط بواسطة عمال لهم لا يمثلون الحكام بتيهرت و إنَّما يمثلون رعيتهم أمام أولائك الحكام (5).
__________
(1) - أرسل عبد الله بن أحمد بن طالب إلى قاضيه بطرابلس محمَّد بن حمود (قمود) رسالة جاء فيها « ... فلا تبق غاية من الخير إلاَّ بلغتها واتقيت الله فيما استرعيت بحسن الكفاية والاجتهاد. وما بلغني إِلاَّ الجميل فقد ربيتك وعلمتك وعرفتك العلم ... وبالله توفيقك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» انظر رياض المالكي 1/ 478 - 479.
(2) - المالكي: رياض 1/ 500.
(3) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية. 98 وما بعدها.
(4) - عن جبل نفوسة انظر Despois. J.: Le djebel Nefoussa, Opcit.
وانظر أطروحة دكتوراه حول تاريخ جبل نفوسة للباحث مسعود مزهودي، جامعة قسنطينة قسم التاريخ.
(5) - فخار إبراهيم: دور الرستميين في وحدة مغرب الشعوب، مجلَّة الأصالة ع. 42 - 43 مطبعة البعث قسنطينة 1397هـ/1977م. ص41 وانظر Gautier: les siecles obscures. p313 (1/300)
صفحة 301
إنَّ هذه الأقاليم شهدت بعض القضاة الذين وصلت إلينا أسماؤهم (1)، والميزة الخاصة بالرُّستميين أنَّ هؤلاء القضاة من تعيين الولاة (2) بالولاية وليس الإمام أو قاضي تيهرت مثلما هو الأمر بالنسبة للأغالبة الأمر الذي يؤكد ما ذهب إليه الدكتور فخار.
لقد ظلت الإباضية تهتم بالقضاء في كل مناطق وجودها بل إنَّ الوهبية منها وهي مذهب الدولة الرُّستمية احتفظت بالقضاء في مدينة ريصوا وتنازلت للنُّكار بالفتيا وللخلفية بإمامة تراويح رمضان وللنّفاثية بالآذان (3)، وهذا دليل أهمية القضاء في الأقاليم حتى بعد انهيار الدولة الرُّستمية مِمَّا يؤكد وجوده في مناطق لم تذكرها المصادر.
ويفترض الأستاذ الباحث جودت عبد الكريم ويقول « ... ربَّما كان لكل مذهب قضاته ... » (4) على أساس أنَّ هناك كوفيين وقرويين ومصريين ومساجد لكل طائفة من هذه الطوائف (5) في المدينة تيهرت بخاصة، وأنَّ هناك عبارة عند ابن الصغير توحي ذلك عندما تحدث عن استماع أبي اليقظان في عهد أخيه الإمام أبي بكر بن أفلح إِلى شكاوى الناس من «العمّال والقضاة وأصحاب الشرطة» (6)، فلماذا «القضاة» بصيغة الجمع؟
إنَّ الباحث المذكور يرى إنَّها ربما لقضاة المذاهب التي تعايشت بعاصمة
__________
(1) - انظر قائمة قضاة الرستميين بالأقاليم رقم 4.
(2) - الدرجيني: طبقات 2/ 321.
(3) - عن هذه الفرق انظر كتابنا الدولة الرستمية: 110 ومابعدها و 330 ومابعدها انظر عوض خليفات: النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضيَّة في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان. عمَّان الأردن ط1. 1982، ص 103، 114، 116 عن الرواية انظر الشمَّاخي: سير، 181 - 182.
(4) - الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية. 279.
(5) - ابن الصغير: أخبار. 32.
(6) - نفسه 63. (1/301)
صفحة 302
الرُّستميين، إلاَّ أنَّنا نعرف أنَّ الأيمة الرُّستميين يعيِّنون قاضياً واحداً لا غير (1) وإنَّما أولائك القضاة الآخرون الذين يستمع أبو اليقظان إِلى شكاوي الناس منهم، هم قضاة الأقاليم القريبة من تيهرت والتابعة للرُّستميين وقد سبق أن أشرنا إِلى هذا بنوع من التفصيل (2). وهؤلاء القضاة يعيِّنهم الأَيمَّة بتيهرت ويراقبونهم –كما رأينا– مراقبة شديدة.
أمَّا احتمال وجود قضاة للأحناف والمالكية وربما للمعتزلة والشيعة، فهو احتمال وارد ولا شكَّ، ولكن لا يُعتبرون قضاة رسميين تُشرف عليهم الدولة وتنفق لهم أرزاقهم ورواتبهم من بيت المال و إنَّما هم قضاة يمثِّلون طوائفهم ولا يشكِّلون جناحاً في الإدارة الرستمية عموماً والمؤسسة القضائية خصوصاً.
نصل في نهاية المطاف إِلى المغرب الأقصى، حيث الضبابية المطلقة، سواءً بالنسبة للأدارسة أو المدراريين، وقد سبق أن رأينا أنَّنا نعدم اسم قاضٍ واحدٍ على الأقل للمدراريين في حين احتفظت لنا مصادر المغرب الأقصى اسم قاضي فاس على عهد إدريس الثاني.
تبقى أقاليم الدولتين وولاياتها و القضاة فيها من الأمور التي لا نعرف عنها شيئاً إطلاقاً بخاصة دولة بني مدرار الصحراوية. أمَّا الأدارسة فإنِّه يمكن أن نعتبر تلك المدن التي تَوزَّعها الأمراء أبناء إدريس الثاني على أنفسهم، أقاليم و ولايات تابعة لفاس، فابن أبي زرع ومن جاء بعده من المُؤَرِّخِينَ، يذكرون أنَّ إقليم طنجة وما يضمه من مدن مثل سبته وتطوان كانت للقاسم، أمَّا إقليم تكساس و ترغة وبلاد صنهاجة فانها لعمر، وكان لداود بلاد هوارة وتسول وتازا ... وليحي أصيلا والبصرة والعرايش، ولعيسى إقليم سلا وأزمور وتامسنا ... ولحمزة إقليم
__________
(1) - نفسه 49 - 50، 77،101.
(2) - انظر المبحث الثاني في الفصل الثالث في الباب الأوَّل. (1/302)
صفحة 303
وليلي وأعمالها ولأحمد إقليم مكناسة وأعمالها، ولعبد الله إقليم أغمات وجبال المصامدة والسوس الأقصى. أمَّا تلمسان فكانت لولد عم إدريس الثاني سليمان بن عبد الله (1).
فهل يحق لنا أن نفترض أنَّ في أهم مدن هذه الأقاليم قضاة يعينهم هؤلاء الأمراء أبناء إدريس الثاني؟ وتبقى الفرضيات هي الطاغية في تاريخ المغرب الأقصى خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
الخلاصة أنَّ تاريخ القضاء في أقاليم دول المغرب الإسلامي من الصعوبة بحيث يطغى على أغلبه الفرضيات إذ كلما تقدمنا من الشرق إِلى الغرب، من المغرب الأدنى إِلى المغرب الأقصى من دولة الأغالبة إِلى دولة بني مدرار مروراً بالرُّستميين والأدارسة إلاَّ وجدنا الصعوبات الجسام، ولا شكَّ أنَّ تاريخ قضاة الأغالبة أقل وضوحاً عندنا من تاريخ قضاة عاصمة القيروان، والأمر كذلك بالنسبة لباقي دول المغرب الإسلامي، إلاَّ أنَّ الأخبار والروايات لتاريخ قضاة أقاليم الأغالبة أكثر بكثير منها عند الرُّستميين وعند هؤلاء أكثر بكثير مما هي في المغرب الأقصى.
يُسأل محمَّد بن سحنون «أيجوز لقاضي البادية أن يحكم في الحاضرة؟ ... » فيجيب قائلاً «لا يجوز له أن يحكم في الحاضرة ولا في البادية لا في القليل ولا في الكثير» (2).
إنَّ هذا الذي أُطلق عليه «قاضي البادية»، يبدو أنَّه هو مااصطلحنا على تسميته بالقضاء الشعبي، يغطي كامل أقاليم المغرب الإسلامي (3) بدون إستثناء.
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس. 51 الناصري: الإستقصاء. 1/ 172 وانظر سعدون عبَّاس: دولة لأدارسة 148.
(2) - أجوبة (مخ) ق10و.
(3) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة. 100 - 101، 193، القاضي النعمان: افتتاح الدعوة. 36 - 37 المالكي: رياض 2/ 63، الشمَّاخي: سير 124 - 125،261. (1/303)
صفحة 304
إليهم كان يرجع الناس في خصوماتهم وأفراحهم وأتراحهم من زواجٍ وطلاقٍ واعتداء ولصوصية وقتل وما إِلى ذلك من المواضيع التي يبت فيها القضاء. وهذا النوع من القضاء العرفي التلقائي إن صح التعبير (1)، يتولاّه من يجد في نفسه القدرة والكفاءة من الفقهاء، أو تُوليه جماعته المذهبية أو القبلية. واعتقد أنَّ هذا النوع من القضاء لا يزال ساري المفعول في كامل بلاد المغرب الإسلامي إِلى يومنا هذا، ولعلَّ بعض الفقهاء مثل ابن سحنون شددوا في عدم الإعتراف بأحكام هؤلاء «القضاة» حتَّى لا يترافع الناس إليهم، وحتَّى يُقصد القضاة الرَّسميون توحيداً للسلطة القضائية وخدمة لمصالحها وتوحيداً لكلمة الأمَّة ...
المبحث الثالث: استقلالية القضاء
لقد حرص القضاة والمنظِّرون كلاهما على ضرورة استقلالية القضاء و القضاة، واعتبروا أي تدخل في شوؤن القضاء مساساً بمصداقيته وتعطيلاً لشرعية أحكامه.
إنَّ السلطة القضائية كانت منفصلة تماماً عن السلطة التنفيذية، وكان القاضي مستقلاً من الوجهة العملية عن الوالي أو الأمير أو الخليفة أو الإمام وذلك في تصريف شؤون القضاء (2)، وكان القاضي محصناً في كل الظروف، الأمر الذي يشير إِلى قوة بخاصة في التشريع الإسلامي، هذه القوة التي تحفظ استقلال القضاء باستمرار ومكانته «حتى في تلك الظروف التي يكون فيها جوانب من الضعف أو شيء من التهاون لدى بعض المسؤولين أوقات الهبوط» (3).
إنَّ القضاء الإسلامي عموماً ربما لاحظ الملاحظون، وبخاصة
__________
(1) - Emile tyan: Histoire de L’oganisation.p34 - 40
(2) - مولوي: الإدارة العربيَّة. 102، عبد الرحمان علي الحجي: جوانب من الحضارة 60.
(3) - الحجي: نفسه. 60. (1/304)
صفحة 305
المستشرقون (1) أنه انتُهك في استقلاليته في أمرين: أوَّلهما أنَّ للإمام أو الخليفة أو الأمير عزله متى شاء ذلك، وثانيهما التقيد في القضاء بمذهب معين وكان هذا منذ عهد العباسيين عندما اكتملت شخصية المذاهب واتخذت شكل المدارس الفقهية الكبرى في الإسلام.
والحقيقة في رأيي أنَّ كلا الأمرين لا يعتبر مساساً باستقلالية القضاء، بقدر ما يعتبر تنظيماً له وتدقيقاً لمجالاته واختصاصاته. فالقضاء كما رأينا في الفصل التمهيدي، إنَّما هو من سلطة الخليفة تنازل عنه لمن شاء من ثقاته ليتولاّه باسمه، فأمرُ توليته وعزلِه بِيد هذا الخليفة أو هذا الأمير وقد شدَّد المنظِّرون (2) في أمر العزل ولم يتركوا للسلطان الحرية المطلقة فيه بحيث يكون عبثاً من عبثياته يقول الشيخ اطفيش في هذا الصدد «إنَّ للإمام عزله متى شاء ولو بلا سبب كما هو شأن من أناب غيره عن نفسه، فاذا عزله انعزل، لكن لا يجوز له أن يعزله لهوى نفسه ولا عبثاً، وقيل: ليس له عزله بلا سبب حتَّى لو عزله بلا سبب لم ينعزل ... » (3).
أمَّا ما يتعلّق بالمذهبية في القضاء وتقييد القاضي بالحكم بمقتضى مذهب معين فإنَّ العلماء رفضوا ذلك رفضاً قاطعاً لأنَّه ليس للسلطان الحق في اشتراط هذا
__________
(1) - هوبكنز: النظم 195، Gaudefroy: Notes. p118 - 119 ,Jacque Berque: les cadis p.102 - 103
حسن إبراهيم وآخر: النظم. 280. أنور الرفاعي: الإنسان العربي 243 صبحي محمصاني: المجاهدون في الحقّ تذكارات من مالك إلى السنهوري، دار العلم للملايين. بيروت 1400هـ/1979م. ص131.
(2) - ابن فرحون: تبصرة الحكّام 1/ 60 - 61، اطفيّش محمَّد بن يوسف: شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدَّة، ط3، 1405هـ/1985م. ج13/ 13. وانظر القرافي: الإحكام. 44 - 45.
(3) - اطفيّش: نفسه 13/ 13. وانظر المبحث الرابع الموالي في هذا الفصل والخاص بالعزل. (1/305)
صفحة 306
الشَّرط عند تعيينه للقاضي إِلى درجة أنَّ ابن فرحون اعتبر أنَّ «من كان لا يقضي إلاَّ بما أمر به من ولاّه فليس بقاضٍ على الحقيقة و إنَّما هو بصفة خادم رسالة ولا يحل له القضاء ... » (1) و أمَّا الماوردي فإنَّه اعتبر عقد تولية القاضي صحيحا والشَّرط باطلاً (2) و بالتالي فإنَّ المعيّن للقضاء يتولى مهمته وليس عليه التزام ذلك الشرط بخاصة إذا كان من العلم في درجة الاجتهاد في إطار المذهب الواحد أو الاجتهاد المطلق، ومن هنا نلاحظ أنَّ القضاء لم يُقيَّد بهذين الأمرين أبداً وإن اعتبر بعض المستشرقين أنَّ استقلال القاضي نظرية لا تقف أمام الحقيقة (3)، أو أنَّ الدولة الإسلامية لا تعترف بتقسيم أعمال الدولة إِلى أقسام كالسلطات التشريعية والتفيذية والقضائية (4)، وكلها اعتبارات أرى أنَّها إمَّا مغالية وبخاصة فيما يتعلق بفترة بحثنا أو أنَّها متسرِّعة مغالطة تريد أن تتطابق النظمُ الإسلامية في القرون الوسطى مع النظم الأوروبية في القرون الحديثة بل المعاصرة.
ولعلَّ ما سوف نقدِّمة من نماذج حية عن القضاء في المغرب الإسلامي خلال القرنيين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) يُبَيِّن حقيقة استقلال القضاء وحرص القضاة على ذلك، ومن خلال سيرتهم بالذات نظّر المنظرون للقضاء في هذه المسألة أو غيرها.
في عهد الولاة (5) (96 - 184هـ/715 - 800م) الذي شهد العصرين الأموي والعباسي والذي يرى بعض المؤرخين أنَّ القضاء تأثر بالسياسية العباسية لأَنَّ الخلفاء كانوا يريدون أن يكسبوا أعمالهم صبغة شرعية فعملوا على حمل القضاة على السير
__________
(1) - ابن فرحون: تبصرة 1/ 16 - 17.
(2) - الماوردي: الأحكام. 75 - 76، ابن فرحون: تبصرة 1/ 16 - 17.
(3) - Gaudefroy: Notes. p118 - 119
(4) - هوبكنز: النظم. 195.
(5) - انظر عن استقلالية القضاء في عهد الولة ما ذكره فريد بن سليمان، مقال، 127. (1/306)
صفحة 307
وفق رغباتهم في الحكم حتى امتنع كثير منهم عن تولي المنصب (1)، في هذا العهد يرى مؤرخون آخرون أنَّ الخلفاء حرصوا على أن تكون مؤسسة القضاء في الأقاليم مرتبطة بهم مباشرة تعييناً وعزلاً إثباتاً لسلطة الخلفاء الدينية العليا وإبعاداً لوظيفة القضاء وشخص القاضي عن أي تأثير يصدر من ولاة المغرب (2).
والحقيقة أنَّ التاريخ لا يذكر تدخلاً من قبل الوالي في العهد الأموي في شؤون القضاء ببلاد المغرب في حين يذكر عدة حوادث وقعت في العهد العباسي حاول فيها بعض الولاة التأثير على القضاء ولكن القاضي كان يوقفه حازماً وحاسماَ مما يؤكد استقلالية القضاء.
يذكر أبو العرب أنَّ يزيد بن حاتم (155 - 171هـ) لما عزل قاضيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم إنَّما كان ذلك بسبب أنه «سأله في حكم أن يحكم فيه بغير حق فأبى عليه ... » (3) ولمَّا عزله ولَّى مكانه ماتع بن عبد الرحمن الرعيني الذي لا يُعلم من قضاة إفريقة الذين تقدموه أسوأ حال منه (4) ويبدو أنَّ تعيينه بعد هذا العزل إنَّما كان ليقضي الوالي مأربه بواسطة قاضيه الذي وصف بأنَّه أسوأ حال و بالتالي فإنَّه يقبل أن يقضي بغير الحق. ولكن أمثال هؤلاء القضاة ببلاد المغرب نادرون قليلون جدًّا لا يستقيم لهم القضاء طويلاً.
ويبدو أنَّ ما أجمله أبو العرب في رواية عزل القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، هو نفسه ما جاء مفصلا في روايات المالكي والرقيق، إذ ذكر أنَّ امرأة من أهل القيروان كانت لها بخاصة بحرمة يزيد بن حاتم أمير إفريقية، فدار بينها وبين
__________
(1) - حسن إبراهيم وآخر: النظم 280، أنور الرفاعي: الإنسان العربي 243.
(2) - نوال تركي: التنظيمات. 172.
(3) - طبقات. 99.
(4) - نفسه. 105. (1/307)
صفحة 308
رجل خصومة واستدار الحكم لها على خصمها، وكتب لها ابن أنعم قضية بحقها وختمه بخاتمه وأعطاه لها، فمضت به المرأة مسرورة إِلى يزيد لعلمها بمسرته هو الآخر فلمَّا دفعت الكتاب إليه أخذه يزيد وفض خاتمه وقرأه ثمَّ رده إليها فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم إذ فُضَّ خاتم القاضي، واعتقد الأمير يزيد بن حاتم أنَّ الأمر بسيط جداً يكفي أنَّه يوجه إِلى القاضي ويأمره بإعادة الختم لكنه يفاجأ بإباء القاضي ورفضه قائلاً «لا أختمه حتى تعيد المرأة البينة» فرده يزيد عليه ثانية ليختمه «فأبى» وقال «لا أفعل» فلمَّا ولّى رسول يزيد راجعاً أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسَّره ودخل بيته وقال «أنا أسبقه إِلى العزل» (1) وفي رواية «والله لا أحكم بين اثنين أبدا» (2).
إنَّ القضية هي قضية فضِّ الخاتم لا غير وهي نوع من التدخل في شؤون القاضي، رفضها ابن زياد رفضاً قاطعاً وهي لا ترقى إِلى خطورة ما ذكره أبو العرب من أنَّ الأمير سأل قاضيه في حكم أن يحكم فيه بغير حق، وهذا النوع من التدخل السافر في القضاء لا أعتقد أن يكون موجوداً في هذه الفترة المبكرة من تاريخ القضاء ببلاد المغرب وبالتالي فإنَّ ما ذكره المالكي والرقيق وغيرهما من المؤرخين يكون هو الأصوب. ومن هنا فإنَّ تعيين ماتع بن عبد الرحمن الرعيني إنَّما هو ليختم حكماً كان القاضي من قبله قد ختمه وليس ليحكم بغير حق وهذا أخف ضررا و لا شك و أبعد من أن يكون تدخلاً في شؤون القضاء أو استنقاصاً لاستقلاليته، فعبد الرحمن بن زياد تسرَّع في الاستقالة وترك المنصب شاغراً يجب للوالي أن يعين له.
وينفرد الرقيق بذكر رواية عن تدخل الأمير روح بن حاتم (171 - 174هـ) في شأن من شؤون القاضي العلاء بن عقبة، وهي رواية تتطابق في كل تفاصيلها مع
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 158 - 159، الرقيق: تاريخ 130.
(2) - الرقيق: تاريخ 130. (1/308)
صفحة 309
الرواية المتعلقة بالقاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم سالفة الذكر رغم أنَّ الرقيق قد ذكر الرواية الأولى كما أسلفنا وملخص ما قاله في هذه الرواية الثانية أنَّ القاضي العلاء بن عقبة حكم لرجل من أهل باجة بحكم ففضَّه روح ووقف عليه وبلغ ذلك العلاء فقام من المسجد فبعث روح وراءه فالتمسوه فلم يجدوه لا في داره ولا في موضع قضائه ولقيه قوم ومعه جلده ودرته وهو متوجه إِلى تونس، عنذئذ بعث روح بن حاتم إِلى عبد الله بن فروخ ليوليه القضاء (1).
إنَّ مجرَّد المساس بشأن من شؤون القضاء مهما قل أو ضؤل يقابله الاحتجاج العنيف من قبل القاضي والرفض القاطع، ويفسرهما الاعتزال والتخلي جملة عن القضاء لأنَّه يعتبر منتهكاً والتعيين باطلاً. فلا ينتظر القاضي تبرير موقفه أو تعيين قاض بعده وبهذا الموقف حافظ القضاة على استقلالية القضاء طيلة عهد الولاة.
واستمر الأمر هكذا في عهد الدول المستقلة لمَّا أصبح أمراء وأيمة دول المغرب يعينون القضاة بعواصمهم بأنفسهم، وبالتالى أصبح عزلهم أيضاً بأيديهم بعيداً عن سلطة الخلافة بالمشرق، ومع ذلك عرف القضاء هيبته في نفوس الراعي والرعية بهيبة القاضي وشخصيته القويه.
وبادئ ذي بدء تجلت تلك الشخصية في جرأة القاضي على تقديم شروطه للأمير مسبقاً مقابل موافقته على تولي منصب القضاء ولم يكن للأمير إلاَّ الرضا والقبول، وبالتالي قيَّده القضاء من حيث لا يشعر وانطلق القضاء حراً مستقلاً لا يؤثر عليه الأمير أو سلطتة ولا الوزير أو سطوته، فكان القضاء بحق: الحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه والسلطة المهيمنة على جميع السلطات الأخرى إلاَّ فيما ندر.
لقد رأينا كيف أنَّ بعض القضاة اشترطوا على أمراء الأغالبة عدم أخذ
__________
(1) - تاريخ. 141. (1/309)
صفحة 310
الأجرة على القضاء (1)، ليس زهداً أو تعففا من الأموال فحسب ولا غَناء عنها و إنَّما هدفهم ومقصدهم هو البقاء مستقلين عن السلطة في أحكامهم (2)، بحيث لا تُمارس عليهم ضغوط بمنعهم من أجرتهم أو حبسها عنهم إلاَّ بقضاء مآربهم، وبالتالي فضل بعض القضاة الأقوياء رفض أجرة القضاء جملة وتفصيلاً وجعلِها في مقدمة الشروط لتولي المنصب الخطير.
و من الشروط التي ذكرها المؤرخون لبعض القضاة أنَّ القاضي أبا محرز في بداية عهد الأغالبة اشترط على الأمير زيادة اللّه الأوَّل «ألاّ يقبل من أحد من أقاربه أو حشمه أو من يلوذ به وكيلاً» (3) واشترط سحنون بن سعيد شروطاً كثيرة قبلها منه الأمير محمَّد بن الأغلب كلها فلم يجد سحنون مهربا من القضاء بعدها و يقول عن ذلك « ... لم أكن أرى قبول هذا الأمر حتَّى كان من الأمير معينان، أحدهما أعطاني كلَّ ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتَّى أنّي قلت له أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فإنّ قِبَلَهم ظلامات للنّاس وأموالا لهم منذ زمن طويل ... فقال لي نعم، لا تبدأ إلاّ بهم، وأجر الحق على مفرق رأسي، فقلت له الله فقال لي الله ثلاثاً. وجاءني من عزمه مع هذا ما يخاف المرء معه على نفسه ... ولم أجد لنفسي سعة في ردِّه» (4).
لقد اشترط سحنون شروطاً تكاد تكون مجحفة في حقّ السلطة التنفيذية حتَّى أنَّ الأستاذ هوبكنز رأى أنَّ استقلال القاضي تمثل في سحنون «ففضلاً عن أنَّه أبى أن يأخذ أجراً، لم يُبد أي خوف من الأمير ... الذي كان صنائعه يلقون الجفاء من جانب سحنون ... وإنّ ابن الأغلب كان بوده لو استطاع التخلُّص من سحنون لو تسنَّى له ذلك ... » (5).
__________
(1) - انظر المبحث الثالث من الفصل الأوّل من الباب الثاني.
(2) - هوبكنز: النظم.217، نوال تركي: التنظيمات 186، علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس 36.
(3) - المالكي: رياض 1/ 396.
(4) - عياض: تراجم 100.
(5) - هوبكنز: النظم. 218. (1/310)
صفحة 311
ويبدو لي أنَّ القاضي محكّم الهواري قاضي تيهرت كان مثل سحنون شدة، على الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب لمَّا اقترحه الشراة عليه فقال لهم محذراً وخائفاً «ويحكم دعوتم إلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه ... » (1).
إنَّ ابن عبد الوهاب يريد من القاضي أن يحترم ذوي القدر والشرف ولكن القاضي محكّم الهواري بدأ بهم فأعطى الحق لرجل عامي على حساب أخ لأفلح وسوّاه في مجلسه بخصمه ولم يقل أفلح شيئا لمَّا اشتكى إليه أخوه وإنّما أخبره بأنّه قد أعلمه بهذا من قبل. فمحكّم الهواري بدوي لا يحترم أصحاب الجاه، و يجري الحق على الراعي والرعية بالسوية دون مراعاة لمميزاتهم. ولو كان القضاء غير مستقل لظهر في هذه القضية بالذات عندما كانت سلطة الإمام قوية وسطوة أفلح نافذة فيأمر القاضي بجعل الحق في أخيه على حساب خصمه ولكن أفلح أبعد من أن يتجرأ على هذا الباطل وقاضيه محكَّم أحكم وأقوى من أن يقبل تدخلا من أحد في أحكامه.
وممَّا يروى في هذا المجال ويدل على استقلالية القضاء الأغلبي أنَّ رجلاً من أهل القيروان تخاصم مع رجل يُعنى به علي بن حميد الوزير في دار من دور مدينة القيروان بالسماط الأعظم، عند القاضي أحمد بن أبي محرز فحكم بعقلها حتى يفصل فيها فطبعها على الرجل الذي كان يعنى به علي بن حميد، فمضى ذلك الرجل إِلى علي الوزير فأخبره فأمر بحل الطابع، فلمَّا علم القاضي بفعل الوزير ثارت ثائرته وضم ديوانه ومضى إِلى داره وأخذ سجل ولايته ومضى إِلى القصر القديم وقت قائلة الأمير زيادة الله الأوَّل ولم
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار. 49. (1/311)
صفحة 312
يلتفت إِلى ما قاله الحاجب ودخل على زيادة الله وقص عليه أمره مع وزيره ثمَّ طلب منه معافاته من القضاء رادّاً إليه سجل تعيينه فقال له الأمير «لا تغضب اجلس ... حتى أريك ما أفعله ... وقام زيادة الله فاغتسل ولبس ثيابه وركب وجمع جنده حوله وركب أحمد القاضي معه ... » (1) ولمَّا وصلوا الدار المتنازع حولها أمر الأمير قاضيه أن يجعل عليها طابعا ففعل ذلك ثمَّ ختمها الأمير بطابعه «ثمَّ عطف على أحمد فقال إنّا نرضيك يا قاضي» (2).
ولما تقابل الأمير مع وزيره كان منه كلام خشن معه إذ قال له «واللّه لولا واجبُ قديمِ صحبتِك ما جعلت طابعه إلاّ على رأس من حله! من تنقص قاضيَّ فإنّما تنقصني وحل من أمري» (3).
ورغم سطوة هذا الوزير ومكانته لدى بني الأغلب حيث كانوا يدعونه «العم» وكان رفيع الرئاسة، رغم كل ذلك لم يستطع اختراق سطوة القضاء وهيبة القاضي فكان من ذلك بالقيروان رجة عظيمة تعترف للقضاء باستقلاليته وللقاضي بقوته عندما يريد أن يكون قويا لا تأخذه في الله لومة لائم.
ومثل أبي محرز كان القاضي سحنون بن سعيد الذي لم تُخِفه السلطة العسكرية ولا السلطة التنفيذية لما أمر بتحرير السبي الذي جاء به بعض القواد من تونس بعد إخماد ثورة هناك، سرح النساء المسبيات على أساس أنَّهنّ حرائر. ورغم وقوف الأمير محمَّد بن الأغلب إلى جانب قائده وأمره قاضيه بإعادة السبي إلى أصحابه إلاّ أنَّ سحنون رفض تدخل الأمير وأقسم بالله أنَّه يتم هذا الأمر بتحريرهنّ ولا يطيع للأمير أمراً في هذا الخصوص حتَّى ولو أدى ذلك إلى قطع رأسه. وبالفعل أنفذ سحنون قراره وحكمه بل أمر بسجن
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 396 - 398.
(2) - نفسه 1/ 398.
(3) - نفسه 1/ 398 وانظر زغلول: تاريخ 2/ 70. (1/312)
صفحة 313
القائد نفسِه وانتهى الأمر لصالح القاضي والقضاء مستقلا لا يتدخل في سلطته أحد مهما علا شأنه (1).
ولعلَّ القضاء الأغلبي عرف نوعا من الضيق في استقلاليته وعرف قضاته نوعا من القهر و ذلك على عهد الأمير المريض إبراهيم بن أحمد بن محمَّد الأغلبي 261 - 289هـ ومن جاء بعده من الأمراء، فإبراهيم الثاني تلاعب بالقاضيين المالكي والحنفي تعييناً وعزلاً: عبد الله بن أحمد بن طالب وسليمان بن عمران وانتهى به الأمر إِلى قتل القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب (2) ثمَّ ملاحقة قضاة الأقاليم الذين عينهم هذا القاضي في عهده، عزلاً وضرباً وإهانة بأمر عماله أن يوجهوا إليه كل من كان استقضاه ابن طالب على البلدان (3). ومن تدخلات هذا الأمير في شؤون القضاء أنه طلب من قاضي طرابلس أبي الأسود موسى بن عبد الرحمن بن حبييب إِسلافه أموال اليتامى المودعة عنده، فأبى فحقد عليه ذلك فسجنه شهورا (4).
و مِمَّا يدلُّ على اضطراب القضاء الأغلبي في أواخر عهوده، تدخُّلُ الأمير في شؤون القاضي بحيث حد من استقلاليته تلك الإقصاءات التي شهدها القضاة ابتداء من منتصف القرن الثالث الهجري، فسليمان بن عمران عُزل وعبد الله بن أحمد بن طالب عُزل ومحمد بن عبد الله بن عبدون عُزل وعبد الله بن هارون السوداني الكوفي عُزل والصديني المعتزلي عُزل وحماس بن
__________
(1) - الدبّاغ: معالم 2/ 91 - 92 وانظر أبو العرب: طبقات 234 - 235، الجودي: تاريخ (مخ) ق 11، 12، نوال تركي: تنظيمات. 200. وانظر عن تفاصيل هذه القضيّة المتعلّقة بالمرأة: المبحث الرابع من الفصل الأوّل من الباب الثالث «المرأة والقضاء في المغرب الإسلامي».
(2) - أبو العرب: طبقات. 473، المحن. 471، ابن عذاري: البيان 1/ 115 - 117.
(3) - أبو العرب: طبقات 473.
(4) - عياض: تراجم 364. (1/313)
صفحة 314
مروان ضويق في قضائه حتى استقال سنة 294هـ/907م (1).
ووجد أمراء الأغالبة كذلك الفرصة للتأثير على القضاء والقضاة في المذاهب المتصارعة بإفريقية: الحنفية والمالكية والمعتزلة، بحيث إذا تضايقوا من قاضٍ و لوا إِلى جانبه قاض من غير مذهب القاضي الأوَّل، أو عملوا على عزل القاضي صراحة ليولوا مكانه قاض منافس وربما متصارع مع الذي عزل، هكذا وقع للقاضيين أبي محرز محمَّد بن عبد الله الكناني وأسد بن الفرات (2)، والقاضيين سحنون بن سعيد و الطبني (3)، والقاضيين سليمان بن عمران وعبد الله بن طالب، والقاضيين حماس بن مروان و محمَّد بن أحمد بن جِيمال (4).
والملاحِظ لقائمة قضاة الأغالبة وتسلسلهم يجد القاضي المالكي يعقبه الحنفي أو العكس و القاضي الحنفي يعقبه المعتزلي وهذا يعقبه المالكي، لم يتغير هذا التسلسل أبداً ومن هنا أرى أنَّ السلطة التنفيذية وجدت المجال فعلاً في هذه التعددية المذهبية للتسلل إِلى السلطة القضائية والتأثير عليها والتضييق عليها في استقلالها.
ومع وجود هذا المنفذ فلا أرى أنَّ استقلالية القضاء الأغلبي قد تأثر كثيراً بتدخلات الأمراء وإنَّما هي قضايا معدودات ذكرها المؤرِّخون وقف فيها القضاة مواقف حاسمة صارمة جعلت هذا الأمير أو ذلك ييأس من القاضي فيعزله ويعين مكانه آخر من مذهب مغاير للأول وهكذا.
أما القضاء الرستمي فلم أجد إشارة إِلى عدم استقلاليته أو مساس مؤسسته بنوع من التضييق من قِبل السلطات الأخرى، ولقد لاحظ الأستاذ عثمان الكعاك أنَّ
__________
(1) - أبو العرب. 473، الخشني: طبقات 140، 187، 193. النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب) 288 - 290. عياض تراجم 346 - 350.
(2) - عياض: تراجم 65 وما بعدها.
(3) - عياض: تراجم 114 - 115.
(4) - عياض: تراجم 346 - 350. (1/314)
صفحة 315
السلطة القضائية كانت «منفصلة عن السلطة المركزية فيما عدا المظالم و هي المجلس الأعلى للقضاء يجلس لها السلطان لمراجعة القضايا المتظلم فيها» (1). أمَّا الدكتور محمَّد الحريري فإنَّه يؤكد أنَّ الرُّستميين أقاموا نظاماً «تمتع القضاة في ظله بالنزاهة التامة وحظوا بالاحترام الكامل من قبل الأيمة حيث لم يَسمح هؤلاء القضاة لأحد بأن يتدخل في شؤونهم» (2).
وينبه الأستاذ الباحث جودت عبد الكريم إِلى علاقة استقلالية القضاء بالراتب الذي يتقاضاه من بيت مال الدولة فيقول مؤكداً استقلالية القضاء عند الرُّستميين «كان موقف قضاة تاهرت يتصف بالشجاعة، بخاصة وأنَّهُم كانوا يعتمدون على الإمام في معيشتهم، أعني أنَّهم يأخذون رواتب من الإمام الرستمي (3)، وكان الأمر أسهل لو أنَّ القاضي كان يعتمد في معيشته على ماله الخاص لأنَّ هذا يحرره من قبضة الإمام مثلما كان الأمر بالنسبة للقاضي سحنون في إفريقية ... إنَّ الأيمة الرُّستميين لم يكونوا يعارضون تطبيق الشرع في أمرٍ لا يهدِّد الإمامة، فلم يتدخَّلوا في عمل القاضي ... » (4).
وكذلك الأمر بالنسبة لقضاة الأقاليم عند الرُّستميين فعمروس بن فتح النفوسي قال لوالي نفوسة أبي منصور إلياس «إن لم تأذن لي بثلاثة يا إلياس فخذ خاتمك عني: قتل الطاعن في دين المسلمين، ومانعِ الحق، والدالِّ على عورات المسلمين» (5) فهذه المسائل الخلافية لا يريد القاضي أن يتدخل فيها الوالي، فالحكم فيها يرجع للقضاة والقاضي يحكم فيها بالقتل وهو حكم صارم وقاس قد لا يرضي
__________
(1) - موجز التاريخ العام للجزائر. 182.
(2) - مقدّمات البناء السياسي. 230.
(3) - انظر البحث الخاص بالمستوى المعيشي للقضاة، المبحث الثالث في الفصل الأوّل من الباب الثاني.
(4) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصاديّة. 278 - 279.
(5) - أبو زكرياء: السيرة. 145. الشمّاخي: سير 225. (1/315)
صفحة 316
أبا منصور إلياس وهو الفقيه أيضاً، ولكن بما أنَّ هناك القاضي ومن تعيين هذا الوالي نفسه فلا مجال لتدخُّله في شؤون مؤسسة القضاء رضي بذلك أم لم يرض. وتحديد تلك المسائل بالذات ينم عن استقلال القضاء عن الولاية في غيرها من المسائل، فلكلٍّ مجاله ولكلٍّ اختصاصاته.
ومع كلِّ هذا الوضوح في المواقف، فإنَّ عمروس بن فتح يقول الشماخي «نُزع من القضاء بغير حدث فطلبوه الرجوع فأبى والسبب أنَّ عبدا اشتكى مولاه فقال [له] اصطلح مع مولاك» (1) آثر القاضي عمروس دعوة العبد إِلى الصلح مع مولاه على أن يحكم له ضدَّ ذلك المولى وكان أبو المهاصر، أحد مشايخ الإباضية، حاضراً في ذلك المجلس فقال لعمروس «اعط له حقَّه من مولاه نزعك الله من ذلك المكان وردَّ فيه غيرك فنفذت دعوته» (2).
إنَّ رواية الشماخي المنقبية (3) تريد أن تذكر استجابة الله دعوة أحد المشايخ، لذلك كانت على حساب عمروس بن فتح القاضي العالم العادل الذي لم يخرج عن الحقِّ لمَّا طلب من العبد الصلح مع مولاه، فإن رضي العبد بذلك كان خيراً على الطرفين معاً، وإن أبى إِلاَّ حقَّه حكم له عمروس، ولا شك، بحقه، ومن هنا كان رفض عمروس الرجوع إِلى القضاء وإباؤه لمَّا طلب منه ذلك، فهل يمكن أن نقول إنَّ بعض القضاة قيِّدوا في استقلال قضائهم؟ لم تقيدهم السلطة التنفيذية المثمتلة في الوالي و إنَّما قيدتهم رقابة الفقهاء (الشراة) التي كانت أشد وطأً وأقسى!؟
__________
(1) - سير الشماخي. 229 - 230.
(2) - نفسه 230.
(3) - هذه الرواية لا نجدها عند الدرجيني ولا عند الوسياني السابقَين على الشمَّاخي، ولم يذكر غير الشمّاخي، أنّ عمروس بن فتح عزل عن القضاء في حين أنّ المصادر الأخرى توحي أنّ عمروسا لمَّا مات مقتولا في معركة مانو سنة 283هـ/896م مات وهو قاض. (1/316)
صفحة 317
في الحقيقة إنَّ تدخل بعض الفقهاء من الإباضية بخاصة في شؤون القضاء، يدخل ضمن الرقابة التي يتولاها الشراة في المجتمع الإباضي عموما، لم يُستثن منها حتى الإمام نفسه، وبالرغم من كل الظواهر التي ربَّما يُشتمُّ منها نوع من الارتباك في استقلالية القضاء بالمغرب الإسلامي خلال القرنيين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) إلاَّ أنَّنا نرى أنَّ الطابع العام المميز للقضاء المغربي هو استقلاليةٌ حقيقية بعامة مستمرة طيلة القرنيين المذكورين، وما ذكر من تدخل في شؤونه من هذا الطرف أو ذاك، في هذه الدولة أو تلك، ما هي إلاَّ أمور محدودة شاذَّة قلص من فعلها القضاة أنفسهم بصرامتهم وهيبتهم وتفضيلهم الاعتزال على المساومات أو التدخل السافر في شؤونهم القضائية.
المبحث الرابع: التعيين و العزل (الأسباب والدواعي)
أ- التعيين:
تعدَّدت الشخصيات التي تعيِّن القاضي في بلاد المغرب وتنوعت بتنوع الفترات وتعدد الكيانات السياسية واختلافها.
ففي عهد الولاة حيث القضاء في القيروان لا غير، يعتبر الخليفة الشخصية الأولى التي تعين القاضي في بلاد المغرب وهو المسؤول عن هذا التعيين. فالقاضي مرتبط بدار الخلافة مباشرة سواء كان ذلك في دمشق أيام الأمويين أو في بغداد أيام العباسيين. ولقد رأينا أنَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز هو أوَّل خليفة يعيِّن القضاء في المغرب، عين عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني عام 99هـ/717م (1) و استمر الخلفاء هكذا يعينون قضاة المغرب ولا أحد غيرهم حتى كان القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الذي يذكر
__________
(1) - المالكي: رياض1/ 127. الدبّاغ: معالم 1/ 210. (1/317)
صفحة 318
الخشني أنَّه اختُلِف فيمن ولاّه: مروان بن محمَّد آخر خلفاء بني أمية أو أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس (1)، والحقيقة أنَّه تولى القضاء للأول وبقي في قضائه إِلى أن غادر إلى المشرق وقدِمه مع شيوخ أهل القيروان أيَّام أبي جعفر المنصور مستنصراً على البربر الصفرية فولاّه القضاء ثانية (2) وذلك بالكوفة قبل بناء بغداد كما يفهم من نصٍّ في طبقات أبي العرب (3) وبالتالي يكون تعيينه في حدود سنوات (136 - 146هـ/753 - 763م) واستمر في القضاء إِلى عهد يزيد بن حاتم الأزدي والي إفريقية (155 - 171هـ/772 - 788م) حيث عُزل أو استعفى (4) فولِّي في هذه المرة والي إفريقية ماتع بن عبد الرحمن الرعيني القضاء (5) وهي أوَّل مرة يعين الوالي بالمغرب قاضياً بالقيروان، ويبدو أنَّه لم يوفق في اختياره حيث إنَّ المؤرخين (6) أجمعوا على السيرة السيئة لهذا القاضي الأمر الذي أدَّى بالوالي أيضاً إِلى عزله وتولية قاضٍ كان الخليفة قد عينه في العهد الأموي وهو يزيد بن الطفيل الذي تولّى القضاء مرتين الأولى في أواخر عهد بني أمية والثانية في عهد المهدي والهادي (156 - 170هـ/772 - 786م).
ويبدو أنَّ الولاة بإفريقية ظلُّوا هكذا يعيِّنون القضاة حتى كان عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني الذي تولّى القضاء من رجب 171هـ/787م إِلى أن توفي عام 190هـ/806 قاضياً في عهد إبراهيم بن الأغلب أوَّل أمراء الأغالبة وكان الخليفة
__________
(1) - طبقات 234.
(2) - الرقيق: تاريخ 127، الدباغ: معالم: 1/ 231.
(3) - طبقات 96.
(4) - الرقيق: تاريخ 130، المالكي: رياض 1/ 159، الخشني: طبقات 234. ابن عذاري 1/ 80. الدباغ: معالم 1/ 234.
(5) - المالكي: رياض 1/ 159. الخشني: طبقات. 234.
(6) - أبو العرب: طبقات. 144. الخشني: طبقات.234. المالكي: رياض 1/ 159. (1/318)
صفحة 319
هارون الرشيد هو الذي عينه قاضياً بالمغرب (1) رغم أنَّ بعض المؤرخين (2) يذكرون أن الوالي روح بن حاتم (171 - 174هـ/787 - 789م) هو الذي عينه ورووا في ذلك رواية مفادها أن الخليفة هارون الرشيد لمَّا عين روحاً أميراً على إفريقية، قصد أبا يوسف وهو حينئذٍ قاضي القضاة (استقضي سنة 166هـ/782) (تُ182هـ/ـ792م) (3) ليودِّعه وكان له صديقاً فقال له روح « ... إنَّ أمير المؤمنين ولاّني إفريقية فهل لك من حاجة؟ فقال أوصيك بتقوى الله عز وجل وبأهل إفريقية خيراً وبها شاب يقال له عبد الله بن غانم قد فقه وهو حسن الحال، فوله قضاءها. فقلت له: نعم. فودَّعته ثم انصرفت فمن ذلك الوقت عقدت ولايتك في قلبي» (4) ويروي المالكي والرقيق كلاهما رواية تؤكِّد أنَّ روح بن حاتم هو الذي عين ابن غانم للقضاء أولاً ثمَّ لما «كان هارون الرشيد يكاتب ابن غانم ... كان بعد ذلك قضاؤه من قبله لا من قبل ولاته على إفريقية وكان يكتب في عنوانه: من هارون أمير المؤمنين إِلى قاضي إفريقية عبد الله بن عمر بن غانم» (5) وهكذا «صارت ولايته كأنها من قِبله (أي من قبل هارون الرشيد) أجازها وأمضاها» (6).
و لم يختلف المؤرِّخون حول تعيين قضاة عصر الولاة اختلافهم في القاضي ابن غانم الذي رأينا أنَّه اجتمع فيه التعيينان: تعيين الوالي أوَّلاً ثمَّ تعيين الخليفة (7)
__________
(1) -أبو العرب: طبقات 116 - 117، الرقيق: تاريخ. 192.
(2) - أبو العرب: طبقات 116 - 117، الرقيق: تاريخ. 192، المالكي: رياض 1/ 221 - 222. الخشني: طبقات 235.
(3) - ابن خلدون: وفيات. 6/ 388 وانظر وكيع: أخبار القضاة 3/ 254 - 265.
(4) - المالكي: رياض 1/ 222، الرقيق: تاريخ. 191.
(5) - الرقيق: تاريخ. 192.
(6) - المالكي: رياض 1/ 221.
(7) - يذكر فريد بن سليمان أنَّ ثلاث حالات من القضاة تولَّوا بتعيين من الخليفة الأموي أو العباسي، والبقيَّة من قِبل الولاة. انظر القضاء والقضاة، مقال، 127. (1/319)
صفحة 320
ثانياً. ومن المعروف أنَّ هذا القاضي ظل في منصبه إِلى عهد الأغالبة وكان محترماً ذا هيبة بسبب اتصاله المباشر بالخليفة، ولكن بوفاته سنة 190هـ/806م انقطع تعيين الخلفاء لقضاة المغرب وتولَّى أمراء بني الأغلب هذا الأمر بأنفسهم، وقد استقلُّوا استقلالا شبه كليٍّ عن الخلافة، وما إبقاء إبراهيم بن الأغلب لابن غانم في القضاء إلاَّ سياسة واحتراماً للخليفة الذي كان قد عينه (عين ابن غانم) للقضاء قبل أن يعينه هو للإمارة وبالتالي فإنَّ ابن الأغلب احترم هذه البقية الباقية من عصر الولاة وصبر عليها صبراً جميلاً إذ امتد قضاؤه في العهد الأغلبي لست سنوات كاملة (184 - 190هـ/800 - 806م).
ولا نغادر عصر الولاة دون الإشارة إِلى القاضي عبد الرحمن بن رستم (140 - 145هـ/757 - 762م) الذي تولى قضاء القيروان بتعيين من الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (1) الذي يعتبر بمثابة الخليفة عند الإباضية آنئذٍ، تولّى شؤون المغرب الإسلامي وأقام الدولة التي تعتبر عند الإباضية من أهم دولهم في المغرب قبل إمامة الرُّستميين سنة 160هـ/777م.
لقد كان تعيين القضاة بالقيروان، إذن، من مهام الخليفة في العصريين الأموي والعباسي، طيلة عهد الولاة، إلاَّ أنَّ هؤلاء الولاة شاركوا الخليفة في هذا التعيين بخاصة في أواخر هذا العهد الذي شهد الاضطرابات المتكررة ولعل بعد المسافة وصعوبة المواصلات بين القيروان وبغداد من أهم الأسباب التي جعلت الولاة يقومون بمهمة تعيين القضاة بالقيروان (2).
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار. 26 النويري: نهاية الأرب (المغرب) 227.
(2) - هوبكنز: النظم 208 Gaudefroy: Notes. p.114 بخلاف المغرب ظل الخلفاء العباسيون يعينون قضاة مصر إلى أن استولى عليها الفاطميون سنة 362هـ. الكندي: قضاة مصر. 155. (1/320)
صفحة 321
والحقيقة أنَّ تعيين الولاة للقضاة بإفريقية في أواخر عهدهم إنَّما هو تطاول على الخلافة، أدَّى في نهاية المطاف إِلى استقلال إفريقية استقلالاً شبه مطلق، فما كان ذلك إلاَّ مرحلة تمهيدية ستتولّى فيه إفريقية شؤونها بنفسها تماماً مثلما هو الشأن بالمغربين الأوسط والأقصى إذ بِقيام الدول المستقلة سيتولّى أمراء وأيمة هذه الدول تعيينَ قضاة عواصمهم بأنفسهم (1).
أمَّا قضاة الأقاليم، فإنَّ الولاة بالدولة الرُّستمية هم الذين كانوا يتولّون المنصب في بداية عهد الإمامة وكان هؤلاء الولاة من تعيين الأئمة بتيهرت، ثمَّ أصبحوا هم الذين يعينون قضاة أقاليمهم (2) فيما بعد على أساس أنَّ المهمة من مهامهم تنازلوا عنها لكثرة مشاغلهم، ويبدو أنَّ الجماعة الإباضية فيما بعد معركة مانو 283هـ/896م بجبل نفوسة أصبحت هي التي تعين القاضي (3) في غياب الوالي والإمام ونجد مصطلح «الجماعة» وارداً في التراث الإباضي إذ يذكر الثميني الأصناف التي تعين القاضي فيقول هم «الإمام أو الجماعة أو من أذن له» (4)، فالإمام في مرحلة الظهور كدولة الرُّستميين، والجماعة في مرحلة الكتمان* و كلاهما بإذن لمن يريد من الولاة أو العلماء.
أمّا عند الأغالبة، فقد سبق أن رأينا أنَّ القاضي سحنون بن سعيد الذي كان بمثابة قاضي الجماعة بالأندلس أو قاضي القضاة ببغداد، هو الذي عين أوائل
__________
(1) - ابن الصغير. 49، 77، 101، أبو العرب: طبقات 165، 167، 185، الدباغ: معالم 2/ 19،84،160،326، ابن أبي زرع: الأنيس 29، السنوسي: الدرر السنية.85 الحلبي: الدرُ النفيس: 177،270،. وانظر: نوال: التنظيمات. 177 - 178. chikh Bekri: Le Karijisme. p.70
(2) - الدرجيني: طبقات 2/ 321.
(3) - الدرجيني: طبقات 1/ 89،90، الشمَّاخي: سير، 244.
(4) - الثميني: الورد البسام. 5 - 6. وانظر المبحث الثاني من الفصل التمهيدي.
*- عن الظهور والكتمان انظر كتابنا: الدولة الرستمية: 79 - 80، جهلان عدون الفكر السياسي عند الاباضية. (1/321)
صفحة 322
قضاة أقاليم الدولة الأغالبية (1) و إن ذكر القاضي عياض أنَّ سحنوناً قال «ما ولَّيت أحدا من قضاة البلدان إلاّ شجرة وشرحبيل» (2) إلاّ أنّ المصادر ذكرت له ولمن تولّى القضاء بالقيروان تعيينهم للقضاة بأهم المدن والأقاليم الأغلبية، وكأنّ مهمة القضاء بالدولة كلها منوطة بالقاضي الذي يعينه الأمير بالقيروان وشيئاً فشيئاً رأى هؤلاء القضاة و ربما أولهم سحنون بن سعيد -إن سايرنا المصادر- أن يعينوا لأهم المدن قضاتها (3).
ولم ينفرد قضاة القيروان بتعيين قضاة الأقاليم وإنما كان للأمراء الأغالبة تدخل في هذا المجال إذ عينوا هم أيضاً لبعض الأقاليم قضاتها (4)، وبخاصة قضاة صقلية. ولعل أبرز الأمراء الذين تدخلوا في شؤون قضاة الولايات تعييناً وعزلاً هو الأمير إبراهيم بن أحمد بن محمَّد بن الأغلب المعروف بأبراهيم الثاني (261 - 289هـ) فالمصادر تذكر تعييناته لبعض قضاة المدن وعزله للبعض الأخر (5) وبخاصة منهم القضاة الذين عينهم عبد الله بن أحمد بن طالب قاضي القيروان (267 - 275هـ) والذين لحقهم الاِنتقام الذي صبه إبراهيم الثاني على قاضيه ابن طالب إذ من المعروف أنه حبسه وعذبه وسمّه ومات في سجنه.
إنَّ هؤلاء الذين يعينون القضاة في بلاد المغرب الإسلامي كانوا يختارون قضاتهم اختياراً جيداً فالخليفة عمر بن عبد العزيز إنَّما وقع اختياره على عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة لانَّه يروى «أنَّ سليمان بن عبد الملك كان قد وجَّه إِلى
__________
(1) - عياض: تراجم. 151، 158، 317، أبو العرب: طبقات 206.
(2) - عياض: تراجم 151.
(3) - أبو العرب. المحن. 475، المالكي: رياض 1/ 478، عياض: ترتيب المدارك. 2/ 357، الدباغ: معالم. 2/ 22، ابن عذاري: 1/ 106.
(4) - الخشني: طبقات 161،194 عياض: تراجم 371. نوال تركي: التنظيمات 181،208.
(5) - أبو العرب: المحن. 373 - 476 الخشني: طبقات، 159،161، المالكي: رياض 2/ 157 - 158 عياض: تراجم: 363 - 364، ابن عذاري: البيان 1/ 171. (1/322)
صفحة 323
عبد الله بن موسى بن نصير عامل إفريقية أن يوجه إليه ما تحصَّل عنده من الخراج صحبة عشرة من عدول القيروان يشهدون عنده أنَّ هذا المال أخذه على وجهه ففعل ذلك فلما دخلوا على سليمان سألهم عن ذلك فقالوا لم يؤخذ إلاَّ من وجهه. وعبد الله بن المغيرة ساكت ... - وكان عمر بن عبد العزيز حاضرا لذلك المجلس، فعلم أنَّه إنَّما منعه من الكلام الورع والخوف من الله ... » (1) فلما أفضت الخلافة إِلى عمر ولاّه القضاء.
وكان بعض الخلفاء يرسلون رسولا إِلى إفريقية لاختيار القاضي واستشارة العلماء (2) ثمَّ يقدم اسمه للخليفة ليعينه.
أمَّا في عهد الدول المستقلة فإنَّ الرُّستميين كانوا حريصين على انتقاء قضاتهم فابن الصغير يذكر عن عبد الرحمن بن رستم أنَّ «قضاته مختارة» (3) ويتحدث عن اختيار قاضي أفلح (4) وأبي اليقظان (5) ومشاركة الشراة في ذلك الاختيار (6) بل مشاركة مشايخ تيهرت من الإباضية وغير الإباضية في اختيار قاضي أبي حاتم وهو عبد اللّه بن محمَّد بن عبد الله (7) كان أبوه قاضياً للإمام أبي اليقظان وهو لا يقل عنه مرتبة في العلم والورع والتقى (8).
__________
(1) - الدباغ: معالم 1/ 210.
(2) - المالكي: رياض 1/ 237. النباهي: قضاة الأندلس. 20.
(3) - ابن الصغير: أخبار 35.
(4) - نفسه 49 - 51.
(5) - نفسه 77 - الشمَّاخي: سير 221.
(6) - الكعاك: موجز 182، جودت عبد الكريم: الأوضاع 278.
70 Chikh Bekri: Le kharijisme.p
(7) - ابن الصغير: نفسه 101.
(8) - نفسه 77،101، الشمَّاخي: سير 221. (1/323)
صفحة 324
ويذكر ابن الصغير أنَّ «نفوسة تلي عقد تقديم القضاة» (1) ذكر هذا في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب، فاختيار القضاة وتقديمهم كان موكولاً بنفوسة ومشايخها بتيهرت.
وقد يستشار القاضي السابق عند احتضاره فيمن يمكن أن يولي القضاء كما وقع لأبي زكرياء بن أبي يحيى قالوا له «من ترى لنا بعدك قال: زيد بن أفصيت رأيته يتعلَّم مسائل الأحكام» (2).
أما في الدولة الإدريسية فإنّ الحلبي يذكر أنَّ إدريس الثاني لقوة ذكائه وشدة نبله اختار القاضي عامر بن سعيد بن محمَّد القيسي «لِما علم من فضل القاضي وعلمه ودينه وتبحُّره في العلوم التي أخذها وسمعها من أجلِّ علماء الأمة كالإمام مالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهما ... » (3).
أمَّا في العهد الأغلبي فإنَّ إبراهيم بن الأغلب لمَّا رشَّح أبا محرز للقضاء قال له هذا الأخير «لستُ أصلح لهذا ولا اطيقه فقال إبراهيم ... لكل زمان رجال، وعلى الأمير الاختيار» (4) وكذلك الأمر بالنسبة لإبراهيم الثاني إذ لما عزل سليمان بن عمران اضطر إلى قاض غيره فجمع «وجوه القيروان واجتهد وأدخلهم على نفسه مثنى وفرادى وجماعات وأفذاذاً وكلهم يقول له: الأمير أعلم، الأمير أعلم» (5).
لأنه كان شديداً متجبراً فخافوه ولم يصرحوا له باختيارهم، إِلاَّ أنّ أحدهم وهو أحمد بن أبي سليمان تجرأ فقال له «أرى أن تولي العدل الرضي المستحق
__________
(1) - نفسه 54.
(2) - الشمَّاخي: سير 244.
(3) - الحلبي: الدرُ النفيس. 273 - 274.
(4) - الرقيق: تاريخ. 196 - 197.
(5) - الخشني: طبقات 140. (1/324)
صفحة 325
للقضاء ... ابن طالب فاستوى إبراهيم جالساً فقال له: من أين حتَّى بلغت فيه هذا المبلغ، وقطعت هذا القطع؟ فقال له إنّ الصلاة عمود الدين فلما استحق عند الأمير أن يقدم عليها كان بما هو أقل منها أحق ... وأرسل في ابن طالب فولاّه القضاء» (1) المرة الثانية (267 - 275هـ) وكان هو يميل إلى تعيين ابن عبدون الحنفي ولكن الاستشارة جعلته يعين ابن طالب.
وعزلَ زيادةُ الله الثالث (290 - 296هـ) القاضي الصديني المعتزلي سنة 290هـ لمَّا كرهه العلماء والعامة وولّى مكانه حماس بن مروان فكتب يقول «إنّي قد عزلت عنكم الجافي الجلف المبتدع ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» (2) وفرح به أهل السنة وكان في القيروان بولايته فرح شديد (3).
ومن المعروف أنَّ كثيراً من القضاة الذين اختارهم الأمراء والأيمة أُجبروا على القضاء إجباراً. أو أَصروا على الرفض حتى نالوا مبتغاهم. فمن الذين أجبروا على القضاء هود بن محكَّم الهواري الذي قال في حقه الإمام أفلح للشراة اختاروا من تريدون وأخبروني به «أجبره لكم وأعضده على ما يكون فيه الصلاح لكم» (4). ولما استقدموه من الأوراس إِلى تيهرت حمّلوه المسؤوليات الجسيمة وخوَّفوه عواقب أمره إن رفض وقالوا له « ... اعلم أنك مهما تخلفت عما دعوناك إليه كنت المسؤول عن كل دم يراق بغير حاله وكل فرج يوطأ بغير وجهه فاتق الله ولا تخالف الإمام والمسلمين عمَّا دعوك إليه، فإنَّك إن خالفتنا أجبرناك وإن أطعتنا شكرناك ... » (5).
__________
(1) - الخشني: نفسه 139 - 140.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 327.
(3) - أبو العرب: طبقات 248.
(4) - ابن الصغير: الأخبار 49.
(5) - ابن الصغير: أخبار 50. (1/325)
صفحة 326
وكذلك بالنسبة لعبد اللّه بن فروخ الذي أجبر على القضاء إجبارا قاسياً فأجلس في المسجد للحكم والقضاء مكرها، ولم يستطع أن يقنع الوالي روح بن حاتم ليعفيه فلم يجد إلاّ البكاء أمام أوَّل من جاءه من المتقاضين (1).
ويذكر أبو العرب أنَّ القاضي أبا محرز وُلِّي القضاء «وهو مكره» (2) إذ أمر إبراهيم بن الأغلب صاحب شرطته «أن يأخذ بضبعة ويُجَرجره من باب مقصورة الجامع فيقعد للنظر بين الخصوم» (3) فما كان منه إلاّ القبول بعد أن اشترط «ألاّ يقبل من أحد من أقاربه أو حشمه أو من يلوذ به وكيلاً» (4).
واشترط عدد من القضاة الذين أجبروا على القضاء شروطهم على الذين عيَّنوهم، فسحنون بن سعيد ماطل عاماً وامتنع ولما رضخ اشترط على الأمير أبي العباس محمَّد بن إبراهيم شروطه التي قبلها منه وهي أن يجري الحق على الحاشية وآل بيت الأغالبة دون معارضة بل على الأمير نفسه وأن يرد المظالم التي لم يقو القضاة من قبله على ردها وألاّ يقبض على قضائه أجراً (5). ولم يقبل هذا المنصب وبهذه الشروط إلاّ بعد أن أغلظ عليه الأمير أشد الغلظة وحلف عليه بأشد الأيمان ثمَّ فكر بعد ذلك وقال «فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر ولم أجد لنفسي سعة في رده» (6) إنَّها المسؤولية إذن أمام اللّه وأمام عباده.
وكما اشترط سحنون شروطه كذلك فعل عيسى بن مسكين (7) في القيروان وعمروس بن فتح بجبل نفوسة حيث قال هذا الأخير للوالي أبي منصور إلياس «إن
__________
(1) - الرقيق: تاريخ 141. وانظر إجبار أبي كريب على القضاء: أبو العرب: طبقات 217 - 218.
(2) - طبقات 167.
(3) - الرقيق: تاريخ 196 - 198 المالكي: رياض 1/ 277.
(4) - المالكي: رياض 1/ 396.
(5) - عياض: تراجم 99 - 100. انظر نوال: التنظيمات 185 - 186.
(6) - عياض: نفسه 100.
(7) - النباهي: قضاة قرطبة. 30 - 31، الجودي: تاريخ (مخ) 15ظ. (1/326)
صفحة 327
لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك، قتلُ مانع الحق (الزكاة) والطاعن في دين اللّه، والدّال على عورات المسلمين» (1).
عندما يقبل الفقيه القضاء يقلد بشكل رسمي (2)، فقد كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز «قد قلدت القضاء فيكم عبد اللّه بن المغيرة، لما صح عندنا من دينه وزهده ونفاذه في علمه ومعرفته وثقته في نفسه وشدة ورعه» (3). ويذكر فوندرهيدن أنَّ الأمير يعين القاضي بإفريقية غالبًا تعيينًا شفويًا ولكن يعلن عن ذلك ويشهر به في المسجد الجامع أمام الناّس (4)، إلاّ أنَّنا نرى أنَّ ذلك الإعلان والإشهار بالمسجد إنَّما يكون مقروءاً من كتاب بتوقيع الأمير أو الخليفة، فالقاضي ابن الطفيل أرسل إليه الخليفة سجلاً يوليه القضاء (5) وقبل ذلك كان الخليفة مروان الثاني قد كتب كتاب تعيينه لعبد الرحمن بن زياد بن أنعم جاء فيه مايلي: «وقد ولاّك أمير المؤمنين الحكومة والقضاء بين أهل إفريقية أسند إليك أمراً عظيماً وحمَّلك خطباً جسيماً، فيه دماء المسلمين وأموالهم وإقامة كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ... وليكن جميع الناس قويهم وضعيفهم في الحقّ عندك سواء» (6). وكذلك كان لأحمد بن أبي محرز سجل ولايته للقضاء (7).
والحقيقة أنَّ مؤرخينا لم يذكروا هذا الأمر لِكُلِّ القضاة مِمَّا يوحي بصدق ما
__________
(1) - الدرجيني: طبقات 2/ 321.
(2) - الماوردي: الأحكام. 76 - 77، الثميني: الورد البسام 8.
(3) - المالكي: رياض 1/ 126، الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 2.
(4) - Vonderhyden: La berberie. p.174
(5) - المالكي: رياض 1/ 173.
(6) - المالكي: رياض 1/ 159 - 160.
(7) - المالكي: 1/ 397. (1/327)
صفحة 328
ذهب إليه فوندرهيدن وكذلك الحال بالنسبة للرُّستميين (1) والأدارسة فلا أثر لسجل التعيين عندهم وبالتالي كان تعييناً شفويً على العموم.
ونختم هذا الجزء من المبحث بظاهرة رفض بعض القضاة لمنصب القضاء (2) وإصرارهم على الرفض، والحقيقة أنَّ الظاهرة قديمة تعود إلى أواخر القرن الأوَّل وبداية الثاني للهجرة فالإمام جابر بن زيد الأزدي المتوفَّى حوالي سنة93هـ/711م رفض القضاء وقال «لو ابتليت بذلك لركبت حماري ... ثم ذهبت في الأرض» (3)، وممن امتنع من تولّيه كذلك و كره الدخول فيه الإمام الشافعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة النعمان (4).
إنَّ هؤلاء الأيمة، أيمة المذاهب الإسلامية رفضوا تولي القضاء، فكان على أتباعهم أن يقتدوا بهم، بخاصة وأنّ هناك أحاديث رويت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحذِّر من القضاء وتجعل القاضي في النّار لا محالة (5) فأبو العرب المتوفى سنة 333هـ يذكر أنَّه قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - «ينادِي مناد يوم القيامة أين أعوان الظلمة فلا يبقى أحد مدّ
__________
(1) - قد نفهم من نصِّ ابن الصغير سالف الذكر كانت «نفوسة تلي عقد تقديم القضاة» الإعلان والتقديم والإشهار بالقضاة في المسجد عند تعيينهم. ابن الصغير: أخبار، 54.
(2) - يقول الشيخ إسماعيل الجيطالي لمَّا أفضت الخلافة إلى قوم بغير استحقاق اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمرٌّ على الطريق الأوَّل ملازم صفو الدين، إذا طُلب للقضاء هرب وأعرض فاضطرَّ الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات وجاء بعدهم من العلماء من عرض نفسه على الحكام والخلفاء والسلاطين، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا عِزَّة بالإعراض أذلَّة بالإقبال. قناطر الخيرات: 1/ 184 - 185.
(3) - وكيع: أخبار القضاة. 22 انظر رواية أخرى عن رفض جابر للقضاء عند الشمَّاخي: سير 74.
(4) - ابن أبي الدم: أدب القضاة 63 - 65.
(5) - انظر عنها الونشريسي: كتاب الولايات. 41، الطرابلسي: معين الحكام. 7. الثميني: الورد البسام. 3 - 5. (1/328)
صفحة 329
لهم دواة فما فوق ذلك إلاّ حُشِر معهم» (1)، فمثل هذا الحديث وغيره (2) المتداول في تلك الأزمنة لا يشجع العلماء إطلاقاً على تولي أيَّ منصب إداري للحكَّام بخاصة إذا كان الحاكم جائراً، ولقد نفى ابن فرحون في تبصرته، ونقل عنه الطرابلسي في معينه والونشريسي في كتابه الولايات أن يكون معنى تلك الأحاديث يقصد به القاضي العادل فابن فرحون يرد قائلاً «إنَّ أكثر المؤلفين ... بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه ... » (3).
ولقد كانت ظاهرة رفض تولية القضاء بعامة (4) في المشرق والمغرب والأندلس، وعقد الخشني باباً في كتابه أسماه «باب من عرض عليه القضاء من أهل قرطبة فأبى من قبوله» فأتى بذكر عدد كبير منهم (5).
أمَّا في المغرب فإنَّ عمر بن عبد العزيز، رغم عدله، عزم على إبراهيم بن أبي عبلة أن يوليه القضاء فامتنع (6)، و يذكر النباهي أنَّ ممن عرض عليه القضاء في إفريقية فامتنع أبو ميسرة أحمد بن نزار لما عرض عليه قال «اللهم إنَّك تعلم أنِّي انقطعت إليك وأنا ابن ثماني عشرة سنة! فلا تمكنهم مني! فما جاء العصر إلاَّ وقد توفي» (7).
__________
(1) - طبقات. 249.
(2) - كان الصوفية والزهاد وماأكثرهم في تلك الأزمنة في إفريقية بخاصَّة يسمون القضاة علماء الدنيا ويقولون «إنّ العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين» انظر آدم متز: الحضارة الإِسلاَمِيَّة في القرن الرابع الهجري، تر. محمَّد عبد الهادي أبو ريدة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ/1967م. 1/ 403.
(3) - ابن فرحون: تبصرة الحكام 1/ 8 - 9 الطربلسي: معين الحكام. 7، وانظر الونشريسي: كتاب الولايات. 41 عبد الخالق النواوي: العلاقات الدولية 219 - 220.
(4) - يرى الأستاذ فريد بن سليمان أنَّ ظاهرة الامتناع عن تولِّي القضاء تزامنت خاصَّة مع ظهور المذاهب الفقهية، وتفاقمت فيما بعد. انظر مقاله، القضاء والقضاة، ص131.
(5) - الخشني: قضاة قرطبة. 3 - 8 وانظر 11 - 21.
(6) - المالكي 1/ 399 - 400 وانظر ابن عبد ربه: العقد الفريد 1/ 22.
(7) - قضاة الأندلس. 16. (1/329)
صفحة 330
وهرب علي بن زيَّاد، وهو أوَّل من امتنع عن تولِّي القضاء، من القيروان لمَّا استطاع أن يقنع روح بن حاتم بعدم كفاءته فقال « ... لا أبيت فيها فيبدو له فيوجه ورائي ... فانطلق ... وحده على حماره إِلى تونس» (1) وكذلك خرج خالد بن أبي عمران التجيبي من القيروان هروباً إِلى الإسكندرية لمَّا طلبه عبيد الله بن الحبحاب للقضاء (2).
وفي العهد الأغلبي كثر هؤلاء الرافضون للقضاء بسبب جور بعض الأمراء الأغالبة من جهة، وبسبب التنزه عن هذه المسؤولية الجسيمة لذلك نجد من طلبه سحنون بن سعيد -وهو من هو في علمه ووقاره وهيبته - فرفض وامتنع ومنهم أبو عياش أحمد بن موسى بن مخلد الغافقي (3) أحد علماء إفريقية، وأحمد بن يلول امتنع من قصطيلية وعبد اللّه بن غافق التونسي وأبو جعفر أحمد بن محمَّد القرشي من ولد عقبة بن نافع (4) كل هؤلاء وغيرهم كثير (5) امتنع عن تولي القضاء لما عرضه عليهم الأمير أو قاضي القيروان.
لقد كان القاضي يتعرض في بعض الأحيان بعد تعيينه للقضاء وقبوله له لأشد الانتقادات مثلما وقع لسحنون في رسالة وجهت إليه (6) وهو القائل لابنته «اليوم ذبح أبوك بغير سكين» (7) ويشبه هذا القول ما قيل لأبي يحي زكرياء الأرجاني القاضي بجادو إحدى قرى نفوسة، قالت له أمُّه وأخته لمَّا جاء
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 237. أبو العرب: طبقات. 221.
(2) - نفسه 1/ 164.
(3) - أبو العرب: طبقات 246. المالكي: رياض 1/ 461.
(4) - عياض: تراجم. 202 - 203، 309، 338، 408 - 409.
(5) - أبو العرب: المحن 476، طبقات 183، الخشني: طبقات 213.
(6) - الدباغ: معالم 2/ 86.
(7) - نفسه: معالم 2/ 86 وهذه العبارة في أصلها حديث نبوي انظر الترمذي: سنن. قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين». تقدَّم تخريجه. (1/330)
صفحة 331
إليهما ووجدهما تبكيان وتقولان له «أحرقوك وأشووك (كذا) وكانتا صالحتين ... » (1) تعلمان خطورة المسؤولية الملقاة على عاتق الرجل. واشتهر عن القاضي عيسى بن مسكين أنَّه كان يقول عن أيام قضائه «كنت في بليتي ... » و «كنت أيام تلك المحنة» (2).
والذي يستخلص مِمَّا تقدَّم أنَّ تعيين القضاة في بلاد المغرب كان من اختصاص الخلفاء في عهد الولاة ثمَّ شيئاً فشيئاً أصبح الولاة يتدخلون في هذا الأمر وينصِّبون القاضي بالقيروان. ولما قامت الدول المستقلة استقل أمراؤها وأيمتها بتعيين قضاة عواصمهم. أما قضاة الأقاليم فإنَّ الولاة هم الذين كانوا يعينونهم عند الرُّستميين في حين كان قاضي القيروان هو الذي يعين القاضي في أهم المدن والأقاليم الأغلبية مع تدخل من الأمير في بعض الأحيان. وكان هؤلاء القضاة يختارون اختياراً جيداً بمختلف الطرق والوسائل ومنهم من يجبر على القضاء إجباراً إلاَّ أنَّ الكثير من العلماء والفقهاء رفضوا القضاء جملة وتفصيلاً واختلقوا الكثير من الأعذار ليُعفوا من توليه، ومنهم من تولاّه فتعذب به وعزل عنه فما أسباب ذلك العزل؟
ب- العزل وملابساته (إنهاء المهام):
تعددت أنواع نهايات القضاة من مناصبهم القضائية فمنهم من استعفى واعتزل، ومنهم من عُزل، ومنهم من مرض و مات، ومنهم من قُتل.
لقد كثر الاستعفاء والاعتزال عن القضاء في عصر الولاة وأوَّل من استعفى القاضي الأوَّل عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي (3) أوَّل قضاة (99 -
__________
(1) - الشمَّاخي: سير 243، البغطوري: سير نفوسة (مخ) ق 112 - 113.
(2) - النباهي: قضاة الأندلس، 32.
(3) - المالكي: رياض 1/ 127، الدباغ: معالم 1/ 210. (1/331)
صفحة 332
123هـ/711 - 740م) عصر الولاة بعد أن عمَّر في القضاء ما يقرب من ربع قرن من الزمان، فلعله شاخ وهرم. وممن استعفى أيضاً فعفي القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (145 - ربما 158هـ/762 - 774م) في عصر الولاة وسبب ذلك كما رواه الرقيق أنَّ امرأة كانت تدخل إِلى نساء الوالي يزيد بن حاتم وكان لها ملف خصومة عند القاضي عبد الرحمن بن زياد، فكتب لها كتابَ حكم وختمه وأعطاها إياه فأخذته ودخلت به إِلى دار يزيد بن حاتم فقال لها: ماهذا؟ فأعلمته فأخذه وفضَّ خاتمه وقرأه وصاحت، فقال لها: لا عليك، أنا أبعث به إليه لكي يختمه، ثمَّ بعثه إليه فقال القاضي: «ما أختمه حتَّى تعيد البينة فبعث إليه مرة أخرى، فقال: ما أفعل، فلما ولّى رسول يزيد بن حاتم أخذ القاضي خاتمه فكسره، وأخذ جلده، وقال: و الله لا أحكم بين اثنين أبدا» (1) وولّى يزيد مكانه ماتع بن عبد الرحمن الرعيني. وكذلك انعزل القاضي العلاء بن عقبة بنفس السبب تقريباً (2) في عهد روح بن حاتم (171 - 174هـ/789 - 790م) وعوفي عبد الله بن فروخ عن القضاء وقد تولاّه ليومين لما تأكد روح بن حاتم من عدم قدرته نفسياً، وكان قد أجبره على القضاء وأقعده في الجامع وأمر الخصوم فأُجلسوا حوله «فجعل الخصوم يكلمونه وهو يبكي» (3).
إنَّ القاضيين عبد الرحمن بن زياد والعلاء بن عقبة استقالا حفاظاً على استقلالية القضاء وهيبته وعوفي الثالث عبد الله بن فروخ لعدم رضاه وقدرته، أمَّا الرابع وهذه المرة في الدولة الأغلبية وهو عيسى بن مسكين (حوالي 281 - 289هـ/894 - 501م) فإنَّه لما صحا الأمير إبراهيم الثاني بن أحمد من مرضه
__________
(1) - الرقيق: تاريخ 130. يذكر أبو المهلب أنَّ كتاب القاضي وكتاب الخليفة إذا ختما دون قراءتهما ودون العلم بما فيهما عمل بما فيهما. انظر: أدب القاضي. 60.
(2) - الرقيق: نفسه 141.
(3) - أبو العرب: طبقات 108. (1/332)
صفحة 333
(ماليخوليا) وتاب وتخلى عن الملك وتوجه للجهاد «قصده عيسى بن مسكين فقال له: إن الله عافاك مما كنت فيه، فاعفني مما أدخلتني فيه، فقد كبر سني وضعف بدني، فعفاه» (1) وهكذا نلاحظ أنَّ هذا القاضي الذي ابتلي بسلطان جائر، بمجرد أن وجد الفرصة المواتية للاستعفاء استغلها بخاصة وأنَّه - كما يقول - قد كبر سنّه وضعف بدنه.
أمَّا القاضي حماس بن مروان (290 - 294هـ/ 902 - 906م) فإنَّه لمَّا شعر بالضيق مع زيادة الله وصاحب بريده وكبير دولته ابن صائغ ومع القاضي الضرة الذي وضع إِلى جانبه محمَّد بن أحمد بن جيمال الحنفي، لم يجد حماس إلاَّ «رفع ديوانه، ومضى إِلى رقادة فأقام بجامعها ستة أشهر يطلب المعافاة ... فسعى له عند زيادة الله وقال له قد خيرتك إن أجبت أن تكون قاضياً كما كنت ... فقال له المعافاة أحب إلي فعفاه وكتب له سجلاً بمعافاته بخطِّ يده» (2).
وعوفي القاضي أبو عمرو ميمون بن عمر، الذي أشهد الناس في سوسة بما عنده من متاع قبل ركوبه إِلى صقلية للالتحاق بمنصب القضاء هناك، عوفي بسبب المرض الذي أصابه بعد فترة من ولايته (3).
هذا عن إفريقية في عصري الولاة والأغالبة، أمَّا عند الرُّستميين فإننا نجد محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي أبي اليقظان (261 - 281هـ/874 - 894م) يقضي ليلة بيضاء لا ينام فيها همًّا وغضباً حتَّى طلع الفجر فأصبح بالغداة إِلى أبي اليقظان فرمى إليه خاتمه وقِمْطَرَه فقال «ولِّ على قضائك من تريد» (4) وكان أحد أولاد أبي اليقظان غير محمود السيرة، صدر منه أنه اختطف فتاة فجاءت أمها إِلى
__________
(1) - عياض: تراجم 252.
(2) - الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 17 - 18 ابن عذاري: البيان 1/ 143.
(3) - نوال تركي: التنظيمات 177.
(4) - ابن الصغير: أخبار 78. الباروني: الأزهار 2/ 247. (1/333)
صفحة 334
القاضي ليلاً تبكي وتشتكي إلاَّ أنَّ القاضي لم يستطع القبض على المتَّهم. ولمَّا لم يصل إِلى إثبات الفعل عليه لعدم البيّنة بعد أن استعمل كل حيلة في الوقوف على حقيقة الأمر، قدَّم استعفاءه لأبي اليقظان دون أن يذكر السبب و ترك القضاء (1) بنوع من سوء الأدب مع الإمام الذي كان حليماً معه.
إنَّ القاضي، إذن، انعزل عن القضاء بسبب أنه فشل في قضية أخلاقية أحد أطرافها ابن للإمام أبي اليقظان، ويبدو التسرّع في اتخاذ القرار الصارم من قبل القاضي إذ لم يوضح القَضِيَّة للإمام واكتفى بالقول له لمَّا سأله عما اعتراه؟ «ما نقمت عليك شيئاً ولكن نقمت على بَنيك ... خلَّيتَهم عالة على الناس» (2).
ويكشف ابن الصغير عن خيوط مؤامرة دبِّرت لهذا القاضي الذي كان له حاسدون، إذ «وافق ذلك سرورهم لحسدهم إياه وبغيهم عليه وأتوا أبا اليقظان فقالوا: أصلح الله الأمير، الرجل به حمق ولك في المسلمين من هو أنفع للمسلمين منه فلم يزالوا به حتَّى صرفوه عنه وولّوا القضاء رجلاً يقال له شعيب بن مدمان» (3). فالرواية إذن كما يقول الدكتور سعد زغلول عبد الحميد تشير إِلى «جانب سعي الحاسدين الذين أعربوا عن سرورهم عندما قال القاضي لهم "والله لا ولّيت له قضاء أبدا"» (4).
هكذا تعددت أسباب اعتزال واستقالة القضاة من مناصبهم كما تعددت أيضاً أسباب عزلهم وتنوَّعت، إذ لاَ بُدَّ من سبب لعزل القاضي، فلا يعقل عزله دون سبب وهذا عين ما أخبر به مستشارو الإمام عبد الوهاب جماعةَ البدو لمَّا جاؤوا إِلى الإمام يطلبونه عزل قاضيه لأنَّه جائر فقيل لهم «إنه لا يجب عزل قاض
__________
(1) - الباروني: الأزهار 2/ 247 جودت عبد الكريم: العلاقات 54.
(2) - ابن الصغير: أخبار. 78.
(3) - نفسه 78.
(4) - تاريخ المغرب الإِسلاَمِي 2/ 367 هامش رقم 262. (1/334)
صفحة 335
ولا صاحب بيت مال إلاَّ بجرحة تظهر عليه، ولا يجب عزل القضاة ببغي البغاة وسعي السعاة» (1) وهذا هو عين الصواب.
إنَّ أسباب عزل القضاة ببلاد المغرب متنوِّعة، منها عدم الكفاءة، والاستهانة بديوان القضاء (سجله) وأسراره وقضايا الناس فيه، وقبول الرشوة، والاعتزال والقول بخلق القرآن، وكبر العمر والشيخوخة، ورفض العامة للقاضي، وجهل القاضي بقواعد اللغة العربية، وكثرة سفك القاضي للدّماء، والوشاية في القاضي، والانتقام من القاضي.
إنَّ أغلب نماذج عزل القضاة وجلها هي في إفريقية إذ لم يعزل الرُّستميين قاضياً لهم وإن وقع عزل واحد في جبل نفوسة من قِبل واليها هناك وليس الإمام.
في إفريقية عصر الولاة، عزل يزيد بن حاتم قاضيه يزيد بن الطفيل لأنه كان إذ انصرف من مجلس قضائه يستودع ديوانه رجلا صباغا مقابل المسجد الجامع فتقدم إليه يزيد في ذلك فقال له القاضي «"إني أحفظ ما في ديواني وهذا لا يضرني"، ولم يرجع في ذلك ... فرأى يزيد أنَّ ذلك تضييع فعزله» (2) رغم أنَّه عينه الخليفة بسجل أرسله فيه ولكنه بهذا السبب المعقول: الغفلة وعدم المبالاة عزله الوالي.
وعزل يزيد بن حاتم كذلك ماتع بن عبد الرحمن الرعيني الذي يقول عنه أبو العرب «لم يُعلم من قضاة إفريقية الذين تقدموا ماتعا أسوء حال منه» (3).
وفي عهد الأغالبة كثر عزل القضاة بخاصة من قِبل إبراهيم الثاني بن أحمد
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار. 43 - 44، انظر تمام القصَّة حيث أنَّ البدو، أرسلهم ذووهم - من القبائل - المتحضرون القاطنون مدينة تيهرت واستغلوا فيهم سذاجتهم: انظر 41 - 44.
(2) - أبو العرب: طبقات 106 المالكي: رياض 1/ 173 وانظر الرقيق: تاريخ 131.
(3) - أبو العرب: 105، نوال تركي: التنظيمات 176 - 177. (1/335)
صفحة 336
المعروف بقسوته الدموية وتصفية رجال دولته وهكذا ظهر قاسياً بغير ضمير ولا وازع (1) عندما عزل قريبه عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي عن القضاء بالقيروان وحبسه ثمَّ دس له السم في الطعام فمات (2). ويذكر عياض أنه وقف «في كتاب تاريخ قضاة إفريقية على نسخة السجل الذي عزله به وثبَّت عنه مثالبه و مذاهبه التي أجلبها عليه ... » (3).
ويوضِّح أبو العرب سبب العزل في أنَّ سكان قرية إبيانه (4) شكوا إِلى القاضي ابن طالب تعنيف إبراهيم الأمير لهم لأنَّهم لم يبيعوا له منزلهم في إبيانه فأطلق السودان عليهم وعلى نسائهم فجاءت النساء مخضَّبات بالدماء قد انتهكت أعراضهن إِلى القاضي ابن طالب فقال في هذا الفعل الشنيع «هذا فعل أهل الدهر» (5) فبلغ ذلك إبراهيم بن أحمد فعزل ابن طالب عزلا سيئاً وحبسه برقادة في سجنها ثمَّ قتله بالسم.
ويروي الخشني أن الأمير لما نكب بابن طالب جلس في مقصورة جامع رقادة وأحضر وجوه الناس من أهل كل مذهب واستمطرهم الشهادة على ابن طالب بمساويه فأحجم الناس كلهم غير عبد الجبار «فأوَّل من صبها عليه فشهد عليه أنَّه لم يزل يعرفه يخطب سرير الأمير فقال إبراهيم بن أحمد هو أخزى وأذل من ذلك» (6)، والجدير بالذكر أنَّنا نجد وقع صدمة عزل ابن طالب في أحد مصادر الإباضية مِمَّا يوكد قول الخشني أنَّ الأمير أحضر وجوه الناس من أهل كل
__________
(1) - زغلول: تاريخ 2/ 129 - .130.
(2) - نفسه 2/ 129 - 130.
(3) - عياض: تراجم 230.
(4) - قرية صغيرة من قرى مدينة تونس، انظر أبو العرب: المحن، 473.
(5) - أبو العرب: المحن 473.
(6) - الخشني: طبقات 145 - 146. (1/336)
صفحة 337
مذهب، فالشماخي يذكر عن الرقيق أنَّه لما عُزل ابن طالب سنة خمس وسبعين ومائتين أمر الأمير إبراهيم بن أحمد فكتب كتابا قرئ بالجامع فلما قرئ لم يوقف [كذا] له أحد غير سعيد بن الحدائي (1) فإنَّه تكلم فيه كلاماً جميلاً (2).
لقد كان الانتقام أهم سبب في عزل القاضي ابن طالب ومحنته من قبل إبراهيم بن أحمد الذي عزل أيضاً جميع قضاة الأقاليم الذين عينهم ابن طالب كما عزل القاضي أبا العباس بن عبدون الحنفي الذي يبدو أنَّه أكثر القتل في الرعية حتَّى قال فيه إبراهيم «لو ساعدته لجعلت له مقبرة على حدة» (3) فكان جاهلاً جائراً طلبت الرعية عزله (4).
وعزل إبراهم الثاني سليمان بن عمران (5) (خروفة) وعبد الله بن هارون السوداني الكوفي الحنفي (6) وكلاهما قاض بالقيروان بسبب كبر سنهما واضطرار الأمير إِلى قاض غيرهما فكان ابن طالب خلفا لابن عمران، وعيسى بن مسكين خلفاً لعبد الله بن هارون.
أمَّا زيادة الله الثالث (230 - 236هـ) فإنَّه عزل الصديني لأنَّه كان معتزلي المذهب جافياً يظهر القول بخلق القرءان (7)، في فترة ولَّت فيها المسألة ولم تعد تذكر، فكرهه العامة وولَّى مكانه حماس بن مروان المالكي الذي كان لقضائه فرح شديد بإفريقية.
__________
(1) - عن سعيد بن الحدائي الإمام الشهير والفقيه الإباضي بالقيروان انظر الشماخي: سير 260 - 261.
(2) - الشمَّاخي: سير 261.
(3) - الخشني: طبقات 187.
(4) - أبو العرب: طبقات 15.
(5) - الخشني: طبقات 140.
(6) - نفسه 193.
(7) - النويري: نهاية الأرب. (قسم المغرب) 288 - 290. (1/337)
صفحة 338
ومن قضاة الأقاليم عُزل قاضي قصطيلية ابن البناء في عهد إبراهيم بن أحمد لوشاية وشكاية فيه (1) كما عُزل أحمد بن وهب من الأحناف عن قضاء طرابلس عزله إبراهيم بن أحمد لأنه كان قليل العلم إذ كتب للأمير إبراهيم "حفظك الله" فلم يرفع الظاء فكتبها "خفضك الله" (2).
وعَزل زيادةُ الله الثالث عبد الله بن محمَّد بن مفرج المعروف بابن الشاعر عن قضاء قصطيلية ورفع إليه وهو بالأربس مخشَّباً فأمر بضربه وتقييده وحبسه وذلك لأَنَّ وجوه قصطيلية رفعوا عليه ظلامة إلى زيادة الله (3).
هكذا نلاحظ أنَّ ظاهرة العزل للقضاة استشرت في عهد الأمير المريض إبراهيم الثاني وفي عهد زيادة الله الثالت لمَّا كانت مطارق أبي عبد الله الشيعي تحطم الحواجز للوصول إِلى القيروان.
ونجد عند الرستميين نوعاً من العزل الذي يمكن أن نطلق عليه «العزل امتحانا» فالإمام عبد الوهاب لمَّا أراد امتحان أحد قضاته وهو مدمان الهرطلي أرسل إليه رسالة فيها عزله فامتثل وقبل ثمَّ أرسل إليه رسالة ثانية فيها تعيينه وتقريره فلما قرأهما قال عن الأولى «رحم الله الإمام علم ضعفي وقصوري عن هذا الأمر فكتب بعزلي» وقال عن الثانية «رحم الله الإمام علم ألاَّ أحد يحلني من هذا الأمر فاستقامت حالته أوَّلا وآخراً» (4).
ويذكر أنَّ عمروس بن فتح عزل من القضاء من غير حدث فطلبوه الرجوع فأبى (5) لما سألهم «لم نزعتموني؟ فقالوا له: لا تعرف ما تحكم به، فضم أصابعه وقال
__________
(1) - الخشني: طبقات 161 - 162.
(2) - الخشني: طبقات 194.
(3) - ابن عذاري: البيان 1/ 142.
(4) - الشمَّاخي: سير 195.
(5) - الشمَّاخي: سير 229 - 230، انظر الباروني: الأزهار 2/ 254. (1/338)
صفحة 339
لهم: كم هؤلاء؟ فقالوا: خمسة، فقال لهم واحد اثنان، ثلاثة إِلى خمسة فهذا ما بيني وبينكم» (1) إنَّ عمروس اتهمته نفوسة بالتسرع في الحكم فأثبت لهم أنَّه لم يكن متسرعاً مثلما أنهم لم يكونوا متسرعين لمَّا أجابوه بعدد أصابع اليد بأنها خمسة ولم يحسبوها واحدة واحدة.
والجدير بالذكر أنَّ الدرجيني لا يذكر عزل عمروس عن القضاء رغم أنَّه روى هذه الرواية بأكثر دقة ووضوحاً (2).
وقبل ختام هذا المبحث لاَ بُدَّ من الإشارة إِلى أنَّ هناك قضاة انتهت مهمة قضائهم موتاً كقاضي الإمام عبد الوهاب (3) الذي خلفه محكَّم الهواري الأوراسي في منصبه، وكالقاضي عبد الله بن عمر بن غانم المتوفى سنة 190هـ/805م، والقاضي سحنون بن سعيد المتوفى سنة 240هـ/854م، وقبله كان أبو محرز المتوفَّى سنة 214هـ/829م، وأسد بن الفرات المتوفَّى سنة 213هـ/228م.
ولقد لاحظنا أنَّ قضاة الأغالبة الأوائل ماتوا وهم قضاة في حين عزل أو اعتزل كلّ القضاة الذين جاؤوا بعد سحنون بن سعيد سنة 240هـ فلم يمت منهم واحد على قضائه حتى هوت دولة الأغالبة وقامت دولة الفاطميين وشهد إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب آخر قضاة القيروان دخول الشيعة وانهيار الأغالبة.
أمَّا في عهد الولاة - قبل ذلك - فإنّ من القضاة الكثيرين الذين عزلوا أو انعزلوا (4) لا نجد قاضيا يتوفى على القضاء (5) وربما لظروف اضطراب تلك الفترات
__________
(1) - البغطوري: سير أهل نفوسة (مخ) ق 94.
(2) - الدرجيني: طبقات 2/ 321.
(3) - ابن الصغير. 49.
(4) - انظر الملحق رقم 2.
(5) - القاضي أبو كريب عبد الرحمن بن كريب قتل سنة 139هـ/756م في معركة ضدَّ الصفرية. المالكي: رياض 1/ 168. (1/339)
صفحة 340
إذ مرَّت بها مرحلة انهيار خلافة وقيام خلافة أخرى، فهذا الحدث الضخم لا يمر دون أن يترك آثاره وقد تركها فعلا في تلك الفترات والهزات المتتالية التي انتهت أو كادت بقيام الدول المستقلة.
وهناك من تولى القضاء مرتين وعزل مرتين ولا أدلَّ على ذلك من القاضيين عبد اللّه بن أحمد بن طالب وسليمان بن عمران اللَّذَين توليا القضاء الواحد بعد الآخر في الفترة ما بين (242هـ-275هـ/856 - 888م) فكانا لعبة في يد الأميرين محمد الثاني أبي الغرانيق وإبراهيم الثاني بن أحمد، يُعزل أحدهما ليولى الآخر ويُؤمر بالانتقام من صاحبه المعزول وانتهى أمرهما إلى العزل كليهما وكان عزل ابن طالب أشد وأنكى ونهايته أقسى وأظلم (1).
مجمل القول إنَّ نهاية القاضي في بلاد المغرب متعددة متنوعة، قد تكون استعفاء واستقالة، وقد تكون عزلا لأسباب معقولة أو غير معقولة، وقد تكون وفاة، إلاَّ أنَّ هذه الأخيرة في إفريقية عصر الولاة والأغالبة قليلة نادرة.
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 198 هامش 4. المحن 471، المالكي: رياض 2/ 159 ابن عذاري: البيان 1/ 115،117. (1/340)
صفحة 341
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء في المغرب الإسلامي
الفصل الثالث
مجلس القضاء، توابع القاضي وأدواته
المبحث الأول: دور القضاء
أ- المساجد والجوامع
ب- دار القضاء
ج- أماكن أخرى
المبحث الثاني: مجلس القاضي (مساعدو القاضي).
أ- كاتب القاضي وحاجبه
ب- الفقهاء المستشارون والشهود
ج – الأعوان الآخرون
المبحث الثالث: توابع القضاء
أ- خطة المظالم نشأتها وعلاقتها بالقضاء (1/341)
صفحة 342
ب- الحسبة وعلاقتها بالقضاء
ج- الشرطة وعلاقتها بالقضاء
المبحث الرابع: أدوات القاضي
أ- السجلات والكتب والديوان.
ب- القمطر والخاتم أو الطابع
ج- الدرة وجلد الجلوس أو الحصير
د- أدوات أخرى
خلاصة الباب الثاني (1/342)
صفحة 343
الفصل الثالث
مجلس القضاء، توابع القاضي وأدواته
المبحث الأول: دُورُ القضاء
أ-المساجد والجوامع:
قال الكندي صاحب المصنف إنّ بعضهم ذكر «أن الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالحكم بين الناس ولم يخص مكاناً دون مكان فللحاكم أن يحكم بينهم، إن شاء في المسجد، وإن شاء في منزله، ليس لأحد أن يمنع الحاكم من الحكم في مكان دون مكان بغير حجة» (1).
وبالفعل لقد تعددت أماكن القضاء بتعدد المذاهب الإسلامية الحاكمة ببلاد المغرب وتنوعت بتنوع الاتجاهات والميول الخاصة بالقاضي (2)، إلا أن المسجد الجامع يعتبر النواة الأولى للقضاء في المغرب الإسلامي خصوصاً وفي العالم الإسلامي عموماً، وقد رأى بعض الفقهاء أنه "يُستحبُ له (القاضي) أن يقضي في المسجد وهو من الأمر القديم لأنه يصل إليه فيه الضعيف والمرأة والقوي" (3).
__________
(1) - الكندي: المصنف، 13/ 57، وانظر الثميني: الورد البسام، 15.
(2) - يذكر علي أحمد أنه لا يعرف السبب الذي جعل الحكومات العربية في العصور الوسطى تهمل هذا الأمر ويعتبر ذلك هفوة كبيرة وقع فيها هؤلاء الحكام وشاركهم فيها القضاة. انظر القضاء في المغرب والأندلس77.
(3) - الباجي: فصول الأحكام. 130، قال ابن عاصم شعراً:
وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد
انظر نفس الصفحة هامش 6. وانظر سحنون: المدونة 5/ 144. (1/343)
صفحة 344
لقد كان مسجد الجامع في عصر الولاة كله مكاناً للقضاء ولم يشر المؤرخون إلى مكان غيره عقد فيه القاضي مجلس قضائه، فأبو كريب عبد الرحمن بن كريب لما قبل القضاء يقول أبو العرب " ... انطلق إلى المسجد ينظر فيما بين الناس ... " (1)، فهذه الانطلاقة نحو المسجد توحي بأنه مقصد القضاة ومكان قضائهم ولا وجود لمكان آخر عندهم، فهي انطلاقة تلقائية عادية تعوّد عليها قضاة عصر الولاة.
وكان للقاضي يزيد بن الطفيل الذي تولى القضاء لفترتين إحداهما في عهد بني أمية، وثانيهما في عهد بني العباس، يأتي المسجد الجامع فيجلس فربما لا يأتيه أحد لقلة الخصومات في ذلك الزمان (2)، بل إن حماره تعوّد معرفة مكان المسجد من كثرة ما يأتيه يومياً، فكان يركبه ابن الطفيل القاضي ليوصله إلى المسجد ثم يطلق سراحه للعودة إلى منزله، فإذا كان وقت انصراف القاضي أسرج أهله الحمار وبعثوا به وحده إلى المسجد ثانية ليركبه القاضي عائداً به إلى منزله (3).
أما في إفريقية عصر الأغالبة، فقد ظلّ المسجد أهم وأوّل مكان للقضاء , ففيه كان القاضي يعقد مجلسه خاصة الحنفية، فقد ظلوا يعقدون جلسات قضائهم في المسجد طيلة عهد الأغالبة لأنهم كانوا يرون أن المسجد هو المكان العمومي الوحيد الذي يمكن أن يصله كل الناس بدون مشقة (4)، وبالتالي فإنهم مالوا إلى عقد الجلسات القضائية العلنية، أما سحنون بن سعيد ومن جاء بعده من قضاة المالكية وهم الأغلبية، فإنهم فضلوا الجلسات السرية التي لا يحضرها إلا المعنيون بالأمر (5)،
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 218. انظر المالكي: رياض 1/ 169 - 170.
(2) - أبو العرب: طبقات، 105 - 106. الرقيق: تاريخ، 130.
(3) - أبو العرب: نفسه، 106، الرقيق: نفسه، 130، وانظر الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق2.
(4) - الطرابلسي: معين الحكام، 20.
(5) - هوبكنز: النظم، 216، نوال تركي: التنظيمات، 190. (1/344)
صفحة 345
فسحنون بن سعيد (234 - 240ه/ 848 - 854م) بنى بيتاً بالجامع جعله للقضاء، واتبع سيرته قضاة المالكية من بعده (1).
لقد كان المسجد إذن، إلى حدود سنة 234ه/ 848م هو المقر الرسمي الوحيد لقضاة إفريقية في العصرين: الولاة والأغالبة، وبعد ذلك التاريخ امتنع قضاة المالكية من عقد جلساتهم في المسجد الجامع في حين استمر الحنفية يعقدونها فيه، فظلت الجلسات عند المالكية مغلقة خاصة، وعند الحنفية عامة.
إن القضاة: ابن غانم وأبا محرز وأسد بن الفرات كلهم وردت الأخبار (2) عنهم أنهم كانوا يجلسون في المسجد للاستماع إلى المتقاضين، وطبعاً كل هؤلاء وُلوا قبل الإمام سحنون. وجميل أن نشير هنا إلى ما انتبه إليه الخشني من أنّ "قضاة الجماعة (3) فيما سلف في دولة بني الأغلب إنما يجلس القاضي إذا كان من غير أهل القيروان بمدينة السلطان برقادة (4) " (5) وكان عيسى بن مسكين أحد هؤلاء لا ينزل إلى القيروان (6).
هل هذا يعني أنه يجد الإقامة هناك مهيأة له؟ ما دام القضاة من أصل قيرواني لهم مساكنهم الخاصة في المدينة؟ لا تشير مصادرنا إلى شيء ذي بال في هذا الخصوص.
__________
(1) - الدباغ: معالم، 2/ 88. وانظر دار القضاء في هذا المبحث.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 227، 277.
(3) - سبق أن ذكرنا أن قضاة القيروان لم يكونوا يعرفون بلقب معين وإنما هم قضاة لا غير. وإنما وظف هذا الخشني "قضاة الجماعة" اقتباساً مما كان في الأندلس ومما سوف يكون في المغرب بعد القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. انظر المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثاني.
(4) - مدينة رقادة العاصمة الثانية للأغالبة بنيت عام 263ه/ 876م بناها إبراهيم الثاني ابن أحمد بن الأغلب وهي غير بعيدة عن القيروان وظلت عاصمة لهم حتى هرب عنها زيادة الله الأخير. انظر البكري: المغرب 27، الحموي: معجم البلدان، 3/ 55، وانظر هوبكنز: النظم، 211.
(5) - الخشني، طبقات، 240.
(6) - عياض: تراجم، 242. (1/345)
صفحة 346
أما عند الرستميين فإن أول ما بدؤوا به لمّا وضعوا أساس عاصمتهم تيهرت، هو المسجد الجامع، يذكر أبو زكرياء أن الإباضية "عمدوا إلى مكان فأصلحوه لصلاتهم فلمّا أرادوا أن يبنوها انتخبوا أربعة أمكنة واقترعوا عليها أيها يجعلون للمسجد الجامع، فوقعت قرعتهم على المكان الأول الذي أصلحوه للصلاة فبنوا المسجد الجامع" (1). وفي هذا المسجد بالذات جلس أول قضاة الرستميين وهو إمامهم عبد الرحمن بن رستم (160 - 171ه/777 - 787م) للقضاء يقول ابن الصغير " لما ولي عبد الرحمن بن رستم ... شمّر مئزره وأحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف ولا يخاف في الله لومة لائم" (2). إن المسجد هو أول مكان للقضاء عند الرستميين، فلم يشذوا عما كان عليه العالم الإسلامي آنئذ، ويبدو أن الأمر استمر هكذا إلى عهد الإمام عبد الوهاب أو ابنه أفلح ليتحول القضاة إلى دار القضاء بدل المسجد الجامع الذي أصبح يعرف كذلك بمسجد عبد الرحمن بن رستم، على ما يظهر من النص السابق الذكر.
أمّا في المغرب الأقصى، حيث ندرة المعلومات، فلا نرى أن يكون المدراريون أو الأدارسة قد شذوا عما كان عليه العالم الإسلامي أو بالأحرى ما كان عليه المغربان الأدنى والأوسط آنئذ فسلجماسة بها جامع بناه أبو منصور اليسع بن أبي القاسم (174 - 208ه/ 790 - 823م) يقول عنه البكري: " ... جامعها متقن البناء بناه اليسع فأجاد" (3) فهذا الجامع المتقن الجيد لا يكون إلا مكاناً أيضاً للقاضي يفضّ فيه المنازعات ويقضي فيه بين الناس.
وفي فاس عاصمة الأدارسة عدوتان، كما هو معروف، عدوة القرويين وعدوة الأندلس وفي كلتا العدوتين مسجد , أحدهما هو جامع الأشياخ وهو أوَّل
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة 86 - 87. الدرجيني، 1/ 41.
(2) - أخبار الأيمة، 28.
(3) - البكري: المغرب، 148. (1/346)
صفحة 347
مسجد أسس بفاس بناه إدريس الثاني بعدوة الأندلس (1) عام (192ه/ 807م) وبعده بعام شرع في تأسيس عدوة القرويين وبنى بها جامعاً وهو المعروف بجامع الشرفاء ولم تزل الخطبة في الجامعين معاً طول أيام الأدارسة كلها حتى انقضت أيام الأدارسة (2)، ففي أي جامع كان القاضي عامر بن سعيد بن محمد القيسي يقضي؟
لعلنا نجد الجواب عند ابن أبي زرع الذي يذكر أنّ إدريسا أنزل جميع أجناده وقواده بعدوة الأندلس، "ولم ينزل معه بعدوة القرويين غير مواليه وحشمه وسائر رعيته من التجار والصناع والسوقة" (3)، لقد كان الإمام إدريس الثاني بعدوة القرويين ومعه مواليه وحشمه، فالقاضي من هؤلاء، ولا بد أنهّ من سكان عدوة القرويين إذ هو أقرب إلى القرويين منه إلى الأندلسيين، وممَّا يؤكد هذا , نص آخر لابن أبي زرع يقول فيه إنّ إدريس الثاني رتب أبواب المدينة وأنزل القبائل كل قبيلة بناحية "فنزلت العرب القيسية من باب إفريقية إلى باب الجديد [كذا] من أبواب عدوة القرويين ... " (4)، فالقاضي عامر بن سعيد قيسي، فهو في عدوة القرويين وبالتالي يحتمل أن يكون مجلس قضائه بجامع الشرفاء القريب منه.
لقد ظل الجامع بفاس مقراً للقضاء لفترة طويلة إذ في سنة 245ه/ 859م بنت فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري القروي جامع القرويين على عهد الأمير الثالث يحيى بن محمد بن إدريس الثاني بن إدريس الأول، ويبدو أنه أصبح مكاناً لقضاة فاس إذ يتحدث الجزنائي عن أبوابه فيذكر "باب مجلس القضاة للخصوم" (5). فمنذ متى أصبح هذا الجامع مقراً للقضاة؟ لعل ذلك يكون بعد عهد الأدارسة لمّا:
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس، 38، الجزئاني: جني زهرة الآس، 25، وانظر الونشريسي: المعيار، 1/ 256، ليفي بروفنصال: الإسلام في المغرب والأندلس.
(2) - ابن أبي زرع: الأنيس، 54 - 55، الحلبي: الدر النفيس، 320، الناصري: الاستقصا، 1/ 168.
(3) - نفسه، 46.
(4) - نفسه، 45 - 46.
(5) - الجزنائي: جني زهرة الآس: 77. (1/347)
صفحة 348
«تملكت زناتة على البلاد واستقام ملكهم بالمغرب ... وكثر الناس وضاق مسجد الشرفاء بالناس لصغره فأزالوا عنه الخطبة وأقاموها بجامع القرويين لكبره وسعته ... وذلك سنة خمس وأربعين وثلاثمائة» (1) على ما يذكره ابن أبي زرع.
فالمسجد الجامع إذن بعواصم الدول القائمة ببلاد المغرب ,كان المقر الأول للقضاء وظل كذلك إلى نهاية القرن الثالث الهجري ولكن بدخول مقرات وأمكنة أخرى زحزحت المساجد عن هذا العمل القضائي، ومع ذلك يبدو أن المسجد ظل مكاناً للقضاء بالأقاليم والولايات وأهم مدن المغرب الإسلامي من غير العواصم.
ب- دار القضاء:
إن الإباضية في تيهرت والمالكية في القيروان , هم الذين ابتكروا داراً للقضاء في عاصمة الدولة وجعلوا بذلك جلسات القضاء خاصة غير عامة، سرية غير علنية. ولعل الرستميين هم السباقون إلى هذا الإجراء حيث يذكر ابن الصغير أنه لما جاء محكّم الهواري من الأوراس في بداية عهد أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258ه/ 823 - 871م) لتولي منصب القضاء بالعاصمة تيهرت أنزله الشراة "في الدار المعروفة بدار القضاء .. " (2)، فهناك إذن "دار للقضاء" وليست "دار القاضي" والفرق شاسع بين التسميتين وهو واضح ولا شكّ. فهذه الدار كانت مقر القضاء عند الرستميين منذ عهد أفلح بل منذ عهد أبيه عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208ه/ 787 - 871م) لأن الدار معروفة لم تُبن في ذلك الوقت خصيصاً لمحكّم الهواري , وإنما كان فيها سلفه قاضي عبد الوهاب الذي توفي فجاء محكّم ليخلفه في القضاء وفي الدار.
__________
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس. 54 - 55.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 51، وانظر: الشماخي: سير، 194، الكعاك: موجز، 182. (1/348)
صفحة 349
إن هذا المستوى الحضاري (1) الذي بلغته الدولة الرستمية في إحدى ركائز جهازها الإداري لم يتوقف عند تخصيص دار للقضاء وإنما أيضاً توفير خادم يخدم القاضي فضلاً عن إجراء قوته من بيت المال (2)، وهذا كله من أجل أن يتفرغ القاضي لمهمته تفرغاً تاماً.
لقد كان إذن في الدولة الرستمية "للقضاة دار خاصة بهم تعرف بدار القضاء يجلسون بها للأحكام" (3).
ونجد مثل هذه الدار في القيروان ابتداءً من عهد سحنون (234 - 240ه (التي استحدثها. يقول الدباغ" وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه، إذ رأى كثرة الناس، وكثرة كلامهم فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما وكان قضاة المالكية يحكمون فيها بعده، وإذا ولي عراقي (حنفي) هدّمها وإذا ولي مدني (مالكي) بناها" (4).
إن هذا البيت الخاص بالقضاء والملحق بالمسجد الجامع (5) في آن واحد , يؤكد ارتباط القضاء بالمسجد وهو ما يريد سحنون بن سعيد التعبير عنه في الدرجة الأولى، فهو لم يخرج من المسجد المكان المفضل للقضاء، وإنّما خصص فيه بيتاً جعله مجلساً لقضائه ليترك المسجد يؤدي دوره الديني والتعليمي من جهة، وليقضي
__________
(1) - أشير مرة أخرى إلى رأي علي أحمد الذي لا يعرف السبب الذي جعل الحكومات العربية في العصور الوسطى تهمل هذا الأمر المتعلق بعدم تخصيص مكان للقضاء ويعتبر ذلك هفوة كبيرة وقع فيها الحكام وشاركهم فيها القضاة، فهو بدون شك لم يطلع على ابن الصغير وأخباره ولم يطلع على إصلاحات سحنون واتخاذه بيتاً خاصاً للقضاء مع أن كتابه في تاريخ القضاء في المغرب والأندلس. انظر: القضاء في المغرب والأندلس، 77.
(2) - ابن الصغير: أخبار 51.
(3) - الكعاك: موجز 182.
(4) - الدباغ: معالم 2/ 88.
(5) - Gaudefroy: Les Institutions. P. 155. (1/349)
صفحة 350
على فضول الفضوليين ومن ليس له شأن في أمر القضاء عموماً أو أمر المتقاضين خصوصاً إلا حب الاطلاع على عورات المسلمين وأخبارهم لا غير.
لقد ظل هذا البيت إذن يؤدي دوره مكاناً خاصاً بالقضاء عهد سحنون، ولما جاء خلفه سليمان بن عمران (خروفة) الحنفي (242 - 257ه) ربما يكون هو أول من هدمه ليعود إلى المسجد الجامع، ثم يبنيه القاضي ابن طالب المالكي عام 257هفيهدمه منافسه سليمان بن عمران سنة 259هثم يُبنى مرة ثانية عام 267ه: يعيد بناءه القاضي ابن طالب ولكنه يُهدم سنة 275هيهدمه أبو العباس محمد بن عبد الله بن عبدون الرعيني الحنفي (حوالي 275 - 278ه/ 888 - 891م) وهو ثاني من يهدمه بعد سليمان بن عمران ليعود للمسجد مثلما كان الأمر سابقاً ومسايرة لرأي الحنفية في ذلك (1)، ولعله لهذا السبب نجد المالكية في كتبهم يصفونه بالجور هو وسلفه الحنفي سليمان بن عمران (2).
ويبقى المسجد، مكاناً للقضاء حوالي أربع سنين ونصف ثم يبنى البيت الخاص ثانية في عهد عيسى بن مسكين بن منصور المالكي (3) الذي تولى القضاء في حدود سنة 281ه894م ويظل، على أكبر تقدير، قائماً على عهد القاضي الصديني المعتزلي فالقاضي المالكي حماس بن مروان المالكي أيضاً حوالي ثلاثة عشر عاماً، ثم يُهدم لآخر مرة في العهد الأغلبي مع القاضي محمد بن أحمد بن جيمال الذي تولى القضاء سنة 293ه/ 905م، وهكذا إلى أن يدخل الفاطميون (4) إفريقية ويضعوا حداً لحكم بني الأغلب سنة 296 - 909م.
__________
(1) - الطرابلسي: معين الحكام، 20، وانظر هوبكنز: النظم، 216.
(2) - عياض: تراجم، 178 - 181، 225 - 226، 229، 236، 278.
(3) - عياض: تراجم، 232.
(4) - يبدو أن الفاطميين لما جاؤوا إلى القيروان لم يجدوا أثراً لهذا البيت، انظر الداعي إدريس: تاريخ الخلفاء، 491. وربما يكون موجوداً إلا أن المؤرخين أهملوا ذكره. (1/350)
صفحة 351
لقد ظهر الصراع المذهبي على أشده بسبب هذا البيت القضائي , ومهد السبيل للفاطميين لولوج إفريقية متفرقة غير متماسكة، يحمل علماؤها وقضاتها أحقادهم وضغائنهم على بعضهم البعض , مما ينعكس سلباً ولا شك على الرعية. ولكن مهما يكن الأمر فإن المالكية، كما قال هوبكنز (1)، وُفقوا في اتخاذهم داراً للقضاء وكانوا السباقين إلى إقامة دور للقضاء في إفريقية.
وفي صقلية يظهر أن هناك داراً مخصصة للقضاء. قيل للقاضي أبي عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب (ت 310ه/ 922م) لما وصل الجزيرة "هذه دار القضاء تنزل فيها، فقال: هذه دار عظماء , أيش أعمل فيها؟ (أي ماذا أعمل فيها؟) فنزل في دويرة لطيفة" (2).
إن أبا عمرو هذا حنفي المذهب (3) حسبما يبدو، لم يشأ النزول في دار القضاء واختار الدويرة اللطيفة زهداً وتواضعاً وهو الذي أشهد أهل سوسة على ممتلكاته ليحاسبوه عند عودته من صقلية، ومع ذلك فهو لم يصر على القضاء بالمسجد الجامع شأن أتباع مذهبه بالقيروان، مع احتمال أن تكون تلك الدار دار سكنى لا دار قضاء.
ثم إن هذه الدار "دار القضاء" التي وصفت بأنها "دار العظماء" تبدو ذات أبهة وزخرفة، فهل هي دار القضاء من العهد السابق للإسلام؟ لا شيء يؤكد أو ينفي ذلك وإن كنا نميل إلى إثبات الاحتمال، وإلا ما الداعي إلى عرض هذه الدار بالذات على رجل زاهد جاء قاضياً إلى الجزيرة؟!
__________
(1) - النظم، 216.
(2) - المالكي: رياض، 2/ 180، الدباغ: معالم، 2/ 357.
(3) - لم يذكره القاضي عياض في مداركه التي خصصها لأعلام مذهب مالك. (1/351)
صفحة 352
ج- أماكن أخرى:
من الأماكن التي قضى فيها القضاة ببلاد المغرب الإسلامي، يذكر المؤرخون بيوت القضاء ومنازلهم ودورهم وسقائف تلك البيوت وعتباتها وأبوابها.
فالقاضي يزيد بن الطفيل , كان له دكان (1) يجلس عليه (2) والقاضي أبو محرز كان "يجلس للخصوم في داره وجعل للنساء يوماً عند بابه ... " (3) فلا يدخلن داره وإنّما هو الذي يخرج لهن , وأما ابن طالب القاضي فكان له "في سقيفة داره بيت يجلس فيه للنظر بين الناس ويتغذى فيه إذا حضر غذاؤه" (4)، أما القاضي حمّاس بن مروان فكان يكسر الحطب على باب داره والناس حوله يختصمون إليه ويسألونه (5).
وفي نفوسة بعد معركة مانو (283ه/ 896م) كان أبو محمد عبد الله بن الخير – أحد الناجين من الموت في مانو – يأتي أبا القاسم البغطوري "إلى منزله ... فيحكم هناك فيتعاونا وموضعهما مشهور هناك" (6).
إلى جانب هذه المنازل والبيوت , حكم بعض القضاة في الحوانيت، حيث وُجدوا وعرضت عليهم الخصومة (7). ومنهم من عقد مجلسه في الشارع إذ ربما
__________
(1) *- الدكان هو المكان المرتفع عن الأرض بشرط أن يكون مبنياً بناء وليس طبيعة، يقول ابن منظور"الدكان: الدكّ المبني للجلوس عليها .. والنون مختلف فيها، فمنهم من يجعلها أصلاً ومنهم من يجعلها زائدة, ودكن الدكان عمله" لسان العرب المحيط، 1/ 1000، مادة "دكن".
(2) - المالكي: رياض، 1/ 173.
(3) - نفسه، 1/ 274.
(4) - نفسه، 1/ 476.
(5) - النباهي: قضاة الأندلس، 32. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 17 و. ظ.
(6) - الشماخي: سير، 238.
(7) - هوبكنز: النظم، 205. (1/352)
صفحة 353
ركب وتجول في البلد فوقف حيث يُطلب (1)، وهو ما وقع للقاضي أبي كريب عبد الرحمن بن كريب "مر يوماً بمدينة القيروان ببئر أم عياض فعرض له خصمان فنزل عن حماره وقعد إلى حائط ونظر بينهما فيما اختصما فيه" (2).
هكذا نلاحظ أن القضاء كان يُعقد غالباً بالمسجد الجامع وبصفة علنية , وعمّ هذا بلاد المغرب الإسلامي كله خلال فترة الموضوع، إلا أنه منذ القرن الثاني للهجرة الثامن للميلاد , عرفت تيهرت ثم بعد ذلك القيروان "دار القضاء" المخصصة للجلسات السرية، إلا أن هذا لا يعني أن المساجد فقدت دورها القضائي، بل بالعكس ظلت الجلسات تعقد فيها كما تعقد في منازل القضاة وأمام أبوابهم وفي سقائف بيوتهم. ونظر بعض القضاة في الخصومات والقضايا بالحوانيت وفي الشوارع دون حرج، المهم هو القيام بدور القضاء دون اعتبار لمكانه, لأن ر الأهم هو العدل في القضاء حيثما كان ومتى كان ومهما كان.
المبحث الثاني: مجلس القاضي (مساعدو القاضي)
أ- كاتب القاضي وحاجبه:
1 - كاتب القاضي:
كانت مؤسسة القضاء في بلاد المغرب الإسلامي قبل عهد الدول المستقلة , قائمة على شخصية القاضي بمفرده من غير المساعدين له، فالقاضي ابن الطفيل كان يضع ديوانه عنده أو عند رجل صباغ (3) لعدم وجود الكاتب عنده أو مساعد آخر غيره، ولكن مع نهاية عهد الولاة وبداية عهد الأغالبة وبالضبط مع القاضي
__________
(1) - نجدة خماش: الإدارة، 329.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 170.
(3) - أبو العرب: طبقات، 106. (1/353)
صفحة 354
المخضرم عبد الله بن عمر بن غانم (171 - 190ه/ 787 - 805م) يذكر المؤرخون كاتباً لهذا القاضي "وكان من عادته أن يتقدم إلى مقعده في الجامع فيجلس حتى يأتي ابن غانم ... " (1).
إن اتخاذ القضاة للكاتب في هذا العهد دليل على كثرة الأشغال والقضايا التي أصبح القاضي مكلفاً بها، وربما أرهقته فالتجأ إلى الكاتب عوناً له، ومن الممكن كذلك أنه لما شعر بجلال منصبه وعظيم شخصيته اتخذ الكاتب مساعداً له (2)، زيادة في الهيبة والإجلال.
وفي عهد سحنون , يُكثر المؤرخون من ذكر كُتّاب هذا القاضي، ولعل أولهم سليمان بن عمران الملقب بخروفة، تولى الكتابة لسحنون ثم أخرجه قاضياً إلى مدينة باجة (3)، وكتب لسحنون إبراهيم بن عتاب الخولاني أبو إسحاق , وكان إمام مسجد سحنون توفي عام 261 - 874م (4). واستكتب سحنون كذلك محمد بن إبراهيم بن عبدون , ولعله أول كتابه إذ يذكر القاضي عياض "أنه في جملة من استكتب لأول ولايته فكتب مدة ثم أنكر في الديوان أثراً من فعل غيره فاعتزل عن الكتابة وحلف: لا أكتب فأعفاه سحنون" (5). وتوفي هو الآخر في حدود سنة 261ه/ 874م. إن هذا الموقف الشديد من هذا الكاتب الأمين يدل على ما كانت عليه الأمور من الضبط والتقيد.
واستكتب القاضي سليمان بن عمران: عبد الله بن هارون الكوفي السوداني الذي سوف يرتقي فيما بعد إلى قاضي تونس , ثم يرتقي أكثر فيصبح قاضياً بالقيروان في حدود عام 278ه/891م (6).
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 227، انظر: نوال تركي: التنظيمات، 182.
(2) - هوبكنز: النظم، 221. علي أحمد: القضاء في المغرب: 26.
(3) - الخشني: طبقات، 180، وانظر أبو العرب: طبقات، 114، هامش 1.
(4) - عياض: تراجم، 308.
(5) - عياض: تراجم، 194، انظر زغلول: تاريخ، 2/ 112.
(6) - الخشني: طبقات، 192 - 193. (1/354)
صفحة 355
أما القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب , فإنه استكتب محمد بن زرقون بن أبي مريم الأعجمي أحد مقدمي رجال سحنون، "كان كاتباً لابن طالب أول قضائه وكان إماماً خطيباً بجامع القيروان" (1)، ثم تولى الكتابة لابن طالب أحمد بن يحيى بن خالد السهمي الذي كان أبوه قد تولى قضاء الزاب لسحنون (2)، ولعل آخرهم هو ابن أبي الوليد محمد بن سعيد مولى الأغلب (3).
وكان أبو عقال بن خير (4) أو ابن جرجر (5) الفقيه على مذهب أهل العراق كاتباً للقاضي ابن عبدون أيامه على القضاء وتوفي سنة 296ه/ 909م (6).
ويذكر المؤرخون أن إبراهيم الثاني بن أحمد لمّا عين عيسى بن مسكين قاضياً بالقيروان حوالي عام 281ه/ 894م , ونفر هذا الأخير وأبى وتعلل بأنه رجل طويل الصمت قال الأمير إبراهيم: "عندي مولى من الموالي نبيهاً نشيطاً قد تدرب في الأحكام وشيء من الأقضية فأنا أضمه إليك يكون لك كاتباً فيصدر عنك في القول في جميع ما يرد عليك من الأمور فما رضيت من قوله أمضيت , وما سخطت رددت , فقبل منه القضاء، وضم إليه حسن بن البناء" (7)، الذي كان قاضياً بطرابلس فعُزل وأصبح كاتباً لعيسى بن مسكين في القيروان (8).
ويذكر المالكي والنباهي والجودي , اسم هذا القاضي كاملاً وهو أبو علي عبد الله بن محمد بن الفرج أو مفرج المعروف بابن البناء مولى الأغلب (9)، ويذكر
__________
(1) - عياض: تراجم، 314. الخشني، طبقات، 155.
(2) - عياض: تراجم، 397.
(3) - عياض نفسه: 381.
(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 146.
(5) - الخشني: طبقات، 192.
(6) - ابن عذاري: البيان، 1/ 146.
(7) - الخشني: طبقات، 142.
(8) - نفسه، 142، 162.
(9) - المالكي: رياض، 2/ 156 - 157، النباهي: قضاة، 31، الجودي: تاريخ (مخ). ق15ظ. (1/355)
صفحة 356
أنه كثيراً ما يقصد مجلس قضاء عيسى بن مسكن فيوجد صامتاً لا يتكلم وابن مفرج هذا يقضي (1).
واستكتب عيسى بن مسكين كذلك أحد علماء الوثائق , وهو أحمد بن أحمد بن زياد الفارسي كان يكتب له السجلات (2)، ويذكر الخشني أن لهذا الكاتب "في الوثائق والشروط عدة أجزاء وله كتب في أحكام القرءان وله كتاب حسن في مواقيت الصلاة وكان بصيراً باللغة وكان بليغ القلم وكان من ذوي الجاه ومن ذوي المروات الكاملة ... " (3).
أما القاضي حمّاس بن مروان فإنه استكتب أولاً (4) إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب الذي سوف يتولى القضاء في آخر عهد الأغالبة بعد ابن جيمال الحنفي، ثم استكتب ابنيه سالماً وحموداً وأبا جعفر أحمد بن نصر بن زياد الهواري الذي أطراه الخشني (5)، ويذكر أبو العرب بأنه كان "ثقة ثبتاً مأموناً فقيهاً صالحاً ... وكان حافظاً كثير الدرس" (6) في حين الخشني سالم بن حماس بأنه "مغمور مخمول بما يدور عليه من مغانم السلطان في وظائف البادية" (7). ويُجمل القاضي عياض وصف هؤلاء الكتاب الذين كتبوا لحماس فيقول: " ... كانوا قوماً صالحين" (8)، ومع ذلك فقد لام الناس القاضي حماس بن مروان في شيأين أحدهما اتخاذه ابنه "حموداً" كاتباً له (9).
__________
(1) - النباهي: قضاة الأندلس، 31.
(2) - الخشني: طبقات، 168، أبو العرب: طبقات، 251. عياض: تراجم 385,ابن عذاري: البيان1/ 204.
(3) - الخشني: طبقات، 168.
(4) - أبو العرب: طبقات، 249، عياض: تراجم، 345.
(5) - الخشني: طبقات، 160، انظر المالكي: رياض، 2/ 119. هامش 23.
(6) - أبو العرب: طبقات، 250.
(7) - الخشني: طبقات، 178، انظر القاضي عياض: تراجم، 399.
(8) - تراجم أغلبية، 345. وانظر أبو العرب: طبقات، 249.
(9) - عياض: تراجم، 348. (1/356)
صفحة 357
إن اتخاذ الكتاب أصبح إذن مع بداية الدولة الأغلبية، أمراً مشهوراً عادياً، وانتهى في أواخر الدولة باتخاذ عدد من الكتاب جملة واحدة وليس كاتباً واحداً ولا أن الضرورة اقتضت ذلك بحيث كثرت الشكاوي والقضايا.
ولقد لاحظنا أن الكتاب كانوا فعلاً مقتدرين من طبقة العلماء (1): فمنهم الخطيب يوم الجمعة ومنهم المؤلف لعدد من الكتب ومنهم من هو من سلالة القضاة. ورأينا فيهم الصرامة والمقدرة بحيث عوضوا القاضي في مهامه وأنابوا عنه، الأمر الذي جعل بعضهم فيما بعد يُعيّن للقضاء بالأقاليم , بل منهم من عُين للقضاء بالقيروان وقد رأينا ذلك.
ومن الملاحظ أن هؤلاء الكتّاب من مختلف الأجناس , وأغلبهم من العرب ومنهم الأعجمي الفارسي والبربري والمولى. وكذلك هم من مختلف المذاهب فمنهم المالكي ومنهم الحنفي (2)، وكان القاضي عندما يكون مالكياً يستكتب مالكياً مثله وعندما يكون حنفياً يتخذ كاتبه من الحنفية باستثناء سحنون بن سعيد الذي استكتب سليمان بن عمران الحنفي.
وتتلخص مهمة هؤلاء الكتاب، بطبيعة الحال، في تسجيل المرافعات وتدوين القضايا المثارة أمام القاضي , وتسجيل كل ما يتعلق بها من حيثيات وأحكام كما هو الأمر في القضاء الحديث (3).
__________
(1) - يذكر ابن عبدون في رسالته للقضاة أنه يجب أن لا يكون كاتباً إلا من شهد له في ذلك بحسن الخط وترتيب اللفظ واتساع في العلم، خيّر، عالم، ورع ليكفي القاضي عند رؤية خطه ولفظه البحث والتعب فيها من براءة التدليس والتلبيس. انظر رسالة ابن عبدون في القضاء. 203 - 204. انظر الماوردي: أدب القاضي، 2/ 59 - 65، الونشريسي: كتاب الولايات، 48 - 49. الثميني: الورد البسام، 19.
(2) - أبو العرب: طبقات، 150، الخشني: طبقات، 160، 178، 192 - 193، المالكي: رياض، 2/ 119، هامش 23. عياض: تراجم, 381، 385، 399، ابن عذاري: البيان، 1/ 146، 204.
(3) - زغلول: تاريخ، 2/ 91، علي أحمد: القضاء في المغرب، 47. (1/357)
صفحة 358
ولم تذكر المصادر شيئاً عن كتّاب قضاة الأقاليم أو كتّاب قضاة تيهرت أو فاس إلا أن الأستاذ عثمان العكاك يذكر أن قضاة تيهرت كانوا "يتخذون الكتاب والأعوان ... " (1)، فلا شك أن للقضاة سجلات يضعونها في قمطر, وقد عبر عنها الإمام عبد الوهاب بـ "صاحب سجلنا" (2) وكانت الأحكام تسجل (3)، إلا أن المتبادر إلى الذهن أن القاضي في الدولة الرستمية كان يتولى الكتابة بنفسه ولعله لم يحتج إلى كاتب في ذلك الوقت.
أما في فاس، فيذكر سعدون عباس أن للقاضي كاتباً "كان يجلس في مجلس القضاء للنظر في المظالم وختم الأحكام بخاتم الإمام" (4)، إلا أنه لا يذكر مصادره ولعله تخمين من عنده.
2 - حاجب القاضي:
فيما يتعلق بالحجابة للقاضي، فلا نجد شيئاً ذا بال في هذا المجال إذ الحجابة أبهة أكثر منها حجباً للقاضي (5)، ولقد رأينا أن جل قضاة المغرب الإسلامي مالوا إلى الزهد والورع والإقلال ولم تفتنهم الدنيا ولم يغتروا بمنصبهم بل بالعكس، تواضعوا أكثر من سابق عهدهم بالقضاء، إلا من شذ منهم، ومع هذا لم نعدم بعض الإشارات النادرة إلى هذه الحجابة.
__________
(1) - الكعاك: موجز، 182.
(2) - مسائل نفوسة، 189.
(3) - الشماخي: سير، 242، وانظر ابن الصغير، 78 - 80.
(4) - سعدون عباس: دولة الأدارسة، 122.
(5) - يذكر ابن عبدون أنه يجب على القاضي ألا يسد بابه ولا يحتجب , فإنه لا يأتي إليه إلا كل مظلوم فإذا حجب أو احتجب فمتى يظفر المظلوم بحقه؟ ويروي الماوردي حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم "من ولي من أمور الناس شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم احتجب الله دون فاقته وحاجته". وبالتالي أجمع الفقهاء على عدم جواز الحاجب خاصة إذا كان ليُبعد المتنازعين وأصحاب القضايا عنه. انظر ابن عبدون: رسالة، 200، الماوردي: أدب القاضي، 1/ 199 - 200. (1/358)
صفحة 359
إن القاضي عبد الله بن عمر بن غانم يبدو أنه اتخذ الحجاب، وكان يوظفهم لمّا تكون جلسته مع الرجال، أما إذا جلس للنظر بين النساء فإنه "يزيل الكتاب والحجاب من بين يديه" (1).
إن ابن غانم عندما يعقد مجلس قضائه العلني بالمسجد الجامع بحيث يكون للرجال، يحتاج إلى هؤلاء الحجاب بصيغة الجمع، فلم يكن حاجباً واحداً فقط، واحتياجه هذا مرده تنظيم المتقاضين وإدخالهم على القاضي بنوع من النظام لا غير.
وكان لسليمان بن عمران القاضي الحنفي، حاجب يدعى "قليل" ذكره المالكي لما تحدث عن اجتماع الناس في الدرب الذي يسكنه القاضي ابن عمران , فقال بأن القاضي لما شعر بهذا التجمهر " ... قال ما بال الناس؟ فقال له "قليل" إن أهل المنستير قد جاؤوا وإن أهل القيروان قد أتوا إليك لينظروا ما تعمل بهم , فخاف سليمان من ذلك خوفاً شديداً وقال لحاجبه: قل لأهل المنستير ينصرفون إلى مواضعهم فما لنا عليهم سبيل" (2).
فهل كان هذا الحاجب دائم العمل مع سليمان بن عمران في بيته ومجلس قضائه بالمسجد؟ لا شيء يعرف أكثر من هذا.
إن حجابة القاضي في بلاد المغرب، تكاد تكون منعدمة، اللهم إلا إذا استثنينا هذين القاضيين اللذين يظهر أن أولهما اتخذ الحُجّاب لتنظيم مجلس قضائه وهو الأمر المشروع، في حين اتخذ الثاني الحاجب ليحجبه عن الناس ويردهم عنه، الأمر الذي نهى عنه الفقهاء وشدد فيه المنظّرون للقضاء.
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 228.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 453. (1/359)
صفحة 360
ب- الفقهاء المستشارون والشهود:
1 - الفقهاء المستشارون:
كان المغرب الإسلامي في القرنين الأول والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد، يعج بالفقهاء من كل مدارسهم المختلفة سواء المدرسة الإباضية أو الحنفية أو المالكية أو الاعتزالية (1)، وكان طلب العلم في المغرب الإسلامي السمة البارزة لذلك العصر، فما أكثر الذين رحلوا إلى المشرق لطلبه أو جاؤوا من المشرق للمساهمة في الحياة الثقافية لبلاد المغرب.
وإن هؤلاء الفقهاء , كثيراً ما وجدناهم مستشارين للقضاة (2)، يحضرون معهم مجالسهم القضائية أو يُستشارون عن بُعد، إن صح التعبير. ولعل الطريقة الثانية كانت الأكثر انتشاراً إذ لم يتول القضاء إلا الأعلم والأفقه في زمانه، في غالب الأحيان، وإن احتاج القاضي إلى الاستشارة بعث رجلاً من أعوانه يستشير له فقيهاً من الفقهاء.
وقد كانت هذه الظاهرة تلقائية عادية من باب "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (3). إلا أن ابن غانم القاضي في عهده (171 - 190ه) أراد أن يتخذ من عبد الله بن فروخ في مجلسه، الفقيه المستشار الذي لا يرضى عنه بديلاً، فكان "لا يزال يستشيره في الخصومات فيأبى ويقول: لم أتقلد هذا قاضياً، أتقلده مستشاراً؟ " (4) علماً بأن ابن فروخ كان قد دُعي للقضاء قبل ابن غانم وأجبر عليه ولكنه
__________
(1) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 311.
(2) -عن الاستشارة القضائية انظر الماوردي: أدب القاضي 1/ 255، 264، عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية، 222. انظر: Gaudefroy: Les institutions. 153.
(3) - سورة النحل: الآبة 43.
(4) - الرقيق: تاريخ، 141. المالكي: رياض، 1/ 177، 178، وانظر: علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس،37. (1/360)
صفحة 361
استعفى بعد يومين تقريباً من ولايته، لذلك رفض القضاء جملة وتفصيلاً، رفضه ولاية, ولما طلب منه الاستشارة رفضه استشارة , ولما خاف أن يعود إليه التقليد مرة ثانية , هرب إلى مصر وبها توفي سنة 176ه/ 792م.
وعُرف بعض القضاة بكثرة استشارتهم كالقاضي أبي محرز عبد الله الكناني الذي كان "يستشير في أحكامه ويُسب فيها" (1). وكان عبد الله بن احمد بن طالب التميمي "إذا وقف على الحكم بين الخصمين كتب للمطلوب القصة وقال له طف بها على كل من عنده علم وجئني بالأجوبة في ذلك" (2). أما القاضي المعتزلي أبو العباس احمد بن أسود الصديني فإنه لم يكن واسع العلم وكان "لا يقطع حكماً إلا برأي ناصحه "ابن عبدون الحنفي" الذي تولى القضاء من بعده" (3). وأجلس حمّاس بن مروان أحد قضاة الأغالبة الأواخر معه "أربعة من الفقهاء: موسى القطان ونصر السوسي وأبا عبد الله الضرّاب وعبد الرحمن الورقة، وسألهم أن ينظروا ما يدور في مجلسه ولا يحكم بين خصمين حتى يناظرهم في قضيتها" (4). وكان يشاور أيضاً أبا عبد الله محمد بن مسرور الأبزاري الضرير ويصدر عن رأيه (5).
إن هذه الأصناف من الاستشارات، كما تظهر لنا، تلقائية يكلف بها أحد القضاة نفسه، ولا يحتاج إليها آخر، فلم تشر المصادر إلى استشارة احتاج إليها سحنون وهو علاّمة زمانه، أو سليمان بن عمران أو ابن عبدون , وبالتالي فإن مجلس القضاء عند الأغالبة لم يكن يحضره هؤلاء الفقهاء ضرورة مثلما سوف يكون في العهود المتأخرة، ولم يكن القاضي ملزماً بالاستشارة إلا إذا ألزمها هو
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 167.
(2) - الخشني: طبقات، 136.
(3) - أبو العرب: طبقات، مقدمة المحقق، 15.
(4) - عياض: تراجم، 344 - 345. الجودي: تاريخ القضاة، (مخ) ق 17 و.
(5) - عياض: نفسه، 414. (1/361)
صفحة 362
نفسه عليها كفعل القاضي المالكي حمّاس بن مروان الذي يبدو من النص المذكور أن مجلس قضائه لا يخلو من الفقهاء الأربعة المذكورين، ولم ينج من كلام العامة والعلماء، إذ أكثر "الناس القول في تجهيله لإحضار الفقهاء وقلة علمه" (1)، رغم أنه كان لولايته القضاء بعد الصديني المعتزلي فرح شديد بإفريقية (2).
وأراد القاضي عبد الله بن محمد بن مفرج المعروف بابن البناء قاضي قصطيلية , اتخاذ فقيه بعينه، فقال لأحدهم وهو أبو العباس عبد الله بن أحمد الأبياني (ت 352ه) "ألا تحضر مجلسي؟ إن الفقيه يقيم ببيته دون معونة مجالسة القضاة فليس بذلك أو نحو هذا" (3)، فكأن القاضي يرى ضرورة بل إجبارية حضور الفقهاء مجالس القضاة ليس لأن القضاة بحاجة إليهم فحسب، وإنما هي مسؤولية ملقاة عليهم فلا ينبغي أن يقبعوا ببيوتهم دون معونة مجالسة القضاة.
ونجد هذه الاستشارة عند قضاة الرستميين، فالقاضي الحاكم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني لما عينه الإمام عبد الوهاب في نفوسة قال له: "أنا ضعيف، أنا ضعيف لست أقدر على القيام بأمور المسلمين ... " (4)، فأرسل إليه الإمام كتاباً يقول فيه "إن كنت ضعيفاً في البدن فادخل في أمور المسلمين يقوِّي الله بدنك وإن كنت ضعيفاً في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلاتن التوكيتي، وإن كنت ضعيفاً في المال فبيت مال المسلمين يغنيك" (5).
ومما يدل على أن بعض الفقهاء كانوا يحضرون مجلس قضاة الرستميين ,ما ذكره الدرجيني والشماخي، من أن داود بن ياجرين وماطوس بن هارون جلسا
__________
(1) - نفسه: 346.
(2) - نفسه، 344.
(3) - نفسه، 371.
(4) - أبو زكرياء: السيرة، 125.
(5) - نفسه، 125 - 126. (1/362)
صفحة 363
يوماً مع القاضي عمروس بن فتح في مجلس قضائه فتبادلوا الرأي هناك (1)، ودائماً في جبل نفوسة كان أبو محمد عبد الله بن الخير يأتي أبا القاسم البغطوري إلى منزله " ... فيحكم هناك فيتعاونا ... " (2)، وكان هذا في أواخر عهد الرستميين.
ولا نجد إشارة إلى فقهاء جلسوا إلى جانب القاضي بتيهرت، في النصوص التي وصلتنا ولكن هذا أمر أراه عادياً قد يحتاج القاضي إليه في يوم ولا يحتاج إليه في أيام، فمحكّم الهواري لما جاءه أخو الإمام أفلح، أبو العباس بن عبد الوهاب " ... وجده خالياً في سقيفة داره ولم ير مع أبي العباس أحداً، فأجلسه محكّم إلى جنبه وأقبل عليه يحدثه" (3)، ولما جاء خصمه سوّى بينهما وحكم في القضية موضوع الخصومة حكماً عادلاً رضي به الإمام أفلح (4) وكان في كل ذلك وحده.
لقد كان القضاة في المغرب الإسلامي عموماً , يستشيرون الفقهاء عند الضرورة ولم يكن هؤلاء الفقهاء يشكلون مجلساً قضائياً بحضورهم الإجباري، إلا من ألزم نفسه ذلك مثل حمّاس بن مروان ويبدو أنه الوحيد في هذا الأمر، ثم إن ما ذكره قودفروا ( Gaudefroy) في هذا الصدد يبدو مصيباً فيه , إذ يقول إن القاضي يحكم وحده فيما إذا هو بحاجة إلى مستشارين (شورى)، وإذا كانت الشريعة تخول له الاستشارة فإنه غير ملزم إطلاقاً لأخذ رأيهم بعين الاعتبار إن بدا له ذلك (5).
2 - الشهود:
ونأتي إلى الشهود (6)، هذه المسألة التي أطنب فيها فقهاء تلك الفترة،
__________
(1) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323، الشماخي: سير، 273.
(2) - الشماخي: سير، 238.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 51.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 52 - 53.
(5) - Gaudefroy: Les Institutions. P. 153
(6) * - يروي جميل بن خميس والكندي قصة بديعة عن مبدإ "الشهادة" بين الناس لا بأس من ذكرها هنا وهي أنه " ... يقال إن داود عليه السلام كان يقضي بين الناس يوماً وبين البهائم يوماً , وكان إذا قضى بين الناس نزلت سلسلة من السماء فأخذت بعنق الظالم فاستودع رجل رجلاً لؤلؤاً (كذا) فأخذ عصى (كذا) فثقبها وجعل اللؤلؤ في جوفها وجحد صاحبها فجاء إلى داود عليه السلام فقال اذهبوا بهما إلى السلسلة فذهبوا بهما فقال الرجل "اللهم إن كنت تعلم إني دفعت إليه اللؤلؤ (كذا) فجحدنيه فأسألك أن أنالها" فنالها (أي لم تنزل السلسلة فتأخذ عنقه) فقال الآخر "امسك العصى (كذا) حتى أحلف ... فنالها فقال داود عليه السلام "ما هذا؟ نالها الظالم والمظلوم؟ " فأوحى الله تعالى إلى داود أن أقض بين الناس بالشهود والأيمان وهو إلى يوم القيامة" انظر: جميل بن خميس: قاموس الشريعة (مخ)، ج36 ق14 ظ الكندي: المصنف، 13/ 25. ولقد حرص الإسلام على الشهادة وأدائها ووردت فيها آيات كثيرة في القرآن الكريم. كقوله تعالى: "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم". سورة البقرة: الآية 283. (1/363)
صفحة 364
كالإمام عبد الوهاب في مسائل نفوسة (1)، والإمام سحنون بن سعيد في المدونة (2) والمهلب هيثم بن سليمان في أدب القاضي والقضاة (3)، وكلهم كانوا إلى التنظير أقرب منه إلى الواقع، إلا أن معاصرتهم للفترة موضوع الدراسة يجعل تنظيرهم بمثابة الواقع المعيش, فالشاهد أو الشهود يجب أن يحضروا مجلس القاضي عند التنازع ليدلوا بشهادتهم.
وقد شدد الفقهاء في مسألة شهادة الزور أيما تشديد، لأنها تعتبر المعرقلة لسيران الحقوق إلى أصحابها، ويذكر الأستاذ عمر رضا كحالة أنه منذ عهد الخليفة المنصور "ظهر ما يستلفت النظر في النظام القضائي، وهو إيجاد جماعة من الشهود الدائمين أمام القاضي" (4). لقد كان الأمر غريباً فعلاً إذ كيف يمكن أن
__________
(1) - مسائل نفوسة، 38، 105، 139.
(2) - المدونة الكبرى، انظر الجزء الثالث عشر خصوصاً.
(3) - أدب القاضي والقضاء. 52، 73، 87 وما بعدها.
(4) - عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية، 225. انظر الكندي: قضاة مصر، 51 - 52. ويذكر الكندي أن أول من دون الشهود في كتاب وجعلهم رسميين دائمين في مجلس القضاء هو عبد الرحمن العمري مقلداً لطريق محمد بن مسروق القاضي قبله وأسقط سائر الناس عن الشهادة أمام القاضي ثم فعلت القضاة من بعده ذلك. الكندي: قضاة مصر، 78. (1/365)
صفحة 365
يتصور الشاهد الدائم أمام القاضي؟ وكان القضاة قبل ذلك التاريخ بالمشرق الإسلامي "إذا شهد عندهم أحد، وكان معروفاً بالسلامة قبله القاضي، وإن كان غير معروف بها أوقف، وإن كان الشاهد مجهولاً لا يعرف، سئل عنه جيرانه، مما ذكروه به من خير أو من شر عمل به، ومن الشهود نشأت بطانة القاضي" (1).
إن الشهود في بلاد المغرب الإسلامي، ظلوا على الطريقة الأولى المعهودة عند الناس، كل من شهد حدثاً أو حديثاً وطلبت منه الشهادة عند القاضي توجه إلى القاضي ليدلي بشهادته , لذلك نجد سليمان بن عمران في منتصف القرن الثالث الهجري وهو القاضي يقول: "ينبغي للحاكم إذا شهد عنده الشاهد الغريب الذي لا يجد أحداً يعرفه بعدالة ولا جرحة، أن يتعرّف حاله بحال جُلاسه ومن يسكن إليه من طبقات الناس , فإنه لا يألف الشكل إلا شكله" (2). وبالتالي فإن الشهود كانوا في المغرب الإسلامي شهوداً مباشرين يأتون بأنفسهم إلى مجلس القاضي وربما لم يكونوا يشكلون أعضاء دائمين في ذلك المجلس (3).
وقد "شهد قوم من أهل البادية عند عبد الله بن غانم فلم يحسنوا الشهادة ... " (4) مما يدل أنهم بسطاء لم يمتهنوا الشهادة مهنةً مثلما سوف يكون في العهود المتأخرة. وكان سحنون بن سعيد يضرب المتخاصمين إذا مس أحدهما بكرامة الشهود لذكر عيب فيهم أو تجريحهم (5)، واتخذ من ابن عبدوس
__________
(1) - عمر رضا كحالة: مباحث. 225 - 226. وانظر الكندي: قضاة مصر، 51.
(2) - الخشني: طبقات، 181 - 182.
(3) - في سؤال لمحمد بن سحنون عن الشهادة يقول السائل: " ... لم يؤدوا شهادتهم عند القاضي ولا عند شهود القاضي" أجوبة (مخ) 27 ظ. فهل هذا يعني أن إفريقية عرفت الشهود الدائمين عند القاضي.
(4) - الرقيق: تاريخ، 192.
(5) - نوال تركي: التنظيمات: 201. (1/366)
صفحة 366
محمد بن إبراهيم كاتباً – وقد مرّ بنا ذلك- "صاحب كشف الشهود" (1) هذه الخطة الجديدة أو المهمة الجديدة التي لا نجد لها ذكراً عند القضاة الآخرين في بلاد المغرب، تؤكد أن الشهود لم يكونوا دائمين، وإنما لكل قضية أو خصومة شهودها، وبالتالي اقتضى الأمر توظيف "صاحب كشف الشهود" ليطلع على أحوال الشهود وعدالتهم أو جرحهم. وكان ربما دخل الشاهد عليه وأصابه رعب منه، فإن سحنون يعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه ورعبه، فإن طال ذلك به هوَّن عليه قائلاً له: "ليس معي سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أدّ ما علمت ودع ما لم تعلم" (2).
وقد يقع القاضي في حيرة من أمره عندما يكون الشاهدان عدلين ومعروفين عنده مثلما وقع للقاضي ابن طالب في مجلسه عندما شهد عنده ابن معتب شهادة وشهد سهل القبرياني بضدها، فتوقف في الحكم وفكّر ملياً ثم قال: "إذا ذكر المتعبدون والبكاؤون ذكر ابن معتب معهم، وإذا ذكر أهل الأموال والتجارات ذكر سهل معهم، فأرى أن آخذ بشهادة ابن معتب" (3).
وهكذا عرف القاضي كيف يبرر ميله إلى شهادة هذا دون ذاك وكان تبريراً معقولاً يدل على تمكين من القضاء والأحكام ومقدرة وإدراك جيد.
إن القاضي قد يتعرض إلى خصومة يؤتى فيها بالشهود الزور, وهو ما وقع بالفعل للقاضي أبي محرز في بداية عهد الأغالبة عندما استعدى خصمان عنده
__________
(1) - عياض: تراجم، 194. يحيى بن عمر: أحكام السوق، 48. هامش رقم 17. يذكر الكندي أنّ أول قاض في مصر جعل "صاحب سائل عن الشهود" هو المفضل بن فضالة في السبعينيات من القرن الثاني الهجري ورأى الناس أنه جاء أمراً عظيماً خاصة وأنه جعل عشرة شهود بين يديه في مجلس حكمه دائماً. انظر قضاء مصر: 72.
(2) - عياض: تراجم، 103.
(3) - عياض: نفسه، 258. (1/367)
صفحة 367
وأثبت أحدهما شاهدين وكشف عنهما فعُدّلا، ولما جاء ليحكم على المشهود عليه أقسم عليه بأن خصمه جاء بشاهدي زور، فاستعمل القاضي أبو محرز هنا الحيلة، وقال في الغد للمشهود له: أين الشاهدان اللذان شهدا لك فإني أريد أن أسألهما عن شيء بقي علي لم أسألهما عنه فمضى الرجل فأحضرهما فلما جلسا "قال القاضي بأعلى صوته: "يا شكرديد إن في حلقتي شاهدي زور، فامض إلى "باب سالم" فجئني بجملين حتى أحملهما عليهما فمضى شكرديد , فالتفت أحد الشاهدين إلى الآخر وقال قم بنا فإنا نراد، ما أحسبه يحمل على هذين الجملين غيرنا، فهربا متسللين حتى غابا" (1). وهنا اكتشف أمر الخصم الذي جاء بشاهدي زور فقال له القاضي "يا عدو الله تجترئ عليّ بشهود الزور؟ وهمّ بضربه" (2).
وكثر شهداء الزور إذ تروي الأخبار أن مجموعة من الرجال شهدوا بالزور عند القاضي سليمان بن عمران خليفة سحنون في منصب القضاء (3). ويصادفنا هذا النوع من شهادة الزور في بعض مجالس قضاة الرستميين، إذ حاول رجل نكاري غدْر أحد المشايخ الوهبية وصوّب نحوه رمحاً ليقتله ولكنه أخطأه فلم يصب منه مقتلاً ولا مجرحاً. وأرادوا أن يأخذوه إلى المشايخ ليحكموا عليه، فقال لهم أحدهم: أنظِروني حتى أشاور الشيوخ , فغاب مقدار ما يصل إليهم ثم عاد ليقول لهم إن الشيوخ أشاروا بقتله فقتلوه والرجل لم ير الشيوخ (4).
وتشبه هذه القضية ما رواه الإمام عبد الوهاب من رجوع شهود من الطريق أُرسِلوا إلى جارية ليسألوها إن رضيت النكاح؟ ... ووقع بعد ذلك نكاح
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 275.
(2) - نفسه: 1/ 275.
(3) - نوال تركي: التنظيمات، 203.
(4) - أبو زكرياء: السيرة، 195 - 196. الدرجيني: طبقات، 1/ 121 - 122. وأشير هنا إلى عامل الصراع المذهبي الذي جرَّأ هذا الرجل على شهادة الزور ورغبته في قتل النكاري لاعتقاده ربما أن دمه مباح لأنه نكاري فضلاً عن محاولة اغتياله لإباضي وهبي. (1/368)
صفحة 368
فاسد فقال عبد الوهاب "إن هؤلاء الشهود شهود سوء وعليهم الأدب" (1)».
وكما وُجد هذا الصنف من الشهود في المجتمع، كذلك وجد الصنف الآخر، فأبو محمد ملي الأيدرفي كان يحفظ شهادة بحق رجل نفوسي، فلما أراد منه أن يؤديها عمل طعاماً فاستدعاه إليه، ووضع بين يديه ذلك الطعام، فذكر له الشهادة وأعلمه أنه يريد أداءها "فلما ذكره فيها وعلم أن الطعام إنما كان بسبب الشهادة المذكورة قال له: ارفع طعامك فإنّ عندي لك شهادة .... " (2). لقد تقيد بالدين تقيداً صارماً لما علم أن ذلك الطعام فيه شبهة الرشوة فحرمه على نفسه ولم يطعمه.
وكان القاضي عمروس بن فتح من المتشددين في مسألة الشهادة إذ لا يقبل إلا العدول (3)، فلما قال له عالمان من مشايخ نفوسة مشهوران عنده إن أهل شروس لا يكذبون, وشروس من قرى جبل نفوسة، أظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه الشيخان على ذلك فقال لهما إنما حكمت بشهادتكما، فوقف عن الحكم بشهادة غير العدلين. ويعلل الدرجيني هذا الموقف الذي صدر من عمروس بأنه تأدب مع الشيخين ولم يواجههما بالمناقضة , فسلك بهما طريقاً يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ (4).
وفي تيهرت يروي ابن الصغير أن أبا عبيدة الأعرج شيخ مؤرخنا ابن الصغير, كان يأتيه القوم تلو القوم يقولون له "شهادة يأجرك الله عليها" فيأخذ نعله
__________
(1) - عبد الوهاب: مسائل، 105.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 333. الشماخي: سير، 284 - 285.
(3) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323. الشماخي: 226.
(4) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323. انظر خلطاً فاحشاً في هذه القصة عند الدكتور علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، 44. (1/369)
صفحة 369
وعصاه ويقوم مع القوم ليؤدي الشهادة (1)، فهل كان ابن الأعرج شاهداً دائماً لدى القاضي، لذلك يقصده الناس للشهادة ويستجيب لهم؟
إن الأمثلة المتعددة والمتنوعة عن الشهود (2)، في مجالس القضاة بالمغرب الإسلامي, تؤكد أن الشهود لم يكونوا دائمين في مجلس القاضي مثلما هو الشأن ببلاد المشرق أو مصر، وإنما هم شهود في مناسبات، يأتون إلى مجلس القاضي عند الضرورة للإدلاء بشهادتهم فيعمل القاضي بواسطة عون، ربما يكون كاتبه، يدعى "صاحب كشف الشهود" عند الأغالبة على عهد سحنون بن سعيد، على الكشف عن عدالة الشهود الواقفين أمام القاضي، ومع ذلك لم نعدم إشارات إلى وجود شهود دائمين في القضاء الرستمي على حد سواء.
هكذا كان المجلس بسيطاً عادياً لم يعرف بعد تلك التعقيدات والتطورات التي ستصله مع مرور الأيام وتعاقب السنين والعهود.
ج- الأعوان الآخرون:
1 - الأمناء:
من الأعوان الذين كانوا في مجلس القضاء ببلاد المغرب كذلك, من يعرف بالأمناء؛ ولعل القاضي سحنون بن سعيد هو أول من استعان بهؤلاء الأمناء وجعلهم دائمين , فالروايات تذكر أنه أوّل من "جعل الودائع عند الأمناء،
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 84.
(2) - عن الشهادة والشهود بصفة عامة انظر تيان إميل, فقد عقد فصلاً مهماً في كتابه فصل فيه أهمية الشهادة في القضاء الإسلامي عموماً.
Emile Tyan: Histoire de L’organisation. P. 236 - 252.
وانظر: Gaudefroy: Notes. P. 128 - 129. ودائرة المعارف الإسلامية، 13/ 122 - 125، مادة (شاهد). وانظر: الكندي: المصنف، الجزء الخامس عشر كله في الشهادة والشهود وما يجوز وما لا يجوز في ذلك. (1/370)
صفحة 370
وكانت قبل ذلك في بيوت القضاة. وأوّل من قدّم الأمناء في البوادي، فكان يكتب إليهم, وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده" (1).
إن هناك نوعين من الأمناء: أمناء على الودائع وأمناء على البوادي: أما أمناء الودائع فإن سحنون لمَّا رأى أن الودائع تكون في بيوت القضاة عرضة لأنواع من المخاطر, آخرها إمكانية جحود القاضي وقد وقع ذلك فعلاً مع القاضي عبد الله بن أبي الجواد (221 - 232ه/ 835 - 846م) الذي استودع أمانة مقدارها خمسمائة وكتب عليها كتاباً بخطه أعطاه لأصحاب الوديعة, ولمَّا عزل جاؤوا إلى القاضي سحنون بن سعيد الذي تولى من بعده، يطلبونه تلك الوديعة من عبد الله بن أبي الجواد إلا أنّ هذا الأخير أنكر الوديعة والكتاب الذي كان بخط يده فما كان من سحنون إلا أن سجنه وكان يخرجه كل جمعة لعله يعترف، فإذا استمر في إنكاره ضربه عشرة أسواط فما زالت تلك الحالة إلى أن مرض فمات في سجن سحنون سنة 234ه/ 848م "فشنّع الناس على سحنون أنه قتله" (2). وتوسوس من ذلك "وحفظ عنه أنه كان يردد: ما أنا قتلته، الحق قتله" (3).
إن هذه الحادثة الأليمة التي أودت بحياة قاض بسبب وديعة استؤمن عليها، لا شك أنها هي التي أوحت لسحنون أن يجعل هذه الودائع عند أمناء، ويخرجها من بيوت القضاة، واستحسن من جاء بعده من القضاة العملية فساروا عليها، وأصبح للقاضي أمناء مخصوصون يتعامل معهم في هذه الودائع.
أما أمناء البوادي , فإنه إصلاح قضائي رائع وضعه سحنون بحيث أصبح اتصال القاضي بالبوادي اتصالاً رسمياً عن طريق هؤلاء الأمناء الدائمين وليس كما
__________
(1) - عياض: تراجم، 104 - 105، الدباغ: معالم، 2/ 88.
(2) - ابن عذاري: 1/ 110. انظر القاضي عياض: تراجم، 106.
(3) - عياض: تراجم، 111. (1/371)
صفحة 371
كان من قبل عبارة عن جماعة صالحين متطوعين يكتبون إلى القاضي (1) ويكتب إليهم القاضي، فالعملية تطور كبير في جهاز القضاء عند الأغالبة , إذ أصبحت البادية وربما القريبة من العاصمة مرتبطة ارتباطاً قضائياً مباشراً بالقيروان ,وهذا فيما يتعلق بالخصومات والقضايا. ولعل هؤلاء الأمناء كانوا بمثابة الشهود الدائمين عند القاضي بالقيروان فيما يخص القضايا التي ترفع إلى القاضي من البادية (2) ولا نعرف ما إذا عمم الإصلاح على جميع القضاة بما في ذلك قضاة الأقاليم أم بقي حكراً على العاصمة وقضاة العاصمة وبادية العاصمة.
وعند الرستميين ذكرت عبارة "الأمناء" مرَّة في جبل نفوسة وذلك عندما وجد أحد المشايخ واليَ نفوسة إلياس بن منصور يضرب رجلاً فسأل عنه فقيل له جاء فيه كتاب, فقال قولته المشهورة:" بسواد في قرطاس تضرب الناس يا إلياس" (3) فقال له هذا الأخير ما نفعل يا شيخ؟ "قال ترده إلى السجن وابعث الأمناء فإن صح ذلك عنه فأنفذ وإلا فقاصصه من نفسك في ضربه فبعثوا الأمناء فلم يصح عنه ذلك وتبين أن الفاعل غيره فأخرجه وقاصصه" (4).
إن هناك أمناء يستعين بهم القضاة بالتأكد من بعض القضايا أو للقيام بمهام أخرى تدخل ضمن القضاء, إلا أن المصادر لم تشر إلا إلى هذه القصة. وعموماً فإن الأمناء ببلاد المغرب كانوا حاضرين إلى جانب القاضي ويُعتبرون من أعوانه.
__________
(1) - زغلول: تاريخ، 2/ 91.
(2) - انظر هوبكنز: النظم، 215. يظهر أنه لم يفهم المغزى العميق من تعيين هؤلاء الأمناء. وكذلك اتبعته على ذلك الباحثة نوال تركي: التنظيمات، 190.
(3) - الشماخي: سير، 242.
(4) - نفسه، 242. (1/372)
صفحة 372
2 - الترجمان:
من أعوان القاضي كذلك الترجمان الذي لا بد أنه يُحتَاج إليه خاصة وأن المجتمع المغربي يستعمل في حياته مختلف اللغات واللهجات، ولعل المغربين الأوسط والأقصى في ذلك بالدرجة الأولى، إلا أن المصادر التاريخية لم تشر إلى وجود ترجمان عند القاضي في حين أطنبت المصادر التنظيرية (1) في الحديث عن الترجمان، الرجل أو المرأة الحر أو العبد المسلم أو غير المسلم ويقول أبو المهلب في هذا الصدد " إذا اختصم إلى القاضي خصوم يتكلمون بغير العربية وهو لا يفقه لسانهم فإنه ينبغي له أن يترجم عنهم رجل مسلم ثقة أو اثنان ولا يقبل ترجمة أحد من أهل الكفر أو عبد أو مكاتب ويمكنه قبول ترجمة امرأة بعد أن تكون عدلة حرة مسلمة وامرأتان أحب ... هذا رأي أبي حنيفة وعند آخرين الترجمة بمثابة الشهادة لا يتولاها إلا العدول، رجلان أو رجل وامرأتان ولا أقل من ذلك .. " (2).
3 - الخدم:
من أعوان القاضي كذلك، ونجد ذكرهم باستمرار في مصادرنا "خادم القاضي" إذ ربما ينعدم قاض ليس له خادم، فالرستميون لما نصبوا محكّم الهواري للقضاء وأنزلوه في دار القضاء " .... اشتروا له خادماً صفراء" (3) وكان له غلام يساعده في بعض شؤونه الاجتماعية والقضائية كتوفير الماء للقاضي أو للمتخاصمين أو الأخذ بيد الخصم وإقعاده في مكان معين من دار القضاء بحسب ما يأمر به القاضي (4)، وكان للقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي الإمام أبي اليقظان مولى يدعى سليمان , وكان أثيراً عنده يؤثره لحوائجه
__________
(1) - عبد الوهاب: مسائل نفوسة، 42. أبو المهلب: أدب القاضي، 27. الثميني: الورد البسام، 18.
(2) - أبو المهلب: أدب القاضي، 27.
(3) - ابن الصغير: أخبار 51.
(4) - نفسه: 52. (1/373)
صفحة 373
على غيره (1)، وهو الذي رافق القاضي ليلاً للبحث عن الفتاة – التي اتهم ابنٌ لأبي اليقظان بأنه اختطفها من أمها وأخذها إلى دار الزكاة – وأمره القاضي أثناء ذلك بتقلد سيف في حين اكتفى القاضي بأخذ عصاه لا غير. فهذا النوع من الخدم لا يستغني عنه القاضي في مثل هذه المهام.
ومن المعروف أن أغلب قضاة إفريقية كانوا بغلمانهم يقومون بما يطلبه منهم القضاء , فغلام ابن غانم كان كثيراً ما يرسله القاضي في مهمات القضاء (2)، وقبل أن يجلس سحنون للقضاء أمضى أياماً يبحث فيها عن الأعوان المناسبين (3)، ولا نرى أولئك الأعوان إلا من هذا النوع الذين يساعدون القاضي في ترتيب المتخاصمين وإدخالهم على القاضي وربما يساعدون القاضي في تطبيق بعض التعزيرات كالجلد والضرب والتأديب الخفيف ولم لا مساعدته في إقامة بعض الحدود على من وجب عليه الحد.
إن هؤلاء الخدم وهؤلاء الغلمان يوجدون باستمرار إلى جانب القاضي, هم الذين يرافقونه في حله وترحاله، في مجلس قضائه أو في بيته (4) , وبالتالي هم أعوانه الثقاة الذين لا يعصون أوامره ولا يتأخرون عن تنفيذها.
وفي نهاية هذا العنصر نشير إلى أنَّ هؤلاء الأعوان والمساعدين الذين يحيطون بالقاضي بالإضافة إلى الكاتب والحاجب, كانوا يتقاضون مرتباتهم من القاضي, يأخذها لهم من جزية أهل الكتاب، وكانت هذه سنة سحنون بن سعيد التي سار عليها (5)، وفي عهده حبس الأمير الأغلبي أرزاق أعوانه فقال له سحنون: "حبست
__________
(1) - نفسه: 78 - 79، الباروني: الازهار 2/ 242.
(2) - الخشني: طبقات، 2/ 2.
(3) - زغلول: تاريخ: 2/ 91.
(4) - الخشني: طبقات 161 , المالكي: رياض 2/ 180, ابن عذاري: البيان 1/ 142 نوال تركي: التنظيمات 203.
(5) - عياض: تراجم، 102، هوبكنز: النظم، 222، Gaudefroy: Notes. P. 145 - 146.، وانظر: زغلول: تاريخ، 2/ 92. (1/374)
صفحة 374
أرزاق أعواني وهم أجراؤك وقد وفّوك عملك ولا يحل لك ذلك وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (1)، إنه من حق القاضي أن يدافع عن حقوق أعوانه فرغم أن سحنون بن سعيد رفض أن يأخذ راتباً أو رزقاً من الدولة وجعل ذلك من شروط توليه القضاء , إلا أن أعوانه من حقهم أن يأخذوا رواتبهم من بيت مال الدولة.
المبحث الثالث: توابع القضاء
أ- خطة المظالم نشأتها وعلاقتها بالقضاء في المغرب الإسلامي
كغيرها من النظم الإسلامية، فقد أطنب الفقهاء في تحديد معنى "خطة المظالم" مفهومها، شروطها، وشروط متوليها، نشأتها وتطورها، وعلاقتها بكل من القضاء والحسبة وما إلى ذلك (2). وفي حديثه عن نشأتها الأولى يقول الماوردي: " ... لم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد لأنهم في الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، وإنما
__________
(1) - عياض: تراجم، 130.
(2) - الماوردي: الأحكام، 86 وما بعدها. أبو يعلى الفراء: الأحكام السلطانية، 73 وما بعدها. القرافي: الأحكام، 46 وما بعدها. ابن خلدون: المقدمة، 392 وما بعدها. الونشريسي: الولايات، 58 وما بعدها. وانظر: هوبكنز: النظم، 220 وما بعدها. حسن إبراهيم حسن وآخر: النظم، 254 وما بعدها. صبحي الصالح: النظم، 325 وما بعدها. مولوي: الإدارة العربية، 302 وما بعدها. فاروق عمر فوزي: النظم، 136 وما بعدها. صبحي محمصاني: المجاهدون في الحق: 154 وما بعدها. عصام شبارو: القضاء والقضاة، 22 وما بعدها. حمدي عبد المنعم: ديوان المظالم، 49 وما بعدها. عطاء سلمان جاسم: النظر في المظالم في الخلافة العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير، جامعة بغداد بإشراف د. فاروق عمر فوزي، 1985م. قيس عبد الواحد السمر مسعودي: الدواوين في العصر العباسي الأول، رسالة ماجستير 165 وما بعدها.
Gaudefroy: Les institutions, p. 161. Tyan E: histoire de L’organisation, pp. 433 - 521. (1/375)
صفحة 375
كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء ... " (1)، ثم يضيف مقارنة لطيفة يبين الفرق بين خطة المظالم وخطة الحسبة وموقع القضاء بينهما فيقول إن الفرق بينهما في وجهين "أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما ترفّع عنه القضاة" (2).
ويتفق المنظرون على أن صاحب المظالم يجب أن يكون صاحب سلطة وسطوة ورهبة ويد عليا، يوجز ذلك ابن خلدون بأسلوبه الشيق "وقد كان خلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في المظالم وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصَفَة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي وكأنه يُمضي ما عجز القضاة أو غيرهم من إمضائه" (3).
لقد برزت ونشأت خطة المظالم في الخلافة الأموية على عهد عبد الملك بن مروان (4) (65 - 86ه/ 684 - 705م) الذي جلس رسمياً للمظالم لما تجاهر الناس بالظلم (5) فمسّت الحاجة إلى ولاية أو خطة تردع الأقوياء الظالمين وتنظر في شكاوى المظلومين والمغلوبين على أمرهم، ويبدو أن المتظلمين من رعيته أكثروا عنده الشكوى وطالبوه بما لا يستطيع , حتى قال لهم: "أنصفونا يا معشر الرعية تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر – نسأل الله أن يعين كلاً على كل" (6).
__________
(1) - الماوردي: الأحكام، 86 - 87.
(2) - نفسه، 273.
(3) - ابن خلدون: المقدمة، 392.
(4) - حمدي عبد المنعم: ديوان المظالم نشأته وتطوره واختصاصاته، دار الجيل، بيروت، 1988، 66.
(5) - حمدي عبد المنعم: نفسه، 72.
(6) - يقول اليعقوبي متحدثاً عن الجور والدماء التي سفكت في عهد عبد الملك بن مروان: "كان لعبد الملك إقدام على الدماء ومعاجلة، فكان عماله على مثل مذهبه. الحجاج بالعراق والمهلب بخراسان وهشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة وعبد الله بن عبد الملك بمصر وموسى بن نصير اللخمي بالمغرب ... وكلهم جائر ظلوم غشوم عسوف وكان الحجاج من أظلمهم وأقدمهم على الدماء" مشاكلة الناس لزمانهم، تح. وليام ملورد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 1962، ص 18. (1/376)
صفحة 376
إن خطّة المظالم برزت إذن لما تغيرت سيرة الراعي والرعية, واستمرت قائمة عهد الأمويين والعباسيين، وكان يجلس لها الخلفاء أنفسهم أو يعينون لها من ينوب عنهم ويستمد السلطة والرهبة منهم، وهو أعلى درجة من القاضي.
بعد هذا، لنا أن نتساءل هل توجد خطة المظالم في المغرب الإسلامي في الفترة موضوع دراستنا بالتعريف الذي عُرّفت به والتوضيحات التي جئنا بها؟ أو بعبارة أخرى هل عرف المغرب الإسلامي خطة المظالم كما كانت عليه في المشرق الإسلامي في ذلك الوقت؟
إن جميع المنظرين والفقهاء الذين تحدثوا عن خطة المظالم، إنما نظّروا لها من واقعها المعيش في الخلافة الأموية بدمشق ثم الخلافة العباسية ببغداد، ولم يتناولوها إطلاقاً من واقعها المغربي (1)، وبالتالي فإن ذلك النوع من خطة المظالم لم تعرفها بلاد المغرب في القرون الثلاثة الهجرية الأولى على الأقل.
لقد وُجدت الظلامات واشتكى الناس إلى الولاة والأمراء والأيمة من الولاة والأمراء والأيمة، مثال ذلك ما رواه المالكي من أن «سعد بن مسعود التجيبي أحد المشايخ صاح يوم جمعة على أمير إفريقية في مظلمة وكان خارجاً من الجامع ”إني بالله لا بك، إنا بالله لا بك“ فقضى له الأمير حاجته» (2).
فهل هذا يعني أنه نوع من النظر في المظالم كان يقوم به الولاة في عصرهم؟ (3) أعتقد أنه بعيد من أن يكون مطابقاً لما هو عليه بالمشرق في هذه الفترة.
__________
(1) - Vonderheyden: La berberie, p. 179.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 104.
(3) - نوال تركي: التنظيمات 193 (1/377)
صفحة 377
إن خطة النظر في المظالم في بلاد المغرب يكتنفها الغموض , فلا نجد لها ذكرا إلا في عهد سحنون بن سعيد سنة 236 هأو 237 هـ /850م أو 851م , لما عين نصر بن حبيب على المظالم فأصبح يعرف " بصاحب مظالم سحنون" (1)،أو يقال عنه "مظالم القيروان" (2).وهذا نوع جديد من النظر في المظالم لا علاقة له البتة بما كانت عليه خطة المظالم في المشرق.
ولكن قبل أن نفصل الحديث عن هذا النوع الجديد من «المظالم» لابد من الإشارة إلى ما ذكره المؤرخون من جلوس أحد أمراء بني الأغلب للمظالم في الجامع بالقيروان ويتعلق الأمر بالأمير إبراهيم الثاني بن أحمد (261 - 289ه/ 874 - 901م) الذي حكم مدة طويلة تقدر بثمانية وعشرين عاما , ابتدأها بالعدل والاستقامة فكان "أنصف الملوك للرعية لا يرد عنه متظلم يأتيه وكان يجلس بعد صلاة الجمعة وينادي مناديه من له مظلمة فربما لم يأته أحد لكف بعض الناس عن بعض ... " (3).
إن المصادر التاريخية لم تذكر أحداً من الأمراء الأغالبة جلس للمظالم مثلما جلس لها هذا الأمير وأقصد الأمراء السابقين على إبراهيم الثاني.
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 43 , 110 , الخشني: طبقات 141. المالكي: رياض1/ 459 , عياض: تراجم 277.
(2) - ابن عذاري: البيان 1/ 111
(3) - النويري: نهاية الأرب (قسم المغرب) 285. تذكر الروايات أنه جاءه يوماً تاجران يشتكيان من أمه التي اشترت منهما جمالاً ولم تسدد لهما حقها فأمرها بتوجيه المال إلى أصحابه وإلا جعلها تقف مع خصميها عند القاضي عيسى بن مسكين. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 285 - 286. زغلول: تاريخ، 2/ 153. نوال تركي: التنظيمات، 193 - 194. هوبكنز: النظم، 237، ومن الملاحظ أن هوبكنز يستبعد ألا تكون هناك شكاوى ولا يكون هناك مظلومون ومتظلمون ويفند ما ذكره النويري. انظر: النظم، 238. (1/378)
صفحة 378
ويذكر النويري نقلاً عن الرقيق أن حال هذا الأمير ظلت محمودة من الحزم والضبط للأمور "وأقام سبع سنين من ولايته وهو على ما كان عليه أسلافه ... إلى أن خرج لمحاربة العباس بن طولون, فلما كُفِي مؤونته (1) تغيرت حاله وحرص على جمع الأموال ثم اشتد أمره فأخذ في قتل أصحابه ... " (2). وتبدل من حال المدافع عن المظلومين إلى ظلاّم سفاك للدماء، وبعد أن جلس لسماع شكوى المتظلمين (3) أصبح الناس يتظلمون منه حتى رفعوا شكواهم إلى الخلافة في بغداد (4).
وكان إبراهيم الثاني تحت تأثير مرض الماليخوليا, على حد تعبير ابن خلدون، لذلك كان متقلب السلوك والسيرة يعدل تارة ويجور أخرى , ومن هنا كانت له حسنة أخرى هي تعيينه لابنه أبي العباس أحمد بن إبراهيم سنة 278ه/ 891م للمظالم (5)، وهو الذي تولى الإمارة بعد أبيه عام 289هلما غادر – بأمر من الخليفة – إفريقية نحو صقلية فجلس هو "للناس للمظالم ولبس الصوف وأظهر العدل والإحسان والإنصاف" (6)، جلس في المسجد وردّ على الناس ظلاماتهم (7)، جلس على حصير ونصب درة كفعل القضاة يستميل بذلك قلوب العامة إليه" (8).
__________
(1) * - من المعروف أن إلياس بن منصور والي الرستميين بجبل نفوسة هو الذي كفاه مؤونة عدوه وقضى عليه وردّه عن هدفه. انظر ابن عذاري: البيان، 1/ 118 - 119. الباروني: الأزهار، 2/ 255 - 257. وانظر كتابنا الدولة الرستمية، 125.
(2) - النويري: نهاية الأرب (المغرب) 284. وانظر ابن عذاري: 1/ 132.
(3) - ابن خلدون: العبر، 4/ 203. ابن عذاري، 1/ 131 - 132.
(4) - النويري: نهاية الأرب (المغرب) 271. ابن خلدون: العبر، 4/ 437. زغلول: تاريخ، 2/ 130، 145.
(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 122.
(6) - النويري: نهاية الأرب (المغرب) 288.
(7) - نفسه: نهاية الأرب (فاطميون) 37.
(8) - القاضي النعمان: افتتاح الدعوة، 147. وانظر النويري: وانظر النويري: نهاية الأرب (فاطميون) 37. (1/379)
صفحة 379
ويقول القاضي النعمان إنه فعل ذلك رياء (1) لأن الدعوة الشيعية بدأت تأخذ محلها في قلوب الناس بإفريقية.
إن هذا الجلوس للمظالم بالمسجد سواء أكان ذلك بالنسبة للأمير إبراهيم الثاني أو ابنه أبي العباس في فترتيه: عهد أبيه وعهده هو، هو ما يطابق خطة المظالم فعلاً ببلاد المشرق لما كان الخلفاء هم الذين يجلسون لها، فسلطتهم بدون شك أعلى من سلطة القاضي ومقدرتهم في رد الحقوق إلى أهلها أقوى من قدرة القاضي، وهذا هو عين خطة المظالم كما نظر لها المنظرون ووصفها الفقهاء في كتب السلطانيات.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الخصوص, أن القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب كان قد فوض إليه ابن الأغلب وربما هو محمد الثاني أبو الغرانيق (250 - 261ه/ 864 - 874م) "النظر في الولاة والجباة والعزل والولاية وقطع المناكير" (2)، ويذكر الخشني (3) أنه تولى المظالم إلا أنه لا يعرف هل تولاها قبل القضاء أم بعده.
ومثله تولى القاضي محمد بن الأسود الصديني "قضاء القيروان الأحكام والنظر في العمال وجباة الأموال فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان قوياً في قضائه شديدًا على رجال السلطان، رفيقاً بالضعفاء والمظلومين" (4).
إن هذين الرجلين اللذين توليا القضاء في القيروان يبدو أنهما توليا قبل ذلك خطة المظالم أو ربما تولياها مع القضاء، وجاء سجل ولايتهما للقضاء بإضافة النظر في العمال وجباة الأموال وهو حقيقة خطة المظالم في المشرق.
__________
(1) - القاضي النعمان: 147.
(2) - عياض: تراجم، 223.
(3) - الخشني: طبقات، 151 - 152.
(4) - النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 288. (1/380)
صفحة 380
ولا بد هنا من الإشارة إلى ما تعودنا سماعه عند فقهاء المالكية أصحاب كتب الطبقات والعلماء فيما يتعلق بالقاضي الصديني وجوره وغلظته وفظاظته، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في كثير من المواضع. ونحن هنا مع النويري الذي يجعل الصديني آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر قوياً في قضائه شديداً على رجال السلطان رفيقاً بالرعية والضعفاء والمظلومين منهم، وهو ما نعتقده لأن الذي جعل المالكية يتحاملون عليه هو مذهبه الاعتزالي ومنصبه الذي تولاه دونهم لا غير.
إن ابن طالب والصديني قد توليا إذن مهام حقيقية من مهام خطة المظالم ,إلا أنه لابد أن ننبه هنا من أنه إذا تولياها مع خطة القضاء فليست مطابقة لما هو ساري المفعول في المشرق وإن تولياها قبل القضاء أو بعده بحيث استقلا بتلك المهام دون غيرها فهو عين خطة المظالم لكن النصوص التي بين أيدينا تشير وتميل إلى أنهما توليا تلك المهام ضمن مسؤولية القضاء عندما عُينا له.
والجدير بالذكر أيضاً أن هذين الرجلين لم يّطلق عليهما لقب "الناظر في المظالم" وإنما اشتهرا بأنهما قاضيان بالدرجة الأولى وإن تفرد الخشني (1) بذكر أن ابن طالب تولى المظالم ولا يعرف متى ذلك قبل القضاء أم بعده. ولم تذكر المصادر مع كثرتها غير هذين القاضيين توليا ما تولياه من مهام هي من صميم النظر في المظالم وليست من مهام القاضي.
نعود بعد هذا قليلاً إلى الوراء في زمان سحنون بن سعيد الذي يعتبره المؤرخون (2) أول من عَيّن للمظالم بإفريقية، وَلّي حبيب بن نصر التميمي مظالم القيروان، ثم استمر القضاة بالقيروان يولون صاحب مظالم القيروان، فلا يرد
__________
(1) - الخشني: طبقات: 151 - 152.
(2) - هوبكنز: النظم، 213، 234. زغلول: تاريخ، 2/ 90 - 91. يحيى بن عمر: أحكام السوق، مقدمة المحقق 23. علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، 54. نوال تركي: التنظيمات، 185، 194. (1/381)
صفحة 381
"صاحب المظالم" إلا مقروناً عادة بعبارة مؤداها أن القاضي فلاناً ولاه المنصب (1)، بل يضاف إليه فيقال "صاحب مظالم فلان".
إن القاضي بالقيروان ابتداء من عهد سحنون أصبح يعين لمظالم القيروان رجلاً يرى فيه القوة والتقوى، وكثيراً منهم ارتقوا من مظالم القيروان إلى قضاء إقليم ثم قضاء القيروان.
فصاحب المظالم بالقيروان هو أدنى مرتبة من قاضي القيروان لأنه هو الذي يعينه في كثير من الأحيان وينسب إليه، فهل هذا النوع من المظالم مثل خطة المظالم بالمشرق؟
يقول فوندرهيدن: إن التعريف الذي قدمه الماوردي لصاحب المظالم لا نجده ينطبق أو يتطابق على أحد في إفريقية إلا في عهد إبراهيم الثاني عندما تولى ابنه أبو العباس المنصب وكُلف بسماع الشكاوى أما في باقي العهود فإن الوظيفة لم تكن بأيدي شخصيات مرموقة (2)، ثم يلوم علماء ذلك الوقت بأنهم لم يحسنوا تعريف وتصنيف الوظائف بدقة (3)، ويرى هوبكنز أن هناك خلطاً أو بعض الخلط بين المظالم والحسبة (4)، وهو ما تعيد ذكره الباحثة نوال تركي وتقول إن الإجراءات الخاصة بمحاكم المظالم وموظفيها وأنواع القضايا التي كانت تنظر فيها، المصادر المتوفرة لا تعطينا إلا إشارات قليلة (5) ويقول الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب
__________
(1) - نوال تركي: التنظيمات، 189.
(2) - Vonderheyden: La berberie, 179.
(3) - Ibid, 180.
(4) - هوبكنز: النظم، 236 - 238.
(5) - نوال تركي: التنظيمات، 195 - 196. (1/382)
صفحة 382
محقق كتاب أحكام السوق في مقدمة تحقيقه: كان لوالي المظالم "شؤون السوق" (1) ولم يزد عن ذلك شيئاً.
إن هذا الغموض الذي اكتنف ولاية المظالم بإفريقية على عهد الأغالبة، لم نجد تفسيره إلا عند ابن ناجي صاحب الإضافات المهمة لكتاب "معالم الإيمان" للدباغ، وهو المتوفى عام 839ه/ 1435م والذي كان هو الآخر يعتقد شيئاً فتبين له شيء آخر.
عندما ترجم الدباغ في معالمه لأبي القاسم محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي قال "ولاه عيسى بن مسكين على مظالم القيروان وولاه حماس بعده عشر سنين. قلت (2): المراد بالمظالم أحكام السوق قال أبو العرب قد ولي لعيسى بن مسكين وحمّاس أسواق القيروان وإنما نبهت على ذلك لأنه كان يتبادر لذهني أنه المحتسب في اللحم والخبز والإسفنج ويحكم في ذلك في الأسواق بحكم التبع" (3).
__________
(1) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، مقدمة المحقق 10. وقال محققاً كتاب طبقات علماء إفريقية وتونس لأبي العرب الأستاذان على الشابي ونعيم حسن اليافي: صاحب المظالم "يحقق العدالة ويرفع الظلم وقيل يُقدم في العادة ليحكم بين الناس في الأسواق". انظر: طبقات، 34 هامش 3. أما محققا كتاب معالم الإيمان للدباغ محمد الأحمدي أبو النور ومحمد ماضور فإنهما ذكرا أن "مظالم القيروان" "محكمة مستقلة أحدثها سحنون، تشبه المحاكم الاستعجالية، تنتصب بالأسواق وتحكم في دائرة محدودة على ما بيّن ابن ناجي، وهي غير الحسبة على المصالح العامة، وهذا مما يدل على وجود نظام محكم ودرجات للقضاء في ذلك العصر" والحقيقة عندي أن القضاء في الإسلام كله محكمة استعجالية، فليس هناك محاكم استعجالية وأخرى غير ذلك في العصور الوسطى. وانظر: معالم الإيمان، 198، هامش 2. وانظر: علي أحمد: القضاء في المغرب، مقال، 157.
(2) * - كلما وردت عبارة "قلت" في كتاب معالم الإيمان فهي تعني ما أضافه أبو الفضل أبو القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي أما عبارة "قال" فهي تعني الدباغ صاحب أصل الكتاب. انظر: معالم الإيمان، 1/ 3.
(3) - الدباغ: معالم، 3/ 9. (1/383)
صفحة 383
إن مظالم القيروان ما هي إلا وظيفة "أحكام السوق" التي هي أعلى من الحسبة وأدنى من القضاء، هكذا يُفهم النص المذكور للدباغ وإن "صاحب المظالم" قد يحكم فيما هو من اختصاص الحسبة ولكنه لا يتطلع إلى أحكام القضاء.
فهذه الوظيفة الجديدة إذاً مرتبطة بالقضاء في إفريقية الأغلبية ارتباطاً وثيقاً، بل إنها من ابتكار القضاء وليست لها أية علاقة بخطة المظالم المشهورة والمعروفة عند الناس في المشرق والمغرب والتي تحدث عنها الفقهاء وأطنبوا. أما هذه التي وجدت ببلاد إفريقية الأغلبية , فلم يشيروا إلى مهامها ولا إلى سلطة صاحبها ولا إلى أي شيء مما يحيط بها من قريب أو بعيد , فكتب السلطانيات لا تعرفها، وهي غريبة عنها ما دامت هذه الكتب كلها مشرقية الأصل وحتى الحديثة منها كذلك.
إن هذه الخطة مغربية إفريقية لا وجود لها في المشرق ولا في الأندلس، ويبدو أنها أغلبية بالذات نشأت بين أحضان قضائها وانتهت بدوال دولتها وربما استمرت على عهد الفاطميين بالمغرب (1).
إن صاحب المظالم بالقيروان يساعد القاضي فيما يحدث من نزاع وخصام وشجار في الأسواق دون غيرها , ويحدد له القاضي الذي يعينه أعلى قيمة نقدية يحكم فيها وإذا تجاوزت خصومة تلك القيمة لم تعد من اختصاص صاحب المظالم وإنما هي من قضايا القاضي ترفع إليه وهو الذي يحكم فيها.
إن سحنون بن سعيد لما عين نصر بن حبيب تلميذه المذكور لولاية "صاحب المظالم" أذِن له في الحكم في عشرين ديناراً فما دون , ولكن سليمان بن سالم بن الكحالة صاحب مظالم عيسى بن مسكين حكم في مائة دينار (2). فهذه
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (الفاطميون) 55 هامش 146. الخشني: طبقات، 194.
(2) - عياض: تراجم، 242، 277، هوبكنز: النظم، 235. (1/384)
صفحة 384
الخطة من ناحية أخرى هي من النوع ذي الصلاحية المقيدة (1)، وما كانت خطة المظالم في المشرق في يوم من الأيام يقيدها شيء، أو يحد من صلاحياتها حاكم بل بالعكس إنما وضعت لتستأنف ما لم يستطع عليه القاضي ولتضرب بقوة السلطان على أيدي العابثين من السلطة.
ومما يلاحظ أن مكان انعقاد محكمة المظالم هو القيروان بمسجد من مساجدها فحينما عين سحنونُ , نصرَ بن حبيب وجهه إلى مسجد البركة بعد أن نصحه ووعظه وأرسل معه اثنين من أصحابه فقال لهما "امضيا معه حتى يجلس في مسجد البركة ينظر بين الناس ... " (2). فصاحب المظالم الذي يعينه القاضي بالقيروان هو مثله له مكان ينظر فيه بين الناس، وهو المسجد دون المسجد الجامع , لأن هذا إنما هو للقاضي الذي يعينه الأمير الأغلبي وقد سبق التفصيل في هذا الموضوع، ويبدو أن هذه الخطة مرتبطة بالعاصمة فقط ولا وجود لها في الولايات (3)، ومما يتميز به هذا المنصب كذلك أن صاحبه لا يبلغ في العلم مبلغ قاضي القيروان وإنما يمكن أن يرتقي ليصل إلى أرقى درجات القضاء، فنصر بن حبيب كان إذا نزلت به مسألة لا يعرفها يسأل سحنونا فإن لم يقدر على سؤاله يسأل أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدوس أحد علماء إفريقية (4).
لقد تقلب بعض أصحاب المظالم في المناصب حتى ارتقوا إلى أعلاها فابن خشّاب كان كاتباً لابن طالب ثمّ تولى المظالم لابن طالب وعيسى بن مسكين ثم كان قاضياً بالقيروان (5) وكذا الأمر لعمرو ميمون بن عمرو المعروف بابن المعلوف،
__________
(1) - هوبكنز: 236.
(2) - عياض: تراجم، 278.
(3) - نوال تركي: التنظيمات، 196.
(4) - أبو العرب: طبقات، 239. المالكي: رياض، 1/ 459. الدباغ: معالم، 2/ 139.
(5) - هوبكنز: النظم، 216. (1/385)
صفحة 385
تولى المظالم وتولى قضاء صقلية في حين نجد سليمان بن سالم يتولى المظالم ثم يُعين قاضياً بباجة.
أما تعيين صاحب المظالم فيكاد يكون جميعهم من تعيين قضاة القيروان, يقول هوبكنز ولوا ستة منهم من مجموع ثمانية (1)، والحقيقة أنني جمعت (2) اثني عشر رجلاً ولي المظالم بالقيروان منهم من تولاها لفترتين كابن خشاب الذي تولاها للقاضي ابن طالب وتولاها للقاضي عيسى بن مسكين، هذا الأخير الذي نصب محمد بن محمد بن خالد القيسي المعروف بالطرزي، في عهده وثبته القاضي حماس بن مروان بعد ذلك.
إن من بين أولئك الذين جمعْتُهم وجدت منهم تسعة عينهم قضاة القيروان ونسبوا إليه أما الآخرون فلا نعرف من عينهم ومتى كان تعيينهم إلا أن بعض الإشارات تذكر أنهم ولوا في أواخر عهد الأغالبة ومنهم محمد بن محمد بن خالد القيسى فهذا عينه الأمير إبراهيم الثاني (3).
وتذكر بعض المصادر أن لصاحب المظالم كاتباً، فمحمد الطمّار كان متولياً بكتابة إبراهيم بن يونس بن الخشاب لما كان هذا على مظالم القيروان (4).
خلاصة القول إن خطة "صاحب المظالم" بالقيروان ابتكار أغلبي خالص , منذ عهد سحنون بن سعيد وهي خطة مرتبطة بالقضاء ارتباطاً وثيقاً، يعين لها القاضي بالقيروان من يرى فيه القدرة والكفاءة، وهي خطة متوسطة بين القضاء والحسبة، تساعد قاضي القيروان في بعض القضايا المحدودة وهي في مجملها من
__________
(1) - نفسه، 216.
(2) - انظر قائمة بأسماء أصحاب المظالم، الملحق رقم: 8. لم يضع أحد قائمة كهذه لأصحاب المظالم بالقيروان.
(3) - ابن عذاري: البيان، 1/ 195.
(4) - الخشني: طبقات، 170. نوال تركي: التنظيمات، 195. (1/386)
صفحة 386
أحكام السوق حيث إن المظالم هنا يقصد بها "أحكام السوق" لا غير.
أما خطة "النظر في المظالم" والتي كانت من ابتكار المشرق في العهد الأموي على أيام عبدالملك بن مروان لما كثر ظلم المتنفذين وأصحاب السلطة بحيث لم يقو القضاة على الضرب على أيديهم بما أوتوا من قوة الشرع، وضعت هذه الخطة وجلس لها الخليفة بنفسه أو من ينيبه الخليفة من أصحاب السلطان والنفوذ، هذه الخطة لا نجد لها وجوداً ببلاد المغرب الإسلامي أيام عهد الولاة ولا عهد الرستميين ولا أعتقد أنها وجدت في المغرب الأقصى عند المدراريين والأدارسة, وإنما ذكرت في فترة وجيزة من العهد الأغلبي وهي بعض السنوات من عهد إبراهيم الثاني بن أحمد ثم (1) ابنه أبي العباس أحمد بن إبراهيم وقيل إن عبد الله بن أحمد بن طالب وعبد الله بن محمد الصديني توليا هذه الخطة إلا أن ولايتهما يكتنفها شيء من الغموض، وذكر بعض المتأخرين للرستميين النظر في المظالم، فالكعاك يقول عن الإمام أبي اليقظان كانت "المظالم وهي المجلس الأعلى للقضاء يجلس لها السلطان لمراجعة القضايا المتظلم فيها وسماع الشكوى حتى من القضاة أنفسهم" (2).
إن هذا النوع من المظالم التي يتحدث عنها الكعاك، استنتجها من نص لابن الصغير يذكر فيه أن أبا اليقظان لما عاد من حبسه ببغداد ووجد أخاه أبا بكر بن أفلح (258 - 261ه) إماماً صرف هذا الأخير النظر في المدينة وأحوازها إليه مع ما أظهر له من الكفاية مع أدب المشرق والأخذ بالحزم فيما رآه من ولاية بني العباس وسيرهم فكان "أبو اليقظان يركب إلى أعلى مسجد في المدينة فيجلس فيه، فمن تكلم إليه من الناس بين [كذا] العمال والقضاة وأصحاب الشرطة نظر في ذلك
__________
(1) - يقول ابن الأبار عن هذا الأمير إنه "إبراهيم بن أحمد السفاك" ولقب السفاك كما يقول حسين مؤنس قليل في حقه. انظر: الحلة السيراء، 164 - 165، وانظر: 164 هامش 2.
(2) - الكعاك: موجز، 182. (1/387)
صفحة 387
نظراً شافياً وأجرى الحق على من رضي وسخط عظم قدره أو صغر ولم تأخذه في الله لومة لائم ... " (1).
إن هذا النص قد يفهم منه جلوس أبي اليقظان للمظالم نيابة عن أخيه لأنه كان ينظر ويسمع إلى الناس فيما بينهم وبين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة. ورغم أن النص في أسلوبه بهمة نوعاً ما، فإن الجلوس لمثل هذه المهام هو عين خطط المظالم إلا أن أبا اليقظان لم يتسم بهذه التسمية ولم يذكرها ابن الصغير وإنما ذكر عنه بأنه كان يحتسب إذ أظهر لأخيه "القيام له والحسبة بين يديه" (2). فالمجتمع الرستمي كان، على ما يبدو، ينظر إلى هذا العمل بأنه حسبة وليست خطة للمظالم.
والحقيقة أن ابن الصغير يورد نصاً آخر عن أبي اليقظان وهذه المرة لما كان إماماً للدولة الرستمية (260 - 281ه) وقد رآه ابن الصغير في "مصلى الجنائز" ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس فيصفه ويصف هيبته ووقاره ويقول: " ... كان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه وكان زاهداً وورعاً ناسكاً سكيناً" (3).
فهل هذا جلوس للمظالم مثلما كان يفعله عبد الملك بن مروان والخلفاء الذين جاؤوا من بعده؟ لا أعتقد ذلك لأن جلوس الخلفاء كان جلوساً رسمياً في يوم أو أيام معدودات من الأسبوع وفي مكان معين وللمظالم بعينها لا غير، أما جلوس أبي اليقظان في مصلى للجنائز أو في المسجد الجامع لأداء الصلاة ثم قد يأتيه متظلم وقد لا يأتيه فنسمي ذلك "خطة المظالم" أرى في هذا الاستنتاج نوعا من الاندفاع لا مبرر به.
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 63.
(2) - نفسه، 63.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 81. الشماخي: سير، 221. (1/388)
صفحة 388
فالرستميون لم يعرفوا خطة المظالم ولم يخصصوا لها يوماً ولا مكاناً ولا شخصاً، وإنما كان الأيمة لحرصهم على رعيتهم وحباً في العدل وخوفاً من الله سبحانه وتعالى , قد يتساءلون عن عمالهم وقضاتهم وشرطتهم وسيرتهم في رعيتهم رقابة لهم جميعاً لا غير وهي من صميم مسؤوليتهم ولا شك.
مجمل القول، إن خطة "النظر في المظالم" باستثناء الفترة المذكورة التي كان الظلم فيه قد استشرى نوعاً ما عند الأغالبة، لم يحتج إليها المغرب الإسلامي لأن القضاة كانوا أقوياء لهم من الهيبة والسلطة والنفوذ (1) ما لوالي المظالم في المشرق، فكانوا قضاة وأصحاب "نظر في المظالم" دون أن يتسموا بذلك وإنما عرفوا بأنهم قضاة لا غير، فكانوا لا يخافون في الله لومة لائم ولا يخشون والياً ولا أميراً أو إماماً إذا ثبت الحق وحكموا به، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الظلم الذي كان يرتكبه بعض عمال وحاشية الخلفاء بالمشرق والذي احتيج بسببه إلى من يجلس للمظالم فنشأت بذلك "خطة المظالم"، إن ذلك الظلم لم يرتكبه ولاة وأئمة وأمراء المغرب ولم يرتكبه أعوانهم أو حاشيتهم إلا نادراً يكاد لا يظهر، لذلك لم يحتج المغرب الإسلامي إلى خطة "النظر في المظالم".
ب- الحسبة وعلاقتها بالقضاء في المغرب الإسلامي
إن الحسبة والاحتساب (2) في بلاد المغرب، قد كتب عنها أستاذنا الدكتور
__________
(1) - لقد ضعفت شخصية القضاة في المشرق في هذه الفترة بسبب استهتار بعضهم واحتكار بعضهم الآخر للمنصب وهم دونه وتولي البزازين المنصب وأخذ الرشوة أو دفع رشوة للحصول عليه. انظر عصام شبارو: القضاء والقضاة. 13، 69، 77، 93 - 94.
(2) - عنها انظر خاصة: يحيى بن عمر: أحكام السوق، الماوردي: الأحكام السلطانية، 270 وما بعدها، الشيزري عبد الرحمن بن نصر: كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تح. د. السيد الباز العريني، دار الثقافة، بيروت، بلا تا. 4 وما بعدها. القرافي: الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، 46 وما بعدها. ابن جماعة: تحرير الأحكام، 91 وما بعدها. ابن خلدون: المقدمة. 399 وما بعدها. ابن الأزرق: بدائع السلك، 1/ 263 وما بعدها، وانظر خاصة: د. لقبال موسى: الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي نشأتها وتطورها، ش. و. ن. ت. الجزائر، ط1، 1971م، ص20 - 45. د. رشاد عباس: نظام الحسبة في العراق، 27 وما بعدها. قيس عبد الواحد السمر المسعودي: الدواوين في العصر العباسي الأول. أطروحة ماجستير، 185 وما بعدها. وانظر: كتب النظم: حسن إبراهيم حسن وآخر: النظم، 297 ومابعدها. صبحي الصالح: النظم، 329 ومابعدها.
Tyan E:.His de L’organisation Judiciaire en pays de L’islam, 616 - 650. (1/389)
صفحة 389
لقبال موسى كتابه المهم "الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي (نشأتها وتطورها) " وقد كانت تعرف بإفريقية "بصاحب السوق" كذلك. وفي تيهرت الرستمية عرفت بالحسبة (1). وقد شاع استعمال لفظ الحسبة مع بداية العصر العباسي (2).
ولا أجدني بحاجة إلى تطويل الحديث ها هنا فقد كفانيه الدكتور لقبال فيما يتعلق بإفريقية والمغرب كله, وكنت كتبت فصلاً في كتابي "الدولة الرستمية" (3) عن الحسبة في الدولة المذكورة.
إن هذه الخطة كما يقول ابن خلدون هي "أحكام يُنزّه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها. فوضْعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء ... " (4). وأساس عمل المحتسب هو الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. وفي المقارنة بينها وبين القضاء يقول الماوردي: " ... إن لناظر الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة للرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوّراً فيها ولا خرقاً والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوّز وخرق, لأن موضوع كل واحد من المنصبين مختلف فالتجوز فيه خروج عن حده" (5).
__________
(1) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 247 وانظر هامشها رقم 6.
(2) - رشاد عباس: نظام الحسبة في العراق، 43.
(3) - هو الفصل السابع: الحسبة ومستوى المعيشة في الدولة، 244 - 258.
(4) - ابن خلدون: المقدمة، 399.
(5) - الماوردي: الأحكام، 273. (1/390)
صفحة 390
إن هذه المجموعة من التعاريف الدقيقة البديعة حول الحسبة وعلاقتها بالقضاء تطوي لنا الكثير من المراحل في بحثنا عن علاقتهما ببعضهما البعض في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، قبل ذلك نتحدث عن نشأة الحسبة في بلاد المغرب.
إن نشأة الحسبة ببلاد المغرب لأول مرة كنظام للرقابة العامة وتنظيم الأسواق يبدو أنها ترقى إلى عصر المهالبة في إفريقية وإلى يزيد بن حاتم المهلبي (1) 155 - 171ه/ 771 - 787م منهم بنوع خاص، فهو الذي استهل عهده بتنظيم أسواق مدينة القيروان وخصص لكل صناعة سوقاً وعين على كل صناعة عريفاً وغير ذلك من الإصلاحات المرتبطة بهذا المجال.
ويظهر أن هذا النظام قد عمّ مدن إفريقية والمغرب مثل تونس وتيهرت الرستمية وسلجماسة المدرارية وفاس الإدريسية وظهرت النتيجة في الأسماء المتشابهة للأسواق في تلك المدن مثل سوق العطارين وسوق البزازين والصفارين والدباغين وما إلى ذلك (2).
إن النظر في أمور الأسواق كانت من اختصاص ولاة المغرب, وبصيغة أدق إن خطة الحسبة قبل قيام الدولة الأغلبية لم تظهر ضمن الوظائف الإدارية المستقلة وإنما كان يمارسها الولاة إذ كانت من خصائصهم أو من خصائص من يولونه من قضاتهم وأعوانهم، ويؤكد هذا ما أورده القاضي عياض عندما قال "أول ما نظر سحنون في الأسواق وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة" (3). "وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة" (4)، لهذا لا نعرف عن الحسبة شيئاً ذا بال قبل عهد
__________
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 78.
(2) - لقبال موسى: الحسبة، 39 - 40. وانظر: نوال تركي: التنظيمات، 198.
(3) - عياض: تراجم، 104.
(4) - نفسه، 104. (1/391)
صفحة 391
سحنون وذكرت الباحثة نوال تركي أن هذه الخطة قبل تأسيس الإمارة الأغلبية كان يكتنفها الغموض بسبب قلة المعلومات التي تذكرها المصادر (1).
إذن لقد كان الولاة هم الذين يتولون مهمة الحسبة في إفريقية ثم كان من بعدهم الأمراء الأغالبة إلى عهد أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم (226 - 242ه/ 840 - 856م) الذي كان سحنون بن سعيد, المجدد الكبير في كثير من وظائف ومهام القضاء في عهده.
إن سحنون بن سعيد لما كُلف بالقضاء وعينه الأمير المذكور، لازم بيته ثم حضر جنازة فرأى منكراً ولم تطاوعه نفسه السكوت عنه فأمر بتغييره وانصرف فنظر بين الناس في قضاياهم (2). فكأن سحنون شجعه على القضاء هذا المنكر الذي رآه عند حضوره الجنازة، وكأن تولية القضاء مرتبط بالحسبة، إذ بإمكانه أن يغير المنكر دون أن يتقلد منصباً ولكنه رأى أنه قامت عليه الحجة لما قبل الأمير كل شروطه فلم لا يتولى المنصب حتى يكون لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، موعظة العلماء وسطوة وسلطة الحكام.
لقد باشر سحنون بن سعيد لما تولى القضاء مهمة الحسبة أيضاً فاجتمعا في شخصه ولكنه سرعان ما عين للحسبة أمناءها ومحتسبيها ففصلها عن القضاء (3)، بعد أن فصلها عن الولاة والأمراء ,وأصبحت خطة مستقلة لا علاقة لها بعد سحنون بالقضاء.
وكما كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدور الحاسم في تولي سحنون لمنصب القضاء، كذلك كان له الدور الحاسم في تعميم المحتسبين على الأقاليم
__________
(1) - التنظيمات، 197.
(2) - عياض: تراجم، 103.
(3) - لقبال: الحسبة، 41. (1/392)
صفحة 392
والمدن الرئيسية في إفريقية وذلك عندما وقف سحنون موقفاً صارماً شجاعاً واجه فيه الأمير وبطانته, يتعلق بنساء من سبي تونس استحلهن حاتم الجزري أحد المقربين من الأمير، فأمر سحنون أعوانه بتخليصهن وجلبهن إليه ثم أطلق سراحهن. وأرعد وأزبد حاتم الجزري وأغضب الأمير معه على قاضيه سحنون, ولكن صرامة سحنون في الحق جعلته في نهاية المطاف ينتصر ويقول الأمير معترفاً "ما أظن هذا الرجل يريد بنا إلا خيراً ونحن لا نعلم أرسلوا إليه يرسل إلينا المحتسبة لنكتب لهم السجلات حتى يذهبوا بها إلى أقصى عملي ليأخذوا من يجدونه من الحرائر" (1)، وكان كما أراد.
ولقد استنتج الدكتور لقبال عدة حقائق من هذه الرواية تتصل بنظام الحسبة في إفريقية الأغلبية منها "أن التقليد كان من حق الأمراء، لا من حق القضاة وأن دور القضاء ترشيح ذوي الكفاءة وتزكيتهم عند الأمراء, ثم إن النظام عندما بانت أهميته ووُجدت مبررات لإقامته مستقلاً عن القضاء، عُمم في نواحي إفريقية كلها دانيها وقاصيها" (2).
هكذا إذن قام نظام الحسبة مستقلاً عن القضاء, وارتبطت نشأته بقضية تحرير إماء تونس اللائي فرض عليهن الرق وما هن بإماء.
وكان سحنون بن سعيد القاضي المحتسب في بداية حياته الإدارية , يؤدب الناس على رثة اللباس وسوء الحال وكان يضرب القفا تأديباً. ونظر في أنواع من المعائش وما يغش من السلع ونفى الغشاش من السوق, ولقد ذكرنا أنه نصّب الأمناء على الأسواق ليراقبوا سير التجارة وأنواع السلع وتصرفات التجار وحارب البدع والأهواء وشرد أهلها من المسجد الجامع وراقبهم مراقبة شديدة أن يعودوا
__________
(1) - عياض: تراجم، 108 - 109.
(2) - لقبال: الحسبة، 42. (1/393)
صفحة 393
إلى تجمعاتهم بالمسجد, وأمر بقتل الكلاب وتتبع حركاتها ليكف خطرها عن السكان وضرب الزناة رجالاً ونساءً وأغلق بيت امرأة هيأته للفساد (1). وما إلى ذلك من الأعمال التي تدخل في اختصاص المحتسب.
هكذا إذن كانت الحسبة في إفريقية بعيدة عن القضاء طيلة عصر الولاة وشطراً من عصر الأغالبة, حتى كان سحنون بن سعيد فجعلها خطة من خطط القضاء ومهمة من مهامه, ولقد رأينا أن الذي نشطه لتولي المنصب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدرجة الأولى، وذلك عندما رأى منكراً في جنازة حضرها كان بإمكانه أن يغيره فقيهاً محتسباً، ولكنه فضل أن يغيره فقيهاً قاضياً ومحتسباً.
وجمع سحنون الخطتين معاً وأبدع فيهما معاً , ثم إنه باحتسابه لجأ الأمير إلى تعيين المحتسبين بالأقاليم بعد استشارته فيمن يليق للمنصب , ويبدو أنهم كانوا تابعين له مرتبطين به.
ويظهر أن "أصحاب السوق" هؤلاء المحتسبون لم يستمروا مرتبطين بقاضي القيروان أو تابعين له بل ربما بعد عهد سحنون (234 - 240ه) استقلوا بخطتهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك التاريخ. ويؤكد نص ليحيى بن عمر (289ه/ 901م) في كتابه "أحكام السوق" هذه الحقيقة عندما ينصح الوالي قائلاً: "ينبغي للوالي الذي يتحرى العدل أن ينظر في أسواق رعيته ويأمر أوثق من يعرف ببلده أن يتعاهد السوق ويعيّر على أهله صنجانهم وموازينهم ومكاييلهم كلها ... " (2). ويتحدث يحيى بن عمر في كتابه عن مهام المحتسب في السوق وهي مهام كثيرة
__________
(1) - عياض: 104 - 105، وانظر لقبال: الحسبة، 43 - 44. نوال تركي: التنظيمات، 201 - 202. زغلول: تاريخ، 2/ 92.
(2) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 31 - 32. (1/394)
صفحة 394
جداً تتعلق بكل ما يدور في السوق وفي الشوارع (1) حفاظاً على الآداب الإسلامية العامة والمعاملات الشرعية.
ويذكر المؤرخون صاحب سوق في القيروان يسمى أبو القاسم محمد بن محمد بن خالد القيسي الطرزي ارتقى به منصبه إلى أن يتولى القضاء بصقلية بعد ذلك (2)، يقول فيه المالكي كان "المحتسبَ بمدينة القيروان" ويذكر أبو العرب أنه "كان شديداً في تغيير المنكر لم يل أسواق القيروان قبله أضبط منه" وليها لعيسى بن مسكين وحمّاس بن مروان (3). أي في أواخر عهد الأغالبة.
وما معنى أنه وليها لهذين القاضيين؟ هل معناه أنه لا تزال هذه الخطة مرتبطة بالقضاة مثلما وضعها سحنون؟ فما تفسير – إذن – نصيحة يحيى بن عمر المعاصر لهذه الفترة بالذات والتي توجه بها إلى الوالي وليس إلى القاضي كما سلف أن ذكرنا؟ لا تعطينا المصادر التي بين أيدينا شيئاً دقيقاً في هذا الخصوص.
عرفت الدولة الرستمية هذا النظام في وقت مبكر على ما يبدو, إلا أننا لا نعرف ذلك بالضبط. ويبدو أنه كان موجوداً قبل عهد الإمام أبي بكر بن أفلح (258 - 261ه/ 871 - 874م) الذي تولى له أخوه أبو اليقظان مهمة الحسبة، ولذلك يجعله الأستاذ الكعاك (4) مؤسس نظام الحسبة في الدولة الرستمية.
ومما يدل على وجود هذا النظام في تيهرت منذ وقت مبكر لعهد الإمام أبي بكر, ما ذكره ابن الصغير عن هذا الإمام الذي صرف النظر في مدينة تيهرت وأحوازها إلى أخيه أبي اليقظان (5)، ومن هنا يتضح لنا أن الحسبة معروفة عند الأيمة
__________
(1) - نفسه: ص 35 - 135.
(2) - أبو العرب: طبقات، 251، المالكي: رياض، 2/ 55.
(3) - أبو العرب: 251.
(4) - موجز التاريخ العام: 182. وانظر كذلك: لقبال: الحسبة، 16.
(5) - ابن الصغير: 63 - 64. (1/395)
صفحة 395
السابقين لأبي بكر، وكان يتولى القيام بها الإمام نفسه تماماً مثلما كان يفعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الخلفاء في صدر الإسلام (1).
وأدى أبو اليقظان هذه المهمة أحسن أداء فكان يركب دابته ويطوف في المدينة حتى أقصاها، ويحكم في الأمر الضروري دون أن تأخذه في الله لومة لائم، وكانت له جولتان واحدة أثناء النهار والأخرى في الليل ,فكان بهذا أبو اليقظان كما يقول ابن الصغير قد أظهر القيام لأخيه "والحسبة بين يديه" (2) وبهذا يكون أبو اليقظان أيضاً أول محتسب تذكره المصادر باسمه في الدولة الرستمية، ليس من الأيمة كما كان سابقاً، إذ تولى المهمة في عهد أخيه أبي بكر. ويبدو أن العادة جرت بعد ذلك على أن يتولى الحبسة غير الإمام وهو ما برز بشكل واضح في عهد أبي اليقظان.
لقد ظهرت معالم نظام الحسبة جلية في عهد الإمام المذكور ويتحدث عنه ابن الصغير فيقول بأنه أمر "قوماً من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. فإن رأوا قصاباً ينفخ في شاة عاقبوه وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها وأنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها وإن رأوا قذراً في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه" (3).
إن فساد البلد بفتنة ابن عرفة (4) التي سبقت حكم أبي اليقظان مباشرة (261 - 281ه) هو الذي أوحى للإمام بتعيين جماعة من المحتسبين وليس محتسباً
__________
(1) - حسن إبراهيم حسن وآخر: النظم، 270. صبح الصالح: النظم، 329.
(2) - ابن الصغير: 63. انظر: Chikh Bekri: Le Kharijisme 71، يقول الشيخ بكري إن الحسبة لا نجد اسمها مذكوراً باسمها في تيهرت، ولكن ولا شك موجودة وبكل تأكيد. وانظر كذلك لقبال: الحسبة، 33.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 77.
(4) - عن فتنة ابن عرفة انظر: ابن الصغير، 62 وما بعدها. بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 122 - 124. (1/396)
صفحة 396
واحداً فقط. وهذا يدل على تفاقم الفساد واستشرائه كما يدل على كبر المدينة وكثرة أسواقها .. (1)
ولا شك أن للولايات محتسبيها ما دام النفوسيون في تيهرت هم الذين يتولون هذه الخطة في تيهرت, ثم إن الشماخي ذكر عن نفوسي يدعى أبو يوسف وجدليش بن في، كان أمْرُ سوق مدينة جادو بالجبل إليه، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأذن لمن يشاء بالبيع في السوق، ويمنع عنه من في ماله شبهه (2).
هكذا نلاحظ أن الحسبة عند الرستميين لا علاقة لها البتة بالقضاء, لم تنشأ من مهامها ولم ينتصب لها أحد من قضاة الرستميين ولم يعين لها أحد منهم بل كانت مرتبطة بالإمام مباشرة تولاها بنفسه في بداية الدولة، وفي حدود منتصف القرن الثالث الهجري، ومع عواصف فتنة ابن عرفة التي أشغلت الأيمة عن كثير من مهامهم ,تنازل أبو بكر الإمام بها لأخيه الأمير أبي اليقظان ثم تنازل بها هذا الأخير وهو إمام لمجموعة من النفوسيين من أصحاب النفوذ بتيهرت.
ومهما يكن من أمر فإن مهمة الاحتساب وإن لم تكن لها العلاقة المباشرة بالقضاء عند الرستميين، فإنها كانت تساعد القضاء بالبت الفوري في كثير من قضايا السوق المتنازع حولها والتي هي كما رأينا ابن خلدون يذكر مما ينزه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها.
أما فيما يتعلق بالحسبة في المغرب الأقصى عند الأدارسة والمدرارين، فإن الدكتور لقبال موسى يلاحظ أن دولة بني مدرار في سجلماسة لما كانت مجتمعاً خارجياً محافظاً تقوم حياته على أساس التجارة، ولما كانت سلجماسة مركزاً تجارياً ومحطة هامة للقوافل التجارية فإنه يرجح "أن تكون عرفت نظام المراقبة
__________
(1) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 246 - 248.
(2) - الشماخي: سير، 333 - 334. (1/397)
صفحة 397
على الأسواق ومحاربة الغش وأنواع المخالفات الأخرى، ولو أن المصادر لا تتحدث صراحة عن هذا النظام في سلجماسة كما تتحدث عنه في تاهرت وفاس .. " (1).
إن الحسبة عند المدرارين والأدارسة، هي من نوع ما وجد عند الرستميين، على ما يبدو، يساعد القضاء ولكن دون أن يرتبط به إدارياً أو أن تكون له معه علاقة رسمية، ونؤيد ما ذهب إليه الدكتور لقبال موسى استنتاجاً منه مع غياب المصادر التي تجلي الغموض وتكشف الحقائق.
ج- الشرطة وعلاقتها بالقضاء في المغرب الإسلامي
تباينت آراء المؤرخين حول نشأة الشرطة ببلاد المشرق الإسلامي تبايناً كبيراً فمنهم من قال إنها نشأت في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ومنهم من قال في عهد عمر رضي الله عنه، ومنهم من قال في عهد علي رضي الله عنه، ومنهم من قال في عهد معاوية رضي الله عنه، فضلاً عن الآراء الأخرى (2)، ولكنهم يتفقون جميعاً تقريباً على أن الغاية من وضعها في البداية هي مساعدة القاضي في إثبات التهم ومساعدته في تنفيذ الأحكام (3)، ثم ما لبثت أن استقلت عن القضاء وانفصلت عنه تنزيهاً للقضاء, وأصبح صاحب الشرطة
__________
(1) - لقبال موسى: الحسبة، 16، 34 - 35.
(2) - صبحي الصالح: النظم، 333. أنور الرفاعي: الإنسان العربي، 233. مولوي: الإدارة العربية، 208، نجدة خماش: الإدارة، 314 - 315. فاروق عمر: النظم، 129. الرحموني: نظام الشرطة في الإسلام إلى أواخر القرن 4 ه. الدار العربية للكتاب 1983، 95. يقول السيوطي أول من اتخذ صاحب شرطة عثمان بن عفان: تاريخ الخلفاء، 213.
Tyan E: His de L 'organisation, 567 - 616, 23.
(3) - عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية، 259 - 260. أنور الرفاعي: الإنسان العربي، 234. صبحي الصالح: النظم، 333. الرحموني: نظام الشرطة، 113 - 130. قيس عبد الواحد: الدواوين في العصر العباسي الأول، أطروحة ماجستير، 154 - 155.
Gaudefroy: Les institution, p. 158. (1/398)
صفحة 398
ينظر في المخالفات التي تتطلب إجراءات فورية ثم أضيف إليه النظر في جميع الجرائم، وكانت بداية عهد استقلالها في العهد الأموي، ثم تعاظم واتسع في عهد الدولة الرستمية فأصبحت أكثر ضبطاً وإحكاماً واتسعت اختصاصاتها بحيث كان صاحب الشرطة يوجه التهم ويحقق مع المتهمين ويسلط العقوبات وينفذها وينظر في الحدود والدماء بإطلاق (1).
وكان من مهام الشرطة، منذ بدايتها كذلك حفظ الأمن والسهر على النظام العام, ويبدو أن من مهامها في عصر الولاة فضلاً عما سلف ذكره، تنفيذ أوامر الوالي وإبلاغه ما يحدث داخل المدينة (2).
والذي يظهر لي أن هذه الخطة في بلاد المغرب لما نشأت فيه, كانت بعد أن نالها من التطوير والاستقلال عن القضاء ما نالها ببلاد المشرق، وبالتالي لم يعرف المغرب الإسلامي الشرطة المرتبطة بالقضاء إطلاقاً، ولم تشر مصادرنا من قريب أو بعيد إلى علاقة بين خطة القضاء وخطة الشرطة إطلاقاً.
إن الشرطة كما تكشفها لنا المصادر هي قوة أمن لا غير, يقول هوبكنز (3). ويضيف أن "طرحون" صاحب شرطة الوالي محمد بن مقاتل العكي (181 - 184ه/ 797 - 800م) هو أول صاحب شرطة يرد ذكره في بلاد المغرب (4)، في حين يذكر ابن عذاري أن نصر بن حبيب المهلبي كان على شرطة يزيد بن حاتم (155 - 171ه/ 771 - 787م) بمصر وإفريقية وكان محمود السيرة فيها (5)، ومن المعروف أنه تولى فيما بعد (سنة 184 - 800م) ولاية إفريقية بأمر من الخليفة هارون الرشيد
__________
(1) - الرحموني: نظام الشرطة، 113 - 130. قيس عبد الواحد: الأطروحة المذكورة، 145 - 155.
(2) - الرحموني: نظام الشرطة، 89.
(3) - هوبكنز: النظم، 242.
(4) - نفسه: 242 - 243.
(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 85. (1/399)
صفحة 399
خلفاً لروح بن حاتم المتوفى (1)، فنصر بن حبيب، إذن، هو أول من تذكره المصادر، وليس طرحون، تولى الشرطة ببلاد المغرب الإسلامي عموماً.
وفي عهد الدولة الأغلبية لما وضحت المؤسسات الإدارية بعد أن كانت متداخلة (2) ظلت الشرطة تنحصر مهمتها "في السهر على استتباب الأمن داخل المدينة والسهر على راحة أهلها ومراقبة المشبوهين ومطاردة المفسدين وتتبعهم في أوكارهم وتنفيذ أوامر السلطان مهما كان نوعها برئاسة موظف سام يسمى صاحب الشرطة وكانت فرقة منها تقوم بالعسس ليلاً شأنهم في ذلك شأن رجال العسس في المشرق .. " (3).
ولعل أول صاحب شرطة في الدولة الأغلبية هو عامر بن معمر، فولاها لإبراهيم بن الأغلب (4) مؤسس الدولة، ويذكر المالكي أن هذا الشرطي نفسه وبأمر من الأمير إبراهيم بن الأغلب أخذ بضبع أبي محرز محمد بن عبد الله الكناني وأخرجه من باب المقصورة إلى المسجد الجامع فأجلسه وأمره بالنظر بين الخصوم وذلك لما رفض أبو محرز تولي القضاء سنة 191ه/ 806م (5).
إذا كان صاحب الشرطة يعامل القاضي بهذا النوع من المعاملة، فأي علاقة كانت بين خطته وخطة القضاء؟ وهل يعقل أن يكون للشرطة مثل هذه السطوة كلها حتى على القاضي؟
__________
(1) - نفسه: 1/ 85.
(2) - ويذكر فوندرهيدن أن تقسيم العمل في الوظائف عند الأغالبة لم يكن دقيقاً. فدور القاضي كان كبيراً جداً وعظيماً في حين كانت الشرطة والحسبة تبدوان بغير موظف أو صاحب لهما.
onderheyden: La berberie, p. 175.
(3) - الرحموني: نظام الشرطة، 91.
(4) - المالكي: رياض، 1/ 277. ابن الآبار: الحلة، 1/ 106.
(5) - المالكي: 1/ 277. هوبكنز: النظم، 242. (1/400)
صفحة 400
لقد مرّ بنا أن روح بن حاتم في عصر الولاة لما أجبر عبدَ الله بن فروخ على القضاء لم يعامله بمثل هذه المعاملة اللأخلاقية ولم يصل به الأمر إلى الأخذ بضبع القاضي وعضده وإجباره على الجلوس للحكم بين الناس، وإنما أقصى ما عمله روح هو أنه لما هدده بطرحه من أعلى المسجد ورأى أن في ذلك عزيمة عليه قبل القضاء "فجلس للناس ومعه حرس" (1).
فما معنى جلوس الحرس – وهم نوع من الشرطة – مع القاضي؟ لعل ذلك ليحرسوه من نفسه ربما يهرب لهم من القضاء مثلما فعل الكثير من القضاة فيُسأل عنهم فلا يجدونهم إلا خارج القيروان بتونس أو بمصر.
ويذكر فوندرهيدن، دون الإشارة إلى مصادره، أن الشرطة كانت في البداية عند الأغالبة إدارية ,وجاء سحنون فضمها إلى مهامه (2)، والحقيقة أننا لا نجد شيئاً من هذا في المصادر المعتمدة لدينا، وكل الذين ذكروا إصلاحات سحنون وابتكاراته وإنجازاته لم يذكروا له هذا الإجراء إطلاقاً، فلا علاقة للشرطة مع القضاء في إفريقية عصر الولاة وعصر الأغالبة.
أما في المغرب الأوسط عند الرستميين، فإنه منذ بداية الدولة، وفي عهد مؤسسها عبد الرحمن بن رستم (160 - 171ه/ 777 - 787م)، وجدت الشرطة وأصحاب الشرطة (3)، وكانت أرزاقهم تخصص لهم من مال الجزية وخراج الأرضين يقطع لهم عبد الرحمن ما يكفيهم في سنتهم (4). وظلت الشرطة موجودة طيلة عهد الرستميين تحت رئاسة من يعرف بصاحب الشرطة (5).
__________
(1) - الدباغ: معالم، 1/ 242.
(2) - Vonderheyden: La Berberie. P. 175.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 35.
(4) - نفسه: 36.
(5) - نفسه: 41، 54، 63، 101. وانظر هوبكنز: النظم، 244. وانظر الكعاك: موجز، 183. الحريري: مقدمات البناء، 229. زغلول: تاريخ، 2/ 308. (1/401)
صفحة 401
وكان من مهام الشرطة بتيهرت مراقبة المدينة وأخلاق السكان بالتجول في شوارعها وتأديب الفجار والقبض على اللصوص، وفي الليل تسهر على أمن ونوم السكان وراحتهم وتوقيف المشبوهين فيهم وغير ذلك من الأعمال (1).
ولقد برز عمل الشرطة جلياً بعد الفتنة التي وقعت بين أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان وعمه يعقوب بن أفلح، فبعد أن وضعت الحرب التي دارت بينهما أوزارها ,تركت مفاسد كثيرة في المجتمع يقول ابن الصغير شاهد العيان "وكان البلد قد فسدت وفسد أهلها في تلك الحروب واتخذوا المسكر أسواقاً، والغلمان أخداناً " (2)، فلما وَلّى أبو حاتم (281 - 294ه/894 - 906م) إبراهيمَ بن مسكين وزكاراً في الشرطة عمل الرجلان معاً , فقطعا ذلك الفساد في أسرع من طرفة العين, على حد تعبير ابن الصغير, الذي يضيف "وحملا على الناس بالضرب والسجن والقيد، وكُسرت الخوابي بكل دار عظم قدرها أو صغر، وشُردت الغلمان وأخدانهم إلى رؤوس الجبال وبطون الأدوية وحُمل الناس على الواضحة ... وشُردت السراق وقطاع الطريق وأمنت السبل ومشى الناس بعضهم إلى بعض" (3).
إن ذلك إذن كله من مهام الشرطة وكما هو ملاحظ , إنها مهام أخلاقية بالدرجة الأولى استعملت الشرطة وسائل الضرب والسجن والقيد لردع الفساد والمفسدين والقضاء عليهم.
__________
(1) - انظر: Chikh Bekri: Le kharijisme, 71.، Gautier, Les siecles obscures, 313
(2) - أخبار الأئمة: 101.
(3) - الصغير، 101 - 102. (1/402)
صفحة 402
ومثل إفريقية الأغلبية، لا نجد علاقة للشرطة مع القضاء رغم أن ابن الصغير كلما تحدث عن القاضي أو القضاء إلا وأردفه بصاحب الشرطة أو الشرطة عموماً (1)، ولعل هذا يعني أن لكل إدارته ومهامه أكثر مما يعني علاقة تعاون بينهما.
ومثل فوندرهيدن في إفريقية الأغلبية، فإن شيخ بكري يرى أنه لا يستطيع القاضي أن يحكم لوحده في كل الجرائم , ولذلك حوّل سلطته لصاحب الشرطة والمحتسب اللذين يحكمان وينفذان حكمهما على مجموعة من الجرائم (2)، إلا أنه كسالفه لا يوثق في رأيه.
إن الشرطة في بلاد المغرب، وإن ساهمت في توفير العدل بمتابعة المجرمين والقبض عليهم وإنزال أنواع العقوبة عليهم، إلا أنها لم تكن تحت سلطة القضاء ولا علاقة لها البتة بالقضاء، بل نجد فيما بين أيدينا من مصادر، رغم كثرتها، أن الشرطة كانت تتولى تنفيذ أحكام القاضي ,قبض على المجرم أو إنزال للعقوبة المحكوم بها عليه أو إقامة حد وما إلى ذلك مما كان من أعمال الشرطة في بلاد المشرق لما كانت الشرطة مرتبطة بالقضاء قبل بداية القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي.
المبحث الرابع: أدوات القاضي
أ- السجلات والكتب والديوان:
هي كلها تسميات لمسمى واحد هو تلك الأوراق أو ذلك الدفتر الذي تُكتب فيه القضايا انطلاقاً من حضور الخصمين وأسمائهما والشهود وأسمائهم والقضية موضوع الخصومة وحكاية ما جرى بين المتنازعين من دعوى وإقرار وبينة ويمين ثم ما يحكم به القاضي ومن المحكوم له، ومن المحكوم عليه، وتعرف كذلك بالمحضر أو المحاضر (3) لأنها تبدأ عادة بعبارة "حضر عندي فلان الفلاني" أو "قال القاضي فلان الفلاني ببلد كذا: حضرني فلان" (4).
__________
(1) - نفسه: 35، 36، 63، 101، 102.
(2) - Chikh Bekri: Le kharijisme, p. 71.
(3) - الماوردي: أدب القاضي، 2/ 74. صبحي محمصاني: المجاهدون في الحق، 130.
(4) - النباهي: قضاة الأندلس، 194. يروي ذلك عن الخشني المتوفى عام 361ه. (1/403)
صفحة 403
إن المصطلحات المذكورة آنفاً كلها وجدت في التراث القضائي المغربي مثلما سوف نرى ولكن قبل ذلك متى بدأ تسجيل القضايا ببلاد المغرب؟
إن مصادرنا لا تشير إلى ذلك إطلاقاً , ولكن من المعروف أن القضاة منذ أواخر عهد الولاة وبداية عهد الأغالبة بإفريقية كانوا يتخذون لهم كتاباً، لا مهمة لهم، على ما يبدو، إلا تحرير السجلات، فالقاضي ابن غانم (171 - 190ه (هو أول من تذكره المصادر اتخذ كاتباً له كان يسبقه إلى مجلس القضاء بالمسجد (1).
وفي مصر – للاستئناس – يذكر الكندي أن أول من سجل سجلاً بقضائه هو سليم بن عتر لما اختصم إليه المتنازعون في ميراث فقضى بينهم شفوياً "ثم تناكروا فعادوا إليه فقضى بينهم وكتب كتاباً بقضائه وأشهد فيه شيوخ الجند" (2)، وكان هذا في النصف الأول من القرن الأول للهجرة، النصف الثاني من القرن السابع الميلادي أي قبل أن تفتح بلاد المغرب فتحا تاما.
وحيث أن الإدارة العربية في بلاد المغرب هي امتداد للإدارة نفسها في مصر, وكان المغرب تابعا لمصر لفترة طويلة , فلا مجال للشك أن القضاة ببلاد المغرب ومنذ البداية في عهد الولاة كانوا يتخذون هذه السجلات ويحررون المحاضر وإن سكتت المصادر عن ذكر ذلك , وبالتالي فإن المغرب , في نظري , لم يمر على المرحلة التي كان فيها القضاة لا يدونون الأحكام عند إصدارها وإنما تجاوزوها مباشرة إلى المرحلة التالية الأكثر تحضرا ودقة لأن المغرب طالت مدة فتحه ولم يتم إلا مع مشارف القرن الثاني الهجري , الثامن للميلاد , الأمر الذي أعطى الفرصة للعرب للاحتكاك بالحضارات (3) والاقتباس منها أو الاحتكاك بالواقع والاستفادة
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 227.
(2) - الكندي: قضاة مصر، 10. وانظر نجدة خماش: الإدارة، 329.
(3) - يذكر صاحب «السجل» في دائرة المعارف الإسلامية أن الكلمة مشتقة من «سجلّوم» sigillum وهي كلمة يونانية استعملت في اللغة العربية للدلالة على كتاب يكتب به القاضي صورة الدعاوى والحكم فيها. انظر دائرة المعارف الإسلامية م11 297. وانظر عن السجل الماوردي: أدب القضاة 2/ 71.
ومن المعروف ما قيل عن الديوان وأصله الفارسي وأنه بعرف بالديوانة وهو اسم للشباطين فسمي الكتّاب بذلك لحذقهم في الكتابة , وأول من وضع الديوان في الإسلام هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - انظر ابن جماعة: تحرير الأحكام 138 ومن المعروف أن أول من دوّن الدواوين ببلاد المغرب هو حسان بن النعمان عام 82 هـ /701 م انظر ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية 48 , المالكي: رياض 1/ 56 , ابن عذاري: البيان 1/ 38. (1/404)
صفحة 404
من التجارب والأخطاء مثلما وقع لقاضي مصر سالف الذكر.
إن هذا الاستطراد السريع , أردت به أن أبين أن بلاد المغرب كان القضاة بها يدونون القضايا ويكتبون المحاضر ويسجلون الأحكام , وقد ذكر بعض المؤرخين (1) «السجل» و «الديوان» و «الكتاب» إلا أن المشهور عند المغاربة هو السجل ولم يصلنا من سجلات فترة موضوعنا سجل فيما أعلم. ففكرة الأرشيف لم تتبلور بعد ولم تدركها الحضارة العربية في المغرب بعدُ , فضلا عن كثرة الفتن والحروب التي غالبا ما تأتي على الأخضر واليابس.
لقد كان إذا للقضاة ببلاد المغرب سجلاتهم ودواوينهم الخاصة سواء أكان ذلك في إفريقية (2) أو في المغرب الأوسط (3) ولا يستبعد عن ذلك المغرب الأقصى. ولعل هناك قضايا يحكم فيها القاضي حكماً شفوياً ولم تكن كل القضايا تسجل في السجلات والكتب والدواوين التي يضمها القمطر ويحفظها.
ب- القِمَطْرُ والخاتم أو الطابع:
1 - القِمَطْر:
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175ه) في معجم "العين" "والقمطرة:
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار 78 - 80 , أبو العرب: طبقات 235 , الرقيق: تاريخ , 131 , الدرجيني: طبقات ,2/ 321.
(2) - نوال تركي: التنظيمات، 175، 183.
(3) - الكعاك: موجز، 182. محمود إسماعيل: الخوارج، 200. (1/405)
صفحة 405
شَبَه سَفَط يُسَفُّ من قصب" (1)، ونجد هذا التعريف نفسه عند الكندي (2) وابن منظور (3) ويضيف الكندي "وقِمَطْرة الحكام التي يكون فيها كتبهم وحججهم" (4)، ويقول في مكان آخر "ويستحب للحاكم (أي القاضي) أن يتخذ قمطرة يجعل فيها كتب إثبات الأحكام .... " (5).
لقد استعمل قضاة المغرب هذا القمطر الذي يحوي وثائقهم وهو كما يقول قودفروا بديل عن المنديل الذي كان إلى حد قريب مستعملاً في بلاد المغرب وغيره, ويقول إن مصدره من الآرامية وهو يعني علبة ( boite) أو سلة ( corbeille) من سعف النخيل ويضيف، كما هو شأن المستشرقين دائماً، "وهو لا شك من الميراث الباقي من القضاء البيزنطي" (6).
والحقيقة أن هذا القمطر كان مستعملاً في بلاد المشرق عند العباسيين (7) منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، أواخر القرن الثامن الميلادي, ولم نجد له ذكراً في بلاد المغرب في حدود تلك السنين تقريباً إذ يروي المالكي أن عبد الله بن عمر بن غانم القاضي (171 - 190ه/ 787 - 805م) كان له قمطر يطبعه ويختمه
__________
(1) - الخليل: كتاب العين، تح. مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الرشيد، بغداد، 1982م، 5/ 258.
(2) - المصنف: 13/ 9.
(3) - لسان العرب: 2/ 163.
(4) - الكندي: المصنف، 13/ 9.
(5) - نفسه، 13/ 63، وانظر عن القمطر كذلك الماوردي: أدب القاضي 2/ 66، هامش 9، وانظر ص 77. وحسن سعيد الكرمي: الهادي إلى لغة العرب، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1412ه/ 1992م، 3/ 367.
(6) - Godefroy: Notes, p. 135
(7) - الكندي: قضاة مصر، 76. عصام شبارو: القضاء والقضاة. 63 - 64. حسن إبراهيم حسن: النظم، 286. (1/407)
صفحة 406
عندما يرفع جلسة قضائه ويفكها عندما يفتتحها (1)، ويبدو أنها المرة الوحيدة التي ذكر فيه القمطر في إفريقية، أما في المغرب الأوسط فإن ابن الصغير المعاصر للرستميين يذكر هذا القمطر في عهد أبي اليقظان (261 - 281هـ/ 874 - 894م) عندما يروي قصة القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ الذي "ألقى الخاتم والقمطر" (2)، للإمام أبي اليقظان وأقسم ألا يلي له قضاء.
لقد كان القمطر من بين أدوات القاضي بل هو الذي يحمل ويحفظ تلك الأدوات وخاصة سجلات المحاضر والأحكام. وهذا شيء ينم عن الضبط والدقة والتنظيم في الإدارة القضائية ببلاد المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد. ولعل هذا القمطر مع الخاتم يشكلان كما ذهب إلى ذلك الباحث جودت عبد الكريم، شارات القضاء عند الرستميين (3).
2 - الخاتم أو الطابع:
إن الخاتم من أهم شارات القضاء ليس عند الرستميين فقط وإنما في جميع الدول وهو رمز هام لمنصب القضاء (4)، وقد أورد المالكي قصة لطيفة للإمام مالك بن أنس رضي الله عنه مع مرسول القاضي عبد الله بن عمر بن غانم إليه لما قال له هذا الأخير اختم الكتاب ففيه أحكام المسلمين فقال له مالك: "مالي ختم. إنما الخاتم لثلاثة: لتاجر أو قاض أو سلطان" (5).
وبالفعل لقد كان الخاتم من أهم وأوكد الأدوات التي يجب أن تكون مع
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 227.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 78، 79، 80.
(3) - جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية، 279. وانظر الكعاك حيث يخطئ عندما يعرف القمطر بأنه هو الدفتر، موجز التاريخ العالم للجزائر، 182.
(4) - هوبكنز: النظم، 220.
(5) - المالكي: رياض، 1/ 233. (1/408)
صفحة 407
القاضي في مجلس قضائه، وقد يسمى الطابِع أو الطابَع، والطبع في الأصل هو الختم وهذا هو المعنى اللغوي للكلمة. أما المعنى الاصطلاحي فقد دخل اللفظ محتفظاً بدلالته كمصطلح قضائي في المغرب الإسلامي.
فالطابع "كتاب يكتبه القاضي فيطبعه بخاتمه ليستدعي به من يريد للحضور أمامه" (1). ولقد ورد في بعض الروايات بالفعل بهذا المعنى، إن القاضي أبا كريب جميل بن كريب (استشهد عام 132هـ) أعطى لمدعي رفع دعوى أمامه ضد الأمير عبد الرحمن بن حبيب الفهري، طابعاً يأخذه إلى خصمه لكي يأتي به إلى مجلس القاضي (2). فهذا الطابع هو ما يشبه الاستدعاء الرسمي الإجباري، أي أن القاضي يكتب كتاباً يستدعي فيه من يريد المثول بين يدي مجلسه ويختمه فيسمى طابعاً.
وكذلك يستعمل الطابع في طبع الأبواب وهو ختمها، فالقاضي أبو محرز (191 - 214هـ) طبع إحدى الدور بالقيروان في السماط الأعظم وقع عليها التنازع (3). ويبدو أن هذا الطبع هو ما نسميه اليوم بالتشميع (4)، المهم أنه يحمل ختم القاضي وبالتالي حكمه وقراره.
ولا ندري مم تصنع الأختام في ذلك الوقت، المهم أنها من مادة قابلة للانكسار إذ أن القاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، كسر خاتمه وأخذ درته وجلده وخرج من مقر قضائه في القيروان متجهاً إلى تونس مغضباً لما فض له الأمير يزيد بن حاتم كتاباً أعطاه لامرأة كان قد ختمه بخاتمه وهو يتعلق بقضية في حق تلك المرأة (5)، واعتبر القاضي ذلك تدخلاً في شؤون القضاء لذلك كسر خاتمه ما دام لم يحترم.
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 104، هامش 7.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 269 - 170، وانظر هامش 15 من ص 169. وانظر أبو العرب: طبقات، 218.
(3) - المالكي: رياض، 1/ 396 - 397.
(4) - نوال تركي: التنظيمات، 183 - 184.
(5) - المالكي: 1/ 158 - 159. (1/409)
صفحة 408
واتهم أبو محرز القاضي بإهمال خاتمه عندما يكون يتوضأ فيستغله أهله ويطبعون به ما أحبوا، ولما أرسل إليه الأمير الأغلبي من يراقبه ويتحقق من ذلك وجدوا أنه يضعه في عنقه معلقاً في خيط مثل العقد وفي غير ذلك يضعه في أصبعه (1)، كما هي العادة غالباً.
ولقد مرّ بنا أن القاضي عند الرستميين بتيهرت كان له خاتم (2) كغيره من القضاة في تلك الفترة وكذلك كان للقاضي في نفوسة خاتمه ويدل على ذلك قول عمروس بن فتح القاضي لوالي الجبل إلياس بن منصور "إن لم تأذن لي بثلاثة يا إلياس فخذ خاتمك عني ... " (3)، ويذكر له القضايا الثلاثة التي اشترطها عليه.
إن الخاتم عند القاضي عمروس بن فتح دليل على أن له سجلاً يدوّن فيه القضايا والأحكام الصادرة فيها ويختمها بخاتمه رمزاً للحكم الرسمي والقطعي الذي لا رجعة فيه والذي صدر عنه.
وعند الأدارسة يذكر الدكتور سعدون عباس أن للقاضي كاتباً يجلس في مجلس القضاء لكتابة المحاضر "وختْم الأحكام بخاتم الإمام" (4).
إن الأحكام المختومة بصفة عامة معناها إنهاء الحكم الصادر عن القاضي، ولا يحق لأي جهة مهما علت مرتبتها في الجهاز الإداري للدولة أن تغير شيئاً مما صدر فيها من قرار.
ج- الدرة وجلد الجلوس أو الحصير:
1 - الدرة:
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 233. المالكي: رياض، 1/ 274، وانظر في الحرص على المحافظة على الخاتم. الماوردي: أدب القاضي، 2/ 78.
(2) - ابن الصغير: أخبار. 78. الكعاك: موجز، 182.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 146. الدرجيني: طبقات، 2/ 321. الشماخي: سير، 226.
(4) - سعدون عباس: دولة الأدارسة، 122. (1/410)
صفحة 409
الدرة جمع درر, وهي السوط يُضرب به (1) ولقد اعتاد القضاة أن يحملوا معهم دررهم أو ما يعوض ذلك مثل العصا أو السوط. يقول الكندي "يستحب للحاكم (القاضي) اتخاذ درة يؤدب بها السفيه والظالم" (2)، ويقول الشيخ عبد العزيز الثميني للقاضي "أن يمسك الدرة أو السوط أو السيف، إن احتاج إليه .... " (3)، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائماً بدرته حتى قيل "درة عمر أهيب من سيف السلطان" وكانت "من جلد البقر أو الجمل محشوة بنوى التمر" (4).
والحقيقة أن الدرة أو العصا مما يضفي الهيبة على القاضي خاصة إذا كانت معه دائماً ولا يُرى إلا بها وكأنها تشكل جزءاً من شخصيته.
إن قضاة المغرب الإسلامي كانوا في عمومهم يحملون هذه الدرة وتكون معهم في مجلس قضائهم فمحكّم الهواري قاضي أفلح كانت له عصا جاء بها معه من الأوراس إلى تيهرت (5)، وكذلك كان لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي أبي اليقظان عصاً (6) لا يخرج إلا بها ولا يجلس في مجلس قضائه إلا وتكون معه.
وكان للقاضي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (145 - 158هـ) درة لا تفارقه، وكانت معه لما انعزل من القضاء إثر غضب من الوالي الذي فك كتاباً له لامرأة وتدخل في شؤونه, ولما رأى ذلك خرج من مجلس قضائه باتجاه تونس فلقيه
__________
(1) - المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق وبيروت، ط23، 1975، 209. مادة درة بكسر الدال وفتح الراء مع التشديد.
(2) - المصنف: 13/ 54.
(3) - الورد البسام: 15.
(4) - أنور الرفاعي: الإنسان العربي، 248.
(5) - ابن الصغير: أخبار، 50.
(6) - نفسه، 79. (1/411)
صفحة 410
قوم في الطريق ومعه درته وجلده (1). وكذلك الأمر بالنسبة للقاضي العلاء بن عقبة الذي كان قاضياً في عهد روح بن حاتم (171 - 174هـ) كانت له درته (2).
واستمر الأمر هكذا ودام، ومن المعروف أن سحنون بن سعيد القاضي "كان يضرب بالدرة ما خف من الأدب في الجامع" (3). إلا أنه ربما أخفى درته عن الشهود إن رأى فيهم خوفاً ورعباً وهو ما قاله لأحد الشهود بعد أن هوّن عليه "ليس معي سوط ولا عصا ولا عليك بأس ... " (4).
أما عند الأدارسة فكان إدريس الثاني الذي جلس للقضاء قبل أن يأتيه وفد العرب ويعين قاضيه منهم، قد "اتخذ قطعة من عصا غير منجورة" (5) يبدو أنها تلازمه ويلازمها حتى أنه كان يتوكأ عليها في خطبه. فالقاضي مهيب بشخصيته وربما زادته الدرة هيبة إلى هيبته.
2 - جلد الجلوس أو الحصير:
اعتاد قضاة المغرب الإسلامي الجلوس على الجلد أو على الحصير أو عليهما معاً, ولقد رأينا أن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم لما هرب من القضاء إلى تونس أخذ معه درته وجلده وكذلك القاضي العلاء بن عقبة الذي سلف ذكره قبل قليل كان لا يجلس إلا على جلد هو له (6). ولما مرض قاضي صقلية أبو عمرو ميمون بن عمرو دخل عليه بعض الناس ليعودوه وجدوا عنده حصيراً (7).
__________
(1) - المالكي: رياض، 2/ 159.
(2) - الرقيق: تاريخ، 141.
(3) - عياض: تراجم، 111.
(4) - نفسه: 103.
(5) - الحلبي: الدر النفيس، 265.
(6) - الرقيق: تاريخ، 141.
(7) - الدباغ: معالم، 2/ 357. (1/412)
صفحة 411
وجلس أبو العباس الأمير الأغلبي (289 - 290هـ/ 901 –902م) في المسجد للنظر في المظالم على حصير (1). ومن المعلوم أن الأمراء والأيمة والولاة كانوا قضاة, والقضاء من مهامهم تنازلوا عنه للقضاة لما كثرت مهامهم واستبقوا النظر في المظالم وهي من صميم القضاء.
وجلس عبد الرحمن بن رستم على حصير فوق جلد (2) ببيته ولا ندري إذا كان ذلك عادة له عندما يجلس في مسجده للأرملة والضعيف (3) أم لا!
عموماً كان القضاة يحتاجون إلى الجلد والحصير وليس سواهما للجلوس عليهما في مجلس قضائهم إذ لا يعقل أن يجلسوا على الأرض سواء أكان ذلك بالمسجد أو دار القضاء أو البيت المخصص للقضاء والملاصق للمسجد – لساعات طويلة من النهار, مع برودة طقس المغرب العربي عموما.
د- أدوات أخرى
من بين الأدوات التي يستعملها القضاة في قضائهم ولا بد أنه لا يخلو منها مجلس من مجالسهم الورق (4) والطومار (5) - أو الصحيفة – كالطومار الذي تركه القاضي ماتع بن عبد الرحمن الذي عُزل في عهد يزيد بن حاتم
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (الفاطميون)، 37.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 29.
(3) - نفسه، 28.
(4) * - عن الورق ومصدره في إفريقية والمغرب انظر حسن حسني عبد الوهاب الذي يذكر أنه في أواخر القرن الثاني للهجرة (8م) كان في القيروان سوق يعرف باسم "سوق الورااقين" ورقات، 1/ 207، 2/ 153 - 170.
(5) ** - الطومار أو الطامور هو الصحيفة قيل هو دخيل في العربية وقال ابن سيده هو عربي محض. ابن منظور: لسان العرب، 2/ 614، مادة (طمر) وانظر أبو العرب: طبقات، 104، هامش 8. (1/413)
صفحة 412
فإنه «خلف بعد موته طوماراً مكتوب فيه "إنما حكمت لفلان على فلان لأن فلاناً سألني فيه" وهو يعني بعض السلاطين» (1).
ولا بد للقاضي من دواة وأقلام (2) حتى يحرر المحاضر ويكتب القضايا وأحاكمها، ولقد خشي بعض الفقهاء والزهاد من الاقتراب من الحكام فضلاً عن قبول خدمتهم وتولي المناصب لهم لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذكره أبو العرب "ينادي مناد يوم القيامة أين أعوان الظلمة؟ فلا يبقى أحد مد لهم دواة فما فوق ذلك إلا حشر معهم" (3).
إن هذه الأدوات التي من البديهي أن تكون حاضرة في مجالس القضاة ببلاد المغرب والتي لم تشر إليها مصادرنا (4) إلا نادراً تقابلها أداة خاصة وجدت في إفريقية بالذات وهي الشقاف والرقاع التي ذكرتها المصادر.
كان عبد الله بن غانم "إذا جلس للخصوم رمى إليه الخصماء الشقاف فيها قصصهم مكتوبة" (5). والشقاف يبدو أنها قطع من الورق وربما هي قطع من الفخار (6)، إذ الورق في ذلك الوقت لم يلق الرواج الكبير بعد.
وفي منتصف القرن الثالث الهجري النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي ابتكر القاضي سحنون بن سعيد مع مجموع ما ابتكره "الرقاع" وتدخل في باب تنظيم التقاضي، كان يكتب أسماء المتقاضين في رقاع ويجعلها
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 104.
(2) - الخشني: قضاة قرطبة، 96. كان لقضاة قرطبة أأقلام ودواة.
(3) - أبو العرب: طبقات، 249.
(4) - لما أراد سحنون بن سعيد أن يكتب كتاباً إلى الأمير "دعا بدواة وقرطاس" الدباغ: معالم، 2/ 89.
(5) - المالكي: رياض، 1/ 222.
(6) - نفسه: 1/ 222 هامش 65. (1/414)
صفحة 413
بين يديه ويدعو بتلك الرقاع الواحد بعد الآخر, إلا إن جاءه مضطر أو ملهوف فإنه يقدمه على الذين سجلهم في رقاعه (1). وكانت هذه العادة موجودة في بلاد المشرق ذكرها آدم متز (2)، وقال بأن هذه الرقاع توضع في باب المسجد فيأخذها الكاتب ولا يزال يأخذها حتى يحضر القاضي، ووجدت كذلك في الأندلس ذكرها الخشني (3)، والغرض منها جميعاً تنظيم وترتيب المتقاضين في دخولهم إلى مجلس القاضي، ولعل وجود مثل هذه الرقاع في إفريقية الأغلبية يدل بالدرجة الأولى على كثرة المتقاضين وكثرة المنازعات كما يدل على أهمية وضرورة القضاء في المجتمع.
خلاصة الباب الثاني
إن القاضي في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9هـ) تمتع بشخصية مميزة، كسبها من علمه لأنه الفقيه وربما الأفقه في مجتمعه، ومن عمره الذي يتراوح بين الكهولة والشيخوخة، هذا في الغالب الأعم وإن وجد من بينهم من نسب إلى شيء من الجهل، أو من تولى القضاء وهو شاب أو صغير، إلا أن عددهم ضئيل جداً.
ولما كانت ميزتا العلم والعمر بما أسلفنا، مال أغلب القضاة في المغرب إلى التخشن في الملبس والمأكل والمركوب، وتعففوا عن حقهم في الراتب يقبضونه من الدولة، فكسبوا بذلك هيبتهم وفرضوا وجودهم بالمجتمع، وطغت شخصياتهم في كثير من الأحيان على أكبر أعوان الدولة بل حتى على الأمير أو الإمام نفسه.
ولم تكن الأصول الاجتماعية أو القبلية لهؤلاء القضاة محدودة ضيقة في أصول
__________
(1) - عياض: تراجم، 105. زغلول: تاريخ، 2/ 94.
(2) - آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، 1/ 412 - 413.
(3) - قضاة قرطبة، 69. (1/415)
صفحة 414
اجتماعية بعينها، أو قبلية بعينها، وإنما القضاء بالمغرب منصب تولاه وعرض على الشريف والمشروف، على من نسب إلى الطبقات العليا أو الدنيا على حد سواء، على العربي والبربري والأعجمي، وإن لاحظنا أن العرب من مختلف قبائلهم، تولوا هذا المنصب بكثافة في دولة الأغالبة، في حين كان البربر بمختلف قبائلهم هم الذين يتولونه في دولة الرستميين، ولعل قضاة الأدارسة كانوا من العرب خاصة.
إن أبرز قضاة المغرب الإسلامي هم قضاة العواصم: القيروان، تيهرت، فاس، سجلماسة ويأتي قضاة الأقاليم في دولتي الأغالبة والرستميين خاصة في الدرجة الثانية، لأن هؤلاء إنما يتم تعيينهم من قبل قاضي العاصمة في الغالب الأعم، هذا في القيروان، أما في تيهرت فإن الأيمة يعينون الولاة ويحمّلونهم كل المسؤوليات ومنها القضاء، وقد يتنازل أحدهم عن خطة القضاء لفقيه يرى فيه القدرة والكفاءة ...
وتمتع القضاء في المغرب باستقلالية مطلقة، لم تعكرها إلا بعض التدخلات الشاذة من بعض الولاة أو الأمراء، قابلها القضاة بصرامتهم المعهودة، ورفضوها جملة وتفصيلاً، وحافظوا بذلك على استقلالية مؤسستهم فكانت محترمة ارتاح لها المجتمع، ووجد عندها المظلوم حقه غير متعتع.
لقد تمت تعيينات قضاة هذه الفترة في دار الخلافة من قبل الخليفة في دمشق أو بغداد، خاصة في مرحلتها الأولى، ثم أصبحت بعد ذلك من صلاحيات الولاة بإفريقية. ولما استقل المغرب بكياناته عن المشرق أصبح التعيين بيد أمراء الأغالبة وأيمة الرستميين والأدارسة، وربما حتى المدراريين. ولقد روعيت الشروط المطلوبة في القاضي أثناء التعيين، فكان حكام المغرب يبحثون دوماً عن الأفقه والأعلم، وكان هؤلاء كثيراً ما تهربوا من مسؤولية القضاء وخطورته.
ومثل التعيين تماماً، كان العزل كذلك، وربما اعتزل القاضي من تلقاء نفسه، (1/416)
صفحة 415
وتخلى عن مهمته والأسباب عديدة ... إلا أن العزل من قبل أمراء بني الأغلب في الخمسين سنة الأخيرة من حكمهم باتت ظاهرة متبعة ملفتة للانتباه.
وفيما يتعلق بصميم عمل القاضي ومجلسه الموقر، يكفي أن نشير إلى أن بدايته كانت بجلوس القاضي في المسجد الجامع للعاصمة. وظل المسجد المقر المفضل للقضاء عند الأحناف طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة، في حين فضّل المالكية والإباضية تخصيص دار للقضاء ربما بجوار المسجد، حفاظاً على حرمة بيت الله وأسرار الناس من جهة، وقطعاً لتطفل المتطفلين من جهة أخرى.
ولم يقض القضاة بالمساجد ودور القضاء فحسب , وإنما قضوا في كل مكان عرضت لهم فيه قضية، كالسوق والشارع والدكان، وفي بيوتهم أو أمام عتبات تلك البيوت.
إن القاضي لوحده مع الخصوم، لا يشكل مجلساً قضائياً بمعنى الكلمة، وإنما وجد معه الكاتب باستمرار، وقد يتخذ الحاجب لتنظيم الناس وترتيب دخولهم إلى مجلسه، إلا أن أهم ما يضفي على المجلس وقاره هم أولئك الفقهاء المستشارون، الذين يساعدون القاضي في تحري أحكامه، وإن جهلنا عددهم في المجلس الواحد، بل قد يستغني عنهم قاض فقيه كسحنون بن سعيد مثلاً.
ولا يخلو مجلس القاضي من الشهود، وربما أصبحوا من الدائمين مع أواخر القرن الثالث الهجري، هذا فضلاً عن أعوان آخرين كالأمناء والترجمان والخدم وما إلى ذلك.
وحيث أن القضاء في المغرب الإسلامي في الفترة المذكورة، عرف نشأته واستمراره وبعض تطوراته، وتزامن ذلك مع خطط أخرى، إذ العصر بالنسبة للمغرب عصر تأسيس لنظمه ومؤسساته، وجدنا تداخلاً وعلاقات بين القضاء (1/417)
صفحة 416
وبعض تلك الخطط، فكانت كتوابع له، في حين لا يربطها بخطط أخرى أي علاقة، وإن ضمت إلى مؤسسته بالمشرق. ومن هذا الصنف الشرطة، فلا دليل على أن لها ارتباطاً أو علاقة بالقضاء، بعكس الحسبة التي رأينا أن بعض القضاة تولوها مع مهمتهم أو قبل أن يتولوا منصب القضاء، وكذلك الأمر بالنسبة لخطة "المظالم" التي كشفنا أنها خطة إفريقية أغلبية، بقدر ما هي مرتبطة بالقضاء وتابعة له، بقدر ما هي بعيدة كل البعد عن خطة "النظر في المظالم" المعروفة بالمشرق، والمشهورة في كتب النظم.
"إن مظالم القيروان" أو "مظالم فلان" القاضي، كما كانت تُعرف بالقيروان، ما هي إلا خطة "أحكام السوق" التي تتلخص مهمتها في الحكم في القضايا التي يفرزها السوق، ولكن ليس كل القضايا، وإنما التي لم يتجاوز الخلاف فيها حداً نقدياً معيناً يقدره قاضي القيروان عند تعيينه لصاحب مظالمه.
ولقد رأينا أن أول من استحدث هذا المنصب هو القاضي سحنون بن سعيد، صاحب الإضافات العديدة، وأن أول صاحب مظالم له هو تلميذه الحبيب بن نصر.
إن هذه المؤسسة القضائية، مع عظيم شأنها، وخطورة مهمتها، بسيطة في أدواتها لا تتعدد بضعة أدوات، وتتلخص في: السجلات، والكتب "الدواوين"، والأقلام، والخاتم "الطابع"، ويضم ذلك كله ما يعرف بالقمطر، وهو شبه سلة يجمع فيها القاضي أدواته المذكورة ويحملها معه.
هكذا نرى بساطة الجهاز الإداري للقضاء بالمغرب، بساطة في شخص القاضي، ومجلسه، ومكان انعقاده، وأدواته، إلا أنه كان بسبب ذلك مجلساً مهيباً، وقوراً، فعالاً، متميزاً، عادلاً.
نعم، لقد كان بتلك الصفات: ففيم تتمثل خصائصه ومظاهر عدله، وفيم تتجلى آثاره الباقية؟ (1/418)
صفحة 417
محتويات الكتاب
الإهداء 05
الرموز المستعملة في الدراسة 07
تقديم 09
مقدمة الطبعة الثانية 13
مقدمة الطبعة الأولى 15
المصادر والمراجع عرض وتحليل 29
المدخل: المغرب قبل الفتح الإسلامي محاولة لفهم أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية 89
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي (النشأة والاستمرار)
تمهيد 109
الفصل الأول: القضاء في عهد الولاة (96 - 184هـ/ 715 - 800م) 110
المبحث الأول: الأسس الأولى للقضاء في المغرب الإسلامي 110
أ- القضاء في عهد الفتوح 110
ب- القضاء في عصر الولاة 114
المبحث الثاني: أشهر القضايا في عصر الولاة 118
المبحث الثالث: تقويم القضاء في عصر الولاة 122 (1/419)
صفحة 418
الفصل الثاني: القضاء عند المدراريين والأدارسة
(المغرب الأقصى) (140 - 296هـ/ 757 - 909م) 133
المبحث الأول: القضاء عند المدراريين 135
المبحث الثاني: القضاء عند الأدارسة 139
المبحث الثالث: تقويم القضاء في المغرب الأقصى 149
الفصل الثالث: القضاء عند الرستميين (160 - 296هـ/ 777 - 909م) 155
المبحث الأول: نشأة القضاء عند الرستميين 157
المبحث الثاني: استمرار القضاء في الدولة الرستمية 163
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الرستمي 173
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الرستمية 178
الفصل الرابع: القضاء عند الأغالبة (184 - 296هـ/ 800 - 909م) 189
المبحث الأول: بداية القضاء عند الأغالبة 191
المبحث الثاني: تطور القضاء في الدولة الأغلبية 194
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الأغلبي 207
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الأغلبية 219
خلاصة الباب الأول 228
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء في المغرب الإسلامي
تمهيد 235 (1/420)
صفحة 419
الفصل الأول: شخصية القاضي وهيبته 236
المبحث الأول: علم القضاة وأعمارهم 236
أ- علم القضاة 236
ب- عمر القضاة 245
المبحث الثاني: لباس القضاة ومركوبهم وهيبتهم 247
أ- لباس القضاة 247
ب- مركوب القضاة 254
ج- هيبة القضاة 257
المبحث الثالث: المستوى المعيشي للقضاة (رزق القاضي وراتبه) 262
المبحث الرابع: الأصول الاجتماعية والقبلية للقضاة 270
أ- الأصول الاجتماعية 270
ب- الأصول القبلية 277
الفصل الثاني: التنظيم القضائي 293
المبحث الأول: قاضي العاصمة 295
المبحث الثاني: قاضي الإقليم 298
المبحث الثالث: استقلالية القضاء 304
المبحث الرابع: التعيين والعزل (الأسباب والدواعي) 317
أ- التعيين 317
ب- العزل وملابساته (إنهاء المهام) 331
الفصل الثالث: مجلس القضاء، توابع القاضي وأدواته 341
المبحث الأول: دور (مكان) القضاء 343 (1/421)
صفحة 420
أ- المساجد والجوامع 343
ب- دار القضاء 348
ج- أماكن أخرى 352
المبحث الثاني: مجلس القاضي (مساعدو القاضي) 353
أ- كاتب القاضي وحاجبه 353
1 - كاتب القاضي 353
2 - حاجب القاضي 358
ب- الفقهاء المستشارون والشهود 360
1 - الفقهاء والمستشارون 360
2 - الشهود 363
ج- الأعوان الآخرون 369
1 - الأمناء 369
2 - الترجمان 372
3 - الخدم 372
المبحث الثالث: توابع القضاء 374
أ- خطة المظالم نشأتها وعلاقتها بالقضاء 374
ب- الحسبة وعلاقتها بالقضاء 388
ج- الشرطة وعلاقتها بالقضاء 397
المبحث الرابع: أدوات القاضي 402
أ- السجلات والكتب والديوان 402
ب- القِمَطْر والخاتم أو الطابع 404
1 - القِمَطْر 404
2 - الخاتم أو الطابع 406 (1/422)
صفحة 421
ج- الدرة وجلد الجلوس أو الحصير 408
1 - الدرة 408
2 - جلد الجلوس أو الحصير 410
د- أدوات أخرى 411
خلاصة الباب الثاني 413
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره
تمهيد 421
الفصل الأول: الملل والنحل والأجناس في المغرب وآثارها في القضاء 423
المبحث الأول: التشريع القضائي ببلاد المغرب
(دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة ببلاد المغرب) 423
المبحث الثاني: المذهبية والصراع المذهبي في القضاء 444
المبحث الثالث: العبيد وأهل الذمة في المغرب قضاؤهم وتقاضيهم 481
أ- العبيد 481
ب- أهل الذمة 484
المبحث الرابع: المرأة والقضاء في المغرب الإسلامي 492
الفصل الثاني: القضاء وأثره في مختلف مناحي الحياة بالمغرب 509
المبحث الأول: أثر القضاء في الحياة السياسية 510
المبحث الثاني: أثر القضاء في الشؤون العسكرية والحربية 518 (1/423)
صفحة 422
المبحث الثالث: أثر القضاء في الحياة الثقافية 532
الفصل الثالث: العدل والجور في القضاء بالمغرب الإسلامي وأثرهما 557
المبحث الأول: الحدود والعقوبات في القضاء بالمغرب 559
أ- الحدود 559
ب- العقوبات 565
المبحث الثاني: مظاهر العدل والجور في القضاء بالمغرب 577
أ- مظاهر العدل 577
ب- مظاهر الجور 587
المبحث الثالث: التقويم العام للقضاء في المغرب، آثاره ونتائجه 605
المبحث الرابع: بعض نوادر القضاة وملحهم 637
الخاتمة 647
الملاحق 653
الملحق رقم 1: ما يقوله القاضي عند إصداره الحكم 655
الملحق رقم 2: جدول بأسماء القضاة بإفريقية في عصر الولاة 656
الملحق رقم 3: جدول بأسماء القضاة في المغرب الأقصى 661
الملحق رقم 4: جدول بأسماء القضاة بتيهرت عاصمة الرستميين 664
الملحق رقم 5: جدول القضاة بالقيروان عهد الأغالبة 667
الملحق رقم 6: جدول بأسماء قضاة الرستميين بالأقاليم 673
الملحق رقم 7: جدول بأسماء قضاة الأغالبة في الأقاليم 677
الملحق رقم 8: جدول بأسماء "أصحاب المظالم" بالقيروان عهد الأغالبة 683 (1/424)
صفحة 423
قائمة المصادر والمراجع 687
المخطوطات 689
المصادر 691
المراجع 709
الرسائل الجامعية 721
المقالات والمطبوعات 724
المراجع والدراسات غير العربية 727
المحتويات 729 (1/425)
صفحة 424
[ الجزء الثاني ]
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب
الإسلامي ومظاهره (2/417)
صفحة 425
[صفحة بيضاء] (2/418)
صفحة 426
الباب الثالث
خصائص القضاء
في المغرب الإسلامي ومظاهره
تمهيد
الفصل الأول
الملل والنحل والأجناس في المغرب
وأثرها على القضاء
المبحث الأول: التشريع القضائي ببلاد المغرب (دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة ببلاد المغرب)
المبحث الثاني: المذهبية والصراع المذهبي في القضاء
المبحث الثالث: العبيد وأهل الذمة في المغرب قضاؤهم وتقاضيهم
أـ العبيد
ب ـــ أهل الذمة
المبحث الرابع: المرأة والقضاء في المغرب الإسلامي (2/419)
صفحة 427
[صفحة بيضاء] (2/420)
صفحة 428
تمهيد
حرَّك القضاء في المغرب الإسلاميِّ جميع عناصر المجتمع وطبقاته، فأثَّر فيهم كما أثَّروا فيه، وبرزت بذلك خصائص للقضاء المغربي ومظاهر نتناولها بالدراسة من خلال التطرق للتشريع القضائي ببلاد المغرب، كيف بدأ وما هي أُسسه؟ فالمغرب كان قد عرف مذاهب مُتَعَدِّدَة، كيف كانت تستقي تشريعاتها القضائية وماهي مصادرها؟
إنَّ المذهبية في بلاد المغرب تفاعلت وانفعلت مع القضاء في إطار الدولة الواحدة فضلا عن تعدُّد تلك الدول فما هي نتائج ذلك على الصعيدين القضائي والمذهبي؟.
إنَّ المذهبية الإِسَلاَمِيَّة أمر طارىء في المجتمع، منذ بداية القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي، وكان لها تأثيراتها البارزة، من خلال القضاء في مختلف مناحي الحياة، وبطبيعةالحال، كان بالمجتمع أهل الذِّمَّة من اليهود والنصارى، كما وُجد العبيد وبكثرة في هذه الفترة، فكلُّ هذا التنوع في الأديان والمذاهب والأجناس، المفروض أَنَّهُ احتاج إلى القضاء والحكم عليه أو له في بعض جلساته.
وفي هذا الخضمِّ والتنوع نتناول القضاء والمرأة في المجتمع المغربي ما لها وما عليها، ما أثارته من قضايا وما أثير حولها في مجالس القضاء. وكلّ هذا يبرز خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومميِّزاته.
أَمَّا آثاره ومظاهره فَتَتَجَلَّى من خلال دراستنا للقضاء، في الحياة السِّيَاسِيَّة وَالعَسْكَرِيَّة وَالثَّقَافِيَّة فضلا عن الاِقتِصَادِيَّة والاِجْتِمَاعِيَّة. ويمكن أن نَتَتَبَّع أهمَّ ظاهرتين في القضاء وهما العدل (2/421)
صفحة 429
والجور من خلال الحدود والعقوبات التي نفِّذت فعلا في القضاء المغربي ثُمَّ نرصد مظاهر العدل ومظاهر الجور لنقوم في النهاية بتقويم (1) القضاء وإبراز آثاره ونتائجه.
__________
(1) - نذكِّر أنَّ التقويم معناه: قوَّم، يقال قوَّم السلعة واستقامها: قدَّرها. والقيمة واحدة القيَم، وأصله الواو لأَنَّهُ يقوم مقام الشيء، والقيمة: ثمن الشيء بالتقويم. لسان العرب، 3/ 193، مادَّة "قوم". (2/422)
صفحة 430
الفصل الأول
الملل والنحل والأجناس في المغرب
وأثرها على القضاء
المبحث الأول: التشريع القضائي ببلاد المغرب
(دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة ببلاد المغرب)
إنَّ القضاء في القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) ببلاد المغرب الإسلامي هو المحكّ والتجربة الأولى التي امتحن بها المغاربة (1) قدراتهم العلمية ومعرفتهم الفقهية بعيداً عن مراكز العلم بالمشرق، فبيئة المغرب النائية عن المدارس الفقهية الناشئة في هذه الفترة بكل من المدينة المنورة والبصرة والكوفة ودمشق وبغداد، سيعمل أهلها كل ما في وسعهم لتدارك هذا النقص ومسايرة المشرق في تطوراته العلمية وتطورات مدارسه الفقهية.
إنَّ المسلمين قد واجهتهم، بلا شكّ، بعد فتحهم لبلاد المغرب مسائل كثيرة في كل شأن من شؤون الحياة، تحتاج إِلى تشريع: فنظام للري يختلف عما ألفوه، ومسائل مالية عديدة معقدة لا تقارن بما كان عندهم، ومسائل الجيش ومعاملة المغلوبين وما يؤخذ من الضرائب ممن أسلم وممن بقي على دينه، أحوال في الزواج والطلاق متعددة، وأنواع في طريقة التقاضي وجنايات مختلفة لم يكن لهم بها عهد، وقل مثل ذلك في سائر الشؤون الأخرى، وكل ذلك يقتضي أن
__________
(1) 1 - نقصد هنا بالمغاربة كلّ من استوطن بلاد المغرب واتخذها مقاماً له بغض النظر عن أصوله العرقية البعيدة أو القريبة. (2/423)
صفحة 431
يكون المشرّعون الأولون قد واجهوا أمراً عظيماً (1)، فمن المعروف أنَّ القراء والفقهاء كانوا يشكلون جزءاً من الجند في جيوش الفتح، وعليهم كانت تقع مسؤولية حل تلك المسائل، فكانوا بذلك النواة الأولى للتشريع ببلاد المغرب، وبدأت الذاكرة الجماعية تحفظ تلك الأحكام سلوكاً وواقعاً معيشاً مرتبطاً بتطوراتها وبدأ المهتمون بالفقه يحفظونها كجزء من المعرفة الفقهية التي كلَّفوا أنفسهم حفظها واستيعابها أو كلفتهم العناية الإلهية بذلك.
ومن المعروف (2) أنَّ القضاء إِلى نهاية القرن الأوَّل للهجرة كان يعتمد المصدرين الأولين للتشريع في الإسلام كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) بالإضافة إِلى ماقرره الخلفاء الراشدون وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحكام وأقضية اجتهدوا فيها رأيهم ونالت الإجماع، ثمَّ ماكان مع التابعين بعد ذلك من اجتهادات تقبلها الجمهور وعمل بها القضاء بوازع الشريعة أو بوازع السلطان إذ يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
إنَّ كتاب الله وسنة رسول الله والاجتهاد والإجماع هي مصادر التشريع القضائي خلال القرن الأوَّل الهجري (4) وهي المصادر التي سيعتمدها القضاء في المغرب الإسلامي خلال عصر الولاة (96هـ-184هـ/714 - 909م).فهذا العصر الأكثر ارتباطا بالمشرق والأقرب منه زماناً إذ يشكل المغرب الإسلامي فيه ولاية من
__________
(1) - أحمد أمين: فجر الإسلام. 380، هوبكنز: النظم.220.
(2) - انظر كتابنا القضاء في الإسلام، مرجع سابق.
(3) - إنَّ أبا عبد الله الشيعي في نهاية القرن الثالث يتساءل ما السنة؟ فقد روى المالكي أنَّ الداعي سأل القاضي عهد الأغالبة إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب (آخر العهد الأغلبي) وقد قيل له إنَّه كان قاضياً سأله «بأي شيء تقضي؟ فقال له إبراهيم (ابن الخشاب) بالكتاب والسنَّة فقال له أبو عبد الله: فما السنَّة؟ فقال له إبراهيم (ابن الخشاب) السنَّة السنَّة ... » انظر تمام الرواية: رياض النفوس 2/ 76.
(4) - فاروق عمر: النظم، 125. (2/424)
صفحة 432
الولايات المتعددة التابعة للخلافة الإسلامية في دمشق ثمَّ في الكوفة فبغداد، هو عصر تابعي التابعين وعلمهم بمبادئ الأحكام لا يرقى إليه الشك ومعرفتهم بعموميات التشريع القضائي أمر لا ينازع.
فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الواضحة التي لا تحتاج إِلى تأويل هي الرصيد القضائى الأوَّل عند قضاة عصر الولاة، فهل يحتاج هذ الجزء من الآية {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْنِ ... } (1) في الميراث إِلى تفسير؟ أو الآية {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنم بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَد ظَّلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَالِكَ أَمْرًا} (2) أو الآية {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَم بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (3) أو الآية {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فيِ دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُومِنِينَ} (4).
إنَّ هذه الآيات وغيرها كثير واضحة معروفة مشهورة كانت تطبق في الحياة اليومية للدولة الإسلامية في المشرق والمغرب، وبالتالي كان القضاة على أتم العلم بها وكانوا يعرفون طريقة تطبيقهم لها معرفة جيدة بلا أدنى شك.
وإنَّ الأحاديث النبوية المتعلقة بالأحكام كثيرة جداً وواضحة يكفي أن يكون للمرشح للقضاء قدر معين من العلم والذكاء والحفظ لا غير، فالحديث النبوي الذي يقول «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (5) يعطي مجالاً واسعاً للقاضي حتى
__________
(1) - سورة النساء. آية 11وآية 176.
(2) - سورة الطلاق الآية 1.
(3) - سورة المائدة الآية 38.
(4) - سورة النور الآية 2.
(5) - الترمذي: جامع الترمذي، دار الكتاب العربي. بيروت، بلا تا. 2/ 318. (2/425)
صفحة 433
لا يُسرع إِلى الحكم بالحدود وكأن هذا يماثل في بعض معانيه مايقال اليوم «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» (1). وكذلك حديثه - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي واليمين على المدّعَى عليه» (2). أو حديثه - صلى الله عليه وسلم - «من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ... فهذا التراث القضائي كان يُعتبر القاعدة الأساسية في التشريع القضائي ببلاد المغرب، أضف إِلى ذلك كتاب عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري (3) وهو كتاب جامع لأهم ركائز القضاء في الإسلام مشهور معروف، لا أعتقد أنه غاب عن قضاة عصر الولاة بالمغرب بخاصة وقد عدَّه العلماء من المصادر الأصيلة لأصول المحاكمات (4).
إنَّ قضاة المغرب لم ينطلقوا من عدم، فقد سبق القضاة في العهد الراشدي ثمَّ في العهد الأموي أن حكموا في كثير من القضايا وفي بيئات مختلفة. فلا شك أنَّ أحكامهم تلك تشكل تجربة رائدة اعتمد عليها القضاة ببلاد المغرب وهم، كما نعرف، جلهم من أصول عربية مشرقية وكلهم تلاميذ المدرسة المشرقية في الحجاز أو الشام أو العراق وظلوا على اتصال دائم بأعلام المشرق لم ينقطع طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة وإن تقلص نوعاً ما في القرن الثالث ولم يعد بالكثافة التي كان عليها قبل ذلك.
لقد سبق أن رأينا تتلمذ بعض قضاة المغرب على المشايخ بالمشرق إذ كانت لهم الرحلة إِلى تلك البقاع فعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني (99 - 123هـ) أوَّل قضاة المغرب بالقيروان على عهد الولاة هو من فضلاء التابعين ومن رواة
__________
(1) - فاروق عمر فوزي؛ النظم 133.
(2) - الترمذي: جامع الترمذي: 2/ 279 - 280.
(3) - أنظر المبحث الثالث من الفصل التمهيدي.
(4) - مناع القطان: النظام القضائي في العهد النبوي والخلافة الراشدة، 51. (2/426)
صفحة 434
الحديث الثقاة (1). وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري (المرة الثانية 132 - 145هـ) سمع من جلة التابعين (2) وعبد الله بن فروخ الفارسي هو من شيوخ أهل إفريقية رحل في طلب العلم فلقي بالمشرق مالك بن أنس وسفيان الثوري وأبا حنيفة النعمان ولقي غير واحد ممن حمل عن سفيان، وكان ثقة في حديثه (3).
ومن المعروف أنَّ عبد الرحمن بن رستم تولىَّ القضاء بالقيروان لما تمكّنت الإباضية من إفريقية (140 - 145هـ) وهو من تلاميذ البصرة تلقى علمه عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلميذ التابعي المشهور جابر بن زيد الأزدي (4)، ورجع من هناك بشهادة من أستاذه تقول له «إفت بما سمعت (مني) وما لم تسمع» (5).
إنَّ هذه العينات أو النماذج من قضاة إفريقية عصر الولاة تؤكد مسايرة المغرب للمشرق في مصادر التشريع القضائي التي هي إِلى هذا العهد: كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما اجتمع من أحكام اجتهادية ربَّما نالت الإجماع هي من ميراث عصر الراشدين وعصر الأمويين.
من الملاحظ هنا أنَّ المذاهب الفقهية المعروفة بالمذاهب الأربعة لم تبلغ بعد إِلى التأثير في مصادر التشريع فهي في هذه الفترة في طور النشوء والتكوين بخاصة منها مذهب أبي حنيفة النعمان (80 - 150هـ/699 - 767م) ومذهب مالك بن أنس (93 - 179هـ/711 - 795م) اللذان سوف يكون لهما الدور الكبير في إثراء مصادر التشريع وسوف يظهر ذلك جلياً في فترة الدول المستقلَّة ببلاد المغرب.
فنلاحظ هنا كذلك أنَّ الإباضية هي السبّاقة إِلى تأطير قضاتها ومنحهم
__________
(1) - الدباغ: معالم 1/ 210 - 211.
(2) - أبو العرب: طبقات 95، المالكي: رياض 1/ 215.
(3) - أبو العرب: نفسه 107، الدباغ: معالم 1/ 240.
(4) - بحاز إبراهيم: عبد الرحمن بن رستم. 17 - 23.
(5) - الشماخي: سير.144. (2/427)
صفحة 435
الانتماء المذهبي، في حين كان القضاة الآخرون لا ينتمون إلى مذهب من المذاهب الموجودة على الساحة الإسلامية أو التي سوف تكون بعد سنوات معدودات وإنَّما كان انتماؤهم للخلافة الأموية أو الخلافة العباسية لا غير.
إنَّ القرن الثاني الهجري (8م) هو القرن الذي سيشهد ميلاد المذاهب الفقهية الفاعلة في التاريخ الإسلامي عموماً وفي تاريخ المغرب خصوصاً، لتضاف إِلى المذاهب الفقهية التي كانت نشأتها مبكرة نوعاً ما خلال القرن الأوَّل الهجري وأقصد بها مذهبي الشيعة والإباضية اللذين لهما أدوار فاعلة في المغرب الإسلامي إِلى جانب المذهبين الحنفي والمالكي. فالقرن الثاني الهجري هو الدور الرابع (1) من الأدوار التاريخية للتشريع في الإسلام حسب تصنيف الأستاذ عبد الرحمن الصابوني، وهو عصر الاجتهاد المطلق ونشوء المذاهب الفقهية.
إنَّ هذا العصر هو عهد الأيمة المجتهدين الذي يعتبر بحق العهد الذهبي للتشريع الإسلامي وللقضاء في الإسلام (2) فقد أطلق الأيمة الأربعة وتلاميذهم لعقولهم العنان وبدأوا يقترحون الأسئلة ويفترضون الفروض ويضعون لها الأجوبة حتى تكوَّن لهم من ذلك آلاف المسائل شملت أبواب الفقه جميعها وبذلك تركوا للقضاة مادة غنية تساعدهم في تسيير أمور القضاء (3).
ولعل هذا التطور الكبير والسريع في التشريع القضائي ببلاد المشرق والذي يتزامن مع العصر العباسي الأوَّل (132 - 247هـ/749 - 861م) والنهضة العلمية
__________
(1) - الدور الأوَّل هو عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والثاني هو عصر الصحابة وبدء الاجتهاد، والثالث هو عصر تكوين المدارس الفقهية، والرابع هو عصر الاجتهاد المطلق ونشوء المذاهب الفقهية. عبد الرحمن الصابوني: مدخل لدراسة التشريع الإسلامي. مصادر التشريع والقواعد الكلية. ج1. المطبعة الجديدة دمشق ط4. 1398هـ/1978. ص119.
(2) - عصام شبارو: القضاء والقضاة. 341.
(3) - نفسه 139. (2/428)
صفحة 436
التي شهدتها المرحلة، كان المغرب الإسلامي يتابعها أوَّلاً بأول ويتأثر بها شيئاً فشيئاً ولعل في ذلك التأثر شيئاً من البطء والتأني استوجبته بُعدُ المسافة بين مراكز العلم في المشرق ومراكز العلم في المغرب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان تأثراً دون تأثير لأنَّ المغرب ظل دائماً تلميذا للمشرق في هذه المسائل الفقهية والتشريعات القضائية ومما يؤكد هذا البطء والتأخر مارواه الخشني عن عالم رحل إِلى العراق ولما عاد سأل أهل القيروان عمَّاذا يتكلم فيه علماء القيروان فقيل له في الأسماء والصفات «فقال إنَّما تركت الناس بالعراق يتوافقون في مسألتين مسألة القدر ومسألة الوعد والوعيد» (1)، وهذه في علم الكلام بطبيعة الحال يستشف منها البطء والتأخر الذي كان عليه المغرب مقارنة بالمشرق في العلوم الأخرى، وهو بطء وتأخر لا أراهما كبيرين وهما ضروريان في هذه المرحلة، فلا يُعقل أن يسبق التلميذ شيخه.
ومما يؤكد هذا التخلف النسبي ما ذكره المؤرخون من أن الخمر كان بإفريقية فضلا عن سائر المغرب حلالا فلم يتبينوا تحريمها حتى أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ) بعثته العلمية المتكونة من عشرة من التابعين أهل علم وفضل، وعين إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر والياً على إفريقية وما زال هذا حريصاً على دعاء البربر إِلى الإسلام حتَّى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه وهو الذي علّم أهل إفريقية الحلال والحرام (2).
كان هذا في بداية القرن الثاني الهجري أما بعد ذلك من منتصفه إِلى القرن الثالث الهجري فإنَّ الإباضية في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ثمَّ في دولة الرُّستميين، والصفرية في دولة بني مدرار، كانوا خير رسل
__________
(1) -طبقات. 220.
(2) - أبو العرب: طبقات 87، ابن عذاري: البيان 1/ 48. (2/429)
صفحة 437
للإسلام بين البربر كما يؤكد ذلك ألفرد بل ( ALFRED BEI) (1) .
وكان للحياة الثقافية التي عاشها البربر بين أحضان الرُّستميين، الدور الكبير في شحذ عزيمة شيوخ البربر على التعمق في دراسة قضايا الدين ومسائل الخلاف وتمكنوا بذلك، يقول الدكتور الحبيب الجنحاني، «من تأسيس مدرسة لها معالمها الخاصةفي تاريخ الفكر الإسلامي» (2) ببلاد المغرب.
و إنَّ القضاء إِلى هذا العهد ظل يعتمد الذكاء والذاكرة أو الحفظ لدى القاضي في أغلب الأحيان، ولقد ذكرنا عدة مرات في هذا البحث قصة إسماعيل بن درار الغدامسي الذي لمَّا هم بمغادرة البصرة نحو المغرب وأثناء توديعه لشيخه أبي عبيدة، لم يترك الفرصة تفلت منه فسأله عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قبل أن يستوي على متن دابته حتى لاحظ عليه شيخه قائلاً «أتريد أن تكون قاضياً يا ابن درار؟» (3)،وكان بالفعل قاضياً في دولة أبي الخطاب (140 - 145هـ/757 - 762م) في غير مدينة القيروان لأنَّ هذه كانت لعبد الرحمن بن رستم، ربما كان هو في طرابلس وجبل نفوسة.
إنَّ هذا العهد من المسائل المتعلقة بالقضاء تلقاها ابن درّار شفوياً وحفظها وكانت رصيده التشريعي أثناء تحمله مسؤولية القضاء.
أمَّا عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208هـ/787 - 823م) فمن المعروف أنه أخذ العلم عن حملة العلم إِلى المغرب وبخاصة منهم والده، ودفعه حبه
__________
(1) - ألفردبل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي (من الفتح العربي حتى اليوم). تر. عبد الرحمن بدوي. دار ليبيا للنشر والتوزيع بنغازي 1969.ص149، وانظر محمَّد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية. ص102.
(2) - الجنحاني: تاهرت عاصمة الرُّستميين. المجلة التونسية ع. 40/ 43.ص41، وانظر كتابنا. الدولة الرستمية ص310 - 341.
(3) - أبو زكرياء: السير 60، البغطوري: كتاب سير أهل نفوسة (مخ) ق 5. الدرجيني: طبقات 1/ 21. (2/430)
صفحة 438
الاستزادة من العلم بعد وفاة حملة العلم إِلى إرسال أموال إِلى البصرة ليشتروا له بها كتباً فكان له ما يريد إذ أرسلوا إليه ديوانا عظيما فاجتهد في قراءته ولمَّا انتهى منه حمد الله إذ ليس فيه مسألة غربت عنه إلاَّ مسألتان لو سئل عنهما لأجاب قياساً على نظائرهما ووافق الصواب (1).
فهذه الرواية تؤكد اتَّصال المغرب بالمشرق: اتصال الإباضية الرُّستمية بأيمتها في البصرة، كما تؤكد تمكُّن المغاربة من الفقه عموما بما في ذلك فقه الأحكام بطبيعة الحال، وتشير الرواية صراحة إلى اعتماد الكتب في هذه المرحلة من القرن الثالث الهجري، فالتدوين للفقه وأبوابه قد بدأ إذن عند الإباضية بعد أن دوِّن الحديث على يد الربيع بن حبيب في مسنده المعروف بالمسند الصحيح (2)، وتشير الرواية كذلك إلى استعمال القياس في استنباط الأحكام الجديدة وهو قياس نازلة بما سلف من الأحكام، من حيث ظروفهما وملابساتهما ومشابهتهما أو مطابقتهما في كثير من الجزئيات، وهذا القياس يدخل عموما في الباب الكبير الذي يعرف بالاجتهاد، لأنَّه إعمال للعقل واجتهاد من الفقيه أو القاضي أو المفتي لإصدار الحكم وتأصيله.
ودائما عند الإباضيَّة بدأ التأليف في الأحكام في المغربين الأوسط والأدنى، فالإمام عبد الوهَّاب له كتاب «معروف بمسائل نفوسة الجبل لأَنَّ نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كلّ مسألة مِمَّا سألت عنه وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضيَّة مشهوراً عندهم معلوماً يتداولونه قرناً عن قرن» (3)
__________
(1) - أبو زكرياء: السير 102 - 103، الدرجيني: طبقات.1/ 56 - 57 يذكر أبو زكرياء أنَّ إباضية البصرة أرسلوا له بمقابل أمواله أربعين حملاً من الكتب.
(2) - انظر ترجمة الربيع بن حبيب ومسنده. الدرجيني: طبقات 2/ 273 ومابعدها الشماخي: سير 102 وانظر كتاب الدولة الرستمية. 76،هامش12. وانظر كذلك: الربيع بن الحبيب: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب المطبعة العربية بالأوفست. غرداية 1985.
(3) - ابن الصغير: أخبار. 39. (2/431)
صفحة 439
ويضيف ابن الصغير الذي يعرف هذا الكتاب أنَّه أخذه من بعض الرستميين فدرسه ووقف عليه.
هكذا نلاحظ أهمية هذا الكتاب الذي ألف قبل عام 208هـ/823م، فقد كان ولا بدَّ أحد المصادر التي كان يرجع إليها القضاة خلال القرن الثالث الهجري ونص ابن الصغير يشير إلى ذلك بوضوح علماً بِأَنَّ هذا الكتاب في أغلبه أحكام قضائية يبدو أنَّ مسائلها صادرة من قاض في جبل نفوسة (1).
وجدير بالذكر هنا كذلك ما همَّ القاضي عمروس بن فتح النفوسي من وضعه، وحال بينه وبين ذلك أجله الذي وضع الأمير الأغلبي إبراهيم الثاني بن أحمد حداً له سنة 283هـ/896م في معركة مانو، لقد همَّ عمروس بن فتح أن يضع كتاباً يفصل فيه بين الأحكام المستنبطة من كتاب الله والتي من السنَة النبويَّة ثمَّ التي من الرأي والإجماع (2)، فلا شكَّ أنَّ الفترة التي عاشها تخوّل له التفكير في مثل هذا العمل الكبير.
ولعمروس القاضي عدَّة مؤلفات (3) كلّها ذات علاقة من قريب أو بعيد بمهمة القضاء سنتناولها بشىء من التفصيل فيما يلي من مباحث هذا الباب (4).
ولا ننس ذكر كتاب "المدونة" لأبي غانم بشر بن غانم (5) الخرساني
__________
(1) - الكتاب لايزال موجوداً وقد سبقت الإشارة إِلى أهميته في دراسة القضاء عند الرُّستميين، انظر المبحث الخاص بالمصادر والمراجع عرض وتحليل في بداية هذه الأطروحة.
(2) - الوسياني: سير (مخ) ق 3. الدرجيني: طبقات 2/ 321. الشماخي: سير 225 - 226.
(3) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية 326 - 328.
(4) - انظر الفصل الثاني المبحث الثالث من هذا الباب الثالث.
(5) - عن أبي غانم انظر الدرجيني 2/ 323 وهو من علماء الإباضية أخذ عن تلاميذ أبي عبيدة إلاَّ أنَّ المؤلفين لكتاب «دراسة في تاريخ الإباضية وعقيدتها» يخلطان خلطاً فاحشاً فيعتبران أبا غانم هو ابن غانم القاضي في عهد الولاة و الأغالبة -وهما يعرفان أنهما يتحدثان عن قائمة الكتب الإباضية التي ألفها الإباضيون- وكثيراً ما وجدت في هذا الكتاب مثل هذه الأخطاء الفادحة، وتحدثا عن رسالة البرادي في كتب الإباضية ولم يعرفا أنَّ الدكتور عمار طالبي كان قد سبقهما إِلى تحقيقها وتقديمها ملحقاً لكتاب الموجز لأبي عمار الذي قام بتحقيقه تحقيقاً أكاديمياً ممتازاً لولا أنه نسب الكتاب إِلى نفسه بذكر اسمه كبيراً في أعلى الكتاب مع عنوان كبير من عنده وجعل أصل الكتاب وهو «الموجز» واسم المؤلف في أسفل الغلاف. وانظر د. محمَّد زينهم محمَّد عزب وأحمد عبد التواب عوض: دراسة في تاريخ الإباضية وعقيدتها مع رسالة في كتب الإباضية لأبي الفضل أبو (كذا) القاسم بن إبراهيم البرادي، دراسة وتحقيق دار الفضيلة للنشر والتوزيع. القاهرة.1994. ص57. وانظر عن كتاب الموجز الهامش الموالي. وأردت من هذا الهامش الإشارة إِلى مثل هذه الأخطاء المنهجية الفادحة قصد تفاديها. (2/432)
صفحة 440
الذي وصل المغرب في بداية القرن الثالث الهجري عهد الإمام عبد الوهَّاب وربما أفلح، واستنسخه عمروس بن فتح وهو حدث آنئد بمساعدة أخته وكانت أوَّل نسخة لهذا الكتاب بجبل نفوسة فضلا عن النسخة التي تركها أبو غانم بتيهرت (1)، والكتاب مهم في الفقه عموماً وفي القضاء خصوصاً حيث من بين فصوله فصل في الأقضية والأحكام وآخر في النكاح والطلاق وفصل في الأشربة والحدود وآخر في البيوع والأحكام وغيرها من الفصول التي أطلق عليها مؤلِّفها مصطلح «كتاب» (2) ولا تزال هذه المدونة موجودة وهي تعد من «الأمهات» في المذهب الإباضي.
لقد عمل فقهاء الدولة الرستمية على تأصيل الفقه الإباضي وللقضاة منهم دورهم الفعال ولا شكَّ. ويُعتبر مجهودهم الفقهي والقضائي الرائد في هذا المجال ببلاد المغرب، فكانت فتاويهم واجتهاداتهم وأحكامهم في العديد من النوازل والقضايا إثراءً للمذهب الإباضي فمنهم من دونها في تصنيف له ومنهم من تركها
__________
(1) - الدرجيني: طبقات 2/ 323.
(2) - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق د. عمار طالبي تحت عنوان أكبر من العنوان الأصلي للكتاب، «آراء الخوارج الكلامية» ش. و. ن. ت. الجزائر.1978، 2/ 284. وانظر البرادي: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات. طبعة حجرية قسنطينة 1302هـ، ص218وما بعدها. (2/433)
صفحة 441
شفوية تروى عنه في كتب السير والتراجم وهو الأغلب الأعم وقد جمع العديد منها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في القرن السادس الهجري (1) في كتاب الدليل لأهل العقول (2) واعتمدها مشايخ غار مجماج بجربة قبل ذلك في القرن 5هـ/11م لمَّا ألَّفو أوَّل تأليف جماعي إباضي لا يزال مخطوطاً إلى يومنا هذا وهو المعروف بديوان المشايخ أو الأشياخ (3).
إنَّ الإباضيَّة في الدولة الرستمية ظلوا مرتبطين بالمشرق وعلمه وكان القضاة في أحكامهم يعودون إلى كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يجدوا ففيما قضى به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأيمة المذهب وعلمائه بالمشرق، فإن لم يجدوا اجتهدوا رأيهم وتركوا ما يريبهم إلى ما لا يريبهم (4) وهو ما وجدناه في أجوبة علماء فزان في سؤال حول قتال أهل القبلة والتوحيد فكان االجواب «فاحذر ثمَّ احذر فإنَّكم أن تتركوا دماً حلالاً خير من أن تسفكوا دماً حراماً وتكثروا سواد من سفَكَها» (5). ولمَّا كان الاجتهاد هو الغالب الأعم على ما يبدو في الكثير من القضايا التي تعرض على القضاة وجدنا الكثير من الاختلافات بين القضاة والفقهاء، ومنها أنَّ أبا مرداس مهاصر السدراتي كان كثيراً ما يعترض على أحكام القاضي عمروس بن فتح يقبل منه تارة ويرد عليه أخرى ولكن بدون أن تنشأ بينهما عداوة أو شيء في الخواطر (6) فالكلُّ محمولٌ عنه لأَنَّ من اجتهد فأصاب
__________
(1) - عن أبي يعقوب الوارجلاني انظر أطروحة ماجستير للطالب باجو مصطفى: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي. إشراف د. محمَّد السويسي، الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر قسنطينة 1413/ 1993.
(2) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 321.
(3) - البرادي: الجواهر 220، فرحات الجعبيري: نظام العزابة. 260 وانظر 167 - ومابعدها.
(4) - الثميني: الورد البسام. 23.
(5) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 89 وانظر عن التحري في الأنفس والدماء أبو زكرياء: السيرة 369.
(6) - الشماخي: سير 227، الباروني: الأزهار 2/ 254 - 255. (2/434)
صفحة 442
له أجران ومن أخطأ فله أجر واحد كما هو مشهور في الحديث النبوي الصحيح.
إنَّ قضاة الرستميين قد تركوا تراثا قضائياً مهماً أصَّلوا به الفقه الإباضي عموماً وفقه الأحكام خصوصاً وكان هذا التراث خير معين للإباضية ببلاد المغرب في أحلك ظروفها بعد سقوط الدولة الرستمية وزوال إمامة الظهور والعدل، ودخول الإباضيَّة مراحل أخرى في حياتهم السياسية كمرحلة الدفاع ومرحلة الكتمان التي آثروها على غيرها لِما وجدوا فيها من نوع من الاستقرار مكَّنهم من مواصلة جهود الرستميين في التأليف والتصنيف وتنظيم المجتمع.
أمَّا الحنفية والمالكية فقد رأينا أنَّ عصر الولاة لم يكن عصراً لمذهب منهما وإنَّما التحري والاجتهاد العام هو سمة العصر لأَنَّ المذهبين لم يأخذا بُعدهُما المذهبي بعدُ بخاصة المذهب المالكي الذي توفي إمامه في أواخر عهد الولاة سنة 179هـ/795م وكان القاضي عبد الله بن عمر بن غانم دائم المراسلة إليه بواسطة مبعوثه أبي عثمان حاتم بن عثمان المعافري يرسل إليه «بمسائله أيَّام قضائه ... فيما ينزل به من نوازل الخصوم» (1).
وكان هذا القاضي يكتب أيضاً لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (2) ومن هنا يتبيَّن لنا أن ابن غانم آخر قضاة عصر الولاة وَأَوَّل قضاة عصر الأغالبة لم يكن يتقيد بمذهب معين وإن دلَّت النصوص إلى ميله إلى علم مالك بن أنس - رضي الله عنه - لأنَّه أدركه.
ويبدو أنَّ أوَّل قضاة الأغالبة تمذهباً هو القاضي الثاني لهم بعد ابن غانم وهو محمَّد بن عبد الله الكناني أبو محرز (191 - 214هـ/806 - 829م) الذي «كان
__________
(1) - المجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 5 وانظر أبوب العرب: طبقات 109، المالكي: رياض 1/ 232 - 233، 285، الرقيق: تاريخ،143.
(2) - الجودي: نفسه (مخ) ق 5 وانظر المالكي: رياض 1/ 215، الرقيق: تاريخ،143. (2/435)
صفحة 443
يقول بالاعتزال ومات وهو قاض وكان يستشير في أحكامه ويسب فيها» (1) وقد تولىَّ أبو محرز القضاء في فترة كان فيه الاعتزال يأخذ أحجاماً غير أحجامه الحقيقية بفعل تقرب الخليفة المأمون (195 - 218هـ/810 - 833م) من علماء المعتزلة وبشغفه بالعقل والفكر بعد أن نزع عنه الميول العلوية ابتداءً من سنة 204هـ/819م، فكان واضح الميل إلى المعتزلة لذلك لم ينته عهده حتَّى جعل الاعتزال المذهب الرسمي للخلافة العباسية واستمر في عهود كلّ من المعتصم والواثق (218 - 227 - 232هـ) حتَّى كانت سنة 234هـ/848م عندما أوقف الخليفة المتوكل العمل بالمذهب الاعتزالي والعودة إلى السنَة (2).
إنَّ القاضي أبا محرز كان يساير الميل العام للخلافة في زمانه، ويبدو أنَّ أحكامه القضائية لا تعدو أن تكون حنفيَّة أو مالكيَّة لا غير إذ الاعتزال مذهب كلامي بالدرجة الأولى لم يهتم وبخاصة في هذه الفترة المتقدِّمة بالفقه، ومن هنا كانت استشاراته في أحكامه كما يقول أبو العرب، والغريب أنَّه «يسب فيها» وهي عبارة أراها مخلة بسياق الكلام ولا معنى لكلمة «السب في الأحكام» فلعلها صحفت من عبارة «يصيب فيها» أو «يصب» ليكون الكلام مفهوماً وواضحاً ومعقولاً (3).
إنَّ أبا محرز القاضي هو في فترة يحتاج فيها إلى الاستشارة في القضاء وهو ما ظل قائما إلى عهود متأخرة، فالقاضي العادل هو القاضي الذي يستشير ليتحر العدل والحقّ. ويبدو لي أن القضاة المعتزلة وليسوا عديدين، كانوا يعتمدون الكتاب
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 167.
(2) - فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل، 3/ 163 - 167.
(3) - لا تذكر المصادر أنَّ أبا محرز كان يسب أو يشتم مثلما ذكر عن ابن أبي الجواد المعتزلي أو محمَّد بن أسود الصديني المعتزلى. (2/436)
صفحة 444
والسنَّة ويوظفون الاجتهاد وإعمال العقل إلى حدٍّ كبير وهو ما وصفوا به دائما، إلاَّ أنَّني أعود فأقول إنَّ أحكامهم القضائية لا أراها تعدو أن تكون إِلاَّ أحكاماً على المذهب الحنفي (1) بخاصة. وإنما شهرتهم القضائية كانت بسبب امتحانهم الناس بقضية خلق القرآن، فقد شغلوا أنفسهم وشغلوا الرعية معهم بهذه القَضِيَّة التي لا علاقة لها بالقضاء إلاَّ في حالة «الشهادة» فأتعبوا أنفسهم وأتعبوا الرعية معهم دون أن يضيفوا شيئاً جديداً إلى مصادر التشريع القضائي اللهمَّ إِلاَّ الإسراف في استعمال العقل عند غياب الآية والحديث أو عند تفسير الآية والحديث في حالة وجودهما وكانت منافستهم للفقهاء والقضاة الأحناف والمالكية شديدة جداً امتدت إلى نهاية العهد الأغلبي تقريباً.
ومن المعروف أن القاضي أبا محرز أُشرك معه سنة 203هـ/818م في القضاء، أسد بن الفرات الذي كان هو الآخر ذا ميول عراقية ومدنية بل هناك من جعله معتزلياً إِلاَّ أن القاضي عياض يعتبره من المالكيَّة ويضعه في الطبقة الوسطى من طبقات المالكيَّة مِمَّن تفقهوا بمالك مباشرة (2)، ولعلَّه بهذا أوَّل مالكي يلي القضاء للأغالبة إِلاَّ أنَّ القاضي سحنون بن سعيد هو أوضح المالكيَّة وأخلصهم من كلّ شائبة وهو إمام مالكيَّة المغرب بلا منازع وكل من جاء من بعده تلميذ له وعنه تلقى علمه.
فالقاضيان أسد بن الفرات ذو الميول الحنفيَّة وسحنون بن سعيد المالكي الخالص هما اللذان طبعا القضاء في الدولة الأغلبية بالمذهبين الحنفي والمالكي وظل التنافس بين هذين المذهبين إلى سقوط الدولة الأغلبية.
__________
(1) - من المعروف أنَّ أبا محرز حنفي المذهب يقول بجواز شرب النبيذ ومع ذلك فهو كما قال أبو العرب وصاحب العيون والحدائق «كان يقول بالاعتزال» انظر العيون والحدائق 3/ 374، الدباغ: معالم 2/ 36.
(2) - عياض: تراجم 52. (2/437)
صفحة 445
ولكلٍّ من هذين القاضيين كتابه الذي يعتبر العمدة عند الأتباع التلاميذ فالأسدية كتاب أسد بن الفرات يُروى أنَّه توفيق بين أقوال أبي حنيفة وأقوال مالك إذ كان أسد يقول «كنت أكتب الأسئلة بالليل في فنداق من أسئلة العراقيين على قياس قول مالك وأغدو عليها بها (أي إِلى عالم مصر عبد الرحمن بن القاسم) (1) فأسأله عنها فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها، فأرجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي» (2).
واشتهرت الأسدية في الآفاق، وكان بها العمل والفقه والأحكام في القضاء مع ما وصل المغاربة من مؤلفات أبي حنيفة كمسنده المشهور وموطأ مالك وكلاهما في الحديث النبوي إِلاَّ أنَّ الأسدية سرعان ما اختفت من التعامل بها بسبب أنَّ سحنون بن سعيد وعلماء إفريقية عموماً لم يرتاحوا لها كثيراً لمَا تضمنته من عبارات «أخال»، «أظن»، «أحسب»، فأخذها سحنون إلى ابن القاسم بمصر وكان «قد تفقه في علم مالك فكاشف ابن القاسم عن هذه الكتب مكاشفة فقيه يفهم فهذبها مع سحنون» (3) وعرفت بالمدونة فاقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون هذه وكانت الأصل المتين لمذهب مالك في بلاد المغرب بعد ذلك.
والظاهر أنَّ هذين الكتابين ظلا متداولين عهد الأغالبة معاً أولهما عند الأحناف والآخر عند المالكيَّة ثمَّ أُلفتْ كتب في ميدان القضاء والأحكام وكلها ترجع في أصولها إلى أبي حنيفة أو مالك ككتاب «أحكام السوق» ليحي بن عمر (4) الذي كثيراً مانقرأ فيه «سئل مالك» «قيل لمالك» «قال مالك» «سمعت
__________
(1) - انظر ترجمته في عياض: ترتيب المدارك 1/ 433 - 447.
(2) - عياض: تراجم.57.
(3) - عياض: نفسه 59 - 60.
(4) - سبق التعريف به، انظر مبحث المصادر والمراجع عرض وتحليل. (2/438)
صفحة 446
مالك» وكتاب «أدب القاضي والقضاء» لأبي المهلب هيثم بن سليمان (1) يعتمد أقوال أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف.
إنَّ هذه الكتب التي تعتبر الأولى في إفريقية كانت خير معين للقضاة في تقصي الأحكام وتحري العدل، وظل هؤلاء القضاة عموماً في بلاد المغرب الإِسلاَمِي يعتمدون مصادر التشريع المشهورة والمعروفة وهي كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ليس فيه اختلاف بين المذاهب وفي الأحكام التي يمكن أن نقول عنها إنَّها بعامة بسيطة مشهورة أمَّا غيرها فإن القاضي مضطر إلى الأخذ بقول المذهب الذي ينتمي إليه أو يجتهد رأيه ضمن ذلك المذهب.
فالقاضي عبد الله بن أحمد بن طالب (257 - 259هـ ثمَّ 267 - 275هـ) كان يكتب على أحكامه للمتقاضي عنده «حكمت لك بقول ابن القاسم، وحكمت لك بقول أشهب (2) ثمَّ يقول له: في البلد فقهاء وعلماء اذهب إليهم، فما أنكروه عليك فارجع إليَّ» (3).
إنَّ هذه الطريقة في الأحكام توحي بالمرونة في اتخاذ الحكم المطلق النهائي وتفسح المجال للفقهاء للتدخل في أحكام القاضي بآرائهم واجتهاداتهم، إن سمح القاضي بذلك بطبيعة الحال كفعل ابن طالب هذا القاضي المالكي. ونحن نعرف جيداً أنَّ سحنون بن سعيد لم يكن بهذه المرونة وهو الإمام الأعلم فكانت أحكامه نهائية ولذلك اختار القضاء الخاص في بيت منعزل عن العامة والعلماء على القضاء العام في المسجد الجامع وله الحقّ في ذلك لكفاءته وقدرته وشهادة الناس عامتهم وخاصتهم على علمه وتمكنه وتبحره.
__________
(1) - سبق التعريف به انظر مبحث المصادر والمراجع عرض وتحليل.
(2) - انظر ترجمته في عياض: ترتيب المدارك 1/ 447 - 453.
(3) - المالكي: رياض1/ 477. (2/439)
صفحة 447
ودائماً مع القاضي ابن طالب الذي نراه مثالاً لغيره من القضاة الذين يتوقفون عند حدود الله ولا يتجرؤون بغير علم ما دامت هذه الأحكام وهذا العلم محيطا لا يدركه إِلاَّ القليل من الناس وبالتالي وجبت الاستشارة والتوقف كلَّما دعت الضرورة إلى ذلك، فكان ابن طالب «إذا أشكل عليه أمر وقف عن تنفيذه ويقول: لئن يسألني الله عزَّ وجلَّ: لم وقفت؟ أيسر علي من أن يسألني لم جسرت؟» (1) وقد ذكرنا أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقول «أقف سنة ولا أجسر ساعة» (2). ويظهر لي أنَّ القضاة في أغلبهم كانوا مثل ابن طالب أو ابن غانم الذي كان «إذا أشرف على إنفاذ حكم لأحد يصلِّي حزبه من الليل، فإذا جلس في آخر صلاته عرض من أراد أن يحكم له على الله عزَّ وجلَّ ويقول: «اللهم إنَّ فلاناً خاصم إليَّ فلاناً وادعى عليه بكذا وكذا ... فلا يزال يعرض الخصوم على ربه عزَّ وجلَّ ويسأله التوفيق والتسديد حتَّى يطلع الفجر» (3).
إنَّ فعل إبن غانم هنا هو الورع المطلق والتحري المطلق والإخلاص لله في أحكامه والإخلاص للعباد في قضائه، فكان يستمد التوفيق من الله وكأنَّه كان يستخير الله ليحكم بما مالت إليه نفسه ومال إليه عقله وعلمه وهو مرتاح الدين والضمير.
إنَّ اجتهاد القاضي وقناعته كانت في كثير من الأحيان خير معين له في أحكامه عند غياب النصوص الشرعيَّة الواضحة كالقرآن والحديث، وإنَّ اجتهاد القضاة في المغرب الإِسلاَمِي عموماً في هذه الفترة من القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) يعتبر المصدر الأوَّل والمادة الفقهيَّة الأولى التي اعتمد عليها المؤلفون فيمابعد، « ... كان القضاة باستمرار يرفدون الفقه والفقهاء بمعين لا ينضب من
__________
(1) - المالكي: رياض1/ 477.
(2) - الثميمي: الورد البسام 23.
(3) - المالكي: رياض1/ 228. (2/440)
صفحة 448
الأحكام والقواعد التي تنبع من الواقع وتستمد أسسها وجذورها من مقاصد الشريعة ونصوصها المحفوظة» (1).
إنَّ جهود القضاة يقول الأستاذ محمَّد الزحيلي «في التصنيف والتأليف والشروح يشكل شطر تراثنا الفقهي في مختلف المذاهب. وإنَّ كتب الفقه ناطقة وشاهدة على صدق ما نقول وكان دافعهم إلى ذلك حماية الحقوق والفصل بين الأفراد، والصمود والإصرار على الحقّ ... مع كلّ مايتعرض له القاضي أحياناً في سبيل ذلك من عزل وإهانة ومضايقة واضطهاد وسجن ونفي وقتل» (2) لقد كان للقضاة في هذه الفترة مساهمتهم الفعالة في الفقه الإِسلاَمِي الواقعي دون الافتراضي، فزمانهم المتقدِّم جداً جعلهم أيمَّة الفقه في بلاد المغرب فكانوا الأسس الأولى للمدارس الفقهيَّة بالمغرب الإِسلاَمِي: مدارس الإباضيَّة والحنفيَّة والمالكيَّة.
ونختم هذا المبحث بالعرف والعادة واعتبارهما من الوسائل التي اعتمدها القضاة عند الضرورة، فالناس على ماتعارفوا عليه وعلى ما اعتادوه إن لم يحل حراماً ولم يحرم حلالاً فالإجارة مثلاً كما يقول البويعقوبي (3) وبخاصة ما تعلق منها بإجارة الماشية فالعمل فيها بمقتضى العرف وعلى القضاة مراعاة ذلك.
ويبدو لي أنَّ شرائع برغواطة في عمومها تنطلق من هذا الأصل (4) بالإضافة إلى ما شرَّعه صالح بن طريف الذي ظهر في حدود سنة 126هـ/743م وقال بأنَّه سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ولا أستبعد أن يكون قد استقى
__________
(1) - ابن أبي الدم: أدب القضاة. مقدمة المحقق. 30.
(2) - نفسه 30.
(3) - البو يعقوبي أحمد بن محمَّد: تحفة القضاة ببعض مسائل الرعات (مخ) ق 8ظ. وانظر عن العادة والعرف دائرة المعارف الإسلامية. مادة «عادة» 15/ 459.
(4) - سحر السيد عبد العزيز سالم: من جديد حول برغواطة هراطقة، 3، 46 - 59. (2/441)
صفحة 449
واستلهم بعضاً من تلك الشرائع من عادات وتقاليد وأعراف القبيلة أو مجموعة القبائل التي يتشكل منها إقليم برغواطة (1).
فبالإضافة إلى تلك الشعائر اليومية والشهرية والسنوية، فإن صالح بن طريف شرع لقومه أن يتزوَّج الفرد منهم «من النساء ما استطاع على مباعلتهن والإنفاق عليهنَّ بلا حدِّ عدد وأن لا يتزوج من بنات عمه إِلاَّ ثلاثة جدود ولا يتسرون ولا ينكحن للمسلمين ولا ينكحون فيهم ويطلقون ويراجعون ما أحبوا ويقتل السارق بالإقرار أو بالبينة ويرجم في الزنا عندهم وينفى الكاذب ويسمونه المغير. والدية عندهم مائة من البقر ... » (2) ولبرغواطة "قرآن" وضعه لهم صالح بن طريف هذا، يضم ثمانين سورة.
إنَّ هذا القرآن الذي يقول عنه الناصري بأنَّه فيه سورة غرائب الدنيا «وفيها العلم العظيم بزعمهم حرم فيها وحلل وشرع وفصل» (3) فهذه الشرائع كانت تطبق في مجتمع برغواطة، فلا شكَّ أنَّ هناك القيمين عليها من فقهاء هذه العقيدة ويمثلون ولاتهم وقضاتهم ومن المعروف أنَّ هذه الشرائع ظلت سارية المفعول إلى أن قضى عليها المرابطون في بداية القرن السادس الهجري (12م) (4) بقضائهم على كيانهم الذي ظل قائماً ما يقرب ثلاثة قرون كاملة.
إنَّ هذه الشرائع التي تشكل جزءاً من عقيدة برغواطة لست أرى مع الدكتور محمود إسماعيل بأنَّها «صيغة مغربية للمذهب الخارجي الصفري وليست
__________
(1) - البكري: 140 - 141، مجهول: الاستبصار. 198 - 199، ابن عذاري: البيان 1/ 223 - 227.
(2) - نفسه 139، ابن أبي زرع: الأنيس المطرب. 131وانظر ابن خلدون: العبر 6/ 430 - 431.
(3) - االناصري: الاستقصا 1/ 115.
(4) - البكري: المغرب 141 مجهول: الاستبصار. 198، وانظر فيلاني عبد العزيز: دولة برغواطة. في مجلة سيرتا ع. 2 ص48 - 55 وانظر محمود إسماعيل: مغربيات 11 - 15. (2/442)
صفحة 450
نتاجاً لعقائد هللينية أو يهودية أو مسيحية كما ذهب الدارسون» (1)، فلا أوافقه الرّأي لأَنَّ الصيغة المغربية للمذهب الخارجي الصفري إِنَّمَا تمثله دولة بني مدرار الصفرية في بلاد المغرب الإِسلاَمِي وليس برغواطة إطلاقاً وكل ما في الأمر أنَّ هذه الشرائع شرعها صاحبها، كما يقول الدكتور عبد العزيز فيلالي لمَّا اغتر بالملك والتأييد الشعبي المطلق فادعى النبوَّة بعد أن اختار الظرف المناسب والمكان المناسب بين جبال البربر التي لا يكاد التأثير الإِسلاَمِي يمس سكانها إِلاَّ سطحياً وكان الدافع القوي له هو تشبعه بالنزعة الاستقلالية والروح الانفصالية والقومية المتطرفة التي انتشرت يومذاك في ربوع العالم الإِسلاَمِي نتيجة السياسة التعسفية لبعض الولاة مع الرعية على عهد الأمويين (2). واستقى بعض تلك الشرائع كما أسلفنا من عادات القوم وأعرافه وهي خليط من مختلف العقائد الدينيَّة والمذهبية المنتشرة آنذاك في ربوع المغرب الأقصى أو التي كانت منتشرة قبل زمن ليس بالبعيد (3)، وهذا أمر لا نستعبده إطلاقاً بخاصة إذا علمنا أنَّ الإسلام لم ينتشر في ربوع المغرب ونعلم علم اليقين أن الخمر كانت عند أهل إفريقية ـ وهي مركز السلطة العربيَّة الإِسلاَمِيَّة منذ الفتوحات الأولىـ حلالاً في بداية القرن الثاني الهجري (8م) حتَّى بعث عمر
__________
(1) - مغربيات 11، ومن الغريب أن يجعل أحد الباحثين اليهود برغواطة إمبراطورية يهودية في أساسها واتجاهاتها انظر:
Slousch N.: Empire des Berghouata et les origines des blad - es- siba, in revue du monde musulman, T II, Paris 1910 ,p396 - 398.
(2) - فيلالي عبد العزيز: دولة برغواطة المقال المذكور، ص50،52، انظر مقالنا: توارث الخوارج بالمغرب، ع. 5 ص96 - 97.
(3) - يرى سلوتش Slousch أنَّ برغواطة الإسلامية في شكلها إفريقية في طقوسها وعاداتها يهودية في أساسها واتجاهاتها Slousch: Ibid p396 وانظر مسعود كواتي: اليهود في المغرب الإسلامي من الفتح إِلى سقوط دولة الموحدين، رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي إشراف د. عبد الحميد حاجيات. جامعة الجزائر معهد التاريخ 1990 - 1991 ص90 - 94، سحر السيد: المرجع السابق. 54. (2/443)
صفحة 451
بن عبد العزيز بعثة الفقهاء المعروفة عندئد « ... عرفوا أنَّها حرمت ... » (1)، فلا غرابة إذن أن تكون لبرغواطة المتطرفة جغرافياً في بلاد المغرب تلك الشرائع والشعائر في العقد الثاني من القرن الثاني الهجري مستغلة الفراغ الذي تركه العرب الفاتحون، فالإسلام ربَّما لامس منطقتهم ولكنَّه لم يلامس ارواحهم لأَنَّ بعض العرب وغيرهم من الفاتحين انقلبوا من الدعوة إلى الإِسلاَمِ ببلاد المغرب إلى الثروة من بلاد المغرب.
خلاصة القول إنَّ التشريع القضائي ببلاد المغرب مَرَّ بمراحل مختلفة هي نفسها التي كانت بالمشرق، فكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هما المصدران الأولان في التشريع يضاف إليهما الاجتهاد وأقوال الصحابة والتابعين ثمَّ برزت المذاهب الإِسلاَمِيَّة شيئاً فشيئاً لتقيد القاضي بالحكم في إطار المذهب الذي حرص أصحابه على وضع التآليف فيه حفظاً للدين وترسيخاً للمذهبية وتأصيلاً لشرائع كلّ مذهب عمل أعلامه في هذا المجال ووقع التنافس وكان في أغلبه إيجابياً وألفت ودونت الكتب وكان لقضاة المغرب الإِسلاَمِي عموماً مساهمتهم الفعَّالة في هذا الميدان وهكذا ثبت «أنَّ المذهبية في المشرق وفي المغرب دليل على خصوبة نصوص الإِسلاَمِ وحيوية المسلمين واستعدادهم للتطور» (2).
المبحث الثاني: المذهبية والصراع المذهبي في القضاء
عرفت الساحة المغربية في القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) العديد من المذاهب: أوَّلها المذهبان الإباضي والصفري مع بداية القرن الثاني الهجري وبعدهما كان المذهب الاعتزالي ثمَّ المذهب الحنفي فالمالكي ثمَّ
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 87. ابن عذاري: البيان 1/ 48.
(2) - لقبال موسى: المغرب الإسلامي. 246. (2/444)
صفحة 452
الشيعي وحتى المذهب الشافعي عرف له وجوداً في بلاد المغرب الإِسلاَمِي ولكنَّه كان محدوداً جداً (1).
لقد كان القرنان الثاني والثالث للهجرة إذن قرني بداية المذاهب والتنافس المذهبي من أجل الوصول إلى السلطة والتحكم في زمام الأمور ببلاد المغرب واستمرت المنافسة طويلاً إلى منتصف القرن الخامس الهجري. ويعبر الأستاذ محمود ناجي عن الصراع المذهبي ببلاد المغرب بشيء من الميل إلى المذاهب السنية على حساب المذاهب الأخرى ويجعل الأولى عربية والثانية بربرية فيقول: «إنَّ البربر الشيعيين والخوارج كانوا متضادين ومتنافسين ومتعاديين وكانت الأمنية الوحيدة لِكُلّ من الفريقين إعلاء شأن المذهب الذي ينتمي إليه وإزالة الدولة السنية أي الدولة العربيَّة التي لم يكونوا في يوم من الأيَّام مرتاحين لوجودها ... » (2).
إنَّ الأستاذ هنا يريد أن يجعل المعتدي والمتعصب هو الشيعة والخوارج من البربر أمَّا المعتدَى عليه صاحب الحقّ فهم أهل السنَة والدولة العربيَّة وكأنَّ هؤلاء لم يكونوا في يوم من الأيَّام يريدون إعلاء شأن مذهبهم أو إزالة كلّ من الخوارج والشيعة! وهذا عين الخطأ الذي يقع فيه أمثال هؤلاء الكتاب المتعصبين لمذهب معيَّن أو جنس معيَّن، وهذا التعصُّب في حدّ ذاته يُؤَكِّدُ ذلك الصراع المذهبي الذي كان محتدماً في العصور الوسطى الإِسلاَمِيَّة ولا تزال رواسبه عند أمثال هؤلاء الكتاب.
أمَّا المقدسي (ت388هـ/998م) فيذكر في القرن الرابع الهجري أنَّه ما
__________
(1) - عن المذاهب الإِسلاَمِيَّة في الشمال الإفريقي وفي إفريقية انظر ببخاصة: ألفريدبل: الفرق الإِسلاَمِيَّة. عبد العزيز المجذوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية الدار التونسية للنشر. 1395/ 1975. عبد الحميد بن حمدة: المدارس الكلاميَّة بإفريقية إلى ظهور الأشعرية. مطبعة دار العرب تونس، ط1، 1406هـ/1986م.
(2) - تاريخ طرابلس. 136. (2/445)
صفحة 453
رأى فريقين - ويقصد بهما مذهبي المالكيَّة والأحناف- أحسن اتفاقاً وأقل تعصباً منهم (1)، الأمر الذي لم يكن وارداً إطلاقاً في القرنين الثاني والثالث للهجرة إذ الصراع بينهما كان حاداً والتنافس من أجل منصب القضاء كان على أشده. وذكر المقدسي كراهية أهل السنَة في بلاد المغرب للشافعية والشافعي لأنَّه كان تلميذ مالك بن أنس واستقل برأيه ومذهبه وخالف أستاذه، والمغاربة يقولون «إِنَّمَا كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية» (2) ويقصدون بالساقية علم الشافعي - رضي الله عنه -.
ورغم ما يذكره المقدسي من تقارب بين المذهب المالكي والحنفي في القرن الرابع الهجري إِلاَّ أنَّه يُؤَكِّدُ الصراع القائم بينهما منذ زمان ليس بالقصير وصراع المالكيَّة بالذات لجميع المذاهب المتساكنة ببلاد المغرب والأندلس فَيقول على لسانهم «لا نعرف إِلاَّ كتاب الله وموطأ مالك فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ونحوهما ربَّما قتلوه» (3).
ويذكر هذا التشدد في القرن الخامس الهجري بالأندلس ابن حزم الظاهري (ت450هـ/1058م) بنوع من الألم والحسرة ويستنكره وربما اعتبر بعضه نوعاً من الشرك فيقول «وأما أهل بلادنا يعني بلاد الأندلس فليسوا مِمَّن يتعنى بطلب دليل على مسائلهم ... فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم وهو مخلوق مذنب ويخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله تعالى وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذوا به وإن خالفاه تركوا قول الله تعالى جانباً وقوله عليه السلام
__________
(1) - المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. 236 كان يتحدث عن الأندلس بحاصة إِلاَّ أنَّنا نعتقد أنَّ ذلك كان عاماً في المغرب والأندلس كليهما لتشابه الإقليمين في كثير من أمورهما.
(2) - نفسه 236.
(3) - نفسه 236 لقد كان هذا في الأندلس وهو مايشير إلى حدة الصراع في بلاد المغرب وإن لم يصل إلى هذا الحد. (2/446)
صفحة 454
ظهرياً وثبتوا على قول صاحبهم، ولا نعلم في المعاصي ولا في الكبائر بعد الشرك المُجَرَّد أعظم من هذا ... » (1).
إنَّ هذه الأجواء المذهبية المشحونة بالتعصب كان للقضاء فيها دورُه الفعال بل إنَّ استقرار المذاهب الإِسلاَمِيَّة هنا وهناك في العالم الإِسلامي إنَّما مرده إلى مؤسسة القضاء بالذات، فالقضاء هو الذي قرر المصير المذهبي لِكُلٍّ من بلاد العراق والشام (2) والمغرب والأندلس.
لقد ذكر الناصري عن ابن حزم الظاهري أنَّه قال «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة فإنَّه لمَّا ولِّى قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قِبله فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إِلاَّ أصحابه والمنتمين إلى مذهبه. ومذهب مالك بن أنس عندنا (بالأندلس) فإنّ يحى بن يحي (3) كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطارنا إِلاَّ بمشورته واختياره ولا يشير إِلاَّ
__________
(1) - الونشريسي: المعيار 6/ 356 وانظر كذلك ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام. دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1400هـ/1980م، 4/ 237.
(2) - سنتناول بشيء من التفصيل في المتن دور القضاء في انتشار المذهب المالكي بالمغرب والأندلس وانتشار المذهب الحنفي بالعراق والصراع الحنفي المالكي بإفريقية، وبالتالي بقي أن يذكر هنا في الهامش كيف انتشر المذهب الشافعي بالشام إذ يذكر ابن طولون أنَّ أبا زرعة محمَّد بن عثمان الثقفي مولاهم لمَّا تولىَّ قضاء دمشق بعد أن تولاه في مصر كان «يذهب إلى قول الشافعي ويوالي عليه وكان يهب لمن يحفظ «مختصر المزني» مائة دينار وهو الذي أدخل مذهب الشافعي دمشق وحكم به القضاة ... وكان الغالب عليها مذهب الأوزاعي ... » انظر قضاة دمشق ص22.
(3) * - يحي ين يحي الليثي مولاهم المصمودي الطنجي (ت234هـ/848م) أحد أقطاب العلم بالأندلس أخذ الفقه عن الإمام مالك - رضي الله عنه - وعن تلامذته من بعده وكان عبد الرحمن بن الحكم الأمير الأموي بالأندلس يبجله ويعظمه. انظر عياض: ترتيب المدارك 1/ 534 - 547 (2/447)
صفحة 455
بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا» (1) فأقبلوا على مايرجون به بلوغ أغراضهم.
لمَّا توفي هذا الفقيه المالكي الأندلسي، الذي قرر المصير المذهبي للأندلس، عام 234هـ/848م، كان القاضي سحنون بن سعيد قد تربّع لتوّه على عرش القضاء في القيروان عاصمة إفريقية الأغلبية، وفي نفس تلك السنَة بالذات (2) بعد أن تماطل عاماً كاملاً ورفض أن يليَ القضاء، إِلاَّ أنَّه لمَّا تولاّه أخذه بقوَّة وتحمل مسؤوليته بِكُلِّ جدارة وأظهر للقضاء صولة لم تكن له من قبل بالمغرب ولن تكون له من بعده طيلة حكم الأغالبة.
إنَّ القاضي سحنون لم يكن شيئاً كبيراً قبل أن يتولى القضاء وكأنَّ القضاء هو الذي أمده بالقوة أو كأنَّ كلّ واحد منهما وجد ضالته في الآخر، فقوي سحنون بالقضاء كما قوى القضاء بسحنون واستطاعا معاً أن يقررا المصير المذهبي لإفريقية أوَّلاً ثمَّ للمغرب بعامة بعد ذلك، وهكذا عمل سحنون بن سعيد على ترسيخ المذهب المالكي بإفريقية (3) والمغرب كما رسخ يحي بن يحي نفس هذا المذهب
__________
(1) - ابن سعيد المغربي: المغرب في حُلى المغرب 1/ 164 وانظر: الناصري: الاستقصا 1/ 139، النكدي: القضاء 14 - 15. ومن الملاحظ هنا أنَّ اليعقوبي يذكر في كتابه «مشاكلة الناس لزمانهم» «إنّ من المسلمين في كل عصر تبع للخليفة يسلكون سبيله ويذهبون مذاهبه ويعملون على قدر ما يرون منه ولا يخرجون عن أخلاقه وأفعاله وأقواله» وبديهي القول إنَّ القضاة ممثلون للخلفاء والأمراء وبالتالي تقليدهم من تقليد الخليفة ومشهورة العبارة «الناس على دين ملوكهم» انظر اليعقوبي ص9.
(2) - المالكي: رياض 1/ 345 وما بعدها. عياض: تراجم. 98. الدباغ: معالم 2/ 84 - 85
(3) - اختلف العلماء في دور سحنون في إثبات المذهب المالكي بإفريقية، ويدور الخلاف حول ما إذا كانت قوَّة سحنون في علمه أم في قضائه (سحنون العالم أم سحنون القاضي). وانظر نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي بإفريقية منذ منتصف القرن 2هـ/8م إلى منتصف القرن 5هـ/11م تاريخ إعلان القطيعة عن الفاطميين، أطروحة التعمق في البحث، إشراف د. منيرة شابوتو رمادي، جامعة تونس الأولى، كُلِّيَّة العلوم الانسانية والاجتماعية، قسم التاريخ 1990 - 1991، ص302، 304. (2/448)
صفحة 456
بالأندلس (1) وأصبح المغرب بعُدوتيه ابتداء من منتصف القرن الثالث الهجري مالكياً في عمومه رغم انتشار المذهب الإباضي منذ بداية القرن الثاني الهجري ثمَّ تسلط الشيعة في القرن الرابع الهجري (2)، إِلاَّ أنَّ المغرب الإِسلاَمِي عاد إلى المالكيَّة خالصاً لها منذ منتصف القرن الخامس الهجري (3) إلى يومنا هذا مع بقاء تجمعات إباضيَّة في
__________
(1) - ابن سعيد: المغرب. 1/ 164.
(2) - رغم تلك الهيمنة فقد تولىَّ قضاء القيروان سنة 334هـ/945م إِلى غاية سنة 337هـ/948م للفاطميين قاض مالكي من أصل أندلسي وهو أبو عبد الله محمَّد بن أبي المنظور عبد الله بن حسان الأنصاري، ولاه الخليفة المنصور القضاء لاستئلاف أهل القيروان المالكيين بخاصة ضد ثورة أبي يزيد صاحب الحمار (النكاري) ويبدو أنَّه أجبر على القضاء فتقلَّده على مضض بشروط تشبه شروط سحنون بن سعيد، وحقَّ لمحقق كتاب النويري أن يعتبر ولاية هذا المالكي للقضاء بالقيروان على عهد الفاطميين قمة انتصار المالكية وتحولا خطيراً نحو تأكيد سيادة المذهب المالكي في بلاد المغرب. انظر النويري: نهاية الأرب (الفاطميون) ص58هامش 156. وهكذا يتضح دور القضاء أكثر في المذهبية عموماً.
(3) - ذلك زمن المعز بن باديس (406 - 454هـ/1015 - 1062م) في الدولة الزيرية بالمغرب فهو الذي أبطل الولاء للفاطميين وجعله للعباسيين وحمل جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك رضي الله عنه وحسم مادة الخلاف في المذاهب. انظر: ابن خلكان: وفيات 5/ 233 - 234 السيوطي: تاريخ الخلفاء. 419، الناصري: الاستقصا 1/ 137 - 138. د. على أحمد: القضاء في المغرب والأندلس. 32. (2/449)
صفحة 457
المغربين الأدنى والأوسط (1) وقِلَّة من الأحناف (2).
يقول الجزنائي إنَّ المذهب المالكي لم يزل يفشو «إلى أن جاء سحنون ففض حلق المخالفين واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في أقطار المغرب إلى وقتنا هذا» (3) والحقيقة أنَّ التنافس المذهبي وصراعه الذي تجلى عند سحنون في فضه لحلقات الإباضيَّة والصفرية والمعتزلة بمساجد القيروان (4)، ولم يكن فيه منفرداً إذ عمل مثله القاضي المالكي في مصر الحارث بن مسكين الذي تولىَّ القضاء عام 237هـ/851م وكأن التأثيرات المذهبية لها من السرعة ماليس لغيرها (5)، المهم أن
__________
(1) - عن التجمعات الإباضية بعد سقوط الرُّستميين انظر:
Dr Ibrahim Fehkar: Les communautes Ibadhites en Afrique du nord (Lybie-Tunisie-Algerie) depuis les Fatimides; These d etat, Sorbone, Paris, 1971.
وانظر مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إِلى هجرة بني هلال إِلى بلاد المغرب (296 - 442هـ)، رسالة ماجستير جامعة القاهرة قسم التاريخ، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1417هـ/1996م، 1409هـ/1988. رغم ما فعله القاضي سحنون بالإباضية وغيرها من المذاهب المخالفة للمالكية في القيروان من تشتيت قبل عام 240هـ، فإنَّ ابن سلام المؤرخ الإباضي المعاصر لتلك الأحداث يذكر جماعة من الإباضية بالقيروان نحو خمسمائة رجل وهم حوزة وجماعة ومنازل عدة ومساجد كثيرة، مِمَّا يدل على أنَّ هذا الطرد وهذا التشتيت للمذاهب غير المالكية لم يستمر بعد سحنون بن سعيد. انظر ابن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، 157 - 159، الشماخي: سير، 261 وراجع جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية. 97، 101 - 102.
(2) - عن الأحناف ببلاد المغرب انظر: سامعي إسماعيل: دور المذهب الحنفي في الحياة الاجتماعية والثقافية ببلاد المغرب الإسلامي (من ق2 إلى ق5/ 8 - 11م)، ماجستير إشراف د. موسى لقبال، جامعة الجزائر، 1415هـ/1995م.
(3) - الجزنائي: جني زهرة الآس. 20وانظر كذلك عياض: تراجم 104، الدباغ: معالم 2/ 87 - 88، أبو العرب: طبقات، مقدمة المحققين 14.
(4) - أبو العرب: طبقات 184.
(5) - يتحدث القاضي عياض عن عالم دخل مصر فلقي الحارث بن مسكين فسأله عن سحنون فقال له إنَّه مغموم من قبل الأمير، وذلك في فتنة المعتزلة قبل أن يلي القضاء. تراجم أغلبية. 119. (2/450)
صفحة 458
الحارث بن مسكين قاضي مصر الذي كان يحكم على مذهب أصحابه المدنيين، كما يقول الكندي «أمر ... بإخراج أصحاب أبي حنيفة من المسجد وأصحاب الشافعي وأمر بنزع حصرهم ... » (1).
هكذا نلاحظ أن المالكيَّة في الشمال الإفريقي من مصر إلى المغرب الأدنى كانت هي المتحكمة في زمام الأمور وهي الموجّهة للمذهبية تُقصي المذاهب المنافسة لها، سنية كانت أو غير سنية، علماً أنَّ مصطلح المذاهب السنية لم يتبلور بعد في هذه الفترة المبكرة وبالتالي كانت المنافسة على أشدها ويعبر الونشريسي عن هذا بقوله إنَّ «المالكيَّة تركزت في إفريقية لمَّا ولي سحنون والحارث القضاء وفرَّقاً حِلق جميع المخالفين ومنعا الفتوى بغير مذهب مالك ومن ثمَّ صار الحكام يمنعون الإفتاء بغير مذهب مالك ويؤدبون على ذلك» (2).
إنَّ سحنون بن سعيد، كما يؤكِّده الأستاذ المرحوم حسن حسني عبد الوهَّاب «يُعدُّ بحق المؤسس الأوَّل لمدرسة الفقه المالكي في إفريقية بل في المغرب بعامة ... » (3) وأهل إفريقية والمغرب «مالكية خلَّص اعتنقوا المذهب المالكي وتعصبوا له وأخذوا ينظرون إليه وكأنَّه جزء من قوميتهم» (4). ولقد تفطَّن الدكتور محمود إسماعيل لظاهرة التعصُّب المذهبي لدى المالكيَّة فقال « ... إنَّ آفة المالكيَّة في تعصبهم الشديد لمذهبهم، إذ أسرفوا في خلافهم ونزاعهم مع بقيَّة أهل السنَّة كالشافعية والأحناف، ناهيك عن موقفهم المتطرف من أهل المذاهب الأخرى كالخوارج والشيعة والمعتزلة» (5).
__________
(1) - الكندي: قضاء مصر 142، ابن العماد الحنبلي: شذرات 2/ 220.
(2) - الونشريسي: المعيار 12/ 26.
(3) - حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 3/ 49.
(4) - مقدِّمة كتاب أبي العربي: طبقات علماء إفريقية. 12.
(5) - محمود إسماعيل: مغربيات. 59 وانظر علي أحمد: القضاء في المغرب 32. (2/451)
صفحة 459
ومهما يكن من أمر فإنَّ المالكيَّة بالقضاء انتشرت وتربعت في قلوب المغاربة الذين ارتووا حبها بعد ذلك، ومهما كان تعصبها فإنَّها تركت المجال لمذهبين ظلا متساكنين معها هما مذهب الإباضيَّة ومذهب الحنفيَّة كما سلف الذكر.
ولا بأس من الرجوع قليلا إلى الوراء وبالضبط في عهد الولاة لنقول إنَّه من المعلوم أنَّ هذا العهد لم يكن يعرف الصراع المذهبي، فالمذاهب الفاعلة في التاريخ الإِسلاَمِي (1) لا تزال في طور النشوء وانتماء الخلافة الإِسلاَمِيَّة إلى مذهب بعينه سيجد طريقه في الدولة العباسية وبخاصة ابتداء من نهاية القرن الثاني الهجري، أي أنَّ قضاة عهد الولاة لم يكونوا ينتمون إلى مذهب بعينه (2) وإن ذكر أنَّ قاضي القضاة أبا يوسف (ت182هـ/798م) كان يعين القضاة من مذهبه «من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية» (3) كما أسلفنا، ومع ذلك لا تروي المصادر أنَّه عين قاضياً لإفريقية ما عدا عبد الله بن عمر بن غانم (171 - 190هـ/788 - 789م)
__________
(1) - نقصد بالمذاهب الفاعلة في التاريخ الإِسلاَمِي المذاهب الأربعة التي تبنتها أغلب الدول القائمة في العالم الإِسلاَمِي في العصور الوسطى والتي أصبحت الطرف النقيض لمذاهب أخرى كانت قد تأسست قبل ذلك بمدة ليست بالقصيرة مثل الشيعة والخوارج والمعتزلة التي ظلت غالباً في المعارضة.
(2) - من التعميمات العديدة التي وقع فيها الدكتور علي أحمد قوله إنَّ بداية القضاء على المذهب المالكي في المغرب والأندلس كان في الثلث الأخير من القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي لأَنَّ الأمير الأموي هشام بن عبد الرحمن أمر الناس بالتزامهم به وصيّر القضاء والفتيا عليه. انظر كتابه القضاء في المغرب والأندلس ص31 - 32 والحقيقة أنَّه من نافلة القول هنا أنَّ المغرب لم يكن تابعاً للأندلس في تلك الفترة وإفريقية كانت تبعيتها للعباسيين بالذات ألد أعداء أمويي الأندلس والغريب أنَّ الدكتور اعتمد على نص للقاضي عياض في مداركه كان فيه عياض دقيقاً جداً بحيث تحدث عن كَيفِيَّة انتشار المالكيَّة في إفريقة والمغرب وأردفه بنصّ آخر عن كَيفِيَّة انتشار المالكيَّة في الأندلس ولم يخلط ولم يُعمم تعميم الدكتور علي أحمد. انظر عياض: ترتيب المدارك 1/ 54 - 55.
(3) - الناصري: الاستقصا، 1/ 139، النكدي: القضاء 14 - 15. (2/452)
صفحة 460
الذي أشار به أبو يوسف من باب النصيحة للوالي روح بن حاتم (172 - 174هـ/788 - 789)، دون أن يكون في ذلك إلزام (1) مع العلم أنَّ القاضي ابن غانم هو آخر القضاة في عهد الولاة.
إنَّ ما عرفه عهد الولاة من الصراع العربي العربي (2) حال دون بروز الصراع المذهبي بروزا قويا، كما سوف يكون ابتداء من القرن الثالث الهجري (9م) وإن وجد قضاة إباضيَّة كعبد الرحمن بن رستم الذي تولىَّ القضاء بالقيروان لإمام إباضيَّة المغرب أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (3) لمدة خمس سنوات (140 - 145هـ/757 - 762م) وكإسماعيل بن درار الغدامسي في دولة نفس الإمام المذكور (4) ربَّما بمدينة طرابلس أو إحدى المدن الآهلة بالإباضيَّة في المغرب الأدنى.
وباستثناء هذين القاضيين الإباضيين اللذين توليا القضاء بإفريقية خلال الفترة المذكورة فإنَّ القضاة الآخرين نستبعد أن يكونوا ذوي ميول مذهبية لأنَّهم ليسوا إباضيَّة ولا شيعة ولا معتزلة ولا من إحدى فرق الخوارج وهي المذاهب الأكثر نشاطاً في القرنين الأوَّل والثاني للهجرة (7 - 8م) أمَّا المذاهب الأخرى كالحنفية والمالكية فإنها كما سبق أن أشرنا في طور النشوء وهي التي سوف تتبناها الخلافة العباسية وسوف يكون لها أدوارها الفاعلة في التاريخ الإِسلاَمِي عموماً وفي تاريخ القضاء خصوصاً، ومن هنا يمكن القول إنَّ انتماء القضاة في عهد الولاة إنَّما هو للخلافة الأموية ثمَّ العباسية وهي التي كانت تصارع المذاهب الشيعية والخارجية وغيرها.
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 222، الرقيق: تاريخ 191. وانظر كذلك المبحث الرابع.
(2) - انظر المبحث الرابع من الفصل الأوَّل من الباب الثاني.
(3) - ابن الصغير: أخبار 26. أبو زكرياء: السيرة 69.
(4) - الدرجيني: طبقات 1/ 21. (2/453)
صفحة 461
ومع قيام دولة الأغالبة عام 184هـ/800م يبدأ المُؤَرِّخُونَ بذكر مذاهب القضاة فأبو محرز محمَّد بن عبد الله الكناني (191 - 214هت/806 - 829) وأسد بن الفرات (203 - 213هـ/818 - 828م) وأحمد بن أبي محرز (220 - 221هـ /835 - 836م) وعبد الله بن أبي الجواد (221 - 232هـ/835 - 846م) كلّهم قضاة أحناف (1) ونسب بعضهم إلى الاعتزال كأبي محرز وابنه محمَّد واشتهر عبد الله بن أبي الجَواد بالاعتزال (2).
إنَّ هذه الفترة الأولى من تاريخ الأغالبة والتي تقدر بنحو نصف قرن تقريباً (184 - 232هـ/800 - 846م) يمكن أن نقول إنَّها لقضاة أحناف بالدرجة الأولى فالمذهب الحنفي كان هو السائد في هذه الفترة، والقضاء كان على المذهب الحنفي الذي يبدو أنَّ الأمراء الأغالبة الأوَّل كانوا من معتنقيه اقتداءً بالخلفاء العباسيين ببغداد. وإن وجد من القضاة المعتزلي أو الذي نسب إلى الاعتزال فإنَّ ذلك مرده، في رأيي، إلى أنَّ الحنفيَّة وهم المشهورون بأصحاب العقل يلتقون مع المعتزلة في هذه الميزة فكلاهما يعتمد العقل أكثر من النقل وكلاهما من مدرسة العراق (3)، وبالتالي لمَّا صال المعتزلة وجالوا في آخر الفترة المذكورة كان سهلاً على الأحناف أن يتقبلوا آراء المعتزلة ويتبنوها بعكس
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 163 - 164، 167، الخشني: طبقات 236، المالكي: رياض. 1/ 254 - 255، 274، ابن الأبار: الحلة 2/ 380، الدباغ: معالم: 2/ 16 - 93. مجهول: العيون والحدائق 3/ 372 - 374، الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 6 - 9. زغلول عبد الحميد: تاريخ 2/ 66 - 68، وانظر مقدِّمة المحقِّقِين لطبقات أبي العربي، ص14، 16.
(2) - القاضي عياض: تراجم. 143 مجهول: العيون والحدائق 3/ 374 وانظر محمود إسماعيل: مغربيات 131.
(3) - يقول الدكتور محمود إسماعيل: «معروف أنَّ مذهب المعتزلة يمثل التيار العقلاني في الفكر الإِسلاَمِي ... وكان اعلام مذهب أبي حنيفة في الفقه هم شيوخ الاعتزال في إفريقية فابن فروخ رمي بشيء من القدر وأسد بن الفرات اتهم بأنَّه يقول بخلق القرآن ... » مغربيات. 112 - 113 وانظر كذلك: أبو العرب: طبقات 107 - 108، 164. (2/454)
صفحة 462
المالكيَّة التي تصر على الأثر وتعتمد النقل أكثر من العقل ومن هنا كانت محنتهم وكان صراعهم المذهبي ليس مع الاعتزال فقط وإنَّما أيضًا مع الحنفية المتساهلة.
إنَّ المذهب المعتزلي سيعرف أحجاما غير أحجامه الأولى وسيتمكن من السلطة ابتداءً من أواخر عهد الخليفة المأمون (198 - 218هـ/813 - 833م) الذي تبنى المذهب واتخذه مذهباً رسمياً للخلافة العباسية (1) وظل ذلك حتَّى أوقف نفوذه الخليفة المتوكل بالله (232 - 247هـ/846 - 861م) وذلك عام 234هـ/848م (2).
وممَّا يُؤَكِّدُ قوَّة المعتزلة في الدولة العباسية والإمارات التابعة لها خلال تلك الفترة (218 - 234هـ/313 - 848م) ويبرز دور القضاء كوسيلة لنشر المذهبية ودورَه في الصراع المذهبي، ما ذكره اليعقوبي عن الخليفة الواثق والمعتصم والمأمون الذين يعرفون بالخلفاء المعتزلة وما وقع في عهدهم فقال إنَّ «إنَّ هارون الواثق بن المعتصم ... كان مذهبه في الدين ... القول بالعدل على مذهب أبيه المعتصم وعمه المأمون وأظهر ذلك وامتحن عليه وعاتب من خالفه وحبس من أبدى عناداً فيه وكتب إلى القضاة في الآفاق أن يمتحنوا العدول فلا يقبلوا شهادة من لم يقل بقوله فغلب هذا على الناس، وتقربوا به إلى ابن أبي داود (3) وإلى القضاة ... » (4).
__________
(1) - عن الأسباب والملابسات التي أدت بالمأمون إلى إتخاذ الاعتزال مذهبه ومذهب الخلافة العباسية ابتداء من عام 212هـ/827م ثمَّ 218هـ/833 انظر ابن الأثير: الكامل 5/ 216، 222 ومابعدها، السيوطي: تاريخ 308 ومابعدها. فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل، 3/ 41، 42، 163 وانظر كتاب الخليفة المأمون إلى كلّ أعمال الدولة العباسية فيما يتعلَّق بمحنة خلق القرآن. الكندي: قضاء مصر 122 - 123
(2) - نفس المصادر والمراجع أعلاه.
(3) * - أحمد بن أبي داود (240هـ/854م) قاضي القضاة على عهد المعتصم والواثق هو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل وألزمه بالقول بخلق القرآن انظر ترجمة مطولة في ابن خلكان: وفيات 1/ 81 ومابعدها.
(4) - اليعقوبي: مشاكلة الناس لزمانهم 32 وانظر ص9. (2/455)
صفحة 463
إنَّ العصر الذهبي للمعتزلة في العراق وفي أغلب أقاليم الدولة الإِسلاَمِيَّة ومنها إفرقية الأغلبية والمغرب بأسره (1)، عرف تطورات مذهبية كبيرة بسبب ما أراده المعتزلة بواسطة السلطة السياسية والقضائية من فرضه على الناس علمائهم وعامتهم فافتتن الناس وعذب من عذب وامتحن من امتحن (2) ونال المغرب الإِسلاَمِي قسطاً من الصراع المذهبي: المعتزلة من جهة كطرف ومذاهب المالكية والإباضيَّة كطرف آخر كلّ مذهب على حدة في دولته وفي إقليمه بإفريقية أو المغرب الأوسط أو الأقصى.
أمَّا في إفريقية فإنَّ القاضي عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي (221 - 232هـ) يبدو أنَّه عين قاضياً لأنَّه معتزلي في فترة كانت فيها المعتزلة هي التي تسيطر على مجريات الأمور في الخلافة الإِسلاَمِيَّة ومن هنا كان امتحانه للناس تطبيقاً للأوامر الصارمة الصادرة عن دار الخلافة وعن قاضي القضاة ببغداد ولعلَّه أسرف في امتحانه ذاك حتَّى وُصف بأنَّه فرعون هذه الأمَّة وصفه بذلك خليفته من بعده سحنون بن سعيد لمَّا قال للأمير محمَّد بن
__________
(1) - عن الاعتزال والمعتزلة ببلاد المغرب يذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي أنَّ واصل بن عطاء (ت171هـ/787م) أرسل عبد الله بن الحارث وهو أحد رجالاته ومعه كتبه إلى المغرب ثمَّ غلبت المعتزلة في تلك المدن ويسمون أنفسهم واصلية. في حين يذكر البلخي أنَّ طنجة وما والاها لمَّا استقبلت إدريس بن عبد الله كانت على مذهب الاعتزال وكان رئيسها إسحاق بن محمد بن عبد الحميد. انظر البلخي وعبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. تح. فؤاد سيِّد: الدار التونسية للنشر. تونس 1393/ 1974، ص66، 110، هامش 279، ص119، 227، 237.وانظر كذلك عن المعتزلة في بلاد المغرب ابن الصغير: أخبار 82، البكري: المغرب، 67، الدرجيني: طبقات 1/ 57.
(2) - اصطلح على تسمية مسألة خلق القرآن «المحنة» لمَا أصاب فيها الخلق من محن وامتحانات على يد المعتزلة التي كانت تقول بِأَنَّ القرءان مخلوق انطلاقا من مبدإ نفي صفات المعاني عن الله تعالى ولا يمكن اعتباره قديماً وغير مخلوق لأَنَّ ذلك يؤدِّي إلى مشاركة القرآن بصفة هي من صفات الله وهي القدم والأزليَّة. انظر فاروق عمر: المرجع السابق 41. (2/456)
صفحة 464
الأغلب «أيها الأمير أحسن الله جزاءك فقد عزلت فرعون هذه الأمَّة وجبّارها وظالمها» (1).
وممَّا يروى عن هذا القاضي المعتزلي وملاحقته لسحنون بن سعيد المالكي ما ذكره القاضي عياض وغيره من أنَّ الأمير الأغلبي (2) لمَّا أخذ الناس بالمحنة بالقرآن توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زيَّاد فارًّا فوجه في طلبه فجاءه «فجمع له قواده وقاضيه ابن أبي الجواد وغيرهم وسأله عن القرآن فقال سحنون، أمَّا شيء أبتدئه من نفسي فلا، ولكني سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلّهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق فقال ابن أبي الجواد: كفر، فاقتله ودمه في عنقي ... » (3).
إنَّ مثل هذا الحكم القاسي الذي يجعل من لا يؤمن بِأَنَّ القرآن مخلوق كافراً يجوز قتله، لا شكَّ أنَّه حكم جائر وتنطُّع مذهبي مقيت، والغريب أنَّه يصدر مِمَّن ينتمي إلى الاعتزال (4)، المذهب الموصوف معتنقوه بأهل العقل، وهل العقل
__________
(1) - ابن عذاري: البيان 1/ 106 انظر عن امتحانه للناس: أبو العرب: المحن 462 - 464.
(2) - الأمير أحمد بن الأغلب الذي قام سنة 231هـ على أخيه أبي العبَّاس محمَّد الأوَّل واغتصب منه الإمارة ثمَّ تغلَّب عيله الأمير محمَّد الأوَّل سنة 232هـ ونفاه إلى العراق حيث مات. انظر د. محمَّد الطالبي في فهرس الأعلام الذي وضعه لكتاب تراجم أغلبية. ص44. ويبدو أنَّ هذا الأمير كان معتزلي المذهب.
(3) - عياض: تراجم 116 - 117 ولقد نجا سحنون من عقوبة صارمة وهي إلزامه بالإقامة الجبرية في منزله ومنعه من التدريس وأخذ ثياب من يدخل عليه مِمَّا اعتبرته هيئة المحكمة: قتل الحياة وكل ذلك بتحريض من الوزير الأغلبي علي بن حميد. انظر إضافة الى عياض. زغلول: تاريخ 2/ 95. باجية صالح: الإباضيَّة بالجريد في العصور الإِسلاَمِيَّة الأولى، دار بوسلامة للطباعة والتوزيع، تونس، ط1، 1396هـ/1976م، ص103.
(4) - يجب حين ننتكلم عن سياسة المحنة ألاَّ نعممها على كلّ المعتزلة وألاَّ نعتبر المعتزلة كلّهم مسؤولين عن سياسة إجبار الناس على قبول القول بِأَنَّ القرآن مخلوق، فقد كان هناك فريق من المعتزلة يرى أنَّ الدولة يجب أن لا تتدخَّل في أذواق الناس وأفكارهم ومنهم يحي بن أكثم الذي عزل عن القضاء سنة 217هـ/832م بسبب هذا الأفق الواسع عنده وتولىَّ مكانه أحمد بن أبي داود الذي حسّن للخليفة مذهب المعتزلة وحضه لجعله المذهب الرسمي للدولة سنة 218هـ/833م. انظر فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل 3/ 156. (2/457)
صفحة 465
يجيز هذا الحكم؟ إنَّما هي السلطة عندما تنوء بكلكلها على العقل فتعطله ذلك ما أصاب بالضبط قضاة المعتزلة في المشرق والمغرب أساؤوا استعمال السلطة القضائية لمَّا وهبت لهم وأعيوا أنفسهم وغيرهم بلا طائل وألحقوا بمذهبهم من الأذى والسخط والعداوة ما سجَّله التاريخ وصمة عار عليهم لا على مذهبهم، لقد أخطأ المعتزلة ولا شكَّ كما يقول الدكتور عصام شبارو «في إشراك العامة في مسألة خلق القرآن وهم أبعد الناس عن فهم علم الكلام كما أخطؤوا في حمل الحكومة على التدخل بسلطانها وسيوفها وجنودها وولاتها في هذه المسألة ... » (1).
إنَّ ما فعله ابن أبي الجواد المعتزلي بإفريقية يبدو أنَّه فاق حدوده (2) حتَّى اضطرَّ الأمير أبو العبَّاس محمد بن الأغلب بن إبراهيم (226 - 242هـ/840 - 856م) إلى عزله من القضاء وهو أوَّل قاض بالقيروان يعزله الأغالبه عزلاً إذ كلّ القضاة الذين سبقوا ماتوا وهم على القضاء.
ومن المعروف أنَّه لمَّا عُزل هذا القاضي طُلب من سحنون بن سعيد تولي القضاء فكان يرفضه مدَّة عام كامل (232 - 233هـ) كأني به ينتظر ما سوف تؤول إليه الأمور في دار الخلافة بعد وفاة الواثق واستخلاف المتوكل في ذى الحجَّة عام 232هـ/847م، وبالفعل لم يمض وقت طويل حتَّى أوقف المتوكل المحنة عام 234هـ/848م (3) وهو العام الذي قبل فيه سحنون القضاء وتولاه بشروطه التي قبلها منه الأمير الأغلبي أبو العبَّاس محمَّد بن الأغلب (4) فكانت النتيجة الحتمية
__________
(1) - عصام شبارو: القضاء والقضاة. 149 - 153.
(2) - عياض: تراجم: 106 ومابعدها، الدباغ: معالم 2/ 85، 93.
(3) - يذكر السيوطي أنَّ المتوكل لمَّا بويع بالخلافة أظهر الميل إلى السنَّة ونصر أهلها ورفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك سنة 234هـ وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتَّى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في ردَّ المظالم، والمتوكل في إحياء السنَّة وإماتة التجهم. انظر تاريخ الخلفاء. 346.
(4) - عياض: تراجم 99 - 100. (2/458)
صفحة 466
الانتقام من ابن أبي الجواد المعزول ومن المعتزلة بخاصة وأنَّ سحنون قد سبق أَن دعى الله قائلاً «اللهم لاتمتني حتَّى أراه (أي ابن أبي الجواد) بين يدي عدل يحكم فيه بالحقِّ» (1) فكان هو نفسه ذلك القاضي الذي امتحنه حتَّى قال الناس لقد أجيبت دعوته (2).
وانتقم لنفسه ولمذهبه حتَّى أدَّى به الأمر إلى قتله، وذكر أنَّه لمَّا مات ابن أبي الجواد من ضربه في السجن توسوس سحنون وحُفظ عنه أنَّه كان يردد «ما أنا قتلته، الحقّ قتله» (3).
إنَّ سحنون بن سعيد الذي جاء للقضاء بعد صولة المعتزلة وبعد أن دارت عليهم الدائرة في المشرق والمغرب على عهد المتوكل، جاء بقوَّة المنتصر بالحقِّ على الباطل والجور اللذين مورسا على عهد سلفه ابن أبي الجواد وهكذا أبرز مذهب أهل المدينة وعين قضاة الأقاليم على مذهبه فاحتدم الصراع واتضح ليس مع المعتزلة الذين أهينوا وإنَّما مع الأحناف الذين بدأ مذهبهم يضعف ويخفت ليترك مكانه للمالكية.
لقد عمل سحنون «سراج القيروان» كما وصفه محققا كتاب طبقات أبي العرب، على تعليم «أهل المغرب المذهب المالكي وتلقينهم «المدونة» فحارب أهل البدع والضلالات وأخفت كلّ صوت مارق وكل نزعة عقليَّة ومنع دروس الإباضيَّة والصفرية والمعتزلة» (4) كما سبق أنَّ بيّنا، وركَّز جهوده على تثبيت أركان المذهب المالكي بإفريقية وغرس جذوره عميقة في وجدان أهل المغرب ولقد تحقق له ما طمح من أجله واستطاع أن يجعل إفريقية مالكيَّة المذهب بلا منازع وعمل
__________
(1) - نفسه 98 - 99.
(2) - نفسه 98 - 99.
(3) - عياض: تراجم 111.
(4) - مقدِّمة كتاب أبي العرب: طبقات، 14. (2/459)
صفحة 467
تلامذته من بعده بإخلاص على نشر المالكيَّة في ربوع بلاد المغرب وتوغَّلوا بها بعيداً عبر الصحراء إلى إفريقيا جنوب الصحراء التي تدين في أغلبها بالمذهب المالكي بعد أن كانت على المذهب الإباضي قبل ذلك (1).
وممَّا يُؤَكِّدُ حرص سحنون بن سعيد في توليه قضاء الأقاليم للمالكية فقط دون سواهم مارواه الخشني (ت361هـ) من أنَّه لم يولّ سليمان بن عمران (خروفة) (2) القضاء في مدينة باجة «حتَّى امتحنه في مذهبه فأظهر له سليمان أنَّ مذهبه مذهب المدنيين وأنَّه تارك لمذهب العراقيين وأقام سليمان حينا من الدهر قاضيا بباجة ما يقضي بقضية حتَّى يشاور سحنوناً» (3).
لقد تربع سحنون على عرش القضاء بإفريقية ستَّة أعوام نشر فيها مذهب مالك وصار القضاء في أصحابه (4) وبدا وكأن المالكيَّة تسيطر على الأوضاع في إفريقية، بيدها زمام الأمور وجميع السلطات فضلاً عن السلطة القضائية، وهنا تدخلت سلطة الأمير الأغلبي أبي العبَّاس محمَّد بن الأغلب ليضع حداً لهذه السيطرة فكان تعيين الطبني قاضياً ثانياً إلى جانب سحنون بالقيروان مضادة له ولمَّا رأى حال الطبني وفهم المراد لزم داره مدَّة وترك الجامع وكان الطبني يحكم
__________
(1) - إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية. 387 ومابعدها.
(2) - عياض: تراجم 99. يقول كان أكثر الفقهاء في منتصف القرن الثاني الهجري على رأي الكوفيين وكان سليمان بن عمران يرى رأيهم وانظر صفحة 102. وانظر الدباغ: معالم 2/ 152.
(3) - الخشني: طبقات. 180. هذه الرواية تدحض رواية صاحب معالم الإيمان المتأخرة جداً والتي رواها من سماعه هو ويقول: إنَّه سمع أنَّ أهل باجة اشتكوا به إلى سحنون فقال لهم ما تقولون فيه؟ فأخبروه بأنَّه يحكم عليهم بمذهب أبي حنيفة فقال لهم «ما قدمته عليكم إِلاَّ وأنا أعلم أنَّه يحكم بمذهبه فانصرفوا» انظر الدباغ 2/ 152 والجدير بالذكر أنَّ قضاة الأقاليم غالباً ما يكونون من مذهب القاضي في القيروان إِلاَّ أنَّ أغلبهم كان على المذهب المالكي لعلَّ ذلك راجع إلى أنَّ أوائلهم كانوا من تعيين القاضي سحنون المالكي كما أنَّ أغلب قضاة صقلية كانوا أيضًا مالكيَّة من تلاميذ سحنون أو تلامذته من بعده. انظر نوال تركي: التنظيمات 209.
(4) - علي أحمد: القضاء 32. (2/460)
صفحة 468
في الجامع (1) مِمَّا يدلُّ على أنَّه حنفي المذهب ولم يستمر الأمر هكذا طويلاً حتَّى توفي سحنون عام 240هـ/854م.
هكذا نلاحظ أنَّ المذهبية هي التي رفعت شأن سحنون بن سعيد ليتولى القضاء خلفاً للقاضي المعزول ابن أبي الجواد المعتزلي، وهي التي زحزحته في نهاية المطاف ليتولاه ضرته الطبني الذي وصف بالجفاء والجهل (2) وهي صفات كثيراً ما يصف بها المالكيَّة خصومهم في المذاهب الأخرى.
ويأتي بعدهما سنة 242هـ/856م القاضي سليمان بن عمران «خروفة» تلميذ القاضي الحنفي أسد بن الفرات الذي يبدو-وإن تمذهب بالمالكية عهد سحنون- ميالاً إلى الحنفيَّة لذلك رشحه وعينه الأمير الأغلبي فمرونته تتماشى والسلطة التنفذية الأغلبية عكس الصرامة والحدة التي طبعت عهد سحنون.
وممَّا يؤكِّد المرحلية المذهبية التي كان يطبقها هذا القاضي المرن، أنَّه كان حنفي المذهب أصلاً لم يُسم بخروفة إلاَّ لأنَّه كان لا يُرَى أسد بن الفرات إلاَّ رُئي سليمان بن عمران وراءه (3)، وفي عهد سحنون كشف لنا الخشني أنَّه ما عينه سحنون لقضاء باجة حتى امتحنه في مذهبه فأظهر له ميله لمذهب أهل المدينة (4) ثمَّ فجأة لمَّا يتولى القضاء بالقيروان ويشعر بحقيقة السلطة القضائية بين يديه يرجع إِلى أصله المذهبي وهو الحنفية، فيلاحق محمَّد بن سحنون بن سعيد ويمتحن حبيب بن نصر صاحب مظالم سحنون (5) ثم يتابع ويحتسب خليفة القاضي
__________
(1) - عياض: تراجم 114 - 115.
(2) - نفسه 114.
(3) - أبو المهلب: أدب القاضي. مقدِّمة المحقق 8.
(4) - الخشني: طبقات 180.
(5) - عياض: تراجم 178، 278، الدباغ معالم: 2/ 131 - 132، 152 زغلول: تاريخ 2/ 110. (2/461)
صفحة 469
عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي المالكي (1) وتجر السلطة قضاة هذه الفترة التي أعقبت سحنون إِلى ملاحقة ومحاسبة القاضي المعزول -وما أكثرهم- من قِبل القاضي الجديد (2) وهكذا يتعرض عبد الله بن أحمد بن طالب لمحنتين كلتاهما من قاضيين حنفيين هما: سليمان بن عمران في الأوَّل وأبو العباس محمَّد بن عبد الله بن عبدون في الثانية كما أنَّه هو الآخر يلاحق سلفه سليمان بن عمران لمَّا تولى القضاء ثانية سنة 267هـ فيتوارى سليمان نحواً من سنتين خوفاً منه حتَّى أمر مناديا ينادي بأمانه (3).
إنَّ القاضي المالكي ابن طالب، من المعروف أنَّه انتهى عزلاً ثمَّ قتلاً من قِبل الأمير إبراهيم الثاني ربما غيرةً منه وحسداً لأنَّه من أبناء عمه (4) ولكن الصراع المذهبي لعب دوراً كبيراً في تلك النهاية المأسوية ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ جميع قضاة ما بعد عهد سحنون بن سعيد عزلوا عزلا وقد سبق أن أشرنا إِلى ذلك، كما أنَّ جلهم من الأحناف لأنَّهم أكثر مرونة مع السلطة في حين ربَّما يذكّر القاضي المالكي بعهد سحنون بن سعيد الذي كان شديد الوقع على السلطة الأغلبية حتَّى أنَّ الأمير لم يقوَ على عزله إلاَّ بطريق الحيلة واللف والدوران دون أن يتجرَّأ على إصدار قرار عزل صريح (5).
والأحناف في القضاء بإفريقية الأغلبية كسليمان بن عمران وابن عبدون وعبد الله بن هارون السوداني ومحمد بن أحمد بن جيمال كانوا من الموالين للسلطة الأغلبية، استغلوا انجفال المالكية عن التعاون مع الحكَّام خوفاً من ممالأتهم والتساهل
__________
(1) - عياض: تراجم 225. الدباغ: معالم 2/ 173.
(2) - نفس المصدرين والصفحتين.
(3) - أبو العرب: طبقات. 473 الخشني: طبقات. 236. عياض: تراجم 210، الدباغ: معالم 2/ 173.
(4) - عياض: تراجم 210 الدباغ: معالم 2/ 162.
(5) - عياض: تراجم 114 - 115. (2/462)
صفحة 470
في الأحكام معهم فسيطروا أو بالأحرى حاولوا السيطرة على منصب القضاء مراراً (1) وممَّا يدلُّ على تساهل الأحناف بعكس المالكية تحليلهم للنبيذ (2) بل إنهم تساهلوا حتى مع الشيعة وتولوا لهم مناصب إدارية فقال فيهم ابن عذاري وفي مذهبهم «هو الجائز عند الشيعة لما فيه من الترخيص» (3).
وإمعاناً في اضطهاد فقهاء المالكية عمد الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي إِلى تولية الأحناف قضاء القيروان فأمعن هؤلاء في التنكيل بالمالكية (4)، وترويعهم وقتل البعض منهم فالقاضي ابن عبدون استطال على طبقة المدنيين وامتهنهم وامتحن على يديه «ابن معتب» أحد فقهاء وزهاد القيروان (5) أدخل رجليه في «فلقة» وضربهما حتى أدماهما ودبر لعبد الله بن أحمد بن طالب من سقاه سماً وقتل جماعة من بينهم إبراهيم الدمني وأحمد بن عبدون القصار وطلب يحي بن عمر حتى توارى عنه (6) «وبلغ من اشتهار هذا القاضي بالصلف والعنف وتعقب المالكية أنَّ إبراهيم بن الأغلب كان يتوعد به إذ قال لعيسى بن مسكين (القاضي) تلميذ سحنون: "إن لم تل القضاء لأولينَّ ابن عبدون يُظهر البدع ويُهين السنة"» (7).
إنَّ هذه الفترة التي أعقبت قضاء سحنون بن سعيد بصفة بعامة وعهد إبراهيم الثاني بصفة بخاصة، بلغ النزاع المذهبي فيها أشده بين فقهاء المالكية «وهم الممثلون للمعارضة في الحكم وبين الأحناف المندفعين لتأييده تأييداً مطلقاً، واتخذ
__________
(1) - أبو العرب: طبقات. مقدِّمة المحققين 15.
(2) - نفسه 16.
(3) - البيان المغرب، 1/ 155.
(4) - محمود إسماعيل: الأغالبة 193.
(5) - انظر ترجمته في تراجم أغلبية 155 - 260.
(6) - الخشني: طبقات 187. عياض: تراجم 259 - 260 وانظر مقدِّمة محققي طبقات أبي العرب 16. ومقدمة محقق كتاب أحكام السوق ليحي بن عمر، 11.
(7) - طبقات أبي العرب، مقدِّمة المحققين 16. الجودي: تاريخ (مخ) ق15و. (2/463)
صفحة 471
النزاع السياسي متنفساً للظهور في الجدل المذهبي» (1) وقد رأينا فيما سبق من فصول (2) كيف أنَّ العداوة والصراع المذهبي تناول كل شيء حتى مقر القضاء، فالبيت الذي بناه سحنون بالجامع للقضاء به لأول مرة بإفريقية لم يسلم هو أيضا فكان إذا ولي حنفي هدمه وإذا ولى مالكي بناه من جديد وظل الصراع قائما بين المذهبين إِلى أواخر القرن الرابع الهجري (3).
وظل هذا الصراع ممتداً عهد الفاطميين إذ شددت المالكية من عدائها للشيعة ومن ناصرها ووجد الأحناف فرصة ثانية لمواجهة المالكية بالتقرب من الفواطم وقبول المناصب منهم (4) للانتقام من خصومهم ومنافسيهم في دولة الأغالبة (5) وكان صبر المالكية ومصابرتهم كبيرة جداً في هذه الفترة أهينوا إِلى درجة أنَّ القاضي عياض قال «كأنهم ذمَّة» (6).
ومثلما ناصبت المالكية العداء للأحناف فإنها كانت أشد وأنكى على المعتزلة (7) ولقد رأينا كيف كان موقف القاضي سحنون من القاضي الذي سبقه: عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي وعرفنا كيف كانت نهايته معه.
__________
(1) - يحي بن عمر: أحكام السوق. مقدِّمة المحقق 11.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 88 وانظر المبحث الأوَّل من الفصل الثالث من الباب الثاني.
(3) - مقدمة تحقيق طبقات أبي العرب 16.
(4) - الخشني: طبقات 180 - 197، 223 - 226، ابن عذاري: البيان 1/ 155، عياض: تراجم 369.
(5) - أبو العرب: طبقات مقدِّمة المحققين. 17، 18.
(6) - إنَّ المالكيَّة تعرضت لكثير من التعذيب من قبل االحنفية بخاصة، لأَنَّ الشيعة رفضت على لسان أبي عبد الله الداعي أن تكون دولتها دولة قهر واستطالة، ورفض الداعي نفي من خالف مذهبه من القيروان، لأَنَّ دولته دولة حجَّة وبيان، فأمر بترك الناس على مذاهبهم. ولعلَّ ما تعرضت له المالكيَّة كان بعد وفاة ومقتل أبي عبد الله الشيعي. انظر النويري: نهاية الأرب (فاطميون) ص40 وانظر عياض: ترتيب المدارك. 2/ 318 بوبة مجاني: النظم الإدارية في بلاد المغرب خلال العصر الفاطمي 296 - 362هـ. أطروحة دكتوراه، إشراف د. محمود إسماعيل. جامعة قسنطينة 1995 - 1996. ص63.
(7) - أبو العرب: طبقات. 153، 175. (2/464)
صفحة 472
لعل الذي حدث لهذا القاضي لايثير الكثير من الغرابة لأنه جاء مباشرة بعد إلغاء الخلافة للاعتزال كمذهب رسمي لها سنة 234هـ/749م، وما أعقب ذلك من الانتقام على الذين كانوا بالأمس يمتحنون الناس (1)، إنَّ الأمر الغريب فعلا هو أن يلجأ الأغالبة، في هذا الوقت بالذات، إِلى تعيين قاض معتزلي آخر بعد أن أقصي هؤلاء المعتزلة كلية من مثل هذه المناصب الدينية الإدارية في المشرق والمغرب (2).
ولعلَّ جزء من غرابتنا يزول عندما نعلم أنَّ الذي عين هذا القاضي المعتزلي هو الأمير إبراهيم الثاني المشهور بمثل هذه الأعمال الغريبة، فهو الذي عزل عيسى بن مسكين القاضي المالكي (281 - 289هـ) وعين محمَّد بن أسود الصديني المعتزلي (281 - 290هـ) مكانه، ونكتشف سر هذا التعيين والدافع إليه في قول الخشني إنَّه ولاه «لأنه علم أنَّ ابنه عبد الله (أبا العباس بن إبراهيم الثاني) يقول بخلق القرآن وأنَّه لا يدع بعده عيسى (بن مسكين) على القضاء» (3) ومن هنا عزل عيسى بن مسكين المالكي وولى الصديني المعتزلي تمهيداً لتنازله عن الإمارة لابنه المذكور ولمغادرته إفريقية نحو صقلية فيما يشبه التوبة، فكان الصديني «قاضياً لأبي العباس حتَّى قتل أبو العباس وولي زيادة الله ... فعزل الصدني» (4).
__________
(1) - محمود إسماعيل: مغربيات 132. فاروق عمر: العباسيون الأوائل، 3/ 42، 167.
(2) - أبوزكرياء: السيرة، 104 ومابعدها. محمود إسماعيل: الأدارسة 78، محمود إسماعيل: مغربيات. 59، فاروق عمر: العباسيون الأوائل 3/ 167 ومابعدها، الكندي: قضاة مصر، 128 ومابعدها.
(3) - الخشني: طبقات 238. الحقيقة أنَّ نص الخشني احتاج إلى تركيز كبير للوصول إلى قراءته قراءة نعتقد أنَّها صحيحة كما جئنا بها في المتن، وقد أخطأ النويري عندما ذكر أنَّ أبا العبَّاس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد هو الذي ولى محمَّد بن الأسود الصديني القضاء لأنَّه وقع في غموض نص الخشني المذكور. انظر النويري: نهاية الأرب (المغرب) 288 وهامش 72. وانظر عياض: تراجم، فهارس المحقق 474.
(4) - الخشني: طبقات 238. (2/465)
صفحة 473
لقد ظهر أنَّ الأمير الأغلبي هو المتحكم في اختيار المذهب الذي يريده لقاضيه، فأبو العباس عبد الله الثاني ذو الميول الاعتزالية يستقضي الصديني المعتزلي وأبوه إبراهيم الثاني الذي لم يختر لنفسه مذهباً، على ما يبدو، استقضى الأحناف والمالكية وختم عهده بقاض معتزلي لكنه لم يعيّنه لنفسه ولم يقصد به عهده بقدر ما قصد به عهد ابنه كما أسلفنا، فهو لايهمه أن يكون القاضي من مذهب معين وإنَّما الذي اهتم به فعلا هو أن يكون القاضي مطواعاً له غير قوي الشخصية لا يفرض مذهبه عليه ... (1) ولما تولىّ زيادة الله الثالث آخر أمراء الأغالبة السلطة عزل القاضي المعتزلي وولى مكانه حماس بن مروان المالكي وتقرب به إِلى علماء بعامة إفريقية من المالكية بخاصة فكتب إليهم «إني عزلت عنكم الجافي الجلف المبتدع، ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة» (2).
المهم أنَّ الأغالبة أعطوا فرصة أخرى للمعتزلة أظهروا فيها اتجاههم الفكري والفقهي، وكانت المالكية كعادتهم لهم بالمرصاد، لم يهدأ لهم بال حتَّى عُزل الصديني وفرحوا لمقتل أبي العباس بن عبد الله الثاني الأمير المعتزلي واعتبر ذلك بمثابة الخلاص الذي تمَّ بمعجزة (3) لأنه المسؤول الأوَّل عن إحياء «النزاع المشؤوم المتعلق بخلق القرآن ... عمل على نشر هذه العقيدة مجدداً من أعلى منابر الإمارة كلها ... مغالياً في إبداء صدقه في ظرف غير لائق ... » (4) فهو الذي يرى رأي أبي حنيفة كما يؤكد ذلك القاضي النعمان «ويذهب إليه وينتحل القول بخلق القرآن» (5) لذلك
__________
(1) - قال الأمير إبراهيم الثاني للقاضي عبد الله بن أحمد بن طالب المالكي في إحدى مناظراته: «أنت لاتضطرني إلى مذهبك وأنا لا أضطرك إلى مذهبي» المالكي: رياض 2/ 73.
(2) - عياض: تراجم. 344.
(3) - محمد الطالبي: الدولة الأغلبية 596.
(4) - نفسه 595.
(5) - القاضي النعمان: افتتاح 154 - 155. ويذكر الخشني أنَّ أبا العبَّاس عبد الله بن إبراهيم هذا عرض القضاء على أبي عبد الله البجلي محمَّد بن علي الذي كان يغلب عليه مذهب الشافعي وكان جليل المقدار رئيساً من رؤساء العلماء إِلاَّ أنَّ هذا الأخير رفض، ربَّما لأنَّه يعلم أنَّ المالكيَّة والأحناف سوف لن يتركوه وشأنه. انظر طبقات. 213. (2/466)
صفحة 474
تعصب للمعتزلة وللحنفية على حساب المالكية فناصبته المالكيَّة العداء ولقاضيه وارتاحوا منهما معاً على يد زيادة الله الثالث إذ كان القاتل لأبيه أبي العباس عبد الله الثاني والعازل لقاضي أبيه محمَّد بن الأسود الصديني (1) والواصف له بالجافي الجلف المبتدع (2) ولا شك أنها صفات ترضي المالكية إن لم تكن مِن بثِّها هي في الأوساط العامة بخاصة وأنَّ القاضي عياض يصفه بالخبيث (3) لأنَّه ضرب جماعة من الفقهاء الذين وقفوا ضد الاعتزال حماة للسنة دفاعاً عنها (4).
لقد أخذت مسألة «خلق القرآن» وما ترتب عنها من صراع مذهبي بين المالكية والمعتزلة حيزاً كبيراً في كتب تراجم وطبقات علماء إفريقية (5) لأَنَّ سلطة القضاء دعمت هذا الاتجاه أو ذاك الاتجاه المضاد فأصبح الصراع قضائياً إن صح التعبير إذ لا يحتدم النزاع ولا يبلغ ذروته إلاَّ عندما يتولى القضاء معتزلي: (فترة ابن أبي الجواد:221 - 232هـ وفترة ابن الأسود الصديني: 289 - 290هـ) هناك يُمتحن المالكية ويقاوِمون ويكون النصر حليفهم، فكما خلف المالكي سحنون إبنَ إبي الجواد في القضاء كذلك كان القاضي حماس بن مروان المالكي (290 - 294هـ) خلفاً للصديني (6) مِمَّا يدل على أنّ هناك منتصراً ومنهزماً والمنتصر في نهاية المطاف هي المالكية على المعتزلة ومع أنَّ الأحناف تولّوا القضاء بعد ذلك إذ
__________
(1) - محمد الطالبي: الدولة الأغلبية 295.
(2) - عياض: تراجم. 344. نوال تركي: التنظيمات. 191.
(3) - نفسه 344.
(4) - المالكي: رياض 1/ 36، 129، 2/ 48، عياض: تراجم 344، الجودي: تاريخ قضاة. (مخ) 16ظ.
(5) - انظر مثلا الخشني: طبقات. 194، 195، 213، 221، المالكي: رياض 1/ 186، 190، 298، 2/ 72، 73، أبو العرب: طبقات. 107، 129، 164، 184.
(6) - الخشني: طبقات 238. عياض: تراجم. 344. (2/467)
صفحة 475
من المعروف أنَّ حماس بن مروان وقع له مثلما وقع لسحنون مع القاضي الطبني فزيادة الله الثالث آخر أمراء الأغالبة ولى للقضاء مع حماس بن مروان محمَّد بن أحمد بن جيمال الحنفي (293 - 296هـ) الأمر الذي دفع حماس إِلى الاعتزال عن القضاء لمدة يسيرة (1) ويبدو أنَّ زيادة الله لاحظ ميل هؤلاء إِلى أبي عبد الله الشيعي، الذي بدأت معاوله تهدم الكيانات، فلم يغادر إفريقية إلاَّ بعدما عين آخر قضاة القيروان وهو إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشَّاب المالكي الذي شهد دخول الشيعة الفاطميين (2) وهروب زيادة الله الثالث وانهيار الدولة الأغلبية عام 297هـ/909م.
هكذا يكتشف الأغالبة في نهاية المطاف وبعد فوات الأوان أنَّ المذهب الذي أخلص لهم بالفعل هو المذهب المالكي دون سواه من الحنفية والمعتزلة لذلك هرب آخرهم من إفريقية تاركاً إياها أمانة بيد المالكية وبالفعل لم يهدأ لهم بال حتى أعادوها مالكية خالصة رغم السنين الطوال فلم يعد القضاء وحده مالكياً وإنما أيضاً أصبح الأمراء وولاة الأمور جميعهم من المالكية.
لمَّا كانت إفريقية في القرنيين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) تختار مذهبها بواسطة القضاء وكان مرجل المذاهب فيها يغلي (3)، كان المغرب الأوسط والأقصى يعيش ذلك الصراع إلاَّ أنَّه ربما أقل حدة مما هو في إفريقية الأغلبية، فالرُّستميون لمَّا اختاروا لهم مكاناً قصياً عن القيروان مركز الصراع المذهبي ببلاد المغرب قاطبة، عاشوا أحادية المذهب فترة طويلة. فالإباضية المذهب الرسمي لدولة الرُّستميين حاولت في عهد الولاة أن تجد لها مكاناً في إفريقية واستطاعت أن تحكم فيها لفترة قصيرة (140 - 145هـ) وأن تعين قاضيها بالقيروان عبد الرحمن بن
__________
(1) - الخشني: طبقات 196، 238 - 239، عياض: تراجم. 344، 346.
(2) - الخشني: طبقات. 176، 196، 239.
(3) - لمزيد من التفاصيل حول الصراع المذهبي بإفريقية انظر المجذوب: الصراع المذهبي بإفريقية. (2/468)
صفحة 476
رستم إلاَّ أنه سرعان ما زحزح في خضم ذلك الصراع المذهبي ووجد سبيله إِلى تيهرت بالمغرب الأوسط حيث أقام الدولة الإباضية الرُّستمية واتخذت هذه الدولة قضاتها بطبيعة الحال من الإباضية دون سواهم (1)، فحق الاختيار كان للشراة من الإباضية فقط خلال عهود طويلة، وفي دولة أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان الثانية (286 - 294هـ) أصبح هذا الاختيار من مهام الشراة الإباضية وغيرهم من المذاهب (2)، فهل يمكن أن يكون القاضي في تيهرت في هذه الفترة المتأخرة جداً من زمن الدولة الرُّستمية (160 - 296هـ/777 - 909م) من غير الإباضية مادام اختيار هذا القاضي لا يتم بواسطة الشراة الإباضية وحدهم مثلما جرت العادة منذ بداية الدولة وإنما يتم بإشراك المذاهب الأخرى في هذا الاختيار؟
الحقيقة أنَّ المذهب الإباضي في أواخر الدولة الرستمية بمنطقة تيهرت يبدو وكأنه يمثل الأقلية بسبب توافد العديد من العناصر المالكية والحنفية والمعتزلة (3) من جهة، ومن جهة أخرى بسبب التشتت الذي أصاب الإباضية في مذهبها إذ من المعروف أنَّ وحدة المذهب تفتقت وثشتتت وكان هذا منذ عهد الإمام الثاني عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208هـ) إذ على يديه وقع الافتراق الأوَّل الذي انبثقت عنه فرقة النكار والافتراق الثاني الذي انبثقت عنه فرقة الخلفية. وفي عهد أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258هـ) ظهرت فرقة النفاثية، وأمام هذه الانقسامات احتفظت الإباضية الحاكمة (الأم) لها بتسمية الوهبية (4)، وهكذا نلاحظ أنَّ النواة الإباضية لم تحافظ على قوتها ووحدتها ولا على غالبيتها في العدد
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار 28، 54. بحاز: الدولة الرستمية 324 جودت عبد الكريم: الأوضاع الاقتصادية 279 - 280.
(2) - ابن الصغير: 101 وانظر جودت عبد الكريم: الأوضاع 278.
(3) - الشماخي: سير 158.
(4) - عن هذه الفقرة الإباضيَّة كتابنا الدولة الرستمية 330. عوض خليفات: النظم الاجتماعية. 103 - 118. (2/469)
صفحة 477
والتنظيم بسبب تلك الانشقاقات التي أذهبت ريحها شيئاً فشيئاً (1) وأصبح غير الإباضية يتحكمون في زمام الأمور أو كادوا بحيث وصلوا إِلى ماكان محتكراً للشراة الإباضية وهم الفقهاء الذين يتميزون بالصرامة والشدة في الدين وشاركوهم في اختيار القضاة بتيهرت، ولكن نستبعد أن يكون القاضي من غير الإباضية، وإن ساهم غير الإباضية في اختياره، لسبب بسيط هو أنَّ الدولة انهارت بعد ذلك مباشرة فلم يكن هناك الوقت الكافي بعد وصول هذه المذاهب إِلى الاستشارة لتقلد المنصب ولم يجدوا الفرصة لذلك وكانوا يطمحون إليها لأنَّ مذهباً أقوى بدأ يغزو المدن ويفرض نفسه على الواقع السياسي المغربي هو المذهب الشيعي الإسماعيلي الذي أقام الدولة الفاطمية عام 297هـ/902م.
إذن كلُّ القضاة في الدولة الرُّستمية بتيهرت إباضية وفي هذه الحالة يتساءل الأستاذ جودت عبد الكريم ما علاقة الأديان والمذاهب الأخرى بالقاضي الإباضي؟ ويقول «إنّ هناك أمور اختلاف بين المذهب الإباضي وغيره فلربما كان لكل مذهب قضاته فقد وجد في تاهرت كوفيون كأبي مسعود وأبي دنون ولم يكونوا يعارضون الالتجاء إِلى قاض إباضي إذا تعلق الأمر بينهما وكذلك كان لأهل الأديان الأخرى قضاتهم ومحاكمهم الخاصة إذا انحصرت القضية بينهم، لكنهم كانوا يلجأون في بعض القضايا التي يكون المسلم طرفا فيها للمحاكم الإسلامية مثل جريمة القتل» (2).
إنَّ ما يمكن أن يكون من قضاء للمذاهب غير الإباضية أو الأديان غير الإسلامية بتيهرت إنما هو قضاء مذهبي أو ديني محدود ليس له الصفة الرسمية ويمكن
__________
(1) - بحاز إبراهيم: الطوائف المذهبية والطبقات الاجتماعية في الدلة الرستمية مقال ضمن مجموع بعنوان (تفاني الرجال في جلائل الأعمال: الأستاذ العيد مسعود سبعة وعشرون عاماً في خدمة الجامعة)، مجموعة بحوث ومقالات في نشرية بخاصة لمعهد العلوم الاجتماعية جامعة قسنطينة، جوان 1993. ص130 - 131.
(2) - جودت: الأوضاع. 279 - 280. (2/470)
صفحة 478
أن يكون في كل المدن وفي كل الدول يتولى أمره الفقهاء من تلك المذاهب وتلك الأديان للبت في صغائر القضايا أمَّا كبرياتها فإنها ترفع إِلى القضاء الذي تتبناه الدولة وتدعمه بسلطتها بحيث يمكنها هي وحدها أن تحق الحق وتبطل الباطل في حدود دولتها وهذا ما نعتقد وجوده في تيهرت خلال العهد الرستمي كله.
أمَّا في الأقاليم فإنَّ الذي يتبادر إِلى الذهن أنَّ الإباضية هي التي كانت تتولى القضاء دون غيرها من المذاهب لأنَّ أغلب تلك الأقاليم كانت خالصة للإباضية دون سواها من المذاهب كوارجلان وجبل نفوسة وما يحيط به من قرى (1) ولقد ذكرنا عدة مرات المقولة الشرطية للقاضي عمروس بن فتح لمَّا قال للوالي إلياس بن أبي منصور إن لم تأذن لي بثلاث فخذ خاتمك عني ومن بين تلك الثلاث قتل الطاعن في دين المسلمين والدال على عوراتهم (2) ويقصد بدين المسلمين الإباضية بالذات، فإنَّه كقاضٍ لا يقبل الطعن في المذهب الإباضي وبالتالي من هنا نلاحظ الدور الكبير الذي لعبه القضاء في تركيز المذهب الإباضي في تلك المناطق.
وفي سؤال طرح على الإمام عبد الوهاب عن رجلين تخاصما عند صاحب السجل (القاضي) فأراد أحدهما أن يقوم عنه إِلى غيره ربما من غير الإباضية فكان جواب عبد الوهاب في ذلك «إنه ليس له أن يرتفع عن ذلك الحاكم (القاضي) الذي اختصما إليه إلاَّ أن يكون الإمام (هو) الذي غيَّر ذلك الحاكم بنقله إلى حاكم غيره وأمَّا من غير الإمام فليس له النقلة عنه حتَّى يفصل حكمه بينهما، إذا كان ذلك الحاكم مستعملا عليهما ... » (3).
وفي قسطيلية من بلاد الجريد قاضٍ مالكي هو محمَّد بن فرج بن البناء مولى الأغالبة (4) ولاّه إبراهيم الثاني ابن أحمد قضاءها ويبدو أنَّه لم يكن مرغوباً فيه لأنَّ
__________
(1) - انظر قائمة قضاة الرستميين بالأقاليم 6.
(2) - الشماخي: 226. البغطوري: سيرة (مخ) ق 48.
(3) - مسائل نفوسة 189 وانظر قصَّة مثلها ص190، 193.
(4) - عياض: 371 - 372 (2/471)
صفحة 479
الإقليم إقليم الإباضية في أغلبه وكان تابعاً لتيهرت الرستمية كما أنَّه كان تابعاً لإفريقية الأغالبة ويبدو أنَّ تبعيته لتيهرت كانت مرغوبة لأنَّ القبائل التي تدين بالولاء لإمام تيهرت تشكل مجموع سكان المنطقة ومع ذلك كانت تلك التبعية محدودة بينما كانت تبعيتها للقيروان مفروضة وشاملة (1) ومن هنا كان القاضي مالكياً ولا نستبعد أن يكون هناك قاض أو قضاة في بلاد الجريد الواسعة من الإباضية للبت في القضايا الإباضية إلاَّ أنَّ هؤلاء القضاة ليسوا تابعين للأغالبة السلطة الحقيقية في تلك البلاد وإنما هم تابعون للرستميين أصحاب السلطة الروحية، وهذه الأخيرة لا تقوى دائماً على فرض الحق ودحض الباطل وبالتالي وجب الالتجاء إلى القاضي الذي تدعمه السلطة الحقيقية وهو القاضي المالكي وهو الذي له النفوذ في البلد دون سواه ومن هنا وجب التعامل معه إلاَّ أنَّ ذلك يتم عند الضرورة القصوى (2) لأنَّه موظف غير مرغوب فيه ولقد رفع أهل قسطيلية على القاضي المذكور البغي عند الأمير إبراهيم الثاني فعزله ولمَّا سمعوا بعزله قبل أن يصل إِلى القاضي نفسه تجرؤوا عليه فشتموه وعرف القاضي أنَّ هذه الجرأة لم تأت إلاَّ من كونه قد عزل، وسوف يأتيه قرار العزل بخاصة وأنَّه امتنع على إبراهيم الثاني أن يسلفه من أموال اليتامى المودعة عنده وعرف حقده عليه. لذلك وبالفعل قبض على القاضي وأرسل إِلى رقادة واستطاع أن يدافع عن نفسه ويبرئ ذمته مما نسبه
__________
(1) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبية، 386 - 388. جودت عبد الكريم: العلاقات، 60 - 61. وممَّا يدلُّ على بقاء نفوذ الإباضيَّة قويا في هذا الإقيم حتَّى عهد الفاطميين انظر بوبة مجاني: النظم الإدارية، أطروحة، 205.
(2) - يتحدث ابن ناجي صاحب تكميل معالم الإيمان المتوفى سنة 839هـ/1435م عن استقضائه بجزيرة جربة على العهد الحفصي ويقول بأنَّه كان يقوم في جوف الليل يرغب إلى الله لأنَّه كان في غاية ما يكون من الإشفاق والخوف على نفسه، إذ لا يجد في جربة من يشركه أمره فأهلها خوارج ولهم مذهب لأنفسهم ويقصد بهم الإباضيَّة الذين قاطعوه ولا يلتجئون إليه إِلاَّ نادراً ومن هنا كانت وحشته وخوفه. انظر معالم الإيمان 1/ 295. (2/472)
صفحة 480
إليه أهل قسطيلية من البغي فأطلق سراحه (1). وكان هذا القاضي، محافظة على هيبته القضاء، قد أمر بأولائك الذين شتموه وشفوا فيه صدورهم فقبض عليهم وربطهم إِلى عمود وضرب كلَّ واحد منهم ضرباً وجيعاً ونكل بهم جميعاً ثمَّ أمر بإيداعهم الحبس وكل ذلك قبل أن يأتي الأمر إليه بعزله ورفعه إِلى رقاده وحبسه (2).
خلاصة القول إنَّ الإباضية تولوا القضاء في عاصمة دولتهم تيهرت طيلة عهد الرُّستميين كما أنهم هم الذين تولوا قضاء الأقاليم التي كانت تابعة للرستميين ولمَّا كان غير الإباضية في تيهرت من المالكية والأحناف والمعتزلة يزحفون شيئاً فشيئاً نحو هذا المنصب الهام في جهاز الدولة - أي دولة - وكادوا يصلون إليه ابتداءً من إشراكهم في اختيار القاضي على عهد أبي حاتم يوسف الذي قتل سنة 294هـ/906م إذا بأبي عبد الله الشيعي يزحف نحو تيهرت ويدخلها بعد عامين فقط من اغتيال الإمام أبي حاتم ويُقصى الإباضية من جميع الوظائف كما يقصى غيرهم الذين كانوا يتنافسون عليها ليحل محل الجميع المذهب الشيعي الإسماعيلي.
أمَّا في المغرب الأقصى فلا نستبعد أن يكون قضاة الدولة ببني مدرار في عاصمتها سلجماسة من الإباضية فضلا عن الصفرية المذهب الرسمي لهذه الدولة، فإن كان أغلبية القضاة صفرية فلا شك أنهم يتخللهم بعض الإباضية إذ مذهب بعض أيمة هذه الدولة كما يقول ابن خلدون، «كان إباضياً صفرياً» (3) مثل أبي القاسم سمكو بن واسول (155 - 167هـ/771 - 7783م) وابنه اليسع (194 - 208هـ/809 - 823م) الذي استفحل على عهده ملك سلجماسة ودوخ بلاد الصحراء ثمَّ إنَّه أصهر لعبد الرحمن بن رستم بابنه مدرار في ابنته أروى فأنكحه إياها (4)، وظلت الإباضية تساير أيمة هذه الدولة فمدرار بن إليسع الذي تولى الحكم
__________
(1) - عياض: 372، الدباغ: معالم 2/ 317 - 318، باجة: الإباضيَّة بالجريد. 104.
(2) - نفس المصادر المذكورة.
(3) - ابن خلدون: العبر. 6/ 268.
(4) - نفسه 6/ 268. (2/473)
صفحة 481
عام 208هـ/823م كانت زوجته إباضية وكان صاغية لها مائلاً إِلى ابنه ميمون بن أروى بنت عبد الرحمن بن رستم على حساب ابنه الآخر من امرأة أخرى (1).
إنَّ الإباضية قد رافقوا هذه الدولة خلال فترة لا تقل عن قرن من الزمان منذ قيامها حتى وفاة مدرار بن اليسع عام 253هـ/867م فلا يستبعد - والأمر هكذا - أن تكون المنافسة التي حدثت بين الشقيقين ابني مدرار لتولي السلطة (2) توازيها منافسة أخرى تكون تابعة للأولى ونتيجة لها تتعلق بالوظائف ومنها القضاء، فالمذاهب في الدول الإسلامية إنَّما تتنافس على منصب القضاء لأنه الأكثر ارتباطاً بالرعية والوسيلة القوية في بسط النفوذ المذهبي على الرعايا.
ونختم هذا المبحث بالدولة الإدريسية التي كانت مجموعة من المذاهب تتنافس فيما بينها وتتصارع من أجل السلطة والنفوذ فيها وإن بدا ذلك الصراع خافتاً نوعاً ما إذا ما قورن بما كان عليه في بلاد المغرب الأدنى والأوسط في نفس تلك الفترة.
إنَّ إدريس الأوَّل (172 - 177هـ/788 - 793م) لمَّا جاء إِلى بلاد المغرب جاء يحمل المذهب الشيعي الزيدي معه وهو الذي انهزم في وقعة فخ سنة 169هـ/785م وهرب من بلاد المشرق (3) ونجا من الموت المحقق الذي كان يطارد العلويين في كل مكان بخاصة بعد تلك الوقعة المشهورة، والغريب في الأمر أنه ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلم يجد العون والمدد والتشريف إلاَّ في المغرب الأقصى وعند البربر وأهم من ذلك كله عند المعتزلة منهم وهو الهاشمي العلوي الشيعي الزيدي.
لقد نزل إدريس الأوَّل على إسحاق بن محمَّد بن عبد المجيد الأوربي المعتزلي، يقول صاحب الاستبصار «فوافقه إدريس على مذهبه وأقام عنده وأمر إسحاق
__________
(1) - نفسه 6/ 268 - 269، ابن عذاري: البيان 1/ 157.
(2) - نفسه 6/ 268 - 269، ابن عذاري: البيان 1/ 157.
(3) - الاستبصار. 194، السنوسي: الدرر السنية. 60 - 61. (2/474)
صفحة 482
قبيلته بطاعته وتعظيمه» (1) فهل يُعقل أن يتمذهب هذا العلوي بالمذهب المعتزلي وبهذه السرعة؟ لا نجيب على هذا التساؤل بشكل مباشر وإنَّما يمكن أن نقول بأنَّ هناك تقارباً عقائدياً بين التشيع والاعتزال ظهر جلياً على عهد المأمون الخليفة العباسي (198 - 218هـ/813 - 833م) الذي جمع في شخصه وفي سياسته الاتجاهين معاً (2)، وبالتالي فإنه يمكن القول إن مسايرة إدريس الأوَّل للاعتزال في المغرب الأقصى ليست بدافع المصلحة بقدر ماهي بدافع تلك العناصر التي تجمع بين المذهبين.
إنَّ ادريس الأوَّل وهو القاضي الأوَّل بالدولة الإدريسية كان يحكم ولاشك وفق مذهبه الزيدي (3) رعية هي في أغلبها على الأقل في هذه الفترة المبكرة، معتزلة وظل الأمر هكذا مع مولاه راشد ومع ابنه إدريس الثاني، ولايستعبد أن يكون قد ساعدهم نسبهم الشريف الذي يرجع بهم إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فالأحكام التي يُصدرونها إنَّما هي أحكام جاءت في كتاب الله أو قالها
__________
(1) - نفسه 194 عن المعتزلة في بلاد المغرب انظر البلخي: وآخرون: فضل الاعتزال 110. البكري: المغرب. 67. وابن الصغير: أخبار 82 وانظر محمود إسماعيل: مغربيات 129.
(2) - لقد كان واصل بن عطاء أصل المعتزلة الأوَّل (ت171هـ/787م) معروفاً بصداقته لمحمَّد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب بل إنَّ زيد بن علي (رأس الزيدية) كان تلميذاً لواصل وكانت جماعة من الزيديَّة ببغداد يدعون «معتزلة بغداد» وهذا في عهد الرشيد: انظر فاروق عمر: العباسيون الأوائل 86 - 87 وانظر البلخي وآخرون: فضل الاعتزال، حيث يذكر أنَّ واصل بن عطاء ربَّاه محمَّد بن علي بن أبي طالب وعلمه مع ابنه أبي هاشم عبد الله حتَّى أنَّ هذا الأخير سُئل مرَّة «كيف كان علم محمَّد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره في واصل» 64 - 65.
(3) - يقول الدكتور محمود إسماعيل إنَّ الأدارسة كانوا من الشيعة الزيديَّة ويؤكد الدكتور زغلول عبد الحميد ذلك ويقول بأنَّه رغم أنَّ إدريسا علوي والدولة الإدريسية كانت ملكية وراثية إِلاَّ أنَّها لم تكن دولة شيعية بالمعنى المعروف وهي وإن كانت كذلك فتكون شيعية زيديَّة أي من النوع المعتدل. انظر: محمود إسماعيل: مغربيات 59، زغلول: تاريخ 2/ 423. (2/475)
صفحة 483
جدهم الرسول محمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - وبالتالي أنى يكون لهؤلاء البربر المعتزلة أن يردوا أحكام حفدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
إنَّ عهد الأدارسة، يقول الأستاذ إبراهيم حركات، قد عرف مذاهب متعددة فبالإضافة إِلى المذهبين المذكورين الشيعي الزيدي والاعتزالي، فهناك مذاهب الخارجية والمالكية حسب الظروف المكانية والزمانية التي اكتنفت حياة هذه الدولة ويقول « ... على كل حال فإنَّ الأدارسة كانوا أميل إِلى المذهب الشيعي منهم إِلى غيره ... » (1).
ومن بين هذه المجموعة من المذاهب التي عرفتها دولة الأدارسة نجد المذهب المالكي هو الذي سوف يكون السيد في المغرب الأقصى على حساب الزيدية مذهب الأيمة والمعتزلة مذهب أوربة القبيلة الأولى التي احتضنت إدريس وبايعته وقامت عليها دولة الأدارسة.
إنَّ المالكية ستنتشر في هذه الربوع من خلال القضاء. فلقد سبق أن أشرنا إِلى أنَّ إدريس الثاني (177 - 213هـ/793 - 828م) وفدت عليه وفود العرب من إفريقية والأندلس وذلك عام 189هـ/804م فسرَّ بوفادتهم وأجزل صلاتهم واتخذ منهم بطانته واستقضى منهم عامر بن سعيد بن محمَّد القيسي (2). هذا الرجل الصالح الورع الذي سمع من مالك بن أنس - رضي الله عنه - ومن سفيان الثوري وروى عنهما كثيراً (3)، هو أوَّل القضاة بالمغرب الأقصى يعينه الإمام الإدريسي وكان يحكم «وفق المذهب المالكي» (4) وقد حرص إدريس الثاني على استرضاء أهل الفقه
__________
(1) - إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ 1/ 128.
(2) - ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني زهرة الآس 17 - 18 السنوسي: الدرر السنية 85.
(3) - نفس المصادر.
(4) - سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة 126. (2/476)
صفحة 484
المالكي بتعيينه لهذا القاضي كما يؤكد الباحث محمَّد صدقي في أطروحته (1) في حين يذكر الأستاذ إبراهيم علي حسن بأن «تعيين المولى إدريس بن إدريس الفقيه عامر القيسي قاضياً وهو من تلاميذ الإمام مالك بن أنس شجع على انتشار المذهب المالكي كما ساعدت دواعي سياسته على انتشاره بالمغرب ... » (2).
فهل كانت الرعية بدولة الأدارسة مالكية حتى يسترضيها الإمام الإدريسي الزيدي؟ نعتقد أن ذلك لم يكن في هذه الفترة من تاريخ الأدارسة بالمغرب الأقصى وإنَّما كل ما في الأمر أن ذلك الوفد الإفريقي والأندلسي يبدو أنه ممن أخذ عن مالك بن أنس بخاصة وأنه ينتمي إِلى إقليمين بدآ يعرفان التوجه نحو المذهب المالكي ونحو الاستمساك به في نهاية هذا القرن الثاني الهجري هذا من جهة، ثمَّ من جهة أخرى ألم يؤيد الإمام مالك ثورة للشيعة عام 145هـ/762م بفتوى غير مباشرة؟ (3).
إنَّ حب مالك للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولمدينته وتقيده الصارم بحديثة ربما أكثر من أيمة المذاهب الأخرى في ذلك الوقت، كلها عوامل تجعل إدريس الثاني يميل إِلى هذه المجموعة من تلاميذه ويختار منهم قاضيه فاعترافه بالمالكية يحرِّر بلاده من نفوذ العباسيين إذ أنَّ هؤلاء قد اعتمدوا مذهب أبي حنيفة واتخذوا قضاتهم منه وكذلك يدعم استقلال دولته الفتية (4).
__________
(1) - محمَّد صدقي: الأدارسة. أطروحة، 1/ 186.
(2) - إبراهيم علي حسن: المولى إدريس بن إدريس الأزهرة 86. يذكر الشيرازي في كتاب القضاء أنَّ أبا عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (ت148هـ/765م) قال «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» انظر كتاب القضاء. ج1. مطبعة النعمان النجف 1972. ص13.
(3) - الشعكة مصطفى: إِسلاَم بلا مذاهب. 408، سعدون عباس: دولة الأدارسة 126 والثورة هي ثورة محمَّد النفس الزكية على عهد المنصور العباسي.
(4) - سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة 126. (2/477)
صفحة 485
يبدو أنَّ القضاة ظلوا هكذا يعينون من هذا المذهب بالذات، بخاصة وأنَّ فاس عاصمة الأدارسة كانت على الطريق المؤدي إِلى عدوة الأندلس حيث النشاط الكبير للمالكية فضلا عن أنَّ هذه المدينة كما يروي الجغرافيون والمؤرِّخون كانت بعدوتين سكنهما القرويون والأندلسيون وهم الأكثر ميلاً إِلى المالكية منها إِلى أي مذهب آخر فسميت إحداهما بعدوة الأندلسيين وسميت الأخرى بعدوة القرويين وهذا منذ أن أسست عام 192هـ/807م (1) وهكذا شيئاً فشيئاً ساد المذهب المالكي في بلاد الأدارسة وبخاصة في عاصمتهم فاس.
وليس هذا الأمر بالغريب إطلاقاً في هذه الفترة المبكرة من تاريخ المذاهب في الإسلام، فكما رأينا كانت الرعية الأولى معتزلة ثمَّ أصبحت مالكية وظل الأدارسة فيما لا يستطيعون أن يخرجوا عنه وهو أنهم علويون شيعة زيدية وظل القضاء، على أكبر تقدير، على المذهب المالكي ولقد كان الأيمة الأدارسة مترفعين عن المذهبية الضيقة بخاصة في عهودهم الأولى لذلك استطاعوا أن يسوسوا هذه الرعية بهذا المجموع من المذاهب فهم ظلوا «يعتبرون أنفسهم أيمة المسلمين بصرف النظر عن هويتهم المذهبية (2) إذ كانوا يؤمنون بالإسلام بدون مذاهب ويطبِّقون أحكام الشريعة وفق القرآن وسنة جدهم النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -» (3) فلم يحفلوا في قليل أو كثير بنشر المذهب الزيدي
__________
(1) - البكري: المغرب 115، الاستبصار. 180، السنوسي: الدرر السنية 100، زغلول: تاريخ 2/ 517 - 518.
(2) - يناقش الحلبي مذهب الأدارسة ويذكر عدَّة مذاهب مشهورة آنذاك ثمَّ يقول لعلَّ إدريس الثاني كان إماماً مستقلاً مجتهداً لم يتقيد بمذهب أحد إِلاَّ أنَّه يقول بعد ذلك «والأقرب أنَّه كان على مذهب الإمام مالك أو سفيان الثوري بواسطة قاضيه المذكور». انظر الدرجيني: طبقات النفيس (مخ) ق 251 - ط حجرية 207.
(3) - سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة. 126. (2/478)
صفحة 486
بين البربر الذين ظل معظمهم على مذهب مالك وبعضهم على مذهب المعتزلة والبعض الآخر على المذهب الخارجي الصفري (1).
إنَّ عناية الأدارسة بالقضاء والقضاة نابعة من سياستهم الدينية التي ذكرناها ومن حرصهم على دعم المظهر الديني لإمامتهم وبالتالي إحكام المركزية وتوطيدها، ولقد كان الباحث محمَّد صدقي على حقّ لمَّا قال «إن إدريس الثاني كان يعلم أنَّه ولوكان الإمام، فليس باستطاعته أن يحمل الناس في الفقه والتشريع على رأي واحد يأخذهم به في تلك الفترة التي كان فيها الفقه مايزال في مطالع تكوينه، لذلك كان قصارى مايستطيع إدريس الثاني القيام به هو تعيين القضاة ومراقبة أحكامهم ومناقشتهم فيها» (2) ويبدو أنَّ الأدارسة ظلوا كلّهم يمارسون هذه السياسة الدينيَّة المتسامحة مع المذاهب الموجودة في دولتهم ولم يصروا على جعل مذهبهم الزيدي مذهباً رسمياً (3) وهكذا غلب مذهب القضاة مذهب الأيمَّة لأَنَّ المالكيَّة يهمها أن تنشر مذهبها وترى ذلك مسؤولية عليها يمليها عليها المذهب في حدّ ذاته كما تمليها عليها الأوضاع المذهبية في كلّ من إفريقية والأندلس.
إنَّ القضاء في المغرب الإِسلاَمِي قد ساهم مساهمة فعالة في توطيد بعض المذاهب وتدعيمها وزوال بعضها الآخر، ويعتبر المذهب المالكي أوَّل المستفيدين من مؤسسة القضاء رغم أنَّه آخر المذاهب وصولاً إلى بلاد المغرب بعد مذاهب الصفرية والإباضيَّة والمعتزلة والحنفيَّة فقد استطاع بصرامة فقهائه وصلابة قضاته على الحقّ أن يزحزح الأحناف ويقصي المعتزلة ويحارب الشيعة وينتصر عليها في نهاية المطاف، وبانتصاره ذاك تربع على عرش القضاء والفتوى ببلاد إفريقية والمغرب بلا منازع ينازعه ذلك السلطان.
__________
(1) - محمود إسماعيل: ملاحظات حول تاريخ الأدارسة مجلَّة الحياة الثقافية. 8 - 9.
(2) - محمَّد صدقي: الأدارسة. 1/ 186.
(3) - محود إسماعيل: سوسولوجيا الفكر الإسلامي، مكتبة مذبولي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م. 1/ 210. (2/479)
صفحة 487
ولقد رأينا أنَّ المالكيَّة تولت القضاء في دولة الأدارسة قبل أن تقوم دولة الأغالبة في القيروان ورغم أنَّ المذهب المالكي في هذه الفترة هو في طور التكوين والترسيخ إِلاَّ أنَّ أوائل رجاله من تلاميذ مالك كانوا قد تمذهبوا وشكلوا ما يمكن تسميته بالمدرسة الفقهيَّة المالكيَّة التي ظلت تنمو شيئاً فشيئاً في إفريقية واستطاعت أن تخلُف الأحناف في منصب القضاء وتنافسهم في دولة هي في الحقيقة تابعة للعباسيين الذين اتخذوا الحنفيَّة مذهبهم الرسمي ومذهب قضاتهم، كما استطاعت أن تحارب بلا هوادة بعض القضاة المعتزلة في عزِّ سلطان هذا المذهب لمَّا كان المذهب الرسمي للعباسيين.
إنَّ المالكيَّة بفضل إصرارها وبتمكنها من منصب القضاء استطاعت أن تطبع بلاد المغرب بطابعها وأن تغزو قلوب المغاربة وعقولهم.
وإذا كان للإباضية مثل المالكيَّة صولة في بلاد المغرب خلال القرنيين الثاني والثالث للهجرة فإنَّها لم تقوَ على المحافظة على كثافة انتشارها في ربوع المغربين الأدنى والأوسط لأنَّها لم تقم لها دولة بعد دولة الرستميين وبالتالي لم يتربع فقهها على عرش القضاء، وإن بقيت بقيَّة من الإباضيَّة في بلاد المغرب إلى يومنا هذا فسر ذلك يعود إلى المذهب في متانة أصوله ومرونة فروعه كما عبر عن ذلك الشيخ محمَّد الفاضل بن عاشور في إحدى محاضراته (1).
أمَّا المذاهب الأخرى فإنَّها انقرضت كلّها وزالت ولم يبق لها أثر ماعدا المذهب الحنفي الذي عاد إلى بلاد المغرب مع مطلع العهد الحديث عندما قدم الأتراك العثمانيون وحكموا بعض ربوعه.
__________
(1) - محمَّد الشيخ بالحاج: وَأَنَّ هذه أمتكم أمَّة واحدة على الحقّ والإستقامة، المطبعة العربيَّة غرداية. 1988. الحلقة الرابعة ص28 - 29. (2/480)
صفحة 488
المبحث الثالث
العبيد وأهل الذمَّة في المغرب، قضاؤُهم وتقاضيهم
أ ـــ العبيد:
من المعروف أنَّ القرنين الثاني والثالث للهجرة من أهم القرون رواجا لبضاعة العبيد (1) في المغرب الإسلامي، ومن هنا كثر استعماله، وتعددت مشاكله.
وبادئ ذي بدء لاحظنا أنَّ الكثير من القضاة كانوا يملكون عبدا أو أمَة، يساعدهم في بعض شؤونهم الببخاصة، أو المتعلِّقة بالقضاء، كإرساله في مهمة، أو ما شابه ذلك.
فالقاضي محكّم الهواري لما قبل منصب القضاء وأنزل في الدار المعروفة بدار القضاء، «اشتروا له خادما صفراء» (2)، وكذلك كان للقاضي محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ قاضي الإمام أبي اليقظان مولىً يُدعى «سليمان» كان كثيرا ما يؤثره لحوائجه على غيره من مواليه، وهو الذي كان معه لمَّا خرج ليلا يبحث عن فتاة قيل له: اختطفها الأمير ابن الإمام (3).
وفي إفريقية نكاد لا نجد قاضيا لا يكون إلى جانبه من يساعده من العبيد
__________
(1) - استعبد الإنسان أخاه الإنسان منذ فجر التاريخ، وعرفت طرق متعدِّدة للاستعباد، ولمَّا جاء الإسلام وجد الظاهرة منتشرة في المجتمع العربي، وعمل على تحرير العبيد، ليس بشكل مباشر كأن يحرِّم الاسترقاق تحريما، وإنَّما كان ذلك بشكل غير مباشر، وذلك بعتقهم كفَّارة لبعض المعاصي والذنوب، ولقد عرفت الحضارة الإِسلاَمِيَّة استعمالا واسعا للرقِّ في مختلف مجالات الحياة. عن الرقِّ في الإِسلاَم انظر آدم متز: الحضارة الإِسلاَمِيَّة في القرن الرابع الهجري، 2/ 211.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 51.
(3) - نفسه، 78ـ 79. (2/481)
صفحة 489
والموالي، فالقاضي سحنون بن سعيد، أرسل فتاه إلى الأمير أبي العبَّاس محمَّد الأوَّل بن الأغلب، وحمّله يمينه وقسمه ألاَّ يخرج النساء الحرائر من بيته حتَّى يعزله الأمير، وهي مشكلة خطيرة وقعت بين الأمير وقاضيه سحنون (1)، «فانصرف الفتى إلى الأمير فأعلمه بيمين سحنون وذكر له أنَّ ابنه محمَّدًا بالباب بالسجل» (2)، يردُّه له ليولي الأمير من يريد لقضائه.
ولمَّا غادر أبو الربيع ميمون بن عمرو بن المغلوب سوسة باتجاه صقلية ملتحقا بمنصب القضاء هناك، كانت معه خادم سوداء تَخدمه (3)، كذلك كان لقاضي قسطيلية عبد الله بن محمَّد بن مفرج، المعروف بابن الشاعر غلمان يساعدونه في بعض مهامه (4).
إن هَذه الإشارة السريعة، وقد سبقت فيما سلف من مباحث، نريد أن نؤكد بها دور العبيد في خدمة القضاء والقضاة ببلاد المغرب، تماما مثلما كانت لهم أدوارهم في مختلف مناحي الحياة العامة.
إن العبيد كثيرا ما أشغلوا الفكر القضائي التنظيري، فيما تجوز به شهادتهم وفيما لا تجوز (5)، ومَن مالِكُ هَذَا العبد؟ أهذا الشخص الذي في يده، أو ذاك الذِي يدَّعي ملكيته؟ (6)
وكثيرا ما رأينا العبيد يكاتبون أسيادهم عَلَى مال ليتحرروا، ومشكلة الولاء بعد ذلك، أو مشكلة عدم تمكن العبد من إتمام ما كاتب عليه سيده (7).
__________
(1) - انظر القصَّة في الدباغ: معالم الإيمان، 2/ 90 ـ91. وانظرها في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(2) - الدباغ: 2/ 92.
(3) - المالكي: رياض، 2/ 180.
(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 142؛ وانظر: عياض: تراجم، 18. كان للقاضي ابن غانم غلاما ...
(5) - ابن تيمية: مجموع فتاوي بن تيمية، 14/ 87؛ اطْفِيَّشْ القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ)، ق 480.
(6) - محمَّد بن سحنون: أجوبة، (مخ) ق17و. أبو المهلب: أدب القاضي والقضاء، 90 - 91.
(7) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 157. (2/482)
صفحة 490
وفي سؤال للإمام عبد الوهَّاب عن عبد تزوَّج حرَّة، فبِيَد مَن طلاقُها؟ وكان الجواب: بيد من بيده نكاحه وهو المولى، لأَنَّهُ لا يجوز للعبد أن يعقد نكاحا لنفسه إِلاَّ بإذن مولاه، فكذلك الطلاق بيد مَن بيده عقد النكاح (1).
وفي عهد أبي مرداس وأبي خليل في أواخر القرن الثالث الهجري (9م)، اختلف هذان الفقيهان في عبد وأمة زنيا في رقِّها ثُمَّ أعتقا بعد ذلك، فأرادا أن يتناكحا، فقال أحدهما: لا يجوز لهما ذلك لأَنَّ كُلّ فرج وطئ بحرام فلا يحلُّ أبدا؛ وقال الثاني: لا بأس عليهما أن يتناكحا بعد العتق (2)، وكان هَذَا في فترة قضاء المشايخ بعد معركة "مانو" عَلَى ما يبدو.
وقد يوكل العبد في تجارة، ويؤذن له في التجارة بالنقد فقط دون الدين، فإن اعترف العبد وأقرَّ أنَّ عليه دينا، فإنَّ ذلك يلزمه هو ولا يلزم مولاه، لأَنَّ ذلك شرطة عليه (3)؛ وهذا مشكل بسيط من مشاكل التجارة والمعاملات عموما.
ومن الغرائب التي كادت أن تقع في القضاء بإفريقية، أنَّ إبراهيم الثاني أراد أن يولي قضاء سوسة لأبي الغصن نفيس السوسي، أحد العلماء في زمانه (ت:309هـ/ 921م) فأبى هَذَا وامتنع، وقال له: «سألتك بالله ـ أيها الأمير ـ لا تعيِّر (من العار) القضاء بي، لأَنِّي عبد رومي أعور غرابيلي مولى امرأة، وهذه هجنة عليك أن تولي مثلي ... » (4)، فما كان من الأمير إِلاَّ تركه؛ فهل يُعقل أن يولَّى هَذَا العبد القضاء وهو حرام عليهم، أم أنَّ هذه من بعض جُنون إبراهيم الثاني؟ يبدو أنَّ هَذَا العبد الفقيه الثقة تلميذ سحنون بن سعيد، وأحد حفاظ موطأ
__________
(1) - نفسه: 113.
(2) - اطْفِيَّشْ القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ)، ق 111.
(3) - أفلح بن عبد الوهَّاب: جوابات أفلح (مخ)، ق 2و.
(4) - المالكي: رياض، 2/ 162 - 163؛ عياض: تراجم، 386 - 390. (2/483)
صفحة 491
ابن وهب (1) عن ظهر قلب، لم يكن عبدا لَمَّا عُرض عليه القضاء، فلا بدَّ أَنَّهُ قد أُعتق، وممَّا يُؤَكد ذلك أنَّ القاضي المالكي حماس بن مروان نفسه عرض عليه قضاء سوسة فامتنع (2).
هَذَا ما يمكن أن يقال باختصار عن العبيد والقضاء في المغرب الإسلامي؛ فكانوا أعوانا، وكانوا قضايا مطروحة في مجالس القضاة، نعتقد أَنَّهَا كثيرة كثرة استعمال العبيد في تلك الحقب ووفرتهم بفعل التجارة الرائجة مع إفريقيا جنوب الصحراء حيث العبيد الأسود؛ ومع صقلِّيَّة والأندلس حيث العبيد الأبيض أو الصقالبة.
ب ـــ أهل الذِّمَّة:
كان لليهود والنصارى وجود معتبر في مختلف أنحاء المغرب الإسلاميِّ، ولعلَّ الوالي: الفضل بن روح (177 - 178هـ/ 793 - 794م) مراعاةً لهذا الوجود، واحتراما للنصرانيَّة كدين سماويٍّ، سمح لقسطاس النصرانيِّ ببناء كنيسة في القيروان (3) المدينة العَرَبِيَّة الإِسْلاَمِيَّة الأولى ببلاد المغرب، ويعلِّق الرقيق عَلَى هَذَا قائلا « ... إن يكن ذلك فقد أتى عظيما» (4)، وأيُّ عظيم في بناء كنيسة؟!. يبدو أنَّ الرقيق الذي عاش في القرن الخامس الهجري لم يهضم الواقع الدينيَّ والاجتماعيَّ لبلاد المغرب مباشرة بعد الفتح في القرن الثاني الهجري لذلك استعظم أمر السماح لبناء كنيسة يتعبَّد فيها النصارى الأمر الذي قام به روح بن حاتم بشكل عاديٍّ لم ينقم عَلَيه فيه أحد.
__________
(1) - هو موطأ مالك برواية ابن وهب عبد الله بن سلمة الفهري المصري، المتوفى سنة 197هـ/812م. انظر: مالك: الموطأ، تح. عبد الحفيظ منصور، الدار التونسية، بلا. تا. ص13.
(2) - نفسه، 2/ 162.
(3) - الرقيق: تاريخ، 150.
(4) - نفسه، 150. (2/484)
صفحة 492
ومن أحفاد هؤلاء النصارى، بل حَتَّى من اليهود وُجد فيما بعدُ عالِمان فقيهان، أحدهما أصله يهوديٌّ أسلم أبوه، والآخر أصله قبطيٌّ مصريٌّ سكن تونس، وَهُوَ مولى لقريش، كلاهما سمع من سحنون وتتلمذ عَلَيه، وبلغ من العلم شأوا بعيدا (1) ويبدو أنَّ ذلك كان بسبب حسن معاملة المسلمين لأهل الذِّمَّة.
ووجدت الكنائس والبيع بكثرة في جبل نفوسة وقراه (2)، والنصارى واليهود سكنوا جنبا إِلىَ جنب مع المسلمين في قراهم، وتعاملوا معهم في مختلف أنواع المعاملات؛ ووُجدت هَذِهِ الكنائس بتيهرت (3). وكان بيت المال يتغذَّى من بين موارده بمورد الجزية التي كان يدفعها أهل الذِّمَّة، فيقطع الإمام الرستميُّ منها وممَّا اجتمع من خراج الأرضين وما أشبه ذلك راتبَه ورواتب «حشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم سنتهم» (4)، وَهَذَا دَلِيل عَلَى وجودٍ معتبر لأهل الذِّمَّة في المغرب الأوسط تماما مثل وجودهم في المغرب الأقصى الذي يذكر ابن أبي زرع أنَّ جزية اليهود السنويَّة تقدَّر بثلاثين ألف دينار تدفعها هَذِهِ الجالية لإدريس الثاني (5).
إنَّ هَذَا الوجود شبه المكثَّف والدائم لأهل الذِّمَّة في بلاد المغرب كلِّها وجدنا أثره في القضاء التنظيريِّ، وفي القضاء الواقعيِّ، فقد سأل سحنون بن سعيد شيخه ابن القاسم عن الحدود تقام عَلَى أهل الكتاب، فأجاب «لا، وأرى أن يردُّهما إِلىَ أهل دينهما، وينكِّلهما الإمام إذا أعلنا بذلك (قال:) وقال
__________
(1) - عياض: تراجم، 380 - 409.
(2) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 141؛ القطب اطْفِيَّشْ: ترتيب نوازل نفوسة (مخ) ق 462؛ البغطوري: سير أهل نفوسة (مخ) ق112.
(3) - ابن الصغير: 69.
(4) - نفسه: 36.
(5) - ابن أبي زرع: الأنيس المطرب، 46. (2/485)
صفحة 493
مالك: إذا وجد الإمام أهل الكتاب سكارى أو عَلَى زنى تُركوا، إِلاَّ أن يظهروا ذلك فيعاقبوا» (1).
وسأل كذلك عن اتِّخَاذ القاضي كاتبا له من أهل الذِّمَّة فكان جواب ابن القاسم «سمعت مالكا يقول: لا يستكتب أهل الذِّمَّة في شَيْء من أمور المسلمين» (2). ومن هنا لم نعثر، ولم يتحدَّث المُؤَرِّخُونَ عن قاض اتَّخَذَ عونا أو كاتبا له من أهل الذِّمَّة إطلاقا.
وتحدَّث المنظِّرون عن شهادة الذمِّي فقالوا: تقبل شهادة النصارى عَلَى النصارى، واليهود عَلَى اليهود، ويسأل عن عدالتهم في أهل دينهم (3)، كما قالوا لا بأس عَلَى أهل القبلة أن يتركوا اليهود إذا شهدوا عند القاضي، ولكن لا تجوز شهادتهم في الوديعة (4) ربَّما لأَنَّهُمْ ليسوا أهلا للودائع، تغلبهم الدنيا وزخارفها من أن يصدقوا في الشهادة عَلَى الودائع والأمانات فلا يؤتمنون. أَمَّا صيغة اليمين قيل: يحلف اليهود بِرَبِّ التوراة، ويحلف النصارى بِرَبِّ الإنجيل، والمجوس بِرَبِّ النار (5).
ويذكر الثميني أنَّ القاضي مخيَّر في القضاء بين المشركين إن ارتفعوا إِلَيهِ وفي الإعراض عنهم لِقَوْلِهِ تَعَالىَ: {فَإِن جَآءُوكَ ... } الآية (6)، وتمامها: {فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ, أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَّضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ} (7).
__________
(1) - سحنون: المدوَّنة، 6/ 255 - 256.
(2) - نفسه: 5/ 146.
(3) - الكندي: قضاء مصر، 16، 44.
(4) - اطْفِيَّش القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ) ق 479.
(5) - الثميني: الورد البسَّام، 110.
(6) - الثميني: الورد البسَّام، 15.
(7) - سورة المائدة آية 42. (2/486)
صفحة 494
ويبدو أنَّ عمرو بن العاص لَمَّا فتح مصر، وعيَّن عَلَى كُلِّ منطقة قاضيا قبطيًّا يفصل في النزاع الدينيِّ والمدنيِّ لأهل الذِّمَّة وفق شرائعهم (1) إِنَّمَا يريد بذلك عدم التَّدَخُّل في شؤون الأقباط الدِّينِيَّة ما دامت الآيَة الْقُرْآنِيَّة واضحة في هَذَا المجال إن شاء الحاكم أن يقضي أو أن يعرض. وَيُؤَكِّدُ مولوي أنَّه منذ البداية ترك الحكَّام المسلمون الفصل في المنازعات بين رعاياهم من غير المسلمين إلى رؤسائهم أنفسهم وكهنتهم ولم يتدخلوا إِلاَّ عندما يتطور النزاع بين غير المسلمين ويصبح محتملا أَنْ يؤثِّر على القانون والنظام (2) ومع كُلّ هذا فإن التنظير القضائي لا يجيز للكافر أَنْ يكون قاضيًا حَتَّى على أهل دينه وهذا قول جمهور الفقهاء يؤكده الأستاذ صبحي محمصاني (3) ويستثني من ذلك أبا حنيفة الذي جوّز تقليد الكافر القضاء على أهل دينه.
ويبدو أنَّ بلاد المغرب الإسلامي، رغم الوجود المعتبر لأهل الذِّمَّة فيها ووجود المذهب الحنفي الذي كان يعتنقه بعض الأمراء الأغالبة إِن لم نقل جلُّهم فضلا عن القضاة، يبدو أَنَّهَا لم تعرف هذا النوع من القضاء فلم يتحدث المُؤَرِّخُونَ وأصحاب السِّير والطبقات عن قضاء خاص بأهل الذِّمَّة من النصارى واليهود إطلاقًا ولم نجد إشارة إلى ذلك في كُلّ ربوعه (4)، ولكن المصادر أشارت إلى حوادث كان الذميون فيها يتقاضون
__________
(1) - أنور الرفاعي: الإنسان العَرَبِي، 210.
(2) - مولي: الإدارة العربية. 210.
(3) - المجاهدون في الحق، 123.
(4) - في الأندلس بخلاف المغرب كان لغير المسلمين قضاؤهم الخاص فمنذ عصر الولاة ترك المسلمون للنصارى في الأندلس الحرِّيَّة السياسية الواسعة وتركوا لهم القضاء فيما بينهم وكان قاضيهم يسمَّى قاضي النصارى وقاضي العجم وكذلك كان لليهود تنظيم قضائي خاص بهم «وهذا لم يحصل نظير له في منطقة أخرى غير الأندلس»، انظر علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، ص 81 - 82؛ عبد الرحمن علي الحجي: جوانب من الحضارة الإِسَلاَمِيَّة، 61. (2/487)
صفحة 495
لدى القاضي المسلم الذي يفصل في أمورهم سواء كان خصمهم مسلما أو غير مسلمٍ (1).
ويذكر البغطوري والشماخي أنَّ رجلاً يهوديًّا تخاصم إلى قاضي من قضاة نفوسة على ثمن دَابَّة أعطاها رجل من أهل ويغو لليهودي فباعها وجحده فسبق الدعوى فتكلم واشتغل القاضي بالأحكام الأخرى ثُمَّ أعاد اليهودي الدعوى واشتغل عنه القاضي ثُمَّ التفت القاضي إلى الرجل الويغوي وهو صاحب الدَّابَّة، فَقَالَ: هل لك على اليهودي شيء، قال: نعم فأخبره بالقضية، فَقَالَ: عليَّ بالسلسلة فاعترف اليهودي وأعطاه ثمن دابته (2)، ويعلِّق الشَّمَّاخِي على طريقة القضاء ويقول: لَعَلَّ القاضي قد علم مثلها لليهودي أو عنده الخبر مِمَّن يثق به (3).
لقد هيمن اليهود على النشاط المالي والتجاري في بلاد المغرب عموما وفي المغرب الأقصى خصوصًا، يقول محمود إسماعيل «وقد شكلوا طبقة موسرة كانت تتعرض دوما للمصادرة والاضطهاد» (4)، ويبدو أنَّ ذلك بسبب خبث طبائعها وجشعها المالي والربوي.
وفي هذا المضمار تروي المصادر أنَّ أبا القاضيَ العَبَّاس عبد الله بن أحمد بن طالب جعل «عَلَى كتاب اليهود والنصارى رقاعا بيضاء، في كُلِّ رقعة صورة قرد وخنزير، وَعَلَى أبواب دورهم ألواحا مسمَّرة في الأبواب مصوَّر فيها قردة» (5).
__________
(1) - أنور الرفاعي: الإنسان العربي، 246.
(2) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) ق51.
(3) - الشَّمَّاخِي: سير، 321. وانظر حادثة أخرى في أحكام السوق ليحيى بن عمر، 96.
(4) - محمود إسماعيل: الأدارسة. 43.
(5) - المالكي: رياض، 1/ 476 - 477؛ عياض: تراجم، 223؛ الجودي: تاريخ قضاة القيروان (مخ) ق 14 و؛ شنايت: دولة بني مدرار، أطروحة، غير منشورة، 33 - 34؛ هوبكنز: النظم، 121. (2/488)
صفحة 496
يقول هوبكنز (1): إنَّ رقاع النصارى تحمل صورة الخنزير، في حين رقاع اليهود تحمل صورة القرد. ويتحدَّث عن مقابلة جرت بين القاضي سحنون الشهير ـ عَلَى حدِّ تعبيره ـ وبين رؤساء كنيسة النصارى (2)، دون أن يضيف شيئًا آخر عن محتوى وهدف هَذِهِ المقابلة.
إنَّ القاضيَ ابن طالب لَمَّا جعل عَلَى أكتاف اليهود والنصارى هَذِهِ الرقاع، يقول الحبيب الجنحاني إِنَّ هَذَا الإجراء لم يتَّخذه شيخ ابن طالب وَهُوَ سحنون بن سعيد رغم شدَّته وغلظته، وَاتَّخَذَه تلميذه ابن طالب مع تديُّنه وورعه ولينه إِنَّمَا يعود إِلىَ ظهور ظاهرة الربا واستشرائها في المجتمع، فاليهود كان لهم دور كبير في الحياة التِّجَارِيَّة وَالمَالِيَّة بالقيروان (3)، ألم أَقل قبل قليل إِنَّمَا الأحكام التي تصدر ضدَّهم هي بسبب خبث طبائعهم وجشعهم الربويِّ؟!.
وقد كتب القاضي ابن طالب إِلىَ قضاته في اليهود والنصارى يجبرهم عَلَى اللباس المعيَّن، فمن ركب نَهْيَ القاضي يضرب عشرين سوطا مجرَّدا ثُمَّ يسجن، وإن عاد يضرب ضربا وجيعا، ويُسجن مطوَّلاً (4). وكتب صاحب سوق القيروان إِلىَ يحيى بن عمر (ت: 289هـ/ 901م) يسأله عن اليهوديِّ والنصرانيِّ يوجد وقد تشبَّه بالمسلمين وليس عَلَيه رقاع ولا زنار، وَهُوَ يحمل ما يعصر به الخمر ما ترى من عقوبته عَلَى ذلك؟ فكان الجواب «أرى أن يعاقب بالضرب والسجن، ويطاف في موضع اليهود والنصارى ليكون ما حلَّ من العقوبة والضرب والسجن تحذيرا لمن رآه منهم، وزجرا لهم» (5).
__________
(1) - النظم، 130.
(2) - نفسه: 130.
(3) - الحبيب الجنحاني: المغرب الإسلامي، 56 - 57، 90.
(4) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 97.
(5) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 96. (2/489)
صفحة 497
إنَّ هَذَا اللباس الذي يفرض عَلَى أهل الذِّمَّة ليس من ابتكار المغاربة أو القاضي ابن طالب، وَإِنَّمَا هو من وضع الإسلام منذ عهده الأَوَّل، فعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذِّمَّة يأمرهم «بلبس الغيار (1)، فإن كان يهوديًّا وضع عَلَى كتفه خيطا أحمر أو أصفر؛ وإن كان نصرانيًّا يشدُّ في وسطه زنارا (2) وعلَّق في عنقه صليبا وإن كانت امرأة لبست خُفَّين أحدهما أبيض والآخر أسود. وإذا عبر الذِّمِّيُّ إلى الحماَّم ينبغي أن يكون في عنقه طوق من حديد، أو نحاس أو رصاص ليتميَّز به عن غيره، ويمنعهم ... من ركوب الخيل، وحمل السلاح، والتقلُّد بالسيوف، وإذا ركبوا البغال ركبوها بالأكف (3) عرضا من جانب واحد ... ولا يزاحمون المسلمين في الطرقات .... ولا يبدأون بالسلام ولا يُرحَّب بهم في المجالس ... ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير والجهر بالتوراة والإنجيل وضرب الناقوس ومن إظهار أعيادهم ... » (4).
هكذا يجب أن يُعامل أهل الذِّمَّة في دار الإسلام، وعلى القضاة المحتسبين مراقبة ذلك، إِلاَّ أَنَّنَا وجدنا جرأة عند بعض هؤلاء الذمِّيين، وتساهلا عند المسلمين في بلاد المغرب، فلقد تجرَّأ نصراني لقيَ القاضي عيسى بن مسكين (281 - 289/ 894 - 901م) فسلَّم عليه وصافحه دون أن يعلم القاضي بِأَنَّ مصافحة نصرانيٌّ لأَنَّهُ لم يلتزم باللباس المضروب عليه ولمَّا أُعلم القاضي به بعد ذلك
__________
(1) *- الغيار: هو لباس تميَّز بِهِ أهل الذِّمَّة دون غيرهم. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(2) *- الزنار: حزام يشدُّه النصرانيُّ في وسطه تمييزا له من المسلم. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(3) *- الأكف: جمع إكاف، وهو بردعة الحمار. وانظر الشيزري: نهاية الرتبة، 107، هامش: 1 - 2 - 3.
(4) - الشيزري: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق: د. الباز العريني، دار الثقافة، بيروت. بلا تاريخ، ص:106 - 107. (2/490)
صفحة 498
قال «اللهم اقطع يمينه وانتقم منه» (1). ويذكر أبو العرب أنَّه اجتمع ناس يأكلون فدخل إِلَيهِم يهوديٌّ فدعوه إِلىَ الأكل معهم، ولمَّا أقبل إسماعيل بن رباح (2) أحد الزهَّاد والورعين بإفريقيَّة فاختفى اليهوديُّ في غرفة، فَلَمَّا دُعي إسماعيل للأكل مدَّ يده ثُمَّ قبضها فقال لهم: طعامكم نجس، أو أكل منه نجس، فقالوا له «يهوديٌّ طوَّاف، دعوناه فأكل معنا، فقال: أمَا تستحيون! تأكلون مع من كفر بالله؟!» (3) فنزل اليهوديُّ من الغرفة و وَهُوَ يرعد ويرتعش.
إنَّ أهل الذِّمَّة في بلاد المغرب كانوا يمارسون أنواعا من التجارات، ويتعاملون مع المسلمين معاملة الندِّ للندِّ، ووجدوا الحرِّيَّة المطلَّقة في أحضان المسلمين، يتعبَّدون في كنائسهم وبيعهم بِكُلِّ حرية، ولقد تساهل معهم المجتمع الإسلاميُّ إِلىَ درجة أَنَّهُمْ استغلُّوا ذلك التسامح، وتجرَّأوا في بعض الأحيان وجاوزوا الحدود، مِمَّا جعل القضاء يقف ضدَّهم موقفا صارما لإعادة الأمور إِلىَ ما يجب أن تكون.
ولقد تقاضوا إِلى قضاة المسلمين فيما تنازعوا فيه مع الخصوم المسلمين، أَمَّا إن كان النزاع بينهم، يبدو لي أَنَّهُمْ يتحاكمون إِلىَ علمائهم ورهبانهم، وعظماء كنائسهم وبيعهم، لذلك لم يتحدَّث المُؤَرِّخُونَ عن قضايا رُفعت إِلىَ القضاة المسلمين تتعلَّق بشؤون أهل الذِّمَّة فيما بينهم أو خصوماتهم بين أفرادهم، فشرائعُهم السابقة للإسلام يمكن أن تَبُتَّ في ذلك كلِّه دون حرج. ويمكن أن نقول: إنَّ القضاء الإسلاميَّ ترفَّع عن قضايا أهل الذِّمَّة فيما بينهم، وترك لهم الاستقلال والحرية في التقاضي إِلىَ رهبانهم، وبالشرائع التي يؤمنون بها، ويعتقدون عدلها.
__________
(1) - عياض: تراجم، 243 - 244.
(2) - انظر ترجمته في: المالكي: رياض، 1/ 333 - 344.
(3) - أبو العرب: طبقات، 146. هوبكنز: النظم، 121. (2/491)
صفحة 499
المبحث الرابع
المرأة والقضاء في المغرب الإسلامي
سبق أن ذكرنا أنَّ أغلب أَيِمَّة المذاهب الإِسْلاَمِيَّة يذهبون إِلىَ تحريم تولِّي المرأة شيئًا من القضاء إطلاقا (1)، فلا يجوز لها ذلك عند الإِبَاضِيَّة ولا عند الحنابلة ولا عند الخوارج ولا عند الشَّافِعِيَّة ولا عند المَالِكِيَّة (2)، وشذَّ عن هؤلاء الإمام أبو حنيفة النعمان الذي جوَّز للمرأة القضاء فيما يصحُّ فيه شهادتها، وشهادتها تصحُّ عنده فيما سوى الحدود والقصاص (3)، وكذلك شذَّ الإمام ابن جرير الطبري (4)، عن هذا الإجماع فهو يجوِّز قضاء المرأة مطلقا في جميع الأحكام، ويرد عليه الماوردي قائلا «لا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ}» (5).
إذا كانت بعض النساء قد تولَّين شيئًا من السلطة القضائية، أو ما يحوم حولها، في بلاد المشرق، منهنَّ صحابيات (6).
__________
(1) - انظر: المبحث الثاني من الفصل التمهيدي.
(2) - الكندي: المصنَّف، 13/ 66. الثميني: الورد البسَّام، 6. الماوردي: أدب القاضي، 1/ 625 - 626. الأحكام السلطانيَّة، 72. السمناني: روضة القضاة، 53.
(3) - الماوردي: أدب القاضي، 1/ 625. السمناني: روضة، 53.
(4) - الماوردي: الأحكام، 725. حسن إبراهيم حسن وآخر: النظم، 209. صبحي الصالح: النظم، 319.
(5) - الماوردي: الأحكام، 72. الآية 34 من سورة النساء.
(6) - سمراء بنت نهيك الأسدية: أدركت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعمَّرت، وكانت تمرُّ في الأسواق محتسبة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها. انظر رشاد عبَّاس: نظام الحسبة في العراق، 43. (2/492)
صفحة 500
ومنهن على عهد الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (1).وعهد الخليفة العباسي المقتدر بالله (2)، فإنَّ بلاد المغرب لم تشهد شيئًا من ذلك أبدا، رغم أنَّ المذهب الحنفي كان أحد المذاهب الرسمية في إفريقية الأغلبية، وقد رأينا أَنَّهُ يجيز شيئًا من القضاء للمرأة.
وفي الواقع لقد أبعدت المرأة من مجالس القضاء صونًا لكرامتها: أبعدت شاهدة إِلاَّ في النزر القليل من القضايا حدَّدها الفقهاء، وأبعدت أن تتولى منصبا في القضاء كبيرا كان أو صغيرا، كُلُّ ذلك صونا لكرامتها في اعتقادي؛ أكثر منه ما يذكر المنظرون من غفلة المرأة، ونسيانها وجهلها، أو نقصان عقلها ودينها، أو قوامة الرجل عليها. هذه الأمور التي كثيرا ما رأينا الغلوّ في تفسيرها، ورأينا الإفراط في فهمها وتطبيقها.
هذه المرأة التي أبعدت عن محاكم القضاء، كثيرا ما وجدناها مع ذلك أمام القضاة، في مجالسهم شاكية مظلومة معتدًى عليها، أو مدَّعًى عليها هي الظالمة، وجدناها في مشاكل الزواج والطلاق مع زوجها، وفي الميراث، ومن ترث معهم، وفي خصومات مختلفة متنوعة تِجَارِيَّة ومالية، كما وجدناها حرَّة، أريدَ لها أن
__________
(1) - الشفّاء العدوية: ولاَّها عمر بن الخطاب السوق، وكانت أهلا لذلك. انظر إبن حزم: نقط العروس ضمن رسائل بن حزم، 2/ 98. رشاد عبَّاس: نظام الحسبة في العراق، 44. يقول: هي الشفاء أمُّ سليمان بن أبي خثمة: بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن صداد القرشية العدوية، من المبايِعات، أسلمت قبل الهجرة، فهي من المهاجرات.
(2) - ثمل القهرمانة، قعدت للحكم بين الناس بالمظالم، وحضر مجلسها، القضاة والفقهاء. ابن حزم: نقط العروس ضمن رسائل ابن حزم، 2/ 98. ويذكر الدكتور عصام شبارو، أنَّ أمَّ الخليفة المقتدر (295 - 320هـ)، وهي السيدة شغب، عينت قهرمانتها ثمل الجارية، صاحبة للمظالم، سنة306هـ، وكانت موصوفة بالشرِّ والإسراف في العقوبة. انظر: القضاء والقضاة، ص26. علما بِأَنَّ المقتدر لَمَّا تولىَّ الخلافة سنة 395هـ، كان لا يتجاوز عمره 13 سنة، وكان الأتراك يمسكون بزمام الأمور في الخلافة العباسية، وانتهى الخليفة قتلا على أيديهم. (2/493)
صفحة 501
تكون من السبايا والإماء ظلما وعدوانا، ووقفت في المحكمة زانية فاجرة، تعمل على إفساد المجتمع.
وكان القضاة قد تحرُّوا الخشية والورع في مجالسهم للقضاء بين النساء، وقالوا بأنَّه لا ينبغي للقاضي إذا قعد للنساء أن ينظر إِلَيْهِنَّ نظر الخاطف المفترس، ولا يطول مقالتهنَّ والكلام معهنَّ لأَنَّ ذلك أخشى أن يكون داعية للبلاء، وينبغي له أن لا يقعد للنظر بينهنَّ إِلاَّ وبينه وبينهنَّ حجاب ... » (1). ومن هنا عمد بعض القضاة إِلىَ تخصيص يوم للنساء يقضون فيه بينهنَّ، وألزموا أنفسهم سلوكا صارما يبعدهم عن التهمة ومواطن البلاء.
لقد أجمع المُؤَرِّخُونَ عَلَى أنَّ القاضي المخضرم عبد الله بن عمر بن غانم كان يخصِّص للنساء يوما ينظر فيه بينهنَّ، وكان يلبس لباسا خشنا ويلقي عينيه إِلىَ الأَرْض حَتَّى إنَّ الذي لا يعرفه ولم يره قبل ذلك لم يشكَّ أنَّه مكفوف البصر، وكان يزيل الكتَّاب والحجَّاب من بين يديه (2) ويقوم بالعمل كلِّه بنفسه لوحده، حفاظا عَلَى أسرار المسلمات في المجتمع، إذ لا يؤتمن الكتَّاب والحجَّاب في مثل هَذِهِ القضايا الحسَّاسة من إفشاء الأسرار، مع ما في جلوس القاضي لوحده مع النسوة من خلوة قد يكون منهيًّا عنها.
وتذكر الباحثة نوال أنَّ القضاة ـ هكذا بصيغة الجمع ـ كانوا يجعلون يوما خاصا للنساء للنظر في مظالمهنَّ (3)، والحقيقة أنَّ المصادر لم تذكر من القضاة إِلاَّ ابن غانم الذي سلف ذكره، وأبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني (191 - 214هـ) لا غير، هَذَا الأخير الذي كان يجلس للخصوم من الرجال في داره «وجعل للنساء يوما عند بابه الذي في زقاق ابن دينار» (4).
__________
(1) - مجهول: كتاب العمال (مخ)، ق 8.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 228. الرقيق: تاريخ، 194. الجودي: تاريخ (مخ) ق 5 ظ.
(3) - نوال تركي: التنظيمات، 183.
(4) - المالكي: رياض، 1/ 274. (2/494)
صفحة 502
هذان القاضيان اللذان ذكرتهما المصادر خصَّصا للنساء يوما، لَعَلَّ القضاة الآخرين كانوا يجلسون للقضاء في يومهم للرجال والنساء جميعا كلٌّ بدوره، اعتمادا عَلَى الشقاف أو الرقاع، أَمَّا القضايا التي كانت ترفعها المرأة أو يرفعها المدَّعي ضدَّ امرأة إلى القاضي يمكن أن نذكر بعضها بشيء من التفصيل:
في سؤال إِلىَ الإمام القاضي عبد الوهَّاب من قاض بنفوسة عَلَى أكبر تقدير يقول فيه إِنَّ رجلا خطب إِلىَ رجل ابنته فأبى أن يزوِّجه فإذا ابنه هجم فزوَّج أخته برضاها وابتنى بها الخاطب، ثُمَّ إنَّ الأب بعد ذلك أجاز إنكاح ابنه، أيجوز ذلك أم لا؟ وكان الجواب بِأَنَّ النكاح جائز عَلَى هَذَا الحال الذي وُصف (1)، وكثرت السؤالات حول هَذِهِ المسائل من الزواج، كزواج رجل وليَّة رجل آخر ملَّكها له دون أن يفرض لها مهرا، فهل يجوز أن توطأ الفروج بغير حقٍّ؟ (2). وكذلك زواج جاريتين أختين، وزواج ذات محرم خطأً، والجمع بين المرأة وبين امرأة أبيها (3) أتجوز مثل هَذِهِ الأنواع من الزواج، وكيف التنصُّل من زواج حرام وقع خطأً؟.
وفي إفريقية حبس القاضي عيسى بن مسكين أبا العَبَّاس عبد الله بن محمَّد بن خالد المتعبِّد المعروف بابن الطرزي، وضربه بالدرَّة «في بنت عمٍّ له زوَّجها ... []، وكان مولى عَلَيها فضربه عَلَى ذلك بالدرَّة وحبسه أَيَّاما» (4)، وكانت لامرأة عند أحد فقهاء إفريقيَّة من أصحاب سحنون شهادة، فدعته لأدائها عند القاضي (5) ربَّما تكون شهادة في مثل هَذه القضايا من الزواج والطلاق.
__________
(1) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 127 - 128.
(2) - عبد الوهَّاب: نفسه، 123 - 124.
(3) - نفسه: 125، 128 - 129.
(4) - أبو العرب: المحن، 477.
(5) - عياض: تراجم، 198. (2/495)
صفحة 503
ومثلما كانت قضايا الزواج (1) ماثلة في مجالس القضاة، كذلك كانت قضايا الطلاق (2)، التي كثيرا ما يتجاوز فيها الزوج حقوق زوجته، كهذا الرجل الذي باع لامرأته طلاقها ثُمَّ حبسها المفروض أَنَّهَا قد بانت منه وهي كالمفتدية؛ فلا يجوز حبسها، لأَنَّهَا اشترت منه طلاقها، فقد زال ملكه عنها (3). ورجل حلف لامرأته بطلاقها ثلاثا، إِلاَّ ردَّدت ما توعَّت من هَذَا الشَّيْء لشيء سمَّاه وهي لم تنزع منه شَيئا، وكانت هَذه النازلة في مدينة جادو بجبل نفوسة في أواخر أَيَّام الرستميِّين، حكم فيها المشايخ بأنَّها إن لم تزد شَيئا حَتَّى تمضي أربعة أشهر فقد بانت بالإيلاء (4). وكثر الطلاق خطأ في حساب عدَّة المرأة المطلَّقة، أو مراجعة الزوج زوجته التي طلَّقها مدعيا أنَّه طلَّقها خطأ (5)؛ وأنى يكون الطلاق خطأ؟!.
أَمَّا في الميراث فَإِنَّهُ جرى بين أخت لحماس بن مروان القاضي (290 - 294هـ) تدعى سيده وبين أخيه أحمد اختلاف في ضيعة بينهما وكانا يتخاصمان عنده عليها، حَتَّى لجأت أخته إِلىَ إرسال دجاجة بإفريقية مطبوخة إليه، فهم منها القاضي حماس بن مروان أَنَّهَا تريد ارتشاءه؛ فدعاهما إليه، وأمرهما بأكل تلك الدجاجة، وأصلح بينهما ثُمَّ قالت له أخته: إِنَّنِي لم أقصد من هدِيَّتي إليك ما فهمت أبدا، فدعا لها بالأجر وثبوته (6).
وكذلك تصدقت امرأة في مرضها لزوجها بِكُلِّ حقها دون علم الورثة، ودون وجود الشهود؛ فردَّ القاضي تلك الصدقة، لأَنَّهُ لا وصيَّة لوارث (7).
__________
(1) - محمَّد بن سحنون: أجوبة (مخ) ق11و.
(2) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق81و.
(3) - عبد الوهَّاب: مسائل، 121؛ وانظر قَضِيَّة مشابهة، ص123.
(4) - اطفيَّش القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ)، ق 134.
(5) - عبد الوهَّاب: مسائل، 125، 129 - 130.
(6) - المالكي: رياض، 2/ 120.
(7) - عبد الوهاب: مسائل، 151. (2/496)
صفحة 504
ومن المشاكل والقضايا العويصة التي تصدَّى لها القضاء الرستمي في جبل نفوسة، تلك التركات الضخمة التي تركها شهداء معركة مانو عام 283هـ، فمن يرث مَن؟ وماذا يرث؟ وكيف يرث؟ ومن المعروف أنَّ عمروس بن فتح قاضي نفوسة، هو أحد المقتولين في تلك المعركة، وتولىَّ المشايخ القلَّة الذين بقوا عَلَى قيد الحياة، تصفية هَذه التركات، ومنهم الشيخ أبو القاسم البغطوري، والشيخ أبو مُحمَّد عبد الله بن الخير «وكان عادة أهل ذلك الزمان من مات من الأزواج، كان الباقي منهما قاعدا فيما ترك وارثه؛ فَلَمَّا وقعت وقعة مانو مات فيها عامَّة نفوسة، فرأى الشيخ أبو القاسم أن يردَّهم، فيكون القاعد من الأزواج فيما ينسب إِلىَ كُلِّ واحد منهما حيًّا أو ميِّتًا، وكانوا لَمَّا مات نفوسة قام من في حواليهم من البربر ليزوِّجوا [كَذَا] نساء نفوسة، فخاف الشيخ [أبو القاسم] أن ترفع النساء أموال أزواجهنَّ فيتركن يتامى من نفوسة ضعافا، [و] أبى الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن الخير أن يرجع إِلىَ ذلك القول، فقال له أبو القاسم: أنا أكبر منك سِنًّا، وأكثر منك علما ... فاستحسن الرجوع إِلىَ ذلك القول، فأخذوا به وحكموا به ... فجعلوا كلَّ من له بيِّنة عَلَى شَيْء أخَذَه، فإن لم تكن له بيِّنة كان ما ينسب إِلىَ الميِّت لِلمَيِّتِ فيأخذ منه ورثته ... » (1).
إنَّ هَذِهِ الحادثة في هَذِهِ الرواية تحمل أكثر من دلالة، فالرجال النفوسيُّون قُتِّلوا في مَانُو، وكادت أن تبيد القبيلة برمَّتها لولا أن تداركها أبو القاسم البغطوري بذلك الحكم القضائيِّ الحكيم، لقد أُفني الرجال إذن، وطمع البربر في نساء نفوسة الأرامل، وما يمكن أن يجلبن معهنَّ من الأموال التِي يرثنها من أزواجهنَّ الشهداء، إذ كانت العادة أن ترث الزوجة زوجها في كُلِّ ما ترك إن مات قبلها أو العكس يرث الزوج زوجته في كُلِّ ما تركت إن ماتت قبله، ربَّما لاختلاط ملكيَّتهما للأشياء المنقولة وغير المنقولة، والثقة المطلقة التي كانت
__________
(1) - اطْفِيَّشْ القطب: ترتيب نوازل نفوسة (مخ) ق 441. (2/497)
صفحة 505
بين الزوجين فيما يملكان معًا، هكذا كانت العادة في ميراث الزوجين بنفوسة؛ إِلاَّ أن الوضعية الاِجْتِمَاعِيَّة التي آلت إِلَيها نفوسة بعد مذبحة مانو اقتضت حكما آخر، وحكمة أخرى وبُعد نظر، وَهُوَ الرجوع إِلىَ أصل الميراث في الإسلام، بحيث تُبيَّن ملكية الزوج الهالك وتفرز عن ملكية غيره ثُمَّ بعد ذلك يتمُّ تقسيم التركة بحيث تأخذ الزوجة نصيبها المفروض لها بنصِّ كتاب الله العزيز، ويأخذ يتامى الهالك نصيبهم دون ضرر ولا ضرار. وهكذا أنقذت نفوسة من الفناء، وأنقذ أولادها اليتامى من الفقر، وأنقذت أراملها من أن تطلبهن القبائل البربريَّة الأخرى طمعا في أموالهنَّ فقط، فيكون نكاحا من أجل المال لا غير. فأين اعتبار جمال المرأة النفوسيَّة، وأين اعتبار دينهنَّ ليكون النكاح أصيلا دائما يرضي الله ويرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن القضايا التي رفعتها المرأة إِلىَ القاضي غياب الزوج الذي خرج مسافرا، فغاب سنين في غانة أو فارس أو غيرها، فكيف تصنع زوجته وقد شكت الحاجة؟ وكان حكم القاضي أَنَّهُ عَلَيها بالصبر، لأَنَّ زوجها في حكم المسافر، وليس بمفقود فزوجته موثوقة حَتَّى يأتي خبر موت الزوج أو طلاقه (1)، واشتكت زوجة أخرى من زوجها الذِي أعطى لها كُلّ ماله مقابل زواجها به وبقيت معه زمانا؛ ثُمَّ إنَّها طلبت منه نفقة يومها فقال لها: لقد قلت لك: إنَّنِي أعطيتك مالي كله وليس عندي غَيره؛ فقالت له: عليك نفقتي عشاء وغذاء. وكان حكم الإمام القاضي أفلح بن عبد الوهَّاب للمرأة عَلَى الرجل لأَنَّ النفقة عَلَى الرجل حتَّى وإن كان للمرأة مال يجب عَلَى الرجل أَن ينفق عليها بقدر استطاعته (2).
ولم ينج بعض مشايخ نفوسة من الشكوى ضدَّهم عند القاضي؛ فهذا أبو
__________
(1) - عبد الوهَّاب: مسائل، 122.
(2) - أفلح بن عبد الوهَّاب: جوابات أفلح (مخ)، ق 3. (2/498)
صفحة 506
معروف ويدران بن جواد (1)، رفعت ضده امرأة عمِّه قَضِيَّة إِلىَ مجلس الوالي القاضي أبي منصور إلياس طالبة نفقة ابنة لها هي ابنة عمِّ أبي معروف يتيمة فتخاصما؛ فقال أبو معروف: للقاضي أبي منصور «إنَّما أضم إليَّ ابنة عمي، إِنَّهَا بعد كبيرة. فقال له أبو منصور لئن فعلت لأنكلنَّ بك حَتَّى تكون هزأة لفتيان أهل ويغوي» (2). ويبدو أَنَّ الشيخ أبا معروف الوصي عَلَى ابنة عمه لم يقنع بكفالة زوجة عمه واتهمها بأنَّها لا تحسن التربية ولا تحفظ عليها نفقتها، ولا هي أهل لحضانتها لذلك امتنع من النفقة عليها؛ ويقول الدرجيني ربَّما يكون أبو معروف أراد أَن ينكحها لنفسه فهي كبيرة في نظره في حين رآها الحاكم أبو منصور صغيرة مع يتمها؛ وفي نكاحها خلاف؛ فأبى عليه ذلك وقال له: لأنكلنَّ بك حَتَّى تكون هزأة لفتيان أهل ويغوي (3). وأعطى الحقَّ بذلك لأم اليتيمة زوجة عم الشيخ أبي معروف عَلَى حساب هَذَا الأخير وهو عين القضاء العدل.
وكما اشتكت المرأة من الرجل كذلك اشتكى الرجل من المرأة عند القاضي ومنها هَذه التي ادَّعَى عليها رجل بحق فدعاها إِلىَ القاضي وزعمت أَنَّهَا لا يحلُّ له أَن تصحبه إِلىَ القاضي ولم تجد خليفة فأمرها القضاء أَن تستخلف أو تأتي بنفسها وإن كان المكان بعيدا، أتت مع ذي محرم منها أو تستخلف ولا بدَّ من ذلك (4).
وخاصم ابن زرعة أحد رجال إفريقية أختا له عند القاضي ابن غانم فحكم لها عَلَيه، وَهُوَ المدَّعي وهي المدَّعى عَلَيه، فبلغ ذلك من ابن زرعة كلَّ مبلغ، وَلَمَّا التقى بالقاضي في طريق ضيِّقة سبَّه وقال له «يا فاعل يا ابن
__________
(1) - انظر ترجمته في الدرجيني: طبقات، 2/ 325 - 329.
(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 330.
(3) - الدرجيني: طبقات، 2/ 331.
(4) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 182. (2/499)
صفحة 507
الفاعلة»، وبالغ في ذلك، والقاضي حليم عنه لم يمسسه بسوء، ولم يشتطَّ معه في حكم، ولمَّا تبيَّن لابن زرعة الحقُّ، واعترف عند القاضي بخطئه، واستغفره، فقال له ابن غانم «أمَّا هَذَا فلست أفعله حَتَّى نخاصمك بين يدي الله، وَأَمَّا أَن ينالك منِّي شَيْء مكروه في الدنيا فلا» (1)، وكان ذلك من تمام حلم القاضي ومن تمام عدله، ولم نجد أحدا تجرَّأ عَلَى القاضي بالسبِّ ببلاد المغرب ما عدا ابن زرعة هَذَا الرجل النكرة.
ووقف رجلان عند الأمير إبراهيم الثاني بن أحمد يشتكيان من السَّيِّدة أمِّه فقالا له: كُنَّا شريكين معها في جمال وغيرها من البضائع التجارية فاحتبست لنا ستَّمائة دينار نريد منها تسديدها، فأرسل الأمير إِلىَ أمِّه يقسم لها أنَّه إِن لم توجِّه إِلىَ الرجلين بالمال فَإِنَّهُ سيجعلها تقف في التوِّ واللحظة مع خصميها في مجلس القضاء عند عيسى بن مسكين، إِلاَّ أَنَّ الأمَّ اعترفت بالمال وأرسلته في التوِّ واللحظة إِلىَ أصحابه (2).
ولم تصادفنا حوادث شكوى الزوج من زوجها الذي يضربها، ولكنَّ العكس حصل، فَهَذَا الشيخ أبو صالح جنون بن يمريان (3) أحد مشايخ وارجلان تضربه زوجته بلطمة حَتَّى ارتسمت آثار أصابعها في خدِّه فشكاها إِلىَ شيخه القاضي أبي يوسف يعقوب بن سهلون الطرفي، وقال له: -مشيرا إِلىَ زوجته القبيحة الشديدة الفظة- إِنَّهَا ضربتني البارحة بمقلاة «فصيرته طوقا في عنقي» فما كان من الشيخ أبي صالح إِلاَّ أَن يقول: «أنت أنت ... » (4)، أي أنت صبور عَلَى هَذِهِ المرأة الشرِّيرة وما الحيلة وما الحكم؟
__________
(1) - عياض: تراجم، 17. الرقيق: تاريخ، 193.
(2) - سعد زغلول: تاريخ المغرب العربي، 2/ 152 - 153.
(3) - انظر ترجمته في الدرجيني: طبقات، 2/ 341 - 345.
(4) - الدرجيني: نفسه، 2/ 344 - 345. (2/500)
صفحة 508
احتسب أجرك عند الله، فالطلاق أبغض الحلال عند الله يا شيخ وربما آذت غَيرك بعدك وتكون ظالما.
ومن القضايا الكبرى التي وقف فيها القضاء الأغلبي شامخا وهزَّ العروش ولم يهتزَّ وبقي قويا مستقلا صامدا قَضِيَّة نساء تونس اللائي سباهنَّ بعض القواد في الجيش الأغلبي بعد القضاء عَلَى انتفاضة القويبع بتونس خلال سنوات (234 - 236هـ/ 849 - 850) (1).
لقد وقعت نساء المدينة في السبي وعوقبت تونس بشدَّة، وراحت نساؤها يدفعن ثمن ثورة أهل تونس مع القويبع، ويكفِّرن عن حمق أقاربهنَّ وأزواجهنَّ، عَلَى حدِّ تعبير محمَّد الطالبي، فنقل الجنود والقواد كلٌّ حسب مقامه ورتبته عددا من المسبيات الحرائر في الأصل، وكان العدد معتبرا، وتفرَّقن في مختلف أنحاء البلاد حسب هوى المساومات ومقتضى مواقع الجنود والقواد العائدين إِلىَ بيوتهم (2).
كان سحنون بن سعيد هو القاضي في هَذِهِ الفترة، وَهُوَ في بداية ولايته، إذ لم يمرّ عَلَيها بعد أكثر من عامين، وقد بدأت الثورة فعلا مع بداية عهده، وانتهت بهذا الشكل من انتهاك الحرمات، واستعباد الحرائر من النساء القرشيَّات بله العربيَّات وغيرهنَّ، فأخبر القاضي سحنون بدخول بعض القواد إِلىَ القيروان، ومعهم عدد من المسبيات، فراح وحرَّرهنَّ من السبي، ووصلت الشكوى عند الأمير محمَّد الأَوَّل الأغلبي الذِي أمر قاضيه بإعادة النساء إِلىَ القائد، وأنَّى لسحنون أَن يسمع لأمر الأمير ويصمَّ عن أمر الله وَهُوَ القاضي الضامن للعدل، وكادت أَن تصل القَضِيَّة إِلىَ ما لا تحمد عقباه بين الأمير والقاضي، بين الإمارة والقضاء، لولا تعقُّل الأمير وتفكيره الجدِّيُّ في أصل هَذِهِ النسوة، وتفهُّمه لصرامة
__________
(1) - انظر عن هَذِهِ الانتفاضة وتفاصيلها الدقيقة: د. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 265 - 270.
(2) - الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 268. زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 96 - 97. (2/501)
صفحة 509
قاضيه سحنون في هَذِهِ القَضِيَّة بالذات، إذ تُبودلت الرسائل بينهما، وذهب الرسل وجاءوا بينهما مرارا. بدأ القاضي ليِّنا في أجوبته الأولى عَلَى أوامر الأمير مثل قوله تعالى: {وَيَاقَوْمِ مَا لِيَ أَدْعُوكُمُ, إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيَ إِلَى النَّارِ} (1)، ثُمَّ تمادى الجند والقواد في سبيهنَّ فاحتدَّ القاضي ولم يستطع أَن يتمالك نفسه تجاه هَذَا المنكر الصراح الذي سبق أَن حكم فيه، فكان ردُّه عَلَى الأمير هَذِهِ المرَّة لَمَّا أمره بصرف النساء إِلىَ قائده زوكاي بن زريخ، وَهُوَ صاحبهنَّ قائلا «بلِّغ الأمير بالله الذي لا إله إِلاَّ هو، لا أخرجتهنَّ من داري حَتَّى يعزلني، ويعلم الله أَنِّي لا نظر لي ولا قضاء عَلَى رجلين» (2). ثُمَّ دعا ابنه محمَّدا وأخرج إِلَيهِ سجلَّه وقال له قل للأمير «جعل الله زوكاي شفيعك عنده يوم القيامة» (3). ووصلت العبارات بتمامها إِلىَ الأمير مع قسمه بالله ورفضه القضاء، وطلبه الاستقالة.
وماذا عسى أَن يفعل الأمير تجاه هَذَا القاضي الشديد في الله، الذِي لا يخاف لومة لائم إِلاَّ أَن يرعوي ويعود إِلىَ الحقِّ، ويقول في جوابه إِلىَ سحنون مع ابنه محمَّد «اقرأ عَلَى الشيخ السلام وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنَّا وعن المسلمين خيرا؛ فقد أحسنتَ أَوَّلاً وآخرا، وقمت بما يجب عليك، امض عَلَى أحسن نظرك إِن شاء الله» (4)، وخرج القاضي سحنون منتصرا من هَذَا الامتحان القضائيِّ الكبير، منتصرا لِلْحَقِّ أَوَّلاً، وللنساء الحرائر ثانيا، ولنفسه ثالثا، وحرِّرت النساء التونسيَّات حيثما وجدن في أقاليم الدولة الأغلبيَّة، وكُلِّف بذلك محتسبون اختارهم القاضي سحنون، وكلَّفهم الأمير بالمهمَّة بسجلٍّ رسميٍّ، وأمر
__________
(1) - سورة غافر الآية 41.
(2) - الدبَّاغ: معالم، 2/ 91. وانظر: أبو العرب: طبقات، 234 - 235. الجودي: تاريخ قضاة القيروان، (مخ)، ق 11 - 12.
(3) - الدبَّاغ: نفسه، 2/ 92.
(4) - نفسه، 2/ 92. (2/502)
صفحة 510
سحنون المحتسبين أَن يفتِّشوا عن النساء ولو بكشف براقعهنَّ، ويسألهنَّ عن وضعيَّتهنَّ، وقد تمكَّن من تخليص نساء كثيرات زُعم أَنَّهُنَّ من سبي تونس، وأرسلن إِلىَ سحنون بفكِّ أسرهنَّ وسبيهنَّ وإعادة الحرِّيَّة إِلَيهِنَّ (1).
لقد كان سحنون صارما في الحقِّ، وكان الأمير في عهده ليِّنا عَلَى ما يبدو، يخطئ فيعود إِلىَ الحقِّ، والأمر على غير ذلك مع القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب تلميذ سحنون، والأمير إبراهيم الثاني بن أحمد الذِي اجتمعت فيه كلُّ صفات القسوة والشِّدَّة والغلظة؛ فلقد أقدم عَلَى عزل قاضيه ثُمَّ سجنه وتعذيبه ثُمَّ قتله، لا لشيء إِلاَّ لأَنَّهُ قال كلمة حقٍّ مجرَّدة في فعل ارتكبه وبأمر منه جند إبراهيم الثاني من السودانيِّين على نساء "إبيانة" حين أباحهنَّ لهم لَمَّا امتنع أهلها من بيع "إبيانة" له، فقد أتت امرأة بفرعة (2) ابنتها في ثوب فألقته بين يدي ابن طالب، فترجَّع وتوجَّع وقال «ما أراه يؤمن بالله، أو هَذَا فعل الدهريَّة، ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر» (3).
لقد كانت قضايا المرأة في مجالس القضاة من أشهر القضايا وأكثرهنَّ حدَّة وتشابكا، ألم يرم القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ خاتمه وقمطره للإمام أبي اليقظان بسبب اختطاف فتاة قيل إنَّ ابنا لأبي اليقظان هو خاطفها إِلاَّ أَنَّ القاضي لم يتمكَّن من الْبَيِّنَة الصارمة ليصدر حكمه (4).
ثُمَّ ألم ينعزل القاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم عن القضاء ليزيد بن حاتم بسبب فضِّ هَذَا الأخير لكتاب الحُكم لصالح امرأة من خواصِّ نساء
__________
(1) - نفسه، 2/ 92. الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 270 - 271. نوال تركي: التنظيمات، 201.
(2) * - الفرعة من أفرع لها الدم: بدا لها، وافترع البكر افتضَّها، والفرعة دمها، وقيل له افتراع، لأَنَّهُ أَوَّل جماعها. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 1083، مادَّة "فرع".
(3) - الدبَّاغ: معالم، 2/ 173. وانظر: أبو العرب: المحن، 473.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 79 - 80. (2/503)
صفحة 511
البلاط (1). ثُمَّ ألم يسب ويشتم القاضي عبد الله بن عمر بن غانم، سبَّه الرجل لأَنَّ القاضي حكم لأخته ضدَّه (2). ولم نعرف قاضيًّا سُبَّ وشتمَ غَيره!؟. ثُمَّ ألم يسجن القاضي ابن طالب ويعذَّب ويقتل لأَنَّهُ قال كلمة حقٍّ لَمَّا رأى فرعة فتاة افتضَّها وافتضَّ غَيرها من الأبكار جند إبراهيم السودانيِّين؟. ثُمَّ أخيرا ألم تهتزَّ العروش وتتكالب المؤسَّسة العسكريَّة الأغلبيَّة عَلَى القاضي سحنون بن سعيد لَمَّا وقف إِلىَ صالح نساء مدينة تونس اللائي أريد لهنَّ العبوديَّة؟. لقد كانت قضايا المرأة ساخنة في مجالس القضاة بالمغرب، ولا شكَّ، وكانت شائكة احتاجت دوما إِلىَ القاضي الصارم.
ومن القضايا التي تشبه هَذَا السبي السالف الذكر وهذه العبوديَّة ما رواه البغطوري من أَنَّ رجلا من أهل ميري، إحدى قرى نفوسة، اشترى جارية في السوق، فاستقرُّوها بأنَّها أمة بنت أمة أمام شيخين عالمين من مشايخ الإِبَاضِيَّة منهما لوَّاب بن سلاَّم (3)، فجاء أخوها بعدما خرجت أَيَّام الشِّدَّة فاستمسك بالذي اشتراها عَلَى أَنَّهَا أخته، وَأَنَّهَا حرَّة، واستشهد الرجل المشتري بالشيخين العدلين المذكورين عند أبي محمَّد عبد الله بن الخير، فكان هَذَا الحاكم بعد وقعة مانو إِذا نظر إِلىَ الصبيَّة وأخيها وجد شبها متَّفقا فخاف أَن يحكمها فوقف فقال له أبو المهاصر، أحد كبار مشايخ نفوسة الذي نجده غالبا في مجالس القضاء بالجبل، شهد لوَّاب بن سلاَّم وصاحبه فوقفت «أحكم للرجل أمَتَه وإلاَّ جعلت خشبة في النار، فحكمها له. فعند ذلك قال لهم أبو المهاصر: أَيُّها المشايخ تعالوا نفكُّ هَذِهِ المسكينة من الرقِّ الذِي ربطت نفسها بلسانها ... » (4).
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 158 - 159. الرقيق: تاريخ، 130.
(2) - عياض: تراجم، 17.
(3) - هو صاحب كتاب بدء الإِسْلاَمِ وشرائع الدين.
(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ)، ق 87. (2/504)
صفحة 512
إنَّ المسغبة وأيام الشدَّة قد تؤدِّي إِلىَ بيع البنات من أجل لقمة العيش ولكن عند انفراجها يعود العقل والتعقُّل ويطالب بإعادة الحرَّة إِلىَ حرِّيتها؛ ثُمَّ مرَّة أخرى ألم يكن شيخ الشراة المراقب للقضاة أبو المهاصر صارما مع القاضي عبد الله بن الخير لَمَّا أمره بالحكم عَلَى الفتاة لصاحبها «وإلاَّ جعلت خشبة في النار» إِنَّهَا قَضِيَّة امرأة!.
ولا تزال قضايا المرأة تترى عَلَى القضاء وتقف بسبب أفعالها أمام القضاة، ومن أهم أفعالها الفجور والزنا ولكن في كثير من الأحيان يكون المجتمع هو المسؤول والرجل فيه بالذات؛ فقد قطع قاطع عَلَى امرأة عفيفة من "أرجمان" بنفوسة طريقها واعتدى عَلَى شرفها فحملت منه؛ وكان ذلك بعد العهد الرستُمي بقليل؛ فأشارت عليها عجوز بفكرة آتت أكلها، إذ تعلَّقت بالشيخ أَبِي يحي يوسف بن أبي محمَّد ملي الدرفي فقال لها إذا ولدت فقولي هو لفلان؛ فولدت صبية فأرسل إِلَيها بجميع ما يحتاج إِلَيهِ مثلها. وكان أبو يحي حاكما بالجبل بعد أبيه (1)، ولحسن حظِّها لم يشكّ في أمرها ولم يقم عليها الحدَّ.
وظهر حمل من امرأة من أهل أبي مهاصر من غير زوج فأخفت حملها، ففطن بها الشيخ، فَلَمَّا حضرها الطلق دخلت خربة فولدته فيها، وكان أبو مهاصر يراقبها، فدخل عَلَيها وقال لها «يا فلانة، احذري من أَن يغرَّك الشيطان بقتله، فقالت: إِنِّي مغلوبة ... فقالت: قد وجدني أبو مهاصر، أدبِّر كيف أفعل به، فسلَّمه الله عَلَى يد الشيخ، فهيَّأ لها الشيخ كلَّ ما تحتاج إِلَيهِ المرأة إذا وضعت» (2). لقد قيَّض الله لهاتين الفتاتين حكَّاما فقهاء راعوا ظروف المجتمع وملابسات الحمل.
__________
(1) - الشمَّاخي: سير، 286 - 287.
(2) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق 180. الشمَّاخي: سير، 201. وانظر مسألة عن مثل هَذِهِ المرأة هل تتولىَّ أم يُتبرَّأ منها عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 110. (2/505)
صفحة 513
ويشبه هَذَا ما كان يقوم به أحد نسَّاك إفريقية، وَهُوَ مروان بن عبد الرحمن اليحصبي أبو عيسى (1) الذي كان إذا بلغه عن المرأة أَنَّهَا فاسدة تزوَّجها فأحصنها التماس الثواب، فإذا رأى أَنَّهَا قد نزعت عنها فسادها وصلحت فارقها فأصلح بهذا السلوك غير واحدة من الفاسدات (2).
ولا بأس من ذكر هَذِهِ الفتاة الصالحة العمياء من أهل تاغرويت (3) وقصَّتها أَنَّهَا غلبت عَلَى نفسها فحملت، وخافت من أخيها فهربت حَتَّى أتت عجوزة، فولدت عندها غلاما، فاحتال أخوها حَتَّى رأى العجوز ليلة اشتغلت ببعض ما يهمُّها، فدخل فوجد أخته تطحن فذبحها فخرج، ولمَّا دخلت العجوز وجدتها مذبوحة، وولدها يرضعها (4)، وتضيف الرواية أَنَّهُ لَمَّا دفنت « ... رآها بعض الصالحين في الليلة المقبلة في المنام ... » (5).
إنَّ الزنا لم ينج منه مجتمع منذ أَن وجد الذكر والأنثى؛ ففي أفريقية الأغلبية يتحدث يحي بن عمر عن دور البغاء ويسمِّيها دور الأذى والفجور (6) فقد أوتي إِلىَ سحنون بن سعيد بامرأة يقال لها «حكيمة» كانت تجمع بين الرجال والنساء فضربها وحبسها بعد أَن تأكَّد من التهمة باستفاضة الخبر عليها؛ ثُمَّ أمر بدارها وكر الفساد فطيِّن بابه بالطين والطوب وكانت هَذِهِ المرأة خلاَّسية (7). ولم تنته إجراءات سحنون وحكمه
__________
(1) - انظر ترجمته في: أبو العرب: طبقات، 154 - 155. انظر هامش 4 ص 154.
(2) - أبو العرب: نفسه، 154 - 155. ولكن أَلا يمكن أن يكون الطلاق لمثل هَذِهِ المرأة مدعاة للعودة إِلىَ سالف سيرتها؟.
(3) - "تاغرويت" قرية قريبة من لالت بجبل نفوسة، وأهلها زناتة. انظر: الشمَّاخي: سير، 296.
(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق 14. الشمَّاخي: سير، 295.
(5) - الشمَّاخي: سير، 295.
(6) - أحكام السوق: 133.
(7) * - الخلاَّسية من النساء: هي التي أحد أبويها زنجيٌّ والآخر أبيض، وربَّما الأدقُّ هو أن تكون أمُّها سوداء وأبوها عربيًّا، فإذا كانت الفتاة بين لونيهما قيل لها خِلاَّسيَّة، والغلام خِلاَّسيٌّ. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 877، مادَّة "خلس". (2/506)
صفحة 514
عَلَى هَذِهِ الفاسدة هنا، وَإِنَّمَا أمر أن تجعل بين قوم صالحين لَعَلَّها تصلح بصلاحهم (1).
ولم تكن هَذِهِ المرأة وحيدة في فعلها، إذ هناك أخرى تدعى "غبارة" وغيرها، وقد جيء لسحنون يوما بامرأة اتُّهمت في أخلاقها فقيَّدها ولم يفكّ عنها القيد حَتَّى شهد عدول بأنَّها قد أقلعت عن سابق فعلها (2).
خلاصة القول: لقد أشغلت المرأة القضاء في المغرِب الإِسْلاَمِيِّ بقضاياها المتعدِّدة المتنوِّعة، وكانت في كثير من الأحيان قضايا حاسمة شائكة هزَّت كيان بعض القضاة وعروش بعض القواد والأمراء، فلقد كان للمرأة حضورها المستمرّ مجلسَ القضاة مظلومة وكذلك ظالمة.
- - - -
__________
(1) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 133. زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 93.
(2) - يحيى بن عمر: نفسه، 133. نوال تركي: التنظيمات، 202. (2/507)
صفحة 515
[صفحة بيضاء] (2/508)
صفحة 516
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره
الفصل الثاني
القضاء وأثره في مختلف مناحي الحياة بالمغرب
المبحث الأوَّل
أثر القضاء في الحياة السياسيَّة
المبحث الثاني
أثر القضاء في الشؤون العسكريَّة والحربيَّة
المبحث الثالث
أثر القضاء في الحياة الثقافيَّة (2/509)
صفحة 517
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره
الفصل الثاني
القضاء وأثره في مختلف مناحي الحياة بالمغرب
المبحث الأوَّل: أثر القضاء في الحياة السياسيَّة
قبل الولوج في أثر القضاء في الحياة السياسيَّة، أحبُّ أن أشير إلى أنَّ أثر القضاء في الحياتين الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة هي من مهام القاضي ومسؤوليات القضاء الأساسيَّة، لذلك لم ندرجها ضمن هذا الفصل، فلقد سبقت مباحث كاملة في الباب الثاني تتعلَّق بأشهر القضايا والأحكام في المغرب الإسلامي على عهد الولاة والرستميين والأغالبة، وشيء من ذلك في المغرب الأقصى على عهد الأدارسة والمدراريين.
ومن نافلة القول أنَّ تلك القضايا والأحكام هي في الناحيتين الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وإطلالة واحدة على تلك المباحث تعطي القارئ مدى مساهمة القضاء في فضِّ النزاعات الأسريَّة من ميراث ووكالة وغيرها، ومشاكل الأزواج من طلاق وخصومات، والقضاء على ظواهر الفجور بمختلف أنواعها ومحاربة التسيُّب وسوء الحال وخطورة بعض الحيوانات كالكلاب، وكلها من صميم أعمال القضاة رفعت إلى مجالسهم، وقالوا فيها حكمهم، وكانت لهم بذلك مساهمتهم الفعَّالة في تثبيت أركان الأسرة المسلمة والمحافظة على ثوابت المجتمع (2/510)
صفحة 518
الإسلامي ونقاوته، وكلّ ذلك ضمن الأحكام العادلة التي حرصوا على إصدارها وتطبيقها.
وتبعا لمساهة القضاء في المجتمع والحياة الاجتماعيَّة بتوفير أسباب الطمأنينة والهدوء فإنَّ للقضاة أيضًا آثارهم الإيجابيَّة في الحياة الاقتصاديَّة بفضِّ المنازعات التجاريَّة، بل إنَّ القضاء الأغلبي ابتكر خطَّة المظالم وخصَّص لها من يقوم بها (صاحب المظالم) وهي الخطَّة التي تهتمُّ بمجريات السوق وتفض الصراعات التي يمكن أن تحدث في تلك الأسواق أثناء المعاملات التجاريَّة وفرض على الصيارفة قراءة «كتاب الصرف» حتَّى يمنعوا المعاملات الربويَّة، وكثيرا ما بت القضاء في المغرب الإسلامي في مشاكل الزراعة والمزارعين من أرض وبذور وفلاحين أُجرَاء، وأغنام ودواب، ومياه وما إلى ذلك (1).
فالقضاء إذن: آثاره الأولى التي لا بدَّ أن تكون، وإلاَّ انعدم القضاء، إِنَّمَا هي في الحياتين الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة بالدرجة الأولى، وهو ما سبقت الإشارة إليه، ففصول هذا البحث كلّها وبين ثناياها، إِنَّمَا الاهتمام منصبُّ فيها نحو هذا الجانب بالذَّات.
أمَّا فيما عدا هذين الجانبين، فإنَّ القضاء ترك آثارا عميقة وباقيَّة في النواحي السياسيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة.
إنَّ القاضي في المغرب الإسلامي ساهم بقسط كبير في الصعيد السياسي والإداري، فقد كان بعض ولاة المغرب يُسنِدون أمر الولاية إلى بعض القضاة لمَّا يغادرون في مهام رسميَّة، فعندما خرج والي المغرب كلثوم بن عياض لمحاربة المتمرّدِين قرب مدينة طنجة في المغرب الأقصى، استخلف في القيروان القاضي عبد الرحمن بن عقبة الغفاري (123 - 123هـ) نائبا عنه ليقوم مقامه بمهام الولاية السياسية (2).
__________
(1) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق18و، 18ظ، 76و.
(2) - الرقيق: تاريخ: 76 - 77 النويري: نهاية الأرب (المغرب) 216. (2/511)
صفحة 519
وإنَّ الإمام الإباضي أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح لمَّا خرج من القيروان ترك عليها عبد الرحمن بن رستم عاملا وقاضيا (1)، وقد رأينا أنَّ الرستميين استعملوا الولاة القضاة في بعض الأقاليم بخاصة الشرقيَّة منها، فالقاضي في نفوسة وما إليها كان واليا في كثير من الأحيان (2)، وتجلى ذلك في أبي منصور إلياس الذي كان يتولَّى مهام الولاية، ويجلس لسماع شكوى الخصوم (3)، وذلك في أواخر العهد الرستمي فضلا عن غيره من القضاة قبل عهده.
وعندما ثار البربر الصفريَّة على الوالي يزيد بن أبي مسلم (102 - 103هـ) وقتلوه، وجَّه أهل إفريقيَّة أبا محمَّد خالد بن أبي عمران التجيبي (4) وهو أحد العلماء الراسخين في العلم والعبادة إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك (101 - 105هـ/719 - 723م) يخبره بمقتل عامله على إفريقيَّة، ولمَّا وصل إليه قرَّبه وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يُولِّيه القضاء، فأشار عليه وقبل قوله (5)
ويبدو أنَّ إفريقيَّة تعوَّدت على إرسال قُضاتها إلى المشرق للشكوى عند الخليفة عمَّا يحدث من تقلُّبات سياسيَّة في بلاد المغرب، فعندما ثار البربر عام 122هـ/ 739م، وبعد دخول ورفجومة الصفريَّة القيروان واستباحتها للمحارم، وفد على الخليفة المنصور العبَّاسي (156 - 158هـ) رجال منهم القاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم الشعباني الإفريقي (قبل سنة 132هـ ثمَّ 145 - 158هـ) الذي ترأَّس الوفد، فلمَّا وصلوا إلى الخليفة قال له المنصور «كيف رأيت ما وراء
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار 26، أبو زكرياء: السيرة 69.
(2) - انظر: قائمة قضاة الرستميين بالأقاليم ملحق رقم 6، وانظر كذلك: علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس 41 عن القضاة وإدراة الكور والمدن.
(3) - الدرجيني: طبقات 2/ 330.
(4) - يبدو أنَّه تولىَّ القضاء مرَّتين: الأولى في عهد الخليفة يزيد الثالث، والثانية في عهد مروان الثاني آخر خلفاء بني أميَّة، إلاَّ أنَّ المؤرِّخين لا يذكرون إلاَّ أنَّه تولَّى القضاء هكذا بشكل عام.
(5) - أبو العرب: طبقات 213. المالكي: رياض 1/ 164. (2/512)
صفحة 520
بابنا؟» فقال له «رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحا»، فقال له المنصور «لعلَّه فيما بعُدَ من بابي؟»، فقال له «كلَّما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ»، عندئذ قال له المنصور «أنت لا تهوى الدخول في شيء من أمرنا» (1) ولكنَّه عاد من هناك قاضيا لإفريقية مرَّة ثانية لتحمل مسؤوليَّة العدل والجور في البلد.
إنَّ هذا القاضي الذي تولَّى القضاء في فترة جدُّ مضطربة (قبل سنة 132هـ ثمَّ 145 - 158هـ) شهدت بداية سقوط الأمويين وقيام العباسيين في المشرق، ثمَّ ثورة البربر العارمة في المغرب، وما تبع ذلك من اضطرابات سياسيَّة من أكبر مظاهرها المنافسة على منصب الولاية بكلّ الوسائل، ويتجَّلى ذلك في شخص عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الذي خرج في جمادى الأولى سنة 127هـ/744م من الأندلس بعد مقتل أبيه حبيب، فاستتر وركب البحر إلى تونس، فنزل بها ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه، وأراد حنظلة بن صفوان الوالي على إفريقيَّة (124 - 132هـ/741 - 749م) الخروج إليه والزحف لقتاله إِلاَّ أنَّه كره إراقة دماء المسلمين بالمسلمين، وحاول أن يراجعه بالتي هي أحسن، ولكن عبد الرحمن بن حبيب أبى إلاَّ الولاية لنفسه مستغلا الظروف السياسيَّة المضطربة التي سبق وأن أشرنا إليها. وهنا جاء دور القاضي ابن أنعم السياسي إذ لمَّا رأى حنظلة إصرار عبد الرحمن وعزمه على الاستيلاء على الولاية مهما كانت الظروف والوسائل والنتائج؛ وكان حنظلة رجلا ديِّنا خيِّرا. هنا «دعا القاضي وجماعة من أهل الفضل والدين، ففتح بيت المال بحضرتهم وأخذ منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: "ما أنا بماس منه إلاَّ بقدر ما يكفيني ويُبلغني" ثمَّ شخص عن إفريقيَّة في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة» (2).
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 155 - 156، 160. نوال تركي: التنظيمات. 176.
(2) - الرقيق: تاريخ 87. ابن عذاري: البيان 1/ 60. النوري: نهاية الأرب (المغرب) 219. (2/513)
صفحة 521
فَهَذَا الإجراء ليس مجرَّد شهادة يشهدها القاضي ويدلي بها عند الضرورة، فهذا ليس من مهام القاضي الحقيقيَّة في شيء، وإنَّما هي أمور سياسيَّة تتعلَّق بأوضاع المغرب الإسلامي عموما، وبإفريقية خصوصا. ومن هنا فإنَّ تلك الشهادة شهادة سياسيَّة، وليست قضائيَّة تساهم في إعادة الأمن والطمأنينة إلى البلد.
ومن مساهمات القضاة في السياسة استشارتهم في العلاقات الدبلوماسيَّة، فالأمير إبراهيم بن الأغلب لمَّا جاءه كتاب من إدريس الثاني، يستعطفه فيه ويسأله الكفَّ عنه ويذكِّره بقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1). جمع كبار رجال إمارته منهم يحي بن الفضل صاحب بريده، وابن عوانة الكلبي أحد المقرَّبين إليه وابن غانم عبد الله بن عمر القاضي، فشاورهم في أمر إدريس وتكلَّم معهم بكلام كثير، فقالوا له «أصلح الله الأمير ... إنه لم يظفر بمثل ظفرك ولا كان له مثل ما كان لك، فدع ابن إدريس ما وادعك وارض لك وله بالسلامة وهدوء الريح ... » (2)، عندئذ اقتنع الأمير برأي مستشاريه وبخاصة منهم القاضي ابن غانم أحد المقرَّبين جدًّا من الخليفة العباسي المنصور الذي اشتهر بملاحقته لآل البيت وتقتيلهم في كلّ مكان لمَّا رفعوا ضدَّه السلاح وأقاموا الثورة عليه (3). ومن هنا يكون هذا القاضي قد ساهم فعلا في استتباب الأمن بالمغرب الإسلامي عموما وكفّ إبراهيم بن الأغلب من حبك المؤامرات ضدَّ الأدارسة الأمر الذي عاد بالاستقرار ولا شكَّ على هذه الدولة.
ويبدو أنَّ القاضي سحنون بن سعيد لم تصله أخبار هذه الاستشارة السياسية، أو أنَّه كان سياسيا عرف كيف يتنصَّل من إبداء رأيه السياسي
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (المغرب) 254. سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة 99.
(2) - الرقيق: تاريخ 190. نوال تركي: التنظيمات. 178. سعدون عبَّاس: دولة الأدارسة: 99.
(3) - انظر في هذا الشأن: يوسف العش: تاريخ الخلافة العباسيَّة، دار الفكر دمشق ط1، 1402/ 1982، ص 36 وما بعدها. (2/514)
صفحة 522
اتّجاه ثورة القويبع التي سلف ذكرها، وذلك لمَّا قال بعض القواد للأمير محمَّد الأوَّل بن الأغلب «سحنون داعية مطاع، فأمره ينصرك على هذا الخارجي، فبعث فيه الأمير وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وأن يُعلم الناس بفرض ذلك عليهم، فقال سحنون: غشَّك من دلَّك على هذا، متى كانت القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها؟ ونهض من عنده» (1).
إنَّ سحنون لم يرد أن يخاطر لا بدينه ولا بدنياه، فضَّل الاحتراز والحياد. فإن نالت ثورة القويبع رضا عند بعض العلماء وساندتها العامةفي تونس بسبب الظلم الذي استفحل في تلك السنين من الأمراء، فإنَّ سحنون توقَّف لم يساند الأمير الظالم، ولم يعط موافقته على الثورة بخاصة وأنَّ الفكر السني يرفض الثورة على السلطان ولو كان جائرا (2) فسحنون حامي حمى السنَّة في إفريقيَّة لا يمكنه أن ينقلب هكذا بسهولة إلى فكر الخوارج الذي يرى أنَّ رفع السلاح على السلطان الجائر جزء من العقيدة الإسلاميَّة، وهكذا سلَّ نفسه من هذا الخلط السياسي، كما تستلُّ الشعرة من العجين.
ولمَّا قامت ثورة منصور الطنبذي (3) سنة 209هـ/ 824م بتونس أرسل الأمير زيادة الله الأوَّل وفدا إلى هذا الثائر من بينهم قاضي تونس شجرة بن عيسى يناشدون الطنبذي الله ويرغِّبونه في الطّاعة والهدوء، ويبدو أنَّ الثائر راوغ الوفد في ردِّه، وحبس القاضي ومن معه في قصره، وأخذ دوابَّهم ليحمل عليها أصحابه، وعمل فيهم السيف إلاَّ من هرب بحرا (4)، وكان القاضي من الهاربين من هذه
__________
(1) - القاضي عياض: تراجم 109. محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة 256 - 266. زغلول: تاريخ. 2/ 95.
(2) - انظر المزيد في محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة. 266.
(3) - عن هذه الثورة وتفاصيلها انظر خاصَّة محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة 190 وما بعدها.
(4) - ابن عذاري: البيان 1/ 98 - 99. النويري: نهاية (المغرب) 259 - 260. حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 3/ 283 - 284. (2/515)
صفحة 523
المذبحة، وتقدَّم منصور الطنبذي، واستطاع أن يحاصر الأمير زيادة الله في القصر القديم، وملك القيروان وإفريقيَّة، ونزل بعسكره بين شرقي القيروان وقبلِيها، وخندق خندقا هناك، ويبدو أنَّ الأمير لا يزال يرى الحلَّ بيد قضاته، إذ بعد الوساطة التي قام بها شجرة بن عيسى قاضيه بتونس، والتي لم تؤدِّ إلى نتيجة إيجابيَّة، فها هو الثائر الآن بالقيروان، أرسل إليه الأمير قاضييه معًا أسد بن الفرات وأبا محرز، فخرجا إليه ودخلا عليه، وعنده وجوه الأجناد وغيرهم ودارت بين الثائر والقاضيين مفاوضات سياسيَّة تجاوزت المهمَّة المنوطة بالقاضيين إذ طمع منصور الطنبذي في اكتسابهما إلى جانبه (1) فقال لهما: أخرجا معنا؟ أمَا تعلمان أنَّ هذا البائس ظلم المسلمين؟ فأمَّا أبو محرز فإنَّه خاف من المنصور وأصحابه فقال: نعم وظلم اليهود والنصارى. وأمَّا أسد فقال لهم: «قد كنتم أعوانا له قبل هذا الوقت، وأنتم وهو على مثل هذا الحال، وكما وسعنا الوقوف عنه وحده ... فصال عليه بعض الجند، فانصرفا جميعا وهما خائفان» (2)
لقد عرف القاضيان كيف يؤدِّيان هذه المهمَّة السياسيَّة الصعبة مع ثائر عنيد قد فشل قبلهما أخوهما القاضي بتونس معه فيها ونجا من الموت هربا، وكان أسد بن الفرات أقوى وأشجع، وعرف كيف يجد التوسعة الفقهيَّة له ولأميره، وكأنَّه أخبر الثائر وبطريقة غير مباشرة بأنّ فعله هذا باطل لذلك صال عليه بعض الجند والمهم أنَّه نجا ونجا معه أبو محرز، ولم تدم الثورة بعد ذلك طويلا حتَّى سحقت عام 211هـ/826م.
__________
(1) - لقد طمع في مساندة أسد بن الفرات قبل الطنبذي ثائر آخر: هو عمران بن مجالد الربعي سنة 195هـ/810 لمَّا انتقض على ابن الأغلب بتونس وسار إلى القيروان فملكها «وكان يبعث إلى أسد بن الفرات القاضي في الخروج إليهم وامتنع» إنَّ أسدا في هذا التاريخ لم يتولَّ بعد منصب القضاء. انظر ابن خلدون: العبر 4/ 420 - 421.
(2) - المالكي: رياض 1/ 270. ابن عذاري اليمان: 1/ 100. (2/516)
صفحة 524
ومن مساهمات القضاة في السياسة كذلك، تلك الشهادة السياسيَّة التي حضَرها "قضاة القيروان" هكذا بصيغة الجمع في بعض الروايات، ولعلَّ المقصود هو قضاة إفريقية أو بعضا منهم فهؤلاء القضاة حضروا تأكيد ولاية العهد بين أب وابنه وعدم منافسة العمِّ لابن أخيه إلى درجة أنَّ هذا العمَّ أقسم خمسين يمينا بأنَّه لا ينازع ابن أخيه الملك، ويتعلَّق الأمر هنا بالأمير أبي الغرانيق الذي أوصى أخاه إبراهيم الثاني ابن أحمد بابنه خيرًا، وكان صبيا، وحضر هذا الاجتماع وهذه الأيمان المغلَّظة "مشيخة الأغلب وقضاة القيروان وفقهاؤها ... " (1)
ولم تجدِ تلك الأيمان شيئًا لأنّ أهل القيروان وفقهاءها خلعوا هذا الصبي مباشرة بعد وفاة أبيه عام 261هـ/874م ونصبوا الذي كان قد أقسم أنَّه لا ينازع ابن أخيه رغم أنَّه أبدى شيئًا من المقاومة والمعارضة إلاَّ أنَّ الفقهاء وربَّما منهم القضاة وجدوا له الحيل الفقهيَّة التي بها يتنصَّل من أيمانه، وينقض عهده (2)، وعرفوا بل ساهموا في المراوغات السياسيَّة وأجازوا للسلطان نقض الأيمان والعهود يقول ابن الأبار مستنتجا ومستنكرا هذا الفعل «فابتلاهم الله بظلمه وامتحنهم بإسرافه، حتَّى سمُّوه "الفاسق"» (3).
إنَّ للقضاة في إفريقيَّة خصوصا وفي المغرب عموما بعض مساهماتهم السياسيَّة والإداريَّة نجحوا في كثير منها، وفشلوا في بعضها، وأظهروا إلى جانب علمهم بالفقه والقضاء مقدرة سياسيَّة لا بأس بها.
__________
(1) - ابن الأبار: الحلَّة 1/ 171. النويري: نهاية (المغرب) 271. زغلول: تاريخ 2/ 113. الطالبي: الدولة الأغلبيَّة. 297. يوظِّف الطالبي مصطلح «قاضي قضاة القيروان» وهو مصطلح لم نجده أبدا في المصادر، ما عدا مرَّة واحدة ذكره الخشني. ويبدو أنَّ الطالبي أراد أن يجد بديلا عن «قضاة القيروان» صيغة الجمع هذه فوظَّف مصطلح «قاضي قضاة القيروان».
(2) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة: 297. وانظر بن عذاري: البيان: 1/ 116.
(3) - ابن الأبار: الحلَّة 1/ 171. انظر عن أفعاله الشنيعة وظلمه وقتله للقاضي ابن عمه عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي: ابن عذاري: البيان 1/ 117 - 119، 124 - 131. (2/517)
صفحة 525
المبحث الثاني
أثر القضاء في الشؤون العسكريَّة والحربيَّة
بداية لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ قاضي الجند الوحيد الذي ذكرته المصادر وهو أبو سعيد جعثل بن هاعان بن عمير بن اليثوب (1)، لا بدَّ أن تكون مهمَّته القضائيَّة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجند والجيش الذي عُيِّن عليه قاضيا، وعين كلثوم بن عياض قائدا، ومن المعروف أنَّ كلثوما هذا لم يتوقَّف بالقيروان وإنَّما غادرها، وترك بها القاضي عبد الرحمن بن عقبة الغفاري (2) نائبا عنه في مهمَّة سياسيَّة تضاف إلى أعمال القضاة السياسيَّة، والذي يهمُّنا من هذا هو أنَّ قاضي الجند المذكور استمرَّ مع الجيش القادم من المشرق مع كلثوم إلى المغرب الأوسط حيث المواجهات العسكريَّة والحروب المتتالية، وهو مالم تذكر المصادر، ولكنَّ سياق الأحداث والمهمَّة التي كُلِّف بها هذا القاضي كونه «قاضي الجند» تقتضي مسايرة الجند والجيش في حلِّه وترحاله في حربه وسلمه.
إنَّ هذا الجيش لقي هزيمة ساحقة في معركة "بقدورة" (3)، وقُتل قائده كلثوم، ولمَّا وصل هذا الخبر إلى إفريقيَّة، وكان بها عبد الرحمن بن عقبة الغفاري القاضي خليفة لكلثوم، كما قد أسلفنا، سار هذا الأخير إلى عكاشة بن أيُّوب الفزاري زعيم الثائرين الصفريَّة الذي قام بقابس وثار، واستطاع عبد الرحمن بن عقبة القاضي أن يهزم عكاشة، ويقتل كثيرا من أصحابه، وانهزم الباقون وتفرَّقوا، وقوي نفوذ القاضي القائد عبد الرحمن بن عقبة بإفريقية، إلاَّ أنَّ
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 114. الدبَّاغ: معالم 1/ 202.
(2) - الرقيق: تاريخ 76 - 77. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 216.
(3) - عن المواجهة الحربية بين هذا الجيش الضخم، والبربر الخوارج، والهزيمة الساحقة التي لحقت به في معركة "بقدروة" بالقرب من تيهرت، انظر: د. عبد العزيز فيلالي: المظاهر الكبرى 58 - 62. (2/518)
صفحة 526
الخليفة هشام بن عبد الملك أرسل حنظلة بن صفوان الكلبي واليا على المغرب (1) خلفا لكلثوم بن عياض.
ويشبه هذا القاضي القائد للجيش الذي هزم عكاشة، قاضٍ آخر له دور بارز في الأحداث العسكريَّة التي دارت رحاها ببلاد المغرب في هذه الفترة المضطربة، ونقصد بِهِ أبا كريب جميل بن كريب المعافري (قتل سنة 139هـ/756م) الذي استُخلِف على القيروان سنة 138هـ/755م، استخلفه عليها حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب الفهري لمَّا قام لمواجهة البربر الصفريَّة بقيادة عاصمبن جميل الورفجومي فاقتتلوا وانهزم حيبب وأصحابه، فقوي أمر ورفجومة الصفريَّة فقصدوا القيروان، فلمَّا اقتربوا منها خرج إليهم أبو كريب القاضي فعسكروا بالوادي المعروف بـ"وادي أبي كريب" حتَّى إذا دنا بعضهم من بعض خرج من عسكر عاصم الورفجومي جماعة من أهل القيروان فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم، وافترق أكثر الناس عن أبي كريب، إلاَّ أنَّ هذا القاضي لم يجبن، ولم يتراجع بل ثبت هو «ونحو من ألف رجل من وجوه الناس من أهل البصائر والخشية والدين، مستبسلين إلى الموت فقاتلوا باجتهاد فقتل أبو كريب رحمه الله، ودخلت ورفجومة القيروان فاستحلُّوا المحارم وارتكبوا العظائم» (2).
إنَّ القاضي أبا كريب الذي تولَّى مهمَّة ولاية إفريقيَّة خلفا للوالي حبيب بن عبد الرحمن، لم يشأ أن يبقى مكتوف الأيدي أمام انهزام الوالي، بل تحمَّل مسؤولياته السياسيَّة كاملة، واقتحم ميدان الوغى، ورغم تخاذل المتخاذلين مضى قدما يدافع عن القيروان التي استُخلِف عليها، وكتب الله له الشهادة في معركة غير
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 212. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 216.
(2) - الرقيق: تاريخ 102 - 103. المالكي: رياض 1/ 159 - 160، 168، 171 - 172. ابن عذاري: البيان 1/ 70. النويري: نهاية الأرب (المغرب) 225. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق4. نوال التركي: التنظيمات 176. (2/519)
صفحة 527
متكافئة، ضدَّ ورفجومة الصفريَّة التي أجمع المؤرِّخون على أنَّها كانت تستحلُّ الدماء والأموال، وارتكبت أشنع الكبائر بعاصمة الولاية، فلم ينج لا الزرع ولا الضرع، ولا الأرواح ولا الأعراض على يد هؤلاء.
ومن أهم الأعمال العسكريَّة التي قام بها القضاة على الإطلاق، فتح صقلِّية وإضافتها إلى دار الإسلام وضمِّها إلى الإمارة الأغلبيَّة، وكان ذلك على يد قاض فذٍّ نال العظمة بهذا الإنجاز الضخم، وحظي عند الله بالشهادة، إنَّه القاضي الأغلبي أسد بن الفرات بن سنان (203 - 213هـ/818 - 828م).
إنَّ هذا القاضي الذي كثيرا ما رأيناه يفاوض المتمرِّدين، ويطمع في مساندته الثائرون، كان قاضيا عادلا وسياسيا محنَّكا وعسكريًّا من الطراز الأوَّل يقول أبو العرب «كره علماء إفريقيَّة غزو صقلِّية لعهد كان لهم قديما إلاَّ أسدا» (1) وبالفعل فقد استشار زيادة الله الأوَّل علماء القيروان وقاضيه أسدا وابن محرز حول تلك الهدنة المعقودة بين الإمارة الأغلبيَّة وجزيرة صقليَّة في عهد سلفه الأمير أبي العبَّاس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، واختلف الجميع وتعدَّدت رؤى العلماء والحاشية، واختلف القاضيان في الرأي إلاَّ أنَّ أسد بن الفرات، كما يقول مارتينيو «أدرك أنَّ انتصارا في الخارج خير واسطة لتوطيد مركز الأمير في الداخل ... » (2)، ومن هنا فإنَّ الأمير في نهاية المطاف اتَّبع فتوى ومشورة أسد بن الفرات، وأمر بغزو صقليَّة لأنَّ حكَّامها كانوا قد نقضوا العهد في رأيه (3)، وجاءت الأخبار بذلك. لقد كان
__________
(1) - أبو العرب: طبقات 165.
(2) - مارتينيو ماريو مورينو: المسلمون في صقليَّة، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، ط2، 1968م، ص8.
(3) - المالكي: رياض 1/ 271. عياض: تراجم 66. الدوري تقيُّ الدّين عارف: صقليَّة علاقتها بدول البحر الأبيض المتوسِّط الإسلاميَّة من الفتح العربي حتَّى الغزو النورماندي. دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت: 1980، ص47. (2/520)
صفحة 528
لرأي القاضيين إذن أكبر الأثر في اتِّخاذ الأمير زيادة الله الأوَّل القرار الصائب في حلِّ الهدنة المعقودة بين الطرفين، ومن ثمَّ إصدار القرار بفتح صقلِّية (1).
ودخل أسد القاضي على زيادة الله فخرج ومعه سجل بولايته على صقليَّة أميرا وقاضيا (2) ونقلت الأخبار الحوار الذي دار بين الأمير وقاضيه قبيل مغادرة القيروان باتجاه فتح صقليَّة إذ قال أسد للأمير «أصلح الله الأمير عزلتني عن القضاء؟ قال ما عزلتك عن القضاء، وإنَّما ولَّيتك الإمرة وهي أشرف من القضاء فأنت أمير، وأنت قاض» (3) وهكذا اجتمعت الإمارة والقضاء في أسد، وخرج إلى صقليَّة على ذلك، ولم يجتمع لأحد الولاية والقضاء بإفريقيَّة إلاَّ له؛ ويذكر المستشرق مارتينيو أنَّ الشيخ أسدا طلب «شرف التقلد بقيادة المجاهدين خوفا منه، أن يكتفي غيره بكثرة الغنائم والسبايا فتبقى هذه الحرب عقيمة مثل الحروب السابقة، فأجابه زيادة الله إلى طلبه» (4) ولا شكَّ أنَّه رأي سديد، ونظرة بعيدة، وسوف نرى كيف أنَّ أسدا تحمَّل كلّ مسؤوليات القيادة، وبكل صرامة لكي يحقِّق المشروع الذي دافع عنه، ويترك عملا صالحا يدعو له فضلا عن الشهادة التي رغب فيها ونالها.
إنَّ هذا الشيخ القاضي الطاعن في السنِّ المشرف على السبعين من عمره (5)، قاد جيشا يقدَّر بعشرة آلاف رجل وسبعمائة فارس حملوا كلَّهم على مائة
__________
(1) - الدوري: صقليَّة وعلاقتها 47 - 48. نوال تركي: التنظيمات: 187.
(2) - المالكي: رياض 1/ 422.
(3) - مجهول: العيون والحدائق 3/ 372. المالكي: رياض، 1/ 271. عياض: تراجم 66. الدباغ: معالم: 2/ 22.
(4) - المسلمون في صقليَّة 9 عن محاولات فتح صقليَّة انظر: الدوري: صقليَّة 19 - 33.
(5) - ولد أسد بن الفرات عام 145هـ/762م، ويقال 143هـ/760م أو 142هـ/761م، وقدم من المشرق عام 181هـ/797م. أبو العرب: طبقات 165. وانظر: الدباغ: معالم 2/ 26، ويذكر المالكي بِأَنَّ أسدا قال «دخلت مع أبي القيروان في جيش ابن الأشعث» ومن المعروف أنَّ جيش محمَّد بن الأشعث قدم إفريقيَّة عام 144هـ. انظر: رياض 1/ 254. (2/521)
صفحة 529
سفينة (1). ولمَّا خرج على الجيش متوجِّها إلى سوسة ليركب منها إلى صقليَّة، خرج معه وجوه أهل العلم ووجوه الناس، وأمر الأمير زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلاَّ خرج لتشييعه فركب أسد في جمع عظيم، وموكب مهيب، فلمَّا رأى ذلك، وقد صهلت الخيول، وضربت الطبول، ونشرت البنود قام خطيبا في الحاضرين، وقال «لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ثمَّ قال: معشر الناس! والله ما وُلي لي أب ولا جدٌّ ولاية قطُّ، وما رأى أحد من سلفي هذا قطُّ! وما رأيت ما ترون إلاَّ بالأقلام! فأجهدوا أنفسكم، وأتعبوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، وكابدوا عليه، واصبروا على شدَّته فإنَّكم تنالون بِهِ الدُّنيا والآخرة» (2).
إنَّه العالم الذي يوجِّه نصيحته للعلماء ولطلاَّب العلم، ولسائل يسأل ما موقع هذه النصيحة في ذلك الظرف، وأمام ذلك الحشد من الجنود؟
إنَّ أسدا أراد بها أن ينوِّه بالعلم في أدقِّ اللحظات وأكثرها نسيانا للعلم سواء أكان ذلك بالنسبة للجند أو بالنسبة للذين جاؤوا لتشييع الجيش في هذه المهمة العظيمة، وأن يذكِّر الغافلين بأنّ العلم هو الخير كلّه في الدُّنيا والآخرة، ثمَّ كأنَّه يريد أن يقول إنَّ هذه الحملة لفتح صقليَّة ستتبع ما يقوله علم الفقه، وسوف لن تكون للنزهة أو الغنيمة، وقد قالها قبل صراحة «ما أحوجهم إلى من يجريها لهم بالكتاب والسنَّة» (3).
أقلعت السفن من سوسة في ربيع سنة 212هـ الموافق ليوم 14 حزيران (جوان) 827م، وبعد ثلاثة أيَّام نزلوا بمدينة مازر (4) إحدى المدن الساحليَّة الغربيَّة
__________
(1) - مارتينيو: المسلمون في صقليَّة 9. وانظر: ابن عذاري: البيان 1/ 102. الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق 7 ظ.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 23.
(3) - المالكي: رياض 1/ 637. الدوري: صقليَّة 36.
(4) - ابن خلدون: العبر 4/ 425 - 426. ابن عذاري: البيان 1/ 102، مارتينيو: المسلمون في صقليَّة 9. الدوري: صقليَّة، 49. (2/522)
صفحة 530
للجزيرة، وكان الصقليُّون يفوقون المسلمين عددا وعدَّة (1) يذكر المالكي (2) أنَّهم كانوا في مائة وخمسين ألفا يقودهم ملكهم (3) المعروف ببلاطة، وذكر أحد الحاضرين لأول مواجهة بين المسلمين والنصارى في صقليَّة قائلا « ... رأيت أسد بن الفرات وفي يده اللواء وهو يزمزم فحملوا عليه، فكانت فينا روعة شديدة، وأقبل أسد على قراءة "يس"، فلمَّا فرغ منها قال للناس: "هؤلاء عجم الساحل، هؤلاء عبيدكم لا تهابوهم (4)» وحمل باللواء وحمل الناس معه فهزم الله عزَّ وجلَّ "بلاطة" وأصحابه، فما انصرف أسد رأيت - والله - الدم قد سال مع قناة اللواء مع ذراعه حتَّى صار تحت إبطه (5)، وغنم المسلمون أموالا عظيمة واستولوا على عدَّة حصون من الجزيرة ووصلوا قلعة "الكرات" وحاصروا سرقوسة برا وبحرا، وجاء المدد من إفريقيَّة، وحاصروا بليرم، وزحف الروم إلى المسلمين وهم يحاصرون سرقوسة، واشتدَّ حصارهم لها (6) وكان أسد وابن قادم أحد قواده والمقرَّبين إليه قد اختلفا، وذلك لأنّ أسد بن الفرات لمَّا وصل بالناس إلى صقليَّة أخذ الناسَ الجوعُ حتَّى أكلوا لحم الخيل فمشى الناس إلى ابن قادم، ومضى هذا إلى أسد فقال له «ارجع بنا إلى إفريقيَّة فإنَّ حياة رجل مسلم أحبُّ إلينا من أهل الشرك كلِّهم». فقال له أسد «ما كنت لأكسر غزوة عن المسلمين، ففي المسلمين خير كثير»، فأبى عليه الناس ذلك، فأراد إحراق المراكب، فبدت من ابن القادم
__________
(1) - مارتينيو: نفس المرجع 9.
(2) - رياض النفوسي: 1/ 272. الدباغ: معالم 2/ 23. النباهي: قضاة الأندلس 54.
(3) - يقول الدوري: إنَّه بَطْرِيق صقليَّة. انظر: صقليَّة وعلاقتها 50.
(4) *- معنى قول أسد: «هؤلاء عجم الساحل، يعني الذين كانوا هربوا من الساحل بإفريقيَّة لمَّا فتحت إفريقيَّة». المالكي: 1/ 272. وقوله: «هؤلاء عبيدكم لا تهابوهم» أي الذين سوف يكونون عبيدا لكم بانتصارهم عليهم فلا تهابوا، واقتحموا ميدان الوغى بشجاعة، وكان له ما أراد.
(5) - المالكي: رياض 1/ 272. عياض: تراجم 67. الدباغ: معالم 2/ 23.
(6) - عن حصار سرقوسة وفتحها انظر: الدوري: صقليَّة 51 وما بعدها. (2/523)
صفحة 531
كلمة فقال «على أقلّ من هذا قُتل عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه -»، فتناوله أسد بالسوط فضربه ولم يجرده ... أسواطا يسيرة قدر الثلاثة أو الأربعة» (1). وتمادت عزيمته وبصيرته، وأصرَّ على الفتح إصرارا كبيرا فقاتل الروم قتالا شديدا حتَّى هزمهم، وسباهم وغنم أموالهم، وأباد الروم واستأصلهم، وسكن صقلِّية المسلمون، واستوطنوها، وكتب زيادة الله بفتح صقلِّية على يد أسد بن الفرات إلى الخليفة العباسي المأمون (2). ومات أسد من جراحات أصابته شديدة وهو محاصر لسرقوسة، وذلك في شهر ربيع الثاني سنة 213هـ/828 م، ودفن بمدينة قصريانة بالموضع الذي توفِّي فيه، وهو أوَّل من فتح صقلِّية (3).
إنَّ هذا القاضي ذو العزيمة الفولاذيَّة صمَّم على فتح صقلِّية فكان المشروع من بدايته هو المحرِّض له في الوقت الذي كان فيه غيره يثبِّط الأمير، ثمَّ لمَّا وطئت أقدام الجند الجزيرة، وواجهوا قوات هي أضعاف قوَّتهم عددا وعدَّة، كاد أن يتخاذل الذين نشؤوا في ميدان الحروب، ولكنَّه بقي صامدا؛ ولمَّا رأى وسمع من تجرَّأ عليه لم يتردَّد في تعزيره رغم الموقف الحرج، الذي كان فيه جيش الإسلام، ورغم مرتبة ومنصب هذا المتجرِّئ وموقعه من قلوب الناس، فالحقُّ أحقُّ أن يتَّبع. لقد تشرَّف على أشراف إفريقيَّة من العرب والجند والبربر والأندلسيين، وأهل التَّعَلُّم والبصائر من الذين خرجوا معه (4) فحقٌّ له أن يفتخر بملء فِيهِ ويقول
__________
(1) - الدباغ: معالم 2/ 24 - 25.
(2) - المالكي: رياض 1/ 272. الدباغ: معالم 2/ 24 - 25. يذكر أبو العرب أنَّ أسدا مات بصقليَّة، ولم يستكمل فتحها فافتتحها بعده ابن فرهب، وكانت وفاة أسد سنة 214هـ/829م. انظر: طبقات 165، وانظر: الدوري: صقليَّة 5، فهو يجعل وفاة أسد في حصار سرقوسة عام 213هـ.
(3) - الدباغ: معالم 2/ 25. ابن خلدون: العبر 4/ 425 - 426.
(4) - ابن عذاري: البيان 1/ 102. (2/524)
صفحة 532
«أنا أسد وهو خير الوحوش، وأبي فرات وهو خير المياه، وجدِّي سنان وهو خير السلاح» (1).
لقد أنجز هذا القاضي ما لم ينجزه كبار القادة في إفريقيَّة، وحقَّق ما لم يحقِّقه القضاة من قبله ومن بعده، وأضاف للإسلام رقعة جديدة كانت دار حرب، فصارت بعزيمته دار سلم وإسلام.
وإذا كان أسد بن الفرات قد حقَّق ما لم يحقِّقه أحد من القضاة، كذلك حقَّق عبد الرحمن بن رستم ما لم يحقِّقه أحد من القضاة قبله ولا بعده، لقد استطاع أن يؤسِّس دولة تنسب إلى أسرته، هي الدولة الرستميَّة.
لقد سبق أن ذكرنا أنَّ عبد الرحمن بن رستم هذا العالم الإباضي الذي أخذ علمه في البصرة وعاد إلى المغرب ليُعرَف واحدا من حملة العلم على المذهب الإباضي إلى هذه الديار، وتكاثفت جهوده العلميَّة والساسيَّة والعسكريَّة مع حملة العلم الأربعة الآخرين، وعلى رأسهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني الذي بايعوه إماما لهم عام 140هـ/757م. واستطاع هذا الإمام وإلى جانبه عبد الرحمن بن رستم أن يهزم ورفجومة الصفريَّة التي دخلت القيروان وانتهكت الحرمات (2)، والتي كانت قد قتلت قاضيها أبا كريب جميل بن كريب المعافري سنة 139هـ/756م في معركة غير متكافئة سبق ذكرها فكأنَّ أحد المعافريين انتقم للآخر من قتله!.
ومن المعروف أنَّ أبا الخطاب غادر القيروان بعد أن استعمل عليها عبد الرحمن بن رستم (3)، وارتضاه قاضيا وناظرا هناك (4)، فهو الوالي وهو
__________
(1) - عياض: تراجم 70.
(2) - المالكي: رياض 1/ 159 - 160. الرقيق: تاريخ، 102 - 103. الدرجيني: طبقات: 1/ 26 وما بعدها.
(3) - أبو زكرياء: السيرة 69. الدرجيني: طبقات: 1/ 29.
(4) - ابن الصغير: أخبار 26. وانظر كتابنا: عبد الرحمن بن رستم 27. (2/525)
صفحة 533
القاضي منذ عام 141هـ/758حتى عام 144هـ/761م عندما انهزم أبو الأعلى أمام قوات الخلافة العبَّاسية التي بعثها الخليفة المنصور يقودها محمَّد بن الأشعث الخزاعي، وقبل ذلك خرج عبد الرحمن من القيروان على رأس جيشه ليقدِّم المدد للإمام أبي الخطاب بعد أن جاءته رسالة من هذا الأخير يستنفره ويستمدُّه ويستنجده (1)، ورغم أنَّه أسرع السير إليه إلاَّ أنَّه أدرك مقتل أبي الخطاب، ومن معه من الإباضية بمدينة قابس، وعلم أنَّ بعد تلك الهزيمة ما بعدها من الملاحقات، فافترقت عساكره وتشتَّت جيشه، ودخل القيروان مستخفيا، فكان الطلب عليه حثيثا من قبل أحد أبناء عبد الرحمن بن حبيب، فضلا عن القائد محمَّد بن الأشعت الخزاعي الذي دخل القيراون، ولم يستقرّ فيها، وإنَّما خرج ملاحقا لعبد الرحمن يطلبه في كلّ سهل وجبل، فلم يجد عبد الرحمن إلاَّ اتِّجاهاً واحدا أمامه يسلكه لينجو بنفسه، ذلك هو الاتجاه نحو المغرب الأوسط، أولى خطوات تأسيس الدولة الرستميَّة، ولقد واجهته مآسي عديدة، يقول عنها الدرجيني «خرج عبد الرحمن من القيروان هو وابنه عبد الوهَّاب وعبد لهما خائفين مستخفيين متوجِّهين إلى أرض المغرب، وليس معه حمولة ولا مركوب غير فرس واحد، فمات الفرس في بعض الطريق، فدفنوه مخافة أن تقص أثرهم فيُطمع فيهم، وذلك خارج قسطيليَّة ... فلما عدموا الفرس وقد ضعفت قوى عبد الرحمن، تعاون عليه ابنه يحمله تارة، ويحمله العبد أخرى ... فلما وصلوا حول واد (2) أجج، هو جبل منيع، قصده عبد الرحمن وتحصَّن به ... وسمع ابن الأشعث بذلك، فأقبل
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة 73.
(2) - ووردت عند أبي زكرياء: سوفجج، وهي منطقة جنوب تيهرت حسب تحقيق عوض خليفات، أمَّا إسماعيل العربي محقّق كتاب السيرة لأبي زكرياء فلم يعلّق عليها. انظر أبو زكرياء: السيرة (ط. الجزائر) 47، (ط. تونس) 76 هامش 9. عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضيَّة، عمَّان، الأردن، 1978، ص166. (2/526)
صفحة 534
مجدًّا معدًّا في طلبه، فأُخبِر بأنَّه في جبل منيع، حتَّى وصله فحاصر عبد الرحمن بن رستم ... فأطال المكث ... فرجع إلى القيروان وقد يئس من عبد الرحمن وأصحابه» (1).
إنَّ ابن رستم؟ إذن، في هروبه، اعترضته الصعاب وظلَّ سائرا بين القبائل الإباضيَّة، سالكا طريقا جنوبيا وعرا، يمرُّ بقسطيليَّة، فصحراء المغرب الأوسط من شرقها إلى غربها (2)، حتَّى وصل الجبل المنيع "جبل سوفجج" بإقليم تيهرت التي سوف تبنى، وهناك تحصن واستعدَّ لتقلُّبات الأيام.
في هذا الجبل والحصن الطبيعي، تجمَّعت جموع الإباضيَّة التي تقاطرت على عبد الرحمن والتفت حوله ورأت أنَّه رجل الساعة الذي سيحقِّق طموحات المغاربة ويؤسس الدولة التي يحتمون بها ويحلمون (3).
لقد عرف عبد الرحمن كيف ينجو من القتل، ثمَّ عرف كيف يحوِّل الهزيمة النكراء التي تلقَّتها الإباضيَّة على يد ابن الأشعث، إلى انتصار عسكريٍّ وسياسيٍّ من نوع آخر، وفي مكان آخر.
لمَّا كثرت الإباضيَّة من المغربين الأدنى والأوسط وتمركزوا في نقطة واحدة، رأوا ضرورة بناء مدينة يأوون إليها ويتحصَّنون بها بدلا عن الجبل، فلم يكونوا يثورون من أجل الثورة فيكون الجبل أحسن حصن وأدومه لهم، وإنَّما كانوا يثورون لأنَّهم كانوا يحملون مشروع تأسيس دولة وإقامة كيان سياسي عادل مستقلٍّ عن الشرق، لمَّا تأكَّدوا من جور بعض خلفاء المشرق وبعض عمالهم في المغرب، ومن هنا فكَّروا ابتداء في بناء مدينة تأويهم وتأوي فكرهم وتطلعاتهم.
__________
(1) - طبقات: 1/ 35 - 36.
(2) - دبوز محمَّد علي: تاريخ المغرب الكبير 3/ 255 وما بعدها.
(3) - بحاز: عبد الرحمن بن رستم 30. (2/527)
صفحة 535
ويبدو أنَّ الانطلاقة الفعليَّة لبناء هذه المدينة التي ستصبح عاصمة الرستميين، وعاصمة المغرب الأوسط فيما بعد، كانت في نهاية عام 155هـ وبداية عام 156هـ/772م (1) ثمَّ بنوها وأقاموا قواعدها وحصَّنوها، وسوَّروها، وكانت مدينة تيهرت التي أطنب الجغرافيون (2) في ذكر موقعها وخيراتها.
لقد تمَّ لهؤلاء ببناء تيهرت الرقعة الجغرافيَّة التي قصدها الإباضيَّة من المغرب كلِّه، حتَّى كان عام 160هـ/177م، عندما استأنس الإباضيون من أنفسهم قوَّة، ووجدوا أنَّهم يملكون كلّ دوافع إعلان إمامة الظهور، مثل العدد والعدَّة، والمكان الحصين، فنظروا فيمن يولُّونه الإمامة، فلم يجدوا أبرز من عبد الرحمن بن رستم الذي قاد هذه الأعمال العسكريَّة والسياسيَّة والحضاريَّة بنفسه، ثمَّ نظروا إلى تاريخه وسيرته الماضية، فقالوا: قد كان الإمام أبو الخطاب رضي لكم عبد الرحمن قاضيا وناظرا فقلِّدوه أموركم ... فأجمعوا رأيهم على ذلك ثمَّ نهضوا إليه بأجمعهم، وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام في ابتدائنا، ونحن الآن نرضى بك، ونقدِّمك على أنفسنا ... وألقوا إليه بأيديهم» (3) يبايعونه إماما لهذه الإمامة الإباضيَّة الثالثة التي كتب لها أن تستمرَّ طويلا بعكس سالفاتها اللاتي سقطن في ظروف سنوات معدودات.
إنَّ عبد الرحمن بن رستم عامل أبي الخطاب وقاضيه بالقيروان، أصبح بعد حوالي ستة عشر عاما من الجهود والأعمال العسكريَّة (4) والسياسيَّة أصبح إماما وقاضيا في مدينة هو بانيها، وفي دولة هو مؤسِّسها، لقد جمع بين الولاية والقضاء
__________
(1) - بحاز: الدولة الرستميَّة 81 - 85.
(2) - البكري: المغرب 168. المقدسي: أحسن التقاسيم 228.
(3) - ابن الصغير: أخبار 27.
(4) - وانظر عن مشاركة عبد الرحمن سنة 153هـ في حصار طبنة، وفشل الحصار وتعداد جيش عبد الرحمن المقدَّر بخمسة عشر ألفا. الرقيق: تاريخ 105. ابن عذاري: البيان 1/ 76 .. (2/528)
صفحة 536
في القيروان، ثمَّ جمع بين الإمامة والقضاء في تيهرت، وإنَّه بمجرَّد أن بُويع بالإمامة ووُلِّي «ما وُلِّي من أمور الناس شمَّر مئزره، وأحسن سيرته، وجلس في مسجده للأرملة والضعيف، ولا يخاف في الله لومة لائم» (1) إنَّها المهمَّة الأسياسية التي حارب من أجلها وركب الأهوال لتحقيقها: إنَّه العدل.
لقد حقَّق عبد الرحمن قاضي القيروان إذن ما لم يحقِّقه أحد من القضاة في بلاد المغرب، لقد أسَّس دولة وتولىَّ إمامتها إحدى عشرة سنة 160 - 171هـ/777 - 787م.
إنَّ هذه الدولة التي عرفت الاضطرابات السياسيَّة كما عرفت الاستقرار والرقيَّ، لم يخبرنا المؤرِّخون عن دور قضاتها في تلك الفتن الدمويَّة بخاصة منها تلك التي وقعت بتيهرت العاصمة والتي أطنب ابن الصغير في ذكرها وذكر تفاصيلها، ومع ذلك لم يشر إلى دور القضاة فيها. فهل حملوا السلاح؟ وفي أي جناح وقفوا؟ وضدَّ أي جناح حاربوا، فما دام مؤرِّخ الرستميين قد سكت عن هذه الأخبار فلا جدوى للبحث عنها في المصادر الإباضيَّة التي كثيرا ما أهملت تاريخ عاصمتها، واهتمَّت بالإقليم العسكري للدولة الرستميَّة، وحصنها المنيع "جبل نفوسة" وسيوف نفوسة.
إنَّ ابن الصغير قد ذكر أنَّ نفوسة «تلي عقد تقديم القضاة» (2). هذه العبارة شبه الغامضة، هل تعني أنَّ القضاة كانوا من نفوسة؟ وهو ما نعتقده على أكبر تقدير، فهذا يدلُّ على أن القضاة قد خاضوا في تلك المعارك بتيهرت بعد أن وقفت نفوسة موقفا حياديًّا لفترة طويلة تركوا الجند والعرب من جهة والعجم والرستميين من جهة أخرى يتقاتلون لوحدهم في تلك الفتنة التي عرفت بفتنة ابن عرفة، ولمَّا انحازوا إلى جانب الرستميين والعجم انضاف عنصر
__________
(1) - ابن الصغير: 28.
(2) - ابن الصغير: أخبار 54. (2/529)
صفحة 537
البربر إلى هؤلاء، فكانت الغلبة لهم في نهاية المطاف (1) فهل يحقُّ لنا أن نقول إنَّ القضاة النفوسيين بتيهرت لا يعقل أن يبقوا مكتوفي الأيدي ينظرون إلى المعارك الواحدة بعد الأخرى دون أن يشاركوا فيها وهم النفوسيون الذين قال فيهم الإمام عبد الوهَّاب «إنَّما قام هذا الدّين (الإمامة الإباضيَّة) بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة» (2)؟!
أمَّا في جبل نفوسة فقد احتفظت لنا المصادر على مشاركة أحد قضاتها البارزين في إحدى المعارك الكبيرة، التي تعتبر مخرجا حاسما في تاريخ جبل نفوسة خصوصا، وتاريخ الرستميين عموما، إنَّها معركة مانو سنة 283هـ/856م (3) بين نفوسة، وأبي العبَّاس بن إبراهيم بن أحمد الأغلبي الذي قتل منهم مقتلة عظيمة (4) وأسر منهم نحو ثلاثمائة (5) فكانت الواقعة التي فلَّ فيها حدُّ سيوف نفوسة، وفنيت فيها أبطالهم، وأريقت دماؤهم في البحر حتَّى غلبت حمرة الدم على الماء كما يذكر ذلك الشمَّاخي نقلا عن الرقيق (6).
إنَّ أبا العبَّاس لمَّا وصل بالأسرى إلى والده إبراهيم بن أحمد، وكان تحت وطأة مرضه المذكور الذي ألجأه إلى الإسراف في القتل «دعا بهم، فقرَّب إليه شيخاً منهم فقال له إبراهيم: "أتعرف علي ابن طالب؟ "، فقال له: "لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! " فذبحه إبراهيم، وشقَّ عن قبله وأخرجه بيده، وأمر أن يُفعل ببقيَّة الأسارى كذلك حتَّى أتى
__________
(1) - نفسه: 69 - 73.
(2) - أبو زكرياء: سير 150. الدرجيني 1/ 87.
(3) - يجعلها ابن عذاري سنة 284هـ. البيان 1/ 130.
(4) - ابن عذاري: نفسه 1/ 130.
(5) - عدد القتلى في مصادر الإباضيَّة 12 ألف منها أربعة آلاف من نفوسة وحدها، ومنهم 400 عالم. الدرجيني: طبقات 1/ 130.
(6) - الشمَّاخي: سير 268. الباروني: الأزهار 2/ 280. (2/530)
صفحة 538
على آخرهم، ونظِّمت قلوبهم في حبال، ونصَّبت على باب تونس» (1).
إنَّ هذه الرواية التي جاء بها ابن عذاري تفسر بعض أجزائها المصادر الإباضيَّة، فمن يكون الشيخ الذي مُثِّل بِهِ، وقتل تلك القتلة الشنيعة؟ إنَّه القاضي عمروس بن فتح!
تقول المصادر الإباضيَّة عن دوره في تلك المعركة إنَّه أبلى بلاء حسنا، وكان في آخر العسكر حمى الناس على فرس سابق، فجعلت له حبال لمَّا لم يتمكَّنوا من القبض عليه فعثر بِهِ الفرس وأخذ أسيرا، «ومضوا بِهِ إلى إبراهيم بن أحمد، فأشار إلى عمروس بأن يستعفي فيُعفى عنه، قال عمروس تلك كلمة لا يسمعها منِّي ... فجعلوا يقطعون أعضاءه فقطعوه أنملة فأنملة، فلمَّا وصلوا بالقطع إلى عضده استشهد رحمه الله» (2).
إنَّ القضاة بالمغرب الإسلامي، لم يقبعوا في المساجد لفضِّ المنازعات، وإحقاق الحقّ بين الناس فقط، وإنَّما ساهموا في مختلف المعارك التي خاضتها دولهم، ونال بعضهم فضل الشهادة، فإذا كان بعض قضاة المغربين الأدنى والأوسط قد ساهموا فعلا في الأحداث العسكريَّة، فلا ننس أنَّ قاضي المغرب الأقصى الوحيد المذكور بعاصمة الأدارسة «عامر بن محمَّد» إِنَّمَا قدم من المشرق متَّجها إلى الأندلس مرورا بفاس وذلك برسم الجهاد (3) ونيَّة الذوذ عن الإسلام في بلاد الأندلس إلاَّ أنَّ داعي العدل ناداه بفاس، ليتولَّى القضاء للأدارسة فكان جهاده من نوع الجهاد الأكبر.
__________
(1) - ابن عذاري: البيان 1/ 130.هل يعقل أن يحدث هذا؟ لعل في رواية ابن عذاري شيئا من المبالغة
(2) - الدرجيني: 1/ 83. الشمَّاخي: سير 229، 269. البغطوري: سيرة أهل نفوسة (مخ) 95.
(3) - ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني زهرة الآس 17 - 18. هل يُعقل هذا؟ لعل في روايته شيء من المبالغة! (2/531)
صفحة 539
المبحث الثالث
أثر القضاء في الحياة الثقافيَّة
إذا كان للقضاة، كما رأينا مساهماتهم في مختلف مجالات الحياة، فإنَّ مساهمتهم في المجال الثقافي والفكري هي الأهمُّ والأكبر والأدوم، لأنّ القضاة بالدرجة الأولى رجال علم وفكر، واختيروا للقضاء لأنَّهم زبدة رجال العلم والفكر، لا نجد تراجمهم إلاَّ في كتب السير وطبقات علماء إفريقيَّة أو مشايخ المغرب مِمَّا يعبِّر عن مركزهم الثقافي والفكري ابتداء.
لقد سبق (1) أن رأينا أنَّ العديد من القضاة في المغرب الإسلامي إن لم نقل كلّهم كانوا أصحاب مركز علميٍّ راق ارتقوا بِهِ إلى منصب القضاء الذي يعتبر أحد المناصب الثلاثة الأولى في الجهاز الإداري للدولة بعد الإمارة والوزارة، وهو المنصب الذي يشترط العلم والكفاءة العلميَّة وربَّما لا تشترطهما الإمارة والوزارة، لأنَّ هاتين بحاجة إلى السياسة والكياسة والدهاء والقوَّة العسكريَّة، والنفوذ أكثر من حاجتها إلى العلم، وما يحوم حول العلم.
لقد ساهم القضاة في المجال الثقافي الواسع أيّما مساهمة، نبدأها بمساهمتهم في نشر تعاليم الدّين الإسلامي، فالقاضيان عبد الله بن المغيرة القرشي، وعبد الرحمن بن عقبة الغفاري من فقهاء التابعين (2) وكذلك جعثل بن هاعان (3) قاضي الجند كلّهم كانوا يحظون بإجلال كبير، ومن المعروف أنَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز لمَّا أرسل التابعين العشرة أرسلهم ليفقِّهوا أهل إفريقيَّة، وهم الذين علَّموا الكثير من المغاربة أمر دينهم وحقيقة الحلال والحرام في الإسلام (4).
__________
(1) - انظر: المبحث الأوَّل من الفصل الأوَّل في الباب الثاني، vonderhyden: La berberie. p173 - 174.
(2) - هوبكنز: النظم 203 - 204.
(3) - الدباغ: معالم 1/ 202.
(4) - أبو العرب: طبقات 84 - 85. الدباغ: معالم: 1/ 198، 202، 210. (2/532)
صفحة 540
وفي صقليَّة يبدو أنَّ على عاتق القاضي وضع التعريف بالإسلام وتعميق مبادئه، وفهم شريعته بالنسبة لأهل صقليَّة (1) فالقاضي سليمان بن سالم القطَّان نشر بصقليَّة علما كثيرا، بل قيل إنَّه «عنه انتشر مذهب مالك بها» (2).
فإذا كان الدين الإِسلاَمِيّ هو الثمرة الباقية إلى اليوم منذ الفتوحات، فإنَّ للقضاة دورهم في الذبِّ عنه والدعوة إليه والالتزام بأحكامه في القضاء والفتوى، كما أنَّ هؤلاء القضاة هم الذين خلَّدوا المذهب المالكي في بلاد المغرب، كما ركَّزوا المذهب الإباضي وخلَّدوه ببعض ربوعه، وهم الذين جاؤوا بهما من مصدريهما بمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدينة البصرة بالعراق، وكذلك الأمر بالنسبة للمذهب الحنفي الذي كان له وجود بإفريقيَّة الأغلبيَّة.
إنَّ هذه المذاهب الثلاثة التي اصطبغت بصبغتها بلاد المغرب الإسلامي، لم يكن للدولة الدور الكبير في تنشيطها بقدر ما كان ذلك لجهاز القضاء، فهو الأكثر احتكاكا بالرعيَّة، وإليه تحتاج هذه الرعيَّة لتسيير أمورها وفضِّ نزاعاتها ومشاكلها، وتوضيح شؤونها المختلفة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة انطلاقا من هذا المذهب أو ذاك، ومن هنا أيضاً ارتبطت الرعيَّة بمذهب معيَّن وتعلَّقت بِهِ، وتحاكمت إلى قضاته بمقتضاه دون سواه. ومن هنا كانت تلك الصراعات المذهبيَّة التي طبعت الحياة الثقافيَّة بِكُلّ من دولتي الأغالبة والرستميين، ولا يستبعد عنها دولتي المدرارييين والأدارسة، لأنّ الفترة موضوع الدراسة، كانت فترة تركيز وتثبيت لبعض المذاهب دون سواها صالت فيها مذاهب الصفريَّة والإباضيَّة والمعتزلة والأحناف والمالكيَّة وجالت، ولم يبق منها في نهاية المطاف بعد غزو الشيعة للمنطقة إلاَّ المالكيَّة والإباضيَّة منتشرتان في ربوع المغرب، عملت كلّ واحدة منهما على إزالة التشيع وإقامة دولة المالكيَّة، أو دولة الإباضيَّة، فكان للمالكيَّة دولتها عبر القرون
__________
(1) - نوال تركي: التنظيمات 208.
(2) - عياض: تراجم 260 - 261. (2/533)
صفحة 541
وقضاتها الذين يذبُّون عنها، فعرفت امتداداتها الواسعة، وعرف المغرب الإسلامي بأنَّه بلاد المالكيَّة، واكتفت الإباضيَّة ببعض مناطق البربر، ورغم أنَّها لم تقم الدولة السياسيَّة التي تدافع عنها عسكريًّا، إلاَّ أنَّ منهج رجالها الفكري وصرامة حكَّامها القضاة في آن واحد أبقى للإباضيَّة وجودا معتبرا بهذه الربوع رغم العواصف السياسيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة التي أثَّرت فيها، ولكنَّها لم تقو على إزالتها لا لشيء إلاَّ لأنَّها اعتمدت الجانب الثقافي وليس السياسي للدفاع عن المذهب وردِّ شبهات المفترين عليه أوالمحاولين لإزالته بالقوَّة (1).
ومن مساهمات القضاء الثقافيَّة، والتي كانت أساسا للمذهبيَّة ببلاد المغرب تلك المجالس العلميَّة التي كان القضاة يعقدونها قبل وأثناء وبعد تولِّيهم منصب القضاء، ساهموا بها في الحياة الثقافيَّة لبلاد المغرب الإسلامي، وقد لام أحد العباد والزهَّاد سحنون بن سعيد لمَّا تولىَّ القضاء، وقال له «عهدتك وأنت معتن بنفسك تقرأ القرآن وتعلِّم الناس العلم وتفقِّههم في الدين ... » (2) فأجابه سحنون بأنَّه لم يتغيَّر من حياته بتولِّيه القضاء شيئًا «إنِّي لم أزل قاضيا منذ أربعين سنة» (3)، فليس القضاء بالذي يغيِّر حياة الفقيه، بل إنَّه يساهم في تزكية علمه ورفع شأنه، وقدوم الناس إليه للأخذ منه، ولا أدلَّ على ذلك مِمَّا قاله المالكي من أنَّ «الذين كانوا يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر مِمَّن يحضره من طلبة
__________
(1) - قال أحد علماء الإباضيَّة المعاصرين المرحوم الشيخ على يحي معمَّر « ... أنا على يقين في نفسي أنَّ المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة، ولا تتحطَّم بالحجَّة، ولا تتحطَّم بالقانون ... وإنما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف ... » انظر: الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة عند كتاب المقالات في القديم والحديث. مكتبة وهبة، القاهرة، ط1/ 1396 - 1976، ص5.
(2) - المالكي: رياض 1/ 424.
(3) - نفسه 1/ 425. (2/534)
صفحة 542
العلم» (1)، وكلهم كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض، فسحنون بن سعيد شيخ مشايخ المالكيَّة بالمغرب كانت له حلقات علمه (2)، التي حرص الطلبة على حضورها، ولذلك ترك تلاميذ فطاحل رفعوا مشعل العلم، ومنار المعرفة ببلاد المغرب والأندلس عاليا، فما أكثر تلاميذ سحنون، ولعلَّ أولَّهم ابنه محمَّد (202هـ -256هـ/817 - 869م) صاحب التآليف الكثيرة والآثار العلميَّة الباقيَّة (3)، ولعلَّ آخرهم هو عامر بن معاوية بن عبد المسلم بن زياد بن عبد الرحمن اللَّخمي، سمع من سحنون وتتلمذ عليه، وعلى غيره وتولَّى قضاء الجماعة بقرطبة في الأندلس (4)، ولا داعي إلى الاسترسال في هذا الصدد ويكفي الإشارة إلى أنَّ المالكي وضع الطبقة الخامسة من علماء القيروان وعبادها في ذكر أصحاب سحنون وتلاميذه لأنّ الله جمع «فيهم الفقه، والدين والورع والتواضع والزهد ... » (5).
ومثل سحنون ساهم القاضي سليمان بن عمران في الحركة الثقافيَّة ليس بإفريقيَّة فحسب وإنَّما أيضًا بالأندلس، إذ من بين تلاميذه، يذكر الخشني، أسلم بن عبد العزيز قاضي الجماعة بقرطبة تتلمذ على سليمان بن عمران عام 260هـ/873م (6).
وكان القاضي ابن طالب التميمي أحد تلاميذ سحنون شيخا وأستاذا لمؤرِّخنا أبي العرب التميمي صاحب كتاب «طبقات علماء إفريقيَّة وتونس» (7).
__________
(1) - نفسه 1/ 443.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 93 ـ 98.
(3) - انظر ترجمته: المالكي: رياض: 1/ 443 وما بعدها. القاضي عياض: تراجم 170 وما بعدها. الدباغ: معالم 2/ 122 وما بعدها.
(4) - الخشني: قضاة قرطبة 90.
(5) - رياض 1/ 442 - 443.
(6) - الخشني: قضاة قرطبة 90.
(7) - انظر: ترجمته في مقدِّمة محقِّق كتابه ص 23 وما بعدها، وانظر ص 198 هامش 4. (2/535)
صفحة 543
ويقول الدباغ إنَّه «لم يكن أحب إلى ابن طالب من المذاكرة في العلم» (1)، فكان يعقد لذلك مجالس الذكر والعلم يشرف عليها بنفسه، وكان للقاضي حماس بن مروان بن سماك الهمداني حلقة علم جلس فيها ابنه وجلس فيها بعض الأندلسيين للأخذ عنه (2).
إنَّ قضاة عصر الولاة وبعضا من قضاة الأغالبة كانوا رواة الحديث، عرفوا بالضبط واشتهروا بالثقة، ففضلا عن التابعين الثلاثة الذين سلف ذكرهم قبل قليل، فإنَّ القاضي أبا علقمة مولى عبد الله بن عبَّاس، وأبا كريب جميل بن كريب، وعبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم، وابن فروخ، وعبد الله بن عمر بن غانم، وأسد بن الفرات، وسحنون بن سعيد، وأبا محرز محمَّد بن عبد الله، وعبد الله بن سهل القبرياني كلّهم وُصفوا بالثقة في رواية الحديث (3).
فأبو كريب القاضي «كان رجلا صالحا ثقة مأمونا» (4) على حدِّ تعبير أبي العرب، أمَّا عبد الرحمن بن زيَّاد فكان «من جلَّة المحدِّثين منسوبا إلىلزهد والورع ... متفنِّنا في علوم شتِّى» (5)، وابن فروخ كان محدِّثا، «حافظا للحديث والفقه» (6) يعلِّم الناس العلم ويحدِّثهم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعتبر عبد الله بن عمر بن غانم، «أحد الثقات والأثبات» (7) كان فقيها ورعا له عقل وصيانة، وترك ولدا فقيها.
__________
(1) - معالم الإيمان 2/ 160.
(2) - المالكي: رياض 1/ 517. وانظر عن حماس، 2/ 118 وما بعدها.
(3) - الدباغ: معالم 1/ 218، 224، 230، 238، 288، 2/ 4 - 5، 29، 40، 112، 206.
(4) - أبو العرب: طبقات 217.
(5) - المالكي: رياض 1/ 152.
(6) - الدباغ: معالم 1/ 238 وما بعدها.
(7) - نفسه 1/ 288. (2/536)
صفحة 544
أمَّا القاضي أسد بن الفرات فيكفي أنَّ المالكيَّة والحنفية كليهما يعتبرانه أحد أعظم فقهائهم، ورغم الميول الحنفيَّة الظاهرة لدى أسد بن الفرات (1) فإنَّ أصحاب طبقات علماء إفريقية والقيروان المالكيَّة لم يستطيعوا أن يتخلَّوا عن هذا الحنفي المالكي فجعلوه مالكيا خالصا، وممَّا يُروى عن علمه وثقته وكفاءته في المذهبين معًا ويشير إلى نوعية مجالس العلم التي كان يعقدها، ومستواها العالي، أنَّه كان «إذا سرد أقاويل العراقيين (الأحناف) يقول له مشايخ كانوا يجالسونه مِمَّن يذهب مذهب أهل المدينة (المالكيَّة): أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله، فيسرد أقاويل أهل المدينة» (2)، لقد كان صاحب القنديلين معًا: علم الحنفية وعلم المالكيَّة، واستفاد منه الجميع في مجلس علمه، بخاصة وأنَّ الفترة التي عاشها أسد في القيروان ممكن اعتبارها مبكِّرة نوعا ما للصراع المذهبي الحقيقي الذي يبدو لي أنَّه بدأ مع القاضي سحنون بن سعيد في منتصف القرن الثالث الهجري، وليس قبل ذلك واستمرَّ بعده إلى ما بعد سقوط الأغالبة.
أمَّا الإباضيَّة فإنَّ علوم العقيدة والحديث والفقه والسير تروى عندهم ثقة عن ثقة، وهو ما عرف بـ: "سلسلة نسب الدّين" مصطلح إباضي مغربي خالص (3) حافظ عليه العلماء الإباضيَّة بالمغرب، واهتمُّوا بِهِ أيّما اهتمام، لأنَّه يعتبر الركيزة في حقيقة المذهب الإباضي وحقيقة رواته، وبالتالي هو الدليل عندهم أنَّهم الفرقة الناجية لأنَّها التي على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تبدّل، ولم تتأثَّر بالأهواء السياسيَّة تأثَّر غيرها من الفرق والمذاهب.
إنَّ المذهب الإباضي بفقهه والأحاديث المعتمدة عنده إِنَّمَا وصل بلاد المغرب عن طريق حملة العلم الخمسة «عبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي،
__________
(1) - عياض: تراجم 62.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 18. وانظر عن مذهب أسد بن الفرات. المجذوب: الصراع المذهبي 52 وما بعدها.
(3) - الشمَّاخي: سير 578. (2/537)
صفحة 545
وعبد الأعلى بن السمح المعافري وداود القبلي وإسماعيل بن درار الغدامسي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري عن جابر بن زيد الأزدي العماني عن عبد الله بن العبَّاس ... وعن عائشة أم المؤمنون ... عن جماعة من الصحابة، وقال (أي جابر بن زيد) رحمه الله لقيت سبعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إلاَّ البحر يعني ابن عبَّاس عن النبي عليه السَّلام عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح المحفوظ عن ملك الإلهام عن ربِّ العالمين» (1).
إنَّ هذه السلسلة المعنعنة تبرز بوضوح اسم قاضيين يعتبران مِمَّن حمل العلم وحفظه وعلّمه لمن بعده أخذه من الثقات وهو الثقة وأدَّاه للثقات فعبد الرحمن بن رستم قاضي القيروان في عهد إمامة أبي الخطاب واسماعيل بن درار الغدامسي القاضي بطرابلس في نفس ذلك العهد هما الثقتان اللذان جازت عليهما سلسلة نسب الدين عند الإباضيَّة.
وهناك سلسلة أخرى ضمَّت «سعد بن أبي يونس عن الإمام أفلح عن أبيه عبد الوهَّاب عبد أبيه عبد الرحمن عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عبَّاس عن النبيِّ عليه السلام ... » (2) فهؤلاء، المذكورون هنا كلّهم تولَّوا القضاء أو شيئًا من القضاء مع مهمَّة الولاية أو الإمامة (3)، مِمَّا يدلُّ على أنَّهم بعد أن أخذوا العلم عن متقدِّميهم جلسوا له لأدائه أمانة للذين جاؤوا من بعدهم فمتأخِّرهم أخذ عن متقدِّمهم وهكذا، وهو ما يؤكِّد مساهمة قضاة الرستميين في الحياة الثقافية لبلاد المغرب في هذه الفترة وفي هذا الميدان من المعرفة.
وتعتبر المناظرات الفقهيَّة والكلاميَّة التي كان يحضرها القضاة أو يعقدها القضاة من المساهمات الثقافيَّة الرائعة في الحياة الفكريَّة لبلاد المغرب، ولقد أخذت
__________
(1) - الشمَّاخي: السير 580 - 581.
(2) - نفسه 582.
(3) - انظر قائمة قضاة الرستميين بالولايات ملحق رقم 6. (2/538)
صفحة 546
قضيَّة خلق القرآن حيِّزا كبيرا من الفكر والمناقشات في بلاد المغرب الإسلامي إذ شغل المعتزلة أنفسهم وخصومهم بمختلف المسائل الكلاميَّة وأهمها تلك التي تبحث في طبيعة القرآن أهو مخلوق أم غير ذلك ومشهورة رواية ذلك المجلس الذي عقد بحضرة الأمير محمَّد بن الأغلب بن ابراهم، وجمعٍ من قواده وقاضيه عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي، وغيرهم وسئل فيه سحنون عن القرآن فكان جوابه ذكيا: «أما شيء ابتدئه من نفسي فلا، ولكنِّي سمعت من تعلمت منه، وأخذت عنه كلّهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق» (1)، هنالك ثارت ثورة القاضي المعتزلي، وقال محرِّضا الأمير على قتل سحنون: «كفر، فاقتله ودمه في عنقي ... » (2) إلاَّ أنَّ الدائرة فيما بعد دارت على القاضي المعتزلي، لأنَّه عزل ليتولَّى القضاء بعده سحنون بن سعيد المالكي.
ومن المعروف أنَّ تيهرت الرستميَّة هي الأخرى اهتزَّت مرارا بفعل فكر المعتزلة، فلا نستبعد أن يكون بعض قضاتها قد تجادلوا في هذه المواضيع التي نشط لها المعتزلة أيُّما نشاط (3). وكذلك الأمر بالنسبة للأدارسة الذين بنوا دولتهم وهم الشيعة بمساعدة المعتزلة وبالتنسيق معهم (4)، ثمَّ كان أوَّل قاض لهم مالكي المذهب إختاره إدريس الثاني من وفد العرب الذي قدم إليه والغريب أنَّه لم يختره من مذهب المعتزلة، وكانوا في عهده يصولون ويجولون ببلاد المغرب ربَّما لأنَّهم من البربر، وليسوا عربا في بلاد المغرب.
__________
(1) - عياض: تراجم 117.
(2) - نفسه 117.
(3) - ابن الصغير: أخبار 82. أبو زكرياء: السيرة 104 وما بعدها.
(4) - السنوسي: الدرر السنيَّة ص61. محمود اسماعيل: ملاحظات حول تاريخ الأدارسة مقال بمجلَّة الحياة الثقافيَّة. 8. وانظر نفسه: سوسيولوجيا الفكر الإسلامي ص 106 - 107. وانظر نفسه: مغربيات 127. (2/539)
صفحة 547
إنَّ المغرب الإسلامي في القرنين الثاني والثالث للهجرة عرف نشاطاً فكريًّا كبيرا نتيجة تعدُّد المذاهب، كثرت مناظرات تلك المذاهب فيما بينها (1)، وكان بعض القضاة يحضرون تلك المناظرات ويساهمون فيها، وكان ابن طالب القاضي «فطنا جيِّد النظر ... حريصا على المناظرة يجمع في مجلسه المختلفين من الفقهاء ويغري بينهم لقصد الفائدة. فإذاتكلم أجاد وأبان حتَّى يودَّ السامع أنَّه لا يسكت» (2). وفي مجلس عقده الأمير إبراهيم الثاني لامتحان القاضي ابن طالب بحضرة العلماء فأتي بالقاضي من السجن وسأله «فلم يسأله عن شيء مِمَّا كان قد عجز عن جوابه في الجمعة الماضية (أي في مجلس سابق) إلاَّ أجاب فيه بجواب صحيح في كلّ ما سئل عنه فأغتم إبراهيم لذلك، وأمر بردِّه إلى السجن ثمَّ عمل على قتله» (3). وقبل أن يقتله كان لعظم محنته وكثرة امتحاناته، قد ذهب أكثر عقله، وفهمه (4)، ومن المعروف أنَّ هذا القاضي كان ينافسه سليمان بن عمران يإيعاز من الأمراء الأغالبة في البداية، ثمَّ كلَّف محمَّد بن عبد الله بن عبدون القاضي بعد ذلك بمتابعة سلفه القاضي وامتحانه وحضور تلك المجالس المنعقدة من أجله، وكان ابن عبدون على المذهب الحنفي.
وإذا كانت متابعة القضاة الجدد للقضاة المعزولين سمة من سمات القضاء الأغلبي منذ ولاية سحنون بن سعيد، فإنَّه قبل ذلك كان اشتراك قاضيين في آن واحد في قضاء القيروان مدعاة للمناظرة ومجالسها برعاية من الأمير الأغلبي عادة، فزيادة الله بن الأغلب كان يجلس في مقصورته وإلى يمينه قاضيه أبو محرز، وعلى
__________
(1) - المالكي: رياض 2/ 70 وما بعدها.
(2) - الدباغ: معالم 2/ 159.
(3) - المالكي: رياض 2/ 68 - 69.
(4) - نفسه 68. (2/540)
صفحة 548
يساره قاضيه أسد يتناظران في قضايا الفقه وأحكامه، كالنبيذ المسكر حلال هو أم حرام إذ يذهب أبو محرز إلى تحليله، وأسد يذهب إلى تحريمه (1).
وعرف عمروس بن فتح النفوسي بغزارة علمه وكثرة مجالسه العلميَّة، وكان أعلم أهل زمانه (2) وفي مجلس من مجالسه في موسم الحجِّ إلتقى بمحمَّدٍ بن محبوب أحد علماء الإباضيَّة بالمشرق، وأحد قضاتها فالتقى القطبان على حدِّ تعبير الأستاذ فرحات الجعبيري، قطب المشرق مع قطب المغرب: قاضي المشرق مع قاضي المغرب (3) فأخذ عمروس يسأل وأصحابه يستمعون فسأل عن مسائل في الدماء فقال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم لا يعلن بِهِ في قوم عوام، وقال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب حتَّى نعود إلى المغرب، فلمَّا قدموا بلادهم لم يحفظ أصحابه شيئاً كثيراً وقام هو بِكُلِّ شيء بطرح السؤال والجواب عنه وأتى على تلك المسائل كلِّها (4) وأفاد بها كثيرا.
ومن الآثار الثقافيَّة الباقية للقضاة المخلَّدة لأعمالهم الشاهدة على علوِّ كعبهم في العلوم المعقول منها والمنقول على حدِّ سواء تلك المؤلفات والكتب التي خلَّفها قضاة هذه الفترة، وكانت خير معين للفقهاء فيما بعد ليضعوا كتبهم ويبوِّبوا الفقه أبوابه المعروفة، ولا بأس أن نبدأ هنا بالقاضي عمروس بن فتح قاضي جبل نفوسة أيام الإمام أبي اليقظان بن أفلح الذي يقول عنه محقِّق «كتاب أصول الدينونة الصافية»، «لقد نسب المؤرِّخون للشيخ عددا من المؤلَّفات منها الموجود ومنها المفقود
__________
(1) - المالكي: 1/ 288. وانظر صفحات 278، 279، 280.
(2) - الدرجيني: طبقات. 2/ 320 - 321.
(3) - فرحات الجعبيري: علاقة عمان بشمال إفريقيا، محاضرة مرقونة (نسخة بحوزتي). ص 14 - 17.
(4) - الدرجيني: 2/ 324. (2/541)
صفحة 549
منها المكتوب، ومنها الذي بقي في الخاطر أمنية غير محققة ... » (1) ثمَّ جاء المحقِّق بعناوين الكتب التي ذكرت للقاضي عمروس بن فتح (2) ومنها:
- كتاب (العمروسي) الذي أجاب بِهِ شيخاً إباضياً من فزان يعرف بعبد الخالق الفزاني، واعترف له هذا الأخير بقدرتة وكفاءته (3).
-كتب ذكرها أبو زكرياء في الأصول والفقه وقال «له كتب في الأصول والفقه» (4) هكذا باختصار.
-كتاب أعلام الملَّة وكتاب الحكم والمعارف وكتاب «الدينونة الصافية» (5)، وله أيضًا كتاب في «الردِّ على الناكثة، وأحمد بن الحسين».
إنَّ هذين الكتابين الأخيرين «الدينونة الصافية»، «والرد على الناكثة وأحمد بن الحسين» يذكر الدكتور عمرو خليفة النامي أحد الباحثين في التراث الإباضي، أنَّه لم يبق لنا من تراث ومؤلَّفات القاضي عمروس بن فتح إلاَّ الكتابين المذكورين لا غير، ويخبرنا بوجود صور لهما لديه (6).
وأهم كتاب على الإطلاق همَّ عمروس بوضعه إلاَّ أن استشهاده بمعركة "مانو" حال دون ذلك هو عزمه على وضع تصنيف يفصل فيه بين الأحكام
__________
(1) - مقدِّمة محقق كتاب عمروس بن فتح: كتاب أصول الدينونة الصافية تح حاج أحمد بن حمو كروم. مطبوعة على الكومبيوتر. (نسخة بحوزتي) ص 24.
(2) - نفسه ص 24 - 26.
(3) - الشماخي: سير 229. وانظر كتابنا: الدولة الرستميَّة 327.
(4) - أبو زكرياء: السيرة. ط تونس. ص 145. وانظر: ط الجزائر بتحقيق اسماعيل العربي يذكر أبو زكرياء كتابان لعمروس في الأصول والفقه، ص99.
(5) - مقدِّمة المحقِّق عبد الرحمن بكلِّي لكتاب قواعد الإسلام للجيطالي أبي طاهر اسماعيل بن موسى، المطبعة العربيَّة. غرداية الجزائر. ط1. 1976، 1/ 12. هامش1، بحَّاز: الدولة الرستميِّة 327.
(6) - مقدِّمة المحقِّق على كتاب أبي خزر يغلى بن زلتاف: كتاب الرد على جميع المخالفين، مطبوعة على الكومبيوتر. صفحة ي. (2/542)
صفحة 550
المستخرجة من كتاب الله والتي من السنة النبويَّة ثمَّ التي من الرأي أو الإجماع (1)، وكتب كهذه لو قدِّر لعمروس وضعها لكان من السبَّاقين في هذا المجال عند الإباضيَّة وهذا لايمنع سبقه بالفكرة التي ستتحقَّق في السنوات التالية.
ومن المعروف أن عمروس هو الذي احتفظ بكتاب المدوَّنة لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني، وذلك لأنَّه استنسخه لمَّا مَرَّ الخرساني بجبل نفوسة، وأودع نسخة من كتابه لدى عمروس ولمَّا رجع من تهيرت اكتشف استنساخ كتابه دون، إذنه ولامَ عمروسا على ذلك بعض اللوم إلاَّ أنَّ هذه النسخة هي التي بقيت معتمدة بعد أن أصاب نسخة تيهرت ما أصاب من حرق وإتلاف عند دخولها من قبل الشيعة الفاطميين (2) في 6 شوال سنة 296هـ/909م.
أمَّا عبد الرحمن بن رستم قاضي القيروان (140 - 145هـ) ثمَّ إمام وقاضي تيهرت الرستميَّة فإنَّ المصادر الإباضيَّة تَنسُب إليه كتابين أحدهما في التفسير تنافست الإباضيَّة الوهبية، والنكارية على اقتنائه وبيع في بعض أسواق قلعة بني حماد بالمغرب الأوسط (3) إلاَّ أنَّ البرَّادي في القرن العاشر الهجري يؤكِّد أنَّ هذا التفسير «يذكرونه ولم ير» (4).
والكتاب الثاني لعبد الرحمن ذكره أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني وقال بأنَّه وقف على خطبة للإمام كان خطب بها يوم جمعة في كتاب ذكر فيه
__________
(1) - الدرجيني: طبقات 2/ 321، الوسياني: سير (مخ) ق3 وانظر كتابنا: الدولة الرستمية. 306 - 307، 326 - 327.
(2) - الدرجيني: طبقات 2/ 323.
(3) - الدرجيني: طبقات 2/ 471. الوسياني: سير (مخ). ق72 - 73.
(4) - البرَّادي: ملحق كتب الإباضيَّة بكتاب الموجز لأبي عمَّار عبد الكافي تحقيق د. عمار طالبي. 2/ 289. وانظر: علي يحي معمَّر: الإباضيَّة في الجزائر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1395هـ/ 1979. ص 64. (2/543)
صفحة 551
خطبه - رضي الله عنه - (1)، أي أنَّ هذا الكتاب كتاب خطب، والجدير بالذكر أن ابن الصغير (2) يذكر أنَّه لم يكن لعبد الرحمن بن رستم كتاب معروف من تأليفه بعكس ابنه عبد الوهَّاب الذي ترك كتاب «مسائل نفوسة الجبل» (3).
إنَّ عبد الوهَّاب الذي تولىَّ إمامة الدولة بعد ابيه، وجلس في المسجد هو الآخر يحكم بين الناس، وقضى كذلك بجبل نفوسة لمَّا أقام به عددا من السنين، كلّ هذا مع علمه الواسع جعل بعض مشايخ نفوسة يكتبون إليه في مسائل أشكلت عليهم فأجابهم عن كلّ مسألة. يقول ابن الصغير: «وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضيَّة مشهوراً عندهم معلوما يتداولونه ... فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه» (4)، ومن المعلوم أنَّ هذا الكتاب لا يزال موجودا، قام بتحقيقه الشيخ إبراهيم طلاي، وطبعه ونشره (5).
إنَّ هذه الكتب التي ساهم بها بعض قضاة الإباضيَّة تعتبر الأساس الأوَّل للتأليف الفقهي عند الإباضيَّة، ثمَّ إنَّ اجتهاداتهم وأحكامهم التي لم يؤلِّفوا لها كتبا بخاصة، لم تهمل، وإنَّما احتفظت بها كتب الفقه التي ستؤلَّف في القرون الموالية، وإذا كان القاضي "محكّم الهواري" لم يذكر له المؤرِّخون كتابا، فإنَّهم أطنبوا الحديث عن تفسير ابنه هود الذي يقع في «سفرين كبيرين» (6) وهو كتاب جليل لم يتعرَّض فيه للنحو والإعراب بل على طريقة المتقدِّمين (7)، ويعتبر التفسير الأقدم
__________
(1) - أبو يعقوب الورجلاني: الدليل لأهل العقول، المطبعة البارونية بطالون مصر. طبعة حجريَّة 1306هـ 2/ 13 - 14، 3/ 117 - 118.
(2) - ابن الصغير: أخبار. 39.
(3) - نفسه: 39.
(4) - نفسه: 39. وانظر البرَّداي: الجواهر المنتقاة 219.
(5) - انظر: المبحث الخاص بالمصادر والمراجع، عرض وتحليل في بداية هذا البحث.
(6) - البرَّادي: الجواهر المنتقاة 219.
(7) - الشمَّاخي: سير 381. (2/544)
صفحة 552
الذي لا يزال موجودا بين أيدي الناس إلى يومنا هذا حافظت ببعض نسخه مكتبات وادي ميزاب (1)، ويذكر الأستاذ باجية صالح (2) أنَّه هو التفسير المعتمد لدى الإباضيَّة في العصر الوسيط.
وقد عمل الأستاذ شريفي بلحاج على تحقيقه وضبط نصوصه وخرج ببعض الملاحظات التي أودعها في تقديمه تنم عن العلاقات الثقافيَّة الواسعة التي كانت بين علماء إفريقيَّة وعلماء المغرب الأوسط من جهة، ومن جهة أخرى تؤكِّد أنَّ هود بن محكّم الهواري اعتمد على عالم من إفريقيَّة في تفسيره ذاك (3).
والجدير بالذكر كذلك أنَّ أبا يعقوب يوسف الوارجلاني يعتبر عبد الرحمن من العلماء الذين أطلقوا الخناق، وأوسعوا الرباق، أوسع للأمة في دينها (4) ففتاويه وأحكامه منثورة في كتب الفقه الإباضيَّة بثكرة مثله في ذلك مثل ابنه عبد الوهَّاب الذي أكثرت المصادر بذكره، ليس الفقهيَّة فحسب بل التاريخيَّة كذلك.
أمَّا القاضي عمروس بن فتح، فإنَّ الدرجيني يعتبره منقذ المذهب الإباضي من الزوال لأنَّه ألف تلك المؤلَّفات المذكورة له، ونسخ مدوَّنة أبي غانم الخراساني، فهو «الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ... وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس، وعفر أثره واندرس ... » (5).
__________
(1) - بحَّاز إبراهيم: الدولة الرستميَّة 301 هامش 10.
(2) - الإباضيَّة بالجريد، ص55.
(3) - شريفي بلحاج: التفسير ومناهجه عند علماء الإباضيَّة محاضرة ألقيت في ملتقى الفكر الإسلامي، الجزائر العاصمة، أوت 1981 (مطبوعة) ص10. وانظر هود بن محكّم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز تح. بلحاج بن سعيد عدون شريفي. دار الغرب الإسلامي، بيروت ط1، 1990. مقدِّمة المحقِّق. وانظر: كتاب الدولة الرستمية. 302 هامش 16. وانظر Claude Gilliot: Le commentaire coranique de Hud b. Muhakkam مطبوعة في 40 صفحة (نسخة بحوزتنا).
(4) - الوارجلاني: الدليل 2/ 18.
(5) - الدرجيني: طبقات 2/ 320. (2/545)
صفحة 553
لقد كان لبعض قضاة الرستميين دورهم البارز في إثراء الفقه الإباضي إذ يعتبرون من الأوائل الذين حملوا المذهب في المغرب وساهموا في تطبيق أحكامه على أرض الواقع، وأخذ عنهم الخلف اقتداء بهم، وهم السلف، فكانت إذن فتاويهم، واجتهاداتهم وأحكامهم في العديد من النوازل، والعديد من المجالس القضائية، أساس التدوين الفقهي، وتلك مساهمة عظيمة لفقهاء هذه الفترة عموما وقضاتها خصوصا، وقد جمع الشيخ أبويعقوب الوارجلاني العديد من تلك الأحكام والإجتهادات في كتابه: «الدليل لأهل العقول» بخاصة (1).
أمَّا في إفريقية عصر الولاة والأغالبة، فإِنَّ الحياة الثّقافية المزدهرة، التي عاشتها خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، كان فيها للقضاة مساهمتهم الفعالة وآثارهم الباقية على مرّ السنين والقرون، حيث ألّفوا كتبا عديدة في مختلف فروع المعرفة الفقهيَّة، فالقاضي عبد الله بن فروخ ألّف في الرّد على من أسماهم بأصحاب البدع، إلاّ أنّ الإمام مالك أرسل إليه يحذّره: «إنّك إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل وتهلك أو نحو ذلك، لا يرد عليهم إلاّ من كان عالما ضابطا، عارفا بما يقول لهم ... ، أمَّا غير ذلك فإنِّي أخاف أن يكلّمهم فيخطئ فيمضوا في خطئه ... ، ويزدادوا تماديا على ذلك» (2) ولا ندري ما فعل ابن فروخ بما كتبه من الرّدود والظاهر أنَّه توقف طاعة لإمام المذهب.
أمَّا القاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم، فإِنَّ سحنون بن سعيد قال فيه وفي أمثاله: كان العلماء في إفريقية يموتون ويبقى العلم في صدورهم، لا يسألون أهل إفريقية عن علمهم ومثل ذلك عبد الرحمن بن زيَّاد، بقي العلم في صدره، لا ينتشر عنه ولا يعرف، إلاّ أنّ أبا العرب يؤكد قائلا: « ... إنّما وجدنا عنه كتابين
__________
(1) - بحاز ابراهيم: الدولة الرستمية 321. وانظر هامش108.
(2) - أبو العرب: طبقات 110. (2/546)
صفحة 554
فقط ... ورواهما عنه عبد الله بن غانم القاضي وغيره. ما علمت أنَّه انتشر عنه العلم غير كتابين.» (1).
فهل يقصد أبو العرب هنا بالكتابين: تأليفين أم يتحدث عن رسالتين؟. المهم، أنّ هذا القاضي ترك علما واسعا يُنتفع بِهِ منه هذان الكتابان.
وألّف أسد بن الفرات كتابه: «الأسدية» في الفقه، أخذ مادته عن عالم مصر، عبد الرحمن بن القاسم (2)، تلميذ الإمام مالك - رضي الله عنه -، ولمَّا جاء بها إلى المغرب، انكبّ عليها المغاربة يأخذون منها، وكان المصريون قبل ذلك رغبوا في الاستفادة منها واستنساخها (3)، ويذكر أنَّه حصلت بذلك لأسد في القيروان رئاسة، ومع كلّ هذه الأهميَّة، إلاَّ أنَّ هذا الكتاب «الأسديَّة» لم تدم أهميته طويلا، ولا الاستفادة منه، لأنّ، سحنون بن سعيد أحد تلاميذ أسد بن الفرات، استطاع أن يبز أستاذه ومربيه (4)،ويفوز بالسبق، فقد سافر هو الآخر إلى مصر، وجلس يستمع إلى نفس الشيخ الذي أخذ عنه أسد، وهو عبد الرحمن بن القاسم، ولكنَّه كان هذه المرَّة يعرض كتاب «الأسدية» على الشيخ، بعد أن بلغ في العلم قمَّته ودقَّق في المسائل تدقيقا، ومن هنا كتب سحنون «مدوَّنته» وكانت أكثر ضبطا، وأعمق فكرا، ولمَّا فرغ منها كتب له شيخه إلى تلميذه الأوَّل أسد بن الفرات يأمره أن يردَّ كتابه «الأسدية» على «مدوَّنة» سحنون، إلاَّ أنَّ تلاميذ أسد أشفقوا على شيخهم فقالوا له: لا تفعل فإنَّك أسبق، أدركت مالكاً وأبا يوسف فإن فعلت ساد عليك سحنون، فلم يفعل ما قاله له شيخه «وتمسَّك بكتابه الأسدية، ونشر مذهب أهل العراق، وتمسَّك
__________
(1) - نفسه: 100.
(2) - عن ترجمة عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد انظر المدوّنة الكبرى 6/ 470 - 471.
(3) - عياض: تراجم 58 - 59.
(4) - نفسه: 60. (2/547)
صفحة 555
سحنون بمدوّنته التي قدم بها، ونشرها وسمعها عليه أهل المغرب، وانتشر ذكرها في الآفاق، وعوَّل الناس عليها، وأعرضوا عن الأسدية ... » (1).
إنَّنا أمام تأليفين مهمَّين (2) لقاضيين كبيرين من قضاة القيروان في العصر الأغلبي، فإن كانت الأسدية قد أنكرها القرويون، لأنَّها جاءت «بأخال» و «أظنُّ» و «أحسب» (3)، ولم تأت بالعلم القطعي في نظر فقهاء القيروان آنذاك، فإنَّ المدوّنة الكبرى لسحنون بن سعيد نالت الحظوة العظمى، وارتقت مراقي عالية، واعتبرت الأساس الفقهي لمذهب مالك في المغرب الإسلامي خصوصا وعند المالكيَّة عموما.
لقد اقتصر الناس على التفقُّه في كتب سحنون «المدوَّنة» «ونظر فيها سحنون نظرا آخر، فهذَّبها وبوَّبها ودوَّنها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيَّل أبوابها بالحديث والآثار إلاَّ كتباً منها متفرِّقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون المدوَّنة والمختلطة، وهي أصل المذهب المرجَّح روايتها على غيرها عند المغاربة، وإيَّاها اختصر مختصروهم وشرح شارحوهم وبها مناظرتهم ومذاكرتهم» (4).
إنَّ هذا الكتاب الذي ألَّفه سحنون ذو الأهميَّة الكبرى عند المالكيَّة، أفرغ الرجال فيه عقولهم وشرحوه وبيَّنوه حتَّى قيل: «إنَّ المدوَّنة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن تجزي قراءتها في الصلاة من غيرها، ولا يجزي غيرها منها» (5) فهي تأتي
__________
(1) - المالكي: رياض 1/ 263. عياض: تراجم 60 وما بعدها.
(2) - نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي، أطروحة، 473 وما بعدها.
(3) - عياض: تراجم 59 - 60.
(4) - عياض: تراجم 60 - 61.
(5) - نفسه 61. (2/548)
صفحة 556
في المرتبة الثالثة بعد كتاب الله العزيز وموطَّإ مالك (1)، فلا تجد مصدرا فقهيا مالكيا إلاَّ واعتمد عليها ولا بدَّ، فلا غرو أنَّ التأليف المذهبي في المغرب الإسلامي، بدأ في هذه الفترة بالذَّات، وكان للقضاة فيه نصيبهم الأوفى.
إنَّ هذا التأليف الضخم للقاضي سحنون وذلك التأليف الآخر للقاضي أسد بن الفرات، وضع كلاًّ من الرجلين القاضيين في مصاف الفقهاء الأوائل الذين نظَّروا للمذهبين المالكي والحنفي (2)، فإن كُتب البقاء لمدوَّنة سحنون، لأنَّها الأشمل والأضبط، ونال بها رئاسة المالكيَّة في المغرب الإسلامي، فإنَّ أسد بن الفرات بعد ذلك «مال إلى كتب أبي حنيفة فرواها وسمعها منه أكثر الكوفيين يومئذ، ومال إليهم» (3). ويبدو لي أنَّه بذلك نال هو الآخر رئاسة الأحناف في المغرب الإسلامي، فهو إمامهم وشيخهم الأوَّل ويكفي مساهمة له في الحياة الثقافيَّة أنَّه كان له فضل السبق في تأليف أسديته، برواية ابن القاسم عن مالك، لقد كان فعلا بحرا من بحور العلم على المذهبين المالكي والحنفي، أخذ العلم عن الإمامين أبي حنيفة ومالك مباشرة، وهو صاحب القنديلين كما سبق أن أشرنا، يفيض علمه الحنفي، حتَّى يقال له أوقد القنديل الثاني فيفيض علمه المالكي على تلامذته ... ولا
__________
(1) - عن هذه المدوَّنة انظرها منسوبة للإمام مالك 06 مجلَّدات، طبعة دار صادر، بيروت، ط الأوفست عن طبعة دار السعادة، مصر 1323هـ/1905م الغريب أن تنسب المدوَّنة للإمام مالك، وقد ألِّفت بعده بسنين عديدة لم يفكِّر فيها مالك ولم يأمر بها ولم يطَّلع عليها، فالمدوَّنة للقاضي سحنون بن سعيد بلا منازع، وإن نسبها البعض للإمام مالك، قصد تثمينها وتزكيتها، وهي الثمنية والمزكَّاة بنسبتها للإمام القاضي سحنون بن سعيد مؤلِّفها الحقيقي. وممَّا يدلُّ على أنَّ المدوَّنة للقاضي سحنون، وليست للإمام مالك - رضي الله عنه - دلالة قاطعة، هو أنَّ القاضي عياض لم يذكرها ضمن تآليف مالك. انظر ترتيب المدارك، 1/ 204 - 207.
(2) - نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي، أطروحة، 473 وما بعدها. وعن الكتابين انظر حسن علي حسن: الحياة الدينيَّة في المغرب (القرن الثالث الهجري)، بلا مكان وتا. الطبع، 205 - 211.
(3) - عياض: تراجم 62. (2/549)
صفحة 557
يزال يحض على العلم، ويجلس له حتَّى أخريات حياته؛ ألم يقل في ذلك المحفل المهيب وهو يودِّع إفريقيَّة نحو صقليَّة فاتحا مجاهدا ما «بلغت ما ترون إلاَّ بالأقلام فأجهدوا أنفسكم فيها، وثابروا علىتدوين العلم تنالوا به الدُّنيا والآخرة» (1).
كأني بالقاضي أسد بن الفرات هنا وهو يحضُّ على تدوين العلم في بداية القرن الثالث الهجري ببلاد المغرب يضع اللبنات الأولى لهذه المكتبة المغربيَّة الإسلاميَّة الضخمة، التي تزخر بالمؤلَّفات المذهبيَّة وغير المذهبيَّة، الدينيَّة وغير الدينيَّة، أليس بالعلم وتدوينه تنال الدُّنيا والآخرة؟
لقد نالهما القاضي أسد ووجد ـ على ما يبدو ـ في هذه المرحلة الجهاديَّة متنفَّسا عن محنة «الأسدية» التي أهملها القرويون بميلهم إلى المدوَّنة، وبديلا عن شهرة الأسدية إلى شهرة الجهاد، والفتح وفي كلٍّ خير، وفي كلٍّ مساهمته وآثاره الباقية.
وللقاضي التميمي عبد الله بن أحمد بن طالب المالكي «كتاب في الردِّ على من خالف مالكا، وثلاثة أجزاء من أماليه» (2) ثمَّ يضيف القاضي عياض بعد ذلك «وله تآليف في الردِّ على المخالفين من الكوفيين، وعلى الشافعي» (3).
ويذكر المقري نقلا عن «رسالة ابن حزم في فضل الأندلس» مؤلَّفا للقاضي أبي العبَّاس محمَّد بن عبدون القيرواني الحنفي (ت297هـ/910م) في «الشروط» كما أنَّ له اعتراضا على الشافعي رحمه الله (4).
__________
(1) - عياض: تراجم 67، النبهاني: قضاة الأندلس 54.
(2) - عياض: نفسه 209.
(3) - نفسه 209 يبدو أنَّ هذه الكتب لم تعد موجودة الآن. وانظر أبو العرب: طبقات 198 هامش 4، وارجع إلى المقري أحمد بن محمَّد: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تح. إحسان عبَّاس، دار صادر، بيروت، 1388هـ/1968م، 3/ 166.
(4) - المقري: نفح الطيب 3/ 166. وانظر: حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 1/ 265 - 266. (2/550)
صفحة 558
أمَّا سليمان بن سالم الكندي قاضي صقليَّة (281هـ ثمَّ عزل)، فكان «كثير الكتب» «وله تأليف في الفقه يعرف بالسليمانيَّة مضاف إليه» (1).
ومثلما ساهم هذا القاضي المالكي من قضاة الأقاليم، فكذلك ساهم القاضي أبو المهلَّب هيثم بن سليمان الحنفي المذهب (ت275هـ/288م) قاضي تونس على عهد سليمان بن عمران الحنفي بكتابه الذي لا يزال بين أيدي الناس إلى يومنا هذا وهو الكتاب الوحيد في فنِّه بالمغرب الإسلامي «أدب القاضي والقضاء»،ويقول محقِّقه الدكتور فرحات الدشراوي إنَّه « ... لم يصل إلينا منه إلاَّ هذا الجزء الرابع فقط ... » (2)، لقد كان إذن كتابا ضخما ينمُّ عليه هذا الجزء الذي بقي على قيد الحياة.
والحقيقة أنَّ الحنفية وتراثهم قد أُهملوا إهمالا فاحشا بإفريقيَّة لم يحافظوا على مآثرهم هم أنفسهم ربَّما بانضوائهم تحت لواء المذهب الشيعي، عندما قامت دولة الفاطميين انتقاما من المالكيَّة على ما يبدو، وكان في ذلك حتفهم، ثمَّ إن أصحاب كتب التراجم الإفريقيين، مثل أبي العرب والخشني والمالكي والقاضي عياض، والدبَّاغ، وابن ناجي أغفلوا ذكرهم، كما يقول الدكتور فرحات الدشراوي، وذكر المدرسة الحنفيَّة بإفريقيَّة، فهي «لا تقلُّ أهميَّة عن المدرسة المالكيَّة إلاَّ أنَّها قد غبنها أصحاب كتب التراجم ... فأغفلوا ذكر رجالها إلاَّ من ندر حتَّى ذهب الظنّ ببعض الباحثين مذهب التهاون بمنزلة الفقهاء الحنفيين، ودورهم في الحياة الفكريَّة ... » (3) ومن هنا كان إقصاء الحنفية وضمور فكرهم وتراجم رجالهم بإفريقيَّة.
__________
(1) - الدباغ: معالم 2/ 206.
(2) - أبو المهلَّب: أدب القاضي، مقدِّمة المحقِّق 10.
(3) - نفسه: مقدِّمة المحقِّق 7. وانظر فرحات الدشرواي: كيف صار القاضي النعمان فقيه الدولة الفاطمية بالمغرب، مقال في ملتقى القاضي النعمان للدراسات الفاطمية، الدورة الثانية، منشورات الحياة الثقافية لوزارة الشؤون الثقافية، تونس، 1977م. (2/551)
صفحة 559
والحقيقة أنَّنا نعتقد أن لقضاة الحنفية المزيد من المؤلَّفات، وإن لم تذكرها المصادر للأسباب التي سلف ذكرها ثمَّ إنَّ مصادر الطبقات والتراجم في إفريقيَّة إِنَّمَا وضعت المالكيَّة أصحابها خصِّيصا لتراجم المالكيَّة وطبقاتها، ولهم ذلك، ومن هنا حمَّلنا المسؤوليَّة الكبرى للحنفية أنفسهم لماذا لم يتركوا أو بالأحرى لم يحافظوا لنا على كتاب واحد على الأقلِّ في تراجم رجالهم وطبقات مشايخهم بالمغرب الإسلامي؟
الخلاصة إنّ تآليف القضاة في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) تعتبر من التآليف الأولى ببلاد المغرب، وكلّ من جاء من بعدهم إِنَّمَا نسج على منوالهم، ويعتبر عالة عليهم، فقضاتنا إذن من الفقهاء الذين أكملوا جهد المحدثين بفقه الواقع وضبطوا أعمالهم وأحسنوا تنسيقها على أبواب الفقه، ويسَّروا الإفادة منها، ومن ثمَّ يصدق فيهم بالذَّات ما قاله الشيخ محمَّد الغزالي من أنَّ الفقه والفقهاء قادوا «حضارتنا التشريعيَّة في أغلب العصور» (1)، وهل القضاة إلاَّ فقهاء؟
إنَّ آثار القضاة الثقافيَّة ببلاد المغرب من الكثرة بحيث لا نكاد نحصيها، فقد كانوا هم الذين اختاروا قراءة نافع برواية ورش (2) في تلاوة المغاربة للقرآن الكريم، فهذا القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب تلميذ سحنون كان «أيَّام قضائه أمر ابن برغوث المقرئ بجامع القيروان ألاَّ يُقرئ الناس، إلاَّ بحرف نافع» (3)، هذه القراءة التي لا تزال هي المفضَّلة عند المغاربة إلى يومنا هذا مالكيَّة وإباضيَّة ومصاحفهم كلّها برواية ورش عن نافع.
__________
(1) - محمَّد الغزالي: هموم داعية، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، ص20.
(2) - عن هذه القراءة انظر القرآن الكريم طبع المؤسَّسة الوطنيَّة للفنون المطبعيَّة، الرغاية، الجزائر 1994. ص: أ. وانظر ابن خلكان: وفيات، 5/ 368 - 369. المقدسي: أحسن التقاسيم، 236.
(3) - عياض: تراجم، 213. علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، 42 - 43. (2/552)
صفحة 560
ولقد ذكرنا محاربة القضاة للزنادقة الذين يريدون تشويه الدّين (1) وضربهم لمن ينتقص العلماء، فالقاضي أسد بن الفرات ضرب شيخا من شيوخ إفريقيَّة معروفا بالعلم ومعرفة الحديث لمَّا شهد عليه عنده في وقت ولايته القضاء أنَّه انتقص عبد الرحمن بن القاسم «فضربه على ذلك ضربا عظيما ... » (2).
وبت أحد القضاة في نزاع حول كتاب تفسير هود بن محكم الهواري، وقع بين رجلين، وكادت أن تنتقل المنازعة إلى قبيلتيهما، وتصاف الفريقان، وكاد أن يقع الشرّ بينهم فلمَّا رأى ذلك أبو محمَّد جمال المدوني انتزع المصحف من بينهم فقسمه نصفين وأعطى لكُلٍّ نصفا، وقال من شاء منكم الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته فاصطلح الفريقان وافترقا على خير (3).
أمَّا القضاء والشعر في بلاد المغرب فإنَّه يختلف اختلافا كبيرا عمَّا هو عليه في بلاد المشرق في تلك العهود، فلقد ذكر المؤرِّخون الكثير من الأشعار قيلت في هذا القاضي مدحا أو قيلت في ذلك ذمًّا وتهكُّما وهجاء (4)، وهذا يدلُّ على اهتمام الشعراء بالقضاء والقضاة، في شؤونهم الخاصة وفي عدلهم وجورهم، بل إنَّ من القضاة أنفسهم في المشرق الإسلامي، من قال الشعر ووضع له الدواوين، وما أكثرهم (5).
ويبدو لي أنّ الشعر في المشرق العربي موهبة وسجيَّة، وهم العرب الأقحاح، في حين نجد المغرب الإسلامي بلاد البربر، وإن سكنه العرب الوافدون منذ
__________
(1) - عياض: 213.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 264.
(3) - أبو زكرياء: سير 359 - 360. الدرجيني: طبقات، 2/ 345 - 346. الشماخي: سير، 290. وعن أبي محمَّد جمال انظر ترجمته الدرجيني 2/ 345 - 349.
(4) - الكندي: قضاء مصر، أغلب الصفحات. ابن قتيبة: عيون الأخبار، 1/ 60 - 82.
(5) - عصام شبارو: القضاء والقضاة، 179، 183 - 189. (2/553)
صفحة 561
الفتوحات الأولى، فإنَّهم كانوا عرب جهاد واجتهاد فقهي، وليس شعر وشعراء، نقول هذا عن إفريقية، حيث كثافة العرب، بعكس المغربين الأوسط والأقصى، فالمغرب الإسلامي عموما اهتمَّ في هذه الفترة المبكِّرة من تاريخه الإسلامي بالفقه، فكانت هناك مدارس فقه متعدِّدة، إباضيَّة وحنفية ومالكية، كان الاهتمام عليها منصبًّا، وهي الشغل الشاغل لقضاة هذه المرحلة، التي سلف أن ذكرنا أنّ قضاتها هم الذين وضعوا الأسس الأولى لهذه المذاهب ببلاد المغرب، وهم الذين عملوا على تدوين فقهها ومناصرة مذهبياتها.
هذا بصفة بعامةما يبرر ندرة الشعر والاهتمام بِهِ من قبل القضاة، أو من قبل غيرهم ببلاد المغرب، في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وإن لم نعدم وجود بعض العيِّنات منها، فالقاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم أحد قضاة عصر الولاة، ترك لنا أبياتا كتب بها إلى ولده، وبخاصة بلده يقول فيها (1):
ذكرت القيروان فهاج شوقي ... وأين القيروان من العراق!؟
مسيرة أشهر للعيس نصًّا ... وللخيل المضمرة العتاق
فأبلغ أنعُما وبني أبيه ... ومن نرجو لنا وله تلاقي
بأنّ الله قد خلَّى سبيلي ... وجدَّ بنا المسير إلى مزاق (2)
هذه الأبيات على ما يبدو، قالها القاضي ابن أنعم، لمَّا فُكَّ أسره من البيزنطيِّين الروم إذ من المعروف أنهم أسروه ومضوا بِهِ إلى القسطنطينية (3)، ولمَّا وجد حرِّيته، جادت قريحته بهذه الأبيات، التي تفيض شوقا إلى القيروان وآله بعد وصوله بغداد.
__________
(1) - الدباغ: معالم، 1/ 232.
(2) - مزاق فحص القيروان: شُهر بذلك لأنّ السحاب يتمزَّق فيه. انظر المالكي: رياض، 1/ 156، الدباغ: معالم، 1/ 232.
(3) - الرقيق: تاريخ إفريقية، 127 - 128. (2/554)
صفحة 562
وكان القاضي عبد الله بن عمر بن غانم عالما مُقدمًا، مع فصاحة اللسان وحسن بيان وبصر بِالعَرَبِيَّةِ «ذو رواية للشعر، وكان قائلا له حسن العلم به» (1)، ومثله القاضي، أبو محرز محمَّد بن عبد الله الكناني، أحد قضاة الأغالبة الأوائل، كان «فصيح اللسان، بصيرا باللغة والشعر ... يصنع الشعر ويجيده» (2).
وكان ابن غانم، كثيرا ما ينشد هذين البيتين في مجلسه (3)
إذا انقرضت عنِّي من العيش مُدَّتي فإِنَّ غَناء الباكيات قليل
سيُعرض عن ذكري وتُنسى موَدَّتي ويحدث بعدي للخليل خليل
لقدكان مهتما بنفسه في حياته (4)، وبعد مماته، فكأنَّه كان يخاف أن يُعرض عن ذكره وتنسى مآثره، وهو الأمر الذي لم يحدث، إذ احتفظ المؤرِّخون وأصحاب التراجم بترجمة وافية عنه، ثمَّ لعلَّ هذا البحث يساهم بنصيبه في المحافظة على مآثر هذا القاضي المخضرم.
ومثل ابن غانم في إنشاده للبيتين المذكورين بكثرة. كان القاضي أبو القاسم محمَّد بن محمَّد بن خالد القبسي، المعروف بالطرزي قاضي صقلية (ت317هـ/929م)، كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين في مجلس أحكامه (5):
إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء
فويل للأميروكاتبيه ... وقاضي الأرض من قاضي السماء
__________
(1) - الرقيق نفسه: 141 - 142.
(2) - الدباغ: معالم، 2/ 30.
(3) - نفسه: 1/ 306. والبيتان لأبي العتاهية، أنظر هامش 3.
(4) - يذكر أنَّه من أحسن الناس همَّة في نفسه، خلَّف بعد وفاته كسوة ظهره بألف دينار. المالكي: رياض، 1/ 219. الدباغ: معالم، 1/ 306.
(5) - الدباغ: معالم، 3/ 10. (2/555)
صفحة 563
إنَّه الشعر الذي يهتم بالقضاء في عدله وجوره، وكأنَّ الطرزي يذكِّر نفسه في مجلس قضائه بعاقبة الظلم والجور والمداهنة في القضاء.
وممَّا احتفظ لنا التاريخ من علاقة القضاء بالشعر هذه الرواية المجحفة في حقّ القاضي محمَّد بن عبد الله ابن عبدون الحنفي الذي يبدو شغوفا بالشعر وحفظه إذ سمع شعرًا مع مالكي هو سعيد بن محمَّد فحفظه سعيد ونسيه ابن عبدون فلمَّا طلب هذا الأخير إعادة قراءة الشعر عليه ليحفظه أو ليتلذَّذ بسماعه قال له سعيد: إن أقررت على نفسك أنَّك حمار أنشدتكهما، فقال: أنا حمار ... » (1).
لقد رضي لنفسه أن يصفها بالحمار حبًّا في الشعر وسماعه الذي قلنا إنَّ بضاعته في بلاد المغرب الإسلامي كانت غير رائجة ويبرِّر محقِّقا كتاب «طبقات أبي العرب» ذلك قائلين علما بأنَّ إفريقية والمغرب كانوا «يتهافتون على العلوم النقليَّة ويحاولون التأليف فيها واجترارها ويرفضون كلّ نظرة عقلي أو نزعة فلسفية ... فليس غريبا أن نجد عندهم صوت الشعر خافتًا وصوره باهتة ... » (2) إنه العكس تماما لمَا كان عليه احتكاك الشعر بالقضاء في المشرق العربي.
أخيرا، إنَّ القضاء في بلاد المغرب الإسلامي ترك بصماته العميقة في الحياة الثقافية والفكرية، ساهم في مختلف جوانبها، في التعليم والتأليف والرواية، وكانوا السباقين في وضع الأسس الأولى مع غيرهم من الفقهاء لمدارس الفقه المغربية الإباضيَّة والحنفيَّة والمالكية. وتلك آثار كلُّها لا تزال تنبض بالحياة وبخاصة منها تلك المؤلفات العديدة وهي من العلم الباقي الذي يُنتفع بِهِ.
__________
(1) - الخشني: طبقات، 150.
(2) - مقدِّمة كتاب: طبقات علماء إفرقية، لأبي العرب، 20. (2/556)
صفحة 564
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره
الفصل الثالث
العدل والجور في القضاء بالمغرب الإسلامي وأثرهما
المبحث الأَوَّل
الحدود والعقوبات في القضاء بالمغرب
أ ـــ الحدود
ب ــــ العقوبات
المبحث الثاني
مظاهر العدل والجور في القضاء بالمغرب
أ ـــ مظاهر العدل
ب ـــ مظاهر الجور
المبحث الثالث
التقويم العام للقضاء في المغرب، آثاره ونتائجه.
المبحث الرابع
بعض نوادر القضاة وملحهم. (2/557)
صفحة 565
[صفحة بيضاء] (2/558)
صفحة 566
الفصل الثالث
العدل والجور في القضاء
بالمغرب الإسلامي وأثرهما
المبحث الأَوَّل
الحدود والعقوبات في القضاء بالمغرب.
أ- الحدود
تحدَّث المنظِّرون والفقهاء مطوَّلا عن العقوبات في الإسلام (1) وشدَّدوا فيها عموما، وكانوا أكثر تشدُّدا وحيطة في مسألة الحدود، فلا يقيمها إلاَّ الأيمَّة (2) أو بأمر منهم لمن ولوهم بعض شؤونهم، ومن هنا قالت نفوسة الجبل للإمام عبد الوهَّاب لمَّا همَّ بالحجِّ، «يا أمير المؤمنين لسنا ندعك مخافة عليك من المسودَّة أن يأخذوك ويحبسوك فتعطَّل أمور المسلمين وحدود الله وأحكامه» (3).
ولا تقام هذه الحدود في المساجد (4) لأنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك رغم ارتباط القضاء ارتباطا قويَّا بالمسجد كما رأينا، فقد روي عن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أنَّه
__________
(1) - سحنون بن سعيد: المدوَّنة الكبرى، م 6/ 215 وما بعدها. الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، 248 وما بعدها. وانظر أدب القاضي، 225 وما بعدها. الطرابلسي: معين الحكَّام 225 وما بعدها. الثميني: الورد البسام، 140وما بعدها.
(2) - جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 70 - 71.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 116، الدرجيني: طبقات، 1/ 66. وانظر هامش7 ص 116 من السيرة أبي زكرياء.
(4) - الماوردي: أدب القاضي، 1/ 211. (2/559)
صفحة 567
قال «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وبيعكم وشراءكم وإقامة حدودكم» (1). ومن هنا كان سحنون بن سعيد يسمح بتنفيذ العقوبات الخفيفة، أي التعزيرات في الجامع كالضرب بالدرة وما خفَّ من الأدب كالصفع علىلقفا وما إلى ذلك أمَّا، إذا أقام الحدود من الجلد والضرب بالسوط فكان تنفيذه لها خارج الجامع (2) ولا نرى أنَّ سحنون ينفرد بذلك (3).
وتحدَّث المنظِّرون عن السوط والدرة، فقالوا إنَّ الدرة للأدب والسوط للحدود، وقد سأل سحنون إبنَ القاسم هل يجزئ القضيب أو الدرة أو نحو ذلك مكان السوط في قول مالك «قال لم أسمع مالكا يقول في الحدود إلاَّ السوط قلت فدرة عمر بن الخطاب؟ قال إِنَّمَا كان يؤدِّب بها الناس فإذا وقعت الحدود قرَّب السوط» (4). ولم يهملوا السؤال عن هذا السوط كيف هو؟ وممَّا يصنع؟ حتَّى لا يشتطُّوا في الضرب (5). وسألوا كذلك عن الرجم والجلد وكيف يتمُّ ذلك كله (6).
لقد كان هذا العهد الأوَّل من القضاء في بلاد المغرب مجالا كبيرا للسؤال إذ القضاة في بداية تجربتهم بخاصة فيما يتعلَّق بالحدود التي شدَّد الخناق فيها الرسول الأعظم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - في حديثه المشهور عن درء الحدود بالشبهات فقال في صيغة أمر قاطع «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلُّوا سبيله فإنَّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (7).
__________
(1) - ابن ماجة: السنن، 1/ 247. الترمذي: جامع الترمذي،1/ 266.
(2) - زغلول: تاريخ المغرب، 2/ 94. نوال التركي: التنظيمات، 203.
(3) - الشمَّاخي: سير، 231.
(4) - سحنون: المدوَّنة، 6/ 249 - 250.
(5) - الطرابلسي: معين الحكَّام، 225. الثميني: الورد البسَّام، 134.
(6) - سحنون: المدوَّنة، 6/ 215، 241، الطرابلس: معين الحكام، 225.
(7) - الترمذي: جامع الترمذي، 2/ 318. وانظر عن هذا الحديث د. عبد المنعم البهي: التشريع الجنائي الإسلامي، مجلَّة العربي، إصدار وزارة الإرشاد والأنباء الكويتية ع 93. أغسطس 1966. ص 43 وانظر عبد الوهاب: مسائل نفوسة 111 (2/560)
صفحة 568
ورغم هذه القيود الصارمة فقد ذكر الأستاذ قودفروا ( GAUDEFROY) العقوبات في الإسلام بصفة بعامة ولاحظ أن السرقة عقوبتها في الإسلام مثل المجتمعات القديمة هي قطع يد السارق اليمنى ثمَّ الرجل اليسرى ثمَّ اليد اليسرى ثمَّ الرجل اليمنى، وذكر أنَّ الشريعة قيَّدت تطبيق هذا الحدِّ حتَّى كادت أن تجعله خاصا أو مستحيلا ولكن النصوص التاريخية - يقول قودفروا - تؤكد أنَّ هذا الحدَّ طبِّق بصرامة في المدن الكبرى (1).
ماذا يقصد بالمدن الكبرى؟ إنَّ هذا الحدَّ بالفعل نجد له نصوصا تطبيقيَّة تاريخيَّة في بلاد المغرب (2) خلال فترة البحث إلاَّ أنَّنا لم نلاحظ أنَّه طبِّق بصرامة في القيروان أو في تيهرت أو فاس إن اعتبرنا هذه المدن من المدن الكبرى التي يقصدها، فالسرقة سمة المجتمعات الإنسانيَّة الفقيرة والغنيَّة على حدٍّ سواء، وبالتالي وجب زجرها حتَّى لا يستشري ضررها، ولعلَّ من الحدود الخمسة (3) المعروفة في الإسلام كان حدّ السرقة الأكثر تطبيقا من أي حدٍّ آخر، إذ لا مجال فيه كبير لدرئه، والإسلام يتوخَّى في تشريعاته الجنائيَّة الحفاظ على الحرِّيات وحماية الجماعة ورعاية الحقوق، وإصلاح حال المجرم، وكلّ ذلك دون أن يكون هناك إفراط أو تفريط (4).
__________
(1) - GAUDEFROY: LES Intitutions, P: 159 - 160.
(2) - عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 168. ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق35و. البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) ق 21، أبو زكرياء: السيرة 71، 149. الشمَّاخي: سير، 225. الدرجيني: 1/ 91.
(3) - يقول الدكتور: عبد المنعم البهي: «إنَّ من أهمِّ ميزات التشريع الجنائي الإسلامي قِلَّة أنواع العقوبات وهي سبع عقوبات بدنيَّة هي: 1 - القصاص في القتل العمد، أو إتلاف عضو عمدا. 2 - عقوبة السرقة. 3 - عقوبة قطع الطريق. 4 - عقوبة القذف. 5 - عقوبة الزنا. 6 - عقوبة السكر. 7 - عقوبة التعزير» انظر مقال: التشريع الجنائي، 41. عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعيَّة، 241 - 247.
(4) - عبد المنعم البهي: المقال المذكور، 45. (2/561)
صفحة 569
ونلاحظ الصرامة في تطبيق حدود الله في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري في فترة من فترات عهد الولاة، وذلك لمَّا أرسل القائد محمَّد بن الأشعث الخزاعي عيونه للتجسُّس على جيش أبي الخطاب، فقال له أحدهم «رأينا رهبانا بالليل وأسودا بالنهار ... لو زنا صاحبهم لرجموه، ولو سرق لقطعوه ... » (1)، وبالفعل لوحظ في المعركة التي خاضها ضدَّ ورفجومة الصفريَّة أحد قتلى الصفريَّة مسلوبا، وهو ما لا يُجيزه الإباضيَّة، فالمحارب المُوَحِّد لا يحلُّ سلبه، فأمر مناديا ينادي في عسكره: من نزع من أحد القتلى شيئًا فليردده. فلم يرد أحد شيئًا، ولكنَّه اكتشف فيما بعد، فأخذه الإمام أبو الخطاب فعزَّره حسب ما اقتضاه الاجتهاد (2) على رواية الدرجيني. أمَّا أبو زكرياء فإنَّه ذكر أنَّ الإمام أخذه وحدَّه، وقال إِنَّمَا تغدروا، بمن يغوي (3).
إنَّ هذه الصرامة في تطبيق الأحكام القضائيَّة كثيرا ما تحدَّث عنها المؤرِّخون الإباضيَّة في حين أكاد لا أجد فيما بين يديَّ من كتب التاريخ والطبقات (4) ذكرا للحدود في عهد الولاة والأغالبة، وهذا أمر غير معقول، لأنَّ الثابت في تلك الأزمنة أنَّ الحدود لم تُعطَّل وبخاصة ببلاد المغرب الإسلامي. فهل هذا الصمت عن تطبيق الحدود راجع إلى عدم اكتراث المؤرِّخين وأصحاب التراجم بذكرها أم هو راجع إلى قلَّتها بحيث كانت تدرأ التزاما وتطبيقا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السالف الذكر؟
لقد ذكر ابن عذاري أنَّ ابن الأغلب منع بيع الشراب (الخمر) بالقيروان، وأباحه برقادة (5)، فهل هذا نوع من التغاضي عن السكران؛ وكثيرا ما وجدت
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة، 71.
(2) - الدرجيني: طبقات، 1/ 30 - 31.
(3) - أبو زكرياء: 70.
(4) - ولكن الكتب الفقهيَّة تذكر ذلك باستفاضة، فضلا عن مدوَّنة سحنون، فإن ابن سحنون في أجوبته يتحدَّث عن قطع يد السارق، ويظهر أنَّ ذلك واقعا. انظر أجوبة (مخ) ق35و.
(5) - ابن عذاري: البيان، 1/ 207. (2/562)
صفحة 570
بعض القضاة لا يتعرَّضون للسكير بالجلد حدًّا، وقد لاحظ الخشني مثل هذا، وقدَّم عذر من أغضى عن حدِّ السكر من القضاة بقرطبة (1)، وكأنَّ ذلك كان أيضًا بإفريقيَّة في القرنين الثاني والثالث للهجرة.
وبعكس كتب التاريخ والتراجم فإنَّنا نجد الحديث عن الحدود في مدوَّنة سحنون بن سعيد وأدب القاضي لأبي المهلَّب هيثم بن سليمان (2)، مِمَّا يثبت احتياج القضاة إلى معرفة تلك الحدود لتطبيقها، وإن لم تأت بصيغة الحدث التاريخي الواقعي.
أمَّا عند الرستميين فقد ذكر المؤرِّخون بعض الحدود التي أقامها القضاة كحدِّ القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة (3)، بل إنَّ ابن الصغير يتحدَّث عن شيء يشبه التجاوز في إقامة الحدِّ على عهد الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان، لقد كان عادلا في أحكامه فلم ينقم الشراة ـ وهم الفقهاء المراقبون للإمام وموظِّفيه ـ على أبي حاتم شيئًا سوى أنَّه أخذ «ناسا بالتهمة وضرب السوط على الظنة» (4)، ولا يكون ضرب السوط إلاَّ في حدٍّ من حدود الله كما سبق أن رأينا.
إنَّ الإباضيَّة في المشرق رفضوا ما طالب بِهِ يزيد بن فندين ـ أحد المنشقِّين عن الإباضيَّة والرستميين زمن الإمام عبد الوهَّاب (171 - 208هـ) ـ وهو أنَّ الإمام لا يقضي في أمر إلاَّ بعد العودة إلى جماعة معلومة، لأنَّ هذا شرط في الإمامة باطل، فقالوا «لو صحَّ في الإمامة شرط لمَا قام لله حقّ ولمَا أقيم له حدٌّ،
__________
(1) - الخشني: قضاة قرطبة، 58، 59، 98، 114. وانظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأوَّل.
(2) - سحنون: المدوَّنة، 5/ 148. أبو المهلَّب: أدب القاضي، 123 - 124.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 50. عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 168، 177. القطب: ترتيب نوازل نفوسة، (مخ) ق 498. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 62.
(4) - ابن الصغير: أخبار، 102. (2/563)
صفحة 571
ولعُطِّلت الحدود وبطُلت الأحكام، وضاع الحقُّ، والجماعة يتعذَّر اتِّفاقها على أنَّ الإمام إن قُدِّم إليه سارق فلا يصيب أن يقيم عليه الحدَّ فيقطع يده حتَّى تحضر الجماعة ... » (1).
لقد حرص الإباضيَّة في الدولة الرستميَّة على إقامة الحدود (2)، فلم يتهاونوا عنها ولم يقبلوا ما يحيل بينها وبين تطبيقها بأيِّ سبب من الأسباب.
وكما كانت هذه الحدود مرعية في إفريقيَّة والمغرب الأوسط، كذلك كانت في المغرب الأقصى حيث يذكر الأستاذ علال الفاسي في رسالة غير منشورة لإدريس الأوَّل توجَّه بها إلى المغاربة، جاء فيها: أدعوكم «إلى العدل في الرعيَّة والقسم بالسويَّة ورفع الظلم ... وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد ... وأذكِّركم الله في أرامل احتُقرِت، وحدود عطِّلت، وفي دماء بغير حقّ سفكت» (3). فإدريس الأوَّل جاء ليقيم الدولة التي تقيم حدود الله وتتَّبع شريعة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - كما أمر الله.
واستمر الأمر هكذا بعد مقتل الإمام وتولِّي المولى راشد، ثمَّ امتدَّ إذ منذ أن بنى إدريس الثاني مدينة فاس كان مقصده كما جاء في خطبته الأولى على منبر جامعها «اللهمَّ إنَّك تعلم أنِّي ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ... وإنَّما أردت أن تُعبَد بها ويتلى بها كتابك وتُقام بها حدودك وشرائع دينك وسنَّة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - ما بقيت الدُّنيا» (4).
ويذكر الحلبي أنَّ الإمام إدريس الثاني وقاضيه تعاونَا «على إقامة حدود الله، ونصر دينه في السرِّ والنجوى» (5).
__________
(1) - أبو زكرياء: السيرة، 94.
(2) - انظر: GAUTIER: LES SIECLES OBSCURES, P: 314.
وانظر د. علي أحمد، القضاء في المغرب، 45. دبوز محمَّد علي: تايخ المغرب الكبير، 3/ 316 - 317.
(3) - علال الفاسي: الإمام إدريس، 18.
(4) - ابن أبي زرع: الأنيس، 36، 49. الناصري: الاستقصا، 1/ 167.
(5) - الحلبي: الدرُّ النفيس، 274. (2/564)
صفحة 572
فالأدارسة وقضاتهم ـ على ما يبدو ـ كانوا دائما حازمين على إقامة حدود الله، والتقيُّد بشرع الله الذي جاء بِهِ جدُّهم النبي محمَّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.
أمَّا دولة بني مدرار فيكفي أن نستشهد بمقولة محمود إسماعيل التي جاء فيها « ... في دول الخوارج ـ ويقصد الرستميين والمدراريين ـ معظم الحكام في بساطة عيشهم وزهدهم أشبه بالعمَرَين» (1)، ولا يكون الشبه فعلا إلاَّ في تطبيق حدود الله واتِّباع سيرة العُمَرين أبي بكر وعمر اتِّباع النعل بالنعل.
إنَّ الحدود في قضاء المغرب الإسلامي عموما كانت مطبَّقة، وكان القضاة حريصين على إقامتها عند الضرورة القصوى، ويبدو أنَّها ليست بالكثيرة، بحيث لم يرد ذكرها مرارا في المصادر التاريخيَّة عكس العقوبات الأخرى المتنوِّعة والمتعدِّدة.
ب - العقوبات
إذا كانت عقوبات الحدود معروفة، ومحددة بدقَّة مثل قتل القاتل المتعمِّد، وقطع يد السارق، وجلد الزاني أو رجمه، وجلد السكِّير والقاذف (2) فإنَّ عقوبات التعزير (3)، والتأديب (4) متنوِّعة متعدِّدة تكاد لا تحصى تبدأ بالتخويف وتنتهي
__________
(1) - سوسيولوجيا، 103.
(2) - عن القتل، انظر سورة النساء: (آية 9)، الإسراء: (آية: 33)، البقرة: (الآية: 178 - 179). وعن السرقة، انظر سورة المائدة: (آية: 38). وعن الزنا انظر سورة النور: (آية: 02). وعن الخمر، انظر ابن حزم: الأحكام في أصول الأحكام، 156 - 15. وعن القذف، انظر سورة النور: (آية: 04)، وانظر عنها كتاب الكبائر للحافظ شمس الدّين الذهبي.
(3) - التعزير: هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود. واختلف في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير، وقيل لا يتجاوز فيه أدنى الحدود، وهو أربعين سوطا، ولا يصله ولذلك قيل أكثر ما ينتهي إليه هو 39 سوطا، وقيل بل يمكن أن يبلغ خمسين سوطا، وسبعين، وقال مالك بن أنس لاحد لأكثره، ويجوز أن يتجاوز به أكثر الحدود، انظر: سحنون بن سعيد: المدوَّنة، 6/ 306 - 328. جناو بن فتى وآخر: أجوبة علماء فزان، 62. الماوردي: أدب القاضي، 2/ 363. الطرابلسي: معين الحكَّام، 525. ابن خلدون: المقدِّمة، 39. الثميني: الورد البسَّام، 131. دائرة المعارف الإسلاميَّة (مادة التعزير)، 5/ 310. عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعيَّة، 246 - 247.
(4) - التأديب: وهو دون التعزير، وهو باللسان وبالضرب وبالحبس، وإنَّما هو على قدر الذنب والتمرُّد، والأدب عظة للمذنب ولغيره لكي لا يتمادى، انظر: أجوبة علماء فزَّان، 62، وانظر المراجع والمصادر المذكورة في الهامش السابق. عبد الوهَّاب: مسائل، 171. (2/565)
صفحة 573
بالسجن وبينهما أنواع من العقوبات، اجتهد العقل الإنساني في وضعها مع مراعاة الضوابط الشرعيَّة في الدولة الإسلاميَّة.
ويمكن أن تسمَّى هذه العقوبات بالعقوبات البدنيَّة، فهنالك عقوبات مالية (1)، كردِّ المستحقَّات إلى أصحابها، وتكون متبوعة غالبا بالعقوبة البدنيَّة، والهدف منها رعاية الحقوق والحرِّيات، والمصالح العامة والخاصة، ودفع الضرر دون التجاوز أو التقصير.
ومن نافلة القول أنَّ القضاة ببلاد المغرب الإسلامي بخاصة، وفي الإسلام عموما لم يكونوا يتسرَّعون إلى تطبيق هذه العقوبات إلاَّ من شذّ من القضاة الذين وصفوا بالجور أو ربَّما كان ذلك خطأ دون قصد، فدفع التهمة والجريمة قبل التحقيق فيها، ودفع العقوبة بالشبهة والتضييق في إثبات الجرائم هي من مميِّزات القضاء الإسلامي عموما (2)، وقد رأينا القضاة ببلاد المغرب يتحرَّون بذلك مخافة الوقوع في الجور لأنَّ عواقبه وخيمة.
ومن جملة العقوبات التي يتحرَّى فيها القاضي ببلاد المغرب، العدلَ المطلق، عقوبة التخويف، فقد ذكر البغطوري أنَّ حاكما قاضيا من قضاة نفوسة جاءه رجل برجل آخر، وطلب منه أن يعطيه حقَّه منه، لأنَّه خوَّفه وروَّعه؛ ولمَّا أقرَّ له المدَّعى عليه بذلك «أخرج الشيخ حزمة السياط فأبرزها قدَّامه واشتغل
__________
(1) - عبد المنعم البهي: التشريع الجنائي، المقال المذكور، 41 - 44.
(2) - عبد المنعم البهي: المقال المذكور، 44. (2/566)
صفحة 574
بوظائف الصلاة حتَّى صلَّى، فأمره أن يتَّزر، فتقدَّم إليه وأخذ سوطا من تلك السياط فهزَّه في يديه كهيأة من يعرضه للضرب، فرمى بِهِ فأخذ آخر فهزَّه أيضا كذلك، حتَّى أتى على آخر الحزمة، فقال له «تبت أيُّها الشيخ لا أعود» فقال له الرجل «اعطني منه حقِّي» فقال له الشيخ «قد أعطيته لك قد خوَّفك فخوَّفته أنا أيضًا» (1).
واستعمل الضرب بكثرة في العقوبات، ولقد ذكرنا أنَّ ذلك يمكن أن يكون حتَّى في المسجد لأنَّه من الأدب الخفيف دون الحدود (2)، وكان سحنون يضرب بالدرة وبالسوط يلطم القفا ويصفع ويضرب بالسوط على الرأس والقفا. وحضر يحي بن عمر في مجلس القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب، وقد أمر بضرب رجل بالدرة، فقال «اضربه في الرأس فإنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال «إنما يسكن إبليس في الرأس» (3).
والغريب أنَّ ضرب الرأس بالدرة جائز في حين لا يجوز أن يبطح أحد في الأدب (4)، كما لا يجوز جزّ الرأس واللحية في العقوبة، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل حلق الرأس نسكا لمرضاته، قال عمر بن عبد العزيز منبِّها قضاته «إيَّاكم والمثلة في العقوبة: زجُّ الرأس واللحية» (5).
بالإضافة إلى الضرب بالدرة والسوط، هناك الفلَقَة، فقد ضرب القاضي ابن عبدون أحد رجال القيروان امتحانا فأدخل رجليه في فلقة وضربهما حتَّى
__________
(1) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، ق 13. الشمَّاخي: سير، 293 - 294.
(2) - الشمَّاخي: سير، 231. زغلول: تاريخ، 2/ 94. نوال تركي: التنظيمات، 203.
(3) - عياض: تراجم، 224. نوال التركي: التنظيمات، 202.
(4) - عياض: تراجم، 224.
(5) - ابن قتيبة: عيون الأخبار، 1/ 73. (2/567)
صفحة 575
أدماهما (1)، وضرب أحد حكام وقضاة نفوسة رجلا بعد أن وضعه بين الأعواد (2)، ويبدو أنَّ هذه الأعواد، وهذه الفلقة إِنَّمَا دورها في تقييد الجاني، وتقييد حركاته أثناء الضرب.
ومن القيد كذلك ما قام بِهِ أبو القاسم محمَّد بن يزيد بن خالد الطرزي قاضي صقليَّة على عهد زيَّادة الله الثالث، حيث أخذ غلمانا مُردًا بطالين يفسدون بالدراهم فوضع في أرجلهم القيد إلاَّ أنَّ أحد الفقهاء قال له «أحبسهم عند آبائهم ولا تحبسهم في السجن وصوب له ... القيد وتركه مقيَّدا عند أبيه» (3)، وكذلك عمل القاضي حسن بن البناء قاضي قسطيلية مع جماعة اعتدُوا على حرمة القاضي والقضاء بسبِّه وشتمه قبيل عزله فأمر بهم «إلى العمود رجلا رجلا فضرب كلّ واحد منهم ضربا وجيعا، ونكل بهم جميعا وأمر بتقييدهم في الحديد ... » (4). وكان سحنون يقيِّد بالحبل أو بعمامة الرجل نفسِه (5)، وقد طبِّقت هذه العقوبة في الدولة الرستميَّة كذلك (6).
ومن العقوبات الصارمة التطويف بالمجرم في الأسواق والشوارع، فقد عاقب القاضي سليمان بن عمران مجموعة من الرجال شهدوا عنده زورا بالتطويف بهم على الجمال والتشهير بعملهم وخلقهم الرديء (7). كما نصَّ يحي
__________
(1) - عياض: تراجم، 259. وانظر: الخشني: طبقات،131 - 139. أبو العرب: طبقات، مقدِّمة المحقِّقين، 16.
(2) - الشمَّاخي: سير، 231.
(3) - يحي بن عمر: أحكام السوق، 135.
(4) - الخشني: طبقات، 161.
(5) - نوال التركي: التنظيمات، 202.
(6) - Chihk Bekri:Le kharijisme. p:71.
(7) - نوال تركي: التنظيمات، 203. وانظر عبد الوهاب: مسائل، 105. (2/568)
صفحة 576
بن عمر من بين عقوبات المخالفين في السوق عقوبة التطويف في الأسواق بخاصة للذين يزيِّفون الدراهم (1).
ووجد كذلك الرفس بالأرجل والوطء بالركبتين، وذلك لمَّا اختصم رجلان إلى عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن لمَّا كان بجبل نفوسة فأبى المدَّعى عليه من ردِّ الجواب لمَّا سأله عبد الوهَّاب، بل أساء الأدب معه إذ قال للحضور في استهزاء «ماذا يقول هذا الحضري؟» يريد الإمام القاضي، فصبر له عبد الوهَّاب وحلِم لبداوته، إلاَّ أنَّه سأل عن فقيه نفوسي بدوي مثله وهو ابن مغطير فكلَّما أبى المتَّهم ردَّ الجواب إلاَّ وطلب القاضي عبد الوهَّاب ابن مغطير وذلك لبضعة أيَّام وابن مغطير حاضر مستغشى بثوبه، وفي اليوم الأخير لم يتمَّ عبد الوهَّاب سؤاله عن ابن مغطير إن كان موجودا بمجلس قضائه حتَّى وجده، وقد وثب على الممتنع عن ردِّ الجواب فوطئه بركبته، والرجل يصيح، ويقول: أدركني يا أمير المؤمنين، فأمر الإمام بتركه، فاستردده الجواب، فأجاب وأذعن للحقِّ (2)، وفعل مثل ذلك قاضي نفوسة في أواخر أيَّام الرستميين، عمروس بن فتح، مع أحد الخصمين الذي سكت عن الجواب رغم أنَّ القاضي كرَّر عليه السؤال ثلاث مرَّات، ولمَّا ركضه برجله، قال له جلساؤه عجلت عليه يا عمروس (3)، وكأنِّي بابن مغطير وعمروس بن فتح عرفا سلوك رجال البدو من قبيلتهما فبادرا إلى ذلك النوع من العقوبة المستعجلة (4) وكانت النتيجة إيجابيَّة.
__________
(1) - أحكام السوق: 32، 35، 96 ويطاف بأهل الذمَّة في موضع أهل الذمَّة.
(2) - أبو زكرياء: السيرة، 117 - 118. البغطوري: سيرة، (مخ) ق 104. الشمَّاخي: سير، 143، 144.
(3) - الدرجيني: طبقات، 2/ 321. أبو زكرياء: السيرة، 145 - 146.
(4) - يذكر النباهي أنَّه إذا سكت المطلوب وأبى أن يتكلَّم قال له القاضي «إمَّا إن تخاصم وإلاَّ أحلفت هذا المدَّعي على الذي ادَّعى قِبلك وحكمت له بِهِ عليك، فإن تكلَّم نظر في كلامه وفي حجَّته وإن لم يتكَّلم أحلف الآخر وقضى له بحقِّه إن كان مِمَّا يستحقُّ مع نكول المطلوب عن اليمين». انظر: قضاة الأندلس، 196. (2/569)
صفحة 577
ومن العقوبات التي ذكرها المؤرِّخون في القضاء ببلاد المغرب، عقوبة النفي إلى البادية أو إلى حي آخر غير حي الجاني ونفي بعض التجار الغشَّاشين من الأسواق ومنعهم من البيع فيه (1)، وطَين القاضي سحنون باب دار امرأة بالطين والطوب لأنَّها كانت خبيثة تجمع فيه بين الرجال والنساء للمعصية، وكان قبل ذلك قد ضربها وأجلسها في القفة (2).
ولعلَّ أقسى عقوبة وقعت في المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، والتي أودت بصاحبها إلى الموت هي تلك العقوبة التي سلَّطلها القاضي سحنون بن سعيد علىلقاضي الذي كان قبله: عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي، إذ خاصمه رجل بين يدي سحنون، فحكم له على ابن أبي الجواد وحبسه، وقال له «إن لم تؤدِّ ضربتُك بالسوط، فقال: ما عندي مال، فيقال إنَّه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط، وقيل أكثر من ذلك حتَّى أسال دمه على كعبه وردَّه إلى السجن فمات فيه» (3). وقيل كان يخرجه في كلّ جمعة فيضربه عشرا إلى أن مرض فضربه ثمانية عشر سوطا مجرَّدا، فما زالت تلك حاله إلى أن مرض فمات «فشنع الناس على سحنون أنَّه قتله» (4)، ويذكر الخشني أنَّه قيل لسحنون «من أين أخذت الضرب؟ وإنَّما كنَّا نحبس حتَّى يغرم، قال من حديث النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله «مطل الغني ظلم» فإذا كان ظالما كما سمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدبته على ظلمه» (5)،
__________
(1) - يحي بن عمر: أحكام السوق، 32، 133. نوال التركي: التنظيمات، 202.
(2) - يحي بن عمر: أحكام، 133. المالكي: رياض، 1/ 396
(3) - عياض: تراجم، 106. ابن عذاري: البيان، 1/ 110. الجودي: تاريخ القضاة، (مخ) 9 ظهر.
(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 110.
(5) - الخشني: قضاة قرطبة، 58. وانظر: طبقات الخشني، 236. نوال التركي: التنظيمات، 202، ويروي وكيع في أخبار القضاة أنَّ أبا هريرة قضى على مدان بعدم الحبس، رغم أنَّ المدين يطلب الحبس لدائنه إلاَّ أنَّ أبا هريرة قال «لا أحبسه لك ولكن أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله»، وهذا بعد أن تأكَّد أن لا مال له ولا أرض، انظر: أخبار القضاة، 112. (2/570)
صفحة 578
ويذكر أنَّ سحنون توسوس لمَّا رأى نتيجة الأسواط التي كان يكيلها لابن أبي الجواد، فكان يردِّد «ما أنا قتلته، الحقُّ قَتَله» (1).
ويشبه ما وقع لسحنون مع ابن أبي الجواد ما ذكر في أجوبة علماء فزَّان في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، وهو أنَّ رجلا له على آخر دين فلزمه فاستأجر نفسه لرجل، وكان الجواب هو «إن كان الملزوم قد حكم عليه السلطان (القاضي) بالأداء فزعم أنَّه لا مال له، فلا سبيل له أن يستأجر نفسه حتَّى يقيم البيِّنة أنَّه مفلس لا مال له فعند ذلك ينادي عليه السلطان بالإفلاس كي يحذر الناس منه، ويخلي سبيله، ولا سبيل للغريم إلى لزومه، فلزوم المعسر ظلم، كما أنَّ مطل الغني ظلم، قال الله تعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} (2).
هكذا نلاحظ الاختلاف في الحكم رغم تشابه القضايا، ومردُّ ذلك إلى أنَّ مثل هذه العقوبات متروكة للقاضي يجتهد فيها رأيه، وليست مثل الحدود التي ضبطها الشرع بنصّ قرآني، أو سنة نبويَّة.
إضافة إلى هذه الأنواع المتعدِّدة من العقوبات هناك السجن أو الحبس، وقد مَرَّ بنا أنَّ بعض القضاة حبسوا بعض المجرمين واكتفوا بذلك إلى حين معيَّن ومنهم من كان يضرب بالسوط هذا السجين فيجمع له بين الضرب والحبس معًا، كما فعل سحنون بابن أبي الجواد بخاصة، وكلّ ذلك متروك لتقديرات القاضي (3) الذي من المفروض ألا يجور ولا يتعدَّى.
__________
(1) - عياض: تراجم، 111. وممَّا يذكر في هذا الصدد أنَّ أحد قضاة بغداد أدَّب أحد الخصوم بسبب تطاوله في مجلسه، فمات لكنَّ القاضي دبَّر له ديَّة بعشرة آلاف درهم أعطاها لورثته معتبرا أن تأديبه كان من أجل مصلحة المسلمين وديته واجبة في بيت مال المسلمين. انظر: عصام شباروا: القضاء والقضاة، 69 - 70.
(2) - جناو بن فتى المديوني وآخر: أجوبة علماء فزَّان، 95، والآيَة من سورة البقرة: 280 وتمامها: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ وَأَنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
(3) - عبد الوهَّاب بن عبد الرحمان: مسائل نفوسة، 182 - 183. (2/571)
صفحة 579
ومن المعروف أنَّ الحبس لم يكن في عهد رسول الله (ص) ولا عهد خليفتة أبي بكر (1)، استحدثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الدولة الإسلاميَّة لحاجة القضاء الماسة إليه، وتبعه الخلفاء من بعده على ذلك (2).
ويذكر ابن فرحون الوجوه التي يجب فيها الحبس، ويجعلها ثمانية هي «حبس الجاني في غيبة المجني عليه حفاظا لمحلِّ القصاص، وحبس الآبق، وحبس الممتنع من دفع الحقِّ إلجاء إليه، وحبس من أشكل أمره في العسر واليسر، وحبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن المعاصي، وحبس الممتنع من التصرُّف الواجب، كحبس مَن جمع بين الأختين، وحبس من أقرَّ بمجهول عين، وامتنع من تعيينه، يحبسه حتَّى يعينه، وحبس الممتنع من حقِّ الله تعالى» (3)، بالإضافة إلى وجوه أخرى قد يراها القاضي ضروريَّة. وتحدَّث ابن سحنون عن مدَّة السجن فذكر السنَة وستَّة شهور، والشهر، للمتَّهم بالدماء، إن لم تثبت التهمة، وإنَّما وُجد المقتول بالقرب منه (4).
وليس بخَافٍ أنَّ أغلب هذه الوجوه قد عرفها القضاء في المغرب الإسلامي فسجن بسببها، وكان أبو القاسم الطوري ـ الذي ولي مظالم القيروان في آخر دولة الأغالبة ظريفا مليحا ـ إذا وجب على رجل السجن أخذه واستصحبه، وسأله البلوغ معه في حاجة وضاحكه، ويأخذ بِهِ إلى طريق السجن، فإذا وقف بِهِ
__________
(1) - يذكر ابن قتيبة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حبس في التهمة حبسا يسيرا حتَّى استبرأ. في حين ذكر بعضهم أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر - رضي الله عنه - لم يكن لهما سجن ولا سجنَا أحدا. انظر: عيون الأخبار، 1/ 72. النبهاني: قضاة الأندلس، 206. وانظر صبحي الصالح: النظم، 321 - 322.
(2) - النبهاني: قضاة الأندلس، 206. وانظر: الثميني: الورد البسَّام، 124 - 125. ويقول ابن تيميَّة «إنَّ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيِّق، وإنَّما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرُّف بنفسه». انظر: مجموع الفتاوي، ج35/ 398 - 399. وانظر: مولوي: الإدارة العربيَّة، 105.
(3) - ابن فرحون: تبصرة، 136.
(4) - ابن سحنون: أجوبة (مخ) ق61و. (2/572)
صفحة 580
على السجن قال له اصعد وسننظر في أمرك فكان إذا نُظر إليه يقصد السجن فزع كلّ من كان يمشي معه» (1).
ويبدو أنَّ قضاة الأغالبة كانوا كثيرا ما يلجأون إلى حبس المجرم، فقد وجدنا العديد من العلماء فضلا عن العامة أدخلوا السجن (2)، بل إنَّ من القضاة من زجَّ بِهِ في تلك السجون كعبد الله بن أحمد بن طالب الذي قتل في السجن وعبد الله بن أبي الجواد الذي تأثَّر بأسواط سحنون فمات في السجن، ومحمَّد بن مفرج المعروف بابن الشاعر قاضي قسطيلية الذي حبس في سجن الأربس إلاَّ أنَّه أخرج منه (3).
ويذكر النويري أنَّ زيادة الله الثالث لمَّا وصلته أخبار هزيمة الأغالبة أمام الشيعي أبي عبد الله «أظهر أنَّه جاءه الفتح وأرسل إلى السجون فأحضر رجالا منها فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم في القيروان ... » (4)، وهذا من الظلم الفاحش الذي أنهى بِهِ الأغالبة حكمهم لإفريقيَّة، وكأنِّي بهذا الأمير أراد أن يُشغل الرعيَّة بتلك المجزرة عن حقيقة استعداداته للهروب بنفسه وخزائن إفريقيَّة إلى المشرق.
وإذا تطرَّقنا إلى الظروف التي كان يعيشها المساجين في سجونهم بإفريقيَّة وجدنا القاضي عياض يذكر أنَّه مَرَّ عيسى بن مسكين يوما على سجن فأسمعه بعض مِمَّن سجنه ما يكره فكلَّمه في ذلك بعض من حضره، وقال: من يصبر على هذا؟ فقال القاضي عيسى بن مسكين «من أين كلَّمني؟ قالوا من السجن فقال لهم: ليس عليَّ أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء أو نحو هذا» (5).
__________
(1) - الخشني: طبقات، 164 - 165. نوال تركي: التنظيمات، 195.
(2) - أبو العرب: طبقات، 141. المحن، 472، الخشني: طبقات، 151، 152.
(3) - أبو العرب: المحن، 475. ابن عذاري: البيان، 1/ 110، 142.
(4) - النويري: نهاية الأرب، (الفاطميون) 39.
(5) - عياض: تراجم، 238. (2/573)
صفحة 581
إنَّ هذه الشفقة التي أظهرها عيسى بن مسكين تجاه المساجين نجد أكثر منها عند أبي عمرو هاشم بن مسرور المتوفِّى سنة 307هـ، وكان صاحب فرن، قال «كتب إليَّ أهل السجن رقعة يذكرون لي فيها ما هم فيه من الجوع والضيق وسوء الحال ويستحكمون الله عزَّ وجلَّ عليَّ وكنت في ضيق من الحال، ولم أجد ما أمد يدي إليه إلاَّ مهراسا من نحاس كان عندي من تركة أبي فبعته بنحو ثلاثة دنانير واشتريت لهم قمحا، وعملته خبزا ومضيت بِهِ إلى السجن وفرَّقته عليهم» (1).
إنَّ هذه الرواية تشير بوضوح إلى ظروف قاسية كان يعيشها بعض المساجين في أواخر عهد الأغالبة وأوائل عهد الفاطميين بإفريقيَّة.
وممَّا يدلُّ على وفرة المحبوسين عند الأغالبة أنَّ أحد رجال سوسة الفضلاء من أصحاب سحنون كان ابن الأغلب يزوره فسأله الأمير مرَّة هل له حاجة يريد قضاءها فامتنع الرجل وعزم عليه الأمير فقال عندئذ ثلاث حوائج قال هي مقضية فما هي؟ وكان ثالثتهنَّ إخراج مَن بالسجن من المحبوسين «وكان ذنبهم عنده عظيما» (2)، ويبدو أنَّ هؤلاء من المساجين السياسيين وليسوا من مساجين القضاء لأنَّ العلماء لا يتدخَّلون في شؤون القاضي إلاَّ أن يكون قاضي جور.
وتشبه هذه الرواية التي كانت للأغالبة رواية أخرى للرستميين على عهد أبي اليقظان بن أفلح الذي جاءه أحد فقهاء تيهرت البارزين واشتكى إليه جور صاحب حرسه عندئذ أمر أبو اليقظان بإطلاق سراح كلّ من حبس في تلك الليلة إجلالا لذلك الشيخ الورع (3)، وتطبيقا لتدخُّله ونصيحته، ويعلِّق الشمَّاخي
__________
(1) - المالكي: رياض، 2/ 148 - 149. وانظر مولوي إذ يذكر أنَّ الناس كانوا يعطون المساجين صدقات لمعيشتهم وظلَّ ذلك قائما حتَّى أبطله عليَّ بن أبي طالب الذي تولَّى الإنفاق على المساجين من موارد بيت المال. الإدارة العربيَّة 309.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 486. عياض: تراجم، 300 - 302.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 83. الشمَّاخي: سير، 223. (2/574)
صفحة 582
على هذا التسريح قائلا «إنَّما ذلك فيمن أخذ تأديبا لا من عليه حدٌّ من حدود الله» (1).
ومثل الأغالبة كانت السجون عند الرستميين في مختلف الأقاليم، بل هناك من يحبس في منزله (2) أو في المسجد (3)، فضلا عن السجون التابعة للدولة (4). ولعلَّ ذلك قبل أن يصدر الحكم على المتَّهم فيحبس في السجون المخصَّصة لذلك أو يترك لسبيله.
ويشبه عمروس بن فتح قاضي جبل نفوسة للرستميين أبا القاسم الطوري صاحب مظالم القيروان للأغالبة، وقد سلف ذكره، فكان عمروس يوما يبحث في حقيقة العير التي ادَّعتها مجموعتان، ولمَّا تمكّن من معرفة أصحابها الحقيقيين من الغاصبين المدَّعين، أخذ الجميع إلى والي نفوسة أبي منصور إلياس فقال مازحا «هؤلاء أصحاب الرفقة وهؤلاء أضيافك يكنِّي بذلك عن حبسهم والإنكال بهم» (5).
وإذا كان في المغربين الأدنى والأوسط سجون فلا يشذ عن ذلك المغرب الأقصى، وإن سكتت المصادر القليلة عنها، ويكفي أن نشير إلىلدارين اللتين اتَّخذهما الأمير المدراري حبسا لعبيد الله المهدي، وابنه أبي القاسم لمَّا اكتشف أمر وجودهما في عاصمته سجلماسة (6).
__________
(1) - الشمَّاخي: سير، 223.
(2) - الشمَّاخي: سير، 274.
(3) - أبو العرب: المحن، 472. الشماخي: سير، 248
(4) - ابن الصغير: أخبار، 83، 101. عبد الوهَّاب: مسائل، 179. أبو زكرياء: السيرة، 148. الدرجيني: طبقات، 1/ 86.
(5) - الشمَّاخي: سير، 226. الباروني: الأزهار، 2/ 252.
(6) - النويري: نهاية الأرب (الفاطميون)، 44 - 45. وانظر: بوبة مجاني: النظم الإداريَّة، (أطروحة) 29، 33 وما بعدها. (2/575)
صفحة 583
ولم تتحدَّث مصادرنا التاريخيَّة عن حبس النساء الأمر الذي وجدناه في المصادر الأخرى، فابن عبدون الأندلسي يقول «لا تسجن النساء مع الرجال في سجن واحد، لا يكون سجَّان النساء إلاَّ شيخا مزوَّجا عفيفا، ويُتفقَّد سيرته فِيهِنَّ ولا يطول سجنهنَّ» (1). وذكر كذلك أنَّه من الواجب على القاضي أن يسجن من وجب عليها الحبس من النساء «عند امرأة قابلة خيِّرة قد عرف القاضي فضلها ... ويجعل لها القاضي أجرة على ذلك من بيت مال المسمين» (2).
لا نستبعد إطلاقا أن يكون قضاة بلاد المغرب الإسلامي قد حبسوا النساء في سجون غير سجون الرجال تفاديا للاختلاط، وما يمكن أن ينجرَّ عنه إلاَّ أنَّنا لا نعرف ما إذا اتَّخذوا نساء وبيوتهنَّ سجونا للمجرمات من النساء وأجروا لهنَّ أرزاقهنَّ من بيت المال.
والخلاصة إنَّ هذه الأنواع من العقوبات على كثرتها، لا يراد بها إلاَّ العدل الخالص وهو غاية صعب منالها يكفي أنَّ أغلب قضاة المغرب كانوا ذوي نيات حسنة في قضائهم حاولوا جهدهم لتحري الحقيقة وتطبيق الحكم القضائي الشرعي (3) الأكثر عدلا، وكلّ ذلك مخافة الجور وبوائقه.
ومهما تعدَّدت أنواع العقوبات التعزيريَّة والتأديبيَّة في المغرب الإسلامي قبل عهد الفاطميين، فإنَّ هؤلاء الأخيرين ابتكروا أنواعا جديدة أكثر صرامة وأبعد عن الشرع وأقرب إلى المثلة كقطع اللسان والقتل بالمرضاخ والضرب عريانا، والتطويف عريانا على حمار (4). فلقد شهدت فترة الفاطميين «كافة ضروب التعذيب البشع من خلع الأسنان إلى سمل الأعين وبقر
__________
(1) - ابن عبدون: رسالة، 209.
(2) - نفسه 209.
(3) - علي أحمد: القضاء في المغرب، 45.
(4) - أبو العرب: طبقات، مقدِّمة المحقِّقين، 18 - 19. وانظر: كتاب المحن، 473 - 477. (2/576)
صفحة 584
البطون ... وكانت أيامـ[هم] ... صعبة جدًّا ... » (1)، ثقلت على الرعيَّة ببلاد المغرب فلم يستسيغوا حكم الفاطميين، ولم يقبلوه فلم يهدأ لهم بال حتَّى ألجؤوهم إلى المشرق شبه مطرودين.
المبحث الثاني
مظاهر العدل والجور في القضاء بالمغرب
أ ــ مظاهر العدل
إنَّ العدل في القضاء بالمغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) ظاهرة عامَّة، وَهُوَ الغالب الأعمُّ في جميع الكيانات السياسية، التي قامت في ربوع المغرب خلال تلك الفترة.
وتتجلَّى مظاهر العدل في عدد من العناصر نبدؤها بعلوّ كعب القضاة في العلوم، ولقد رأينا أنَّهم من أبرز علماء المغرب في زمانهم، أخذوا العلم عن أبي حنيفة ومالك وأبي عبيدة مباشرة أو عن تلاميذهم المباشرين فيما بعد الفترة الأولى من القضاء التي تمتدُّ إِلىَ قيام دولة الأغالبة سنة 184هـ/800م، بل إن منهم من ترك مؤلفات متميِّزة في مذهبه لا تزال مقصد العلماء إِلىَ يومنا هَذَا وموضع إعجابهم (2).
فلا غرو أنَّ هَذَا العلم الذي كان ميزة ذلك العصر بحيث كان العلماء يتنافسون في تحصيله، وبخاصة علم الفقه، من العوامل التي تحرّض عَلَى العدل وتجنب صاحبه الوقوع في الجور فضلاً عن أن يقصده في أحكامه.
__________
(1) - محمود اسماعيل: مغربيات، 77. وانظر المالكي: رياض: 2/ 174. هو بكنز: النظم، 243 - 244.
(2) - انظر المبحث الأوَّل من الفصل الأوَّل من الباب الثاني؛ والمبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الثالث. (2/577)
صفحة 585
ونتيجة لهذا العلم الفائض عند أغلب قضاة المغرب؛ رفض الكثير مِمَّن عُرض عليه القضاء توليه شفقة عَلَى نفسه من مسؤوليَّته الخطيرة وخوفا من الوقوع في الجور. فكان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «القضاة ثلاثة» (1) بين عيني قضاة المغرب دائمًا، يقودهم ويوجِّههُم الوجهة التي يريدها الله ورسوله ويرتاح إليها ضميرهم ويرضى بها الإنسان الذي جُبل عَلَى حبِّ العدل والميل إليه عندما تكون سوقه رائجة وخيره فائض.
نتيجة لهذا العلم إذن وبمثل هَذِهِ الأحاديث الصارمة تجاه القضاة، رفض أغلب من عرض عليه القضاء المنصب، ولقد رأينا كيف أن ابن فروخ أجبر للجلوس للحكم بين الناس في المسجد فلم يجد وسيلة إِلاَّ البكاء أمام المتخاصمين بعد أن أعيته جميع الوسائل الأخرى، أمام إصرار الوالي القوي روح بن حاتم (2) وماطل سحنون بن سعيد الأمير الأغلبي عامًا كاملاً (3) علَّه يتركه إِلىَ غيره، ولكن إصرار أبي العبَّاس محمَّد بن الأغلب كان أقوى من مماطلة سحنون وإبائه. ولم يتولَّ عيسى بن مسكين القضاء لإبراهيم الثاني إِلاَّ بعد أن هدَّده هَذَا الأخير بتولية جائر، إن رفض المنصب، عندئذ لم يجد حلاًّ أمامه سوى الرضوخ للواقع، (4) فتولاَّه مخافة أن يكون مسؤولاً عن الجور الذي يصدر عن القاضي الذي وصفه الأمير نفسه بالجور ... وكذلك الأمر بالنسبة لمحكَّم الهواري، الذي أبى أن يقبَل المنصِب، لولا أن حمَّله الشراة مسؤولية كلّ دم يراق بغير حقِّه، أو فرج يُوطأ بغير وجهه. ثمَّ قالوا له «اتَّقِ
__________
(1) - «القضاة، ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنَّة» حديث مشهور، انظر عنه وكيع: أخبار القضاة، 14 هامش1، وص14 - 19.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 183.
(3) - عياض: تراجم، 99.
(4) - الجودي: تاريخ قضاة، (مخ) 15و؛ ابن عذاري: البيان، 1/ 109. (2/578)
صفحة 586
الله ولا تُخالِف الإمَام والمسلمين» (1) لأنَّ في مُخالفتِهم التهلُكَة كلّها؛ فأجبروه بذلك عَلَى قبول القضاء.
إنَّ هؤلاء القضاة؛ هم الذين اعتبروا تولِّي المنصب بلاء، ألم يقل إسماعيل بن درار الغدامسي لشيخه لمَّا سأله هَذَا «أتريد أن تكون قاضيًا يا بن درار؟» فأجابه «أرأيت إن ابتليت بذلك! فبماذا تأمرني يرحمك الله؟» (2) وقال مثل ذلك سحنون بن سعيد لمن أنَّبه عَلَى قبوله القضاء من العلماء الزهَّاد، إذ بعدما قدَّم له الحجج والتبريرات التي ألجأته إِلىَ قبول المنصب، ختم قائلا «وبعد هَذَا كلّه فقد ابتليت، فعليك بالدعاء فألزمه لي نفسك والسلام عليك» (3) وكان عيسى بن مسكين عندما يتحدَّث عن أيَّام قضائه يقول «كنت في بليَّتي ... وكنت أيَّام تلك المحنة ... » (4) واعتبر القاضي الرستمي محكم الهواري القضاء كالحق المر وقال «إنَّ الحقّ مرّ أمرّ من شرب الدواء ولا يشرب الدواء إِلاَّ كرهًا» (5) أمَّا ابن طالب القاضي الأغلبي الذي ابتلي بلاء كبيرًا في قضائه فكان يدعو قائلاً «اللهمَّ لا تُمِتْني وأنا قاضٍ فمات بعد عزله نحو شهر» (6).
إنَّ أمثال هؤلاء القضاة في الورع والدين والعلم، كيف وأنَّى يكون منهم الجور وهم الذين هربوا منه واعتبروا القضاء بليَّة يبْتَلِي الله بها عبده ويمتَحِن علمَه وصبْرَه عَلَى قولِ الحقّ، بخاصة إذا كان في عهد حاكم جائر.
ومن مظاهر العدل البارزة، كذلك تلك الاستشارات الواسعة التي عقدها الولاة والأيمة الأمراء في بلاد المغرب؛ لاختيار القضاة: فالقاضي أبو المغيرة عبد الله
__________
(1) - ابن الصغير:50.
(2) - الدرجيني: طبقات، 1/ 21.
(3) - المالكي: رياض، 1/ 425.
(4) - عياض: تراجم، 252.
(5) - ابن الصغير: 50.
(6) - الجودي: تاريخ، (مخ)، ق 14، و. (2/579)
صفحة 587
بن المغيرة، انتقاه الخليفة عمر بن عبد العزيز، انتقاء جيِّدًا لأمانته وصدقه، (1) وعبد الله بن عمر بن غانم نصح به عبد الله بن فروخ، وقيل أشار به أبو يوسف للوالي روح بن حاتم عند خروجه من بغداد إِلىَ القيروان لتولي ولاية إفريقيَّة. وكانت قضاة عبد الرحمن بن رستم مختارة عَلَى حدّ قول ابن الصغير، (2) واستصلح أبو اليقظان بن أفلح لرعيَّته قاضيًا «بعد أن شاور جماعة» (3) وكذلك فعل ابنه أبو حاتم يوسف، لمَّا «جمع مشايخ البلد إباضيتها وغير إباضيتها فاستشارهم فيمن يوليه قضاء المسلمين» (4).
وفعل مثل ذلك إدريس الثاني لمَّا اختار قاضيَه: عامر بن محمَّد بن سعيد القيسي، من بين ذلك الوفد الكبير الذي جاءه من إفريقيَّة والأندلس (5) أمَّا عند الأغالبة فإنه تكفي الإشارة إِلىَ أن أعتى أمرائهم عَلَى الإطلاق وَهُوَ إبراهيم الثاني ابن أحمد، الذي وُصِف بالجور والجنون بخاصة في أخريات أيَّامه، وبعد أن عين العديد من القضاة وعزلهم، مع ذلك كان يستشير، فقد بعث إِلىَ عيسى بن مسكين ولمَّا مَثُل بين يديه قال له «إني طلبتك لأشاورك في رجل قد جمع خلال الخير، أردت أن أولِّيه القضاء وألمَّ به شعث هَذِهِ الأمة» (6).
لقد كان العدل بارزًا إذن، من خلال هَذِهِ النية الصادقة التي كان يتَّصف بها أغلب حكام بلاد المغرب، فعملوا ما بوسعهم لاختيار قضاتهم. وعمل هؤلاء القضاة جهدهم لتحَرِّي العدل في أحكامهم. ولَعَلَّ صورة العدل تتضح
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 127.
(2) - أخبار، 35، 77، 101.
(3) - ابن الصغير، 35، 77، 101.
(4) - ابن الصغير، 35، 77، 101.
(5) - ابن أبي زرع: الأنيس، 29.
(6) - الجودي: تاريخ قضاة، (مخ)، ق15 و. (2/580)
صفحة 588
أكثر من خلال هَذِهِ النماذج الحيَّة من مظاهر العدل، بل هي صور ناطقة بالعدل المطلق، مارسه أغلب القضاة وشجَّعه بعض الحكَّام.
لا شكَّ أنَّ الجور كان سمة العهد الأخير من الحكم الأموي، بخاصة بعد عهد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - (99هـ - 101هـ)؛ وَهُوَ السبب في انهيار دولتهم وقيام دولة العباسيِّين التي حاولت أن تقضي عَلَى جور بني أمية. ويبرز هَذَا في المحاورة التي جرت بين قاضٍ كان في القيروان أيَّام بني أمية وبين الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي؛ إذ قال هَذَا الأخير للقاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم الشيباني الإفريقي: «يا ابن أنعم؛ ألاَ تحمد ربَّك الذي أراحك مِمَّا كنت ترى بباب هشام بن عبد الملك وذوي هشام؟ ... فقال عبد الرحمن: ما أمرٌ كنت أراه بباب هشام؛ إِلاَّ أنَّني أرى اليوم منه طرفًا بالقيروان. فبكى لها أبو جعفر ثمَّ قال له: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا ... فقال: إني رأيت السلطان سوقا وإنَّما يرفع إِلىَ كُلِّ سوق ما يجوز فيها ... فبكى لها أبو جعفر ... » (1) وعيَّنه قاضيًا بعد أن استقامت له إفريقية واستعادها من الإباضيَّة عام 145هـ/762م، وكانت سيرته القضائيَّة محمودة مشكورة في عمومها.
أمَّا القاضي أبو كريب عبد الرحمن (جميل) بن كريب الذي استقضي أيَّام ثورة ورفَجومة الصفرية، والذي كان أحد ضحاياها سنة 139هـ/756م، فإنَّه لحرصه عَلَى الحقّ والعدل «كان ربَّما تبين له الحكم بالليل، فيأتي دار من ثبت الحقّ له فيقرع عليه بابه ... ويأمره بِأَن يحضر صالحي جيرانه ليشهدهم له، فيقول له: لو تركتَ هذا إلى الغد، فيقول القاضي: فلو متُّ أنا في ليلتي هَذِهِ، أمَا أكون أنا الذي أضعت عليك حقَّك؟» (2).
إنَّ هَذِهِ المحاسبة الدقيقة للنفس، وهذه الصرامة في العدل تتجلَّى عند هَذَا
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 100 - 101؛ وكيع: أخبار القضاة، 3/ 215.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 171. (2/581)
صفحة 589
القاضي لما أوقَف أحد الولاة من الفهربيين (1) أمام خصمه في الجامع، فقال له أبو كريب «ما تقول فيما ادعاه (خصمك) بحضرتك؟»؛ فأنكر (الوالي) دعواه فطلب خصمه يمينه، فاستحلفه أبو كريب، فأبى ... أن يحلف. فقال له أبو كريب: «إنِّي أحكم عليك بنكولك عن اليمين». وبالفعل حكم القاضي عَلَى هَذَا الوالي لخصمه من الرعيَّة، وقد كان أبو كريب رائعًا وشجاعًا في حكمه، وكان الوالي أروع وأشجع لمَّا قال بعد ذلك الحكم «الحمد لله الذي لم أمت حتَّى جعلت بيني وبين الله عزَّ وجلَّ من يحكم بين عباده بالحقِّ»، فقال أبو كريب «وأنا أقول: الحمد لله الذي لم أمُت حتَّى رأيت أميرًا يشكر الله عزَّ وجلَّ بالقضاء عليه بالحق» (2).
وكان هَذَا القاضي ربَّما وُجِد وحيدًا في المسجد، فيقال له: إنَّ الناس قد انصرفوا فلماذا لا تنصرف أنت إِلىَ دارك؟ فيقول لهم: «ومن لي بالملهوف المضطرّ إذا قصدني فلم يجدني؟» (3) وتشبه هَذِهِ القصة ما روي عن القاضي يزيد بن الطفيل الذي يجلس في مجلس قضائه بالمسجد ولا يأتيه أحد لقلَّة الخصومات في ذلك الزمان فينعس (4).
ومن المعروف أنَّ هَذَا القاضي تولَّى المنصب مرَّتين: إحداهما عَلَى عهد بني أمية، وأخراهما في عهد يزيد بن حاتم (155 - 171هـ)، ولعلَّ القصَّة تشير إِلىَ هَذِهِ الفترة الثانية.
__________
(1) - النص يذكر الوالي: يزيد بن حاتم، الذي تولَّى ولاية المغرب سنة (155 - 171هـ) في حين نعلم أنَّ أبا كريب القاضي استشهد في معركة ضدَّ الصفريَّة سنة 139هـ. انظر: رياض، 1/ 169 - 170.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 163 - 170، وانظر: رواية مشابهة وقعت للقاضي: أحمد بن أبي محرز، في عهد الأغالبة، وقد سبقت الإشارة إليها. الدباغ: معالم، 2/ 45.
(3) - نفسه، 1/ 171.
(4) - أبو العرب: طبقات، 106؛ المالكي: رياض، 1/ 173. (2/582)
صفحة 590
وشَتَم رجلٌ القاضي عبد الله بن عمر بن غانم، وأغرق في سبِّه لأنَّه كان قد حُكم عليه لصالح أخت هذا الرجل، والقاضي حليم به لم يأبه إلى سبِّه ولا إلى شتمه، بل إنه لمَّا التقيا مرَّة أطعمه وبرَّه، ولمَّا أراد مفارقته قال له الرجل: «يا أبا عبد الرحمن، اغفر لي ... فقال: أمَّا هذا فلست أفعله حتَّى أخاصمك بين يدي الله تعالى، وأمَّا أن ينالك في الدنيا مكروه أو عقوبة فأنت آمن من هذا» (1) وهكذا تركه لتوبيخ ضميره بعد أن أمَّنه في دنياه، وهو القادر أن يفعل به ما يشاء باسم القضاء والقانون.
ومن مظاهر العدل كذلك تلك الظاهرة الفريدة من نوعها، وهي أن يعرض القاضي ممتلكاته عَلَى الناس من تلقاء نفسه، ويقول لهم «إني قد أحضرت إليكم جميع مالي لأريكم إيَّاه، فإن زدت عَلَى ما ترون شيئًا فأنا خائن ... » (2) ومن نافلة القول، إنَّ هَذِهِ الممارسة لا زالت قائمة إِلىَ يومنا هَذَا في بعض الأنظمة تفرضها قوانينها فرضا واجبًا عَلَى كلّ من يتولى شيئًا من وظائفها العليا.
وفي عهد إبراهيم الثاني الأغلبي، الذي امتاز عهده بكثرة الروايات التاريخيَّة لطول حكمه من جهة، وتقلُّباته العديدة التي أثَّرت على الرعية من جهة أخرى (3) عُزل القاضي عبد الله بن هارون السوداني الحنفي (حوالي 278هـ إِلىَ 280هـ/891م - 893م) فوقفه الأمير في جامع رقادة في بيت من حصر وأمر عيسى بن مسكين القاضي من بعده بالنظر عليه، فلم يجد قِبله شيئًا مكروها ولا أحدًا مطلوبًا، ولمَّا أعلم الأمير بذلك، وقال له: قد نظرت عليه فلم أجد إليه سبيلاً عندئذٍ، قال الأمير إبراهيم الثاني «الحمد لله الذي صدق ظني به فما ظننت إِلاَّ خيرًا» (4).
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 193.
(2) - أبو العرب: طبقات، 167؛ وانظر نوال تركي: التنظيمات، (أطروحة) 185، 209.
(3) - لقد خصَّص له محمَّد الطالبي فصلا مستقلا هو الفصل الخامس من كتابه الدولة الأغلبية، وعنوان الفصل: عصر إبراهيم الثاني العظمة والجنون- الذروة والأفول. 295، 349.
(4) - الخشني: طبقات، 238. (2/583)
صفحة 591
وكان القاضي عيسى بن مسكين لحرصه عَلَى العدل، يقوم في الليل فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها عَلَى السداد (1).
وربما جار بعض ولاة الأمور واعتدوا عَلَى الناس وبخاصة في أواخر عهد الأغالبة فَهَذَا عامل القيروان عَلَى عهد زيادة الله الثالث يقتل إنسانا بغير حقّ، فتوجَّه إليه القاضي حماس بن مروان يعظه في سفك الدماء فأنف العامل، وقال «ما لحماس وَهَذَا؟ أنا سلطان أنظر في الدماء» فتوجَّه القاضي إِلىَ تونس حيث يوجد الأمير الأغلبي، واستطاع بصعوبة أن يدخل عليه فأخبره الخبر، فكتب زيادة الله بعزل العامل عن القيروان والتوجيه فيه. وصرف حمَّاسًا مكرَّمًا (2).
إنَّ هَذِهِ الأمثلة الرائعة من القضاء العادل في إفريقيَّة عَلَى عهد الولاة والأغالبة نجد أشباهها عند قضاة الرستميِّين. فالإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم ـ الذي أكثرت المصادر من رواية أخباره، تمامًا مثل الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي، ربَّما لطول مدَّة حكمه هو الآخر، من جهة، ولإقامته فترة من الزمن بجبل نفوسة وحربه للأغالبة من جهة أخرى ـ عندما كان بنفوسة يذكر البغطوري أنَّ أهل عسكره أطلق مواشيهم في الأصل (3) فكان الفساد منهم، فأتاه أبو عبيدة عبد الحميد الجناوي، أحد القضاة فيما بعد فقال له «إنَّ أصحابك أطلقوا في الأصل فكان الفساد منهم، فإن لم تعلم فقد أعلمناك، فإن علمت وتركت فليس بيننا وبينك، إِلاَّ هَذَا وضرب، عَلَى قائم سيفه بيده. وكان الإمام متَّكئًا فقعد ... وقال: صدق والله ... قالها ثلاثا» (4).
__________
(1) - عياض: تراجم، 238.
(2) - نفسه: 349.
(3) *- لعلَّ المقصود بالأصل هو الأراضي المخصَّصة لزراعة القمح والشعير.
(4) - البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ) ق 75. (2/584)
صفحة 592
لقد تجرَّأ عبد الحميد الجنَّاوي أن يخاطب إمامه بذلك الخطاب الصارم وأن يصدع له بالحقِّ، رغم ما وصف به الإمام عبد الوهَّاب من هيبة ورهبة تتجلَّيان في قول ابن الصغير « ... كان ملكًا ضخمًا وسلطانًا قاهرًا» (1) اشتدَّ أمره وقوي عليه «وانتقل من حال الإمامة إِلىَ حال الملك» (2).
أمَّا محكَّم الهواري قاضي تيهرت فإنَّه عندما علم أنَّ أخ الإمام أفلح جاءه وجلس إِلىَ جانبه وشرب من عنده وَهُوَ خصم لرجل من الرعيَّة جاء يشتكي منه عنده فخاف العاقبة رأى ذلك المنظر فتردد «في الدخول عند القاضي ولحسن حظه لمحه هَذَا الأخير فاستفسره عمَّا يريد، فأخبره الخبر عندئذ غضب القاضي غضبًا كبيرًا ووبَّخ أخ الإمام، وأوقفه أمام دار القضاء، حيث كان خصمه، وأجلس هذا الخصم إلى جانبه حيث كان أخ الإمام وناوله الماء تمَامًا، مثلما فعل مع الأول ثمَّ أجلسهما متساويين أمامه وحكم عَلَى أخ الإمام لصالح خصمه» (3).
ولمَّا وصل خبر هَذِهِ القضيَّة عند الإمام أفلح بشكوى أخيه من القاضي، قال له أفلح إنَّ «الصواب ما فعل والحقّ أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هَذَا لكان مداهنًا» (4).
وتبدو صرامة القاضي عند الرستميِّين وإيثاره للعدل المطلق في القاضي: محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ، الذي كان يرى أنَّ الأيمَّة وأبناءهم من المفروض أن يكونوا فوق كلّ الشبهات، وينبغي أن يكون الجميع قدوة طيِّبة للرعيَّة. لذا
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 43 - 44.
(2) - نفسه، 51 - 52.
(3) - نفسه، 51 - 52.
(4) - نفسه، 52. (2/585)
صفحة 593
نجده استقال من منصب القضاء مغضبا؛ لأنَّه لاحظ أنَّ أحد أبناء أبي اليقظان ارتكب بعض الأخطاء مستغلاًّ في ذلك كونه من أبناء الإمام عَلَى حدّ تعبير الدكتور محمَّد الحريري، (1) ولم يصبح الصباح إِلاَّ وقد قصد القاضي أبا اليقظان، فرمى إليه بخاتم القضاء وقمَطره، حتَّى لا يتحمَّل مسؤولية بعد ذلك أمام الله، وحتى يقدم درسًا أو نصيحة ربَّما قاسية لجميع أفراد الأسرة الرستمية.
وقد سبق أن ذَكَرنا تلك الرقابة الشديدة التي كان الفقهاء الشراة يتولَّونها عَلَى جميع الوظائف ابتداءًا من الإمامة إِلىَ أدنى مسؤوليَّة في أجهزة الدولة، ولا أدل عَلَى ذلك من الرسالة التي أرسلها أحد هؤلاء الشراة إِلىَ آخرَ في مدينة شباهة بفزان في المغرب الأدنى يطلبه فيها أن يكون عينا عَلَى قاضي البلدة، وأن يعلمه بما يراه منه من خير أو شرّ (2).
أمَّا في المغرب الأقصى فلا نرى أن يشذّ حكام تلك المناطق وقضاتهم، عن هَذَا الجو العام من العدل بخاصة الأدارسة الذين يغلب عليهم المذهب الزيدي الذي يشترط كما يقول محمود إسماعيل، «ضرورة أن يكون الإمام عادلاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لأنَّ القبح في أحوال العباد منهم وليس من الله» (3) وبالتالي وجب أن يكون القضاة عدولاً. تمامًا مثلما يجب ذلك في دولة المدراريِّين انطلاقًا من مذهبهم الخارجي الذي يدعو إِلىَ الحقّ وَإِلىَ المساواة.
والخلاصة، كان القضاة الرستميون «على نزاهة تامَّة وإنصاف لا ينازعهم فيه منازع وذمة بريئة من كلّ شائبة من الشوائب ... » (4) كما كان قضاة الأغالبة
__________
(1) - مقدمات البناء السياسي، 230؛ وانظر القصَّة في ابن الصغير: أخبار، 78 - 80.
(2) - جناو بن فتي وآخر: أجوبة علماء فران، 105؛ وانظر: مقدِّمة المحقِّق، 38؛ الشمَّاخي: سير، 191.
(3) - الأدارسة: 23؛ وانظر ابن عذاري: البيان، 1/ 83 - 84؛ ابن أبي زرع: الأنيس، 53.
(4) - الكعاك: موجز، 182. (2/586)
صفحة 594
وغيرهم في الدول الأخرى «يتحلَّون بدرجة عالية من النزاهة، وعدم المحاباة ... وإنَّ ثمَّة من الأسباب ما يدعو إِلىَ الاعتقاد، بأنَّ القاضي كان يحاول في معظم الأحيان أن يلتزم بالمثل السامية الواردة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف» (1).
تلك شهادة مستشرق عَلَى عدل القضاة ببلاد المغرب والتزامهم الدين القويم، وإخلاصهم لهذه الوظيفة الدينيَّة الإجتماعية مهما كانت الظروف ومهما جار من جار من الحكام.
ب ــ مظاهر الجور في القضاء بالمغرب
إذا كان العدل ظاهرة بعامةفي بلاد المغرب، في فترة موضوعنا ومظاهره من الكثرة بحيث لا نكاد نحصيها، فإنَّ الجور ظاهرة شاذَّة في القضاء ببلاد المغرب، بحيث لا تكاد تظهر حتَّى يقضي عليها العدل الفائض. ومن هنا كانت مظاهر الجور نادرة وفي فترات محدودة ضيقة.
في البداية أشير إِلىَ أنَّ القضاة الذين وصفوا بالجور أو نسب الجور إِلىَ حُكمهم يكاد يكونون كلّهم من الأحناف أو المعتزلة في إفريقيَّة؛ لذا لاحظت أنَّ الصراع المذهبي ألجأ إِلىَ نوع من الجور، ولا أقول الجور المطلق؛ لأنَّ رواياتنا في هَذَا المجال إِنَّمَا هي روايات مَالكِيَّة في مصادر مَالكِيَّة. وبالتالي لا نرتاح كلّ الارتياح إِلىَ ما ذكرته تلك المصادر في هَذَا الخصوص؛ هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون الجور من القاضي، إِلاَّ ويكون الوالي أو الأمير أو الإمام وراء ذلك لا محالة.
لقد لا حظت أنَّ الصراع المذهبي ألجأ إِلىَ نوع من الجور كما أنَّ بعض الجور الذي اقترفه بعض القضاة، إِنَّمَا كان بإيعاز من بعض الحكام ببلاد المغرب
__________
(1) - هوبكنز: النظم، 218. (2/587)
صفحة 595
بحيث كانوا أقوى نفوذًا وشخصية من قضاتهم الذين من المفروض أن يكونوا أقوياء بصرامتهم وهيبتهم، إِلاَّ أنَّ ركونهم إِلىَ الدنيا، عَلَى ما يبدو، أورثهم ذلاًّ وضعفا أمام الحكام، فاستكانوا لغلبتهم وسلطانهم، وقبلوا ما يملى عليهم. ولحسن الحظ لم يكن هؤلاء القضاة بالكثر، هَذَا إن سايرنا ـ كما قلنا ـ ما ذكرته المصادر المَالكِيَّة عن القضاة الأحناف والمعتزلة.
لعلَّ أوَّل القضاة الذين وصفوا بالجور فعلاً، في وقت لم تكن فيه المذهَبيَّة قد طغت في إفريقيَّة، بخاصة تلك التي عرفت بين الحنفيَّة والمَالكِيَّة والمعتزلة، هو ماتع بن عبد الرحمن، الذي عيَّنه الوالي يزيد بن حاتم (155 - 171هـ/771 - 787م) قاضيا في القيروان بعد عزل عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم، أو انعزاله من تلقاء نفسه سنة: 159هـ/775م.
يذكر أبو العرب أنَّ القاضي ماتع بن عبد الرحمن الرعيني «كان، فيما ذكروا، رجل سوء» (1) ويوضح هَذَا السوء قائلاً، بأنه «كان إذا سجَّل القضيَّة وختم في أسفلها يكتب تحت الطابع «بقي شيء ـ يعني الرشوة ـ» (2) ويضيف أبو العرب عن ماتع أنه خلَّف بعد موته طومارًا مكتوبًا فيه «إنما حكمت لفلان عَلَى فلان؛ لأنَّ فلانًا سألني فيه» يعني بعض السلاطين» (3).
إنَّ ما ذكره أبو العرب عن هَذَا القاضي من السوء نجد الذين جاؤوا من بعده ينقلون عنه أخباره، (4) التي تتخلَّص في قبول الرشوة والحكم لصالح من لا حقّ له خضوعًا لبعض الحكام الأقوياء في زمانه.
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 104.
(2) - نفسه، 104.
(3) - نفسه، 104.
(4) - المالكي: رياض، 1/ 159؛ الحشني: طبقات، 186. (2/588)
صفحة 596
ويبدو أنَّ هَذَا القاضي شعر بالجور الذي كان يرتكبه، ومن هنا ترك ذلك الطومار أو الدفتر شهادة بينه وبين الله؛ يكشف فيه جوره في بعض القضايا كما يكشف فيه تدخل بعض الحكام في القضاء وإجبار القاضي عَلَى الحكم لهذا الخصم ضدَّ الآخر جورًا وابتعادًا عن العدل.
لكن السؤال المطروح ههنا من يكون هؤلاء الحكام الذين عبر عنهم أبو العرب بالسلاطين الذين تدخلوا في شؤون القضاء؟ هل هو الوالي يزيد بن حاتم؟ علما بأنَّ القاضي ماتع بن عبد الرحمن إِنَّمَا استقضي في فترة من عهد هَذَا الوالي لا غير؟
إنَّ السيرة التي ذكرت لهذا الولي تنم عن إيمان خالص وشخصية قويَّة وكرم وعزَّة نفس (1) فلعل هَذِهِ الصفات هي التي جعلت الوالي يزيد بن حاتم يطلع عَلَى شؤون القضاء ويقول فيها كلمته، ولقد عرفنا أنَّه فتح سجلاًّ لامرأة من خواص حرمته كان القاضي الأسبق عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم قد ختمه بخاتمه وأعطاه لها، فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم الذي كان في صالحها إذ فضَّ خاتم القاضي، فقال لها يزيد لا تجزعي، أنا أوجهه إِلىَ القاضي، فيختمه كما كان. ولكن القاضي ابن زيَاد، لم يكن بهذه السهولة، أبى ذلك إِلاَّ أن تعيد المرأة البيِّنة ... ثمَّ كسَّر خاتمه ودخل بيته، وقال: أنا أسبقه إِلىَ العزل، فخرج بجلده ودرَّته نحو تونس منعزلاً (2).
وممَّا يؤكِّد أنَّ هَذَا الوالي الذي قصده ماتع بن عبد الرحمن في إشارته السابقة، هو أنَّ عزل يزيد بن حاتم لعبد الرحمن بن زيَّاد عن القضاء يعود إِلىَ « ... أنَّه سأله في حكم أن يحكم فيه بغير حقّ فأبى عليه» (3).
__________
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 78، 81 - 82؛ الرقيق: تاريخ، 120.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 158 - 159.
(3) - أبو العرب: طبقات، 99. (2/589)
صفحة 597
لقد كان يزيد بن حاتم رجلاً قويًّا ذا شخصيَّة قاهرة (1) طغت عَلَى القضاة، فإن كان أحدهما انعزل واستقال أو عزل رافضا لتدخل الوالي؛ فإنَّ الآخر رضخ لمطالب هَذَا الوالي، وأصبح يعطي الحقّ لغير أهله، وَهَذَا دليل عَلَى ضعف شخصيَّة هَذَا القاضي وضعف دينه وعلمه؛ ومن هنا حقَّ لأبي العرب أن يشهد قائلاً «ما وجدت عن ماتع عند أحد من مشايخنا علمًا يروونه عنه» (2) ويختم ترجمته العابرة غير المقصودة، بأنَّه «لم يُعلم من قضاة إفريقيَّة الذين تقدَّموا ماتعًا أسوأ حال منه» (3).
لقد كان هَذَا القاضي ـ إذن ـ فريدًا من نوعه بإفريقيَّة لم يسبقه جائر ولا جاهلٌ في هَذَا المنصب، وَهَذَا يؤكِّد مقولتنا: إنَّ القضاة الجورة الذين لا علم لهم شواذّ بإفريقيَّة وبلاد المغرب خلال عهد الولاة، وبالتالي يمكن أن نؤكّد أنَّ العدل في القضاء عَلَى عهد الولاة كان هو الأغلب الأعمّ، إذ أنَّ ماتعًا تولىَّ المنصب في أواخر ذلك العصر.
إنَّ شخصية الوالي كانت أقوى من شخصية القاضي؛ فأدت إِلىَ الجور، ألم نقل إنَّ القاضي الجائر ببلاد المغرب لا يكون جائرًا إِلاَّ مع سلطان جائرٍ يدفعه إِلىَ جوره دفعًا ويقضي به مآربه؟ ذلك ما حصل بالضبط مع يزيد بن حاتم وماتع بن عبد الرحمن.
إنَّ هَذَا القاضي، إن كان قد حكم بالجور انقيادًا ورضوخًا لفلان أو علان من الحكام أو أصحاب النفوذ، وكتب تلك الشهادة «إنما حكمت لفلان
__________
(1) - يذكر المالكي، أنَّ يزيد بن حاتم أرسل إِلىَ ابن فروخ الفقيه يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى به بأسا، وقال بحضرة الرسول «يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك». رياض النفوس، 1/ 184.
(2) - أبو العرب: 105؛ وانظر المالكي: رياض، 1/ 159.
(3) - أبو العرب: نفسه، 105. (2/590)
صفحة 598
عَلَى فلان لأنَّ فلانًا سألني فيه»، ربَّما نجد له عذرًا في هَذَا ولكن أي عذرٍ نلتمسه له في طلبه للرشوة حيث كان يكتب أسفل القضيَّة «بقي شيء» ويعني بذلك ـ الرشوة ـ؟
إنَّ جميع الملابسات تقضي بأنَّ هَذَا القاضي كان جائرًا فعلاً (1) إِلاَّ أن مصادرنا لم تذكر لنا ضحايا جوره، فلعلهم من العامةالتي لم تهتم المصادر بهم كثيرًا بخاصة منها كتب التراجم والطبقات فإنَّها لا تعير أي اهتمام لِلبعامةإِلاَّ عندما يكون مصيرها مرتبطا بهذا العالم أو ذلك المرابط الزاهد أو أولئك الحكام والجند، ثمَّ إنَّها لم تذكر القضايا التي وقع فيها السوء والجور من قبل هَذَا القاضي؛ أهي اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة ماليَّة، أو أخلاقيَّة أم هي كلها.
ونبقى في إفريقيَّة لنقول إنَّ القضاة الذين جاؤوا بعد ماتع بن عبد الرحمن عَلَى عهد الولاة أو العهد الأوَّل للأغالبة، يبدو أنَّهم عادلون لم يصفهم أحد من مؤرخينا بالجور، بل بالعكس من ذلك وصفوا كلّهم بالعلم والتقوى والتحري في إصدار الأحكام القضائيَّة إِلىَ أن كان القاضي عبد الله بن أبي الجواد الحنفي المعتزلي (221 - عزل سنة 232هـ/835 - 846م) الذي تصب عليه المصادر التاريخية والطبقات المَالكِيَّة جام غضبها وتنعته بالظلم والجور والخبث.
إن هذا القاضي، عَلَى ما يبدو لي، لم يكن جائرا جور من يحكم بالباطل في قضائه فيحقّ الباطل ويبطل الحقّ أو جور من يرتشي كماتع سالف الذكر، وإنَّما هو جور مذهبي إن صحَّ التعبير، فلقد ذكرتُ أن المذهَبيَّة والصراع من أجلها قد ألجآ إلى نوع من الجور. فابن أبي الجواد تولىَّ القضاء في فترة الحكام المعتزلة الذين أمروه بامتحان الناس في معتقدهم في القرآن الكريم أهو مخلوق أم لا؟ ومن هنا جاء
__________
(1) - يقول: هو بكنز، إن قاضيا واحدًا فقط من قضاة القيروان كان يتصرَّف تصرُّفا مشينًا، وَهُوَ ماتع بن عبد الرحمن الرعيني، انظر: النظم، 219. (2/591)
صفحة 599
ضربه للناس والعلماء بخاصة الذين رفضوا أن يقولوا إن القرآن مخلوق وتمسكوا بأنَّه كلام الله لا غير.
وجور هذا القاضي، إن اعتبرناه جوراً، هو مثل جور المعتزلي الآخر القاضي محمَّد بن أسود الصديني (289هـ-عزل 290هـ/901 - 902م) (1) مع فارق ربَّما اعتبرناه كبيراً، هو أنَّ الأوَّل كان في فترة حُمَّى الاعتزال قبل أن يصدر الخليفة المتوكل قراره بوقف امتحان الناس سنة 234هـ/848م في حين كان الثاني في فترة، المفروض أنَّ الاعتزال و محنة القرآن مخلوق أم لا قد ولَّيا، ولكن ذلك هو الرضوخ لمذهب الأمير و مسايرته فيه إلى أقصى الحدود وهكذا طبعت فترتا استقضاء هذين القاضيين بطابع الاعتزال وجور المعتزلة و ليس لهم من الجور إِلاَّ الامتحان لا غير.
ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ الأميرين الأغلبيين اللذين عيّنا هذين القاضيين أوَّل الأمر كليهما وصف في سياسته بالعنف و القسوة والظلم و هما الأمير زيادة الله الأوَّل (201 - 223هـ) والأمير إبراهيم الثاني (2) (261 - 289هـ) وكليهما غني
__________
(1) - عياض: تراجم، 106، 115 - 117، 344. الدباغ: معالم، 2/ 85، 93.
(2) - محمَّد الطالبي: الدولة الأغلبيَّة، 180وما بعدها، 306 وما بعدها، سعد زغلول: تاريخ، 2/ 43 وما بعدها، 114 وما بعدها، محمود إسماعيل: الأغالبة: 36 - 37.
Vonderheyden: la berberie, p91.
يذكر ابن عذاري أنَّ الأمير إبراهيم الثاني، قتل كثيرا وسجن كثيرا، وطغى وتجبَّر إِلاَّ أنَّه في سنة 289هـ/901م أظهر التوبة، فأراد أن يرضي العامَّة، ويستميل قلوب الخاصَّة، فردَّ الظلم وأسقط القبالات، وأخذ العشر طعاما بعد أن فرضه نقدا، وترك لأهل الضياع خراج سنة وسمَّاها: "سنة العدل" إِلاَّ أنَّ هَذَا العدل لم يدم طويلا لأَنَّ عبد الله بن إبراهيم الثاني استعاد الأموال التي كان قد فرقها أبوه توبة منه رغم أنَّها لم تصل إلى أصحابها المحتاجين فعلا بل أعطيت من لا يستحقِّها وأنفقت في اللذات، وصرفت في الشهوات فعدل الناس عن تسمية العام بعام العدل فسمَّوه عام الجور. انظر: البيان المغرب 1/ 131 - 132، زغلول عبد الحميد 2/ 156. (2/592)
صفحة 600
عن التعريف فيما اقترفه من ظلم في فترة حكمه، ولا شكَّ أنَّ إبراهيم الثاني يفوق زيادة الله الأوَّل في ذلك بكثير، ولذلك سوف يتردَّد اسمه مرارا في هَذَا المبحث.
نعود إلى القاضي المعتزلي ابن أبي الجواد، ولكن هذه المرَّة مع القاضي الذي خلفه في منصبه بعد عزله، وهو سحنون بن سعيد المالكي، ولقد عرفنا في مبحث من هذا الباب (1) ما جرى بين الرجلين في عهد قضاء ابن أبي الجواد من امتحان وتحريض للأمير بقتل سحنون لأنَّه يقول بخلق القرآن لا غير، وكان سحنون قد اختفى حتَّى لا يمتحن، إِلاَّ أنَّه أدركه القاضي والأمير كلاهما، وامتحنَاه ورغم تحريض القاضي فإنَّ سحنون لم يصبه أذًى كثيرًا من ممارسات هَذَا القاضي المعتزلي.
وعندما دارت الدائرة عَلَى ابن أبي الجوَّاد وخلفه سحنون في منصبه وَهُوَ الذي كان يدعو الله ويتمنَّى أن يرى ابن أبي الجواد بين يدي قاض عدل، يحكم فيه بالعدل (2) فإذا به يكون هو ذلك القاضي، فهل يحكم فيه بالعدل؟
لا نشكّ أنَّ القاضي سحنون بن سعيد كان من القضاة الذين مارسوا وظيفة القضاء بكفاءة عالية ومقدرة تامَّة، وأعطى للقضاء في بلاد المغرب
__________
(1) - انظر المبحث المتعلِّق بالمذهبية، والصراع المذهبي في القضاء، ببلاد المغرب، وهو المبحث الثاني من الفصل الأوَّل من الباب الثالث، وانظر أبا العرب في المحن، حيث يقول: إنَّ سحنون لم يصلِّ وراء القاضي ابن أبي الجواد، ورجع عن صلاة الجنازة عَلَى أخيه من الرضاعة لمَّا علم أنَّ ابن أبي الجواد هو المصلِّي، فكتب هَذَا القاضي، إِلىَ الأمير زيادة الله، يعلِمُه بذلك، فأمر الأمير برسول إِلىَ صاحب مدينة القيروان؛ أن يضرب سحنون خمسمائة سوط، ولكن الوزير علي بن حميد شفع في سحنون، وتدخَّل محذِّرا الأمير، فلم يفعل، انظر: المحن، 465.
والغريب أنَّه يذكر محن القضاة والعلماء والزهاد في مختلف بقاع العالم الإسلامي، إِلاَّ أنَّه لا يشير إِلىَ محنة ابن أبي الجواد عَلَى يد سحنون من قريب ولا من بعيد، فهل هو التستُّر عَلَى إمام من أيمَّة مذهبه؟ أم هو شيء آخر غير ذلك، كعدم وجود القصَّة من أساسها مثلاً، أو ربَّما لأنَّه لا يعتبر ما وقع لابن أبي الجواد محنة وإنَّما هو الحقّ والعدل، جرى مجراه ولا غير.
(2) - عياض: تراجم، 98 - 99؛ الجودي: تاريخ، (مخ)، ق9 و. (2/593)
صفحة 601
الإسلامي رونقا وبريقًا ما كان ليبلغهما؛ لولا شخصية سحنون القويَّة وهيبته المطلقة التي عمَّت الراعي والرعيَّة عَلَى حدٍّ سواء.
إنَّ سحنون بن سعيد نتناوله في هَذَا المبحث من خلال قضيَّة واحدة هي قضيَّة سلفه القاضي ابن أبي الجواد وما آل إليه عَلَى يديه من ضرب وسجن حتَّى الموت.
لقد وجدت مصادر المَالكِيَّة تتحرَّج كثيرًا عند ذكرها لهذه القَضِيَّة، (1) كيف لا وهي لإمام من أيمَّتها بل هو إمامها الأوَّل وقاضيها الأوَّل في إفريقيَّة، ركَّز المَالكِيَّة مذهبا ليس بإفريقية وحدها، وإنَّما ببلاد المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء فيما بعد؛ وكلّ ذلك بتأثير نفوذه عبر العصور واستحضار شخصيته وهيبته والاقتداء بها.
لقد ضرب سحنونٌ ابنَ أبي الجواد ضربا بعد ضرب، حتَّى قُتل متأثِّرًا بذلك الضرب في سجن سحنون، ولا داعي إِلىَ تكرار القصَّة، فهي مشهورة، وقد ذكرناها في هَذَا البحث أكثر من مرَّة فماذا يمكن أن نقول فيها؟.
__________
(1) - المالكي: يسكت عنها مطلقًا، إن لم يكن قد حذفها ناسخ من النساخ، انظر: الرياض، 1/ 375، هامش238؛ أمَّا عياض فإنَّه بحث عن مخرج لسحنون من هَذِهِ الورطة، وأخذ يناقش الآراء الفقهيَّة في ضرب المتلكئ عن الدين: تراجم، 110 - 111؛ أمَّا الدباغ فإنَّه بالرغم من اعترافه أنَّ حكاية ما جرى بين سحنون وابن أبي الجواد، ينبغي أن تكون في كتابه: معالم الإيمان؛ إِلاَّ أنَّه قال: بأنَّه ذكر ذلك في كتاب: المديان، فانظر ها هناك. معالم، 2/ 82؛ ويقول ابن عذاري: إنَّ الناس شنعوا عَلَى سحنون أنَّه قتله: البيان، 1/ 110؛ ويقول ابن خلدون إنَّ سحنون ولي القضاء بعد عزل ابن أبي الجواد، «وضربه سحنون فمات» العبر، 4/ 429، هكذا بلا تعليق. أمَّا الونشريسي؛ فإنه جاء بتفاصيل القضيَّة كلّها ويبدو أنَّه: تتبَّع خيطها، فوجد أنَّها من رواية الرقيق، فأراد أن ينسفها، قائلاً «إنَّ الرقيق المؤرخ مختلق لا يقبل خبره»، وقال: « ... هو ليس بثقة، لأنَّه كان شارب خمر متخلِّف، فلا يقبل خبره. والحكاية وإن ذكرها بعض مؤرخي الأندلس، فلعلَّه نقلها من ابن الرقيق»، انظر: المعيار، 10/ 123. (2/594)
صفحة 602
إنَّه إن صدقت الرواية، فلا شكَّ أنَّ سحنون لم يكن يقصد قتله إطلاقا، وإنَّما هدفه التعزير والتأديب، ويبدو أنَّه كان قاسيًا فيهما، طغت عليه مذهبيَّته وقصد نوعا مَّا الانتقام مِمَّا سمِّي: جور ابن أبي الجواد المعتزلي، وبالتالي لم يكن التأديب والسجن اللذان تعرَّض لعذابهما ابن أبي الجواد مقتصرًا عَلَى أنَّه أنكر الوديعة، أو أنَّه ماطل في أدئها وإنَّما أيضًا عذِّب عَلَى ما امتحن به الناس من خلق القرآن أثناء استقضائه، (1) وَهُوَ ما يتجلى في قول سحنون لمَّا رآه يوما: يَظلِمُ، أي يمتحنُ الناس عَلَى أكبر تقدير «اللهمَّ لا تُمِتني حتَّى أراه بين يدي قاض عدل يحكم فيه بالحقّ».
لقَد كان يتمنَّى أن يراه متَّهمًا بين يدي القاضي، ليشفي غليله فيه، فكان هو ذلك القاضي. ويروي القاضي عياض أنَّ ابن أبي الجواد قال لسحنون «أصلحك الله، بأيَّ قول أخذتني؟ قاض ينظر منذ ثمانية عشر عامًا، يقال له: من أين؟ ومن أين؟ وقد أخبرني أسد بن الفرات عن مالك في القاضي يعزل ثمَّ يلي آخر، هل ينظر فيما نظر فيه؟ ... فقال: لا، له في نفسه ما يشغله، وفي رواية: فإنَّ الناس اختلفوا فلو كان للمتوليِّ الثاني أن ينظر في أحكام الأَوَّل لَما اسْتَقَرَّ قَضَاء، ولا صحَّ حكم فردَّ عَلَيه سحنون كلاما، فردَّه عَلَيه ابن أبي الجواد، فقال سحنون: الدرَّة! فنُزعت عمامته، فقال ابن أبي الجواد: سألتك بالله أن لا تفعل! فتركه» (2).
إنَّ هَذَا الحوار بين القاضييْن يشير بوضوح إِلىَ الحُجَّة القَوِيَّة التي عند ابن أبي الجواد، فهو يردُّه عن متابعته انطلاقا من قول مالك الذي من الأَولى أن
__________
(1) - يذكر الجودي أنَّ سحنونًا ضرب ابن أبي الجواد وحبسه حتَّى يؤدِّي ما عليه، وقيل: كان ذلك بسبب أنَّه شهد عَلَى خطه، وقيل: فعل به ذلك لما كان عليه من البدعة: تاريخ، (مخ)، ق 9 ظ.
(2) - تراجم: 110. (2/595)
صفحة 603
يقول به سحنون ويلتزمه (1)، ولكنَّ هَذَا الأخير كان مصرًّا عَلَى الانتقام لذلك لم يجد جوابا إِلاَّ التلويح بالدرَّة ونزع العمامة ترهيبا وتخويفا.
الحقيقة أنَّ حجَّة ابن أبي الجواد كانت قويَّة (2)، وكان الأَولى بسحنون أن لا يفتح هَذَا الباب المتعلِّق بمتابعة القاضي الجديد للقاضي المعزول، إذ لاحظنا أَنَّهُ منذ أن فُتح لم يُغلق، ووجد فيه الأمراء الأغالبة الوسيلة للإيقاع بالقضاة الواحد بعد الآخر، فكانت سنَّة سيِّئة بدأها سحنون، وليته فكَّر في عواقبها الوخيمة، ولم يسترسل في إشفاء غليله المذهبيِّ، والانتقام لنفسه ولمذهبه.
فلكلِّ جواد كبوة، وهذه في نظري كبوة جواد سحنون في قضائه (3)،لم
__________
(1) - انظر: المدوَّنة الكبرى، 5/ 149.
(2) - الغريب أنَّنا نجد في المدوَّنة الكبرى أنَّ سحنونا سأل: هل يجوز للقاضي أن ينظر في قضاء القاضي قبله؟ فكان في الجواب: إذا عزل القاضي وادَّعى الناس أَنَّهُ قد جار عَلَيهم في أحكامه فلا ينظر فيما قالوا، وما حكم به القاضي جائز عَلَيهم فليس بينهم وبين القاضي خصومة ولا غير ذلك، إِلاَّ أن يرى القاضي الذي بعده من قضائه جورا بيِّنا فيردُّه، ولا شَيْء عَلَى القاضي الأَوَّل. والملاحظ أنَّ الجواب ينطبق مع ما قاله ابن أبي الجواد لسحنون من أَنَّهُ سأل أسد بن الفرات الذي سأل مالكا عن هَذِهِ القَضِيَّة بالذات. انظر: المدوَّنة الكبرى، 5/ 149. وانظر ما يشبه ذلك أَيْضًا المجلَّد 6/ 257.
إذَن: الإمام مالك لا يرى متابعة القاضي الأَوَّل رغم الجور البيِّن منه. عَلَى القاضي الثاني أن يردَّ ذلك الجور «ولا شَيْء عَلَى القاضي الأَوَّل». فمن أين إذن أفتى سحنون لنفسه بمتابعة ابن أبي الجواد هَذِهِ المتابعة الأليمة، وَهَذَا العذاب الشديد الذي انتهى بإزهاق الروح؟!. وانظر: الماوردي: أدب القاضي، 1/ 690.
(3) - بعد أن يذكر الدكتور زغلول ما تعرَّض له ابن أبي الجواد من عذاب عَلَى يد سحنون يقول: «كلُّ ذلك يدلُّ عَلَى أنَّ الأمر لم يكن مُتَعَلِّقًا فقط بالقصاص، بل يرجَّح أَنَّهُ كانت في نفس سحنون أشياء قِبل ابن أبي الجواد، يعود تاريخها إِلىَ الوقت الذي تعرَّض فيه ... للامتحان بخلق القرآن، ثُمَّ يضيف أَنَّ تشدُّد سحنون وقسوته مع ابن أبي الجواد يعتبر إحدى هفوات الإمام المرموق». تاريخ المغرب، 2/ 94 - 95. ويقول هوبكنز: إنَّ التحقيق الذي يُجرى في مسلك القاضي المعزول كما فعل سحنون لابن أبي الجواد، وابن عبدون لابن طالب، لا يتيح الفرصة لتبادل الاتِّهامات مِمَّا يدلُّ عَلَى عدم توفُّر الأمانة من جانب أحد الفريقين أيًّا كان. النظم: 219. (2/596)
صفحة 604
يحالفه التوفيق في إصراره إخراج الحقّ بوسيلة الضرب الأسبوعي إِلىَ حدّ الموت، رغم أنَّ زوجة ابن أبي الجواد وهي أسماء بنت القاضي أسد بن الفرات قدَّمت لسحنون المال الذي يطالب به زوجها إِلاَّ أنَّ سحنونًا أبى أن يأخذه إِلاَّ أن يقرَّ ابن أبي الجواد أنَّه أخذ ذلك المال وأنَّ الدعوى ضدَّه صحيحة ويعترف بذلك اعترافًا بيِّنًا (1).
وممَّا يدلُّ عَلَى أنَّ سحنون تألَّم لمآل ابن أبي الجواد عَلَى يديه، وكأنَّه التزمه نوع من تأنيب الضمير ما ذكره القاضي عياض من أنَّ سحنونًا توسوس وحفظ عنه أنَّه كان يردّد «ما أنا قتلته، الحقّ قتله»، (2) بل إنَّ الونشريسي يذكر أكثر من تلك الوسوسة حيث كان سحنون «إذا نام رأى في منامه ابن أبي الجواد بما يسوؤه، فإذا استيقظ يقول: ما لي ولابن أبي الجواد» (3).
فظاهر أنَّ سحنون بن سعيد عذبه ضميره جراء تلك القضيَّة ونهايتها المؤلمة وَهُوَ ما يدلّ في حدّ ذاته أنَّها عثرة لم يكن يقصد سحنون تلك النهاية، كما ذكرتُ سابقًا، هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى فهو تأنيب ضمير قاض عادل نزيه لو لم يكن كذلك، ما شعر بألم ولا بوسوسة ولا رأى حلمًا
__________
(1) - يذكر السيوطي أنَّ الخليفة المتوكل بعث إِلىَ نائب مصر بأمره بحلق لحية قاضي قضاة مصر أبي بكر محمَّد بن أبي الليث وبضربه والطواف به عَلَى حمار ويعلِّق السيوطي قائلاً «ونعم ما فعل» لأنَّه كان ظالماً من رؤوس الجهمية وولي القضاء بدله الحارث بن مسكين، سالف الذكر، وَهُوَ من أصحاب مالك بعد تمنع. وأهان القاضي المعزول بضربه كلّ يوم عشرين سوطًا ليردَّ الظلامات إِلىَ أهلها، تاريخ الخلفاء. 347. وقد سبق في مبحث المذهبية والصراع المذهبي أن ذكرنا أنَّ القاضي الحارث بن مسكين كان معاصرًا للقاضي سحنون بن سعيد تشابها في طردهما للمذاهب المخالفة للمالكيَّة من المسجد الجامع كما تشابها في متابعة القاضي المعزول وإهانته وضربه بالسوط لعدَّة أيَّام.
(2) - عياض: تراجم، 111.
(3) - المعيار: المعرب، 10/ 122. (2/597)
صفحة 605
يزعجه. ومهما يكن من أمر فإنَّ القَضِيَّة فريدة ويتيمة في سيرة سحنون المليئة بعظائم الأمور.
ومن هَذَا الجور الذي أسميناه «الجور المذهبي» أو الجور الذي يدفع إليه الصراع والتنافس المذهبي ما وقع في عهد القضاة سليمان بن عمران (خروفة) وعبد الله بن عبدون بن أبي ثور، وكلاهما حنفي، فقد لاحقا فقهاء المَالكِيَّة وضربا من استطاعا القبض عليه بالدرة والسوط واتهم سليمان بن عمران بقصر الفهم في العلم، (1) كعادة المَالكِيَّة مع خصومهم الحنفية والمعتزلة علما بأنَّ سحنون كان يودّ لو تولَّى القضاء سليمان في القيروان مكان ابن أبي الجواد إذ أشار به إِلىَ الأمير فضلاً عن أنَّه ولاَّه قضاء باجة، لمَّا كان هو قاضيا بالقيروان (2). وهذا ما يجعلنا نتهم هَذِهِ المصادر بالتحامل عَلَى فقهاء الحنفيَّة وقضاتهم ونشك في مصداقيَّة تلك التهم الموجهة إِلىَ هؤلاء القضاة والجور الذي تنسبه إليهم وحدهم اللهمَّ إِلاَّ أن يكون جورًا مذهبيًّا ارتكبه قضاة المَالكِيَّة (3) تمَامًا مثلما ارتكبه قضاة الأحناف.
إنَّ سليمان بن عمران امتحن عبد الله بن أحمد بن طالب، ومحمَّد بن سحنون، ويحيى بن عون بن يوسف، وحبيب بن نصر، صاحب مظالم سحنون، وعبد الله بن هارون الكوفي قبل أن يلي القضاء بتونس عَلَى عهده هو وغيرهم،
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 514.
(2) - الخشني: طبقات، 180.
(3) - سبق أن رأينا أنَّ القاضي سحنون، هو الذي بدأ هَذِهِ الظاهرة بمتابعة سلفه ابن أبي الجواد ثمَّ كان عبد الله بن أحمد بن طالب الذي لاحق سليمان بن عمران حتَّى توارى هَذَا الأخير نحوًا من سنتين خوفا من إبن طالب الذي أمر مناديا ينادي بأمانه بعد ذلك وكذلك نظر عيسى بن مسكين عَلَى القاضي عبد الله بن هارون السوداني الكوفي بأمر من الأمير إبراهيم الثاني. انظر عياض: تراجم، 210؛ الخشني: طبقات، 238؛ الدباغ: معالم، 2/ 173. (2/598)
صفحة 606
حبس بعضهم وضرب البعض الآخر (1).
واشتهر سليمان بن عمران بملاحقته بخاصة لمحمَّد بن سحنون بن سعيد إِلىَ درجة أنَّ هَذَا الأخير استغاث بالأمير الأغلبي فأغاثه وأمَّنه، عندئذ حول القاضي غضبه إِلىَ أصحاب ابن سحنون (2).
أمَّا ابن عبدون القاضي فإنه اشتهر بملاحقته ليحيى بن عمر حتَّى أنَّ هَذَا الأخير توارى عنه تمامًا مثلما فعل محمَّد بن سحنون قبل ذلك، بل إنَّ يحيى بن عمر مرض وذهل وغلب عليه البلغم والغم (3). واكتُشف مخبؤه بتونس، فأرسل ابن عبدون إِلىَ قاضيه هناك عبد الله بن هارون الكوفي يأمره بالقبض عليه، وجاء في رسالته «قد صحَّ عندي أنَّ يحي بن عمر متوار بتونس فاطلبه، فإذا ظفرت به فأوثقه، وابعث به إلي مع من تثق فيه» (4)؛ إلاَّ أنَّ قاضي تونس العادل رفض طلب قاضي القيروان وأمْرَه، وأمَّن يحي بن عمر عَلَى نفسه مادام مختفيا عند أخيه بتونس.
ويذكر المُؤَرِّخُونَ أنَّ ابن عبدون حبس أبا عثمان سعيد بن محمد بن الحدَّاد الفقيه وقيَّده، وفعل مثل ذلك بأحمد بن معتب، بل ضرب رجليه في الفلقَة بالدرَّة حتَّى أدماه، وحبس ابن عبدون وضرب غير أولئك عَلَى رؤوسهم وجبينهم امتهانا لهم (5)؛ ووجد التحريض والموافقة من الأمير إبراهيم الثاني، أو لعلَّه أراد أن يساير أميره في أفعاله الجائرة، حتَّى أنَّه قيل إنَّ إبراهيم الثاني قال يوما: حسدني
__________
(1) - أبو العرب: المحن، 471 - 472؛ الخشني: طبقات، 129 - 131؛ عياض: تراجم، 178 - 179؛ الجودي: تاريخ، (مخ)، ق13 - 14 و.
(2) - الخشني: طبقات، 131.
(3) - أبو العرب: المحن، 476.
(4) - المالكي: رياض، 1/ 500؛ الخشني: طبقات، 135 - 136؛ وانظر: مقدِّمة المحقق لكتاب أحكام السوق، ليحي بن عمر، 12 - 13.
(5) - أبو العرب: المحن، 474؛ الخشني: طبقات، 139؛ عياض: تراجم، 259 - 260. (2/599)
صفحة 607
أهل القيروان في ابن عبدون، فقال له أحد الفقهاء «لو علمت منه ما يعلم أهل القيروان منه كان عندك بالحالة التي هو بها عندهم» (1).
وبالفعل لمَّا اطلع عَلَى جوره وَهُوَ الجائر الذي لا يضاهى بخاصة في أخريات حياته قال: لو تركته لأحدثت له مقبرة لوحده» (2).
إنَّ هَذَا الجور الذي أصاب العلماء بخاصة؛ لا يكون سببه إِلاَّ الاختلاف المذهبي والصراع والتنطع فيه، لذلك لم يتحدَّث المُؤَرِّخُونَ عن جور اقترفه أحد القضاة الذين وصفوا بالجور عَلَى أحد أو جماعة من العامةوَهُوَ الجور الحقيقي في اعتقادي؛ لأنَّه إحقاق للباطل أو إبطال للحقِّ.
والغريب أن تلك المصادر ذكرت قاضيين سعت بعامةرعيَّتهما بهما إِلىَ الأمير إبراهيم الثاني إِلاَّ أنَّها، أي المصادر، اعتبرت تلك الرعية من العامةهي المخطئة الظالمة، والقاضيين هما المحقان. أمَّا المحق الأوَّل فهو: أبو الأسود موسى بن عبد الرحمن القطان القاضي المالكي بطرابلس، وأمَّا الثاني فهو: حسن بن البناء القاضي المالكي بقصطيلية (3)، يقول عياض: إنَّ الذي عرض لابن البناء في قصطيلية، مثل الذي عرض لموسى بن القطان مع أهل طرابلس بغوا عليهما وعُزِلا وسُجِنا إِلاَّ أنَّ علمهما أخرجهما من سجن إبراهيم الثاني وأكرما واستعادا مكانتهما في المجتمع.
فهل يعقل أن تتظلَّم الرعية كلّها في مدينة ضدَّ قاضٍ، ويكون القاضي هو المصيب والرعية هي المخطئة؟ ثمَّ ما طبيعة الشكوى التي رُفعت عَلَى القاضيين إِلىَ
__________
(1) - الخشني: طبقات، 187.
(2) - الخشني: طبقات، 187؛ يحيى بن عمر: أحكام السوق، مقدِّمة المحقِّق، ص13.
(3) - الخشني، طبقات، 161؛ عياض، تراجم، 363 - 365، 371 - 373؛ يذكر د. محمود إسماعيل: أنَّ أهل قصطيلية ثاروا في وجه قاضيهم؛ لبغيه وظلمه، انظر الأغالبة: 192. (2/600)
صفحة 608
الأمير إبراهيم الثاني؟ تسكت المصادر عن تقديم التفاصيل لأنَّ المهم عندها هو تزكية علمائها، وهي طبيعة المصادر المنقبية وهدفها.
صفوة القول في الجور الذي نسب إِلىَ بعض القضاة عند الأغالبة: إنَّه جور دون الجور إن صحَّ التعبير، وكأني بالصراع الذي كان يدور بين العرب قيسيتهم ويمنيتهم عَلَى عهد الولاة، انقلب ليصبح صراعًا مذهبيًّا اكتوى القضاة بناره قبل الرعية منذ أن أحدث سحنون بن سعيد بدعة متابعة القاضي المعزول من قبل القاضي الذي يخلفه، (1) فإن سلم ونجا سحنون من تلك المتابعة؛ لأنَّه مات قاضيا، فإنه لم يسلم ابنه ولا تلامذته من بعده سواء الذين تولَّوا القضاء أو غيرهم من العلماء من تلك الملاحقات.
ويشتد هَذَا النوع من الجور مع الأمير الذي لا يرعى حقًّا لأحد بل يحرّض هَذَا عَلَى ذاك، مِمَّا أفسد نقاوة القضاء وجعله عرضة للصراعات المذهَبيَّة التي انتهت بنهاية الأغالبة وانهيارهم أمام دعوة ومذهب منافس قوي ظلَّ يراقب الأوضاع عن كثب حتَّى هجم بشراسة واستولى عَلَى الأمر كلّه.
أمَّا إذا جئنا إِلىَ الرستميين، فإنَّ ابن الصغير المعاصر لهم يقول عنهم وبصراحته المعهودة رغم أنَّه يبغضهم، «وإن كنَّا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم عَلَى ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا مِمَّن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم» (2)، لقد كان الرستمييون عدولاً فيما ولوه وسيرتهم حسنة وأفعالهم لها طلاوتها وكلها تؤكِّد عَلَى عدل الأيمَّة وموظفيهم، وبخاصة منهم القضاة،
__________
(1) - انظر الخشني: طبقات، 236 - 238؛ يذكر الخشني أنَّ إبراهيم الثاني لمَّا عزل ابن عبدون عن القضاء لم يحل أحدًا بعده عَلَى النظر عليه، وكان قد وعد عيسى بن مسكين بذلك ثمَّ لم يفعل، انظر: طبقات، 237.
(2) - ابن الصغير، أخبار، 27 - 28. (2/601)
صفحة 609
فالشهادة إِنَّمَا جاءت مِمَّن لا يقرّ بالمذهب الإباضي ولا يعترف به، بل يبغضه بصريح عباراته.
ومع هَذَا فإنَّ بعض البدو بإيعاز من حضريي تيهرت قصدوا الإمام عبد الوهَّاب فقالوا له «إنَّ رعيَّتك قد ضجَّت من قاضيك، وصاحب بيت مالك، والقائم بشرطتك، فاعزلهم عنهم وولّ عليهم خيارهم» (1). وحيث إنَّ هَذِهِ النصيحة جاءت منطوية عَلَى الخدعة، وقد صرَّح بذلك ابن الصغير بوضوح، فإنَّ جور القاضي لا نعرف طبيعته ولا نعرفه أبدًا، لأنَّه مفتعل، ومن هنا لمَّا طلب من ذلك الوفد تقديم تبريرات واقعية لجور القاضي والموظفين الآخرين، يقول ابن الصغير «أُفحِم القوم ولم يكن عندهم جواب» (2).
إنَّ القاضي عبد الوهَّاب، ربَّما يكون جائرًا، إِلاَّ أنَّ النص الذي يتهمه بالجور، يجعل ذلك تهمة ملفَّقة وخدعة يراد الوصول بها إِلىَ السلطة وتشتيت الإباضيَّة (3) وتقزيمها بذهاب ريحها وَهُوَ ما أدركه المعارضون وهم كثر للحكم الرستمي والإباضي عَلَى حدّ سواء.
إنَّ ما نعرفه عن قضاة الرستميين بتيهرت، أنه لم يوصف أحدهم بالجور ولم ينسب إليه، اللهمَّ إِلاَّ تلك التهمة التي ذكرها ابن الصغير وكان أمينا في نقله لمَّا بّين أنَّها خدعة ورَّط بها حضريو مدينة تيهرت البدو الذين قدموا إليهم في فصل الربيع مستغلين فيهم سذاجتهم وطيبة نفوسهم من جهة وسرعة انفعالهم وإصرارهم عَلَى قولهم وإن كان باطلاً من جهة، أخرى، ولقد حقَّقوا بخدعتهم تلك الكثير من أغراضهم إذ وصلوا إِلىَ زعزعة استقرار النظام شيئًا فشيئا حتَّى انتهى به المطاف ورقة خريفيَّة في مهب الرياح التي عصفت بالدولة في أخريات أيامها.
__________
(1) - نفسه: 49.
(2) - نفسه: 44.
(3) - نفسه: 41. (2/602)
صفحة 610
ويروي البغطوري أنَّ أبا المنيب محمَّد بن يانس أحد فقهاء الإباضيَّة، «وجد رجلا عَلَى باب دار الإمام وله حاجة عنده ـ الله أعلم ما هي ـ والدار مغلوقة، فرجع ابن يانس وراءه وملأ حِجره حجارة وجعل يرجم الباب ويشتم أهل المدينة ويقول: لعن الله أهل هَذِهِ المدينة ... ففتح الإمام الباب وجعل يعتذر له وَهُوَ يعصر لحيته ويقول له: إِنَّمَا اشتغلت بالغسل، حتَّى سكَّن غضبه» (1) وعندما سئل الإمام عن هَذِهِ اللعنة قال: نحن في وسطها إن لم نأمر وننه.
فما هي حاجة هَذَا الرجل الذي غضب له أحد الشراة الإباضيَّة غضبة بربريَّة جعلته يرمي باب الإمام القاضي بالحجارة ويلعن سكان المدينة؟ لقد لا حظنا أنَّه كثيرًا ما سكتت المصادر عن تقديم تقاصيل الحادثة، فهل جاء يشتكي من جور القاضي أو جاء يريد الحكم القضائي من الإمام القاضي؟
لا نستطيع أن نذهب بعيدًا في هَذَا ولعلَّ التساؤلات هنا تبقى أهم من الأجوبة عليها. ولا نرى الجور في القاضي الرستمي لأسباب عديدة أهمها أنَّ الأيمَّة الرستميين كلّهم تقريبًا وصفوا بالعدل حتَّى إنَّ الباروني يقول «لو وجد لهم غيرها لذكروه» (2)، وبالتالي ما دام هؤلاء قد وصفوا بالعدل في المصادر الإباضيَّة وغير الإباضيَّة؛ فإنه يستبعد أن يكون قاضيهم جائرا، ولقد رأينا أنَّ أغلب الجور إِنَّمَا يكون بإيعاز من الوالي أو الأمير الذي وصف بالجائر، أو الذي يحرض عليه.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنَّ الصراع المذهبي حول القضاء والذي شهدته إفريقيَّة الأغلبية لم يعرفه الرستميون طيلة حكمهم، ولقد رأينا أنَّ بعض الجور الذي نسب إِلىَ القضاة الحنفية والمعتزلة في مصادر المَالكِيَّة، يكاد لا يكون
__________
(1) - لبغطوري: سير أهل نفوسة، (مخ)، 65؛ وانظر الدرجيني: 2/ 293.
(2) - الباروني: الازهار، 2/ 250. (2/603)
صفحة 611
جورا حقيقيَّا لذلك أطلقنا عليه الجور المذهبي. ومن هنا نستبعد كذلك الجور عن قضاة الرستميين، ما دام الصراع المذهبي لم يبلغ الحدَّة التي بلغها في إفريقيَّة.
ولكن كيف كان القضاة في عهد تلك الفتن التي عصفت بالرستميين حتَّى أخرجتهم في بعض الأحيان من عاصمتهم تيهرت؟ ألم يتأثَّر القضاء بفتنة ابن عرفة ومضاعفاتها؟ ألم يتأثر القضاة بميلهم إِلىَ يعقوب بن أفلح أو ابن أخيه أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان؟ لا نعرف شيئًا من ذلك ولكن الثابت أنَّ الفتن كثيرًا ما أثَّرت عَلَى الوظائف وبخاصة تلك الحساسة جدًّا مثل القضاء. فإن لم تتأثَّر بذلك بشكل كبير فإنَّها بلا شكَّ قد ساهمت وحاولت تجاوز المحن إِلاَّ أنَّها في نهاية المطاف عصف بها مقتل أبي حاتم وجور اليقظان بن أبي اليقظان الذي يكفي أنَّ أبناءه هم الذين قتلوا عمهم وتولَّى هو الإمامة من بعده الأمر الذي لم يقبله منه الإباضيَّة فتركوه وحيدًا يواجه العواصف التي انتهت به مقتولاً عَلَى يد أبي عبد الله الشيعي (1).
أمَّا إذا جئنا إِلىَ المغرب الأقصى حيث الأدارسة والمدراريون فمن المعروف أنَّهما عرفا اضطرابات سياسية، شأنهم شأن باقي دول المغرب في ذلك الوقت، وبالتالي يمكن أن تطرح التساؤلات السابقة نفسها عَلَى الكيانين المستقلين في المغرب الأقصى، ولا ننتظر الجواب لأنَّنا نعلم أنَّ في المغرب الأقصى وفي كلتا الدولتين لا نعرف إِلاَّ قاضيا واحدًا، ولم يصلنا من أخبار قضائه شيء كثير.
أمَّا إذا بحثنا عن الجور في الأيمَّة الأدارسة، أو الإيمة المدراريين ربَّما لا نجد إِلاَّ ما ذكر عن يحيى بن يحيى بن محمَّد الإدريسي (بعد 234هـ/848م) الذي «أساء السيرة وكثر عيثه في الحرم ودخل عَلَى جارية من بنات اليهود في الحمام ... » (2) وقامت الفتنة واضطربت الأمور في فاس نتيجة لذلك.
__________
(1) - بحاز: الدولة الرستمية، 128.
(2) - ابن أبي زرع: الأنيس، 77؛ الناصري: الاستقصا، 1/ 178؛ زغلول: تاريخ، 2/ 469 - 470. وما بعدها. (2/604)
صفحة 612
إنَّ مثل هَذَا التهوّر من إمام يفترض فيه التقوى والورع المطلق اقتداءً بجدّه محمَّد بن عبد الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس له ما يبرِّره أبدًا، ولكن ما علاقته بالقضاء أو بالأحرى، كيف كان القضاء في عهده؟ ومن كان القاضي؟ وما هو موقفه من هَذَا الفعل المخل بالحياء؟
إنَّنا إذا استرسلنا في هَذَا المجال مع الأدارسة أو المدراريين فلا نجد إِلاَّ التساؤلات المتتالية اللاَّمتناهية والتي تبقى كذلك حتَّى يكشف عن مصادر جديدة لتاريخ المغرب الأقصى تتعلَّق بالقرون الثلاثة الهجريَّة الأولى.
ختاما، أعتقد أنَّ الحديث عن الجور في بلاد المغرب لا يأتي من جهة القضاة أو من قبلهم بقدر ما هو من قبل الحكام. فمظاهره بارزة إذا رأينا إليه من خلال أولئك الحكام الذين وصفوا بالجور والقسوة أو الذين طغت شخصيتهم القويَّة عَلَى شخصية قضاتهم. فإذا كانت المصادر لم تتحدَّث عن الجور الذي ارتكب على العامةمن الناس، فهذا دليل على أنَّ ما يمكن أن يقال عن الجور في القضاء ببلاد المغرب، ما هو إِلاَّ جور دون الجور الذي يحق باطلا أو يبطل حقًّا، وَهُوَ في أغلبه، كما رأينا جورًا ألجأ إليه الصراع المذهبي المتشدد في إفريقيَّة وَهُوَ ما لا وجود له في المغربين الأوسط والأدنى.
لقد انعدمت صور الجور الحقيقيَّة في قضاء بلاد المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) ولم نجد من مظاهره إِلاَّ صورًا باهتة لا تكاد تستفحل حتَّى يقضي عليها العدل لأَنَّ العلماء في هَذِهِ الفترة وهم مادَّة القضاء كانوا حريصين عَلَى تحري العدل وحتى المنافسة المذهَبيَّة في الوصول إِلىَ منصب القضاء، والتي انحرفت في بعض الأحيان بإفريقيَّة، إِنَّمَا هدف أصحابها التربع عَلَى عرش القضاء لتطبيق العدل كلٌّ عَلَى مذهبه وليس لتطبيق الجور أو ممارسته بأيِّ حال من الأحوال. (2/605)
صفحة 613
المبحث الثالث
التقويم العام للقضاء في المغرب آثاره ونتائجه
إنَّ أوَّل اسم قاض بالمغرب الإسلامي هو ظافر بن حسان السلمي، انفرد الواقدي (ت207هـ/822م)، بذكره في رواية مضطربة نوعا ما اختلطت فيها الحقيقة مع الأسطورة. وكان هَذَا القاضي عَلَى عهد عقبة بن نافع الفهري في حملته الثانية عَلَى ما يبدو (62 - 64هـ/681 - 683م)، عينه بمدينة قسنطينة من إقليم كتامة في مهمة عسكرية قضائية إداريَّة.
ولا يهمُّنا هَذَا القاضي كثيرًا، إذ لا يدخل في الإطار الزماني لبحثنا وإن اعتبرناه من مقدمات القضاء بالمغرب مثله مثل القاضي الثاني الذي ذكر في هَذِهِ الفترة التي تسبق مباشرة عهد الولاة، والذي كان من تعيين آخر الفاتحين لبلاد المغرب وَهُوَ موسى بن نصير (86 - 96هـ/705 - 714م)، والقاضي هو أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وَهُوَ أوَّل القضاة بمدينة القيروان بإفريقيَّة.
أمَّا أوَّل القضاة بعد تمام الفتح ببلاد المغرب فهو: القاضي عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني القرشي الذي تولَّى القضاء لفترة طويلة (99 - 123هـ/717 - 740م) ولاه عليه أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ)، واستمرَّ القضاة هكذا يعينهم الخلفاء إِلىَ نهاية عهد الولاة بإفريقيَّة عام 184هـ/800م، عين عددًا منهم الخلفاء الأمويون ثمَّ بعد ذلك أصبح الأمر للعباسيين. وَأَوَّل الخلفاء الذين عينوا للقضاء ببلاد المغرب من العباسيين هو: الخليفة أبو جعفر المنصور (136 - 158هـ/753 - 774م)، الذي اهتمَّ بعد استقرار خلافة بني العبَّاس بالمشرق، اهتمَّ بالمغرب فعيّن له قاضيه الأوَّل عَلَى عهدهم وَهُوَ: عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم الشيباني أو الشعباني الإفريقي وكان قد تولَّى القضاء قبل ذلك عَلَى عهد آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمَّد (127 - 132هـ/744 - 749م). (2/606)
صفحة 614
إنَّ تعيين القضاة ببلاد المغرب ظلَّ هكذا من اختصاص الخلفاء بالشام ثمَّ العراق إِلىَ أواخر عهد الولاة، عندما أصبح هؤلاء بإمكانهم عزل القاضي وتولية غيره، ومهَّدوا بذلك لقيام الدولة الأغلبيَّة (184 - 296هـ/788 - 805م) التي كان أوَّل قضاتها عبد الله بن عمر بن غانم (رجب 171 - 190هـ/788 - 805م)، إِلاَّ أنَّه لم يكن من تعيين الأغالبة، وإنَّما ولاَّه عَلَى القضاء: الخليفة هارون الرشيد (170 - 193هـ/786 - 808م) عام 171هـ/788م، وأبقاه إبراهيم بن الأغلب (184 - 196هـ/800 - 811م)، أوَّل أمراء الأغالبة إذ هو أيضًا من تعيينات الخليفة هارون الرشيد كما نعرفه.
ولمَّا توفي هَذَا القاضي سنة 190هـ/805م ولَّى إبراهيم بن الأغلب، لأول مرَّة ممارسا لسلطته، التي خولها له الرشيد، القاضي أبا محرز محمَّد بن عبد الله الكناني، وظلَّ الأمراء الأغالبة يعيِّنون قضاة عاصمتهم القيروان إِلىَ أن زالت دولتهم.
ومن المعروف أنَّ الإباضيَّة كان لها وجود عَلَى عهد الولاة، استطاعت أن تفرض نفسها عدَّة مرَّات عَلَى مسرح الحياة السياسية ببلاد المغرب، ولعلَّ أوَّل ذلك في حدود عام 127هـ/744م في إمامة الحارث المحدودة وعبد الجبار، إذ تولىَّ أحدهما الإمامة وتكفل الآخر بالقضاء ... ثمَّ كانت ثورة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، وإمامته المشهورة (140 - 145هـ/757 - 762م) التي استطاعت أن تدخل القيروان، وعين عبد الرحمن بن رستم قاضيا بتلك المدينة خلال فترة الإمامة المذكورة ولمَّا أطاح بها القائد العباسي محمَّد بن الأشعث الخزاعي، هرب القاضي عبد الرحمن إِلىَ المغرب الأوسط واستطاع أن يقيم كيانه السياسي ببناء مدينة تيهرت وإعلان الإمامة الرستمية عام 160هـ/777م.
استمرَّ عبد الرحمن بن رستم يمارس مهنة القضاء في دولته الفتية ردحا من الزمن، ثمَّ عيِّن بعد ذلك قضاة في تيهرت وفي بعض ضواحيها من المدن كما (2/607)
صفحة 615
فعل ابنه عبد الوهَّاب (171 - 208هـ/787 - 823م) إِلاَّ أنَّنا لم نعرف اسم قاض من قضاة هذين الإمامين. وَأَوَّل قاض لهذه الدولة يعرف باسمه هو محكَّم الهواري الأوراسي عينه ثالث أيمَّة الرستميين أفلح بن عبد الوهَّاب (208 - 258هـ/823 - 871م)، وظلَّ الأيمَّة يعيِّنون قضاة عاصمتهم تيهرت إِلىَ أن زالت دولتهم.
ولم يكن قضاة الرستميين بالكثرة التي كانوا عليها عند الأغالبة ولا بالدقَّة التأريخيَّة ولا بالأخبار المستفيضة عنهم ووفرتها، ومع ذلك حاولنا أن نرتِّب قائمة عنهم تمامًا مثلما فعلنا مع قضاة القيروان في العهدين: الولاة والأغالبة.
وإذا اعتبرت المادَّة الخبريَّة المتوفرة عن قضاة الرستميين ضئيلة بالمقارنة مع قضاة الأغالبة فإنَّها غزيرة جدًّا؛ إذا ما قارنَّاها بما بين أيدينا من مادَّة خبريَّة عن القضاء ليس عند الأدارسة فقط ولا عند المدراريين فقط وإنَّما في كامل المغرب الأقصى. ويكفي أن نذكر أنَّ مصادرنا التي اهتمت بذلك الجزء من المغرب لم تذكر إِلاَّ قاضيا واحدًا يتيمًا هو عامر بن محمَّد بن سعيد القيسي، عينه الإمام إدريس الثاني ابن إدريس (177 - 213هـ/793 - 828م) وهو أوَّل قضاة الأدارسة، مِمَّا يدلُّ على أنَّ إدريس الأوَّل (172 - 177هـ/788 - 793م) ثمَّ مولاه راشد وفترة من عهد إدريس الثاني كانوا هم الذين يجلسون للقضاء، وبالتالي تولَّوا المهمَّتين معًا: الإمامة والقضاء، تمامًا مثلما كان عليه الأمر عند الرستميين عَلَى عهد عبد الرحمن وعبد الوهاب.
وندرة مصادر المغرب الأقصى تتجلَّى في عدم معرفتنا لاسم قاض واحدٍ عَلَى الأقل للمدراريين، وإن اعتبرنا أيمَّتها الأوائل: عيسى بن يزيد الأسود (140 - 155هـ/757 - 771م) وأبا القاسم سمكو بن واسول (155 - 168هـ/771 - 784م) مِمَّن جلس للقضاء ولكن هل استقلَّ القضاء عن الإمامة وسلطة الإمام المدراري؟ لا نشكّ في ذلك إطلاقًا. (2/608)
صفحة 616
هَذِهِ الندرة الخبريَّة سمحت لنا بإعمال بعض الفكر ومقارنة الأحداث ببعضها واعتقاد التشابه بين الأنظمة المتعاصرة ببلاد المغرب وإن اختلفت في التوجهات والطموح والمذاهب، إِلاَّ أنَّها لا تختلف ـ في اعتقادي ـ في ضرورة وجود القضاء ومهنة القاضي وما يترتَّب عن ذلك.
وما قيل عن المدراريين قلناه عن بني صالح بناكور وبرغواطة بتامسنا، وكلاهما بالمغرب الأقصى، وقلناه عن الكيانات السياسية أو شبه السياسية التي انفرد اليعقوبي بذكرها في أواخر القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، والتي أغلبها علوية بالمغرب الأوسط، فهذه الكيانات يبدو أنَّ زعماءها الروحيين كانوا يتولون شؤون القضاء، وبالقضاء والفتوى استطاعوا أن يفرضوا سلطتهم في حوزاتهم أكثر من أي اعتبار آخر.
إنَّ القضاة الذين عرفناهم كلّهم تميَّزوا بالقدم الراسخة في العلم والفقه عموما، وفقه الأحكام خصوصًا، إِلاَّ شواذ قليلون يأتي عَلَى رأسهم القاضي ماتع بن عبد الرحمن الذي ولي القضاء عَلَى عهد يزيد بن حاتم المهلبي، (155 - 171هـ/771 - 787م).
وقد أضفى هَذَا العلم الراسخ عَلَى القضاة ببلاد المغرب هيبة ووقارًا وشخصية محترمة لم يكن وقعها عَلَى الرعية حسب، وإنَّما كان أيضًا عَلَى الأمراء والأيمَّة، وأصدق مثال عَلَى ذلك شخصية القاضي سحنون بن سعيد (234 - 240هـ/848 - 854م) القويَّة التي هابها الأمير الأغلبي ولم يقو عَلَى عزله رغم إرادته ذلك ورغبته.
واتَّصف قضاة المغرب بالورع والتدين الصحيح، الأمر الذي أدى بعضا منهم إِلىَ رفض قبول الأجرة عَلَى قضائه احتياطًا من الوقوع في شبهة الأجرة الحرام؛ إِلاَّ أنَّ الحقيقة عَلَى ما يبدو، أعمق من ذلك بكثير، فالذين رفضوا الأجرة لم يحتاطوا لأنفسهم بقدر ما احتاطوا لخطة القضاء من أن يصيبها نوع من التدخل في (2/609)
صفحة 617
شؤونها، فرفض الأجرة، إِنَّمَا هو رفض لتدخل ولاة الأمور في الأحكام القضائيَّة وحرص عَلَى استقلالية القضاء.
أمَّا إذا تحدَّثنا عن إدارة خطة القضاء فإنَّها كانت في عمومها بسيطة بساطة القاضي الذي يرفض الأبهة من جهة، وبساطة العصر المبكِّر نوعا مَّا من جهة أخرى. فلم تكن هناك رسوم وتشريفات تسبق القاضي ومجلسه المتواضع أو تتعقبه وتتابعه، وإنَّما كان المسجد الجامع هو أوَّل مقر للقضاء ببلاد المغرب ثمَّ استحدثت دار القضاء بعد ذلك والتي يبدو أنَّها مرتبطة بالمسجد الجامع، فلا نتصوَّر أبهة في هَذَا المسجد ولا في هَذِهِ الخطة التي حرص الفقهاء القضاة بسلوكهم المتواضع النزيه أن يجعلوها متواضعة نزيهة لا ترهب الضعفاء من القدوم إليها، ولا تسمح للأقوياء من التعدي عَلَى حرماتها.
إنَّ بساطة الجهاز الإداري للقضاء ببلاد المغرب، يتماشى وروح العصر كما يتماشى مع فكر الفقهاء في هَذَا العصر، فهم عمدة القضاء ومادته الأساسية: منهم يكون القاضي والكاتب والحاجب والمستشارون والأمناء الذين يشكلون بمجموعهم ما يمكن أن نسميه «مجلس القاضي».
وتبعا لهذه البساطة كانت أدوات القضاء قليلة جدًّا تتلخَّص فيما هو ضروري لا غير كالورق والسجلات والقِمَطْر والخاتم وما يرافق ذلك من أقلام وحبر ودواة. وهكذا تميَّز القضاء في كلّ شيء بالبساطة حتَّى في الملبس والمركوب، فلم يكن للقضاة مثل المشرق لباس يميِّزهم، وإنَّما كان لباسهم لباس الفقهاء ومركوبهم مركوب العامةمن الناس.
ولم تعمل خطط كالشرطة والحسبة والمظالم تحت مظلة القضاء كما هو الشأن في المشرق والأندلس بحيث تساعد القاضي في بعض مهامه، وإنَّما كانت كلّ واحدة مستقلَّة عن الأخرى، استقلالاً تامًا، ما عدا المظالم التي اكتشفنا أنّ المقصود بها «أحكام السوق» في القيروان عَلَى عهد الأغالبة، كان صاحبه يعيِّنه (2/610)
صفحة 618
قاضي القيروان، وكان أقلَّ منه درجة ورتبة. وليست خطة المظالم في المغرب في هَذَا العهد كمثيلتها بالمشرق التي تعلو عَلَى القاضي ومؤسسة القضاء، بما في ذلك قاضي القضاة.
إنَّ مصطلح قاضي القضاة الذي عرفته بغداد في منتصف القرن الثاني الهجري (8م)، ومصطلح قاضي الجماعة الذي انتشر في قرطبة في القرن الثالث الهجري (9م)، لم نجد لهما أثرًا في فترة موضوعنا ببلاد المغرب لذلك اصطلحنا عَلَى تسمية قاضي القيروان، وتيهرت وفاس بقاضي العاصمة، وربما عندما يكون منسوبا لإحدى هَذِهِ العواصم يكون الأقرب إِلىَ الحقيقة والواقع، واصطلحنا عَلَى تسمية القضاة خارج العواصم بقضاة الأقاليم كقاضي صقلية وقاضي طرابلس وقاضي باجه وقاضي نفوسة وقاضي قصطيلية وقاضي شباهة وقاضي وارجلان، وما إِلىَ ذلك.
وكان هؤلاء القضاة يعينهم قضاة القيروان عند الأغالبة وقد يتمُّ تعيينهم مباشرة من قبل الأمير الأغلبي، وبدأ وجودهم منذ عهد سحنون بن سعيد، أمَّا عند الرستميين فإن الإمام يعين الوالي يعينه للولاية وللقضاء. وقد يعيِّن هذا الوالي قاضيا له لمساعدته مثلما هو الأمر مع القاضي النفوسي عمروس بن فتح الذي عينه الوالي بنفوسة إلياس أبو منصور والذي استشهد في معركة مانو سنة 283هـ/896م، إِلاَّ أنَّ الغالب الأعم هو أنَّ الوالي كان واليا قاضيًا في آن واحد.
لقد رفض بعض الفقهاء رفضا قاطعا تولي القضاء بخاصة بإفريقية عصر الولاة والأغالبة، ويبدو أنَّ ذلك كان في عهد الولاة والأمراء الذين وصفوا بالجور والظلم وهم أنفسهم الذين كانوا يتسرعون في عزل القضاة كيزيد بن حاتم وإبراهيم الثاني بن أحمد الأغلبي (261 - 289هـ/874 - 901م).
لقد استقرَّ القضاة في مناصبهم بالدولة الرستمية، كما استقرُّوا في الخمسين سنة الأولى بالدولة الأغلبية، لم يعزل منهم قاض، ولكن بمجرَّد أن عزل أولهم وَهُوَ (2/611)
صفحة 619
عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي سنة 232هـ/846م من قضاء القيروان، لاحظت أنَّ العزل أصبح يلاحق أكثر القضاة بالدولة الأغلبية، فإذا لم يستطع أحد الأمراء عزل قاضيه جعل إِلىَ جانبه قاضيا آخر، وقد مورس هَذَا الإجراء ثلاث مرَّات وفي فترات متباعدة، اجتمع فيها أبو محرز محمَّد بن عبد الله الكناني مع أسد بن الفرات (تولَّى القضاء: 203 - 213هـ/818 - 828م) وسحنون بن سعيد مع الطُّبنِي، وحماس بن مروان (290 - 294هـ/902 - 906م) مع محمَّد بن أحمد بن جيمال (293هـ/907م)، ثمَّ فترة وجيزة بعد حماس، منفردًا)، وقد يكون الدافع المذهبي سببا في اتِّخَاذ هَذَا الإجراء.
وانفرد الأغالبة وحدهم ببدعة ملاحقة القضاة المعزولين من قبل القاضي الذي يحلّ محلَّه، فلاحق بعضهم بعضًا، وأغلب ذلك كان بإيعاز من الأمراء إِلاَّ أنَّه يمكن أن ننسب بدايتها للقاضي سحنون أكثر منها لأي شخص آخر.
وتبعًا لهذه الظاهرة، وفي خضمّ هَذَا العزل وهذه الملاحقات، لاحظنا المذهَبيَّة تعمل عملها، فتتصارع المذاهب المَالكِيَّة والحنفيَّة والاعتزال وتتَّخذ المَالكِيَّة مواقف صارمة في قضائها تجاه الأمراء وتجاه مخالفيها في المذاهب الأخرى، وتجد إقبالاً نحوها من قبل عامة الناس مِمَّا أضفى عليها طابع القومية المغربية في إفريقية أولاً، ثمَّ في المغرب الإسلامي بعامة بعد ذلك. وتنقرض المعتزلة وتجمُّعاتها بسرعة، ثمَّ تتلاشى الحنفيَّة التي سايرت الشيعة الفاطميِّين لأسباب مصلحية تنافسِّية بالدرجة الأولى، وأضاعت بذلك قيمتها ولم تعد ذات أهمِّية في بلاد المغرب بخاصة عندما غادر الفاطميون إِلىَ مصر ...
وإذا كان القضاة في إفريقية بعد عصر الولاة ذوي مذاهب مختلفة كما أسلفنا، فإنَّهم في دولة الرستميين كلّهم إباضيَّة ويبدو أنَّهم في دولة المدراريين إن وجدوا، كلّهم صفرية أو إباضيَّة وصفريَّة؛ كما يظهر لنا أنَّهم في دولة الأدارسة كلّهم مَالكِيَّة. (2/612)
صفحة 620
ولقد تَبيَّن لنا وتأكد أنَّ القضاء في بلاد المغرب هو الذي قرر المصير المذهبي لهذه الرقعة الجغرافية من بلاد الإسلام، بحيث جعلها مَالكِيَّة منذ عهد سحنون بن سعيد ومن جاء بعده من تلامذة وهي مَالكِيَّة مطلقة، باستثناء بعض التجمعات الإباضيَّة هنا وهناك في المغربين الأدنى والأوسط، استطاعت بمرونتها أن تبقى عَلَى قيد الحياة رغم الأعاصير المذهَبيَّة المختلفة، من شيعية ومَالكِيَّة وما إِلىَ ذلك.
إنَّ القضاة في بلاد المغرب كانوا يشعرون بمسؤوليتهم في كلّ القضايا المطروحة عَلَى السَّاحة المغربية، ففضلا عن مهمتهم الأساسيَّة التي تتمثل في فض المنازعات، وإنهاء الخصومات الاجتماعيَّة والاقتصادية والمالية والثقافية، وفضلا عن إشرافهم عَلَى عقود الزواج والطلاق والبيع والشراء، وما شابه ذلك مِمَّا يدخل في صميم اختصاصاتهم، فإنَّهم عرفوا حضورا لا بأس به في الشؤون السياسية والحربِيَّة. لقد قال القضاء كلمته في كثير من أحداث المغرب، وترك آثارا رائعة تنم عن كفاءات عالية، ولا أدلَّ عَلَى ذلك من فتح جزيرة صقلِّية من قبل القاضي العظيم أسد بن الفرات عام 212هـ/ 827م، وإضافتها إِلىَ الدولة الأغلبية ومن خلالها إِلىَ دار الإِسلاَم. وكذلك إقامة الدَّولة الرستمية من قبل القاضي عَبد الرحمن بن رستم عام 160هـ/777م، ليضع حدًّا بذلك لثورات الإباضيَّة في إفريقية والمغرب الأوسط، ودعوتها إِلىَ بناء الحضارة جنبا إِلىَ جنب مع المدراريين والأدارسة ثمَّ الأغالبة؛ وقد تألقت هَذه الحضارة فعلا في المغرب الإسلامي بعامة وساهم بقسطه في الحضارة الإِسلاَمِيَّة العظيمة.
ولعلَّ أبرز ما خلَّفه القضاة هي تلك المؤلفات العديدة التي نظَّرت للفقه في بداياته الأولى ببلاد المغرب؛ فأَثْروا بذلك المكتبة العربيَّة الإِسلاَمِيَّة في مختلف فنون المعرفة، وفي مختلف المذاهب المتنافسة، ومن أهمِّ هَذه المؤلفات وأبرزها: مدونة سحنون بن سعيد، وأسدية أسد بن الفرات، والدينونة الصافية لعمروس بن فتح، فضلا عن عديد العناوين الأخرى، منها ما كُتب له البقاء والحياة إِلىَ يومنا هَذَا، (2/613)
صفحة 621
ومنها ما اندثر وزال واختفى، ولم يبق إِلاَّ عنوانه يشهد عَلَى جهد القضاة في الفقه بخاصة وفي الفكر والثقافة بعامَّة.
وهكذا يكون قضاة هَذه الفترة الذين يشكلون أبرز طبقة الفقهاء، هم أوَّل من ترك تراثا قضائيا معتبرا، لا شكَّ أنَّه ظلَّ مصدرا وموردا لِكُلِّ القضاة الذِين جاؤوا من بعدهم في القرون اللاحقة، وظل معينا لهم في أحكامهم؛ ولا أدلَّ عَلَى ذلك من العديد من المؤلفات التي صنفت في هَذَا الفنّ من العلوم، وحملت عناوين ما يشبه بـ «معين الحكَّام» و «تبصرة الحكَّام» وغيرها.
بعد هَذَا كلّه ونتيجة لهذه الآثار وهذه المآثر، هل كان القضاء في بلاد المغرب عادلا؟
نعم، إنَّ القضاة في جلّهم قضاة عدل، لا وجود للجائر بينهم إِلاَّ شاذًّا، ولا يكون القاضي الجائر إِلاَّ بإيعاز من الوالي أو الأمير. وقد تبيَّن لنا أنَّه بسبب الصراع المذهبي بإفريقيَّة الأغلبية، مورس نوع من الجور، مارسه بعض القضاة عَلَى القضاة الآخرين وذلك من خلال تلك الملاحقات والمتابعات التي شجعها الأمراء الأغالبة، كما مورس عَلَى بعض الفقهاء وبخاصة منهم المالكيَّة إِلاَّ أنَّني لا أستبعد أن يكون بعض قضاة المالكيَّة قد مارسوا هم أيضًا هَذَا النوع من الجور مع فقهاء الأحناف والمعتزلة، ألم يشتت القاضي سحنون بن سعيد جماعات المذاهب الإباضيَّة والصفرية والمعتزلة وغيرها ومنعها من التجمع في المسجد الجامع بالقيروان؟
إنَّ المصادر المالكيَّة، إن ذكرت هَذَا الإجراء الذي اتخذه سحنون، بنوع من التبجيل لأنَّه انتصار للسنة وقضاء عَلَى البدعة في نظرها، فإنَّها لا تذكر شيئًا ذا بال عن ملاحقة القضاة المالكيَّة لقضاة غيرهم وفقهائهم، وإنَّما تتهم دائمًا الحنفية والمعتزلة بالجهل والجور، ولا يستبعد إطلاقًا أن يكون العمل إِلاَّ بالمثل فلو وجدت المصادر الحنفيَّة عَلَى قيد الحياة لأكدت ذلك. (2/614)
صفحة 622
ومهما يكن من أمر فإنَّ القضاة ببلاد المغرب عمومًا في القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م)، قد مارسوا عملهم بِكُلِّ تفان وإخلاص حرصا منهم عَلَى تطبيق شرع الله وإقامة العدل الذي حاولوا أن يصلوا به إِلىَ كماله بحيث لم يفرّقوا في أحكامهم بين فقير وغني، سيِّد ومسود، حر وعبد، ذكر وأنثى، مسلم وذمي إِلاَّ بما تقتضيه الشريعة الإسلاميَّة السمحاء.
إنَّ القضاة كانوا يراقبون أنفسهم، قبل أن تكون السلطة السياسية تشرف عليهم أو تراقب جورهم، بل كانوا هم الذين يراقبون جور الحكام ويقفون في كثير من الأحيان سدًّا منيعًا أمام جور هؤلاء. فالقاضي كان يراقبه ضميره المهني اليقظ، وعلمه الديني المتين، ومع ذلك لم يترك وشأنه، وإنَّما وجدنا المرابطين الأولياء والزهاد يقسون عَلَى القضاة في ملاحظاتهم ونصائحهم لهم في إفريقية ووجدنا الفقهاء الشراة بالمرصاد للقضاة الإباضيَّة في تيهرت أو نفوسة، أو غيرهما.
ومع صرامة كلّ هَذِهِ الأنواع من الرقابات، فإن القضاة بالمجتمع الإباضي كغيرهم من الناس، يخضعون لرقابة شعبية قاسية وعادلة في آن واحد، هي رقابة الولاية والبراءة التي لا ترحم. فجور القاضي يؤدِّي به إِلىَ البراءة منه، وبالتالي ينبذه المجتمع ولا يتعامل معه في صغيرة ولا كبيرة، عندئذ تضيق عليه الأرض بما رحبت فلا يجد إِلاَّ وسيلة التوبة والتنصل من عمله السيء والعودة إِلىَ ولاية المسلمين (1). فأي مجال ترك لهذا القاضي الإباضي لكي يجد تسلُّلاً إِلىَ الجور؟ طبعًا لا مجال في ذلك إطلاقًا، ومن هنا انعدم، أو كاد عزل القضاة عند الرستميين كما انعدم وجود قاض جائر صريح الجور.
إنَّ هَذِهِ الأصناف من الرقابات التي كانت عَلَى قضاء وقضاة المغرب الإسلامي، هي التي جعلته متميِّزًا بالعدل، وإن جار بعض الحكام هنا وهناك، أو
__________
(1) - عن الولاية والبراءة انظر: الجيطالي اسماعيل بن موسى: قواعد الإسلام،1/ 45. وانظر: عبد الوهَّاب: مسائل نفوسة، 36 - 40، 171 - 172، الدرجيني: طبقات، 2/ 342. (2/615)
صفحة 623
دُفِع بعض القضاة إِلىَ الجور، أو ما يشبه الجور. لا! لم يعرف القضاء في المغرب الإِسلاَمِي، خلال فترة موضوعنا، الجور ولا الظلم ولم يرتكب آثامهما، وإنَّما كان نزيهًا وقَّافا عند حدود الله، وإن وقع شيء من التعدي فبسبب الخطإ غير العمدي. وحتى هَذَا لم يكن إِلاَّ نادرًا جدًّا.
ولا بأس من إيراد بعض النصوص في نهاية هَذَا البحث لبعض الخلفاء والولاة والإيمة والأمراء والقضاة والمؤرخين وبعض الممارسات الواقعيَة منهم جميعًا؛ نستشف من خلالها كفَّة العدل إِلىَ أين مالت؟ وكفة الجور إِلىَ أين؟ إِلىَ الحكام أم إِلىَ القضاة؟ ونستنتج من خلالها حقيقة القضاء ومسؤولية القاضي أو الحاكم في الجور الذي ارتُكِب، أو العدل الذي مُورس وطُبِّق ومآل ذلك في نهاية المطاف.
وإنَّني أترك تلك النصوص وتلك الممارسات تأخذنا عبر محطات زمنيَّة ومكانية لا أتدخَّل إِلاَّ في ترتيبها ترتيبًا كرونولوجيًّا ولعلَّنا من خلالها نتلمس علاقة القاضي بالحاكم ومسؤولية الرعية في الحياة السياسية لبلاد المغرب في القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م).
يذكر الرقيق القيرواني أنَّ سليمان بن عبد الملك (96 - 99هـ/714 - 717م) استشار فقيه بلاطه وفقيه الشام رجاء بن حيوة فيمن يوليه أمر المغرب فجاءه بعد أيَّام باسم محمَّد بن يزيد مولى قريش فأدخله عَلَى الخليفة فقال له الخليفة «يا محمَّد بن يزيد، اتَّق الله وحده لا شريك له، وقم فيمن وليتك بالحقِّ والعدل. اللهمَّ اشهد عليه. فخرج وَهُوَ يقول: مالي عذر إن لم أعدل» (1) وولي محمَّد بن يزيد بلاد المغرب وكانت ولايته في أحسن سيرة وأعدلها (97 - 100هـ/715 - 718م).
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 58؛ ابن عذاري: 1/ 47. (2/616)
صفحة 624
أمَّا عمر بن عبد العزيز، فإنه لمَّا عين عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي قاضيا عَلَى القيروان كتب إِلىَ أهل المغرب يقول: «قد قلَّدت القضاء فيكم عبد الله بن المغيرة لمَا صحَّ عندنا من دينه وزهده ونفاذه في علمه ومعرفته وثقته في نفسه وشدَّة ورعه» (1).
وظهرت نتيجة هَذِهِ السياسة في حسن اختيار الولاة والقضاة بسرعة، إذ يروي ابن عبد الحكم أنَّ يحيى بن سعيد أحد عمال الصدقات عَلَى عهد عمر بن عبد العزيز أرسل عَلَى صدقات إفريقيَّة فاقتضاها ثمَّ يتحدَّث يحيى بن سعيد ويقول «وطلبتُ فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها منِّي. قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم وولاؤهم للمسلمين» (2).
بعد هذا العدل مباشرة يقول ابن عذاري «وفي سنة 102، قدم على إفريقة واليا عليها يزيد بن أبي مسلم، وكان ظلومًا غشومًا، وكان البربر يحرسونه ... » (3) فاتفقوا عَلَى قتله فلمَّا خرج من داره إِلىَ المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه، وهناك ارتضى الناس لأنفسهم قاضيهم ابن المغيرة سالف الذكر إِلاَّ أنَّ هَذَا الأخير امتنع مخافة أن يتَّهم بالمشاركة في المؤامرة (4) مِمَّا يدلّ عَلَى أنَّه لم يكن راضيا عَلَى جور الوالي.
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 126.
(2) - ابن عبد الحكم أبو محمَّد عبد الله: سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، تصحيح وتعليق أحمد عبيد، مكتبة وهبة، مطبعة الاعتماد، مصر، ط2، 1373هـ/1954م. ص59. وانظر ممارسات أخرى، وأقوال لعمر بن عبد العزيز، صفحات 36 - 77.
(3) - البيان، 1/ 48.
(4) - نفسه، 1/ 48 - 49. (2/617)
صفحة 625
ولم يتعظ عمر بن عبيد الله المرادي الذي عينه الوالي عبيد الله بن الحبحاب (116 - 123هـ/734 - 740م) عَلَى طنجة وما والاها من المغرب الأقصى بمصير يزيد بن أبي مسلم فراح يسيء السيرة ويتعدَّى في الصدقات والقسم، وارتكب ما لم يرتكبه من الجور عامل قبله، فقام البربر فانتقضوا عليه وتداعت عليه وَعَلَى الوالي ابن الحبحاب بأسرها وعظم البلاء، يقول الرقيق «وهي أوَّل فتن كانت بإفريقية في الإسلام» (1) ولمَّا وصلت أخبار الفتنة إِلىَ الخليفة هشام بن عبد الملك (105 - 125هـ/723 - 742م)، قال «والله لأغضبن غضبة عربية، ولأبعثنَّ لهم جيشا أوَّله عندهم وآخره عندي!» (2) فلا ندري هل هي أخبار الثورة وأسبابها وصلته مزوَّرة، أم هي سياسة الجور، أملت عليه مقولته تلك!.
والحقيقة أنَّ الأمويين في هَذِهِ الفترة بدأت الدائرة تدور عليهم، وحاول آخر خلفائهم استدراك الموقف بإظهار الحزم والعدل، إِلاَّ أنَّ الوقت قد فات وولَّى، فهذا مروان بن محمَّد (127 - 132هـ/744 - 749م) عندما عين عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم للقضاء؛ كتب إليه « ... قد ولاَّك أمير المؤمنين الحكومة والقضاء بين أهل إفريقيَّة وأسند إليك أمرًا عظيمًا وحمَّلك خطبا جسيمًا، فيه دماء المسلمين وأموالهم، وإقامة كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والذب عن ضعيفهم من قويهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمهم والأخذ من شريفهم بالحقِّ لخاملهم. وقد رجَّاك أمير المؤمنين، لذلك لفقهك وعدلك، وخيرك وحسبك، وعلمك وتجربتك؛ فعليك باتقاء الله عزَّ وجلَّ وحده لا شريك له، وإيثار الحقّ عَلَى ما سواه. وليكن جميع الناس قويهم وضعيفهم في الحقّ عندك سواء» (3).
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 73؛ ابن عذاري: 1/ 52.
(2) - ابن عذاري: 1/ 54.
(3) - المالكي: رياض، 1/ 159 - 160. (2/618)
صفحة 626
إنَّ هَذَا القاضي الذي عين مرَّة ثانية عَلَى عهد المنصور العباسي نعلم جيِّدًا ذلك الحوار الذي جرى بين الرجلين، إذ قال الخليفة «يا ابن أنعم، ألا تحمد الله أراحك مِمَّا كنت فيه بباب مروان بن محمَّد؟ قال: أمَّا ما كنت أرى بباب مروان لأرى اليوم شطره ... فبكى لها أبو جعفر ... » (1) وأعاد ابن أنعم ثانية للقضاء بإفريقيَّة.
إنَّ هَذَا الخليفة لمَّا تلقَّى هديَّة متواضعة من عبد الرحمن بن حبيب الفهري (127 - 137هـ/744 - 754م) ومعها رسالة كتب له فيها «إنَّ إفريقيَّة اليوم إسلامية كلّها وقد انقطع السبي منها، فلا تسألني ما ليس قبلي» (2)، غضب أبو جعفر المنصور، وكتب إليه يتوعَّده، عندئذ غضب الوالي عبد الرحمن ونادى الصلاة جامعة، فصعد المنبر ثمَّ أخذ في سب الخليفة، وممَّا جاء في خطبته «إني ظننت أنَّ هَذَا الجائر يدعو إِلىَ الحقّ ويقوم به، حتَّى تبيَّن لي خلاف ما بايعته عليه من إقامته الحقّ والعدل. وأنا الآن خلعته كما خلعت نعليَّ هاذين ... » (3) ثمَّ دعا بخلع لباس السود شعار العباسيين وأمر بتخريقها وتحريقها، وقال: «هذا لباس أهل النار في النار ... » (4).
إنَّ السبيّ المغربي ظل يسيل لعاب الخلفاء في المشرق إن في الشام، أو في العراق، وسوف يكون السبب في انقطاع العلاقة السياسية المباشرة التي ربطت المغرب بالمشرق طيلة عهد الولاة، وابتداء من عهد هَذَا الوالي الفهري، فمقولته واضحة لا تحتاج إِلىَ تفسير.
__________
(1) - الرقيق: تاريخ، 128.
(2) - الرقيق، نفسه، 96 - 97.
(3) - نفسه، 96 - 97؛ النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 221.
(4) - ابن عذاري: البيان، 1/ 67. (2/619)
صفحة 627
إنَّ عبد الرحمن بن حبيب، عَلَى ما يبدو، وَهُوَ الذي وقف أمام خصمه عند القاضي أبي كريب جميل بن كريب (قتل سنة: 132هـ/749م) وصدر الحكم ضدَّه فقال «الحمد لله الذي لم أمت حتَّى جعلت فيما بيني وبين الله تبارك وتعالى من يحكم في عباده بالحقِّ، فقال أبو كريب ... الحمد لله الذي لم أمت حتَّى رأيت أميرًا يشكر الله عزَّ وجلَّ بالقضاء بالحقِّ عليه» (1).
إنَّ هَذَا الوالي قتله أخوه إلياس بن حبيب منافسة بينهما عَلَى السلطة ببلاد المغرب إِلاَّ أن هَذَا الأخير سرعان ما يجد نفسه مقتولاً من قبل ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب، الأمر الذي دعا الأخ الثالث للمتصارعين والابن الثالث لحبيب الفهري، وَهُوَ عبد الوارث إِلىَ الهروب بمن معه من أنصاره إِلىَ بطن من بطون البربر وهم ورفجومة الصفرية. وهكذا يمكن أن نقول إنَّ نزاع الفهريين فيما بينهم منذ أن خلع عبد الرحمن بن حبيب طاعته للمنصور، هو الذي حرَّض ورفجومة عَلَى الثورة وحركها لدخول القيروان وارتكاب مناكرها فيها، من استحلال للمحارم وارتكاب للعظائم (2).
وتنقذ قوات الإباضيَّة مدينة القيروان من الورفجوميين عام 140هـ/757م ثمَّ تظل الاضطرابات السمة البارزة لمَا تبقي من عصر الولاة ببلاد المغرب ولا أدلّ عَلَى ذلك من قتل أوَّل قاض بإفريقية في تلك المحن والأهوال وَهُوَ أبو كريب جميل بن كريب (3).
وممَّن تولىَّ ولاية المغرب في هَذِهِ الفترة المتأخرة، يزيد بن حاتم المهلبي (155 - 171هـ/717 - 787م) الذي يروي سحنون بن سعيد القاضي عنه،
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 218.
(2) - النويري: نهاية (المغرب)، 224 - 225؛ وانظر الرقيق: تاريخ، 97 - 98.
(3) - ابن عذاري: 1/ 70 - 71. (2/620)
صفحة 628
أنَّه كان يقول «والله الذي لا إله إِلاَّ هو ما هبت شيئا قط هيبتي رجلا واحدا يزعم أنِّي ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له، إِلاَّ الله» (1).
ومن المعروف أنَّ هَذَا الوالي هو الذي عين ماتع بن عبد الرحمن الرعيني (159هـ/775م) قاضيا في القيروان خلفا للقاضي عبد الرحمن بن زيَّاد بن أنعم سالف الذكر.
وينتهي عصر الولاة بمحمَّدٍ بن مقاتل العكي (181 - 184هـ/779 - 800م) الذي ساء أثره في المغرب حتَّى انتقض عليه. ولاه الرشيد وكان رضيعه. وأبوه من كبار أهل دولة الرشيد (2).
يقول ابن عذارى « ... لو لم يكن من سوء سيرته وقبيح ما يؤثر عنه من أخباره إِلاَّ إقدامه عَلَى عابد زمانه وورع عصره البهلول بن راشد ... ضربه بالسياط ظلما فحبسه؛ ذلك سبب موته. ومن أخباره أنَّه اقتطع أرزاق الجند ... » (3).
ورغم أنَّ هَذَا العابد الزاهد في صراع حاد مع الوالي محمَّد بن مقاتل العكي، ولا يدخل عليه ولا يقبل زيارته، لكنَّه إِذا استدعاه قاضي هَذَا الوالي، وَهُوَ عبد
__________
(1) - الرقيق: 120 يقول الإمام مالك - رضي الله عنه - المعاصر لهذا الوالي مع الفارق المكاني الشاسع بينهما، في كتابه «رسالة في آداب الدنيا والدين»: «لا تظلم الناس فيديلهم (أي فيغلبهم) الله عليك، فإنه بلغني عن بعض العلماء من الصحابة أنَّه قال: ما ظلمت أحدا أشد علي ظلما من أحد لا يستعين عليّ إِلاَّ بالله تعالى، احذر البغي فإنه عاجل العقوبة ... » انظر الرسالة المذكورة تقديم د. محمَّد عبد الكريم الجزائري، مجلَّة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع5، 1414هـ/1994م، ص402.
(2) - البلاذري: فتوح البلدان، 1/ 276؛ ابن عذاري: 1/ 89.
أبو العرب: طبقات، 155، هامش4؛ المالكي: رياض، 1/ 398.
المالكي: 1/ 401.
(3) - ابن عذاري: 1/ 89؛ أبو العرب: المحن، 440 - 441. (2/621)
صفحة 629
الله ابن عمر بن غانم (171 - 190هـ/787 - 805م) لبى الدعوة (1) لأنَّه يعلم مَن الجائر ومَن العادل.
وينتهي عصر الولاة هكذا لتقوم مقامه دولة الأغالبة. يقول الرقيق « ... لما ولي إبراهيم (بن الأغلب) انقمع الشر بإفريقية وضبط أمرها، وأحسن إِلىَ من بها من أهل الخير ... » (2) فلقد كان «فقيها ديِّنا عالما شاعرًا خطيبا ذا رأي وبأس وحزم وعلم بالحروب ومكائدها جريء الجنان طويل اللسان، حسن السيرة، لم يل إفريقية قبله أحد من الأمراء أعدل منه سيرة، ولا أحسن سياسة، ولا أرفق برعية، ولا أضبط بأمر ... » (3).
ومن أمراء الأغالبة زيادة الله بن إبراهيم (201 - 223هـ/816 - 837م) الذي كان يقول «ما أبالي ما قدِمت عليه يوم القيَّامة وفي صحيفتي أربع حسنات» (4). رابعها ولاية أحمد بن أبي محرز قضاء إفريقيَّة (220 - 221هـ/ 335م) ولمَّا مات هَذَا القاضي قال الأمير لأهل القيروان «يا أهل القيروان ما لكم عند الله من خير؛ ولو أراد بكم خيرا لم يزل أحمد فيكم وبين أظهركم، وإنَّما استكفاه أموركم تسعة أشهر» (5).
هَذَا الأمير هو الذِي ثار عليه منصور بن نصر الطنبذي الذِي ضرب درهما أثناء انتفاضته تلك، وكان ذلك الدرهم يشبه إِلىَ حدَّ بعيد النقود الأغلبيَّة؛ له نفس الوزن ونفس البعد ونفس المعيار، «عَلَى أنَّ شعار الدولة الأغلبيَّة "غلب" المنقوش عَلَى النقود، عوض هنا بكلمة "عدل" (يقول الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب):
__________
(1) - أبو العرب: طبقات، 135.
(2) - الرقيق: 186.
(3) - نفسه: 176.
(4) - أبو العرب: طبقات، 155، هامش 4؛ المالكي: رياض، 1/ 398.
(5) - المالكي: 1/ 401. (2/622)
صفحة 630
وذلك للدِّلالة عَلَى أنَّ الحاكم الجديد عازم عَلَى انتهاج سياسة عادلة في بالبلاد، وَهَذَا يعني أنَّ سياسة الدولة السابقة لم تكن مقامة عَلَى العدل» (1). ونحن نعرف أنَّ هَذَا الثائر همَّ بقتل القاضي شَجرة بن عيسى، قاضي تونس لمَّا كلَّفه الأمير بالوساطة بينهما، لولا هروبه من المذبحة التي أقامها للوفد الذِي كان معه.
ولقد أصاب القاضي أسد بن الفرات، في المحاولة الثانية لاستدراج الثائر، في ردِّه لمَّا قال للطنبذي «قد كنتم أعوانا له قبل هَذَا الوقت وأنتم وهو عَلَى مثل حال، وكما وسعنا الوقوف عنه وعنكم كذلك يسعنا الوقوف عنه وحده ... » (2)؛ وذلك لمَّا طلب منه الثائر الخروج معه ضدَّ الأمير، لأَنَّ هَذَا الأخير بائس ظَلَم المسلمين في نظره.
وفي حدود منتصف القرن الثالث الهجري (9م) يذكر الخشني أنَّه «ولي القضَاء أربعة فاتصل العدل بهم في آفاق الأرض: رحيم بن اليتيم بالشام والحارث بن مسكين بمصر وسحنون بن سعيد بالقيروان وأبو خالد سعيد بن سليمان بقرطبة» (3).
ويبدو لي أنَّ العدل ما دام قد اتَّصل في آفاق الأَرض، فالمفروض أن يضاف إِلىَ هؤلاء القضَاة قاضي العراق عاصمة الخلافة وَهو محمَّد بن أحمد بن أبي داود، ويحي بن أكثم التميمي ثمَّ جعفل بن عبد الواحد الهاشميّ، وكلهم قضاة الخليفة المتوكِّل (232 - 247هـ/ 846 - 861م)، وقاضي تيهرت محكَّم الهوَّاري، وقاضي فاس عامر بن محمَّد القيسي، فكلُّهم وصفوا بالعدل، وعرفوا بالسيرة الحسنة في قضائهم.
__________
(1) - ورقات، 3/ 294 - 295.
(2) - المالكي: رياض، 1/ 270.
(3) - الخشني: قضاة قرطبة، 61 - 62؛ النبهاني: قضاة الأندلس، 54. (2/623)
صفحة 631
إنَّ سحنون بن سعيد (234 - 240هـ /848 - 854م) أعظم قضاة المغرب الإِسلاَمِي أعمالا، وأبقاهم آثارا؛ سمِّي بسحنون لحدَّة ذهنه، وإنَّما اسمه الحقيقي عبد السلام، لم يل القضَاء للأمير محمَّد بن الأغلب (226 - 242هـ /840 - 855م)، «حتى حلف له (الأمير) بالأَيمان المؤكّدة، وأعطاه العهود المغلَّظة أنَّه يطلق يده عَلَى أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ عليهم الحقَّ، أحبُّوا أو كرهوا» (1).
وكتب سحنون إلى هَذَا الأمير «أعاذك الله أيُّها الأمير من قسوة التجبُّر، ونخوة التكبُّر، وأسأله أن يرزقك فهما للخير وعملا به، ومعرفة بالحقّ وأثرة له ... » (2).
وامتدَّ العدل إِلىَ عهد أبي إبراهيم أحمد بن محمَّد بن الأغلب (242 - 249هـ/856 - 863م)، الذي ولي الإمارة في زهرة شبابه ابن عشرين عامًا. وكان عَلَى حداثة سنه «حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعية مع دين واجتناب للمظالم ... وكان يركب في ليالي شعبان ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتَّى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتَّى ينتهي إِلىَ المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه، يدعون له» (3).
هَذِهِ السيرة لم تدم طويلاً، إذ نجد إبراهيم إبن هَذَا الأمير السالف الذكر (261 - 289هـ/874 - 901م) يبدأ عهده عادلاً ثمَّ ينقلب رأسًا عَلَى عقب ولعلَّه يعتبر أظلم الحكام طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م)، لكثرة من قتله من البشر، وَعَلَى رأسهم القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي (257 - 259هـ ثمَّ 267 - 275هـ).
__________
(1) - ابن عذاري: 1/ 109.
(2) - أبو العرب: طبقات، 187.
(3) - ابن عذاري: 1/ 112. (2/624)
صفحة 632
كان هَذَا القاضي يوما قد دخل جنان الأمير وفيه ثمر قد طاب فناول الأميرُ عبد الله بن أحمد بن طالب ناصحًا ومذكرًا: أيُّها الأمير يجب عليك شكران: أن بلغك غرسه، ثمَّ أكلت منه ثمرته، فصلى الأمير وابن طالب شكرًا للنعمة ركعتين، ثمَّ قال له: بقي آخر، «تبعث بصدقة أهل الدمنة فإنَّهم أهل زمانة وضعف» ففعل، ثمَّ قال له: بقي آخر، «تعزل من عمالك مَن كان جائرًا وتجعل مكانه من يعدل في الرعية» فأمر الأمير بذلك (1). إِلاَّ أنَّ تلك السياسة لم تدم طويلاً كما أسلفنا.
ولسبب جوره بعث إليه أبو الأحوص أحمد بن عبد الله أحد شيوخ القيروان (ت284هـ/897م) رقعة أغلظ له فيها قائلاً «يا فاسق، يا جائر، يا خائن قد حِدت عن شرائع الإسلام، وعن قريب تعاين مقعدك من جهنَّم ... » (2) وقيل: إنَّه كتب إليه فيها «إذا السماء انفطرت» (3) وتأثر لها إبراهيم الثاني حتَّى أنَّه زار هَذَا الشيخ الضرير، وطلب منه النصيحة قائلاً «أحب أن ترفع إليَّ كلَّما ثبت عندك من مثل هَذَا فأغيره» (4) لمناكر اقترفها، ذكَّره بها الشيخ صالح ونبَّهه من ارتكاب مثلها.
ويروي الشمَّاخي أنَّ رجلاً من نفوسة بعد وقعة مانو سنة: 283هـ/896م أوقفه إبراهيم الثاني أمامه مسجونًا فقال له «أظنك معلم القوم وإمامهم. قال: لست كذلك، قال: ما تقول فيَّ، قال: ما عسى أن أقول: فاسق ظالم، سفاك لدماء المسلمين، أبعدك الله! فاستشاط إبراهيم غيظاً .. » (5)، ونلاحظ أنَّ الصفات التي
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 477 - 478.
(2) - ابن عذاري: البيان، 1/ 130.
(3) - سورة الانفطار، رقم: 82، عدد آياتها: 19، منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الاِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمٍ ... } الآية: 6.
(4) - المالكي: 1/ 485.
(5) - الشماَّخي: سير، 269. (2/625)
صفحة 633
وصف بها هذا النفوسي، الأمير إبراهيم، هي نفسها تقريبا التي جاءت في رقعة الشيخ القيرواني.
ولعظيم ما ارتكبه من جرائم، أرسل الخليفة العباسي إليه، يأمره بترك الإمارة، فأظهر العدل، وسمى سنة 289هـ/301م، بسنة العدل، إِلاَّ أنَّ العامةسمَّتها سنة الجور لأنَّه لم يتغير من حالها أيُّ شيء عن ذي قبل، بل إنَّ ابنه الذي تولىَّ من بعده، أراد أن يحدث جورا عظيما على رعيَّته، يقول ابن عذاري «فأهلكه الله قبل ذلك، وكان من أجمل الناس وجها وأقبحهم فعلا وأعظمهم ظلما. أحدث في إفريقية وجوها من الظلم شنيعة، منها أنَّه قطع العُشر حبًّا، وجعله ثمانية دنانير للقفيز، أصاب أو لم يصب، وغير ذلك من الظلم والمغارم والمظالم، فاشتدَّ على الناس ذلك» (1).
ومثلما وُعظ أبوه، فإنَّه هو الآخر وعظه بعض العلماء والصالحين، مثل: حفص بن حميد ولكنَّه تهاون بهم فقال لهم حفص بن حميد «قد يئسنا من المخلوق فلا نيأس من الخالق، فاسألوا المولى واضَّرَّعوا إليه في زوال ظلمه عن المسلمين ... » (2).
وزال ظلمه فعلا بمؤامرة أودت بحياته قتلاً، دبَّرها له ابنه زيادة الله الثالث (290 - 296هـ/902 - 909م)، الذي لم يكن أحسن من أبيه ولا من جدّه، وإنَّما «أقبل عَلَى اللذات واللهو ومعاشرة المضحكين والصفَّاعين وأهمل أمور الملك، واستقلَّ وكتب إِلىَ أخيه أبي حول ... وقدم فقتله وقتل عمومته وإخوته ... » (3).
__________
(1) - ابن عذاري: 1/ 95.
(2) - نفسه: 1/ 96.
(3) - ابن خلدون: العبر، 4/ 439 - 441. (2/626)
صفحة 634
إنَّ هَذَا الأمير الخاتم في دولة الأغالبة هو الذي عزل القاضي محمَّد بن أسود الصديني المعتزلي وجعل مكانه القاضي حماس بن مروان الهمذاني (290 - 294هـ/902 - 906)، وكتب لأهل القيروان يسترضيهم وينسيهم فيما اقترفت يداه «إني عزلت عنكم الجافي الجلف المبتدع، وولَّيت حماس بن مروان، لرأفته ورحمته وطهارته وعلمِه بالكتاب والسنة» (1). ولكنَّه سرعان ما عين إِلىَ جنبه قاضيا آخر ليزحزح به حماس بن مروان المالكي، ومن ورائه المالكية الأقوياء الذين ظلوا دائما إِلىَ جانب الرعية يدافعون عنهم جور الأمراء.
هكذا تنتهي أيَّام بني الأغلب بجور الأمراء: الجد والأب والحفيد، وقد كان سلفهم الأوَّل إبراهيم بن الأغلب مؤسس الأسرة الحاكمة من العدل بالصفة التي ذكرناها.
وفي المغرب الأوسط حيث الرستميُّون « ... اشتُهر عدل عبد الرحمن فانتقل إليها (تيهرت) أهل الأموال والتجار من مصر وإفريقيا والمغرب لخوفهم عَلَى أموالهم من أيمَّة الجور ... » (2).
إنَّ عبد الرحمن بن رستم (160 - 171هـ/777 - 787م)، بويع «على الإمامة بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين ... ولم ينقم عليه أحد في حكومة ولا في خصومة، ولم يقع عَلَى يده افتراق، والإباضيَّة يومئذ كلّها مجتمعة متآلفة، لم يثُر منهم ثائر» (3).
وبمجرَّد تولي الابن عبد الوهَّاب للإمامة مكان أبيه عبد الرحمن عام (171هـ/787م إِلىَ غاية 208هـ/823م)، حتَّى اندلعت القلاقل وبدأت الفتن
__________
(1) - عياض: تراجم، 344.
(2) - الشمَّاخي: سير، 158.
(3) - أبو زكرياء: السيرة، 87. (2/627)
صفحة 635
التي استطاع عبد الوهَّاب أن يخرج منها كلّها منتصرًا حتَّى وصف بأنه «كان ملكا ضخمًا وسلطانًا قاهرًا» (1)، «انتقل من حال الإمامة إِلىَ حال الملك» (2).
إنَّ هَذَا الإمام هو الذي وضع شروط تولِّي القضاء في الدولة الرستميَّة، إذ قال «لا ينبغي أن يستعمل عَلَى القضاء إِلاَّ الموثوق به في مثل صفة الإمام؛ في صلاحه وورعه وفقهه وفهمه، وعقله وعلمه بالكتاب والسنَّة والآثار، ووجه الفقه الذي يؤخذ من القياس، والقضاء ولا ينبغي للقاضي ... أن يقضي ... حتَّى تكون فيه خمس خصال؛ فإن نقصت واحدة منهنَّ كانت وصمة فيه: أن يكون عالمًا بما مضى من الكتاب والسنَّة طلف (كذا) عن أربع يعني: ألاَّ يرتشي حليم عن الخصم، يعني: يتحلَّم عن الخصمين، وإن تصاخبا وتشاجرا بين يديه مستخفًّا بالأيمَّة، يعني: ألاَّ تأخذه لومة لائم، مشاورًا لذوي الرأي والعقل والعلم ... » (3).
ثمَّ كان بعد عبد الوهَّاب ابنه أفلح (208 - 258هـ/823 - 871م) الذي وصفته رسالة جاءت من أبي عيسى الخراساني، أحد مشايخ الإباضيَّة بالمشرق إِلىَ أهل المغرب يوصيهم بالحقِّ واتباعه، ومنابذة الباطل، واطراحه وجاء فيها إنَّ افلح «حفظه الله عمل بالسنة وقسم بالسويَّة، وعدل في الرعيَّة، لا ينقم عليه أحد قبلنا وقبلكم في حكم ولا قسم، متَّعنا الله بحياته» (4).
إنَّ الإمام أفلح هو الذي جاءه أخوه أبو العبَّاس يشتكي إليه من الحكم الصارم الذي أصدره القاضي محكَّم الهواري ضدَّه، رغم محاولة هَذَا الأخير استدراج القاضي للحكم لصالحه بالباطل، فقال له أفلح « ... الصواب ما فعل والحق أولى أن يؤثر، ولو فعل غير هَذَا، لكان مداهنا»، وعلَّق ابن
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 37.
(2) - نفسه: 44.
(3) - ابن سلام: التاريخ الإسلامي، 113 - 114.
(4) - الشماخي: سير، 188. (2/628)
صفحة 636
الصغير المؤرّخ، قائلا «فاتصل ذلك من كلامه بوجوه الإباضيَّة فأعجبهم، وسروا به» (1).
وبعد فترة الإمام أبي بكر بن أفلح (258 - 261هـ/871 - 874م)، التي اندلعت فيها فتنة ابن عرفة صهر الإمام المقتول، تولَّى الإمامة أبو اليقظان بن أفلح (261 - 281هـ/874 - 894م) الذي يقول عنه ابن الصغير «وقد لحقت أنا بعض أيامه وإمارته وحضرت مجلسه ... وكان زاهدًا ورعًا، ناسكًا سكينًا» (2) لمَّا توفي وجد في تركته من العين سبعة عشر دينارًا» (3) لا غير.
أمَّا ابنه أبو حاتم يوسف (281 - 294هـ/894 - 906م) فإنَّ شاعر زمانه، بتيهرت الفقيه المحدث بكر بن حماد التيهرتي (4) (ت296هـ/909م)، قال فيه شعرًا (5):
إنَّ المتوَّج يوسف بن محمَّد تتزيَّن الدنيا بطول بقائه
أخذ البلاد بسيفه فاستسلمت وبعدله وبفضله وسخائه
لقد أخذ البلاد بسيفه وبعدله عن عمه يعقوب بن أفلح، الذي نافسه السلطة، وأخرجه من تيهرت، ليتولَّى الأمر مكانه مدَّة أربع سنين (282 - 286هـ/895 - 899م) وكان هَذَا العم كما يصفه ابن الصغير «بعيد الهمة، نزيه النفس، ما جسَّ بيده دينارًا ولا درهمًا» (6).
__________
(1) - ابن الصغير: أخبار، 52.
(2) - ابن الصغير: 80 - 81.
(3) - الشماخي: سير، 222.
(4) - انظر ترجمته: الدباغ: معالم الإيمان، 2/ 281 - 285؛ بحاز: الدولة الرستميَّة، 361 - 367؛ محمَّد بن رمضان شاوش: الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد التاهرتي، المطبعة العلويَّة، مستغانم، ط1، 1385هـ/1966م.
(5) - محمَّد بن رمضان شاوش: الدر الوقاد، 86؛ وانظر الباروني: الأزهار، 2/ 276.
(6) - ابن الصغير: أخبار، 98. (2/629)
صفحة 637
وكما تنتهي جميع الدول عندما يعتريها التنافس عَلَى السلطة، كذلك كان الأمر بالنسبة للرستميين، إذ قتل أبناء اليقظان بن أبي اليقظان عمَّهم أبا حاتم يوسف بن أبي اليقظان، فتولَّى أباهم مكانه يثقل كاهله فضيحة الغدر بأخيه، مدَّة عامين مضطرب الأحوال فاقد العزيمة والإرادة، وحق للكعاك (1) أن يعتبر ذلك من أسباب خراب الدولة.
هَذِهِ البساطة في العيش التي نجدها عند الرستميين، يبدو أنَّها كانت عند المدراريين، مشوبة بالصرامة والتشدّد في الحكم فعيسى بن يزيد الأسود (140 - 155هـ/757 - 771م) أوَّل أيمَّة سجلماسة، حكم خمسة عشر عامًا ثمَّ أنكر عليه المجتمع الصفري أشياء فأخذوه وشدُّوا وثاقه وربطوه إِلىَ شجرة في رأس جبل وتركوه حتَّى مات» (2). وخلفه الإمام أبو القاسم (سمكو) أو سمعون بن واسول (155 - 168هـ/771 - 784). وظل هؤلاء يتولون الإمامة من أبناء سمكو الواحد بعد الآخر: وصف اليسع بن سمكو بالمنتصر وكان جبَّارًا عنيدًا (3)، قام عَلَى أخيه إلياس بن أبي القاسم عام 170هـ/786م.
ومن المعروف أنَّ الأمراء المدراريين تنازعوا أمرهم بينهم وتقاتلوا، مثلهم مثل الأغالبة والرستميين والأدارسة.
فهؤلاء الأخيرون الذين بدأت دولتهم بالمغرب الأقصى، عام 172هـ/788م عَلَى يد إدريس بن عبد الله (172 - 177هـ/788 - 793م) الرجل الصالح الفاضل، كان «مؤثرًا للعدل مقبلاً عَلَى أعمال البر» (4).
__________
(1) - موجز: 202.
(2) - ابن عذاري: 1/ 156.
(3) - نفسه: 1/ 157.
(4) - نفسه: 1/ 83 - 84. (2/630)
صفحة 638
أمَّا إدريس بن إدريس، فإنه احتزم بحبل من مسد، واتخذ قطعة من عصا منجورة، ومسكنًا ضيِّقًا قدر الحاجة (1)، وسار علي بن محمَّد بن إدريس الثاني (221 - 234هـ/835 - 848م) بسيرة أبيه محمَّد وجدِّه إدريس في العدل والفضل والدين والحزم، وإقامة الحق (2) رغم صغر سنه إذ تولَّى الحكم وعمره: تسع سنوات.
ومن المعروف: أنَّ هَذِهِ الدولة دخلت في الصراعات التنافسية عَلَى السلطة منذ وقت مبكر فلم تقو عَلَى تحقيق المشروع الذي كان يحلم به العلويُّون آنذاك وَهُوَ إقامة الخلافة العظمى مقام دولة وخلافة العباسيِّين.
ويبدو أنَّ قضاة هَذِهِ الدولة التزموا بالعدل. كيف لا، وحتى نقودهم ومسكوكاتهم كانت خالية من الشعارات المذهبيَّة الشيعيَّة الزيديَّة، واقتصرت عَلَى شعارات العدل والتوحيد: سياسة العدل الاجتماعي والتوحيد السياسي عَلَى حدِّ قول محمود إسماعيل (3).
هَذِهِ المحطات المتعدِّدة؛ يمكن أن نلاحظ أنَّها تشابهت في كثير من تفاصيلها، واختلفت كذلك في كثير منها، نعمل عَلَى استنتاج ذلك بسرعة فيما يلي:
- عرفت الكيانات السياسية كلّها الاضطرابات والمنافسات عَلَى السلطة (بخاصة في أواخر عهودها) مِمَّا يؤثر سلبًا عَلَى القضاء بلا شكَّ وبالتالي يؤدِّي إِلىَ نوع من الجور من قبل الحاكم وليس القاضي ونتيجة لهذا يسقط النظام لا محالة.
__________
(1) - الحلبي: الدار النفيسي، 265.
(2) - ابن أبي زرع: الأنيس، 53.
(3) - الأدارسة: 92. (2/631)
صفحة 639
- لاحظت أنَّ إبراهيم الثاني الأغلبي؛ أعظم الجائرين من الحكام في هَذِهِ الفترة لم يكن وراء سقوط الأغالبة فحسب وإنَّما أيضًا وراء سقوط الرستميين، وذلك بسبب جوره وسفكه للدماء، فهو الذي قتل رجال "بلزمة" وفتك بهم وكانوا في نحو ألف رجل. يقول النويري «فكان قتلهم سبب انقطاع دولة بني الأغلب، لأنَّ أهل بلزمة، كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولاً وعبيدًا، وفرضوا عليهم العشور والصدقات ... فكان الذي صنع إبراهيم بأهل بلزمة مِمَّا أنقذ كتامة من تلك الذلة، وأوجبهم السبيل إِلىَ القيام مع الشيعي» (1)، ومن المعروف أنَّ هَذَا الأمير نفسه، سفك دماء رجال نفوسة في معركة مانو سنة: 283هـ، وأذلها وقتل منهم مقتلة رهيبة منهم القاضي عمروس بن فتح، وبالقضاء عَلَى قوَّة نفوسة قضى عَلَى دولة الرستميين، وسهل أمر الانقضاض عليها لأَنَّ دولة الرستميين كما قال الإمام عبد الوهَّاب، إِنَّمَا قامت بسيوف نفوسة، وأموال مزاتة.
- وهكذا يسهِّل الجور المفرط مهمة أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين، ويقضي هَذَا الجور عَلَى دولتين معًا قبل أن تزحف عليهما قوات الفاطميين.
- قتل زيادة الله الثالث أباه أبا العبَّاس عبد الله الثاني، وقتل أبناء اليقظان عمَّهم أبا حاتم يوسف، وتقاتل الإخوة الأشقَّاء في المغرب الأقصى مباشرة بعد وفاة إدريس الثاني كما تقاتل الشقيقان ميمون بن مدرار المعروف بابن الرستمية وميمون بن مدرار المعروف بابن بقيَّة، وكل ذلك ولا شكَّ كان عَلَى حساب الرعيَّة، وَعَلَى حساب القضاء ونزاهته.
__________
(1) - النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 278. (2/632)
صفحة 640
- إنَّ سوء إدارة أغلب الولاة الاقتصاديَّة وذلك بشططهم في جمع الضرائب وعدم مساواتهم البربر مع العرب خيب آمال البربر بهذه السياسة الاقتصادية والعصبية التي انتهجوها (1).
- إنَّ الحكام الأغالبة، وإن وصل بعضهم إِلىَ القول لقاضيه: أجرِ الحقّ عليَّ وعلى خاصَّتي فإنَّ الحكام العدول قليلون؛ لأنَّهم اكتسبوا بممارستهم سمعة سيِّئة كجائرين (2).
- كان الحكام في دولة الرستميين يجرون العدل والإنصاف عَلَى أنفسهم قبل ذويهم وَعَلَى ذويهم قبل حاشيتهم أو عموم الرعية، فكانت هَذِهِ الرعية إن هي رأت اعوجاجا قاومته بالسيف لا بالرفق واللين، وأنزلت الإمام من أريكته من غير وجل أو أسف أو اعتبار (3)، وينطبق ذلك أيضًا عَلَى حكام بني مدرار.
- يقول محمَّد الطالبي إنَّ الأغالبة لم يسقط نظامهم؛ لأنَّ خيالة كتامة ناجعة ودعاية الداعي أبي عبد الله ماهرة، ولكن سقط بخاصة لأنَّ الأغالبة كانوا قد وقعوا في الضحالة والفجور، ثمَّ يضيف «والواقع أنَّ الدولة الأغلبية قتلتها أزمة في الرجال واليأس. لقد ذلَّ زيادة الله الثالث، وأذلَّ الدولة في شخصه» (4) ويبدو لي أنَّ هَذَا ينطبق أيضًا عَلَى عهد اليقظان بن أبي اليقظان
-
__________
(1) - جودت عبد الكريم: العلاقات، 42.
(2) - هوبكنز: النظم، 98؛ 176، Vonderheyden: La Berberie
وانظر محمود إسماعيل: الأغالبة، 43 - 44.
(3) - الكعاك: موجز، 180؛ انظر ابن الصغير: أخبار، 28؛ عبد المقصود: الرستميون صفحة رائعة، 30.
(4) - الدولة الأغلبية: 763. (2/633)
صفحة 641
في السنتين الأخيرتين من حكم الرستميين فإن كانت المالكيَّة كما يقول الدكتور محمَّد الطالبي، رفضت القتال إِلىَ جانب زيادة الله الثالث، فكذلك الإباضيَّة رفضت القتال إِلىَ جانب اليقظان المذكور (1).
هكذا نلاحظ بعامَّة، أنَّ الجور إِنَّمَا مصدره: الحكام بالدرجة الأولى، وإن ذكر إميل تيان، انتهاك القضاء والقضاة في الإسلام لبعض الحقوق أو القوانين الفقهيَّة وجاء بنصوص مضحكة من الأدب العربي في هَذَا الخصوص، ولكي يكون معتدلاً أشار إِلىَ أنَّ قضاة بيزنطة كانوا بالمثل، يقول قودفوروا: أنا أذهب بعيدًا من هَذَا، فأقول: كلّ الشعوب تشتكي من قضاتها، أو من قضائها بدون استثناء، فالقضاء لم يبلغ أبدًا قمَّته أو مثاليته وروعته، والخصوم الذين خرجوا عبر العصور من المحاكم مغاضبين غير راضين، أكثر بكثير من الخصوم الذين خرجوا فرحين مرتاحين ويختم قائلاً «ولكني أعتقد أنَّ القضاء الإسلامي في عمومه لم يكن أبدًا أكثر سوءًا من غيره ... » (2).
إنَّ ما ذكره إميل تيان، وقودفروا عن القضاء في الإسلام لا يعبر عن كلّ الحقيقة، بخاصة فيما يتعلَّق بما كان عليه في المغرب الإسلامي، خلال فترة دراستنا التي أهملها المستشرقَان وغيرهما كثير من مؤرخي العرب والإسلام ...
أمَّا عن العلاقة بين القاضي والحاكم في بلاد المغرب، فلقد مرَّ بنا أنَّ الحكام الخلفاء والولاة والأمراء والأيمَّة كانوا هم الذين يعينون القضاة ولكن بمجرَّد إعلان ذلك التعيين، يصبح القاضي مطلق اليد في سلطته التي تكاد تشكِّل في بعض الأحيان سلطة موازية مع سلطة الحاكم، إِلاَّ أنَّها في الأغلب الأعم سلطة متكاملة تتكفَّل بنوع من القضايا محدود بدقَّة.
__________
(1) - إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية، 127.
(2) - Graudefroy: Notes, p141. (2/634)
صفحة 642
لقد كانت علاقة القاضي بالحاكم في عمومها علاقة ثقة واطمئنان: كلّ يطمئنّ إِلىَ الآخر ويثق فيه، ولكن شابها في بعض الأحيان وبخاصة عند الأغالبة نوع من الحذر بحيث كان الأمير يحذر من قاضيه العادل الصارم، وَهَذَا الأخير يحذر من سطوة الأمير الجائر.
وتميَّزت العلاقة كذلك بالطاعة وإسداء النصيحة بين الطرفين؛ طاعة القاضي للحاكم فيما يرضى الله، لأنَّ ذلك من أوكد الواجبات في الإسلام، ونصيحة القاضي للحاكم عندما يكون هَذَا الأخير مستعدًّا لقبول النصيحة. وبديهي أنَّ النصيحة لا يدلى بها إِلاَّ في وقتها، ولمن هو أهل لها، لكي تؤتي أكلها ولا تذهب أدراج الرياح.
ولا أشكُّ في أنَّ الرعيَّة ببلاد المغرب الإِسلاَمِي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، قد تمتَّعت بنزاهة القضَاء وعدل القضَاة رغم جور كثير من الحكَّام؛ ويبدو أنَّ وقع هَذَا الجور في نفوس الرعيَّة كان أكبر وأعمق من عدل القضَاة ولعلَّ ذلك يعود إِلىَ طبيعة التركيبة البشرية ببلاد المغرب، فهي في عامتها بربر وجند.
إنَّ هاتين الظاهرتين (1): البربر والجند طبعتا معًا الأحداث السياسية للبلاد
__________
(1) - يمكن إضافة أو مراعاة ظاهرة ثالثة وهي ظاهرة طبيعيَّة نقصد بها الجوائح والأزمات والأوبئة التي تعددت في هَذِهِ الفترة والتي لا نشكُّ أنَّها قد أثَّرت في صيرورة الأحداث ببلاد المغرب؛ منها الوباء والطاعون الذِي وقع حوالي سنة 128هـ/ 745م واستمرَّ سبع سنين لا يرتفع إِلاَّ وقتا من الشتاء ووقتا في الصيف. وفي سنة 253هـ/ 867م كان هناك قحط كثير وغاصت المياه ودام إِلىَ سنة 265هـ/ 878م. وفي سنة 260هـ/ 873م عمَّ الغلاء والقحط جميع بلاد المغرب وإفريقيَّة والأندلس ومصر وبلاد الحجاز؛ ثمَّ كان بالمغرب وباء عظيم مع غلاء في الأسعار، وعدمت الأقوات فهلك خلق كثير. وفي سنة 266هـ/ 879م كان القحط العظيم والغلاء المفرط بإفريقية. وفي سنة: 267هـ/ 881م في يوم الخميس، 22 شوال كانت زلزلة عظيمة لم يُسمع بمثلها تهدَّمت منها القصور وانحطَّت منها الصخور من الجبال، وفرَّ الناس من المدن وعمت هَذِهِ الرجفة جميع بلاد المغرب، من تلمسان إِلىَ طنجة، ومن البحر الرومي إِلىَ أقصى المغرب فضلا عن الأندلس. وفي سنة 268هـ/ 882م اشتد القحط وغلت الأسعار حتَّى بلغ قفيز القمح ثمانية دنانير؛ فهلك الناس حتَّى أكل بعضهم بعضا. وفي سنة 276هـ/ 889م أطبقت الفتنة جميع آفاق المغرب وإفريقيَّة والأندلس. وفي سنة 285هـ/ 898م كانت المجاعة الشديدة التي عمَّت جميع بلاد الأندلس وبلاد العدوة ثمَّ أعقب ذلك وباء ومرض وموت كبير هلك فيه من الخلق ما لا يحصى. وفي سنة 293هـ/ 905م كسفت الشمس كلّها وصلَّى القاضي حماس بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع بالقيران. وفي سنة 295هـ/ 907م استسقى القاضي أبو العبَّاس بن جيمال بالناس يوم الاثنين 6 ربيع الثاني.
هَذِهِ إذن عشر جوائح اجتاحت بلاد المغرب خلال القرنين (2 - 3هـ/ 8 - 9م) لا تنتهي إحداها حتَّى تندلع الأخرى.
انظر عنها: ابن عذاري: البيان، 1/ 116، 140، 144؛ ابن أبي زرع: الأنيس، 96 - 97؛ النويري: نهاية الأرب (المغرب)، 220، 227؛ الناصري: الاستقصا، 1/ 180 - 181. (2/635)
صفحة 643
طيلة فترة دراستنا؛ فلقد كانتا كلتاهما مصدر قلاقل واضطرابات متتالية ويكفي أن نستشهد بما قاله ابن حيَّان عن البربر عَلَى لسان أحد الحكام عَلَى ما يبدو «إنَّ البربر إِلىَ اليوم عَلَى عاداتهم الأولى معنا، إن هممنا بتشديد السلطان هربوا عنَّا ونفروا منّا، واتَّخذوا الحصون علينا؛ فمرَّة نذهب إِلىَ محاربتهم وتارة نؤول إِلىَ مداراتهم» (1).
أمَّا الجند فمن المعروف أنَّ الصفة المميِّزة لهم هي كثرة هرجهم في صفوفهم؛ فقد جلبوا إِلىَ إفريقية والمغرب خصوماتهم القبلية «وكان النهب والسلب من تقاليدهم، وهي تقاليد لم تخفّف منها الفتوحات الإِسلاَمِيَّة، وقد جاؤوا إِلىَ إفريقية تجذبهم الغنائم إِلىَ حدٍّ كبير» (2).
لقد أثَّرت هاتان الظاهرتان عَلَى صيرورة الحياة السياسية ببلاد المغرب وصاغتا عَلَى طريقتهما أوضاعه الاجتماعيَّة والاقتصادية والسياسية والحربية. إنَّ البربر كانوا يبحثون دائما عن العدل المطلق ولا يرضون بأدنى من ذلك في
__________
(1) - انظر عنه محمود إسماعيل: الأدارسة، 92.
(2) - هوبكنز: النظم، 137 - 138. (2/636)
صفحة 644
حين كان الجند يبحثون دائما عن الغنائم وما شابه ذلك، ومن هنا لم يعرف المغرب الإِسلاَمِيّ الهدوء التام والاطمئنان المطلق. ويبدو لي أنَّ ذلك ظلَّ مستمرا لقرون طويلة ...
الخلاصة، إنَّ القضَاء عهد الولاة والأغالبة هو الأغزر مادَّة والأوضح أحداثا والأكثر واقعية في حين كان عند الرستميين أكثر بساطة وأوضح عدلا مع شَيء من عدم الدقة في مصادره. وتنعدم الصفات التي يمكن تمييز القضَاء في المغرب الأقصى بها إِلاَّ صفة انعدام وفقدان المصادر المتعلِّقة بتاريخه؛ فقدانا يكاد يكون مطلقا ولكن مع ذلك وصفنا قضاءه بالعادل لأنَّه هو الجو العام الذِي ميَّز القضَاء ببلاد المغرب عموما.
المبحث الرابع
بعض نوادر القضَاة ومُلَحهم
يقول عصام شبارو إنَّه من يظن أنَّ للقاضي هيبة ووقارا وحكما بين الناس فقط، يخطئ كثيرا إذ عليه أن يبحث عمَّا أسماه «الوجه الآخر للقاضي» وهو الوجه الذِي يعيشه «بعيدا عن مركز عمله، حيث يجتمع بالشعراء ويقول الشعر أو يقال فيه، كما يحضر مجالس اللهو والشراب وقد يولع بالغلمان أَيضًا» (1).
هل يوجد هَذَا الوجه الآخر للقاضي في بلاد المغرب خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م)؟
أعتقد أنَّ الجواب عَلَى هَذَا السؤال يكون بالنفي دون تردُّد إذ لم أجد من قضاة المغرب من يحضر مجالس اللهو والشراب بله الولع بالغلمان؛ وقد رأينا أنَّه
__________
(1) - عصام شبارو: القضَاء، 227. (2/637)
صفحة 645
حتَّى قولهم الشعر (1) لم يكن ذا بال وبالتالي كانوا كلّهم وقار وهيبة ورزانة بعكس بعض قضاة المشرق والأندلس الذِين تركوا نوادر ومُلحا تناقلتها كتب الأدب والقصص ترويها جيلا بعد جيل.
أمَّا في المغرب فربَّما وجدنا بعض الأقوال أو الأفعال التي صدرت من القاضي فيها نكتة مضحكة أو عبرة عابرة، وربما استأنستُ ببعض النوادر من هنا أو هناك عَلَى امتداد العالم الإسلامي، إن خرجَت عن الإطار المكاني للموضوع فهي لم يخرج عن الإطار الزماني، وهي مرتبطة ارتباطا مباشرًا بمجريات أمور القضاء ببلاد المغرب.
نعود إِلىَ النبيذ وتعاطي القضاة له، إذ من المعروف أنَّ الأحناف يجيزونه في حين تحرمه المالكيَّة تحريما صارما، وقد وجدنا ذلك عند بعض قضاة الأحناف بالمغرب، إِلاَّ أنَّنا لم نعثر عَلَى نص يشير بصراحة إِلىَ أنَّ أحد القضاة كان يجلس للنبيذ ويتعاطاه وكل ما في الأمر هَذِهِ القصَّة التي رُويت عَلَى لسان أحد أشراف إفريقية وعلمائها وَهُوَ عبد الله ابن أبي حسان اليحصبي (2) (ت226 أو 227هـ/841م)، قال «وجَّه إليَّ زيادة الله وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحلُّه وأسد يحرمه، فقال: ما تقول في النبيذ الشديد؟ فقلت: قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك وهما فقيها البلد يتناظران فيه ... » (3).
ومن المعلوم أنَّ كثيرًا من أمراء الأغالبة دون حكام المغرب الإسلامي الآخرين، كانوا يتعاطونه، ولقد ذكرت أنَّني وجدت بعض القضاة يغضون
__________
(1) - انظر المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.
(2) - انظر ترجمته في: تراجم أغلبية، 70 - 76.
(3) - عياض: تراجم، 76. (2/638)
صفحة 646
الطرف عن السكران لا يقيمون عليه الحد (1)، وممَّا روي في هَذَا الخصوص أنَّ أحد القضاة التقي مصادفة برجل سكير فحاول هَذَا الأخير الهروب حتَّى لا يراه القاضي لكنَّه من شدَّة سكره لم يقو عَلَى ذلك فقال شعرًا:
ألاَّ أيُّها القاضي الذي عمَّ عدله فأضحى به في العالمين فريدا
قرأتُ كتاب الله ألف مرَّة فلم أر فيه للشراب حدودًا
فإن شئت أن تجلد فدونك منكا صبورًا عَلَى ريب الخطوب جليدا
وإن شئت أن تعفو تكن لك منَّة تروح بها في العالمين حميدا
فلمَّا سمع القاضي هَذَا الشعر؛ أعرض عنه وتركه وشأنه (2).
وممَّا يدخل ضمن إطار هيبة القاضي فلا بأس أن نعيد ما جرى للقاضي عبد الله بن عمر بن غانم الذي كان يقطع سماط القيروان مع الأمير فحرَّك الأمير دابته فأسرعت، ولم يشأ ابن غانم تحريك دابته هو الآخر للالتحاق بالأمير، وإنَّما ترك الأمير وتوجه هو إِلىَ داره. ولمَّا افتقده الأمير عند الوصول إِلىَ دار الإمارة قيل له: إنَّه فارقك منذ المكان الفلاني فبعث في طلبه فأتاه، فقال له: ما حملك عَلَى أن عطفت عنِّي وفارقتني؟ قال: أصلح الله الأمير، إِنَّمَا القاضي بحرمته، وإنَّما تنفذ أحكامه بقدر وفور جاهه، وإنِّي رأيتك حركت دابتك، ولو حركت دابتي سقطت قلنسوتي وإذا سقطت قلنسوتي انكشف رأسي وضحك
__________
(1) - انظر المبحث الثالث في الفصل الرابع من الباب الأوَّل. وممَّا يذكر في تساهل بعض أمراء بني الأغلب في الخمر أنَّ أحدهم منع بيع الشراب بالقيروان وأباحه برقادة فكتب بعضهم إليه:
يا سيد الناس وابن سيدهم ... ومن إليه الرقاب منقادة
ما حرم الخمر في مدينتنا ... وَهْوَ حلال بأرض رقادة؟
انظر ابن عذارى: 1/ 207.
(2) - النباهي: قضاة الأندلس، 85، يقول: إنَّ القاضي من قضاة ألبيرة بالأندلس. (2/639)
صفحة 647
علي الصبيان (1)، فلا غرو أنَّ القاضي إذا رئي حاسر الرأس مِمَّا يدعو إِلىَ السخرية بخاصة إذا كان ذلك دون قصد منه، أمَّا إذا لعب الصبيان بقلنسوة القاضي (2)، فتلك هي المهزلة.
ومن المؤامرات التي حيكت عَلَى بعض القضاة تآمر أربعة من الرجال الذين لا عمل لهم القاضي عَلَى أبي العبَّاس بن عبدون الحنفي، وصديق له يدعى المساجدي؛ ليفرِّقوهما فقالوا للقاضي: «إنَّ صاحبك يقول بأنَّك خنثى ولك فرعة كفرعة النساء؛ فتلوَّن وجه ابن عبدون وجعل يحلف ماله فرعة؛ ثمَّ بلغ الخبر إِلىَ المساجدي، فأتى متنصِّلا فوجد في قلب ابن عبدون من التصديق بما قيل له عنه ... » (3).
ويروي القاضي الخشني عن سليمان بن عمران خروفة أنَّه كان يندر بل كان كثير النادر، كثير التحكك بالناس في التعريض بعيوبهم وألقابهم (4)؛ إِلاَّ أنَّه لم يأت بواحدة من نوادره أو تعريضاته.
لقد سبق أن ذكرنا أنَّ القضَاة ببلاد المغرب لم يكونوا يلبسون لباسا خاصا متميزا؛ وإنَّما كان أكثرهم يؤثر التخشُّن في الملبس والمأكل بعكس قضاة المشرق والأندلس. ففي قرطبة كان أحد قضاتها يلبس رداء معصفرا وفي رجليه حذاء يصر،
__________
(1) - المالكي: رياض، 1/ 225 - 226.
(2) - الدباغ: معالم، 1/ 300.
(3) - الخشني: طبقات، 188 - 189. وممَّا يذكر في هَذَا أنَّه اختلف في الخنثى كيف يورث؟ ووقعت النازلة في البصرة؛ فأرسل الوالي إِلىَ جابر بن زيد الأزدي إمام الإباضيَّة في التقية وهو في السجن؛ فجاء يرسف في قيوده؛ فقالوا له: ما ترى في هَذَا؟ فقال: تسألوني وأنا في قيودكم؟ قالوا: قل: فيه. قال: «ألزقوه في الحائط، فإن بال فيه فهو ذكر، وإن بال في رجليه فهو أنثى». انظر أبو العرب: المحن، 401.
(4) - الخشني: طبقات، 183. (2/640)
صفحة 648
وعليه جُمَّة (1) مفرَّقة وكان يجلس للقضاء عَلَى هَذِهِ الهيئة، كما أنَّه يخطب يوم الجمعة من عَلَى منبر المسجد الجامع بهذه الهيئة. ويحكى أنَّه جاءه رجل غريب، ربَّما من أهل المغرب؛ فلمَّا رآه في «زيّ الحداثة من الجمَّة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه، لم يتوسم عليه القضَاء؛ فقال لبعض من يجلس إِلَيهِ دلُّوني عَلَى القاضي؟ فقيل له: ها هو ذا وأشير له إِلىَ القاضي؛ فقال لهم: إنِّي رجل غريب وأراكم تستهزئون بي. أنا أسألكم عن القاضي، وأنتم تدلُّوني عَلَى زامر .. ؟!» (2).
اتُّهم بعض القضَاة وبخاصة منهم الأحناف بقلَّة العلم وقصر الفهم؛ ومنهم القاضي سليمان بن عمران الذِي حجَّر عَلَى أبي عبد الله محمَّد بن زرزر الفقيه ذي المناقب الجليلة (3) وذلك لمَّا تغيِّر عقله. فوجد سليمان القاضي سبيلا إِلَيهِ فحجَّر عليه إِلاَّ أنَّ سليمان بن عمران كان يضطر إِلىَ استشارته ويبعث إِلَيهِ برسله في ذلك. فقال ابن زرزر مرَّة للرسول «يكون تجوابي له مشافهة؛ فأتاه فقال له: أقول لك: إن كنت حَرَبتَنِي (4) وأنا عندك سفيه غير رشيد، فقد أخطأت ... وإن كنتُ عندك رشيدا غير سفيه فقد أخطأت في حَجرك عليَّ؛ ثمَّ كبَّر عليه أربع تكبيرات كما يكبَّر عَلَى الميِّت وانصرف» (5).
وفي العلم دائمًا يذكر ابن عذاري أنَّ محمَّد المعروف بابن جيمال الحنفي
__________
(1) *- الجُمَّة بالضم: مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوفرة، والجمة من شعر الرأس ما سقط عَلَى المنكبين. انظر: لسان العرب، 1/ 505؛ مادَّة «جمم»
(2) - الخشني: قضاة قرطبة، 32.
(3) - انظر ترجمته في المالكي: رياض، 1/ 514 - 516.
(4) *- الْحَرَب بالتحريك: أن يسلب الرجل ماله، حَرَبه يحربه إذا أخذ ماله فهو محروب. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/ 595، مادة «حرب».
(5) - المالكي: رياض، 1/ 514. (2/641)
صفحة 649
الذي ولي القضاء سنة 293هـ/905م، والذي كان ضرَّة للقاضي المالكي حماس بن مروان، لم يكن عنده علم ولا ورعٌ وكانت فيه غفلة شديدة وضعف، قيل إنَّه « ... شهدت عنده بيِّنة بأنَّ امرأة وكَّلت ولدها، فقال لهم: وكَّلته وهي بالغ؟ قالوا له: هو ابنها! أصلحك الله! فكيف لا تكون بالغا! وضحكوا عليه فاستحيى» (1).
وكتب أحمد بن وهب الحنفي قاضي طرابلس إِلىَ الأمير إبراهيم بن أحمد كتابا ذكَّره فيه فقال: بعد اسمه خفضك الله، فلم يرفع الظاء بدل أن يكتب حفظك الله، فقال إبراهيم بن أحمد: خفضني خفضه الله ثمَّ عزله (2).
ومن المعروف أنَّ القضاة وبخاصة ببلاد المغرب كانوا كثيرا ما يتهرَّبون من تولِّي القضاء ويعتبرون خبر التولية إن جاءهم فجأة كالمصيبة، وممَّا يروى هنا أنَّ أحدهم بشّر بتولِّيه القضاء فقال لمبشره «بشَّرك الله بالنار» (3).
وطُلب رجل فقيه للقضاء «فتجانَّ وتحامق وركب قصبة واتبعه الصبيان» (4) حتَّى يتركه الحاكم ولا يصرّ في تعيينه.
ويسمح أحد الفقهاء لنفسه بِأَنْ يعيبها بأنواع من العيوب لكي لا يلي القضاء للأمير إبراهيم بن أحمد فقال له «سألتك بالله أيُّها الأمير لا تعر القضاء بي، لأنِّي عبد رومي أعور غرابلي، مولى امرأة ... » (5)، وبالفعل لم يعيِّنه. فهل أبقى الرجل من نفسه شيئًا لم يعبها بها؟
__________
(1) - ابن عذاري: 1/ 140.
(2) - الخشني: طبقات، 194.
(3) - عصام شبارو: القضاء، 60.
(4) - وكيع: أخبار القضاة، 24.
(5) - عياض: تراجم، 388. (2/642)
صفحة 650
وتساءل قاض، فقال: ولِّيتُ القضاء فبكى أهلي فلمَّا عزلت بكى أهلي فما أدري مِمَّ ذلك؟ فقيل له: وليت القضاء وأنت تكرهه، وتجزع منه، فبكى أهلك لجزعك، وعُزلت عنه فكرهت ذلك وجزعت فبكى أهلك لجزعك، فقال القاضي: لمخبره صدقت (1).
وعزل الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بعض قضاته فقال القاضي: لم عزلتني؟ فقال له عمر: بلغني أنَّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك (2).
وفي مجلس القضاء قد تحدث بعض الأمور التي ينفلت زمامها من يد القاضي فيضطرّ إليها القاضي اضطرارًا مجبرًا غير مخيَّر. وقد رأينا كيف أنَّ بعض القضاة رفضوا الأجرة عَلَى القضاء وبخاصة في إفريقيَّة الأغلبيَّة في حين قبلها أغلبهم، وفي يوم من أيَّام هؤلاء جاء مؤدِّب (معلم) إلى القاضي ليشهد عنده، فقال له القاضي: لا أقبل شهادتك لأنَّك تأخذ عَلَى القرآن أجرًا (3). قال: وأنت تأخذ عَلَى القضاء بين المسلمين أجرًا؟! فقال القاضي: أنا أُكرهت عَلَى القضاء، فأجابه المؤدب: يا هذا، القضاء أكرهت عليه فهل أكرهت عَلَى أخذ الرزق؟ عندئذ قال القاضي: هلمَّ شهادتك (4).
وقد يلجأ القاضي إِلىَ الحيلة لحلّ قَضِيَّة شائكة مثلما كان يفعل سليمان بن عمران الذي «كان من شيمه أنَّه يجلس قبل خروجه إِلىَ الناس في مكان (خفي) يسمع منه كلامهم وما يجري من القول بينهم» (5)، وهكذا
__________
(1) - رابح خدوسي: طرائف اقضاة واللصوص، دار الحضارة، بئر توتة، الجزائر، 1973، ص64.
(2) - رابح خدوسي: نفسه، 46.
(3) - يقول ابن سحنون: إنَّ أكثر المعلِّمين للصبيان سقطت شهادتهم لأنَّهم يعلِّمون في المساجد. أجوبة (مخ) ق54ظ.
(4) - ابن قتيبة: عيون الأخبار، 1/ 69.
(5) - الخشني: طبقات، 182 - 183. (2/643)
صفحة 651
يتعرَّف عَلَى الحقائق قبل أن تعرض عليه في مجلسه بشكل رسمي وعلني ومسؤول.
في خلاف حول حقّ العرس بين العروس والعروسة عَلَى عهد القاضي حماس بن مروان كان العروس يذهب إِلىَ أحد الموثقين يتعلَّم منه ما يخاطب به حماسا من حجَّته، ولمَّا جلسا إِلىَ القاضي لم يستطع حماس أن يجد لهما حكمًا، وأعياه أمرهما؛ عندئذ «ردَّ وجهه إِلىَ أبي العروسة فقال له: ابنتك هي؟ فقال له: نعم، ثمَّ قال للعروس: زوجتك هي؟ فقال: نعم، فقال لهما: قوما عنِّي ليس هَذَا عرس، هَذِهِ جنازة!» (1).
وجاء رجل إِلىَ قاض بجبل نفوسة بخصمه يشتكي منه أنَّه خوَّفه فأقرَّ الخصم بذلك فأخرج حزمة السياط وجعلها أمامه وكأنَّه يمهّد للتعزير ثمَّ اشتغل بالصلاة ردحا من الزمن فلمَّا صلى أمره أن يتزر بالإزار الخاص للجلد فتقدَّم القاضي وأخذ سوطا من تلك الحزمة فهزَّه كأنَّه راح يبدأ الضرب فتركه وأخذ آخر غيره حتَّى أتى عَلَى الحزمة كلّها فقال له المتهم: إنِّي تبت يا شيخ، لا أعود لمثله، فقال له القاضي: قم، عندئذ قال المدعي: اعطني منه حقي، فقال له القاضي: خوَّفك فخوَّفته (2). إنَّه خوف بخوف.
ولا ضير من ذكر ماوصلت إليه تيهرت من التدني الثقافي لمَّا ولى عنها عهد الرستميين وعهد قضاتها الأعلام فخلفهم متفيقهون وأشباه القضاة. يروي القزويني (3) أنَّ أهل تيهرت وصفوا بالحمق ولعلَّ أحمقهم قاضيهم الذي رفعت إليه
__________
(1) - المالكي: رياض، 2/ 121.
(2) - الشماخي: سير، 294.
(3) - القزويني زكرياء بن محمَّد بن محمود: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1380هـ/1960م. ص169؛ انظر كذلك الباروني: الأزهار، 2/ 299؛ بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 328. (2/644)
صفحة 652
جناية فلمَّا لم يجد لها حكمًا في كتاب الله بجهله جمع الفقهاء وقال لهم: ما رأيكم في ضرب المصحف بعضه ببعضه وفتحه فما خرج عملنا به؟ فقالوا له: لقد وفِّقت. ولما فعل خرج قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ} (1)، فما كان للقاضي إِلاَّ أن جدع أنف الجاني وَهُوَ يظنّ أنَّه قد أحسن حكما وصنعا.
لقد كثر المتنبئون في المشرق بعكس المغرب ربَّما ذلك يعود إِلىَ رسوخ العقيدة وقوَّة الإيمان من جهة وبساطة الحياة المغربيَّة من جهة أخرى، لذلك لم نسمع عن متنبإ صدر ضدَّه حكم أو نفذ عيه الاعدام.
ففي فترة الاعتزال بالخلافة الاسلامية وَعَلَى عهد الخليفة المأمون وقاضيه المعتزلي يحيى بن أكثم ادَّعى أحدهم النبوَّة فتنكَّر المأمون والقاضي فقصداه وجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فقالا له: فيمَ تنبَّأت؟ فقال: إنَّ جبريل أتاه وأوحي إليه، أنَّه سيدخل عليه رجلان يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، والذي عن يساره ألوط خلق الله وكان هو القاضي يحيى بن أكثم فقام المأمون عن المتنبإ وَهُوَ يقول: «أشهد أن لا إله إِلاَّ الله وأنَّك رسول الله» وخرجا يضحكان (2).
ويروى أنَّه تقدَّم رجلان إِلىَ مجلس القاضي وادعى أحدهما عَلَى الآخر شيئًا، فقال القاضي للمُدَّعَى عليه: ما تقول؟ فضرط بفمه. فقال المدَّعِي: يسخر بك أيُّها القاضي، فقال القاضي: اصفع يا غلام. فقال الغلام: من أصفع الذي سخر منك أم الذي ضرط عليك؟ فقال القاضي: بل دعهما واصفع نفسك (3).
__________
(1) - سورة القلم: 16.
(2) - ابن عبد ربه: العقل فريد، 6/ 146؛ وانظر عن يحيى بن أكثم وتهمة لواطه عصام شبارو، القضاء، 223 - 226.
(3) - عصام شبارو: القضاء، 213. (2/645)
صفحة 653
وربما كره بعضهم القاضي واستثقل مهنته أو احتقرها وامتهنها وممَّا يروى في هَذَا الصدد أنَّ معلِّما أتى نخاسًا، فقال له: «اطلب لي حمارًا ليس بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق، لا يصدم بي السواري ولا يدخلني تحت البواري، إن كثَّرت علفه شكر وإن أقللته صبر، إن حرَّكته هام وإن ركبه غيري نام. فقال النخاس: يا عبد الله؛ اصبر قليلاً، فإن مُسخ القاضي حمارًا أصبت حاجتك» (1) لا أعتقد أن يقال هَذَا في القاضي إِلاَّ أن يكون جائرًا جبَّارًا وإلاَّ فإنه من حمق هَذِهِ الشريحة من النخاسين وجهلهم.
هكذا نلاحظ أنَّ الكثير من النوادر التي قيلت في القضاء هي عن القضاة الأحناف في المصادر المالكيَّة مِمَّا ينمّ عن استهزاء وسخريَّة بعلمهم، مثلهم مثل المعتزلة، وقد رأينا كيف أنَّ قاضي القضاة يحيى بن أكثم ينسب إِلىَ اللواطة.
ومجمل القول إنَّ القضاء في المغرب الإسلاميِّ خلال فترة موضوعنا وجدناه وقورًا مهيبًا لم ينفلت منه إِلاَّ القليل جدًّا من النوادر والملح حاولنا تنميقها ببعض المضحكات الأندلسيَّة والمشرقيَّة ترفيها عن النفس واستئناسًا بها في هَذَا المبحث.
- - - -
__________
(1) - مجلَّة الفيصل: عدد214، سبتمبر أكتوبر1994، ص91. (2/646)
صفحة 654
الخاتمة
وأخيراً نصل إلى نهاية هذا البحث وخاتمته، ولا بد أن نسترجع النتائج التي توصلنا إليها، فلا غرو أنها كثيرة، تمتد على طول صفحات هذه الدراسة، التي نشعر أنها جديدة في كل تفاصيلها، ومع ذلك يمكن أن نرصد أهم ما توصلنا إليه فيما يلي:
أولاً- حاولت هذه الدراسة أن تستوعب جل المصادر والمراجع التي ألفت في موضوع القضاء مشرقاً ومغرباً، وعملت على عرضها وتحليل المغربي منها، وما تعلق خاصة بالقرنين الثاني والثالث الهجريين (8 - 9م)، وقدمت قائمة مهمة لها، لمن يريد مواصلة هذا المشوار.
ثانياً- يبدو أن هذا البحث هو أول بحث لمغربي تطرق للقضاء بالمشرق في القرن الأول الهجري، وحاول أن يقدم صورة سريعة ولكنها واضحة عن قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين وعهدهم، وعهد بني أمية.
ثالثا- تتبعت هذه الدراسة أوائل القضاء في المغرب الإسلامي، ابتداء من عهد الولاة فالمدراريين، والأدرسة، ثم الرستميين والأغالبة، وبينت نشأة القضاء في المغرب عموماً، وفي تلك الكيانات، كل كيان على حده.
رابعاً- حاولنا في هذه الدراسة أن نرصد تطورات القضاء واستمراره في بلاد المغرب الإسلامي ضمن كل كيان من الكيانات السياسية، وتبين لنا أنه عرف تطورات عديدة من حيث مقره ومجلسه، وراتب قضاته، وتوابعه، خاصة عند الأغالبة، وبدرجة أقل عند الرستميين.
خامساً- عملنا على رصد أهم القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي بتّ فيها القضاء، وتأكد لدينا أن القضاء ببلاد المغرب بت في كل شؤون الحياة، وكان دائم الحضور قوياً عادلاً. (2/647)
صفحة 655
سادساً- توصل البحث وتمكن من وضع جداول بأسماء القضاء في القيروان على عهد الولاة والأغالبة، وفي سجلماسة عند المدراريين، وفي فاس عند الأدارسة، وفي تيهرت عند الرستميين، فضلاً عن قضاة الأقاليم بالمغربين الأدنى والأوسط: الأغالبة والرستميون.
سابعاً- قضاء عصر الولاة يشكل البداية الأولى للقضاء ببلاد المغرب، تولاه التابعون ومن بعدهم، وتأثر بأحداث المشرق والمغرب، فقتل أحد قضاته في المعركة ضد ورفجومة البربرية، كما تولاه إباضي. وظل عربياً باستثناء فارسي واحد أجبر عليه إجباراً ولم يله إلا ليوم واحد.
ثامناً- القضاء الرستمي كان بارزاً لولا ما اكتنفه من غياب التواريخ وبعض أسماء القضاة، واتصف بما اتصف به قضاء هذه الفترة عموماً، من علو كعب القضاة في العلم، وتحرّيهم للعدل في كل الظروف.
تاسعاً- برز القضاء الأغلبي على غيره في بلاد المغرب، من حيث مصادره، وما احتفظت لنا من تفاصيل دقيقة، هي أقل من ذلك عند الرستميين، وتكاد تنعدم عند المدراريين والأدارسة بشكل كلي.
عاشراً- يظل القضاء في المغرب الأقصى ناقصاً، يحتاج إلى دراسة، بشرط اكتشاف مخطوطات جديدة أو آثار قد تقدم المزيد من التوضيحات لتؤكد الاستنتاجات التي توصلنا إليها أو تفندها ..
حادي عشر- بدا لنا أن بعض التجمعات التي شكلت شبه كيانات سياسية مثل برغواطة بتامسنا، وبني صالح بناكرو، وبني مسالة وهاز بالقرب من تيهرت، وكتامة وغيرها، كانت تتقاضى إلى شيوخها وزعمائها البارزين الذين أوتوا شيئاً من العلم الإسلامي، أو العلم بالأعراف والتقاليد، واصطلحنا على تسمية هذا النوع من القضاء بالقضاء الشعبي أو العرفي. (2/648)
صفحة 656
ثاني عشر- تبين لنا من خلال البحث أن القضاء في بلاد المغرب كان خطة ذات بال في المجتمع: القضاة ذوو هيبة مطلقة، وشخصية قوية، عملوا على استقلالية القضاء استقلالاً فعلياً عن السلطات الأخرى، فلم يرضوا أبداً التدخل في شؤونهم وأحكامهم بعد تعيينهم.
ثالث عشر- أهم ما ميز قضاة المغرب في هذه الفترة عموماً ونجد ذلك بارزاً في كتب التراجم والسير، هو حرص القضاة على العدل في أحكامهم، والاستقامة في أحوالهم، وكان ملاك ذلك كله صفة ثالثة هي غزارة علمهم جميعاً، إلا من ندر أو شذ عن هذا الإجماع، ونسب إلى الجهل حقاً أو باطلاً.
رابع عشر- لم أجد مادة ذات بال عن كيفية القضاء في المغرب، وطريقته، فلم تذكر مصادرنا واقع جلوس القضاة وجلوس الخصوم، وكيف تقدم الشكوى والدعاوى، وكيف يدلي الشهود بشهاداتهم، والوكلاء بدفاعهم، ومتى يدخل القاضي وكيف ينهي القضية.
خامس عشر- تطور التشريع القضائي سريعاً، فبعد أن كانت مصادره الكتاب والسنة والاجتهاد، وأحكام الصحابة والتابعين، مع بداية القرن الثاني الهجري، أضيفت إليها اجتهادات أيمة المذاهب، فأصبح المذهب مصدراً من مصادر التشريع في القضاء منذ منتصف القرن الثاني الهجري.
سادس عشر- كان القضاة يمثلون نخبة المجتمع في المغرب الإسلامي أثّروا بإنتاجهم الفكري وأحكامهم مجال الفقه، فكان ما تركوه بعدهم عمدة للعلماء وأصحاب المؤلفات التي صنفت في عهودهم، أو بعد ذلك ولقرون عديدة.
سابع عشر- عمل القضاة على بث الثقافة الفقهية ونشر الإسلام وتعاليمه، في ربوع المغرب وجزيرة صقلية، وكان فتح هذه الأخيرة على يد قاض فقيه أمير قائد. (2/649)
صفحة 657
ثامن عشر- ساهم القضاة بشكل ملفت للانتباه في الأحداث السياسية والعسكرية لبلاد المغرب، وكانت تلك المساهمات فعالة ذات أثر باق.
تاسع عشر- تأكد لدينا أن القضاء كان عاملاً حاسماً في الصراع المذهبي الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تركيز المذهب المالكي في إفريقية، ثم في المغرب عموماً، على حساب المذاهب الأخرى، وقد أدى هذا الصراع إلى نوع من الجور، أسميناه: "جور دون جور".
عشرون- إن القضاء كان عادلاً بعيداً عن الجور الحقيقي، إلا ما رأيناه من الجور المذهبي في إفريقية الأغلبية، بعد منتصف القرن الثالث الهجري، ومع ذلك تأثرت الرعية بجور بعض الحكام، فغلب جورهم على عدل القضاة، وبرز هذا خاصة عند الأغالبة في أواخر عهدهم.
واحد وعشرون- بدعة قاضيين في إقليم واحد وفي آن واحد، وبدعة ملاحقة القاضي الجديد للقاضي المعزول، ومحاسبته فيما سلف من أحكامه، من مبتكرات الأغالبة، أثروا بها على القضاة بعد عزلهم، ولم يؤثروا على القضاء وعدله، وتعب القضاة من تبعاتها.
اثنان وعشرون- تبين لدينا أن القضاء ببلاد المغرب لم تكن له علاقة بالشرطة إطلاقاً في حين تربطه بالحسبة بعض العلاقة. أما خطة النظر في المظالم فإنها جزء مهم من القضاء عند الأغالبة تهتم بأحكام السوق ومشاكله وفي إطار محدود وضيق، وقد وضعنا لأصحاب هذه الخطة جدولاً بأسمائهم.
ثالث وعشرون- تأكد لدينا أن مؤسسة القضاء ببلاد المغرب في لغتها وتشريعاتها وأحكامها وتفاصيلها وتقاليدها وأدواتها ونظامها، عربية إسلامية محضة.
ولا مجال في الاسترسال في تقصي هذه النتائج فهي كثيرة تكاد لا تحصى، وكما قلت في نهاية مقدمة هذا البحث, وذكّرت بذلك في بداية هذه (2/650)
صفحة 658
الخاتمة: إن نتائج هذه الدراسة كثيرة تمتد على طول صفحاتها ولم نذكر هنا إلا أهمها لا غير.
فلا نعدو الصواب ولا نكون من المبالغين إذا قلنا إن القضاء في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) كان قضاءً مثالياً نزيهاً قوياً صارماً، ظلت آثاره مديدة لعدة قرون، يمدها بما يجب أن يكون عليه القضاء، فأمثلة القضاة العظام تُنْتقََى منهم، وسيرهم ظلت نبراساً للقضاة من بعدهم, وأحكامهم لا تزال معِيناً للمؤلفين والدارسين في هذا المجال.
لقد كان القضاة في هذه الفترة، أساتذة لكل من جاء بعدهم من القضاة، تتلمذوا عليهم في الدولة الإسلامية أو في غيرها، فهلا اعتبر هؤلاء في زماننا هذا .. ؟
ولله الحمد والمنة والشكر
****** (2/651)
صفحة 659
[صفحة بيضاء] (2/652)
صفحة 660
الملاحق (2/653)
صفحة 661
[صفحة بيضاء] (2/654)
صفحة 662
الملاحق
الملحق رقم (1)
ما يقوله القاضي عند إصداره الحكم (1):
«معشر المسلمين، أنا أشهدكم إن فلاناً اختصم عندي مع فلان ابن فلان، في أمر كذا، وكلفت لفلان البينة فأتى بها، وكلفته التعريف بها فأتى بها [كذا] فقبلتها، وكلف المشهود عليه المرجع والتحريج لمن شهد عليه في ذلك، وأجّلته أجلاً بعد أجل، فعجز - أو قال- تبيّن لدده ومطله، اشهدوا أني قد حكمت عليه لخصمه فلان ابن فلان، بعد الإعذار والإنذار والتأجيل بما ينبغي وكما ينبغي».
- - - -
__________
(1) - محمد بن سحنون (ت 256هـ/ 869م) أجوبة محمد بن سحنون الفقهية، مخطوط، ق 10 ظ. (2/655)
صفحة 663
الملحق رقم (2)
جدول بأسماء القضاة بإفريقية في عصر الولاة
اسم القاضي ... تاريخ القضاء أو مدته أو فترته ... المكان ... الخليفة/ الوالي بالمغرب ... بعض مصادر تراجم القضاة
ظافر بن حسان السلمي ... عهد عقبة بن نافع ربما الحملة الثانية62 - 64هـ ... قسنطينة ... يزيد بن معاوية / عقبة بن نافع ... الواقدي: فتوح، 121
عبد الرحمن بن رافع التنوخي ... 90هـ؟ /708م ... القيروان ... الوليد بن عبد الملك بن مروان/ موسى بن نصير ... أبو العرب: طبقات،86. الخشني: طبقات،2/ 33، المالكي/رياض، 1/ 110
عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة القرشي ... 99 - 123هـ/ 717 - 740م ... القيروان ... عمر بن عبد العزيز إلى عهد هشام بن عبد الملك / إسماعيل بن عبيد الله إلى عهد كلثوم بن عياض ... أبو العرب: طبقات، 89. الخشني: طبقات، 2/ 34. الرقيق: 64، 65، المالكي: 1/ 126. النويري: نهاية الأرب، 213، الدباغ: 1/ 210. (2/656)
صفحة 664
أبو سعيد جعثل بن هاغان بن عمير بن اليثوب ... 123هـ/740م ... قاضي الجند ... هشام بن عبد الملك/كلثوم بن عياض ... المالكي: 1/ 114. الدباغ: 1/ 202.
عبد الرحمن بن عقبة الغفاري ... 123 - 124هـ/ 740 - 741م ... القيروان ... هشام بن عبد الملك/ كثلوم بن عياض ... الرقيق: 76، 78. ... النويري: 216
أبو عمر خالد بن أبي عمران التجيبي ... ؟ -127 أو 129هـ/ 744 - 746م ... القيروان ... يزيد بن الوليد / حنظلة بن صفوان ... أبو العرب: طبقات، 212. ابن العماد: شذرات، 1/ 176
أبو علقمة مولى عبد الله بن عباس ... قبل يزيد بن الطفيل ... القيروان ... مروان بن محمد/ حنظلة بن صفوان ... المالكي: 1/ 134. الدباغ: 1/ 218
يزيد بن ... تولى المرة الأولى قبل عبد الرحمن بن زياد ثم عزل أو انعزل ... القيروان ... مروان بن محمد/حنظلة بن صفوان ... الخشني: طبقات، 234.
الطفيل ... أبو العرب: طبقات، 105.
المالكي:
(عبد الله بن ... عمر الرحمن) (2/657)
صفحة 665
(المرة الأولى) ... إلى 132هـ/ 749 سقوط الأمويين ... القيروان ... مروان بن محمد/ حنظلة بن صفوان ... 1/ 173. ... عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي (المرة الأولى) ... الرقيق: 130. ... الخشني: طبقات، 234. ... الدباغ: 1/ 230.
أبو كريب جميل بن كريب المعافري (ويقال أبو كريب عبد الرحمن ... 132هـ/749م قتلته الصفرية سنة 139هـ/ 756م ... القيروان ... السفاح العباسي والمنصور العباسي/ عبد الرحمن بن حبيب وحبيب بن عبد الرحمن وإلياس بن حبيب ... أبو العرب: طبقات، 217. الخشني: 234. المالكي:1/ 168 - 170. النويري: 225. الدباغ: 1/ 224.
عبد الرحمن بن رستم ... 140هـ/757م- 145هـ/762م ... القيروان ... أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ... ابن الصغير: 26. ... النويري: 227. الباروني: الأزهار، 84.
عبد الرحمن بن زياد بن ... 145هـ/ 762م ربما 158/ 774م ... القيروان ... أبو جعفر المنصور ... المالكي: 1/ 152 - 160. (2/658)
صفحة 666
أنعم (ثانية) ... انعزل واستعفى بعد وفاة المنصور ... القيروان ... العباسي/ محمد بن الأشعث- الأغلب بن سالم- عمر بن حفص- يزيد بن حاتم ... الرقيق: 130. ابن عذاري: 1/ 80. ابن العماد: شذرات، 1/ 240. ... المهدي/ يزيد بن حاتم ... أبو العرب: طبقات، 105. الخشني: 234.المالكي: 1/ 159. ابن عذاري: ... 159هـ/775 - ؟ ... عهد يزيد بن حاتم 155 - 171هـ/ 771 - 787م ... ماتع بن عبد الرحمن الرعيني
يزيد بن الطفيل (عبد الله بن عبد الرحمن) (ثانية) ... عهد ولاية يزيد بن حاتم 155 - 171هـ/ 771 - 787م عزله يزيد ... القيروان ... المهدي - الهادي/ يزيد بن الحاتم ... أبو العرب: 105. الرقيق: 130.
أبو يحيى زكرياء بن يحيى الوقار ... في عهد الرشيد ... القيروان ... هارون الرشيد/ روح بن حاتم ... أبو العرب: 182. (2/659)
صفحة 667
العلاء بن عقبة ... في عهد روح بن حاتم 173 - 174هـ/789 - 709م ... القيروان ... هارون الرشيد/ روح بن حاتم ... الرقيق: 141
عبد الله بن فروخ الفارسي ... يوم واحد خلال شهر رجب 171هـ/ 787م ... القيروان ... هارون الرشيد/ روح بن حاتم ... أبو العرب: 106. ... المالكي: 1/ 183. ... الدباغ: 1/ 238.
عبد الله بن عمر بن غانم ... رجب 171هـ/ 190هتوفي قاضياً787 - 805م ... القيروان ... هارون الرشيد/ روح بن حاتم ونصر بن حبيب والفضل بن روح وهرثمة بن أعين ومحمد بن مقاتل العكي وأيام من عهد إبراهيم بن الأغلب ... الخشني: 235. المالكي: 1/ 183.
الدباغ: 1/ 288.
الجودي: 4 ظ
ملاحظة: هذه أسماء القضاة - في عهد الولاة - التي وصلتنا، واطلعنا عليها وحاولنا ترتيبها حسب المعطيات التاريخية. (2/660)
صفحة 668
الملحق رقم (3)
جدول بأسماء القضاة في المغرب الأقصى
الدولة ... اسم القاضي ... فترة القضاء ... الإمام ... ملاحظات ... بعض المصادر
المدراريون ... عيسى بن يزيد الأسود ... 140 - 155ه/757 - 771م ... عيسى بن يزيد الأسد ... إمام قاضي ... البكري: المغرب، 149. ابن عذاري: 1/ 157. ابن الخطيب: أعمال، 3/ 140.
المدراريون ... أبو القاسم سمكو بن واسول ... 155 - 168ه/771 - 784م ... أبو القاسم سمكو بن واسول ... إمام قاضي ... البكري: 149. ابن عذاري، 1/ 157. ابن خلدون: 6/ 267. الناصري: الاستقصا، 1/ 124.
المدراريون ... ؟؟؟ ... ؟؟ ... ؟؟ ... نجهل كل شيء بعد ذلك (2/661)
صفحة 669
الأدارسة ... إدريس الأول ... رمضان 172هه/ 788 - 793م ... إدريس الأول 172 - 177ه ... إمام قاضي ... البكري: 118. ابن أبي زرع: 220. الجزنائي: 12. ابن الخطيب: 191. الناصري: 1/ 155.
الأدارسة ... راشد (المولى بن منصب الأربي الأوزي) ... 177هه/ 793 - 803م ... لا وجود للإمام الإدريسي ... حاكم وقاض مؤقت ... السنوسي: الدرر، 60 - 65. ابن أبي زرع: 24. الناصري: 1/ 160.
الأدارسة ... إدريس الثاني بن إدريس الأول ... 188 - 189هم ... إدريس بن إدريس 188 - 213ه ... إمام قاضي ... ابن الآبار: الحلة، 1/ 53 - 56. ابن أبي زرع: 25. الجزنائي: 15. الحلبي: الدر، 207، 272. الناصري: 1/ 161. (2/662)
صفحة 670
الأدارسة ... عامر بن محمد بن سعيد القيسي ... 189ه؟ ... نفسه ... قاضي ... ابن أبي زرع: 29. الجزنائي: 17 - 18. الحلبي: 177، 270. المكناسي: جذوة، 1/ 27، 161. السنوسي: 85. الناصري: 1/ 163. ... 804م -؟
الأدارسة ... ؟؟ ... ؟؟ ... ؟؟ ... نجهل كل شيء بعد ذلك
ملاحظة:
هذا كل ما استطعنا معرفته عن القضاة في هاتين الدولتين بالمغرب الأقصى.
JK (2/663)
صفحة 671
الملحق رقم (4)
جدول بأسماء القضاة بتيهرت عاصمة الرستميين
اسم القاضي ... فترة القضاء ... الامام الرستمي ... ملاحظات ... بعض مصادر تراجم القضاة
عبد الرحمن بن رستم ... 160 - 171ه/ 777 - 787م ... عبد الرحمن بن رستم (160 - 171م) ... إمام قاضي ... ابن الصغير: 25 - 27. الشماخي: 140
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ... 171 - 208ه/ 787 - 823م ... عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208ه ... إمام قاضي ... ابن الصغير: 37.
مدمان الهرطلي ... - ... عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208ه ... قاضي تيهرت ... ابن الصغير: 78. ... الشماخي: 195.
قضاة نكرة ... - ... عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208ه ... قضاة ... ابن الصغير: 35، 49. ... الشماخي: 192، 194.
محكم الهواري ... عهد أفلح بن عبد الوهاب ... أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258ه ... قاضي تيهرت ... ابن الصغير: 49، 51.
الشماخي: 194 - 195. (2/664)
صفحة 672
أبو اليقظان بن أفلح ... عهد أبي بكر بن أفلح خلال سنوات 258 - 260ه/ 871 - 873م ... أبو بكر بن أفلح (258 - 261ه ... ربما كان قاضي المظالم ... ابن الصغير: 54
أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن أبي الشيخ ... عهد أبي اليقظان بن أفلح 268 - ؟ هاستقال 881 - ؟ م ... أبو اليقظان بن أفلح (261 - 281ه ... قاضي تيهرت ... ابن الصغير: 78. ... الشماخي: 221.
شعيب بن مدمان ... عهد أبي اليقظان بن أفلح بعد استقالة أبي عبدالله محمد بن عبدالله ... أبو اليقظان بن أفلح (261 - 281ه ... قاضي تيهرت ... ابن الصغير: 78 - 79.
عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ ... عهد أبي حاتم 286ه؟ 899 - ؟ ... أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان (281 - 294ه ... قاضي تيهرت ... اب الصغير: 84. (2/665)
صفحة 673
؟؟ ... ؟؟ ... يعقوب بن أفلح ... عهد الفتنة الصراع بين أبي حاتم وعمه يعقوب ... (282 - 286ه
؟؟ ... ؟؟ ... اليقظان بن أبي اليقظان (294 - 296ه ... آخر عهد الرستميين
ملاحظة:
هذه أسماء القضاة بتيهرت عاصمة الرستميين، وهي كل ما وصلنا واطلعنا عليه، وحاولنا ترتيبه حسب المعطيات التاريخية.
r (2/666)
صفحة 674
الملحق رقم (5)
جدول القضاة بالقيروان عهد الأغالبة
اسم القاضي ... تاريخ القضاء أو فترته ... الأمير الأغلبي ... بعض مصادر تراجم القضاة
عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني ... رجب 171 - توفي 190هم ... إبراهيم بن الأغلب (184 - 196ه ... الخشني: 235. الرقيق: 196. النباهي: 25 - 26. الدباغ: 1/ 288. الجودي: 4 ظ
محمد بن عبد الله الكناني أبو محرز (معتزلي) (حنفي) (كان أبو محرز وأسد بن الفرات قاضيين في آن واحد إلى أن رحل أسد لفتح صقلية) ... 191هتوفي رمضان 214 ه/806 - 829م ... إبراهيم بن الأغلب ثم بعده عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب (196 - 201ه (ثم زيادة الله الأول بن إبراهيم (201 - 223ه ... المالكي: 1/ 274. ... الرقيق: 196. ... ابن عذاري: 1/ 104. ... الدباغ: 2/ 29. ... الجودي: 6 و
أسد بن الفرات بن سنان ... 203هتوفي بصقلية رجب 213 هم ... زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب ... أبو العرب: 169. الخشني: 235. المالكي: 1/ 255، 270. عياض: تراجم، 52. ابن عذاري: 1/ 104. ابن الأبار: 2/ 380. مجهول: العيون، 3/ 372. الدباغ: 2/ 3. الجودي: 7 و. (2/667)
صفحة 675
؟؟؟ ... رمضان 214هرمضان 220 ه/ 820 - 835م ... زيادة الله الأول بن إبراهيم
ملاحظة: 6سنوات شاغرة
أحمد بن أبي محرز محمد ... رمضان 220 هتوفي جمادى الثاني 221ه/835 - 836م ... زيادة الله الأول بن إبراهيم ... أبو العرب: 167. الخشني:235. المالكي: 1/ 395. ابن عذاري: 1/ 105. مجهول: العيون،3/ 385. الدباغ: 2/ 40. الجودي: 7ظ.
عبدالله بن أبي الجواد المعتزلي الحنفي ... 221هعزل سنة 232ه/836 - 846م ... زيادة الله الأول بن إبراهيم ثم أبو عقال الأغلب بن إبراهيم (223ه (ثم أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم (226 - 242ه ... الخشني: 236. عياض: تراجم، 143. ابن عذاري: 1/ 106، 110. الجودي: 9 و. (2/668)
صفحة 676
سحنون بن سعيد يماطل عاماً كاملاً ... ربما آخر سنة 232 إلى آخر سنة 233ه. 847 - 848م ... أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ... أبو العرب: 184. أبو العرب: المحن، 466. المالكي: 1/ 345. عياض: تراجم، 86.
سحنون بن سعيد ... 234هتوفي في رجب 240 ه/ 848 - 854م ... أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ... ابن عذاري: 1/ 111. النباهي: 30. ابن العماد: 2/ 94. النويري: 270. ابن خلدون: 4/ 428. دائرة المعارف: 11/ 328. الجودي: 10و. الدباغ: 2/ 77.
الطبني شريك سحنون في القضاء ... أواخر ولاية سحنون إلى 242هم 856م ... أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ... عياض: تراجم. 114. الجودي: 12 ظ (2/669)
صفحة 677
سليمان بن عمران (خروفة) حنفي (المرة الأولى) ... 242هعزل عام 257ه/ 856 - 870م ... أبو العباس محمد بن الأغلب ثم أحمد بن محمد بن الأغلب (242 - 249ه (ثم زيادة الله الثاني بن محمد (249 - 250ه (ثم محمد الثاني أبو الغرانيق بن أحمد بن محمد بن أغلب 250 - 261ه (. ... أبو العرب: 114. الخشني: 181، 236. ابن عذاري: 1/ 112. الدباغ: 2/ 151. الجودي: 13 و.
عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي (المرة الأولى) ... 257هعزل 259ه/ 870 - 872م ... محمد الثاني أبو الغرانيق بن أحمد بن محمد بن الأغلب (250 - 261ه ... أبو العرب: 240. الخشني: 236. عياض: 333. ابن عذاري:121. الدباغ: 1/ 159. الجودي: 13 و.
سليمان بن عمران (ثانية) ... 259هعزل 267ه/ 872 - 880م ... محمد الثاني ثم إبراهيم الثاني بن أحمد بن محمد بن الأغلب (261 - 289ه
عبد الله بن أحمد بن طالب (ثانية) ... 267هعزل 275 وحبس وسم فمات 880 - 888م ... إبراهيم الثاني بن امحمد بن محمد بن الأغلب (2/670)
صفحة 678
أبو العباس محمد بن عبد الله بن عبدون بن أبي ثور الرعيني (حنفي) ... 275ه حوالي 30 شهراً ثم عزل 888م ... إبراهيم الثاني بن امحمد بن محمد بن الأغلب ... أبو العرب: المحن: 473. أبو العرب: 15. الخشني: 237. المالكي: 2/ 43. ابن عذاري: 1/ 121. الجودي: 14 و.
عبد الله بن هارون السوداني الكوفي (حنفي) ... حوالي 278هم، نحو سنتين وعزل ... إبراهيم الثاني بن امحمد بن محمد بن الأغلب ... الخشني: 192، 237. المالكي: 2/ 70. الجودي: 14 ظ.
عيسى بن مسكين بن منصور المالكي ... حوالي 281 هعزل أو انعزل 289ه/ 894 - 901م ... إبراهيم الثاني بن امحمد بن محمد بن الأغلب ... أبو العرب: 43. الخشني: 238. عياض: 232. ابن عذاري: 1/ 145. ابن العماد: 2/ 220. الجودي: 14 ظ.
محمد بن أسود الصديني المعتزلي ... 289هعزل في رمضان 290ه/ 901 - 902م ... أواخر عهد إبراهيم الثاني وعهد ابنه أبي العباس عبد الله الثاني (289هه (ثم بداية عهد زيادة الله الثالث بن أبي العباس عبد الله الثاني (290 - 296ه ... أبو العرب: 248. الخشني: 238. الجودي: 16 ظ. (2/671)
صفحة 679
حماس بن مروان بن سماك الهمذاني المالكي ... رمضان 290 هعوفي في جمادى 1 سنة 294/ 902 - 906م ... عهد زيادة الله الثالث بن أبي العباس عبدالله (290 - 296ه ... أبو العرب: 248. الخشني: 238. المالكي: 2/ 118. الدباغ: 2/ 320. عياض: 340. ابن عذاري: 136، 173. الجودي: 16 ظ.
محمد بن أحمد بن جيمال الحنفي ... أواخر سنة 293ه/ 905م إلى أن عوفي حماس فتولى القضاء مدة يسيرة منفرداً ... عهد زيادة الله الثالث بن أبي العباس عبد الله الثاني (290 - 296ه ... الخشني: 196، 239. الجودي: 18 و.
n (2/672)
صفحة 680
الملحق رقم (6)
جدول بأسماء قضاة الرستميين بالأقاليم
اسم القاضي ... فترة القضاء ... المكان ... الوالي ... الإمام الرستمي ... ملاحظات
ابن مغطير النفوسي ... 160 - 197ه ... جبل نفوسة ... لا وجود له ... عبد الرحمن وعبد الوهاب ... استنتجنا ذلك تخميناً
قضاة حكام ... 160 - 296 ... شمال جنوب غرب تيهرت ... ؟؟ ... كل الأيمة الرستميين ... ؟
عبد الوهاب بن عبد الرحمن ... 190 - 197ه ... جبل نفوسة ... لا وجود له ... عبد الوهاب ... فترة إقامته بجبل نفوسة
السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى ... 197 - 207ه ... جبل نفوسة ... السمح بن أبي الخطاب ... عبد الوهاب ... وال قاضي
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... 207 ... أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... عبد الوهاب و أفلح بن عبد الوهاب ... وال قاضي
أيوب بن العباس (أبو الحسن) ... 207 - ؟ ... جبل نفوسة ... أيوب بن العباس ... عبد الوهاب ... وال قاضي
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... ؟ -؟ ... جبل نفوسة ... عبد الحميد الجناوني ... عبد الوهاب ... وال قاضي (2/673)
صفحة 681
وكيل بن دراج النفوسي ... ؟ -؟ ... قفصة ... وكيل بن دراج ... عبد الوهاب ... وال قاضي
سلام بن عمر اللواتي ... ؟ -؟ ... سرت ... سلام بن عمرو ... عبد الوهاب ... وال قاضي
محمد بن إسحاق الخزري ... ؟ -؟ ... نقراوة ... محمد بن إسحاق ... عبد الوهاب ... وال قاضي
أبو يونس وسيم النفوسي ... ؟ -؟ ... قنطرار ... وسيم النفوسي ... عبد الوهاب ... وال قاضي
مدرار بن اليسع ... ؟ -؟ ... جبل دمر ... مدرار ... عبد الوهاب ... وال قاضي
سلمة بن قفطان الزواغي ... ؟ -؟ ... قابس وجربة ... سلمة ... عبد الوهاب ... وال قاضي
العباس بن أيوب بن العباس ... بعد وفاة عبد الحميد الجناوني ... جبل نفوسة ... العباس ... أفلح بن عبد الوهاب ... وال قاضي
ميال بن يوسف ... ؟ -؟ ... نفزاوة ... ميال ... أفلح بن عبد الوهاب ... وال قاضي
سعد بن أبي يونس وسيم ... ؟ -؟ ... قنطرار ... سعد ... أفلح بن عبد الوهاب ... وال قاضي (2/674)
صفحة 682
أبو مسور يصليتن النفوسي ... ؟ -؟ ... قرية في جبل ... ؟؟ ... الإمام عبد الوهاب ... قاض
عمروس بن فتح النفوسي ... ؟ - 283ه ... جبل نفوسة ... أبو منصور الياس ... أبو اليقظان وأبو حاتم ... قاض
أبو منصور إلياس ... ؟ - 283ه ... جبل نفوسة ... أبو منصور إلياس ... أبو اليقظان وأبو حاتم ... وال قاضي
محمد بن جلداسن ... ؟ -؟ ... لالت ... ؟؟ ... ربما عهد أبي اليقظان ... قاض
ابو يحيى بن ماطوس ... ؟ -؟ ... شروس ... ؟؟ ... ربما عهد أبي اليقظان ... قاض
أبو معروف ويدران بن جواد ... ؟ - 283ه ... ويغو ... ؟؟ ... أبو حاتم ... قاض
عبد الله بن الخير ... 283 - ؟ ه ... جبل نفوسة ... لا وجود للوالي ... أبو حاتم ويعقوب ... قاض
أبو الخطاب وسيل بن سنتين ... 294 - 296ه ... ريزة ... بعد مانو لا والي ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض
أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور الياس ... بعد مانو ... جبل نفوسة ... بعد مانو لا والي ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض (2/675)
صفحة 683
أبو يحيى زكريا الأرجاني ... بعد مانو ... جادو ... بعد مانو لا وجود للوالي ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض
أبو عبد الله بن أبي عمرو ابن أبي منصور الياس ... بعد مانو ... جبل نفوسة ... بعد مانو لا وجود للوالي ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض
المشايخ ... بعد مانو ... جبل نفوسة ... بعد مانو لا وجود للوالي ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض
أبو يعقوب بن سهلوان الطرفي ... أواخر عهد الرستميين ... وارجلان ... حنون بن يسريان ... اليقظان بن أبي اليقظان ... قاض
ملاحظة:
هذه أسماء القضاة والقضاة الولاة في الدولة الرستمية بذلنا مجهوداً ضخماً لجمعها وترتيبها وذلك حسب المعطيات التاريخية المتوفرة، وقد تركنا الكثير ممن شعرنا أنهم تولوا مهام القضاء ولكن لم يتأرجح عندنا استقضاؤهم. (2/676)
صفحة 684
الملحق رقم (7)
جدول بأسماء قضاة الأغالبة في الأقاليم
اسم القاضي ... فترة القضاء ... المكان ... قاضي القيروان ... الأمير الأغلبي ... الملاحظات
اسد بن الفرات ... 212 - 213ه ... صقلية ... اسد بن الفرات وأبو محرز ... زيادة الله الأول ... قاض أمير وقائد
الجراوي (خليفة أسد قبل تعين أحمد بن أبي محرز) ... 213 - 213ه ... صقلية ... أبو محرز ... زيادة الله الأول ... وال قاضي
أحمد بن أبي محرز ... 213 - 291ه ... صقلية ... أبو محرز ثم أحمد بن أبي محرز ... زيادة الله الأول ... ت 221ه
عبد الله بن سهل القبرياني ... ربما 240 - 248ه ... صقلية ... سليمان بن عمران ... محمد بن الأغلب أبو العباس ثم ابنه أحمد ... أول من استقل بالقضاء فقط بصقلية وتوفي 284ه
أحمد بن محمد الطائي (ابن المجاني) ... ؟ -؟ ... صقلية ... ابن طالب ... إبراهيم الثاني
أبو عمرو ميمون بن عمرو ... ؟ -؟ ... صقلية ... إبراهيم الثاني ... ت 310ه (2/677)
صفحة 685
محمد بن سعيد بن شبيب ... ؟ -؟ ... صقلية ... إبراهيم الثاني ... ؟
سليمان بن سالم الكندي (ابن الكحالة) (القطان) ... 281 - عزل ... صقلية ... إبراهيم الثاني بن أحمد ... ت 305ه
دعامة بن محمد ... قبل 289ه ... صقلية ... عيسى بن مسكين ... إبراهيم الثاني بن أحمد ... ت 297ه
محمد بن إبراهيم بن أبي صبيح ... ؟ -؟ ... صقلية ... حماس بن مروان 290 - 294ه ... زيادة الله الثالث ... ت 334ه
محمد بن محمد بن خالد القيس (الطرزي) ... ؟ - عزل ... صقلية ... . ... زيادة الله الثالث ... ت 317ه
إسحاق بن أبي المنهال ... آخر عهد الأغالبة وبداية الفاطميين ... صقلية ... . ... زيادة الله الثالث ... ؟
شجرة بن عيسى المعافري (أبو سمرة) (أبو يزيد) ... قبل 234هإلى ما بعد 240ه ... تونس ... عبد الله بن أبي الجواد وسحنون بن سعيد ... زيادة الله الأول وأبو عقال الأغلب وأبو العباس محمد بن الأغلب ... أول قاضي يذكر بتونس ت 262ه (2/678)
صفحة 686
عروة بن شجرة (أبو شجرة) ... ولي بعد أبيه ... تونس ... عبد الله بن أحمد بن طالب ... محمد الثاني أبو الغرانيق ... قتل 281هفي ثورة أهل تونس
أبو المهلب هيثم بن سليمان ... حوالي 242هإلى ت275ه ... تونس ... سلميان بن عمران ... أبو العباس محمد بن الأغلب ... ت 275ه
محمد بن شبيب (أبو يوسف) ... ت 276ه ... تونس ... ابن عبدون ... إبراهيم الثاني ... ت 276ه
عبد الله بن هارون السوداني ... قبل 278ه ... تونس ... ابن عبدون ... إبراهيم الثاني ... ت 283ه
هيثم رجل من العرب من قيس (حنفي) ... أواخر عهد الأغالبة ... تونس ... ؟ ... زيادة الله الثالث ... ؟
شرحبيل ... عين خلال 234 - 240ه ... طرابلس ... سحنون بن سعيد ... محمد الأول بن الأغلب ... أول قاض يذكر لطرابلس (2/679)
صفحة 687
خلف بن يزيد ... عين خلال 257 - 275ه ... طرابلس ... أحمد بن طالب ... محمد الثاني أبو الغرانيق وإبراهيم الثاني ... ؟
أحمد بن وهب ... عين خلال 275 - 278ه ... طرابلس ... ابن عبدون ... إبراهيم الثاني ... ؟
حسن بن البنا ... ؟ ... طرابلس ... عيسى بن مسكين ... إبراهيم الثاني ... ؟
ابو الأسود موسى بن عبد الرحمن المعروف بموسى القطان ... عين خلال 281 - 289هثم عزل ... طرابلس ... عيسى بن مسكين ... إبراهيم الثاني ... ت 306ه
إبراهيم بن داود بن يعقوب ... قبل 298ه ... طرابلس ... ؟ ... زيادة الله الثالث ... ت 298ه
أبو العباس إسحاق بن إبراهيم الأزدي المعروف بابن بطريقة الصايغ ... ؟ ... طرابلس ... ؟ ... زيادة الله الثالث ... قتلته اللصوص 304 أو305ه (2/680)
صفحة 688
محمد بن محمود القابسي ... خلال 257 - 257ه ... قابس ... بن طالب ... محمد الثاني وإبراهيم الثاني ... ؟
عبد الله بن سهل القبرياني ... عين خلال 234 - 240ه ... قصطيلية وقفصة ونفزاوة ... سحنون بن سعيد ... محمد الأول بن الأغلب ... أول قاض يذكر لقصطيلية وما والاها ت 284ه
أبو علي عبد الله بن محمد (ابن البنا) ... ؟ ... قصطيلية ... ؟ ... إبراهيم الثاني ... ت في صدر دولة الفاطميين 303ه
عبد الله بن محمد بن مفرج المعروف بابن الشاعر ... عزل 194ه ... قصطيلية ... زيادة الله الثالث ... ؟
مالك بن عيسى بن نصر القفصي (أبو عبد الله) ... ؟ ... قفصة ... ؟ ... زيادة الله الثالث ... مات سنة 305ه
أبو حاتم يحيى بن خالد السهمي ... عين خلال 234 - 240ه ... الزاب ... سحنون بن سعيد ... محمد الأول بن الأغلب ... أول قاض يذكر للزاب لدغته حية فمات (2/681)
صفحة 689
إبراهيم بن يونس (ابن الخشاب) ... عين خلال 275 - 257ه ... الزاب ... ابن طالب ... محمد الثاني وإبراهيم الثاني ... ؟
حمدون بن عبد الله المعروف بابن الطبنة ... ؟ ... طبنة ... قبل عهد عيسى بن مسكين ... إبراهيم الثاني ثم عبد الله الثاني ... ؟
أبو العباس إسحاق بن إبراهيم الأزدي (ابن بطريقة الصايغ) ... أواخر عهد الأغالبة ... نواحي الزاب ... ؟ ... زيادة الله الثالث ... قتله اللصوص سنة 303 أو 304 هذا
سليمان بن عمران ... عين خلال 234 - 240ه ... باجة ... سحنون بن سعيد ... محمد الأول بن الأغلب ... أول قاض يذكر بباجة
سليمان بن سالم القطان (ابن كحالة) ... قبل 281ه ... باجة وأعمالها ... ابن طالب ... محمد الثاني وإبراهيم الثاني ... حبسه ابن عبدون (2/682)
صفحة 690
حمدون بن عبد الله المعروف بابن الطبنة ... عين خلال 281 - 289ه ... باجة ... عيسى بن مسكين ... إبراهيم الثاني ثم عبد الله الثاني ... ؟
الحسن بن نصر السوسي ... معاصر ليحيى بن عمر المتوفى عام 289ه ... سوسة ... ؟ ... ؟ ... ؟
أحمد بن محمد القفصي ... ؟ - عزل ... سوسة وما والاها ... ابن طالب ... إبراهيم بن أحمد الثاني ... ؟
ابن أبي سمحان ... ؟ ... قضاء بعض الكور ... ؟ ... ؟ ... ؟
علي بن مسلم البكري (بكر وائل) ... عين خلال 234 - 240ه ... صفاقس وسائر الساحل ... سحنون بن سعيد ... محمد الأول بن الأغلب ... ؟
ملاحظة:
هذا ما استطعت جمعه وترتيبه اعتماداً على ما وصل بين يدي من مصادر ومراجع. (2/683)
صفحة 691
الملحق رقم (8)
جدول بأسماء "أصحاب المظالم" بالقيروان عهد الأغالبة
اسم صاحب المظالم ... اسم القاضي بالقيروان ... عهد الأمير الأغلبي
حبيب بن نصر بن سهل التميمي ت 287ه ... سحنون بن سعيد 234 - 240ه ... أبو العباس محمد الأول بن الأغلب (226 - 248ه
أبو عبد الله محمد بن المبارك بن الزيات (ت 260ه ... عبد الله بن أحمد بن طالب (257 - 259ه)، (267 - 275ه ... محمد الثاني أبو الغرانيق (250 - 261ه
أبو زيد قاسم بن عمر بن صاعد التميمي (ت 284هـ) ... عبد الله بن أحمد بن طالب (257 - 259هـ)، (267 - 275هـ) ... محمد الثاني أبو الغرانيق ثم إبراهيم الثاني بن أحمد (261 - 289هـ)
إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب ... عبد الله بن أحمد بن طالب (257 - 259هـ)، (267 - 275هـ) ... محمد الثاني أبو الغرانيق ثم إبراهيم الثاني بن أحمد (261 - 289هـ)
أبو العباس بن خداش (ت 296هـ) ... محمد بن عبدالله بن عبدون (275 - حوالي 278هـ) ... إبراهيم الثاني بن أحمد (261 - 289هـ)
إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب ... عيسى بن مسكين (حوالي 281 - 289هـ) ... إبراهيم الثاني ثم ابنه أبو العباس عبد الله الثاني (289 - 290هـ)
سليمان بن سالم بن الكحالة ... عيسى بن مسكين (حوالي 281 - 289هـ) ... إبراهيم الثاني ثم ابنه أبو العباس عبد الله الثاني (289 - 290هـ) (2/684)
صفحة 692
أبو القاسم محمد بن خالد القيسي الطرزي ... عيسى بن مسكين (حوالي 281 - 289هـ) ... إبراهيم الثاني ثم ابنه أبو العباس عبد الله الثاني (289 - 290هـ)
أبو القاسم محمد بن خالد القيسي الطرزي ... حماس بن مروان (290 - 294هـ) ... زيادة الله الثالث بن أبي العباس (290 - 296هـ)
أبو عمرو ميمون المعروف بابن المعلوف (ت 304هـ) ... أيام بني الأغلب ... ؟؟
ابن القطونة ... أيام بني الأغلب ... ؟؟
أبو القاسم الطوري ... آخر دولة الأغالبة ... ؟؟
ملاحظة:
هذه أسماء "أصحاب المظالم" بالقيروان على عهد الأغالبة التي وصلتنا واطلعنا عليها وحاولنا هنا ترتيبها حسب المعطيات التاريخية. (2/685)
صفحة 693
[صفحة بيضاء] (2/686)
صفحة 694
قائمة
المصادر والمراجع
المخطوطات
المصادر
المراجع
الرسائل الجامعية
المقالات والمطبوعات
المراجع والدراسات باللغات الأجنبية (2/687)
صفحة 695
[صفحة بيضاء] (2/688)
صفحة 696
المخطوطات
1 - الأشياخ: ديوان المشايخ أو الأشياخ، كتاب الأحكام منه. مخطوط بمكتبة آل فضل بني يسجن، غرداية، الجزائر. رقم [خ. د. غ. 098/هـ58].
2 - أفلح بن عبد الوهاب: جوابات الإمام أفلح، مخطوط بمكتبة جمعية الإصلاح، غرداية. وهو في أربع ورقات لا غير ضمن مجموعة من المخطوطات تحمل رقم: (60). لا وجود لاسم الناسخ ولا لتاريخ النسخ ويبدو أنَّه كامل حيث يبدأ بالبسملة وينتهي بعبارة «والسلام» وانظر في مكتبة آل فضل رقم 094 نسخة أخرى.
3 - اطفيَّش محمَّد بن يوسف القطب: ترتيب نوازل نفوسة، مخ بمكتبة الحاج صالح لعلي، رقمه 76.
4 - البزيوي أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن عبد الله: تاريخ دول الإسلام بالمغرب الأقصى، مخ بالمكتبة الملكية، الرباط، 413.
5 - البغطوري مقرين بن محمَّد اليفرني (حي ربيع الثاني 599هـ): كتاب سيرة أهل نفوسة، مخطوط منسوخ من نسخة قديمة يرجع تاريخها إلى أوائل القرن التاسع الهجري، نسخها الشيخ سالم بن يعقوب بجربة تونس عام 1385هـ/1965م. ولي نسخة مصورة منها.
6 - االبويعقوبي أحمد بن محمَّد: تحفة القضاة ببعض مسائل الرعاة، مخطوط بالمكتبة الوطنية بالجزائر العاصمة تحت رقم: III 2263 ويبدو أنَّ صاحبه (2/689)
صفحة 697
من العصر الحديث. وهناك نسخة أخرى من المخطوط بالخزانة الملكية بالرباط، المغرب.
7 - جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة. مخ. بمكتبة القطب، بني يسجن، مزاب، الجزائر. رقم و.1.
8 - الجودي محمَّد بن محمَّد صالح القيرواني: تاريخ قضاة القيروان (مخ)، نسخه الطاهر بن محمَّد العروسي في 1361هـ، المكتبة الوطنية، تونس، رقم 18397.
9 - الحلبي: الدرُّ النفيس والنور الأنيس في مناقب الإمام إدريس. مخطوط بالخزانة العامَّة رقم ك433. الرباط.
10 - السجلماسي أحمد بن أبي محلي: تقييد فيِ التعريف بمدينة سجلماسة، (مخ)، الخزانة الملكيَّة، الرباط، رقم 12163ز.
11 - كتاب العمال المنسوب لأبي عبيدة مسلم. مخطوط بمكتبة الحاج صالح لعلي، رقم ج47، الجزء2/ق.12.
12 - مجهول: جوابات، مخ. مكتبة الإصلاح، رقم 60.
13 - محمَّد بن سحنون التنوخي القيرواني (ت: 256هـ/869م): أجوبة محمَّد بن سحنون الفقهيَّة، مخطوطة نسخها محمَّد الجلولي عام 1233هـ/1817م، وهي ضمن مكتبة الأستاذ حسن حسني عبد الوهَّاب في المكتبة الوطنية بتونس، تحت رقم. 18668.
14 - الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (ق6هـ / 12م) مخ بمكتبة الشيخ محمد بابانو، بني يزجن، غرداية، الجزائر ولي نسخة مصورة منها. (2/690)
صفحة 698
المصادر (1)
15 - القرءان الكريم. طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية، الجزائر 1944
16 - أبو العرب محمَّد بن أحمد بن تميم التميمي (ت 333هـ/944م): طبقات علماء إفريقية وتونس. تح. علي الشابي ونعيم حسن اليافي. الدار التونسية للنشر، تونس. 1968م.
17 - أبو العرب محمَّد بن أحمد بن تميم التميمي (ت 333هـ/944م): كتاب المحن، تح. ودراسة عمر سليمان العقيلي، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، ط1، 1404هـ/1984م.
18 - أبو المهلب هيثم بن سليمان القيسي (ت حوالي 275هـ/888م): أدب القاضي والقضاء. تح. د. فرحات الدشراوي. نشر الشركة التونسية للتوزيع، تونس. 1970.
19 - أبو خزر يغلى بن زلتاف الوسياني (ت 380هـ/990م): كتاب الرد على جميع المخالفين، تح. النامي عمرو خليفة، مطبوعة على الكومبيوتر.
20 - أبو داود سليمان بن الأشعث (ت 275هـ/888م): سنن، المكتبة العصرية، بيروت، بلا تا. كتاب الأقضية، رقم 3112 (ترقيم محيي الدين).
21 - أبو زكرياء يحي الوارجلاني (ت 471هـ/1078م): السيرة وأخبار الأئمة.
__________
(1) *- ملاحظة: قائمة المصادر مرتبة ترتيباً حاسوبياً (بالكمبيوتر) بمراعاة الهمزة المفتوحة قبل المكسورة وباعتبار الألف واللام مثلاً "أبو تاتي" قبل "ابن". (2/691)
صفحة 699
طبع طبعتان أولاهما بتح. الأستاذ إسماعيل العربي. المكتبة الوطنية، الجزائر 1399هـ/1979م. والثانية تح. الأستاذ عبد الرحمن أيُّوب، الدار التونسية للنشر 1405هـ/1985م. وعلى هذه الطبعة اعتمدت في البحث وقد أرجع إلى الطبعة الأولى ولكن أشير إليها عند الضرورة. كما أنَّ هذا الكتاب حظي قبل ذلك باهتمام المستشرق ماسكراي ترجمه وعلَّق عليه ونشره
22 - أبو عبيد القاسم ابن سلام (ت 224هـ/838م): كتاب السلاح، تح. حاتم صالح الضامن. مجلَّة المورد، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، العراق. مج 12، ع. 4. 1404هـ/1983م.
23 - أبو عمَّار عبد الكافي (ق 6هـ/12م): الموجز لأبي عمار، تح. ودراسة د. عمَّار الطالبي تحت عنوان: آراء الخوارج الكلاميَّة، ش. و. ن. ت، 1398هـ/1978م.
24 - أبو يعقوب الورجلاني يوسف بن إبراهيم (ت 570هـ/1174م): الدليل لأهل العقول، المطبعة البارونية بطالون مصر. طبعة حجريَّة 1306هـ.
25 - أحمد بن احنبل (ت 241هـ/855م): مسند، دار المعارف، القاهرة، 1980، كتاب الأحكام، حديث رقم 6924 (ترقيم إحياء التراث).
26 - الأشعري أبو الحسن علي بن إسماعيل (ت 330هـ/941م): مقالات الإسلاميِّين، تح. محَمَّد محيي الدين عبد الحميد، بلا معلومات الطبع، ط2، 1405هـ/1985م.
27 - إدريس عماد الدين الداعي: تاريخ الخلفاء الفاطمييين بالمغرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1985م. (2/692)
صفحة 700
28 - الإنجيل للقديس لوقا. دار المعارف، القاهرة. 1978م.
29 - الإنجيل للقديس متى. دار المعارف القاهرة. 1972م.
30 - ابن أبي الدم الحموي الشافعي شهاب الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله (ت 642هـ): كتاب أدب القضاء، وهو التحقيق المعروف بـ بكتاب الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات، تح. د. مصطفى الزحيلي. دار الفكر، دمشق. ط2، 1402هـ/1982م.
31 - ابن الأبَّار أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله القضاغي (ت 658هـ/1260م): كتاب الحلًّة السيراء، تح. حسين مؤنس، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1963.
32 - ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم (ت 630هـ): أسد الغابة في معرفة الصحابة، مطبعة الشعب، القاهرة، بلا تا.
33 - ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم (ت 630هـ): الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت، 1398هـ/1978م.
34 - ابن الأزرق أبو عبد الله محمَّد بن علي (ت 896هـ): بدائع السلك في طبائع الملك. تح. د. علي سامي النشَّار، منشورات وزارة الإعلام، دار الحرية للطباعة، العراق، 1397/ 1977.
35 - ابن الخطيب لسان الدين (776هـ/1374م): تاريخ المغرب العربي في العصر الوسيط من كتاب أعمال الأعلام، تح. د. أحمد مختار العبادي، و محمَّد إبراهيم الكتاني، درار الكتاب، الدار البيضاء، 1964م. (2/693)
صفحة 701
36 - ابن الصغير: أخبار الأيمَّة الرُّستميين، تح. د. محمد ناصر وبحاز إبراهيم. المطبوعات الجميلة، الجزائر. 1986.
37 - ابن العماد الحنبلي أبو الفلاح عبد الحي (ت 1089هـ/1678م): شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار المسيرة، بيروت، ط2، 1399هـ/1979م.
38 - ابن تيمية أحمد شيخ الإسلام (ت 728هـ): مجموع الفتاوى. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمَّد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب. بلا تا.
39 - ابن جماعة محمَّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة المشهور ببدر الدين ابن جماعة بدر الدين (ت 733هـ): تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تح. فؤاد عبد المنعم أحمد، ط. مؤسسة الخليج للنشر والطباعة، قطر، 1407هـ/1987م.
40 - ابن حزم أبو محمَّد علي بن أحمد (ت 456هـ/1063م): الإحكام في أصول الأحكام. دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1400هـ/1980م
41 - ابن حزم أبو محمَّد علي بن أحمد (ت 456هـ/1063م): رسالة نقط العروس في تواريخ الخلفاء، ضمن مجموع رسائل ابن حزم الأندلسي، تح. رمضان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت، ط1. 1981.
42 - ابن حزم أبو محمَّد علي بن سعيد (ت 416هـ/1063م): جمهرة أنساب العرب، تح. ليفي بروفنصال، دار المعارف، مصر، 1948م.
43 - ابن حوقل أبو القاسم النصيبي (ت 368هـ/977م): صورة الأَرض، مطبعة بريل، ليدن، ط2، 1938م. (2/694)
صفحة 702
44 - ابن خرداذبة (حي في بداية ق 3هـ/9م): المسالك والممالك. مطبعة ليدن، 1967.
45 - ابن خلدون عبد الرحمن بن محمَّد (ت 808هـ/1405م): العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1983م.
46 - ابن خلدون عبد الرحمن بن محمَّد (ت 808هـ/1405م): المقدِّمة من كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيَّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت. ط3: 1968.
47 - ابن خلكان أبو العبَّاس شمس الدين أحمد بن محمَّد بن أبي بكر (ت 681هـ/1282م): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تح. إحسان عبَّاس. دار الثقافة، بيروت. بلا تا.
48 - ابن زرع أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي زرع الفاسي (ت 741هـ/1340م): الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط. 1972 - 1973. هذا الكتاب بلا تح. أكاديمي ذي بال تعمد ناشره أخطاء فادحة فكانت الطبعة بذلك رديئة جداً ومشوهة للغة العربيَّة وجمال رسمها.
49 - ابن سعيد المغربي أبو الحسن علي بن موسى (ت 685هـ/1286م): المغرب في حُلى المغرب، تح. دَلِيل شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1964.
50 - ابن سعيد المغربي نقلا عن ابن الداية: سيرة أحمد بن طولون، imp. Emil Felber, Berlin, 1984. (2/695)
صفحة 703
51 - ابن طباطبا محمَّد بن علي المعروف بابن طقطقا: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، دار بيروت للطباعة والنشر، لبنان، 1400هـ/1980م.
52 - ابن طولون شمس الدين (ت 953هـ/1546م): قضاة دمشق، الثغر البسام في ذكر من ولي قضاء الشام، تح. صلاح الدين المنجد. مطبوعات المجمع العلمي العربي، دمشق. 1956.
53 - ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، طبع حيدرآباد الهند، بلا تا.
54 - ابن عبد الحكم أبو محمَّد عبد الله (ت 214هـ/829م): سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، تصحيح وتعليق أحمد عبيد، مكتبة وهبة، مطبعة الاعتماد، مصر، ط2، 1373هـ/1954م.
55 - ابن عبد الرفيع أبو إسحاق إبراهيم بن حسن (ت 733هـ/1332م): معين الحكام على القضايا والأحكام، تح محمَّد بن قاسم بن عيادو، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1989م.
56 - ابن عبد ربه أحمد بن محمَّد (ت 327هـ/938م): العقد الفريد، تح. أحمد أمين وآخرون، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3. 1384هـ/1965م.
57 - ابن عبدون (حي في النصف الثاني ق 5هـ): رسالة ابن عبدون في القضاء. نشر وتقديم قلوسير وليفي بروفنصال، Glossaire E.levi provencal in journal Asiatique .avril - jun 1934.
58 - ابن عذاري المراكشي (كان حياّ عام 712هـ) البيان المغرب في أخبار (2/696)
صفحة 704
الأندلس والمغرب. تح .. ج. س. كولان، إليفي بروفنصال. دار الثقافة، بيروت. 1948.
59 - ابن فرحون برهان الدين بن إبراهيم (ت 799هـ/1396م): تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1378هـ/1957م.
60 - ابن قتيبية أبو محمَّد عبد الله بن مسلم (ت 276هـ/889م): المعارف، تح. د. ثروة عكاشة، دار المعارف، مصر، ط2، 1969م.
61 - ابن قتيبية الدينوري أبو محمَّد عبد الله بن مسلم (ت 276هـ/889م): كتاب عيون الأخبار. مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1343هـ/1925م.
62 - ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، تح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر، بلا تا.
63 - ابن ماجه أبو عبد الله محمَّد بن يزيد (ت 275هـ/888م): سنن، دار إحياء التراث العربي، بلا تا. كتاب الأحكام، رقم 2315 (ترقيم عبد الباقي).
64 - ابن منظور محمَّد بن مكرَّم بن علي الأنصاري (ت 711هـ/1311م): لسان العرب المحيط. إعداد يوسف الخياط، دار لسان العرب، بيروت. 1970.
65 - ابن هشام أبو محمَّد عبد الملك (ت 213هـ/828م): سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، مراجعة وتعليق محمَّد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بلا مكان الطبع، 1356هـ/1937م (2/697)
صفحة 705
66 - الباجي أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي (ت 403 - 474هـ): فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء والحكَّام. تح. وتقديم محمَّد أبو الأجفان. الدار العربية للكتاب-المؤسَّسة الوطنية للكتاب، تونس-الجزائر. 1985.
67 - البرادي أبو القاسم أبو الفضل بن إبراهيم (ق8هـ/14م): الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات. طبعة حجرية قسنطينة 1302هـ.
68 - البكري أبو عبد الله (ت 487هـ/1094م): المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857م.
69 - البلخي أبو القاسم عبد الله بن أحمد (ت 319هـ/931م) والقاضي عبد الجبار بن أحمد (ت 415هـ/1024م)، والحاكم الجشمي أبو السعد المحسن بن محمَّد (ت 494هـ/1100م): فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، مجموع كتب ضمن كتاب واحد اكتشفها وحققها فؤاد رشيد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393هـ/1974م.
70 - البويعقوبي أحمد بن محمَّد الشهير بالموي: تحفة القضاة ببعض مسائل الرعاة، ط. حجرية، بلا تا.
71 - الترمذي أبو عيسى محمَّد بن عيسى (ت 273هـ/892م): جامع الترمذي، دار الكتاب العربي. بيروت، بلا تا.
72 - الترمذي أبو عيسى محمَّد بن عيسى (ت 273هـ/892م): سنن الترمذي، دار الكتب العلمية، بلا مكان وتا. كتاب الأحكام، حديث رقم 1339 (ترقيم أحمد شاكر). (2/698)
صفحة 706
73 - التستري محمَّد تقي: قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دار الشمالي للطباعة، بيروت، ط10، بلا تا.
74 - التهانوي محمَّد بن علي: كشَّاف اصطلاحات الفنون. تصحيح محمَّد وجيه وأخرون، الفنون، جمعية بنغال، كلكيتا، 1862.
75 - الثميني عبد العزيز بن إبراهيم (ت 1223هـ/1808م): الورد البسام، تح. محمَّد بن صالح الثميني. المطبعة التونسية، تونس. 1345هـ.
76 - الجاحظ عمرو بن بحر (ت: 255 هـ 868 م) البيان والتبيين، تح عبد السلام هارون دار الجيل، بيروت، بلاتا.
77 - الجرجاني علي بن محمَّد الشريف (ت 740هـ/1340م): كتاب التعريفات. مكتبة لبنان بيروت، 1990.
78 - الجزنائي علي (حي في النصف الثاني من ق 8هـ/12م): جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، تح عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، ط2، 1411هـ/1991م.
79 - الجشمي أبو السعد المحسن بن محمَّد (ت 494هـ/1100م)، والقاضي عبد الجبار بن أحمد (ت 415هـ/1024م)، والبلخي أبو القاسم عبد الله بن أحمد (ت 319هـ/931م)، والحاكم: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، مجموع كتب ضمن كتاب واحد اكتشفها وحققها فؤاد رشيد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393هـ/1974م.
80 - جناو بن فتى وعبد القهار بن خلف (ق 4هـ/9م): أجوبة علماء فزَّان، حققه (2/699)
صفحة 707
الدكتور عمرو خليفة النامي ولم يكمله لانقضاء أجله فأكمله الأستاذ إبراهيم طلاي. طبع دار البعث. قسنطينة الجزائر. 1991.
81 - الجيطالي إسماعيل بن موسى (750هـ/1349م): قناطر الخيرات، طبعة حجرية، بلا تا.
82 - الجيطالي إسماعيل بن موسى (750هـ/1349م): قواعد الإسلام، تح. عبد الرحمن بكلِّي المطبعة العربيَّة، غرداية الجزائر. ط1. 1976.
83 - الحلبي أحمد بن عبد الحي الشافعي (1120هـ/1708م): الدرُّ النفيس والنور الأنيس في مناقب الإمام إدريس. طبعة حجرية في فاس المغرب. 1300هـ/1882م.
84 - الخشني محمَّد بن الحارث (ت 361هـ/971م): قضاة قرطبة. الدار المصرية للتأليف والترجمة. مطابع سجل العرب، القاهرة. 1966م.
85 - الخشني محمَّد بن الحارث (ت 361هـ/971م): كتاب طبقات علماء إفريقية. دار الكتاب اللبناني، بيروت. بلا تا.
86 - الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ/791م): كتاب العين. تح. مهدي الخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982.
87 - الداودي أبو جعفر أحمد بن نصر (ت 402هـ/1011م): كِتَاب الأموال، تح. رضا محمَّد سالم شحاذة، مركز إحياء التراث المغربي، مطبعة دار الثقافة، الرباط، 1988.
88 - الدباغ أبو زيد عبد الرحمن بن محمَّد (ت 696هـ/1296م): معالم الإيمان (2/700)
صفحة 708
في معرفة أهل القيروان. تصحيح وتعليق إبراهيم شبوح. المكتبة العتيقة، تونس. ط2، 1413هـ/1993.
89 - الدرجيني أبو العبَّاس أحمد بن سعيد (ت 670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، حققه الأستاذ إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة. 1394هـ/1975م.
90 - الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد (ت 748هـ/1347م): كتاب الكبائر، مكتبة النقاء، مطبعة الرشيد، بغداد، 1984م.
91 - الربيع بن الحبيب (ت 175هـ): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب المطبعة العربية بالأوفست. غرداية 1985.
92 - الرقيق أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم (ت بعد 423هـ/1031م): تاريخ إلافريقية والمغرب، تح. د. عبد الله العلي الزيدان ود. عزّ الدين عمر موسى. دار الغرب الإِسلاَمِي، بيروت 1990.
93 - سحنون بن سعيد التنوخي (ت 240هـ/854م): المدونة الكبرى، تنسب المدونة للإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ/795م) 06 مجلدات. طبعة دار صادر بيروت بالأوفست، 1323.
94 - السمناني أبو القاسم علي بن محمَّد بن أحمد الرحبي (ت 499هـ/1105م): روضة القضاة وطريق النجاة، تح. صلاح الدين الناهي. مطبعة سعد، بغداد. 1970.
95 - السنوسي محمَّد بن علي الخطابي الحسني الإدريسي (ت 1276هـ/1859م): الدرر السنية في أخبار السلاسل الإدريسية، دار القلم بيروت ط1. 1406هـ/1986م
96 - السيوطي جلال الدين عبد الرحمن (ت 911هـ/1505م): تاريخ الخلفاء، تَح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مكتبة الشرق الجديد. بغداد، ط3. 1987. (2/701)
صفحة 709
97 - الشمَّاخي أبو العبَّاس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (ت 928هـ/1521م): كتاب السير، طبع لأوَّل مرَّة عام 1301هـ/1883م طبعة حجرية بقسنطينة، الجزائر. والجدير بالذكر أنَّ الدكتور محمَّد حسن قام بتحقيقه ضمن أطروحة لنيل شهادة التعمق في البحث بجامعة تونس، وطبع جزء منه صدر عن كُلِّيَّة العلوم الإنسانية بتونس عام 1995، السلسلة 4، المجلد XXX.
98 - الشيرازي عبد الله: كتاب القضاء، مطبعة النعمان، النجف، 1972.
99 - الشيزري عبد الرحمن بن نصر (ت 589هـ/1193م): نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق: د. الباز العريني، دار الثقافة، بيروت. بلا تاريخ.
100 - الصنهاجي أبو عبد الله (626هـ/1230م): أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، تحقيق: جلول أحمد البدوي، م. و. ك، الجزائر، 1984م.
101 - الطبري أبو جعفر محمَّد بن جرير (ت 310هـ/922م): تاريخ الرسل والملوك، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1960م.
102 - الطرابلسي علاء الدين أبو الحسن علي بن خليل (قاضي القدس) (ت 844هـ/1440م): كتاب معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، ط. حجرية، بلا مكان وتاريخ الطبع.
103 - عبد الجبار بن أحمد القاضي (ت 415هـ/1024م)، البلخي أبو القاسم عبد الله بن أحمد (ت 319هـ/931م)، والحاكم الجشمي أبو السعد المحسن بن محمَّد (ت 494هـ/1100م): فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، مجموع كتب ضمن كتاب واحد اكتشفها وحققها فؤاد رشيد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393هـ/1974م. (2/702)
صفحة 710
104 - عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم (الإمام) (ت 208هـ/823م): كتاب مسائل نفوسة، حقّقه ورتبه الأستاذ إبراهيم محمَّد طلاي. المطبعة العربيَّة غرداية الجزائر. 1991.
105 - علي بن أبي طالب (الإمام): نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي. شرح الشيخ محمَّد عبده، دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت، بلا تا.
106 - عمروس بن فتح (ت 282هـ): كتاب أصول الدينونة الصافية تح حاج أحمد بن حمو كروم. مطبوعة على الكومبيوتر. (نسخة بحوزتي)
107 - الفتح بن خاقان: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس. القسم الثاني تح. هدى شوكة بهنام، ضمن مجلَّة المورد العراقية. ع.3 - 4، مج. 10 سنة 1402هـ/1981م، دار الحرِّيَّة للطباعة، بغداد. 1981.
108 - الفراء أبو يعلى محمَّد بن الحسين الحنبلي (ت 458هـ/1065م): الأحكام السلطانية. تصحيح وتعليق محمَّد حامد الفقي. دار الكتب العلميَّة، بيروت. 1403هـ/1983م.
109 - القاضي النعمان أبو حنيفة محمَّد بن محمَّد (ت 363هـ/973م): افتتاح الدعوة، تحقيق: فرحات الدشراوي، الشركة التونسيَّة للتوزيع، وديوان المطبوعات الجامعيَّة، تونس والجزائر، ط2، 1986م.
110 - القاضي عبد الجبار وآخرون: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تح. فؤاد سَيِّد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393هـ/1974م.
111 - القاضي عياض أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (ت 544هـ/1143م): ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب (2/703)
صفحة 711
مالك، تح. د. أحمد بكير محمود في 3 أجزاء، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت. ودار مكتبة الفكر، ليبيا بلا تا.
112 - القاضي عياض أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي (ت 544هـ/1143م): تراجم أغلبية. مستخرجة من مدارك القاضي عياض. تح. د. محمَّد الطالبي. المطبعة الرسمية، تونس. 1968.
113 - قدامة بن جعفر: كتاب الخراج وصنعة الكتابة (نبذة منه) مطبعة بريل ليدن، 1967
114 - القرآن الكريم طبع المؤسَّسة الوطنيَّة للفنون المطبعيَّة، الرغاية، الجزائر 1994.
115 - القرافي شهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن إدريس المالكي الصنهاجي (ت 684هـ/1285م): الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، مراجعة عزت العطار، مطبعة الأنوار، 1357هـ/1938م. والنسخة الثانية: تحقيق أبو بكر عبد الرازق، المكتب الثقافي للنشر والتوزيع، الأزهر، مصر، 1989م.
116 - القرطبي عبد الله محمَّد بن فرج: أقضية رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، مطابع قطر الوطنية، بلا تاريخ ومكان الطبع. ونسخة ثانية مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1346هـ/1927م.
117 - القزويني زكرياء بن محمَّد بن محمود (ق 7هـ/13م): آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، 1380هـ/1960م.
118 - الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (557هـ/1162م): المصنَّف. (2/704)
صفحة 712
الكتاب: القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية
(96 - 296هـ / 715 - 909م) (عصر الولاة - المدراريون - الرستميون - الأدارسة - الأغالبة)
المؤلف: إبراهيم بكير بحاز
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الثانية
سنة الطبع: 1427هـ / 2006م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) تح. سالم بن حمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان. 1404هـ/1984م.
119 - الكندي أبو عمر محمَّد بن يوسف بن يعقوب: كتاب القضاة الذين ولوا قضاة مصر، طبع بمدينة رومية العظمى، 1908.
120 - لأبشيهي شهاب الدين محمَّد بن أحمد: المستطرف من كلِّ فنٍّ مستظرف، مكتبة المشهد الحسيني، القاهرة، 1395هـ
121 - لواب بن سلام: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، تحقيق سالم بن يعقوب و شفارتز، دار إقرأ بيروت، ط1، 1405هـ/1985م.
122 - مالك بن أنس (ت 173هـ/795م): موطأ مالك برواية عبد الله بن مسلمة القعنبي، تح. عبد الوهَّاب بن منصور. المطبعة الملكيَّة. الرباط. ط2، 1411هـ/1991م
123 - مالك بن أنس (ت 173هـ/795م):: رسالة في آداب الدنيا والدين، تقديم د. محمَّد عبد الكريم الجزائري، مجلَّة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، ع5، 1414هـ/1994م.
124 - المالكي أبو بكر عبد الله بن محمَّد (ت 494هـ أو 484هـ): كتاب رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، تح. بشير البكوش، ومراجعة محمَّد العروس المطوي، 03 أجزاء. دار الغرب الإِسلاَمِي، بيروت. 1403هـ/1983م.
125 - الماوردي أبو الحسن علي بن محمَّد بن حبيب (ت 450هـ/1058م): أدب (2/705)
صفحة 713
القاضي. تح. محيي هلال السرحان. مطبعة الإرشاد، بغداد. 1391هـ/1971م.
126 - الماوردي أبو الحسن علي بن محمَّد بن حبيب (ت 450هـ/1058م): الأحكام السلطانية والولايات الدينيَّة، راجعه الدكتور محمَّد فهمي السرجاني. المكتبة والمطبعة التوفيقية، القاهرة. 1978.
127 - مجهول: العيون والحدائق في أخبار الحقائق، تح. نبيلة عبد المنعم داود، مطبعة النعمان، النجف، العراق، 1392هـ/1972م.
128 - المسعودي أبو الحسن علي بن الحسن بن علي (ت 346هـ/957م): مروج الذهب ومعادن الجوهر. تح. محمَّد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر. ط4، 1384هـ/1964م.
129 - مسلم بن الحجَّاج (ت 261هـ/874م): صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، 1954.
130 - المقدسي شمس الدين أبو عبد الله محمَّد بن أحمد البنا (ت 388هـ/ 998م): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مط. بريل، ليدن، ط2، 1906.
131 - المقري أحمد بن محمَّد (ت 1041هـ/1631م): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تح. إحسان عبَّاس، دار صادر، بيروت، 1388هـ/1968م.
132 - المكناسي أحمد بن القاضي في كتابه (ت 1025هـ/1626م): جذوة الاقتباس في ذكر من حلّ من الأعلام مدينة فاس. دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط 1973.
133 - النباهي أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن (ق 8هـ/14م): كتاب المرقبة (2/706)
صفحة 714
العليا فيمن يستحقُّ القضاء والفتيا أو تاريخ قضاة الأندلس. المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت. بلا تاريخ.
134 - النديم بو الفرج محمَّد بن أبي يعقوب إسحاق (ت 380هـ/990م): الفهرست. دار المعرفة، بيروت. بلا تا.
135 - النويري أحمد بن عبد الوهَّاب (ت 732هـ/1332م): كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب (تاريخ المغرب الإِسلاَمِي في العصر الوسيط: 27 - 719هـ/647 - 1319م). تح. د. مصطفى أبو ضيف، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب. 1984.
136 - هود بن محكّم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز تح. بلحاج بن سعيد عدون شريفي. دار الغرب الإسلامي، بيروت ط1، 1990.
137 - الواقدي محمَّد (ت 207هـ/829م): فتوح إفريقية، المطبعة العمومية، تونس، ط1، 1315هـ.
138 - وكيع محمَّد بن خلف بن حيان (ت 306هـ/918م): أخبار القضاة، نشر عالم الكتب، بيروت. بلا تا. ومكان الطبع.
139 - الونشريسي أحمد بن يحي (ت 914هـ/1508م): المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إفريقية والأندلس والمغرب. تخريج محمَّد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1401هـ/1981م.
140 - الونشريسي أحمد بن يحي (ت 914هـ/1508م): كتاب الولايات ومناصب الحكومة الإسلامية والخطط الشرعية. نشر وتعليق محمَّد الأمين بلغيث، مطبعة لافوميك الجزائر، 1985م. (2/707)
صفحة 715
141 - ياقوت الحموي (ت 626هـ/1228م): معجم البلدان، دار صادر بيروت، 1399هـ/1979م.
142 - يحي بن عمر (289هـ/901م): أحكام السوق، تح. حسن حسني عبد الوهَّاب، الشركة التونسية للتوزيع، تونس. 1975.
143 - اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/898م): البلدان، مطبعة بريل ليدن 1890.
144 - اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/898م): تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت. 1379/ 1960.
145 - اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/898م): مشاكلة الناس في لزمانهم، تح. وليام ملورد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 1962.
ab (2/708)
صفحة 716
المراجع
146 - آدم متز: الحضارة الإِسلاَمِيَّة في القرن الرابع الهجري، تر. محمَّد عبد الهادي أبو ريدة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ/1967م.
147 - أحمد أمين: فجر الإسلام، المؤسَّسة الوطنية للفنون المطبعية، الرغاية، الجزائر، 1989م.
148 - أحمد إبراهيم الشريف: دور الحجاز في الحياة السياسية العامة في القرنين الأوَّل والثاني للهجرة، دار الفكر العربي، دمشق، ط1، 1968م.
149 - أحمد سويد: هكذا كان القضاء عند العرب، مؤسسة المعارف. بيروت ط2. 1413هـ/1992م.
150 - أحمد صفر: مدنية المغرب العربي في التاريخ. دار بوسلامة للنشر، تونس. 1959م.
151 - أرسلان محمَّد شهير: القضاء والضقاة دراسة علمية وأدبية، دار الإرشاد. ط1، بيروت. 1969.
152 - ألفردبل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي (من الفتح العربي حتى اليوم). تر. عبد الرحمن بدوي. دار ليبيا للنشر والتوزيع بنغازي 1969.
153 - الأنباري عبد الرزاق علي: النظام القضائي في بغداد في العصر العباسي 145 - 654هـ، مطبعة النعمان. النجف. العراق. 1397هـ/1977م.
154 - أنور الرفاعي: الإنسان العربي والحضارة، دار الفكر، لبنان، 1970.
155 - إبراهيم أحمد العدوي (الدكتور): الأمويون والبيزنطيون. الدار القومية للطباعة والنشر، بلا مكان. ط2، 1383هـ/1963م. (2/709)
صفحة 717
156 - إبراهيم بحاز: الدولة الرُّستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية. المطبعة العربيَّة، غرداية. ط2، 1994.
157 - إبراهيم بحاز: عبد الرحمن بن رستم مؤسِّس أوَّل دولة إسلامية مستقلَّة بالجزائر، م. و. ك، الجزائر، 1990.
158 - إبراهيم بحاز وآخرون: معجم أعلام الإباضية، (مصفف)، 1415هـ/1995م وهو الان مطبوع في دار الغرب الاسلامي بيروت 2000.
159 - إبراهيم بيضون (الدكتور): ملامح التيارات السياسية في القرن الأوَّل الهجري. دار النهضة العربية للطبع والنشر، بيروت. 1979.
160 - إبراهيم حركات (الدكتور): المغرب عبر التاريخ. دار السلمي، الدار البيضاء، المغرب. ط1 بلا تا.
161 - إبراهيم علي حسن: المولى إدريس بن إدريس الأزهر، دار الثقافة. الدار البيضاء. المغرب. ط1. 1405هـ/1985م.
162 - اطفيّش محمَّد بن يوسف: شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدَّة، ط3، 1405هـ/1985م.
163 - باجية صالح: الإباضيَّة بالجريد في العصور الإِسلاَمِيَّة الأولى، دار بوسلامة للطباعة والتوزيع، تونس، ط1، 1396هـ/1976م.
164 - الباروني سليمان باشا: الأزهار الرياضية في أيمَّة وملوك الإباضيَّة. مطبعة الأزهار البارونية، مصر. بلا تا.
165 - الجربي محَمَّد أبو راس: مؤنس الأحبَّة، فيِ أخبار جربة، تونس، 1958م.
166 - الجنحاني الحبيب: المغرب الإِسْلاَمِي، الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة (3 - (2/710)
صفحة 718
4هـ/ 9 - 10م)، الدار التونسيَّة للنشر، ش. و. ن. ت، تونس الجزائر، 1398هـ/ 1978م.
167 - جهلان عدُّون: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1990.
168 - جودت عبد الكريم يوسف: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (9 - 10م)، ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1992.
169 - الحجي عبد الرحمن علي (الدكتور): جوانب من الحضارة الإِسلاَميّة، شركة الشهاب، ديون المطبوعات الجامعية، الجزائر، بلا. تا.
170 - حسن إبراهيم حسن وعلي إبراهيم حسن: النظم الإسلامية، مطبعة السنَّة المحمدية. القاهرة. ط3، 1962.
171 - حسن حسني عبد الوهاب: ورقات عن الحضارة العربيَّة بإفريقية التونسية، مكتبة المنار. تونس. ط2. 1966،1972.
172 - حسن سعيد الكرمي: الهادي إلى لغة العرب. دار لبنان للطباعة والنشر. بيروت ط1. 1412/ 1992.
173 - حسن علي حسن: الحياة الدينيَّة في المغرب (القرن الثالث الهجري)، بلا مكان وتا. الطبع.
174 - حمدي عبد المنعم (الدكتور): ديوان المظالم نشأته وتطورته واختصاصاته، دار الجيل بيروت 1988.
175 - خليفة بن خياط العصفري: تاريخ خليفة بن خياط، تح. د. سهيل زكَّار، مطابع وزارة الثقافة، دمشق، 1967م. (2/711)
صفحة 719
176 - دائرة المعارف الإسلامية. مطبوعات جهان طهران، بلا تا.
177 - الدوري تقي الدين عارف: صقلية علاقتها بدول البحر المتوسط الإسلاميَّة من الفتح العربي حتَّى الغزو النورمندي، دار الرشيد للنشر. بغداد 1980.
178 - رابح خدوسي: طرائف القضاة واللصوص، دار الحضارة، بئر التوتة، الجزائر، 1993م.
179 - رجب محمَّد عبد الحليم (الدكتور): دولة بني صالح فيِ تامسنا بالمغرب الأقصى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991.
180 - الرحموني محمَّد الشريف: نظام الشرطة في الإسلام إلى أواخر القرن الرابع الهجري، الدار العربيَّة للكتاب، بلا مكان الطبع، 1983م.
181 - رشاد عبَّاس معتوق: نظام الحسبة في العراق حتَّى عصر المأمون نشأته وتطوُّره. مطابع دار البلاد، جدَّة. 1402هـ/1982م.
182 - رشيد عبد الله الجميلي: دراسات فيِ تاريخ الخلافة العَبَّاسِيَّة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، ط1، 1984م.
183 - زغلول عبد الحميد (الدكتور): تاريخ المغرب العربي (تاريخ دول الأغالبة والرستميين وبني مدرار والأدارسة حتَّى قيام الفاطميين). منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر. 1979.
184 - سحر السيد عبد العزيز سالم: من جديد حول برغواطة هراطقة المغرب في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة. الإسكندرية. 1993.
185 - سعدون عباس نصر الله (الدكتور): دولة الأدارسة في المغرب العصر الذهبي (172 - 223هـ/788 - 835م)، دار النهضة العربيَّة بيروت. ط1. 1408هـ/1987م. (2/712)
صفحة 720
186 - السيد سابق: فقه السنة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1397/ 1977.
187 - السيد عبد العزيز سالم (الدكتور): المغرب الكبير. دار النهضة العربية، بيروت. 1981م.
188 - شارل أندري جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية. تر: محمَّد مزالي والبشير بن سلامة. ش. و. ن. ت. والدار التونسية للنشر، الجزائر-تونس. 1398هـ/1978م.
189 - صبحي الصالح (الدكتور): النظم الإسلامية نشأتها وتطوُّرها، دار العلم للملايين. ط4. بيروت. 1978.
190 - صبحي محمصاني (الدكتور): المجاهدون في الحقّ تذكارات من مالك إلى السنهوري، دار العلم للملايين. بيروت 1400هـ/1979م.
191 - صلاح حسين العبيدي (الدكتور): الملابس العربيَّة الإسلامية في العصر العباسي من المصادر التاريخية والأثرية، دار الرشيد للنشر، بغداد، العراق، 1980.
192 - ضيف الله محمَّد الأخضر: محاضرات في النظم الإِسلاَمِيَّة والحضارة العربية. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1985.
193 - طاهر أحمد الزاوي: أعلام ليبيا، نشر متكتبة الفرجاني، طرابلس، ط1، 1381هـ/1961م.
194 - طه حسين: الشيخان، دار المعارف، القاهرة، ط8، 1986.
195 - طه حسين: الفتنة الكبرى، جزآن، دار المعارف، مصر. ط9، 1976م.
196 - عارف النكدي: القضاء في الإسلام، مطبعة الترقي. دمشق. 1922. (2/713)
صفحة 721
197 - عبد الحميد بن حمدة (الدكتور): المدارس الكلاميَّة بإفريقية إلى ظهور الأشعرية. مطبعة دار العرب تونس، ط1، 1406هـ/1986م.
198 - عبد الخالق النواوي (الدكتور): العلاقات الدولية والنظم القضائية في الشريعة الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1394هـ/1974م.
199 - عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام. 04 أجزاء. دار الثقافة بيروت. ط4. 1400هـ/1980م.
200 - عبد الرحمن الصابوني (الدكتور): المدخل لدراسة التشريع الإسلامي. مصادر التشريع والقواعد الكلية. ج1. المطبعة الجديدة دمشق ط4. 1398هـ/1978.
201 - عبد العزيز المجذوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، ش. و. ن. ت، الجزائر- تونس. 1395/ 1975.
202 - عبد العزيز فيلالي (الدكتور) المظاهر الكبرى لعصر الولاة ببلاد المغرب والاندلس دار المعارف سوسة تونس 1991.
203 - عبد المقصود باشا (الدكتور): الرستميُّون صفحة رائعة من التاريخ الجزائريِّ، بلا معلومات الطبع والنشر، وهران، ط1، 1409هـ/1989م.
204 - عبد الممنعم عبد الراضي الهاشمي: مشاهير القضاة، دار الهدى عين مليلة الجزائر، ط2، 1990.
205 - عثمان الكعاك: موجز التاريخ العام للجزائر منذ العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي، نشر مكتبة العرب، تونس، 1344هـ.
206 - العروي عبد الله: مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب، ط3، 1992م. (2/714)
صفحة 722
207 - عصام شبارو: القضاء والقضاة في الإِسلاَم-العصر العباسي. دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط1، 1400هـ/1980م.
208 - علال الفاسي وآخرون: الإمام إدريس، شركة بابل للطباعة والنشر. الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي الرباط. 1988.
209 - على يحي معمَّر الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة عند كتاب المقالات في القديم والحديث. مكتبة وهبة، القاهرة، ط1/ 1396 - 1976.
210 - علي أحمد (الدكتور): القضاء في المغرب والأندلس خلال العصور الوسطى، دار حسان للطباعة والنشر والتوزيع. دمشق. ط1. 1414هـ/1993م.
211 - علي أدهم (الدكتور): بعض مؤرخي الإِسلاَم. المؤسسة العربيَّة للدراسات والنشر، بيروت. 1974م.
212 - علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، تقديم عروس الزبير. موفم للنشر سلسلة الأنيس، الجزائر. 1988.
213 - علي يحي معمَّر: الإباضيَّة في الجزائر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1395هـ/ 1979.
214 - علي يحي معمر: الإباضيَّة في موكب التاريخ (الإباضيَّة في الجزائر)، مطبعة الدعوة الإِسلاَمِيَّة، مكتبة وهبة، القاهرة، 1399هـ/1979م.
215 - علي يحيى معمر: الاباضية بين الفرق الاسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث، مكتبة وهبة القاهرة، ط1، 1396 هـ/ 1976م.
216 - عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية في عالَمي العرب والإسلام، مطبعة الحجاز، دمشقة، 1394هـ/ 1974م. (2/715)
صفحة 723
217 - عوض خليفات (الدكتور): النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، شركة المطابع النموذجية، عمَّان، الأردن، 1982م.
218 - عوض خليفات (الدكتور): نشأة الحركة الإباضيَّة، عمَّان، الأردن، 1978.
219 - فاروق عمر فوزي (الدكتور): العباسيون الأوائل العصر الذهبي من الرشيد إلى المتوكل، المطبعة الأردنية، عمَّان، 1982.
220 - فاروق عمر فوزي (الدكتور): النظم الإسلامية، بلا مؤسسة النشر والطبع. ط1 العين الإمارات العربيَّة. 1983.
221 - الكتاني محمَّد المنتصر: فاس عاصمة الأدارسة ورسائل أخرى، منشورات دار إدريس للتأليف والترجمة والنشر. بيروت ط2. 1972.
222 - لقبال موسى (الدكتور): الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي نشأتها وتطورتها، ش. و. ن. ت. الجزائر، ط1، 1971.
223 - لقبال موسى (الدكتور): المغرب الإسلامي من بناء معسكر القرن حتَّى انتهاء ثورات الخوارج، سياسة ونظم، ش. و. ن. ت، الجزائر، ط2، 1984م.
224 - لقبال موسى (الدكتور): دور كتامة فيِ تاريخ الخلافة الفاطميَّة، الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979.
225 - لقبال موسى وآخرون: الجزائر في التاريخ العهد الإسلامي من الفتح إلى بداية العهد العثماني، م. و. ك، الجزائر، 1984م.
226 - ليفي بروفنصال: الإِسلاَم في المغرب والأندلس. تر. السيِّد محمود عبد العزيز سالم وآخرين. مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية 1990.
227 - ماتينو ماريو مورينو: المسلمون في صقلية، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، ط2، 1968. (2/716)
صفحة 724
228 - محمَّد أمين صالح (الدكتور): إمارة يمنيَّة بالمغرب الأقصى: آل صالح بناكور، مستخرج من مَجَلَّة الدراسات الإِفْرِيقيَّة، ع. 7، مطبعة جامعة القاهرة وَالكِتَاب الجامعي، 1978.
229 - محمَّد البشير شنيتي (الدكتور): التغييرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب أثناء الاحتلال الروماني. م. و. ك. الجزائر. 1984م.
230 - محمَّد البشير شنيتي (الدكتور): سياسة الرومنة في بلاد المغرب من سقوط الدولة القرطاجية إلى سقوط موريطانيا (146 ق. ب- 40م). ش. و. ن. ت. الجزائر. 1952م.
231 - محمَّد الشيخ بالحاج: وَأَنَّ هذه أمتكم أمَّة واحدة على الحقّ والإستقامة، المطبعة العربيَّة غرداية. 1988. الحلقة الرابعة.
232 - محمَّد الطالبي (الدكتور): دراسات في تاريخ إفريقية. منشورات الجماعة التونسية، السلسة 4، المجلّد XXVI تونس، 1982م.
233 - محمَّد الطالبي (الدكتور):الدولة الأغلبية (184 - 296 هـ /800 - 909 م) التاريخ السياسي. تر. المنجي الصيادي. دار الغرب الإسلامي، بيروت. ط1، 1985.
234 - محمَّد الغزالي: هموم داعية، دار الشهاب، باتنة، الجزائر بلاتا0
235 - محمَّد الهادي الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل تاريخ الاستقلال. تعريب: محمَّد الشاوش ومحمَّد عجينة. سراس للنشر، تونس. ط2، 1985م.
236 - محمد الهادي حارش: التاريخ المغاربي القديم السياسي والحضاري منذ فجر التاريخ إلى الفتح الإسلامي. المؤسَّسة الجزائرية للطباعة، الجزائر. 1995م.
237 - محمَّد بن رمضان شاوش: الدر الوقاد من شعر بكر بن حماد التاهرتي، المطبعة العلويَّة، مستغانم، ط1، 1385هـ/1966م. (2/717)
صفحة 725
238 - محمَّد بن موسى باباعمي: مرويات الإمام جابر بن زيد في الكتب التسعة والجامع الصحيح، بحث مصفف، جويلية 1996م.
239 - محمَّد زينهم محمَّد عزب (الدكتور) وأحمد عبد التواب عوض (الدكتور): دراسة في تاريخ الإباضية وعقيدتها مع مع رسالة في كتب الإباضية لأبي الفضل أبو (كذا) القاسم بن إبراهيم البرادي، دراسة وتحقيق دار الفضيلة للنشر والتوزيع. القاهرة.1994.
240 - محمَّد شفيق غربال (إشراف): الموسوعة العربية الميسَّرة. دار إحياء التراث العربي، القاهرة. بلا تا. 2/ 1991.
241 - محمَّد صالح البنداق: التقويم الهادي، دار الآفاق الجديدة بيروت. ط1. 1400هـ/1980م.
242 - محمَّد عيسى الحريري: مقدمات البناء السياسي للمغرب الإسلامي (الدولة الرستمية 160 - 296هـ)، دار القلم الكويت. ط2. 1402هـ/1983م.
243 - محمَّد محمَّد زيتون (الدكتور): القيروان ودورها في الحضارة الإسلاميَّة دار المنار. القاهرة، ط1، 1988.
244 - محمود إسماعيل (الدكتور): الأدارسة (172 - 375) حقائق جديدة. مكتبة مدبولي، القاهرة. ط1. 1411هـ/1991م.
245 - محمود إسماعيل (الدكتور): الأغالبة سياستهم الخارجية (184 - 296هـ)، مكتبة وراقة الجامعة. فاس. ط2. 1978.
246 - محمود إسماعيل (الدكتور): الخوارج في المغرب الإِسلاَمِي. دار العودة، بيروت. 1976.
247 - محمود إسماعيل (الدكتور): دراسات في الفكر والتاريخ، سينا للنشر، القاهرة، 1994م. (2/718)
صفحة 726
248 - محمود إسماعيل (الدكتور): سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م.
249 - محمود إسماعيل (الدكتور): قضايا في التاريخ الإِسلاَمِي منهج وتطبيق. دار العودة، بيروت. 1974.
250 - محمود إسماعيل (الدكتور): مغربيات. دراسات جديدة، مطبعة فضالة. المغرب. 1977.
251 - محمود مقديش: نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تح. علي الزواري ومحمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1988.
252 - محمود ناجي: تاريخ طرابلس الغرب، تر. عبد السلام أدهم ومحمد الأسطي، منشورات الجامعة الليبية، كلية الآداب، مطبعة الغريَّب، بيروت، بلا تا.
253 - مسعود مزهودي: الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إِلى هجرة بني هلال إِلى بلاد المغرب (296 - 442هـ)، رسالة ماجستير جامعة القاهرة قسم التاريخ، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1417هـ/1996م، 1409هـ/1988.
254 - مصطفى محمَّد الشكعة: إسلام بلا مذاهب، الدار المصريَّة اللبنانيَّة، القاهرة، 1409هـ/1989م، ط7.
255 - مناع القطان: النظام القضائي في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة، مكتبة وهبة. القاهرة. ط1. 1414هـ/1993.
256 - المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق وبيروت. ط23. 1975.
257 - مولوي س. أ. ق. حسيني: الإدارة العربية، نشر لأوَّل مرَّة عام 1949 (2/719)
صفحة 727
بالإنجليزية ثمَّ ترجمه د. إبراهيم أحمد العدوي المطبعة النموذجية. مصر. 1378/ 1958.
258 - الناصري أبو العباس أحمد بن خالد: كتاب الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، حقّق كتابه ولداه جعفر الناصري ومحمَّد الناصري دار الكتاب. الدار البيضاء.1973هـ/1954.
259 - نجدة خمَّاش: الإدارة في العصر الأموي، دار الفكر، دمشقة، ط1، 1400هـ/1980م.
260 - هشام جعيط (الدكتور): الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكِّر. تر. خليل أحمد خليل، ومراجعة المؤلِّف نفسه. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. بلا سنة الطبع. أما الأصل الفرنسي فمطبوع سنة 1989.
261 - هوبكنز ج. ف. ب: النظم الإِسلاَمِيَّة في المغرب في القرون الوسطى. تر. أمين توفيق الطيبي. الدار العربيَّة للكتاب، ليبيا-تونس، 1980.
262 - ونسنك وآخر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، مطبعة بريل، ليدن، 1965م.
263 - يحي بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، المطبعة العربية، غرداية، ط2، 1988.
264 - يوسف العش (الدكتور): تاريخ عصر الخلافة العباسية، دار الفكر، دمشق، ط1، 1402هـ/1982م. (2/720)
صفحة 728
الرسائل الجامعية
265 - إبراهيم جدلة: السياسة الجبائية في المغرب بين القرن الثاني والقرن الخامس هجري. أطروحة لنيل شهادة الكفاءة في البحث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، شعبة التاريخ. 1982 - 1983م.
266 - زروخي إسماعيل: الفكر السياسي عند ابن خلدون وابن الأزرق، أطروحة ماجستير، إشراف د. عبد الرزَّاق قسُّوم، معهد الفلسفة، جامعة الجزائر، 1988 - 1989م.
267 - سامعي إسماعيل: دور المذهب الحنفي في الحياة الاجتماعيَّة والثقافية ببلاد المغرب الإسلامي (من 2 إلى قال 5 هـ/8 - 11م)، أطروحة ماجستير، إشراف د. موسى لقبال، جامعة الجزائر، 1415هـ/1994 - 1995م.
268 - بقلوطي الهادي: تحقيق كتاب تاريخ قضاة القيروان لمحمَّد الجودي. أطروحة لنيل شهادة الكفاءة في البحث تحت إشراف د. محمَّد الطالبي. كُلِّيَّة العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس. 1971. رقم المذكرة في مكتبة الكُلِّيَّة المذكورة 3123 T.
269 - بوبة مجاني: أثر العرب اليمنية في تاريخ بلاد المغرب في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، رسالة ماجستير، إشراف محمَّد أمين صالح، جامعة القاهرة، قسم التاريخ، 1402هـ/1982م.
270 - بوبة مجاني: النظم الإدارية في بلاد المغرب خلال العصر الفاطمي 296 - 362هـ. أطروحة دكتوراه، إشراف د. محمود إسماعيل. جامعة قسنطينة 1995 - 1996. (2/721)
صفحة 729
271 - خضير نعمه هادي: الحياة السياسية والإدارية في الحجاز في العصر الأموي (41 - 132 هـ/661 - 749م)، رسالة ماجستير، إشراف د. حالد العسلي، جامعة بغداد، العراق، 1989.
272 - سعدي عواد شيال: القضاء في مملكة غرناطة (635 - 897هـ/1238 - 1492م)، رسالة ماجستير إشراف د. محمد توفيق حسين. جامعة بغداد. كُلِّيَّة الآداب قسم التاريخ العراق. 1987.
273 - شنايت العيفة: دولة بني مدرار بسجلماسة ودور تجارة القوافل في ازدهارها الحضاري بين القرنين الثاني والرابع الهجريين، رسالة ماجستير إشراف د. لقبال موسى جامعة الجزائر معهد التاريخ. 1990 - 1991.
274 - عطاء سلمان جاسم: النظر في المظالم في الخلافة العربيَّة حتَّى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير. جامعة بغداد إشراف د. فاروق عمر فوزي 1985.
275 - قيس عبد الواحد السمر مسعودي: الدواوين في العصر العباسي الأوَّل. رسالة ماجستير، إشراف د. عبد الرزاق الأنباري، كُلِّيَّة التربية، جامعة بغداد، أيلول، 1989م.
276 - محمَّد صدقي: الأدارسة من النشأة إلى التجزئة (172 - 319هـ/788 - 931م)، هاشم العلوي القاسمي ود. عادل نجم عبو. جامعة سيدي محمَّد بن عبد الله، كُلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانية. فاس 1988 - 1989.
277 - محمَّد بن معمر: تاريخ القضاء الإسلامي وتطوره ببلاد المغرب على عهدي المرابطين والموحدين، رسالة ماجستير إشراف د. فخار ابراهيم معهد التاريخ جامعة وهران الجزائر. 1992 - 1993. (2/722)
صفحة 730
278 - مسعود كواتي: اليهود في المغرب الإسلامي من الفتح إِلى سقوط دولة الموحدين، رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي إشراف د. عبد الحميد حاجيات. جامعة الجزائر معهد التاريخ 1990 - 1991.
279 - نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي بإفريقية منذ منتصف القرن 2هـ/8م إلى منتصف القرن 5هـ/11م تاريخ إعلان القطيعة عن الفاطميين، أطروحة التعمق في البحث، إشراف د. منيرة شابوتو رمادي، جامعة تونس الأولى، كُلِّيَّة العلوم الانسانية والاجتماعية، قسم التاريخ 1990 - 1991.
280 - باجو مصطفى بن صالح: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي. إشراف د. محمَّد السويسي، الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر قسنطينة 1413/ 1993.
281 - مغراوي محمَّد: مساهمة في دراسة النظم بالمغرب الإسلامي خطَّة القضاء بالمغرب في الدولة الموحِّديَّة 515 - 668هـ/1121 - 1269م، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، إشراف الدكتور محمَّد زنيبر، كلِّية الآداب والعلوم الإنسانيَّة جامعة محمَّد الخامس، 1986 - 1987.
282 - نوال تركي موسى: التنظيمات الإدارية والمالية على عهد الأغالبة (184 - 296هـ)، رسالة ماجستير إشراف د. صباح الشيخلي. جامعة بغداد كُلِّيَّة الآداب. 1989.
283 - يوسف عيبش: المور والبيزنطيون. رسالة ماجستير، إشراف د. محمَّد البشير شنيتي، جامعة قسنطينة، قسم التاريخ. أكتوبر 1996م. (2/723)
صفحة 731
المقالات والمطبوعات
284 - ابراهيم بحاز: الطوائف المذهبية والطبقات الاجتماعية في الدولة الرستمية مقال ضمن مجموع بعنوان (تفاني الرجال في جلائل الأعمال: الأستاذ العيد مسعود سبعة وعشرون عاماً في خدمة الجامعة)، مجموعة بحوث ومقالات في نشرية خاصَّة لمعهد العلوم الاجتماعية جامعة قسنطينة، جوان 1993.
285 - ابراهيم بحاز: ثورات الخوارج بالمغرب الإسلامي ابتداء من سنة 122هـ/739 - 740م في المصادر العربية قديما ودراسات المدرسة الغربية حديثا. مجلّة الدراسات التاريخية لمعهد التاريخ بالجزائر. ع. 5 1408هـ/1988م.
286 - ابراهيم بحاز: ثورات الخوارج بالمغرب الإسلامي ابتداء من سنة 122هـ/739 - 740م في المصادر العربية قديما ودراسات المدرسة الغربية حديثا. مجلَّة العلوم الإنسانية في جامعة قسنطينة. ع. 1. دار نوميديا للنشر والإشهار، جوان 1990م/1410هـ.
287 - إبراهيم فخار (الدكتور): دور الرستميين في وحدة مغرب الشعوب، مجلَّة الأصالة ع. 42 - 43 مطبعة البعث قسنطينة 1397هـ/1977م. ص41.
288 - إحسان عبَّاس: المجتمع التاهرتي في عهد الرُّسْتُمِيِّين، مقال بمجلة الأصالة، ع. 45 مطبعة البعث0قسنطينة 0الجزائر 1395/ 01975
289 - بدري محمَّد فهد: تراث المسلمين القضائي، مجلة المورد المجلَّة العراقية. ع. 1، مج. 8. دار الجاحظ. وزارة الثقافة والفنون، بغداد، العراق. 1399/ 1979.
290 - حسين مؤنس (الدكتور): التنظيم الإداري والمالي لإفريقية والمغرب خلال (2/724)
صفحة 732
عصر الولاَّة. مجلَّة كلية الآداب والتربية، ع. 1 يونيو 1972م، الكويت.
291 - سعد زغلول عبد الحميد: هامش على مصادر تاريخ الإباضيَّة في المغرب دراسة لكتاب السير. في أشغال المؤتمر الأوَّل لتاريخ المغرب العربي وحضارته، ج1 الجامعة التونسية، 1979.
292 - شريفي بلحاج: التفسير ومناهجه عند علماء الإباضيَّة محاضرة ألقيت في ملتقى الفكر الإسلامي، الجزائر العاصمة، أوت 1981 (مطبوعة).
293 - عبد الحميد حسانين حسن علي (الدكتور): اللباس في صدر الإِسلاَم مقال في مجلَّة الفيصل ع213، 214. ربيع الأوَّل والثاني 1415هـ سبتمبر نوفمبر 1994 دار الفيصل الثقافية المملكة السعودية.
294 - عبد العزيز فلالي: حول الفتح العربيِّ الإسلاميِّ لمدينة قسنطينة، فصل من الكرَّاسات التونسيَّة، مجلَّد 36، ع. 137 - 138، 1986، منشورات الجامعة التونسيَّة، كُلِّيَّة الآداب والعلوم الإِنسَانِيَّة.
295 - عبد العزيز فيلالي: دولة برغواطة. في مجلة سيرتا ع2.قسنطينة / الجزائر.
296 - عبد المنعم البهي (الدكتور): التشريع الجنائي الإسلامي، مجلَّة العربي، إصدار وزارة الإرشاد والأنباء الكويتية ع 93. أغسطس 1966.
297 - علي أحمد (الدكتور): مجلَّة: دراسات تاريخية. تصدر عن لجنة كتابة تاريخ العرب، جامعة دمشق، ع. 53 - 54، السنة 16. كانون الأوَّل 1995.
298 - فرحات الجعبيري: علاقة عمان بشمال إفريقيا، محاضرة مرقونة (نسخة بحوزتي)، ألقيت في ندوة بعمان، 1994م.
299 - فرحات الدشراوي: كيف صار القاضي النعمان فقيه الدولة الفاطمية بالمغرب، مقال في ملتقى القاضي النعمان للدراسات الفاطمية، الدورة الثانية، منشورات الحياة الثقافية لوزارة الشؤون الثقافية، تونس، 1977م. (2/725)
صفحة 733
300 - فريد بن سليمان (الدكتور): القضاء والقضاة بإفريقية في عهد الولاّة (80 - 184هـ/699 - 800م)، مجلَّة: المؤرِّخ العربي. تصدر عن الأمانة العامة لاتحاد المؤرِّخين العرب، بغداد، ع. 52، 1416هـ/1995م.
301 - محمد بن تاويت الطنجي: دولة الرستميين أصحاب تاهرت صحيفة معهد الدراسات الاسلامية في مدريد0م5 - عدد1 - 2 مدريد 1975.
302 - محمَّد حسن: حول إحدى القبائل البربرية نفوسة، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانسية، الرباط، عدد 10، 1984م.
303 - محمَّد الطالبي: الأوضاع التي مهَّدت لقيام دولة الفاطمين في إفريقية. مقال في كتاب ملتقى القاضي النعمان للدراسات الفاطمية. الدورة الثانية، المهدية، وزارة الشؤون الثقافية، تونس. 1981م.
304 - محمَّد المنوني: المصادر العربيَّة لتاريخ المغرب. مقال بمجلة كُلِّيَّة الأداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمَّد الخامس، الرباط. ع. 7. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء. 1980.
305 - محمود إسماعيل (الدكتور): ملاحظات حول تاريخ الأدارسة مقال بمجلَّة الحياة الثقافيَّة. السنة الرابعة، عدد 5، 1399هـ/1979م.
306 - ناصر المرشد البريك: الإباضية في الفكر السياسي وأثرها في قيام الدول، مقال في مجلة الاجتهاد، عدد 13، السنة الرابعة، من ص103 إلى ص148. دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر، بيروت، 1991م.
307 - وداد القاضي: ابن الصغير مُؤَرِّخ الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة، مقال بمجلَّة الأصالة ع. 45، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1395هـ/1975م.
308 - اليماني محَمَّد بن محَمَّد: سيرة الحاجب جعفر، نشر إيفانوف، بمجلَّة كُلِّيَّة الآداب، جامعة فؤاد الأَوَّل، القاهرة، 1936م، المجَلَّد 4، 2/ 120. (2/726)
صفحة 734
المراجع والدراسات غير العربية
309 - Brahim Fekhar: Les communqutes Ibadhites en Afrique du nord Lybie-Tunisie-Algerie, depuis les Fatimides, These d etat, Sorbon, Paris, 1971.
310 - Charl Diehl: L(Afrique Byzantine, Histoire de la domination Byzantine en Afrique 533 - 709; T.3 Ernest Leroux editeur; Paris; 1896.
311 - Cheikh Bekri: Le kharijisme Berbère, quelques aspects du royaum Rustumide, in Annales de l'institut d'études orientalles, (A.I.E.O), Université d'Alger, T. XV, Alger, 1957
312 - Despois Jean: Le Djabel Nefoussa (Tripolitene) etude geographique, ed. larose. Paris, 1935.
313 - Djait H: la wilaya d' Ifriqiya au II / VIII S; in studia islamica, No XXVIII; 1968
314 - Emile Tyan: Histoire de l'organisation judiciaire au pays d'Islam, ed. Leiden. E-J- Brill. 2ieme ed. 1960
315 - Encyclopedie de L Islam, T4, matiere "Kadi", Nouvelle ed. Leiden, Paris 1978.
316 - Faroughy. A.: A persian Dynasti in north Africa the rustamids (776 - 909.c) in the islamic review Arpil 1952 England.
317 - Gaudefroy Demombine: Les institutions musulmanes, Flammarion, Paris, 1953
318 - Gaudefroy Demombine: Notes sur L'histoire de l'organisation Judiciaire en pays d'Islam. in Revue des etudes Islamiques. cahier II. librairie orientale Paris 1939.
319 - Gautier E.F: le passé de l'Afrique du Nord (les Siecles obscures), ed. Payot. Paris 1937
320 - Gerard Dengel: l'Imamat Ibadhite de Tahert (761 (2/727)
صفحة 735
-909) , These de doctorat 3ieme. cycle. Strasbourg. Université des sciences Humaines. 1977
321 - Hady Roger Idriss: introduction au manaqib d'Abû Ishâq AL- Jabanyâni. presse universitaire de France puf paris 1959
322 - Jacques Berques: Cadis de Kairouan d'aprés un manuscrit tunisien. in Revue de L'occident Musulman et de La Mediterranee. No 13 - 14 1er semestre 1973. imp. Louis Jean Typo-
323 - Masquray Emile: Traduction de la chronique d'Abou Zakaria. imp. de l'association ouvriere. Alger. 1878
324 - Radhi Daghfous: Le Yaman Islamique des origines jusqu( a l(avenement des dynasties autonomes (1er- 3ieme s/7 - 9s.) pub. de la faculte des sciences humaines et sociales. universite de tunis 1. 1995.
325 - Schacht T: An introduction to islamic law, Oxford - clarendon press, 1964. traduction francaise, pub. sous le titre: Introduction au droit musulman. Paris. maison-neuve et larose, 1983.
326 - Slousch N.: Empire des Berghouata et les origines des blad - es- siba, in revue du monde musulman, T II, Paris 1910
327 - Talbi. Med: Etudes d(Histoire Ifriquienne et de civilisation musulmane medievale. publications de L(universite de Tunis. faculte des lettres et sciences humaines. 4ieme serie histoire. Volume XXVI 1982
328 - Tyan Emille: Kadi, in encyclopedie de L'Islam; nouvelle ed. Leiden-Paris, 1978, T. IV. matiere Kadi.
329 - Vonderheyden.M : la berberie orientale sous la dynastie des Banou L'-Arlab. 800 - 909, Librairie orientale. Paris. 1927. (2/728)
صفحة 736
محتويات الكتاب
الإهداء 05
الرموز المستعملة في الدراسة 07
تقديم 09
مقدمة الطبعة الثانية 13
مقدمة الطبعة الأولى 15
المصادر والمراجع عرض وتحليل 29
المدخل: المغرب قبل الفتح الإسلامي محاولة لفهم أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية 89
الباب الأول
القضاء في المغرب الإسلامي (النشأة والاستمرار)
تمهيد 109
الفصل الأول: القضاء في عهد الولاة (96 - 184هـ/ 715 - 800م) 110
المبحث الأول: الأسس الأولى للقضاء في المغرب الإسلامي 110
أ- القضاء في عهد الفتوح 110
ب- القضاء في عصر الولاة 114
المبحث الثاني: أشهر القضايا في عصر الولاة 118
المبحث الثالث: تقويم القضاء في عصر الولاة 122 (2/729)
صفحة 737
الفصل الثاني: القضاء عند المدراريين والأدارسة
(المغرب الأقصى) (140 - 296هـ/ 757 - 909م) 133
المبحث الأول: القضاء عند المدراريين 135
المبحث الثاني: القضاء عند الأدارسة 139
المبحث الثالث: تقويم القضاء في المغرب الأقصى 149
الفصل الثالث: القضاء عند الرستميين (160 - 296هـ/ 777 - 909م) 155
المبحث الأول: نشأة القضاء عند الرستميين 157
المبحث الثاني: استمرار القضاء في الدولة الرستمية 163
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الرستمي 173
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الرستمية 178
الفصل الرابع: القضاء عند الأغالبة (184 - 296هـ/ 800 - 909م) 189
المبحث الأول: بداية القضاء عند الأغالبة 191
المبحث الثاني: تطور القضاء في الدولة الأغلبية 194
المبحث الثالث: أشهر القضايا في القضاء الأغلبي 207
المبحث الرابع: تقويم القضاء في الدولة الأغلبية 219
خلاصة الباب الأول 228
الباب الثاني
الجهاز الإداري للقضاء في المغرب الإسلامي
تمهيد 235 (2/730)
صفحة 738
الفصل الأول: شخصية القاضي وهيبته 236
المبحث الأول: علم القضاة وأعمارهم 236
أ- علم القضاة 236
ب- عمر القضاة 245
المبحث الثاني: لباس القضاة ومركوبهم وهيبتهم 247
أ- لباس القضاة 247
ب- مركوب القضاة 254
ج- هيبة القضاة 257
المبحث الثالث: المستوى المعيشي للقضاة (رزق القاضي وراتبه) 262
المبحث الرابع: الأصول الاجتماعية والقبلية للقضاة 270
أ- الأصول الاجتماعية 270
ب- الأصول القبلية 277
الفصل الثاني: التنظيم القضائي 293
المبحث الأول: قاضي العاصمة 295
المبحث الثاني: قاضي الإقليم 298
المبحث الثالث: استقلالية القضاء 304
المبحث الرابع: التعيين والعزل (الأسباب والدواعي) 317
أ- التعيين 317
ب- العزل وملابساته (إنهاء المهام) 331
الفصل الثالث: مجلس القضاء، توابع القاضي وأدواته 341
المبحث الأول: دور (مكان) القضاء 343 (2/731)
صفحة 739
أ- المساجد والجوامع 343
ب- دار القضاء 348
ج- أماكن أخرى 352
المبحث الثاني: مجلس القاضي (مساعدو القاضي) 353
أ- كاتب القاضي وحاجبه 353
1 - كاتب القاضي 353
2 - حاجب القاضي 358
ب- الفقهاء المستشارون والشهود 360
1 - الفقهاء والمستشارون 360
2 - الشهود 363
ج- الأعوان الآخرون 369
1 - الأمناء 369
2 - الترجمان 372
3 - الخدم 372
المبحث الثالث: توابع القضاء 374
أ- خطة المظالم نشأتها وعلاقتها بالقضاء 374
ب- الحسبة وعلاقتها بالقضاء 388
ج- الشرطة وعلاقتها بالقضاء 397
المبحث الرابع: أدوات القاضي 402
أ- السجلات والكتب والديوان 402
ب- القِمَطْر والخاتم أو الطابع 404
1 - القِمَطْر 404
2 - الخاتم أو الطابع 406 (2/732)
صفحة 740
ج- الدرة وجلد الجلوس أو الحصير 408
1 - الدرة 408
2 - جلد الجلوس أو الحصير 410
د- أدوات أخرى 411
خلاصة الباب الثاني 413
الباب الثالث
خصائص القضاء في المغرب الإسلامي ومظاهره
تمهيد 421
الفصل الأول: الملل والنحل والأجناس في المغرب وآثارها في القضاء 423
المبحث الأول: التشريع القضائي ببلاد المغرب
(دراسة مقارنة بين المذاهب الحاكمة ببلاد المغرب) 423
المبحث الثاني: المذهبية والصراع المذهبي في القضاء 444
المبحث الثالث: العبيد وأهل الذمة في المغرب قضاؤهم وتقاضيهم 481
أ- العبيد 481
ب- أهل الذمة 484
المبحث الرابع: المرأة والقضاء في المغرب الإسلامي 492
الفصل الثاني: القضاء وأثره في مختلف مناحي الحياة بالمغرب 509
المبحث الأول: أثر القضاء في الحياة السياسية 510
المبحث الثاني: أثر القضاء في الشؤون العسكرية والحربية 518 (2/733)
صفحة 741
المبحث الثالث: أثر القضاء في الحياة الثقافية 532
الفصل الثالث: العدل والجور في القضاء بالمغرب الإسلامي وأثرهما 557
المبحث الأول: الحدود والعقوبات في القضاء بالمغرب 559
أ- الحدود 559
ب- العقوبات 565
المبحث الثاني: مظاهر العدل والجور في القضاء بالمغرب 577
أ- مظاهر العدل 577
ب- مظاهر الجور 587
المبحث الثالث: التقويم العام للقضاء في المغرب، آثاره ونتائجه 605
المبحث الرابع: بعض نوادر القضاة وملحهم 637
الخاتمة 647
الملاحق 653
الملحق رقم 1: ما يقوله القاضي عند إصداره الحكم 655
الملحق رقم 2: جدول بأسماء القضاة بإفريقية في عصر الولاة 656
الملحق رقم 3: جدول بأسماء القضاة في المغرب الأقصى 661
الملحق رقم 4: جدول بأسماء القضاة بتيهرت عاصمة الرستميين 664
الملحق رقم 5: جدول القضاة بالقيروان عهد الأغالبة 667
الملحق رقم 6: جدول بأسماء قضاة الرستميين بالأقاليم 673
الملحق رقم 7: جدول بأسماء قضاة الأغالبة في الأقاليم 677
الملحق رقم 8: جدول بأسماء "أصحاب المظالم" بالقيروان عهد الأغالبة 683 (2/734)
صفحة 742
قائمة المصادر والمراجع 687
المخطوطات 689
المصادر 691
المراجع 709
الرسائل الجامعية 721
المقالات والمطبوعات 724
المراجع والدراسات غير العربية 727
المحتويات 729
تم بحمد الله (2/735)
صفحة 743
[صفحة بيضاء] (2/736)